
كنز الفوائد
الجزء الأول
تأليف
الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
11
مؤلف الكتاب
هو أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان المعروف بالكراجكيّ، نسبة إمّا إلى (كراجك) و هي قرية تقع على باب مدينة (واسط) العراقية التي بناها الحجاج الثقفي والي الأمويين سنة 83/ 84 ه (1)، و كان بينها و بين كل من البصرة و الكوفة و الأهواز و بغداد مقدار واحد، و هو خمسون فرسخا. (2)
و هذا ما قاله كثير من مترجميه.
و إمّا نسبة إلى عمل الكراجك و هي الخيم كما في لسان الميزان. (3)
و قد وصفه غير واحد بالخيمي نسبة إلى (الخيم) قرية أو محلة في مصر، كان أبو الفتح قد نزلها.
و الأرجح أن نسبته بالكراجكيّ إنّما هي إلى عمل الخيم، التي هي الكراجك كما قاله في لسان الميزان، إما لأنّه هو كان يعملها أو أن الذي يعملها أحد آبائه فنسب إليها. بدليل ما قاله العماد الحنبلي: «و فيها توفي أبو الفتح الكراجكيّ أي الخيمي» الذي يفسر الكراجكيّ بالخيمي.
كما ينسب الكراجكيّ إلى طرابلس الشام، فيوصف بالطرابلسي، لإقامته فيها مدة طويلة أيّام حكامها بني عمار، و قد عده المجلسي في كتاب البحار في فقهاء طرابلس، كما يفهم من عبارته التالية:
«و من أجلاء علمائنا و فقهائنا و رؤسائهم فقهاء حلب، و هم جمع كثير، و منهم
____________
(1 و 2) انظر: التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 311.
(3) ج 5 ص 300
8
كما حفلت هذه الفترة أيضا بضروب عديدة من المذاهب و النحل، و بانقسام كبير في الآراء و النزعات، في مجادلات و مناظرات عنيفة و حادة، بصراحة و حرية، حفظتها لنا تلك المؤلّفات التي وضعت في هذه الفترة، و التي تبرز لنا تلك الألوان المذهبية بوضوح و عنف، حول القدم و الحدوث، و حول الخالق و صفاته، و حول أفعال الإنسان في الجبر و الاختيار، و حول الخلافة و الإمامة و ما إليها من العصمة و النصّ و الاختيار، و حول ما يراه المعتزلة من نظرية الأحوال، و نظرية الأشاعرة حول نظرية الكسب، و حول ما يراه الإسماعيلية و القرامطة من الباطن و الظاهر، و حول جميع هذه المواضيع الكلامية و غيرها، التي كانت محور المناظرات العلمية و الفكرية آنذاك.
فقد برز في هذه الفترة من شيوخ الأشاعرة أمثال أبي بكر محمّد بن الطيب البصري المعروف بالقاضي الباقلاني المتوفّى سنة (403 ه).
و من المعتزلة القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني شيخ المعتزلة في عصره المتوفّى سنة (415 ه).
و أبو الحسن البصري محمّد بن عليّ بن الطيب المتوفّى سنة (430 ه).
و من الشيعة الإماميّة الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان التلعكبري المعروف بالشيخ المفيد المتوفّى سنة (413 ه) و هو عالم الشيعة في عصره.
و الشريف المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي المتوفّى سنة 436. و تلميذهما أبو الفتح الكراجكيّ المتوفّى سنة (449 ه).
و في هذه الفترة بالذات تنفس الشيعة الإماميّة الصعداء حين أخذ ينحسر عنهم الكثير من الحرمان و الكبت و الملاحقة، التي عاشوها طيلة أكثر العهود الماضية، و تنسموا شيئا من حريتهم، و استطاعوا الإعلان عن آرائهم و اتجاهاتهم، مما لم يحظوا به في عصور سابقة. ذلك حين عطف بنو بويه على الشيعة، و سيطروا على الخليفة في بغداد، الذي كان مصدر ذلك الكبت و الحرمان، و تحكموا بمقدرات الدولة و بمصيرها، و أصبح الخليفة العباسيّ دمية بين أيديهم يحركونها كيفما شاءوا
5
الجزء الأول
[مقدمة المحقق]
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، و صلواته و تحياته على أكرم رسله، سيدنا محمّد و آله المصطفين الأبرار، و صحبه الأخيار.
و بعد فأنا أمام كتاب «كنز الفوائد» الذي يعتبر- بحق- من الآثار القيمة الحية، التي تركها لنا سلفنا العلماء الخالدون، قد ضم بين دفتيه مجموعة كبيرة من أبحاث علمية، متعدّدة الألوان، مختلفة المواضيع، قد تبوأ مكانة كريمة لدى العلماء و الباحثين، و أولوه اهتمامهم و عنايتهم، فكان من المصادر التي اعتمدوها و أخذوا عنها.
و هذا الكتاب من آثار العلامة الفقيه المتكلم الشيخ أبي الفتح محمّد بن علي الكراجكيّ الطرابلسي، من ألمع العلماء الإسلاميين في القرن الخامس الهجري، و أكثرهم إحاطة بمعارف عصره، و أوفرهم إنتاجا و نشاطا في سبيل العقيدة الإسلامية، و نعرف ذلك من ثبت مؤلّفاته كما يأتي إن شاء اللّه.
و قد طبع هذا الكتاب في إيران منذ أكثر من ثمانين سنة على المطابع الحجرية و نفدت نسخه و أصبحت نادرة الوجود، رغم رداءة طباعته و كثرة أغلاطه. لذلك أصبح مجهولا لا يعرفه إلّا قليل.
و قد عنيت منذ مدة طويلة بنسخه عن النسخة المطبوعة، و بترتيبه و التعليق عليه، رغبة في نشره بين القراء، و تعميما للفائدة، و إبرازا لآثار علمائنا الأبرار و جهودهم في مجالات العلم و الثقافة الإسلامية.
6
و كان من حقّ هذا الكتاب أن يصدر بحلته الجديدة، منذ زمن، إلّا أن الظروف القاسية التي مرت بها البلاد حالت دون ذلك.
و أخيرا قيّض اللّه سبحانه الصديق البر الحاجّ جعفر الدجيلي صاحب دار الأضواء، فتولى طبعه و إخراجه، فله شكري و دعائي له بالتوفيق. و اللّه سبحانه يتولى الصالحين العاملين.
4 ربيع الأوّل سنة 1405 ه
27/ 11/ 1984 م
عبد اللّه نعمة
12
فقهاء طرابلس، و منهم الشيخ الأجل السعيد أبو الفتح الكراجكيّ نزيل الرملة البيضاء». (1)
و يعزز هذه النسبة و إقامته الطويلة في طرابلس، أنه ألف أثناء إقامته فيها عدة مؤلّفات، و منها:
1- عدة المصير في حجج يوم الغدير، ألفه في طرابلس للشيخ أبي الكتائب ابن عمار.
2- التلقين لأولاد المؤمنين.
3- التهذيب متصل بالتلقين.
4- نهج البيان في مناسك النسوان، أمره بعمله الشيخ الجليل أبو الكتائب أحمد بن محمّد بن عمّار بطرابلس.
5- معونة الفارض على استخراج سهام الفرائض، ألفه بطرابلس لبعض الإخوان.
6- ردع الحاصل و تنبيه الغافل، و هو نقض كتاب أبي المحاسن المعري الذي رد به على الشريف المرتضى في المسح على الرجلين، ألفه في طرابلس.
7- مختصر طبقات الوراث، عمل للمبتدئين بطرابلس.
كما ينسب إلى (صور) المدينة الساحلية اللبنانية، فقد وصفه الطهرانيّ في الطبقات بالصوري، إذ أقام فيها، و فيها توفي و دفن، و قد وضع فيها بعض مؤلّفاته، منها: الأصول إلى مذهب آل الرسول سنة 418 ه.
*** و قد اتفقت كلمة مؤرخيه على أنّه توفّي سنة (449 ه) (2) في الثاني من ربيع الآخر (3).
____________
(1) البحار ج 105 ص 76.
(2) انظر: شذرات الذهب للعماد الحنبلي ج 3 ص 283، و لسان الميزان للعسقلاني ج 5 ص 300 و مرآة الزمان لليافعي م 3 ص 70 و القمّيّ في الكنى و الألقاب ج 3 ص 94 و معجم رجال الحديث م 16 ص 376.
(3) انظر: لسان الميزان ج 5 ص 300.
13
أما تاريخ ولادته فقد أهملته كتب التراجم، لكن وجدنا الكراجكيّ في كتابه (كنز الفوائد) يروي عن أبي الحسن عليّ بن أحمد اللغوي المعروف بركاز (بميارقين) في سنة 399 ه.
و هذا يعني أن الكراجكيّ كان إذ ذاك في سن تمكنه من تلقي الرواية و الأخذ عن الرواة، و هذا عادة لا يكون إلّا في سن الخامسة و العشرين من عمره، على أدنى الافتراضات، و على هذا فتكون ولادته سنة 374 ه. أي أنه عاش خمسا و سبعين سنة تقريبا.
و الكراجكيّ من أئمة عصره في الفقه و الكلام و الفلسفة و الطبّ و الفلك و الرياضيات و غيرها، و قد وصفه أصحاب التراجم بما يدلّ على مكانته العلمية و شخصيته البارزة في أكثر معارف عصره. قال العماد الحنبلي في شذرات الذهب ج 3 ص 283 في حوادث سنة 499 ه.
«و فيها توفي أبو الفتح الكراجكيّ أي الخيمي رأس الشيعة و صاحب التصانيف محمّد بن علي، مات بصور في ربيع الآخر، و كان نحويا لغويا، منجما، طبيبا، متكلما متقنا، من كبار أصحاب الشريف المرتضى، و هو مؤلف كتاب «تلقين أولاد المؤمنين».
و قريب منه ما قال اليافعي في مرآة الزمان (ج 3 ص 70).
و قال العسقلاني في لسان الميزان ج 5 ص 300 «محمّد بن علي الكراجكيّ، بفتح الكاف و تخفيف الراء و كسر الجيم ثمّ الكاف، نسبة إلى عمل الخيم و هي الكراجك، بالغ ابن طي (1) في الثناء عليه في (ذكر الإماميّة)، و ذكر أن له
____________
(1) هو يحيى بن حميد بن ظافر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن محمّد بن الحسن بن صالح بن علي بن سعيد بن أبي الخير الطائي أبو الفضل البخاري الحلبيّ المعروف بابن أبي طيّ (585- 650 ه) انظر: طبقات الشيعة القرن السابع ص 205. و له ترجمة في لسان الميزان ج 6 ص 263- 264 و قال: أنه ولد بحلب سنة 575 و له تصانيف عدة منها (معادن الذهب في تاريخ حلب) و (شرح نهج البلاغة) في ست مجلدات و (فضائل الأئمة) و (خلاصة الخلاص في آداب الخواص) في عشر مجلدات و (الحادي في رجال الإماميّة) و (سلك النظام في أخبار الشام)، أخذ الفقه عن ابن شهرآشوب و كان بارعا في الفقه على مذهب الإماميّة، و له مشاركة في الأصول و القراءات.
7
بسم اللّه الرحمن الرحيم و له الحمد
مقدّمة
عاش أبو الفتح محمّد بن عليّ بن عثمان الكراجكيّ مؤلف هذا الكتاب «كنز الفوائد» الشطر الكبير من حياته ما بين النصف الأخير من القرن الرابع و النصف الأول من القرن الخامس للهجرة.
و كانت هذه الفترة التي عاشها الكراجكيّ بالذات حافلة إلى حدّ كبير بضروب من الانقسامات السياسية الهائلة، و بقيام دول صغيرة، منيت بها المملكة الإسلامية (الأم)، و انفصلت عنها.
فقد استقل بنو بويه بفارس و الري و أصبهان و الجبل.
و أصبحت كرمان في يد محمّد بن الياس، و الموصل و ديار بكر و ربيعة و مضر في أيدي الحمدانيين، و المغرب و أفريقيا في أيدي الفاطميين، و الأندلس في أيدي الأمويين، و خراسان في يد السامانيين، و الأهواز و واسط و البصرة في أيدي البريديين، و اليمامة و البحرين في يد أبي طاهر القرمطي، و جرجان و طبرستان في أيدي الديلم.
و لم يبق في يد العباسيين سوى بغداد و أعمالها، محتفظين بسيادة معنوية على هذه الدويلات المنفصلة عنها، التي كانت تقدم للخليفة العباسيّ في بغداد الدعاء و الخطب في المساجد أيّام الجمع و الأعياد و في المناسبات الدينية، و تشتري منه الألقاب (1).
____________
(1) انظر: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع لآدم متز، ج 1 ص 1 و ما بعدها.
14
تصانيف في ذلك، و ذكر أنّه أخذ عن أبي الصلاح، (1) و اجتمع بالعين زربى، و مات في ثاني ربيع الآخر سنة 449».
و قال الحرّ العامليّ في الأمل:
عالم فاضل متكلم فقيه محدث ثقة جليل القدر. ثم ذكر بعض مؤلّفاته.
و قد أطراه عدد من مترجميه، فوصفوه بالشيخ المحدث الفقيه المتكلم المتبحر الرفيع الشأن من أكابر تلامذة المرتضى و الشيخ (أي المفيد)، و الديلميّ، و الواسطي، و سلار و أبي الحسن ابن شاذان القمّيّ، و هو من أجلة العلماء و الفقهاء و المتكلّمين، و أسند إليه جميع الإجازات (2). و يعبّر عنه الشهيد الأول العاملي كثيرا، في كتبه بالعلامة، مع تعبيره عن العلّامة الحلّي بالفاضل (3).
و قد وصفه ابن شهرآشوب في كتاب معالم العلماء ص 788 بالقاضي، و تابعه على ذلك السيّد الكبير مهدي الطباطبائى في رجاله فقال: أبو الفتح القاضي شيخ فقيه متكلم من تلامذة الشيخ المفيد.
و ربما جاءت كنيته بأبي القاسم، و إنّه من ديار مصر و يحتمل أنّه من ديار الشام. و يؤيد هذا الاحتمال الأخير ما ذكره صاحب لسان الميزان من أن الكراجكيّ نسبة إلى عمل الكراجك و هي الخيم، و على هذا فهو ليس مصريا كما احتمله بعضهم من أنّه نسبة إلى الخيم قرية في مصر، كما أنّه ليس لدينا ما
____________
(1) هو تقيّ الدين بن النجم الحلبيّ من تلاميذ الشريف المرتضى، له عدة مؤلّفات، منها. (تقريب المعارف) و (البداية)، و (البرهان على ثبوت الإيمان) و (الكافي في الفقه). وصفه الشهيد الثاني، بالشيخ الفقيه السعيد خليفة المرتضى في البلاد الحلبية.
انظر: (الكنى و الألقاب ج 1 ص 97). و في لسان الميزان ج 2 ص 71: تقي بن عمر بن عبيد اللّه ابن محمّد الحلبيّ أبو الصلاح، مشهور بكنيته من علماء الإماميّة ولد سنة 374 و مات بحلب سنة 447، أخذ عن أبي جعفر الطوي و غيره، و رحل إلى العراق فحمل عن الشريف المرتضى.
(2) يراجع في ذلك بحار الأنوار ج 102 ص 263 هامش للمعلق، و الكنى و الألقاب ج 3 ص 94.
و انظر: معجم رجال الحديث ج 16 ص 376 و مقدّمة الطبعة القديمة لكنز الفوائد.
(3) انظر الكنى و الألقاب ج 3 ص 94.
9
و في هذه الفترة بالذات أيضا، استطاع الشيخ المفيد و تلميذه الشريف المرتضى و تلامذتهما، أن ينشطوا للقيام بواجبهم الديني و العلمي دون خوف أو تقية، و أن يتغلغلوا في دفع الفكرة الشيعية إلى المناطق التي كانت موصدة أمامهم من قبل، كإيران و أكثر جهات العراق و سوريا، و أن يبرزوا التشيع في حقيقته النقية الصافية الممدودة بالمنطق و الأدلة العلمية، و قد أخذوا على عاتقهم مهمة الدعوة الإسلامية، و صد هجمات الملاحدة من القرامطة و الغلاة و غيرهما.
و كان أبو الفتح الكراجكيّ من أبرز من تحملوا المسئولية في هذا السبيل.
و كان الدور الذي قام بأعبائه مهما و خطيرا. فقد قدّر له أن يعيش في هذا الثغر الشاميّ و في الساحل اللبناني، ليقوم بترسيخ العقيدة الإسلامية، و الحد من النزعة الإسماعيلية، يوم كانت فلسطين و لبنان واقعة تحت نفوذ الدولة الفاطمية، و حين كانت الفكرة الإسماعيلية الفاطمية تعيش في أكثر بقاعها.
و قد اختار الكراجكيّ مدينة طرابلس اللبنانية قاعدة لانطلاقه و عمله، حين كان أمراء بني عمّار الشيعة يتولون حكمها، و يسيطرون عليها.
و من هذه القاعدة- طرابلس- انطلق الشيخ الكراجكيّ يناظر و يجادل و يعلم، بكل ما يملك من طاقة علمية و فكرية، و صمد في وجه الموجة الإسماعيلية العارمة، و استطاع أن يحد من نشاطها، حتى انحسرت عن أكثر هذه المنطقة، و حلت مكانها الفكرة الشيعية الإماميّة، و أصبحت مذهب الأكثرية لسكان المناطق الساحلية في ذلك العهد.
و شمل في نشاطه مقاومة سائر المخالفين، كالمعتزلة و الأشاعرة، و أهل الديانات الأخرى، كاليهود و النصارى و البراهمة و سواهم، كما يبدو ذلك من كتبه و الفصول التي أدرجها في كتابه (كنز الفوائد).
كل ذلك بفضل جهوده المتواصلة، و بما كان يملكه من شدة المعارضة و روح الجدل، و وفور: العلم، و عمق الملاحظة، و تنوع الثقافة، و قوة الحجة، و بما كان يتمتع به من وعي و إدراك، و من حيوية و حركة و صبر و عمل دائب.
15
يدل على أنّه عراقي نسبة إلى كراجك و هي قرية على باب واسط كما تقدم، بل المحتمل قريبا أنّه من بلاد الشام.
و قد وصف المؤلّف كما سبق بالقاضي، و لا نعرف البلد الذي كان فيه قاضيا، و لا الجهة التي أسندت إليه هذا المنصب، و إن كان المظنون أن أمراء بني عمّار حكام طرابلس هم الذين أسندوا إليه القضاء و في مدينة طرابلس الشام بالذات.
و كان المؤلّف الكراجكيّ جيّاشا بكل فن، يطلب المعرفة أينما كانت، و في حركة دائبة بدون ملل، يفيد و يستفيد، فقد كان صاحب رسالة إسلامية و علمية، يغيثها و يدعو إليها، و يتجول في سبيلها في كثير من العواصم الإسلامية، و بخاصّة الشامية منها، و يجول فيها عرضا و طولا، إشباعا لرغبته في نشر رسالته، فلم يقر له قرار، فكان في مصر سنة 407 و 426، و في الرملة من فلسطين سنة 410 و 412 (1) و 416، و في مكّة المكرمة سنة 412، و في بلبيس سنة 418، و في ميافارقين سنة 399.
كما كان يتجول بين دمشق و بغداد، و حلب و طبرية، و بين صيدا، و صور و طرابلس، و يقيم في كل منها مدة طويلة، يؤلف فيها و يصنف، كما يظهر من ثبت مؤلّفاته، و من لقاءاته مع أهل العلم، مما ذكره في كتابه (الكنز).
و حيث يستقر في بلد يعكف على التأليف في مواضيع الساعة آنذاك. و من هنا وجدنا شطرا من مؤلّفاته وضعها بالقاهرة، و بعضها في الرملة، و آخر في دمشق و طبرية و صيداء و صور و طرابلس و غيرها.
كما كان يؤلف لبعض شخصيات عصره من أمراء و قوّاد و علماء و قضاة، و ثبت مؤلّفاته يشير إلى هذا.
و كان على إلمام تام بمعارف عصره، كما يظهر ذلك من مؤلّفاته المتعدّدة المواضيع، و ذا ثقافة واسعة.
____________
(1) يقول الكراجكيّ ص 247 من طبعة الكنز القديمة: و رأيت بالرملة في جمادى الآخرة من سنة 412 شريفا من أهل السند يعرف بأبي القاسم عيسى بن علي العمري من ولد عمر بن أمير المؤمنين (ع).
16
فقد كتب في الفقه و الأصول، و الحساب، و الرياضيات و الفلك، و الأدب و الحديث، و الفلسفة و الكلام، و النحو، و الأخلاق و التاريخ و الرجال، و التفسير، و غير ذلك ممّا تشير إليه عناوين كتبه التي وضعها.
و من هنا نجد مترجميه يصفونه بأنّه نحوي لغوي منجم طبيب متكلم، محدث فقيه متفنن على ما سبق.
«شيوخ المؤلّف و أساتذته»
أخذ أبو الفتح الكراجكيّ العلم عن جماعة كثيرة من أعلام عصره، كما أخذ الحديث من عدد كبير من الرواة و العلماء من شيعة و سنة، و روى عن أكثرهم في كتابه (الكنز).
و منهم:
1- الشيخ المفيد أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي العكبري البغداديّ المعروف بابن المعلم (338/ 336- 413 ه).
2- الشريف المرتضى عليّ بن أبي أحمد الحسيني بن موسى الموسوي المعروف بذي المجدين و بعلم الهدى، و المكنى بأبي القاسم 357- 436
3- أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز الديلميّ الطبرستاني المعروف بسالار و معناه الرئيس أو المقدم من تلاميذ المفيد و المرتضى، توفّي سنة 448 ه و قيل سنة 463 ه.
4- أبو عبد اللّه الحسين بن عبد اللّه بن علي المعروف بابن الواسطي المعاصر للشريف المرتضى.
5- أبو المرجا (أبو الرجاء) محمّد بن عليّ بن طالب البلدي و هو ممن روى عنه بالقاهرة.
6- الشريف أبو عبد اللّه محمّد بن عبيد اللّه بن الحسين بن طاهر الحسيني.
7- القاضي أبو الحسن محمّد بن عليّ بن محمّد بن صخر الأزدي البصري، روى عنه بمصر سنة 426 ه قراءة عليه.
8- أبو محمّد عبد اللّه بن عثمان بن حماس، روى عنه بمدينة الرملة.
9- أبو القاسم هبة اللّه بن إبراهيم بن عمر الصواف، روى عنه بمصر.
17
10- القاضي أبو الحسن أسد بن إبراهيم بن كليب السلمى الحرّانيّ نزيل بغداد، روى عنه في مدينة الرملة سنة 410 ه، و قد أكثر الراوية عنه في كنز الفوائد، و قال ابن عساكر عنه: كان من أشدّ الشيعة و كان متكلما. مات بعد الأربعمائة. (1)
11- أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عليّ بن الحسن بن شاذان القمّيّ، روى عنه الكراجكيّ بمكّة المكرمة سنة 412 ه (2) و أورد في الكنز كثيرا من رواياته عنه، و هو ابن أخت أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّيّ الشهير المتوفّى سنة 367/ 368 ه.
12- الحسين بن محمّد بن علي الصيرفي البغداديّ، قال الكراجكيّ عنه:
و كان مشتهرا بالعناد لآل محمّد و المخالفة لهم. و سمعت من هذا الراوي المخالف عدة فضائل لآل محمد (ص) سخّره اللّه لنقلها فرواها راغما حجة عليه بها. (3)
13- الشريف أبو منصور أحمد بن حمزة الحسيني العريضي، روى عنه في الرملة.
14- أبو العباس أحمد بن إسماعيل بن عنان، روى عنه بحلب. (4)
15- أبو الحسن عليّ بن أحمد اللغوي المعروف بابن ركاز، روى عنه في ميافارقين سنة 399.
16- القاضي أبو الحسن عليّ بن محمّد السباط البغداديّ.
17- أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني، روى عنه بمصر سنة 407 ه.
18- أبو سعيد أحمد بن محمّد بن أحمد الماليني الهروي، روى عنه في الرملة سنة 410 ه في شوال.
____________
(1) انظر: لسان الميزان ج 1 ص 382.
(2) ورد في الكنى و الألقاب ج 1 ص 318 تاريخ قراءة الكراجكيّ سنة 312 و هو اشتباه دون ريب.
(3) انظر كنز الفوائد ص 154 من الطبعة القديمة.
(4) أبو العباس هذا يروي عن أبي المفضل محمّد بن عبد اللّه الشيباني شيخ عدة من مشايخ الطوسيّ (الطبقات ج 2 ص 73).
18
19- أبو العباس أحمد بن نوح بن محمّد الحنبلي الشافعي، روى عنه بالرملة سنة 411 ه حديثا عن المعمر الشرقي.
20- أبو الحسن عليّ بن الحسن بن مندة، روى عنه الكراجكيّ حديث الطائر المشوي في طرابلس سنة 436 ه، و أورد هذا الحديث في كتابه (تفضيل علي على غيره).
21- أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ، شيخ الطائفة و صاحب كتابي التهذيب و الاستبصار (385- 460 ه) ذكره كما حكي عن منتجب الدين صاحب الفهرست في مشايخ الكراجكيّ.
و من الملاحظ أن الكراجكيّ لم يرو حديثا واحدا عنه في كتابه (كنز الفوائد). و من هنا شك بعضهم في صحة ذلك.
«تلاميذ المؤلّف»
عرفنا من تلاميذه الذين أخذوا عنه جماعة و هم:
1- الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين الخزاعيّ المعروف بالمفيد النيسابوريّ، و هو من شيوخ العلماء، صاحب التصانيف، و عم والد الشيخ أبي الفتوح الرازيّ جعفر بن عليّ بن محمّد بن أحمد. (1)
2- أبو محمّد ريحان بن عبد اللّه الحبشي. (2)
3- السيّد أبو الفضل ظفر بن الداعي بن مهدي العلوي المصري العمري الأسترآبادي، كان فقيها صالحا، يروي عن عبد اللّه بن عمر الطرابلسي.
____________
(1) هو تلميذ الرضي و المرتضى و الطوسيّ و سالار و ابن البرّاج و الكراجكيّ (الذريعة ج 2 ص 311).
(2) في لسان الميزان ج 2 ص 469: ريحان الحبشي أبو محمّد السبيعي الإمامي المصري، تفقه على علي ابن عبد اللّه بن كامل، روى عنه شاذان بن جبريل، قال: ابن أبي طيّ قال لي أبي: كان الفقيه ريحان من أحفظ الناس، و قيل كان يصوم كثيرا و لا يأكل إلّا من طعام يعلم أصله، و كان ابن رزيك (أي الوزير الفاطمي) يعظمه و يحترمه، كان بعد الخمسين و خمسمائة.
19
4- عبد العزيز بن أبي كامل القاضي عزّ الدين الطرابلسي.
5- الفقيه أبو عبد اللّه الحسين بن هبة اللّه الطرابلسي (1)، روى عن الكراجكيّ كتاب معدن الجواهر، و كتاب روضة العابدين الذين ألفه الكراجكيّ لولده موسى ..
6- الشيخ شمس الدين أبو محمّد الحسن الملقب بحسكا الرازيّ ابن الحسين بن الحسن بن الحسين بن عليّ بن بابويه القمّيّ من تلاميذ الطوسيّ و سالار الديلميّ و ابن البرّاج، و حسكا مخفف (حسنكيا) و معنى كيا الرئيس و نحوه من كلمات التعظيم، و هو فقيه عصره، روى عن الكراجكيّ، و هو جد منتجب الدين ابن بابويه صاحب الفهرست (2)
«مؤلّفاته»
و قد وضع الكراجكيّ عددا ضخما من مؤلّفاته في مواضيع مختلفة، كما أشرنا من قبل.
و قد ذكرها العلامة النوريّ في كتابه (المستدرك) ص 497- 499.
و فيما يلي شطر من هذه المؤلّفات.
1- روضة العابدين و نزهة الزاهدين، ثلاثة أجزاء في الصلاة، ألفه لولده موسى. ينقل عنه الشيخ شمس الدين محمّد و أخوه تقيّ إبراهيم الكفعمي، (3) و يرويه عنه الحسين بن هبة اللّه الطرابلسي. (4).
2- الرسالة الناصرية في عمل ليلة الجمعة و يومها، عملها للأمير ناصر الدولة بدمشق.
3- التلقين لأولاد المؤمنين، ألفه بطرابلس.
____________
(1) في الذريعة ج 19/ ص 156 ذكر له كتاب (الفرج في الغيبة) و ورد اسمه هكذا أبو عبد اللّه محمّد ابن هبة اللّه بن جعفر الوراق الطرابلسي تلميذ الطوسيّ.
(2) انظر: البحار ج 102 ص 244 و ص 264 هامش و انظر: الكنى و الألقاب ج 3 ص 181- 182
(3) انظر: طبقات الشيعة ج 5 ص 179
(4) المصدر ص 69.
20
4- التهذيب متصل بالتلقين، ألفه بطرابلس.
5- معونة الفارض على استخراج سهام الفرائض، ألفه بطرابلس لبعض الإخوان.
6- المنهاج إلى معرفة مناسك الحاجّ، ألفه للأمير صارم الدولة ذي الرئاستين.
7- المقنع للحج و الزائر، سأله لتأليفه القائد أبو البقاء غرز بن براك.
8- المنسك العضبي أمره بعمله صارم الدولة بطبرية.
9- منسك لطيف في مناسك النسوات أمره بعمله صارم الدولة.
10- نهج البيان في مناسك النسوات أمره بعمله الشيخ الجليل أبو الكتائب أحمد بن محمّد بن عمّار بطرابلس.
11- الاستطراف فيما ورد في الفقه من الإنصاف، صنفه للقاضي أبي الفتح عبد الحاكم.
12- مختصر دعائم الإسلام للقاضي النعمان، قاضي الفاطميين.
13- الاختيار من الأخبار، و هو اختصار كتاب الأخبار للقاضي النعمان.
14- ردع الجاهل و تنبيه الغافل، و هو نقض كلام أبي المحاسن المعري الذي نقض به على الشريف المرتضى في المسح على الرجلين، عمله بطرابلس.
15- البستان في الفقه، صنفه للقاضي أبي طالب عبد اللّه بن محمّد بن عمار. (1)
16- الكافي بصحة القول برؤية الهلال، عمله بمصر.
17- نقض رسالة فردان المروزي في الجزء.
18- غاية الإنصاف في مسائل الخلاف، و هو نقض على أبي الصلاح الحلبيّ في مسائل خلافيّة بينه و بين الشريف المرتضى، نصر فيها رأي المرتضى.
19- حجة العالم في هيئة العالم، ذكر فضلا منه في كتاب كنز الفوائد.
20- كتاب ذكر الأسباب الصارفة عن معرفة الصواب.
21- دامغة النصارى، و هي نقض كلام أبي الهيثم النصراني فيما رامه من تثبيت الثالوث و الاتّحاد.
____________
(1) و يقع في نيف و ثلاثين شجرة طبقات 5 ص 109 و ربما كان هو كتابه المشجر الآتي.
21
22- الغاية في الأصول في حدوث العالم و إثبات محدثه.
23- رياضة العقول في مقدمات الأصول.
24- الراشد أو (الرائد) المنتخب من غرر الفوائد و هو كتاب الأمالي للشريف المرتضى.
25- جواب رسالة الأخوين، يتضمن الرد على الاشعرية و فساد أقوالهم و طعنهم على الشيعة.
26- عدة البصير أو (المصير) في حجج يوم الغدير (1)، عمله بطرابلس للشيخ أبي الكتائب ابن عمار.
27- التعجب في الأمانة من أغلاط العامّة، و هو مطبوع في آخر كنز الفوائد في ربيع الأوّل سنة 1322 ه و عدد صفحاته 69 صفحة.
28- الاستنصار في النصّ على الأئمّة الاطهار، و هو مطبوع مع كتاب مقتضب الأثر للعياشي أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن الحسن بن عيّاش المتوفّى سنة 401 ه، و قد طبع سنة 1346 ه في النجف في المطبعة العلوية عن نسخة كانت في مكتبة المرجع مبرزا محمّد حسن الشيرازي المتوفّى سنة 1312 و كانت كتابتها قبل سبعة قرون سابقة على طباعتها.
29- معارضة الأضداد باتفاق الأعداد.
30- المسألة القيسرانية في تزويج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عائشة و حفصة.
31- المسألة التبانية في فضل أمير المؤمنين (ع) على جميع البرية سوى سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).
32- مختصر تنزيه الأنبياء، و الأصل للشريف المرتضى.
33- الانتقام ممن عذل أمير المؤمنين (ع) و هو النقض على ابن شاذان الأشعري فيما أورده في آية النار.
34- الفاضح في ذكر معاصي المتغلبين على مقام أمير المؤمنين لم يتم.
____________
(1) قال النوريّ في المستدرك ج 3 ص 498: هذا كتاب مفيد يختص باثبات أمامة أمير المؤمنين (ع) في يوم الغدير، جزء واحد مائتا ورقة، بلغ الغاية فيه (الغدير ج 1 ص 155).
22
35- مزيل اللبس و مكمل الانس.
36- نظم الدرر في مبنى الكواكب و الصور، يتضمن ذكر أسماء الكواكب المسماة على ما نطقت به العرب و أهل الرصد.
37- إيضاح السبيل إلى علم أوقات الليل.
38- كتاب في الحساب الهندي و أبوابه و عمل الجذور و المكعبات.
39- معدن الجواهر و رياضة النواظر، في الآداب و الحكم و ممّا روي عن رسول اللّه (ص) (1).
40- رياضة الحكم، عارض فيه ابن المقفع. (2)
41- موعظة العقل، عملها لنفسه.
42- التعريف بوجوب حقّ الوالدين، عملها لولده موسى
43- إذكار الاخوان بوجوب حقّ الأيمان، أنقذها إلى الشيخ الأجل أبي الفرج البابلي. (3).
44- نصيحة الأخوان، أنقذها إلى الشيخ أبي اليقظان.
45- التحفة في الخواتيم.
46- الرسالة العلوية في تفضيل أمير المؤمنين (ع) على سائر البرية سوى الرسول (ص) عملها للشريف أبي طالب. و هو على الظاهر نفس كتاب التفضيل المذكور سابقا، و فيه يروي عن ابن مندة (4) حديث الطائر
____________
(1) رواه عنه تلميذه الفقيه أبو عبد اللّه الحسين بن هبة اللّه الطرابلسي، انظر الطبقات 5 ص 179 و ترجمه إلى الفارسية الشيخ عبّاس القمّيّ المحدث المعروف.
(2) هو عبد اللّه بن المقفع البليغ المشهور مترجم كتاب كليلة و دمنة.
(3) يحمل أن يكون البابلي هذا نسبة إلى قرية البابلية العاملية أو القرية المذكورة نسبة إليه و هي تقع جنوبي مدينة صيداء قريبة من بلدة الصرفند.
(4) هو أبو الحسن عليّ بن الحسن بن مندة، روى عنه الكراجكيّ سنة 436 ه في طرابلس حديث الطائر المشوي في كتابه تفضيل علي على غيره، و قال أنّه روى ابن مندة رواية الطير المشوي عن شيخه الحسين بن يعقوب البزاز سنة 370 ه. عن (الطبقات ج 2 ص 119) انظر:
الحياة الثقافية في طرابلس ص 281.
23
المشوي، توجد فيه نسخة ضمن مجموعة في مكتبة مجد الدين صدر الأفاضل في طهران. كما يبدو انه عملها للشيخ أبي طالب ابن عمار، لا للشريف ابن طالب.
47- الجليس شبيه الكشكول في خمسة أجزاء في خمسمائة ورقة.
48- انتفاع المؤمنين بما في أيدي السلاطين، عملها للأخوان حرسهم اللّه بصيداء.
49- الأنيس، يقع في ألفي ورقة، و هو مبوب في كل فن، مات و لم يتمه.
50- مختصر ابن جذاع في ذكر المعقبين من ولد الحسن و الحسين (ع) في الأنساب
51- الزاهد في آداب الملوك، عمله للأمير صارم الدولة ذي الفضيلتين.
52- كنز الفوائد، و هو مطبوع سنة 1322 ه (1).
53- تسلية الرؤساء عملها للأمير ناصر الدولة.
54- التأديب عمله لولده.
55- المجالس في مقدمات صناعة الكلام، أمر بعملها الأمير صارم الدولة و لم يتم.
56- الاقناع عند تعذر الإجماع في مقدمات الكلام و لم يتم.
57- الكفاية في الهداية في مقدمات أصول الكلام و لم يتم.
58- الأصول إلى مذهب آل الرسول، يتضمن الأخبار بالمذهب من غير أدلة، عملها للاخوان بصور سنة 418 ه أو سنة 416.
59- البيان عن دلالة شهر رمضان، يتضمن نظرة القول بالعدد في معرفة أوائل الشهور، عمله بالرملة لقاضي القضاة.
____________
(1) عمله لابن عمه، صرّح بذلك الطهرانيّ في الذريعة ج 18 ص 161 من دون ذكر اسمه. و قال:
انه كبير في خمسة أجزاء. لكن الموجود منه حسب النسخة المطبوعة جزء ان فقط، و هذا يعود إما لسقوط طائفة كبيرة منه، و إمّا للاختلاف بين المطبوع و الأصل في الترتيب و التقسيم.
24
60- جواب الرسالة الحازمية في إبطال العدد و تثبيت الرؤية، و هي ردّ على أبي الحسن بن أبي حازم المعري.
61- الرسالة العامرية في الجواب عن مسألة سألت عنها الغلاة، أمر بعملها الأمير قوام الدولة و أنفذها. إلى العامري، عملت بالقاهرة.
62- مختصر القول في معرفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالكتابة و سائر اللغات، عمله بالقاهرة لأبي اليقظان.
63- مختصر طبقات الورّاث، عمله للمبتدئين بطرابلس.
64- المدهش سأله في عمله سائل، و لا نعرف موضوعه.
65- الرسالة الصوفية، سأله عملها بعض الإخوان.
66- الإيضاح عن أحكام النكاح، أمر بعمله الأمير ذخر الدولة بصيدا، في سنة 441 ه في جزء واحد يحرر فيه الخلاف بين الإماميّة و الاسماعيلية.
67- التنبيه على أغلاط أبي الحسن البصري في فصل ذكره في الإمامة.
68- الباهر في الاخبار.
69- نصيحة الشيعة لم يتم.
70- مسألة العدل في المحاكمة إلى العقل لم يتم.
71- هداية المسترشد لم يتم.
72- الفهرست. و ينقل عنه السيّد ابن طاوس في آخر كتاب (الدروع الواقية) عند ذكره جعفر بن أحمد القمّيّ قال ما لفظه: ذكر الكراجكيّ في كتاب الفهرست أنّه صنف 220 كتابا بقم و الري (1) كما ينقل عنه في لسان الميزان في أكثر من مورد.
73- رسالة في الخلاء و الملاء، و هي ممّا احتوى عليه كنز الفوائد.
74- رسالة في الرد على الغلاة، و هي ممّا تتضمنه كنز الفوائد.
____________
(1) الطبقات 5 ص 179.
25
75- رسالة في الرد على المنجّمين، و هي ممّا احتواه كنز الفوائد، و لكنها من النصوص المفقودة لم تطبع في الكنز، إلّا أن السيّد ابن طاوس في كتابه النجوم نقل عن كنز الفوائد قطعة كبيرة يحتمل أن تكون من هذه الرسالة.
76- الرحلة، أشار إليها ابن أبي طيّ في فهرسته في ترجمة القاضي الحسين بن بشر بن على الطرابلسي، له مناظرة مع الخطيب البغداديّ ذكرها الكراجكيّ في رحلته، و قال: حكم له على الخطيب بالتقدم في العلم، و أشار إلى هذا في لسان الميزان ج 2 ص 275 نقلا عن ابن أبي طيّ.
77- الاعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، و هي ممّا تضمنه كنز الفوائد.
78- رسالة كتبها إلى بعض الإخوان تتضمن كلاما في وجوب الإمامة.
79- رسالة في جوابه عن سؤال ورد إليه عن الحجّ، و هي ممّا تتضمنه كنز الفوائد.
80- كتاب البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان ألفها سنة 427، و هي ممّا تضمنه كنز الفوائد.
81- كتاب النوادر.
82- كتاب الإبانة عن المماثلة في الاستدلال بين طريق النبوّة و الإمامة.
83- المزار و هو مختصر في زيارة إبراهيم الخليل (ع).
84- شرح جمل العلم للشريف المرتضى.
85- كتاب النصوص، و لعله كتاب الاستبصار في النصّ على الأئمة الأطهار الذي مر ذكره.
86- الأخبار في الآحاد.
87- الوزيري.
88- المشجر.
27
هذا الكتاب
إذا كان هناك كتاب يطابق اسمه مسماه، و يعبر عنوانه عن حقيقته تعبيرا صادقا عن واقع محتواه، فهو هذا الكتاب (كنز الفوائد) و دون مبالغة و تجوز.
و ما على القارئ ليدرك صحة هذا القول، إلّا ان يقلب صفحاته، و يمعن في قراءته و دراسته، فإنه سيخرج- بعد هذا- دون ريب بهذه الحقيقة التي اشرنا إليها، و سيجد بين يديه ثروة متنوعة دسمة من المعرفة، من أنواع الفكر و الثقافة و التاريخ و الأدب، مما لم يجده في سواه، تتفق مع مستويات القراء الثقافية المختلفة.
فهو ينبوع معين، تأخذ منه و تستفيد مختلف الطبقات، و على مختلف اتجاهاتهم العلمية و الثقافية.
و يمتاز بالإضافة إلى ذلك في تناوله أمّهات مسائل إسلامية و فلسفية بالبحث و الدراسة العميقة، و يسهب في عرضها و مناقشتها، و تفنيد ما حولها من آراء أخرى، و يدلي بالأدلة و البراهين العقليّة و العلمية على صحة ما يذهب إليه.
كما يمتاز باسلوبه الواضح الخلو من التعقيد، حتى في أدق المسائل الفكرية التي عرضها في كتابه و ناقشها، كمسألة حدوث العالم، و مسألة الحال التي يقول بها المعتزلة، و مسألة الكسب الأشعرية، و المسائل الخلافية بين الشيعة و السنة، كالإمامة و العصمة و سواها. يناقش كل ذلك بدقة و عمق و وضوح.
و يمتاز أيضا أنّه قد ضم بين دفتيه موضوعات فلسفية و كلامية و أدبية
28
و فقهية، و تاريخية و تفسيرية، و غير ذلك من حكم و مواعظ و تعاليم. أتى عليها بروح عالم يقدر المسئولية، و ذي طبيعة ثقافية جياشة، و باحساس المفكر العالم الذي يريد للمعرفة أن تشمل، و للحقيقة أن تبرز، و للباطل أن يزهق.
انه مجموعة من مواضيع شتّى علمية و فلسفية و غيرهما، لا يكتفي بعرضها عرضا عابرا، بل يحرص على تقريرها و نقدها، و على بيان ما فيها من صحة و فساد.
و قد كان هناك مفكرون وضعوا مجاميع سبقت عصر الكراجكيّ أو تأخرت عنه، كتلك المؤلّفات التي تعرف بالأمالي، أو التي تعرف (بالكشكول) في العصور المتأخرة عن الكراجكيّ، لكنها لم ترتفع إلى مستوى هذا الكتاب (كنز الفوائد) لأن غالبها ذو لون واحد، و ذو اتجاهات معينة، فبعضها كان الغالب عليه التاريخ، و بعضها كان فقهيا، و بعضها كان أدبيا، و بعضها الآخر جمع بين هذا و هذا، إلّا أنّه كان الغالب فيها السرد و الغرض دون مناقشة علمية أو بحث موضوعي.
و ميزة أسلوب الكراجكيّ في هذا الكتاب أسلوب تعليمي، و من هنا تجده يسهب أحيانا كثيرة في بيان ما يريد و في مقام النقد و المناقشة.
و إن كثيرا من آرائه هي آراء شخصية خاصّة به، لا تمثل الوجهة الشيعية بصورة واضحة و بخاصّة تلك المواضع الكثيرة التي تختلف فيها وجهات النظر و الاجتهاد، كما في كثير من تفسير الآيات و الأحاديث.
كما أن كثيرا ممّا يرويه لا يمكن الاعتماد عليه و بخاصّة فيما يتعلق بالخوارق، و لكن الرجل ناقل عن غيره (و ناقل الكفر ليس بكافر) كما يقال.
و هذا الكتاب يعكس اهتمامات العلماء و المفكرين في المسائل المطروحة في عصرهم، و التي أخذت كثيرا من جوانب تفكيرهم، و كانت محور نزاعاتهم و مناظراتهم.
و قد ضمن المؤلّف كتابه (كنز الفوائد) بعض رسائله، فأدرجها فيه، من ذلك:
29
1- مختصر من الكلام في أن للحوادث أولا.
2- القول المبين عن وجوب المسح على الرجلين، و هي رسالة كتبها إلى أحد الأخوان.
3- البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان، و هي رسالة كتبها إلى أحد الاخوان.
4- كتاب الإعلام بحقيقة إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام)، كتبه لبعض الإخوان.
5- المقدمات في صناعة الكلام.
6- رسالة في وجوب الإمامة، كتبها لبعض الإخوان.
7- مختصر التذكرة بأصول الفقه، استخرجها لبعض الإخوان من كتاب استاذه الشيخ المفيد.
8- البرهان على صحة طول عمر صاحب الزمان، كتبها سنة 427.
9- الرد على الغلاة.
10- رسالة في جوابه عن سؤال ورد إليه عن الحجّ.
**** لقد كانت النسخة المطبوعة سنة 1322 سقيمة جدا، و كثير من الكلمات فيها غير واضح، لكن حافظت على نص كلام المؤلّف كما هو بقدر الإمكان، إلا في المواضع غير الواضحة، فصححتها و وضعتها بين قوسين، و إلّا في المواضع التي لم يتضح المراد منها، فوضعت مكانها ثلاث نقط.
و نجد شطرا كبيرا من مؤلّفاته قد وضعه بطلب من بعض شخصيات عصره، من علماء و أمراء و قضاة و غيرهم في مواضيع فقهية و غيرها.
فقد ألف للأمير ناصر الدولة بدمشق، الرسالة الناصرية في عمل ليلة الجمعة و يومها، و كتاب تسلية الرؤساء.
و ألف للأمير صارم الدولة ذي الرئاستين بطبرية (المنسك العضبي) و (المنسك اللطيف في مناسك النسوان)، و (المنهاج إلى معرفة مناسك الحاجّ) و
30
(الزاهد في آداب الملوك)، و (المجالس في مقدمات صناعة الكلام) لم يتم.
و ألف للشيخ الجليل ابي الكتائب أحمد بن محمّد بن عمّار بطرابلس، نهج البيان في مناسك النسوان، بطلب منه، و عدة البصير (أو المصير) في حجج يوم القدير.
و ألف للشيخ الأجل أبي الفرج البابلي، كتاب (إذكار الأخوان بوجوب حق الإيمان).
و ألف للقاضي أبي طالب عبد اللّه بن محمّد بن عمار، كتاب (البستان في الفقه) و الرسالة العلوية في تفضيل أمير المؤمنين على سائر البرية سوى الرسول (ص).
و ألف للقاضي أبي الفتح عبد الحاكم، كتاب (الاستطراف فيما ورد في الفقه من الأنصاف).
و ألف بالقاهرة للشيخ أبي اليقظان، كتاب (نصيحة الإخوان)، و مختصر القول في معرفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالكتابة و سائر اللغات.
و ألف بالقاهرة أيضا للعامري، الرسالة العامرية في الجواب عن مسألة سألت عنها الغلاة. و أمره بعملها الأمير قوام الدولة.
و ألف بصيداء سنة 441 ه بأمر الأمير ذخر الدولة، (كتاب الإيضاح عن أحكام النكاح) في جزء واحد، يحرر فيه الخلاف بين الإماميّة و الإسماعيلية.
و ألف للقائد أبي البقاء فرز بن براك بسؤال منه كتاب المقنع للحاج و الزائر.
و نجد إلى جانب ذلك أن فهرست مؤلّفاته قد اشتمل على مؤلّفات وضعها في الرد على المخالفين، من ذلك:
1- ردع الجاهل و تنبيه الغافل، و هو نقض كلام أبي المحاسن المعري الذي نقض به على الشريف المرتضى في المسح على الرجلين في مسألة الوضوء، ألفه بطرابلس.
2- نقض رسالة فردان المروزي في الجزء، و هي المسألة الفلسفية في قضية الجزء الذي لا يتجزأ.
31
3- غاية الإنصاف في مسائل الخلاف، و هو نقض على أبي الصلاح الحلبيّ من فقهاء الشيعة في مسائل خلافيّة بينه و بين الشريف المرتضى، نصر فيها رأي المرتضى.
4- دامغة النصاري، و هي ردّ كلام أبي الهيثم النصراني فيما رامه من تثبيت الثالوث و الاتّحاد.
5- جواب رسالة الأخوين، في الرد على الأشعرية و فساد أقوالهم و طعنهم على الشيعة.
6- الانتقام ممن عذل أمير المؤمنين (ع)، و هو النقض على ابن شاذان الأشعري فيما أورده في آية الغار.
7- جواب الرسالة الحازمية في إبطال العدد و تثبيت الرؤية، و هي ردّ على أبي الحسن بن أبي حازم المصري.
8- التنبيه على أغلاط أبي الحسن البصري في فصل ذكره في الإمامة.
9- رسالة في الرد على الغلاة.
10- رسالة في الرد على المنجّمين.
33
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
و به نستعين فإنه خير معين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلى الله على سيدنا محمد رسوله خاتم النبيين و آله الطاهرين
مختصر من الكلام في أن للحوادث أولا
اعلم أيدك الله أن من الملحدة فريقا يثبتون الحوادث و محدثها و يقولون إنه لا أول لوجودها و لا ابتداء لها. و يزعمون أن الله سبحانه لم يزل يفعل و لا يزال كذلك و أن أفعاله لا أول لها و لا آخر فقد خالفونا في قولهم إن الأفعال لا أول لها إذ كنا نعتقد أن الله تعالى ابتدأها و أنه موجود قبلها و وافقونا بقولهم لا آخر لها لأنهم و إن ذهبوا إلى بقاء الدنيا على ما هي عليه و استمرار الأفعال فيها و أنه لا آخر لها فإنا نذهب في دوام الأفعال إلى وجه آخر و هو تقضي أمر الدنيا و انتقال الحكم إلى الآخرة و استمرار الأفعال فيها من نعيم الجنة الذي لا ينقطع عن أهلها و عذاب النار الذي لا ينقضي عن المخلدين فيها (1) فأفعال الله عز و جل من هذا الوجه لا آخر لها.
____________
(1) و ذهب الجهم بن صفوان المقتول في تستر في أواخر حكم بني أميّة قتله سالم بن أحوز المازني، ذهب إلى القول بأن حركات أهل الخلدين (الجنة و النار) تنقطع، و الجنة و النار تفنيان بعد دخول أهلهما فيها، و تلذذ أهل الجنة بنعيمها و تألم أهل النار بجحيمها، متعللا بأنّه لا يتصور حركات لا تتناهى آخرا كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا، و حمل ما دل على التخليد في كلام اللّه على المبالغة و التأكيد دون الحقيقة، و مستشهدا بقوله تعالى (خالدين فيها ما دامت-
34
و هؤلاء أيدك الله هم الدهرية القائلون بأن الدهر سرمدية لا أول له و لا آخر و أن كل حركة تحرك بها الفلك فقد تحرك قبلها بحركة من غير نهاية و سيتحرك بعد بحركة بعدها حركة لا إلى غاية و أنه لا يوم إلا و قد كان قبله ليلة و لا ليلة إلا و قد كان قبلها يوم و لا إنسان إلا أن يكون من نطفة و لا نطفة تكونت إلا من إنسان و لا طائر إلا من بيضة و لا بيضة إلا من طائر و لا شجرة إلا من حبة و لا حبة إلا من شجرة. و أن هذه الحوادث لم تزل تتعاقب و لا تزال كذلك ليس للماضي فيها بداية و لا للمستقبل فيها نهاية و هي مع ذلك صنعة لصانع لم يتقدمها و حكمة من لم يوجد قبلها و أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا (1) تعالى الله الذي لا قديم سواه و له الحمد على ما أسداه من معرفة الحق و أولاه. و أنا بعون الله أورد لك طرفا من الأدلة على بطلان ما ادعاه الملحدون و فساد ما تخيله الدهريون.
____________
- السموات و الأرض إلّا ما شاء ربك) و وافقه على انقطاع حركات أهل الخلدين كل من أبي الهذيل العلّاف و إبراهيم النظام من المعتزلة.
و قد فات هؤلاء أن حركات أهل الخلدين ليست لذاتها و لنفسها، و إنّما بقاؤها بالعرض تابع لوجود المبقي و هو اللّه الحيّ الباقي.
و زاد أبو الهذيل و النظام على ذلك أن أهل الخلدين بصيرون إلى سكون دائم جمودا و تجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة، و تجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.
كل ذلك فرارا من وجود حوادث لا آخر لها كوجود حوادث لا أول لها، إذ كل منهما لا يتناهى.
و قد فاتهما أن السكون كالحركة يلزم منه ما فرا ممّا يلزمهما في الحركة، و بخاصّة أنّه أحد الأكوان الأربعة.
و لهشام بن الحكم مناظرة طريفة مع أبي إسحاق النظام حول هذه المسألة، لم يحر النظام معه جوابا. ذكرناها في كتابنا (هشام بن الحكم) انظر ص 215- 216.
(1) و هذا الرأي منسوب إلى كثير من الفلاسفة الإسلاميين كأبي بكر محمّد بن زكريا الرازيّ الفيلسوف و الطبيب المشهور المولود عام (311 ه).
و خلاصة هذا الرأي ان الصانع متقدم على الصنعة رتبة لا زمانا، كتقدم العلة على المعلول الذي لا يتخلف عن علته الموجبة و قد ترجمنا له في كتابنا (فلاسفة الشيعة)، و عرضنا فيه لرأيه في هذا الموضوع بدراسة وافية.
35
دليل مما يدل على أن الحوادث الماضية لا بد لها من أول أننا في كل وقت من أوقات زماننا بين آخر ما فيها و أول مستقبلها فقد علمنا لا محالة آخر ما مضى و هو أحد طرفيه. ثم نحن نعلم علما لا نشك فيه أن ما يأتي من مستقبل الحوادث إلى مائة سنة يكثر عدد الماضي و يزيد فيه. فمعلوم أنه قبل الزيادة أقل عددا منه إذا انضمت أي الزيادة إليه و هذا يدل على تناهي عدد ما مضى و حصر طرفيه لأنه لو كان لا نهاية له لم تتصور العقول دخول التكثر فيه. و قد صح بما بيناه أن الحوادث الماضية تصير إلى مائة سنة أكثر عددا مما هي اليوم عليه (1). فبان بهذا تناهيها و صح أولها كما صح آخرها و يبطل مقال الدهرية فيها. معارضة و قد قال الملحدون إن جميع ما ذكرتموه في الماضي عائد عليكم في المستقبل لأنكم تقولون إن أفعال الله تعالى المستقبلة لا آخر لها و مع هذا فقد علمتم أولها و هو أحد طرفيها فيجب أن يكون ما يوجد إلى مائة سنة ينقص منها و إذا دخل النقصان فيها دل على تناهيها و انحصار طرفيها. انفصال فيقال لهم بين الماضي و المستقبل في ذلك فرق و هو أن الحوادث الماضية ليس منها إلا ما كان موجودا قبل مضيه فقد شمل جميعها حكم الوجود فوجب أن يزيد فيها كل ما يخرج إلى الوجود. و ليس المستقبل كذلك لأنها لم توجد و إنما هي في إمكان الفاعل فلا يصح فيها النقض و لا سبيل إلى القول فيها بالتناهي.
____________
(1) يعني به اليوم الذي افترضه.
36
دليل آخر على تناهي ما مضى
و هو أنه قد مضت أيام و ليال و وقفنا اليوم عند آخرها فلا يخلو أن تكون الأيام أكثر عددا من الليالي أو يكون الليالي أكثر من الأيام أو يكونا في العدد سواء. فإن كانت الأيام أكثر من الليالي تناهت الليالي لأنها أقل منها و اقتضى ذلك تناهي الأيام أيضا لبطلان اتصالها قبل الليالي بغير ليال بينها فوجب على هذا الوجه تناهيهما معا. و إن كانت الليالي أكثر من الأيام كان الحكم فيها نظير ما قدمنا من تناهي الأول فتناهي الأيام لزيادة الليالي عليها و يقتضي ذلك تناهي الليالي أيضا لفساد اتصالها قبل الأيام بغير أيام بينها فوجب على هذا الوجه الآخر تناهيهما معا. و إن كانت الأيام و الليالي في العدد سواء كان بمجموعها أكثر عددا من أحدهما بانفراده. و هذا يشهد بتناهيهما إذ لو كان كل واحد منهما في نفسه غير متناه ما تصورت العقول عددا أكثر منه. و قد علمنا أن الليالي مع الأيام جميعا أكثر عددا من أحدهما و هذا موضح عن تناهيهما. و بهذا الدليل نعلم أيضا تناهي جميع ما مضى من الحركات و السكنات و من الاجتماعات و الافتراقات و من الطيور و البيض و الشجر و الحب و ما يجري مجرى ذلك. معارضة قال الملحدون هذا الكلام عائد عليكم في نعيم المؤمنين في الجنة و عذاب الكافرين في النار و قد زعمتم أن كل واحد منهما لا نهاية له و لستم تذهبون إلى أن أحدهما أكثر من الآخر فنخاطبكم بما ذكرتم و لكن نقول لكم إنهما بمجموعهما أكثر عددا من أحدهما و هذا يوجب تناهيهما جميعا و حصرهما.
37
انفصال يقال لهم هذا الذي ذكرتموه لا يصح في المستقبلات و هو لازم لكم في الماضيات لأن الأعداد إذا يضم بعضها إلى بعض بعد وجودها و حصرها و عدد الليل و النهار الماضيات فقد وجدا و انحصرا بالفراغ منهما و الوقوف عند آخرهما فصح ضم بعضها إلى بعض و أمكن ما ذكرنا فيها. و المستقبلات من نعيم أهل الجنة و عذاب أهل النار فأمور متوقعة لم توجد و ليس لها آخر لأنها تكون دائمة بغير انقضاء و ما لم يوجد من العدد فلا يصح فيه ضم بعض إلى بعض و ما يتوقع حدوثه أبدا بغير نهاية لا يكون مثل ما قد حدث و كان و تناهي بإدراك آخره في كل حال. دليل آخر و مما يدل على أن للأفعال الماضية أولا كونها و وجودها و لو لم يكن لها أول ما صح وجودها لأنها كالعدد الذي لا يصح أن يتوالى إلا أن يكون له أول إما واحدا أو جملة يبتدأ بها تقوم مقام الواحد. انفصال (1) قيل لهم لا يجب ذلك من قبل أن المستقبل منوط بقدرة القادر و العاد يصح منه أن يعد ما دام حيا فإذا كان ليس لوجوده آخر صح أن ليس لعدة آخر و مع ذلك فلا بد من أن يكون لعدده أول. دليل آخر و مما يدل على أن الأفعال لا يصح وجودها إلا بعد أن يبتدأ بأولها أنه لو قيل لرجل لا تدخلن دارا حتى تدخل قبلها غيرها لم يصح منه دخول شيء من الدور أبدا و لم يمكن ذلك إلا بأن يبتدأ بواحدة منها.
____________
(1) ورد هذا الانفصال أو الجواب من دون أن يذكر الاعتراض، و هو على الأرجح سقط من قلم الناسخ.
38
سؤال فإن قالوا هذا يستحيل كما ذكرتم في المستقبل من الأفعال لأنه لا بد للمستقبلات من أول فمن أين لكم أن هذا حكم الماضيات. جواب قيل لهم علمنا ذلك من قبل أن الماضيات قد كانت مستقبلة قبل وجودها و مضيها فلو لم يكن لها أول ما صح وجودها. و بعد فلو رأينا هذا الرجل الذي مثلنا به و هو يدخل دارا بعد دار فقلنا له هل كان بعد دخولك هذه الدور ابتداء حتى يقول لنا لم أبتدئ بدار منها و لا دخلت دارا حتى دخلت قبلها دورا لا تتناهى فعلمنا أنه كاذب فيما ادعى. دليل آخر و مما يدل على تناهي الأفعال الماضية و انحصارها و صحة طرفيها خروجها إلى الوجود على كمالها و فراغ فاعلها منها و كل شيء فعله الفاعل فقد يتوهم منه أن يفعل أمثاله و هذا وجه صحيح يدل على تناهيها و انحصار طرفيها لجواز وجود أكثر منها. معارضة و قد قال الملحدة هذا راجع عليكم في نعيم أهل الجنة لأن الله تعالى يقدر على أمثاله فيتناهى بوجود أكثر منه. انفصال فيقال لهم و متى صحت المماثلة بين الموضعين و الأفعال الماضية قد خرج جميعها إلى الوجود. و نعيم أهل الجنة ليس له جميع يخرج إلى الوجود و إنما يوجد شيء من غير أن يوقف له على وجه آخر من الوجوه. فإن قالوا فقد لزمكم على هذا أن يكون الله تعالى وعد أهل الجنة بنعيم لا يصلون إلى جميعه و لا ينالون سائره.
39
قيل لهم قد أعلمناكم أنه لا جميع له في الحقيقة و لا سائره إذ ليس له آخر (1) و الذي وعدهم الله به هو نعيم متصل غير منقطع فلو وجد حتى لا يبقى منه شيء ينتظر لكان في الحقيقة لم يف لهم بما وعده. فإن قالوا إن الأفعال الماضية أيضا لا كل لها في الحقيقة لاستحالة حصرها. قيل لهم و لم زعمتم ذلك و قد سلمتم لنا أنها قد دخلت في باب الوجود عن آخرها و اشتمل الحدوث عليها.
مسألة على الملحدة
يقال لهم أخبرونا عن الشمس أ ليس لم تتحرك بحركة حتى تحركت قبلها بحركات لا نهاية لها فإن قالوا بلى قيل لهم فإذا جاز أن تفرغ الحركات التي لا نهاية لها و تحركت الشمس بها كلها حتى تنتهي إلى آخرها فإلا جاز أن تتحرك بالحركات المستقبلة كلها حتى تفرغ منها و تقف عند آخرها و لا يبقى مستقبل بعدها. فإن قالوا إن المستقبلات لا كل في الحقيقة لها. أجابوا بمثل قولنا ثم لم ينفعهم ذلك فيما سألنا لأن الفراغ مما لا نهاية له قد صح عندهم و هو غير صحيح عندنا إذ يلزمهم تقضي المستقبلات حتى توقف عند آخرها. فإن قالوا إن الشمس تتحرك بحركة واحدة باقية دائمة قيل لهم إنه ليس يلزمنا قبول ما لا طريق إلى فهمه و لا سبيل لمدعيه إلى إثبات علمه و هذا الذي زعمتموه دعوى عارية من برهان. و بعد فإنا إذا لم ننازعكم في ذلك نسألكم فنقول أ لستم معترفين بأن الشمس قد دارت الفلك قبل هذه الدورة التي هي فيها دورات لا نهاية لها
____________
(1) في الأصل (أخرى).
40
فلا بد لهم من الإقرار بذلك فيقال لهم فقد عاد الأمر إلى الفراغ مما لا نهاية له فما أنكرتم أن تنقضي دوراتها المستقبلة التي تقولون إنها لا نهاية لها و يفرغ منها حتى يقف عند آخرها كما فرغت فيما مضى و هي الآن في آخره فإن قالوا هذا مستحيل في المستقبل و هو صحيح في الماضي. قيل لهم بنظير الكلام المتقدم و هو أن الماضي قد كان مستقبلا فلو استحال أن يصير المستقبل ماضيا لاستحال في الماضي لأنه قد كان مستقبلا.
مسألة أخرى عليهم
يقال لهم أ يجوز أن تدور الشمس في المستقبل دورات بعد الدورات الماضية أم لا يجوز ذلك فإن قالوا غير جائز قيل لهم لم زعمتم ذلك و عندكم أنها تدور في المستقبل دورات لا نهاية لعددها أ فليس في ذلك ما يفي بما قد مضى فإن قالوا لا يفي به جعلوا الماضي أكثر من المستقبل و أوجبوا تناهي المستقبل. و إن قالوا إن الشمس ستدور دورات يفي عددها بما مضى أوجبوا تناهي ما مضى و قيل لهم أ فيبقى من المستقبل بعد ذلك بقية فإن قالوا لا أقروا بوجود الأول و الآخر و أوجبوا تناهي الزمان من طرفيه و جعلوا له لدورات الشمس بداية و نهاية و هو خلاف ما ذهبوا إليه. و إن قالوا إنه ستدور دورات يفي بما مضى و يبقى من المستقبل ما لا نهاية له أيضا لم يبق شبهة في تناهي الماضي و صح أوله و بطل مذهبهم في قدمه و الحمد لله.
دليل آخر على أن للأفعال الماضية أولا (1)
مما يدل على ذلك أنه قد ثبت أن كل واحد منها محدث كائن بعد أن لم يكن و لها محدث متقدم عليها فوجب أن تكون جميعها محدثة كائنة بعد أن لم
____________
(1) و هذا الدليل من أوضح الأدلة و أرسخها في الموضوع.
41
تكن و لها محدث متقدم عليها لأن جميعها هو مجتمع آحادها و لا يصح أن يختلف في الجمع و التفريق هذا الحكم فيها. كما أن كل واحد من الزنج بانفراده أسود فالجميع باجتماعهم سود و الحكم في ذلك واحد في الجمع و التفريق. و قد اجتمع معنا على أن جميعها أفعال الفاعل و صنعة الصانع و العقول تشهد بوجوب تقدم الفاعل على أفعاله و سبق الصانع لصنعته و ليس يخالف في ذلك إلا مكابر لعقله. و اعلم أن الملحدة لما لم تجد حيلة تدفع بها تقدم الصانع على الصنعة قالت إنه متقدم عليها تقدم رتبة لا تقدم زمان فيجب أن نطالبهم بمعنى تقدم الرتبة ليوضحوه فيكون الكلام بحسبه. و قد سمعنا قوما منهم يقولون إن معنى ذلك أنه الفعال فيها و المدبر لها. فسألناهم هل ذلك يدافع عنها حقيقة الحدوث فعادوا إلى الكلام الأول من أن كل واحد من أجزاء الصنعة محدث. فأعدنا عليهم ما سلف حتى لزمهم الإقرار بحدوث الكل و طالبناهم بحقيقة المحدث و القديم فلم يجدوا مهربا من أن التقدم و القديم في الوجود على المحدث هو التقدم المفهوم المعلوم الذي يكون أحدهما موجودا و الآخر معدوما. و ليس أيضا من شرط التقدم و التأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان و الله تعالى متقدم على جميع الأفعال. و ليس أيضا من شرط التقدم و التأخر في الوجود أن يكون ذلك في زمان لأن الزمان نفسه قد يتقدم بعضه على بعض و لا يقال إن ذلك مقتض لزمان آخر. و الكلام في هذا الموضع جليل و من ألحق (1) فيه سقطت عنه شبه كثيرة.
____________
(1) كذا في النسخة.
47
جهة فيجب أن يكون الباري عز و جل في جهة أ ليس يكون يمكن أن يقال إنما يثبت ذلك في الوهم متى فرضتموه جسما. و أما متى فرضتموه غير جسم و لا متحيز فإنه لا يثبت ذلك في الوهم فهكذا يكون جوابنا لكم. ثم قال هذا المتكلم فإن قالوا فإذا لم تثبتوا مدة مديدة قبل الفعل فقد قلتم إن الباري سبحانه لم يتقدم فعله. قيل بل نقول إنه يتقدم على معنى أن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله و قولنا ثم يترتب (1) على عدم الفعل لا غير. قال و نقول إذا فعل الله سبحانه شيئا إنه يجوز أن يتقدم على معنى أنه يفعله فيكون بينه و بين يومنا من الحوادث أكثر مما هو الآن و ليس الكثرة و التقدم و التأخر راجعا إلا إلى الحوادث دون مدة يقع فيها. ثم تكلم في نفي المدة فقال و الذي يبين أن تقدم الحركات و تأخرها يثبت من دون مدة يقع فيها أنه لا يخلو هذه المدة من أن يكون شيئا واحدا لا امتداد فيه و لا ينقل من حال إلى حال أو يكون فيه تنقل و امتداد. و الأول يقتضي إثبات الزمان على غير الوجه المعقول و يقتضي أن تكون الأشياء غير متقدم بعضها على بعض إذا كان بالأجل تقدمه و تأخره تتقدم الأشياء و تتأخر ليس فيه تقدم و تأخر. فليت شعري أ ثبت التقدم و التأخر بنفسه أم بغيره إن كان يثبت فيه بغيره أدى إلى ما لا نهاية له و إن كان ذلك الزمان متقدما و متأخرا بنفسه من غير أن يكون في شيء متقدم و متأخر فهلا قيل ذلك في الحركات و استغني عن معنى غيرها
____________
(1) لأن كلمة (ثم) من أدوات العطف مع ترتب مدخولها على ما قبلها و لا يلزم أن يكون ما قبلها أمرا وجوديا بل يكفي في صحة الترتب مقارنة مدخولها لما قبله و إن كان عدما.
44
شأن الفاعل أن يكون قادرا و لا يقدر على الموجود لأن وجوده يغني عن تعلق القدرة به فهذا يدل على استحالة مصاحبة الفاعل لفعله. فأما تقدم الفعل على فاعله فأظهر فسادا لأن المؤثر في وجود الفعل و حدوثه كون فاعله قادرا فكيف يتقدم المؤثر فيه على المؤثر. و أما تقدم الصانع القديم تعالى على صنعته فيجب أن يكون غير محصور الأوقات و إنما وجب ذلك فيه و لم يجب في الصانع المحدث لكونه قديما لأنه لو كان بين القديم و المحدث أوقات متناهية لخرج من أن يكون قديما و دخل في أن يكون محدثا لأن من شأن القديم أن لا يكون بوجوده ابتداء و تناهي ما بينه و بين الأوقات و بين المحدث يقتضي أن يكون بوجوده أول و ابتداء. فأما ما تضمنه السؤال من التقسيم و التعديل في إفساد تقدم الصنعة على الصانع على الاتفاق على ذلك فغير صحيح لأن مثل هذا لا يعول فيه على الاتفاق بل لا بد أن يعين طريق العلم إما من ضرورة أو استدلال و قد بينا ما يدل على أن الصنعة لا تتقدم الصانع. فأما ما مضى من السؤال من إلزام نفي التناهي و الآخر عن المدة التي تكون بين الصانع و الصنعة كما نفى عنها الابتداء و التناهي من قبل أولها فغير صحيح و لا لازم لأنا قد بينا أنا متى جعلنا بين الصانع القديم و صنعته مدة متناهية الابتداء محصورة لحق القديم بالمحدث و خرج من أن يكون قديما. و إذا جعلناها (1) محصورة الانتهاء لم يجب ذلك فيها و لا أدى إلى ما قد علمنا فساده من كون القديم محدثا و لا إلى غيره من ضروب الفساد فلم يلزم نفي الآخر عن المدة قياسا على نفي الأول. و قد بين شيوخ أهل العدل (2) في كتبهم الفرق بين هذين الأمرين و قالوا
____________
(1) الظاهر سقوط كلمة (غير) هنا، إذ لا يتم المعنى بدونها فتكون الجملة هكذا: و إذا جعلناها غير محصورة الانتهاء لم يجب ذلك فيها.
(2) المراد بأهل العدل هم المعتزلة و الإماميّة الذين يقولون باستحالة صدور الظلم و المنافي منه سبحانه، إما لعدم قدرته عليه كما يقوله المعتزلة أو أكثرهم، و إمّا لقبح صدوره عنه عقلا مع قدرته عليه كما يقوله الإماميّة.
43
قال و يفسد أيضا تقدمه عليها إذ كان لا يخلو من أن يكون تقدمه بمدة محصورة و تقدير أوقات متناهية أو بمدة غير محدودة و تقدير أوقات غير محصورة. قال و إن كان تقدمها بمدة لا تحد و تقدير أوقات لا تتناهى و تحصر فلا آخر متناه و له أول و آخر فكما أن آخره حدوث الصنعة فكذلك أوله حدوث الصانع و نعوذ بالله من القول بذلك. قال و إن كان تقدمها بمدة لا تحد و تقدير أوقات لا تتناهى و تحصر فلا آخر لهذه المدة كما لا أول لها و إذا لم يكن لها آخر فقد بطل حدوث الصنعة (1). و إن نفيتم الأوقات و الأزمان التي يصح هذا فيها فإنه لا يمكنكم إنكار تقديرها و في التقدير يلزم هذا هنا. قال فهذا دليل على أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا و الجواب قاله الشريف المرتضى (رحمه الله) أما الصانع من حيث كان صانعا فلا بد من تقدمه على صنعته سواء أ كان قديما أو محدثا لأن تقدم الفاعل على فعله حكم يجب له من حيث كان فاعلا. و يستوي في هذا الحكم الفاعل القديم و الفاعل المحدث غير أن الصانع القديم يجب أن يتقدم صنعته بما إذا قدرناه أوقاتا و أزمانا كانت غير متناهية و لا محصورة. و لا يجب هذا في الصانع المحدث بل يتقدم الصانع من المحدثين صنعته بالزمان الواحد و الأزمان المتناهية المحصورة. و الذي يدل على أن الصانع لا بد من أن يتقدم صنعته و يستوي في هذا الحكم القديم و المحدث أنه لو لم يتقدم عليها لم تكن فعلا له و حادثة به لأن من
____________
(1) لأنّه ان كان الصانع متقدما على الصنعة بمدة غير متناهية، فلا يمكن و الحال هذه أن يكون لها آخر، كما لا يمكن حدوث الصنعة، لأن حدوثها يعني تناهي المدة التي فرض عدم تناهيها، و هذا خلف.
42
و قد كنت اجتمعت في الرملة برجل عجمي يعرف بأبي سعيد البرذعي (1) و كان يحفظ شبها في هذا الباب و كنت كثيرا ما أكلمه و أستظهر بإثبات الحجة عليه فأورد علي شبهة كانت أكبر مما في يديه و تكلمت عليها بكلام لم أقنع به فأحكيه. ثم إني كتبت كتابا إلى بغداد إلى حضرة سيدنا الشريف المرتضى ذي المجدين رضي الله عنه (2) و ذكرت الشبهة فيه فورد إلي جوابه عنها. فأنا أذكر الشبهة و الجواب و ما وجدته بعد ذلك من الكلام في هذا الباب. الشبهة قال الملحد مستدلا على أن الصانع لم يتقدم الصنعة إني وجدت ظاهرهما لا يخلو من ثلاث خصال إما أن تتقدم الصنعة عليه أو أن تتأخر عنه أو أن يكونا في الوجود سواء. و قد فسد باتفاق تقدمها عليه.
____________
(1) ورد ذكر البرذعي في بعض رسائل حمزة بن علي الزوزني الذي يعتبر مؤسس المذهب الدرزي به يبدأ تاريخ الدروز سنة 408 ه أقول ورد ذكر البرذعي في رسالة حمزة السادسة عشرة سنة 408 ه و الرسالة التاسعة عشرة و غيرها باسم أبي منصور البرذعي لا أبي سعيد كما ذكره المصنّف و قد يكون أبو سعيد البرذعي الذي لقبه الكراجكيّ هو نفس أبي منصور البرذعي الوارد ذكره في رسائل حمزة بن علي.
(2) هو أبو القاسم عليّ بن أبي أحمد الحسين بن موسى الموسوي المعروف بعلم الهدى، أكبر شخصية شيعية في القرن الرابع الهجري، بالعلم و الفقه و الآثار و الكلام و الأدب و الشعر و غيرها.
كان فقيها انتهت إليه زعامة الإماميّة في عصره، كما كان أحد أعمدة علم الكلام و الفلسفة الإسلامية، و الأدب و الشعر و اشتهر بعلم النجوم، و برز في غير ذلك من جوانب المعرفة و الفكر.
و كان حاذقا في المناظرة و الجدل، حاجّ النظراء و المتكلّمين، و ناظر العلماء و المخالفين، و قد عده ابن الأثير من مجددي مذهب الإماميّة في رأس المائة الرابعة. و تعتبر آراء الشريف المرتضى و آثاره سجلا كاملا لآراء الشيعية الإماميّة و أقوالهم، و في كتبه حفظت عقائدهم و آراؤهم الإسلامية. و له مؤلّفات عديدة أبرزها من المطبوع: الشافي و الأمالي و تنزيه الأنبياء، و هو من تلاميذ الشيخ المفيد. ولد في رجب سنة 355 ه و توفي ربيع الأوّل سنة 436 ه و له في كتابنا (فلاسفة الشيعة) ترجمة بدراسة و إسهاب.
46
أول لها فإنما المراد به تقدير أوقات دون أن يكون القصد أوقاتا في الحقيقة لأن الأوقات أفعال. فقد ثبت أن للأفعال أولا فلو قلنا إن بين القديم و أول الأفعال أوقاتا في الحقيقة لناقضناه و دخلنا في مذهب خصمنا نعوذ بالله من القول بهذا. جواب آخر عن هذه الشبهة و قد قال بعض أهل العلم إنه لا ينبغي أن نقول بين القديم و بين المحدث لأن هذه اللفظة إنما تقع بين شيئين محدودين و القديم لا أول له. و الواجب أن نقول إن وجود القديم لم يكن عن عدم. و نقول إنه لو أمكن وجود حوادث بلا نهاية و لم يتناقض ذلك لأمكن أن يفعلها حادثا قبل حادث لا إلى أول فيكون قد وجدت حوادث بلا نهاية. و لسنا نريد بذلك أنه كان قبل أن فعل مدة يزيد امتدادها لأن هذا هو الحدوث و التجدد و هو معنى الزمان و الحركة. فإن قال قائل إنه لا يثبت في الأوهام إلا هذا الامتداد. قيل له ليس يجب إذا ثبت في الوهم أن يكون صحيحا. أ ليس عندكم أنه ليس خارج العالم خلاء و ذلك غير متوهم. ثم يقال لهم أ يثبت في الوهم ذلك مع فرضكم نفي الحركات و التغييرات أم مع فرضكم إثبات ذلك. فإن قالوا مع فرضنا إثبات ذلك قيل لهم فيجب مع نفي ذلك أن لا يثبت هذا التوهم. و إن قالوا يثبت هذا التوهم مع فرضنا نفي ذلك. قيل لهم فقد ثبت في التوهم النقيضان لأن هذا التوهم هو أن ينتقل و يمتد. قال ثم يقال أ رأيتم لو قال لكم قائل ليس يثبت في ذهني موجود ليس في
48
فصل و بيان
و هذه الطريقة التي حكيتها هي عندي قاطعة لمادة الشبهة كافية في إثبات الحجة على المستدل و هي مطابقة لاختيار أبي القاسم البلخي (1) لأنه لا يطلق (2) القول بأن بين القديم و أول المحدثات مدة. و يقول إنه أي الصانع تعالى قبلها بمعنى أنه كان موجودا ثم وجدت و هو معنى ما ذكر هذا المتكلم في قوله إن وجوده قارن عدم فعله ثم قارن وجود فعله فهو على هذا الوجه قبل أفعاله. و اعلم أيدك الله أن العبارات في هذه المواضع تضيق عن المعاني و تدعو الضرورة إلى النطق بما عهد و وجد في الشاهد و إن لم يكن المراد حقيقة في المتعارف و يجوز ذلك إذا كان مؤديا لحقيقة المعنى إلى النفس كقولنا قبل و بعد و كان و ثم فليس المعهود في الشاهد استعمال هذه الألفاظ إلا في الأوقات و المدد. فإذا قلنا إن الله تعالى كان قبل خلقه ثم أوجد خلقه فليس هذا التقديم و التأخير مفيدا لأوقات و مدد و قد يتقدم بعضها على بعض بأنفسها من غير أن يكون لها أوقات أخر. و كذلك ما يطلق به اللفظ من قولنا إن وجود الله قبل وجود خلقه. فليس الوجود في الحقيقة معنى غير الموجود و إنما هو اتساع في القول و المعنى مفهوم معقول. و قد سأل أبو القاسم البلخي نفسه فقال إن قال قائل أخبرونا عن أول فعل فعله الله تعالى أ كان من الجائز أن يفعل قبل غيره
____________
(1) هو أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخيّ توفّي سنة (317 ه) و هو من زعماء المعتزلة و شيوخهم و رأس طائفة منهم يقال لها الكعبية، و هو أستاذ أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن المتكلم الشيعي المعروف (بابن قبة). و للبلخيّ مؤلّفات عديدة منها كتاب (عيون المسائل و الجوابات) ذكره المسعودي في مروج الذهب ج ص 151. و لأبي القاسم البلخيّ آراء كلامية تنقل عنه في كتب الكلام و الفرق.
(2) في الأصل (و القول) و يبدو أن الواو فيها زائدة.
45
من المستحيل إثبات فاعل لم (1) يزل فاعلا و ليس بمنكر و لا مستحيل إثبات فاعل لا يزال فاعلا و بينوا أن نفي التناهي و الابتداء عن الأفعال من قبل أولها يخرجها من أن تكون أفعالا و ليس نفي التناهي عنها من قبل آخرها يخرجها من أن تكون أفعالا. و ذكروا أن نعيم أهل الجنة و عقاب أهل النار دائمان لا انقطاع لهما و لا آخر و لم يؤد ذلك إلى المحال و الفساد ما أدى إليه نفي التناهي عن الأفعال من قبل أولها. و قالوا ليس بمنكر أن يدخل داخل دارا بعد دار أبدا بغير انقطاع. و من المستحيل المنكر أن يدخل دارا قبل دار أبدا بلا أول. و قد استقصينا نحن هذا الكلام في مواضع كثيرة من كتبنا و ذكرناه في الملخص (2) و غيره من أجوبة المسائل و النقوض على المخالفين. و أما ما تضمنه السؤال من أن هذا يدل على أن الصنعة و الصانع قديمان لم يزالا فمناقضة ظاهرة لأن وصف المتصف بالقدم ينقض كونه صفة كما أن وصف القديم بأنه مصنوع ينقض كونه قديما. و هل هذا إلا تصريح بأن المحدث قديم و القديم محدث و لا خفاء بفساد ذلك. و هل آخر الجواب الوارد إلي من حضرة السيد الشريف المرتضى رضي الله عنه عن هذه الشبهة. و جميع ما تضمنه من إطلاق القول بأن بين القديم و أول المحدثات أوقات لا
____________
(1) و يفهم من هذه العبارة أن كون الفاعل مرتبطا بما يصدر عنه من أفعال، فإذا كان الفاعل فاعلا منذ الأزل كانت أفعاله منذ الابتداء قديمة معه و تخرج عن كونها أفعالا محدثة، لذلك يستحيل كونها قديمة و بالتالي استحالة أن يكون الفاعل لم يزل فاعلا. على خلاف اثبات فاعل لا يزال فاعلا من حيث الآخر إلى غير نهاية فلا استحالة إذ لا يخرجها ذلك عن كونها أفعالا.
و هذا يتضح من قوله: و بينوا أن نفي التناهي إلخ).
(2) هو كتاب للشريف المرتضى في الأصول، ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسيّ، و النجاشيّ، و ابن شهر أشوب.
49
و أجاب عن ذلك فقال هو جائز بمعنى أن يكون لم يفعله و فعل غيره بدله و فعله هو فأما غير ذلك فلا يجوز لأنه يؤدي إلى المحال. و في هذا القدر كفاية في الكلام على الملحدة الدهرية و الحمد لله
مسألة في تأويل خبر
إن سأل سائل فقال ما معنى
قَوْلِ النَّبِيِّ ص فِي الْخَبَرَ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ
الجواب قيل له الوجه في ذلك أن الملحدين و من نفى الصانع من العرب كانوا (1) ينسبون ما ينزل به من أفعال الله تعالى كالمرض و العافية و الجدب و الخصب و الفناء إلى الدهر جهلا منهم بالصانع جلت عظمته و يذمونه في كثير من الأحوال من حيث اعتقدوا أنه الفاعل بهم هذه الأفعال فنهاهم النبي ص عن ذلك و قال لهم لا تسبوا من فعل بكم هذه الأفعال ممن يعتقدون أنه هو الدهر فإن الله تعالى هو الفاعل لهذه الأفعال و إنما قال إن الله هو الدهر من حيث نسبوا إلى الدهر أفعال الله تعالى. و قد حكى الله تعالى عنهم قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ و قال لبيد (2)
____________
(1) في الأصل (كما) و اتساق الكلام يقتضي أن يكون كما ذكرنا.
(2) هو لبيد بن ربيعة الشاعر الجاهلي المشهور الذي أدرك الإسلام و أسلم توفّي سنة (40 ه) و (660 م) و هو صاحب احدى المعلقات السبع التي أولها
عفت الديار محلها فمقامها* * * بمنى تأبد غولها فرجامها
و له أمثال شعرية سائرة.
50
في قروم سادة من قومه* * * نظر الدهر إليهم و ابتهل
أي دعا عليهم (1). قصيدة في الآداب و الأمثال لابن دريد (2)
ما طاب فرع لا يطيب أصله* * * حمى مؤاخاة اللئيم فعله
و كل من آخى لئيما مثله* * * من يشتكي الدهر يطل في الشكوى
فالدهر ما ليس عليه عدوى* * * مستشعر الحرص عظيم البلوى
من أمن الدهر أتى من مأمنه* * * لا تستثر ذا لبد (3) من مكمنه
و كل شيء يبتغى من معدنه* * * لكل ناع ذات يوم ناعي
و إنما السعي بقدر الساعي* * * قد يهلك المرعي عنف الراعي
من يترك القصد تضق مذاهبه* * * دل على فعل امرئ مصاحبه
لا تركب الأمر و أنت عائبه* * * من لزم التقوى استبان عدله
من ملك الصبر عليه عقله* * * نجا من العار و بان فضله
____________
(1) تجد الكلام على ذلك في أمالي المرتضى ج (1) ص 45.
(2) في الأصل (لابن دريده) و هو أبو بكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي (223- 321 ه) من مشاهير علماء الأدب و اللغة و الشعر، و هو شاعر، له ديوان شعر، و عده ابن شهرآشوب من شعراء أهل البيت، و ذكر من شعره قوله.
أهوى النبيّ محمّدا و وصيه* * * و ابنيه و ابنته البتول الطاهرة
أهل الولاء فاني بولائهم* * * أرجو السلامة و النجا في الآخرة
و له مؤلّفات عديدة منها كتاب الجمهرة في اللغة، و له مقاطيع محبوكة الطرفين، و قصيدة في المقصور و الممدود، و المقصورة المشهورة التي تبلغ حوالي مائتي بيت، و هو أستاذ لجماعة من العلماء منهم أبو سعيد السيرافي و أبو عبد اللّه المرزباني، و قد مات هو و أبو هاشم الجبائي في يوم واحد، فقال الناس يموت ابن دريد و أبو هاشم. انظر الفهرست ص 91- 92 و الأمل قسم (2) ص 62.
(3) صفة للأسد.
51
يجلو اليقين كدر الظنون* * * و المرء في تقلب الشئون
حتى توفاه يد المنون* * * يا رب حلو سيعود سما
و رب حمد تحوز ذما* * * و رب روح (1) سيصير هما
من لم تصل فارض إذ حباكا* * * و أوله حمدا إذا قلاكا
أو أوله منك الذي أولاكا* * * ما لك إلا عليك مثله
لا تحمدن المرء ما لم تبله* * * و المرء كالصورة لو لا فعله
يا ربما أدرئت اللجاجة* * * ما ليس للمرء إليه حاجة
و ضيق أمر يبتغي انفراجه* * * ليس يقي من لم يق الله الحذر
و ليس يقدر امرؤ على القدر* * * و القلب يعمى مثلما يعمى البصر
كم من وعيد يخرق الآذانا* * * كأنما يعنى به سوانا
أصمنا الإهمال بل أعمانا* * * ما أفسد الخرق و ساء الرفق
و خير ما أنبأ عنك الصدق* * * كم صعقة دل عليها البرق
لكل ما يؤذي و إن قل ألم* * * ما أطول الليل على من لم ينم
و سقم عقل المرء من شر السقم* * * أعداء غيب إخوة التلاقي
يا سوأتا لهذه الأخلاق* * * كأنما اشتقت من النفاق
أنف الفتى و هو صريم أجدع (2)* * * من وجهه و هو قبيح أشنع
هل يستوي المحظوظ و المضيع
____________
(1) الراحة و الرحمة.
(2) الصريم و الأجدع بمعنى واحد و هو الأقطع.
52
ما منك من لم يقبل المعاتبة* * * و شر أخلاق الفتى المؤاربة
ينجيك مما نكره المجانبة* * * متى تصيب الصاحب المهذبا
هيهات ما أعسر هذا المطلبا* * * و شر ما طالبته ما استصعبا
أف لعقل الأشمط النصاب* * * رب معيب فعله عياب
ذم الكلام حذر الجواب* * * لكل ما يجري جواد كبوة
ما لك إلا إن قبلت عفوه* * * من ذا الذي يسقيك عفوا صفوه
لا يسلك الشر سبيل الخير* * * و الله يقضي ليس زجر الطير
كم قمر عاد إلى قمير* * * لم يجتمع جمع لغير بين
لفرقه كل اجتماع اثنين* * * يعمى الفتى و هو البصير العين
الصمت إن ضاق الكلام أوسع* * * لكل جنب ذات يوم مصرع
كم جامع لغيره ما يجمع* * * ما لك إلا ما بذلت مال
في طرفة العين يحول الحال* * * و دون آمال الفتى الآجال
كم قد بكت عين و ليس تضحك* * * و ضاق من بعد اتساع مسلك
لا تبرمن أمرا عليك يملك* * * خير الأمور ما حمدت غبه
لا يرهب المذنب إلا ذنبه* * * و المرء مقرون بمن أحبه
كل مقام فله مقال* * * كل زمان فله رجال
و للعقول تضرب الأمثال* * * دع كل أمر منه يوما تعتذر
عف كل ورد غير محمود الصدر* * * لا تنفع الحيلة في ماضي القدر
53
نوم امرئ خير له من يقظة* * * لم يرضه فيه الكرام الحفظة
و في صروف الدهر للمرء عظة* * * مسألة الناس لباس ذل
من عف لم يسأم و لم يمل* * * فارض من الأكثر بالأقل
جواب سوء المنطق السكوت* * * قد أفلح المبتدئ الصموت
ما حم (1) من رزقك لا يفوت* * * في كل شيء عبرة لمن عقل
قد يسعد المرء إذا المرء اعتدل* * * ترجو غدا و دون ما ترجو الأجل
من لك بالمحض و ليس محض* * * يخبث بعض و يطيب بعض
و رب أمر قد نهاه النقض* * * كم زاد في ذنب جهول عذره
ذا مرض يعنى عليك أمره* * * يخشى امرؤ شيئا و لا يضره
يا رب إحسان يعود ذنبا* * * و رب سلم سيعود حربا
و ذو الحجى يحمل إن أحبا* * * قد يدرك المعسر في إعساره
ما لم يبلغ الموسر في إيساره* * * و ينتهي الهاوي إلى قراره
الشيء في نقص إذا تناها* * * و النفس تنقاد إلى رداها
مذعنة يحتث سائقاها* * * الناس في فطرتهم سواء
و إن تساوت بهم الأهواء* * * كل بقاء بعده فناء
لم يغل شيء و هو موجود الثمن* * * مال الفتى ما قصه لا ما احتجن
إذا حوى جثمانه ثرى الجبن
____________
(1) حمّ: قدّر
54
المال يحكي الغي في أثقاله* * * و إنما المنفق من أمواله
ما غمر الخلة من سؤاله
من لاح في عارضة القتير (1)* * * فقد أتاه بالبلى النذير
ثم إلى ذي العزة المصير* * * رأيت غب الصبر مما يحمد
و إنما النفس كما تعدد* * * و شر ما يطلب ما لا يوجد
إن اتباع المرء كل شهوة* * * ليلبس القلب لباس قسوة
و كبوة العجب أشد كبوة* * * من يزرع المعروف يحصد ما رضي
لكل شيء غاية ستنقضي* * * و الشر موقوف لدى التعرض
لا يأكل الإنسان إلا ما رزق* * * ما كل أخلاق الرجال تتفق
هان على النائم ما يلقى الأرق* * * من يلذع الناس يجد من يلذعه
لسان ذي الجهل وشيكا يوقعه* * * لا يعدم الباطل حقا يدمغه
كل زمان فله نوابغ* * * و الحق للباطل ضد دامغ
لا يغصك المشرب و هو سائغ* * * رب رجاء قص من مخافة
و رب أمن سيعود آفة* * * ذو النجح لا يستبعد المسافة
كم من عزيز قد رأيت ذلا* * * و كم سرور مقبل تولى
و كم وضيع شال فاستقلا* * * لا خير في صحبة من لا ينصف
و الدهر يجفو أمره و يلطف* * * و الموت يفني كل عين تطرف
____________
(1) القتير هو الغبار و أراد به هنا الشيب مجازا.
55
رب صباح لامرئ لا يمسه* * * حتف الفتى موكل بنفسه
حتى يحل في ضريح رمسه* * * إني أرى كل جديد بالي
و كل شيء فإلى زوال* * * فاستشف من جهلك بالسؤال
آن رحيلا فأعد الزادا* * * آن معادا فاحذر المعادا
لا يملك العمر و إن تمادى* * * إنك مربوب مدين تسأل
و الدهر عن ذي غفلة لا يغفل* * * و كلما قدمته محصل
حتى يجيء يومك المؤجل
فصل
رُوِيَ عَنْ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ (ع) أَنَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَتَمَ ثَلَاثَةً فِي ثَلَاثَةٍ رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ وَ كَتَمَ سَخَطَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ وَ كَتَمَ وَلِيَّهُ فِي خَلْقِهِ وَ لَا يَسْتَخِفَّ أَحَدُكُمْ شَيْئاً مِنَ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَ لَا يَسْتَقِلَّنَّ أَحَدُكُمْ شَيْئاً مِنَ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّهَا سَخَطُ اللَّهِ وَ لَا يُزْرِيَنَّ أَحَدُكُمْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُّهُمْ وَلِيُّ اللَّهِ
وَ مِنْ كَلَامِهِ ص مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَ سَاءَتْهُ مَعْصِيَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِرَجُلَيْنِ عَالِمٍ مُطَاعٍ وَ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ كَفَى بِالنَّفْسِ غِنًى وَ بِالْعِبَادَةِ شُغُلًا لَا تَنْظُرُوا إِلَى صَغِيرِ الذَّنْبِ وَ لَكِنِ انْظُرُوا إِلَى مَنِ اجْتَرَأْتُمْ
وَ قَالَ (ع) آفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ وَ آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ وَ آفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ وَ آفَةُ الطرف [الظَّرْفِ] الصَّلَفُ لَا حَسَبَ إِلَّا بِتَوَاضُعٍ وَ لَا كَرَمَ إِلَّا بِتَقْوَى وَ لَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ وَ لَا عِبَادَةَ إِلَّا بِيَقِينٍ
56
إِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ إِنْ كَانَ ذَمِيمَ الْمَنْظَرِ حَقِيرَ الْخَطَرِ وَ إِنَّ الْجَاهِلَ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ إِنْ كَانَ جَمِيلَ الْمَنْظَرِ عَظِيمَ الْخَطَرِ أَفْضَلُ النَّاسِ أَعْقَلُ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ الْعَقْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ كَمُلَ عَقْلُهُ وَ مَنْ لَمْ تَكُ فِيهِ فَلَا عَقْلَ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَ حُسْنُ الطَّاعَةِ وَ حُسْنُ الصَّبْرِ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آلَةٌ وَ عُدَّةٌ وَ آلَةُ الْمُؤْمِنِ وَ عُدَّتُهُ الْعَقْلُ وَ لِكُلِّ تَاجِرٍ بِضَاعَةٌ وَ بِضَاعَةُ الْمُجْتَهِدِينَ الْعَقْلُ وَ لِكُلِّ خَرَابٍ عِمَارَةٌ وَ عِمَارَةُ الْآخِرَةِ الْعَقْلُ وَ لِكُلِّ سَفَرٍ (1) فُسْطَاطٌ يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ وَ فُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ الْعَقْلُ
فصل
رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ص أَنَّهُ قَالَ الْعَقْلُ وِلَادَةٌ وَ الْعِلْمُ إِفَادَةٌ وَ مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ زِيَادَةٌ
وَ رُوِيَ عَنْهُ (ع) أَنَّهُ قَالَ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ (ع) عَلَى آدَمَ (ع) فَقَالَ يَا آدَمُ أُمِرْتُ أَنْ أُخَيِّرَكَ فِي ثَلَاثٍ فَاخْتَرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً وَ دَعِ اثْنَتَيْنِ فَقَالَ آدَمُ وَ مَا الثَّلَاثُ قَالَ الْعَقْلُ وَ الْحَيَاءُ وَ الدِّينُ فَقَالَ آدَمُ فَإِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ الْعَقْلَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ لِلْحَيَاءِ وَ الدِّينِ انْصَرِفَا فَقَالا يَا جَبْرَئِيلُ إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْعَقْلِ حَيْثُ كَانَ قَالَ فَشَأْنَكُمَا وَ عَرَجَ
مسألة إن سأل سائل فقال كيف يحسن مخاطبة الحياء و الدين و كيف يصح منهما النطق و هما داخلان في باب الأعراض التي لا تقوم بأنفسها و لا تصح الحياة و النطق منهما. الجواب قيل له هذا مجاز من القول و توسع في الكلام و المعنى فيه أنهما لو كانا حيين قائمين بأنفسهما تصح المخاطبة لهما و النطق لكان هذا حكمهما و المحكي عنهما جوابهما.
____________
(1) سفر: القوم المسافرون.
57
و قد يستعمل العرب ذلك في كلامها و هو نوع من أنواع فصاحتها قال الشاعر
امتلأ الحوض و قال قطني (1)* * * مهلا رويدا قد ملأت بطني
و نحن نعلم أن الحوض لا يصح منه النطق و لكنه استعار النطق لأنه عنده لو كان في صورة ما ينطق لكان هذا قوله. خبر آخر في هذا المعنى و هو المشتهر بين الخاصة و العامة
مِنْ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلُ فَقَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ فَقَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ بِكَ أُعْطِي وَ بِكَ أَمْنَعُ وَ بِكَ أُثِيبُ وَ بِكَ أُعَاقِبُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أَحْبَبْتُ (2)
. فالمعنى فيه نظير ما تقدم هو أن العقل لو كان قائما بنفسه حتى يوجد مفردا لكان أول شيء خلقه الله تعالى لفضله و لأن المنازل العالية لا تستحق إلا به و لو كان حيا قادرا لصح منه امتثال أمر الشارع إلى ما يؤمر به و لم يقع خلاف للمراد منه. و هذا كله بينة على شرف العقل و جلالته و حث على وجوب الرجوع إليه و التمسك بحججه و في القرآن لذلك نظائر
فصل مما ورد في القرآن في هذا المعنى
فمن ذلك قول الله عز و جل إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فدليل شاهد بأن المراد بذلك ليس هو القول و لا يصح فيه حقيقة الأمر لأنه لو كان يأمر الشيء في الحقيقة بالكون كان لا يخلو من حالين
____________
(1) معناه حسبي
(2) تجد أكثر هذا الحديث في كتاب مشكاة الأنوار ص 227 و في كتاب الأربعين للمجلسيّ و هو الحديث الثاني من أحاديثه ص 5 رواه بأسانيده.
58
إما أن يأمره بذلك و الشيء في حال عدمه أو في حال وجوده. و محال أن يأمره و هو في حال عدمه لأن المعدوم في الحقيقة ليس بشيء فيتوجه إليه الأمر. و الذين يثبتون أنه شيء في حال عدمه من المتكلمين (1) لا يخالفون في أنه لا يصح أن يؤمر. و محال أيضا أن يأمره و هو في حال وجوده لأن الموجود هو الكائن. و لا يقال للكائن كن كما لا يقال للساكن اسكن. و أيضا فلو كان يأمره في الحقيقة بالكون لكان الشيء المأمور هو الذي يفعل نفسه و يكونها. و لا يصح من شيء أن يفعل إلا أن يكون حيا قادرا و لا يصح منه أن يفعل الحكم المتقن إلا بعد كونه عالما. و هذا كله (2) على أن المعدوم لا يؤمر و لا يفعل نفسه. و لم يبق إلا أن يكون ذلك مجازا في القول. و المراد به الإخبار عن تيسر الفعل على الله سبحانه أنه إذا أراده و أنه غير متعذر منه و متى أراد كونه كان بغير حائل و لا مانع حتى كان الذي يريده لو كان حيا قادرا يصح أن يكون نفسه ثم أمره الله تعالى بذلك ليبادر إليه و لم يتأخر عنه.
____________
(1) اختلف المتكلمون في المعدوم هل هو شيء أم لا، فذهب بعضهم إلى أن المعدوم في حال عدمه شيء، و استدلوا بآيات منها: قوله تعالى (وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً) إذ سماه شيئا في حال عدمه، و قوله تعالى: (إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ) عبر عنها بكلمة شيء و هي معدومة و قبل أن تكون. و أنكر بعضهم أن يكون المعدوم شيئا و استدلوا بآيات منها:
قوله تعالى: (وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً)
و قوله تعالى: (أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً) و قوله أيضا: (لم يكن شيئا مذكورا) فقد نفى عن الذي لم يكن و كان معدوما أن يكون شيئا و حملوا تلك الآيات التي استدل بها مثبتوا الشيئية للمعدوم كما فعل المؤلّف على المجاز.
(2) لعله قد سقطت كلمة (يدل) و وضعناها ليستقيم الكلام.
59
و مثل ذلك قول الله عز و جل ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. و ليس المراد أن السماء و الأرض و هما جماد نطقتا و إنما المعنى تيسر فعلهما و ما أراده فيهما. فكأنهما لو كانتا في حكم الأحياء القادرين الذين يصح منهم النطق و الإتيان لقالتا إذا أمرنا بالإتيان أتينا طائعين. و نظير هذا في الكلام كثير. و الناس يجعلون من تيسر منه الفعل كان فعله قد أطاعه و يقولون للشاعر الحاضر الخاطر إن القوافي لتسمع له و تطيع و إنك لتراها رأي العين و إنها لمحصورة بين يديك. و مرادهم أنها لا تتعذر عليه متى رامها و لا يتوقف شيء منها إذا قصدها. فكأنها لو كانت في حيزها ترى لرآها أو في حكم من يطيع لأطاعت أمره إذا أمرها. فأما الإخبار عن السماء و الأرض بأنهما قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ بلفظ التذكير فيحتمل أن يكون المعنى أتينا بمن فينا و من يصح فيه التذكير و من ذلك قول الله عز و جل يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ و جهنم في الحقيقة لا يصح أن تخاطب و لا يقع منها القول. فالمعنى أنها لو كانت في حكم من يخاطب و يصح منها القول لقالت هَلْ مِنْ مَزِيدٍ. و قيل في الآية بوجه آخر. و هو أن الذكر لها و الخطاب في الحقيقة متوجه لخزنتها و هم القائلون هَلْ مِنْ مَزِيدٍ.
60
و إنما أضيف ذلك إليها كما يقال قالت البلدة الفلانية أي قال أهلها و قال الله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها و المراد أهلها. و من ذلك قول الله عز و جل يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و قوله جل اسمه وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالقول عندنا في ذلك كله إنه على الاستعارة و مجاز اللغة دون الحقيقة. و المعنى فيه أن الجوارح لو كانت مما تنطق لنطقت على أصحابها بالشهادة و قالت أنطقنا الله. و قد يجوز في أبعاض الإنسان ما تقام الشهادة بفعله و إن لم يكن نطق و العرب تقول رب عين أنطق من لسان و يقولون عيناك تشهد بسحرك و نظرك يدل على خبرك. و الشواهد على هذا كثيرة و فيما ذكرناه كفاية
مسألة من عويص النسب
ألا قل لابن أم حماة أمي* * * أنا ابن أخ ابن أختك غير وهم
فلو زوجت أختك من أخ لي* * * فأولدها غلاما كان عمي
و كان أخي لذاك العم عما* * * و صار العم مثل دمي و لحمي
فمن أنا منك أو من أنت مني* * * أجب إن كنت ذا لب و فهم
الجواب القائل ابن ابن المقول له هو خال أبي القائل و أخت المقول له هي أم أبي القائل
61
فإذا تزوجها أخو القائل لأمه و هو جائز لأنه لا قرابة بينها فأولدها غلاما فالغلام عم القائل لأنه يصير أخا لأبيه و يكون القائل أيضا عما للغلام من الأم و كانت إخوة القائل من أبيه و أمه أعماما للغلام
فصل في ذكر الدنيا
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الدُّنْيَا دُوَلٌ فَاطْلُبْ حَظَّكَ مِنْهَا بِإِجْمَالِ الطَّلَبِ
وَ قَالَ (ع) مَنْ أَمِنَ الزَّمَانَ خَانَهُ وَ مَنْ غَالَبَهُ هَانَهُ
وَ قَالَ الدَّهْرُ يَوْمَانِ يَوْمٌ لَكَ وَ يَوْمٌ عَلَيْكَ فَإِنْ كَانَ لَكَ فَلَا تَبْطَرْ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ فَاصْبِرْ فَكِلَاهُمَا عَنْكَ يَمْضِى
قال بعض الشعراء
و إن امرأ دنياه أكثر همه* * * لمستمسك منها بحبل غرور
و قال بعضهم إياك الاغترار بالدنيا و الركون إليها فإن أمانتها كاذبة و آمالها خائبة و عيشها نكد و صفوها كدر و أنت منها على خطر إما نعمة زائلة و إما بلية نازلة و إما مصيبة موجعة و إما منية مفجعة و قال آخر صاحب الدنيا في حرب يكابد الأهواء لتقدح و الجهالة لتقمح و الأرواع لتندفع و الآمال لتنال و المكروه ليزال و بعض ذلك عن بعض
62
شاغل و المشغل عنه ضائع فلما رأى الحكماء أنه لا سبيل إلى إحكام ذلك تركوا ما يفنى ليحرزوا ما يبقى
فصل في ذكر الأمل
رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ يَأْتِي رِزْقُكَ وَ أَنْتَ تَحْزَنُ وَ يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِكَ وَ أَنْتَ لَا تَحْزَنُ تَطْلُبُ مَا يُطْغِيكَ وَ عِنْدَكَ مَا يَكْفِيكَ
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ كَانَ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ غَداً فَإِنَّهُ يَأْمُلُ أَنْ يَعِيشَ أَبَداً
و قال بعضهم الآمال لا تنتهي و الحي لا يكتفي و قيل ما أطاع عبد أمله إلا قصر عمله و قال آخر لا يلهك الأمل الطويل عن الأجل القصير و قال آخر من جرى في عنان أمله (1) عثر بأجله و قال آخر إنك إذا أدركت أملك قربك من أجلك و إذا أدركك أجلك لم تبلغ أملك لابن الرومي (2)
____________
(1) في الأصل (عمله) و هذه الكلمة للإمام عليّ (عليه السلام) انظر: نهج البلاغة ص 567 رقم 18.
(2) ابن الرومي هو أبو الحسن عليّ بن العباس بن جريح و قيل جرجيس ولد سنة (221 ه) و توفي سنة (283 أو 284 ه) و قيل بل في سنة (276 ه). و هو من الشعراء الموهوبين المبدعين و كان يتشيع و قصيدته الجمية في رثاء يحيى العلوي شاهد على ذلك.
و الأبيات التي ذكرها المؤلّف هي من قصيدته التي جرى فيها مجرى لزوم ما لا يلزم التي يقول فيها:-
63
خمسون عاما كنت آملها* * * كانت أمامي ثم خلفتها
كنز حياة لي أنفقته* * * على تصاريف تطرفتها
لو كان عمري ماية هدني* * * تذكري أني تسوفتها
فصل في ذكر الموت
رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوباً يَا ابْنَ آدَمَ لَا تَشْتَهِي حتى تَمُوتُ حَتَّى تَتُوبَ وَ أَنْتَ لَا تَتُوبُ حَتَّى تَمُوتَ
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ
و
قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ رَأَيْتُمُ الْأَجَلَ وَ مَسِيرَهُ لَأَبْغَضْتُمُ الْأَمَلَ وَ غُرُورَهُ
و أنشد
نراع لذكر الموت ساعة ذكره* * * فتعترض الدنيا فنلهو و نلعب
و قيل إن امرأ آخره الموت لحقيق أن يخاف ما بعده
وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) سَمِعَ إِنْسَاناً يَقُولُ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فَقَالَ قَوْلُنَا إِنَّا لِلَّهِ إِقْرَارٌ مِنَّا لَهُ بِالْمُلْكِ وَ قَوْلُنَا وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ (1)
____________
-
لهفى على الدنيا و هل لهفة* * * تنصف منها إن تلهفتها
كم آهة لي قد تأوهتها* * * فيها و من أف تأففتها
أغدو و لا حال تسنمتها* * * فيها و لا حال تردفتها
(1) هذه الكلمة من كلمات الإمام عليّ (عليه السلام) المروية في نهج البلاغة من باب المختار من حكمه رقم (99) ص 582 و انظر: تحف العقول ص 145.
64
و قيل إن من عجائب الدنيا أنك تبكي على من تدفنه و تطرح التراب على وجه من تكرمه قال أبو نواس (1)
غر جهولا أمله* * * يموت من جا أجله
و من دنا من يومه* * * لم تغن عنه حيله
و كيف يبقى آخر* * * قد مات عنه أوله
لا يصحب الإنسان من* * * دنياه إلا عمله
قال أبو ذؤيب (2)
و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع
غيره
ننافس في الدنيا و نحن نعيبها* * * و قد حذرتناها لعمري خطوبها
و ما نحسب الساعات نقطع مدة* * * على أنها فينا سريع دبيبها
كأني برهطي يحملون جنازتي* * * إلى حفرة يحثى علي كثيبها
و باكية حرى تنوح و أنني* * * على غفلة من صوتها لا أجيبها
____________
(1) هو أبو علي الحسن بن هاني بن عبد الأول بن الصباح الحكمي، كان جده مولى الجراح بن عبد اللّه الحكمي والي خراسان، و نسبه إلى مولاه المذكور، ولد أبو نؤاس سنة 141 ه و توفي سنة 195 أو 197 أو 198 ه، و هو من مشاهير الشعراء المجيدين و خاصّة في الخمريات و الغزل. و هو معدود في شعراء الشيعة و له مدائح في أهل البيت (عليهم السلام).
(2) أبو ذؤيب هو خويلد بن خالد بن محرّث بن مخزوم ينتهي نسبه إلى نزار، و قد أدرك الجاهلية و الإسلام، و عاش إلى أيّام عثمان بن عفان و خرج غازيا لأفريقية مع عبد اللّه بن أبي سرح و مات في مصر و البيت هو من قصيدة قالها في رثاء أولاده الخمسة الذين هلكوا في عام واحد، و هي قصيدة جيدة طويلة أولها:
أ من المنون و ريبها تتوجع* * * و الدهر ليس بمعتب من يجزع
65
أيا هادم اللذات ما منك مهرب* * * يحاذر نفسي منك ما سيصيبها
رأيت المنايا قسمت بين أنفس* * * و نفسي سيأتي بعد ذاك نصيبها
لأبي إسحاق الصابي (1) من قطعة كتبها إلى الشريف الرضي أبي الحسن الموسوي و هو هذا
و إني على عيب الردى في جوانبي* * * و ما كف من خطوي و بطش بناني
و إن لم يدع إلا فؤادا مروعا* * * به غير باق من الخفقان
تلوم تحت الحجب تنقب حكمة* * * إلى أذن تصغي لنطق لساني
لأعلم أني ميت عاق دفنه* * * دماء قليل في غد هو فان
و إن فما للأرض غرثان حائما* * * يراصد من أكلي حضور أوان
به فترة عم الورى لفجائع* * * تركن فلانا ثاكلا لفلان
غدا فاغرا يشكو الطوى فهو راتع* * * و ما تلتقي يوما له شفتان
و كيف و حد القوت منه فناؤنا* * * و ما دون ذاك الحد رد عيان
____________
(1) هو إبراهيم بن هلال بن هارون الحرّانيّ الصابئي، من ألمع الأدباء المشاهير في العصر العباسيّ، و من الكتاب المهرة البلغاء و قد أطراه كل من عرض لترجمته و نعته بصفات عالية. و توفي عام (384 ه) و كان صديقا حميما للشريف الرضي، حتى أن الشريف رثاه بعد موته بقصيدة دالية معروفة أولها:
أعلمت من حملوا على الأعواد* * * أ رأيت كيف خبا ضياء النادي
66
إذا عاصيا بالنسك ممن يعوله* * * فلا أولا منه بمهلك ثان
إلى ذات يوم لا ترى الأرض وارثا* * * سوى الله من إنس تراه و جان
لغيره
فكم من صحيح بات للموت آمنا* * * أتته المنايا رقدة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة* * * فرارا و لا منه بحيلة انتفع
فأصبح تبكيه النساء مكفنا* * * و لا يسمع الداعي إذا صوته رفع
و قرب من لحد فصار مقيله* * * و فارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فصل في ذكر الموت و القتل و ما بينهما
اعلم أن الموت غير القتل و الذي يدل على أنهما غيران قول الله عز و جل فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ و قوله تعالى وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ و قوله سبحانه ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا و ليس يجوز أن يكون التأكيد و التكرير في اللفظين يرجعان إلى معنى واحد. و يدل على ذلك أيضا العلم بأن الله سبحانه ليس بقاتل لمن مات حتف أنفه.
67
و لو قال قائل في ميت إن الله قتله لأعاب العقلاء عليه. و الموت و القتل عرضان و ليسا بجسمين. و قد قال شيخنا المفيد رضي الله عنه (1) إن القتل متولد عن الأسباب و محله محل حياة الأجسام و الموت معنى يضاد حياة الفاعل المخلوق و لا يصح حلوله في الأجسام قال و هذا مذهب يختص بي. و القتل عند جميع أهل العدل من مقدورات العباد و الموت لا يقدر عليه أحد إلا الله تأويل آية إن سأل سائل عن قول الله سبحانه وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (2). فقال كيف يصح أن يسأل من لا عقل له و أي فائدة في سؤالها عن ذلك و لا ذنب لها و ما الموءودة و من أي اشتقاق هذه اللفظة جواب قلنا في قوله تعالى سُئِلَتْ وجهان
____________
(1) هو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثي العكبري البغداديّ، ولد عام (336 أو 338 ه و توفي 413 ه). و هو من أعمدة الشيعة في العلم و الكلام و الفقه و الآثار، و أكبر شخصية شيعية علمية في القرن الرابع الهجري في الكلام و المناظرة.
و شيعه يوم وفاته ثمانون ألفا. و قال عنه ابن حجر العسقلاني: «برع في العلوم حتّى كان يقال: له على كل إمام منة».
و مؤلّفاته قد تجاوزت المأتي كتاب في مختلف المواضيع العلمية، و لا يزال بعضها حيا إلى اليوم، و قد طبع شيء منها.
و قد كتبنا عنه دراسة مسهبة في كتابنا «فلاسفة الشيعة» ص (454- 469) فراجع
(2) انظر الكلام على هذه الآية في أمالي المرتضى م 2 ص 279- 282.
68
أحدهما أن يكون المراد أن قاتلها طولب بالحجة في قتلها و سئل عن سبب قتله لها و بأي ذنب قتلها و ذلك على سبيل التوبيخ و التعنيف و إقامة الحجة. فالقتلة هاهنا هم المسئولون على الحقيقة لا المقتولة مسئول عنها. و مثله قوله تعالى وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي مطالبا به و مسئولا عنه. و الوجه الآخر أن يكون السؤال توجه إلى الموءودة على الحقيقة توبيخا لقاتلها و تقريعا له على أنه لا حجة له في قتلها. و يجري هذا مجرى قوله تعالى لعيسى (ع) أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ على طريق التوبيخ لقومه و إقامة الحجة عليهم. فإن قيل على هذا الوجه كيف يخاطب و يسأل من لا عقل له و لا فهم فالجواب أن في الناس من زعم أن الغرض بهذا القول إذا كان تبكيه القائل و تهجينه و إدخال الغم عليه في ذلك الموقف على طريق العقاب لم يمتنع أن يقع و إن لم يكن من الموءودة فهم لأن الخطاب و إن توجه إليها فالغرض في الحقيقة به غيرها. و هذا يجري مجرى رجل ضرب ضارب طفلا له من ولده فأقبل الرجل على ولده يقول له لم ضربت و ما ذنبك و بأي شيء استحل هذا منك و غرضه تبكيت الظالم لا خطاب الطفل. و في الناس من قال إن توجه السؤال إلى الموءودة و إن كان الغرض فيه تبكيت القاتل فإنه لا يكون إلا و الموءودة قد أكملت لها العقل و جعلت على أفضل الهيئات لأنها في القيامة تعوض عما نالها بالنعيم الدائم فلا بد من إكمال عقولها لتعرف عدل الله
69
تعالى و يحسن التذاذها بما وصل إليها فليس يتوجه السؤال إليها إلا و هذه حالها. و
قَدْ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ص وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُمَا وَ عَنْ غَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ قَرَءُوا إِذَا الْمَوْءُودَةُ سَأَلَتْ بِفَتْحِ السِّينَ وَ الْهَمْزَةِ وَ إِسْكَانِ التَّاءِ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلْتُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ وَ ضَمِّ التَّاءِ الثَّانِيَةِ فَكَانَتِ الْمَوْءُودَةُ وَ الْقَائِلَةُ.
و أما الموءودة فهي المقتولة صغيرة و كانت العرب في الجاهلية تدفن البنات أحياء و هو قوله أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ و هو قوله عز و جل قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ و يقال إنهم كانوا يفعلون ذلك لأمرين أحدهما أنهم كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله فألحقوا البنات بالله فهو أحق بالبنات و الأمر الآخر أنهم كانوا يقتلونهم خشية الإملاق قال الله عز و جل لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
فصل في معرفة الاسم و الصفة
اعلم أن الاسم غير المسمى و الصفة غير الموصوف و الاسم و الصفة جميعا لا يكونان إلا قولا (1) من المسمى و الوصف أو كتابة يدل على ما يدل عليه القول
____________
(1) يعني أن الاسم و الصفة هما لفظان مأخوذان اشتقاقا من المسمى و الوصف.
70
و الاسم في الحقيقة ما دل على المسمى و الصفة ما دل على معنى في المسمى و في هذا اللفظ تجوز لأنها تعطي الظرفية و الحلول و ربما كان الموصوف غير ظرف و لا محل (1). و أقرب من هذا أن يقال إن الصفة ما أفادت أمرا يكون في الموصوف عليه. و إنما افتقر المتكلم إلى استعمال هذه الألفاظ لضيق العبارات عن استيفاء المعاني فإذا فهم من اللفظ الغرض جاز استعماله. فالاسم قولنا زيد و عمرو و نحو ذلك مما وسمت به الأشخاص و حصل لها ألقابا تتخصص بها عند الإشارات و ليست دالة على معنى في الموصوف و لا مفيدة أمرا هو عليه. و الصفة قولنا قادر و عالم و نحو ذلك مما يدل على أمور يكون الموصوف عليها. فقولنا قادر يفيد جواز وقوع الفعل منه و قولنا عالم يفيد صحة وقوع الفعل المحكم منه. فإن انكشف لنا الاعتبار عن خروج الموصوف عن هاتين الصفتين إلى ضدهما حتى يتعذر وقوع الفعل منه و يستحيل حصول الفعل المحكم المتقن منه فما ذاك إلا لأن فيه معنيين حالين و هما القدرة و العلم و بوجودهما صح منه فعل المحكم المتقن و هما عرضان متغايران و ضداهما العجز و الجهل و لا يكون هذا إلا و الموصوف محدث و ليس القدرة و العلم صفتين للقادر و العالم و إنما الصفة قول الواصف هذا قادر و هذا عالم أو كتابته الدالة على ذلك. و كذلك ليس السواد بصفة للأسود و إنما صفته قولنا هذا أسود و من خالف في هذا فقد غلط.
____________
(1) كما إذا كانت الصفة صادرة عن الموصوف لا قائمة فيه كالقتل و الضرب و سائر الأفعال الصادرة عنه، و لم يكن محلا لها.
71
إلا أن يقال إن العلم للعالم و السواد للأسود على وجه التوسع في الكلام فذلك جائز. و إن كشف لنا الاعتبار عن استحالة خروج الموصوف عما وصف به و بطلان وصفه بضده فما ذاك إلا لأنها صفات نفسية و لهذا قلنا إن الله قادر و عالم لنفسه و إنه لا علم و لا قدرة في الحقيقة له لاستحالة خروجه من جواز وقوع الفعل المحكم المتقن منه. فالمعاني التي دلت الصفات عليها هي ما استفدناه من حال الموصوف. و قد ظنت المجبرة أن الصفة غير الوصف و قالوا إن الصفة معنى قائم بالموصوف و الوصف هو قول الواصف و هذا فاسد و الصفة هي الوصف و هما مصدران لفعل واحد تقول وصف يصف صفة و وصفا و هذا كالوهب و الواهب و الهبة و الوعد و العدة تقول وهب يهب هبة و وهبا و وعد يعد عدة و وعدا
أسماء الله و حقيقتها فصل في معرفة أسماء الله تعالى و حقيقتها
فأما أسماء الله تعالى كلها فعائدة إلى الصفات لأنها دالة على معان و متضمنة لفوائد و ليس فيها اسم يخلو من ذلك و يجري مجرى اللقب إنما وضع على شخص تقع الإشارة إليه ليفرق بينه و بين ما شاركه في جنسه من الأشخاص المتماثلة. و لما كان الله تعالى يجل عن المجانسة و يرتفع عن المماثلة استحال أن يكون في أسمائه لقب و وجب أن يكون جميعها مفيدا للمعاني كما تفيد الصفات فأما التسمية له تعالى بالله فإنه يفيد من المعنى وله العباد إليه و تعلق نفوسهم به و رغبتهم عند الشدائد في إزالة المكروه إليه. و قد روي عن الصادق (ع) في هذا المعنى مثل ما ذكرناه في الحقيقة و إن خالفه في بعض اللفظ.
72
فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ الْإِلَهُ يَقْتَضِي وَالِهاً وَ الْوَالِهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَأْلُوهٍ وَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى (1)
و الأصل في قولنا الله إله ثم دخلت الألف و اللام للتعريف فصار الإله فأسقطت الهمزة الثانية تخفيفا و جعلت اللامان لاما واحدة مشددة فقيل الله. فأما التسمية له بالرحمن الرحيم فهو أن الرحمن مشتق من فعل الرحمة على سبيل المبالغة في الوصف لوقوعها في الفعل على حد لا يصح وقوعها عليه من أحد من الخلق.
وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ (2) (ع) صِحَّةُ ذَلِكَ فَقَالَ الرَّحْمَنُ لِسَائِرِ الْخَلْقِ الرَّحِيمُ بِالْمُؤْمِنِينَ
فكان أحد الاسمين مشتق من عموم الرحمة و هو الرحمن و الآخر من خصوصها و هو الرحيم. فأما تسميته باللطيف فيفيد اجتماع الحكمة و الرحمة و نفوذ مراده إذا شاء وقوعه على الحتم بلطائفه التي يلطف بها لخلقه على العلم بمصالحهم. و هذا معروف في اللسان تقول العرب فلان لطيف في أمره و فلان لطيف في صنعته إذا أرادوا وصفه بالحكمة في تدبيره. و أما الخبير فيفيد علمه بالأشياء على حقائقها و تبينه لها على أوصافها و أما الكريم فهو مشتق من فعل الكرم و هو التفضل بالنعم و الصفح عن الذنوب و التطول بالمنن.
____________
(1) الحديث المروي عن الصادق (عليه السلام) هكذا بعد أن سأله هشام بن الحكم عن أسماء اللّه و اشتقاقاتها قال:
اللّه مشتق من إله، و إله يقتضي مألوها، و الاسم غير المسمى، فمن عبد الاسم و المعنى فقد اشرك و عبد الاثنين، و من عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد. انظر توحيد الصدوق ص 219.
(2) هو الإمام محمّد بن علي الباقر خامس الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) ولد عام (57 ه) و توفي عام (114 ه)
73
و أما الجواد فهو مشتق من الجود و هو التفضل كما ذكرناه في معنى الكرم غير أن لفظه أبلغ في الوصف في معنى الكرم من لفظ كريم. و أما الغني فيفيد القدرة على ما يريد من غير معين عليه و ليس تستحق هذه السمة مع الله عز و جل على الحقيقة غيره و من وصف بها من المخلوقين فعلى سبيل الاتساع. و أما السخي فمعناه عند من حقق إطلاقه على الله سبحانه بذل النعم و التفضل بها. و قد أبت جماعة من أهل التوحيد إطلاق السخاء على الله تعالى لأنه لم ينقطع عذري (1) بكتاب منزل و لا سنة متواترة و لا إجماع و لا أثر مستفيض جاء عن الصادقين (ع) في تسمية الله تعالى بالسخاء و ليس له معنى تدل عليه العقول. و قد ذكر بعض أهل التوحيد العارفين باللغة أنه مأخوذ من السخاوة و هي الأرض الرخوة. و قد ثبت أن الأسماء لا تؤخذ إلا سماعا فلهذا وقفت و لم أقدم. و أما قولنا رب مأخوذ من التربية ثم نقل إلى الملك. و قولنا مالك مشتق من الملك. و جميع ما سوى هذا مما سمى الله تعالى به نفسه فصفات مفيدة لمعان يفهم ذلك من تأمله
فصل في تمييز صفات الله تعالى
اعلم أن جميع ما يوصف به على حقيقة و المراد به معنى الوصف. و قسم يوصف به مجازا و اتساعا و المراد به غير حقيقة ذلك الوصف. و صفات الحقائق تنقسم أيضا قسمين.
____________
(1) هكذا وردت في الأصل، و لعلّ الأصوب (عذرهم)
74
فقسم صفات ذاتية و هي التي لم يزل عليها و لا يزول عن استحقاقها. و قسم صفات أفعال و هي التي تجددت عند فعله الأفعال و لا يصح أن يقال إنه عليها فيما لم يزل
بيان صفات الذات و الدليل عليها
و هي قولنا حي باق و قادر و عالم و كذلك موجود و قديم فهذه الصفات استحقها لنفسه لا لمعنى آخر و الدليل على ذلك أنه لو كان حيا بحياة و باقيا ببقاء و قادرا بقدرة و عالما بعلم كان حياته و بقاؤه و قدرته و علمه لا يخلو عن حالين إما أن تكون معاني قديمة معه و إما أن تكون حادثة فلو كانت قديمة لشاركته في أخص صفاته و ماثلته فيبطل التوحيد و قد تقدمت الأدلة على صحته. و أيضا فلو ماثلت الصفة الموصوف لم تكن صفة له بأولى من أن يكون هو صفة لها. و إن كانت هذه المعاني الموصوف بها أعني الحياة و البقاء و القدرة و العلم حادثة وجب أن يكون قبل حدوثها غير مستحق للوصف بها. و قد ثبت الأدلة (1) على أنه سبحانه لم يزل حيا باقيا قادرا عالما. و لو كانت أيضا حادثة لم يكن لها غناء عن محدث أحدثها. و لا يصح أن يكون محدثا غيره تعالى لأنه الفاعل الأول و القديم الذي لم يزل فكيف يفعل الحياة لنفسه من ليس بحي أو يحدث القدرة من ليس بقادر. و العاقل يعلم أن هذا مستحيل باطل.
____________
(1) الأولى ثبت بالأدلة بزيادة الباء
75
فعلم أنه حي و باق و قادر و عالم لنفسه لا لمعان غيره. و ربما أطلق اللفظ اتساعا بأن له قدرة و علما قال (1) الله سبحانه كذا و المعنى أنزله و هو عالم به و يقول المتكلمون قدرة الله عظيمة و المعنى التعظيم لمقدوره و أنه لا يعجزه شيء أراده. فأما عند التحقيق فهو قادر عالم لنفسه.
وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ وُجِدَ اللَّهُ تَعَالَى وَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مَعْلُومِهِ عِلْمُ غَيْرِهِ بِهِ كَانَ عَالِماً بِمَعْلُومِهِ
و هذا القول عنه (ع) (2) إنه تعالى عالم لنفسه و ذاته و إنه لا علم في الحقيقة له تعالى الله الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. و قد ذهب المجبرة إلى أن الله تعالى موصوف بصفات قديمة معه و أنها ليست غيره و لا بعضها غير بعض. و هذا خروج عما يعقل و يفهم لأن العقول شاهدة بأن الأشياء التي يقع عليها العدد و يشملها الوجود و يختص كل منها بدليل لا تكون إلا غيارا (3) بعضها سوى بعض. و قد قال لهم أهل العدل. إذا كانت لله تعالى صفات قديمة و ليست غيره بقولها إنها أو هي هو فإن العقل يقضي بأنه لا بد لكم في إثباتكم من أحد هذه الثلاثة الأقسام. قالت المجبرة كل واحد من هذه الثلاثة الأقسام قد ثبت الدليل على بطلانه فلا سبيل إلى قوله. و لكنا نقول ليست الصفات عين الموصوف و لا غيره و لا بعضه.
____________
(1) ربما سقطت من الناسخ كلمة و قيل: فيصح الكلام هكذا و قيل قال اللّه ...
(2) في الأصل تكرير أنّه و يحتمل سقوط كلمة (يعني) أو ما يماثلها.
(3) يعني بها المغايرة.
76
فقال لهم أهل العدل و قد هربتم من أن تقولوا بأحد هذه الأقسام لبطلانه و صرتم إلى ادعاء ما لا تتصور العقول صحته بل يشهد بفساده و بطلانه فأخبرونا ما الفرق بينكم في قولكم إن صفاته لا هي هو و لا غيره و لا بعضه. قالت المجبرة هذا القول مناقضة. قالت العدلية و قولكم في التناقض مثله و أي شيء أردتموه في إبطال ما عارضناكم به فقولكم يبطل بمثله. و قد قالت المجبرة أيضا في نصرة مذهبها إنا لم نر عالما إلا و له علم و لا قادرا إلا و له قدرة فلما كان الله عالما قادرا وجب أن يكون له علم و قدرة. قال لها أهل العدل إنكم إنما عولتم في ذلك على الشاهد فقولوا إن علم الله تعالى غيره و كذلك قدرته غيره لأنكم لم تروا في الشاهد عالما و قادرا إلا و هذا حكمه و قولوا أيضا إن علم الله تعالى محدث و كذلك قدرته و جميع صفاته لأنكم لم تروا ذات صفات إلا و صفاته محدثة فاحتالوا في الخلاص مما لزمكم على سنن قياسكم
بيان صفات الأفعال
اعلم أن صفة الفعل هي كل صفة داخلة في باب المضاف و معنى ذلك أن يكون يقتضي وجود غير الموصوف كقولنا إله و رب و مالك و فاعل و جواد و رزاق و راحم و متكلم و صادق و نحو ذلك. لأنا قد بينا أن الإله واله و الواله لا يكون إلا موجودا و الرب يقتضي مربوبا و كذلك مالك يقتضي وجود المملوك لأنه لا يقال قد ملك المعدوم و فاعل صفة لا شبهة في أنها لا تصح إلا إذا وجد المفعول نعوذ بالله من القول
77
بأن القديم لم يزل فاعلا لأن ذلك يقتضي أنه لم يتقدم أفعاله فيصير الفاعل قديما و جميع صفات الأفعال جارية هذا المجرى لمن تأملها. أ لا ترى لو قلنا إنه جواد فيما لم يزل اقتضى ذلك فعله للجود فيما لم يزل و وجود من يجود عليه أيضا فيما لم يزل. و كذلك قولنا متكلم يقتضي وجود كلام إذا تكلم فكلام الله تعالى أحد أفعاله كما أن رزقه أحد أفعاله و هو موجود قبل كلامه. فأما صادق فلا يصح إلا بعد صحة التكلم و الجميع صفات أفعال على ما تبين
فصل في فروق صفة الذات و صفة الفعل
الفروق بينهما كثيرة فمنها أن تنظر الصفة التي تصف الله تعالى بها فإن كانت داخلة في باب المضاف فهي نفسية كقولنا موجود و قديم و باق و حي. و كذلك إن كانت تقتضي إضافته إلى أمر غير موجود كقولنا قادر فالقادر لا يكون إلا على مقدور و لكن المقدور غير موجود. و يجري مجرى ذلك قولك عالم لأنه لا يكون عالما إلا بمعلوم و قد يصح أن يكون المعلوم معدوما غير موجود. فأما ما سوى ذلك من الصفات الداخلة في باب المضاف المقتضية إثبات غير الموصوف مما يكون موجودا غير معدوم فكلها صفات أفعال. فرق آخر و منها أن كل صفة تصف الله تعالى بها و لا يجوز أن يدخلها التخصيص فتثبتها له في حال و تنفيها منه في أخرى فهي صفة نفسية كقولك موجود و حي و قادر و عالم فإنه لا يجوز أن ينتفي عنه و لا يتخصص شيء من ذلك. و كل صفة تصفه بها و يجوز التخصيص فيها فتثبتها في حال و تنفيها عنه
79
و هذا من صفات المخلوقين التي تستحيل أن يوصف في الحقيقة بها رب العالمين إذ كان سبحانه لا يعترضه الخواطر و لا يفتقر إلى أدنى روية و فكر إذ كان هذا على ما بيناه فإنما معنى قولنا إن الله تعالى مريد لأفعاله أنها وقفت و هو عالم بها غير شاغلة و لا هو موجودا لمسبب وجب من غيره مريدا له فصح إذا أردنا أن نخبر بأن الله تعالى يفعل لا من سهو و لا غفلة و لا بإيجاب من غيره أن تقول هو مريد لفعله و يكون هذا الوصف استعارة لأن حقيقته كما ذكرناه لا يكون إلا في المحدث. دليل و الذي يدل على صحة قولنا في وصف الله تعالى بالإرادة أنه سبحانه لو كان مريدا في الحقيقة لم يخل الأمر من حالين إما أن يكون مريدا لنفسه لوجب أن يكون مريدا للحسن و القبح كما أنه لو كان عالما لنفسه كان عالما بالحسن و القبح و إرادة القبح لا تجوز على الله سبحانه. و الكلام في هذا يأتي محررا على المجبرة في خلق الأفعال. فإذا ثبت أن الله عز و جل لا يجوز أن يريد المقبحات علم أنه غير مريد لنفسه و إن كان مريدا بإرادة لم تخل الإرادة من حالين إما أن تكون قديمة أو حادثة و يستحيل أن تكون قديمة بما بيناه من أنه لا قديم سواه عز و جل. و الكلام على المجبرة في هذا داخل في باب نفي الصفات التي ادعت المجبرة أنها قديمة مع الله تعالى. و أيضا فلو كان الله سبحانه مريدا فيما لم يزل إما لنفسه و إما بإرادة قديمة معه لوجب أن يكون مراده فيما لم يزل لأنه لا مانع له مما أراده و لا حائل بينه و بينه و لكان ما يوجده من الأفعال لا تختلف أوقاته و لا يتأخر بعضه عن بعض لأن الإرادة حاصلة موجدة في كل وقت و هذا كله موضح أنه عز و جل ليس بمريد فيما لم يزل لا لنفسه و لا لإرادة قديمة معه.
78
في غيرها فهي صفة فعل كقولك فاعل و راحم و رازق و متكلم فإنك تقول إنه سبحانه يفعل الخير و لا يفعل الشر و يرحم المؤمن و لا يرحم الكافر و يرزق زيدا و لا يرزق عمرا و كلم الله موسى و لم يكلم فرعون فيكون فيها صفات أفعال صح فيها التخصيص و هذا واضح. فرق آخر و هو أن كل ما استحال أن يوصف بالقدرة عليه و على ضده فهو من صفات ذاته أ لا ترى أنه يستحيل قولك يقدر أن يحيا و يقدر على الإحياء و يقدر على أن لا يقدر و يقدر على أن يعلم و يقدر على أن لا يعلم فهذه صفات ذاته فأما إن كان ما يوصف به يصح أن يوصف بالقدرة عليه و على ضده فهو من صفات الأفعال. أ لا ترى أنك تقول يقدر أن يفعل و يقدر أن لا يفعل و يقدر أن يرحم و يرزق و يقدر أن لا يرحم و لا يرزق و يقدر أن يتكلم و يقدر أن لا يتكلم فهذه كلها صفات أفعال فافهم ذلك
بيان صفات المجاز
فأما الذي يوصف الله تعالى به و مرادنا به غير حقيقة الوصف في نفسه فهو كثير فمنه مريد و كاره و غضبان و راض و محب و مبغض و سميع و بصير و راء و مدرك فهذه صفات لا تدل على وجوب صفة يتصف بها و إنما نحن متبعون للسمع الوارد بها و لم يرد السمع إلا على مجاز اللغة و اتساعاتها و المراد بكل صفة منها غير حقيقتها. القول في المريد اعلم أن المريد في الحقيقة و المعقولة هو القاصد إلى أحد الضدين اللذين خطرا بباله الموجب له بقصده و إيثاره دون غيره.
80
و إذا بطل هذا لم يبق إلا أن يكون مريدا بعد أن لم يكن مريدا بإرادة محدثة و هذا أيضا يستحيل لأن الإرادة لا تكون إلا عرضا و العرض يفتقر إلى محل و الله تعالى غير محل للأعراض و لا يجوز أن تكون إرادته حالة في غيره كما لا يجوز أن يكون عالما بعلم يحل في غيره و قادرا بقدرة تحل في غيره. و لا يجوز أيضا أن تكون لا فيه و لا في غيره (1) لأنه عرض و العرض يفتقر إلى محل يحملها و يصح بوجوده وجودها. و لو جاز أن توجد إرادة لا في مريد بها و لا في غيره لجاز أن توجد حركة لا في متحرك بها و لا في غيره. فإن قيل إن الحركة هيئة للجسم و ليس يجوز أن تكون هيئة غير حالة فيه. قلنا و لم لا يجوز ذلك. فإن قيل لأن تغيير هيئة الجسم مدرك بالحاسة فوجب أن يكون المعنى الذي يتغير به حالا فيه. قلنا و كذلك المريد للشيء بعد أن لم يكن مريدا له قد يتغير عليه حس نفسه فوجب أن تكون إرادته تحله. فإن قيل أي شيء من الحواس تحس الإرادة. قلنا و بأي شيء يحس الصداع. فإن قيل إن الإنسان يدرك ألم الصداع في موضعه ضرورة. قلنا فلم نركم أشرتم إلى حاسة بعينها أدركه بها. و لنا أن نقول و كذلك المريد في الحقيقة يعلم بتغير حسه و يدرك ذلك من نفسه ضرورة
____________
(1) و قد ذهب هشام بن الحكم إلى أن صفات اللّه لبست هي هو و لا غيره تبعا للجهم بن صفوان، و استدلّ لهذا الرأي بأن حدوث الصفة في ذاته يلزم منه التغير في ذاته و إن يكون محلا للحوادث، و إن حدثت الصفة في محل فيكون الموصوف بالعلم مثلا هو ذلك المحل لا الباري تعالى و قد شرحنا ذلك في كتابنا «هشام بن الحكم» فراجع
84
لما ليس من فعله تعالى بطريق الاستعارة و المجاز و قول القائل يريد مني فلان المصير إليه أنما معناه أنه يأمرني بذلك و يأخذني به و أرادني فلان على كذا أي أمرني به فقولنا إن الله يريد من عباده الطاعة أنما معناه أنه يأمرهم بها. و قد تعبر بالإرادة عن التمني و الشهوة مجازا و اتساعا فيقول الإنسان أنا أريد أن يكون كذا أي أتمناه و هذا الذي كنت أريد أن يكون كذا أي أتمناه و هذا الذي كنت أريده أي أشتهيه و تميل نفسي إليه. و الاستعارات في الإرادات كثيرة فأما كراهة الله تعالى للشيء فهو نهيه عنه و ذلك مجاز كالإرادة فأعلمه
القول في الغضب و الرضا
و هاتان صفتان لا تصح حقيقتهما إلا في المخلوق لأن الغضب هو نفور الطباع و الرضا ميلها و سكون النفس و وصف الله تعالى بالغضب و الرضا أنما هو مجاز و المراد بذلك ثوابه و عقابه (1) فرضاه وجود ثوابه و غضبه وجود عقابه فإذا قلنا رضي الله عنه فإنما نعني أثابه الله تعالى و إذا قلنا غضب الله عليه فإنما نريد عاقبه الله فإذا علق الغضب و الرضا بأفعال العبد فالمراد بهما الأمر و النهي نقول إن الله يرضى الطاعة بمعنى يأمر بها و يغضب من المعصية بمعنى ينهى عنها
القول في الحب و البغض
و هاتان الصفتان أنما يوصف الله تعالى بها مجازا لأن المحبة في الحقيقة ارتياح النفس إلى المحبوب و البغض ضد ذلك من الأوزاع و التنفر الذي لا يجوز على القديم فإذا قلنا إن الله عز و جل يحب المؤمن و يبغض الكافر فإنما نريد بذلك أنه ينعم على المؤمن و يعذب الكافر و إذا قلنا إنه يحب من عباده
____________
(1) و بهذا المعنى وردت عدة أحاديث منها ما في حديث هشام بن الحكم عن الصادق (ع): قال (ع) من حديثه: فرضاه ثوابه، و سخطه عقابه من غير شيء يتداخله فيهيجه و ينقله من حال إلى حال، التوحيد للصدوق ص 160).
82
قال شيخنا المفيد (رحمه الله) و هذا نص من مولانا (ع) على اختياري في وصف الله تعالى بالإرادة و فيه نص على مذهب لي آخر منها و هو أن إرادة العبد تكون قبل فعله و إلى هذا ذهب البلخي (1). و القول في تقدم الإرادة للمراد كالقول في تقدم القدرة للفعل و قول الإمام (ع) في الخبر المقدم إن الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم من الفعل صريح في وجوب تقدمها للفعل إذ كان الفعل يبدو من العبد بعدها و لو كان الأمر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل باديا في حالها و لم يتأخر بدوة إلى الحال التي هي بعدها لها
فصل
اعلم أنا نذهب إلى أن الإرادة تتقدم المراد كتقدم القدرة للمقدور غير أن الإرادة موجبة للمراد و القدرة غير موجبة للمقدور و الإرادة مما لا يصح أن يفعل الشيء فضده بدلا منه و الجميع (2) أعراض لا يصح بقاؤها
فصل من القول في أن الإرادة موجبة
هو أن الحي متى فعل الإرادة لشيء وجب وجود ذلك الشيء إلا أن يمنعه منه غيره فأما أن يمتنع هو (3) من مراده فلا يصح ذلك. و من الدليل على صحة ما ذكرناه أنه قد ثبت تقدم الإرادة على المراد لاستحالة أن يريد الإنسان ما هو فاعل له في حال فعله فيكون مريدا للموجود كما يستحيل أن يقدر على الموجود و إذا ثبت أن الإرادة متقدمة للمراد لم يخل أمر المريد لحركة يده من أن يكون واجبا وجودها عقيب الإرادة بلا فصل أو كان يجوز عدم الحركة فلو جاز ذلك لم يعدم إلا بوجود السكون منه بدلا منها. و لو فعل السكون في الثاني من حال إرادته للحركة لم يخل من أن يكون
____________
(1) هو أبو القاسم البلخيّ و تقدمت ترجمته.
(2) في النسخة و الجمع.
(3) في النسخة كلمة (لا) بعد (هو) و هو غير واضح و لعلها زائدة
81
فصل من كلام شيخنا المفيد رضي الله تعالى عنه في الإرادة
قال الإرادة من الله جل اسمه نفس الفعل و من الخلق الضمير و أشباهه مما لا يجوز إلا على ذوي الحاجة و النقص. و ذاك أن العقول شاهدة بأن القصد لا يكون إلا بقلب كما لا تكون الشهوة و المحبة إلا لذي قلب و لا تصح النية و الضمير و العزم إلا على ذي خاطر يصور معها في الفعل الذي تغلب عليه الإرادة له و النية فيه و العزم. و لما كان الله تعالى يجل عن الحاجات و يستحيل عليه الوصف بالجوارح و الآلات و لا يجوز عليه الدواعي و الخطرات بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى التصور و العزمات و ثبت أن وصفه بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد و أنها (1) نفس فعله الأشياء و إطلاق الوصف بها عليه مأخوذ من جهة الاتباع (2) دون القياس و بذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى ع.
قَالَ شَيْخُنَا الْمُفِيدُ (رحمه الله) أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (3) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى قَالَ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ (ع) (4) أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِرَادَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ مِنَ الْخَلْقِ فَقَالَ الْإِرَادَةُ مِنَ الْخَلْقِ الضَّمِيرُ وَ مَا يَبْدُو لَهُمْ مِنَ الْفِعْلِ وَ الْإِرَادَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِحْدَاثُهُ الْفِعْلَ لَا غَيْرُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَلَّ اسْمُهُ لَا يَهُمُّ وَ لَا يَتَفَكَّرُ (5)
____________
(1) في الأصل و إن بها نفس فعله، و صوبناه لما ذكرناه اعتمادا على ما سيأتي.
(2) يعني به السماع.
(3) من علماء الإماميّة المحدثين الثقات و هو استاذ الشيخ المفيد، له مؤلّفات منها (كامل الزيارات) توفي عام 368 أو 367 ه.
(4) هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) المتوفّى سنة 183 ه و قيل بل 186 ه.
(5) روى الصدوق المتوفي عام 381 ه هذا الحديث في كتابه «التوحيد» مع تغيير في بعض ألفاظه لا تؤثر في روح الحديث.
83
فعله بإرادته له أو سهو عنه و محال أن يفعله بإرادة لأن ذلك موجب لاجتماع إرادتي الحركة و السكون لشيء واحد في حالة واحدة و محال وجود السكون في حال إرادته الحركة فيبطل جواز امتناع الإنسان مما قد فعل الإرادة له على ما شرحناه. مسألة إن قال قائل إذا كنتم تقولون إن إرادة الله تعالى لفعله هي نفس ذلك الفعل و لا تثبتون له إرادة غير المراد فما معنى قولكم أراد الله بهذا الخبر كذا و لم يرد كذا و أراد العموم و لم يرد الخصوص و أراد الخصوص و لم يرد العموم. جواب قيل له معنى ذلك أن في المقدور أخبارا كثيرة عن أشياء مختلفة فقولنا أراد كذا و لم يرد كذا فهو أنه فعل الخير الذي هو عن كذا و لم يفعل الخير الذي هو عن كذا و فعل القول الذي يفهم منه كذا و لم يفعل (1) القول الذي يفهم منه كذا. و هذا كقولنا إنا إذا قلنا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و أردنا القول كان ذلك قرآنا و إذا أردنا أن يكون منا شكر لله تعالى كان كذلك. فإنا لسنا نريد أن قولا واحدا ينقلب بإرادتنا قرآنا إن جعلناه قرآنا و يكون كلامنا إن جعلناه لنا كلاما و إنما معناه أن في مقدورنا كلامين نفعل هذا مرة و هذا مرة. فإن قال فكان من قولكم إن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إذا أردتم به القرآن يكون مقدورا لكم. قلنا هذا كلام في الحكاية و المحكي و له باب يختص به و سنورد إن شاء الله تعالى طرفا منه
فصل
فأما إرادة الله تعالى لأفعال خلقه فهي أمره لهم بالأفعال و وصفنا له بأنه يريد منهم كذا إنما هو استعارة و مجاز و كذلك كل من وصف بأنه مريد
____________
(1) في النسخة (و لم يفهم) و هي خطأ من الناسخ و الصواب ما ذكرناه.
85
الطاعة و يبغض منهم المعصية جرى ذلك مجرى الأمر و النهي أيضا على المعنى الذي قدمنا في الغضب و الرضا
القول في سميع و بصير
اعلم أن السميع في الحقيقة هو مدرك الأصوات بحاسة سمعه و البصير هو مدرك المبصرات بحاسة بصره و هاتان صفتان لا يقال حقيقتهما في الله تعالى لأنه يدرك جميع المدركات بغير حواس و لا آلات فقولنا إنه سميع أنما معناه لا تخفى عليه المسموعات و قولنا بصير معناه أنه لا يغيب عنه شيء من المبصرات و أنه يعلم الأشياء على حقائقها بنفسه لا بسمع و بصر و لا بمعان زائدة على معنى العلم. و قد جاءت الآثار عن الأئمة (ع) بما يؤكد ما ذكرناه.
قَالَ الْمُفِيدُ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ (ع) إِنَّ قَوْماً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمِيعٌ بَصِيرٌ كَمَا يَعْقِلُونَهُ قَالَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا يُعْقَلُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِ وَ لَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا عَنِ الرِّضَا (ع) أَنَّهُ قَالَ فِي كَلَامٍ لَهُ فِي التَّوْحِيدِ وَ صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَذَلِكَ بِأَنَّهُ سَمِيعٌ إِخْبَارٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَصْوَاتِ وَ لَيْسَ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيتِنَا بِذَلِكَ وَ كَذَلِكَ قَوْلُنَا بَصِيرٌ فَقَدْ جَمَعْنَا الِاسْمَ وَ اخْتَلَفَ فِينَا الْمَعْنَى وَ قَوْلُنَا أَيْضاً مُدْرِكٌ وَ رَاءٍ لَا يَتَعَدَّى بِهِ مَعْنَى عَالِمٍ فَقَوْلُنَا رَاءٍ مَعْنَاهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمَرْئِيَّاتِ وَ قَوْلُنَا مُدْرِكٌ مَعْنَاهُ عَالِمٌ بِجَمِيعِ الْمُدْرِكَاتِ فَهَذِهِ صِفَاتُ الْمَجَازَاتِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
القول في الخالق
اعلم أن حقيقة الخالق في لغة العرب هو المقدر للشيء قبل فعل المروى
86
المفكر فيه قال زهير بن أبي سلمى يمدح هرم بن سنان (1)
و لأنت تفري ما خلقت* * * و بعض القوم يخلق ثم لا يفري
و قال الحجاج بن يوسف (2) إني لا أعد إلا وفيت و لا أخلق إلا فريت. و الشواهد في هذا كثيرة. و إذا كان هذا حقيقة الخالق أعلم أن وصف الله تعالى به اتساع و تجوز و المراد به فاعل لأن الله تعالى لا يصح أن يقدر بروي و تفكر
فصل في صفة أهل الإيمان
فِي كِتَابِ الْمَحَاسِنِ لِلْبَرْقِيِ (3) قَالَ مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِمَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ فَإِذَا هُوَ بِقَوْمٍ بِيضٍ ثِيَابُهُمْ صَافِيَةٍ أَلْوَانُهُمْ كَثِيرٍ ضِحْكُهُمْ يُشِيرُونَ بِأَصَابِعِهِمْ إِلَى مَنْ مَرَّ بِهِمْ ثُمَّ مَرَّ بِمَجْلِسٍ لِلْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ فَإِذَا هُوَ بِقَوْمٍ بَلِيَتْ مِنْهُمُ الْأَبْدَانُ وَ رَقَّتْ مِنْهُمُ الرِّقَابُ وَ اصْفَرَّتْ مِنْهُمُ الْأَلْوَانُ قَدْ تَوَاضَعُوا بِالْكَلَامِ فَتَعَجَّبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مِنْ ذَلِكَ وَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
____________
(1) زهير بن أبي سلمى من الشعراء الجاهليين المتقدمين و من أصحاب المعلقات المعروفة، و هو صاحب المعلقة التي أولها:
أ من أم أوفى دمنة لم تكلم* * * بحومانة الدراج فالمتثلم
و هو ممن كان يتأله في شعره من الجاهليين، و يكاد يكون مدحه وقفا على هرم بن سنان المري، و البيت الذي استشهد به المؤلّف هو من قصيدة أولها:
لمن الديار بقنّة الحجر* * * أقوين من حجج و من شهر
و توفي عام 14 قبل الهجرة و عام 608 م
(2) هو من أعاظم رجال الأمويين و قوادهم، و من جبابرة القواد و طغاتهم و لولاه لانهار ملك بني مروان، و لما قامت لهم قائمة، توفي بواسط المدينة التي بناها سنة 83 ه و كانت وفاته سنة (95 ه) و 713 م.
(3) هو أبو جعفر أحمد بن محمّد بن خالد البرقي القمّيّ توفّي سنة (274 ه) أو (280 ه) من أعلام الإماميّة في الآثار و الأحاديث، و كتابه المحاسن يحتوي على ثمانين كتابا و له سواه كتب عديدة.
87
ص فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ لآِلِ فُلَانٍ ثُمَّ وَصَفَهُمْ ثُمَّ قَالَ وَ جَمِيعٌ مُؤْمِنُونَ فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِصِفَةِ الْمُؤْمِنِ فَنَكَسَ رَسُولُ اللَّهِ ص رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ عِشْرُونَ خَصْلَةً فِي الْمُؤْمِنِ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ لَمْ يَكْمُلْ إِيمَانُهُ إِنَّ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ يَا عَلِيُّ الْحَاضِرُونَ الصَّلَاةَ وَ السَّارِعُونَ إِلَى الزَّكَاةِ وَ الْمُطْعِمُونَ الْمَسَاكِينِ وَ الْمَاسِحُونَ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَ الْمُطَهِّرُونَ أَظْفَارَهُمْ وَ الْمُتَّزِرُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ الَّذِينَ إِنْ حَدَّثُوا لَمْ يَكْذِبُوا وَ إِنْ وَعَدُوا لَمْ يُخْلِفُوا وَ إِنْ تَمَنَّوْا لَمْ يَخُونُوا وَ إِنْ تَكَلَّمُوا صَدَقُوا رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ أُسْدٌ بِالنَّهَارِ صَائِمُونَ النَّهَارَ قَائِمُونَ اللَّيْلَ لَا يُؤْذُونَ جَاراً وَ لَا يَتَأَذَّى بِهِمْ جَارٌ الَّذِينَ مَشْيُهُمْ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَ خُطَاهُمْ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَ إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَ عَلَى أَثَرِ الْمَقَابِرِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكُمُ الْمُتَّقِينَ
أَخْبَرَنِي أَبُو الرَّجَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَالِبٍ الْبَلَدِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُ (1) قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِجَابٍ الْأَزْدِيُّ بِالْكُوفَةِ قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أبي [أَبُو] خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنِي حَنَانُ بْنُ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ (ع) لِمَوْلَاهُ نَوْفٍ الشَّامِيِّ وَ هُوَ مَعَهُ فِي السَّطْعِ (2)
____________
(1) ينتهي نسبه إلى ذهل بن شيباني أصله من الكوفة، قضى عمره في طلب الحديث توفّي سنة 387 ه قال النجاشيّ عنه: كان في أول أمره ثبتا ثمّ خلط و رأيت جل أصحابنا يغمزونه و يضعفونه، و يكثر محمّد بن علي الحزاز في كتابه كفاية الأثر في النصوص على الأئمة الاثني عشر، الرواية عنه، و كذا الصدوق و خاصّة في كتابه كمال الدين و تمام النعمة. و للشيباني مؤلّفات منها مزار أمير المؤمنين (ع) و كتاب مزار الحسين (ع) و كتاب من روى حديث غدير خم.
(2) لعله السطح لكن في النهج قال: و قد خرج ذات ليلة و هو ينظر إلى النجوم و هذا الحديث مروي في النهج و في أمالي المفيد ص 78 و في تاريخ بغداد للخطيب م 7 ص 162 و في مروج-
88
يَا نَوْفُ أَ رَامِقٌ أَمْ نَبْهَانُ قَالَ نَبْهَانُ أَرْمُقُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَنْ شِيعَتِي قَالَ لَا وَ اللَّهِ قَالَ شِيعَتِي الذُّبْلُ الشِّفَاهِ الْخُمْص الْبُطُونِ الَّذِينَ تُعْرَفُ الرَّهْبَانِيَّةُ وَ الرَّبَّانِيَّةُ فِي وُجُوهِهِمْ رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ أُسْدٌ بِالنَّهَارِ الَّذِينَ إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ اتَّزَرُوا عَلَى أَوْسَاطِهِمْ وَ ارْتَدَوْا عَلَى أَطْرَافِهِمْ وَ صَفُّوا أَقْدَامَهُمْ وَ افْتَرَشُوا جِبَاهَهُمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا النَّهَارُ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ كِرَامٌ نُجَبَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ يَا نَوْفُ شِيعَتِي الَّذِينَ اتَّخِذُوا الْأَرْضَ بِسَاطاً وَ الْمَاءَ طِيباً وَ الْقُرْآنَ شِعَاراً إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا شِيعَتِي مَنْ لَمْ يَهِرَّ هَرِيرَ الْكَلْبِ وَ لَا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرَابِ وَ لَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ وَ لَوْ مَاتَ جُوعاً إِنْ رَأَى مُؤْمِناً أَكْرَمَهُ وَ إِنْ رَأَى فَاسِقاً هَجَرَهُ هَؤُلَاءِ وَ اللَّهِ يَا نَوْفُ شِيعَتِي شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ اخْتَلَفَتْ بِهِمُ الْأَبْدَانُ وَ لَمْ تَخْتَلِفْ قُلُوبُهُمْ قَالَ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَيْنَ أَطْلُبُ هَؤُلَاءِ فَقَالَ لِي فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ يَا نَوْفُ يَجِيءُ النَّبِيُّ ص يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخِذاً بِحُجْزَةِ رَبِّهِ جَلَّتْ أَسْمَاؤُهُ يَعْنِي يَحْمِلُ الدِّينَ وَ حُجْزَةَ الدِّينِ وَ أَنَا آخُذُ بِحُجْزَتِهِ وَ أَهْلُ بَيْتِي آخِذُونَ بِحُجْزَتِي وَ شِيعَتُنَا آخِذُونَ بِحُجْزَتِنَا فَإِلَى أَيْنَ إِلَى الْجَنَّةِ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَهَا ثَلَاثاً
وَ أَخْبَرَنِي أَيْضاً أَبُو الرَّجَاءِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَالِبٍ الرَّازِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ الْحَسَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْوَابِشِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ الْخَيَّاطُ قَالَ أَبُو الْمُفَضَّلِ الشَّيْبَانِيُّ وَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ الْبُنْدَارُ
____________
- الذهب ج 4 ص 193 و في حلية الأولياء ج 1 ص 79، و في الخصال للصدوق القمّيّ ج 1 ص 299. و نوف هو نوف البكالي و الراوي عنه هو أبو عبد اللّه الشاميّ كما في معجم رجال الحديث ج 19 ص 227.
89
بِالْكُوفَةِ مِنْ أَصْلِ كِتَابِهِ وَ هَذَا الْحَدِيثُ بِلَفْظِهِ وَ هُوَ أَتَمُّ سِيَاقَةً قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يَعْنِي يَحْيَى ابْنَ أُمِّ الطَّوِيلِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ عَرَضَتْ لِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) حَاجَةٌ فَاسْتَبْعَثْتُ إِلَيْهِ جُنْدَبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمٍ وَ ابْنَ أَخِيهِ هَمَّامَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ خَيْثَمٍ وَ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْبَرَانِسِ فَأَقْبَلْنَا مُعْتَمِدِينَ لِقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَأَلْفَيْنَاهُ حِينَ خَرَجَ يَؤُمُّ الْمَسْجِدَ فَأَفْضَى وَ نَحْنُ مَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مُتَدَيِّنِينَ قَدْ أَفَاضُوا فِي الْأُحْدُوثَاتِ تَفَكُّهاً وَ بَعْضُهُمْ يُلْهِي بَعْضاً فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَسْرَعُوا إِلَيْهِ قِيَاماً فَسَلَّمُوا وَ رَدَّ التَّحِيَّةَ ثُمَّ قَالَ مَنِ الْقَوْمُ فَقَالُوا أُنَاسٌ مِنْ شِيعَتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُمْ حُبّاً ثُمَّ قَالَ يَا هَؤُلَاءِ مَا لِي لَا أَرَى فِيكُمْ شِيمَةَ شِيعَتِنَا وَ حِلْيَةَ أَحِبَّتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ حَيَاءً قَالَ نَوْفُ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ جُنْدَبٌ وَ الرَّبِيعُ فَقَالا مَا سِمَةُ شِيعَتِكُمْ وَ صِفَتُهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَثَاقَلَ عَنْ جَوَابِهِمَا فَقَالَ اتَّقِيَا اللَّهَ أَيُّهَا الرَّجُلَانِ وَ أَحْسِنَا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَقَالَ هَمَّامُ بْنُ عُبَادَةَ وَ كَانَ عَابِداً مُجْتَهِداً أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَكْرَمَكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ خَصَّكُمْ وَ حَبَاكُمْ وَ فَضَّلَكُمْ تَفْضِيلًا إِلَّا أَنْبَأْتَنَا بِصِفَةِ شِيعَتِكُمْ فَقَالَ لَا تُقْسِمْ فَسَأُنَبِّئُكُمْ جَمِيعاً وَ أَخَذَ بِيَدِ هَمَّامٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَسَبَّحَ رَكْعَتَيْنِ وَ أَوْجَزَهُمَا وَ أَكْمَلَهُمَا ثُمَّ جَلَسَ وَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَ حَفَّ الْقَوْمُ بِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ خَلَقَ خَلْقَهُ فَأَلْزَمَهُمْ عِبَادَتَهُ وَ كَلَّفَهُمْ طَاعَتَهُ وَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِحَيْثُ وَضَعَهُمْ وَ وَصَفَهُمْ فِي الدِّينِ بِحَيْثُ وَصَفَهُمْ وَ هُوَ فِي ذَلِكَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ وَ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ مِنْهُمْ لَكِنَّهُ تَعَالَى عَلِمَ قُصُورَهُمْ عَمَّا يَصْلُحُ
90
عَلَيْهِ شُئُونُهُمْ وَ يَسْتَقِيمُ بِهِ أَوَدُهُمْ وَ هُمْ فِي عَاجِلِهِمْ وَ آجِلِهِمْ فَأَدَّبَهُمْ بِإِذْنِهِ فِي أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ فَأَمَرَهُمْ تَخْيِيراً وَ كَلَّفَهُمْ يَسِيراً وَ أَمَازَ سُبْحَانَهُ بِعَدْلِ حُكْمِهِ وَ حِكْمَتِهِ بَيْنَ الْمُوجِفِ مِنْ أَنَامِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَ مَحَبَّتِهِ وَ بَيْنَ الْمُبْطِئِ عَنْهَا وَ الْمُسْتَظْهِرِ عَلَى نِعْمَتِهِ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَتِهِ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ. ثُمَّ وَضَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ هَمَّامِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ أَلَا مَنْ سَأَلَ مِنْ شِيعَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ فِي كِتَابِهِ مَعَ نَبِيِّهِ تَطْهِيراً فَهُمُ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ الْعَامِلُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ أَهْلُ الْفَضَائِلِ وَ الْفَوَاضِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ وَ بَخَعُوا لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ وَ خَضَعُوا لَهُ بِعِبَادَتِهِ فَمَضَوْا غَاضِّينَ أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَاقِفِينَ أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ بِدِينِهِمْ نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّذِينَ نَزَلَتْ مِنْهُمْ فِي الرَّخَاءِ رِضًى عَنِ اللَّهِ بِالْقَضَاءِ فَلَوْ لَا الْآجَالُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَ الثَّوَابِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ صَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ رَآهَا فَهُمْ عَلَى أَرَائِكِهَا مُتَّكِئُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ دَخَلَهَا فَهُمْ فِيهَا يُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ وَ مَعْرِفَتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَلِيلَةً فَأَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً وَ تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبٌّ كَرِيمٌ أُنَاسٌ أَكْيَاسٌ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ طَلَبَتْهُمْ فَأَعْجَزُوهَا أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالُونَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا يَعِظُونَ أَنْفُسَهُمْ بِأَمْثَالِهِ وَ يَسْتَشْفُونَ لِدَائِهِمْ بِدَوَائِهِ تَارَةً وَ تَارَةً يَفْتَرِشُونَ جِبَاهَهُمْ وَ أَكَفَّهُمْ وَ رُكَبَهُمْ وَ أَطْرَافَ أَقْدَامِهِمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ وَ يُمَجِّدُونَ جَبَّاراً عَظِيماً وَ يَجْأَرُونَ إِلَيْهِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ هَذَا لَيْلُهُمْ فَأَمَّا نَهَارُهُمْ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ بَرَاهُمْ خَوْفُ بَارِئِهِمْ فَهُمْ أَمْثَالُ الْقِدَاحِ يَحْسَبُهُمُ النَّاظِرُ إِلَيْهِمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ خُولِطُوا وَ قَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ مِنْ عَظَمَةِ رَبِّهِمْ
91
وَ شِدَّةِ سُلْطَانِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ طَاشَتْ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَ ذَهَلَتْ مِنْهُ عُقُولُهُمْ فَإِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ بَادَرُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ لَا يَرْضَوْنَ بِالْقَلِيلِ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْجَزِيلَ فَهُمْ مِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِنْ ذُكِرَ أَحَدُهُمْ خَافَ مِمَّا يَقُولُونَ وَ قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ بِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي خَيْراً مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَإِنَّكَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وَ سَاتِرُ الْعُيُوبِ هَذَا وَ مِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنْ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً عَلَى عِلْمٍ وَ فَهْماً فِي فِقْهٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ كَيْساً فِي رِفْقٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ تَحَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ رَحْمَةً لِلْمَجْهُودِ وَ إِعْطَاءً فِي حَقٍّ وَ رِفْقاً فِي كَسْبٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ وَ تَعَفُّفاً فِي طَمَعٍ وَ طَمَعاً فِي غَيْرِ طَبَعٍ أَيْ دَنَسٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ اعْتِصَاماً فِي شَهْوَةٍ وَ بِرّاً فِي اسْتِقَامَةٍ لَا يُغَيِّرُهُ مَا جَهِلَهُ وَ لَا يَدَعُ إِحْصَاءَ مَا عَمِلَهُ يَسْتَبْطِئُ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ وَ هُوَ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ عَلَى وَجَلٍ يُصْبِحُ وَ شُغْلُهُ الذِّكْرُ وَ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً مِنْ سِنَةِ الْغَفْلَةِ وَ يُصْبِحُ فَرِحاً لِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا إِلَيْهِ تَشْرَهُ رَغْبَةً فِيمَا يَبْقَى وَ زَهَادَةً فِيمَا يَفْنَى قَدْ قَرَنَ الْعَمَلَ بِالْعِلْمِ وَ الْعِلْمَ بِالْحِلْمِ يَظَلُّ دَائِماً نَشَاطُهُ بَعِيداً كَسَلُهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ مُتَوَقِّعاً أَجَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ ذَاكِراً رَبَّهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ عَازِباً جَهْلُهُ مُحْرِزاً دِينَهُ مَيِّتاً دَاؤُهُ كَاظِماً غَيْظَهُ صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً مِنْ جَارِهِ سَهْلًا أَمْرُهُ مَعْدُوماً كِبْرُهُ ثَبْتَا صَبْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ لَا يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الْخَيْرِ رِيَاءً وَ مَا يَتْرُكُهُ حَيَاءً الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ بَيْنَ الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ مَعَ الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ قَرِيبٌ مَعْرُوفُهُ صَادِقٌ قَوْلُهُ حَسَنٌ فِعْلُهُ مُقْبِلٌ خَيْرُهُ مُدْبِرٌ شَرُّهُ غَائِبٌ مَكْرُهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ وَ لَا يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ وَ لَا يَجْحَدُ مَا عَلَيْهِ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ بِهِ عَلَيْهِ لَا يُضَيِّعُ مَا اسْتَحْفَظَهُ وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ وَ لَا يَغْلِبُهُ الْحَسَدُ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمُصَابِ مُؤَدٍّ لِلْأَمَانَاتِ عَامِلٌ بِالطَّاعَاتِ سَرِيعٌ إِلَى
92
الْخَيْرَاتِ بَطِيءٌ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَفْعَلُهُ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يَجْتَنِبُهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْأُمُورِ بِجَهْلٍ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ بِعَجْزٍ إِنْ صَمَتَ لَمْ يُعْيِهِ الصَّمْتُ وَ إِنْ نَطَقَ لَمْ يَعِبْهُ اللَّفْظُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ بِهِ صَوْتُهُ قَانِعٌ بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ لَا يَجْمَحُ بِهِ الْغَيْظُ وَ لَا يَغْلِبُهُ الْهَوَى وَ لَا يَقْهَرُهُ الشُّحُّ يُخَالِطُ النَّاسَ بِعِلْمٍ وَ يُفَارِقُهُمْ بِسِلْمٍ يَتَكَلَّمُ لِيَغْنَمَ وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ وَ أَتْعَبَهَا لِإِخْوَتِهِ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ لِيَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْتَصِرُ يَقْتَدِي بِمَنْ سَلَفَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ قَبْلَهُ فَهُوَ قُدْوَةٌ لِمَنْ خَلَفَ مِنْ طَالِبِ الْبِرِّ بَعْدَهُ أُولَئِكَ عُمَّالٌ لِلَّهِ وَ مَطَايَا أَمْرِهِ وَ طَاعَتِهِ وَ سُرُجُ أَرْضِهِ وَ بَرِيَّتِهِ أُولَئِكَ شِيعَتُنَا وَ أَحِبَّتُنَا وَ مِنَّا وَ مَعَنَا آهاً شَوْقاً إِلَيْهِمْ فَصَاحَ هَمَّامُ بْنُ عُبَادَةَ صَيْحَةً وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَحَرَّكُوهُ فَإِذَنْ هُوَ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَاسْتَعْبَرَ الرَّبِيعُ بَاكِياً وَ قَالَ لَأَسْرَعَ مَا أَوْدَتْ مَوْعِظَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِابْنِ أَخِي وَ لَوَدِدْتُ أَنِّي بِمَكَانِهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَجَلًا لَا يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لَنْ يَتَجَاوَزَهُ فَلَا تَعُدْ بِهَا فَإِنَّمَا يَنْفُثُهَا عَلَى لِسَانِكَ الشَّيْطَانُ قَالَ فَصَلَّى عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) عَشِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ شَهِدَ جَنَازَتَهُ وَ نَحْنُ مَعَهُ قَالَ الرَّاوِي عَنْ نَوْفٍ فَصِرْتُ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا حَدَّثَنِي نَوْفٌ فَبَكَى الرَّبِيعُ حَتَّى كَادَتْ نَفْسُهُ أَنْ تُقْبَضَ وَ قَالَ صَدَقَ أَخِي إِنَّ مَوْعِظَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ كَلَامَهُ ذَلِكَ مِنِّي بِمَرْأًى وَ مَسْمَعٍ مَا ذَكَرْتُ مَا كَانَ مِنْ هَمَّامِ بْنِ عُبَادَةَ يَوْمَئِذٍ وَ أَتَانِي هُنَيْئَةً إِلَّا كَدَّرَهَا وَ لَا شِدَّةٍ إِلَّا فَرَّجَهَا (1)
____________
(1) هذه الخطبة رواها ابن شعبة الحرّانيّ في تحف العقول ص 107- 109 و سليم بن قيس الهلالي في كتابه ص 160- 164، و أبو جعفر الكليني في أصول الكافي م 2 ص 226- 230 و سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 138- 139 و في نهج البلاغة، و غيرهم، انظر كتابنا مصادر نهج البلاغة ص 212.
93
فصل
مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ص فِي الْإِخْوَانِ وَ آدَابِ الْإِخْوَةِ فِي الْإِيمَانِ النَّاسُ إِخْوَانٌ فَمَنْ كَانَتْ إِخْوَانُهُ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ فَهِيَ عَدَاوَةٌ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ مَنْ قَلَبَ الْإِخْوَانَ عَرَفَ جَوَاهِرَ الرِّجَالِ أَمْحِضْ أَخَاكَ بِالنَّصِيحَةِ حَسَنَةً كَانَتْ أَمْ قَبِيحَةً سَاعِدْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ زُلْ مَعَهُ حَيْثُ زَالَ لَا تَطْلُبَنَّ مِنْهُ الْمُجَازَاةَ فَإِنَّهَا مِنْ شِيَمِ الدُّنَاةِ ابْذُلْ لِصَدِيقِكَ كُلَّ الْمَوَدَّةِ وَ لَا تَبْذُلْ لَهُ كُلَّ الطُّمَأْنِينَةِ وَ أَعْطِهِ كُلَّ الْمُوَاسَاةِ وَ لَا تُفِضْ إِلَيْهِ بِكُلِّ الْأَسْرَارِ تُوَفِّي الْحِكْمَةَ حَقَّهَا وَ الصَّدِيقَ وَاجِبَهُ لَا يَكُونُ أَخُوكَ أَقْوَى مِنْكَ عَلَى مَوَدَّتِهِ الْبَشَاشَةُ فَخُّ الْمَوَدَّةِ وَ الْمَوَدَّةُ قَرَابَةٌ مُسْتَفَادَةٌ لَا يُفْسِدُكَ الظَّنُّ عَلَى صَدِيقٍ أَصْلَحَهُ لَكَ الْيَقِينُ كَفَى بِكَ أَدَباً لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ لِأَخِيكَ عَلَيْكَ مِثْلُ الَّذِي لَكَ عَلَيْهِ لَا تُضَيِّعَنَّ حَقَّ أَخِيكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ مَنْ ضَيَّعْتَ حَقَّهُ وَ لَا يَكُنْ أَهْلُكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ اقْبَلْ عُذْرَ أَخِيكَ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْراً لَا يُكَلِّفُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ الطَّلَبَ إِذَا عَرَفَ حَاجَتَهُ لَا تَرْغَبَنَّ فِيمَنْ زَهِدَ فِيكَ وَ لَا تَزْهَدَنَّ فِيمَنْ رَغِبَ فِيكَ إِذَا كَانَ لِلْمُخَالَطَةِ مَوْضِعٌ لَا تُكْثِرَنَّ الْعِتَابَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الضَّغِينَةَ وَ يَجُرُّ إِلَى الْبَغِيضَةِ وَ كَثْرَتُهُ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ ارْحَمْ أَخَاكَ وَ إِنْ عَصَاكَ وَ صِلْهُ وَ إِنْ جَفَاكَ احْتَمِلْ زَلَّةَ وَلِيِّكَ لِوَقْتِ وَثْبَةِ عَدُوِّكَ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زَانَهُ وَ مَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ
94
مِنْ كَرَمِ الْمَرْءِ بُكَاهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ زَمَانِهِ وَ حَنِينُهُ إِلَى أَوْطَانِهِ وَ حِفْظُهُ قَدِيمَ إِخْوَانِهِ
فصل مما جاء نظما في الإخوان
رُوِيَ أَنَّ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ (ع) كَانَ يَتَمَثَّلُ كَثِيراً بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
أَخُوكَ الَّذِي لَوْ جِئْتَ بِالسَّيْفِ عَامِداً* * * لِتَضْرِبَهُ لَمْ يَسْتَغِشَّكَ فِي الْوُدِّ
وَ لَوْ جِئْتَهُ تَدْعُوهُ لِلْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ* * * يَرُدُّكَ إِبْقَاءً عَلَيْكَ مِنَ الْوُدِّ
و قال مسلم بن وابصة (1)
أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه* * * كأن به من كل فاحشة وقرا
سليم دواعي الصدر لا باسطا أذى* * * و لا مانعا خيرا و لا قائلا هجرا
إذا ما أتت من صاحب لك زلة* * * فكن أنت محتالا لزلته عذرا
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة* * * فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
. لغيره
إذا جمع الفتى حسبا و دينا* * * فلا تعدل به أبدا قرينا
و لا تسمح بحظك منه بل كن* * * بحظك من مودته ظنينا
. لآخر
و كنت إذا الصديق أراد غيظي* * * و أشرقني على حنق بريقي
غفرت ذنوبه و صفحت عنه* * * مخافة أن أعيش بلا صديق
(2). و لآخر
و من لا يغمض عينه عن صديقه* * * و عن بعض ما فيه يمت و هو عاتب
و من يتتبع جاهدا كل عثرة* * * يجدها و لا يسلم له الدهر صاحب
(3).
____________
(1) هو سالم بن وابصة الأسدي لا مسلم بن وابصة، و هو شاعر إسلامي تابعي، و أبوه وابصة بن سعيد صحابي جليل، و لسالم بن وابصة مقطعات شعرية في حماسة أبي تمام.
(2) رواهما ابن قتيبة في عيون الأخبار ج 7 ص 16 باختلاف كبير.
(3) في النسخة نقصان و تشويش، و قد صححنا البيتين عن الموشى للوشاء، و عن محاضرات الأدباء للأصفهاني و في عيون الأخبار ج 7 ص 16 و هما لكثير.
95
و قال إياس بن الفائق (1)
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم* * * و ترمي النوى بالمقترين المراميا
فأكرم أخاك الدهر ما دمتما معا* * * كفى بالممات فرقة و تنائيا
إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها* * * فقدت صديقي و البلاد كما هيا
. و قال حاتم بن عبد الله (2).
و ما أنا بالساعي بفضل زمامها* * * لتشرب ما في الحوض قبل الركائب
و ما أنا بالطاوي حقيقة (3) رحلها* * * لأبعثها حقا و أترك صاحبي
. لبعضهم
بدا حين أثرى بإخوانه* * * ففتك عنهم شباه العدم
و ذكرهم الحزم غب الأمور* * * فبادر قبل انتقال النعم
. لغيره
ألا إن عبد الله لما حوى الغنى* * * و صار له من بين إخوانه مال
رأى خلة منهم يسد بماله* * * فساواهم حتى استوت بهم الحال
. لموسى بن يقطين
تتبع إخوانه في البلاد* * * فأغنى المقل عن المكثر
. و لسليمان بن فلاح
لي صديق ما مسني عدم* * * مذ وقعت عينه على عدم
قام بعذري لما قعدت به* * * و نمت عن حاجتي و لم ينم
أغنى و أقنى و لم يسم كرما* * * يقبل كف له و لا قدم
.
____________
(1) هذه الأبيات من شعر حماسة أبي تمام و لم أجد لإياس هذا ترجمة.
(2) هو حاتم بن عبد اللّه الطائي من أجواد العرب و قد أصبح بجوده مضرب المثل و البيتان من قصيدة أولها
و مرقبة دون السماء علوتها* * * أقلب طرفي في فضاء السباسب
(3) في ديوان حاتم (حقيبة) و هو الأرجح.
96
لبشار بن برد و يكنى أبا معاذ و يلقب بالمرعث الداعمي (1)
إذا كنت في كل الأمور معاتبا* * * صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه* * * مفارق ذنب مرة و مجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى* * * ظمئت و أي الناس تصفو مشاربه
. لزياد الأعجم (2)
أخ لك لا تراه الدهر إلا* * * على العلات بساما جوادا
أخ لك ليس خلته بمذق* * * إذا ما ماد فقر أخيه عادا
. و له (3)
إذا كان ذواقا أخوك من الهوى* * * موجهة في كل فج مذاهبه
فخل له وجه الطريق و لا تكن* * * مطية رحال كثير مذاهبه
تخاف المنايا أن ترحل صاحبي* * * كأن المنايا في المقام تناسبه
. و لبشار أيضا
خير إخوانك المشارك في المر* * * و أين الشريك في المر أينا
الذي إن شهدت سرك في الناس* * * و إن غبت كان أذنا و عينا
مثل سر العقيان إن مسه النار* * * جلاه البلا فازداد زينا
.
____________
(1) هو بشار بن برد مولى بني عقيل و قيل بل لبني سدوس و يكنى أبا معاذ، و يلقب بالمرعث، و المرعث هو الذي جعل في أذنيه الرعاث و هي الأقراط، و لا أعرف سبب نسبته إلى الداعمي، و هو من فحول الشعراء الإسلاميين، و من أشعر المحدثين طبعا و استرسالا و عمقا، أتهم بالزندقة، و قتل على ذلك سنة 167/ 168 ه و يشك في صحة هذه التهمة الموجهة، و الأرجح أنّها سياسية لا عقائدية و خاصّة بعد قوله.
إن في البعث و الحساب لشغلا* * * عن وقوف برسم دار محيل
تجد أخباره في كتب الأدب و التاريخ كالأغاني و معاهد التنصيص و سواهما.
(2) هو زياد بن جابر بن عمرو مولى عبد القيس، كان ينزل اصطخر فغلبت العجمة على لسانه فقيل الأعجم، أصله و مولد و منشأه اصبهان، و مات بخراسان، أحد الشعراء المجيدين في عهد بني أميّة، و له مدائح جياد في المهلب بن أبي صفرة، أخباره موجودة في الأغاني ج 14 و الشعر و الشعراء لابن قتيبة.
(3) كذا في النسخة و هنا سقوط كلمة (و أيضا) أو كلمة لغيره).
97
و أنشدت لابن نعمة الخطيب مما قاله في مجلس ابن خالويه (1)
أيها العالم الذي ملأ الأرض علمه* * * قلت لما جرحت قلبي بحال تغمه
لا يفر الحوار أن يتوطاه أمه* * * و لعمري لضمه كان أحلى و شمه
لا تهجم (2) على الصديق بشيء يغمه* * * فإذا أحوج (3) الشجاع (4) بدا منه سمه
. قال و أنشد لغيره
لا (5) توردن على الصديق من* * * الدعاية ما يغمه
و احذر بوادر طيشه* * * يوما إذا ما طال حلمه
فالعجل تنطحه على* * * إدمان مس الضرع أمه
____________
(1) هو أبو عبد اللّه الحسين بن أحمد بن خالدية من شيوخ العربية البارزين، دخل بغداد و أخذ من علمائها كابن الأنباري و ابن عمر و الزاهد و ابن دريد و السيرافي و انتقل إلى حلب و لزم سيف الدولة الحمداني، و هو من علماء الشيعة و مؤلّفاته كثيرة منها: (كتاب ليس) و هو مبني على أنه ليس في كلام العرب كذا و (كتاب الآل) و عرض فيه للأئمة الاثني عشر و مواليدهم و وفياتهم، و كتاب في إمامة عليّ (عليه السلام) و (شرح مقصودة ابن دريد)، و أورد السيّد ابن طاوس في كتاب الإقبال دعاء عن ابن خالدية في أعمال شهر شعبان عن عليّ (عليه السلام)
قال: كان أمير المؤمنين و الأئمة (ع) يدعون به في شهر شعبان.
و توفي في حلب سنة (370 ه)
و له شعر منه قوله:
إذا لم يكن صدر المجالس سيد* * * فلا خير فيمن صدرته المجالس
و كم قائل ما لي رأيتك راجلا* * * فقلت له من أجل أنك فارس
(2) هكذا في النسخة و الوزن معها غير مستقيم و لعله (لا تهجمن).
(3) هكذا في النسخة و المعنى معها قلق و لعله في الأصل (أحرج) بدل أحوج.
(4) الشجاع هو ذكر الحية.
(5) ليس في الأصل كلمة (لا) و قد وضعناها ليستقيم الوزن و المعنى.
98
فصل آخر في ذكر الإخوة و الإخوان
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا آخَى أَحَدُكُمْ رَجُلًا فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَ اسْمِ أَبِيهِ وَ قَبِيلَتِهِ وَ مَنْزِلِهِ فَإِنَّهُ مِنْ وَاجِبِ الْحَقِّ وَ صَافِي الْإِخَاءِ وَ إِلَّا فَهُوَ مَوَدَّةٌ حَمْقَاءُ
وَ رُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ قَالَ لِابْنِهِ سُلَيْمَانَ (ع) يَا بُنَيَّ لَا تَسْتَدِلَّنَّ بِأَخٍ أَخاً مُسْتَفَاداً مَا اسْتَقَامَ لَكَ وَ لَا تَسْتَقِلَّنَّ أَنْ يَكُونَ لَكَ عَدُوٌّ وَاحِدٌ وَ لَا تَسْتَكْثِرَنَّ أَنْ يَكُونَ لَكَ أَلْفُ صَدِيقٍ
و أنشد لأمير المؤمنين ع
و ليس كثيرا ألف خل و صاحب* * * و إن عدوا واحدا لكثير
وَ رُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ (ع) قَالَ لَا تَحْكُمُوا عَلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ حَتَّى تَنْظُرُوا مَنْ يُصَاحِبُ فَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرَّجُلُ بِأَشْكَالِهِ وَ أَقْرَانِهِ وَ يُنْسَبُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَ إِخْوَانِهِ
وَ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهماِ) وَحْشَةٌ فَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ (ع) لِمَ لَا تَدْخُلُ عَلَى أَخِيكَ وَ هُوَ أَسَنُّ مِنْكَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ أَيُّمَا اثْنَانِ جَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا رِضَا صَاحِبِهِ كَانَ سَابِقاً لَهُ إِلَى الْجَنَّةِ فَأَكْرَهُ أَنْ (1) أَسْبِقَ أَبَا مُحَمَّدٍ إِلَى الْجَنَّةِ فَبَلَغَ ذَلِكَ (2) الْحَسَنَ (ع) فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهماِ) فَاسْتَرْضَاهُ
حَدَّثَنِي الشَّرِيفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ طَاهِرٍ الْحُسَيْنِيُّ (رحمه الله) وَ كَتَبَ لِي بِخَطِّهِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ الْبَطَائِنِيِّ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ وَقَعَ بَيْنَ أَبِي عَبْدِ
____________
(1) في النسخة إذا فصوبناها (أن).
(2) في النسخة زيادة (إلى) و الأصوب حذفها.
99
اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) وَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ كَلَامٌ حَتَّى ارْتَفَعَ الضَّوْضَاءُ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِمَا فَتَفَرَّقَا عَشِيَّتَهُمَا تِلْكَ ثُمَّ غَدَوْتُ فِي حَاجَةٍ لِي فَإِذَا أَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) عَلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا جَارِيَةُ قُولِي لِأَبِي مُحَمَّدٍ هَذَا جَعْفَرٌ بِالْبَابِ قَالَ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا بَكَّرَ بِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) إِنِّي ذَكَرْتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الْبَارِحَةَ فَأَقْلَقَتْنِي قَالَ وَ مَا هِيَ فَقَالَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ صَدَقْتَ وَ اللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ قَطُّ
وَ رُوِيَ فِي الْكَامِلِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ افْتَقَدَ صَدِيقاً لَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَيْنَ كَانَتْ غَيْبَتُكَ قَالَ خَرَجْتُ إِلَى عَرَضٍ مِنْ أَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ مَعَ صَدِيقٍ لِي فَقَالَ لَهُ إِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ صُحْبَةِ الرِّجَالِ بُدّاً فَعَلَيْكَ بِصُحْبَةِ مَنْ إِنْ صَحِبْتَهُ زَانَكَ وَ إِنْ خَفَقْتَ لَهُ صَانَكَ وَ إِنِ احْتَجْتَ إِلَيْهِ أَعَانَكَ (1) وَ إِنْ رَأَى مِنْكَ خَلَّةً سَدَّهَا أَوْ حَسَنَةً عَدَّهَا أَوْ وَعَدَكَ لَمْ يَحْرِضْكَ وَ إِنْ كَثَّرْتَ عَلَيْهِ لَمْ يَرْفِضْكَ وَ إِنْ سَأَلْتَهُ أَعْطَاكَ وَ إِنْ أَمْسَكْتَ عَنْهُ ابْتَدَأَكَ
و قال بعضهم قارب إخوانك في لقائهم تسلم من بوائقهم. و في كتب الهند ثق بذي العقل و الكرم و اطمئن إليه و واصل غير ذي الكرم و احترس من سيئ أخلاقه و انتفع بعقله و واصل الكريم غير العاقل و انتفع بكرمه و انفعه بعقلك و اهرب من اللئيم الأحمق. و قال آخر
____________
(1) في النسخة مكان كلمة أعانك (مانك).
100
دع مصارعة أخيك و إن حث التراب في فيك. و قيل إياك و طاعة الأسفال فإنه يهجم بصاحبه على مكروه و إذا صفا لك أخ فكن به أشد ضنا منك بنفائس أموالك ثم لا يزهدنك فيه إن ترى منه خلقا تكرهه فإن نفسك التي هي أخص الأنفس بك لا تطيعك كالمقادة في كل ما تهوى فكيف تلتمس ذلك من غيرك و بحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره فقد قالت العرب من لك يوما بأخيك كله. و وصف أعرابي رجلا فقال كان و الله يتحسى مرارة الإخوان و يسقيهم عذبه. و قيل لخالد بن صفوان (1) أي الإخوان أحب إليك فقال الذي يغفر زللي و يقبل عللي و يسد خللي. و سئل رجل عن صديقين له فقال أما أحدهما فعلق (2) مصيبة لا تباع و أما الآخر فعلق مصيبة لا تبتاع. و كان آخر يقول اللهم احفظني من الصديق فقيل له و لم قال لأني من العدو متحرز و من الصديق آمن و أنشد
احذر مودة ماذق (3)* * * شاب المرارة بالحلاوة
يحصي العيوب عليك* * * أيام الصداقة للعداوة
. و قيل لبعضهم كم لك من صديق فقال لا أدري لأن الدنيا علي مقبلة فكل من يلقاني يظهر لي الصداقة و إنما أحصيهم إذا ولت عني.
____________
(1) هو خالد بن صفوان بن عبد اللّه بن الأهتم من الخطباء البلغاء و هو معدود في البخلاء توفي في عهد السفاح سنة 132 ه- 750 م.
(2) هو النفيس من كل شيء، و هو القطعة أيضا.
(3) هو من كان وده غير خالص.
101
و قيل ليحيى بن خالد (1) و هو في الحبس و قد احتاج لو كتبت إلى فلان فإنه صديقك فقال دعوه يكون صديقا. لبعضهم
قد أخلق الدهر ثوب المكرمات فلا* * * تخلق لوجهك في الحاجات ديباجة
و لا يغرنك إخوان تعدهم* * * أنت العدو لمن كلفته حاجة
. لغيره
ما الناس إلا مع الدنيا و صاحبها* * * فحيث ما انقلبت يوما له انقلبوا
مساعدوه على الدنيا فإن وثبت* * * يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا
. لغيره
هي توبتي من أن أظن جميلا* * * بأخ ودود أو أعد خليلا
كشفت لي الأيام كل خبيئة* * * فوجدت إخوان الصفاء قليلا
الناس سلمك ما رأوك مسلما* * * و رأوا نوالك ظاهرا مبذولا
فإذا امتحنت بمحنة ألفيتهم* * * سيفا عليك مع الردى مسلولا
. للشريف الرضي أبي الحسن محمد بن الحسين الموسوي (رحمه الله)
و قد كنت مذ لاح المشيب بعارضي* * * أنقر (2) عن هذا الورى و
أكشف
فما إذ عرفت الناس إلا ذمتهم* * * جزى الله خيرا كل من لست أعرف
. و لإبراهيم بن هلال الصابي
أيا رب كل الناس أبناء علة (3)* * * أ ما تغلط الدنيا لنا بصديق
وجوه بها من مضمر الغل شاهد* * * ذوات أديم في النفاق صفيق (4)
إذا اعترضوا عند اللقاء فإنهم* * * قذى لعيون أو شجا لحلوق
و إن عرضوا (5) برد الوداد و ظله* * * أسروا من الشحناء حر صديق
____________
(1) هو يحيى بن خالد البرمكي كان رجل الدولة العباسية عقلا و رأيا و سياسة و كان إلى هذا من الخطباء البلغاء الأجواد، حبسه الرشيد بعد فتكه بالبرامكة و مات في الحبس سنة 190 ه.
(2) في النسخة (انفّر) بدل انقّر
(3) أي أبناء ضرة.
(4) الصفيق السميك.
(5) في النسخة أعرضوا و الأوجه ما ذكرناه.
102
ألا ليتني حيث انتوت أفرخ القطا* * * بأقصى محل في البلاد سحيق
أخو وجدة قد آنستني كأنثى* * * بها نازل في معشري و فريقي
فذلك خير للفتى من ثوابه* * * بمسغبة من صاحب و رفيق
. لغيره
اسم الصديق على كثير واقع* * * و قد اختبرت فما وجدت فتى يفي
كعجائب البحر التي أسماؤها* * * مشهورة (1) و شخوصها لم تعرف
. لأحمد بن إسماعيل
مذ سمعنا باسم الصديق فطالبنا* * * بمعناه فما استفدنا صديقا
أ تراه في الأرض يوجد لكن* * * نحن لا نهتدي إليه طريقا
أم ترى قولهم صديق مجازا* * * لا نرى تحت لفظه تحقيقا
. لعبد الملك بن مروان (2)
صديقك حين تستغني كثير* * * و ما لك عند فقرك من صديق
فلا تأسف على أحد إذا ما* * * لهي عنك الزيارة وقت ضيق
. لبعضهم
هو خل و لكن* * * لعن الله و لكن
لفظة في ضمنها السوء* * * تحامي في أماكن
. مسألة فقهية رجل صحيح دخل على مريض فقال له أوص فقال بما أوصي و إنما يرثني زوجتاك و أختاك و عمتاك و خالتاك و جدتاك و في ذلك يقول الشاعر
أتيت الوليد ضحى عائدا* * * و قد خامر القلب منه السقاما
فقلت له أوص فيما تركت* * * فقال ألا قد كفيت الكلاما
ففي عمتيك و في جدتيك* * * و في خالتيك تركت السواما
____________
(1) في النسخة معروفة مشهورة.
(2) هو أحد ملوك بني أميّة، و هو الذي وطد حكمهم و قضى على عبد اللّه بن الزبير و عبد الرحمن بن الأشعث و على عمرو بن سعيد الاشدق، كان معروفا بالحزم و الحنكة ولد سنة 26 ه و توفي سنة 86 ه.
103
و زوجاك حقهما ثابت* * * و أختاك منه تحوز التماما
هنالك يا ابن أبي خالد* * * ظفرت بعشر حويت السهاما
. الجواب هذا المريض تزوج جدتي الصحيح أم أمه و أم أبيه فأولد كل واحدة منها ابنتين فابنتاه من جدته أم أمه خالتا الصحيح (1) و تزوج الصحيح جدتي المريض أم أبيه و أم أمه و تزوج أبو المريض أم الصحيح فأولدها ابنتين فقد ترك المريض أربع بنات و هما عمتا الصحيح و خالتاه و ترك جدتيه و هما زوجتا الصحيح و ترك امرأتيه و هما جدتا الصحيح و ترك أختيه لأبيه و هما أختا الصحيح لأمه فلبناته الثلثان و لزوجته الثمن و لجدتيه السدس و لأختيه لأبيه ما بقي. و هذه القسمة على مذهب العامة دون الخاصة (2)
شبهة المجبرة
استدل المجبرة على أن الإيمان فعل الله تعالى أن قالت قد قال الله تعالى اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (3) و لا شك أنه أراد بذلك تعليمنا سؤاله فلا تخلو هذه الهداية التي تسأل فيها من حالتين إما أن تكون الدلالة على ما يقولون و إما أن يكون الإيمان على ما نقول. و زعموا أنها لا تصح أن تكون الدلالة لأن الله عز و جل قد فعلها قالوا و لا يجوز أن تسأله في فعل ما قد فعله و إذا لم يصح أن يكون السؤال في الدلالة فما هو إلا في أن يفعل لنا الإيمان فنكون بفعله مهتدين.
____________
(1) هنا كما يبدو قد سقط بيان نسبة البنتين المولودتين من أم أبيه، و هما يكونان عمتي الصحيح.
(2) لأنّه لا يرث في مذهب الإماميّة في مثل هذه المسألة إلّا بنات الميت و زوجتاه أما جدتاه و أختاه فلا ارث لها هنا.
(3) سورة الفاتحة آية 6.
104
نقض عليهم أما قولهم إن هذه الهداية المسئول فيها لا تخلو في حالتين إما أن تكون الدلالة و إما أن يكون الإيمان فخطأ لأنها قد تحتمل غير ذلك و يجوز أن يكون المراد بها فعل الألطاف التي إذا فعلها الله تعالى ازداد بها الصدر انشراحا للإيمان و لا تكون هذه الألطاف إلا لمن آمن و اهتدى و قد تكون الألطاف هداية قال الله تعالى وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً. و أما قولهم إنها لا تجوز أن تكون الدلالة فخطأ لأن الدلالة و إن كان الله قد فعلها و أزاح علل المكلفين بإقامتها فإنه قد يصح أن تسأله في الزيادة فيها و أن يقوى خواطرنا بالتيسير لنا إدراك أدلة أخرى بعدها و لا شبهة في أن ترادف الأدلة زيادة في الهدى. و أما قولهم إنه لا يجوز سؤال الله تعالى في فعل ما قد فعله فخطأ أيضا و قد يصح أن نسأل الله سبحانه في فعل ما فعله و في أن لا يفعل ما يجوز أن فعله. و قد علمنا ذلك في كتابه و ندبنا إلى ما فعله عبادة تعبدنا بها و مصلحة هدانا إليها فقال سبحانه حاكيا عن ملائكته فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ. و لا شك أنه قد فعل ذلك بهم قبل المسألة منهم و كقوله رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ و نحن نعلم أنه لا يحكم إلا به. و كذلك ما تعبدنا به منى من سؤاله أن تصلي على أنبيائه و رسله مع علمنا أنه قد صلى عليهم و رفع أقدارهم. و حكى لنا سؤال إبراهيم خليله ص في قوله وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ و هو يعلم أنه لا يخزيه.
105
و علمنا سبحانه كيف تقول وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ و نحن نعلم أنه لا يكلف عباده ما لا يطيقون. و قد شهد بذلك قوله عز و جل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها. و إنما جازت العبادة بذلك و نحوه لما فيه من التذلل و الخضوع و الاستكانة و الخشوع فيجوز على هذا الوجه أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم بمعنى يدلنا عليه و إن كان قد دل و هدى جميع المكلفين قال الله تعالى وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى. مسألة لهم قالت المجبرة ما معنى قول الله تعالى رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا و كيف يجوز أن يتعبدنا بالدعاء و عندكم أن النسيان من فعله سبحانه و لا تكليف على الناس في حال نسيانه. جواب يقال للمجبرة لسنا نحيل أن يكون المراد من النسيان المذكور في هذه الآية السهو و فقد العلم و يكون وجه الدعاء إلى الله تعالى بترك المؤاخذة عليه جاريا مجرى ما تقدم ذكره من الانقطاع إليه و إظهار الفقر إلى مسألته و الاستعانة به و إن كان مأمونا منه في المؤاخذة بمثله على المعنى الذي أوضحنا قبل هذه المسألة و يجوز أيضا أن نحمل النسيان المذكور فيها على أن المراد به الترك كما قال سبحانه وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ. أي فترك و لو لا ذلك لم يكن فعله معصية كقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ أي تركوا طاعته فتركهم من ثوابه و رحمته و قد يقول الرجل لصاحبه لا تنسني من عطيتك أي لا تتركني منها. و أنشد أبو عرفة
و لم أك عند الجود للجود قاليا* * * و لا كنت يوم الروع للطعن ناسيا
يعني تاركا.
106
و يشهد بصحة ذلك قول الله عز و جل أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ بمعنى و تتركون أنفسكم
فصل
من الفرق بين مذهبنا و مذهب المجبرة في الأفعال التي نعتقدها (1). أن الله تعالى لا يكلف عباده ما لا يطيقون و لا يثيبهم و لا يعاقبهم إلا على ما يفعلون و أن الإيمان فعل المؤمن و أن الكفر فعل الكافر. و تزعم المجبرة أن الله تعالى يكلف العبد ما لا يطيقه و يأمره بما لا يقدر عليه و لا يتأتى منه و يثيبه و يعاقبه على ما لم يفعله و الإيمان و الكفر فعلان لله تعالى. و نعتقد أن القدرة التي أعطاها الله تعالى للعبد هي قدرة على الإيمان و الكفر و أنه يفعل بهما أيهما شاء باختياره و لا يصح أن يفعلهما معا في حال واحدة لتضادهما فحصل من هذا أن الذي أمره الله بالإيمان و نهاه عن الكفر قادر على ما أمره به و نهاه عنه و صح أنه سبحانه لا يكلف العبد إلا بما يستطيعه. و تزعم المجبرة أن القدرة التي أعطاها الله عز و جل للعبد لا تصلح إلا لشيء واحد إما للإيمان و إما للكفر و أن قدرة الإيمان تضاد قدرة الكفر و لا يصح اجتماعهما معا فالذي معه قدرة الإيمان قد كلف ترك الكفر و هو غير قادر عليه و الذي معه قدرة الكفر قد كلف فعل الإيمان و لا قدرة معه عليه فحصل من هذا تكليف ما لا يطاق و إلزام ما لا يستطاع تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و نعتقد أن القدرة على الفعل توجد قبله و أن الفعل يوجد بعدها
____________
(1) في الأصل نعتقده.
107
فالمأمور بالإيمان قادر عليه غير فاعل له و إنما أمر بمعدوم ليوجده و هو يقع و يحصل ثاني وقت القدرة كما قدمناه و كذلك المنهي عن الكفر إنما نهي و هو قادر على أن يفعل كفرا يقع منه في ثاني حال قدرته فإذا كان كافرا وقت قدرته فكفره ذلك أنما صح منه بقدرة أخرى تقدمته. و تزعم المجبرة أن القدرة على الفعل توجد هي و الفعل معا و لا يتأخر الفعل عنها فالمأمور بالإيمان و معه قدرة عليه إنما أمر بموجود و المنهي عن الكفر و معه قدرة عليه إنما نهي عن موجود فكأنه قيل للمؤمن افعل ما قد فعلت و الموجود المفعول لا يفعل و قيل للكافر لا تفعل ما قد فعلت و ما قد فعل و وجد لا يصلح الامتناع منه و هذا تخبيط محكم. و نعتقد أن القدرة غير موجبة للمقدور و لا حاملة عليه و أن القادر مخير بين أن يفعل الشيء أو ضده بدلا منه. و تزعم المجبرة أن القدرة موجبة للمقدور حاملة عليه و لا يصح وجودها إلا و المقدور معها. و نعتقد أن المقدور الكائن بالقدرة هو فعل العبد في الحقيقة سواء كان طاعة أو معصية أو مباحا و أن العبد محدث الفعل و موجده. و تزعم المجبرة أن جميع المقدورات فعل الله تعالى و هو المحدث لسائر الأفعال في الحقيقة و لا محدث سواه و يقولون إن معنى قولنا إن العبد فعل أنما هو اكتسب فإذا سئلوا عن حقيقة الكسب لم يتحصل منهم فيه فائدة تعقل. و نعتقد أن الله تعالى لا يريد من العباد إلا الطاعة و أنه مريد لما أمر به كاره لما نهى عنه. و تزعم المجبرة أن الله تعالى يريد من قوم الطاعة و يريد من آخرين معصيته و أنه قد أمر الكافر بالإيمان و لا يريده منه فقد أمره بما لا يريد و نهى عما أراد.
108
و نعتقد أن الله تعالى إذا أراد شيئا فهو كان يحبه و يرضاه و إذا كره شيئا فإنه لا يحبه و لا يرضاه. و تزعم المجبرة أن الله عز و جل قد يريد شيئا و يشاؤه و لا يحبه و لا يرضاه و أنه قد يكره شيئا و يحبه و يرضاه. و هذه مناقضة لا تخفى على عاقل و كل ما ذهبنا إليه في الأفعال بما وصفناه و عددناه فالمعتزلة توافقنا عليه و تخالفنا المجبرة فيه و كل من قال الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون و لا يعذبهم على ما لم يفعلوا فهو من أهل العدل و من خالف في ذلك فهو من أهل الجور و الجبر
قبح التكليف بما لا يطاق
فصل من القول في أن الله تعالى لا يكلف عباده ما لا يطيقون
الذي يدل على أن الله تعالى لا يفعل ذلك أنا وجدنا قد قبحه في عقولنا لا لعلة من نهي أو غيره بل جعل العقول شاهدة بأنه قبيح لنفسه و ما كان قبيحا لنفسه لا للنهي عنه فلن يجوز أن يفعله فاعل إلا و قد خرج من كونه حكيما و لو جاز أن يكلفنا سبحانه و تعالى ما لا نطيق لجاز أن يكلف الأعمى النظر و الأخرس النطق و الزمن (1) العدو و لجاز أن يكلف السيد منا عبده ذلك و يعاقبه على ما لا يقدر عليه و هذا واضح البطلان فعلم أنه لا يكلف أحدا من عباده إلا ما يطيقه و يستطيعه. فإن قالوا إن تكليف ما لا يطاق قبيح و هو حسن من خالقنا لأن الخلق خلقه و الأمر أمره و لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ. قيل لهم فأجيزوا عليه الإخبار بالكذب و قولنا إن ذلك قبيح بيننا حسن من خالقنا لأن الخلق خلقه و الأمر أمره و لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ.
____________
(1) الزمن هو المقعد الذي لا يستطيع المشي.
109
فإن اعتقدوا ذلك وجب أن لا يثقوا بشيء مما تضمنه القرآن من الأخبار و إن امتنعوا طولبوا بعلة الامتناع. فمهما قالوه في قبح الإخبار بالكذب من قول قيل لهم قد قبح تكليف ما لا يطاق مثله. فأما ما يشهد من القرآن بأن الله تعالى لا يكلف ما لا يطاق فقوله سبحانه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و قوله عز و جل لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
فصل من القول في أن القدرة على الإيمان هي قدرة على الكفر
مما يدل على ذلك أن الكافر مأمور بالإيمان فلو كانت قدرة الإيمان ليست معه كان قد كلف ما لا يطيقه و قد تقدم القول في فساد هذا. و إذا كانت معه فلا يجوز أن تكون غير قدرة الكفر الحاصلة له لما في ذلك من اجتماع الضدين فعلم أنها قدرة واحدة تصلح للضدين على أن يفعل بها ما يتعلق به اختيار المكلف منها. فإن قالوا إذا كانت قدرة على الضدين فيجب أن يفعلهما معا. قيل لهم لا يجب ذلك لأن القدرة غير موجبة للفعل و القادر بها مخير غير مجبر. فإن قالوا فجوزوا أن يختارهما فيفعلهما. قيل لهم هذا غير صحيح و لا جائز لأن الاختيار هو أن يختار أحدهما على الآخر فيفعله بدلا منه و لا يصح ذلك فيهما معا. و بعد فهما ضدان و كل واحد منهما ترك لصاحبه فلا يصح أن يوجدا في حال واحد معا و قد أجمع المسلمون على أن الله تعالى يقدر على أن يبقي العبد
110
على حاله و يغنيه و يحييه و يميته و لا يجوز أن يفعل ذلك أجمع في وقت واحد. فإن قيل فإذا كان الله تعالى قد أعطى العبد قدرة تصلح للكفر فقد أراد الكفر منه. قلنا ليس الأمر كذلك لأن الله سبحانه إنما أعطاه القدرة ليطيع بها مختارا فلو كانت لا تصلح إلا للطاعة لكان في فعلها مضطرا و مثل القدرة كمثل السيف الذي يعطيه السيد لعبده ليقتل به أعداءه و هو يصلح أن يقتل به أولياءه و كالدراهم التي تصلح أن تنفق في الطاعة و المعصية و يدفع إلى من ينفقها في الطاعة و ينفقها في المعصية و القدرة معنى تحل (1) القادر يصح به الفعل و هي القوة و هي أيضا الاستطاعة
فصل من القول في أن القدرة على الفعل توجد قبله
الدليل على أن القدرة متقدمة في الوجود للفعل أنها يحتاج إليها ليحدث بها الفعل و يخرج بها من العدم إلى الوجود فمتى وجدت و الفعل موجود فقد وجدت في الاستغناء عنه (2). و مما يدل على تقدمها أنها لو كانت مع الفعل كان الكافر غير قادر على الإيمان لأنه لو قدر عليه لكان موجودا منه على هذا المذهب فكان يكون مؤمنا في حال كفره و هذا فاسد. و لو لم يكن قادرا على الإيمان لما حسن أن يؤمر به و يعاقب على تركه لما قدمناه من قبح تكليف ما لا يطاق و بطلانه. و قد قال أصحابنا مؤكدين القول بتقدم القدرة على الفعل فيمن كان في يده شيء فألقاه إن استطاعة الإلقاء لا تخلو من حالتين إما أن تأتيه و الشيء في يده أو تأتيه و هو خارج عن يده فإن كانت تأتيه و الشيء في يده فقد صح
____________
(1) هكذا في النسخة
(2) هذا بيان لعدم صحة القول بمقارنة القدرة للمقدور.
111
تقدم القدرة على الإلقاء و هو الذي قلنا و إن كانت تأتيه و الشيء خارج عن يده ملقى عنها فقد أتت في حال الغنى عنها. و في ذلك أيضا أنه قد قدر على أن يلقي ما ليس في يده و هذا محال و ليس بين كون الشيء في يده و كونه خارجا عنها واسطة و منزلة ثالثة. و قد قال أهل العلم أيضا لو كانت القدرة و الفعل يوجدان معا و لا يصح غير هذا لم تكن القدرة المؤثرة فيه بأولى من أن يكون هو المؤثر فيها و قالوا و لو كان لا يصح وجود القدرة حتى يوجد الفعل كما لا يصح وجود الفعل حتى توجد القدرة لكان لا يصح أن يوجدا (1). حدثني شيخي (رحمه الله) (2) أن متكلمين أحدهما عدلي و الآخر جبري كانا كثيرا ما يتكلمان في هذه المسألة و أن الجبري أتى منزل العدلي فدق عليه الباب فقال العدلي من ذا قال أنا فلان قال له العدلي ادخل قال له الجبري افتح لي حتى أدخل قال العدلي ادخل حتى أفتح فأنكر هذا عليه و قال له لا يصح دخولي حتى يتقدم الفتح فوافقه على قوله في القدرة و الفعل و أعلمه بذلك وجوب تقدمها عليه فانتقل الجبري عن مذهبه و صار إلى الحق
فصل من القول في أن القدرة غير موجبة للفعل
الدليل على أنها غير موجبة ما قدمناه من أنها قدرة على الضدين فلو كانت موجبة لأوجبتهما فأدى ذلك إلى المحال و كون المكلف حاضرا و مسافرا في حال و متحركا ساكنا في حال.
____________
(1) و ذلك لأن كل واحد من الفعل و القدرة يتوقف وجوده على وجود الآخر المتوقف على نفسه و هو من الدور المحال، و ما ترتب على المحال محال.
(2) المراد به هو الشيخ المفيد.
112
و لو كانت القدرة أيضا موجبة لكان القادر بها مضطرا و يخرج من كونه مختارا و المضطر لا معنى لتوجه الأمر و النهي إليه و لا يحسن ثوابه و عقابه على أمر هو مضطر فيه
أفعال الإنسان
فصل من القول في أن الله تعالى لم يخلق أفعال العباد و أنها فعل لهم على سبيل الإحداث و الإيجاد
الدليل على أنه سبحانه لم يفعلها أن فيها قبائح من كفر و فسق و ظلم و كذب و ليس بحكيم من فعل القبائح و لا يجوز من الحكيم أيضا سب نفسه و سوء الثناء عليه. ثم نحن نعلم أن من فعل شيئا اشتق له اسم من فعله كما يقال فيمن فعل الحركة إنه متحرك و من فعل السكون إنه ساكن و من فعل الضرب ضارب و من فعل القتل قاتل فلو كان الله تعالى هو الفاعل لأفعالنا و الخالق لها دوننا لوجب أن يسمى بها الله عز و جل عن ذلك و تعالى. و الذي يدل على أنها فعل لنا دون غيرنا وقوعها بحسب تصورنا و إرادتنا و انتفاء المنفي منها بحسب كراهتنا و انتظام ما ينتظم منها بحسب مبلغ علومنا و اختلالها بقدر اختلالاتنا. فلو كانت فعلا لغيرنا لم يكن الأمر مقصودا على ما ذكرنا و نحن قد نفرق ضرورة بين حركة نحدثها في بعض جوارحنا و بين الرعشة إذا حدثت في عضو منا و نرى وقوع إحدى الحركتين عن قصد و وقوع الآخر بخلاف ذلك فلسنا نشك في أن إحداهما حادثة منا و فعل في الحقيقة لنا و هي الكائنة عن قصدنا. و شيء آخر و هو أن الله تعالى خلق فينا الشيب و الهرم و الصحة و السقم و لم يأمرنا بشيء من ذلك و لا نهانا عنه و لا مدح الشاب على شبيبته و لا ذم الشيخ لشيخوخته عدلا منه سبحانه في حكمه فلو كانت الطاعات و المعاصي
113
أيضا من فعله و خلقه لجرت مجرى ذلك و قبح أن يأمرنا بطاعة أو ينهانا عن معصية و لم يصح على شيء من ذلك مدح و لا ذم و لا ثواب و لا عقاب و هذا واضح لمن عقل
فصل من القول أن الله تعالى لا يريد من خلقه إلا الطاعة و أنه كاره للمعاصي كلها
و أما الذي يدل على أنه سبحانه لا يريد المعاصي و القبائح و لا يجوز أن يشاء شيئا منها و أنه كاره لها ساخط لجميعها فهو أنه تعالى نهى عنها و النهي أنما يكون نهيا بكراهة الناهي للفعل المنهي عنه. أ لا ترى أن لا يجوز أن ينهى إلا عما يكرهه فلو كان النهي في كونه نهيا غير مفتقرة (1) إلى الكراهية لم يجب ما ذكرناه لأنه لا فرق بين قول أحدنا لغيره لا تفعل كذا و كذا ناهيا له و بين قوله أنا كاره له كما لا فرق بين قوله افعل أمرا له و بين قول أنا مريد منك أن تفعل. و إذا كان سبحانه كارها لجميع المعاصي و القبائح من حيث كونه ناهيا عنها استحال أن يكون مريدا لها لاستحالة أن يكون مريدا كارها لأمر واحد على وجه واحد. و يدل على ذلك أيضا أنه لو كان مريدا للقبيح لوجب أن يكون على صفة نقص و ذم إن كان مريدا له بلا إرادة و إن كان مريدا بإرادة وجب أن يكون فاعلا للقبيح لأن إرادة القبيح قبيحة و لا يكون كذلك كما في الشاهد كما لا خلاف في قبح الظلم من أحدنا. و قد دل السمع من ذلك على مثل ما دل عليه العقل قال الله عز و جل وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ و في موضع آخر
____________
(1) و الأولى مفتقر بدل (مفتقرة).
114
وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ و قال الله تعالى كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً و قال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و نعلم أن الكفر أعظم العسر و قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فإذا كان خلقهم للعبادة فلا يجوز أن يريد منهم غيرها و قال وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
إيراد على أهل الجبر
فصل
و قد سأل أهل العدل المجبرة عن مسألة ألزموهم بها ما لم يجدوا فيه حيلة و ذلك أنهم قالوا لهم أخبرونا عن رجل نكح إحدى المحرمات عليه بأحد المساجد المعظمة في نهار شهر رمضان و هو عالم غير جاهل أ تقولون إن الله تعالى أراد منه هذا الفعل على هذه الصفة قالت المجبرة بل الله أراده قال لهم أهل العدل أخبرونا عن إبليس اللعين هل أراد ذلك أم كرهه قالت المجبرة بلى هذا أنما يريده إبليس و يؤثره قال لهم أهل العدل فأخبرونا لو حضر النبي ص و علم بذلك أ كان يريده أم يكره قالت المجبرة بل يكرهه و لا يريده
115
قال لهم أهل العدل فقد لزمكم على هذا أن تثنوا على إبليس اللعين و تقولوا إنه محمود لموافقة إرادته لإرادة الله عز و جل و هذا ما ليس فيه حيلة لكم مع تمسككم بمذهبكم
حكاية للمؤلف في مجلس بعض الرؤساء
و قد كنت أوردت هذه المسألة في مجلس بعض الرؤساء مستظرفا له بها و عنده جمع من الناس فقال رجل ممن كان في المجلس يميل إلى الجبر إن كان هذه المسألة لا حيلة للمجبرة فيها فعليكم أنتم أيضا مسألة لهم أخرى لا خلاص لكم مما يلزمكم منها. فقلت و ما هي قال يقال لكم إذا كان الله تعالى لا يشاء المعصية و إبليس يشاؤها ثم وقعت معصية من المعاصي فقد لزم من هذا أن تكون مشيئة إبليس غلبت مشيئة رب العالمين. فقلت إنما تصح الغلبة عند الضعف و عدم القدرة و لو كنا نقول إن الله تعالى لا يقدر أن يجبر العبد على الطاعة و يضطره إليها و يحيل بينه و بين المعصية بالقسر و الإلجاء إلى غيرها لزمنا ما ذكرت و إلا بخلاف ذلك و عندنا أن الله تعالى يقدر أن يجبر عباده و يضطرهم و يحيل بينهم و بين ما اختاروه فليس يلزمنا ما ذكرتم من الغلبة. و قد أبان الله تعالى فقال وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً و قال تعالى وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها و إنما لم يفعل ذلك لما فيه من الخروج عن سنن التكليف و بطلان استحقاق العباد للمدح و الذم فتأمل ما ذكرت تجده صحيحا فلم يأت بحرف بعد هذا
116
جناية المجبرة على الإسلام
فصل
اعلم أيدك الله تعالى أن جناية المجبرة على الإسلام كثيرة و بليتها عظيمة بحملها المعاصي على الله تعالى و قولها إنه لا يكون إلا ما أراده الله تعالى و إنه لا قدرة للكافر على الخلاص من كفره و لا سبيل للفاسق إلى ترك فسقه و إن الله تعالى قضى بالمعاصي على قوم و خلقها لهم و فعلها فيهم ليعاقبهم عليها و قضى بالطاعات على قوم و خلقهم لها و فعلها فيهم ليثيبهم عليها. و هذا الاعتقاد القبيح يسقط عن المكلف الحرص على فعل الطاعة و الاجتهاد و الاجتناب عن المعصية لأنه يرى أن اجتهاده لا ينفع و حرصه لا يغني بل لا اجتهاد في الحقيقة و لا حرص لأنه مفعول فيه غير فاعل و موجد فيه غير موجد و مخلوق لشيء لا محيد له عنه و مسبوق لأمر لا انفصال له منه فأي خوف مع هذا يقع و أي وعيد معه ينفع نعوذ بالله مما يقولون و نبرأ إليه مما يعتقدون. و أنشدت لبعض أهل العدل شعرا
سألت المخنث عن فعله* * * علام تخنث يا ماذق
فقال ابتلاني بدائي العضال* * * و أسلمني القدر السابق
و لمت الزناة على فعلهم* * * فقالوا بهذا قضى الخالق
و قلت لآكل مال اليتيم* * * [أ لؤما] (1) و أنت امرؤ فاسق
فقال و لجلج في قوله* * * أكلت و أطعمني الرازق
____________
(1) اضفنا هذه الكلمة لاستقامة الوزن، و هي في النسخة غير موجودة.
117
و كل يحيل على ربه* * * و ما فيهم أحد صادق
التجوز في التعبير بالاستطاعة عن الفعل و بنفيها عن نفيه
فصل
اعلم أيدك الله تعالى أنه قد يعبر عن نفي الفعل بنفي الاستطاعة توسعا و مجازا فيقال لمن يعلم أنه لا يفعل شيئا لثقله على قلبه و نفور طبعه منه إنك لا تستطيعه و إن كان في الحقيقة مستطيعا له و يقول أحدنا لمن يعلم أنه يبغضه إنك لا تستطيع أن تنظر إلي و المعنى أن ذلك يثقل عليك و يقال للمريض الذي يجهده الصوم إنك لا تستطيع الصيام و هو في الحقيقة يستطيعه و لكن بمشقة تدخل عليه و ثقل يناله منه. و على هذا المعنى يتأول قول الله جل اسمه فيما حكاه عن العالم الذي تبعه موسى (ع) حيث قال له موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. المعنى فيه إنك لا تصبر و لا يخف عليك و أنه يثقل على طبيعتك فعبر عن نفي الصبر بنفي الاستطاعة و إلا فهو قادر مستطيع فيدل على ذلك قول موسى (ع) في جوابه له سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً و لم يقل إن شاء الله مستطيعا و من حق الجواب أن يطابق السؤال فدل جوابه على أن الاستطاعة المذكورة في الابتداء هي عبارة عن الفعل نفسه مجازا كما ذكرنا. و قد يستعمل الناس هذا كثيرا و أنشده شعرا
أرى شهوات لست أسطيع تركها* * * و أحذر إن واقعتها ضرر الإثم
118
فلا النفس تنهاني و تبصر رشدها* * * و أكره إتيان العقاب على علم
و لسنا نشك في أن الشاعر عني بقوله لست أسطيع تركها أن تركها يثقل عليه و لا يلائم طبعه و أنه لم ينف الاستطاعة في الحقيقة عن نفسه و لو كان أراد نفيها لم يكن معنى لقوله و أحذر إن واقعتها ضرر الإثم و قوله و أكره إتيان العقاب على علم. و على هذا المعنى يتأول قول الله عز و جل ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ. و هو أنهم لاستثقالهم استماع آيات الله تعالى و كراهتهم تأملها و تدبرها جروا مجرى من لا يستطيع السمع كما يقال لمن عهد منه العناد و استثقال استماع الحجج و البينات ما يستطيع استماع الحق و ما يطيق أن يذكر له قال الأعشى (1)
و دع هريرة إن الركب مرتحل* * * و هل تطيق وداعا أيها الرجل
و نحن نعلم أنه قادر على الوداع و أنما نفى قدرته عليه من حيث الكراهية و الاستثقال و معنى قوله وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ أن أبصارهم لم تكن نافعة لهم و لا مجدية عليهم نفعا لإعراضهم عن تأمل آيات الله عز و جل و تفهمها فلما انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفي عنهم الإبصار نفسه كما يقال عن المعرض عن الحق العادل عن تأمله (2) ما لك لا تسمع و لا تعقل. و قد تأول الشريف المرتضى (رحمه الله) هذه الآية على وجه آخر (3) و هو أن يكون ما في قوله ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ليست للنفي بل تجري مجرى
____________
(1) هذا البيت مطلع معلقة الأعشى المشهورة و هو من شعراء الجاهلية المشهورين أدرك الإسلام و لم يسلم توفّي سنة (7) للهجرة و (629 م) و هو الأعشى ميمون بن قيس ينتهي إلى نزار، و يقال له صناجة العرب لجودة شعره.
(2) في الأصل تأملها.
(3) انظر كلامه على هذه الآية في الآمالي م 2 ص 163- 167.
119
قولهم لا واصلتك ما لاح نجم لا أقيمن على مودتك ما طلعت شمس. قال الله تعالى يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ و يكون المعنى اتصال عذابهم و دوامه ما كانوا أحياء. مسألة و قد سألت المجبرة عن معنى قول الله تعالى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ و ظنوا أن لهم في هذه الآية حجة يتشبثون بها. و الجواب أن ظاهر هذه الآية يقتضي أن المنافقين كانوا بهذه الصفات و معلوم من حالهم أنهم كانوا بخلافها و لا شيء أدل على فساد التعلق بظاهرها من أن يعلم أن العيان بخلافه فوجب ضرورة صرف الآية عن ظاهرها إلى ما يقتضيه الصواب من تأويلها. و المراد بها أنهم لما لم ينتفعوا بهذه الحواس و الآلات فيما خلقت له و أنعم عليهم بها لأجله صاروا كأنهم قد سلبوها و حرموها و هذا مستعمل في الشاهد يقول أحدنا لغيره و قد بين له الشيء و بالغ في إيضاحه و هو غير متأمل بوروده إنك أصم و أعمى فلا تستطيع كذا تسمع قد ختم (1) على قلبك. و ربما تجاوز ذلك فقال له إنك ميت لا تفهم و لا تعقل قال الله تعالى إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى و في هذا المعنى قال الشاعر
لقد أسمعت لو ناديت حيا* * * و لكن لا حياة لمن تنادي
(2)
____________
(1) قد أضفنا ما بين القوسين تصحيحا للتعبير.
(2) هذا البيت على ما أحفظه لأبي تمام الطائي الشاعر المشهور توفّي سنة 231، و بعد البيت قوله:
و نارا إن نفخت بها أضاءت* * * و لكن أنت تنفخ في رماد
120
شبهة للمجبرة
و قد احتجت في تصحيح قولها أن الله تعالى خلق طائفة من خلقه ليعذبهم بقوله سبحانه وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ قالت فبين أنه خلقهم لمجرد العذاب في النار لا في غيره. نقض عليهم يقال لهم حمل هذه الآية على ظاهرها مناف للعدل و الحكمة و مباين لما وصف نفسه به من الرأفة و الرحمة و مناقض لقوله عز و جل وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و لقوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا من ص 77 إلى ص 184 و لقوله سبحانه لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً و لقوله جل اسمه أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ و لقوله تبارك و تعالى هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فالواجب ردها إلى ما يلائم هذه الآيات المحكمات و يوافق الحجج العقلية و البينات.
121
و الوجه في ذلك أن يكون المراد بقوله وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ العاقبة فكأنه قال و لقد ذرأناهم و المعلوم عندنا أن مصيرهم و مآل أمرهم و عاقبة حالهم دخول جهنم بسوء اختيارهم قال الله عز و جل فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً و المراد أن ذلك يكون أمرهم لأنهم ما التقطوه إلا ليسروا به و كقوله سبحانه وَ كَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها (1) و المراد أن أمرهم يئول إلى هذه و عاقبتهم إليه لا لأن الله عز و جل جعلهم فيها ليعصوا و يمكروا و قوله إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً و إنما أخبر بذلك عن عاقبتهم. و هذا ظاهر في اللغة مستعمل بين أهلها قال الشاعر
أم سماك فلا تجزعي* * * فللموت ما تلد الوالدة
و قال آخر
فللموت تغذو الوالدات سخالها* * * كما لخراب الدور تبنى المساكن
و هي لا تغذو أولادها للموت و لا تبنى المساكن لخرابها و إنما تبنى لعمارتها و سكناها و تغذى السخال لمنفعتها و نموها و لكن لما كانت العاقبة تئول إلى الموت و الخراب جاز أن يقال ذلك. و مثله قول الآخر
أموالنا لذوي الميراث نجمعها* * * و دورنا لخراب الدهر نبنيها
و المعنى في هذا كله واحد و المقصود به العاقبة و فيما ذكرناه كفاية.
____________
(1) و تسمى هذه اللام في مثل هاتين الآيتين في عرف النحاة لام العاقبة.
122
مسألة لهم أخرى و قد احتجوا لمذهبهم بقول الله تعالى لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. و قالوا ظاهر هذه الآية يدل على أن نصح النبي ص لا ينفع الكفار الذين أراد الله بهم الكفر و الغواية و هذا خلاف مذهبكم. نقض عليهم. يقال لهم إن الغواية هي الخيبة و حرمان الثواب. قال الشاعر
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره* * * و من يغو لا يعدم على الغي لائمة
فكأنه قال و لا ينفعكم نصحي إن كنتم مصرين على الكفر الذي يريد الله معه إن يحرمكم الثواب و يخيبكم منه. و أيضا قد سمى الله تعالى العقاب غيا قال فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. فيكون المعنى على هذا الوجه إن كان الله يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم و كفركم فليس ينفعكم نصحي إلا بأن تفعلوا و تتوبوا. و ما قبل الآية يشهد بصحة هذا و إن القوم استعجلوا عقاب الله تعالى فقالوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و وجه آخر في الآية
123
و هو أنه قد كان في قوم نوح طائفة تقول بالجبر فنبههم بهذا القول على فساد مذاهبهم و قال لهم على طريق الإنكار عليهم و التعجب من قولهم إن كان القول كما تقولون من أن الله يفعل فيكم الكفر و الفساد فما ينفعكم نصحي فلا تطلبوا مني نصحا و أنتم على قولكم لا تنتفعون به
من هم القدرية
فصل في معرفة القدرية
اعلم أنا وجدنا كل فرقة تعرف باسم أو تنعت بنعت فهي ترتضيه و لا تنكره سواء كان مشتقا من فعل فعلته أو قول قالته أو من اسم مقدم لها تبعته و لم نجد في أسماء الفرق كلها اسما ينكره أصحابه و يتبرأ منه أهله و لا يعترف أحد به إلا القدرية فأهل العدل يقولون لأهل الجبر أنتم القدرية و أهل الجبر يقولون لأهل العدل أنتم القدرية. و إنما تبرأ الجميع من هذا الاسم لأن رسول الله ص لعن القدرية و أخبر أنهم مجوس الأمة و الأخبار بذلك مشتهرة.
فَمِنْهَا مَا حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الصَّوَّافُ بِمِصْرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّوْسِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَدَرِيَّةُ فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ وَ إِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ وَ إِنْ لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَأَلْجِئُوهُمْ إِلَى ضَيِّقَةٍ
و هذا القول من رسول الله ص دلالة لنا على المعرفة بالقدرية و تمييز لهم من بين الأمة لأنهم لم ينعتهم بالمجوسية إلا لموضع المشابهة بينهم و بين المجوس في المقال و الاعتقاد و قد علمنا بغير شك و لا ارتياب أن من قول المجوس أن الله تعالى فاعل لجميع ما سر و لذ و أبهج و مالت إليه الأنفس و اشتهته الطباع
124
كائنا ما كان حتى أنه فاعل الملاهي و الأغاني و كلما دخل في هذا الباب و هذا مذهب المجبرة بغير خلاف. و يقول المجوس إن الله تعالى محمود على فعل الخير و هو لا يقدر على ضده و إن إبليس مذموم على فعل الشر و لا يقدر على ضده و هذا بعينه يضاهي قول المجبرة إن المؤمن محمود على الإيمان و هو لا يقدر على ضده و إن الكافر مذموم على الكفر و لا يقدر على ضده. و تذهب المجوس إلى القول بتكليف ما لا يطاق و هو رأيها الذي تدين به في الاعتقاد و لهم في السنة يوم يأخذون فيه بقرة قد زينوها فيربطون يديها و رجليها أوثق رباط ثم يقربونها إلى سفح الجبل و يضربونها لتصعد فإذا رأوا أن قد تعذر عليها ذلك قتلوها و يسمون هذا اليوم عيد الباقور. و هذا هو مذهب المجبرة في القول بتكليف ما لا يستطاع فهم مجوس هذه الأمة و قدريتها بما اقتضاه هذا البيان. و قد قالت العدلية للمجبرة إن من أدل دليل على أنكم القدرية قولكم إن جميع أفعال العباد بقدر من الله عز و جل و إنه الذي قدر على المؤمن أن يكون مؤمنا و على الكافر أن يكون كافرا و إنه لا يكون شيء إلا أن يقدره الله تعالى. قالت المجبرة بل أنتم أحق بهذا لأنكم نفيتم القدر و جحدتموه و أنكرتم أن يكون الله سبحانه قدر لعباده ما اكتسبوه. قالت العدلية قد غلطتم فيما ذكرتموه و جرتم فيما قضيتموه لأن الشيء يجب أن ينسب إلى من أثبته و أوجبه لا إلى من نفاه و سلبه و يضاف إلى من أقر به و اعتقده لا إلى من أنكره و جحده فتأملوا قولنا تعلموا أنكم القدرية دوننا
تهمة المعتزلة للشيعة بالإرجاء
فصل
و قد ظنت المعتزلة أن الشيعة هم المرجئة لقولهم إنا نرجو من الله تعالى العفو عن المؤمن إذا ارتكب معصية و مات قبل أن تقع منه التوبة
125
و هذا غلط منهم في التسمية لأن المرجئة اسم مشتق من الإرجاء و هو التأخير يقال لمن أخر أمرا أرجأت الأمر يا رجل فأنت مرجئ قال الله أَرْجِهْ وَ أَخاهُ أي أخره و قال تعالى وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ يعني مؤخرون إلى مشيته. و أما الرجاء فإنما يقال منه رجوت فأنا راج فيجب أن تكون الشيعة راجية لا مرجئة. و المرجئة هم الذين أخروا الأعمال و لم يعتقدوها من فرائض الإيمان و قد لعنهم النبي (ع) فيما وردت به الأخبار.
حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَخْرٍ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ بِمِصْرَ سَنَةَ سِتٍّ وَ عِشْرِينَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قِرَاءَةً مِنْهُ عَلَيْنَا قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَهْرَوَيْهِ الْقَزْوِينِيُّ بِبَغْدَادَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَادِي قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ (1) حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ الْمُرْجِئَةُ وَ الْقَدَرِيَّةُ
أغلاط للمعتزلة
فصل
و اعلم أن المعتزلة لها من الأغلاط القبيحة و الزلات الفضيحة ما يكثر تعداده و قد صنف ابن الراوندي (2) كتاب فضائحهم فأورد فيه جملا
____________
(1) يبدو أن هنا سقطا في سلسلة السند، و هي: حدّثنا أبي موسى بن جعفر قال حدّثنا أبي، جعفر بن محمّد، قال حدّثني أبي محمّد بن علي قال: حدّثني أبي الخير إلخ.
(2) هو أحمد بن الحسين بن إسحاق البغداديّ مات سنة 245 ه له كتب كثيرة منها: كتاب فضيحة المعتزلة الذي ردّ عليه ابن الخياط المعتزلي بكتابه الانتصار و هو يرمي بالزندقة.
126
من اعتقاداتهم و آراء شيوخهم مما ينافر العقول و يضاد شريعة الرسول ص. و قد وردت الأخبار بذمهم من أهل البيت و لعنهم جعفر بن محمد الصادق ع
فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْمُعْتَزِلَةَ أَرَادَتْ أَنْ تُوَحِّدَ فَأَلْحَدَتْ وَ رَامَتْ أَنْ تَرْفَعَ التَّشْبِيهَ فَأَثْبَتَتْ
فمن أقبح ما تعتقده المعتزلة و تضاهي فيه قول الملحدة قولهم إن الأشياء كلها كانت قبل حدوثها أشياء ثم لم يقنعهم ذلك حتى قالوا إن الجواهر في حال عدمها جواهر و إن الأعراض قبل أن توجد كانت أعراضا حتى أن السواد عندهم قد كان في عدمه سوادا و كذلك الحركة قد كانت قبل وجودها حركة و سائر الأعراض يقولون فيها هذا المقال. و يزعمون أن جميع ذلك في العدم ذوات كما هو في الوجود ذوات. و هذا إنكار لفعل الفاعل و مضاهاة لمقال الملحدين و قد أطلقوا هذا القول إطلاقا فقالوا إن الجواهر و الأعراض ليست بفاعلها و فسروا ذلك فقالوا أردنا أن الجوهر لم يكن جوهرا بفاعله و لا كان العرض أيضا بفاعله و أنهما على ما هما عليه من ذلك لنفوسهما قبل وجودهما و لا بجاعل جعلها و هذا تصريح غير تلويح. و قال لهم شيوخنا و علماؤنا فإذا كانت الذوات في عدمها ذواتا و الجواهر و الأعراض قبل وجودها جواهر و أعراضا فما الذي صنع الصانع. قالت المعتزلة أوجد هذه الذوات. قال أهل الحق لهم ما معنى قولكم أوجدها و أنتم ترون أنها لم تكن أشياء به و لا ذواتا بفعله و لا جواهر و لا أعراضا أيضا بصنعته. قالت المعتزلة معنى قولنا إنه أوجدها أنه فعل لها صفة الوجود. قال أصحابنا فإذا ما فعلها و لا تعلقت قدرته بها و إنما المفعول المقدور هو الصفة دونها فأخبرونا الآن ما هذه الصفة لنفهمها و هل هي نفس الجوهر
127
و نفس العرض فهما اللذان فعلا فكانا جوهرا و عرضا بفاعلهما و إن قلتم إنهما شيء آخر غيرها فهل هي شيء أم ليست بشيء. و اعلموا أنكم إن قلتم إنها شيء لزمكم أن تكون في عدمها أيضا شيئا و إن قلتم إنها ليست بشيء نفيتم أن يكون الله تعالى فعل شيئا. قالت المعتزلة هي أمر معقول و لم تزد على ذلك و أتت فيه بنظير ما أتى أصحاب الكسب المخلوق (1). و جميع المعتزلة على هذا القول إلا أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي فإنه يرى أن الأشياء قد كانت كلها في عدمها أشياء و لم تكن جواهر و لا أعراضا و لا ذواتا و إنما جعلت كذلك بفاعلها و لم تكن أشياء بفاعلها فقد تبين لك رأى المعتزلة في هذا
نظرية الأصلح
فصل
من الكلام في الأصلح- و قد اشتهر عن المعتزلة أنها من أهل العدل و ذلك لقولها إن الله تعالى لا يكلف العبد إلا ما يستطيع. و لها مع ذلك قول تنسب الله عز و جل فيه إلى الأمر القبيح و تضاد به ما أوجبه الدليل من وصفه بالحسن الجميل و هو ما ذهب إليه الجبائي و ابنه عبد السلام و من وافقها و هم اليوم أكثر المعتزلة من أن الله تعالى و إن كان عدلا كريما فإنه لا يفعل بخلقه الأصلح و لا يتفضل عليهم بالأنفع و إنه يقتصر بهم من النفع و الصلاح على نهاية غيرها أفضل منها و أصلح مع حاجتهم إلى ما يمنعهم إياه من الصلاح أو فقرهم إلى المنافع التي حرمهم إياها من الإنعام و الإحسان و هو قادر على ما يحتاجون إليه و مع ذلك هو غني عن منعه عالم بحسن بذله و فعله و العباد يتضرعون إليه في التفضل عليهم به فلا يرحم
____________
(1) هم القائلون بأن للعبد إرادة مقارنة لإرادة اللّه تعالى التي هي الفاعلة فقط دون إرادة العبد، غاية ما هناك أن إرادة العبد المفترضة هي المصحّحة للثواب و العقاب و إن لم يكن لها أي أثر في وجود الأفعال و تسمى هذه الإرادة أو هذه القدرة بالكاسبة أي التي بها يكتسب العبد التكليف و الثواب و العقاب.
128
تضرعهم و يسألونه المنة بفعله فلا يجيبهم و يرجونه فيخيب رجاءهم و يتمنونه من فعله فلا يهب لهم مناهم تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. و الذي نذهب في ذلك إليه مما وافقنا البلخي (1) فيه. هو أن الله سبحانه متفضل على جميع خلقه بنهاية مصالحهم متطول عليهم بغاية منافعهم لا يسألونه صلاحا إلا أعطاهم و لا يلتمسون منه ما يعلم أنه لهم أنفع إلا فعله بهم و لا يمنعهم إلا مما يضرهم و لا يصدهم إلا عما يفسدهم و لا يحول بينهم و بين شيء يصلحهم و أنه لا يقضي عليهم بشيء يسرهم أو يسوؤهم إلا و هو خير لهم و أصلح مما صرفه عنهم. و الذي يدل على ذلك هو ما ثبت من أن الله تعالى عالم بقبح القبيح و غني عن فعله لا يجبر على الحسن و لا يحتاج إلى منعه و أنه مستحق للوصف بغاية الجود و منفي عنه البخل و التقصير خلق الخلق لمنافعهم و اخترعهم لمصالحهم. فلو منعهم صلاحا لناقض ذلك الغرض في خلقهم و لم يكن مانعا نفعا هو قادر عليه عالم بحسنه إلا لحاجة إليه أو للبخل به أو الافتقار في صنعه و ذلك كله منفي عن الله سبحانه. و مما يدل على صحة ما ذهبنا إليه أنا وجدنا الحكيم إذا كان آمرا بطاعته فلن يجوز أن يمنع المأمور ما به يصل إليها إذا كان قادرا على أن يعطيه إياه و كان بذله له لا يضره و لا يخرجه من استحقاق الوصف بالحكمة و منعه لا ينفعه. و كذلك إذا كان له عدو يدعوه إلى موالاته و يحب رجوعه إلى طاعته فلن يجوز أن يعامله من الغلظة أو اللين إلا مما يعلم أنه أنجع فيما يريده منه و أدعى له إلى ترك ما هو فيه من عداوته و الرجوع إلى ولايته فإن عرض له أمران من الشدة و الغلظة أو الملاطفة و الملاينة يعلم أن أحدهما أدعى لعدوه إلى المراجعة و الإنابة و الآخر دون ذلك ففعل الدون و ترك أن يفعل
____________
(1) هو أبو القاسم البلخيّ تقدمت ترجمته.
129
الأصلح إلا الأدعى و كلاهما في قدرته سواء و لا يضره بذلهما و لا ينفعه منعهما كان عند الحكماء جميعا مذموما خارجا عن استحقاق الوصف بالجود و الحكمة. فلما كان هذا فيما بينا على ما وصفنا و كان الله تعالى قادرا حكيما جوادا عالما بمواضع حاجة عباده آمرا لهم بطاعته و ترك عداوته و الرجوع إلى ولايته لا يضره الإعطاء و لا يلحق به صفة الذم و لا ينفعه المنع و لا يزيد في ملكه علمنا أنه لا يفعل بعباده إلا ما كان أصلح بحالهم و أدعاها إلى طاعته صحة كان أو سقما لذة كان أو ألما آمنوا أو كفروا أطاعوا أم عصوا قال الله تعالى لرسوله ع- فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى. هذا حين علم أن الدعاء على جهة اللين أصلح له ثم قال في موضع آخر وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. حين كانت الشدة و الغلظة أصلح في دعائهم إلى التضرع و الخشوع لديهم و أعلم أن الأصلح إذا فعل بالعبد لا يضطره إلى إيجاد الفعل و إنما هو تيسر في إيجاده و معونة عليه كما أن القدرة لا تضطر العبد إلى إيجاد الفعل و إنما هي تمكين منه و إزاحة للعلة فيه. فمن نسب الله تعالى إلى أنه تعالى لا يفعل بمن كلفه (1) الأصلح فقد جعله بخيلا و مقتصدا و من نسبه إلى أن لا يعطي من كلفه الطاعة القدرة عليها فقد جعله ظالما جائرا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا
نقوض على هذه النظرية مع دفعها
فإن قال قائل إذا كان قد فعل بجميع خلقه الأصلح فقد ساوى بين وليه و عدوه و من ساوى بينهما فغير حكيم في فعله
____________
(1) في النسخة زيادة كلمة (إلا) فحذفناهما لئلا ينقلب المعنى المقصود.
130
قلنا إنما التسوية بينهما أن يثيبهما جميعا أو يمدحهما أو يفعل بهما جميعا ما يشتهيانه و يلذهما و ليس التسوية بينهما أن يفعل لهما ما يكون أدعى إلى طاعته و أزجر عن معصيته. أ لا ترى أن رجلا لو كان له عبدان قد أطاعه أحدهما و عصاه الآخر فقصد إلى الذي أطاعه فمدحه و أعطاه لتزداد بذلك رغبته في طاعته و يرغب عبيده في فعلها و قصد إلى الآخر فشتمه و عاقبه على ذنبه الذي ارتكبه ليزجره عن معصيته و يصير إلى طاعته و ينزجر غيره أيضا عن مثل فعله لكان قد فعل بكل واحد منهما ما هو أصلح له و لم يجز أن يقال مع ذلك أنه قد ساوى بينهما و قد أمر الله تعالى عبديه المؤمن و الكافر بالطاعة و نهاهما جميعا عن المعصية و أقدرهما على ما كلفهما و أزاح عللهما و لا يقال مع ذلك إنه قد ساوى بينهما إلا أن يراد بالمساواة أنه قد عدل فيهما و لم يظلم أحدهما فذلك صحيح. فإن قال إذا أوجبتم أن يفعل بعباده كل ما فيه صلاحهم في دينهم و في أداء ما كلفهم فقد أوجبتم أن لما عنده مما فيه صلاحهم غاية و نهاية. قلنا لسنا نقول ذلك بل نقول لا غاية لما عند الله تعالى مما فيه صلاح العباد و لا نهاية له و لا نفاد و إن في سلطانه و قدرته أمثالا لما فعله بهم مما فيه صلاحهم و لكنه إنما يأتيهم من ذلك في كل وقت بقدر حاجتهم و ما يعلم أنه الأصلح لهم. فإن قال فإذا كان الذي فعل بهم مما تقولون إنه الأصلح لهم أمثال فقد وجب إذا جمعت لهم تلك الأمثال أن تكون أصلح لهم من الواحد. قلنا لهم ليس يجب ذلك. و مما يدل على أن القول ما قلنا أنه يكون صلاح المريض مقدارا من الدواء و لذلك المقدار من الدواء أمثال لو جمعت كلها له لصار تضررا عليه و لقتلته. و كذلك الجائع قد يكون مقدار من الطعام فيه صلاحه و لذلك المقدار
131
أمثلة لو ضمت فأكلها لعادت عليه ضررا و لأمرضته. و كذلك قد يكون معنى هو صلاح العبد في دينه و له أمثال لو جمعت له لم يكن فيها صلاحه بل كان فيها ضرره و فساده. و قد جاءت الأخبار عن آل محمد ص بأن الله لا يفعل بعبده إلا أصلح الأشياء له.
أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ الصَّبْرُ وَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ رَأْسُ طَاعَةِ اللَّهِ وَ مَنْ صَبَرَ وَ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ بِمَا قَضَى عَلَيْهِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ هُوَ خَيْرٌ لَهُ
و قد ظن من لا معرفة له أنا لما قلنا إن الله تعالى يفعل بعباده الأصلح لهم أنه يلزمنا على ذلك أن يكون ما يفعله بأهل النار من العذاب أصلح لهم. و قد رأيت من أصحابنا من يلتزم ذلك و يقول قد أخبر الله تعالى عن أهل النار أنهم لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ قال و لو ردوا و عادوا لاستحقوا من العذاب أكثر مما يفعل بهم في النار فالاقتصار بهم على ما هم فيه أصلح لهم. و هذا غير صحيح و الأصلح أنما هو التيسير إلى فعل الطاعة و تسهيل الطريق التي هي تناولها و هذا لا يكون إلا في حال التكليف دون غيرها. فأما الآية فإنما تضمنت تكذيب أهل النار فيما قالوه لأن الله تعالى أخبر عنهم فقال وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فقال الله تعالى مكذبا لهم بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
132
رأي الجبائي و من تبعه من المعتزلة في الترك و مناقشة المصنف له
فصل من الكلام في الترك
و قد اختار عبد السلام الجبائي لنفسه قولا قبيحا ضاهى فيه قول المجبرة إن الله تعالى يعذب العبد على ما لم يحدثه و زاد عليهم بأنه قال إنه يعذب العبد من غير فعل فعله و لا شيء اكتسبه. و ذلك لأنه يقول إن ترك الطاعة التي افترضها الله تعالى و أوجبها يجوز أن لا يكون فعلا ثم يعذب الله تعالى العبد لأنه ترك و إن لم يكن ترك شيئا لا فعلا و لا كسبا. و هذا قول انفرد به و رأي استحدثه ثم تبعه معظم المعتزلة عليه من بعده. و الذي يدل على أن الله تعالى لا يعذب العبد إلا على فعل فعله أنا رأينا العذاب أنما يستحقه من يستحق الذم و اللوم و رأينا في الشاهد أنا لا نستحسن ذم أحد إلا و قد استقبحنا حالا حصل المذموم عليها متى ارتفعت من أوهامنا ارتفع استحساننا لذمه و متى حصلت حسن ذمه حتى أنه متى خفي أمره فلم يعلم على أي حال هو لم يستحسن حمده و لا ذمه إلا بتعليقه بحال ما حصل عليها نستحسنها في عقولنا أو نستقبحها فنقول إن كان على كذا حسن حمده و قبح ذمه و إن كان على كذا حسن ذمه و قبح حمده. و كذلك من انتهى إلى آخر أوقات الظهر حتى تيقن أنه لم يبق من وقته إلا مقدار أربع ركعات من أخف ما يجزى و هو قادر ممكن ذاكر للواجب عليه من الصلاة فلم يصل فإن العقول لا تمتنع من استقباح حال هذا الإنسان على أي هيئة حصل عليها من اضطجاع أو قعود أو قيام أو مشي أو غير ذلك من الهيئات التي لا تصح معها الصلاة. و قد علمنا أن الاستقباح يتعلق بمستقبح فقد وجب أن يكون هناك
133
قبيح و إذا كان هذا الاستقباح أنما يوجد عند وجود إحدى تلك الهيئات و يعدم بعدمها لأنها متى عدمت كان مصليا وجب أن تكون هي القبيح الذي تعلق به الاستقباح. و لذلك ثبت حسن ذمه في عقولنا عند حصول هذا الاستقباح و وجود هذه الهيئة و إلا لم يحسن و إذا ثبت أن لهذه الهيئة حسن ذمه ثم استدللنا بدلائل حدوث الهيئات أن هذه الهيئة حادثة من فعله صح بذلك أنه لا يحسن ذم الإنسان إلا على فعله. و كذلك سبيل سائر المستحقين للذم إنهم لا يستحقون إلا و قد جروا مجرى هذا التارك للصلاة. و إذا كان الذم لا يحسن إلا لما قلنا وجب أن يكون العقاب لا يحسن إلا له و ذلك بين لمن تأمله. فإن اعترضه معترض في هذا و قال ما تنكرون أن يكون الإنسان (1) يستحق الذم لأنه لم يفعل ما وجب عليه إذا كان قد يحسن من العقلاء فيما بيننا إذا لاموا إنسانا فقيل لهم لم لمتموه إن يقولوا لأنه لم يفعل ما وجب عليه و يقتصروا على هذا القدر في استحقاقه الذم. قلنا إنا لسنا نمنع من أن يكون الإنسان يعبر عن الشيء و يريد غيره مما يتعلق به مجازا و استعارة أو لعادة جارية أو لدلالة قائمة فيعبر في حال بعبارة نفي و المراد بها إثبات ضد المنفي أ لا ترى أنا نقول للإنسان أنت قادر على أن لا تمضي مع فلان و على أن لا تقوم معه و أنا أريد منك أن لا تصحبه و لا تمشي معه و القدرة عندنا و عند مخالفينا أنما هي قدرة على أن يفعل الشيء ليس على أن لا يفعل
____________
(1) في النسخة زيادة كلمة أن المصدرية.
134
فقولنا أنت قادر على أن لا تمشي معه أنما نريد أنه قادر على أن يفعل ضد الشيء و ما لا يقع المشي معه و كذلك في الإرادة. و إذا كان هذا كما وصفنا لم يجز لعاقل أن يقتصر في هذا الباب على ما يطلقه الناس من عباراتهم و يدع التأمل للمعنى الذي تعلق به الذم في العقول. و أيضا فإنا نعلم أنهم كما يقولون لمن لم يصل أسأت إن لم تصل فكذلك يقولون له أسأت في تركك الصلاة و تشاغلك عنها بما لا يجدي عليك في دين و لا دنيا و فرطت و ضيعت و ظلمت زيدا إذ منعته حقه الذي له عليك و فعلت ما لا يحل و لا يحمد فيعلقون الذم في ظاهر القول بأفعال و قد علمنا أنهم لم يقصدوا من الذم بأحد القولين إلا إلى ما يقصدونه بالآخر و في أحد القولين الإفصاح عن فعل عقلوه فوجب أن يكون هو المقصود بالقول الآخر و هو الفعل المعقول الذي هو الترك
فصل
و اعلم أن الفاعل المحدث لا يخلو من أخذ أو ترك و هما فعلان متضادان فهو لا يعرو من الأفعال في تعاقب الأضداد. و لا يقال إن الله سبحانه لا يخلو من أخذ أو ترك لأنه يصح أن يخلو من الأفعال و ليس هو بمحل للأعراض و لا لتعاقب الأضداد. و الترك في الحقيقة يختص بالمحدثين و لا يوصف الله تعالى به إلا على المجاز و الاتساع و لا يصح أن يقال إنه لم يزل تاركا في الحقيقة لأن ذلك يوجب أنه لم يزل خاليا من الأفعال و القول الصحيح أنه كان قبل خلقه ليس بفاعل و لا تارك متقدما لجميع الأفعال فافهم ما ذكرناه
مواعظ و كلمات في النهي عن الظلم
فصل مما ورد في ذكر الظلم
رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
135
أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي عِنْدَ غَضَبِكَ أَذْكُرْكَ عِنْدَ غَضَبِي فَلَا أَمْحَقْكَ فِيمَنْ أَمْحَقُ فَإِذَا ظُلِمْتَ بِمَظْلِمَةٍ فَارْضَ بِانْتِصَارِي لَكَ فَإِنَّ انْتِصَارِي خَيْرٌ مِنِ انْتِصَارِكَ لِنَفْسِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الْخُلُقَ الْحَسَنَ يُذِيبُ السَّيِّئَةَ كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ وَ أَنَّ الْخُلُقَ السَّيِّئَ يُفْسِدُ الْعَمَلَ كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ
وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ مَنْ وَلَّى شَيْئاً مِنْ أُمُورِ أُمَّتِي فَحَسُنَتْ سَرِيرَتُهُ لَهُمْ رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْهَيْبَةَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ مَنْ بَسَطَ كَفَّهُ لَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ رُزِقَ الْمَحَبَّةَ مِنْهُمْ وَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ عَنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَالَهُ وَ مَنْ أَخَذَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ مُصَاحِباً وَ مَنْ كَثُرَ عَفْوُهُ مُدَّ فِي عُمُرِهِ وَ مَنْ عَمَّ عَدْلُهُ نُصِرَ عَلَى عَدُوِّهِ وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ ذُلِّ الْمَعْصِيَةِ إِلَى عِزِّ الطَّاعَةِ آنَسَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِغَيْرِ أَنِيسٍ وَ أَعَانَهُ بِغَيْرِ مَالٍ
وَ رُوِيَ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوباً مَنْ يَظْلِمْ يَخْرَبْ بَيْتُهُ
و مصداق ذلك في كتاب الله عز و جل فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا. و قيل إذا ظلمت من دونك عاقبك من فوقك
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْهِلُ الظَّالِمَ حَتَّى يَقُولَ أَهْمَلَنِي ثُمَّ إِذَا أَخَذَهُ أَخَذَهُ أَخْذَةً رَابِيَةً
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَمِدَ نَفْسَهُ عِنْدَ هَلَاكِ الظَّالِمِينَ فَقَالَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فِي ذَلِكَ
136
لَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ فَإِنَّمَا يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَ نَفْعِكَ وَ لَيْسَ جَزَاءُ مَنْ سَرَّكَ أَنْ تَسُوءَهُ وَ مَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ وَ مَنْ حَفَرَ لِأَخِيهِ بِئْراً وَقَعَ فِيهَا وَ مَنْ هَتَكَ حِجَابَ أَخِيهِ هُتِكَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ بِئْسَ الزَّادُ إِلَى الْمَعَادِ الْعُدْوَانُ عَلَى الْعِبَادِ أَسَدٌ حَطُومٌ خَيْرٌ مِنْ سُلْطَانٍ ظَلُومٍ وَ سُلْطَانٌ ظَلُومٌ خَيْرٌ مِنْ فِتَنٍ تَدُومُ اذْكُرْ عِنْدَ الظُّلْمِ عَدْلَ اللَّهِ فِيكَ وَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ
قال المتنبئ
و أظلم خلق الله من بات حاسدا* * * لمن بات في نعمائه يتقلب
كلمات لأمير المؤمنين (ع) و غيره في ذم الحسد
فصل
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص مَا رَأَيْتُ ظَالِماً أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنَ الْحَاسِدِ نَفَسٌ دَائِمٌ وَ قَلْبٌ هَائِمٌ وَ حُزْنٌ لَازِمٌ
وَ قَالَ (ع) الْحَاسِدُ مُغْتَاظٌ عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إِلَيْهِ بَخِيلٌ بِمَا لَا يَمْلِكُهُ
وَ قَالَ (ع) الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ
وَ قَالَ (ع) الْحَسَدُ آفَةُ الدِّينِ وَ حَسْبُ الْحَاسِدَ مَا يَلْقَى
وَ قَالَ ع
137
لَا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ وَ لَا رَاحَةَ لِحَاسِدٍ وَ يَكْفِيكَ مِنَ الْحَاسِدِ أَنَّهُ يَغْتَمُّ وَقْتَ سُرُورِكَ
وَ قَالَ (ع) الْحَسَدُ لَا يَجْلِبُ إِلَّا مَضَرَّةً وَ غَيْظاً يُوهِنُ قَلْبَكَ وَ يُمْرِضُ جِسْمَكَ وَ شَرُّ مَا اسْتَشْعَرَ قَلْبُ الْمَرْءِ الْحَسَدُ تَغَنَّمْ (1) وَ نَقِّ قَلْبَكَ مِنَ الْغِلِّ تَسْلَمْ
وَ قَالَ (ع) الْحَسُودُ سَرِيعُ الْوَثْبَةِ بَطِيءُ الْعَطْفَةِ مَغْمُومٌ وَ اللَّئِيمُ مَذْمُومٌ
وَ قَالَ (ع) لَا غِنَى مَعَ فُجُورٍ وَ لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ وَ لَا مَوَدَّةَ لِمَلُولٍ
وَ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ إِيَّاكَ وَ الْحَسَدَ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ فِيكَ وَ لَا يَتَبَيَّنُ فِيمَنْ تَحْسُدُهُ
و قال آخر ليس في خلال الشر خلة هي أعدل من الحسد لأنه يقتل الحاسد قبل أن يصير إلى المحسود. و قال آخر إذا مطر التحاسد نبت التفاسد. و قال آخر كل الناس أقدر أن أرضيهم إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتي. أنشدت للشريف الرضي أبي الحسن محمد الموسوي
لو كنت أحسد ما تجاوز خاطري* * * حسد النجوم على بقاء السرمد
لا تغبطن على ترادف نعمة* * * شخصا تبيت له المنون بمرصد
إذ ليس بعد بلوغه آماله* * * أفضى إلى عدم كأن لم يوجد
فصل
لا تخضعن لمترف متكبر* * * إن كان ذا مال و أنت عديما (2)
____________
(1) كذا وردت
(2) كذا وردت و لعلّ الصحيح: و كنت عديما.
138
و اصبر على مضض الزمان و عيبه* * * حتى يساعد أو تموت كريما
فلأن يموت المرء غير مذمم* * * خير له من أن يعيش ذميما
غيره في اليأس عز و اتباع مطامع الآمال ذل و طلاب ما لم يقض صعب و هو في المقدور سهل. غيره و هو صخرة التميمي
و للموت خير للفتى من علاقة* * * من العار يرميه بها كل قائل
و أنشدني أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمزة قال أنشدني أبو طاهر الخوارزمي للقاضي الجرجاني (1)
يقولون لي فيك انقباض و إنما* * * رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
إذا قيل هذا مورد قلت قد أرى* * * و لكن نفس الحر تحتمل الظمأ
و ما كل برق لاح لي يستفزني* * * و لا كل من لاقيت أرضاه منعما
و لو أن أهل العلم صانوه صانهم* * * و لو عظموه في النفوس لعظما
و لكنهم قد دنسوه و عرضوا* * * محياه للأطماع حتى تجهما
____________
(1) هو القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجانيّ الفقيه الشافعي المتوفى بالري سنة 342/ 366 ه)، أطراه الثعالبي في اليتيمة، و ذكر كثيرا من شعره، و منه الأبيات المذكورة بزيادة و نقصان و تجده ترجمته في الكنى و الألقاب للقمي، و في وفيات الأعيان و شذرات الذهب و معجم الأدباء و طبقات المفسرين.
139
و لم أبتذل في خدمة العلم مهجتي* * * لأخدم من لاقيت إلا لأخدما
أ أغرسه عزا و أجنيه ذلة* * * إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما
و أنشدت لعبد المحسن الصوري (1)
كد كد العبد إن أحببت أن تحسب حرا* * * و اقطع الآمال من جود بني آدم طرا
لا تقل ذا مكسب يزري* * * ففضل الناس أزري
فصل أقوال و كلمات في الصبر
رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ الصَّبْرُ سِتْرٌ مِنَ الْكُرُوبِ وَ عَوْنٌ عَلَى الْخُطُوبِ
وَ قَالَ ص بِالصَّبْرِ يُتَوَقَّعُ الْفَرَجُ وَ مَنْ يُدْمِنْ قَرْعَ الْبَابِ يَلِجْ
وَ قَالَ (ع) الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَ أَفْضَلُ مِنْهُ الصَّبْرُ عِنْدَ الْمَحَارِمِ
وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الصَّبْرُ مَطِيَّةٌ لَا تَكْبُو وَ الْقَنَاعَةُ سَيْفٌ لَا يَنْبُو
____________
(1) هو عبد المحسن بن محمّد بن أحمد بن غالب بن غلبون الصوري العاملي أحد الشعراء المحسنين و الأدباء المجيدين أورد الثعالبي في اليتيمة طائفة كبيرة من شعره، و تجد ترجمته في أمل الآمل للحر العاملي و في وفيات الأعيان. و من شعره:
و كم آمر بالصبر لم ير لوعتي* * * و ما صنعت نار الرأس بين أحشائي
و من أين لي صبر و في كل ساعة* * * أرى حسناتي في موازين أعدائي.
و له مرثاة جيدة في الشيخ المفيد شيخ الشيعة الإماميّة في عصره المتوفّى سنة (413 ه) و قد توفي الصوري سنة (489 ه).
140
مِنْ كُنُوزِ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ الصَّبْرُ جُنَّةٌ مِنَ الْفَاقَةِ اطْرَحْ عَنْكَ الْهُمُومَ بِعَزَائِمِ الصَّبْرِ وَ حُسْنِ الْيَقِينِ مَنْ صَبَرَ سَاعَةً حُمِدَ سَاعَاتٍ
و قال آخر أفضل العدة الصبر على الشدة. و قال آخر بالصبر على مرارة العاجل ترجى حلاوة الآجل. و قال آخر الصبر كاسمه و ثمرته ثمرته. لبعض
اصبر لدهر نال منك* * * فهكذا مضت الدهور
فرح و حزن مرة* * * لا الحزن دام و لا السرور
كتب رجل إلى أخيه الصبر مجنة المؤمن و سرور الموقن و عزيمة المتوكل و سبب درك الحاجة و إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ. قال ديك الجن (1)
من كان يبغي الذل في دهره* * * فليطلع الناس على فقره
ما للفتى إن عضه دهره* * * معول أكرم من صبره
____________
(1) هو عبد السلام بن رغبان الحمصي شاعر معروف مجيد، و كان يتشيع و له مراث كثيرة في الحسين (ع) توفّي سنة (235 ه) و قد نسب إلى الإلحاد لتشيعه، و هي الطريقة التي كانت متبعة في أمثاله من الشيعة كيدا و اضطهادا و تجد أخباره في الأغاني و ابن خلّكان و حياة الحيوان و سواها.
141
و كان يقال العافية عشرة أجزاء فتسعة منها في الصبر و العاشر في التفرد عن الناس. لبعضهم
أ لم تر (1) أن الصبر أجمل للفتى* * * إذا ضاق عنه أمر لم يجد عنه
مخرجا
فما صفت الدنيا لصاحب نعمة* * * و لا اشتد أمر قط إلا تفرجا
و قيل إن الأدب هو الصبر على الغصة حتى تدرك الفرصة. لآخر
و لما امتطيت صروف الزمان* * * و أسلمت للدهر طوعا قيادي
تزودت صبرا لوعثائه* * * و زاد أخي الصبر من خير زاد
و لم يضع الصبر قدر امرئ* * * و هل يضيع الترب إثر النجاد
قصة ذريب بن ثملا (2) وصي عيسى ابن مريم ع
فصل
أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ صَخْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو شُجَاعٍ فَارِسُ بْنُ مُوسَى الْعَرْضِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ
____________
(1) في النسخة (أ ما ترى) فأبدلناه ب (أ لم تر) فرارا من الزحاف.
(2) أشار إلى هذه القصة صاحب لسان الميزان ج 3 ص 402 إشارة موجزة و اعتبرها غير صحيحة.
142
شَيْبَةَ الْكُوفِيُّ بِبَغْدَادَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الطُّوسِيُّ السَّرَّاجُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَارِجَةَ الرَّقِّيُّ قَالَ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْعَضِلَةِ كُنْتُ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ وَجَّهَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَ فَتَحْنَا مَدِينَةَ حُلْوَانَ وَ طَلَبْنَا الْمُشْرِكِينَ فِي الشِّعْبِ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِمْ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَهَيْتُ إِلَى مَاءٍ فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَ أَخَذْتُ بِعِنَانِهِ ثُمَّ تَوَضَّأْتُ وَ أَذَّنْتُ فَقُلْتُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَأَجَابَنِي شَيْءٌ مِنَ الْجَبَلِ وَ هُوَ يَقُولُ كَبَّرْتَ كَبِيراً فَفَزِعْتُ لِذَلِكَ فَزَعاً شَدِيداً وَ نَظَرْتُ يَمِيناً وَ شِمَالًا فَلَمْ أَرَ شَيْئاً فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَجَابَنِي وَ هُوَ يَقُولُ الْآنَ حِينَ أَخْلَصْتَ فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ نَبِيٌّ بُعِثَ فَقُلْتُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ فَرِيضَةٌ افْتُرِضَتْ فَقُلْتُ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَجَابَهَا وَ اسْتَجَابَ لَهَا فَقُلْتُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ الْبَقَاءُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص وَ عَلَى رَأْسِهَا تَقُومُ السَّاعَةُ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ أَذَانِي نَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي حَتَّى أَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْجَبَلِ فَقُلْتُ إِنْسِيٌّ أَمْ جِنِّيٌّ قَالَ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ كَهْفِ الْجَبَلِ فَقَالَ مَا أَنَا بِجِنِّيٍّ وَ لَكِنِّي إِنْسِيٍّ فَقُلْتُ لَهُ مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ أَنَا ذَرِيبُ بْنُ ثِمْلَا مِنْ حَوَارِيِّ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (ع) أَشْهَدُ أَنَّ صَاحِبَكُمْ نَبِيٌّ- وَ هُوَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (ع) وَ لَقَدْ أَرَدْتُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ فَحَالَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ فَارِسُ وَ كِسْرَى وَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ فَرَكِبْتُ دَابَّتِي وَ لَحِقْتُ بِالنَّاسِ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَمِيرُنَا فَأَخْبَرْتُهُ بِالْخَبَرِ فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَجَاءَ كِتَابُ عُمَرَ يَقُولُ أَلْحِقِ الرَّجُلَ فَرَكِبَ سَعْدٌ وَ رَكِبْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْجَبَلِ فَلَمْ نَتْرُكْ كَهْفاً وَ لَا شِعْباً وَ لَا وَادِياً إِلَّا الْتَمَسْنَاهُ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ وَ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي نَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي
143
يَا صَاحِبَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ وَ الْوَجْهِ الْجَمِيلِ إِنَّا قَدْ سَمِعْنَا مِنْكَ كَلَاماً حَسَناً فَأَخْبِرْنَا مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَقْرَرْتَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَ وَحْدَانِيَّتِهِ قَالَ فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مِنْ كَهْفِ الْجَبَلِ فَإِذَا (1) شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَ اللِّحْيَةِ لَهُ هَامَةٌ كَأَنَّهَا رَحًى فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ قُلْتُ وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ أَنَا ذَرِيبُ بْنُ ثِمْلَا وَصِيُّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (ع) كَانَ قَدْ سَأَلَ رَبَّهُ لِيَ الْبَقَاءَ إِلَى نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ وَ قَرَارِي فِي هَذَا الْجَبَلِ وَ أَنَا مُوصِيكُمْ سَدِّدُوا وَ قَارِبُوا وَ إِيَّاكُمْ وَ خِصَالًا تَظْهَرُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص فَإِنْ ظَهَرَتْ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ لَيَقُومُ أَحَدُكُمْ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى تَطْفَأَ عَنْهُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْبَقَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْفَضْلَةَ قُلْتُ لَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَخْبِرْنَا بِهَذِهِ الْخِصَالِ لِنَعْرِفَ ذَهَابَ دُنْيَانَا وَ إِقْبَالَ آخِرَتِنَا قَالَ نَعَمْ إِذَا اسْتَغْنَى رِجَالُكُمْ بِرِجَالِكُمْ وَ اسْتَغْنَتْ نِسَاؤُكُمْ بِنِسَائِكُمْ وَ انْتَسَبْتُمْ إِلَى غَيْرِ مَنَاسِبِكُمْ وَ تَوَلَّيْتُمْ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيكُمْ وَ لَمْ يَرْحَمْ كَبِيرُكُمْ صَغِيرَكُمْ وَ لَمْ يُوَقِّرْ صَغِيرُكُمْ كَبِيرَكُمْ وَ كَثُرَ طَعَامُكُمْ فَلَمْ تَرَوْهُ إِلَّا غَلَاءَ أَسْعَارِكُمْ وَ صَارَتْ خِلَافَتُكُمْ فِي صِبْيَانِكُمْ وَ رَكَنَ عُلَمَاؤُكُمْ إِلَى وُلَاتِكُمْ فَأَحَلُّوا الْحَرَامَ وَ حَرَّمُوا الْحَلَالَ وَ أَفْتَوْهُمْ بِمَا يَشْتَهُونَ وَ اتَّخَذُوا الْقُرْآنَ أَلْحَاناً وَ مَزَامِيرَ فِي أَصْوَاتِهِمْ وَ مَنَعْتُمْ حُقُوقَ اللَّهِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ وَ لَعَنَ آخِرُ أُمَّتِكُمْ أَوَّلَهَا وَ زَوَّقْتُمُ الْمَسَاجِدَ وَ طَوَّلْتُمُ الْمَنَابِرَ وَ حَلَّيْتُمُ الْمَصَاحِفَ بِالذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ رَكِبَ نِسَاؤُكُمُ السُّرُوجَ وَ صَارَ مُسْتَشَارَ أُمُورِكُمْ نِسَاءُكُمْ وَ خِصْيَانُكُمْ وَ أَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَ عَقَّ وَالِدَيْهِ وَ ضَرَبَ شَابٌّ وَالِدَتَهُ وَ قَطَعَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ رَحِمَهُ وَ بَخِلْتُمْ بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ وَ صَارَتْ أَمْوَالُكُمْ عِنْدَ شِرَارِكُمْ وَ كَنَزْتُمُ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ شَرِبْتُمُ الْخَمْرَ وَ لَعِبْتُمْ بِالْمَيْسِرِ وَ ضَرَبْتُمْ بِالْكَبَرِ (2) وَ مَنَعْتُمُ الزَّكَاةَ وَ رَأَيْتُمُوهَا مَغْرَماً وَ الْخِيَانَةَ مَغْنَماً
____________
(1) في النسخة: فإذن.
(2) الكبر بفتحتين هو الطبل له وجه واحد و جمعه كبار كجبل و جبال (مجمع البحرين).
144
وَ قُتِلَ الْبَرِيءُ لِتَتَّعِظَ الْعَامَّةُ بِقَتْلِهِ وَ اخْتُلِسَتْ قُلُوبُكُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ قُحِطَ الْمَطَرُ فَصَارَ قَيْضاً وَ الْوَلَدُ غَيْظاً وَ أَخَذْتُمُ الْعَطَاءَ فَصَارَ فِي السِّقَاطِ وَ كَثُرَ أَوْلَادُ الْخَبِيثَةِ يَعْنِي الزِّنَاءَ وَ طُفِّفَتِ الْمِكْيَالُ وَ كَلِبَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ وَ ضُرِبْتُمْ بِالذِّلَّةِ وَ صِرْتُمْ أَشْقِيَاءَ وَ قَلَّتِ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَطُوفَ الرَّجُلُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ مَا يُعْطَى عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَ كَثُرَ الْفُجُورُ وَ غَارَتِ الْعُيُونُ فَعِنْدَهَا نَادَوْا فَلَا جَوَابَ يَعْنِي دَعَوْا فَلَمْ يُسْتَجَبْ لَهُمْ
شرح قوله و لعن آخر أمتكم أولها فصل
اعلم أيدك الله تعالى أن قوله في هذا الخبر و لعن آخر أمتكم أولها مما يظن الناصبي أن فيه طعنا علينا و ذلك ظن فاسد (1) و قد لعن الله تعالى الظالمين فقال أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ و أخبر النبي ص بأن من أصحابه من يغير بعده و يبدل و يغوي و يفتن و يضل و يظلم و يستحق العقاب الأليم و الخلود في الجحيم
فَمِمَّا رَوَوْا عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ (ع) لِأَصْحَابِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْراً بِشِبْرٍ وَ ذِرَاعاً بِذِرَاعِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى قَالَ فَمَنْ إِذْنِ (2)
وَ قَوْلُهُ ص وَ قَدْ ذُكِرَتْ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ لَا فَإِنِّي لِفِتْنَةِ بَعْضِكُمْ أَخْوَفَ مِنِّي لِفِتْنَةِ الدَّجَّالِ (3)
وَ قَوْلُهُ ص لِأَصْحَابِهِ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً وَ إِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ
____________
(1) كذلك كلمات مطموسة.
(2) تجد هذا الحديث في صحيح البخاريّ ج 9 ص 83 بسنده عن أبي سعيد الخدري و رواه الطبريّ الإمامي في المسترشد ص 28- 29. باختلاف يسير.
(3) انظر: ص 96 من صحيح البخاريّ ج 4 من طبعة مصر سنة 1306.
145
أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ (1)
وَ قَوْلُهُ ص فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِأَصْحَابِهِ أَلَا لَأُخْبِرَنَّكُمْ تَرْتَدُّونَ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ أَلَا إِنِّي قَدْ شَهِدْتُ وَ غِبْتُمْ
وَ قَوْلُهُ ص فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى (2)
وَ قَوْلُهُ ص تَكُونُ لِأَصْحَابِي بَعْدِي زَلَّةٌ يَعْمَلُ بِهَا قَوْمٌ يُكِبُّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ
وَ حَدَّثَنِي مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حِمَاسٍ بِمَدِينَةِ الرَّمْلَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو الْحَسَنِ الْحَذَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرَّةٍ عَنْ قِلَابَةَ الْحَرَمِيِّ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْجَرَّاحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِلِحْيَتِي وَ أَنَا أَعْرِفُ الْحُزْنَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ يَا عُمَرُ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أَتَانِي جَبْرَائِيلُ آنِفاً فَقَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فَقُلْتُ أَجَلْ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فَمِمَّ ذَاكَ يَا جَبْرَئِيلُ قَالَ
____________
(1) تجد بعضه مرويا في صحيح البخاريّ ج 9 ص 39 كتابه الفتن و رواه الطبريّ في المسترشد ص 29 باختلاف في بغض ألفاظه و مختصرا.
(2) عن طبقات ابن سعد ج 1 ص 19.
146
إِنَّ أُمَّتَكَ مُفَتِّنَةٌ بَعْدَكَ بِقَلِيلٍ مِنَ الدَّهْرِ غَيْرِ كَثِيرٍ فَقُلْتُ فِتْنَةَ كُفْرٍ أَوْ فِتْنَةَ ضَلَالَةٍ قَالَ كُلٌّ سَيَكُونُ فَقُلْتُ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ وَ أَنَا تَارِكٌ فِيهِمْ كِتَابَ اللَّهِ قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ يَضِلُّونَ وَ أَوَّلُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أُمَرَائِهِمْ وَ قُرَّائِهِمْ بِمَنْعِ الْأُمَرَاءِ الْحُقُوقَ فَيَسْأَلُ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ فَلَا يُعْطُونَهَا فَيُفَتِّنُوا وَ يُقَتِّلُوا يَتْبَعُ الْقُرَّاءُ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ فَ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ فَقُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ فِيمَ يُسَلِّمُ مَنْ يُسَلِّمُ مِنْهُمْ قَالَ بِالْكَفِّ وَ الصَّبْرِ إِنْ أُعْطُوا الَّذِي لَهُمْ أَخَذُوهُ وَ إِنْ مَنَعُوهُمْ تَرَكُوهُ
فهذا بعض ما ورد من الأخبار في أنه قد كان بعد رسول الله ص من ضل و أضل و ظلم و غشم و وجب بغيه و البراءة منه متى فعله فأما الوجه في اللعن الذي يجب أن يحمل عليه ما تضمنه الخبر الذي أوردناه من قوله ص و لعن آخر أمتكم أولها فهو ما استحله الظالمون المبغضون لأمير المؤمنين (ع) من لعنه و المجاهرة بسبه و ذمه فلسنا نشك في أنه قد تبرأت منه الخوارج و لعنه معاوية و من بعده من بني أمية على المنابر و تقرب الناس إلى ولاة الجور بذمه و نشأ أولادهم على سماع البراءة منه و سبه
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كُلَيْبٍ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَدِينَةِ الرَّمْلَةِ مِنْ نَقْلِ الْعَامَّةِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ حمر [عُمَرُ] بْنُ عَلِيٍّ الْعَتَكِيُّ الْخَطِيبُ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي- قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّبْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَمَعَنَا زِيَادٌ (1) فِي الرَّحْبَةِ فَمَلَأَ مِنَّا الرَّحْبَةَ وَ الْقَصْرَ وَ حَمَلَنَا عَلَى شَتْمِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَ النَّاسُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ قَالَ فَهَوَّمْتُ بِرَأْسِي تَهْوِيمَةً فَإِذَا شَيْءٌ أَهْدَبُ أَهْدَلُ ذُو مِشْفَرٍ طَوِيلٍ مُدَّ إِلَيَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَفَزِعْتُ وَ قُلْتُ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا النَّقَّادُ ذُو الرَّقَبَةِ أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى صَاحِبِ
____________
(1) هو زياد بن أبيه عامل الأمويين على العراق.
147
هَذَا الْقَصْرِ فَانْتَبَهْتُ فَحَدَّثْتُ أَصْحَابِي فَقَالُوا أَنْتَ مَجْنُونٌ فَمَا بَرِحْنَا أَنْ خَرَجَ الْآذِنُ فَقَالَ انْصَرِفُوا فَإِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ شُغِلَ وَ إِذَا الْفَالِجُ قَدْ ضَرَبَهُ قَالَ فَأَنْشَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُ
مَا كَانَ مُنْتَهِياً عَمَّا أَرَادَ بِنَا* * * حَتَّى تَنَاوَلَهُ النَّقَّادُ ذُو الرَّقَبَةِ
فَأَسْقَطَ الشِّقَّ مِنْهُ حَرْبَةٌ ثَبَتَتْ* * * كَمَا تَنَاوَلَ ظُلْماً صَاحِبَ الرَّحْبَةِ
(1)
وَ حَدَّثَنِي السُّلَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَتَكِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْخُزَاعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ فِيمَا قَرَأْتُ عَلَيْهِ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ مَثُوبَةَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا رَحْمَةُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الْبَاهِلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ لَا تَسُبُّوا هَذَا الرَّجُلَ يَعْنِي عَلِيّاً (ع) فَإِنَّ رَجُلًا سَبَّهُ فَرَمَاهُ اللَّهُ بِكَوْكَبَيْنِ فِي عَيْنَيْهِ
وَ حَدَّثَنِي السُّلَمِيُّ أَيْضاً قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَتَكِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الرَّازِيُّ وَرَّاقُ أَبِي ذُرْعَةَ الرَّازِيِّ بِمَكَّةَ سَنَةَ سِتٍّ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو ذُرْعَةَ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ قَالَ كُنْتُ مُسْتَنِداً إِلَى الْمَقْصُورَةِ وَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (2) عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ وَ هُوَ يُؤْذِي عَلِيّاً (ع) فِي خُطْبَتِهِ فَذَهَبَ بِيَ النُّعَاسُ فَرَأَيْتُ الْقَبْرَ قَدِ انْفَرَجَ فَاطَّلَعَ مُطَّلِعٌ فَقَالَ آذَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ لَعَنَكَ اللَّهُ
وَ حَدَّثَنِي أَيْضاً السُّلَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَتَكِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ الْبَغْدَادِيُّ وَ يُعْرَفُ بِابْنِ نَسَاوَرَانَ بِأَنْطَاكِيَّةَ قَالَ
____________
(1) رواه البيهقيّ في المحاسن و المساوي ج (1) ص 87 عن عبد اللّه بن السائب، و رواه المسعودي في مروج الذهب ج 3 ص 35- 36، و صاحب الرحبة هو عليّ (عليه السلام) لأنّه قتل في رحبة المسجد.
(2) هكذا في النسخة و لعله: خالد بن عبد اللّه أي القسري.
148
حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ زِيَادٍ الْخَلَّالُ التُّسْتَرِيُّ بِتُسْتَرَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الطُّهْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ عكرة [عِكْرِمَةَ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَبَسَ قَطْرَ الْمَطَرِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِسُوءِ رَأْيِهِمْ فِي أَنْبِيَائِهِمْ وَ أَنَّهُ حَابِسٌ قَطْرَ الْمَطَرِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِبُغْضِهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع
وَ حَدَّثَنِي السُّلَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَتَكِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيُّ قَالَ كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَتَى نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ فَقَالَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُبْغِضُ عَلِيّاً فَرَفَعَ ابْنُ عُمَرَ رَأْسَهُ فَقَالَ أَبْغَضَكَ اللَّهُ أَ تُبْغِضُ وَيْحَكَ رَجُلًا سَابِقَةٌ مِنْ سَوَابِقِهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا
فقد بان بما ذكرناه و رويناه أن آخر هذه الأمة لعن أولها و أن متأخرها سب سابقها فاللعن متوجه في الخبر المتقدم إلى مبغضي أمير المؤمنين (ع) و القادحين فيه
وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُحَاذِي الْمُسْتَجَارِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الشَّامِيُّ مِنْ كِتَابِهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ فِي دُكَّانِهِ بِدَارِ الْقُطْنِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ص إِذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا قُلْتُ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ص هَذَا الْبَحْرُ الزَّاخِرُ هَذَا الشَّمْسُ الطَّالِعَةُ أَسْخَى مِنَ الْفُرَاتِ كَفّاً وَ أَوْسَعُ مِنَ الدُّنْيَا قَلْباً فَمَنْ أَبْغَضَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَ حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ ابْنُ شَاذَانَ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
149
عَبْدِ اللَّهِ الدِّيبَاجِيِّ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بِمِصْرَ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا مَكْتُوباً بِالذَّهَبِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ حَبِيبُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلِيُّ اللَّهِ فَاطِمَةُ آيَةُ اللَّهِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ صَفْوَتَا اللَّهِ عَلَى مُبْغِضِيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَ حَدَّثَنَا ابْنُ شَاذَانَ أَيْضاً قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ كَثِيرٍ الْمُقْرِي الْمَعْرُوفُ بِالْكِنَانِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَالِمٌ الْبَزَّازُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ (ع) فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ
وَ مِمَّا حَدَّثَنَا بِهِ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَاذَانَ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا الصَّفَّارُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (ع) يَقُولُ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ كُلُّ بَدَنٍ لَا يُصَابُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَقُلْتُ مَلْعُونٌ قَالَ مَلْعُونٌ فَلَمَّا رَأَى عِظَمَ ذَلِكَ عَلَيَّ قَالَ يَا يُونُسُ إِنَّ مِنَ الْبَلِيَّةِ الْخَدْشَةَ وَ اللَّطْمَةَ وَ الْعَثْرَةَ وَ النَّكْبَةَ وَ الْفَقْرَ (1) وَ انْقِطَاعَ الشَّسْعِ وَ أَشْبَاهَ ذَلِكَ يَا يُونُسُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْماً لَا يُمَحَّصُ فِيهَا مِنْ ذُنُوبِهِ وَ لَوْ بِغَمٍّ يُصِيبُهُ لَا يَدْرِي مَا وَجْهُهُ وَ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَضَعُ
____________
(1) في النسخة (الفقرة).
151
الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً كَانَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ تَعَالَى فَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ فِيهَا وَ يَعْبُدَهُ
رسالة للمؤلف
رسالة كتبتها إلى أحد الإخوان و سميتها بالقول المبين عن وجوب مسح الرجلين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلاته على سيدنا محمد رسوله خاتم النبيين و آله الطاهرين. سألت يا أخي أيدك الله تعالى في أن أورد لك من القول في مسح الرجلين ما يتبين لك به وجوبه و صحة مذهبنا فيه و صوابه و أنا أجيبك إلى ما سألت و أورد مختصرا نطلب ما طلبت بعون الله و توفيقه. اعلم أن فرض الرجلين عندنا في الوضوء هو المسح دون الغسل و من غسل فلم يؤد الفرض و قد وافقنا على ذلك جماعة من الصحابة و التابعين كابن عباس (1) (رحمه الله) و عكرمة (2) و أنس و أبي العالية و الشعبي و غيرهم. و دليلنا على أن فرضهما المسح قول الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. فتضمنت الآية جملتين صرح فيهما بحكمين بدأ في الجملة الأولى بغسل
____________
(1) هو عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و حبر الأمة و ترجمان القرآن- كما و صفوه- ولد بمكّة قبل الهاجرة بثلاث سنين و توفي بالطائف سنة 68 ه بعد أن كف بصره، و ينسب له التفسير المطبوع المعروف بتفسير ابن عبّاس، ولي لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) البصرة و قيل أنّه احتجن ما في بيت المال و هرب به، و جرت بينه و بين الإمام (ع) مراسلات و مكاتبات في شأن ذلك تجدها في العقد الفريد و بعضها في نهج البلاغة، و هو جد الخلفاء العباسيين.
(2) هو أبو عبد اللّه عكرمة البربري مولى عبد اللّه بن عبّاس، حدث عن جماعة من الصحابة و منهم عبد اللّه بن العباس، كان يرى رأى الخوارج و هو متهم بالكذب مات (105/ 107 ه).
150
الدَّرَاهِمَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَرَاهَا (1) فَيَجِدُهَا نَاقِصَةً فَيَغْتَمُّ بِذَلِكَ فَيَجِدُهَا سَوَاءً فَيَكُونُ ذَلِكَ حَطّاً لِبَعْضِ ذُنُوبِهِ يَا يُونُسُ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ آذَى جَارَهُ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ رَجُلٌ يَبْدَؤُهُ أَخُوهُ بِالصُّلْحِ فَلَمْ يُصَالِحْهُ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ حَامِلُ الْقُرْآنِ مُصِرٌّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ عَالِمٌ يَؤُمُّ سُلْطَاناً جَائِراً مُعِيناً لَهُ عَلَى جَوْرِهِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مُبْغِضُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَإِنَّهُ مَا أَبْغَضَهُ حَتَّى أَبْغَضَ رَسُولَ اللَّهِ ص وَ مَنْ أَبْغَضَ رَسُولَ اللَّهِ ص لَعَنَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرٍ وَ مَنْ رَمَى مُؤْمِناً بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ مَلْعُونَةٌ مَلْعُونَةٌ امْرَأَةٌ تُؤْذِي زَوْجَهَا وَ تَغُمُّهُ وَ سَعِيدَةٌ سَعِيدَةٌ امْرَأَةٌ تُكْرِمُ زَوْجَهَا وَ لَا تُؤْذِيهِ وَ تُطِيعُهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ يَا يُونُسُ قَالَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ يَظْلِمُ بَعْدِي فَاطِمَةَ ابْنَتِي وَ يَغْصِبُهَا حَقَّهَا وَ يَقْتُلُهَا ثُمَّ قَالَ يَا فَاطِمَةُ الْبُشْرَى فَلَكَ عِنْدَ اللَّهِ مَقَامٌ مَحْمُودٌ تَشْفَعِينَ فِيهِ لِمُحِبِّيكِ وَ شِيعَتِكِ فَتَشْفَعِينَ يَا فَاطِمَةُ لَوْ أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ وَ كُلَّ مَلَكٍ قَرَّبَهُ شَفَعُوا فِي كُلِّ مُبْغِضٍ لَكَ غَاصِبٍ لَكَ مَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ أَبَداً مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ قَاطِعُ رَحِمِهِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مُصَدِّقٌ بِسِحْرٍ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ قَالَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ مَالًا فَلَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ أَ مَا سَمِعْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ صَدَقَةُ دِرْهَمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ عَشْرِ لَيَالٍ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ ضَرَبَ وَالِدَهُ أَوْ وَالِدَتَهُ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يُوَقِّرِ الْمَسْجِدَ أَ تَدْرِي يَا يُونُسُ لِمَ عَظَّمَ اللَّهُ تَعَالَى حَقَّ الْمَسَاجِدِ وَ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ وَ أَنَ
____________
(1) في النسخة فيريها.
152
الوجوه ثم عطفت الأيدي عليها فوجب لها من الحكم بحقيقة العطف مثل حكمها. ثم بدأ في الجملة الثانية بمسح الرءوس ثم عطف الأرجل عليها فوجب أن يكون لها من الحكم بحقيقة العطف مثل حكمها حسبما اقتضاه العطف في الجملة التي قبلها (1). و لو جاز أن يخالف في الجملة الثانية بين حكم الرءوس و الأرجل المعطوفة عليها لجاز أن يخالف في الجملة الأولى بين حكم الوجوه و الأيدي المعطوفة عليها فلما كان هذا غير جائز كان الآخر مثله فعلم وجوب حمل كل عضو معطوف في جملة على ما قبله و فيه كفاية لمن تأمله. فإن قال قائل إنا نجد أكثر القراء يقرءون الآية بنصب الأرجل فيكون الأرجل في قراءتهم معطوفة على الأيدي و ذلك موجب للغسل. قيل له أما الذين قرءوه بالنصب من السبعة فليسوا بأكثر من الذين قرءوا بالجر بل هم مساوون لهم في العدد. و ذلك أن ابن كثير (2) و أبا بكر (3) و حمزة عن (4) عاصم (5) قرءوا أرجلكم بالجر و ابن عامر (6) و الكسائي (7) و حفصا (8) عن عاصم قرءوا وَ أَرْجُلَكُمْ بالنصب
____________
(1) لأن الواو العاطفة تدلّ على مشاركة ما بعدها في الحكم لما قبلها و هي لمطلق الجمع.
(2) هو أبو معبد عبد اللّه أحد القراء السبعة كانت وفاته بمكّة المكرمة سنة (120 ه).
(3) هو شعبة و قيل سالم بن عيّاش الأسدي الكوفيّ أخذ عن عاصم أحد القراء السبعة توفي بالكوفة سنة (193 ه) و كان من الزهاء العباد اضطهد و شتم و حبس في سبيل نهيه عن المنكر.
(4) هو حمزة بن حبيب الزيات أحد القراء السبعة و كان فقيها توفّي سنة 156 ه.
(5) هو عاصم بن بهدلة و يكنى أبا بكر بن أبي النجود قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي و زرّ بن حبيش توفّي سنة 128 ه.
(6) هو عبد اللّه بن عامر اليخصبي أحد القراء السبعة من التابعين من أهل دمشق مات سنة 128 ه.
(7) هو أبو الحسن عليّ بن حمزة بن عبد اللّه بن عثمان و قيل بهمن بن فيروز، اتصل بالرشيد و أدّب ولديه الأمين و المأمون أخذ عن الرؤاسي و غيره، توفّي سنة 197 ه، أخذ عن حمزة بن حبيب و عبد الرحمن بن أبي ليلى.
(8) هو حفص بن سليمان أبو عمرو البزار أخذ القراءة عن عاصم مرتفعة إلى عليّ (عليه السلام) من رواية أبي عبد الرحمن السلمي مات حفص سنة 131 ه.
153
و قد ذكر العلماء بالعربية أن العطف من حقه أن يكون على أقرب مذكور دون أبعده هذا هو الأصل و ما سواه عندهم تعسف و انصراف عن حقيقة الكلام إلى التجوز من غير ضرورة تلجئ إلى ذلك. و فيه إيقاع للبس و ربما صرف المعنى عن مراد القائل أ لا ترى أن رئيسا لو أقبل على صاحب له فقال له أكرم زيدا و عمرا و اضرب بكرا و خالدا كان الواجب على الصاحب أن يميز بين الجملتين من الكلام و يعلم أنه ابتداء في كل واحدة منهما ابتداء عطف باقي الجملة عليه دون غير و أن بكرا في الجملة الثانية معطوف على خالد كما أن عمرا في الجملة الأولى معطوف على زيد. و لو ذهب هذا المأمور إلى أن بكرا معطوف على عمرو لكان قد انصرف عن الحقيقة و مفهوم الكلام في ظاهره و تعسف تعسفا صرف به الأمر عن مراد الآمر به فأداه ذلك إلى إكرام من أمر بضربه. و وجه آخر و هو أن القراءة بنصب الأرجل غير موجبة أن تكون معطوفة على الأيدي بل تكون معطوفة على الرءوس في المعنى دون اللفظ لأن موضع الرءوس نصب لوقوع الفعل الذي هو المسح و إنما انجرت بعارض و هو الباء و العطف على الموضع دون اللفظ جائز مستعمل في لغة العرب أ لا تراهم يقولون مررت بزيد و عمرا و لست بقائم و لا قاعدا قال الشاعر
معاوي إننا بشر فاسحج* * * فلسنا بالجبال و لا الحديدا
و النصب في هذه الأمثلة كلها أنما هو العطف على الموضع دون اللفظ فيكون على هذا من قرأ الآية بنصب الأرجل كمن قرأها بجرها و هي في القرآن جميعا معطوفة على الرءوس التي هي أقرب إليها في الذكر من الأيدي و يخرج ذلك عن طريق التعسف و يجب المسح بهما جميعا و الحمد لله. و شيء آخر و هو أن حمل الأرجل في النصب على أن تكون معطوفة على الرءوس أولى من حملها على أن تكون معطوفة على الأيدي و ذلك أن الآية قد
154
قرئت بالجر و النصب معا و الجر موجب للمسح لأنه عطف على الرءوس فمن جعل النصب إنما هو لعطف الأرجل على الأيدي أوجب الغسل و أبطل القراءة بالجر الموجب للمسح و من جعل النصب إنما هو لعطف الأرجل على موضع الرءوس أوجب المسح الذي أوجبه الجر فكان مستعملا للقراءتين جميعا غير مبطل لشيء منهما و من استعملهما فهو أسعد ممن استعمل أحدهما. فإن قيل ما أنكرتم أن يكون استعمال القراءتين إنما هو بغسل الرجلين و هو أحوط في الدين و ذلك أن الغسل يأتي على المسح و يزيد عليه فالمسح داخل فيه فمن غسل فكأنما مسح و غسل و ليس كذلك من مسح لأن الغسل غير داخل في المسح. قلنا هذا غير صحيح لأن الغسل و المسح فعلان كل واحد منهما غير الآخر و ليس بداخل فيه و لا قائم مقامه في معناه الذي يقتضيه. و يتبين ذلك أن الماسح كأنه قيل له اقتصر فيما تتناوله من الماء على ما يندى به العضو الممسوح و الغاسل كأنه قيل له لا تقتصر على هذا القدر بل تناول من الماء ما يسيل و يجري على العضو المغسول. فقد تبين أن لكل واحد من الفعلين كيفية يتميز بها عن الآخر و لو لا ذلك لكان من غسل رأسه فقد أتى على مسحه و من اغتسل للجمعة فقد أتى على وضوئه هذا مع إجماع أهل اللغة و الشرع على أن المسح لا يسمى غسلا و الغسل لا يسمى مسحا. فإن قيل لم زعمتم ذلك و قد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله سبحانه فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ إلى أنه أراد غسل سوقها و أعناقها فسمى الغسل مسحا. قلنا ليس هذا مجمعا عليه في تفسير الآية و قد ذهب قوم إلى أنه أراد المسح بعينه.
155
و قال أبو عبيدة (1) و الفراء (2) و غيرهما أنه أراد بالمسح الضرب. و بعد فإن من قال أنه أراد بالمسح الغسل لا يخالف في أن تسميه الغسل مسحا مجاز و استعارة و ليس هو على الحقيقة و لا يجوز لنا أن نصرف كلام الله تعالى عن حقائق ظاهرة إلا بحجة صارفة. فإن قال ما تنكرون من أن يكون جر الأرجل في القراءة إنما هو لأجل المجاورة لا للنسق فإن العرب قد تعرب الاسم بإعراب ما جاوره كقولهم حجر ضب خرب فجروا خربا لمجاورته لضب و إن كان في الحقيقة صفة للحجر لا للضب فتكون كذلك الأرجل إنما جرت لمجاورتها في الذكر لمجرور و هو الرءوس قال إمرؤ القيس
كأن ثبيرا في عرانين وبله* * * كبير أناس في بجاد مزمل
(3) فجر مزملا لمجاورته لبجاد و إن كان من صفات الكبير لا من صفات البجاد فتكون الأرجل على هذا مغسولة و إن كانت مجرورة
____________
(1) هو معمر بن المثنى التيمي من تيم قريش مولى لهم من علماء اللغة و الأدب و الأخبار، و كان شعوبيا و مع هذا يرى رأي الخوارج، له مؤلّفات عديدة ولد سنة 112 ه، و توفّي سنة 211 ه.
(2) هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من أئمة العربية له مؤلّفات كثيرة فيها، مات بطريق مكّة سنة 207 ه.
(3) هو من معلقة امرئ القيس المشهورة التي أولها
قفا نبك من ذكرى حبيب و منزل* * * بسقط اللوى بين الدخول فحومل
و في ديوان امرئ القيس بإخراج السندوبي روى البيت هكذا
كأن أبانا في أفانين ودقه* * * كبير أناس في بجاد مزمل
و ثبير: جبل. أفانين: ضروب. البجاد: كساء مخطط. مزمل: ملفف.
و امرئ القيس هو ابن الملك حجر بن الحارث الكندي، و يقال له الملك الضليل توفّي سنة 80 قبل الهجرة و سنة 565 م.
و هو من فحول الشعراء الجاهليين حتّى قيل أنّه بدئ الشعر بملك يعني امرأ القيس، و حتم بملك يعني أبا فراس الحمداني.
156
قلنا هذا باطل من وجوه أولها اتفاق أهل العربية على أن الإعراب بالمجاورة شاذ نادر لا يقاس عليه و إنما ورد مسموعا في مواضع لا يتعداها إلى غيرها و ما هذا سبيله فلا يجوز حمل القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليه و ثانيها أن المجاورة لا يكون معها حرف عطف و هذا ما ليس فيه بين العلماء خلاف. و في وجود واو العطف في قوله تعالى وَ أَرْجُلَكُمْ دلالة على بطلان دخول المجاورة فيه و صحة العطف. و ثالثها أن الإعراب بالجوار إنما يكون بحيث ترتفع الشبهة عن الكلام و لا يعترض اللبس في معناه أ لا ترى أن الشبهة زائلة و العلم حاصل في قولهم حجر ضب خرب بأن خربا صفة للحجر دون الضب. و كذلك ما أنشد في قوله مزمل و أنه من صفات الكبير دون البجاد. و ليس هكذا الآية لأن الأرجل يصح أن فرضها المسح كما يصح أن يكون الغسل فاللبس مع المجاورة فيها قائم و العلم بالمراد منها مرتفع فبان بما ذكرناه أن الجر فيها ليس هو بالمجاورة و الحمد لله. فإن قيل كيف ادعيتم أن المجاورة لا تجوز مع واو العطف و قد قال الله عز و جل يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ (1) ثم قال وَ حُورٌ عِينٌ (2) فخفضهن بالمجاورة لأنهن يطفن و لا يطاف بهن قلنا أول ما في هذا أن القراء لم يجمعوا على جر حور عين بل أكثر السبعة يرى أن الصواب فيها الرفع و هم نافع و ابن كثير و عاصم في رواية
____________
(1) سورة الواقعة آية: 17- 18.
(2) الواقعة آية: 21.
157
أبي عمرو و ابن عامر و إنما قرأها بالجر حمزة و الكسائي و في رواية المفضل عن عاصم. و قد حكي عن أبي عبيدة أنه كان ينصب فيقرأ و حورا عينا. ثم إن للجر فيها وجها صحيحا غير المجاورة و هو أنه لما تقدم قوله تعالى أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عطف بحور عين على جنات النعيم فكأنه قال هم في جنات النعيم و في مقارنة أو معاشرة حور عين و حذف المضاف (1) و هذا وجه حسن و قد ذكره أبو علي الفارسي (2) في كتاب الحجة في القرآن و اقتصر عليه دون ما سواه و لو كان للجر و بالمجاورة فيه وجه لذكره. فإن قيل ما أنكرتم من أن تكون القراءة بالجر موجبة للمسح إلا أنه متعلق بالخفين لا بالرجلين و أن تكون القراءة بالنصب موجبة للغسل المتعلق بالرجلين بأعيانهما فيكون للآية قراءتان مفيدة لكلا الأمرين قلنا أنكرنا ذلك لأنه انصراف عن ظاهر القرآن و التلاوة إلى التجوز و الاستعارة من غير أن تدعو إليه ضرورة و لا أوجبته دلالة و ذلك خطأ لا محالة و الظاهر يتضمن ذكر الأرجل بأعيانها فوجب أن يكون المسح متعلقا بها دون غيرها كما أنه يتضمن ذكر الرءوس و كان الواجب المسح بها أنفسها دون أغيارها و لا خلاف في أن الخفاف لا يعبر عنها بالأرجل كما أن العمائم لا يعبر عنها
____________
(1) و هو المقارنة أو المعاشرة.
(2) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفسوي النحوي من أئمة العلم و الأدب ولد بمدينة (فسا) سنة 288 ه، و قدم بغداد و اشتغل بها سنة 307 ه، و أصبح إمام عصره في النحو و اتصل بسيف الدولة الحمداني و أقام عنده مدة و ذلك سنة 341 ه، و جرت بينه و بين المتنبي الشاعر محاورات، توفي في بغداد سنة 377 ه.
158
بالرءوس و لا البراقع بالوجوه فوجب أن يكون الغرض متعلقا بنفس المذكور دون غيره على جميع الوجوه. و لو شاع سوى ذلك في الأرجل حتى تكون هي المذكورة و المراد من سواها لشاع نظيره في الوجوه و الرءوس و لجاز أيضا أن يكون قوله سبحانه إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ محمولا على غير الأبعاض المذكورة. و لا خلاف في أن هذه الآية دالة بظاهرها على قطع الأيدي و الأرجل بأعيانها و أنه لا يجوز أن ينصرف عن دليل التلاوة و ظاهرها فكذلك آية الطهارة لأنها مثلها. فإن قيل إن عطف الأرجل على الأيدي أولى من عطفها على الرءوس لأجل أن الأرجل محدودة كاليدين و عطف المحدود على المحدود أشبه بترتيب الكلام. قلنا لو كان ذلك صحيحا لم يجز عطف الأيدي و هي محدودة على الوجوه و هي غير محدودة في وجود ذلك و صحة اتفاق الوجوه و الأيدي في الحكم مع اختلافهما في التحديد دلالة على صحة عطف الأرجل على الرءوس و اتفاقهما في الحكم و إن اختلفا في التحديد. على أن هذا أشبه بترتيب الكلام مما ذكره الخصم لأن الله تعالى ذكر عضوا ممسوحا غير محدود و هو الرأس و عطفه عليه من الأرجل بممسوح محدود فتقابلت الجملتان من حيث عطف فيهما مغسول محدود على مغسول غير محدود و ممسوح محدود على ممسوح غير محدود. فأما من ذهب إلى التخيير و قال أنا مخير في أن أمسح الرجلين و أغسلهما لأن القراءتين تدل على الأمرين كليهما مثل الحسن البصري و الجبائي و محمد بن جرير الطبري و من وافقهم (1) فيسقط قولهم بما قدمناه من أن القراءتين
____________
(1) هذا الرأي تضمنه التساؤل السابق على الأخير.
159
لا يصح أن تدلا إلا على المسح و أنه لا حجة لمن ذهب إلى الغسل و إذا وجب المسح بطل التخيير. و قد احتج الخصوم لمذهبهم من طريق القياس فقالوا إن الأرجل عضو يجب فيه الدية أمرنا بإيصال الماء إليه فوجب أن يكون مغسولا كاليدين و هذا احتجاج باطل و قياس فاسد لأن الرأس عضو يجب فيه الدية و قد أمرنا بإيصال الماء إليه و هو مع ذلك ممسوح. و لو تركنا و القياس لكان لنا منه حجة هي أولى من حجتهم و هي أن الأرجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى يسقط حكمه في التيمم فوجب أن يكون فرضه المسح دليله القياس على الرأس. فإن قالوا هذا ينتقض عليكم بالجنب لأن غسل جميع بدنه و أعضائه يسقط في التيمم و فرضه مع ذلك الغسل. قلنا و قد احترزنا من هذا بقولنا إن الأرجل عضو من أعضاء الطهارة الصغرى فلا يلزمنا بالجنب نقض على هذا. فإن قال قائل فما تصنعون في الخبر المروي
عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ وَ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ هَذَا وُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي هَذَا الَّذِي لَا تُقْبَلُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ
قيل هذا الخبر الذي مختلط من وجهين رواهما أصحابك أحدهما أن النبي ص توضأ مرة مرة و قال هذا الذي لا يقبل الله صلاة إلا به و لم يأت في الخبر كيفية الوضوء و الآخر أن النبي ص غسل وجهه ثلاثا و يديه ثلاثا و مسح رأسه و غسل رجليه إلى الكعبين و قال هذا وضوئي و وضوء الأنبياء من قبلي و لم يقل لم يقبل الله صلاة إلا به فخلطت في روايتك أحد الخبرين بالآخر لبعدك من معرفة الأثر و بعد فلو كانت الرواية على ما أوردته لم يكن لك فيها حجة لأن الخبر
160
إذا خالف ما دل عليه القرآن وجب إطراحه و المصير إلى القرآن دونه. و لو سلمنا لك باللفظ الذي تذكره بعينه كان لنا أن نقول إن النبي ص مسح رجليه في وضوئه ثم غسلهما بعد المسح لتنظيف أو تبريد أو نحو ذلك مما ليس هو داخلا في الوضوء فذكر الراوي الغسل و لم يذكر المسح الذي كان قبله إما لأنه لم يشعر به بعدم تأمله أو لنسيان اعترضه أو لظنه أن المسح لا حكم له و أن الحكم للغسل الذي بعده أو لغير ذلك من الأسباب و ليس هذا بمحال. فإن قال
فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ
فلو كان ترك غسل العقب في الوضوء جائزا لما توعد على ترك غسله. قلنا ليس في هذا الخبر ذكر مسح و لا غسل فيتعلق به و لا فيه أيضا ذكر وضوء فنورده لنحتج (1) به و ليس فيه أكثر من قوله ويل للأعقاب من النار فإن قال قد روي أنه رآها تلوح فقال ويل للأعقاب من النار قيل له و ليس لك في هذا أيضا حجة و لا فيه ذكر لوضوء في طهارة. و بعد فيجوز أن يكون رأى قوما غسلوا أرجلهم في الوضوء عوضا عن مسحها و رأى أعقابهم يلوح عليها الماء فقال ويل للأعقاب من النار و يجوز أيضا أن يكون رأى قوما اغتسلوا من جنابة و لم يغمس الماء جميع أرجلهم و لاحت أعقابهم بغير ماء فقال ويل للأعقاب من النار. و يمكن أيضا أن يكون ذلك في الوضوء لقوم من طغام العرب مخصوصين كانوا يمشون حفاة فتشقق أعقابهم فيداوونها بالبول على قديم عادتهم ثم يتوضئون و لا يغسلون أرجلهم قبل الوضوء من آثار النجس فتوعدهم النبي ص بما قال و كل هذا في حيز الإمكان.
____________
(1) في النسخة نحتج فأضفنا إليها اللام لتصحيح التعبير.
161
ثم يقال له و قد قابل ما رويت أخبار هي أصح و أثبت في النظر و المصير إليها أولى لموافقة ظاهرها لكتاب الله تعالى. فمنها أن النبي ص قام بحيث يراه أصحابه ثم توضأ فغسل وجهه و ذراعيه و مسح برأسه و رجليه.
: وَ مِنْهَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ لِلنَّاسِ فِي الرَّحْبَةِ أَ لَا أَدُلُّكُمْ عَلَى وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالُوا بَلَى فَدَعَا بعقب [بِقَعْبٍ] فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَ ذِرَاعَيْهِ وَ مَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يُحْدِثْ حَدَثاً
فإن قال الخصم ما مراده بقوله وضوء من لم يحدث حدثا و هل هذا إلا دليل على أنه قد كان على وضوء قبله قيل له مراده بذلك أنه الوضوء الصحيح الذي كان يتوضأ رسول الله ص و ليس هو وضوء من غير و أحدث في الشريعة ما ليس منها. و يدل على صحة هذا التأويل و فساد ما توهمه الخصم أنه قصد أن يريهم فرضا يعولون عليه و تقيدون به فيه و لو كان على وضوء قبل ذلك لكان لم يعلمهم الفرض الذي هم أحوج إليه
: وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مِنْ قَوْلِهِ مَا نَزَلَ الْقُرْآنُ إِلَّا بِالْمَسْحِ
و لا يجوز أن يكون أراد بذلك إلا مسح الرجلين لأن مسح الرءوس لا خلاف فيه و منه
قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (رحمه الله) نَزَلَ الْقُرْآنُ بِغَسْلَيْنِ وَ مَسْحَيْنِ
و من ذلك إجماع آل محمد (ع) على مسح الرجلين دون غسلهما و هم
162
الأئمة و القدوة في الدين لا يفارقون كتاب الله عز و جل إلى يوم القيامة (1) و فيما أوردناه كفاية و الحمد لله سؤال فإن قال قائل فلم ذهبتم في مسح الرأس و الرجلين إلى التبعيض جواب قيل له لما دل عليه من ذلك كتاب الله سبحانه و سنة نبيه ص. أما دليل مسح بعض الرأس فقول الله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فأدخل الباء التي هي علامة التبعيض و هي التي تدخل على الكلام مع استغنائه في إفادة المعنى عنها فتكون زائدة لأنه لو قال و امسحوا رءوسكم لكان الكلام صحيحا و وجب مسح جميع الرأس فلما دخلت الباء التي لم يفتقر الفعل في تعديته إليها أفادت التبعيض. و أما دليل مسح بعض الأرجل فعطفها على الرءوس و المعطوف يجب أن يشارك المعطوف عليه في حكمه. و أما شاهد ذلك من السنة فما
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص تَوَضَّأَ وَ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَ لَمْ يَمْسَحِ الْكُلَّ.
و من الحجة على وجوب التبعيض في مسح الرءوس و الأرجل إجماع أهل البيت (ع) على ذلك و روايتهم إياه عن رسول الله جدهم ص و هم أخبر بمذهبه سؤال فإن قال قائل ما الكعبان عندكم اللذان تمسحون عليهما
____________
(1) هو إشارة إلى الحديث المشهور المستفيض: «إني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض ..». رواه مسلم و البيهقيّ و الحاكم في المستدرك و النسائي في الخصائص و أحمد في المسند، و ابن سعد في الطبقات و الهندي في كنز العمّال، و غيرها. انظر:
(فضائل الخمسة ج 2. ص 43- 52).
163
جواب قيل له العظمان النابتان في ظهر القدمين عند عقد الشراك و قد وافقنا على ذلك محمد بن الحسن (1) دون من سواه. دليلنا
: مَا رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ مُيَسِّرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) أَنَّهُ قَالَ أَ لَا أَحْكِي لَكَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ص ثُمَّ انْتَهَى إِلَى أَنْ قَالَ فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَ قَدَمَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ (2)
: ثُمَّ قَالَ (3) وَ ذَكَرْتَ فَأَوْجَزْتَ وَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَقْبَلُ إِلَّا مَا أَدْرَكْنَاهُ بِأَبْصَارِنَا أَوْ سَمِعْنَاهُ بِآذَانِنَا أَوْ ذُقْنَاهُ بِأَفْوَاهِنَا أَوْ شَمَمْنَاهُ بِأُنُوفِنَا أَوْ لَمَسْنَاهُ بِبَشَرَتِنَا فَقَالَ الصَّادِقُ (ع) ذَكَرْتَ الْحَوَاسَّ الْخَمْسَ وَ هِيَ لَا تَنْفَعُ فِي الِاسْتِنْبَاطِ إِلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا لَا يُقْطَعُ الظُّلْمَةُ إِلَّا بِمِصْبَاحٍ (4)
قال شيخنا المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الحارثي رضي الله عنه
____________
(1) هو محمّد بن الحسن بن واقد الشيباني مولى بني شيبان و صاحب أبي حنيفة ولد بواسط سنة 132 ه و مات بالري سنة 189 ه أخذ عن أبي حنيفة و الثوري و مسعر بن كدام و الأوزاعي و مالك.
(2) اختصر المؤلّف هذا الحديث، و يبدو أنّه قد سقط من النسخة طائفة كبيرة من بحث كيفية الوضوء.
(3) قد سقط من النسخة أوائل الحديث الثاني المتعلق بحدوث العالم و اثبات الصانع.
(4) أول الحديث هو أنّه سأل أبو شاكر الديصاني الإمام الصادق فقال له: ما الدليل على حدوث العالم، فقال (ع): نستدل عليه بأقرب الأشياء، قال: و ما هو؟ قال فدعا (ع) بيضة فوضعها على راحته، فقال: هذا حصن ملموم داخله غرقى رقيق لطيف، به فضة سائلة و ذهبة مائعة، ثمّ تنغلق عن مثل الطاوس، أدخلها بشيء؟ فقال: لا، قال: فهذا الدليل على حدوث العالم.
قال: أخبرت فأوجزت و قلت فأحسنت، و قد علمت ..» انظر: توحيد الصدوق ص 303.
164
إن الصادق (ع) أراد أن الحواس بغير عقل لا توصل إلى معرفة الغائبات و إن الذي أراه من حدوث الصورة معقول بنا لوقوع العلم به على محسوس (1). و اعلم أيدك الله تعالى أن الأجسام إذا لم تخل من الصور التي قد ثبت حدوثها فهي محدثة مثلها (2)
فصل في ذكر مولد سيدنا رسول الله ص و وصف شيء من فضله
: رَوَى نَقَلَةُ الْأَخْبَارِ وَ حَمَلَةُ الْآثَارِ مِنَ الْخَاصِّ وَ الْعَامِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ أَنَا سَيِّدُ الْبَشَرِ
: وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَا بَرَأَ اللَّهُ نَسَمَةً خَيْراً مِنْ مُحَمَّدٍ ص
: وَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ نُقِلْتُ مِنَ الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ نِكَاحاً لَا سِفَاحاً
: وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) أَنَّهُ قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ (ع) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ إِنِّي قَدْ حَرَّمْتُ النَّارَ عَلَى صُلْبٍ أَنْزَلَكَ وَ بَطْنٍ حَمَلَكَ وَ ثَدْيٍ أَرْضَعَكَ
و
رُوِيَ أَنَّ نُورَهُ ص كَانَ يَلُوحُ فِي جَبْهَةِ آدَمَ (ع) وَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَ بِحَالِهِ وَ بَيَّنَ أَمْرَهُ وَ عَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ لَا يَقْرَبَ حَوَّاءَ إِلَّا وَ هُمَا طَاهِرَانِ لِأَجْلِ انْتِقَالِ ذَلِكَ النُّورِ إِلَى وَلَدِهِ وَ أَنَّ عَهْداً بَاقِياً فِي عَقِبِهِ يَأْخُذُهُ كُلُّ أَبٍ مِنْهُمْ عَلَى
____________
(1) في العبارة قلق يحول دون وضوح المعنى و لعلّ هنا سقوط جملة أو جمل من قلم الناسخ.
(2) ذلك لأن الجسم أو الهيولى حيث وجدت تكون في صورة ما، و لا يوجد بدون صورة، و الصورة متغيرة إذن الجسم متغير فهو محدث، و لذلك قال الفلاسفة: إن شيئية الشيء بصورته لا بمادته.
165
ابْنِهِ مِمَّنْ يَظْهَرُ نُورُ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي وَجْهِهِ بِأَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِأَطْهَرِ نِسَاءِ أَهْلِ وَقْتِهِ حِرَاسَةً لِهَذَا النُّورِ أَلَّا يَنْتَقِلَ إِلَّا فِي دَرَجَاتِ الشَّرَفِ وَ مَنَازِلِ الطَّهَارَةِ مِنَ الدَّنَسِ فَلَمْ يَزَلْ نُورُهُ مُنْتَقِلًا فِيهِمْ ظَاهِراً بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ يُدْرِكُهُ النَّاسُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَ يَرَوْنَ خُلُوَّ الْوَالِدِ مِنْهُ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى وَلَدِهِ وَ هُوَ يَزْدَادُ بِالانْتِقَالِ بَيَاناً وَ يَتَضَاعَفُ بِالْمُوَارَثَةِ بُرْهَاناً إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهمِ) فَعَظُمَ فِي وَجْهِهِ وَ أَضَاءَ فِي غُرَّتِهِ وَ عَلِمَتْ حَالَهُ الْأَحْبَارُ وَ أَخْبَرَتْ بِأَمْرِهِ الْكُهَّانُ وَ ذَاعَ خَبَرُهُ فِي الْبِلَادِ
حتى
17 رُوِيَ (1) أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودِ الشَّامِ كَانَتْ عِنْدَهُمْ جُبَّةٌ مَغْمُوسَةٌ فِي دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا (ع) وَ كَانُوا قَدْ وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ أَنْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْجُبَّةَ بَيْضَاءَ وَ الدَّمُ يَقْطُرُ فَاعْلَمُوا أَنَّ أَبَا النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى قَدْ وُلِدَ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا تَحَقَّقُوا وِلَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَمَدُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَى الْحَرَمِ لِيَغْتَالُوهُ وَ يَغْتَنِمُوا الظَّفَرَ بِهِ فَيَقْتُلُوهُ فَصَرَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ كَيْدَهُمْ وَ رَدَّهُمْ خَائِبِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ وَ كَانُوا إِذَا سَأَلُوا عَنْهُ قِيلَ لَهُمْ تَرَكْنَاهُ نُوراً يَتَلَأْلَأُ فِي قُرَيْشٍ تَلَأْلُؤَ الْقَمَرِ فَيَقُولُ الْأَحْبَارُ لَيْسَ ذَلِكَ النُّورُ لِعَبْدِ اللَّهِ إِنَّمَا هُوَ لِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ ص ثُمَّ تَرْجِعُ فِي كُفْرِهَا وَ عِنَادِهَا فَإِذَا تَأَمَّلَتِ الْحَالَ وَ أَفَاقَتْ لِلِاسْتِدْلَالِ قَالَتْ هُوَ هُوَ وَ رَبِّ مُوسَى
و قيل إن الكهنة اجتمعت فقالت نحن نتخوف لتزايد نور عبد الله أن يغلب كهانتنا. و روي أن نساء قريش افتتن به و كن يتعرضن به في طريقه حتى لقي منهن ما لقي يوسف (ع) من امرأة العزيز و هو لا يلوي عليهن و يقول لهن ليس في سبيل إلى كلامكن (2). حتى ورد في الحديث أن الجوار الأبكار كن يقفن في طريقه و إذا رمن
____________
(1) تجد شطرا من هذه الرواية في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 27.
(2) تجد شطرا من هذا الخبر في كتاب اثبات الوصية للمسعودي ص 88- 89.
166
كلامه تصورت الملائكة لهن في صورة مفزعة يصدونهن عنه فيرجعن مذعورات فزعات. ثم إن وهب بن عبد مناف لما رأى عظم أمره و جلالة قدره اجتهد في تزويجه آمنة ابنته و راسل في ذلك عبد المطلب (رضوان الله عليه) فزوجه بها و نقل الله تعالى نور نبيه إليها فحملت به في ليلة الجمعة لتسع خلون من ذي الحجة ليلة عرفة و قيل بل في أيام التشريق (1) و ذلك بمنى عند الجمرة الوسطى و كانت منزل عبد الله بن عبد المطلب. فروي عنها من الآيات التي شاهدتها ليلة حملها به و عند ولادتها ما يطول ذكره.
فَكَانَ مِمَّا قَالَتْ إِنَّهُ أَتَانِي الْمَخَاضُ وَ أَنَا وَحْدِي فَلَمَّا وَضَعْتُهُ ص رَأَيْتُهُ سَاجِداً قَدْ رَفَعَ إِصْبَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ كَالْمُبْتَهِلِ الْمُتَضَرِّعِ ثُمَّ غَشَّتْنِي سَحَابَةٌ غَيَّبَتْهُ عَنْ عَيْنِي وَ سَمِعْتُ مِنْهَا كَلَاماً ثُمَّ أُعِيدَ إِلَيَّ وَ هُوَ مُدَرَّجٌ فِي ثَوْبِ صُوفٍ أَشَدَّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ وَ تَحْتَهُ حَرِيرَةٌ خَضْرَاءُ وَ وُلِدَ ص طَاهِراً مُطَهَّراً.
فكان من دلائل ولادته خمود نيران المجوس و تزعزع أسرة الملوك و كلام كثير من الدواب و سقوط الأوثان عن البيت الحرام. و
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَرُمُّ مِنْهُ شَيْئاً فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ رَأَيْتُهُ قَدْ أَهْوَى مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ مَائِلًا كَالسَّاجِدِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَقَامِ ثُمَّ اسْتَوَى قَائِماً وَ سَمِعْتُ مِنْهُ تَكْبِيراً عَجَباً يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ رَبُّ مُحَمَّدٍ الْمُصْطَفَى الْآنَ قَدْ طَهَّرَنِي رَبِّي مِنْ أَنْجَاسِ الْمُشْرِكِينَ وَ أَرْجَاسِ الْجَاهِلِيَّةِ فَحِرْتُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي نَائِمٌ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَتَى آمِنَةَ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا) فَسَأَلَهَا عَنْ حَالِهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِوِلَادَتِهَا وَ الْآيَاتِ الَّتِي رَأَتْهَا فَقَالَ لَهَا أَرِينِي الْوَلَدَ فَقَالَتْ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى
____________
(1) هي ثلاثة أيّام يبتدئ أولها ثاني يوم النحر و آخرها اليوم الثالث عشر من ذي الحجة إلى العصر.
167
رُؤْيَتِهِ حَتَّى تَمْضِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ جَرَّدَ سَيْفَهُ لِيَقْتُلَ نَفْسَهُ فَقَالَتْ هُوَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ ادْخُلْ إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَرَاهُ فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَرَاءَى لَهُ رَجُلٌ وَ قَالَ إِلَيْكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى رُؤْيَتِهِ حَتَّى تَنْقَطِعَ عَنْهُ زِيَارَةُ الْمَلَائِكَةِ.
و كانت ولادته ص يوم الجمعة عند طلوع الفجر في اليوم السابع عشر (1) من ربيع الأول عام الفيل (2) بمكة في شعب أبي طالب (رضوان الله عليه) و هذا اليوم الذي ولد فيه سيدنا رسول الله ص يوم عظيم الشرف جليل القدر لم يزل آل محمد (ع) يعظمونه و يرعون حرمته و يتطوعون بصيامه و الصدقة فيه. و روي أن من صامه كتب الله له صيام سنة. و لما صار له ص شهران توفي أبوه عبد الله بن عبد المطلب (رضوان الله عليه) عند أخواله بالمدينة و كذلك ماتت أمه رحمة الله عليها و هو طفل و
رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيْتَمَ نَبِيَّهُ ص لِئَلَّا تَجْرِيَ عَلَيْهِ رِئَاسَةٌ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ.
و شرف الله تعالى حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية برضاعه و خصها بتربيته و كانت ذات عقل و فضل فروت من آياته ما يبهر عقول السامعين و أغناها الله ببركته في الدنيا و الدين و كان لا يرضع إلا من ثديها اليمين قال ابن عباس رضي الله عنه ألهم العدل حتى في رضاعه لأنه علم أن له شريكا فناصفه عدلا منه ص
____________
(1) و هو المشهور بين الشيعة الإماميّة، و قيل في اليوم الثاني عشر من ربيع الأوّل و هو المعروف بين الجمهور و به قال أبو جعفر الكليني من الإماميّة، و قيل لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل، و قيل لعشر خلون منه.
(2) و ذلك بعد قدوم أصحاب الفيل مكّة بخمسة و ستين يوما، و قيل أقل من ذلك و كان قدومهم مكّة يوم الأحد لخمس ليال خلون من المحرم.
168
قَالَتْ حَلِيمَةُ فَكَانَ ثَدْيِيَ الْيَمِينُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ الْيَسَارُ لِوَلَدِي ضُمَيْرَةُ وَ كَانَ وَلَدِي لَا يَشْرَبُ حَتَّى يَرَاهُ قَدْ شَرِبَ. قَالَتْ وَ لَمْ أَرَ قَطُّ مَا يُرَى لِلْأَطْفَالِ طَهَارَةً وَ نَظَافَةً وَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ وَقْتٌ وَاحِدٌ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى وَقْتِهِ مِنَ الْغَدِ وَ مَا كَانَ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُرَى جَسَدُهُ مَكْشُوفاً فَكُنْتُ إِذَا كَشَفْتُهُ يَصِيحُ حَتَّى أَسْتُرَ عَلَيْهِ. وَ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْتُهُ لَمَّا تَمَّتْ لَهُ سَنَةٌ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ لَمْ أَسْمَعْ أَحْسَنَ مِنْهُ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قُدُّوسُ قُدُّوسُ نَامَتِ الْعُيُونُ وَ الرَّحْمَنُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ وَ لَقَدْ نَاوَلَتْنِي امْرَأَةٌ كَفَّ تَمْرٍ مِنْ صَدَقَةٍ فَنَاوَلْتُهُ مِنْهُ وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ فَرَدَّهُ عَلَيَّ وَ قَالَ يَا أُمَّةِ لَا تَأْكُلِي الصَّدَقَةَ فَقَدْ عَظُمَتْ نِعْمَتُكِ وَ كَثُرَ خَيْرُكِ فَإِنِّي لَا آكُلُ الصَّدَقَةَ قَالَتْ فَوَ اللَّهِ مَا قَبِلْتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ
و كان بنو سعد يرون البركات بمقامه معهم و سكناه بينهم حتى أنهم كانوا إذا عرض لدوابهم بؤس أتوا بها إليه ليمسها بيده فيزول ما بها و تعود إلى أحسن حالها و لم يزل كذلك إلى أن ردته حليمة إلى أهله فاشتمل عليه جده عبد المطلب يحبوه التحف و يمنحه الطرف و يعد قريشا به و يخبرهم بما يكون من حاله إلى أن دنت وفاته فوضعه في حجر أبي طالب و أوصاه به و أمره بحياطته و رعايته و عرفه ما يكون من أمره ثم توفي عبد المطلب (رضوان الله عليه) في شهر ربيع الأول و للنبي ص ثماني سنين من عمره فكفله أبو طالب أحسن كفالة و لم يكن له يومئذ ولد و كانت امرأته فاطمة بنت أسد بن هاشم المعروفة بسودة الفاضلة فتولت معه تربيته و أحسنا جميعا حياطته و رعايته و اتخذاه لأنفسهما ولدا و لم يؤثرا عليه في المحبة ولدا و قد شغفا بواضح دلالته و ذهلا من ظاهر حجته
169
و الكهان مع ذلك يخبرونه بشأنه و يتعجبون من جلي برهانه و يبشرون أبا طالب بأمره و بأنه سيكفل ولدا له من ظهره ثم نشأ ص نشوءا يحير أهل عصره يحضر مشاهد قريش كلها غير السجود للأصنام و العبادة (1) لها و شرب الخمر و نظم الشعر و افتعال الكذب و الاشتغال باللعب إلى أن أظهر الله أمره و أعلى قدره وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا
فصل في ذكر شيء من معجزات رسول الله ص و باهر آياته
- 14 فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ دَعَا شَجَرَةً فَجَاءَتْ تَخُدُّ الْأَرْضَ ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهَا فَرَجَعَتْ وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَسَحَ شَطْرَيْ ضَرْعِ الْعَنَاقِ (2) وَ هُمَا مُلْتَصِقَانِ لَا لَبَنَ فِيهِمَا فَدُرَّ وَ حُلِبَ مِنْهُ لَبَنٌ كَثِيرٌ هَذَا فِي هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَ ذَلِكَ مُشْتَهَرٌ قَدْ أَتَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَ قِيلَ فِيهِ الْأَشْعَارُ وَ مِنْ ذَلِكَ رَمْيُ الْحَصَى فِي وُجُوهِ الْأَعْدَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَالَهُمْ فِي عُيُونِهِمْ مَا نَالَهُمْ وَ كَانَتْ فِي الْحَالِ عَزِيمَتُهُمْ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى وَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَ قَالَ شَاهَتِ الْوُجُوهُ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ بِأَسْرِهِمْ وَ مِنْ ذَلِكَ إِخْبَارُهُ عَنِ الْعِيرِ الَّتِي جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ وَ حَالِ الْقَوْمِ وَ أَفْعَالِهِمْ وَ مَا مَعَهُمْ مِنْ مَتَاعِهِمْ وَ كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ وَ مِنْ ذَلِكَ كَلَامُ الذِّئْبِ وَ الضَّبِّ أَيْضاً مَعْرُوفٌ وَ مِنْ ذَلِكَ الْمِيضَاةُ (3) الَّتِي وَضَعَ فِيهَا يَدَهُ وَ فِيهَا شَيْءٌ يَسِيرٌ مِنَ الْمَاءِ فَشَرِبَ مِنْهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَ تَوَضَّئُوا مِنْهُ
____________
(1) في النسخة كلمة غير واضحة
(2) هي الأنثى من أولاد المعزى قبل استكمالها الحول.
(3) هي المطهرة الكبيرة التي يتوضأ منها.
170
وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ نَاقَةً ضَلَّتْ مِنْ صَاحِبِهَا فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ لَوْ كَانَ نَبِيّاً لَعَلِمَ أَيْنَ النَّاقَةُ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ الْغَيْبُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ انْطَلِقْ يَا فُلَانُ لِصَاحِبِ النَّاقَةِ فَإِنَّ نَاقَتَكَ بِمَكَانِ كَذَا قَدْ تَعَلَّقَ زِمَامَهَا بِالشَّجَرَةِ فَوَجَدَهَا كَمَا قَالَ ص وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَقَامَ (ع) بِتَبُوكَ فَنَفِدَتْ أَزْوَادُهُمْ فَأَمَرَهُمْ (ع) فَجَمَعُوا مَا بَقِيَ مِنْهَا ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْطَاعٍ فَبُسِطَتْ وَ قَالَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَأْتِنَا بِهِ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْمُدِّ الدَّقِيقِ وَ السَّوِيقِ وَ الْقَلِيلِ مِنَ الْخُبْزِ فَيُوضَعُ كُلُّ صَفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ قَلِيلًا ثُمَّ تَوَضَّأَ وَ صَلَّى وَ دَعَا بِالْبَرَكَةِ فِيهِ فَكَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى فَاضَ مِنَ الْأَنْطَاعِ ثُمَّ نَادَى النَّاسَ أَنْ هَلُمُّوا فَأَقْبَلَ النَّاسُ فَحَمَلُوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ جِرَابٍ وَ مِزْوَدٍ وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَإِذَا بِبِئْرِهَا لَا مَاءَ فِيهَا فَشَكَا النَّاسُ ذَلِكَ إِلَيْهِ ص فَأَخْرَجَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ فَدَفَعَهُ إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ فَنَزَلَ فِي الْبِئْرِ فَأَقْبَلَ الْمَاءُ مِنْ عُيُونِ الْبِئْرِ حَتَّى مَلَئُوا كُلَّ مَا مَعَهُمْ وَ سَقَوْا رَكَائِبَهُمْ (1) وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَفَرٍ فَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ فَقَالَ مَعَ مَنْ وَضُوءٌ فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ مَعِي فِي مِيضَاةٍ فَأَتَاهُ بِهِ فَتَوَضَّأَ وَ فَضَلَتْ فِي الْمِيضَاةِ فَضْلَةٌ فَقَالَ (ع) احْتَفِظْ بِهَا يَا أَبَا قَتَادَةَ فَسَيَكُونُ لَهَا شَأْنٌ فَلَمَّا حَمِيَ النَّهَارُ وَ اشْتَدَّ الْعَطَشُ بِالنَّاسِ فَابْتَدَرُوا إِلَى النَّبِيِّ ص يَقُولُونَ الْمَاءَ الْمَاءَ فَدَعَا النَّبِيُّ ص بِقَدَحِهِ ثُمَّ قَالَ هَلُمَّ الْمِيضَاةَ يَا أَبَا قَتَادَةَ فَأَخَذَهَا وَ دَعَا فِيهَا وَ قَالَ اسْكُبْ فَسَكَبَ فِي الْقَدَحِ وَ ابْتَدَرَ النَّاسُ الْمَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كُلُّكُمْ يَشْرَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ يَسْكُبُ وَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَسْقِي حَتَّى شَرِبَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ص لِأَبِي قَتَادَةَ اشْرَبْ فَقَالَ لَا بَلِ اشْرَبْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اشْرَبْ فَإِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرَهُمْ يَشْرَبُ فَشَرِبَ أَبُو قَتَادَةَ ثُمَّ شَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَ انْتَهَى الْقَوْمُ رِوَاءً
____________
(1) تجد هذه المعجزة مفصلة في كتاب اعلام النبوّة ص 68.
171
وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاةٍ فَأَخَذَ بِأُذُنِهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ خَلَّاهَا فَصَارَ لَهَا وَسْمٌ (1) وَ كَانَتْ تُولِدُ وَ الْأَثَرُ فِي أَوْلَادِهَا. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ كُدْيَةٌ (2) ضَرَبُوا فِيهَا بِمَعَاوِلِهِمْ حَتَّى انْكَسَرَتْ فَأَخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ص فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهَا فَصَارَتْ كَثِيباً (3) وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَعْرَابِيّاً بَاعَ شَيْئاً مِنْ أَبِي جَهْلٍ فَمَطَلَهُ فَأَتَى قُرَيْشاً فَقَالَ أَعْدُونِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَقَدْ لَوَى بِحَقِّي فَأَشَارُوا إِلَى النَّبِيِّ ص وَ قَالُوا أنت [ائْتِ] هَذَا الرَّجُلَ فَاسْتَعْدِ عَلَيْهِ وَ هُمْ يَهْزَءُونَ بِالْأَعْرَابِيِّ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُغْرُوا أَبَا جَهْلٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ص فَأَتَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ أَعْدِنِي عَلَى عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ فَقَدْ مَطَلَنِي حَقِّي قَالَ نَعَمْ فَمَضَى مَعَهُ النَّبِيُّ ص فَضَرَبَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ بَابَهُ فَخَرَجَ مُتَغَيِّراً فَقَالَ مَا حَاجَتُكَ فَقَالَ أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ قَالَ نَعَمْ السَّاعَةَ فَأَعْطَاهُ فَجَاءَ الرَّجُلُ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً انْطَلَقَ مَعِي الرَّجُلُ الَّذِي دَلَلْتُمُونِي عَلَيْهِ فَأَخَذَ لِي حَقِّي وَ جَاءَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا أَعْطَيْتَ الْأَعْرَابِيَّ حَقَّهُ قَالَ نَعَمْ قَالُوا إِنَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُغْرِيَكَ بِمُحَمَّدٍ ص قَالَ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ دَقَّ بَابِي وَ سَمِعْتُ كَلَامَهُ فَمَا تَمَالَكْتُ أَنْ خَرَجْتُ إِلَيْهِ وَ خَلْفَهُ مِثْلُ الْفَالِجِ (4) فَاتِحٌ فَاهُ فَكَأَنَّمَا يُرِيدُنِي فَقَالَ أَعْطِهِ حَقَّهُ فَلَوْ قُلْتُ لَا لَابْتَلَعَ رَأْسِي (5)
____________
(1) أي علامة
(2) الكدية هي الصخرة الصلدة.
(3) تجد هذه المعجزة مفصلة في اعلام النبوّة للماوردي ص 66- 67 نقلها عن البخاري عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر.
(4) الفالج: الجمل الضخم ذو السنامين، و في رواية ابن هشام: و إن فوق رأسه لفحلا.
(5) رواه ابن هشام في السيرة ج 1 ص 416- 417 مع اختلاف يسير.
172
وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ص وَ مَعَهُ حَجَرٌ يُرِيدُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِهِ إِذَا سَجَدَ فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ص رَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ فَيَبِسَتْ عَلَى الْحَجَرِ فَقَالُوا لَهُ أَ جَبُنْتَ قَالَ لَا وَ لَكِنْ رَأَيْتُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ كَهَيْئَةِ الْفَحْلِ يَخْطُرُ بِذَنَبِهِ وَ هَذَا الْحَدِيثُ مَشْهُورٌ وَ فِيهِ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
أَفِيقُوا بَنِي غَالِبٍ وَ انْتَهُوا* * * عَنِ الْغَيِّ فِي بَعْضِ ذَا الْمَنْطِقِ
وَ إِلَّا فَإِنِّي إِذًا خَائِفٌ* * * بَوَائِقَ فِي دَارِكُمْ تَلْتَقِي
تَكُونُ لِعَابِرِكُمْ عِبْرَةٌ* * * وَ رَبِّ الْمَغَارِبِ وَ الْمَشْرِقِ
كَمَا ذَاقَ مَنْ كَانَ مِنْ قَبْلِكُمْ* * * ثَمُودُ وَ عَادٌ فَمَنْ ذَا بَقِيَ
غَدَاةً أَتَتْهُمْ بِهَا صَرْصَرٌ* * * وَ نَاقَةُ ذِي الْعَرْشِ إِذْ تَسْتَقِي
فَحَلَّ عَلَيْهِمْ بِهَا سَخْطَةٌ* * * مِنَ اللَّهِ فِي ضَرْبَةِ الْأَزْرَقِ
غَدَاةً يَعَضُ (1) بِعُرْقُوبِهَا* * * حُسَامٌ مِنَ الْهِنْدِ ذُو رَوْنَقٍ
وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَاكَ فِي أَمْرِكُمْ* * * عَجَائِبُ فِي الْحَجَرِ الْمُلْصَقِ
يَكُفُّ الَّذِي قَامَ مِنْ جُبْنِهِ* * * إِلَى الصَّابِرِ الصَّادِقِ الْمُتَّقِي
فَأَيْبَسَهُ اللَّهُ فِي كَفِّهِ* * * عَلَى رَغْمِ ذِي الْخَائِنِ الْأَحْمَقِ
____________
(1) في النسخة كلمة غير واضحة.
173
و هذا مما يستدل به على صحيح إيمان أبي طالب بالله تعالى و رسوله ص لما تضمنه قوله من إقراره بالله سبحانه و اعترافه بآياته و بالمعجز الذي بان لنبيه و إخباره عنه بأنه صابر صادق متقي.
وَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ امْرَأَةَ سَلَّامِ بْنِ مِسْكِينٍ أَتَتْ بِشَاةٍ قَدْ سَمَّتْهَا إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ مَا هَذَا فَقَالَتْ أُلْطِفُكَ بِهَا وَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ص بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ الْمَعْرُورِ فَتَنَاوَلَ النَّبِيُّ ص مِنَ الذِّرَاعِ وَ تَنَاوَلَ بِشْرٌ فَأَمَّا النَّبِيُّ ص فَإِنَّهُ لَاكَهَا ثُمَّ لَفَظَهَا وَ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُكَلِّمُنِي وَ تَزْعُمُ أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ وَ أَمَّا بِشْرٌ فَلَاكَ الْبِضْعَةَ لِيَبْلَعَهَا فَمَاتَ مِنْهَا فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ص إِلَى الْمَرْأَةِ فَأَقَرَّتْ فَقَالَ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا قَالَتْ قَتَلْتَ زَوْجِي وَ أَشْرَافَ قَوْمِي فَقُلْتُ إِنْ كَانَ مَلِكاً قَتَلْتُهُ وَ إِنْ كَانَ نَبِيّاً فَسَيَطَّلِعُهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ (1)
و
- 14 مِنْ ذَلِكَ أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَ عَمْرَو بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيَّ قَالا مَنْ لَنَا بِمُحَمَّدٍ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ وَهْبٍ لَوْ لَا دَيْنٌ عَلَيَّ لَخَرَجْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى أَقْتُلَهُ فَقَالَ صَفْوَانُ عَلَيَّ دَيْنُكَ وَ نَفَقَةُ عِيَالِكَ إِنْ قَتَلْتَهُ فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَبَيْتَ اللَّعْنَ فَقَالَ النَّبِيُّ ص قَدْ أَبْدَلَنَا اللَّهُ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ إِنَّ عَهْدَكَ بِهَا حَدِيثٌ قَالَ أَجَلْ ثُمَّ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ قَالَ يَا عَمْرُو مَا جَاءَ بِكَ قَالَ ابْنِي أَسِيرٌ عِنْدَكُمْ قَالَ لَا وَ لَكِنَّكَ جَلَسْتَ مَعَ صَفْوَانَ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ الَّذِي قَالَ فَقَالَ عَمْرٌو وَ اللَّهِ مَا حَضَرَنَا أَحَدٌ وَ مَا أَتَاكَ بِهَذَا إِلَّا الَّذِي يَأْتِيكَ بِأَخْبَارِ السَّمَاءِ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ (2)
و
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ أَجْدَبَتْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي سَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي وَ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثاً مَرِيّاً
____________
(1) أشير إلى هذا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 81.
(2) تجد هذا مختصرا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 113.
174
مَرِيعاً عَاجِلًا غَيْرَ رَائِثٍ نَافِعاً غَيْرَ بَائِثٍ نَافِعاً غَيْرَ ضَارٍّ فَمُطِرَ النَّاسُ لِلْوَقْتِ وَ سَالَتِ الْأَوْدِيَةُ وَ امْتَلَأَ كُلُّ شَيْءٍ فَدَامَتْ جُمْعَةً. فَأَتَى رَجُلٌ فَقَالَ غَرِقْنَا وَ تَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فِي أَسْوَاقِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حَوَالَيْنَا وَ لَا عَلَيْنَا فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَ كَانَ فِيمَا حَوْلَهَا حَتَّى حَصَلَتِ السَّمَاءُ فَوْقَهَا وَ السَّحَابُ ذَلِكَ (1)
فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَفْسِهِ آمَنْتُ إِذَا مَضَيْتُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ غَيْرِي فَيُشْعِرَ بِي فَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ لِاتِّفَاقِ مَا فِي نُفُوسِهِمْ وَ لَمَّا أَزْعَجَهُمْ مِنَ التَّعَجُّبِ لِاسْتِمَاعِ مَا حَيَّرَهُمْ وَ أَذْهَلَهُمْ فَوَقَفُوا إِلَى الصَّبَّاحِ فَلَمَّا انْصَرَفُوا اجْتَمَعُوا أَيْضاً وَ افْتَضَحَ بَعْضُهُمْ عِنْدَ بَعْضٍ وَ جَدَّدُوا الْعَهْدَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ عَادُوا حَتَّى فَعَلُوا ذَلِكَ عِدَّةَ دَفَعَاتٍ تَطَلُّعاً إِلَى سِمَاعِ الْقُرْآنِ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْعِنَادِ. و أما تعجب الجن فقولها إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً
فصل من البيان عن إعجاز القرآن
فمن ذلك عجز بلغاء العرب عن الإتيان بمثله في فصاحته و نظمه مع علمهم بأن النبي ص قد جعله علما على صدقه و سماعهم للتحدي فيه على أن يأتوا بسورة من مثله هذا مع اجتهادهم في دفع ما أتى به ص و توفر دواعيهم إلى إبطال أمره و فل جمعه و استفراغ مقدورهم في أذيته و تعذيب أصحابه و طرد المؤمنين به. ثم ما فعلوه بعد ذلك من بذل النفوس و الأموال في حربه و الحرص على إهلاكه مع علمهم بأن ذلك لا يشهد بكذبه و لا فيه إبطال الحجة و لا يقوم مقام معارضته فيما جعله دلالة على صدقه و تحداهم على الإتيان بمثله.
____________
(1) تجد هذا في مجالس المفيد ص 139 رواها بإسناده عن مسلم الغلابي مع زيادات.
175
و قد كانوا قوما فصحاء حكماء عقلاء خصماء لا يصبرون على التقريع و لا يتغاضون عن التعجيز و عاداتهم معروفة في التسرع (1) إلى الافتخار و تحدي بعضهم لبعض بالخطب و الأشعار و في انصرافهم عن المعارضة دلالة على أنها كانت متعذرة عليهم و في التجائهم إلى الحروب الشاقة دونها بيان أنها الأيسر عندهم. و أي عاقل يطلب أمرا (2) فيه هلاك حاله و التغرير بنفسه و هو يقدر على كلام يقوله يغنيه بذلك و ينال به أمله و مراده فلا يفعله. هذا ما لا يتصور في العقل و لا يثبت في الوهم و في عجزهم الذي ذكرناه حجة في بيان معجز القرآن و في صحة نبوة نبينا ص. و من ذلك ما يتضمنه من أخبار الدهور الماضية و أحوال القرون الخالية و أبناء الأمم الغابرة و وصف الديار الداثرة و قصص الأنبياء المتقدمين و شرح أحكام أهل الكتابين مما لا يقدر عليه إلا من اختص بهم و انقطع إلى الاطلاع بكتبهم و سافر في لقاء علمائهم و صحب رؤساءهم. و لما كان نبينا ص معلوم المولد (3) و الدار و المنشأ و القرار لا تخفى أحواله و لا تستتر أفعاله لم يلف قبل بعثته مدارسا لكتاب و لا رئي مخالطا لأهل الكتاب و لم يزل معروفا بالانفراد عنهم غير مختص بأحد منهم و لا سافر لاتباع عالم سرا و لا جهرا و لا احتال في نيل ذلك أولا و لا آخرا علم أنه لم يأخذ ذلك إلا عن رب العالمين دون الخلائق أجمعين و ثبت صدقه و حجته و إعجاز الوارد على يده و كان قول الله عز و جل وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ و قوله عز و جل
____________
(1) في النسخة الشرع
(2) في النسخة (فيه بما)
(3) في النسخة (المولود)
176
وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يعضد ما ذكرناه و يشهد بصحة ما وصفناه. و من ذلك أيضا ما ثبت فيه من الإخبار بالكائنات قبل كونها و إعلام ما في القلوب و ضمائرها كقوله سبحانه في اليهود من أهل خيبر وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ. و كان الأمر في هزيمتهم و خذلانهم كما قال سبحانه و قال في قصة بدر تشجيعا للمسلمين و إخبارا لهم عن عاقبة أمرهم و أمر المشركين سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ. و كان ذلك يقينا كما قال سبحانه و قال فيهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ. فكان الظفر قريبا كما قال سبحانه و قال عز اسمه الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. فأخبر الله تعالى عن ظفرهم بغلبهم و غلبتهم له و حدد زمان ذلك و حصره فكان الأمر فيه حسب ما قال سبحانه. و قال عز و جل
177
يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ فقطع على بغيهم و أعلم أنهم لا يتمنون الموت فلم يقدر أحد منهم على دفعه و لا أظهر تمنيه كان الأمر في ذلك موافقا لما قال سبحانه و قال تعالى وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ. فأخبر عن ضمائرهم بما في سرائرهم قبل أن يبدو على ألسنتهم و كان الأمر كما قال سبحانه و قال في أبي لهب و هو حي متوقع منه الإيمان و البصيرة و الإسلام تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ فمات على كفره و لم يصر إلى الإسلام و قال تعالى لنبيه ص إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ و كلهم يومئذ حي عزيز في قومه فأهلكهم الله أجمعين و كفاه أمرهم على ما أخبر به. و أمثال ذلك كثيرة يطول بها الكتاب و قد ذكرها أهل العلم (1) و هذا طرف منها يدل على معجزة القرآن و صدق من أتى به ع
دليل على حدوث العالم
الذي يدلنا على ذلك أنا نرى أجساما لا تخلو من الأحداث المتعاقبة عليها
____________
(1) تجد ذلك في أكثر المؤلّفات الموضوعة في حياته و معجزاته و كراماته و اعجاز القرآن من الشيعة و السنة على السواء.
178
و لا يتصور في العقل أنها كانت خالية منها و هذا يوضح أنها محدثة مثلها لشهادة العقل بأن ما لم يوجد عاريا من المحدث فإنه يجب أن يكون مثله محدثا. و هذه الحوادث هي الاجتماع و الافتراق و الحركة و السكون و الألوان و الروائح و الطعوم و نحو ذلك من صفات الأجسام التي تدل على أنها أشياء غير الجسم ما نراه من تعاقبها عليه و هو مع كل واحد منها و هذا يقين أيضا على حدوثها لأن الضدين المتعاقبين لا يجوز أن يكونا مجتمعين في الجسم و لا يتصور اجتماعهما في العقل و إنما وجد أحدهما و عدم الآخر فالذي طرأ و وجد هو المحدث لأنه كائن بعد أن لم يكن و الذي انعدم أيضا محدث لأنه لو كان غير محدث لم يجز أن ينعدم و لأنه مثله أيضا قد تجدد و حدث. و الذي يشهد بأن الأجسام لم تخل من هذه الحوادث بداية (1) العقول و أوائل العلوم إذ كان لا يتصور فيها وجود الجسم مع هذه الأمور. و لو جاز أن يخلو الجسم منها فيما مضى لجاز أن يخلو منها الآن و فيما يستقبل من الزمان و الذي يدل على أن حكم الجسم كحكمها في الحدوث أن المحدث هو الذي لوجوده أول و القديم هو المتقدم على كل محدث و ليس لوجوده أول فلو كان الجسم قديما لكان قبل الحوادث كلها خاليا منها. و فيما قدمناه من استحالة خلوه منها دلالة على أنه محدث مثلها و الحمد لله
____________
(1) المراد به البداهة العقليّة.
179
فصل في الأشعار المأثورة عن أبي طالب بن عبد المطلب ره التي يستدل بها على صحة إيمانه
من ذلك قوله في قصيدته اللامية
لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد* * * و أحببته حب الحبيب المواصل
و جدت بنفسي دونه و حميته* * * و دارأت عنه بالذرا و الكلاكل
فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها* * * و شيئا لمن عاداه زين المحافل
حليما رشيدا خازما غير طائش* * * يوالي إله الخلق ليس بماحل
فأيده رب العباد بنصره* * * و أظهر دينا حقه غير باطل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب* * * لدينا و لا يعنى بقيل الأباطل
(1) و من قطعة ميمية
ترجون أن نسخى بقتل محمد* * * و لم نختضب سحر العوالي من الدم
كذبتم و بيت الله حتى تغرفوا* * * جماجم تلقى بالحطيم و زمزم
____________
(1) هذه الأبيات من قصيدة طويلة أوردها ابن هشام في السيرة ج 1 ص 286- 298 مع اختلاف يسير.
180
و تقطع أرحام و تنسى حليلة* * * حليلا و يغشى محرما بعد محرم
و ينهض قوم في الحديد إليكم* * * يذودون عن أحسابهم كل مجرم
على ما أتى من بغيكم و ضلالكم* * * و غشيانكم في أمرنا كل مأتم
بظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى* * * و أمر أتى من عند ذي العرش مبرم
فلا تحسبونا مسلميه و مثله* * * إذا كان في قوم فليس بمسلم
و قوله أيضا
أ خلتم بأنا مسلمون محمدا* * * و لما نقاذف دونه بالمراجم
أصبنا حبيبا في البلاد مسوما* * * بخاتم رب قاهر للجراثم
يرى الناس برهانا و هيبة* * * و ما جاهل في فعله مثل عالم
نبي أتاه الوحي من عند ربه* * * فمن قال لا يقرع بها سن نادم
تطيف به جرثومة هاشمية* * * يذبون عنه كل باغ و ظالم
و قوله أيضا
ألا أبلغا عني على ذات بينها* * * لؤيا و خصا من لؤي بني كعب
181
أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا* * * نبيا كموسى خط في أول الكتب (1)
و أن عليه في العباد محبة* * * و لا سن فيمن خصه الله بالحب
و قوله أيضا يحض أخاه حمزة بن عبد المطلب ره على اتباع رسول الله ص و نصرته
فصبرا أبا يعلى على دين أحمد* * * و كن مظهرا للدين وفقت صابرا
و حط من أتى بالدين من عند ربه* * * بصدق و حق و لا تكن حمز كافرا
فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن* * * فكن لرسول الله في الله ناصرا
و باد قريشا بالذي قد أتيته* * * جهارا و قل ما كان أحمد ساحرا
و قولهلابنه جعفر و قد أمره بالصلاة مع النبي ص و قال يا بني صل جناح ابن عمك فلما أجابه قال
إن عليا و جعفرا ثقتي* * * عند ملم الزمان و الكرب
و الله لا أخذل النبي و لا* * * يخذله من بني ذو حسب
لا تخذلا و انصرا ابن عمكما* * * أخي لأمي من بينهم و أبي
و قوله أيضا
____________
(1) في الفصول المختارة هكذا:
أ لم تعلموا أنا وجدنا محمّدا* * * رسول أمين خطّ في سالف الكتب
182
زعمت قريش أن أحمد ساحر* * * كذبوا و رب الراقصات إلى الحرم
ما زلت أعرفه بصدق حديثه* * * و هو الأمين على الخرائب و الحرم
بهتوه لا سعدوا بقطر بعدها* * * و مضت مقالتهم تسير إلى الأمم
و قال في الإقرار بالتوحيد
مليك الناس ليس له شريك* * * هو الوهاب و المبدي المعيد
و من فوق السماء له بحق* * * و من تحت السماء له عبيد
و قال أيضا
يا شاهد الله علي فاشهد* * * آمنت بالواحد رب أحمد
من ضل في الدين فإني مهتدي
و هذا كله دليل واضح على إيمانه (رضوان الله عليه) بالله تعالى و برسوله ص و من الحديث الوارد بصحة إيمانه
8- مَا أَخْبَرَنِي بِهِ شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ هَمَّامٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُمِّيُّ الْأَشْعَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُنْجِحٌ الْخَادِمُ مَوْلَى بَعْضِ الطَّاهِرِيَّةِ بِطُوسَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى الْإِمَامِ الرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى جُعِلْتُ فِدَاكَ قَدْ شَكَكْتُ فِي إِيمَانِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فَكَتَبَ
183
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ فَمَنْ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُقِرَّ بِإِيمَانِ أَبِي طَالِبِ كَانَ مَصِيرُكَ إِلَى النَّارِ
وَ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبَانِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ يَا يُونُسُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي إِيمَانِ أَبِي طَالِبٍ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَقُولُونَ هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهَا أُمُّ رَأْسِهِ فَقَالَ كَذَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مِنْ رُفَقَاءِ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
وَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّصِيبِيِّ فِي دَارِهِ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (ع) أَنَّهُ كَانَ جَالِساً فِي الرَّحْبَةِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ بِالْمَكَانِ الَّذِي أَنْزَلَكَ اللَّهُ وَ أَبُوكَ مُعَذَّبٌ فِي النَّارِ فَقَالَ لَهُ مَهْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَوْ شَفَعَ أَبِي فِي كُلِّ مُذْنِبٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَشَفَّعَهُ اللَّهُ أَ أَبِي مُعَذَّبٌ فِي النَّارِ وَ ابْنُهُ قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ إِنَّ نُورَ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيُطْفِئُ أَنْوَارَ الْخَلَائِقِ إِلَّا خَمْسَةَ أَنْوَارٍ نُورَ مُحَمَّدٍ وَ نُورَ فَاطِمَةَ وَ نُورَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ نُورَ وُلْدِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَلَا إِنَّ نُورَهُ مِنْ نُورِنَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ
وَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ قِرَاءَةً عَلَيَّ مِنْ طَرِيقِ نَقْلِ الْعَامَّةِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُلَاعِبٍ قِرَاءَةً عَلَيَّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ جَنْدَلٍ الْحَلَبِيُ
184
قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْجَنَابِ قَالَ أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالَ مَا تَرْجُو لِأَبِي طَالِبٍ فَقَالَ كُلَّ خَيْرٍ أَرْجُو مِنْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَ
وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ مَيْمُونُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُزَاحِمُ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ الْبَصْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَيُّوبَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُرَشِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ لَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ سَمِعْتُ الْمُهَاجِرَ مَوْلَى نَوْفَلٍ الْيَمَانِيِّ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا رَافِعٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا طَالِبٍ يَقُولُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ ص أَنَّ رَبَّهُ بَعَثَهُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَ لَا يَعْبُدَ مَعَهُ غَيْرَهُ وَ مُحَمَّدٌ عِنْدِي الصَّادِقُ الْأَمِينُ
فصل من أخبار عبد المطلب رضي الله عنه
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ وَ أَحْمَدُ بْنُ هَوْذَةَ جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ الْقُمِّيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ الزَّرَّادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ قَالَ لَمَّا ظَهَرَتِ الْحَبَشَةُ بِالْيَمَنِ وَجَّهَ يَكْسُومُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ بِقَائِدَيْنِ مِنْ قُوَّادِهِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا أَبْرَهَةُ وَ الْآخَرُ أَرْبَاطُ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْفِيَلَةِ كُلُّ فِيلٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ لِهَدْمِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَلَمَّا صَارُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ وَ اخْتَلَفُوا فَقَتَلَ أَبْرَهَةُ أَرْبَاطَ وَ اسْتَوْلَى عَلَى الْجَيْشِ فَلَمَّا قَارَبَ مَكَّةَ طَرَدَ أَصْحَابُهُ عِيراً لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فَصَارَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبْرَهَةَ وَ كَانَ تَرْجُمَانُ أَبْرَهَةَ وَ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ ابْنَ دَايَةٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ التَّرْجُمَانُ لِأَبْرَهَةَ
185
هَذَا سَيِّدُ الْعَرَبِ وَ دَيَّانُهَا فَأَجِلَّهُ وَ أَعْظِمْهُ ثُمَّ قَالَ لِكَاتِبِهِ سَلْهُ مَا حَاجَتُهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ إِنَّ أَصْحَابَ الْمَلِكِ طَرَدُوا لِي نَعَماً فَأْمُرْ بِرَدِّهَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى التَّرْجُمَانِ فَقَالَ قُلْ لَهُ عَجَباً لِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ وَ رَأَّسُوكَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ تَسْأَلُنِي فِي عِيرٍ لَكَ وَ قَدْ جِئْتُ لِأَهْدِمَ شَرَفَكَ وَ مَجْدَكَ وَ لَوْ سَأَلْتَنِي الرُّجُوعَ عَنْهُ لَفَعَلْتُ فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ هَذِهِ الْعِيرَ لِي وَ أَنَا رَبُّهَا فَسَأَلْتُكَ إِطْلَاقَهَا وَ إِنَّ لِهَذِهِ الْبِنْيَةِ رَبّاً يَدْفَعُ عَنْهَا قَالَ فَإِنِّي غَادٍ لِهَدْمِهَا حَتَّى أَنْظُرَ مَا ذَا يَفْعَلُ فَلَمَّا انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَحَلَ أَبْرَهَةُ بِجَيْشِهِ فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ فِي السَّحَرِ الْأَكْبَرِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتَاكُمْ أَهْلُ عَكَّةَ بِجَحْفَلٍ جَرَّارٍ يَمْلَأُ الْأَنْدَارَ مِلْءَ الْجِفَارِ (1) فَعَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الْجَبَّارِ فَأَنْشَأَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ
أَيُّهَا الدَّاعِي لَقَدْ أَسْمَعْتَنِي* * * كُلَّمَا قُلْتَ وَ مَا بِي مِنْ صَمَمٍ
إِنَّ لِلْبَيْتِ لَرَبّاً مَانِعاً* * * مَنْ يَرِدْهُ بِأَثَامٍ يُصْطَلَمْ
رَامَهُ تُبَّعٌ (2) فِي أَجْنَادِهِ* * * حِمْيَرٌ وَ الْحَيُّ مِنْ آلِ إِرَمَ (3)
هَلَكَتْ بِالْبَغْيِ فِيهِمْ جُرْهُمٌ* * * بَعْدَ طَسْمٍ وَ جَدِيسٍ وَ جُثَمٍ (4)
وَ كَذَاكَ الْأَمْرُ فِيمَنْ جَادَهُ* * * لَيْسَ أَمْرُ اللَّهِ بِالْأَمْرِ الْأُمَمِ (5)
____________
(1) جفار جمع جفرة و هي سعة في الأرض مستديرة.
(2) هو من ملوك اليمن
(3) أي من آل عاد و عليه قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ.
(4) جرهم و طسم و جديس و جثم هي قبائل عربية بائدة.
(5) الأمم بالتحريك اليسير.
186
نَحْنُ آلُ اللَّهِ فِيمَا قَدْ خَلَا* * * لَمْ يَزَلْ ذَاكَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَهَمَ (1)
نَعْرِفُ اللَّهَ وَ فِينَا شِيمَةٌ* * * صِلَةُ الرَّحِمِ وَ نُوفِي بِالذِّمَمِ
لَمْ يَزَلْ لِلَّهِ فِينَا حُجَّةٌ* * * يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْهَا النِّقَمَ (2)
وَ لَنَا فِي كُلِّ دَوْرٍ كَرَّةٌ* * * نَعْرِفُ الدِّينَ وَ طَوْراً فِي الْعَجَمِ
فَإِذَا مَا بَلَغَ الدَّوْرُ إِلَى* * * مُنْتَهَى الْوَقْتِ أَتَى الطِّينَ (3) قَدِمٌ
بِكِتَابٍ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ* * * فِيهِ تِبْيَانُ أَحَادِيثِ الْأُمَمِ
(4) فَلَمَّا أَصْبَحَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَمَعَ بينه [بَنِيهِ] وَ أَرْسَلَ الْحَرْثَ ابْنَهُ الْأَكْبَرَ إِلَى أَعْلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ فَقَالَ انْظُرْ مَا ذَا يَأْتِيكَ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ فَرَجَعَ فَلَمْ يَرَ شَيْئاً فَأَرْسَلَ وَاحِداً بَعْدَ آخَرَ مِنْ وُلْدِهِ فَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنِ الْبَحْرِ بِخَبَرٍ فَدَعَا وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَ إِنَّهُ لَغُلَامٌ حِينَ أَيْفَعَ وَ عَلَيْهِ ذُؤَابَةٌ تَضْرِبُ إِلَى عَجُزِهِ فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فِدَاكَ أَبِي وَ أُمِّي فَاعْلُ أَبَا قُبَيْسٍ وَ انْظُرْ مَا ذَا تَرَى يَجِيءُ مِنَ الْبَحْرِ فَنَزَلَ مُسْرِعاً فَقَالَ يَا سَيِّدَ النَّادِي رَأَيْتُ سَحَاباً مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ مُقْبِلًا يَسْفُلُ تَارَةً وَ يَرْتَفِعُ أُخْرَى إِنْ قُلْتُ غَيْماً قُلْتُهُ وَ إِنْ قُلْتُ جَهَاماً (5) خِلْتُهُ يَرْتَفِعُ تَارَةً وَ يَنْحَدِرُ أُخْرَى فَنَادَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ادْخُلُوا مَنَازِلَكُمْ فَقَدْ أَتَاكُمُ اللَّهُ بِالنَّصْرِ مِنْ عِنْدِهِ
____________
(1) أي إبراهيم (عليه السلام)
(2) روى هذه الأبيات المسعودي في المروج ج 2 ص 129 باختلاف في بعضها.
(3) الأحمر المشبع حمرة.
(4) هذه الأبيات الثلاثة لم يذكرها المسعودي.
(5) هو السحاب الذي لا ماء فيه.
187
فَأَقْبَلَتِ الطَّيْرُ الْأَبَابِيلُ فِي مِنْقَارِ كُلِّ طَيْرٍ حَجَرٌ وَ فِي رِجْلَيْهِ حَجَرَانِ فَكَانَ الطَّائِرُ الْوَاحِدُ يَقْتُلُ ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبْرَهَةَ كَانَ يُلْقِي الْحَجَرَ فِي قِمَّةِ رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ (1)
و قد قص الله تبارك و تعالى نبأهم فقال سبحانه أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (2) السجيل الصلب من الحجارة و العصف ورق الزرع و مأكول يعني كأنه أخذ ما فيه من الحب فأكل و بقي لا حب فيه. و قيل إن الحجارة كانت إذا وقعت على رءوسهم و خرجت من أدبارهم بقيت أجوافهم فارغة خالية حتى يكون الجسم كقشر الحنطة
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ جُمْهُورٍ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَرْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَيَّانَ بْنِ مَازِنٍ الطَّائِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا ظَفِرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ وَ اسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ قَيْسٍ بِالْحَبَشَةِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ص بِسَنَتَيْنِ أَتَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وَ أَشْرَافُهَا وَ شُعَرَاؤُهَا تُهَنِّيهِ وَ تَمْدَحُهُ وَ تُذَكِّرُ مَا كَانَ مِنْ حُسْنِ بَلَائِهِ وَ طَلَبِهِ بِثَارِ قَوْمِهِ فَأَتَاهُ فِيمَنْ أَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ وَ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ وَ خُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى فِي أُنَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ صَنْعَاءَ (3) فَإِذَا هُوَ فِي رَأْسِ غُمْدَانَ (4) وَ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أُمَيَّةُ بْنُ
____________
(1) تجد هذه القصة مروية في مجالس الشيخ المفيد بإسناده إلى عبد اللّه بن سنان عن الصادق (ع) مع اختلاف في أسلوبها ص 184- 686.
(2) سورة الفيل
(3) هي احدى عواصم اليمن القديمة نزلها الأحباش بعد استيلائهم على اليمن، و لا تزال إلى اليوم عاصمة اليمن الكبيرة.
(4) غمدان أحد القصور الشهيرة في اليمن، و هو في صنعاء و قد بناه اليشرح بخضب 35- 15 ق. م. على رواية الهمداني و ياقوت و ظل باقيا إلى أيّام عثمان بن عفان، و كان مؤلّفا من عشرين طبقة، و ممّا قيل في وصفه.-
188
الصَّلْتِ (1) فِي قَصِيدَتِهِ حَيْثُ يَقُولُ
اشْرَبْ هَنِيئاً عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعاً* * * فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَاراً مِنْكَ مِحْلَالًا
(2) فَدَخَلَ الْآذِنُ فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحَلًّا رَفِيعاً صَعْباً مَنِيعاً شَامِخاً بَاذِخاً
____________
-
يسمو إلى كبد السماء مصعدا* * * عشرين سقفا سمكها لا يقصر
و من السحاب معصب بعمامة* * * و من الغمام منطق و مؤزر
متلاحكا بالفطر منه صخرة* * * و الجزع بين صروحه و المرمر
تاريخ العرب قبل الإسلام
(1) هو أبو الصلت عبد اللّه بن ربيعة بن عوف بن أميّة، و البيت هو له لا لابنه أميّة على رواية ابن سلام الجمحي في طبقات الشعراء و رواية ابن قتيبة في الشعر و الشعراء، و لكن الأصبهاني في الأغاني نسبة إلى ابنه أميّة ابن الصلت.
(2) هو من أبيات أولها:
لا يطلب الوتر إلّا كابن ذي يزن* * * في البحر لجج للأعداء أحوالا
أتى هرقلا و قد شالت نعامته* * * فلم يجد عنده القول الذي قالا
ثمّ انتحى نحو كسرى بعد تاسعة* * * من السنين لقد أبعدت إيغالا
حتى أتى بيني الأحرار يقدمهم* * * تخالهم فوق متن الأرض أجبالا
و منها
من مثل كسرى و سابور الجنود له* * * أو مثل و هرز يوم الجيش إذ صالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا* * * في رأس غمدان دارا منك محلالا
189
أَنْبَتَكَ مَنْبِتاً طَابَتْ أَرُومَتُهُ وَ عَزَّتْ جُرْثُومَتُهُ وَ ثَبَتَ أَصْلُهُ وَ سَبَقَ (1) فَرْعُهُ أَكْرَمَ مَوْطِنٍ وَ أَطْيَبَ مَعْدِنٍ وَ أَنْتَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ مَلِكُ الْعَرَبِ وَ رَبِيعُهَا الَّذِي بِهِ نُخْصِبُ وَ رَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي إِلَيْهِ تَنْقَادُ وَ عَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ وَ مَعْقِلُهَا الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ سَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ وَ أَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ فَلَمْ يَخْمُلْ مَنْ هُمْ سَلَفُهُ وَ لَنْ يَهْلِكَ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ نَحْنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وَ سَدَنَةُ بَيْتِهِ أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا لِكَشْفِ الْكَرْبِ الَّذِي فَدَحَنَا فَنَحْنُ وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمَرْزِئَةِ (2) فَقَالَ سَيْفٌ وَ أَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ قَالَ أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ قَالَ ابْنُ أُخْتِنَا قَالَ نَعَمْ قَالَ ادْنُ فَدَنَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ مَرْحَباً وَ أَهْلًا وَ نَاقَةً وَ رَحْلًا وَ مُسْتَنَاخاً سَهْلًا وَ مُلْكاً نُحْلًا يَعْنِي يُعْطَى عَطَاءً جَزِيلًا قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ وَ عَرَفَ قَرَابَتَكُمْ وَ قَبِلَ وَسِيلَتَكُمْ فَأَنْتُمْ أَهْلُ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ لَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ وَ الْحَبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ ثُمَّ نَهَضُوا إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ وَ الْوُفُودِ وَ أَقَامُوا بِهَا شَهْراً لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَ لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي الِانْصِرَافِ ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمْ انْتِبَاهَةً فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنِّي مُفْضٍ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي مَا لَوْ يَكُونُ غَيْرُكَ لَمْ أَبُحْ بِهِ وَ لَكِنِّي رَأَيْتُكَ مَعْدِنَهُ فَأَطْلَعْتُكَ طِلْعَةً (3) فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيّاً حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ فَ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ.
____________
(1) هكذا في النسخة و لعلّ الأصل سمق بمعنى ارتفع أو امتد أو الأصل بسق.
(2) في النسخة (الترزية). و التصحيح عن الأغاني.
(3) عن نهاية ابن الأثير: أطلعتك طلعة أي أعلمتك.
190
إِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَ الْعِلْمِ الْمَخْزُونِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا وَ احْتَجَبْنَاهُ دُونَ غَيْرِنَا خَبَراً عَظِيماً وَ خَطَراً جَسِيماً فِيهِ شَرَفُ الْحَيَاةِ وَ فَضِيلَةُ الْوَفَاةِ وَ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَ لِرَهْطِكَ كَافَّةً وَ لَكَ خَاصَّةً فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِثْلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ سَرَّ وَ بَرَّ فَمَا هُوَ فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ زُمَراً بَعْدَ زُمَرٍ قَالَ إِذَا وُلِدَ بِتِهَامَةَ غُلَامٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ وَ لَكُمْ بِهِ الدِّعَامَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَقَدْ أُبْتَ بِخَيْرٍ مَا آبَ بِهِ وَافِدٌ لَوْ لَا هَيْبَةُ الْمَلِكِ وَ إِجْلَالُهُ لَسَأَلْتُهُ مِنْ بِشَارَتِهِ (1) إِيَّايَ مَا ازْدَادَ بِهِ سُرُوراً قَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ أَوْ قَدْ وُلِدَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَمُوتُ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ وَ يَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَ عَمُّهُ قَدْ ولدناه مرارا [وَلَدَاهُ سِرَاراً] وَ اللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَاراً وَ جَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَاراً يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ وَ يُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ يَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عَنْ عُرْضٍ وَ يَسْتَبِيحُ بِهِ كَرَائِمَ الْأَرْضِ يَكْسِرُ الْأَوْثَانَ وَ يُخْمِدُ النِّيرَانَ وَ يَعْبُدُ الرَّحْمَنَ وَ يَدْحَرُ الشَّيْطَانَ قَوْلُهُ فَصْلٌ وَ حُكْمُهُ عَدْلٌ يَأْمُرُ الْمَعْرُوفَ وَ يَفْعَلُهُ وَ يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُبْطِلُهُ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَيُّهَا الْمَلِكُ عَزَّ جَدُّكَ وَ عَلَا كَعْبُكَ وَ دَامَ مُلْكُكَ وَ طَالَ عُمُرُكَ فَهَلِ الْمَلِكُ سَارِّي بِإِفْصَاحٍ فَقَدْ أَوْضَحَ بَعْضَ الْإِيضَاحِ فَقَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ وَ الْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ وَ الْعَلَامَاتِ عَلَى النُّصُبِ إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرُ الْكَذِبِ فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِداً فَقَالَ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَ ثَلِجَ صَدْرُكَ وَ عَلَا أَمْرُكَ فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئاً مِمَّا ذَكَرْتُ لَكَ فَقَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كَانَ لِي وَلَدٌ وَ كُنْتُ بِهِ مُعْجِباً وَ عَلَيْهِ شَفِيقاً فَزَوَّجْتُهُ
____________
(1) في النسخة من سارة، و صححناه عن اعلام النبوّة للماوردي، و في رواية الأغاني: أن يزيدني من البشارة.
191
كَرِيمَةً مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِي آمِنَةَ بِنْتَ وَهَبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ وَ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّداً مَاتَ أَبُوهُ وَ أُمُّهُ فَكَفَلْتُهُ أَنَا وَ عَمُّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةٌ وَ كُلُّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَلَامَةٍ قَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ لَكَمَا قُلْتُ فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ وَ احْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءٌ لَهُ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا وَ اطْوِ مَا قُلْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تَدْخُلَهُمُ النَّفَاسَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ الرِّئَاسَةُ فَيَطْلُبُوا لَكَ الْغَوَائِلَ وَ يَنْصِبُوا لَكَ الْحَبَائِلَ وَ هُمْ فَاعِلُونَ لَوْ أُنْبِئُهُمْ وَ لَوْ لَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلِي وَ رَجِلِي حَتَّى أُصَيِّرَ يَثْرِبَ دَارَ مُلْكِي فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ وَ الْعِلْمِ الْبَاسِقِ أَنَّ يَثْرِبَ اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ وَ أَهْلُ نَصْرِهِ وَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ وَ لَوْ لَا أَنِّي أَقِيهِ الْآفَاتِ وَ أَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ لَأَعْلَنْتُ عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ أَمْرَهُ وَ لَأَوْطَأْتُ أَسْنَانَ الْعَرَبِ عَقِبَهُ لَكِنِّي صَارِفٌ ذَلِكَ إِلَيْكَ عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ لِمَنْ مَعَكَ فَعَلَيْهِ مِنِّي التَّحِيَّةُ وَ السَّلَامُ ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ وَ عَشْرِ إِمَاءٍ وَ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ وَ خَمْسٍ مِنَ الْبُرُودِ وَ خَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنَ الذَّهَبِ وَ عَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ وَ كَرِشٍ مَمْلُوءٍ عَنْبَراً وَ أَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشَرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ وَ قَالَ إِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَأْتِنِي فَمَاتَ ابْنُ ذِي يَزَنَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَثِيراً مَا يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَا يَغْبِطْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ وَ إِنْ كَثُرَ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ وَ لَكِنْ لِيَغْبِطْنِي بِمَا يَبْقَى لِي وَ لِعَقِبِي مِنْ بَعْدِي ذِكْرُهُ وَ فَخْرُهُ وَ شَرَفُهُ فَإِذَا قِيلَ لَهُ وَ مَا ذَلِكَ قَالَ سَيُعْلَمُ مَا أَقُولُ وَ لَوْ بَعْدَ حِينٍ (1)
____________
(1) و هكذا ذكر الماوردي في إعلام النبوّة قصة وفود عبد المطلب على سيف رواها بإسناده عن أبي صالح عن ابن عبّاس و تجدها في الأغاني ج 16 ص 146- 148. و رواها الطبرسيّ في إعلام الورى ص 24- 26 و قال روى هذا الحديث أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ في دلائل النبوّة من طريقين.
192
و في ذلك يقول أمية بن عبد شمس
جلبنا النصح تحمله المطايا* * * على أكوار أجمال و نوق
مغلغلة مراقعها تعالى* * * إلى صنعاء من فج عميق
تؤم (1) بنا ابن ذي يزن و معرى* * * ذوات بطونها أم الطريق
و ترعى عن مخايله يروقا* * * مواصلة الوميض إلى بروق
فلما وافقت صنعاء حلت* * * بدار الملك و الحسب العريق (2)
و روي أنه قيل لأكثم بن صيفي و كان حكيم العرب إنك لأعلم أهل زمانك و أحكمهم و أعقلهم و أحلمهم فقال و كيف لا أكون كذلك و قد جالست أبا طالب (3) بن عبد المطلب دهره و هاشما دهره و عبد مناف دهره و قصيا دهره و كل هؤلاء سادات أبناء سادات فتخلقت بأخلاقهم و تعلمت من حلمهم و اقتفيت سؤددهم و اتبعت آثارهم و كان أكثم بن صيفي من المعمرين (4)
____________
(1) في النسخة (ترم) و التصحيح عن الأغاني
(2) هذه الأبيات موجودة في الأغاني ج 16 ص 148 و تجد قصة دخول عبد المطلب على سيف ابن ذي يزن في أمالي الصدوق ص 174- 178 و انظر: إعلام الورى ص 26- 27.
(3) قد يكون هنا سقط و هو قد جالست أبا طالب دهره و عبد المطلب دهره.
(4) كما يأتي ذلك في بعض فصول هذا الكتاب.
193
خبر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي (1) ملك اليمن التي تأولها سطيح و شق
ذكر الرواة من أهل العلم أن ربيعة بن نصر رأى رؤيا هالته و فظع بها فلما رآها بعث في أهل مملكته فلم يدع كاهنا و لا ساحرا و لا قائضا و لا منجما إلا أحضره إليه فلما جمعهم قال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها فأخبروني بتأويلها قالوا اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها قال إنه لا يعرف تأويلها إلا من يعرفها قبل أن أخبره بها. فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم إن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سطيح و شق فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانك بما سألت. فلما قيل له ذلك بعث إليهما فقدم عليه سطيح قبل شق و لم يكن مثلهما من الكهان فلما قدم عليه دعاه فقال له يا سطيح إني قد رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها قال أفعل رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة قال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرمين من خش ليهبطن أرضكم الحبش فلتملكن ما بين أبين إلى جرش قال له الملك و أبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن يا سطيح أ في زماني أم بعده قال لا بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين ثم يقبلون (2) بها أجمعون و يخرجون منها هاربين
____________
(1) هو جد النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر.
(2) في سيرة ابن هشام: ثم يقتلون.
194
قال الملك من ذا الذي يلي ذلك من قبلهم و إخراجهم قال يليه إرم ابن ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أ فيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع قال و من يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال و ممن هذا النبي قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال و هل للدهر يا سطيح من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون و الآخرون و يسعد فيه المحسنون و يشقى فيه المسيئون. قال أحق ما تخبرنا يا سطيح قال نعم و الشفق و الليل إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق فلما فرغ قدم عليه شق فقال له يا شق إني رأيت رؤيا هالتني و فظعت بها فأخبرني عنها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها كما قال سطيح و قد كتمه ما قال سطيح لينظر أ يتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة و أكمة فأكلت منها كل ذات نسمة قال له الملك ما أخطأت منها فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرمين من إنسان لينزلن أرضكم الحبشان فليغلبن على كل طفلة البنان و ليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك و أبيك إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أ في زماني أم بعده قال بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم الشأن و يذيقهم أشد الهوان
195
قال و من هذا العظيم الشأن قال غلام ليس بدني و لا مدن يخرج من بيت ذي يزن قال فهل يدوم سلطانه أو ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق و العدل بين أهل الدين و الفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال و ما يوم الفصل قال يسمع منها الأحياء و الأموات و يجمع فيه الناس للميقات يكون لمن اتقى الفوز و الخيرات قال أ حق ما تقول يا شق قال إي و رب السماء و الأرض و ما بينهما من رفع و خفض إن ما أنبأتك لحق ما فيه أمض (1)
دليل في تثبيت الصانع
حكى عن إبراهيم النظام قال الدليل على ذلك أنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التنافي و التباين و التفاسد مجموعة و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة المجتمعة في كل حيوان و في أكثر سائر الأجسام فعلمنا أن جامعها أقسرها على الاجتماع و لو لا ذلك لتباينت و تفاسدت قال و لو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات و تتقاوم من غير جامع جمعها لجاز أن يجتمع الماء و النار و يتقاوما من ذاتهما بغير جامع مدبر مقيم يقيمهما و هذا محال لا يتوهم
____________
(1) قال ابن هشام: أمض يعني شكا، و قال أبو عمرو أمض أي باطل و تجد قصة هذه الرؤيا في سيرة ابن هشام ج 1 ص 11- 13.
196
قال و في اجتماعهما دليل على حدوثها لأنها لا يجوز عليها الانفراد فإذا كانت لا توجد إلا مجتمعة و بطل أن توجد كذلك إلا بجامع جمعها صح أنه قبلها و أنها لم توجد إلا حين ابتدعها مجتمعة و لو وجدت قبل ذلك لم توجد إلا على أحد وجهين إما أن يكون كل واحد منهما منفردا و هذا محال أو تكون مجتمعة لا جامع لها و هذا أيضا محال فقد صح أنها ابتدعت و أن الذي جمعها كان موجودا قبلها لم يزل.
مسألة على نفاة الحقائق (1)
و هم الذين يقولون المذاهب باطلة كلها و إنه لا حق بشيء منها فيقال لهم أخبرونا عن مذهبكم هذا أ حق هو أم باطل.
____________
(1) هم من فرق الفلسفة السوفسطائية «الحكمة المجوهة» و يقولون إنّه لا حقائق واقعا، لأن الطريق إلى إدراكها هي الحواس الظاهرة الخمسة، و قد تخطئ، و مع احتمال خطئها فلا يمكن الجزم بشيء ممّا تؤديه، فالجهاز البصري قد نرى به ما ليس بواقع واقعا، و الحاسة الذوقية قد تخدعنا أحيانا، فالمريض بالحمى يجد الحلو مرا، و الحاسة السمعية قد تخدعنا أيضا فتسمعنا أصواتا غير واقعية، و حاسة الشم قد تخطئ أيضا عند اختلالها، و تعطينا رائحة غير واقعية، و أنّه يكفي للشك فيما تؤديه هذه الحواس و لو مرة واحدة.
و تقول هذه الفلسفة إنّه لا حقائق للأشياء، و إنّما هي أوهام عارضة، لأن ما نشاهده يجوز أن يكون على ما نشاهده أو تسمعه أو نبصره أو نشمه، كما يجوز أن لا يكون كذلك.
و من مذاهب هذه الفلسفة، المذهب اللاأدري، القائم على نفي العلم بالحقائق، و هم يثبتون الحقائق في نفس الواقع و لكنهم ينفون العلم بها، و يقولون لا ندري.
و مذهب آخر منها يسمى المذهب العندي، و يقوم على نفي حقائق للأشياء في واقعها، و إنّما واقعها عند معتقديها فقط، فليس لها حقيقة واحدة في نفس الأمر، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب اعتقادهم.
و يبدو أن هذا المذهب هو الأساس للفلسفة المثالية التي نادى بها (بركلي) القائلة بأنّه لا واقع خارج الذهن و الوعي، و أن الحقائق ليست إلّا انعكاسات لوعي الإنسان، و ليست أشياء مستقلة خارجة عن هذا الوعي.
197
فإن قالوا هو حق قيل لهم فقد ناقضتم و أوجبتم أن في المذاهب حقا من حيث نفيتم ذلك و إن قالوا ليس مذهبنا حقا و هو باطل قيل لهم فإذا بطل قولكم أنه لا حق في شيء من المذاهب فقد صح أن فيها حقا.
مسألة على مبطلي النظر و حجج العقل
يقال لهم أ بنظر أفسدتم النظر أم بالحواس أم بالخبر و بعقل أفسدتم حجة العقل أم بغير عقل فإن قلتم أفسدنا النظر بنظر فقد ناقضتم و رجعتم إلى ما أعبتم و صححتم النظر من حيث رمتم إفساده. و إن قلتم بالحواس قلنا حواسنا كحواسنا و علوم الحواس لا تختلف فيها فما بالنا لا نعلم من ذلك ما علمتم و إن قلتم بخبر فبأي شيء فصلتم بين هذا الخبر و بين ضده من الأخبار إلا بالعقل و النظر. فإن قلبتم السؤال فقالوا أ بنظر صححتم النظر أم بحس أم بخبر و بعقل أوجبتم حجة العقل أم بغير عقل أو قلتم بالحواس علمنا ذلك قلنا لكم حواسنا كحواسكم و علوم الحواس ليس فيها اختلاف فما بالنا لا نعلم من صحة أمر النظر و العقل ما علمتم. و إن قلتم بالخبر فقد جعلتم الخبر عيارا (1) على العقل و ليس هذا قولكم و إن قلتم عرفنا صحة النظر و العقل بالنظر و العقل جاز لنا أن نزعم أنا عرفنا صحة الخبر بالخبر. فالجواب أن يقال لهم إنا عرفنا صحة النظر و العقل بالنظر و العقل و ليس يصح لكم مثل ذلك في الخبر لأنكم إن كنتم عرفتم صحة الخبر
____________
(1) أي معيار يقاس به.
198
بنفسه فيجب أن يكون كل من طرقه الخبر علم صحته حتى لا يوجد الخلف فيه و لسنا نجد ذلك (1) و إن قلتم علمنا صحة الخبر بخبر آخر فهذا يؤديكم إلى ما لا يتناهى (2) فإن قالوا فأنتم إذا عرفتم صحة النظر و العقل بنظر و عقل فقد وجب أن يؤديكم هذا أيضا إلى ما لا يتناهى قيل لهم إنا لا نزعم أنا عرفنا صحة النظر و العقل بنظر و عقل غيرهما بل نعرف صحتهما بها. و ذلك أنا نعرف بهما أن كل نظر لزم صاحبه السنن و الترتيب و لم يمل به هواه و لا إلفه و عصبيته فهو صحيح و كل علم بني على ما في بداية العقول فغير فاسد فيكون هذا النظر نفسه داخلا فيما شهد بصحته إن كان حكمه ذلك
فصل ما جاء في الحديث في العقل
أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْوَاسِطِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
____________
(1) و خلاصة ذلك أن العلم بصحة الخبر من لوازم ذات الخبر نفسه فينبغي أن لا يختلف اثنان في صحته، و هو خلاف الواقع على أن هذا من الدور الباطل لتوقف الشيء على نفسه.
(2) الأولى في الجواب أن يقال أن العلم أو النظر لا بدّ لإثبات صحته من سبب صحيح معلوم، و لا يمكن أن يكون بديهيا دائما و إلّا لما جهل و لما وقع الخلاف فيه، و لا يكون كسبيا نظريا دائما لأنّه هو نفسه محتاج إلى سبب صحيح مثبت له أيضا فإن استند إلى كسبي مثله و ذهب إلى ما لا نهاية لزم التسلسل و إن رجع لزم الدور، بل لا بدّ أن يستند إلى ما هو بديهي بنفسه و من هنا قيل إن ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات.
199
إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ فَانْظُرُوا إِلَى حُسْنِ عَقْلِهِ فَإِنَّمَا يُجَازَى بِعَقْلِهِ
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ كَثِيرَ الصِّيَامِ فَلَا تُبَاهُوا بِهِ حَتَّى تَنْظُرُوا عَقْلَهُ
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ الْعَقْلُ دَلِيلُ الْمُؤْمِنِ
فصل من كلام أمير المؤمنين ص في العقل
لَا عُدَّةَ أَنْفَعُ مِنَ الْعَقْلِ وَ لَا عَدُوَّ أَضَرُّ مِنَ الْجَهْلِ
زِينَةُ الرَّجُلِ عَقْلُهُ
مَنْ صَحِبَ جَاهِلًا نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ
التَّثَبُّتُ رَأْسُ الْعَقْلِ وَ الْحِدَّةُ رَأْسُ الْحُمْقِ
غَضَبُ الْجَاهِلِ فِي قَوْلِهِ وَ غَضَبُ الْعَاقِلِ فِي فِعْلِهِ
الْأَدَبُ صُورَةُ الْعَقْلِ فَحَسِّنْ عَقْلَكَ كَيْفَ شِئْتَ
الْعُقُولُ مَوَاهِبُ وَ الْآدَابُ مَكَاسِبُ
فَسَادُ الْأَخْلَاقِ مُعَاشَرَةُ السُّفَهَاءِ وَ صَلَاحُ الْأَخْلَاقِ مُعَاشَرَةُ الْعُقَلَاءِ
قَطِيعَةُ الْجَاهِلِ تَعْدِلُ صِلَةَ الْعَاقِلِ وَ الْعَاقِلُ مَنْ وَعَظَتْهُ التَّجَارِبُ
رَسُولُكَ تَرْجُمَانُ عَقْلِكَ
لَا تَأْوِي مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ فَيَكْثُرَ ضَرَرُكَ
ظَنُّ الرَّجُلِ قِطْعَةٌ مِنْ عَقْلِهِ
مَنْ تَرَكَ الِاسْتِمَاعَ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ مَاتَ عَقْلُهُ
مَنْ جَانَبَ هَوَاهُ صَحَّ عَقْلُهُ
200
مَنْ أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ ضَلَّ وَ مَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَلَّ وَ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلَ
إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى ضَعْفِ عَقْلِهِ
مَنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مَا فِيهِ عَقْلُهُ كَانَ بِأَكْثَرِ مَا فِيهِ قَتْلُهُ
لَا جَمَالَ أَزْيَنُ مِنَ الْعَقْلِ
عَجَباً لِلْعَاقِلِ كَيْفَ يَنْظُرُ إِلَى شَهْوَةٍ يُعْقِبُهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا حَسْرَةً
هِمَّةُ الْعَاقِلِ (1) تَرْكُ الذُّنُوبِ وَ إِصْلَاحُ الْعُيُوبِ
الْجَمَالُ فِي اللِّسَانِ وَ الْكَمَالُ فِي الْعَقْلِ
لَا يَزَالُ الْعَقْلُ وَ الْحُمْقُ يَتَغَالَبَانِ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً فَإِذَا بَلَغَهَا غَلَبَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمَا فِيهِ
لَيْسَ عَلَى الْعَاقِلِ اعْتِرَاضُ الْمَقَادِيرِ إِنَّمَا عَلَيْهِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي حَقِّهِ
الْعُقُولُ أَئِمَّةُ الْأَفْكَارِ وَ الْأَفْكَارُ أَئِمَّةُ الْقُلُوبِ وَ الْقُلُوبُ أَئِمَّةُ الْحَوَاسِّ وَ الْحَوَاسُّ أَئِمَّةُ الْأَعْضَاءِ
فصل من الاستدلال على صحة نبوة رسول الله ص
اعلم أيدك الله أن المتمحلين من الكفار في إبطال نبوة نبينا (ع) قد أداهم الحرص في الإنكار إلى وجوب الإذعان و الإقرار و ساقهم الخير و القضاء إلى لزوم التسليم و الرضا فلا خلاص لهم من ثبوت الحجة عليهم و هم راغمون و لا محيص لهم من وجوب تصديقه و هم صاغرون. و ذلك أنهم لم يجدوا طريقا يسلكونها في إنكار حقه من النبوة و الدفع لما أتى به من الرسالة إلا بأن أقروا له ببلوغه من كل درجة في الفضل منيفة و مرتبة في الكمال و العقل شريفة ما قد قصر عنه جميع خلق الله و بدون ذلك تجب له الرئاسة و التقدم على الكافة و لا يجوز أن يتوجه إليه ساقط الظنة من قبل التهمة لمنافاتها لما أقروا به في موجب العقل و الحكم.
____________
(1) في النسخة (العقل)
201
و بيان ذلك أنهم إذا سمعوا القرآن الوارد على يده الذي قد جعله علما على صدقه و رأوا قصور العرب عن معارضته و عجزهم عن الإتيان بمثله قالوا إنه كان قد فاق بجميع البلغاء في البلاغة و زاد على سائر الفصحاء في الفصاحة قصر عن مساواته في ذلك الناس كافة ففضلوه بهذا على الخلق أجمعين و قدموه على العالمين. فإذا تأملوا ما في القرآن من أخبار الماضين و الذاكرين و أعاجيب السالفين و ذكر شرائع الأنبياء المتقدمين قالوا قد كان أعرف عباد الله بأخبار الناس و أعلمهم بجميع ما حدث و كان في سالف الأزمان قد أحاط بنبإ الغابرين و حفظ جميع علوم الماضين ففضلوه بهذه الرتبة على الخلق أجمعين و أوجبوا له التقدم على العالمين. فإذا رأوا ما تضمنه القرآن من عجيب الفقه و الدين و بدائع عبادات المكلفين و ترتيب الفرائض و انتظامها و حدود الشريعة و أحكامها قالوا قد كان أحكم أهل زمانه و أفضلهم و أبصرهم بأنواع الحكم و أعلمهم و لم يكن خلق في ذلك يساويه و لا بشر يدانيه ففضلوه بذلك أيضا على الخلق أجمعين و أوجبوا له التقدم على العالمين. فإذا علموا ما في القرآن من الإخبار بالغائبات و تقديم الإعلام بمستقبل الكائنات و سمعوا ما تواترت به الأخبار من إنبائه لكثير من الناس بما في نفوسهم و إظهاره في الأوقات لمغيب مستورهم قالوا قد كان أعرف الناس بأحكام النجوم و أبصرهم بما تدل عليه في مستأنف الأمور و إن لم يظهر معرفته بها لأمته و نهاهم عن الاطلاع فيها لينتظم له حال نبوته و أنه كان معولا عليها مستندا في أموره إليها قوله لا يخرم و إخباره بالشيء لا يختلف يعلم الحوادث و الضمائر و يطلع على الخبايا و السرائر و لا يخفى عليه أوقات المساعد (1) و لم يكن أحد يعثره (2) في ذلك ففضلوه بهذا أيضا على الخلق أجمعين و أوجبوا له التقدم على العالمين.
____________
(1) هنا كلمة غير واضحة.
(2) هكذا في النسخة و هي غير واضحة المعنى.
202
فإذا قيل لهم فما تقولون في المأثور من معجزاته و المنقول من جرائحه (1) و آياته الخارقة للعادة التي أقام بها الحجة قال المسلمون منهم لذلك المتعاطون لإخراج معناه كان أعرف الناس بخواص الموجودات و أسرار طبائع الحيوان و الحوادث فيظهر من ذلك للناس ما يتحير له من رآه لقصوره عن إدراك سببه و معناه ففضلوه بهذا أيضا على الخلق أجمعين و أوجبوا له التقدم على العالمين. و قد سمعنا في بعض الأحاديث أن أحد السحرة قال لموسى (ع) إن هذه العصا من طبيعتها أن تسعى إذا ألقيت و تتشكل حيوانا إذا رميت و خاصية لها بسبب فيها. فقال له موسى على نبينا و (عليه السلام) فخذها أنت و ارمها قالوا فأخذها الساحر و رماها فما تغيرت عن حالها فأخذها موسى و رماها فصارت حية تسعى فقال الساحر ليس السر في العصا و إنما السر فيما ألقاها آمنت بإله موسى. أ فترى لو أخذ أحد المشركين الحصى الذي سبح في كف رسول الله ص فتركه في يده أ كان يسبح أيضا فيها أم ترى أحدهم لو أشار بيده إلى الشجرة التي أشار إليها رسول الله ص فأتت لكانت تأتيه أيضا إذا أومأ إليها و أن هذه الأشياء تفعل بالطبع كما يفعل حجر المغناطيس في الحديد الجذب كلا و الحمد لله ما يتصور هذا عاقل فإذا نظروا حسن تمام النظر أمر رسول الله ص و انتظام مراده الذي قصده و أنه نشأ بين قوم يتجاذبون العز و المنعة و يتنافسون في التقدمة و الرفعة و يأنفون من العار و الشنعة و لا يعطون لأحد إمرة و لا طاعة فلم يزل بهم حتى قادهم إلى أمره و ساقهم إلى طاعته و استعبدهم (2) بما لم يكونوا عرفوه و أمرهم بهجران ما ألفوه إلى أن
____________
(1) كذا في النسخة.
(2) أي تعبّدهم.
203
صاروا يبذلون أنفسهم دون نفسه و يسلمون لقوله و يأتمون لأمره من غير أن كان له ملك خافوه و لا مال أملوه تفتح له البلاد و أذعن له ملوك العباد و نفذ أمره في الأنفس و الأموال و الحلائل و الأولاد. قالوا إنما تم له ذلك لأنه فاق العالمين بكمال عقله و حسن تدبيره و رأيه و لم يكن ذلك في أحد غيره ففضلوه بهذا أيضا على الخلق أجمعين و أوجبوا له التقدم على العالمين. فإذا سمعوا المشتهر من عدله و نصفته و حسن سيرته في أمته و رعيته و أنه كان لا يكلف أحدا شيئا في ماله و إذا حصلت المغانم فرقها في أمته و قنع في عيشه بدون كفايته هذا مع سخاوته و كرمه و إيثاره على نفسه و وفائه بوعده و صدق لهجته و اشتهاره منذ كان بأمانته و شريف طريقته و حسن عفوه و مسامحته و جميل صبره و حلمه قالوا كان أزهد الناس و أعلاهم قدرا في العدل و الإنصاف و لا طريق إلى إنكار إحاطته بالفضائل الكرام و المناقب العظام ففضلوه في جميع هذه الأمور على الخلق أجمعين و أوجبوا له التقدم على العالمين. فإذا قيل لهم فهذه العلوم العظيمة متى أدركها و في أي زمان جمعها و تلقطها و أي قلب يعيها و يحفظها و هل رأى بشر قط من يحيط بجميع الفضائل و يتقدم العالمين كافة في جميع المناقب و يكون أوحد الخلق في كمال العقل و التمييز و ثاقب الرأي و التدبير مع نزاهة النفس و صفائها (1) و جلالها و شرفها و زهدها و فضلها و جودها و بذلها. قالوا كانت له سعادات فلكية و عطايا نجومية فاق بها على جميع البرية قيل لهم فمن يكون بهذا الوصف العظيم و المحل الجليل كيف يستجيز عاقل مخالفته أو يسوغ له مباينته و بمن يقتدى أفضل منه و متى يكون مصيبا في الانصراف عنه.
____________
(1) في النسخة و صلفها.
204
بل كيف لا يرضى بعقل أعقل الناس و يؤخذ العلم من أعلم الناس و يقتبس الحكمة من أحكم الناس و ما الفرق بينكم في قولكم إن هذه العطايا التي حصلت له إنما كانت فلكية و نجومية و بيننا إذا قلنا إلهية ربانية. و بعد فكيف يستجيز من يكون بهذا العقل الكامل و الفضل الشامل و الورع الظاهر و الزهد الباهر و الشرف العريق و اللسان الصدوق أن يكذب على خالق السماوات و الأرضين فيقول للناس أنا رسول رب العالمين و يدعي هذا المقام الجليل و يكون بخلاف ما يقول. و كيف تلائم صفاته التي سلمتموها لهذه الحال التي ادعيتموها فدعوا المناقضة و المكابرة و أثبتوا على ما أقررتم به في المناظرة فكلامكم لازم لكم و قولكم حجة لكم عليكم قد أقررتم بالحق و أنتم راغمون و التجأتم إلى ما هربتم منه و أنتم صاغرون. و اعلموا أن من باين المسعود كان منحوسا و من خالف العاقل العالم كان جاهلا غبيا و من كذب الصادق كان هو في الحقيقة كاذبا و الحمد لله مقيم الحجة على من أنكرها و موضح الحجة لمن آثرها
فصل مما في التوراة يتضمن البشارة بنبينا ص و بأمته المؤمنين
في التوراة مكتوب إذا جاءت الأمة الأخيرة تتبع راكب البعير يسبحون الرب تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد فليفرح بنو إسرائيل و يسيروا إلى صهيون و لتطمئن قلوبهم لأن الله اصطفى منهم في الأيام الأخيرة أمما جديدة يسبحون الله بأصوات عالية بأيديهم ذات شفرتين فينتقمون لله من الأمم الكافرة في جميع أقطار الأرض. فمن ترى راكب البعير غير رسول الله ص و من الأمم الأخيرة المسبحة تسبيحا جديدا غير أمته
205
و من الذين أتوا و في أيديهم السيوف غير ناصريه و المتبعين لدعوته و في التوراة أيضا مكتوب في السفر الخامس الرب ظهر فتجلى على سنين و أشرف على جبل ساعير و أشرف من جبل فاران و أتى من ربوات القدس من يمينه نار شريعة لهم (1) و جبال فاران جبال مكة و ظهور الرب أنما هو ظهور أمره
فصل في الإنجيل
و في الإنجيل اليوم مكتوب ابن البشر ذاهب و الفارقليط أتى من بعده و هو الذي يجلي لكم الأسرار و يعيش لكم كل شيء و هو يشهد لي كما شهدت له فإني أنا جئتكم بالأمثال و هو يأتيكم بالتأويل و من قول شعيا النبي (ع) قال لي إله إسرائيل أقم على المنظرة فانظر ما ذا ترى فإذا رأيت راكبين يسيران أضاءت لهما الأرض أحدهما على حمار و الآخر على جمل فقال ويل لبابل كل صنم بها يكسر و يضرب به الأرض و من قول يوشع النبي (ع) رأيت راكبين يسيران أضاءت لهما الأرض أحدهما على حمار و الآخر على جمل فراكب الحمار عيسى (ع) و راكب الجمل محمد ص و من قول دانيال النبي (ع) جاء الله بالبيان من جبل فاران و امتلأت السماوات و الأرض من تسبيح محمد و أمته
____________
(1) سفر التثنية 33: 1- 3 باختلاف في بعض ألفاظه حسب الترجمة انظر: إظهار الحق للهندي هامش المعلق ص 517.
206
و قال أيضا يأتينا كتاب جديد بعد خراب بيت المقدس فما الكتاب الجديد إلا القرآن و من قول داود (ع) اللهم ابعث إلينا مقيم السنة بعد الفترة فمن أقامها غير رسول الله ص و من ذلك تأويل دانيال لرؤيا بختنصر ملك بابل حيث قال رأيت في المنام صنما رأسه من ذهب و صدره و ذراعاه من فضة بطنه و فخذاه من نحاس و ركبتاه و ساقاه من حديد و فيه خلط قليل من فخار ثم رأيت بعد ذلك حجرا انقطع من جبل عظيم بغير يد إنسان فضرب ذلك الصنم الذي فيه الصور الكثيرة فكسره ثم جعله مثل الرماد في يوم ريح ثم عظم الحجر بعد ذلك حتى رأيت الأرض قد امتلأت منه فقال له دانيال أما الصنم الذي فيه الصور الكثيرة فهم الملوك الذين مضوا في سائر الأحقاب و الذين يكونون على مر الأيام و أما الحجر الذي يجيء في آخر الزمان خاتم الأنبياء و أما امتلاء الأرض منه فهم الذين يتبعونه و يؤمنون به (1)
فصل من أخبار الوافدين على رسول الله ص للإسلام و ما رأوه قبل قدومهم من الأعلام و ما شاهدوه من أحوال الأصنام
فَمِنْ ذَلِكَ خَبَرُ أُهْبَانَ بْنِ أَنَسٍ الْأَسْلَمِيَّ رُوِيَ أَنَّ ذِئْباً شَدَّ عَلَى غَنَمٍ لِأُهْبَانَ بْنِ أَنَسٍ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً فَصَاحَ بِهِ
____________
(1) انظر: إظهار الحق ص 530 البشارة الحادية عشرة في الإصحاح الثاني من سفر دانيال مع اختلاف حسب الترجمة.
207
فَخَلَّاهَا ثُمَّ نَطَقَ الذِّئْبُ فَقَالَ أُهْبَانُ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ الذِّئْبُ أَعْجَبُ مِنْ كَلَامِي أَنَّ مُحَمَّداً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى التَّوْحِيدِ بِيَثْرِبَ وَ لَا يُجَابُ فَسَاقَ أُهْبَانُ غَنَمَهُ وَ أَتَى الْمَدِينَةَ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ص بِمَا رَآهُ فَقَالَ خُذْ هَذِهِ غَنَمِي طُعْمَةً لِأَصْحَابِكَ فَقَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ غَنَمَكَ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا أُسَرِّحُهَا أَبَداً بَعْدَ يَوْمِي هَذَا فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَيْهِ وَ بَارِكْ لَهُ فِي طُعْمَتِهِ فَأَخَذَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَبْقَ فِي الْمَدِينَةِ بَيْتٌ إِلَّا أَنَالَهُ مِنْهَا (1)
و خبر ذباب
ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ لِسَعْدِ الْعَشِيرَةِ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ فَرَّاصٌ وَ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَ كَانَ سَادِنَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَنَسِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ وَقْشَةَ فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَنَسِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ ذُبَابُ بْنُ الْحَرْثِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَانَ لِابْنِ وَقْشَةَ ربيء [رَئِيٌ] مِنَ الْجِنِّ يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فَأَتَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَخْبَرَهُ قَالَ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ يَا ذُبَابُ أَسْمَعُ الْعَجَبَ الْعُجَابَ بُعِثَ أَحْمَدُ بِالْكِتَابِ يَدْعُو بِمَكَّةَ لَا يُجَابُ قَالَ فَقُلْتُ مَا هَذَا الَّذِي تَقُولُ قَالَ مَا أَدْرِي هَكَذَا قِيلَ لِي قَالَ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى سَمِعْنَا بِخُرُوجِ النَّبِيِّ ص فَقَامَ ذُبَابٌ إِلَى الصَّنَمِ فَحَطَمَهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ص فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَ قَالَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ
تَبِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ إِذْ جَاءَ بِالْهُدَى* * * وَ خَلَّفْتُ فَرَّاصاً بِأَرْضِ هَوَانٍ
____________
(1) ذكر قصة أهبان أبو الحسن الماوردي في أعلام النبوّة ص 94، مختلفة في اسلوبها ببعض الاختلاف و فيها بدل المدينة مكّة و ليس فيها قوله سبحان اللّه و ذكر قصة أخرى مماثلة وقعت مع عمير الطائي رواها عن أبي سعيد الخدري.
208
شَدَدْتُ عَلَيْهِ شِدَّةً فَتَرَكْتُهُ* * * كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَ الدَّهْرُ ذُو حَدَثَانٍ
وَ لَمَّا رَأَيْتُ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ* * * أَجَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ دَعَانِي
فَمَنْ مُبْلِغٌ سَعْدَ الْعَشِيرَةِ أَنَّنِي* * * شَرَيْتُ الَّذِي يَبْقَى بِآخَرَ فَانٍ
. و خبر زمل بن عمرو العدوي
رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ لِبَنِي عُذْرَةَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ حَمَامٌ وَ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَ كَانَ فِي بَنِي هِنْدِ بْنِ حِزَامٍ وَ كَانَ سَادِنَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ طَارِقٌ وَ كَانَ يَعْقِرُونَ عِنْدَهُ الْعَقَائِرَ. قَالَ زَمْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعَدَوِيُّ فَلَمَّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ص سَمِعْنَا مِنْهُ صَوْتاً وَ هُوَ يَقُولُ يَا بَنِي هِنْدِ بْنِ حِزَامٍ ظَهَرَ الْحَقُّ وَ أَوْدَى حَمَامٌ وَ دُفِعَ الشِّرْكُ بِالْإِسْلَامِ قَالَ فَفَزِعْنَا لِذَلِكَ وَ هَالَنَا فَمَكَثْنَا أَيَّاماً ثُمَّ سَمِعْنَا صَوْتاً آخَرَ وَ هُوَ يَقُولُ يَا طَارِقُ بُعِثَ النَّبِيُّ الصَّادِقُ بِوَحْيٍ نَاطِقٍ صَدَعَ صَادِعٌ بِأَرْضِ تِهَامَةَ لِنَاصِرِيهِ السَّلَامَةُ وَ لِخَاذِلِيهِ النَّدَامَةُ هَذَا الْوَدَاعُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ وَقَعَ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ (1) قَالَ زَمْلٌ فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ ص وَ مَعِي نَفَرٌ مِنْ قَوْمِي فَأَخْبَرْنَاهُ بِمَا سَمِعْنَاهُ فَقَالَ ذَلِكَ كَلَامُ مُؤْمِنٍ مِنَ الْجِنِّ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الْأَنَامِ كَافَّةً أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَ أَنِّي رَسُولُهُ وَ عَبْدُهُ وَ أَنْ تَحُجُّوا الْبَيْتَ وَ تَصُومُوا شَهْراً مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً وَ هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَمَنْ أَجَابَنِي فَلَهُ الْجَنَّةُ نُزُلًا وَ ثَوَاباً وَ مَنْ عَصَانِي كَانَتْ لَهُ النَّارُ مُنْقَلَباً وَ عِقَاباً
____________
(1) ورد هذا الخبر مختصرا في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 77.
209
قَالَ فَأَسْلَمْنَا وَ عَقَدَ لِي لِوَاءً وَ كَتَبَ لِي كِتَاباً فَقَالَ زَمْلٌ عِنْدَ ذَلِكَ
إِلَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ أَعْلَمْتُ نَصَّهَا* * * أُكَلِّفُهَا حَزْناً وَ فَوْزاً مِنَ الرَّمْلِ
لِأَنْصُرَ خَيْرَ النَّاسِ نَصْراً مُؤَزِّراً* * * وَ أَعْقِدَ حَبْلًا مِنْ حِبَالِكَ فِي حَبْلِي
وَ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ* * * أَدِينُ لَهُ مَا أَثْقَلَتْ قَدَمَيْ نَعْلِي
. خبر عمرو بن مرة الجهني
ذَكَرُوا أَنَ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ كَانَ يُحَدِّثُ فَيَقُولُ خَرَجْتُ حَاجّاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِي فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي وَ أَنَا فِي الطَّرِيقِ كَأَنَّ نُوراً قَدْ سَطَعَ مِنَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَضَاءَ إِلَى نَخْلِ يَثْرِبَ وَ جَبَلَيْ جُهَيْنَةَ الْأَشْعَرِ وَ الْأَجْرَدِ وَ سَمِعْتُ فِي النَّوْمِ قَائِلًا يَقُولُ تَقَشَّعَتِ الظَّلْمَاءُ وَ سَطَعَ الضِّيَاءُ وَ بُعِثَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ أَضَاءَ إِضَاءَةً أُخْرَى حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَ أَبْيَضِ الْمَدَائِنِ وَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَقْبَلَ حَقٌّ فَسَطَعَ وَ دَفَعَ بَاطِلٌ فَانْقَمَعَ فَانْتَبَهْتُ فَزِعاً وَ قُلْتُ لِأَصْحَابِي وَ اللَّهِ لَيَحْدُثَنَّ بِمَكَّةَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَثٌ وَ كَانَ لَنَا صَنَمٌ فَكُنْتُ أَنَا الَّذِي أَسْدُنُهُ فَشَدَدْتُ عَلَيْهِ فَكَسَرْتُهُ وَ خَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَيْهِ مَكَّةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ يَا عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ أَنَا النَّبِيُّ الْمُرْسَلُ إِلَى الْعِبَادِ كَافَّةً أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَ آمُرُهُمْ بِحِفْظِ الدِّمَاءِ وَ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَ عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ وَ رَفْضِ الْأَوْثَانِ وَ حَجِّ الْبَيْتِ وَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَنْ أَصَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنْ عَصَى فَلَهُ النَّارُ فَآمِنْ بِاللَّهِ يَا عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ تَأْمَنْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّارِ
210
فَقُلْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ وَ إِنْ أَرْغَمَ ذَلِكَ كَثِيراً مِنَ الْأَقْوَامِ وَ أَنْشَأْتُ أَقُولُ
شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَ أَنَّنِي* * * لِآلِهَةِ الْأَحْجَارِ أَوَّلُ تَارِكٍ
وَ شَمَّرْتُ عَنْ سَاقِي الْإِزَارَ مُهَاجِراً* * * إِلَيْكَ أَجُوبُ الْوَعْثَ بَعْدَ الدَّكَادِكِ
لِأَصْحَبَ خَيْرَ النَّاسِ نَفْساً وَ وَالِداً* * * رَسُولَ مَلِيكِ النَّاسِ فَوْقَ الْحَبَائِكِ
ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْنِي إِلَى قَوْمِي لَعَلَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَمُنُّ عَلَيْهِمْ كَمَا مَنَّ عَلَيَّ بِكَ فَبَعَثَنِي فَقَالَ عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ وَ الْقَوْلِ السَّدِيدِ وَ لَا تَكُ فَظّاً وَ لَا غَلِيظاً وَ لَا مُسْتَكْبِراً وَ لَا حَسُوداً. فَأَتَيْتُ قَوْمِي فَقُلْتُ يَا بَنِي رِفَاعَةَ بَلْ يَا جُهَيْنَةُ إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَيْكُمْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَ أُحَذِّرُكُمُ النَّارَ يَا مَعْشَرَ جُهَيْنَةَ إِنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ قَدْ جَعَلَكُمْ خِيَارَ مَنْ أَنْتُمْ مِنْهُ وَ بَغَّضَ إِلَيْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مَا حُبِّبَتْ إِلَى غَيْرِكُمْ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَ يَخْلُفُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ وَ أَغَارَتْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَأَجِيبُوا هَذَا الَّذِي مِنْ لُؤَيٍّ أَتَانَا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَ كَرَامَةِ الْآخِرَةِ وَ سَارِعُوا فِي أَمْرِهِ يَكُنْ بِذَلِكَ لَكُمْ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ قَالَ فَأَجَابُونِي إِلَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُ قَامَ فَقَالَ يَا عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ أَمَرَّ اللَّهُ عَيْشَكَ أَ تَأْمُرُنَا بِرَفْضِ آلِهَتِنَا وَ تَفْرِيقِ جَمَاعَتِنَا وَ مُخَالَفَةِ دِينِ آبَائِنَا وَ مَنْ مَضَى مِنْ أَوَائِلِنَا إِلَى مَا يَدْعُوكَ إِلَيْهِ هَذَا الْمُضَرِيُّ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ لَا وَ لَا حُبّاً وَ لَا كَرَامَةَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
إِنَّ ابْنَ مُرَّةَ قَدْ أَتَى بِمَقَالَةٍ* * * لَيْسَتْ مَقَالَةَ مَنْ يُرِيدُ صَلَاحاً
إِنِّي لَأَحْسَبُ قَوْلَهُ وَ فَعَالَهُ* * * يَوْماً وَ إِنْ طَالَ الزَّمَانُ ذَبَاحاً (1)
____________
(1) يريد به الهلاك.
211
أَ تُسَفِّهُ الْأَشْيَاخَ مِمَّنْ قَدْ مَضَى* * * مَنْ رَامَ ذَلِكَ لَا أَصَابَ فَلَاحاً
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو الْكِذَابُ مِنِّي أَوْ مِنْكَ أَمَرَّ اللَّهُ عَيْشَهُ وَ أَبْكَمَ لِسَانَهُ وَ أَكْمَهَ إِنْسَانَهُ قَالَ عَمْرٌو فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَمِيَ وَ مَا مَاتَ حَتَّى سَقَطَ فُوهُ وَ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ وَ لَا يُبْصِرُ شَيْئاً وَ افْتَقَرَ وَ احْتَاجَ
. و خبر ركانة و ما فيه من الآية
كَانَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَشَدُّ قُرَيْشٍ وَ أَقْوَاهُمْ فَخَلَا يَوْماً بِرَسُولِ اللَّهِ ص فِي شِعَابِ مَكَّةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا رُكَانَةُ أَ لَا تَتَّقِي اللَّهَ وَ تَقْبَلَ مَا أَدْعُوكَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رُكَانَةُ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ الَّذِي تَقُولُ حَقّاً لَاتَّبَعْتُكَ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَ فَرَأَيْتَ إِنْ صَرَعْتُكَ أَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقُمْ حَتَّى أُصَارِعَكَ فَقَامَ رُكَانَةُ إِلَيْهِ فَلَمَّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص أَضْجَعَهُ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئاً فَقَالَ رُكَانَةُ وَ قَدْ عَجِبَ مِنْ ذَلِكَ عُدْ يَا مُحَمَّدُ فَعَادَ فَصَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص دَفْعَةً أُخْرَى فَاسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ ذَا الْعَجَبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شِئْتَ أُرِيَكَهُ إِنِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ وَ اتَّبَعْتَ أَمْرِي قَالَ مَا هُوَ قَالَ أَدْعُو لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي قَالَ فَادْعُهَا فَدَعَاهَا فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ص ثُمَّ قَالَ لَهَا ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكَ فَرَجَعَتْ حَتَّى وَقَفَتْ فَذَهَبَ رُكَانَةُ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ سَاحَرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الْأَرْضِ فَوَ اللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسْحَرَ مِنْهُ قَطُّ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي رَأَى وَ الَّذِي صَنَعَ (1)
و خبر أبي تميمة الهجيمي
____________
(1) قصته موجودة في سيرة ابن هشام ج 1 ص 418.
212
قَالَ أَبُو تَمِيمَةَ وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَوَجَدْتُهُ قَاعِداً فِي حَلْقَةٍ فَقُلْتُ أَيُّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا أَدْرِي أَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَشَارَ إِلَيَّ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالُوا هَذَا رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا عَلَيْهِ بُرْدَةٌ حَمْرَاءُ تَتَنَاثَرُ هَدَبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ فَقُلْتُ إِلَى مَا تَدْعُو يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدْعُوكَ إِلَى الَّذِي إِذَا كُنْتَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَأَضْلَلْتَ رَاحِلَتَكَ فَدَعَوْتَهُ أَجَابَكَ وَ أَدْعُوكَ إِلَى الَّذِي إِذَا اسْتَنَّتْ (1) أَرْضُكَ أَوْ أَجْدَبَتْ فَدَعَوْتَهُ أَجَابَكَ قَالَ فَقُلْتُ وَ أَبِيكَ لَنِعْمَ الرَّبُّ هَذَا فَأَسْلَمْتُ وَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَقَالَ النَّبِيُّ ص اتَّقِ اللَّهَ لَا تُحَقِّرَنَّ شَيْئاً مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَ وَجْهُكَ مَبْسُوطٌ إِلَيْهِ (2) وَ إِيَّاكَ وَ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنَ الْمُخَابَلَةِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ وَ لَا تَسُبَّنَّ أَحَداً وَ إِنْ سَبَّكَ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تَسُبَّهُ بِأَمْرٍ تَعْلَمُهُ فِيهِ فَيَكُونَ لَكَ الْأَجْرُ وَ عَلَيْهِ الْوِزْرُ
. و خبر أهيب بن سماع
وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ يَوْماً جَالِساً فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ قَدْ صَلَّى الْغَدَاةَ فَإِذْ أَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ حَتَّى وَقَفَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَأَنَاخَهَا ثُمَّ عَقَلَهَا وَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَتَخَطَّى النَّاسَ وَ النَّاسُ يُوَسِّعُونَ لَهُ وَ إِذَا هُوَ رَجُلٌ مَدِيدُ الْقَامَةِ عَظِيمُ الْهَامَةِ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَسْفَرَ عَنْ لِثَامِهِ ثُمَّ هَمَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَارْتَجَّ حَتَّى اعْتَرَضَهُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ص وَ قَدْ رَكِبَهُ الزَّمَعُ (3) لَهَا عَنْهُ بِالْحَدِيثِ لِيَذْهَبَ عَنْهُ
____________
(1) أي قحطت.
(2) في النسخة: و وجهك مبسوطة إليك
(3) أي أخذه الدهش.
213
بَعْضُ الَّذِي أَصَابَهُ وَ قَدْ كَسَا اللَّهُ نَبِيَّهُ جَلَالَةً وَ هَيْبَةً فَلَمَّا أَنِسَ وَ فَرَّخَ رَوْعُهُ (1) قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص قُلْ لِلَّهِ أَنْتَ مَا أَنْتَ قَائِلٌ فَأَنْشَأَ يَقُولُ
رُبَّ يَوْمٍ يَعِي الْأَلَدُّ الْمُدَارَى* * * شَرَّهُ حَاضِرٌ يَرُوعُ الرِّجَالا
قُمْتُهُ فَانْجَلَى وَ لَوْ قَامَ فِيهِ* * * مُسْجِلُ الْجِنِّ مَا أَطَاقَ الْمَقَالا
جِئْتُ بِالاقْتِدَارِ فِي ذَاتِ نَفْسِي* * * إِنَّنِي أَقْهَرُ الرَّفَا (2) وَ الْكَلَالا
فَأَنُثَتْ حِدَّتِي وَ فُلَّتْ شَبَاتِي* * * وَ الْهُدَى يَقْهَرُ الْعَمَى وَ الضَّلَالا
لَمْ أَضِقْ بِالْكَلَامِ ذَرْعاً وَ لَكِنْ* * * شِدَّةُ الْبَغْيِ يَسْتَجِيرُ الْحِبَالا
(3) قَالَ فَاسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ ص جَالِساً وَ كَانَ مُتَّكِئاً فَقَالَ أَنْتَ أُهَيْبُ بْنُ سَمَاعٍ وَ لَمْ يَرَهُ قَطُّ قَبْلَ وَقْتِهِ ذَاكَ فَقَالَ أَنَا أُهَيْبُ بْنُ سَمَاعٍ الْآبِيُّ الدَّفَّاعُ الْقَوِيُّ الْمَنَّاعُ قَالَ أَنْتَ الَّذِي ذَهَبَ جُلُّ قَوْمِكَ بِالْغَارَاتِ وَ لَمْ يَنْفُضُوا رُءُوسَهُمْ مِنَ الْهَفَوَاتِ إِلَّا مُنْذُ أَشْهُرٍ وَ سَنَوَاتٍ قَالَ أَنَا ذَاكَ قَالَ أَ فَتَذْكُرُ الْأَزْمَةَ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَكَ احْرَنْجَمَ لَهَا الذبح [الذِّيخُ] وَ أَخْلَفَ نَوْءُ المرنج [الْمِرِّيخِ] وَ أمشعت [امْتَنَعَتِ] السَّمَاءُ وَ انْقَطَعَتِ الْأَنْوَاءُ وَ احْتَرَقَتِ الْغُمَّةُ وَ خَفَّتِ الْبَرِيَّةُ حَتَّى إِنَّ الضَّيْفَ لَيَنْزِلُ بِقَوْمِكَ وَ مَا فِي الْغَنَمِ عَرْقٌ وَ لَا غُرَرٌ فَتَرْصُدُونَ الضَّبَّ الْمَكْنُونَ فَتَصِيدُونَهُ.
____________
(1) أي ذهب فزعه.
(2) هكذا في النسخة و لعلّ كلمة الرفا تصحيف العنا أو الفلا.
(3) هكذا في النسخة.
214
وَ كَأَنَّكَ فِي طَرِيقِكَ إِلَيَّ لَتَسْأَلُنِي عَنْ جل [حِلِ] ذَلِكَ وَ عَنْ حَرَجِهِ أَلَا وَ لَا حَرَجَ عَلَى مُضْطَرٍّ وَ مِنْ كَرَمِ الْأَخْلَاقِ بِرُّ الضَّيْفِ قَالَ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ لَا أَطْلُبُ أَثَراً بَعْدَ عَيْنٍ لَكَأَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي طَرِيقِي أَوْ شَرِيكِي فِي أَمْرِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي شَرْحاً وَ بَيَاناً أَزْدَدْ بِكَ إِيمَاناً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص أَ تَذْكُرُ إِذْ أَتَيْتَ صَنَمَكَ فِي الظَّهِيرَةِ فَعَرَّتْ لَهُ العشيرة [الْعَتِيرَةُ] قَالَ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْحَرْثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ الْمُصْطَلَقِيَّ جَمَعَ لَكَ جُمُوعاً لِيَدْهَمَكَ بِالْمَدِينَةِ وَ اسْتَعَانَ بِي عَلَى حَرْبِكَ وَ كَانَ لِي صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ رَاقِبٌ فَرَقَبْتُ خَلْوَتَهُ وَ قَمَمْتُ سَاحَتَهُ (1) ثُمَّ نَفَضْتُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ ثُمَّ عَتَرْتُ لَهُ عَتِيرَةً (2) فَإِنِّي لَأَسْتَخِيرُهُ فِي أَمْرِي وَ أَسْتَشِيرُهُ فِي حَرْبِكَ إِذْ سَمِعْتُ مِنْهُ صَوْتاً هَائِلًا فَوَلَّيْتُ عَنْهُ هَارِباً وَ هُوَ يَقُولُ كَلَاماً فِي مَعْنَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ قَالَ فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ رَكِبْتُ نَاقَتِي وَ لَبِسْتُ لَأْمَتِي وَ تَكَبَّدْتُ الطَّرِيقَ حَتَّى أَتَيْتُكَ فَأَنِرْ لِي سِرَاجَكَ وَ أَوْضِحْ لِي مِنْهَاجَكَ قَالَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنِّي مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ فَقَالَهَا غَيْرَ مُسْتَنْكِفٍ وَ أَسْلَمَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَ وَقَرَ حُبُّ الْإِسْلَامِ فِي قَلْبِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ص لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) خُذْ بِيَدِهِ فَعَلِّمْهُ الْقُرْآنَ فَأَقَامَ عِنْدَ النَّبِيِّ ص فَلَمَّا حَذَقَ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ الْحَرْثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ الْمُصْطَلَقِيَّ قَدْ جَمَعَ لَكَ جُمُوعاً لِيَدْهَمَكَ بِالْمَدِينَةِ فَلَوْ وَجَّهْتَ مَعِي قَوْماً بِسَرِيَّةٍ نَشُنُّ عَلَيْهِمُ الْغَارَةَ فَوَجَّهَ النَّبِيُّ ص مَعَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَظَفِرُوا بِهِمْ وَ اسْتَاقُوا إِبِلَهُمْ وَ مَاشِيَتَهُمْ.
و أهيب الذي يقول في إسلامه
____________
(1) أي كنس قمامة ساحته و هي الكناسة، فيقال قم البيت قما أي كنسه.
(2) هي الذبيحة التي تقدم للأصنام و يصب دمها على رأسها.
215
جبت الفلاة على حرف (1) مبادرة* * * خطارة تصل الإرقال بالخبب
(2)
لا تشتكي للذي جابت جوانبه* * * و ما تأتي لأين (3) السير و التعب
خطر فنها و الثريا النجم واقفة* * * كأنها قطف ملاح من العنب
أو كالجمان زهاني صدر جارية* * * ممطورة (4) بنظام الدر و الذهب
سارت ثلاثا فوافت بعد ثالثة* * * ذات المناهل أرض النخل و الكرب (5)
فيها النبي الذي لاحت حقائقه* * * في معشر بسقوا في ذروة الحسب
حلو الشمائل ميمون نقيبته* * * محض الضرائب حياد عن الكذب
لا ينثني و سعير الحرب مضرمة* * * تحش (6) بالنبل و الأرماح و القضب
و الحرب حامية و الهام راسية* * * و الموت يختطف الأرواح من كثب
____________
(1) هي الناقة الضامرة.
(2) الإرقال و الخبب نوعان من السير.
(3) الأين: الإعياء.
(4) في النسخة ممطرة و معها لا يستقيم الوزن.
(5) هي أصول سعف النخل.
(6) أي توقد.
216
هناك تخبو إذا ما راس (1) أخمصه* * * سماحها (2)
لعظيم الهول و الرهب
داخت (3) رقاب الورى من هول رؤيته* * * إذا بدا لهم في الموكب اللجب
فصل من كلام سيدنا رسول الله ص
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَ أَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى وَ خَيْرَ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَ خَيْرَ السُّنَنِ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ وَ أَشْرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ وَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ وَ خَيْرَ الْأُمُورِ عوامها [عَزَائِمُهَا] وَ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَ أَهْدَى الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَشْرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدَاءِ وَ أَعْمَى الْعَمَى ضَلَالَةٌ بَعْدَ الْهُدَى وَ خَيْرَ الْعَمَلِ مَا نَفَعَ وَ خَيْرَ الْهُدَى مَا اتُّبِعَ وَ الْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَ مَا قَلَّ وَ كَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَ أَلْهَى وَ شَرَّ الْمَعْذِرَةِ عِنْدَ حَضْرَةِ الْمَوْتِ وَ شَرَّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ إِلَّا نَزْراً وَ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا هَجْراً وَ مِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ وَ خَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَ خَيْرُ الزَّادِ التَّقْوى وَ رَأْسُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ وَ خَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ وَ الِارْتِيَابُ مِنَ الْكُفْرِ وَ النِّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْغُلُولُ (4) مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ وَ السُّكْرُ مِنَ النَّارِ وَ الشِّعْرُ مِنْ إِبْلِيسَ وَ الْخَمْرُ جَمَاعَةُ الْإِثْمِ وَ النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ وَ الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ وَ شَرُّ الْكَسْبِ كَسْبُ الرِّبَا وَ شَرُّ الْمَالِ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَ الشَّقِيُّ شَقِيٌّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
____________
(1 و 2) هكذا في النسخة.
(3) أي ذلت.
(4) هو السرقة و الخيانة في شيء.
217
وَ إِنَّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى مَوْضِعِ ذِرَاعٍ وَ الْأَمْرُ إِلَى آخِرِهِ وَ مِلَاكُ الْأَمْرِ خَوَاتِمُهُ وَ شَرُّ الرِّوَايَاتِ رِوَايَاتُ الْكَذِبِ وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ وَ سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَ قِتَالُهُ كُفْرٌ وَ أَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ وَ مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذِّبْهُ وَ مَنْ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَغْفِرْ لَهُ وَ مَنْ يَتَّبِعِ الْمُسْتَمِعَ يَسْتَمِعِ اللَّهُ بِهِ وَ مَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ وَ مَنْ يَكْظِمِ الْغَيْظَ يُؤْجِرْهُ اللَّهُ وَ مَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللَّهُ وَ مَنْ يَصُمْ يُضَاعِفِ اللَّهُ أَجْرَهُ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ
وَ مِنْ كَلَامِهِ ص قَوْلُهُ إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ وَ سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا
وَ مِنْ كَلَامِهِ (ع) قَوْلُهُ اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ مَنِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَ مَا حَوَى وَ الْبَطْنَ وَ مَا وَعَى وَ لْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَ الْبِلَى وَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ
وَ قَالَ (ع) حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ
وَ قَالَ إِنَّكُمْ لَا تَنَالُونَ مَا تُحِبُّونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ وَ لَا تَبْلُغُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ
فصل من البيان و السؤال
إن سأل سائل عن أول ما فرض الله عليك فقل النظر المؤدي إلى معرفته فإن قال لم زعمت ذلك
218
فقل لأنه سبحانه قد أوجب معرفته و لا سبيل إلى معرفته إلا بالنظر في الأدلة المؤدية إليها. فإن قال فإذا كانت المعرفة بالله عز و جل لا تدرك إلا بالنظر فقد أصبح المقلد غير عارف بالله فقل هو ذاك. فإن قال فيجب أن يكون جميع المقلدين في النار فقل إن العاقل المستطيع إذا أهمل النظر و الاعتبار و اقتصر على تقليد الناس فقد خالف الله تعالى و انصرف عن أمره و مراده و لم يكفه تقليده في أداء فرضه و استحق العقاب على مخالفته و تفريطه غير أنا نرجو العفو عمن قلد الحق و التفضل (1) عليه و لا نرجوه لمن قلد المبطل و لا نعتقده فيه و كل مكلف يلزمه من النظر بحسب طاقته و نهاية إدراكه و فطنته. فأما المقصر الضعيف الذي ليس له استنباط صحيح فإنه يجزيه التمسك في الجملة بظاهر ما عليه المسلمون. فإن قال كيف يكون التقليد قبيحا من العقلاء المميزين و قد قلد الناس رسول الله ص فيما أخبر به عن رب العالمين و رضي بذلك عنهم و لم يكلفهم ما تدعون. فقل معاذ الله أن نقول ذلك أو نذهب إليه و رسول الله ص لم يرض من الناس التقليد دون الاعتبار و ما دعاهم إلا إلى الاستدلال و نبههم عليه بآيات القرآن من قوله سبحانه و تعالى أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ. و قوله
____________
(1) في النسخة (و التفضيل).
219
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ و قوله وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ و قوله أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. و نحن نعلم أنه ما أراد بذلك إلا نظر الاعتبار فلو كان (ع) إنما دعا الناس إلى التقليد و لم يرد منهم الاستدلال لم يكن معنى لنزول هذه الآيات و لو أراد أن يصدقوه و يقبلوا قوله تقليدا بغير تأمل و اعتبار لم يحتج إلى أن يكون على ما ظهر من الآيات و المعجزات فأما قبول قوله ص بعد قيام الدلالة على صدقه فهو تسليم و ليس بتقليد. و كذلك قبولنا لما أتت به أئمتنا (ع) و رجوعنا إلى فتاويهم في شريعة الإسلام. فإن قال فابن لنا ما التقليد في الحقيقة و ما التسليم ليقع الفرق و البيان فقل التقليد هو قبول قول من لم يثبت صدقه و هذا معنى التقليد لا يكون إلا عن بينة و حجة (1)
فصل من كلام جعفر بن محمد الصادق (ع) مما حفظ عنه في وجوب المعرفة بالله عز و جل و بدينه
قَوْلُهُ وَجَدْتُ عِلْمَ النَّاسِ فِي أَرْبَعٍ
____________
(1) و من جوابه هذا يظهر معنى التسليم و هو الأخذ بقول من ثبت صدقه و أصبح حجة بذاته.
220
أَحَدُهَا أَنْ تَعْرِفَ رَبَّكَ وَ الثَّانِي أَنْ تَعْرِفَ مَا صَنَعَ بِكَ وَ الثَّالِثُ أَنْ تَعْرِفَ مَا أَرَادَ مِنْكَ وَ الرَّابِعُ أَنْ تَعْرِفَ مَا يُخْرِجُكَ عَنْ دِينِكَ (1)
قال شيخنا المفيد (رحمه الله) هذه أقسام تحيط بالمفروض من المعارف لأنه أول ما يجب على العبد معرفة ربه جل جلاله فإذا علم أن له إلها وجب أن يعرف صنعه و إذا عرف صنعه عرف به نعمته فإذا عرف نعمته وجب عليه شكره فإذا أراد تأدية شكره وجب عليه معرفة مراده ليطيعه بفعله و إذا وجب عليه طاعته وجب عليه معرفة ما يخرجه عن دينه ليتجنبه فتخلص له به طاعة ربه و شكر إنعامه أنشدني بعض أهل هذا العصر لنفسه
و الزم من الدين ما قام الدليل به* * * فإن أكثر دين الناس تقليد
فكلما وافق التقليد مختلق* * * زور و إن كثرت فيه الأسانيد
و كل ما نقل الآحاد من خبر* * * مخالف لكتاب الله مردود
فصل آخر من السؤال و البيان
إن سأل سائل فقال ما نعمة الله تعالى عليك فقل خلقه إياي حيا لينفعني. فإن قال و لم زعمت أن خلقه إياك حيا أول النعم
____________
(1) تجد هذا الحديث مرويا في إرشاد المفيد ص 259.
221
فقل لأنه خلقني لنفعي و لا طريق لنيل النفع إلا بالحياة التي يصح معها الإدراك. فإن قال ما النعمة فقل هي المنفعة إذا كان فاعلها قاصدا لها. فإن قال ما المنفعة فقل هي اللذة الحسنة أو ما يؤدي إليها. فإن قال لم شرطت أن تكون اللذة حسنة فقل لأن من اللذات ما لا يكون حسنا. فإن قال لم قلت أو ما يؤدي إليها فقل لأن كثيرا من المنافع لا يتوصل إليها إلا بالمشاق كشرب الدواء الكريه و الفصد و نحو ذلك من الأمور المؤدية إلى السلامة و اللذات فتكون هذه المشاق منافع لما يؤدي إليه في عاقبة الحال و لذلك قلنا إن التكليف نعمة حسنة لأنه به ينال مستحق النعيم الدائم و اللذات. فإن قال فما كمال نعم الله تعالى فقل إن نعمة تتجدد علينا في كل حال و لا يستطاع لها الإحصاء. فإن قال فما تقولون في شكر المنعم فقل هو واجب. فإن قال فمن أين عرفت وجوبه فقل من العقل و شهادته و واضح حجته و دلالته و وجوب شكر المنعم على نعمته مما تتفق العقول عليه و لا تختلف فيه. فإن قال فهل أحد من الخلق يكافئ نعم الله تعالى بشكر أو يوفي حقها بعمل فقل لا يستطيع أحد من العباد من قبل أن الشيء إنما يكون كفوا لغيره
222
إذا سد مسده و ناب منابه و قابله في قدره و ماثله في وزنه. و قد علمنا أنه ليس شيء من أفعال الخلق تسد مسد نعم الله عليهم لاستحالة الوصف لله تعالى بالانتفاع أو تعلق الحوائج به إلى المجازاة و فساد مقال من زعم أن الخلق يحيطون علما بغاية الإنعام من الله تعالى عليه و الإفضال فيتمكنون من مقابلتها بالشكر على الاستيفاء للواجب و الإتمام. فيعلم بهذا تقصير العباد من مكافاة نعم الله تعالى عليهم و لو بذلوا في الشكر و الطاعات غاية المستطاع و حصل ثوابهم في الآخرة تفضلا من الله تعالى عليهم و إحسانا إليهم. و إنما سميناه استحقاقا في بعض الكلام لأنه وعد به على الطاعات و هو الموجب له على نفسه بصادق وعده و إن لم يتناول شرط الاستحقاق على الأعمال. و هذا خلاف ما ذهب إليه المعتزلة إلا أبا القاسم البلخي (1) فإنه يوافق في هذا المقال و قد تناصرت به مع قيام الأدلة العقلية عليه الأخبار (2)
أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْحَارِثِيُّ (رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ) إِجَازَةً قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
____________
(1) في النسخة إلّا أبو و الصحيح أبا لأنّه استثناء من موجب
(2) اتفق أهل العدل على أن المؤمن الذي عمل عملا صالحا يدخل الجنة خالدا فيها، و اختلفوا في أن هذا الثواب هل هو على جهة الاستحقاق و المعاوضة بينه و بين العمل أم تفضل من المولى تعالى قال أكثر المعتزلة بالأول اعتمادا على قبح الثواب مع عدم الاستحقاق و لأن التكليف حينئذ لغو، و ذهب البلخيّ و المعتزلة و المفيد و جماعة من الإمامة إلى الثاني عملا بطبيعة المولى و العبد إذ لا يجب على المولى بازاء العبد بشيء إذا أطاعه، و لأنّه يكفى في صحة التكليف و حسنه عقلا سبق المنعم على المكلف المستتبعة لوجوب شكر المنعم بالطاعة، و للإخبار المؤيدة لحكم العقل، التي ذكر المؤلّف بعضا منها.
223
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَّكِلِ (1) الْعَامِلُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا لِثَوَابِي فَإِنَّهُمْ لَوْ أَجْمَعُوا وَ أَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَعْمَارَهُمْ فِي عِبَادَتِي كَانُوا مُقَصِّرِينَ غَيْرَ بَالِغِينَ فِي عِبَادَتِهِمْ كُنْهَ عِبَادَتِي فِيمَا يَطْلُبُونَ مِنْ كَرَامَتِي وَ النَّعِيمِ فِي جِنَانِي وَ رَفِيعِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي جِوَارِي وَ لَكِنْ بِرَحْمَتِي فَلْيَثِقُوا وَ فَضْلِي فَلْيَرْجُوا وَ إِلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِي فَلْيَطْمَئِنُّوا فَإِنَّ رَحْمَتِي عِنْدَ ذَلِكَ تُدْرِكُهُمْ وَ بِمَنِّي أُبَلِّغُهُمْ رِضْوَانِي وَ مَغْفِرَتِي وَ أُلْبِسُهُمْ عَفْوِي فَإِنِّي اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ بِذَلِكَ تَسَمَّيْتُ
أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَاشَانِيِّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ يُوقَفُ الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقُولُ قِيسُوا بَيْنَ نِعَمِي وَ بَيْنَ عَمَلِهِ فَتَغْرِقُ النِّعَمُ الْعَمَلَ فَيَقُولُ هَبُوا لَهُ النِّعَمَ وَ قِيسُوا بَيْنَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ مِنْهُ فَإِنِ اسْتَوَى الْعَمَلَانِ أَذْهَبَ اللَّهُ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَضْلٌ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَ اتَّقَى الشِّرْكَ بِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْفِرَةِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِرَحْمَتِهِ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ
وَ أَخْبَرَنِي أَيْضاً شَيْخُنَا الْمُفِيدُ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ خَلَفٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) أَنَّهُ قَالَ عَلَيْكَ بِالْجِدِّ وَ لَا تُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ مِنْ حَدِّ التَّقْصِيرِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعْبَدُ حَقَّ عِبَادَتِهِ
____________
(1) في النسخة (لا يتكلوا).
224
شبهة للبراهمة في النبوة (1)
اعتلت البراهمة في إبطال الرسالة بأن قالت ليس يخلو أمر الرسول من حالين إما أن يأتي ما يدل عليه العقل أو بخلافه فإن أتى بما في العقل كان من كمل عقله غنيا عنه لأن الذي يأتيه مستقر عنده موجود في عقله. و إن أتى بخلاف ما في العقل فالواجب رد ما يأتيه به لأن الله تعالى إنما خلق العقول للعباد ليستحسنوا بها ما استحسنت و يقروا بما أقرت و ينكروا ما أنكرت. نقض يقال لهم إن الرسول لا يأتي أبدا بما يخالف العقل غير أن الأمور في العقول على ثلاثة أقسام واجب و ممتنع و جائز. فالواجب في العقل يأتي السمع بإيجابه تأكيدا له عند من علمه و تنبيها عليه لمن لم يعلمه. و الجائز هو الذي يمكن في العقل حسنه تارة و قبحه تارة كانتفاع الإنسان بما يتملكه غيره فإنه يجوز أن يكون حسنا إذا أذن له فيه مالكه و قبيحا إذا لم يأذن له و كل واحد من القسمين جائز في العقل لا طريق إلى القطع على أحدهما إلا بالسمع. و من الأمور التي لا يصل العقل إليها أيضا فيها إلى القطع على العلم بأدوية الأعلال و مواضعها و طبائعها و خواصها و مقاديرها التي يحتاج إليه منها و أوزانها فهذا مما لا سبيل للعقل فيه إلى حقيقة العلم و ليس يمكن امتحان كل ما في البر و البحر و لا تحسن التجربة و السير لما فيها من الخطر المستقبح فعلم أن هذا مما لا غناء فيه عن طارق السمع.
____________
(1) هم أكثر الهندوس في الهند ينتسبون إلى برهام و هم أهل نحل عديدة و لهم شبهات على إرسال الرسل و إبطال النبوات و تجد شرح مذاهبهم في الملل و النحل.
225
و بعد فإن شكر المنعم عندنا و عند البراهمة مما هو واجب في العقل و ليس في وجوبه و وجوب تعظيم مبدإ النعمة خلاف و شكر الله تعالى و تعظيمه أوجب ما يلزمنا لعظيم أياديه لدينا و إحسانه إلينا و لسنا نعلم بمبلغ عقولنا أي نوع يريده من تعظيمنا له و شكرنا هذا مع الممكن من لطف يكون (1) في نوع من ذلك لنا لا يعلمه إلا خالقنا. ثم يقال للبراهمة أيضا لو لم يكن في العقل القسم الجائز الذي ذكرناه و كانت الأشياء لا تخلو من واجب و ممتنع دون ما بيناه لم يستغن مع هذا التسليم عن المرسلين لأنهم ينبهون على طريق الاستدلال المسترشدين و يحركون الخواطر بالتذكار إلى سنن التأمل و الاعتبار. و هذا أمر يدل عليه ما نشاهده من أحوال العقلاء و افتقارهم إلى من يفتح لهم باب الاستدلال أولا و في بعض ما أوردناه بيان عن غلط البراهمة فيما اعتدت و نقض لشبهتها التي ذكرت و الحمد لله
مختصر من الكلام على اليهود في إنكارهم جواز النسخ في الشرع
اعلم أن اليهود طائفتان إحداهما تدعي أن نسخ الشرع لا يجوز في العقل و الأخرى تجيز ذلك عقلا و تزعم أن المنع منه ورد به السمع فأما المدعون على العقل الشهادة بقبح النسخ فإنهم زعموا أن النسخ هو البداء
____________
(1) في العبارة قلق تركيبي و إن كان المراد واضحا.
226
قالوا و البداء لا يجوز على الله تعالى فيقال لهم لم زعمتم أن النسخ هو البداء فإن قالوا للمتعارف بين العقلاء أن الآمر بالشيء إذا نهى عنه بعد أمره فقد بدا له فيه و كذا إذا نهى عن الشيء ثم أمر به من بعد نهيه. قيل لهم ما تنكرون من أن يكون على هذا قسمين أحدهما أن يأمر الآمر بالشيء في وقت و إذا فعل و جاز وقت فعله نهى عنه من بعد فيكون في الحقيقة إنما نهى عن مثله و هذا هو النسخ بعينه و كذلك القول في الأمر بالشيء بعد النهي عنه. و القسم الآخر أن يأمر بفعل الشيء في وقت فإذا أتى ذلك الوقت نهى عنه فيه بعينه قبل أن يفعل و يكون هذا البداء دون القسم الأول محصل الفرق بين البداء و النسخ و يتضح أن دعواكم فيهما أنهما واحد لم تصح. فإن قالوا إن العبادة إذا تعلقت على المكلف بأمر أو نهى فالحكمة اقتضتها فمتى تغيرت العبادة دلت على تغيير الحكمة و الحكمة لا يجوز تغييرها قيل لهم فألا قلتم إن العبادة إذا ألزمت المكلف فالحكمة اقتضتها لمصلحة من مصالح المكلف أوجبتها فإذا تغيرت العبادة دلت على أن الحكمة اقتضت ذلك لتغير المصلحة و المصلحة يجوز تغييرها. فإن قالوا إنا لا نعلم في العقل تغيير المصالح قيل لهم و كذلك لا تعرفون بالعقل المصالح ثم يقال لهم ما السبب في نقل الله تعالى الإنسان من كونه شابا إلى أن صيره شيخا و أفقره ثم أغناه و أماته بعد أن أحياه و كيف أصحه ثم أسقمه و أوجده ثم أعدمه فكيف تغيرت الحكمة في جميع ما عددنا و ما أنكرتم أن يكون هذا كله بداء أي اختلاف في المصالح يكون أوضح من هذا.
227
و أما المدعون من اليهود أن إبطال النسخ علم بالسمع دون العقل فإنهم ادعوا في ذلك على موسى (ع) أنه قال إن شريعته دائمة لا تنسخ. و الذي يدل على بطلان دعواهم هذه ظهور المعجزات على من أتى بالنسخ و لو كان خبرهم حقا لم يصح إتيان ذي معجز بنسخ و هذه المعجزات يعلم أنها قد كانت بمثل ما تعلم له اليهود معجزات موسى (ع) من غير فرق
فصل في ذكر البداء
اعلم أيدك الله تعالى أن أصحابنا دون المتكلمين يقولون بالبداء و لهم في نصرة القول به كلام و معهم فيه آثار و قد استشنع ذلك منهم مخالفوهم و شنع عليهم به مناظروهم. و إنما استشنعوه لظنهم أنه يؤدي إلى القول بأن الله تعالى علم في البداء ما لم يكن يعلم فإذا قدر الناصر للبداء على الاحتراز من هذا الموضع فقد أحسن و لم يبق عليه أكثر من إطلاق اللفظ و قد قلنا إن ذلك قد ورد به السمع و قد اتفق لي فيه كلام مع أحد المعتزلة بمصر أنا أحكيه لتقف عليه حكاية مجلس في البداء كنت سألت معتزليا حضرت معه مجلسا فيه قوم من أهل العلم فقلت له لم أنكرت القول بالبداء و زعمت أنه لا يجوز على الله تعالى فقال لأنه يقتضي ظهور أمر لله سبحانه كان عنه مستورا و في هذا أنه قد تجدد له العلم بما لم يكن به عالما.
228
فقلت له أبن لنا من أين علمت أنه يوجب ذلك و تقتضيه ليسع الكلام معك فيه فقال هذا هو معنى البداء و التعارف يقضي بيننا و لسنا نشك أن البداء هو الظهور و لا يبدو للأمر إلا لظهور شيء تجدد من علم أو ظن لم يكن معه من قبل. و بيان ذلك أن طبيبا لو وصف لعليل أن يشرب في وقته شراب الورد حتى إذا أخذ العليل القدح بيده ليشرب ما أمره به قال له الطبيب في الحال صبه و لا تشربه و عليك بشرب النيلوفر بدله فلسنا نشك في أن الطبيب قد استدرك الأمر و ظهر له من حال العليل ما لم يكن عالما به من قبل فغير عليه الأمر لما تجدد له من العلم و لو لا ذلك لم يكن معنى لهذا الخلاف. فقلت له هذا مما في الشاهد و هو من البداء فيجوز عندك أن يكون في البداء قسم غير هذا فقال لا أعلم في الشاهد غير هذا القسم و لا أرى أنه يجوز في البداء قسم غيره و لا يعلم. فقلت له ما تقول في رجل له عبد أراد أن يختبر حاله و طاعته من معصيته و نشاطه من كسله فقال له في يوم شديد البرد سر لوقتك هذا إلى مدينة كذا لتقبض مالا لي بها فأحسن العبد لسيده الطاعة و قدم المبادرة و لم يحتج بحجة فلما رأى سيده مسارعته و عرف شهامته و نهضته شكره على ذلك و قال له أقم على حالك فقد عرفت أنك موضع للصنيعة و أهل للتعويل عليك في الأمور العظيمة أ يجوز عندك هذا و إن جاز فهل هذا داخل في البداء أم لا فقال هذا مستعمل و رأينا في الشاهد و قد بدا فيه للسيد و ليس هو قسما ثانيا بل هو بعينه الأول هو الذي لا يجوز على الله عز و جل. فقلت له لم جعلت الجمع بينهما من حيث ذكرت أولى من التفرقة بينهما من حيث كان أحدهما مريدا لإتمام قبل أن يبدو له فيه فينهى عنه و هو
229
الطبيب و الآخر غير مريد لإتمامه على كل وجه و هو سيد العبد بل كيف لم تفرق بينهما من حيث إن الطبيب لم يجز قط أن يقع منه اختلاف الأمر إلا لتجدد علم له لم يكن و سيد العبد يجوز أن يقع منه النهي بعد الأمر من غير أن يتجدد له علم و يكون عالما بنهضته في الحالين و مسارعته إلى ما أحب و إنما أمره بذلك ليعلم الحاضرون حسن طاعته و مبادرته إلى أمره و أنه ممن يجب اصطفاؤه و الإحسان إليه و التعويل في الأمور عليه. قال فإذا سلمت لك الفرق بينهما فما تنكر أن يكون دالا على أن مثالك الذي أتيت به غير داخل في البداء قلت أنكرت ذلك من قبل أن البداء عندنا جميعا نهى الآمر عما أمر به قبل وقوعه في وقته و إذا كان هذا هو الحد المراعى فهو موجود في مثالنا و قد أجمع العقلاء أيضا على أن السيد فيه قد بدا له فيما أمر به عبده قال فإذا دخل القسمان في البداء فما الذي تجيز على الله تعالى منهما فقلت أقربهما إلى قصة إبراهيم الخليل (ع) و أشبههما لما أمر الله تعالى في المنام بذبح ولده إسماعيل (ع) فلما سارع إلى المأمور راضيا بالمقدور و أسلما جميعا صابرين و تله للجبين نهاه الله عن الذبح بعد متقدم الأمر و أحسن الثناء عليهما و ضاعف لهما الأجر و هذا نظير ما مثلت من أمر السيد و عبده و هو النهي عن المأمور به قبل وقوع فعله. قال فمن سلم لك أن إبراهيم (ع) مأمور بذلك من قبل الله سبحانه قلت سلمه لي من يقر بأن منامات الأنبياء (ع) صادقة و يعترف بأنها وحي الله في الحقيقة و سلمه لي من يؤمن بالقرآن و يصدق ما فيه من الأخبار. و قد تضمن الخبر عن إسماعيل أنه قال لأبيه يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ و قول الله تعالى لإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ
230
الرُّؤْيا (1) و ثناؤه عليه حيث قال كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ و ليس بمحسن من امتثل غير أمر الله تعالى في ذبح ولده و هذا واضح لمن أنصف من نفسه قال فإني لا أسمي هذا بداء فقلت له ما المانع لك من ذلك أ توجه الحجة عليك به أم مخالفته للمثال المتقدم ذكره. فقال يمنعني من أن أسميه البداء أن البداء لا يكشف إلا عن متجدد علم لمن بدا له و ظهوره له بعد ستره و ليس في قصة إبراهيم و إسماعيل (ع) ما يكشف عن تجدد علم الله سبحانه و لا يجوز ذلك عليه فلهذا قلت إنه ليس ببداء فقلت له هذا خلاف ما سلمته لنا من قبل و أقررت به من أن سيد العبد يجوز أن يأمره بما ذكرناه ثم يمنعه مما أمره به و ينهاه مع علمه بأنه يطيعه في الحالين لغرضه في كشف أمره للحاضرين. ثم يقال لك ما تنكر من إطلاق اللفظ بالبداء في قصة إبراهيم و إسماعيل (ع) لأنها كشفت لهما عن علم متجدد ظهر لهما كان ظنهما سواه و هو إزالة هذا التكليف بعد تعلقه و النهي عن الذبح بعد الأمر به. قال أ فتقول إن الله تعالى أراد الذبح لما أمر به أم لم يرده. و اعلم أنك إن قلت إنه لم يرده دخلت في مذاهب المجبرة لقولك إن الله تعالى أمر بما لا يريده و كذلك إن قلت إنه أراده دخلت في مذهبهم أيضا من حيث إنه نهي عما أراده فما خلاصك من هذا فقلت له هذه شبهة يقرب أمرها و الجواب عنها لازم لنا جميعا لتصديقنا بالقصة و إقرارنا بها و جوابي فيها أن الذبح في الحقيقة هو تفرقة الأجزاء ثم قد تسمى الأفعال
____________
(1) الصافّات: 105.
231
التي في مقدمات الذبح مثل القصد و الإضجاع و أخذ الشفرة و وضعها على الحلق و نحو ذلك ذبحا مجازا و اتساعا. و نظير ذلك أن الحاج في الحقيقة هو زائر بيت الله تعالى على منهاج ما قررته الشريعة من الإحرام و الطواف و السعي و قد يقال لمن شرع في حوائجه لسفره في حجه من قبل أن يتوجه إليه إنه حاج اتساعا و مجازا. فأقول إن مراد الله تعالى فيما أمر به لخليله إبراهيم (ع) من ذبح ولده أنما كان مقدمات الذبح من الاعتقاد أولا و القصد ثم الاضطجاع للذبح ترك الشفرة على الحلق و هذه الأفعال الشاقة التي ليس بعدها غير الإتمام بتفرقة أجزاء الحلق و عبر عن ذلك بلفظ الذبح ليصح من إبراهيم (ع) الاعتقاد له و الصبر على المضض فيه الذي يستحق جزيل الثواب عليه. و لو فسر له في الأمر المراد على التعيين لما صح منه الاعتقاد للذبح و لا كان ما أمر به شاقا يستحق عليه الثناء و المدح و عظيم الأجر و الذي نهى الله تعالى عنه هو الذبح في الحقيقة و هو الذي لم يبق غيره و لم تتعلق الإرادة قط به فقد صح بهذا أن الله تعالى لم يأمر بما لا يريد و لا نهى عما أراد و الحمد لله. قال الخصم فقد انتهى قولك إلى أن الذي أمر به غير الذي نهى عنه و ليس هذا هو البداء فقلت له أما في ابتداء الأمر فما ظن إبراهيم (ع) إلا أن المراد هو الحقيقة. و كذلك كان ظن ولده إسماعيل (ع) فلما انكشف بالنهي لهما ما علماه مما كان ظنهما سواه كان ظاهره بداء لمشابهته لحال من يأمر بالشيء و ينهى عنه بعينه في وقته و ليستسلمه على ظاهر الأمر دون باطنه فلم يرد على ما ذكرت شيئا.
232
و هذا الذي اتفق لي من الكلام في البداء. مسألة فإن قال قائل ما تقولون في الذبيح و من كان من ولدي إبراهيم ص أ كان إسماعيل أم إسحاق (ع) قلنا الذبيح عندنا هو إسماعيل و بهذا يشهد ظاهر القرآن و الخبر المأثور عن النبي ص أما القرآن فإن الله تعالى قال حكاية عن إبراهيم ص رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فأخبر عن سؤاله في الولد قال الله تعالى فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ثم أخبر عن حال هذا الغلام فقال فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فوصف قصة الذبح المختصة بهذا الغلام إلى قوله إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ثم قال بعد ذلك وَ بَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ فأعلمنا أن إسحاق أنما أتاه بعد الولد الأول الذي أجيبت فيه دعوته و رأى في المنام أنه يذبحه و هذا يدل على أنه غير إسحاق و ليس غيره ممن ينسب هذا إليه إلا إسماعيل ع
وَ أَمَّا الْخَبَرُ الْمَأْثُورُ فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ (1)
____________
(1) انظر أعلام النبوّة للماوردي ص 143
233
يعني إسماعيل و عبد الله بن عبد المطلب و لو كان الذبيح إسحاق لما صح هذا الخبر على ظاهره لأنه ليس هو ابنه و هو ابن إسماعيل ع
فصل
جاء في الحديث أن الله تعالى بعث إلى عبد المطلب في منامه ملكا فقال له يا عبد المطلب احفر زمزم قال و ما زمزم قال تراث أبيك آدم (ع) و جدك الأقدم عند الفرث و الدم عند الغراب الأعصم. و أن عبد المطلب رأى ذلك في منامه ثلاث ليال متواليات و أصبح اليوم الرابع فقعد عند البيت الحرام فبينا هو قاعد إذا بقرة قد أفلتت من بعض الجزارين في أعلى الأبطح من وثاقها حتى جاءت إلى موضع زمزم فوقفت هناك فجزرت مكانها و سقط غراب أعصم على الفرث و الدم و الأعصم هو الذي إحدى رجليه بيضاء. فقال عبد المطلب هذا تأويل رؤياي فحفرها في موضعها فصعب عليه الحفر فقال اللهم إن لك على نذرا أن أتقرب ببعض ولدي إن أنبطت لي الماء. فلما نبع الماء عزم على أن يقرب بعض ولده فجاء بنو مخزوم و سائر قريش فقالوا له أقرع بين ولدك فخرجت القرعة على عبد الله فقال بنو مخزوم له افد ولدك بمالك فأقرع بينه و بين عشرة من الإبل فخرجت القرعة على عبد الله فجعلها عشرين و قرع بينه و بينها فخرجت القرعة على عبد الله فما زال كذلك حتى صارت الإبل مائة. و في حديث آخر أنها بلغت ألفا و هي دية الملوك فعند ذلك وقعت القرعة على الإبل فقربها فجعلها هديا
أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ
234
جُمْهُورٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَابٍ (1) عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ لَمَّا حَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ زَمْزَمَ وَ أَنْبَطَ مِنْهَا الْمَاءَ أَخْرَجَ مِنْهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَ سُيُوفاً وَ أَدْرَاعاً فَجَعَلَ الْغَزَالَيْنِ زِينَةً لِلْكَعْبَةِ وَ أَخَذَ السُّيُوفَ وَ الدُّرُوعَ وَ قَالَ هَذِهِ وَدِيعَةٌ كَانَ أَوْدَعَهَا مُضَاضٌ الْجُرْهُمِيُّ بْنُ الْحَرْثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُضَاضٍ وَ الْحَارِثُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ (2)
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا* * * أَنِيسٌ وَ لَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرٌ
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا* * * صُرُوفُ اللَّيَالِي وَ الْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ (3)
وَ يَمْنَعُنَا مِنْ كُلِّ فَجٍّ نُرِيدُهُ* * * أَقَبُّ كَسِرْحَانِ الْأَبَاءَةِ ضَامِرٌ (4)
وَ كُلُّ لَجُوجٍ فِي الْجِرَاءِ طِمِرَّةٍ* * * كَعَجْزَاءِ فَتْحَاءِ الْجَنَاحَيْنِ كَاسِرٌ
وَ الْقَصِيدَةُ طَوِيلَةٌ (5) فَحَسَدَتْهُ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ فَقَالُوا نَحْنُ شُرَكَاؤُكَ فِيهَا فَقَالَ هَذِهِ فَضِيلَةٌ نُبِّئْتُ بِهَا دُونَكُمْ فِي مَنَامِي ثَلَاثَ لَيَالٍ تُبَاعَا
____________
(1) يكنى بأبي الحسن، و هو من رواة الشيعة الكوفيين الثقات روى عن الصادق و الكاظم. و له عدة كتب توفي (سنة 224 ه).
(2) في السيرة لابن هشام أن القائل هو عمرو بن الحرث بن عمرو بن مضاض و ليس بمضاض الأكبر.
(3) ذكر البيتين مع أبيات غيرهما لم يذكرهما المؤلّف، في مروج الذهب ج 2 ص 49.
(4) الأباءة أجمة القصب.
(5) تجد القسم الكبير من هذه القصيدة في سيرة ابن هشام ج 1 ص 126- 128 و هي متضمنة لبعض الأبيات التي ذكرها المؤلّف.
235
فَقَالُوا حَاكِمْنَا إِلَى مَنْ شِئْتَ مِنْ حُكَّامِ الْعَرَبِ فَخَرَجُوا إِلَى الشَّامِ يُرِيدُونَ أَحَدَ كُهَّانِهَا وَ عُلَمَائِهَا فَأَصَابَهُمْ عَطَشٌ شَدِيدٌ فَأَوْصَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ بَرَكَتْ نَاقَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَنَبَعَ الْمَاءُ مِنْ بَيْنِ أَخْفَافِهَا فَشَرِبُوا وَ تَزَوَّدُوا وَ قَالُوا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ فِي هَذِهِ الْأَوْدِيَةِ الْقَفْرِ هُوَ الَّذِي سَقَاكَ بِمَكَّةَ فَرَجَعُوا وَ سَلَّمُوا لَهُ هَذِهِ الْمَأْثُرَةَ (1)
بيان عن قول النصارى و مسألة عليهم لا جواب لهم عنها
اعلم أنهم يزعمون أن المسيح (ع) مجموع من شيئين لاهوت و ناسوت يعنون باللاهوت الله سبحانه و تعالى عما يقولون و بالناسوت الإنسان و هو جسم المسيح أن هذين اتحدا فصارا مسيحا و معنى قولهم اتحدا أي صارا شيئا واحدا في الحقيقة و هو المسيح فيقال لهم أنتم مجمعون معنا على أن الإله قديم و أن الجسم محدث و قد زعمتم أنهما صارا واحدا. فما حال هذا الواحد أ قديم أم محدث فإن قالوا هو قديم قيل لهم فقد صار المحدث قديما لأنه من مجموع شيئين أحدهما محدث. و إن قالوا هو محدث قيل لهم فقد صار القديم محدثا لأنه من مجموع شيئين أحدهما قديم و هذا ما لا حيلة لهم فيه و ليس يتسع لهم أن يقولوا بعضه قديم و بعضه محدث لأن هذا ليس باتحاد في الحقيقة و لا أن يقولوا هو قديم محدث لتناقض ذلك و استحالته و لا أن يقولوا ليس هو قديم و لا محدث فظاهر فساد ذلك أيضا و بطلانه.
____________
(1) تجد قصة حفر زمزم و منازعة قريش لعبد المطلب مروية في سيرة ابن هشام ج (1) ص 154- 158 بروايته عن عليّ (عليه السلام) مختلفة في أسلوبها عن رواية الكراجكيّ و متفقة معها في المضمون.
236
و هذا كاف في إبطال الاتحاد (1) الذي ادعوه و قد سألهم بعض المتكلمين فقال إذا كنتم تعبدون المسيح و المسيح إله و إنسان فقد عبدتم الإنسان و عبادة الإنسان كفر بغير اختلاف. مسألة أخرى عليهم قال لهم إذا كان المسيح عندكم من مجموع شيئين إله و إنسان فأخبرونا عن القتل و الصلب على ما ذا وقع أ تقولون إنه وقع بهما أم بأحدهما فإن قالوا بهما قيل لهم ففي هذا أن الإله ضرب و صلب و قتل و دفن و هي فضيحة لا ينتهي إليها ذو عقل. و إن قالوا بل وقع ذلك على أحدهما و هو الناسوت لأن اللاهوت لا يجوز عليه هذا قيل لهم فإذا قد صح مذهب المسلمين في أنهم ما قتلوا المسيح و لا صلبوه لأن المسيح عندكم ليس هو الناسوت بانفراده و إنما هو مجموع شيئين لم يظفر اليهود إلا بأحدهما الذي ليس هو المسيح. مسألة أخرى عليهم يقال لهم أ يجوز أن يكون جسم متحرك و شخص آكل شارب تحله الأعراض الحادثات و تناله الآلام و الآفات قديما فإن قالوا يجوز ذلك لم يأمنوا أن يكون ناسوتا قديما. و إن قالوا لا يجوز ذلك قيل لهم فالمسيح (ع) كانت فيه هذه الصفات معلومات مرئيات. فإن أنكروا ذلك كابروا و قبح (2) معهم الكلام.
____________
(1) في النسخة: الإلحاد
(2) في النسخة (و أقبح).
237
و إن أقروا به و قالوا (1) قد كان على هذه الصفات قيل لهم فقد صح حدوثه و بطل قدمه و حصلتم عابدين لبشر مخلوق مربوب. فإن قالوا إنما رأينا ناسوته المحدث و لم نر لاهوته القديم قيل لهم أ و ليس من مذهبكم أنهما اتحدا و صارا شيئا واحدا. فإذا قالوا نعم قيل لهم فيجب أن يكون من رأى أحدهما فقد رآهما و إن لم يكن الأمر كذلك فما اتحدا
فصل آخر من قولهم و كلام عليهم
هم يذهبون إلى أن إلههم من ثلاثة أقانيم و الأقنوم عندهم هو الجوهر يعنون الأصل فالثلاثة الجواهر عندهم إله واحد و يسمون هذه الثلاثة الأب و الابن و الروح. فيقال لهم إذا جاز أن يكون عندكم ثلاثة أقانيم إلها واحدا فلم لا يجوز أن يكون ثلاثة آلهة أقنوما واحدا و يكون ثلاثة فاعلين جوهرا واحدا فما أبطلوا به هذا بطل به قولهم سواء
فصل من قولهم
و قد احتجوا فقالوا وجدنا من له ابن أشرف و أفضل ممن لا ابن له و من لا ابن له ناقص قالوا و كذلك وجدنا من لا حياة له ميت و الروح هي الحياة فوجب أن تصف إلهنا بالشرف و الكمال و وجود الحياة. فيقال لهم فقولوا إن له بنين عدة فإن ذلك أكثر لشرفه و أسنى لمنزلته
____________
(1) في النسخة (و قال)
238
بل قولوا إن له نسلا و إن له جدا لأن من له ابن ابن أجل ممن ليس له إلا ابن فقط. و إذا أوجبتم الروح التي زعمتم أنها الحياة لئلا يكون ميتا فأوجبوا له علما لئلا يكون جاهلا و قدرة لئلا يكون عاجزا قولوا أيضا إن له عينين ليكون ناظرا أو جميع الحواس ليكون مدركا فإن قالوا إن كان له ما ذكرتم لما اتحد بالناسوت فصار مسيحا قيل لهم بل يجب أن يكون له فيما لم يزل و إلا كان ناقصا
فصل من الألفاظ التي يقرون أن المسيح (ع) قالها و هي دالة على بطلان مذهبهم فيه
قَوْلُهُ (ع) فِي الْإِنْجِيلِ لَا يَكُونُ الرَّسُولُ أَعْظَمَ مِمَّنْ أَرْسَلَهُ
وَ قَوْلُهُ مَنْ آمَنَ بِي وَ آمَنَ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي
وَ قَوْلُهُ يَا إِلَهِي قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْخَالِقُ وَ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَ الْمَسِيحَ عِيسَى لِيُبَلِّغَ رِسَالَتَكَ وَ أَنْ نَعْبُدَكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ
وَ قَالَ لَهُ الْحَوَارِيُّونَ أَيْنَ تَذْهَبُ وَ تَدَعُنَا فَقَالَ أَذْهَبُ إِلَى إِلَهِي وَ إِلَهِكُمْ فَأَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكُمْ الْبَارَقَلِيطَ (1) فَإِنَّهُ الَّذِي
____________
(1) وردت كلمة (فارقليط) و (بارقليطا) في إنجيل يوحنا في ثلاث آيات.
1- يوحنا 14: 16
«و أنا أسأل الأب (الخالق) فيعطيكم فارقليطا آخر، ليقيم معكم إلى الأبد».
2- يوحنا 15: 26
و متى جاء بارقليطا سأرسله أنا إليكم من عند الأب (الخالق) روح الحق الذي من عند الخالق ينبثق، فهو يشهد لي، و تشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء.».-
239
يُذَكِّرُكُمُ الْحَقَّ وَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَ إِذَا جَاءَكُمْ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي وَ يُبَيِّنُ لَكُمْ أَمْرِي وَ زَعَمُوا أَنَّ الشَّيْطَانَ جَرَّبَ الْمَسِيحَ وَ أَرَاهُ مَلَكُوتَ الْأَرْضِ وَ قَالَ لَهُ هَذَا كُلُّهُ لِي فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً أُعْطِكَهُ وَ أُسَلِّطْكَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ اعْزُبْ عَنِّي فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ لَا أَسْجُدَ لِغَيْرِهِ وَ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ الْآنَ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ بَعَثَكَ فَرَفَعَ عَيْنَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ رَبِّ قَدْ بَلَّغْتُ رِسَالَتَكَ وَ إِنَّمَا جَنَّةُ الْخُلْدِ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّكَ وَحْدَكَ أَرْسَلْتَ الْمَسِيحَ مِنْ عِنْدِكَ وَ قَدْ أَمَرْتُهُمْ يَا إِلَهِي بِالَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ عَلِمُوا أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي فَكَيْفَ أَبْتَغِي لَكَ مِنَ النَّاسِ وَ لَا أَبْتَغِي لِلنَّاسِ مِنْكَ
فصل
فإن قالوا هذا كله إنما قاله المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته قيل لهم و ما يدريكم ذلك و بعد فهل هو صادق فيما قال أم كاذب. فإن قالوا كاذب فقد أعظموا الفرية و قيل لهم و ما يؤمنكم أن يكون جميع ما قاله لكم كذب أو كيف يتحد الإله الصادق بالإنسان الكاذب. و إن قالوا إنه لم يقل إلا حقا قيل لهم فأي حجة بقيت في أيديكم مع ما أقررتم بأن المسيح قاله و صدق فيه.
____________
- 3- يوحنا 16: 7
«لكني أقول لكم الحق أنّه خير لكم أن أنطلق لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم بارقليطا و لكن إن ذهبت أرسله لكم».
و كلمة فارقليط و بارقليطا، تعنيان من له حمد كثير كمحمد و أحمد. و تجد البحث ضافيا على هذه الكلمة في كتاب إظهار الحق للهندي. انظر البشارة الثامنة عشر ص 538 و ما بعدها، و تجد بحثا عنها في كتاب: رسول الإسلام في الكتب السماوية للدكتور محمّد الصادقي من 146 و ما بعدها.
240
و هل هو إلا دال على ما يقول المسلمون و قد احتجوا بأن في الإنجيل أمضي إلى أبي. فيقال لهم في هذا إنه شارككم بهذا اللفظ في النبوة فإن وجب أن يكون ابنه فالجميع أبناؤه على أنه لفظه يحتمل التأويل و يكون معناه ربي و ربكم و إلهي و إلهكم و في هذا المختصر من الكلام عليهم كفاية و الحمد لله
رسالة كتبتها إلى أحد الإخوان و سميتها بالبيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم سألت يا أخي أسعدك الله بألطافه و أيدك بإحسانه و إسعافه أن أثبت لك جملا من اعتقادات الشيعة المؤمنين و فصولا في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين لتذاكر نفسك بها و تجعلها عدة لطالبها و أنا أختصر لك القول و أجمله و أقرب الذكر و أسهله و أورده على سنن الفتيا في المقالة من غير حجة و لا دلالة وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ. اعلم أن الواجب على المكلف أن يعتقد حدوث العالم بأسره و أنه لم يكن شيئا قبل وجوده و يعتقد أن الله تعالى هو محدث جميعه من أجسامه و أعراضه إلا أفعال العباد الواقعة منهم فإنهم محدثوها دونه سبحانه. و يعتقد أن الله تعالى قديم وحده لا قديم سواه و أنه موجود لم يزل و باق لا يزال و أنه شيء لا كالأشياء لا يشبه الموجودات و لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات.
241
و أن له صفات يستحقها لنفسه لا لمعان غيره و هي كونه حيا عالما قديما باقيا لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدها يعلم الكائنات قبل كونها و لا يخفى عليه شيء منها. و أن له صفات أفعال (1) لا يصح إضافتها إليه في الحقيقة إلا بعد فعله و هي ما وصف به نفسه من أنه خالق و رازق و معط و راحم و مالك و متكلم و نحو ذلك. و أن له صفات مجازات و هي ما وصف به نفسه من أنه يريد و يكره و يرضى و يغضب فإرادته لفعل هي الفعل المراد بعينه و إرادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل و ليس تسميتها بالإرادة حقيقة و إنما هو على مجاز اللغة و غضبه هو وجود عقابه و رضاه هو وجود ثوابه. و أنه لا يفتقر إلى مكان و لا يدرك بشيء من الحواس و أنه منزه من القبائح لا يظلم الناس و إن كان قادرا على الظلم (2) لأنه عالم بقبحه غني عن فعله قوله صدق و وعده حق لا يكلف خلقه ما لا يستطاع و لا يحرمهم صلاحا لهم فيه الانتفاع و لا يأمر بما لا يريد و لا ينهى عما يريد و أنه خلق الخلق لمصلحتهم و كلفهم لأجل منازل منفعتهم و أزاح في التكليف عللهم و فعل أصلح الأشياء بهم و أنه أقدرهم قبل التكليف و أوجد لهم (3) العقل و التمييز.
____________
(1) و خلاصة القول في الصفات أن منها ما هو صفات الذات كالحياة و العلم و سواهما و هي ليست بزائدة على الذات، و منها ما هو صفة له باعتبار الفعل كالرازق و الخالق و ما إليهما، و منها ما هو صفة له على نحو المجاز كالغضب و الرضا و غيرهما كما أشار إلى ذلك المؤلّف، مما يدلّ على الانفعال الممتنع في حقه تعالى.
(2) إشارة إلى الرد على النظام أحد زعماء المعتزلة الذي ذهب إلى أن اللّه لا يفعل الشر لأنّه لا يقدر عليه، أما الإماميّة فذهبوا إلى أنّه لا يفعله مع قدرته عليه، لأنّه قبيح.
(3) في النسخة (و أوجدهم)
242
و أن القدرة تصلح أن يفعل بها و ضده بدلا منه و أن الحق الذي تجب معرفته تدرك بشيئين و هما العقل و السمع و أن التكليف العقلي لا ينفك عن التكليف السمعي (1). و أن الله تعالى قد أوجد للناس في كل زمان مسمعا لهم من أنبيائه و حججه بينه و بين الخلق ينبههم على طريق الاستدلال في العقليات و يفقههم على ما لا يعلمونه إلا به من السمعيات. و أن جميع حجج الله تعالى محيطون علما بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد و أنهم معصومون من الخطأ و الزلل عصمة اختيار (2) و أن الله فضلهم على خلقه و جعلهم خلفاء القائمين بحقه و أنه أظهر على أيديهم المعجزات تصديقا لهم فيما ادعوه من الأنباء و الأخبار. و أنهم مع ذلك بأجمعهم عباد مخلوقون و بشر مكلفون يأكلون و يشربون و يتناسلون و يحيون بإحيائه و يموتون بإماتته تجوز عليهم الآلام المعترضات فمنهم من قتل و منهم من مات لا يقدرون على خلق و لا رزق و لا يعلمون الغيب إلا ما أعلمهم إله الخلق و أن أقوالهم صدق و جميع ما أتوا به حق. و أن أفضل الأنبياء أولو العزم و هم خمسة نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد ص
____________
(1) إن القول بالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع مبني على القول بمسألة عقلية معروفة و هي مسألة الحسن و القبح العقليين، أما من لم يقل بهذه المسألة فلا تلازم بين حكم العقل و الشرع، و معنى القول بالتلازم هو أن العقل إذا أدرك حسن شيء أو قبحه و قطع به فإنّه حتما يكون حكم الشرع على طبقه.
(2) على نحو أن تكون هذه العصمة غير ملجئة له إلى فعل الطاعة، بل هو قادر معها على فعل الشر كما هو قادر على فعل الخير لم يرتفع معها شيء من الاختيار و القدرة، و إلّا لما استحق شيئا من الثواب و العقاب و لما صح تكليفه.
243
و أن محمد بن عبد الله ص أفضل الأنبياء أجمعين و خير الأولين و الآخرين و أنه خاتم النبيين و أن آباءه من آدم (ع) إلى عبد الله بن عبد المطلب (رضوان الله عليهم) كانوا جميعا مؤمنين موحدين لله تعالى عارفين و كذلك أبو طالب (رضوان الله عليه). و يعتقد أن الله سبحانه شرف نبينا ص بباهر الآيات و قاهر المعجزات فسبح في كفه الحصى و نبع من بين أصابعه الماء و غير ذلك مما قد تضمنته الأنباء و أجمع على صحته العلماء و أتى بالقرآن المبين الذي بهر به السامعين و عجز عن الإتيان بمثله سائر الملحدين و أن القرآن كلام رب العالمين و أنه محدث ليس بقديم (1). و يجب أن يعتقد أن جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمن ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه و أنه يجبرهم على طاعته أو معصيته أو يضل بعضهم عن طريق هدايته فإن ذلك كله لا يجوز حمله على ظاهرها و أن له تأويلا يلائم ما تشهد العقول به مما قدمنا ذكره في صفات الله تعالى و صفات أنبيائه.
____________
(1) هذا إشارة إلى الفتنة التي حدثت بين فرق المسلمين في القرآن هل هو مخلوق أم أزليّ، بعد اتفاقهم على أنّه تعالى يتصف بالكلام و أنّه متكلم كما هو صريح قوله تعالى: (وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً) و أن القرآن كلام اللّه، و لكنهم اختلفوا في معنى كلامه فعند المعتزلة و الشيعة أنّه حادث و أنّه تعالى أوجده بعد أن لم يكن موجودا في أجسام دالة على المراد، كما أوجد الكلام في شجرة الطور لموسى (ع). و عند الأشاعرة أن الكلام صفة من الصفات اللاحقة له تعالى كغيره من الصفات الأخرى، من العلم و القدرة و الحياة و غيرها و إن معنى كونه تعالى متكلما أن هناك صفة قائمة بذاته كالعلم و الإرادة، و هذه الصفة القائمة تعبّر عنها و تحكيها الكلمات و الألفاظ. و هذا المعنى القائم بذاته أمر واحد عندهم ليس بنهي و لا أمر و لا خبر و لا إنشاء و لا غيرها من أساليب الكلام، و يعبرون عنه بالكلام النفسي، و ما يحكيه من الألفاظ و العبارات بالكلام اللفظي.
و قد نشبت هذه الفتنة في عصر المأمون العباسيّ الذي تبنى القول بخلق القرآن، و اشتد على من يقول بقدمه. و قد كتبنا حول هذه المسألة في كتابنا: هشام بن الحكم ص 144- 146.
244
فإن عرف المكلف تأويل هذه الآيات فحسن و إلا أجزأه أن يعتقد في الجملة أنها متشابهات و أن لها تأويلا ملائما تشهد بما تشهد به العقول و الآيات المحكمات و في القرآن المحكم و المتشابه و الحقيقة و المجاز و الناسخ و المنسوخ و الخاص و العام. و يجب عليه أن يقر بملائكة الله أجمعين و أن منهم جبرئيل و ميكائيل و أنهما من الملائكة الكرام كالأنبياء بين الأنام و أن جبرئيل هو الروح الأمين الذي نزل بالقرآن على قلب محمد خاتم النبيين و هو الذي كان يأتيه بالوحي من رب العالمين و يجب الإقرار بأن شريعة الإسلام التي أتى بها محمد (ع) ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدمين. و أنه يجب التمسك بها و العمل بما تضمنته من فرائضها و أن ذلك دين الله الثابت الباقي إلى أن يرث الله الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها لا حلال إلا ما أحلت و لا حرام إلا ما حرمت و لا فرض إلا ما فرضت و لا عبادة إلا ما أوجبت. و أن من انصرف عن الإسلام و تمسك بغيره كافر ضال مخلد في النار و لو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع. و أن من أظهر الإقرار بالشهادتين كان مسلما و من صدق بقلبه و لم يشك في فرض أتى به محمد ص كان مؤمنا و من الشرائط الواجبة للإيمان العمل بالفرائض اللازمة فكل مؤمن مسلم و ليس كل مسلم مؤمن. و قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ (1) إنما أراد به الإسلام الصحيح التام الذي يكون المسلم فيه عارفا مؤمنا عالما بالواجبات طائعا.
____________
(1) آل عمران: 19
245
و يجب أن يعتقد أن حجج الله تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه و حفظة شرعه و أئمة أمته اثنا عشر أهل بيته أولهم أخوه و ابن عمه و صهره بعل فاطمة الزهراء ابنته و وصيه على أمته علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ثم الحسن بن علي الزكي ثم الحسين بن علي الشهيد ثم علي بن الحسين زين العابدين ثم محمد بن علي باقر العلوم ثم جعفر بن محمد الصادق ثم موسى بن جعفر الكاظم ثم علي بن موسى الرضا ثم محمد بن علي التقي ثم علي بن محمد المنتجب ثم الحسن بن علي الهادي ثم الخلف الصالح بن الحسن المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين) لا إمامة بعد رسول الله ص إلا لهم (ع) و لا يجوز الاقتداء في الدين إلا بهم و لا أخذ معالم الدين إلا عنهم. و أنهم في كمال العلم و العصمة من الآثام نظير الأنبياء (ع) و أنهم أفضل الخلق بعد رسول الله (ع) و أن إمامتهم منصوص عليهم من قبل الله على اليقين و البيان و أنه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات و أعلمهم كثيرا من الغائبات و الأمور المستقبلات و لم يعطهم من ذلك إلا ما قارن وجها يعمله من اللطف و الصلاح. و ليسوا عارفين بجميع الضمائر و الغائبات على الدوام و لا يحيطون بالعلم بكل ما علمه الله تعالى. و الآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل الله دونهم أكرمهم بها و لا صنع لهم فيها. و أنهم بشر محدثون و عباد مصنوعون لا يخلقون و لا يرزقون و يأكلون و يشربون و تكون لهم الأزواج و تنالهم الآلام و الأعلال و يستضامون و يخافون فيتقون و أن منهم من قتل و منهم من قبض و أن إمام هذا الزمان هو المهدي بن الحسن الهادي و أنه الحجة على العالمين و خاتم الأئمة الطاهرين لا إمامة لأحد بعد إمامته و لا دولة بعد
247
يَظْهَرَ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَؤُهَا عَدْلًا وَ قِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً (1)
. فاسمه يواطئ اسم رسول الله ص و كنيته تواطئ كنيته غير أن النهي قد ورد عن اللفظ فلا يجوز أن يتجاوز في القول إنه المهدي و المنتظر و القائم بالحق و الخلف الصالح و إمام الزمان و حجة الله على الخلق.
____________
(1) روى هذا الحديث و أمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني و الخمسين عن الترمذي و أبي داود باختلاف في بعض ألفاظه، و روى حوالى اثنين و ثلاثين حديثا، و قال في ص 311 من المقدّمة:
«إن جماعة من الأئمة خرّجوا أحاديث المهديّ، منهم: الترمذي، و أبو داود، و البزاز، و ابن ماجه، و الحاكم، و الطبراني، و أبو يعلى الموصلي، و أسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل علي، و ابن عبّاس، و ابن عمر، و طلحة، و ابن مسعود، و أبي هريرة، و أنس، و أبي سعيد الخدري، و أم حبيبة، و أم سلمة، و ثوبان، و قرة بن إياس، و علي الهلالي، و عبد اللّه بن الحارث بن جزء».
و قد ناقش في سندها تارة، و في متنها تارة أخرى على طريقته الخاصّة. و هي إسقاط كل رواية تأتي عن طريق الشيعة، أو عن طريق من يميل إلى أهل البيت، أو عن طريق من يتهم بالتشيع و إن لم يكن شيعيا، أو عن طريق من يروي شيئا من فضائل أهل البيت، أو شيئا من معاتب أعدائهم الأمويين.
و لكن برغم مناقشات ابن خلدون و غيره، فإن هناك حقيقة ثابتة، و هي أن الأحاديث في هذا الموضوع قد بلغت من الكثرة حدّ التواتر المعنوي، لا يمكن التشكيك في مضمونها، أو دعوى أنّها موضوعة، إذ لم يحظ موضوع من المواضيع الإسلامية كموضوع قضية المهديّ المنتظر، و ليس له شبيه من حيث عدد الأرقام الهائلة من الأحاديث في هذا الموضوع، فقد أحصيت الأحاديث الواردة فيها من طريق أهل السنة و في مسانيدها و مؤلّفاتها ما يربو على أربعمائة حديث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و أحصي مجموع الأخبار الواردة من طرق الشيعة و السنة، فبلغت أكثر من ستة آلاف حديث، و هو رقم هائل لم يتوافر في أي قضية إسلامية أخرى، حتى في تلك القضايا الإسلامية الضرورية، و هو يتحدى كل شك و إنكار.
و قد وضعت عدة مؤلّفات في هذا الموضوع، و من أحسنها، كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف اللّه محمّد جواد الصافي.
246
دولته و أنه غائب عن رعيته غيبة اضطرار و خوف من أهل الضلال و للمعلوم عند الله تعالى في ذلك الصلاح. و يجوز أن يعرف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس و أن الله عز و جل سيظهره وقت مشيئته و يجعل له الأعوان و الأصحاب فيمهد الدين به [و] يطهر الأرض على يديه و يهلك أهل الضلال و يقيم عمود الإسلام و يصير الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. و أن الله عز و جل يظهر على يديه عند ظهوره الأعلام و تأتيه المعجزات بخرق العادات و يحيى له بعض الأموات فإذا [أ] قام في الناس المدة المعلومة عند الله سبحانه قبضه إليه ثم لا يمتد بعده الزمان و لا تتصل الأيام حتى تكون شرائط الساعة و إماتة من بقي من الناس ثم يكون المعاد بعد ذلك و يعتقد أن أفضل الأئمة (ع) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و أنه لا يجوز أن يسمى بأمير المؤمنين أحد سواه. و أن بقية الأئمة ص يقال لهم الأئمة و الخلفاء و الأوصياء و الحجج و إن (1) كانوا في الحقيقة أمراء المؤمنين فإنهم لم يمنعوا من هذا الاسم لأجل معناه لأنه حاصل لهم على الاستحقاق و إنما منعوا من لفظه حشمة لأمير المؤمنين ع. و أن أفضل الأئمة بعد أمير المؤمنين ولده الحسن ثم الحسين و أفضل الباقين بعد الحسين إمام الزمان المهدي ص ثم بقية الأئمة بعده على ما جاء به الأثر و ثبت في النظر. و أن المهدي (ع) هو الذي قال فيه رسول الله ص
لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى
____________
(1) في النسخة (و إنهم).
248
و يجب أن يعتقد أن الله فرض معرفة الأئمة (ع) بأجمعهم و طاعتهم و موالاتهم و الاقتداء بهم و البراءة من أعدائهم و ظالميهم و أنه لا يتم الإيمان إلا بموالاة أولياء الله و معاداة أعدائه و أن أعداء الأئمة (ع) كفار ملحدون في النار و إن أظهروا الإسلام فمن عرف الله و رسوله و الأئمة الاثني عشر و تولاهم و تبرأ من أعدائهم فهو مؤمن و من أنكرهم أو تولى أعداءهم فهو ضال هالك لا ينفعه عمل و لا اجتهاد و لا تقبل له طاعة و لا يصح له حسنات (1). و يعتقد أن الله يزيد و ينقص إذا أشاء في الأرزاق و الآجال و أنه لم يرزق العبد إلا ما كان حلالا طيبا و يعتقد أن باب التوبة مفتوح لمن طلبها و هي الندم على ما مضى من المعصية و العزم على ترك المعاودة إلى مثلها. و أن التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها و تجوز التوبة من زلة إذا كان التائب منها مقيما على زلة غيرها لا تشبهها و يكون له الأجر على التوبة و عليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلة و أن الله يقبل التوبة بفضله و كرمه و ليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد و إنما علم بالسمع دون غيره. و يجب أن يعتقد أن الله سبحانه يميت العباد و يحييهم بعد الممات ليوم المعاد و أن المحاسبة حق و القصاص و كذلك الجنة و النار و العقاب و أن مرتكبي المعاصي من العارفين بالله و رسوله و الأئمة الطاهرين
____________
(1) مكان النقاط كلمات غير واضحة.
249
المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها المسوفين التوبة منها عصاة فساق و أن ذلك لا يسلبهم اسم الإيمان كما لم يسلبهم اسم الإسلام (1). و أنهم يستحقون العقاب على معاصيهم و الثواب على معرفتهم بالله تعالى و رسوله و الأئمة من بعده ص و ما بعد ذلك من طاعتهم و أمرهم مردود إلى خالقهم و إن عفا عنهم فبفضله و رحمته و إن عاقبهم فبعدله و حكمته قال الله سبحانه وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ. و أن عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها الله تعالى لا تكون مؤبدة و لها آخر يكون بعده دخولهم الجنة و ليسوا من جملة من توجه إليهم الوعيد بالتخليد و العفو من الله تعالى يرجى للعصاة المؤمنين و قد غلطت المعتزلة فسمت من يرجو العفو مرجئا و إنما يجب أن يسمى راجيا و لا طريق إلى القطع على العفو و إنما هو الرجاء و التجوير فقط. و يعتقد أن لرسول الله ص و الأئمة من بعده (ع) شفاعة مقبولة يوم القيامة ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام و لا يجوز أن يقطع الإنسان على أنه مشفوع فيه على كل حال و لا سبيل له إلى العلم بحقيقة هذه الحال و إنما يجب أن يكون المؤمن واقفا بين الخوف و الرجاء. و يعتقد أن المؤمنين الذين مضوا من الدنيا و هم غير عاصين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجنة بغير حساب
____________
(1) صرح بهذا المفيد أستاذ المؤلّف في كتابه أوائل المقالات ص 48 و نسبه إلى اتفاق الإماميّة أما الخوارج فتسمي مرتكب الكبيرة مشركا و كافرا، و الحسن البصري أستاذ و أصل بن عطاء و عمرو بن عبيد، فيسمهم منافقين، و أمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين، و قال أنهم فساق ليسوا بمؤمنين، و لا كفّار، و لا منافقين. انظر هشام بن الحكم للمعلق ص 27.
250
و أن جميع الكفار و المشركين و من لم تصح له الأصول من المؤمنين يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب و إنما يحاسب من خلط عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً و هم العارفون العصاة. و أن أنبياء الله تعالى و حججه (ع) هم في القيامة المسئولون للحساب بإذن الله تعالى و أن حجة أهل كل زمان يتولى أمر رعيته الذين كانوا في وقته. و أن سيدنا رسول الله ص و الأئمة الاثني عشر من بعده (ع) هم أصحاب الأعراف الذين لا يدخل الجنة إلا من عرفهم و عرفوه و لا يدخل النار إلا من أنكرهم و أنكروه. و أن رسول الله ص يحاسب أهل وقته و عصره و كذلك كل إمام بعده. و أن المهدي (ع) هو المواقف لأهل زمانه و المسائل للذين في وقته. و أن الموازين التي توضع في القيامة هي إقامة العدل في الحساب و الإنصاف في الحكم و المجازاة و ليست في الحقيقة موازين بكفات و خيوط كما يظن العوام و أن الصراط المستقيم في الدنيا دين محمد و آل محمد (ع) و هو في الآخرة طريق الجنان و أن الأطفال و المجانين و البله من الناس يتفضل عليهم في القيامة بأن تكمل عقولهم و يدخلون الجنان (1).
____________
(1) و هو المعروف من رأي الإماميّة، و أول من صرّح به منهم هشام بن الحكم على ما يظهر، و تدل عليه بالإضافة إلى حكم العقل بعض النصوص عن أهل البيت (ع) و خالف الأشاعرة عدا أبا الحسن الأشعري الذين قالوا بأن اللّه تعالى يأمرهم بدخول نار يؤججها يوم القيامة فمن أطاع أدخل الجنة و من عصى أدخل النار، و جوز أبو الحسن الأشعري تعذيب الأطفال في القيامة لغيظ آبائهم، و ذهب الخوارج إلى أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا و الآخرة من الحكم بكفرهم أو إيمانهم، و من نعيمهم أو عذابهم. انظر هشام بن الحكم للمعلق ص 187- 190.
251
و أن نعيم أهل الجنة متصل أبدا بغير نفاد و أن عذاب المشركين و الكفار متصل في النار بغير نفاد و يجب أن تؤخذ معالم الدين في الغيبة من أدلة العقل و كتاب الله عز و جل و الأخبار المتواترة عن رسول الله ص و عن الأئمة (ع) (1) و ما أجمعت عليه الطائفة الإمامية و إجماعها حجة فأما عند ظهور الإمام (ع) فإنه المفزع عند المشكلات و هو المنبه على العقليات و المعرف بالسمعيات كما كان النبي ص. و لا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس و لا اجتهاد (2). فأما العقليات فيدخلها القياس و الاجتهاد و يجب على العاقل مع هذا كله ألا يقنع بالتقليد في الاعتقاد و أن يسلك طريق التأمل و الاعتبار و لا يكون نظره لنفسه في دينه أقل من نظره لنفسه في دنياه فإنه في أمور الدنيا يحتاط و يحترز و يفكر و يتأمل و يعتبر بذهنه و يستدل بعقله فيجب أن يكون في أمر دينه على أضعاف هذه الحال فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلا ما صح عنده حقه و لا يسلم في السمعيات إلا لمن ثبت له صدقه.
____________
(1) ما ذكره المؤلّف هو رأي جماعة من علماء الإماميّة، كالشريف المرتضى، و ابن زهرة، و ابن البرّاج، و الطبرسيّ، و ابن إدريس و غيرهم، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم، و خصوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور، سواء أ كان محتفا بقرينة عقلية أو نقلية أخرى، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم، و لو كان ذلك لإجماع أو شاهد عقلي، بل صرّح المفيد في أوائل المقالات بأنّه لا يحب العمل بخبر الواحد.
أما المشهور بين الإماميّة بل المجمع عليه بين المتأخرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجيته، و لكل من الفريقين أدلة على دعواه مذكورة في كتب الأصول.
(2) المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، و إنّما المراد به الاعتماد على الرأي و الاستحسان و القياس، من دون الرجوع إلى القواعد و الأصول التي ثبتت حجيتها شرعا
252
نسأل الله حسن التوفيق برحمته و إلا يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته قد أثبت لك يا أخي أيدك الله ما سألت و اقتصرت و ما أطلت و الذي ذكرت أصل لما تركت و الحمد لله و صلواته على سيدنا محمد و آله و سلم
فصل في ذكر مولد أمير المؤمنين ص
روى المحدثون و سطر المصنفون أن أبا طالب بن عبد المطلب بن هاشم و امرأته فاطمة بنت أسد بن هاشم (رضوان الله عليهما) لما كفلا رسول الله ص استبشرا بغرته و استبعدا بطلعته و اتخذاه ولدا لأنهما لم يكونا رزقا من الولد أحدا. ثم نشأ (ع) أشرف نشوء و أحسنه و أفضله و أيمنه فرأى فاطمة و رغبتها في طلب الولد و قربانها وقتا بعد وقت فقال لها يا أمه اجعلي قربانك لوجه الله تعالى خالصا و لا تشركي معه أحدا فإنه يرضاه منك و يتقبله و يعطيك طلبتك و يعجله فامتثلت فاطمة أمره و قبلت قوله و قربت قربانا مضاعفا و جعلته لله تعالى خالصا و سألته أن يرزقها ولدا صالحا ذكرا فأجاب الله عز و جل دعاها و بلغها مناها و رزقها من الأولاد خمسة عقيلا ثم طالبا ثم جعفرا ثم عليا ثم أختهم فاختة المعروفة بأم هاني فمما جاء في حديثها (1) قبل أن ترزق أولادها أنها كانت جلست يوما تتحدث مع عجائز العرب و الفواطم من قريش منهن فاطمة ابنة عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم جدة رسول الله ص لأبيه و فاطمة ابنة زائدة بن الأصم و هي أم خديجة بنت خويلد و فاطمة ابنة عبد الله رزام و فاطمة
____________
(1) تجد هذا الحديث في كتاب إثبات الوصية للمسعودي ص 114، و في بحار الأنوار ج 35 ص 40 نقله عن الكراجكيّ في الكنز.
253
ابنة الحارث بن عكرمة و تمام الفواطم التي انتمى إليهن رسول الله ص فاطمة أم قصي و هي ابنة نضر فإنهن لجلوس إذ أقبل رسول الله بنوره الباهر و سعده الظاهر و قد تبعه بعض الكهان ينظر إليه و يطيل فراسته فيه إلى أن أتى إليهن فسألهن عنه فقلن هذا محمد ذو الشرف الباذخ و الفضل الشامخ فأخبرهن الكاهن بما يعلمه من رفيع قدره و بشرهن بما سيكون من مستقبل أمره و أنه سيبعث نبيا و ينال منالا عليا و قال إن التي تكفله منكن في صغره سيكفل لها ولدا يكون عنصره من عنصره يختصه بسره و بصحبته و يحبوه بمصادقته و إخوته فقالت له فاطمة ابنة أسد (رضوان الله عليها) أنا التي كفلته و أنا زوج عمه الذي يرجوه و يؤمله. فقال إن كنت صادقة فستلدين غلاما علاما مطواعا لربه هماما اسمه على ثلاثة أحرف يلي هذا النبي في جميع أموره و ينصره في قليله و كثيره حتى يكون سيفه على أعدائه و بابه لأوليائه يفرج عن وجهه الكربات و يجلو عنه حندس الظلمات تهاب صولته أطفال المهاد و ترتعد من خيفته من (1) الجلال له فضائل شريفة و مناقب معروفة و صلة منيعة و منزلة رفيعة يهاجر إلى النبي في طاعته و يجاهد بنفسه في نصرته و هو وصيه الدافن له في حجرته قالت له أم علي (ع) جعلت أفكر في قول الكاهن فلما كان الليل رأيت في منامي كان جبال الشام قد أقبلت تدب و عليها جلابيب الحديد و هي تصيح من صدورها بصوت مهول فأسرعت نحوها جبال مكة و أجابتها بمثل صياحها و أهول و هي كالشرد (2) المحمر و أبو قبيس ينتفض كالفرس
____________
(1) في النسخة (عن)، و في اثبات الوصية ص 116: و ترعد من خيفته الفرائض و يوم الجلاد.
(2) هي الناقة التي تعسرت ولادتها فلا يخرج حتّى تموت، كذا في هامش النسخة، و في اثبات الوصية ص 117: و هي كالشرر المجمر. و الشرد جمع شارد و هو البعير النافر و المحمر على وزن مكرم الناقة يلتوي في بطنها ولدها.
254
و نصال تسقط عن يمينه و شماله و الناس يلتقطون ذلك فلقطت معهم أربعة أسياف و بيضة حديد مذهبة فأول ما دخلت مكة سقط (1) منها سيف في ماء فغمر و طار الثاني في الجو و استمر (2) و سقط الثالث إلى الأرض فانكسر و بقي الرابع في يدي مسلولا فبينا أنا به أصول إذ صار السيف شبلا فتبينته فصار ليثا مهولا (3) فخرج عن يدي و مر نحو الجبال يجوب بلاطحها (4) و يخرق صلادحها (5) و الناس منه مشفقون و من خوفه حذرون إذ أتى محمد ص فقبض على رقبته فانقاد له كالظبية الألوف فانتبهت و قد راعني الزمع (6) و الفزع فالتمست المفسرين فطلبت القائفين و المخبرين فوجد كاهنا زجر لي بحالي و أخبرني منامي و قال لي أنت تلدين أربعة أولاد و بنتا بعدهم و إن أحد البنين يغرق و الآخر يقتل في الحرب و الآخر يموت و يبقى له عقب و الرابع يكون إماما للخلق صاحب سيف و حق ذا فضل و براعة يطيع النبي المبعوث أحسن طاعة. فقالت فاطمة فلم أزل مفكرة في ذلك و رزقت بني الثلاثة عقيلا و طالبا و جعفرا ثم حملت بعلي (ع) في عشر ذي الحجة فلما كان الشهر الذي ولدت فيه و كان شهر رمضان رأيت في منامي كان عمود حديد قد انتزع من أم رأسي ثم سطع في الهواء حتى بلغ السماء ثم رد إلي فقلت ما هذا فقيل لي هذا قاتل أهل الكفر و صاحب ميثاق النصر بأسه شديد يفزع من خيفته و هو معونة الله لنبيه و تأييده على عدوه قالت فولدت عليا (ع) و جاء في الحديث
____________
(1) في البحار: سقطت منها سيف في ماء فغيّر.
(2) في إثبات الوصية: فانثمر، و لعله تصحيف (فانتثر).
(3) في إثبات الوصية: مستأسدا.
(4) جمع بلطح و هو المكان الواسع.
(5) في البحار: صلاطحها و هو بمعنى بلاطم.
(6) الرمع بالتحريك شبه الرعدة تأخذ الإنسان.
255
أنها دخلت الكعبة على ما جرت به عادتها فصادف دخولها وقت ولادتها فولدت أمير المؤمنين ص داخلها و كان ذلك في النصف من شهر رمضان (1) و لرسول الله ص ثلاثون سنة على الكمال فتضاعف ابتهاجه به و تمام مسرته و أمرها أن تجعل مهده جانب فراشه و كان يلي أكثر تربيته و يراعيه في نومه و يقظته و يحمله على صدره و كتفه و يحبوه بألطافه و تحفه و يقول هذا أخي و سيفي و ناصري و وصيي (2). فلما تزوج النبي ص خديجة (ع) أخبرها بوجده بعلي و محبته فكانت تستزيره فتزينه و تحليه و تلبسه و ترسله مع ولائدها و يحمله خدمها فيقول الناس هذا أخو محمد و أحب الخلق إليه و قرة عين خديجة و من اشتملت السعادة عليه و كانت ألطاف (3) خديجة تطرق منزل أبي طالب ليلا و نهارا و صباحا و مساء. ثم إن قريشا أصابتها أزمة مهلكة و سنة مجدية منهكة و كان أبو طالب رضي الله عنه ذا مال يسير و عيال كثير فأصابه ما أصاب قريشا من العدم و الإضاقة و الجهد و الفاقة فعند ذلك دعا رسول الله ص عمه العباس فقال له يا أبا الفضل إن أخاك أبا طالب كثير العيال مختل الحال ضعيف النهضة و الغرمة و قد ناله ما نزل بالناس من هذه الأزمة و ذوو الأرحام أحق بالرفد و أولى من حمل الكل (4) في ساعة الجهد فانطلق بنا إليه لنعينه على ما هو عليه فلنحمل عنه بعض أثقاله و نخفف عنه من عياله يأخذ كل واحد منا واحدا من بنيه يسهل عليه بذلك بعض ما هو فيه
____________
(1) انظر إثبات الوصية للمسعودي ص 114.
(2) المصدر ص 117
(3) أي هدايا تبره بها.
(4) الكل: الثقل.
256
فقال له العباس نعم ما رأيت و الصواب فيما أتيت هذا و الله الفضل الكريم و الوصل الرحيم فلقيا أبا طالب فصبراه و لفضل آبائه ذكراه و قالا له إنا نريد أن نحمل عنك بعض العيال فادفع إلينا من أولادك من يخف عنك به الأثقال قال أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا و طالبا فافعلا ما شئتما فأخذ العباس جعفرا و أخذ رسول الله ص عليا (ع) (1) فانتجبه لنفسه و اصطفاه لمهم أمره و عول عليه في سره و جهره و هو مسارع لمرضاته موفق السداد في جميع حالاته (2) و كان رسول الله ص في ابتداء طروق الوحي إليه كلما هتف به هاتف أو سمع من حوله رجفة راجف أو رأى رؤيا أو سمع كلاما يخبر بذلك خديجة و عليا (ع) و يستسرهما هذه الحال فكانت خديجة تثبته و تصبره و كان علي يهنيه و يبشره و يقول له و الله يا ابن عم ما كذب عبد المطلب فيك و لقد صدقت الكهان فيما نسبته إليك و لم يزل كذلك إلى أن أمر ص بالتبليغ فكان أول من آمن به من النساء خديجة و من الذكور أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و عمره يومئذ عشر سنين (3)
____________
(1) في مقاتل الطالبين ص 17 أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أخذ عليا، و حمزة أخذ جعفرا، و العباس أخذ طالبا.
(2) تجد قصة ولادة أمير المؤمنين (ع) في اثبات الوصية ص 115- 120 مع اختلاف و زيادة.
(3) و قال الأصبهاني: و كانت سنه يوم أسلم إحدى عشرة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامه (مقاتل الطالبيين ص 17) و تنوزع في سنه يوم أسلم، فقال فرقة كانت سنه يومئذ خمس عشرة سنة، و قال آخرون ثلاث عشرة، و قيل إحدى عشر، و قيل تسع، و قيل ثمان، و قيل سبع، و قيل ست و قيل: خمس (التنبيه و الإشراف ص 198).
258
بالنظر و الأدلة حتى أني رأيت جماعة منهم يقولون هذه المقال و يستعظمون القول بأن أمير المؤمنين (ع) أسلم أتم استعظام و قد نبهتهم على أن هذه الشبهة مدسوسة عليهم و أن أعداءهم ألقوها بينهم فمنهم من قبل ما أقول و منهم من أصر على ما يقول و قد كنت اجتمعت بأحد الناصرين لهذه الشبهة من الشيعة فقلت له أ تقول إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مسلم فقال لا يسعني غير ذلك فقلت له أ فتقول إنه يكون مسلما من لم يسلم فقال إن قلت بأنه أسلم لزمني الإقرار بأنه قبل إسلامه لم يكن مسلما. و لكني أقول إنه ولد مسلما مؤمنا فقلت هذا كقولك إنه ولد حيا قادرا و هو يؤديك إلى أن الله تعالى خلق فيه الإسلام و الإيمان كما خلق فيه القدرة و الحياة و يدخل بك في مذهب أهل الجبر و يبطل عليك القول بفضيلة أمير المؤمنين (ع) في الإسلام و ما يستحق عليه من الأجر فاختر لنفسك إما القول بأن إسلامه و إيمانه فعل الله سبحانه و أنه ولد مسلما و مؤمنا و إن ساقك إلى ما ذكرناه (1). و إما القول بأن الله تعالى أوجده حيا قادرا ثم آتاه عقلا و كلفه بعد هذا فأطاع و فعل ما أمر به مما يستحق جزيل الأجر على فعله فإسلامه و إيمانه من أفعاله الواقعة بحسب قصده و إيثاره و إن أداك في وجوده قبل فعله إلى ما وصفناه. فحيره هذا الكلام و لم يجد فيه حيلة من جواب و مما يجب أن يكلم به في هذه المسألة أهل الخلاف أن يقال لهم لما زعمتم أنه لم يسلم إلا من كان كافرا.
____________
(1) و هو عدم استحقاقه (ع) الأجر على إسلامه لأنّه مجبور عليه من فعل اللّه.
257
و مما عملته لبعض الإخوان كتاب الإعلام بحقيقةإسلام أمير المؤمنين (ع) و به نستعين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الجود و الإكرام الهادي إلى شريعة الإسلام و صلاته على خيرته من جميع الأنام سيدنا محمد رسوله و أهل بيته المطهرة من الآثام و سلام الله على أول السابقين إسلاما و إيمانا و أخلص المصدقين إقرارا و إذعانا و أنصح الناصرين سرا و إعلانا و أوضح العالمين حجة و برهانا الذي كان سبقه إلى الدخول في الإسلام و كونه بعد الرسول الحجة على الأنام مشابها لخلق آدم ص في وجود الخليفة قبل المستخلف عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ذي الفضائل و المناقب و لعنة الله على باغضيه و منكري فضله و حاسديه. هذا مختصر جمعت لإخواني فيه من الكلام في إسلام أمير المؤمنين ص ما يجب الانتهاء إليه و الاعتماد في المسألة عليه
فصل يجب أن يقدم القول بأن أمير المؤمنين ص أسلم
اعلموا أيدكم الله أن المخالفين لشدة عداوتهم لأمير المؤمنين ألقوا شبهة موهوا بها على المستضعفين و جعلوا لها طريقا يسلكها من يروم نفي الإسلام عن أمير المؤمنين ص و ذلك أنهم قالوا إنما يصح الإسلام ممن كان كافرا فأما من لم يك قط ذا كفر و لا ضلال فلا يجوز أن يقال إنه أسلم و إذا كان علي بن أبي طالب (ع) لم يكفر قط فلا يصح القول بأنه أسلم و هذا ملعنة من النصاب لا تخفى على أولي الألباب يتشبثون بها إلى القدح في أمير المؤمنين (ع) و الراحة من أن يسمعوا القول بأنه أسلم قبل سائر الناس. و قد تعدتهم هذه الشبهة فصارت في مستضعفي الشيعة و من لا خبرة له
259
فإن قالوا لأن من صح منه وقوع الإسلام فهو قبله عار منه و إذا عرى منه كان على ضده و ضده الكفر (1) قيل لهم لم زعمتم أنه إذا عرى منه كان على ضده و ما أنكرتم من أن يخلو منهما فلا يكون على أحدهما فإن قالوا إن ترك الدخول في الإسلام هو ضده لأنه لا يصح اجتماع الترك و الدخول فمتى كان تاركا كان كافرا لأن معه الضد قيل لهم إنما يلزم ما ذكرتم متى وجدت شريعة الإسلام و لزم العمل بها و علم العبد وجوبها عليه بعد وجودها فأما إذا لم يكن نزل به الوحي و لا لزم المكلف منها أمر و لا نهي فإلزامكم الكفر جهل و غي. فإن قالوا قد سمعناكم تقولون إن الوحي لما نزل على النبي ص بتبليغ الإسلام دعا إليه أمير المؤمنين (ع) فلم يجبه عند الدعاء و قال له أجلني الليلة و تعدون هذا له فضيلة و فيه أنه قد ترك الدخول في الإسلام بعد وجوده قلنا هو كذلك لكنه قبل علمه بوجوبه و هذه المدة التي سأل فيها الإنظار هي زمان مهلة النظر التي أباحها الله تعالى للمستدل و لو مات قبل اعتقاد الحق لم يكن على غلط و هكذا رأيناكم تفسرون قول إبراهيم (ع) لما رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ إلى تمام قصته ع.
____________
(1) هذه الدعوى مبنية على القول بأن التقابل بين الإيمان و الكفر تقابل نقيضين أو السلب و الإيجاب، أو تقابل ضدين لا ثالث لهما.
أما إذا كان التقابل بينهما تقابل عدم و ملكة، أو تقابل ضدين لهما ثالث فلا تصح هذه الدعوى. و يبدو أن طبيعة الجواب مبنية على أن التقابل بينهما تقابل ضدين لهما ثالث، الذي لا يلزم من نفي أحدهما إثبات الآخر.
260
و قوله إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. و تقولون إن هذا منه كان استدلالا و هي في زمان مهلة النظر التي وقع عقيبها العلم بالحق. فإن قالوا فما تقولون في أمير المؤمنين (ع) قبل الإسلام و هل كان على شيء من الاعتقادات قيل لهم الذي نقول فيه إنه كان في صغره عاقلا مميزا و كان في الاعتقاد على مثل ما كان عليه رسول الله ص قبل الإسلام من استعماله عقله و المعرفة بالله تعالى وحده و إن ذلك حصل من تنبيه الرسول ص و تحريك خاطره إليه و حصل للرسول من ألطاف الله تعالى التي حركت خواطره إلى الإسلام و الاعتبار و لم يكن منهما من سجد لوثن و لا دان بشرع متقدم. فأما الأمور الشرعية فلم تكن حاصلة لهما فلما بعث رسول الله ص لزم أمير المؤمنين (ع) الإقرار به و التصديق له و أخذ الشرع منه. و إنما قال له أجلني الليلة ليعتبر فيقع له العلم و اليقين مع اعتقاد التصديق لرسول رب العالمين فلما ثبت له ذلك أقر بالشهادتين مجددا للإقرار بالله سبحانه و شاهدا ببعثة رسول الله ص. فإن قالوا فأنتم إذا تقولون إن رسول الله ص أسلم و هذا أعظم من الأولى قيل لهم إن العظيم في العقول هو الانصراف من هذا القول فإن لم تفهموا فيه حجة العقل فما تصنعون في دليل السمع و قد قال الله عز و جل لنبيه (ع) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ و قوله سبحانه قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
261
و قوله فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ وَ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ و نظير ذلك كثير في القرآن فكيف يصح هذا الإسلام من الرسول و لم يكن قط كافرا و هل بعد هذا البيان شك يعترض عاقلا. ثم يقال لهم إذا كان لا يسلم إلا من كان كافرا فما تقولون في إسلام إبراهيم الخليل ص و لم يكن قط كافرا و لا عبد وثنا حيث قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فقد تبين لكم أيها الإخوان ثبتكم الله على الإيمان ما تضمنه هذا الفصل من البيان عن صحة إسلام أمير المؤمنين (ع) و أنا أتكلم بعد هذا على الذين قالوا إنه ص قد أسلم و لكن لم يكن السابق الأول و زعمهم أن المتقدم على جميع الناس أبو بكر
فصل من البيان عن أن أمير المؤمنين (ع) أول بشر سبق إلى الإسلام بعد خديجة ع
اعلموا أن أهل النصب و الخلاف قد حملتهم العصبية و العناد على أن ادعوا تقدم إسلام بي بكر على سائر الناس و إذا هم عرجوا عن طريق المكابرة و اطلعوا في السير الطاهرة و الأخبار المتواترة و الآثار المتظافرة و الأشعار السائرة و أقوال أمير المؤمنين (ع) الظاهرة وجدوا جميع ذلك ناطقا بخلاف ما يزعمون شاهدا بكذبهم فيما يدعون قاضيا بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) أول ذكر آمن برسول الله ص و سبق إلى الإسلام و أنه لم يتقدمه بشر من الأمة بأسرها غير خديجة بنت خويلد رضي الله عنها و
قَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بُعِثَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ فِيهِ أَسْلَمَتْ خَدِيجَةُ وَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَسْلَمَ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ
.
262
وَ رَوَى أَصْحَابُ الْحَدِيثِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ عَلِيٌّ (ع) يَأْلَفُ النَّبِيَّ ص فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ وَ خَدِيجَةَ يُصَلِّيَانِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ عَلِيٌّ يَوْمَئِذٍ ابْنُ عَشْرِ حِجَجٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص مَا هَذَا قَالَ يَا عَلِيُّ هَذَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ وَ بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ (ع) هَذَا شَيْءٌ لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا عَلِيُّ فَمَكَثَ عَلِيٌّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُفَكِّراً فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ ص فَقَالَ لَهُ لَمْ أَزَلِ الْبَارِحَةَ أُفَكِّرُ فِيمَا قُلْتَ لِي فَعَرَفْتُ الْحَقَّ وَ الصِّدْقَ فِي قَوْلِكَ وَ أَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِجَازَةً قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْجَيْشِ الْمُظَفَّرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيُ (1) قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ (2) قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَسَدُ بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَفِيفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ جَالِساً مَعَ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ أَمْرِ النَّبِيِّ ص فَجَاءَ شَابٌّ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ حِينَ تَحَلَّقَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ فَقَامَ يُصَلِّي ثُمَّ جَاءَ غُلَامٌ فَقَامَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَامَتْ خَلْفَهُمَا فَرَكَعَ الشَّابُّ فَرَكَعَ الْغُلَامُ وَ الْمَرْأَةُ ثُمَّ رَفَعَ الشَّابُّ فَرَفَعَا ثُمَّ سَجَدَ الشَّابُّ فَسَجَدَا فَقُلْتُ يَا عَبَّاسُ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَقَالَ الْعَبَّاسُ أَمْرٌ عَظِيمٌ أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا الشَّابُّ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ أَخِي أَ تَدْرِي مَنْ هَذَا الْغُلَامُ هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ابْنُ أَخِي أَ تَدْرِي مَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ هَذِهِ خَدِيجَةُ ابْنَةُ خُوَيْلِدٍ إِنَّ ابْنَ أَخِي هَذَا حَدَّثَنِي أَنَّ رَبَّهُ رَبُ
____________
(1) من تلاميذ أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي كان عارفا بالاخبار متكلما توفّي سنة 367 ه و هو استاذ الشيخ المفيد، و له كتاب فعلت فلا تلم. و كتاب نقض العثمانية على الجاحظ و كتاب في الإمامة و وصفه ابن النديم بأنّه كان شاعرا مجودا في أهل البيت (ع) متكلما بارعا.
(2) في الأصل البلخ.
263
السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَمَرَهُ بِهَذَا الدِّينِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَ لَا وَ اللَّهِ مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ عَلَى هَذَا الدِّينِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ (1)
وَ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ الْعَبْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَقْدَمُ أُمَّتِي سِلْماً وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً وَ أَصَحُّهُمْ دِيناً وَ أَكْثَرُهُمْ يَقِيناً وَ أَكْمَلُهُمْ حِلْماً وَ أَسْمَحُهُمْ كَفّاً وَ أَشْجَعُهُمْ قَلْباً وَ هُوَ الْإِمَامُ وَ الْخَلِيفَةُ بَعْدِي (1)
وَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ (رحمه الله) أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ عَلِيٌّ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي وَ صَدَّقَنِي (2)
وَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص إِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وُرُوداً عَلِيٌّ أَوَّلُهَا إِسْلَاماً وَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُهَا إِسْلَاماً فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ رَضِيَ الْلَّهُ عَنْهُ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فَقَالَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ
وَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ بُعِثَ النَّبِيُّ ص يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ أَسْلَمَتْ خَدِيجَةُ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ أَسْلَمَ عَلِيٌّ (ع) يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ (3)
____________
(1) رواه أبو جعفر الإسكافي المعتزلي في نقضه على كتاب العثمانية للجاحظ انظر: رسائل الجاحظ ص 18- 19 جمع و نشر حسن السندوبي.
(2) رواه في الرياض النضرة ج 2 ص 157، انظر: فضائل الخمسة ج (1) ص 188، و انظر:
نقض العثمانية للاسكافي ص 17.
(3) رواه الإسكافي عن جابر و أنس و أبي رافع انظر رسائل الجاحظ ص 20.
264
وَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَ سَلْمَانَ جَمِيعاً قَالا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِيَدِ عَلِيٍّ (ع) فَقَالَ أَلَا إِنَّ هَذَا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِي وَ هَذَا أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ هَذَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَ هَذَا فَارُوقُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ وَ هَذَا يَعْسُوبُ الدِّينِ وَ الْمَالُ يَعْسُوبُ الظَّالِمِينَ (1)
وَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِفَاطِمَةَ (ع) أَ مَا تَرْضَيْنَ يَا فَاطِمَةُ أَنِّي زَوَّجْتُكِ أَقْدَمَهُمْ سِلْماً وَ أَكْثَرَهُمْ عِلْماً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً (2) وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى زَوَّجْتُكِ أَقْدَمَ الْمُسْلِمِينَ سِلْماً وَ أَكْثَرَهُمْ عِلْماً وَ أَفْضَلَهُمْ حِلْماً (3)
وَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَرْبَعُ مَنَاقِبَ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهَا عَرَبِيٌّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ كَانَ صَاحِبَ رَايَتِهِ فِي كُلِّ زَحْفٍ وَ انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ الْمِهْرَاسِ وَ ثَبَتَ وَ غَسَلَهُ وَ أَدْخَلَهُ قَبْرَهُ (4)
و الأخبار في هذا المعنى كثيرة فأما المحفوظ من كلام أمير المؤمنين (ع) في ذلك و احتجاجه به في جملة ما له من المناقب فمنه
مَا حَدَّثَنِي بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنِي الْخَطِيبُ الْعَتَكِيُّ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا
____________
(1) روي في الإصابة ج 7 قسم 1 ص 147، و في فيض القدير ج 4 ص 358 انظر: فضائل الخمسة ج 1. ص 189.
(2) رواه الإسكافي في نقض العثمانية ص 19 من رسائل الجاحظ.
(3) المصدر نفسه
(4) انظر: الإرشاد ص 17.
265
أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَغْدَادِيُّ وَ يُعْرَفُ ذَوْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْخَضْرَمِيُّ وَ يُعْرَفُ بِمُطَنِّي قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ وحب [وَهْبِ] بْنِ شَيْبَانَ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبَلَةَ قَالا حَدَّثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الطَّلَاحِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ غَالِبٍ عَنْ معادة [مُعَاذَةَ] بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيَّةِ قَالَتْ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ وَ هُوَ يَقُولُ أَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَ أَنَا الْفَارُوقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ أَسْلَمْتُ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ أَبُو بَكْرٍ وَ آمَنْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنَ (1)
وَ جَاءَ عَنْهُ (ع) أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ لَا أَعْرِفُ أَحَداً مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَبْدَكَ قَبْلِي غَيْرَ نَبِيِّهَا
وَ جَرَى بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عُثْمَانَ كَلَامٌ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ وَ عُمَرُ خَيْرٌ مِنْكَ فَقَالَ لَهُ كَذَبْتَ بَلْ أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ وَ مِنْهُمَا عَبَدْتُ اللَّهَ قَبْلَهُمَا وَ بَعْدَهُمَا
و قد تضمن ذكر تقدم إيمانه كثير من أشعاره الواردة في أخباره
حَدَّثَنِي الْقَاضِي السُّلَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْخَطِيبُ الْعَتَكِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْفَتَّاتُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدِّينَوَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَلْوَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بْنُ حَارِثَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يُنْشِدُ وَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَسْمَعُ
أَنَا أَخُو الْمُصْطَفَى لَا شَكَّ فِي نَسَبِي* * * مَعْهُ رُبِّيتُ وَ سِبْطَاهُ هُمَا وُلْدِي
جَدِّي وَ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ مُنْفَرِدٌ* * * وَ فَاطِمُ زَوْجَتِي لَا قَوْلَ ذِي فَنَدٍ
صَدَّقْتُهُ وَ جَمِيعُ النَّاسِ فِي بُهْمٍ* * * مِنَ الضَّلَالَةِ وَ الْإِشْرَاكِ ذِي النَّكَدِ
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً لَا شَرِيكَ لَهُ* * * الْبَرِّ بِالْعَبْدِ وَ الْبَاقِي بِلَا أَمَدٍ
____________
(1) المصدر ص 20 باختلاف بالزيادة و النقصان.
266
قَالَ وَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ قَالَ صَدَقْتَ يَا عَلِيُ
و منه احتجاجه (ع) على معاوية في جواب كتابه من الشام إليه و قد رام معاوية الافتخار فيه
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَفْتَخِرُ ابْنَ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ ثُمَّ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ (1) اكْتُبْ
مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَ صِهْرِي* * * وَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي
وَ جَعْفَرٌ الَّذِي يُضْحِي وَ يُمْسِي* * * يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكِ ابْنُ أُمِّي
وَ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سلني [سَكَنِي] وَ عِرْسِي* * * مَنَاطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَ لَحْمِي
وَ سِبْطَا أَحْمَدَ ابْنَايَ مِنْهَا* * * فَأَيُّكُمْ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي
سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرّاً* * * غُلَاماً مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي
وَ أَوْجَبَ لِي الْوَلَاءَ مَعاً عَلَيْكُمْ* * * خَلِيلِي يَوْمَ دَوْحِ غَدِيرِ خُمٍ
(2)
فكان ص يحتج بتقدم إسلامه على الكافة و يفتخر به في جملة مناقبه على الأمة و يذكره بحضرة رسول الله ص دفعة بعد دفعة و بعد رسول الله ص بين الصحابة فما أنكر ذلك قط عليه الرسول ص و كيف ينكره عليه و هو الشاهد له بذلك و لا قال له أحد من الناس لا نحتج بهذا الكلام فإن أبا بكر هو الذي أسلم قبل جميع الأنام بل يذعن لقوله (ع) الناس و يعلمون صدقه من غير اختلاف و يقولون فيه كما قد قال (ع) فمن ذلك قول سفيان بن الحرث بن عبد المطلب
____________
(1) هو من خواص عليّ (عليه السلام) و كاتبه، له كتاب قضايا أمير المؤمنين (ع) و كتاب تسمية من شهد معه (ع) الجمل و صفّين و النهروان من الصحابة، و أورده ابن حجر في التقريب و قال: كاتب عليّ (عليه السلام) و هو ثقة من الثالثة أي أنّه مات بعد المائة.
(2) روى هذه الأبيات المفيد في الفصول المختارة ج 2 ص 70 و زاد بيتا في آخرها و هو:
فويل ثمّ ويل ثمّ ويل* * * لمن يلقى الإله غدا بظلمي
267
ما كنت أحسب أن الأمر منتقل* * * عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أ ليس أول من صلى لقبلتهم* * * و أعرف الناس بالآثار و السنن
من فيه ما فيهم من كل صالحة* * * و ليس في القوم ما فيه من الحسن
(1) و جرير بن عبد الله البجلي يقول فيه مثل ذلك أيضا و قيس بن سعد بن عبادة له فيه أقوال كثيرة و غيرهم ممن شهد رسول الله ص و سمع منه الأخبار بتقديم إسلامه و الحال أشهر عند أهل العلم من أن يستتر و أظهر بين أهل النقل من أن يكتم. غير أن الناصبة قد غلبها الهوى على التقوى فأثرت الضلال على الهدى و قد احتج النصاب في تقديم إسلام أبي بكر بقول حسان
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة* * * فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها و أعدلها* * * بعد النبي و أوفاها بما حملا
الصاحب التالي المحمود مشهده* * * و أول الناس منهم صدق الرسلا
(2).
____________
(1) تجد هذه الأبيات في كتاب سليم بن قيس ص 16 منسوبة للعباس و تجدها في كتاب الجمل للمفيد ص 43 منسوبة لعبد اللّه بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب مع زيادة بيتين، و في تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 103 ط النجف منسوبة لعتبة بن أبي لهب.
(2) نجد البيت الأول و الثالث في كتاب العثمانية ص 2 من رسائل الجاحظ.
268
و احتجاجهم بقول حسان يدل على عمي القلوب و صدأ الألباب (1) أو على تعمد التلبيس على ضعفاء الناس و إلا فلو اعتمدوا الإنصاف علموا أن حسان بن ثابت هو الذي تضمن شعره الإقرار لأمير المؤمنين (ع) بالإمامة و الرئاسة على الأنام لما مدحه بذلك يوم الغدير بحضرة رسول الله ص على رءوس الأشهاد بعد أن استأذن الرسول ص فإذن له فقال
يناديهم يوم الغدير نبيهم* * * بخم و أسمع بالرسول مناديا
يقول فمن مولاكم و نبيكم (2)* * * فقالوا و لم يبدو هناك التعاميا
إلهك مولانا و أنت نبينا* * * و لن تجدن منا لك اليوم عاصيا
فقال له قم يا علي فإنني* * * رضيتك من بعدي إماما و هاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه* * * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليه* * * و كن للذي عادى عليا معاديا
(3)
فَصَوَّبَهُ النَّبِيُّ ص فِي هَذَا الْمَقَالِ وَ قَالَ لَهُ لَا تَزَالُ يَا حَسَّانُ مُؤَيَّداً مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِكَ
. فكيف سمعت الناصبة تلك الأبيات التي رويت لها من قول حسان و لم تسمع عنه هذه الأبيات التي قد سارت بها الركبان بل كيف تثبت لها بما ذكرته
____________
(1) في النسخة صدى.
(2) في المسترشد للطبري ص 96 (و وليكم) بدل نبيّكم.
(3) ذكر الأبيات الأربعة الأولى منها الطبريّ في المسترشد ص 96. و انظر: أعلام الورى ص 140 فقد ذكر الأبيات كلها.
269
من شعره أن أبا بكر سبق الناس إلى الإسلام و لم تثبت بما ذكرناه من شعره أيضا أن أمير المؤمنين (ع) لجميع الناس إمام و كيف احتجت ببعض قوله و صدقه فيه و لم تر الاحتجاج بالبعض الآخر و كذبته فيه أ و ليس إذا قالت إنه كذب فيما قاله في علي (ع) في هذه الأبيات أمكن أن يقال لها بل كذب فيما حكيتموه عنه من تلك الأبيات. و إن قالت أن حسانا شاعر النبي ص و لسنا نكذبه لكن نقول إنه كذب عليه في الشعر الذي رويتموه قيل لها فإن قال لكم قائل مثل هذا الكلام و إنه كذب عليه في الشعر الذي ذكرتموه ما يكون الانفصال. و اعلم أنا لم نقل ذلك إلا لنعلمهم لأنه لا حجة في أيديهم و أنه لا فرق بين قولهم و قول من قلبه عليهم و لسنا ننفي عن حسان الكذب و لا رأينا فيه بحسن و ذلك أنه فارق الإيمان و انحاز إلى جملة أعداء أمير المؤمنين (ع) و حصل من عصبة عثمان فهو عندنا من أهل الضلال. فإن قال قائل كيف تجيزون ذلك عليه بعد ما مدحة به الرسول ص في يوم غدير خم و أثنى عليه قلنا إن مدحه و ثناءه عليه كان مشروطا و لم يكن مطلقا. و ذلك أنه قال ما تزال مؤيدا ما نصرتنا بلسانك و هذا يدل على أنه متى انصرف عن النصر زال عنه التأييد و استحقاق المدحة و قد انصرف عنها بطعونه على أمير المؤمنين (ع) و انصبابه في شعب عدوه و قعوده في جملة من قعد عن نصرته في حرب البصرة و يشبه ما قال فيه النبي (ع) قول الله تعالى في ذكر أزواج نبيه و نسائه يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَ فعلق ذلك بشرط وجود التقوى فإذا عدمت كن كمن سواهن بل كن أسوأ حالا من غيرهن.
270
و اعلم أيدك الله تعالى أنه قد روى المخالفون عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت لما أسلم أبي جاء إلى منزله فما قام حتى أسلمنا و أسلمت عائشة و هي صغيرة. و روايتهم هذه دليل على تأخر إسلامه و ذلك أن مولد عائشة معروف و زمانها معلوم ولدت بعد البعثة بخمس سنين و كان لها وقت الهجرة ثماني سنين و تزوجها رسول الله ص بعد الهجرة بسنة و لها يومئذ تسع سنين و أقامت معه تسعا و كان لها يوم قبضه (ع) ثماني عشرة سنة. فإذا كانت يوم إسلام أبيها صغيرة فأقل ما يكون عمرها في ذلك الوقت سنتان و هذا يدل على أن أباها أسلم بعد البعثة بسبع سنين فهو مقدار الزمان الذي أتت الأخبار بأن أمير المؤمنين (ع) كان يصلي فيه مع رسول الله ص و الناس في بهم الضلال. و سنذكر طرفا مما ورد في ذلك من الأخبار فإذا كان الناس سوى أمير المؤمنين إنما أجابوا إلى الإسلام بعد سبع سنين من مبعث النبي فليس يستحيل أن يكون أبو بكر أحد المستجيبين في هذه السنة و ليس ذلك بموجب أن يكون أولهم لأنه قد تناصرت الأخبار بتقديم إسلام جعفر بن أبي طالب عليه بل على غيره من الناس سوى أمير المؤمنين ع.
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَخْرٍ الْأَزْدِيُّ- قَالَ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْفٍ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ- قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ- قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صفر [ضَوْءِ] بْنِ صَلْصَالِ بْنِ الدَّلَهْمَسِ بْنِ جَهْلِ بْنِ جَنْدَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي أبو ضو [أَبِي ضَوْءُ] بْنُ صَلْصَالِ بْنِ الدَّلَهْمَسِ قَالَ كُنْتُ أَنْصُرُ النَّبِيَّ ص مَعَ أَبِي طَالِبٍ قَبْلَ إِسْلَامِي فَإِنِّي يَوْماً لَجَالِسٌ بِالْقُرْبِ مِنْ مَنْزِلِ أَبِي طَالِبٍ فِي شِدَّةِ الْقَيْظِ إِذْ خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَيَّ شَبِيهاً بِالْمَلْهُوفِ فَقَالَ لِي يَا أَبَا الغنصقر [الْغَضَنْفَرِ] هَلْ رَأَيْتَ هَذَيْنِ الْغُلَامَيْنِ يَعْنِي النَّبِيَّ ص وَ عَلِيّاً (ع) فَقُلْتُ مَا
271
رَأَيْتُهُمَا مُذْ جَلَسْتُ فَقَالَ قُمْ بِنَا فِي الطَّلَبِ فَلَسْتُ آمَنُ قُرَيْشاً أَنْ تَكُونَ اغْتَالَتْهُمَا. قَالَ فَمَضَيْنَا حَتَّى خَرَجْنَا مِنْ أَبْيَاتِ مَكَّةَ ثُمَّ صِرْنَا إِلَى جَبَلٍ مِنْ جِبَالِهَا فَاسْتَرْخَيْنَا إِلَى قُلَّةٍ فَإِذَا النَّبِيُّ ص وَ عَلِيٌّ (ع) عَنْ يَمِينِهِ وَ هُمَا قَائِمَانِ بِإِزَاءِ عَيْنِ الشَّمْسِ يَرْكَعَانِ وَ يَسْجُدَانِ قَالَ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِجَعْفَرٍ ابْنِهِ صِلْ جَنَاحَ ابْنِ عَمِّكَ فقال [فَقَامَ] إِلَى جَنْبِ عَلِيٍّ فَأَحَسَّ بِهَا النَّبِيُّ ص فَتَقَدَّمَهُمَا وَ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْرِهِمْ حَتَّى فَرَغُوا مِمَّا كَانُوا فِيهِ ثُمَّ أَقْبَلُوا نَحْوَنَا فَرَأَيْتُ السُّرُورَ يَتَرَدَّدُ فِي وَجْهِ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ انْبَعَثَ يَقُولُ
إِنَّ عَلِيّاً وَ جَعْفَراً ثِقَتِي* * * عِنْدَ مُهِمِّ الْأُمُورِ وَ الْكَرْبِ
لَا تَخْذُلَا وَ انْصُرَا ابْنَ عَمِّكُمَا* * * أَخِي لِأُمِّي مِنْ بَيْنِهِمْ وَ أَبِي
وَ اللَّهِ لَا يَخْذُلُ النَّبِيَّ وَ لَا* * * يَخْذُلُهُ مِنْ بَنِيَّ ذُو حَسَبٍ
(1)-
و قد أتت الأخبار بأن زيد بن حارثة تقدم أبا بكر في الإسلام بل روي أن أبا بكر لم يسلم حتى أسلم قبله جماعة من الناس و روى سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه كان أبو بكر أولكم إسلاما قال لا قد أسلم قبله أكثر من خمسين رجلا و أما الأخبار الواردة بأن أمير المؤمنين (ع) صلى مع رسول الله ص سبع سنين و الناس كلهم كانوا ضالين
فَمِنْهَا مَا أَخْبَرَنِي بِهِ شَيْخُنَا الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الثَّلْجِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ سَهْلِ بْنِ صَالِحٍ وَ كَانَ قَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْمُعَمَّرِ عَبَّادَ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص صَلَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيَّ وَ عَلَى عَلِيٍّ (ع) سَبْعَ سِنِينَ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى السَّمَاءِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَّا مِنِّي وَ مِنْ عَلِيٍّ ع
____________
(1) انظر: العذير ج 7 ص 356 نقله عن ديوان أبي طالب ص 36 و عن كتاب الأوائل للعسكري.
272
وَ مِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ لَقَدْ صَلَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيَّ وَ عَلَى عَلِيٍّ سَبْعَ سِنِينَ لِأَنَّا كُنَّا نُصَلِّي لَيْسَ مَعَنَا أَحَدٌ غَيْرُنَا
وَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الْمَلَائِكَةَ صَلَّتْ عَلَيَّ وَ عَلَى عَلِيٍّ سَبْعَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ بَشَرٌ
وَ مَا رَوَاهُ عَبَّادُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص سَبْعَ حِجَجٍ مَا يُصَلِّي مَعَهُ غَيْرِي إِلَّا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَدْخُلُ مَعَهُ الْوَادِيَ فَلَا نَمُرُّ بِحَجَرٍ وَ لَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ أَنَا أَسْمَعُهُ
وَ مَا رَوَى (ع) مِنْ قَوْلِهِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَ أَنَا أَخُو رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا كَذَّابٌ مُفْتَرٍ صَلَّيْتُ قَبْلَهُمْ سَبْعَ سِنِينَ
وَ مَا رَوَاهُ أَبُو رَافِعٍ قَالَ قَالَ ص بُعِثْتُ أَوَّلَ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَ صَلَّتْ خَدِيجَةُ آخِرَ يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَ صَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثَّلَاثَاءِ مِنَ الْغَدَاةِ مُسْتَخْفِياً قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ النَّبِيِّ ص أَحَدٌ سَبْعَ سِنِينَ
فصل في أن إسلامه (ع) كان عن بصيرة و استدلال
اعلم أنه لما توجهت الحجة على المخالفين بتقدم إسلام أمير المؤمنين (ع) على سائر المكلفين قالوا و ما الفضيلة في إسلام طفل لم يلحق بدرجة العقلاء البالغين و أي تكليف يتعين عليه يستحق بفعله الأجر من رب العالمين و هل كان إلقاء الإسلام إليه إلا على سبيل التوقيف و التلقين الذي يفعله أحدنا مع ولده لينشأ عليه و يصير له من الألفين و خطأ هؤلاء القوم لا يخفى للمتأملين و ضلالهم عن الحق واضح للمنصفين و ذلك أن الحال التي كان عليها رسول الله ص في ابتداء أمره من كتمان ما هو عليه و ستره و صلاته مختفيا في شعاب مكة للمخافة التي كان فيه
273
و التقية منتظرا لإذن الله تعالى في الإعلان و الإظهار فيبدي حينئذ أمره على تدريج يأمن معه المضار يقضي إلى أن يلقى ذلك إلى الأطفال و الصبيان الذين لا عقول لهم يصح معها الكتمان و الذين من عادتهم الإخبار بما علموه و الإعلان. فإذا علمنا و هذه صورة الحال أن النبي ص قد خص في ابتدائها بالوقوف على سر أحد الأطفال تحققنا أن ذلك الطفل مميز بصحة الفعل و الكمال. و ليس يستحيل حصول العقل و التمييز لابن عشر سنين و لا تجويز ذلك في الأمور المستبعدة عند العارفين و المنكر لذلك إنما يعول على الغالب في المشاهدات و العقل لا يمنع من وجود ما ذكرناه في نادر الأوقات بل لا يمنع من أن يجعل الله تعالى ذلك آية يخرق بها العادات و قد أخبر الله سبحانه عن نبيين من أنبيائه (ع) بما هو أعجب من هذا و هما عيسى و يحيى. فقال حاكيا كلام عيسى (ع) للناس في المهد إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا و قال في يحيى يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا- فإن قال الخصوم إن هذين نبيان يصح أن يكون لهما الآيات المعجزات قلنا فما المانع من تكميل الله تعالى عقل طفل في زمن نبينا (ع) و يمنحه صحة التمييز و الاستدلال و يخصه بالتكليف دون جميع الأطفال و يكون ذلك آية ل لنبيه ص و كرامة له في أخص الناس به و لوجه آخر من الصلاح يختص بعلمه و ليكون مع هذا كله إبانة لوليه الذي هو حجته و وصي نبيه ص فما المحيل لما ذكرناه و المانع من كونه كذلك.
274
أ و ليس قد روي أن الشاهد الذي شهد من أهلها في قميص يوسف (ع) كان طفلا في المهد له سنتان و ليس بنبي. و بعد فقد أوجدكم (1) الله تعالى عيانا من أحد أئمتنا (ع) ما هو أكثر مما أنكرتموه من هذه الحال و هو أبو جعفر محمد بن علي بن موسى (ع) (2) و شهادة المأمون لما عزم على تقريبه و مصاهرته و هو ابن تسع سنين بالعقل و العلم و الكمال (3) و اتفاقهم معه على أن يعقدوا له مجلسا للامتحان و سؤالهم يحيى بن أكثم القاضي في أن يتولى لهم ذلك و بذلهم له الأموال و ما جرى له من عجيب الكمال في السؤال و الجواب حتى عجز يحيى و وقف في (4) يديه و أذعن بالاستفادة منه و الرجوع إليه فيما لا يعلمه. و هذا أمر قد شاركتمونا في نقله و اتفق أصحاب الحديث (5) على حمله و لسنا نشك في أن هذا العلم و الفضل لم يحصل لأبي جعفر (ع) إلا من أحد وجهين (6) إما الإلهام فهو إذا معجز بان (7) به من الأنام
____________
(1) المرجح ان ضمير الجماعة المخاطبة و هو (كم) زائد.
(2) هو الإمام التاسع أبو جعفر محمّد بن علي الملقب بالجواد ولد سنة 195 ه و توفّي سنة 220 ه
(3) في النسخة أيضا الكلام.
(4) هكذا ورد في النسخة و لعلّ الصواب (بين).
(5) في النسخة الحديثين.
(6) في النسخة (لاحد) أيضا.
(7) بان أي انفصل و غاير.
275
و إما عن تلقين و تعليم و كان عمره وقت تلقينه ذلك و هو في وقت المناظرة ابن تسع سنين و قيل ثماني سنين أ و ليس هذا أعجوبة قد نقلتموها و أقررتم بها و سألتموها فأخبرونا كيف أقررتم لولد أمير المؤمنين (ع) في زمن المأمون بكمال العقل و العلم و حسن المعرفة و الفهم و هو ابن تسع سنين و أنكرتم أن يصح لأمير المؤمنين ص في زمن رسول الله ص كمال العقل و التكليف و له عشر سنين فإن قالوا نحن لا نعترف لأبي جعفر (ع) بهذا كانت السير قاضية بيننا و بينهم شاهدة للمحق (1) منا. ثم يقال لهم إن لم يكن الأمر كما ذكرناه من كمال عقل أمير المؤمنين (ع) وقت دعاء النبي ص له إلى الإسلام و هو في حال سر و كتمان و خوف من الشرك و الضلال أ ليس يكون قد غرر بنفسه فيما ألقاه إليه و فعل ما يشهد العقل بقبحه و خطإ المقدم عليه حاشا الرسول ص مما ينسبونه إليه و الذي ذكرناه في أمير المؤمنين (ع) أوضح من أن يشتبه الأمر فيه أ ليس هو القائل لرسول الله ص إنني لم أزل البارحة مفكرا فيما قلت لي فعرفت الحق و الصدق في قولك و أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أنك رسول الله فوقع منه الإقرار بالشهادة بعد فكر ليلة كاملة. فكيف تصح من طفل كما زعمتم غير عاقل أن يفكر في صحة النبوة ليلة كاملة حتى حصل له العلم بصدق المخبر بها بعد طول الروية و هل بعد هذا لبس يعترض عاقلا هجر العصبية و قد روي أعجب منه
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ النَّبِيَّ ص
____________
(1) في النسخة للحق أيضا.
276
عَرَضَ عَلَى عَلِيٍّ (ع) الْإِسْلَامَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (ع) أَنْظِرْنِي اللَّيْلَةَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص هِيَ أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ لَا تُخْبِرْ بِهَا أَحَداً
. فلينظر الغافلون إلى هذا الكلام الواقع منهما (ع) و سؤال أمير المؤمنين (ع) له في التأجيل و الإنظار. هذا و هو الذي كفله و رباه و لم يزل طائعا له في جميع ما يأمره و يراه فلما أتاه الأمر رأى أن الإقدام على الإقرار به من غير علم و يقين قبيح سأله التأجيل. ثم قول النبي ص له إنها أمانة في عنقك لا تخبر بها أحدا مما تشهد العقول بأسرها أنه لا يقال إلا لمميز يكون عقله كاملا. و يزيد هذه الحال أيضا بيانا أنه لما أسلم (ع) كان يخرج مع رسول الله ص إلى شعاب مكة فمرة يصلي معه و مرة أخرى يرصد له حتى روي أن كل واحد منهما كان إذا صلى صاحبه حرسه و وقف يرصد له فهل يصح أن يختص بهذا الأمر من لا عقل له لا و لكن قد يخفى صحته عمن لا عقل له و العجب أن مخالفينا يدفعون أن يكون إسلام أمير المؤمنين (ع) و هو ابن عشر سنين له فضيلة و رسول الله ص لم يدفع ذلك بل كان يعده له من أول الفضائل و يخبر به إذا مدحه و أثنى عليه في المحافل و العجب أنهم ينكرون علينا الاحتجاج بتقدم إسلامه و هو ص كان يحتج بذلك بين الصحابة و لا ينكره أحد عليه و لا يقول له و ما في ذلك من الفضل و إنما أسلمت و أنت طفل لا عقل لك
277
فصل في البلوغ
و أما ما ظن الخصوم من أن البلوغ إلى درجة التكليف هو الاحتلام و قولهم أن أمير المؤمنين (ع) لم يكن بلغ وقت إسلامه مبلغ المحتلمين فلا يكون من المكلفين فظن غير صحيح و لو كان الأمر كما زعموه لكان كل من بلغ الحلم مكلفا و نحن نعلم فساد ذلك لوجود بالغين من البله و المجانين غير مكلفين و الواجب الذي ليس عنه محيد أن يقال إن وجود العقل في الإنسان و صحة التمييز منه و الإدراك شرط في وجوب تكليف العقليات من النظر و الاستدلال و معرفة ما لا يسع جهله من الأمد و الواجبات و اعتقاد الحق بأسره و إدراك الصواب. و شرط أيضا في صحة تعلق [تكليف] (1) العبادات السمعيات و إن كان أكثرها يسقط عمن لم يبلغ الاحتلام و لا (2) يعلم سقوطه إلا من جهة السمع الوارد دون ما سواه و لم يكن المشروع (3) كله حاصلا في ابتداء البعثة و لا أتى الوحي وقت إسلام أمير المؤمنين (ع) لجميع العبادات السمعية فيعلم ما هو لازم لمن لم يبلغ مما هو غير لازم فأما التكليف الواجب في العقول فلا يجوز أن يسقط عمن له عقل و تحصيل (4) إذ هو بلوغ حد التكليف. و قد بينا أن أمير المؤمنين (ع) كان كامل العقل و هو ابن عشر سنين
____________
(1) النسخة خالية من كلمة تكليف و اضفناها تصحيحا للمعنى.
(2) في النسخة: و إن يعلم و وضعنا مكانها كلمة (و لا يعلم) تصحيحا للمعنى.
(3) في النسخة للمشروع.
(4) هنا كلمتان غير واضحين المراد.
278
فلزمته (1) المعرفة بالله تعالى و الرسول و بجميع ما يوجب معرفة العقول (2) و لزمه من التعبد المسموع ما قارن وجها من المصلحة له (3) و هذا كاف لذوي التحصيل و قد أوردت في هذا الكتاب من القول في إسلام أمير المؤمنين (ع) ما فيه منفعة للمؤمنين و حجة على المخالفين وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين و آله (4) الطيبين الطاهرين
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و حكمه
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص لَا شَرَفَ أَعْلَى مِنَ الْإِسْلَامِ وَ لَا كَرَمَ أَعَزُّ مِنَ التَّقْوَى وَ لَا مَعْقِلَ أَحْرَزُ مِنَ الْوَرَعِ وَ لَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ
مَنْ ضَاقَ صَدْرُهُ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى أَدَاءِ حَقٍّ مَنْ كَسِلَ لَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ
مَنْ عَظَّمَ أَوَامِرَ اللَّهِ أَجَابَ سُؤَالَهُ
مَنْ تَنَزَّهَ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ سَارَعَ إِلَيْهِ عَفْوُ اللَّهِ
مَنْ تَوَاضَعَ قَلْبُهُ لِلَّهِ لَمْ يَسْأَمْ بَدَنُهُ [مِنْ] طَاعَةِ اللَّهِ
الدَّاعِي بِلَا عَمَلٍ كَالرَّامِي بِلَا وَتَرٍ
لَيْسَ مَعَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ نَمَاءٌ وَ لَا مَعَ الْفُجُورِ غِنًى
عِنْدَ تَصْحِيحِ الضَّمَائِرِ تُغْفَرُ الْكَبَائِرُ
تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ
عِنْدَ الْخَوْفِ يَحْسُنُ الْعَمَلُ
____________
(1) في النسخة فلزمه أيضا.
(2) في النسخة معرفة المعقول أيضا.
(3) هنا كلمتان غير واضحتين
(4) النسخة خالية من كلمة و آله.
279
رَأْسُ الدِّينِ صِحَّةُ الْيَقِينِ
أَفْضَلُ مَا لَقِيتَ اللَّهَ بِهِ نَصِيحَةٌ مِنْ قَلْبٍ وَ تَوْبَةٌ مِنْ ذَنْبٍ
إِيَّاكُمْ وَ الْجَدَلَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الشَّكَّ فِي دِينِ اللَّهِ
بِضَاعَةُ الْآخِرَةِ كَاسِدَةٌ فَاسْتَكْثِرْ مِنْهَا فِي أَوَانِ كَسَادِهَا
الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ
وَ دُخُولُ الْجَنَّةِ رَخِيصٌ وَ دُخُولُ النَّارِ غَالٍ
التَّقِيُّ سَائِقٌ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ
مَنْ غَرَسَ أَشْجَارَ التُّقَى جَنَى ثِمَارَ الْهُدَى
الْكَرِيمُ مَنْ أَكْرَمَ عَنْ ذُلِّ النَّارِ وَجْهَهُ
ضَاحِكٌ مُعْتَرِفٌ بِذَنْبِهِ أَفْضَلُ مِنْ بَاكٍ مُدِلٍّ عَلَى رَبِّهِ
مَنْ عَرَفَ عَيْبَ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ
مَنْ نَسِيَ خَطِيئَتَهُ اسْتَعْظَمَ خَطِيئَةَ غَيْرِهِ
وَ مَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ وَ رَضَاهَا لِنَفْسِهِ فَذَلِكَ الْأَحْمَقُ بِعَيْنِهِ
كَفَاكَ أَدَبُكَ لِنَفْسِكَ مَا كَرِهْتَهُ لِغَيْرِكَ
اتَّعِظْ بِغَيْرِكَ وَ لَا تَكُنْ مُتَّعِظاً بِكَ
لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ تُعْقِبُ نَدَامَةً
تَمَامُ الْإِخْلَاصِ تَجَنُّبُ الْمَعَاصِي
مَنْ أَحَبَّ الْمَكَارِمَ اجْتَنَبَ الْمَحَارِمَ
جَهْلُ الْمَرْءِ بِعُيُوبِهِ مِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِهِ
مَنْ أَحَبَّكَ نَهَاكَ وَ مَنْ أَبْغَضَكَ أَغْرَاكَ
وَ مَنْ أَسَاءَ اسْتَوْحَشَ
مَنْ عَابَ عِيبَ
وَ مَنْ شَتَمَ أُجِيبَ
أَدُّوا الْأَمَانَةَ وَ لَوْ إِلَى قَاتِلِ الْأَنْبِيَاءِ
الرَّغْبَةُ مِفْتَاحُ الْعَطَبِ
وَ التَّعَبُ مَطِيَّةُ النَّصَبِ
280
الشَّرُّ دَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ
مَنْ تَوَرَّطَ فِي الْأُمُورِ غَيْرَ نَاظِرٍ فِي الْعَوَاقِبِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَدْرَجَاتِ النَّوَائِبِ
مَنْ أَتَى ذِمِّيّاً وَ تَوَاضَعَ لَهُ لِيُصِيبَ مِنْ دُنْيَاهُ شَيْئاً ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ
مَنْ لَزِمَ الِاسْتِقَامَةَ لَزِمَتْهُ السَّلَامَةُ
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْمُفِيدُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الثَّلْجِ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَهْرَامَ قَالَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى الطَّالَقَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَوْ أَنَّ الْغِيَاضَ أَقْلَامٌ وَ الْبَحْرَ مِدَادٌ وَ الْجِنَّ حُسَّابٌ وَ الْإِنْسَ كُتَّابٌ مَا أَحْصَوْا فَضَائِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
و أنشدت (1) لابن وكيع الشاعر (2) في أمير المؤمنين ص هذه الأبيات
قالوا علي لما ذا لست تمدحه* * * فقلت أصبحت في ذا الفعل معذورا
صرفت مدحي إلى من نور مدحته* * * يعده الناس إسرافا و تبذيرا
و لم أطق مدح من فاتت فضائله* * * قدر المدائح منظوما و منثورا
و من جواد قريضي إن بعثت به* * * في مدحه من علاه عاد محسورا
____________
(1) في النسخة و أنشدت بيتين، و هو زيادة من الناسخ.
(2) هو أبو محمّد الحسن بن عليّ بن أحمد بن محمّد خلف البغداديّ أحد الشعراء البارعين توفي بمدينة تنيس من ديار مصر بالقرب من دمياط سنة 393 ه. له ديوان شعر و من شعره:
لقد قنعت همتي بالخمول* * * وحدت عن الرتب العالية
و ما جهلت طعم طيب العلا* * * و لكنها تؤثر العافية
و وكيع لقب جده أبي محمّد بن خلف و كان فاضلا عالما بالقرآن و الفقه و النحو و السير و له مصنّفات توفّي سنة 306 ه.
281
أ أزعم الغيث يحيي الأرض وابله* * * أم أزعم البدر قد عم الورى نورا
ما زلت ذاك و ذا بالوصف منهية* * * و لا أتيت بفضل كان مستورا
متى صرفت إليه الشعر امدحه* * * شهرت من وصفه ما كان مشهورا
و ظلت أتعب فيمن ليس يرفعه* * * مدحي و انشر فضلا كان منشورا
سارت مآثره بالفضل ظاهرة* * * فما ترى لمديح فيه تأثيرا
و أصبح الوصف منه لاستفاضته* * * كاللفظ كرر في الأسماع تكريرا
يعد جهدي تقصيرا بمدحته* * * و لست أرضى بجهد عد تقصيرا
و أظنه بنى على قول المتنبئ
و تركت مدحي للوصي تعمدا* * * إذ كان نورا مستقلا كاملا (1)
و إذا استقل (2) الشيء قام بنفسه* * * و أرى صفات الشمس تذهب باطلا
و في هذا المعنى لأبي نواس في الرضا ع
قيل لي لم تركت مدح ابن موسى* * * و الخصال التي تجمعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام* * * كان جبريل خادما لأبيه
- و لبعضهم
لا يبلغن مدح النبي و آله* * * قوم إذا ما بالمدائح فاهوا
رجل يقول إذا تكلم قال لي* * * جبريل أخبرني بذاك الله
و من مليح ما وجدته لابن الرومي
لي أحمدان لدنياي و آخرتي* * * و لي عليان فانظر من أعدت ولي
من خاتم الملك في الدنيا بخنصره* * * و من على كتفيه خاتم الرسل
تعلقت راحتي منهم بأربعة* * * إن عشت أو مت للتأميل و الأمل
منهم باثنين ما استسمحت يسمح لي* * * كما باثنين ما استشفعت يشفع لي
فللشفاعة حسبي أحمد و علي* * * و للمعيشة حسي أحمد و علي
____________
(1) في ديوان المتني و المحفوظ هكذا: إذ كان نورا مستطيلا شاملا).
(2) في الديوان و المحفوظ: و إذا استطال الشيء قام بنفسه و صفات ضوء الشمس تذهب باطلا.
282
فصل في فضل اقتناء الكتب
قال بعض الحكماء الكتب أصداف الحكم تنشق عنها جواهر الشيم و قيل لآخر ما بلغ من شهوتك للكتب و رغبتك في قراءتها فقال إذا نشطت فهي لذتي و إذا اغتممت فهي سلوتي و قال آخر ما ورثت الأسلاف للأخلاف كنوزا أفضل من الكتب و لا حلت الآباء الأبناء حليا أجمل من الأدب. و ليم آخر على إنفاذ المال في الكتب و ترك الولد بغير عقل فقال إني أعتقد لهم كتب علوم تخلص أرواحهم لأعق أموال تنعم أشباحهم. و قيل لآخر فلان مات و ما خلف لولده إلا كتبا فقال لقد خلف لهم مآثر لا تعفوها الأيام و ترك لهم موارث لا تنفدها الأعوام. و قال بعض المصنفين في فضل الكتب و اقتنائها اعلم أن الكتاب قيد على الناس علم الدين و أخبار الأولين مع خفة محمله و صغر جثته صامت ما أسكته بليغ ما استنطقته و من بمسامر لا يبتديك في حال شغلك و لا يدعك في أوقات نشاطك و لا يحوجك إلى التجمل له و التذمم منه. و من لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبا و وروده حبا (1) و إن شئت لزمك لزوم ظلك فكان منك مكان بعضك و الكتاب هو الذي إذا نظرت فيه أطال إمتاعك و شحذ طباعك و بسط لسانك و جود بيانك و فخم ألفاظك و عمر صدرك و منحك صداقة الملوك و تعظيم العوام و عرفت به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر.
____________
(1) في النسخة: جسما.
283
قال و الكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار و يطيعك في السفر كطاعته في الحضر لا يقصر عنك بنوم و لا يعتريه ملال و هو المعلم الذي إن افتقرت إليه لم يحقرك و إن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة و إن عدلت عنه لم يدع طاعتك و إن هب ريح أعدائك لم ينقلب عليك و متى كنت منه متعلقا بسبب و معتصما بحبل لم تضطرك معه وحشة الانفراد إلى الجليس السوء. و لو لم يكن من فضله عليك و إحسانه إليك إلا منعه لك من الجلوس على بابك و النظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق في فضول النظر و ملابسة صغار الناس و حضور ألفاظهم الساقطة و أخلاقهم الردية لكان في ذلك السلامة يوم القيامة و نعم الجليس. و قال في هذا المعنى و الكتاب نعم الذخر و القعدة و نعم الجليس و العقدة و نعم السيرة و النزهة و نعم الشغل و الحرفة و نعم الأنيس ساعة الوحدة و نعم المعرفة ببلاد الغربة و نعم القرين و الدخيل و نعم الوزير و الزميل و الكتاب وعاء مليء علما و ظرف حشي ظرفا و إناء شحن مزاحا و جدا إن شئت كان أبين من سحبان وائل (1) و إن شئت كان أعي من باقل (2) و إن شئت ضحكت من نوادره و إن شئت عجبت من غرائب فوائده و إن شئت ألهتك نوادره و إن شئت أشحتك مواعظه. و بعد فمتى رأيت بستانا يخمل في ردن و روضة تنقلب في حجر ينطق عن الموتى و يترجم كلام الأحياء و من لك بمؤنس لا ينطق إلا بما تهوى آمن من في الأرض و أكتم للسر من صاحب السر.
____________
(1) هو من ألسنة الجاهليين و خطباء الإسلام و يضرب فيه المثل في الفصاحة و البيان توفّي سنة (54 ه)- (673 م) و في النسخة (من تيجان وائل).
(2) هو باقل بن عمرو بن ثعلبة الإيادي يضرب فيه المثل في العي و الفهاهة.
284
و قال لا أعلم جارا أبر و لا خليطا أنصف و لا رفيقا أطوع و لا معلما أخضع و لا صاحبا أظهر كفاية و أقل جناية و لا أقل ملالا و إبراما و خلافا و جزافا و لا أقل غيبة و لا أبعد من مرأى و لا أترك لشغب و لا أزهد في جدل و لا أكف عن قتال من كتاب و لا أعلم قرينا و لا أحسن موافاة و لا أعجل مكافاة و لا أحضر معرفة و لا أخف مئونة و لا شجرا أطول عمرا و لا أطيب ثمرا و لا أقرب مجتنى و لا أسرع إدراكا و لا أوجد في كل أوان من كتاب (1) و أنشد بعضهم
و إذا الهموم تضيقتك و لم تجد* * * أحدا و مل فؤادك الأصحابا
فاعمد إلى الكتب التي قد ضمنت* * * أوراقها الأشعار و الآدابا
فهي التي تنفي الهموم و لم تجد* * * أحدا له أدب يمل كتابا
فصل
حكى شيخنا المفيد رضي الله عنه في بعض كتبه (2) قال قد ألزم الفضل بن شاذان (رحمه الله) فقهاء العامة (3) قولهم في الميراث أن يكون نصيب بني العم أكثر من نصيب الولد و اضطرهم إلى الاعتراف بذلك فقال
____________
(1) أحسب أن هذا الفصل في وصف الكتاب هو من إنشاء المؤلّف، لأنّه بأسلوبه أشبه.
(2) و هو كتاب الفصول المختارة ج 1 ص 123- 124.
(3) في النسخة: الناحبة و التصحيح مطابق لما في الفصول المختارة. و الفضل بن شاذان النيسابوريّ الأزدي المتوفي عام (260 ه) و هو من شيوخ الفقه و الكلام و الآثار الشيعة، و له مؤلّفات كثيرة أنهاها مترجموه إلى مائة و ثمانين كتابا.
285
خبروني عن رجل توفي و خلف ثلاثين ألف درهم و خلف ثماني و عشرين بنتا و ابنا واحدا كيف تقتسمون الميراث فقالوا نعطي الولد الذكر ألفي درهم و نعطي كل بنت ألف درهم فيكون للبنات ثمانية و عشرون ألف درهم على عددهم و يحصل الذكر ألفا درهم فيكون له ما قسمه الله عز و جل و أوجبه في كتابه من قوله و لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قال لهم فما تقولون لو كان موضع الابن ابن عم كيف تقسم الفريضة. فقالوا نعطي ابن العم عشرة آلاف درهم و نعطي البنات كلهن عشرين ألف درهم فقال لهم الفضل بن شاذان (رحمه الله) فقد صار ابن العم أوفر حظا من الابن للصلب و الابن مسمى في التنزيل متقربا بنفسه و بنو العم لا تسمية لهم و إنما يتقربون بأبيهم و أبوهم يتقرب بجده و الجد يتقرب بأبيه و هذا نقض للشريعة قال شيخنا المفيد رضي الله عنه و إنما لزمت هذه الشناعة فقهاء العامة خاصة لقولهم بأن من عدا الزوج و الزوجة و الأبوين يرثون مع الولد على خلاف مسطور الكتاب و السنة و إنما أعطوا ابن العم عشرة آلاف درهم في هذه الفريضة من حيث تعلقوا بقوله تعالى فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ فلما بقي الثلث أعطوه لابن العم فلحقتهم هذه الشناعة المخرجة لهم من الدين و نجت الشيعة من ذلك و الحمد لله (1). و وجدت في أمالي (2) شيخنا المفيد رضي الله عنه
____________
(1) انظر: الفصول المختارة ج 1 ص 122.
(2) هذا موجود في الفصول المختارة ج 1 ص 44.
286
أن أبا الحسن علي بن ميثم (1) رضي الله عنه دخل على الحسن بن سهل و إلى جانبه ملحد قد عظمه (2) و الناس حوله فقال له قد رأيت عجبا قال و ما هو قال رأيت سفينة تعبر الناس من جانب إلى جانب بغير ملاح و لا ماصر قال فقال الملحد إن هذا أصلحك الله لمجنون قال و كيف قال لأنه يذكر عن خشب جماد لا حيلة له و لا قوة و لا حياة فيه و لا عقل أنه يعبر الناس و يفعل فعل الإنسان كيف يصح هذا. فقال له أبو الحسن فأيما أعجب هذا أو هذا الماء الذي يجري على وجه الأرض يمنة و يسرة بلا روح و لا حيلة و لا قوى و هذا النبات الذي يخرج من الأرض و المطر الذي ينزل من السماء كيف يصح ما تزعمه من أن لا مدبر له كله و أنت تنكر أن تكون سفينة تتحرك بلا مدبر و تعبر الناس بلا ملاح قال فبهت الملحد
فصل أجبت به بعض الإخوان عن ثلاث آيات من القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الموفق للسداد و صلواته على حججه في العباد مولانا محمد خاتم النبيين و آله الطاهرين هذه ثلاث آيات من القرآن سأل عنها بعض أهل الإيمان أوضحت معانيها و ما يتعلق به المخالفون منها و أجبت عن ذلك بما اقتضاه الصواب على سبيل الاختصار دون الإطناب
____________
(1) هو عليّ بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم الثمار الكوفيّ صاحب أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) و توفّي سنة (179 ه)، و هو من متكلمي الشيعة البارزين في عصر الرشيد. و له عدة مؤلّفات.
(2) في النسخة: قد أعظم الناس حوله و صوبناه اعتمادا على النصّ الوارد في الفصول المختارة.
287
الآية الأولى قول الله عز و جل وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ المواضع المسئول عنها من هذه الآية التي يتعلق بها المخالفون منها ثلاث مواضع. أحدها قول موسى (ع) أ فتهلكنا بما فعل السفهاء منا فيقولون كيف خفي على نبي الله أنه لا يجوز في العدل و الحكمة أخذ العبد بجرم غيره. الثاني قوله إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ فزعمت المجبرة أن في هذا دلالة على أن الله تعالى يفتن العباد الفتنة التي هي الإضلال. الثالث قوله تضل بها من تشاء و تهدي من تشاء قالوا و هذا بيان أنه سبحانه يفعل في طائفة من عباده الضلال و يحرمهم الإيمان و يخص الأخرى بالهدى و يجنبها الضلال. الجواب أما قول موسى (ع) أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ففيه وجهان أحدهما أن الهلاك هنا هو الموت قال الله تعالى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ (1) يعني مات فكان موسى (ع) قال على سبيل السؤال أ تميتنا مع هؤلاء السفهاء و ليس الموت الذي سأل عنه عقوبة بل على ما جوزه من اتفاق حضور الميتة كما اتفق هلاك العالمين في طوفان نوح (ع) إلا من حملت السفينة فكان هلاك الكفار منهم عقوبة لهم و هلاك الأطفال و البهائم و من لا تكليف عليه معهم لحضور آجالهم
____________
(1) سورة النساء 176
288
و قامت الباء في قوله تعالى بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مقام مع لأنهما جميعا من حروف الخفض. و الوجه الثاني أن يكون قوله أ فتهلكنا بما فعل السفهاء منا خرج منه على وجه الاستبعاد لذلك و النفي و الإنكار كما يقول أحدنا للحاكم أ تراك تظلمني في فعلك أو تجور علي في حكمك و هو لا يريد سؤاله بل يقصد نفي الظلم و الجور عنه و استبعاد وقوعهما منه قال جرير
أ عبدا حل في شعبي غريبا* * * أ لؤما لا أبا لك و اغترابا
يريد أن لا يجتمع هذان. و أما قوله إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [فإن] (1) الفتنة على ضروب في الكلام و هي في هذا المكان بمعنى المحنة و الاختبار قال الله تعالى [وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً] (2) يعني اختبرناك اختبارا و كأنه قال إن هي إلا فتنتك التي امتحنت بها خلقك و [اختبرتهم] (3) في التكليف لتثبت من اهتدى بها و تعاقب من ضل [عنها] (4) و أما قوله تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ فإنه ذكر في هذه الآية و في نظائرها أنه يضل قوما و يهدي آخرين مجملا للقول في ذلك من غير تفسير. و كشف في آيات أخر عمن يشاء أن يضلهم و من يريد أن يهديهم و ميزهم وصف بعضهم من بعض و بينهم فقال في الضلال وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ و قال وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ. فأخبر أنه لا يشاء أن يضل إلا من سبقت منه الجناية و اقترف الإساءة
____________
(1) في النسخة (تكن).
(2) طه: 40
(3) في النسخة: و أخبرتهم.
(4) في النسخة: عندها.
289
و قال في الهدى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ و قال وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فأوضح بهذه الآيات المفسرة عما ذكره في تلك الآيات المجملة فأما هذا الضلال منه و الهدى فهو يحتمل وجوها منها أن يكون الإضلال العقاب و الهدى الثواب و جاز ذلك في الكلام لأن الجزاء عندهم على الشيء يسمى باسم ذلك الشيء على طريق الاتساع و له نظائر في القرآن. و منها أن يضل العصاة عن الألطاف في الدنيا التي وعد بها أهل الإيمان و منها للتسمية فقد يقال أكذبني فلان إذا سماني كاذبا و أضلني إذا سماني ضالا قال الشاعر (1)
و طائفة قد أكفروني بحبكم* * * و طائفة قالوا مسيء و مجرم
(2) الآية الثانية قوله سبحانه وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ. المواضع المسئول عنها من هذه الآية الذي يسأل عنه من معانيها.
____________
(1) هو الكميت بن زيد الأسدي من ألمع شعراء الدولة الأموية و كان عالما بلغات العرب و أيامهم خصّ أكثر شعره في مديح أهل البيت (ع) و أفضله الهاشميات المشهورة توفّي سنة 126 ه
(2) هو مذنب لا مجرم، و هو من قصيدته البائية التي أولها:
طربت و ما شوقا إلى البيت أطرب* * * و لا لعبا مني و ذو الشيب يلعب
290
قوله إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ و ما في معناه في اللغة و قوله عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ فهو مما ينتسب به المجبرة و قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فقد قال بعض الملحدة إذا كانت رحمته وسعت كل شيء فكيف لم تسع الكافر الذي لم يرحمه. الجواب أما قوله هُدْنا إِلَيْكَ فمعناه تبنا إليك. و أما قوله عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ فالكلام فيه كالكلام في الضلال و الهدى و قد تقدم من الكلام في ذلك ما يستدل به على أنه تعالى لا يشاء أن يعذب إلا من عصى. و أما قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ففيه وجهان أحدهما أن نعمه سبحانه في الدنيا قد شملت الخلائق و وسعت العباد و سيكتبها في الآخرة للذين يتقون و يكونون على ما نعته من الصفات و الوجه الآخر أنه أراد بقوله وسعت كل شيء أن رحمته تسع الخلائق لو دخلوها و لا تقصر عنهم لو عملوا لها غير أنه لا يكتبها إلا لمن اتقى و فعل الحسنى. الآية الثالثة قول الله تعالى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ المواضع المسئول عنها من هذه الآية منها قوله تعالى النَّبِيَّ الْأُمِّيَ فقد ظن قوم أنه أراد بذلك عدم علمه بالخط.
291
و منها قوله تعالى وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ما هذا الإصر و الأغلال التي كانت عليهم و منها قوله فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ فقد تأول قوم ذلك في أبي بكر و عمر و عثمان و منها النور الذي كان معه (ع) ما هو ليقع العلم به الجواب أما قوله سبحانه الْأُمِّيَ فإنما نسبه إلى أم القرى و هي مكة قال الله تعالى لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَ مَنْ حَوْلَها و أهلها هم الأميون قال الله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ و هذا كاف في إبطال ما ظنوه. و أما الإصر هاهنا [ف] هو الثقل و الأثقال التي كانت عليهم و الأغلال يحتمل أن تكون الذنوب التي اقترفوها في حال الكفر و الضلال فأخبر الله سبحانه أنه يضعها عنهم إذا آمنوا به و برسوله (ع) و أما قوله فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ فهو مدح لمن كان على هذه الصفات و ليس فيه تسمية لأحد يزول معها الإشكال و لا على ما ادعاه المخالفون في ذلك دليل إجماع و من سبر الأخبار و اطلع في صحيح السير و الآثار علم أن أبا بكر و عمر و عثمان معرون من هذه الصفات. و هذا باب يتسع فيه الكلام و الواجب مطالبة من ادعى أن هذه الآية فيهم بدليل على دعواه يصح بمثله الاحتجاج فأما الآية نفسها فلا تدل على ذلك و أولى الأشياء أن يكون المدح فيها للذين حصل الاتفاق على استحقاقهم ما
292
تضمنته من الصفات ممن لا ريب في صحيح إيمانهم و عالي نصرتهم و جهادهم من أهل البيت (ع) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و حمزة بن عبد المطلب و عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب و جعفر بن أبي طالب و من الصحابة الأخيار و النجباء الأطهار زيد بن حارثة و خباب و عمار بن ياسر و سعد بن معاذ و المقداد و سلمان و أبو ذر و أبو أيوب الأنصاري و أبو الهيثم بن التيهان و خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين و ابنا سهل و عثمان و من في طبقتهم من أهل الإيمان رحمة الله عليهم أجمعين. و أما النور الذي أنزل معه فهو القرآن و لم يسم بذلك لأن فيه أجساما من الضياء لكن لما يتضمنه من الحجج و البيان الذي يستنار به في شريعة الإسلام و قد سماه الله تعالى نورا في موضع آخر فقال قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ و قال أيضا إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ و لم يرد أن فيها أجساما من الضياء و إنما أراد ما ذكرنا فهذا مختصر من الكلام في معاني هذه الآيات و الحمد لله الموفق للصواب و صلى الله على خيرته من خلقه محمد رسوله و آله. و وجدت في بعض الأناجيل مكتوبا أن المسيح (ع) قال و حقا أقول لست الشارب مما لفظته الكروم حتى أشرب ذلك غدا في الملكوت و في هذا على النصارى حجتان أحدهما أن المسيح (ع) كان لا يشرب الخمر و هو خلاف ما رووه عنه من قوله في لحم الخنزير و الخمر هذا لحمي فكلوه و هذا دمي فاشربوه
293
و الحجة الأخرى أن في الجنة شربا و إذا كان فيها شرب كان فيها أكل و ليست تذهب النصارى إلى هذا فأما روايتهم عنه (ع) أنه قال هذا لحمي فكلوه و هذا دمي فاشربوه فإنه يحتمل وجها من التأويل و يكون معناه التهديد و إن كان بلفظ الأمر كما يقول أحدنا لمن يتهدده اعمل ما شئت و هو لا يريد أمره. و يقوي هذا التأويل ما تضمنه الخبر عن قوله هذا لحمي و هذا دمي و نحن نعلم أن لحمه و دمه محرمان فيصح بما ذكرناه من أن المراد بالخبر التهديد (1) و اعلم أنا لم نتأول هذا الخبر توقفا عن رده و أنا لنعلم أنهم متهمون فيما يروون و إنما تأولناه تصرفا في النظر و إقامة الحجة على الخصم فأما ما في القرآن من التهديد الذي هو بلفظ الأمر فواضح أحدها قول الله سبحانه لإبليس أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً و قوله تعالى اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ مسألة إن سأل سائل عن قول الله تعالى في موضع من ذكر موسى (ع) وَ أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ. و عن قوله في موضع آخر
____________
(1) و بعبارة أوضح أن المراد به هو الزجر عنهما، على معنى إن ساغ لكم أكل لحمي فكلوا لحم الخنزير، و إن ساغ لكم شرب دمي فاشربوا الخمر.
294
فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ و قال ما معنى هذا الاختلاف في وصف العصا و قد أخبر في إحدى الآيتين أنها كانت كالجان و الجان الحية الصغيرة و ذكر في الآية الأخرى أنها ثعبان مبين و الثعبان الحية العظيمة فكيف تكون في خبر واحد بهاتين الصفتين المتباينتين. جواب قلنا قد أجيب عن هذا السؤال بأن موسى (ع) لما ألقى العصا جعلها الله تعالى على صفة الجان في سرعة حركتها و قوتها و كثرة نشاطها و على صفة الثعبان في عظم خلقها و هول منظرها و كبر جسمها فاجتمع فيه الوصفان لها فليس تشبيهها لها بالجان في إحدى الآيتين بموجب أن يكون لشبهة في جميع صفاته و لا تشبيهه لها بالثعبان في الآية الأخرى بدليل على أنها تماثله في سائر حالاته و على هذا الجواب لا تباين في الآيتين بحمد الله و منه. و وجه آخر و قد أجيب عن ذلك بجواب آخر و هو أن الآيتين ليستا خبرا عن حالة واحدة بل لكل واحدة منهما حال منفردة فالحال التي كانت العصا فيها كأنها جان كانت في ابتداء النبوة و قبل مصير موسى (ع) إلى فرعون مؤديا للرسالة و الحال التي صارت العصا فيها ثعبانا كانت عند لقائه و إبلاغه الرسالة و على هذا تدل التلاوة و لم يبق في المسألة شبهة و المنة لله
فصل
و روي في الحديث أن فضال بن الحسن بن فضال الكوفي مر بأبي حنيفة و هو في جمع كثير يملي عليهم شيئا من فقه حديثه فقال فضال لصاحبه كان معه و الله لا أبرح حتى أخجل أبا حنيفة
295
فقال صاحبه إن أبا حنيفة من قد علمت حاله و ظهرت حجته فقال فضال هل علت حجة على المؤمن ثم دنا منه فسلم عليه و قال يا أبا حنيفة يرحمك الله إن لي أخا يقول إن خير الناس بعد رسول الله ص علي بن أبي طالب و أنا أقول أبو بكر و بعده عمر فما تقول أنت يرحمك الله فأطرق أبو حنيفة مليا ثم رفع رأسه فقال كفى بمكانهما من رسول الله ص كرما و فخرا أ ما علمت أنهما ضجيعاه فأي حجة أوضح لك من هذا. فقال له فضال إني قد قلت لأخي هذا فقال و الله لئن كان الموضع ل رسول الله ص دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما و إن كان لهما فوهبا لرسول الله ص لقد أساءا و ما أحسنا في ارتجاعهما هبتهما و نكثهما عهدهما فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال لم يكن لهما خاصة و لكنهما نظرا في حق عائشة و حفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحق ابنتيهما فقال فضال قد قلت له ذلك فقال أنت تعلم أن النبي ص مات عن تسع فنظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك و بعد فما بال عائشة و حفصة ترثان رسول الله ص و فاطمة ابنته تمنع الميراث فصاح أبو حنيفة يا قوم نحوه عني فإنه رافضي (1)
فصل
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَعْرُوفُ بِالْجِعَابِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ مَحْبُوبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْحَرْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى عَنِ ابْنِ جَرِيحٍ عَنْ
____________
(1) هذا مذكور في الفصول المختارة ج 1 ص 42- 43. و تجده أيضا في احتجاج الطبرسيّ ص 207 انظر البحار ج 47 ص 400 هامش.
296
عَطَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ص لَيْلَةَ بَدْرٍ قَائِماً يُصَلِّي وَ يَبْكِي وَ يَسْتَعْبِرُ وَ يَخْشَعُ وَ يَخْضَعُ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ وَ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي وَ يَخِرُّ سَاجِداً وَ يَخْشَعُ فِي سُجُودِهِ وَ يُكْثِرُ التَّضَرُّعَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ قَدْ أَنْجَزْنَا وَعْدَكَ وَ أَيَّدْنَاكَ بِابْنِ عَمِّكَ عَلِيٍّ وَ مَصَارِعُهُمْ عَلَى يَدَيْهِ وَ كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِهِ فَعَلَيْنَا فَتَوَكَّلْ وَ عَلَيْهِ فَاعْتَمِدْ فَأَنَا خَيْرُ مَنْ تَوَكَّلْتَ عَلَيْهِ وَ هُوَ أَفْضَلُ مَنِ اعْتُمِدَ عَلَيْهِ
وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَتَكِيُّ الْخَطِيبُ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَالِسِيِّ [حَدَّثَكُمْ] (1) أَبُو أُمَيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ عَنْ جَابِرِ بْنِ صَبِيحٍ عَنْ أُمِّ شُرَحْيِلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بَعَثَ عَلِيّاً (ع) فِي سُرِّيَّةٍ قَالَتْ فَرَأَيْتُهُ رَافِعاً يَدَهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيّاً
وَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْعَتَكِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَضَرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَابِسٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حميرة [حَصِيرَةَ] عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص بِثَبِيرَ وَ هُوَ يَقُولُ أَشْرِقْ ثَبِيرُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَا سَأَلَكَ بِهِ أَخِي مُوسَى أَنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي وَ أَنْ تُيَسِّرَ لِي مِنْ أَمْرِي وَ أَنْ تُحَلِّلَ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ أَنْ تَجْعَلَ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي عَلِيّاً أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً
وَ بِإِسْنَادِهِ أَيْضاً عَنِ الْعَتَكِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَفْوَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا صَبَّاحُ بْنُ يَحْيَى الْمُرِّيُ
____________
(1) هكذا في النسخة.
297
قَالَ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَوْمَ الْأَحْزَابِ اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخَذْتَ مِنِّي عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَرْثِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ أُحُدٍ وَ هَذَا أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (1)
فصل
رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمَّا أَتَتِ الْأَحْزَابُ وَ حَاصَرَتِ الْمَدِينَةَ وَ أَقَامَتْ عَلَيْهَا بِضْعاً وَ عِشْرِينَ لَيْلَةً طَافَ الْمُشْرِكُونَ بِالْخَنْدَقِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ فَإِنَّهُ ضَرَبَ فَرَسَهُ فَعَبَّرَ بِهِ عَرْضَهُ وَ حَصَلَ فِي حَيِّزِ الْمَدِينَةِ فَأَخَذَ يُزَمْجِرُ فِي مَمَرِّهِ وَ مَجِيئِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ يُنَادِي بِالْبَرَازِ وَ لَا يُجِيبُهُ أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ وَ هُمْ مُطِيفُونَ بِهِ أَيُّكُمْ بَرَزَ إِلَى عَمْرٍو أَضْمَنُ لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ فَلَمْ يُجِبْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ هَيْبَةً لِعَمْرٍو وَ اسْتِعْظَاماً لِأَمْرِهِ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ وَ نَادَى أَصْحَابَهُ دَفْعَةً أُخْرَى فَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ الْقَوْمُ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ وَ نَادَى الثَّالِثَةَ فَلَمَّا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ سِوَاهُ اسْتَدْنَاهُ وَ عَمَّمَهُ بِيَدِهِ وَ أَمَرَهُ بِالْبُرُوزِ إِلَى عَدُوِّهِ فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَقُولُ بَرَزَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّهِ وَ كَانَ عَمْرٌو حِينَئِذٍ يَرْتَجِزُ وَ يَقُولُ
وَ لَقَدْ بَحَحْتُ مِنَ النِّدَاءِ* * * بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ
وَ وَقَفْتُ إِذْ جَبُنَ الشُّجَاعُ* * * مَوْقِفَ الْخَصْمِ الْمُنَاجِزِ
إِنِّي كَذَلِكَ لَمْ أَزَلْ* * * مُتَسَرِّعاً نَحْوَ الْهَزَاهِزِ
إِنَّ الشَّجَاعَةَ فِي الْفَتَى* * * وَ الْجُودَ مِنْ كَرَمِ الْغَرَائِزِ
فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص وَ هُوَ يَقُولُ
____________
(1) روي بعضه في منتخب الكنز ص 35 انظر حياة أمير المؤمنين ص 245
298
لَا تَعْجَلَنَّ فَقَدْ أَتَاكَ* * * مُجِيبُ صَوْتِكَ غَيْرَ عَاجِزٍ
ذُو نِيَّةٍ وَ بَصِيرَةٍ* * * وَ الصِّدْقُ مُنْجِي كُلِّ فَائِزٍ
إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَقُومَ* * * عَلَيْكَ نَائِحَةُ الْجَنَائِزِ
مِنْ طَعْنَةٍ نَجْلَاءَ يَبْقَى* * * ذِكْرُهَا بَيْنَ الْهَزَاهِزِ
(1) ثُمَّ جَادَلَهُ فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ صَرَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ جَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ فَلَمَّا هَمَّ أَنْ يَذْبَحَهُ وَ هُوَ يُكَبِّرُ اللَّهَ وَ يُحَمِّدُهُ قَالَ لَهُ عَمْرٌو يَا عَلِيُّ قَدْ جَلَسْتَ مِنِّي مَجْلِساً عَظِيماً فَإِذَا قَتَلْتَنِي فَلَا تَسْلُبْنِي حِلْيَتِي فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص هِيَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ وَ ذَبَحَهُ وَ أَتَى بِرَأْسِهِ وَ هُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ فَقَالَ عُمَرُ أَ لَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى عَلِيٍّ كَيْفَ يَتِيهُ فِي مِشْيَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّهَا مِشْيَةٌ لَا يَمْقُتُهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ. ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَتَلَقَّاهُ وَ مَسَحَ الْغُبَارَ عَنْ عَيْنَيْهِ فَرَمَى الرَّأْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا مَنَعَكَ مِنْ سَلَبِهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ خِفْتُ أَنْ يَلْقَانِي بِعَوْرَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ص أَبْشِرْ يَا عَلِيُّ فَلَوْ وُزِنَ الْيَوْمَ عَمَلُكَ بِعَمَلِ جَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ لَرَجَحَ عَمَلُكَ عَلَى عَمَلِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا وَ قَدْ دَخَلَهُ ذُلٌّ مِنْ قَتْلِ عَمْرٍو وَ لَمْ يَبْقَ بَيْتٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَ قَدْ دَخَلَهُ عِزٌّ بِقَتْلِ عَمْرٍو فَأَنْشَأَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ
نَصَرَ الْحِجَارَةَ مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهِ* * * وَ نَصَرْتُ رَبَّ مُحَمَّدٍ بِصَوَابٍ
فَضَرَبْتُهُ وَ تَرَكْتُهُ مُتَجَدِّلًا* * * كَالنَّسْرِ فَوْقَ دَكَادِكَ وَ رَوَابِي
وَ عَفَفْتُ عَنْ أَثْوَابِهِ و لَوْ أَنَّنِي* * * كُنْتُ الْمُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثْوَابِي
____________
(1) روي ذلك أبو جعفر الإسكافي في نقضه العثمانية للجاحظ انظر: رسائل الجاحظ ص 64- 65 و انظر: فضائل الخمسة ج 2 ص 320- 323 فقد روى شيئا منه عن مستدرك الصحيحين و غيره.
299
لَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ خَاذِلَ دِينِهِ* * * وَ نَبِيِّهِ يَا مَعْشَرَ الْأَحْزَابِ
(1) وَ لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) عَمْراً سَمِعَ مُنَادِياً يُنَادِي لَا يُرَى شَخْصُهُ قَتَلَ عَلِيٌّ عَمْراً قَصَمَ عَلِيٌّ ظَهْراً أَبْرَمَ عَلِيٌّ أَمْراً وَ وَقَعَتِ الْجَفْلَةُ بِالْمُشْرِكِينَ فَانْهَزَمُوا أَجْمَعِينَ وَ تَفَرَّقَتِ الْأَحْزَابُ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ. فَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ (رحمه الله) أَنَّهُ قَالَ مَا شَبَّهْتُ قَتْلَ عَلِيٍّ عَمْراً إِلَّا بِمَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمْرِ دَاوُدَ وَ جَالُوتَ حَيْثُ يَقُولُ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ (2)
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و حكمه
الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى الصَّبْرُ زِينَةُ الْبَلَاءِ التَّوَاضُعُ زِينَةُ الْحَسَبِ الْفَصَاحَةُ زِينَةُ الْكَلَامِ الْعَدْلُ زِينَةُ الْإِمَارَةِ السَّكِينَةُ زِينَةُ الْعِبَادَةِ الْحِفْظُ زِينَةُ الرِّوَايَةِ خَفْضُ الْجَنَاحِ زِينَةُ الْعِلْمِ حُسْنُ الْأَدَبِ زِينَةُ الْعَقْلِ بَسْطُ الْوَجْهِ زِينَةُ الْحِلْمِ الْإِيثَارُ زِينَةُ الزُّهْدِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ زِينَةُ الْمَعْرُوفِ الْخُشُوعُ زِينَةُ الصَّلَاةِ تَرْكُ مَا لَا يُعْنَى زِينَةُ الْوَرَعِ
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليهم أجمعين) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ الْفَرَائِضَ وَ أَزْهَدُ النَّاسِ مَنِ اجْتَنَبَ الْمَحَارِمَ وَ أَسْخَى النَّاسِ مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ وَ أَتْقَى النَّاسِ مَنْ قَالَ الْحَقَّ فِيمَا لَهُ وَ عَلَيْهِ
____________
(1) روى هذه الأبيات الطبرسيّ في إعلام الورى ص 100- 101 و انظر: الإرشاد للمفيد ص 45 و 47.
(2) انظر: المصدر ص 196 و الإرشاد ص 47.
300
وَ أَعْدَلُ النَّاسِ مَنْ رَضِيَ لِلنَّاسِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَ كَرِهَ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ وَ أَكْيَسُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَشَدَّ ذِكْراً لِلْمَوْتِ وَ أَغْبَطُ النَّاسِ مَنْ كَانَ فِي التُّرَابِ فِي أَمْنٍ مِنَ الْعِقَابِ يَرْجُو الثَّوَابَ وَ أَغْفَلُ النَّاسِ مَنْ لَمْ يَتَّعِظْ بِتَغَيُّرِ الدُّنْيَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَراً مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لِلدُّنْيَا عِنْدَهُ خَطَراً وَ أَعْلَمُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ وَ أَشْجَعُ النَّاسِ مَنْ غَلَبَ هَوَاهُ وَ أَكْثَرُ النَّاسِ قِيمَةً أَكْثَرُهُمْ عِلْماً وَ أَقَلُّ النَّاسِ قِيمَةً أَقَلُّهُمْ عِلْماً وَ أَقَلُّ النَّاسِ لَذَّةً الْحَسُودُ وَ أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الْبَخِيلُ وَ أَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْحَقِّ أَعْلَمُهُمْ بِهِ وَ أَقَلُّ النَّاسِ حُرْمَةً الْفَاسِقُ وَ أَقَلُّ النَّاسِ وَفَاءً الْمُلُوكُ وَ أَفْقَرُ النَّاسِ الطَّمِعُ وَ أَغْنَى النَّاسِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحِرْصِ أَسِيراً وَ أَكْرَمُ النَّاسِ أَتْقَاهُمْ وَ أَعْظَمُ النَّاسِ قَدْراً مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَ إِنْ كَانَ مُحِقّاً وَ أَقَلُّ النَّاسِ مُرُوءَةً مَنْ كَانَ كَاذِباً وَ أَمْقَتُ النَّاسِ الْمُتَكَبِّرُ وَ أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنُوبَ وَ أَسْعَدُ النَّاسِ مَنْ خَالَطَ كِرَامَ النَّاسِ وَ أعقل [أَغْفَلُ] النَّاسِ مَنْ أَشَدُّهُمْ تُهَمَةً لِلنَّاسِ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالتُّهَمَةِ مَنْ جَالَسَ أَهْلَ التُّهَمَةِ وَ أَبْغَى النَّاسِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ ضَرَبَ غَيْرَ ضَارِبِهِ
301
وَ أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ وَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالذَّنْبِ الْمُغْتَابُ وَ أَذَلُّ النَّاسِ مَنْ أَهَانَ النَّاسَ وَ أَحْزَمُ النَّاسِ أَكْظَمُهُمْ لِلْغَيْظِ وَ أَصْلَحُ النَّاسِ أَصْلَحُهُمْ لِلنَّاسِ وَ خَيْرُ النَّاسِ مَنِ انْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ (1)
وَ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع
تَخِذْتُكُمُ دِرْعاً حَصِينَا لِتَدْفَعُوا* * * سِهَامَ الْعِدَى عَنِّي فَكُنْتُمْ نِصَالُهَا
فَإِنْ أَنْتُمُ لَمْ تَحْفَظُوا لِمَوَدَّتِي* * * ذِمَاماً فَكُونُوا لَا عَلَيْهَا وَ لَا لَهَا
قِفُوا مَوْقِفَ الْمَعْذُورِ عَنِّي بِجَانِبٍ* * * وَ خَلُّوا نُبَالِي لِلْعِدَى وَ نِبَالِهَا
و أنشدني الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن أحمد الموسوي
كنا نعظم بالآمال بعضكم* * * ثم انقضت فتساوى عندنا الناس
لم تفضلونا بشيء غير واحدة* * * هي الرجاء فسوى بيننا اليأس
و أنشد لإبراهيم بن العباس كتبه إلى محمد بن عبد الملك (2)
أخي بيني و بين الدهر* * * صاحب أينا غلبا
صديقي استقام فإن* * * نبا دهر علي نبا
وثبت على الزمان به* * * فعاد به و قد وثبا
و لو عاد الزمان لنا* * * لطار به أخا حدبا
.
____________
(1) شطر من هذه الكلمات تجده في نهج البلاغة باب الحكم و الأمثال و غيرها و قد رواها الصدوق في الأمالي ص 18- 19
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن العباس بن محمّد بن صول توفّي سنة (242 ه) شاعر مجيد و أديب كبير من شخصيات الشيعة و له مدائح عدة في الإمام الرضا و أهل البيت و اضطر- تقية- لأن يحرق كل شعره بهم، و ديوان شعره نشره عبد العزيز الميمني ضمن مجموعة الطرائف سنة 1937 م و تجد بعض اخباره في عيون أخبار الرضا، ص 148
302
و له أيضا فيه
كنت أخي بإخاء الزمان فلما* * * جفا بنا صرت حربا عوانا
كنت أذم إليك الزمان فأصبحت* * * فيك أذم الزمانا
فكنت أعدك للنائبات* * * فأصبحت أطلب منك الأمانا
و له أيضا فيه
قدرت فلم تضرر عدوا بقدرة* * * وسمت به إخوانك الذل و الرغما
و كنت مليا بالتي قد يعافها* * * من الناس من يأبى الدنية و الذما
(1). مسألة امرأة جامعها ستة نفر في يوم واحد فوجب على أحدهم القتل و على الثاني الرجم و على الثالث الجلد و على الرابع نصف الجلد و على الخامس التعزير و لم يجب على السادس شيء. الجواب كان أحدهم ذميا فوجب عليه القتل و كان الآخر محصنا مسلما فوجب عليه الرجم و كان الآخر بكرا فوجب عليه الجلد و كان الآخر عبدا فعليه نصف الجلد و كان الآخر صبيا فعليه التعزير و كان الآخر زوجا فليس عليه شيء.
____________
(1) في النسخة و الوفا.
303
مسألة أخرى رجل له جارية يملك جميعها ليس لأحد معه نصيب لا يحل له جماعها حتى يجامعها غيره جواب هذا رجل كان زوجا لهذه الجارية ثم ابتاعها من سيدها و قد كان طلقها تطليقين فلا تحل له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (1). مسألة أخرى امرأة ولدت على فراش بعلها ببغداد فلحق نسبه برجل ببصرة فلزمه دون صاحب الفراش من غير أن يكون شاهد المرأة أو عرفها أو عقد عليها أو وطئها حلالا أو حراما جواب هذه امرأة بكر وقعت عليها ثيب في حال قد قامت فيها من جماع زوجها فحولت نطفة الرجل إلى فرجها فحملت منه و مضى على ذلك تسعة أشهر فتزوجت البكر في آخر التاسع برجل و دخلت عليه في ليلة العقد فولدت على فراشه ولدا تاما فأنكر الزوج ذلك و قررها على ضمها فاعترفت بما ذكرناه و أقرت الفاعلة أيضا فلحق الولد بصاحب النطفة على ما حكم به الحسن بن علي (ع) في أثر مذكور (2)
____________
(1) هذا وارد على رأي الإماميّة القائلين بالتحريم بطلقتين للأمة حتّى تنكح زوجا غيره و أن المدار في التحريم هو حال المطلقة الزوجة فإن كانت حرة فلا تحرم إلّا بثلاث طلقات و إن كان الزوج عبدا مملوكا، و إن كانت أمة فإنها تحرم على تطليقتين و إن كان زوجها المطلق حرا، و يدلّ عليه صراحة صحيحة الحلبيّ عن الصادق (ع) قال: طلاق الحرة إذا كانت تحت العبد ثلاث تطليقات، و طلاق الأمة إذا كانت تحت الحرّ تطليقتان و بمضمونها صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر (ع) و غيرهما. و يرى بعض السنة أن الاعتبار بحال الزوج إن كان حرا فلا تحرم إلّا بالثلاث و إن كانت أمة و تحرم باثنتين إذا كانت حرة و هو عبد.
(2) تجده ذلك في مناقب أبي طالب ج 3 ص 177.
304
فصل في الوعظ و الزهد
قيل لبعضهم كيف حالك قال كيف حال من يغنى ببقائه و يسقم بسلامته و يؤتى من مأمنه (1). و قيل لبعض حكماء العرب من أنعم الناس عيشا فقال من تحلى بالعفاف و رضي بالكفاف و تجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف قيل فمن أعلمهم فقال من صمت فادكر و نظر فاعتبر و وعظ فازدجر و روي أن الله تعالى يقول يا ابن آدم في كل يوم يؤتى رزقك و أنت تحزن و ينقص عمرك و أنت لا تحزن تطلب ما يطغيك و عندك ما يكفيك. و قيل أغبط الناس من اقتصد فقنع و من قنع فك رقبته من عبودية الدنيا و ذل المطامع. و قيل الفقير من طمع و الغني من قنع و قيل من كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ و قيل لا يزال العبد بخير ما دام له واعظ من نفسه و كانت المحاسبة من همه. و وعظ رجل فقال عباد الله الحذر الحذر فو الله لقد ستر حتى كأنه قد غفر و لقد أمهل حتى كأنه قد أهمل (2).
____________
(1) هذه الكلمة للإمام عليّ (عليه السلام) و هي مذكورة في النهج في القسم الثالث رقم 115.
(2) هذه الكلمة لأمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) و هي مذكورة في النهج في الباب الثالث رقم 29.
305
و قيل العجب لمن يغفل و هو يعلم أنه لا يغفل عنه و أن يهنئه عيشه و هو لا يعلم إلى ما ذا يصير أمره و قيل إن للباقي بالفاني معتبر أو للآخر بالأول مزدجر فالسعيد لا يركن إلى الخدع و لا يغتر بالطمع قال آخر كيف أذخر عملي و لست أدري متى يحل أجلي أم كيف تشتد حاجتي إلى الدنيا و ليست بداري أم كيف أجمع و في غيرها قراري أم كيف لا أمهد لرجعتي قبل انصراف مدتي و قال عمر بن الخطاب لأبي ذر الغفاري عظني قال له ارض بالقوت و خف الفوت و اجعل صومك الدنيا و فطرك الموت. و قال آخر عجبا لمن تكتحل عينه برقاد و الموت ضجيعها على وساد و قال آخر نظرنا فوجدنا الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله و قال آخر عجبي لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء و لا يحتمي من الذنوب مخافة النار و قيل كيف يصفو عيش من هو عما عليه مأخوذ بما لديه محاسب على ما وصل إليه و قال آخر عجبا لمن يقصر عن الواضحة و هو يعمل بالفاضحة و قيل إذا زللت فارجع و إذا أذنبت فاقلع و إذا أسأت فاندم و إذا ائتمنت فاكتم و قال المسيح (ع) تعملون للدنيا و أنتم ترزقون فيها بغير عمل و لا تعملون للآخرة و أنتم لا ترزقون فيها إلا بعمل و قال (ع) إذا عملت الحسنة فاله عنها فإنها عند من لا يضيعها و إذا عملت السيئة فاجعلها نصب عينيك.
306
و قيل لحكيم لم تدمن إمساك العصا و لست بكبير و لا مريض قال لأعلم أني مسافر و قيل من أحسن عبادة الله في شبيته (1) لقاه الله الحكمة في بلوغه أشده و ذلك قوله سبحانه وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ و لا بأس أن يعذل المقصر المقصر قال بعضهم لا يمنعكم معاشر السامعين سوء ما تعلمون منا أن تقبلوا أحسن ما تسمعون منا قال الخليل بن أحمد اعمل بعلمي و لا يضرك تقصيري نعوذ بالله أن يكون ما علمنا حجة علينا لا لنا انظر يا أخي لنفسك و لا تكن ممن جمع علم العلماء و طرائف الحكماء و جرى في العمل مجرى السفهاء
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجِعَابِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ ثَلَاثُونَ حَقّاً لَا بَرَاءَةَ لَهُ إِلَّا الْأَدَاءُ أَوِ الْعَفْوُ يَغْفِرُ زَلَّتَهُ وَ يَرْحَمُ عَبْرَتَهُ وَ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَ يُقِيلُ عَثْرَتَهُ وَ يَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ وَ يَرُدُّ غِيبَتَهُ وَ يُدِيمُ نَصِيحَتَهُ وَ يَحْفَظُ خُلَّتَهُ وَ يَرْعَى ذِمَّتَهُ وَ يَعُودُ مَرْضَتَهُ وَ يَشْهَدُ مَيْتَتَهُ وَ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ وَ يَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ وَ يُكَافِئُ صِلَتَهُ وَ يَشْكُرُ نِعْمَتَهُ وَ يُحْسِنُ نُصْرَتَهُ وَ يَحْفَظُ حَلِيلَتَهُ وَ يَقْضِي حَاجَتَهُ وَ يَشْفَعُ مَسْأَلَتَهُ وَ يُسَمِّتُ عَطْسَتَهُ وَ يُرْشِدُ ضَالَّتَهُ وَ يَرُدُّ سَلَامَهُ وَ يُطَيِّبُ كَلَامَهُ وَ يُبِرُّ إِنْعَامَهُ وَ يُصَدِّقُ إِقْسَامَهُ وَ يُوَالِي وَلِيَّهُ وَ يُعَادِي عَدُوَّهُ وَ يَنْصُرُهُ ظَالِماً وَ مَظْلُوماً فَأَمَّا نُصْرَتُهُ ظَالِماً فَيَرُدُّهُ عَنْ ظُلْمِهِ وَ أَمَّا نُصْرَتُهُ مَظْلُوماً فَيُعِينُهُ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ وَ لَا يُسْلِمُهُ وَ لَا يَخْذُلُهُ وَ يُحِبُّ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وَ يَكْرَهُ لَهُ مِنَ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ
____________
(1) في النسخة مشيته.
307
ثُمَّ قَالَ (ع) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَدَعُ مِنْ حُقُوقِ أَخِيهِ شَيْئاً يُطَالِبُهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقْضِي لَهُ وَ عَلَيْهِ (1)
وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَخْرٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ بِالْبَصْرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا مَنْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا
مسألة فقهية لأبي النجا
أ تعرف من قد باع من مهر أمه* * * أباه فوفاها بحق صداقها
و كانت قديما أشهدت كل من رأت* * * بأن أباه قد أبت طلاقها
الجواب
إذا أنت عقدت المسائل ملغزا* * * أتتك جوابات تحل وثاقها
تزوج عبد حرة أنجبت فتى* * * و صادفه قول أبان فراقها
فأنكحها مولاه من بعد رغبة* * * لما قد رأى منها و أسنى صداقها
____________
(1) رواه الشهد الثاني زين الدين العاملي الجبعي في آخر رسالته في الغيبة المطبوعة مع كشف الفوائد و حقائق الإيمان و أسرار الصلاة ص 260- 261- بسنده عن الكراجكيّ المؤلّف.
308
فوكلت ابن العبد في قبض مهرها* * * و أفلس مولاه و أبدى عتاقها
فباع الوكيل العبد بالحكم إذ رأى* * * هوى أمه في بيعها و ارتفاقها
تفسير الجواب هذه امرأة حرة فتزوجت عبدا فولدت منه ابنا ثم طلقها العبد فأنكحها مولاه بصداق مسمى فوكلت ابنها من العبد بقبض مهرها و فلس المولى فقضى لها العبد في واجبها فوكلت ابنها في بيعه لاستيفاء صداقها
فصل في ذكر مجلس جرى لي ببليس (1)
حضرت في سنة ثماني عشرة و أربعمائة مجلسا فيه جماعة ممن يجب استماع الكلام و مطلع نفسه فيه إلى السؤال فسألني أحدهم فقال كيف يصح لكم القول بالعدل (2) و الاعتقاد بأن الله تعالى لا يجوز عليه الظلم مع قولكم إنه سبحانه يعذب الكافر في يوم القيامة بنار الأبد عذابا متصلا غير منقطع و ما وجه الحكمة و العدل في ذلك. و قد علمنا أن هذا الكافر وقع منه كفره في مدة متناهية و أوقات محصورة و هي مائة سنة في المثل و أقل و أكثر فكيف جاز في العدل عذابه أكثر من زمان كفره و ألا زعمتم أن عذابه متناه كعمره ليستمر القول بالعدل و تزول مناقضتكم لما تنفون عن الله تعالى من الظلم.
____________
(1) بلبيس بكسر البانين و سكون اللام و ياء و سين مهملة مدينة بينها و بين فسطاط مصر عشرة فراسخ على طريق الشام، كان يسكنها عبس بن بغيض، فتحت سنة 18/ 19 ه على يد عمرو بن العاص، و قال:
جزى عربا ببلبيس ربها* * * بمسعاتها تقرر بذاك عيونها
كراكر من قيس بن عيلان ساهرا* * * جفون ظباها للعلى و جفونها
كذا ذكره ياقوت في العجم م ا س 479
(2) في النسخة بالقول
309
الجواب فقلت له سألت فافهم الجواب اعلم أن الحكمة لما اقتضت الخلق و التكليف وجب أن يرغب العبد فيما أمره به من الإيمان بغاية الترغيب و يزجره عما نهى عنه في الكفر بغاية التخويف و الترهيب ليكون ذلك أدعى له إلى فعل المأمور به و أزجر له عن ارتكاب المنهي عنه و ليس غاية الترغيب إلا الوعد بالنعيم الدائم المقيم و لا يكون غاية التخويف و الترهيب إلا التوعيد بالعذاب الخالد الأليم. و خلف الخبر كذب و الكذب لا يجوز على الحكيم فبان بهذا الوجه أن تخليد الكافر في العذاب الدائم ليس بخارج عن الحكمة و القول به مناقض للأدلة. فقال صاحب المجلس قد أتيت في جوابك بالصحيح الواضح غير أنا نظن بقية في السؤال تطلع نفوسنا إلى أن نسمع عنها الجواب و هي أن الحال أفضت إلى ما ينفر (1) منه العقل و هو أن عذاب أوقات غير محصورة يكون مستحقا على ذنوب مدة متناهية محصورة. فقلت له أجل إن الحال قد أفضت إلى أن الهالك على كفره يعذب بعذاب تقدير زمانه أضعاف زمان عمره و هذا هو السؤال بعينه و في مراعاة ما أجبت به عنه بيان إن العقل لا يشهد به و لا ينفر منه على أنني آتي بزيادة في الجواب مقنعة في هذا الباب. فأقول إن المعاصي تتعاظم في نفوسنا على قدر نعم المعصى بها و لذلك عظم عقوق الولد لوالده لعظم إحسان الوالد عليه و جلت جناية العبد على سيده لجليل إنعام السيد عليه فلما كانت نعم الله تعالى أعظم قدرا و أجل أثرا من أن توفى بشكر أو تحصى بحصر و هي الغاية في الإنعام الموافق
____________
(1) في النسخة: ينفرد.
310
لمصالح الأنفس و الأجسام كان المستحق على الكفر به و جحده إحسانه و نعمه هو غاية الآلام و غايتها هو الخلود في النار فقال رجل ينتمي إلى الفقه كان حاضرا قد أجاب صاحبنا الشافعي عن هذه المسألة بجوابين هما أجلى و أبين مما ذكرت. قال له السائل و ما هما قال أما أحدهما فهو أن الله سبحانه كما ينعم في القيامة على من وقعت منه الطاعة في مدة متناهية بنعيم لا آخر له و لا غاية وجب قياسا على ذلك أن يعذب من وقعت منه المعصية في زمان محصور متناه بعذاب دائم غير منقض و لا متناه. قال و الجواب الآخر أنه خلد الكفار في النار لعلمه أنهم لو بقوا أبدا لكانوا كفارا فاستحسن السائل هذين الجوابين منه استحسانا مفرطا أما لمغايظتي بذلك أو لمطابقتهما ركالة فهمه. فقال صاحب المجلس ما تقول في هذين الجوابين فقلت اعفني من الكلام فقد مضى في هذه المسألة ما فيه كفاية فأقسم علي و ناشدني فقلت إن المعهود من الشافعي و المحفوظ منه كلامه في الفقه و قياسه في الشرع. أما أصول العبادات و الكلام في العقليات فلم تكن من صناعته و لو كانت له في ذلك بضاعة لاشتهرت إذ لم يكن خامل الذكر فمن نسب إليه الكلام فيما لا يعلمه على طريق القياس و الجواب فقد سبه من حيث إن فساد هذين الجوابين لا يكاد يخفى عمن له أدنى تحصيل. أما الأول منهما و هو مماثلته بين إدامة الثواب و العقاب فإنه خطأ في العقل و القياس و ذلك أن مبتدي النعم المتصلة في تقدير زمان أكثر من زمان
311
الطاعة إن لم يكن ما يفعله مستحقا كان تفضلا و لا يقال للمتفضل المحسن لم تفضلت و أحسنت و لا للجواد المنعم لم جدت و أنعمت و ليس كذلك المعذب على المعصية في تقدير زمان زائد على زمانها لأن ذلك إن لم يكن مستحقا كان ظلما تعالى الله عن الظلم فالمطالبة بعلة المماثلة بين الموضعين لازمة و المسألة مع هذا الجواب عما يوجب التخليد قائمة و العقلاء مجمعون على أن من أعطى زيدا على فعله أكثر من مقدار أجره فليس له قياسا على ذلك أن يعاقب عمرا على ذنبه بأضعاف ما يجب في جرمه. و أما جوابه الثاني فهو و إن كان ذكره بعض الناس لاحق بالأول في السقوط لأنه لو كان تعذيب الله عز و جل للكافر بعذاب الأبد إنما هو لأنه علم منه أنه لو بقي أبدا كافرا لكان إنما عذابه على تقدير كفر لم يفعله و هذا هو الظلم في الحقيقة الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه لأن العبد [لم] (1) يفعل الكفر إلا مدة محصورة و قد اقتضى هذا الجواب أن تعذيبه الزائد على مدة كفره هو عذاب على ما لم يفعله و لو جاز ذلك لجاز أن يبتدئ خلقا يعذبه من غير أن يبقيه و يقدره و يكلفه إذا علم منه أنه إذا أبقاه و أقدره و كلفه كان كافرا جاحدا لأنعمه. و قد أجمع أهل العدل على أن ذلك لا يجوز منه سبحانه و هو كالأول بعينه في العذاب للعلم بالكفر قبل وجوده لا على ما فعله و أحدثه و قبحها يشهد العقل به و يدل عليه تعالى الله عن إضافة القبيح إليه فعلم أنه لا يعتبر في الجواب عن هذا السؤال بما أورده هذا الحاكي عن الشافعي و أن المصير إلى ما قدمناه من الجواب عنه أولى و الحمد لله
____________
(1) في النسخة لا يفعل فآثرنا موضعها لم يفعل لأنّه الصحيح في المعنى.
312
فلما سمع المتفقه طعني فيما أورده و قولي إن الشافعي ليس من أهل العلم بهذه الصناعة و لا له فيها بضاعة ظهرت أمارات الغضب في وجهه و تعذر عليه نصرة ما جاء به كما تعذر عليه و على غيره ممن حضر القدح فيما كنت أجبت به فتعمد لقطع ما كنا فيه بحديث ابتدأه لا يليق بالمجلس و لا يقتضيه فبينا نحن كذلك إذ حضر رجل كانوا يصفونه بالمعرفة و ينسبونه إلى الاصطلاح بالفلسفة فلما استقر به المجلس حكوا له السؤال و بعض ما جرى فيه من الكلام. فقال الرجل هذا سؤال يلزم الكلام فيه و يجب على من أقر بالشريعة طلب جواب صحيح عنه يعتمد عليه ثم سألوني الرجوع إلى الكلام و الإعادة لما سلف لي من الجواب ليسمع ذلك الرجل الحاضر فقلت له أ لا سألتم الفقيه إعادة ما كان أورده لعله أن يرضى هذا الشيخ إذا سمعه و عنيت بالفقيه الحاكي عن الشافعي قالوا قد تبين لنا فساد ما أجاب به و لا حاجة بنا إلى إشغال الزمان بإعادته قلت فأنا مجيبكم إلى الكلام و سالك غير الطريقة الأولى في الجواب لعل ذلك أن يكون أسرع لزوال اللبس و أقرب إلى سكون النفس إن وجدت منكم مع الاستماع حسن إنصاف. قالوا نحن مستمعون لك غير جاحدين لحق يظهر في كلامك فقلت كان السؤال عن وجه العدل و الحكمة في تعذيب الله عز و جل لمن مات و هو كافر بالعذاب الدائم الذي تقدير زمانه لا ينحصر و قد وقع من العبد كفره في مبلغ عمره المتناهي و الجواب عن ذلك
313
أن العذاب المجازى به على المعصية كائنة ما كانت لا كلام بيننا في استحقاقه و إنما الكلام في اتصاله و انقطاعه فلا يخلو المعتبر في ذلك أن يكون هو الزمان الذي وقعت المعصية فيه و مقداره و تناهيه أو المعصية في نفسها و عظمها من صغرها فلو كانت مدة هي المعتبرة و كان يجب تناهي العذاب لأجل تناهيها في نفسها لوجب أن يكون تقدير زمان العقاب عليها بحسبها و قدرها حتى لا يتجاوزها و لا يزيد عليها. و هذا حكم يقضي الشاهد بخلافه و يجمع العقلاء على فساده فكم قد رأينا فيما بيننا معصية وقعت في مدة قصيرة كان المستحق من العقاب عليها يحتاج إلى أضعاف تلك المدة و رأينا معصيتين تماثل في القدر زمانهما و اختلف زمان العقاب المستحق عليهما كعبد شتم سيده فاستحق من الأدب على ذلك أضعاف ما يستحقه إذا شتم عبدا مثله و إن كان زمان الشتمين متماثلا فالمستحق عليهما من الأدب و العقاب يقع في زمان غير متماثل و لو لم يكن في هذا حجة إلا ما نشاهده من هجران الوالد أياما كثيرة لولده على فعل وقع في ساعة واحدة منه مع تصويب كافة العقلاء للوالد في فعله بل لو لم يكن فيه إلا جواز حبس السيد فيما بيننا لعبده زمانا طويلا على خطيئته. و كذلك الإمام العادل لمن يرى من رعيته لكان فيه كفاية في وضوح الدلالة و ليس يدفع الشاهد إلا مكابر معاند فعلم مما ذكرناه أنه لا يعتبر فيما يستحق على المعصية بقدر زمانها و لا يجب أن يماثل وقت الجزاء عليها لوقتها و وجب أن يكون المرجع إليها نفسها فبعظمها يعظم المستحق عليها سواء [أ] طال الزمان أو قصر اتصل أم انقطع وجد فكان محققا أو عدم فكان مقدرا و الحمد لله فلما سمع القوم مني هذا الكلام و تأملوا ما تضمنه من الإفصاح و البيان و تمثيلي بالمتعارف من الشاهد و العيان لم يسعهم غير الإقرار للحق و الإذعان
314
و التسليم في جواب السؤال لما أوجبه الدليل و البرهان و الحمد لله الموفق للصواب و صلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين و آله الطاهرين. زيادة في المسألة و قد احتج من نصر الجواب الثاني المنسوب إلى الشافعي بقول الله تعالى وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ و جعل ذلك دلالة على أنه عذبهم بعذاب الأبد لعلمه بذلك من حالهم و ليس في هذه الآية دلالة على ما ظن و إنما هي مبنية على باطن أمرهم و مكذبة لهم فيما يكون في القيامة من قولهم و ما قبل الآية تتضمن وصف ذلك من حالهم و هو قوله تعالى سبحانه إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فقال الله سبحانه بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ هذا لما تمنوا الرجوع إلى دار التكليف و ليس فيه إخبار بأنه عذبهم لما علمه منهم أن لو أعادهم حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
فصل
روي أن امرأة العزيز وقفت على الطريق فمرت بها المواكب حتى مر يوسف (ع) فقال الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته و الحمد لله الذي جعل الملوك عبيدا بمعصيته و ذكروا أن المتمناة ابنة النعمان بن المنذر دخلت على بعض ملوك الوقت فقالت إنا كنا ملوك هذا البلد يجبى إلينا خراجها و يطيعنا أهلها فصاح
315
بنا صائح الدهر فشق عصانا و فرق ملأنا و قد أتيتك في هذا اليوم أسألك ما أستعين به على صعوبة الوقت فبكى الملك و أمر لها بجائزة حسنة فلما أخذتها أقبلت بوجهها عليه فقالت إني محييتك بتحية كنا نحيا بها فأصغى إليها فقالت شكرتك يد افتقرت بعد غنى و لا ملكتك يد استغنت بعد فقر و أصاب الله بمعروفك مواضعه و قلدك المنن في أعناق الرجال و لا أزال الله عن عبد نعمة إلا جعلك السبب لردها و السلام فقال اكتبوها في ديوان الحكمة و
رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَرَّ عَلَى الْمَدَائِنِ فَلَمَّا رَأَى آثَارَ كِسْرَى وَ قَرُبَ خَرَابَهَا قَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ مَعَهُ
جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى رُسُومِ دِيَارِهِمْ* * * فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مِيعَادٍ
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَ فَلَا قُلْتَ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ (1)
فصل من المقدمات في صناعة الكلام
اعلم أن المعدوم عندنا ليس بشيء و لا يكون الشيء إلا موجودا فإن قال لك قائل ما الشيء فقل هو الموجود. فإن قال ما الموجود فقل هو الثابت العين في الوجود فإن قال ما المعدوم فقل هو ما خرج بانتفائه عن كونه شيئا.
____________
(1) رواه نصر بن مزاحم في كتاب صفّين ح 1 ص 143، و قال (ع) بعد الآيات: إن هؤلاء لم يشكروا النعمة، فسلبوا دنياهم بالمعصية، إيّاكم و كفر المنعم، لا يحل بكم النقم.
316
فإن قالوا ما القديم فقل ما ليس لوجوده أول فإن قال ما المحدث فقل هو الذي لوجوده أول فإن قال ما الجسم فقل هو ذو الطول و العرض و العمق فإن قال ما الجوهر فقل هو أصغر ما تألفت منه الأجسام فإن قال ما العرض فقل هو العارض في المحل بغير بقاء. و اعلم أن الأعراض عندنا لا تبقى و إنما تتجدد حالا بعد حال و لا يوجد العرض عندنا إلا وقتا واحدا و الموجود وقتا واحدا ليس بباق و لا يوجد شيء من الأعراض إلا في محل فإن قال ما الباقي فقل هو المستمر الوجود فإن أحببت فقل هو ما وجد وقتين فما زاد فإن قال ما الفاني فقل هو ما انعدمت عينه بعد وجوده و قد كان يجوز أن لا ينعدم. فإن قال ما الاجتماع فقل هو محاسن جواهر الأجسام فإن قال ما الافتراق فقل هو مباينتها فإن قال ما الحركة فقل هي ما فرغ بالتحرك مكانا و شغل مكانا فإن قال ما السكون فقل هو لبث الجوهر في مكان وقتين فما زاد و اعلم أن الجوهر إذا لم يكن في مكان فهو ليس بمتحرك و لا ساكن فإن قال لك ما المكان فقل هو ما أحاط بالمتمكن فمكان الجوهر ستة أمثاله تحيط به من جميع جهاته و صفحة العالم العليا هي مكان للعالم و لا مكان لها و لا يقال في الحقيقة أنها متحركة و لا ساكنة و كذلك المستفتح (1) الوجود من الجواهر عندنا و عند أكثر أهل النظر أنه ليس بمتحرك و لا ساكن.
____________
(1) العبارة غير واضحة و قد يراد به ما كان في ابتداء وجوده
317
فإن قال لك ما الحي فقل من صح كونه قادرا فإن قال ما القادر فقل هو من صح منه الفعل فإن قال ما العالم فقل هو من كان فعله محكما منتظما فإن قال ما المريد فقل هو عند التحقيق من قطع على أحد الأمرين المعترضين. فإن قال أ تقولون إن الله مريد فقل أما على الحقيقة فلا يجوز ذلك عليه و أما على المجاز فقد يوصف به اتساعا في الألفاظ و قد وصف نفسه سبحانه بأنه مريد كما وصف نفسه بأنه غضبان و راض و محب و كاره و هذه كلها صفات مجازات. فإن قال فما الفائدة في قولكم إن الله تعالى مريد فقل هو حصول العلم للسامع بأنه سبحانه في أفعاله و أوامره منزه عن صفة الساهي و العابث فإن قال فما إرادته فقل الجواب عن هذا السؤال على قسمين أحدهما إرادته لما يفعله و هي الفعل المراد نفسه و الآخر إرادته لما يفعله غيره و هي أمره بذلك الفعل فإن قال فما غضبه فقل وجود عقابه فإن قال فما رضاه فقل وجود ثوابه فإن قال فما محبته فقل هي على قسمين أحدهما أن يحب المؤمن بمعنى يحسن إليه و يثيبه و الآخر أنه يحب الطاعة بمعنى يأمر بها. فإن قال فما كراهته فقل هي بالضد من ذلك فإن قال ما المتكلم فقل هو من فعل كلاما فإن قال ما الكلام فقل هو الأصوات المنتظمة انتظاما يدل على معان فإن قال ما الخبر فقل هو ما أمكن فيه الصدق و الكذب فإن قال ما الصدق فقل هو الإخبار عن الشيء بما هو عليه فإن قال ما الكذب فقل هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به فإن قال ما الحق فقل هو ما عضد (1) معتقده البرهان
____________
(1) في النسخة ما عقد.
318
فإن قال ما الباطل فقل هو ما خذل معتقده البيان. فإن قال ما الصحيح فقل هو الحق بعينه فإن قال ما الفاسد فقل هو الباطل بعينه فإن قال ما العقل فقل هو عرض يحل الحي يفرق بين الحسن و القبح و يصح بوجوده عليه التكليف فإن قال ما الحسن فقل هو ما كان للعقول ملائما فإن قال ما القبح فقل هو ما كان لها منافرا فإن قال ما العلم فقل هو اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إلى المعتقد فإن قال ما الجهل فقل اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه فإن قال ما المعرفة فقل هي العلم بعينه. فإن قال ما النظر فقل هو استعمال العقل في الوصول إلى معرفة الغائب باعتبار دلالة الحاضر فإن قال ما الدليل فقل هو المعتبر في إدراك ما طلبت النفس إدراكه فإن قال ما الحجة فقل هي الدليل بعينه فإن قال ما الشبهة فقل هي ما عرض للنفس عند انصرافها عن طريق الحق من باطل تخيلته حقا
فصل من كلام أمير المؤمنين ص في ذكر العلم
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُ
وَ النَّاسُ أَبْنَاءُ مَا يُحْسِنُونَ
الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ مُسْتَفَادَةٌ
رَأْسُ الْعِلْمِ الرِّفْقُ وَ آفَتُهُ الْخُرْقُ
الْجَاهِلُ صَغِيرٌ وَ إِنْ كَانَ شَيْخاً
وَ الْعَالِمُ كَبِيرٌ وَ إِنْ كَانَ حَدَثاً
319
الْأَدَبُ يُغْنِي مِنَ الْحَسَبِ
مَنْ عُرِفَ بِالْحِكْمَةِ لَحَظَتْهُ الْعُيُونُ بِالْوَقَارِ
الْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ فِي الْحَجَرِ
زَلَّةُ الْعَالِمِ كَانْكِسَارِ السَّفِينَةِ تُغْرَقُ وَ تُغْرِقُ
الْآدَابُ تَلْقِيحُ الْأَفْهَامِ وَ نَتَائِجُ الْأَذْهَانِ
إِذَا اسْتُوضِحَتْ فَاعْزِمْ
لَوْ سَكَتَ مَنْ لَا يَعْلَمُ سَقَطَ الِاخْتِلَافُ
مَنْ جَالَسَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ وَ مَنْ خَالَطَ الْأَنْذَالَ حُقِّرَ
لَا تُحَقِّرَنَّ عَبْداً آتَاهُ اللَّهُ عِلْماً فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُحَقِّرْهُ حِينَ آتَاهُ إِيَّاهُ
الْمَوَدَّةُ أَشْبَكُ الْأَنْسَابِ وَ الْعِلْمُ أَشْرَفُ الْأَحْسَابِ
لَا كَنْزَ أَنْفَعُ مِنَ الْعِلْمِ وَ لَا قَرِينَ سَوْءٍ شَرٌّ مِنَ الْجَهْلِ
الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْرُسُكَ وَ أَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ وَ الْعِلْمَ يَزْكُو عَلَى الْإِنْفَاقِ وَ الْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ الْعِلْمُ حَاكِمٌ وَ الْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ
عَلَيْكُمْ بِطَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنَّ طَلَبَهُ فَرِيضَةٌ وَ هُوَ صِلَةٌ بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَ دَالٌّ عَلَى الْمُرُوءَةِ وَ تُحْفَةٌ فِي الْمَجَالِسِ وَ صَاحِبٌ فِي السَّفَرِ وَ أُنْسٌ فِي الْغُرْبَةِ وَ مَنْ عَرَفَ الْحِكَمَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الِازْدِيَادِ مِنْهَا
الشَّرِيفُ مَنْ شَرَّفَهُ عِلْمُهُ
فصل من كلامه (ع) في ذكر الحلم و حسن الخلق
قَالَ (ع) الْحِلْمُ سَجِيَّةٌ فَاضِلَةٌ
أَوَّلُ عِوَضِ الْحَلِيمِ مِنْ حِلْمِهِ أَنَّ النَّاسَ أَنْصَارُهُ عَلَى الْجَاهِلِ
مَنْ حَلُمَ عَنْ عَدُوِّهِ ظَفِرَ بِهِ
شِدَّةُ الْغَضَبِ تُغَيِّرُ الْمَنْطِقَ وَ تَقْطَعُ مَادَّةَ الْحُجَّةِ وَ تُفَرِّقُ الْفَهْمَ
لَا نَسَبَ أَنْفَعُ مِنَ الْحِلْمِ وَ لَا حَسَبَ أَنْفَعُ مِنَ الْأَدَبِ وَ لَا نَصَبَ أَوْجَعُ مِنَ الْغَضَبِ
320
حُسْنُ الْخُلُقِ يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ
حُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ رَفِيقٍ
رُبَّ عَزِيزٍ أَذَلَّهُ خُلُقُهُ وَ ذَلِيلٍ أَعَزَّهُ خُلُقُهُ
مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ
التَّوَاضُعُ يَكْسِبُكَ السَّلَامَةَ
زِينَةُ الشَّرِيفِ التَّوَاضُعُ
حُسْنُ الْأَدَبِ يَنُوبُ عَنِ الْحَسَبِ
تأويل آية. إن سأل سائل عن قوله سبحانه حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (1) الجواب أما التنور فقد ذكر في معناه وجوه أحدها أن يكون المراد به أن النور برز و الضوء ظهر و أتت أمارات دخول النهار و تقضي الليل و هذا التأويل يروى عن أمير المؤمنين ص و ثانيها أن يكون معنى ذلك و اشتد غضب الله عليهم و حل وقوع نقمته بهم فذكر التنور مثلا لحصول العذاب كما تقول العرب قد حمي الوطيس إذا اشتدت الحرب و عظم الخطب و قد قارب (2) القوم إذا اشتدت حربهم. و ثالثها أن يكون أراد بالتنور وجه الأرض و أن الماء نبع و ظهر على وجهها و قد روي هذا عن أبي عباس قال و العرب تسمى وجه الأرض تنورا
____________
(1) انظر الكلام على هذه الآية في أمالي المرتضى م 2 ص 170- 172.
(2) هنا كلمة مطموسة غير واضحة.
321
و رابعها أن يكون هو التنور المعهود للخبز و كان في دار نوح (ع) فجعل فوران الماء منه علما له (ع) على نزول العذاب فأما قوله مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ فقد قيل من كل ذكر و أنثى اثنين و كل واحد من الذكر و الأنثى زوج و قال آخرون من كل ضربين اثنين و قيل أيضا من كل لونين اثنين و معنى مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي من أخبر الله تعالى بعذابه و حلول الهلاك به و الله أعلم بمراده
فصل
مِنَ التَّوْرَاةِ فِي ذِكْرِ الْفُلْكِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنُوحٍ (ع) فَاصْطَنِعْ أَنْتَ فُلْكاً مِنْ خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ أَدْوَاراً وَ اطَّلِهِ مِنْ دَاخِلٍ وَ خَارِجٍ بِقَارٍ وَ اجْعَلْ طُولَ الْفُلْكِ ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ وَ عَرْضَهُ خَمْسِينَ ذِرَاعاً وَ ارْتِفَاعَهُ ثَلَاثِينَ ذِرَاعاً وَ اصْطَنِعْ فِي الْفُلْكِ كُوًى وَ اصْطَنِعْ بَابَهُ مِنْ جَنْبِهِ وَ اجْعَلِ الْفُلْكَ أَثْلَاثاً الْأَسْفَلَ وَ الْأَوْسَطَ وَ الْأَعْلَى وَ سَأُرْسِلُ الطُّوفَانَ عَلَى الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ رُوحٌ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ وَ كُلَّ مَا فِي الْأَرْضِ وَ أُوَثِّقُكَ بِمِيثَاقِي وَ ادْخُلِ الْفُلْكَ أَنْتَ وَ امْرَأَتُكَ وَ بَنُوكَ وَ نِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اللُّجَمِ فَأَدْخِلْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ مَعَكَ
رسالة كتبتها إلى بعض الإخوان تتضمن كلاما في وجوب الإمامة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ذي الفضل و الإحسان الهادي إلى الحق بواضح البرهان و صلواته على سيدنا محمد نبيه المبعوث للبيان و على آله الطاهرين أئمة الأزمان.
322
قد وقفت أيها الأخ الفاضل أدام الله لك التأييد و أوصلك بالتوفيق و التسديد من رغبتك في الاستدلال و حرصك على دفع شبه أهل الضلال على ما أوجب علي حسن مساعدتك و إجابتك عما تلتمسه عند مساءلتك لما بيننا من الإيمان و ما يتعين من ذلك على الإخوان.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ (1)
و قد فهمت السؤال الذي أرسلت و أنا أجيب عنه بما يحضرني حسبما طلبت إن شاء الله تعالى و به أستعين السؤال ذكرت أيدك الله أن أحد المخالفين قال إذا كان الله تعالى قد قال ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ و كانت الأمة مجتمعة على أن النبي ص قد بلغ الرسالة إلى الكافة و أدى فيها الأمانة و بين لجميع الأمة فما الحاجة بعد ذلك إلى إمام. الجواب فأقول و الله الموفق للصواب إن الكتاب و إن كان الله تعالى لم يفرط فيه من شيء فإن الأمة لم تستغن به عن تفسير رسول الله ص لمعانيه و تنبيهه لمراد الله تعالى فيه و لا علمت بسماع تلاوته جميع أحكام الله تعالى في شرائعه بل مفتقرة إلى النبي ص في الإيضاح و البيان معتمدة عليه في السؤال عن معاني القرآن و هو نبيها مؤيد معصوم كامل العلوم يرشد ضالتها و يعلم جاهلها و يجيب سائلها و ينبه غافلها و يزيل الاختلاف من بينها و يفقهها (2) على معالم
____________
(1) انظر: تحف العقول ص 30 رواه ما عدا فقرة: (و يجير عليهم أقصاهم)
(2) هكذا وردت في النسخة، و الأولى: و يوقفها على معالم دينها.
323
دينها بقول متفق و أمر متسق و قد علم أن الآتين من أمته بعده مكلفون من شرعه نظيرنا كأنه من كان في وقته. فوجب في العدل و الحكمة إزاحة علل أهل كل زمان لمن يقوم فيه ذلك المقام يفزع إليه في النازلات و يعول عليه عند المشكلات تكون النفس ساكنة إلى طهارته و عصمته واثقة بكمال علمه و وفادته و ليس ما تضمنه السؤال من أن النبي عليه و آله السلام قد بلغ الكافة و بين للامة بقادح في هذا الاستدلال لأنه (ع) بين لهم شرعه على الحد الذي أمر به فعين لهم على بعضه بالمشافهة و دلهم منه على الجملة الباقية بالإشارة إلى من خصه الله بعلمها و استحفظه إياها و جعله الخليفة على الأمة بعده في تبليغها حسبما تقتضيه مصالحها في تكليفها في أخبار تواترت على ألسنتها منها
قَوْلِهِ أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا
. فكان ما خصه به من تفصيل ما أجمل لهم بحسب ما كلفه من التبليغ دونهم على أنه لو ماثلهم في جميع التكليف لم يلزم اشتراكهم في الإبانة على التفصيل و إنما الواجب عموم المكلفين بالتمليك من الأدلة التي بها تثبت الحجة و تدرك المحجة. و الإمام عندنا أحد الدليلين على الحق من الشريعة فإذا أودعه الذي استخلفه عليهم تفصيل كثير مما أجمل لهم و نص على عينه و مكن منه فقد أزاح عللهم و لم يخرج ذلك عن القول بأنه بلغهم و بين لهم و لا دفع ما قدمناه من وجوب الحاجة إلى إمام يرجعون إليه فيما كلفهم. و وجه آخر لو فرضنا أن النبي ص قد شمل جميع الأمة بالإبانة على سبيل التفصيل و الجملة و لم يخص أحدا منهم و لا أخفى شيئا عنهم لم تسقط مع ذلك الإمامة و لا جاز خلو زمان من حجة لأن النبي ص علم أهل عصره و بين
324
لمن كان في وقته و دهره و كانت أحوالهم مختلفة و أسباب اختلافها معهودة معروفة فمنهم الذكي الرشيد و البطيء البليد و المحب للعلم مع شغله بدنياه و المنقطع إلى العمل و الزهد دون ما سواه و المتوفر على العلم المواظب عليه و المتضجر منه الزاهد فيه و المجتهد في الحفظ مع كثرة نسيانه و المعتمد يعتبر ما [يسعه] (1) إيمانه هذا مع عدم العصمة عنهم و جواز الغلط منهم و لذلك حصل الاختلاف بينهم و تضادت رواياتهم و وقع في الحيرة العظمى من عول في دينه عليهم. و لم يكن الله سبحانه ليلجئ عباده بعد نبيه ص إلى غير حفظة لما استودعوه و لا منفقين فيما رووه و نقلوه و لسنا نجد علما على يد بعضهم يستدل به على أمانتهم و صدقهم و لا عصمة لهم يؤمن معها من تحريفهم أو غلطهم هذا مع ما نعلم من عدمهم (2) أكثر النصوص في الأحكام و التجائهم بعدمها إلى الاجتهاد و القياس و الأخذ في الدين بالظن و الرأي الموقع بينهم الاختلاف و المانع من الاتفاق و الائتلاف فعلمنا أن الله سبحانه قد أزاح علل المكلفين بعد رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) الطاهرين بالأئمة الراشدين الهداة المعصومين الذين أمر الله تعالى بالرد إليهم و التعويل عليهم فقال عز من قائل وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ.
وَ قَالَ النَّبِيُّ ص
____________
(1) في النسخة يسمعه.
(2) يريد بقوله (من عدمهم) عدم إحاطتهم بأكثر النصوص.
325
إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي (1)
و وجه آخر و لو قدرنا أن الأمة قد سمعت جميع علوم الشريعة فوعت و أحاطت بتفاصيل أحكامها و حفظت و اتفقت فيما روت و نقلت و سقطت معرة الاختلاف عنها و استقر الاتفاق منها لم يغن ذلك عن الأئمة و لا جاز عدمهم على ما يقتضيه العدل و الحكمة لأن الأمة على كل حال يجوز عليها الشك و النسيان و يمكن منها الجحد و الكتمان. و على ذلك حجج يجدها من أنعم الاستدلال لو لا الغرض في ترك الإطالة لأوردنا طرفا منها في هذا الجواب و للمسئول أن يبني جوابه على أصله المستقر عنده على قوله إلى أن ينقل الكلام إليه فتكون المنازعة فيه و إذا جاز على الأمة ما ذكرناه لم يكن حفظها و اتفاقها الذي قدرناه بمؤمن من وقوع ما هو جائز عليها و حصول ما هو متوهم منها و في جواز ذلك مع عدم الأئمة جواز سقوط الحجة عن الأمة إذ لا معقل يدرك منه الصواب [يكون] (2) حافظا للشرع و الكتاب و في هذا أوضح البيان عن وجوب الحاجة إلى الإمام في كل زمان. وجه آخر و لو أضفنا إلى ما فرضناه و قدرنا وجوده و توهمناه من سماع الأمة لجميع تفاصيل الأحكام و إيرادها على اتفاق و نظام نفي (3) جواز الشك
____________
(1) هو مرويّ على اختلاف في بعض ألفاظ في صحيح الترمذي و مسلم و مستدرك الصحيحين و مسند أحمد و غيرهم الكثيرين انظر: فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 43- 52.
(2) في النسخة يكن. و لا موجب لجزمها.
(3) في العبارة قلق و اضطراب.
326
و النسيان عنها و إحالة الجحد و الكتمان منها لم يغن ذلك عن إمام في كل زمان حسبما يشهد به الدليل العقلي و البرهان و ذلك أنا وجدنا اختلاف طبائع الناس و شهواتهم و تباين هممهم و إرادتهم و ميل جميعهم في الجملة إلى الرئاسة و محبتهم لنفوذ الأمر و وجوب الطاعة و رغبتهم في حرز الأموال و تطلعهم إلى نيل الآمال و ارتكاب أكثرهم للمقبحات و تسرعهم إلى ما يقدرون عليه من الشهوات مع وكيد تحاسدهم و شديد تظالمهم الذي لا ينكره إلا من دفع الضرورات و أنكر المشاهدات يقضي ذلك في العقول عند ذوي التحصيل بأن صلاح أحوالهم و انتظام أمورهم و حراسة أنفسهم و أموالهم لا يتم إلا بوجود رئيس لهم و متقدم عليهم يكون مسددا فيما يمضيه من تدبيرهم موفقا للصواب فيما يراه لهم و عليهم يقيم بهيبته عوجهم و يرد بيده أودهم و يجمع برأيه متشتتهم و يقهر بتمكنه معاندهم و يمنع القوي من الضعيف و يسوسهم بالسوط و السيف. و في عدم الرئيس و هم على ما ذكرناه فساد أحوالهم و انقطاع نظامهم و حصول الهرج منهم و وجود الحيرة و الفتنة بينهم التي هي سبب تلافهم و هلاك أنفسهم و هذا أمر يعلم العقلاء صحته ممن أقر بالشرع و جحده قال الأفوه الأودي و كان جاهليا (1)
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم* * * و لا سراة إذا جهالهم سادوا
و إذا كان الله تعالى إنما خلق خلقه لنفعهم و أحياهم لصلاحهم و مراشدهم فإنه في عدله و حكمته و رأفته و رحمته لم يخلهم في كل زمان من رئيس يكون لهم و إمام في الدين و الدنيا عليهم.
____________
(1) هو صلاءة بن عمرو بن مالك الأودي من بني أود، و الأفوه لقب كان له، و هو من سادات العرب في الجاهلية المعروفين بالرأي و الحزم، و من الشعراء المشاهير، و كان فارسا مغوارا توفي سنة (570 م) و في شعره فكر و حياة.
327
و وجه آخر و لو رفعنا الدليل العقلي الذي أوردناه مع تسليم ما ذكرناه و قدمناه لم يدفع ذلك وجوب الحاجة إلى الإمام و لا جاز معه أن تعدمه الأنام لأن الأمة مجمعة على أن في الشريعة أحكاما تفتقر إلى من ينفذها و حدودا على الجناة تحتاج إلى من يتولاها و هي مقرة بأن الله تعالى ما جعل ذلك لها و أنه لا يسع و لا يجوز إهمالها و تركها فوجب أن يكون للناس إمام في كل زمان ينفذ الأحكام و يقيم حدود شريعة الإسلام حافظا للبيضة من الكفار دافعا عن المسلمين أسباب الأذى و المضار يسير فيهم بالهدى و الصواب لا يتعدى ما يوجبه العقل و الكتاب و الحمد لله قد أوردت لك أيها الأخ الفاضل أدام الله توفيقك ما حضرني من وجوه الأجوبة عن هذا السؤال و في بعضه كفاية و بيان لمن أراد الاستدلال و الحمد لله و صلواته على سيدنا محمد رسوله و آله و سلامه و حسبي اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
فصل من الحديث
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الدِّينِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مِنْ وُلْدِي مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً يُؤْخَذُ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْإِسْلَامِ (1)
____________
(1) روى هذا الحديث الصدوق القمّيّ في كتاب عيون خبار الرضا ج 2 ص 58. و روى البرقي في كتاب المحاسن ص 116- 117 عدة أحاديث بهذا المعنى
و صرّح الشهيد الثاني في حقائق الايمان ص 161 بأنّه من مشاهير الأحاديث بين السنة و الشيعة، و أن السنة أوردوه في كتب أصولهم و فروعهم، و صرّح الشيخ المفيد في كتاب الإفصاح ص 3 بأنّه هذا الحديث متواتر، و عن الحميدي أنّه أخرجه في الجمع بين الصحيحين، و عن الحاكم النيسابوريّ أنّه أخرج عن ابن عمر انظر: منتخب الأثر ص 15 هامش.
328
وَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْمَرْجَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَالِبٍ الْبَلَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْمَوْصِلِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَسْلَمَةَ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (ع) قَالَ خَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ص ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بَعْدَ الْحَمْدِ لِلَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ص يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ [وَ اللَّهِ] مَا خَلَقَ الْعِبَادَ إِلَّا لِيَعْرِفُوهُ فَإِذَا عَرَفُوهُ عَبَدُوهُ فَإِذَا عَبَدُوهُ اسْتَغْنَوْا بِعِبَادَتِهِ مِنْ سِوَاهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا مَعْرِفَةُ اللَّهِ قَالَ مَعْرِفَةُ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ إِمَامَهُمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ
اعلم أنه لما كانت معرفة الله و طاعته لا ينفعان من لا يعرف الإمام و معرفة الإمام و طاعته لا ينفعان إلا بعد معرفة الله صح أن يقال إن معرفة الله هي معرفة الإمام و طاعته. و لما كانت أيضا المعارف الدينية العقلية و السمعية تحصل من جهة الإمام و كان الإمام آمرا بذلك و داعيا إليه صح القول إن معرفة الإمام و طاعته هي معرفة الله سبحانه كما نقول في المعرفة بالرسول ص و طاعته إنها معرفة بالله سبحانه قال الله عز و جل مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ و ما تضمنه قول الحسين (ع) من تقدم المعرفة على العبادة غاية في البيان و التنبيه و جاء في الحديث عن طريق العامة
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةُ الْإِمَامِ أَوْ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ عَهْدُ الْإِمَامِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
.
329
وَ رَوَى كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ (ع) قَالَ مَنْ مَاتَ وَ هُوَ لَا يَعْرِفُ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً
و هذان الخبران يطابقان المعنى في قول الله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا و قال الخصوم إن الإمام هاهنا هو الكتاب قيل لهم هذا انصراف عن ظاهر القرآن بغير حجة توجب ذلك و لا برهان لأن ظاهر التلاوة يفيد أن الإمام في الحقيقة هو المقدم في الفعل المطاع في الأمر و النهي و ليس يوصف بهذا الكتاب إلا على سبيل الاتساع و المجاز و المصير إلى الظاهر من حقيقة الكلام أولى إلا أن يدعو إلى الانصراف عنه الاضطرار. و أيضا فإن أحد الخبرين يتضمن ذكر البيعة و العهد للإمام و نحن نعلم أنه لا بيعة للكتاب في أعناق الناس و لا معنى لأن يكون له عهد في الرقاب نعلم أن قولكم في الإمام إنه الكتاب غير صواب فإن قالوا ما تنكرون أن يكون الإمام المذكور في الآية هو الرسول (ع) قيل لهم إن الرسول (ع) قد فارق الأمة بالوفاة و في أحد الخبرين أنه إمام الزمان و هذا يقتضي أنه حي ناطق موجود في الزمان فأما من مضى بالوفاة فليس يقال إنه إمام إلا على معنى وصفنا للكتاب بأنه إمام. و لو أن الأمر كما ذكرنا لكان إبراهيم الخليل (ع) إمام زماننا لأننا عاملون بشرعه متعبدون بدينه و هذا فاسد إلا على الاستعارة و المجاز. و ظاهر قول النبي ص من مات و هو لا يعرف إمام زمانه يدل على أن لكل زمان إماما في الحقيقة يصح أن يتوجه منه الأمر و يلزم له الاتباع و هذا واضح لمن طلب الصواب و من ذلك ما أجمع عليه أهل الإسلام
مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ع
330
إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ إِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ (1)
فأخبر أنه ترك في الناس من عترته من لا يفارق الكتاب وجوده و حكمه و أنه لا يزال وجودهم مقرونا بوجوده و في هذا دليل على أن الزمان لا يخلو من إمام و منه ما اشتهر بين الرواة
مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ خَلَفٍ مِنْ أُمَّتِي عَدْلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَنْفِي عَنِ الدِّينِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَ إِنَّ أَئِمَّتَكُمْ وُفُودُكُمْ إِلَى اللَّهِ فَانْظُرُوا مَنْ تُوفِدُونَ فِي دِينِكُمْ
فصل حديث عن الإمام الرضا
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (2) قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ قَالَ قَالَ الرِّضَا (ع) سَبْعَةُ أَشْيَاءَ بِغَيْرِ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الِاسْتِهْزَاءِ مَنِ اسْتَغْفَرَ بِلِسَانِهِ وَ لَمْ يَنْدَمْ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ وَ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ وَ مَنِ [اسْتَحْزَمَ] (3) [اسْتَجَابَ] وَ لَمْ يَحْذَرْ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ وَ مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الشَّدَائِدِ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ مَنْ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ وَ لَمْ يَتْرُكِ الشَّهَوَاتِ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ وَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ وَ لَمْ يَسْتَبِقْ إِلَى لِقَائِهِ فَقَدِ اسْتَهَزَأَ بِنَفْسِهِ
____________
(1) قد تقدم ذكر بعض مصادره.
(2) هو أبو القاسم سعد بن عبد اللّه بن أبي خلف الأشعري القمّيّ من شيوخ الطائفة و فقهائها له مؤلّفات كثيرة ذكرها الطوسيّ في الفهرست ص 101، عده الطوسيّ في رجاله من أصحاب الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ توفّي سنة 299/ 301 و عن الخلاصة أنّه توفّي سنة 300 ه.
(3) هنا كلمة غير واضحة.
331
مسائل فقهية مسألة امرأة لها بعل صحيح البعولة أمكنت نفسها من رجل كامل العقل رضي الدين فوطئها من غير حرج في ذلك عليها و البعل المتقدم ذكره كاره لهذا الأمر كراهة الطباع راض به من جهة التسليم للشريعة رضا الاختيار جواب هذه امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت و تزوجت رجلا مسلما فوطئها بالنكاح الشرعي حيث لا حرج عليها في ذلك لعدم علمها ببقاء زوجها ثم بلغ زوجها الأول ما فعلته فكرهه من جهة الطباع و رضي به من جهة التسليم لشرع الإسلام فهي حلال للثاني و إن كانت في عقد الأول إلى أن يحصل لها و للعاقد عليها علم ببقاء زوجها الذي نعي إليها و هذا الجواب ليس فيه بين الأمة اختلاف. مسألة أخرى رجلان كانا يمشيان في فيء فسقط على أحدهما جدار فقتله فحرمت على الآخر في هذه الحال زوجته جواب هذا رجل زوج عبده ابنته و خرجا يمشيان فسقط على المولى الجدار فصار العبد بذلك ميراثا للبنت فحرمت عليه في الحال لملكها له و على هذا الاتفاق. مسألة أخرى رجل غاب عن زوجته ثلاثة أيام فكتبت إليه الزوجة أن قد تزوجت بعدك و أنا محتاجة إلى نفقة فأنفذ إلي ما أنفقه على نفسي و على زوجي فوجب لها ذلك عليه و لم يكن له منه مخرج جواب هذه مسألة في معنى التي قبلها و هي امرأة زوجها أبوها عبدا له و أعطاه مالا و أذن له في السفر و التجارة بالمال فخرج العبد قبل أن يدخل بالجارية فلما صار على يومين من بلده مات سيده فصار ميراثا لابنته التي زوجه بها مولاه فحرمت بذلك عليه و حلت للأزواج في الحال إذ كان لا
332
عدة عليها فتزوجت رجلا و رضيت به و أنفذت إلى عبدها بأن يحمل إليها من تركة أبيها التي في يده ما تصرفه فيما تشاء فوجب ذلك عليه و ليس في هذا أيضا اختلاف
أحاديث
حَدَّثَنِي الشَّرِيفُ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ الْحُسَيْنِ بِمِصْرَ فِي شَوَّالٍ سَنَةِ سَبْعٍ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَسَنٍ الْخَلَّالُ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْعِرَابِيُّ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا الطِّهْرَانِيُّ أَبُو الْحَسَنِ وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ ابْنُ الْحَسَنِ الثَّمَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَ اللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا الطِّهْرَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَمَّرٌ قَالَ حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قَالَ أَشْخَصَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ زَائِراً لَهُ فَسِرْتُ فَلَمَّا أَتَيْنَا أَرْضَ الْبَلْقَاءِ رَأَيْتُ حَبْلًا أَسْوَدَ وَ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ أَحْرُفاً لَمْ أَعْلَمْ مَا هِيَ فَعَجِبْتُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ دَخَلْتُ عُمَّانَ قَصَبَةَ الْبَلْقَاءِ فَسَأَلْتُ عَنْ رَجُلٍ يَقْرَأُ مَا عَلَى الْقُبُورِ وَ الْجِبَالِ فَأُرْشِدْتُ إِلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ فَعَرَفْتُهُ مَا رَأَيْتُ فَقَالَ اطْلُبْ شَيْئاً أَرْكَبُهُ فَحَمَلْتُهُ مَعِي عَلَى رَاحِلَتِي وَ خَرَجْنَا إِلَى الْجَبَلِ وَ مَعِي مِحْبَرَةٌ وَ بَيَاضٌ فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ لِي مَا أَعْجَبَ مَا عَلَيْهِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَنَقَلْتُهُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا هُوَ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ جَاءَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَ عَلِيٌّ وَلِيُّ اللَّهِ ص وَ كَتَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بِيَدِهِ
وَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الصَّيْرَفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ وَ كَانَ مُشْتَهِراً بِالْعِنَادِ لآِلِ مُحَمَّدٍ (ع) وَ الْمُخَالَفَةُ لَهُمْ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْجِعَابِيِّ سَنَةَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ خَمْسِينَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مَرْيَمَ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
333
اللَّهُ رَبِّي وَ لَا إِمَارَةَ لِي مَعَهُ وَ أَنَا رَسُولُ رَبِّي وَ لَا إِمَارَةَ مَعِي وَ عَلِيٌّ وَلِيُّ مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ وَ لَا إِمَارَةَ مَعَهُ
و سمعت من هذا الراوي المخالف عدة فضائل لآل محمد (ع) سخره الله لنقلها فرواها راغما حجة عليه بها قد ذكرت في هذا الكتاب طرفا منها
وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ اللُّغَوِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ زَكَّارِ بِمَيَّافَارِقِينَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَ تِسْعِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ السَّلْمَانِيِّ (رحمه الله) فِي مَرْضَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ أَلْحَقَتْنِي غَشْيَةٌ أُغْمِيَ عَلَيَّ فِيهَا فَرَأَيْتُ مَوْلَايَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) قَدْ أَخَذَ بِيَدِي وَ أَنْشَأَ يَقُولُ
طُوفَانُ آلِ مُحَمَّدٍ* * * فِي الْأَرْضِ غَرَّقَ جَهْلَهَا
وَ سَفِينُهُمْ حَمَلَ الَّذِي* * * طَلَبَ النَّجَاةَ وَ أَهْلَهَا
فَاقْبِضْ بِكَفِّكَ عُرْوَةً* * * لَا تَخْشَ مِنْهَا فَصْلَهَا
وَ حَدَّثَنِي الشَّرِيفُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ طَاهِرٍ الْحُسَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ قَالَ [سَمِعْتُ] أَبَا جَعْفَرٍ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لِي يَا هَنَّادُ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَنْشِدْنِي قَوْلَ الْكُمَيْتِ
وَ يَوْمَ الدَّوْحِ دَوْحِ غَدِيرِ خُمٍ* * * أَبَانَ لَنَا الْوَلَايَةَ لَوْ أُطِيعَا
وَ لَكِنَّ الرِّجَالَ تَبَايَعُوهَا* * * فَلَمْ أَرَ مِثْلَهَا أَمْراً شَنِيعاً
قَالَ فَأَنْشَدْتُهُ فَقَالَ لِي يَا هَنَّادُ خُذْ إِلَيْكَ فَقُلْتُ هَاتِ يَا سَيِّدِي فَقَالَ ع
وَ لَمْ أَرَ مِثْلَ ذَاكَ الْيَوْمِ يَوْماً* * * وَ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ حَقّاً أُضِيعَا
و كثيرا ما أذكر قول شاعر آل محمد (ع) رحمة الله عليه
جعلوك رابعهم أبا حسن* * * ظلموك حق السبق و الصهر
و إلى الخلافة سابقوك و ما* * * سبقوك في أحد و لا بدر
334
القرآن يدل على إمامة علي ع
دليل من القرآن على إمامة أمير المؤمنين (ع) قال الله عز و جل إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ فقوله سبحانه وَلِيُّكُمُ المراد به الأولى بكم و الأحق بتدبيركم و القيم بأموركم و من تجب طاعته عليكم و هذا هو معنى الإمام بقوله تعالى الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ المراد به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) لأنه كان قد تصدق بخاتمه و هو راكع في الصلاة. فتقدير الآية إنما المدبر لكم و المتولي لأموركم و الذي تجب طاعته عليكم الله و رسوله و علي بن أبي طالب و هذا نص من القرآن على إمامة أمير المؤمنين ص فإن قال لنا المخالفون دلوا أولا على أن قوله وَلِيُّكُمُ المراد به ما ذكرتم قلنا أما كون لفظة ولي مفيدة لما ذكرناه فظاهر ليس فيه إشكال أ لا ترون الناس يقولون هذا ولي المرأة يريدون أنه المالك لتدبير أمرها في إنكاحها و العقد عليها و يصفون عصبة المقتول بأنهم أولياء الدم من حيث كانوا مستحقي المطالبة بالدم و يقولون إن السلطان ولي أمر الرعية أجمعين و في من رشحه بخلافته عليهم إنه ولي عهد المسلمين و من حيث كان إلى الولي النظر و التدبير قال الكميت
و نعم ولي الأمر بعد وليه* * * و منتجع التقوى و نعم المؤدب
.
335
و في الجملة إن كان من كان واليا الأمر و متحققا بتدبيره فهو وليه و أولى به هذا هو المعروف في اللغة و الشرع معا فيثبت به ما ذكرناه. فإن قال المخالفون قد سلمنا لكم أن لفظة وَلِيُّكُمُ تحتمل ما ذكرتم و لكنها قد تحتمل أيضا سواه و يجوز أن يكون المراد بها الموالاة في الدين كقوله سبحانه وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ قلنا لهم إن هذه الآية التي ذكرتموها عامة في سائر المؤمنين و الآية التي احتججنا بها لا يصح أن يكون مراد الله تعالى فيها وَ الَّذِينَ آمَنُوا إلا البعض دون الجميع. و ذلك أنه ميز فيها من أراده من المؤمنين بصفة الزكاة في حال الركوع و جعله وليا للجميع و أنتم لا تخالفون في أن هذه الصفة خاصة في بعض المؤمنين فوجب أن يكون قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا خاصا كذلك لأنها صفة لهم بظاهر التنزيل و لو أراد بقوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا العموم بجميع المؤمنين لكان الإنسان وليا لنفسه و هذا لا معنى له و قوله في الآية إِنَّما شاهد بصحة التخصيص و نفي المثبت عن من سوى المذكورين و هي كقول القائل إنما صديقك من نصحك فقد نفى إنما صحة الصداقة عمن لم ينصح و ثبوت ما ذكرناه من التخصيص في قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا يعلم أن المراد بالولي هو المدبر للكافة و الإمام القدوة. و لو كان المراد مجرد الموالاة في الدين لبطل هذا التخصيص. و وجه آخر في الجواب عما ذكروه و هو أن الله تعالى ذكر في الآية التي احتججنا بها أمرا بدأ فيه بنفسه ثم ثنى برسوله ص ثم ثلث بمن ذكره من المؤمنين فوجب أن لا يصرف قوله وَلِيُّكُمُ إلا إلى ما هو مستحق لله و لرسوله ص و إذا كان كذلك فالذين آمنوا المذكورون في الآية يستحقون نظير ذلك
336
بعينه و في هذا دليل على أن المراد تولي التدبير و لزوم الطاعة و الأمر و النهي في الجماعة فإن قال الخصوم فإذا ثبت لكم أن مراده سبحانه في الآية التي احتججتم بها من قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا هو بعض الأمة دون جميعها و سلم لكم أيضا أن معنى قوله وَلِيُّكُمُ فيها هو معنى الإمامة على الصفة التي تذكرونها فما الدليل على أن أمير المؤمنين (ع) هو المراد في الآية و المقصود فيها. قلنا الدليل على ذلك نقل أصحاب الحديث من الفريقين أنها نزلت في أمير المؤمنين (ع) و أنه الذي تصدق بخاتمه على السائل و هو راكع و لم يخالف في ذلك إلا من نشأ من متكلمي ذي المتكلمين و ليس الإنكار يقوم مقام الإقرار و لا مجرد النفي بقادح في الإثبات و إذا اتفق على رواية شيء جميع أهل النقل كان ذلك حجة على من له تمييز و عقل فإن قالوا كيف يصح في ذلك الاتفاق و قد روي أن الآية نزلت في عبد الله بن سلام قلنا يصح لنا ذلك من حيث إن هذه رواية واحدة و أخبار الآحاد لا تزيل الاتفاق الحاصل من جملة الأخبار و القول الشاذ لا يقدح في الإجماع. على أن الذي روي أنها نزلت في عبد الله بن سلام قد تصفحت عليه الحال و أشبهت القصة بشهادة نقاد الأخبار و
ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَ أَصْحَابُهُ قَالَتِ الْيَهُودُ وَ اللَّهِ لَا جَالَسْنَاكَ وَ لَا كَلَّمْنَاكَ وَ لَنَقْطَعَنَّ وَلَايَتَنَا مِنْكَ وَ مِنْ أَصْحَابِكَ وَ لَا نَصَرْنَاكَ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
337
فَخَرَجَ النَّبِيُّ ص إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ هَلْ سَأَلَ سَائِلٌ فَأَعْطَاهُ أَحَدٌ شَيْئاً قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَسْأَلُ فَأَعْطَاهُ عَلِيٌّ (ع) خَاتَمَهُ وَ هُوَ رَاكِعٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ص اللَّهُ أَكْبَرُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِيهِ قُرْآناً وَ تَلَا عَلَيْهِمُ الْآيَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ وَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ لَهُمْ قَدْ عَوَّضَكُمُ اللَّهُ مِنَ الْيَهُودِ أَوْلِيَاءَ وَ تَلَا عَلَيْهِمُ الْآيَتَيْنِ
فظن بعضهم من أهل الغفلة أنها من أجل ذلك نزلت في عبد الله بن سلام. و من رجع إلى كتب التفاسير و نقل أصحاب الحديث علم أن الأمر على ما وصفناه و الكاف و الميم في قوله سبحانه وَلِيُّكُمُ خطاب لجميع الأمة حاضرهم و غائبهم و موجودهم و من سيوجد منهم و هو كقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ و إنما حضر رسول الله ص عبد الله بن سلام و أصحابه و تلا عليهم الآيتين ليبشرهم بدخولهم في جملة من يكون وليهم الله و رسوله و أمير المؤمنين. فإن قالوا إن الآية تضمنت ذكر الجميع بقوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا فكيف يصح لكم أنها في واحد قلنا لهم قد يعبر بلفظ الجمع تعظيما لشأنه و لا ينكر ذلك في اللغة بل يستعمله أهلها و قد قال الله عز و جل إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ و قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ و قد علمنا أن الله أرسل نوحا وحده و أنه نزل الذكر و حافظه وحده و نظير ذلك كثير. فإن قالوا ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا الجميع و يكون المعني فيه أنهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم في إتيانها خاشعون متواضعون لا يمنون و لا يتكبرون و يكون هذا معنى قوله راكِعُونَ دون ما ذهبتم إليه من أن يؤتى الزكاة في حال ركوعه قلنا هذا غير صحيح لأن الركوع لا يفهم في اللغة و الشرع معا إلا أنه التطأطؤ المخصوص دون التواضع و الخضوع و إنما يوصف الخاضع بأنه راكع
338
على سبيل المجاز و التشبيه قال الخليل بن أحمد (1) صاحب كتاب العين كل من ينكب لوجهه فمس ركبته الأرض أو لا تمسها راكع و أنشد للبيد
أخبر أخبار القرون التي مضت* * * أدب كأني كلما قمت راكع
. فإن قالوا فما تنكرون أن يكون قوله وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وصفا لهم بإتيانهم و قوله وَ هُمْ راكِعُونَ ليس المراد أنهم أعطوها في حال ركوعهم و إنما معناه أن الركوع من شأنهم و عادتهم فوصفهم به و إن كانوا يفعلونه في غير وقت إعطاء الزكاة قلنا أنكرنا ذلك من حيث هو خروج عن ظاهر الكلام المفيد إن الزكاة كان في حال ركوع الصلاة و لا طريق إلى الانصراف عن الظاهر مع الاختيار. و مثل ذلك قولهم فلان يغشى إخوانه و هو راكب و ظاهر هذا يدل على أنه راكب في حال غشيانه إخوانه و أن الزمان في الأمرين واحد و شيء آخر و هو أنا متى قلنا إن الزكاة لم تكن في حال الركوع أدى الكلام إلى التكرار لأنه وصفهم بإقام الصلاة فإذا وصفهم بعد ذلك بأنهم راكعون و هو يريد يصلون تكرر الوصف بالصلاة لأن الركوع داخل في قوله يُقِيمُونَ الصَّلاةَ. فإن قالوا فأمير المؤمنين علي (ع) لم يكن يلزمه عندكم زكاة لأنه لم يكن من ذوي اليسار قلنا لسنا نقطع على أن الزكاة لم تجب عليه قط و ربما ملك أدنى مقادير
____________
(1) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي ولد في البصرة سنة 100 و توفّي سنة 170 ه من أئمة اللغة و النحو و الأدب و العروض و أخبار العرب، و هو الذي اخترع علم العروض و وضع قواعده و أحكم أساسه، و أول من صنف في علم اللغة، و وضع كتابه (العين) و لم يتمه، و له مؤلّفات منها: كتاب النغم، و كتاب العروض، و كتاب الشواهد، و كتاب النقط و الشكل، و كتاب فائدة العين، و كتاب الإيقاع. و كان من الزهاد المنقطعين إلى العلم. و تجد الكلام على كتابه العين في فهرست ابن النديم ص 64.
339
النصاب و أتى وقت الزكاة و هو في يديه و ليس يقال لمن ملك مأتي درهم أنه موسر لا سيما إذا اتفق له وجوب الزكاة منها وقتا واحدا و قد يجوز أيضا أن تكون هذه الزكاة نافلة لم تكن عليه واجبة و لا مانع أن يسمى النفل من الصدقة زكاة لأنه متناول للفرض منها في كونه إعطاء يستحق عليه النمو في الحسنات و الزيادة و المثوبات فإن كان لفظ الزكاة عندكم مشتركا في النافلة من الصدقة و الفريضة فقد توجه على الظاهر جوابنا و إن كان عندكم أن المستفاد من ظاهر لفظ الزكاة أنما هو المفترض منها دون ما سواه كنا ممن صرفنا عن الظاهر ورود الأخبار المجمع عليها بأن الآية نزلت في أمير المؤمنين (ع) مع أنه لم تلزمه قط فريضة الزكاة فلا بد من حمل ذلك على زكاة النافلة و إلا خصصنا الأخبار. فإن قالوا فكيف ساغ لأمير المؤمنين (ع) الصدقة في حال الصلاة أ و ليس ذلك إبطالا لها و اشتغالا بغيرها قلنا أقرب ما في هذا أنا غير عالمين أن جميع الأفعال المنهي عنها اليوم في الصلاة كانت محظورة كلها في تلك الحال فيجوز أن يكون هذا قبل ورود حظر هذه الأسباب. و قد قيل إن الكلام قد كان مباحا في الصلاة و نهي عنه بعد ذلك و لو لم يكن الأمر كذلك لم يلزم ما ذكرتموه في السؤال لأن الذي فعله أمير المؤمنين (ع) لم يكن شاغلا عن القيام بحدود الصلاة بل جاز أن يكون أشار إلى السائل إشارة خفية لا يقطع بمثلها الصلاة فهم منها مراده و أخذ الخاتم من يده. فكيف تنكرون هذا و أنتم ترون اتفاق الفقهاء على أن يسير العمل في الصلاة لا يقطعها على حال. و الذي يدل على أنه (ع) لم يشتغل بالإعطاء عن استيفاء شرائط الصلاة نزول المدح له في القرآن و الإضافة إلى المدح تقديمه وليا للأنام فإن قالوا فإذا ثبت أنه بهذه الآية إمام للخلق فما تنكرون أن يكون المراد استحقاقه لذلك بعد عثمان
340
قلنا أنكرنا ذلك من قبل أن كل من ثبت له الإمامة بها يوجبها بعد رسول الله ص في كل حال و لا يخص بذلك حالا دون حال. و أنكرنا ذلك من قبل أن الله تعالى ولينا و رسوله ص في كل حال و قد عطف ذكر أمير المؤمنين على اسم رسول الله (ع) فوجب أن يستحق ذلك أيضا في كل حال كما استحقه الرسول (ع) من غير انفصال و لو لا قيام الدلالة على أنه ليس في وقت رسول الله ص قدوة للخلق سواه و لا إمام لكان أمير المؤمنين ص يتسحق هذا المقام مذ نزلت الآية و ما اتصل من غير فاصلة بولاية و لا إهمال و الحمد لله الهادي إلى الحق بواضح البرهان
فصل من مستطرفات مسائل الفقه في الإنسان
مسألة اثنان تزوج كل واحد منهما أم الآخر فرزقا منهما ولدين ما قرابة بين الولدين جواب كل واحد منهما عم الآخر لأنه أخو أبيه من أمه. مسألة اثنان تزوج كل واحد منهما بنت الآخر فرزقا ولدين ما قرابة الولدين جواب إن كل واحد منهما خال الآخر لأنه أخو أمه و هو أيضا ابن أخته. مسألة اثنان تزوج كل واحد منهما أخت الآخر و رزقا منهما ولدين ما قرابة بين الولدين جواب إن كل واحد منهما ابن عمة الآخر و ابن خاله. مسألة رجلان تزوج كل واحد منهما جدة الآخر لأبيه فرزقا منهما ولدين ما قرابة ما بين الولدين و بين الرجلين و ما قرابة ما بين الولدين جواب إن كل واحد من الولدين عم الرجل المتزوج أم أبيه لأن الرجل
341
ابن جدته لأبيه و الولد أخو أبيه و كل واحد من الولدين ابن أخي صاحبه و عم أبيه. مسألة رجلان تزوج كل واحد منهما جدة الآخر لأمه فرزقا منهما ولدين ما قرابة ما بين الولدين و الرجلين و ما قرابة ما بين الولدين جواب إن كل واحد من الولدين خال الرجل المتزوج أم أمه لأن الرجل ابن جدته لأمه و الولد أخو أمه من أمها و كل واحد من الولدين ابن أخت صاحبه و خال أبيه. أنشدنا الشريف الرضي أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي (رحمه الله)
قد آن أن يبلغك الصوت* * * أ نائم قلبك أم ميت
يا باني البيت على غيره* * * أمامك المنزل و البيت
و إنما الدنيا على طولها* * * ثنية مطلعها الموت
و له أيضا
إذا مضى يوم على هدنة* * * و أنت في شك من النائبات
فعاجل الفرصة قبل الردى* * * و بادر الليلة قبل البيات
و اسبق و في حبلك أنشوطة* * * ضغط الليالي بيد الحادثات
لغيره
أشح على ملكي و أحميه دائبا* * * و سوف برغم الأنف أخرج عن ملكي
فما لي لا أبكي لنفسي و هلكها* * * إذا كنت قد وطنت نفسي على الهلك
فإن كنت لا أدري متى أنا ميت* * * فلست من الموت المنغص في شك
و موضع قبري إن أكن قد جهلته* * * فلي خبرة بالعرض و الطول و السمك
كأني أرى نفسي و حولي جماعة* * * يكفنني بعض و بعضهم يبكي
وَ ذَكَرُوا أَنَّ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهمِ) اسْتَدْعَاهُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَ أَظُنُّ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الرِّضَا (ع) (1) وَ أَنَّ الْمُسْتَدْعِيَ كَانَ
____________
(1) كان الإمام الذي وقعت معه هذه القصة هو الإمام عليّ بن محمّد الهادي (ع) كما في تذكرة الخواص ص 361 و في مروج الذهب ج 4 ص 94.
342
الْمُتَوَكِّلُ قَالُوا فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِ وَجَدَهُ فِي قُبَّةٍ مُزَيَّنَةٍ فِي وَسَطِ بُسْتَانٍ وَ بِيَدِهِ كَأْسٌ فِيهَا خَمْرٌ فَقَرَّبَهُ وَ هَمَّ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْكَأْسَ فَامْتَنَعَ الْإِمَامُ (ع) فَقَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مَا خَامَرَتْ لُحُومُنَا وَ دِمَاؤُنَا سَاعَةً قَطُّ قَالَ فَقَالَ أَنْشِدْنِي شِعْراً فَأَنْشَدَهُ الْإِمَامُ ع
بَاتُوا عَلَى قُلَلِ الْأَجْبَالِ تَحْرُسُهُمْ* * * غُلْبُ الرِّجَالِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمُ الْقُلَلُ
وَ اسْتَنْزَلُوا بَعْدَ عِزٍّ مِنْ مَعَاقِلِهِمْ* * * فَأُسْكِنُوا حُفَراً يَا بِئْسَ مَا نَزَلُوا
نَادَاهُمُ صَارِخٌ مِنْ بَعْدِ مَا دُفِنُوا* * * أَيْنَ الْأَسِرَّةُ وَ التِّيجَانُ وَ الْحُلَلُ
أَيْنَ الْوُجُوهُ الَّتِي كَانَتْ مُحَجَّبَةً* * * مِنْ دُونِهَا تُضْرَبُ الْأَسْتَارُ وَ الْكِلَلُ
فَأَفْصَحَ الْقَبْرُ عَنْهُمْ حِينَ سَاءَلَهُمْ* * * تِلْكَ الْوُجُوهُ عَلَيْهَا الدُّودُ تَنْتَقِلُ
قَدْ طَالَ مَا أَكَلُوا دَهْراً وَ مَا شَرِبُوا* * * فَأَصْبَحُوا بَعْدَ طُولِ الْأَكْلِ قَدْ أُكِلُوا
قَالَ فَضَرَبَ الْمُتَوَكِّلُ بِالْكَأْسِ مِنَ الْأَرْضِ وَ تَنَغَّصَ عَيْشُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (1)
. لمحمود بن الحسن الوراق (2)
مضى أمسك الماضي شهيدا معدلا* * * و أعقبه يوم عليك شهيد
فإن كنت بالأمس اقترفت إساءة* * * أفتن بإحسان و أنت حميد
____________
(1) انظر: مروج الذهب ج 4 ص 93- 94 و وفيات الأعيان لابن خلّكان و تذكرة الخواص ص 361.
(2) من شعراء الدولة العباسية، أكثر شعره في المواعظ و الحكم روى عنه ابن أبي الدنيا، و توفي الوراق في خلافة المعتصم العباسيّ في حدود سنة 230 ه.
343
فيومك إن أعقبته عاد نفعه* * * عليك و ماضي الأمس ليس يعود
و لا ترج فعل الخير يوما إلى غد* * * لعل غدا يأتي و أنت فقيد
و له أيضا
أعارك ماله لتقوم فيه* * * بطاعته و تعرف فضل حقه
فلم تشكره نعمته و لكن* * * قويت على معاصيه برزقه
تبارزه بها أبدا و عودا* * * و تستخفي بها عن كل خلقه
و له أيضا
يا ناظرا يرنو بعيني راقد* * * و مشاهد للأمر غير مشاهد
منيت نفسك ضلة و أبحتها* * * طرق الرجاء و هن غير قواصد
تصل الذنوب إلى الذنوب و ترتجي* * * درك الجنان و فوز ما للعابد
و نسيت أن الله أخرج آدما* * * منها إلى الدنيا بذنب واحد
و لأبي العتاهية إسماعيل الجرار (1)
قنع النفس بالكفاف و إلا* * * طلبت منك فوق ما يكفيها
ليس فيما مضى و لا في الذي* * * لم يأت من لذة لمستحليها
إنما أنت طول عمرك ما عمرت* * * و الساعة التي أنت فيها
و له أيضا في الدنيا
يا خاطب الدنيا إلى نفسها* * * تنح عن خطبتها تسلم
إن التي تخطب غرارة* * * قريبة العرس من المأتم
____________
(1) هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني من مشاهير الشعراء في طبقة بشار و أبي نؤاس و أكثر شعره في المواعظ و الزهديات ولد سنة 130 ه بعين الثمر و هي بليدة بالحجاز قرب المدينة المنورة و نشأ بالكوفة و سكن بغداد، و كان يبيع الجرار و توفّي سنة 211 ه في بغداد.
344
المسيح يخاطب الدنيا
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكَرَاجُكِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَخْرٍ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ عَنِ النَّجْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي شِهَابٍ قَالَ بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ (ع) قَالَ لِلدُّنْيَا يَا امْرَأَةُ كَمْ لَكِ مِنْ زَوْجٍ قَالَتْ كَثِيرٌ قَالَ فَكُلُّهُمْ طَلَّقَكِ فَقَالَتْ لَا بَلْ كُلَّهُمْ قَتَلْتُ قَالَ أَ هَؤُلَاءِ الْبَاقُونَ لَا يَعْتَبِرُونَ بِإِخْوَانِهِمُ الْمَاضِينَ كَيْفَ تُورِدِينَهُمُ الْمَهَالِكَ وَاحِداً وَاحِداً فَيَكُونُوا مِنْكَ عَلَى حَذَرٍ قَالَتْ لَا
و أنشد لبعضهم في الدنيا
مزمومة بالهم مخطومة* * * سم زعاق در أخلافها
و لم تزل تقتل ألافها* * * أف لقتالة ألافها
فصل من كلام سيدنا رسول الله ص في الدنيا
قَالَ (ع) أَنَا زَعِيمٌ بِثَلَاثٍ لِمَنْ أَكَبَّ عَلَى الدُّنْيَا بِفَقْرٍ لَا غَنَاءَ لَهُ وَ بِشُغُلِ لَا فَرَاغَ لَهُ وَ بِهَمٍّ وَ حُزْنٍ لَا انْقِطَاعَ لَهُ
وَ قَالَ (ع) كُونُوا فِي الدُّنْيَا أَضْيَافاً وَ اتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ بُيُوتاً وَ عَوِّدُوا [قُلُوبَكُمُ] (1) الرِّقَّةَ وَ أَكْثِرُوا التَّفَكُّرَ وَ الْبُكَاءَ وَ لَا تَخْتَلِفَنَّ بِكُمُ الْأَهْوَاءُ تَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ وَ تَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ وَ تَأْمُلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ
____________
(1) في النسخة بيوتكم.
345
فصل من كلام أمير المؤمنين ص في هذا المعنى
مَنْ أَصْبَحَ حَزِيناً عَلَى الدُّنْيَا فَقَدْ أَصْبَحَ سَاخِطاً عَلَى رَبِّهِ تَعَالَى وَ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّهِ طَالَ شِقَاؤُهُ وَ غَمُّهُ الدُّنْيَا لِمَنْ تَرَكَهَا وَ الْآخِرَةُ لِمَنْ طَلَبَهَا
الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا كُلَّمَا ازْدَادَتْ لَهُ تَحَلِّياً ازْدَادَ عَنْهَا تَخَلِّياً إِذَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا فَزُوِيَ عَنْكَ فَاذْكُرْ مَا خَصَّكَ اللَّهُ بِهِ مِنْ دِينِكَ وَ صَرَفَهُ عَنْ غَيْرِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ تَسْتَحِقَّ نَفْسُكَ بِمَا فَاتَكَ
وَ مِنْ بَدِيعِ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الَّذِي حُفِظَ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ وَ قَالَ لَهُ صِفْ لَنَا الدُّنْيَا فَقَالَ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ وَ آخِرُهَا بَلَاءٌ فِي حَلَالِهَا حِسَابٌ وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ مَنْ صَحَّ فِيهَا أَمِنَ وَ مَنْ مَرِضَ فِيهَا نَدِمَ وَ مَنِ اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ وَ مَنْ سَعَى لَهَا (1) فَاتَتْهُ وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ وَ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهَا أَلْهَتْهُ وَ مَنْ تَهَاوَنَ بِهَا نَصَرَتْهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَانِهِ مِنْ خُطْبَتِهِ ص
و هذه أعلى الرتب درجة في حضور الخاطب
فصل من الكلام في تثبيت إمامة صاحب الزمان المهدي بن الحسن و إمامة آبائه ع
اعلم أيدك الله أن الدليل على صحة إمامته ص و إثبات غيبته ظاهر لمن نظره قاطع لعذر من اعتبره بين تأمله قريب لمن تناوله و هو مبني على أصلين يشهد العقل بهما و يدل عليهما أحدهما وجوب الإمام في كل زمان و الآخر كونه معصوما من السهو و الخطأ و النسيان.
____________
(1) في النسخة: (ساعاها).
346
فإذا علم المتأمل صحة هذين الأصلين و ثبتا عنده بواضح الدليل ثبت له عقيبهما صحة الإمامة و الغيبة لمن ذكرنا ص و لم يحتج إلى تكرار رواية و لا تطويل و ذلك للظاهر المعلوم الذي لا لبس فيه من حال من يدعى لهم الإمامة اليوم سوى من أشرنا إليه و تعريهم أجمعين عن استحقاق العصمة و مماثلتهم في جواز الخطأ عليهم لسائر الأمة فعلم بذلك صحة إمامة صاحبنا ص و ثبت لعدم ظهور غيبته حسبما ذهبنا إليه و لو لا أنه الإمام دون العالمين لبطل ما شهد به العقل من صحة الأصلين و بطلانهما يستحيل مع قيام الدليل. و هذه حجة بعيدة عن المعارضات سالمة من دخول الشبهات [سهلة] (1) المرام قريبة من الأفهام و بها يستمر لك الاستدلال على نظام في تثبيت إمامة جميع ساداتنا (ع) لأن وجوب الإمامة و ثبوت العصمة لرئيس الأمة مع ما علمناه من تعري الكافة من هذه الخصلة سائق إلى الإقرار بإمامة الاثني عشر ص و مانع للعاقل من الانصراف عنهم و الشك فيهم و لم يبق بعدها أكثر من إيراد الدليل على صحة ما ذكرناه من الأصلين و قد وجب انحسام مادة الخلاف ممن له عقل و إنصاف. دليل على وجوب الإمامة أما الدليل أنه لا بد للناس من إمام في كل زمان فمختصره أنا نعلم علما ليس للشك فيه مجال أن وجود الرئيس في الرعية المطاع ذي الهيبة مقدما و مثقفا و مذكرا و موقفا (2) أردع لها من القبيح و أدعى إلى فعل الجميل
____________
(1) في النسخة (سهل).
(2) كذا في النسخة. و لعله: معرّفا
347
و أكف لأيدي الظالمين و أحرس لأنفس [المردوعين] (1) و وجود الهرج بينهم و وقع الفتن منهم و العلم بما ذكرناه في ذلك مبني على الضرورات و التنبيه عليه مع ظهوره يغني عن الإطالة و الزيادات و قد أتقن الكلام في هذه المسألة مشايخنا رضي الله عنهم و لم يدعوا للخصوم شبهة تستغرب منهم. دليل على وجوب العصمة و أما الدليل على وجوب عصمة الإمام فهو أن علة الحاجة إليه أن يكون لطفا للرعية في الصلاح ليصدها عن ارتكاب القبائح و الفساد و يردها إلى فعل الواجب و السداد حسبما تقدم به الذكر في وجوب الحاجة إليه في كل عصر و هذا يقتضي أن لا تكون علة الحاجة إليه موجودة فيه فإنه متى جاز منه القبيح و فعل غير الجميل كان فقيرا محتاجا إلى إمام متقدم عليه و يمنعه مما هو جائز منه و يأخذ على يديه و يكون الكلام في إمامته كالكلام فيه حتى يؤدي ذلك إلى المحال من وجود أئمة لا يتناهون أو إلى الواجب من وجود إمام معصوم فعلم أن علة الحاجة إليه غير موجودة فيه و الحمد لله. دليل آخر على ثبوت عصمة الإمام و ما يعلم به ثبوت العصمة للأئمة أن الإمام قدوة في الدنيا و الدين و اتباعه مفترض من رب العالمين فوجب أن لا يجوز الخطأ و الزلل عليه و إلا كان الله تعالى قد أمر باتباع من يعصيه و لو لا استحقاقه العصمة لكان إذا ارتكب المعصية يتضاد مع التكليف على الأمة و تصير الطاعة منها معصية و المعصية طاعة و ذلك أنها مأمورة باتباعه و الاقتداء به فمتى اتبعته في المعصية امتثالا للمأمور من الاقتداء لكانت من حيث الطاعة عاصية لله سبحانه و متى خالفته و لم تقتد به طلبا لطاعة الله تعالى كانت أيضا عاصية لمخالفتها لمن أمرت بالاقتداء به و اتباعه و في استحالة جميع ذلك دلالة على عصمته.
____________
(1) في النسخة الرادعين.
348
و ليس لأحد أن يقول إن الاقتداء بالإمام واجب على الرعية فيما علمت صوابه فيه لأن هذا القول يخرجها من أن تكون مقتدية به إذ كانت إنما عرفت الصواب بغيره لا بقوله و بفعله فهي إذا عملت (1) بما عمل لمعرفتها بصوابه فيه إنما وافقته في الحقيقة و لم تقتد به و تتبعه. و لو جاز أن يكون إماما لها في شيء عرفت صوابه بغيره لكانت اليهود أئمة للأمة في الإقرار بموسى (ع) لموافقتها لهم في العلم بصحة نبوته. و هذا يدل العاقل على أن القدوة المتبع هو من عرف الحق به و بقوله و فعله فقد بان و اتضح ثبوت الأصلين من وجوب الإمامة و العصمة و بثبوتهما قد انتظم لنا ما قدمناه من الدليل و في ذلك كفاية و غنى عن التطويل وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلواته على سيدنا محمد رسوله و آله الطاهرين
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَرٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَتَكِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَةَ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ حَمْزَةَ النَّوْفَلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمِّي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ص عَنْهُ ص قَالَ أَخْبَرَنِي [جَبْرَئِيلُ] عَنْ كَاتِبَيْ عَلِيٍّ أَنَّهُمَا لَمْ يَكْتُبَا عَلَى عَلِيٍّ ذَنْباً مُذْ صَحِبَاهُ
وَ حَدَّثَنِي السُّلَمِيُّ عَنِ الْعَتَكِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّدَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَوْفِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَكَمِ الْبَرَاجِمِيِّ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الْوَفَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ياسر بن عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ أَبِيهِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ص يَقُولُ إِنَّ حَافِظَيْ عَلِيٍّ يَفْتَخِرَانِ عَلَى سَائِرِ الْحَفَظَةِ بِكَوْنِهِمَا مَعَ عَلِيٍّ (ع) ذَلِكَ أَنَّهُمَا لَمْ يَصْعَدَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَيُسْخِطَهُ
____________
(1) في النسخة علمت.
349
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و حكمه
قَالَ عَلِيٌّ (ع) لَمْ يَمُتْ مَنْ تَرَكَ أَفْعَالًا يُقْتَدَى بِهَا مِنَ الْخَيْرِ
مَنْ نَشَرَ حِكْمَةً ذُكِرَ بِهَا
مَوْتُ الْأَبْرَارِ رَاحَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ وَ مَوْتُ الْفُجَّارِ رَاحَةٌ لِلْعَالِمِ
مَنْ كَتَمَ عِلْماً فَكَأَنَّهُ جَاهِلٌ
الْجَوَادُ مَنْ بَذَلَ مَا يُضَنُّ بِمِثْلِهِ
مَنْ كَرُمَ أَصْلُهُ حَسُنَ فِعْلُهُ
وَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ تَكَلَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) بِأَرْبَعٍ وَ عِشْرِينَ كَلِمَةً قِيمَةُ كُلِّ كَلِمَةٍ وَزْنَ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ فَوَعَى وَ دُعِيَ إِلَى رَشَادٍ فَدَنَا وَ أَخَذَ بِحُجْزَةِ هَادٍ فَنَجَا رَاقَبَ رَبَّهُ وَ خَافَ ذَنْبَهُ قَدَّمَ خَالِصاً وَ عَمِلَ صَالِحاً اكْتَسَبَ مَذْخُوراً وَ اجْتَنَبَ مَحْظُوراً رَمَى غَرَضاً وَ أَخَذَ عِوَضاً كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ حَذِرَ أَمَلًا وَ رَتَّبَ عَمَلًا جَعَلَ الصَّبْرَ رَغْبَةَ حَيَاتِهِ وَ التُّقَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ يُظْهِرُ دُونَ مَا يَكْتُمُ وَ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مِمَّا يَعْلَمُ لَزِمَ الطَّرِيقَةَ الْغَرَّاءَ وَ الْمَحَجَّةَ الْبَيْضَاءَ اغْتَنَمَ الْمَهَلَ وَ بَادَرَ الْأَجَلَ وَ تَزَوَّدَ مِنَ الْعَمَلِ
وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَزْرَى بِنَفْسِهِ مَنِ اسْتَشْعَرَ الطَّمَعَ
مَنْ أَهْوَى إِلَى مُتَفَاوِتِ الْأُمُورِ خَذَلَتْهُ الرَّغْبَةُ
أَشْرَفُ الْغِنَى تَرْكُ الْمُنَى
مَنْ تَرَكَ الشَّهَوَاتِ كَانَ حُرّاً
الْحِرْصُ مِفْتَاحُ التَّعَبِ وَ دَاعٍ إِلَى التَّقَحُّمِ فِي الذُّنُوبِ وَ الشَّرَهُ جَامِعٌ لِمَسَاوِئِ الْعُيُوبِ الْحِرْصُ عَلَامَةُ الْفَقْرِ
مَنْ أَطْلَقَ طَرْفَهُ كَثُرَ أَسَفُهُ
350
قَلَّ مَا تُصَدِّقُكَ الْأُمْنِيَّةُ رُبَّ طَمَعٍ كَاذِبٍ وَ أَمَلٍ خَائِبٍ
مَنْ لَجَأَ إِلَى الرَّجَاءِ سَقَطَتْ كَرَامَتُهُ
هِمَّةُ الزَّاهِدِ مُخَالَفَةُ الْهَوَى وَ السُّلُوُّ عَنِ الشَّهَوَاتِ
مَا هَدَمَ الدِّينَ مِثْلُ الْبِدَعِ وَ لَا أَفْسَدَ الرِّجَالَ مِثْلُ الطَّمَعِ إِيَّاكَ وَ الْأَمَانِيَّ فَإِنَّهَا بَضَائِعُ النَّوْكَى
لَنْ يَكْمُلَ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْثِرَ دِينَهُ عَلَى شَهْوَتِهِ وَ لَنْ يَهْلِكَ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ
مَنْ تَيَقَّنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَرَاهُ وَ هُوَ يَعْمَلُ بِمَعَاصِيهِ فَقَدْ جَعَلَهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ
مواعظ
وَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ
أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ نَقَلْتُ مِنْ خَطِّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الزَّيَّاتِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَهْرَوَيْهِ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْغَازِي قَالَ حَدَّثَنَا الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّهِيدُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي أَتَحَبَّبُ إِلَيْكَ بِالنِّعَمِ وَ تُبْغِضُ إِلَيَّ بِالْمَعَاصِي خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ وَ شَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ وَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَأْتِينِي عَنْكَ مَلَكٌ كَرِيمٌ بِعَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ سَمِعْتَ وَصْفَكَ مِنْ غَيْرِكَ وَ أَنْتَ لَا تَدْرِي مَنِ الْمَوْصُوفُ لَسَارَعْتَ إِلَى مَقْتِهِ
351
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي وَ أَخِي عَلِيٌّ قَالا حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ قرظ [قُرْطٍ] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ مَنْ وَعَظَهُ اللَّهُ بِخَيْرٍ فَقَبِلَ بِالْبُشْرَى فَلَهُ الْبُشْرَى وَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ فَالنَّارُ لَهُ أَحْرَى
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا أَيْضاً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ قَالَ حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ يُفَارِقُ الْأَحْبَابَ وَ يَسْكُنُ التُّرَابَ وَ يُوَاجِهُ الْحِسَابَ وَ يَسْتَغْنِي عَمَّا خَلَّفَ وَ يَفْتَقِرُ إِلَى مَا قَدَّمَ كَانَ حَرِيّاً بِقِصَرِ الْأَمَلِ وَ طُولِ الْعَمَلِ
فصل من كلام رسول الله ص
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الرَّسُولِ (ع) أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ
وَ قَالَ مَنْ خَافَ اللَّهَ سَخَتْ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيَا وَ مَنْ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يَكْفِيهِ كَانَ أَيْسَرُ مَا فِيهَا يَكْفِيهِ
وَ قَالَ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَ اللَّهُ مُسْتَعْمِلُكُمْ فِيهَا فَانْظُرُوا كَيْفَ تَعْمَلُونَ
وَ قَالَ مَنْ تَرَكَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ مَخَافَةً مِنَ اللَّهِ أَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ
وَ قَالَ دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ فَإِنَّكَ لَنْ تَجِدَ فَقْدَ شَيْءٍ تَرَكْتَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَ
352
وَ قَالَ بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِمَنْ أَرَادَهَا فَ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً
وَ قَالَ بَادِرُوا بِعَمَلِ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ تَشْتَغِلُوا عَنْهُ وَ احْذَرُوا الذُّنُوبَ فَإِنَّ الْعَبْدَ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْبَسُ عَنْهُ الرِّزْقُ
حَدَّثَنِي الشَّيْخُ أَبُو الْمَرْجَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْبَلَدِيُّ بِالْقَاهِرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا أُسْتَاذِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ النُّعْمَانِيُّ (رحمه الله) عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ الْكُوفِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ الْأَرْبَعِينَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَحْوَلِ عَنْ سَلَّامِ بْنِ الْمُسْتَنِيرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ (ع) قَالَ قَالَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص أَيُّهَا النَّاسُ حَلَالِي حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ حَرَامِي حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَلَا وَ قَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْكِتَابِ وَ بَيَّنْتُهُمَا لَكُمْ فِي سِيرَتِي وَ سُنَّتِي وَ بَيْنَهُمَا شُبُهَاتٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ بِدَعٌ بَعْدِي مَنْ تَرَكَهَا صَلَحَ لَهُ أَمْرُ دِينِهِ وَ صَلَحَتْ لَهُ مُرُوءَتُهُ وَ عِرْضُهُ وَ مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا وَ وَقَعَ فِيهَا وَ اتَّبَعَهَا كَانَ كَمَنْ رَعَى غَنَماً قُرْبَ الْحِمَى وَ مَنْ رَعَى مَاشِيَتَهُ قُرْبَ الْحِمَى نَازَعَتْهُ إِلَى أَنْ يَرْعَاهَا فِي الْحِمَى أَلَا وَ إِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَحَارِمُهُ فَتَوَقَّوْا حِمَى اللَّهِ وَ مَحَارِمَهُ أَلَا وَ إِنَّ أَذَى الْمُؤْمِنِ مِنْ أَعْظَمِ سَبَبِ سَلْبِ الْإِيمَانِ أَلَا وَ مَنْ أَحَبَّ فِي اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ أَبْغَضَ فِي اللَّهِ وَ أَعْطَى فِي اللَّهِ وَ مَنَعَ فِي اللَّهِ فَهُوَ مِنْ أَصْفِيَاءِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَلَا وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَيْنِ إِذَا تَحَابَّا فِي اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ تَصَافَيَا فِي اللَّهِ كَانَا كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى أَحَدُهُمَا مِنْ جَسَدِهِ مَوْضِعاً وَجَدَ الْآخَرُ أَلَمَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
353
قصة وقعت للمؤلف
و من عجيب ما رأيت و اتفق لي أنني توجهت يوما لبعض أشغالي و ذلك بالقاهرة في شهر ربيع الآخر سنة ست و عشرين و أربعمائة فصحبني في الطريق رجل كنت أعرفه بطلب العلم و كتب الحديث فمررنا في بعض الأسواق بغلام حدث فنظر إليه صاحبي نظرا استربت منه ثم انقطع مني و مال إليه و حادثه فالتفت انتظارا له فرأيته يضاحكه فلما لحق بي عذلته على ذلك و قلت له لا يليق هذا بك فما كان بأسرع من أن وجدنا بين أرجلنا في الأرض ورقة مرمية فرفعتها لئلا يكون فيها اسم الله تعالى فوجدتها قديمة فيها خط رقيق قد اندرس بعضه و كأنها مقطوعة من كتاب فتأملتها فإذا فيها حديث ذهب أوله و هذا نسخته. قال إني أخوك في الإسلام و وزيرك في الإيمان و قد رأيتك على أمر لم يسعني أن أسكت فيه عنك و لست أقبل فيه العذر فيك قال و ما هو حتى ارجع عنه و أتوب إلى الله تعالى منه قال رأيتك تضاحك حدثا غرا جاهلا بأمور الله و ما يجب من حدود الله و أنت رجل قد رفع الله قدرك بما تطلب من العلم و إنما أنت بمنزلة رجل من الصديقين لأنك تقول حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ص عن جبرئيل عن الله تعالى فيسمعه الناس منك فيكتبوه عنك و يتخذونه دينا يعولون عليه و حكما ينتهون إليه و إنما أنهاك أن تعود لمثل الذي كنت عليه فإني أخاف عليك غضب من يأخذ العارفين قبل الجاهلين و يعذب فساق حملة القرآن قبل الكافرين. فما رأيت حالا أعجب من حالنا و لا عظة أبلغ مما اتفق لنا و لما وقف عليه صاحبي اضطرب لها اضطرابا بان فيها أثر لطف الله تعالى لنا و حدثني بعد ذلك أنه انزجر عن تفريطات كانت تقع منه في الدين و الدنيا و الحمد لله.
354
سؤال عن آية وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً فقال أخبروني ما معنى هذا الإهلاك الذي يريده الله تعالى و كيف قدم إهلاكهم على أمره لهم و متى يستمر مع القول بالعدل أن يريد إهلاك قوم قبل أن يأمرهم فيعصوا و ما معنى قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها ففي هذا على من لم يفهم معناه شبهة و الله لا يأمر إلا بالعدل. الجواب قيل له في هذه الآية وجوه أحدها أن من الإهلاك ما يكون حسنا و هو أن يكون مستحقا أو امتحانا و إنما يكون قبيحا إذا كان ظلما أو عبثا و قد ثبت لنا بالدليل الواضح عدل الله تعالى و حكمته و أنه لا يريد الظلم و لا يقع منه العبث (1) فعلمنا أنه لا يريد إلا الإهلاك الحسن. و أما قوله أَمَرْنا مُتْرَفِيها فالمأمور به هنا محذوف و هو الطاعة و تقدير الكلام أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا و خالفوا و يجري هذا مجرى قول القائل أمرتك فعصيتني فحذف ذكر ما أمره به لفهم السامع له و هذا معروف من كلام العرب و الأمثلة فيه كثيرة و أما مترفوها فهم الذين يعملون في الدنيا في غير طاعة الله تبارك و تعالى.
____________
(1) في الأصل البعث و هو غلط من الناسخ.
355
و أما تقدم إرادة الإهلاك على الأمر فيحتمل أن يكون ذلك بعد أمر متقدم لم يذكر استحق المأمورون بمخالفتهم له العذاب فلما أراد الله تعالى إهلاكهم أعذر إليهم بأمر ثان على وجه التكرير و التأكيد في إقامة الحجة على العاصين قبل وقوع الإهلاك المستحق المذكور و يوافق هذا التأويل قوله تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. الوجه الثاني أن يكون الإرادة في الآية مجازا و تنبيها على المعلوم من حال القوم و عاقبتهم و أنهم متى أمروا ففسقوا فأهلكوا و يجري ذلك مجرى قولهم إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كل جانب و توجه نحوه الخسران من كل مكان و إذا أراد العليل أن يموت خلط في أكله. و معلوم أن ليس منهما من يريد ذلك و إنما حسن الكلام لما علم من عاقبة أمرهما و هذا من أحد أقسام الفصاحة في كلام العرب و هو جواب صحيح في الآية. الوجه الثالث أن يحمل الكلام في الآية على التقديم و التأخير و يكون تلخيصه إذا أمرنا مترفي قرية بالطاعة فعصوا و استحقوا العقاب أردنا إهلاكهم و التقديم و التأخير أيضا مستعمل في كلام العرب و هو وجه حسن و يشهد به من القرآن قول الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. و نحن نعلم أن الطهارة للصلاة إنما تجب قبل القيام إلى الصلاة فأما من قرأ
356
أمرنا بالتشديد فإنما لا غناء به عن أجوبتنا (1)
فصل من أمالي شيخنا المفيد (رحمه الله)
رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى خُرَاسَانَ كَانَ مَعَهُ الْإِمَامُ الرِّضَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى فَبَيْنَا هُمَا يَتَسَايَرَانِ إِذْ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنِّي فَكَّرْتُ فِي شَيْءٍ فَسَنَحَ لِيَ الْفِكْرُ الصَّوَابُ فِيهِ أَنِّي فَكَّرْتُ فِي أَمْرِنَا وَ أَمْرِكُمْ وَ نَسَبِنَا وَ نَسَبِكُمْ فَوَجَدْتُ الْقَضِيَّةَ فِيهِ وَاحِدَةً وَ رَأَيْتُ اخْتِلَافَ شِيعَتِنَا فِي ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى الْهَوَى وَ الْعَصَبِيَّةِ فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) إِنَّ لِهَذَا الْكَلَامِ جَوَاباً إِنْ شِئْتَ ذَكَرْتُهُ لَكَ وَ إِنْ شِئْتَ أَمْسَكْتُ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ لَمْ أَقُلْهُ إِلَّا لِأَعْلَمَ مَا عِنْدَكَ فِيهِ قَالَ الرِّضَا (ع) أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآكَامِ فَخَطَبَ إِلَيْكَ ابْنَتَكَ لَكُنْتَ مُزَوِّجَةٌ إِيَّاهَا فَقَالَ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَ هَلْ أَحَدٌ يَرْغَبُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالَ لَهُ الرِّضَا (ع) أَ فَتَرَاهُ كَانَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَخْطُبَ ابْنَتِي فَسَكَتَ الْمَأْمُونُ هُنَيْئَةً ثُمَّ قَالَ أَنْتُمْ وَ اللَّهِ أَمَسُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ص رَحِماً
وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا حَجَّ الرَّشِيدُ وَ نَزَلَ فِي الْمَدِينَةِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَنُو هَاشِمٍ وَ بَقَايَا الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ وُجُوهُ النَّاسِ وَ كَانَ فِي النَّاسِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى
____________
(1) ما ذكره المؤلّف هنا من الأجوبة هو ملخص ممّا ذكره الشريف المرتضى في الأمالي انظر ج 2 ص 1- 5.
357
بْنُ جَعْفَرٍ (ع) فَقَالَ لَهُمُ الرَّشِيدُ قُومُوا بِنَا إِلَى زِيَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص ثُمَّ نَهَضَ مُعْتَمِداً عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ص حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ عَمِّ افْتِخَاراً بِذَلِكَ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ الَّذِينَ حَضَرُوا مَعَهُ وَ اسْتِطَالَةً عَلَيْهِمْ بِالنَّسَبِ قَالَ فَنَزَعَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى (ع) يَدَهُ مِنْ يَدِهِ وَ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَهْ قَالَ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الرَّشِيدِ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَخْرُ (1)
حَدَّثَنِي الْقَاضِي السُّلَمِيُّ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَتَكِيُّ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْكُدَيْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مهدان [مِهْرَانَ] قَالَ حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ شَبِيبٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ الْمُسْتَطِيلِ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) ابْنَتَهُ فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ بِصِغَرِهَا وَ قَالَ إِنِّي أَعْدَدْتُهَا لِابْنِ أَخِي جَعْفَرٍ فَقَالَ عُمَرُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ كُلُّ حَسَبٍ وَ نَسَبٍ فَمُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا خَلَا حَسَبِي وَ نَسَبِي وَ كُلُّ بَنِي أُنْثَى عَصَبُهُمْ لِأَبِيهِمْ مَا خَلَا بَنِي فَاطِمَةَ فَإِنِّي أَنَا أَبُوهُمْ وَ أَنَا عَصَبَتُهُمْ (2)
خبر يحيى بن يعمر مع الحجاج
قال الشعبي كنت بواسط (3) و كان يوم أضحى فحضرت صلاة العيد مع
____________
(1) ذكر هذا الحديث السبط في التذكرة ص 350 ناقلا له عن المدائني مختصرا. و رواه المفيد في الفصول المختارة ج (1) ص 15. و رواه أيضا في الإرشاد ص 272 مختصرا أيضا.
(2) ذكر أصل خطبة عمر بن الخطّاب لأم كلثوم بنت عليّ (عليه السلام) السبط في التذكرة ص 321 دون ما سمعه عمر عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و انظر: الصواعق المحرقة ص 156- 157.
(3) مدينة بناها الحجاج في العراق عام 83/ 84 ه و سميت واسطا لتوسطها بين البصرة و الكوفة و الأهواز و بغداد، فإن بينها و بين كل واحدة من هذه المدن مقدارا واحدا و هو خمسون فرسخا (التنبيه و الإشراف) ص 311.
358
الحجاج فخطب خطبة بليغة فلما انصرف جاءني رسوله فأتيته فوجدته جالسا مستوفزا قال يا شعبي هذا يوم أضحى و قد أردت أن أضحى برجل من أهل العراق و أحببت أن تسمع قوله فتعلم أني قد أصبت الرأي فيما أفعل به. فقلت أيها الأمير لو ترى أن تستن بسنة رسول الله ص و تضحي بما أمر أن يضحى به و تفعل مثل فعله و تدع ما أردت أن تفعله به في هذا اليوم العظيم إلى غيره فقال يا شعبي إنك إذا سمعت ما يقول صوبت رأيي فيه لكذبه على الله و على رسوله و إدخاله الشبهة في الإسلام قلت أ فيرى الأمير أن يعفني من ذلك قال لا بد منه ثم أمر بنطع فبسط و بالسياف فأحضر و قال أحضروا الشيخ فأتوه به فإذا هو يحيى بن يعمر فأغممت غما شديدا فقلت في نفسي و أي شيء يقوله يحيى مما يوجب قتله. فقال له الحجاج أنت تزعم أنك زعيم أهل العراق قال يحيى أنا فقيه من فقهاء أهل العراق قال فمن أي فقهك زعمت أن الحسن و الحسين (ع) من ذرية رسول الله ص قال ما أنا زاعم ذلك بل قائل بحق قال و بأي حق قلت قال بكتاب الله عز و جل فنظر إلي الحجاج و قال اسمع ما يقول فإن هذا مما لم أكن سمعته عنه أ تعرف أنت في كتاب الله عز و جل أن الحسن و الحسين من ذرية محمد رسول الله ص فجعلت أفكر في ذلك فلم أجد في القرآن شيئا يدل على ذلك و فكر الحجاج مليا ثم قال ليحيي لعلك تريد قول الله عز و جل فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا
359
وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. و أن رسول الله ص خرج للمباهلة و معه علي و فاطمة و الحسن و الحسين (ع) قال الشعبي فكأنما أهدى لقلبي سرورا و قلت في نفسي قد خلص يحيى و كان الحجاج حافظا للقرآن فقال له يحيى و الله إنها لحجة في ذلك بليغة و لكن ليس منها أحتج لما قلت فاصفر وجه الحجاج و أطرق مليا ثم رفع رأسه إلى يحيى و قال إن جئت من كتاب الله بغيرها في ذلك فلك عشرة آلاف درهم و إن لم تأت بها فأنا في حل من دمك. قال نعم قال الشعبي فغمني قوله فقلت أ ما كان في الذي نزع به الحجاج ما يحتج به يحيى و يرضيه بأنه قد عرفه و سبقه إليه و يتخلص منه حتى رد عليه و أفحمه فإن جاءه بعد هذا بشيء لم آمن أن يدخل عليه فيه من القول ما يبطل حجته لئلا يدعي أنه قد علم ما جهله هو فقال يحيى للحجاج قول الله عز و جل وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ من عني بذلك قال الحجاج إبراهيم قال فداود و سليمان من ذريته قال نعم قال يحيى و من نص الله عليه بعد هذا أنه من ذريته. فقرا الحجاج وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال يحيى و من قال وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى وَ عِيسى قال يحيى و من أين كان عيسى من ذرية إبراهيم و لا أب له
360
قال من قبل أمه مريم قال يحيى فمن أقرب مريم من إبراهيم أم فاطمة من محمد ص و عيسى من إبراهيم (ع) أم الحسن و الحسين (ع) من رسول الله ص قال الشعبي فكأنما ألقمه حجرا. فقال أطلقوه قبحه الله و ادفعوا إليه عشرة آلاف درهم لا بارك الله له فيها ثم أقبل علي فقال قد كان رأيك صوابا و لكنا أبيناه و دعا بجزور فنحروه و قام فدعا بالطعام فأكل و أكلنا معه و ما تكلم بكلمة حتى انصرفنا و لم يزل مما احتج به يحيى بن يعمر واجما
فصل من القول في القضاء و القدر
سؤال إن قال قائل ما قولكم فيهما و ما معناهما عندكم و حقيقتهما و هل أفعال العباد عندكم بقضاء الله و قدره أم لا و ما معنى الخبر المروي عن رسول الله ص
أَنَّهُ قَالَ حَاكِياً عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبّاً سِوَائِي (1)
و ما روي عنه (ع) من أنه أوجب الإيمان بالقدر خيره و شره و أخبر أن الإيمان لا يتم إلا به (2) و ما معنى قول المسلمين إن الواجب الرضا بما قضاه الله و قدره أبينوا لنا عن حقيقة ذلك ليحصل لنا العلم به. الجواب قلنا الواجب من هذه المسألة أولا أن نذكر معاني القضاء و القدر ثم نبين ما
____________
(1) رواه الصدوق في التوحيد ص 379 على تغيير في بعض ألفاظه.
(2) هو مضمون الحديث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يؤمن أحدكم حتّى يؤمن بالقدر خيره و شره و حلوه و مره رواه في التوحيد ص 388.
361
يصح أن يتعلق بأفعال العباد من ذلك و ما لا يتعلق و نجيب عن الخبر المروي عن رسول الله ص في ذلك بما يلائم الحق أما القضاء فعلى أقسام منها ما يكون بمعنى الإعلام كقول الله تعالى وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ أي أعلمناه و قوله سبحانه وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ أي أعلمناهم بذلك و يكون القضاء أيضا بمعنى الحكم و الإلزام كقوله جل اسمه وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي حكم بذلك في التكليف على خلقه و ألزمهم به. فأما القدر فيكون بمعنى الكتاب و الإخبار كما قال جل و علا إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ الحجر 60 يعني كتبنا و أخبرنا و يكون القدر أيضا بمعنى التبيين لمقادير الأشياء و تفاصيلها و الإعلام باختلاف أحوالها و يكون القدر ترك الأشياء في التدبير على نظام و وضعها في الحكمة مواضعها من غير زيادة و لا نقصان كما قال تعالى وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فأما أفعال العباد فيصح أن نقول فيها إن الله تعالى قضى بالطاعة منها على معنى أنه حكم بها و ألزمها عباده و أوجبها و هذا إلزام أمر و ليس بإلجاء و لا جبر. و نقول أيضا إنه سبحانه قدر أفعال العباد بمعنى بين لهم مقاديرها من حسنها و قبحها و مباحها و حظرها و فرضها و نفلها.
362
فأما القول بأنه قضاها على معنى أنه خلقها فغير صحيح لأنه لو خلق الطاعة و المعصية لسقط اللوم عن العاصي بموجب العدل و لم يكن معنى لإثابة الطائع في حجة و لا عقل و يقول في أفعال الله إنها كلها بقدره يريد أنها لا تفاوت فيها و لا خلل و أنها بموجب الحكمة ملتئمة و على نسق الصواب منتظمة
فَأَمَّا الْخَبَرُ الْمَرْوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ص مِنْ قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبّاً سِوَائِي (1)
فهو واضح المعنى للعاقل و هذا القضاء من الله تعالى هو مما يبتلى به العبد من أعلاله و أسقامه و عوارضه و آلامه و فقره بعد الغنى و ما يمتحنه من فقد الأعزاء و الأقرباء كل ذلك من قضاء الله الذي يجب الرضا به و الصبر عليه و هو مما يفعله الله سبحانه بعبده للحكمة التي تقتضيه و ما يعلمه الله عز و جل من الصلاح الذي لعبده فيه. و كيف يقضي الله على العبد بالمعصية و هي من الباطل الذي يعاقب عليه و قد قال الله عز من قائل وَ اللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِ و كذلك أقول في الخبر المروي عن النبي ص من إيجابه الإيمان بالقضاء و القدر خيره و شره فالخير من القضاء و القدر هو ما مالت إليه الطباع و التذت به الحواس و الشر بالضد من ذلك على ما تقدم به البيان و سمي أيضا شرا لما على النفس في تحمله من المشاق و هو مما أجمع المسلمون عليه من الرضا بقضاء الله و التسليم لقدره و لو كان الظلم و الغضب و الكفر بالله عز و جل من قضاء الله و قدره لوجب الرضا به و ترك إنكاره فلما رأينا العقلاء ينكرونه و لا يرضونه و يعيبون على من رضي به و يذمونه علمنا أنه ليس من قضاء الله سبحانه
____________
(1) رواه الصدوق في كتاب التوحيد ص 379 على تغيير في بعض ألفاظه.
363
- 3، 1- أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِجَازَةً قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ إِمْلَاءً قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (ع) قَالَ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ص فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ خُرُوجِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَا شَيْخُ فَوَ اللَّهِ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ وَادِياً إِلَّا بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرِهِ فَقَالَ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مَهْلًا يَا شَيْخُ لَعَلَّكَ تَظُنُّ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِهِ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ الزَّجْرُ وَ سَقَطَ مَعْنَى الْوَعِيدِ وَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُسِيءٍ لَائِمَةٌ وَ لَا لِمُحْسِنٍ مَحْمَدَةٌ وَ لَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْمُلَاءَمَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ وَ الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ تِلْكَ مَقَالَةُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا يَا شَيْخُ إِنَّ اللَّهَ كَلَّفَ تَخْيِيراً وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ أَعْطَى بِالْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرَهاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ وَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ لَهُ فَمَا الْقَضَاءُ وَ الْقَدَرُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ (ع) الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ وَ النَّهْيُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَ التَّمْكِينُ مِنْ فِعْلِ الْحَسَنَةِ وَ تَرْكِ السَّيِّئَةِ وَ الْمَعُونَةُ عَلَى الْقُرْبَةِ إِلَيْهِ وَ الْخِذْلَانُ لِمَنْ عَصَاهُ وَ الْوَعْدُ وَ الْوَعِيدُ وَ التَّرْغِيبُ وَ التَّرْهِيبُ كُلُّ ذَلِكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِي أَفْعَالِنَا وَ قَدَرُهُ لِأَعْمَالِنَا فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا تَظُنَّهُ فَإِنَّ الظَّنَّ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ
364
فَقَالَ الرَّجُلُ فَرَّجْتَ عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْشَأَ يَقُولُ
أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ* * * يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً
أَوْضَحْتَ مِنْ دِينِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً* * * جَزَاكَ رَبُّكَ عَنَّا فِيهِ إِحْسَاناً
فَلَيْسَ مَعْذِرَةٌ فِي فِعْلِ فَاحِشَةٍ* * * قَدْ كُنْتُ رَاكِبَهَا فِسْقاً وَ عِصْيَاناً
لَا لَا وَ لَا قَائِلًا نَاهِيهِ أَوْقَعَهُ* * * فِيهَا عَبَدْتُ إِذاً يَا قَوْمِ شَيْطَاناً
وَ لَا أَحَبَّ وَ لَا شَاءَ الْفُسُوقَ وَ لَا* * * قَتْلَ الْوَلِيِّ لَهُ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً
(1)
الحجاج يسأل عن القضاء و القدر
وَ ذُكِرَ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِ (2) وَ إِلَى وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ (3) وَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ (4) وَ عَامِرٍ الشَّعْبِيِ (5) فَقَالَ لَهُمْ أَخْبِرُونِي بِقَوْلِكُمْ فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَا أَعْرِفُ فِيهِ إِلَّا مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَإِنَّهُ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ أَ زَعَمْتَ أَنَّ الَّذِي نَهَاكَ دَهَاكَ وَ إِنَّمَا دَهَاكَ أَسْفَلُكَ وَ أَعْلَاكَ وَ رَبُّكَ بَرِيءٌ مِنْ ذَاكَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ
____________
(1) تجد هذا الحديث مرويا في توحيد الصدوق ص 388- 389 و انظر: أمالي المرتضى ج 1 ص 151، و الفصول المختارة ج 1 ص 40- 42 بزيادة أربعة أبيات.
(2) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار مولى زيد بن ثابت، و أمه خيرة مولاة أم المؤمنين أم سلمة زوج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، كان معدودا في الزهاد، و متّهما بالانحراف عن عليّ (عليه السلام)، و كان كاتبا لوالي خراسان ربيعة بن زياد في زمن معاوية، و ولي القضاء على البصرة في زمن عمر بن عبد العزيز، ثمّ استقال من تلك الوظائف، مجندا نفسه لخدمة الأمويين، حتى لقبوه بسيد التابعين، نظرا لسعة معلومات، و تظاهرة بالتقشف و الورع، و لكونه من محاسيب السلطة الأموية.
عاش 89 سنة و مات سنة 110 ه، و على هذا تكون ولادته سنة 21 ه.
(3) هو أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزال (80- 131 ه) من شيوخ المعتزلة و أعلامها البارزين، بل هو المؤسس لمذهب الاعتزال، و له آراء معروفة مذكورة في كتب الفرق.
(4) أبو عثمان عمرو بن عبيد (80- 144 ه) من أئمة الاعتزال و دعاتهم، وافق واصل بن عطاء في كثير من أصول المعتزلة.
(5) أبو عمرو عامر بن شراحيل الكوفيّ ينسب إلى شعب، بطن من همدان، من التابعين، كان فقيها شاعرا، و كان قاضيا على الكوفة، مات بالكوفة (سنة 104 ه).
365
مَا أَعْرِفُ فِيهِ إِلَّا مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَإِنَّهُ قَالَ مَا تَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مِنْهُ وَ مَا تَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَنْهُ فَهُوَ مِنْكَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ مَا أَعْرِفُ فِيهِ إِلَّا مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ قَالَ إِنْ كَانَ الرزق [الْوِزْرُ] فِي الْأَصْلِ مَحْتُوماً فَالْوَازِرُ فِي الْقِصَاصِ مَظْلُومٌ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ مَا أَعْرِفُ فِيهِ إِلَّا مَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) مَنْ وَسَّعَ عَلَيْكَ الطَّرِيقَ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْكَ الْمَضِيقَ فَلَمَّا قَرَأَ الْحَجَّاجُ أَجْوِبَتَهُمْ قَالَ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ لَقَدْ أَخَذُوهَا مِنْ غير [عَيْنٍ] صَافِيَةٍ (1)
وَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ كَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) مِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ مَعَاشِرَ بَنِي هَاشِمٍ الْفُلْكُ الْجَارِيَةُ فِي اللُّجَجِ الْغَامِرَةِ وَ مَصَابِيحُ الدُّجَى وَ أَعْلَامُ الْهُدَى وَ الْأَئِمَّةُ الْقَادَةُ الَّذِينَ مَنِ اتَّبَعَهُمْ نَجَا وَ السَّفِينَةُ الَّتِي يَئُولُ إِلَيْهَا الْمُؤْمِنُونَ وَ يَنْجُو فِيهَا الْمُتَمَسِّكُونَ قَدْ كَثُرَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ عِنْدَنَا الْكَلَامُ فِي الْقَدَرِ وَ اخْتِلَافُنَا فِي الِاسْتِطَاعَةِ فَتَعَلَّمْنَا مَا نَرَى عَلَيْهِ رَأْيَكَ وَ رَأْيَ آبَائِكَ فَإِنَّكُمْ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلِمْتُمْ وَ هُوَ الشَّاهِدُ عَلَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ وَ السَّلَامُ فَأَجَابَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهماِ) مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَمَّا بَعْدُ فَقَدِ انْتَهَى إِلَيَّ كِتَابُكَ عِنْدَ حَيْرَتِكَ وَ حَيْرَةِ مَنْ زَعَمْتَ مِنْ أُمَّتِنَا وَ كَيْفَ تَرْجِعُونَ إِلَيْنَا وَ أَنْتُمْ بِالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ
____________
(1) من البعيد أن يكون الحجاج هو الذي وجه السؤال إلى مثل عمرو بن عبيد و واصل بن عطاء، اللذين ولدا عام 80 ه، مع العلم أن الحجاج مات سنة 95 ه، حتى لو فرض أن سؤال الحجاج لهما كان في نفس السنة التي مات فيها، حين يكون عمر كل من عمرو بن عبيد و واصل بن عطاء خمسة عشر عاما، و بخاصّة أنهما لم يبرزا بعد و هما في هذه السن المبكرة في المجال الفكري و العلمي، و من هنا فالمرجح أن يكون السائل شخصية أخرى غير الحجاج.
366
وَ اعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ لَا مَا تَنَاهَى إِلَيَّ مِنْ حَيْرَتِكَ وَ حَيْرَةِ الْأُمَّةِ قِبَلَكَ لَأَمْسَكْتُ عَنِ الْجَوَابِ وَ لَكِنِّي النَّاصِحُ وَ ابْنُ النَّاصِحِ الْأَمِينُ وَ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَ شَرِّهِ فَقَدْ كَفَرَ وَ مَنْ حَمَلَ الْمَعَاصِيَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَدْ فَجَرَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُطَاعُ بِإِكْرَاهٍ وَ لَا يُعْصَى بِغَلَبَةٍ وَ لَمْ يُهْمِلِ الْعِبَادَ سُدًى مِنَ الْمَمْلَكَةِ وَ لَكِنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمَالِكُ لِمَا مَلَّكَهُمْ وَ الْقَادِرُ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَقْدَرَهُمْ فَإِنِ ائْتَمَرُوا بِالطَّاعَةِ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ صَادّاً وَ لَا عَنْهَا مَانِعاً وَ إِنِ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْصِيَةِ فَشَاءَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَهَا فَعَلَ وَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَيْهَا إِجْبَاراً وَ لَا أَلْزَمَهُمْ بِهَا إِكْرَاهاً بَلِ احْتِجَاجُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَيْهِمْ أَنْ عَرَّفَهُمْ وَ جَعَلَ لَهُمُ السَّبِيلَ إِلَى فِعْلِ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَ تَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَ لِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ وَ السَّلَامُ (1)
أبو حنيفة مع الإمام موسى بن جعفر
وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ كَثِيرٍ الرَّقِّيِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى مُرَّ بِنَا إِلَى مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) لِنَسْأَلَهُ عَنْ أَفَاعِيلِ الْعِبَادِ وَ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (ع) وَ مُوسَى يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ سَلَّمَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالا لَهُ أَخْبِرْنَا عَنْ أَفَاعِيلِ الْعِبَادِ مِمَّنْ هِيَ فَقَالَ لَهُمَا إِنْ كَانَتْ أَفَاعِيلُ الْعِبَادِ مِنَ اللَّهِ دُونَ خَلْقِهِ فَاللَّهُ أَعْلَى وَ أَعَزُّ وَ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ عَبِيدَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَ إِنْ كَانَتْ مِنْ خَلْقِهِ فَاللَّهُ أَعْلَى وَ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ عَبِيدَهُ عَلَى فِعْلٍ قَدْ شَارَكَهُمْ فِيهِ وَ إِنْ كَانَتْ أَفَاعِيلُ الْعِبَادِ مِنَ الْعِبَادِ فَإِنْ عَذَّبَ فَبِعَدْلِهِ وَ إِنْ غَفَرَ فَهُوَ{/~{/ أَهْلُ التَّقْوى وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
لَمْ تَخْلُ أَفْعَالُنَا اللَّاتِي نُذَمُّ بِهَا* * * إِحْدَى ثَلَاثِ مَعَانٍ حِينَ نَأْتِيهَا
إِمَّا تَفَرُّدُ بَارِينَا بِصَنْعَتِهَا* * * فَيَسْقُطُ الذَّمُّ عَنَّا حِينَ نُنْشِيهَا
أَوْ كَانَ يَشْرَكُنَا فِيهَا فَيَلْحَقُهُ* * * مَا سَوْفَ يَلْحَقُنَا مِنْ لَائِمٍ فِيهَا
أَوْ لَمْ يَكُنْ لِإِلَهِي فِي جَنَانِيهَا* * * ذَنْبٌ فَمَا الذَّنْبُ إِلَّا ذَنْبَ جَانِيهَا
(2)
____________
(1) تجد هذه المراسلة في تحف العقول للحراني ص 162 مع بعض الاختلاف و الزيادة.
(2) روى ذلك الحرّانيّ في كتاب تحف العقول ص 308 مختلفا عن رواية المؤلّف و دون ذكر-
367
كلام الصادق لزرارة
وَ مِمَّا حُفِظَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ لِزُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ يَا زُرَارَةُ إِنِّي أُعْطِيكَ جُمْلَةً فِي الْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ قَالَ لَهُ زُرَارَةُ نَعَمْ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلَائِقَ سَأَلَهُمْ عَمَّا عَهِدَ إِلَيْهِمْ وَ لَمْ يَسْأَلْهُمْ عَمَّا قَضَى عَلَيْهِمْ (1)
فصل من كلام أمير المؤمنين و آدابه و حكمه (ع) (2)
لَا رَأْيَ لِمَنِ انْفَرَدَ بِرَأْيِهِ مَا عَطِبَ مَنِ اسْتَشَارَ مَنْ شَاوَرَ ذَوِي الْأَلْبَابِ دُلَّ عَلَى الصَّوَابِ
النُّصْحُ لِمَنْ قَبِلَهُ
رَأْيُ الشَّيْخِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حِيلَةِ الشَّابِ
رُبَّ وَاثِقٍ خَجِلٌ
اللَّجَاجَةُ تَسْلِبُ الرَّأْيَ
الطُّمَأْنِينَةُ قَبْلَ الْحَزْمِ
التَّدْبِيرُ قَبْلَ الْعَمَلِ يُؤْمِنُكَ النَّدَمَ
مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الْآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الْخَطَاءِ
مَنْ تَحَرَّى الْقَصْدَ خَفَّتْ عَلَيْهِ الْمُؤَنُ
مَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ
لَوْ لَا التَّجَارِبُ عَمِيَتِ الْمَذَاهِبُ
فِي التَّجَارِبِ عِلْمٌ مُسْتَأْنَفٌ
فِي التَّوَانِي وَ الْعَجْزِ أُنْتِجَتِ الْهَلَكَةُ
____________
- الأبيات. و رواه الشريف المرتضى في الأمالي م 1 ص 152 و ذكر أن مضمون الخبر قد نظمه بعضهم.
(1) هذا الحديث رواه الصدوق في التوحيد ص 374.
(2) أكثر هذه الحكم موجودة في نهج البلاغة.
368
احْذَرِ الْعَاقِلَ إِذَا أَغْضَبْتَهُ وَ الْكَرِيمَ إِذَا أَهَنْتَهُ وَ النَّذْلَ إِذَا أَكْرَمْتَهُ وَ الْجَاهِلَ إِذَا صَاحَبْتَهُ
مَنْ كَفَّ عَنْكَ شَرَّهُ فَاصْنَعْ بِهِ مَا سَرَّهُ
مَنْ أَمِنْتَ مِنْ أَذِيَّتِهِ فَارْغَبْ فِي أُخُوَّتِهِ
فصل من الكلام في الغيبة و سببها
إن قال قائل ما السبب الموجب لغيبة صاحب الزمان عليه و على آبائه أفضل السلام قيل له لا يسأل عن هذا السؤال إلا من قد أعطى صحة وجود الإمام و سلم ما ذكره من غيبته من الأنام لأن النظر في سبب الغيبة فرع عن كونها فلا يجوز أن يسأل عن سببها من يقول إنها لم تكن و كذلك الغيبة نفسها فرع عن صحة الوجود إذ كان لا يصح غيبة من ليس بموجود فمن جحد وجود الإمام فلا يصح كلامه في ما بعد ذلك من هذه الأحوال فقد بان أنه لا بد من تسليم الوجود و الإمامة و الغيبة أما تسليم دين و اعتقاد ليكشف السائل عن السبب الموجب للاستتار و أما تسلم نظر و احتجاج لينظر السائل عن السبب إن كان كلامنا في الفرع ملائما للأصل و أنه مستمر عليه من غير أن يضاده و ينافيه. فإن قال السائل أنا أسلم لك ما ذكرتموه من الأصل لا عن نظر إن كان ينتظم معه جوابكم عن الفرع فما السبب الآن في غيبة الإمام (ع) فقيل له أول ما نقوله في هذا إنه ليس يلزمنا معرفة هذا السبب و لا يتعين علينا الكشف عنه و لا يضرنا عدم العلم به. و الواجب علينا اللازم لنا هو أن نعتقد أن الإمام الوافر المعصوم الكامل العلوم لا يفعل إلا ما هو موافق للصواب و إن لم نعلم الأغراض في أفعاله و الأسباب فسواء ظهر أو استتر قام أو قعد كل ذلك يلزمه فرضه دوننا و يتعين عليه فعل الواجب فيه سوانا و ليس يلزمنا علم جميع ما علم كما لا يلزمنا فعل جميع ما فعل و تمسكنا بالأصل من تصويبه في كل فعل يغنينا في
369
المعتقد عن العلم بأسباب ما فعل فإن عرفنا أسباب أفعاله كان حسنا و إن لم نعلمها لم يقدح ذلك في مذهبنا كما أنه قد ثبت عندنا و عند مخالفينا إصابة رسول الله ص في جميع أقواله و أفعاله و التسليم له و الرضا بما يأتي منه و إن لم نعرف سببه. و لو قيل لنا لم قاتل المشركين على كثرتهم يوم بدر و هو في ثلاثمائة من أصحابه و ثلاثة عشر أكثرهم رجالة و منهم من لا سلاح معه و رجع عام الحديبية عن إتمام العمرة و هو في العدة القوية و من معه من المسلمين ثلاثة آلاف و ستمائة و أعطى سهيل بن عمرو جميع مناه و دخل تحت حكمه و رضاه من محو بسم الله الرحمن الرحيم من الكتاب و محو اسمه من النبوة و إجابته إلى أن يدفع عن المشركين ثلث ثمار المدينة و أن يرد من أتاه ليسلم على يده منهم مع ما في هذا من المشقة العظيمة و المخالفة في الظاهر للشريعة لما ألزمنا الجواب عن ذلك أكثر من أنه أعرف بالمصلحة من الأمة و أنه لا يفعل هذا إلا لضرورة يختص بعلمها ملجئة أو مصلحة تقتضيه تكون له معلومة و هو الوافر الكامل الذي لا يفرط فيما أمر به. و ليس عدم علمنا بأسباب فعله ضارا لنا و لا قادحا فيما نحن عليه من اعتقادنا و أصلنا فكذلك قولنا في سبب غيبة إمامنا و صاحب عصرنا و زماننا و يشبه هذا أيضا من أصول الشريعة عن السبب في إيلام الأطفال و خلق الهوام و المسمومات من الحشائش و الأحجار و نحو ذلك مما لا يحيط أحد بمعرفة معناه و لا يعلم السبب الذي اقتضاه فإن الواجب أن نرد ذلك إلى أصله و نقول إن جميعه فعل من ثبت الدليل على حكمته و عدله و تنزهه عن العيب في شيء من فعله. و ليس عدم علمنا بأسباب هذه الأفعال مع اعتقادنا في الجملة أنها مطابقة للحكمة و الصلاح بضار لنا و لا قادح في صحة أصولنا لأنا لم نكلف أكثر من العلم بالأصل و في هذا كفاية لمن كان له عقل
370
و هكذا أيضا يجري الأمر في الجواب إن توجه إلينا السؤال عن سبب قعود أمير المؤمنين (ع) عن محاربة أبي بكر و عمر و عثمان و لم يقعد عن محاربة من بعدهم من الفرق الثلاث (1) و الأصل في هذا كله واحد و ما ذكرناه فيه كاف للمسترشد. فإن قال السائل لنا جميع ما ذكرته من أفعال الله عز و جل فلا شبهة في أنه أعرف بالمصالح فيها و أن الخلق لا يعلمون جميع منافعهم و لا يهتدون إليها و أما النبي (ع) و ما جرى من أمره عام الحديبية فإنه علم المصلحة في ذلك بالوحي من الله سبحانه فمن أين لإمامكم علم المصلحة في ذلك و هو لا يوحى إليه قيل له إن كان إمامنا (ع) إماما فهو معهود إليه قد نص له على جميع ما يجب تعويله عليه و أخذ ذلك و أمثاله عن آبائه عن رسول الله ص و لنا مذهب في الإمام و عندنا أن الإمام (ع) يصح أن يلهم من المصالح و الأحكام ما يكون هو المخصوص به دون الأنام. ثم نتبرع بعد ما ذكرناه بذكر السبب الذي تقدم فيه السؤال و إن كان غير لازم لنا في الجواب فنقول إن السبب في غيبة الإمام (ع) إخافة الظالمين له و طلبهم بسفك دمه و إعلام الله أنه متى أبدى شخصه لهم قتلوه و متى قدروا عليه أهلكوه فحصل ممنوعا من التصرف فيما جعل إليه من شرع الإسلام و هذه الأمور التي هي مردودة إليه و معول في تدبيرها عليه فإنما يلزمه القيام بها بشرط وجود التمكن و القدرة و عدم المنع و الحيلولة و إزالة المخافة على النفس و المهجة فمتى لم يكن ذلك فالتقية واجبة و الغيبة عند الأسباب الملجئة إليها لازمة لأن التحرز من المضار واجب عقلا و سمعا و قد استتر النبي ص في غار حراء و لم يكن لذلك سبب غير المخافة من الأعداء.
____________
(1) و هم الناكثون من أهل البصرة و القاسطون معاوية و أصحابه، و المارقون هم أصحاب النهروان أي الخوارج.
371
فإن قال السائل إن استتار النبي (ع) كان مقدارا يسيرا لم يمتد به الزمان و غيبة صاحبكم قد تطاولت بها الأعوام قيل له ليس القصر و الطول في الزمان يفرق في هذا المكان لأن الغيبتين جميعا سببهما واحد و هي المخافة من الأعداء فهما في الحكم سواء و إنما قصر زمان إحداها القصر مدة المخافة فيها و طول زمان الأخرى لطول زمان المخافة و لو ضادت إحداهما الحكمة و أبطلت الاحتجاج لكانت كذلك الأخرى. فإن قال فالأظهر إبداء شخصه و إقام الحجة على مخالفيه و إن أدى إلى قتله قيل لهم إن الحجة في تثبيت إمامته قائمة في الأمة و الدلالة على إمامته موجودة ممكنة و النصوص من رسول الله ص و من الأئمة على غيبته مأثورة متصلة فلم يبق بعد ذلك أكثر من مطالبة الخصم لنا بظهوره ليقتل فهذا غير جائز و قد قال الله سبحانه وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ و قال موسى (ع) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ. فإن قال السائل إن في ظهوره تأكيدا لإقامة الحجة و كشفا لما يعترض أكثر الناس في أمره من الشبهة فالأوجب ظهوره و إن قتل لهذه العلة قيل له قد قلنا في النهي عن التغرير بالنفس ما فيه كفاية و نحن نأتي بعد ذلك بزيادة فنقول إنه ليس كلما نرى فيه تأكيدا لإقامة الحجة فإن فعله واجب ما لم يكن فيه لطف و مصلحة أ لا ترى أن قائلا قال لم لم يعاجل الله تعالى العصاة بالعقاب و النقمة و يظهر آياته للناس في كل يوم و ليلة حتى يكون ذلك آكد في إقامته عليهم الحجة أ ليس كان جوابنا له مثل ما أجبنا في ظهور صاحب الغيبة من أن ذلك لا يلزم ما لم يفارق وجها معلوما من المصلحة و عندنا أن الله سبحانه لم يمنعه من الظهور و إن قتل إلا و قد علم أن مصلحة المكلفين مقصورة على كونه إماما لهم بعينه و أن لا يقوم غيره فيها
372
مقامه فكذلك أمره بالاستتار في المدة التي علم أنه متى ظهر فيها قتله الفجار. فإن الخصم هلا أظهره الله تعالى و أرسل معه ملائكة تبيد كل من أراده بسوء و تهلك من قصده بمكروه قيل له قد سألت الملحدة عن مثل هذا السؤال في إرسال الأنبياء (ع) فقالوا لم لم يبعث الله تعالى معهم من الأملاك من يصد عنهم كل سوء يقصدهم به العباد فكان الجواب لهم أن المصالح ليست واقعة بحسب تقدير الخلائق (1) و إنما هي بحسب المعلوم عند الله عز و جل و بعد فإن اصطلام (2) الله تعالى للعاصين و معاجلته بإهلاك سائر الظالمين قاطع لنظام التكليف و ربما اقتضى ذلك عموم الجماعة بالهلاك كما كان في الأمم السابقة في الزمان. و هو أيضا مانع للقادرين من النظر في زمان الغيبة المؤدي إلى المعرفة و الإجابة فقد يصح أن يكون فيهم و منهم في هذه المدة من ينظر فيعرف الحق و يعتقده أو يكون فيهم معاندون مقرون قد علم الله سبحانه أنهم إن بقوا كان من نسلهم ذرية صالحة فلا يجوز أن يحرمها الوجود بإعدامهم في مقتضى الحكمة و ليس العاصون في كل زمان هذا حكمهم و ربما علم ضد ذلك منهم فاقتضت الحكمة إهلاكهم كما كان في زمن نوح (ع) حيث قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً. فإن قال السائل إن آباءه (ع) قد كانوا أيضا في زمان مخافة و أوقات صعبة فلم لم يستتروا و ما الفرق بينهم و بينه في هذا الأمر قيل له إن خوف إمامنا (ع) أعظم من خوف آبائه و أكثر و السبب في ذلك أنه لم يرو عن أحد من آبائه (ع) أنه يقوم بالسيف و يكسر تيجان
____________
(1) هناك عدة كلمات غير واضحة المعنى.
(2) الاصطلام الإهلاك.
373
الملوك و لا يبقى لأحد دولة سواه و يجعل الدين كله لله فكان الخوف المتوجه إليه بحسب ما يعتقد من ذلك فيه و تطلعت نفوس الأعداء إليه و تتبعت الملوك أخباره الدالة عليه و لم ينسب إلى أحد من آبائه شيء من هذه الأحوال فهذا فرق واضح بين المخافتين. ثم نقول بعد ذلك إن من اطلع في الأخبار و سبر السير و الآثار علم أن مخافة صاحبنا (ع) كانت منذ وقت مخافة أبيه ص بل كان الخوف عليه قبل ذلك في حال حمله و ولادته و من ذا الذي خفي عليه من أهل العلم ما فعله سلطان ذلك الزمان مع أبيه و تتبعه لأخباره و طرحه العيون عليه انتظارا لما يكون من أمره و خوفا مما روت الشيعة أنه يكون من نسله إلى أن أخفى الله تعالى الحمل بالإمام (ع) و ستر أبوه ص ولادته إلا عمن اختصه من الناس ثم كان بعد موت أبيه و خروجه للصلاة و مضى عمه جعفر (1) ساعيا إلى المعتمد (2) ما كان حتى هجم على داره و أخذ ما كان بها من أثاثه و رحله و اعتقل جميع نسائه و أهله و سأل أمه عنه فلم تعترف به و أودعها عند قاضي الوقت المعروف بابن أبي الشوارب (3) و لم يزل الميراث معزولا سنتين ثم ما كان بعد ذلك من الأمور المشهورة التي يعرفها من اطلع في الأخبار المأثورة. و هذه كلها من أسباب المخاوف التي نشأت بنشوء الرجل الخائف ثم بترادف الزمان لعظم ذكره على لسان المؤالف و المخالف و مع ذلك فإن النصوص قد نطقت بذكر مخافته كما تضمنت نعت استتاره و غيبته منها ما هو مجمل و منها ما هو مفصل
فَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّهُ ذَكَرَ الْمَهْدِيَّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَقَالَ
____________
(1) هو جعفر بن الإمام علي الهادي المعروف عند الشيعة بجعفر الكذاب ادّعى الإمامة ثمّ بطل أمره.
(2) هو الخليفة المعتمد على اللّه من ملوك بني العباس.
(3) هو أحمد بن محمّد بن عبد اللّه الأموي قاضي بغداد من عهد المتوكل إلى زمن المقتدر توفّي سنة 307 ه.
374
صَاحِبُ الْأَمْرِ هُوَ الشَّرِيدُ الطَّرِيدُ الْفَرِيدُ الْوَحِيدُ (1)
وَ قَالَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) اللَّهُمَّ إِنَّكَ لَا تُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلْقِكَ ظَاهِراً مَوْجُوداً أَوْ خَائِفاً مَغْمُوراً كَيْ لَا تَبْطُلَ حُجَجُكَ وَ بَيِّنَاتُكَ (2)
وَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (ع) وَ قَدْ ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمَهْدِيُّ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَقَالَ إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ فَقَالَ لَهُ زُرَارَةُ وَ لِمَ قَالَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ (3)
وَ قَوْلُ أَبِيهِ الْبَاقِرِ (ع) فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ أَرْبَعُ سُنَنٍ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْبِيَاءَ سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى (ع) وَ سُنَّةٌ مِنْ عِيسَى وَ سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ وَ سُنَّةٌ مِنْ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَّا مُوسَى فَخَائِفٌ وَ أَمَّا عِيسَى فَيُقَالُ مَاتَ وَ يُقَالُ لَمْ يَمُتْ وَ أَمَّا يُوسُفُ فَالْغَيْبَةُ عَنْ أَهْلِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُمْ وَ لَا يَعْرِفُونَهُ وَ أَمَّا مُحَمَّدٌ ص فَالسَّيْفُ (4)
و فيما أوردناه مقنع و الحمد لله
فصل من مسائل الفقه المستطرفة
مسألة امرأة طلقها زوجها و مضت في عدتها حتى قاربت النصف فلما انتهت إلى ذلك وجب عليها استئناف العدة من أولها من غير أن تكون أخلت فيما مضى بشيء من حدودها
____________
(1) رواه الصدوق في إكمال الدين ص 298 يسنده عن حنان بن السدير عن عليّ بن الحرد و عن الأصبغ عن علي ص 241.
(2) تجد هذا الحديث مرويا في إكمال الدين للصدوق من أكثر من عشرة طرق انظر ص 284- 288.
(3) رواه الصدوق في إكمال الدين ص 332 بسنده عن عبد الدين بكر عن رزادة، و ذكر القائم بدل الغلام.
(4) رواه الصدوق في الكتاب المذكور ص 317. يسنده عن أبي بصير و كذلك في ص 320 بسنده عن أبي بصير أيضا باختلاف في بعض ألفاظه.
375
الجواب هذه جارية لم تبلغ المحيض و مثلها في السن من تحيض طلقها زوجها فوجبت العدة بالشهور عليها فلما مضت في عدتها قريب الشهر و نصف حاضت فوجب عليها إلغاء ما مضى و استئناف العدة بالحيض و في هذه من العامة خلاف و وفاق. مسألة امرأة طلقها زوجها فوجبت عليها العدة أياما معلومة فعمد إنسان إلى طاعة الله تعالى ففعلها فوجب على المرأة عند فعل الطاعة من العدة في الأيام مثل ما كان لزمها الجواب هذه امرأة طلقها زوج كان لها فحاضت حيضين في شهر واحد فلما كان قبل تقضي الشهر بيوم أو يومين قبل أن تطهر من الحيضة الثانية أعتقها مولاها فوجب عليها عدة الحرة ثلاثة قروء فلم تستوف ذلك حتى كملت ثلاثة أشهر و في هذا الجواب خلاف من بعض العامة أيضا. مسألة أخرى رجل تزوج امرأة على مهر غير موزون و لا مكيل و لا ممسوح و لا هو جسم و لا جوهر و لا شيء من الأموال و العروض فتم نكاحه بذلك و كان مصيبا جواب هذا العاقد على سورة أو آية من كتاب الله تعالى و الشيعة مجمعة على هذا و بعض العامة يوافق عليه مسألة امرأة أجنبية من رجل قالت قولا حل له به فرجها من غير مهر و لا أجر و لا عقد أكثر مما تقدم منها من القول جواب هذه المرأة التي وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ ص فنزل القرآن بقصتها و تحليلها له و تحريم ذلك على غيره و جعلها الله سبحانه خالصة له من دون المؤمنين (1).
____________
(1) مصدره من الآية 50 من سورة الأحزاب، و هو قوله سبحانه: «وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ..»
376
و ليس في هذا الجواب خلاف بين المسلمين. مسألة امرأة عدتها ساعة من الزمان جواب هذه امرأة حامل فولدت بعد ساعة من الطلاق و القول في ذلك أيضا إجماع مسألة تزوج رجل امرأة على ألف درهم ثم طلقها فوجب له عليها ألف و خمسمائة درهم جواب هذه المرأة قبضت من زوجها جميع مهرها و هو ألف درهم ثم أشهدت على نفسها بعد قبضها له أنه صدقة عليه فلما عرف الرجل ذلك طلقها قبل أن يدخل بها فوجب عليها الألف درهم بالصدقة و خمسمائة درهم نصف ما فرضه لها من الصداق و هذا أيضا جواب عليه الاتفاق
فصل من كلام أمير المؤمنين ص في ذكر النساء
إِيَّاكَ وَ مُشَاوَرَةَ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ جَرَّبْتَ بِكَمَالِ عَقْلِهَا فَإِنَّ رَأْيَهُنَّ يَجُرُّ إِلَى الْأَفَنِ (1) وَ عَزْمَهُنَّ إِلَى وَهْنٍ وَ قَصِّرْ عَلَيْهِنَّ أَجْنِحَتَهُنَّ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَ لَيْسَ خُرُوجُهُنَّ بِأَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْ دُخُولِ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ وَ افْعَلْ
لَا تُمَلِّكِ الْمَرْأَةَ أَمْرَهَا مَا يُجَاوِزُ نَفْسَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْعَمُ لِبَالِهَا وَ بَالِكَ وَ إِنَّمَا الْمَرْأَةُ رَيْحَانَةٌ وَ لَيْسَتْ بِقَهْرَمَانَةٍ وَ لَا تُطِعْهَا أَنْ تَشْفَعَ لِغَيْرِهَا وَ لَا تُطِيلَنَّ الْخَلْوَةَ مَعَ النِّسَاءِ فَيَمَلَّنَّكَ وَ تَمَلَّهُنَّ وَ اسْتَبْقِ مِنْ نَفْسِكَ بَقِيَّةً
وَ إِيَّاكَ وَ التَّغَايُرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ غَيْرَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْعُو الصَّحِيحَةَ إِلَى السَّقَمِ وَ إِنْ رَأَيْتَ مِنْهُنَّ رِيبَةً فَعَجِّلِ النَّكِيرَ وَ أَقِلَّ الْغَضَبَ عَلَيْهِنَّ إِلَّا فِي عَيْبٍ أَوْ ذَنْبٍ
وَ قَالَ
____________
(1) الأفن ضعف العقل.
377
لَا تُطِيعُوا النِّسَاءَ عَلَى حَالٍ وَ لَا تَأْمَنُوهُنَّ عَلَى مَالٍ وَ لَا تَثِقُوا بِهِنَّ فِي الْفِعَالِ فَإِنَّهُنَّ لَا عَهْدَ لَهُنَّ عِنْدَ عَاهِدِهِنَّ وَ لَا وَرَعَ عِنْدَ حَاجَتِهِنَّ وَ لَا دِينَ لَهُنَّ عِنْدَ شَهْوَتِهِنَّ يَحْفَظْنَ الشَّرَّ وَ يَنْسَيْنَ الْخَيْرَ فَالْطُفُوا لَهُنَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَعَلَّهُنَّ يُحْسِنَّ الْفِعَالَ (1)
فصل مما روي عن المتقدمين في ذكر النساء
قيل لسقراط ما تقول في النساء فقال ما استرعين شيئا قط إلا ضاع و لا قدرن على شيء و كففن عنه و قيل له كيف يجوز أن تذم النساء و لو لا هن لم تكن أنت و لا أمثالك من الحكماء فقال إنما مثل المرأة كمثل النخلة ذات السلا (2) إن دخل يد الإنسان فيه عقره و حملها الرطب الجني و قيل له كيف تصبر عن النساء و طيبهن فقال هن كالعسل أديف فيه سم قاتل فمن أكله استلذ به ساعة أكله و فيه هلاكه إلى الأبد. و نظر بعض الحكماء إلى امرأة معلقة في شجرة فوقف تحتها يبكي فقال له بعض تلامذته أيها الحكيم تبكي لهذه البائسة فقال و الله ما بكائي رحمة مني لها قيل له فمم بكاؤك قال أسفا مني كيف لا أرى كل الشجر يحمل من هذا الثمر و قال ديوجانس لبعض تلامذته و قد نظر إلى امرأة حسناء متبرجة في طريقه تنحوا عن هذا الفخ الذي قد نصب نفسه لهلاك الخلق
____________
(1) هذا من وصايا الإمام (ع) لولده الحسن (ع) و هو مذكور في نهج البلاغة.
(2) هو شوك النخل.
378
و قيل لسقراط لم لا تتزوج فقال إن كان و لا بد فعلى الصفة التي أصفها لكم قالوا صف فلم يترك شيئا من السماجة و القباحة إلا وصفه فقيل له أيها الحكيم لقد ناقضت أولي الألباب في صفتك فقال أ لستم تعلمون أنه شر فشر صغير خير من شر كبير و نظر آخر إلى امرأة تحمل نارا فقال الحامل شر من المحمول و نظر إلى امرأة تعلم الكتابة فقال أفعى يزداد سما و بنى رجل دارا و كتب على بابها لا يدخل شيء من الشر فقيل له فامرأتك من أين تدخل و نظر بعض الحكماء إلى تلميذ له ينظر إلى امرأة حسناء فقال له احذر أن تقيدك بشركها فتهلك فقال التلميذ إنما أنظر إلى آثار حكمة الصانع فيها فقال له انظر إلى آثار حكم الصانع فيما لا تشتهيه نفسك أسلم لك.
فصل من ذكر المرضى و العيادة
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْحُمَّى تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ
وَ قَالَ الصَّادِقُ (ع) سَاعَاتُ الْآلَامِ يَذْهَبْنَ بِسَاعَاتِ الْخَطَايَا
وَ قَالَ (ع) إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَرِضَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى كَاتِبِ الشِّمَالِ لَا تَكْتُبْ عَلَى عَبْدِي خَطِيئَةً مَا دَامَ فِي حَبْسِي وَ وَثَاقِي إِلَى أَنْ أُطْلِقَهُ وَ أَوْحَى إِلَى كَاتِبِ الْيَمِينِ أَنِ اجْعَلْ أَنِينَ عَبْدِي حَسَنَاتٍ
379
وَ رُوِيَ أَنَّ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَرَّ بِرَجُلٍ قَدْ جَهَدَهُ الْبَلَاءُ فَقَالَ يَا رَبِّ أَ مَا تَرْحَمُ هَذَا مِمَّا بِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ كَيْفَ أَرْحَمُهُ مِمَّا بِهِ أَرْحَمُهُ
وَ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فَقَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ص يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ فَقَالَ (ع) كَلَّا أَ مَا تَحْزَنُ أَ مَا تَمْرَضُ أَ مَا تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ (1) وَ الْهُمُومُ قَالَ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِمَّا يُجْزَى بِهِ
وَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ عَائِدُ الْمَرِيضِ يَخُوضُ فِي الْبَرَكَةِ فَإِذَا جَلَسَ انْغَمَسَ فِيهَا
وَ قَالَ (ع) إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئاً وَ هُوَ يُطَبِّبُ النَّفْسَ
أنشد لبعضهم
حق العيادة يوم بين يومين* * * و جلسة لك مثل الطرف بالعين
لا تبرمن مريضا في مسائله* * * يكفيك تسأله من ذا بحرفين
(2)
فصل من خطبة لرسول الله ص في ذكر الموت و الوعظ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَأَنَّ الْمَوْتَ عَلَى غَيْرِكُمْ كُتِبَ وَ كَأَنَّ الْحَقَّ عَلَى غَيْرِكُمْ وَجَبَ وَ كَأَنَّ الَّذِي نُشَيِّعُ مِنَ الْأَمْوَاتِ سَفْرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ نُبَوِّئُهُمْ أَجْدَاثَهُمْ وَ نَأْكُلُ تُرَاثَهُمْ كَأَنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظٍ وَ أَمِنَّا كُلَّ جَائِحَةٍ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ وَ أَنْفَقَ مَا اكْتَسَبَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ
____________
(1) الشدة و ضيق المعيشة، و يطلق و يراد به القحط.
(2) في النسخة: هكذا يكفيك من ذاك تسأله بحرفين، و هو لا يستقيم وزنا و هو خطأ من الناسخ.
380
وَ رَحِمَ أَهْلَ الضَّعْفِ وَ الْمَسْكَنَةِ وَ خَالَطَ أَهْلَ الْفِقْهِ وَ الْحِكْمَةِ طُوبَى لِمَنْ أَذَلَّ نَفْسَهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وَ عَزَلَ عَنْ غَيْرِهِ شَرَّهُ وَ أَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وَ أَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ قَوْلِهِ وَ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَ لَمْ يَدَعْهَا إِلَى الْبِدْعَةِ (1)
فصل مما روي في القبور و الدفائن
وجد على قبر مكتوبا قهرنا الأعداء و بنينا الحصون و الدفائن و اقتصرنا على ما ترون و وجد على آخر مكتوبا الدنيا فانية و الآخرة باقية و الناظر إلينا لاحق بنا ذكروا أنهم رأوا على قبر أبي نواس هذه الأبيات و هن لأبي العتاهية
وعظتك أجداث صمت* * * و نعتك أزمنة خفت
و تكلمت عن أعين تبلى* * * و عن صور سبت
وارتك قبرك في القبور* * * و أنت حي لم تمت
وَ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ كَانَ تَحْتَ الْجِدَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَ كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ عَجَباً لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ وَ عَجَباً لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ وَ عَجَباً لِمَنْ أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَ تَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ إِلَيْهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (2)
وَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رحمه الله) فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ إِتْيَانَ رَجُلٍ جُهَنِيٍّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِسْلَامِهِ عَلَى يَدِهِ وَ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا يَوْماً فِي ذِكْرِ الْقُبُورِ وَ الْجُهَنِيُّ حَاضِرٌ فَحَدَّثَهُمْ أَنَّ جُهَيْنَةَ بْنَ الْقُوصَانِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ سَنَةً (3)
____________
(1) تجده هذه الخطبة في تحف العقول، و في أعلام النبوّة للماوردي مختصرا.
(2) رواه الطبرسيّ في مشكاة الأنوار ص 273 عن الإمام الرضا (ع).
(3) أي سنة مجدية
381
نَزَلَتْ بِهِمْ أَكَلُوا فِيهَا ذَخَائِرَهُمْ فَخَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ الْإِزْلِ (1) وَ هُمْ جَمَاعَةٌ فِي طَلَبِ النَّبَاتِ فَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ فَأَوَوْا إِلَى مَغَارٍ وَ كَانَتِ الْبِلَادُ مَسْبَعَةً وَ هُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مَالِكٌ قَالَ رَأَيْنَا فِي الْغَارِ أَشْبَالًا فَخَرَجْنَا هَارِبِينَ حَتَّى دَخَلْنَا وَهْدَةً مِنْ وِهَادِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا تَبَاعَدْنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَأَصَبْنَا عَلَى بَابِ الْوَهْدَةِ حَجَراً مُطَبَّقاً فَتَعَاوَنَّا عَلَيْهِ حَتَّى قَلَبْنَاهُ فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ أَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ عِنْدَ رَأْسِهِ كِتَابٌ فِي صَحِيفَةِ نُحَاسٍ فِيهِ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى حِمْيَرٍ وَ هَمْدَانَ وَ الْعَزِيزِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بَشِيراً وَ نَذِيراً فَكَذَّبُونِي وَ قَتَلُونِي فَأَعَادُوا الصَّخْرَةَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهَا
وَ رَوَى الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ فِي حَدِيثٍ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ قَالَ فَسَأَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) يَوْماً وَ نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ لِلْحَدِيثِ فَقَالَ لَهُ أَ عَالِمٌ أَنْتَ بِحَضْرَمَوْتَ فَقَالَ الرَّجُلُ إِنْ جَهِلْتُهَا لَمْ أَعْلَمْ شَيْئاً قَالَ أَ فَتَعْرِفُ مَوْضِعَ الْأَحْقَافِ قَالَ كَأَنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ قَبْرِ هُودٍ النَّبِيِّ (ع) قَالَ لِلَّهِ دَرُّكَ مَا أَخْطَأْتَ قَالَ نَعَمْ خَرَجْتُ فِي عُنْفُوَانِ شَيْبَتِي فِي غِلْمَةٍ مِنَ الْحَيِّ وَ نَحْنُ نُرِيدُ قَبْرَهُ لِبُعْدِ صَوْتِهِ فِينَا وَ كَثْرَةِ مَنْ يَذْكُرُهُ فَسِرْنَا فِي بِلَادِ الْأَحْقَافِ أَيَّاماً وَ فِينَا رَجُلٌ قَدْ عَرَفَ الْمَوْضِعَ حَتَّى انْتَهَى بِنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى كَهْفٍ فَدَخَلْنَا وَ أَمْعَنَّا فِيهِ طَوِيلًا فَانْتَهَيْنَا إِلَى حَجَرَيْنِ قَدْ أَطْبَقَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ وَ بَيْنَهُمَا خَلَلٌ يَدْخُلُ الرَّجُلُ النَّحِيفُ فَتَحَارَفْتُ فَدَخَلْتُ فَرَأَيْتُ رَجُلًا عَلَى سَرِيرٍ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ طَوِيلَ الْوَجْهِ كَثَّ اللِّحْيَةِ قَدْ يَبِسَ فَإِذَا مَسِسْتُ شَيْئاً مِنْ جَسَدِهِ
____________
(1) الأزل: الشدة
382
أَصَبْتُهُ صُلْباً لَمْ يَتَغَيَّرْ وَ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ كِتَاباً بِالْعِبْرَانِيَّةِ فِيهِ مَكْتُوبٌ أَنَا هُودٌ النَّبِيُّ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَ أَشْفَقْتُ عَلَى عَادٍ بِكُفْرِهَا وَ مَا كَانَ لِأَمْرِ اللَّهِ مِنْ مَرَدٍّ فَقَالَ لَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ كَذَلِكَ سَمِعْتُ مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ ص
و روى عبد الرحمن بن زياد الإفريقي قال خرجت بإفريقية مع عم لي إلى مزروع لنا قال فحفرنا موضعا فأصبنا ترابا هشا فطمعنا فيه فحفرنا عامة يومنا حتى انتهينا إلى بيت كهيئة الأزج فإذا فيه شيخ مسجى و إذا عند رأسه كتابه فقرأتها فإذا هي أنا حسان بن سنان الأوزاعي رسول شعيب النبي ص إلى أهل هذه البلاد دعوتهم إلى الإيمان بالله فكذبوني و حبسوني في هذا الحفير إلى أن يبعثني الله فأخاصمهم إليه يوم القيامة. سالم الأعرج مولى بني زريق قال حفرنا بئرا في دور بني زريق فرأينا أثر حفر قديم فعلمنا أنه حفر قديم مستأثر فحفرنا فأفضينا إلى صخرة عظيمة فقلبناها فإذا تحتها رجل قاعد كأنه يتكلم فإذا هو لا يشبه الأموات فأصبنا فوق رأسه كتابه فيها أنا قادم بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن هربت بدين الحق من أيتملك الكافر و أنا أشهد أن الله حق و وعده حق لا أشرك به شيئا و لا أتخذ من دونه وليا. و عبد الله بن موهب قال أصاب بعض عمال معاوية محفرا بمصر احتفره بعض أهلها لحاجتهم فأفضى بهم ذلك إلى مخضب عظيم مطبق فظنوه مالا فبعث العامل إليه أمناءه ليحضروا ما فيه فلما فتحوا أصابوا شابا عليه جبة صوف و كساء صوف و خف إلى نصف ساقه و أصابوا عند رأسه كتابا بالعبرانية فيه
383
أنا حبيب بن نوباجر صاحب رسول الله موسى بن عمران (ع) من أحب أن يأخذ بالناموس الأكبر فليخالف بني إسرائيل فإنهم قد تواكلوا الحكم و عملوا بالهوى و باعوا الرضا و تركوا المنهاج الذي أخذ عليه ميثاقهم عبد الله بن موهب عن بعض أشياخه أن مسجد الرملة لما حفر أساسه في دار معاوية بن أبي سفيان انتهى بهم الحفر إلى صخرة فقلعوها فإذا تحتها شاب دهين الرأس موفر الشعر قائم مستقبل القبلة فكلموه فلم يكلمهم فكتب بذلك إلى معاوية قال فخرجنا بالكتاب في خمسة فأتينا معاوية فأخبرناه بذلك و دفعنا إليه الكتاب فأمر أن ترد الصخرة إلى حالها و أن يعيدوه على حاله كما كان. و حدثهم غير واحد أنه لما أجرى معاوية بن أبي سفيان القناة التي في أحد أمر بقبور الشهداء فنبشت فضرب رجل بمعوله فأصاب إبهام حمزة رضي الله عنه فانحبس الدم في إبهامه فأخرج رطبا يتثنى و أخرج عبد الله بن عمرو بن الجموح و كانا قتلا يوم أحد و هما رطبان بعد أربعين سنة فدفنا في قبر واحد و كان عمرو بن الجموح أعرج فقال أبو سعيد الخدري (1) إنه لشيء لا آمر بعده بمعروف و لا أنهى عن منكر. و ذكروا أن الوليد بن عبد الملك احتاج إلى رصاص أيام بني مسجد دمشق فقيل له إن في الأردن منارة فيها رصاص فابعث إليها فبعث إليها فلما أخذوا في حفرها ضرب رجل بمعوله فأصاب رجلا في سفط و ناوله المعول فسال دمه فسأل عنه فقيل هذا طالوت الملك فتركه و لم يخرجه. و ذكروا أن سليمان بن عبد الملك مر بوادي القرى فأمر بحفر يحفر فيه ففعلوا فانتهى فيه إلى حجرة فاستخرجت فإذا تحتها رجل عليه قميصان
____________
(1) كذا في النسخة.
384
واضع يده على رأسه فجذبت يده فمج مكانها دم ثم تركت فرجعت إلى مكانها فرقا الدم و إذا معه كتاب فيه أنا الحرث بن شعيب الغساني رسول شعيب إلى أهل مدين فكذبوني و قتلوني
مسألة من عويص الفقه لأبي النجا محمد بن المظفر
ذكروا أن أبا النجا سئل عن معنى هذين البيتين
أ تعرف خالا أحرز المال كله* * * ففاز به من دون عم و ما غصب
و ما الخال عم الميت حين نعته* * * و لكنه أدنى و أولى إذا نسب
فأجاب
تفهم جوابا تستفد بافتهامه* * * غرائب علم طارف حين يكتسب
هو ابن أخيه من أبيه و خاله* * * لأم فخذ قولا يفهم ذا الأدب
و ذلك لما زوجت أم أمه* * * أخاه يقينا من أبيه إذا انتسب
فجاءته بابن فهو لا شك خاله* * * لأم و سنخ القوم و ابن أخ لأب
فأحرز إرث العم من دون عمه* * * كذلك يقضي ذو التفقه و الأدب
. تفسير الجواب هذا رجل تزوج أخوه لأبيه جدته أم أمه فجاءت بابن فهو خاله لأمه و هو ابن أخيه لأبيه فلما مات عن عمه و هذا الخال كان أولى بالميراث من العم لأنه ابن أخ و فيه وجه آخر فيقال رجل تزوج امرأة و زوج ابنه من أمها فجاءت كل واحدة منهما بابن فابن الكبرى هو خال ابن الصغرى و هو ابن أخيه لأبيه و قد روي أن مثل هذا اتفق في أيام عبد الملك بن مروان و أنه دخل إليه رجل من أهل الشام فقال له يا أمير المؤمنين إني تزوجت امرأة و زوجت ابني أمها و لا غنى بنا عن رفدك فقال له عبد الملك إن أخبرتني ما قرابة ما بين أولادكما إذا ولدتما فعلت
385
قال يا أمير المؤمنين هذا حميد بن بجدل قد قلدته سيفك و وليته ما وراء بابك فاسأله عنها فإن أصاب لزمني الحرمان و إن أخطأ اتسع لي العذر فدعا بالبجدلي فسأله عنها فقال يا أمير المؤمنين إنك ما قدمتني على العلم بالأنساب و لكن على الطعن بالرماح ثم قيل له الجواب و هو أن أحدهما عم الآخر و الآخر خاله. مسألة تزوج زيد امرأة و زوج ابنه عمرا ابنتها فرزقا منهما ولدين ما قرابة ما بين الولدين الجواب أن ولد زيد من المرأة هو عم ولد عمرو من بنتها و خاله أيضا لأنه أخو أبيه من أبيه و أخو أمه من أمه و الآخر ابن أخيه و ابن أخته. مسألة أخرى تزوج زيد امرأة و زوج ابنه عمرا أختها فرزقا منهما ولدين فما قرابة ما بين الولدين جواب إن ابن زيد عم ابن عمرو و ابن خالته و ابن عمرو ابن أخيه (1) و ابن خالته
فصل
حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَالِينِيُّ الْهَرَوِيُّ بِالرَّمْلَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَجِيدٍ إِمْلَاءً قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْجُنَيْدِ الرَّازِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعَافَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ حِجَارَةَ أَنَّ أَبَانَ حَدَّثَهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَدْعُو فِي أَثَرِ الصَّلَاةِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ
____________
(1) في النسخة ابن خالة و هو خطأ من الناسخ.
386
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَاسِطِيُ (1) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ بْنُ مُوسَى التَّلَّعُكْبَرِيُ (2) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ هَمَّامِ (3) بْنِ سَهْلٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الزَّيَّاتُ قَالَ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) كَانَ مِنْ دُعَاءِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ص إِلَهِي كَفَى بِي عِزّاً أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً وَ كَفَى بِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رِبّاً إِلَهِي أَنْتَ لِي كَمَا أُحِبُّ وَفِّقْنِي لِمَا تُحِبُ (4)
تم الجزء الأول من كتاب كنز الفوائد
____________
(1) هو العالم المعروف بابن الواسطي كما حكاه فخار بن معد في كتابه (حجة الذاهب) عن تلميذه الكراجكيّ، و هو صاحب كتاب (من أظهر الخلاف لأهل البيت) الذي ينقل عنه ابن طاوس في رسالته (غياث سلطان الورى) في المواسعة (طبقات ج 2 ص 64).
(2) الشيباني من وجوه الأصحاب و ثقاتهم مات سنة 385 ه و هو من تل عكبرى بلدة من نواحي دجيل بينها و بين بغداد عشرة فراسخ.
(3) هو أبو علي محمّد بن أبي بكر همام بن سهيل الكاتب الإسكافي من شيوخ الشيعة و متقدميهم له منزلة عظيمة، كثير الحديث ولد يوم الاثنين لست خلون من ذي الحجة سنة 250 ه و توفي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة 336 ه عن رجال النجاشيّ.
(4) رواه الشيخ المفيد من كتاب الخصال ج (1) ص: 186.
387
صدر للمعلق
(1) سياسة الخلفاء الراشدين في الموازين النفسية.
(2) الأدب في ظل التشيع، طبعة ثانية.
(3) هشام بن الحكم، طبعة ثانية.
(4) فلاسفة الشيعة.
(5) مصادر نهج البلاغة.
(6) عقيدتنا، طبعة ثانية.
(7) دليل القضاء الجعفري.
و سيصدر قريبا إن شاء اللّه تعالى:
(8) روح التشيع.
(9) الأدلة الجلية في شرح الفصول النصيرية.
(10) ملحق أمل الآمل في تراجم علماء جبل عامل.
(11) الغيب و أنباء المستقبل في الإسلام.
388
مراجع الكتاب
طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي
الأغاني للأصبهاني
بحار الأنوار للمجلسيّ
مناقب ابن شهرآشوب
كشف الغمّة
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
سيرة ابن هشام
حماسة أبي تمام
إعلام الورى للطبرسيّ
شرح التجريد للعلامة الحلي
أمالي الشريف المرتضى الفصول المختارة
الكنى و الألقاب للقمي
مروج الذهب التنبيه و الإشراف اثبات الوصية للمسعودي
طبقات الشعراء لابن قتيبة
المحاسن و المساوئ للبيهقيّ
الخرائج و الجرائح للراوندي
الإفصاح الأمالي الإرشاد الاختصاص للمفيد
فهرست ابن النديم
التوحيد
اكمال الدين الآمالي للصدوق القمّيّ
البيان و التبيين رسائل الجاحظ الغيبة للطوسيّ للجاحظ
لسان الميزان
ديوان ابن الرومي
ديوان الشريف الرضي
الأربعين للمجلسيّ
الأربعين للبهائي
كشف الفوائد للعلامة الحلي
عيون الأخبار لابن قتيبة
مجمع البحرين
صحيح البخاريّ
فضائل الخمسة من الصحاح الستة
معاهد التنصيص
معجم رجال الحديث للسيّد الخوئي
وقعة صفّين لابن مزاحم المنقريّ
النجوم لابن طاوس
فلاسفة الشيعة مصادر نهج البلاغة للمعلق
تثبيت دلائل النبوّة للهمذاني
مقتضب الأثر لابن عيّاش
مناقب المغازلي
389
فهرس الجزء الأول من الكتاب
مقدّمة 7
مؤلف الكتاب 11
شيوخ المؤلّف و أساتذته 16
تلاميذ المؤلّف 18
مؤلّفاته 19
هذا الكتاب 27
مختصر من الكلام في أن للحوادث أولا 33
دليل آخر على تناهي ما مضى 36
مسألة على الملحدة 39
مسألة أخرى عليهم 40
الشبهة 42
الجواب 43
جواب آخر عنها 46
مسألة في تأويل خبر: لا تسبوا الدهر 49
قصيدة ابن دريد 50
أحاديث عن رسول اللّه و عن الأئمة 55
فصل ممّا ورد في القرآن 57
مسألة من عويص النسب 60
فصل في ذكر الدنيا 61
فصل في ذكر الأمل 62
فصل في ذكر الموت 63
فصل في الموت و القتل 66
تأويل آية: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ 67
فصل في معرفة الاسم و الصفة 69
أسماء اللّه و حقيقتها 71
فصل في تمييز صفات اللّه 73
بيان صفات الأفعال 76
فصل في فروق صفة الذات و صفة الفعل 77
القول في الغضب و الرضا 84
القول في الحب و البغض 84
القول في سميع و بصير 85
القول في الخالق 85
فصل في صفة أهل الإيمان 86
خطبة أمير المؤمنين في وصف المتقين 89
فصل من كلامه (ع) 93
فصل ممّا جاء نظما في الأخوان 94
فصل في ذكر الأخوّة و الأخوان 98
مسألة فقهية 102
شبهة المجبّرة 103
فصل في الفرق بين مذهبنا و مذهب المجبّرة 106
قبح تكليف ما لا يطاق 108
فصل من الكلام في القدرة 109
أفعال الإنسان 112
390
فصل في أن اللّه لا يريد من خلقه إلّا الطاعة 113
ايراد على أهل الجبر 114
حكاية للمؤلّف في مجلس بعض الرؤساء 115
جناية المجبرة على الإسلام 116
التجوز في التعبير بالاستطاعة عن الفعل و بنفيها عن نفيه 117
شبهة للمجبرة 120
من هم القدرية 123
تهمة المعتزلة للشيعة بالإرجاء 124
أغلاط المعتزلة 124
نظرية الأصلح 127
نقوض على هذه النظرية مع دفعها 129
رأي الجبائي في الترك 132
مواعظ و كلمات في النهي عن الظلم 134
كلمات لأمير المؤمنين و غيره في ذمّ الحسد 136
أقوال في الصبر 139
قصة ذريب بن ثملا 141
شرح قوله: و لعن آخر أمتكم أولها 144
أحاديث 146
رسالة للمؤلّف اسمها: القول المبين عن وجوب مسح الرجلين 151
فصل في مولد رسول اللّه 164
فصل في ذكر شيء من معجزاته (ص) 169
فصل من البيان في إعجاز القرآن 174
دليل على حدوث العالم 177
الأشعار المأثورة عن أبي طالب التي يستدل بها على إيمانه 179
أحاديث بصحة إيمانه 182
فصل من أخبار عبد المطلب (رض) 184
وفادة عبد المطلب على ابن ذي يزن 187
خبر رؤيا ربيعة بن نصر اللخمي ملك اليمن التي تأولها سطيح وشق 193
دليل في تثبيت الصانع 195
مسألة على نفاة الحقائق 196
مسألة على مبطلي النظر و حجج العقل 197
ما جاء في الحديث في العقل 198
كلام أمير المؤمنين في العقل 199
من الاستدلال على صحة نبوة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 200
فصل ممّا جاء في التوراة يتضمن البشارة بنبيّنا (ص) 204
فصل في الإنجيل 205
من أخبار الوافدين على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ما رأوه قبل قدومهم عليه
خبر اهبان بن أنس الأسلمي 206
خبر ذباب 207
خبر زمل العدوي 208
خبر عمرو بن مرة الجهني 209
خبر ركانة 211
خبر أبي تميمة الهجيمي 211
خبر أهيب بن سماع 212
فصل من كلام سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 216
فصل من البيان و السؤال 217
فصل من كلام جعفر بن محمّد الصادق (ع) 219
فصل آخر في السؤال و البيان 220
شبهة للبراهمة في النبوّة 224
مختصر من الكلام على اليهود في انكارهم جواز النسخ في الشرع 225
فصل في ذكر البداء 226
حكاية مجلس في البداء 226
فصل في منام لعبد المطلب 233
بيان عن قول النصارى و مسألة عليهم لا جواب لهم عنها 235
فصل من الألفاظ التي يقرون أن المسيح قالها 238
رسالة البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان 240
فصل في ذكر مولد أمير المؤمنين (ص) 252
كتاب الأعلام بحقيقة إسلام
391
أمير المؤمنين (ع) 257
فصل من البيان عن أن المؤمنين (ع) أول بشر سبق إلى الإسلام بعد خديجة (ع) 261
فصل في أن إسلامه كان عن بصيرة و استدلال 272
فصل في البلوغ 277
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و حكمه 278
فصل في فضل اقتناء الكتب 282
فصل فيما حكاه المفيد في بعض كتبه 284
فصل في الجواب عن ثلاث آيات 286
ما وجده مكتوبا في الإنجيل 292
قصة فضال بن الحسن بن فضال مع أبي حنيفة 294
أحاديث حول فضل عليّ (عليه السلام) 295
فصل في واقعة الأحزاب 297
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و حكمه 299
مسائل فقهية 302
فصل في الوعظ و الزهد 304
مسألة فقهية لأبي النجا 307
مجلس للمؤلّف في ببليس 308
فصل من المقدمات في صناعة الكلام 315
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) 318
تأويل آية: حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ 319
فصل من التوراة في ذكر الفلك 321
رسالة للمؤلّف في وجوب الإمامة 321
فصل من الحديث 327
مسائل فقهية 331
حديث عن الزهري 332
دليل من القرآن على إمامة أمير المؤمنين (ع) 334
فصل من مستطرفات مسائل الفقه 340
أشعار و كلمات في الدنيا و الزهد 341
فصل في تثبيت إمامة صاحب الزمان 345
دليل على وجوب العصمة 347
فصل من كلام الإمام عليّ (عليه السلام) و حديثه 349
فصل من كلام سيدنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 350
قصة وقعت للمؤلّف بالقاهرة 353
سؤال و جواب حول قوله تعالى: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها 354
سؤال المأمون للرضا (ع) 356
خبر يحيى بن معمر مع الحجاج 357
فصل من القول في القضاء و القدر 360
سؤال الحجاج عن القضاء و القدر 364
أبو حنيفة مع الإمام موسى بن جعفر 366
فصل من كلام أمير المؤمنين و آدابه و حكمه 367
فصل من الكلام في غيبة الإمام (ع) 368
فصل من مسائل الفقه المستطرفة 374
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) في ذكر النساء 376
فصل ممّا روي عن المتقدمين في النساء 377
فصل في ذكر المرضى و العيادة 378
فصل من خطبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في ذكر الموت 379
فصل ممّا روي في القبور و الدفائن 380
مسألة من عويص الفقه لأبي النجا محمّد ابن المظفر 384
فصل من دعاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (ع) 385
