
كنز الفوائد
الجزء الثاني
تأليف
الشيخ القاضي أبي الفتح محمد بن علي الكراجكي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
5
الجزء الثاني
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين و آله الطاهرين
الأدلة على أن الصانع واحد
و بعد فمن الأدلة على أن صانع العالم واحد- أما الذي يعتمده أكثر المتكلمين فدليل التمانع و هو أنه لو كان لصانع العالم ثان لوجب أن يكون قديما و إذا كان كذلك ماثله و إذا ماثله صح أن يريد أحدهما ضد ما يريده الآخر فيقع التمانع كإرادة أن يحرك جسما في وقت و أراد الآخر أن يسكنه فيه. و إذا صح ذلك لم يخل الأمر من ثلاث خصال إما أن يصح وقوع مراديهما من غير تضاد و لا تمانع بينهما فيكون الجسم في وقت واحد ساكنا و متحركا و هذا محال و إما أن لا يصح وقوعهما و لا شيء منهما فهذا هو التمانع المبطل لوقوع مراديهما و هو دليل على ضعفهما و إما أن يقع مراد أحدهما دون الآخر فهو دليل على أن من لم يقع مراده
6
ممنوع ضعيف خارج من أن يكون قديما لأن من صفات القديم أن يكون قادرا لنفسه لا يتعذر (1) عليه فعل اراده. فإن قيل لم قلتم إنه إن كان معه ثان يصح أن يريد ضد مراده قلنا لأن من حق القادر أن يصح منه الشيء و ضده لا سيما إذا كان قادرا لنفسه فإذا كانا قادرين لأنفسهما صح ما ذكر بينهما. فإن قيل إن التمانع لا يقع منهما لأنهما عالمان فكل واحد منهما يعلم أن مراد صاحبه حكمة فلا يريد ضده قلنا إن الكلام مبني على صحة ذلك دون كونه فإن لم يكن واحد منهما يريد أن يمنع صاحبه فكونه قادرا يعطي أنه ممكن منه و إن لم يفعل و تصح إرادته و لا تستحيل منه و يحصل من ذلك تقدير التمانع بينهما و جوازه. فإن قيل لم ذكرتم أنهما إذا لم يقع مرادهما جميعا إن ذلك لضعفهما قلنا لتساوي مقدورهما و عند تساويه لا يكون فعل أحدهما أحق بالوجود من فعل الآخر و في ذلك إبطال أفعالهما و هو معنى قول الله عز و جل لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فإن قيل فلم قلتم إن وجود مراد أحدهما دليل على ضعف الآخر قلنا لما في ذلك من رجحانه في قدرته على صاحبه فلو لا أنه أقدر منه لما وقع مراده دونه و هذا يوضح عن ضعف من لم يقع مراده. دليل آخر و قد احتج أصحابنا بدليل التمانع على وجه آخر فقالوا إنهما لو كانا اثنين كان لا يخلو أحدهما من أن يكون يقدر على أن يكتم صاحبه شيئا أو لا يقدر على ذلك.
____________
(1) في النسخة: لا يعتذر
8
عاجزين لأن أحدهما لا يقدر أن يفعله بانفراده و هو يفتقر إلى صاحبه لاستحالة وجود الجوهر بغير عرض و العرض بغير جوهر إلا ما انفرد به قوم من إرادة القديم و فناء العالم. دليل آخر و هو أن العالم لو كان صانعه اثنين لكانا غيرين و حقيقة الغيرين هما اللذان يجوز وجود أحدهما و عدم الآخر إما من الزمان أو المكان أو على وجه من الوجوه أو كان يجوز ذلك (1). و لسنا نجد أحدا من ذوي العقول الصحيحة السليمة التي لم تعترضها الشبهة الحادثة تعرف غيرين إلا و هو يعرف أنها هكذا و لا يعلم شيئين هكذا إلا و هو يعلم أنهما غيران. و هذا يمنع من أن يكون صانع العالم اثنين لما في ذلك من جواز عدم أحدهما و من جاز عدمه فليس بقديم و في بطلان قدم أحدهما دليل على أنه داخل في جملة المحدثين و أن صانع العالم هو الواحد القديم و من خالفنا في حد الغيرين فليوجد [لنا] (2) شيئين متفقين على وجودهما ليس هذا حكمهما. دليل آخر و قد اعتمد البلخي (3) دليلا مفردا على أن صانع العالم واحد لم يحتج أن يذكر فيه تقدير وجود الاثنين فقال
____________
(1) في العبارة غموض و لعلها هكذا: (و لا يجوز غير ذلك)
(2) في النسخة (نا).
(3) هو مأخوذ من قول الإمام الرضا (ع) قولك أنّه اثنان دليل على أنّه واحد لأنك لم تدع الثاني إلّا بعد إثباتك الواحد فالواحد يجمع عليه و أكثر من واحد مختلف فيه انظر التوحيد ص 278.
12
فصل من فضائل أمير المؤمنين (ع) و النصوص عليه من رسول الله ص
مِنْ جُمْلَةِ مَا رَوَاهُ لَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ (رحمه الله) بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ حَدَّثَنِي نُوحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيْمَنَ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي حُصَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ وَارِثُ عِلْمِ النَّبِيِّينَ وَ خَيْرُ الصِّدِّيقِينَ وَ أَفْضَلُ السَّابِقِينَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ زَوْجُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَ خَلِيفَةُ خَيْرِ الْمُرْسَلِينَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ الْحُجَّةُ بَعْدِي عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ مَنْ تَوَلَّاكَ وَ اسْتَوْجَبَ دُخُولَ النَّارِ مَنْ عَادَاكَ يَا عَلِيُّ وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ وَ اصْطَفَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ لَوْ أَنَّ عَبْداً عَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى أَلْفَ عَامٍ مَا قَبِلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا بِوَلَايَتِكَ وَ وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ وَ أَنَّ وَلَايَتَكَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِكَ وَ أَعْدَاءِ الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِكَ ذَلِكَ أَخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ (ع) فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (1)
وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَتَّوَيْهِ الْمُقْرِي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُرَاتٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص
____________
(1) هو مذكور في البحار ج 38 ص 134 نقله عن كشف اليقين ص 56- 57.
11
وَ قَالَ ص اضْمَنُوا لِي سِتّاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ وَ أَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ وَ أَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ وَ احْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَ غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ
وَ قَالَ ص أَوْصَانِي رَبِّي بِسَبْعٍ أَوْصَانِي بِالْإِخْلَاصِ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ وَ أَنْ أَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي وَ أُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَ أَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْراً وَ نَظَرِي عَبَراً (1)
وَ حُفِظَ عَنْهُ ص ثَمَانٍ قَالَ أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْبَهِكُمْ بِي خُلُقاً قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقاً وَ أَعْظَمُكُمْ حِلْماً وَ أَبَرُّكُمْ بِقَرَابَتِهِ وَ أَشَدُّكُمْ حُبّاً لِإِخْوَانِهِ فِي دِينِهِ وَ أَصْبَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَ أَكْظَمُكُمْ لِلْغَيْظِ وَ أَحْسَنُكُمْ عَفْواً وَ أَشَدُّكُمْ مِنْ نَفْسِهِ إِنْصَافاً (2)
وَ قَالَ ص الْكَبَائِرُ تِسْعٌ أَعْظَمُهُنَّ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَ أَكْلُ الرِّبَا وَ أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَ الْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَ اسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ السِّحْرُ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُنَّ كَانَ مَعِي فِي جَنَّةٍ مَصَارِيعُهَا مِنْ ذَهَبٍ
وَ قَالَ الْإِيمَانُ فِي عَشَرَةٍ الْمَعْرِفَةِ وَ الطَّاعَةِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعَمَلِ وَ الْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ وَ الصَّبْرِ وَ الْيَقِينِ وَ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمِ فَأَيَّهَا فَقَدَ صَاحِبُهُ بَطَلَ نِظَامُهُ
____________
(1) انظر: تحف العقول للحراني ص 25.
(2) مشكاة الأنوار في غرر الأخبار ص 214.
7
فإن كان يقدر فصاحبه يجوز عليه الجهل و من جاز عليه الجهل فليس بإله قديم و إن كان لا يقدر فهو نفسه عاجز و العاجز ليس بإله قديم (1). دليل آخر و مما يدل على أن صانع العالم واحد أنه لو كان معه ثان كان لا يخلو أمرهما في فعلهما للعالم من أحد وجهين. إما أن أمرهما في فعلهما للعالم من أحد وجهين أما أن كل واحد منهما فعل جميعه حتى يكون الذي فعله أحدهما هو الذي فعله صاحبه أو يكون كل واحد منهما انفرد ببعض منه. و في الوجه الأول إيجاب فعل واحد من فاعلين و هذا يبطل في فصل (2) و في الوجه الثاني إيجاب تميز فعل كل واحد منهما عن فعل الآخر لأن القادر الحكيم إذا فعل فعلا حسنا لم يجز إلا ليجعله دالا عليه و موسوما به و مميزا عن فعل غيره لا سيما إذا كان داعيا إلى شكر نعمته و موجبا لمعرفته و لا طريق لأحد إلى معرفته إلا بفعله. فلما لم يكن فعل ما شاهدناه من السماء و الأرض و غيرهما مما يدل على أن بعضه لواحد و بعضه لآخر و إنما يدل على أن له فاعلا فقط علمنا أن الفاعل له واحد و هو الله تعالى ذكره. فإن قيل فإنا نجد العالم على قسمين جواهر و أعراض و كل واحد من الجنسين مميز عن الآخر فألا دل هذا على الصانعين قلنا لو كان صانع الجواهر غير صانع الأعراض لكانا محتاجين بل
____________
(1) عرض الصدوق في كتاب التوحيد لهذا الدليل ص 277 باختلاف يسير.
(2) هكذا في النسخة و العبارة غير تامّة و الأرجح أن هناك جملة ساقطة قد تكون هكذا: و هذا يبطل كونه فعله.
10
فصل من كلام رسول الله ص في الخصال من واحد إلى عشرة
وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ خَصْلَةٌ مَنْ لَزِمَهَا أَطَاعَتْهُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةُ وَ رَبِحَ الْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ قِيلَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ التَّقْوَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ أَعَزَّ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ تَلَا وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
وَ قَالَ الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ بَيْنَ عَاجِلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ فِيهِ وَ بَيْنَ آجِلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ (1)
وَ قَالَ ص وَ مَنْ وُقِيَ شَرَّ ثَلَاثٍ فَقَدْ وُقِيَ الشَّرَّ كُلَّهُ لَقْلَقِهِ وَ قَبْقَبِهِ وَ ذَبْذَبِهِ
فلقلقه لسانه و قبقبه بطنه و ذبذبه فرجه
وَ قَالَ ص أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ جُمُودُ الْعَيْنِ وَ قَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ وَ الْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا
وَ قَالَ ص خَمْسٌ لَا يَجْتَمِعْنَ إِلَّا فِي مُؤْمِنٍ حَقّاً يُوجِبُ اللَّهُ لَهُ بِهِنَّ الْجَنَّةَ النُّورُ فِي الْقَلْبِ وَ الْفِقْهُ فِي الْإِسْلَامِ وَ الْوَرَعُ فِي الدِّينِ وَ الْمَوَدَّةُ فِي النَّاسِ وَ حُسْنُ السَّمْتِ فِي الْوَجْهِ
____________
(1) انظر: تحف العقول ص 20.
9
الذي يدل على ذلك أنا وجدنا العالم محدثا و لا بد له من محدث و وجدنا من تجاوز هذا القول بأن المحدث له واحد فزعم أنه اثنان (1) لا نجد فرقا بينه و بين من زعم أنه ثلاثة و كذلك لا نجد فرقا بينه و بين من زعم أنه أربعة و كل عدة تجاوزت الواحد لا يقدر القائل بها على فرق بينه و بين من زاد فيها و لا نجد حجة توجب قوله دون قول خصمه فيها. فلما فسد قول كل من ادعى الزيادة على الواحد و ليس مع أحدهم رجحان بحجته و تكافأت أقوالهم في دعوى الزيادة دل على أن الصانع واحد لا أكثر من ذلك و لأن الدليل ثبت على وجود الصانع و لم يثبت على ما يزيد على واحد (2) ثم عارض نفسه فقال إذا قال قائل إنكم قد تجدون دارا مبنية يدل بناؤها على أن لها بانيا ثم لا يجدون فرقا بين من زاد على واحد فقال إن بانيها اثنان و بين من قال ثلاثة و كذلك كل عدة حتى لا يتميز بعض الأقوال على بعض حجة أ فتقطعون على أن صانع الدار واحد و انفصل عن هذه المعارضة بأن قال إن المثبت للدار صانعا واحدا أو صانعين فقد نجد فرقا بينه و بين من زاد عليه و دليلا على قوله دون قول من خالفه و ذلك أن صناع الدار يجوز أن يشاهدهم من شاهدها و يجوز أن يرد الخبر إليه بعددهم ممن شاهدهم يبنونها و ليس كذلك صانع العالم و هذا فرق واضح بين الموضعين و لوضوحه يعلم بطلان مذهب الثنوية على اختلافهم و النصارى في التثليث و من جرى مجراهم و الحمد لله
____________
(1) في النسخة اثنين.
(2) و خلاصته: أنه بعد العلم بوجود صانع للعالم فالواحد متيقن و الزائد مشكوك و لا دليل عليه لكن هذا يرد عليه إن عدم العلم بالزائد لا يدلّ على عدم وجود الزائد و القضية متعلقة بالعقائد اليقينية لا بحكم ظاهري.
13
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَلِيفَةُ اللَّهِ وَ خَلِيفَتِي حُجَّةُ اللَّهِ وَ حُجَّتِي وَ بَابُ اللَّهِ وَ بَابِي وَ صَفِيُّ اللَّهِ وَ صَفِيِّي وَ حَبِيبُ اللَّهِ وَ حَبِيبِي وَ خَلِيلُ اللَّهِ وَ خَلِيلِي وَ سَيْفُ اللَّهِ وَ سَيْفِي وَ هُوَ أَخِي وَ صَاحِبِي وَ وَزِيرِي وَ وَصِيِّي حُجَّتُهُ حُجَّتِي وَ مُبْغِضُهُ مُبْغِضِي وَ وَلِيُّهُ وَلِيِّي وَ عَدُوُّهُ عَدُوِّي وَ زَوْجَتُهُ ابْنَتِي وَ وُلْدُهُ وُلْدِي وَ حَرْبُهُ حَرْبِي وَ قَوْلُهُ قَوْلِي وَ أَمْرُهُ أَمْرِي وَ هُوَ سَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَ خَيْرُ أُمَّتِي (1)
وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي خَالُ أُمِّي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ (2) قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ (3) قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ طَاعَتِي وَ نَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ أَوْجَبَ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعَ أَمْرِي وَ فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ طَاعَتِهِ طَاعَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدِي كَمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ طَاعَتِي وَ نَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ كَمَا نَهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ جَعَلَهُ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَصِيِّي وَ وَارِثِي وَ هُوَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ حُبُّهُ إِيمَانٌ وَ بُغْضُهُ كُفْرٌ مُحِبُّهُ مُحِبِّي وَ مُبْغِضُهُ مُبْغِضِي وَ هُوَ مَوْلَى مَنْ أَنَا مَوْلَاهُ وَ أَنَا مَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَ مُسْلِمَةٍ وَ أَنَا وَ هُوَ أَبَوَا هَذِهِ الْأُمَّةِ (4)
____________
(1) انظر: البحار ج 38 ص 147 نقله عن بشارة المصطفى ص 28، هامش.
(2) هو إبراهيم بن هاشم. أبو إسحاق القمّيّ أصله من الكوفة، و انتقل إلى قم و هو أول من نشر حديث الكوفيين بقم، و ذكروا أنّه لقي الإمام الرضا (ع) فهرست الطوسيّ ص 27.
(3) هو أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار. من أصحاب الإمام الصادق (ع) الثقات خدم أربعة من الأئمة: زين العابدين و الباقر و الصادق و برهة من عصر الكاظم توفّي سنة 150 ه.
(4) انظر: أمالي الصدوق ص 13 و تجده أيضا في البحار ج 38 ص 91- 92 نقلا عن الأمالي.
14
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) و آدابه في فضل الصمت و كف اللسان
مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ
مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ خَطَؤُهُ وَ مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ وَ مَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ وَ مَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ وَ مَنْ مَاتَ قَلْبُهُ دَخَلَ النَّارَ
إِذَا فَاتَكَ الْأَدَبُ فَالْزَمِ الصَّمْتَ
الْعَافِيَةُ فِي عَشَرَةِ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ مِنْهَا فِي الصَّمْتِ إِلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ
كَمْ نَظْرَةٍ جَلَبَتْ حَسْرَةً وَ كَمْ مِنْ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً
مَنْ غَلَبَ لِسَانَهُ أَمَّرَهُ قَوْمُهُ
الْمَرْءُ يَعْثُرُ بِرِجْلِهِ فَيَبْرَأُ وَ يَعْثُرُ بِلِسَانِهِ فَيُقْطَعُ رَأْسُهُ وَ لِسَانُهُ احْفَظْ لِسَانَكَ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ أَسِيرَةٌ فِي وَثَاقِ الرَّجُلِ فَإِنْ أَطْلَقَهَا صَارَ أَسِيراً فِي وَثَاقِهَا
عَاقِبَةُ الْكَذِبِ شَرُّ عَاقِبَةٍ
خَيْرُ الْقَوْلِ الصِّدْقُ وَ فِي الصِّدْقِ السَّلَامَةُ وَ السَّلَامَةُ مَعَ الِاسْتِقَامَةِ
لَا حَافِظَ أَحْفَظُ مِنَ الصَّمْتِ
إِيَّاكُمْ وَ النَّمَائِمَ فَإِنَّهَا تُورِثُ الضَّغَائِنَ
هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَلَيْهِ لِسَانَهُ
الصَّمْتُ نُورٌ
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ صُورَةَ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا وَ صُورَةَ الرَّجُلِ فِي مَنْطِقِهِ
15
مختصر التذكرة بأصول الفقه
استخرجته من كتاب شيخنا المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه و (قدس سره)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد و مستحقه و صلاته على خيرته المصطفين من خلقه سيدنا محمد رسوله الدال بآياته على صدقه و على أهل بيته الأئمة القائمين من بعده بحقه. سألت أدام الله عزك أن أثبت لك جملا من القول في أصول الفقه مختصرة لنكون لك تذكرة بالمعتقد في ذلك ميسرة و أنا أسير إلى محبوبك و أنتهي إلى مرادك و مطلوبك بعون الله و حسن توفيقه. اعلم أن أصول أحكام (1) الشريعة ثلاثة أشياء كتاب الله سبحانه و سنة نبيه ص و أقوال الأئمة الطاهرين من بعده (صلوات الله عليهم و سلامه). و الطرق الموصلة إلى علم المشروع في هذه الأصول ثلاثة أحدها العقل و هو سبيل إلى معرفة حجية القرآن و دلائل الأخبار و الثاني اللسان و هو السبيل إلى المعرفة بمعاني الكلام و ثالثها الأخبار و هي السبيل إلى إثبات أعيان الأصول من الكتاب و السنة و أقوال الأئمة ع. و الأخبار الموصلة إلى العلم بما ذكرناه ثلاثة أخبار خبر متواتر و خبر واحد معه قرينة تشهد بصدقه و خبر مرسل في الإسناد يعمل به أهل الحق على الاتفاق.
____________
(1) في الأصل الأحكام.
16
و معاني القرآن على ضربين ظاهر و باطن. و الظاهر هو المطابق لخاص العبارة عنه تحقيقا على عادات أهل اللسان كقوله سبحانه إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَ لكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فالعقلاء العارفون باللسان يفهمون من ظاهر هذا اللفظ المراد. و الباطن هو ما خرج عن خاص العبارة و حقيقتها إلى وجوه الاتساع فيحتاج العاقل في معرفة المراد من ذلك إلى الأدلة الزائدة على ظاهر الألفاظ كقوله سبحانه أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ. فالصلاة في ظاهر اللفظ هي الدعاء حسب المعهود بين أهل الفقه و هي في الحقيقة لا يصح منها القيام و الزكاة هي النمو عندهم بلا خلاف و لا يصح أيضا فيها الإتيان و ليس المراد في الآية ظاهرها و إنما هو أمر مشروع فالصلاة المأمور بها فيها هي أفعال مخصوصة مشتملة على قيام و ركوع و سجود و جلوس. و الزكاة المأمور بها فيها هي إخراج مقدار من المال على وجه أيضا مخصوص و ليس يفهم هذا من ظاهر القول فهو الباطن المقصود. و أنواع أصول معاني القرآن أربعة أحدها الأمر و ما استعير له لفظه و ثانيها النهي و ما استعمل فيه لفظه و ثالثها الخبر مع ما يستوعبه لفظه و رابعها التقرير و ما وقع عليه لفظه. و للأمر صورة محققة في اللسان يتميز بها عن غيره في الكلام و هي قولك افعل إذا ورد مرسلا على الإطلاق و إن كانت هذه اللفظة تستعمل في غير الأمر على سبيل الاتساع و المجاز كالسؤال و الإباحة و الخلق و المسخ و التهديد.
17
و الأمر المطلق يقتضي الوجوب و لا يعلم الندب إلا بدليل و إذا علق الأمر بوقت وجب الفعل في أول الوقت و كذلك إطلاقه يقتضي المبادرة بالفعل و التعجيل و لا يجب ذلك أكثر من مرة ما لم يشهد بوجوب التكرار الدليل فإن تكرر الأمر وجب تكرار الفعل ما لم تثبت حجة بأن المراد بتكراره التأكيد. فأما الأمران إذا عطف أحدهما على الآخر فالواجب أن يراعى فيهما الاتفاق في الصورة و الاختلاف فإن اتفقا دل ذلك على التأكيد و إن اختلفا كان لهما حكمان و القول في الخبرين إذا تساويا في الصورة كالقول في الأمرين. و امتثال الأمر مجز لصاحبه و مسقط عنه فرض ما كان وجب من الفعل عليه و إذا ورد لفظ الأمر معاقبا لذكر الحظر أفاد الإباحة دون الإيجاب كقول الله تعالى فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ بعد قوله إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ و إذا ورد الأمر بفعل أشياء على طريق التخيير كوروده في كفارة اليمين فكل واحد من تلك الأشياء واجب بشرط اختيار المأمور و ليست واجبة على الاجتماع و لا بالإطلاق و ما لا يتم الفعل إلا به واجب كوجوب الفعل المأمور به و كذلك الأمر بالمسبب دليل على وجوب فعل السبب. و الأمر بالمراد دليل على فعل الإرادة و ليس الأمر بالشيء هو بنفسه نهي عن ضده و لكنه يدل على النهي عنه بحسب دلالته على حظره.
18
و باستحالة اجتماع الفعل و تركه يقتضي صحة النهي العقلي عن ضد ما أمر به. و إذا ورد الأمر بلفظ المذكر مثل قوله يا أيها الذين آمنوا و يا أيها المؤمنون و المسلمون و شبهه فهو متوجه بظاهره إلى الرجال دون النساء و لا يدخل تحته بشيء من الإناث إلا بدليل سواه فأما تغليب المذكر على المؤنث فإنما يكون بعد جمعها بلفظهما على التصريح ثم يعبر عنهما من بعده بلفظ المذكر. و متى لم يجر للمؤنث بما يخصه من اللفظ فليس يقع العلم عند ورود لفظ المذكر بأن فيه تغليبا إلا أن يثبت أن المتكلم قصد الإناث و الذكور معا بدليل فأما الناس فكلمة تعم الذكور و الإناث و أما القوم فكلمة تعم الذكور دون الإناث. و إذا ورد الأمر مقيدا بصفة يخص بها بعض المكلفين فهو مقصور على ذي الصفة غير متعدية إلى غيره إلا بدليل كقوله تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ و إذا ورد بصفة تتعدى المذكور إلى غيره من المكلفين كان متوجها إلى سائرهم على العموم إلا ما خصه الدليل كقوله عز و جل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ. و الأمر بالشيء لا يكون إلا قبله لاستحالة تعلق الأمر بالموجود و الأمر متوجه إلى الطفل بشرط البلوغ و كذلك الأمر للمعدوم بشرط وجوده و عقله الخطاب و يصح أيضا توجه إلى من يعلم من حاله أنه يعجز في المستقبل عما أمر به أو يحال بينه و بينه أو يخترم دونه كما (1) يجوز في ذلك من مصلحة المأمور في
____________
(1) في النسخة (لما).
19
اعتقاده فعل ما أمر به و اللطف له في استحقاقه الثواب على نيته و إمكان استصلاح غيره من المكلفين بأمره. فأما خطاب المعدوم و الجمادات و الأموات فمحال و الأمر أمر بعينه و نفسه فأما النهي فله صورة في اللسان محققة يتميز بها عن غيره و هي قولك لا تفعل إذا ورد مطلقا و النهي في الحقيقة لا يكون منك إلا لمن دونك كالأمر و النهي موجب للترك المستدام ما لم يكن شرط يخصه بحال أو زمان. فأما الخبر فهو ما أمكن فيه الصدق و الكذب و له صيغة مبنية يتفصل بها مما يخالفه في معناه و قد يستعار صيغته فيما ليس بخبر كما يستعار غيرها من صيغ الحقائق فيما سواه على وجه الاتساع و المجاز قال الله عز و جل وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً هو من الآية 97 من آل عمران فهو لفظ بصيغة الخبر و المراد به الأمر بأن يؤمن من دخله. و العام في معنى الكلام ما أفاد لفظه اثنين فما زاد و الخاص ما أفاد واحدا دون سواه لأن أصل الخصوص التوحيد و أصل العموم الاجتماع و قد يعبر عن كل منها بلفظ الآخر تشبها و تجوزا قال الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فعبر عن نفسه سبحانه و هو واحد بلفظ الجمع و
قَالَ سُبْحَانَهُ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ. وَ كَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَبْلَ وَقْعَةِ أُحُدٍ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَدْ جَمَعَ لَكُمْ الْجُمُوعَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
20
فأما اللفظ المعبر به عن العام فهو كقوله عز و جل وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها و إنما أراد به الملائكة و قوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ يريد يا أيها الناس. و كل لفظ أفاد من الجمع ما دون استيعاب الجنس فهو عام في الحقيقة خاص بالإضافة كقوله عز و جل فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ و لم يفتح لهم أبواب الجنات و لا أبواب النار و قوله ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً و إنما أراد بعض الجبال و كقول القائل جاءنا فلان بكل عجيبة و الأمثال في ذلك كثيرة و هو كله عام في اللفظ خاص مقصور عن الاستيعاب. فأما العموم المستوعب للجنس فهو ما أفاد من القول نهاية ما دخل تحته و صح للعبارة عنه في اللسان قال الله عز و جل وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فأما الألفاظ المنسوبة إلى الاشتراك فهي على أنحاء. فمنها ما هو مبني لمعنى سائغ في أنواع مختلفات كاسم شيء على التنكير فهو و إن كان في اللغة موضوعا للموجود دون المعدوم فهو يعم الجواهر و الأجسام و الأعراض غير أن لكل ما شمله مما عددناه أسماء على التفصيل مبينات يخص كل اسم نوعه دون ما سواه و منها رجل و إنسان و بهيمة و نحو
21
ذلك فإنه يقع على كل اسم من هذه الأسماء على أنواع في الصور و الهيئات و هو موضوع في الأصل لمعنى يعم جميع ما في معناه. و من الألفاظ المشتركة ضرب آخر و هو قولهم عين و وقوع هذه اللفظة على جارحة البصر و على الماء و الذهب و جيد الأشياء و صاحب الخير و ميل الميزان و غير ذلك فهذه اللفظة بمجردها غير مبنية لشيء مما عددناه و إنما هي بعض المسمى و تمامه وجود الإضافة أو ما يقوم مقامها من الصفة المخصوصة. و إذا ورد اللفظ و كان مخصوصا بدليل فهو على العموم فيما بقي تحته مما عدا المخصوص و يقال إنه عام على المجاز لأنه منقول عما بني له من الاستيعاب إلى ما دونه من المخصوص و حقيقة المجاز هي وضع اللفظ على غير ما بني له في اللسان فلذلك قلنا إنه مجاز. و إذا ورد لفظان عامان كل منهما يرفع حكم صاحبه و لم يعرف المتقدم منهما من المتأخر فيقال إن أحدهما منسوخ و الآخر ناسخ وجب فيها الوقف و لم يجز القضاء بأحدهما على الآخر إلا أن يحضر دليل. و ذلك كقوله سبحانه وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ و هذا عموم في جميع الأزواج المختلفات بعد الوفاة و قوله وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً و هذا أيضا عام و حكمهما متنافيان فلو لا أن العلم قد أحاط بتقديم إحداهما فوجب القضاء بالمتأخرة الثانية منهما لكان الصواب هو الوقف دون الحكم بشيء منهما. و كذلك إذا ورد حكمان في قضية واحدة أحدهما خاص و الآخر عام و لم
22
يعرف المتقدم من المتأخر منهما و لم يمكن الجمع بينهما وجب التوقف فيهما
مِثْلَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍ وَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الْبِنْتِ أَمْرٌ
و هذا يخص الأول و في الإمكان أن يقضى عليه في الأول في كل واحد منهما يجوز أن يكون الناسخ للآخر فيعدلنا عنهما جميعا لعدم الدلالة على القاضي منهما و صرنا إلى ظاهر قوله عز و جل فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ و قوله وَ أَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ في إباحة النكاح بغير اشتراط ولي على الإطلاق. الخاص و العام و إذا ورد لفظ في حكم و كان معه لفظ خاص في ذلك الحكم بعينه وجب القضاء بالخاص و هذا مثل الأول و مثاله قول الله عز و جل وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ و هذا عام في ارتفاع اللوم على وطء الأزواج على كل حال و الخصوص قوله سبحانه وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ. فلو قضينا بعموم الآية ارتفع حكم آية المحيض بأسره و إذا قضينا بما في الثانية من الخصوص لم يرتفع حكم الأولى العام من كل الوجوه فوجب القضاء بآية التخصيص منهما ليصح العمل على ما بيناه بهما.
23
و إذا سبق التخصيص اللفظ العام أو ورد مقارنا له فلا يجوز القول بأنه ناسخ لحكمه لأن العموم لم يثبت فيستقر له حكم و إنما خرج إلى الوجود مخصوصا فأوجبه في حكم الخصوص و النسخ إنما هو رفع موجود لو ترك لأوجب حكما في المستقبل. و الذي يخص اللفظ العام لا يخرج منه شيئا دخل تحته و إنما يدل الدليل على أن التجوز لم يرد من معنى ما بني له الاسم و إنما أراد غيره و قصد إلى وضعه على ما بني له في الأصل. و ليس يخص العموم إلا دليل العقل و القرآن و السنة الثابتة فأما القياس و الرأي فإنهما عندنا في الشريعة ساقطان لا يثمران علما و لا يخصان عاما و لا يعمان خاصا و لا يدلان على حقيقة و لا يجوز تخصيص العام بخبر الواحد لأنه لا يوجب علما و لا عملا و إنما يخصه من الأخبار ما قطع العذر لصحته عن النبي ص و عن أحد الأئمة ع. و ليس يصح في النظر دعوى العموم بذكر الفعل و إنما يصح ذلك في الكلام المبني و الصور منه المخصوصة فمن تعلق بعموم الفعل فقد خالف العقول و ذلك أنه إذا روي أن النبي ص أحرم لم يجب الحكم بذلك على أنه أحرم بكل نوع من أنواع الحج من إفراد و قران و تمتع و إنما يصح الإحرام بنوع منها واحد. و إذا ثبت عنه (ع) أنه قال لا ينكح المحرم وجب عموم حظر النكاح على جميع المحرمين مع اختلافهم فيما أحرموا به من إفراد و قران و تمتع أو عمرة منقولة و فحوى الخطاب هو ما فهم منه المعنى و إن لم يكن نصا صريحا فيه بمعقول عادة أهل اللسان في ذلك كقوله عز و جل فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما. فقد فهم من هذه الجملة ما تضمنته نصا صريحا و ما دل عليه بعرف أهل
27
و المجاز منه ما عبر به من غير معناه في الأصل تشبيها و استعارة لغرض من الأغراض و على وجه الإيجاز و الاختصار و وصف الكلام بالظاهر و تعلق الحكم به إنما يقصد به إلى الحقيقة منه و الحكم بالاستعارة فيه إنما يراد به المجاز و كذلك القول في التأويل و الباطن إنما يقصد به إلى العبارة عن مجاز القول و استعارته حسبما ذكرناه. و الحكم على الكلام بأنه حقيقة أو مجاز لا يجوز إلا بدليل يوجب اليقين و لا يسلك فيه طريق الظنون و العلم بذلك من وجهين أحدهما الإجماع من أهل اللسان و الآخر الدليل المثمر للبيان فأما إطلاق بعض أهل اللغة أو بعض أهل الإسلام ممن ليس بحجة في المقال و الفعال فإنه لا يعتمد في إثبات حقيقة الكلام. فمتى التبس اللفظ فلم يقم دليل على حقيقة فيه أو مجاز وجب الوقف لعدم البرهان و ليس بمصيب من ادعى أن جميع القرآن على المجاز و ظاهر اللغة يكذبه و دلائل العقول و العادات تشهد بأن جمهوره على حقيقة كلام أهل اللسان و لا بمصيب أيضا من زعم أنه لا يدخله المجاز و قد خصمه في ذلك قوله سبحانه فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ و غيره من الآيات و الواجب أن يقال إن منه حقيقة و منه مجاز. الحظر و الإباحة فأما القول في الحظر و الإباحة فهو أن العقول لا مجال لها في العلم بإباحة ما
26
و الضرب الثاني ما عبر عنه بلفظ الجمع المنكر كقولك دراهم و دنانير فذلك لا يصح في أقل من ثلاثة و الضرب الثالث ما حصل فيه علامة الاستيعاب من التعريف بالألف و اللام و بمن الموضوعة للشرط و الجزاء فمتى قال لعبده عظم العلماء فقد وجب عليه تعظيم جميعهم و إذا قال من دخل داري أكرمته وجب عليه إكرام جميع الداخلين داره. و الأسماء الظاهرة ما استغنت في حقائقها عن مقدمة لها و الكنية ما لم يصح الابتداء بها و حكم الكناية العموم و الخصوص حكم ما تقدمها و العطف و الاستثناء إذا أعقب جملا فهو راجع إلى جميعها إلا أن يكون هناك دليل يقصرها على شيء منها. و ما ورد عن الله سبحانه و عن رسول الله ص و عن الأئمة الراشدين (ع) من بعده على سبب أو كان جوابا عن سؤال فإنه يكون محكوما له بصورة لفظه دون القصر له على السبب المخرج له عن حكم ظاهره (1) و ليس وروده على الأسباب بمناف لحمله على حقيقته في الخطاب في عقل أو عرف و لا لسان و إنما يجب صرفه عن ظاهره لقيام دلالة تمنع من ذلك من التضاد. في الحقيقة و المجاز و الحقائق و المجازات إنما هي في الألفاظ و العبارات دون المعاني المطلوبات و الحقيقة من الكلام ما يطابق المعنى الموضوع له في أصل اللسان
____________
(1) هذا ما يعبر عنه في المصطلح الأصولي اليوم بقاعدة (المورد لا يخصص الوارد).
25
الأمر بفعل يتعلق بنكرة وجب إيقاعه على ما يستحق بمعناه سمة الجنس سوى ما زاد عليه فمن ذلك ما يفيد أقل ما يدخل تحت الجنس كقول القائل لغيره تصدق بدرهم فامتثال هذا الأمر أن يتصدق بدرهم كائنا ما كان من الدراهم و ليس النهي بالنكرة كالأمر بها لأن الأمر هاهنا يقتضي التخصيص و النهي يقتضي العموم. و لو قال النبي ص لأحد أصحابه لا تدخرن درهما و لا دينارا لاقتضى ذلك أن لا يدخر منهما عينا و لو قال له تصدق بدرهم و دينار لأفاد ذلك أن يتصدق بهما و لا يلزمه أن يتجاوزهما. و ليس القول بأن الأمر بالنكرة يقتضي أن يفعل أي واحد كان من الجنسين بمفسد ما تقدم من القول في تأخير البيان عن قوم موسى (ع) لما أمروا بذبح بقرة بلفظ التنكير لأن حالهم يقتضي أن مع الأمر لهم بذبحها قد كانت لهم قرينة اقتضت التوقف و السؤال في سؤالهم ذلك على ذلك و لو تعرى الأمر من القرينة لكان مجرد وروده بالتنكير يقتضي الامتثال في أي واحد من الجنسين. و من هذا الباب أن يرد الأمر بلفظ التثنية و التنكير كقوله أعط فلانا درهمين فالواجب الامتثال في أي درهمين كانا على معنى ما تقدم من القول و منه أن يرد الأمر بلفظ الجمع المنكر كقوله تصدق بدراهم فليس يفيد ذلك أكثر من أقل العموم و هو ثلاث ما لم يقع التبيين. في العموم و صيغه و اعلم أن العموم على ثلاثة أضرب فضرب هو أصل الجمع المفيد لاثنين فما زاد و ذلك لا يكون إلا فيما اختصت عبارة الاثنين به في العدد فهو عموم من حيث الجمع.
24
اللسان من الزجر عن الاستخفاف بالوالدين الزائد على قول القائل لهما أف و ما تعاظم عن انتهارهما من القول و ما أشبه ذلك من الفعل و إن لم يكن النص تضمن ذلك على التفصيل و التصريح. و كقولهم لأمر يخص لا تبخس فلانا من حقه حبة واحدة و ما يدل ذلك عليه بحسب العرف بينهم و العادة من النهي عن جميع البخس الزائد على الحبة و الأمثلة في ذلك كثيرة. فأما دليل الخطاب فهو أن الحكم إذا علق ببعض صفات المسمى في الذكر دل ذلك على أن ما خالفه في الصفة مما هو داخل تحت الاسم بخلاف ذلك الحكم إلا أن يقوم دليل على وفاقه فيه
كَقَوْلِ النَّبِيِّ ص فِي سَائِمَةِ الْإِبِلِ زَكَاةٌ
فتخصيصه السائمة بالزكاة دليل على أن العاملة ليس فيها زكاة و يجوز تأخير بيان المراد من القول إذا كان في ذلك لطف للعباد و ليس ذلك من المحال. و قد أمر الله قوم موسى أن يذبحوا بقرة و كان مراده أن تكون على صفة مخصوصة و لم يقع البيان مع قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً بل تأخر عن ذلك و انكشف لهم عند السؤال بحسب ما اقتضاه لهم الصلاح و ليس ينافي تأخير البيان القول بأن الأمر على الفور و البدار و ذلك أن تأخير البيان عن الأمر الموقت أو قرينة من برهان هو غير الأمر المطلق العري من القرائن الذي ظن أنه يقتضي الفور و البدار و لا يجوز تأخير بيان العموم لأن العموم موجب بمجرده الاستيعاب فمتى أطلقه الحكيم و مراده التخصيص و لم يبين ذلك فقد أتى بألغاز و ليس هذا كتأخير بيان المجمل من الكلام و بينها فرق. أسماء النكرة و الأسماء النكرة موضوعة في أصل اللغة للجنس دون التعيين فإذا ورد
28
يجوز ورود السمع فيها بإباحته و لا بحظر ما يجوز وروده فيها بحظره و لكن العقل لم ينفك قط من السمع بإباحته و حظره و لو [ألزم] (1) الله تعالى العقلاء حالا واحدة من سمع لكان قد اضطرهم إلى موافقة ما يقبح في عقولهم من استباحة ما لا سبيل لهم إلى العلم بإباحته من حظره و إلجائهم إلى الحيرة التي لا تليق بحكمته. القياس و الرأي و ليس عندنا للقياس و الرأي مجال في استخراج الأحكام الشرعية و لا يعرف من جهتها شيء من الصواب و من اعتمدهما في المشروعات فهو على الضلال. النسخ و العقول تجوز نسخ الكتاب بالكتاب و السنة بالسنة و الكتاب بالسنة و السنة بالكتاب غير أن السمع ورد بأن الله تعالى لا ينسخ كلامه بغير كلامه بقوله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها فعلمنا أنه لا ينسخ الكتاب بالسنة و أجزنا ما سوى ذلك الخبر و الحجة في الأخبار ما أوجبه العلم من جهة النظر فيها بصحة مخبرها و نفي الشك فيه و الارتياب.
____________
(1) في النسخة: (و لو احكى) فوضعنا مكانها (ألزم) لأنّها أكثر انسجاما مع المراد.
29
و كل خبر لا يوصل بالاعتبار إلى صحة مخبره فليس بحجة في الدين و لا يلزم به عمل على حال و الأخبار التي يجب العلم بالنظر فيها على ضربين أحدهما التواتر المستحيل وروده بالكذب من غير تواطؤ على ذلك أو ما يقوم مقامه في الاتفاق و الثاني خبر واحد يقترن إليه ما يقوم مقام المتواتر في البرهان على صحة مخبره و ارتفاع الباطل منه و الفساد. و التواتر الذي وصفناه هو ما جاءت به الجماعات البالغة في الكثرة و الانتشار إلى حد قد منعت العادة من اجتماعهم على الكذب بالاتفاق كما يتفق الاثنان أن يتواردا بالإرجاف و هذا حد يعرفه كل من عرف العادات. و قد يجوز أن ترد جماعة دون من ذكرناه في العدد بخبر يعرف من شاهدهم بروايتهم و مخارج كلامهم و ما يبدو في ظاهر وجوههم و يبين من تصورهم أنهم لم يتواطئوا ليتعذر التعارف بينهم و التشاور فيكون العلم بما ذكرناه من حالهم دليلا على صدقهم و رافعا للإشكال في خبرهم و إن لم يكونوا في الكثرة على ما قدمناه. فأما خبر الواحد القاطع للعذر فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلى العلم بصحة مخبره و ربما كان الدليل حجة من عقل و ربما كان شاهدا من عرف و ربما كان إجماعا بغير خلف فمتى خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها على صحة خبره فإنه كما قدمناه ليس بحجة و لا موجب علما و لا عملا على كل وجه. الإجماع و ليس في إجماع الأمة حجة من حيث كان إجماعا و لكن من حيث كان
30
فيها الإمام المعصوم فإذا ثبت أنها كلها على قول فلا شبهة في أن ذلك القول قول المعصوم إذ لو لم يكن كذلك كان الخبر عنها بأنها مجمعة باطلا فلا تصح الحجة بإجماعها لهذا الوجه. الاستصحاب و الحكم باستصحاب الحال واجب لأن حكم الحال ثبت باليقين و ما ثبت فلن يجوز الانتقال عنه إلا بواضح الدليل. اختلاف الأخبار و الأخبار إذا اختلفت في الألفاظ فلن يصح حمل جميعها على الحقيقة من الكلام إذا أريد الجمع بينهما على الوفاق و إنما يصح حمل بعضها على الحقيقة و بعضها على المجاز حتى لا يقدح ذلك في إسقاط بعضها على الحقيقة و بعضها على المجاز فلا بد من صحة أحد البعضين و فساد الآخر أو فساد الجميع. اللهم إلا أن يكون الاختلاف فيها يدل على النسخ الذي لا يكون إلا في أخبار النبي ص دون أخبار الأئمة (ع) فإنهم ليس لهم تبديل شيء من العبارات و لا نسخ. و قد أثبت لك أيدك الله جمل ما سألت في إثباته و أوردته مجردا من حججه و دلالته ليكون تذكره لك بالمعتقد كما ذكرت و لم أتعد فيه مضمون كتاب شيخنا المفيد (رحمه الله) حسبما طلبت و الحمد لله على أهل الجود و الإفضال و صلاته على سيدنا محمد رسوله المنقذ بهدايته من الضلال و على آله الطاهرين أولي الرفعة و الجلال.
31
فصل من عيون الحكم و نكت من جواهر الكلام
مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ص اسْتَرْشِدُوا الْعَقْلَ تُرْشَدُوا وَ لَا تَعْصُوهُ فَتَنْدَمُوا
قِوَامُ الْمَرْءِ عَقْلُهُ وَ لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ
سَيِّدُ الْأَعْمَالِ فِي الدَّارَيْنِ الْعَقْلُ
لِكُلِّ شَيْءٍ دِعَامَةٌ وَ دِعَامَةُ الْمُؤْمِنِ عَقْلُهُ فَبِقَدْرِ عَقْلِهِ تَكُونُ عِبَادَتُهُ لِرَبِّهِ
اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ مُسْتَمِعاً أَوْ مُحَدِّثاً وَ لَا تَكُنِ الْخَامِسَ فَتَهْلِكَ
نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ
الْعِلْمُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى فَخُذْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنَهُ
إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ فَإِنْ كَانَ خَيْراً فَأَسْرِعْ إِلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ شَرّاً فَانْتَهِ عَنْهُ
صِلْ مَنْ قَطَعَكَ وَ أَحْسِنْ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَ قُلِ الْحَقَّ وَ لَوْ عَلَى نَفْسِكَ
اعْتَبِرُوا فَقَدْ خَلَتِ الْمَثُلَاتُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ
وَ اعْلَمْ أَنَّكَ تَزْرَعُ كُلَّ مَا تَحْصُدُ
اذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ وَ عِنْدَ لِسَانِكَ إِذَا حَكَمْتَ وَ عِنْدَ يَدِكَ إِذَا قَسَمْتَ
وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) عَلَيْكُمْ بِالدِّرَايَاتِ لَا بِالرِّوَايَاتِ هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ وَ هِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الدِّرَايَةُ
32
تَزَاوَرُوا وَ تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ إِلَّا تَفْعَلُوا يَدْرُسْ
أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً وَ أَعْظَمُهُمْ عَنَاءً مَنْ بَلِيَ بِلِسَانٍ مُطْلَقٍ وَ قَلْبٍ مُطْبَقٍ فَهُوَ لَا يُحْمَدُ إِنْ سَكَتَ وَ لَا يُحَسَّنُ إِنْ نَطَقَ
إِيَّاكُمْ وَ سَقَطَاتِ الِاسْتِرْسَالِ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَقَالُ
تَعَزَّ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا مُنِعْتَهُ لقلته [لِقِلَّةِ] مَا صَحِبَكَ إِذَا أُعْطِيتَهُ
مَنْ لَمْ يَعْرِفْ لَوْمَ ظَفَرِ الْأَيَّامِ لَمْ يَحْتَرِسْ مِنْ سَطَوَاتِ الدَّهْرِ وَ لَمْ يَتَحَفَّظْ مِنْ فَلَتَاتِ الزَّلَلِ وَ لَمْ يَتَعَاظَمْهُ ذَنْبٌ وَ إِنْ عَظُمَ
وَ سُئِلَ عَنِ الْحِرْصِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ طَلَبُ الْقَلِيلِ بِإِضَاعَةِ الْكَثِيرِ
وَ قَالَ الْعَاقِلُ يَسْتَرِيحُ فِي وَحْدَتِهِ إِلَى عَقْلِهِ وَ الْجَاهِلُ يَتَوَحَّشُ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ صَدِيقَ كُلِّ إِنْسَانٍ عَقْلُهُ وَ عَدُوَّهُ جَهْلُهُ
الْعُقُولُ ذَخَائِرُ وَ الْأَعْمَالُ كُنُوزٌ [وَ] النُّفُوسُ أَشْكَالٌ فَمَا تَشَاكَلَ مِنْهَا اتَّفَقَ وَ النَّاسُ إِلَى أَشْكَالِهِمْ أَمْيَلُ
وَ مِنْ كَلَامِ الْحُسَيْنِ (ع) قَوْلُهُ يَوْماً لِابْنِ عَبَّاسٍ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ فَإِنَّنِي أَخَافُ عَلَيْكَ فِيهِ الْوِزْرَ وَ لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا يَعْنِيكَ حَتَّى تَرَى لِلْكَلَامِ مَوْضِعاً فَرُبَّ مُتَكَلِّمٍ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْحَقِّ فَعِيبَ وَ لَا تُمَارِيَنَّ حَلِيماً وَ لَا سَفِيهاً فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَقْلِيكَ وَ السَّفِيهَ يُرْدِيكَ وَ لَا تَقُولَنَّ فِي أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ إِلَّا مِثْلَ مَا تُحِبُّ أَنْ يَقُولَ فِيكَ إِذَا تَوَارَيْتَ عَنْهُ وَ اعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرَامِ مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ وَ السَّلَامُ
وَ بَلَغَهُ (ع) كَلَامُ نَافِعِ بْنِ جير [جُبَيْرٍ] فِي مُعَاوِيَةَ قَوْلُهُ إِنَّهُ كَانَ يُسْكِتُهُ الْحِلْمُ وَ يُنْطِقُهُ الْعِلْمُ فَقَالَ (ع) بَلْ كَانَ يُنْطِقُهُ الْبَطَرُ وَ يُسْكِتُهُ الْحَصَرُ
33
كلام الإمام الصادق ع
وَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) قَوْلُهُ الْمُلُوكُ حُكَّامُ النَّاسِ وَ الْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ
وَ قَوْلُهُ أَحْسِنُوا النَّظَرَ فِيمَا لَا يَسَعُكُمْ جَهْلُهُ وَ انْصَحُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ جَاهِدُوا فِي طَلَبِ مَا لَا عُذْرَ لَكُمْ فِي جَهْلِهِ فَإِنَّ لِدِينِ اللَّهِ أَرْكَاناً لَا يَنْفَعُ مَنْ جَهِلَهَا شِدَّةُ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ ظَاهِرِ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَضُرُّ مَنْ عَرَفَهَا فَدَانَ بِهِ حُسْنُ اقْتِصَارٍ وَ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِعَوْنٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (1)
وَ قَوْلُهُ مَا كُلُّ مَنْ نَوَى شَيْئاً قَدَرَ عَلَيْهِ وَ لَا كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ وُفِّقَ لَهُ وَ لَا كُلُّ مَنْ وُفِّقَ لَهُ أَصَابَهُ فَإِذَا اجْتَمَعَتِ النِّيَّةُ وَ الْقُدْرَةُ وَ التَّوْفِيقُ وَ الْإِصَابَةُ فَهُنَالِكَ تَمَّتِ السَّعَادَةُ (2)
وَ قَوْلُهُ فِي الْحَثِّ عَلَى التَّوْبَةِ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ اغْتِرَارٌ وَ طُولُ التَّسْوِيفِ حَيْرَةٌ وَ الِاعْتِلَالُ عَلَى اللَّهِ هَلَكَةٌ وَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ أَمْنٌ بِهِ لِمَكْرِ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (3)
من كلام غير الأئمة (ع) و مما ورد عن غير الأئمة (ع) قول بعض علماء العرب العقل أمير و العلم نصير و الحلم وزير
____________
(1) رواه المفيد في الإرشاد ص 160.
(2) رواه في المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
34
و قول بعض حكماء الهند العقل حاكم أمين و العلم له قرين و الحلم له خدين و قول بعض حكماء الفرس العقل ملك الجوارح و العلم له أخ صالح و الحلم له أليف ناصح. و قول بعض حكماء الروم العقل مدبر آمر و العلم له معاضد ناصر و الحلم منجد مؤازر في كتاب كليلة و دمنة من غلب عقله هواه نال مناه و أعطي رضاه و في كتاب بلوهر الهندي من اشتد في الدنيا زهده استراح و طلع سعده. و في كتاب السير و سيف البدى كذا من عرف نفسه لم يحقر جنسه في كتاب الرحمة لهرمس القناعة أمنع عز و الاستعانة بالله أحصن حرز و في كتاب الأساس لبطليموس العقل الأصل و قوام الأشياء بالفضل و العدل. في كتاب الجواهر التواضع شرف و قد استوجب الصفح من تاب و اعترف في كتاب التجنيس لأرسطاطاليس الطبع أغلب و العادة أدرب في كتاب اللطف لأفلاطون نقل الطبع عسير الانتزاع.
35
في كتاب الأقسام لصبرة الفلكي العمر قصير و في الدهر لأهله تبصير كتاب الإختيار لأبقراط التجارب إيضاح و فيها إفادة و صلاح كتاب الإبانة لعمرو بن بحر من خشع ارتفع و عرف بما دنا منا سمع. كتاب المعارف للكندي إدراك السداد بالجد و الاجتهاد و روى الصولي عن بعضهم أنه قال لو لا العقول المضيئة و خلائقها الرضية لما كان التفاضل بين الحيوان و لما فرق بين البهيمة و الإنسان. و قال إقلمون من عدم التدبير يكون التدمير و قال آخر من لم يقدم الامتحان قبل الثقة و الثقة قبل الأنس أثمرت مودته ندما قال بزرجمهر إذا أنجز رجل وعده من معروفه أحرز مع فضيلة الجود شرف الصدق و قال بطليموس من قبل عطيتك فقد أعانك على البر و الكرم. قال أبقراط إذا أمكنك الرجل من أن تضع معروفك عنده فيده عندك مثل يدك عنده و إذا أصابه من هم نزل به أو خوف تدفعه عنه فلم تبذل دمك دونه فقد قصرت بحسبك عنده و لو أن أهل البخل لم يدخل عليهم إلا سوء ظنهم بالله لكان ذلك عظيما. قال كسرى أنوشروان الملك بالدين يبقى و الدين بالملك يقوى شدة الغضب تغير المنطق و تقطع مادة الحجة
36
و قال أرسطاطاليس من اتخذ الصمت جنة وقي من شر ما تأتي به الألسن. و قال الكلام مملوك ما لم ينطق به صاحبه فإذا نطق به صاحبه خرج عن ملكه. و قال أفليمون غنيمة السكوت أكبر من غنيمة الكلام و ندامة الكلام أكبر من ندامة السكوت و قال دوفس الصمت أنفع من الكلام في أكثر المواضع و الكلام أنفع من الصمت في أقل المواضع و قال أفلاطون ضبط اللسان ملك و إطلاقه في غير موضعه هلك و قال من علم أن كلامه يتصفح عليه فليتصفحه على نفسه قبل أن يتصفحه عليه غيره. و قال آخر البطنة تذهب بالفطنة و كثرة الصمت مفسدة المنطق و قال آخر إذا علمت فلا تفكر في كثرة من دونك من الجهال و لكن اذكر من فوقك من العلماء
أبو حنيفة مع الإمام الصادق فصل
ذَكَرُوا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَكَلَ طَعَاماً مَعَ الْإِمَامِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) فَلَمَّا رَفَعَ الصَّادِقُ (ع) يَدَهُ مِنْ أَكْلِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ اللَّهُمَّ هَذَا مِنْكَ وَ مِنْ رَسُولِكَ ص فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَ جَعَلْتَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكاً فَقَالَ لَهُ وَيْلَكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَقُولُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ
37
وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ النساء 59 فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي مَا قَرَأْتُهُمَا قَطُّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ لَا سَمِعْتُهُمَا إِلَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) بَلَى قَدْ قَرَأْتَهُمَا وَ سَمِعْتَهُمَا وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِيكَ وَ فِي أَشْبَاهِكَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها وَ قَالَ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
حديث الإمام الصادق
أَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ بَلِيَّةُ النَّاسِ عَظِيمَةٌ إِنْ دَعَوْنَاهُمْ لَمْ يُجِيبُونَا وَ إِنْ تَرَكْنَاهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا بِغَيْرِنَا
فصل من الاستدلال على أن الله تعالى ليس بجسم
اعلم أن الخلاف في هذه المسألة بيننا و بين المجسمة على قسمين أحدهما في المعنى و الآخر في اللفظ فأما الكلام في المعنى فهو يختص بالذين يزعمون أنه جسم على صفات الأجسام و يشابهها في بعض الصفات
38
و أما الكلام في اللفظ فهو يختص بالذين يقولون إنه جسم لا كالأجسام و لا يشابهها بصفة من الصفات. فأما الذي يدل على بطلان مقال الذين يزعمون أنه جسم لا كالأجسام فهو أن الأجسام قد ثبت حدوثها فلو كان صانعها تعالى جسما أو مثلها لوجب أن يكون محدثا و يبين ذلك أن حقيقة الجسم هي أن يكون طويلا عريضا عميقا فلو كان صانع الأجسام جسما لكانت هذه حقيقته لأن الحقيقة لا تختلف و سوي فيها الشاهد و الغائب و حقيقة الجسم موجبة الأبعاد و معطية فيها المساحة و النهايات و أنه مجتمع من أبعاض مختص ببعض الجهات و ذلك شاهد فيه بحلول الأعراض لأن المجتمع لا غناء به عن الاجتماع و الكائن من جهة دون غيرها لا يعرى من الأكوان فهذه كلها دلائل الحدوث. فلو كان صانع الأجسام على هذه الصفات أو على بعضها لكان محدثا و لو جاز كونه عليها و هو قديم لكانت الأجسام كلها قديمة و في ثبوت الأدلة على حدوث الأجسام و قدم محدثها دلالة واضحة على أنه ليس بجسم سبحانه و تعالى. دليل ثان و شيء آخر و هو أن صانع الأجسام واحد في الحقيقة حسبما شهدت به الأدلة فلو كان جسما لخرج عن كونه واحدا لأن الجسم مجتمع من أبعاض و أجزاء. دليل ثالث و شيء آخر و هو أنه لو كان جسما لوجب كونه قادرا بقدرة لبطلان كون الجسم قادرا لنفسه و لو كان كذلك لاستحال حدوث الأجسام منه إذ لا يصح من القادر بقدرة أن يفعل الجسم في محل قدرته متداولا في غيره مسببا أو متولدا.
39
دليل رابع و هو أنه لو كان جسما في الحقيقة صح منه فعل الأجسام لصح من كل جسم حي قادر أن يفعل الأجسام فلما علمنا يقينا استحالة فعل الأجسام للأجسام علمنا أن فاعل الأجسام ليس بجسم على كل حال فقد بان لك بطلان مقال الذين يزعمون أن الله تعالى جسم على صفة الأجسام و حقيقتها. و كما علمت أنه لا يجوز أن يشبهها في جميع الصفات فكذلك تعلم أنه لا يجوز مشابهته لها في بعضها لأن كل صفة من صفات الأجسام المختصة بها دالة على حدوثها فلو أشبهها في شيء منها دل ذلك الشيء على أنه محدث مثلها. و بمثل هذا يعلم أيضا أنه ليس بجوهر لأن الجوهر متحيز في جهة غير عار من الأعراض الدالة على حدوثه (1) فأما قولهم إنا لم نر فاعلا للأجسام غير جسم فلما كان الله تعالى فاعلا وجب أن يكون جسما فقول فاسد لأن الفاعل لم يكن فاعلا لكونه جسما و لا كل صفة رأينا الفاعل في الشاهد عليها يجب أن يكون الفاعل في الغائب على نظيرها أ لا ترى أنا لم نر في الشاهد فاعلا إلا مؤلفا لحما و دما ناقصا محتاجا و لا يصح أن يكون الفاعل في الغائب هكذا. و الاستدلال بالشاهد على الغائب إنما هو بالحقائق دون ما سواها و ليس حقيقة الفاعل أن يكون جسما و لو كان كذلك لكان كل جسم فاعلا و كل فاعل جسما كما أن الحركة لما كان حقيقتها أن تكون زوالا كان كل زوال حركة و كل حركة زوالا فهذا هو الأصل الثابت الذي يجب أن يتماثل فيه الشاهد و الغائب فيجب أن يتأمله و يعتمد عليه فالفائدة فيه كثيرة.
____________
(1) في النسخة (متحيز به)، و لا يظهر ما يعود الضمير عليه، و في النسخة: أيضا (غير عارض الأعراض) و فيها أيضا: (حدثه).
40
و أما الذي يدل على بطلان مقال الذين يدعون أن الله تعالى جسم لا كالأجسام فهو أن حقيقة الجسم قد ذكرناها فمتى قال القائل إنه جسم أوجب الحقيقة بعينها فإن قال لا كالأجسام نفى ما أوجب فكان ناقض. فإن قالوا هذا لازم لكم في قولكم إنه شيء لا كالأشياء قيل لهم ليس الأمر كما ذكرتم لأن قولنا شيء يستفاد منه الإثبات و المثبتات مختلفات من أجسام و جواهر و أعراض فإذا قلنا شيء لا كالأشياء أثبتنا معلوما مخبرا عنه و نفينا المماثلة بينه و بين سائر المثبتات و لم ننف حقيقة الشيء التي هي الإثبات و قول الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يدل على ما ذكرنا. و قولنا جسم لا كالأجسام أثبتنا جسما ثم نفيناه و هذا هو التناقض الذي ذكرناه و اعلم أن التسمية إنما يحسن إجراؤها على المسمى متى ثبت له معناها فإن لم يثبت ذلك لم يصح إجراؤها إلا على جهة التغليب و بطل أن يصح فيه معنى الجسم على التحقيق و فسد قول من زعم أنه جسم و لم يصح أن يسميه بهذا الاسم و ليس لأحد أن يسمي الله عز و جل بما لم يسم به نفسه و لم يثبت ذلك على جواز تسميته به (1). فأما من زعم أنه جسم لأنه قائم بنفسه و أن هذا حد الجسم عنده و حقيقته فغير مصيب في قوله و اللغة تشهد بخطئه و ذلك أنا وجدنا أهل اللسان يقولون هذا أجسم من هذا إذا زاد عليه في طوله و عرضه و عمقه فلو لا أن حقيقة الجسم عندهم هي أن يكون طويلا عريضا عميقا لم يكن الأمر كما ذكرناه. فإن قال القائل أ ليس قد اشتهر عن أحد متكلميكم و هو هشام بن
____________
(1) إذ يظهر الاتّفاق على أن أسماء اللّه تعالى توقيفية، فلا يصحّ إطلاق اسم عليه إذا لم يرد فيه نص.
41
الحكم (1) أنه كان يقول إن معبوده جسم على صفة الأجسام فكيف خالفتموه في ذلك بل كيف لم تتبرءوا منه و هو على هذا المقال قلنا أما هشام بن الحكم (2) رحمة الله عليه فقد اشتهر عنه الخبر بأنه كان ينصر التجسيم و يقول إن الله تعالى جسم لا كالأجسام و لم يصح عنه ما قرفوه به من القول بأنه مماثل لها. و يدل على ذلك أنا رأينا خصومه يلزمونه على قوله بأن فاعل الأجسام جسم أن يكون طويلا عريضا عميقا فلو كان يرى أنه مماثل للأجسام لم يكن معنى لهذا الإلزام فأما مخالفتنا لهذا المقام فهو اتباع لما ثبت من الحق بواضح البرهان و انصراف عنه و أما موالاتنا هشاما (رحمه الله) فهي لما شاع عنه و استفاض منه من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره و رجوعه عنه و إقراره بخطئه و توبته منه و
ذَلِكَ حِينَ قَصَدَ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ (ع) إِلَى الْمَدِينَةِ فَحَجَبَهُ وَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ آلَى أَنْ لَا يُوصِلَكَ إِلَيْهِ مَا دُمْتَ قَائِلًا بِالْجِسْمِ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا قُلْتُ بِهِ إِلَّا لِأَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهُ وِفَاقٌ لِقَوْلِ إِمَامِي فَأَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ عَلَيَّ فَإِنَّنِي تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ مِنْهُ فَأَوْصَلَهُ الْإِمَامُ (ع) إِلَيْهِ وَ دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ.
وَ حُفِظَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ قَالَ لِهِشَامٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُشْبِهُ شَيْئاً وَ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَ كُلَّمَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلَافِهِ (2)
وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً أَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ كَيْفَ هُوَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَا يُحَدُّ وَ لَا يُحَسُّ وَ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَ لَا هُوَ جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا بِذِي تَخْطِيطٍ وَ لَا تَحْدِيدٍ (3)
____________
(1) وضعنا كتابا خاصا باسم (هشام بن الحكم) أتينا فيه على حياة هشام و آرائه و أفكاره، كما عرضنا له بالدراسة في كتابنا (فلاسفة الشيعة).
(2) رواه المفيد في الإرشاد ص 259.
(3) رواه الصدوق في كتاب التوحيد ص 85 باختلاف يسير.
42
أَخْبَرَنِي شَيْخِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ التَّلَّعُكْبَرِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ لَهُ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ (ع) أَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْلِ بِالْجِسْمِ وَ الصُّورَةِ فَكَتَبَ سُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ (1)
. أنشدني عمار بن محمد الطبراني (رحمه الله) لزينبا الرأس عيني (2)
إن كان جسما فما ينفك من عرض* * * أو جوهر فبذي الأقطار موجود
أو كان متصلا بالشيء فهو به* * * أو كان منفصلا فالكل محدود
لا تطلبن إلى التكييف من سبب* * * إن السبيل إلى التكييف مسدود
و استمسك الحبل حبل العقل تحظ به* * * فالعقل حبل إلى باريك ممدود
.
نسخة كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ع
أما بعد فإن الهوى يضل من اتبعه و الحرص يتعب الطالب المحروم و أحمد العاقبتين ما هدى إلى سبيل الرشاد و من العجب العجيب ذام و مادح و زاهد و راغب و متوكل و حريص كلاما ضربته لك مثلا لتدبر حكمته بجميع الفهم و مباينة الهوى و مناصحة النفس فلعمري يا ابن أبي طالب لو لا
____________
(1) المصدر السابق ص 91.
(2) هو زينيبا بن إسحاق الرسعني (الرأس عيني) الموصلي النصراني نقل له في الغدير ج 3 من 8 أربعة أبيات يعبّر فيها عن حبّه لأهل البيت (ع) و نقلها له عن جماعة منهم البيهقيّ في المحاسن ج 11 ص 106 و الزمخشري في ربيع الأبرار. و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 275 و أولها:
عدي و تيم لا أحاول ذكرهم* * * بسوء و لكني محبّ لهاشم
43
الرحم التي عطفتني عليك و السابقة التي سلفت لك لقد كان اختطفتك بعض عقبان أهل الشام فيصعد بك في الهواء ثم قذفك على دكادك شوامخ الأبصار فألفيت كسحيق الفهر على صن الصلابة لا يجد الذر فيك مرتعا و لقد عزمت عزمة من لا يعطفه رقة الإنذار إن لم تباين ما قربت به أملك و طال له طلبك و لأوردنك موردا تستمر الندامة إن فسخ لك في الحياة بل أظنك قبل ذلك من الهالكين و بئس الرأي رأي يورد أهله إلى المهالك و يمنيهم العطب إلى حين لات مناص و قد قذف بالحق على الباطل وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَ هُمْ كارِهُونَ و لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و المنة الظاهرة و السلام
جواب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه و سلامه)
- مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانَا كِتَابُكَ بِتَنْوِيقِ الْمَقَالِ وَ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ وَ انْتِحَالِ الْأَعْمَالِ تَصِفُ الْحِكْمَةَ وَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا وَ تَذْكُرُ التَّقْوَى وَ أَنْتَ عَلَى ضِدِّهَا قَدِ اتَّبَعْتَ هَوَاكَ فَحَادَ بِكَ عَنْ طَرِيقِ الْحُجَّةِ وَ ألخج [لَحِجَ] بِكَ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ فَأَنْتَ تَسْحَبُ أَذْيَالَ لَذَّاتِ الْفِتَنِ وَ تحيط [تَخْبِطُ] فِي زَهْرَةِ الدُّنْيَا كَأَنَّكَ لَسْتَ تُوْقِنُ بِأَوْبَةِ الْبَعْثِ وَ لَا بِرَجْعَةِ الْمُنْقَلَبِ قَدْ عَقَدْتَ التَّاجَ وَ لَبِسْتَ الْخَزَّ وَ افْتَرَشْتَ الدِّيبَاجَ سُنَّةً هِرَقْلِيَّةً وَ مُلْكاً فَارِسِيّاً ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْكَ ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغُنِي أَنَّكَ تَعْقِدُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِكَ لِغَيْرِكَ فَيَهْلِكُ دُونَكَ فَتُحَاسَبُ دُونَهُ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَمَا وَرِثَتِ الضَّلَالَةُ عَنْ كَلَالَةٍ وَ إِنَّكَ لَابْنُ مَنْ كَانَ يَبْغِي عَلَى أَهْلِ الدِّينِ وَ يَحْسُدُ الْمُسْلِمِينَ وَ ذَكَرْتَ رَحِماً عَطَفَتْكَ عَلَيَّ فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ الْأَعَزِّ الْأَجَلِّ أَنْ لَوْ نَازَعَكَ هَذَا الْأَمْرَ فِي حَيَاتِكَ مَنْ أَنْتَ تُمَهِّدُ لَهُ بَعْدَ وَفَاتِكَ لَقَطَعْتَ حَبْلَهُ وَ أَبَنْتَ أَسْبَابَهُ
44
وَ أَمَّا تَهْدِيدُكَ لِي بِالْمَشَارِبِ الْعَرَبِيَّةِ وَ الْمَوَارِدِ الْمُهْلِكَةِ فَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَبْرِزْ إِلَيَّ صَفْحَتَكَ كَلَّا وَ رَبِّ الْبَيْتِ مَا أَنْتَ بِأَبِي عُذْرٍ عِنْدَ الْقِتَالِ وَ لَا عِنْدَ مُنَاطَحَةِ الْأَبْطَالِ وَ كَأَنِّي بِكَ لَوْ شَهِدْتَ الْحَرْبَ وَ قَدْ قَامَتْ عَلَى سَاقٍ وَ كَشَرَتْ عَنْ مَنْظَرٍ كَرِيهٍ وَ الْأَرْوَاحُ تُخْتَطَفُ اخْتِطَافَ الْبَازِيِّ زَغَبَ الْقَطَاةِ لَصِرْتَ كَالْمُولَهَةِ الْحَيْرَانَةِ تَضْرِبُهَا الْعَبْرَةُ بِالصَّدَمَةِ لَا تَعْرِفُ أَعْلَى الْوَادِي مِنْ أَسْفَلِهِ فَدَعْ عَنْكَ مَا لَسْتَ أَهْلَهُ فَإِنَّ وَقْعَ الْحُسَامِ غَيْرُ تَشْقِيقِ الْكَلَامِ فَكَمْ عَسْكَرٍ قَدْ شَهِدْتُهُ وَ قَرْنٍ نَازَلْتُهُ .. اصْطِكَاكَ قُرَيْشٍ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ص إِذْ أَنْتَ وَ أَبُوكَ وَ هُوَ (1) .. تَبَعٌ وَ أَنْتَ الْيَوْمَ تُهَدِّدُنِي فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنْ لَوْ تُبْدِي الْأَيَّامُ عَنْ صَفْحَتِكَ لَنَشَبَ فِيكَ مِخْلَبُ لَيْثٍ هَصُورٍ لَا يَفُوتُهُ فَرِيسَةٌ بِالْمُرَاوَغَةِ كَيْفَ وَ أَنَّى لَكَ بِذَلِكَ وَ أَنْتَ قَعِيدَةُ بِنْتِ الْبِكْرِ الْمُخَدَّرَةِ يَفْزَعُهَا صَوْتُ الرَّعْدِ وَ أَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي لَا أُهَدَّدُ بِالْقِتَالِ وَ لَا أُخَوَّفُ بِالنَّزَالِ فَإِنْ شِئْتَ يَا مُعَاوِيَةُ فَابْرُزْ وَ السَّلَامُ
. فلما وصل هذا الجواب إلى معاوية بن أبي سفيان جمع جماعة من أصحابه و منهم عمرو بن العاص فقرأه عليهم فقال له عمرو قد أنصفك الرجل كم رجل أحسن في الله قد قتل بينكما أبرز إليه فقال له أبا عبد الله أخطأت استك الحفرة أنا أبرز إليه مع علمي أنه ما برز إليه أحد قط إلا و قتله لا و الله و لكني سأبرزك إليه.
نسخة كتاب آخر
من معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين (ع) أما بعد فإنا لو علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نرم به ما مضى و نصلح ما بقي
____________
(1) هنا كلمتان غير واضحتين.
45
و قد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة فأبيت ذلك علي و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو و لا تخاف من الفناء إلا ما أخاف و قد و الله رقت الأجناد و ذهبت الرجال و نحن جميعا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض يستذل به عز و لا يسترق به حر و السلام (1)
جواب أمير المؤمنين ع
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَانِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ أَنَّكَ لَوْ عَلِمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ تَبْلُغُ بِنَا وَ بِكَ مَا بَلَغَتْ لَمْ يَجْنِهَا بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ وَ أَنَا وَ إِيَّاكَ نَلْتَمِسُ غَايَةً لَمْ نَبْلُغْهَا بَعْدُ وَ أَمَّا طَلَبُكَ إِلَى الشَّامِ فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ لِأُعْطِيكَ الْيَوْمَ مَا مَنَعْتُكَ أَمْسِ وَ أَمَّا اسْتِوَاؤُنَا فِي الْخَوْفِ وَ الرَّجَاءِ فَلَسْتَ بِأَمْضَى عَلَى الشَّكِّ مِنِّي عَلَى الْيَقِينِ وَ لَا أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الدُّنْيَا بِأَحْرَصَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَكَذَلِكَ نَحْنُ لَكِنْ لَيْسَ أُمَيَّةُ كَهَاشِمٍ وَ لَا حَرْبٌ كَعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ لَا أَبُو سُفْيَانَ كَأَبِي طَالِبٍ وَ لَا الطَّلِيقُ كَالْمُهَاجِرِ وَ لَا الْمُبْطِلُ كَالْمُحِقِّ وَ فِي أَيْدِينَا فَضْلُ النُّبُوَّةِ الَّتِي قَتَلْنَا بِهَا الْعَزِيزَ وَ بِعْنَا بِهَا الْحُرَّ وَ السَّلَامُ. (2)
مسألة فقهية
و قائلة أوص الغداة فإنني* * * أرى الموت قد حطت لديك ركائبه
____________
(1) تجد هذا الكتاب في المحاسن و المساوئ ج (1) ص 81- 82. و وقعة صفّين ص 470- 471.
(2) تجد هذا الكتاب مرويا في الاخبار الطوال للدينوري، و المحاسن و المساوئ للبيهقيّ، و المروج الذهب للمسعودي. و الإمامة و السيامة لابن قتيبة، و كتاب صفّين لابن مزاحم و غيرها انظر:
كتابنا: (مصادر نهج البلاغة ص 233).
46
فقلت و قد راع الفؤاد مقالها* * * و ضاقت به خوف الحمام مذاهبه
لك الثمن إن حلت وفاتي فريضة* * * و سائر ما يبقى فصنوك صاحبه
جوابها
تفهم فإن الفهم أكرم ملبس* * * لمن شرفت أخلاقه و مذاهبه
حليلة هذا أمها زوجة ابنه* * * كذا لكم الألغاز جم عجائبه
فابن ابنه صنو لزوجته و من* * * عزي بغريب العلم تعلو مراتبه
فميراثها ثمن و للصنو ما بقي* * * كذلك يقضي من توالت مناقبه
تفسير هذا رجل تزوج و زوج ابنه من أمها فولدت أم امرأته من ابنه ابنا ثم مات ابن الرجل و ليس له ممن يرثه إذا مات غير زوجته و أخيها من أمها الذي هو ابن أبيه الميت و قد تقدم ذكر هذه المسألة على غير هذا الباب في الجزء الأول.
مسألة أخرى منظومة
قد تقدم ذكرها نثرا
بابن دعيت صنو أخي فعمي* * * يقول إذا رآني جاء عمي
و لا فينا بحمد الله أنثى* * * و لا ذكر تدرع ثوب إثم
و لا فينا مجوسي جهول* * * يحلل لابن أم وطء أم
فبين عن مسائلنا امتنانا* * * فأنت إمامنا في كل علم
الجواب
ألا يا سائلا أضحى يعمي* * * على المفراض خذ عني بفهم
47
أخوك لأمك الصنو المداني* * * لأم أبيك زوج غير وهم
فابن أخيك منها غير شك* * * أخ لأبيك تدعوه لأم
فذاك إذا رآك يقول عمي* * * و أنت إذا أتاك تقول عمي
تفسير هذان رجلان قال أحدهما للآخر يا عمي أنا عمك و السبب في ذلك هو الوجه الذي عملت عليه هذه الأبيات إن أخاه لأمه تزوج جدته أم أبيه فجاءت بابن فهو عم الابن لأمه و الابن عمه لأمه و جواب ثان فيها و هو أن رجلين تزوج كل واحد منهما أم الآخر فجاءت كل واحدة منهما بابن فكل واحد من الابنين عم الآخر
حديث
حَدَّثَنِي الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَابَوَيْهِ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَيُّوبُ بْنُ نُوحٍ قَالَ حَدَّثَنِي الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص خَمْسَةٌ لَا تُطْفَى نِيرَانُهُمْ وَ لَا تَمُوتُ أَبْدَانُهُمْ رَجُلٌ أَشْرَكَ وَ رَجُلٌ عَقَّ وَالِدَيْهِ وَ رَجُلٌ سَعَى بِأَخِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ فَقَتَلَهُ وَ رَجُلٌ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ وَ رَجُلٌ أَذْنَبَ وَ حَمَلَ ذَنْبَهُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ (1)
____________
(1) هذا الحديث صحيح و رجال سنده كلهم موثوقون.
48
منام (1)
ذكر أن شيخنا المفيد (رحمه الله) أبا عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه رآه و أملاه على أصحابه بلغنا أن شيخنا المفيد (رحمه الله) قال رأيت في النوم كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير فقلت ما هذا قيل لي هذه حلقة فيها رجل يقص فقلت من هو فقالوا عمر بن الخطاب فتقدمت ففرقت الناس و دخلت الحلقة فإذا برجل يتكلم على الناس بشيء لم أحصله فقطعت عليه فقلت أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على ما يدعى من فضل صاحبك عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ. فقال وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع أولها أن الله تعالى ذكر نبيه ص و ذكر أبا بكر معه فجعله ثانيه فقال ثانِيَ اثْنَيْنِ الثاني أنه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد تأليفا بينهما فقال إِذْ هُما فِي الْغارِ الثالث أنه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما فيما يقتضي الرتبة فقال إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ الرابع أنه أخبر عن شفقة النبي عليه و رفقه به لموضعه عنده فقال لا تَحْزَنْ الخامس إعلامه أنه أخبره أن الله تعالى معهما على حد سواء ناصرا لهما و دافعا عنهما فقال إِنَّ اللَّهَ مَعَنا السادس أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأن الرسول ص لم تفارقه السكينة قط فقال فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ.
____________
(1) عرض المفيد لشطر منه في كتاب الإفصاح ص 114- 118 و هذا الحجاج مأخوذ من هشام بن الحكم، و أيضا في الفصول المختارة ج 1 ص 19- 24
49
فهذه ستة مواضع تدل على فضل أبي بكر من آية الغار لا يمكنك و لا غيرك الظفر فيها قال المفيد (رحمه الله) فقلت له قد حررت كلامك و استقصيت البيان فيه و أتيت بما لا يقدر أحد من الخلق أن يزيد في الاحتجاج لصاحبك عليه غير أني بعون الله و توفيقه سأجعل ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. أما قولك إن الله تعالى ذكر النبي ص و جعل أبا بكر ثانية فليس في ذلك فضيلة لأنه إخبار عن عدد و لعمري إنهما كانا اثنين و نحن نعلم ضرورة أن مؤمنا و كافرا اثنان كما نعلم أن مؤمنا و مؤمنا اثنان فليس لك في ذكر العدد طائل تعتمده. و أما قولك إنه وصفهما بالاجتماع في المكان فإنه كالأول لأن المكان يجتمع فيه المؤمنون و الكفار كما يجتمع العدد للمؤمنين و الكفار و أيضا فإن مسجد النبي ص أشرف من الغار و قد جمع المؤمنين و المنافقين و الكفار و في ذلك قوله تعالى فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ. و أيضا فإن سفينة نوح (ع) قد جمعت النبي و الشيطان و البهيمة فبان لك أن الاجتماع في المكان لا يدل على ما ادعيت من الفضل فبطل فضلان. و أما قولك إنه أضافه إليه بذكر الصحبة فإنه أضعف من الفضلين الأولين لأن الصحبة أيضا تجمع المؤمن و الكافر و الدليل على ذلك قول الله عز و جل قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا و أيضا فإن اسم الصحبة تكون من العاقل و البهيمة و الدليل على ذلك من كلام العرب أنهم جعلوا الحمار صاحبا فقالوا
50
إن الحمار مع الحمار مطية* * * فإذا خلوت به فبئس الصاحب
(1) و قد سموا الجماد مع الحي أيضا صاحبا قال الشاعر
زرت هندا و ذاك بعد اجتناب* * * و معي صاحب كتوم اللسان
يعني السيف فإذا كان اسم الصحبة يقع بين المؤمن و الكافر و بين العاقل و البهيمة و بين الحيوان و الجماد فلا حجة لصاحبك فيها. و أما قولك إنه قال له لا تَحْزَنْ فإن ذلك وبال عليه و منقصة له و دليل على خطئه لأن قوله لا تَحْزَنْ نهي و صورة النهي قول القائل لا تفعل فلا يخلو الحزن الواقع من أبي بكر من أن يكون طاعة أو معصية فإن كان طاعة فالنبي لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها و يدعو إليها و إن كان معصية فقد صح وقوعها فيه و توجه النهي إليه عنها و شهدت الآيات به و لم يرد دليل على امتثاله للنهي و انزجاره (2). و أما قولك إنه قال إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فإن النبي ص أعلمه أن الله معه خاصة و عبر عن نفسه بلفظ الجمع فقال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ و قد قيل إن أبا بكر قال يا رسول الله إن حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه فقال له النبي ص إِنَّ اللَّهَ مَعَنا أي معي و مع أخي علي بن أبي طالب. و أما قولك إن السكينة نزلت على أبي بكر فإنه كفر لأن الذي نزلت
____________
(1) قائل هذا البيت هو أميّة بن أبي الصلت.
(2) أقول: ليس بالضرورة أن يكون حزنه طاعة أو معصية، بل يجوز أن يكون مباحا ككثير من الانفعالات الشخصية، كما أنّه لا ينحصر أن يكون في قوله لا تحزن للتحريم، إذ يجوز هنا أن يكون للإرشاد أو للاشفاق الذي لا يستتبع معصية كما هو واضح.
51
السكينة عليه هو الذي أيده الله تعالى بجنوده كذا يشهد ظاهر القرآن في قوله فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها فلو كان أبو بكر هو صاحب السكينة لكان هو صاحب الجنود و في هذا إخراج النبي ص من النبوة. على أن هذا الموضع لو كتمته على صاحبك لكان خيرا له لأن الله تعالى أنزل السكينة على النبي في موضعين و كان معه قوم مؤمنون فشركوه فيها فقال في أحدهما أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها و قال في الموضع الآخر فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى و لما كان في الغار خصه وحده بالسكينة و قال فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قال الشيخ المفيد (رحمه الله) فلم يحر عمر بن الخطاب جوابا و تفرق الناس و استيقظت.
فصل من السؤال يتعلق بهذا المقام
فإن قيل إذا كان ما تضمنه هذا المقام صحيحا عندكم في الاحتجاج و حزن أبي بكر معصية بدليل توجه النهي له عنه حسبما شهد به القرآن فقد نهى الله تعالى نبيه عليه و آله السلام عن مثل ذلك فقال لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ و نهى أم موسى (ع) عن الحزن أيضا فقال لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي فهل كان ذلك لأن نبيه ص عصى في حزنه فنهاه و كذلك أم موسى (ع) أم تقولون إن بين ما ذكرناه و بين حزن أبي بكر في الغار فرقا فاذكروه ليحصل به البيان. الجواب قيل له قد أجاب شيخنا المفيد رضي الله عنه عن هذه المسألة بما أوضح به
52
الفرق و أزاح العلة و نحن نورد مختصرا من القول فيها يكون فيه بيان و كفاية فنقول إن المعارضة بحزن النبي ص ساقطة لأنه عندنا معصوم من الزلات مأمون من جميع المعاصي و الخطيئات فوجب أن يحمل قول الله تعالى وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ على أجمل الوجوه و الأقسام و أحسن المعاني في الكلام من تخفيف الهم عنه و تسهيل صعوبة الأمر عليه رفقا به و إكراما و إجلالا و إعظاما له. و لم يكن أبو بكر عندنا و عند خصومنا معصوما فيؤمن منه وقوع الخطأ و ذلك أنه مع رسول الله ص و في حوزته بحيث اختار الله تعالى ستر نبيه و حفظ مهجته. هذا و قد كان (ع) يخبر من أسلم على يده بأن الله سينصره على عدوه و معانده و أنه وعده إعلاء كلمته و إظهار شريعته و هذا يوجب الثقة بالسلامة و عدم الحزن و المخافة. ثم ما ظهر له من الآيات الموجبة لسكون النفس و إزالة المخافة من نسج العنكبوت على باب الغار و تبيض الطائر هناك في الحال و قول النبي ص لما رأى حزنه و كثرة هلعه و جزعه إن دخلوا من هاهنا و أشار إلى جانب الغار فانخرق و ظهر له البحر و ببعض هذا يأنس المستوحش و بنظره يطمئن الخائف فلم يسكن أبو بكر إلى شيء من ذلك و ظهر منه الحزن و القلق و لا شبهة بعد هذا البيان تعترض في قبح حزنه. و أما حزن أم موسى (ع) فمفارق أيضا لحزنه لأن أحدا لا يشك في أن خوفها و حزنها إنما كان شفقة منها على ولدها لما أمرت بإلقائه في اليم و يجوز أن يكون لم تعلم في الحال بأنه سيسلم و يعود إليها على أفضل ما تؤمل فلحقها ما يلحق الوالدة على ولدها من الخوف و الحزن لمفارقته فلما قال لها لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ اطمأنت عند ذلك و سكنت تصديقا للقول و ثقة بالوعد.
53
و أبو بكر قد سمع مثل ما سمعت و رأى أكثر مما رأت و لم يثق قلبه و لا سكنت نفسه فوضح الفرق بين حزنها و حزنه. على أن ظاهر الآية تشهد بأن الله تعالى أمر أم موسى (ع) أن تلقي ولدها في اليم و سكن قلبها عقيب الأمر في قوله سبحانه وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فالخوف و الحزن اللذان ورد ظاهر النهي عنهما يصح أن لا يكون وقعا منها لأن تسكين النفس بالسلامة إشارة بحسن العاقبة عقيب الأمر بالإلقاء يؤمن من وقوع الهم و الحزن جميعا. و أما حزن أبي بكر فقد وقع و أجمعت الأمة على أنه حزن و ليس من فعل كمن لم يفعل فلا نقض بهما من كل وجه
مبيت علي (ع) في فراش رسول الله ص ليلة الهجرة
اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي فَدَى رَسُولَ اللَّهِ ص بِنَفْسِهِ وَ جَادَ دُونَهُ بِمُهْجَتِهِ وَ فَعَلَ مَا لَا يَسْمَحُ أَحَدٌ بِفِعْلِهِ مِمَّا تَعَجَّبَتْ مِنْهُ مَلَائِكَةُ اللَّهِ فِي سَمَائِهِ هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) وَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا تَعَاقَدَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مُبَايَتَتِهِ وَ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِهِ أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ لَيْلَتِهِ لَمْ يَرَ أَحَداً أَسْرَعَ إِلَى طَاعَتِهِ وَ أَصْبَرَ عَلَى الشَّدَائِدِ فِي مَرْضَاتِهِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَدَعَاهُ إِلَيْهِ وَ أَعْلَمَهُ الْخَبَرَ الَّذِي وَقَفَ بِالْوَحْيِ عَلَيْهِ وَ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَهْجِمُوا عَلَيْهِ فِي حُجْرَتِهِ وَ يَقْتُلُوهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى يَثْرِبَ وَ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ إِذَا صَلَّيْتَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَاضْطَجِعْ عَلَى فِرَاشِي وَ تَلَفَّ بِبُرْدَتَيَّ لِيَظُنَّ الْمُشْرِكُونَ إِذَا رَأَوْكَ أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ فَلَا يَجِدُّونَ فِي طَلَبِي فَأَقَامَهُ مَقَاماً مَهُولًا وَ كَلَّفَهُ تَكْلِيفاً عَظِيماً لَمْ يَصْبِرْ عَلَى مِثْلِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ (ع) لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ الْخَلِيلُ ص
54
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى وَ قَوْلُ إِسْمَاعِيلَ لَهُ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ بَلْ حَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَعْظَمُ وَ تَكْلِيفُهُ أَشَقُّ وَ أَصْعَبُ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ أَسْلَمَ لِهَلَاكٍ يَنَالُهُ بِيَدِ أَبِيهِ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَسْلَمَ لِهَلَاكٍ يَنَالُهُ بِيَدِ أَعْدَائِهِ فَأَجَابَهُ (صلّى اللّه عليهما) إِلَى مُرَادِهِ وَ سَارَعَ إِلَى إِيثَارِهِ بِنَفْسٍ طَيِّبَةٍ وَ نِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَ اضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِهِ وَ لَا يَشُكُّ إِلَّا أَنَّهُ مَقْتُولٌ فِي لَيْلَتِهِ قَدْ فَدَاهُ بِنَفْسِهِ وَ جَادَ دُونَهُ بِمُهْجَتِهِ وَ فِي مَبِيتِهِ عَلَى الْفِرَاشِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ (1) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
. فأين هذا من حزن أبي بكر و فرقه و خوفه و قلقه و توجه النهي إليه و تعريه من السكينة التي خص الله سبحانه بها رسول الله ص أ ترى لو قيل له و هو على ما يدعي له من صحة العقيدة في الإسلام أ تحب لو كنت البائت على فراش رسول الله ص و الواقي له بنفسه و الذي أنزل فيه وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ و لم تكن حزنت في الغار و توجه إليك النهي من النبي ص حتى نزلت السكينة عليه دونك لم يشرك فيها بينك و بينه أ كان يقول لا حاجة بي إلى فضيلة الفراش أم يقول بودي ذلك. و لسنا نشك أنه لو قيل لأمير المؤمنين (ع) أ تحب لو كنت بدلا من نومك على فراش رسول الله ص و حصول فضيلته لك و نزول القرآن بمدحك بمكان
____________
(1) و هو المروي عن السدي عن ابن عبّاس انظر: مجمع البيان م 1 ص 301.
و في الجزء الثاني من دلائل الصدق للشيخ المظفر: إن الذين نقلوا نزول هذه الآية بعلي، هم الرازيّ و الثعلبي و صاحب ينابيع المودة و أبو السعادات في فضائل العترة الطاهرة، و الغزالي في الإحياء، و الحاكم في المستدرك، و أحمد بن حنبل في المسند انظر: التفسير الكاشف م 1 ص 311.
55
أبي بكر في الغار و قد وقع الحزن منك و توجه النهي إليك و نزلت السكينة على رسول الله ص دونك و فاز بفضيلة المواساة بالنوم على الفراش غيرك لقال أعوذ بالله من ذلك و الفرق بين الحالين مرئي للعميان (1). أحاديث
وَ قَدْ رَوَى الثِّقَاتُ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَاتَ عَلِيٌّ (ع) عَلَى الْفِرَاشِ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَلَكَيْنِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَلَائِكَةِ أَشَدُّ ائْتِلَافاً وَ مُؤَاخَاةً مِنْهُمَا فَقَالَ إِنِّي مُمِيتٌ أَحَدَكُمَا فَاخْتَارَا قَالَ فَتَدَافَعَا الْمَوْتَ بَيْنَهُمَا وَ آثَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَقَاءَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا أَيْنَ أَنْتُمَا عَنْ عَبْدِي هَذَا الرَّاضِي بِالْمَوْتِ الْبَائِتُ عَلَى فِرَاشِ ابْنِ عَمِّهِ يَقِيهِ الرَّدَى بِنَفْسِهِ أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ سَرِيرَتِهِ أَنَّ تَلَفَ نَفْسِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ شَعْرَةٌ مِنْ شَعْرِ ابْنِ عَمِّهِ انْزِلَا إِلَيْهِ فَاحْفَظَاهُ وَ اكْلَآهُ إِلَى الصُّبْحِ فَلَمْ تَزَلْ عَيْنُ الْمُشْرِكِينَ تَلْحَظُهُ وَ الْمَلَائِكَةُ الْكِرَامُ تَحْفَظُهُ إِلَى أَنْ كَانَ وَقْتُ الصُّبْحِ وَ هَجَمَ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهِ لِلْقَتْلِ فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ لَمَّا أَرَادَهُ مِنْ حَيَاتِهِ أَنْ يُوْقِظُوهُ مِنْ نَوْمِهِ فَقَالُوا نُنَبِّهُهُ لِيَرَى أَنَّا ظَفَرْنَا بِهِ قَبْلَ قَتْلِهِ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ وَثَبَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ فِي يَدِهِ سَيْفُهُ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ هَارِبِينَ فَقَالَ لَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) دَخَلْتُمْ وَ أَنَا نَائِمٌ فَادْخُلُوا وَ أَنَا مُنْتَبِهٌ فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ (2)
فصل من روايات ابن شاذان (رحمه الله)
حَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
____________
(1) هذه الذي ذكره المؤلّف (رحمه الله) هنا أخذه من الطبريّ الإمامي في كتابه المسترشد ص 52- 53.
(2) هذا مرويّ باختصار في أسد الغابة ج 4 ص 25 انظر: فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 310.
56
قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالدِّهْقَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عُلْوَانَ عَنْ أَبِي خَالِدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (ع) قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ص وَ هُوَ فِي بَعْضِ حُجُرَاتِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي فَلَمَّا دَخَلْتُ قَالَ لِي يَا عَلِيُّ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ بَيْتِي بَيْتُكَ فَمَا لَكَ تَسْتَأْذِنُ عَلَيَّ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْبَبْتُ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ قَالَ يَا عَلِيُّ أَحْبَبْتَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ وَ أَخَذْتَ بِآدَابِ اللَّهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّكَ أَخِي أَمَا إِنَّهُ أَبَى خَالِقِي وَ رَازِقِي فِي أَنْ يَكُونَ لِي سِرٌّ دُونَكَ يَا عَلِيُّ أَنْتَ وَصِيِّي مِنْ بَعْدِي وَ أَنْتَ الْمَظْلُومُ الْمُضْطَهَدُ بَعْدِي يَا عَلِيُّ الثَّابِتُ عَلَيْكَ كَالْمُقِيمِ مَعِي وَ مُفَارِقُكَ مُفَارِقِي يَا عَلِيُّ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَنِي وَ إِيَّاكَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ
وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَ لَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ بَعْدِي أَفْضَلَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ إِنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِي وَ أَمِيرُهَا وَ إِنَّهُ لَوَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي عَلَيْهَا مَنِ اقْتَدَى بِهِ بَعْدِي اهْتَدَى وَ مَنِ اهْتَدَى بِغَيْرِهِ ضَلَّ وَ غَوَى إِنِّي أَنَا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى مَا أَنْطِقُ بِفَضْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْمُجْتَبَى عَنِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى
وَ حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ شَاذَانَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُرَّةَ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَاصِمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سور [سَعْدُ] بْنُ طَرِيفٍ
57
عَنِ الْأَصْبَغِ قَالَ سُئِلَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ (رحمه الله) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ مَوْلَاكُمْ فَأَحِبُّوهُ وَ كَبِيرُكُمْ فَاتَّبِعُوهُ وَ عَالِمُكُمْ فَأَكْرِمُوهُ وَ قَائِدُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَعَزِّرُوهُ وَ إِذَا دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ وَ إِذَا أَمَرَكُمْ فَأَطِيعُوهُ وَ أَحِبُّوهُ لِحُبِّي وَ أَكْرِمُوهُ لِكَرَامَتِي مَا قُلْتُ لَكُمْ فِي عَلِيٍّ إِلَّا مَا أَمَرَنِي بِهِ رَبِّي
مسألة
سألني رجل من أهل الخلاف فقال إنا نراكم معشر الشيعة تكثرون القول بأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أفضل من أبي بكر و عمر و عثمان و تناظرون على ذلك و ترددون هذا الكلام و إطلاق هذا اللفظ منكم يضاد مذهبكم و يناقض معتقدكم و لستم تعلمون أن التفضيل بين الشيئين لا يكون إلا و قد شمل الفضل لهما ثم زاد في الفضل أحدهما على صاحبه و أن ذلك لا يجوز مع تعري أحدهما من خلال الفضل على كل حال لم جهلتم ذلك من معنى الكلام فإن زعمتم أن لأبي بكر و عمر و عثمان قسطا من الفضل يشملهم به يصح به القول إن أمير المؤمنين (ع) أفضلهم تركتم مذهبكم و خالفتم سلفكم و إن مضيتم على أصلكم و نفيتم عنهم جميع خلال الفضل على ما عهد من قولكم لم يصح القول بأن أمير المؤمنين (ع) أفضل منهم. الجواب فقلت له ليس في إطلاق أن القول بأن أمير المؤمنين (ع) أفضل من أبي بكر و عمر و عثمان ما يوجب على قائله ما ذكرتم في السؤال و الشيعة أعرف من خصومهم بمواقع الألفاظ و معاني الكلام و ذلك أن التفضيل و إن كان كما وصفت يكون بين الشيئين إذا اشتركا في الفضل و زاد أحدهما على الآخر فيه فقد يصح أيضا فيهما إذا اختص بالفضل أحدهما و عرى الآخر منه و يكون معنى قول القائل هذا أفضل من هذا أنه الفاضل دونه و أن الآخر لا فضل له و ليس في هذا خروج عن لسان العرب و لا
58
مخالفة لكلامها و كتاب الله تعالى يشهد به و إن أشعار المتقدمين يتضمنه قال الله جل اسمه أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلًا يعني أنهم خير من أصحاب النار و قد علم أن أصحاب النار أصحاب شر و لا خير فيهم. و وصف النار في آية أخرى فقال بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً إلى قوله وَ ادْعُوا ثُبُوراً ثم قال قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَ مَصِيراً. فذكر سبحانه أن الجنة و ما أعد فيها خير من النار و نحن نعلم أنه لا خير في النار. و قال تعالى في آية أخرى قُلْ أَ فَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ و قال وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. و المعنى في ذلك هين لأن شيئا لا يكون أهون على الله من شيء فكذلك قولنا هذا أفضل يكون المراد به هذا الفاضل. و ليس بعد إيراد هذه الآيات لبس في السؤال يعترض العاقل و قد قال حسان بن ثابت في رجل هجا سيدنا رسول الله ص من المشركين
هجوت محمدا برا تقيا* * * و عند الله في ذاك الجزاء
أ تهجوه و لست له بكفؤ* * * فشركما لخيركما فداء
و قد علمنا أنه لا شر في النبي (ع) و لا خير فيمن هجاه.
59
و قال غيره من الجاهلية
خالي بنو أنس و خال سراتهم* * * أوس فأيهما أدق و ألأم
يريد فأيهما الدقيق و اللئيم و ليس المعنى فيه أن الدقة و اللؤم قد اشتملا عليهما ثم زاد أحدهما على صاحبه فيهما. و على هذا المعنى فسر عثمان بن الجني (1) قول المتنبئ
أعق خليليه الصفيين لائمه
و أنهما لم يشتركا في العقوق ثم زاد أحدهما على الآخر صاحبه فيه مع كونهما خليلين صفيين و إنما المراد أن الذي يستحيل منهما عن الصفا فيصير عاقا لائمه (2). و الشواهد في ذلك كثيرة و فيما أوردته منها كفاية في إبطال ما ألزمت و دلالة على أن الشيعة في قولها إن أمير المؤمنين (ع) أفضل من أبي بكر و عمر و عثمان لم تناقض لها مذهبا و لا خالفت معتقدا و إن المراد بذلك أنه الفاضل دونهم و المختص بهذا الوصف عنهم فتأمل ذلك تجده صحيحا و الحمد لله على أن من الشيعة من امتنع من إطلاق هذا المقال عند تحقيق الكلام و يقول في الجملة إنه (ع) بعد رسول الله ص أفضل الناس فسؤالك ساقط عنه إذ كان لا يلفظ بما ذكرته إلا على المجاز. فلما سمع السائل الجواب اعترف بأنه الصواب و لم يزد حرفا في هذا الباب و الحمد لله على خيرته من خلقه سيدنا محمد رسوله و آله الطيبين الطاهرين و سلامه و بركاته
____________
(1) أبو الفتح عثمان بن جني ولد و نشأ في الموصل و سكن و توفي ببغداد عام (392 ه) من أكابر علماء النحو و الصرف و الأدب و هو من أساتذة الشريفين الرضى و المرتضى و له مؤلّفات عديدة و منها شرح ديوان المتنبي.
(2) في العبارة قلق.
60
فصل في الرؤيا في المنام (1)
وجدت لشيخنا المفيد رضي الله عنه في بعض كتبه أن الكلام في باب رؤيا المنامات عزيز و تهاون أهل النظر به شديد و البلية بذلك عظيمة و صدق القول فيه أصل جليل. و الرؤيا في المنام تكون من أربع جهات أحدها حديث النفس بالشيء و الفكر فيه حتى يحصل كالمنطبع في النفس فيخيل إلى النائم ذلك بعينه و أشكاله و نتائجه و هذا معروف بالاعتبار. الجهة الثانية من الطبائع و ما يكون من قهر بعضها لبعض فيضطرب المزاج و يتخيل لصاحبه ما يلائم ذلك الطبع الغالب من مأكول و مشروب و مرئي و ملبوس و مبهج و مزعج و قد نرى تأثير الطبع الغالب في اليقظة و الشاهد حتى أن من غلب عليه الصفراء يصعب عليه الصعود إلى المكان العالي بما يتخيل له من وقوعه و يناله من الهلع و الزمع (2) ما لا ينال غيره. و من غلبت عليه السوداء يتخيل أنه قد صعد في الهواء و ناجته الملائكة و يظن صحة ذلك حتى أنه ربما اعتقد في نفسه النبوة و أن الوحي يأتيه من السماء و ما أشبه ذلك الجهة الثالثة ألطاف من الله عز و جل لبعض خلقه من تنبيه و تيسير و أعذار و إنذار فيلقى في روعة ما ينتج له تخيلات أمور تدعوه إلى الطاعة و الشكر على النعمة و تزجره عن المعصية و تخوفه الآخرة و يحصل له بها مصلحة و زيادة فائدة و فكر يحدث له معرفة.
____________
(1) تجد الكلام على المنامات مسهبا في الجزء الثاني ص 392- 395 من كتاب الأمالي للشريف المرتضى.
(2) هي جالة الدهش و الخوف و الارتباك.
61
و الجهة الرابعة أسباب من الشيطان و وسوسة يفعلها للإنسان و يذكره بها أمورا تحزنه و أسبابا تغمه و تطمعه فيها لا يناله أو يدعوه إلى ارتكاب محظور يكون فيه عطبه أو تخيل شبهة في دينه يكون فيها هلاكه و ذلك مختص بمن عدم التوفيق لعصيانه و كثرة تفريطه في طاعات الله سبحانه و لن ينجو من باطل المنامات و أحلامها إلا الأنبياء و الأئمة (ع) و من رسخ في العلم من الصالحين. و قد كان شيخي رضي الله عنه (1) قال لي إن كل من كثر علمه و اتسع فهمه قلت مناماته فإن رأى مع ذلك مناما و كان جسمه من العوارض سليما فلا يكون منامه إلا حقا يريد بسلامة الجسم عدم الأمراض المهيجة و غلبة بعضها على ما تقدم به البيان. و السكران أيضا لا يصح له منام و كذلك الممتلئ من الطعام لأنه كالسكران و لذلك قيل إن المنامات قلما تصح في ليالي شهر رمضان. فأما منامات الأنبياء ص فلا تكون إلا صادقة و هي وحي في الحقيقة و منامات الأئمة (ع) جارية مجرى الوحي و إن لم تسم وحيا و لا تكون قط إلا حقا و صدقا و إذا صح منام المؤمن لأنه من قبل الله تعالى كما ذكرناه.
وَ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ
وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ (ع) قَالَ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَجْرِي مَجْرَى كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ عِنْدَهُ
فأما وسوسة شياطين الجن فقد ورد السمع بذكرها قال الله تعالى مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ.
____________
(1) يريد به على الظاهر الشيخ المفيد (رحمه الله).
62
و قال وَ إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ و قال شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً فأما كيفية وسوسة الجني للإنسي فهو أن الجن أجسام رقاق لطاف فيصح أن يتوصل أحدهم برقة جسمه و لطافته إلى سمع الإنسان و نهايته فيوقر فيه كلاما يلبس عليه إذا سمعه و يشبه عليه بخواطره لأنه لا يرد عليه ورود المحسوسات من ظاهر جوارحه و يصح أن يفعل هذا بالنائم و اليقظان جميعا و ليس هو في العقل مستحيلا.
وَ رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ص يَخْطُبُ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ رَأْسِي قَدْ قُطِعَ وَ هُوَ يَتَدَحْرَجُ وَ أَنَا أَتَّبِعُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا تُحَدِّثْ بِلَعْبِ الشَّيْطَانِ بِكَ ثُمَّ قَالَ إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثَنَّ بِهِ أَحَداً
. و أما رؤية الإنسان للنبي ص أو لأحد الأئمة (ع) في المنام فإن ذلك عندي على ثلاثة أقسام قسم أقطع على صحته و قسم أقطع على بطلانه و قسم أجوز فيه الصحة و البطلان فلا أقطع فيه على حال. فأما الذي أقطع على صحته فهو كل منام رأى فيه النبي ص أو أحد الأئمة (ع) و هو فاعل لطاعة أو آمر بها و ناه عن معصية أو مبين لقبحها و قائل بالحق أو داع إليه أو زاجر عن باطل أو ذام لما هو عليه. و أما الذي أقطع على بطلانه فهو كل ما كان على ضد ذلك لعلمنا أن النبي و الإمام (ع) صاحبا حق و صاحب الحق بعيد عن الباطل و أما الذي أجوز فيه الصحة و البطلان فهو المنام الذي يرى فيه النبي أو
63
الإمام (ع) و ليس هو آمرا و لا ناهيا و لا على حال يختص بالديانات مثل أن يراه راكبا أو ماشيا أو جالسا و نحو ذلك. فأما الخبر الذي يروى عن النبي ص من قوله
مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَشَبَّهُ بِي (1)
فإنه إذا كان المراد به المنام يحمل على التخصيص دون أن يكون في حال و يكون المراد به القسم الأول من الثلاثة الأقسام لأن الشيطان لا يتشبه بالنبي ص في شيء من الحق و الطاعات و أما ما روي عنه ص من قوله
مَنْ رَآنِي نَائِماً فَكَأَنَّمَا رَآنِي يَقْظَانَ
فإنه يحتمل أحد وجهين أحدهما أن يكون المراد به رؤية المنام و يكون خاصا كالخبر الأول على القسم الذي قدمناه. و الثاني أن يكون أراد به رؤية اليقظة دون المنام و يكون قوله نائما حالا للنبي ص و ليست حالا لمن رآه فكأنه قال من رآني و أنا نائم فكأنما رآني و أنا منتبه و الفائدة في هذا المقام أن يعلمهم بأنه يدرك في الحالتين إدراكا واحدا فيمنعهم ذلك إذا حضروا عنده و هو نائم أن يفيضوا فيما لا يحسن ذكره بحضرته و هو منتبه.
وَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ ص أَنَّهُ غَفَا ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ تَنَامُ عَيْنِي وَ لَا يَنَامُ قَلْبِي
____________
(1) ورد هذا الحديث في البخاري «من رآني في المنام فقد رآني»، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي، و في كتاب التعبير: فإن الشيطان لا يتخيل بي» و في صحيح مسلم في كتاب الرؤيا:
من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنّما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي» انظر:
(فضائل الخمسة ج 1 ص 52).
64
و جميع هذه الروايات أخبار آحاد فإن سلمت فعلى هذا المنهاج و قد كان شيخي (رحمه الله) يقول إذا جاز من بشر أن يدعي في اليقظة أنه إله كفرعون و من جرى مجراه مع قلة حيلة البشر و زوال اللبس في اليقظة فما المانع من أن يدعي إبليس عند النائم بوسوسته له أنه نبي مع تمكن إبليس بما لا يتمكن منه البشر و كثرة اللبس المعترض في المنام. و مما يوضح لك أن من المنامات التي يتخيل للإنسان أنه قد رأى فيها رسول الله و الأئمة ص منها ما هو حق و منها ما هو باطل. إنك ترى الشيعي يقول رأيت في المنام رسول الله ص و معه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يأمرني بالاقتداء به دون غيره و يعلمني أنه خليفته من بعده. ثم ترى الناصبي يقول رأيت رسول الله ص في النوم و معه أبو بكر و عمر و عثمان و هو يأمرني بمحبتهم و ينهاني عن بغضهم و يعلمني أنهم أصحابه في الدنيا و الآخرة و أنهم معه في الجنة و نحو ذلك. فتعلم لا محالة أن أحد المنامين حق و الآخر باطل فأولى الأشياء أن يكون الحق منهما ما ثبت بالدليل في اليقظة على صحة ما تضمنه و الباطل ما أوضحت الحجة عن فساده و بطلانه. و ليس يمكن للشيعي أن يقول للناصبي إنك كذبت في قولك رأيت رسول الله ص لأنه يقدر أن يقول له مثل هذا بعينه. و قد شاهدنا ناصبيا تشيع و أخبرنا في حال تشيعه بأنه يرى منامات بالضد مما كان يراه في حال نصبه. فبان بذلك أن أحد المنامين باطل و أنه من نتيجة حديث النفس أو من وسوسة إبليس و نحو ذلك و أن المنام الصحيح هو لطف من الله تعالى بعيدة على المعنى المتقدم وصفه. و قولنا في المنام الصحيح إن الإنسان إذا رأى في نومه النبي ص إنما معناه
65
أنه كان قد رآه و ليس المراد به التحقيق في اتصال شعاع بصره بجسد النبي و أي بصر يدرك به حال نومه. و إنما هي معان تصورت في نفسه تخيل له فيها أمر لطف الله تعالى له به قام مقام العلم. و ليس هذا بمناف للخبر الذي روي من قوله
مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي
لأن معناه فكأنما رآني. و ليس بغلط في هذا المكان إلا عند من ليس له من عقله اعتبار. تأويل آية (1) إن سأل سائل عن قول الله عز و جل وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً فقال إذا كان السبات هو النوم فكأنه قال و جعلنا نومكم نوما فما الفائدة في هذا. الجواب قلنا في هذه الآية وجوه منها أن السبات أحد أقسام النوم و هو النوم الممتد الطويل و لهذا يقال فيمن كثر نومه إنه مسبوت و به سبات و لا يقال في كل نائم و الوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدا طويلا ظاهر. و هو لما لنا في ذلك من المنفعة بالراحة لأن التهويم و النوم الغرار لا يكسبنا شيئا من الراحة بل يصحبهما في الأكثر الانزعاج و القلق و الهموم التي هي تقلل النوم و رخاء البال و فراغ القلب يكون معهما كثرته و امتداده. و منها أن يكون المراد بذلك أنا جعلنا نومكم سباتا ليس موتا لأن النائم قد يفقد من علومه و قصوده و أحواله فيسمى بالسبت للفراغ الذي كان فيه و لأن الله تعالى أمر بني إسرائيل بالاستراحة من الأعمال.
____________
(1) انظر الكلام على هذه الآية في أمالي الشريف المرتضى ج 1 ص 337- 343.
66
و قد قيل إن أصل السبات التمدد و يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته من العقص. و منها أن يكون المراد بالسبت القطع فيكون نومنا قطعا لأعمالنا و متصرفاتنا و هو راجع إلى معنى الراحة
فصل
مِمَّا رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ مِنْ حِكْمَتِهِ وَ وَصِيَّتِهِ لِابْنِهِ يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ فَإِنَّمَا مَثَلُهَا فِي دِينِ اللَّهِ كَمَثَلِ عُمُدِ فُسْطَاطٍ فَإِنَّ الْعَمُودَ إِذَا اسْتَقَامَ نَفَعَتِ الْأَطْنَابُ وَ الْأَوْتَادُ وَ الظِّلَالُ وَ إِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ لَمْ يَنْفَعْ وَتِدٌ وَ لَا طُنُبٌ وَ لَا ظِلَالٌ أَيْ بُنَيَّ صَاحِبِ الْعُلَمَاءَ وَ جَالِسْهُمْ وَ زُرْهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ لَعَلَّكَ أَنْ تَشْبَهَهُمْ فَتَكُونَ مِنْهُمْ اعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنِّي ذُقْتُ الصَّبْرَ وَ أَنْوَاعَ الْمُرِّ فَلَمْ أَرَ أَمَرَّ مِنَ الْفَقْرِ فَإِنِ افْتَقَرْتَ يَوْماً فَاجْعَلْ فَقْرَكَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ وَ لَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِفَقْرِكَ فَتَهُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ دَعَا اللَّهَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَوْ سَأَلَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ يَا بُنَيَّ ثِقْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ وَثِقَ بِاللَّهِ فَلَمْ يُنْجِهِ يَا بُنَيَّ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فَلَمْ يَكْفِهِ يَا بُنَيَّ أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي أَحْسَنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ يَا بُنَيَّ مَنْ يُرِدْ رِضْوَانَ اللَّهِ يُسْخِطْ نَفْسَهُ كَثِيراً وَ مَنْ لَا يُسْخِطْ نَفْسَهُ لَا يُرْضِ رَبَّهُ وَ مَنْ لَا يَكْتُمْ غَيْظَهُ يُشْمِتْ عَدُوَّهُ يَا بُنَيَّ تَعَلَّمِ الْحِكْمَةَ تُشَرَّفْ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ تَدُلُّ عَلَى الدِّينِ وَ تُشَرِّفُ الْعَبْدَ عَلَى الْحُرِّ وَ تَرْفَعُ الْمِسْكِينَ عَلَى الْغَنِيِّ وَ تُقَدِّمُ الصَّغِيرَ عَلَى الْكَبِيرِ وَ تَجْلِسُ الْمِسْكِينَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ وَ تَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفاً وَ السَّيِّدَ سُؤْدَداً وَ الْغَنِيَّ مَجْداً
69
مسألة أخرى رجل و ابنه ورثا مالا فكان بينهما نصفان بالسوية. جواب هذا تزوج بابنة عمه فماتت و خلفته و أباه الذي هو عمها فكان بحق الزوجية النصف و لعمها الذي هو أبو زوجها النصف الباقي
قضية مستطرفة لأمير المؤمنين (ع) لم يسبقه إليها أحد من الناس
رُوِيَ أَنَّ رَجُلَيْنِ جَلَسَا لِلْغَدَاءِ فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ وَ أَخْرَجَ الْآخَرُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ فَعَبَرَ بِهِمَا فِي الْحَالِ رَجُلٌ ثَالِثٌ فَعَزَمَا عَلَيْهِ فَنَزَلَ فَأَكَلَ مَعَهُمَا حَتَّى اسْتَوْفَوْا جَمِيعَ ذَلِكَ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ دَفَعَ إِلَيْهِمَا فِضَّةً وَ قَالَ هَذِهِ لَكُمَا عِوَضَ مَا أَكَلْتُ مِنْ طَعَامِكُمَا فَوَزَنَاهَا فَصَادَفَاهَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ فَقَالَ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ الْأَرْغِفَةِ لِي مِنْهَا خَمْسَةٌ وَ لَكَ ثَلَاثَةٌ بِحِسَابِ مَا كَانَ لَنَا وَ قَالَ الْآخَرُ بَلْ هِيَ مَقْسُومَةٌ نِصْفَيْنِ بَيْنَنَا وَ تَشَاحَّا فَارْتَفَعَا إِلَى شُرَيْحٍ الْقَاضِي فِي أَيَّامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَعَرَّفَاهُ أَمْرَهُمَا فَحَارَ فِي قَضِيَّتِهِمَا وَ لَمْ يَدْرِ مَا يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَهُمَا فَحَمَلَهُمَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَقَصَّا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمَا فَاسْتَطْرَفَ أَمْرَهُمَا وَ قَالَ إِنَّ هَذَا أَمْرٌ فِيهِ دَنَاءَةٌ وَ الْخُصُومَةُ فِيهِ غَيْرُ جَمِيلَةٍ فَعَلَيْكُمَا بِالصُّلْحِ فَهُوَ أَجْمَلُ بِكُمَا فَقَالَ صَاحِبُ الثَّلَاثَةِ أَرْغِفَةٍ لَسْتُ أَرْضَى إِلَّا بِمُرِّ الْحَقِّ وَ وَاجِبِ الْحُكْمِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَإِذَا أَبَيْتَ الصُّلْحَ وَ لَمْ تُرِدْ إِلَّا الْقَضَاءَ فَلَكَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ وَ لِرَفِيقِكَ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ فَقَالَ وَ قَدْ عَجَبَ هُوَ وَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَيِّنْ لِي وَجْهَ ذَلِكَ لِأَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِي فَقَالَ أَنَا أُعْلِمُكَ أَ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ مَا لَكُمَا ثَمَانِيَةَ أَرْغِفَةٍ أَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا بِحِسَابِ الثُّلُثِ رَغِيفَيْنِ وَ ثُلُثَيْنِ قَالَ بَلَى قَالَ فَقَدْ حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ثَمَانِيَةُ أَثْلَاثٍ فَصَاحِبُ الْخَمْسَةِ
68
مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي فِي أُمَّتِي مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا هَلَكَ وَ مَثَلُ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً مُؤْمِناً وَ مَنْ تَرَكَهُ كَفَرَ ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً (ع) جَاءَ فَوَقَفَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ مَنْ عَمِلَ لآِخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتِهِ وَ مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ الَّذِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عِبَادِهِ وَ مَنْ أَحْسَنَ سَرِيرَتَهُ أَحْسَنَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ إِنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ قَالَ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ مَنِ الَّذِي ابْتَغَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَمْ يَجِدْهُ وَ مَنْ ذَا الَّذِي لَجَأَ إِلَى اللَّهِ فَلَمْ يُدَافِعْ عَنْهُ أَمَّنْ ذَا الَّذِي تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فَلَمْ يَكْفِهِ ثُمَّ مَضَى يَعْنِي عَلِيّاً (ع) فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ (رحمه الله) وَ الَّذِي نَفْسُ أَبِي ذَرٍّ بِيَدِهِ مَا مِنْ أُمَّةٍ ائْتَمَّتْ أَوْ قَالَ اتَّبَعَتْ رَجُلًا وَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَ دِينِهِ مِنْهُ إِلَّا ذَهَبَ أَمْرُهُمْ سَفَالًا
مسائل في المواريث
مسألة إخوان لأب و أم ورث أحدهما المال كله و لم يرث الآخر شيئا و ليس بينهما خلاف في ملة. الجواب كان الميت ابن أحدهما فورثه الأب خاصة دون أخيه الذي هو عم الميت. مسألة أخرى إخوان لأب و أم ورثا ميراثا كان لأحدهما ثلاثة أرباع المال و للآخر الربع. جواب الموروث امرأة تركت ابني عمها أحدهما زوجها فورث منها النصف بحق زوجته و ورث مع أخيه نصف الباقي و هو الربع من جميع المال.
73
و شيء آخر و هو أن التعريض لنيل الثواب الدائم و الأمر بمعرفة المنعم و شكره و ترك الجور و الظلم و السفه حسن من العقل كما أن التعريض للعطب و الأمر بالجور و السفه قبيح فاسد في العقل. فلو كانت معصية المأمور و مصيره لسوء اختياره إلى استحقاق العذاب و علم العالم بما يصير إليه من العطب و الهلاك بقلب التعريض للخير و الأمر بالحسن فيجعله قبيحا فاسدا لكان طاعة المأمور و مصيره بحسن اختياره إلى استحقاق المدح من العقلاء و علم الأمر بما يصير إليه المأمور من السلامة و استحقاق المدح يقلب التعريض للعطب و الأمر به فيجعله حسنا و هذا لا يقوله أحد. و لو كان الأمر بالخير و التمكين منه و الدعاء إليه و التيسير له و الإعذار و الإنذار لا يكون تعريضا للخير إلا إذا علم أن المأمور يقبل فيسلم لكان الأمر بالفساد و الشر و الدعاء إليه و الحث عليه لا يكون تعريضا للمكروه و العطب و الضرر إلا إذا علم أن المأمور يقبل فيعطب. فلما كان هذا عند جمهور أهل العلم و العقل إساءة و إضرارا و تعريضا للمكروه سواء علم أن المأمور يقبل فيعطب أو يخالف فيسلم كان الأول تعريضا للخير و إحسانا إلى العبد سواء علم من حاله أنه يقبل فيسلم أو يخالف فيعطب. و هذا باب يجب أن يتأيد فيه المتأمل و يكرر فيه الاطلاع فإنه يعلم الحق فيه إن لم يكن معه هوى يضل عنه و الحمد لله
فصل في ذكر سؤال ورد إلي من الساحل و جوابي عنه في صحة العبادة بالحج
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الهادي إلى الرشاد العالم بمصالح العباد ذي الحكمة البالغة و النعمة السابغة و صلواته على من أزاح به العلل و أوضح منار السبل سيد
70
الْأَرْغِفَةِ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُلُثاً أَكَلَ مِنْهَا ثَمَانِيَةً بَقِيَ لَهُ سَبْعَةٌ وَ أَنْتَ لَكَ ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ وَ هِيَ تِسْعَةُ أَثْلَاثٍ أَكَلْتَ مِنْهَا ثَمَانِيَةً بَقِيَ لَكَ ثُلُثٌ وَاحِدٌ فَلِصَاحِبِكَ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ وَ لَكَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فَانْصَرَفَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمَا (1)
شبهات للملاحدة
مسألة للملحدة قال الملحدون إذا كان الله جوادا رحيما و لم يخلق خلقه إلا لنفعهم و ليس له حاجة إلى عذابهم فهلا خلقهم كلهم في الجنة و ابتدأهم بالنعمة و خلدهم في دائم اللذة و أراحهم من الدنيا و مشاقها و صعوبة التكليف فيها جواب يقال لهم إن الجود و الرحمة لا يكونان فيما يخرج عن الحكمة و ربنا سبحانه لم يخلق خلقه إلا لنفعهم و المنفعة بنيل النعيم يكون على قسمين تفضل و استحقاق. و منزلة الاستحقاق أعلى و أجل و أشرف من منزلة التفضل فلو ابتدأ الله تعالى خلقه في جنات النعيم لكان قد اقتصر بهم على منزلة التفضل التي هي أدون المنزلتين و في ذلك أنه قد حرم الاستحقاق من علم من حاله أنه إن كلفه أطاع فاستحق الثواب و أقطعه الأصلح له و اقتصر به على نعيم غيره أفضل منه و ذلك لا يقع من عالم حكيم جواد غير بخيل فوجب في الحكمة خلقهم في الدنيا و عمومهم بالتكليف الذي فيه التعرض للأمر
____________
(1) روي ذلك في الصواعق المحرقة ص 179، و في مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 329 مختصرا و في الاستيعاب ج 2 ص 462 في كنز العمّال للهندي ج 3 ص 180 و في الرياض النصرة ج 2 ص 199 (انظر فضائل الخمسة ج 2 ص 267- 268) و رواه البهائي العاملي في كتاب الأربعين ص 126- 127 و هو الحديث الثامن و العشرون.
67
وَ كَيْفَ يَتَهَيَّأُ لَهُ أَمْرُ دِينِهِ وَ مَعِيشَتِهِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ وَ لَنْ يُهَيِّئَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَمْرَ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ إِلَّا بِالْحِكْمَةِ وَ مَثَلُ الْحِكْمَةِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ مَثَلُ الْجَسَدِ بِلَا نَفْسٍ أَوْ مَثَلُ الصَّعِيدِ بِلَا مَاءٍ وَ لَا صَلَاحَ لِلْجَسَدِ بِلَا نَفْسٍ وَ لَا لِلصَّعِيدِ بِغَيْرِ مَاءٍ وَ لَا لِلْحِكْمَةِ بِغَيْرِ طَاعَةٍ
أحاديث عن أبي ذر الغفاري
أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ أَبُو مَنْصُورٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ الْعُرَيْضِيُّ بِالرَّمْلَةِ وَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بني [بْنُ] إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَنَانٍ بِحَلَبَ وَ أَبُو الْمَرْجَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَالِبٍ الْبَلَدِيُّ بِالْقَاهِرَةِ (رحمهم الله) قَالُوا جَمِيعاً أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ عَنْ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ بَيْنَا أَبُو ذَرٍّ قَاعِدٌ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ كُنْتُ يَوْمَئِذٍ فِيهِمْ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) فَرَمَاهُ أَبُو ذَرٍّ بِنَظَرِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ مَنْ لَكُمْ بِرَجُلٍ مَحَبَّتُهُ تُسَاقِطُ الذُّنُوبَ عَنْ مُحِبِّيهِ كَمَا يُسَاقِطُ الرِّيحُ الْعَاصِفُ الْهَشِيمَ مِنَ الْوَرَقِ عَنِ الشَّجَرِ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ص يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ قَالُوا مَنْ هُوَ يَا أَبَا ذَرٍّ قَالَ هُوَ الرَّجُلُ الْمُقْبِلُ إِلَيْكُمْ ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكُمْ ص يَحْتَاجُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ص إِلَيْهِ وَ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ عَلِيٌّ بَابُ عِلْمِي وَ مُبَيِّنٌ لِأُمَّتِي مَا أُرْسِلْتُ بِهِ مِنْ بَعْدِي حُبُّهُ إِيمَانٌ وَ بُغْضُهُ نِفَاقٌ وَ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِرَأْفَةٍ وَ مَوَدَّةٍ عِبَادَةٌ وَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص نَبِيَّكُمْ يَقُولُ
72
كما أن الحاضر لا يعلم بالاستدلال إلا أن يغيب و لو جاز أن يخلقهم فيعرفون الغائب لجاز أن يقدرهم على ذلك و هذا محال. و لا يجوز أيضا أن يخلق الشكر فيهم لأنه لو خلقه لهم لم يكونوا هم الشاكرين بل يكون هو الشاكر نفسه لأن الشاكر من فعل الشكر لا من فعل فيه كما أن الظالم من فعل الظلم لا من فعل فيه. مسألة أخرى للملاحدة قال الملحدون كيف يجوز من الحكيم الرحيم أن يخلق خلقا ثم يكلفهم و هو يعلم أنهم يعصون فيصيرون إلى العذاب الأليم و يبقون فيه مخلدين و هو لو لم يخلقهم لم يكن ذلك أو خلقهم و لم يكلفهم لم يقع الكفر منهم. الجواب قيل لو وجب أن يكون الخلق و التبليغ قبيحا و لا حكمة لأن ذلك لو لم يكن ما استحق أحد العذاب و الخلود في النار لكان لا شيء أوضع و لا أضر من العقل لأن الإنسان متى لم يكن عاقلا لم يلحقه لوم في شيء يكون منه و لم يلزمه عقاب و لا أدب على زلل يصدر عنه و متى كان عاقلا لحقه ذلك أجمع و مستحقه. و الأمم كلها ملحدها و موحدها مجمعة على اعتقاد شرف العقل و فضيلته و علو منزلته و سقوط ضده و نقصه. فإن قالوا إن العقل ليس يدعو إلى شيء مما يوجب اللوم و لا يحمل عليه و لا يدخل فيه بل هو ناه عن ذلك زاجر عنه و لو شاء المكلف لم يكفر بل أطاع فاستحق بطاعته الخلود في نعيم الجنان كما استحق غيره ممن أطاع. و بعد ففي التكليف تعريض لأجل منازل النعيم و هي منزلة الاستحقاق و فيه فعل ما تقتضيه الحكمة و الصلاح.
71
الجليل ليستحق الطائعون ما سبق لهم في المعلوم و ليس نفع المخالفة بعد التبيين و التعريف و إزاحة العلة في التكليف إلا عن جان على نفسه غير ناظر في عاقبة أمره. و جواب ثان و يقال لهم لو خلق الله تعالى خلقه في الجنة لم يخل أمرهم من حالين إما أن يبيحهم الجهل به و كفر نعمته فليس بحكيم من أباح ذلك. و إما أن يأمرهم بمعرفته و شكر نعمته و الحكمة توجب ذلك فلا بد عند الأمر بالشيء من النهي عن ضده ثم لا بد من ترغيب فيما يأمر و وعد جميل على فعله و ترهيب فيما نهى عنه و وعيد على فعله. و إذا وجب الأمر و النهي و الترغيب و الترهيب و الوعد و الوعيد فقد حصلت حالهم كحالهم في الدنيا و وجب أن يكون للوعيد إنجاز فينتقلوا إلى دار الجزاء فقد انتهى الأمر إلى ما فعله سبحانه به مما لا يقتضي الحكمة غيره. فإن قالوا أ ليس الطائعون لا بد من مصيرهم إلى الجنة فألا كانت حالهم في الابتداء كحالهم في الثواب و الجزاء من حصول المعرفة و الشكر. قلنا لهم بين الوقتين فرق و ذلك أنهم إذا صاروا إلى الجنة بعد كونهم في الدنيا فقد تقدم لهم الأمر و النهي و ذاقوا البؤس و الآلام و عرفوا قدر النعمة و شاهدوا وقوع العقاب و الثواب بأهلها فكان ذلك يقوم لهم في الترغيب في المعرفة و الشكر و الانزجار عن تركهما مقام الأمر و النهي و الوعد و الوعيد. و لو ابتدأهم في الجنة لم يكونوا أمروا و لا نهوا و لا وعدوا و لا توعدوا و لا فعل بهم ما يقوم مقام ذلك فكان بمنزلة من أبيح له الجهل و الكفر تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و لا يجوز أن يخلق فيهم المعرفة به ابتداء لأن الغائب لا يعرف بالضرورة إلا أن يحضر.
74
الأولين و الآخرين محمد خاتم النبيين و على آله الأئمة الطاهرين. سألت أيدك الله عن الحج و مناسكه و صحة الأمر به و أسباب ذلك و علله و رغبت في اختصار جواب يكشف لك حقيقة الصواب تعول عليه في الاعتقاد و تحسم به مواد الفساد و تعده للخصوم عند السؤال و تدفع به تعجب أهل الكفر و الضلال. و قد أوردت من ذلك ما اقتضاه الإمكان لضيق الزمان و ترادف الأشغال و هو مقنع لمن تدبره و فهم فحواه إن شاء الله. اعلم أن اختلاف العبادات مبني على المعلوم عند الله تعالى من مصالح العباد و ليس للمكلفين طريق للعلم بتفاصيل هذه المصالح و لا فرض الله سبحانه عليهم ذلك و لو فرضه لنصب لهم دليلا على العلم فالذي يجب اعتقاده هو أن المكلف الآمر عدل حكيم لا يقع منه الخلل و لا يكلف العبث و لا يرسل إلى خلقه من يجوز منه الكذب و الأمر باللعب. فإذا ثبت هذا الأصل لزم امتثال أوامر الحكيم الواردة على يد الصادق الأمين و الاعتقاد أن إيراده منها إنما هو طاعته في العمل بها و أنه لم يأمر بها دون غيرها إلا لعلمه بمصالح خلقه فيها و تعريضه لهم بتكليفها إلى منزلة الاستحقاق و نفاستها ليثبت من أطاعه فيها بالنعيم الدائم عليها. و ليس جهل العبد بمعرفة هذه المصالح على تفاصيلها مفسدا لما عمله من حكمة الأمر بها و صدق المؤدي عنه لها. كما أنه ليس عدم علمنا بعلل تباين الناس في أفعالهم و أسباب اختلاف ما مع الصناع من آلاتهم موجبا علينا القطع على لعبهم و عبثهم و اعتقاد جهلهم و نقصهم. فهذا أصل الكلام فيما خار الله تعالى و أمر و عليه المدار في الحجاج و النظر و من أتقنه استعان به في مسائل أخر. و قد سأل أحد الملاحدة مولانا جعفر بن محمد الصادق ص عن الطواف بالبيت الحرام فأجابه بما نقله عنه الخاص و العام.
75
أَخْبَرَنِي بِهِ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الشَّاذَانُ الْقُمِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ خَالِ أُمِّهِ أَبِي الْقَاسِمِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُولَوَيْهِ (رحمه الله) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عِمْرَانَ الْفُقَيْمِيِ أَنَّ ابْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ (1) وَ ابْنَ طَالُوتَ الْأَعْمَى وَ ابْنَ الْمُقَفَّعِ (2) فِي نَفَرٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ بِالْمَوْسِمِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ع) فِيهِ إِذْ ذَاكَ يُفْتِي النَّاسَ وَ يُفَسِّرُ لَهُمُ الْقُرْآنَ وَ يُجِيبُ عَنِ الْمَسَائِلِ بِالْحُجَجِ وَ الْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الْقَوْمُ لِابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ هَلْ لَكَ فِي تَغْلِيطِ هَذَا الْجَالِسِ وَ سُؤَالِهِ عَمَّا يَفْضَحُهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُحِيطِينَ بِهِ فَقَدْ تَرَى فِتْنَةَ النَّاسِ بِهِ وَ هُوَ عَلَّامَةُ زَمَانِهِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ نَعَمْ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَفَرَّقَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ الْمَجَالِسَ أَمَانَاتٌ وَ لَا بُدَّ لِكُلِّ مَنْ بِهِ سُعَالٌ أَنْ يَسْعُلَ فَتَأْذَنُ فِي السُّؤَالِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) سَلْ إِنْ شِئْتَ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ إِلَى كَمْ تَدُوسُونَ هَذَا الْبَيْدَرَ وَ تَلُوذُونَ بِهَذَا الْحَجَرِ وَ تَعْبُدُونَ هَذَا الْبَيْتَ الْمَرْفُوعَ بِالطُّوبِ وَ الْمَدَرِ وَ تُهَرْوِلُونَ هَرْوَلَةَ الْبَعِيرِ إِذَا
____________
(1) هو عبد الكريم بن أبي العوجاء أحد الزنادقة في أواسط القرن الثاني للهجرة كان من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد فقيل له تركت مذهب صاحبك و دخلت فيما لا أصل له و لا حقيقة؟ فقال: إن صاحبي كان مخلطا يقول طورا بالجبر و طور بالقدر فما أعلمه اعتقد مذهبا دام عليه، قتله أبو جعفر محمّد بن سليمان عامل المنصور على الكوفة، و قد جرت بينه و بين الإمام الصادق (ع) احتجاجات كثيرة انظر: ترجمته في الكنى و الألقاب ج 1 ص 196- 198.
(2) هو عبد اللّه بن داذويه المقفع كان مجوسيا فأسلم على يد عيسى بن علي عم المنصور العباسيّ، من بلغاء الدنيا المشهورين، تخرج في البلاغة على خطب الإمام عليّ (عليه السلام) لذلك كان يقول: شربت من الخطب ريا و لم أضبطها رويا، ففاضت ثمّ فاضت، فلا هي نظاما، و ليس غيرها كلاما. رمي بالزندقة فقتل سنة 142 ه. قتله سفيان بن معاوية المهلبي أمير البصرة بأمر المنصور لكتاب كتبه.
76
نَفَرَ [إِنَ] مَنْ فَكَّرَ فِي هَذَا وَ قَدَّرَ عَلِمَ أَنَّهُ فِعْلُ غَيْرِ حَكِيمٍ وَ لَا ذِي نَظَرٍ فَقُلْ فَإِنَّكَ رَأْسُ هَذَا الْأَمْرِ وَ سَنَامُهُ وَ أَبُوكَ أُسُّهُ وَ نِظَامُهُ فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ (ع) إِنَّ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَ أَعْمَى قَلْبَهُ اسْتَوْخَمَ الْحَقَّ فَلَنْ يَسْتَعْذِبَهُ وَ صَارَ الشَّيْطَانُ وَلِيَّهُ وَ حِزْبَهُ يُورِدُهُ مَنَاهِلَ الْهَلَكَةِ وَ هَذَا بَيْتٌ اسْتَعْبَدَ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ لِيَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ فِي إِتْيَانِهِ فَحَثَّهُمْ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَ زِيَارَتِهِ وَ جَعَلَهُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ فَهُوَ شُعْبَةٌ مِنْ رِضْوَانِهِ وَ طَرِيقٌ تُؤَدِّي إِلَى غُفْرَانِهِ مَنْصُوبٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الْكَمَالِ وَ مَجْمَعِ الْعَظَمَةِ وَ الْجَلَالِ خَلَقَهُ قَبْلَ دَحْوِ الْأَرْضِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَأَحَقُّ مَنْ أُطِيعَ فِيمَا أَمَرَ وَ انْتَهَى عَمَّا زَجَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُنْشِئُ لِلْأَرْوَاحِ وَ الصُّوَرِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ ذَكَرْتَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَأَحَلْتَ عَلَى غَائِبٍ فَقَالَ الصَّادِقُ ص كَيْفَ يَكُونُ يَا وَيْلَكَ غَائِباً مَنْ هُوَ مَعَ خَلْقِهِ شَاهِدٌ وَ إِلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ يَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَ يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ لَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَ لَا يَشْغَلُ بِهِ مَكَانٌ وَ لَا يَكُونُ مِنْ مَكَانٍ أَقْرَبَ مِنْ مَكَانٍ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ آثَارُهُ وَ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَفْعَالُهُ وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ وَ الْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ مُحَمَّدٌ (ع) جَاءَنَا بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ فَإِنْ شَكَكْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فَاسْأَلْ عَنْهُ أُوضِحْهُ لَكَ قَالَ فَأَبْلَسَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَانْصَرَفَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ سَأَلْتُكُمْ أَنْ تَلْتَمِسُوا خُمْرَةً فَأَلْقَيْتُمُونِي عَلَى جَمْرَةٍ فَقَالُوا لَهُ اسْكُتْ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ فَضَحْتَنَا بِحَيْرَتِكَ وَ انْقِطَاعِكَ وَ مَا رَأَيْنَا أَحْقَرَ مِنْكَ الْيَوْمَ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ إِلَيَّ تَقُولُونَ هَذَا إِنَّهُ ابْنُ مَنْ حَلَقَ رُءُوسَ مَنْ تَرَوْنَ وَ أَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى أَهْلِ الْمَوْسِمِ (1)
____________
(1) تجد هذا الخبر في كتاب التوحيد للصدوق القمّيّ ص 257- 259 مع بعض الزيادات و اختلاف يسير في بعض الألفاظ، و قد رواه القمّيّ عن الدقاق عن أبي القاسم حمزة بن القاسم العلوي عن محمّد بن إسماعيل عن أبي سليمان داود بن عبد اللّه عن عمر بن محمّد عن عيسى بن يونس.
77
و في هذا الخبر كفاية لمن تدبره و غنى في هذه المسألة لمن تصوره. و اعلم أنه لا فرق في العقول بين أن ترد العبادة بصلاة فيها ركوع و سجود و قيام و قعود و بين أن ترد بطواف و سعي و هرولة أو شيء و نحو ذلك من أسباب الخشوع و أفعال الخضوع. و لا فرق أيضا بين ورودها باغتسال و صيام و بين ورودها بحلق الرأس و الإحرام بل لا فرق بين المشي إلى مواضع العبادة و السجود على التكرار و بين السعي بين الصفا و المروة و رمي الحجار. كل ذلك على حد واحد في التجويز و طريق مستمر في إمكان ما يرد به التكليف. و لسنا نجد أهل ملة و لا ذوي نحلة إلا و لهم عبادات من هذا الجنس و إن اختلفت في الوصف. و بعد فقد نرى العدو الشديد في بعض الأحيان يكون من التعظيم و الإجلال و ذاك أن ذا المنزلة الكبيرة و الرتبة الجليلة إذا رآه من دونه توجه إليه مسرعا و عدا إليه مهرولا لائذا به مقبلا ليده فيكون فيما فعله قد عظمه و فضله. و سواء سعيت إلى من تريد تعظيمه فتذللت بين يديه و خضعت له أو سعيت إلى حيث أمرك فتذللت به و خضعت عنده لا يختلف ذلك في أحكام العقول و لا يتعجب منه و ينكره إلا من فقد التحصيل و ألف ترك التمييز. على أن منكر هذه العبادة و المتعجب منها إذا لم يقر بعبادة غيرها يجانسها لا يقدر على إنكار ما نشاهده من العقلاء في بعض الأحيان من الأفعال المضاهية لأفعال المجان (1) و هم فيها مصيبون و للمصلحة قاصدون مثل رجل حصيف لبيب حكيم لا يحسن منه العدو الشديد رأى طفلا يكاد
____________
(1) لعله يريد به المجانين أو أصحاب المجون.
78
يهوي إلى بئر أملا في وجه لتخليصه و هرول غاية قدرته لإنقاذه فحسن ذلك منه و إن لم تجر به عادته و كان شكورا عليه لصواب غرضه فيه و رجل دخل الماء في أذنه فاجتهد في إخراجه بأن وقف على إحدى رجليه و أمال رأسه إلى ناحيتها و قفز عدة دفعات عليها ليخرج الماء من أذنه و يأمن ما يخشاه من ضرره فلا ينقصه ذلك من فضله و لا يزيله عن رتبته و عقله بل يكون فيما فعله حكيما و بدفع المضرة عنه عليما. و كالقاضي الذي دخلت ذبابة في ثوبه و حصلت بينه و بين جسمه و هو بين شهوده و في مجلس قضائه و حكمه فأضجرته بأذيتها و أقلقته بثقلها و أخذ يتحرك لها أنواع الحركة و يتلوى منها إلى كل جهة و يكثر من توقفه و اضطرابه و يطيل تطلعه في ثيابه و الناس يشاهدون أفعاله و لا يعرفون فلما دام أمرها و طال لبثها حسن منه النهوض عن مجلسه و الخلو لإزالتها بنفسه فالجاهل من سارع إلى سوء الظن به و قدم على استنقاصه في فعله و العاقل الذي يعلم أن أمرا قد دهمه و شيئا ألجأه إلى ما ظهر منه و اضطره و نحو هذا من الأفعال العجيبة و الأحوال الطريفة الذي يتفق لذوي العقول السليمة و الآراء الصحيحة فيقع منهم أكثر مما ذكرت و فوق ما وصفت و يكون الواجب تصويبهم فيه و إن لم يعلم الأسباب الداعية لهم فيه.
قصة وقعت مع المؤلف
و لقد اضطررت يوما إلى الحضور مع قوم من المتصوفين فلما ضمنا المجلس أخذوا فيما جرت به عادتهم من الغناء و الرقص فاعتزلتهم إلى إحدى الجهات و انضاف إلي رجل من أهل الفضل و الديانات فتحادثنا ذم الصوفية على ما يصنعون و فساد أغراضهم فيما يتأولون و قبح ما يفعلون من الحركة و القيام و ما يدخلون على أنفسهم في الرقص من الآلام فكان الرجل لقولي مصوبا و للقوم في فعلهم مخطئا و لم نزل كذلك إلى أن غنى مغني القوم هذه الأبيات
و ما أم مكحول المدامع ترتعي* * * ترى الأنس وحشا و هي تأنس بالوحش
79
غدت فارتعت ثم أثنت لرضاعه* * * فلم تلف شيئا من قوائمه الخمش
فطافت بذاك القاع ولهى فصادفت* * * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش
بأوجع مني يوم ظلت أنامل* * * تودعني بالدر من شبك النقش
فلما سمع صاحبي نهض مسرعا مبادرا ففعل من القفز و الرقص و البكاء و اللطم ما يزيد على ما فعله من قبله ممن كان يخطئه و يستجهله و أخذ يستعيد من الشعر ما لا يحسن استعادته و لا جرت عادتهم بالطرب مثله و هو قوله
فطافت بذاك القاع ولهى فصادفت* * * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش
و يفعل بنفسه ما حكيت و لا يسأل من غير هذا البيت حتى بلغ من نفسه المجهود و وقع كالمغشي عليه من الموت فحيرني ما رأيت من حاله و أخذت أفكر في أفعاله المضادة لما سمعت من أقواله. فلما أفاق من غشيته لم أملك صبرا دون سؤاله عن أمره و سبب ما صنعه بنفسه مع تجهيله من قبل لفاعله و عن وجه استعادته من الشعر ما لم تجر عادتهم باستعادة مثله فقال لي لست أجهل ما ذكرت و لي عذر واضح فيما صنعت أعلمك أن أبي كان كاتبا و كان بي برا و علي شفيقا فسخط السلطان عليه فقتله فخرجت إلى الصحراء لشدة ما لحقني من الحزن عليه فوجدته ملقى و الكلاب ينهشون لحمه فلما سمعت المغني يقول
فكانت بذاك القاع ولهى فصادفت* * * سباع الفلا ينهشنه أيما نهش
80
ذكرت ما لحق أبي و تصور شخصه بين عيني و تجدد حزنه علي ففعلت الذي رأيت بنفسي. فندمت على سوء ظني به و تغممت عما لحقه و اتعظت بقصته و علمت أن الله تعالى لطف لي بمشاهدة هذه الحال و الوقوف عليهم لتكون لي دلالة على الصواب في هذه المسألة و أشباهها و أنه محرم على كل عاقل لبيب أن يعجل بتجهيل من ثبت عنده عقله و بان له فضله إذا ظهر منه فعل لم يعرف فيه سببه و لا علم مراده منه و غرضه. و ورود مثل هذه الأمور من العقلاء كثير و هي حجة على من أظهر التعجب مما ورد به الشرع من التكليف و جعل عدم علمه بأسباب ذلك دلالة على تعقله الضعيف. على أن الأخبار قد نقلت عن الأئمة (ع) بذكر أسباب لهذه العبادات تسمى عللا على المجاز و الاتساع (1) و جمع في ذلك علي بن حاتم القزويني (2) (رحمه الله) كتابا سماه كتاب العلل و أنا أذكر طرفا مما رواه في الحج و مناسكه و أسبابه و علله. قال إن الحج هو الوفادة إلى الله عز و جل و فيه منافع كثيرة للدنيا و الآخرة من الرغبة إلى الله تعالى و الرهبة منه و التوبة إليه من معاصيه و طلب الثواب على تحمل المشاق فيما يرضيه و منفعة أهل الشرق و الغرب و من في البر و البحر من تاجر و جالب و مشتر و بائع و نحو ذلك من الفوائد.
____________
(1) قائل هذا البيت هو أميّة بن أبي الصلت.
(2) أقول: ليس بالضرورة أن يكون حزنه طاعة أو معصية، بل يجوز أن يكون مباحا ككثير من الانفعالات الشخصية، كما أنّه لا ينحصر أن يكون في قوله لا تحزن للتحريم، إذ يجوز هنا أن يكون للإرشاد أو للاشفاق الذي لا يستتبع معصية كما هو واضح.
81
قال الله تعالى لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ و التلبية هي جواب نداء إبراهيم (ع) لما أذن في الناس بالحج
وَ رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) سُئِلَ عَنِ الْوُقُوفِ بِالْحِلِّ يَعْنِي الْوُقُوفَ بِعَرَفَاتٍ وَ لِمَ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ بَيْتُهُ وَ الْحَرَمَ دَارُهُ فَلَمَّا قَصَدُوهُ وَافِدِينَ وَقَفَهُمْ بِالْبَابِ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ قِيلَ لَهُ فَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ لِمَ صَارَ فِي الْحَرَمِ قَالَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ وَقَفَهُمْ بِالْبَابِ الثَّانِي فَلَمَّا طَالَ تَضَرُّعُهُمْ بِهِ أَذِنَ لَهُمْ بِتَقْرِيبِ قُرْبَانِهِمْ فَلَمَّا قَضَوْا تَفَثَهُمْ وَ تَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي كَانَتْ حِجَاباً بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ أَذِنَ لَهُمْ بِالزِّيَارَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ قِيلَ لَهُ فَلِمَ حَرَّمَ اللَّهُ الصِّيَامَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (1) قَالَ لِأَنَّ الْقَوْمَ زَارُوا اللَّهَ تَعَالَى وَ هُمْ فِي ضِيَافَتِهِ وَ لَا يَجُوزُ لِمُضِيفٍ أَنْ يُصَوِّمَ أَضْيَافَهُ قِيلَ فَالتَّعَلُّقُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ لِأَيِّ شَيْءٍ هُوَ قَالَ مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ لَهُ عَبْدٌ جَنَى جِنَايَةً وَ ذَنْباً فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِثَوْبِهِ وَ يَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ وَ يَخْضَعُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ لَهُ عَنْ ذَنْبِهِ
. و روي أن الإشعار (2) إنما هو لتحريم ظهر البدنة و أن تقليدها (3) إنما هو ليعرفها صاحبها و قال في حد الحرم إن آدم لما أهبط من الجنة شكا إلى الله تعالى الوحشة فأنزل الله عليه ياقوتة حمراء فوضعها في موضع البيت و كان يطوف بها فكان يبلغ ضوءها موضع الأعلام يعني أطراف الحرم و حده. و ذكر في علة الطواف أن الله لما قال للملائكة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
____________
(1) هي أيّام منى و هي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر بعد يوم النحر.
(2) هو ما يجرح به الهدي في أذنه أو رقبته كعلامة عليه.
(3) هو ما يقلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم به أنّه هدى فلا يتعرض له.
82
خَلِيفَةً و قالت أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ و علموا أنهم قد أذنبوا لاذوا بالعرش و استغفروا الله سبعة آلاف عام قال فبنى الله عز و جل لآدم (ع) بيتا بحذاء العرش و أمره بالطواف حوله سبعة أشواط لكل ألف سنة طافتها الملائكة شوط واحد.
وَ رُوِيَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ (ع) لَمَّا خَلَّفَ إِسْمَاعِيلَ وَ أُمَّهُ بِمَكَّةَ وَ مَضَى عَطِشَ الصَّبِيُّ فَخَرَجَتْ أُمُّهُ حَتَّى قَامَتْ عَلَى الصَّفَا وَ كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَرْوَةِ شَجَرٌ فَقَالَتْ هَلْ بِالْوَادِي مِنْ أَنِيسٍ فَلَمْ يُجِبْهَا أَحَدٌ فَمَضَتْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَتْ هَلْ بِالْوَادِي مِنْ أَنِيسٍ فَلَمْ تُجَبْ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الصَّفَا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِهِ.
وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَا مِنْ بُقْعَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْمَسْعَى لِأَنَّهُ يَذِلُّ فِيهِ كُلُّ جَبَّارٍ
. و قال إن علة رمي الجمرات أن إبراهيم (ع) تراءى له إبليس عندها فأمره جبرائيل برميه بسبع حصيات و أن يكبر مع كل حصاة ففعل و جرت بذلك السنة. فهذا بعض ما ذكر في علل الحج قد أوردته مما رواه علي بن حاتم القزويني و جمعه. و اعلم أيدك الله أن هذه العلل المسطورة ليست بعلل موجبة و إنما منها ما هو على طريق التقريب كالتشبيه و التمثيل و منها ما وقع في الابتداء فاقتضت المصلحة عند الله سبحانه أن يكون مستمرا جاريا فصار المبتدأ سببا لما بعده و كالعلة له. و يدل على أنها ليست بعلل موجبة ما نعلمه من أنه قد كان يجوز نسخ هذه العبادة و ورود الشرع بغيرها فلو كانت عن علة أوجبتها لم يكن يجوز نسخها بغيرها و هذا واضح و الحمد لله ولي كل نعمة و صلواته على سيدنا محمد نبيه و آله و سلم تسليما
83
فصل من كلام أمير المؤمنين ع
الْفِكْرَةُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ وَ الِاعْتِبَارُ مُنْذِرٌ نَاصِحٌ مَنْ تَفَكَّرَ اعْتَبَرَ وَ مَنِ اعْتَبَرَ اعْتَزَلَ وَ مَنِ اعْتَزَلَ سَلِمَ. الْعَجَبُ مِمَّنْ خَافَ الْعِقَابَ فَلَمْ يَكُفَّ وَ رَجَا الثَّوَابَ فَلَمْ يَعْمَلْ. الِاعْتِبَارُ يَقُودُ إِلَى الرَّشَادِ. كُلُّ قَوْلٍ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ ذِكْرٌ فَلَغْوٌ وَ كُلُّ صَمْتٍ لَيْسَ فِيهِ فِكْرٌ فَسَهْوٌ وَ كُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ فِيهِ اعْتِبَارٌ فَلَهْوٌ
فصل
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَتَكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْحَنْبَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُوسَى الْبَرْبَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يُبْغِضُ عَلِيّاً إِلَّا فَاسِقُ أَوْ مُنَافِقٌ أَوْ صَاحِبُ بَدَائِعِ
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْجِعَابِيُّ الْحَافِظُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الدِّهْقَانُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) عَلَى الْمِنْبَرِ وَ هُوَ يَقُولُ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ ص إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ (1)
وَ أَخْبَرَنِي شَيْخُنَا الْمُفِيدُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ
____________
(1) رواه النسائي في خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ص 27. و السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 170 رواه عن مسلم عن علي باختلاف يسير، و رواه ابن المغازلي في مناقبه بعدة طرق ص 190- 196 و هذا الحديث مرويّ بطرق عديدة، حتى أن القاضي أبا بكر محمّد بن-
84
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنِ الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ رَأَيْتُ عَلِيّاً (ع) جَاءَ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ قُضِيَ قَضَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ ص أَلَا لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (1)
دليل النص بخبر الغدير على إمامة أمير المؤمنين ع
اعلم أنه مما يدل على أنه المنصوص بالإمامة عليه
مَا نَقَلَهُ الْخَاصُّ وَ الْعَامُ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا رَجَعَ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ وَ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلًا أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي النَّاسِ بِالاجْتِمَاعِ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَطَبَهُمْ ثُمَّ قَرَّرَهُمْ عَلَى مَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرْضِ طَاعَتِهِ وَ تَصَرُّفِهِمْ بَيْنَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ فَلَمَّا أَجَابُوهُ بِالاعْتِرَافِ وَ أَعْلَنُوا بِالْإِقْرَارِ رَفَعَ بِيَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ قَالَ عَاطِفاً عَلَى التَّقْرِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِهِ الْكَلَامُ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ (2)
فجعل لأمير المؤمنين (ع) من الولاء في أعناق الأمة مثل ما جعله الله له
____________
- عمر الجعابي المتوفّى سنة 385 ه ألف كتابا في طرق من روى هذا الحديث عن عليّ (عليه السلام) انظر:
سفينة البحار م 1 ص 157.
(1) المصدر نفسه دون قوله قضى قضاء إلخ و دون قوله و قد خاب من افترى.
(2) حديث الغدير من المتواتر معنى و قد رواه أكثر من مائة صحابي، و قد رواه الترمذي و ابن ماجه و أحمد في المسند، و الرازيّ في التفسير و أبو نعيم في الحلية و السيوطي في الدّر المنثور و الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد و النسائي في الخصائص، و هو مرويّ أيضا في كنز العمّال و مستدرك الصحيحين و الإصابة و أسد الغابة و الإمامة و السياسة و مشكل الآثار، و فيض القدير و مجمع الزوائد و الصواعق المحرقة: انظر: (فضائل الخمسة ج 1 ص 349- 382) و في الصواعق أنّه حديث صحيح لا مرية فيه. و قد رواه ابن المغازلي في المناقب بعدة طرق انظر:
ص 16- 27.
85
عليهم مما أخذ به إقرارهم لأن لفظة مولى يفيد ما تقدم من التقرير من ذكر الأولى فوجب أن يريد بالكلام الثاني ما قررهم عليه في الأول و أن يكون المعنى فيهما واحدا حسبما يقتضيه استعمال أهل اللغة و عرفهم في خطابهم و هذا يوجب أن يكون أمير المؤمنين (ع) أولى بهم من أنفسهم و لا يكون أولى بهم إلا و طاعته فرض عليهم و أمره و نهيه نافذ فيهم و هذه رتبة الإمام في الأنام قد وجبت بالنص لأمير المؤمنين ع. و اعلم أيدك الله أنك تسأل في هذا الدليل عن أربعة مواضع أحدها أن يقال لك ما حجتك على صحة الخبر في نفسه فإنا نرى من يبطله و ثانيها أن يقال لك ما الحجة على أن لفظة مولى يحتمل أولى و أنها أحد أقسامها و ثالثها إذا ثبت أنها أحد محتملاتها فما الحجة على أن المراد بها في الخبر الأولى دون ما سوى ذلك من أقسامها و رابعها ما الحجة على أن الأولى هو الإمام و من أين يستفاد ذلك في الكلام. الجواب عن السؤال الأول أما الحجة على صحة خبر الغدير فما يطالب بها إلا متعنت لظهوره و انتشاره و حصول العلم لكل من سمع الأخبار به و لا فرق بين من قال ما الحجة على صحة خبر الغدير و هذه حاله و بين من قال ما الحجة على أن النبي ص حج حجة الوداع لأن ظهور الجميع و عموم العلم به بمنزلة واحدة و بعد فقد اختص هذا الخبر بما لم يشركه فيه سائر الأخبار فمن ذلك أن الشيعة نقلته و تواترت به. و قد نقله أصحاب السير نقل المتواترين به يحمله خلف عن سلف و ضمنه
86
جميعهم الكتب بغير إسناد معين كما فعلوا في إيراد الوقائع الظاهرة و الحوادث الكائنة التي لا يحتاج في العلم بها إلى سماع الأسانيد المتصلة. أ لا ترى إلى وقعة بدر و حنين و حرب الجمل و صفين كيف لا يفتقر في العلم بصحة شيء من ذلك إلى سماع أسناد و لا اعتبار أسماء الرجال لظهوره المغني و انتشاره الكافي و نقل الناس له قرنا بعد قرن بغير إسناد حتى عمت المعرفة به و اشترك الكل في ذكره و قد جرى خبر يوم الغدير هذا المجرى و اختلط في الذكر و النقل بما وصفنا فلا حجة في صحته أوضح من هذا. و من ذلك أنه قد ورد أيضا بالأسانيد المتصلة و رواه أصحاب الحديثين (1) من الخاصة و العامة من طرق في الروايات كثيرة فقد اجتمع فيه الحالان و حصل له البيان و من ذلك أن كافة العلماء قد تلقوه بالقبول و تناولوه بالتسليم فمن شيعي يحتج به في صحة النص بالإمامة و من ناصبي يتأوله و يجعله دليلا على فضيلة و منزلة جليلة و لم نر للمخالفين قولا مجردا في إبطاله و لا وجدناهم قبل تأويله قد قدموا كلاما في دفعه و إنكاره. فيكون ذلك جاريا مجرى تأويل أخباره المشتبهة و رواياتها بعد الإبانة عن بطلانها و فسادها بل ابتدءوا بتأويله ابتداء من لا يجد حيلة في دفعه و توفره على تخريج الوجوه له لتوفر من قد لزمه الإقرار به و قد كان إنكاره أروح لهم لو قدروا عليه و جحده أسهل عليهم لو وجدوا سبيلا إليه.
____________
(1) الأولى: أصحاب الحديث.
87
فأما ما يحكى عن أبي داود السجستاني (1) من إنكاره له و عن الجاحظ (2) من طعنه في كتاب العثمانية فيه فليس بقادح في الإجماع الحاصل على صحته لأن القول الشاذ لو أثر في الإجماع و كذلك الرأي المستحدث لو أبطل مقدم الاتفاق لم يصح الاحتجاج بالإجماع و لا يثبت التعويل على اتفاق على أن السجستاني قد تنصل من نفي الخبر فأما الجاحظ فطريقته المشتهرة في تصنيفاته المختلفة و أقواله المتضادة المتناقضة و تأليفاته القبيحة في اللعب و الخلاعة و أنواع السخف و المجانة الذي لا يرتضيه لنفسه ذو عقل و ديانة يمنع من الالتفات إلى ما يحكيه و توجب التهمة له فيما ينفرد به و يأتيه. و أما الخوارج الذين هم أعظم الناس عداوة لأمير المؤمنين (ع) فليس يحكي عنهم صادق دفعا للخبر و الظاهر من حالهم حملهم له على وجه من التفضيل و لم يزل القوم يقرون لأمير المؤمنين (ع) بالفضائل و يسلمون له المناقب و قد كانوا أنصاره و بعض أعوانه و إنما دخلت الشبهة عليهم بعد الحكمين فزعموا أنه خرج عن جميع ما كان يستحقه من الفضائل بالتحكيم و قد قال شاعرهم
كان علي قبل تحكيمه* * * جلدة بين العين و الحاجب
و لو لم يكن الخبر كالشمس وضوحا لم يحتج به أمير المؤمنين (ع) يوم الشورى حيث قال للقوم في ذلك المقام.
أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِيَدِهِ فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ غَيْرِي
____________
(1) هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق السجستانيّ أحد حفاظ أهل السنة صاحب كتاب السنن المشهور، سكن البصرة و توفي بها سنة (275 ه).
(2) أبو عثمان عمر و بن بحر بن محبوب الجاحظ الليثي البصري الأديب المعتزلي المعروف مات بالبصرة سنة (255 ه)، له مؤلّفات كثيرة منها: البيان و التبيين.
88
فَقَالُوا اللَّهُمَّ لَا
فأقر القوم به و لم ينكروه و اعترفوا بصحته و لم يجحدوه فإن قال قائل فما باله لم يذكر في حال احتجاجه به تقرير رسول الله ص للناس على أنه أولى بهم منهم بأنفسهم و لم أقتصر على ما ذكر و هو لا ينفع في الاستدلال عندكم ما لم يثبت التقرير المتقدم و ما جوابكم لمن قال إن المقدمة لم تصح و ليس لها أصل و قد سمعنا هذا الخبر ورد في بعض الروايات و هو عار منها فما قولكم فيها قيل له إن خلو مناشدة (1) أمير المؤمنين (ع) من ذكر المقدمة لا يدل على نفيها أو الشك في صحتها لأنه قررهم من بعض الخبر على ما يقتضي الإقرار بجميعه اختصارا في كلامه و غنى بمعرفتهم بالحال عن إيراده على كماله (2) و هذه عادة الناس فيما يقرون به. و قد قررهم في ذلك المقام بخبر الطائر (3)
فَقَالَ أَ فِيكُمْ رَجُلٌ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص اللَّهُمَّ ابْعَثْ إِلَيَّ بِأَحَبِّ خَلْقِكَ يَأْكُلْ مَعِي غَيْرِي
و لم يذكر هذا الطائر و كذلك لما قررهم بقول النبي (ع) فيه حيث ندبه لفتح خيبر و ذكر لهم بعض الكلام دون جميعه اتكالا منه على ظهوره بينهم و اشتهاره فأما المتواترون بالخبر فلم يوردوه إلا على كماله و لا سطروه في كتبهم إلا بالتقرير الذي في أوله.
____________
(1) في النسخة: (إنشاء)
(2) خبر مناشدة عليّ (عليه السلام) يوم الشورى رواه الطبريّ الإمامي في المسترشد ص 57- 62. و تجده في المناقب لابن المغازلي ص 111- 118.
(3) حديث الطائر المشوي رواه أنس بن مالك، و هو أنّه كان عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) طير فقال: اللّهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطائر فجاء عليّ (عليه السلام) فأكل معه». و رواه الترمذي في الصحيح. و هو مرويّ في مستدرك الصحيحين و حلية الأولياء، و تاريخ بغداد للخطيب و في أسد الغابة و كنز العمّال و مجمع الزوائد انظر (فضائل الخمسة ج 2 ص 189، 195).
و قد روى حديث الطائر، ابن المغازلي في المناقب بطرق عديدة انظر: المناقب ص 156- 175.
89
و كذلك رواه معظم أصحاب الحديث الذاكرين الأسانيد و إن كان منهم آحاد قد أغفلوا ذكر المقدمة فيحتمل أن يكون ذلك تعويلا منهم على العلم بالخبر فذكروا بعضه لأنه عندهم مشتهر فإن الأصحاب كثيرا ما يقولون فلان يروي عن رسول الله ص خبر كذا و يذكرون بعض لفظ الخبر اختصارا و في الجملة فإن الآحاد المتفردين بنقل بعضه لا يعارض بهم المتواترين الناقلين لجمعيه على كماله الجواب عن السؤال الثاني و أما الحجة على أن لفظة مولى يحتمل أولى و أنها أحد أقسامها فليس يطالب بها أيضا منصف كان له أدنى الاطلاع في اللغة و بعض الاختلاط بأهلها لأن ذلك مستفيض بينهم غير مختلف فيه عندهم و جميعهم يطلقون القول فيمن كان أولى بشيء أنه مولاه. و أنا أوضح لك أقسام مولى في اللسان لتعلمها على بيان اعلم أن لفظة مولى في اللغة تحتمل عشرة أقسام أولها الأولى و هو الأصل الذي يرجع إليه جميع الأقسام قال الله تعالى فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَ لا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (1). يريد سبحانه هي أولى بكم على ما جاء في التفسير و ذكره أهل اللغة و قد فسره على هذا الوجه أبو عبيدة معمر بن المثنى (2) في كتابه المعروف بالمجاز في القرآن و منزلته في العلم بالعربية معروفة و قد استشهد على صحة تأويله ببيت لبيد.
____________
(1) سورة الحديد: 15.
(2) هو معمر بن المثنى التيمي من تيم قريش مولى لهم ولد سنة 114 ه و توفّي سنة 210/ 211/ 208/ 209 ه قال أبو العباسيّ ثعلب كان أبو عبيدة يرى رأى الخوارج، عالما بالأخبار و الأدب له مؤلّفات عديدة ذكرها ابن النديم في الفهرست ص 79- 80.
90
قعدت كلا الفرخين تحسب أنه* * * مولى المخافة خلفها و أمامها
(1) يريد أولى بالمخافة و لم ينكر على أبي عبيدة أحد من أهل اللغة و ثانيها مالك الرق قال الله سبحانه ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ يريد مالكه و هذا القسم يغني عن الإطالة فيه و ثالثها المعتق و رابعها المعتق و ذلك أيضا مشهور معلوم و خامسها ابن العم قال الشاعر
مهلا بني عمنا مهلا موالينا* * * لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا
و سادسها الناصر قال الله عز و جل ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ. و سابعها المتولي لضمان الجريرة و من يحوز الميراث قال الله عز و جل وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً. و قد أجمع المفسرون على أن المراد بالموالي هاهنا من كان أملك بالميراث و أولى بحيازته قال الأخطل (2)
____________
(1) هذا البيت من معلقة لبيد، التي أولها.
عفت الديار محلها فمقامها* * * بمنىّ تأوّد غولها فركامها
(2) هو أبو مالك غياث بن غوث التغلبي من شعراء الدولة الأموية البارزين كان نصرانيا و مات سنة (92 ه).
91
فأصبحت مولاها من الناس بعده* * * و أحرى قريش أن تهاب و تحمدا
(1) و ثامنها الحليف و تاسعها الحار و هذان القسمان أيضا معروفان و عاشرها الإمام السيد المطاع و سيأتي في الجواب عن السؤال الرابع إن شاء الله تعالى. فقد اتضح لك بهذا البيان ما يحتمله لفظة مولى من الأقسام و أن أولى أحد محتملات معاني الكلام بل هي الأصل و إليها يرجع معنى كل قسم لأن مالك الرق لما كان أولى بتدبير عبده من كان لذلك مولاه و المعتق لما كان أولى بمعتقه في تحمله لجريرته و ألصق به من غيره كان مولاه و ابن العم لما كان أولى بالميراث ممن هو أبعد منه في نسبه و أولى أيضا من الأجنبي بنصرة ابن عمه كان مولى و الناصر لما اختص بالنصرة و صار بها أولى كان لذلك مولى. و إذا تأملت بقية الأقسام وجدتها جارية هذا المجرى و عائدة بمعناها إلي الأولى. و هذا يشهد بفساد قول من زعم أنه متى أريد بمولى أولى كان ذلك مجازا و كيف يكون مجازا و كل قسم من أقسام مولى عائد إلي معنى الأولى و قد قال الفراء (2) في كتابه معاني القرآن إن الولي و المولى في كلام العرب واحد.
____________
(1) و قبل هذا البيت قوله:
فما وجدت فيها قريش لأمرها* * * أعف و أولى من أبيك و أمجدا
و أورى زنادا و لو كان غيره* * * غداة اختلاف الناس أكدى و أصلدا
(2) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد اللّه بن منظور الأسلمي الديلميّ الكوفيّ؛ تلميذ الكسائي، من أئمة العربية، كانت له حظوة عند المأمون العباسيّ، عهد إليه تعليم ولديه، توفّي سنة 207 ه تجد ترجمته في الكنى و الألقاب ج 3 ص 14- 15 و فهرست ابن النديم ص 99.
92
الجواب عن السؤال الثالث فأما الحجة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى فهي أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة و عطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم به التصريح و لغيره فإنهم لا يريدون بالمحتمل إلا ما صرحوا به من الخطاب المتقدم. مثال ذلك أن رجلا لو أقبل على جماعة فقال أ لستم تعرفون عبدي فلانا الحبشي ثم وصف لهم أحد عبيده و ميزه عنهم بنعت يخصه صرح به فإذا قالوا بلى قال لهم عاطفا على ما تقدم فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله عز و جل فإنه لا يجوز أن يريد بذلك إلا العبد الذي سماه و صرح بوصفه دون ما سواه. و يجري هذا المجرى قوله فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله عز و جل و لو أراد غيره من عبيده لكان ملغزا غير مبين في كلامه. و إذا كان الأمر كما وصفنا و كان رسول الله ص لم يزل مجتهدا في البيان غير مقصر فيه من الإمكان و كان قد أتى في أول كلامه يوم الغدير بأمر صرح به و قرر أمته عليه و هو أنه أولى بهم من أنفسهم على المعنى الذي قال الله تعالى في كتابه النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ثم عطف على ذلك بعد ما ظهر من اعترافهم بقوله فمن كنت مولاه فعلي مولاه. و كانت مولاه يحتمل ما صرح به في مقدمة كلامه و يحتمل غيره لم يجز أن يريد إلا ما صرح به في كلامه الذي قدم و أخذ إقرار أمته به دون سائر أقسام مولى و كان هذا قائما مقام قوله فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه و حاشا لله أن لا يكون الرسول ص أراد هذا بعينه.
93
و وجه آخر و هو أن قول النبي ص فمن كنت مولاه فعلي مولاه لا يخلو من حالين إما أن يكون أراد بمولى ما تقدم به التقرير من الأولى أو يكون أراد قسما غير ذلك من أحد محتملات مولى فإن أراد الأول فهو ما ذهبنا إليه و اعتمدنا عليه. و إن أراد وجها غير ما قدمه من أحد محتملات مولى فقد خاطب الناس بخطاب يحتمل خلاف مراده و لم يكشف لهم فيه عن قصده و لا في العقل دليل عليه يغني عن التصريح بمعنى ما نحال إليه و هذا لا يجيزه على رسول الله ص إلا جاهل لا عقل له. الجواب عن السؤال الرابع و أما الحجة على أن لفظة أولى يفيد معنى الإمامة و الرئاسة على الأمة فهو أنا نجد أهل اللغة لا يصفون بهذه اللفظة إلا من كان يملك تدبير ما وصف بأنه أولى به و تصريفه و ينفذ فيه أمره و نهيه. أ لا تراهم يقولون إن السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية و المولى أولى بعبده و الزوج أولى بامرأته و ولد الميت أولى بميراثه من جميع أقاربه و قصدهم بذلك ما ذكرناه دون غيره. و قد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله سبحانه النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أنه أولى بتدبيرهم و القيام بأمورهم من حيث وجبت طاعته عليهم و ليس يشك أحد من العقلاء في أن من كان أولى بتدبير الخلق و أمرهم و نهيهم من كل أحد منهم فهو إمامهم المفترض طاعته عليهم. و وجه أحسن و مما يوضح أن النبي ص أراد أن يوجب لأمير المؤمنين (ع) بذلك منزلة الرئاسة و الإمامة و التقدم على الكافة فيما يقتضيه فرض الطاعة أنه قررهم بلفظ أولى على أمر يستحقه عليهم من معناها و يستوجبه من مقتضاها و قد ثبت أنه يستحق في كونه أولى بالخلق من أنفسهم أنه الرئيس عليهم
94
و النافذ الأمر فيهم و الذي طاعته مفترضة على جميعهم فوجب أن يستحق أمير المؤمنين (ع) مثل ذلك بعينه لأنه جعل له مثل ما هو واجب له فكأنه قال من كنت أولى به من نفسه في كذا فعلي أولى به من نفسه فيه. و وجه آخر و هو أنا إذا اعتبرنا ما يحتمله لفظة مولى من الأقسام لم نر فيها ما يصح أن يكون من أراد النبي ص إلا ما اقتضاه الإمامة و الرئاسة على الأنام. و ذلك أن أمير المؤمنين (ع) لم يكن مالكا لرق كل من ملك رسول الله ص رقه و لا معتقا لكل من أعتقه فيصح أن يكون أحد هذين القسمين المراد و لا يصح أن يريد المعتق لاستحالة هذا فيهما على كل حال. و لا يجوز أن يريد ابن العم و الناصر فيكون قد جمع الناس في ذلك المقام و يقول لهم من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه أو من كنت ناصره فعلي ناصره لعلمهم ضرورة لذلك قبل ذلك المقام. و من ذا الذي لم يعلم أن المسلمين كلهم أنصار من نصره النبي ص فلا معنى لتخصيص أمير المؤمنين (ع) بذلك دون غيره. و لا يجوز أن يريد ضمان الجرائر و استحقاق الميراث للاتفاق على أن ذلك لم يكن واجبا في شيء من الأزمان. و كذلك لا يجوز أن يريد الحليف لأن عليا (ع) لم يكن حليفا لجميع حلفاء رسول الله ص و لا يصح أيضا أن يريد من كنت جاره فعلي جاره لأن ذلك لا فائدة فيه و ليس هو أيضا صحيحا في كل حال. فإذا بطل أن يكون مراده ص شيئا من هذه الأقسام لم يبق إلا أن يكون قصده ما كان حاصلا له من تدبير الأنام و فرض الطاعة على الخاص و العام و هذه هي رتبة الإمام و فيما ذكرناه كفاية لذوي الأفهام
95
فصل و زيادة
فأما الذين ادعوا أن رسول الله ص إنما قصد بما قاله في أمير المؤمنين (ع) يوم الغدير أن يؤكد ولاءه في الدين و يجب نصرته على المسلمين و أن ذلك على معنى قوله سبحانه وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ و أن الذي أوردناه من البيان على أن لفظة مولى يجب أن يطابق معنى ما تقدم من التقرير في الكلام و أنه لا يسوغ حملها على غير ما يقتضي الإمامة من الأقسام يدل على بطلان ما ادعوه في هذا الباب و لم يكن أمير المؤمنين (ع) بخامل الذكر فيحتاج أن يقف في ذلك المقام و يؤكد ولاءه على الناس بل كان مشهورا و فضائله و مناقبه و ظهور علو رتبته و جلالته قاطعا للعذر في العلم بحاله عند الخاص و العام. على أن من ذهب في تأويل الخبر إلي معنى الولاء في الدين و النصرة فقوله داخل في قول من حمله على الإمامة و الرئاسة لأن إمام العالمين تجب موالاته في الدين و يتعين نصرته على كافة المسلمين و ليس من حمله على الموالاة في الدين و النصرة يدخل في قوله ما ذهبنا إليه من وجوب الإمامة فكان المصير إلي قولنا أولى (1). و أما الذين غلطوا فقالوا إن السبب في ما قاله رسول الله ص في يوم الغدير إنما هو كلام جرى بين أمير المؤمنين و زيد بن حارثة فقال علي لزيد تقول هذا و أنا مولاك فقال له زيد لست مولاي إنما مولاي رسول الله ص فوقف يوم الغدير فقال من كنت مولاه فعلي مولاه إنكارا على زيد و إعلاما له أن عليا مولاه. فإنهم فضحهم العلم بأن زيدا قتل مع جعفر بن أبي طالب في أرض
____________
(1) و ذلك لأن النسبة بينهما عموم و خصوص من وجه و العموم في جانب من حمل الحديث على الولاء في الدين، و الخصوص في جانب من حمله على الإمامة، و حمله على الثاني يشمل الأول لوجوب موالاة الإمام في الدين و نصرته، دون ما إذا حمل على المعنى الأول فلا يشمل الإمامة.
96
مؤتة من بلاد الشام قبل يوم غدير خم بمدة طويلة من الزمان و غدير خم إنما كان قبل وفاة النبي ص بنحو ثمانين يوما و ما حملهم على هذه الدعوى إلا عدم معرفتهم بالسير و الأخبار. و لما رأت الناصبة غلطها في هذه الدعوى رجعت عنها و زعمت أن الكلام كان بين أمير المؤمنين (ع) و بين أسامة بن زيد و الذي قدمناه من الحجج يبطل ما زعموه و يكذبهم فيما ادعوه. و يبطله أيضا ما نقله الفريقان من أن عمر بن الخطاب قام في يوم الغدير فقال بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة (1) ثم مدح حسان بن ثابت في الحال بالشعر المتضمن رئاسته و إمامته على الأنام و تصويب النبي ص في ذلك. ثم احتجاج أمير المؤمنين (ع) به يوم الشورى فلو كان ما ادعاه المنتحلون حقا لم يكن لاحتجاجه عليهم به معنى و كان لهم أن يقولوا أي فضل لك بهذا علينا و إنما سببه كذا و كذا. و قد احتج به أمير المؤمنين (ع) دفعات و اعتده في مناقبه الشراف و كتب يفتخر به في جملة افتخاره إلي معاوية بن أبي سفيان في قوله
و أوجب لي الولاء معا عليكم* * * خليلي يوم دوح غدير خم
و هذا الأمر لا لبس فيه و أما الذين اعتمدوا على أن خبر الغدير لو كان موجبا للإمامة لأوجبها لأمير المؤمنين (ع) في كل حال إذ لم يخصصها النبي ص بحال دون حال و قولهم إنه كان يجب أن يكون مستحقا لذلك في حياة رسول الله ص فإنهم جهلوا معنى الاستخلاف و العادة المعهودة في هذا الباب.
____________
(1) بخ بخ اسم فعل بمعنى هنيئا، رواه بلفظ بخ بخ الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد ج 8 ص 290، و رواه بلفظ هنيئا كل من الإمام أحمد في المسند ج 4 ص 281. و الرازيّ في التفسير الكبير في تفسير قوله تعالى (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) و فيض القدير ج 2 ص 217 انظر: (فضائل الخمسة ج 1 ص 384- 387).
97
و جوابنا أن نقول لهم قد أوضحنا الحجة على أن النبي ص استخلف عليا (ع) في ذلك المقام و العادة جارية فيمن يستخلف أن يخصص له الاستحقاق في الحال و التصرف بعد الحال أ لا ترون أن الإمام إذا نص على حال له يقوم بالأمر بعده أن الأمر يجري في استحقاقه و تصرفه على ما ذكرناه و لو قلنا إن أمير المؤمنين (ع) يستحق بهذا النص التصرف و الأمر و النهي في جميع الأوقات على العموم و الاستيعاب إلا ما استثناه الدليل و قد استثنت الأدلة في زمان حياة رسول الله ص الذي لا يجوز أن يكون فيه متصرف في الأمة [غيره] (1) و لا آمر ناه لهم سواه لكان هذا أيضا من صحيح الجواب. فإن قال الخصم إذا جاز أن تخصصوا بذلك زمانا دون زمان فما أنكرتم أن يكون إنما يستحقها بعد عثمان قلنا له إنا أنكرنا ذلك من قبل أن القائلين بأنه استحقها بعد عثمان مجمعون على أنها لم تحصل له في ذلك بيوم الغدير و لا بغيره من وجوه النص عليه و إنما حصلت له بالاختيار و كل من أوجب له الإمامة بالنص أوجبها بعد رسول الله ص من غير تراخ في الزمان و الحمد لله.
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَتَكِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْحَنْبَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ حُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطُّهَوِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَامَ عَلِيٌّ (ع) خَطِيباً فِي الرَّحْبَةِ وَ هُوَ يَقُولُ أَنْشُدُ اللَّهَ امْرَأً شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ص آخِذاً يَدَيَّ وَ رَفَعَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَلَمَّا قَالُوا بَلَى قَالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ
____________
(1) في النسخة: أمره.
98
نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ إِلَّا قَامَ فَشَهِدَ بِهَا فَقَامَ بَضْعَةَ عَشَرَ بَدْرِيّاً فَشَهِدُوا بِهَا وَ كَتَمَ أَقْوَامٌ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ بَرِصَ وَ مِنْهُمْ مَنْ عَمِيَ وَ مِنْهُمْ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ بَلِيَّةٌ فِي الدُّنْيَا فَعُرِفُوا بِذَلِكَ حَتَّى فَارَقُوا الدُّنْيَا (1)
و مما حفظ عن قيس بن سعد بن عبادة أنه كان يقول [و هو] (2) بين يدي أمير المؤمنين ص بصفين و معه الراية في قطعة له أولها
قلت لما بغى العدو علينا* * * حسبنا ربنا و نعم الوكيل
حسبنا ربنا الذي فتح البصرة* * * بالأمس و الحديث يطول
و علي إمامنا و إمام* * * لسوانا أتى به التنزيل
يوم قال النبي من كنت* * * مولاه فهذا مولاه خطب جليل
إنما قاله النبي على الأمة* * * حتم ما فيه قال و قيل
(3)
فصل من الوصايا و الإقرارات المبهمة العويصة (4)
إذا أوصى رجل بإخراج شيء من ماله و لم يسم كان الواجب إخراج السدس مما خلفه قال الله تبارك و تعالى وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا
____________
(1) تجده مرويا في مسند أحمد ج 1 ص 118 و 119 و 88 و 84 و ج 5 ص 307 و 366 و 419 و ج 4 ص 370 و في حلية الأولياء (ج) 5 ص 26 و في خصائص النسائي ص 23 و 26 و في كنز العمّال ج 6 ص 397 و 403 و في الإصابة ج 1 قسم 1 ص 319 و 29 و 169 و 182 و 156 و في أسد الغابة ج 5 ص 276 و ج 3 ص 307 و غيرها، انظر: (فضائل الخمسة ج 1 ما بين ص 349 و ص 383) مع اختلاف في بعض ألفاظه.
(2) في النسخة (فهو).
(3) انظر: الفصول المختارة ج 2 ص 79.
(4) في النسخة: العريضة، و هي تصحيف العويصة.
99
الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فخلق الله سبحانه الإنسان من ستة أشياء فالشيء واحد من ستة و هو السدس. و إذا أوصى بإخراج جزء من ماله و لم يسم وجب إخراج سبع ماله قال الله تعالى لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ فالجزء واحد من سبعة و هو السبع. و إذا أوصى بسهم من ماله و لم يسم فالواجب إخراج الثمن قال الله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ وَ الْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ و هم ثمانية أصناف لكل صنف منهم سهم من الصدقات فالسهم واحد من ثمانية و هو الثمن. و إذا أوصى بإخراج مال كثير و لم يسم وجب أن تخرج من ماله ثمانون درهما قال الله تعالى لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ و كانت ثمانين موطنا و إذا قال كل عبد لي قديم في ملكي فهو حر لوجه الله تعالى فالواجب أن يعتق كل عبد في ملكه ستة أشهر فما زاد قال الله سبحانه وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ و هو الذي مضى عليه ستة أشهر. فإذا أوصى إلى رجل بدراهم فقال أعط زيدا نصفها و عمرا ثلثها و بكرا ربعها فالواجب أن يعطي زيدا و عمرا ما سماه لهما و يدفع ما بقي لبكر.
100
و إذا قال عندي كذا دراهم و لم يبين فقد أقر بعشرة دراهم على ما يقتضيه اللسان (1) فإن قال كذا درهما فعشرون درهما فإن قال كذا كذا درهم فعشر عشر درهم فإن قال كذا كذا درهما فأحد عشر درهما فإن قال كذا و كذا درهما فأحد و عشرون درهما فإن قال كذا و كذا كذا درهما فمائة و أحد عشر درهما فإن كان عارفا بالعربية و قال له عندي مائة درهم غير ثلاثة دراهم بنصب غير فله سبعة و تسعون درهما لأنه استثنى من المائة ثلاثة. فإن قال له عندي مائة غير ثلاثة برفع غير فهي مائة كاملة و إنما وصفها بأنها غير ثلاثة فإن قال له مائة غير ثلاثة غير درهم و نصب غير فيهما جميعا فقد أقر بثمانية و تسعين درهما لأنه استثنى من المائة ثلاثة فبقي سبعة و تسعون فلما استثنى مما استثناه درهما علم أن المستثنى من المائة درهمان فكان الذي اعترف به ثمانية و تسعون درهما فإن قال له عندي مائة غير ثلاثة غير درهم فنصب غير الأولة و خفض الثانية فقد أقر بسبعة و تسعين درهما لأنه لما نصب غير الأولة كان قد
____________
(1) و تفهم الإقرارات التي ذكرت من ملاحظة أمور:
1- رقم العدد المشار إليه بكذا، فقد يكون مفردا كقولك له كذا، و قد يكون مضافا إلى عدد آخر كقولك: له كذا كذا، و قد يكون مركبا تركيبا مزجيا كقولك: له كذا كذا درهما، و قد يكون معطوفا كقولك: له كذا و كذا درهما.
2- التمييز قد يكون مفردا منصوبا كقولك: له كذا كذا درهما، و قد يكون مجرورا بالإضافة كقولك: له كذا درهم، و قد يكون جمعا منصوبا كقولك: له كذا و كذا دراهم، و قد يكون مجرورا نحو قولك: له كذا دراهم.
3- و يؤخذ من هذه الإقرارات بالقدر المتيقن و هو أقل عدد محتمل فإذا قيل: له كذا دراهم فالمتيقن منه ثلاثة دراهم: و هكذا.
101
استثنى من المائة ثلاثة فلما خفض غير الثانية و كان قد وصف الثلاثة بأنها غير درهم فالاستثناء على حاله و المال سبعة و تسعون درهما. و كذلك لو قال له عندي مائة غير ثلاثة غير درهم بنصب غير الأولة و رفع غير الثانية فإن له عنده سبعة و تسعون درهما لأنه استثنى من المائة ثلاثة لما نصب غيرا ثم وصف المائة بأنها غير درهم لما رفع غير الأخرى فإن هو أدخل الواو في الكلام عاطفا بها كان استثناء معطوفا على استثناء و الجميع يسقط من الأصل المذكور كقوله له عندي مائة غير خمسة و غير سبعة فالخمسة و السبعة يسقطان من المائة فيكون له عنده ثمانية و ثمانون درهما فافهم ذلك مسألة ذكرها شيخنا المفيد رضي الله عنه في كتاب الأشراف رجل اجتمع عليه عشرون غسلا فرض و سنة و مستحب أجزأه عن جميعها غسل واحد. جواب هذا رجل احتلم و أجنب نفسه بإنزال الماء و جامع في الفرج و غسل ميتا و مس آخر بعد برده بالموت قبل تغسيله و دخل المدينة لزيارة رسول الله ص و أراد زيارة الأئمة (ع) هناك و أدرك فجر العيد و كان يوم جمعة و أراد قضاء غسل عرفة و عزم على صلاة الحاجة و أراد أن يقضي صلاة الكسوف و كان عليه في يوم بعينه صلاة ركعتين بغسل و أراد التوبة من كبيرة على ما جاء على النبي ص و أراد صلاة الاستخارة و حضرت صلاة الاستسقاء و نظر إلى مصلوب و قتل وزغة و قصد إلى المباهلة و أهرق عليه ماء غالب النجاسة
فصل في ذكر هيئة العالم
اعلم أن الأرض على هيئة الكرة و الهواء يحيط بها من كل جهة و الأفلاك تحيط بالجميع إحاطة استدارة و هي طبقات بعضها يحيط ببعض فمنها سبعة تختص بالنيرين و الكواكب الخمسة التي تسمى المتحيرة و السيارة
105
فإن قيل أ ليس من قولكم إن الله تعالى بكل مكان قلنا بلى و معنى ذلك أنه عالم بكل مكان و بما فيه حافظ له و هذا معروف في اللغة يقول القائل لصاحبه إني معك حيث كنت و إني لا أغيب عنك و يريد لا أجهل ما تعمله و لا يخفى علي شيء منه و يقال إن الرجل في صلاته و في بناء داره و ليس المراد أنه متمكن أو حال فيها و إنما يريدون أنه يفعلها و يدبرها. فإن قيل أ و ليس في القرآن أن له عرشا و كرسيا قلنا هو كذلك و العرش المذكور في القرآن على وجهين أحدهما قوله سبحانه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (1) و قد قال أهل العلم في ذلك إن العرش هنا هو الملك و استواؤه عليه هو استيلاؤه عليه بالقدرة و السلطان. و استشهدوا في ذلك بشواهد منها قول الشاعر في ذكر العرش و أنه الملك
إذا ما بنو مروان ثلث عروشهم* * * و أودوا كما أودت أياد و حمير
(2) و منها قول الآخر في ذكر الاستواء و أنه الاستيلاء
إذا ما علونا و استوينا عليهم* * * تركناهم مرعى لنسر و كاسر
يريد بذلك الاستيلاء و القدرة عليهم و التمكن لهم بالقهر لهم. و الآخر تفسير قوله سبحانه وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ فقد قال العلماء في ذلك إن هذا العرش بنية خلقها الله تعالى في سمائه و أمر الملائكة بحملها لا ليكون عليها تعالى الله عن ذلك و لكن لما رآه من الصلاح في تعبدهم بحملها و تعظيمها كما أنه سبحانه تعبد بني آدم بتعظيم الكعبة في الطواف حولها و قال إنها بيته لا ليسكنها تعالى الله عن ذلك.
____________
(1) سورة طه: 5
(2) أياد و حمير قبيلتان من قبائل اليمن.
103
تكون صاعدة إلى السماء و الأرض كالخردلة أو أصغر بالإضافة إلى عظم سعة الفلك و الأفلاك لها حركات مختلفة لكن محركها مع ذلك الفلك المحيط بها حركة واحدة يدور بها حول المركز في اليوم و الليلة دورة واحدة و الإنسان في أي موضع كان من الأرض يرى نصف الفلك و قيل إنه يرى أكثر من النصف و هذا يبين أنه لا تأثير لقدر الأرض و إذا طلعت الشمس بضيائها على جهة من الأرض كان ذلك نهارا لتلك الجهة و إذا غربت من جهة من الأرض كان الليل في تلك الجهة و هو ظل الأرض. و ليس النهار عاما و لا الليل أيضا عاما و هي تطلع على قوم قبل قوم و تغرب عن قوم قبل قوم و الجهة التي تطلع الشمس و الكواكب منها هي المشرق و ريحها يقال له الصبا و الجهة التي تغرب منها هي المغرب و يقال لريحها الدبور (1) و إذا توجه القائم إلى جهة المشرق كانت الجهة التي عن يمينه الجنوب و ريحها تسمى باسمها و الجهة التي عن شماله الشمال تسمى باسمها و كل ريح أتت بين جهتين فهي نكباء (2) و تسمى أيضا النعامى (3) و المسكون من الأرض هو المائل إلى جهة الشمال و الربع الذي إلى جهة الجنوب غير مسكون و يقال إنه ليس به حيوان و منه يأتي النيل و لذلك لا يصل أحد إلى مبتدئه و بقية الأرض قد غطاها الماء المالح و هو البحر الأعظم الذي أطرافه يقال لها بحر المحيط و من هذا البحر خليجان داخلان إلى الربع العامر
____________
(1) لأنّها تهب من مغرب الشمس و مكان إدبارها، و هي تقابل الصبا.
(2) و جمعها نكب.
(3) في كفاية المتحفظ أنّها الريح اليمانية، و هي ريح الجنوب.
102
فالنيران هما الشمس و القمر. و الخمسة هي زحل و المشتري و المريخ و الزهرة و عطارد و لكل واحد منها فلك يختص به من هذه السبعة ففلك زحل أعلاها و فلك القمر أقربها من الأرض و أدناها و فلك الشمس في وسطها و تحت فلك زحل فيما بينه و بين فلك الشمس فلكان فلك المشتري ثم فلك المريخ و فوق القمر فيما بينه و بين الشمس فلكان فلك عطارد ثم فلك الزهرة و يحيط بهذه الأفلاك السبعة فلك الكواكب الثابتة و هي جميع ما يرى في السماء غير ما ذكرنا ثم الفلك المحيط الأعظم المحرك جميع هذه الأفلاك. ثم السماوات السبع يحيط بالأفلاك و هي مساكن الأملاك و من رفعه الله تعالى إلى سمائه من أنبيائه و حججه (ع) و للجميع نهاية و الكل على شكل الكرة و مركزها الأرض و مركز الأرض نقطة في وسطها جميع أجزاء الأرض معتمدة عليها و هي مركز العالم كلها في الحقيقة و من نهاية الأجسام الذي هو محيط الكرة إلى مركز الأرض متساو من كل جهة. و قد قيل إن العامر من الأرض هو ربع الكرة و الناس مستقرون على هذا الربع من كل جهة و إن كان بعضهم منخفضا عن بعض بالإضافة فكل منهم الأرض تحته و السماء فوقه و هو يرى أرضه التي هو عليها هي المستقيمة في الاعتدال دون غيرها. و كل ما فارق السماء من أي جهة كان منها و ذهب إلى الأرض فهو نازل إليها و كل ما فارق الأرض من أي جهة كان ذهب إلى السماء فهو صاعد إليها و لذلك لا تتحرك الأرض إلى إحدى الجهات لأنها كيف ما تحركت
104
يتقاربان فنهاية أحدهما الفرماءان (1) و نهاية الآخر القلزم و بينهما من المسافة قدر
فصل من الكلام في أن الله تعالى لا يجوز أن يكون له مكان
اعلم أيدك الله أن المكان عندنا هو ما أحاط بالمتمكن فلما كان الله تعالى لا يجوز عليه ذلك لأنه يقتضي حصره و تناهيه علم أنه لا يجوز أن يكون في مكان. و من خالفنا في حد المكان قال إنه ما تمكن عليه و تصرف فيه و هذا لا يجوز أيضا على الله تعالى لأن المتمكن معتمد و مماس أيضا لمكانه و الاعتماد و المماسة من صفات المحدثين و الله تعالى قديم فعلم أنه لا يكون في مكان. و ذو المكان أيضا قد حصل له حيز فصار في جهة دون جهة و لا يكون كذلك إلا جسم أو بعض جسم و قد ثبت أن الله تعالى ليس بجسم و لا بعض جسم فعلم بطلان المكان. ثم إنه لو كان له مكان لم يخل مكانه من حالين إما أن يكون قديما أو محدثا. و لا يصح أن يكون قديما لمشاركته لله تعالى في القدم و قد ثبت أنه لا قديم إلا هو وحده. و لو كان المكان محدثا لكان الله سبحانه قبل إحداثه لا يخلو من قسمين إما أن يكون محتاجا إلى المكان أو مستغنيا عنه. و لا يجوز أن يكون لم يزل محتاجا إليه لما في ذلك من صفة النقص الذي لا يكون للقديم. و إن كان غنيا عنه قبل وجوده فلا يجوز أن يحتاج إليه بعد ذلك لأن حاجته تخرجه عن قدمه و تشابه بينه و بين خلقه فوجب نفي المكان عنه.
____________
(1) هكذا في النسخة.
106
فأما الكرسي فالذي نذهب إليه فيه أنه العلم
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْعَالِمِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) قَالَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ (1) يَعْنِي عِلْمَهُ (2)
و قد روي أيضا في التفسير من طريق العامة عن ابن عباس و مجاهد و الضحاك و غيرهم. و معنى الكلام دال عليه و أول الآية تقتضيه لأن الله تعالى أخبر عن علمه فقال يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ. فوصل ذكر الكرسي بذكر العلم على طريق الوصف له و الإبانة عنه فكان كقوله في موضع آخر رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً (3). فإن قيل ما معنى رفعكم أيديكم نحو السماء في الدعاء و ما معنى قوله سبحانه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. قلنا الجواب عن ذلك أنا إنما رفعنا أيدينا نسترزق من السماء لقوله تعالى وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ. و إنما جاز أن يقال إن الأعمال تصعد إلى الله تعالى لأن الملائكة الكرام حفظة الأعمال مسكنهم السماء. و أيضا لأن السماء أشرف في الخلقة من الأرض فلذلك تعرض الأعمال فيها على الله سبحانه و بالتوجه إليها دعي الله تعالى و كل ذلك اتساع في الكلام و ليس فيه ما يوجب أن يكون الله سبحانه على الحقيقة في السماء. و نحن نرى المسلمين يقولون للحجاج هؤلاء زوار الله و إنما هن زوار بيت الله. فإن قيل فكيف هو
____________
(1) سورة البقرة: 255.
(2) انظر: توحيد الصدوق ص 340.
(3) فاطر: 7
107
فالجواب أن كيف استفهام عن حال و الله لا تناله الأحوال و الذي ساق إليه الدليل هو العلم بوجوده سبحانه و أنه لا شبيه له.
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) كَانَ يَقُولُ إِذَا سَبَّحَ اللَّهَ تَعَالَى وَ مَجَّدَهُ سُبْحَانَهُ مَنْ إِذَا تَنَاهَتِ الْعُقُولُ فِي وَصْفِهِ كَانَتْ حَائِرَةً عَنْ دَرْكِ السَّبِيلِ إِلَيْهِ وَ تَبَارَكَ مَنْ إِذَا غَرِقَتِ الْفَطِنُ فِي تَكْيِيفِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا طَرِيقٌ إِلَيْهِ غَيْرَ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ
فصل في ذكر العلم و أهله و وصف شرفه و فضله و الحث عليه و الأدب فيه
قال الله عز و جل إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و قال سبحانه هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَ مُسْلِمَةٍ
وَ قَالَ الْعِلْمُ عِلْمَانِ عِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَلِكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ وَ عِلْمٌ فِي اللِّسَانِ فَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الْعِبَادِ
وَ قَالَ الْعِلْمُ عِلْمَانِ عِلْمُ الْأَدْيَانِ وَ عِلْمُ الْأَبْدَانِ
وَ قَالَ أَرْبَعٌ تَلْزَمُ كُلَّ ذِي حِجًى مِنْ أُمَّتِي قِيلَ وَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ اسْتِمَاعُ الْعِلْمِ وَ حِفْظُهُ وَ الْعَمَلُ بِهِ وَ نَشْرُهُ
وَ قَالَ الْعِلْمُ خَزَائِنُ وَ مِفْتَاحُهَا السُّؤَالُ فَاسْأَلُوا يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ السَّائِلُ وَ الْمُجِيبُ وَ الْمُسْتَمِعُ وَ الْمُحِبُّ لَهُمْ
108
وَ قَالَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ وَ لَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَ أَضَلُّوا
وَ قَالَ مَنْ أَرَادَ فِي الْعِلْمِ رُشْداً فَلَمْ يَزْدَدْ فِي الدُّنْيَا زُهْداً لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعْلِيمَهُ حَسَنَةٌ وَ طَلَبُهُ عِبَادَةٌ وَ الْبَحْثُ عَنْهُ جِهَادٌ وَ تَعْلِيمُهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ وَ بَذْلُهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ لِأَنَّهُ عِلْمُ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ سُبُلُ مَنَازِلِ الْجَنَّةِ وَ الْأَنِيسُ فِي الْوَحْشَةِ وَ الصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ وَ الْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ وَ الدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ السِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَ الزِّينَةُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَاماً فَيَجْعَلُهُمْ لِلْخَيْرِ قَادَةً وَ أَئِمَّةً تُقْتَصُّ آثَارُهُمْ وَ يُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ وَ يُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ تَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خَلَّتِهِمْ وَ بِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ وَ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَ يَابِسٍ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَ مَصَابِيحُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلْمِ وَ قُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ وَ يَبْلُغُ بِالْعِبَادِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَ بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ وَ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ وَ هُوَ إِمَامُ الْعَمَلِ وَ الْعَمَلُ تَابِعٌ لَهُ يُلْهِمُهُ اللَّهُ أَنْفُسَ السُّعَدَاءِ وَ يَحْرِمُهُ الْأَشْقِيَاءَ (1)
وَ قَالَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحِكْمَةِ يَسْمَعُ بِهَا الرَّجُلُ فَيَقُولُ أَوْ يَعْمَلُ بِهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ
وَ قَالَ تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَ تَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَ الْحِلْمَ وَ لَا تَكُونُوا جَبَابِرَةَ الْعُلَمَاءِ
وَ قَالَ شُكْرُ الْعَالِمِ عَلَى عِلْمِهِ أَنْ يَبْذُلَهُ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ
وَ قَالَ لَا رَاحَةَ فِي الْعَيْشِ إِلَّا لِعَالِمٍ نَاطِقٍ أَوْ مُسْتَمِعٍ وَاعٍ
____________
(1) تجده في البحار ج 1 ص 166 كما رواه في ص 171 عن أمالي الطوسيّ بسنده عن عليّ (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بزيادة و اختلاف يسير. رواه عن أمالي الصدوق بسنده المنتهي إلى ابن نباتة.
109
وَ قَالَ اغْدُ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً وَ لَا تَكُنِ الثَّالِثَ فَتَعْطَبَ
وَ قَالَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ
وَ قَالَ لَوْ أَنَّ حَمَلَةَ الْعِلْمِ حَمَلُوهُ بِحَقِّهِ لَأَحَبَّهُمُ اللَّهُ وَ مَلَائِكَتُهُ وَ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَ لَكِنَّهُمْ حَمَلُوهُ لِطَلَبِ الدُّنْيَا فَمَقَتَهُمُ اللَّهُ وَ هَانُوا عَلَى النَّاسِ
وَ قَالَ الْعُلُومُ أَرْبَعَةٌ الْفِقْهُ لِلْأَدْيَانِ وَ الطِّبُّ لِلْأَبْدَانِ وَ النَّحْوُ لِلِّسَانِ وَ النُّجُومُ لِمَعْرِفَةِ الْأَزْمَانِ
وَ قَالَ الْبَاقِرُ عَالِمٌ يُنْتَفَعُ بِعِلْمِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفَ عَابِدٍ
وَ قَالَ مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لَا هُدًى لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ وَ لَحِقَهُ وِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِفُتْيَاهُ
وَ قَالَ الصَّادِقُ (ع) تَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللَّهِ وَ لَا تَكُونُوا أَعْرَاباً فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلًا
وَ قَالَ الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ لَا تَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعْداً
و قيل لبعض الحكماء أ يحسن بالشيخ التعلم فقال إن كان الجهالة تقبح منه فإن التعلم يحسن منه و قيل له متى يحسن له التعلم فقال ما حسنت به الحياة و قيل لبزرجمهر العلم أفضل أم المال
110
فقال العلم قيل له فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء و لا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء فقال ذلك لمعرفة العلماء منفعة المال و جهل الأغنياء بفضل العلم لبعضهم
العلم زين و تشريف لصاحبه* * * فاطلب هديت فنون العلم و الأدبا
لا خير فيمن له أصل بلا أدب* * * حتى يكون على ما زانه حربا
كم من حسيب أخي عي و طمطمة* * * فدم لدى القوم معروف إذا انتسبا
و خامل مقرف الآباء ذي أدب* * * نال المعالي به و المال و النشبا
المقرف الذي تكون أمه كريمة و أبوه غير كريم
يا طالب العلم نعم الشيء تطلبه* * * لا تعدلن به ورقا و لا ذهبا
فالعلم ذكر و كنز لا يعادله* * * نعم القرين إذا ما عاقلا صحبا
. قال الزجاجي (1) الهجين الذي يكون أبوه كريما و أمه غير كريمة و القلنفس الذي يكون أبوه و أمه غير كريمين و قد تقدم ذكر المقرف و حدثوا عن ابن جريح (2) أنه قال خرجت في السحر فإذا ورقة تضربها الرياح فأخذتها فلما أضاء الصبح نظرت إليها فإذا فيها
كن معسرا إن شئت أو موسرا* * * لا بد في الدنيا من الهم
و كلما زادك من نعمة* * * زاد الذي زادك في الغم
إني رأيت الناس في دهرنا* * * لا يطلبون العلم للعلم
إلا مباراة لأصحابه* * * و عدة للظلم و الغشم
____________
(1) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الصيمري الأصل، البغداديّ الاشتغال الشاميّ المسكن و الخاتمة، أخذ عن أبي إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج النحوي حتّى برع في النحو يقال له الزجاجي نسبة إلى استاذه الزجاج له مؤلّفات توفي بطبرية سنة 339 ه.
(2) لم أعثر له على ترجمة.
111
قال ابن جريح فو الله لقد منعتني هذه الأبيات من أشياء كثيرة-.
مسألة
إن سأل سائل فقال ما وجه التكرار في سورة الكافرون و إعادة النفي فيها في جملة بعد جملة و قد كان يغني ذلك مرة واحدة الجواب قد أجاب الناس عن هذه المسألة بعدة أجوبة و نحن نورد منها أحسنها و أكثرها فائدة و أحسنها ما تضمن المعاني المختلفة حتى يكون المستفاد من النفي في الجملة الأولى غير المستفاد من النفي في الجملة الثانية و بهذا يبطل التكرار و يبقى للسائل بقية في السؤال فأعرب ما يجاب به فيها أن لفظة أعبد تصلح في الكلام لشيئين مختلفين. أحدهما أن يكون بمعنى أذل و أخضع و أخشع و هذا من العبادة و هو مستعمل معهود لا يفتقر فيه إلى دليل. و ثانيهما أن يكون أعبد بمعنى أجحد و هو من العبود الذي هو الجحود و أهل اللغة يعرفون ذلك يقول القائل عبدني فلان حقي يريد جحدني حقي قال الشاعر
فلو سألت قريشا من يؤممهم* * * ما ميلوا ذاك عن قومي و لا عبدوا
يعني و لا جحدوا و على هذا المعنى ما روي عن أحد الأئمة ص في تفسير قوله تعالى قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ.
____________
(1) نجد الكلام على ذلك في كتاب الأمالي للمرتضى ج (1) ص 120- 123.
112
و أن معناه فأنا أول الجاحدين و ذلك أن الدليل قد اتضح على أن من كان له ولد لا يكون إلا محدثا و المحدث لا يكون إلها. فقول الله عز و جل في الجملة الأولى لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إنما معناه لا أذل و لا أخضع لأصنامكم التي تفعلون هذا لها و لا أنتم فاعلوه أيضا لإلهي الذي أنا فاعله له. و قوله جل اسمه في الجملة الثانية وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَ لا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ إنما معناه و لا أنا جاحد لله تعالى الذي جحدتموه و لا أنتم جاحدون للأصنام التي أنا جاحدها. فقد تضمنت الجملتان فائدتين مختلفتين و بان انتظام الكلام بغير تكرار. جواب آخر و هو أن يكون المراد بلفظة أعبد في الجملة الأولى الزمان الحاضر فكأنه قال لا أعبد الآن ما تعبدون و لا أنتم عابدون الآن ما أعبد. و يكون المراد بها في الجملة الثانية الزمان المستقبل فكأنه قال و لا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم و لا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد. فلفظة أعبد على هذا الجواب و إن كانت في الجملتين بمعنى واحد و هو العبادة فقد اختلفت بما يراد بها من الزمان المختلف و لا شك في أن لفظة أفعل تصلح للزمانين الحاضر و المستقبل و في هذين الجوابين غنى و كفاية و الحمد لله. و اعلم أنه يجب أن يكون السؤال على هذا مختصا بخطاب من المعلوم من حاله أنه لا يؤمن. و قد ذكر أنها نزلت في أبي جهل و المستهزءين و هم العاص بن وائل و الوليد بن المغيرة و الأسود بن المطلب و الأسود بن عبد يغوث و عدي بن قيس و لم يؤمن منهم أحد.
113
فإن قال فما معنى قوله في السورة لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ و ظاهر هذا الكلام يقتضي إباحتهم المقام على أديانهم قلنا إن ظاهر الكلام و إن كان ظاهر الإباحة فإن المراد به الوعيد و المبالغة في الزجر و التهديد كما قال تعالى اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ و قال أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً و قد قيل إن المعنى فيه لكم جزاء دينكم و لي جزاء ديني فحذف الجزاء من اللفظ لدلالة الكلام عليه و قيل إن الجزاء نفسه يسمى دينا قال الشاعر
إذا ما لقونا لقيناهم* * * و دناهم مثلما يقرضونا
أراد جزيناهم فيكون المعنى في قوله لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ أي لكم جزاؤكم و لي جزائي.
مسألة
فإن قال السائل فما وجه التكرار في سورة الرحمن و إعادته مع كل آية فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الجواب قلنا إنما حسن هذا التكرار للتقرير بالنعم المختلفة و تعديدها نعمة بعد نعمة أنعم بها قرر عليها و وبخ على التكذيب بها كما يقول الرجل لغيره أ لم أحسن إليك بأن خولتك المال أ لم أحسن إليك بأن أمنتك من المكاره أ لم أحسن إليك بأن فعلت كذا و كذا فيحسن منه التكرار لاختلاف ما قرر به و هذا كثير في الكلام مستعمل بين الناس و هذا الجواب عن وجه التكرار في سورة المرسلات في قوله وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. فإن قيل إذا كان الذي حسن التكرار في سورة الرحمن ما عدده من الآلاء فقد عدد في جملة ذلك ما ليس بنعمة و هو قوله يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ
114
مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ و قوله تعالى هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ فكيف يحسن أن يقول بعد هذا فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قلنا الوجه في ذلك أن فعل العقاب و إن لم يكن نعمة فذكره و وصفه و الإنذار به من أكبر النعم لأن في ذلك زجرا عما يستحق به العقاب و بعثا على ما يستوجب به الثواب و إنما أشار تعالى بقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ بعد ذكر جهنم و العذاب فيها إلى إنعامه بذكر وصفها و الإنذار بها و التخويف منها و لا شك في أن هذا في النعم التي يجب الاعتراف بها و الشكر عليها (1)
كتاب البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان
و مما عملته كتاب البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان عليه و على آبائه أفضل السلام و بيان جواز تطاول الأعمار بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما هدى و صلاته على من اصطفى سيدنا محمد و رسوله المجتبى و آله أئمة الهدى ذكرت يا أخي أيدك الله أنك رأيت جماعة من المخالفين يعتمدون في إنكار وجود صاحب الزمان ص على ما يقتضيه تاريخ مولده من تطاول عمره على القدر المعهود و يقولون إذا كان مولده عندكم في سنة خمس و خمسين و مائتين فله إلى سنتنا هذه و هي سنة سبع و عشرين و أربعمائة- مائتان و اثنتان و سبعون سنة.
____________
(1) نجد الكلام على تكرار الآية المذكورة في الأمالي ج (1) ص 123- 127.
115
و لسنا نرى الأعمار تتناهى إلى أكثر من مائة و عشرين سنة بل لا نرى أحدا يلحق عمره هذا القدر اليوم و يزعمون أن هذه الزيادة على المائة و العشرين دلالة على بطلان ما نذهب إليه و سألت في إيراد كلام عليهم يوهي عمدتهم و يبطل شبهتهم و يكون أصلا في يدك يتمسك به المستند إليك و أنا مجيبك إلى ما سألت و أبلغك منها ما طلبت بعون الله و حسن توفيقه اعلم أولا أنه إذا وجبت الإمامة و وضحت الأدلة على اختصاصها بأئمتنا الاثني عشر (ع) دون جميع الأمة فلا منصرف عن القول بطول عمر إمامنا و صاحب زماننا ص لأن الزمان لا يخلو من إمام و قد مضى آباء صاحب الزمان بلا خلاف و لم يبق من يستحق الإمامة سواه. فإن لم يكن عمره ممتدا من وقت أبيه إلى أن يظهره الله سبحانه حصل الزمان خاليا من إمام و هذا دليل مبني على ما قدمناه و بعد ذلك فإنه لا يصلح أن يكلمك في طول عمره من لا يقر بشريعته فأما من أقر بها و أنكر تراخي الأعمار و طولها فإن القرآن يخصمه بما تضمنه من الخبر عن طول عمر نوح (ع) قال الله تعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً و لا طريق إلى الانصراف عن ظاهر القرآن إلا ببرهان و قد أجمع المسلمون على بقاء الخضر (ع) من قبل زمان موسى (ع) إلى الآن و أن حياته متصلة إلى آخر الزمان و ما أجمع عليه المسلمون فلا سبيل إلى دفعه بحال من الأحوال. فإن قال الخصم هذان نبيان و يجوز أن يكون طول أعمارهما معجزا لهما و كرامة يميزان بها عن الأنام و لا يصح أن يكون هذا العجز و الإكرام إلا للأنبياء ع
116
فقل له يفسد هذا عليك بما استقر عليه الاتفاق من بقاء إبليس اللعين من عهد آدم (ع) و قبل ذاك إلى الآن و أنه سيبقى إلى الوقت المعلوم كما نطق به القرآن و ليس ذلك معجزا له و لا على سبيل الإكرام و إذا اشترك الولي و العدو في طول العمر علم أن السبب في ذلك غير ما ذكرت و أنه لمصلحة لا يعلمها إلا الله تعالى دون العباد. فإن أنكر الخصم إبليس و بقاءه خرج عن ظاهر الشريعة و دفع إجماع الأمة و إن تأول ذلك طولب على صحة تأويله بالحجة. و لو سلمت له طول العمر معجزا للمعمر و إكراما و لم يذكر له إبليس و طول عمره على ممر الأزمان كان لك أن تقول إن حكم الإمام عندنا كحكم النبي في الاحتجاج و جواز ظهور العجز و الإكرام بما يتميز به عن الأنام فليس بمنكر أن يطيل الله تعالى عمره على سبيل المعجز و الإكرام و اعلم أيدك الله أن المخالفين لك في جواز امتداد الأعمار ممن يقر بالإسلام لا يكلمونك إلا بكلام مستعاد فمنهم من ينطق بلسان الفلاسفة فيقول إن طول العمر من المستحيل في العقول الذي لم يثبت على جوازه دليل و منهم من ينطق بلسان المنجمين فيقول إن الكواكب لا تعطي أحدا من العمر أكثر من مائة و عشرين سنة و لهم هذيان طويل. و منهم من ينطق بلسان الأطباء و أصحاب الطبائع فيقول إن العمر الطبيعي هو مائة و عشرون سنة فإذا انتهى الحي إليها فقد بلغ غاية ما يمكن فيه صحة الطباع و سلامتها و ليس بعد بلوغ غاية السلامة إلا ضدها. و ليس على يد أحد منهم إلا الدعوى و لا يستند إلا إلى العصبية و الهوى فإذا عضهم الحجاج رجعوا أجمعين إلى الشاهد المعتاد فقالوا إنا لم نر أحدا تجاوز في العمر إلى هذا القدر و لا طريق لنا إلى إثبات ما لم نر و هذا الذي جرت به العادة و العادة أصح دلالة و جميعهم خارجون عن حكم الملة مخالفون لما اتفقت عليه الأمة و لما سلف
117
أيضا من الشرائع المتقدمة لأن أهل الملل كلها متفقون على جواز امتداد الأعمار و طولها و قد تضمنت التوراة من الإخبار بذلك ما ليس بينهم فيه منازع. و فيها أن آدم (ع) عاش تسعمائة و ثلاثين سنة و عاش شيث تسعمائة و اثنتي عشرة سنة و عاش أنوش تسعمائة و خمسا و ستين سنة و عاش قينان تسعمائة سنة و عشر سنين و عاش مهلائيل ثمانمائة و خمسا و تسعين سنة و عاش برد تسعمائة و اثنتين و ستين سنة و عاش أخنوخ و هو إدريس تسعمائة و خمسا و ستين سنة و عاش متوشلح تسعمائة و تسعا و ستين سنة و عاش ملك سبعمائة و سبعا و ستين سنة و عاش نوح تسعمائة و خمسين سنة و عاش سام ستمائة سنة. و عاش أرفخشاد أربعمائة و ثماني و تسعين سنة و عاش شالخ أربعمائة و ثلاثا و تسعين سنة و عاش غابر ثمانمائة و سبعين سنة و عاش فالخ مائتين و تسعا و تسعين سنة و عاش أرغو مائتين و ستين سنة و عاش باحور مائة و ستا و أربعين سنة و عاش تارخ مائتين و ثمانين سنة و عاش إبراهيم مائة و خمسا و سبعين سنة و عاش إسماعيل مائة و سبعا و ثلاثين سنة و عاش إسحاق مائة و ثمانين سنة. فهذا ما تضمنته التوراة مما ليس بين اليهود و النصارى اختلاف و قد تضمنت نظيره شريعة الإسلام و لم نجد أحدا من علماء المسلمين يخالفه
118
أو يعتقد فيه البطلان بل أجمعوا من جواز طول الأعمار على ما ذكرناه. و المستدل يعلم جواز ذلك في العقل إذا أنعم الاستدلال و الأخبار قد تناصرت في قوم عمروا في قريب الزمان سوف أذكر جماعة منهم ليتأكد البيان و ليس المنازعة لنا بعد ذلك من ذي بصيرة و عرفان. فإن قال قائل إن الأعمار قد كانت يتطاول في سالف الدهر ثم تناقضت عصرا بعد عصر حتى انتهت إلى ما نراه مما لا يجوز اليوم سواه قيل له إن العاقل يعلم أن الزمان لا تأثير له في الأعمار و أن زيادتها و نقصانها من فعل قادر مختار يغيرها في الأوقات بحسب مما يراه من الصلاح. و لسنا ننكر أن الله سبحانه قد أجرى اليوم بأقدار متقاربة في الأعمار يخالف ما كان في متقدم الزمان غير أن هذا لا يحيل طول عمر بعض الناس إذا كان ذلك ممكنا من القادر المعطي للأعمار و قد ذكرنا أن الأخبار قد أتت بذكر المعمرين كانوا في قريب الزمان فلا طريق إلى دفع ما ذكرناه مع هذا الإيضاح و أما الذين استعاروا كلام الفلاسفة من المخالفين لنا في هذه المسألة و قولهم في العمر من المستحيل في العقول فإنهم لم يعولوا في العلم بذلك على ضرورة يشاركهم العقلاء فيها و إذا عدموا الضرورة فلا بد من حجة عقلية يطالبون بإيرادها و لا حجة معهم ينطقون بها و لا عمدة لهم أكثر من الهوى و الرجوع إلى ما يشاهد و يرى و الهوى مضلة و الإنكار لما لم يشاهد مزلة و ليس من موحد و لا ملحد إلا و هو يثبت ما لا يرى و يقر بما لم يشاهد فالموحد يقر بالله و الملائكة و طول أعمارها و لم نر شيئا منها .. (1) و الملحدة قد تقر بوجود جواهر بسيطة لا تجوز عليها الرؤية و تدعي أيضا وجود عقل .. (2) لم ترهما و لا رأت .. (3) فضلا عنها.
____________
(1 و 2 و 3) في هذه الفراغات كلمات غير واضحة.
119
و كل فرقة تدعي وجود أشياء لم تر فمن زعم أنه لا يثبت إلا ما شاهد و رأى فقد أفسد على نفسه من مذهبه و هؤلاء في العمر و لا يدرون ما هو و العمر هو اتصال كون الحي المحدود حيا فهذا الاتصال إنما يكون بدوام الحياة و الحياة فعل الله تعالى فليس يستحيل منه إدامتها و كل ما جاز أن يفعله الله تعالى من طول العمر فإنه يجوز أن يفعل مثله في دوام الصحة و القوة و عدم الضعف و الهرم. و أما الذين استعاروا كلام المنجمين من المنازعين لنا في جواز طول العمر فإنهم يعتمدون الظنون دون اليقين. و العقلاء يعلمون أن أصول المنجمين في الأحكام لا يثبت بالنظر و الدليل و بينهم من التحارب فيها و الاختلاف ما لا يخفى على المتأمل. إني وجدت في كتاب أحد علمائهم و هو الكتاب المعروف بابا لابن هبلى (1) في حكاية ذكرها عن معلمهم المقدم و أستاذهم المفضل الذي يعولون عليه في الأحكام و يستندون إلى كلامه و ما يدعيه و هو المعروف بما شاء الله (2) أنا موردها ففيها أكبر حجة عليهم في هذه المسألة التي خالفونا فيها. قال ما شاء الله الباب الأعظم من الهيلاج الذي يدل على العمر الكثير فإنه يكون المولود
____________
(1) هو على الظاهر تحريف عن ابن هبتني أو هبنتة، و هو منجم نصراني عاش في بغداد و ألف كتابا في التنجيم أسماه المغني بعد سنة 330 ه- 941 م، و كان الجزء الثاني منه لا يزال محفوظا في مكتبة مونيخ، و ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون مع اسم ابن هبنتة محرفا انظر (دائرة المعارف اللبنانية. ج 7 ص 117).
(2) هو منجم يهودي و اسمه ميشى بن أبرى، كان في زمن المنصور و عاش إلى أيّام المأمون، و كان أوحد أهل زمانه في الاخبار بأمور الحدثان و له سهم قوي في سهم الغيب، لقيه سفيان الثوري فقال له: أنت تخاف زحل و أنا أخاف ربّ زحل، و أنت ترجوا المشتري و أنا أرجو ربّ المشتري، و أنت تغدو بالاستشارة و أنا أغدو بالاستخارة فكم بيننا، فقال له ما شاء اللّه: كثير ما بيننا، حالك أرجى و أمرك أنجح و أحجى. له عدة مؤلّفات انظر (اخبار الحكماء ص 214).
120
في مثلثة إلى مثلثة و طالعه ثبوت أحد الكوكبين العلويين زحل و المشتري و صاحب الطالع الكذخذاه فإن كان المولود ليليا و الهيلاج القمر فإن كان فوق الشمس في برج أنثى و إن كان نهاريا فيكون الشمس في برج ذكر فإنه حينئذ يدل على بقاء المولود بإذن الله تعالى حتى يتحول القران عن مثلثة إلى أخرى و ذلك مائتان و أربعون سنة. فأما في الزمن الأول فإن مثل هذه الدلالة كانت تدل على بقائه حتى يعود القران إلى مكانه و ذلك بعد تسعمائة و خمسين سنة و الله أعلم. فما يقولون في كلام عالمهم ما شاء الله و قد أوضح بتخصيصه في الدلالة الزمن الأول بتسعمائة و خمسين سنة أن مراده بالمائتين و الأربعين من هذا الزمان و هو شاهد لنا على هؤلاء المعاندين المنكرين للحق الواضح البرهان. و أما الذين اعتمدوا بكلام الأطباء و أصحاب الطبائع من قولهم إن غاية العمر في الطبيعة مائة و عشرون سنة فإنهم لم يعتمدوا على حجة و لا تشبثوا بشبهة و ليس في أيديهم أكثر من دعواهم تبين لك بطلان مقالتهم إن الطبائع أعراض و الأعراض لا يصح منها في الحقيقة أفعال و إنما يفعل القادر المختار و الطبائع أيضا فعل الله تعالى و هو الذي ارتكبها في الإنسان فكما جاز منه أن يجعلها كلها صحيحة معتدلة مدة من الزمان فهو قادر على أن يجعلها كذلك أضعاف تلك المدة فيطول عمر الإنسان و ليس يستحيل ذلك في عقل ذي بصيرة و عرفان. و أما المعتمدون في ذلك على العادات فإنه لا حجة في أيديهم من قبل أن العادات قد تختلف باختلاف الأوقات و باختلاف الناس أيضا و الأصقاع و قد سمعت من جماعة من الناس أن بلاد السند من البلاد التي تطول فيها الأعمار. و رأيت بالرملة في جمادى الآخرة من سنة اثنتي عشرة و أربعمائة شريفا من أهل السند يعرف بأبي القاسم عيسى بن علي العمري من ولد عمر بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) و سألته عن ذلك فقال لي هو صحيح.
121
و ذكر أن الهرم عندهم قليل و حدثني أن ببلاد السند عندهم رجلا شريفا عمريا و هو أمير من أمرائهم أنه عاش مذ أن فارقه مائة و ستين سنة قال و هذا الشريف هو العباس بن علي بن عمر بن أحمد بن حمزة بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ع. و ليس يشك العاقل في أن العادات بيد الله تعالى و أنه يصح منه تغييرها على التدريج أو خرقها و قد تناثرت الأخبار القاطعة للأعذار بحال المعمرين الذين كانوا فيما بعد و قرب من الناس و روى حديثهم و أشعارهم و مبلغ أعمارهم و أخبارهم أصحاب السير و الآثار حتى جرى ذلك مجرى ما تعلق من الحوادث في الأزمان و الوقائع و أخبار البلدان و اشترك في العلم العلماء و حصل المنكر له كالمنكر لما سواه مما تواترت به الأخبار و قبح في مثله الإنكار و لو اقتصر المستدل في جواز طول العمر على هذا الوجه لأغناه من الإطالة و الإكثار. أخبار المعمرين فمن المعمرين الخضر (ع) المتصل بقاؤه إلى آخر الزمان و مما جاء من حديثه أن آدم (ع) لما حضره الموت جمع بنيه فقال يا بني إن الله تبارك و تعالى منزل على أهل الأرض عذابا فليكن جسدي معكم في المغارة فإذا هبطتم فابعثوا بي فادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم فلما بعث الله نوحا (ع) ضم ذلك الجسد و أرسل الله تعالى الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زمانا فجاء نوح حتى نزل ببابل و أوصى بنيه الثلاثة و هم سام و يافث و حام أن يذهبوا بجسده إلى المكان الذي أمرهم أن يدفنوه فيه فقالوا الأرض موحشة لا أنيس بها و لا نهتدي الطريق و لكن نكف حتى يأمن الناس و يكثروا و تأنس البلاد و تجف فقال لهم إن آدم (ع) قد دعا الله تعالى أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فظل جسد آدم (ع) حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه و أنجز الله تعالى ما وعده و إلى ما شاء الله أن يحيي. و هذا حديث قد رواه مشايخ الدين و ثقات المسلمين.
122
و لقمان بن عاد الكبير أطول الناس عمرا بعد الخضر (ع) و ذلك أنه عاش ألفا و خمسمائة سنة. و يقال إنه عاش عمر سبعة أنسر و إنه كان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل فيعيش النسر ما عاش فإذا مات أخذ آخر فرباه حتى كان آخرها لبد و كان أطولها عمرا فقيل طال الأبد على لبد و لما رأى هلاكه قال يا لبد أهلكتني نفسك. و فيه يقول الأعشى (1)
لنفسك أن تختار سبعة أنسر* * * إذا ما مضى نسر خلوت إلى نسر
فعمر حتى خال أن نسوره* * * خلود و هل تبقى النفوس على الدهر
و قال لأدناهن إذ حل ريشه* * * هلكت و أهلكت ابن عاد و ما تدري
و هو الذي أراده القائل بقوله (2) أخنى عليها الذي أخنى على لبد (3). و منهم ربيع (4) بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عبس بن قزارة عاش ثلاثمائة سنة و أربعين سنة و أدرك النبي ص و لم يسلم و هو الذي يقول
____________
(1) مرت ترجمته.
(2) هو النابغة الذبياني.
(3) أوله:
اضحت خلاء و أضحى أهلها احتملوا* * * أخنى عليها الذي أخنى على لبد
(4) تجد أخباره و شعره في أمالي المرتضى ج 1 ص 253 و ما بعدها.
123
ألا أبلغ بني بني ربيع* * * و أشرار البنين لكم فداء
بأني قد كبرت و دق عظمي* * * فلا يشغلكم عني النساء
و أن كنائني لنساء صدق* * * و لا ألى (1) بني و لا أساءوا
إذا جاء الشتاء فادفنوني* * * فإن الشيخ يهدمه الشتاء
و أما حين يذهب كل قر* * * فسربال خفيف أو رداء
إذا عاش الفتى مائتين عاما* * * فقد ذهب اللذاذة و الفتاء
و هو القائل
أصبح مني الشباب قد حسرا* * * إن ينأ عني فقد ثوى عصرا
. الأبيات (2) و منهم المستوغر (3) بن ربيعة بن كعب عاش ثلاثمائة سنة و ثلاثا و ثلاثين سنة و هو الذي يقول
و لقد سئمت من الحياة و طولها* * * و عمرت من بعد السنين مئينا
مائة أتت من بعدها مائتان لي* * * و عمرت و ازددت من بعد الشهور سنينا
(4) و منهم أكثم بن صيفي الأسدي التميمي و كان حكيما مقدما و لم تكن العرب تفضل عليه أحدا عاش ثلاثمائة سنة و ثلاثين سنة و هو الذي يقول
و إن امرأ قد عاش تسعين حجة* * * إلى مائة لم يسأم العيش جاهل
____________
(1) بتشديد اللام و هي بمعنى قصّر و هي بالتخفيف قصّر أيضا:
(2) تجد الأبيات في الأمالي ج (1) ص 255- 256 و هي سبعة أبيات.
(3) انظر: سيرة ابن هشام ج 1 ص 93 و تجد أخبار المعمرين في إكمال الدين ج 2 ص 246- 266 و في غيبة الطوسيّ ص 85- 94 و أمالي المرتضى ج 1 ص 233 و ما بعدها من الصفحات.
(4) و بعد البيتين كما في الأمالي للمرتضى هذا البيت:
هل ما بقي إلّا كما قد فاتنا* * * يوم يكر و ليلة تحدونا
124
خلت مائتان بعد عشر و فازها (1)* * * و ذلك من عد الليالي قلائل
. و كان ممن أدرك الإسلام و آمن بالنبي ص و مات قبل أن يراه و له أحاديث كثيرة و حكم مأثورة
فَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ص بَعَثَ إِلَيْهِ بِابْنِهِ وَ أَوْصَاهُ بِوَصِيَّةٍ حَسَنَةٍ وَ كَتَبَ مَعَهُ كِتَاباً يَقُولُ فِيهِ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى الْعَبْدِ فَإِنَّا بَلَغَنَا مَا بَلَغَكَ فَقَدْ أَتَانَا عَنْكَ خَبَرٌ مَا نَدْرِي مَا أَصْلُهُ فَإِنْ كُنْتَ أُرِيتَ فَأَرِنَا وَ إِنْ كُنْتَ عُلِّمْتَ فَعَلِّمْنَا وَ أَشْرِكْنَا فِي كَنْزِكَ وَ السَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ص بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَقُولُهَا وَ آمُرُ النَّاسَ بِهَا الْخَلْقُ خَلْقُ اللَّهِ وَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ خَلَقَهُمْ وَ أَمَاتَهُمْ وَ هُوَ يَنْشُرُهُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ آذَنْتُكُمْ بِآدَابِ الْمُرْسَلِينَ وَ لَتُسْئَلُنَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ص إِلَيْهِ جَمَعَ بَنِي تَمِيمٍ وَ وَعَظَهُمْ وَ حَثَّهُمْ عَلَى السَّيْرِ مَعَهُ إِلَيْهِ وَ عَرَّفَهُمْ وُجُوبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَ عِنْدَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَحْدَهُ وَ لَمْ يَتَّبِعْهُ غَيْرُ بَنِيهِ وَ بَنِي بَنِيهِ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ. وَ هُوَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ بْنِ رِيَاحِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ مُجَاشِرِ بْنِ شَرِيفِ بْنِ جَرْوَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ.
____________
(1) كذا في النسخة و قد تكون الكلمة: فانها، و الخطأ من الناسخ. و في غيبة الطوسيّ ص 87 هكذا: خلت مائتان غير ست و أربع و مثله في إكمال الدين ص 530.
125
و منهم صيفي بن رياح بن أكثم المذكور عاش مأتي سنة و سبعين سنة و لا ينكر من عقله شيء و زعم بعض الرواة أنه ذو الحلم الذي قال له المتلمس اليشكري
لذي الحلم قبل [اليوم] (1) ما تقرع العصا* * * و ما علم الإنسان إلا
ليعلما
و منهم صبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو عاش مأتي سنة و عشرين سنة و لم يشب قط و أدرك و لم يسلم روى أبو حاتم و الرياشي عن العتبي عن أبيه قال مات صبيرة السهمي و له مائتا سنة و عشرون سنة و كان أسود الشعر صحيح الأسنان فرثاه ابن عمه قيس بن عدي فقال
من يأمن الحدثان بعد* * * صبيرة السهمي مائتا
سبقت منيته المشيب* * * و كان ميتته افتلاتا
فتزودوا لا تهلكوا* * * من بين أهلكم خفاتا
. و منهم دويد (2) بن زيد بن نهد القضاعي عاش أربعمائة سنة و ستا و خمسين فلما حضره الموت قال
ألقى علي الدهر رجلا و يدا* * * و الدهر ما أصلح يوما أفسدا
يفسد ما أصلحه اليوم غدا
و قال أيضا
يا رب نهب صالح حويته* * * و اليوم يكفي لدريد بيته
و رب قرن بطل (3) أرديته* * * و رب عبل خشن لديته
لو كان للدهر بلى أبليته* * * أو كان قرني واحدا كفيته
.
____________
(1) التصحيح عن غيبة الطوسيّ ص 87.
(2) تجد أخباره في أمالي المرتضى ج (1) ص 236- 237.
(3) التصحيح عن أمالي المرتضى ج 1 ص 237.
126
و منهم (دريد بن الصمة الجشمي عاش دهرا طويلا و سقط حاجباه على عينيه و قيل إنه لم يتجاوز مأتي سنة و أدرك الإسلام فلم يسلم و شهد يوم حنين مع هوازن و قتل بها و هو القائل لما كبر
فإن يك رأسي كالنعمامة نسله* * * يطيف بي الولدان أحدث ..
رهينة قعر البيت كل عشية* * * كأني أرقى أو أصوب في المهد
فمن بعد فضل من شباب و قوة* * * و شعر أثيت حالك اللون مسود
. و منهم عمرو بن حممة الدوسي عاش أربعمائة سنة و هو الذي يقول
كبرت فطال العمر حتى كأني* * * سليم أفاع ليله غير مودع
فما الموت أفناني و لكن تتابعت* * * علي سنون من مصيف و مربع
ثلاث مئين قد مررن كواملا* * * و ها أنا هذا أرتجي مر أربع
فأصبحت مثل النسر حل جناحه* * * إذا هم تطيارا يقال له قع
. قال أبو روق حدثنا الرياشي عن عمرو بن بكير عن الهيثم بن عدي عن مجالد بن الشعبي قال كنا عند ابن عباس في قبة زمزم و هو يفتي الناس فقام إليه رجل فقال له أفتيت أهل الفتوى فأفت أهل الشعر قال قل قال ما معنى قول الشاعر
لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا* * * و ما علم الإنسان إلا ليعلما
. فقال ذاك عمرو بن حممة الدوسي قضى على العرب ثلاثمائة سنة فلما ألزموه و قد رأى السادس أو السابع من ولد ولده قال إن فؤادي بضعة مني فربما تغير علي اليوم و الليلة مرارا و أمثل ما أكون فيهما في صدر النهار
127
فإذا رأيتني قد تغيرت فأقرع العصا فكان إذا رأى منه تغيرا أقرع العصا فيراجعه فهمه فقال المتلمس (1)
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا* * * و ما علم الإنسان إلا ليعلما
و منهم زهير بن جناب بن عبد الله بن كنانة بن عوف القضاعي (2) عاش أربعمائة سنة و عشرين سنة (3) و كان سيدا مطاعا شريفا في قومه و كان يقال إنه كانت له عشر خصال لم يجتمعن في غيره عن أهل زمانه كان سيد قومه و خطيبهم و شاعرهم و حكيمهم و وافدهم إلى الملوك و طبيبهم و الطب في ذلك الوقت شرف و كاهن قومه و فارسهم و له البيت فيهم و له العدد منهم. و منهم الحرث بن مضاض الجرهمي .. إسماعيل (ع) من ولد جرهم الأكبر و جرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (ع) و هو القائل
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا* * * أنيس و لم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا* * * صروف الليالي و الجدود العواثر
و هي قصيدة طويلة قد رواها الناس. و منهم عامر بن الظرب العدواني (4) عاش مأتي سنة و كان من حكماء العرب و فيه يقول ذو الإصبع العدواني
و منا حكم يقضي* * * فلا ينقض ما يقضي
____________
(1) هو جرير بن عبد المسيح أو (عبد العزى). شاعر جاهلي من شعراء البحرين مات سنة 580 م و البيت من قصيدة يهجو بها عمرو بن هند ملك الحيرة أولها:
يعيرني أمي رجال و لا أرى* * * أخا كرم إلّا بأن يتكرما
و من كان ذا عرض كريم فلم يصن* * * له حسبا كان اللئيم المذمما
(2) أخباره في الأغاني ج 21 ص 148- 160 و أمالي الشريف المرتضى ج (1) ص 238 و ما بعدها.
(3) في الأمالي: عاش مأتي سنة و عشرين سنة.
(4). تجد أخباره في سيرة ابن هشام ج 1 ص 134.
128
و منهم الحرث بن كعب المذحجي عاش مائة و ستين سنة و له وصية حسنة لقومه و كان على شريعة المسيح (ع) و هو القائل
أكلت شبابي فأمضيته* * * و أمضيت من بعد دهر دهورا
ثلاثة أهلين جاورتهم* * * فبادوا و أصبحت شيخا كبيرا
قليل الطعام عسير القيام* * * قد ترك الدهر خطوي قصيرا
أبيت و أرعى نجوم السماء* * * أقلب أمري بطونا ظهورا
. و منهم الأفوه بن مالك الأودي (1) عاش مائتين و ثلاثين سنة و له وصية لقومه و قصيدته المشهورة عنه المعروفة (2)
فينا معاشر لن يبنوا لقومهم* * * و إن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا
لا يرشدون و لن يرعوا لمرشدهم* * * فالجهل منهم معا و الغي ميعاد
أضحوا كفيل بن عتر في عشيرته* * * إذ أهلكت بالذي باءت به عاد
و بعده كقدار حين تابعه* * * على الغواية أقوام فقد بادوا
و البيت لا يبتنى إلا له عمد* * * و لا عماد إذا لم ترس أوتاد
و إن تجمع أوتاد و أعمدة* * * و ساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم* * * و لا سراة إذا جهالهم سادوا
إذا تولى سراة القوم أمرهم* * * نما على ذاك أمر القوم فازدادوا
يلقى الأمور بأهل الرأي ما صلحت* * * فإن تولت فبالأشرار تنقاد
إمارة الغي أن نلقى الجميع لدى* * * الإبرام .. (3)
كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر* * * لهم عن الرشد أغلال و أقياد
أعطوا غواتهم جهلا مقادهم* * * فكلهم في حبال الغي منقاد
حان الرحيل إلى قوم و إن بعدوا* * * فيهم صلاح لمرتاد و إرشاد
فسوف أجعل بعد الأرض دونكم* * * و إن دنت رحم منكم و ميلاد
____________
(1) هو صلاءة بن عمرو بن مالك، و الافوه لقب، كان من سادات العرب في الجاهلية، و كان شاعرا فحلا و فارسا مغوارا، و ذا رأي و حزم و مات (سنة 570 م).
(2) في النسخة أغلاط كثيرة و نقص كلمات.
(3) كلمات غير واضحة.
129
إن النجاة إذا ما كنت ذا بصر* * * من .. أبعاد فأبعاد
. و روي في قوله أضحوا كفيل بن عتر في عشيرته أنهم كانوا و قد عادوا و أنهم خرجوا إلى البيت الحرام ليستسقوا لقومهم و كانوا قيل و لقمان و مريد و عارق فهم نزلوا على رجل من جرهم فاشتغلوا عنده باللهو و الطرب عن الاستسقاء فما أفاقوا من لهوهم إلا و قد رفع الله تعالى على قومهم سحابة سوداء فهبت عليهم الريح العقيم فأهلكتهم و إن قيلا ضربه الصر فقتله و لحق بهم و إن الثلاثة الباقين مروا فكان أطولهم عمرا لقمان بن عاد صاحب النسور و قد تقدم ذكره. و من المعمرين نضر بن ذهمان بن سليم بن أشجع عاش مائة و تسعين سنة و عاوده شبابه و سواد شعره و صحة عقله بعد ما مضى و فيه يقول العباس بن مرداس السلمي
لنضر بن ذهمان الهنيدة عاشها* * * و تسعين حولا ثم قوم فانصاتا (1)
و عاد سواد الشعر بعد بياضه* * * و راجعه شرخ الشباب الذي فاتا
و راجع عقلا بعد ما فات عقله* * * و لكنه من بعد ذا كله ماتا
أتت .. الخيل من أرض حمير* * * غرابيب دهما حالكات و كمتاتا
. و منهم أمية بن الأسكر الليثي (2) ذكر أنه عاش دهرا طويلا حتى صرت فمر به غلام كان يرعى غنمه و هو يحثو التراب على رأسه من الكبر فوقف ينظر إليه فلما أفاق أمية بصر بالغلام قائما ينظر إليه فأنشأ يقول
____________
(1) فانصاتا أي استوت قامته.
(2) أخباره مروية في الأغاني. أورد البيهقيّ منها ثلاثة أبيات.
130
أصبحت لهوا لراعي الضأن أعجبه* * * ما ذا يريبك مني راعي الضأن
انعق بضأنك في نجم تحضره* * * من الأباطح و احبسها بحدان
انعق بضأنك إني قد رعيتهم* * * بيض الوجوه بني عم و إخوان
أ بني أمية ألا تحضرا كبري* * * فإن عيشكما و الموت سيان
إذ نركب الفرس الأحرى ثلاثتنا* * * و إذ حديثكما و العيش مثلان
. و روي أن عمر بن الخطاب أخبر بخبر أمية فسأل عن ابنيه فقيل له إن أحدهما بالبصرة و الآخر بالكوفة فأمر بأن يكتب فيهما بأن يردا إلى أبيهما و قال أمية يذكر ابنه كلابا (1) و كان غائبا عنه
تركت أباك مرعشة يداه* * * و أمك ما يسيغ لها شرابا
إذا هتفت حمامة بطن واد* * * على إبكائها ذكرا كلابا
نمسح مهده شفقا عليه* * * و نجنبه أباعرنا الصعابا
(2) و منهم جعثم بن عوف بن خديجة عاش مائتين و خمسين سنة و قال
حتى منى جعثم في الأحياء* * * ليس بذي أيد و لا غناء
هيهات ما للموت من دواء
.
____________
(1) و كلاب هو ابن أميّة و كان من خيار المسلمين قتل مع عليّ (عليه السلام) بصفين.
(2) تجد هذه الأبيات في المحاسن و المساوئ ج 2 ص 361 فمن أبيات رواها البيهقيّ.
131
و منهم أوس بن ربيعة بن كعب بن أمية الأسلمي عاش مائتي سنة و أربع عشرة سنة و هو الذي يقول
لقد عمرت حتى مل أهلي* * * ثوائي عندهم و سئمت عمري
و حق لمن أتى مائتان عاما* * * عليه و أربع من بعد عشر
يمل من الثواء و صح يوم* * * يغاديه و ليل بعد يسر
فأبلى جدتي و تركت شلوا* * * و بحت بما يجن ضمير صدري
. و منهم كعب الردار بن هلال بن كعب عاش ثلاثمائة سنة حتى مل من حياته فقال في ذلك
لقد ملني الأدنى و أبغض رؤيتي* * * و أبنائي كذا ألا يحب كلامي
على الراحتين مرة و على العصا* * * أكون مليا ما أقل عظامي
فيا ليتني قد سخت في الأرض قامة* * * و ليت طعامي كان فيه حمامي
. و منهم أنس بن نواس بن مالك بن حبيش بن ربيعة عاش دهرا طويلا و نبتت أسنانه بعد ما سقطت فقال
أصبحت من بعد البزول رباعيا* * * و كيف الرباعي بعد ما شق بازله
و يوشك أن يلقى بنينا و إن بعد* * * إلى جذع يثكل أخاكم ثواكله
إذا ما ثغرنا مرتين تقطعت* * * حبال الصبا و أنبت منها وسائله
.
132
و منهم ثعلبة بن عبد بن كعب بن عبد الأشهل عاش مائتي سنة و ثلاثا و ثلاثين سنة و هو جد الضحاك و هو القائل لما عمر
لقد صاحبت أقواما فأمسوا* * * خفاة لا يجاب لهم دعاء
و قوما بعدهم قد نادموني* * * فأمسى موحشا منهم فناء
مضوا قصد السبيل و خلفوني* * * فطال علي بعدهم التواء
فأصبحت الغداة رهين قبر* * * و أخلفني من الموت الرجاء
. و منهم بحر بن الحارث بن إمرئ القيس الكلبي عاش مائة و خمسين سنة و أدرك الإسلام فلم يسلم و هو القائل
من عاش خمسين عاما قبلها مائة* * * من السنين و أضحى بعد ينتظر
و صار في البيت مثل الحلس مطرحا* * * لا يستشار و لا يعطى و لا يذر
مل المعاش و مل الأقربون له* * * طول الحياة و شر العيشة الكبر
. و من المعمرين ذو جدن الحميري و كان ملكا يروى أنه عاش ثلاثمائة سنة و هو القائل
لكل جنب واقع مضطجع* * * و الموت لا ينفع منه الجزع
اليوم تجزون بأعمالكم* * * و كل امرئ يحصد ما قد زرع
لو كان شيئا مفلتا حتفه* * * أخلت منه في الجبال الصدع
133
له سماء و له أرضه* * * يرفع من شاء و من شاء وضع
(1) أخبار قس بن ساعدة الأيادي و من المعمرين قس بن ساعدة الأيادي (رحمه الله) عاش دهرا طويلا فروي أنه عاش ستمائة سنة و روي أقل من ذلك و كان من عقلاء العرب و حكمائهم و هو أول من كتب من فلان بن فلان إلى فلان. و هو أول من وحد الله تعالى و آمن به و أقر بعدله و حكمته و أنه خلق العباد و ينشرهم بعد الممات و هو أول من قال أما بعد و أول من خطب بعصا و فيه يقول الأعشى قيس بن ثعلبة
و أحكم من قس و أجرا من الذي* * * بذي الفيل من خفان أصبح خادرا
و يقول الحطيئة
و أقول من قس و أمضى إذا مضى* * * من الريح إن مس النفوس نكالها
و قس الذي يقول
هل الغيث معطي الأمن عند نزوله* * * بحال مسيء في الأمور و محسن
و ما قد تولى و هو قد فات ذاهب* * * فهل ينفعني ليتني و لو أنني
. و كذلك يقول لبيد
و أخلف قسا ليتني و لو أنني* * * و أعي على لقمان حكم التدبر
و كان قس أحسن الناس في زمانه عبادة و أفصحهم خطابة و أبلغهم عظة
____________
(1) انظر: اخباره في الأغاني ج 4 ص 67- 70، و في سيرة ابن هشام.
134
و كان كثيرا ما يذكر رسول الله ص و يبشر الناس به و آمن به قبل مبعثه و كان النبي ص يستعلم أخباره و يستعيد من الناس مواعظه و يترحم عليه
وَ يَقُولُ إِنَّ قُسّاً أُمَّهٌ وَحْدَهُ
خبر قس و ما قاله بسوق عكاظ
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ بِمَدِينَةِ الرَّمْلَةِ فِي سَنَةِ عَشَرَةٍ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَارْسِيرِيُّ الْحَنْظَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ اللَّخْمِيِّ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ أَيُّكُمْ يَعْرِفُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْأَيَادِيَّ قَالُوا كُلُّنَا نَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَسْتُ أَنْسَاهُ بِعُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَ هُوَ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ اجْتَمِعُوا فَإِذَا اجْتَمَعْتُمْ فَاسْمَعُوا فَإِذَا سَمِعْتُمْ فَعُوا قَالَ وَعَيْتُمْ فَقُولُوا فَإِذَا قُلْتُمْ فَاصْدُقُوا مَنْ عَاشَ مَاتَ وَ مَنْ مَاتَ فَاتَ وَ كُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَراً وَ إِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَراً مِهَادٌ مَوْضُوعٌ وَ سَقْفٌ مَرْفُوعٌ وَ نُجُومٌ تَمُورُ وَ بِحَارٌ لَا تَغُورُ أَقْسَمَ قُسٌّ بِاللَّهِ قَسَماً حَقّاً لَا كَاذِباً فِيهِ وَ لَا آثِماً إِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ رِضًا لَيَكُونَنَّ سَخَطٌ إِنَّ لِلَّهِ دِيناً هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ أَ رَضُوا بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامُوا أَمْ تَرَكُوا فَنَامُوا ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمْ يَرْوِي شِعْرَهُ فَأَنْشَدُوهُ
135
فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ* * * مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرُ
لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِداً* * * لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرُ
وَ رَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا* * * يَسْعَى الْأَصَاغِرُ وَ الْأَكَابِرُ
لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي وَ لَا* * * يَبْقَى مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرٌ
أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مُحَالَةَ* * * حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرٌ
(1)
و
رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ خَرَجْتُ فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لِي ضَلَّ فَوَجَدْتُهُ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ يَنْهَشُ مِنْ وَرَقِهَا فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَزَمَمْتُهُ وَ اسْتَوَيْتُ عَلَى كُورِهِ ثُمَّ اقْتَحَمْتُ وَادِياً فَإِذَا أَنَا بِعَيْنٍ خَرَّارَةٍ وَ رَوْضَةٍ مُدْهَامَّةٍ وَ شَجَرَةٍ عَادِيَةٍ وَ إِذَا أَنَا بِقُسٍّ قَائِماً بَيْنَ قَبْرَيْنِ قَدِ اتَّخَذَ لَهُ بَيْنَهُمَا مَسْجِداً قَالَ فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ قُلْتُ لَهُ مَا هَذَانِ الْقَبْرَانِ فَقَالَ هَذَانِ قَبْرَا أَخَوَيْنِ كَانَا يَعْبُدَانِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ مَعِي فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَنَا أَعْبُدُ اللَّهَ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ أَلْحَقَ بِهِمَا. قَالَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْقَبْرَيْنِ فَجَعَلَ يَبْكِي وَ هُوَ يَقُولُ
خَلِيلَيَّ هَبَّا طَالَ مَا قَدْ رَقَدْتُمَا* * * أَ جَدُّكُمَا أَمْ تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا
أَرَى خَلَلًا فِي الْعَظْمِ وَ الْجِلْدِ مِنْكُمَا* * * كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا
أَ لَمْ تَعْلَمَا أَنِّي بِسِمْعَانَ مُفْرَدٌ* * * وَ مَا لِي بِسِمْعَانَ حَبِيبٌ سِوَاكُمَا
مُقِيمٌ عَلَى قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ بَارِحاً* * * طُوَالَ اللَّيَالِي أَوْ يُجِيبُ صَدَاكُمَا
فَلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لِنَفْسٍ فِدَاءَهَا* * * لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ أَكُونَ فِدَاكُمَا
(2).
____________
(1) خطبة قس و شعره هذا رواه الجاحظ في البيان و النبيين ج 1 ص 247- 248 و المفيد في الأمالي (المجالس) ص 201- 202.
(2) تجد هذا الخبر في المجالس للمفيد ص 202- 203 مختصرا. و في سيرة ابن هشام ج 1 ص 13.
136
قَالَ فَقُلْتُ لَهُ لِمَ لَا تَلْحَقُ بِقَوْمِكَ فَتَكُونَ مَعَهُمْ فِي خَيْرِهِمْ وَ شَرِّهِمْ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ وُلْدَ إِسْمَاعِيلَ تَرَكُوا دِينَ أَبِيهِمْ وَ اتَّبَعُوا الْأَضْدَادَ وَ عَظَّمُوا الْأَنْدَادَ قُلْتُ وَ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ فَقَالَ أُصَلِّيهَا لِإِلَهِ السَّمَاءِ فَقُلْتُ وَ لِلسَّمَاءِ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّاتِ وَ الْعُزَّى فَامْتَعَطَ وَ امْتَقَعَ لَوْنُهُ وَ قَالَ إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَخَا أَيَادٍ إِنَّ لِلسَّمَاءِ إِلَهاً هُوَ الَّذِي خَلَقَهَا وَ بِالْكَوَاكِبِ زَيَّنَهَا وَ بِالْقَمَرِ الْمُنِيرِ أَشْرَقَهَا أَظْلَمَ لَيْلَهَا وَ أَضْحَى نَهَارَهَا وَ سَوْفَ تَعُمُّهُمْ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ وَ أَوْمَى بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ بِرَجُلٍ أَبْلَجَ مِنْ وُلْدِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ يَدْعُو إِلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ مَا أَظُنُّ أَنِّي أُدْرِكُهُ وَ لَوْ أَدْرَكْتُ أَيَّامَهُ لَصَفَقْتُ بِكَفِّي عَلَى كَفِّهِ وَ سَعَيْتُ مَعَهُ حَيْثُ يَسْعَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص رَحِمَ اللَّهُ أَخِي قُسّاً يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ
خبر آخر عن قس يذكر فيه رسول الله ص و الأئمة (ع) من بعده
أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّبَّاطُ (1) الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيُّ الْجَوْهَرِيُّ الْحَافِظُ (2) قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ لَاحِقِ بْنِ سَابِقٍ- قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ الشَّرْقِيِّ بْنِ الْقُطَامِيِّ- عَنْ تَمِيمِ بْنِ وَهْلَةَ الْمُرِّيِّ قَالَ حَدَّثَنِي الْجَارُودُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْعَبْدِيُ (3) وَ كَانَ نَصْرَانِيّاً فَأَسْلَمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ (2) وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُ وَ كَانَ قَارِئاً لِلْكُتُبِ عَالِماً بِتَأْوِيلِهَا عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ وَ سَالِفِ الْعَصْرِ بَصِيراً بِالْفَلْسَفَةِ وَ الطِّبِّ ذَا رَأْيٍ أَصِيلٍ وَ وَجْهٍ جَمِيلٍ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ
____________
(1) تجد هذا الخبر في كتاب مقتضب الأثر لابن عيّاش الجوهريّ ص 36- 37 ببعض الاختلاف.
(2) هي مكان بعيد عن مكّة المكرمة على بعد تسعة أميال ممّا يلي طرف الحرم، و فيه كان الموادعة بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بين المشركين و ذلك في ذي العقدة من السنة السادسة للهجرة.
137
وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فِي رِجَالٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ ذَوِي أَحْلَامٍ وَ أَسْنَانٍ وَ فَصَاحَةٍ وَ بَيَانٍ وَ حُجَّةٍ وَ بُرْهَانٍ فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ ص رَاعَهُمْ مَنْظَرُهُ وَ مَحْضَرُهُ عَنْ بَيَانِهِمْ وَ اعْتَرَاهُمُ الرَّعْدَاءُ فِي أَبْدَانِهِمْ فَقَالَ زَعِيمُ الْقَوْمِ لِي دُونَكَ مَنْ أَمَّمْتَ بِنَا أَمِّمْهُ فَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فَاسْتَقْدَمْتُ دُونَهُمْ إِلَيْهِ فَوَقَفْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْتُ سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي ثُمَّ أَنْشَأْتُ أَقُولُ
يَا نَبِيَّ الْهُدَى أَتَتْكَ رِجَالٌ* * * قَطَعَتْ قَرْدَداً وَ آلًا فَآلًا
جَابَتِ الْبِيدَ وَ الْمَهَامَةَ حَتَّى* * * غَالَهَا مِنْ طُوَى السُّرَى مَا غَالا
قَطَعَتْ دُونَكَ الصَّحَاصِحَ تَهْوَى* * * لَا تَعُدُّ الْكَلَالَ فِيكَ كَلَالًا
كُلُّ دَهْنَاءَ يَقْصُرُ الطَّرْفُ عَنْهَا* * * أَرْقَلَتْهَا قِلَاصُنَا إِرْقَالًا
وَ طَوَتْهَا الْعَتَاقُ تَجْمَحُ فِيهَا* * * بِكُمَاةٍ مِثْلَ النُّجُومِ تَلَالًا
ثُمَّ لَمَّا رَأَتْكَ أَحْسَنَ مَرْأًى* * * أُفْحِمَتْ عَنْكَ هَيْبَةً وَ جَلَالًا
تَتَّقِي شَرَّ بَأْسِ يَوْمٍ عَصِيبٍ* * * هَائِلٍ أَوْجَلَ الْقُلُوبَ وَ هَالا
وَ نِدَاءً لِمَحْشَرِ النَّاسِ طُرّاً* * * وَ حِسَاباً لِمَنْ تَمَادَى ضَلَالًا
نَحْوَ نُورٍ مِنَ الْإِلَهِ وَ بُرْهَانٍ* * * وَ بِرٍّ وَ نِعْمَةٍ لَنْ تَنَالا
وَ أَمَانٌ مِنْهُ لَدَى الْحَشْرِ وَ النَّشْرِ* * * إِذِ الْخَلْقُ لَا يُطِيقُ سُؤَالًا
فَلَكَ الْحَوْضُ وَ الشَّفَاعَةُ وَ الْكَوْثَرُ* * * وَ الْفَضْلُ إِذْ يُنَصُّ السُّؤَالا
خَصَّكَ اللَّهُ يَا ابْنَ آمِنَةَ الْخَيْرِ* * * إِذَا مَا بَكَتْ سِجَالٌ سِجَالًا
أَنْبَأَ الْأَوَّلُونَ بِاسْمِكَ فِينَا* * * وَ بِأَسْمَاءٍ بَعْدَهُ تَتَلَالا
قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ص بِصَفْحَةِ وَجْهِهِ الْمُبَارَكِ شِمْتُ مِنْهُ ضِيَاءً لَامِعاً سَاطِعاً كَوَمِيضِ الْبَرْقِ فَقَالَ يَا جَارُودُ لَقَدْ تَأَخَّرَ بِكَ وَ بِقَوْمِكَ الْمَوْعِدُ وَ قَدْ كُنْتُ وَعَدْتُهُ قَبْلَ عَامِي ذَلِكَ أَنْ أَفِدَ إِلَيْهِ بِقَوْمِي فَلَمْ آتِهِ وَ أَتَيْتُهُ فِي عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ فَقُلْتُ مَا كَانَ إِبْطَائِي عَنْكَ إِلَّا أَنَّ جُلَّةَ قَوْمِي أَبْطَئُوا عَنْ إِجَابَتِي حَتَّى سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْكَ لَمَّا أَرَادَ لَهَا بِهِ مِنَ الْخَيْرِ لَدَيْكَ. وَ أَمَّا مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ فَحَظُّهُ فَاتَ مِنْكَ فَتِلْكَ أَعْظَمُ حَوْبَةً وَ أَكْبَرُ عُقُوبَةً
138
وَ لَوْ كَانُوا مِمَّنْ رَآكَ لَمَا تَخَلَّفُوا عَنْكَ وَ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ لَا أَعْرِفُهُ قُلْتُ وَ مَنْ هُوَ قَالُوا هُوَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ذُو الْبُرْهَانِ الْعَظِيمِ وَ الشَّأْنِ الْقَدِيمِ. فَقَالَ سَلْمَانُ وَ كَيْفَ عَرَفْتَهُ أَخَا عَبْدِ الْقَيْسِ مِنْ قَبْلِ إِتْيَانِهِ فَأَقْبَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ هُوَ يَتَلَأْلَأُ وَ يُشْرِقُ وَجْهُهُ نُوراً وَ سُرُوراً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قُسّاً كَانَ يَنْتَظِرُ زَمَانَكَ وَ يَتَوَكَّفُ إِبَّانَكَ وَ يَهْتِفُ بِاسْمِكَ وَ أَبِيكَ وَ أُمِّكَ وَ بِأَسْمَاءٍ لَسْتُ أُصِيبُهَا مَعَكَ وَ لَا أَرَاهَا فِيمَنِ اتَّبَعَكَ قَالَ سَلْمَانُ فَأَخْبِرْنَا فَأَنْشَأْتُ أُحَدِّثُهُمْ وَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَسْمَعُ وَ الْقَوْمُ سَامِعُونَ وَاعُونَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ شَهِدْتُ قُسّاً وَ قَدْ خَرَجَ مِنْ نَادٍ مِنْ أَنْدِيَةِ أَيَادٍ إِلَى صَحْصَحٍ ذِي قَتَادٍ وَ سَمُرٍ وَ عَتَادٍ وَ هُوَ مُشْتَمِلٌ بِنَجَادٍ فَوَقَفَ فِي إِضْحِيَانِ لَيْلٍ كَالشَّمْسِ رَافِعاً إِلَى السَّمَاءِ وَجْهَهُ وَ إِصْبَعَهُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ السَّبْعَةِ الْأَرْقِعَةِ وَ الْأَرَضِينَ الْمُمْرِعَةِ وَ بِمُحَمَّدٍ وَ الثَّلَاثَةِ الْمَحَامِدَةِ مَعَهُ وَ الْعَلِيِّينَ الْأَرْبَعَةِ وَ سِبْطَيْهِ التَّبِعَةِ الْأَرْفِعَةِ وَ السَّرِيِّ الْأَلْمِعَةِ وَ سَمِيِّ الْكَلِيمِ الضَّرِعَةِ وَ الْحَسَنِ ذِي الرِّفْعَةِ أُولَئِكَ النُّقَبَاءُ الشَّفَعَةُ وَ الطَّرِيقُ الْمَهْيَعَةُ دَرَسَةُ الْإِنْجِيلِ وَ حَفَظَةُ التَّنْزِيلِ عَلَى عَدَدِ النُّقَبَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُحَاةُ الْأَضَالِيلِ نُفَاةُ الْأَبَاطِيلِ الصَّادِقُو الْقِيلِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ وَ بِهِمْ تُنَالُ الشَّفَاعَةُ وَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَرْضُ الطَّاعَةِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ لَيْتَنِي مُدْرِكُهُمْ وَ لَوْ بَعْدَ لَأْيٍ مِنْ عُمُرِي وَ مَحْيَايَ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
مَتَى أَنَا قَبْلَ الْمَوْتِ لِلْحَقِّ مُدْرِكٌ* * * وَ إِنْ كَانَ لِي مِنْ بَعْدِ هَاتِيكَ مُهْلِكٌ
وَ إِنْ غَالَنِي الدَّهْرُ الْحَرُونُ بِقَوْلِهِ* * * فَقَدْ غَالَ مَنْ قَبْلِي وَ مَنْ بَعْدُ يُوشِكُ
فَلَا غَرْوَ أَنِّي سَالِكٌ مَسْلَكَ الْأُولَى* * * وَشِيكاً وَ مَنْ ذَا لِلرَّدَى لَيْسَ يَسْلُكُ
ثُمَّ آبَ يُكَفْكِفُ دَمْعَهُ وَ يَرِنُّ رَنِينَ الْبِكْرَةِ قَدْ بُرِيَتْ بِبُرَاةٍ وَ هُوَ يَقُولُ
أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَماً* * * لَيْسَ بِهِ مُكْتَتِماً
لَوْ عَاشَ أَلْفَيْ عُمُرٍ* * * لَمْ يَلْقَ مِنْهَا سَأَماً
حَتَّى يُلَاقِيَ أَحْمَدَا* * * وَ النُّقَبَاءَ الْحُكَمَا
139
هُمْ أَوْصِيَاءُ أَحْمَدَ* * * أَكْرَمُ مَنْ تَحْتَ السَّمَا
يَعْمَى الْعِبَادُ عَنْهُمُ* * * وَ هُمْ جِلَاءٌ لِلْعَمَى
لَسْتُ بِنَاسٍ ذِكْرَهُمْ* * * حَتَّى أَحُلَّ الرَّجَمَا
ثُمَّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْبِئْنِي أَنْبَأَكَ اللَّهُ بِخَبَرٍ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ نَشْهَدْهَا وَ أَشْهَدَنَا قُسٌّ ذِكْرَهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا جَارُودُ لَيْلَةٌ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيَّ أَنْ سَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا عَلَى مَا بُعِثُوا فَقُلْتُ لَهُمْ عَلَى مَا بُعِثْتُمْ فَقَالُوا عَلَى نُبُوَّتِكَ وَ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْأَئِمَّةِ مِنْكُمَا ثُمَّ أَوْحَى إِلَيَّ أَنِ الْتَفِتْ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ الْحَسَنُ بْنِ عَلِيٍّ وَ الْمَهْدِيُّ (ع) فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نُورٍ يُصَلُّونَ فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ تَعَالَى هَؤُلَاءِ الْحُجَجُ لِأَوْلِيَائِي وَ هَذَا الْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي قَالَ الْجَارُودُ فَقَالَ سَلْمَانُ يَا جَارُودُ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ فَانْصَرَفْتُ بِقَوْمِي وَ أَنَا أَقُولُ
أَتَيْتُكَ يَا ابْنَ آمِنَةَ الرَّسُولَا* * * لِكَيْ بِكَ أَهْتَدِي النَّهْجَ السَّبِيلَا
فَقُلْتَ فَكَانَ قَوْلُكَ قَوْلَ حَقٍ* * * وَ صِدْقٍ مَا بَدَا لَكَ أَنْ تَقُولَا
وَ بَصَّرْتَ الْعَمَى مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ* * * وَ كُلٌّ كَانَ مِنْ عَمَهٍ ضَلِيلًا
وَ أَنْبَأْنَاكَ عَنْ قُسِّ الْأَيَادِي* * * مَقَالًا فِيكَ ظَلْتَ بِهِ جَدِيلًا
وَ أَسْمَاءٍ عَمَتْ عَنَّا فَآلَتْ* * * إِلَى عِلْمٍ وَ كُنْتُ بِهِ جَهُولًا
(1)
____________
(1) تجد هذا الخبر في مقتضب الأئمة ص 37- 43 و انظر البحار ج 15 ص 247 ببعض الاختلاف. و ذكره المؤلّف في كتابه الاستنصار ص 37.
140
فصل من الكلام في هذا الخبر
اعلم أيدك الله تعالى أنك تسأل في هذا الخبر عن ثلاثة مواضع أحدها أن يقال لك كان الأنبياء المرسلون (ع) قبل رسول الله ص قد ماتوا فكيف يصح سؤالهم في السماء. و ثانيها أن يقال لك ما معنى قولهم إنهم بعثوا على نبوته و ولاية علي و الأئمة من ولده ع. و ثالثها أن يقال لك كيف يصح أن يكون الأئمة الاثنا عشر (ع) في تلك الحال في السماء و نحن نعلم ضرورة خلاف هذا لأن أمير المؤمنين (ع) كان في ذلك الوقت بمكة في الأرض و لم يدع قط و لا ادعى له أحد أنه صعد إلى السماء فأما الأئمة من ولده فلم يكن وجد أحد منهم بعد و لا ولد فما معنى ذلك إن كان الخبر حقا فهذه مسائل صحيحة و يجب أن يكون معك لها أجوبة متعددة. أما الجواب عن السؤال الأول فهو أنا لا نشك في موت الأنبياء (ع) غير أن الخبر قد ورد بأن الله تعالى يرفعهم بعد مماتهم إلى سمائه و أنهم يكونون فيها أحياء متنعمين إلى يوم القيامة. و ليس ذلك بمستحيل في قدرة الله تعالى
وَ قَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ أَنَا أَكْرَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يَدَعَنِي فِي الْأَرْضِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ
و هكذا عندنا حكم الأئمة ع
قَالَ النَّبِيُّ ص لَوْ مَاتَ نَبِيٌّ بِالْمَشْرِقِ وَ مَاتَ وَصِيُّهُ بِالْمَغْرِبِ لَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا
. و ليس زيارتنا لمشاهدهم على أنهم بها و لكن لشرف المواضع فكانت غيبة الأجساد فيها و لعباده أيضا ندبنا إليها فيصح على هذا أن يكون النبي ص رأى الأنبياء (ع) في السماء فسألهم كما أمره الله.
141
و بعد فقد قال الله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. فإذا كان المؤمنون الذين قتلوا في سبيل الله تعالى بهذا الوصف فكيف ينكر أن الأنبياء بعد موتهم أحياء منعمون في السماء. و قد اتصلت الأخبار من طريق الخاص و العام بتصحيح هذا و أجمع الرواة على أن النبي ص لما خوطب بفرض الصلاة ليلة المعراج و هو في السماء قال له موسى (ع) إن أمتك لا تطيق و إنه راجع (1) الله تعالى دفعة بعد أخرى (2) و ما حصل عليه الاتفاق فلم يبق فيه كذب. و أما الجواب عن السؤال الثاني فهو أن يكون الأنبياء قد أعلموا بأنه سيبعث نبيا يكون خاتمهم و ناسخا بشرعه لشرائعهم و اعلموا أنه أجلهم و أفضلهم و أنه سيكون له أوصياء من بعده حفظة لشرعه و حملة لدينه و حجج على أمته فوجب على الأنبياء (ع) التصديق بما أخبروا به و الإقرار بجميعه.
أَخْبَرَنِي الشَّرِيفُ يَحْيَى بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَبَاطَبَا الْحُسَيْنِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْمَوْصِلِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ (ع) يَقُولُ مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ حَقِّنَا وَ تَفْضِيلِنَا عَلَى مَنْ سِوَانَا
. و إن الأمة مجمعة على أن الأنبياء قد بشروا بنبينا و نبهوا على أمره و لا
____________
(1) في النسخة: راجع إلى اللّه.
(2) خبر المعراج و قول موسى (ع) له (ص) إن امتك لا تطيق و مراجعته، تجده في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، و صحيح النسائي، انظر: فضائل الخمسة ج (1) ص 106- 108.
142
يصح منهم ذاك إلا و قد أعلمهم الله تعالى به فصدقوا و آمنوا بالمخبر به و كذلك قد روت الشيعة بأنهم قد بشروا بالأئمة أوصياء رسول الله ص. و أما الجواب عن السؤال الثالث فهو أنه يجوز أن يكون الله تعالى أحدث ل رسوله ص في الحال صورا كصور الأئمة (ع) ليراهم أجمعين على كمالهم فيكون كمن شاهد أشخاصهم برؤيته مثالهم و يشكر الله تعالى على ما منحه من تفضيلهم و إجلالهم و هذا في العقول من الممكن المقدور. و يجوز أيضا أن يكون الله تعالى خلق على صورهم ملائكة في سمائه يسبحونه و يقدسونه لتراهم ملائكته الذين قد أعلمهم بأنه يكون في أرضه حججا له على خلقه فتتأكد عندهم منازلهم و تكون رؤيتهم تذكارا لهم بهم و بما سيكون من أمرهم. و قد جاء
فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص رَأَى فِي السَّمَاءِ لَمَّا خرج [عُرِجَ] بِهِ مَلَكاً عَلَى صُورَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)
و هذا خبر قد اتفق أصحاب الحديث على نقله.
حَدَّثَنِي بِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ وَ نَقَلْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِإِيضَاحِ دَقَائِقِ النَّوَاصِبِ وَ قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ جَعْفَرُ بْنُ مَسْرُورٍ اللَّجَّامُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلَوِيَّةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْأَسْوَدِ الْكَاتِبِ الْأَصْبَهَانِيِ (1) قَالَ حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَا مَرَرْتُ بِمَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا سَأَلُونِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
____________
(1) هو الكرماني المتوفّى سنة 320 و نيف أو سنة 312 و تجاوز المائة من عمره كان لغويا أديبا كاتبا شاعرا شيعيا راويا للحديث له كتاب الاعتقاد في الأدعية، و ذكر ياقوت في معجم الأدباء أن له ثمانية كتب في الأدعية من إنشائه و له شعر في مدح أمير المؤمنين و منه النونية المسماة بالالفية و المحبرة ذكر ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب مقاطيع منها.
143
طَالِبٍ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اسْمَ عَلِيٍّ أَشْهَرُ فِي السَّمَاءِ مِنِ اسْمِي فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ نَظَرْتُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مَا خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً إِلَّا أَقْبِضُ رُوحَهُ بِيَدِي مَا خَلَا أَنْتَ وَ عَلِيٌّ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمَا بِقُدْرَتِهِ فَلَمَّا صِرْتُ تَحْتَ الْعَرْشِ نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ هَذَا عَلِيّاً وَ لَكِنَّهُ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَنِ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَنَحْنُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ كُلَّمَا اشْتَقْنَا إِلَى وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زُرْنَا هَذَا الْمَلَكَ لِكَرَامَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ
فيصح على هذا الوجه أن يكون الذين رآهم رسول الله ص ملائكة على صور الأئمة (ع) و جميع ذلك داخل في باب التجويز و الإمكان و الحمد لله. نرجع إلى ذكر المعمرين. و قد روي أن منهم سلمان الفارسي رحمة الله عليه و أنه عاش مائتين من السنين و روي أن منهم عمرو بن العاص و أنه عاش في الجاهلية و الإسلام مائتي سنة و أنه قال حين أحس الموت
مضت مائتا حول لعمرو و بعدها* * * رمته المنايا بالسهام القواصد
فمات و ما حي و إن طال عمره* * * على مر أيام السنين بخالد
. و منهم أمد بن لبد عاش ثلاثمائة و ستين سنة و روي أن معاوية بن أبي سفيان قال أنا أحب أن ألقى رجلا قد أتت عليه سن و قد رأى الناس يخبرنا عما رأى فقيل له هذا رجل بحضرموت فأرسل إليه فأتاه فقال ما اسمك فقال أمد قال ابن من قال ابن لبد قال ما أتى عليك من السنين قال ستون و ثلاثمائة سنة قال كذبت ثم تشاغل عنه معاوية ثم قال أخبرنا عما رأيت من الأزمان الماضية إلى زماننا هذا من ذاك.
144
قال يا أمير المؤمنين و كيف تسأل من يكذب قال ما كذبتك و لكن أحببت أعلم كيف عقلك قال يوم شبيه يوم و ليلة شبيهة بليلة يموت ميت و يولد مولود و لو لا من يموت لم تسعهم الأرض و لو لا من يولد لم يبق أحد على وجه الأرض قال فأخبرني هل رأيت هاشما قال نعم رأيت رجلا طوالا حسن الوجه يقال بين عينيه بركة أو غرة بركة قال فهل رأيت أمية قال نعم رأيت رجلا قصيرا أعمى يقال إن في وجهه أشرا و شؤما. قال فهل رأيت محمدا قال من محمد قال رسول الله قال ويحك أ فلا فخمته كما فخمه الله فقلت رسول الله ص قال فأخبرني ما كانت صناعتك قال كنت تاجرا قال فما بلغت في تجارتك قال كنت لا أستر عيبا و لا أرد ربحا قال معاوية سلني قال أسألك أن تدخلني الجنة قال ليس ذلك بيدي و لا أقدر عليه. قال فأسألك أن ترد علي شبابي قال ليس ذلك بيدي و لا أقدر عليه قال فلا أرى عندك شيئا من أمر الدنيا و لا من أمر الآخرة فردني من حيث جئت بي قال أما هذا فنعم ثم أقبل معاوية على جلسائه فقال لقد أصبح هذا زاهدا فيما أنتم فيه ترغبون.
145
و من المعمرين عبيد بن شريد الجرهمي (1) عاش ثلاثمائة سنة و لحق أيضا أيام معاوية بن أبي سفيان فروي أنه قدم عليه يوما إلى الشام فقال معاوية أخبرني من أعجب ما رأيت قال نعم انتهيت إلى قوم يدفنون ميتا لهم فلما فرغوا منه اغرورقت عيناي و تمثلت بهذه الأبيات.
يا قلب إنك في أسماء مغرور* * * فاذكر و هل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد* * * حتى جرت بك إطلاقا محاضير
ما بت فاصبر فما تدري أ عاجلها* * * خير لنفسك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا و ارضين به* * * فبينما العسر إذ دارت مياسير
و بينما المرء في الأحياء مغتبط* * * إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير
حتى كأن لم يكن إلا تذكره* * * و الدهر أيتما حال دهارير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه* * * و ذو قرابته في الحي مسرور
و ذاك آخر عهد من أخيك إذا* * * ما الميت ضمنه اللحد الخناسير
. يعني بالخناسير الحفارين
____________
(1) تجد قصة عبيد الجرهمي في اكمال الدين ص 511- 512 خالية من الأبيات المذكورة و هي قصة طويلة.
146
فقال لي رجل منهم هل تدري من قال هذه الأبيات قلت لا قال هو الذي دفناه (1) و من المعمرين العوام بن المنذر الطائي عاش دهرا طويلا في الجاهلية و بقي إلى أن أدرك خلافة عمر بن عبد العزيز فأدخل عليه و قد اختلفت ترقوتاه و سقط حاجباه فقيل ما أدركت فقال
و الله ما أدري أ أدركت أمة* * * على عهد ذي القرنين أم كنت أقدما
متى تنزعوا عني اللباس تبينوا* * * أجاجي لم يكسين لحما و لا دما
. و من المعمرين أيضا تميم بن ثعلبة بن عطاية الربعي عاش مائتي سنة و معديكرب الحميري من آل ذي رعين عاش مائتين و خمسين سنة و جعفر بن قرط الجهني عاش ثلاثمائة سنة و أدرك الإسلام و أسلم و عوف بن كنانة الكلبي عاش ثلاثمائة سنة و هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي عاش ستمائة و سبعين سنة و حصين بن عتبان الزبيدي عاش مائتين و خمسين سنة و شربة بن عبد الله الجعفي من سعد العشيرة عاش ثلاثمائة سنة. و ربيعة بن كعب بن زيد مناة بن تميم عاش ثلاثمائة سنة و ثلاثين سنة و أدرك الإسلام فأسلم و كان شاعرا و سيف بن وهب الطائي عاش مائتي سنة و عدوان بن عمرو بن قيس عاش مائتين و خمسين سنة و كف بصره و عاش ابن يزيد الجعفي خمس و مائة سنة و أدرك الإسلام و عاش مرداس بن ضييم بن زيد العشيرة مائتين و ستا و ثلاثين سنة
____________
(1) رواه البيهقيّ في المحاسن و المساوئ ج 2 ص 19 مختصرا.
147
و عاش عمرو بن ربيعة اللخمي ثلاثمائة و أربعين سنة. فهذا طرف من ذكر المعمرين و مختصر مما رواه أصحاب الأثر و علماء المصنفين قد أوردته لك زيادة على ما تقدم و إثباتا للحجة على من يفهم. و إذا جاز أن يعمر الله تعالى جماعة من خلقه من أنبيائه (ع) و أوليائه و المشركين له و يمدهم بصحة الأجساد و ثبوت العقل و الرأي فما الذي ينكر من طول عمر صاحب الزمان (ع) و هو حجة الله تعالى على العباد و خاتم الأوصياء من ذرية رسوله ص و الموعود بالبقاء حتى يكون على يده هلاك جميع الأعداء و يصير الدين كله لله لو لا أن خصومنا معاندون للحق و مكابرون. و قد ذاع بين كثير من الخصوم ما يروى و يقال اليوم من حال المعمر أبي الدنيا المغربي المعروف بالأشبح و أنه باق من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى الآن و أنه مقيم من ديار المغرب في أرض طنجة و رؤية الناس له في هذه الديار و قد عبر متوجها إلى الحج و الزيارة و روايتهم عنه حديثه و قصته و أحاديث سمعها من أمير المؤمنين ص و قوله إنه كان ركابيا بين يديه و رواية الشيعة أنه يبقى إلى أن يظهر صاحب الزمان ص. و كذلك حال المعمر المشرقي و وجوده بمدينة من أرض المشرق يقال لها سهردود إلى الآن و رأينا جماعة رأوه و حدثوا حديثه و أنه أيضا كان خادما لأمير المؤمنين ص و الشيعة تقول إنهما يجتمعان عند ظهور الإمام المهدي عليه و على آبائه أفضل السلام
خبر المعمر المغربي
و هو علي بن عثمان بن الخطاب البلوي (1) حدثني الشريف طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني بمصر سنة سبع
____________
(1) تجد خبره في كتاب إكمال الدين للصدوق القمّيّ المتوفّى سنة 381 ه و ذلك في ص 502- 508، و في لسان الميزان ج 4 ص 134- 140.
148
و أربعمائة قال أخبرنا الشريف أبو القاسم ميمون بن حمزة الحسيني قال رأيت المعمر المغربي و قد أتي به إلى الشريف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل سنة عشر و ثلاثمائة و أدخل داره و من معه و هم خمسة رجال و أغلقت الدار و ازدحم الناس و حرصت في الوصول إلى الباب فما قدرت لكثرة الزحام فرأيت بعض غلمان الشريف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل و هما قنبر و فرح فعرفتهما أني أشتهي أنظره فقالا لي در إلى باب الحمام بحيث لا يدري بك فصرت إليه ففتحا لي سرا و دخلت و أغلق الباب و حصلت في مسلخ الحمام و إذا قد فرش له ليدخل الحمام فجلست يسيرا فإذا به قد دخل رجل نحيف الجسم ربع من الرجال خفيف العارضين آدم اللون إلى القصر أقرب ما هو أسود الشعر يقدر الإنسان أنه له نحوا من أربعين سنة و في صدغه أثر كأنه ضربة فلما تمكن من الجلوس و النفر معه و أراد خلع ثيابه قلت ما هذه الضربة قال أردت أناول مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) السوط يوم النهروان فنفض الفرس رأسه فضربني اللجام و كان مخا كذا فشجني فقلت له أ دخلت هذه البلدة قديما قال نعم و كان موضع جامعكم الفلاني مقبلة و فيها قبر فقلت هؤلاء أصحابك فقال ولدي و ولد ولدي ثم دخل الحمام فجلست حتى خرج و لبس ثيابه فرأيت عنفقته قد ابيضت فقلت له كان بها صباغ قال لا و لكن إذا جعت ابيضت و إذا شبعت اسودت فقلت قم أدخل الدار حتى تأكل فدخل الباب. و روى الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن (1) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) أنه حج في تلك السنة (2)
____________
(1) في النسخة: الحسين، و صححناه اعتمادا على إكمال الدين ص 507 الذي نقل الرواية بطولها.
(2) و في إكمال الدين ص 507: قال حججت في سنة ثلاث عشرة و ثلاثمائة.
149
و فيها حج نصر القشوري صاحب المقتدر قال فدخلت مدينة الرسول ص فأصبت بها قافلة البصريين و فيها أبو بكر محمد بن علي المادراني و معه رجل من أهل المغرب يذكر أنه رأى أصحاب رسول الله ص فازدحم عليه الناس و جعلوا يتمسحون به فكادوا يقتلونه قال فأمر عمي أبو القاسم طاهر بن يحيى فتيانه و غلمانه أن يفرجوا عنه ففعلوا و دخلوا به إلى دار ابن أبي سهل اللطفي و كان طاهر يسكنها و أذن للناس فدخلوا و كان معه خمسة رجال ذكر أنهم أولاده و أولاد أولاده فيهم شيخ له نيف و ثمانون سنة فسألناه عنه فقال هذا ابني و اثنان لكل واحد منهما ستون أو خمسون سنة و آخر (1) ست عشرة سنة فقال هذا ابني و لم يكن معه أصغر منه و كان إذا رأيته قلت ابن ثلاثين أو أربعين سنة أسود الرأس و اللحية شاب نحيف الجسم آدم ربع القامة خفيف العارضين هو إلى القصر أقرب و اسمه علي بن عثمان بن الخطاب بن مزيد (2) فمما سمعت من حديثه الذي حدث الناس به أنه قال خرجت من بلدي أنا و أبي و عمي نريد الوفود على رسول الله ص و كنا مشاة في قافلة فانقطعنا عن الناس و اشتد بنا العطش و عدمنا الماء و زاد بأبي و عمي الضعف فأقعدتهما إلى جانب شجرة و مضيت ألتمس لهما ماء فوجدت عينا حسنة و فيها ماء صاف في غاية البرد و الطيبة فشربت حتى ارتويت ثم نهضت لآتي بأبي و عمي إلى العين فوجدت أحدهما قد مات و تركته بحاله و أخذت الآخر و مضيت به في طلب العين فاجتهدت أن أراها فلم أرها و لا عرفت موضعها و زاد العطش به فمات فحرصت في أمره حتى واريته و عدت إلى الآخر فواريته أيضا و سرت وحدي إلى أن انتهيت إلى الطريق و لحقت بالناس و دخلنا المدينة و كان دخولي إليها في اليوم الذي
____________
(1) في النسخة: و إخوته، و التصحيح عن إكمال الدين ص 507.
(2) الزيادة عن إكمال الدين ص 507.
150
قبض فيه رسول الله ص فرأيت الناس منصرفين من دفنه فكانت أعظم الحسرات دخلت قلبي و رآني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فحدثته حديثي فأخذني فكنت يتيمة فأقمت معه مدة خلافة أبي بكر و عمر و عثمان و أيام خلافته حتى قتله عبد الرحمن بن ملجم بالكوفة. قال و لما حوصر عثمان بن عفان في داره دعاني و دفع إلي كتابا و نجيبا و أمرني بالخروج إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) و كان علي غائبا بينبع في ضياعه و أمواله فأخذت الكتاب و ركبت النجيب و سرت حتى إذا كنت بموضع يقال له جنان بن أبي عيابة سمعت قرآنا فإذا هو أمير المؤمنين (ع) يقرأ أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ قال فلما نظر إلي قال يا أبا الدنيا ما وراءك قلت هذا كتاب عثمان فقرأه فإذا فيه
فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي* * * و إلا فأدركني و لما أمزق
فلما قرأه قال سر سر فدخلنا المدينة ساعة قتل عثمان فمال أمير المؤمنين إلى حديقة بني النجار و علم الناس مكانه فجاءوا إليه ركضا و قد كانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة فلما نظروا إليه ارفضوا عن طلحة ارفضاض الغنم يشد عليها السبع فبايعه طلحة و الزبير ثم تتابع المهاجرون و الأنصار يبايعونه فأقمت معه أخدمه و حضرت معه صفين أو قال النهروان فكنت عن يمينه إذ سقط السوط من يده فانكببت لآخذه و أرفعه إليه و كان لجام دابته لمخا فشجني هذه الشجة فدعاني أمير المؤمنين (ع) فتفل فيها و أخذ حفنة من تراب فتركها عليها فو الله ما وجدت ألما و لا وجعا ثم أقمت معه ص و صحبت الحسن (ع) حتى بالساباط و حمل إلى المدائن و لم أزل معه بالمدينة حتى مات (ع) مسموما سمته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي
151
ثم خرجت مع الحسين (ع) بكربلاء و قتل (ع) فهربت بديني و أنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي و عيسى ابن مريم ص قال الشريف أبو محمد الحسن بن محمد الحسيني و مما رأيت من هذا الشيخ علي بن عثمان و هو إذ ذاك في دار عمي طاهر بن يحيى و هو يحدث بأحاديثه و بدأ خروجه إذ نظرت إلى عنفقته فرأيتها قد احمرت ثم ابيضت فجعلت أنظر إلى ذلك لأنه لم يكن في لحيته و لا رأسه و لا عنفقته بياض فنظر إلي أنظر إليه فقال ما ترون إن هذا يصيبني إذا جعت فإذا شبعت رجعت إلى سوادها. فدعا عمي بطعام فأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت بين يديه و كنت أنا ممن جلس معه عليها و جلس عمي معه و كان يأكل و يلقمه فأكل أكل شاب و عمي يحلف عليه و أنا أنظر إلى عنفقته تسود حتى عادت إلى سوادها و شبع
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ قَالا جَمِيعاً أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْمُفِيدِ لِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِجَرْجَرَايَا وَ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ سَمِعْتُ مِنْهُ إِمْلَاءً سَنَةَ خَمْسٍ وَ سِتِّينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوَامِّ الْبَلَدِيُّ مِنْ مَدِينَةٍ بِالْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهَا مَزِيدَةَ يُعْرَفُ بِأَبِي الدُّنْيَا الأشبح [الْأَشَجِ] الْمُعَمَّرِ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ كَلِمَةُ الْحَقِّ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الأشبح [الْأَشَجُ] قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْماً مَا وَ أَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْناً مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْماً مَا (1)
____________
(1) روى ذلك أبو علي القالي في ذيل الأمالي ص 171 و أبو الطيب محمّد بن إسحاق بن يحيى الوشاء في الموشّى ص 4 و الطوسيّ في الأمالي ج 1 ص 374 و ج 2 ص 235 و ص 314.
انظر: مصادر نهج البلاغة للمعلق ص 297.
152
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الأشبح [الْأَشَجُ] قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ص طُوبَى لِمَنْ رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الأشبح [الْأَشَجُ] قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ إِنَّهُ عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ ص أَنَّهُ لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَ لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا مُنَافِقٌ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ ص فِي الزِّنَاءِ سِتُّ خِصَالٍ ثَلَاثٌ فِي الدُّنْيَا وَ ثَلَاثٌ فِي الْآخِرَةِ فَأَمَّا اللَّوَاتِي فِي الدُّنْيَا فَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ وَ يَقْطَعُ الرِّزْقَ وَ يُسْرِعُ الْفَنَاءَ وَ أَمَّا اللَّوَاتِي فِي الْآخِرَةِ فَغَضَبُ الرَّبِّ جَلَّ وَ عَزَّ وَ سُوءُ الْحِسَابِ وَ الدُّخُولُ فِي النَّارِ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ص يَقُولُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ قَالَ النَّبِيُّ ص سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُ (1)
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (ع) يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي مَسْجِداً وَ لَا تَتَّخِذُوا قُبُورَكُمْ مَسَاجِدَ وَ لَا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً وَ صَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُ كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَوَاتِكُمْ تَبْلُغُنِي وَ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي
____________
(1) تجد قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هذا لعلي (ع) في الطبريّ و الكشّاف و مجمع الزوائد و حلية الأولياء و الدر المنثور و كنز العمّال، انظر: فضائل الخمسة ج 1 ص 272- 274.
153
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ مَا رَمِدْتُ وَ لَا صُدِعْتُ مُنْذُ دَفَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ص الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَ صَلَوَاتُهُمْ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَحْجُبُهُ وَ لَا يَحْجُزُهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِلَّا الْجَنَابَةُ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ
وَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَشَجُّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً (ع) يَقُولُ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ص فِي الوتر [الدَّيْنِ] قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَ أَنْتُمْ تَقْرَءُونَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ إِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ يَرِثُ الرَّجُلُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَ أُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ
وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَعْرُوفُ بِالْمُفِيدِ رَأَيْتُ أَثَرَ الشَّجَّةِ فِي وَجْهِهِ وَ قَالَ أَخْبَرْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (ع) بِحَدِيثِي وَ قِصَّتِي فِي سَفَرِي وَ مَوْتِ أَبِي وَ عَمِّي وَ عَيْنِ الْمَاءِ الَّتِي شَرِبْتُ مِنْهَا وَحْدِي فَقَالَ (ع) هَذِهِ عَيْنٌ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا عُمِّرَ عُمُراً طَوِيلًا فَأَبْشِرْ فَإِنَّكَ تُعَمَّرُ مَا كُنْتَ لِتَجِدَهَا بَعْدَ شُرْبِكَ مِنْهَا
قال أبو بكر و سألت عن الأشج أقواما من أهل البلدة فقالوا هو مشهور عندنا بطول العمر يحدثنا بذلك الأبناء عن آبائهم عن أجدادهم و قوله في أنه لقي علي بن أبي طالب (ع) معلوم عندهم متداول بينهم. فأما الأحاديث التي رواها عن الأشج أبو محمد الحسن بن محمد الحسيني مما لم يروه أبو بكر محمد بن أحمد الجرجراي فهي
154
قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو مُحَمَّدٍ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُثْمَانَ الْمُعَمَّرُ الْأَشَجُّ قَالَ حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ الْيَمَنِ فَقَدْ أَحَبَّنِي وَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنِي
قَالَ وَ حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص أَنَا وَ أَنْتَ يَا عَلِيُّ أَبَوَا هَذَا الْخَلْقِ فَمَنْ عَقَّنَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ أَمِّنْ يَا عَلِيُّ فَقُلْتُ آمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا عَلِيُّ أَنَا وَ أَنْتَ مَوْلَيَا هَذَا الْخَلْقِ فَمَنْ جَحَدَنَا وَلَاءَنَا وَ أَنْكَرَنَا حَقَّنَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ أَمِّنْ يَا عَلِيُّ فَقُلْتُ آمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
آخر أخبار المعمر المغربي حديث المعمر المشرقي هذا رجل مقيم ببلاد العجم من أرض الجبل يذكر أنه رأى أمير المؤمنين (ع) و يعرفه الناس بذلك على مر السنين و الأعوام. و يقول إنه لحقه مثل ما لحق المغربي من الشجة في وجهه و إنه صحب أمير المؤمنين (ع) و خدمه و حدثني جماعة مختلفو المذاهب بحديثه و أنهم رأوه و سمعوا كلامه. منهم أبو العباس أحمد بن نوح بن محمد الحنبلي الشافعي حدثني بمدينة الرملة في سنة إحدى عشرة و أربعمائة قال كنت متوجها إلى العراق للتفقه (1) فعبرت بمدينة يقال لها شهرورد من أعمال الجبل قريبة من زنجان و ذلك في سنة خمسين و ثلاثمائة (2) فقيل لي إن هاهنا شيخا يزعم أنه لقي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فلو صرت إليه و رأيته لكان ذلك فائدة عظيمة.
____________
(1) في النسخة: للنفقة.
(2) في النسخة: سنة خمسين و أربعمائة، و هو خطأ من الناسخ بقرينة ما سبق. و بقرينة أن المؤلّف توفي (سنة 449 ه).
155
قال فدخلنا عليه فإذا هو في بيته يعمل النوار و إذا هو شيخ نحيف الجسم مدور اللحية كبيرها و له ولد صغير ولد له منذ سنة فقيل له إن هؤلاء القوم من أهل العلم متوجهون إلى العراق يحبون أن يسمعوا من الشيخ ما قد لقي من أمير المؤمنين (ع) فقال نعم كان السبب في لقائي له أني كنت قائما في موضع من المواضع فإذا أنا بفارس مجتاز فرفعت رأسي فجعل الفارس يمر يده على رأسي و يدعو لي فلما أن عبر أخبرت بأنه علي بن أبي طالب (ع) فهرولت حتى لحقته و صاحبته. و ذكر أنه كان معه في تكريت و موضع من العراق يقال له تل فلان بعد ذلك و كان بين يديه يخدمه إلى أن قبض (ع) فخدم أولاده قال لي أحمد بن نوح رأيت جماعة من أهل البلد ذكروا ذلك عنه و قالوا سمعنا آباءنا يخبرونا عن أجدادنا بحال هذا الرجل و أنه على هذه الصفة و كان قد مضى فأقام بالأهواز ثم انتقل عنها لأذية الديلم له و هو مقيم بشهرورد و حدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أحمد القمي (رحمه الله) أن جماعة حدثوه بأنهم رأوا هذا المعمر و شاهدوه و سمعوا ذلك عنه و حدثني بحديثه أيضا قوم من أهل شهرورد وصفوا لي صفته و قالوا هو يعمل الزنانير و في بعض ما ذكرناه في هذا الباب كفاية و الحمد لله و صلاته على سيدنا محمد رسوله و آله
فصل في الكلام في الآجال
إن سأل سائل فقال ما حقيقة الآجال فقيل له إن الآجال هي الأوقات فأجل الحياة وقتها و أجل الموت وقته الذي يوجد فيه
156
و كذلك الأجل في الدين إنما هو وقت وجوبه و يقال للإنسان أجل لهذا الأمر أجلا معناه أجل لحدوثه و كونه وقتا فإن قال السائل أ فتقولون إن الآجال محتومة لا يجوز تقديمها و لا تأخيرها أم تجيزون أن يقدمها الله تعالى و يؤخرها قيل له الذي نقوله إن الله قادر على تأخير أجل الموت بالزيادة في مدة الحياة و على تقديمه بالنقصان منها. فإن قال كيف يصح لكم القول بالتقديم و التأخير و ما معناه و الأجل عندكم هو الوقت فأي وقت حضرموت الإنسان فذلك أجله قيل له المعنى في ذلك أن الوقت الذي أمات الله تعالى العبد فيه قد كان قادرا على أن لا يميته فيه بل يبقيه بدلا من ذلك و يحييه فيكون هذا هو تأخير أجله و الزيادة في عمره و الوقت الذي أحياه الله تعالى فيه قد كان قادرا على أن يميته بدلا من ذلك فيه و لا يحييه فيكون هذا هو تقديم أجله و النقص من عمره و جميع ذلك في العقل غير مستحيل و هو المعنى الذي ذهبنا إليه. فإن قال فإذا علم سبحانه أنه يحيي عبده هذا مائة سنة حسبما تقتضيه عنده المصلحة فكيف يصح مع ذلك أن يزيد في هذا المبلغ أو ينقص قلنا يصح أن يعلم أن المصلحة تقتضي أن يكون عمره مائة سنة ما لم يفعل شيئا معينا فمتى فعله اقتضت المصلحة أن يزيده على المائة عشرين سنة أو ينقصه منها عشرين و هذا أيضا غير مستحيل فإن قال أ فليس الله تعالى عالما بأن العبد سيفعل ما تتغير المصلحة عند فعله أو لا يفعله قلنا بلى إن الله تعالى عالم به و بكل كائن قبل كونه و بما لا يكون أن لو كان كيف يكون حاله.
157
فإن قال فإذا كانت حاله معلومة له فقد حصل عمره معلوما فلا معنى للزيادة و النقص هاهنا قلنا إنما ذلك على وجه التقدير الذي قد كان ممكنا غير مستحيل و إن هذا الممكن لو كان كيف كانت تكون الحال من تأخير في الأجل و تقديم و قد أخبر الله تعالى عن قوم نوح فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً مع علمه سبحانه و علم نوح أنهم لا يستغفرون و لا يتوبون و أنهم بأسرهم يغرقون. و قال عز و جل وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ الأعراف 96. و لا يكون ذلك إلا و هم أحياء و إنما عنى أهل القرى التي أهلكها فأخبر أنهم لو آمنوا لأحياهم و أنعم عليهم و هو يعلم أنهم لا يؤمنون و أنه سيهلكهم
وَ قَدْ قَالَ النَّبِيُّ ص إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ
فأخبر (ع) أن عمر العبد يكون مقدرا معلوما عند الله تعالى و إن هو وصل رحمه زاد الله تعالى في عمره و الله تعالى عالم بأن هذا العبد إن لم يصل رحمه مات في وقت كذا و إن هو وصلها عاش إلى وقت كذا و هو مع هذا كله عالم بما يكون منه و هل يصله أم لا يصله قال الله عز و جل وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ. فإن قال السائل فما تقولون في المقتول لو لم يقتل أ كان يجوز أن يبقى حيا أو كان منيته غير هذا أم لا قيل له كل ذلك جائز و جوازه على قسمين.
158
أحدهما بمعنى أنا نشك فيه لعدم دليل القطع على حقيقته بما يكون منه و الثاني بمعنى أن الله تعالى يقدر على ذلك كله و لا يستحيل منه فهو عندنا لو لم يقتل جاز أن يبقى حيا و جاز أن يموت في الحال من غير قتل و مهما كان من ذلك فهو معلوم قبل كونه لله تعالى و لو كان الظالم إنما يقتل المظلوم لأن أجله قد حضر و لأن حضور أجله حمله على قتله لم يكن ملوما و لا ظالما بل كان محمولا على ذلك مضطرا. و قد ضرب في معنى هذا مثل فقيل لو كان كل مقتول لو لم يقتل لمات في ذلك الوقت لا محالة و لم يعش لحظة واحدة لكان من قصد إلى أغنام رجل فذبحها عن آخرها لا يجوز أن يلومه صاحبها و لا يغرمه بثمنها بل كان يجب أن يشكره على ذبحها لأنه لو لم يذبحها لماتت كلها فكان لا ينتفع بشيء منها و في صحة توجه اللوم إليه دلالة على أنه لو لم يذبحها لجاز أن تبقى كلها حية أو يبقى بعضها و الله عالم بحقيقة أمرها. فإن قال أ فتقولون إن المقتول مات بأجله أم تقولون إن قاتله قطع أجله قلنا قد ذكرناه أن حقيقة الأجل هو الوقت و أجل الشيء وقته و إذا كان هذا هو الأصل فالوقت الذي قتل به فيه هو أجل موته كما هو وقت موته و قد ذكرنا قول الله تعالى في قوم نوح أنهم لو آمنوا لأبقاهم إلى أجل مسمى فلما لم يؤمنوا أهلكوا قبل ذلك الأجل و ليس هذا بمانع من أن نقول بأنهم قد هلكوا بآجالهم نريد وقت حضور إهلاكهم. فإن قال فما معنى قوله سبحانه إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ (1) و قوله
____________
(1) نوح: من الآية 4 (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
159
فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ قلنا المراد بذلك الأجل الذي علم الله تعالى أنهم يميتهم فيه و الحمد لله
فصل
و اعلم أنا نذهب إلى أن الله تعالى إذا علم من حال عبد من عبيده أنه إذا أبقاه آمن من كفره أو تاب من معصيته و فسقه فإن الواجب في حكمته عز و جل أن يبقيه و لا يخترمه فإن كان قد فعل به ذلك مرة فتاب و أقلع ثم عاد في معاصيه و نكث و علم منه بعد ذلك أنه إن أبقاه تاب أيضا و أحسن فإن تبقيته لأجل التوبة غير واجبة لأن ذلك لو وجب دائما لم يكن للتكليف أجر و أدى للخروج من الحكمة و العبث تعالى الله عن كل صفة نقص
مسألة فقهية ذكرها شيخنا أبو عبد الله المفيد (رضوان الله عليه)
امرأة ورثت أربعة أزواج واحدا بعد واحد فصار لها نصف أموالهم جميعا و للعصبة النصف الباقي جواب هذه امرأة تزوجها أربع إخوة واحدا بعد واحد و ورث بعضهم بعضا و كان جميع مالهم ثمانية عشر دينارا لواحد منهم ثمانية دنانير و للآخر منهم ستة دنانير و للآخر ثلاثة و للآخر دينار واحد فتزوجها الذي له ثمانية دنانير و مات عنها فصار لها الربع مما ترك و هو ديناران و صار ما بقي بين الإخوة الثلاثة لكل واحد منهم ديناران فصار لصاحب الستة ثمانية دنانير و لصاحب الثلاثة خمسة و لصاحب الدينار ثلاثة. ثم تزوجها صاحب الثمانية و مات عنها فورثت منه بحق الربع دينارين و صار ما بقي و هو ستة دنانير بين أخويه لكل واحد منهما ثلاثة دنانير فصار للذي له خمسة دنانير ثمانية دنانير و للذي له ثلاثة ستة ثم تزوجها صاحب
160
الثمانية و مات عنها فورثت منه الربع دينارين و صار ما بقي لأخيه و هي ستة دنانير فحصل له بهذه الستة مع الستة الأولى اثنا عشر دينارا ثم تزوجها و هو الباقي من الإخوة و له اثنا عشر دينارا و مات عنها فورثت الربع ثلاثة دنانير فصار جميع ما ورثته عنهم تسعة دنانير لأنها ورثت من الأول دينارين و من الثاني دينارين و من الثالث دينارين و من الرابع ثلاثة دنانير فذلك تسعة و هي نصف ما كانوا يملكونه و الباقي للعصبة كما قلنا
خبر ضرار بن ضمرة عند دخوله على معاوية
أَخْبَرَنَا أَبُو الْمَرْجَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الْمُفَضَّلِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُ (1) قَالَ حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جُلَّةَ بِأَنْطَاكِيَّةَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ دِينَارٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِي (2) قَالَ دَخَلَ ضِرَارُ بْنُ ضَمْرَةَ الْكِنَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ يَوْماً فَقَالَ لَهُ يَا ضِرَارُ صِفْ لِي عَلِيّاً قَالَ أَ وَ تُعْفِينِي مِنْ ذَلِكَ قَالَ لَا أُعْفِيكَ قَالَ أَمَّا إِذْ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ كَانَ وَ اللَّهِ بَعِيدَ الْمَدَى شَدِيدَ الْقُوَى يَقُولُ فَصْلًا وَ يَحْكُمُ عَدْلًا يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ وَ تَنْطِقُ الْحِكْمَةُ عَنْ لِسَانِهِ يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتِهَا وَ يَأْنَسُ بِاللَّيْلِ وَ ظُلْمَتِهِ
____________
(1) في فهرست الطوسيّ: يكنى أبو المفضل كثير الرواية حسن الحفظ، غير أنّه ضعفه جماعة من أصحابنا، له كتاب الولادات الطيبة الطاهرة و كتاب الفرائض و كتاب المزار و عن النجاشيّ:
كان سافر في طلب الحديث عمره أصله كوفي و كان في أول أمره ثبتا ثمّ خلط و رأيت جل أصحابنا يغمزونه و يضعفونه له كتب كثيرة، و قال الخطيب البغداديّ: نزل بغداد و حدث بها عن محمّد بن جرير الطبريّ و محمّد بن العباس اليزيدي و أمثالهم، و كان يضع الحديث الرافضة ...
ولد سنة 297 و توفّي سنة 387.
(2) هي أم هاني بنت أبي طالب، أخت عليّ (عليه السلام) كان الأسراء من دارها، و دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على أم هاني يوم الفتح و كان جائعا، فقالت: يا رسول اللّه، إن أصهارا لي قد لجئوا إليّ، و إن أخاف أن يعلم بهم عليّ بن أبي طالب فيقتلهم، قال (ص): قد أجرنا من أجرت يا أم هاني (سفينة البحار م 1 ص 425 و م 2 ص 724).
161
كَانَ وَ اللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ طَوِيلَ الْفِكْرَةِ يَقْلِبُ كَفَّهُ وَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا قَصُرَ وَ مِنَ الطَّعَامِ مَا جَشِبَ كَانَ وَ اللَّهِ مَعَنَا كَأَحَدِنَا يُدْنِينَا إِذَا أَتَيْنَاهُ وَ يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ وَ كَانَ مَعَ دُنُوِّهِ لَنَا وَ قُرْبِهِ مِنَّا لَا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً لَهُ فَإِنْ تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ النَّظِيمِ يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ وَ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ وَ لَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَ قَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُدُولَهُ وَ غَارَتْ نُجُومُهُ مُتَمَاثِلًا فِي مِحْرَابِهِ قَابِضاً عَلَى لِحْيَتِهِ يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ (1) وَ يَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لَا حَانَ حِينُكَ قَدْ أَبَنْتُكَ ثَلَاثاً عُمُرُكَ قَصِيرٌ وَ خَيْرُكَ حَقِيرٌ وَ خَطَرُكَ كَبِيرٌ آهِ آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَ بُعْدِ السَّفَرِ وَ وَحْشَةِ الطَّرِيقِ فَوَكَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ جَعَلَ يَسْتَقْبِلُهَا بِكُمِّهِ وَ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ جَمِيعاً بِالْبُكَاءِ وَ قَالَ هَكَذَا كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَ(رحمه الله) فَكَيْفَ وَجْدُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ فَقَالَ وَجْدَ أُمِّ وَاحِدٍ ذُبِحَ وَاحِدُهَا فِي حَجْرِهَا فَهِيَ لَا يَرْقَى دَمْعُهَا وَ لَا يَسْكُنُ حُزْنُهَا (2) فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لَكِنْ هَؤُلَاءِ لَوْ فَقَدُونِي لَمَا قَالُوا وَ لَا وَجَدُوا بِي شَيْئاً مِنْ هَذَا
____________
(1) السليم هو الملسوع من حية أو عقرب.
(2) خبر ضرار مستفيض، و قد عرض له في الاستيعاب ج 3 ص 43 من المطبوع بهامش (الإصابة) بمصر سنة 1939 م- 1358 ه و القيروانيّ في زهر الآداب المطبوع بهامش العقد الفريد م 1 ص 47- 48، و السبط في التذكرة، ص 119، و المسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 433، و ابن حجر في الصواعق ص 139- 140 و القالي في الأمالي 143- 144، و البيهقيّ في المحاسن و المساوئ ج 2 ص 72- 73 و غيرها. انظر كتابنا (مصادر نهج البلاغة) ص 264- 265.
162
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ بِاللَّهِ لَوِ اجْتَمَعْتُمْ بِأَسْرِكُمْ هَلْ كُنْتُمْ تُؤَدُّونَ عَنِّي مَا أَدَّاهُ هَذَا الْغُلَامُ عَنْ صَاحِبِهِ فَيُقَالُ إِنَّهُ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الصَّحَابَةُ عَلَى قَدْرِ الصَّاحِبِ
تُرْوَى هَذِهِ الْأَبْيَاتُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع
إِذَا كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْفِرَاقَ* * * فِرَاقَ الْحَيَاةِ قَرِيبٌ قَرِيبٌ
وَ أَنَّ الْمُعَدَّ جَهَازُ الرَّحِيلِ* * * لِيَوْمِ الرَّحِيلِ مُصِيبٌ مُصِيبٌ
وَ أَنَّ الْمُقَدَّمَ مَا لَا يَفُوتُ* * * عَلَى مَا يَفُوتُ مَعِيبٌ مَعِيبٌ
وَ أَنْتَ عَلَى ذَاكَ لَا تَرْعَوِي* * * فَأَمْرُكَ عِنْدِي عَجِيبٌ عَجِيبٌ
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) مَا زَالَتْ نِعْمَةٌ عَنْ قَوْمٍ وَ لَا غَضَارَةُ عَيْشٍ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
بَلَغَنَا أَنَّ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ذُو [بَكَّةَ] مُفْقِرُ الزُّنَاةِ وَ تَارِكٌ تَارِكِي الصَّلَاةِ عُرَاةً
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَحْسِنُوا مُجَاوَرَةَ النِّعَمِ لَا تُمِلُّوهَا وَ لَا تُنَفِّرُوهَا فَإِنَّهَا قَلَّ مَا نَفَرَتْ عَنْ قَوْمٍ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ
وَ قَالَ (ع) مَنْ قَالَ قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيَا قَالَتِ الدُّنْيَا قَبَّحَ اللَّهُ أَعْصَانَا لِلرَّبِ
وَ قَالَ (ع) مَنْ عَفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ كَانَ عَابِداً وَ مَنْ رَضِيَ بِقَسْمِ اللَّهِ كَانَ غَنِيّاً وَ مَنْ أَحْسَنَ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَهُ كَانَ مُسْلِماً وَ مَنْ صَاحَبَ النَّاسَ بِالَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُصَاحِبُوهُ كَانَ عَدْلًا
وَ قَالَ (ع) مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ
163
الْمُحَرَّمَاتِ وَ مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ وَ مَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ فِي الْخَيْرَاتِ
فصل مما جاء في الخصال
قال رجل لأحد الزهاد أوصني فقال أوصيك بخصلة واحدة إن الليل و النهار يعملان فيك فاعمل فيهما. و لقي حكيم حكيما فقال له عظني و أوجز قال عليك بخصلتين لا يراك الله حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك قال زدني قال ما أجد للحالين ثالثة. قال حكيم الفرس ثلاث خصال لا ينبغي للعاقل أن يضيعهن بل يجب أن يحث عليهن نفسه و أقاربه و من أطاعه عمل يتزوده لمعاد و علم طب يذب به عن جسده و صناعة يستعين بها في معاشه. و قال بعض الحكماء أربع خصال يمتن القلب ترادف الذنب على الذنب و ملاحاة الأحمق و كثرة مثاقبه النساء و الجلوس مع الموتى قيل له و من الموتى قال كل عبد مترف فهو ميت و كل من لا يعمل فهو ميت و قال ابن عباس رحمة الله عليه خمس خصال تورث خمسة أشياء ما فشت الفاحشة في قوم قط إلا أخذهم الله بالموت و ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم بالسنين
164
و ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم و ما جار قوم في الحكم إلا كان القتل بينهم و ما منع قوم الزكاة إلا سلط الله عليهم عدوهم.
وَ قَالَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ لِابْنِهِ فِي وَصِيَّتِهِ يَا بُنَيَّ أَحُثُّكَ عَلَى سِتِّ خِصَالٍ لَيْسَ مِنْ خَصْلَةٍ إِلَّا وَ هِيَ تُقَرِّبُكَ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ تُبَاعِدُكَ مِنْ سَخَطِهِ الْأُولَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَ لَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ الثَّانِيَةُ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ فِيمَا أَحْبَبْتَ وَ كَرِهْتَ وَ الثَّالِثَةُ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَ تُبْغِضَ فِي اللَّهِ وَ الرَّابِعَةُ تُحِبُّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ تَكْرَهُ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَ الْخَامِسَةُ تَكْظِمُ الْغَيْظَ وَ تُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ وَ السَّادِسَةُ تَرْكُ الْهَوَى وَ مُخَالَفَةُ الرَّدَى
و قال بعضهم ذو المروءة الكاملة من اجتمع فيه سبع خصال إذا ذكر ذكر و إذا أعطي شكر و إذا ابتلي صبر و إذا عصى غفر و إذا أحسن استبشر و إذا أساء استغفر و إذا وعد أنجز و يسر. و قال بعض الحكماء تحصن بثمان من ثمان بالعدل في المنطق من ملالة الجلساء و بالروية في القول من الخطأ و بحسن اللفظ من البذاء و بالإنصاف من الاعتداء و بلين الكف من الجفاء و بالتودد من ضغائن الأعداء و بالمقاربة من الاستطالة و بالتوسط في الأمور من لطخ العيوب.
165
و روي أن تسع خصال من الفضل و الكمال و هن داعيه إلى المحبة مع ما فيها من القربة و المثوبة الجود على المحتاج و المعونة للمستعين و حسن التفقد للجيران و طلاقة الوجه للإخوان و رعاية الغائب فيمن يخلف و أداء الأمانة إلى المؤتمن و إعطاء الحق في المعاملة و حسن الخلق عند المعاشرة و العفو عند المقدرة. و أوصى أفلاطون أحد أصحابه بعشر خصال قال لا تقبل الرئاسة على أهل مدينتك البتة و لا تتهاون بالأمر الصغير إذا كان يقبل النماء و لا تلاح رجلا غضبان فإنك تقلقه باللجاج و لا تجمع في منزلك نفسين فيتنازعان في الغلبة و لا تفرح بسقطة غيرك فإنك لا تدري متى يحدث الزمان بك. و لا تنتفخ في وقت الظفر فإنك لا تدري كيف يدور عليك الزمان و لا تهزل بخطإ غيرك فإن المنطق لا تملكه و ألق الخطأ من الناس بنوع الصواب الذي في جوهرك و لا تبذلن مودتك لصديقك دفعة واحدة و صير الحق أبدا أمامك تسلم دهرك و لا تزال حرا. تأويل آية (1) إن سأل سائل عن تأويل قوله عز و جل وَ جاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فقال كيف يصح وصف الدم بالكذب و الكذب من صفات الأقوال لا من صفات الأجسام
____________
(1) تكلم على هذه الآية الشريف المرتضى في كتاب الأمالي م 1 ص 105- 107.
166
و ما معنى قول يعقوب (ع) فصبر جميل و كيف وصفه بذلك و نحن نعلم أن صبره لا يكون إلا جميلا الجواب قيل له أما كذب فمعناه في هذا الموضع مكذوب فيه و عليه مثل قولهم هذا ماء سكب و شراب صب يريدون مسكوبا و مصبوبا و كقولهم رجل صوم و امرأة نوح و المعنى صائم و نائحة قال الشاعر
فظل جيادهم نوحا عليهم* * * مقلدة أعنتها صفوفا
أراد نائحة و يقولون أيضا ما لفلان معقول يريدون عقلا قال الشاعر
حتى إذا لم يتركوا لعظامه* * * لحما و لا لفؤاده معقولا
و قد قال الفراء و غيره يجوز في النحو بدم كذبا بالنصب على المصدر و تقدير الكلام كذبوا كذبا و إنما كان دما مكذوبا فيه لأن إخوة يوسف (ع) ذبحوا سخلة و لطخوا قميص يوسف بدمها و جاءوا أباهم بالقميص و ادعوا أكل الذئب له فقال لهم يعقوب (ع) يا بني لقد كان هذا الذئب رفيقا حين أكل ابني و لم يخرق قميصه و عند ذلك قالوا بل قتله اللصوص فقال فكيف قتلوه و تركوا قميصه و هم إلى قميصه أحوج منهم إلى قتله و قد قيل إنه كان في قميص يوسف ثلاث آيات إحداهن حين جاءوا إليه بدم كذب فتبينه أبوه على أن الذئب لو أكله لخرق قميصه و الثانية حيث قد قميصه من دبر و الثالثة حين ألقي على وجه أبيه فَارْتَدَّ بَصِيراً و أما وصف الصبر بأنه جميل فلأن الصبر قد يكون جميلا و غير جميل و إنما
167
يكون جميلا إذا قصد به وجه الله تعالى فلما كان في هذا الموضع واقعا على الوجه المحمود صح وصفه بالجميل و قد قيل إنه أراد صبرا لا شكوى فيه و لا جزع معه و لو لم يصفه بذلك لظن مصاحبة الشكوى و الجزع له و قد قال أهل العربية إن ارتفاع الصبر هاهنا إنما هو لأن المعنى فشأني صبر جميل و الذي أعتقده صبر جميل و قد أنشدوا
شكا إلي جملي طول السرى* * * يا جملي ليس إلي المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى
معناه فليكن منك صبر جميل و قد روي أن في قراءة أبي فصبرا جميلا بالنصب و ذلك يكون على الإغراء و المعنى فاصبري يا نفس صبرا جميلا قال ذو الرمة
ألا إنما مي فصبرا بلية* * * و قد يبتلى الحر الكريم فيصبر
تأويل خبر إن سأل سائل فقال ما معنى الخبر المروي
عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ
أ و ليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه له تعالى بخلقه فإن لم يكن على ظاهره فما تأويله. الجواب قلنا أحد الأجوبة عن هذا أن تكون الهاء عائدة إلى الله تعالى و المعنى أنه خلقه على الصورة التي اختارها و قد يضاف الشيء إلى مختاره و منها أن تكون الهاء عائدة إلى آدم و يكون المراد أن الله تعالى خلقه على صورته التي شوهد عليها لم ينتقل إليها عن غيرها كتنقل أولاده الذين يكون أحدهم نطفة ثم علقة ثم مضغة و يخلق خلقا من بعد خلق و يولد طفلا صغيرا
168
ثم يصير غلاما ثم شابا ثم كهلا و لم يكن آدم (ع) كذلك بل خلق على صورته التي مات عليها
وَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ ص بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَ هُوَ يَضْرِبُ وَجْهَ غُلَامٍ لَهُ وَ يَقُولُ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَ وَجْهَ مَنْ تَشْبَهُهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ص بِئْسَمَا قُلْتَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ يَعْنِي صُورَةَ الْمَضْرُوبِ
و هذه أجوبة صحيحة و الحمد لله
فصل من الاستدلال على صحة النص بالإمامة على أمير المؤمنين (ع) من قول النبي ص أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي
اعلم أيدك الله تعالى أن مما يدل على أن أمير المؤمنين (ع) المنصوص بالإمامة عليه ما نقله جميع الأمة و تلقاه بالقبول الخاصة و العامة
مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ص لَهُ (ع) أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي (1)
فأوجب له جميع منازل هارون من موسى (ع) إلا ما خصه العرف من الإخوة و استثناه هو (ع) من النبوة و ذلك موجب له الخلافة و الإمامة و كاشف عن استحقاقه على الكافة فضل الطاعة. و اعلم أنك تسأل في هذا الدليل عن خمسة مواضع أولها أن يقال لك ما حجتك على صحة الخبر في نفسه و ما الذي يدفع به إنكار من أنكره و ثانيها أن يقال لك إذا ثبت الخبر فما الحجة على أن المراد بمنزلة
____________
(1) تجده في البخاري و مسلم، و الترمذي، و ابن ماجه، و مستدرك الصحيحين، و مسند أحمد، و النسائي، و طبقات ابن سعد، و حلية الأولياء، و تاريخ بغداد، و تاريخ الطبريّ، و كنز العمّال، و مجمع الزوائد، و الرياض النضرة و غيرها «انظر فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 299- 316). و تجده في مناقب ابن المغازلي مرويا بعدة عدة طرق انظر: ص 27- 37.
169
هارون من موسى (ع) المذكورة فيه عموم ما يستحقه منه سوى ما ذكرتموه و ما أنكرتم أن يكون منزلة واحدة و هي التفضيل المزيل لإرجاف المنافقين في قولهم إن رسول الله ص قلاه لما خلفه في غزاة تبوك. و ثالثها أن يقال لك إذا ثبت العموم فمن أي وجه استنبطت من ذلك النص بالإمامة و وجوب الخلافة لأمير المؤمنين (ع) و رابعها أن يقال لك إذا ثبت له به الخلافة فما الحجة على أنه أراد استحقاقه لها بعده و ما أنكرتم أن يكون قصد أنه خليفته في حياته فقط كما أن هارون إنما خلف موسى في حياته فقط و خامسها أن يقال لك إذا ثبت له بذلك الخلافة بعده فما الحجة على أنه أراد بذلك الفور فيكون خليفة الذي يليه دون التراخي فيكون خليفة بعد عثمان. الجواب عن السؤال الأول أما الحجة على صحة هذا الخبر في نفسه فهي الحجة على صحة خبر الغدير بعينه لمماثلته له في الظهور و الانتشار و تواتر الشيعة به تواترا يقطع الأعذار و رواية أكثر أصحاب حديث العامة له في الصحيح عندهم من مسند الأخبار و تلقي الكافة له مع ذلك بالتسليم و الإقرار فمن شيعي يحتج به و ناصبي يتأوله و ليس بينهما دافع له. و من قبل ذلك فاحتجاج أمير المؤمنين (ع) في يوم الشورى و غيره لم ينكره أحد ممن سمعه و كل هذا قد سلف ذكره في خبر الغدير فلا حاجة إلى إعادته و هو أوضح حجة على ثبوت الخبر و صحته الجواب عن السؤال الثاني و أما الحجة على أنه أراد بقوله أنت مني بمنزله هارون من موسى جميع منازله منه على العموم و إن عبر عن ذلك بلفظ التوحيد إلا ما استثناه العرف و القول فهو أنا وجدنا الناس في هذا الخبر على فرقتين لا ثالث لهما.
170
أحدهما يذهب إلى أن المراد به منزلة واحدة على التحقيق و تدعي أن السبب في ذلك ما روي في غزاة تبوك و هي نفر يسير و الفرقة الأخرى تذهب إلى عموم القول لجميع المنازل إلا ما خصصه الدليل و هو قول الشيعة و أكثر الخصوم. و إنما أنكر هؤلاء المخالفون المعترفون بأن الخبر يقتضي العموم أن يكون موجبا لخلافة أمير المؤمنين بعد الرسول (ع) من حيث لم يثبت عندهم أن هارون لو بقي بعد موسى (ع) كان خليفة له و لم يهتدوا في الخبر إلى دليل على أنه أراد الاستخلاف من بعده و إن كان منهم من قد علم ذلك و لكن جذبه الهوى فأصر على الإنكار و عاند. و إذا لم يكن في الخبر غير هذين القولين فلا شك في أنه متى فسد قول من ادعى فيه الخصوص علم صحة قول من ذهب إلى العموم و الذي يدل على فساد قول من قصره على منزلة واحدة وجود الاستثناء الظاهر فيه الذي لا يصح إيراده إلا و المستثنى منه أكثر من واحد لأن الاستثناء هو إخراج بعض من جملة لو لم يستثن لدخل فيها و الخصلة الواحدة لا يصح هذا فيها. أ لا ترى أنه لا يحسن أن يقال رأيت زيدا إلا عمرا و يحسن أن يقال رأيت القوم إلا عمرا فعلم بهذا فساد مقال من قصر الخبر على منزلة واحدة فأما ما تعلقوا به من أن السبب في ذلك ما جرى في غزاة تبوك فغير صحيح لأنا عالمون بصحة الخبر و لسنا نعلم صحة ما ذكروه كعلمنا بالخبر فلا طريق لنا إلى تخصيص المعلوم بما ليس بمعلوم. على أن الروايات قد اتصلت و اشتهرت
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص بِأَنَّهُ قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى
في مواقف عدة و أماكن كثيرة و أوقات متفرقة فيجوز أن يكون غزاة تبوك أحدها و لكنه لا سبيل لنا إلى قصره عليها و إن كنا متى خصصناه بها لم يكن منا ما ظنه المخالف من أن الخبر دال على فضيلة المحبة فقط لا يستحيل أن تكون هي السبب فيقول
171
رسول الله ص قولا يقتضيه و يتضمن عديدة و يزيد عليه فيكون بما قاله قد أعلم المرجفين أنه ما قلاه و أن منزلته عنده في المحبة و الفضل و علو القدر و الخلافة له في حياته و بعد وفاته نظير هارون من موسى (ع) و هذا مستمر غير مستحيل. و أما ما ورد الخبر به بلفظ التوحيد في قوله منزلة هارون من موسى و لم يقل منازل هارون فقد جرت العادة بمثل ذلك من إيراد القول مضمنا ذكر منزلة و المراد عدة منازل فيقولون منزلة فلان من الأمير كمنزلة فلان و هم يشيرون إلى عدة أحوال من منازل مختلفة و أسباب و لا يكاد يقولون منازل فلان من الأمير كمنازل فلان. و إنما استعملوا لفظ التوحيد في هذا المكان من حيث اعتقدوا أن المنازل الكثيرة و الرتب المختلفة قد حصل جميع ذلك له كالمنزلة الواحدة التي هي جملة و إن تفرعت إلى أشياء عدة فعبروا عنها بلفظ التوحيد اتساعا لهذه العلة. الجواب عن السؤال الثالث و أما الوجه الذي علم منه دلالة الخبر على الخلافة و الحجة في أنه نص على أمير المؤمنين (ع) بالإمامة فهو أن منازل هارون من موسى (ع) معروفة و قد حصل عليها الإجماع و نطق بها القرآن فمنها أنه كان أخا بالولادة و كان أحب الخلق إليه و أفضلهم لديه و كان شريكه في النبوة و الرسالة و كان عضده الذي شد الله تعالى به أزره قال الله جل اسمه وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي و كان خليفته على قومه عند غيبته قال الله تعالى وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ وَ لا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
172
فلما قال النبي ص لأمير المؤمنين (ع) إنه مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي علمنا أنه أراد جميع ما كان لهارون من موسى (ع) من المنازل إلا ما أخرجه الاستثناء و أخرجه أيضا العرف من أخوة الولادة و اتضحت الحجة في أن أمير المؤمنين (ع) أحب الخلق إلى رسول الله ص و أفضلهم عنده و أنه عضده الذي شد الله به أزره و وزيره في أمره و خليفته في أمته و هذا بين لمن تدبره. الجواب عن السؤال الرابع اعلم أن الكلام في هذا السؤال هو معظم ما يدور بينك و بين المخالفين إذا استدللت بهذا الخبر و في إحكام هذا الجواب عنه حسم مادة ما يوردونه عليك من العتب و الشغب لأنهم أبدا يقولون إذا ثبت لكم بهذا الخبر الاستخلاف فما الدليل على أن رسول الله ص أراد به استخلاف أمير المؤمنين (ع) في حياته و بعد مماته دون أن يكون مراده قصر هذا الأمر على أيام حياته فقط و يقولون هذا أشبه لأن خلافة هارون لموسى (ع) لم تكن إلا في حياة موسى. و لو أراد بذلك النص على خلافته له من بعده لقال أنت مني بمنزلة يوشع من موسى لأن خلافة موسى (ع) من بعده كانت ليوشع دون غيره فعن هذا جوابان أحدهما في قوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى فوائد لا يحصل مثلها لو قال أنت مني بمنزلة يوشع من موسى فإنه (1) يدل على أن أمير المؤمنين (ع) أعلى الناس قدرا عند رسول الله ص و أنه تاليه في الفضل و العلم كما كان هارون من موسى (ع) و كان خليفته في حياته إذا غاب و لو بقي بعد موسى لكان أحق بخلافته من يوشع فجمع رسول الله ص لأمير المؤمنين (ع) بقوله أنت مني بمنزلة هارون من
____________
(1) في النسخة: (و قال إنّه).
173
موسى هذه الخصال فهو أعلى الناس قدرا و محلا و هو تاليه في العلم و الفضل و خليفته في حياته. و لما بقي بعده كان أحق الناس بخلافته و لو قال له أنت بمنزلة يوشع من موسى لم يعطه من جميع ما ذكرناه إلا الخلافة من بعده فقط و لم يبق بعد هذا أكثر من أن نبين أن هارون لو بقي بعد موسى كان أحق بالخلافة من يوشع و الذي يدل على ذلك أنه قد ثبت خلافته له في حال حياته بقوله تعالى وَ قالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَ أَصْلِحْ و في ثبوتها له في حال حياته وجوب حصولها له لو بقي بعد وفاته لأن خروجها عنه في حال من الأحوال مع بقائه حط له عن رتبة عالية كان عليها و صرف له عن ولاية عظيمة فوض إليه الأمر فيها و ذلك يقتضي الضعة منه و غاية التنفير عنه لأنه خلافة النبوة ليست كالخلافة على قرية و مدينة و إنما هي النيابة عن النبي (ع) في جميع ما كان يتولاه من أمر الأمة و القيام مقامه في إصلاح أمور الكافة من تعليمهم و تهذيبهم و وعظهم و تأديبهم و زجرهم و تخويفهم و توقيفهم و تعريفهم. و هذا يقتضي التدين بفرض طاعته و غاية التبجيل و التعظيم له فمتى حط عن هذه المرتبة بعد كونه عليها و أنزل عن درجة الخلافة التي رقى إليها زال ما كان له في النفوس من التبجيل و التعظيم و في ذلك ما ذكرناه من غاية التنفير و من ذا الذي تكون نفسه ساكنة إلى قبول وعظ خليفة يعلم أو يجوز أنه سينحط عن رتبة الخلافة إلى أن يصير رعية و يهبط عن درجة الإمامة إلى أن يحصل من أحد الأمة كسكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه. بل كيف يصح من التابعين غاية التبجيل و التعظيم لمن يعلمون من حاله أو يجوزون ذلك من أمره أنه سيتأخر بعد مقامه و يصير لمن كان من أتباعه و متعلما ممن كان يعلمه و مقتديا بمن كان يقتدى به حتى يسقط ما كان يلزم الناس من فرض طاعته و يصير هو و هم طائعين لمن كان من جملة المطيعين له.
175
منها ما لم يرده و علق ذلك بوقت نفى عنه فيه ما نفى فوجب أن يكون هذا له فيه ما أوجب. و لا يجوز أن يتضمن الكلام استثناء و يكون مقيدا بوقت إلا و هو وقت المنفي منه و الموجب مثال ذلك قول القائل قام القوم إلا زيدا اليوم فلا يجوز أن يكون اليوم إلا وقتا للحالين ففيه قام القوم و فيه بعينه لم يقم زيد و لو لا أن الأمر كما ذكرناه لم يحسن الاستثناء و ذكر الوقت و قد قال النبي ص بعد ما أوجبه لأمير المؤمنين (ع) من منازل هارون من موسى (ع) إلا أنه لا نبي بعدي فعلمنا أن جميع ما أثبته له مما استحقه هارون من موسى في حياته و هو مثبت له من بعده لأنه الوقت الذي قرنه بالاستثناء. و لو كان الأمر على ما ذكره الخصم من أنه أراد بذلك أيام حياته لقال أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي معي أو لا نبي في حياتي و في نفيه لما لم يرده بعده دليل على أنه قد أثبت له ما أراده بعده و الحمد لله. فإن قال الخصم ما تنكرون من أن يكون مراده ص بقوله إلا أنه لا نبي بعدي إنما هو بعد كوني نبيا و ذلك يقتضي حال الحياة قلنا أنكرنا ذلك من قبل أن لفظة بعد إذا خرجت مخرج قول النبي ص أوجبت بالعرف و العادة حال الوفاة التي هي بعد الحياة دون أن يوجب حالا في الحياة أ لا ترى إلى قوله ص لأمير المؤمنين
تُقَاتِلُ بَعْدِي النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ
وَ قَوْلِهِ سَتَغْدِرُ بِكَ الْأُمَّةُ مِنْ بَعْدِي
وَ قَوْلِهِ سَتُفَرَّقُ كَلِمَتُكُمْ مِنْ بَعْدِي
وَ قَوْلِهِ أَلَا لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
كل ذلك يفيد بعد وفاتي
176
و كذلك قول القائل فلان وصيي من بعدي و القائم مقامي من بعدي فإن المعنى فيه بعد موتي و هذا يبطل ما ظنه الخصم على أنه لو سلم له ما ادعاه و بلغ منه مناه لم يخرج عن الحق الذي قصدناه لأن نفي النبوة بعده ينتظم بعد كونه نبيا في حياته و بعد وفاته و إلى آخر الأبد. و ما ثبت لأمير المؤمنين (ع) في متضمن اللفظ من المنازل التي لم تنتف بنفي النبوة يجب أن يثبت له في سائر أحوال النفي حتى يكون خليفته في حياته في كل حال غاب فيها عن أمته و خليفته من بعده ما دامت حياته ص و هذا واضح لمن تأمله. الجواب عن السؤال الخامس و أما الحجة على أن الخلافة الواجبة لأمير المؤمنين (ع) بنص رسول الله ص في هذا الخبر تجب له بعده بغير فصل دون أن يكون المراد بذلك وجوبها له بعد عثمان فهي واضحة من وجوه. أحدها أنا قد بينا استحقاقه للخلافة بعد رسول الله ص بهذا الخبر و أنه القائم بعده مقام هارون بعد موسى (ع) و أقمنا الدليل على أن هارون لو بقي لكان خليفة لموسى من بعده يليه بغير فصل. و الوجه الثاني أن قول النبي ص في الخبر إلا أنه لا نبي بعدي قد أفاد أنه الخليفة بعده بما قدمنا بيانه و قد علمنا أن نفيه للنبوة بعده لا يتخصص بزمان دون زمان بل يعم جميع الأوقات و الأحوال فيجب أن يكون الثابت لأمير المؤمنين (ع) في الخبر عاما بعده في جميع الأوقات غير مخصص بحال دون حال فهو الخليفة بعده على الفور و ما اتصل ببقائه الزمان و قد تقدم هذا القول على البيان و إنما أعدناه لأنه جواب عن هذا السؤال. الوجه الثالث أن الناس في إمامة أمير المؤمنين (ع) طائفتان فإحداهما تقول إن الخلافة إنما وجبت له بعد عثمان باختيار الأمة له و لم
174
و من دفع أن يكون الخروج من هذه المنزلة منفرا كمن دفع أن تكون القباحة في الخلق و الدمامة المفرطة في الصور منفرا و قد أجمع معنا خصومنا من المعتزلة على أن الله تعالى يجنب أولياءه و أنبياءه (ع) جميع هذا فبان بما ذكرنا أن منزلة هارون من موسى (ع) منزلة لا يجوز خروجه عنها ما دام حيا و أنه لو بقي بعد موسى لكان أحق بها من يوشع و أولى و في ذلك دليل على أن أمير المؤمنين (ع) يستحقها من رسول الله ص في حياته و بعد وفاته لبقائه بعده و ليس موت هارون في حياة موسى (ع) بمانع لأمير المؤمنين (ع) مما هو مستحقه ببقائه. أ لا ترى أن رجلا لو قال لوكيل له أجر على عبدي الرومي في كل يوم جرابة و في كل شهر صلة ثم قال بعد ذلك أن منزلة عبدي الحبشي عندي كمنزلة ذلك الرومي فأجره مجراه و اجعل له من الجاري و الصلة نظير ما جعلت له ثم مات الرومي فمعلوم أن موته لا يقطع جرابة الباقي و لا يحرمه صلته. هذا ما لا يدفعه أحد و لا ينكره. فإن قال الخصم فيلزمك على هذه الطريقة أن نقول إن طاعة أمير المؤمنين (ع) كانت مفترضة على الأمة في حياة رسول الله ص قيل له كذلك نقول و لكن بشرط غيبته و أما عند حضور النبي ص فإنه لا يجوز أن تكون الطاعة واجبة إلا له و هذا حكم الخليفة في المتعارف و العادة. الجواب الثاني عن هذا السؤال أن النبي ص قد أوضح مراده في كلامه لمن فهم و أبان عن قصده من قوله لمن علم و ذلك أنه أتى بجملة أوجب منها لأمير المؤمنين (ع) ما أراده و استثنى
177
تجب له بهذا الخبر و لا بغيره من الأخبار و إن النص عليه المتضمن كونه خليفة بعد رسول الله ص لم يكن في حال من الأحوال و الطائفة الأخرى تقول إن الإمامة لا تجب لأحد إلا بالنص دون الاختيار و إن هذا الخبر من جملة النصوص على أمير المؤمنين بالخلافة بعد رسول الله ص و إنه أول خلفائه و متقدم أوصيائه و تدبيره يلي تدبيره و إمامته بعد وفاته بغير فصل بينه و بينه و ليس في الأمة من يذهب إلى غير هذين القولين و في ثبوت الخبر وضوح ما تضمنه من النص على أمير المؤمنين (ع) بالإمامة و استحقاقه لذلك بعد رسول الله ص دلالة على بطلان مقال من ذهب إلى الاختيار فلم يبق إذن إلا قول أصحاب النص الذين يعتقدون أنه الخليفة بعد رسول الله ص بغير فصل (1) و هذا مغن لمن كان له عقل و الحمد لله
فصل
من الحديث المسند في نقل العامة الشاهد بأن رسول الله ص قال لأمير المؤمنين (ع) أنت مني بمنزلة هارون من موسى في أوقات عدة و أحوال مختلفة غير المذكور في غزاة تبوك
حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَسَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كُلَيْبٍ السُّلَمِيُّ الْحَرَّانِيُّ بِمَدِينَةِ الرَّمْلَةِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الْخَطِيبُ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْعَتَكِيُّ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السَّمَرْقَنْدِيِّ حَدَّثَنَا (2) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ بِشْرٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ وَ هُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا قَالَ فَجَعَلَ لَهُمْ عَلِيٌّ (ع) فَخِذاً مِنْ شَاةٍ ثُمَّ ثَرَدَ لَهُمْ ثَرِيدَةً وَ صَبَّ عَلَيْهَا
____________
(1) في النسخة: (فرق).
(2) في النسخة: (حدثكم).
178
الْمَرَقَ وَ تَرَكَ عَلَيْهَا اللَّحْمَ وَ قَدَّمَهَا فَأَكَلُوا مِنْهَا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ سَقَى عُسّاً وَاحِداً فَشَرِبُوا كُلُّهُمْ مِنْهُ حَتَّى رَوُوا فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ وَ اللَّهِ إِنَّ مِنَّا لَنَفَراً يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الْجَفْنَةَ وَ يَشْرَبُ الْفَرَقَ وَ مَا يُرْوِيهِ وَ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ دَعَانَا عَلَى رِجْلِ شَاةٍ وَ عُسٍّ مِنْ لَبَنٍ فَشَبِعْنَا وَ رَوِينَا مِنْهَا إِنَّ هَذَا هُوَ السِّحْرُ الْمُبِينُ ثُمَّ دَعَاهُمْ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِيَ الْأَقْرَبِينَ وَ رَهْطِيَ الْمُخْلَصِينَ وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا جَعَلَ لَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَخاً وَ وَارِثاً وَ وَزِيراً وَ وَصِيّاً وَ خَلِيفَةً فِي أَهْلِهِ فَأَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنَّهُ أَخِي وَ وَزِيرِي وَ وَارِثِي دُونَ أَهْلِي وَ يَكُونُ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَأَعَادَ الْكَلَامَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَيَقُومَنَّ قَائِمُكُمْ أَوْ يَكُونُ فِي غَيْرِكُمْ ثُمَّ لَتُذَمُّنَّ قَالَ فَقَامَ عَلِيٌّ (ع) وَ هُمْ يَنْظُرُونَ كُلُّهُمْ إِلَيْهِ فَبَايَعَهُ وَ أَجَابَهُ إِلَى مَا دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ ادْنُ مِنِّي فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ افْتَحْ فَاكَ فَفَتَحَ فَاهُ فَمَجَّ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَ تَفَلَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَ تَفَلَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ بِئْسَ مَا حَبَوْتَ بِهِ ابْنَ عَمِّكَ إِذْ جَاءَكَ فَمَلَأْتَ فَاهُ بُزَاقاً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَلِيءٌ حِكْمَةً وَ عِلْماً وَ فَهْمَا فَقَالَ لِأَبِي طَالِبٍ لِيَهْنِئْكَ أَنْ تَدْخُلَ الْيَوْمَ فِي دِينِ ابْنِ أَخِيكَ وَ قَدْ جَعَلَ ابْنَكَ مُقَدَّماً عَلَيْكَ (1)
وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي السُّلَمِيُّ (رحمه الله) قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ الْعَتَكِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو حُصَيْنٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكُوفِيُ
____________
(1) رواه الطبريّ في تاريخه ج 2 ص 217 من طبعة دار القاموس للطباعة و النشر- بيروت- المصورة عن النسخة المطبوعة بمصر في المطبعة الحسينية سنة 1323 ه كما في الختم الممهور عليها، و انظر: خصائص النسائي ص 9 و يراجع مصادر هذا الحديث فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 19- 21 و شرح النهج لابن أبي الحديد م 3 ص 293 رواه عن أبي جعفر الإسكافيّ، و لهذا الحديث مصادر كثيرة.
179
قِرَاءَةً قَالَ حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ زِيَادٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا كَادِحُ بْنُ جَعْفَرٍ الْعَابِدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ لَهِيعَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ الْإِفْرِيقِيِّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ (ع) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص بِفَتْحِ خَيْبَرَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص لَوْ لَا أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَا قَالَتِ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ لَقُلْتُ فِيكَ الْيَوْمَ مَقَالًا لَا تَمُرُّ بِمَلَإٍ إِلَّا أَخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ وَ مِنْ فَضْلِ طَهُورِكَ فَاسْتَشْفَوْا بِهِ وَ لَكِنْ حَسْبُكَ أَنْ تَكُونَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ وَ تَرِثَنِي وَ أَرِثَكَ وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ أَنَّكَ تُبْرِئُ ذِمَّتِي وَ تُقَاتِلُ عَلَى سُنَّتِي وَ أَنْتَ غَداً فِي الْآخِرَةِ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنِّي وَ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضَ وَ أَنَّكَ عَلَى الْحَوْضِ خَلِيفَتِي وَ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مَعِي وَ أَنَّكَ أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ مِنْ أُمَّتِي وَ أَنَّ شِيعَتَكَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ مُبْيَضَّةً وُجُوهُهُمْ حَوْلِي أَشْفَعُ لَهُمْ وَ يَكُونُونَ غَداً فِي الْجَنَّةِ جِيرَانِي وَ أَنَّ حَرْبَكَ حَرْبِي وَ سِلْمَكَ سِلْمِي وَ أَنَّ سَرِيرَتَكَ سَرِيرَتِي وَ عَلَانِيَتَكَ عَلَانِيَتِي وَ أَنَّ وُلْدَكَ وُلْدِي وَ أَنَّكَ مُنْجِزٌ عِدَاتِي وَ أَنَّكَ عَلَى الْحَوْضِ وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ يَعْدِلُكَ عِنْدِي وَ أَنَّ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِكَ وَ فِي قَلْبِكَ وَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ وَ أَنَّ الْإِيمَانَ خَالَطَ لَحْمَكَ وَ دَمَكَ كَمَا خَالَطَ لَحْمِي وَ دَمِي وَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ مُبْغِضٌ لَكَ وَ لَنْ يَغِيبَ عَنْهُ مُحِبٌّ لَكَ (1) حَتَّى يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ مَعَكَ يَا عَلِيُّ فَخَرَّ عَلِيٌّ (ع) سَاجِداً ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيَّ بِالْإِسْلَامِ وَ عَلَّمَنِي الْقُرْآنَ وَ حَبَّبَنِي إِلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ إِحْسَاناً مِنْهُ إِلَيَّ وَ فَضْلًا مِنْهُ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ لَوْ لَا أَنْتَ لَمْ يُعْرَفِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ بَعْدِي (2)
وَ حَدَّثَنِي الْقَاضِي السُّلَمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي الْعَتَكِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ صَفْوَةَ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ
____________
(1) في النسخة غير واضحة، و التصحيح عن الأمالي للصدوق.
(2) انظر: أمالي الصدوق ص 85 من المجلس الحادي و العشرين و تجده في مناقب ابن المغازلي ص 237- 238.
180
حَمْزَةَ النَّوْفَلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) قَالَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ص بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَ تَرَكْتَنِي فَرْداً لَا أَخَ لِي فَقَالَ إِنَّمَا أَخَّرْتُكَ لِنَفْسِي أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى فَقُمْتُ وَ أَنَا أَبْكِي مِنَ الْجَذَلِ وَ السُّرُورِ فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ
أَقِيكَ بِنَفْسِي أَيُّهَا الْمُصْطَفَى الَّذِي* * * هَدَانَا بِهِ الرَّحْمَنُ مِنْ عَمَهِ الْجَهْلِ
وَ أَفْدِيكَ حَوْبَائِي وَ مَا قَدْرُ مُهْجَتِي (1)* * * لِمَنْ أَنْتَمِي مَعَهُ إِلَى الْفَرْعِ وَ الْأَصْلِ
وَ مَنْ جَدُّهُ جَدِّي وَ مَنْ عَمُّهُ أَبِي* * * وَ مَنْ أَهْلُهُ ابْنِي وَ مَنْ بِنْتُهُ أَهْلِي
وَ مَنْ ضَمَّنِي إِذْ كُنْتُ طِفْلًا وَ يَافِعاً* * * وَ أَنْعَشَنِي بِالْبِرِّ وَ الْعَلِّ وَ النَّهْلِ
وَ مَنْ حِينَ آخَى بَيْنَ مَنْ كَانَ حَاضِراً* * * دَعَانِي فَآخَانِي وَ بَيَّنَ مِنْ فَضْلِي
لَكَ الْخَيْرُ إِنِّي مَا حَيِيتُ لَشَاكِرٌ* * * لِإِحْسَانِ مَا أَوْلَيْتَ يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ
(2)
وَ حَدَّثَنِي أَيْضاً الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ السُّلَمِيُّ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَنْظَلِيُّ الْبَابْسِيرِيُّ بِوَاسِطٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مغا [كَذَا] قَالَ حَدَّثَنَا الْأَرْدَبِيلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ وَ مُعَاذُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْمَازِنِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ مُتَعَلِّقاً بِحَلْقَةِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَ هُوَ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي أَنْبَأْتُهُ بِاسْمِي أَنَا جُنْدَبٌ الرَّبَذِيُّ الْغِفَارِيُ
____________
(1) في النسخة كلمات غير واضحة. و التصحيح عن البحار ج 38 ص 337.
(2) انظر: البحار ج 38 ص 337 نقله عن مناقب ابن شهرآشوب ج 1 ص 367- 338 كما في الهامش.
181
إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص فِي الْعَامِ الْمَاضِي وَ هُوَ آخِذٌ بِهَذِهِ الْحَلْقَةِ وَ هُوَ يَقُولُ أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ صُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ وَ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا وَ دَعَوْتُمْ حَتَّى تَقَطَّعُوا إِرْباً إِرْباً ثُمَّ بَغَضْتُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَكَبَّكُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ قُمْ يَا أَبَا الْحَسَنِ فَضَعْ خَمْسَكَ فِي خَمْسِيِ يَعْنِي كَفَّكَ فِي كَفِّي فَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَنِي وَ إِيَّاكَ مِنْ شَجَرَةٍ أَنَا أَصْلُهَا وَ أَنْتَ فَرْعُهَا فَمَنْ قَطَعَ فَرْعَهَا أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ يَقْتُلُ النَّاكِثِينَ وَ الْمَارِقِينَ وَ الْجَاحِدِينَ عَلِيٌّ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي
وَ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ الْقُمِّيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ إِمْلَاءً مِنْ حِفْظِهِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَزْيَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَا قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو إِدْرِيسَ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَ لَوْ كَانَ لَكُنْتَهُ
وَ مِمَّا رَوَاهُ السُّلَمِيُّ أَيْضاً وَ كَتَبَهُ لِي عَنِ الْحَنْظَلِيِّ الْبَابْسِيرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَافِيدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ الْإِيلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَرْبَعَةٌ: ابْنُ أَبِي ذُوَيْبٍ وَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَ يَزِيدُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ وَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالُوا حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ لِسَعْدٍ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ خَرَجَ إِلَى غَزَاةِ تَبُوكَ إِنَّ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي قَالَ نَعَمْ وَ قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِعَلِيٍّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي غَزَاتِهِ هَذِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ (1)
____________
(1) و تجده في مناقب ابن المغازلي ص 33- 34.
182
و الأخبار المروية في هذا المعنى كثيرة في نقل الخاصة و العامة و فيما أوردته كفاية و الله أعلم و الحمد لله.
فصل من آداب أمير المؤمنين (ع) و حكمه
الْمَرْءُ حَيْثُ يَجْعَلُ نَفْسَهُ
مَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السَّوْءِ اتُّهِمَ
مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهَمَةِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ بِهِ الظَّنَ
مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ
مَنْ مَزَحَ اسْتَخَفَّ بِهِ
مَنِ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ غَرِقَ
الْمِزَاحُ يُورِثُ الْعَدَاوَةَ
مَنْ عَمِلَ فِي السِّرِّ عَمَلًا يَسْتَحِي مِنْهُ فِي الْعَلَانِيَةِ فَلَيْسَ لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ مِنْ قَدْرٍ
مَا ضَاعَ امْرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ
اعْرِفِ الْحَقَّ لِمَنْ عَرَفَهُ لَكَ رَفِيعاً كَانَ أَمْ وَضِيعاً
مَنْ تَعَدَّى الْحَقَّ ضَاقَ مَذْهَبُهُ
مَنْ جَهِلَ شَيْئاً عَادَاهُ
أَسْوَأُ النَّاسِ حَالًا مَنْ لَمْ يَثِقْ بِأَحَدٍ لِسُوءِ ظَنِّهِ وَ لَمْ يَثِقْ بِهِ أَحَدٌ لِسُوءِ فِعْلِهِ
لَا دَلِيلَ أَنْصَحُ مِنِ اسْتِمَاعِ الْحَقِ
مَنْ نَظَّفَ ثَوْبَهُ قَلَّ هَمُّهُ
الْكَرِيمُ يَلِينُ إِذَا اسْتُعْطِفَ وَ اللَّئِيمُ يَقْسُو إِذَا لُوطِفَ
حُسْنُ الِاعْتِرَافِ يَهْدِمُ الِاقْتِرَافَ
أَخِّرِ الشَّرَّ فَإِنَّكَ إِذَا شِئْتَ تَعَجَّلْتَهُ
أَحْسِنْ إِذَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ
إِذَا جُحِدَ الْإِحْسَانُ حَسُنَ الِامْتِنَانُ
الْعَفْوُ يُفْسِدُ مِنَ اللَّئِيمِ بِقَدْرِ إِصْلَاحِهِ مِنَ الْكَرِيمِ
مَنْ بَالَغَ فِي الْخُصُومَةِ أَثِمَ وَ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا خُصِمَ
183
لَا تُظْهِرِ الْعَدَاوَةَ لِمَنْ لَا سُلْطَانَ لَكَ عَلَيْهِ
فصل
قال شيخنا المفيد (رحمه الله) أحد عشر شيئا من الميتة التي تقع عليها الذكاة حلال و هي الشعر و الوبر و الصوف و الريش و السن و العظم و الظلف و القرن و البيض و اللبن و الإنفحة و عشرة أشياء من الحي الذي تقع عليه الذكاة حرام و هي الفرث و الدم و القضيب و الأنثيين و الحيا و الرحم و الطحال و الأشاجع و ذات العروق قال و يكره أكل الكليتين لقربهما من مجرى البول و ليس أكلها حراما
فصل
أملى علي شيخي (رحمه الله) أن في الرأس و الجسد أربع فرائض و عشر سنن ففريضتان في الرأس و هما غسل الوجه في الوضوء و المسح بالرأس و فريضتان في الجسد و هما غسل اليدين و مسح الرجلين و أما السنن فهي سنن إبراهيم الخليل (ع) و هي الحنيفية خمس منها في الرأس و هي فرق الشعر لمن كان على رأسه شعر و قص الشارب و السواك و المضمضة و الاستنشاق و خمس منها في الجسد و هي الختان و قص الأظافير و نتف الإبط و حلق العانة و الاستنجاء
قضية لأمير المؤمنين ع
رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً عَلِقَتْ بِغُلَامٍ فَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَامْتَنَعَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ وَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَأَفْضَحَنَّكَ فَلَمْ يَفْعَلْ فَأَخَذَتْ بَيْضَةً فَأَلْقَتْ بَيَاضَهَا عَلَى ثَوْبِهَا
184
وَ تَعَلَّقَتْ بِهِ وَ اسْتَغَاثَتْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) وَ قَالَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَذَا الْغُلَامَ كَابَرَنِي عَلَى نَفْسِي وَ قَدْ أَصَابَ مِنِّي وَ هَذَا مَاؤُهُ عَلَى ثَوْبِي فَسَأَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) فَبَكَى وَ قَالَ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كَذَبَتْ وَ مَا فَعَلْتُ شَيْئاً مِمَّا ذَكَرَتْ فَوَعَظَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَتْ وَ اللَّهِ لَقَدْ فَعَلَ وَ هَذَا مَاؤُهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) عَلَيَّ بِقَنْبَرٍ فَجِيءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ مُرْ مَنْ يَغْلِي مَاءً حَتَّى تَشْتَدَّ حَرَارَتُهُ وَ صَوِّبْهُ إِلَيَّ فَلَمَّا أُتِيَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ أَمَرَ أَنْ يُلْقَى عَلَى ثَوْبِهَا فَانْسَلَقَ بَيَاضُ الْبَيْضِ وَ ظَهَرَ أَمْرُهُ فَأَمَرَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْعَمَاهُ وَ يَلْفَظَاهُ لِيَقَعَ الْيَقِينُ بِهِ فَفَعَلَا فَرَأَيَا بَيْضاً فَخَلَّى الْغُلَامَ وَ أَمَرَ بِالْمَرْأَةِ فَأَوْجَعَهَا أَدَباً (1)
مسألة في المني و نجاسته و وجوب غسل الثوب منه
إن سأل سائل فقال ما الحكم عندكم في المني فهل هو طاهر أم نجس قيل له المني نجس يجب غسل ما أصاب الثوب منه و إن كان قليلا و لا تجوز الصلاة في ثوب فيه شيء منه سواء كان رطبا أو يابسا. فإن قال ما الدليل على ذلك قيل له نقل الشيعة بأسرهم على كثرتهم و استحالة التواطؤ على ذلك منهم و الخبر يتواتر بنقل بعضهم و قد روى جميعهم ما ذكرناه عن سلفهم عن أئمتهم (ع) عن رسول الله ص جدهم و في هذا الدليل غنى عن غيره و بعد ذلك فقد نستدل
بِمَا رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (رحمه الله) أَنَّهُ قَالَ رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَنَا أَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِي مَوْضِعاً فَقَالَ مَا تَصْنَعُ يَا عَمَّارُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَخِمْتُ نُخَامَةً فَكَرِهْتُ أَنْ تَكُونَ فِي ثَوْبِي (2) فَغَسَلْتُهَا
____________
(1) رواه المفيد في الإرشاد ص 103، و رواه في البحار ج 40 ص 263 ص 263 عن الإرشاد و عن مناقب ابن شهرآشوب.
(2) في النسخة: (ثوب).
185
فَقَالَ يَا عَمَّارُ وَ هَلْ نُخَامَتُكَ وَ دُمُوعُ عَيْنَيْكَ وَ مَا فِي أَدَوَاتِكَ إِلَّا سَوَاءٌ إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنَ الْبَوْلِ أَوِ الْغَائِطِ أَوِ الْمَنِيِ
و وجوب غسل الثوب منه لأن رسول الله ص أضاف الطاهر إلى الطاهر و النجس إلى النجس فلو كان المني طاهرا لا يغسل الثوب منه لأضافه إلى ما ميزه بالطهارة و لم يخلطه بما قد علم منه النجاسة التي أوجب غسل الثوب منها في الشريعة. فإن قال السائل خبركم هذا الذي رويتموه عن عمار غير سالم لأنه قد عارضه خبر عائشة و قولها إن رسول الله ص كان يصلي و أنا أفرك الجنابة من ثوبه و في صلاة النبي ص بها و هي في ثوبه دلالة على طهارتها قيل له هذا غير صحيح لِمَا
رُوِيَ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ لَهُ بُرْدَانِ مَعْزُولَانِ لِلصَّلَاةِ لَا يَلْبَسُهَا إِلَّا فِيهَا وَ كَانَ يَحُثُّ أُمَّتَهُ عَلَى النِّظَافَةِ وَ يَأْمُرُهُمْ بِهَا
و إن من المحفوظ عنه في ذلك
قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الرَّجُلَ الْقَاذُورَةَ قِيلَ وَ مَا الْقَاذُورَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي يَتَأَفَّفُ بِهِ جَلِيسُهُ
و من يكون هذا قوله و أمره لا يجلس و المني في ثوبه فضلا عن أن يصلي و هو فيه. و ليس يشك العاقل في أن المني لو لم يكن من الأنجاس المفترض إماطتها لكان من الأوساخ التي يجب التنزه عنها و فيما صح عندنا من اجتهاد رسول الله ص في النظافة و كثرة استعماله للطيب على ما أتت به الرواية دال على بطلان خبر عائشة و شيء آخر و هو أن عمارا (رحمه الله) قد اجتمعت الأمة على صحة إيمانه و اتفقت على تزكيته و عائشة قد اختلف فيها و في إيمانها و لم يحصل الاتفاق
186
على تزكيتها فالأخذ بما رواه عمار رضي الله عنه أولى. و شيء آخر و هو أن خبر عمار يحظر الصلاة في ثوب فيه مني أو يغسل و خبر عائشة يبيح ذلك و المصير إلى الحاظر من الخبر أولى و أحوط في الدين و شيء آخر و هو أن عمارا رضي الله عنه حفظ قولا عن رسول الله ص رواه و عائشة لم تحفظ في هذا قولا و إنما أخبرت عن فعلها و قد يجوز أن يكون توهمت أن في ثوبه جنابة أو رأت شيئا شبيها بها هذا مع تسليمنا لخبرها فروت بحسب ظنها. ثم يقال للخصم إذا كانت الجنابة عندك طاهرة يجوز الصلاة فيها فلم فركتها عائشة و اجتهدت في قلعها فألا تركتها كما تركها عندكم رسول الله ص و صلى فيها فإن قال السائل إذا كان المني نجسا فكيف خلق الله تعالى منه الطاهرين من الأنبياء المصطفين و العباد الصالحين قيل له هذا السؤال عائد على سائله و هو أن يقال له إذا كان المني طاهرا فكيف خلق الله تعالى النجسين من الفراعنة و الشياطين و الكفار و المشركين. و بعد فالمني جسم و نجاسته عرض و الأعراض تنتقل و قد رأينا نجسا صار طاهرا و طاهرا عاد نجسا و لو قال للخصم قائل إذا كان الدم نجسا فكيف جعله الله تعالى قوام جسم المؤمن و صحة كونه حيا و إذا كانت العذرة نجسة فكيف حملها المؤمن و استقرت في جسمه و السؤال عن هذه المواضع ساقط لا معنى له
فصل
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْماً أَتَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَالُوا لَهُ أَ لَسْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ لَهُمْ بَلَى قَالُوا لَهُ وَ هَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي أَتَيْتَ بِهِ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَأَخْبِرْنَا عَنْ قَوْلِهِ
187
إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (1) إِذَا كَانَ مَعْبُودُهُمْ مَعَهُمْ فِي النَّارِ فَقَدْ عَبَدُوا الْمَسِيحَ (ع) أَ فَنَقُولُ إِنَّهُ فِي النَّارِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَيَّ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَ الْمُتَعَارَفُ فِي لُغَتِهَا وَ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنَّ مَا لِمَا لَا يَعْقِلُ وَ مَنْ لِمَنْ يَعْقِلُ وَ الَّذِي يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعاً فَإِنْ كُنْتُمْ مِنَ الْعَرَبِ فَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ يُرِيدُ الْأَصْنَامَ الَّتِي عَبَدُوهَا وَ هِيَ لَا تَعْقِلُ وَ الْمَسِيحُ (ع) لَا يَدْخُلُ فِي جُمْلَتِهَا لِأَنَّهُ يَعْقِلُ وَ لَوْ قَالَ إِنَّكُمْ وَ مَنْ تَعْبُدُونَ لَدَخَلَ الْمَسِيحُ (ع) فِي الْجُمْلَةِ فَقَالَ الْقَوْمُ صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (2)
و في هذا الخبر دليل على أن رسول الله ص كان يحاج و يناظر و يعارض و يفصل و يوضح الجواب لسائله و يثبت الحجة على خصمه و لا يدعو إلى التقليد بل يوضح التقليد بإقامة الدليل فإن قال قائل إذا كان الذين عبدوا الأصنام في شركهم و كفرهم فلأي وجه تكون الأصنام في النار معهم و هي لم تكفر و لا يصح أن يعذب أيضا ما ليس بحي. قلنا إن المراد بذلك أن يرى العابدون لها أنها لم تغن عنهم شيئا و أنها بحيث هم لا تدفع عن أنفسها لو كانت حية قادرة و لا عنهم و على هذا المعنى يتأول قوله سبحانه وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ بأنها الحجارة التي عبدوها و هي الأصنام قال الله تعالى حكاية عن أهل النار
____________
(1) سورة الأنبياء: 98.
(2) طريقة هذا الحديث في المحاورة و أسلوبها تبعد جدا أن يكون من حديث الرسول (ص) بل هو بكلام بعض علماء المسلمين أشبه.
188
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ (1)
سؤال عن آيات
إن سأل سائل فقال ما معنى قول الله تبارك و تعالى ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ و قوله تعالى في موضع آخر هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ و قال في موضع آخر وَ أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ و ظاهر هذه الآيات مختلف لأن بعضها ينبئ عن أن النطق لا يقع منهم في ذلك اليوم و لا يؤذن لهم فيه و بعضها ينبئ عن خلافه. فالجواب أنه تعالى إنما أراد بما نفاه نفي النطق المسموع المقبول الذي يكون لهم فيه حجة أو عذر و لم ينف الذي ليست هذه حاله و يجري هذا المجرى قولهم خرس فلان عن حجته و مرادهم بذلك أنه لم يأت بحجة ينتفع بها و إن كان قد تكلم كلاما كثيرا و قولهم حضرنا فلانا يناظر فلم يقل شيئا و المراد أنه لم يأت بكلام سديد و لا قول صحيح و إن كان قد قال قولا غزيرا فأطلقوا اللفظ في الكلام و المراد ما ذكرناه و قد قال الشاعر
أعمى إذا ما جارتي خرجت* * * حتى يواري جارتي الخدر
و يصم عما كان بينهما* * * سمعي و ما بي غيره وقر
(2).
____________
(1) الأنبياء: 99
(2) تجد الكلام على ذلك في أمالي المرتضى م 1 ص 43- 44.
189
و هذا التأويل في نفي القول لا يمنع من وقوع التساؤل و التلاوم بينهم الذي ليس لهم فيه حجة و لا يثمر فائدة فأما قوله سبحانه وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ فالتأويل الحسن أن يحمل يُؤْذَنُ لَهُمْ على معنى أنه لا يسمع منهم و لا يقبل عذرهم و العلة في امتناع قبول عذرهم هي ما قد بينا من أنهم لا يعتذرون بعذر صحيح و لا يأتون بقول مصيب. سؤال آخر فإن قال فقد قال الله تعالى في موضع من كتابه وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ فأوجب السؤال و قال في موضع آخر فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لا جَانٌ فنفى السؤال و ظاهره متناقض و اختلاف فالجواب أن السؤال الذي أوجبه سبحانه هو سؤال المطالبة بالواجبات و تضييع المفروضات. و السؤال الذي نفاه عز و جل هو سؤال الاستعلام و المعنى في ذلك أن الله تعالى علم جميع ما فعلوه و لا يخفى عليه شيء مما أتوه فلا حاجة إلى السؤال عن ذنبهم و لا حاجة للملائكة أيضا إلى السؤال عن المذنب منهم لأن الله تعالى يجعل لهم سيماء يعرفون به و ذلك قوله عز و جل يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ
فصل مما ورد في ذكر النصف
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ التَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ
وَ حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ
190
وَ التَّقْدِيرُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ الْعَيْشِ
وَ جَاءَ فِي خَبَرٍ آخَرَ عَنْهُ (ع) التَّقْدِيرُ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ
وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّهُ قَالَ الْهَمُّ نِصْفُ الْهَرَمِ وَ السَّلَامَةُ نِصْفُ الْغَنِيمَةِ
و قال بعض الحكماء الخوف نصف الموت و قال آخر المخافة شطر المنية و قيل الراحة نصف السلامة و حسن الطلب نصف العلم و التودد نصف الحزم و حسن التدبير نصف الكسب. و قال بعض الحكماء نصف رأيك مع أخيك يريد بذلك وجوب المشاورة ليجتمع الرأي و قيل إذا بان منك أخوك بان شطرك و إذا اعتل خليلك فقد اعتل نصفك. و أنشد
لسان الفتى نصف و نصف فؤاده* * * فلم يبق إلا صورة اللحم و الدم
(1)- و كتب أبو العتاهية إلى أحمد بن يوسف (2)
لئن عدت بعد اليوم إني لظالم* * * سأصرف نفسي حيث تبقى المكارم
____________
(1) البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، التي أولها:
أ من أم أوفى دمنة لم تكلّم* * * بحومانة الدرّاج فالمتثلم
(2) أحمد بن يوسف من مشاهير الكتاب في عصر المأمون و من الشعراء المجيدين و من وزراء المأمون، يكنى بأبي جعفر أحمد بن يوسف بن صبيح و هو أخو القاسم بن يوسف بن صبيح الشاعر الشيعي، و تجد أخبار أحمد بن يوسف في كتاب الأوراق لأبي إسحاق الصولي ص 206- 236 الذي ذكر فيه كثيرا من شعره و إنشائه، و قد توفّي سنة 213 ه و رثاه أخوه بعدة أبيات.
191
متى ينجح الغادي إليك بحاجة* * * و نصفك محجوب و نصفك نائم
و لما اتهم قتيبة بن مسلم (1) أبا مجلد قال أبو مجلد أيها الأمير تثبت فإن التثبت نصف العفو و قيل السفر نصف العذاب و قال سعيد بن أبي عمرويه (2) لأن يكون لي نصف وجه و نصف لسان على ما فيهما من قبح المنظر و عجب المخبر أحب إلي من أن أكون ذا وجهين و لسانين و ذا قولين مختلفين و لبعضهم
بسطت لساني ثم أوثقت نصفه* * * فنصف لساني في امتداحك مطلق
فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني* * * و باقي [لسان] (3) الشكر باليأس موثق
و وجد مكتوبا على قبر
يا قبر أنت سلبتني إلفا* * * قدمته و تركتني خلفا
و أخذت نصف الروح من جسدي* * * فقبرته و تركتني نصفا
و قيل إذا اتخذت جارية فعليك بالبيضاء فإن البياض نصف الحسن لابن عيينة
إن دنيا هي التي* * * بسحر العين سافره
سرقوها نصف اسمها* * * هي دنيا و آخرة
(4)
____________
(1) قتيبة بن مسلم الباهلي من أعاظم قوّاد الأمويين صاحب الفتوحات الكبيرة في المشرق قتله وكيع بن أبي سود سنة 97 ه.
(2) هو سعيد بن أبي عروبة لا عمروية كما في البيان و التبيين ج 2 ص 122- 123، و تجد كلمته في الكتاب المذكور. توفي 156 ه انظر: فهرست ابن النديم ص 317.
(3) في النسخة: لساني.
(4) كذا في النسخة.
192
لابن المعتز (1) في جارية له
يا دهر كيف شققت نفسا* * * فخلست منها النصف خلسا
و تركت نصفا للأسى* * * جعل البقاء عليه نحسا
سقيا لوجه حبيبه* * * أودعتها كنفا و رمسا
و أنشد لذي الرمة (2)
و إن امرأ في بلدة نصف قلبه* * * و نصف بأخرى إنه لصبور
فصل من الأدب
روي عن بعض الأدباء أنه قال لابنه اقتن من مكارم الأخلاق خمسا و ارفض ستا و اطلب العز بسبع و احرص على ثمان فإن فزت بتسع بلغت المدى و إن أحرزت عشرا أحرزت الدنيا و الآخرة فأما الخمس المقتناة فخفض الجانب و بذل المعروف و إعطاء النصفة من نفسك و تجنب الأذى و توقي الغرم و أما الست المرفوضة فطاعة الهوى و ارتكاب البغي و سلوك التطاول و قساوة القلب و فظاظة القول و كثرة التهاون. و أما السبع التي ينال بها العز فأداء الأمانة و كتمان السر و تأليف المجانب و حفظ الإخاء و إقالة العثرة و السعي في حوائج الناس و الصفح عند الاعتذار و أما الثمان التي تحرص عليها فتعظيم أهل الفضل و سلوك طرق الكرم و المواساة في ملك اليد و حفظ النعم بالشكر و اكتساب الأجر بالصبر
____________
(1) هو عبد اللّه بن محمّد و قيل الزبير المعتز ابن المتوكل العباسيّ ولد سنة 249 ه و مات قتلا سنة 296 ه بويع له بالخلافة و لم يستقم أمره سوى يوم واحد، ثمّ أخذ هو و وزيره و حاجبه و حبس.
كان من الأدباء و الشعراء المجيدين و بخاصّة في الوصف و هو أول من صنف في علم البديع.
(2) هو أبو الحرث غيلان بن عقبة ينتهي نسبه إلى نزار من فحول الشعراء الإسلاميين و لقب بذي الرمة بالضم و الكسر و هو قطعة حبل لقوله:
(أشعث باقي رمة التقليد)
كانت وفاته سنة 117 ه و لما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم و أنا ابن أربعين سنة.
193
و الإغضاء عن زلل الصديق و احتمال النوائب و ترك الامتنان بالإحسان و أما التسع التي تبلغ بها المدى فالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و حرز اللسان عن سقوط الكلام و غض الطرف و صدق النية و الرحمة لأهل البلاء و الموالاة على الدين و المسامحة في الأمور و الرضا بالمقسوم. و أما العشرة الكاملة التي تنال بها الدنيا و الآخرة فالزهد فيما يفنى و الاستعداد لما يأتي و كثرة الندم على ما فات و إدمان الاستغفار و استشعار التقوى و خشوع القلب و كثرة الذكر لله تعالى و الرضا بأفعال الله سبحانه و ملازمة الصدق و العمل بما ينجي
فصل في ذكر الغنى و الفقر
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَيْسَ الْغِنَى فِي كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ
وَ قَالَ ص ثَلَاثُ خِصَالٍ مِنْ صَنْعَةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الثِّقَةُ بِاللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَ الْغِنَى بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ الِافْتِقَارُ إِلَيْهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ
وَ قَالَ ص أَ لَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَ عَذَابُ الْآخِرَةِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الْفَقْرُ يُخْرِسُ الْفَطِنُ عَنْ حُجَّتِهِ وَ الْمُقِلُّ غَرِيبٌ فِي بَلَدِهِ مَنْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَاباً مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَاباً مِنَ الْفَقْرِ
وَ قَالَ (ع) الْعَفَافُ زِينَةُ الْفَقْرِ وَ الشُّكْرُ زِينَةُ الْغِنَى
وَ قَالَ مَنْ كَسَاهُ الْغِنَى ثَوْبَهُ خَفِيَ عَنِ الْعُيُونِ عَيْبُهُ
194
وَ قَالَ مَنْ أَبْدَى إِلَى النَّاسِ ضَرَّهُ فَقَدْ فَضَحَ نَفْسَهُ وَ خَيْرُ الْغِنَى تَرْكُ السُّؤَالِ وَ شَرُّ الْفَقْرِ لُزُومُ الْخُضُوعِ
وَ قَالَ اسْتَغْنِ بِاللَّهِ عَمَّنْ شِئْتَ تَكُنْ نَظِيرَهُ وَ احْتَجْ إِلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَسِيرَهُ وَ أَفْضِلْ عَلَى مَنْ شِئْتَ تَكُنْ أَمِيرَهُ
وَ قَالَ لَا مُلْكَ أَذْهَبَ لِلْفَاقَةِ مِنَ الرِّضَا بِالْقُنُوعِ
وَ رُوِيَ أَنَّ الْمَاءَ صُبَّ عَلَى صَخْرَةٍ فَوُجِدَ عَلَيْهَا مَكْتُوباً إِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْفَقْرُ وَ الْغِنَى بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ
وَ قَالَ رَجُلٌ لِلصَّادِقِ (ع) عِظْنِي فَقَالَ لَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِفَقْرٍ وَ لَا بِطُولِ عُمُرٍ
و قيل ما استغنى أحد بالله إلا افتقر الناس إليه و قيل الفقير من طمع و الغني من قنع و أنشد لأمير المؤمنين ع
ادفع الدنيا بما اندفعت* * * و اقطع الدنيا بما انقطعت
يطلب المرء الغنى عبثا* * * و الغنى في النفس لو قنعت
و من قطعة لأبي ذؤيب (1)
و النفس راغبة إذا رغبتها* * * و إذا ترد إلى قليل تقنع
لمحمود الوراق (2)
أراك يزيدك الإثراء حرصا* * * على الدنيا كأنك لا تموت
فهل لك غاية إن صرت يوما* * * إليها قلت حسبي قد غنيت
تظل على الغنى أبدا فقيرا* * * تخاف فوات شيء لا يفوت
و أغنى منك ذو طمرين راض* * * من الدنيا ببلغة ما يفوت
و له أيضا
____________
(1) مرت ترجمته.
(2) مرت ترجمته.
195
يا عائب الفقر أ لا تزدجر* * * عيب الغنى أكبر لو تعتبر
من شرف الفقر و من فضله* * * على الغنى إن صح منك النظر
أنك تعصي لتنال الغنى* * * و لست تعصي الله إن تفتقر
لغيره
أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا* * * و لا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما* * * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
فصل في الكلام في الأرزاق
اعلم أن الرزق في الحقيقة هو التمليك و أصل التمليك من الله تعالى و هو الرازق للعباد و قد جعل بحكمته و علمه من مصالح بريته أرزاقهم على قسمين أحدهما ما يوصله إليهم من غير سعي يكون منهم و لا اكتساب و لا تحمل شيء من المشاق كالمواريث و نحوها من الأمور المتيسرات. و الآخر مشترط بحركة العبد و سعيه و اجتهاده و حرصه فمن سعى ناله و من قعد فاته و قد أمر الله تعالى بالاكتساب و الطلبة قال تعالى فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ و قال إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ فلا يجوز مخالفة أمر الله تعالى و ترك التكسب و الطلب و ليس ذلك بمضاد للتوكل على الله تعالى لأن له التعرض و منه الطلب. و قد أجرى العادة بأن لا يؤتى هذا القسم من الرزق إلا بعد الحركة و الطلب و مثل ذلك كثير في أفعاله تعالى التي قد أجرى العادة بأن لا يفعلها
196
إلا بعد فعل يقع من العباد قبلها كالولد بعد الوطء و النبات بعد الزرع و السقي و ليس المجتهد في كل وقت مرزوقا و ذلك لأن العطاء و المنع و الزيادة في الرزق و النقص منوط كله بالمصالح المعلومة عند الله تعالى و إنما يحسن من العاقل أن يسأل الله تعالى في الرزق بشرط أن لا يكون له مفسدا قال الله تعالى وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ. و كل شيء رزقه الله تعالى للعبد فقد أباحه التصرف فيه قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ و قال كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ و قال قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ و ما رزقه الله و أباح التصرف فيه فإنه لا يعاتب عليه. فأما المغتصبات فليست بأرزاق لغاصبيها و لا ملكهم الله تعالى إياها و إنما تسمى أرزاقا على المجاز من حيث إنها من الأشياء التي خلقها الله تعالى ليغتذى بها و الدليل على أن الله تعالى لم يرزقهم ما اغتصبوه إخباره بأنهم ظالمون فيه و أنه يعاقبهم عليه قال الله تعالى الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. و أمره سبحانه بقطع يد السارق في قوله تعالى وَ السَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ و لو كان الغاصب قد أخذ ما رزقه الله تعالى على الحقيقة لكان المطالب له
197
برد ما أخذه ظالما له و لم يجز في العدل أن يعاقب عليه في الدنيا و الآخرة بل أن يكون ممدوحا على تصرفه فيه و إنفاقه له كما مدح الله تعالى من أنفقه من حله فقال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ. فجعل إنفاق الرزق من صفات المؤمنين فلما لم يكن للغاصبين إنفاق ما اغتصبوه و كانوا مذمومين عليه معاقبين على تصرفهم فيه دل ذلك على أن الله تعالى لم يرزقهم إياه في الحقيقة و إذا لم يكن رزقا للغاصب فهو رزق للمغصوب منه و إن حيل بينه و بينه
فصل مما روي في الأرزاق
رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ أَكْثِرُوا الِاسْتِغْفَارَ فَإِنَّهُ يَجْلِبُ الرِّزْقَ
وَ قَالَ (ع) مَنْ رَضِيَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ
وَ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى عِيسَى (ع) لِيَحْذَرِ الَّذِي يَسْتَبْطِئُنِي فِي الرِّزْقِ أَنْ أَغْضَبَ فَأَفْتَحَ عَلَيْهِ بَاباً مِنَ الدُّنْيَا
وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) الرِّزْقُ رِزْقَانِ رِزْقٌ تَطْلُبُهُ وَ رِزْقٌ يَطْلُبُكَ فَإِنْ لَمْ تَأْتِهِ أَتَاكَ
وَ رُوِيَ عَنْ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ (ع) أَنَّهُ قَالَ فِي الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ بِالْحَرَكَةِ إِنَّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ فَوَصَلَ إِلَيْهِ حُوسِبَ مِنْ حِلِّهِ وَ بَقِيَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ
فالواجب أن لا يطلب إلا من الوجه المباح دون المحظور
وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَسَّنَ نِيَّتَهُ زِيدَ فِي رِزْقِهِ
198
و اعلم أن الدليل على جواز الزيادة في الأرزاق هو الدليل على جواز الزيادة في الأعمار لأن الله تعالى إذا زاد في عمر عبده وجب أن يرزقه ما يتغذى به ذكروا أن إبراهيم بن هرمة انقطع إلى جعفر بن سليمان الهاشمي فكان يجري له رزقا فقطعه فكتب إليه ابن هرمة (1)
إن الذي شق فمي ضامن* * * للرزق حتى يتوفاني
حرمتني خيرا قليلا فما* * * إن زادني مالك حرماني
فرد إليه رزقه و أحسن إليه و أنشد لبعضهم
التمس الأرزاق عند الذي* * * ما دونه إن سيل من حاجب
من يبغض التارك تسئاله* * * جودا و من يرضى عن الطالب
و من إذا قال جرى قوله* * * بغير توقيع إلى كاتب
وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ قَالَ ثَلَاثَةٌ يَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ رَجُلٌ جَلَسَ عَنْ طَلَبِ الرِّزْقِ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَ لَمْ أَجْعَلْ لَكَ طَرِيقاً إِلَى الطَّلَبِ وَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةُ سَوْءٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ خَلِّصْنِي مِنْهَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَ لَيْسَ قَدْ جَعَلْتُ أَمْرَهَا بِيَدِكَ وَ رَجُلٌ سَلَّمَ مَالَهُ إِلَى رَجُلٍ وَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ بِهِ فَجَحَدَهُ إِيَّاهُ فَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرْتُ بِالْإِشْهَادِ فَلَمْ تَفْعَلْ
. لابن وكيع التنيسي
لا تحيلن على سعدك في الرزق و نحسك* * * و إذا أغفلك الدهر فذكره بنفسك
لا تعجل بلزوم بيتك ما قبل رمسك* * * إنما يحمد حسن الرزق من جدة حسك
____________
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عليّ بن سلمة القرشيّ الفهري من الشعراء المجيدين كان حيا سنة 146 ه و كان معروفا بالتشيع عند الأمويين و العباسيين.
199
وَ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ حَرِّكْ يَدَكَ أَبْسُطْ لَكَ فِي الرِّزْقِ وَ أَطِعْنِي فِيمَا آمُرُكَ فَمَا أَعْلَمَنِي بِمَا يُصْلِحُكَ
و قيل لبعض لو تعرضت لفلان لوصلك فقال ما تلهفت لشيء من أمر الدنيا منذ حفظت هذه الأربع آيات من كتاب الله تعالى قوله ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها و قوله تعالى وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ و قوله سبحانه وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها و قوله جل اسمه وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ فروي أن صلة الرجل الذي قيل له لو تعرضت له أتت إلى منزله من غير طلب و أنشد لابن الأصبغ
لو كان في صخرة في الأرض راسبة* * * صماء ملمومة ملسا نواحيها
رزق لنفس براها الله لانغلقت* * * عنه فأدت إليه كل ما فيها
أو كان بين طباق السبع مطلبها* * * لسهل الله في المرقى مراقيها
حتى يلاقي الذي في اللوح خط له* * * إن هي أتته و إلا سوف يأتيها
200
وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لَهُ بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَ بَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ (1)
فصل
مما ذكر في تأويل قول الله عز و جل فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ اعلم أن هذه الآية نزلت في قوم فرعون الذين أهلكهم الله عز و جل و أورث أرضهم و نعمهم غيرهم و فيها وجوه أحدها ما ورد به الخبر الذي قدمناه عن رسول الله ص من ذكر البابين اللذين لكل مؤمن يصعد من أحدهما عمله و ينزل من الآخر رزقه و أنهما يبكيان عليه بعد موته و معنى البكاء هاهنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال بكى منزل فلان بعده. قال مزاحم العقيلي
بكت دارهم من أجلهم فتهللت* * * دموعي فأي الجازعين ألوم
أ مستعبرا يبكي من الهون و البلى* * * و آخر يبكي شجوه و يهيم
فإذا لم يكن لها و لا للقوم الذين أخبر الله تعالى ببوارهم مقام صالح في الأرض و لا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز إن يقال فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ.
وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رحمه الله) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَ وَ تَبْكِي السَّمَاءُ وَ الْأَرْضُ عَلَى أَحَدٍ فَقَالَ نَعَمْ مُصَلَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ مَصْعَدُ عَمَلِهِ فِي السَّمَاءِ
____________
(1) انظر الكلام على هذه الآية في أمالي المرتضى م 1 ص 49- 55.
201
و الوجه الثاني من التأويل أن يكون تعالى أراد المبالغة في وصف القوم الذين أهلكهم بصغر القدر و سقوط المنزلة لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قال كسفت لفقده الشمس و أظلم القمر و بكاه الليل و النهار و السماء و الأرض يريدون بذلك المبالغة و عظم الأمر و شمول المصيبة قال جرير (1) يرثى عمر بن عبد العزيز
الشمس طالعة ليست بكاسفة* * * تبكي عليك نجوم الليل و القمرا
. و في انتصاب النجوم و القمر في هذا البيت ثلاثة وجوه أحدها أنه أراد أن الشمس طالعة و ليست مع طلوعها كاسفة نجوم الليل و القمر لأن عظم الرزية قد سلبها ضوءها فلم يناف طلوعها ظهور الكواكب الوجه الثاني أن يكون انتصابها على معنى قوله لا أكلمك الأبد و طول المسند (2) و ما جرى مجرى ذلك فكأنه أخبر بأن الشمس تبكيه ما طلعت النجوم و ما ظهر القمر. و الوجه الثالث أن يكون نجوم الليل و القمر باكيين الشمس على هذا المفقود فبكهن أي غلبتهن بالبكاء كما يقال باكاني عند الله فبكيته و كاثرني فكثرته أي فضلت عليه و غلبته و الوجه الثالث من التأويل أن يكون الله تعالى أراد بقوله فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ أهل السماء و أهل الأرض و حذف أهل كما قال عز و جل وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و كما قال حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها و إنما أراد أصحابها و يجري ذلك مجرى قولهم السخاء سخاء حاتم قال الشاعر
____________
(1) هو جرير بن عطية الخطفي ينتهي نسبه إلى نزار مات باليمامة عن نيف و ثمانين سنة، سنة 121 ه و هو من أشهر الشعراء الإسلاميين و أرقهم ديباجة، هاجى شعراء عصره و بخاصّة الفرزدق، و كان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى، و الفرزدق بزهير، و الأخطل بالنابغة.
(2) المسند: الزمان.
202
قليل عيبه و العيب جم* * * و لكن الغنى رب غفور
يريد و لكن الغنى غنى رب غفور و الوجه الرابع من التأويل أن يكون معنى الآية الإخبار عن أنه لا أحد أخذ بثأرهم و لا أحد انتصر لهم لأن العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الأخذ بثأره فكني بهذا اللفظ عن فقد الانتصار و الأخذ بالثأر على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن. و الوجه الخامس من التأويل أن يكون البكاء المذكور في الآية كناية عن المطر و السقيا لأن العرب تشبه المطر بالبكاء و يكون معنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم و لم تجد بقطرها عليهم على مذهب العرب المعهود بينهم لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزائهم يتعشبون الزهر و الرياض لمواقع حفرهم قال النابغة
فلا زال قبر بين تبنى و جاسم (1)* * * عليه من الوسمي طل و وابل
فينبت حوذانا (2) و عوفا منورا* * * سأتبعه من خير ما قال قائل
. و كانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام و مسألة الله تعالى لهم الرضوان و الفعل إذا أضيف إلى السماء و إن كان لا تجوز إضافته إلى الأرض فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر فعل يصح نسبته إليها و العرب تفعل مثل هذا قال الشاعر
يا ليت زوجك قد غدا* * * متقلدا سيفا و رمحا
بعطف الرمح على السيف و إن كان التقلد لا يجوز فيه لكنه أراد حاملا رمحا و مثل هذا يقدر في الآية فيقال إنه تعالى أراد أن السماء لا تسقي قبورهم و الأرض لم تعشب عليها و كل هذا كناية عن حرمانهم رحمة الله عز و جل.
____________
(1) موضعان بالشام.
(2) الحوذان و العوف نباتان لهما رائحة.
203
و ربما شبه الشعراء النبات بضحك الأرض كما شبهوا المطر ببكاء السماء و في ذلك يقول أبو تمام حبيب بن أوس (1)
إن السماء إذا لم تبك مقلتها* * * لم تضحك الأرض عن شيء من الخضر
و الزهر لا تنجلي أبصاره أبدا* * * إلا إذا رمدت من كثرة المطر
.
ذكر مجلس
جرى في القياس مع رجل من فقهاء العامة اجتمعت معه بدار العلم في القاهرة سألني هذا الرجل بمحضر جماعة من أهل العلم فقال ما تقول في القياس و هل تستجيزه في مذهبك أم ترى أنه غير جائز فقلت له القياس قياسان قياس في العقليات و قياس في السمعيات فأما القياس في العقليات فجائز صحيح و أما القياس في السمعيات فباطل مستحيل. قال فهل يتفق حدهما أم يختلف قلت الواجب أن يكون حدهما واحدا غير مختلف قال فما هو قلت القياس هو إثبات حكم المقيس عليه في المقيس هذا هو الحد الشامل لكل قياس و له بعد هذا شرائط لا بد منها و لا يقاس شيء على شيء إلا بعلة تجتمع بينهما. قال فإذا كان الحد شاملا للقياسين فلا فرق إذا بين القياس الذي أجزته و القياس الذي أحلته
____________
(1) ينتهي نسبه إلى طيئ و هو واحد عصره في ديباجة لفظه و فصاحة شعره و حسن أسلوبه ولد سنة 188 ه و توفّي سنة 272 ه له كتاب الحماسة الذي يدلّ على حسن اختياره و ذوقه، و له أيضا كتاب فحول الشعراء من جاهليين و اسلاميين و مخضرمين، و كتاب الاختيارات من شعر الشعراء و ديوان شعره و هو مطبوع عدة طبعات.
204
قلت بل بينهما فروق و إن شمل الحد قال و ما هي قلت منها أن علة القياس في العقليات موجبة و مؤثرة تأثير الإيجاب و ليست علة القياس في السمعيات عند من يستعمله كذلك بل يقولون هي تابعة للدواعي و المصالح المتعلقة بالاختيار. و منها أن العلة في العقليات لا تكون إلا معلومة و هي عندهم في السمعيات مظنونة و غير معلومة و منها أنها في العقليات لا تكون إلا شيئا واحدا و هي في السمعيات قد تكون مجموع أشياء فهذه بعض الفروق بين القياسين و إن شملهما حد واحد قال فما الذي يدل على أن القياس في السمعيات لا يجوز قلت الدليل على ذلك أن الشريعة موضوعة على حسب مصالح العباد التي لا يعلمها إلا الله تعالى و لذلك اختلف حكمها في المتفق الصور و اتفق في المختلف و ورد الحظر لشيء و الإباحة لمثله بل ورد الحكم في الأمر العظيم صغيرا و في الصغير بالإضافة إليه عظيما و اختلف كل الاختلاف الخارج عن مقتضى القياس. و إذا كان هذا سبيل المشروعات علم أنه لا طريق إلى معرفة شيء من أحكامها إلا من قبل المطلع على السرائر العالم بمصالح العباد و أنه ليس للقائسين فيه مجال فقال أحد الحاضرين فمثل لنا بعض ما أشرت إليه من هذا الاختلاف المباين للقياس قلت هو عند الفقهاء أظهر من أن يحتاج إلى مثال و لكني أورد منه طرفا لموضع السؤال. فمنه أن الله عز و جل أوجب الغسل من المني و لم يوجبه من البول و الغائط و ليس هو بأنجس منهما و أكثر العامة يروون أنه طاهر و ألزم الحائض قضاء ما تركته من الصيام و أسقط عنها قضاء ما تركته
205
من الصلاة و هي أوكد من الصيام و فرض في الزكاة أن يخرج من الأربعين شاة شاة و لم يفرض في الثمانين شاتين بل فرضها بعد كمال المائة و العشرين و هذا خارج عن القياس و نهانا عن التحريش بين بهيمتين و أباحنا إطلاق البهيمة على ما هو أضعف منها في الصيد. و جعل للرجل أن يطأ من الإماء ما ملكته يمينه و لم يجعل للمرأة أن تمكن من نفسها من ملكته يمينها و أوجب الحد على رمي غيره بفجور و أسقطه عن من رمي بالكفر و هو أعظم من الفجور و أوجب قتل القاتل بشهادة رجلين و حظر جلد الزاني الذي يشهد بالزناء عليه إلا أن يشهد بذلك أربعة شهود و هذا كله خارج عن سنن القياس. و قد ذكروا عن ربيعة بن عبد الرحمن (1) أنه قال سألت سعيد بن المسيب (2) فقلت كم في إصبع المرأة قال عشر من الإبل قلت كم في إصبعين قال عشرون قلت كم في ثلاث قال ثلاثون قلت كم في أربع قال عشرون قلت حين عظم جرحها و اشتدت مصيبتها نقص عقلها فقال سعيد أعرابي أنت قلت بل عالم مثبت أو جاهل متعلم
____________
(1) في فهرست ابن النديم ص 285 ربيعة بن أبي عبد الرحمن و يعرف بربيعة الرأي، من الموالي و يكنى أبا عثمان أخذ عن أبي حنيفة، و كان بليغا و خطيبا، توفي بالأنبار سنة 136 ه.
(2) هو أبو محمّد سعيد بن المسيب بن حزن من التابعين جمع بين الحديث و الفقه و النسك و التعبير.
ولد سنة 13 و توفّي سنة 94 ه.
206
قال هي السنة يا ابن أخ. و نحو ذلك مما لو ذهبت إلى استقصائه لطال الخطاب و فيما أوردته كفاية لذوي الألباب قال السائل فإذا كان القياس عندك في الفروع العقلية صحيحا و لم يكن في الضرورات التي هي أصولها مستمرا و لا صحيحا فما تنكرون أن يكون كذلك الحكم في السمعيات فيكون القياس في فروعها المسكوت عنها صحيحا و إن لم يكن في أصول المنطوق بها مستمرا و لا صحيحا فقلت أنكرت ذلك من قبل أن المتعبدات السمعية وضعت على خلاف القياس مما ذكرناه فوجب أن يكون ما تفرع عنها جاريا مجراها. و لسنا نجد أصول المعقولات التي هي الضرورات موضوعة على خلاف القياس و إنما امتنع القياس فيها لأنها أصول لا أصول لها فوضح الفرق بينهما و مما يبين لك ذلك أيضا أنه قد كان من الجائز أن نتعبد بخلاف ما أتت فيه أصول الشرعيات و ليس بجائز أن يتعبد بخلاف أصول العقليات التي هي الضرورات فلا طريق إلى الجمع بينهما. قال فما تنكرون على من زعم أن الله تعالى فرق لنا بين الأصول في السمعيات و فروعها فنص لنا على الأصول و عرفنا بها و أمرنا بقياس الفروع عليها ضربا من التعبد و التكليف ليستحق عليه الأجر و الثواب قلت هذا مما لا يصح أن يكلفه الله تعالى للعبادة لأن القياس لا بد فيه من استخراج علة يحمل عليها الفروع على الأصول ليماثل بينهما في الحكم و الأحكام الشرعية لو كانت مما توجبه العلل لم يجز في المشروعات النسخ و في جواز ذلك في العقل دلالة على أنها لا تثبت بالعلل. و قد قدمنا القول بأن علل القائسين مظنونة و الظنون غير موصلة إلى إثبات ما تعلق بمصالح الخلق و لا مؤدية إلى العلم بمراد الله تعالى من الحكم و لو فرضنا جواز تكليف العباد القياس في السمعيات لم يكن بد من
207
ورود السمع بذلك في القرآن أو في صحيح الأخبار و في خلو السمع من تعلق التكليف به دلالة على أن الله تعالى لم يكلفه خلقه قال فإنا نجد ذلك في آيات القرآن و صحيح الأخبار قال الله عز و جل فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فأوجب الاعتبار و هو الاستدلال و القياس. و قال فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فأوجب بالمماثلة المقايسة
وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ص لَمَّا أَرْسَلَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ بِمَا ذَا تَقْضِي قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي فَقَالَ (ع) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ
وَ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (ع) أَنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ بِمَا ذَا كَانَ يَحْكُمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) قَالَ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَجَمَ فَأَصَابَ
. و هذا كله دليل على صحة القياس و الأخذ بالاجتهاد و الظن و الرأي فقلت له أما قول الله عز و جل فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ فليس فيه حجة لك على موضع الخلاف لأنه تعالى ذكر أمر اليهود و جنايتهم على أنفسهم في تخريب بيوتهم بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ما يستدل به على حق رسول الله ص و أن الله أمده بالتوفيق و نصره و خذل عدوه و أمر الناس باعتبار ذلك لِيَزْدادُوا بصيرة في الإيمان.
208
و ليس هذا بقياس في المشروعات و لا فيه أمر بالتعويل على الظنون في استنباط الأحكام و أما قوله سبحانه فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فليس فيه أن العدلين يحكمان في جزاء الصيد بالقياس و إنما تعبد الله سبحانه عباده بإنفاذ الحكم في الجزاء عند حكم العدلين بما علماه من نص الله تعالى و لو كان حكمهما قياسا لكانا إذا حكما في جزاء النعامة بالبدنة قد قاسا مع وجود النص بذلك فيجب أن يتأمل هذا. و أما الخبران اللذان أوردتهما فهما من أخبار الآحاد التي لا يثبت بهما الأصول المعلومة في العبادات على أن رواة خبر معاذ مجهولون و هم في لفظه أيضا مختلفون و منهم من روى أنه لما قال أجتهد رأيي قال له (ع) لا أحب إلى أن أكتب إليك. و لو سلمنا صيغة الخبر على ما ذكرت لاحتمل أن يكون معنى قوله أجتهد رأيي أني أجتهد حتى أجد حكم الله تعالى في الحادثة من الكتاب و السنة و أما ما رويته عن الحسن (ع) من حكم أمير المؤمنين ص ففيه تصحيف ممن رواه
وَ الْخَبَرُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي السُّنَّةِ زَجَرَ فَأَصَابَ
يعني بذلك القرعة بالسهام و هو مأخوذ من الزجر و الفال و القرعة عندنا من الأحكام المنصوص عليها و ليست بداخلة في باب القياس فقد تبين أنه لا حجة لك فيما أوردته من الآيات و الأخبار فقال أحد الحاضرين إذا لم يثبت للقائسين نص في إيجاب القياس فكذلك ليس لمن نفاه نص في نفيه من قرآن و لا أخبار فقد تساويا في هذه الحال فقلت له قد قدمت من الدليل العقلي على فساد القياس في الشرعيات و ما يستغني به متأمله عن إيراد ما سواه.
209
ثم إن الأمر بخلاف ما ظننت و قد تناصرت الأدلة بحظر القياس من القرآن و ثابت الأخبار قال الله عز و جل وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ و لسنا نشك في أن الحكم بالقياس حكم بغير التنزيل قال الله عز و جل وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ و مستخرج الحكم في الحادثة بالقياس لا يصح له أن يضيفه إلى الله و لا إلى رسول الله ص. و إذا لم يصح إضافته إليهما فإنما هو مضاف إلى القائس دون غيره و هو المحلل و المحرم في الشرع بقول من عنده و كذب وصفه بلسانه فقال سبحانه وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و نحن نعلم أن القائس معول على الظن دون العلم و الظن مناف للعلم أ لا ترى أنهما لا يجتمعان في الشيء الواحد و هذا من القرآن كاف في إفساد القياس و أما المروي في ذلك من الأخبار فمنه
قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَ سَبْعِينَ فِرْقَةً أَعْظَمُهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ فَيُحَرِّمُونَ الْحَلَالَ وَ يُحَلِّلُونَ الْحَرَامَ
وَ قَوْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (ع) إِيَّاكُمْ وَ الْقِيَاسَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ
وَ قَالَ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ع) إِيَّاكُمْ وَ تَقَحُّمَ الْمَهَالِكِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَ الْمَقَايِيسِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقُرْآنِ أَهْلًا أَغْنَاكُمْ بِهِمْ عَنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ لَا عِلْمَ إِلَّا مَا أُمِرُوا بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى
210
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ إِيَّانَا عَنَى
و جميع أهل البيت (ع) أفتوا بتحريم القياس
وَ رُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ (رحمه الله) أَنَّهُ قَالَ مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ حَتَّى قَاسَتْ فِي دِينِهَا
وَ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ هَلَكَ الْقَائِسُونَ
و في هذا القدر من الأخبار غنى عن الإطالة و الإكثار و قد روى هشام بن عروة عن أبيه قال إن أمر بني إسرائيل لم يزل معتدلا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم فقالوا فيهم بالرأي فأضلوهم. قال ابن عيينة فما زال أمر الناس مستقيما حتى نشأ فيهم ربيعة الرأي بالمدينة و أبو حنيفة بالكوفة و عثمان البني بالبصرة و أفتوا الناس و فتنوهم فنظرنا فإذا هم أولاد سبايا الأمم فحار الخصم و الحاضرون مما أوردت و لم يأت أحد منهم بحرف زائد على ما ذكرت و الحمد لله.
ذكر مجلس
جرى لشيخنا المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (رضوان الله عليه) مع بعض خصومه في قولهم إن كل مجتهد مصيب قال شيخنا المفيد رضي الله عنه كنت أقبلت في مجلس على جماعة من متفقهة العامة فقلت لهم إن أصلكم الذي تعتمدون عليه في تسويغ الاختلاف يحظر عليكم المناظرة و يمنعكم من
211
الفحص و المباحثة و اجتماعكم على المناظرة يناقض أصولكم في الاجتهاد و تسويغ الاختلاف. فإما أن تكونوا مع حكم أصولكم فيجب أن ترفعوا النظر فيما بينكم و تلزموا الصمت و إما أن تختاروا المناظرة و تؤثروها على المتاركة فيجب أن تهجروا القول بالاجتهاد و تتركوا مذاهبكم في الرأي و جواز الاختلاف و لا بد من ذلك ما أنصفتم و عرفتم طريق الاستدلال فقال أحد القوم لم زعمت أن الأمر كما وصفت و من أين وجب ذلك قال شيخنا رضي الله عنه فقلت له على البيان عن ذلك و البرهان عليه حتى لا .. على أحد من العقلاء. أ ليس من قولكم أن الله تعالى سوغ خلقه الاختلاف في الأحكام للتوسعة عليهم و دفع الحرج عنهم رحمة منه لهم و رفقا بهم و أنه لو ألزمهم الاتفاق في الأحكام و حظر عليهم الاختلاف لكان مضيقا عليهم معنتا لهم و الله يتعالى عن ذلك حتى أكدتم هذا المقال بما رويتموه عن النبي ص
أَنَّهُ قَالَ اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ
. و حملتم معنى هذا الكلام منه على وفاق ما ذهبتم إليه في تسويغ الاختلاف قال بلى فما الذي يلزمنا على هذا المقال. قال شيخنا (رحمه الله) قلت له فخبرني الآن عن موضع المناظرة أ ليس إنما هو التماس الموافقة و دعاء الخصم بالحجة الواضحة إلى الانتقال إلى موضع الحجة و تتغير له عن الإقامة على ضد ما دل عليه البرهان قال لا ليس هذا موضوع المناظرة و إنما موضوعها لإقامة الحجة و الإبانة عن رجحان المقالة فقط. قال الشيخ فقلت له و ما الغرض في إقامة الحجة و البرهان على الرجحان و ما الذي يجرانه إلى
212
ذلك و المعنى الملتمس به أ هو تبعيد الخصم من موضع الرجحان و التنفير له عن المقالة بإيضاح حجتها أم الدعوة إليها بذلك و اللطف في الاجتذاب إليها به فإن قلت إن الفرض للمحتج التبعيد عن قوله بإيضاح الحجة عليه و التنفير عنه بإقامة الدلالة على صوابه قلت قولا يرغب عنه كل عاقل و لا يحتاج معه لتهافته إلى كسره و إن قلت إن الموضح عن مذهبه بالبرهان داع إليه بذلك و الدال عليه بالحجج البينات يجتذب بها إلى اعتقاده ضرب بهذا القول و هو الحق الذي لا شبهة فيه إلى ما أردناه من أن موضوع المناظرة إنما هو للموافقة و رفع الاختلاف و المنازعة. و إذا كان ذلك كذلك فلو حصل الفرض في المناظرة و ما أجرى بها عليه لارتفعت الرحمة و سقطت التوسعة و عدم الرفق من الله تعالى بعباده و وجب في صفة العنت و التضييق و ذلك ضلال من قائله فلا بد على أصلكم في الاختلاف من تحريم النظر و الحجاج و إلا فمتى صح ذلك و كان أولى من تركه فقد بطل قولكم في الاجتهاد و هذا ما لا شبهة فيه على عاقل. فاعترض رجل آخر في ناحية المجلس فقال ليس الغرض في المناظرة الدعوة إلى الاتفاق و إنما الغرض فيها إقامة الغرض من الاجتهاد فقال له الشيخ رضي الله عنه هذا الكلام كلام صاحبك بعينه في معناه و أنتما جميعا حائدان عن التحقيق و الصواب و ذلك أنه لا بد في فرض الاجتهاد من غرض و لا بد لفعل النظر من معقول فإن كان الغرض في أداء الفرض بالاجتهاد البيان عن موضع الرجحان فهو الدعاء في المعقول إلى الوفاق و الإيناس بالحجة إلى المقال. و إن كان الغرض فيه التعمية و الإلغاز فذلك محال لوجود المناظر
213
مجتهدا في البيان التحسين لمقاله بالترجيح له على قول خصمه في الصواب و إن كان معقول فعل النظر و مفهوم غرض صاحبه الذب عن نحلته و التنفير عن خلافها و التحسين لها و التقبيح لضدها و الترجيح لها على غيرها و كنا نعلم ضرورة أن فاعل ذلك لا يفعله للتبعيد من قوله و إنما يفعله للتقريب منه و الدعاء إليه فقد ثبت بما قلناه. و لو كان الدال على قوله الموضح بالحجج عن صوابه المجتهد في تحسينه و تشييده غير قاصد بذلك إلى الدعاء إليه و لا مزيد للاتفاق عليه لكان المقبح للمذهب الكاشف عن عواره الموضح عن ضعفه و وهنه داعيا بذلك إلى اعتقاده و مرغبا به إلى المصير إليه. و لو كان ذلك كذلك لكان إلزام الشيء مدحا له و المدح له ذما له و الترغيب في الشيء ترهيبا عنه و الترهيب عن الشيء ترغيبا فيه و الأمر به نهيا عنه و النهي عنه أمرا به و التحذير منه إيناسا به و هذا ما لا يذهب إليه سليم فبطل ذلك ما توهموه و وضح ما ذكرناه في تناقض نحلتهم على ما بيناه و الله نسأل التوفيق قال شيخنا رضي الله عنه ثم عدلت إلى صاحب المجلس فقلت له لو سلم هؤلاء من المناقضة التي ذكرناها و لن يسلموا أبدا من الله لما سلموا من الخلاف على الله فيما أمر به و الرد للنص في كتابه و الخروج عن مفهوم أحكامه بما ذهبوا إليه من حسن الاختلاف و جوازه في الأحكام قال الله عز و جل وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فنهى الله تعالى نهيا عاما ظاهرا و حذر منه و زجر عنه و توعد على فعله بالعقاب و هذا مناف لجواز الاختلاف و قال سبحانه
214
وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا فنهى عن التفرق و أمر الكافة بالاجتماع و هذا يبطل قول مسوغ الاختلاف و قال سبحانه وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فاستثنى المرحومين من المختلفين و دل على أن المختلفين قد خرجوا بالاختلاف عن الرحمة لاختصاص من خرج عن صفتهم بالرحمة و لو لا ذلك لما كان لاستثناء المرحومين من المختلفين معنى يعقل و هذا بين لمن تأمله. قال صاحب المجلس أرى هذا الكلام كله يتوجه على من قال إن كل مجتهد مصيب فما تقول فيمن قال إن الحق في واحد و لم يسوغ الاختلاف. قال الشيخ رضي الله عنه فقلت له القائل بأن الحق في واحد و إن كان مصيبا فيما قال على هذا المعنى خاصة فإنه يلزمه المناقضة بقوله إن المخطئ للحق معفو عنه غير مؤاخذ بخطئه فيه و اعتماده في ذلك على أنه لو أوخذ به للحقه العنت و التضييق فقد صار بهذا القول إلى معنى قول الأولين فيما عليهم من المناقضة و لزمهم من أجله ترك المباحثة و المكالمة و إن كان القائلون بإصابة المجتهدين الحق يزيدون عليه في المناقضة و تهافت المقالة بقول الواحد لخصمه قد أخطأت الحكم مع شهادته له بصوابه فيما فعله مما به أخطأ الحكم عنده فهو شاهد بصوابه و خطئه في الإصابة معترف له و مقر بأنه مصيب في خلافه مأجور على مباينته و هذه مقالة تدعو إلى ترك اعتقادها بنفسها و تكشف عن قبح باطنها بظاهرها و بالله التوفيق ذكروا أن هذا الكلام جرى في مجلس الشيخ أبي الفتح عبيد الله بن فارس (1) قبل أن يتولى الوزارة.
____________
(1) ورد ذكره في كتاب: (تثبيت دلائل النبوّة) ص 557- 558 للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني المتوفّى سنة 415 ه باسم: أبو الفتح بن فراس، لا فارس و قال عنه: كان أبو الفتح بن فراس الكاتب و هو أحد الشيع و من كبار الإماميّة ... إليه ترجع الشيع في الرواية و يعرض عليه شعراؤهم شعرهم مثل أبي الحسن الناشئ.
215
مسألة
إن سأل سائل فقال ما معنى
قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ
الجواب قيل له المراد بذلك اختلاف الواردين من المدن المتفرقة على رسول الله ص في وقته و على وصيه القائم مقامه من بعده ليسألوا عن معالم دينهم و يستفتوا فيما لبس عليهم فذلك رحمة لهم إذ يعودون إلى قومهم فينذرونهم (1) قال الله سبحانه فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. و ليس المراد بذلك اختلاف الأمة في اعتقادها و تباينها في دينها و تضاد أقوالها و أفعالها و لو كان هذا الاختلاف لها رحمة لكان اتفاقها لو اتفقت سخطا عليها و نقمة و قد تضمن القرآن من الأمر بالاتفاق و الائتلاف و النهي عن التباين و الاختلاف ما فيه بيان شاف
فصل من الاستدلال بهذه الآية على صحة الإمامة و العصمة
قال الله تعالى فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
____________
(1) في النسخة جملة مشوشة و هي: (و لم يعودون إليه بنذورهم من قومهم) فصححناها بما ذكرنا انسجاما مع المعنى المقصود.
216
فحث سبحانه و تعالى على طلب العلم و رغب فيه و أوجب على من به نهضة أن يلتمسه و يسارع إليه و هذا لازم في وقت رسول الله ص و بعده و لا يصح أن يتخصص به زمان دون غيره لأن التكليف قائم لازم و الشرع شامل دائم. و قد علمنا و من خالفنا أن النافرين للتفقه في الدين أيام النبي ص كانوا إذا وردوا عليه أرشدهم إلى الحق بعينه و هداهم إلى قول واحد من شرعه و دينه فرجعوا إلى قومهم متفقين و على شيء واحد مجتمعين لا يختلفون في تأويل آية و لا في حكم فريضة حلالهم واحد و حرامهم واحد و دينهم واحد فثبتت بهم الحجة و تتضح للمسترشدين المحجة و ينال الطالب بغيته و يدرك المستفيد فائدته. و الناس بعد رسول الله ص مكلفون من شرعه بما كلفه من كان في وقته فوجب في عدل الله و حكمته و فضله و رحمته أن يزيح علل بريته و يقيم لهم في كل زمان عالما أمينا حافظا مأمونا لا تختلف أقواله و لا تتضاد أفعاله و تثق النفوس بكماله و معرفته و تسكن إلى طهارته و عصمته ليكون النفير (1) إليه و التعويل في الهداية عليه و لو لا ذلك لكان الله تعالى قد أمر بالنفير إلى المختلفين و سؤل المتباينين المتضادين و التعويل على المرجحين الظانين الذين يحار بينهم المستجير و يضل المسترشد و يشك الضعيف و هذا عنت في التكليف تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا سؤال في الغيبة يتعلق بما ذكرناه إن قال قائل إذا كانت علل المكلفين في الشريعة لا تنزاح إلا بحافظ للأحكام ينصب لهم مميز بالعصمة و الكمال منهم يقصده المسترشدون و يعول على قوله السائلون و كان الإمام (ع) اليوم على قولكم غائبا لا يوصل إليه و مستترا عن الأمة لا يقدر عليه فعلل المكلفين إذن غير مزاحة في الشرع
____________
(1) الأولى النفر لا النفير.
217
و وجود الحافظ لم يغن لكونه بحيث لا يقدر عليه الخلق فإلى من حينئذ يفزع الراغبون و من يقصد الطالبون و على من يعول السائلون و من الذي ينفر إليه المسترشدون الجواب قلنا إن الله سبحانه قد أزاح علل المكلفين في هذا العصر كما أزاح علل الأمم السابقة من قبل الذين بعث فيهم أنبياءه فكذبوهم و أخافوهم و شردوهم و ظفروا بكثير منهم فقتلوهم و لم يرسلهم الله تعالى إليهم إلا ليقيموا أحكامه بينهم و ينفذ أوامره فيهم و يعلموا جاهلهم و ينبهوا غافلهم و يجيبوا سائلهم و ينفر إليهم الراغب و يقتبس منهم الطالب فحال بينهم و بين ذلك الظالمون و منعهم مما بعثوا له الآفكون و قطعوهم عن الإبلاغ و حرموا أنفسهم الهداية منهم و الإنذار فكانوا في قتلهم أنبياءهم كمن قصد إلى نفسه و أعمى بصره عن النظر إلى سبيل النجاة و وقر سمعه عن استماع ما فيه هداه ثم قال لا حجة لله علي و لا هداية منه وصلت إلي يقول الله عز و جل أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ على الناس و لو شاء لمنعهم من الضلال منع اضطرار و لأخرجهم بالجبر عن سنن التكليف و الاختيار تعالى الله الحكيم فيما قضى الحليم عمن عصاه. و الذي اقتضاه العدل و الحكمة في هذا الزمان من نصب الإمام للأنام فقد أزاح الله سبحانه العلة فيه و أوجده و دل عليه بحجة العقل الشاهدة في الجملة بأنه لا بد من إمام كامل معصوم في كل عصر و بحجج النصوص على التعيين المأثورة عن رسول الله رب العالمين و عن الأئمة من أهل بيته الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين) في التعريف بصاحب هذا الزمان (ع) بنعته و نسبه اللذين يتميز بهما عن الأنام و لكن الظالمين سلكوا سنن من كان قبلهم في قصدهم لإهلاك هداتهم و حرصهم على إطفاء نور مصابيحهم فقصدوا قصده
218
فأخافوه و انطوت نياتهم على قتله متى وجدوه فأمره الله بالاستتار لما علمه من مباينة حاله لحال كل نبي و إمام أبدى شخصه فقتلهم الناس إذا كانت مصلحة الأمة بعد آبائه ص مقصورة على كونه إماما لهم و أن غيره لا يقوم مقامه في مصلحتهم و سقط عنهم فرض التصدي للسائلين لعدم الأمن و التمكن فكانت الحجة لله تعالى على الظالمين الذين وجدوا سبيل الهداية و أرشدوا إليها فمنعوا أنفسهم سلوكها و آثروا الضلالة عليها فكانوا كمن شد عينه عن النظر إلى مصالحه و سد سمعه عن استماع مناصحته ثم قال لو شاء الله لهداني قال الله سبحانه فيمن ماثلت أحواله لحاله وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى تعالى الله ذو الكلمة العليا و الحجة المثلى. و لسنا مع ذلك نقطع على أن الإمام (ع) لا يعرفه أحد و لا يصل إليه بل قد يجوز أن يجتمع به طائفة من أوليائه تستر اجتماعها به و تخفيه فأما الذي يجب أن يفعله اليوم المسترشدون و يعول عليه المستفيدون فهو الرجوع إلى الفقهاء من شيعة الأئمة و سؤالهم في الحادثات عن الأحكام و الأخذ بفتاويهم في الحلال و الحرام فهم الوسائط بين الرعية و صاحب الزمان (ع) و المستودعون أحكام شريعة الإسلام و لم يكن الله تعالى يبيح لحجته ص الاستتار إلا و قد أوجد للأمة من فقه آبائه (ع) ما تنقطع به الأعذار و ليس الرجوع إليهم كالرجوع إلى القائسين و لا التعويل عليهم بمماثل للتعويل على المستحسنين المفتين في الشريعة و بالظن و الترجيح و إنما هو رجوع إلى ما استودعوه من النصوص المفيدة للعلم و اليقين و تعويل على ما استحفظوه من الآثار المنقولة من فتاوى الصادقين التي فيها علم ما يلتمسه الطالبون و فيه ما يقتبسه السائلون و من أخذ من هذا المعدن فقد أخذ من الإمام ص لأنها علومه و أقوال آبائه ص. و كثيرا ما يقول لنا المخالفون عند سماعهم منا هذا الكلام
219
إذا كنتم قد وجدتم السبيل إلى علم ما تحتاجونه من الفتاوي في الأحكام المحفوظة عن الأئمة المتقدمين (ع) فقد استغنيتم بذلك عن إمام الزمان و هذا قول غير صحيح لأن هذه الآثار و النصوص في الأحكام موجودة مع من لا يستحيل منه الغلط و النسيان و مسموعة بنقل من يجوز عليه الترك و الكتمان و إذا جاز ذلك عليهم لم يؤمن وقوعه منهم إلا بوجود معصوم يكون من ورائهم شاهد لأحوالهم عالم بأخبارهم إن غلطوا هداهم أو نسوا ذكرهم أو كتموا علم الحق منه دونهم. و إمام الزمان (ع) و إن كان مستترا عنهم بحيث لا يعرفون شخصه فهو موجود بينهم يشاهد أحوالهم و يعلم أخبارهم فلو انصرفوا عن النقل أو ضلوا عن الحق لما وسعته التقية و لأظهره الله سبحانه و منع منه إلى أن يبين الحق و تثبت الحجة على الخلق. و لو لزمنا القول بالاستغناء عن الإمام فيما وجدنا الطريق إلى علمه من غير جهته للزم مخالفينا القول بالاستغناء عن النبي ص في جميع ما أداه مما علم بالعقول قبل أدائه و في إطلاق القول بذلك خروج عن الإسلام و أحكامه و قد ورد في جواب هذا السؤال ما فيه بلاغ للمسترشدين و هداية و الحمد لله. تأويل آية إن سأل سائل فقال ما عندكم في تأويل قول الله سبحانه وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ (1) و ظاهر هذه الآية يقتضي أنه لم يشأ أن يكون الناس أمة واحدة متفقين على الهدى و المعرفة.
____________
(1) هود: 118 و تجد الكلام على هذه الآية في الأمالي للمرتضى ج 1 ص 70- 75.
220
و ما معنى قوله وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ و ظاهره يقتضي أنه خلقهم للاختلاف و لو كان عنى به الرحمة لقال و لتلك خلقهم لأن الرحمة مؤنثة و لفظة ذلك لا يكنى بها إلا عن مذكر و أما الرحمة فإنا لا نعرفها إلا رقة القلب و الشفقة و هذا لا يجوز على الله سبحانه. الجواب أما قوله تعالى وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً فإنما عنى به المشيئة التي يقارنها الإلجاء و الاضطرار و لم يعن بها المشيئة التي تكون معها على حكم الاختيار و مراده سبحانه في الآية أن يخبرنا عن قدرته و أن الخلق لا يعصونه على سبيل الغلبة له و أنه قادر على إلجائهم و إكراههم على ما أراده منهم. فأما لفظة ذلك في الآية فحملها على الرحمة أولى من حملها على الاختلاف لدليل العقل و شهادة اللفظ فأما دليل العقل فمن حيث علمنا أنه سبحانه كره الاختلاف في الدين و نهى عنه و توعد عليه و لا يجوز أن يخلقهم لأمر يكرهه و يشاء منهم ما نهى عنه و حظره و أما شهادة اللفظ فلأن الرحمة أقرب إلى هذه الكناية من الاختلاف و حمل اللفظ على أقرب المذكورين إليها أولى في لسان العرب من حمله على الأبعد. و أما قول السائل إن الرحمة مؤنثة و لفظة ذلك لا يكنى بها إلا مذكر ففاسد لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي و إذا كني بها بلفظ التذكير كانت الكناية على المعنى لأن معنى الرحمة هو الإنعام و التفضل و قد قال الله سبحانه هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي و لم يقل هذه و إنما أراد هذا فضل من ربي.
221
قال إمرؤ القيس
برهرهة رودة رخصة* * * كخربوعة البانة المنفطر
فقال المنفطر و لم يقل المنفطرة لأنه عنى الغصن فذكره و قال آخر
قامت تبكيه على قبره* * * من لي من بعدك يا عامر
تركتني في الدار ذا غربة* * * قد ضاع من ليس له ناصر
فقال ذا غربة و لم يقل ذات غربة لأنه عنى شخصا ذا غربة و المراد بالاختلاف المذكور في الآية أنما هو الاختلاف في الدين و الذهاب عن الحق فيه بالهوى و الشبهة. و قد ذكر بعضهم في قوله مُخْتَلِفِينَ وجها غريبا و هو أن يكون معناه إن خلف هؤلاء الكافرين يخلف سالفهم في الكفر لأنه سواء قولك خلف بعضهم بعضا و قولك اختلفوا كما أنه سواء قولك قتل بعضهم بعضا و قولك اقتتلوا و منه قولهم لا أفعل كذا و كذا ما اختلف العصران و الجديدان أي جاء كل منهما بعد الآخر. و أما الرحمة فليست رقة القلب و الشفقة لكنها فعل النعم و الإحسان يدل على ذلك أن من أحسن إلى غيره و أنعم عليه يوصف بأنه رحيم به و إن لم تعلم منه رقة قلبه عليه و شفقته بل وصفهم بالرحمة من لا يعهدون منه رقة القلب أقوى من وصفهم الرقيق القلب بذلك لأن مشقة النعمة و الإحسان على من لا رقة عنده أكثر منها على الرقيق القلب. و قد علمنا أن من رق عليه أو امتنع من الإفضال و الإحسان لم يوصف بالرحمة و إذا أنعم وصف بها فوجب أن يكون معناها ما ذكرناه و قد يجوز أن يكون معنى الرحمة في الأصل الرقة و الشفقة ثم انتقل بالتعارف إلى ما بلغ هذا آخر ما وجدنا من كتاب كنز الفوائد
223
نصوص مفقودة من نسخة الكتاب المطبوعة
هناك طائفة كبيرة من نصوص هذا الكتاب مفقودة وجدناها في عدة مؤلفات نقلها أصحابها عن كنز الفوائد رأينا إدراجها في خاتمة هذا الكتاب تتمة للفائدة و هذه النصوص هي 1 قال المحدث الشيخ عباس القمي في كتابه الأنوار البهية ص 134- 135
وَ عَنْ كَنْزِ الْفَوَائِدِ قَالَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ خَرَجَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ مُتَوَكِّئاً عَلَى يَدِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) فَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رِزَامٌ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَنْ هَذَا الَّذِي بَلَغَ مِنْ خَطَرِهِ مَا يَعْتَمِدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى يَدِهِ فَقِيلَ لَهُ هَذَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ (ع) فَقَالَ إِنِّي وَ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ لَوَدِدْتُ أَنَّ خَدَّ أَبِي جَعْفَرٍ نَعْلٌ لِجَعْفَرٍ ثُمَّ قَامَ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَنْصُورِ فَقَالَ لَهُ أَسْأَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ سَلْ هَذَا فَالْتَفَتَ رِزَامٌ إِلَى الْإِمَامِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (ع) فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ وَ حُدُودِهَا فَقَالَ الصَّادِقُ (ع) لِلصَّلَاةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدٍّ لَسْتَ تُؤَاخَذُ بِهَا فَقَالَ أَخْبِرْنِي بِمَا لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ وَ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع
224
لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا لِذِي طُهْرٍ سَابِغٍ (1) وَ اهْتِمَامٍ بَالِغٍ غَيْرِ نَازِغٍ وَ لَا زَائِغٍ عَرَفَ فَوَقَفَ وَ أَخْبَتَ (2) فَثَبَتَ فَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْيَأْسِ وَ الطَّمَعِ وَ الصَّبْرِ وَ الْجَزَعِ كَأَنَّ الْوَعْدَ لَهُ صُنِعَ وَ الوَعِيدَ بِهِ وَقَعَ بَذَلَ عِرْضَهُ وَ تَمَثَّلَ غَرَضَهُ وَ بَذَلَ فِي اللَّهِ الْمُهْجَةَ (3) وَ تَنَكَّبَ غَيْرَ الْحُجَّةِ مُرْتَغِماً بِإِرْغَامٍ (4) يَقْطَعُ عَلَائِقَ الِاهْتِمَامِ يعين [بِعَيْنِ] مَنْ لَهُ قَصَدَ وَ إِلَيْهِ وَفَدَ وَ فِيهِ اسْتَرْفَدَ فَإِذَا أَتَى بِذَلِكَ كَانَتْ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي بِهَا أُمِرَ وَ عَنْهَا أُخْبِرَ وَ إِنَّهَا هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ فَالْتَفَتَ الْمَنْصُورُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَا نَزَالُ مِنْ بَحْرِكَ نَغْتَرِفُ وَ إِلَيْكَ نَزْدَلِفُ (5) تُبَصِّرُ مِنَ الْعَمَى وَ تَجْلُو بِنُورِكَ الطَّخْيَاءُ غَيْرَ نَازِغٍ وَ لَا زَائِغٍ
النزغ الظن و الاغتياب و الإفساد و الوسوسة و الزيغ الميل و الطخياء في قول المنصور الظلمة و تعوم أي تسبح
فَفِي الْخَبَرِ عَلِّمُوا صِبْيَانَكُمُ الْعَوْمَ
أي السباحة و سبحات وجه ربنا جلاله و عظمته و قيل نوره و طما البحر امتلأ فانظر إلى أعدائهم أقروا بفضلهم هل فوق ذلك فخر 2 قال ابن طاوس في كتابه فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم ص 60- 74 ما يلي
فصل
و قال الشيخ الفقيه العالم الفاضل العارف بعلم النجوم المصنف بها عدة مصنفات أبو الفتح محمد (6) بن عثمان الكراجكي (رحمه الله) في كتاب كنز الفوائد في الرد على من قال إن الشمس و القمر و النجوم علل موجبات ما هذا لفظه.
____________
(1) الوافي التام.
(2) أخبت إلى اللّه أطمئن إليه تعالى و خشع له.
(3) أي الدم و النفس.
(4) أي ذل و خضع.
(5) أي نقترب.
(6) سقط من النسخة كلمة (علي) إذ هو محمّد بن علي.
225
اعلم أنهم سئلوا عن مسألة حيرتهم و أظهرت عجزهم و أخرستهم فقيل لهم إذا كان سائر ما في العالم من النفع و الضرر و الخير و الشر و جميع أفعال الخلق و الشمس و القمر و النجوم واجبة و هي علته و سببه و ليس داخل الفلك غير ما أثرت و لا فعل لأحد يخرج به عما أوجبت فما الحاجة إلى الاطلاع على الأحكام و أخذ الطوالع عند المواليد و عمل الزوائج و تحويل السنين. قالوا الحاجة إلى ذلك حصول العلم بما سيكون من حوادث السعود و النحوس قيل لهم و ما المنفعة بحصول هذا العلم فإن الإنسان لا يقدر أن يزيد فيه سعدا و لا ينقص منه نحسا مما أوجبه مولده فهو كائن لا مغير له فمنهم من استمر على طريقه و بنى على أصله فقال ليس في ذلك أكثر من فضيلة العلم بالحادثات قبل كونها فقيل له ما هذه الفضيلة المدعاة في علم لا ينال به مكتسبه نفعا و لا يدفع به عن نفسه و لا عن غيره ضرا و ما هذا العناء في اكتساب ما لا ثمر له و الجاهل به كالعالم في عدم المنفعة منه. و سئلوا أيضا عن هذا الاكتساب و سببه و هل الفلك موجبة أو غير موجبة فلم يرد منهم ما يتشبث العاقل به و منهم من تعذر عليه عند توجه الإلزام فأنزله الإحجام درجة عن قول أصحاب الأحكام فقال بل للعلم تأثير في اكتساب نفع كثير و هو أن يتعجل الإنسان بالسعادة و يتأهب لها فيكون في ذلك مادة فيها و يتحرز عن النحاسة و يتوقاها فيكون بذلك دفعا لها أو نقصا منها. فقيل له ما الفرق بينك و بين من عكس عليك قولك فقال بل المضرة باكتساب هذا العلم حاصلة و الأذية إلى معتقده واصلة و ذلك أن متوقع السعادة و المساءة معه قلق المتوقع و حرقة الانتظار ففكره منقسم و قلبه
226
معذب يستبعد قرب الساعات و يستطيل قرب الأوقات شوقا إلى ما يرد و تطلعا إلى ما وعد و في ذلك ما يقطعه عن منافعه و يقصر به عن حركاته في مطامعه اتكالا على ما يأتيه و تعويلا على ما يصل إليه و ربما أخلف الوعد و تأخر السعد فليست جميع أحكامهم تصيب و لا الغلط منكم بعجيب فتصير المضرة حسرة و المنفعة مضرة. فأما متوقع المنحسة فلا شك أنه قد تعجلها لشدة رعبه بقدومها و عظم هلعه بهجومها فهو لا ينصرف بفكره عنها فيجعلها أكبر منها فحياته منغصة و نفسه متغصصة و قلبه عليل و تغممه طويل لا يهنيه أكل و لا شرب و لا يسليه عذل و لا عتب ضعيف النبضات فاتر الحركات إذا احترز لا ينفع و ربما كان باحترازه لا ينتفع. فهذا القول أشبه بالحق مما ذكرتم و هو شاهد يلزمكم الإقرار به إن أنصفتم و نحن الآن نعترف في مقابلتكم به و لا نطالبكم بشيء من موجبة و نعود إلى دعواكم التي ذكرتموها فنقول سائلين لكم عنها أخبرونا عن هذه المسرة التي تحصل للعالم و التأهب الزائد في السعد الواصل و عن هذا الاحتراز من المنحسة و التأتي من المضرة و المهلكة هل جميع ذلك مما توجبه و تقضي به الكواكب أم هو عن أحكامها خارج مضاف في الحقيقة إلى اختيار الحي القادر. فرأوا أنهم إن قالوا مما توجبه الكواكب و تقضي بكونه أحكام الفلك في العالم. قيل لهم فيكون ذلك سواء اطلع الإنسان على أحكام النجوم أم لم يطلع و سواء عليه اهتم لمولده و تحويل سنته أم لم يهتم فعرجوا عن هذا و قالوا إن أفعالنا منفصلة عما يوجبه الفلك فينا فتصح بذلك الزيادة و النقص الذي قلنا قلنا لهم لقد نقضتم أصولكم و خرجتم عن قوانين علمائكم فيما أقررتم به من جواز أفعال يحيط بها الفلك ليست حادثة من جهته و لا من تأثير كواكبه
227
و ما نراكم قنعتم بهذا الإقرار حتى جعلتم الأفعال البشرية واقعة لما توجب الأقضية النجومية و مانعة مما تؤثر الحركات الفلكية بقولكم إن الإنسان يمكن أن يحترز من المنحسة فيدفعها أو ينقص منها ما سلطته لها فلولا أن فعله أقوى و احترازه أمضى لم يرفع عن نفسه سوءا. ثم سئلوا أيضا فقيل لهم إذا سلمتم أن أفعال الإنسان مختصة بهم و ليست مما توجبه النجوم فيهم و أنتم مع هذا تقولون للإنسان احذر على مالك من طروق سارق فقد أقررتم أن حذره من تأثير المختص به فأخبرونا الآن عن طروق السارق و ما الموجب له فإن قلتم النجوم رجعتم عما أعطيتم و رددتم إليها أفعال العباد و نافيتم و إن قلتم إن طروق السارق مختص به و لا موجب له غير اختياره أجبتم بالصواب و قيل لكم فما نرى للنجوم تأثيرا في هذا الباب. و اعلم أيدك الله أنهم لم يبق لهم ملجأ إلا أن ينزلوا عن قول أصحابهم درجة أخرى فيقولون إن النجوم دالة و ليست بفاعلة و علامة غير ملجئة فإذا قالوا ذلك انصرفوا عمن يقول إنها موجبة قادرة و أبطلوا دعواهم أنها مدبرة و قيل لهم أ فتقولون كل أمر تدل عليه فإنه سيكون لا محالة. فإن قالوا نعم نقضوا ما تقدم و إن قالوا قد يجوز أن يحرم تداولها و يحرم ما دلالته عليه منها لم تبق بعد هذا درجة ينتهون إليها و اقتصروا على مقالة لا يضرك مناقشتهم فيها و أنا أخبرك بعد هذا بطرق من بطلان أفعالهم و نكت من إفساد استدلالهم و الأغلاط التي تمت عليهم فاتخذوها أصولا لأحكامهم. اعلم أن تسمية البروج الاثني عشر بالحمل و الثور و الجوزاء إلى آخرها لا أصل لها و لا حقيقة و إنما وضعها الراصدون لهم متعارفا بينهم و كذلك جميع الصور التي عن جنبي منطقة البروج الاثني عشر و غيرها و الجميع ثمان و أربعون صورة عندهم مشهورة و علماؤهم معترفون بأن ترتيب هذه الصور و تشبيهها و قسمة الكواكب عليها و تسميتها صنعه متقدموهم و وضعه حذاقهم الراصدون لها. و قد ذكر أبو الحسين عبد الرحمن بن عمر الصوفي ذلك و هو من جلتهم
228
و له مصنفات لم يعمل مثلها في علمهم و قد بينه في الجزء الأول من كتابه المعمول في الصور و قد ذكر رصد الأوائل منهم الكواكب و أنهم رتبوها في المقادير و العظم لست مراتب و بين أنهم الفاعلون لذلك ما أنا مبينه على حقيقته و ناقله من كتابه و هو أنهم وجدوا من هذه الكواكب التي رصدوها تسعمائة و سبعة عشر كوكبا ينتظم منها ثمان و أربعون صورة كل صورة تشتمل على كواكبها و هي الصور التي أثبتها بطليموس في كتابه المجسطي بعضها في النصف الشمالي من الكرة و بعضها على منطقة البروج التي في طريقة الشمس و القمر و الكواكب السريعة السير و بعضها في النصف الجنوبي. ثم سموا كل صورة باسم الشيء المشبه لها بعضها على صورة الإنسان مثل كواكب الجوزاء و كواكب الجاثي على ركبتيه و بعضها على صورة الحيوانات البرية و البحرية مثل الحمل و الثور و السرطان و الأسد و العقرب و الحوت و الدب الأكبر و الدب الأصغر و بعضها خارج عن شبه الإنسان و سائر الحيوانات مثل الإكليل و الميزان و السفينة. و ليس ترتيبهم لها و تسميتهم إياها و ما فعلوه فيها لدليل و ذكر عذرهم في ذلك فقال و إنما أنهوا هذه الصور و سموها بأسمائها و ذكروا كوكبا من كل صورة ليكون لكل كوكب اسم يعرف به إذا أشاروا إليه و ذكروا موضعه من الصورة و موقعه في فلك الأبراج و مقدار عرضه في الشمال و الجنوب على الدائرة التي تمر بأوساط البروج لمعرفة أوقات الليل و النهار و الطالع في كل وقت و أشياء عظيمة المنفعة تعرف بمعرفة هذه الكواكب. و هذا آخر الفصل من كلامه في هذا الموضع و هو دليل واضح على أن الصور و الأشكال و الأسماء و الألقاب ليست على سبيل الوجوب و الاستحقاق و إنما هي اصطلاح و اختيار و لو عزب عن ذلك إلى تشبيه آخر لأمكن و جاز. ثم إنهم بعد هذا الحال جعلوا كثيرا من الأحكام مستخرجا من هذه الصور و الأشكال و منتسبا إلى الأسماء الموضوعة و الألقاب حتى أنهم على ما ذكروه
229
على نحو واجب و دليل عقل ثابت فقالوا إن الحكم على الكسوف على ما حكاه ابن هبنتي عن بطليموس أنه إن كان البرج الذي يقع فيه الكسوف من ذوات الأجنحة مثل العذراء و الرامي و الدجاجة و النسر الطائر و ما أشبهها فإن الحادث في الطير الذي يأكل الناس و إن كان الحيوان مثل السرطان و الدولفين فإن الحادث في الحيوانات البحرية أو النهرية. و هذه فضيحة عظيمة و حال قبيحة أ فما يعلم هؤلاء القوم أنهم هم الذين جعلوا ذوات الأجنحة بأجنحة و الصور البحرية بحرية و أنهم لو لا ما فعلوه لم يكن شيء مما ذكروه فكيف صارت أفعالهم التي ابتدعوها و تشبيهاتهم التي وضعوها موجبة لأن حكم الكسوف مستخرجا منها و صادرا عنها و هذا يؤدي إلى أنهم المدبرون للعالم و أن أفعالهم سبب لما توجبه الكواكب
فصل
و لم يقنع ابن هبنتي (1) بهذه الجملة حتى قال في كتابه المعروف بالمغني و هو كتاب نفيس عندهم قد جمع فيه عيون أقوال علمائهم و ذوي الفضيلة منهم رأيته بدار العلم في القاهرة بخط مصنفه قال فيه إن وقع الكسوف في المثلث أي في الدرج التي تحتوي عليه دل ذلك على فساد أصحاب الهندسة و العلوم اللطيفة. و هذا المثلث أيدك الله هو من كواكب على شكل مثلث لأن في السماء عدة مثلثات و مربعات مما هو داخل الصورة التي ألفوها و خارج عنها فكيف صار الحكم مختصا بهذا دونها و ما نرى العلة فيه إلا تسميتهم له بذلك فكان سببا لوقوع أهل الهندسة في المهالك.
____________
(1) هبنتى بالهاء و الباء و النون و التاء و ألف تكتب ياء و ألفا عن محاضرات علم الفلك طبعة مصر ص 185، و ابن هبنتى منجم نصراني عاش ببغداد و ألف كتابا في التنجيم أسماه المغني بعد سنة 330 ه- 941 م و كان الجزء الثاني لا يزال محفوظا في مكتبة (موينخ) و ذكره حاجي خليفة في كشف الظنون مع اسم ابن هبنتة محرفا انظر دائرة المعارف اللبنانية ج 7 ص 117.
230
قال ابن هبنتي و إن كان الكسوف في الكأس دل على فساد الأشربة و هذا أعجب من الأول و ذلك أن الكأس عندهم من سبعة كواكب شبهوها بالكأس و بالباطية أيضا فإن كان الحكم الذي ذكروه إنما اختص بذلك من أجل التشبيه و التسمية فإن هذه الكواكب بأعيانها قد شبهتها بالمعلف و سميتها بهذا الاسم فكيف صار تشبيه المنجمين و تسميتهم لها بالكأس أولى من أن يكون تشبيه العرب لها بالمعلف و تسميتهم لها بهذا الاسم موجبا لانصراف الحكم فيها إلى الدواب اللهم إلا أن يقولوا إن المعول على تشبيهها للمنجمين دونهم فلا اعتراض. قال ابن هبنتي و قد شاهدنا بعض الحذاق من أهل هذه الصناعة قد نظر في مولد إنسان من الأصاغر فوجد النسر الطائر في درجة وسط السماء فقال يكون بإزاء دار الملك و زعم أن الأمر كما ذكر و هذا يؤكد ما ذكرناه من تعويلهم على الأسماء و الصور المدونة من اصطلاح البشر
فصل
و قد اطلعت أنا في مولد فوجدت فيه الكواكب التي يقولون إنها النسر الطائر في وسط السماء فلم يدل من حال صاحبه على نظيرها قال ابن هبنتي و كان هذا الرجل فقيرا فأثرى و لم أره قط إلا ماقتا لأنواع الطير غير مقيد بشيء منها في حالتي الفقر و الغنى. فإن صدق ابن هبنتي فيما ذكر فما هو إلا عن شيء لا أصل له يصح بعضه فيوافق الظنون و يبطل بعضه فلا يكون فإن كان اختلافه في حال لا يدل على بطلان حكمهم فاتفاقه في حال أخرى لا يدل على صحة حكمهم و جزمهم. و من هذيانهم أيضا الموجود في عيون كتبهم و المأثور من أحكامهم قولهم إن الحمل و الثور يدلان على الوحوش و كل ذي ظلف و الجدي مشترك بينهما و الأسد و النصف الأول من القوس يدلان على كل ذي ناب و مخلب و إنما ذكروا نصف القوس لأن صورته التي ألفوها و شبهوها صورة دابة و إنسان فجعلوا النصف الأول للوحوش و النصف الآخر للناس.
231
قالوا و السرطان و العقرب يدلان على حشرات الأرض و الثور للفرس و السنبلة للبذر و هذا كله قياس على الصور و الأسماء التي لم يوجبها العقل و لا أتاهم بها خبر من الله تعالى في شيء من النقل و إنما هو شيء من اختيارهم و قد كان يمكن غيره و يجوز خلافه قالوا و من يولد برأس الأسد يكون فتن الغم. فمن شبه تلك الكواكب بصورة الأسد غيركم و من سماها بهذا الاسم سواكم و كيف لم تقولوا إنها الكلب أو تشبهوها بغير ذلك من دواب الأرض هذا أيدك الله و الصور عندهم لا تثبت في مواضعها و لا تستقر على إقامتها فصورة الحمل التي يقولون إنها أول البروج قد تنتقل إلى أن تصير البرج الثاني و يصير البرج الأول الحوت. و هذا عندهم هو القول الصحيح لأن الكواكب عندهم كلها تتحرك إلى جهة المشرق بخلاف ما يتحرك بها الفلك و الخمسة المضافة إلى الشمس و القمر هي السريعة السير و حركاتها مختلفة في الإبطاء و السرعة و بقية الكواكب تتحرك عندهم بحركة واحدة خفيفة بطيئة و لخفاء حركتها سموها الثابتة و هي على رأي بطليموس و من قبله في كل مائة سنة تتحرك درجة واحدة. و على رأي أصحاب سمين و من رصد في أيام المأمون و حسب في كل ست و ستين سنة درجة و الصوفي يقول في كتاب الصور إن مواضع هذه الصور التي كانت على منطقة فلك البروج كانت منذ ثلاثة آلاف سنة على غير هذه الأجسام و إن صورة الحمل كانت في القسم الثاني عشر و صورة الثور كانت في القسم الأول.
232
و كان يسمى القسم الأول من البروج الثور و الثاني الجوزاء و الثالث السرطان و لما جددت الأرصاد في أيام طيموخارس وجدوا صورة الحمل قد انتقلت إلى القسم الأول من القسم الثاني عشر الذي هو بعد منطقة التقاطع فغيروا أسماءها فسموا القسم الأول الحمل و الثاني الثور و الثالث الجوزاء. قال و لا يخالفنا أحد في أن هذه الصور تنتقل بحركاتها على مر الدهور من أماكنها حتى تصير صورة الحمل في القسم السابع الذي للميزان و الميزان في القسم الأول الذي هو الحمل فيسمى أول البروج الميزان و الثاني العقرب. ثم مر في كلامه موضحا عما ذكرناه من تنقلها الموجب لتغير أسماء بروجها و هم مجمعون على أن الكوكبين المتقاربين المعروفين بالشرطين على قرني الحمل هما أول منازل القمر فيجب أن يكون أول البروج الاثني عشر و من امتحنهما في وقتنا هذا و هو سنة ثمان و عشرين و أربعمائة للهجرة الموافقة لسنة ألف و ثلاثمائة و ثمان و أربعين لذي القرنين وجد أحدهما في عشرين درجة من الحمل و الآخر في إحدى و عشرين منه أعني من البرج الأول و يعرف ما ذكرته من كانت له خبرة و عناية بهذا الأمر. فأي برج من البروج الاثني عشر يبقى على صورة واحدة و كيف ثبت الحكم الأول بأنه دال على الوحوش و على كل ذي ظلف و قد انتقلت إليه أكثر صورة الحوت و كذلك حال جميع البروج فافهم هذا فإنه ظريف
فصل
و من عجيب غلطهم في الأسماء الدالة على عدم معرفتهم بمعانيها أنهم سمعوا العرب التي تسمي الكواكب التي عن جنوب التوأمين الجوزاء فلم يفهموا هذا الاسم و ظنوا أنه مشتق من الجوز الذي يؤكل فرأوا من الرأي أن يسموا النسر المواقع من الكواكب الغربية من اللوز قياسا على الجوزاء و هذا من الغاية في الجهل و العناد و ليس تقوله إلا شيوخهم و مصنفو الكتب منهم و من اطلع في ذكرهم الصور الثمان و الأربعين وقف على صحة ما حكيته عنهم فهل سمع أحد قط بأعجب من هذا الأمر
233
فصل
و إنما سمت العرب هذه الكواكب بالجوزاء لتوسطها إذا ارتفعت أو لأنها تشبه رجلا في وسطه منطقة فاشتقوا لها اسما من التوسط يقولون جوز الفلا يعنون وسطه و من قولهم الدال على فساد أحكامهم أن كل درجة من درج الفلك ستون دقيقة و كل دقيقة ستون ثانية و كل ثانية ستون ثالثة و هكذا إلى ما لا نهاية له و لكل هذه الأجزاء التي لا تنحصر حكم مختص به و لا ينضبط فكيف يصح الحكم على هذا الأصل و ليس في أيديهم إلا الجمل التي تفاضلها يختلف. و قد ولد لي ولدان توأمان ليس بين ظهورهما من الفرق و الزمان بقدر ما يبين الأسطرلاب فاشتركا في درجة واحدة من طالع واحد في نصبه و لم يدرك فيهما التغيير و لو قلت إنهما اشتركا في الدقيقة لصدقت فلما رأيت ذلك قلت هذه حالة في الجملة قد اتفقت فيها النصبة و في غاية ما يمكن إدراكه بالآلة فإن الحكم على الحمل يوجب أن تكون حالة هذين المولودين متماثلة فلا و الله ما تماثلت صورتهما و لا أحوالهما و لا صحتهما من سقمهما و لقد مات أحدهما بعد ولادته بأيام و مات الآخر و امتدت بعمره الأيام أسأل الله السعد التام. و لقد سألت بعضهم عن هذا الحال فقال لي النمودار (1) يخرج لك الفرق بين المولودين فقلت له الذي عرفت من علمائكم أنهم لا يقولون على النمودار إلا عند عدم الرصد فمتى حصل الرصد أغنى عنه و يوضح ذلك أنكم تقولون في عمل النمودار خذ ساعات الجزر و لا يكون الجزر إلا عند عدم الرصد و إذا كان الرصد هاهنا لم يخط الحقيقة و لا أتاه الفرق فبان بأن لا يعطيه النمودار بعد الرصد.
____________
(1) النمودار هو أخذ درجة الطالع من أقرب درجة إليه بالتخمين. (عن الهامش).
234
و قلت له أيضا لست أشك في كثرة الاختلاف بينكم في كل أصل و فرع و على كل وجه فإنما يعمل النمودار بين الساعات سواء كانت عند رصد أو جزر و قد كانت ولادة هذين التوأمين في ساعة واحدة لم يصح فيها الفرق فما الحيلة في هذا الأمر فخلط في ذلك و لم يأت بشيء يفهم
فصل
و اعلم أيدك الله أن نمودار واليس يخالف نمودار بطليموس و نمودار الفرس يخالفهما جميعا و ليس في ذلك ما يتفق عليه و لا يؤدي إلى أمر متفق و لا يدل على صحة واحد منها العقل و جميعها دعاوي لا يعلم لها أصل و لو تتبعت مواضع اختلاطهم و ذكرت ما أعرفه من تناقض أصولهم المبطلة لأحكامهم لخرجت عن الغرض في الاختصار و فيما أوردته غنى عن الإكثار
فصل
و أنا أذكر لك بعد هذا مقالتنا في النجوم و ما نعتقده فيها لتعرف الطريقة في ذلك فتعتمد عليها اعلم أيدك الله أن الشمس و القمر و النجوم أجناس محدثة من جنس هذا العالم مؤلفة من أجزاء تحلها الأعراض و ليست فاعلة في الحقيقة و لا ناطقة و لا حية قادرة. و قال شيخنا المفيد (رضوان الله عليه) إنها أجسام نارية فأما حركاتها فهي فعل الله تعالى فيها و هو المحرك لها و هي من آيات الله الباهرة لخلقه و زينة في سمائه و فيها منافع لعباده لا تحصى و بها يهتدي (1) السائرون برا و بحرا قال الله تعالى وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
____________
(1) في النسخة: (لا يهتدي) و هي خطأ بزيادة (لا).
235
و فيها للخلق مصالح لا يعلمها إلا الله تعالى. فأما التأثير المنسوب إليها فإنا لا ندفع كون الشمس و القمر مؤثرين في العالم و نحن نعلم أن الأجسام و إن كان لا يؤثر أحدها بالآخر إلا مع مماسة بينهما بأنفسهما أو بواسطة فإن للشمس و القمر شعاعا متصلا بالأرض و ما عليها يقوم مقام المماسة و تصح به التأثيرات الحادثة و من ذا الذي ينكر تأثير الشمس و القمر و هو شاهد و إن كان تأثير الشمس أظهر للحس و أبين من تأثير القمر في الأزمان و البلدان و النبات و الحيوان. و أما غيرهما من الكواكب فلسنا نجد لها تأثيرا يحس و لا نقطع وجوبه بالعقل و هو أيضا ليس من الممتنع المستحيل بل هو من الجائز في العقول لأن لها شعاعا متصلا في الأرض و إن كان من دون شعاع الشمس و القمر فغير منكر أن يكون لها تأثير خفي على الحس خارج عن أفعال الخلق فإن كان لها تأثير كما يقال فتأثيرها مع تأثير الشمس و القمر في الحقيقة من أفعال الله تعالى و ليس يصح إضافته إليها إلا على وجه التوسع و التجوز كما نقول أحرقت النار و برد الثلج و قطع السيف و شج الحجر و كذلك قولنا أحمت الشمس الأرض و نفعت الزرع و في الحقيقة أن الله أحمى لها و نفع. و مما يدل على أن الله تعالى يشغل شيئا بشيء قوله سبحانه هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. و ليس فيما ذكرناه رجوع إلى قول أصحاب الأحكام و لا قول بما أنكرناه عليهم في متقدم الكلام لأنا أنكرنا عليهم إضافة تأثيرات الشمس و القمر إليهما من دون الله سبحانه و قطعهم على ما جوزناه من تأثيرات الكواكب بغير حجة عقلية و لا سمعية و إضافتهم إليها جميع الأفعال في الحقيقة مع دعواهم لها الحياة و القدرة.
236
و أنكرنا أن تكون الشمس أو القمر أو شيء من الكواكب موجبا لشيء من أفعالنا بشهادة العقل الصحيح فإن أفعالنا لو كانت مخترعة فينا أو كانت عن سبب أوجبها من غيرنا لم تصح بحسب قصودنا و إراداتنا و لا كان فرق بينها و بين جميع ما يفعل فينا من صحتنا و سقمنا و تأليف أجسامنا و حصول الفرق لكل دلالة على اختصاصها بنا و برهان واضح بأنها حدثت من قدرتنا و أنه لا سبب لها غير اختيارنا. و أنكرنا عليهم قولهم إن الله تعالى لا يفعل في العالم فعلا إلا و الكواكب دالة عليه فإن كل شيء يدل عليه لا بد من كونه و هذا باطل يثبت لها تأثيرا أو دلالة فإن الله أجرى تلك العادة و ليس يستحيل منه تغير تلك العادة لما يراه من المصلحة و قد يصرف الله تعالى السوء عن عبده بدعوة و يزيد في أجله بصلة رحم أو صدقة فهذا الذي ثبتت لنا عليه الأدلة و هو الموافق للشريعة و ليس هو بملائم لما يدعيه المنجمون و الحمد لله. و أنكرنا عليهم اعتمادهم في الأحكام على أصول مناقضة و دعاوي مظنونة متعارضة و ليس على شيء منها بينة فإن كان لهذا العلم أصل صحيح على وجه يسوغ في العقل و يجوز فليس هو ما في أيديهم و لا من جملة دعاويهم و قد قال شيخنا المفيد (رضوان الله عليه) إن الاستدلال بحركات النجوم على كثير مما سيكون ليس يمتنع العقل منه و لا يمنع أن يكون الله عز و جل علمه بعض أنبيائه و جعله علما على صدقه قال ابن طاوس هذا آخر ما ذكره الكراجكي (رضوان الله عليه) في كتابه و نعتقد أنه اعتمد عليه.
237
3 و نقل في البحار جلد 40 ص 54 عن كنز جامع الفوائد (1) الذي جاء فيه
رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدٌ الْكَرَاجُكِيُّ فِي كِتَابِهِ كَنْزِ الْفَوَائِدِ حَدِيثاً مُسْنَداً يَرْفَعُهُ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ص فِي سجدة [مَسْجِدِهِ] إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلَ فِي الْحَجِّ وَ غَيْرِهِ فَلَمَّا أَجَابَهُ قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ حَجِيجَ قَوْمِي مما [مِمَّنْ] شَهِدَ ذَلِكَ مَعَكَ أَخْبَرَنَا أَنَّكَ قُمْتَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) بَعْدَ قُفُولِكَ مِنَ الْحَجِّ وَ وَقَفْتَهُ بِالشَّجَرَاتِ مِنْ خُمٍّ فَافْتَرَضْتَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَاعَتَهُ وَ مَحَبَّتَهُ وَ أَوْجَبْتَ عَلَيْهِمْ جَمِيعاً وَلَايَتَهُ وَ قَدْ أَكْثَرُوا عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ فَبَيِّنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ ذَلِكَ فَرِيضَةٌ عَلَيْنَا مِنَ الْأَرْضِ لِمَا أَدْنَتْهُ الرَّحِمُ وَ الصِّهْرُ مِنْكَ أَمْ مِنَ اللَّهِ افْتَرَضَهُ عَلَيْنَا وَ أَوْجَبَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ ص بَلِ اللَّهُ افْتَرَضَهُ وَ أَوْجَبَهُ مِنَ السَّمَاءِ وَ افْتَرَضَ وَلَايَتَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ جَمِيعاً يَا أَعْرَابِيُّ إِنَّ جَبْرَئِيلَ (ع) هَبَطَ عَلَيَّ يَوْمَ الْأَحْزَابِ وَ قَالَ إِنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ لَكَ إِنِّي قَدِ افْتَرَضْتُ حُبَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ مَوَدَّتَهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَمْ أَعْذِرْ فِي مَحَبَّتِهِ أَحَداً فَمُرْ أُمَّتَكَ بِحُبِّهِ فَمَنْ أَحَبَّهُ فَبِحُبِّي وَ حُبِّكَ أَحَبَّهُ وَ مَنْ أَبْغَضَهُ فَبِبُغْضِي وَ بُغْضِكَ أَبْغَضَهُ أَمَا إِنَّهُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى كِتَاباً وَ لَا خَلَقَ خَلْقاً إِلَّا وَ جَعَلَ لَهُ سَيِّداً فَالْقُرْآنُ سَيِّدُ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ وَ شَهْرُ رَمَضَانَ سَيِّدُ الشُّهُورِ وَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ سَيِّدَةُ اللَّيَالِي وَ الْفِرْدَوْسُ سَيِّدُ الْجِنَانِ وَ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامِ سَيِّدُ الْبِقَاعِ وَ جَبْرَئِيلُ ع
____________
(1) هو كتاب ما زال مخطوطا، لمؤلّفه الشيخ علم بن سيف بن منصور النجفيّ الحلي، كما في نسخته التي كتبت سنة 1083 ه في 15 ذي العقدة و الموجودة في مكتبة السيد حسن الصدر بخط درويش بن محمّد النجفيّ، بعنوان: (كنز جامع الفوائد). أما في النسخة المخطوطة الأخرى، و المحتمل أنّها بخط المؤلّف الموجودة بمكتبة المولى محمّد علي الخوانساري و المخطوطة سنة (937 ه) فهي باسم: (جامع الفوائد و دافع المعاند) من دون كلمة: (كنز). و الكتاب مختصر و منتخب من كتاب (تأويل الآيات الظاهرة) للسيّد شرف الدين الأسترآباديّ. (انظر:
الذريعة ج 5 ص 66، و ج 18 ص 149).
238
سَيِّدُ الْمَلَائِكَةِ وَ أَنَا سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْ عَمَلِهِ سَيِّدٌ وَ حُبِّي وَ حُبُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سَيِّدُ الْأَعْمَالِ وَ مَا تَقَرَّبَ بِهِ الْمُتَقَرِّبُونَ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِمْ يَا أَعْرَابِيُّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نُصِبَ لِإِبْرَاهِيمَ مِنْبَرٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَ نُصِبَ مِنْبَرٌ لِي عَنْ شِمَالِ الْعَرْشِ ثُمَّ يُدْعَى بِكُرْسِيٍّ عَالٍ يَزْهَرُ نُوراً فَيُنْصَبُ بَيْنَ الْمِنْبَرَيْنِ فَيَكُونُ إِبْرَاهِيمُ عَلَى مِنْبَرِهِ وَ أَنَا عَلَى مِنْبَرِي وَ يَكُونُ أَخِي عَلِيٌّ عَلَى ذَلِكَ الْكُرْسِيِّ فَمَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ حَبِيباً بَيْنَ خَلِيلَيْنِ يَا أَعْرَابِيُّ مَا هَبَطَ عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ إِلَّا وَ سَأَلَنِي عَنْ عَلِيٍّ وَ لَا عَرَجَ إِلَّا وَ قَالَ اقْرَأْ عَلَى عَلِيٍّ مِنِّي السَّلَامَ
239
فهرس الجزء الثاني
الأدلة على أن الصانع واحد 5
فصل من كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 10
فصل من فضائل أمير المؤمنين (ع) 12
من كلامه (ع) و آدابه في فضل الصمت 14
مختصر التذكرة بأصول الفقه 15
فصل من عيون الحكم و نكت من جواهر الكلام 31
من كلام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) 31
من كلام أمير المؤمنين (ع) 31
من كلام الحسين (ع) 32
من كلام الإمام الصادق (ع) 33
من كلام غير الأئمة 33
أبو حنيفة مع الإمام الصادق 36
حديث الإمام الصادق 37
فصل من الاستدلال على أن اللّه تعالى ليس بجسم 37
حول هشام بن الحكم 40
أبيات لزينبا 42
رسائل متبادلة بين الإمام علي و بين معاوية 42
مسألة فقهية منظومة و جوابها 45
مسألة أخرى منظومة و جوابها 46
منام للمفيد حول قضية الغار 48
كلام للمؤلّف حول قضية الغار 51
مبيت عليّ (عليه السلام) في فراش رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ليلة الهجرة 53
أحاديث 55
من روايات ابن شاذان 55
مسألة و جوابها 57
فصل في الرؤيا في المنام 60
أحاديث عن أبي ذر 67
مسألة في المواريث 68
قضية مستطرفة لأمير المؤمنين (ع) 69
شبهات للملاحدة و جوابها 70
سؤال ورد للمؤلّف من الساحل و جوابه 73
قصة وقعت للمؤلّف 78
فصل من كلام أمير المؤمنين (ع) 83
أحاديث في فضله (ع) 83
دليل النصّ بخبر الغدير على إمامته (ع) و المناقشة حوله 84
فصل من الوصايا و الإقرارات المبهمة العويصة 98
فصل في ذكر هيئة العالم 101
240
فصل في العلم و أهله 107
مسائل و جوابها 111
رسالة للمؤلّف حول طول الأعمار و عمر صاحب الزمان و المعمرين 114
كتاب من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أكتم بن صيفي 124
خبر قس بن ساعدة الايادي 134
خبر المعمر المغربي 147
حديث المعمر المشرقي 154
فصل في الكلام في الآجال 155
مسألة فقهية 159
خبر ضرار بن ضمرة 160
فصل: ما جاء في الخصال 163
تأويل آية 165
تأويل خبر: إن اللّه خلق آدم على صورته 167
فصل من الاستدلال على صحة النصّ بالإمامة 168
فصل في حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أنت مني بمنزلة هارون من موسى ...» 177
أحاديث في ذلك 178
أبيات لعلي (ع) 180
من آدابه (ع) 182
قصة له (ع) 183
مسألة في المني و نجاسته 184
فصل حول قوله تعالى: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ ... 186
سؤال عن ثلاث آيات و جوابه 188
فصل ممّا ورد في ذكر النصف 189
فصل من الأدب 192
فصل في الغنى و الفقر 193
فصل في الكلام في الأرزاق 195
فصل في تأويل قوله تعالى: فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ ... 200
ذكر مجلس للمؤلّف في القياس و إبطاله 203
ذكر مجلس للمفيد 210
مسألة حول قوله (ص): (اختلاف أمتي رحمة) 215
فصل من الاستدلال على صحة الإمامة و العصمة 215
سؤال في الغيبة 216
تأويل آية: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ... 219
نصوص مفقودة 223
مراجع الكتاب 239
