م 1

م 2

[مقدمة التحقيق]

كلمة المحشي

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين.

اما بعد: فيقول العبد خويدم الفقهاء ابن محمّد محمّد باقر المدعوّ ب(شريف زاده گلپايگاني): إنه لما يسر اللّه لي سبحانه و تعالى- و له الفضل و المنّة- الفراغ عن تعاليقي على كنز العرفان للفاضل المقداد، و قد برز إلى الطبع بتمامه في مجلدين و على مسالك الافهام للفاضل الجواد، و قد نشر منه مجلّدان، و سيبرز إلى الطبع المجلّدان الآخران- إن شاء اللّه تعالى- كنت أتمنّى التوفيق مرّة أخرى لأن أتبرك بخدمة شيء من كتب آيات الأحكام، من تصانيف أصحابنا و علمائنا الإمامية أجزل اللّه لهم الأجر فإنّ الاشتغال بها من أفضل الطاعات، و أولى ما ينفق فيه نفائس الأوقات.

فعثرت على كتاب آيات الأحكام للعالم الجليل القدر العلّامة الخبير الرجاليّ الكبير السيّد الأجل الأكمل المولى محمّد بن علىّ بن إبراهيم الأسترآبادي المتوفى سنة 1028 أعلى اللّه مقامه الشريف، فوجدته كتابا لم ينسج على منواله، و لست مبالغا لو قلت إنّ هذا الكتاب أو في ما يتناقله قرّاء التفسير و الفقه و أجمعها لمذاهب الفقهاء و المفسرين لآيات الأحكام، و المتفوقين في علوم الأدب و القراءة، و أتمها لبيان

م 3

وجوه الأدب، و شواهدها و تعليلاتها، و كيفية الاستدلال بالآيات، لاستفادة الأحكام و دلائلها الواضح ظاهره، الكثيرة كنوز و ذخائره، البحر المحيط بما في كتب التفسير فيما يتعلّق بآيات الأحكام، مع تحقيقات خصّ بها عن غيره.

فيه دقائق و نكات قلّ من تفطن بها، و مع ذلك خلصت معادن ألفاظه من حيث الإسهاب، و خلت نقود معانيه عن زيف الإيجاز و هرج الاطناب، فبرز بروز الإبريز (1) من معنى وجيز تمشّت في المفاصل عذوبته، و في الأفكار رقته، و في العقول حدّته، يكفى للقارئ مراجعة الكتاب لتصديق ما ذكرناه، و المثل بالفارسيّة معروف:

«مشگ آن است كه خودببويد * * * نه آن كه عطار بگويد»

فلله درّ مصنّفه.

فأحببت ان أقدم على نشره و أن أعمل فيه مثل ما عملته في الكتابين المتقدّمين فعرضت نشره على صهري العزيز الحاج آقا مرتضى معراج محمدي و هو حفيد العالم الألمعىّ، و الفاضل اليلمعي، العلامة الجليل القدر المرحوم المبرور آية اللّه الآخوند ملا محمّد تقي الگلپايگاني الگوگدى، الذي كان من أعاظم تلامذة المحقق الخراساني- أعلى اللّه مقامه- يعرف كلّ من تتلمذ على المحقق المذكور مقامه النبيل في العلم و العمل، و الزهد و التقوى، و قد استوطن في أواخر عمره الشريف ب(سلطانآباد أراك) و توفي بها و نقل جسده الشريف الى قم و دفن في المقبرة الواقعة بالجنوب الغربي من القبة المطهرة المعروفة ب(قبرستان نو) و له في الضلع الشرقي من المقبرة بقعة يزوره الأعلام و الأتقياء أعلى اللّه مقامه الشريف.

و على أىّ فتقبّل صهري الاقدام على نشره و بذل نفقته، مع علمه بقلّة طلاب أمثال هذا الكتاب، و بطوء عود رأس ماله الذي ينفق في طبعه- آجره اللّه، و جعل عاقبة أمره خيرا من أولاه، و زاده اللّه بسطة في الرزق و التوفيق لإعمال البرّ و أعزه اللّه و بارك في عمره، و أنال اللّه ثواب هذا الاقدام الشريف (لنشر هذا الكتاب) روح جدّه طاب ثراه، و جعل اللّه الجنة مثواه.

و انى لا هدى ثواب عملي في إحياء هذا السفر القيم و بيان ما لاح لي في مواضع

____________

(1) يعنى الحلي الصافي من الذهب.

م 4

منه يحتاج الى البيان أو الشرح و إخراج أحاديثه حسب ما يقتضيه المقام، إلى والديّ أسكنهما اللّه بحبوحة جنانه، و (رحمها اللّه) كما ربّيانى صغيرا، و جزاهما بالإحسان إحسانا و بالسيّئات غفرانا، و إلى أساتذتى الذين أتعبوا أنفسهم في تعليمي و تربيتي و تقويمي على الملّة القيمة جزاهم اللّه عنّى أحسن الجزاء، و إلى أصحابي و أصدقائي الذين يحضرون مجلسي، و هم الذين استثاروا همّتى، و أوقدوا نارها حتّى وفّقت لهذا العمل الشريف.

فها أنا أشرع فيما أردت مستعينا باللّه متوكلا عليه، و مادا أكف الضراعة و الافتقار إليه أن يسبغ علىّ واسع جوده و كرمه، و أن يسامحني فيما قصرت في خدمته، إنّه الجواد الكريم الرؤف الرحيم.

م 5

التعريف بالمؤلف:

قد ضاق وقتنا عن التكلّم في حقه كما هو حقّه، حيث برز الكتاب إلى النشر، و لعلّنا نتكلّم في حقه بوجه أبسط تقدمة المجلد الثاني، و نكتفي الان بذكر مصادر ترجمته، مع نقل بعض ما فيها.

فانظر نقد الرجال للسيد العالم العلامة آقا مير مصطفى التفرشي أعلى اللّه مقامه الشريف ص 324 الرقم 581 و فيه: «محمّد بن عليّ بن كيل الأسترآبادي مدّ اللّه تعالى في عمره و زاد اللّه في شرفه، فقيه متكلّم ثقة من ثقات هذه الطائفة و عبادها و زهادها، حقق الرجال و الرواية و التفسير تحقيقا لا مزيد عليه، كان من قبل من سكّان عتبة العلية الغروية على ساكنها من الصلوات أفضلها، و من التحيات أكملها، و اليوم من مجاوري بيت اللّه الحرام و ساكنيها، و له كتب جيدة منها كتاب الرجال حسن الترتيب، يشتمل على جميع أقوال القوم (قدس اللّه أرواحهم) من المدح و الذم إلا شاذا و منها آيات الأحكام انتهى.

و تسمية جدّه بكيل من خواص كتاب النقد، و كلّ من عنونه جعل جده إبراهيم، نعم في جامع الرواة ج 2 ص 156 ينقل ترجمة المؤلف عن النقد و لذا جعل عليه رمز (س) كما هو دأبه فيما ينقله عن النقد و لذا عنون جده بكيل كما في النقد.

و كذا في تكلمة الرجال للعلامة المحقق الشيخ عبد النبيّ الكاظمي المتوفى 1256 ج 2 ص 447 حيث إن الكتاب بمنزلة الشرح و التعليقة على النقد ففيه أيضا عنوان جدّ المؤلف

م 6

بكيل و ترى في بقيّة المصادر اسم جده إبراهيم.

فانظر أمل الأمل ج 2 ص 281 الرقم 835 ط بغداد بتحقيق السيد أحمد الحسيني ففيه: «ميرزا محمّد بن على بن إبراهيم الأسترآبادى، كان فاضلا عالما محققا مدقّقا ثقة عارفا بالحديث و الرجال، له كتاب الرجال الكبير و المتوسط و الصغير، ما صنّف في الرجال أحسن من تصنيفه، و لا أجمع، إلا أنه لم يذكر المتأخرين، و له أيضا شرح آيات الأحكام، و حاشية التهذيب، و رسائل مفيدة، نروى عن شيخنا زين الدّين بن محمّد بن الحسن ابن الشهيد الثاني عن أبيه عنه، و عن شيخنا عن مولانا محمّد أمين عنه.

و ذكره صاحب سلافة العصر و ذكر أكثر مؤلفاته، و أثنى عليه، و ذكر أنه توفي بمكّة سنة 1036 ثمّ نقل ما في النقد و قد تقدم.

أقول: الموجود في النسخة المطبوعة من سلافة العصر ص 491 أنه توفي بمكّة لثلاثة عشر خلون من ذي القعدة سنة ثمان و عشرين بعد الالف فما نقله في الأمل عن سلافة العصر من أن وفاته سنة 1036 لعلّه من سهو النسخة الّتي كانت عند صاحب الأمل، أو من سهو طابع الأمل.

و في لؤلؤة البحرين ط النجف بتحقيق السيد محمّد صادق بحر العلوم ص 119 الرقم 45: «الميرزا محمّد بن على بن إبراهيم الأسترآبادي و كان فاضلا محقّقا مدققا عابدا ورعا و له كتب الرجال الثلاثة الكبير و الأوسط و هما الموجودان الان، و الصغير لم أقف عليه، و له أيضا كتاب شرح آيات الأحكام، و حاشية على التهذيب، و له رسائل متعددة.

توفّى (رحمه اللّه) بمكّة المشرفة لثلاث عشرة خلون من ذي القعدة من سنة ثمان و عشرين بعد الالف، و الميرزا محمّد المذكور يروى عن الشيخ إبراهيم ابن الشيخ علىّ بن عبد العالي الميسي- نسبة إلى ميس بكسر الميم ثمّ الياء المثناة من تحت ثمّ السين قرية من قرى جبل عامل- و هو ظهير الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن الشيخ نور الدين أبى القاسم على بن تاج الدين عبد العالي فاضل فقيه من علماء دولة الشاه

م 7

طهماسب الصفوي في درجة الشهيد الثاني تلميذ أبيه، كما سيأتي إن شاء اللّه.

و العجب من صاحب كتاب أمل الأمل مع كون هذا الرجل من أفاضل علماء جبل عامل نسي ترجمته في الكتاب» انتهى ما أردنا نقله عن اللؤلؤة.

قلت و لم ينس صاحب الأمل ترجمة الرجل ففي ج 1 ص 29 الرقم 7 من طبع بغداد ترجمة الرجل بعنوان الشيخ إبراهيم بن على بن عبد العالي الميسي فراجع.

و قال السيد محسن أمين في ج 5 من أعيان الشيعة ط مطبعة الإنصاف بعد عنوانه في ص 312 ترجمة الشيخ ظهير الدين ابى إسحاق إبراهيم ابن الشيخ نور الدين على بن ابى القاسم تاج الدين عبد العالي العاملي الميسي بالرقم 201 «و نسخة الأمل التي كانت عند صاحب اللؤلؤتين و عند صاحب الرياض كان ساقطا منها اسمه فظنا ان صاحب الأمل لم يذكره، و هو موجود في نسخة الأمل بخط المؤلف و جميع النسخ» و فيه تخطئة صاحب اللؤلؤة كسر الميم من ميس و استصوب فتح الميم، قلت:

لم أجد ذكر البلدة في معجم البلدان، و لا في معجم ما استعجم، و لا في اللباب، و لا في تاج العروس، حتّى يتيسر لي الحكم بصحة كسر الميم أو فتحها، و في الروضات ط إسماعيليان ج 1 ص 29 الرقم 4 و كذلك ج 1 منه ط الاخوندى بتحقيق سماحة الحجة السيد محمّد على الروضاتي الذي لم يطبع منه الّا مجلد واحد في ص 75 الرقم 4 عند ترجمة الشيخ ظهير الدين ابى إسحاق إبراهيم بن الشيخ نور الدين على بن عبد العالي المشتهر بابن مفلح العاملي الميسي أن عندنا نسخة الأصل التي هي بخطّ المصنف (صاحب الأمل) و غيرها من نسخ الكتاب، و في جميعها الوصف منه (رحمه اللّه) لصاحب العنوان.

ثم نقل ما في الرقم 7 من الأمل.

و انظر أيضا ترجمة المؤلف في الروضات ط الحاج السيد سعيد ص 599 و ط إسماعيليان ج 7 ص 36 الرقم 596 و فيه نقل تاريخ وفاته عن الأمل عن سلافة العصر 1026 مع انك قد عرفت انه نقله عن السلافة سنة 1036 و ان في النسخة المطبوعة من السلافة 1028 و ان هذا سهوا من صاحب الأمل أو طابع الأمل.

و في الروضات و كان معظم أخذ هذا الشيخ و روايته عن الشيخ البارع المتقن

م 8

المتقدم ذكره التقديسى ظهير الدين ابى إسحاق إبراهيم بن الشيخ على بن عبد العالي العاملي الميسي، بل لم نتحقق الى الان روايته عن غير هذا الشيخ فيما رأيناه من كتب الإجازات و الاخبار، بخلاف الرواية عنه، فإنّها لجماعة من الكبراء و الأخيار، منهم المولى محمّد أمين الأسترآبادي المتقدم ذكره الطويل، و منهم صاحب الترجمة الآتية المدرك لبركات صحبته على التفصيل (يريد الشيخ الجليل محمّد بن الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني المشتهر اسمه بالزين).

قلت: و لكنه كثيرا ما ينقل في هذا الكتاب (آيات الأحكام) عن المحقق الأردبيلي، و يعبّر عنه في أوائله بشيخنا المحقّق دام ظله و من أواسطه بشيخنا المحقق (قدّس اللّه روحه)، فيعلم أنه تتلمذ على المحقق الأردبيلي، و شرع كتابه هذا في زمان حياته و أتمه بعد وفاته، و قد أشرنا إلى مواضعه في زبدة البيان ط المرتضوي فيما نقله عنه.

و انظر أيضا ترجمته في خلاصة الأثر للمحبّى ج 4 ص 46 و فيه: إن صيته بالفضل التام شائع ذائع، و كان وفاته بمكة لثلاث عشرة خلون من ذي الحجّة سنة ثمان و عشرين و الف.

قلت قد عرفت أن وفاته كان في ذي القعدة فلعله من سهو طابع خلاصة الأثر.

و انظر أيضا الكنى و الألقاب للمحدّث القمي ط محمّد الكتبي ج 3 ص 191 و فيه أنه مدفون في المعلى عند سيدتنا خديجة الكبرى رضي اللّه تعالى عنها.

و ترى ترجمته في الذريعة ج 1 ص 43 بالرقم 219 و ص 241 بالرقم 1277 و ج 4 ص 420 بالرقم 1852 و ج 13 ص 56 بالرقم 178 و في الموضع الأول أنه ترجمه كل من تأخر عنه مع اطرائه و عبر عن كتابه هذا في نقد الرجال بآيات الأحكام، و لكن في أمل الأمل و لؤلؤة البحرين عبر عنه بشرح آيات الأحكام، و قريب منه ما في الموضع الرابع، و نقل عن السلافة في الموضع الثالث كون وفاته سنة 1028 فهو أيضا مؤيد لما قدمنا من أن نقل غير ذلك عن السلافة كان من السهو، و ذكر في الموضع الثاني تاريخ وفاته ثالث عشر ذي الحجة سنة 1028 و قد عرفت عن غير واحد انه كان في ذي القعدة.

و انظر أيضا ترجمة المؤلف في الإعلام للزركلى ج 7 ص 186 و الفوائد الرضوية

م 9

ص 554 و هدية الأحباب ص 172 و ريحانة الأدب ج 2 ص 424 بالرقم 790 و خاتمة المستدرك ص 410 و تذييل السيد محمّد صادق بحر العلوم على رجال السيد بحر العلوم ج 3 ص 286 و ص 287 و تنقيح المقال للمامقانى ج 3 ص 159.

و ترى ترجمته أيضا في الفوائد المدنية ص 17 و فيه: «و آخر مشايخي في فن الفقه و الحديث و الرجال و هو مولانا العلامة المحقق و الفيلسوف المدقق، أفضل المحدثين و اعلم المتأخرين بأحوال الرجال و أورعهم، الميرزا محمّد الأسترآبادي، المجاور بحرم اللّه، المدفون عند خديجة الكبرى، و قد استفدت منه في مكّة المعظمة من أوائل سنة خمس عشرة بعد الألف إلى عشر سنين و أجاز لي أن أروى عنه جميع ما يجوز له روايته (قدس سره)، فقد عرضت عليه ما سنذكره من اختيار طريقة القدماء و ردّ طريقة المتأخرين فاستحسنه و أثنى علىّ» انتهى كلامه.

و ردّ جملته الأخيرة السيد نور الدين علىّ بن السيّد على بن أبى الحسن أخو السيد صاحب المدارك في الشواهد المكية المطبوعة بهامش الفوائد المدنية، و عندي من الكتاب نسخة مخطوطة نفيسة كتبت من نسخة المؤلف في زمان حياته، و تاريخ الكتابة فيها 1062 و قال ما حاصله: أنه لو كان ما ادعاه من استحسان المؤلف نظر صاحب الفوائد المدنية مثنيا على مؤلّفه حقا، لما أتعب نفسه بتحقيقه في أحوال الرجال و نقل القدح فيهم.

قلت: و ما أفاده صاحب الشواهد المكية حق لا ريب فيه، و أنت ترى في غير موضع من كتابه هذا آيات الأحكام يحكم بصحّة بعض الروايات الواردة في إحدى الكتب الأربعة و يقبلها، و يحكم بضعف بعضها و يرد الحديث لأجل ضعف السند، و يتردّد في الحكم عند ما كان أحد رجال الحديث المضبوط في إحدى الكتب الأربعة ممن كان يتردّد في حقه، فكيف يمكنه استحسان آراء صاحب الفوائد المدنية الأمين غير المأمون من كون ما في الكتب الأربعة متواترا مقبولا و سائر آرائه و الثناء عليه.

بل المؤلف أيضا كان ممن تبع العلامة الحلي- (قدس سره)- و تابعيه، و سلك على منوالهم، فلا يشتبه على القارئ كون المؤلف من جهة معروفيته بالاسترآبادى أخباريا ناهجا منهج محمّد أمين الأسترآبادي، و لا تغفل عن ذلك و قد عبرنا عن الأمين

م 10

بغير المأمون لما هو واضح من كون استحسان المؤلف أفكاره و الثناء عليه افتراء محضا و العجب أن صاحب الروضات أيضا تقبله بقبول حسن عنه.

انظر ترجمة الأمين الرقم 23 ص 308 ط الاخوندى و الرقم 33 ط إسماعيليان ص 120 و ص 33 ط الحاج السيد سعيد يستظهر منه قبوله هذه الجملة من الأمين غير المأمون مع أن كتاب المصنف منهج المقال و هذا الكتاب آيات الأحكام يناديان بأعلى الصوت كذب ما نسبه الأمين اليه فدقق النظر ثمّ دقق النظر حتّى يتبين لك صدق ما بيناه، و أن المؤلف ناهج منهج العلامة و تابعيه.

و كتب المؤلف من مصادر كتاب بحار الأنوار صرّح بذلك في ج 1 ص 10 و ص 16 ط كمپانى و ج 1 ص 22 و ص 41 ط الاخوندى و يظهر من صاحب البحار في الموضع الأول (ص 10 ط كمپانى و 22 ط الاخوندى) أن رجاله الصغير الذي قال في اللؤلؤة لم أقف عليه كان عند المجلسي، و في الموضع الثاني (ص 16 ط كمپانى و 41 ط الاخوندى) اطرء المؤلف و أثنى عليه و قال «و السيد الأمجد ميرزا محمّد (قدّس اللّه روحه) من النجباء الأفاضل، و الأتقياء الامائل، و جاور بيت اللّه الحرام إلى أن مضى إلى رحمة اللّه و كتبه في غاية المتانة و السداد». انتهى و ترى في تفسير الآيات الواقعة في البحار في كثير ممّا يتعلق بالأحكام نقل كلام عن المؤلف، و انما كان ذلك لمكان السداد و المتانة في نظراته، و لذا جعل العلامة البهبهاني فوائده و إنظاره في الرجال تعليقة على منهج المقال.

و المؤلف من مشايخ الإجازة للعلامة المجلسي و والده (قدس سرهما) يظهر ذلك من مراجعتك الإجازة بالرقم 90 ج 110 ص 32 الى ص 37 ط الإسلامية من الأمير شرف الدين علىّ الشولستاني و فيه التعبير عن المؤلف بشيخنا العلامة قدوة العلماء المتبحرين و سند الفضلاء المحقّقين، جامع المعقول و المنقول، العاجز عن ادراك كمالاته العلية أولوا الألباب و العقول المؤيد من اللّه الأوحد ميرزا محمّد بن الأمير السعيد الكبير علىّ الأسترآبادي صاحب منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال (قدس اللّه روحه و نور ضريحه).

م 11

و انظر أيضا ص 157 و ص 158 من المجلّد المذكور من البحار عند شرح العلامة المجلسي (قدس سره) أجازته لبعض تلامذته.

و من عجيب الاشتباه ما وقع في تذييل ص 125 ج 110 ط الإسلامية في الإجازة بالرقم 102 و هو من محمّد مؤمن بن دوست محمّد الحسيني الأسترآبادي فشرح في الذيل هو السيد الأجل إلى أن قال السيد محمّد بن على بن إبراهيم الأسترآبادي صاحب منهج المقال الى آخر ما قال. و هذا اشتباه فان السيد محمّد مؤمن هذا غير مؤلف الكتاب و كتاب منهج المقال، بل صهر المصنف على كريمته استشهد بالحرم الشريف الإلهي سنة 1088 ترى ترجمته مفصلا في شهداء الفضيلة للعلامة الأمين (قدس سره) ط قم الطباطبائي من ص 199- إلى- ص 201 و ترى قصة شهادته في خلاصة الأثر للمحبّى عند ترجمة صاحب وسائل الشيعة ج 3 ص 432 و 433 و نقلها في خاتمة المستدرك ص 388 عن خلاصة الأثر، و ترى ترجمته في أمل الأمل ج 2 ص 296 ط بغداد باختصار، و ذكره في قصص العلماء في مواضع متعددة، و لكنه لم يذكر فيما خصه بترجمته ص 243 ط 1313 إلا كونه من تلامذة السيد نور الدين المتقدّم ذكره صاحب الفوائد المكية، و على أى فما في تذييل البحار اشتباه حصل من عدم الدّقة.

و قال في نخبة المقال ص 93 في حق المؤلف

و الأسترآبادي فاضل سني * * * له الرجال فوته (حيّ رضي)

1028 ثمّ المؤلف سرده العلامة المجلسي فيمن رأى القائم (عليه السلام) انظر ط كمپانى ج 13 ص 148 و ط الإسلامية ج 52 و نقله في خاتمة المستدرك ص 390 و كذا المحدث النوريّ في النجم الثاقب ص 98 من الباب السابع القصة بالرقم 66 ط حاج ميرزا محمّد بتهران سنة 1308 و المحدّث القمي في تتمة المنتهى ط 1373 ص 416 و فيه أيضا إطراء المؤلف فليراجع.

و اطرءه أيضا في الروضة البهية للحاج سيد شفيعا المطبوعة سنة 1280 و ليس في الكتاب رقم الصفحات حتى أبينها و ترجمه بعد ترجمة الأمين الأسترآبادي.

م 12

ثم إنه اختلف في سيادة المؤلف و شنع المحدث النوري في خاتمة المستدرك ص 410 على صاحب الروضات حيث تردّد في سيادته، بل ادعى ان سيادته من جهة الانتساب بالأم إلى موالينا السادة، و الظاهر أن الحق مع المحدث النوري مع ملاحظة ما سمعته مما تلوناه عن الأعلام يعبرون بما يستفاد منه جليا سيادته، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

الى هنا ننهى المقال في ترجمة المؤلف المستحق للاجلال، و أنا العبد ابن محمّد محمّد باقر المدعو ب(شريف زاده گلپايگاني) عفى عنه.

م 13

كلمة المصحح:

بسمه تعالى الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الغرّ الميامين.

و بعد فمن منن اللّه عز و جل على هذا العبد المسكين أن وفّقني لخدمة الدين و العلم و إحياء تراث المذهب بتصحيحها و تحقيقها و تنقيحها و إخراجها بصورة رائقة نفيسة و منها هذا الجزء من كتاب تفسير آيات الأحكام للمولى الأجلّ العلامة الخبير الرّجالي الكبير المولى محمّد بن على بن إبراهيم الأسترآبادي رضوان اللّه عليه بما علّق عليه المحقق البارع سماحة الحجة الشيخ محمّد باقر شريف زاده مد ظله.

و هذا الجزء الذي نقدّمه إلى القراء الكرام هو الشطر الأول من المجلّد الأول من أصل المؤلف، و عندنا منه نسخة نفيسة مكتوبة في حياة المؤلف و عليها حواش كثيرة مكتوبا في آخرها «منه مد ظله العالي» و لما كان أكثرها مباحث أدبية و وجدنا القارئ الكريم في غنى عنها بمراجعة سائر التفاسير، اكتفينا من تلك الحواشي بنقل ما كان لها مساس بآيات الأحكام و موضوعها، لئلا يكبر حجم الكتاب.

و هذه النسخة لخزانة كتب العلامة الحجة آية اللّه العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي دامت بركاته العالية، ترى صورتها الفتوغرافية في الصفحات التالية.

و عندنا من المجلد الأول صورة بالمكيروفيلم أيضا أخذت من نسخة نفيسة بالخط الجيد و كانت النسخة في خزانة مكتبة المرحوم آيت اللّه زاده المازندراني و قد أخرجت من إيران بعد موته، و هذه الصورة أيضا لخزانة كتب العلامة المرعشي دام ظله تفضّل بإرسالها مع النسخة الأولى منذ سنة و له الشكر و المنّ جزاه اللّه عن الإسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين.

و اما المجلد الثاني من أصل المؤلف، فمنه نسخة بطهران في مدرسة سپهسالار تحت الرقم 2053 أخذنا صورة فتوغرافية منها و سيقف القارئ الكريم في ابتداء الجزء الثالث على صورها الفتوغرافية إن شاء اللّه تعالى.

جمادى الثانية عام 1394 همحمد الباقر البهبودى

1

[المدخل]

كتاب آيات الأحكام لمؤلفه العلامة الخبير الرجالي الكبير السيد الأجل الأكمل المولى محمد بن على بن إبراهيم الأسترآبادي المتوفى 1028 علق عليه و أخرج أحاديثه المحقق البارع سماحة الحجة الشيخ محمد باقر شريف زاده گلپايگاني مد ظله عنيت بنشره مكتبة المعراجى تهران- ناصر خسرو- التليفن 534844

2

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ. الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضّٰالِّينَ.

اعلم أنّ جمعا من المفسرين صرّحوا بأنّ هذا مقول على ألسنة العباد، و معناه تعليم عباده كيف يتبرّكون باسمه، و كيف يحمدونه و يمجّدونه، و يسألون من فضله و هو واضح كما يشهد به إيّاك نعبد إلخ، و تسميتها تعليم المسئلة.

إذا تمهّد هذا فنقول: في التصدير بالبسملة دلالة على استحباب الابتداء بها في الأمور كلّها، خصوصا الدّعاء، سيّما مع كون متعلّق الباء الابتداء فعلا أولا حتّى قال الشيخ أبو على الطبرسيّ «معناه استعينوا في الأمور باسم اللّه بأن تبدؤا بها في أوائلها كما فعله في القرآن» و في الوصف بالرّحمن الرّحيم المشتمل على أنواع الرحمة كلّها تنبيه على هذا العموم كما لا يخفى.

قال القاضي (1) إنّما خصّ التسمية بهذه الأسماء، ليعلم العارف أنّ المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور، هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلّها، عاجلها و آجلها، جليلها و حقيرها، فيتوجّه إليه بشراشره، و يشتغل بالاستمداد به عن غيره. و فيها تنبيه أيضا على قدرته تعالى و اختياره و علمه و عمومه فيها و ترغيب للعباد، و تغليب للرجاء، و ترهيب ما على تركها، فيكره.

و يستفاد استحباب الدّعاء و السؤال و التوبة إليه تعالى و كراهة الترك بل وجوب

____________

(1) انظر البيضاوي ج 1 ص 20 ط مصطفى محمد.

3

التوبة و حرمة تركها و كراهة الاستعانة بغيره، سيّما بالابتداء باسمه، و ربما حرم و كذلك السؤال و يستفاد أيضا أنها أحبّ أفراد التسمية سيّما من «بسمك اللّهم» و نحوه ممّا كان شائعا في زمان النزول.

و قيل: يمكن الاستدلال بها على وجوب التّسمية فيما لم يدلّ دليل على عدمه مثل الذبح بأنّ الآية كالخبر المشهور [1] [و هو قوله (صلّى اللّه عليه و آله) «كلّ أمر ذي بال إلخ] دلّت

____________

(1) حديث الابتداء مشهور مروي في كتب الفريقين.

انظر من كتب الشيعة: التفسير المنسوب الى الامام العسكري بهامش تفسير على بن إبراهيم ط 1315 ص 8 و الوسائل ج 1 ص 434 ط الأميري الباب 17 من أبواب الذكر الحديث 4 و هو في ط الإسلامية ج 4 ص 1194 الرقم 9035 و البحار ج 19 ص 60 و كذا ج 16 الباب 58 الافتتاح بالتسمية ط كمپانى و البرهان ج 1 ص 46 و شرح الإرشاد للشهيد الثاني ص 2 و كذا المقاصد العلية له ص 4 و المجازات النبوية للسيد الشريف الرضى ط 1387 بالقاهرة ص 243 الرقم 197.

و زبدة البيان للأردبيلي ص 4 ط المرتضوي و الصافي ط حاج محمد باقر الخوانساري ط 1286 ص 19 و شرح الصحيفة السجادية للسيد على المدني ص 32 و تفسير ابى الفتوح ج 1 ص 19 ط الإسلامية و تفسير آيات الأحكام للطباطبائى اليزدي ج 1 ص 47 و البيان لسماحة الآية الخوئي مد ظله ص 305 و الجعفريات ط إيران ص 214 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 384 و تحفة العالم في شرح خطبة المعالم ج 1 ص 5 و مسائل فقهية للسيد شرف الدين ص 24 و مكاتيب الرسول للاحمدى ج 1 ص 3.

و انظر من كتب أهل السنة سنن ابى داود كتاب الأدب ط 1370 ج 4 ص 360 الرقم 4840 و عون المعبود ج 4 من ص 408 الى ص 411 و سنن ابن ماجة كتاب النكاح ط دار احياء الكتب العربية ص 610 الرقم 1894 و مصباح الزجاجة شرح سنن ابن ماجة ص 136 و المسند لأحمد بن محمد بن حنبل ج 1 ص 283 و ج 2 ص 359 و الدر المنثور ج 1 ص 10 و ص 12 و الكشاف ط دار الكتاب العربي ج 1 ص 4 و البيضاوي ط مصطفى محمد ج 1 ص 11.

و الجامع الصغير الرقم 6283 و 6284 و 6337 ص 13 و ص 14 و ص 28 ج 5 فيض القدير و كنز العمال ج 1 ص 493 الرقم 2492 و طبقات الشافعية للسبكى ط 1383 ج 1 من ص 4 الى ص 24 و كشف الخفاء و مزيل الإلباس للعجلونى ج 2 ص 119 الرقم

4

على وجوب التسمية، وضع عنه المتّفق على عدمه فيبقى الباقي تحته فيجب في الذبح و فيه تأمل.

____________

1964 و سنن الدارقطني ج 1 ص 229 و النهاية و اللسان و التاج لغت (ب و ل) و مغني المحتاج ج 1 ص 4 و تحفة المحتاج لابن حجر الهيثمي ج 1 ص 14 و سنن البيهقي ج 3 ص 209 و نيل الأوطار ج 1 ص 14 و ج 3 ص 280 باب اشتمال الخطبة على حمد اللّه و مجمع الزوائد ج 2 ص 188 و صبح الأعشى ج 6 ص 220 و ص 224 و شرح البجيرمى على فتح القريب ج 1 ص 4 و ص 11 و التصريح ج 1 ص 5 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 1 ص 43 و تحفة الاحوذى ج 1 ص 3 و ص 4 و فتح الباري ج 1 ص 8 و روح المعاني ج 1 ص 63 و مرقاة المفاتيح ج 1 ص 3 و مشكوة المصابيح بشرح المرقاة ج 3 ص 425 و إرشاد الساري للقسطلانى ج 1 ص 45 و ص 46.

ثم الحديث في كتب الشيعة أما مرسل أو منقول من التفسير المنسوب الى الامام العسكري أو الى الجعفريات و اما في كتب أهل السنة ففي بعضها مرسل ينقل عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و في بعضها مسند ينتهي إلى الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و اختلف في صحة الحديث و ضعفه لما في قرة بن عبد الرحمن من الكلام و هو قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل بالمهملة المفتوحة و المثناة من تحت على وزن جبرئيل المعافري بمفتوحة و مهملة نسبة الى معافر بن يعفر و قرة بضم القاف لقب و اسم الرجل يحيى و كنيته أبو محمد و أبو حيوئيل.

ترى ترجمته في تهذيب التهذيب ج 8 ص 372 الرقم 661 و عليه رمز م 4 بمعنى انه من رجال مسلم و أصحاب السنن و التقريب ج 2 ص 125 الرقم 105 و سرده من السابعة و خلاصة تهذيب الكلام ص 269 و ميزان الاعتدال ج 3 ص 388 الرقم 6886 و كتاب الجمع للقيسراني ج 2 ص 424 الرقم 1626 و سرده من إفراد مسلم وجد الرجل فيه جبريل و لعله من سهو الناسخ و الصحيح حيوئيل كما عرفت و الجرح و التعديل القسم الثاني من المجلد الثالث ص 131 الرقم 751 و التأريخ الكبير للبخاري القسم الأول من الجزء الرابع ص 183 الرقم 751.

و روى الحديث أيضا عن عبد اللّه بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لهم في الحديث بهذا الطريق أيضا كلام من شاء فليراجع ما سردناه من المصادر.

5

ثمّ التحميد قريب من ذلك في الدلالات كما لا يخفى، و في تعلّق الحمد به تعالى دليل على أنه تعالى قادر مختار لأن الحمد إنما يكون على الجميل الاختياريّ كما

____________

ثم لفظ الحديث في المصادر التي سردناها مختلف ففي بعضها كل أمر ذي بال و في آخر كل أمر بدون ذكر ذي بال و في بعضها كل كلام ثم في بعضها لم يفتح مكان لم يبدء و في آخر لم يبدء و في بعض باسم اللّه و في آخر ببسم اللّه و في أخر ببسم اللّه الرحمن الرحيم و في بعض بحمد اللّه و الصلاة على و في آخر بالحمد و في آخر بالحمد و الصلاة على النبي و في آخر بحمد اللّه و في بعض بالحمد للّه و خبر المبتدء في بعضها أبتر و في آخر اقطع و في آخر أجذم بالجيم و بالحاء و في بعضها اقطع أبتر و في آخر اقطع أبتر ممحوق من كل بركة و الخبر في بعضها مفرد بدون الفاء و في بعضها بلفظ فهو بدخول الفاء على المبتدء الثاني الذي هو و خبره خبر عن المبتدء الأول و هو كل و الخبر جملة.

و الظاهر ان المراد بالحمد و البسملة ما هو الأعم أعني ذكر اللّه و الثناء عليه و يدل على ذلك رواية ذكر اللّه فلا حاجة في الجمع بحمل حديث البسملة على الحقيقي و الحمد على العرفي أو الإضافي أو كليهما على العرفي أو الإضافي كما صنعه كثير من شارحي الحديث فالصلاة تحريمها التكبير و تحليلها التسليم باتفاق الفريقين أ ترى ان الصلاة ليست من الأمر ذي البال مع أنها أول ما ينظر من عمل بنى آدم أو ترى انها مستثناة من الحديث لا بل لان التكبير بعينه ذكر اللّه و تسميته و ثناء له بالجميل.

فإن أبيت إلا عن لزوم البسملة و الحمد له و قلت ان الحديث فيما لم يعين له أمر آخر للابتداء و قد عين الشارع للصلاة مبدء آخر غير البسملة و الحمد له و هو التكبير فلا يشملها الحديث قلنا يكفي البسملة لان من ابتدأ باسم اللّه المنبئ عن نعوت الجلال فقد حمد اللّه و اثنى عليه و ليس المراد خصوص لفظ الحمد.

و يرشدك الى ما ذكرنا، انه لم يقع في واحد من كتب النبي (ص) البدء بالحمد بل كان البدء بالبسملة فقط فراجع في ذلك الوثائق السياسية لمحمد حميد اللّه الحيدرآبادى و مكاتيب الرسول في مجلدين للاحمدى ط قم تجد صحة ما ذكرناه و لم يكن النبي (ص) يأمر أمته بشيء ثم لا يعمل به فلم يكن الا لما ذكرنا من كون البسملة بعضها حمدا للّه و ثناء عليه جل جلاله و اما ما نقل عنه (ص) من الكتب و ليس فيها البسملة فمن آفات الرواة و تلخيص الناقلين

6

هو المشهور، و كذا في ربّ العالمين، إذ فيه أنه خالق ما سواه جميعا، و منه الحوادث و الموجب القديم لا يكون أثره إلّا قديما، و يلزم من اختياره حدوث جميع العالم، لأن

____________

انظر مكاتيب الرسول للاحمدى ص 6.

و اما تغاير الأمر و الكلام في مصادر الحديث فلانة قد يوضع الأخص موضع الأعم و قال السبكي ان بينهما عموما و خصوصا من وجه فالكلام قد يكون امرا و قد يكون نهيا و قد يكون خبرا و الأمر قد يكون فعلا و قد يكون قولا انتهى.

و البال على ما ذكره أهل اللغة معناه الخاطر و القلب و المراد بذي البال الأمر الاختياري لأنه إنما يصدر عن خطور بالقلب فيساوي معنى الحديث ما في الرواية التي ليست فيها هذه الكلمة و زعم أكثر شارحي الحديث ان المراد بذي البال ما له الأهمية و الخطر ملقى اليه بال صاحبه.

و لا يعجبني هذا التفسير و لا فرق في نقص الأمر عند عدم الابتداء بذكر اللّه بين كونه خطيرا أو حقيرا و قد اتفق كتب الفريقين على استحباب التسمية عند ورود بيت الخلاء أ ترى ان ذلك لعظم مقام هذا العمل و رفعة شانه و علو مكانته لا بل لحسن التسمية في ابتداء كل أمر و ما افاده السبكي من ان إثبات النقص في الخطير بطريق اولى من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى مما لا يقبله الذوق السليم فالأولى في معناه ما قلناه.

و يمكن ان يقال في توجيه الكلام ان الأمر لكونه شاغلا قلب صاحبه عن سائر الأمور كان كأنه صاحبه و مالكه فالمراد كل أمر اختياري حيث يملك الأمر الاختياري قلب صاحبه و يوجه قلب صاحبه نحوه ثم البال على ما نقله في اللسان عن ابن سيده من (ب و ل) لكثرته دون (ب ى ل) لقلته.

و اما الأقطع فمعناه مقطوع اليد (و القطع على ما ذكره كرامت حسين في فقه اللسان ج 2 ص 177 مصدر فرعى مأخوذ من القط و مثله القد بتبديل الطاء الدال و القط مصدر أصلي يحكى صوتا انظر ص 171 الى ص 190 ج 2) ففي الحديث استعارة بالكناية و هو تشبيه الأمر بشخص ذي الأعضاء و الاجزاء و إثبات قطع اليد له استعارة تخييلية و كلمة ذي بال ترشيح.

و يمكن ان يقال: انه شبه فيه الأمر بشخص ذي قلب حيث ان الأمر الاختياري كأنه

7

أثر المختار لا يكون إلّا حادثا كما هو مذكور في الكتب.

و في اختصاص الحمد به دلالة على كونه تعالى قادرا مختارا مفيدا للقدرة و الاختيار

____________

مالك قلب صاحبه و كان القلب له و ذكر المشبه و هو الأمر و ترك المشبه به الذي هو ذلك الشخص، أو التشبيه المضمر استعارة بالكناية على الخلاف و لازم المشبه به و هو ذو بال أو إثباته للمشبه استعارة تخييلية و ذكر ما يلائم المشبه به و هو الأقطع أو الأجذم أو الابتر فى التشبيه البليغ في قوله فهو اقطع ترشيح اما باق على حقيقته أو مجاز عن نقصان البركة على طريقة الاستعارة التصريحيه لأنه أطلق لفظ المشبه به و هو الأجذم مثلا على نقصان البركة على الخلاف في التشبيه البليغ و على اى فالمراد النقص بعد التمام كالذي قطعت أعضاؤه فظهرت نقيصة أعضائه.

و الأجذم أيضا بمعنى مقطوع اليد قال الشاعر:

و ما كنت الأمثل قاطع كفه * * * بكف له أخرى فأصبح اجذما

و قال عنترة:

هزجا يحك ذراعه بذراعه * * * مثل الزناد على المكب الأجذم

و العجب من الشوكاني حيث زعم ان الجذم بالجيم من المرض المعروف مع ان أهل الأدب قد تحاملوا على ابن قتيبة حيث عاب و طعن على أبى عبيد في تفسيره الأجذم بمقطوع اليد و زعم أن الأجذم من به الداء المعروف و قالوا انه إنكار غير منكر و طعن في غير مطعن و تحاموا عن ابى عبيد بما يطول شرحه.

ثم الحذم بالحاء المهملة و الخذم بالخاء المعجمة أيضا بمعنى القطع و لم أر رواية الحديث بالخاء المعجمة و اما الأبتر فمعناه المقطوع الذنب فهو أيضا كناية عن النقصان فيساوي الأقطع و الأجذم في المعنى كالممحوق من كل بركة فإن معنى المحق النقصان و ذهاب البركة و سمى المحاق محاقا لأنه طلع مع الشمس فمحقته فلم يره و الخطبة التي لا يذكر فيها اللّه و لا يصلى على النبي (ص) تسمى البتراء كخطبة زياد بن أبيه لما ولى البصرة (و تراها في جمهرة خطب العرب ج 2 ص 270 الرقم 259 و عيون الاخبار ج 2 ص 142 و البيان و التبيين ج 2 ص 62 و نوادر ابى على ص 185 و الطبري حوادث سنه 45 و كذا الكامل و شرح ابن الحديد ج 16 ص 200 و العقد الفريد ج 4 ص 110 نشر مكتبة النهضة المصرية و صبح الأعشى ج 1 ص 216 و في ألفاظها تفاوت).

8

عالما حكيما عدلا مريدا منزّها عن النقائص، فلا قبيح في فعله و لا جور في قضيّته و لا عبث في صنعه، و كذلك في ربّ العالمين.

و أيضا قد استدلّ به على الحسن و القبح العقليّين و وجوب الشكر عقلا قبل مجيء

____________

و اما الفاء في خبر المبتدء فأكثر النحاة منعوا من دخول الفاء على خبر المبتدء و استثنوا موارد أنهاها بعضهم إلى خمسة عشر موضعا و عدوا منها ما كان المبتدء فيه مضافا الى موصوف كما في الحديث و انشدوا.

كل أمر مباعد أو مدانى * * * فمنوط بحكمة المتعالي

و جوز الأخفش و الفارسي و ابن جنى اقتران الخبر بالفاء مطلقا و فصل آخرون كالأعلم و الفراء فأجازوا إذا كان الخبر أمرا أو نهيا انظر البحث في ذلك شرح الاشمونى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ج 1 من ص 319 الى ص 327 و شرح الاشمونى بحاشية الصبان ج 1 من ص 223 الى ص 225 و الكتاب لسيبويه ج 1 من ص 69 الى ص 72 و المغني لابن هشام الباب الأول حرف الفاء و شرح الرضى ج 1 ص 101 و ص 102:

و لعلك تقول قد سردت ألفاظا مختلفة للحديث فهل الصادر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كلها أو بعضها فان كان البعض فما السر في هذا الاختلاف و الجواب انه لو صح الحديث فالصادر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انما هو البعض و السر في اختلاف الألفاظ ان الأحاديث النبوية أكثرها منقولة بالمعنى لا بعين لفظ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لتوضيح العلة و السر في ذلك نقول.

لا شك و لا شبهة في ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قد أجاز كتابة الحديث و تقييد العلم بالكتاب و قد كان عند على (عليه السلام) الجامعة و كان تلقاها عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قد شرحنا مصادر ذلك في ج 1 ص 29 من تعليقاتنا على مسالك الافهام من كتب الفريقين فراجع و كان عند على صحيفة لعلها هي الجامعة أو غيرها و قد روى ذلك البخاري في كتاب العلم و كتاب فضائل المدينة و الجهاد و الجزية و الديات و الفرائض و استتابة المرتدين و الاعتصام انظر فتح الباري ج 1 ص 214 و ج 4 ص 456 و ج 6 ص 507 و ج 7 ص 83 و ص 89 و ج 15 ص 44 و ص 270 و ص 285 و ج 17 ص 37.

و أخرجه مسلم في كتاب الحج و العتق و الأضاحي انظر شرح النووي ج 9 ص 142 و ج 10

9

الشرع، لأن كون حقيقة الحمد أو جميع أفراده حقه و ملكه على الإطلاق، يدلّ على ثبوت هذا الاستحقاق قبل مجيء الشرع، و لأنّ ترتّب الحكم على الوصف المناسب يدلّ على كون الفعل معلّلا به، فالظاهر استحقاقه الحمد للأوصاف المذكورة و هي

____________

ص؟؟؟ 150 و ج 13 ص 142 و أخرجه أبو داود في المناسك و الديات انظر ج 2 ص 166 و ج 4 ص 303 من عون المعبود و الترمذي في الديات و الولاء انظر تحفة الاحوذى ج 2 ص 311 و ج 3 ص 192 و النسائي في القسامة انظر ج 8 ص 19 و ص 23 و ص 24 و ابن ماجة في الديات انظر ج 2 ص 887 الرقم 2658 و الدارمي في الديات ج 2 ص 190.

و أخرجه أحمد في المسند ج 1 ص 79 و 81 و 100 و 102 و 110 و 118 و 119 و 151 و 152 و أخرجه البيهقي في السنن كتاب الحج و كتاب الديات انظر ج 5 ص 196 و ج 8 ص 28 و أخرجه السمهودي في وفى الوفاء ط 1374 ج 1 ص 91 و ابن عبد البر في جامع بيان العلم ج 1 ص 85.

و أمر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) سنة فتح مكة ان يكتبوا لأبي شاه، و استاذن عبد اللّه بن عمرو بن العاص كتابة حديثه و اجازه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يروى انه كان عنده الصحيفة التي سموها الصادقة.

يرشدك الى ما ذكر مراجعتك الى كتاب البخاري و ابى داود و الترمذي كتاب العلم و مقدمة سنن الدارمي و الطبقات لابن سعد ط بيروت ج 2 ص 373 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 104 و مسند أحمد بن محمد بن حنبل ج 2 ص 162 و 192 و 207 و 215 و 248 و 403 و كثير من مكاتيب الرسول متضمنة للاحكام فراجع مكاتيب الرسول للاحمدى و الوثائق السياسية.

و روى في الوسائل الباب 4 و 8 من كتاب القصاص بطرق متعددة كون كتاب في قائم سيف رسول اللّه و فيه لعن القاتل ص 623 و ص 624 ط الأميري و التعبير اما بالقائم أو بالقراب أو بالذبابه و مثله في كتب أهل السنة في سنن البيهقي ج 8 ص 26 و ص 30 بطرق متعددة و ليس في هذه الاخبار تصريح بكونه هو الكتاب و الصحيفة التي أراها أمير المؤمنين أو غيرها.

و كان لسعد بن عباده أيضا كتاب فيه بعض الأحكام فقد روى الترمذي في كتاب الأحكام

10

ثابتة سواء قبل مجيء الشرع أو بعده.

و قيل في رَبِّ الْعٰالَمِينَ دليل على أنّ الممكن مفتقر في البقاء كما في الحدوث

____________

باب ما جاء في اليمين مع الشاهد عن ربيعة عن ابن لسعد بن عباده قال وجدنا في كتاب سعد ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قضى باليمين مع الشاهد انظر تحفة الاحوذى ج 2 ص 280 و مثله في بدائع المنن في ترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 235 أحاديث عن كتاب سعد في حكم اليمين مع الشاهد.

و يظن ان جابرا أيضا كان له صحيفة يستظهر ذلك مما رووه في ترجمة سليمان بن قيس اليشكري انه جالس جابرا فسمع منه و كتب عنه صحيفة و روى أبو الزبير و أبو سفيان و الشعبي عن جابر و قد سمعوا من جابر و أكثره من الصحيفة انظر القسم الأول من المجلد الثاني من الجرح و التعديل الرقم 596 و الجزء الثاني من القسم الثاني من التأريخ الكبير ص 32 الرقم 1869 و تهذيب التهذيب ج 4 ص 214 الرقم 369 و الترمذي كتاب البيوع باب ما جاء في أرض المشترك يريد بعضهم بيع نصيبه ج 2 ص 271 تحفة الاحوذى.

و كذا يستظهر صحيفة جابر مما حكوه في ترجمة قتادة بن دعامة ففي الجرح و التعديل القسم الثاني من المجلد الثالث ص 133 الرقم 756 سمعت أحمد بن حنبل يقول كان قتادة احفظ أهل البصرة لا يسمع شيئا إلا حفظه و قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها.

و في التأريخ الكبير للبخاري القسم الأول من الجزء الرابع ص 185 الرقم 827 عن معمر انه قال رأيت قتادة قال لسعيد ابن ابى عروبة أمسك على المصحف فقرء البقرة فلم يخط حرفا فقال يا أبا النضر انا لصحيفة جابر احفظ منى لسورة البقرة و مثله في الطبقات ط بيروت ج 7 ص 229 و تهذيب التهذيب ج 8 ص 353 في الرقم ص 635 و غيرها.

و روى الترمذي عن أبي هريرة ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لرجل من الأنصار استعن بيمينك و أومأ بيده الى الخط انظر تحفة الاحوذى ج 3 ص 375 و في تدريب الراوي ص 286:

و أسند الرامهرمزي عن رافع بن خديج قال قلت يا رسول اللّه انا نسمع منك أشياء أ فنكتبها قال اكتبوا و لا حرج و اخرج حديث أبي هريرة و رافع بن خديج في مجمع الزوائد ج 1 ص 151 و ص 152 و أخرجه أيضا في كشف الخفاء ج 1 ص 119 و ترى في منتخب الكنز ج 4 ص 58 بهامش المسند أيضا حديث رافع بن خديج.

11

و قد يتأمل فيه.

و في «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» نحو ما تقدّم فيهما في البسملة، و تنبيه على وجه

____________

و النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هو الذي أمر بتقييد العلم بالكتابة انظر الجامع الصغير الرقم 6167 ج 4 ص 530 فيض القدير و كنز العمال ج 10 ص 147 الرقم 1251 فقد أخرجاه عن الحكيم و سمويه عن انس و عن الطبراني في الكبير و مستدرك الحاكم عن ابن عمر و مثله في منتخب كنز العمال بهامش المسند ج 4 ص 69 و تراه في المستدرك ج 1 ص 106 و مجمع الزوائد ج 1 ص 152 و قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح و أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ج 1 ص 86 و تراه في ترك الإطناب في شرح الشهاب ص 356 الرقم 436 و مثله ص 309 من شهاب الاخبار للقضاعى و كشف الخفاء ج 2 ص 104 الرقم 1906 و كذا يشير الى الحديث في ج 1 ص 119 منه.

و قد رواه من الشيعة ابن إدريس في مقدمة كتاب السرائر مع انه لا يتمسك بخبر الواحد ما لم يحصل له و لو بالقرائن علم بالصدور و شرحه السيد الرضى (قدس سره) في المجازات النبوية ص 179 الرقم 140.

و يتأيد ما ذكرناه من حثه على الكتابة ما روى عنه بحيث يقرب من التواتر نضر اللّه امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها الى من لم يسمعها و كذلك قوله (صلّى اللّه عليه و آله) ليبلغ الشاهد الغائب ترى الحديث في كتب أهل السنة و الشيعة حدا لا نحتاج الى ذكر المصادر.

نعم روى مسلم في صحيحه كتاب الزهد و الترمذي كتاب العلم و الدارمي في المقدمة و أحمد في المسند ج 3 ص 12 و 21 و 39 و 56 عن أبى سعيد نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن كتابة الحديث و قد أطبق الحفاظ على انه اما مؤول بما يكتب مع القرآن بحيث يشتبه على القاري أو النهي مخصوص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ و الاذن لمن أمن منه ذلك أو معلول بالوقف على ابى سعيد كما نقل عن البخاري أو كون بعض الضعفاء في طريقه أو منسوخ فإن إذنه غير المتعقب بالمنع يرسل عندهم إرسال المسلمات.

انظر في ذلك فتح الباري ج 1 ص 218 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 1 ص 130 و مقدمة تحفة الاحوذى ص 21 و تحفة الاحوذى ج 3 ص 376 و إرشاد الساري للقسطلانى ج 1 ص 203 و تدريب الراوي ص 21 و ص 286 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 286 و فيض القدير ج 4 ص 531.

12

تخصيص الحمد و العبادة و الاستعانة به تعالى، و في التكرار تنبيه على مزيد العناية بالرحمة.

و في مٰالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إثبات للقيامة و المعاد و ترغيب و ترهيب و تنبيه على الانقطاع

____________

و خلاصه الكلام انه لا شك في ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) اذن في كتابة الحديث و حث عليها الا انه لما ولى الخلافة أبو بكر تردد في أمر كتابة الحديث و أحرق ما كتبه بنفسه و كانت خمسمائة حديث انظر تذكرة الحفاظ ج 1 ص 5 و منتخب الكنز بهامش المسند ج 4 ص 58 الا انه لم يصدر عنه الأمر بمحو ما كتب و النهى عن الكتابة.

فلما وليها عمر بن الخطاب تأمل في ذلك مدة ثم بدا له المنع فمنع عن كتابة الحديث و أمر بمحو ما كتب من الحديث مع ان الصحابة أشاروا إليه بالكتابة ففي كنز العمال ج 1 ص 179 الرقم 1395 عن يحيى بن جعدة قال أراد عمر ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها ثم كتب في الأمصار من كان عنده شيء فليمحه أخرجه عن أبي خيثمة و ابن عبد البر و هو في جامع بيان العلم ط 1388 ج 1 ص 77 و مثله في منتخب الكنز بهامش المسند ج 4 ص 61.

و في الرقم 1394 من الكنز عن ابن وهب قال سمعت مالكا يحدث ان عمر بن الخطاب أراد ان يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال لا كتاب مع كتاب اللّه أخرجه عن ابن عبد البر و هو في كتاب الجامع ج 1 ص 77 و مثله في منتخب الكنز ج 4 ص 61 بهامش المسند.

و في ص 180 ج 10 من الكنز بالرقم 1499 عن الزهري قال أراد عمر بن الخطاب ان يكتب السنن فاستخار اللّه شهرا ثم أصبح فقد عزم له فقال ذكرت قوما كتبوا كتابا فاقبلوا عليه و تركوا كتاب اللّه أخرجه عن ابن سعد و هو في الطبقات ج 3 ص 287 و أخرجه السيوطي أيضا في مقدمة تنوير الحوالك الفائدة الثانية ص 6 و اخرج قريبا منه في تاريخ الخلفاء ط 1371 ص 138 في اخبار عمر عن السلفي في الطيوريات عن ابن عمر.

و في ص 179 ج 10 كنز العمال بالرقم 1393 عن الزهري عن عروة ان عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنن فاستفتي أصحاب رسول اللّه في ذلك فأشاروا عليه ان يكتبها فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهرا ثم أصبح يوما و قد عزم اللّه له فقال انى كنت أريد ان اكتب السنن و انى ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتابا فأكبوا عليها و تركوا كتاب اللّه و انى و اللّه لا اشوب كتاب اللّه بشيء أبدا.

أخرجه عن ابن عبد البر و هو في الجامع ج 1 ص 77 و رواه السيوطي في مقدمة

13

عن غيره إليه تعالى كما أوضح ذلك بما بعده مع غلبة الرجاء كما نبّه عليه قبله على أنّ المالك لا يضيع مملوكه و لا الملك رعيّته.

____________

تنوير الحوالك عن الهروي في كتاب ذم الكلام و اللفظ فيه لا البس مكان لا أشوب و مثله بلفظ لا ألبس في فجر الإسلام ص 221 و حكاه في الإضواء ص 43 أيضا عن البيهقي في المدخل بلفظ لا البس و مثله في تدريب الراوي ص 287.

و عدم استناد ابى بكر في إحراق ما كتب بنفسه و لا عمر في النهي عن الكتابة و الأمر بمحو ما كتب منه دليل على عدم صحة حديث ابى سعيد الماضي أو كونه منسوخا أو مؤولا كما تقدم و الا لاستند في المنع الى نهى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عنه، و على اى فلأجل هذا المنع من عمر و التشدد الصادر عنه في أمر كتابة الحديث تسبب انه لم يمكن للصحابة و من بعدهم ان يرووا الحديث بعين لفظ النبي (ص) إذ لم يمكنهم حفظ عين اللفظ و العبارة.

روى ابن عبد البر في جامع بيان العلم ج 1 ص 96 عن مكحول انه قال: دخلت انا و أبو الأزهر على واثلة بن الأسقع فقلنا يا أبا الأسقع حدثنا بحديث سمعته من رسول اللّه (ص) ليس فيه وهم و زيادة و لا نقصان قال هل قرء أحدكم من القرآن الليلة شيئا فقلنا نعم و ما نحن بالحافظين له حتى انا لنزيد الواو و الالف فقال هذا القران مذ كذا بين أظهركم لا تألون حفظه و انكم تزعمون أنكم تزيدون و تنقصون فكيف بأحاديث بمعناها عن رسول اللّه عسى ان لا أكون سمعناها منه الإمرة واحدة حسبكم إذا حدثتكم بالحديث على المعنى و رواه في تدريب الراوي ص 312 و الكفاية للخطيب ص 204.

و في الجامع أيضا ج 1 ص 95 عن ابن سيرين قال كنت اسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف و المعنى واحد و مثله في الكفاية ص 206 و فيه أيضا عن معمر عن أيوب عن محمد قال كنت اسمع الحديث من عشرة المعنى واحد و اللفظ مختلف.

و ظل الأمر كذلك لا يكتب الحديث في عصر الصحابة و صدرا من عصر التابعين حتى كان خلافة عمر بن عبد العزيز رأس المائة الثانية روى البخاري في كتاب العلم باب كيف يقبض العلم ص 204 ج 1 فتح الباري: و كتب عمر بن عبد العزيز الى ابى بكر بن حزم:

انظر ما كان من حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فاكتبه فانى خفت دروس العلم و ذهاب العلماء و لا يقبل الا حديث النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ليفشوا العلم و ليجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فان العلم لا يهلك حتى يكون سرا انتهى.

14

و في تقديم إيّاك على نعبد إخبارا أو إنشاء تخصيص له تعالى بالعبادة و هي أعلا مراتب الخضوع و التذلّل الذي لا يكون [يليق] إلا للخالق، و لذلك لا يطلق إلا بالنسبة

____________

و أبو بكر هذا هو ابن محمد بن عمرو بن حزم نسب الى جد أبيه و روى مثل الحديث و مضمونه الدارمي أيضا في المقدمة ص 26 و السيوطي في مقدمة تنوير الحوالك ص 6 و لم يتحقق كتاب من ابى بكر الا ان في مقدمة تنوير الحوالك أنه توفي عمر و قد كتب ابن حزم كتبا قبل ان يبعثه بها اليه.

و تصدى عهدة التدوين بعده ابن شهاب الزهري اما بأمر عمر بن عبد العزيز كما يحكيه بعض التواريخ: ففي كتاب الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام ص 578 الرقم 1848 ان عمر بن عبد العزيز امره فكتب السنة أو بأمر خصوص هشام بن عبد الملك كما حكاه في الإضواء ص 208 و الظاهر انه كان مكرها على تدوين الحديث و ذلك لما ارتكز في أذهانهم بعد منع عمر بن الخطاب من استبشاع كتابة الحديث ففي الجامع ج 1 ص 92 عن معمر عن الزهري قال كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ان لا نمنعه أحدا من المسلمين و مثله في الطبقات لابن سعد ج 2 ص 389 ط بيروت.

و في الجامع أيضا ج 1 ص 92 عن أيوب بن ابى تميمة قال استكتبنى الملوك فاكتبتهم فاستحييت اللّه إذ كتبها الملوك ان لا اكتبها لغيرهم و توفي الزهري على ما في تذكرة الحفاظ ص 113 في رمضان سنة أربع و عشرين و مائه و ليس بأيدينا من مدوناته شيء.

و روى أبو خالد الواسطي مجموعتين لزيد الشهيد و قد استشهد زيد في سنة 121 فلو صح نسبة الكتابين الى زيد يكون من أقدم ما وصل بأيدينا من المدونات في تلك الزمن فإنه قد دون الشيعة كتبا في الحديث و أول من دونه بعد أمير المؤمنين (عليه السلام) أبو رافع و بعده عدة أخر انظر تأسيس الشيعة من ص 287 الى ص 291 الا انه لم يصل إلينا شيء و كتاب على (عليه السلام) كان يتداوله الأئمة (عليهم السلام) يروون عنه و ليس في أيدينا.

نعم لو صح نسبة كتاب سليم بن قيس اليه كان أقدم ما وصل إلينا من مدونات الحديث فأما الصحيفة الكريمة السجادية فقال المحقق الداماد ص 99 من الرشحات هي أعلى رتبة

15

إلى من اتّخذه الخاضع إلها و منها العبادات الشرعيّة. و فيه تنبيه على قصده تعالى بها دون غيره، و قد ينبّه على وجوبه لأنه تعالى لا يوجب على العبد قولا من غير

____________

و أجل خطبا من ان تعد في الكتب المصنفة و الأصول المدونة المروية.

و على اى فقد شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقة الزهري قال ابن تغرى بردي في النجوم الزاهرة ج 1 ص 351 عند ذكر حوادث سنه 143: قال الذهبي و في هذا العصر شرع علماء الإسلام في تدوين الحديث و الفقه و التفسير صنف ابن جريج بمكة و صنف سعيد بن ابى عروبة و حماد بن سلمة و غيرهما بالبصرة و صنف أبو حنيفة الفقه و الرأي بالكوفة و صنف الأوزاعي بالشام و صنف مالك الموطأ بالمدينة و صنف ابن إسحاق المغازي و صنف معمر باليمن و صنف سفيان الثوري كتاب الجامع ثم بعد يسير صنف هشام كتبه و صنف الليث بن سعد و عبد اللّه بن لهيعة ثم ابن المبارك و القاضي أبو يوسف و ابن وهب و كثر تبويب العلم و تدوينه و رتبت و دونت كتب العربية و التأريخ و أيام الناس و قبل هذا العصر كان سائر العلماء يتكلمون عن حفظهم و يروون العلم عن صحف غير مرتبة فسهل و للّه الحمد تناول العلم فأخذ الحفظ يتناقص فلله الأمر كله انتهى كلام الذهبي و انتهى ما أردنا نقله عن النجوم الزاهرة.

و الحاصل ان الناس عاشوا أكثر من مائة سنة لم يكتبوا الحديث فلم يستطيعوا أن يأتوا بالحديث على أصل لفظه كما نطق به النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كان يتلقى المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) بالمعنى ثم يؤديه بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه.

و الجامعة كانت عند على (عليه السلام) ثم بعده عند الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) لم يكن تتناوله أيدي الناس و ما كان من الأحاديث مكتوبا عند بعض الصحابة أو يكتبه بعض أخر لم يكونوا يجترؤا ان يظهروه فان اطلع على كتابة بعضهم أحد كان يعتذر بأني إنما كتبته للحفظ و محوه بعد الحفظ لأجل ما كان الكتب عندهم مستبشعا.

فما كان التحديث الا بالحفظ و ظهر القلب و لم يكن الا بالمعنى و لذا كان يقول سفيان الثوري ان قلت انى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني فإنما هو المعنى الكفاية ص 209 و قال وكيع إذا لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس تدريب الراوي ص 313 و قال الحسن إذا

16

مصداق، و قد أوجب ذلك في الصّلاة و أنزله على لسانهم تعليما، و أوجب اتّباع القرآن و تدبّره فتأمل.

____________

أصبت المعنى اجزأك، الكفاية ص 207 و من قول سفيان و لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد و قيل له حدثنا كما سمعت قال و اللّه ما اليه سبيل و ما هو الا المعنى الكفاية ص 209.

لا نريد الان التكلم في انه نشأ من تأخير تدوين الحديث و ربط ألفاظه بالكتابة الى ما بعد المائة الاولى من الهجرة و صدر كبير من المائة الثانية اتساع أبواب الرواية لكل ذي هوى زائغ و فشو الكذب و كثرة الوضع و انه لعبت أيدي السياسة في الحديث و عاثت به ألسنة الدعاية فإنه و ان كان الأمر كذلك و لكنا الان نريد بيان ان ما صح من الأحاديث النبوية أيضا لم يكن بعين لفظ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بل كان بالمعنى.

و ما ذكرناه من أن الأحاديث النبوية لم تكن بعين لفظ الرسول هو السر في ان علماء الأدب و النحو لم يكادوا يتمسكوا باللفظ الوارد في الأحاديث النبوية لإثبات ما بنوه في قواعدهم النحوية مع تمسكهم بأقوال أجلاف العرب البوالين على أعقابهم أ تراهم مقبلين على الروافد الصغيرة تاركين النبع أم هل تراهم ينتجعون الجدب و الخصب بهم محيط؟ أم هل تراهم شاكين في كون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أفصح من نطق بالضاد كلا ثم كلا، كل ذلك لم يكن، بل انما كان ذلك لعدم وثوقهم بكون ما ورد في الأحاديث النبوية عين لفظ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لذا لا ترى في كلام الواضعين الأولين لعلم النحو و لا المتأخرين منهم استشهدوا بالأحاديث النبوية إلى زمان ابن مالك الأندلسي المتوفى سنة 672.

نعم أجاز ابن خروف المتوفى سنة 605 ذكر الحديث بعنوان المثال للتبرك و الاستظهار لا للتمسك و الاستشهاد و قد تحامل علماء الأدب على ابن مالك قال السيوطي في الاقتراح ص 16: فصل و اما كلامه (ص) فيستدل منه بما ثبت انه قاله على اللفظ المروي و ذلك نادر جدا انما يوجد في الأحاديث القصار على قلة أيضا فإن غالب الأحاديث مروي بالمعنى و قد تداولتها الأعاجم و المولدون قبل تدوينها فرووها بما أدت اليه عباراتهم فزادوا أو نقصوا و قدموا و أخروا و ابدلوا ألفاظا بألفاظ و لهذا ترى الحديث الواحد في القصة الواحدة مرويا على أوجه شتى بعبارات مختلفة و من ثم أنكر على ابن مالك في إثباته القواعد النحوية

17

و يدلّ على وجوب الإخلاص و ترك الرياء أيضا قوله «إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ» فان في تخصيص الاستعانة به تعالى دلالة على أنه يحرم أو يكره الاستعانة بغيره في العبادة بل

____________

بالألفاظ الواردة في الحديث ثم نقل كلام ابى حيان في شرح التسهيل و الإنكار على ابن مالك و تراه في كشف الظنون ج 1 ط مطبعة العالم في حرف التاء و انظر أيضا مقدمة البغدادي على خزانة الأدب و يمتاز الشيعة الإمامية بكون جل أحاديثهم إلا ما قل و ندر و لا أقل أكثرها منقولة عن الأصول المكتوبة و الكتب المضبوطة فإنه قد كان من دأب أصحاب الأئمة (عليهم السلام) انهم إذا سمعوا من أحدهم حديثا بادروا الى ضبطه و إثباته في أصولهم من غير تأخير لئلا يعرض لهم نسيان بعضه أو كله بتمادي الأيام فما كان المكتوب فيه لمؤلفه عن المعصوم أو عمن سمع منه لا منقولا عن مكتوب كانوا يسمونه أصلا في مقابل ما كان منقولا عن مكتوب فيسمون ما نقل عن المكتوب أو ما كان مكتوبا معتمدا عندهم و لو لم يكن منقولا عن مكتوب بالكتاب و يسمون ما اجتمع فيه أحاديث لا تنضبط في باب لقلته بان يكون واحدا أو متعددا لكن يكون قليلا جدا بالنوادر و لم يتعين لنا في كتبنا الرجالية تاريخ تأليف هذه الأصول بعينه و لا تواريخ وفيات أصحابها تعيينا نعم نعلم إجمالا ان تاريخ جل هذه الأصول إلا أقل قليل منها كان في عصر الامام الصادق سواء كانوا مختصين به أو كانوا ممن أدرك أباه الإمام الباقر قبله أو ممن أدركوا ولده الامام الكاظم بعده فانظر البحث في ذلك في الذريعة ج 2 من ص 126 الى ص 167 و تعليق العلامة البهبهاني على منهج المقال ص 7 و مشرق الشمسين ص 8 و الرواشح للمعلم الثالث المحقق الداماد الرشحة التاسعة و العشرين ص 98 و رسالة أسامي أصحاب الأصول المطبوع بعد ضياء الدراية في 47 صفحة للسيد ضياء الدين و الحاصل ان أحاديث الشيعة قد ضبطت و كتبت في الأصول و الكتب و النوادر بعد السماع عن الامام (عليه السلام) ثم جمعت و دونت في كتب الأحاديث المشهورة عندهم من الكتب الأربعة و الوافي و البحار و الوسائل و مستدرك الوسائل.

و عندئذ فبعد الاطمئنان بصحة السند الى الأصل أو الكتاب و الاعتماد بصاحب الأصل و الكتاب يحصل وثوق تام بكون اللفظ بعين ما تلفظ به الأئمة المعصومون. و الأئمة (عليهم السلام)

18

في الأمور كلّها إلّا ما أخرجه دليل و ربّما احتمل احتمالا مرجوحا- كما يدل عليه سياق الكلام- تخصيص الاستعانة بالعبادة به تعالى فتأمل فيه.

____________

هم الثقل الثاني الذي أمرنا النبي ص بالتمسك بهم و هم لا يفتون و لا يحدثون الا بما وصل إليهم عن النبي ص و قد صرحوا بذلك في أحاديثهم:

ففي أصول الكافي باب البدع و الرأي و المقاييس الحديث 21 عن محمد بن عيسى عن يونس عن قتيبة قال سأل رجل أبا عبد اللّه عن مسألة فأجابه فيها فقال أ رأيت ان كان كذا و كذا ما يكون القول فيها فقال مه ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول اللّه لسنا من أ رأيت في شيء انظر مرآت العقول ج 1 ص 41 و فيه انه صحيح و شرح ملا صالح المازندراني ج 2 ص 330.

و روى الصفار في بصائر الدرجات ص 299 ط تبريز سنة 1381 الباب 14 من الجزء السادس الحديث 1 عن جابر عن ابى جعفر قال يا جابر انا لو كنا نحدثكم برأينا و هوانا لكنا من الهالكين و لكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضتهم و مثله في الاختصاص ص 280 و نقله منه في البحار ج 1 ص 115 و ج 7 ص 281 و اللفظ في الاختصاص و ورقهم مكان و فضتهم و في الحديث 4 من هذا الباب يا جابر لو كنا نفتي الناس برأينا و هوانا لكنا من الهالكين لكنا نفتيهم بآثار من رسول اللّه و أصول علم عندنا نتوارثها كابر عن كابر نكنزها كما يكنزها هؤلاء ذهبهم و فضتهم و في الحديث 6 من هذا الباب يا جابر و اللّه لو كنا نتحدث الناس أو حدثناهم برأينا لكنا من الهالكين و لكنا نحدثهم بآثار عندنا من رسول اللّه يتوارثها كابر عن كابر نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضتهم و الأحاديث بهذا المضمون كثيرة جدا لعلها تجاوزت حد التواتر تراها مبثوثة في كتب الأحاديث.

و كان أول من دون الحديث و كتبه و قد أملاه بأمر اللّه تعالى خاتم الأنبياء على بن أبي طالب و يعبر عن الكتاب في بعض الاخبار بالجامعة ثم أمره النبي (ص) بإيداع ذلك الكتاب المستطاب عترته الطاهرين و كان عند كل واحد من الأئمة الاثني عشر يستحفظه السلف للخلف فيستودعه من انتهى اليه الأمر روى القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ط اسلامبول 1301 ص 20 عن الحموينى بسنده عن الامام محمد الباقر عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين رضي اللّه عنهم قال قال رسول اللّه

19

و حينئذ فيدلّ على ترك التولية في العبادات مثل الوضوء و الغسل و غيرهما، و ترك التوكيل و ترك الاستعانة في الصّلاة بالاعتماد على الغير مثل الآدمي و الحائط

____________

(ص) يا على اكتب ما املى عليك قلت يا رسول اللّه أ تخاف على النسيان قال لا و قد دعوت اللّه عز و جل ان يجعلك حافظا و لكن اكتب لشركائك الأئمة من ولدك بهم يسقى أمتي الغيث و بهم يستجاب دعاؤهم و بهم يصرف اللّه عن الناس البلاء و بهم تنزل الرحمة من السماء و هذا أولهم أشار الى الحسن ثم قال و هذا ثانيهم و أشار الى الحسين ثم قال و الأئمة من ولده رضي اللّه عنهم و ترى الحديث مع اختلاف يسير في ص 167 من بصائر الدرجات الحديث 22 من الجزء الرابع باب في الأئمة (عليهم السلام) و انه صارت إليهم كتب رسول اللّه و أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما) و في الباب 24 حديثا.

و قد أروا كتاب على عند ما اقتضى المصلحة ارائته و حدثوا صريحا عن كتاب على أو نسبوا الحكم الى كتاب على: روى النجاشي عند ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي ص 279 ط المصطفوى عن عذافر الصيرفي قال كنت مع الحكم بن عتيبة عند ابى جعفر فجعل يسأله و كان أبو جعفر له مكرما فاختلفا في شيء فقال أبو جعفر يا بنى قم فأخرج كتابا مدروجا عظيما ففتحه و جعل ينظر حتى اخرج المسئلة فقال أبو جعفر هذا خط على (عليه السلام) و إملاء رسول اللّه (ص) و اقبل على الحكم و قال يا أبا محمد اذهب أنت و سلمة و أبو المقدام حيث شئتم يمينا و شمالا فو اللّه لا يجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل.

و ها نحن نسرد لك عدة أرقام من الأحاديث الواردة في الوسائل ط الإسلامية المروية عن الأئمة (عليهم السلام) عن كتاب على و نذكر مع كل موضوع البحث و ما في ذيل الحديث في الطبع المذكور من مواضع مصادر الحديث حتى يسهل لك مراجعته في أي كتاب كان عندك مما هو فيه:

1- الرقم 580 ج 1 ص 164 عن الكافي ج 1 ص 4 و التهذيب ج 1 ص 64 في طهارة سؤر السنور.

2- الرقم 2759 ج 2 ص 696 عن التهذيب ج 1 ص 94 3- الرقم 2761 ج 2 ص 697 عن التهذيب ج 1 ص 553.

4- الرقم 2766 ج 2 ص 697 عن الكافي ج 1 ص 266 و هذه الثلاثة في ان المحرم إذا مات كالمحل الا انه لا يقرب كافورا.

5- الرقم 4752 ج 3 ص 105 عن التهذيب ج 1 ص 140.

6- الرقم 4764 ج 3 ص 107 عن التهذيب ج 1 ص 207 و الاستبصار ج 1 ص 127 و الحديثان في ان القامة و القامتين الذراع و الذراعان في وقت الفضيلة للظهر و العصر.

20

قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا أو غير ذلك مما هو استعانة فيها مطلقا.

و على إطلاق الاستعانة يدلّ عليها و على ترك الاستعانة بغيره تعالى في شيء من

____________

7- الرقم 5342 ج 3 ص 250 عن الكافي ج 1 ص 110 و التهذيب ج 1 ص 295 و الاستبصار ج 1 ص 193 في الصلاة في اجزاء ما يؤكل لحمه و ما لا يؤكل لحمه المعروف في لسان الفقهاء بموثق ابن بكير المبحوث عنه في مسئلة اللباس المشكوك 8- الرقم 9550 ج 5 ص 44 عن التهذيب ج 1 ص 253 في اشتراط عدالة إمام الجمعة.

9- الرقم 11434 ج 6 ص 13 عن الكافي ج 1 ص 142 في تحريم منع الزكاة.

10- الرقم 13352 ج 7 ص 184 عن التهذيب ج 1 ص 396 و الاستبصار ج 2 ص 46 في ان علامة شهر رمضان و غيره رؤية الهلال.

11- الرقم 15843 ج 8 ص 487 عن أصول الكافي في حق الجوار.

12 و 13- الرقم 16822 و الرقم 16823 ج 9 ص 116 عن فروع الكافي ج 1 ص 259 و الثاني عنه و عن الفقيه ج 1 ص 117 و علل الشرائع ص 142 في جواز لبس المحرم الطيلسان.

14 و 15- الرقم 17127 و 17128 ج 9 ص 190 عن التهذيب ج 1 ص 545 و الثاني عنه و عن الكافي ج 1 ص 272 في كفارة قتل القطاة و نظيرها.

16- الرقم 17223 ج 9 ص 216 عن التهذيب ج 1 ص 548 و الاستبصار ج 2 ص 204.

17- الرقم 17225 ج 9 ص 217 عن الكافي ج 1 ص 272 و التهذيب ج 1 ص 548 و الاستبصار ج 2 ص 202 و ص 203.

18- الرقم 17229 ج 9 ص 218 عن التهذيب ج 1 ص 549 و الاستبصار ج 2 ص 204. هذه الثلاثة في كفارة بيض القطا و النعام.

19- الرقم 17967 ج 9 ص 438 عن التهذيب ج 1 ص 489 و الاستبصار ج 2 ص 240.

20- الرقم 17974 ج 9 ص 439 عن السرائر ص 446 و الحديثان في زيادة شوط الطواف.

21- الرقم 19275 ج 10 ص 244 عن الكافي ج 1 ص 311 في العمرة المفردة 22- الرقم 2002 ج 11 ص 50 عن التهذيب ج 2 ص 47 و فروع الكافي ج 1 ص

21

الأمور، سيّما بالسؤال فإنّ قبحه معلوم عقلا و نقلا من غير هذه الآية أيضا.

و بالجملة يحمل هذه على مرجوحيّة الاستعانة مطلقا أو في العبادة إلّا ما أخرجه

____________

336 و أصول الكافي في 2/ 86 من أحكام العشرة في إعطاء الأمان 23- الرقم 20353 ج 11 ص 181 عن أصول الكافي في وجوب حسن الظن باللّه 24- الرقم 20631 ج 11 ص 254 عن أصول الكافي 25- الرقم 20654 ج 11 ص 259 عن علل الشرائع ص 162 و الخصال ج 1 ص 131 و الحديثان في تعيين الكبائر 26- الرقم 20845 ج 11 ص 316 عن أصول الكافي في ترك ما زاد على قدر الضرورة من الدنيا 27- الرقم 21299 عن مجالس الشيخ ص 258 في وجوب حب المؤمن 28- الرقم 21549 ج 11 ص 513 باب تحريم التظاهر بالمنكرات عن أمالي الصدوق ص 158 و عقاب الأعمال ص 30 عن ابى جعفر بلفظ وجدنا في كتاب على قال قال رسول اللّه (ص) و عن أصول الكافي عن ابى جعفر وجدنا في كتاب رسول اللّه (ص) في غوائل الذنوب 29- الرقم 22441 ج 12 ص 182 عن عقاب الأعمال ص 20 و رواه في ذيله عن العياشي أيضا ج 1 ص 222 في أكل مال اليتيم 30- 22477 ج 12 ص 194 عن التهذيب ج 2 ص 104 و فروع الكافي ج 1 ص 366 و الاستبصار ج 3 ص 48 في الأخذ من مال الولد و الأب 31- 24823 ج 13 ص 450 عن فروع الكافي ج 2 ص 245 و التهذيب ج 2 ص 392 و الفقيه ج 2 ص 276 و معاني الأخبار ص 65 في من اوصى بشيء من ماله 32- 26739 ج 14 ص 544 عن الفقيه ج 2 ص 145 في حكم وطي جارية الولد 33- 26925 ج 14 ص 597 عن التهذيب ج 2 ص 234 و رواه في الذيل عن أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره ص 65 في حكم تدليس الأجنبي 34- 26985 ج 14 ص 616 عن الفقيه ج 2 ص 133 و التهذيب ج 2 ص 248 و ص 250 و علل الشرائع ص 170 في حكم ظهور زنا الزوج 35- 28220 ج 15 ص 375 عن التهذيب ج 2 ص 272 و الاستبصار ج 3 ص 283 في الطلاق في العدة بغير رجوع.

36- 29368 ج 16 ص 144 عن فروع الكافي ج 7 ص 436 و عقاب الأعمال ص 16

22

الدليل و التفصيل بالكراهة و التحريم يفهم من غيرها، أو يحمل على الكراهة إلّا ما

____________

37- 29383 ج 16 ص 148 عن الخصال ص 61 و عقاب الأعمال ص 16 و الحديثان في اليمين الكاذبة و انها تذر الديار بلاقع 38- 29717 ج 16 ص 264 عن فروع الكافي ج 6 ص 207 و التهذيب ج 9 ص 33 و الاستبصار ج 4 ص 72 39- 29736 ج 16 ص 268 عن تفسير العياشي ج 1 ص 295 و الحديثان في صيد غير الكلب و انه لا يحل 40 و 41- 4/ 29893 ج 16 ص 320 عن فروع الكافي ج 6 ص 232 و التهذيب ج 9 ص 57 و الحديثان في حد إدراك الزكاة 42- 30124 ج 16 ص 391 عن فروع الكافي ج 6 ص 246 و التهذيب ج 9 ص 40 و الاستبصار ج 4 ص 74 في كراهة لحوم الحمر الأهلية.

43- 30157 ج 16 ص 400 عن الفروع ج 6 ص 219 و التهذيب ج 9 ص 2 44- 30160 ج 16 ص 400 عن فروع الكافي ج 6 ص 220 45- 30168 ج 16 ص 402 عن التهذيب ج 9 ص 4 46- 30169 ج 16 ص 402 عن التهذيب ج 9 ص 4 و الاستبصار ج 4 ص 59 47- 30171 ج 16 ص 403 عن التهذيب ج 9 ص 5 و الاستبصار ج 4 ص 59 48- 30172 ج 16 ص 403 عن التهذيب ج 9 ص 5 49- 30177 ج 16 ص 404 عن البحار الحديثة ج 10 ص 254 و الأحاديث السبعة في حكم الجريث و أمثاله من أنواع السمك 50- 30343 ج 16 ص 466 عن التهذيب ج 9 ص 68 في حكم الطعام و الشراب إذا تناول منه السنور 51- 32230 ج 17 ص 329 عن فروع الكافي ج 5 ص 279 و التهذيب ج 7 ص 153 في حكم من أحيى أرضا ثم تركها 52- 32484 ج 17 ص 418 عن فروع الكافي ج 7 ص 77 و التهذيب ج 9 ص 269 في ان من تقرب بغيره فله من الميراث نصيب من تقرب به 53- 32498 ج 17 ص 422 عن فروع الكافي ج 7 ص 81 54- 22503 ج 17 ص 422 عن التهذيب ج 9 ص 247 و الحديثان في بطلان العول 55- 32519 ج 17 ص 428 عن التهذيب ج 9 ص 273 في كيفية إلقاء العول.

23

يعلم تحريمه أو جوازه، أو على التحريم حتى تعلم الكراهة و الجواز.

____________

56- 32625 ج 17 ص 460 عن فروع الكافي ج 7 ص 93 و التهذيب ج 9 ص 270 و الفقيه ج 4 ص 192 في ميراث الأبوين مع الزوج أو الزوجة 57- 32634 ج 17 ص 463 عن فروع الكافي ج 7 ص 93 و التهذيب ج 9 ص 270 و الفقيه ج 4 ص 192.

58- 32635 ج 17 ص 463 عن فروع الكافي ج 7 ص 94 و التهذيب ج 9 ص 272 59- 32638 ج 17 ص 464 عن التهذيب ج 9 ص 273 و الثلاثة في ميراث الأبوين مع الأولاد 60- 32698 ج 17 ص 475 عن فروع الكافي ج 7 ص 112 61- 32702 ج 17 ص 486 عن فروع الكافي ج 7 ص 113 و التهذيب ج 9 ص 308 62- 32706 ج 17 ص 487 عن التهذيب ج 9 ص 309 و الفقيه ج 4 ص 207 و الثلاثة في أن أولاد الاخوة يقومون مقام آبائهم و يقاسمون الجد 63- 32733 ج 17 ص 493 عن التهذيب ج 9 ص 306 و الاستبصار ج 4 ص 158 64- 32734 ج 17 ص 493 عن الحسن بن عقيل و لعل كتابه كان عند صاحب الوسائل و الحديثان في حكم الجد مع الاخوة 65- الرقم 32746 ج 17 ص 497 عن التهذيب ج 9 ص 308 و الاستبصار ج 4 ص 160 66- 32748 ج 17 ص 495 عن الفقيه ج 4 ص 206 و الحديثان في حكم الاخوة من الام مع الجد 67- 32771 ج 17 ص 504 عن فروع الكافي ج 7 ص 119 و التهذيب ج 9 ص 324 68- 32776 ج 17 ص 505 عن التهذيب ج 9 ص 325 و الحديثان في حكم اجتماع الأعمام و الأخوال 69- 32794 ج 17 ص 512 عن التهذيب ج 9 ص 294 و الاستبصار ج 4 ص 149 70- 32795 ج 17 ص 512 عن فروع الكافي ج 7 ص 125 و التهذيب ج 9 ص 294 و الاستبصار ج 4 ص 149 عن ابى عبد اللّه و فيه فدعا بالجامعة فنظر فيها 71- 32807 ج 17 ص 514 عن بصائر الدرجات ط تبريز ص 145 عن ابى جعفر و فيه فدعا بالجامعة فنظر فيها و الثلاثة في ان الزوج إذا انفرد فالمال له كله 72- 32835 ج 17 ص 522 عن البصائر ص 165 في عدم إرث الزوجة من العقار

24

«الصِّرٰاطَ الْمُسْتَقِيمَ» أى الطريق القويم إلى الحق في جميع الأمور، و فيه بيان

____________

73- 33038 ج 17 ص 589 عن فروع الكافي ج 7 ص 136 و الفقيه ج 4 ص 225 في ميراث الغرقى و المهدوم عليهم 74- 33170 ج 18 كتاب القضاء ص 33 عن المحاسن ص 211 في عدم جواز القياس 75 و 76- الرقم 33634 و 33635 ج 18 ص 167 عن فروع الكافي ج 7 ص 414 و ص 415 و التهذيب ج 6 ص 228 في ان الحكم بالبينة و اليمين 77- 34067 ج 18 ص 307 عن فروع الكافي ج 7 ص 176 و التهذيب ج 10 ص 146 و الفقيه ج 4 ص 53 و المحاسن ص 273 في وجوب اقامة الحد 78- 34436 ج 18 ص 421 عن فروع الكافي ج 7 ص 200 و التهذيب ج 10 ص 55 و الاستبصار ج 4 ص 221 في حد اللواط مع الإيقاب 79- 34605 ج 18 ص 472 عن فروع الكافي ج 8 ص 216 و التهذيب ج 10 ص 90 في ثبوت الحد على من شرب المسكر اى نوع كان 80- 34586 ج 18 ص 468 عن فروع الكافي ج 7 ص 214 و التهذيب ج 10 ص 90 في ثبوت الحد بشرب الخمر و النبيذ 81- 35254 ج 19 ص 82 عن فروع الكافي ج 7 ص 316 و التهذيب ج 10 ص 277 في حكم من قتل شخصا مقطوع اليد 82- 35489 ج 19 ص 168 عن الخصال ج 2 ص 111 في حكم دية كلب الصيد 83- 35701 ج 19 ص 256 عن فروع الكافي ج 7 ص 318 و التهذيب ج 10 ص 270 و الفقيه ج 4 ص 111 في حكم قطع لسان الأخرس 84- 35709 ج 19 ص 259 عن فروع الكافي ج 7 ص 313 و التهذيب ج 10 ص 251 و الفقيه ج 4 ص 112 في حكم قطع فرج المرية و ديتها 85- 35715 ج 19 ص 262 عن فروع الكافي ج 7 ص 329 و الفقيه ج 4 ص 104 و التهذيب ج 10 ص 256 و الاستبصار ج 4 ص 288 في ان في الأسنان الدية و انها تقسم على ثمان و عشرين.

و الحديث المروي عن ظريف بن ناصح المعروف بديات ظريف أو أصل ظريف لكون ظريف في طريقه في حكم الديات مروي عن كتاب الفرائض لأمير المؤمنين (عليه السلام).

و قد عقد له في الوافي بابا مستقلا الباب 111 رواية كتاب على (صلوات اللّه عليه) في

25

للمعونة المطلوبة أو دين الإسلام كما قاله الأكثر، أو عبادته تعالى كما قال تعالى

____________

مقادير الديات في مراتب الجنين و في جراحات تفاصيل الأعضاء و توزيع القسامات من ص 114 الى ص 119 من الجزء التاسع من الوافي فروى الحديث بتمامه عن الكافي و التهذيب و الفقيه مميزا بين ما اشترك فيه الثلاثة و ما اشترك فيه الاثنان و ما تفرد به أحد الثلاثة.

روى أكثر الحديث في الكافي مفرقا على مواضع تجده في ج 2 من ص 330 الى ص 343 في الأبواب من الباب 32 الى الباب 51 من كتاب الديات ط تهران 1314.

روى الحديث بتمامه في الفقيه ج 4 من ص 54 الى ص 66 و كرره في التهذيب جميعا و أشتاتا في كتاب الديات و ليس في الفقيه التصريح بكتاب على و انما المذكور فيه عن ابن أبى عمر الطبيب (هو ابن ابى عمر أو أبو عمرو مع الواو الطبيب أو المتطبب على اختلاف نسخ الفقيه و الكافي و التهذيب و لم نعرف الرجل في كتب الرجال.

و ليس هو أبا عمرو المتطبب عبد اللّه بن سعيد بن ابجر كما ادعاه المحقق التستري في قاموس الرجال لما بينهما من تفاوت الزمان بكثير) انه قال عرضت هذه الرواية على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال نعم هي حق و قد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر عماله بذلك و نقل عرض ابى عمرو الرواية على ابى عبد اللّه في الكافي و التهذيب أيضا و فيهما عرض ابن فضال و يونس كتاب الفرائض على ابى الحسن الرضا (عليه السلام) فقال هو حق و ترى الحديث في مرآت العقول من ص 204 الى ص 219 ج 4 و صرح المجلسي بصحة الحديث فيما ذكر فيه عرض ابن فضال و يونس الكتاب على ابى الحسن الرضا (عليه السلام).

و تجد اجزاء الحديث مبثوثة في أبواب كتاب الديات من كتاب وسائل الشيعة يطول الكلام بسرد أرقامها.

هذا و ما لم يصرح في الاخبار أيضا بأنه في كتاب على فهو أيضا عن النبي ص كما عرفت و لذلك أجازوا رواية أحاديثهم عن النبي ص ففي الوسائل ج 3 ص 380 ط الأميري ج 18 ص 74 ط الإسلامية الباب 8 من كتاب القضاء الرقم 5؟؟؟ 333 عن على بن موسى بن جعفر بن طاوس قال و مما رويناه من كتاب حفص البختري قال قلت لأبي عبد اللّه اسمع الحديث منك فلا أدرى منك سماعه أو من أبيك فقال ما سمعته منى فاروه عن ابى و ما سمعته منى فاروه عن رسول اللّه ص فالأحاديث المروية عن الأئمة بعد صحة السند الى الامام كلها متلقاة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

و انظر في ذلك جامع أحاديث الشيعة ج 1 أبواب المقدمات الباب 4 من ص 16 الى

26

«وَ أَنِ اعْبُدُونِي هٰذٰا صِرٰاطٌ مُسْتَقِيمٌ» (1) فافراد لما هو المقصود الأعظم.

و قيل: إنّه النبيّ و الأئمّة القائمون مقامه (عليهم السلام) و كانّ المراد صراطهم، فهو عبارة أخرى لبعض ما تقدّم، و يناسبه «صِرٰاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» أو أطلق عليهم مبالغة لأنهم فلك النجاة الّتي من ركبها نجا و من تخلّف عنها غرق، و الحق دائر معهم حيث داروا.

و نحوه قول من قال إنه القرآن و كأنه من قوله تعالى «إِنَّ هٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ» (2) و فيه دلالة على أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم أهمّ ما يطلب منه تعالى و أليق، فيستحب الدعاء و طلب الخير من اللّه خصوصا الهداية.

و قد يستفاد الوجوب على بعض الوجوه و أن يسأل اللّه مثل ما يرى على غيره من الخير و النعماء، و أن يستعيذ به من مثل ما يرى على غيره من النقمة و البلاء، و في ذلك ترغيب و ترهيب و تحريص على الانقطاع إلى اللّه و طلب التوفيق منه في الأمور كلّها، و اعتقاد أنه لا يملك لنفسه ضرّا و لا نفعا إلّا باللّه تعالى.

هذا و قد يستدلّ على عصمة الأنبياء بأنهم لو لا عصمتهم لكانوا ضالّين، لقوله تعالى «فَمٰا ذٰا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلٰالُ» (3) فلا يجوز الاقتداء بهم، فينا في الترغيب في الاقتداء بهم مطلقا و طلب التوفيق فيه، و هو قريب.

ثمّ لا يخفى ما في نظم السورة من الدلالة على طريق الدّعاء، و هو كونه بعد التسمية و التحميد و الثّناء و التوسّل بالعبادة، و التعميم فيه كما هو المشهور، و دلّت عليه الروايات و لذلك سمّيت تعليم المسئلة.

____________

ص 49 و البحار ج 7 ط كمپانى باب جهات علومهم من ص 278 الى ص 291.

فالحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّه.

____________

(1) يس: 61.

(2) أسرى: 9.

(3) يونس: 32.

27

آيات الطهارة

[أحكام الوضوء]

الاولى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» تخصيصهم بالخطاب إمّا لعدم صحّة الوضوء و الغسل بل الصّلاة من غيرهم، أو لعدم إتيان غيرهم بهما، أو لأنّ هذا بيان للحكم عند تحقق إرادتهم الصّلاة، فناسب التخصيص بهم، لأنهم هم المقبلون إلى الامتثال المستأهلون لهذا البيان، و أيضا فإنّهم استحقّوا ذلك بايمانهم، فناسب خطابهم به تشريفا لهم و تنشيطا.

«إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» أي أردتم الصلاة أو أردتم القيام إليها «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» الغسل مفسّر بإجراء الماء و لو بآلة، و هو المفهوم عرفا و لم يعلم خلافه لغة، فلا حاجة فيه إلى الدّلك خلافا لمالك، و الوجه العضو المعلوم عرفا، و حدّ في بعض الأخبار المعتبرة بما دارت عليه الإبهام و الوسطى مستديرا (1) و قيل: هذا تحديد عرضا.

و كيف كان طوله من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن، كلّ ذلك من مستوي الخلقة لكن بعض هذا المحلّ لما كان مسطورا بشعر اللحية غالبا، صار عرفا أعمّ من البشرة، و ممّا سترها من الشعر و أعطى ما عليها من الشعر حكمها، كما يقال رأيت وجهه كلّه و لم ير ما تحت الشعر، و ربّما كان ذلك لوقوع المواجهة به و تسميته وجها بهذا الاعتبار (2) فافهم.

«وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ» المرفق مجتمع طرفي عظمي الذراع و العضد «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» في القاموس الكعب كلّ مفصل للعظام، و العظم الناشز فوق القدم، و الناشزان من جانبيها، و ظاهره أن الأول أشهر أو أثبت، ثمّ الثاني و حمل ما في الآية على الأوّل هو الذي ذهب إليه بعض من محقّقي أصحابنا المتقدّمين و المتأخّرين كابن الجنيد و العلّامة و رواة زرارة و بكير ابنا أعين في الصحيح عن الباقر

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 38 و ص 39.

(2) قال في المقاييس ج 6 ص 88: الواو و الجيم و الهاء أصل واحد يدل على مقابلة شيء لشيء و الوجه مستقبل لكل شيء يقال وجه الرجل و غيره.

28

(عليه السلام) [1].

و ذهب آخرون إلى حمله على الثاني لروايات عنهم (عليهم السلام) تناسب ذلك مع الثبوت و الوضوح لغة، و انتفاء الثالث بنصّ من الأئمة (عليهم السلام) و إجماع من الأصحاب، و إنكار ما من بعض أهل اللغة و لهذا قال به بعض من العامّة أيضا.

و الأنسب في الجمع بين الروايات عنهم (عليهم السلام) قطعا للخلاف حمل الكلّ على الأوّل، و العلامة قده قد صبّ عليه عبارات الأصحاب أيضا، و جعل اعتقاد خلاف ذلك

____________

(1) إشارة الى الحديث المروي في التهذيب ج 1 ص 76 الرقم 191 عن زرارة و بكير ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الى ان قالا قلنا أصلحك اللّه فأين الكعبان قال هيهنا يعنى المفصل دون عظم الساق فقالا هذا ما هو؟ قال هذا عظم الساق و مثله في الكافي ج 1 ص 9 باب صفة الوضوء و فيه زيادة: و الكعب أسفل من ذلك و هو في المرآت ج 3 ص 15 و مثله في العياشي ج 1 ص 298 الرقم 51.

و ترى الحديث في الوسائل الباب 15 من أبواب الوضوء الحديث 3 ج 1 ص 51 ط الأميري و في ط الإسلامية ج 1 ص 272 المسلسل 1022 و في جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 101 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 43 و البحار ج 18 ص 65 و البرهان ج 1 ص 452 الحديث 15 و الحديث في الكافي أبسط.

قال في المنتقى بعد نقله حديث الكافي في ص 118 ج 1 مع جعل رمز الحسن عليه و حديث التهذيب في ص 127 منه مع جعل رمز الصحة عليه: قلت قد مر هذا الحديث برواية الكليني من طريق حسن تام المتن و الشيخ اقتصر منه على حكم المسح لأنه أورده في التهذيب لهذا الغرض و ظاهر الحال انه كان تاما في رواية الحسين بن سعيد أيضا فليت الشيخ أبقاه بحاله لنورده هنالك في الصحيح لكنه (رحمه اللّه) كان في غنية عن الاهتمام بهذا و أمثاله لكثرة وجود كتب السلف و أصولهم و تيسر الرجوع إليها وقت الحاجة و لم يخطر بباله أن أمر الحديث يتلاشى و الحال يترامى الى ان تندرس أعيان تلك الكتب عن آخرها و يكاد ان يتعدى الاندراس عن عينها إلى أثرها.

فكأنها برق تألق بالحمى * * * ثم انثنى فكأنه لم يلمع

انتهى ما في المنتقى.

و انما جعل حديث الكافي من الحسن لما في سنده إبراهيم بن هاشم و نحن قد أوضحنا في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 128 صحة الحديث الذي هو في سنده فراجع.

29

فيها اشتباها على غير المحصّل، لكن كلام كثير من الأصحاب في المعنى الثاني أصرح من أن يصح فيه ذلك، و الحكم به مشهور بين الأصحاب حتّى ادّعى الشهيد في الذكرى إجماعنا عليه، و هو ظاهر جماعة أيضا. نعم الروايات يحتمل ذلك و ربّما أمكن الجمع بين الروايات و عبارات الأصحاب بالحمل على أنّه العظم الناتئ على ظهر القدم عند المفصل [1] حيث يدخل تحت عظم الساق بين الظنبوبتين غالبا، فيتّحد الإشارة إليه و إلى المفصل كما في الرواية عن الباقر (عليه السلام) [2] لكن يخالفه صريح عبارات جمع فتأمل.

و أما الثالث فقد ذهب إلى حمل ما في الآية عليه جمهور العامة إلّا محمّد بن الحسن و من تبعه من الحنفيّة و بعض الشافعيّة و استدلّوا بما لو تمّ لدلّ على صحة إطلاقه عليه و احتجّوا أيضا بقول أبى عبيد «الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهى الساق إليه بمنزلة كعاب القنى» و لا يخفى أن قوله في أصل القدم نصّ في المعنى الثاني و لهذا استدلّ به عليه بعض أصحابنا.

و في لباب التأويل بعد نقله المسح عن ابن عباس و قتادة و أنس و عكرمة و الشعبيّ أنّ الشيعة و من قال بمسح الرجلين، قالوا الكعب عبارة عن عظم مستدير على ظهر القدم، و يدلّ على بطلان هذا أن الكعب لو كان ما ذكروه لكان في كلّ رجل كعب واحد فكان ينبغي أن يقول «إلى الكعاب» كما قال «إِلَى الْمَرٰافِقِ».

و فيه أنه كما صحّ جمع المرفق بالنظر إلى أيدي المكلّفين و تثنية الكعب بالنظر

____________

[1] و لعله الأصوب انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 18 و مسالك الافهام ج 1 ص 58

[2] إشارة إلى الرواية المروية في التهذيب ج 1 ص 57 الرقم 190 عن ميسر عن ابى جعفر الى ان قال ثم وضع يده على ظهر القدم ثم قال هذا هو الكعب و أومأ بيده الى أسفل العرقوب ثم قال هذا هو الظنبوب و هو في الوسائل الباب 15 من أبواب الوضوء. الحديث 9 و في ط الإسلامية ج 1 ص 275 المسلسل 1028 و روى مثلها العياشي عن عبد اللّه بن سليمان عن ابى جعفر ج 1 ص 300 الرقم 56 و العرقوب على ما في اللسان العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان و الظنبوب حرف الساق اليابس من قدم الإنسان و قيل الساق و قيل هو عظمه.

30

إلى كلّ رجل على تقدير صحّة إطلاق الكعب على الظنبوبتين و إرادتهما كما ذكرتم كذلك يصحّ الجمع في الكعب بالنظر إلى أرجلهم و التثنية بالنظر إلى رجلي كلّ شخص و الإفراد بالنظر إلى كلّ رجل على ما قلنا، و كذلك في المرافق و لا يمنع وقوع شيء منها في أحد الموضعين وقوع شيء آخر منها في الموضع الآخر و لا يعيّنه فيه.

على أنّ ما ذكره قياس لو قلنا به فليس هذا من مجاريه كيف و التفنّن أفيد و أبلغ، و معدود من المزايا، على أنّ القياس في هذا المقام على ما ذهبتم في الكعب يقتضي خلاف ذلك، فان لكل شخص حينئذ أربع كعاب فيكون على ضعف المرافق فكان أولى بأن يجمع و لو أريد التفنّن حينئذ لكان الأوّل عكس ما وقع فافهم، و أيضا فإنّ قياسهم بأنّ ضرب الغاية للأرجل يدلّ على أنها مغسولة كالأيدي يقتضي لا أقل أن يكون الغايتان على وجه واحد ليتّحد الحكمان، فالاختلاف يبطل قياسهم مع بطلانه في نفسه، بل يقال حينئذ الاختلاف في الغاية دليل المخالفة في الحكم، فيقتضي نقيض المطلوب على أنا نقول التثنية بعد الجمع ينبه على التخفيف، و هو المناسب للتخفيف من الغسل إلى المسح كما قلنا.

ثمّ إذا ثبت المسح بالدلائل القطعيّة كما يأتي يعيّن خلاف ذلك في الكعب إذ لم يقل به أحد ممّن قال بالمسح كما هو صريح كلام المخالف و المؤالف.

«وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» إنّما لم يقل «إذا» لئلا يتوهّم العطف على «إِذٰا قُمْتُمْ» و ليس، بل على ما اعتبر هناك من كونهم محدثين، كأنه قال إذا قمتم إلى الصلاة و كنتم محدثين فاغسلوا كما ينبّه عليه قوله «وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ» إلخ كما سيتّضح، و فيه دلالة على أنّ الوضوء إن لم يكونوا جنبا، و فيه تنبيه على أن لا وضوء مع غسل الجنابة كما دلّت عليه رواياتنا، و إنّما لم يذكر موجب الوضوء صريحا كموجب الغسل لأنّ المؤمنين في ابتداء تكليفهم بالوضوء كان حدثهم يقينا دون الجنابة، فكأنه قيل إذا قمتم على ما أنتم عليه، و أيضا في قوله «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ» تنبيه على هذا، و لما كان هذا المقدار كافيا في حسن هذا الخطاب، ترك الباقي إلى البيان النبوي.

و أما الإشارة إلى موجبات الغسل جميعا كتركها كلا، فربما نافى الإيجاز و الاعجاز

31

فوكّل على البيان، على أنه لا يبعد أن لا يكون غيرها يوجب الغسل بعد.

«وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ» فيشقّ عليكم الوضوء أو الغسل لمرض أبدانكم أو خلل أحوالكم و إن وجدتم الماء.

«أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» و إن لم تكونوا مرضى أو على سفر فإنه لا مانع للجمع.

و لئلا يتوهم اختصاص الغسل بوقوع التيمم بدلا منه مع العذر لوقوعه بعده جاء بذكر موجب ظاهر مناسب كثير الوقوع لكلّ من الوضوء و الغسل.

و في وقوع «لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» في موقع «كُنْتُمْ جُنُباً» مع التفنّن و الخروج عن ركاكة التكرار تنبيه على أنّ الأمر هنا ليس مبنيا على استيفاء الموجب في ظاهر اللفظ، فلا يتوهّم أيضا حصر موجب الوضوء في المجيء من الغائط مع احتمال إرادة الباقي استتباعا فافهم، و على كلّ حال فيه تنبيه على أنّ كونهم محدثين ملحوظ في إيجاب الوضوء كما قدّمنا.

«فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً» هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره بالنقل عن فضلاء اللغة ذكر ذلك الخليل و ثعلب عن ابن الأعرابيّ و نقله في الكشاف عن الزجاج و لم يذكر خلافه، و يؤيده قوله تعالى «صَعِيداً زَلَقاً» أي أرضا ملساء مزلقة، و قوله (عليه السلام) يحشر الناس يوم القيمة عراة على صعيد واحد [1] أي أرض واحدة و قوله (عليه السلام) جعلت لي

____________

[1] لم أظفر على الحديث باللفظ الذي حكاه المصنف إلا في الحدائق ج 4 ص 245 و قريب منه في معالم الزلفى ص 145 الباب 22 في صفة المحشر نعم حديث الجمع في صعيد واحد رواه في البحار ج 3 ص 281 و 241 و 256 ط كمپانى عن أمالي الصدوق و أمالي الشيخ و كتابي الحسين بن سعيد و رواه من أهل السنة الهيثمي في مجمع الزوائد ج 10 ص 355 عن الطبراني في الأوسط: و حديث حشر الناس عراة حفاة مروي في تفسير المجمع و نور الثقلين و الصافي عند تفسير الآية 103 من سورة الأنبياء كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ و تفسير الآية 37 من سورة عبس و في كتب أهل السنة في تفسير الدر المنثور و تفسير الخازن و ابن كثير عند تفسير الآيتين المذكورتين و في بعضها بزيادة غرلا أو غلفا و كلاهما بمعنى غير المختون جمع الأغرل و الأغلف و لعل المصنف و صاحب الحدائق و معالم الزلفى نقلوا الحديث بالمعنى ملفقا من الحديثين.

32

الأرض مسجدا و طهورا [1] و نحو ذلك كثير في الروايات عن الأئمة أيضا و حجة الخصم لا تفيد إلّا كون التراب صعيدا و لا منافاة و لو سلم ظاهرا فليكن للقدر المشترك حذرا من الاشتراك فافهم.

«طَيِّباً» طاهرا بل مباحا أيضا.

«فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» أي من ذلك التيمّم أو من ذلك الصعيد المتيمّم أي مبتدئين منه، و لعلّ التبعيض هنا ليس بلازم، و إن كان لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسه من الدهن و من الماء و من التراب إلّا معنى التبعيض كما قاله في الكشاف، فان ذلك قد يكون للغرض المعروف عندهم من التدهين و التنظيف و نحو ذلك مع إمكان المنع عند الإطلاق في قوله من، التراب على أنه يمكن أن يقال أنّ «من» في الأمثلة كلها للابتداء كما هو الأصل فيها، و أما التبعيض فإنّما جاء من لزوم تعلّق شيء من الدهن و الماء باليد، فيقع المسح به، و نحوه التراب إن فهم، فلا يلزم مثله في الصعيد الأعمّ من التراب و الصخر.

و يؤيّده ما روى أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نفض يديه من التراب، لأنه تعريض لإزالته و هو عندنا في الصحيح عن الأئمة (عليهم السلام) فعلا و قولا، و أيضا لو كان «من» هنا للتبعيض لأوهم أنّ المراد أن يؤخذ بعض الصعيد و يمسح به بعض الوجه و الأيدي و هو ليس بمراد قطعا، و إذا كان للابتداء دلّ على أنّ المراد مسح الوجه و اليدين بعد مسح الصعيد أو تيممه و ليس بعيدا من المراد، و موهما خلافه فتدبر.

«مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ» أي أن يجعل، فاللام زائدة «عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» في باب الطهارة حتّى لا يرخّص في التيمم «وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء كما في الكشاف، أو أن يجعل عليكم من حرج في الدين أصلا خصوصا

____________

[1] انظر الفقيه ج 1 ص 155 الحديث بالرقم 724 و الخصال ط مكتبة الصدوق ص 292 باب الخمسة الرقم 56 و الجامع الصغير الرقم 1174 ج 1 ص 566 فيض القدير و انظر أيضا جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 219 و 220 و تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 58.

33

في باب الطهارة، و لذلك لم يوجب على المحدث الغسل، و اكتفى عند عدم وجدان الماء من غير حرج أو حصول حرج في استعماله بالتيمم و لم يوجب فيه إيصال الصعيد إلى جميع البدن، و لا إلى جميع أعضاء الوضوء، و لا جميع أعضاء التيمّم، و لكن يريد أن يطهّركم من الذنوب أو من الأحداث، أو منهما، أو و غيرهما بما يليق بكم، و لا يضيق عليكم، كما أمركم علي الوجه المذكور.

قال القاضي (1) أي ما يريد الأمر بالطهارة للصلاة أو الأمر بالتيمّم تضييقا عليكم، و لكن يريد ذلك لينظّفكم أو يطهّركم من الذنوب، فان الوضوء تكفير للذنوب، أو ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهّر بالماء، فمفعول يريد في الموضعين محذوف و اللام للعلّة، قال: و قيل مزيدة أي اللّام و هو ضعيف، لأنّ أن لا يقدّر بعد المزيدة و هو سهو منه، فإنّه قال [2] في تفسير قوله «يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» أنّ يبيّن مفعول يريد، و اللام مزيدة لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإرادة، و هو تناقض.

و قال المحقق الرضى قدس اللّه سره: إن اللام زائدة في لا أبا لك عند سيبويه [3]

____________

[2] انظر البيضاوي ج 2 ص 80 و اختلفوا في اللام في مثل هذه الموارد على ثلاثة أقوال الأول أنه قد تقام اللام مقام ان في أردت و أمرت فيقال أردت أن تذهب و أمرتك أن تقوم و أردت لتذهب و أمرتك لتقوم قال اللّه تعالى يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللّٰهِ- يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا و قال وَ أُمِرْنٰا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ و أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ يريد أمرنا أن نسلم و أمرت أن أعدل و قال الشاعر.

أمرت لانسى ذكرها فكأنما * * * تمثل لي ليلى بكل سبيل

الثاني ان في الآية و أمثالها إضمارا و مفعول يريد محذوف و التقدير يريد إنزال هذه الآيات ليبين لكم و هكذا.

الثالث ان اللام زائدة مؤكدة لمعنى مدخولها أو مؤكدة لمعنى الاستقبال في مدخولها انظر في ذلك التفاسير تفسير الآية 26 من سورة النساء و الكامل للمبرد ج 3 ص 823 ط مطبعة الحلبي و المغني حرف اللام و الاشمونى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ج 3 ص 239 و شرح الرضى على الكافية ج 2 ص 329.

[3] لا أبا لك كلمة تستعملها العرب كثيرا في النثر و الشعر قال الشاعر:

____________

(1) انظر البيضاوي ج 2 ص 139 ط مصطفى محمد.

34

و كذا اللام المقدّر بعدها «أن» بعد فعل الأمر و الإرادة كقوله تعالى «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ».

و «لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ» أي ليتمّ بشرعه ما هو مطهّر لأبدانكم أو مكفّر لذنوبكم نعمته عليكم في الدين، أو ليتمّ برخصه إنعامه عليكم بعزائمه، و ربما كان في هذا تنبيه على أن الصلاة بلا طهارة غير تامة، فربما احتمل أن يراد بالنعمة الصلاة أو شرعها.

____________

فمن لم يكن في بيته قهرمانة * * * فذلك بيت لا أبا لك ضائع

و أمثلتها كثيرة؛ راجع المصادر التي نسردها بعيد ذلك، فخرجت تلك الكلمة مخرج المثل و لذلك تقال لكل أحد من ذكر و أنثى أو اثنين أو جماعة و تقال لمن له أب و لمن ليس له أب، و يراد بهذه الكلمة المدح في الأكثر معناه لا كافي لك غير نفسك و قد تذكر بمعنى جد في أمرك و شمر، لان من له أب أتكل عليه في بعض شأنه و عاونه أبوه و من ليس له أب جد في الأمر جد من ليس له معاون.

و قد يطلق الكلمة في الاستعمال موضع استبعاد ما يصدر من المخاطب من فعل أو قول و مثله لا أخا لك أى ليس لك من يكفيك و يعين عليك.

و أما كلمة لا أم لك فتستعمل في مقام الذم و هي شتم. اى ليس لك أم حرة أو أنت لقيط لا يعرف لك أم، و يستعمل لا بك بحذف الهمزة، و لا أباك و لا أبك و لا أب لك و في اللسان، و قال الفراء قولهم لا أبا لك كلمة تفصل بها العرب كلامها.

قال المحقق السيد على المدني في الحدائق الندية بحث أحكام المضاف ص 105 ط 1274 ما يعجبنا نقله بعين عبارته.

فائدة في نحو لا أبا لك ثلاثة مذاهب: أحدها أن أبا مضاف الى ما بعد اللام، و الخبر محذوف، و اللام زائدة بين المتضايفين، تحسينا للفظ، و رفعا لوقوع اسم لا معرفة في الظاهر و الدليل على زيادتها أنها قد جاءت في قوله:

أ بالموت الذي لا بد أنى * * * ملاق لا أباك تخوفيني

و هذا مذهب سيبويه و الجمهور.

الثاني ان اللام غير زائدة، و أنها و ما بعدها صفة لما قبلها، فتتعلق بكون محذوف، و أنهم نزلوا الموصوفة منزلة المضاف لطوله، بصفته و مشاركته للمضاف في أصل معناه، إذ معنى أبوك و أب لك واحد، و هذا مذهب هشام و كيسان و ابن الحاجب و ابن مالك.

35

«لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [1] نعمته أو إتمام النعمة أو هما بالعمل بما شرع لكم، فيثيبكم و يزيدكم من فضله، و فيه كما قيل إيماء إلى كون العبادات تقع شكرا و هو قول البلخيّ و تحقيقه في الكلام.

هذا و لنعد إلى ما بقي من الأبحاث و التنبيه على الأحكام.

فاعلم أنّ ظاهر الأمر الوجوب، و إذا تفيد العموم عرفا، فقد يلزم وجوب الوضوء لكلّ صلاة، لكن الحقّ أنه هنا مقيّد بالمحدثين، لما قدّمنا، و للإجماع و الاخبار، و قيل: كان الوضوء واجبا لكلّ صلاة أوّل ما فرض، ثمّ نسخ و هو مع ما ضعّف به من أنّه

____________

الثالث أن الاسم مفرد و جاء على لغة القصر كقولهم «مكره أخاك لا بطل» و اللام و ما بعدها الخبر، و هو مذهب الفارسي و ابن يسعون و ابن الطراوة انتهى ما أردنا نقله.

انظر البحث في ذلك الكتاب ج 1 ص 315 و ص 345 و المغني حرف اللام و الكامل للمبرد ج 4 ص 951 و الاشمونى بحاشية الصبان ج 2 ص 215 و اللسان و التاج و معيار اللغة كلمة (ا ب و- ى) و الحدائق الندية بحث الإضافة و فتح الباري ج 15 ص 336 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 2 ص 174 و شرح الزرقاني على موطإ مالك ج 4 ص 431 و الخصائص لابن جنى ج 1 من ص 342 الى ص 346.

[1] لعل و عسى موضوعان للترجى في المحبوب، و هو الطمع في حصول أمر محبوب و الإشفاق للمكروه، و هو توقع أمر مخوف ممكن اما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي، و كون المعنى ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله حتى يدخل فيه الطمع و الإشفاق، و لما كان اعتوار المعاني على اللّه سبحانه محالا و كون الترجي و الإشفاق فيمن يجهل العاقبة تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا، استصعب الأمر في الكلمتين المستعملتين في القرآن فمنهم من صرف الترجي و الإشفاق الى المخاطبين، و منهم من قال ان لعل و عسى من اللّه واجبة، و قيل في لعل انها للتعليل.

و الذي يحق أن يقال هو أنهما لإنشاء أمر متردد بين الوقوع و عدمه على رجحان الأول اما محبوب فيسمى رجاء و اما مكروه فيسمى إشفاقا، و ذلك قد يعتبر تحققه بالفعل، اما من جهة المتكلم أو المخاطب، تنزيلا له منزلة المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري بينهما أو غيرهما كما قيل في قوله تعالى «فَلَعَلَّكَ تٰارِكٌ بَعْضَ مٰا يُوحىٰ إِلَيْكَ» و قد يعتبر تحققه بالقوة إيذانا بأن ذلك مئنة للتوقع متصفة بصلاحيته للوقوع، و أنه في معرض التوقع في حد

36

لا يظهر له ناسخ و إطباق الجمهور على أنّ المائدة ثابتة لا نسخ فيها، و ما روي عنه (عليه السلام) «إنّ المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلّوا حلالها و حرّموا حرامها» يدفعه (1) اعتبار الحدث في التيمم في الآية، فإنّه لا يكون إلّا مع اعتباره في الوضوء كما لا يخفى.

و قيل للندب مستشهدا بما روي في استحباب الوضوء لكلّ صلاة من فعله (عليه السلام) و غيره، و يدفعه مع ما تقدّم من اعتبار الحدث في التيمّم في الآية قوله «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» إذ لا مجال للندب فيه مع أنّ الظاهر اتحاد الأمرين في الوجوب أو الندب، و أيضا الوضوء على المحدثين للصلاة واجب فكيف يصحّ الندب مطلقا و لو أريد بالصلاة مطلقها فاستحباب الوضوء لكلّ صلاة سنّة أو مستحبّة للمتوضّئ غير واضح، و كأنّ الباعث على هذين القولين الفرار من محذور العموم، و قد عرفت أنّ التقيد بالمحدثين أوضح.

و ما يقال من حمل الأمر على ما يعمّ الوجوب و الندب من الرجحان المطلق [2]

____________

ذاته من غير أن يعتبر هناك توقع بالفعل من متوقع أصلا، و استعمال الكلمتين في القرآن من هذا القبيل.

و ان أبيت إلا عن كون معناهما الحقيقي التوقع بالفعل، فاجعلهما في تلك الموارد التي يراد صلاحية المورد للتوقع لا فعليته استعارة تبعية أو أجعل الجملة من الاستعارة التمثيلية ذكر من المشبه به ما هو العمدة، اعنى كلمة لعل و عسى أو أجعل الاستعارة بالكناية و اجعل كلمة لعل و عسى من ذكر لازم المشبه به، و على أى فالمراد صلاحيته المحل بالذات للتوقع لا حصوله من متوقع حتى يمتنع من اللّه و يحتاج إلى التأويل.

و سيشير المصنف إلى الاشكال و الجواب في تفسير الآية «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا» و الحق ما ذكرناه.

[2] و للعلامة النائيني (قدس سره) في بحث الأمر بيان قد تلقاه من تأخر عنه كالمرحوم أية اللّه المظفر طاب ثراه و سماحة الآية العلامة الخوئي مد ظله بالقبول و هو بمكان من الحسن ينحل به ما استشكل المصنف هنا و خلاصة البيان أن الأمر ظاهر في الوجوب إذا كان مجردا

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 37 و ص 38.

37

و يكون الندب بالنسبة إلى المتوضّئين و الوجوب بالنسبة إلى المحدثين، فيقال: إن قصد ذلك بالأمر فلا ريب أنه استعمال له في معنيي الوجوب و الندب، و هذا و إن كان

____________

و عاريا عن قرينة الاستحباب، الا أن هذا القيد ليس قيدا للموضوع له و لا للمستعمل فيه حتى يكون ذلك مفاد الصيغة و مدلولها اللفظي، و ليس الوجوب أمرا شرعيا منشأ بإنشاء الأمر بل أمر عقلي من جهة حكم العقل بوجوب اطاعة الأمر، فإن العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى و الانزجار عن زجره قضاء لحق المولوية و العبودية.

فبمجرد بعث المولى يجد العقل أنه لا بد للعبد من الطاعة أو الانبعاث ما لم يرخص في تركه، فليس المدلول للفظ الأمر إلا الطلب من العالي، و لكن العقل هو الذي يلزم العبد بالانبعاث، و يوجب عليه الطاعة لأمر المولى، ما لم يصرح المولى بالترخيص و بإذن الترك.

فالأمر لو خلي و طبعه و بدون الترخيص شأنه أن يكون من مصاديق حكم العقل بوجوب الطاعة، فاستفادة الوجوب على تقدير تجرد الصيغة عن القرينة على إذن الأمر بالترك، انما هو بحكم العقل، إذ هو من لوازم صدور الأمر من المولى، و مع صدور الترخيص في الترك يحمل على الاستحباب، و لا يكون استعماله في موارد الندب مغايرا لاستعماله في موارد الوجوب من جهة المعنى المستعمل فيه اللفظ، فليس هو موضوعا للوجوب، بل و لا موضوعا للأعم من الوجوب و الندب لان الوجوب و الندب ليس للمعنى المستعمل فيه اللفظ من التقسيمات من استعماله في معناه الموضوع له.

و عليه فلا يلزم فيما ورد في كثير من الاخبار من الجمع بين الواجبات و المستحبات بصيغة واحدة مثل «اغتسل للجنابة و الجمعة و التوبة» استعمال اللفظ في أكثر من معنى أو استعمال اللفظ في مطلق الطلب حتى يلزم ما ذكروه من المحذورات، بل الصيغة في الكل لإيقاع النسبة بداعي البعث و التحريك غاية الأمر قام الدليل في بعض الإفراد على عدم لزوم الانبعاث و اجازة الترك، و لم يقع في بعض الإفراد فيكون موردا لحكم العقل.

و عندي أن ما أفادوه بمكان من الحسن دقيق عميق فنقول في المقام أيضا الأمر بالوضوء لإيجاد البعث عليه لإقامة الصلاة، فيجب فيما لم يرد ترخيص كما فيما إذا أراد المحدث اقامة صلاته الواجبة و لا يجب فيما أراد المحدث اقامة صلاته المسنونة أو إذا لم يكن محدثا و يجدد الوضوء للصلاة فهو مما رخص في تركه، فيخرج من مصاديق حكم العقل بوجوب الإطاعة انظر البحث في أصول الفقه للمظفر ج 1 ص 59 و 60.

38

مجازا جائزا مع البيان النبويّ، لكن بدون قرينة في الكلام بعيد جدا، و إن لم يقصد به ذلك فلا يكون المنع من الترك مطلوبا به، و هو مع كونه خلاف الظاهر من كون الأمر للوجوب لا يناسب حمل بقية الأوامر على الوجوب، كما لا يخفى.

و ينافي سياق الآية، فإنّ الظاهر كما يدلّ عليه عجز الآية أنّه مسوق لأمر عظيم و لذلك لم يذكر فيها إلّا ما هو واجب في الوضوء، و بالجملة لا ريب في كون الأمر هنا للوجوب، و أنّه مخصوص بالمحدثين ففي الآية دلالة على وجوب الوضوء بل الطهارة مطلقا للصلاة، و أنّه شرط فيها، لأنه مأمور بالطهارة قبل الصلاة، و الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، و قد يفهمه العرف أيضا فكأنّه قال لا تصلّوا إلّا بطهارة.

فإن قلنا: الصلاة على إطلاقها فيلزم من أشراطها فيها استحبابها للمستحبّة منها، و وجوبها للواجبة منها، و لكن لمّا كان الأمر مشروطا بإرادة منتهية إلى فعل الصلاة مع كونه للوجوب، وجب أن يجب للصلاة عند ذلك، فيجب للصلاة الواجبة لهذا و للاشتراط، و للصلاة المندوبة أيضا كما قيل عند ذلك، فيعاقب على تركه أيضا يعاقب على فعلها بمقتضى الاشتراط، و إنّما يستحبّ لها قبل ذلك فتأمل.

و قد يستدلّ بالاشتراط على وجوب قصد إيقاعه للصلاة مستشهدا بالعرف، و فيه نظر، ثمّ فيها دلالة على وجوب أمور في الوضوء:

الف- غسل الوجه، و أنّه أوّل أفعال الوضوء، فلا يجوز تأخير النيّة عنه، و لا تقديمها مع عدم بقائها عنده إلّا بدليل، و لا يدلّ على تعيين مبدء و لا على ترتيب بين أجزاء الوجه، نعم نقل أنّ فعلهم (عليهم السلام) كان من الأعلى إلى الأسفل [1] و هو المأنوس يسرا و عادة، فهو الاحتياط، لكن يكتفى بما يصدق ذلك معه عرفا، و لا على وجوب

____________

[1] فإنك ترى في كثير من أحاديث الوضوء البيانية «فأسدله على وجهه من أعلى الوجه» كما في الحديث 6 و 10 من الباب 15 من الوضوء من الوسائل المسلسل في ط الإسلامية 1025 و 1029 و في بعض الاخبار الأمر بالغسل من الأعلى كما في الرقم 22 من الباب المسلسل 1041 و ان كان التعبير في هذا الحديث بالمسح، الا أن المراد به الغسل قطعا.

39

المسّ باليد و لا الدلك، و لا على وجوب التخليل بعد غسل الظاهر من البشرة، أو الوجه مطلقا خفيفة كانت اللحية أو كثيفة كما دلّت عليه روايات صحيحة، و لا على التكرار، و لا عدمه بل حكمه ثانيا و ثالثا معلوم من الاخبار.

و يدلّ على تعيين الماء للغسل للعرف، و يكشف عنه قوله «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» و يجب ان يكون مباحا، فان استعمال غيره غصب، و هو منهيّ يستلزم الفساد في العبادة على أنّ الشيء الواحد عندنا لا يكون منهيّا مأمورا به كما تقرّر في الأصول.

ب- غسل الأيدي فالظاهر وجوب غسل اليد الزائدة، سواء فوق المرفق أو تحته و إن تميّزت عن الأصليّة لتسميتها يدا و ما لم يسمّ يدا يغسل ما كان منه تحت المرفق أو فيه على ما يأتي، و «إلى» ههنا إمّا بمعنى «مع» فيجب غسل المرفق كما هو المشهور، أو لانتهاء غاية المغسول لا الغسل على موضوعها اللغوي، فإنّ إجماع الأمة على جواز الابتداء من المرفق، فقيل إنّها تفيد الغاية مطلقا، و دخولها في الحكم أو خروجها منه لا دلالة لها عليه، و إنّما ذلك بدليل من خارج، فلما كانت الأيدي متناولة لها، حكم بدخولها احتياطا.

و قيل إلى من حيث أنها تفيد الغاية تقتضي خروجها، و إلّا لم يكن غاية كقوله «فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ»- «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» لكن لمّا لم تتميّز الغاية هاهنا عن ذي الغاية، وجب إدخالها احتياطا.

و قيل إنّ الحدّ إذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل كما في الأمثلة المتقدمة و إذا كان من جنس المحدود دخل فيه كما في الآية، و إذ لم يؤخذ في القيل الأوّل كون الأيدي متناولة لها كما في الكشاف، كان وجها رابعا أو ثالثا (1) فافهم.

ثمّ إن قلنا إنّها بمعنى «مع» أو أنّ الغاية داخلة لا من باب المقدّمة، وجب إدخال ما يتوقف عليه غسل جميع المرفق من باب المقدّمة كما لا يخفى، ثمّ لو لم يكن هناك مرفق و احتمل اعتبار ما لو كان له مرفق، لكان الظاهر غسله، و اعتبار ما لو كان

____________

(1) و ظهور اتحاد الأول و الثالث على ما قرر أولا. منه (قدس سره).

40

كذلك لكان غسله تعينا أو أنه لا يزيد عليه تعيّنا و لو إلى العضد إن كان، أو من غير اعتبار أنه لا يزيد عليه تعيّنا لأنّه أمر بغسل اليد، و لم يوجد له ما يخرج شيئا من يده من الحكم، فيبقى داخلا تحت الحكم فتأمل.

و يكفي في الغسل مسمّاه كما في الوجه، و يجب تخليل الخاتم و نحوه و الشعر أيضا، و إن كثف ظاهرا، و لا يدلّ على ترتيب بين اليدين و هو ظاهر، و أما بالنسبة إلى الوجه فيمكن أن يفهم من الفاء، لأنّها للتعقيب بلا فصل.

فان قيل عطف بقيّة الأعضاء على مدخول الفاء يدلّ على فعل المجموع بعد القيام، فكأنه قيل إذا قمتم إلى الصلاة فتوضّؤا، قلنا: بل عطف كلّ منها على مدخول الفاء يفيد التعقيب لكلّ منها، فلما لم يكن ذلك مطلوبا شرعا و لا معلوما عرفا أكثر من الترتيب الذكري، روعي فيه ذلك، و يؤيده الأمر في الأخبار بمراعاة ترتيب القرآن (1) و منه يستفاد الموالاة أيضا.

و ما يقال عليه من أنّ المراد مجرّد التعقيب لا بلا مهلة، و على تقدير ذلك فلا يفهم إلّا غسل الوجه بلا مهلة، فمحلّ نظر.

ج- مسح الرأس بمسمّاه مطلقا مقبلا أو مدبرا، قليلا أو كثيرا، كيف كان، نعم إجماع الأصحاب على ما نقل و فعلهم (عليهم السلام) بيانا و غير بيان خصّصه بمقدّم الرأس ببقيّة البلل لا بالماء الجديد اختيارا، و جوّزه بعض نادر (2) لروايتين صحيحتين [3] دلّتا

____________

[3] إشارة الى الحديث المروي في التهذيب ج 1 ص 58 الرقم 163 و الاستبصار ج 1 ص 58 الرقم 173 عن معمر بن خلاد قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) أ يجزى الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه لا، فقلت أ بماء جديد؟ فقال برأسه نعم، و الحديث المروي في التهذيب بالرقم 164 و الاستبصار بالرقم 174 عن شعيب عن أبى بصير قال سألت أبا عبد اللّه عن مسح الرأس قلت أمسح بما في يدي من الندى رأسي، قال لا بل تضع يدك في الماء ثم تمسح.

____________

(1) انظر الباب 37 من أبواب الوضوء من كتاب جامع أحاديث الشيعة من ص 120 الى ص 122.

(2) و هو ابن الجنيد.

41

على عدم جواز المسح بفضلة الوضوء من الندى، بل بالماء الجديد، و حملتا على التقيّة لذلك، و على الاضطرار، و ذهب بعض إلى وجوب مسح مقدار ثلاث أصابع، و لا دليل عليه إلّا مفهوم بعض الاخبار، و عموم الآية و الاخبار بل خصوص كثير منها ينفيه.

د- مسح الرّجلين إلى الكعبين بالمسمّى كالرأس، و هو صريح القرآن، فإنّ قراءة الجرّ نصّ في ذلك، لانّه عطف على «بِرُؤُسِكُمْ» لا محتمل غيره، و هو ظاهر، و جرّ الجوار مع ضعفه ربما يكون في الشعر لضرورته مع عدم العطف، و أمن اللبس، أما في غيره خصوصا مع حرف العطف و الاشتباه، بل صراحته في غيره، فلا نحمل القرآن العزيز عليه، مع ذلك كلّه خطأ عظيم، و لذلك لم يذكره في الكشّاف، و لا احتمالا لكن ذكر ما هو مثله بل أبعد و هو أنّه لما كان غسلها بصبّ الماء كان مظنّة للإسراف فعطفت على الرؤس الممسوحة لا لتمسح بل لينبّه على ترك الإسراف و قال «إِلَى الْكَعْبَيْنِ» قرينة على ذلك إذا لمسح لم يضرب له غاية في الشريعة.

و لا يخفى أنّ بناء هذا و سياقه على أنّ وجوب غسل الرجلين في الوضوء و كونه مرادا من الآية معلوم شرعا لا يحتمل سواه و كيف يجوز ذلك مع إطباق أهل البيت (عليهم السلام) و إجماع شيعتهم الإماميّة و جميع كثير من الصحابة و التابعين و غيرهم منهم أيضا و الاخبار الكثيرة المتواترة خصوصا من طرق أهل البيت (عليهم السلام) على المسح و أنّه المراد بالاية مع صراحتها فيه و الاخبار من طرقهم على الغسل غير بالغ حدّ التواتر و لا تفيد علما مع عدم المعارض فكيف في هذا المقام.

ثمّ إنّه لا يتم نكتة بعد الوقوع أيضا، فان إرادة الغسل المشابه للمسح ينافيها استحباب غسلها ثلاثا و كونها سنّة كما هو مذهبهم، و أيضا لم يثبت إطلاق المسح بمعنى الغسل الخفيف، و أما قول العرب تمسّحت للصلاة أو أتمسّح بمعنى الوضوء، فان صحّ فهو إطلاق لاسم الجزء على الكلّ فإنّه إمّا مسح أو ما يشتمل عليه عادة، فلم يطلق على

____________

و روى الأول في المنتقى ج 1 ص 126 و لم يرو الثاني لما في أحاديث أبي بصير من الكلام و في الباب حديث آخر أيضا في التهذيب بالرقم 166 عن أبي عمارة الحارثي قال سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) أمسح رأسي ببل يدي قال خذ لرأسك ماء جديدا.

42

خصوص الغسل الخفيف، ثمّ لو صحّ فلا يصحّ في الآية، فإنّه على هذا التوجيه مقابل للغسل الخفيف، فان الإسراف في ماء الوضوء ممنوع مطلقا.

ثمّ لا ريب أنّ إرادة غسل مثل غسل الوجه و اليدين على وجه لا إسراف فيه مع ذلك إلغاز و تعمية غير جائز في القرآن سيّما مع عدم القرينة على شيء من ذلك لا صارفة و لا معيّنة و لا علاقة مصحّحة، أما قوله «إِلَى الْكَعْبَيْنِ» فالحقّ أنّه يقتضي خلاف ما ذكره، لتكون الفقرتان على أبلغ النظم و أحسن النسق من التقابل و التعادل لفظا و معنى، كما هو المنقول عن أهل البيت [1] (عليهم السلام) فأين هذا من التنبيه على ما قال.

ثمّ لا يخفى أنّ المراد لو كان هذا المعنى، لنقل عنه (عليه السلام) بيانا لكونه ممّا يعمّ به، و لا استدلّ به على عدم الإسراف، و ليس شيء من ذلك، بل هذا توجيه لم يذكره الصدر الأوّل و لا الثاني، و لم ينقل عنهم، و أيضا فإنّ هذا إنّما يتصوّر بأن يراد بقوله «وَ امْسَحُوا» حقيقة المسح بالنسبة إلى الرؤس، و مثل هذا المجاز بالنسبة إلى الأرجل، و لا ريب أنه أبعد من إرادة معنيي الوجوب و الندب في الأمر، و قد قال في

____________

[1] روى زرارة في الصحيح عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: أ لا تخبرني من أين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك (عليه السلام) ثم قال: يا زرارة قال رسول اللّه و نزل به الكتاب من اللّه لان اللّه يقول «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل ثم قال «وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ».

ثم فصل بين الكلامين فقال «امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» فعرفنا حين قال «بِرُؤُسِكُمْ» أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه، فقال «وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» فعرفنا حين وصلهما بالرأس أن المسح ببعضهما، ثم سن ذلك رسول اللّه للناس فضيعوه، منه (قدس سره). أقول: انظر جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 111 الحديث بالرقم المسلسل 955 و التهذيب ج 1 ص 61 الرقم 168 و الاستبصار ج 1 ص 62 الرقم 186 و الفقيه ج 1 ص 56 الرقم 212 و الكافي ج 1 ص 10 باب مسح الرأس و القدمين و هو في المرات ج 3 ص 19 و علل الشرائع ج 1 ص 264 الباب 190 ط قم و العياشي ج 1 ص 299 و البحار ج 18 ص 66 و ص 70 و البرهان ج 1 ص 452 و الوسائل الباب 23 من أبواب الوضوء الحديث 1 ج 1 ص 55 ط الأميري و هو في ط الإسلامية ج 2 ص 290 الرقم المسلسل 1073 و الوافي الجزء الرابع ص 44 و هو في المنتقى ج 1 ص 125 و ص 273.

43

اغسلوا أنه إلغاز و تعمية فليتأمل.

و أما قراءة النصب [1] فلأنّه معطوف على محلّ «بِرُؤُسِكُمْ» و مثله معروف شائع كثير في القرآن و غيره، و عطفه على وجوهكم مع تماميّة ما تقدّم و انقطاع هذا عنه بالفصل بقوله «وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» و العدول عن العامل و المعطوف عليه القريبين إلى البعيدين في جملة أخرى بعيد جدّا غير معروف و لا مجوّز، سيّما مع عدم المقتضي كما هنا، و قد عرفت فتذكّر.

ثمّ ظاهر الآية عدم الترتيب بينهما، كما عليه أكثر الأصحاب، و يؤيّده الأصل.

تنبيه: الظاهر أنّه لا يشترط في المسح عدم تحقّق أقلّ الغسل معه أي جريان الماء في إمرار اليد لصدق الاسم المذكور في الكتاب و السنّة و الإجماع حينئذ لغة و عرفا و للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة لو كان شرطا، إذ لم يبين، و لأنه تكليف شاقّ

____________

[1] و زبدة المخض في المسئلة أنه اختلف انظار علماء الإسلام في نوع طهارة الأرجل من أعضاء الوضوء فالامامية الاثنا عشرية ذهبوا الى تعين المسح فرضا تبعا لأئمتهم و هو مذهب ابن عباس و أنس بن مالك و عكرمة و الشعبي و ابى العالية و هو المروي في كتب أهل السنة عن على (عليه السلام).

و جمهور فقهاء أهل السنة على وجوب الغسل فرضا على التعيين و عليه الأئمة الأربعة منهم.

و رب قائل بالتخيير بينهما كما نقل عن الحسن البصري و الطبري و الجبائي و أوجب داود بن على الظاهري و الناصر للحق من أئمة الزيدية الجمع بين الغسل و المسح و كأنهما وقعا في حيرة فالتبس الأمر عليهما بسبب التعارض بين الآية و الاخبار فأوجبا الجمع.

و الذي تقتضيه الآية قطعا انما هو تعين المسح كما عليه الإمامية و لتوضيح ذلك نقول أنه قد نقل القرائتان في و أرجلكم نصب اللفظ و جرة عن السبعة المدعى تواترها لم ينقل غيرهما الا شاذا كما في شواذ القرآن لابن خالويه ص 31 نقل قراءة الرفع عن الحسن، و كذا في الكشاف ج 1 ص 611 و سنتكلم في تلك القراءة أيضا، و على القراءتين المشهورتين اما ان نقول:

القرائتان متواترتان و بكلتيهما نزل القرآن و نزله روح الأمين على قلب النبي كما عليه أكثر أهل السنة أو نقول ان النازل انما هو احدى القرائتين و التبس الأمر علينا و لم نعلم أيهما عين ما نزل

44

منفيّ خصوصا هنا، فإيجابه بعيد، نعم هو أحوط و قد تكون المقابلة باعتبار النيّة أو باعتبار غالب الأفراد.

و قوله «وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» في حيّز «إِذٰا قُمْتُمْ» كما عرفت، و نقيضه ما بعده، فلا يلزم وجوب غسل الجنابة لنفسه، بل هو كباقي الطهارات للصلاة و نحوها كما هو الظاهر، و نقيضه بعض الأخبار و ظاهر السياق كما قدّمنا.

و تبيّن في السنّة أنّ المراد بالمرض ما يستلزم الوضوء أو الغسل معه حرجا

____________

به القرآن و انما أمرنا بمتابعة ما قرأته الناس حتى يظهر الإمام القائم (ع) و نعلم انه بأيهما نزل الروح الأمين على قلب النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فلنفرض أولا كون المنزل إحديهما فلا محالة اما أن يكون الجر أو النصب أو الرفع على فرض شاذ نقل عن الحسن فان كان الجر فمقتضاه كون الأرجل معطوفة على الرؤس و كون الواجب فيهما المسح كما وجب في الرأس.

و احتمال كون الجر على الجوار مع ضعف العطف على الجوار حتى عده كثير من أهل الأدب في اللحن و اشتراطه بأمن اللبس كما في جحر ضب خرب إذ لا يحتمل أحد كون الخرب نعتا للضب مضافا الى اشتراط كونه بدون حرف العطف و عدم تكلم العرب به مع العطف حكم بكون منزل القرآن عاجزا عن أن يأتي بما هو مقبول عند كل أحد و يورد الكلام بوجه مغسول مرذول لا يقبله الطبع.

ثم لنفرض ثانيا ان الذي نزل به الروح الأمين هو النصب فقط فنقول مقتضاه أيضا وجوب المسح و ذلك لأنه على هذه القراءة يكون المعنى وجوب مسح الرؤس مع الأرجل و كون الواو بمعنى مع و نصب الاسم بعد واو المعية مما لا ينكره أحد من أهل الأدب و لم يشترطوا في ذلك الا تقدم الفعل و شبهه و هو موجود في الآية.

و لتحقيق البحث في واو المعية انظر الكتاب لسيبويه ج 1 من ص 150 الى ص 156 و الإنصاف لابن الأنباري المسئلة 30 من مسائل الخلاف من ص 248 الى ص 250 و الاشمونى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ج 2 من ص 395 الى ص 430 و كذا ج 4 من ص 635 الى ص 637 و الاشمونى بحاشية الصبان ج 2 من ص 134 الى ص 141 و شرح الرضى على الكافية ط اسلامبول ج 1 من ص 194 الى ص 198 و التصريح للأزهري ج 1 من ص 353 الى ص 355 و الخصائص لابن جنى ج 1 ص 312 و ص 313 و ج 3 ص 383.

45

و عسرا في الحال أو المآل و كذلك السفر، لكن قد يتحقّق مثل أعذار السفر في الحضر و يوجب التيمّم كما هو مبيّن في السنّة و ينبّه عليه عجز الآية، فلا يبعد دخوله تحت قوله «أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ» على أنّ المراد به مطلق الأحوال الّتي يشقّ معها الوضوء و الغسل غير المرض، و عدم وجدان الماء، و لو على طريق الاستتباع منبّها على ذلك بعجز الآية معتمدا على البيان النبوّي، مع احتمال كون غير السفر معلوما حكمه عن محض السنّة أو العجز.

____________

و قد ورد في التنزيل مثله أيضا و هو الآية 71 من سورة يونس عند قصة نوح فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكٰاءَكُمْ على قراءة شركائكم بالنصب و عليه رسم المصاحف انظر نثر المرجان ج 3 ص 64 و قد ذكروا للنصب وجوها كثيره لا يقبلها الذوق السليم الا كونه مفعولا معه لضمير الفاعل في فاجمعوا و يكون معناه مطابقا لقراءة يعقوب و ان لم يوافقه رسم المصحف فإنه قرء بالرفع عطفا على الضمير المرفوع المتصل من غير تأكيد بالمنفصل لوقوع الفاصلة.

و قد صرح ابن جنى بأنه كلما جاز استعمال الواو عاطفة يجوز استعمالها بمعنى مع فلا يلزم من كون الواو بمعنى مع وجوب كون مسح الرؤس مع الأرجل في زمان واحد كما توهمه الالوسى ج 6 ص 69 بل ترى هذا الجواز مصرحا في كلمات كثير من الأدباء و ان أبيت فكون الأرجل في قراءة النصب معطوفا على محل برؤسكم خال عن كل خلل و العطف على المحل شائع ذائع في استعمال العرب لا نريد هنا الإطالة بذكر الأمثلة.

و اما احتمال كون الأرجل على قراءة النصب عطفا على الأيدي فهو رد الكلام الى وجه مرذول مغسول يراه كل أحد في كل لغة قبيحا أ ترى ان قال أحد بالفارسية (زيد را بزن و بعمر إحسان نما و بكر را يعنى بزن بكر را) و كذا لو قال بالعربية اضرب زيدا و أحسن إلى عمرو و بكرا أى اضربه أ يقبله أحد أو يستهزئه في هذا التعبير و ينسب المتكلم الى العجز أو الجهل تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

و اما احتمال كونه مفعولا لفعل مقدر مثل علفتها تبنا و ماء باردا فهو أيضا وجه لا يحتاج اليه و يعود الكلام إلى إرادة معنى لا يدل عليه أصل الكلام و لا يصدر الا عن العاجز الجاهل بكيفية إيراد الكلام.

ثم لنفرض ثالثا كون القرآن بالقرائتين منزلا على النبي (ص) فنقول حيث ان مقتضى كل من القرائتين وجوب المسح فرضا بالتعيين فكونه متعينا في هذا الفرض أيضا أوضح من ان يحتاج الى البيان.

و اما ما روى شاذا من قراءة الحسن البصري و أرجلكم بالرفع فهو مبتدأ محذوف الخبر معناه كما قاله ابن خالويه «مسحه الى الكعبين» إذ هو المناسب لكونه محذوفا مقرونا بالقرينة

46

و قريب من ذلك الأمر في «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ» فإنّه يحتمل أن يكون المراد مطلق الحدث الأصغر و مطلق الجنابة بقرينة ما تقدّم كما نبّهنا- و أن يكون الغائط أو ما يخرج من السبيلين من البول و الغائط بل الريح و مجامعة النساء كما قاله كثير من المفسّرين فتأمّل.

____________

كما احتمل في الكشاف فقال ممسوحة أو مغسولة و لا ان غسلها الكعبين مع عدم ذكر غسل لها من قبل الا مع فصل طويل و مع ذلك فالقراءة شاذة.

فثبت أن الذي عليه التنزيل هو تعين وجوب المسح فرضا و اعترف به ابن حزم في المحلى ص 266 ج 1 المسئلة 200 و قال ان القرآن نزل بالمسح سواء قرئ بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الرؤس اما على اللفظ و اما على الموضع لا يجوز غير ذلك ثم اختار وجوب الغسل لمكان نسخ الآية بالأخبار و اعترف بدلالة الآية غير واحد من أهل السنة كما يستفاد من مراجعة التفاسير و الكتب الفقهية منهم.

هذا ما يستفاد من الكتاب و اما السنة فنقول حيث ثبت تعين المسح فرضا لا يكون اجازة الغسل تعيينا أو تخييرا الا نسخا للقرآن و لا يكون تخصيصا أو تقييدا فلا يمكن إثباته إلا بالسنة المتواترة إذ لا يجوز نسخ الكتاب بالآحاد و لم يتواتر السنة بالغسل بل المتواتر الواصل عن أئمة الهدى الذين فيهم نزل القرآن و هم اولى بفهم القرآن تعين المسح.

سلمنا و فرضنا إمكان نسخ القرآن بالآحاد أو فرضنا اجازة الغسل تعيينا أو تخييرا تخصيصا أو تقييدا و فرضنا صحة أحاديث وردت في كتب أهل السنة لكن نقول انه كما ورد الغسل في- أحاديثهم فكذلك تعين المسح أيضا وارد في أحاديثهم و القاعدة في المتعارضين انما هو التساقط.

فان قال بعض أعلام الشيعة في المتعارضين بالتخيير فلأخبار لهم جعل العلاج فيها في- المتعارضين الأخذ بالتخيير و ليس في اخبار أهل السنة ما يوجب هذا العلاج و الحكم بالأخذ بالتخيير و حكم العقل في الدليلين المتعارضين المتكافئين انما هو التساقط و ليس في اخبار الغسل ترجيح و ان شئت ملاحظة اخبارهم فراجع ما في فهرس مصادر كتاب الوضوء في الكتاب و السنة لسماحة الآية نجم الدين العسكري مد ظله ثم راجع أصل المصادر لا نطيل الكلام و عندئذ نقول:

بعد تعارض الاخبار لا يكون المرجع الا الكتاب الكريم و ليس مفاده الا تعين المسح فما عليه الإمامية هو المطابق للقرآن و بيان أهل البيت الذين هم أدرى بما في البيت فالحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّه.

47

فيدلّ على أنّ الغائط أو البول بل الريح أيضا أحداث موجبة للوضوء و التيمّم و كون الجماع حدثا أكبر موجبا للغسل و التيمّم، و عدم اشتراط حصول المني في الجنابة فيكفي غيبوبة الحشفة لصدق الملامسة.

و في قوله «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» دلالة على أنّ الغسل و الوضوء إنّما يكون بالماء لا غير، و على طلب الماء في مثل رحله و حواليه مع اجتهاد ما من غير حرج، و أما غلوة سهم في الحزنة و غلوتين في السهلة كما قيل (1)، فلا دلالة عليه فيها، و لا في الخبر بل سياق بعض الأخبار كالأصل ينفيه. نعم لا بأس بمراعاة ذلك على حسب الاحتياط.

و يدلّ أيضا على وجوب الشراء مع التمكّن من غير حرج لأنّه واجد بل على قبول بذله كذلك، و نحوه بذل قيمته فتأمل.

و في قوله «فَتَيَمَّمُوا» إلخ دليل على وجوب التيمّم مع العذر و اشتراطه و عدم جواز التيمّم بغير الأرض، و اشتراط طهارته بل إباحته أيضا، و أنّ المسح ببعض الوجه و بعض الأيدي، لأنّ الباء للإلصاق أو التبعيض، و على التقديرين يصدق بمسح البعض، و يشعر بأنّ مسح الوجه أوّل أفعال التيمّم إلّا أن يريد بتيمّم الصعيد وضع اليد عليه أيضا، أمّا الترتيب و الموالاة فنحو ما تقدّم في الوضوء و مراعاة العلوق أحوط و ربما كان في الروايات إشارة إليه (2) و إلى عدمه، فليتأمل.

و فيها دلالة أيضا على أنّ تيمّما واحدا يكفي مع اجتماع الحدث و الجنابة و أنّ التيمّم عن الجنابة مثل التيمّم عن الحدث الأصغر، و أنه يكفي فيهما ضربة واحدة، و هو في أخبار صحيحة أيضا و روي ضربتان مطلقا (3) و للغسل فالأولى حمل الزائد على الاستحباب كما قاله علم الهدى، و كأنه في الغسل آكد فتأمل.

و في العجز دلالة على عدم الحرج في أمر الطهارة أصلا، فلا يبلغ في الطلب حدّ

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 69.

(2) انظر الوسائل الباب 13 من أبواب التيمم الحديث و هو في ط الإسلامية ج 2 ص 980 المسلسل 3876.

(3) انظر جامع أحاديث الشيعة ج 1 من ص 222 الى ص 224

48

الحرج، و لا في استعمال الماء، فلا يجزى مع العذر إلّا في مثل ما إذا أفرط في الطلب فوجد، لأنّه يجب بعد الوجدان.

و دلالة على أنّ التيمم طهارة و رافع في الجملة، فينبغي أن يباح به عند العذر ما يباح بالمائيّة، و يؤيّده ما في الاخبار نحو «يكفيك الصعيد عشر سنين، و التراب أحد الطهورين، و ربّ الماء و ربّ الأرض واحد» (1) و ليس رافعا بالكلّيّة، فان حكمه يزول بزوال العذر، و التمكّن من المبدل.

و قال شيخنا المحقّق دام ظلّه (2) يحتمل رفعه إلى أن يتحقّق الماء أو يوجد القدرة على استعماله إذ لا استبعاد في حكم الشارع بزوال الحدث إلى مدّة، فإنّه مجرّد حكم الشارع، فلعلّ البحث يرجع إلى اللّفظي فليتأمل فيه.

[أحكام التيمم]

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً» (3).

تخصيص الخطاب بالمؤمنين لنحو ما تقدّم، و قد يتوهّم دلالة الآية على عدم خروج المؤمن بشرب الخمر عن الايمان، فيكون الفاسق مؤمنا، و فيه نظر من وجوه لا يخفى [4] ثمّ المراد إمّا النهى عن فعل الصلاة و القيام إليها في حال السكر من خمر و نحوه

____________

[1] منها الفرق بين المؤمنين و بين الذين آمنوا، لاختصاص الأول بهذه الخصوصية و منها منع ما يستلزم ثبوت هذا الإطلاق أو صدق اسمه حال السكر، فإنه مثل أن يقال لا تفسقوا و لا تكفروا، و منها أن السكور بما يحصل بالشرب على الوجه الخطاء أو الإكراه، فلا يستلزم الفسق، و منها على أن السكر سكر النوم فلا فسق أيضا فليتدبر، منه (قدس سره).

____________

(1) الاخبار بهذه المضامين كثيرة مبثوثة في أبواب الطهارة.

(2) انظر زبدة البيان ص 21 ط المرتضوي.

(3) سورة النساء الآية 43.

49

أو من النوم أو أعمّ كما هو ظاهر القاضي (1) فإنّ الصلاة مع زوال العقل لا يصحّ، فيجب القضاء إذا فاتته، و المخاطب بذلك المكلّف به المؤمنون العاقلون إلى أن يذهب عقلهم، فيجب ما يأمنون معه من فعل الصلاة حال السكر.

«وَ لٰا جُنُباً» يستوي فيه الواحد و الجمع و المذكر و المؤنّث، و هو عطف على «وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ» لأنّ محل الجملة مع الواو النصب على الحال «إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ» استثناء من عامّة أحوال المخاطبين و انتصابه على الحال، أو صفة لقوله «جُنُباً» أي لا تقربوا الصلاة جنبا إلّا مسافرين أي معذورين أو غير مسافرين أي غير معذورين «حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا».

و على التقديرين يدلّ على أنّ التيمم لا يرفع الحدث، و التعبير عن مطلق المعذورين بعابري سبيل حينئذ كأنه لتحقق الأعذار غالبا في السفر، و أما النهي عن مواضع الصلاة، أي المساجد حال السكر من خمر و نحوه و جنبا إلّا مجتازين بأن تدخلوا من باب و تخرجوا من آخر، و في مجمع البيان و هو المرويّ عن ابى جعفر (عليه السلام) (2).

فان صحّت الرواية و إلّا فينبغي النظر إلى ما في كلّ من التكلف و الترجيح فالأوّل إنما يحتاج إلى حمل «عٰابِرِي سَبِيلٍ» على المعذورين بقرينة ما يأتي في التيمّم، فان حمله على المسافرين منهم فقط مع الحصر غير مناسب، و هذا إلى حمل القرب من الصلاة على حضور مواضعها من المسجد، أو تقدير مواضع مضافا بقرينة عابري سبيل محمولا على ظاهره، أما ما يرجح به هذا من احتياج الأوّل إلى قيده بالتيمم و لزوم التكرار ففيهما نظر.

نعم يؤيده أن ذكر الصلاة بالتيمم في المائدة يوجب على الأول دون الثاني، أما ذكر كون الصلاة بالتيمم بعده كما يقتضيه قوله «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ» فيؤيد الأوّل لأنّ المحدث يجوز له دخول المسجد، فلا يراد بالاية منعه إجماعا فهو بالأول

____________

(1) البيضاوي ج 2 ص 88 ط مصطفى محمد.

(2) المجمع ج 2 ص 52 و مثله في كنز العرفان ج 1 ص 29.

50

أنسب، و لو أريد على الثاني المنع من الصلاة أيضا فافهم.

و ذكر ذلك [أي «أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ» إلخ] إشارة إلى كون السكر ناقضا للوضوء، فمع كونه بعيدا، كذلك (1) كما لا يخفى، و قد يقال يؤيده أيضا أنّ القول بتحريم دخول السكران المسجد غير معروف، و لا معلوم إلّا باعتبار الصلاة فيرجع إلى تحريمها، و فيه تأمل.

و قد يؤيّده أيضا ظاهرا عدم جواز اجتياز الجنب في المسجدين، فإنه يقتضي ظاهرا تقييد الاستثناء أو الصفة على الثاني فيؤيّد الأول لكن لا يبعد أن يكون نزول الآية قبل حرمة الاجتياز فيهما كما قيل على أنّ الدلالة على جواز الاجتياز بالمفهوم على تقدير الصفة و لا نسلم عمومه هنا، فربّما يقال نحو ذلك على الاستثناء أيضا فتأمل.

و قال شيخنا المحقّق دام ظله بعد تضعيف الثاني: فالظاهر أنّ المراد بصدر الاية الدخول في الصلاة و إن أمكن جعل «وَ لٰا جُنُباً» باعتبار المساجد بارتكاب تقدير و يحتمل أن يكون المنهيّ القرب إلى الصلاة مطلقا و مجملا: بالنسبة إلى السكران فعلها، و بالنسبة إلى الجنب الدخول إلى مواضعها و يكون معلوما بالبيان، و لا يخلو عن بعد و الأول أبعد انتهى.

و عن الشهيد الثاني: قال أهل البديع [2] إنّ اللّه سبحانه استخدم في هذه الآية

____________

[2] انظر شرح الإرشاد ص 50 و خلاصة الكلام في هذا المبحث أن لأهل الأدب في معنى الاستخدام اصطلاحين الأول ما استعمله الزركشي في البرهان و ابن أبي الإصبع في بديع القرآن و بعض آخر و هو ان يأتي بلفظ له معنيان (حقيقيان أو مجازيان أو مختلفان) ثم يوتى بلفظين يخدم أحدهما أحد معنيي اللفظ الأول و الثاني المعنى الآخر منه سواء تقدم اللفظ الأول على قرينتيه أو تأخر أو توسط.

و قد مثلوا له في كلام اللّه المجيد بقوله تعالى «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتٰابٌ يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ» فان لفظ الكتاب قد يراد به الأمد المحتوم و قد يراد به المكتوب يخدم لفظ الأجل أحد مفهوميه و هو الأمد و يخدم يمحو المفهوم الآخر و هو المكتوب.

و مثلوا له أيضا هذه الآية «لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً

____________

(1) اى بالأول أنسب.

51

لفظ الصلاة في معناها الحقيقي، و في موضع الصلاة، فإنّ قرينة «حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ» دلت على الصلاة، و قرينة «إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ» على المسجد انتهى.

و الظاهر أن ارتكاب الاستخدام في قربها أقرب و الأظهر أن القرب أعم من التلبّس بفعلها و التعرض له كالعزم و القيام إليها و الحضور في مواضعها المعدّة لفعلها بلا استخدام، فان هذا هو الظاهر من القرب منها كما لا يخفى.

و بالجملة ففي الآية دلالة على وجوب ما يؤمن به من التلبس بالصلاة أو حضور

____________

إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا» فان الصلاة تحتمل ارادة نفس الصلاة و تحتمل ارادة موضعها، فقوله «حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ» يخدم المعنى الأول، و قوله «إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ» يخدم المعنى الثاني.

و قال أبو العلاء في القصيدة الثالثة و الأربعين يرثي فقيها حنفيا.

و فقيها أفكاره شدن للنعمان * * * ما لم يشده شعر زياد

فان النعمان يراد به أبو حنيفة و هو النعمان بن ثابت، و يراد به النعمان بن المنذر ملك الحيرة فقوله فقيها يخدم المعنى الأول و قوله شعر زياد يخدم المعنى الثاني لأن زيادا هو النابغة الذبياني و كان معروفا بمدح النعمان بن المنذر.

و في القصيدة النباتية.

حويت ريقا نباتيا حلا فغدا * * * ينظم الدر عقدا من ثناياك

فلفظ النباتي يراد به السكر يعمل منه كالبلور شديد البياض و الصقالة و يراد به ابن نباتة الشاعر المعروف، فذكر الريق و الحلاوة يخدم المعنى الأول، و ذكر النظم و الدر و العقد يخدم المعنى الثاني.

و قال الهلالي

أخت الغزالة إشراقا و ملتفتا * * * لها لدى السمع لذات و نشأت

فالاشراق يخدم أحد معنيي الغزالة و هو الشمس و الملتفت يخدم معناه الآخر و هو الظباء.

و مثله قول الشاعر:

حكى الغزال طلعة و لفتة * * * من ذا رآه مقبلا و لا افتتن

أعذب خلق اللّه ريقا و فما * * * ان لم يكن أحق بالحسن فمن؟

و الفرق بين الاستخدام بهذا الاصطلاح و التورية أن اللفظ ان استعمل في مفهومين معا فهو الاستخدام و ان أريد أحدهما مع لمح الآخر باطنا فهو التورية قال الشاعر:

في الجانب الأيمن من خدها * * * نقطة مسك اشتهى شمها

52

المسجد حال السكر من ترك ما يستلزمه و فعل ما يستلزم عدمه حتّى قبل شرب المسكر، فلو كان الشرب مستلزما لحرم لهذا، فلا يكون التكليف مخصوصا بمن شرب أو بالثمل الذي لم يزل عقله بعد كما توهّم، و كذا من شرب و لم يذهب عقله قبل الخروج، فلو كان فيها أو في المسجد فخاف ذهاب العقل قبل الخروج وجب المسارعة إلى الخروج و نحو ذلك الجنابة فافهم.

ثم لا يخفى أنّ في تعيين التيمم للمعذور بدلا من الغسل بعد قوله حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا دلالة على كونه كافيا للمعذور في دخول المسجد الحرام، و الصلاة فيه و الطواف، لا يشترط فيه أكثر ممّا يشترط فيها، فلا وجه لمنع فخر المحقّقين من جواز الطواف بالبيت

____________

حسبته لما بدا خالها * * * وجدته من حسنه عمها

ففي الاستخدام بهذا الاصطلاح استعمال اللفظ في معنييها و أكثر المتأخرين من الأصوليين على استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد و أجازه أستادنا العلامة أية اللّه الحائري مؤسس الحوزة العلمية الكبرى بقم نور اللّه مضجعه الشريف، انظر كتاب درر الفوائد ج 1 ص 25 قال (قدس سره) بل لعله يعد في بعض الأوقات من محسنات الكلام، و اختار الجواز سماحة الآية العلامة الخوئي مد ظله انظر ذيل ص 51 ج 1 من كتاب أجود التقريرات و كذا ص 205 الى ص 214 ج 1 من تقرير درسه الشريف لمحمد إسحاق الفياض و المختار عندي أيضا الجواز و لا أريد إطالة الكلام بشرح ما ذكروه في المسئلة من النقض و الإبرام فان محله الأصول.

بل أقول هنا ان أدل الدليل على إمكان كل شيء وقوعه و قد وقع في التنزيل الآية المبحوث عنها.

هذه الأئمة من أهل البيت الذين هم أدرى بما في البيت قد استندوا بالاية لاستفادة حرمة دخول الجنب المساجد الا اجتيازا.

انظر جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 164 و الحدائق ج 3 ص 50.

هذه الصحابة مثل ابن عباس حبر الأمة و ابن مسعود كنيف ملئ علما يستندون للحكم بالاية انظر تفسير الطبري ج 5 ص 98 الى ص 100 و سنن البيهقي ج 2 ص 442 و 443 و بعيد من أمثال هذه الصحابة أن يقولوا في القرآن بشيء غير مطمئنين بكونه المقصود و غير متلقين من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و قد استدل بالاية على الحكم غير واحد من التابعين و الفقهاء و العلماء لا نطيل الكلام

53

للجنب المتيمم، لأنه جنب و لا يجوز دخوله المسجد إلّا عابرا لهذه الآية، و أيضا فإنّه ينافي الأخبار العامّة المستفيضة، و ربما استلزم الحرج، على أنّ حمل الآية على النهي عن قرب المسجد محل تأمل كما عرفت.

ثمّ لا يخفى أن ترك «منه» هنا يؤيد عدم اشتراط إيصال شيء من الصعيد إلى محل المسح، و أما باقي الأحكام فكما تقدّم في الاولى.

«إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَفُوًّا غَفُوراً» أي كثير الصفح و التجاوز كثير المغفرة و الستر على ذنوب عباده.

____________

بسردهم انظر التفاسير تفسير هذه الآية.

و غير خفي على من له ادنى ذوق و فهم- انه لا يستقيم استفادة هذا الحكم من الآية الا من طريق الاستخدام بهذا المعنى المستلزم لاستعمال اللفظ في أكثر من معنى، و اما الوجوه الأخر التي ذكرها المفسرون فمما لا يتقبله الطبع السليم و الذوق المستقيم لا نطيل الكلام بذكرها، و عليك بمراجعتها و التأمل التام ثم القضاء بالحق حسب ما يقتضيه الوجدان و السلام على من اتبع الهدى.

الاصطلاح الثاني للاستخدام ما استعمله السكاكي في المفتاح و القزويني في التلخيص و عدة أخر و هو أن يوتى بلفظ له معنيان (حقيقيين أو مجازيين أو مختلفين) أو أكثر. ثم يوتى بضميره أو ضمائر له و يراد المعنى الآخر أو المعاني الآخر أو بأحد الضميرين معنى و بالآخر الأخر:

و كذا لو أتى مكان الضمير ما يشير اليه مثل قول ابن الوردي:

و رب غزالة طلعت * * * بقلبي و هو مرعاها

نصبت لها شباكا من * * * لجين ثم صدناها

فقالت لي و قد صرنا * * * الى عين قصدناها

بذلت العين فاكحلها * * * بطلعتها و مجريها

و اسم الإشارة مثل:

راى العقيق فأجرى ذاك ناظرة * * * متيم لج في الاشواق خاطره

أراد بالعقيق أولا المكان ثم أعاد اسم الإشارة عليه بمعنى الدم، و عد الشهاب الخفاجي منه الاستخدام بالاستثناء في قول زهير:

«ابدا حديثي ليس بالمنسوخ إلا في الدفاتر» حيث أراد بالنسخ الأول الإزالة، و أراد به في الاستثناء النقل أي إلا في الدفاتر فإنه ينسخ و ينقل و عندي أن هذا من الاستخدام بالاصطلاح الأول

54

[الإخلاص في العبادة]

سورة البيّنة «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» المأمورون أما أهل الكتاب، أو يعمّ المشركين و يحتمل مطلق المكلفين أي ما أمروا في التورية و الإنجيل كما روى عن ابن عباس، و ذهب إليه كثير، أو في القرآن.

«إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» أي العبادة أو ما يوجب الدين، أي الجزاء و الأجر، فهي العبادة أيضا، بأن لا يعبدوا إلّا اللّه و لا يشركوا في عبادته شيئا، و فيه إشارة إلى أنّ الرياء نوع شرك فافهم.

____________

و مثله «بذلت العين جارية و مكحلة و طالعة» و سرده الخفاجي في هذا القسم باعتبار الضمير المستتر.

قال في الإتقان قيل لم يقع في القرآن على طريقة السكاكي، قلت و قد استخرجت بفكرى آيات على طريقته منها قوله تعالى «أَتىٰ أَمْرُ اللّٰهِ» فأمر اللّه يراد به قيام الساعة و العذاب و بعثة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و قد أريد بلفظه المعنى الأخير كما اخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى أَتىٰ أَمْرُ اللّٰهِ قال محمد، و أعيد الضمير في فلا تستعجلوه مرادا به قيام الساعة و العذاب.

و منها و هي أظهرها قوله تعالى «وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ» فان المراد به آدم ثم أعاد عليه الضمير مرادا به ولده ثم قال «فَجَعَلْنٰاهُ فِي قَرٰارٍ مَكِينٍ» و منها قوله تعالى «لٰا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» ثم قال «قَدْ سَأَلَهٰا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ» اى أشياء أخر لأن الأولين لم يسألوا عن الأشياء التي سأل عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها، انتهى ما في الإتقان.

قلت و عد منه «وَ الْمُطَلَّقٰاتُ» الى قوله «وَ بُعُولَتُهُنَّ» فان الضمير في بعولتهن للرجعيات و ان استشكل عليه العلامة النائيني في فوائد الأصول، و عد منه أيضا «وَ مٰا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لٰا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ».

ثم المنقول في هذا اللفظ الاستخذام بمعجمتين يعنى الاستخذام و الاستجذام، و بمهملة و معجمة يعنى الاستحذام و معجمة و مهملة يعنى الاستخدام من الخدمة انظر تفصيل الاستخدام في ج 4 ص 327 شروح التلخيص و جواهر البلاغة ص 364 و أنوار الربيع ج 1 من ص 307 الى ص 320 و خزانة الأدب للحموي ص 53 و نهاية الأدب ج 7 ص 143 و بديع القرآن لابن ابى

55

فان قلنا إنّ اللام في ليعبدوا زائدة أي (1) «إلّا أن يعبدوا» دل على أن كل مأمور به عبادة، و أنه يجب إيقاعها مخلصا فمثل قضاء الدين و دفع الظلم و النوم عند الضرورة إليه إذا لم يقع على وجه الإخلاص لم يحصل به الامتثال، و كان المكلّف به آثما بتركه، و إن حصل براءة الذمة من حق الناس و بعض المصالح المتعلّقة بالمأمور فيسقط التكليف لعدم بقاء المحل لا لوقوع الامتثال فلا يكون الإخلاص في مثله شرطا لحصول الثواب فقط، بل لعدم العقاب أيضا فتأمل.

و إن قلنا اللام للتعليل كما في الكشاف (2) و البيضاوي: احتمل ذلك أيضا أي ما أمروا بما أمروا إلّا لأجل أن يعبدوا اللّه بذلك حال كونهم مخلصين له تلك العبادة و لا يبعد أن لا يعتبر كون تعبّدهم بذلك المأمور به، أى ما أمروا بما أمروا إلّا لأجل أن يعبدوا اللّه مخلصين له العبادة، فالأمر حينئذ إمّا بالعبادة مخلصين، أو بما يؤدّى العمل به إليها.

و يحتمل على الوجوه كلّها أن يكون الحصر إضافيّا كما لا يخفى، فلا يأتي بعض ما قلنا. نعم لا ريب في كون العبادة على وجه الإخلاص مأمورا بها على الوجوه كلّها.

«حُنَفٰاءَ» حال آخر، أى مستقيمين على طريق الحق و الصواب أو مائلين إليه عن الاعتقادات الزائفة و الطرق الباطلة، فهو تأكيد لحصر العبادة في اللّه، المفهوم من قوله إلّا إلخ بعد تأكيده بالإخلاص، و عطف «يقيموا و يؤتوا» يدلّ على زيادة الاهتمام

____________

الإصبع ص 104 و شرح النهج للخوئى ط الإسلامية ج 1 ص 158 و التعريفات للجرجانى ص 16 و البرهان للزركشى ج 3 ص 446 و الإتقان ج 2 ص 84 النوع الثامن و الخمسون و ريحانة الألباء ج 1 ص 33 و التفاسير عند تفسير هذه الآية أو تفسير «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتٰابٌ».

____________

(1) قد عرفت صحة زيادة اللام لإفادة التأكيد بعد فعل الأمر و فعل الإرادة فراجع تعاليقنا على هذا الكتاب ص 33 يؤيد هذا الوجه قراءة ابن مسعود على ما نقله في الكشاف ج 4 ص 782 الا ان يعبدوا.

(2) الكشاف ج 4 ص 782.

56

بالصلاة و الزكاة «وَ ذٰلِكَ» أي عبادة اللّه على الوجه المذكور، و إقامة الصلاة، و إيتاء الزكاة دين الملّة القيّمة، أي عبادة الملّة المستقيمة الحقّة، و هي شريعة نبينا (عليه السلام) الآن.

أو المراد بالدين الملّة كما في قراءة: «و ذلك الدين القيمة» (1) فتكون من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، و تأنيث القيّمة إما للردّ إلى الملّة أو الهاء للمبالغة (2) و هذه الإضافة قد جوّزها الكوفيّون (3) و من لم يجوّز فإنّما لم يجوّز مع إفادة الصفة لا مطلقا، و هو مصرّح، و لهذا يجوز الإضافة البيانيّة بالاتفاق، أو صفة للكتب الّتي جرى ذكرها كذلك أى ذلك ملّة الكتب القيّمة أو ملّة أصحابها كما قيل فتأمل.

و على الوجهين يمكن أن يراد به العبادة كما لا يخفى، بل في القراءة أيضا.

[و قد يتأمّل في دلالة الآية على اعتبار الإخلاص في العبادة لاحتمال أن يراد بإخلاص الدين له اختيار دين الإسلام مثلا خالصا للّه، و فيه أنه خلاف أقوال العلماء لم ينقل من أحدهم ذلك، و أيضا الأظهر في إخلاص الدين للّه أن يوقع الأعمال الدينية خالصا للّه، و لم سلّم فحنفاء، فيه ما يكفي في هذا المعنى كما قدّمنا].

و بالجملة لا ريب في دلالة الآية على اعتبار الإخلاص في العبادة، و أشراطه فيها، و لو من قوله «وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» و لعلّ إخلاصها هو أن توقعها للّه وحده، فلا ترجو بها إلّا من عنده، و إن كان الكمال التام أن يكون معرفتك بجلال ربّك و كرمه و اعتقادك بفيّاض فيض جوده و فضله، فوق أن ترجو ما عنده بامتثاله، و رسوخك في محبّته و طريق مودّته و شوقك إلى متابعة مراده و تحصيل مرضاته أكثر من أن يكون شيء من ذلك ملحوظا لك في عبادته، كما هو المفهوم من قول مقتداك و هاديك، و باب علم نبيّك (عليه السلام): «ما عبدتك خوفا من نارك، و لا طمعا في جنّتك، بل وجدتك أهلا

____________

(1) الكشاف ج 4 ص 782.

(2) و في المجمع ج 5 ص 523 قال النضر بن شميل سالت الخليل عن هذا فقال القيمة جمع القيم و القيم و القائم واحد فالمراد و ذلك دين القائمين للّه بالتوحيد.

(3) و هو الحق انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 81.

57

للعبادة فعبدتك (1)».

و لا يخفى أنّ الفعل لا تقع هكذا إلّا باعتبار قصده كذلك، و هو النيّة الّتي يستدلّ الأصحاب بالآية عليها، و الإخلاص هو المراد بالقربة الّتي يذكرونها في النيّات لتلازمهما في العبادة الصحيحة، و ترتّبها عليه، و لاعتبار صفة القربة في الآيات و الروايات كثيرا.

إذا تقرّر ذلك، فلا تصحّ مع قصد الرياء أو التبرّد أو إزالة الكسل أو الوسخ أو نحوها، لكونه منافيا للإخلاص فيكون مفسدا لها، و تصحّ مع رجاء الفوز بالجنّة، و الخلود فيها، و الخلاص من النار و الأمن منها بالامتثال بها، فان هذا غير مناف بل مؤيّد و مؤكّد إلّا لنادر، و لذلك تضمّن بعض الآيات و الأخبار الأمر به، و المدح عليه فافهم.

ثم لا يخفى أنّ قوله «حُنَفٰاءَ» ظاهره على ما تقدّم عدم صحّة عبادة الفاسق سيّما مع إصراره على الكبائر لأنّه غير مستقيم على طرق الحقّ و الصواب، و غير مائل إليه عن الاعتقادات الزائفة و الطرق الباطلة، اللهم إلّا أن يراد بهم المائلون إلى الإسلام عن الأديان كلّها، كما في اللباب (2) أو المتّبعون لملّة إبراهيم (عليه السلام)، و قيل حنفاء أي حجّاجا و إنما قدّمه على الصلاة و الزكاة لأنّ فيه صلاة، و إنفاق مال، و هو غير مناسب كما لا يخفى.

و كظاهر هذه الآية قوله تعالى في نبأ ابني آدم «إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» فان ظاهر إطلاقه كما قاله القاضي أنّ الطاعة لا تقبل إلّا من مؤمن متّق، و فيه: إلّا على قول من يقول بأن فاعل الكبيرة غير مؤمن، على أنّ فيه ما فيه من الإشكال فإنّ الفقهاء لم يذكروا ذلك، بل ظاهرهم أنّ الفسق لا يمنع من صحة العبادة إذا فعلها على وجهها.

فلعلّ المراد أنّ اللّه لا يقبل القربان بإرسال نار تأكلها إلّا من المتّقين أو أنه

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 235.

(2) تفسير الخازن ج 4 ص 399 سورة الواقعة و يؤيد ذلك ما روى عن الصادقين.

58

لا يقبل عبادة إلّا من المتّقين فيها، بأن يأتي بها على وجه لا يكون عصيانا، مثل أن يقصد بها الرياء أو غير ذلك من المبطلات، أو المراد تقوى عن ذنب ينافي تلك العبادة، فتكون إشارة إلى أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، فهو موجب للفساد، فلا يلزم الاشتراط عدم كونها معصية، أو عدم استلزامها للمعصية، و اللّه أعلم.

ثمّ اعلم أنه إذا كان المراد بدين القيّمة الملّة المستقيمة أي شريعة الإسلام كما تقدّم، يجب أن يكون ذلك إشارة إمّا إلى الدين الكائن أوامره، أو عبادته على الوجه المخصوص المفهوم التزاما و إمّا إلى الأوامر المخصوصة، أو العبادة المخصوصة أو إلى كون الأوامر على الوجه المخصوص أو العبادة كذلك، و معلوم أنّ شيئا من ذلك ليس عين شريعة الإسلام فإن شريعة الإسلام أوامر و نواه و غيرهما، و كذلك عبادة و غيرها، فلا بدّ من ارتكاب مجاز في الإسناد، أو في ظرف أو تقدير مضاف و نحوها.

و حينئذ فلا يرد ما قيل من أنّ ظاهره دخول الأعمال خصوصا إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة في الإسلام، و هو مذهب الخوارج، فان من أخلّ بالعمل فاسق عند الكلّ، و كافر عند الخوارج، و خارج عن الايمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة، لاعتبارهم الأعمال في الايمان فبعض كلّا، و بعض الفرائض، و بعض مجرّد الكبائر.

فمنهم من استدلّ بذلك كالخوارج بأنّ الايمان إن كان هو الإسلام، فظاهر و إلّا فكلّ ما يعتبر في الإسلام يعتبر في الايمان، و لا يرد حينئذ هذا أيضا مع ما فيه كما لا يخفى.

[مس كتابة القرآن]

الواقعة «إِنَّهُ» أي المتلوّ «لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ» صفة قرآن، أي حسن مرضىّ أو عزيز مكرّم، أو كثير النفع «فِي كِتٰابٍ مَكْنُونٍ» مصون عن الباطل، أو مستور عن الخلق في لوحه المحفوظ، و متعلّق الجارّ إما صفة بعد اخرى لقرآن أو خبر بعد خبر، و كذلك «لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ» لأنّه لو كان صفة لكتاب كان كالتأكيد و البيان لمكنون، و التأسيس التام أتمّ و أولى، و لأنّ السياق لإظهار شرف القرآن و فضله، و ينبّه عليه قوله «تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» أى القرآن أو المتلوّ، لا الكتاب الذي هو اللوح المحفوظ، و لا الذي فيه.

59

في الكشاف «تَنْزِيلٌ» صفة رابعة للقرآن أي منزّل «مِنْ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» أو وصف بالمصدر، لأنه نزل نجوما بين كتب اللّه تعالى فكأنه في نفسه تنزيل، و لذلك جرى مجرى بعض أسمائه، فقيل جاء في التنزيل كذا و نطق به التنزيل، أو هو تنزيل على حذف المبتدء، و قرئ «تنزيلا» على «نزل تنزيلا» انتهى، و أيضا اطّلاع الملائكة على ما في اللوح المحفوظ و مسّهم إيّاه غير واضح، فان مفاد بعض الاخبار و كلام بعض الأخيار خلافه، و كذلك قيل في تفسير «مَكْنُونٍ»: مستور عن الخلق [و لم يقل مستور عن الناس و نحو ذلك] كما تقدّم.

و في التبيان و مجمع البيان و عندنا أنّ الضمير يعود إلى القرآن، فلا يجوز لغير الطاهر مسّه حملا للنفي على معنى النهي و نحوه، و يؤيّد ذلك ما روى (1) عن الصادقين (عليهم السلام) أنّ المراد المطهّرون من الأحداث و الجنابات، و أن أخبارهم (عليهم السلام) متفقة في المنع لغير الطاهر من المسّ، و في بعضها الذي ينبغي أن يعدّ من الصحاح نسب ذلك إلى الآية الشريفة، فيحرم مسّ كلّ ما صدق عليه أنه قرآن، سواء في مصحف أو لوح أو جدار أو جلد أو ورق و لو مسودة أو غير ذلك كما هو المشهور عندنا.

نعم قد يتأمل في التشديد و الاعراب و نحوه، و ربّما فرق بينهما، و فيه نظر لا يخفى.

ثمّ لو كان صفة ل «كِتٰابٍ» للقرب مع بعده فالأظهر إرادة الخطّ و الكتابة القرآني مطلقا، كلا كان أو بعضا و مصحّح الظرفيّة حينئذ استفادة القرآن منه، و دلالته عليه و هو في المآل كالأوّل أولا مطلقا بل كلا، و حينئذ فيدلّ على تحريم مسّ كتابة القرآن في المصحف و نحوه، و لا أعرف منّا قائلًا بهذا الخصوص لكن ربما أمكن أن يقال لا فرق بين ذلك و بين غيره، إذ الظاهر أنّ المقتضى لذلك كونه خطّ القرآن و كتابته فتأمل.

____________

(1) انظر الباب 12 من أبواب الوضوء من الوسائل و ص 43 ج 1 مستدرك الوسائل و ص 84 ج 1 من جامع أحاديث الشيعة و راجع أيضا في المسئلة مسالك الافهام ج 1 من ص 82 الى ص 85 و تعاليقنا فان فيها ما قل ان يوجد في الكتب الأخرى.

60

أما أن يراد به المصحف، أعنى مجموع الأوراق أو الألواح المكتوبة فيها القرآن جميعا، أو و الجلد إذا كان، أو و الكيس و نحوه، كما ذهب إليه الشافعيّة فبعيد جدا لكن ربّما كان اعتمادهم في ذلك على إطلاق منع مسّ المصحف في الخبر فليتأمل فيه.

و قد أورد في المقام أنّ استفادة التحريم من الآية على ما ذكر يتوقّف على كون النفي بمعنى النهى بتقدير مقول فيه، و هو تكلّف، و كونه صفة ل «كِتٰابٍ» أي اللوح و المطهّرون الملائكة المقربون المطهّرون عن الذنوب و غيرها محتمل واضح خال عن التكلّف، فلا يجوز العدول عنه، و إن ثبت الحكم بالأخبار أو الإجماع إلّا أن يدلّ دليل على أنه مراد منها.

و يمكن أن يجاب بأنّ هذا الاحتمال مدفوع بما قدّمنا، و معه ارتكاب نحو هذا التكلّف سهل و أولى، لكن قد ذهب جماعة من الأصحاب إلى كراهة مسّ خطّ القرآن للمحدث.

و في الكشاف: «و إن جعلته صفة للقرآن فالمعنى لا ينبغي أن يمسّه إلّا من هو على الطهارة من الناس» و لا يخفى أن «لا ينبغي» ظاهره الاخبار و الكراهة دون التحريم، و أنه قريب، و أن المحذور الذي هو لزوم الكذب يندفع بهذا المقدار فلا يلزم ارتكاب ما يلزم منه التحريم، بل لا يجوز إلّا بما يقتضيه بخصوصه.

و تبيّن أيضا انه لا يتوقّف استفادة الحكم على كون النفي بمعنى النهي خصوصا على التقدير المذكور، فيجوز التقدير إخبارا على التحريم أيضا كلا يجوز و نحوه، و أيضا لم سلّم وجوب كون النفي هنا بمعنى النهي في الجملة، فلا يلزم كونه للتحريم بل جاز كونه بمعنى نهي التنزيه.

لا يقال النهى ظاهره التحريم و إن احتمل التنزيه، لأنّا نقول ذلك في صيغة النهي لا مطلق طلب الترك، فإن للنفي في هذا المقام معنيين مجازيين: أحدهما معنى نهى التحريم، و الآخر نهى التنزيه، بل ثالث هو طلب الترك مجملا، فاذا تعذر

61

الحقيقة وجب الحمل على المجاز، لكن لا يجوز التخصيص إلّا بمخصّص خصوصا في التحريم، لمزيد مخالفته للأصل، على أنه لو تساوى الجميع فلا ريب أن الكراهة تثبت على كل من المعنيين الأخيرين، فيكون أقوى و أرجح.

و قد يقال التحريم و إن كان خلاف الأصل، إلّا أنه أقرب المجازات إلى النفي لدلالته على الانتفاء شرعا حتما، و فيه نوع تأمّل فليتدبّر.

و في الكشاف (1): «و من الناس من حمله على القراءة أيضا، و لا يخفى بعده، و لهذا لم يذهب إليه أحد من الفقهاء، و في بعض التفاسير عن محمّد بن الفضل: لا يقرء القرآن إلّا موحّد، و عن حسين بن الفضل لا يعلم تفسيره و تأويله إلّا المطهّرون من الكفر و النفاق، و عن أبي العباس بن عطا لا يعرف حقائق القرآن إلّا المطهّرون بأنوار العصمة عن أقذار المعصية، و عن جنيد المطهّرون أسرارهم عمّا سوى اللّه، و قيل المراد المطهّرون من الحدث الأكبر نحو الجنابة و الحيض و الاستحاضة و النفاس، و أما المس فقيل اختص بالملاقاة بباطن الكف و قيل بل هو اسم للملاقاة مطلقا، و هو الأقرب من حيث اللّغة.

[في أن الماء طهور لغيره]

التوبة «فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» المرويّ عندنا عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (2) و هو الأشهر عند العامة (3) أيضا انها نزلت في أهل قباء، فروي لجمعهم في الاستنجاء من الغائط بين الأحجار و الماء، و روي لاستنجائهم بالماء، و الجمع ممكن، و فيها دلالة على استحباب الجمع في الاستنجاء من الغائط و أولوية الماء من مجرد الأحجار، فإنه أتمّ، و ربما دل على استحباب المبالغة في الاجتناب من النجاسات، و لا يبعد فهم استحباب النورة و أمثالها، و استحباب الكون على الطهارة.

____________

(1) الكشاف ج 4 ص 469.

(2) انظر البرهان ج 2 ص 161 و ص 162 و نور الثقلين ج 2 ص 267 و 268.

(3) انظر الدر المنثور ج 3 ص 278 و ص 279 و الطبري ج 11 من ص 26 الى ص 31 و ابن كثير ج 2 ص 389 و 390.

62

و تأييد لدلائل الأغسال المستحبّة، و استحباب المبالغة في الاجتناب عن المحرمات و المكروهات، و الاجتناب عن محالّ الشبهات، و كلّ ما فيه نوع خسّة و دناءة، و الحرص على الطاعات و الحسنات، فإنهنّ يذهبن السيئات، فإنّ الطهارة إن كانت لها شرعا حقيقة فهي رافع الحدث، أو المبيح للصلاة، و هنا ليست مستعملة فيه اتّفاقا فلم يبق إلّا معناها اللغوي العرفيّ أي النزاهة و النظافة، و هو يعمّ الكل، كما لا يخفى.

و يؤيّد هذا العموم قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» قال القاضي أي المتنزهين عن الفواحش و الأقذار و الإتيان في غير المأتي، و حينئذ يكون لكلّ من الأقوال الباقية وجه.

قال في الكشاف (1) و قيل: هو عامّ في التطهّر من النجاسات كلّها، و قيل كانوا لا ينامون اللّيل على الجنابة، و يتبعون الماء على أثر البول، و عن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة، و قيل يحبّون أن يتطهّروا بالحمّى المكفّرة لذنوبهم، فحمّوا عن آخرهم، و محبّتهم للتطهّر حرصهم عليه حرص المحبّ للشيء المشتهى له، و محبة اللّه إيّاهم أنّه يرضى عنهم و يحسن إليهم كما يقول المحبّ لمحبوبه هذا.

[و قيل: يفهم من الآية أن من فعل حسنا مع عدم أخذه بدليل شرعي كان ممدوحا مثابا حيث وقع هذا الثناء العظيم من اللّه سبحانه لهم، مع عدم علمهم كما يفهم من شأن النزول، و فيه منع ظاهر، على أن كفاية الماء وحده و الأحجار كذلك على بعض الوجوه كما هو المقرر، كاف في افادة أولوية الجمع، و الماء عند العقل، لظهوره أن المقصود هو النظافة كما لا يخفى].

الفرقان «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» قيل أى مطهّرا؛ عنه (2) (عليه السلام) طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب أى مطهره و عنه (3) (عليه السلام)

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 311.

(2) الجامع الصغير بالرقم 5380 ج 4 ص 272 فيض القدير عن أبي هريرة و في بعض الروايات أولاهن مكان إحديهن و في الفيض و قيل طهور بالضم بمعنى الفعل و المشهور بفتح الطاء بمعنى المطهر.

(3) مر مصادر الحديث ص 32 من هذا الجلد.

63

جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا، و عنه (عليه السلام) أيضا و ترابها طهورا، و لو أراد الطاهر لم يكن فيه مزيّة، و عنه (عليه السلام) [1] و قد سئل عن الوضوء بماء البحر: هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته و لو لم يرد مطهرا لم يصلح جوابا.

و قال اليزيدي [2] الطهور بالفتح من الأسماء المتعدية، و هو المطهر غيره، و أيضا

____________

[1] رواه ابن تيمية في المنتقى ج 1 ص 24 نيل الأوطار عن أبي هريرة و فيه رواه الخمسة (أي أحمد و أصحاب السنن) و في النيل أخرجه أيضا ابن خزيمة و ابن حبان في صحيحهما و ابن الجارود في المنتقى و الحاكم في المستدرك و الدارقطني و البيهقي في سننهما و ابن أبي شيبة و حكى الترمذي عن البخاري تصحيحه و في النيل أيضا انه صححه ابن المنذر و ابن مندة و البغوي و قال هذا الحديث متفق على صحته.

و قال ابن الأثير في شرح المسند هذا حديث صحيح مشهور أخرجه الأئمة في كتبهم و احتجوا به و رجاله ثقات و قال ابن الملقن في البدر المنير هذا الحديث صحيح جليل مروي من طرق الذي حضرنا منها تسع ثم ذكرها جميعا و أطال الكلام عليها انتهى ما أردنا نقله من النيل.

و روى الحديث في المعتبر ص 7 و نقله عنه في الوسائل الباب 2 من أبواب الماء المطلق و رواه في كنز العرفان ج 1 ص 38 و رواه في المستدرك ج 1 ص 25 عن دعائم الإسلام و غوالي اللئالى و روى حديثي المعتبر و دعائم الإسلام في جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 3 و روى حديث المعتبر في الوسائل الباب 2 من أبواب الماء المطلق ج 1 ص 102 المسلسل 335 ط الإسلامية.

[2] المشهور في كتب اللغة و التفاسير نسبة كون الطهور بمعنى الطاهر في نفسه المطهر لغيره انما هو الى ثعلب كما سينقله المصنف نفسه أيضا عن الكشاف عن أحمد بن يحيى و هو ثعلب ثم ينقلون عن الأزهري و كان بعد ثعلب توفي 370 و قيل تتلمذ على ثعلب و على اى فالمنقول منه انه قال الطهور في اللغة هو الطاهر المطهر.

قال فعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل به مثل الطهور لما يتطهر به و الوضوء لما يتوضأ به و الفطور لما يفطر عليه و الغسول لما يغتسل به و يغسل به الشيء و اما كون الطهور بالفتح من الأسماء المتعدية و هو المطهر لغيره فقد نقله المصنف هنا عن اليزيدي و سبقه في ذلك الفاضل المقداد في كنز العرفان ج 1 ص 37 ط المرتضوي و ادعاه شيخ الطائفة و براعته في اللغة و الأدب مما لا ينكره أحد من الفريقين.

قال في التهذيب ج 1 ص 214: و ليس لأحد ان يقول ان الطهور لا يفيد في لغة العرب كونه مطهرا لان هذا خلاف على أهل اللغة لأنهم لا يفرقون بين قول القائل هذا ماء طهور و هذا ماء مطهر انتهى.

64

يقال ماء طهور و لا يقال ثوب طهور و لا شيء يختص به الماء يقتضي ذلك الّا التطهير، و أيضا فعولا للمبالغة، و لا يتحقق إلّا مع إفادة التطهير.

و في الكشّاف (1) طهورا بليغا في طهارته. و عن أحمد بن يحيى [2]: هو ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، فان كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة، كان سديدا و

____________

ثم اليزيدي عند أهل الأدب انما يطلق على يحيى بن المبارك المتوفى 202 المعروف نفسه و بنوه الخمسة بالأدب و النحو ترى ترجمته مع مصادر الترجمة في الإعلام ج 9 ص 205.

و في حاشية نسختنا «كأنه محمد بن يزيد المبرد منه مد ظله» و أظنه سهوا منه (قدس سره) لكون ابى المبرد يزيد فتوهم انه اليزيدي عند أهل الأدب و الا فهو معروف بلقبه المعروف المبرد بكسر الراء لقب به لما سأله شيخه أبو عثمان المازني عن عويصة فأجابه بأحسن جواب برد به غليله فقال قم فأنت المبرد فحرّفه الكوفيون ففتحوا الراء تهكما به و على اى فانظر البحث في الطهور و ما قيل فيه في اللسان و التاج و المصباح المنير و التفاسير تفسير الآية 48 من سورة الفرقان و الحدائق ج 1 ص 174 الى 177.

[1] هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني مولاهم امام الكوفيين في عصره لغة و نحوا و ثعلب لقب له و قد ظن انه تغلب بالتاء القوقانية و الغين المعجمة و هو اشتباه ولد ثعلب سنة مائتين و توفي سنة احدى و تسعين و مائتين و كان راى أحد عشر خليفة أولهم المأمون و أخرهم المكتفى بن المعتضد له كتب كثيرة و قالوا في رثائه.

مات ابن يحيى فماتت دولة الأدب * * * و مات أحمد انحى العجم و العرب

فان تولى أبو العباس مفتقدا * * * فلم يمت ذكره في الناس و الكتب

انظر ترجمة الرجل في الإعلام ج 1 ص 252 و بغية الوعاة ج 1 ص 396 الرقم 787 و تاريخ بغداد ج 5 ص 204 و أنبأه الرواة ج 1 ص 138 الرقم 86 و نزهة الألباء ص 173 ط بغداد و تاريخ ابن كثير ج 11 ص 98 و وفيات الأعيان ج 1 ص 30 و معجم الأدباء ج 5 من ص 102 الى ص 146 و تذكرة الحفاظ ج 2 ص 214 و طبقات القراء ج 1 ص 148 الرقم 692 و الفهرست ص 116 و آداب اللغة ج 2 ص 181 و تهذيب الأسماء و اللغات للنووي ج 2 ص 275 الرقم 457 و النجوم الزاهرة ج 3 ص 133 و ريحانة الأدب ج 1 ص 239 الرقم 594 و رغبة الأمل ج 1 ص 4 و روضات الجنات ص 56.

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 284.

65

يعضده قوله تعالى «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» و إلّا فليس فعول من التفعيل في شيء.

و الطهور في العربيّة على وجهين صفة و اسم غير صفة، فالصفة ماء طهور كقولك طاهر، و الاسم كقولك لما يتطهّر به طهور، كالوضوء و الوقود لما يتوضأ به و توقد به النار، و قولهم تطهّرت طهورا حسنا كقولك وضوء حسنا ذكره سيبويه و منه قوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا صلاة إلّا بطهور، أي بطهارة انتهى.

و اعترضه النيشابوريّ بأنه حيث سلم أنّ الطهور في العربيّة على الوجهين اندفع النزاع، لأنّ كون الماء ممّا يتطهر به هو كونه مطهرا لغيره، فكأنه سبحانه قال و أنزلنا من السماء ما هو آلة للطهارة، و يلزم أن يكون طاهرا في نفسه، قال و مما يؤيد هذا التفسير أنه تعالى ذكره في معرض الانعام، فوجب حمله على الوصف الأكمل، و ظاهر أنّ المطهر أكمل من الطاهر، و نظيره قوله «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ» انتهى، و لا يخفى ان تسليمه ذلك على وجه لا يصح كون ذلك مرادا هنا إذ قد صرّح بكونه حينئذ اسما غير صفة أي لا يوصف به، و ذلك لأنّ أسماء الآلة كأسماء الزمان و المكان لا يوصف بها من المشتقّات كما هو المصرّح به في النحو، فكيف يستلزم ذلك التسليم اندفاع النزاع، على أنّ نزاعه هو في كون التطهير من مفهومه الموضوع له كما هو صريح قوله «فان كان ما قاله شرحا لبلاغته في الطهارة كان سديدا» و حينئذ لو صحّ التوصيف به و كان هو مرادا كان النزاع باقيا لتغاير مفهومي المطهّر و آلة الطهارة، و إن تلازما هنا، و لذلك لم يلزم مثل هذا التلازم في في نظيرهما كليا، و لا صحّت نسبة الفعل إلى الآلة كذلك حقيقة، بل و لا مجازا تدبر.

و أيضا إذ قد تبين أنّ المطهريّة لازم على التقديرين، من غير أن يكون من المفهوم الموضوع له، فلا يلزم كون الوصف بالآليّة أكمل، بل الظاهر حينئذ أنّ البالغ في شدّة الطهارة إلى هذا الحدّ أبلغ من آلة الطهارة، كيف لا؟ و طهارته في نفسه حينئذ من مفهومه الموضوع له، بخلافه على ذلك، بل قد ينظر في استلزامه عقلا أو شرعا،

66

و هذا أيضا أنسب ببقيّة الآية خصوصا على إرادة ماء المطر: كما هو الظاهر، و صرّح به عامة المفسّرين فليتدبّر.

و في معالم البغويّ: و ذهب بعضهم إلى أنّ الطهور ما يتكرر منه التطهير، كالصبور لمن يتكرّر منه الصبر، و الشكور لمن يتكرّر منه الشكر، و هو قول مالك حتّى جوّزوا الوضوء بما توضّي به مرة، و ذهب أصحاب الرأي إلى أنّ الطهور هو الطاهر حتّى جوّزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، مثل الخلّ و ماء الورد و المرق.

و قال النيشابوري: هذا القول علم بين الفقهاء في الاستدلال على طهارة الماء في نفسه، و على مطهريّته لغيره، و لا يخفى أنّ الاستدلال بهذا على طهوريّة الماء مطلقا مشكل لما عرفت من ظهوره في ماء المطر، و هو أنظف المياه و أطهره، فوصفه بذلك خصوصا للفائدة المذكورة في بقيّة الآية لا يستلزم اتصاف غيره من المياه بذلك، إلّا باعتبار الإجماع على طهوريّة مطلق الماء من غير فرق أو النصّ كقوله (عليه السلام) «خلق الماء طهورا [1]» و الدليل حينئذ ذلك لا ما في الآية.

____________

[1] الحديث رواه في المعتبر عن الجمهور بلفظ خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه و رواه في السرائر بعنوان المتفق على روايته و في المدارك ص 5 كونه من الاخبار المستفيضة و رواه في الوسائل بلفظ خلق اللّه الماء طهورا إلخ عن المعتبر و ابن إدريس و رواه في المستدرك و غوالي اللئالي عن الفاضل المقداد بلفظ خلق اللّه الماء إلخ و لفظ الفاضل في كنز العرفان ج 1 ص 39 الماء طهور لا ينجسه الا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه و رواه بدون الاستثناء بلفظ خلق مع رمز خ على كلمة اللّه.

و لم أظفر في الجوامع الحديثية لأهل السنة على الحديث بهذا اللفظ نعم أرسلوه في كتبهم في الفقه و التفسير و غيرهما كالرازي ج 24 ص 95 و المناوى في فيض القدير ص 312 ج 1 شرح الرقم 512 و جواهر الاخبار ذيل البحر الزخار ج 1 ص 28 و مختصر المزني و احياء العلوم للغزالي ج 1 ص 115.

و اما أخبارهم المسندة فليس فيها لفظ خلق أو خلق اللّه الا ان فيها الماء طهور ان الماء طهور و أمثاله و كفى هذه الألفاظ أيضا فيما أراد المصنف إثباته من عدم اختصاص الحكم بالمياه المنزلة من السماء بالإجماع و الاخبار لا بالاية فلا حاجة لنا بشرح اختلاف ألفاظ الأحاديث في ذلك الباب.

67

نعم يمكن أن يستدلّ به على مزيّة قوّة التطهير لماء المطر أما الاستدلال بها على اختصاص الطهوريّة بالماء كما هو ظاهر جماعة من الشافعيّة، فلا، إلّا أن يقال:

حيث ثبت في الشريعة أن الماء مطلقا طهور، علم أنّ المراد هنا وصفه بالطهوريّة بحسب حقيقته و نوعه، فينتفى عن غيره بالمفهوم، فليتدبر.

ثمّ هذا عامّ يأتي على المعاني المعتبرة كلّها، سواء البليغ في الطهارة، و الطاهر في نفسه المطهّر لغيره، و غيره، فلا ينفع في الفرار عن ذلك الحمل على البليغ في الطهارة كما ذهب إليه الحنفيّة، و كأنّهم غفلوا عن مقتضى المبالغة فحملوه على الطاهر في الجملة [مع أنّ الماء يصحّ به إزالة النجاسة لوصفه بالطهورية قطعا] فلا يأتي حينئذ الاختصاص بالمفهوم، للإجماع على طهارة غير الماء أيضا فليتأمل.

ثمّ لا يخفى مع ذلك أنّ الطهارة حكم شرعي لا بد فيه من دليل شرعي ليحكم بها بعد ثبوت النجاسة شرعا، و ذلك واضح، مع استعمال الماء على وجهه للإجماع و غيره أما في غير الماء فلا، و ما يستدلّ به من الأمر المطلق بالغسل و التطهير المطلق من غير تقييد بالماء ففيه أنّ الظاهر من التطهير و الغسل عرفا و شرعا إنّما هو بالماء فينصرف إليه.

على أنّه قد ورد التقييد في بعض الأخبار بالماء، فينبغي حمل المطلق على المقيّد و إن لم يثبت عرف في ذلك، فيعلم الشرع به، على أنّ ذلك خلاف الاحتياط و كاد أن يكون خلاف الإجماع في ذلك الزمان على ما قيل فليتأمل.

ثم الأظهر أنّ المفسّرين لمّا وجدوا المقام مناسبا للبحث عن معنى الطهور و كون الماء طهورا بحثوا عنه، و أوردوا مذاهب الفقهاء على حسب ما ناسب ذلك من غير أن يكون مدار مذهب كلّ في هذه المسائل على المراد بما في الآية، هذا، و لا يخفى أنّ الظاهر على الأقوال كلّها أنّه يصحّ استعماله للطهارة، و أنه يفيدها، فهو طاهر مطهّر يصح الطهارة به عن الحدث الأصغر و الأكبر، و إزالة الخبث به عن كلّ شيء إلّا ما أخرجه الدليل، و أنّ الظاهر بقاء الطهارة و الطهورية مع بقاء الاسم، و إن استعمل أو تغيّر من نفسه، أو بالامتزاج، أو المجاورة، حتّى يثبت المزيل، و اللّه أعلم.

68

الأنفال وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلىٰ قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدٰامَ (1).

كأنّ المراد بتطهير اللّه إيّاهم توفيقهم للطهارة، و قيل: الحكم به بعد استعمال الماء على الوجه المعتبر، و «لِيُطَهِّرَكُمْ» إما إشارة إلى إزالة الخبث «وَ يُذْهِبَ» إمّا إلى إزالة الحدث، أو إلى نوع منه، أو منهما، و الأوّل إلى الكلّ، غير ذلك أو مع ذلك فيكون الثاني تصريحا بما علم ضمنا أو الأمر على عكس الأوّل (2) أو الأوّل إشارة إلى الكلّ كملا، و الثاني إلى رفع الوسوسة، و على كلّ حال دلالتها على أنّ الماء طاهر مطهّر يتطهّر به من الأحداث و الأخباث ظاهرة. [خصوصا على مقتضى سبب النزول كما يأتي.

أما الاستدلال على نفى إفادة غير الماء الطهارة لا من الحدث و لا من الخبث بدلالتها على الامتنان بإنزال الماء لتطهيرهم، فلا يكون غير الماء مفيدا ذلك، و إلا لكان ذكر الأعمّ أولى.

ففيه أن ذكر الماء ربّما كان تنصيصا للواقع، مع كون الماء أقوى في هذا المعنى و أظهروا عمّ نفعا و أكثر. بل لم يكن يستجمع تلك الفوائد المقصودة المهمة إلّا الماء، بل إنّما كان مطلوبهم خصوص الماء كما لا يخفى. و أيضا لو سلّم المفهوم حينئذ فغاية ما يلزم منه أن لا يكون غير الماء مطهرا مطلقا فتدبر].

و في الكشّاف: رِجْزَ الشَّيْطٰانِ وسوسته إليهم [3] و تخويفه إيّاهم من العطش، و قيل الجنابة لأنّها من تخييله، و قرئ «رجس الشيطان» و ذلك أنّ إبليس تمثّل

____________

[3] انظر الكشاف ج 2 ص 203 و في فقه اللسان لكرامت حسين من ص 285 الى ص 291 ج 1 ما حاصله ان الوجس مصدر يحكى الصوت الخفي مثل الرجس و الرجس القذر من ذلك الصوت الخفي الحادث للمستقذر و قد يعبر به عن الحرام و الفعل القبيح و العذاب و اللعنة و الكفر و النجس مصدر فرعى مشتق من رجس صار أصلا في النجاسة بعد كونه حاكيا لصوت يسمع عند الاستقذار و الرجز مصدر فرعى من رجس بمعنى الصوت الخفي من المستقذر ثم أطلق على القبيح شركا كان أو عبادة الأوثان و رجز الشيطان وساوسه.

____________

(1) الأنفال: 11.

(2) يعنى أن يذهب إشارة إلى إزالة الخبث و ليطهر إشارة إلى إزالة الحدث.

69

لهم، و كان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، و نزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الاقدام على غير ماء، و ناموا، فاحتلم أكثرهم، فقال أنتم يا أصحاب محمّد تزعمون أنكم على الحق و إنّكم تصلّون على غير وضوء و على الجنابة، و قد عطشتم، و لو كنتم على الحقّ ما غلبكم هؤلاء على الماء و ما ينتظرون بكم إلّا أن يجهدكم العطش، فاذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبّوا و ساقوا بقيّتكم إلى مكّة، فحزنوا حزنا شديدا، و أشفقوا.

فأنزل اللّه المطر فمطروا ليلا حتّى جرى الوادي، و اتخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أصحابه الحياض على عدوة الوادي و سقوا الركاب و اغتسلوا و توضّؤا، و تلبّد الرمل الذي كان بينهم و بين العدوّ حتّى ثبتت عليه الاقدام، و زالت وسوسة الشيطان، و طابت النفوس.

و على القيل و قد ذهب إليه كثير فمع دلالته على رفع حدث الجنابة بخصوصه يدلّ أيضا على كون الاحتلام من الشيطان و يحتمل أن يراد به المنيّ لأنّ الظاهر من الرجز النجاسة العينيّة و يؤيّده قراءة رجس الشيطان.

[أحكام الحيض]

البقرة وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ.

المحيض جاء مصدرا كالمجيء و المبيت، و اسم زمان و اسم مكان، فالأوّل إمّا اسم مكان موافقا للثاني كما يأتي أو مصدر أريد به دم الحيض، أو معناه المصدريّ لقوله «قُلْ هُوَ أَذىً» أى مستقذر يؤذي من يقربه نفرة منه و كراهة، و في الإتيان باسم الظاهر أوّلا ثمّ بضميره ثمّ بالأخبار عنه بالأذى، تنبيه على غلظة نجاسته، و توضيح للحكم، و للتفريع في قوله «فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ».

اعلم أنّه قد أجمع العلماء على جواز الاستمتاع بالحائض بما فوق السرّة و تحت الركبة، و جواز مضاجعتها و ملامستها، و هذا يقتضي أن يكون المحيض الثاني اسم

70

مكان، و إلّا لاشتمل إطلاق الاعتزال على خلاف ما أجمع عليه كما لا يخفى.

و يؤيّده ما روي (1) أنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها و لم يجالسوها على فرش و لم يساكنوها في بيت، كفعل اليهود و المجوس، فلما نزلت، أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهنّ فأخرجوهنّ من بيوتهم، فقال ناس من الأعراب: يا رسول اللّه البرد شديد، و الثياب قليلة، فان آثرناهنّ بالثياب هلك سائر أهل البيت، و إن استأثرنا بها هلكت الحيّض! فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، و لم يأمركم بإخراجهنّ من البيوت كفعل الأعاجم.

و قيل: إنّ النصارى كانوا يجامعونهنّ و لا يبالون بالحيض، و اليهود كانوا يعتزلونهنّ في كلّ شيء، فأمر اللّه في الاقتصاد بين الشيئين، و ما رواه مسلم (2) من أن اليهود كانوا يعتزلون النساء في زمان الحيض، فسأل أصحاب النبيّ عن ذلك فنزلت، فقال اصنعوا كلّ شيء إلّا النكاح.

و يؤيّد ذلك أيضا قوله «وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ» من وجوه كما يأتي و قوله «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» فان إتيانهنّ جماعهنّ، فيكون المراد النهى عن مجامعتهنّ في القبل، و هو مذهب الأكثر منّا و من العامة، إلّا أن بعضا- مع حملهم المحيض على المصدر بتقدير أو اسم زمان- قالوا بذلك للروايات و بقيّة الآية و غيرها، و أبو حنيفة و أبو يوسف أوجبا اعتزال ما اشتمل عليه الإزار، و هو قول للمرتضى منّا (3) و يؤيّد

____________

(1) رواه في كنز العرفان ج 1 ص 43 و في المستدرك ج 1 ص 77 عن غوالي اللئالى و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 190 و أخرجه في الكشاف ج 1 ص 265 و الامام الرازي ج 6 ص 66 مع زيادة.

(2) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 3 ص 211 و رواه في الدر المنثور ج 1 ص 258 عن أحمد و عبد بن حميد و الدارمي و مسلم و ابى داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابى يعلى و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و النحاس في ناسخه و ابن حبان و البيهقي في سننه و رواه في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 1 ص 299 عن الجماعة إلا البخاري و فيه و في لفظ الا الجماع و الحديث طويل أخذ المصنف موضع الحاجة.

(3) نقله عنه في المختلف ج 1 ص 35 عن شرح الرسالة له.

71

ما قدّمناه الأصل، و الاستصحاب، و الشهرة، و روايات أخر من طرقنا، و سهولة الجمع حينئذ بينها و بين ما يخالفها من بعض الروايات الدالّة على اجتناب ما اشتمل عليه الإزار، بالحمل على الكراهة أو شدّتها، كما هو المشهور (1) عندنا.

و في الكشاف (2) أنّ محمّد بن الحسن لم يوجب إلّا اعتزال الفرج، و روى حديث عائشة أنّ عبد اللّه بن عمر (3) سألها هل يباشر الرجل امرأته و هي حائض؟ فقالت:

تشدّ إزارها على سفلتها ثمّ ليباشرها إن شاء، و ما روى زيد بن أسلم أنّ رجلا سأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ما يحلّ لي من امرأتي و هي حائض؟ قال: لتشدّ عليها إزارها ثمّ شأنك بأعلاها.

ثمّ قال محمّد: و هذا قول أبي حنيفة، و قد جاء ما هو أرخص من هذا عن عائشة (4) أنّها قالت يجتنب موضع شعار الدم، و له ما سوى ذلك انتهى.

و على خلاف المشهور لا يمكن مثل هذا، بل لا بدّ من طرح الروايات، و ظواهر الكتاب، مع ضعف رواياتهم و قلّتها، على أنها لا تدلّ أيضا على أنّ ذلك هو المراد بالآية، بخلاف رواياتنا فينبغي حمل رواياتهم على السنّة كما لا يخفى، و أيضا على قولهم مع قطع النظر عن ظهور الآية فيما قلنا، و عدم صلوح رواياتهم مؤوّلا لظاهر القرآن، يلزم الإجمال في القرآن، مع كونه تبيان كلّ شيء، و هو خلاف الأصل على كلّ حال، و أيضا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة إذ مع رجحان رواياتنا دلالة

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 94 و قد احتملنا هناك كون النهي للإرشاد إلى محافظة اتقاء موضع الدم و يؤيد ذلك ما في بعض ألفاظ الحديث عن عائشة و أيكم يملك إربه و الارب بكسر الهمزة و سكون الراء العضو و بفتحهما بمعنى الحاجة و روى الحديث بالوجهين انظر فتح الباري ج 1 ص 419 و تفسير الخازن ج 1 ص 149.

(2) الكشاف ج 1 ص 265.

(3) ترى الحديثين في الموطأ بشرح الزرقاني ج 1 ص 115 و ص 116 و تنوير الحوالك ج 1 ص 59 و الدر المنثور ج 1 ص 260 و الدارمي ج 1 ص 242.

(4) انظر الدارمي ج 1 ص 243 و الدر المنثور ج 1 ص 259 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 334.

72

و صحّة و كثرة- إن لم يترجّح ما قلنا- فلا أقلّ أن يتساويا فيتعارضان فيتساقطان فافهم.

و قوله «لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ» بالتخفيف أي حتّى ينقطع حيضهنّ تأكيد للاعتزال، و بيان لغاية وقته و تأييد للمشهور كما قلنا من وجوه:

منها أنّ الظاهر من مقاربتهنّ عرفا مجامعتهنّ، فلا يوافق المعنى الثاني، فلو أريد كان خلاف الظاهر، مع ما تقدم.

و منها أنّ الحكم بالاعتزال على الثاني لا يشمل ما بعد زمان الحيض بوجه، فكان منتهاه معلوما فيلغو قوله «حَتّٰى يَطْهُرْنَ» و على ما قلناه ليس كذلك و لو سلم أنّ في التعبير بالمحيض نوع إشعار إلى المدّة لكن ليس بصريح الكلام كما في قولهم.

و منها أنّ هذا مع إفادته التأكيد يفيد نوع توضيح للمدّعى على قولنا لا على ما قالوا، و ذلك لاحتمال الخلاف لفظا فافهم.

و قرئ «يطهّرن» بالتشديد أي يغتسلن، و الجمع بحمل هذا النهي على الكراهة كما هو المشهور عندنا وجه واضح، لقرب النهي من الكراهة و يدلّ عليه بعض رواياتنا، و فيه الجمع بين الروايات أيضا و حينئذ فيحتمل أن يراد التحريم قبل الانقطاع بقرينة ما تقدم، و الكراهة بعده حتّى يغتسلن، و أن يراد المرجوحيّة المطلقة أو غير الواصل إلى حدّ التحريم أي الكراهة باعتبار الانتهاء إلى الاغتسال نظرا إلى أنّ المجامعة جائزة في الجملة و لو بعد الانقطاع، و يكفي ذلك، فلا يجب قصد خصوص التحريم بوجه فافهم.

و حينئذ ينبغي حمل «فَأْتُوهُنَّ» على الإباحة بمعنى رفع التحريم و الكراهة، بقرينة ما تقدم، أو الإباحة بالمعنى الخاصّ.

و من أصحابنا (1) من قال بالجمع بحمل تطهّر على طهر كتكبّر في صفاته تعالى بمعنى كبر، و تطعّمت الطعام بمعنى طعمته، و قد يجمع بحمل قراءة التخفيف على قراءة التشديد، إما بترك مفهوم الغاية بقرينة قوله «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ» و هو ظاهر

____________

(1) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 43 و 44.

73

الكشاف، حيث قال: التطهّر الاغتسال، و الطهر انقطاع دم الحيض، و كلتا القراءتين ممّا يجب العمل به، ثمّ قال: و ذهب الشافعي إلى أنّه لا يقربها حتّى تطهر و تتطهر فيجمع بين الأمرين، و هو قول واضح، و يعضده قوله «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» انتهى و لا يخفى ما فيه.

أو بحمل يطهرن مخفّفا على معنى ينظفن بالاغتسال بعد الانقطاع بقرينة القراءة الأخرى، و قوله «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ». أو على معنى نفس الاغتسال بعد الانقطاع، و هو ظاهر القاضي. و في مجمع البيان: و منهم من قال إذا توضّأت أو غسلت فرجها حلّ وطؤها، عن عطاء و طاوس، و هو مذهبنا انتهى.

و لا نعرف كون الوضوء غاية التحريم مذهبا لأحد من أصحابنا سواه في هذا الكتاب أمّا غسل الفرج فالمعروف المشهور أنّه غاية لشدّة الكراهة أو أصلها عند الشبق، و هو مقتضى الجمع بين الروايات عندنا، و لا نعرف كونه غاية للحرمة قولا لأحد منّا إلّا هذا، و ما قاله في المعتبر إنّ من الأصحاب من أورد ذلك بلفظ الوجوب فلا يبعد أن يكون أراد هذا، و اللّه أعلم.

ثمّ الظاهر أنّ ذلك بحمل قراءة التشديد على ما يعمّ الاغتسال و الوضوء و غسل الفرج، و حينئذ فاما أن تحمل القراءة الأخرى على نحو ذلك أو على ظاهرها باعتبار أنّ المجامعة قد حلّت و صار المحلّ صالحا، و إن توقّف على شرط فتأمّل و تنبّه ره لما هو أحسن الوجوه لو لا بعض الروايات، و الشهرة، حتّى كاد أن يكون إجماعا عندنا.

و كلام ابن بابويه ليس صريحا في الخلاف ذهابا إلى ما قاله الشافعيّ، و لا يبعد كونه مراد الكشّاف، و وجها للجمع على قول الشافعيّ أما ما ذهب إليه أبو حنيفة كما في الكشّاف من أنّ له أن يقربها في أكثر الحيض بعد انقطاع الدم، و إن لم تغتسل و في أقلّ الحيض لا يقربها حتّى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل، فهو أبعد الوجوه، لا شاهد له في العقل و النقل ما يعتدّ به.

ثمّ قوله «فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ» أي جامعوهنّ، و فيه من تأييد كون الاعتزال

74

عن المجامعة لا غير، ما لا يخفى، فالأمر للإباحة بمعنى رفع التحريم على قول الشافعي و ابن بابويه إن صحّ عنه ذلك، و كذا على قول من لا يستفيد الكراهة من الكتاب من أصحابنا، لكن ظاهرا و على المشهور عندنا بمعنى رفع المرجوحيّة المطلقة الشاملة للتحريم و الكراهة مطلقا، أو رفع خصوص الكراهة و التحريم مطلقا، أو على قراءة التشديد فقط، و على التخفيف رفع التحريم و فيه تأمل أو بمعنى الإباحة بالمعنى الأخصّ مطلقا على المذاهب فتأمل.

قيل: الأمر ليس هنا للوجوب مطلقا بل قد يكون له كما لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر آخرها أوّل زمان الانقطاع و الغسل، و كذا لو وافق انقضاء مدّة التربّص في الإيلاء و الظهار، و قد يكون للندب كما في اقتضاء الحال ذلك، فهو إذن لمطلق الرجحان، و فيه نظر من وجوه لا يخفى.

«مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ» أي من قبل الطهر لا من قبل الحيض، عن السدّي و الضحّاك، و قيل: من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفية و قال الزّجاج، معناه من الجهات الّتي يحلّ منها، و لا تقربوهنّ من حيث لا يجوز من كونهنّ صائمات أو محرمات أو معتكفات، و قال الفرّاء و لو أراد الفرج لقال «في حيث» فلما قال «مِنْ حَيْثُ» علمنا أنه أراد من الجهة الّتي أمركم اللّه منها كذا في مجمع البيان.

و في الكشاف و القاضي من المأتي الذي أمركم اللّه به و حلّله لكم، و هو القبل، و قيل من حيث أمركم اللّه بتجنّبه، و هو محلّ الحيض أعنى القبل، و ما في مجمع البيان أوضح و أنسب كما لا يخفى.

«إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ» ممّا وقع منهم من المناهي نهى تحريم أو تنزيه سيّما عمّا نهاه هنا بقرينة المقام، و لا يوجب التخصيص، فكذا «وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» أي المتنزّهين عمّا اجتنابه نزاهة و نظافة، فيدخل فيه كلّ مكروه و حرام، و ترك كلّ مستحبّ و واجب، خصوصا ما تقدّم في المقام، و هنا أقوال أخر عامّتها تخصيص و تقييد.

75

[في نجاسة المشركين]

التوبة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا.

النجس: القذر، قيل في الأصل مصدر، و لذلك لا يثنّى و لا يجمع، و لا يؤنّث و فيه نظر، و إذا استعمل مع الرجس كسر أوّله، يقال رجس نجس- بكسر أوّلهما و سكون الجيم- و هو تخفيف، نحو كبد في كبد قاله الفراء و قرئ به شاذا قال في الكشاف (1) على تقدير حذف الموصوف كأنّه قيل: إنّما المشركون جنس رجس أو ضرب نجس، و أكثر ما جاء تابعا لرجس.

لا يخفى أنّ هذا و ما تقدّم يقتضي أن يقدّر له الموصوف رجس فكأنّه قيل إنّما المشركون رجس نجس، فيكون أبلغ و أفيد و أظهر، و ظاهر «إنّما» الحصر، فكأنّه قيل: ليس المشركون إلّا نجسا، و الغرض المبالغة في نجاستهم، أو الحصر إضافيّ بالنسبة إلى الطهارة، و الأوّل أبلغ، و إن كان كلاهما غير خارج عن مقتضى اللفظ و المقام.

و قال فخر الدين الرازي (2): حصر اللّه تعالى في هذه الآية الشريفة النجاسة في المشركين، أي لا نجس غيرهم، و عكس بعض الناس ذلك، و قال لا نجس إلّا المسلم حيث ذهب إلى أنّ الماء الذي استعمله المسلم في رفع الحدث مثل الوضوء و الغسل نجس، بخلاف الماء الذي استعمله المشرك، فإنّه طاهر لعدم إزالة حدثه، و أراد به أبا حنيفة فإنّه الذي ذهب الى ذلك كما هو المشهور، و فيه تعريض عظيم عليه، حيث قال: إنّه عكس قول اللّه سبحانه.

لكن لا يخفى أنّ كلامه هو، أظهر في عكس قوله تعالى، لأنه سبحانه حصر المشركين في النجاسة، و قد جعله هو حصر النجاسة في المشركين، فهو أولى بهذا التشنيع، و إن توجّه نحوه على ابى حنيفة على أبلغ وجه، خصوصا على القول بأنّ الحصر إضافيّ، فإنّ مفاده أنّ المشرك بصفة الشرك ليس له من صفتي الطهارة و

____________

(1) انظر الكشاف ج 2 ص 261.

(2) انظر تفسيره ج 16 ص 25 و ما نقله المصنف مضمون كلامه و ليس عين لفظه.

76

النجاسة إلّا النجاسة، و قد عكس هو ذلك و يقول: ليس له منهما إلّا صفة الطهارة.

حيث يقول بطهارته و طهارة ما استعمله مع قوله بنجاسة ما استعمله المسلم في وضوء أو غسل، و لعلّ هذا أوضح.

و كلام الفخر هذا يدلّ على أنّ مذهبه نجاسة المشركين نجاسة عينيّة كما هو الظاهر المتبادر لغة و عرفا فهو صريح القرآن، مع ما في قوله «فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» من تأييد ذلك. و كذا قراءة نجس التابع غالبا لرجس، كما تقدّم، حتّى صار بمنزلة النصّ، خصوصا عند عدم دليل على خلافه، فيجب الحمل عليه، و هو المرويّ (1) عن أهل البيت (عليهم السلام) و مذهب شيعتهم الإماميّة، و يروى (2) عن الزيديّة أيضا.

و في الكشاف: معناه ذو نجس، لأنّ معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، و لأنهم لا يتطهّرون و لا يغتسلون و لا يجتنبون النجاسات، فهي ملابسة لهم، أو جعلوا كأنّهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها، و عن ابن عباس أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير، و عن الحسن من صافح مشركا توضّأ أي غسل يده، و أهل المذاهب على خلاف هذين القولين، أي قول ابن عباس و الحسن، و إن كان مفادهما واحدا.

و لا يخفى أنّه لا يجوز العدول عن صريح القرآن إلّا بما هو مثله أو أقوى منه عقلا و نقلا، و ظاهره (3) أن لا دليل عليه إلّا اتّفاق أهل المذاهب الأربعة على خلاف صريح القرآن، و إلّا كان ينبغي أن يشير إليه.

أما قوله لأنّ إلخ يريد به بيان وجه التجوّز و علاقة المجاز، فكأنه لما رأى كلام أهل المذاهب لا يقبل التأويل، و لا يجوز الحكم ببطلانه عنده، فاحتيج إلى إبطال صريح القرآن، فلما أبطله بتأويله بما لا يخالف مذهب الأئمّة أراد بيان صحّة

____________

(1) انظر جامع أحاديث الشيعة الباب 13 من أبواب النجاسات ج 1 ص 42 و ص 43.

(2) انظر البحر الزخارج 1 ص 12 و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 101

(3) اى الكشاف.

77

هذا التجوّز حذرا من إبطاله بالكليّة و تصحيحا لما ذهب إليه من التجوّز بعد إبطال الحقيقة، فقال لأنّ إلخ.

و في البيضاوي (1): أو لأنّهم لا يتطهّرون و لا يجتنبون عن النجاسات، فهم ملابسون لها غالبا، و فيه دليل على أنّ ما الغالب نجاسته نجس، انتهى.

اعلم أنّ ظاهر القاضي حيث لم يفسّر «نجس» بذي نجس، و قال فلا يقربوا المسجد الحرام لنجاستهم، أنّ لفظة نجس عنده باق على حقيقته، و أنّ المشركين نجس حقيقة لكن توهّم هذه الوجوه دلائل للنجاسة، و عللا لها و يدلّ على الأمرين قوله «و فيه دليل» إلخ، و أنت خبير بأنّ نجاستهم تخالف قول أئمّتهم الأربعة و أنّ هذه وجوه التجوّز و طاهر أنّها لا تصلح عللا للحكم، و لا دلائل له، فايرادها في مقام التعليل للحكم خطأ.

ثمّ ظاهر أنّ تسميتهم بالنجاسة مبالغة للغلبة، لا يوجب كونهم نجسا حقيقة فضلا عن نجاسة غيرهم لغلبتها فيهم، بل لا يلزم صحّة الإطلاق على غيرهم مجازا، لعدم اطّراد المجاز.

نعم إذا قيل بالنجاسة حقيقة و لم يعلم لها مقتض إلّا الغلبة، بل علم أن لا مقتضى غيرها و قيل بصحّة القياس، أمكن الاستدلال به على نجاسة الغير إذا وجد فيه تلك الغلبة أو أقوى منها، إذ ربّما يكون مرتبة خاصة منها علّة دون ما دونها، و أين ذلك عمّا قال.

و أيضا يلزم أن يكون المسلم الغالب نجاسة بدنه نجسا، فيجب اجتنابه مطلقا و يصحّ تنجيسه حقيقة، و ليس كذلك و إلّا لزم أن يكون المسلم أنجس من المشرك و أسوأ حالا، لأنه يطهر بالإسلام، و ليس الإسلام يطهّره، لأنه نجس مع كونه مسلما و تحصيل الحاصل محال، و إيجاب الكفر لتجديد الإسلام أقبح شيء، خصوصا إذا كان عن فطرة فتأمّل، فلعلّه توهّم النجس أعمّ من المتنجّس، و مع فساد ذلك يأتي

____________

(1) انظر البيضاوي ج 2 ص 281، ط مصطفى محمد.

78

فيه بعض ما تقدّم فتفكّر.

ثمّ الظاهر من المشرك من أثبت للّه شريكا، فهو غير الموحّد، فلا يدخل الموحّد الكتابيّ، و يحتمل كون الجميع مشركين لقوله تعالى «وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ» إلى قوله «سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ» كما قاله كثير من الأصحاب، و صاحب الكشّاف أيضا في غير هذا الموضع فتأمل، فيكون الجميع نجسا فينجس ما يباشرونه من المائعات الّتي تنجس بملاقاة النجاسة و غيرها مع الرطوبة.

فقوله «طعامهم حلّ لكم» (1) يراد به الحبوب كما هو المشهور، و وردت به الرواية أو يراد به أنّ طعامهم من حيث أنّه طعامهم غير حرام، بل انّما يحرم منه ما تنجّس بالملاقاة للنجاسة، فإن قبل الطهارة حلّ أيضا أو عندها فافهم.

و لا يجوز لهم دخول المسجد الحرام كما هو صريح قوله «فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» إن كان تعلّق النهي بالقرب للمبالغة و التأكيد، و إلّا فيحرم دخولهم الحرم أيضا، و هو أقرب من قول عطاء أنّ المراد بالمسجد الحرام الحرم، و إن أيّده بقوله تعالى «سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ».

و صاحب اللّباب خلط بينهما (2) و أبعد شيء قول أبي حنيفة أنّ النهى عن الحجّ و العمرة لا عن الدخول مطلقا، لقول عليّ (عليه السلام) حين نادى ببراءة «ألا لا يحجّ بعد عامنا هذا مشرك» حتّى أنّه جوز للمشركين دخول المسجد الحرام لغير الحجّ و العمرة، و غير خفيّ على ذي مسكة أنّ الخبر غير مناف لتحريم دخولهم المسجد الحرام الذي هو صريح الآية، فلا يجوز العدول عنه.

و لو قلنا إنّ ظاهر الحال يقتضي أن يكون ذلك من مقتضى الآية، فإنّه لا يستلزم ما قاله، بل لعلّه لقطع تعلّقهم من دخول المسجد أو الحرم أيضا، لاستلزام الحجّ و العمرة دخول المسجد و الحرم، أو لأنّ الحاجّ و المعتمر يقربان من دخول

____________

(1) يعني في قوله تعالى «وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ».

(2) انظر تفسير الخازن ج 2 ص 212.

79

المسجد و الحرم، لاقتضاء حالهما ذلك فافهم.

و هنا أحكام أخر منها أنّ الكافر مكلّف بالفروع، و منها عدم جواز إدخال مطلق النجاسة المسجد الحرام للتفريع كما ذهب إليه العلّامة في المساجد مطلقا، و يؤيّده وجوب تعظيم شعائر اللّه و ما روى عنه (صلّى اللّه عليه و آله) جنّبوا مساجدكم النجاسة (1).

و ما يقال من أنّ الآية ليست صريحة لاختصاص الحكم بنجاسة الشرك و لم يثبت وجوب تعظيم الشعائر إلى هذه المرتبة، و الرواية لا يعرف سندها فضلا عن صحّتها.

ففيه أنّ الظاهر أنّ وصف النجاسة هو علّة حرمة القرب من المسجد، و يؤيّده أصل قلّة الحذف في الكلام، و أنّ تعليق الحكم بالوصف المناسب يدلّ على علّيته، و الظاهر عدم انضمام علّة العلّة في التفريع على العلّة و التعليل بها على أنّ الأصل عدم مدخليّة غير ما علم من التعليق.

و أما الخبر فمشهور جدا معمول عليه عند الخاصّة و العامّة مع روايات أخر يعضدها.

و أكثر الأصحاب على اختصاص الحرمة بالمتعدّي حملا لما تقدّم على ذلك لبعض الروايات، و أنّ ذلك يتحقّق به تعظيم الشعائر و تجنيب المسجد النجاسة فتأمّل فيه.

و منها عدم تمكين المسلمين لهم من ذلك، بمعنى منعهم، حتّى قيل: هو المراد بالنهي، و يقتضي ذلك تصدير الآية بيا أيّها الّذين آمنوا، و بيان كون المشركين نجسا لهم، و قوله تعالى بعد ذلك «وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً».

و منها إزالة النجاسة عنه مطلقا كما ينبّه عليه ما تقدّم في الحكمين المتقدّمين.

و منها منع الكلب و الخنزير من دخول المسجد الحرام كذلك و وجوب الإخراج و كذلك المرتدّ و غيره من الكافر الموحّد على القول بنجاستهم.

____________

(1) راجع البحث في الحديث تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 103 و على اى فالحديث و ان كان مرسلا لكنه منجبر بعمل الأصحاب حيث انهم استندوا في الحكم الى الحديث.

80

و منها تعميم الحكم لباقي المساجد كما ذهب إليه مالك، و هو غير صريح الآية فيحتاج إلى دليل، و ذهب الشافعيّ إلى الاختصاص بالمسجد الحرام، و أجاز دخولهم في غيره، ثمّ قوله «بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا» في الكشّاف بعد حجّ عامهم هذا، و لا يخفى عدم الاحتياج إلى هذا التقدير مع كونه خلاف الأصل، و ذلك العام قيل سنة حجّة الوداع و الأصحّ أنّه سنة تسع من الهجرة، حين بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أبا بكر ببراءة ثمّ أمر اللّه بعزله و ألّا يؤدّيها عنه إلّا هو أو رجل منه، فبعث عليّا (عليه السلام).

[تحريم الخمر و نجاستها]

المائدة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ.

في المجمع: الخمر عصير العنب المشتدّ، و هو العصير الذي يسكر كثيره، و عن ابن عباس أنّ المراد جميع الأشربة الّتي تسكر، و هذا هو الذي تقتضيه روايات أهل البيت (عليهم السلام)، و الميسر القمار، و الأنصاب أحجار أصنام كانوا ينصبونها للعبادة و يذبحون عندها، و الأزلام هي القداح الّتي كانوا يستقسمون بها، و الرّجس بالكسر القذر و المأثم، و كلّ ما استقذر من العمل، و العمل المؤدّي إلى العذاب، قاله في القاموس.

و الظاهر أنّه حقيقة في الأوّل دون البواقي و إفراده هنا لأنه جنس، أو لأنه خبر للخمر، و خبر البواقي محذوف من جنسه، لدلالته عليه، أو خبر للمضاف المحذوف أي تعاطى الخمر إلخ، و احتمل كونه خبرا عن كلّ واحد من عمل الشيطان لأنه نشأ من تسويله و تزيينه، و هو صفة أو خبر آخر.

«فَاجْتَنِبُوهُ» أي ما ذكر، أو تعاطيها، أو الرجس، أو عمل الشيطان، أو كلّ واحد «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» سبب الاجتناب.

و في الآية في تحريم الخمر و الميسر وجوه من المبالغة من مخاطبتهم أولا ب «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» و الإتيان بانّما الدالّ على حصر الأوصاف بل الحقيقة أيضا، و المقارنة للانصاب المشعر بالكفر المحض، و الأزلام الّتي هي من شعار الكفّار، و التقديم عليهما و تسميتها رجسا، و جعلها من عمل الشيطان المؤذن بأنّها شرّ محض.

81

ثمّ الأمر بالاجتناب عن عينها ظاهرا و جعله سببا يرجى منه الفلاح، مشعرا بأنّ مباشرها لا يفلح مع إمكان أن يقال إنّ في لعلّ أيضا نحو تأكيد و إيماء بأنهم لما تقدّم منهم من ذلك، صاروا بعيدين عن الفلاح فافهم.

ثم أكّد ذلك ببيان ما فيهما من المفاسد الدنيويّة و الدينيّة ثمّ قرّر كلّ ذلك فقال «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» بصيغة الاستفهام مرتّبا على ما تقدّم من أنواع الصوارف، إيذانا بأنّ الأمر في المنع و التحذير بلغ الغاية، و أنّ الاعذار قد انقطعت.

ثمّ أمر بإطاعة اللّه و رسوله و حذّر عن المخالفة و هدّد على التولّي عن ذلك و غير ذلك.

و في اللباب (1) فروى أبو ميسرة أنّ عمر بن الخطّاب قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فأنزل اللّه الآية الّتي في سورة البقرة «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ» الاية فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء، فنزلت الّتي في النساء «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ» فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيان شفاء فنزلت الّتي في المائدة «إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ- إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» فدعي عمر فقرئ عليه، فقال: انتهينا انتهينا. أخرجه الترمذي من طريقين، و قال هذا أصحّ، و أخرجه أبو داود و النسائي انتهى و العاقل يكفيه إشارة.

ثمّ في الآية أحكام لكن إيرادها هنا باعتبار الاستدلال لها على نجاسة الخمر و هو من وجهين:

الف- أنّه وصفه بالرجس، و هو وصف بالنجاسة لترادفهما، و لذلك يؤكّد

____________

(1) تفسير الخازن ج 1 ص 485 و رواه في الترمذي كتاب التفسير انظر ج 3 ص 98 من تحفة الاحوذى و رواه أبو داود في كتاب الأشربة انظر عون المعبود ج 3 ص 364 و النسائي ج 8 ص 286 كتاب الأشربة و انظر في ذلك أيضا تعاليقنا على كنز العرفان ج 2 من ص 14 الى ص 18 ففيها مطالب مفيدة.

82

بالنجس فيقال «رجس نجس».

ب- أنه أمر باجتنابه، و هو موجب للتباعد المستلزم للمنع من الاقتراب بسائر أنواعه، و كون كلّ منهما في جانب، و هو يستلزم الهجران من كلّ وجه.

و الجواب أنّ الرجس و إن كان حقيقة في القذر، لكن القذر أعمّ من النجس فان الظاهر منه كلّ ما تنفّر منه النفس، و لم سلّم فلا يراد به هنا ذلك حقيقة بالنسبة إلى أعيان هذه الأشياء، و إلّا لزم أن يكون الأنصاب و الأزلام أقذارا نتنجّس بملاقاتها برطوبة، كما هو شأن كلّ نجس قذر، و لا يعرف به قائل لا منّا و لا من غيرنا، و ظاهر الكلّ الإجماع على خلاف ذلك، فلا بدّ من حمله على معنى غير ذلك يصحّ في الجميع، فلا يستلزم قذارة العين نجاستها.

و لهذا قال جماعة من الفحول رجس خبر للمضاف المحذوف و هو تعاطي هذه الأشياء فإنّ الذي تستخبثه العقول و يعاف منه يقينا من هذه الأشياء، تعاطيها على الوجوه المقتضية للمفاسد الظاهرة المشهورة المتعلّقة بها، كشرب الخمر، و ما يتعلّق به من حفظها و بيعها و شرائها و غير ذلك للشرب و لو من الغير، كما روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «لعن اللّه الخمر و شاربها و ساقيها و بائعها و مبتاعها و عاصرها و معتصرها و حاملها و المحمولة إليه» [1].

____________

[1] حديث لعن النبي عشرة مستفيض بل لعله يعد من المتواترات انظر من كتب الشيعة الوسائل ج 12 ط الإسلامية الباب 55 من أبواب ما يكتسب به من التجارة ص 164 و ص 165 المسلسل 22381 الى 22387 و ج 17 ص 300 و 301 المسلسل 32148 الى 32151 عن الكافي و التهذيب و الفقيه و الخصال و عقاب الأعمال و مستدرك الوسائل ج 2 ص 452 و ج 3 ص 143 و البحار ج 14 ط كمپانى ص 913.

و من كتب أهل السنة كنز العمال ج 5 ص 191- 204 و منتخب كنز العمال بهامش المسند ج 2 من ص 418 الى ص 425 و البيهقي ج 8 ص 287 و الترغيب و الترهيب للمنذرى ج 3 ص 249 و ص 250 و فيض القدير ج 5 ص 267 الرقم 7253 و الدر المنثور ج 2 ص 322 و تفاسيرهم الأخر تفسير الآية 219 من سورة البقرة أو الآية 93 من سورة المائدة و في عد العشرة قليل تفاوت لا يهمنا التعرض له و في مخطوطة كتابنا هذا عد ثمانية و لعل سقط الاثنين من سهو الناسخ.

83

و لعب الميسر و ما يتعلّق به، و عبادة الأنصاب و تعظيمها، و ما يتعلّق بذلك، و الاستقسام بالأزلام، و ما يتعلّق به، حتّى لا يبعد أن يقال إنّ قبح تعاطي هذه الأشياء واصل إلى حدّ إذا نسب إليها جميعا النجاسة و القذارة يتبادر هو لا غير، خصوصا مع قرينة عدم قائل بنجاستها جميعا فتأمّل.

لا يقال: القائل بنجاسة الخمر كثير بل أكثر، و لا ريب أنّ مراعاة الحقيقة مع الإمكان أولى و المجاز معها أقرب، فينبغي أن يحمل الرجس بالنسبة إلى الخمر على حقيقته، و في البواقي على غيرها.

لأنّ هذا و إن كان مجازا لكنّه استعمال في الحقيقة و المجاز جميعا، و يحتاج فيه إلى وضع ثالث، و اعتبار عين كلّ من المعنيين في الوضع و الاستعمال، و مؤنة ذلك كثيرة غير لائق بأوضاع الألفاظ، و استعمالاتها، بل كاد أن لا يحتمله الوضع و لا

____________

و العويصة في هذا الحديث انما هو في عد العاصر و المعتصر في كثير من نسخ الحديث اثنين و ان كان في بعض الأحاديث واحدا فليس في الخصال ذكر المعتصر انظر ص 444 ط مكتبة الصدوق و كذا عقاب الأعمال ص 291 ط مكتبة الصدوق فأكثر الشارحين للحديث من كتب شرح الحديث و اللغة يقولون المعتصر من يعتصر لنفسه و العاصر من يعصر لغيره مثل كال و اكتال و قال بعضهم المعتصر حابسها في الأواني و الزجاجات و في المقاييس ج 4 ص 342 عصرت العنب إذا وليته بنفسك و اعتصرته إذا عصر لك خاصة.

و الذي يلوح لي ان العويصة انما تسببت حيث انهم قرءوا المعتصر بكسر الصاد و الا فلو قرئ بفتحها فتكون الكلمة على وزان اسم المفعول و اسم المكان من المزيد على وزن واحد فيكون اسم مكان و شمول اللعن لأصل الخمر فلا اشكال مضافا الى ان المعتصر بفتح الصاد على ما في أساس اللغة و المقاييس ج 4 ص 344 يكون بمعنى الملجإ أيضا بل في اللسان ان الاعتصار يجيء بمعنى الالتجاء فأنشد البيت المعروف:

لو بغير الماء حلقي شرق * * * كنت كالغصان بالماء اعتصارى

و عليه فيكون المراد من المعتصر التشكيلات التي يسمونه في هذه الأزمان بالرسومات.

84

الاستعمال، و لذلك صار أبعد المجازات، حتّى منع منه بعض بالكلّية، خصوصا بالنسبة إلى أمور مع تخصيص كلّ ببعض، و لا ريب فيه مع عدم قرينة مفهمة لشيء من ذلك كما هنا، و مع جميع ذلك فلا ريب أنّه يحتاج في نوع المجاز إلى النقل و لا يجوز بدونه، و لم ينقل مثله، فهو غير جائز البتّة.

و أما جعل رجس خبرا عن الخمر على حقيقته و كون خبر البواقي من جنس لفظه في ما يناسبها من المجاز أو يكون قوله «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ» خبرا عن البواقي فهذا كلّه خلاف الظاهر، و خروج عن مقتضى اللفظ، و قوانين الاستعمال من غير دليل و هو ظاهر.

لكن بقي في المقام شيء و هو أن يراد بالرجس حقيقته و يكون التجوّز في الاسناد، و لا ريب أنّه بالنسبة إلى البعض فقط أقرب إلى الأصل و الحقيقة منه بالنسبة إلى الكلّ، فمع المقتضي للتجوّز في البعض من الإجماع أو غيره لا ينبغي أن يصار إليه بالنسبة إلى الجميع، اللهمّ إلّا أن يقال: مقتضى اللفظ و التركيب أنّ المعنى و الإسناد بالنسبة إلى الجميع واحد، و لا يفهم للخمر مزيّة في ذلك فليتأمّل فيه.

و أما الاجتناب في الوجه الثاني فعمّا أخبر عنه بأنّه رجس، فان كان التعاطي فلا يدلّ على اجتناب الغير من جميع الوجوه، على أنّ الظاهر كونه في الجميع على نسق واحد، فلو كان المراد عمّا ذكر أو نحوه، لم يلزم نجاسة عين الخمر أيضا فتأمّل.

و اعلم أنّ الأخبار في نجاسة الخمر مع ضعفها مختلفة و أكثر العامّة على النجاسة فلا يمكن حمل أحاديث الطهارة على التقيّة، فالجمع بالحمل على استحباب غسل الثوب منها إذا لم يفهم من الآية تنجيس متوجّه، و طريق الاحتياط غير خفيّ.

[تطهير الثياب للصلاة]

المدثر 74- وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ.

المتبادر الذي ذهب إليه الأكثر: تطهير الثياب من النجاسات، مؤيّدا بأنّ الكفّار لم يكونوا يتطهّرون منها، و يجب بالماء لأنّه المفهوم عرفا، أما اعتبار العصر و الورود و العدد، فبدليل من إجماع أو خبر، و تحقيقه في موضعه، و إن أريد تقصير الثياب كما قيل و نقل عن الصادق (عليه السلام) أيضا، فيمكن فهم الطهارة أيضا لأنّها

85

المقصود كما علّل القائل به، و في الرواية (1) تشمير الثياب طهور لها، قال اللّه تعالى «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» أي فشمّر.

و يحتمل أن يكون المراد التنظيف الذي هو التطهير لغة، فان النظافة مطلوبة للشارع بإزالة الوسخ و نحوه أيضا، ففهم وجوب الطهارة الشرعية محلّ تأمّل، و لكن ظاهر الأمر الوجوب، و وجوب غير الشرعية غير معلوم، بل قيل معلوم عدمه، و لهذا على تقدير الحمل على الشرعيّ خصّ بالتطهير للصلاة فتأمل.

و في اللباب (2) و قيل: فطهّر عن أن يكون مغصوبة أو محرمة، و قيل: المراد نفسك فطهّر من الرذائل، يقال: فلان طاهر الثياب، طاهر الجيب، أو نقيّة، و منه قول عنترة «و شككت بالرّمح الأصمّ ثيابه (3)» كنى عنه بما يشتمل عليه.

قيل و سئل ابن عبّاس عن قوله «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» فقال: لا تلبسها على معصية و لا غدر، أما سمعت قول غيلان بن سلم الثقفيّ:

و إنّى بحمد اللّه لا ثوب فاجر * * * لبست و لا من غدرة أتقنّع

«وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» أى خصّ الرجز بلزوم الهجران، و الحصر إضافيّ أو التقديم لغيره، و قرئ الرّجز بالضم أيضا فقيل: هو- بهما- الصنم، و المراد الثبات على عدم عبادته، و عدم تعظيمه فإنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان بريئا منه و قيل: هو- بهما- العذاب و المراد اجتناب موجبه من الشرك و عبادة الأصنام، و غيره من المعاصي مطلقا، و قيل بالكسر العذاب، و بالضمّ الصنم، و في القاموس الرجز بالضمّ و الكسر القذر، و عبادة

____________

(1) انظر البرهان ج 4 ص 399 و ص 400 و الوسائل الباب 22 من أبواب أحكام الملابس.

(2) تفسير الخازن ج 4 ص 327 و روى ما فيه من السؤال عن ابن عباس و إنشاده شعر غيلان في الطبري و ابن كثير و فتح القدير و الدر المنثور و غيره عند تفسير الآية و انشد بيت غيلان في اللسان و التاج كلمه (ث و ب) و في المجمع ج 5 ص 385 و التبيان ج 2 ص 724 و في ألفاظ البيت تفاوت ففي بعضها غادر مكان فاجر و خزيه مكان غدرة.

(3) و بعده ليس الكريم على القنا بمحرم و البيت لعنترة و معنى شككت طعنت و الثياب بمعنى النفس و معنى المصرع الثاني انه لم يمنعه ان يقتل بالقناة كرمه و انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 111 و 112.

86

الأوثان، و العذاب، و الشرك فلا يبعد كونه بمعنى القذر كما وقع في بعض استدلالات الأصحاب، و احتمله جماعة، و هو مناسب لتكبير الصلاة و تطهير الثياب، قيل: فيكون تأكيدا لقوله «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» و تفسيرا و هو محتمل، و التأسيس خير، و اختصاصه بطهارة البدن ممكن، و كذا التعميم بعد التخصيص و غير ذلك فتأمل.

[الخصال الحنفية]

البقرة وَ إِذِ ابْتَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قٰالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً قٰالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قٰالَ لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ.

أي اختبره ربّه بأوامر و نواه، و اختبار اللّه عبده مجاز عن تمكينه من اختياره ما يريد اللّه و مشتهى نفسه، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتّى يجازيه على حسب ذلك و عن ابن عباس رفع إبراهيم و نصب ربّه، و المعنى أنّه دعاه بكلمات من الدعاء شبه المختبر يجيبه إليهنّ أولا؟

و المستكن في «فَأَتَمَّهُنَّ» على الاولى لإبراهيم أي فقام بهنّ حقّ القيام و أدّاهنّ أحسن التأدية، و على الأخرى للّه أي فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئا و يعضده ما روي عن مقاتل أنّه فسّر الكلمات بما سأل إبراهيم ربّه في قوله «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً، وَ اجْعَلْنٰا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا، رَبَّنٰا تَقَبَّلْ مِنّٰا».

و الفاء للتعقيب و عامل «إذ» أمّا «قال» فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها و إمّا مضمر نحو و اذكر كما هو المشهور، أو و إذ ابتلاه كان كيت، فموقع قال استيناف، كأنّه قيل فما ذا قال ربّه حين أتمّ الكلمات؟ فقيل: قال إلخ و يجوز أن يكون بيانا لقوله: ابتلى، و تفسيرا له.

ففي الكشاف و البيضاوي فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة، و تطهير البيت و رفع قواعده، و الإسلام قبل ذلك في قوله «إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ» و فيه نظر، و قيل هي السنن الحنيفية العشر (1): خمس في الرأس: الفرق، و قصّ الشارب، و السواك، و المضمضة، و الاستنشاق، و خمس في البدن: الختان، و حلق العانة، و تقليم الأظفار و نتف الإبطين، و الاستنجاء بالماء.

____________

(1) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 55 في وهن هذا التفسير.

87

و قيل هي الخصال الثلاثون المحمودة المذكورة: عشرة منها في براءة «التّٰائِبُونَ الْعٰابِدُونَ» و عشر في الأحزاب «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمٰاتِ» و عشر في كلّ من المؤمنين و سأل سائل إلى قوله «وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ».

و قيل هي مناسك الحجّ، و قيل ابتلاه بالكوكب و القمر و الشمس و الختان و ذبح ابنه و النار و الهجرة.

و «لِلنّٰاسِ» إمّا متعلق بجعل أو بإماما لما فيه من معنى الفعل، فلا يحتاج إلى تقدير ما يكون به حالا عنه، و الامام اسم من يؤتمّ به كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمّون بك في دينهم، و في الكشاف و البيضاوي «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» عطف على الكاف، كأنّه قال: و جاعل بعض ذرّيّتي، و كأنه على الادّعاء بطريق الدعاء، أو على مسامحة و مبالغة منهما (1).

«لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ» و قرئ الظالمون، و المعنى متقارب، فان النيل الإدراك و الوصول، فكلّما نالك فقد نلته، و لكن قراءة الأكثر أحسن و أليق، و مقتضى العرف و اللّغة كظاهر المفسّرين أنّ العهد هنا هو التقدم إلى المرء في الشيء، أي تفويض أمر إليه و توليته إياه إلّا أنّ ظاهر الكشّاف تخصيصه هنا بالوصيّة بالإمامة بقرينة السؤال، و في إيجابه ذلك نظر، فان العموم لا ينافيه، بل ربما كان العموم معه أبلغ كما يلائمه كلام القاضي.

و ما يقال من أنّ كون العهد هنا هو الإمامة مرويّ عن أبى جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) فلعلّه على وجه لا ينافي ما قلناه، فان صحّ في الخصوص فهو المتبع، فإنهما أعلم بكلام اللّه، و مراده سبحانه.

ثمّ اعلم أنّ المرويّ أنّ من الأنبياء من كان مبعوثا إلى قبيلة، و منهم من كان مبعوثا إلى أهل بيته و خدمه، و منهم من اختصّ ذلك بنفسه، و إنّما كان عليه أن يعمل بما يوحى أو يلهم دون غيره، و الظاهر شمول العهد للكلّ كما هو ظاهر القاضي حيث استفاد الدلالة على عصمة الأنبياء جميعا قبل البعثة.

____________

(1) من الكشاف و القاضي.

88

إما الإمامة فالظاهر أنّه لا يتحقق إلّا أن يكون الغير مأمورا بالايتمام به، و من هنا جاء «أنّ مرتبة الإمامة أجلّ من مرتبة النبوّة إنّ اللّه سبحانه ابتلى إبراهيم بعد نبوّته للإمامة، ثمّ منّ عليه بها».

إذا عرفت ذلك ففي البيضاوي أنّ قوله سبحانه «لٰا يَنٰالُ» إلخ إجابة إلى ملتمسه و تنبيه على أنّه قد يكون من ذرّيته ظلمة، و أنهم لا ينالون الإمامة، لأنّها أمانة من اللّه و عهد، و الظالم لا يصلح لها، و إنّما ينالها البررة الأتقياء منهم، و فيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، و أنّ الفاسق لا يصلح للإمامة انتهى.

و فيه أبحاث:

الف- انّ قوله «و إنّما ينالها البررة الأتقياء منهم» ينافي تخصيص عصمة الأنبياء بكونها من الكبائر، لأنّ فاعل الصغيرة أيضا لا يعدّ برا تقيا، كيف و أيسر ما قيل في التقوى أنه «أن لا تجدك اللّه حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك».

ب- إنّ وجه الدلالة على العصمة كون الظالم بمعنى من وقع منه ظلم، و لو من قبل، و من هنا يقال كان الاولى أن يقول قبل البعثة أيضا لكن الظاهر أنّ هذا منه لعدم اعتباره خلاف من أجاز الكبيرة حين النبوّة، و ذلك على تقدير عدم اعتبار بقاء المعنى المشتقّ منه فيه كما هو الحقّ واضح؛ إلّا أنه خلاف ما ذهب إليه الأشاعرة.

و يمكن أن يقال إنّ الحقيقة ليست بمرادة على كلّ حال، لانّ الخطاب لإبراهيم بالنسبة إلى ذرّيّته حتى الّذين لم يوجدوا بعد، فلا بدّ أن يراد من كان يتّصف بظلم في الجملة، و فيه نظر، على أنّ اللازم حينئذ كونهم معصومين من أوّل عمرهم إلى الآخر على زعمه أيضا، و هو خلاف مذهب الأشاعرة، بل خلاف معتقده أيضا لوقوع الكفر ممّن يعتقد إمامته، إلّا أن يخصّ الآية بالنبوّة و هو بعيد جدا فان العهد فيها كما عرفت إن لم يكن يخصّ الإمامة فلا بدّ أن يعمّها البتة، لأنّ الكلام فيها.

أو يقال: إنّ الخلافة و الإمامة لأئمتّهم ليست من اللّه و لا بعد البيعة لهم لأنّهم لا يصلحون لذلك كما هو ظاهر الآية، و صريح قوله «و الظالم لا يصلح لها» كيف و

89

لو كانوا يصلحون لذلك عند اللّه، لما ردّ أفضلهم عن تأدية آيات من كتابه بأمر نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك.

و يؤكّد ذلك و يكشف عن كون البيعة و الايتمام منهم أيضا معصية قوله تعالى «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» فلا وجه لتخصيصه أيضا الأنبياء بالعصمة بل الأئمة كذلك.

ج- أنه قد استدلّ بعض الأصحاب بكلّ من الآيتين على عصمة الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) نظرا إلى أنّ الظلم إمّا انتقاص الحقّ أو وضع الشيء في غير موضعه، أو التعدي عن حدود اللّه كما قال سبحانه «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» و لا شكّ أنّ فعل الصغيرة خروج عن الاستقامة و الطاعة، و نقص للحقّ و وضع للشيء في غير موضعه، و تعدّ عن حدود اللّه، لأنّ حدود اللّه هي أوامره و نواهيه.

و أيضا الظاهر أنّ تارك حكم اللّه يكون ظالما عاصيا، سيّما لو كان من الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)، و انه لا يتفاوت الحال في ذلك بين الصغيرة و الكبيرة، على انّ جماعة قالوا: الذنوب كلّها كبيرة و إن كان بعضها أكبر من بعض فافهم و من ذلك يتبيّن انّ تخصيص العصمة بكونها من الكبائر أيضا لا وجه له.

و في الكشاف: أي من كان ظالما من ذرّيتك لا يناله استخلافي و عهدي إليه بالإمامة، و إنّما ينال من كان عادلا بريئا من الظلم، و قالوا في هذا دليل على أنّ الفاسق لا يصلح للإمامة؛ و كيف يصلح لها من لا يجوز حكمه و شهادته؛ و لا يجب طاعته؛ و لا يقبل خبره، و لا يقدّم للصلاة، و كان أبو حنيفة يفتي سرّا بوجوب نصرة زيد بن علىّ و حمل المال إليه و الخروج على اللصّ المتغلّب المتسمّى بالإمام و الخليفة كالدوانيقىّ و أشباهه؛ و قالت له امرأة أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم و محمّد ابني عبد اللّه بن الحسن حتّى قتل، فقال: ليتني مكان ابنك؛ و كان يقول في المنصور و أشياعه لو أرادوا بناء مسجد و أرادوني على عدّ آجره لما فعلت؛ و عن ابن عيينة لا يكون الظالم إماما قطّ؛ و كيف يجوز نصب الظالم للإمامة، و الامام إنّما هو لكفّ الظلمة؛

90

فإذا نصب من كان ظالما في نفسه فقد جاء المثل السائر من استرعي الذئب ظلم انتهى (1).

و هذا و إن احتمل ما فهمه القاضي من العصمة قبل العهد أيضا لكن الظاهر أن يكون مراده انتفاء العهد عن الظالم ما دام على حكم الظلم من الفسق، أما إذا تاب و أصلح و صار عدلا فلا، و فيه ما لا يخفى، بعد ما قدّمنا.

ثمّ على هذا التقدير إذا حمل العهد على عمومه فلا يبعد أن يفهم أنّ الفاسق لا يصلح أيضا للقضاء، و لا للفتوى و لا لتولّي غير ذلك من مصالح المسلمين، حتّى لولايته على أطفاله و المجانين من أولاده.

[كتاب الصلاة]

آيات الصلاة

[في وجوب الصلاة]

الأولى: النساء إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً.

أي فرضا محدودا بأوقات معيّنة لا يجوز الإخلال بها، أو بحدود معيّنة كذلك كما يقال وقت موقوت، و في تخصيص المؤمنين فيه تحريص و ترغيب لهم في حفظها و حفظ أوقاتها، حالتي الأمن و الخوف، و مراعاة جميع حدودها في حال الأمن و إيماء بأنّ ذلك من مقتضى الايمان و شعار أهله و لا يجوز أن يفوتهم، و بأنّ المتساهل فيها في إيمانه نظر، و إشعار بأنّهم هم المنتفعون لعدم صحّتها من غيرهم، أو لعدم إتيان غيرهم بها، فلا يدلّ على عدم وجوبها على غير المؤمنين، فإنّ المفهوم على تقدير اعتباره إنّما يعتبر إذا لم يكن للوصف فائدة أخرى، على أنه لا نزاع في وجوبها على المنافقين و هو ينافي اعتبار المفهوم هنا.

و فيه أيضا تنبيه للمنافقين بما فيه من الإيماء بقصور إيمان من يتساهل فيها على كشف حالهم، و وضوح أمرهم عند اللّه، و أنه لا يبعد مع إصرارهم أن يظهر ذلك للمؤمنين، فينبغي لهم حيث يحامون عن ذلك ان يؤمنوا على التحقيق كما يظهرون

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 184.

91

و أيضا فإنّ الخطاب هنا للمؤمنين، و الكلام في تحريصهم، و بيان مقتضى أحوالهم كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى فلا يناسب التعميم.

على أنّه لا يبعد أن يراد بالموقوت الواقعة في أوقات معيّنة لا يتعدّاها و لو بامداد اقتضاء الايمان ذلك، و التعليق به، فلو فهم منه عدم الوجوب على غيرهم بهذا الوجه فلا محذور فتدبّر.

[الصلاة الوسطى]

البقرة حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَمٰا عَلَّمَكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

قيل: بالأداء لوقتها و المداومة عليها، و قيل: بالمواظبة على فعلها في أوقاتها بجميع شروطها و حدودها، و إتمام أركانها، و كأنّ الأمر بذلك في تضاعيف أحكام الأزواج و الأولاد لئلّا يلهيهم الاشتغال بهم عنها، و من ظاهر عمومها يستفاد وجوب المحافظة على جميع الصلوات إلّا ما أخرجها الدليل، فلا يبعد الاستدلال بها على وجوب الجمعة و العيدين و الآيات، لكن في بعض الروايات أنّ المراد هو الصلوات الخمس (1) و هو قريب.

و خصّ الصلاة الوسطى بذلك بعد التعميم لشدّة الاهتمام بها، لمزيد فضلها أو لكونها معرضة للضياع بينها على قول، فهي الوسطى بين الصلوات أو الفضلي من قولهم للأفضل الأوسط (2).

فقيل هي الصبح (3) لتوسّطها بين صلاتي اللّيل و صلاتي النهار، و بين الظلام و الضياء، و لأنّها لا تجمع مع أخرى، فهي منفردة بين مجتمعين، و لمزيد فضلها لحضور

____________

(1) أخرجه في الدر المنثور عن ابن جرير و ابن أبى حاتم عن ابن عمر ج 1 ص 300 و نقلوه عن عدة أخر.

(2) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 60.

(3) انظر تفاصيل الأقوال في الصلاة الوسطى في تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 61 و 62.

92

ملائكة اللّيل و ملائكة النهار كما قال اللّه تعالى «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» و لأنّها تأتي في وقت مشقّة من برد الشتاء و طيب النوم في الصيف، و فتور الأعضاء، و كثرة النعاس، و غفلة الناس، و استراحتهم، فكانت معرضة للضياع فخصّت لذلك، بشدّة المحافظة و به قال مالك و الشافعي، و قال: و لذلك عقّبه بالقنوت، فإنّه لا يشرع عنده في فريضة إلّا الصبح إلّا عند نازلة فتعمّ.

و قيل: الظهر (1) في المجمع: و هو المرويّ عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) و هو مذهب

____________

(1) و هو المختار عند أكثر علمائنا الإمامية سوى علم الهدى و عدة و قد نطق به الروايات الكثيرة انظر في ذلك من كتب الشيعة الوسائل ط الإسلامية ج 3 الباب 5 من أبواب أعداد الفرائض ص 14 المسلسل 4405 الى المسلسل 4410 و البرهان ج 1 ص 230 و 231 و نور الثقلين ج 1 ص 197- 199 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 171 و جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 24 و 25 و المجمع ج 1 ص 343 و البحار ج 18 من ص 24 الى 30 و الحدائق ج 6 من ص 21 الى 24 و في كثير من الروايات قراءة الإمامين الهمامين و صلاة العصر و في بعضها قراءة رسول اللّه.

و حيث ان العطف يقتضي المغايرة فلا تكون هي العصر و كذلك ترى في كتب أهل السنة كلمة و صلاة العصر منقولة مع الواو انظر المصاحف لابن أبى داود من ص 83 الى 88 نقله بعدة طرق عن مصحف عائشة و حفصة و أم سلمة و كذلك نقله ابن خالويه في شواذ القراءات ص 15 عن عائشة و عن ابن عباس و جماعة بل لو راجعت الدر المنثور ج 1 من ص 300 الى ص 305 و ابن كثير ج 1 من ص 290 الى 292 الخازن ج 1 ص 165- 166 و الطبري ج 2 من ص 554 الى 568 و فتح القدير ج 1 من ص 290 الى 292 وجدت روايات كثيرة عن غير المصاحف المتقدم ذكرها قراءة و صلاة العصر عن عدة.

و أوّلها القائلون بأن الوسطى هي العصر بان الواو زائدة و استشهدوا بآيات و أبيات منها قوله رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ و قال العلامة في المنتهى ج 1 ص 217 الزيادة منافية للأصل فلا يصار اليه الا لموجب و المثال الذي ذكروه نمنع زيادة الواو فيه بل هي للعطف على بابها و اكتفى في المنتهى بهذا المقدار و أنت تقدر على مراجعة الإنصاف المسئلة 64 من مسائل الخلاف من ص 456 الى 463 بحث زيادة الواو و الأقوال فيها، و أن الحق عدم الزيادة، نعم يوجد في بعض الروايات «صلاة العصر» بدون الواو و لعله من سهو الناسخ لاكثرية ما فيه ذكر الواو و في بعض الروايات و هي صلاة العصر و لعله بصورة التفسير.

و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 من ص 121 الى 123 و فيها نكات و شروح في موضوع الواو في و صلاة العصر و انه ليس من التحريف الذي هو عندنا باطل مموه.

93

أسامة و زيد بن ثابت، روى عنه في لباب التأويل (1) أنّه قال كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّى الظهر بالهاجرة، و لم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها، فنزلت «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ» فذلك إمّا لأنها في وسط النهار، أو في أشدّ الحرّ فكانت أشق، فكانت أفضل، لقوله (عليه السلام) أفضل العبادة أحمزها (2) و لأنها أوّل صلاة فرضت، و لأنها في الساعة الّتي تفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتّى تصلى الظهر، و يستجاب فيها الدعاء، قيل: و لأنها بين البردين أي صلاة الصبح و صلاة العصر، و عن بعض أئمّة الزيديّة أنّها الجمعة في يومها، و الظهر في غيرها.

و قيل: العصر لأنّها بين صلاتي ليل و صلاتي نهار، و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن صلاة الوسطي صلاة العصر» (3) و هي واردة من طرق و في الكشاف عن حفصة أنّها قالت لمن كتبت لها المصحف إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتّى امليها عليك كما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقرء، فأملت عليه «و الصلاة الوسطى صلاة العصر» (4) و لأنّها خصّت بمزيد التأكيد و الأمر بالمحافظة، فعنه (صلّى اللّه عليه و آله) «الذي تفوته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله و ماله» أى سلب أهله و ماله، و أيضا عنه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) هو الخازن ترى الحديث في ج 1 ص 165 منه ط 1374 مطبعة الاستقامة بالقاهرة أخرجه عن أبى داود و عن زيد بن ثابت.

(2) لم أظفر الى الان على الحديث في كتب الشيعة و هو في كتب أهل السنة بعبارات مختلفة تراها في كشف الخفاء ج 1 بالرقم 459 ناقلا عن الحفاظ أنه لا أصل للحديث.

(3) انظر المصادر التي سردناها في تفسير الصلاة الوسطى و اما شغل الخيل سليمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عن الصلاة فغير صحيح انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 124.

(4) انظر الكشاف ج 1 ص 287 و في الشاف الكاف ذيله بيان مبسوط.

94

«من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» (1) و هو يقتضي مزيد الاهتمام بها، و لأنها تقع في حال اشتغال الناس بمعاشهم، فيكون الاشتغال بها أشقّ فيكون أفضل.

و قيل: المغرب لأنّها تأتي بين بياض النهار و سواد الليل، و لأنّها أزيد من ركعتين و أقلّ من أربع فهو متوسّطة بين رباعيّ و ثنائي، و لأنّها لا تتغيّر فلا تنقص في السفر مع زيادته على الركعتين فيناسب تأكيد الأمر بالمحافظة عليها، و لانّ الظهر هي الأولى إذ قد وجبت أولا فيكون المغرب هي الوسطى.

و قيل: العشاء لأنّها متوسطة بين صلاتين لا يقصران: الصبح و المغرب، أو بين ليليّة و نهاريّة، و لأنّها أثقل صلاة على المنافقين.

و قيل هي مخفيّة مثل ليلة القدر، و ساعة الإجابة، و اسم اللّه الأعظم، لئلّا يتطرّق التساهل إلى غيرها، بل تحصل غاية الاهتمام بكل منها فيدرك كمال الفضل في الكلّ، قيل فهي تدلّ على جواز العمل المعيّن لوقت من غير جزم بوجوده، مثل

____________

(1) رواه في المجمع ج 1 ص 343 و روى بريدة قال قال النبي (ص) بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله، و مثله مع يسير تفاوت في الألفاظ في تفسير ابن كثير ج 1 ص 292 عن بريدة بن الحصيب و مثله في الدر المنثور ج 6 ص 299 عن ابن أبي شيبة و البخاري و النسائي و ابن ماجة و البيهقي عن بريدة عن النبي (ص) و مثله في المضمون مع قريب تفاوت في الألفاظ بطرق أخر و مثله في كنز العمال ج 8 ص 28 الرقم 171 و الخازن ج 1 ص 166 و مثله في فيض القدير ج 3 ص 206 الرقم 3158 عن أحمد و ابن ماجة و ابن حبان عن بريدة.

قال المناوى و ظاهر صنيع المصنف أن ذا ليس في الصحيحين و لا أحدهما و هو ذهول عجيب مع كونه كما قال الديلمي و غيره في البخاري عن بريدة.

قلت و هو في البخاري كتاب المواقيت باب من ترك العصر عن أبى المليح قال كنا مع بريدة في يوم ذي غيم فقال بكروا بصلاة العصر فإن النبي (ص) قال من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله و هو في ص 171 ج 2 فتح الباري.

قلت ظاهر كلمات رواة الحديث ان بكروا من كلام النبي مع ان المستفاد من رواية البخاري انه من كلام بريدة و هذا هو الذي يوجب علينا التحقيق و التنقيب و مراجعة أصل المصدر و عدم الاعتماد بنقل الناقلين.

95

عمل ليلة القدر و العيد، و أوّل رجب و غيرها- مع عدم ثبوت الهلال، و قد صرّح بذلك في الاخبار، فلا يشترط الجزم في النيّة، و لهذا أجاز الترديد فيها ليلة الشكّ، فافهم، و فيه نظر نعم فهمه من الروايات قريب.

[ثمّ لا يخفى أنه يحتمل أن يراد بالصلوات ما يشمل السنن و المندوبات، فان حمل الأمر على الوجوب كان المراد بالمحافظة ضبطها و ضبط أحكامها و مراعاتها على حسب ما هو اللازم في الدين، و إن حمل على الندب، فلا إشكال بوجه، و يدخل مراعاة الأمور المندوبة للفرض و الندب أيضا فتدبر]

[القنوت]

و في الكشاف (1) «قُومُوا لِلّٰهِ» في الصلاة «قٰانِتِينَ» ذاكرين اللّه في قيامكم، و القنوت أن يذكر اللّه قائماً، و عن عكرمة كانوا يتكلّمون في الصلاة فنهوا، و عن مجاهد هو الركود و كف الأيدي و البصر، و روى (2) أنه إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا، و في المجمع (3) قال ابن عبّاس معناه داعين، و القنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام، و هو المرويّ عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و قيل: طائعين، و قيل:

خاشعين، و قيل: ساكتين أي عما لا يجوز التكلّم به في الصلاة، كما صرّح به في اللباب.

و اعلم أنّ المرويّ عنهما (عليهما السلام) في القنوت يعمّ الذكر و الدعاء (4)، و يؤيّده ما فيه من إطلاق الدعاء على الذكر، و أنّ الظاهر شمول الذكر للدعاء، فيكون لفظ الدعاء في المجمع للأعمّ. و الذكر في الكشاف على عمومه. و يؤيّد هذا عدّ صاحب اللّباب كونه ذكرا و دعاء (5)، قولا واحدا، و هو صريح كلام الأصحاب في القنوت، بل غيرهم أيضا تأمل.

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 288.

(2) الدر المنثور ج 1 ص 306 و فيه يهاب الرحمن مكان هاب الرحمن.

(3) المجمع ج 1 ص 343.

(4) انظر ص 345 و 348 جامع أحاديث الشيعة.

(5) الخازن ج 1 ص 166.

96

ثمّ لا يبعد إرادة السكوت عمّا لا يجوز في ضمن ذلك، كما لا يخفى، و لعلّ ذلك مقتضى القيام طائعين أو خاشعين، فيحتمل إرادة الذكر و الدعاء المقرونين بالخشوع و الطاعة إلّا أنّ الظاهر أنّه مجاز فتدبر.

و قد استدلّ بها على وجوب القنوت في الصلوات كلّها، و شرعيّته فيها، و فيه نظر لاحتمال الاختصاص بالوسطى كما قيل، و احتمال إرادة طائعين أو خاشعين، أو إرادة الأذكار الواجبة في الصلاة كما قيل أيضا، و مع إطلاقه أيضا تبرئ الذمة بها، كما لا يخفى فكونه بالمعنى الشائع عند الفقهاء محلّ تأمل فوجوبه في الصبح على تقديره الوسطى أيضا محل نظر.

قيل و لأنّه أمر بالقيام فهو إمّا قيام حقيقي أو كناية عن الاشتغال بالعبادة للّه في حال القنوت، فالواجب حينئذ هو القيام حال القنوت لا القنوت، و إن احتمل حينئذ وجوب القنوت أيضا، إذ على تقدير تركه لم يوجد المأمور به، و هو القيام حال القنوت، فوجوبه يستلزم وجوبه لكن وجوبه غير معلوم القائل و على تقديره يكون مشروطا أى إن قنتّم فقوموا.

و فيه نظر أما أولا، فلأنّ الواجب حينئذ هو القيام قانتا، و وجوب المقيد يستلزم وجوب القيد، فإنّه منتف عند انتفائه و ثانيا أنّ الظاهر أنّ كلّ من قال بوجوب القنوت يوجبه قائماً مع الإمكان، نعم فهم وجوبه حينئذ مع عدم وجوب القيام لعذر مشكل و ثالثا شتّان ما بين الشرط و الحال، خصوصا على تقدير كون القيام مقيدا بالقنوت كما فرضه فتدبر.

قال شيخنا (1) دام ظله: الأصل عدم الوجوب، و هو مذهب الأكثر، و أنه ليس في روايتي تعليم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الصلاة الأعرابيّ (2) و الصادق (عليه السلام) حمّاد بن عيسى و

____________

(1) انظر زبدة البيان ص 50 ط المرتضوي.

(2) ترى روايات تعليم الأعرابي في كتب أهل السنة مع طرق الحديث و اختلاف ألفاظه و شرح الحديث في نيل الأوطار ج 2 من ص 272- 276 و في فتح الباري ط مطبعة البابى الحلبي ج 2 ص 419 الى ص 424 و تراه في كتب الشيعة في مستدرك الوسائل ج 1 ص 262 عن غوالي اللئالى و هو في جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 245 الرقم 2663 و رواه في الذكرى مرسلا في المسئلة الاولى من مسائل الركوع.

و ترى حديث حماد في جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 341 الرقم 2255 و في منتقى الجمان ج 1 ص 451 و في البحار ج 18 ص 182 و في الوسائل الباب 1 من أبواب أفعال الحديث الحديث 1 و في الوافي ص 125 من الجزء الخامس و تطلع على مواضع اختلاف ألفاظ الصلاة في مصادره بعد مراجعة البحار و المرآت و منتقى الجمان و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 من ص 127 الى ص 130 و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 من ص 206 الى ص 207 من عدم جواز التمسك بحديث تعليم الأعرابي لنفى وجوب ما لم يذكر فيه فكذا حديث حماد.

و اما ما اشتمل حديث حماد على بعض المندوبات فقد عرفت في ص 36 كما افاده المحقق النائيني أن الوجوب ليس قيدا في الموضوع له أو المستعمل فيه في الأمر بل منشأ استفادة الوجوب حكم العقل بوجوب طاعة الأمر و هذا الحكم فيما لم يرخص في تركه و يأذن في مخالفته فما يرد فيه الرخصة يكون واردا على حكم العقل و لذا ترى الجمع بين الواجب و المندوب في اخبار كثيرة بصيغة واحدة و أمر واحد و أسلوب واحد مع تعدد الأمر.

97

غيرهما من الروايات، فالاستحباب غير بعيد، و يمكن حمل الآية عليه فتأمل.

[أمر الأهل بالصلاة]

طه وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلٰاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهٰا لٰا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلتَّقْوىٰ.

الظاهر نظرا إلى ما قبل و ما بعد أنّ أمره تعالى له (صلّى اللّه عليه و آله) بذلك بل أمره لهم أيضا كفّا لهم و تنزيها عن مدّ النظر إلى زهرات الدنيا و زخارفها، بل فعلهم أيضا كذلك ينبغي فلا يبعد أن يفهم طلب مزيد عناية و مواظبة عليه، كما يقتضيه الأمر بالاصطبار على وجه المبالغة.

و ما روي عن عروة بن الزبير (1) أنه كان إذا رأى ما عند السلاطين قرأ «وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» الاية ثمّ ينادي الصلاة الصلاة رحمكم اللّه، و عن بكر بن عبد اللّه المزني (2) أنّه كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلّوا، بهذا أمر اللّه رسوله،

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 99.

(2) الكشاف ج 3 ص 99.

98

ثمّ قرأ هذه الآية.

و في المجمع روى أبو سعيد الخدريّ (1) قال: لمّا نزلت هذه الآية، كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يأتي باب فاطمة و علىّ (عليهما السلام) تسعة أشهر عند كلّ صلاة فيقول: الصلاة الصلاة يرحمكم اللّه، إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و رواه ابن عقدة (2) بإسناده بطرق كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) و غيرهم مثل أبي برزة و أبى رافع و قال أبو جعفر (عليه السلام) أمر اللّه تعالى أن يخصّ أهله دون الناس ليعلم الناس أنّ لأهله عند اللّه منزلة ليست للناس فأمرهم مع الناس، ثمّ أمرهم خاصّة، و هذا يدلّ على أنّ المراد من يختصّ به من أهل بيته، لا أهل دينه مطلقا كما قيل.

ثمّ الظاهر وجوب أمره (صلوات اللّه عليه) أهله بذلك، فالوجوب عليهم بأمره- إن قلنا إنّ الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشيء- لما علم من وجوب اتّباع أمره؛ و إلّا فبهذا الأمر، قيل فيجب علينا أيضا أمر أهالينا بدلالة التأسّي به (عليه السلام)؛ و يؤيّده قوله تعالى «قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً» و قد ينظر فيه لبعض ما تقدّم مما قد يقتضي تخصيص أهله (عليه السلام) و نحوه مما يأتي؛ و حينئذ فقد يستحبّ لغيره فليتأمل.

«وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهٰا» بالمداومة عليها و احتمال مشاقّها بل الأمر بها و احتمال مشاقّة أيضا فهو (عليه السلام) مأمور بها على أبلغ وجه.

«لٰا نَسْئَلُكَ رِزْقاً» لا نكلّفك شيئا من الرزق لا لنفسك و لا لغيرك؛ نحن نرزقك

____________

(1) المجمع ج 4 ص 37.

(2) ترى روايات ابن عقده في البحار ج 9 خلال ص 38 الى ص 45 و ترى روايات إتيان النبي عدة أشهر باختلاف الروايات باب فاطمة و على من طرق أهل السنة في الدر المنثور ج 4 ص 313 تفسير هذه الآية و ج 5 ص 199 تفسير آية التطهير و كفاية الطالب ط النجف ص 232 و اسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص 108 و نور الأبصار ص 112 و غيرها من كتبهم.

99

ما يكفيك و أهلك؛ أو كلّ ما تحتاج اليه فيحتمل أن يكون المراد ترك التوجّه الى تحصيل الرزق و كسب المعيشة بالكلية؛ و يكون من خصائصه (صلوات اللّه عليه و آله) و لهذا قيل ففرّغ بالك لأمر الآخرة من العبادة و أداء الرسالة؛ و قد يفهم منه الأمر بكلّ ما أمر به، و الصبر على تكاليفه كلّها؛ و عدم جعل الرزق مانعا أصلا كما هو المناسب لشأن النبوّة و منزلة الرسالة.

و ينبّه عليه قوله تعالى «وَ الْعٰاقِبَةُ لِلتَّقْوىٰ» لدلالته على عدم الاعتداد بالدنيا لعدم العاقبة أو عدم عاقبة محمودة؛ و انحصار العاقبة أو المحمودة في التقوى الذي هو العمل بمقتضى أوامر اللّه و نواهيه تعالى؛ فمع كفاية الرزق في الدنيا لا وجه للتوجّه إليها و عدم التفرّغ للتقوى؛ إلّا أنّ الإنسان كالمجبول على هذا.

ثمّ لا يخفى أنّ اللازم حينئذ اختصاص وجوب الاصطبار أيضا لأنّ هذا كالتعليل للأمرين خلافا لكنز العرفان؛ نعم قد يستحبّ لغيره، و يحتمل العموم، و لهذا ورد «من كان للّه كان اللّه له و من أصلح أمر دينه أصلح اللّه أمر دنياه و من أصلح ما بينه و بين اللّه أصلح اللّه ما بينه و بين الناس» (1) و قال تعالى «وَ مَنْ يَتَّقِ اللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لٰا يَحْتَسِبُ» و يكون توجّه الأمر إلى خصوصه مثل توجّهه إليه في آيات أخر، و لعلّ الأولى حينئذ أن يراد ترك الاعتناء و الاهتمام، لكون ذلك مظنّة للوقوع في خلاف الأولى كما روي عن عبد اللّه بن قسيط عن رافع (2) «قال: بعثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى يهوديّ و قال قل له يقول لك رسول اللّه أقرضني إلى رجب، فقال و اللّه لا أقرضته إلّا برهن، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّى لأمين في السماء و إنّى لأمين في الأرض احمل إليه درعي الحديد، فنزلت «وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ» و هذا كالتتمة لها كما لا يخفى.

____________

(1) انظر مسالك الافهام ج 1 ص 132 و الوسائل الباب 39 من أبواب جهاد النفس.

(2) كذلك في الكشاف ج 3 ص 99 و ترى مضمون الحديث في الدر المنثور ج 4 ص 312 عن أبى رافع و مثله في الخازن ج 3 ص 253 و نص ابن حجر في الشاف الكاف ذيل الكشاف ج 3 ص 99 وقوع التحريف في الروايتين و انه يزيد بن عبد اللّه بن قسيط عن ابى رافع:

100

و لا يبعد أن يكون بالنسبة إلى غيره (عليه السلام) مظنّة للحرام فيجوز أن يحرم عليهم لهذا و عليه تنزيها لمرتبة الرسالة، و تكميلا لأمر التبليغ، و يجوز عموم تكفّل الرزق و تخصيص وجوب ترك التوجّه به (عليه السلام) لما تقدّم فافهم.

[في معنى الإيمان و الخشوع]

المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلٰاتِهِمْ خٰاشِعُونَ.

«قد» حرف تأكيد يثبت المتوقّع كما ينفيه «لمّا» و تفيد الثبات في الماضي و الفلاح الظفر بالمراد، و قيل البقاء في الخير، و أفلح دخل في الفلاح كأبشر، و يقال أفلحه أصاره إلى الفلاح، و عليه قراءة أفلح على البناء للمفعول (1) و قرئ «أفلحوا» على أكلونى البراغيث، أو على الإيهام و التفسير «و أفلح» اجتزاء بالضمّة عن الواو و قرأ ورش عن نافع (2) بإلقاء فتح الهمزة على الدال و حذفها.

و الايمان في اللّغة التصديق و شرعا تصديق الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فيما علم مجيئه به ضرورة تفصيلا فيما علم تفصيلا و إجمالا فيما علم إجمالا كما قاله الأشعرية و بعض الإماميّة فهو تصديق خاصّ أو هو مع الإقرار به كما قال بعض الإماميّة و نادر من الأشعرية و يروى عن أبي حنيفة. أو هما مع العمل بمقتضاه، و هو مذهب جمهور المحدّثين و المعتزلة و الخوارج و عند قوم من الآخرين أنّه أعمال الجوارح، فقيل الطاعات بأسرها فرضا و نفلا، و قيل المفترضة من الأفعال و التروك دون النوافل و عند الكرّاميّة أنّه الإقرار بالشهادتين.

و ممّا يدل على أنّه التصديق وحده إضافة الايمان إلى القلب الدالّة على محلّيّة القلب له في آيات مثل «أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ»- «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ»- «وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ»- «وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ» و يقربها الآيات الدالّة على الختم و الطبع على القلوب، و كونها في أكنّه في مقام امتناع الايمان منهم، و عطف

____________

(1) انظر الالوسى ج 18 ص 3 و الكشاف ج 3 ص 174 و فتح القدير ج 3 ص 458 و نقل الالوسى عن ابن خالويه إثبات الواو في الرسم أيضا قال و حملت الكتابة على ذلك فهي محذوفة فيها أيضا نظير يمحو اللّه قلت و ليس هذا الرسم في كتابه شواذ القراءات ص 97 منه المتعلق بسورة المؤمنون و لم ينقل الرسم في نثر المرجان ج 4 ص 519 أيضا.

(2) نقله الالوسى ج 18 ص 2.

101

العمل الصالح على الايمان في آيات، و اقتران الايمان بالمعاصي في مثل قوله «وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا»- «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ» «و الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ» و ظاهر أنّه لا يجوز الخروج عن ظاهر القطعي إلّا بأقوى أو مثله.

على أنّ مثل ذلك في الروايات كثيرة أيضا، و أيضا فإنّه أوفق للأصل من عدم اعتبار أمر زائد، و أقرب إلى معناه اللغوي لقلّة التغيّر و إلى الاستصحاب لبقائه في أفراد معناه اللغوي، و يقال أيضا لو لا ذلك لزم كفر من صدق بقلبه و يمّم بالإقرار فمنعه مانع من خرس أو خوف من مخالف، و هو خلاف الإجماع.

و استدلّ على اعتبار الإقرار بثبوت الكفر مع المعرفة كما في قوله تعالى «فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ و جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ» و فيه نظر واضح و في البيضاوي:

لعلّه الحق في المتمكن منه، لأنّه تعالى ذمّ المعاند أكثر من ذمّ الجاهل المقصّر، و للمانع أن يجعل الذمّ للإنكار لا لعدم الإقرار، و أما أنّه لا يجوز مع التمكّن منه تركه، فان سلّم فلا يستلزم اعتباره شطرا و لا شرطا و أما أنّ الإسلام قد اعتبر فيه الإقرار و الايمان إمّا مرادف له أو أخصّ ففيه ما فيه، و المذكور من حجج المعتزلة لا يخلو من ضعف.

إلّا أنه ظاهر أخبار كثيرة (1) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) خصوصا الرضا (عليه السلام) حتّى كاد أن يبلغ التواتر، و قد يفهم تأييده من أخبار كثيرة أيضا حيث يدلّ على خروج المؤمن بالفسق عن الايمان، ثمّ إذا تاب صار مؤمنا، و قد حمل الجميع جماعة على الايمان الكامل الكائن للمتّقين المخلصين جمعا بين الأدلّة.

و لعلّ كون الايمان التصديق بطريق الانقياد على وجه يستتبع مقتضاه شرعا من عدم ما يخرجه من الدين أو من اجتناب الكبائر فعلا أو تركا أقرب، و لا تأويل حينئذ إلّا فيما دلّ على اعتبار الإقرار و الأعمال شطرا أو شرطا مطلقا، و هو لازم، و إلّا لزم

____________

(1) ترى الاخبار مبثوثة في المجلد الخامس عشر من كتاب البحار ط كمپانى.

102

الحرج المنفيّ بقوله «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» فيمن منعه عن الإقرار و الأعمال لزوم قبله أو نحوه و أيضا لا بدّ من اعتبار نحو ذلك و إلّا يكون سابّ النبيّ مع التصديق المذكور مؤمنا، مع أنه خلاف الإجماع، و كذا غير ذلك ممّا يوجب الارتداد، و يمكن اجتماعه مع التصديق المذكور، و القول بكونه مؤمنا فيما بينه و بين اللّه مع كونه محكوما بالكفر بعيد.

ثمّ أصول الإيمان عند الإماميّة التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد، و عند الأشعريّة ما عدا العدل و الإمامة، و عند المعتزلة التوحيد و العدل و النبوّة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الوعد و الوعيد، و قالوا من لم يقرّ ببعض هذه لم يكن مسلما، و من أقرّ و فعل كبيرة لم يكن مؤمنا و لا كافرا بل هو منزلة بين المنزلتين.

و الخشوع الخضوع و التذلّل «خٰاشِعُونَ» أي خاضعون متواضعون متذلّلون لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم، و لا يلتفتون يمينا و لا شمالا و روي (1) أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال: أما إنّه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه، و في هذا دلالة على أنّ الخشوع في الصلاة يكون بالقلب و الجوارح: أمّا بالقلب فهو أن يفرّغ قلبه بجميع همّه بها و الاعراض عمّا سواها، فلا يكون فيه غير العبادة و المعبود، و أما بالجوارح فبغضّ البصر، و الإقبال إليها، و ترك الالتفات و العبث، قاله في مجمع البيان.

و الظاهر أنّ المراد بغضّ البصر خفضه و ترك التوجّه و طلب الأبصار به كما روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: اخشع بصرك و لا ترفعه إلى السماء (2) و لذلك

____________

(1) رواه في جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 253 الرقم 2350 و في كتب أهل السنة الكشاف ج 3 ص 157 و بين مصادره في الشاف الكاف ذيله و أخرجه في فيض القدير ج 5 ص 319 الرقم 7447 من الجامع الصغير.

(2) هذا جزء الحديث رواه في الكافي و الفقيه و التهذيب انظر ص 187 ج 2 جامع أحاديث الشيعة الرقم 1755 و 1756 و رواه صاحب المعالم في المنتقى من ص 462 الى ص 463 مع ذكر مواضع اختلاف ألفاظ الكتب الثلاثة و اختلاف نسخها.

103

قيل: المراد صرف النظر حال القيام إلى موضع سجوده، و حال الركوع إلى ما بين رجليه، و حال السجود إلى طرف أنفه، و حال التشهّد إلى حجره، و حال القنوت إلى باطن كفّيه.

و قال الشيخ في الجمع بين ما في رواية حمّاد من غمض العين حال الركوع و ما في رواية زرارة من النظر إلى ما بين رجليه حينئذ أنّه إذا لم ينظر إلّا إلى ما بين رجليه، فكأنه غضّ بصره، فان ظاهره أنّ الغرض من الغمض و النظر الخاصّ غمض البصر بالمعنى المذكور المتحقّق معهما، فكلّ حينئذ مستحبّ تخييريّ.

نعم قوله «لا يرفعون أبصارهم عن مواضع سجودهم» مقيّد بحال القيام، و أهمل لظاهر الحال، و شهرته رواية و فتوى، و أمّا غمض العين حينئذ فالظاهر عدم استحبابه، فقد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نهى أن يغمض الرجل عينيه في الصلاة (1) و يؤيد ذلك إضافه النظر و البصر إلى موضع السجود في الروايات الكثيرة.

أما ما في رواية حمّاد من الغمض في الركوع فالوجه تقديمه لوجوب تقديم الخاصّ على العام، و لأنها أصحّ مع اختصاص تأييد تلك الرواية بالروايات المشار إليها ظاهرا بحال القيام، و قيل باستحبابه حينئذ تخييرا و كأنه لاستضعاف الرواية بالقطع، و حصول غضّ البصر و إلباده كما روى عن قتادة مع الغمض أيضا، فإنّه الذي ينبغي أن يراد بالنظر إلى موضع السجود و عدم رفع البصر عنه، مع عدم منافاته للإقبال بالقلب، بل ربما كان أعون عليه كما نقل عن هذا القائل، لكنّه موضع تأمّل.

و عن عليّ (عليه السلام) لا تجاوز بطرفك في الصلاة موضع سجودك في الصلاة (2) و من ثمّ قال ابن بابويه ينظر الراكع ما بين قدميه إلى موضع سجوده، و ربما احتمل أن يكون عدم الرفع في كلام الطبرسيّ بهذا المعنى، و إن كان خلاف الظاهر، و على هذا

____________

(1) الحديث 1 من الباب 6 من أبواب قواطع الصلاة من الوسائل ج 4 ص 1253 المسلسل 9247 ط الإسلامية.

(2) و مثله الحديث في الباب 9 من أبواب القبلة ج 3 ص 227 المسلسل 5241 عن ابى جعفر و فيه و ليكن حذاء وجهك في موضع سجودك.

104

لا يبعد الجمع بين الروايات بكون النظر الى موضع السجود قائماً و الى ما بين رجليه راكعا آكد استحبابا و اللّه اعلم.

و أما الإقبال بالجوارح، فظاهر أنّ المراد به حفظها عمّا لا يناسب الصلاة أو ينافي التوجّه إليها بالقلب، مفسّر بقوله «و ترك الالتفات و العبث» فكأنّه أذلّها بعبادته فلم يشتغل بغيرها، و في الصحيح (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا قمت في الصلاة فعليك بالاكباب على صلاتك، فإنّما يحسب لك منها ما أقبلت عليه، و لا تعبث فيها بيدك و لا برأسك و لا بلحيتك، و لا تحدّث نفسك، و لا تتثاءب و لا تتمطّ و لا تكفّر، فإنّما يفعل ذلك المجوس، و لا تلثم و لا تحتقن، و تفرّج كما يفرّج البعير، و لا تقع على قدميك، و لا تفرش ذراعك، و لا تفرقع أصابعك، فإنّ ذلك كلّه نقصان من الصلاة و لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا و لا متثاقلا، فإنّها من خلال النفاق، فان اللّه نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة و هم سكارى، يعني سكر النوم، و قال للمنافقين «وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ».

هذا و ظاهر البعض اعتبار ترك جميع المكروهات، و فعل جميع المندوبات المتعلّق بالجوارح المبيّنة في الفروع الواردة في الأصول في الخشوع، حتّى لو انتفى البعض انتفى، و فيه تأمل لأنه يمكن أن يكون استحباب بعض تلك المستحبّات لكون الخشوع معه أتم، أو لأمر آخر كما في التكفير مثلا، و يؤيد ذلك أنّ الخشوع في الأعضاء السكون كما صرّح به جماعة من أهل اللغة و أهل التفسير حتّى في تفسير الآية و عليه ما روي (2) في هذا الباب عن سيّد العابدين (عليه السلام) أنه إذا قام في الصلاة كان كأنّه

____________

(1) انظر جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 253 الرقم 2342 و المرات ج 3 ص 119 و اللفظ في نسخ الكافي و المرات المطبوع فعليك بالإقبال و لم ينقل في المنتقى ج 1 ص 466 نسخة الإكباب الا ان في الجامع نقل نسخة الإكباب و كذا التعبير في مسالك الافهام ج 1 ص 135 عبر بالاكباب.

(2) انظر جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 251 الرقم 2327.

105

ساق شجرة لا يتحرك منه إلّا ما حركت الريح منه، و ربّما كان في الرواية النبويّة أيضا إيماء إليه، فإنّ ظاهرها اعتبار خشوع القلب و الذمّ على عدمه المفهوم من عبث اليد.

و أمّا ما تضمّن من فوت الخشوع المعتبر عند فوت خشوع بعض الجوارح، فذلك لا ينافي كون الخشوع من الجوارح سكونها، و لا يوجب كونها على الهيآت المستحبّة المذكورة كما لا يخفى، و أيضا لما دلّ على أنّ خشية القلب خشوع، فالظاهر صدق الخاشع باعتبارها على المصلّي فيكون كافيا في المقام، فلا يعتبر شيء من الهيآت معه، إلّا بدليل.

و أما فوت خشوع القلب عند عدم خشوع الجوارح، فقد عرفت أنّه لا ينافي ذلك، فلا دلالة في الآية و لا في الحديث على اعتبار الهيآت المخصوصة جميعا في الخشوع نعم خشوع الجوارح بمعنى السكون يفهم من الحديث اعتباره، و لذلك فسّر الطبرسيّ خشوع الجوارح بترك الالتفات و ترك العبث، لكن هل يستفاد حينئذ استحباب تسكين الجوارح جميعا بحيث يثاب عليه بخصوصه؟ أو المطلوب إنّما هو خشوع القلب الذي يلزمه ذلك أو مع ما يتوقّف عليه من ذلك كغضّ البصر مثلا؟

هذا هو الذي يقتضيه ما في الكشاف أنّ الخشوع في الصلاة خشية القلب و إلباد البصر، و ربّما كان ترك العبث من هذا القبيل أيضا، و أما قوله: و من الخشوع أن يستعمل الآداب فيتوقّى إلخ أي نوع من الخشوع أو من آثاره كما قد يشعر استشهاده بالرواية النبويّة، أو باعتبار أنّ ترك العبث و ما يخلّ بخشوع القلب معتبر أيضا و لذلك عدّ تروكا من هذا القبيل.

ثمّ ظاهر الآية اعتبار الخشوع من أوّل الصلاة إلى آخرها، و ظاهر إطلاقها شمول الفرائض و النوافل المرتّبة و غيرها، و لهذا قيل إنّما أضيفت إليهم لأنّ المصلّي هو المنتفع بها وحده، و هي عدّته و ذخرته، فهي صلاته، و أما المصلّي له فغنيّ متعال عن الحاجة إليها، و الانتفاع بها.

106

و إن خصّ بالفرائض كما يشعر به بعض الروايات أمكن اعتبار مزيد الاختصاص و زيادة الانتفاع، و على كلّ حال فإنّما لم يهمل و يطلق، إيماء إلى ذلك للتحريض و الترغيب، و في ترتّب الفلاح على الخشوع في الصلاة لا على الصلاة وحدها و لا عليهما جميعا من التنبيه على فضل الخشوع ما لا يخفى.

[في معنى اللغو و أن تركه من الإيمان]

وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ اللغو ما لا يعنيك من قول أو فعل، و ما توجب المروّة إلغاءه و إطراحه، يعني أنّ بهم من الجدّ ما شغلهم عن الهزل، و لمّا وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالاعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل و الترك الشاقين على الأنفس اللّذين هما قاعدتا بناء التكليف، كذا في الكشاف (1) و الظاهر أنّ اللغو لا يختصّ بنحو اللعب و الهزل كما قد يتوهّم، بل يعمّ جميع المعاصي و المكروهات، أما المباحات كما زعمه شيخنا المحقّق (2) فموضع نظر، نعم عن الحسن أنه المعاصي.

ثمّ لا يخفى أنّ الخشوع فيها حقيقة هو جمع الهمّ لها، و الإقبال و التوجّه إليها، و هو فعل لا ترك، و ان استلزم تروكا، و أنّ اللغو لو كان منه تركا فالظاهر الممدوح عليه هنا المرغّب فيه تركه، و لو بفعل، فلا ينبغي المناقشة بأنّ في كل جمعا بين الفعل و الترك كما لا ينبغي بأنّ الإعراض فعل و ان استلزم ترك المعرض عنه، فإنّه قد يراد من الترك ذلك، أو يراد بالاعراض عدم الالتفات و لو على طريق المبالغة أو المراد تركه متوجّها الى ما يعنيه أو على وجه يبعد منه فعله.

و لعلّ في ذكر الاعراض و تعليق الفلاح به تنبيها على أنّ موجب الفلاح أو علامته حقيقة هو ترك اللّغو أو عدم الالتفات إليه قصدا، و أنه الكمال لا مجرّد عدم وقوعه منهم فافهم.

قيل: يفهم من الآية وجوب الاعراض عن اللّغو، لأنّ له دخلا في الايمان أي في كماله، و قارنه بفعل الزكاة و ترك الزناء، و فيه أنّه إن أراد أنه من علامات كمال

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 175.

(2) زبدة البيان ص 54 ط مرتضوى.

107

الايمان، فلا نسلّم أن كلما كان كذلك كان واجبا، و إن قارن فعل الزكاة، و إلّا فلا نسلّم أنّ له دخلا في حصول كمال الايمان، بل هو من متفرعاته.

و أيضا فإنّ ظاهر السياق في الجميع واحد، فان فهم الوجوب فهم في الخشوع أيضا، و لم يفهمه هذا القائل، بل صرّح بدلالتها على الاستحباب و لم يذكر احتمال الوجوب، مع قوله بدلالتها على الترغيب في الخشوع حتّى كاد أن يكون له دخل عظيم في الايمان أي كماله، و كونه أقرب إلى فعل الزكاة غير موجب لاختصاصه بذلك كما لا يخفى.

نعم الآية قد دلّت على المدح العظيم، و ثبوت الفلاح للمؤمن الموصوف بهذه الأوصاف أو أحدها، و هذا لا يستلزم عدم اشتمالها على المندوب أصلا، و لو قلنا بحصر الفلاح أو المؤمنين فيهم كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في الآية دلالة على كراهة الميل إلى اللغو و حضوره و تسببه أيضا كما أشار إليه القاضي (1) حيث قال: و هو أبلغ من: الّذين لا يلغون، من وجوه: جعل الجملة اسميّة، و بناء الحكم على الضمير، و التعبير عنه بالاسم، و تقديم الصلة عليه، و إقامة الاعراض مقام الترك، ليدلّ على بعدهم عنه رأسا مباشرة و تسبّبا و ميلا و حضورا، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه.

و كذلك قوله وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ الزكاة اسم (2) مشترك بين عين هو القدر المخرج من النصاب، و معنى هو التزكية و هو المراد، و ما من مصدر إلّا و قد يعبّر عن معناه بالفعل، و يقال لمحدثه فاعله كما يقال للضارب فاعل الضرب، و يجوز أن يراد العين على تقدير مضاف هو الأداء، و لم يمتنع أن يتعلّق بها فاعلون من غير حذف لخروجها من صحّة أن يتناولها

____________

(1) البيضاوي ج 3 ص 215.

(2) الزكاة قال في مقاييس اللفة ج 3 ص 17 الزاء و الكاف و الحرف المعتل أصل يدل على نماء و زيادة و يقال الطهارة زكاة المال قال بعضهم سميت بذلك لأنها مما يرجى به زكاة المال و هو زيادته و نماؤه و قال بعضهم سميت زكاة لأنها طهارة.

108

الفاعل، بل لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها.

ثمّ الزكاة بإطلاقها تشمل الواجب و الندب، فمن لم يجب عليه يدخل فيهم باعتبار فعل مندوبها، و أما حملها على الواجب كما قيل، فيخرج هذا فلم أعلم ما يوجبه نعم يحتمله المقام، و منهم من قال المراد بها العمل الصالح و أما فهم وجوب الزكاة من هنا فكفهم وجوب الخشوع و الاعراض عن اللّغو، و اللّه أعلم.

[في أن حفظ الفرج من الإيمان]

وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ.*-

«إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ»* في موضع الحال أي إلّا والين أو قوّامين عليهنّ، من قولك فلان كان على فلانة فمات فخلف عليها فلان، نظيره كان فلان على البصرة أي واليا عليها، و منه فلانة تحت فلان، و من ثمّ سمّيت المرأة فراشا و المعنى أنّهم لفروجهم حافظون في كافّة الأحوال إلّا حال تزوّجهم أو تسرّيهم، أو تعلّق بمحذوف يدلّ عليه غير ملومين، كأنه قيل يلامون إلّا على أزواجهم أي يلامون على كلّ مباشرة إلّا على ما أطلق لهم، فإنّهم غير ملومين عليه، أو تجعله صلة لحافظين من قولك احفظ على عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي كما ضمّن قولهم نشدتك باللّه إلّا فعلت؛ الكشاف.

و لا يخفى أنّ استثناء حال تزوّجهم و تسرّيهم مطلقا غير مراد فلا بدّ من جعل ذلك كناية عن بذلها لهنّ، بل عمّا أطلق لهم من ذلك كما قال في الوجه الثاني أو تقدير ما يخصصه به، و حينئذ فتقدير ما يكون أقرب من المراد مع احتمال المقام أولى فلا يبعد تقدير «من كل وجه إلّا ما يستحقّونه» أو «ما يحقّ لهم على أزواجهم» و نحو ذلك.

ثمّ اعلم أنه كما يجوز تعلقه بمحذوف يدلّ عليه ما بعده، كذلك يجوز تعلقه بما يدلّ عليه ما قبله، من حافظون لفروجهم، فإنّه يدلّ على أنهم لا يتظاهرون بفروجهم و لا يعرضونها على الغير بالمباشرة و الملامسة، و أن ينظر إليها، فيجوز أن يتعلّق به باعتبار ذلك، و حيث يفهم منه جاز أن يقال بتضمينه، و هذا هو المراد بقوله أو يجعله

109

صلة لحافظون إلخ.

ثم لا يخفى أنّ ظاهر حفظ الفرج بإطلاقه يعمّ المباشرة و غيرها كما تقدّم فالتخصيص بها كما أورد في الوجه الثاني محلّ نظر أيضا، نعم روى (1) عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى «وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ» أنّ المراد في غيره بحفظ الفرج الحفظ من الزنا إلّا أنّ فيه تأملا فتدبر.

ثم إنّ القاضي قدّر النفي لا يبذلون، و المعروف تعديته باللام، فيقال بذل له، و صحّة تعلق على به محل نظر، قال البغوي (2) في المعالم: على بمعنى من أي من أزواجهم و مجيء على بمعنى من في الكشاف أيضا و لكن إن ثبت فهو خلاف ظاهرها.

و على أى تقدير في الآية دلالة على جواز التزويج و تملك الجارية، و إباحة التسري، فلا ينبغي اعتقاد أنّه ليس بحسن لكونه غير لائق، أو أنّ حصول الولد منها عار عليه أو على الولد، أو أنّ الولد منها لا يجيء قابلًا غالبا، و لا تركه بهذا الاعتقاد كما يفعله بعض الجهلة، و هو ظاهر يدلّ عليه أيضا غير هذه من الآيات، و الأخبار، بل فيها دلالة على استحبابه و مدح الولد و ردّا على الجهلة أكّد بقوله «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»* أي غير مستحقّين للؤم، أو خبر في معنى النهي فيكون لومهم على ذلك حراما البتة.

قيل أي غير ملومين على حفظهم من غيرهنّ و على عدم حفظهم منهنّ، و فيه نظر لأنّ الحفظ وقع متعلّق مدح عظيم هو علامة الفلاح و مع ذلك فهو معروف الحسن بيّن الرجحان، فلا يليق توجيهه بنفي اللوم أو تأكيده.

إن قيل: المقدمة الاستثنائية أيضا متعلّق المدح لما تقرّر من أنّ الاستثناء من الموجب نفي و من النفي إيجاب، فهما في ذلك سواء، و حينئذ فيستفاد استحباب التزويج

____________

(1) انظر تفسير نور الثقلين ج 3 ص 588 و البرهان ج 3 ص 130 تفسير الآية 32 من سورة النور عن الصادق كل آية في القرآن في ذكر الفروج فهي من الزنا الا هذه الآية فإنها من النظر.

(2) الخازن ج 3 ص 301.

110

و التسري و كراهة الحفظ منهنّ.

قلنا ليس تعلّق المدح في ظاهر الكلام بالاستثنائيّة كتعلّقه بما قبلها، فإنّه صريح كالنص، و الاستثناء كثيرا ما يكون لغرض آخر من تشخيص المراد كمتعلّق المدح هنا، و دفع توهّم غيره، مثل أن يتوهّم المدح على الحفظ من الأزواج و الإماء أيضا، و تمهيد حكم آخر كما هنا، و لا في معروف الحسن بيّن الرجحان كما قبله، و إذ لا بدّ لقوله «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»* من متعلّق، فليكن الاستثنائيّة، و بعض محقّقي مشايخنا بناء على ما قدمنا حكم باستحباب التزويج و التسرّي مع تعليق هذا القول بالاستثنائيّة في ظاهر كلامه فليتأمل و التعلّق بالجميع على تقدير كونه بمعنى النهى، و إن كان ممكنا إلّا أنه بعيد.

ثمّ قد يشعر قوله «فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ»* بأن يكون تارك الحفظ من غيرهنّ ملوما و لا أقلّ يستشعر به فيراد حكم فيحتاج إلى قوله.

«فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ».*

أي الكاملون في العدوان المتناهون فيه تأكيدا و توضيحا أو تبيينا، فيحسن و إن كان المقام مقام الاقتصار و الكلام في المفلحين.

ثمّ لا يخفى أنّ ما قدّر أو ضمّن لتصحيح «على» إن قيّد فيه المستثنى بالنسبة إلى الأزواج و الإماء بالحلّ، لم يكن في الآية دلالة على حلّ شيء مما يحلّ منهن، اللهمّ إلّا المعروف المشهور، و لا حرمة غيره منهنّ، بل كانت مجملة، فلا بدّ من فهم ذلك من غيرها، و إلّا دلّ على حل كل ما يمكن من المستثنى منه بالنسبة إلى الأزواج و الإماء، إلّا ما خرج بعقلي أو نقلي، كما يدل على حرمته بالنسبة إلى غيرهنّ كذلك، حتّى كشف الفرج، و الاستمناء باليد، و سائر البدن.

في الكشاف (1) فان قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ قلت؟ لا لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صحّ النكاح، و هو واضح، و انتفاء بعض الأحكام مثل الإرث عند بعض، و القسمة لا يقتضي خروجها عن الزوجيّة كما في بعض

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 177.

111

الدائمات مثل الناشزة و القاتلة.

ثمّ لا يخفي أنّ إذا قد تشعر بوقوع الشرط، و لعله باعتبار جواز المتعة و صحّتها شرعا في الجملة حتى بعد الآية في عام الفتح عندهم و إن نسخ، فلا دلالة فيه على جواز المتعة عنده، و لا على عدم جوازه، فان جواز المباشرة لكونها من الأزواج بشرط الصحّة لا يستلزم الصحّة، و لا الجواز مطلقا، كما في الواهبة نفسها فإنّه لما صحّت الهبة في حقّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كانت زوجة و لما لم تصحّ في حق غيره لم تكن زوجة، فلا تدلّ الآية على حرمة المباشرة و وجوب الحفظ إلّا بعد ثبوت عدم الصحّة، و لا على الجواز إلّا بعد ثبوت الصحّة، و كذلك المجيرة و المعيرة و المبيحة نفسها، و نحوها، فان الظاهر أنّها لو صحت صارت هي زوجة، فإنّما تدلّ الآية على حرمة المباشرة فيهنّ لعدم كونها من الأزواج لعدم الصحّة، فلا يكون تحليل الأمة كذلك مع الصحّة كما دلّت عليه الأخبار الصحيحة و الإجماع على ما نقل، ففهم دلالة الآية على عدم صحّة هذه الهبة و الإجارة و التحليل و غيرها وهم.

إذا تقرر ذلك فهنا أمور:

الف- ظاهر الآية حصر سبب الحلّ في الزوجة، و ملك اليمين، بحيث لا يرتفعان و لا يجتمعان، فان المستباح بهما خارج عن القسمين، إذ التفصيل يقطع الاشتراك، و أيضا فلا ريب في وضوح احتماله للانفصال الحقيقي و ذلك يوجب الشك في الإباحة بغيرهما فيرجع إلى أصل المنع، و لما ثبت عندنا صحّة تحليل الأمة و إفادته الإباحة كما تقدم وجب دخوله في أحد الأمرين.

فقيل انّ التحليل كالعقد المنقطع يفيد الزوجيّة، و اعترض بانتفاء لوازم المتعة من تعيين المدّة و المبلغ و الصيغة الخاصّة، و يجاب بمنع لزومها مطلقا، بل في قسم خاص منها أو منع انحصار عقد المنقطع منها، أو منع حصر العقد المفيد للزوجيّة في الدائم، و المنقطع الذي هو المتعة.

و يجاب أيضا عن الاعتراض بأنّ عقد النكاح لازم و لا شيء من التحليل بلازم فليتأمل.

112

و قيل انه تمليك يفيد ملك المنفعة، فإنّ الملك أعمّ من ملك العين و ملك المنفعة و ملك المنفعة أعمّ من أن يكون تبعا للأصل أو منفردا قيل: و لذلك قال «أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ»* فإنّه لا يشترط في هذا الملك العقل، و لو أراد ملك العين لقال من ملكت أيمانهم، فلا يقال ظاهر الآية ملك العين لا الأعمّ، و لهذا لا يحلّ بغير التحليل ممّا يفيد ملك المنفعة كالإجارة فإنّ الملك مطلق يعمّ القسمين، و التخصيص تقييد.

إذ قد عرفت أنّ الآية تدلّ على الإباحة على تقدير الملك مطلقا، فعدم افادة غير التحليل ملك منفعة البضع كالإجارة و عدم دلالة الآية على الإباحة لذلك لا يقدح في دلالة الآية على الإباحة فيما علم فيه ملك منفعة البضع، و لعلّ عدم افادة نحو الإجارة ذلك لكونه موضوعا شرعا لغير ذلك أو معروفا شائعا في الغير، فلا يتبادر فيه ذلك، مع كونه ممّا يراعى فيه الصراحة للاحتياط فتأمل.

و اما نحو القبلة المحضة و المسّ بغير الفرج و النظر فقط، فان لم يكن متعلق الفرج فلا دلالة في الآية عليه لا حلًّا و لا حرمة و لا محذور فيه، و انّما يعلم ذلك بغيرها و ان كان ممّا يتعلق به أو من أتباعه، فإذا ثبت الحلّ فيها بالنصوص الصحيحة، وجب القول بالملك أو العقد بهذا الوجه الخاصّ.

و شيخنا المحقّق بعد القول بأنه يفهم من الآية عدم جواز التحليل مع دلالة الأخبار الصحيحة، و نقل الإجماع قبل المخالف و بعده على الجواز، و ذكر اختلاف الأصحاب في كونه عقدا أو ملكا، و تزييف القولين ببعض ما تقدّم، قال: و لكن لما ثبت التحليل فلا بدّ من التأويل، و ان كان بعيدا، فيمكن جعله قسما آخر بنفسه، و تخصيص هذه الاية فتدبر.

ب- ظهر ممّا ذكرنا أنّ البضع لا يتبعّض، فلو ملك بعض أمة لم يحلّ له العقد على باقيها، و إلّا لزم التبعيض استباحة، بعض بالملك و بعض بالعقد.

أمّا لو حلل أحد الشريكين مثلا لصاحبه حصّته فذهب جماعة منهم ابن إدريس و الشهيد إلى الجواز، لأنّ الإباحة تمليك منفعة، فيكون حلّ جميعها بالملك، و لا

113

يضرّ كون بعضه للملك و بعضه منفردا، و يؤيد ذلك صحيحة محمّد بن مسلم (1) عن الباقر (عليه السلام) في جارية بين رجلين دبّراها جميعا ثمّ أحلّ أحدهما فرجها لصاحبه، قال: هو له حلال:

و أما قول الشهيد الثاني أنّ الرواية ضعيفة السند فناظر إلى ما في التهذيب (2) و إلّا فالصدوق في الفقيه رواه في الصحيح، و لا يقدح فيها ذلك بل يؤيّدها كما لا يخفى و قيل: بالمنع بناء على تبعيض السبب حيث إنّ بعضها بالملك، و بعضها بالتحليل، و هو امّا عقد أو اباحة، و الكلّ مغاير للملك.

ج- في صحّة التحليل بلفظ الإباحة قولان: إلحاقها به لمشاركتها له في المعنى، فيكون كالمرادف الذي يجوز إقامته مقام رديفه، و الأكثر على منعه وقوفا فيما خالف الأصل على موضع اليقين، و تمسكا بالأصل، و مراعاة الاحتياط في الفروج المبنيّة عليه، فيمنع المرادفة أولا ثم الاكتفاء بالمرادفة مطلقا فان كثيرا من أحكام النكاح توقيفيّة، و فيه شائبة العبادة و الاحتياط فيه مهم، قال الشهيد الثاني: فإن جوّزناه بلفظ الإباحة كفى: أذنت، و سوّغت، و ملّكت، و وهبت، و نحوها فتدبر.

[الرعاية للأمانة و العهد]

وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمٰانٰاتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ رٰاعُونَ.*

سمّى الشيء المؤتمن عليه و المعاهد عليه أمانة و عهدا، و منه قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا» و قال «وَ تَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ» و إنّما تؤدى العيون لا المعاني، و تخان المؤتمن عليه لا الأمانة في نفسها، و الراعي القائم على الشيء لإصلاح و حفظ كراعي الغنم، و راعي الرعيّة، و يقال من راعي هذا الشيء أي متولّيه و صاحبه، و يحتمل العموم في كلما ائتمنوا عليه و عوهدوا من جهة اللّه عز و جل و من جهة الخلق، و الخصوص فيما حملوه من أمانات الناس و عهودهم كذا في الكشاف (3)

____________

(1) رواها في الفقيه 3/ 290 ط نجف بإسناده عن الحسن بن محبوب عن على بن رئاب عن محمد بن مسلم، و طريق الصدوق الى الحسن بن محبوب صحيح كما في الخلاصة.

(2) رواها الشيخ في التهذيب ج 2 ص 305 ط حجر و في طريقه محمد بن قيس.

(3) الكشاف ج 3 ص 177.

114

و نحوه في الجوامع، و قرأ ابن كثير «لأمانتهم» (1) لأمن الإلباس، أو لأنّها في الأصل مصدر، و ربما احتمل في الآية الحمل على المعاني أي عاملون بمقتضاها فتأمل.

[المحافظة على الصلوات]

وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ.

بأن يقيموها في أوقاتها و لا يضيّعوها، فذكر الصلاة أولا و آخرا مختلفان ليس بتكرار: وصفوا أوّلا بالخشوع في صلاتهم، و آخرا بالمحافظة عليها، و في الكشاف (2) و ذلك أن لا يسهوا عنها و يؤدّوها في أوقاتها و يقيموا أركانها و يوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها، و بما ينبغي أن تتمّ به أوصافها، و أيضا فقد وحدت أولا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أيّ صلاة كانت و جمعت آخرا ليفاد المحافظة على إعدادها، في الصلوات الخمس و الوتر و السنن المرتّبة مع كلّ صلاة و صلاة الجمعة و العيدين و الجنازة و الاستسقاء و الكسوف و الخسوف و صلاة الضحى و التهجّد و صلاة التسبيح و غيرها من النوافل هذا.

و اعلم أنّ الصلاة المذكورة كلها مرغّب فيها إلّا صلاة الضحى، فإنّها بدعة عندنا و قول المجمع إنّما أعاد ذكر الصلاة تنبيها على عظم قدرها و علوّ رتبتها، يريد أنه ينبه على ذلك، إذ حينئذ صفتان من هذه الصفات العظيمة الموجبة لإرث الفردوس و الخلود فيها باعتبارها، فكأنها تقتضي ذلك، و توجبه من جهتين.

و في البيضاوي (3) و في تقدير الأوصاف بأمر الصلاة و فتحها به تعظيم لشأنها، و هذا جهة أخرى فتأمّلها.

ثم إنّ في الصحيح عن الفضيل (4) قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عز و جل:

«وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ» قال هي الفريضة، قلت «الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ دٰائِمُونَ» قال هي النافلة، و يؤيده ظاهر روايات أخر، بل ظاهر قوله تعالى «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ» فان ظاهرها في الفرائض و قد دلّت عليه الرواية أيضا

____________

(1) المجمع ج 4 ص 98.

(2) الكشاف ج 3 ص 177.

(3) البيضاوي ج 3 ص 216 ط مصطفى محمد.

(4) انظر نور الثقلين ج 3 ص 530 و البرهان ج 3 ص 109.

115

و أيضا فإنه أقرب عرفا من جميع النوافل و الفرائض لمزيد اختصاص الفرائض، و تفارقها و تبادرها عند الإطلاق كثيرا.

و ظاهر البغويّ في المعالم أنّ المراد بالخشوع و المحافظة كليهما في الفرائض، حيث قال: كرّر ذكر الصلاة ليبيّن أنّ المحافظة عليها واجبة كما أنّ الخشوع فيها واجب.

و بالجملة فيهما ترغيب و تحريص على الصلاة كما و كيفا، جنانا و أركانا، و شيخنا دام ظله (1) فهم من كلام الكشاف أنّ المحافظة لا بدّ أن يكون جميعها بخلاف الخشوع، فإنّه يكفي في الواحدة أيّها كانت، و الظاهر أنّه لا يريد ذلك بل إنه لا نظر فيه إلى النوع و الشخص، بل إلى الجنس فقط، نعم على القول بإرادة الفرائض مطلقا أو اليوميّة يمكن الاكتفاء بها أمّا بغيرها فلا و لا بواحدة نوعا أو شخصا.

أُولٰئِكَ هُمُ الْوٰارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ.

أى من كان بهذه الصفات و اجتمعت فيه هذه الخلال، هم الوارثون يوم القيمة منازل أهل النار من الجنّة، فقد روي (2) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «ما منكم من أحد إلّا و له منزل في الجنّة، و منزل في النار، فان مات و دخل النار ورث أهل الجنّة منزلة» و قيل: معنى الميراث هنا أنّهم يصيرون إلى الجنة بعد الأحوال المتقدّمة، و ينتهي أمرهم إليها كالميراث الذي يصير الوارث إليه، و الفردوس اسم من أسماء الجنّة و قيل اسم لرياض الجنّة: المجمع.

و في الكشاف: أي أولئك الجامعون بهذه الأوصاف الوارثون الأحقّاء بأن يسموا وراثا من دون من عداهم، ثمّ ترجم الوارثين بقوله «الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ» فجاء بفخامة

____________

(1) انظر زبدة البيان ص 54.

(2) المجمع ج 4 ص 99 و زبدة البيان ص 54 و مسالك الافهام ج 1 ص 140 و قريب منه في اللسان كلمة فردس و قريب منه في الدر المنثور ج 5 ص 6 عن سعيد بن منصور و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و ابن مردويه و البيهقي في البعث.

116

و جزالة لإرثهم لا يخفى على الناظر، و معنى الإرث ما مرّ في سورة مريم، أنّث الفردوس علي تأويل الجنّة و هو البستان الواسع الجامع لأنواع الثمر.

و روي (1) أنّ اللّه عز و جل بنى جنّة الفردوس لبنة من ذهب و لبنة من فضة، و جعل خلالها المسك الأذفر و في رواية لبنة من مسك، و غرس فيها من جيّد الفاكهة و جيّد الريحان، و قد قال في سورة مريم «نورث» استعارة أي نبقي على الوارث مال الموروث و لأنّ الأتقياء يلقون ربّهم يوم القيمة، و قد انقضت أعمالهم و ثمرتها باقية، و هي الجنّة، و إذا أدخلهم الجنّة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من مال الموروث.

و قيل أورثوا من الجنّة المساكن الّتي كانت لأهل النار لو أطاعوا، هذا.

ثمّ اعلم أنّ ظاهر العطف يقتضي أن يكون «أولئك» إشارة إلى المؤمنين الموصوفين بهذه الصفات، و لو بعض ببعض، لكن قد يتوهّم أنّ الظاهر شرعا أنّ الاتصاف بواحد منها غير كاف، فلا بدّ من الحمل على إرادة الاتّصاف بالجميع، و فيه نظر، لأنّ الاتصاف بالجميع، أيضا غير كاف، إلّا بشرائط، فلا مانع من الحمل على الظاهر، و اعتبار ما علم من الشرع اعتباره فليتأمّل.

[البحث في كتاب الصلاة في أنواع]

[النوع الأول في إقامة الصلاة]

بنى إسرائيل أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً. وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً.

معنى إقامة الصلاة تعديل أركانها، و حفظها من أن يقع زيغ في فرائضها و سننها و آدابها، من أقام العود إذا قوّمه، أو الدوام عليها و المحافظة، كما قال عزّ و علا «الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ دٰائِمُونَ. وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ» من قامت السوق إذا نفقت و أقامها، قال:

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 178 و لم يذكر في الشاف الكاف في ذيله تخريج الحديث و لم أظفر عليه في غيره.

117

أقامت غزالة سوق الضراب * * * لأهل العراقين حولا قميطا

(1) لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشيء النافق الذي يتوجّه إليه الرغبات و يتنافس فيه المحصّلون، و إذا عطلت و أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه.

أو التجلد و التشمّر لآدابها، و أن لا يكون في مؤدّيها فتور و لا توان، من قولهم قام بالأمر و قامت الحرب على ساقها، أو أداؤها، فعبّر عن الأداء بالإقامة، لأنّ القيام بعض أركانها كما عبّر عنه بالقنوت و بالركوع و بالسجود، و قالوا سبّح إذا صلّى لوجود التسبيح فيها، قاله في الكشاف، و يبعد الأوّل لفوتها حينئذ بتفويت بعض آدابها أو سننها، و لهذا اقتصر الطبرسيّ في الجوامع فيه على تعديل أركانها و لم يرد بالأركان المعروف عندنا كما لا يخفى.

و قال المقداد في الكنز: تعديل أركانها و حفظها من أن يقع زيغ في أفعالها، و كأنه أراد ما لا بدّ منه فيها، و حينئذ فلا يبعد أن يكون إقامتها بمعنى أدائها أي الإتيان بها بجميع شرائطها و واجباتها على ما اعتبر فيها من أقام العود إذا قوّمه أو قام بالأمر لا لما قاله كما لا يخفى.

و أما الثاني فعنه أنّ المحافظة كما ذكر في قوله «وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ»

____________

(1) البيت استشهد به في المجمع ج 1 ص 38 و الكشاف ج 1 ص 40 و كنز العرفان ج 1 ص 66 و البيت لا يمن بن خريم و ترى ترجمته في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 ص 131 و ترى الشرح الكامل للبيت في شواهد المجمع ج 1 ص 80 الى 83 و غزالة بفتح الغين و تخفيف الزاي المعجمتين اسم أمرية شبيب الخارجي كذا في شواهد المجمع عن الكشف و فيه في تاريخ ابن خلكان شبيب بن يزيد بن نعيم الحروري قتل الحجاج زوجها فحاربته لذلك سنة كاملة و هرب منها الحجاج فعيره عمر ابن حطان السدوسي لعنه اللّه «أسد على و في الحروب نعامة».

و الضراب مضاربة السيف أى أقامت سوق المضاربة بالسيوف على التخييل و التشبيه أو المبالغة و هذا كقولك أنا ابن الطعن، و المراد بالعراقين كوفة و بصرة و قيل كوفة و الحجاز على التغليب، و الحول القميط كأمير التام، و الشاهد في قوله أقامت، فإنه أراد لم تعطل، يقال قامت السوق إذا نفقت و أقامها أي لم يعطلها من البيع و الشراء.

118

يتضمّن المداومة، فلا احتياج إليها، و لكن كأنه أراد بها التصريح بمغايرته و مقابلته للاوّل، و ربّما يوهم كون عطفها على التفسير، و أنّ المراد المواظبة، لهذا قال المقداد و قيل: المواظبة، و بهذا المعنى يجوز كونه من أقام العود إذا قوّمه كما أنّ بالمعنى الأوّل يجوز أخذه من قامت السوق أيضا.

و اللام للتوقيت مثلها في لثلاث خلون و نحوها، و في المجمع: قال قوم دلوك الشمس زوالها و هو المرويّ عن أبى جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و في البيضاوي: لزوالها، و يدلّ عليه قوله (عليه السلام) أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر (1)، و قيل لغروبها.

و في المعالم بعد نقل القول بكونه غروبها عن قائليه: و قال ابن عباس و ابن عمر و جابر: هو زوال الشمس، و هو قول عطا و قتادة و مجاهد و الحسن و أكثر التابعين، و معنى اللفظ يجمعهما، لأن أصل الدلوك الميل، و الشمس تميل إذا زالت أو غربت، و الحمل على الزوال أولى لكثرة القائلين، و لأنّا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها.

و في المجمع: و قيل: غسق الليل بدوّ الليل عن ابن عباس، و قيل: هو انتصاف الليل عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام).

هذا و هو الصحيح، و عليه يحمل القول بأنّه شدّة ظلمته، و عليه تتمّ دلالة الآية على أوقات الصلوات الخمس كما في رواية عبيد بن زرارة (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» قال: إن اللّه عز و جل افترض أربع صلوات

____________

(1) انظر الطبري ج 15 ص 137 و فتح القدير ج 3 ص 245 و الكشاف ج 2 ص 686 و في الشاف الكاف ذيله تخريجه.

(2) انظر جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 46 الرقم 347 رواه في التهذيب و الاستبصار و العياشي و انظر البحار ج 18 ص 42 و رواه في منتقى الجمان أيضا ج 1 ص 314 و انظر مسالك الافهام و تعاليقنا ج 1 ص 143 و انظر الوسائل أيضا ج 3 ص 115 المسلسل 4794 ط الإسلامية.

119

أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف اللّيل، منها صلاتان أوّل وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلّا أنّ هذه قبل هذه، و منها صلاتان من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه.

و صحيحة زرارة (1) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عمّا فرض اللّه من الصلاة فقال خمس صلوات في الليل و النهار، قلت: هل سماهنّ اللّه و بيّنهنّ في كتابه؟ قال: نعم قال اللّه تبارك و تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» و دلوكها زوالها، ففي ما بين دلوك الشمس إلى غسق اللّيل أربع صلوات سمّاهنّ و بيّنهنّ و غسق الليل انتصافه، ثمّ قال «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» فهذه الخامسة الحديث.

و أمّا لو قلنا أنّ غسق الليل ظلمته عند ارتفاع الشفق، و هو وقت صلاة العشاء عندهم، كما في الكشاف و البيضاوي، أو أوّل ظهور ظلمته كما في المعالم، و نقله المجمع عن ابن عباس فيبقى وقت العشاء أو المغرب أيضا خارجا كما هو ظاهر إلى فلا تدلّ عليها، فقول القاضي: و الآية جامعة للصلوات الخمس ان فسّر الدلوك بالزوال و لصلوات الليل وحدها ان فسر بالغروب، محلّ نظر، و كذلك قول المعالم فتأمل، و لهذا قيل: المراد بالصلاة صلاة المغرب و قوله لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ بيان لمبدء الوقت و منتهاه، و استدلّ به على أنّ الوقت يمتدّ الى غروب الشفق، و نقله القاضي أيضا.

ثم لا يخفى أنّ ظاهر الآية (2) توسعة أوقات الصلوات الأربع و امتدادها الى

____________

(1) ما حكاه المصنف شطر من الحديث و هو في جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 13 الرقم 94 رواه عن التهذيب و الكافي و الفقيه و العلل و تراه في البحار ج 18 الباب الثالث من كتاب الصلاة و ترى شرح الحديث في المرآت ج 3 ص 110 و أوضح مواضع اختلاف الألفاظ في المنتقى ج 1 ص 289 و ص 290 و أوضحنا البحث في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 121 و ص 122 فراجع.

(2) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 67 الى ص 70.

120

الغسق، و كون الجميع وقتا في الجملة، فلا بأس بالاستدلال به على ما هو المشهور و دلّت الروايات أنّ آخر وقت العشاء نصف اللّيل ففيها إيماء إلى كون الظهر هي الصلات الأولى، لأنّ الانتهاء يستدعي ابتداء هو الدلوك، و قرآن الفجر صلاته، و العطف على الصلاة، و أهل البصرة على أنّ النصب على الإغراء أي عليك بصلات الفجر.

و في الكشاف سمّيت قرآنا و هي القراءة لأنّها ركن كما سمّيت ركوعا و سجودا و قنوتا، و هي حجّة على ابن عليّة و الأصمّ في زعمهما أنّ القراءة ليست بركن انتهى.

و فيه أنّه إن أراد بقوله كما سمّيت بيان مجرّد أنّ الركنيّة تصلح علاقة و وجها للتجوّز، فهو بنفسه أوضح من هذا، و يبقى قوله سمّيت قرآنا لأنها ركن و أنها حجّة عليهما، دعوى بلا ثبت في المقام، و هو غير مناسب به.

على أنّ قوله و قنوتا حيث لم يكن القنوت عندهم فرضا بل سنّة في بعض الصلوات أو مستحبّا يدلّ على جواز كون التسمية لغير الركنيّة أيضا، فلا يتعين كونها للركنية، فلا يتمّ حينئذ الاحتجاج عليهما، فايراده في هذا السلك لم يكن مناسبا بل مضرا، و لذلك لم يورده القاضي، و إن أراد به بيان أنّ كونها ركنا هو الوجه فقوله قنوتا حينئذ أبعد من المقام و أضرّ بالمرام كما لا يخفى، اللهم إلّا أن يحمل القنوت على القيام هذا.

على أنّ الدعوى من أصله موضع نظر لأنّ هذا التجوز يكفي فيه كون القراءة جزءا في الجملة و غير ذلك من الملابسات فيحتمل وجوه كثيرة، كأن يكون لأنّ القراءة مع الجهر بها مستغرقة لجميع ركعاتها دون باقي الصلوات، أو لوجوبها كذلك لا يجزي عنها غيرها، بخلاف باقي الصلوات، أو لأنّ القراءة فيها أهمّ مرغب فيها أكثر منها في غيرها و لذلك كانت أطول الصلوات قراءة أو لأن قراءتها على ما ينبغي فيها من الطول كأنها تغلب باقي أجزائها، فغلّب في الاسم تنبيها عليه و ترغيبا فيه، فلا تتعيّن الركنيّة لذلك، على أنّ بعض ما ذكرنا منفردا أو منضمّا ربما كان أظهر في المقام و أنسب من أن يكون لكونها ركنا، لو كان محقّقا، فكيف إذا كان محلّ

121

النزاع يستدلّ عليه بذلك.

هذا مع ما قيل: إنّ هذا ليس بشيء لأنّ التسمية لغوية، و كونها ركنا أو غير ركن شرعيّة، و الجزئية في الجملة معنى معروف لغة كافية فيها، فيكون لذلك لا للركنية، و إن كان فيه نظرا. و في القاضي: سميت قرآنا لأنه ركن كما سميّت ركوعا و سجودا، و استدلّ به على وجوب القراءة فيها، و لا دليل فيه لجواز أن يكون التجوّز لكونها مندوبة فيها، نعم لو فسّر بالقراءة في صلاة الفجر دلّ الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصا و في غيرها قياسا انتهى.

و توجيه الكلام في المقام في الاستدلال على الوجوب و الركنيّة أن يقال: إنه قد أمر بالصلاة معبرا عنها بالقرآن باعتبار اشتمالها على القراءة، فيلزم الأمر بالقراءة ضمنا، فيكون واجبة و أيضا فيلزم عدم الإتيان بالمأمور به مع عدمها، فلا يجزي، و لا نريد بالركنية هنا إلّا هذا المقدار.

نعم لا يمتنع أن يثبت الاجزاء مع تركها سهوا بدليل، لكن إذا لم يكن تعين ذلك، و حينئذ فربما اتّضح كون التسمية لأنها ركن بمعنى أنّه لو لم يكن ركنا لما صحّ الأمر بإقامتها معبرا عنها بذلك، لما قلنا، لا لأنّ ظاهر اعتبار الاشتمال على طريق اللزوم في الواقع، و إلّا لما صحّ تعلّق الأمر به على الوجه المفيد لركنيّة هذا و بعد التأمّل فيما قدّمنا لا يخفى مواضع النظر من هذا و اللّه أعلم.

[في معنى قرآن الفجر]

«إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» في الكافي و التهذيب بإسنادهما عن إسحاق بن عمار (1) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أخبرني عن أفضل المواقيت في صلاة الفجر؟

قال: مع طلوع الفجر إنّ اللّه تعالى يقول «إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً» يعني صلاة الفجر: تشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار، فاذا صلّى العبد صلاة الصبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرّتين أثبتته ملائكة الليل و ملائكة النهار.

____________

(1) الوسائل ج 3 ص 154 الباب 28 من أبواب المواقيت المسلسل 4945 ط الإسلامية.

122

و هذا صريح في أن كونه مشهودا مشروط بفعلها أول الوقت، و إليه ذهب شيخنا المحقق لكنّ الرواية ضعيفة [1] السند و ما فيها من دلالة الآية أيضا على ذلك إن قلنا به أمكن استفادة الوجوب من تعلّق الأمر بالمدلول، فلا يتمّ حينئذ إلّا على القول بأنّ وقت الفضيلة وقت الاختيار، اللهمّ إلّا أن يقال المراد أنّ مراعاة القرب لهذه النسبة أولى، و فيه نظر لا يخفى.

في القاضي: مشهودا تشهده ملائكة الليل و النهار، أو شواهد القدرة من تبديل الظلمة بالضياء و النوم الذي هو أخ الموت بالانتباه، أو كثير من المصلّين أو من حقّه أن يشهده الجمّ الغفير، و كذا في الكشاف إلّا «شواهد القدرة».

[في معنى التهجد]

«وَ مِنَ اللَّيْلِ» و عليك بعض الليل «فَتَهَجَّدْ بِهِ» التهجّد ترك الهجود أي النوم للصلاة، و يقال أيضا في النوم تهجّد، و عن المبرد [2] التهجّد عند أهل اللغة

____________

[1] قد بسطنا الكلام في كون إسحاق بن عمار موثوقا و الحديث الذي هو في طريقه معتبر و ان لم يوصف بالصحة في اصطلاح أهل الدراية في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 من 245 الى 248 فراجع نعم الراوي عنه هذا الحديث عبد الرحمن بن سالم ضعفه ابن الغضائري و سكت عن تضعيفه النجاشي فكونه في طريق الحديث يوهنه.

[2] هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثمالي الأزدي أبو العباس المعروف بالمبرد نزيل بغداد صاحب كتاب الكامل و عدة كتب تنوف على أربعين امام العربية ببغداد في زمنه واحد أئمة الأدب و الاخبار و كان بينه و بين ثعلب ما يكون بين المعاصرين من المنافرة فلذلك انشدوا.

نروح و نغدو لا تزاور بيننا * * * و ليس بمضروب لنا عنه موعد

فأبداننا في بلدة و التقاؤنا * * * عسير كأنا ثعلب و المبرد

ثم المبرد كما قدمنا بكسر الراء لقب به لما سأله شيخه أبو عثمان المازني عن عويصة فأجاب بأحسن جواب برد غليله فقال له قم فأنت المبرد فحرفه الكوفيون ففتحوا الراء تهكما به و الثمالي نسبة الى ثمالة و هو ثمالة بن أسلم بن كعب الأزدي قال عبد الصمد بن معدل:

سألنا عن ثمالة كل حي * * * فقال القائلون و من ثمالة

فقلت محمد بن يزيد منهم * * * فقالوا زدتنا بهم جهالة

123

السهر للصلاة أو لذكر اللّه، و ضمير به إما للقرآن كما في القاضي أو لمن الليل بمعنى فيه «نٰافِلَةً لَكَ» عبادة زائدة لك على الصلاة، وضع نافلة موضع تهجّدا، لأنّ التهجد عبادة زائدة، فكأنّ التهجّد و النافلة يجمعهما معنى واحد، أو المعنى أنّ التهجد زيد لك على الصلوات المفروضة فريضة عليك خاصة دون غيرك، لأنه تطوّع لهم.

الكشاف: أو فضلة لك لاختصاص وجوبه بك. القاضي: روي أنّها فرضت عليه و لم تفرض على غيره، فكانت فضيلة له ذكره ابن عباس، و أشار (1) إليه أبو عبد اللّه (عليه السلام) كذا ذكره الراونديّ و قيل: معناه نافلة لك و لغيرك، و خصّ بالخطاب لما في ذلك من صلاح الأمة في الاقتداء به، و دعاء الخير إلى الاستنان بسنّته.

و في المعالم إنّ صلاة الليل كانت واجبة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأمة لقوله «يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا» ثمّ نزل فصار الوجوب منسوخا في الأمة بالصلوات الخمس و بقي الاستحباب، و بقي الوجوب في حق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذهب قوم إلى أنّ الوجوب صار منسوخا في حقّه كما في الأمة فصارت نافلة و هو قول قتادة و مجاهد، لأنّ اللّه

____________

فقال له المبرد خل قومي * * * فقومي معشر فيهم نذالة

و الأكثرون على أن التهجد بمعنى الأضداد بمعنى النوم و السهر انظر ص 50 من كتاب الأضداد لابن الأنباري و مسالك الافهام ج 1 ص 146.

و انظر ترجمة المبرد في بغية الوعاة ج 1 ص 269 الرقم 503 و الأنساب ج 3 ص 146 الرقم 780 و نزهة الألباء ط بغداد ص 164 و آداب اللفة ج 2 ص 186 و الأعلام ج 8 ص 15 و سمط اللئالى ص 340 و لسان الميزان ج 3 ص 430 و وفيات الأعيان ط إيران ج 1 ص 495 و تاريخ بغداد ج 3 ص 380 و أنبأه الرواة ج 3 ص 241 الرقم 735 و روضات الجنات ص 670 و ريحانة الأدب ج 3 ص 436 الرقم 694 و طبقات القراء ج 2 ص 280 الرقم 3539 و الفهرست لابن النديم ص 93 و اللباب ج 1 ص 197 و المزهر ج 2 ص 408 و ص 419 و النجوم الزاهرة ج 3 ص 117 و معجم الادباء ج 19 ص 111 الى ص 122 مات سنة 285 أو 286 و كان له تسع و سبعون سنه و قيل نيف على تسعين.

____________

(1) انظر نور الثقلين ج 3 ص 204 الرقم 382 و البرهان ج 2 ص 438 الرقم 4 رويا الحديث عن ابى عبد اللّه من التهذيب.

124

تعالى قال «نٰافِلَةً لَكَ» و لم يقل عليك.

فان قيل: فما معنى التخصيص و هي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه (عليه السلام) قيل: التخصيص من حيث إنّ نوافل العباد كفّارة لذنوبهم، و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخّر، فكانت نوافله لا تعمل في كفارة الذنوب، فتبقى له زيادة في رفع الدرجات.

ثمّ بإسناده عن المغيرة بن شعبة [1] قال: صلّى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى انتفخت قدماه، فقيل له أ تتكلف هذا و قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟ فقال: أ فلا أكون عبدا شكورا.

«مَقٰاماً مَحْمُوداً» نصب على الظرف إمّا بإضمار أي عسى أن يبعثك يوم القيمة فيقيمك مقاما محمودا، أو بتضمّن يبعثك معنى يقيمك، و يجوز أن يكون حالا بمعنى أن يبعثك ذا مقام محمود، و معنى المقام المحمود الذي يحمده القائم فيه، و كلّ من رآه و عرفه، و هو مطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.

و قيل: المراد الشفاعة، و هي نوع واحد ممّا يتناوله و عن ابن عباس مقاما يحمدك فيه الأوّلون و الآخرون، و تشرف فيه على جميع الخلائق: تسئل فتعطى، و تشفع فتشفّع، ليس أحد إلّا و هو تحت لوائك.

و عن أبي هريرة [2] عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي، كذا في

____________

[1] أخرجه الترمذي في باب الاجتهاد في الصلاة عن المغيرة بهذا اللفظ انظر تحفة الاحوذى ج 1 ص 318 مع شرحه الألفاظ المختلفة بطرق مختلفة أخرى ففي بعضها تورمت و في بعض ترم بفتح المثناة و كسر الراء و في بعضها تزلع بزاى و عين مهملة و في بعض تفطر و في بعض انشقت و المعنى واحد و انظر أيضا فتح الباري ج 3 ص 256 و ص 257 كتاب التهجد ففيه الألفاظ المختلفة بطرق مختلفة مع شرح كل.

[2] الكشاف ج 2 ص 286 و في الشاف الكاف تخريجه و مثله في الدر المنثور ج 4 ص 197 عن أحمد و الترمذي و حسنه و ابن جرير و ابن ابى حاتم و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل و انظر أيضا فتح القدير ج 3 ص 246 أخرجه عن أحمد و الترمذي و ابن جرير و ابن ابى حاتم و البيهقي.

125

الكشاف و في القاضي: المشهور أنّه مقام الشفاعة.

[أوقات الصلوات]

هود «أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ.-

«طَرَفَيِ النَّهٰارِ» غدوة و عشيّة، و الانتصاب على الظرف «وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» [1] ساعات منه قريبة من آخر النهار و هو جمع زلفة كظلم جمع ظلمة، من أزلفه إذا قرّبه و ازدلف إليه، و صلاة الغدوة الفجر، و صلاة العشيّة الظهر و العصر، لأنّ ما بعد الزوال عشيّ، و صلاة الزلف المغرب و العشاء: الكشاف، و هو قول مجاهد و الزجّاج، و عن ابن عباس و الحسن و الجبائي أنّ طرفي النهار وقت صلاة الفجر و المغرب، و هو مرويّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ بناء هذا القول ظاهرا على أنّ النهار من طلوع الفجر إلى غروب الشفق، أو أن بين الفجرين خارج فالنهار من طلوع الشمس إلى غروبها فتأمل.

و على كلّ حال فكأنّ ترك الظهر و العصر لظهور أنّهما صلاتا النهار.

قيل: و التقدير أقم الصلاة طرفي النهار مع الصلاتين المفروضتين، و قيل: إنّهما ذكرا على التبع للطرف الأخير لأنّهما بعد الزوال، فهما أقرب إليه، و قد قال «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» و دلوكها زوالها.

و قيل وقت صلاة الفجر و العصر، لأنّ طرف الشيء من الشيء، و صلاة المغرب ليست من النهار، و على كلّ تقدير دلالة الآية على توسعته لأوقات تلك الصلوات ظاهرة.

و قرئ «و زلفا» بضمتين (2) و زلفا بسكون اللام، و زلفى بوزن قربى، فالزلف

____________

[1] في المقاييس ج 3 ص 21 الزاء و اللام و الفاء يدل على اندفاع و تقدم في القرب إلى شيء الى ان قال و سميت مزدلفة بمكة لاقتراب الناس الى منى بعد الإفاضة من عرفات الى ان قال و اما الزلف من الليل فهي طوائف منه لان كل طائفة تقرب من الأخرى.

____________

(2) انظر المجمع ج 3 ص 198 و فتح القريب ج 2 ص 507 و شواذ القرآن لابن خالويه ص 61 و روح المعاني ج 12 ص 140.

126

بالسكون نحو بسرة و بسر، و بضمّتين نحو بسر في بسر، و الزلفى بمعنى الزلفة كما أنّ القربى بمعنى القربة، و هو ما يقرب من آخر النهار من الليل، و قيل «وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ» أي و أقم طاعات و صلوات تتقرّب بها إلى اللّه عز و جل في بعض الليل، فيمكن أن يكون إشارة إلى صلاة الليل المشهورة، و حينئذ ينبغي إدخال العشائين في صلاة طرفي النهار لكن في التوجيه تأمل.

«إِنَّ الْحَسَنٰاتِ» قيل أى الصلوات الخمس لتقدم ذكرها «يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ» فيه وجهان تكفير الذنوب بالطاعات أي العفو عن الذنوب بها، و هو ظاهرها، و ظاهر غيرها من الآيات و الاخبار في هذا الباب.

روى عن أبي حمزة (1) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث طويل عن عليّ (عليه السلام) قال: سمعت حبيبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: أرجى آية في كتاب اللّه تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ إلخ و الذي بعثني بالحق بشيرا و نذيرا انّ أحدكم ليقوم في وضوئه فيتساقط عن جوارحه الذنوب، و إذا استقبل اللّه عز و جل بوجهه و قلبه لم ينفتل و عليه من ذنوبه شيء كما ولدته امه، فان أصابه شيء بين الصلاتين كان له مثل ذلك حتّى عدّ الصلوات الخمس.

ثمّ قال يا على إنّما منزلة الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار على باب أحدكم فما يظنّ أحدكم لو كان في جسده درن ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات؟ أ كان يبقى في جسده درن؟ فكذلك و اللّه الصلوات الخمس لأمتي.

و في الكشاف: تكفر الصغائر بالطاعات، و في الحديث (2) إنّ الصلاة إلى الصلاة كفّارة ما بينهما ما اجتنب من الكبائر.

و الثاني اللطف أي الطاعات موجبة لترك المعاصي بالخاصيّة أو بسبب لطفه تعالى كقوله «إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ».

____________

(1) انظر المجمع ج 3 ص 201 و العياشي ج 2 ص 161 و البرهان ج 2 ص 239 و كنز العرفان ج 1 ص 150.

(2) انظر أبواب فضل الصلاة و انتظار الصلاة و تفسير هذه الآية من كتب الشيعة و أهل السنة ترى الأحاديث بهذا المضمون كثيرة.

127

في الكشاف: [1] قيل نزلت في أبي اليسر عمرو بن غزيّة الأنصاري كان يبيع التمر فأتته امرأة فأعجبته فقال لها إنّ في البيت أجود من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه و قبّلها، فقالت: اتّق اللّه فتركها و ندم، فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأخبره بما فعل، فقال أنتظر أمر ربّي، فلمّا صلّى صلاة العصر نزلت، فقال نعم اذهب فإنّها كفّارة لما عملت.

و روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: توضّأ وضوءا حسنا و صلّ ركعتين، إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ.

«ذٰلِكَ» إشارة إلى قوله فَاسْتَقِمْ و ما بعده، و قيل: إلى القرآن.

«ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ» عظة للمتّعظين، و قيل «ذلك» إشارة إلى إقامة الصلاة فإنّه سبب لذكر اللّه، بل هو ذكر اللّه على أحسن وجه، فيوجب ذكر اللّه له كما قال «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» فيفوز بفيض فضله و إحسانه، و موجب لذهاب السيئات، فينجى من أليم عذابه و شديد عقابه، فهو أولى ما يذكره الذاكرون.

الرّوم فَسُبْحٰانَ اللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ وَ حِينَ تُصْبِحُونَ وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ عَشِيًّا وَ حِينَ تُظْهِرُونَ قيل أخبار في معنى الأمر بتنزيه اللّه تعالى و الثناء عليه في هذه الأوقات، و قيل سبحان اللّه مصدر بمعنى الأمر أي سبّحوا و ربّما جعلا وجها واحدا و في كلّ نظر، و الأظهر أنه تنزيه قصد به التنبيه و الدلالة على أنّ ما يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزيهه و استحقاقه الحمد ممّن له تميز من أهل السموات و الأرض، فينبغي العمل بمقتضاه، و عدم التقصير فيه.

و تخصيص التسبيح بالمساء و الصباح لانّ آثار القدرة و العظمة فيهما أظهر،

____________

[1] الكشاف ج 2 ص 435 و في الشاف الكاف تخريجه و فيه ان الصحيح أبو اليسر كعب ابن عمرو و ما في الكشاف: عمرو بن غزية غلط و صاحب الكشاف تبع في ذلك الغلط الثعلبي و انظر ترجمة ابى اليسر كعب بن عمرو في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 من ص 261 الى ص 263.

128

و تخصيص الحمد بالعشيّ الذي هو آخر النهار من عشي العين إذا نقص نورها، و الظهيرة الّتي هي وسطه لانّ تجدد النعم فيها أكثر، فعشيا عطف على السموات محلّا للقرب و الأظهر أن يكون قوله وَ عَشِيًّا متصلا بقوله «حِينَ تُمْسُونَ» و قوله «وَ لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ» اعتراضا بينهما.

و قيل: أريد بالتسبيح الصلاة، و قيل لابن عباس (1) هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ فقال نعم، و تلا هذه الآية، فالتسبيح حين تمسون صلاتا المغرب و العشاء، و تصبحون صلاة الصبح و عشيّا صلاة العصر، و تظهرون صلاة الظهر، و لذلك زعم الحسن أنّ الآية مدنيّة، لأنه كان يقول: كان الواجب بمكّة ركعتين في أي وقت اتّفقت و إنما فرضت الخمس بالمدينة، و الأكثر على أنّ الخمس إنّما فرضت بمكّة.

و يحتمل أن يراد بتسبيح المساء المغرب و بعشيّا العشاء، و بتظهرون الظهرين، و أن يراد بعشيّا المغرب و العشاء، و بتمسون العصر، و بتظهرون الظهر كالصبح بتصبحون.

قيل: و لم يأت بحين في عشيّا لعدم مجيء الفعل منه فليتأمل.

و اعلم أنّه يقال: أمسى إذ دخل في المساء و كذا أصبح و أظهر، فتقييد ذلك بحين يقتضي نوع اختصاص بأوّل الوقت، فلا يبعد حمل الطلب فيه على الاستحباب كما نبّهنا في قولنا الأظهر.

و قيل يمكن أن يحتجّ بها من يجعل الوجوب مختصا بأوّل الوقت، و فيه نظر من وجوه تظهر ممّا قدّمناه.

ثمّ لا يخفى أنّ الحمد كالتسبيح جاز أن يراد به الصلاة، فيحتمل كون كليهما جميعا تنبيها على الصلوات الخمس، و كون كل منفردا أيضا، مع احتمال أن يجعل الأول إشارة إلى الفرائض و الآخر إلى النوافل و وجه كل لا يخفى مع ما روى عن الصادق فيما قدمناه.

____________

(1) الدر المنثور ج 5 ص 154 و الكشاف ج 3 ص 471 و فتح القدير ج 3 ص 214 و روح المعاني ج 21 ص 2.

129

و عنه (عليه السلام): من (1) سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى، فليقل «فَسُبْحٰانَ اللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ» الآية.

و عنه (عليه السلام) (2): من قال حين يصبح «فَسُبْحٰانَ اللّٰهِ حِينَ تُمْسُونَ- الى قوله- وَ كَذٰلِكَ تُخْرَجُونَ» أدرك، ما فاته في يومه، و من قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليله، و قرئ (3) «حينا تمسون و حينا تصبحون» أي تمسون فيه و تصبحون فيه.

طه فَاصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ اى الكفار من انك ساحر أو شاعر أو غير ذلك، في المعالم نسختها آية القتال و فيه تأمل- وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِهٰا وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ لَعَلَّكَ تَرْضىٰ. (130)

المراد بالتسبيح إمّا ظاهره، فيراد المداومة على التسبيح و التحميد في عموم الأوقات، كما في الجوامع أو الأوقات المعيّنة أو الصلاة كما هو المشهور، و «بِحَمْدِ رَبِّكَ» في موضع الحال أي و أنت حامد لربّك على أن وفّقك للتسبيح، و أعانك عليه كما في الكشاف و الجوامع أو على أعمّ من ذلك كما في ى و هو الأظهر.

ثمّ الأشهر أنّ تسبيح قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، و قبل غروبها الظهر و العصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار، قبل غروبها.

«وَ مِنْ آنٰاءِ اللَّيْلِ» أي و تعمد من ساعاته جمع إنى بالكسر و القصر و إناء بالفتح و المدّ يعني المغرب و العشاء و أطراف النهار تكرير لصلاتي الصبح و المغرب على إرادة الاختصاص كما في قوله «حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ» و مجيئه بلفظ الجمع لأمن الإلباس كقوله «صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا» و قول الشاعر «ظهراهما مثل ظهور الترسين» (4)

____________

(1) انظر قلائد الدرر ج 1 ص 104 نقله عن جوامع الجامع و الكشاف.

(2) رواه في قلائد الدرر ج 1 ص 104 عن غوالي اللئالى و رواه في فتح القدير أيضا ج 4 ص 215.

(3) انظر ص 116 من شواذ القرآن لابن خالويه و روح المعاني للالوسى ج 21 ص 26.

(4) أنشده في الكشاف ج 3 ص 97 و الترس حيوان نأتي الظهر.

130

ففيها دلالة على وجوب الصلوات الخمس و سعة أوقاتها و عدم اختصاصها بأوائل أوقاتها كما لا يخفى، لكن مع نوع ضعف في المغرب باعتبار أطراف النهار لا في الصبح لتنصيص قبل على اعتبار قبليّة الطلوع، مع أن كون مجموع ما قبل الطلوع طرفا واضح.

و قيل أطراف النهار إشارة إلى العصر تخصيصا لها، لأنها الصلاة الوسطى.

و ربما كان جمع الأطراف باعتبار أن كل جزء من أوقاتها كأنه طرف، و قد يؤيّده قراءة «وَ أَطْرٰافَ النَّهٰارِ» بالكسر عطفا على آناء الليل فان الظاهر أنّ من للتبعيض لا بمعنى في، و لا للابتداء، و قيل إنه للابتداء و فيه تنبيه على أنّ ابتداء وقت العشائين من أوّل الليل، و فيه نظر فان ذلك ليس لكون من للابتداء بل لشمول آناء اللّيل أوله مع ظاهر السياق.

ثمّ اعلم أنّ ظاهر اتّساع الوقت المفهوم اشتراك الصلاتين في جميع الوقت، و أنّ وقت العشائين جميع الليل إلا أن يراد بمن آناء الليل بعض معين منه حملا على أنه كالإضافة للعهد.

و قيل قبل غروبها صلاة العصر و أطراف النهار هو الظهر، لأن وقته الزوال، و هو آخر النصف الأوّل من النهار، و أوّل النصف الثاني، و قيل المراد بآناء الليل صلاة العشاء و من أطراف النهار صلاة الظهر و المغرب لأنّ الظهر في آخر الطرف الأوّل من النهار، و أوّل الطرف الأخر فهو طرفان منه، و الطرف الثالث غروب الشمس فيها صلاة المغرب.

و قد يفهم من الكشاف (1) قول آخر: أن يكون آناء الليل العشاء، و أطراف النهار المغرب و الصبح أيضا، لكن على طريق الاختصاص، و كأنه بناء على كونها الوسطى و يحتمل آخر: أن يكون أطراف النهار كآناء الليل شاملا للمغرب و العشاء أيضا على طريق الاختصاص فتأمل هذا.

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 96 و في كنز العرفان 1 ص 77 مباحث مفيدة أطراف هذه الآية فراجع.

131

و قد احتمل أن يكون أطراف النهار باعتبار التطوّع في أجزائه فاما من دون فريضة أو معها، كما نقل الطبرسيّ عن ابن عباس في آناء الليل أنها صلاة الليل كلّه فركعتي سنّة الفجر فيه وجهان، و يحمل الأمر على معنييه أو الرجحان المطلق أو الاستحباب باعتبار جواز الترك بالاقتصار على الفريضة أو باختصاص الأمر بالنوافل فإنّ إطلاق السبحة و إرادة النافلة في رواياتنا شائعة.

و ربما احتمل نحو ذلك في قوله قبل طلوع الشمس و قبل الغروب أيضا فتأمل.

و «لعلّ» للمخاطب (1) أي أفعل ما أمرت به في هذه الأوقات طمعا و رجاء أن تنال عند اللّه ما به ترضى نفسك و يسرّ قلبك، و قرئ ترضى على بناء المفعول أي يرضيك ربّك، و قيل أي يرضاك اللّه كما قال تعالى «وَ كٰانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا».

ق فَاصْبِرْ عَلىٰ مٰا يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبٰارَ السُّجُودِ. (39)

فاصبر على ما يقول اليهود و يأتون به من الكفر و التشبيه، و قيل: و اصبر على ما يقول المشركون من إنكارهم البعث، فان من قدر على خلق العالم قدر على بعثهم و الانتقام منهم، و قيل هي منسوخة بآية السيف، و قيل: الصبر مأمور به في كلّ حال.

«بِحَمْدِ رَبِّكَ» حامدا ربك، و التسبيح محمول على ظاهره أو على الصلاة أو عليهما، فالصلاة قبل طلوع الشمس الفجر و قبل الغروب الظهر و العصر، و قيل العصر «وَ مِنَ اللَّيْلِ» العشاءان، و قيل: التهجّد و أدبار السجود التسبيح في آثار الصلوات و السجود و الركوع يعبر بهما عن الصلاة، و قيل النوافل بعد المكتوبات.

و عن علىّ (عليه السلام) (2) الركعتان بعد المغرب، و في الصحيح (3) عن أبى جعفر (عليه السلام)

____________

(1) انظر تعاليقنا على هذا الكتاب ص 35 أواخر آية الوضوء.

(2) انظر نيل الأوطار ج 3 ص 59 أخرجه عن الديلمي في الفردوس و كذا في فيض القدير ج 6 ص 167.

(3) انظر الوسائل الباب 30 من أبواب التعقيب ج 4 ص 1057 ط الإسلامية:

132

أيضا و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من صلّى بعد المغرب قبل أن يتكلّم كتبت صلاته في علّيين، و نحوه عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) و الظاهر أنّ المراد قبل أن يتكلّم بكلام أجنبيّ لا التعقيب كما فسّر في الصحيح (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام).

و الأدبار جمع دبر و قرئ إدبار بكسر الهمزة (2) من أدبرت الصلاة إذا انقضت و تمّت، و معناه وقت انقضاء السجود كقولهم أتيتك خفوق النجم، و يقرب من الآية ما في الطور:

وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنٰا وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبٰارَ النُّجُومِ. (49)

«اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ» بإمهالهم و ما يلحقك فيه من المشقّة و الكلفة «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنٰا» مثل أي بحيث نراك و نكلأك و جمع العين لأنّ الضمير بلفظ الجماعة ألا ترى إلى قوله «وَ لِتُصْنَعَ عَلىٰ عَيْنِي» و للدلالة على شدّة الحفظ بكثرة أسبابه، و قرئ بأعينّا (3) بالإدغام «وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ» قيل من أيّ مكان قمت، و قيل:

من منامك، و قيل حين تقوم إلى الصلاة المفروضة، فقل سبحانك اللّهمّ و بحمدك، و قيل حين تقوم من المجلس، فقل سبحانك اللهمّ و بحمدك لا إله إلا أنت اغفر لي و تب علىّ. و قد روي (4) مرفوعا أنّه كفارة المجلس، و روى عن عليّ (عليه السلام) (5) من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى فليكن آخر كلامه من مجلسه «سُبْحٰانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّٰا يَصِفُونَ وَ سَلٰامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ» و قيل اذكر اللّه بلسانك

____________

(1) التعبير في الحديث الثاني من الباب السابق ثم عقب و لم يتكلم حتى يصلّى.

(2) المجمع ج 5 ص 148.

(3) نقله الالوسى في روح المعاني ج 27 ص 34 عن ابى السمال.

(4) انظر المجمع ج 5 ص 170 و قلائد الدرر ج 1 ص 109 و زبدة البيان ص 61 و كنز العرفان ج 1 ص 87 و الدر المنثور ج 6 ص 30.

(5) البحار ج 18 ص 35 و قلائد الدرر ج 1 ص 109 و مثله في المجمع ج 4 ص 463 عن النبي (ص) مع تفاوت يسير في اللفظ.

133

حين تقوم إلى الصلاة إلى أن تدخل في الصلاة و قيل و صلّ بأمر ربّك حين تقوم من منامك، و قيل الركعتان قبل صلاة الفجر.

«وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبٰارَ النُّجُومِ» و قرئ أدبار النجوم (1) بفتح الهمزة أيضا أي أعقابها فقيل المراد الأمر بقول سبحان اللّه و بحمدك في هذه الأوقات و قيل يعني صلاة الليل، و روى زرارة و حمران و محمّد بن مسلم (2) عن أبي جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) في هذه الآية قالا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقوم من الليل ثلاث مرّات فينظر في آفاق السماء فيقرء خمس آيات من آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ- إلى- إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ» ثمّ يفتتح صلاة الليل الخبر.

و قيل يعني صلاة المغرب و العشاء الآخرة، و إدبار النجوم يعني الركعتين، قبل صلاة الفجر، و هو قول الأكثر و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) (3) و ذلك حين تدبر النجوم إلى حين يغيب بضوء الصبح، و قيل يعني فريضة الصبح، و قيل معنى الآية لا تغفل عن ذكر ربّك صباحا و مساء، و نزّهه في جميع أحوالك ليلا و نهارا، فإنه لا يغفل عنك و عن حفظك.

و يتصوّر في معنى الآية وجوه أخر منها: و صلّ حامدا ربّك شاكرا له على ما هداك، أو حفظك، أو عليهما، أو مطلقا، حين تقوم بأمر ربك لك بالصلوات المفروضات و تمتثله، فيكون مخصوصا بالفرائض، و قوله «وَ مِنَ اللَّيْلِ» إشارة إلى النوافل اللّيليّة «وَ إِدْبٰارَ النُّجُومِ» إشارة إلى النوافل النهاريّة أو «حِينَ تَقُومُ» في خدمة ربك، أو أمر ربك بالصلاة المفروضة و نوافلها، و من الليل لصلاة الليل و ادبار النجوم لركعتي سنة الفجر، باعتبار أنها قد تقع في الليل فتتبع صلاة الليل، و قد تقع مرتبطا بفريضة

____________

(1) شواذ القرآن لابن خالويه ص 146 و نقله الالوسى في روح المعاني عن سالم ابن ابى الجعد و المنهال و ابن عمرو و يعقوب و في المجمع نقله عن زيد عن يعقوب.

(2) المجمع ج 5 ص 170.

(3) المجمع ج 5 ص 170.

134

الفجر بعده قبلها فلا بأس بالإشارة إليها بخصوصها، و بيان وقتها.

و ربما احتمل أن يكون «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ» إشارة إلى صلاة اللّيل مع ركعتي سنّة الفجر، و إدبار النجوم إشارة إلى آخر وقت الجميع، أو صلّ حامدا ربك على ما تقدم حين تقوم من منامك، يعني بالنهار من الفرائض و السنن «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ» يكون صلاة اللّيل من الفرائض و غيرها، و إدبار النجوم مجموع ركعات الفجر من السنّة و الفريضة.

أو حين تقوم من منامك يعني بالنهار إلى أن تنام باللّيل، فيشمل جميع الفرائض و سننها و الباقي لا يخفى، و على كلّ تقدير يمكن استفادة شيء من الأحكام، و اللّه أعلم بحقيقة الحال.

و على نسق هذه الآيات قوله تعالى في سورة المؤمن: [55] فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ.

و استغفر لذنبك، تعبّد من اللّه تعالى له (عليه السلام) ليزيد في درجاته، و تصير سنّة لأمّته، و سبّح شاكرا ربّك بالعشيّ و الأبكار، قال الحسن: يعني صلاة العصر و صلاة الفجر، و قال ابن عباس الصلوات الخمس كذا في المعالم.

و في تفسير القاضي (1) و استغفر لذنبك، و أقبل على أمر دينك، و تدارك فرطاتك بترك الأولى، و الاهتمام بأمر العدى بالاستغفار، فإنّه تعالى كافيك في النصر و إظهار الأمر «وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكٰارِ» و دم على التسبيح و التحميد لربك و قيل صلّ لهذين الوقتين أو كان الواجب بمكّة ركعتان بكرة و ركعتان عشيّة.

و في الكشاف (2) و أقبل على التقوى و استدراك الفرطات بالاستغفار، و دم على عبادة ربّك، و الثناء عليه بالعشيّ و الأبكار، و قيل هي صلاتا العصر و الفجر فليتأمل.

____________

(1) البيضاوي ج 4 ص 111 ط مصطفى محمد.

(2) الكشاف ج 4 ص 173.

135

تذنيب:

سٰابِقُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. (الحديد: 21) قيل: يدلّ على أنّ المراد بالأمر الفور، و ذلك غير ظاهر، فان إرادة استحباب المسارعة قريب كما هو ظاهر سياقه، و يؤيّده دخول المستحبّات فيه، فيدلّ على استحباب فعل العبادات أوّل وقتها كما هو المقرّر.

136

النوع الثاني في القبلة.

و فيها آيات:

الأول [سيقول السّفهاء ما وليّهم عن قبلتهم.]

سَيَقُولُ السُّفَهٰاءُ مِنَ النّٰاسِ مٰا وَلّٰاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كٰانُوا عَلَيْهٰا قُلْ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ. (البقرة: 142) «سَيَقُولُ السُّفَهٰاءُ» الخفاف الأحلام من الناس، قيل هم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، و أنّهم لا يرون النسخ. عن ابن عباس، إنّ قوما من اليهود قالوا يا محمّد ما ولّاك عن قبلتك ارجع إليها نتبعك و نؤمن بك، و أرادوا بذلك فتنته (صلّى اللّه عليه و آله)، و قيل: المنافقون لحرصهم على الطعن و الاستهزاء، و قيل المشركون قالوا رغب عن قبلة آبائه ثمّ رجع إليها، و اللّه ليرجعنّ إلى دينهم و قيل: يريد المنكرين لتغيير القبلة من هؤلاء جميعا.

«مٰا وَلّٰاهُمْ» صرفهم «عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كٰانُوا عَلَيْهٰا» يعني البيت المقدس، القبلة كالجلسة في الأصل للحال الّتي عليها الإنسان من الاستقبال، ثمّ صارت لما يستقبله في الصلاة و نحوها، و فائدة الاخبار به قبل وقوعه كما هو صريح حرف الاستقبال أنّ مفاجاة المكروه أشدّ، و العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب، إذا وقع، لما يتقدمه من توطين النفس، و أن يستعدّ للجواب، فان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه، أقطع للخصم، و أردّ لشغبه، و قبل الرمي يراش السهم.

بل ربما كان علم الخصم بمعرفة ذلك منهم، و استعدادهم للجواب رافعا لاهتمامه.

على أنه سبحانه ضمّن هذا الاخبار من حقارة الخصوم، و سخافة عقولهم و كلامهم ما فيه تسلية عظيمة، و علّم الجواب المناسب و قارنه بألطاف عظيمة، و في كلّ ذلك تأييد و تعظيم له و للمسلمين، و حفظ لهم من الاضطراب و ملاقاة المكروه.

«قُلْ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ» له الأرض و البلاد و العباد فيفعل فيها ما يشاء و يحكم ما يريد، على مقتضى الحكمة و وفق المصلحة و انّما على العباد الانقياد و الاتّباع

137

فبعد أمر اللّه بذلك لا يتوجه الإنكار و طلب العلّة و المصلحة فلا يبعد أن يكون المقول في الجواب هذا المقدار لا غير، كما هو المناسب لترك تطويل الكلام مع السفهاء، و عدم الاشتغال ببيان خصوص مصلحة مصلحة.

فما بعد هذا خطاب للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) تسلية له عن عدم إيمانهم و امتنانا عليه و على المؤمنين بهدايتهم لدين الإسلام، أو بما هو مقتضى الحكمة و المصلحة، و تأييدا و تنشيطا لهم و يجوز دخوله في الجواب كما هو ظاهرهم توبيخا لهم، و تبكيتا على عدم هدايتهم و العناية بتحصيل استعدادها كما لا يخفى.

«يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ» هو ما يقتضيه الحكمة و يستدعيه المصلحة قيل: من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، و اخرى إلى الكعبة، و الأوّل مثل توجّههم في تلك الأزمنة إلى بيت المقدس و بعدها إلى الكعبة.

الثاني [و ما جعلنا القبلة الّتي كنت عليها.]

وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا إِلّٰا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ. (143)

«الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا» ليست صفة للقبلة، بل ثاني مفعول جعل أي ما جعلنا القبلة بيت المقدس، إلّا لامتحان الناس، كأنه يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة و أنّ استقبالك بيت المقدس كان عارضا لغرض.

و قيل: يريد و ما جعلنا القبلة الآن الّتي كنت عليها بمكّة أي الكعبة، و ما رددناك إليها إلّا امتحانا، لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصلّي بمكّة إلى الكعبة، ثمّ أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألّفا لليهود، ثمّ حوّل إلى الكعبة.

و هذا لم يثبت، بل الثابت عندنا ما روي عن ابن عباس (1) أنّ قبلته بمكّة كانت بيت المقدس، إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه و بينه، فربما أمكن أن يراد ذلك باعتبار جعله الكعبة بينه و بين بيت المقدس، فكأنه كان قبلة له في الجملة، و يمكن بوجه

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 200 و انظر المجمع ففيه في تفسير الآية بيانات مفيدة لا يستغنى أحد عن الاطلاع عليها.

138

آخر أي ما جعلنا القبلة الّتي كنت مقبلا عليها أو حريصا عليها أو مديما على حبّها أن يجعل قبلة أو مصرّا أو نحو ذلك.

و هنا وجوه أخر منها إرادة التحويل إطلاقا للعامّ على الخاص، و منها تضمين الجعل معنى التحويل، و منها حذف الخبر أي منسوخة، و الكلّ ضعيف، و أضعف منها ما في المعالم من جعلها من باب حذف المضاف أي ما جعلنا تحويل القبلة كما لا يخفى فعلى الأوّل الاخبار عن الجعل المنسوخ، و على الباقي عن الجعل الناسخ.

«إِلّٰا لِنَعْلَمَ» أي إلّا امتحانا للناس لنعلم من يتّبع الرسول و يثبت على الدين ممّن ينكص على عقبيه، فعلى الأوّل يمكن أن يراد لنعلم ذلك عند كونها قبلة، و أن يراد لنعلم الآن عند الصرف إلى الكعبة ذلك أو الأعمّ و لعلّه أولى.

فإن قيل: كيف يكون علمه تعالى غاية لهذا الجعل، و هو لم يزل عالما؟ يقال في ذلك وجوه:

أحدها أنّ المراد فيه و في أشباهه العلم الذي يتعلّق به الجزاء، أي العلم به موجودا حاصلا.

ثانيها أنّ المراد لنميّز، فوضع العلم موضع التميز، و هو الذي يقتضيه قوله «مِمَّنْ يَنْقَلِبُ» كما لا يخفى كما قال تعالى «لِيَمِيزَ اللّٰهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» قال القاضي و تشهد له قراءة «ليعلم» على البناء للمفعول.

و ثالثها أنّ المراد علم رسول اللّه و المؤمنين مع علمه، فعلمه و إن كان أزليا لكن لا ريب في جواز عدم حصول علم الجميع إلّا بعد الجعل، كما هو الواقع.

و رابعها أنّ المراد علم الرسول و المؤمنين، و إنّما استند علمهم إلى ذاته لأنهم خواصه، و أهل الزلفى لديه، و هو قريب ممّا تقدّمه.

و خامسها أنّ المقتضي بالذات علم غيره من الرسول و المؤمنين، أو و الملائكة على ما قيل، لكنّه ضمّهم إلى نفسه و علمهم إلى علمه إشارة إلى أنهم من خواصه و أهل الزلفى لديه فليتأمل فيه.

و سادسها و هو التمثيل أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم، فالعلم إمّا بمعنى

139

التمييز كما تقدّم، أو بمعنى المعرفة، إذ ليس له في الظاهر إلّا مفعول واحد هو «من» الموصولة.

و يجوز أن يكون من استفهاميّة واقعة موقع المبتدء، و يتّبع موقع الخبر، فيكون العلم من المتعدّي إلى مفعولين معلّقا عن الاستفهاميّة كقولك علمت أ زيد في الدار أم عمرو، و «مِمَّنْ يَنْقَلِبُ» حالا من فاعل يتبع، أي مميزا عنه، و بهذا يندفع ما قال أبو البقاء من أنّه لا يجوز كونها استفهاميّة لأنه يلزم التعليق، و لا يبقى لقوله مِمَّنْ يَنْقَلِبُ متعلّق، إذ لا معنى لتعلّقه بيتبع، و لا وجه لتعلقه بنعلم، لأنّ ما بعد الاستفهام لا يتعلّق بما قبله.

فان قيل لا قرينة على حذف مميزا، قلنا بل فحوى الكلام ليس غيره، على أنّه مشترك الإلزام، إذ على تقدير الموصولية أيضا هو حال ممّن بمعنى متميزا.

فان قيل كيف يكون العلم بمعنى المعرفة، و اللّه تعالى لا يوصف بها؟ قلنا إن ثبت فلعلّه لشيوعها فيما يكون مسبوقا بالعدم، و ليس العلم الذي بمعنى المعرفة كذلك بل المراد به الإدراك الذي لا يتعدّى إلى مفعولين.

ثمّ قوله «مِمَّنْ يَنْقَلِبُ» قيل فيه قولان أحدهما أنّ المراد من يرتدّ عن الإسلام كما روي أنّ القبلة لما حوّلت ارتدّت قوم من المسلمين إلى اليهودية، و الآخر أنّ المراد به كلّ مقيم على كفره، لأنّ جهة الاستقامة إقبال، و خلافها إدبار، و لذلك وصف الكافر بأنه أدبر و استكبر، و قال «لٰا يَصْلٰاهٰا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى» عن الحق، و هنا وجه ثالث، و هو ما يعمّ الجميع و هو غير بعيد فافهم.

وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً إِلّٰا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ.

إن هي المخفّفة الّتي يلزمها لام الفارقة بينها و بين النافية، لا بينها و بين المشدّدة و عن سيبويه أن تأكيد يشبه اليمين، و لذلك دخلت اللام في جوابها. و في تفسير القاضي: و قال الكوفيّون هي النافية، و اللّام بمعنى إلّا، و الضمير لما دلّ عليه قوله «وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا» من الردّة و التحويل و يجوز أن يكون للقبلة.

140

«لَكَبِيرَةً» أي ثقيلة شاقّة إلّا على الّذين هداهم اللّه للثبات و البقاء على دينه، و الصدق في اتّباع الرسول، و قرئ لكبيرة بالرفع (1)، و وجهها أن تكون كان زائدة.

في الكشاف كما في قوله «و جيران لنا كانوا كرام» و فيه نظر، و يحكى عن الحجّاج أنه قال للحسن ما رأيك في أبي تراب؟ فقرأ قوله «إِلّٰا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ» ثمّ قال: و علىّ منهم و هو ابن عمّ رسول اللّه و ختنه على ابنته، و أقرب الناس إليه و أحبّهم.

وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ:

اللام لام الجحود لتأكيد النفي، ينتصب الفعل بعدها بتقدير أن، و الخطاب للمؤمنين تأييدا لهم و ترغيبا في الثبات، قيل أي ثباتكم على الايمان و رسوخكم فيه، فلم تزلّوا و لم ترتابوا، بل شكر صنيعكم و أعدّ لكم الثواب العظيم.

و يجوز أن يراد «وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ» بترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة و إضاعة لأيمانكم، و قيل إيمانكم بالقبلة المنسوخة أو صلواتكم إليها، و به رواية عن الصادق (عليه السلام).

و عن ابن عباس (2): لمّا حوّلت القبلة، قال ناس: كيف أعمالنا الّتي كنّا نعمل في قبلتنا الاولى، و كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك؟ فأنزل اللّه.

إن قيل: كيف جاز عليهم الشكّ فيمن مضى من إخوانهم و أعمالهم، فلم يدروا أنّهم كانوا على حقّ في صلاتهم إلى بيت المقدس؟ أجيب بأنّهم تمنّوا ذلك و أحبّوا

____________

(1) انظر شواذ القرآن لابن خالويه ص 10 و قال انه اختيار اليزيدي و نقله في الكشاف أيضا عن اليزيدي و أنشد بيت الفرزدق و جيران لنا كانوا كرام و انظر البحث في قراءة لكبيرة بالنصب و اختلاف البصريين و الكوفيين كما أشار إليه المصنف في الإنصاف الرقم 90 من ص 640 الى ص 643 فالبصريون على أن ان مخففة من الثقيلة و اللام بعده لام التأكيد و الكوفيون على أن ان نافية و اللام بمعنى الا.

(2) المجمع ج 1 ص 225:

141

لهم ما أحبّوا لأنفسهم، أو قال ذلك ضعيف الفهم أو منافق كما قد يشعر به قول ابن عباس «ناس» فخاطب اللّه المؤمنين بما فيه الردّ على المنافقين، فغلّب الأحياء على الأموات في إضافة الايمان كما لا يخفى.

إِنَّ اللّٰهَ بِالنّٰاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.

فلا يضيع أجورهم، و لا يدع صلاحهم، و لعلّه قدّم الرؤف و هو أبلغ في الرحمة محافظة على الفواصل.

الثالث [قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا]

قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ. (144)

روى أنّ رسول اللّه صلّى مدّة مقامه بمكة إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة و بعد مهاجرته إلى المدينة سبعة أشهر على ما رواه علىّ بن إبراهيم (1)، و ذكره جماعة، قال الصدوق (2) تسعة عشر شهرا و يؤيّده رواية ضعيفة في التهذيب (3) فقالت اليهود تعييرا إنّ محمّدا تابع لنا يصلّى على قبلتنا، فاغتمّ لذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كان قد استشعر أنّه سيحوّل إلى الكعبة، أو كان وعد ذلك كما قيل، أو كان يحبّه و يترقّبه لأنه أقدم القبلتين، و قبلة أبيه إبراهيم (عليه السلام)، و ادعى للعرب إلى الإسلام، لأنها مفخرتهم و مزارهم و مطافهم، فاشتدّ شوقه إلى ذلك مخالفة على اليهود، و تميزا منهم، و خرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر من اللّه في ذلك أمرا.

و روي (4) أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لجبرئيل: وددت أن يحوّلني اللّه إلى الكعبة، فقال

____________

(1) رواه على بن إبراهيم انظر البرهان ج 1 ص 158 و المجمع ج 1 ص 1 ص 223 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 197 و تفسير على بن إبراهيم ط إيران 1315 ص 33.

(2) انظر الوسائل ج 3 ص 218 المسلسل 5208 و الحديث مبسوط.

(3) انظر الوسائل ج 3 ص 215 المسلسل 5197 و في سند الحديث على بن الحسن الطاطري و ابن أبي حمزة و حالهما معلوم لكل أحد، و فيه ان التحويل كان بعد رجوع النبي (ص) عن بدر.

(4) الدر المنثور ج 1 ص 142 أخرجه عن ابى داود في ناسخه.

142

جبرئيل إنّما أنا عبد مثلك و أنت كريم على ربّك فأسأل فإنك عند اللّه عز و جل بمكان فعرج جبرئيل، و جعل رسول اللّه يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبرئيل لما يحبّ من أمر القبلة.

فلما أصبح و حضر وقت صلاة الظهر، و قد صلّى منها ركعتين، فنزل جبرئيل و أخذ بعضديه و حوّله إلى الكعبة، و أنزل عليه «قَدْ نَرىٰ» فصلّى الركعتين الأخيرتين إلى الكعبة.

فلا ريب في أن «قد» على أصله من التوقّع و التحقيق، إنّما الكلام في أنّه هل بمجرّد ذلك من غير اعتبار تقليل و لا تكثير كما قاله الرضى أو قد أستعير بمناسبة التضادّ لاقتضاء المقام، و استدعاء السياق كقوله «قد أترك القرن مصفرّا أنامله» كما ذهب إليه الكشاف (1) أو على أصله من التقليل في المضارع لقلّة وقوع المرئي من تقلب وجهه (عليه السلام) كما في الكنز، و ربما احتمل كونه على أصله و يستفاد التكثير كما في البيت أيضا على نحو ما ذكره الكشاف في «عَلِمَتْ نَفْسٌ مٰا أَحْضَرَتْ» مع احتمال كلامه هنا أيضا فتأمل.

و الرؤية منه تعالى علمه سبحانه بالمرئىّ، و ليس بآلة كما في حقّنا، قيل:

و قد يأتي لفظ المضارع للماضي كما قال «فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيٰاءَ اللّٰهِ» أي قتلتم، فلا يبعد أن يكون نرى كذلك هو ظاهر ما تلونا في سبب النزول.

و يمكن أن يقال إنما أتى بلفظ المضارع لأنه استجاب له حين توجّهه إلى السماء، فلا يتوهّم من تأخير النزول تأخير الاستجابة، بل ذلك لمصلحة.

«تَقَلُّبَ وَجْهِكَ» أي تردّد وجهك، و تصرف نظرك في جهة السماء فتقدر جهة مضافا أو يراد بالسماء جهتها، أو يقال التجوّز في النسبة، و يحتمل كون في بمعنى إلى باعتبار تضمين النظر كما لا يخفى، و إلّا فالظاهر أنه لا يكفى، و فيه نوع تأمل.

«فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً» فلنعطينّك، و لنمكّننّك من استقبالها من قولك ولّيته

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 202 و فيه البيت و هو للهذلى و قيل لعبيد بن الأبرص و اصفرار الأنامل كناية عن الموت.

143

كذا إذا جعلته واليا له، أو فلنجعلنك تلي سمتها كذا في الكشاف، «تَرْضٰاهٰا» تحبّها و تميل إليها لأغراضك الصحيحة، فلا يستلزم ذلك سخط بيت المقدس، و لا سخط التوجه إليه كما هو الظاهر من سبب النزول، و طعن اليهود، و الشطر النحو و الجهة، و قرأ ابيّ تلقاء المسجد الحرام (1) أي صاحب حرمة لا تهتك. في الكشاف: و النصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه في جهته و سمته، لانّ استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد، و ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دليل على أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين و فيه أبحاث:

الف: إنّ النصب على الظرف سيما على ما فسّره مناف لما قدمه في قوله «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ» فتدبر.

ب: إنّ استقبال العين إذا كان بحسب الظنّ و ما تيسّر من القرائن، فلا نسلم أنّ فيه الحرج على البعيد، بل الظاهر أنّه لا فرق حينئذ في ذلك بين كونها العين أو الجهة، كيف لا و العلامات المعتمدة مشتركة بين الفريقين، سيّما على ما قال صاحب التذكرة من أنّ الجهة نريد بها هنا ما يظنّ أنّه الكعبة حتّى لو ظنّ خروجها عنه لم يصحّ، بل الظاهر حينئذ عدم الفرق أصلا، و كون النزاع لفظيا فتأمل، بل الاعتماد في ذلك على ظاهر النص نعم فيه من التوسيع و التسهيل ما لا يخفى.

و لعلّ الأولى أن يقال الجهة هنا سمت تدلّ أمارة شرعيّة على عدم خروج الكعبة عنه، مع عدم اختصاص بعضه بها أو بمثلها ان تجزى، و أما ما يقال إنّ سمت الكعبة أن يصل الخطّ الخارج من جبين المصلّي إلى الخطّ المارّ بالكعبة على استقامة بحيث يحصل قاعدتان أو أن يقع الكعبة فيما بين خطّين يلتقيان في الدماغ فيخرجان إلى العينين كساقي مثلّث، فالبحث فيه طويل لا يناسب المقام [2].

____________

[2] المشهور عند أصحابنا انه يستحب التياسر لأهل العراق و عليه روايات تجدها في الوسائل الباب 4 من أبواب القبلة ج 3 ص 221 و 222 من المسلسل 5218 الى 5220.

و قد أورد على ما في روض الجنان ص 199 العلامة السعيد سلطان العلماء المحققين

____________

(1) نقله في الكشاف ج 1 ص 202.

144

____________

خواجه نصير الدين الطوسي (رحمه اللّه) عليه حين حضر بعض مجالس المحقق نجم الدين بن سعيد و جرى في درسه هذه المسئلة أورد على المحقق بما ملخصه انه ان كان الى القبلة فواجب و الا فحرام فأجابه المحقق أعلى اللّه مقامه ثم صنف رسالة في تحقيق الجواب و السؤال و بعثها اليه فاستحسنها العلامة حين وقف عليها و قد نقل الرسالة بتمامها ابن فهد الحلي (قدس سره) في المهذب و لما يطبع و لم أظفر في الكتب الفقهية المطبوعة طبع هذه الرسالة فأعجبني ان أنقلها بعينها هنا لتصير موردا لاستفادة الفقهاء الكرام و الرسالة على ما في المهذب البارع:

بسم اللّه الرحمن الرحيم جرى في أثناء فوائد المولى أفضل علماء الإسلام و أكمل فضلاء الأنام نصير الدنيا و الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي أيد اللّه بهمته العالية قواعد الدين، و وطد أركانه، و مهد بمباحثه السامية عقائد الايمان، و شيد بنيانه- اشكالا على التياسر، و حكايته الأمر بالتياسر لأهل العراق لا يتحقق معناه لان التياسر أمر إضافي لا يتحقق إلا بالإضافة الى صاحب يسار متوجه إلى جهة.

و حينئذ اما أن تكون الجهة محصله و اما أن لا تكون، و يلزم من الأول التياسر عما وجب التوجه اليه و هو خلاف مدلول الآية و من الثاني عدم إمكان التياسر إذ تحققه موقوف على تحقق الجهة التي يتياسر عنها ثم يلزم مع تحقق هذا الاشكال تنزيل التياسر على التأويل أو التوقف فيه حتى يوضحه الدليل.

و هذا الاشكال مما لم تقع عليه الخواطر و لا تنبه له الأوائل و لا الأواخر و لا كشف عن مكنونه الغطاء، لكن الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء.

و فرض من يقف على فوائد هذا المولى الأعظم من علماء الأنام، أن يبسطوا له يد الانقياد و الاستسلام، و أن يكون قصاراهم التقاط ما يصدر عنه من جواهر الكلام، فإنها شفاء الأنفس و جلاء الافهام، غير أنه ظاهر اللّه جلاله و لا أعدم أولياءه فضله و إفضاله سوغ لي الدخول في هذا الباب و اذن لي أن أورد ما يخطر في الجواب ما يكون صوابا أو مقارنا للصواب، فأقول ممتثلا لأمره مشتملا على ملابس صفحة و غفره.

انه ينبغي أن يتقدم ذلك مقدمة تشتمل على بحثين:

الأول لفقهائنا قولان أحدهما أن الكعبة قبلة لمن كان في الحرم، و من خرج عنه و التوجه إليها متعين على التقديرات فعلى هذا لا يتياسر أصلا، و الثاني أنها قبيلة لمن كان في

145

____________

المسجد و المسجد قبلة لمن كان في الحرم، و الحرم قبلة لمن خرج عنه، و توجه هذا من الافاق ليس إلى الكعبة حتى أن استقبال الكعبة في الصف المتطاول متعذر، لان عنده جهة كل واحد من المصلين غير جهة الآخر، إذ لو خرج من وجه كل واحد منهم خط مواز للخط الخارج من وجه الآخر لخرج بعض تلك الخطوط عن ملاقاة الكعبة فحينئذ يسقط اعتبار الكعبة بانفرادها في الاستقبال و يعود الاستقبال مختصا باستقبال ما اتفق من الحرم لا يقال هذا باطل لقوله تعالى «فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و لأنه لو كان كذا لجاز لمن وقف على طرف الحرم في جهة الحل أن يعدل عن الكعبة إلى استقبال بعض الحرم لأنا نجيب عن الأول بأن المسجد قد يطلق على الحرم كما روى في تأويل قوله «سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و قد روى أنه كان في بيت أم هاني، و هو خارج عن المسجد و لا نتكلم على التياسر المبنى على قول من يقول بذلك و نجيب عن الثاني بأن استقبال جهة الكعبة متعين لمن يتيقنها، و انما يقتصر على الحرم من تعذر عليه التيقن بجهتها ثم لو ضويقنا جاز أن يلتزم ذلك تمسكا بظاهر الرواية.

البحث الثاني: من شاهد الكعبة استقبل ما شاء منها و لا تياسر عليه، و كذا من تيقن جهتها على التعيين، أما من فقد القسمين فعليه البناء على العلامات المنصوبة للقبلة لكن محاذاة كل علامة من العلامات المنصوبة المختص بها من المصلى ليس يوجب محاذاة القبلة تحقيقا إذ قد يتوهم المحاذاة و يكون منحرفا عن السمت انحرافا خفيا خصوصا عند مقابلة الشيء الصغير إذا تقرر ذلك رجعنا إلى الإشكال أما كون التياسر أمرا إضافيا لا يتحقق الا بالمضاف فلا ريب فيه و أما كون الجهة أما محصلة أو غير محصلة فالوجه انها محصلة و بيان ذلك أن الشرع نصب علامات أوجب محاذاة كل واحد منها بشيء من أعضاء المصلى بحيث تكون الجهة المقابلة لوجهه حال محاذاة تلك العلامة هي جهة الاستقبال فالتياسر حينئذ يكون عن تلك الجهة المقابلة لوجه المصلى و اما أنه إذا كانت محصلة كانت هي جهة الكعبة و الانحراف عنها يزيل التوجه إليها فالجواب عنه أنا قد بينا أن الفرض هو استقبال الحرم لا نفس الكعبة فإن العلائم قد يحصل الخلل في مسامتتها فالتياسر حينئذ استظهار في مقابلة الحرم الذي يحب التوجه إليه في كلا

146

____________

حالتي الاستقبال و التياسر يكون متوجها الى القبلة المأمور بها.

أما في حال الاستقبال فلأنها جهة الاجزاء من حيث هو محاذ جهة من جهات الحرم تغليبا مستندا الى الشرع و اما في حال التياسر فلتحققه محاذاة جهة الحرم و لهذا تحقق الاستحباب في طرفه لحصول الاستظهار به ان قيل هنا إيرادات ثلاثة:

الأول النصوص خالية عن هذا التعيين فمن أين صرتم اليه الثاني ما الحكم في التياسر عن جهة التي نصب العلائم عليها فان قلتم لأجل تفاوت مقدار الحرم عن يمين الكعبة و يسارها قلنا ان أريد بالتياسر وسط الحرم فحينئذ يخرج المصلى عن جهة الكعبة تعينا و ان أريد تياسر لا يخرج عن سمت الكعبة فحينئذ يكون ذلك قبلة حقيقة ثم لا يكون بينه و بين التيامن اليسير فرق الثالث الجهة المشار إليها ان كان استقبالها واجبا لم يجز العدول عنها و التياسر عدول فلا تكون مأمورا به قلنا أما الجواب عن الأول فإنه و ان كانت النصوص خالية عن تعيين الجهة نطقا فإنها غير خالية من التنبيه عليها إذ لم يثبت وجوب استقبال الجهة التي دلت عليها العلائم و ثبت الأمر بالتياسر بمعنى أنه عن السمت المدلول عليه.

و عن الثاني بالتفصي عن إبانة الحكمة في التياسر فإنه غير لازم في كل موضع بل غير ممكن في كل تكليف، و من شأن الفقيه تلقى الحكم مهما صح المستند.

أو نقول اما أن يكون الأمر بالتياسر ثابتا و اما أن لا يكون فان كان لزم الامتثال تلقيا عن صاحب الشرع و ان لم نعط العلة الموجبة للتشريع و ان لم يكن ثابتا فلا حكم.

و يمكن أن نتكلف ابانة الحكمة بأن نقول:

لما كانت الحكمة متعلقة باستقبال الحرم و كان المستقبل من أهل الافاق قد تخرج من الاستناد الى العلامات عن سمته بان يكون منحرفا الى اليمين و قدر الحرم بشبر عن يمين الكعبة فلو اقتصر على ما يظن أنه جهة الاستقبال أمكن أن يكون مائلا إلى جهة اليمين فيخرج عن الحرم و هو يظن استقباله أو محاذاة العلائم على الوجه المحرر قد يخفى على المهندس الماهر فيكون التياسر يسيرا عن سمت العلائم مفضيا الى سمت المحاذاة

147

أما قوله استقبال عين القبلة و إن خالف المشهور من أنّ قبلة البعيد هي الجهة أو العين لكن لا بأس به تنبيها على أنّ القبلة في الحقيقة و القصد هي الكعبة كما لا لا يخفى.

ج- إنّ ذكر المسجد الحرام دون الكعبة مع إرادتها به؛ تسمية للجزء الأشرف باسم الكلّ، مع كونها في محلّ التأمل، لما روي من أنّ أشرف بقاع الأرض ما بين الركن و المقام و الباب، محلّ نظر لجواز أن يكون ذلك لأنّ عنوان المسجد أنسب باستحقاق التعظيم و التكريم و أقرب إليه من عنوان البيت و الكعبة. على أنّ البيت بنفسه مسجد أيضا، فلا يجوز، و الحرام صفة له كما في قوله تعالى «الْبَيْتَ الْحَرٰامَ»* و تسمية أجزاء المسجد مسجدا شائع أيضا، و لا ريب أنّ هذه الفائدة أظهر مع كونها مقرونة بالحصول قطعا بخلاف ما ذكر.

____________

و يشهد لهذا التأويل ما روى عن ابى عبد اللّه (ع) و قد سئل عن سبب التحريف عن القبلة ذات اليسار فقال ان الحرم عن يسار الكعبة ثمانية أميال و عن يمينها أربعة أميال فإذا انحرف ذات اليمين خرج عن حد القبلة و إذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة و هذا الحديث يؤذن بأن المقابلة قد يحصل معها احتمال الانحراف و أما الجواب عن الثالث فقد مر في أثناء البحث، و هذا كله مبني على أن استقبال أهل العراق الى الحرم لا إلى الكعبة و ليس ذلك بمعتمد بل الوجه الاستقبال إلى جهة الكعبة إذا علمت أو غلب الظن مع عدم الطريق الى العلم سواء كان في المسجد أو خارجه فيسقط حينئذ اعتبار التياسر و التعويل في استقبال الحرم انما هو على اخبار آحاد و بتقدير أن يجمع جامع بين هذا المذهب و بين التياسر فكون ورود الاشكال عليه أتم و باللّه العصمة و التوفيق انه ولى الإجابة هذا آخر رسالة المحقق (قدس سره) قال ابن فهد في المهذب البارع (و عندي منه نسخة خطية) و اعلم أن غير المصنف أجاب عن هذا الاشكال بمنع الحصر لان حاصل السؤال أن التياسر اما الى القبلة فيكون واجبا لا مستحبا و اما عنها فيكون حراما، و الجواب منع الحصر، بل نقول التياسر شرفها و جاز اختصاص بعض جهات الحرم بمزيد الفضيلة على بعض أو حصول الاستظهار بالتوسط بسب الانحراف، انتهى ما في المهذب البارع.

148

إن قيل المراد ذكر شطر المسجد الحرام دون شطر الكعبة، مع أنّ المراد شطرها فان ذلك لعدم الفرق و التميز بينهما بالنسبة إلى البعيد.

قلنا ذلك بإرادة الكعبة بالمسجد أم؟؟؟ هو الذي قدّمنا، و بإرادة ما هو المعروف به يقدح فيه قيام ما تقدّم من الاحتمال و عدم ظهور قائل به، و أنّ الظاهر الاتّفاق على خلافه.

على أنا لا نسلّم عدم الفرق و التميز بالنسبة الى كلّ بعيد، فان كلّ من يتعذر أو يتعسر عليه مشاهدة الكعبة أو تحصيل عينها قطعا للبعد، لا يجب أن يعتبر عليه مثلا تحصيل خطّ يخص المسجد دون الكعبة ظنا كما لا يخفى، و لا نسلم أيضا اختصاص الحكم بالبعيد بل هو أعم كما يأتي.

د: قد ذهب جماعة من الخاصّة و العامّة إلى أن قبلة الآفاقي النائي هو الحرم لروايات، و في المجمع أنّ أبا إسحاق الثعلبي ذكر ذلك في كتابه عن ابن عباس و حينئذ فالمراد بالمسجد الحرام الحرم كما قيل في قوله «سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» لإحاطته بالمسجد و التباسه به.

و عن ابن عبّاس الحرم كلّه مسجد، و عن عطا في قوله تعالى «فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ» أنّ المراد بالمسجد الحرام الحرم، و ذكر الراونديّ عنه في الآية أيضا القول بأنّ الحرم كلّه مسجد، و على هذا فترجيح حمل المسجد الحرام على الكعبة على حمله على الحرم تسمية للكلّ باسم أشرف الاجزاء ترغيبا و تشريفا أو لكونه في حكم المسجد لحرمته كما يقتضيه كونه حرما أو لكونه مسجدا حقيقة، و ثبوت وصف الحرام مع تأييد ذلك بالروايات، و موافقة أقوال المفسّرين في غير هذا المقام، أيضا محلّ نظر على ما قرّره الكشاف، نعم في سند الروايات ضعف، مع كونه خلاف الظاهر فتأمل.

و أما على ما قرّرنا فلا يبعد كونه حقيقة و الّا فمجاز شائع، على أنّه أوفق و أنسب بعموم قوله «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ»* كما لا يخفى.

ه: أنه تعالى خصّ الرسول بالخطاب أولا تعظيما له، و إيجابا لرغبته، ثمّ

149

عمّم تصريحا بعموم الحكم و تأكيدا لأمر القبلة، و تحضيضا للأمّة على المتابعة، فقال «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»* و لا ريب في اتّحاد المراد بالشطر في الخطابين و أنّ الظاهر العموم و شمول القريب و البعيد، و أنه يصدق على المشاهد للعين المتوجّه إليها أنه مولّ وجهه شطرها و نحوها، فلا يكون معنى الشطر ما يخصّ البعيد، بل يعمّ القريب أيضا، فلا يلزم كون قبلة البعيد الجهة دون العين فليتأمل فيه.

ثمّ لا يخفى تعاضد هذه الأبحاث، و تقوّى بعضها ببعض، فلا تغفل.

و اعلم أنّه لا خلاف أنّ هذا الأمر على التحتّم دون التخيير، و ما في الكنز من أنه قيل بأنه على التخيير أظنّه و هما نعم ذكر الراونديّ عن الربيع أنّ التوجه الى البيت المقدس قبل نسخه كان فرضا على التخيير و هو أيضا و هم عن الربيع، و عن ابن عباس هو أوّل نسخ وقع في القرآن، و هو يؤيّد ما قدّمنا أنه بعد الهجرة بسبعة أشهر لا سبعة عشر أو ستّة عشر كما هو المشهور عند الجمهور، أو تسعة عشر كما هو قول ابن بابويه.

قيل هو نسخ للسنّة بالكتاب، لأنّه ليس في القرآن أمر بالتوجّه إلى الصخرة و عن قتادة نسخت هذه الآية ما قبلها، و هو غير ظاهر، و قيل انّها نسخت قوله «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» و هو وهم و يأتي أنه ليس بمنسوخ.

و من الأقوال النادرة القول بأنه يجب التوجّه الى الميزاب و قصده، و هو باطل على الإطلاق، لأنه خلاف القرآن و الإجماع، و في المجمع و ذكر أبو إسحاق الثعلبي (1) عن ابن عباس أنّه قال: البيت كلّه قبلة و قبلة البيت كلّه الباب، و البيت قبلة أهل المسجد، و المسجد قبلة أهل الحرم، و الحرم قبلة أهل الأرض، و هذا موافق لما قاله أصحابنا أنّ الحرم قبلة من نأى عن الحرم من أهل الآفاق انتهى.

كون الباب قبلة البيت كلّه غير مطابق لما رأيت من كلام أصحابنا، بل للأدلّة أيضا، و المشهور أنه يستقبل أي جدرانه شاء و في المعتبر و هو اتّفاق العلماء و قريب منه

____________

(1) المجمع ج 1 ص 227

150

ما في التذكرة، نعم في الفقيه أنّ أفضل ذلك أن تقف بين العمودين على البلاطة الحمراء تستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود، فإن أراد ذلك و الّا فغير واضح أو الإسناد إليه غير صحيح.

و أما أنّ البيت قبلة لأهل المسجد، و المسجد لأهل الحرم، و الحرم لأهل الأرض، فقد ذهب اليه الشيخان و جماعة و من العامّة مالك و أصحابه لروايات من طرقنا و طرقهم إلّا أنّ في إسنادها ضعفا، و هو خلاف ظاهر القرآن حيث قال سبحانه «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»* و دعوى الإجماع غير مسموع لشهرة الخلاف.

ثمّ قوله «لما قاله أصحابنا» يريد به هؤلاء القائلين دون جميع الأصحاب، أو زعم كالشيخ أنه إجماع و هو بعيد جدا، و أما قوله «من نأى عن الحرم» فكذا في التذكرة أيضا لأنّ الأشهر من خرج عنه فليتأمل.

و اعلم أنّ الظاهر أنّ أمر القبلة واسع جدا فيه قناعة بأدنى التوجّه المناسب بجهة البيت، مع عدم تيسر الأتمّ من ذلك، لا كما قيل من أنّه لا بدّ من حصول زاويتين قائمتين أو نحو ذلك، إذ لم يبين الشارع علامة لكلّ بلد بل لبلد، فانّا لا نعرف في ذلك إلّا ما روي في الضعيف (1) عن محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال «سئلته عن القبلة قال ضع الجدي على قفاك و صلّ، و ما في الفقيه مرفوعا (2) قال رجل للصادق (عليه السلام) إنّى أكون في السفر و لا أهتدي إلي القبلة باللّيل، فقال: أ تعرف الكوكب الذي يقال له جدي؟

قلت نعم، قال اجعله على يمينك، و إذا كنت في طريق الحجّ فاجعله بين كتفيك.

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 45 الرقم 143 و السند الطاطري عن جعفر بن سماعة عن علاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما و حال الطاطري و جعفر بن سماعه معلوم عند كل عالم بالرجال فالحديث ضعيف كما افاده المصنف

(2) الفقيه ج 1 ص 181 الرقم 860 و ترى الحديثين مع أحاديث أخر في الباب 5 من أبواب القبلة ج 3 ص 222 من المسلسل 5221 الى المسلسل 5224 و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 165 ثم الصحيح في ضبط الكلمة كما عن الحلي في السرائر فتح الجيم و سكون الدال المهملة و عن المغرب ان المنجمين يصغرونه فرقا بينه و بين البرج.

151

و هما مع ما في سندهما في غاية الإجمال، فالظاهر الاعتماد على ما هو المشهور المعروف فيما بين الناس بحسب ما يتداولون في توجّهاتهم إلى الجهات من النجوم، و المشرق و المغرب و نحوها، من قرائن الأحوال، كما هو ظاهر كثير من الأخبار أيضا مثل ما بين المشرق و المغرب قبلة (1).

و يجزى التحرّي أبدا ما لم يعلم أين وجه القبلة و أنّه ينحرف إلى القبلة في الصلاة ما لم يستدبرها و نحوها و أمّا الاعتماد على المعلوم من قوانين الهيئة، فلا بحث في جوازه، و لو ظنّ أنّ ظاهره الانتهاء إلى قول بعض الحكماء الذي لا يعلم إسلامه فضلا عن عدالته و عدم إفادتها العلم بالعين و لو قيل بالجزم، و أما وجوب الرجوع إليها على عامّة المكلفين أكثر ممّا قدّمنا، و معرفة الدائرة الهنديّة و نحوه، فلا دليل عليه و ينفيه الأصل، و لزوم الحرج، و ظاهر بعض الأخبار، فلا يبعد كون ذلك إجماعا فإنّه يبعد ذهاب أحد إلى ذلك مع عدم ذكره قولا في شيء من الكتب المشهورة و اللّه أعلم.

«وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ» قيل هم اليهود عن السدّي، و يحتمل عموم النصارى و قيل: هم أحبار اليهود و علماء النصارى، لأنّهم جماعة قليلة يجوز على مثلهم إظهار خلاف ما يبطنون، و أما الجمع الكثير فلا، للعادة باختلاف الدواعي «لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ» أي تحويل القبلة أو التوجّه إلى الكعبة «الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» قيل لعلمهم جملة أن كلّ شريعة لا بدّ لها من قبلة و تفصيلا لتضمّن كتبهم أنه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّى إلى القبلتين، لكنّهم لا يعترفون لشدّة عنادهم «وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا يَعْمَلُونَ» بالياء وعيد لأهل الكتاب، و بالتاء وعد لهذه الأمّة، أو وعد و وعيد مطلقا تأمّل.

الرابع [و للّه المشرق و المغرب فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه]

وَ لِلّٰهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (البقرة: 115) أي مجموع ما في جهة الشرق و الغرب من الأرض و البلاد للّه هو مالكها، ففي أيّ مكان فعلتم التولية أي تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله

____________

(1) انظر الوسائل الباب 10 من أبواب القبلة و خلال سائر أبوابها و جامع أحاديث الشيعة الباب 8 من أبواب القبلة و خلال سائر أبوابها و من طرق أهل السنة سنن البيهقي ج 6 ص 9 و خلال سائر الصفحات.

152

«فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ»*، فثمّ جهة الّتي أمر بها و رضيها، و المعنى أنكم إذا منعتم أن تصلّوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس، فقد جعلنا لكم الأرض مسجدا فصلّوا في أيّ بقعة شئتم من بقاعها، و افعلوا التولية فيها، فإنّ التولية لا يختصّ بمسجد و لا مكان.

هذا عليه اعتماد الكشاف نظرا الى ما قبله من قوله «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ» الاية و كذا القاضي و الجوامع (1) لكنّه لم يذكر احتمال بيت المقدس هنا، و كأنّه استضعافا له، و اعتمادا على ما تقدّم و زاد القاضي احتمال أن يراد بوجه اللّه ذاته، و هو بأن يكون وجه صلة لا كما في «كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلّٰا وَجْهَهُ» يعنى فثمّ اللّه يرى و يعلم كما في المعالم، و فيه أيضا: و قيل: رضي اللّه، هذا.

و في المجمع (2) قيل: نزلت في التطوّع على الراحلة حيث توجّهت حال السفر و هذا مرويّ عن أئمتنا (عليهم السلام) انتهى، و رواه مسلم و الترمذيّ عن عبد اللّه بن عمر (3) و إليه نسب المعالم و الكشّاف أيضا إلّا أنه لم يعتدّ بالتطوع، و لعلّه مراده و في الجوامع لم يعتدّ بحال السفر قال: و هو عنهم (عليه السلام)، و نحوه في التذكرة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) و في الكنز (4) كالأوّل عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام).

و في المعتبر: و قد استفاض النقل أنّها في النافلة ثم في المجمع: روى عن جابر (5)

____________

(1) انظر الكشاف ج 1 ص 180 و البيضاوي ج 1 ص 182 ط مصطفى محمد

(2) المجمع ج 1 ص 191.

(3) و أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 109 عن ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و النحاس في ناسخه و الطبراني و البيهقي في سننه عن ابن عمر قال كان النبي (ص) يصلى على راحلته تطوعا أينما توجهت به ثم قرء ابن عمر هذه الآية «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» و قال ابن عمر في هذا نزلت الآية.

(4) انظر كنز العرفان ج 1 ص 90 و انظر أيضا العياشي ج 1 ص 56 و ص 57 و الباب 15 من أبواب القبلة من الوسائل ج 3 ص 242 و ص 243 من الرقم 5310 الى 5315.

(5) المجمع ج 1 ص 191 و أخرجه في الدر المنثور أيضا ج 1 ص 109 عن الدارقطني و ابن مردويه و البيهقي عن جابر بن عبد اللّه.

153

أنّه قال: بعث النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سريّة كنت فيها و أصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقال طائفة منّا قد عرفنا القبلة هي هنا، قبل الشمال، فصّلوا و خطّوا خطوطا، و قال بعضنا القبلة هي هنا قبل الجنوب، فخطّوا خطوطا، فلما أصبحوا و طلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط بغير القبلة، فلما رجعنا من سفرنا سألني النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك؟؟؟

فأنزل اللّه هذه الآية انتهى.

و في المعالم قال ابن عباس: خرج نفر من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في سفر فذكر قريبا ممّا تقدّم، و في الجامع [1] عامر ابن ربيعة عن أبيه قال كنّا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة، فصلى كلّ رجل منا على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فنزلت «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ» أخرجه الترمذيّ.

و في التهذيب أيضا رواية (2) ظاهرها أنّها في الخطإ في القبلة في الفريضة إلّا أنّ فيها ضعفا سندا و متنا، و نقل في المعتبر (3) عنهم الطعن في رواية جابر، بأنّه رواها محمّد بن سالم و محمّد بن عبد اللّه العرزميّ عن عطاء عن جابر و هما ضعيفان، و في رواية عامر بأنّه من

____________

[1] انظر القرطبي ج 2 ص 80 و تحفة الاحوذى ج 1 ص 280 مع بيان ضعف الحديث و أخرجه في الدر المنثور ج 1 ص 109 عن أبى داود الطيالسي و عبد بن حميد و الترمذي و ضعفه و ابن ماجة و ابن جرير و ابن أبى حاتم و العقيلي و ضعفه و الدارقطني و ابى نعيم في الحلية و البيهقي في سننه عن عامر بن ربيعة.

ثم المذكور في نسختنا المخطوطة عامر بن ربيعة عن أبيه و مثله في المعتبر و الموجود في الترمذي و جامع القرطبي و الدر المنثور أن الراوي هو عامر بن ربيعة و هو على ما في تحفة الاحوذى عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي كان من المهاجرين الأولين أسلم قبل عمر فلعل كلمة عن أبيه في النسخة و في المعتبر من سهو الناسخين.

____________

(2) انظر ج 3 ص 230 المسلسل 5357 من الوسائل ط الإسلامية و في طريقه محمد بن الحصين يقول في حقه علماء الرجال كان ضعيفا ملعونا.

(3) انظر المعتبر ط 1318 ص 146

154

من حديث أشعث و هو ضعيف، و كيف كان فقد يقال بحملها على النافلة و الفريضة في الجملة جمعا بين الروايات لإمكانه، و مراعاة لعموم اللفظ ما أمكن.

قال في الكنز (1) اعلم أنّه مهما أمكن تكثير الفائدة مع بقاء اللفظ على عمومه كان أولى فعلى هذا يمكن أن يحتجّ بالاية في الفريضة على مسائل:

1- صحّة صلاة الظانّ أو الناسي فيتبيّن خطأه و هو في الصلاة غير مستدبر و لا مشرّق و لا مغرّب فليتدبّر.

2- صلاة الظانّ فيتبين خطاؤه بعد فراغه، و كان التوجّه بين المشرق و المغرب فتصحّ.

3- الصورة بحالها و كان صلاته الى المشرق و المغرب، و يتبيّن بعد خروج الوقت.

4- المتحيّر الفاقد الأمارات يصلّى الى أربع جهات تصحّ صلاته.

كذا قال، و الحقّ أنها تدلّ على أنّ صلاته الى أيّ جهة شاء تجزى و لا يجب القضاء مع تبين الخطاء، و ان كان مستدبرا.

5- صحة صلاة شدّة الخوف حيث توجّه المصلى.

6- صحّة صلاة الماشي أيضا عند ضيق الوقت متوجّها الى غير القبلة.

كذا قال و كأنّ ضيق الوقت لا يحتاج إليه.

7- صحّة صلاة مريض لا يمكنه التوجّه بنفسه و لم يوجد غيره عنده يوجّهه.

و أما الاحتجاج بها على صحّة النافلة حضرا ففيه نظر لمخالفته فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّه لم ينقل عنه فعل ذلك و لا أمره و لا تقريره، فيكون إدخالا في الشرع ما ليس منه، نعم يحتجّ بها على موضع الإجماع، و هو حال السفر و الحرب و يكون ذلك مخصّصا لعموم «وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ»* بما عدا ذلك، و هو المطلوب انتهى.

و اعلم أنه ذكر- و كذا الراوندي و غيرهما- عنهما (عليهما السلام) أنّ قوله «فَوَلِّ»* في الفريضة، و هذا في النافلة من غير تقييد، و ظاهر ذلك جواز النافلة إلى أينما كان التوجّه

____________

(1) انظر كنز العرفان ج 1 ص 91.

155

لإطلاق قوله هذا في النافلة، و لقوله هذا في الفريضة، لأنّ الظاهر أنّه لا تدخل النافلة تحته حينئذ و أنّ غيرها من الآيات الدالّة على الوجوب في معنى ذلك.

على أنّ الآيات كلّها مطلق في إيجاب التوجّه إلى القبلة، فإذا وجد محمل صحيح فالظاهر الخروج من العهدة به، و أيضا لو عمّم الأمر بتولية الوجه النافلة مع كونها للوجوب ظاهرا و مطلقا كما ترى، لزم استحقاق العقاب بتركه، و لو بترك النافلة، و أيضا الأصل عدم الوجوب، و عدم الدليل مع عدم وضوح ما يدلّ على وجوبه فيها كما لا يخفى، بل ربما كان في الروايات ما ينبئ عن الاستحباب دون الوجوب.

و على كلّ حال هذا البحث في النافلة اختيارا من غير أن يكون راكبا أو ماشيا و لو في غير سفر، فان السفر قد دلّت على الجواز حينئذ، و هذا العموم ظاهر المحقّق لقوله بالاستفاضة و بأنّ اللفظ على عمومه، و في التذكرة الأقرب وجوب الاستقبال في النافلة أيضا، و به قال الشافعيّ لمداومة النبيّ و أهل بيته (عليهم السلام) على ذلك.

فيقال عليه و على قول الكنز فإنّه لم ينقل إلخ أنّ المداومة لا توجب الوجوب و لا يستلزمه كما بيّن في الأصول على أنه قد نقل كون الآية مع عموم لفظها في النافلة حتّى قيل انّه قد استفيض مع موافقته للأصل فكيف يكون إدخالا في الشرع ما ليس منه.

ثمّ قوله نعم يحتجّ بها على موضع الإجماع إلخ لا يخفى أنّ فيه قطعا لفائدة دلالتها أو تقليلا لها، نعم لا بأس بالاحتياط بأن لا يدفع به أقوى مما دلّ على كون الآية في النافلة- في النافلة- و مما دلّ على كونها في الفريضة- في الفريضة- و كيف يجوز الاقتصار على موضع الإجماع مع وضوح وجوب كونه مرجّحا في محل الخلاف لا أقلّ كما لا يخفى.

ثمّ فيما ذكره من المسائل ما ليس مجمعا عليه، بل محلّ الخلاف مثل الناسي و الثلاث الآتية بعدها، هذا.

و في الكشاف: و قيل معناه فأينما تولوا للدعاء و الذكر، و لم يرد الصلاة، و في المعالم قال مجاهد و الحسن لما نزلت «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» قالوا أين

156

ندعوه؟ فأنزل اللّه الآية، و قال أبو العالية لما صرفت القبلة قالت اليهود ليست لهم قبلة معلومة فتارة يصلّون هكذا و تارة هكذا، فنزلت.

و في القاضي (1) و قيل في هذه الآية توطئة لنسخ القبلة، و تنزيه للمعبود أن يكون في حيّز وجهة، و على هذه الأقوال ليست بمنسوخة كما لا يخفى، و قيل: كان للمسلمين التوجّه في صلاتهم حيث شاءوا كما في المجمع، أو من الصخرة و الكعبة كما في الكنز و كتاب الراونديّ ثمّ نسخت بقوله «فَوَلِّ»* الاية و لا شاهد له.

ثمّ لا يخفى أنّ التقدير على هذه الأقوال غير ما تقدّم عن الكشاف و لعلّه ينبغي أن يراد «و أينما تولّوا وجوهكم» و يمكن أن يقال إنه أقل تقديرا مما تقدم، فتأمل.

و قال شيخنا المحقّق (2) و يفهم من رواية جابر أنه لا تجب الصلاة حال الحيرة إلى أكثر من جانب واحد، و يكفي الظنّ، و إن لم يكن عن علامات شرعيّة، و أنّ العلم قبل الفعل ليس بشرط، بل إذا حصل الظنّ و فعل و كان موافقا لغرضه كان مجزيا لا يحتاج إلى الإعادة كما يفهم من عبارات الأصحاب.

و أما الحكم المستفاد من الآية بناء على الأوّل فهو إباحة الصلاة في أيّ مكان كان و عموم التوجه إلى المسجد الحرام، و أما ما يستفاد من ظاهرها قبل التأمل، فهو عدم اشتراط القبلة مطلقا و يقيّد بحال الضرورة أو النافلة على الراحلة سفرا لما مرّ، أو غير ذلك، و يحتمل عدم النافلة فتأمل.

«إِنَّ اللّٰهَ وٰاسِعٌ» باحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعة و اليسر لعباده «عَلِيمٌ» بمصالحهم و أعمالهم في الأماكن كلّها، و قد يفهم على الأوّل أنّهم لما منعوا وعدهم اللّه مزيد الثواب أفضل مما منعوا منه فتأمل.

المائدة [97]:

____________

(1) انظر البيضاوي ج 1 ص 182 و في البيان لسماحة الآية الخوئي مد ظله من ص 199 الى ص 200 بيان كاف في رد هذا النظر فراجع

(2) انظر زبدة البيان ص 69 ط المرتضوي.

157

جَعَلَ اللّٰهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرٰامَ قِيٰاماً لِلنّٰاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرٰامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلٰائِدَ.

البيت الحرام عطف بيان للكعبة «قِيٰاماً لِلنّٰاسِ» يستقيم به أمور دينهم و دنياهم لما يتمّ به من أمر حجّهم و عمرتهم و تجارتهم، و أنواع منافعهم، و جاء في الأثر أنّه لو ترك [1] عاما لم يحجّ إليه لم يناظروا و لم يؤخّروا، و معناه يهلكوا و هذا هو المشهور، و الظاهر، و قال الراونديّ في بعض التفاسير أي جعل اللّه الكعبة ليقوم الناس في متعبّداتهم متوجّهين إليها قياما و عزما عليها.

و في الكنز (2) المعنى أنّ اللّه جعلها لتقويم الناس و التوجه إليها في متعبّداتهم و معايشهم، أما المتعبّدات فالصلاة إليها و الطواف حولها، و التوجّه إليها في ذبائحهم و احتضار موتاهم، و دفنهم و غسلهم و دعائهم و قضاء أحكامهم، و هنا قيل بالعكس، و أما في معايشهم فأمنهم عندها من المخاوف و أذى الظالمين، و تحصيل الرزق، و الاجتماع العامّ عندها بجملة الخلق الذي هو أحد أسباب انتظام معايشهم إلى غير ذلك من الفوائد.

وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ أي اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ في كلّ وقت سجود أو في كلّ مكان سجود و هو الصلاة، هذا معتمد الكشاف (3) و زاد القاضي (4) أو أقيموها إلى القبلة، و في المعالم عن مجاهد و السدّي يعنى وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة، و عليه اعتمد القرطبيّ (5) و حينئذ يدلّ ظاهرا

____________

[1] انظر الوسائل ج 7 الباب 4 من أبواب وجوب الحج ص 13 و 14 ط الإسلامية و مستدرك الوسائل ص 3 و 4 و تفسير البرهان ج 1 ص 506 و هو الموافق لما في وصية على (عليه السلام) للحسن و الحسين لما ضربه ابن ملجم و فيه اللّه اللّه في بيت ربكم لا تخلوه فإنه ان ترك لم تناظروا.

____________

(2) انظر كنز العرفان ج 1 ص 92.

(3) الكشاف ج 2 ص 99.

(4) البيضاوي ج 2 ص 223 ط مصطفى محمد و مثله في مسالك الافهام ج 1 ص 191

(5) القرطبي ج 7 ص 177.

158

على وجوب الاستقبال في النافلة أيضا إلّا ما استثني، و عن الضحّاك إذا حضرت الصلاة و أنتم عند مسجد فصلّوا فيه و لا يقولنّ أحدكم أصلّي في مسجدي.

[و لعلّ الأظهر أن يكون المراد و أقيموا نفوسكم أي اجعلوها مستقيمين كما أمر به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله «وَ اسْتَقِمْ كَمٰا أُمِرْتَ» فيحتمل أن يكون إشارة إلى اعتبار الايمان و عدم الفسق، أو إلى التقوى، و كأنه على التقديرين يستلزم الإخلاص و ترك الرياء، فما يأتي تصريح و توضيح لما تقدّم ضمنا فتدبر].

وَ ادْعُوهُ و اعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (1) أي الطاعة مبتغين وجهه خالصا، و لو أريد بالدين الملّة أو الإسلام مع كونه غير واضح هنا، و لم ينقل من أحد من المفسّرين، أمكن أن يقال باستلزام اعتبار الإخلاص في العبادة أو الدعاء، و أنه المتبادر فتدبّر، و قد يحمل على ظاهره من الأمر بالدعاء فيدلّ على استحباب الدعاء في المساجد، و قد يستخرج من الاية استحباب التحيّة على بعض الوجوه فتأمل.

____________

(1) الأعراف: 29.

159

النوع الآخر (في مقدمات أخر للصلاة)

و فيه آيات:

الاولى يٰا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنٰا عَلَيْكُمْ لِبٰاساً

(الأعراف: 26) خلقناه لكم بتدبيرات (1) سماوية و أسباب نازلة منه، و نظيره قوله تعالى «وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعٰامِ» و قوله «وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ» فنبّه على أنّ للأمور السماوية كالمطر دخلا في حصول اللباس و غيره أو إشارة إلى علوّ رتبته و جلال مرتبته تعالى، فان منه إلينا نزول من العليا الى السفلى، و في الكشاف: جعل ما في الأرض من السماء لأنّه قضي ثمّ و كتب.

و في الكنز لأنّ التأثير بسبب العلويّات أو عند مقابلاتها و ملاقياتها على اختلاف الرأيين، فليتأمل، و قال القرطبيّ: و قيل ألهمناكم كيفية صنعته، و قيل هذا الانزال إنزال شيء من اللباس مع آدم و حوّاء ليكون مثلا لغيره.

يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ صفة لباسا أى يستر عوراتكم و كلّ ما يسوء كشفه منكم، روي أنّ العرب (2) كانوا يطوفون بالبيت عراة و يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا اللّه فيها فنزلت، قال القاضي (3) لعلّ ذكر قصّة آدم تقدمة لذلك حتّى يعلم أنّ انكشاف العورة أوّل سوء أصاب الإنسان من الشيطان، و أنه أغويهم في ذلك كما أغوى أبويهم.

____________

(1) الحق أن الإنزال في القرآن يستعمل كثيرا في إسداء النعمة من الخالق الى المخلوق، تشبيها للعلو الرتبي بالعلو الحسي و مع هذا المعنى للإنزال يحل كل مشكل في كل مورد استعمل فيه كلمة الانزال، مثل انزل القرآن و إنزال الحديد و اللباس و غيره و اللّه العالم،

(2) انظر المجمع ج 2 ص 410 و الدر المنثور ج 3 ص 75 الى 78.

(3) البيضاوي ج 2 ص 223 ط مصطفى محمد.

160

«وَ رِيشاً» (1) عطف على لباسا، و هو لباس الزينة، أستعير من ريش الطير لأنّه لباسه و زينته، فالأول ظاهره وجوب ستر العورة باللباس مطلقا، فإنّ «يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ» يومئ إلى قبح الكشف، و أنّ الستر مراد اللّه تعالى، و ظاهر الثاني استحباب التجمّل باللباس، و لا يبعد فهم أشراط كون اللباس مباحا، لأنّ اللّه تعالى لا يمنّ بالحرام، و قيل الريش بمعنى الجمال و الزينة و أنّه اللباس الأوّل، و يأتي ما يؤيّده في الآية الثانية، فيمكن عطفه على «يُوٰارِي سَوْآتِكُمْ» و لو بتقدير.

و في المعالم «وَ رِيشاً» أي مالا في قول ابن عباس و الكسائي و مجاهد و الضحّاك و السدّي، يقال تريّش الرجل إذا تموّل، و قال القرطبيّ و قيل هو الخصب و رفاهية العيش، و الذي عليه أكثر أهل اللغة، أنّ الريش ما يستر من لباس أو معيشة، و قرئ «رياشا» (2) و هو- جمع ريش (3) كشعب و شعاب كما في القاضي و الكشاف، و عن الفرّاء أنهما واحد كلبس و لباس، و في الكنز ترجيحه بشهادة الجوهريّ. و بأنّ الجمع غير مراد هنا و فيه نظر.

وَ لِبٰاسُ التَّقْوىٰ قيل خشية اللّه، و قيل العمل الصالح، و قيل ما علّمه اللّه و هدى

____________

(1) قال في مقاييس اللغة ج 2 ص 466 الراء و الياء و الشين أصل واحد يدل على حسن الحال و ما يكتسب الإنسان من خير فالريش الخير و الرياش المال و رشت فلانا أريشه ريشا إذا قمت بمصلحة حاله.

(2) انظر شواذ القرآن لابن خالويه ص 43 و كنز العرفان ج 1 ص 93 و روح المعاني ج 8 ص 90 و القرطبي ج 7 ص 184 و الدر المنثور ج 3 ص 76.

(3) قال المؤلف (قدس سره) في هامش الأصل و في إيجاز البيان: الريش ما يستر الرجل في معيشته و في جسده، و عن على (ع) أنه اشترى ثوبا بثلاثة دراهم و قال: الحمد للّه الذي هذا من ريشه، و في القرطبي: و أنشد سيبويه:

فريشى منكم و هواي معكم * * * و ان كانت زيارتكم لماما

و حكى أبو حاتم عن أبى عبيدة: «وهبت له دابة بريشها» أى بكسوتها و ما عليها من اللباس. انتهى.

أقول: راجع في ذلك القرطبي ج 7 ص 184.

161

به، و قيل استشعار تقوى اللّه فيما أمر و نهى (1) و هو الأظهر و كأنه مآل ما تقدّم من الأقوال، و مراد الكلبي بأنّه العفاف، و قول الكشاف أنه الورع و الخشية من اللّه، و يحتمل رجوع ما قيل إنّه الايمان، و أنّه الحياء، و أنّه السمت الحسن أيضا إلى ذلك بوجه.

و قيل ما يقصد به التواضع للّه تعالى و عبادته كالصوف و الشعر و الخشن من الثياب و عن زيد بن علىّ (عليه السلام) أنّه ما يلبس من الدروع و الجواشن و المغافر و غيرها ممّا يتّقى به في الحروب، و قيل: مطلق اللباس الذي يتّقى من الضرر كالحرّ و البرد و الجرح، و في الكنز تضعيفه بأنّ المتبادر من التقوى غير ذلك شرعا و عرفا.

و رفعه بالابتداء و الخبر جملة «ذٰلِكَ خَيْرٌ» أو المفرد الذي هو خير، و ذلك صفة للمبتدإ كأنه قيل: و لباس التقوى المشار إليه خير، و ذلك يراد به تعظيم لباس التقوى أو إشارة إلى مواراة السوءة فإنّه من التقوى، تفضيلا له على نفس اللباس مطلقا كأنّه يريد أنّ الامتنان عليكم بهدايتكم لستر العورة و الاحتراز من القبيح أقوى و أعظم.

و في الكشاف أو إشارة إلى اللباس المواري للسوأة تفضيلا له على لباس الزينة و هو غير مناسب لما قدّمه من تفسير لباس التقوى بالورع، و بناء الكلام عليه، نعم يناسب قول من قال بأنّ لباس التقوى هو اللباس الأوّل أعيد إشارة إلى أنّ ستر العورة من التقوى و أنّه خير من التعرّي في الطواف.

و قيل لباس التقوى خبر مبتدأ محذوف أي و هو لباس التقوى، ثمّ قيل: ذلك خير، و يأتي عليه احتمالان: رجوع هو إلى اللباس الأوّل، و رجوعه إلى مواراة السوءة، فتأمل.

____________

(1) قال المؤلف قده في الهامش: و منه قيل:

إذ المرء لم يلبس ثيابا من التقى * * * تقلب عريانا و ان كان كاسيا

فخير لباس المرء طاعة ربه * * * و لا خير فيمن كان للّه عاصيا

انتهى، و أقول: أنشده في القرطبي 7/ 184.

162

و في قراءة ابن مسعود و ابىّ «لباس التقوى خير» و ذكره القرطبيّ عن الأعمش (1) و قرأ نافع و ابن عامر و الكسائي بالنصب عطفا على لباسا و ريشا.

و ظاهر بعض مشايخنا (2) أنّ الراجح حينئذ أن يراد لباس يتّقى به عن الحرّ و البرد و الجرح و القتل، و أنّ اللباس حينئذ ثلاثة أقسام قد امتنّ اللّه بها على عباده قال: و حينئذ في «ذٰلِكَ خَيْرٌ» تأمّل.

و يمكن كونه خيرا لأنه يحصل به الستر و الحفظ عن الحرّ و البرد و الجرح بخلافهما، و يحتمل رجوعه إلى اللباس مطلقا انتهى و فيه أما أوّلا منع رجحان ذلك حينئذ، فان إرادة ما أريد على الرفع احتمال واضح، نعم هذا القول حينئذ أقرب منه على الرفع، و ثانيا منع لزوم كون اللباس حينئذ ثلاثة فإنه يحتمل اثنين على ما قدّمنا و واحدا كما صرّح به في الكنز.

و أيضا لا إشكال في «ذٰلِكَ خَيْرٌ» حينئذ لما قاله و غيره، و رجوعه إلى اللباس مطلقا أو إنزاله كاف بأن يراد بخير أنّه خير كثير كما هو المحتمل مطلقا لا التفضّل كما هو المشهور، مع احتماله كما لا يخفى.

«ذٰلِكَ» يعني إنزال اللباس مطلقا أو جميع ما تقدّم «مِنْ آيٰاتِ اللّٰهِ» الدالّة على فضله و رحمته على عباده، و قيل من آيات اللّه الدالّة على وجوده بأنّ لذلك خالقا «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» فيعرفون عظيم النعمة فيه أو يتّعظون فيتورّعوا عن القبائح.

في الكشاف: هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد، عقيب ذكر بدوّ السوءة، و خصف الورق إظهارا للمنّة فيما خلق من اللباس، و لما في العرى و كشف العورة من المهانة و الفضيحة، و إشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى انتهى و استطراد

____________

(1) انظر القرطبي ج 7 ص 185 و شواذ القرآن لابن خالويه ص 43 و فيه نقل قراءة و لبوس التقوى أيضا و أما قراءة و لباس التقوى بنصب اللباس فهو مروي عن قراء المدينة و الكسائي انظر المجمع ج 2 ص 408.

(2) انظر زبدة البيان ص 70 ط المرتضوي.

163

الاية ينافي ما تقدّم عن القاضي فتأمل فيه، و يمكن الاتّحاد، و لكنّه خلاف الظاهر و قول القاضي أنسب بمقصود الشرع، و لهذا أكّده خصوصا و عموما كرّة بعد أخرى فقال:

«يٰا بَنِي آدَمَ لٰا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطٰانُ» لا يوقعنّكم في فتنة و فضيحة بأن يدعوكم أن لا تتذكّروا بآيات اللّه و لا تتورّعوا عن القبائح، فيخرجكم من محالّ فضل اللّه و مواضع رحمته، فيسلبكم نعمة اللّه و ستره عليكم، و يحرمكم الجنّة، أو لا يضلّنّكم عن الدين و لا يصرفنّكم عن الحقّ بأن يدعوكم إلى المعاصي الّتي تميل إليها نفوسكم فيحرمكم الجنّة، أو لا يقنطنكم بأن لا تدخلوا الجنّة.

«كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» حال كونه «يَنْزِعُ عَنْهُمٰا لِبٰاسَهُمٰا» أو حال من أبويكم و إسناد النزع إليه للتسبّب فيه «لِيُرِيَهُمٰا سَوْآتِهِمٰا» يري كلّا منهما سوأته و سوأة الآخر، قيل ليرى كلّ واحد سوءة الآخر، و فيه نظر، و في ذلك إشارة إلى أنّ الشيطان لكمال عداوته كان قاصدا ذلك لمزيد الإهانة و فرط الفضيحة فيه، فيمكن أن يكون إشارة إلى أنّ انكشاف العورة و إن كان فيما بين الزوجين لا يخلو من فضيحة و قبح فليتأمّل فيه.

«إِنَّهُ يَرٰاكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ» جنوده من الشياطين، عطف على مؤكّد هو و ضمير «أنه» للشأن قصدا للتفخيم المناسب للمقام، و يمكن كونه لإبليس، و قرئ «قبيله» بالنصب (1) فهو إمّا عطف على اسم إنّ على أنه لإبليس، أو يكون الواو بمعنى مع.

«مِنْ حَيْثُ لٰا تَرَوْنَهُمْ» و ذلك تعليل للنهي و تحذير من فتنته بأنه بمنزلة العدوّ المراجى يكيدكم و يغتالكم من حيث لا تشعرون، فهو شديد المؤنة، فالحذر كلّ الحذر منه.

في الكشاف: فيه دليل بين أنّ الجنّ لا يرون، و أنّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، و أنّ دعوى رؤيتهم زور و مخرفة، و فيه نظر، و عن ابن عباس (2) أنّ اللّه

____________

(1) انظر شواذ القرآن ص 43 و روح المعاني ج 8 ص 91 عن اليزيدي.

(2) المجمع ج 3 ص 409.

164

تعالى جعلهم يجرون من بنى آدم مجرى الدم، و صدور بني آدم مساكن لهم.

«إِنّٰا جَعَلْنَا الشَّيٰاطِينَ أَوْلِيٰاءَ لِلَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ» أي أعوانا لهم و سلّطناهم عليهم يزيدون في غيّهم عن الزجّاج، و ذلك بأن خلّي بينهم و بينهم لن يكفّ عنهم حتّى تولّوهم، أو أطاعوهم فيما سوّلوا لهم من مخالفة اللّه كما في الجوامع.

و في البيضاوي: بما أوجدنا بينهم من التناسب، أو بارسالهم عليهم و تمكينهم من جذبهم و خذلانهم، و حملهم على ما سوّلوا لهم، و فيهما نظر، و يمكن أن يقال بأن أوجدهم على ما بينهم من التناسب و التمكّن من التسويل، ثمّ لم يكفّ عنهم، و لا يبعد كونه مراد الجوامع، فلا يجوز للمؤمن أن يأخذه وليا؛ بل لا يكون حينئذ مؤمنا بل لا يجوز متابعته و الميل إلى ما يدعو، و قد يومئ إلى أنّ الفاسق ليس بمؤمن و اللّه أعلم.

«وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً» هي ما تبالغ في القبح من الذنوب، عن ابن عباس (1) و مجاهد هي هنا طوافهم بالبيت عراة، و عن عطاء هو الشرك، و اللفظ مطلق و التقيد خلاف الظاهر.

«قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا» أي إذا ما نهوا عنها و سئلوا، اعتذروا و احتجّوا بأمرين: بتقليد الآباء، و الافتراء على اللّه، و هو أقبح من الأوّل أو قالوا ذلك ترويجا لها أو تلبيسا و قيل هما جوابان لسؤالين مترتّبين (2).

«قُلْ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ» بشيء منها فكيف يكون أمركم بها أو آباءكم، فاذا لا يجوز تقليدهم فيها، و قيل هو ردّ للثاني و إعراض عن التقليد لظهور فساده «أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» إنكار يتضمّن النهى عن الافتراء على اللّه، بل عن الأعم من الافتراء تأمل.

____________

(1) الدر المنثور ج 3 ص 77.

(2) كأنه لما فعلوها قيل: لم فعلتم؟ فقالوا وجدنا عليها آباءنا، فقيل: و من أين أخذ آباؤكم فقالوا: اللّه أمرنا بها. كذا في هامش الأصل.

165

«قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ» (1) بالعدل الوسط بين طرفي الإفراط و التفريط في كلّ أمر، فلا يأمر بخلافه من الإفراط أو التفريط في شيء، فكيف بالفاحشة، ففي الآية دليل على أنّ اللّه لا يأمر بالقبيح بل و لا بالمكروه و خلاف الاولى، و أنه لا يفعل القبيح و أنّ الفعل في نفسه قبيح من غير أمر الشارع، و نحوه كثير كقوله «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ. وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ» و غيره.

فقول الأشعريّ أنّ الحسن مجرّد قول الشارع افعل، و القبيح مجرّد قوله لا تفعل، واضح البطلان؛ و عن الحسن إنّ اللّه بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) إلى العرب و هم قدرية مجبرة يحملون ذنوبهم على اللّه، و تصديقه قول اللّه عز و جل «وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً» و أما التقليد فقيل يدلّ على عدم جوازه. و أطلق، و قال القاضي: يمنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه، لا مطلقا فافهم.

الثانية يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ.

[الأعراف 30] أي خذوا بثيابكم الّتي تتزيّنون بها عند كلّ صلاة، و روي (2) عن الحسن بن عليّ (عليه السلام) أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له في ذلك، فقال: إنّ اللّه جميل يحبّ الجمال فأتجمّل لربّي، و قرأ الآية.

و قيل هو أمر بلبس الثياب في الصلاة و الطواف، و كانوا يطوفون عراة، و قالوا:

لا نعبد اللّه في ثياب أذنبنا فيها، و قيل: أخذ الزينة هو التمشّط عند كلّ صلاة، كذا في الجوامع، و على الأوّل اعتماد الكشاف أيضا ظاهرا إلّا أنّه قال: كلّما صلّيتم أو طفتم و كانوا يطوفون عراة.

و في الكنز (3) اتّفق المفسّرون على أنّ المراد به ستر العورة في الصلاة، و المعالم

____________

(1) قال ابن فارس في مقاييس اللغة ج 5 ص 85 القاف و السين و الطاء أصل و صحيح يدل على معنيين متضادين و البناء واحد فالقسط العدل و يقال منه أقسط يقسط قال اللّه تعالى ان اللّه يحب المقسطين و القسط بفتح القاف الجور انتهى ما أردنا نقله و سرد الكلمة ابن الأنباري في الأضداد بالرقم 26 ص 58 ط كويت.

(2) المجمع ج 2 ص 412 و العياشي ج 2 ص 14 و البرهان ج 2 ص 10 و نور الثقلين ج 2 ص 19.

(3) كنز العرفان ج 1 ص 95.

166

جعله قول أهل التفسير، لكن قال لطواف أو صلاة، و عليه اعتمد القاضي ساكتا عن غيره من الأقوال.

و ما روي عن الحسن بن علىّ (عليه السلام) لا ينافي ذلك فان في التعبير بالزينة تنبيها على أنّ لبس الثياب مطلوب من حيث أنها زينة مطلقا، و إن كان أقلّ الواجب ما يستر العورة، فيحتمل قراءته (عليه السلام) الآية كذلك، و يؤيده ما رواه مسلم و النسائي (1) في شأن النزول و هذا يؤيد حمل الريش في الآية المتقدّمة على الجمال و الزينة، و اتّحاده مع اللباس الأوّل، فذلك يؤيد هذا أيضا فيكون الإضافة على تقديره للعهد، ثمّ على هذا لا يبعد فهم استحباب التمشّط كما في القول الثالث.

و في التذكرة و سئل الرضا (عليه السلام) (2) عن قوله تعالى «خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» قال من ذلك التمشّط عند كلّ صلاة، بل الطيب كما في الرابع، بل ما في الخامس، قال شيخنا (3) دام ظلّه: و قد فسّر بالمشط و السواك و الخاتم و السجّادة و السبحة و على نحو ذلك ينبغي أن يحمل ما روي (4) في الصحيح- ظاهرا- عن الصادق (عليه السلام) في الآية أنّه قال في العيدين و الجمعة و إن كان أبعد.

وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لٰا تُسْرِفُوا.

روي أنّ بني عامر كانوا في أيّام حجّهم لا يأكلون الطعام، إلّا قوتا، و لا يأكلون دسما يعظّمون بذلك حجّهم، فقال المسلمون فأنّا أحقّ أن نفعل، فنزلت.

«كُلُوا وَ اشْرَبُوا» أي من الطيّبات كما سيأتي التنبيه عليه «وَ لٰا تُسْرِفُوا» بتعدّي

____________

(1) راجع القرطبي ج 7 ص 189 و انظر أيضا الدر المنثور ج 3 ص 78 أخرجه عن أبي أبي شيبة و مسلم و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و ابن مردويه و البيهقي في سننه عن ابن عباس.

(2) انظر البرهان ج 2 ص 9 و ص 10.

(3) انظر زبدة البيان ص 72 ط المرتضوي.

(4) انظر البرهان ج 2 ص 9 الحديث 1 و فيه أحاديث أخر أيضا بهذا المضمون فانظر ص 9 و ص 10 من الكتاب.

167

حدود اللّه مطلقا بتحريم حلال أو تحليل حرام، أو غير ذلك، أو في المأكل و المشرب و الملبس، فلا يجوز الأكل و الشرب و اللبس مما لا يحلّ ذلك منه، و لا ينبغي أيضا ما لا يليق بحاله، و لبس لباس التجمّل وقت النوم و الخدمة، و نحو ذلك، كما بيّن و فصل في موضعه، أو في الأكل و الشرب و اللبس و هو قريب من الثاني.

عن ابن عباس (1) كل ما شئت و البس ما شئت ما اخطاتك خصلتان: سرف و مخيلة أو في الأكل و الشرب إشارة إلى كراهة الإكثار أو تحريمه أو تحريم المؤدّي منه إلى الضرر، و لهذا قيل جمع اللّه الطبّ في نصف آية.

إِنَّهُ لٰا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.

قيل أي يبغضهم، فينبغي حمل لا تسرفوا على فعل الحرام، في تفسير البيضاوي:

أي لا يرتضي فعلهم و فيه نظر.

و قد أكد ما تقدّم بقوله «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّٰهِ» الثياب و سائر ما يتجمّل به «الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ» من النبات كالقطن و الكتّان، من الحيوان كالحرير و الصوف من المعادن: كما يعمل منه الدروع و غيرها.

«وَ الطَّيِّبٰاتِ مِنَ الرِّزْقِ» المستلذّات من المآكل و المشارب أو المباحات و الاستفهام للإنكار، ففي الآية دلالة واضحة على أنّ الأشياء المذكورة أو مطلقا لعدم الفرق على الإباحة دون الحرمة، كما في غيرها كما صرّح الكشاف في قوله «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مٰا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» أي لانتفاعكم بجميع ما خلق فيها، بل هي و ما فيها، كما دلّ عليه العقل، فاجتمع العقل و النقل على أنّ الأصل في الأشياء هو الإباحة فغيرها يحتاج إلى دليل فتأمّل.

«قُلْ هِيَ» أي الزينة و الطيّبات من الرزق «لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» الظرف متعلّق بآمنوا «خٰالِصَةً يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» حال عن المستتر في متعلّق للّذين، و يوم القيمة ظرف لخالصة، أي لا يشاركهم غيرهم فيها كما يشاركهم في الدنيا، أو متعلّق

____________

(1) ترى هذا المضمون مرويا عن ابن عباس في الدر المنثور ج 3 ص 79 بألفاظ مختلفة.

168

بمتعلّق للّذين أي هي حاصلة للّذين آمنوا في الحيوة الدنيا غير خالصة لهم، خالصة لهم يوم القيمة، قيل: و لم يقل و لغيرهم لينبّه على أنّها خلقت لهم بالأصالة، و أنّ غيرهم تبع كقوله «وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلىٰ عَذٰابِ النّٰارِ» و قرئ (1) خالصة بالرفع على أنها خبر بعد خبر.

«كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» ثم أكّد عدم حرمة الأشياء بحصر المحرّمات حقيقة أو إضافة بقوله «قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ» ما تفاحش قبحه أي تزايد، و قيل هو ما يتعلّق بالفروج «مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ» ظاهرها و خفيّها، قيل ما ظهر طواف الرجال عراة نهارا، و ما بطن طواف النساء كذلك ليلا، و قيل الزنا سرّا و علانية.

«وَ الْإِثْمَ» أي ما يوجب الإثم عامّ لكلّ ذنب، فعمم بعد التخصيص، و قيل شرب الخمر، و قيل الذنب الذي لا حدّ فيه عن الضحّاك «وَ الْبَغْيَ» الظلم و الكبر أفرده للمبالغة «بِغَيْرِ الْحَقِّ» متعلّق بالبغي مؤكّد له معنى.

«وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّٰهِ مٰا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطٰاناً» أي برهانا و حجّة، و إفراده كذلك للمبالغة و فيه تهكّم بالمشركين، حيث أشركوا باللّه ما يستحيل منه الإتيان ببرهان لو أمكن، بل ما لا يقدر على شيء أصلا فكيف على إنزال البرهان، و تنبيه على حرمة اتّباع ما لم يدلّ عليه برهان.

و يمكن أن يفهم منه وجوب اتّباع البرهان، لأنّ ترك مقتضى البرهان اتّباع لما لم يدلّ عليه برهان، فافهم.

«وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» بالإلحاد في صفاته، و الافتراء عليه، و إسناد ما لم يصدر منه إليه، و يقال منها أنّ الحكم في المسئلة كذا مع أنه ليس كذلك، و أن اللّه يعلم كذا و لم يكن كذلك، و قيل يدخل فيه الفتوى و القضاء بغير استحقاق، و لا ريب في وجود محرمات غير المذكورات على بعض الأقوال، فحينئذ «إنّما» على ذلك للتأكيد أو الحصر إضافيّ أو الآية مخصوصة بها، فافهم.

____________

(1) انظر المجمع ج 2 ص 412.

169

المائدة [4] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الاية.

كأنّه بيان المستثنى في قوله «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ إِلّٰا مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ» فمن المحرّمات المتلوّة الميتة، و لعلّها ما فارقته الروح من الحيوان بغير تذكية شرعية، و قيل يحتمل أن يكون المراد من الحيوان المأكول اللحم فيكون التحريم من الموت خاصّة كما هو ظاهر السياق، و فيه منع لعدم منافاته أن يكون هناك جهة أخرى أيضا للحرمة، مع إطلاق اللفظ أو عمومه.

ثمّ ظاهر ذلك مشعر بأن ما لم تحلّ فيه الحيوة منها لا يدخل في الحرمة، و لهذا استثناه الأصحاب مؤيّدا بالإجماع على الظاهر و الأخبار، و لا في الميتة حقيقة، فالاستثناء على التجوّز فافهم.

ثمّ لا ريب أنّ إسناد الحرمة إلى الذوات ليس حقيقة فلا بدّ من اعتبار ما به يصحّ ذلك، و مع احتمال أمور و عدم أولويّة البعض، الأولى ما يعمّ الجميع لئلّا يلزم الإجمال، و لا الترجيح من غير مرجّح، و هو هنا الانتفاع مطلقا، و حينئذ فيدلّ على عدم جواز لبس جلد الميتة في الصلاة و غيرها دبغت أم لا (1) بل سائر الاستعمالات و الانتفاعات كما تدلّ عليه الاخبار، بل إجماع الأصحاب ظاهرا.

أمّا دلالة الآية على نجاسة الميتة فلا، بل ربّما يقال المتبادر من تحريم الميتة هنا تحريم أكلها كما في الدم و لحم الخنزير، كتبادر حلّه من قوله «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ إِلّٰا مٰا يُتْلىٰ عَلَيْكُمْ» فلا يستلزم محذورا، و لا يدلّ على غيره من الانتفاعات فان ثبت فبغيرها، تأمّل فيه و سيأتي البحث في التتمّة في الأطعمة إن شاء اللّه تعالى.

النحل [5] وَ الْأَنْعٰامَ خَلَقَهٰا لَكُمْ فِيهٰا دِفْءٌ وَ مَنٰافِعُ وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ.

الانعام الأزواج الثمانية، و أكثر ما يقع على الإبل، و انتصابها بمضمر يفسّره الظاهر، أو بالعطف على الإنسان في قوله «خَلَقَ الْإِنْسٰانَ» و «خَلَقَهٰا لَكُمْ» بيان ما خلق لأجله.

____________

(1) انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 من ص 97 الى ص 101.

170

الكشاف: أي ما خلقها إلّا لكم و لمصالحكم يا جنس الإنسان.

الدفء اسم ما يدفأ به فيتّقى البرد، و هو اللّباس المعمول من صوف أو و بر أو شعر و كأنّه يشمل الفراء، و قرئ دف (1) بطرح الهمزة و إلقاء حركتها على الفاء.

«وَ مَنٰافِعُ» هي نسلها و درّها و ظهورها و غير ذلك، قيل إنّما عبّر عنها بالمنافع ليتناول عوضها. «وَ مِنْهٰا تَأْكُلُونَ» ما يؤكل منها كاللحوم و الشحوم و الألبان و غيرها و تقديم الظرف المؤذن بالاختصاص، لأنّ الأكل منها هو الأصل الذي يعتمده الناس في معايشهم، و الأكل من غيرها من الدجاج و البطّ و صيد البرّ و البحر، فكغير المعتدّ به و كالجاري مجرى التفكه، و يحتمل: إنّ طعمتكم منها، لأنكم تحرثون بالبقر، فالحبّ و الثمار الّتي تأكلونها منها، و تكتسبون باكراء الإبل، و تبتغون نتاجها و ألبانها و جلودها.

و يمكن أن يقال ذلك باعتبار إفادة «من» التبعيض، أو لعدم حلّ أكلها لحرمة بعضها ممّا يحرم من الذبيحة، أو لعدم جواز أكل الكلّ، و قطع جنسها، أو باعتبار بعض ذلك مع آخر ممّا يمكن اعتباره معه فيه، و اللّه أعلم. و ظاهر القاضي قوّة أن يكون التقديم للمحافظة على رؤس الآي فقط فافهم.

«وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهٰا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقٰامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ» [النحل: 80].

أي اللّه هو الذي جعل من جملة بيوتكم الّتي تسكنونها من الحجر و المدر و الخيام و الأخبية و غيرها سكنا، و السكن فعل بمعنى مفعول، و هو ما يسكن إليه و ينقطع إليه من

____________

(1) انظر روح المعاني ج 14 ص 89 و ص 90 و فيه نقل قراءة دف بضم الفاء و شدها و تنوينها و دف بنقل الحركة و الحذف بدون التشديد و دف بضم الفاء من غير همزة و هي محركة بحركتها و لم ينقل هذه القراءات ابن خالويه في شواذ القران و في المقاييس ج 2 ص 287 الدال و الفاء و الهمزة أصل واحد يدل على خلاف البرد.

171

بيت أو ألف قاله الكشاف، و قيل موضعا تسكنون فيه وقت إقامتكم كالبيوت المتّخذة من الحجر و المدر، فالأوّل مفاد اللغة و الثاني مفاد الآية. «وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ بُيُوتاً» كالقباب و الأبنية المتّخذة من الأدم و الأنطاع قال القاضي و يجوز أن يتناول المتّخذة من الوبر و الصوف و الشعر، فإنّها من حيث أنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها فليتأمل.

«تَسْتَخِفُّونَهٰا» تجدونها خفيفة وقت ترحالكم رفعا و لمّا و زمّا و نقلا، و وقت نزولكم و إقامتكم حلا و نصبا، و يمكن أن يكون ذلك كلّه يوم الظعن أي السفر و نحوه أيّام الإقامة أي الحضر و إن قلّ فتأمل، و قيل: الظاهر أنّ الأصواف تختصّ بالضائنة منها، و الأوبار بالإبل، و الأشعار بالمعز، أو و البقر، و فيه نظر، و الإضافة إلى ضمير الأنعام لأنّها من جملتها فلا يقدح لو ثبت شيء من ذلك و الأثاث أنواع متاع البيت من الفرش و الأكسية، و قيل المال و المتاع ما يتجر به من سلعة أو ينتفع به مطلقا.

«إِلىٰ حِينٍ» إلى أن تقضوا منه أوطاركم أو إلى حين مماتكم، و زاد القاضي:

إلى مدة من الزّمان، فإنّها لصلابتها تبقى مدّة مديدة، و في مجمع البيان إلى يوم القيمة عن الحسن. و قيل إلى وقت الموت، يحتمل أنه أراد به موت المالك أو موت الأنعام، و قيل إلى وقت البلى و الفناء، و فيه إشارة إلى أنها فانية، فلا ينبغي للعاقل أن يختارها انتهى.

و قيل الأوّل بعيد و يمكن أن يقال المراد انقضاء الدنيا و انقطاع الإنسان منها فليس ببعيد، و في الآية دلالة على جواز اتّخاذ الملابس و الفرش و غيرها، و أنواع انتفاع يمكن من أصوافها و أوبارها و إشعارها، و جواز الصلاة فيها و عليها إلّا ما أخرجه الدليل من عدم جواز السجود و نحوه، و طهارتها و لو من الميتة لإطلاق اللفظ، إن قيل فكذا الجلد، قيل فرق، على أنّ الجلد من الميتة فتذكّر و تأمل.

«وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّٰا خَلَقَ ظِلٰالًا» أشياء تستظلّون بها في الحرّ و البرد كالأشجار و الأبنية و غيرها، أو ممّا خلق من المستظلّات ظلالا.

«وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبٰالِ أَكْنٰاناً» جمع كنّ و هو ما يستكنّ به من البيوت

172

المنحوتة في الجبال و الغيران و الكهوف.

«وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرٰابِيلَ» هي القمصان و الثياب من الكتّان و القطن و الصوف و غيرها «تَقِيكُمُ الْحَرَّ» أي و البرد و ترك لدلالة الكلام عليه عرفا، لجريان العادة بذكر الحرّ و البرد كذلك معا، و شيوعه حتّى يفهم بالأوّل منهما الثاني أيضا، فاكتفى به على أنّ البرد أولى بالحكم هنا لأنّ وقاية الثياب من البرد أظهر، و قصد دفعه بها أكثر، فيكون مرادا بالطريق الاولى.

و في الكشاف: لم يذكر البرد لأنّ الوقاية من الحرّ أهمّ عندهم، و قلّ ما يهمّ البرد لكونه يسيرا محتملا و قيل ما يقي من الحرّ يقي من البرد، فدلّ ذكر الحر على البرد.

و قال شيخنا دام ظلّه (1) ترك البرد لأنّ ما يقيه يقيه، و اختار الحرّ على البرد، لانّ المخاطبين أهل الحرّ، و ليس البرد إلّا قليلا، فالحفظ عنه أهمّ عندهم و قيل إنّ الحر يقتل دون البرد، و يحتمل أن يكون لأنّ البرد يمكن دفعه بشيء آخر مثل النّار و الدّخول في البيوت، و خصّه بالذكر اكتفاء بأحد الضدين، أو لأنّ وقاية الحرّ كانت أهمّ عندهم.

«وَ سَرٰابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ» شدّة الطعن و الضرب في الحروب، و السر بال عام يقع على ما كان من حديد و غيره، و المراد هنا نحو الدروع و الجواشن، و في الآية دلالة على إباحة هذه الأشياء عملا و انتفاعا خصوصا في الأغراض المذكورة بل استحبابها أو وجوبها، و هو ظاهر.

«كَذٰلِكَ» كإتمام هذه النعم «يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ» تنظرون في نعمه الفائضة فتؤمنون به أو تنقادون لحكمه، و قرئ تسلمون من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب، أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك، و قيل تسلمون من الجراح بلبس الدروع.

«فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمٰا عَلَيْكَ الْبَلٰاغُ الْمُبِينُ. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّٰهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهٰا وَ أَكْثَرُهُمُ الْكٰافِرُونَ»

____________

(1) زبدة البيان 75 ط المرتضوي.

173

يعرفون نعمه و أنّها منه ثمّ ينكرونها بعبادة غيره، و قولهم إنّها بشفاعة آلهتنا أو باعراضهم عن شكرها، و قيل نعمة اللّه نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و قيل إنكارهم قولهم ورثناها من آبائنا.

و قيل قولهم لو لا فلان ما أصبت كذا، لبعض نعم، و إنّما لا يجوز التكلّم بنحو هذا إذا لم يكن باعتقاد [يعتقد] أنّها من اللّه، و أنّه أجراها على يد فلان، و جعله سببا في نيلها، فيدلّ على تحريم هذا القول، و يدلّ عليه بعض الاخبار أيضا فلا بدّ من الاحتياط و الاجتناب.

[النوع الرابع في مكان المصلي و أحكام المساجد]

البقرة [114].

وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا إِلّٰا خٰائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ.

روي عن الصادق (عليه السلام) (1) أنّ المراد بذلك قريش حين منعوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دخول مكّة و المسجد الحرام، و به قال بعض المفسّرين و قال بعضهم إنّهم الروم غزوا بيت المقدس، وسعوا في خرابه إلى أن أظهر اللّه المسلمين، و قيل هو بختنصر و أصحابه غزوا النّصارى و خربوا بيت المقدس و أعانهم على ذلك جماعة من النصارى من أهل الرّوم، فقيل بغضا ليهود، و قيل من أجل قتلهم يحيى بن زكريّا هذا.

و قوله «أَنْ يُذْكَرَ» ثاني مفعول «مَنَعَ» و يجوز أن يحذف حرف الجرّ مع أن، و يحتمل نصبه بكونه مفعولا بمعنى كراهية أن يذكر، و لا يرد أنّه حينئذ يفيد تحريم المنع المعلّل المقيّد لا المطلق، فيفهم جواز غير ذلك، و لو في الجملة، لأنه إنّما يفيد أن لا أشدّ منه في الظلم، و لو مبالغة في الإفراط فيه، فغاية ما يفهم منه أنّ المنع لا لذلك ليس بالغا هذا الحدّ، اما الجواز فلا.

و اعترض عليه الكنز (2) بأنه لا بدّ لمنع من مفعولين، و الثاني لا يمكن أن

____________

(1) المجمع ج 1 ص 189.

(2) كنز العرفان ج 1 ص 105.

174

يقدّر غير الذكر، لأنه هو الممنوع فكيف يجعل مفعولا له؟ و فيه نظر لجواز أن يقدّر من النّاس أو من قاصديه أو من ما وضعت له، و نحو ذلك كما لا يخفى، فلعلّه لا يريد أزيد من ذلك.

أما ما قيل من أنّ في جعل مساجد اللّه ممنوعا كما وقع في الاحتمال الأوّل مسامحة، فيتوجّه القول بحذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه، فكان الأصل متردّدى مساجد اللّه منها.

ففيه نظر لانّ المانع قد حال بينه و بين أن يذكر فيها، و أيضا تقدير متردّدي و بناء يذكر للمفعول غير مناسب، كما لا يخفى على الذوق السليم.

و في مجمع البيان احتمال كون «أَنْ يُذْكَرَ» بدلا عن مَسٰاجِدَ اللّٰهِ بدل اشتمال كأنه يقول ليس أحد أظلم ممّن منع أن يذكر في مساجد اللّه اسمه، و هو ظاهر من اشتمال الظرف على المظروف مثل قوله «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرٰامِ قِتٰالٍ فِيهِ» فكأنّ «يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» يقوم مقام مفعولين، أو يمنع لزوم مفعولين لمنع مطلقا فتأمل.

ثمّ قد يحمل إنكار وجود أظلم على المبالغة كما قد يشعر به كلام الكشاف حيث قال: هو حكم عامّ لجنس مساجد اللّه، و أنّ مانعها من ذكر اللّه مفرط في الظلم و كأنّه غير لازم، و قد يفرق بين الثاني و بين الأوّل و الثالث باحتمالهما ذلك لإطلاقهما و فيه أنّ المنع من الذكر لا يكون إلا كراهة له، فتأمل.

و عموم الحكم بالنسبة إلى أيّ مسجد كان، و أي ذكر قد يتأمل فيه أيضا قال الكشاف: فان قلت: فكيف قيل مساجد اللّه، و إنّما وقع المنع و التخريب على مسجد واحد؟ قلت: لا بأس بأن يجيء الحكم عاما و إن كان السبب خاصّا كما تقول لمن آذى صالحا واحدا «و من أظلم ممّن آذى الصالحين» و كما قال تعالى «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ» و المنزول فيه الأخنس بن شريق انتهى (1).

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 179.

175

و ربما احتمل جمع المساجد هنا أن يكون إشارة إلى أنّ المنع و إن كان من واحد، إلّا أنه كمنع الجميع كما في قتل النفس، فيمكن اختصاصه بمثل المسجد الحرام، أو بيت المقدس. لكن العموم أنسب بإطلاق اللفظ و اللّه أعلم.

و يقرب منه الذكر و لا يبعد أن يراد به مطلق العبادة، و ينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضا لأولئك المانعين بأعيانهم.

«وَ سَعىٰ» أي عمل «فِي خَرٰابِهٰا» الكشاف: بانقطاع الذكر أو بتخريب البنيان و كأنه أراد به تفسير خرابها فالتخريب مصدر مجهول مضاف إلى المفعول، قيل و نحوه قول القاضي بالهدم أو التعطيل فتأمل.

أما كونه تفسيرا للسعي في خرابها فموضع نظر، لأنه أعمّ من ذلك، اللهمّ إلّا أن يراد أو نحوهما، فإن «في» إن كان للسببيّة فهو كلّ ما يعمل لخرابها، و إن كان بمعنى إلى فكلّ ما ينتهى إلى خرابها، أو كل ما يقصد به انتهاؤه إلى ذلك، أما كونه للظرفية فبعده ممّا لا يخفى، و الخراب ضدّ العمران لم يأت بمعنى التخريب، و المرجع في خرابها إلى العرف.

و الآية تدلّ على تحريم السعي فيه و نفس تخريبها أظهر أفراده تحريما و قيل إنّه يفهم بطريق أولى، و قد يجعل قوله «وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا» كالتعميم بعد التخصيص أو إيرادا لما تقدّم بعنوان آخر توضيحا لقبحه و بيانا لشدّته و مبالغة في التفضيح و التشنيع، فيفيد أنّ المنع من الذكر سعى في خرابها.

و قد يشعر بأنّ في المنع تخريبا و في الذكر تعميرا، بل بأنّ المنع تخريب و الذكر تعمير، و في بعض الروايات ما قد يؤيّده، و لهذا قيل بوجوب شغلها بالذكر على الكفاية، و إلّا لزم التعطيل، قال في الكنز: فكلّ ما يعدّ تخريبا فهو حرام، فمنه هدم جدرانها و أخذ فرشها و إطفاء السراج و الإضواء فيها، و شغلها بما ينافي العبادة و غير ذلك.

«أُولٰئِكَ» المانعون «مٰا كٰانَ» ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد اللّه إلّا خائفين على حال التهيّب و ارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا عن أن

176

يستولوا عليها، و يلوها، و يمنعوا المؤمنين منها، و المعنى ما كان الحقّ و الواجب إلّا ذلك، لو لا ظلم الكفرة و عتوّهم.

و قيل: ما كان لهم في حكم اللّه يعني أنّ اللّه قد حكم و كتب في اللّوح المحفوظ أنّه ينصر المؤمنين و يقوّيهم حتّى لا يدخلوها إلّا خائفين، كذا في الكشاف، فيكون وعدا للمؤمنين بالنصرة و استخلاص المساجد منهم، و قد أنجز سبحانه و عده.

أو ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلّا بخشية و خشوع فضلا عن أن يجترؤا على تخريبها، فيستفاد استحباب دخولها بالخشوع و الخضوع و الخشية من اللّه تعالى كما هو حال العبد الواقف بين يدي سيّده كما قيل.

أو ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها بحسب حالهم من العتوّ و العصيان إلّا خائفين أن يصيبهم من اللّه عذاب أليم لاستحقاقهم منه ذلك كما قال سبحانه «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ» فيمكن أن يكون التتمّة كالبيان لذلك، و فيها وعد للمسلمين، و قيل معناه النهي عن تمكينهم من الدّخول في المساجد.

«لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ» قتل و سبى أو ذلّة بضرب الجزية، و قيل: فتح مدائنهم قسطنطينيّة و روميّة و عمّوريّة كذا في الكشاف و زاد الجوامع تقيد الفتح بعند قيام المهديّ، و قيل أي عذاب و هوان فيكون أعمّ، و كأنّه لا بأس به و اللّه أعلم و قد جعل بعض على القول الأوّل في شأن النزول النفي بدل الذلّ بضرب الجزية فتأمل «وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذٰابٌ عَظِيمٌ» في نار جهنّم نعوذ باللّه منه.

و روي (1) عن زيد بن على عن آبائه (عليهم السلام) أنّ المراد بالمساجد في الآية بقاع الأرض لقوله (صلّى اللّه عليه و آله) «جعلت لي الأرض مسجدا» فقيل ينافي ذلك قوله «وَ سَعىٰ فِي خَرٰابِهٰا» و أجيب بأنه لا منافاة بأن يكون المراد الوعيد على خراب الأرض بالظلم و الجور كقوله تعالى «وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسٰاداً»*.

و قيل و إن أمكن ذلك لكن كيف يصنع بقوله «أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا» و من هو في الأرض لا يقال دخلها إلّا مجازا، و الأصل عدمه، و فيه أنّ المراد بقاع

____________

(1) نور الثقلين ج 1 ص 98 و المجمع ج 1 ص 190.

177

الأرض لا الأرض مطلقا، بل الظاهر دخول شيء منها فيصحّ القول بلا خدشة، لكن الرواية مرفوعة غير مشهورة، و لا ريب في كونه خلاف الظاهر للاية، فان الظاهر من مساجد اللّه لا أقلّ خلاف ذلك، و مع ذلك ينافي ظاهر ما روي في شأن النزول فتفكّر.

التوبة [17] مٰا كٰانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسٰاجِدَ اللّٰهِ.

أي ما كانوا أهل ذلك و لا جاز لهم، أو ما صحّ و لا استقام لهم، و المراد ليس لهم عمارة شيء من مساجد اللّه مطلقا، فضلا عن المسجد الحرام، و هو صدرها و مقدّمها، و هذا أبلغ، و قيل هو المراد كما هو الظاهر على قراءة ابن كثير و أبى عمرو و يعقوب (1) «مسجد اللّه» لقوله تعالى فيما بعده «وَ عِمٰارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و إنّما جمع لأنّها قبلة المساجد كلّها و إمامها، فعامره كعامر جميعها، أو لأنّ كلّ بقعة منه مسجد.

«شٰاهِدِينَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ».

بإظهار كفرهم فإنّهم نصبوا أصنامهم حول البيت و طافوا حول البيت عراة و سجدوا لها كلّما طافوا شوطا، و قيل: هو قولهم «لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك تملكه و ما ملك» عن الحسن، لم يقولوا نحن كفّار، و لكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر، و قيل هي اعترافهم بملّة من ملل الكفار كالنصراني بأنّه نصرانيّ.

و روي أنه لمّا أسر العبّاس يوم بدر وبّخ علىّ (عليه السلام) العبّاس بقتال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قطيعة الرحم، فقال العبّاس: تذكرون مساوينا و تكتمون محاسننا، فقال أ و لكم محاسن؟ قال: نعم، إنّا لنعمر المسجد الحرام، و نحجب الكعبة، و نسقي الحجيج، و نفكّ العاني: فنزلت (2) و نصب شاهدين على الحال من الضمير في يعمروا.

«أُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ».

من القربات من عمارة المساجد و غيرها، و في الكشاف و الجوامع: الّتي هي العمارة و الحجابة و السقاية و فكّ العناة، و نحوه في تفسير القاضي فتأمل فيه.

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 187 و ص 188.

(2) انظر مسالك الافهام ج 1 ص 188 و الكشاف ج 2 ص 254.

178

و الظاهر أنّ المراد أنّها وقعت باطلة و هو ظاهر القاضي و ما في الكشاف يحتمل خلاف ذلك فتأمّل و في الآية دلالة على بطلان أعمال الكفّار و عدم صحّة شيء منها، و يمكن أن يفهم جواز منعهم من مثل العمارة، و ربّما قيل بأنّ فيه أمر بذلك فتدبر.

وَ فِي النّٰارِ هُمْ خٰالِدُونَ.-

إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ وَ آتَى الزَّكٰاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّٰهَ.

الحصر المفهوم من إنّما إمّا إضافيّ بالنسبة إلى أولئك المشركين أو مطلق الكفرة، فغير هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات من المسلمين في حكم المسكوت عنه، فكأنّ هذه الأوصاف حينئذ لتفخيم شأن عمارة مساجد اللّه، و تعظيم عاملها، و أنه ينبغي أن يكون على هذه الأوصاف، و لبيان مزيد بعد أولئك عن عملها، و مزيد بيان بعدهم عن ذلك.

أو المراد عمارتها حق العمارة الّتي لا يوفّق لها إلّا هؤلاء الموصوفين باعتبار قوّة أيمانهم و كمال إخلاصهم، كما قيل «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين» و قد تقدّم في سبب النزول في الآية المتقدمة أنّ المنزول فيهم ذكروا ذلك على التفخيم و التعظيم فخرا و مباهاة، فناسب مقام الردّ نفي أدناها أو جنسها عنهم و إثبات ما ادّعوا لأنفسهم أو أعظم منه لمقابليهم من المؤمنين، أو المراد بالخشية التقوى في أبواب الدّين و أن لا يختار على رضا اللّه رضا غيره، كما قال «إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» فيمكن أن يراد على حدّ ما يستلزم اجتناب الكبائر، فيوافق القول بأن فاعل الكبيرة غير مؤمن، على اشتراط الايمان في قبول الأعمال فتأمل.

أو المراد أنه لا يستقيم و لا يصحّ عمارة مساجد اللّه من أحد على طريق الولاية عليها إلّا ممّن كان كذلك فان الظاهر أنّ أولئك المفتخرين أرادوا نحو ذلك، و أنهم ولاة المسجد الحرام، و أنهم عامرون على ذلك، فيختصّ بالنبيّ و الأئمّة الطّاهرين

179

(صلوات اللّه عليهم).

على أنّ الظاهر من قوله «وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّٰهَ» عدم سبق الفسق، بل و لا ذنب، فكيف الكفر، و اللّه أعلم، و قيل إنّهم كانوا يخشون الأصنام و يرجونها، فأريد نفي تلك الخشية.

فَعَسىٰ أُولٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.

تبعيد للمشركين عن مواقف الاهتداء و حسم لأطماعهم في الانتفاع بأعمالهم الّتي استعظموها و افتخروا بها و أمّلوا عاقبتها، بأن الّذين آمنوا و ضموا إلى إيمانهم العمل بالشرائع، مع استشعار الخشية و التقوى اهتداؤهم دائر بين عسى و لعلّ، فما بال المشركين يقطعون أنّهم مهتدون و نائلون عند اللّه الحسنى.

و في هذا الكلام و نحوه لطف للمؤمنين في ترجيح الخشية و رفض الاغترار باللّه كذا في الكشاف، و إنّما كان لطفا في ترجيح الخشية مع أنّ عسى هنا لترجيح الاهتداء باعتبار أنّه لو لا رجحان الخشية على الرجاء كان ينبغي عند هذه الأعمال و الاتّصاف بهذه الأوصاف القطع بالاهتداء.

اعلم أنّ عسى (1) يجوز أن يكون إشارة إلى حال المؤمنين، و أنّهم مع ذلك في دعواهم للهداية و عدّ نفوسهم من المهتدين على هذا الحال، فما بال الكفّار يقطعون لأنفسهم بالاهتداء.

ثمّ ذلك للمؤمنين إمّا أن يكون لرجحان الخشية و قوّتها أو على سبيل التأدّب و التواضع لجناب ربّهم، أو نظرا منهم إلى مرتبة أعلى و درجة أسنى، أو إشارة إلى أنّ حالهم في الواقع على ذلك بالنظر إلى الأوصاف المذكورة أى رجحان ذلك في حقّهم فان مجرّد ذلك في كلّ مرتبة كان غير كاف في تمام الاهتداء و الاختتام به و نيل ما عند اللّه من الدّرجات العالية.

نعم عسى أن يكون كذلك و لعلّ، فلا ينبغي القطع لهم بمجرّد ذلك، أو أنّ

____________

(1) انظر تعاليقنا على هذا الجزء ص 35 و 36 في معنى عسى و لعل في القرآن.

180

ذلك من اللّه سبحانه و هو واقع إلّا أنّه أتى بعسى و نحوه لطفا بالعباد، و تنبيها لهم على عدم القطع و عدم اليأس فليتأمل.

ثمّ في الآية من الحثّ على تعمير المساجد و تعظيم شأنه ما لا يخفى، و قيل المراد العمارة المعروفة من بنائه و مرمّته عند الخراب أو إزالة ما تكره النفس منه مثل كنسها روي (1) أنّ من كنس مسجدا يوم الخميس و ليلة الجمعة فأخرج من التّراب مقدار ما يذرّ في العين غفر اللّه له.

و تنويرها بالسّراج روي أنّ (2) من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة و حملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوء، و قيل: المراد شغلها بالعبادة مثل الصّلاة و الذكر و تلاوة القرآن قيل: و صيانتها من أعمال الدنيا و اللّهو و اللغط و عمل الصنائع، و ظاهر القاضي و الكشاف و الجوامع: القول بالجميع، و قد تقدّم ما يقتضي ذلك في الجملة.

قالوا: و من الذكر درس العلم، قالا بل هو أجلّه و أفضله و كذا صيانتها من أحاديث الدّنيا فضلا عن فضول الحديث و في الحديث (3) «يأتي في آخر الزّمان ناس من أمّتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا ذكرهم الدّنيا و حبّ الدّنيا، لا تجالسوهم فليس للّه بهم حاجة».

و فيه أيضا (4): الحديث في المسجد تأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش و في الصّحيح (5) عن عليّ الحسين (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من سمعتموه ينشد

____________

(1) انظر الوسائل الباب 32 من أحكام المساجد.

(2) الوسائل الباب 34 من أبواب أحكام المساجد و قريب منه في الكشاف ج 2 ص 255.

(3) الوسائل الباب 14 من أبواب أحكام المساجد و قريب منه في الكشاف ج 2 ص 254.

(4) ترى مضمونه في مستدرك الوسائل ج 1 ص 228 و الكشاف ج 2 ص 254.

(5) الباب 14 من أبواب أحكام المساجد من الوسائل.

181

الشعر في المساجد فقولوا: فضّ اللّه فاك إنّما بنيت المساجد للقرآن.

في الكشاف (1) و قال (عليه السلام) قال اللّه إنّ بيوتي في أرضى المساجد، و إنّ زوّاري فيها عمّارها، فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثمّ زارني في بيتي، فحقّ على المزور أن يكرم زائره.

و روى (2) ابن بابويه بإسناده إلى عبد اللّه بن جعفر عن أبيه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال اللّه تبارك و تعالى: ألا إنّ بيوتي في الأرض المساجد تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض، ألا طوبى لمن كانت المساجد بيوته، ألا طوبى لعبد توضّأ ثمّ زارني في بيتي، ألا إنّ على المزور كرامة الزائر، ألا بشّر المشائين في الظلمات إلى المساجد بالنور الساطع يوم القيمة.

بحث الأذان:

المائدة [57- 58] يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفّٰارَ أَوْلِيٰاءَ وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ- أن توالوا أعداء اللّه فإنّ الايمان يقتضي معاداتهم و الحذر عن موالاتهم، و قد رتّب الحكم على الوصف إيماء إلى العلّة، و أنّ من هذا شأنه بعيد من الموالاة جدير بالمعاداة، و قيل: فيه إشعار بعدم جواز موالاة الفسّاق، و معاشرتهم بحيث يشعر بالصداقة فافهم.

وَ إِذٰا نٰادَيْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ اتَّخَذُوهٰا أي الصلاة أو المناداة هُزُواً وَ لَعِباً فكيف يجوز موالاتهم ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ.

فان السّفه يؤدّى إلى الجهل بالحقّ و الهزء به، و العقل يمنع منه فيؤدّي إلى معرفة الحقّ و اتّباعه و تعظيمه.

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 254.

(2) الوسائل الباب 3 من أحكام المساجد.

182

في الكنز (1) اتفق المفسّرون على أنّ المراد هنا بالنداء الأذان، ففيه دليل على أنّ الأذان و النداء إلى الصلاة مشروع بل مرغوب فيه من شعائر الإسلام، و يومئ إلى أنّ ما يشعر بالتهاون بشعار من شعائر الإسلام حرام لا يجوز، و لا لعبا بل كلّ ما يعدّ لعبا لا يجوز بالنسبة إلى شيء من أمور الدّين و أحكامه فكيف الاستهزاء.

و ربّما أشعر بأنّ اتّخاذ نحو الصلاة و المناداة إليها هزوا و لعبا هو اتّخاذ الدّين كذلك، و فيه تنبيه أيضا على أنّه لا ينبغي أو لا يجوز موالاة المجانين و السّفهاء و أنّ دين الرّجل من عقله و على قدر عقله.

قيل: كان رجل من النصارى (2) بالمدينة إذا سمع المؤذّن يقول: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، قال حرق الكاذب، فدخل خادمه بنار ذات ليلة و هو نائم فتطايرت منها شرارة في البيت فاحترق البيت و احترق هو و أهله، و قيل فيه دليل على أنّ ثبوت الأذان بالكتاب لا بالمنام. و فيه نظر، نعم يدلّ على ما تقدّم، و على أنه كان ثابتا.

____________

(1) انظر كنز العرفان ج 1 ص 112.

(2) حكاه في الكشاف ج 1 ص 650 و في الكاف الشاف أخرجه الطبري من رواية أسباط عن السدّي و حكى القصة في البحار ط كمپانى ج 18 ص 160 عن السدّي و قال في الكشاف و قيل فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده و انظر تعاليقنا على كنز العرفان من ص 112 الى ص 114 ج 1 و مسالك الافهام ج 1 من ص 192 الى ص 194.

183

النوع الخامس في مقارنات الصلاة

و فيه آيات الاولى وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ.

استدلّ به على وجوب القيام، و على وجوب النيّة، و على وجوب القنوت، و قد تقدّم البحث فيه في أوّل كتاب الصّلاة.

الثّانية و الثّالثة وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ.

و استدلّ بهما على وجوب تكبيرة الإحرام في الصلاة بأنّ ظاهرهما وجوب التكبير، و ليس في غير الصّلاة فيجب أن يكون فيها و فيه تأمّل.

الرابعة [المزمل: 20] إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ.

أستعير الأدنى للأقلّ بقليل مبالغة في قلّة التفاوت، على أنّ الظاهر المتعارف التدرّج من القلّة إلى الكثرة، و قيل: للأقلّ لأنّ الأقرب إلى الشيء أقل بعدا منه.

وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ: قرئ بالنصب (1) عطفا على أدنى و بالجرّ عطفا على ثلثي وَ طٰائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ عن ابن عباس: علىّ و أبو ذر (2)، و العطف على المستتر في «تَقُومُ» و جاز للفصل.

وَ اللّٰهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ و تقديم اسمه يشعر بالاختصاص فاللّه هو يعلم مقادير ساعاتهما عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي تقدير أوقاتهما و ضبط ساعاتهما إلّا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط، و ذلك شاقّ عليكم فَتٰابَ عَلَيْكُمْ عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدّر

____________

(1) انظر المجمع ج 5 ص 381.

(2) رواه في المجمع ج 5 ص 381 عن الحسكاني و ترى ترجمة الحسكاني في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 223 و ص 224.

184

كقوله «فَتٰابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفٰا عَنْكُمْ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» و المعنى أنه خفّف عنكم أو رفع التبعة في تركه عنكم كما يرفع التبعة عن التائب.

فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ:

عبّر عن الصلاة بالقراءة (1) لأنها بعض أركانها كما عبّر عنها بالقيام و الركوع و السجود يريد فصلّوا ما تيسّر عليكم، و لم يتعذر من صلاة الليل، و قيل هي قراءة القرآن بعينها كذا في الكشاف و القاضي و الجوامع، و يمكن أن يكون المراد القراءة في صلاة اللّيل كما قيل، و فيه: ثمّ اختلفوا في القدر الذي تضمّنه الأمر: عن سعيد ابن جبير خمسون آية، و عن ابن عباس مائة آية، و عن السّدي مائتا آية.

و الكشاف نقل مائة قولا و خمسين قولا من غير ذكر اختلاف في القدر المتضمّن، و كأنه أولى، إذ عدم التقدير أصلا أنسب بالاية، و لهذا قال القاضي: فاقرؤا القرآن كيف ما تيسّر لكم، هذا و يمكن اختصاصه باللّيل كما قيل، و على التقديرين يحتمل الاستحباب لأنّه يناسب السياق، و الوجوب لظاهر الأمر حفظا للمعجزة و غيرها، و اللّه أعلم.

و بعد الحمل على صلاة اللّيل؛ في الكشاف و هذا ناسخ للأوّل، ثمّ نسخا جميعا بالصلوات الخمس، و القاضي نقل هذا قولا فيفهم منه أنه يمكن أن يقال بالحمل على صلاة اللّيل من غير نسخ، و هو خلاف ما يأتي من الكنز.

عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ.

استيناف على تقدير السؤال على وجه النسخ، فذكر حكمة أخرى للترخيص و التخفيف، و لذلك كرر الحكم مرتبا عليها، فقال «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ» في المعالم قال

____________

(1) انظر البحث في الأقوال المجمع ج 5 ص 381 و 382 و الكشاف ج 4 ص 643 و ص 644 و البيضاوي ج 3 ص 228 ط مصطفى محمد و روح المعاني ج 29 من ص 110 الى ص 114.

185

أهل التفسير: كان في صدر الإسلام ثمّ نسخ بالصلوات الخمس، و ذلك قوله تعالى:

وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ وَ أَقْرِضُوا اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً [1] فليتأمّل.

و في الكنز (2) إشارة إلى قوله «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ» و قوله «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ»: دلّتا على وجوب قراءة شيء من القرآن، فيصدق دليل هكذا:

قراءة شيء من القرآن واجب. و لا شيء من القرآن في غير الصلاة بواجب.

فيكون الوجوب في الصلاة و هو المطلوب.

أما الصغرى فلصيغة الأمر الدالّة على الوجوب، و أما الكبرى فإجماعيّة، ثمّ قال: و ما ذكرناه قول أكثر المفسّرين، و قد قيل إنّ المراد بالقراءة الصلاة تسمية للشيء ببعض أجزائه، و عنى به صلاة اللّيل: ثمّ نسخ بالصلوات الخمس، و قيل: الأمر في غير الصلاة فقيل على الوجوب نظرا في المعجزة و وقوفا على دلائل التوحيد، و إرسال الرسل، و قيل: على الاستحباب، فقيل أقله في اليوم و اللّيلة خمسون آية، و قيل مائة، و قيل: ثلث القرآن انتهى.

و قوله «ما ذكرناه قول أكثر المفسرين» فيه نظر، إذ ليس في أكثر التفاسير المعتبرة فكيف يجوز ذلك نعم في المعالم (3): فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يعني في الصلاة قال الحسن: يعني في صلاة المغرب و العشاء، قال قيس بن أبى حازم: صلّيت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أوّل ركعة بالحمد و أوّل آية من البقرة ثمّ قام في الثانية فقرأ بالحمد و الآية الثانية من البقرة ثمّ ركع، فلما انصرف أقبل علينا فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ

____________

[1] قد استشكل بأن سورة المزمل من أوائل ما نزلت بمكة و لم تفرض الصلوات الخمس الا بعد الاسراء و الزكاة إنما فرضت بالمدينة و أجيب بأن الذاهب الى ذلك يجعل هذه الآيات مدنية و قيل ان الزكاة فرضت بمكة من غير تعيين الأنصباء و الذي فرض بالمدينة الأنصباء فلا مانع عن كون الآيات مكية لكن يلتزم بكونها بعد الاسراء.

____________

(2) كنز العرفان ج 1 ص 118.

(3) ليس عندي كتاب المعالم الا ان ما نقله مذكور في اللباب تفسير الخازن ج 4 ص 325 فراجع.

186

يقول «فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ» انتهى.

و هذا غير كاف في المقام، و عن ابن عباس لم يثبت، و يمكن قراءته على مناسبة ما فالاستدلال موضع نظر و تأمل، و الظاهر أنّ المراد القراءة في صلاة اللّيل أو الصّلاة نفسها.

و في المجمع: هو قول أكثر المفسّرين كما أنّ المراد بقم اللّيل صلاة اللّيل بإجماع المفسّرين إلّا أبا مسلم فإنّه قال المراد قراءة القرآن في اللّيل، و كأنه يريد الإشارة إلى أنّ من قال بأنّ قيام الليل هو صلاة اللّيل ينبغي أن يقول: المراد بالقراءة هنا صلاة الليل، فمن أين قول الأكثر بأنّ المراد قراءة القرآن و لو في الفريضة.

الحجّ [77] يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا.

أي صلّوا، فأراد بها الأمر بالصلاة الّتي هي أجلّ العبادات كما هو معتمد الكشاف و الجوامع، لأنّ الركوع و السجود أعظم أركانها، أو في الصلاة روى الشيخ في الموثق (1) عن سماعة قال: سألته عن الركوع و السجود هل نزل في القرآن؟ فقال نعم قول اللّه عزّ و جلّ «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا» الحديث و التتمّة نصّ في ركوع الصلاة و سجودها لكنّها طويلة.

و قيل كان النّاس أوّل ما أسلموا يسجدون بلا ركوع و يركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع و سجود، و في تفسير القاضي: أو اخضعوا له و خرّوا للّه سجدا.

اعلم أنّ الركوع لغة الانحناء، و يمكن أن يكنى به عن التواضع، و شرعا انحناء خاصّ، و السجود لغة الخضوع و شرعا وضع الجبهة أو نحوها على الأرض أو نحوها، فهذا الاحتمال حمل للأوّل على غير حقيقته اللّغويّة و الشرعيّة و كأنّه على مجازه اللغوي مع حمل قرينه على حقيقته الشرعية مع استوائهما بحسب القرائن بالنّسبة إلى كلّ من المعنيين، ففيه بعد لا يخفى.

____________

(1) الوسائل نقل صدر الحديث في الباب 5 من أبواب الركوع ج 4 ص 926 ط الإسلامية المسلسل 8032 و ذيله في الباب 6 ص 927 المسلسل 8039.

187

ثمّ قال القاضي: و الآية آية سجدة عندنا لظاهر ما فيها من الأمر بالسّجود، و لقوله (عليه السلام) فضّلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرءهما، و هذا يقتضي ترجيحه الاحتمال الثالث الذي اختصّ بذكره، و قد عرفت ما فيه من البعد، على أنّ الأمر لا يقتضي الفور و التكرار، و إطلاقه يقتضي تحققه لسجدة الصلاة و غيرها من السجدات الواجبة، و تحقّق الامتثال بها.

ثمّ إنّه يقرب من الاحتمال المذكور أن يكون الرّكوع كناية عن الصلاة و السّجود على حقيقته الشرعيّة، فيوافقه في المقتضى أو اللغوية فيخالفه، و أن يكون الرّكوع كما ذكره و السّجود بمعنى الصّلاة فتأمل.

و في الكشاف (1) و عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول اللّه في سورة الحجّ سجدتان؟ قال: نعم إن لم تسجدهما فلا تقرءهما و عن عبد اللّه بن عمر: فضّلت سورة الحجّ بسجدتين و بذلك احتج الشّافعيّ فرأى سجدتين في سورة الحجّ، و أبو حنيفة و أصحابه لا يرون فيها إلّا سجدة واحدة، لأنّهم يقولون قرن السّجود بالرّكوع فدلّ ذلك على أنّها سجدة صلاة لا سجدة تلاوة انتهى.

و في المعالم (2) نسب القول بالسّجود عند الآية إلى جماعة منهم علىّ (عليه السلام) و ابن عباس و في التذكرة أنهما سجدا لذلك فان صحّ فبطريق الندب كما قال أصحابنا بدليل من خارج كالروايات.

وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ: قيل أمر بغير الصّلاة من سائر العبادات كالصّوم و الحجّ و الزّكوة و الغزو، و قيل: بل أمر بسائرها حتّى الصّلاة أيضا، و قيل معناه اقصدوا بركوعكم و سجودكم وجه اللّه.

وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ: ثمّ عمّ بالحثّ على سائر الخيرات، و عن ابن عباس (3):

____________

(1) انظر الكشاف ج 3 ص 172 و في الكاف الشاف ذيله تخريجه و انظر أيضا تعاليقنا في البحث عن الحديث عن مسالك الافهام ج 1 ص 197.

(2) و انظر تفسير الخازن أيضا ج 3 ص 299 ففيه تفصيل الأقوال أيضا.

(3) الخازن ج 3 ص 298 و الكشاف ج 3 ص 172 و المجمع ج 4 ص 97.

188

الخير صلة الأرحام و مكارم الأخلاق، و قد يشعر كلام بعض المفسّرين بأن يكون المراد فعل غير العبادات الواجبة كنوافل الطاعات، و ما تقدّم، و ربّما يحتمل أن يراد بالعبادة الصّلاة فإنّها رأسها و أجلّها، و بالرّكوع و السجود معناهما الظاهر، أو التّواضع و الخضوع، و هذا يأتي على عموم العبادة أيضا.

و يحتمل اختصاص العبادة بالبدنيّة و نحوها ممّا لا يتعلق فيه الغرض بإيقاع الغير، و الخير بالمالية و نحوها ممّا يتعلق فيه الغرض بالإيقاع، و اللّه اعلم.

لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أي افعلوا هذا كلّه و أنتم راجون الفلاح طامعون فيه، غير مستيقنين فلا تتّكلوا على أعمالكم و قد تقدم تفصيل ذلك في قوله تعالى «فَعَسىٰ أُولٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ».

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* [الواقعة: 74] و مثلها سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: 1] فأحدث التسبيح بذكر اسم ربّك أو أراد بالاسم الذكر أي بذكر ربّك، و العظيم صفة للمضاف أو للمضاف إليه. فكأنّه سبحانه لما ذكر ما دلّ على قدرته الكاملة و أنعامه الشاملة البالغة على عباده، قال: فأحدث التّسبيح، و هو أن يقول سبحان اللّه إمّا تنزيها له عمّا يقول الظالمون الّذين يجحدون وحدانيّته، و يكفرون نعمته، و إما تعجبا من أمرهم في غمط الآية و أياديه الظاهرة، و إمّا شكرا للّه على النّعم الّتي عدّها و نبّه عليها قاله في الكشاف.

و عن عقبة بن عامر [1] قال لما نزل فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) اجعلوها في ركوعكم، و لمّا نزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، قال اجعلوها في سجودكم رواه العامّة، و رواه الشّيخ أيضا في التهذيب مسندا [2].

____________

[1] الكشاف ج 4 ص 738 و في الكاف الشاف ذيله: أخرجه أبو داود و ابن ماجة و ابن حبان و أحمد من رواية إياس بن عامر عن عقبة بن عامر و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 199.

[2] الوسائل الباب 21 من أبواب الركوع ج 4 ص 944 المسلسل 8104. و زاد المصنف (قدس سره) في الهامش ما نصه بلفظه: لكن بسند ضعيف لضعف بعض الرواة و جهل

189

و روي كذلك عن هشام بن سالم (1) قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسبيح في الركوع و السّجود، فقال تقول في الرّكوع سبحان ربّى العظيم و في السّجود سبحان ربّي الأعلى الفريضة من ذلك تسبيحة و السنّة ثلاث، و الفضل في سبع.

و عن أبى بكر الحضرميّ (2) قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) أيّ شيء حدّ الرّكوع و السّجود؟ قال تقول سبحان ربّى العظيم و بحمده ثلاثا في الرّكوع، و سبحان ربّي الأعلى و بحمده ثلاثا في السّجود، فمن نقص واحدة نقص ثلث صلاته، و من نقص اثنين نقص ثلثا صلاته، و من لم يسبّح فلا صلاة له، و قد قال بعض أصحابنا بوجوب هذين التسبيحين في الرّكوع و السّجود.

و يمكن ان يحتج له بالآيتين بدلالتهما على وجوب التسبيح، و ليس في غير الموضعين، فيجب فيهما، و إتمام ذلك بالروايات المذكورة، أو بأن يكون المراد باسم ربّك العظيم كون التسبيح معلّقا باسم الربّ مضافا إليه موصوفا بالعظيم، فكأنه قال قل سبحان ربّي العظيم كما روي في سبّح اسم ربّك الأعلى، في الجمع: عن ابن

____________

بعض و لم أجده في صحاح العامة أيضا، و الآخران لم يصح سندهما و اللّه اعلم.

اما سند الحديث الذي أشرنا إليه بالمسلسل 8104 فهو هكذا: محمد بن الحسن بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى عن يوسف بن الحارث عن عبد اللّه بن يزيد المنقري عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمه عن إياس بن عامر الغافقي عن عقبة بن عامر الجهني و من بعد محمد بن أحمد بن يحيى اما مبهم أو مجهول أو مضعف أشد الضعف عند علماء رجال الإمامية.

و اما قوله «لم أجده في صحاح العامة» فالمستفاد مما أفاده المصنف أن رواية الكشاف عن عقبة بن عامر ليست في صحاحهم و قد عرفت عن تخريج الكاف الشاف أن الحديث أخرجه أبو داود و ابن ماجة و هما من صحاحهم و كذا أخرجه في المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 2 ص 254 عن أبى داود و ابن ماجة بل لو عد المسند أيضا من الصحاح فقد أخرجه أحمد أيضا كما في المنتقى و الكاف الشاف.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أبواب الركوع ح 4 ص 923 المسلسل 8021.

(2) الوسائل الباب 4 من أبواب الركوع ص 924 المسلسل 8025 و 8026 و انظر البحث في ذكر الركوع و السجود في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 200.

190

عباس كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذا قرء سبّح اسم ربّك الأعلى قال سبحان ربّي الأعلى.

و في المعالم (1) سبّح اسم ربّك الأعلى، يعني قل سبحان ربّي الأعلى و إلى هذا ذهب جماعة من الصحابة و التّابعين، ثمّ بإسناده عن ابن عباس أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قرء سبّح اسم ربّك الأعلى، فقال سبحان ربّي الأعلى، لكن في ذلك إشارة إلى مخرج عن تعيينهما في الرّكوع و السّجود فتأمل فيه.

و أكثر القائلين منّا بتعيين التسبيح خيّروا بين هذين و بين سبحان اللّه ثلاثا، و قد صحّت به روايات عنهم (عليهم السلام)، و الاحتجاج بالآية حينئذ أوضح على ما تقدّم من التفسير بسبحان اللّه، لكن اعتبار الثلاث بالروايات، و قد ذهب جمع من الأصحاب إلى عدم تعيين التسبيح، و إجزاء كل ذكر يتضمّن الثّناء على اللّه تعالى لروايات دلّت عليه، و الآية حينئذ إمّا محمولة على الاستحباب، أو يراد بالتسبيح فيه نحو ذلك، و الأوفق بلفظه أحبّ و أولى و أحوط كزيادة و بحمده كما لا يخفى.

هذا كلّه من غير حكم بأنّ مراد الآية ذلك، لعدم ثبوته، و احتمال غير ذلك قال قوم في الآية الثانية: معناه نزّه ربّك الأعلى، و جعلوا الاسم صلة، و قال آخرون نزّه تسمية ربّك بأن تذكره و أنت له معظّم، و لذكره محترم، و جعلوا الاسم بمعنى التسمية و قال ابن عباس أي صلّ بأمر ربّك كذا في المعالم.

و في الكشاف تسبيح اسمه عزّ و جلّ تنزيهه عما لا يليق من المعاني الّتي هي الإلحاد في أسمائه كالجبر و التشبيه و نحو ذلك، مثل أن يفسّر الأعلى بمعنى العلوّ الذي هو القهر و الاقتدار، لا بمعنى العلوّ في المكان، و الاستواء على العرش حقيقة، و أن يصان عن الابتذال و الذكر لأعلى وجه الخشوع و التعظيم. و يجوز أن يكون الأعلى صفة للربّ و الاسم انتهى.

هذا و قد وافق أحمد على وجوب الذكر و قال الشافعيّ و أبو حنيفة باستحباب الذّكر المقدم، و أنكر زيادة و بحمده لأنّها زيادة لم تحفظ، و توقف أحمد مع أنّه

____________

(1) و انظر أيضا تفسير اللباب للخازن ج 4 ص 369.

191

قد روي [1] في طرقهم عن حذيفة عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال ذلك، على أنّه زيادة ذكر للّه و مزيد خير، و فيه زيادة ثناء مع ورود ذلك في آيات منها «وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ»* كما تقدّمت، و تقدّم أنّه إشارة إلى الصّلاة على قول جماعة، فلو تضمّنت صريح ذلك كان أولى، و إلّا فالأولى كونها على ما يتيقّن معه الامتثال به، و على كلّ حال هذه الزّيادة متواترة من طرق أهل البيت (عليهم السلام).

الجنّ [18] وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً.

قيل: المراد بالمساجد أعضاء السّجود السّبعة، و قد روي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في رواية حمّاد المشهورة و عن أبى جعفر الثّاني (2) محمّد بن علي الجواد (عليه السلام) و في الكنز:

و به قال سعيد بن جبير و الزجّاج و الفرّاء و يؤيّده (3) قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمرت أن أسجد على سبعة آراب أي أعضاء، و المعنى لا تشركوا مع اللّه غيره في سجودكم عليها، و قيل لا تراؤا أحدا بصلاتكم، و الأكثر على أنّها المساجد المعروفة، فالمعنى أنّها مختصّة باللّه تعالى، فلا تعبدوا فيها مع اللّه غيره.

و عن قتادة كان اليهود و النصارى إذا دخلوا بيعهم و كنائسهم أشركوا باللّه فأمرنا

____________

[1] ففي سنن الدارقطني ج 1 ص 341 عن حذيفة ان النبي (ص) كان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم و بحمده ثلاثا و في سجوده سبحان ربي الأعلى و بحمده ثلاثا.

قلت بل ليس ذكر زيادة و بحمده محصورا في رواية حذيفة ففي نيل الأوطار ج 2 ص 254 و اما زيادة «و بحمده» فهي عند ابى داود من حديث عقبة الاتى و عند الدارقطني من حديث ابن مسعود الاتى أيضا و عنده أيضا من حديث حذيفة و عند أحمد و الطبراني من حديث ابى مالك الأشعري و عند الحاكم من حديث أبي جحيفة ثم ذكر ما قيل في بعض أسانيد الأحاديث ثم نقل عن الحافظ انه قد أنكر هذه الزيادة أبو الصلاح و غيره و لكن هذه الطرق تتعاضد فيرد بها هذا الإنكار و سئل أحمد عنها فقال اما انا فلا أقول و بحمده انتهى.

____________

(2) المجمع ج 5 ص 372 و كنز العرفان ج 1 ص 127 و روح المعاني ج 29 ص 91.

(3) سنن ابى داود ج 1 ص 325 الرقم 889 قال محمد محي الدين في تذييله أخرجه البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و رواه في مستدرك الوسائل ج 1 ص 327 عن غوالي اللئالي.

192

أن نخلّص للّه الدّعوة إذا دخلنا المساجد، و قيل: يعنى بقاع الأرض كلّها لأنّها جعلت للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مسجدا، و قيل: المراد بها المسجد الحرام لأنّه قبلة المساجد، و منه قوله تعالى «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ» و قيل السجدات فهي جمع مسجد بالفتح مصدرا بمعنى السّجود.

بني إسرائيل [110] وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا.

في الكشاف (1) لا تجهر بقراءة صلاتك على حذف المضاف، و لا لبس من قبل أنّ الجهر و المخافتة صفتان يعتقبان على الصوت لا غير، و الصّلاة أفعال و أذكار، و كان (2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يرفع صوته بقراءته، فاذا سمعه المشركون لغوا و سبّوا، فأمر بأن يحفض من صوته، و المعنى و لا تجهر حتى تسمع المشركين، و لا تخافت بها حتّى لا تسمع من خلفك، و ابتغ بين الجهر و المخافتة سبيلا وسطا.

و في المجمع (3) أحد الأقوال أنّ معناه لا تجهر بإشاعة صلاتك عند من يؤذيك، و لا تخافت بها عند من يلتمسها منك عن الحسن، و روي أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا صلّى جهر في صلاته حتّى يسمع المشركون فشتموه و آذوه فأمره سبحانه بترك الجهر، و كان ذلك بمكّة في أوّل الأمر، و به قال سعيد بن جبير، و روي ذلك عن أبي جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام).

هذا، و ظاهر قول الحسن أنّ الجهر بها إظهارها من غير تقدير مضاف هو القراءة، و إن كان بسببها كما لا يخفى و الرواية عنهما (عليهما السلام) على ما أوردها لا يستلزم كون الجهر و الإخفات على ما تضمّنه قول الحسن أو الكشاف، و إن كانت الرواية من طرقهم على وفق الكشاف.

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 700.

(2) كنز العرفان ج 1 ص 129 و انظر أيضا الطبري ج 15 من ص 184 الى ص 186 و البرهان ج 2 ص 453.

(3) المجمع ج 3 ص 446.

193

ثمّ من الأقوال [1] لا تجهر بصلاتك كلّها و لا تخافت بها كلّها، وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا بأن تجهر في صلاة اللّيل و تخافت بصلاة النّهار، و هذا مع كونه خلاف الظاهر توجب الإجمال مع وضوح ظاهرها كما يأتي و أمّا المناقشة بأنّه يحتاج إلى كون صلاة الصبح من صلاة اللّيل، و التخصيص بالأوّلتين فسهل مندفع بأن يقال و ابتغ بين ذلك ذلك سبيلا أي التبعيض على ما بيّن في السنّة.

و منها أنّ المراد بالصلاة الدّعاء، و هو أيضا خلاف الظاهر، و ينافي قوله تعالى «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً» و في موضع آخر «خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ» حتّى قيل: إنّها منسوخة بذلك و اللّه أعلم.

و منها أن يكون خطابا لكلّ واحد من المكلّفين أو من باب إيّاك أعني و اسمعي يا جاره أي لا تعلنها إعلانا توهم الرياء، و لا تسترها بحيث يظنّ بك تركها و التهاون بها.

و منها لا تجهر جهرا يشتغل به من يصلي بقربك و لا تخافت حتّى لا تسمع نفسك عن الجبائي، و كأنّه يريد بما يشغل القريب رفع الصوت بها شديدا كما هو ظاهر الآية، و المرويّ من طرقنا و قال به أصحابنا أنّ الجهر أن ترفع صوتك

____________

[1] هذا القول أخرجه في الدر المنثور عن ابن ابى حاتم عن ابن عباس ج 4 ص 208 و كذا في روح المعاني ج 5 ص 179 و ذكره كثير من المفسرين قولا من دون نسبة.

و استحسنه العلامة الطباطبائي مد ظله في الميزان ج 13 ص 241 الا انه مد ظله علق هذا المعنى على كون اللام في الصلاة للجنس لا للاستغراق و لعله سهو من قلمه الشريف إذ ليس هناك لام في الصلاة في الآية و انما الآية وَ لٰا تَجْهَرْ بِصَلٰاتِكَ وَ لٰا تُخٰافِتْ بِهٰا، و على أى فقال بعد ذكر احتمال المعنى ما هذا لفظه:

و لعل هذا الوجه أوفق بالنظر الى اتصال ذيل الآية بصدرها فالجهر بالصلاة يناسب كونه عليا متعاليا و الإخفات يناسب كونه قريبا أقرب من حبل الوريد فاتخاذ الخصلتين جميعا في- الصلوات أداء لحق أسمائه جميعا انتهى.

و اختار الفاضل الجواد في المسالك عدم وجوب الجهر و الإخفات و أنهما من السنن المؤكدة انظر ج 1 ص 202.

194

شديدا و المخافتة ما دون سمعك أي لم يسمعه إذنك «وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا» أي بين المخافتة و الجهر، أو بين الجهر الشديد و المخافتة جدا، فلا يجوز الإفراط و لا التفريط، و يجب الوسط و العدل، لكن قد علم من السنّة الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات كالجهر غير العالي شديدا للرجل في الصبح و أوليي المغرب و العشاء، و كالإخفات لا جدّا بحيث يلحق بحديث النفس في غيرها من الفرائض، و هل ذلك على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ فيه نظر.

ثمّ لا يخفى أنّ ما نسب إلى أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) لا ينافي ذلك.

الأحزاب [56] إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً.

قرئ «و ملائكته» بالرفع أيضا عطفا [1] على محلّ إنّ و اسمها، أو بحذف الخبر لدلالة يصلّون عليه، ثمّ المشهور أنّ الصّلاة من اللّه الرّحمة و من غيره طلبها.

في الكشاف في تفسير قوله تعالى «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلٰائِكَتُهُ» [2] لمّا كان من شأن المصلّى أن ينعطف في ركوعه و سجوده، أستعير لمن ينعطف على غيره حنوّا عليه و ترؤّفا كعائد المريض في انعطافه عليه، و المرأة في حنوها على ولدها، ثمّ كثر حتّى استعمل في الرّحمة و الترؤّف، و منه قولهم: صلّى اللّه عليك، أى ترحم عليك و ترأّف.

____________

[1] انظر كنز العرفان ج 1 ص 130 و الكشاف ج 4 ص 557 و نقل هذه القراءة في شواذ القرآن ص 120 عن ابى عمرو و نقلها في روح المعاني ج 22 ص 72 عن ابن عباس و عبد الوارث عن ابى عمرو و نقل في المجمع ج 4 ص 369 أيضا قراءة فصلوا عليه في الشواذ و قال في الحجة انما جاز دخول الفاء لما في الكلام من معنى الشرط.

[2] انظر الكشاف ج 3 ص 545 و ص 546 تفسير الآية 43 من سورة الأحزاب قال ابن- المنير في الانتصاف المطبوع ذيل الكشاف عند ما نقله المصنف عن الكشاف في معنى صلاة الملائكة انه كثيرا ما يفر الزمخشري من اعتقاد إرادة الحقيقة و المجاز بلفظ واحد و قد التزمه هنا.

قلت و قد قدمنا في ص 50- 55 من هذا الجزء عدم المانع من استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فراجع.

195

فان قلت: فما تصنع بقوله «وَ مَلٰائِكَتُهُ» و ما معنى صلاتهم؟ قلت: هي قولهم اللّهمّ صلّ على المؤمنين، جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة، كأنّهم فاعلون الرّحمة، أو الرأفة، و نظيره قولك حيّاك اللّه أي أحياك و أبقاك، و حيّيتك أي دعوت لك بأن يحييك اللّه، لأنّك لاتّكالك على إجابة دعوتك، كأنك تبقيه على الحقيقة، و كذلك عمرك اللّه و عمّرتك و عليه قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ» الآية أي أدعو اللّه بأن يصلّي عليه.

ثمّ قال في تفسير الآية أي قولوا الصلاة على الرّسول، و السلام و معناه الدّعاء بأن يترحم عليه اللّه و يسلّم، و نحو ذلك في الجوامع في قوله «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» أمّا هنا فقال: صلاة اللّه سبحانه ما يفعله به من إعلاء درجاته و رفع منازله و تعظيم شأنه، و غير ذلك من أنواع كراماته، و صلاة الملائكة عليه مسئلتهم اللّه عزّ اسمه أن يفعل به مثل ذلك «صَلُّوا عَلَيْهِ» أي قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم و آل إبراهيم انتهى.

و كأنه أورد هذا القول على طريق التمثيل و إشارة إلى أنّ الأولى اتّباع المنقول فلا اختلاف و اللّه أعلم. و القاضي جعل الصلاة من الجميع بمعنى الاعتناء بإظهار شرفه و تعظيم شأنه، و كأنّه لكونه قدرا مشتركا بين الجميع و سببا للمعنى المشهور بالنّسبة إلى كلّ. و في الكنز (1) الصلاة و إن كانت من اللّه الرّحمة فالمراد بها هنا هو الاعتناء بإظهار شرفه و رفع شأنه، و من هنا قال بعضهم تشريف اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» أبلغ من تشريف آدم بالسّجود له هذا.

و كأنّه لا نزاع أنّه يراد هنا طلب الصلاة من اللّه سبحانه بالقول، قال القاضي:

اعتنوا أنتم أيضا فإنّكم أولى بذلك، و قولوا اللّهمّ صلّ على محمّد، و هو ظاهر الكنز أيضا.

إذا تقرّر ذلك فظاهر الآية وجوب الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الجملة: في

____________

(1) انظر كنز العرفان ج 2 ص 131 و تعاليقنا عليه.

196

الكشاف (1): الصلاة على رسول اللّه واجبة، و قد اختلفوا في حال وجوبها، فمنهم من أوجبها كلّما جرى ذكره و في الحديث (2) من ذكرت عنده فلم يصلّ علىّ فدخل النّار فأبعده اللّه.

و يروى (3) أنّه قيل يا رسول اللّه أ رأيت قول اللّه تعالى «إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ» فقال (صلّى اللّه عليه و آله) هذا من العلم المكنون، و لو لا أنّكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إنّ اللّه و كل بي ملكين فلا اذكر عند عبد مسلم فيصلّي علىّ إلّا قال ذانك الملكان غفر اللّه لك، و قال اللّه و ملائكته جوابا لذينك الملكين آمين، و لا اذكر عند عبد مسلم فلا يصلّي علىّ إلّا قال ذانك الملكان لا غفر اللّه لك، و قال اللّه و ملائكته لذينك الملكين آمين.

و منهم من قال يجب في كلّ مجلس مرّة و إن تكرر ذكره كما قيل في آية السّجدة و تسميت العاطس، و كذلك في كلّ دعاء في اوّله و آخره.

و منهم من أوجبها في العمر مرّة و كذا قال في إظهار الشهادتين، و الذي يقتضيه الاحتياط الصّلاة عند كلّ ذكر لما ورد من الأخبار (4) انتهى.

و في الأخبار من طرقنا أيضا كالأوّل و اختاره في الكنز (5) قال: و نقل عن ابن بابويه من أصحابنا و اختاره الزّمخشريّ، و فيه نظر لا يخفى، و استدلّ بالرّوايات المذكورة و بدلالة ذلك على التنويه لرفع شأنه و الشكر لإحسانه المأمور بهما، و بأنه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضا و هو منهيّ عنه في آية النور، و في الكلّ نظر و في المعتبر دعوى الإجماع على خلاف ذلك كما يأتي.

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 557.

(2) قال في الكاف الشاف المطبوع ذيل الكشاف أخرجه ابن حبان و ترى الحديث في كتب الإمامية أيضا انظر الوسائل الباب 10 من أبواب التشهد ص 999 ج 4 ط الإسلامية

(3) قال في الكاف الشاف أنه أخرجه الطبراني و ابن مردويه و الثعلبي و ترى مثله في الدر المنثور ج 5 ص 218.

(4) و ذكر في الكاف الشاف ذيله جملة من الاخبار فراجع ص 558 ج 3 من الكشاف

(5) انظر كنز العرفان ج 1 ص 123.

197

و قال بعض مشايخنا اديمت أيّامهم: يمكن اختيار الوجوب في كلّ مجلس مرّة إن صلّى آخرا و إن صلّى ثمّ ذكر يجب أيضا كما في تعدّد الكفّارة بتعدّد الموجب إذا تخلّلت، و إلّا فلا، و الظاهر أنّه نظر إلى الروايات فان اعتبر ظاهرها فهو عند كلّ ذكر، مع أنّه لا يعلم بما قال قائل سواه، و إلّا فالاستحباب أولى، نعم هو أظهر فيها من الحمل على كلّ مجلس مطلقا، و كأنّه لا يريد أزيد من هذا.

و لا يبعد أن يقال محلّ وجوبها الصلاة قال في المعتبر (1): أما الصلاة على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّها واجبة في التشهّدين، و به قال علماؤنا أجمع، و قال الشيخ هو ركن، و به قال أحمد، و قال الشافعيّ: مستحبة في الأوّل و ركن من الصّلاة في الأخير، و أنكر أبو حنيفة ذلك و استحبّهما في الموضعين، و به قال مالك، لأنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يعلّمه الأعرابيّ (2)، و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال لعبد اللّه بن مسعود (3) عقب ذكر الشّهادتين «فاذا قلت ذلك فقد تمّت صلاتك أو قضيت صلاتك».

لنا ما رووه عن عائشة (4) قالت: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لا يقبل صلاة إلّا بطهور، و بالصلاة علىّ، و رووه عن أنس [5] عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال إذا صلّى أحدكم

____________

[1] قد بينا في كنز العرفان ج 1 ص 132 ان الحديث انما هو عن فضالة بن عبيد في كتب أهل السنة انظر نيل الأوطار ج 2 ص 299 و كذا في المنتهى للعلامة نقل هذا الحديث عنهم عن فضالة بن عبيد انظر المنتهى ج 1 ص 293 فلعل لفظ أنس في المعتبر و كنز العرفان و هذا الكتاب من سهو الناسخين إذ لم أعثر في كتبهم الأخر أيضا على هذا الحديث عن انس.

____________

(1) انظر المعتبر ط إيران 1318 ص 188.

(2) و لابن القيم الجوزية في جواب هذا الاشكال بيان نقلناه ص 206 ج 1 مسالك الافهام فراجع.

(3) قال ابن القيم الجوزيه في جلاء الافهام ص 231 ان هذه الزيادة ليست من كلام النبي (ص) بين ذلك الحفاظ ثم بسط الكلام في ذلك من شاء فليراجع.

(4) انظر نيل الأوطار ج 2 ص 296 نقلا عن البيهقي و الدارقطني.

198

فليبدء بحمد اللّه ثمّ ليصلّ على النبيّ، و لأنّه لو لم يجب الصلاة عليه في التشهّد لزم أحد الأمرين إما خروج الصلاة عليه عن الوجوب، أو وجوبها في غير الصلاة، و يلزم من الأوّل خروج الأمر عن الوجوب، و من الثاني مخالفة الإجماع.

لا يقال ذهب الكرخيّ إلى وجوبها في غير الصّلاة في العمر مرّة، و قال الطحاويّ كلّما ذكر، قلنا الإجماع سبق الكرخيّ و الطحاويّ، فلا عبرة بتخريجهما، و قول أبي حنيفة لم يعلّمه الأعرابيّ، قلنا يحمل على أنّه لم يكن، ثمّ تجدد الوجوب لأنّ ما ذكرناه زيادة تضمّنها الحديث الصحيح عندهم، فيكون العمل به أرجح، و لأنّ التمام قد يحمل على المقاربة أو بمعنى أنها تمّت مع أفعالها الباقية الّتي من جملتها الصلاة عليه.

و من طريق الأصحاب ما رواه أبو بصير (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال من صلّى و لم يصلّ على النّبي و تركه عامدا فلا صلاة له، و أما قول الشيخ إنها ركن، فإن عنى الوجوب و البطلان بتركها عمدا فهو صواب، و إن عنى ما نفسّر به الرّكن فلا.

ثمّ قال في الاستدلال على وجوب الصلاة على آله (صلّى اللّه عليه و آله): لنا ما رواه كعب بن عجرة (2) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول في صلاته اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم إنّك حميد مجيد، فيجب متابعته لقوله (3) (صلّى اللّه عليه و آله) «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» و حديث جابر الجعفيّ عن أبى جعفر عن ابن مسعود الأنصاري [4]

____________

[1] هكذا في المعتبر ص 188 و المنتهى ج 1 ص 293 و الشيخ في الخلاف المسئلة 132 من كتاب الصلاة ج 1 ص 120 ط شركة دار المعارف الإسلامية لكن في الخلاف

____________

(1) انظر الوسائل الباب 10 من أبواب التشهد.

(2) انظر البيهقي ج 2 ص 147 و الام للشافعي ج 1 ص 117.

(3) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب رحمة الناس و البهائم ج 13 ص 44 فتح الباري و في باب اجازة خبر الواحد ج 16 ص 364 فتح الباري و في الأدب المفرد تراه في فضل اللّه الصمد الباب 108 الحديث 213 ج 1 ص 303 و أخرجه الدارمي أيضا ج 1 ص 286 و الشافعي في الأم ج 1 ص 158 و أخرجه أحمد في المسند ج 5 ص 53 بلفظ و صلوا كما تروني أصلّي.

199

قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من صلّى صلاة و لم يصلّ فيها علىّ و على أهل بيتي لم تقبل منه انتهى.

و تلخيص الكلام أنّ ظاهر الآية الوجوب في الجملة، و ليس في غير الصلاة للأصل، و عدم الدليل، و شهرته حتّى ادّعى بعض أكابر العلماء الإجماع عليه، فليكن في الصلاة، مؤيدا بما دلّ عليه من الأخبار و الإجماع فافهم.

ثمّ في الكشاف (1): فان قلت فما تقول في الصلاة على غيره؟ قلت: القياس جواز الصّلاة على كلّ مؤمن، لقوله «هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ» و قوله «وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» و قوله (عليه السلام) «اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى».

و لكن للعلماء تفصيلا في ذلك، و هو أنّها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلّى اللّه على النّبي و آله، فلا كلام فيها، و أما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو، فمكروه لأنّ ذلك صار شعارا لذكر رسول اللّه، و لأنّه يؤدّى إلى الاتّهام بالرفض، و قال رسول اللّه من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التّهم انتهى.

____________

عن ابى مسعود الأنصاري مكان ابن مسعود و لعله هو الصحيح فقد روى الحديث في نيل الأوطار ج 2 ص 296 عن الدارقطني عن ابى مسعود و هو في سنن الدارقطني ج 1 ص 355 عن جابر عن ابى جعفر عن ابى مسعود الأنصاري.

و أبو مسعود الأنصاري على ما في أسد الغابة ج 5 ص 296 اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن اسيرة و يقال يسيرة و هو المعروف بالبدرى لأنه سكن أو نزل ماء بدر و شهد العقبة و لم يشهد بدرا عند أكثر أهل السير و قيل شهد بدرا انتهى ما أردنا نقله و اما ابن مسعود فلم يكن من الأنصار و قد روى الحديث في مستدرك الوسائل ج 1 ص 334 عن متشابه القرآن لابن شهرآشوب عن ابن مسعود الأنصاري من دون ذكر من قبله و كذا نقله في جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 356 بالرقم 3338 عن المستدرك و أظن ان الصحيح في الكل أبو مسعود الأنصاري كما في الخلاف و الدارقطني.

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 558 و انظر في ذلك تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 138 و ص 139.

200

و لا يخفى أنّ ما ذكره من الكتاب و السنّة نصّ في الباب يفيد القطع في المقام، و يقتضي الجواز مطلقا بل الانفراد بخصوصه، فلا مجال للتفصيل، و مثل ذلك قوله «وَ بَشِّرِ الصّٰابِرِينَ الَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» فإنه إذا ثبت لهم ذلك من اللّه سبحانه، جاز القول أو الدّعاء لهم بذلك، فلا ينبغي جعل ذلك شعارا لذكره (صلّى اللّه عليه و آله) بمنع ذلك عند ذكر غيره (صلّى اللّه عليه و آله) ممّن يستأهل ذلك، و لا بتركه، و لا جعل هذا مانعا من ذلك، كيف و لا وجه للحكم بكراهة ما ثبت بالكتاب و السنّة الترغيب فيه و التحريص عليه و- الأمر به.

على أن كون أهل بيته (عليهم السلام) في حال الانفراد في ذلك مثله (صلّى اللّه عليه و آله) ممّا لا قصور فيه، بل فيه مزيد تعظيم له، فان ذلك لأنّهم أهل بيته (صلّى اللّه عليه و آله) و أقرب النّاس إليه و أمسّهم به نسبا و شرفا و حثّنا هو (صلّى اللّه عليه و آله) على مودّتهم و تعظيم شأنهم، و إنّما صار ذلك شعارا للرفضة لترك غيرهم ذلك بغير وجه، مع فعلهم اتّباعا للكتاب و السنّة كما في كثير من الأصول و الفروع، فان كان تداولهم بشيء من الأعمال الدينيّة موجبا لتركه أو كراهته عندهم، لزمهم ذلك في جميع العبادات.

و بالجملة ما ثبت شرعا من حكم لا ينبغي فيه الذّهاب إلى خلافه، و لا ترك مقتضاه بسبب أنّ جماعة من المسلمين يتداولونه، فان ذلك عناد و تعصّب، نعوذ باللّه منه، و قد وقع لهم من ذلك كثير كتسنيم القبور و التختّم بالشّمال و غير ذلك.

و أمّا قوله «وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» أي انقادوا له في الأمور كلّها و أطيعوه، أو سلموا عليه بأن تقولوا السلام عليك يا رسول اللّه، و نحو ذلك، و ربّما رجح هذا بمقارنته بالصلاة، و قد يحمل على المعنيين معا، و على التقديرين فيه دلالة على وجوب السلام في الجملة فهو إما في ضمن التسليم المخرج من الصلاة كما قيل و استدلّ به عليه على قياس الصّلاة، أو بقول السّلام عليك أيّها النبيّ و رحمة اللّه و بركاته قبل التسليم المخرج كما في الكنز، و الاستدلال على نحو ما تقدّم، مع أنّ الظاهر التسليم على النّبي فلا يشمل نحو التسليم المخرج، أو ذلك شيء كان في حال حياته

201

كما احتمله شيخنا مع احتمال الاستحباب مطلقا، أو مؤكّدا في الصّلاة، و اللّه أعلم.

ثمّ ذيّل سبحانه الأمر بالصلاة عليه و السلام بالوعيد الشّديد على أذاه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذٰاباً مُهِيناً».

عن عليّ (عليه السلام) (1) حدّثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو آخذ بشعره فقال من آذى شعرة منك فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه، و من آذى اللّه فعليه لعنة اللّه، و ينبّه على شدّة قبح ذلك أيضا حرمة الأذى و وضوح قبحه بالنّسبة إلى كلّ مؤمن و مؤمنة بغير ما يوجب استحقاق ذلك، المدلول عليه بقوله «وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنٰاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتٰاناً وَ إِثْماً مُبِيناً» و لما لم يكن أذى اللّه و رسوله إلّا بغير حقّ لم يقيّد كما قيّد هنا.

ثمّ قال «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ قُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمٰالَكُمْ» بالقبول و الإثابة عليها، أو بالتوفيق للمجيء بها صالحة مرضيّة «وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ» و فيه تنبيه بأنّ حفظ اللّسان و سداد القول رأس كلّ خير.

النوع السادس في المندوبات- و فيه آيات

[رفع اليدين في التكبيرات]

الاولى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ [الكوثر: 2] قيل: إنّ أناسا كانوا يصلّون و ينحرون لغير اللّه، فأمر اللّه نبيّه أن يصلّي و ينحر للّه عزّ و جل، أي فصلّ لوجه ربّك إذا صلّيت لا لغيره، و انحر لوجهه و باسمه إذا نحرت مخالفا أعمالهم في العبادة و النحر لغيره كالأوثان، و قيل: هي صلاة الفجر بجمع و النحر بمنى، و قيل: صلاة العيد فيكون دليلا على وجوبها، و

____________

(1) و انظر أيضا الباب الثاني عشر و المائة من كتاب فضائل الخمسة ج 2 من ص 226 الى ص 228 الأحاديث في قول النبي (ص) من أذى عليا فقد آذاني كلها من طرق أهل السنة.

202

الشّرائط مستفاد من السنّة الشّريفة، و قد يؤيّده «وَ انْحَرْ» على تقدير أنّ المراد به نحر الإبل كما قيل، و يمكن أن يعمّ الذّبح فيشمل الشّاة و غيرها، و المراد الهدي الواجب (1) كما في المعالم أو الأضحيّة كما في الكشاف.

و حينئذ فيمكن اختصاص الوجوب به (عليه السلام) للإجماع المنقول على عدم وجوبها على أمّته، بل الظاهر أنّها سنّة مؤكّدة للأخبار المذكورة في موضعها.

و في الدروس (2): و روى الصّدوق خبرين بوجوبها على الواجد، و أخذ ابن الجنيد بهما، و قيل: صلّ صلاة الفرض لربّك، و استقبل القبلة بنحرك من قول العرب منازلنا تتناحر: أي تتقابل، كذا في الجمع و نقل شيخنا (3) هذا القول على أن المراد الصّلاة مطلقا، و روى الشّيخ في الصّحيح (4) عن حمّاد عن حريز عن رجل عن أبى جعفر (عليه السلام) قال قلت له فصلّ لربّك و انحر، قال: النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره، و كأنّ هذا معنى آخر.

في الكشاف: نحر الدّار الدار كمنع استقبلتها، و الرّجل في الصّلاة انتصب و نهد صدره، أو وضع يمينه على شماله، أو انتصب بنحره إزاء القبلة.

____________

(1) و انظر اللباب للخازن ج 4 ص 416 و الكشاف ج 4 ص 807 و فيهما ذكر أقوال أخر أيضا.

(2) و ترى الحديثين في الفقيه ط النجف ج 2 ص 292 الرقم 1445 و 1446 و هو في الوسائل ج 10 ص 173 المسلسل 18990 و 18991.

(3) انظر زبدة البيان ط المرتضوي ص 89 و نقل هذا القول أيضا في المجمع انظر ج 5 ص 550 و انشد بيتا و استشهد به على صحة هذا الاستعمال.

(4) و هو في التهذيب ج 2 ص 84 الرقم 309 و في الكافي ج 1 ص 93 و المرآت ج 3 ص 132 و الوسائل الباب 2 من أبواب القيام ج 4 ص 694 المسلسل 7139 و الرجل الذي روى عنه حريز مجهول و لذا عده في المرآت من المراسيل فلم أدر كيف جعله المصنف من الصحيح.

203

هذا و قد روى العامّة (1) عن عليّ (عليه السلام) أنّ معناه ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر، و هو غير صحيح عنه، بل عترته الطّاهرة مجمعون على خلاف ذلك.

و قيل: إنّ معناه ارفع يديك في الصّلاة بالتّكبير إلى محاذاة النّحر أي نحر الصدر و هو أعلاه، و هو الذي يقتضيه روايات عن أهل البيت (عليهم السلام) كرواية (2) عمر بن يزيد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في قوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ هو رفع يديك حذاء وجهك.

و رواية عبد اللّه بن سنان عنه (عليه السلام) مثله، و رواية جميل: قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): فصلّ لربّك و انحر، فقال بيده هكذا يعني استقبل بيديه حذو وجهه القبلة في افتتاح الصّلاة.

و رواية حمّاد بن عثمان قال: سألت الصادق (عليه السلام) ما النحر؟ فرفع يديه إلى صدره فقال: هكذا ثمّ رفعهما فوق ذلك، فقال هكذا، يعني استقبل بيديه القبلة في استفتاح الصّلاة.

و رواية مقاتل بن حيّان عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:

لمّا نزلت هذه السّورة قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لجبرئيل ما هذه النّحيرة الّتي أمرني ربّي؟

قال: ليست بنحيرة و لكنّه يأمرك إذا عزمت للصّلاة أن ترفع يديك إذا كبّرت، و إذا ركعت، و إذا رفعت رأسك من الركوع، و إذا سجدت، فإنّه صلاتنا و صلاة

____________

(1) الدر المنثور ج 6 ص 403 و انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 214 فقد أوضحنا فيه اضطراب الحديث متنا و سندا حتى من طريق أهل السنة.

(2) ترى روايات عمر بن يزيد و عبد اللّه بن سنان و جميل و حماد بن عثمان و مقاتل بن حيان في المجمع ج 5 ص 550 و الوسائل الباب 9 من أبواب التكبير ج 4 ص 727 و ص 728 من المسلسل 7265 الى 7269 نقلها عن المجمع لكنه لم يرو في الوسائل حديث حماد بن عثمان المروي في المجمع كما حكاه المصنف و اخرج حديث على (عليه السلام) المروي هنا أيضا في الدر المنثور ج 6 ص 403 و فتح القدير ج 5 ص 490 و ادعى الحاكم في المستدرك ج 2 ص 537 انه من أحسن ما روى في تفسير الآية و تفاوت ألفاظ الحديث في المصادر المذكورة يسير.

204

الملائكة في السّموات السّبع، فان لكلّ شيء زينة و إنّ زينة الصّلاة رفع الأيدي على كلّ تكبيرة.

قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (1) رفع الأيدي من الاستكانة، قلت: و ما الاستكانة؟ قال:

ألا تقرء هذه الآية «فَمَا اسْتَكٰانُوا لِرَبِّهِمْ وَ مٰا يَتَضَرَّعُونَ» أورد هذا الثعلبيّ و الواحديّ في تفسيريهما.

فالظاهر أنّ المراد رفع اليدين بالتكبير فيها حذاء النّحر، بحيث يقع الأصابع أو بعض الكفّ أيضا حذاء الوجه، و هو على هيئة النّاظر إلى موضع سجوده، فيرتفع اختلاف الروايات باعتبار الوجه و الصدر.

و قد ينبّه عليه رواية (2) زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ترفع يديك في افتتاح الصّلاة قبالة وجهك و لا ترفعهما كلّ ذلك، و صحيحة [3] معاوية بن عمّار قال: رأيت

____________

[1] الوسائل الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام ج 4 ص 725 المسلسل 7253 و هو في التهذيب ج 2 ص 95 الرقم 234 و أورده في المنتقى ج 1 ص 402 هكذا محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد عن حماد بن عيسى عن فضالة عن معاوية بن عمار قال رأيت أبا عبد اللّه حين افتتح الصلاة يرفع يديه أسفل من وجهه قليلا.

ثم قال في المنتقى قلت هكذا صورة اسناد هذا الحديث في نسخ التهذيب و هو مما وقع فيه الغلط بوضع كلمة عن في موضع واو العطف كما نبهنا عليه إجمالا و تفصيلا فان حماد بن عيسى و فضالة يرويان معا عن معاوية بن عمار و الحسين بن سعيد يروى عنهما عنه و ذلك شائع معروف و قد راجعت خط الشيخ فوجدت قلمه قد سهى فيه و أظنه مما تداركه بالإصلاح على النحو الذي ذكرناه في فوائد المقدمة و ذلك بوصل طرفي العين ليصير واوا و هو مما لا يكاد يتفطن له لبعده عن الصورة المعهودة للواو، و قد عرض لموضع الإصلاح هنا في خط الشيخ محو قليل قوى بسببه الاشتباه فلذلك توقفنا عن الجزم بالإصلاح كما اتفق لنا في غير هذا الموضع إذ كان هناك سليما من هذا المعارض فحققناه بالتأمل انتهى ما في المنتقى.

____________

(1) انظر كنز العرفان ج 1 ص 147.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب تكبيرة الإحرام ج 4 ص 728 المسلسل 7269 عن فروع الكافي و هو في المنتقى ج 1 ص 405.

205

أبا عبد اللّه (عليه السلام) حين افتتح الصّلاة يرفع يديه أسفل من وجهه قليلا، و صحيحة صفوان بن مهران (1) قال: رأيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) إذا كبّر في الصّلاة يرفع يديه حتّى يكاد تبلغ أذنيه.

أو أقلّ ذلك بلوغ محاذاة النّحر أو إلى النحر و غايته أن لا يتجاوز أذنيه كما تنبّه عليه حسنة (2) زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) قال إذا قمت في الصّلاة فكبّرت فارفع يديك و لا تجاوز بكفّيك أذنيك أي حيال خدّيك.

و في صحاح العامّة (3) أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) رفع يديه حتّى كانتا بحيال منكبيه، و حاذى إبهاميه أذنيه، ثمّ كبّر، و قال في رواية أخرى: حتّى رأيت إبهاميه قريبا من أذنيه، فكلّ ذلك لا ينافي كون يديه حيال منكبيه، و هما مثل النّحر في رواياتنا.

على أنّه لا مانع أن يراد رفع اليدين فوق النحر إذا كان مقتضى الرّوايات ذلك، و اللّه اعلم.

ثمّ ظاهر الأمر الوجوب كما ذهب إليه المرتضى (قدّس اللّه روحه)، مستدلّا بإجماع الفرقة، و فعل النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام)، و مداومتهم، و في بعض الأخبار المعتبرة الأمر به أيضا، و رواية عبد اللّه بن سنان المتقدّمة أوردها الشّيخ في التهذيب في سند (4) صحيح أيضا، لكنّ المشهور بين الأصحاب الاستحباب، و يقتضيه الأصل و

____________

(1) الوسائل الباب المتقدم المسلسل 7252 و التهذيب ج 2 ص 95 الرقم 235 و هو في المنتقى ج 1 ص 404.

(2) الوسائل الباب 10 من أبواب تكبيرة الإحرام ج 4 ص 728 المسلسل 7270 عن فروع الكافي ج 1 ص 85 و هو في المنتقى ج 1 ص 405.

(3) انظر نيل الاوطارج 2 من ص 182 الى ص 192 ترى نقل الحديثين كما نقله المصنف في المنتقى و في شرحه نيل الأوطار بطرق مختلفة و ألفاظ متفاوتة عن الكتب الصحاح عندهم كما نقله المصنف.

(4) قد تقدم عن المجمع حديث عبد اللّه بن سنان مثل حديث عمر بن يزيد عن ابى عبد اللّه يقول في قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ هو رفع يديك حذاء وجهك و قد أورد الحديث في التهذيب ج 2 ص 66 بالرقم 237 و الوسائل الباب 9 من أبواب تكبيرة الإحرام ج 4 ص 725 المسلسل 7255 و في المنتقى ج 1 ص 403.

206

الشهرة، و قد يؤيّده الاحتمالات في هذه الآية، و نفي الوجوب عن غير الإمام في بعض الروايات الصحيحة مع عدم قائل ظاهرا بهذا الفرق، إلّا على كونه مؤكّدا في حقّ الامام، فمقتضى الوجوب ظاهرا يحمل على شدّة الاستحباب.

روى علىّ بن جعفر (1) في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: قال: على الامام أن يرفع يده في الصّلاة، و ليس على غيره أن يرفع يده في الصّلاة.

قال الشّيخ (رحمه اللّه): المعنى في هذا الخبر أنّ فعل الإمام أكثر فضلا و أشدّ تأكيدا من فعل المأموم و إن كان فعل المأموم أيضا فيه فضل، و كأنّه يريد المأموم مثلا. و كان الأولى غير الامام، و أيّد أيضا بعدم نقل حمّاد رفع اليد في بعض تكبيرات الصّلاة كتكبير السّجود، مع أنّ المقام للتعليم، و بدلالة رواية مقاتل (2) على أنّه من زينة الصّلاة و أنّه من التضرع و الخضوع فيها، و معلوم عدم وجوبهما، فإنّهما زائدتان على الأصل، و باحتمال أن يكون مراد السيّد أيضا بالوجوب الاستحباب، فإنّه قد يطلق ذلك عليه، و يؤيده أنّه لم ينقل عنه وجوب التّكبير صريحا.

و يبعد وجوب الرّفع مع عدم وجوب التكبير و جعل الرفع شرطا، و لهذا قال الشهيد كأنّه قائل بوجوب التّكبير أيضا، إذ لا معنى لوجوب الكيفيّة مع استحباب الأصل فليتأمل.

و أجيب عن حجج السيّد بمنع الإجماع، و على الرّجحان مسلّم و المفاد الاستحباب، و كذا مفاد فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) و مداومتهم، و غايته تأكيد الاستحباب و الأمر كثيرا ما يجيء للاستحباب أيضا هذا. و لا يخفى أنّ أكثر هذه الرّوايات في تكبير الافتتاح، فلو كان قول بالوجوب فيها وحدها لتوجّه، و مقتضى الاحتياط لا يخفى و أمّا الصّلاة حينئذ فظاهر البعض أنها أعمّ من الفرض و النفل،

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 287 الرقم 1153 و هو في الوسائل الباب المتقدم المسلسل 7258 و رواه عن الشيخ في المنتقى ج 1 ص 403 و رواه في الوسائل عن قرب الاسناد أيضا الا انه قال في آخره ان يرفع يديه في التكبير.

(2) قد مر آنفا عن المجمع.

207

لكن اختصاص الفرض بمقصود الآية غير بعيد، سيّما لو حمل على الوجوب و لو في الاستفتاح ثمّ الاحتياط في حقّ الإمام أولى كما لا يخفى.

[الاستعاذة]

النحل [98] فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّٰهِ مِنَ الشَّيْطٰانِ الرَّجِيمِ.

لما ذكر العمل الصالح و توعّد عليه جزيل الثواب، بقوله «مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰاةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ» وصل به قوله هذا إيذانا بأنّ الاستعاذة- كقراءة القرآن- عندها من جملة الأعمال الصّالحة الّتي يجزل اللّه عليها الثّواب.

و المعنى إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كقوله «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ» و قوله «إذا أكلت فسمّ اللّه» فعبّر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل، لأنه يوجد عند القصد و الإرادة بغير فاصل و على حسبه، فكان منه بسبب قويّ و ملابسة ظاهرة مع ظهور المراد و تبادره عرفا و شرعا كما يدلّ عليه إجماعنا و رواياتنا و رواياتهم بل إجماعهم أيضا.

و عن عبد اللّه بن مسعود (1) قرأت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقلت أعوذ بالسّميع العليم من الشّيطان الرّجيم، فقال يا بن أمّ عبد، قل: أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم، هكذا أقرأنيه جبرئيل (عليه السلام) عن القلم عن اللوح المحفوظ و عن أبي سعيد الخدريّ أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول قبل القراءة أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم (2) و هو ظاهر لفظ القرآن و المشهور بين الأصحاب، و به قال أبو حنيفة و الشّافعيّ و في

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 634 قال في الكاف الشاف رواه الثعلبي عن شيخه ابى الفضل محمد بن جعفر الخزاعي بإسناده الى ابن مسعود و رواه الواحدي في الوسيط عن الثعلبي.

(2) المروي عن ابى سعيد الخدري في تفسير الإمام الرازي ج 1 ص 61 عن البيهقي و المنتقى بشرح نيل الأوطار ج 2 ص 203 زيادة السميع العليم نعم في الوسائل الباب 57 من أبواب القراءة في الصلاة ج 4 ص 801 المسلسل 7550 عن الشهيد الأول في الذكرى عن ابى سعيد الخدري عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه كان يقول قبل القراءة أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم.

208

المجمع (1) و الاستعاذة استدفاع الأذى بالأعلى على وجه الخضوع و التذلّل، و تأويله استعذ باللّه من وسوسة الشّيطان عند قراءتك لتسلم في التّلاوة من الزّلل، و في التأويل من الخطل.

و الاستعاذة عند التّلاوة مستحبّة غير واجبة بلا خلاف، في الصّلاة و خارج الصّلاة فالظّاهر أنّ الحمل على الاستحباب إجماع و هو ظاهر كلام الأصحاب أيضا حتى ظاهر بعضها كون ذلك في صلاته، فيبعد الوجوب مختصّا به (عليه السلام) أيضا مع قرب الأمر من الاستحباب و كثرته فيه إلّا أنّ الظّاهر حينئذ كان استحبابها في أول قراءة كلّ ركعة كما هو أحد قولي الشّافعيّ للعموم ظاهرا عرفا لا قياسا كما في تفسير البيضاوي.

لكنّ الأخبار من طرقنا و طرقهم، و ما نقل من أوصاف صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) متّفقة على عدمها إلّا في الرّكعة الأولى في الجملة، و ربّما أيّد ذلك بأنّ الصّلاة كالفعل الواحد، و توجيه ذلك أنّ القراءة فيها كالواحدة لارتباط بعضها ببعض، و قصد الكلّ في ضمن الصّلاة و تخلّل الأذكار، و الأدعية غير قادحة كما في غير الصّلاة في الجملة فتأمّل.

قال في الذّكرى: و للشّيخ أبي عليّ ابن الشّيخ أبي جعفر الطّوسي قول بوجوب الاستعاذة للأمر به، و هو غريب، لأنّ الأمر هنا للندب بالاتّفاق، و قد نقل فيه والده في الخلاف الإجماع منّا، و قد روى الكلينيّ (2) بإسناده إلى فرات بن أحنف

____________

(1) انظر المجمع ج 3 ص 385.

(2) الوسائل الباب 11 من أبواب القراءة ج 4 ص 746 المسلسل 7345 عن فروع الكافي و هو في الفروع ج 1 ص 86 و في المرآت ج 3 ص 124 و في الوافي الجزء الخامس ص 99 و اللفظ في الكل أول كل كتاب نزل من السماء مكان مفتاح، فكلمة مفتاح في نسختنا سهو.

و قال المجلسي (قدس سره) في المرآت ينافيه بعض الروايات الدالة على انه لم يعطها اللّه غير نبينا و سليمان.

209

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مفتاح كلّ كتاب نزل من السّماء «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* فإذا قرأت «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* فلا تبال أن لا تستعيذ، فإذا قرأت «بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ»* سترتك فيما بين السّماء و الأرض انتهى.

و قيل المنقول عنه وجوبها في الرّكعة الأولى قبل الحمد فقط، فكأنّه نظر إلى أنّ ظاهره الوجوب مطلقا، و لم يقل به أحد، و يبعد وجوب الاستعاذة بمجرّد إرادة القراءة المندوبة، إذ له أن يرجع عنها فكيف الاستعاذة، و لهذا لا يجب الغسل و الوضوء لما يتوقف عليهما إلّا أن يكون واجبا، فيخصّ بأوّل الرّكعة الاولى و هو بعيد جدّا، لأنّ إرادة الرّكعة الاولى من الفريضة بعيد لا يفهم، و لا قرينة أصلا فلا يمكن إرادة اللّه تعالى ذلك، مع أنّه لم يذهب إليه سواه أحد و لا يوافقه ما نقل في وصف صلاة النبيّ و الأئمّة (عليهم السلام) حتّى حمّاد لم يذكر الاستعاذة في صفة صلاة الصّادق (عليه السلام) فالحمل على الاستحباب و إن كان مجازا متعيّن لما تقدّم.

[التهجد بالليل]

المزمّل [1- 2] يٰا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلّٰا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا.

المزّمّل المتزمّل، و هو الذي تزمّل في ثيابه أي تلفّف بها، أدغم التّاء في الزاء لقرب المخرج كما هو المشهور، و قرئ على الأصل، و المزمّل بتخفيف الزاي و فتح الميم و كسرها (1) على أنّه اسم فاعل أو مفعول من زمّله غيره، أو زمّل نفسه.

فقيل: و كان (2) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نائما باللّيل متزمّلا في قطيفة فنبّه و نودي بما تهجن إليه الحالة الّتي كان عليها من استعداده للاشتغال في النّوم كما يفعل من

____________

(1) نقل هذه الثلاثة في روح المعاني ج 29 ص 100 و الكشاف ج 3 ص 634 و نقل ابن خالويه المتزمل على الأصل و المزمل بكسر الميم في شواذ القرآن ص 164.

(2) هذا النظر ذكره في الكشاف ج 4 ص 634 و تحامل عليه المفسرون لاجترائه على هذه النسبة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مع ان خطاب اللّه تعالى إياه بهذا اللفظ انما كان للتأنيس و الملاطفة على عادة العرب كما خاطب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليا (عليه السلام) بقوله قم يا أبا تراب.

210

لا يهمّه أمر و لا يعنيه شأن، فأمر بان يختار على الهجوع التّهجّد و على التزمّل التشمّر للعبادة و المجاهدة في اللّه، لا جرم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد تشمّر لذلك و طائفة من أصحابه حقّ التشمّر، و أقبلوا على إحياء لياليهم، و رفضوا الرّقاد و الدّعة و جاهدوا فيه حتّى انتفخت أقدامهم و اصفرّت ألوانهم، و ترامي أمرهم إلى حدّ رحمهم ربّهم، فخفّف عنهم بما يأتي في آخر السّورة.

و قيل: كان (1) متزمّلا في مرط لعائشة يصلّي، فهو على هذا ليس بتهجين، بل هو ثناء و تحسين لحاله الّتي كان عليها.

و قيل: دخل على خديجة و قد جئت فرقا أوّل ما أتاه جبرئيل، و بوادره ترعد فقال: زمّلوني، فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبرئيل فقال: يا أيّها المزمّل.

و عن عكرمة أنّ المعنى: يا أيّها الذي زمّل أمرا عظيما أي حمّله، و الزمل الحمل، و ازدمله احتمله، و قرئ «قم اللّيل» بضمّ الميم و فتحها فقيل: الغرض بهذه الحركة التبلّغ بها هربا من التقاء السّاكنين، فبأيّ الحركات تحرّك فقد وقع الغرض (2).

«نِصْفَهُ» لا يبعد أن يكون بدلا من اللّيل المستثنى منه «قَلِيلًا» أي ما بقي بعد الاستثناء، و رجوع ضمير «منه» و «عليه» إلى قيام ذلك أو إلى «نِصْفَهُ» بتقدير واضح، و المعنى أيضا كذلك، لا يقال فحينئذ يلغو الاستثناء، فإنّه ينبغي حينئذ أن يقال: قم نصف اللّيل أو قم اللّيل نصفه، إذ يمكن أن يكون إشارة إلى نوع توسعة و أنّ النّصف تقريب كما هو أوفق بما تقدّم من قوله سبحانه «إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ» نصبا و جرّا.

على أنّه لا يبعد أن يكون المراد التوسعة و التخيير بين النصف و الأقلّ و الأكثر

____________

(1) هذا أيضا نقله في الكشاف و اعترض عليه الأكثرون أن السورة من أوائل ما نزلت بمكة فلا يستقيم ذلك!!

(2) الكشاف ج 4 ص 636.

211

مطلقا، أو إشارة إلى أنّ النّصف الذي هو وقت القيام، أكثر بركة و أقوى شرفا حتّى كأنّه أكثر بحيث إذا قام فيه قام اللّيل إلّا قليلا، أو أنّه إذا قام نصف اللّيل كأنّه قام اللّيل كلّه إلّا قليلا.

أو الاستثناء إشارة إلى وقت النّوم و الاستراحة من النّصف الآخر دون ما صرف منه في صلاة المغرب و العشاء و توابعهما، فكأنّه مستثنى عقلا، أو أنّ ما يقع فيه القيام من حيث القيام فيه كأنّه أكثر.

على أنّه لو كانت القلّة بالنّسبة إلى أعداد اللّيل كما قيل و يأتي، لم يلزم هنا لغو أصلا.

هذا كله إذا رجع ضمير «نِصْفَهُ» إلى اللّيل المطلق، أما إذا رجع إلى الباقي بعد الاستثناء أعني المبدل، كان المأمور بقيامه أقلّ من النصف، و النقصان و الزيادة منه و عليه، و التخيير قريب على الأول، و ربّما كان القليل المستثنى عبارة عما يصرف في العشائين و نحو ذلك من أول الليل و اللّه أعلم.

أو يكون بدلا عن قليلا و ضمير منه و عليه لليل المستثنى منه النّصف، أو لقيامه، و الحاصل قم نصف اللّيل أو أقلّ أو أكثر، و الاستثناء لا يلغو لما تقدّم.

«أَوِ انْقُصْ. أَوْ زِدْ» عطف على «قُمِ» على التقديرين فليتأمّل، و على الأخير يمكن أن يرجع ضمير منه و عليه إلى نصفه أو قليلا، و المعنى حينئذ قم اللّيل إلّا نصفه أو أنقص منه، أو أزيد، ف «أَوِ انْقُصْ مِنْهُ» إشارة إلى قيام أكثر من النّصف، و «أَوْ زِدْ» إلى قيام أقلّ من النّصف، و لا يبعد أن يكون ما نقل في مجمع البيان (1) و الجمع عن الصادق (عليه السلام) القليل النّصف أو انقص من القليل قليلا أو زد على القليل قليلا، إشارة إلى ذلك، و يمكن كونه إشارة إلى كل واحد من الأوّلين لكن على خلاف الظّاهر.

و يمكن كونه إشارة إلى ما ذكره الكشاف بقوله «و يجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا، و فسّرته به، أن تجعل قليلا الثّاني بمعنى نصف النّصف، و هو الرّبع، كأنّه

____________

(1) المجمع ج 5 ص 377.

212

قيل أو انقص منه قليلا نصفه، و يجعل المزيد على هذا القليل اعنى الربع نصف الربع كأنّه قيل أو زد عليه قليلا نصفه، قال: و يجوز ان تجعل الزّيادة لكونها مطلقة تتمّة الثلث، فيكون تخييرا بين النصف و الثلث و الرّبع».

و لا يخفى أنّ الأظهر أن تكون الزّيادة على النّصف المأمور بقيامه كالنّقصان كما هو ظاهر قوله: فيكون تخييرا. فلو جعل تتمّة الثلثين أو ما بين النصف إلى الثلثين لكان أظهر و انسب بقوله «أَدْنىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ» كما لا يخفى و لو جعل فيما قبله أيضا كذلك (1) لكان كذلك و كون الثلثين أقلّ من ثلاثة أرباع كما يقتضيه جعله القليل نصف المزيد عليه و المنقوص منه لا يمنع ذلك مع عدم لزومه كما لا يخفى.

و يمكن اعتبار الزّيادة و النقيصة بالنّسبة إلى القليل و النصف البدل عنه على هذا النّسق، فيكون التّخيير بين النّصف و الثلاثة الأرباع و الرّبع، و يأتي احتمال الثّلث في الرّبع كما تقدم، و يمكن اعتبار الزّيادة بالنّسبة إلى الباقي بعد النقصان و إلى النقصان، و هذا أولى بكلام الكشّاف، لو لا قوله فيكون تخييرا إلخ كما لا يخفى، بل أوفق بالرّواية أيضا فتأمل.

و في تفسير القاضي «وَ نِصْفَهُ» بدل من اللّيل، و الاستثناء من النّصف، و الضّمير في «منه» «و عليه» للأقلّ من النّصف كالثلث، فيكون التّخيير بينه و بين الأقلّ منه كالرّبع، و الأكثر منه كالنّصف أو للنصف و التّخيير بين أن يقوم أقلّ منه على البتّ و أن يختار أحد الأمرين من الأقلّ و الأكثر، أو الاستثناء من أعداد الليل، فإنّه عامّ و التّخيير بين قيام النّصف و النّاقص عنه و الزّائد عليه.

هذا و الأوّلان في الكشاف أيضا، و كون الاستثناء من نصفه مع اتّصاله باللّيل و تقدّمه على نصفه، و كون نصفه بدلا من اللّيل وحده مع توسّط الاستثناء خلاف الظّاهر، بعيد جدّا عن فصاحة كلام اللّه سبحانه.

و يلزم على الثّاني كون أو انقص منه لغوا، لأنّه بعينه معنى قم نصف اللّيل إلّا قليلا، و العذر بأنّ الترديد بين الشيء على البتّ و بينه و بين غيره على التخيير

____________

(1) و هو قوله: و يجوز إذا أبدلت إلخ.

213

كما قالوا، أو بأنّ «انْقُصْ» لمناسبة «أَوْ زِدْ» كما في مجمع البيان بعيد غير لائق أيضا قيل خصوصا الثّاني، فإنّ مرجعه إلى التخيير بينهما فليتأمل.

و لا يخفى أنّ القليل في الاستثناء و غيره ليس له حدّ معين، فكأنّه لا يحصل من استثناء القليل ثمّ اعتبار نقصان قليل من ذلك، معنى مشخّص محدود، فيبعد الترديد على هذا الوجه كما في الأوّل، و لهذا قيل: عليه يلزم كون الاستثناء لغوا، و قيل على الثّالث: إرادة القليل من اللّيالي- و هي ليالي القدر و المرض- من الاستثناء بعيد لعدم ظهور كون اللّيل للاستغراق و عدم الاحتياج إلى الاستثناء، و للاحتياج إلى التكلّف في الاستثناء و البدل، و في أو انقص أو زد فليتأمل فيه.

و الأمر بالقيام باللّيل للصّلاة أو القيام باللّيل كناية عن الصلاة باللّيل كما في مجمع البيان قال: المراد بقم الليل صلاة الليل بإجماع المفسّرين إلّا أبا مسلم، فإنّه قال: المراد قراءة القرآن في الليل.

في الكشاف: فان قلت: أ كان القيام فرضا أم نفلا؟ قلت: عن عائشة أنّ اللّه جعله تطوّعا بعد أن كان فريضة، و قيل: كان فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ثمّ نسخ بهنّ، إلّا ما تطوّعوا به. و عن الحسن كان قيام ثلث الليل فريضة و كانوا على ذلك سنة، و قيل: كان واجبا و إنّما وقع التّخيير في المقدار ثمّ نسخ بعد عشر سنين، و عن الكلبيّ كان الرّجل يقوم حتّى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النّصف و الثّلث و الثّلاثين.

و منهم من قال كان نفلا بدليل التّخيير في المقدار، و لقوله تعالى «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً لَكَ» انتهى و تقدّم عن المعالم أنّه كان واجبا على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأمة ثمّ نسخ الوجوب في حقّ الأمّة دونه (صلّى اللّه عليه و آله) فبقي مستحبّا عليهم واجبا عليه (عليه السلام).

و عن قتادة نسخ الوجوب في حقّه أيضا و قد سبق عن الراونديّ عن ابن عبّاس و أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّها فرضت على النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لم تفرض على غيره، فلا يبعد أن تكون هذه الآية إشارة إلى وجوب صلاة الليل عليه (صلّى اللّه عليه و آله) كقوله «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نٰافِلَةً» أي زيادة «لك» على باقي الفرائض، مخصوصة بك دون أمّتك على ما

214

قيل، و يكون المراد بالتّرخيص المفهوم من آخر السّورة التّخفيف في الوقت لا إسقاط الصّلاة بالكلّية.

و يمكن كونه إشارة إلى النّسخ عنه و مساواته للغير في الاستحباب مع التخفيف في الوقت عن الجميع، مع احتمال النّسخ عن الجميع، أو الأمّة وحدها، لكن مع بعد لقوله «وَ طٰائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ» خصوصا على ما روي أنّ المراد بالطّائفة عليّ و أبو ذرّ مع ما تقدّم عن ابن عبّاس و أبي عبد اللّه (عليه السلام) و موافقته للأصل، و عدم ثبوت الوجوب على غيره (صلّى اللّه عليه و آله) فتأمّل.

[القراءة في الصلاة]

و ترتيل القرآن قراءته على ترسّل و تؤدة، بتبيين الحروف، و إشباع الحركات حتّى يجيء المتلوّ منه شبيها بالثغر المرتّل و هو المفلّج، و أن لا يهذّه هذّا حتّى يشبه المتلوّ في تتابعه الثغر الألصّ.

عن أمير المؤمنين (عليه السلام): بيّنه تبيانا و لا تهذّه هذّ الشّعر، و لا تنثره نثر الرّمل، و لكن أفزع به القلوب القاسية، و لا يكوننّ همّ أحدكم آخر السّورة و عن ابن عبّاس لأن أقرء البقرة أرتّلها أحبّ إليّ من أن أقرء القرآن كلّه.

و عن الصّادق (عليه السلام) في التّرتيل هو أن تتمكّث فيه، و تحسّن به صوتك، و قال:

إذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فاسأل اللّه الجنّة، و إذا مررت بآية فيها ذكر النّار فتعوّذ باللّه من النّار (1).

و في المعالم عن أبي ذرّ قال: قام النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى أصبح بآية، و الآية «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبٰادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».

عن عائشة أنّها سئلت عن قراءة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقالت لا كسردكم هذا، لو أراد السّامع أن يعدّ حروفه لعدّها.

و «تَرْتِيلًا» تأكيد في إيجاب الأمر به، و أنّه ممّا لا بدّ للقارئ منه، بل للمصلّي بل في صلاة اللّيل، على أنّ المراد بقم اللّيل الأمر بصلاة اللّيل، و برتّل ترتيل القراءة فيها، أو في اللّيل على أنّ المراد زائدا عن الصّلاة، أو على قول أبي مسلم أنّ القيام للقراءة في اللّيل، أو مطلقا، و فيهما بعد، و الأخير أبعد لقوله فيما بعد «إِنَّ نٰاشِئَةَ»

____________

(1) مجمع البيان 1: 378.

215

الآية روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: يقال لصاحب القرآن: اقرء و ارق، و رتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا، فان منزلتك عند آخر آية تقرأها (1).

إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا.

هذه الآية اعتراض، و يعني بالقول الثّقيل القرآن، و ما فيه من الأوامر و النواهي الّتي هي تكاليف شاقّة ثقيلة على المكلّفين، خاصّة على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لانّه متحمّلها بنفسه، و محمّلها لأمّته، فهي أثقل عليه و أبهظ له فيحتاج في ضبط ذلك و تأديته إلى قيام الليل.

و أراد بهذا الاعتراض أنّ ما كلّفه من قيام اللّيل من جملة التّكاليف الثقيلة الصّعبة الّتي ورد بها القرآن، لانّ اللّيل وقت السّبات و الرّاحة، فلا بدّ لمن أحياه من مضادّة لطبعه و مجاهدة لنفسه، و قيل نزوله أو تلقّيه.

عن ابن عبّاس: كان إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه و تربّد له جلده، و عن عائشة رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه و انّ جبينه ليرفض عرقا (2) و عن الحسن: ثقيل في الميزان، و قيل ثقيل على المنافقين، و قيل كلام له وزن و رجحان، فيحتاج الى مزيد تدبّر و تأمّل و وقت لائق بذلك، فلا بدّ من قيام الليل.

إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا.

ناشئة اللّيل: النفس النّاشئة باللّيل الّتي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي تنهض و ترتفع، من نشأت السحابة: إذا ارتفعت، و نشأ من مكانه إذا نهض.

أو قيام اللّيل، على أنّ الناشئة مصدر من نشأ إذا قام و نهض، و يدلّ عليه ما صحّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) هي قيام الرّجل عن فراشه لا يريد به إلّا اللّه، و ما روي عن عبيد بن عمير قلت لعائشة: رجل قام من أوّل اللّيل أ تقولين له قام ناشئة من اللّيل

____________

(1) المجمع ج 5 ص 377.

(2) الكشاف ج 4 ص 638.

216

قالت: لا، إنّما النّاشئة القيام بعد النّوم، أو العبادة الّتي تنشأ باللّيل أي تحدث و ترتفع.

و قيل هي ساعات اللّيل كلّها، لأنّها تحدث واحدة بعد اخرى، و قيل السّاعات الأول منها، من نشأت إذا ابتدأت عن عكرمة، و عن الحسن كلّ صلاة بعد العشاء فهي ناشئة في اللّيل، هي خاصة دون ناشئة النهار.

و عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه كان يصلّي بين المغرب و العشاء و يقول أما سمعتم قول اللّه تعالى «إِنَّ نٰاشِئَةَ اللَّيْلِ» هذه ناشئة اللّيل، و لم يثبت، و لو ثبت فلعلّه ليس معناه اختصاص النّاشئة بالسّاعات الأول، بل هي مطلق السّاعات أو القيام في مطلقها كما هو قول الأكثر.

لكن في المعالم بعد أن قدّم عن ابن عباس أنّ اللّيل كلّه ناشئة: و قال ابن عباس كانت صلاتهم أوّل اللّيل هي أشدّ وطأ يقول هو أجدر أن تحصوا ما فرض اللّه عليكم من القيام، و ذلك انّ الإنسان إذا نام لم يعرف متى يستيقظ، و رواه عنه أبو داود في صحيحه، و قوله (عليه السلام) ناظر الى ذلك فليتأمّل فيه.

«أَشَدُّ وَطْئاً» اي مواطاة يواطئ قلبها لسانها إن أردت النفس، أو يواطئ فيها قلب القائم لسانه إن أردت القيام أو العبادة أو السّاعات، أو أشدّ موافقة لما يراد من العبادة و الخشوع و الإخلاص، و يؤيّده ما تقدّم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و عن الحسن أشدّ موافقة بين السرّ و العلانية، لانقطاع رؤية الخلائق، و قرئ «أشدّ وطأ» بالفتح و السكون (1) و المعنى أشدّ ثبات قدم و أبعد من الزّلل، أو أثقل، و أغلظ على المصلّي من صلاة النّهار، من قوله (عليه السلام) «اشدد وطأتك على مضر».

«وَ أَقْوَمُ قِيلًا» و أسدّ مقالا و أثبت قراءة لهدوّ الأصوات، و عن أنس أنّه قرأ و أصوب قيلا، و قال إنّهما واحد.

إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا.

____________

(1) المجمع ج 5 ص 375.

217

سبحا: تصرّفا و تقلّبا في مهمّاتك و شواغلك، فلا تفرغ كما ينبغي لعبادتك و مناجاة ربّك الّتي تقتضي فراغ البال إلّا باللّيل، فاجعله لذلك لتفوز بخير الدّنيا و الآخرة، و قيل: فراغا و سعة لنومك و تصرّفك في حوائجك، و هو مرويّ عنهم (عليهم السلام) و قيل إن فاتك من اللّيل شيء فلك في النّهار فراغ تقدر على تداركه فيه، و أما القراءة بالخاء (1) فاستعارة من سبخ الصّوف و هو نفشه و نشر أجزائه لانتشار الهمّ، و تفرّق القلب بالشّواغل.

«وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ» و دم على ذكره في ليلك و نهارك، و أحرص عليه، و ذكر اللّه يتناول كلّ ما كان من ذكر طيّب: تسبيح و تهليل و تكبير و تمجيد و توحيد و صلاة و تلاوة قرآن و دراسة علم و غير ذلك ممّا كان رسول اللّه استغرق به ساعات ليله و نهاره كذا في الكشاف، و قريب منه في تفسير القاضي و الجوامع، و قد استدلّ به على وجوب البسملة.

و قيل: المراد به الدّعاء بذكر أسمائه الحسنى كما في قوله «وَ لِلّٰهِ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ فَادْعُوهُ بِهٰا» و يستدلّ بذلك على جواز الدّعاء في جميع الحالات، و في الصلاة للدّين و الدّنيا، و لإخوانه المؤمنين، و لشخص بعينه، قال في الكنز: و ليس بعيدا من الصواب لعموم قوله «وَ قٰالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ» الآية و كلّ ذلك موضع تأمّل كما لا يخفى.

«وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا» و انقطع إليه، و قال تبتيلا لأنّ معنى تبتّل بتّل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة لحقّ الفواصل، روى محمّد بن مسلم و حمران بن أعين عن الصّادق (2) (عليه السلام) أنّ التبتّل هنا رفع اليدين في الصّلاة، و في رواية أبي بصير قال:

هو رفع يديك إلى اللّه و تضرّعك إليه، و يمكن أن يكون ذلك علامة للانقطاع إليه

____________

(1) نقل هذه القراءة في روح المعاني ج 29 ص 106 عن ابن يعمر و عكرمة و ابن ابى عبلة و نقلها ابن خالويه في شواذ القرآن ص 164 عن يحيى بن يعمر.

(2) المجمع ج 5 ص 378.

218

الذي هو معنى التبتيل، و دليلا عليه فيستحبّ فتأمّل.

ثمّ يمكن حينئذ أن يكون المراد بالذكر الذّكر في قيام اللّيل فتفكر.

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طٰائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللّٰهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضىٰ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ آخَرُونَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَاقْرَؤُا مٰا تَيَسَّرَ مِنْهُ.

قد تقدّم في بحث القراءة ما يتعلّق بذلك، و أنّه ناسخ لما دلّ عليه أوّل السّورة من تحديد الوقت أو وجوب القيام و صلاة اللّيل عنه (صلّى اللّه عليه و آله) فقط، لعدم الوجوب على غيره، أو عنهم جميعا للوجوب عليهم أيضا أو عنهم فقط لبقاء ذلك عليه، و أنّ المراد بالقراءة صلاة اللّيل قال في المجمع: هو قول أكثر المفسّرين كما أنّ المراد بقم اللّيل صلاة اللّيل بإجماع المفسّرين إلّا أبا مسلم، فإنّه قال المراد قراءة القرآن في الليل.

و لا يخفى ما في هذا التّخفيف من التّرغيب و التّحريص على فعل ما تيسّر، حتّى لو لا الإجماع أمكن القول بالوجوب بذلك كما قيل، حملا على القراءة في الفريضة، فلا ينبغي ترك صلاة اللّيل بالكلّية، و لا النقصان من ثلاثة عشر ركعة المشهورة مع التيسّر، و يفهم عدم سقوطها سفرا و لا مرضا، و قد يفهم من الأخبار أيضا بل الإجماع أيضا.

و كذا قراءة القرآن على ما قيل، فإنّ قراءة القرآن مع ما تقدم فيها فضل عظيم، خصوصا في اللّيل، و يدلّ عليها أخبار العامّة و الخاصّة، و قيل واجبة كفاية للحفظ في الصدر لبقاء الأحكام و المعجزة و أدلّة أصول الدّين، فلا يبعد حمل الآية عليه، و فيه نظر كما قيل، للزوم كون القيود لغوا فتأمّل، و قد قدّمنا أنّ القائلين بأنّ المراد قراءة القرآن فيهم من حدّه بخمسين آية، و من حدّه بمائة، و من حدّه بمائتين، و الذي ينبغي أن يكون المراد حينئذ ما يصدق عليه ما تيسّر، و كلّما زاد كان أحسن، و ما ورد من المقدار محمول على تأكيد فضله.

219

روي عن الصّادق (1) (عليه السلام) أنّه قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من قرأ عشر آيات في ليل لم يكتب من الغافلين، و من قرأ خمسين آية كتب من الذّاكرين، و من قرأ مائة آية كتب من القانتين، و من قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، و من قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، و من قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، و من قرأ ألف آية كتب له قنطار من برّ، و القنطار خمسة عشر مثقالا من الذّهب، و المثقال أربعة و عشرون قيراطا أصغرها مثل جبل أحد، و أكبرها ما بين السماء و الأرض.

و قال الصادق (2) (عليه السلام) من قرأ في المصحف متّع ببصره، و خفّف عن والديه، و لو كانا كافرين.

ثمّ ينبغي القراءة من المصحف و إن كان حافظا:

عنه (عليه السلام) يرفعه إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): ليس شيء أشدّ على الشّيطان من القراءة في المصحف نظرا، و عنه (عليه السلام) أنّه قال لاسحاق بن عمّار (3): اقرأه و انظر في المصحف فهو أفضل، أما علمت أنّ النظر في المصحف عبادة، و عنه (عليه السلام) (4) يقدّم لقارئ القرآن بكلّ حرف يقرأ في الصّلاة قائماً مائة حسنة، و قاعدا خمسون حسنة، و متطهّرا في غير الصّلاة خمس و عشرون حسنة، و غير متطهّر عشر حسنات. أما إنّي لا أقول المرحرف، بل له بالألف عشر، و باللام عشر، و بالميم عشر، و بالرّاء عشر، و فيه دلالة على أنّ الصّلاة قائماً أفضل حتّى الوتيرة، فلا تغفل، و الروايات في فضل قراءة القرآن و شرائطها كثيرة مذكورة في موضعها، و ينبغي أن يكون على الترتيل كما تقدّم.

____________

(1) هكذا في نسختنا المخطوط و كذا في نسخ مسالك الافهام و قد أوضحنا في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 226 أن الصحيح عن ابى جعفر و ترى الحديث في الوسائل الباب 17 من أبواب قراءة القرآن ج 4 ص 851 المسلسل 7734 و البحار ج 19 ص 50.

(2) الوسائل الباب 19 من أبواب قراءة القرآن ج 4 ص 853 المسلسل 7737 و 7783.

(3) الوسائل المسلسل 7739.

(4) البحار ج 19 ص 51.

220

قوله «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» ظاهر أنّ فضل اللّه أعمّ من المال و العلم و الثّواب و غيرها فيدخل فيه السّفر للتجارة و تحصيل المال، و لتحصيل العلم و الحجّ و الزيارات، و صلة الرّحم و نحوها، و قد ورد من طرق العامّة و الخاصّة روايات في الحثّ على التّجارة مذكورة في موضعها.

نقل عن ابن مسعود (1) أيّما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه، كان عند اللّه بمنزلة الشّهداء ثمّ قرأ «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ» الآية.

«وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ» المفروضة، و قيل هو النّاسخ لهذا الترخيص النّاسخ للأوّل و فيه نظر. «وَ آتُوا الزَّكٰاةَ» الواجبة، و قيل زكاة الفطر لأنّه لم تكن زكاة بمكّة، و إنّما وجبت بعد ذلك، و من فسّرها بالزّكاة الواجبة جعل آخر السّورة مدنيّا.

«وَ أَقْرِضُوا اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً» على وجه حسن معروف خال عن الأذى و المنّة و الرّياء مثلا، و يجوز أن يراد به سائر الصدقات، و أن يراد أداء الزّكوة على أحسن وجه من أطيب المال و أعوده على الفقراء، و مراعاة النيّة، و ابتغاء وجه اللّه، و الصّرف إلى المستحقّ، و أن يراد كلّ شيء يفعل من الخير ممّا يتعلّق بالنّفس و المال، و روى سماعة عنه (عليه السلام) أنّ المراد به غير الزّكوة.

«وَ مٰا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللّٰهِ هُوَ خَيْراً» ما موصولة تضمّن معنى الشّرط مبتدأ مع صلته، و «تجدوه» خبره بمنزلة الجزاء، و الهاء مفعوله الأوّل، و «عند» ظرفه «و خيرا» مفعوله الثّاني و «هو» فصل و جاز و إن لم يقع بين معرفتين، لأنّ «أفعل من» أشبه المعرفة في امتناعه من حرف التعريف، فالمعنى خيرا ممّا تؤخّرونه إلى وقت الوصيّة كما روي أنّ عنبسة العابد (2) قال: قلت

____________

(1) الكشاف ج 4 ص 643 و في الكاف الشاف ذيله تخريجه و مثله في المجمع ج 5 ص 282 و الدر المنثور ج 6 ص 280.

(2) الكافي باب النوادر من الوصايا ج 2 ص 252 و التهذيب ج 9 ص 237 الرقم 924 في الزيادات من أحكام الوصايا و هو في الوسائل الباب 98 من أبواب أحكام الوصايا ج 13 ص 483 المسلسل 24895.

221

لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أوصني، فقال أعدّ جهازك، و قدّم زادك، و كن وصىّ نفسك، و لا تقل لغيرك يبعث إليك بما يصلحك.

أو خيرا من مطلق ما يترك إنفاقه أو فعله من القربات و الطّاعات، و ربّما احتمل مضمون «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرٰاتِ»* فكلّ ما قدّم و عجّل، كان خيرا و أعظم أجرا، و قيل بجواز كون هو تأكيدا و بدلا و صفة، و فيه أنّه يلزم تأكيد المنصوب بالمرفوع أو بدليّته عنه أو وصفه به، على أنّ المشهور أنّ الضّمير لا يوصف و لا يوصف به.

نعم ربّما جاز كون عند اللّه ظرفا للمفعول الأوّل بتقدير حاصلا و نحوه و حينئذ فربّما جاز كون هو تأكيدا أو بدلا من الضّمير فيه، أو صفة باعتبار متعلّقه، حيث هو من أوصافه و أحواله، لكن لا يخفى ما في الكلّ من التعسّف.

و يجوز أن يكون عند اللّه مفعولا ثانيا و هو على نحو ما ذكر و خيرا و أعظم حالان أو تميزان، أو الثّاني عطف تفسير مع نوع تأمّل فليتدبر.

و أعظم عطف على خيرا و أجرا تميز عن نسبة تجدوه عند اللّه أي خيرا و أعظم، أو عن نسبته إلى أعظم، و قرأ أبو السماك هو خير و أعظم أجرا على الابتداء و الخبر، فيكون عند اللّه مفعوله الثّاني، و الجملة حالية أو مستأنفة.

«وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ» في مجامع الأحوال، إذ الإنسان لا يخلو من تفريط، و الأكثر من تفاحش فيه، و ظاهر الأمر وجوب الاستغفار و وجهه «إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ستّار لذنوبكم، عفوّ عنكم، كثير الرّحمة بكم، عظيم الترحّم عليكم، فدلّت على وجوب الاستغفار و مشروعيّته دائما و إن لم يعلم بذنب، فكذا التّوبة لما ثبت أنّ الاستغفار من غير ندامة و رجوع إليه غير نافعة، و على قبول التّوبة أيضا.

و الذاريات [15- 19] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ آخِذِينَ مٰا آتٰاهُمْ رَبُّهُمْ.

قابلين جميع ذلك راضين به، يعني أنّه ليس فيما آتاهم إلّا ما هو متلقّى بالقبول، مرضىّ، لأنّ جميعه حسن طيّب.

222

إِنَّهُمْ كٰانُوا قَبْلَ ذٰلِكَ مُحْسِنِينَ.

أحسنوا أعمالهم. و ما بعد ذلك تفسير لإحسانهم.

كٰانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مٰا يَهْجَعُونَ وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

ما مزيدة و المعنى كانوا يهجعون في طائفة قليلة من اللّيل، إن جعلت قليلا ظرفا و لك أن تجعله صفة للمصدر أي كانوا يهجعون هجوعا قليلا قاله الكشاف، لكن اتّصال قليلا بمن اللّيل، مع تقدّمهما يأبى ذلك ظاهرا، فان المتبادر كون القليل من اللّيل، و إن أمكن كون من بمعنى الباء كالباء بمعنى من في قوله تعالى «عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اللّٰهِ» أي منها، فتدبّر.

أو ما مصدريّة أو موصولة على «كانوا قليلا من اللّيل هجوعهم» أو «ما يهجعون فيه» و ارتفاعه بقليلا على الفاعليّة، و فيه مبالغات: لفظ الهجوع و هو من النّوم، و قوله قليلا، و من اللّيل، لأنّ اللّيل وقت السّبات و الرّاحة و زيادة ما المؤكّدة كذلك.

وصفهم بأنّهم يحيون اللّيل متهجّدين فاذا أسحروا أخذوا في الاستغفار، كأنّهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، و قوله «هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» فيه أنّهم هم المستغفرون الأحقّاء بالاستغفار دون المصرّين، أو كأنّهم المختصّون به لاستدامتهم له، أو إطنابهم فيه.

فان قلت: هل يجوز أن تكون ما نافية كما قال بعضهم و أن يكون المعنى أنّهم لا يهجعون من اللّيل قليلا و يحيونه كلّه؟ قلت لا، لأنّ ما النّافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، تقول زيدا لم أضرب، و لا تقول زيدا ما ضربت كذا في الكشاف (1).

و في الحسن عن محمّد بن مسلم (2) أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الآية، فقال:

كانوا أقلّ اللّيالي تفوتهم لا يقومون فيها، و هو يحتمل ما تقدّم، أي أقلّ أجزاء

____________

(1) انظر الكشاف ج 4 ص 398 و 399 و المجمع ج 5 ص 155 و انظر أيضا روح المعاني ج 27 ص 5 و ص 6.

(2) الوسائل الباب 40 من أبواب الصلوات المندوبة ج 5 ص 279 المسلسل 10309 و مثله في البرهان ج 4 ص 231 و ما نقله المصنف ذيل الحديث

223

لياليهم تفوتهم لا يقومون فيها، كما قيل في الآية من أنّ معناها قلّ ليلة أتت عليهم إلّا صلّوا فيها، أي في قليل من اللّيالي ينامون فلا يصلّون، و ذلك لأنّ المراد حالهم في لياليهم.

و في المعالم (1): و وقف بعضهم على قوله «قَلِيلًا» أي كانوا من النّاس قليلا، ثمّ ابتدأ «مِنَ اللَّيْلِ مٰا يَهْجَعُونَ» و جعله جحدا أي لا ينامون باللّيل، بل يقومون للصّلاة و العبادة، و هو قول الضحّاك و مقاتل، هذا و لا يخفى أنّه يمكن كون «ما» حينئذ زائدة أو موصولة أو مصدرية كما تقدّم، و لا يتعين حمله على النّفي كما نقل، هذا.

و عن الكلبيّ و مجاهد و مقاتل «وَ بِالْأَسْحٰارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» يصلّون و ذلك أنّ صلاتهم لطلب المغفرة، و قيل الاستغفار في الوتر، و الظاهر الإطلاق كما تقدّم و خصّ الاستغفار بالسّحر مطلقا و مقيّدا في الأخبار كثيرا، لمزيد الاهتمام بالاستغفار و شرف الوقت، و استعداد الشّخص فيه غالبا.

و في عدّة الدّاعي في أشرف الأوقات، و أما الثّلث الأخير فمتواتر، قال رسول اللّه (2) (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان آخر اللّيل يقول اللّه سبحانه: هل من داع فأجيبه؟

هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟

و روى إبراهيم بن أبي محمود (3) قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما تقول في الحديث الذي يرويه النّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى ينزل في كلّ ليلة إلى السّماء الدّنيا؟ فقال (عليه السلام): لعن اللّه المحرّفين الكلم عن مواضعه، و اللّه ما قال رسول اللّه كذلك إنّما قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى ينزل ملكا إلى السّماء الدّنيا في كلّ ليلة في الثّلث الأخير، و ليلة الجمعة في أوّل اللّيل، فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ يا طالب

____________

(1) و كذا في اللباب ج 4 ص 181.

(2) الوسائل الباب 25 من أبواب الدعاء ج 4 ص 1118 المسلسل 8752 و مثله في الباب 30 ص 1125 المسلسل 8784 عن عدة الداعي.

(3) الوسائل الباب 44 من أبواب صلاة الجمعة ج 5 ص 72 المسلسل 9661.

224

الخير أقبل يا طالب الشرّ أقصر! فلا يزال ينادي حتّى يطلع الفجر فاذا طلع عاد إلى محلّه من ملكوت السّماء، حدّثني بذلك أبي عن جدّي عن آبائه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و في الحديث (1) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من ختم له بقيام اللّيل ثمّ مات فله الجنّة و أنّه جاء رجل (2) إلى عليّ (عليه السلام) فقال: إنّي قد حرمت صلاة اللّيل، فقال له:

أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك.

«وَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» السّائل الذي يستجدى، و المحروم الذي يحسب غنيّا فيحرم الصدقة لتعفّفه، عن النبيّ (3) (صلّى اللّه عليه و آله): ليس المسكين الذي تردّه الأكلة و الأكلتان، و التمرة و التمرتان. قالوا: فما هو؟ قال الذي لا يجد و لا يتصدّق عليه، و قيل: الذي لا ينمو له مال، و قيل: المحارف الذي لا يكاد يكسب، و يأتي تمام الكلام فيه في الزّكوة إن شاء اللّه تعالى.

الم السجدة [15- 17] إِنَّمٰا يُؤْمِنُ بِآيٰاتِنَا الَّذِينَ إِذٰا ذُكِّرُوا بِهٰا خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ تَتَجٰافىٰ»: ترتفع و تتنحّى «جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضٰاجِعِ».

أى الفرش و مواضع النّوم و الاضطجاع «يَدْعُونَ رَبَّهُمْ» أى داعين إيّاه خوفا من سخطه و طمعا في رحمته.

المشهور أنّهم المتهجّدون الّذين يقومون لصلاة اللّيل، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و في رواية عن الصّادق (4) (عليه السلام): ما من عمل حسن يعمله العبد إلّا و له ثواب في القرآن إلّا صلاة اللّيل، فان اللّه لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها فقال «تَتَجٰافىٰ» إلى «يَعْمَلُونَ». (5)

____________

(1) الوسائل الباب 39 من أبواب الصلوات المندوبة ج 5 ص 274 المسلسل 10288.

(2) الوسائل الباب 40 من أبواب الصلوات المندوبة ج 5 ص 279 المسلسل 10310.

(3) الكشاف ج 4 ص 399 و في الكاف الشاف أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.

(4) المجمع ج 4 ص 331.

(5) المجمع ج 4 ص 331 و تراه في الوسائل الباب 40 من أبواب الصلوات المندوبة ج 5 ص 280 المسلسل 10318.

225

و عن بلال (1) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عليكم بقيام الليل فإنّه دأب الصّالحين قبلكم و إنّ قيام الليل قربة إلى اللّه تعالى، و منهاة عن الإثم، و تكفير السيئات، و مطردة للدّاء عن الجسد.

و عنه (عليه السلام) (2) شرف المؤمن قيامه بالليل، و عزّه كفّ الأذى عن النّاس.

و عن أنس (3) بن مالك: كان أناس من أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فنزلت فيهم، و قيل: هم الّذين يصلّون صلاة العتمة لا ينامون عنها، هذه رواية الترمذيّ و الأولى رواية أبي داود كلاهما عن أنس.

و قيل هم الّذين يصلّون العشاء و الفجر في جماعة، في المعالم (4) روّينا أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من صلّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليله، و من صلّى الفجر في جماعة كان كقيام ليله.

و في تفسير القاضي (5): و عنه (عليه السلام) إذا جمع اللّه الأوّلين و الآخرين جاء مناد ينادى يسمع الخلائق كلّهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم؟ ثمّ يرجع فينادي: ليقم الّذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع! فيقومون و هم قليل، ثمّ يرجع فينادي: ليقم الّذين كانوا يحمدون اللّه في البأساء و الضرّاء، فيقومون و هم قليل، فيروحون جميعا إلى الجنّة، ثمّ يحاسب سائر الناس.

____________

(1) المجمع ج 4 ص 331.

(2) رواه بعين هذا اللفظ في الوسائل الباب 39 من أبواب الصلوات المندوبة ج 5 ص 270 المسلسل 10271 و ترى مضمونه في أحاديث كثيرة في هذا الباب.

(3) انظر الترمذي بشرح تحفة الاحوذى ج 4 ص 161 و روى ما نقله المصنف عن انس ثم قال في تحفة الاحوذى عند شرحه و رواه أبو داود عن انس بوجه أخر كما افاده المصنف (قدس سره) و انظر أيضا المجمع ج 4 ص 331 و الدر المنثور ج 5 ص 174 و الكشاف ج 3 ص 512 و تفسير ابن كثير ج 3 ص 459 و تفسير الخازن ج 3 ص 447.

(4) و مثله في تفسير الخازن ج 3 ص 447.

(5) البيضاوي ج 4 ص 35 ط مصطفى محمد.

226

«وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ» في اللّه «فَلٰا تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ».

قرئ «ما اخفي لهم» على البناء للمفعول، ما أخفى لهم على البناء (1) للفاعل و هو اللّه سبحانه «ما اخفي لهم» و «ما يخفى لهم» و «ما أخفيت» الثلاثة للمتكلّم و هو اللّه سبحانه، و ما بمعنى الذي أو بمعنى أيّ شيء، و قرئ من «قرّاة أعين» (2) لاختلاف أجناسها و المعنى: لا تعلم النّفوس كلّهنّ، و لا نفس واحدة منهنّ، لا ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل، أىّ نوع عظيم من الثّواب ادّخر اللّه سبحانه لأولئك و أخفاه من جميع خلائقه لا يعلمه إلّا هو ممّا تقرّ به عيونهم، و لا مزيد على هذه العدّة، و لا مطمح وراءها.

____________

(1) قال في روح المعاني ج 21 ص 118 قرء حمزة و يعقوب أخفى بسكون الياء فعلا مضارعا للمتكلم و ابن مسعود نخفي بنون العظمة و الأعمش أيضا أخفيت بالإسناد إلى ضمير المتكلم وحده و محمد بن كعب أخفى فعلا ماضيا مبنيا للفاعل انتهى ما أردنا نقله.

و في شواذ القرآن لابن خالويه ص 118 ما أخفيت لهم من قرة أعين الأعمش، ما نخفي لهم ابن مسعود ما أخفينا لهم حكاه أبو عبيد عن بعضهم و انظر أيضا الدر المنثور ج 5 ص 176 ترى بعض هذي القراءات مروية فيه.

(2) حكاه في المجمع ج 4 ص 330 عن أبي هريرة و في روح المعاني ج 21 ص 119 قال و قرء عبد اللّه و أبو الدرداء و أبو هريرة و عون و العقيلي من قرأت على الجمع بالألف و التاء و هي رواية عن ابى عمرو و ابى جعفر و الأعمش و جمع المصدر أو اسمه لاختلاف أنواع القرة و الجار و المجرور في موضع حال انتهى.

و في شواذ القرآن لابن خالويه ص 118 «من قرأت أعين» النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أبو هريرة و أبو الدرداء، و انظر أيضا الدر المنثور ج 5 ص 176 نقل هذه القراءة عن الحاكم و صححه و ابن مردويه عن أبي هريرة و كذا عن ابى عبيد في فضائله و سعيد بن منصور و ابن ابى حاتم و ابن الأنباري في المصاحف عن أبي هريرة.

227

ثمّ قال جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ.

فحسم أطماع المتمنّين، و عن النبيّ (1) (صلّى اللّه عليه و آله) يقول اللّه تعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، و لا اذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، بله ما اطّلعكهم عليه، أقروا إن شئتم «فَلٰا تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ».

و عن الحسن (2) أخفى القوم أعمالا في الدّنيا فأخفى اللّه لهم ما لا عين رأت و لا اذن سمعت، و ارتباط تتجافى بأنّما يؤمن ربّما أومأ إلى الوجوب، إذ كأنّه مما لا ينفكّ عن الايمان، فتأمّل.

____________

(1) المجمع ج 4 ص 331 و الخازن ج 3 ص 448 و ابن كثير ج 3 ص 460 و روح المعاني ج 21 ص 118 و الدر المنثور ج 5 ص 176.

(2) انظر تفسير ابن كثير ج 3 ص 460.

228

النوع السابع في أحكام متعددة يتعلق بالصلاة

و فيه آيات:

الاولى النساء [85] وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً.

أصل تحيّة تحيية (1)، نقلت كسرة الياء إلى ما قبلها و أدغم الياء في الياء و يعدّى بتضعيف العين، و إنّما قال بتحيّة بالباء، لأنّه لم يرد به المصدر، بل أراد بنوع من أنواع التحايا، و التنوين فيها للنوعيّة، و اشتقاقها من الحيوة، لأنّ المسلّم إذا قال: سلام عليكم، فقد دعا للمخاطب بالسّلامة من كلّ مكروه، و الموت من أشدّ المكاره، فدخل تحت الدّعاء، و اعلم أنّه لم يرد بحيّيتم سلام عليكم، بل كلّ تحيّة و برّ و إحسان، و يؤيّده ما ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن الصّادق (عليه السلام) أنّ المراد بالتحيّة في الآية السلام و غيره من البرّ كذا في الكنز (2).

و الذي يظهر من اللّغة و أكثر التّفاسير المعتبرة أنّ المراد بالتحيّة المتعارفة بين المسلمين أعني السلام بعد رفع ما كان في الجاهليّة حتّى روى النّهي عن ذلك مثل أنعم صباحا، و أنعم اللّه بك عينا، و اشتهر أنّ تحية الإسلام هو السّلام، في القاموس: التحية السلام و في مجمع البيان: اللغة (3) التحيّة السلام يقال حيّ يحيي تحيّة: إذا سلّم ثمّ قال: المعنى أمر تعالى المسلمين بردّ السلام ثمّ طوّل جاريا عليه إلى أن نقل ما تقدّم عن عليّ بن إبراهيم، و رجع إلى نحو ما تقدّم، و الكشاف (4) بنى على

____________

(1) قال في المقاييس ج 2 ص 122 الحاء و الياء و الحرف المعتل أصلان أحدهما خلاف الموت و الأخر الاستحياء الذي هو الوقاحة انتهى ما أردنا نقله.

(2) كنز العرفان ج 1 ص 155 و المجمع ج 2 ص 85.

(3) المجمع ج 2 ص 84.

(4) الكشاف ج 1 ص 544.

229

السلام و جرى عليه، و كذا الجمع و في المعالم (1): التحيّة دعاء الحيوة، و المراد بها هنا السّلام عليكم، و في تفسير القاضي (2) الجمهور على أنّه في السلام ثمّ جرى عليه إلى أن قال: و التحيّة في الأصل مصدر حيّاك اللّه على الاخبار من الحياة، ثمّ استعمل للحكم و الدّعاء بذلك، ثمّ قيل لكلّ دعاء فغلّب في السّلام، و قيل المراد بالتّحيّة العطيّة، و أوجب الثّواب أو الردّ على المتّهب، و هو قول قديم للشّافعيّ انتهى.

و لا يخفى أنّ ما نقل عن الشافعيّ خلاف الظّاهر المتبادر جدّا، و الأصل عدم وجوب عوض العطيّة، و وجوب ردّها، بل ردّها مذموم شرعا، فلا يمكن إيجابه بمثل هذا الاحتمال، بل الظّاهر أنه لا يحتمله.

و أمّا ما ذكره عليّ بن إبراهيم فالّذي أفهم ممّا وصل إليّ من كلامه أنّه يريد تفسير أحسن منها بالزّيادة في البرّ و الإحسان، و لهذا قال أو ردّوها يعني بمثلها من السلام، فلا نزاع حينئذ، و لا يبعد حمل ما تقدّم من الكنز على نحو ذلك بأن يراد أنّ المراد السّلام و ما مع السّلام من البرّ كرحمة اللّه و بركاته، فلو صحّت في ذلك رواية عنهم (عليهم السلام) احتمل ذلك، فلا يذهب به إلى خلاف ظاهر القرآن، و لا يؤوّل بها مطلقا.

و قيل: لو صحّت الرّواية المنقولة في ذلك يمكن حملها على الرجحان المطلق، لا الوجوب، إذ الظّاهر عدم القائل بوجوب تعويض كلّ برّ و إحسان، و هو معلوم من الرّوايات أيضا فتأمّل.

و يمكن أيضا الحمل على كلّ برّ ممّا يسمّى تحيّة على ما نقل من القول بوجوب الرّدّ في غير السّلام، كأنعم صباحا لعموم الآية، في كلّ ما يسمّى تحيّة، و هذا أيضا خلاف الظّاهر إلّا أنّه أقرب من بقيّة الأقوال غير خصوص السّلام، و لهذا لا خلاف في وجوب ردّه و غيره غير ظاهر كونه مرادا بالاية، فيترك بالأصل و

____________

(1) و كذا في اللباب ج 1 ص 376.

(2) البيضاوي ج 2 ص 105 ط مصطفى محمد.

230

لا يترك الاحتياط.

إذا عرفت ذلك فهنا أمور:

الف- ظاهر أصحابنا أنّ عليك السّلام بتقديم عليك أو عليكم و نحوه تسليم صحيح يوجب الردّ، و روى العامّة [1] عنه (عليه السلام) أنّه قال لمن قال عليك السّلام يا رسول اللّه: لا تقل عليك السّلام، فان عليك السّلام تحيّة الموتى، إذا سلّمت فقل سلام عليك فيقول الرادّ عليك السّلام، و لم يثبت ذلك عندنا، نعم الأولى ما تضمّنته، و لو صحّت لم يلزم عدم وجوب الردّ كما في رواية أخرى لهم أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ردّ عليه بعد نحو هذا الكلام.

ب- سلام و سلاما و السّلام الظّاهر صحّتها و وجوب جوابها، لوقوع الأوّلين في القرآن، و كون الأخير كالأوّل، و لظهور المراد عرفا و صدق التحيّة كذلك، و حذف الخبر و نحوه غير قادح في ذلك، بل جائز لغة و عرفا بل شرعا، و قيل:

يحتمل العدم للأصل، و عدم كونه متعارفا شرعا و عرفا عاما، و عدم العلم بكونه مرادا في الآية، لأنها غير صريح في العموم، لأنها مهملة، و إن كان ظاهرها عاما عرفا، فتأمّل فيه.

ج- و كذلك سلامي و سلام اللّه عليك أو عليكم و نحوه على ما صرّح به شيخنا (2) سلمه اللّه، و ينبّه عليه بعض الرّوايات، و ربّما اقتضى كلام ابن إدريس خلاف ذلك كما يأتي.

د- في المجمع (3) أمر تعالى المسلمين بردّ السّلام على المسلّم بأحسن ممّا سلّم إن كان مؤمنا و إلّا فليقل و عليكم لا يزيد على ذلك، فقوله «بِأَحْسَنَ مِنْهٰا» للمسلمين

____________

[1] رواه أبو داود ج 4 باب كراهية ان يقول عليك السلام ص 478 الرقم 5209 عن أبي جرى الهجيمي. قال أتيت النبي صلّى اللّه عليه فقلت عليك السلام يا رسول اللّه قال لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية الموتى قال محمد محيي الدين في تذييله و أخرجه الترمذي و النسائي مختصرا و مطولا و قال الترمذي حسن صحيح.

____________

(2) زبدة البيان ص 105 ط المرتضوي.

(3) المجمع ج 2 ص 85.

231

خاصّة، و قوله «أَوْ رُدُّوهٰا» لأهل الكتاب عن أب عبّاس، فاذا قال المسلّم: السّلام عليكم، فقلت: و عليكم السّلام و رحمة اللّه و بركاته، فقد حيّيته بأحسن منها، و هذا منتهى السّلام، و قيل: إنّ قوله «أَوْ رُدُّوهٰا» للمسلمين أيضا.

و في تفسير القاضي: إنّ الجواب أمّا بأحسن منه، و هو أن يزيد عليه و رحمة اللّه، فان قاله المسلّم زاد و بركاته، و هي النّهاية، و إمّا يردّ مثله، كما (1) روي أنّ رجلا قال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) السّلام عليك، فقال: و عليك السّلام و رحمة اللّه، و قال: آخر: السّلام عليك و رحمة اللّه، فقال و عليك السّلام و رحمة اللّه و بركاته، و قال آخر السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، فقال: و عليك فقال الرجل نقصتني فأين ما قال اللّه؟ و تلا الآية، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّك لم تترك لي فضلا فرددت عليك مثله، و ذلك لاستجماعه أقسام المطالب: السّلامة عن المضارّ، و حصول المنافع و ثباتها، و منه قيل «أو» للترديد بين أن يحيّى المسلم ببعض التحيّة، و بين أن يحيّى بتمامها انتهى.

و الظّاهر عندنا بل عندهم أيضا أنّ أو للتخيير بين الزيادة و عدمه كما صرّح به الكشّاف، و هو ظاهر الآية، و مقتضى الرواية السّابقة، و ما تقدم من قوله «فقل سلام عليك، فيقول الرادّ: عليك السّلام» إذ الظّاهر أنّه ليس بأحسن، و غير ذلك من روايات الخاصّة و العامّة.

نعم الأحسن للمسلم أحسن، و في الكتابيّ يمكن المثل، و استحباب الاقتصار بعليك يعني ما ذكرت من غير ذكر السّلام أو وجوبه مع احتمال تخصيص الأمر بسلام المسلم، كما قد يشعر به قول المجمع.

و قيل إنّ قوله «أَوْ رُدُّوهٰا» للمسلمين أيضا فلا يجب ردّ الكتابيّ أيضا كالحربيّ، لعدم حسن التحيّة عليهم بل يجب بغضهم.

هكون منتهى السّلام و جوابه زيادة رحمة اللّه و بركاته كما تقدّم، و ظاهر

____________

(1) البيضاوي ج 2 ص 105 و ترى الحديث في الدر المنثور ج 2 ص 188 و قريب منه في المجمع ج 2 ص 85.

232

الكنز أنّ عليه اتّفاق الجمهور من الفقهاء و المفسّرين، غير ظاهر عندنا، و يخالفه ما رووه في صحاحهم (1) أنّه سلّم عليه (صلّى اللّه عليه و آله) رابع بعد تسليم ثالث و قوله (عليه السلام) بعد الجواب عشر ثمّ عشرون ثمّ ثلاثون فقال السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته و مغفرته، فردّ عليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال أربعون، ثمّ قال لنا: هكذا تكون الفضائل.

و- وجوب الردّ بالمثل أو الأحسن كلّيا ظاهر الآية، و تقتضيه أخبار من العامّة و الخاصّة، و كأنّه لا خلاف عندنا و عندهم، إذا كان السّلام صحيحا مشروعا، و الظّاهر أنّه فوريّ كذلك، و يدلّ عليه الفاء، فالتّارك له يأثم، و يبقى في ذمّته مثل سائر الحقوق، و ليس ببعيد، لأنّه المتعارف، و المطلوب من المسلّم عليه عادة، و لذلك قالوا يجب الإسماع أيضا، قال شيخنا سلّمه اللّه: وجوب الأسماع ليس بواضح الدليل [2] بل بعض الأخبار الصحيحة صريحة في عدم وجوب الأسماع، و أنّه يكفي أن يجيب في نفسه بحيث لا يسمع المسلّم إلا أن يكون إجماعيّا فيؤوّل الأخبار.

ز- قالوا: وجوب الردّ كفائيّ إذا كان السّلام على جماعة، في الكنز: لأصالة البراءة و لأنّ المقصود حصول المكافاة على التّحيّة، و قد حصل و للحديث انتهى.

____________

[2] انظر زبدة البيان ص 103 و الحديث الذي تمسك به تراه في الوسائل ج 4 ص 1265 الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة المسلسل 9307 و 9308 قال ملا سراب على في حاشيته على زبدة البيان (قد أتحفنا نسخة مخطوطة منه الأستاد مدرسي چهاردهى مد ظله) لا يبعد الاستدلال عليه بان اشتغال الذمة برد السلام ثابت بقوله تعالى فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا و بالأخبار و لا يحصل العلم ببراءة الذمة بدون الأسماع، و صراحة بعض الاخبار التي ادعاها ليست عامة فان لم يمكن التأويل وجب تخصيصها بموردها.

لكن يمكن أن يكون حديث النفس كناية عن انخفاض الصوت في حالة الصلاة، و لا يبعد الاستدلال، بظاهر فحيوا لعدم إطلاق التحية عرفا على حديث النفس و ما لا يسمع أصلا.

و يمكن تأييده بما رواه ابن القداح عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا سلم أحدكم فليجهر بسلامه و لا يقول سلمت فلم يردوا على و لعله يكون قد سلم و لم يسمعهم فاذا رد أحدكم فليجهر برده و لا

____________

(1) انظر الدر المنثور ج 2 ص 188.

233

أمّا العامّة (1) فرووا عن علىّ و الحسن بن علىّ (عليهما السلام) يجزى عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم، و يجزى عن الجلوس أن يردّ أحدهم.

أمّا الخاصّة (2) فقد رووا ذلك عن أبى عبد اللّه في روايات، و إن ضعّف طريق بعضها، لكن لم نر رواية في خلافه و لا أعلم فيه خلافا إلّا أنّه خلاف ظاهر الآية، قال سلّمه اللّه [3] لكن الظّاهر إجماع الأمّة على ذلك، و لأنّه إنّما سلّم سلاما واحدا فليس له إلّا عوض واحد.

ثمّ الظاهر أنّه إنّما يسقط بفعل من كان داخلا في المسلّم عليهم، و كونه مكلّفا بالجواب، فلا يسقط بردّ من لم يكن كذلك، فلو خصّ البعض من جماعة لم يجب على غيره ردّ و لا بردّ الغير يسقط عنه، و كذا ردّ غير المكلّف و إن كان داخلا فيهم لا- يسقط به، لأنّه إنّما يجب عليهم دونه، فهو بمنزلة العدم.

____________

يقول المسلم سلمت فلم يردوا على انتهى ما أفاده.

قلت و الحديث الذي تمسك به للجهر تراه في الوسائل الباب 38 من أبواب أحكام العشرة ج 8 ص 443 بالرقم 16661.

[3] زبدة البيان ص 103 و قال ملا سراب على في حاشيته على زبدة البيان في النسخة التي أتحفنا الأستاذ المدرسى الچهاردهى مد ظله:

و يؤيد ظاهر الإجماع ما رواه الكليني عن غياث بن إبراهيم في الموثق به عن ابى عبد اللّه قال إذا سلم القوم واحد اجزء عنهم و إذا رد واحد اجزء عنهم و عن ابى عبد اللّه في رواية أخرى و إذا سلم على القوم و هم جماعة أجزأهم ان يرد واحد منهم. و لا يبعد الاستدلال على الأمر المتوفر الدواعي بمثل تلك الاخبار و الاشتهار و ان لم يثبت الإجماع و اما قوله (رحمه اللّه) تعالى و لأنه إنما سلم سلاما واحدا فلا يخلو من ضعف انتهى.

قلت و ترى الحديثين في الوسائل الباب 46 من أبواب أحكام العشرة ج 8 ص 450 المسلسل 15685 و 15686.

____________

(1) انظر اللباب ج 1 ص 377 أخرجه عن على (عليه السلام) قال أخرجه أبو داود و اخرج مثله في الدر المنثور ج 2 ص 189 عن زيد بن أسلم.

(2) سيأتي الإشارة إليه عند نقل بيان ملا سراب على.

234

نعم، لو كان المقصود بالذّات بالسّلام و العمدة فيه الغير المكلّف كأولاد الملوك، احتمل الاجتزاء بجوابه كما يحتمل عدم الاجتزاء بجواب من كان مقصودا بالتبع، إذا كانوا جميعا مكلّفين، بل في الصورة المتقدّمة مع احتمال الاجتزاء بجواب المجيب إذا كان مقصودا بالسّلام مطلقا لشمول مقيّد ظاهر الآية له، مع عدم كون الردّ- و إن كان واجبا- عبادة يشترط فيه القربة، فاذا أتى بالردّ الصّحيح لغة و عرفا كفى، فليتأمّل فيه.

و في الذكرى: و في الصبيّ المميّز وجهان مبنيّان على صحّة قيامه بفرض الكفاية، و هو مبنىّ على أنّ أفعاله شرعيّة أو لا، نعم لو كان غير مميّز لم يعتدّ به.

ح- ظاهر الآية وجوب جواب سلام غير البالغ المميّز القاصد للتحيّة، كالبالغ، و قيل لا يجب لعدم كونه مكلّفا و أفعاله شرعيّة، لكن اشتراط التكليف و شرعيّة الأفعال غير ظاهر، و الاحتياط واضح، نعم إن ثبت عدم كونه تحيّة شرعا توجّه عدم الوجوب لكن الظّاهر خلافه.

ط- قال شيخنا دام ظلّه معلوم أنّ وجوب الردّ إنّما يكون في السّلام المشروع، و لكن الظاهر عموم المشروعيّة حتّى يحصل المانع، فيجب الردّ حال الخطبة و القراءة و الحمّام و الخلاء، فان الظاهر استحباب ذلك كلّه، و مشروعيّته، إلّا أنّ ثوابه أقلّ من بعض الأفراد، نعم إن ثبت الكراهة في هذه المواضع بمعنى رجحان عدمه، و يكون الجواب مخصوصا بالمستحبّ و الرّاجح، لم يجب الردّ، و لكن ظاهر الاية العموم، و لهذا قيل بوجوب ردّ سلام الأجنبيّة مع القول بالتحريم فتأمّل.

و الظّاهر أنّ الكراهة بهذا المعنى لا بمعنى الأقلّ ثوابا كما قال بعض الأصحاب أن لا كراهة في العبادات إلّا بهذا المعنى، و ظاهر الأصحاب الوجوب كلّيا، فكأنّه بالإجماع و عموم العرفيّ المفهوم من الآية و الرّواية، و يؤيده ما ورد من الردّ في الصّلاة فيدلّ على المشروعيّة و وجوب الردّ، إذ السّلام منهيّ عنه فيها، فلو لم يكن الردّ واجبا لم يجز.

235

ى- لا يكره السّلام على المصلّى، و به قال ابن عمر، و أحمد في رواية للأصل و لعموم قوله تعالى «فَإِذٰا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ» قال في الذكرى (1): روى البزنطيّ في سياق أحاديث الباقر (عليه السلام): إذا دخلت المسجد و النّاس يصلّون فسلّم عليهم، و إذا سلّم عليك فاردد فإنّي أفعله، و إنّ عمار بن ياسر مرّ على رسول اللّه و هو يصلّي فقال: السّلام عليك يا نبىّ اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فردّ (عليه السلام).

و ظاهر الشّافعي الكراهة لأنّه كرّه السّلام على الامام حال الخطبة، فحال الصّلاة أولى، و هو رواية أخرى عن أحمد، و نقل عن عطاء و جابر أيضا.

و في الكنز: الأقوى عندي كراهية السّلام على المصلّي لأنّه ربّما شغله عن القيام بالواجب إذا ردّ أو ترك الواجب إذا لم يردّ، و فيه نظر.

نعم بعض رواياتنا أيضا يتضمّن أنّه لا يسلّم على الرّجل و هو في الصلاة، فلو حملت الكراهة على الأقل ثوابا لم يبعد، ثمّ إذا سلّم عليه و هو في الصّلاة وجب عليه الردّ لفظا عند علمائنا، و به قال سعيد بن المسيّب و الحسن البصريّ و قتادة، و قال الشافعيّ: يردّ إشارة، و منع أبو حنيفة نطقا و إشارة، و قال عطاء و النخعيّ و الثّوريّ: يردّ بعد فراغه، و نقله الجمهور عن أبى ذرّ.

لنا عموم الآية، و ما تقدّم من جوابه (عليه السلام) لعمّار بن ياسر في الصّلاة، و ما في الكافي (2) عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرّجل يسلّم عليه و هو في الصّلاة، قال يردّ بقول سلام عليكم، و لا يقول و عليكم السّلام، فان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان قائماً يصلّى فمرّ به عمّار بن ياسر فسلّم عليه عمّار، فردّ عليه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هكذا، و في التهذيب (3) لم يذكر سماعة.

____________

(1) نقله في الوسائل في الباب 17 من أبواب قواطع الصلاة ح 4 ص 1267 المسلسل 9314.

(2) الكافي ج 1 ص 102 و هو في الوسائل الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 4 ص 1265 المسلسل 9306.

(3) انظر التهذيب ج 2 ص 328 الرقم 1348 و قد أوضحنا في تعاليقنا على مسالك

236

و ما رواه الصّدوق (1) عن محمّد بن مسلم: سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الرّجل يسلّم على القوم في الصّلاة فقال إذا سلّم عليك مسلم و أنت في الصّلاة فسلّم عليه بقول «السّلام عليك» و أشر بأصابعك، و غير ذلك من الرّوايات.

و يردّ الاكتفاء بإشارة أنّه خلاف ظاهر القرآن، و إلا لكفى في غير الصّلاة، و يردّ التأخير ما تقدم من الفوريّة المستفادة من الآية و كذا الرّوايات، و لذلك قال العلّامة (رحمه اللّه): بل لو اشتغل بالقراءة عقيب التّسليم عليه و لم يشتغل بالردّ بطلت صلاته، لأنّه فعل منهيّ عنه. و لا يريد حصر الحكم في القراءة، بل المراد الاشتغال بشيء من أجزاء الصّلاة مناف للردّ الواجب على وجهه، لأنّ الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضدّه الخاص كما حقّق في موضعه.

لا يقال سلّمنا الفوريّة و لكن الموالاة في الصّلاة خصوصا بين أجزاء القراءة واجبة فورا أيضا فلا نسلّم وجوب تقديم الردّ، لأنّا نقول قد علم وجوب تقديم الردّ من الروايات، على أنّ الأصل عدم اعتبار الموالاة بحيث تنافي الردّ مع الوجوب فورا.

ثمّ لا يخفى أنّ ما اشتغل به من غير الردّ إنّما تبطل به الصّلاة إذا وصل إلى حدّ يدخل تحت المبطلات، كأن يكون كلاما بحرفين أو واحدا مفهما من غير الاجزاء الواجبة للصلاة، أو من الواجبة و لو حرفا غير مفهم و لم يتدارك، أو فعلا كثيرا أو قليلا مع عدم التدارك، و الظّاهر عدم القدح مع نسيان السّلام أو وجوب الردّ، و كذا جهل السّلام، أمّا جاهل الوجوب أو الفورية مع ظنّ عدم جواز الردّ في الصّلاة أو عدمه، فلا يبعد صحة صلاته و اللّه أعلم.

و اعلم أنّه لا يبعد أن يقال الفوريّة المفهومة في جواب السّلام، إنّما هو تعجيله بحيث لا يعدّ تاركا، و لا يخرج عن حدّ الكلام و الجواب، فلا يبعد أن لا يضرّ الاشتغال

____________

الافهام ج 1 ص 230 ان نسخة الكافي لعلها تكون أصح لأن عثمان بن عيسى لا ينقل عن ابى عبد اللّه و قد وصف الحديث في المرآت ج 3 ص 137 بالموثق و قد أوضحنا في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 230 ان الأقوى ضعف الحديث فراجع.

____________

(1) الوسائل الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 4 ص 1266 المسلسل 9309.

237

بإتمام كلمة إذا كان السّلام في أثنائها.

يا- قال السيّد المرتضى (قدّس اللّه روحه) إنّ الشّيعة يقول يجب أن يقول المصلّى في ردّ السّلام مثل ما قال المسلّم «سلام عليكم» و لا يقول «و عليكم السّلام» و به فتوى الشيخ في كتبه، و قد تقدّم رواية عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أو عنه (عليه السلام) بغير واسطة، إلّا أنّ عثمان ضعيف، لكن قد يعدّ من الموثّق (1).

و روى هشام بن سالم (2) في الصّحيح عن محمّد بن مسلم قال دخلت على أبى جعفر (عليه السلام) و هو في الصّلاة فقلت السّلام عليك فقال السّلام عليك، قلت كيف أصبحت فسكت، فلمّا انصرف قلت له أ يردّ السّلام و هو في الصّلاة؟ فقال: نعم مثل ما قيل له، و قال إدريس إذا كان المسلّم عليه قال له «سلام عليكم» أو «سلام عليك» أو «السّلام عليك» أو «عليكم السّلام» فله أن يردّ عليه بأيّ هذه الألفاظ كان، لانّه ردّ سلام مأمور به، و ينوي به ردّ سلام لا قراءة قرآن، فان سلّم بغير ما بيّناه فلا يجوز للمصلّي الردّ عليه، لأنّه ما تعلّق بذمته الردّ لأنّه غير سلام، هذا.

و ما تضمّن رواية عثمان بن عيسى من النهي عن الردّ بقول «و عليكم السّلام» لا شبهة فيه، لأنّ حرف العطف أمر زائد على الواجب من ردّ السّلام، أمّا إذا قال المسلّم «عليكم السّلام» و صحّحناه، فالجواب بعليكم السّلام ممّا لا ينبغي النزاع في جوازه كما لا يخفى، بل في وجوبه كما هو ظاهر الروايتين مؤيدا بالشّهرة أو الإجماع كما هو مقتضى كلام السيّد (قدّس اللّه روحه)، لكن ابن إدريس على أصله من عدم العمل بأخبار الآحاد، و السيّد كذلك، إلّا أنّه ادّعى إجماع الطائفة و اعتمد عليه.

و قول شيخنا (3) دام ظلّه الظّاهر أنّ الردّ بالمثل شامل لقوله «السّلام عليكم»

____________

(1) قد تقدم ان الأقوى ضعفه.

(2) الوسائل الباب 16 من أبواب قواطع الصلاة ح 4 ص 1265 المسلسل 9305.

(3) قد تقدم انه بين ذلك في ص 104 و ص 105 من زبدة البيان ط المرتضوي.

238

و «عليكم السّلام» لعدم التفاوت بين التقديم و التّأخير، و كذا بالتّنكير و التّعريف، و سلامي و سلام اللّه و نحو ذلك على الظّاهر، و أنّ الأفضلية تحصل بضمّ «و رحمة اللّه و بركاته» مع عدمهما، و أن الإنسان مخيّر في الردّ بينهما بظاهر الآية و غيره، فالظّاهر أنّه يريد بيان المثليّة المعتبرة في قوله تعالى «أَوْ رُدُّوهٰا» على ما ذكر بعض أنّ المراد به الجواب بالمثل، و مع ذلك موضع تأمّل كما لا يخفى.

أمّا المثلية المعتبرة في الصّلاة، فلا يبعد أن يكون أحال على ذلك إذ لم يذكر غير هذا، فيكون قد وافق ابن إدريس، بل زاد، و ما قدّمنا هو الظّاهر لما تقدّم، و هو مقتضى مراعاة الواجبين جميعا و الاحتياط أيضا.

و أمّا ما ذهب إليه المحقق و تبعه صاحب الكنز من اعتبار لفظ القرآن، فلا يجب في غير «سلام عليكم» كما صرّحوا به، فالرّواية الصّحيحة صريحة في عدمه، إذ ليس في القرآن السّلام عليكم، و قال العلّامة على قول ابن إدريس: فإن سلّم بغير ما بيّناه إلخ: ليس بمعتمد بل الواجب الردّ في كلّ ما يسمّى تحيّة لعموم الآية، و لأنّه إمّا داع له أو رادّ لتحيّته و على التقديرين لا تحريم، و هذا يقتضي أن تكون التحيّة و ردّها دعاء و جائزا في الصّلاة، و ليس بمعتمد.

يب- في الذكرى: يجب إسماعه تحقيقا أو تقديرا كما في سائر الردّ- و بعد الإشارة إلى ما في الموثّق عن عمار السّاباطي أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التّسليم على المصلّى فقال إذا سلّم عليك مسلّم و أنت في الصّلاة فردّ عليه فيما بينك و بين نفسك، ترفع صوتك.

و ما في الصّحيح (1) عن منصور بن حازم أنّه قال إذا سلّم الرّجل على الرّجل و هو يصلّي يردّ عليه خفيّا كما قال، قال: ممّا يشعران بعدم اشتراط إسماع المسلّم، و الأقرب اشتراط إسماعه ليحصل قضاء حقّه من السّلام.

و حملهما في التذكرة على حال التقيّة فقال: لو اتّقى ردّ فيما بينه و بين نفسه تحصيلا لثواب الردّ، و تخليصا من الضّرر، و لقول الصادق (عليه السلام)- و أشار إلى ما في

____________

(1) قد تقدم في ص 232 عند بيان ملا سراب على انهما بالمسلسل 9307 و 9308.

239

الرّوايتين، و هو الذي ينبغي، و نحوهما ما تقدّم أوّلا عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) فسلّم عليه تقول «السّلام عليك» و أشر بأصابعك، و يدلّ على وجوب الإسماع أيضا انّه لو لم يجب الإسماع في الصلاة ينبغي أن لا يجب في غيرها أيضا كما تقدم.

إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً.

محاسبا أي يحاسبكم على كلّ شيء من التحيّة و غيرها، و في المعالم قال مجاهد: حفيظا، و قال أبو عبيدة: كافيا، و في المجمع الحسيب: المحاسب الحفيظ، فتأمّل.

الأنعام [162] قُلْ إِنَّ صَلٰاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ لٰا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ.-

«نُسُكِي» قيل عبادتي و تقرّبي كلّه فتعميم بعد تخصيص، و قيل مناسك حجّى، و قيل ذبحي، و جمع بين الصّلاة و الذّبح كما في قوله «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» و في المعالم: و قيل ديني، و ربّما رجع إلى الأوّل «وَ مَحْيٰايَ وَ مَمٰاتِي» قيل ما آتيه في حياتي و أموت عليه من الايمان و العمل الصّالح، و قيل العبادات و الخيرات الواقعة حال الحيوة، و الّتي تقع بعد الموت بالوصية و نحوها كالتدبير، و قيل نفس الحيوة و الموت.

«لَهُ» أي الطّاعة خالصة له و الحيوة و الممات منه خالصة لا شريك له في شيء من ذلك «وَ بِذٰلِكَ» المذكور «أُمِرْتُ» و هو مراد من قال أي الإخلاص المذكور، و قيل أو بذلك القول.

«وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» فإنّ إسلام كلّ نبيّ متقدّم على إسلام أمّته، فلا ريب في دلالته على تحريم قسمي الشّرك الظّاهر كعبادة الأصنام و الكواكب و نحوها، و و الخفيّ كالرياء و السّمعة، و أنّه لا يجوز إسناد شيء من ذلك إلى غيره مستقلا و لا مشاركا كالكواكب و الأفلاك و العقول و غيرها.

و قد يستشكل حينئذ قصد حصول الثّواب و الخلاص من العقاب، و لا إشكال، لأنّ الثّواب و العقاب لما كانا منه سبحانه برضاه و اختياره لا شريك له في ذلك بوجه؛

240

كان قصد تحصيل ثوابه و الخلاص من عقابه سبحانه بالعبادة له مؤكّدا للإخلاص فيها و مقتضيا له، فلا ينافي الإخلاص، و بالجملة كلّ ما كان مقصودا منه بالعبادة له لا ينافي قصده بها الإخلاص فيها له كما تقدّم في بحث النيّة الإشارة إليه أيضا.

نعم مزيد المعرفة بجلال شأنه و عظيم سلطانه و اليقين بسعة فضله و إنعامه و مشاهدة كمال إشفاقه و إحسانه توجب محبّة و رغبة في ابتغاء مراده بحيث لا يلحظ في الامتثال شيء من حصول الثّواب و عدم العقاب، بل لا يخطران بالبال، و هذا أتمّ من أن يتأكّد بنحو ما تقدّم.

و قد استدلّ بالآية على كون الإخلاص المذكور من أحكام الإسلام الّتي يلزم كلّ مسلم و أنّ كلّ مسلم مأمور بذلك، لقوله «وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» فإنّه يدلّ على أن غيره أيضا مكلّف مأمور بذلك، و أنّه أوّلهم، مع ما ثبت من عموم التأسّي، و في تقديم «بذلك» على «أمرت» دلالة على الاختصاص، فامّا على اختصاص الأمر بذلك و ما يستلزمه أو بالنّسبة إلى ما ينافي ذلك من الشّرك و نحوه، و أمّا كون ذلك من لوازم الإسلام فمشكل، إذ يلزم الخروج منه بالرّياء.

فيمكن أن يقال معنى «للّه» أنّ جميع ذلك هو مالكه و مستحقّه، فالمعنى واحد في الجميع، و الأمر بالقول معتقدا أو باعتقاد ذلك أو الأمر بكونها منه أو جعلها على الوجه المذكور، و المراد و أنا أوّل المنقادين لا الإسلام الشّرعيّ، و هو غير بعيد، و هو قريب من الايمان، فيمكن على قول المعتزلة التشبّث بذلك في خروج المرائي من الايمان، و الظّاهر أنّ الرّياء كبيرة فيصح على قول من يقول بالخروج بها من الايمان نحو هذا، و يمكن كونه يعمّ الايمان بوجه فتأمّل، أو أوّل المنقادين انقيادا شرعيّا هو الإسلام، فإذا كان شرعا لا يضرّ بالانقياد الرّياء و السّمعة مع الاعتقاد الصّحيح في ذلك، لم يلزم الخروج بذلك كما لا يخفى، و على كلّ حال الظاهر أنّه لا يراد به الإسلام و لو ظاهرا.

هذا و قال شيخنا (1) سلّمه اللّه: إنّه لا يفهم منها أنّ الإخلاص المذكور من

____________

(1) انظر زبدة البيان ص 107 ط المرتضوي.

241

أحكام الإسلام، فيكون كلّ مسلم مأمورا به فليتأمّل فيه، و قيل: في الآية إيماء إلى كون العبادة شكرا لنعمة التربية و الإيجاد، لذكر هذه الصّفة عقيب ذكر العبادة، إشعارا بالعلّيّة و فيه نوع تأمّل.

نعم لا ريب في الإيماء إلى أنّ للصفة مدخلا في ما تقدم حتّى الاختصاص و «لٰا شَرِيكَ لَهُ» إمّا تأكيد للاختصاص المفهوم من «للّه» فلا يكون داخلا في الصّفة، أو هو منها أي لا شريك له في خلق العالمين و تربيتهم، أو مطلقا بوجه من الوجوه و هو أقرب لفظا و معنى.

ثمّ فيما قدّمنا من اختصاص الإخلاص المذكور بالأمر دون ما يخالفه و ينافيه- إذا أشير بذلك إلى كون ما تقدّم أو جعله على الوجه المذكور- دلالة واضحة على توقّف صحّة الصّلاة بل سائر العبادات على الإخلاص المذكور، و ما تضمّنه من معرفة اللّه و وحدانيّته و كونه ربّا للعالمين أي منشأ و مربّيا لهم.

قيل: فيستلزم ذلك وجوب العلم بكونه قادرا و عالما و حكيما إذ الإخلاص يستلزم ذلك، و هو موضع نظر، فان استلزام ذلك وجوب العلم بما ذكره غير واضح، نعم استلزامه للعلم به قريب.

ثمّ الإخلاص المذكور يستلزم المعرفة المذكورة و توقّف العبادة عليها و على الإخلاص المذكور، لكن قد يمنع ذلك لأنّ كلّ ما كان واجبا مأمورا في شيء بوجه لا يجب أن يبطل ذلك عند عدمه بالكلّية، فلا يتمّ إلى أن ينضمّ إلى ذلك الإجماع أو نحوه ممّا يقتضي اشتراط الإخلاص في العبادة مطلقا بهذا الوجه، و قد يقال: فاذا ثبت كون العبادة مأمورا بها على هذا الوجه، فاذا لم يأت بها على الوجه الخاصّ لم يأت بالمأمور به فتكون باطلة.

و قد يجاب بأنّ ذلك إذا كان الأمر بالعبادة هو الذي تضمّن هذا الوجه، لا أن يكون بأمر على حدة، و هنا كذلك، لكن تضمّن على ما قدّمناه ما يلزم منه أن لا يكون خلاف ذلك مأمورا به، فاذا لم يكن كذلك كانت باطلة.

و قيل: يمكن الاستدلال بها على وجوب المعرفة و توقّف الصّحة عليها للأمر

242

بذلك القول، فإنّه يفهم أنّه يجب قول ذلك و معرفة القول و فهمه و صدقه مع المتعلّقات متوقّفة عليها، و هذا إنّما يتمّ بما قدّمنا كما لا يخفى، و قيل: و يتفرّع على ذلك عدم صحّة عبادة من لم يكن عارفا باللّه تعالى هذه المعرفة، بدليل، و إن كان في الظّاهر مسلما، و فيه بعد.

المائدة [55] إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ.

قال علىّ القوشجيّ في شرحه للتجريد (1) اتّفق المفسّرون على أنّها نزلت في علىّ بن أبي طالب (عليه السلام)، حين تصدّق بخاتمه في الصّلاة راكعا هذا.

و قد تظافر عليه الرّوايات من جهة الخاصّة و العامّة [2] فمنها ما أورد في جامع الأصول عن عبد اللّه بن سلام [3]، قال: أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و رهط من قومي فقلنا:

إنّ قومنا حادّونا لمّا صدّقنا اللّه و رسوله، و أقسموا أن لا يكلّمونا، فأنزل اللّه تعالى «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا» ثمّ أذّن بلال لصلاة الظّهر، فقام النّاس يصلّون: فمن بين ساجد و راكع، و سائل إذا سأل فأعطاه علىّ خاتمه و هو راكع،

____________

[2] انظر غاية المرام من ص 90 الى ص 107 الباب الثامن عشر و الباب التاسع عشر و فيه 35 حديثا من طرق الفريقين و انظر أيضا المراجعات للمرحوم آية اللّه السيد شرف الدين المراجعة 40 و الغدير للمرحوم آية اللّه الأميني ج 2 ص 52 الى 53 و ج 3 ص 156- 162 و تعاليق إحقاق الحق لآية اللّه المرعشي مد ظله ج 2 من ص 399 الى ص 408 ففي الكتب الأخيرة إشارة إلى مصادر حديث نزول الآية في شأن على بن ابى طالب من طرق أهل السنة.

و انظر أيضا الدر المنثور ج 2 ص 293 و 294 و تفسير البرهان ج 1 ص 479 الى ص 485 و تفسير نور الثقلين ج 1 من ص 533 الى ص 537 و انظر أيضا تعاليق السيد حسين بحر العلوم على تلخيص الشافي ج 2 ص 19 و ص 20.

[3] راجع جامع الأصول ج 9 ص 478 و رواه عن النسائي في المراجعات و نقله في تعاليق إحقاق الحق عن جامع الأصول و تراه كما نقله المصنف في الدر المنثور ج 2 ص 293 آخر الصحيفة أخرجه عن ابن مردويه من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس عن عبد اللّه بن سلام.

____________

(1) انظر شرح القوشچي على التجريد ط إيران 1301 ص 402.

243

فأخبر السائل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقرأ علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «إِنَّمٰا وَلِيُّكُمُ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ رٰاكِعُونَ، وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْغٰالِبُونَ».

في الجوامع؛ نزلت في علىّ و في الكشاف: فان قلت: كيف يصحّ أن يكون لعلىّ (عليه السلام) (1) و اللّفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع، و إن كان السّبب فيه رجلا واحدا ليرغب النّاس في مثل فعله، فينالوا مثل ثوابه، و لينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن يكون على هذه الغاية من الحرص على البرّ و الإحسان، و تفقّد الفقراء، حتّى إن لزّهم أمر لا يقبل التأخير و هم في الصّلاة، لم يؤخّروا إلى الفراغ منها، هذا و جاز ذلك للتعظيم أيضا.

على أنّ في أخبار الشيعة زادهم اللّه هداية و توفيقا أنّ مثل ذلك واقع من كلّ واحد من الأئمّة الأحد عشر من ولده (عليهم السلام) (2)، و لا يبعد كون الحصر إضافيّا بالنّسبة إلى من يتوقع كونه وليّا مثله، و يكفي لذلك علمه تعالى بأنّه يقع التردّد بل يجزم جماعة بخلافه.

و لا يحتاج إلى ثبوته حين النزول، لو ثبت عدم ثبوته حينئذ، فان للّه أن يخبر أنّه الإمام حين الاحتياج، و هو بعد فوته (صلّى اللّه عليه و آله) بغير فصل و هو ظاهر، فإنّه بعد أداة الحصر و انحصار الأوصاف فيه (عليه السلام) و اتّفاق المفسّرين على أنّه في حقّه (عليه السلام) يدلّ على اختصاصه بها بلا تكلّف.

فلا وجه لجعل قوله «وَ هُمْ رٰاكِعُونَ» عطفا أو بمعنى «خاضعون» و لا الاعتراض بأنّ الوليّ قد يكون بمعنى الناصر و المحبّ و غير ذلك، فإنّه يقتضي أن لا يختصّ به (عليه السلام) لأنّه لا يناسب الاختصاص كما لا يخفى.

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 649.

(2) و للاية المظفر (قدس سره) في السر عن التعبير بلفظ الجمع و للاية سيد شرف الدين (قدّس اللّه روحه) أيضا بيان نقلناهما في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 242 و ص 243 فراجع.

244

على أنّ لنا أن نقول حينئذ بأيّ معنى كان، فلا بدّ لولايته بذلك المعني من مزيّة باعتبار اقترنت بولاية اللّه و ولاية رسول اللّه و قارنهما دون ولاية غيره كما هو مقتضى الحصر، و ما ذلك إلا لكون ولايته كولاية الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) دون غيره، و ذلك يقتضي إمامته (عليه السلام) بعده (صلّى اللّه عليه و آله).

و لا [الاعتراض] بأنّه ليس في حقّه للجمع، و للحصر و هم لا يقولون به، كما قاله القوشجيّ فإنّه بعد ثبوت ما تقدّم من كونها في حقّه (عليه السلام) في تصدّقه بخاتمه يكون ذلك اعتراضا على اللّه و غمضا للعين عن الحقّ.

وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّٰهِ هُمُ الْغٰالِبُونَ.

وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه، فكأنّه قال فهم حزب اللّه و حزب اللّه هم الغالبون، و تنويها بذكرهم و تعظيما لشأنهم و تشريفا لهم بهذا الاسم، و تعريضا بمن يوالي غير هؤلاء بأنّهم حزب الشّيطان، و في الصحاح: حزب الرّجل أصحابه.

و في المقام يستدلّ بها على أمور:

كون الفعل القليل لا يبطل الصّلاة، و أنّ نيّة التّصدق و الزّكوة يجوز بغير لفظ، و أنّها في الصّلاة جائزة لا تنافي التوجّه إلى الصّلاة، و استدامة نيّتها و أنّه تصحّ كذلك نيّة الزّكوة احتسابا على الفقير و صحّة نيّة الصوم في الصّلاة، و كذا نيّة الوقوف في عرفة و مشعر فيها.

أمّا نيّة الإحرام و التلبية أيضا فيها كما ذهب إليه صاحب الكنز، مستدلا بأنها ذكر و ثناء على اللّه، فموضع تأمّل، و تسمية التّصدق زكاة، لأنّ الظّاهر انّ ذلك لم يكن زكاة واجبة، و إن كانت واجبة فتدلّ على جواز التأخير في الجملة و إخراج القيمة و اللّه أعلم.

طه: [24] إِنَّنِي أَنَا اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السّٰاعَةَ آتِيَةٌ أَكٰادُ أُخْفِيهٰا لِتُجْزىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا تَسْعىٰ.

في ترتيب الحكم على الذات الشريفة و التوحيد من الإشعار بالعلّية و الاختصاص

245

ما لا يخفى «لِذِكْرِي» لتذكرني، فإنّ ذكري أن أعبد و يصلّى لي، أو لتذكرني فيها لاشتمال الصّلاة على الأذكار، عن مجاهد، فكأنّه قيل: لكونها ذكري، أو لذكري فيها أو لأنّي ذكرتها في الكتب و أمرت بها، أو لأن أذكرك بالمدح و الثناء و أجعل لك لسان صدق.

أو لذكري خاصّة لا تشوبه بذكر غيري، أو لإخلاص ذكري و طلب وجهي لا ترائي بها و لا تقصد بها غرضا آخر، أو لتكون لي ذاكرا غير ناس فعل المخلصين في جعلهم ذكر ربّهم على بال منهم، و توكيل همهم و أفكارهم به كما قال «لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ».

أو لأوقات ذكري (1) و هي مواقيت الصّلاة، و قيل إنّه ذكر الصّلاة بعد نسيانها (2) أي أقمها متى ذكرت كنت في وقتها أو لم تكن، كذا في الجمع، و كلام بعض ظاهر في القضاء لما روي [3] أنّه (عليه السلام) قال: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ اللّه تعالى يقول «وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي».

و عن الباقر [4] (عليه السلام): إذا فاتتك صلاة فذكرتها في وقت أخرى فإن كنت تعلم

____________

[1] انظر سنن البيهقي ج 2 ص 216 الى ص 219 و بألفاظ مختلفة في الدر المنثور ج 4 ص 294 و القصة ما رواه الشهيد في الذكرى بسنده الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر تراه في الوسائل الباب 61 من أبواب مواقيت الصلاة ج 3 ص 207 المسلسل 5173.

قال في الحدائق ج 6 ص 217 و هذه الرواية لم نقف عليها إلا في الذكرى و كفى به ناقلا و في الذكرى بسط كلام في ما يستفاد من الحديث نقله في البحار ج 18 ص 527 ط كمپانى و أضاف العلامة (قدس سره) فوائد أخر يستفاد من الحديث فراجع

[2] الوسائل الباب 62 من أبواب المواقيت ج 3 ص 209 المسلسل 5178 عن الكافي و التهذيب و الاستبصار مع قليل تفاوت في اللفظ و هو في الكافي ج 1 ص 80 و هو في المرآت ج 3 ص 117 و قال في وصف الحديث انه مجهول كما سيشير المصنف بعيد ذلك

____________

(1) فاللام وقتية بمعنى عند مثلها في قوله تعالى يٰا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيٰاتِي و قولك كان كذا لخمس خلون.

(2) فيكون اللام وقتية أو تعليلية و المراد أقم الصلاة عند تذكرها أو لأجل تذكرها.

246

أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك كنت من الأخرى في وقت فابدأ بالّتي فاتتك، فان اللّه تعالى يقول «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي» إلا أنّ في الطريق القاسم بن عروة و هو غير مصرّح بالتّوثيق و كان الظّاهر في العبارة حينئذ لذكرها، فإمّا على حذف المضاف أي لذكر صلاتي، أو لأنّه إذا ذكر الصّلاة فقد ذكر اللّه، أو لأنّ الذكر و النسيان من اللّه عزّ و جل في الحقيقة.

«أَكٰادُ أُخْفِيهٰا» فلا أقول هي آتية لفرط إرادتي إخفاءها، و لو لا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به، و عن أبي الدرداء [1] و سعيد بن جبير «أُخْفِيهٰا» بالفتح من خفاه إذا أظهره أي قرب إظهارها كقوله «اقْتَرَبَتِ السّٰاعَةُ» و قد جاء في بعض اللغات أخفاه بمعنى خفاه، فأكاد أخفيها محتمل للمعنيين، و قيل معناه أكاد أخفيها من نفسي و ذكروا أنّه كذلك في مصحف أبيّ.

و في بعض المصاحف «أكاد أخفيها فكيف أظهركم عليها» لكن لا دليل في الكلام على هذا المحذوف و محذوف لا دليل عليه مطروح و ما قيل (2): إنّه روي ذلك عن

____________

ثم نقل عن الحبل المتين ان الحديث يدل على ترتيب مطلق الفائتة على الحاضرة كما يقوله أصحاب المضايقة.

و انظر البحث في مسألة المضايقة مسالك الافهام ج 1 ص 247 الى ص 249 مع تعاليقنا عليه و قد نقلنا فيه عن أستادنا العلامة مؤسس الحوزة العلمية بقم آية اللّه الحائري نور اللّه مضجعه الشريف بيانا جامعا مفيدا كاملا يحق ان يكتب بالنور على خدود الحور.

[1] نقله في روح المعاني ج 16 ص 157 عن ابى الدرداء و ابن جبير و الحسن و مجاهد و فيه و رويت عن ابن كثير و عاصم و كذا نقله ابن خالويه في شواذ القرآن ص 87 عن سعيد بن جبير و ابى الدرداء و فيه عن ابى و أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها و في روح المعاني ج 16 ص 176 و روى عن ابن عباس و جعفر الصادق رضي اللّه عنهما ان المعنى أكاد أخفيها من نفسي و يؤيده ان في مصحف ابى كذلك و روى ابن خالويه عند ذلك بزيادة فكيف أظهركم عليها و في بعض القراءات بزيادة فكيف أظهرها لكم و في مصحف عبد اللّه فكيف يعلمها مخلوق.

و هذا محمول على ما جرت به عادة العرب من ان أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال كدت أخفية من نفسي انتهى و انظر أيضا الكشاف ج 3 ص 56 و المجمع ج 4 ص 6 و الدر المنثور ج 4 ص 294.

____________

(2) و لكن نقله في المجمع عن الصادق ج 4 ص 6 مرسلا.

247

الصّادق (عليه السلام) فلم يثبت.

«لِتُجْزىٰ» متعلّقه بآتية، و قيل: أو بأكاد، و يحتمل بأخفيها، و هو أقرب من أكاد.

«بِمٰا تَسْعىٰ» أي لسعيها، فيدلّ على أنّه لا يجوز تولية الغير شيئا من العبادات الواجبة البدنيّة حال حياته ممّا يتمكّن من مباشرته، و أنّه ليس له فيما يجوز التولية إذا ولّى، إلّا ثواب سعيه لا ثواب تلك العبادة بنفسها و اللّه أعلم، و لو قيل بما يسعي له أمكن ذلك له، و مثله قوله تعالى «لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ».

[الفرقان 62] وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً.-

«خِلْفَةً» للحالة من خلف أي جعلهما ذوي خلفة يخلف كلّ منهما الآخر، بأنّه يقوم مقامه فيما كان ينبغي أن يعمل فيه، أو بأن يعتقبه، و يقال هما يختلفان كما يقال يعتقبان، و منه قوله «وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ»* و يقال بفلان خلفة و اختلاف:

إذا اختلف كثيرا إلى متبرّزه، على ما قاله الكشاف (1) و اعتمد عليه و إلى الأوّل مال القاضي (2) و أورده المعالم (3) بقوله يعني خلفا و عوضا يقوم أحدهما مقام الآخر لمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر عن ابن عباس و الحسن و قتادة و أورد الثاني عن أبي زيد و غيره، و أورد ثالثا عن مجاهد، يعني جعل كلّ واحد منهما مخالفا للآخر، و ليس بشيء، و لذلك لم يورده المتأخّرون.

ثمّ في الكشاف [4] و قرئ يذّكّر و يدّكر، و عن ابيّ بن كعب يتذكّر، و

____________

[4] انظر الكشاف ج 3 ص 290 و المجمع ج 4 ص 177 و في روح المعاني ج 19 ص 39 و قرء ابى بن كعب ان يتذكر و هو أصل ليذكر فأبدل التاء ذالا و أدغم و قرء النخعي و ابن وثاب و طلحة و حمران ان يذكر مضارع ذكر الثلاثي بمنى تذكر.

____________

(1) الكشاف ج 3 ص 290.

(2) انظر البيضاوي ج 3 ص 251 ط مصطفى محمد.

(3) و مثله في تفسير الخازن ج 3 ص 355.

248

المعنى لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لا بدّ لانتقالهما من حال إلى حال و تغيّرهما من ناقل و مغيّر، و يستدلّ بذلك على عظم قدرته و يشكر الشاكر على النّعمة فيهما من السّكون باللّيل، و التّصرف بالنّهار، كما قال عزّ و جل «وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ» أو ليكونا وقتين للمتذكّرين و الشّاكرين، من فاته في أحدهما و رده من العبادة قام به في الآخر انتهى.

و يفهم منه أنّه يحتمل أن يفهم منها جواز قضاء ما فات في اللّيل بالنّهار و بالعكس على تقدير كون «خلفة» بمعنى ذوي تعاقب أيضا، و هو كذلك بل هو الأظهر، فإنّ الظّاهر جعلهما لانتفاع من أراد تذكرا أو شكورا بأيّ وجه كان، غاية الأمر أن يقيّد بالانتفاع فيهما فيبقى أعمّ من أن يكون يجعلهما ظرفين لهما و وقتين فيحصل التّوسعة، و يتمكّن من تدارك ما فاته في أحدهما و ينتفع بفعله في الآخر، أو بالنظر فيما يشتملانه من الآيات و غير ذلك، فتأمّل.

فيمكن أن يستدلّ بظاهرها على جواز قضاء ما فات باللّيل في النّهار، و بالعكس إلّا ما أخرجه دليل، و قد روى التنبيه (1) بها عليه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في طرق لكنّها غير نقيّة و اللّه أعلم.

[براءة: 5] فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تٰابُوا وَ أَقٰامُوا الصَّلٰاةَ وَ آتَوُا الزَّكٰاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

استدلّ بهذه الآية على أنّ تارك الصّلاة مستحلّا مرتدّ يجب قتله، لأنّه علّق المنع من قتلهم على أمور هي التّوبة، و إقام الصّلاة، و إيتاء الزّكوة، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تخلّى سبيلهم، و لا شكّ أنّ تركهم للصّلاة كان على وجه الاستحلال لعدم تحقّق

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 178 و جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 94 الرقم 812 عن التهذيب عن عنسبة العابد عن ابى عبد اللّه و هو في الوسائل الباب 57 من أبواب المواقيت ج 3 ص 199 المسلسل 5145 و مثله مرسلا عن الصادق في الفقيه ج 1 ص 315 الرقم 1328 و هو في جامع أحاديث الشيعة بالرقم 813 و في الوسائل المسلسل 5147.

249

اعتقاد وجوبها من المشرك، و الحكم المعلّق على مجموع لا يتحقّق إلّا مع تحقّق المجموع و يكفي في حصول مقتضيه فوات واحد من المجموع، و هو إباحة قتلهم، و فيه نظر.

هذا و قد يستدلّ بها أيضا على دخول الأعمال في الايمان و عدم قبول التوبة عن ذنب مع الإصرار على غيره، و إن كان أصغر منه فليتأمّل فيه.

[البقرة: 20] يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ [1] اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.

____________

[1] قد كثر التنافس و التباغض في كلمة يا ايها المقدم على المقصود بالنداء و ترى البحث مبسوطا في الأشباه و النظائر للسيوطي ج 3 ص 64 الى ص 71 و في أمالي ابن الشجري ج 2 ص 116 الى ص 122 المجلس الثامن و الخمسين (58) و قد لخص البحث في روح المعاني و يناسب لنا هنا نقله ففيه تذكار لكثير من المباحث الأدبية قال في ص 168 ج 1 روح المعاني:

و اى لها معان شهيرة و الواقعة في النداء نكرة موضوعة لبعض من كل ثم تعرفت بالنداء و توصل بها الى نداء ما فيه ال لان يا لا تدخل عليها في غير اللّه الا شذوذا لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين و هما لا يجتمعان الا فيما شذ من نحو.

فلا و اللّه لا يلفى لما بي * * * و لا للما بهم ابدا دواء

و أعطيت حكم المنادي و جعل المقصود بالنداء وصفا لها و التزم فيه هذه الحركة الخاصة المسماة بالضمة خلافا للمازنى فإنه أجاز نصبه و ليس له في ذلك سلف و لا خلف لمخالفته للمسموع و انما التزم ذلك اشعارا بأنه المقصود بالنداء و لا ينافي هذا كون الوصف تابعا غير مقصود لمتبوعه لان ذلك بحسب الوضع الأصلي حيث لم يطرء عليه ما يجعله مقصودا في حد ذاته ككونه مفسرا لمبهم و من هنا لم يشترطوا ذلك في النعوت على ما بين في محله.

و ها التنبيهية زائدة لازمة للتأكيد و التعويض عما تستحق من المضاف اليه أو ما في حكمه من التنوين كما في (أياما تدعوا) و ان لم يستعمل هنا مضافا أصلا و كثر النداء على هذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيرا ما يقتضيه المقام بتكرر الذكر و إيضاح بعد الإبهام و التأكيد بحرف التنبيه و اجتماع التعريفين.

هذا ما ذهب اليه الجمهور و قطع الأخفش- لضعف نظره- بان أيا الواقعة في النداء موصولة حذف صدر صلتها وجوبا لمناسبته التخفيف للمنادى و أيد بكثرة وقوعها في كلامهم موصولة و ندرة وقوعها موصوفة و اعتذر عن عدم نصبها حينئذ مع انها مضارعة للمضاف بأنه إذا حذف صدر صلتها كان الأغلب فيها البناء على الضم فحرف النداء على هذا يكون داخلا على مبني على

250

العبادة أقصى غاية الخضوع، و لذلك لا تكون إلّا للخالق، أو المقام مقامه، و

____________

الضم و لم يغيره و ان كان مضارعا للمضاف.

و يؤيد الأول عدم الاحتياج الى الحذف و صدق تعريف النعت و الموافقة مع هذا و انها لو كانت موصولة لجاز ان توصل بجملة فعلية و ظرفية مما يقطع المنصف معه بأرجحية مذهب الجمهور.

نعم أورد عليه اشكال استصعبه بعض من سلف من علماء العربية و قال انه لا جواب له و هو ان ما ادعوا كونه تابعا معرب بالرفع و كل حركة إعرابية انما تحدث بعامل و لا عامل يقتضي الرفع هناك لان متبوعه مبني لفظا و منصوب محلا فلا وجه لرفعه.

و أقول ان هذا من الأبحاث الواقعة بين ابى نزار و ابن الشجري و ذلك انه وقع سؤال عن ضمة هذا التابع فكتب أبو نزار انها ضمة بناء و ليست ضمة الأعراب لأن ضمة الاعراب لا بد لها من عامل يوجبها و لا عامل هنا يوجب هذه الضمة.

و كتب الشيخ منصور موهوب بن أحمد أنها ضمة أعراب و لا يجوز ان تكون ضمة بناء و من قال ذلك فقد غفل عن الصواب و ذلك لان الواقع عليه النداء أي المبنى على الضم لوقوعه موقع الحرف و الاسم الواقع بعد و ان كان مقصودا بالنداء الا انه صفة اى فمحال اى يبني أيضا لأنه مرفوع رفعا صحيحا و لهذا أجاز المازني النصب على الموضع كما يجوز في يا زيد الظريف و علة الرفع انه لما استمر الضم في كل منادي معرفة أشبه ما أسند إليه الفعل فأجريت صفته على اللفظ فرفعت.

و أجاب ابن الشجري بما أجاب به الشيخ و كتب انها ضمة أعراب لا ضمة المنادي المفرد لها باطرادها منزلة بين منزلتين فليست كضمة حيث لأنها غير مطردة لعدم اطراد العلة التي أوجبتها و لا كضمة زيد في نحو خرج زيد لأنها حدثت بعامل لفظي و لما اطردت الضمة في نحو يا عمرو و كذلك اطردت في نحو يا رجل يا غلام الى ما لا يحصى نزل الاطراد فيها منزلة العامل المعنوي الواقع للمبتدإ من حيث اطردت الرفعة في كل اسم ابتدأ به مجردا عن عامل لفظي و جيء له بخبر كعمرو منطلق و زيد ذاهب الى غير ذلك.

فلما استمرت ضمة المنادي في معظم الأسماء كما استمرت في الأسماء المعربة الضمة الحادثة عن الابتداء أشبهتها العرب بضمة المبتدء فاتبعتها ضمة الاعراب في صفة المنادي في نحو يا زيد الطويل و جمع بينهما أيضا ان الاطراد معنا كما ان الابتداء كذلك.

251

ما روي أنّ كلّ خطاب بيا أيّها النّاس مكّيّ و بيا أيّها الّذين آمنوا مدنيّ (1) إن

____________

و من شأن العرب ان تحمل الشيء على الشيء مع حصول أدنى مناسبة بينهما حتى انهم قد حملوا أشياء على نقائضها الا ترى انهم اتبعوا حركة الاعراب حركة البناء في قراءة من قرأ الحمد للّه بضم اللام و كذلك اتبعوا حركة البناء حركة الاعراب في نحو يا زيد بن عمرو في قول من فتح الدال من زيد انتهى ملخصا.

و قد ذكر ذلك ابن الشجري في أماليه و أكثر في الحط على ابن نزار و بين ما وقع بينه و بينه مشافهة و لو لا مزيد الإطالة لذكرته بعجره و بجرة و أنت تعلم ما في ذلك كله من الوهن و لهذا قال بعض المحققين ان الحق أنها حركة اتباع و مناسبة لصفة المنادي ككسر الميم من غلامي و حينئذ يندفع الاشكال كما لا يخفى على ذوي الكمال.

بقي الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت هل هي للتعريف أم لا و الذي عليه الجمهور و هو المشهور انها للتعريف كما تقدمت الإشارة اليه.

و لما سئل عن ذلك أبو نزار قال انها هناك ليست للتعريف لان التعريف لا يكون الا بين اثنين في ثالث و اللام فيما نحن فيه داخلة في اسم المخاطب ثم قال و الصحيح انها دخلت بدلا من يا و أى و ان كان منادي الا ان ندائه لفظي و المنادي على الحقيقة هو المقرون بأل و لما قصدوا تأكيد التنبيه و قد رأوا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف النداء ثانيا ها و ثالثا ال.

و تعقبه ابن الشجري قائلًا ان هذا قول فاسد بل اللام هناك لتعريف الحضور كالتعريف في قولك جاء هذا الرجل مثلا و لكنها لما دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا يا ايها الرجل معناه يا رجل و لما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب فاكتفى باثنين لأن أسماء الخطاب لا يفتقر في تعريفها الى حضور ثالث.

الا ترى ان قولك خرجت يا هذا و انطلقت و أكرمتك لا حاجة به الى ثالث و ليس كل وجوه التعريف يقتضي ان يكون بين اثنين في ثالث فان ضمير المتكلم في أنا خرجت معرفة إجماعا و لا يتوقف تعريفه على حضور ثالث.

و أيضا ما قص من حديث التعويض يستدعي بظاهره ان يكون أصل يا ايها الرجل يا اى يا يا رجل و انهم عوضوا من الثانية ها و من الثالثة الألف و اللام و أنت تعلم ان هذا مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجه السمع و ينكره الطبع فليفهم انتهى ما في روح المعاني.

____________

(1) انظر في ذلك تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 252 و 253.

252

صحّ فلا يوجب تخصيصه بالكفّار، فإنّ المأمور به هو العبادة مطلقا يعمّ بدو العبادة و ازديادها، و المواظبة عليها.

في تفسير القاضي (1) إنّما قال ربّكم تنبيها على أنّ الموجب القريب للعبادة هي الربوبيّة، و «الذي» بصلته صفة جرت عليه للتعظيم و التّعليل، و يحتمل التقيد إن خصّ الخطاب بالمشركين و أريد بالربّ أعمّ من الحقيقيّ و ما سمّوه باسمه، لكنّه خلاف الظاهر كما لا يخفى.

و الخلق الإيجاد على تقدير و استواء، و لعلّ للترجّي و الإشفاق، تقول لعلّ زيدا يكرمني، و لعلّه يهينني، و الجملة حال عن فاعل «اعبدوا» أي راجين أن تكونوا من المتّقين، و ينبّه على أنّ العابد ينبغي أن لا يغترّ بعبادته بل يكون بين خوف و رجاء، مع رجحان للرجاء.

أو عن الخالق لكن على طريق التشبيه بالرّاجي، أو عن المخلوقين كذلك، فإنّه لما أزاح العلل في أقدارهم و تمكينهم، و هداهم النّجدين و أراد منهم الخير و التقوى، فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتّقوا لترجح أمرهم و هم مختارون بين الطّاعة و العصيان.

و أمّا كونها علّة بمعنى كي موافقا لقوله «وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ» كما يظهر من المجمع (2) فقد أنكره الكشاف و القاضي (3) فعلى هذا يجوز أن يكون غرض المجمع بيان محصّل المعنى على تجوّز، أو معناها المجازيّ و منعهما باعتبار الحقيقة أو على مقتضى مذهبه فتأمّل.

و «الّذين» عطف على مفعول خلقكم و غلّب الخطاب على الغيبة في لعلّكم أو حذف «و إياهم» للحضور.

فان قلت: فهلّا قيل تعبدون لأجل اعبدوا أو اتّقوا لمكان يتّقون، ليتجاوب

____________

(1) انظر البيضاوي ج 1 ص 106 ط مصطفى محمد.

(2) انظر مجمع البيان ج 1 ص 60.

(3) انظر الكشاف ج 1 ص 92 و البيضاوي ج 1 ص 108 ط مصطفى محمد و انظر تعاليقنا على هذا الجزء ص 35 في معنى لفظة لعل و عسى من اللّه.

253

طرفا النّظم؟ قلت: ليست التّقوى غير العبادة حتّى يؤدى ذلك إلى تنافر النّظم و إنّما التّقوى قصارى أمر العابد و منتهى جهده، فاذا قال «اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ» للاستيلاء على أقصى غايات العبادة، كان أبعث على العبادة، و أشدّ إلزاما على ما ثبت في النفوس، كذا في الكشاف.

ثمّ ظاهر الأمر إيجاب مطلق العبادة على كلّ النّاس: مسلمهم و كافرهم، حرّهم و عبدهم، إلّا ما أخرجه الدّليل كالصّبيان و المجانين، فيدلّ على وجوب العبادة في الجملة، أو حتّى يكونوا متّقين.

و على مشروعيّتها مطلقا، قيل فلا يحتاج إلى التوقيف فتصلح النّافلة دائما و الصّوم كذلك و إعادة العبادة و القضاء، و غير ذلك من أنواع العبادة، و لا يخفى أنّ ذلك بعد ثبوت كونها عبادة مطلقا و ربّما يكتفي باشتمالها على الخضوع و التذلّل مع ورود الشّرع بشيء من جنسه أو مطلقا فتأمّل.

و على أنّ الكافر مكلّف، و العبد كذلك، قيل: و تدلّ على أنّ العابد لا يستحقّ بعبادته عليه ثوابا، و إنّما وجبت عليه شكرا لما عدّده عليه من النّعم السّابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل، و فيه نظر لجواز ذكر النعم المعدودة لمزيد الترغيب و التحريص فان الآمر إذا عدّد بعض نعمه عند الأمر، كان ذلك آكد و أتمّ، و أبعث على الرغبة.

ثمّ غايته أن يكون مقارنتها للأمر دالّة على وجوب امتثاله لهذه الأوصاف و أقصى ذلك أن يكون هذه موجبة لعبادته، أو اختصاصه بالعبادة، و على كلّ تقدير لا يلزم كونها لمجرد الشّكر، أن لا يترتّب عليها ثواب، و لا يستحق بها أجر بوجه.

على أنّ قوله «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» لا يبعد أن يكون إشارة إلى حصول الثّواب و دفع العقاب، بل هو أقوى في ذلك كما لا يخفى.

على أنّ تعداد النّعم و الامتنان بها على العباد في مواضع كثيرة من المنعم الغنيّ المطلق، إنّما يناسب عدم إرادة العوض، فلا ينبغي كونها سببا موجبا للعبادة و شكرا لها على ما ادّعاه، هذا مع ما دلّ على ترتّب الثواب من الآيات و الأخبار،

254

و غيرها ممّا هو مذكور في أصول الكلام ممّا لا ينبغي معه الذّهاب إلى خلافه بل كاد أن يكون الثّواب و العقاب من ضروريّات دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بل كلّ الأديان، و بهما يثبتون الحشر و النشر، و الظّاهر أنّه إجماع المسلمين.

نعم هذا مذهب منسوب إلى أبي القاسم البلخيّ و ذهاب غيره غير معلوم، و دوام قائل به بعيد جدّا، و لم ينقل ذلك من أحد من الطّائفة المحقّة.

[البقرة 21] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ السَّمٰاءَ بِنٰاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلٰا تَجْعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

«الذي» منصوب بأنّه صفة ثانية أو بالمدح أو مرفوع خبرا عن محذوف أو مبتدء خبره «فَلٰا تَجْعَلُوا» و قرئ «بساطا و مهادا» و المعنى أنّهم يقعدون عليها و ينامون و يتقلّبون كما يتقلّب أحدهم على فراشه و بساطه و مهاده، و كأنّ المراد بذلك تسهيل الانتفاع بها جدّا، و لهذا قيل: و لا يلزم كون الأرض مسطّحة، لأنّها لاتّساعها لا ينافي هذا المعنى منها، كرويّتها.

و السّماء اسم جنس تقع على الواحد و المتعدّد، و البناء مصدر سمّي به المبنيّ بيتا كان أو قبّة أو خباء أو طرافا، و أبنية العرب أخبيتهم، و منه بنى على امرأته لأنّهم كانوا إذا تزوّجوا ضربوا عليها خباء جديدا، كذا في الكشّاف.

«و أنزل» عطف على «جعل» و من ابتدائية سواء أريد بالسّماء السّحاب أو جهة الفوق مطلقا، فان ما علاك سماء أو الفلك و «أخرج» عطف على «أنزل» و ضمير به للماء، و من تبعيضيّة فرزقا مفعول له بمضي المرزوق أو حال أو بيانيّة مقدّم على المبين كما في: «أنفقت من الدراهم ألفا» فرزقا مفعول «اخرج» «و لكم» صفة رزقا أو مفعوله إن أريد به المصدر كأنّه قال رزقا إيّاكم، و إنّما ساغ الثّمرات و الموضع موضع الكثرة لأنّه أراد بالثّمرة جماعة الثّمرة كما في قولك أدركت ثمرة بستانه، و يؤيّده قراءة من الثّمرة على التّوحيد أو لأنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، أو لأنّها لمّا كانت محلّاة باللام خرجت عن حدّ القلّة.

«فَلٰا تَجْعَلُوا» إمّا متعلق باعبدوا على أنّه نهي معطوف عليه أو نفي منصوب

255

بإضمار أن جواب له، أو بلعلّ على أنّه منصوب نصب فاطّلع في قوله تعالى «أَبْلُغُ الْأَسْبٰابَ أَسْبٰابَ السَّمٰاوٰاتِ فَأَطَّلِعَ» إلحاقا لها بالأشياء السّتة، و ينبغي حينئذ أن يكون «الذي» مفعول «يتّقون».

أو بالّذي جعل على أنّه نهي وقع خبرا على تأويل «مقول فيه لا تجعلوا» و الفاء للسببيّة أدخلت عليه لتضمّن المبتدء معنى الشّرط أو بهو الذي على تقدير كونه خبرا، فإمّا من عطف الإنشاء على الإخبار لجوازه أو بتأويل.

في الكشاف (1) الندّ المثل، و لا يقال إلّا للمثل المخالف المناوي، و معنى «ليس للّه ندّ و لا ضدّ» نفي ما يسدّه مسدّه، و نفي ما ينافيه، و الكفّار لما تقرّبوا إلى أصنامهم و عظّموها و سمّوها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته و مضادّته، فقيل لهم الأنداد على سبيل التهكّم، و كما تهكّم بهم بلفظ الندّ، شنّع عليهم و استفظع شأنهم من حيث الجمع بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصحّ أن يكون له ندّ قطّ، و قرئ «ندا».

«وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» حال من ضمير «فَلٰا تَجْعَلُوا» و المفعول محذوف أي و حالكم أنّكم من أهل العلم و النظر و إصابة الرأي، متمكّنون من معرفة أنّه لا يجوز أن يكون له ندّ، أو مقدّر منويّ و هو أنّه لا يجوز، أو لا يكون له ندّ، أو أنّه لا يقدر على مثل هذه الأفعال و لا يفعله غيره، أو ما بينه و بينها من التفاوت، و على التقدير فالمقصود منه مزيد التوبيخ لا تقيد الحكم و قصره عليه، فان الظّاهر أنّ العالم و الجاهل المتمكّن من العلم سواء في التكليف، و لهذا صحّ الأوّل أيضا.

نعم يمكن أن يفهم أنّ الجاهل معذور على تقدير عدم القدرة على العلم و تمكّنه منه، فيمكن أن يستفاد منه عدم التكليف بما لا يطاق، و يستنبط هنا أحكام أخر:

منها إباحة السكون في أيّ جزء من الأرض كان على أيّ وجه أراد، و الصلاة فيه و سائر العبادات، بل إباحة الأرض و التّصرف فيها سكنى و غيرها إلّا ما أخرجه

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 95.

256

دليل، إذ ليس المراد بجعلها فراشا ما يختصّ ببعض ما تقدّم، و كذا إباحة الماء و استعماله و طهارته بل طهوريّته أيضا، لأنّها من جملة انتفاعاتها المتعارفة المطلوبة منه. كما هو مقتضى مقام الامتنان، و لكن قوله «فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرٰاتِ» ربّما استدعى خلافه فتأمّل.

و المقام يستدعي كون جميع الثمرات المخرجة رزقا و في المجمع في «كُلَّمٰا رُزِقُوا» أنّ الرّزق عبارة عما يصحّ الانتفاع به، و لا يكون لأحد المنع منه، و في القاموس: الرّزق ما ينتفع به، و قد يقرب منه كلام القاضي كما يأتي فقد يستفاد إباحة الثّمرات جميعا و عموم الانتفاع بها إلّا ما أخرجه دليل، و تحريم الشرك و ثبوت الوحدانيّة.

قال القاضي (1): اعلم أنّ مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة اللّه و النهي عن الإشراك به، و الإشارة إلى ما هو العلّة و المقتضي لها، و بيانه أنّه رتّب الأمر بالعبادة على صفة الربوبيّة إشعارا بأنّها العلّة لوجوبها، ثمّ بيّن ربوبيتها بأنّه خالقهم و خالق أصولهم و ما يحتاجون إليه في معاشهم من المقلة و المظلة و المطاعم و الملابس، فإنّ الثمرة أعمّ من المطعوم، و الرّزق أعمّ من المأكول و المشروب، ثمّ لمّا كانت هذه أمور الّتي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيّته، رتّب عليها النّهي عن الإشراك به.

____________

(1) تفسير البيضاوي 1/ 111.

257

النوع الثامن فيما عدا اليومية و أحكام يلحق اليومية أيضا

[صلاة الجمعة و أحكامها]

الأولى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الجمعة 9].

خصّ الخطاب بالمؤمنين تشريفا لهم و تعظيما، و لأنّهم المنتفعون بذلك، و النّداء الأذان. في المجمع (1) أي إذا أذّن لصلاة الجمعة، و ذلك إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، و ذلك أنّه لم يكن على عهد رسول اللّه نداء سواه، و نحو ذلك في الكشاف. و اللام للأجل و قيل: للتوقيت، و حينئذ يلزم عدم اعتبار الأذان قبل وقت الصلاة في ذلك و إن شرع، و على الأوّل يعتبر مع شرعيّته، أما لا معها فالأظهر لا.

و «من» بيانيّة مفسّرة لإذا و قيل: للصّلاة على توقيت اللام، و قيل بمعنى في، و قيل للتبعيض، و يوم الجمعة يوم الفوج المجموع كقولهم ضحكة للمضحوك منه، و يوم الجمعة بفتح الميم يوم الوقت الجامع كقولهم ضحكة و لعنة، و الجمعة تثقيل للجمعة، و قرئ بهنّ جميعا [2].

«فَاسْعَوْا» أي فامضوا [3] و قد قرء به عبد اللّه بن مسعود، و روي ذلك عن عليّ

____________

[2] كذا في الكشاف ج 4 ص 532 و في روح المعاني ج 28 ص 87 و الجمعة بضم الميم و هو الأفصح و الأكثر الشائع و به قرء الجمهور و قرء ابن الزبير و أبو حيوة و ابن ابى عبلة و زيد بن على و الأعمش بسكونها و روى عن ابى عمرو و هو لغة تميم و جاء فتحها و لم يقرء به و نقل بعضهم الكسر أيضا انتهى.

و انظر أيضا شواذ القرآن لابن خالويه ص 153.

[3] هكذا ترى في المجمع ج 5 ص 288 و فيه أيضا رواية ابن مسعود لو علمت الإسراع إلخ. و ترى أحاديث كثيرة في ذلك في الدر المنثور ج 6 ص 219 و فتح القدير ج 5 ص

____________

(1) انظر المجمع ج 5 ص 288 و الكشاف ج 4 ص 532.

258

(عليه السلام) و عمر بن الخطّاب و أبيّ بن كعب و ابن عبّاس، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و عن ابن مسعود: لو علمت الإسراع لأسرعت حتّى يقع ردائي من كتفي، و نحوه عن عمر، و عن الحسن: ما هو السعي على الاقدام، و قد نهوا أن يأتوا الصّلاة إلّا و عليهم السكينة و الوقار، و لكن بالقلوب و النيّات، و يقرب منه ما قيل: إنّه عبّر بالسّعي للمبالغة في الفعل و عدم الترك، و لا يبعد أن يحمل على نحو ذلك قول قتادة أي امضوا إليها مسرعين غير متثاقلين.

و في الكشاف: و قيل: المراد بالسعي القصد دون العدو، و السّعي التصرف في كلّ عمل، و منه قوله تعالى «فَلَمّٰا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ»- «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ» فليتأمّل.

و المراد بذكر اللّه إمّا الصّلاة فكأنّه قال إليها، إلّا أنّه عبّر عنها بذكر اللّه تشريفا لها و ترغيبا في فعلها، و قيل: إشارة إلى أنّها ذكر اللّه و أنّه ينبغي القصد بفعلها أنّها ذكر اللّه، أو الخطبة أو هما جميعا و اللّه أعلم.

و ظاهر الآية وجوب السعي على جميع المؤمنين، و ما يقال من أنّ فيها إشارة إلى الاختصاص بالأحرار، لأنّ العبد محجور عليه، فموضع نظر و تأمّل، نعم لا ريب في تأييده القول بالعدد الأقل كالخمسة دون السبعة، و إطلاق تحريم البيع بعد النداء يقتضي حرمته، و إن لم يكن مانعا من السعي، إذ قد يمكن الجمع بينهما.

و الظّاهر أن لا قائل أيضا بتخصيص المنع بالمانع، فلا يبعد أن يكون تحريمه نوع تعبّد فلا ينبغي إلحاق سائر العقود به مطلقا من غير نصّ، لأنّه قياس من غير ظهور علّة جامعة، مع مخالفته للأصل، و ما دلّ على إباحتها من العقل و النقل كتابا و سنة و إجماعا، و هو مذهب أكثر أصحابنا، حتّى لم ينقل فيه خلاف بين المتقدّمين منهم.

____________

223 و في روح المعاني ج 28 ص 91 و قرء كثير من الصحابة و التابعين فامضوا و حملت على التفسير بناء على انه لا يراد بالسعي الإسراع في المشي و لم تجعل قرآنا لمخالفتها سواد المصحف المجمع عليه.

259

و ما يقال من أنّ في الآية إيماء إلى العلّة، و هي موجودة في محلّ النزاع فان قوله سبحانه «ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ» جرى مجرى التعليل لما قبله، الذي من جملته ترك البيع، و لا شبهة في مشاركة سائر العقود البيع في ذلك، فيشاركه في التّحريم، و تخصيص البيع بالذكر لأنّ فعله كان أكثريا لأنّهم كانوا يهبطون من قراهم و بواديهم و ينصبّون إلى المصر من كلّ أوب لأجل البيع و الشّراء.

أو أنّ ظاهر الآية وجوب السّعي بعد النّداء على الفور، و إن لم يكن ذلك من نفس الأمر، لأن الأمر بترك البيع قرينة إرادة المسارعة، فيكون كلّ ما شأنه أن يكون منافيا له منجرّا إلى التراخي عنه مأمورا بتركه، فيكون محرّما فموضع نظر لا يخفى.

و قول الشهيد أنّ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضدّه، لا يفيد الإطلاق و أمّا ما أشار إليه بقوله لو حملنا البيع على المعاوضة المطلقة الذي هو معناه الأصليّ كان مستفادا من الآية تحريم غيره أيضا فبعيد لأنّه خلاف المعنى الشرعيّ هذا.

و أمّا الانعقاد فعليه أكثر المتأخّرين لعموم «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» و عدم كون النّهي في المعاملات دالا على الفساد، و أكثر المتقدّمين على عدمه لكون النّهي دالا على الفساد كما قد يشعر به قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا».

و قال بعض مشايخنا سلّمهم اللّه (1): لا يبعد عدم الانعقاد و إن لم يكن النّهي مطلقا دالا على الفساد، ليتمّ المطلوب، و الترغيب إلى الصّلاة، و لأنّ ما يدلّ على انعقاده هو إباحته، فمع رفعها لا ينعقد، مؤيّدا بالأصل من عدم الانتقال، و ليس كون العقد الحرام الذي لا يرضى اللّه به دليلا و موجبا لذلك بظاهر فليتأمّل فيه.

و ظاهر التعليق ألا يحرم بمجرّد زوال الشمس [بدون الأذان] و صرّح في المنتهى أنّه مذهب علمائنا أجمع و أكثر أهل العلم خلافا لمالك و أحمد، فذهاب الشهيد الثاني في شرح الشرائع إلى ما ذهبا غريب.

____________

(1) انظر زبدة البيان ص 116 ط المرتضوي.

260

و ظاهر الأكثر أنّ المراد بالبيع المبايعة، أي ما يعمّ الشراء، و هو غير بعيد و ربّما فهم ترك التوجّه و العناية به أيضا.

و لو كان أحد المتبايعين ممّن لا يجب عليه الجمعة، فقيل بالكراهية بالنسبة إليه لعدم مقتضى التحريم، و قيل بالحرمة أيضا لقوله تعالى «وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ» و أيضا لما فهم من الآية عموم ترك البيع قبولا أيضا، فالخروج منه بمجرّد سقوط وجوب الجمعة عنه بدليل مخصوص به موضع نظر.

«ذٰلِكُمْ» أي ما أمر به من السعي و ترك البيع «خَيْرٌ لَكُمْ» و أنفع عاقبة بل و دينا «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» الخير و الشر أو كنتم من أهل العلم و التّمييز تعلمون أنّ ذلك خير لكم.

الثانية فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

ثمّ أطلق لهم ما حظّر عليهم بعد قضاء الصّلاة من الانتشار، و ابتغاء الرّبح و النفع من فضل اللّه و رحمته مع التوصية بإكثار الذكر، و أن لا يلهيهم شيء من تجارة و غيرها عنه، لأنّ فلاحهم فيه و فوزهم منوط به.

و في ذلك إشارة إلى أنّ الطالب لا ينبغي أن يعتمد على سعيه و كدّه، بل على فضل اللّه و رحمته و توفيقه و تيسيره، طالبا ذلك من اللّه و روي (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: الصّلاة يوم الجمعة و الانتشار يوم السّبت.

و روى عمر بن يزيد (2) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّى لأركب في الحاجة

____________

(1) كنز العرفان ج 1 ص 171 و المجمع ج 5 ص 289 و الوسائل الباب 52 من أبواب صلاة الجمعة ج 5 ص 85 المسلسل 9705 و الفقيه ج 1 ص 273 الرقم 1252 ط النجف و نور الثقلين ج 5 ص 328.

(2) المجمع ج 5 ص 289 و نور الثقلين ج 5 ص 327 و مسالك الافهام ج 1 ص 265 و الوسائل الباب 5 من مقدمات التجارة ج 12 ص 16 المسلسل 21893 عن عدة الداعي.

261

الّتي كفاها اللّه ما أركب فيها إلّا التماس أن يراني اللّه أضحي في طلب الحلال، أما تسمع قول اللّه عز و جل «فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» أ رأيت لو أنّ رجلا دخل بيتا و طيّن عليه بابه ثمّ قال رزقي ينزل علىّ، كان يكون هذا؟ أما إنه أحد الثلاثة الّذين لا يستجاب لهم: أي رجل يدعو على امرأته، [أن يريحه منها فلا يستجاب له لأن عصمتها بيده لو شاء أن يخلّى سبيلها لخلّا سبيلها] و رجل يكون له الحقّ على آخر فلا يشهد عليه فيجحد فيدعو، و رجل يكون عنده الشيء فيجلس في بيته فلا ينتشر و لا يطلب حتّى يأكله ثمّ يدعو فلا يستجاب لهم.

و عن ابن عبّاس لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنّما هو عيادة المرضى، و حضور الجنائز، و زيارة أخ في اللّه، و ذلك في المجمع عن أنس عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و عن الحسن و سعيد بن المسيّب و سعيد بن جبير و مكحول طلب العلم و قيل: صلاة التطوع و قيل: و اذكروا اللّه أي على إحسانه و اشكروه على نعمه و على ما وفّقكم من طاعته و أداء فرضه.

و قيل: المراد بالذكر هنا الفكر كما قال (1) «تفكّر ساعة خير من عبادة سنة» و قيل: معناه اذكروا اللّه في تجارتكم و أسواقكم، كما روي عن النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال «من ذكر اللّه في سوق مخلصا عند غفلة الناس و شغلهم بما فيه، كتب له ألف حسنة، و يغفر اللّه له يوم القيامة مغفرة لم تخطر على قلب بشر» و لا يبعد أن يكون المراد و اذكروا اللّه في الطلب، فراعوا أوامره و نواهيه، فلا تطلبوا إلّا ما يحلّ من حيث يحلّ دون ما لا يحلّ و من حيث لا يحلّ.

الثالثة وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً قُلْ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ وَ اللّٰهُ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ.

روي (2) أنّ دحية بن خليفة الكلبيّ قدم من الشام بتجارة ذات جمعة و رسول

____________

(1) المجمع ج 5 ص 289.

(2) انظر المجمع ج 5 ص 287 و الكشاف ج 4 ص 536 و الدر المنثور ج 6 ص 220 الى 222 و روح المعاني ج 28 ص 92.

262

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على المنبر يخطب، و قيل: يصلّي و كان يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه أو كانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل و التصفيق، فلما اتّفق ذلك قاموا إليه، فما بقي معه إلّا يسير، قيل: ثمانية، و أحد عشر، و اثنا عشر، و أربعون، فقال: و الذي نفس محمّد بيده لو خرجوا جميعا لأضرم اللّه عليهم الوادي نارا.

و عن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كلّ مقدم عير و نزلت في ذمّ أولئك بأنهم إذا علموا تجارة أو لهوا انصرفوا عنه (صلّى اللّه عليه و آله) «إليها» إلى التجارة، و إنّما خصّت بردّ الضمير إليها، لأنها كانت أهم إليهم اكتفاء، و التقرير إذا رأوا تجارة انفضّوا إليها أو لهوا انفضّوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه.

و كذلك قراءة من قرء «انفضّوا إليه» و قراءة من قرء لهوا أو تجارة انفضّوا إليها، و قرئ إليهما [1] فالظاهر أنّ منهم من خرج للتجارة، و منهم من خرج للهو، كما قيل.

و قيل: الضمير للتجارة من غير تقدير آخر، لأنّ المراد إذا رأوا تجارة و علموها أو لهوا دالّا عليها فظنّوها انفضّوا إليها. و قدّم التجارة أولا للترقّي باللهو، إذ لا فائدة لهم فيه، بخلافها فالذمّ على الانصراف أولى و أقوى و أخّرها ثانيا للترقّي بها فان كون ما عند اللّه من الثواب على سماع الخطبة و حضور الموعظة و الصلاة و الثبات مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- أو من خير الدنيا و الآخرة- خيرا من التجارة أبلغ من كونه خيرا من اللهو الذي لا فائدة فيه إلّا وهما و لعلّ التفضيل أيضا بناء على وهمهم لينا و مماشاة و تخلّقا معهم.

«وَ اللّٰهُ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ» فيرزقكم إن لم تتركوا الخطبة و الجمعة خيرا ممّا يرزقكم

____________

[1] نقله في الكشاف ج 4 ص 537 قال في روح المعاني ص 93 و قرئ إليهما بضمير الاثنين كما في قوله إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللّٰهُ أَوْلىٰ بِهِمٰا و هو متأول لأنه بعد العطف بأو لكونها لأحد الشيئين لا يثنى الضمير و كذا الخبر و الحال و الوصف فهي على هذه القراءة بمعنى الواو كما قيل في الآية التي ذكرناها انتهى.

263

مع الترك، أو خيرا ممّا ترجون من التجارة و نحوها، و قيل: أي يرزقكم و إن لم تتركوا الخطبة و الجمعة، و «خَيْرُ الرّٰازِقِينَ» من قبيل «أَحْكَمُ الْحٰاكِمِينَ»* و «أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ»* إي إن أمكن وجود الرازقين فهو خيرهم، و قيل الإطلاق على غيره بطريق المجاز، و لا ريب أنّ الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازقين بطريق المجاز.

[صلاة الميت]

الرابعة: في التوبة [84] وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً وَ لٰا تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ فٰاسِقُونَ.

«مات» في موضع جرّ صفة لأحد، و مضيّة بالنسبة إلى فعل الصلاة، و في الكشاف: و إنّما قيل: مات و ماتوا بلفظ الماضي، و المعنى على الاستقبال على تقدير الكون و الوجود، لأنه كائن موجود لا محالة، و فيه ما لا يخفى.

«و أبدا» منصوب على أنّه ظرف للنهي تأكيد له و كونه ظرفا للمنهي كما هو ظاهر بعض إن صحّ فبتكلّف إما للموت كما قال به القاضي و إنّما كسر إنّ في «أنّهم» و إن كان في موضع التعليل، لتحقيق الاخبار بأنّهم على الصفة الّتي ذكرها، روي (1) أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى على عبد اللّه أبيّ و ألبسه قميصه قبل أن ينهى عن الصلاة على المنافقين، عن ابن عباس و جابر و قتادة.

و قيل: إنه (عليه السلام) أراد أن يصلّى عليه فأخذ جبرئيل بثوبه و تلا عليه: لا تصلّ الآية، عن أنس و الحسن، و روي أنّه كان قد أنفذ إليه قميصه، فقيل له (صلّى اللّه عليه و آله): لم وجّهت بقميصك إليه يكفّن فيه و هو كافر؟ فقال: إنّ قميصي لن يغني عنه من اللّه شيئا، و إني اؤمّل من اللّه أن يدخل بهذا السبب في الإسلام خلق كثير، فروي أنّه أسلم ألف من الخزرج لمّا رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذكره الزجّاج، قال: و الأكثر في الرواية أنّه لم يصلّ عليه.

و قيل: إنّما فعل ذلك (2) مكافأة له على حسناه في الحديبية فإنّه لما قال المشركون لا نأذن: لمحمد و لكنّا نأذن لعبد اللّه، قال: لا لي أسوة برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) المجمع ج 2 ص 57.

(2) انظر الكشاف ج 2 ص 298 و في الكاف الشاف ذيله تخريجه.

264

و أيضا لما أسر العبّاس يوم بدر، لم يجدوا له قميصا على طوله و كان طويلا فكساه عبد اللّه هذا قميصه، أو إجابة إلى مسئلته إيّاه، فقد روى ذلك، و كان (عليه السلام) لا يردّ سائلا، و كان يتوفّر على دواعي المروة و يعمل بعادات الكرام، أو إكراما لابنه:

فقد روي أنّه قال: أسئلك أن تكفّنه في بعض قمصانك، و أن تقوم على قبره لا يشمت به الأعداء.

و روى محمّد بن يعقوب في الحسن [1] عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لما مات عبد اللّه أبيّ بن سلول حضر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) جنازته فقال عمر لرسول اللّه: يا رسول اللّه أ لم ينهك اللّه أن تقوم على قبره؟ فسكت، فقال: يا رسول اللّه أ لم ينهك اللّه أن تقوم على قبره؟

فقال له: ويلك ما يدريك ما قلت؟ إنّى قلت اللهمّ احش جوفه نارا و املأ قبره نارا و أصله نارا، قال أبو عبد اللّه: فأبدا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما كان يكره.

فالظاهر أنّ المراد في الآية الوقوف للدعاء له، و الاستغفار، و نحو ذلك، و كأنه كذا يعتبر في الصلاة على أحدهم، فإنّ الظاهر منها أيضا ما يكون فيه دعاء للميّت كما صرّح به القاضي، فلا منافاة بين فعله (صلّى اللّه عليه و آله) و مفاد الآية أصلا، و جاز أيضا أن يكون ذلك بعد الصلاة و نزول الآية، فلا ينافي قول ابن عبّاس، و على القول الآخر فليس في الرواية أنّه صلّى، هذا.

فقد ظهر دلالة الآية على عدم جواز الصلاة في وقت من الأوقات على أحد من الكفار مات على كفره، و كذا الوقوف على قبورهم للدعاء لهم، و أنّ العلّة كفرهم و موتهم عليه، بناء على أنّ المراد من الفسق هنا الكفر كما قيل، و إشعارها بأنّ ذلك

____________

[1] انظر الوسائل ج 2 ص 770 المسلسل 3042 و هي في المنتقى لصاحب المعالم ج 1 ص 222 و وصفه المصنف بالحسن لكون إبراهيم بن هاشم في طريقه و قد أوضحنا في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 129 ان الحديث من طريقه صحيح فراجع و ترى مضمون الحديث مرويا في البرهان ج 2 ص 148 و ص 149 و نور الثقلين ج 2 ص 248 الى ص 521 عن كتب اخرى كالعياشى و تفسير على بن إبراهيم و عوالي اللئالى فراجع.

265

عبادة مشروعة بالنسبة إلى سائر المسلمين، إذ لو لا ذلك لم يخصّ سبحانه بالنهي الكافر، هذا.

و قد يتأمّل في الاشعار بكونها عبادة فتفكّر.

[صلاة السفر]

الخامسة في النساء [100] وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم فيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ حرج و إثم في أَنْ تَقْصُرُوا في الكشاف في محلّ النصب بنزع الخافض، و قيل في موضع جرّ على تقدير حرف الجرّ لأنّ الحرف حذف لطول الكلام، و ما حذف لذلك فهو في حكم الثابت، و قرئ في الشواذ «تقصروا» من الإقصار، و «تقصّروا» من [1] التقصير.

مِنَ الصَّلٰاةِ من زائدة و قال سيبويه صفة موصوف محذوف أي شيئا «مِنَ الصَّلٰاةِ»- إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.

في موضع نصب على المفعول به، و قيل مفعول له أي كراهة أن يفتنكم و في قراءة أبيّ بن كعب (2) بغير «إن خفتم» فقيل المعنى أن لا يفتنكم أو كراهة أن يفتنكم كقوله «يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا».

إِنَّ الْكٰافِرِينَ كٰانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً.

أي ظاهر العداوة، قال في الكافرين عدوا، لأنّ لفظة فعول تقع على الواحد و الجماعة، ثمّ الضرب في الأرض معتبر في القصر بنصّ الكتاب، و قد أجمع علماؤنا على أنّ المسافة شرط و هو قول أهل العلم، نعم عن داود يقصر في قليل السفر و كثيره.

____________

[1] نقلهما في الكشاف ج 1 ص 558 و فيه و جاء في الحديث إقصار الخطبة بمعنى تقصيرها و في الكاف الشاف تخريجه و كذا نقل القرائتين في روح المعاني ج 5 ص 119 و كذا نقل التشديد في شواذ القرآن لابن خالويه ص 28 و كل نقل التشديد عن الزهري و في شواذ القرآن نقل ان تفصروا من افصر بالفاء عن عباس عن القاسم و لم أظفر في اللسان و التاج على تلك اللغة.

____________

(2) و كذا نقله عنه و عن عبد اللّه في روح المعاني ج 5 ص 121 و عن عبد اللّه في الكشاف ج 1 ص 559.

266

فالذي عليه علماؤنا أربعة و عشرون ميلا ثمانية فراسخ مسيرة يوم، و به قال الأوزاعيّ قال: و به قال عامّة العلماء، و أقلّ من ذلك إلى نصفه، إذا كان قصده الرجوع في يومه أو قبل إقامة عشرة كذلك، و قيل: مع عدم قصد الرجوع بالتخيّر بينه و بين الإتمام، و عند الشافعي ستّة عشر فرسخا مسيرة يومين، و في قول له مسيرة يوم، و في آخر أربعة فراسخ، و عند أبي حنيفة أربعة و عشرون فرسخا مسير ثلاثة أيّام و اعتبار الأربعة مطلقا أقرب إلى إطلاق الآية، و العموم المفهوم من إذا، لكن لم يعتبرها الأكثر كذلك لمخالفتها لروايات كثيرة مع التصريح في بعضها باعتبار الرجوع و لو قبل عشرة كما يقتضيه قصر الحاج من أهل مكة تأمل.

و أيضا ظاهر الآية أنّ مجرّد الخروج إلى السفر و صدق الضرب في الأرض سبب للقصر، لكن حدّه أكثر الأصحاب بالوصول إلى موضع يخفى الأذان و الجدران لروايات (1)، و قيل أيضا بمجرّد الخروج لبعض الروايات فتأمل.

و لا يخفى أنّ نفي الجناح يصحّ في الواجب و المستحبّ و المباح، بل في المرجوح أيضا، فبالنظر إلى أنّ هذا قصر للصلاة التامّة الواجبة، و الأصل عدم وجوبه، قال الشافعيّ بالتخيير، و نظرا إلى أنّ الروايات قد دلّت على شيوع ذلك في فعل النبيّ و الصحابة (2) قال بأنّ القصر أفضل، و بالنظر إلى أنّ أقلّ الرخصة جوازه مع المرجوحيّة قال أيضا بأنّ الإتمام أفضل، و أنت تعلم أنّ كلّ ذلك مع عدم الدليل على وجوب القصر، أما معه فيتعيّن، فيكون عزيمة كما ذهب إليه أصحابنا، و هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و عمر و ابن عمر و كثير من الصحابة و أبى حنيفة و أصحابه.

فعن عمر: صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيّكم (3) و عن عائشة أوّل ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين، فأقرّت في السفر، و زيدت في الحضر، و عن

____________

(1) انظر الباب 5 و 6 و 7 من أبواب صلاة المسافر من الوسائل.

(2) انظر الكشاف ج 1 ص 558 و في الكاف الشاف ذيله تخريج هذه الروايات و هي في كتب الشيعة كثيرة لا احتياج الى ذكر المصادر.

(3) انظر الكشاف ج 1 ص 558 و تخريج الكاف الشاف ذيله.

267

ابن عبّاس فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم (صلّى اللّه عليه و آله) في الحضر أربعا و في السفر ركعتين.

و عن ابن عمر [1] قال صحبت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في السفر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه تعالى، و صحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، و صحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه عز و جل.

و عن ابن مسعود أنّه لمّا بلغه أنّ عثمان صلّى أربعا، استرجع و قال: صلّيت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ركعتين، و مع أبى بكر ركعتين، و مع عمر ركعتين، ثمّ تفرّقت بكم الطرق فيا ليت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان.

و عن ابن عبّاس أنه قال للّذي قال له: كنت أتمّ الصلاة و صاحبي يقصّر: أنت الذي كنت تقصّر و صاحبك يتمّ، و عن ابن عمر أنّه قال لرجل سأل عن صلاة السفر:

ركعتان فمن خالف السنّة كفر.

و عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطّاب «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» فقد أمن الناس، فقال: عجبت ممّا عجبت منه فسألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن ذلك فقال: صدقة تصدّق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته، أخرجه الجماعة إلّا البخاريّ و الموطأ.

و عن عبد اللّه بن خالد بن أسيد أنه قال لابن عمر: كيف تقصر الصلاة و إنّما قال اللّه عز و جل «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ» فقال ابن عمر يا ابن أخي إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أتانا و نحن ضلّال، فعلّمنا فكان فيما علّمنا أن أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر أخرجه النسائيّ و الأمر للوجوب.

____________

[1] ترى هذه الأحاديث بطرق مختلفة و إسناد متفاوتة في الدر المنثور ج 3 ص 209 و ص 210 و ترى بعضها في كنز العرفان أو مسالك الافهام تفسير آية القصر قد بينا في تعاليقنا مصادر الحديث فراجع و لا يحسن لنا هنا التكرار و انظر أيضا زاد المعاد لابن القيم الجوزية ج 1 من ص 127 الى ص 131.

268

و من طريق الخاصّة [1] ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّ اللّه عز و جل تصدّق على مرضى أمّتي و مسافريها بالتقصير و الإفطار، أ يسرّ أحدكم إذا تصدّق أن تردّ عليه؟

و في الصحيح [2] عن عليّ بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الأوّل عن الرجل يخرج في سفره و هو مسيرة يوم، قال: يجب عليه التقصير، إذا كان مسير يوم.

____________

[1] انظر الباب 22 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 539 المسلسل 11335 عن الفروع ج 1 ص 197 و كذا ج 7 ص 124 الباب 1 من يصح منه الصوم المسلسل 13148 و لم ينقل الحديث عن الشيخ و المصنف نقله عن الشيخ قلت و هذا الحديث مروي في التهذيب أيضا ج 4 ص 216 الرقم 628.

لكن في نسخة التهذيب عن ابن ابى نجران مكان ابن ابى عمير و اما في الكافي فعن ابن ابى عمير و عده في المرآت ج 3 ص 231 من الصحيح و ذلك للإجماع على تصحيح ما يصح عن ابن أبى عمير.

و قد روى الحديث في الفقيه أيضا ج 2 ص 90 بالرقم 403 له صدر ليس في الكافي و التهذيب رواه عن يحيى بن ابى العلاء عن ابى عبد اللّه فراجع و لم أظفر على نقل الحديث في المنتقى مع بنائه على نقل الأحاديث الصحيحة و الحسنة و لعله لإرسال الحديث بعد ابن ابى عمير في الكافي و بعد ابن ابى نجران في التهذيب و في طريق الصدوق إلى يحيى بن ابى العلاء ابان بن عثمان و قد تكلم فيه علماء الرجال.

و على اى فلم يكن الحديث عند صاحب المعالم من الصحاح أو الحسان و لذا لم ينقله في المنتقى و الحق كون الحديث معتبرا و ان لم نسمه بالصحيح و ابان بن عثمان من أصحاب الإجماع و اللّه أعلم.

[2] الحدائق ج 11 ص 299 و الوسائل ج 5 ص 493 المسلسل 11157- الباب 1 من أبواب صلاة المسافر: نقله عن التهذيب و الاستبصار و هو في التهذيب ج 3 ص 209 الرقم 503 و الاستبصار ج 1 ص 225 الرقم 899 و في آخر الحديث و ان كان يدور في عمله و هو في المنتقى ج 1 ص 553.

269

و في الصحيح [1] عن عبد اللّه بن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: الصلاة في السفر ركعتان، ليس قبلهما و لا بعدهما شيء، إلّا المغرب ثلاث ركعات.

و في الصحيح [2] عن عبيد اللّه الحلبيّ قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): صلّيت الظهر أربع ركعات و أنا في السفر؟ قال: أعد.

و في الصحيح [3] عن زرارة و محمّد بن مسلم أنهما قالا: قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) ما

____________

[1] الوسائل ج 5 ص 529 المسلسل 11299- الباب 16 من أبواب صلاة المسافر عن التهذيب و الاستبصار و هو في المنتقى ج 1 ص 531 و فيه ان في التهذيب عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه قال الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما الا المغرب ثلاث.

و رواه في الاستبصار عن الشيخ ابى عبد اللّه المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد بسائر السند انتهى ما في المنتقى قلت و ترى الحديث في التهذيب ج 2 ص 13 الرقم 31 و في الاستبصار ج 1 ص 220 الرقم 778 مطابقا لما افاده صاحب المعالم (قدس سره) في المنتقى فراجع.

[2] الوسائل الباب 17 من أبواب صلاة المسافر ج 5 ص 531 المسلسل 11305 عن التهذيب قلت و هو في التهذيب صلاة المسافر ج 2 ص 14 الرقم 33 و هو في الحدائق ج 11 ص 427 و في المنتقى ج 1 ص 551.

[3] الحديث رواه كما في المتن في الفقيه ط النجف ج 1 ص 278 الرقم 1266 و ط مطبعة الصدوق ج 1 ص 434 الرقم 1265 و روى بعضه العياشي ج 1 ص 271 الرقم 254 و في البرهان ج 1 ص 410 و نور الثقلين ج 1 ص 449 و المجمع ج 2 ص 101 و البحار ج 18 ص 694 و دعائم الإسلام ج 1 ص 195 و ترى اجزاء الحديث مبثوثة في الوسائل الباب 1 و 17 و 22 من أبواب صلاة المسافر.

و روى الحديث بتمامه في الحدائق ج 11 ص 296 و قلائد الدرر ج 1 ص 233 و زبدة البيان ط المرتضوي ص 120 و بين فيه فوائد يستفاد من الحديث نقلناها في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 273 فراجع و نقل الحديث بتمامه أيضا في المنتقى ج 1 ص 551 و قال في طريق الفقيه الى محمد بن مسلم جهالة و الاعتبار بالطريق عن زرارة انتهى.

ثم ذو خشب على ما في معجم ما استعجم للبكرى ص 499 بضم اوله و ثانيه و بالباء المعجمة بواحد موضع يتصل بالكلاب- بضم الكاف- و هو على مرحلة من المدينة على طريق الشام و في معجم

270

تقول: في الصلاة في السفر كيف هي و كم هي؟ فقال: إنّ اللّه عز و جل يقول «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ» فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا: انما قال اللّه تعالى «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ» و لم يقل افعلوا فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام) أو ليس قد قال اللّه تعالى في الصفا و المروة «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا» أ لا ترى أن الطواف بهما واجب مفروض لأنّ اللّه عز و جل ذكره في كتابه و صنع نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ذكره اللّه تعالى في كتابه.

قالا: قلنا له فمن صلّى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال: إن كان قد قرئت عليه آية التقصير و فسّرت له فصلّى أربعا أعاد، و إن لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا إعادة عليه، و الصلاة كلّها في السفر الفريضة ركعتان إلّا المغرب، فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير: تركها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في السفر و الحضر ثلاث ركعات، و قد سافر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة و عشرون ميلا، فقصّر و أفطر، فصارت سنّة، و قد سمى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قوما صاموا حين أفطر «العصاة» قال: فهم العصاة إلى يوم القيمة، و إنّا لنعرف أبناءهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا.

قال في الكشاف (1): كأنّهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنّة لأن يخطر ببالهم أنّ عليهم نقصانا في القصر، فنفى عنهم الجناح ليطيب أنفسهم بالقصر، و يطمئنّوا إليه و هو غير بعيد كما تنبّه له من آخر حديث أبى عبد اللّه (عليه السلام)، و تشبيهه القصر بالسعي بين الصفا و المروة، كما سيتّضح لك إن شاء اللّه، و الروايات الدّالة على وجوب القصر

____________

البلدان ج 2 ص 372 ط بيروت: خشب بضم اوله و ثانيه و آخره باء موحده واد على مسيرة ليلة من المدينة له ذكر كثير في الحديث و في المغازي قال كثير:

و ذا خشب من آخر الليل قلبت * * * و تبغي به ليلى على غير موعد

و فيه ان الخشب جمع اخشب و هو الخشن الغليظ من الجبل و يقال هو الذي لا يرتقى فيه.

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 558.

271

مطلقا مخصّصة بما دلّت على التخيير في مواضعه الأربعة، و لا تنافي الآية فتدبّر و أيضا إطلاق السفر يعمّ ما كان معصية، و لكن رفع الجناح عن القصر إرفاقا يناسب التخصيص بالمباح فلا يبعد كما هو مقتضى الأخبار و الإجماع فتأمل.

في المجمع (1) إنّ في المراد من قصر الصلاة هنا أقوالا.

الف- أنّ معناه أن تقصروا الرباعيّات ركعتين ركعتين عن مجاهد و جماعة من المفسّرين و هو قول الفقهاء، و مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

ب- و ذهب إليه جماعة من الصحابة و التابعين منهم جابر بن عبد اللّه و حذيفة بن اليمان و زيد بن ثابت و ابن عباس و أبو هريرة و كعب و كان من الصحابة قطعت يده يوم اليمامة و ابن عمر و سعيد بن جبير و السدّي: أنّ المعنى قصر صلاة الخوف من صلاة السفر لا من صلاة الإقامة لأنّ صلاة السفر عندهم ركعتان تمام غير قصر، قال: فهنا قصران قصر الأمن من أربع إلى ركعتين، و قصر الخوف من ركعتين إلى ركعة واحدة، و قد رواه أصحابنا أيضا.

ج- أنّ المراد القصر من حدود الصلاة عن ابن عباس و طاوس، و هو الذي رواه أصحابنا في صلاة شدّة الخوف، و أنها تصلّى إيماء، و السجود أخفض من الركوع فان لم يقدر على ذلك فالتسبيح المخصوص كاف عن ركعة.

د- أنّ المراد به الجمع بين الصلاتين، قال: و الصحيح الأوّل.

ثمّ لا ريب أنّ ظاهر الآية أنّ الخوف أيضا شرط للقصر، فلا قصر مع الأمن لمفهوم الشرط، لكن قد علم جواز القصر ببيان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فنقول المفهوم و إن كان حجّة لكن بشرط عدم ظهور فائدة للتقيد سوى المفهوم، و يحتمل أن يكون ذكر الخوف في الآية لوجود الخوف عند نزولها، أو يكون قد خرج مخرج الأعمّ الأغلب عليهم في أسفارهم، فإنّهم كانوا يخافون الأعداء في عامّتها كما قيل، و مثله في القرآن كثير مثل «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّٰا يُقِيمٰا حُدُودَ اللّٰهِ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِمٰا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ»

____________

(1) المجمع ج 2 ص 101 و لنا في تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 من ص 182 الى ص 186 مطالب مفيدة لا نكررها هنا و من شاء فليراجع هناك.

272

«وَ لٰا تُكْرِهُوا فَتَيٰاتِكُمْ عَلَى الْبِغٰاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» و ربما يدّعى لزوم الخوف للسفر غالبا و يؤيّد ذلك القراءة بترك «إِنْ خِفْتُمْ».

على أنّ المفهوم معتبر ما لم يعارضه أقوى منه، و معارض هنا بأقوى و أصرح منه من الإجماع و منطوق الأخبار من الخاصّة و العامّة كما تقدّم بعضها، قال القاضي:

و قد تظافرت السنن على جوازه أيضا في حال الأمن، فترك المفهوم بالمنطوق، و إن كان المفهوم حجّة أيضا لأنه أقوى.

و قيل: قوله «إِنْ خِفْتُمْ» إلخ منفصل عمّا قبله روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: نزلت إلى قوله «أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ» ثمّ بعد حول سألوا رسول اللّه عن صلاة الخوف، فنزل «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» الآية هو في الظاهر كالمتصل به و هو منفصل عنه.

و على هذا فيجوز أن يكون التقدير: أقصروا من الصلاة إن خفتم الآية، أو لا جناح عليكم أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ بقرينة السؤال و وقوعه في المصحف بعد ذلك.

و على هذا يتوجّه القول الثاني أو الثالث في القصر بالنسبة إلى الخوف مع الأوّل بالنسبة إلى السفر فليتأمل، و يتوجّه أيضا قول أصحابنا أنّ كلا من السفر و الخوف موجب للقصر كما يتوجّه على قراءة ترك إن خفتم كما لا يخفى، على أنّ الإجماع و الأخبار يكفي في ذلك كما تقدم و ربما أمكن فهم القصر مع الخوف وحده من الآية الآتية بعد أيضا هذا.

و قيل: المعنى ان خفتم أن يفتنكم الّذين كفروا في الصلاة، و قيل في أنفسكم أو دينكم، و كأنه لا منافاة، فافهم، و الفتنة قيل: القتل، و قيل: العذاب، و الأظهر أنّه هنا التعريض للمكروه، و اللّه أعلم.

[صلاة الخوف]

السادسة في النساء أيضا [101] وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذٰا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طٰائِفَةٌ

273

أُخْرىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وٰاحِدَةً وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كٰانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ أَعَدَّ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً.

ثمّ ابتدأ سبحانه ببيان صلاة الخوف في جماعة، فقال «وَ إِذٰا كُنْتَ» يا محمّد «فِيهِمْ» أي في أصحابك الضاربين في الأرض الخائفين عدوّهم، قاله في مجمع البيان و هو الذي يقتضيه اتصال الآية بما قبلها، و سياقها في نفسها مع شأن نزولها، فلا عموم لها حتّى يستدلّ به على جواز صلاة الخوف في الحضر أيضا كما في المنتهى.

و حيث شرط كونه (عليه السلام) فيهم، ذهب بعض الجمهور إلى اختصاص الصلاة على هذا الوجه بحضوره (صلّى اللّه عليه و آله) متعلّقا بالآية و أجيب بأنّه مفهوم المخالفة، أو مفهوم اللقب، و الحقّ أنّ المفهوم مفهوم شرط لكنّه ليس مفاده عدم مشروعيتها بل أن لا تقوم الطائفة معه (صلّى اللّه عليه و آله) إلخ و لا دلالة لهذا على عدم مشروعيتها بدونه، نعم لا دلالة فيها على شرعيّتها مع غيره أيضا بل يثبت بدليل التأسي.

«فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ» بحدودها و ركوعها و سجودها عن الحسن، و قيل أقمت لهم الصلاة بان تؤمهم «فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ» في صلاتك، و ليكن سائرهم في وجه العدوّ فلم يذكر ما ينبغي أن تفعله الطائفة غير المصلّية لدلالة الكلام عليه.

«وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ» أى الطائفة المصلّية لظاهر السياق نظرا إلى ما قبل و ما بعد، فيأخذون من السلاح ما لا يمنع واجبا في الصلاة كالسيف و الخنجر و السكّين و نحوها، وجوبا لظاهر الأمر، و لقوله آخرا «وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كٰانَ بِكُمْ أَذىً» الاية، حيث نفى الحرج و الإثم بشرط الأذى، فيثبت مع عدمه، و قال أبو حنيفة و أحمد و الشافعيّ في قول استحبابا، و على الأوّل لو كان السلاح نجسا لم يجز أخذه على قول، و قيل بالجواز عملا بالعموم، و الوجه اعتبار الحاجة.

274

و قيل: بل المأمور الطائفة الّتي بإزاء العدوّ دون المصلّية عن ابن عباس، و هو خلاف الظاهر، بل هذه الطائفة تأخذ السلاح لانّ الحراسة انّما تكون بالسلاح، فهو أمر معلوم يدلّ عليه الكلام و ان لم يذكر «فَإِذٰا سَجَدُوا» اي الطائفة الأولى المصلّية معه (صلّى اللّه عليه و آله) «فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ» فليصيروا بعد فراغهم من سجودهم مصافّين للعدوّ.

و اختلف هنا [1] فعندنا أنّ الطائفة الأولى إذا رفعت من السجود و فرغت من الركعة يصلّون ركعة أخرى و يتشهّدون و يسلّمون و الامام قائم في الثانية ثمّ ينصرفون

____________

[1] قد ورد حديث صلاة الرقاع في أحاديث الشيعة مسندا انظر التهذيب ج 3 ص 172 الرقم 380 و الفقيه ج 1 ص 293 الرقم 1337 و الكافي ط 1312 ج 1 ص 127 و المنتقى ج 1 ص 568 و اما صلاة بطن نخل فرواه- الشيخ عن الحسن عن أبي بكرة في المبسوط انظر ح 1 ص 167 ط المرتضوي و اما صلاة عسفان فأرسله أيضا الشيخ في المبسوط انظر ص 166.

و قال الشهيد في الذكرى جوابا عن توقف العلامة في المنتهى تبعا للمحقق في المعتبر بعدم ثبوت النقل عن أهل البيت (ع): قلت هذه صلاة مشهورة في النقل فهي كسائر المشهورات الثابتة و ان لم تنقل بأسانيد صحيحة و قد ذكرها الشيخ مرسلا لها غير مسند و لا محيل على سند، فلو لم تصح عنده لم يتعرض لها حتى ينبه على ضعفها فلا تقصر فتواه عن روايته انتهى ما أردنا نقله و تحامل عليه في البحار ج 18 ص 706 و في الحدائق ج 11 ص 286.

و اما أهل السنة فلهم في كيفيتها روايات انهوها إلى أربع و عشرين صفة انظر سنن ابى داود ج 2 من ص 15 الى ص 24 و الام للشافعي ج 1 من ص 210 الى ص 229 و أحكام القرآن لابن العربي ص 491 الى ص 496 و سنن البيهقي ج 3 من ص 252 الى ص 264 و الدر المنثور ج 2 من ص 211 الى ص 214 و القرطبي ج 5 من ص 364 الى ص 373 و تفسير ابن كثير ج 1 من ص 546 الى ص 549 و الخازن ج 1 من ص 391 الى ص 393 و نيل الأوطار ج 3 من ص 336 الى ص 345.

ثم ذات الرقاع بكسر الراء و بطن نخل و عسفان على وزن عثمان أسماء لمواضع صلى رسول اللّه (ص) فيها صلاة الخوف انظر تعاليقنا على كنز العرفان ج 1 ص 189.

275

إلى مواقف أصحابهم و يجيء الآخرون فيستفتحون الصلاة و يصلّى بهم الإمام الركعة الثانية و يطيل تشهّده حتّى يقوموا فيصلّوا بقيّة صلاتهم ثمّ يسلّم بهم الامام، فيكون للأولى تكبيرة الافتتاح، و للثانية التسليم، و هو مذهب الشافعي أيضا.

و قيل: إنّ الطائفة الأولى إذا فرغت من ركعة يسلّمون و يمضون إلى وجه العدوّ و تأتي الطائفة الأخرى فيصلّي بهم الركعة الأخرى، و هذا مذهب جابر و مجاهد و حذيفة و ابن جنيد و من يرى أنّ صلاة الخوف ركعة واحدة.

و قيل: إنّ الامام يصلّي بكلّ طائفة ركعتين فيصلّى بهم مرّتين، عن الحسن و هذه صلاة بطن النخل، و لا أعلم من أصحابنا أحدا حمل الآية عليها، و إن جوّزها كثير.

و قيل إنه إذا صلّى بالطائفة الأولى ركعة مضوا إلى وجه العدوّ، و تأتي الطائفة الأخرى فيكبّرون و يصلّي بهم الركعة الثانية، و يسلّم الإمام خاصّة و يعودون إلى وجه العدوّ، و تأتي الطائفة الأولى فيقضون ركعة بغير قراءة، لأنهم لاحقون، و يسلّمون و يرجعون إلى وجه العدوّ و تأتي الطائفة الثانية و يقضون ركعة بقراءة لأنهم مسبوقون عن عبد اللّه بن مسعود و هو مذهب أبي حنيفة.

فالسجود في قوله «فَإِذٰا سَجَدُوا» على ظاهره عند أبي حنيفة و على قولنا و الشافعي بمعنى الصلاة أو يقدّر: و أتمّوا بقرينة ما بعده. و هو و إن كان خلاف ظاهره، الا أنه أحوط للصلاة، و أبلغ في حراسة العدوّ كما هو الظاهر، و أشدّ موافقة لظاهر القرآن، لأنّ قوله «وَ لْتَأْتِ طٰائِفَةٌ أُخْرىٰ لَمْ يُصَلُّوا، ظاهره أنّ الطائفة الأولى قد صلّت، و قوله «فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ» مقتضاه أن يصلّوا تمام الصلاة، فالظاهر أنّ صلاة كلّ طائفة قد تمّت عند تمام صلاته، و أيضا الظاهر أنّ مراد الآية بيان صلاة الطائفتين، و ذلك يتمّ على ما قلناه بأدنى تقدير أو تجوّز بخلافه على قوله، و قول حذيفة و ابن الجنيد في ذلك كقولنا، إذ لا بدّ بعد الركعة من التشهّد و التسليم، نعم التجوّز حينئذ أقرب من التجوز على ما قلناه.

و ربما يمكن حمل الآية على ما يعمّ الوجوه حتّى صلاة بطن النخل، بأن

276

يكون المراد فاذا صلّوا على ما بيّنت لهم ركعتين جماعة كما في بطن النخل، أو منفردا في الأخيرة كما في ذات الرقاع أو مكتفيا بالأولى منفردا بالتشهّد و التسليم كما في قول ابن الجنيد، لكنّه مخالف لظاهر الروايات مع عدم ظهور قائل به من الأصحاب فتأمل، و الحمل على ما يعمّ قول أبي حنيفة بعيد جدا كما لا يخفى.

ثمّ ههنا أمور:

الف- قد اشترط الشافعيّ كون كلّ طائفة ثلاثة فصاعدا، لأن الطائفة كذلك و لقوله تعالى «وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ» و نحوه، و أجيب بأنّ الطائفة يقع على الواحد أيضا فإنّه قد يسمّى طائفة ذكره الفرّاء، و كذلك القطعة من الأرض يسمّى الطائفة أيضا، و الجمع للاثنين فما فوق شائع، على أنه يمكن خروجه مخرج الأعمّ الأغلب فتأمل.

ب- ينبغي للطائفة الأولى الانفراد عند القيام إلى الثانية، قاله الشيخ في المبسوط، و في الدروس أنّهم يفارقونه على الأقوى، و ظاهره وجود قول بعدم المفارقة فتأمل.

ج- ذكروا لهذه الصلاة شروطا منها كون العدوّ في خلاف جهة القبلة ذهب إليه علماؤنا أجمع، على ما في المنتهى، و ربما دلّ عليه قوله تعالى «فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ»، و منها كثرة المسلمين بحيث يمكنهم الافتراق فرقتين، يفي كلّ فرقة بمقاومة العدوّ لتحصل المتابعة بفعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنه هكذا فعل، و منها قوة العدوّ بحيث يخاف هجومه، و منها كون القتال سائغا على قول، و منها عدم الاحتياج إلى الزيادة على فرقتين على قول، و قال العلامة لو احتاج أن يفرقهم ثلاثا في المغرب أو أربعا على التمام في الحضر جاز، إذا نوى المأموم المفارقة، لأنها صلاة واجبة لم يخلّ بشيء من واجباتها، و على هذا يختلّ أكثر الشرائط كما لا يخفى.

قوله «وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ» أي الطائفة الثانية في صلاتهم كما هو الظاهر و قد جعل الحذر و هو التحرّز و التيقّظ آلة يستعملها الغازي، فجمع بينه و بين

277

الأسلحة في الأخذ، و جعلا مأخوذين مبالغة، و لام الأمر هنا و في ما تقدّم ساكنة باتفاق القراء [1]، و الأصل بالكسر، و يستثقل فيحذف استخفافا.

«وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا» أي تمنّوا «لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَ أَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وٰاحِدَةً» أي تحملون عليكم حملة واحدة، و فيه تنبيه على وجه وجوب أخذ السلاح. و في المجمع (2) في الآية دلالة على صدق النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و صحّة نبوّته و ذلك أنّها نزلت و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعسفان، و المشركون بضجنان (3)، فتوافقوا فصلّى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع و السجود، فهمّ المشركون بان يغيروا عليهم، فقال بعضهم انّ لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من هذه- يعنون صلاة العصر- فانزل اللّه تعالى عليه، فصلّى بهم العصر صلاة الخوف، و كان ذلك سبب إسلام خالد بن الوليد.

هذا، و لا يتوهّم من قوله و النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بعسفان أن يكون المراد بالآية صلاة الخوف المشهور بصلاة عسفان، فإنّ أحدا لم يقل بالحمل عليها أصلا كما صرّح به في الكنز، و لا الآية تحتملها كما لا يخفى، بل لم ترو هذه الصلاة في طرقنا بل رواها الجمهور و أورده الشيخ، فتبعه بعض و منع بعض، قال في المنتهي (4) و نحن نتوقّف في هذا لعدم ثبوت النقل عندنا عن أهل البيت (عليهم السلام) بذلك.

نعم في الذكرى: قلت هذه أي صلاة عسفان صلاة مشهورة في النقل كسائر

____________

[1] انظر نثر المرجان للاركانى ج 1 ص 654 لم ينقل فيه غير قراءة سكون اللام ثم الأصل في لام الطلب الكسر و تسكن عند الاتصال بالواو أو الفاء كما في هو و هي تقول فهو و هي بسكون الهاء و اما بعد ثم فنقلوا إسكان اللام و كسرها على الأصل. ثم في لغة سليم يفتحون لام الطلب في غير ما يلتزم فيه السكون.

____________

(2) انظر المجمع ج 2 ص 103

(3) قال البكري في معجم ما استعجم ص 856 ضجنان بفتح اوله و سكون ثانيه بعده نون و الف على وزن فعلان جبل بناحية مكة على طريق المدينة.

(4) انظر ج 1 ص 402 و ص 403.

278

المشهورات الثابتة و ان لم ينقل بأسانيد صحيحة، و قد ذكرها الشيخ مرسلا لها غير مسند، و لا محيل على سند، فلو لم يصحّ عنده لم يتعرّض حتّى ينبّه على ضعفها، فلا تقصر فتواه عن روايته، ثمّ ليس فيها مخالفة لأفعال الصلاة غير التقدم و التأخر، و التخلف بركن، و كلّ ذلك غير قادح في الصحّة اختيارا و عند الضرورة انتهى، و فيه نظر لا يخفى.

«وَ لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كٰانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ» موضع «أَنْ تَضَعُوا» النصب بنزع الخافض أي في أن تضعوا، فلما أن سقطت «في» عمل ما قبل أن فيها، و على القول الآخر يكون موضعها جرا بإضمار حرف الجرّ.

رخّص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها بسبب ما يبلّهم من مطر أو يضعفهم من توقّع مرض، و أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر بقوله «وَ خُذُوا حِذْرَكُمْ» لئلا يغفلوا فيهجم عليهم العدوّ، و لما كان هذا يوهم شوكة العدوّ و غلبته و اغتراره قال «إِنَّ اللّٰهَ أَعَدَّ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰاباً مُهِيناً» فوعدهم بالنصر لتقوى قلوبهم، و ليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لضعفهم أو غلبة عدوّهم، بل لأنّ الواجب القيام بأمر الجهاد، و ربط الجأش في القتال، و تعوّد مراسم التيقظ و التدبّر، متوكّلين على اللّه، فإنه تعالى كثيرا ما يفعل الأشياء بأسبابها.

السابعة في النساء [103] فَإِذٰا قَضَيْتُمُ الصَّلٰاةَ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلٰاةَ إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً.-

«فَإِذٰا قَضَيْتُمُ الصَّلٰاةَ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ قِيٰاماً» حال قيامكم «وَ قُعُوداً» حال قعودكم «وَ عَلىٰ جُنُوبِكُمْ» أي مضطجعين في الكشاف (1) قيل: معناه فاذا قضيتم الخوف، فاديموا ذكر اللّه مهلّلين مكبّرين مسبّحين، داعين بالنصرة و التأييد في كافة أحوالكم من قيام و قعود و اضطجاع، فان ما أنتم فيه من خوف و حرب جدير بذكر اللّه و دعائه

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 561.

279

و اللجإ اليه. و في المجمع (1) أي ادعوا اللّه في هذه الأحوال لعلّه ينصركم على عدوّكم و يظفركم به عن ابن عباس، و أكثر المفسرين، و في كون الذكر مطلقا دعاء نظر نعم كون الذكر يعمّ الدعاء قريب و كون ذلك على طريق التعقيب غير بعيد، اما كون المراد به خصوص «سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلا اللّه و اللّه أكبر» على ما هو المستحبّ للمسافر عقيب كلّ صلاة مقصورة، فلا يخلو من بعد، و أبعد منه ان يكون المراد الأمر بالمداومة على الذكر في جميع الأحوال كما في الحديث القدسي: يا موسى اذكرني فإنّ ذكري حسن على كلّ حال.

و في الكشاف: فاذا صلّيتم في حال الخوف و القتال فصلّوها قياما مسايفين و مقارعين، و قعودا جالسين على الركب مرامين، و على جنوبكم مثخنين بالجراح و كأنه على تضمين الإرادة و الذكر بمعنى الصلاة أو بمعناه، لكن بان يصلوا له و يمكن اعتبار حال الخوف مطلقا من غير اختصاص بحال القتال.

و قيل: إشارة إلى صلاة القادر و العاجز أي إذا أردتم الصلاة فصلّوا قياما إذا كنتم أصحاء و قعودا إذا كنتم مرضى لا تقدرون على القيام، و على جنوبكم إذا لم تقدروا على القعود عن ابن مسعود.

و روي عن ابن عباس [2] أنه قال عقيب تفسير الآية: لم يعذر اللّه تعالى أحدا في ترك ذكره إلّا المغلوب على عقله، و على هذا التفسير يستفاد الترتيب أيضا لكن لم أفز برواية الأصحاب لهذا التفسير لهذه الآية.

نعم روى ذلك في تفسير قوله تعالى «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً» و لا يخفى أنّ عدم اعتبار الخوف يأباه قوله «فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلٰاةَ» فإنّ ظاهره إذا

____________

[2] هكذا في النسخ المخطوطة من مسالك الافهام و كتابنا هذا و زبدة البيان ص 123 ط المرتضوي و روح المعاني ج 5 124 و لكن الظاهر من كلام المجمع ج 2 ص 104 انه من كلام ابن مسعود و المروي في تفسير الطبري أيضا انه من كلام ابن عباس ج 5 ص 260 مع تفاوت يسير في اللفظ فلعل في كيفية أداء العبارة في المجمع تسامحا.

____________

(1) المجمع ج 2 ص 103.

280

استقررتم بزوال خوفكم، و سكنت قلوبكم، فأتموا حدود الصلاة، و احفظوا أركانها و شرائطها.

و قيل: معناه إذا أقمتم فأتمّوا الصلاة الّتي أجيز لكم قصرها، و قد يجمع بين الوجهين و فيه نظر.

و قيل: إذا أمنتم فاقضوا ما صلّيتم في حال القلق و الانزعاج، ذكره الكشاف ذهابا إلى قول الشافعيّ من إيجاب الصلاة على المحارب في حال المسايفة و المشي و الاضطراب في المعركة إذا حضر وقتها، فإذا اطمأنّ فعليه القضاء، و فيه بعد لا يخفى.

«إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» في المجمع قيل: أي واجبة مفروضة عن ابن عباس و جماعة، و هو المروي عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) و قيل: معناه فرضا موقّتا أي منجما تؤدّونها في أنجمها عن ابن مسعود و قتادة و قد تقدّم في أول كتاب الصلاة.

الثامنة [البقرة 239] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَمٰا عَلَّمَكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

صدر هذه الآية قد مضى القول فيه في أوّل كتاب الصلاة و أما البقية، فإنه سبحانه لما قدّم الأمر بالمحافظة، عقبه بذكر الرخصة عند المخافة فقال إن خفتم أي عدوّا أو سبعا أو غرقا و نحوها، فلم تتمكنوا أن تحافظوا عليها و توفّوا حقّها فتأتوا بها تامّة الأفعال و الشروط «فَرِجٰالًا» هو جمع راجل مثل تجار و صحاب و قيام، و هو الكائن على رجله واقفا كان أو ماشيا أى فصلّوا حال كونكم رجالا، و قيل مشاة.

«أَوْ رُكْبٰاناً» جمع راكب كالفرسان و كلّ شيء علا شيئا فقد ركبه، أي: أو على ظهور دوابكم أي تراعون فيها دفع ما تخافون فلا ترتكبون ما به تخافون بل تأتون بها على حسب أحوالكم بما لا تخافون به: واقفين أو ماشين أو راكبين إلى القبلة أو

281

غيرها بالقيام و الركوع و السجود، أو بالإيماء أو بالنية و التكبير و التشهّد و التسليم.

و يروى أن عليا (عليه السلام) صلّى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء و قيل بالتكبير و إنّ النبيّ صلّى يوم الأحزاب إيماء و بالجملة فيها إشارة إلى صلاة الخوف إجمالا و التفصيل يعلم من السنّة المطهّرة.

«فَإِذٰا أَمِنْتُمْ» بزوال خوفكم «فَاذْكُرُوا اللّٰهَ» أي فصلّوا «كَمٰا عَلَّمَكُمْ مٰا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» من صلاة الأمن، و قيل اذكروا اللّه بالثناء عليه و الحمد له شكرا على الأمن و الخلاص من الخوف و العدو، كما أحسن إليكم بما علمكم ما لم تكونوا تعلمون من الشرائع، و كيف تصلّون في حال الأمن و في حال الخوف، أو شكرا يوازي نعمة و تعليمه، و لعلّ هذا القول أظهر لظهور الذكر فيه، و فهم صلاة الأمن من صدرها.

[تعقيب الصلاة]

التاسعة [الانشراح: 7- 8] فَإِذٰا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَ إِلىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ.

النصب التعب أي فاتعب و لا تشتغل بالراحة، و المعنى إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربّك في الدعاء، و إليه فارغب في المسئلة يعطك، عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و مقاتل و الكلبيّ، و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام).

في المجمع (1): قال الصادق (عليه السلام): هو الدعاء في دبر الصلاة و أنت جالس فالظاهر أنّ المراد به التعقيب بعد المكتوبة كما هو المشهور، و عليه الاخبار و الإجماع من الخاصّة و العامة.

فالأمر على الندب أو من خواصه (عليه السلام) و اعتبار الجلوس في قول الصادق (عليه السلام) محمول على تأكّد الاستحباب كما تدلّ عليه أخبار أخر، منها ما رواه الصدوق في الصحيح (2) أنّ هشام بن سالم قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي أخرج أحبّ أن أكون معقّبا، فقال:

____________

(1) المجمع ج 5 ص 509.

(2) الفقيه ج 1 ص 216 الرقم 963 ط النجف و هو في ط مكتبة الصدوق ج 1 ص 329 الرقم 964 و رواه في الوسائل ج 4 ص 1034 الباب 17 من أبواب التعقيب المسلسل 8437 عن الفقيه و عن التهذيب و قريب منه في المضمون حديث الكافي بالمسلسل 8439.

282

إن كنت على وضوء فأنت معقّب.

و قد تدلّ الفاء على الاشتغال به بغير فصل، و يفهم من الروايات أيضا حتّى قبل النافلة في المغرب كما صرّح به في رواية في الفقيه [1] مع ما ورد من تعجيلها و فعلها قبل الكلام.

و ينبغي أن يكون المعقّب على هيئة الصلاة كما قاله بعض الأصحاب و دلّت عليه بعض الاخبار، و ادّعى إشعار الآية به، و في الذكرى أنه يضرّ بالتعقيب جميع ما يضرّ بالصلاة، و لعلّه أراد نقص الفضيلة لا بطلان كونه تعقيبا شرعا و أما اشتراط ذلك في كونه دعاء شرعا مستحبا في الجملة، فكأنه لا قائل به، و لا شبهة في خلافه.

ثم في الآية أقوال أخر فقيل: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، عن ابن مسعود، و قيل: إذا فرغت من دنياك فانصب في عبادة ربك و صلّ، عن الجبائي و مجاهد في رواية. و قيل: إذا فرغت من جهاد أعدائك فانصب في عبادة ربك عن الحسن و ابن زيد، و قيل: إذا فرغت من جهاد عدوّك فانصب في جهاد نفسك، و قيل: إذا فرغت من أداء الرسالة فانصب لطلب الشفاعة، قيل أي استغفر للمؤمنين.

في المجمع (2) و سئل علىّ بن طلحة عن هذه الآية فقال: القول فيه كثير، و قد سمعنا أنّه يقال: إذا صححت فاجعل صحّتك و فراغك نصبا في العبادة، و الى ربّك فارغب أي بجميع حوائجك و أمورك، و لا ترغب الى غيره بوجه. و يجوز عطفه على الجزاء و على الشرط فافهم.

____________

[1] إشارة الى الحديث المروي في الفقيه ج 1 ص 143 ط النجف بالرقم 664 و هو في ط مكتبه الصدوق ج 1 ص 221 الرقم 665 و الحديث هكذا و قال الصادق من صلى المغرب ثم عقب و لم يتكلم حتى يصلى ركعتين كتبتا له في عليين فان صلى أربعا كتبت له حجة مبرورة و الحديث في الوسائل الباب 30 من أبواب التعقيب ج 4 ص 1057 المسلسل 8514 و في الباب أحاديث أخر أيضا في النهي عن التكلم بين الأربع ركعات التي بعد المغرب.

____________

(2) المجمع ج 5 ص 501 و على ابن أبي طلحة ترى ترجمته في تهذيب التهذيب ج 7 ص 339 الرقم 567 و ميزان الاعتدال ج 3 ص 134 الرقم 5870 و الصحيح على بن أبي طلحة و الظاهر انه سقط في المجمع و في كتابنا هذا كلمة أبي.

283

[صلاة الجماعة]

العاشرة [البقرة 43] وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ.

إقامة الصلاة الإتيان بها تامّة الأفعال و الشروط، و أداء وظائفها المعتبرة، و الركوع لغة الانحناء، و قيل الخضوع، و شرعا انحناء خاصّ، قيل: أي بحيث تصل يدا مستوي الخلقة إلى ركبتيه، أو خضوع خاصّ، و قد يعبّر به عن الصلاة لأنّ الركوع أوّل ما يشاهد من الأفعال الّتي يستدلّ بها على انّ الإنسان يصلّى، أو لكونه ركنا فيها أو لغير ذلك، و لا ريب ان ليس المراد مطلق الانحناء، فقيل: عبّر به عن الصلاة و ذلك لأنّ الخطاب لليهود، و ليس في صلاتهم ركوع، و قوله «وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ» كان يحتمل الإشارة إلى صلاتهم و الى صلاتنا، فاذا قيل ذلك اختصّ بصلاتنا فيكون بيانا لا تكرارا و مجرّد تأكيد كما قيل.

و أصرح في هذا المعنى ما قيل انّ المراد اركعوا في الصلاة مع الراكعين في صلاتهم، فيراد به المعنى الشرعيّ، و المعيّة على القولين كأنها باعتبار الموافقة في الصلاة و الدخول في دين الإسلام، و حينئذ فالوجوب كما هو ظاهر الأمر ظاهر، و إذا حمل على صلاة الجماعة كما قيل: كانت المعيّة أظهر، و لكنّ الوجوب [1] كاد ان يكون خلاف الإجماع، فامّا ان يحمل على الصلاة الّتي يجب فيها الجماعة كصلاة الجمعة و العيدين، أو على شدّة الاستحباب للأخبار و الإجماع.

هذا و قد يستدلّ على الأوّل على ركنية الركوع، لتسميتها لاشتمالها عليه و عدم انفكاكها عنه، فاذا عدم عدمت، و فيه نظر. و على الثاني على وجوب الركوع، و على الأخير على عدم إدراك الجماعة مع عدم الركوع مع الامام، حتّى لو كان الامام

____________

[1] قد عرفت في حواشينا السابقة ان مفاد الأمر طلب المولى و العقل يحكم بوجوب اطاعة امره فما دل على جواز الترك يكون واردا على حكم العقل و لذا صححنا التعبير بقوله اغتسل للجمعة و الجنابة بأمر واحد دل الدليل على جواز ترك أحدهما و يبقى الآخر محكوما بحكم العقل بلزوم الإتيان.

284

راكعا و أدركه حينئذ لم يكن مدركا لها، لعدم الركوع مع الراكع، بل بعده و فيه نظر: و قيل المراد الخضوع و الانقياد لما يلزمهم في دين اللّه.

الحادية عشرة [البقرة: 44] أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ.

الهمزة للتقرير مع التوبيخ و التعجيب من حالهم، و البرّ سعة الخير و المعروف و منه البرّ لسعته و يتناول كلّ خير، و منه قولهم صدقت و بررت.

«وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ».

تتركونها تاركة للبرّ كالمنسيات.

«وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتٰابَ أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ».

الخطاب لعلماء اليهود و كانوا يقولون لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه، و هم لا يؤمنون، أو يأمرون من نصحوه في السرّ من أقاربهم و غيرهم باتباع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و لا يتّبعونه، و قيل: كانوا يأمرون العرب بالايمان بمحمد (صلّى اللّه عليه و آله) إذا بعث فلما بعث كفروا به.

و روى عن ابن عباس انهم كانوا يأمرون اتباعهم بالتوراة و تركوا هم التمسّك به، لأن جحدهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و صفته ترك للتمسك به، و عن قتادة كانوا يأمرون الناس بطاعة اللّه و هم يخالفونه، و قيل: كانوا يأمرون بالصدقة و لا يتصدّقون، و إذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها.

و روى انس بن مالك [1] قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): مررت ليلة اسرى بي على أناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت من هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر و ينسون أنفسهم.

____________

[1] المجمع ج 1 ص 98 و روح الجنان ج 1 ص 165 و القرطبي ج 1 ص 365 و الدر المنثور ج 1 ص 64 و فيه و اخرج وكيع و ابن أبي شيبة و أحمد و عبد بن حميد و البزار و ابن ابى داود في البعث و ابن المنذر و ابن أبى حاتم و ابن حبان و أبو نعيم في الحلية و ابن مردويه و البيهقي في شعب الايمان عن انس.

285

«وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتٰابَ» تبكيت مثل قوله «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»* يعني تتلون التوراة و فيها نعت محمّد، و فيها الوعيد على الخيانة و ترك البرّ و مخالفة القول العمل.

«أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ» توبيخ عظيم بمعنى أ فلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتّى يصدّكم استقباحه عن ارتكابه، فكأنكم في ذلك مسلوبة العقل، لأنّ العقول تأباه و تدفعه، و نحوه «أُفٍّ لَكُمْ وَ لِمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ» و في ذلك من الدلالة على كون القبح عقليا ما لا يخفى، و لا يدفعه قوله «وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتٰابَ» كما قاله التفتازانيّ.

في المجمع فان قيل: فاذا كان فعل البرّ واجبا و الأمر به واجبا فلما ذا وبّخهم على الأمر بالبرّ؟ قلنا: لم يوبّخهم على الأمر بالبرّ، و إنّما وبّخهم على ترك فعل البرّ المضموم إلى الأمر بالبرّ، لأن ترك البرّ ممن يأمر به أقبح من تركه ممن لا يأمر به، كقول الشاعر:

لا تنه عن خلق و تأتى مثله * * * عار عليك إذا فعلت عظيم

[1] و هذا هو المشهور، و مقتضى الأصل و دليل العقل، من حيث حكمه ظاهرا بحسن الأمر بالمعروف مطلقا إلّا ما يستلزم مفسدة، و ليست هنا، و النقل من النصوص الدالّة عليه مطلقا، و الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر إلا

____________

[1] البيت أنشده في المجمع ج 1 ص 96 و ص 98 و روح الجنان ج 1 ص 159 و 165 و معاني القرآن للفراء ج 1 ص 34 و التبيان ج 1 ص 69 و القرطبي ج 1 ص 367 و المغني في حرف الواو و سيبويه في الكتاب ج 1 ص 424 و ابن عقيل عند شرح قول ابن مالك:

و الواو كالفاء ان تفد مفهوم مع * * * كلا تكن جلدا و تظهر الجزع

و هو الشاهد 328 من الشرح ج 2 ص 353 و الآمدي في المؤتلف و المختلف ص 173 ط 1381 و شرحه العيني ج 4 ص 393 بهامش الخزانة جاعلا عليه رمز ضهع و شرحه القزويني في شرح شواهد المجمع ج 1 ص 252 و 266 الشاهد بالرقم 148 و 156.

و اختلفوا في المنسوب اليه البيت فقيل للأخطل و قيل لأبي الأسود الدئلى و النسبة إليه أشهر و قيل للمتوكل الليثي و قيل غيرهم.

286

بموجب، و ليس فيجوز على هذا لتارك الصلاة أمر الغير و التحريض عليها، و النهي عمّا ينافيها و يوجب تركها بعد وجوبها.

و أما ما تقدّم من كون ترك البرّ منه حينئذ أقبح و روى من مزيد عقابه و تزايد عذابه، فلعلّه لاستلزام ذلك كمال علمه بوجوبه، و نهاية وضوح قبح الترك عنده، و مزيد جرأته على اللّه، و زيادة بعده عن الحياء منه تعالى، و شدّة خبثه.

و ربما دلّ ذلك على عدم وقوع الأمر به منه خالصا للّه، فيكون ذلك باطلا أيضا بل ربما كان على وجه المعصية فتأمل فيه. [1]

[الاستعانة بالصلاة عند الكربات]

الثانية عشرة [البقرة: 45] وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلٰاةِ وَ إِنَّهٰا لَكَبِيرَةٌ إِلّٰا عَلَى الْخٰاشِعِينَ.

و استعينوا أي على حوائجكم إلى اللّه بالصبر و الصلاة أي بالجمع بينهما، بأن تصلّوا صابرين على تكاليف الصلاة متحمّلين لمشاقّها، و ما يجب من إخلاص القلب و حفظ النيّات، و دفع الوساوس و مراعاة الآداب، و الاحتراس من المكاره مع الخشية و الخشوع، و استحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبّار السموات و الأرض، و منه قوله «وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلٰاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْهٰا» قاله الكشاف.

فاذا فعل ذلك تقضى الحوائج و قد وردت صلوات للحوائج فيمكن الحمل عليها و لا يخفى أنّ الصبر هو منع النفس عن محابّها و كفّها عن هواها، و هو مفتاح كلّ خير، فلا يبعد عدم القصر على مشاقّ الصلاة، و يمكن أن يراد استعينوا على

____________

[1] فقد روى عن الرضا (ع) في عيون الاخبار ما يشعر بتصديقه عدم قبول الأمر بالبر منه الا بعد فعله و به يشعر عدم جواز أن يقيم الحد من عليه مثله، فعليك بالاستقصاء في ذلك و سيأتي مزيد كلام فيه باب الأمر بالمعروف كذا في هامش الأصل.

أقول: و قد خص صاحب الوسائل الباب 10 من أبواب الأمر بالمعروف ج 11 ص 418 بوجوب الإتيان بما يأمر به و كذا روى أحاديث تفيد ذلك في الباب 38 من أبواب جهاد النفس ج 11 ص 234 و في الأبواب الأخر أيضا ما يستفاد ذلك لا نطيل الكلام بسردها.

287

ما أخلاكم من البر و أنساكم أنفسكم منه بهما، أو على امتثال جميع ما امروا به و نهوا عنه من قوله «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ- إلى- وَ اسْتَعِينُوا» كما ذكروا في رجوع ضمير «انها» إليها.

أو يراد استعينوا على البلايا و النوائب بالصبر عليها و الالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها كما روي أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

و عن ابن عباس (1) أنّه نعي إليه أخوه قثم و هو في سفر فاسترجع و تنحّى عن الطريق، فصلّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثمّ قام يمشي إلى راحلته و هو يقول «اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلٰاةِ» و قيل: الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات، و منه قيل لشهر رمضان شهر الصبر.

و في المجمع (2) أنّه روي عن أئمّتنا (عليهم السلام) (3) فيكون فائدة الاستعانة أنه يذهب بالشره و هوى النفس كما قال (عليه السلام): الصوم و جاء، و يجوز أن يراد بالصلاة الدعاء و لا يجب أن يختص بكونه في البلاء كما قيل بأن يستعان على البلاء بالصبر و الالتجاء إلى الدعاء، و الابتهال إلى اللّه في دفعه.

«وَ إِنَّهٰا» فيها وجوه:

الف- أنّها للاستعانة بهما.

ب- أنّها للصلاة و هو قول أكثر المفسّرين لقربها منه و تأكيد حالها و تفخيم شأنها، و عموم فرضها، و أنها الأهمّ و الأفضل على أحد وجهين: الأول أن يراد بها الصلاة دون غيرها فيقدّر للصبر على قياس ذلك إذا اقتضته قرينة و الثاني أن يراد الاثنان و إن كان اللفظ واحدا، و قيل يشهد لذلك قوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ». «وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا».

____________

(1) انظر الدر المنثور ج 1 ص 67 و ص 68.

(2) المجمع ج 1 ص 99.

(3) انظر الوسائل ج 6 ص 298 المسلسل 13720 الباب 2 من أبواب الصوم المندوب و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 297.

288

«وَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ».

ج- أنّها لجميع الأمور الّتي أمر بها بنو إسرائيل و نهوا عنها من قوله «اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ- إلى- وَ اسْتَعِينُوا» و قيل إنّها لمحذوف هو مؤاخذة النفس بهما أو تأدية ما تقدّم أو تأدية الصلاة و ضروب الصبر أو الإجابة للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

«لَكَبِيرَةٌ» لشاقّة ثقيلة من قولك كبر عليّ هذا الأمر، و الأصل فيه أن كل ما يكبر يثقل على الإنسان حمله، فيقال لكلّ ما يصعب على النفس و إن لم يكن من جهة الحمل يكبر عليها، تشبيها بذلك.

«إِلّٰا عَلَى الْخٰاشِعِينَ» في المجمع الخشوع و التذلّل و الإخبات نظائر و ضدّ الخشوع الاستكبار، و أصل الباب من اللّين و السهولة، و الخاشع و المتواضع و المستكين بمعنى فلكونهم قد وطّنوا أنفسهم على التواضع و التذلّل و الاستكانة لا يثقل عليهم، و قال مجاهد: أراد بالخاشعين المؤمنين فإنهم إذا علموا ما يحصل لهم من الثواب بفعلها لم يثقل عليهم ذلك كما أنّ الإنسان يتجرّع مرارة الدواء لما يرجو به من نيل الشفاء.

في الكشاف: لأنّهم يتوقّعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم، أ لا ترى إلى قوله «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلٰاقُوا رَبِّهِمْ» أي يتوقّعون لقاء ثوابه و نيل ما عنده و في مصحف عبد اللّه (1) «يعلمون» و معناه يعلمون أن لا بدّ من لقاء الجزاء فيعلمون على حسب ذلك، و لذلك فسّر يظنّون بيتيقّنون، و أما من لم يوقن بالجزاء و لم يرج الثواب، كانت عليه مشقّة خالصة، فثقلت عليه كالمنافقين و المرائين.

و قال في المجمع بعد حمل الظنّ على اليقين: و قيل إنّه بمعنى الظنّ غير اليقين أي يظنّون أنهم ملاقوا ربّهم بذنوبهم لشدّة إشفاقهم من الإقامة على معصية اللّه قال الرّماني: و فيه بعد لكثرة الحذف، و قيل، الّذين يظنّون انقضاء آجالهم و سرعة موتهم فيكونون أبدا على حذر و وجل و لا يركنون إلى الدنيا، كما يقال لمن مات لقي اللّه.

«وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ» يقال هنا: ما معنى الرجوع؟ و هم ما كانوا قطّ في

____________

(1) و كذا نقله الالوسي في روح المعاني ج 1 ص 228 عن ابن مسعود.

289

الآخرة فيعودوا إليها؟ و يجاب بوجوه أحدها أنّهم راجعون بالإعادة في الآخرة عن أبي العالية.

و ثانيها أنّهم كانوا أمواتا فأحيوا ثمّ يموتون فيرجعون أمواتا كما كانوا.

و ثالثها أنّهم يرجعون بالموت إلى موضع لا يملك أحد لهم خيرا و لا نفعا غيره تعالى، كما كانوا في بدو الخلق، فإنّهم في أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم و التدبير لنفعهم و ضرّهم بوجه، و تحقيقه أنّهم يقرّون بالنشأة الثانية، فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه.

[الإنصات خلف الإمام]

الثالثة عشرة [الأعراف 205] وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَ اذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ وَ لٰا تَكُنْ مِنَ الْغٰافِلِينَ، إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ.

في المجمع (1) الإنصات السكوت مع استماع، قال ابن الأعرابي: نصت و أنصت و انتصت: استمع الحديث و سكت و أنصت و أنصت له و أنصت الرجل سكت، و أنصت غيره عن الأزهري، و في القاموس (2) نصت ينصت و أنصت و انتصت سكت:

و الاسم النصتة بالضم، و أنصته و له سكت له و استمع لحديثه و أنصته أسكتّه.

فلما قدم هنا الأمر بالاستماع له، فالظاهر أنّ الإنصات إمّا بمعنى السكوت أو هو مع الاستماع تأكيدا فيه أيضا، فالحمل على مجرد الاستماع بعيد.

في المجمع (3) اختلف في الوقت المأمور بالإنصات للقرآن و الاستماع له، فقيل إنّه في الصلاة خاصّة خلف الإمام الذي يؤتمّ به إذا سمعت قراءته، عن ابن مسعود و سعيد بن جبير و سعيد بن المسيّب و مجاهد و الزهريّ، و روي ذلك عن أبي جعفر

____________

(1) المجمع ج 2 ص 515.

(2) القاموس كلمة نصت.

(3) ترى ما افاده هنا الى قوله و قال أحمد بن حنبل أجمعت الأمة على انها نزلت في الصلاة- في المجمع ج 2 ص 515 فلا نطيل الكلام بإخراج الأحاديث.

290

(عليه السلام) قالوا: و كان المسلمون يتكلّمون في صلاتهم و يسلّم بعضهم على بعض، و إذا دخل داخل فقال لهم كم صلّيتم أجابوه، فنهوا عن ذلك و أمروا بالاستماع.

و قيل إنّه في الخطبة أمر بالإنصات و الاستماع إلى الامام يوم الجمعة، عن عطاء و عمرو بن دينار و زيد بن أسلم، و قيل: إنه في الخطبة و الصلاة جميعا عن الحسن و جماعة.

و قال الشيخ أبو جعفر (قدّس اللّه روحه) و أقوى الأقوال الأول لأنه لا حال يجب فيه الإنصات لقراءة القرآن إلّا حال قراءة الإمام في الصلاة، فان على المأموم الإنصات و الاستماع فأما خارج الصلاة، فلا خلاف أنّ الإنصات و الاستماع غير واجب.

و روي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: يجب الإنصات للقرآن في الصلاة و غيرها، قال: و ذلك على وجه الاستحباب.

و في كتاب العيّاشي بإسناده عن أبى كهمس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قرأ ابن كوّاء خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ» فأنصت له أمير المؤمنين.

و عن عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له الرجل يقرأ القرآن أ يجب على من سمعه الإنصات له و الاستماع؟ قال: نعم إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات و الاستماع [1].

قال الزجّاج و يجوز أن يكون «فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا» أي اعملوا بما فيه و لا تجاوزوا، لأنّ قول القائل سمع اللّه دعاءك: أجاب اللّه دعاءك، لأنّ اللّه سميع عليم، و قال الجبائي: أنّها نزلت في ابتداء التبليغ ليعلموا و يتفهّموا و قال أحمد بن حنبل:

أجمعت الأمة على أنها نزلت في الصلاة.

____________

[1] قال المؤلف (قدس سره) في الهامش: و في التهذيب: «في الصحيح عن بكير بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه (ع) عن الناصب يؤمنا ما نقول في الصلاة معه فقال: أما إذا جهر فأنصت للقرآن و اسمع ثم اركع و اسجد أنت لنفسك». راجع الوسائل ج 5 ص 431 المسلسل 10927 الباب 34 من أبواب صلاة الجماعة.

291

و في الكشاف (1): ظاهره وجوب الاستماع و الإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة و غير صلاة، و قيل: كانوا يتكلّمون في الصلاة فنزلت، ثمّ صار سنّة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن، و قيل: معناه و إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له، و في الجوامع ما هو قريب من ذلك.

و في المعالم عن سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى و الفطر و يوم الجمعة، و فيما يجهر به الامام، و عن عمر بن عبد العزيز: الإنصات لقول كل واعظ قال: و الأول و هو أنّها في القراءة في الصلاة أولى، لأنّ الآية مكية، و الجمع وجبت بالمدينة، و هو واضح.

و أما قول الجبائيّ فيستلزم النسخ أو تقديرا كثيرا من غير موجب، و أبعد منه ما قيل من إلحاق المعصومين (عليهم السلام) في ذلك بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ما روي عن الزّجاج فإنّما يحتمله فاستمعوا له كما في الكشاف، و قيل: معنى فاستمعوا فاعملوا بما فيه و لا تجاوزوه، و ينبه عليه أيضا ما ذكر في توجيهه، فاما أن يكون معنى الجميع ذلك فلا، بل حيث قارنه قوله و «أَنْصِتُوا» أبعده عن هذا كما لا يخفى.

و أما ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) فهو ظاهر عبارة القرآن، و ربما يحمل على ما إذا قصد به إسماع السامع كما وقع لأمير المؤمنين (عليه السلام) و ربما أشعر به قول أبى عبد اللّه (عليه السلام) حيث لم يكتف في الحكم بالوجوب على مجرّد السماع، بل قال نعم إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات و الاستماع.

و مما يؤيد هذا الحمل أنه لو وجب مطلقا لزم عدم جواز قراءة اثنين أو جماعة على وجه يسمع كلّ قراءة الآخر، و عدم جواز الأذان بعد دخول الوقت عند من يقرأ، و كذا صلاة النافلة و الدعاء و نحو ذلك، بل الاجتماع في القراءة في الفريضة.

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 192.

292

و في الصحيح (1) أنه سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن القراءة خلف الامام، فقال:

أما الّتي يجهر فيها فإنّما أمرنا بالجهر لينصت من خلفه، فان سمعت فأنصت، و إن لم تسمع فاقرأ.

فقراءة الإمام ممّا قصد به استماع المأموم و إنصاته له، أو في حكمه فتأمّل.

ثمّ على الحمل على الوجوب في الصلاة، يدلّ على عدم جواز القراءة في موضع الوجوب خلافا للشافعيّة حيث استحبّوا قراءة الحمد للمأموم في كلّ ركعة مطلقا، و كذا على الوجوب مطلقا، لكن إن جهر الإمام حينئذ في موضع الإخفات على القول باستحبابهما و لو عمدا أو سهوا على القول بوجوبهما وجب الإنصات، و مقتضاه: أما لو تعمد حينئذ فالأظهر الوجوب، و أما على ما ذكرنا فالجميع موضع نظر، و ربما يأتي تفصيل.

و على القول بأنّ الأمر في الآية للاستحباب و قد علم الوجوب في الصلاة فيما علم بدليل من خارج أو للرجحان المطلق المتحقّق مع الوجوب و الندب و يعلم الوجوب بدليل من خارج أيضا كما قيل فكان الأولى الإنصات، و كذا إن قرء المأموم كما اتّفق لعلى (عليه السلام) مع ابن الكوّاء لا ما استلزم ما ينافي الصلاة من السكوت الطويل.

أو فوت الوقت و نحوه.

[الأذكار في العشي و الآصال]

«وَ اذْكُرْ رَبَّكَ» في المجمع أنّه خطاب للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و المراد به عامّ و كأنه أراد من جهة التأسّي كما هو الظاهر، فعلى ظاهر إطلاقه معناه اذكر ربك في نفسك أي بقلبك و في خاطرك «تَضَرُّعاً وَ خِيفَةً» أي متضرعا متذلّلا متوقّعا ما عند اللّه و خائفا من عقابه، بل من موبقات ذنوبك، قيل: هما مصدران وضعا موضع الحال.

«وَ دُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ» عطف عليه فيجب أن يكون في موضع الحال أي و غير رافع صوتك حتّى يبلغ حدّ الجهر، و الأظهر عطفه على «فِي نَفْسِكَ» أي و

____________

(1) انظر الوسائل ج 5 ص 422 المسلسل 10891 و مثله اخبار أخر يستفاد ذلك منها.

293

فيما دون الجهر من القول، لأنّ الإخفات أدخل في الإخلاص و أقرب إلى حسن التفكّر.

«بِالْغُدُوِّ» جمع غدوة بالضمّ و هي البكرة أو ما بين صلاة الفجر و طلوع الشمس كالغداة، قاله في القاموس.

«وَ الْآصٰالِ» في المجمع أنّه جمع أصل و أصل جمع أصيل فهو جمع الجمع، و معناه العشيّات، و هو ما بين العصر إلى غروب الشمس و الذي في القاموس أنّهما جمعان لأصيل، و هو العشيّ، و هو آخر النهار كالعشيّة، فيكون أمرا له (عليه السلام) بالذكر في هذين الوقتين لفضلهما أو لأنهما حال فراغ عن طلب المعاش، فيكون الذكر فيهما ألصق من القلب كما أكّد التعقيب فيهما بعد صلاتي الصبح و العصر في أخبار كثيرة، و ربما كان إشارة إليه، و يمكن أن يكون أراد الدوام تعبيرا عن جميع الوقت بطرفيه كما قيل، لكنه بعيد.

و قيل إنه أمر للإمام أن يرفع صوته في الصلاة بالقراءة مقدار ما يسمع من خلفه عن ابن عباس، و يمكن ذلك على أن يكون الخطاب له (عليه السلام) من حيث إنّه إمام لكن ذلك بأن يراد بدون الجهر من القول ما ذكره من رفع الصوت مقدار ما يسمع من خلفه لا أكثر، و هو بعيد، و كذا يلغو قوله الآصال إن أبقى «فِي نَفْسِكَ» على ظاهره.

و لو حمل على الإخفات الشّرعي مع كونه خلاف ظاهره، احتيج إلى أن يراد بالغدوّ و الآصال مجموعهما مع ما بينهما، أو حمل الآصال على ما بعد الزوال إلى الغروب، إن اكتفى بشمول الظهرين أو إلى نصف الليل مثلا إن أريد الإشارة إلى الصلوات الخمس، و هو خلاف الظاهر كما تقدّم فتأمل.

و قيل: إنّ الآية متوجهة إلى من أمر بالاستماع للقرآن و الإنصات، و كانوا إذا سمعوا القرآن رفعوا أصواتهم بالدعاء عند ذكر الجنّة و النار، عن ابن زيد و مجاهد و ابن جريج، فيكون إشارة إلى أنّ المستمع ينبغي أن يكون ذاكرا بقلبه متضرعا خائفا، و بما دون الجهر من القول عند ذكر الجنّة و النار و نحوهما.

294

و لا يخفى أنه على تقدير كون الأمر بالاستماع و الإنصات للقرآن في الصلاة و غيرها يأبى هذا القول قوله تعالى «بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ» اللهمّ إلا أن يراد بهما مجموع الليل و النهار.

و أما على القول بالاختصاص بالمأموم في الصلاة فأقرب إذ يكفي حمل الآصال على ما بعد الزوال أو إرادة الدوام كما تقدم.

و أما الحكم في العشائين فمعلوم انه كما في الصبح أو يحمل الآصال على ما يشتمل وقت العشائين أيضا استحسانا، و ليس ذلك كالأوّل، فإنّهما حيث كانا من أوقات الصلاة ناسب ذكرهما هنا دون الأول، و على هذا ففيها أمر بالاستعاذة و طلب الرحمة عند سماع آيتي العذاب و الرحمة في الصلاة، مع الأمر بالإنصات، فهي كالمخصّص له، و فيه مع ذلك من التقييدات و التجوّزات ما لا يخفى.

و على توجّه الخطاب إلى المأموم المستمع يمكن أن يراد بالذكر في النفس الذكر بالقلب حال الاستماع و الإنصات، و بالذكر بما دون الجهر من القول الذكر في باقي الأحوال من اذكار الركوع و السجود و غيرها، لكن يقتضي أن يراد بالآصال وقت العشائين أو ما يعمّه، أو أن يكون الأول في الصلاة الجهريّة و الثاني في الصلاة الإخفاتيّة، و لعله أقرب، و كأنّه المراد بما في المجمع.

و روى زرارة [1] عن أحدهما (عليه السلام) قال: «إذا كنت خلف الإمام تأتمّ به فأنصت و سبّح في نفسك» يعني فيما يجهر الامام فيه بالقراءة، أما أن يراد بالجميع حكم الإخفاتيّة فبعيد يدفعه ذكر الغدوّ في الآية، و أما ظاهر الحديث فبالجهريّة أنسب و في الحمل عليه ما لا يخفى «وَ لٰا تَكُنْ مِنَ الْغٰافِلِينَ» عن ذكر اللّه أو عمّا أمرناك به في هذين الوقتين، أو مطلقا و هو أظهر، و مع ذلك يحتمل الوجوب حملا على عموم التوجه

____________

[1] الوسائل ج 5 ص 426 الباب 32 من أبواب صلاة الجماعة المسلسل 10906 ثم لا تغفل عن مراجعة مسالك الافهام تفسير هذه الآية أيضا فإن فيه أيضا مطالب مفيدة و قد أشرنا في تعاليقنا عليه الى المصادر الأصلية للأحاديث و لم نكتف بذكر نقل الوسائل.

295

إلى اللّه، و شدّة العناية بامتثال أوامره و نواهيه، فيذكر اللّه و يتذكّر ثوابه و عقابه عند أوامره، فلا يفوته شيء منها، و عند نواهيه فلا يرتكب شيئا منها أو على ذكره عند أوامره و نواهيه فتمتثلها، و أما الأمر المتقدّم فبحسب ما فسّر به فيحمل على ظاهره من الوجوب، إلّا أن يمنع مانع من الإجماع أو غيره.

ثمّ ذكر سبحانه ما يبعث إلى الذكر و يدعو إليه و يحثّ عليه، فقال «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ» قالوا هم الملائكة، و معنى «عند» دنو الزلفة و القرب من رحمة اللّه و فضله، و ربما أمكن أن يراد ما يعمّ جميع المقرّبين من الملائكة و غيرهم، الفائزين بمزيد الفضل و الرحمة و علوّ الدرجة، فتأمل فيه.

«لٰا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ» بل يتوفّرون على طاعته و ابتغاء مرضاته، و يذكرونه متضرّعين خائفين كما أمرناكم به «وَ يُسَبِّحُونَهُ» ينزهونه عمّا لا يليق به «وَ لَهُ يَسْجُدُونَ» و يختصّونه بالعبادة لا يشركون به غيره، و هو تعريض بمن سواهم من المكلّفين قاله الكشاف و في المجمع: أى يخضعون، و قيل يصلّون، و قيل يسجدون في الصلاة.

اعلم أنّهم ذكروا استحباب السجدة (1) في هذه الآية، و كأنّ فيها إشارة ما إلى ذلك، و كذا في عشرة مواضع غيرها في الرّعد، و النحل، و بني إسرائيل، و مريم، و الحجّ في موضعين، و الفرقان، و النمل و ص و إذا السماء انشقّت و وجوبه في أربع «الم» عند قوله «إِنَّمٰا يُؤْمِنُ بِآيٰاتِنَا الَّذِينَ إِذٰا ذُكِّرُوا» الاية و «حم» عند قوله «لٰا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَ لٰا لِلْقَمَرِ وَ اسْجُدُوا لِلّٰهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ» الاية، و يحتمل عند «لٰا يَسْأَمُونَ» و الأحوط السجدة عندهما، و آخر النجم «فَاسْجُدُوا لِلّٰهِ وَ اعْبُدُوا» و آخر اقرأ «وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ».

و دليل الأصحاب في ذلك كلّه الإجماع و الأخبار، فالاستدلال على الوجوب بأنّها

____________

(1) انظر تفصيل مواضع السجدة في العروة الوثقى المسئلة 2 من مسائل سائر أقسام السجود و انظر أيضا دعائم الإسلام ط دار المعارف بالقاهرة ج 1 ص 214 و الحدائق ج 8 ص 329 و البحار ج 18 الصلاة ص 371.

296

واردة بصيغة الأمر الدال على الوجوب منقوض و ممنوع، إذ لا دلالة فيها على الوجوب عند سماع تلك الآية و قراءتها، فلا بدّ من انضمام دعوى الإجماع على أنّها ليست سجدة الصلاة و أنه لا وجوب بغير هذا الوجه، على أنّ دعوى الإجماع على المدّعى أظهر و أولى.

و عند الشافعيّ كلّها سنّة، و أسقط سجدة ص، و عند أبي حنيفة كلّها واجبة و أسقط السجدة الثانية من الحجّ. في الكشاف: لأنّ المراد بالسجدة فيه سجدة الصلاة بقرينة مقارنتها بالركوع، و لا يكفى ذلك مع دلالة الرواية كما استدلّ بها الشافعيّ و ذكره الكشاف أيضا، لكن مراد الكشاف بيان معتمد كلّ منهما ذهابا من كل إلى أصله و إن تنافيا.

هذا و لا يجب فيها تكبير للافتتاح و لا للسجود و لا تشهّد و لا تسليم، و لا طهارة من حدث، و لا من خبث، و لا للثوب، و لا استقبال القبلة، و لا ستر العورة، نعم يستحب التكبير بعد الرفع و الذكر.

في الصحيح (1) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) إذا قرأت شيئا من العزائم الّتي يسجد فيها فلا تكبّر قبل سجودك، و لكن تكبّر حين ترفع رأسك.

و في الصحيح (2) عنه (عليه السلام) أيضا إذا قرأ أحدكم السجدة من العزائم فليقل في سجوده «سجدت لك تعبدا و رقا لا مستكبرا من عبادتك و لا مستنكفا و لا مستعظما بل أنا عبد ذليل خائف مستجير» و أما وضع غير الجبهة من الأعضاء السبعة و مساواة المسجد للموقف أو كون علو أحدهما على الآخر بلبنة فما دون، و كون السجود على ما يصحّ السجود عليه في الصلاة، فقد يبنى على أنّ مفهوم السجود هل يقتضي شيئا من

____________

(1) الوسائل ج 4 ص 880 الباب 42 من أبواب قراءة القرآن المسلسل 7837 و مثله أحاديث أخر بعبارت متفاوتة.

(2) انظر الوسائل ج 4 ص 884 الباب 46 من أبواب القراءة المسلسل 7854 و لا تغفل عن مراجعة مسالك الأفهام في هذا الباب و تعاليقنا عليه و ابحاثه في هاتين الآيتين ج 1 من ص 298 الى ص 308.

297

ذلك فيجب مقتضاه أولا؟ و الثاني أظهر و الأوّل أحوط.

[الإشراك في العمل مبطل]

الربعة عشرة [الكهف 111] قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىٰ إِلَيَّ أَنَّمٰا إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ.

قال ابن عباس علّم اللّه نبيه التواضع لئلا يزهي على خلقه فأمره أن يقرّ على نفسه بأنه آدمي كغيره الا أنه أكرم بالوحي.

فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ.

أي يأمل حسن لقاء ربّه، و أن يلقاه لقاء رضا و قبول أو يخاف سوء لقائه، قاله الكشاف. (1) ثمّ قال (2): لقاء اللّه مثل للوصول إلى العاقبة من تلقّى ملك الموت و البعث و الحساب و الجزاء، مثّلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيّده بعد عهد طويل، و قد اطلع مولاه على ما كان يأتي و يذر، فإما أن يلقاه ببشر و ترحيب لما رضي من أفعاله، أو بضدّ ذلك لما سخطه منها، فمعنى يرجو لقاء اللّه يأمل تلك الحال، و أن يلقى فيها الكرامة من اللّه و البشرى.

و في المجمع (3) أى يطمع في لقاء ثواب ربّه و يأمله، و يقرّ بالبعث إليه و الوقوف بين يديه، و قيل: معناه يخشى لقاء عقاب ربّه، و قيل: إنّ الرجاء يستعمل على كلا المعنيين الخوف و الأمل، و أنشد في ذلك قول الشاعر:

فلا كلّ ما ترجو من الخير كائن * * * و لا كلّ ما ترجو من الشرّ واقع

و لا يخفى أنّ حاصل تفسيره لا يبعد مما في الكشاف و أنّ الظاهر كون الرجاء مجازا في الخوف و الاكتراث كما صرّح في الأساس، بل في الأمل و الخوف جميعا إن استعمل فتأمّل.

فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً.

أي نافعا متضمّنا للصلاح لا فاسدا متضمنا للفساد و الشر، و في المجمع أي خالصا

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 750.

(2) يعني في موضوع آخر.

(3) المجمع ج 3 ص 499.

298

للّه يتقرّب به إليه، و الأولى أن ذلك إنّما يتخلّص بعد قوله.

وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.

في المجمع أي أحدا غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر عن الحسن، و قيل معناه لا يري في عبادة ربّه أحدا عن سعيد بن جبير، و قال مجاهد: جاء رجل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال إنّي أتصدّق و أصل الرحم و لا أصنع ذلك إلّا للّه، فيذكر ذلك منّي و أحمد عليه فيسرّني ذلك و أعجب به، فسكت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يقل شيئا، فنزلت الآية.

و قال عطاء عن ابن عباس: إنّ اللّه تعالى قال «وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» و لم يقل و لا يشرك به، فإنّه أراد العمل الذي يعمل للّه، و يحبّ أن يحمد عليه، قال و لذلك يستحبّ للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها، كيلا يعظّمه من يصل بها.

و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: قال اللّه عز و جل «أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، فهو للّذي أشرك» أورده مسلم في الصحيح و روى عبادة بن الصّامت و شدّاد بن أوس قالا سمعنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: من صلّى صلاة يري بها فقد أشرك، و من صام صوما يري به فقد أشرك، ثمّ قرأ هذه الآية.

و روي أنّ أبا الحسن الرضا (عليه السلام) دخل يوما على المأمون فرآه يتوضّأ للصلاة و الغلام يصبّ على يده الماء، فقال: لا تشرك بعبادة ربك أحدا، فصرف المأمون الغلام و تولّى إتمام وضوئه بنفسه، و في الكشاف أيضا أنّ المراد بالنهي أن لا يرى بعمله، و أن لا يبتغى به إلّا وجه ربّه خالصا لا يخلط به غيره.

و قيل: نزلت (1) في جندب بن زهير قال لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّي لأعمل العمل للّه

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 751 و في ذيله في الكاف الشاف تخريج الأحاديث و انظر أحاديث حرمة الريا و بطلان العبادة بالرياء في الباب 11 و 12 من أبواب مقدمات العبادات من الوسائل من ص 47 الى ص 54 ج 1 و كذا سائر الأبواب.

299

فاذا اطلع عليه سرّني فقال: إنّ اللّه لا يقبل ما شورك فيه، و روي أنّه قال له: لك أجران: أجر السّر و أجر العلانية، و ذلك إذا قصد أن يقتدى به، و عنه (عليه السلام) اتّقوا الشرك الأصغر قالوا: و ما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء.

فالآية على تفسيرها المتّفق بين المؤالف و المخالف تدلّ على وجوب الإخلاص في العبادة بحيث لا يلحقه ما ينافيه أيضا، و على بعض الوجوه على اشتراطه أيضا كما يدلّ عليه غير هذه الآية و أخبار كثيرة و أما السرور بذكره و المدح عليه، فان كان من قبيل العجب أو الرياء فكذلك كما هو ظاهر الاخبار و ظاهر الوجه في السرور به، و أما إن كان لمثل أنه عسى أن يقتدى به فيحوز أجر الاقتداء به في ذلك كما رواه الكشاف فلا يبعد عدم القدح.

على أنّ الاولى حينئذ أن يزيد خوفه و تشتد خشيته لاحتمال فوت شرط من شرائطه، و عروض مانع من قبوله، فيفوز الذاكر المادح بحسن ظنّه و إخلاصه، و كذا المقتدي و يحرم هو الأجر بل يلحقه الذّم و العقاب بتقصيره، هذا.

و في الفقيه (1) و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضّأ لم يدع أحدا يصبّ عليه الماء، فقيل له يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم يصبّون عليك الماء؟ فقال: لا أحبّ أن أشرك في صلاتي أحدا و قال اللّه تعالى «فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً».

و في التهذيب و الكافي (2) عن الحسن بن عليّ الوشاء قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) و بين يديه إبريق يريد أن يتهيّأ منه للصلاة، فدنوت لأصبّ عليه فأبى ذلك و قال: مه يا حسن! فقلت: لم تنهاني أن أصبّ على يدك تكره أن أوجر؟ فقال تؤجر أنت و أوزر أنا فقلت له: و كيف ذلك؟ فقال: أما سمعت اللّه يقول «فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» و ها أنا ذا أتوضّأ

____________

(1) الوسائل ج 1 ص 335 الباب 47 من أبواب الوضوء المسلسل 1267.

(2) الوسائل ج 1 ص 335 الباب 47 من أبواب الوضوء المسلسل 1266.

300

للصلاة، و هي العبادة، فأكره أن يشركني فيها أحد.

و في المجمع و روى أنّ أبا الحسن الرضا (عليه السلام) دخل يوما على المأمون فرآه يتوضأ للصلاة و الغلام يصبّ على يده الماء فقال: لا تشرك بعبادة ربّك أحدا فصرف المأمون الغلام و تولّى إتمام وضوئه بنفسه، و على هذا فيراد بالاية النهي عن الاستعانة فيها بأحد أيضا بحيث يصير شريكا في فعلها، إما على أن يكون المعنى النهى عن إشراك الغير مطلقا سواء جعل شريكا للّه أو شريكا له أو على أن يكون هذا أحد المعنيين الصحيحين فيها.

و على التقديرين فيدلّ على عدم جواز تولية الغير شيئا من العبادة لا بعضا و لا كلا و لا استعانة إلّا ما أخرجه دليل، فلا يجوز التولية في الوضوء لا بعضا و لا كلا اختيارا كما ذهب إليه الفقهاء الأربعة، و كذا في الغسل و التيمّم و لا الاتّكاء في الصلاة بل يجب الاستقلال بالقيام و القعود و غيرهما اختيارا.

هذا و قد ينظر في رواية الوشّاء من حيث دلالتها على عقاب المعان و ثواب المعين، مع أنه ينبغي عقاب المعين أيضا لأنّه معين على الحرام، فينبغي أن يحمل على كون الجاهل في ذلك معذورا مثابا مع قصده القربة، أو على أنّ قوله (عليه السلام) «تؤجر أنت» على سبيل الإنكار كأنه (عليه السلام) يقول كيف تؤجر أنت و أنا أوزر به فيكون دليلا على عدم الثواب للجاهل، و إن قصد القربة كما هو ظاهر قوله «تكره أن أوجر».

و في قضيّة المأمون من حيث دلالتها على صحّة الفعل حينئذ مع أنّه ينبغي البطلان و أنه يجب على المأمون إعادة الوضوء لا الإتمام، و على الإمام الأمر بذلك، لكن يمكن أن يكون ما فعله المأمون من مستحبّات الوضوء أو أنه (عليه السلام) لم يتمكن من أكثر من ذلك.

و إما أن يحمل المنع في الروايات علي الكراهة، و يكون المقصود من قراءة الآية الإشارة إلى المبالغة في المنع، دون الحقيقة على ما قيل، فبعيد، لأنّ الآية إن لم يشتمل على المنع من ذلك، و لو على سبيل الكراهة فقراءتها حينئذ غير لائق منه (عليه السلام) و إن اشتمل فيحتاج إلى حمل الروايات على الكراهة أو شدّتها، و كذا

301

الآية على الوجه الآخر فيها، و على طلب الترك مطلقا على الأوّل، مع أنّ سياقها يقتضي الحرمة كظاهر النهى، و كذا الروايات خصوصا رواية الوشّاء كما لا يخفى.

نعم إن لم نقل بجبر تعاضدها ما في إسنادها لم ينبغ التعدّي بها عن الكراهة إلّا بحجّة اخرى كالنصّ الدالّ على تكليف المكلّف بفعلها، و الإجماع على ما في الذكرى، و قول ابن الجنيد بالاستحباب لا يعارضها.

و أما الآية، فإن قلنا بظهورها في المنع من الإشراك مطلقا كما قدّمنا كفى في هذا المعنى، و لزم حمل الروايات عليها، و إلّا فينبغي تركها على احتمالها.

و إن قلنا بجبر تعاضدها فلعلّه لا بأس حينئذ بالتعدّي بها إلى الحرمة و حمل الآية بها على هذا المعنى، و إن لم نقل بظهورها فيه بنفسها.

و اعلم أنّ الذي ينبغي أن يحمل عليه صبّ الماء في الروايات الصبّ على موضع الغسل، فإنّه الذي تشتمل الآية على منعه لكونه إشراكا لا أن يصبّ في اليد ليغسل به، إذ ليس ذلك جزء للوضوء فلا يصير بذلك شريكا في فعله، و ممّا يؤيد ذلك ما روي في الصحيح عن أبي عبيدة الحذاء (1) قال «وضّأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع، و قد بال فناولته ماء فاستنجى ثمّ صببت عليه كفا فغسل وجهه و كفا غسل به ذراعه الأيمن و كفا غسل به ذراعه الأيسر، ثمّ مسح بفضلة النداء رأسه و رجليه». هذا.

و في الكشاف (2) عنه (صلّى اللّه عليه و آله) من قرأ عند مضجعه «قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» كان له في مضجعه نورا يتلألؤ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتّى يقوم، و إن كان مضجعه بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلّون عليه حتى يستيقظ.

و في الفقيه (3) قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من قرأ هذه الآية عند منامه سطع له نور الى

____________

(1) الوسائل الباب 15 من أبواب الوضوء ج 1 ص 275 المسلسل 1027.

(2) الكشاف ج 2 ص 751.

(3) انظر الوسائل ج 4 ص 872 و ص 873 الباب 35 من أبواب قراءة القرآن و كذا المجمع ج 3 ص 499 و نور الثقلين ج 3 ص 313 الى ص 318.

302

المسجد الحرام حشو ذلك النور ملائكة يستغفرون له حتّى يصبح، و نحوه في التهذيب إلّا أن فيه و روي عنه (صلّى اللّه عليه و آله).

و فيهما عن عامر بن عبد اللّه بن جذاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما من عبد يقرأ آخر الكهف حين ينام الّا استيقظ في الساعة الّتي يريد، و قد ذكر ثقات من الأصحاب أنّهم وجدوها كذلك.

[أحكام يتعلق بالصلاة]

الخامسة عشرة [الكهف: 28] وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ احبسها و ثبّتها.

مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدٰاةِ وَ الْعَشِيِّ.

طرفي النهار فيستفتحون يومهم بالدعاء: و يختمونه به، أو في مجامع أوقاتهم أي مداومون على الصلاة و الدعاء كأنه لا شغل لهم غيره، و قيل: المراد صلاة الفجر و العصر.

يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أى رضوانه و قيل: تعظيمه و القربة إليه دون الرياء و السمعة.

وَ لٰا تَعْدُ عَيْنٰاكَ عَنْهُمْ يقال: عداه إذا جاوزه و منه عدا طوره، و إنّما عدّى بعن لتضمّن عدا معنى نبا و علا في قولك نبت عنه عينه و علت عنه عينه إذا اقتحمته و لم تعلق به، تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا في موضع الحال فقد نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يزدرى بفقراء المؤمنين و أن تنبو عينه عن رثاثة زيّهم طموحا إلى طراوة زيّ الأغنياء و حسن شارتهم.

في المجمع (1) نزلت في سلمان و أبي ذرّ و عمار و صهيب و خبّاب و غيرهم من فقراء أصحاب النبيّ و ذلك أنّ المؤلّفة قلوبهم عيينة بن حصن و الأقرع بن حابس و ذووهم جاؤا إلى رسول اللّه فقالوا: ان جلست في صدر المجلس و نحيت عنّا هؤلاء و روائح صنانهم و كانت عليهم جباب الصوف- جلسنا نحن إليك و أخذنا عنك، فلا يمنعنا من الدخول عليك إلّا هؤلاء، فلمّا نزلت الآية قام النبي صلّى اللّه عليه يلتمسهم فأصابهم في مؤخّر المسجد يذكرون اللّه عز و جل فقال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أمرني أن اصبّر نفسي مع رجال من أمّتي: معكم المحيا و معكم الممات.

____________

(1) المجمع ج 3 ص 465.

303

هذا و لا يخفى ما يستفاد منه من الترغيب و التحريض في مجالسه الصلحاء و العبّاد و إن كانوا فقراء، و حفّت مجالستهم بمكاره تتأذّى منها النفس و تنفر، و فضل الدعاء و كأنه هنا يعمّ الأذكار و قراءة القرآن، و الصلاة و فضيلة وقت الغداة و العشيّ، و هو ان زينة الدنيا، و ضرر التوجّه إليها و إلى أهلها، و استقباح العدول عن صحبة أهل الطاعة إلى صحبتهم، و لو لاحتمال مصلحة دينيّة.

وَ لٰا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا أي جعلنا قلبه غافلا عنه كقولك أجبنته و أفحمته و أبخلته، إذا وجدته كذلك أو من أغفل أهله إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر و لم نجعلهم من الّذين كتبنا في قلوبهم الايمان، أو نسبنا قلبه إلى الغفلة كما يقال أكفره إذا نسبه إلى الكفر.

قال الكشاف [1]: و قد أبطل اللّه توهم المجبّرة بقوله «وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ» و قرئ «أغفلنا قلبه» بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عمّن ذكرنا، فلا نعرف من ذكرنا ممن لم يذكرنا، أو من آمن بذكرنا ممّن لم يؤمن به، أو عن ذكرنا إيّاه بالمؤاخذة و ذلك أيضا من أغفلته إذا وجدته غافلا.

وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً: متقدّما للحقّ و الصواب، نابذا له وراء ظهره، من قولهم فرس فرط متقدّم للخيل، و فيه من التحريض على ذكر اللّه و اتّباع آياته و الزّجر عن الغفلة و متابعة الهوى ما لا يخفى.

و قد يستفاد عدم جواز المماشاة مع الكفّار و المنافقين أو الفسّاق أيضا فيما يرومون من تعظيمهم و المداخلة معهم و المخالطة بهم استجلابا لقلوبهم إلى الحق، و اللّه أعلم.

السادسة عشرة [آل عمران: 190] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ.

____________

[1] الكشاف ج 2 ص 718 و نقل قراءة أغفلنا قلبه بفتح اللام و ضم الباء في شواذ القراءات لابن خالويه ص 79 عن عمرو بن فائد و نقله في روح المعاني ج 15 ص 244 عن عمرو بن فائد و موسى الأسواري و عمرو بن عبيد.

304

أى إنّ في إيجادهما بما فيهما من العجائب و البدائع، و في اختلاف الليل و النهار باعتبار الخواصّ و الأحوال، بل اختلاف كلّ بنفسه باعتبار الطول و القصر، و الحرارة و البرودة و الشدة و الضعف في ذلك، و التفاوت بين أجزائه و أحوالها، لأدلّة واضحة على وجود الصانع و كمال علمه و عظيم قدرته و باهر حكمته و غير ذلك من صفاته العلي الثبوتيّة و السلبيّة لذوي البصائر و العقول.

اللب العقل [1] سمّي به لأنه خير ما في الإنسان، و اللبّ من كلّ شيء خيره و خالصة، و في ذلك ترغيب في علم الكلام و الهيئة، بل النجوم على بعض الوجوه.

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ.

أي مضطجعين، و «الذين» في محلّ الجرّ بأنه صفة أو عطف بيان لاولي، و قيل أو تأكيد له، و يمكن كونه مرفوعا أو منصوبا على المدح، و هو إشارة إلى أن «اولي الألباب» هم الّذين يذكرون اللّه دائما و على كل حال.

في المجمع: لان أحوال المكلّفين لا تخلو من هذه الثلاثة، و قد أمروا بذكر اللّه في جميعها.

و في الكشاف ذكرا دائبا على أيّ حال كانوا من قيام أو قعود أو اضطجاع لا- يخلون بالذكر في غالب أحوالهم.

و علي التقديرين كانّ فيه إشعارا بأن من لم يكن ذاكرا للّه كذلك كأنه خال عن اللبّ و العقل، فكيف من كان غافلا في غالب الأحوال، و في ذلك من الترغيب في ذكر اللّه على جميع الأحوال ما لا يخفى، كما في الحديث القدسيّ إنّ ذكري حسن على كلّ حال.

و قيل معناه يصلّون في هذه الأحوال على حسب استطاعتهم فالصحيح يصلّي

____________

[1] قال في المقاييس ج 5 ص 199 اللام و الباء أصل صحيح يدل على لزوم و ثبات و خلوص و جودة فالأول ألب بالمكان الى ان قال و المعنى الآخر اللب معروف من كل شيء و هو خالصة و ما ينتقى منه و لذلك سمى العقل لبا و رجل لبيب اى عاقل و قد لب يلب و خالص كل شيء لبابه انتهى ما أردنا نقله.

305

قائماً، و المريض جالسا و على جنبه أي مضطجعا، في المجمع: رواه علي بن إبراهيم (1) في تفسيره و لا تنافي بين التفسيرين، لأنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال و هم في الصلاة و هو قول ابن جريج و قتادة.

و في الكافي (2) عن علي عن أبيه عن ابن محبوب عن أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً». قال: الصحيح يصلي قائماً «وَ قُعُوداً» المريض يصلي جالسا «وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ» الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلّي جالسا، و في ذلك ردّ على أبي حنيفة حيث قال بأنه يستلقي، و أما الشافعيّ فعلى ما ذهب إليه أصحابنا.

وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ عطف على «يَذْكُرُونَ» فيدلّ على أن من كمال العقل و حسن البصيرة التفكّر في خلقهما.

و الاستدلال به من جهة اختراع هذه الأجرام العظام، و إبداع صنعتها و أوضاعها، و ما دبّر فيها مما تكلّ الافهام عن إدراك بعض عجائبه كما يعين عليه علم الهيئة و النجوم، على عظم شأن الصانع و كبرياء سلطانه، و جلال صفاته، و كمال قدرته، و عظيم حكمته قائلين:

رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا إشارة إلى السموات و الأرض، لأنها في معنى المخلوق كأنه قيل: ما خلقت هذا المخلوق العجيب باطلا و في هذا ضرب من التعظيم، أو إلى الخلق على أنّ المراد به المخلوق.

«بٰاطِلًا» عبثا بغير حكمة و مصلحة «سُبْحٰانَكَ» تنزيها لك عن الباطل و العبث و جميع النقائص بل فيه حكم عظيمة و مصالح جليلة منها أن تجعلها مبدءا لوجود الإنسان بل أصناف الحيوان و سببا لمعاشهم و مساكن لهم و أدلّة للمكلفين علي

____________

(1) المجمع ج 1 ص 556.

(2) الوسائل ج 4 ص 689 المسلسل 7115 الباب 1 من أبواب القيام.

306

حكمتك و وجوب طاعتك و اجتناب معصيتك، تعريضا إياهم للثواب بدلا من العقاب و لذلك وصل به قوله فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ.

فالفاء للدلالة على أنّ علمهم بما لأجله خلقت السموات و الأرض حملهم على الاستعاذة و يشعر بأنّ المكلف بما تقدم له من العلم و الايمان بأنه لم يفعل عبثا و ما استلزمه حتى أدّاه إلى الاستعاذة، أهل للطلب و المغفرة و اللّه أعلم.

و في الآية دلالة على أنّ الكفر و الضلال و القبائح ليست خلقا للّه تعالى، لأنها باطلة بلا خلاف، و قد نفى اللّه سبحانه ذلك بحكايته عن اولى الألباب الّذين رضي أقوالهم، فيجب بذلك القطع على أنّ القبائح غير مضافة إليه سبحانه و تعالى عمّا يقول الظالمون علوا كبيرا.

و فيها إشارة إلى أنّ العلم بوجود فائدة يدلّ على عودها إلى الخلق، و ذلك يدلّ على استحقاق العبادة و حسن التكليف و كونه لازما و استحقاق الثواب على الطاعة و العقاب على العصيان، و أنّ له المغفرة و العفو على جهة التفضّل، و أنه لا قبح فيه، و هو قادر عليه مختار فيه، و كان ذلك يستلزم كون الحسن و القبح عقليين.

و لا يخفى ما في ذلك أيضا من الدلالة على عظم شأن علم أصول الدين و فضل أهله و شرف التفكّر و التدبّر في الخلق، و الاستدلال و الاعتبار به، حيث جعل كذكر اللّه من لوازم العقل.

عنه (صلّى اللّه عليه و آله): لا عبادة كالتفكّر (1) و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم و إلى السماء فقال: أشهد ان لك ربا و خالقا اللهمّ اغفر لي فنظر اللّه إليه فغفر له.

____________

(1) انظر اخبار فضيلة التفكر في الباب 5 من أبواب جهاد النفس في الوسائل ج 11 ص 153 و ص 154 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 281 و ص 282 و الدر المنثور ج 2 ص 110 و ص 111.

307

و روى الثعلبيّ (1) بإسناده عن محمّد بن الحنفيّة عن عليّ بن أبي طالب أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا قام من الليل سوّك ثمّ ينظر إلى السماء ثمّ يقول إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ» إلى قوله «فَقِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ».

«رَبَّنٰا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّٰارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ» أي فقد أبلغت في إخزائه، و هو نظير قوله «فَقَدْ فٰازَ»* و من كلامهم نحو من سبق فلانا فقد سبق، و الجملة استئناف في مقام التعليل للطلب المتقدّم على جهة التأكيد و الإلحاح فيه بتهويل المستعاذ منه و إظهار شدّة الخوف و العجز عن احتمال ذلك تعرضا لرحمته الواسعة، أو على جهة الاستشفاع بسعة رحمته و وفور كرمه لقبول ما تقدّم من معرفة اللّه تعالى و الايمان به و تنزيهه عمّا لا يليق به، و الدعاء له و الاستعاذة به، فلا يبلغ في إخزائه الغاية بل يدركه بالعناية الكاملة الّتي يقبل بها القليل و يعطي الجزيل.

فكأنّ ذلك بالنظر إلى مزيد عنايته باثابة خلقه و تعلّق إرادته بتعريضهم لثوابه بدلا عن عقابه، يناسب أن لا يكون بالنسبة إلى أهل معرفته و المتعوّذين بجلال رحمته، بل إنّما يناسب المستغرقين في ظلم نفوسهم بجهل جلاله و التمرّد عن كبرياء سلطانه فلذلك قال «وَ مٰا لِلظّٰالِمِينَ مِنْ أَنْصٰارٍ».

في الكشاف اللام إشارة إلى من يدخل النار و إعلام بأن من يدخل النار فلا ناصر له بشفاعة و لا غيرها، و كأنّ ذلك بالنظر إلى أنّ من لم يخلد فيها كأنّه لم يبلغ في إخزائه الغاية، و إن كان الخزي حاصلا في الحالين، و قيل: الخزي إنّما هو بالخلود في النار.

و في تفسير القاضي (2): أراد بهم المدخلين، و وضع المظهر مقام المضمر للدلالة على أنّ ظلمهم تسبّب لإدخالهم النار؛ و انقطاع النصرة عنهم في الخلاص، و لا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصرة دفع بقهر و على هذا ينبغي أن يحمل إبلاغ الخزي على المبالغة و الشدّة بالنسبة إلى الخزي بغير دخول النار.

____________

(1) المجمع ج 1 ص 554.

(2) البيضاوي 2/ 61.

308

و يمكن أن يكون مراد القاضي بيان مدلول لفظ الناصر فلا مانع من لزوم نفي الشفيع بدليل آخر، كما يمكن أن يكون مراد الكشاف بيان ما يستفاد و لو بإعانة دليل من خارج، فتأمل فيه.

و أما ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر و خروج آخرين بشفاعة أو بغيرها فالأخبار فيه من طريق الخاصّة و العامة أكثر من أن تحصى، و ها هي الآية الآتية صريحة في العفو عن مرتكب الكبيرة.

رَبَّنٰا إِنَّنٰا سَمِعْنٰا مُنٰادِياً يُنٰادِي لِلْإِيمٰانِ أوقع الفعل على المسمع و حذف المسموع لدلالة وصفه عليه، و في تنكير المنادي و إطلاقه أولا ثمّ تقييده بالايمان ثانيا تفخيما و تعظيما لشأنه و هو الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و قيل القرآن و الدعاء و النداء و نحوهما يعدّى بالى و اللام، لتضمّنها معنى الاختصاص و الانتهاء.

أَنْ آمِنُوا أي آمنوا أو بأن آمنوا. بِرَبِّكُمْ فَآمَنّٰا رَبَّنٰا فَاغْفِرْ لَنٰا ذُنُوبَنٰا وَ كَفِّرْ عَنّٰا سَيِّئٰاتِنٰا.

لا يبعد أن يراد بالسيّئات الصغائر كما في قوله «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» فيخص الذنوب بالكبائر فيمكن كونه على سبيل التوبة و طلب مغفرة الذنوب بها و أن يلحقهم بذلك بمجتنب الكبائر في تكفير السيّئات و ما قيل من أنّ المراد غفران الذنوب بلا توبة و تكفير السيئات إن تبنا، أو اغفر لنا بالتوبة و كفّر عنا باجتناب الكبائر، فلا يخفى ما فيه.

وَ تَوَفَّنٰا مَعَ الْأَبْرٰارِ مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم و الأبرار جمع برّ أو بارّ كأرباب و أصحاب.

رَبَّنٰا وَ آتِنٰا مٰا وَعَدْتَنٰا عَلىٰ رُسُلِكَ.

أي على تصديق رسلك أو محمولا على رسلك أو منزلا عليهم أو على ألسنة رسلك و الموعود هو الثواب و الإفضال.

و هذا السؤال ليس خوفا من خلف الوعد، كيف و هو محال عليه؟ بل مخافة

309

أن لا يكون من الموعودين بسوء عاقبة أو قصور في الامتثال، فهو طلب التوفيق في تكميل ما يكونون به من الموعودين و ما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الوعد أو هو باب من اللجإ و التضرع إلى اللّه و الخضوع و التعبّد له كما كان الأنبياء و أكابر الأولياء يستغفرون و يبكون و يظهر منهم الخوف العظيم من العقاب مع عدم ذنب و تقصير بل يقصدون بذلك التذلّل و التضرّع و اللّجإ الذي هو سيماء العبوديّة.

و قيل: إن الكلام و إن خرج مخرج المسئلة، لكن المراد به الخبر أى توفّنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا به على رسلك، و لا تخزينا يوم القيمة لأنهم علموا أن ما وعد اللّه به حق، و لا بد أن ينجزه، و قيل الموعود النصر على الأعداء و انما سألوا تعجيله.

وَ لٰا تُخْزِنٰا يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أي لا تفضحنا فيه بوجه بأن تعصمنا مما يقتضيه و توفّقنا لما يبعدنا عنه، أو أن تعفو فلا تفعل.

إِنَّكَ لٰا تُخْلِفُ الْمِيعٰادَ باثابة المؤمن و عدم خزيه و إجابة الداعي، و الجملة استئناف في مقام التعليل لما تقدم، أي تفعل بنا ذلك لأنك وعدتنا و أنت لا تخلف الميعاد، و قيل يمكن كونه خبرا بمعنى الدعاء فيكون تأكيدا لما تقدم، و عن ابن عباس الميعاد البعث بعد الموت.

و في المجمع: و قد اشتهرت الرواية عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه لما نزلت هذه الآيات قال: ويل لمن لاكها بين فكّيه و لم يتأمّل ما فيها، و ورد عن الأئمّة من آل محمّد- (عليهم السلام) الأمر بقراءة هذه الآيات الخمس وقت القيام بالليل للصلاة، و في الضجعة بعد ركعتي الفجر.

و روى محمّد بن علي بن محبوب عن العبّاس بن المعروف عن عبد اللّه بن المغيرة عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و ذكر صلاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كان يأتي بطهور فيخمّر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شاء اللّه، فاذا استيقظ جلس ثمّ قلب بصره في السماء ثم تلا الآيات من آل عمران «إِنَّ فِي خَلْقِ

310

السَّمٰاوٰاتِ» الآيات ثمّ يستنّ و يتطهّر ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، و سجوده على قدر ركوعه: يركع حتّى يقال متى يرفع رأسه؟

و يسجد حتّى يقال متى يرفع رأسه؟ ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء اللّه.

ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، و يقلب بصره في السماء، ثمّ يستنّ و يتطهّر، و يقوم الى المسجد فيصلّي أربع ركعات كما ركع قبل ذلك ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء اللّه ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستنّ و يتطهّر و يقوم إلى المسجد فيوتر و يصلي الركعتين ثمّ يخرج إلى الصلاة (1).

و اعلم أنّ تكرير «ربّنا» من باب الابتهال و المبالغة فيه و الدلالة على استقلال المطالب و علوّ شأنها، و إعلام بما يقتضي حسن الإجابة، و في الكشاف و روي عن جعفر الصادق (عليه السلام) «من حزبه أمر فقال خمس مرات «ربّنا» أنجاه اللّه مما يخاف و أعطاه ما أراد» و قرء هذه الآية.

فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لٰا أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ الآية.

و عن الحسن حكى اللّه عنهم أنّهم قالوا خمس مرات «ربّنا» ثمّ أخبر أنه استجاب لهم، و في المجمع: هذه تتضمّن الحثّ على مواظبة الأدعية في الآيات المتقدّمة، و الإشارة إلى أنها مما تعبد اللّه بها لأنها تتضمن الإجابة لمن دعا بها.

بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ معترضة بيّنت بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد اللّه به عباده العاملين، فلعلّ المراد و صلة الإسلام. في المجمع: في الدّين و النصرة و الموالاة فحكمي في جميعكم واحد انتهى، و على هذا يستفاد أحكام كثيرة فتأمّل.

فَالَّذِينَ هٰاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قٰاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ ثَوٰاباً في موضع المصدر المؤكّد بمعنى أثابه أو تثويبا، لأن قوله

____________

(1) مجمع البيان 1/ 554.

311

«لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ» في معنى لأثيبنّهم.

مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوٰابِ.

أى يختصّ به و بقدرته لا يثيبه غيره، و لا يقدر عليه، و فيه من الترغيب العظيم على المهاجرة في سبيل اللّه و احتمال الأذى و الإخراج عن الدّيار و الأهل، و القتل و القتال في طاعة اللّه ما لا يخفى.

و كذا دلالتها على أنّ الذنوب يكفّرها العمل الصالح كقوله «إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ» و مثلها كثيرة و لا ينافيها «وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ» الآيتان فتأمّل. قيل: و فيها دلالة أيضا على أنّ العمل لا يقع شكرا بل عليه أجر و عوض تأمل فيه.

و في الآيات تعليم من اللّه كيف يدعى و كيف يبتهل إليه، و يتضرّع، و إعلام بما يوجب حسن الإجابة و حسن الإثابة من احتمال المشاقّ في دين اللّه، و الصبر على صعوبة تكاليفه، و قطع لأطماع الكسالى المتمنّين عليه، و تسجيل على من لا يرى الثواب موصولا إليه بالعمل بالجهل و الغباوة.

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على دينكم و اثبتوا عليه وَ صٰابِرُوا الكفّار وَ رٰابِطُوا هم في سبيل اللّه عن الحسن و قتادة و الضّحاك، و قيل: فمعناه اصبروا على طاعة اللّه و عن معاصيه و قاتلوا العدوّ فاصبروا على قتالهم في الحق كما يصبرون على قتالكم في الباطل، و أعدّوا لهم من الخيل ما يعدّونه لكم كقوله سبحانه «وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ» و يقرب منه ما روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: معناه اصبروا على المصائب، و صابروا على عدوّكم، و رابطوا عدوّكم.

و في الكشاف: اصبروا على الدّين و تكاليفه، و صابروا الكفّار أي و غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب لا تكونوا أقلّ صبرا منهم و ثباتا، و المصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصا لشدّته و صعوبته، و رابطوا و أقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مترصّدين مستعدّين للغزو، و قال اللّه تعالى «وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّٰهِ وَ عَدُوَّكُمْ».

312

و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) [1] من رابط يوما و ليلة في سبيل اللّه كان كعدل صيام شهر و قيامه لا يفطر و لا ينفتل عن صلاته إلّا لحاجة.

و على هذا فيمكن الاستدلال على وجوب المرابطة المصطلحة مع الضرورة و استحبابها بدونها حملا للأمر على الرجحان لعدم صحّة الوجوب و الاستحباب مطلقا مع الإجماع على الوجوب مع الضرورة فتأمّل.

و قيل: إنّ معنى رابطوا رابطوا الصلاة و انتظروها واحدة بعد واحدة، لأن المرابطة لم يكن حينئذ، روي ذلك عن علىّ (عليه السلام) و عن جابر بن عبد اللّه و أبي سلمة بن عبد الرحمن و روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) [2] أنّه سئل عن أفضل الأعمال فقال إسباغ الوضوء في

____________

[1] انظر مضمون الحديث في الدر المنثور ج 2 ص 113 و ص 114 و كنز العمال ج 4 من ص 195 الى ص 201 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 246 و لفظ المصنف مروي في مستدرك الوسائل عن غوالي اللئالى و الكشاف عند تفسير آخر سورة آل عمران و في النسائي ج 6 ص 39 و البيهقي ج 9 ص 38 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 8.

[2] لم أظفر الى الان على الحديث بالوجه الذي نقله المصنف ففي اخبار الشيعة كون الثلاثة من الكفارات و ليس فيها ذكر كونها من الرباط إلا في المروي عن دعائم الإسلام و هو في ط مصر 1383 ج 1 ص 100 و نقله في المستدرك ج 1 ص 51 و ليس في واحد من اخبارهم كونها أفضل الأعمال نعم في دعائم الإسلام كونها مما اختصم فيه الملإ الأعلى انظر في ذلك جامع أحاديث الشيعة ج 1 من ص 92 الى ص 93.

و اما اخبار أهل السنة ففيها أيضا كون الثلاثة من الكفارات و في مجمع الزوائد ج 1 ص 237 انها مما اختصم فيه الملاء الأعلى و في أكثرها كونها من الرباط ليس فيها ذكر كونها من أفضل الأعمال انظر في ذلك شرح النووي على صحيح مسلم ج 3 ص 141 و سنن البيهقي ج 1 ص 82 و سنن ابن ماجة ص 138 و سنن الدارمي ج 1 ص 177 و تفسير الخازن ج 1 ص 312 و تفسير ابن كثير ج 1 ص 444 تفسير الطبري ج 4 ص 222 و الدر المنثور ج 2 ص 114.

ثم اللفظ في أكثر أخبار الشيعة إسباغ الوضوء في السبرات و في اخبار أهل السنة إسباغ الوضوء في المكاره أو على المكاره إلا في الرقم 3472 من الجامع الصغير ج 3 ص 307 فيض القدير ففيه إسباغ الوضوء في السبرات و كذا في مجمع الزوائد ج 1 ص 237 و السبرات جمع سبرة بسكون الموحدة و هي شدة البرد كسجدة و سجدات.

313

السبرات، و نقل الاقدام إلى الجماعات، و انتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط.

وَ اتَّقُوا اللّٰهَ أن تخالفوه فيما يأمركم و ينهاكم، أو عذابه بلزوم أوامره و اجتناب نواهيه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تظفروا و تفوزوا بنيل المنية. و درك البغية في المجمع:

هذه الآية تتضمّن جماع ما يتناوله التكليف، لأن قوله «اصْبِرُوا» يتناول لزوم العبادات و تجنّب المحرمات «وَ صٰابِرُوا» يتناول ما يتّصل بالغير كمجاهدة الجنّ و الانس و ما هو أعظم منها من جهاد النفس «وَ رٰابِطُوا» يدخل فيه الدفاع عن المسلمين و الذبّ عن الدّين و «اتَّقُوا اللّٰهَ» يتناول الانتهاء عن جميع النواهي و الزواجر، و الايتمار بجميع الأوامر، ثمّ تبع جميع ذلك الفلاح و النجاح و باللّه التوفيق.

السابعة عشرة [مريم: 58] أُولٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنٰا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْرٰائِيلَ وَ مِمَّنْ هَدَيْنٰا وَ اجْتَبَيْنٰا (من الأمم قوم) إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِمْ آيٰاتُ الرَّحْمٰنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا.

فحذف لدلالة الكلام عليه عن أبى مسلم، روي (1) عن علىّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال نحن عنينا بها، و قيل: بل المراد الأنبياء الّذين تقدم ذكرهم، فيحتمل العطف على من «الأول» و الثانية [2].

ثمّ إن جعلت «الّذين» فيما قبل خبرا لأولئك كان «إِذٰا تُتْلىٰ» كلاما مستأنفا، و إن جعلته صفة له كان خبرا، فكأنه سبحانه بيّن أنهم مع جلالة قدرهم كانوا يسجدون و يبكون عند تلاوة آيات اللّه عليهم، و هؤلاء العصاة ساهون لاعبون مع إحاطة السيّئات بهم، و فيه من الترغيب في السجود و البكاء حينئذ ما لا يخفى،

____________

[2] قال المؤلف ره في الهامش: في الكشاف: عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اتلوا القرآن و ابكوا فان لم تبكوا فتباكوا و عن صالح المري قال: قرأت القرآن على رسول اللّه فقال لي: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟ أقول: راجع الكشاف ج 3 ص 25.

____________

(1) المجمع ج 3 ص 519.

314

خصوصا بالنسبة إلى هذه الآية، لاشتمالها على هذا الترغيب و التحريص، فلا يبعد فهم تأكيد استحباب السجدة عندها كما هو المشهور و المأثور و أما للتّالى و السامع مطلقا فإما لعدم الفرق أو المؤثر إذ الغرض التعظيم أو للإجماع أو الاخبار (1) و اللّه اعلم.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ خلفه إذا عقبه، ثمّ قيل في عقب الخير خلف بالفتح، و في عقب السوء، خلف بالسكون كما قالوا وعد في ضمان الخير، و وعيد في ضمان الشرّ، قيل: هم اليهود و من تبعهم، و قيل: من هذه الأمة عند قيام الساعة عن مجاهد و قتادة.

أَضٰاعُوا الصَّلٰاةَ عن ابن عبّاس (2) هم اليهود تركوا الصلاة المفروضة و شربوا الخمر و استحلّوا نكاح الأخت من الأب، و قيل: أضاعوا بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن يتركوها أصلا عن ابن مسعود و جماعة. في المجمع و هو المرويّ (3) عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) و في الكشاف (4) و ينصر الأول قوله «إِلّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ» يعني الكفار فليتأمّل.

وَ اتَّبَعُوا الشَّهَوٰاتِ فيما حرم عليهم. في المجمع: و عن علىّ (عليه السلام) من بنى المشيد، و ركب المنظور و لبس المشهور فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي شرّا، فان كلّ شر عند العرب غىّ، و كل خير رشاد، أو مجازاة الغي لقوله «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً» أي

____________

(1) انظر الوسائل الباب 1 من أبواب المواقيت ج 3 من ص 78 الى ص 84 و الباب 9 من أبواب المواقيت في تأكد كراهة تأخير العصر ج 3 من ص 111 الى ص 114 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 184 و ص 187 ترى الأحاديث بهذه المضامين كثيرة.

(2) الكشاف ج 3 ص 26.

(3) المجمع ج 3 ص 519.

(4) الكشاف ج 3 ص 26.

315

مجازاة أثام أو غيّا عن طريق الجنّة، و قيل واد في جهنّم تستعيذ منه أوديتها و فيه دلالة على تحريم إضاعة الصلاة و اتّباع الشهوات.

إِلّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً فَأُولٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لٰا يُظْلَمُونَ شَيْئاً يدلّ على قبول التوبة مع الايمان و العمل الصالح، و على الخروج من الايمان بما تقدّم من الإضاعة و اتّباع الشهوات.

316

كتاب الزكاة

و فيه مباحث:

الاولى في وجوبها و الحث عليها و محلها و شرائط قبولها

و فيه آيات: الاولى لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ قيل: لما حوّلت القبلة و كثر الخوض في أمرها حتّى كأنه لا يراعى في طاعة اللّه إلّا التوجّه للصلاة، نزلت. و الخطاب للمسلمين و غيرهم، أي ليس البرّ كلّه أو البرّ العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمر القبلة.

و قيل الخطاب لأهل الكتاب فإنّهم أكثروا الخوض على الباطل، أي ليس البرّ ما عليه النصارى من التوجّه إلى المشرق، و لا ما عليه اليهود من التوجّه إلى المغرب، و هو أنسب بالكلام، و أقوى في المقام مع عموم الخطاب، و التعريض بفعل الطائفتين.

و لكنّ البرّ (برّ) من آمن على حذف المضاف أو يراد بالبرّ البارّ لأنه مصدر، أو ذا البرّ لأنه اسم أو كما قالت «فإنما هي إقبال و إدبار» (1) و الأنسب على الأوّل و هو أحسن الوجوه لموافقته لقوله «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا» أن يكون التقدير: فعل من آمن كما نفي هناك أن يكون البرّ فعلهم من التولية.

فإذا كان الخطاب لأهل الكتاب أو مطلقا أفاد أن ليس لهم في أعمالهم ما يمكن أن يظنوه من البرّ إلا التولية كما يقتضيه خوضهم، و لذلك أتى به بعينه، و هو على تقديره ليس بعظيم بل البرّ أو العظيم منه منحصر في فعل من آمن، و حينئذ فيتوجه

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 من ص 3 الى ص 6 و القصيدة للخنساء ترثى بها صخرا.

317

أن يراد به ما تضمنه الأوصاف من الايمان و غيره، فحذفه لدلالة الأوصاف عليه على أبلغ وجه و يمكن أن يراد أعمّ مما تضمّنه الأوصاف و غيره و لو مبالغة.

و يمكن أيضا أن يراد به تولية الوجه شطر المسجد الحرام فلا يبعد أن يكون المراد بالاية ليس البرّ في أمر القبلة ما تفعلونه أنتم يا أهل الكتاب، بل البرّ فيه فعل من آمن فلا يبعد أن يكون ذكر الأوصاف إشارة إلى أنّ محامد المسلمين و مبرّاتهم كثيرة ليست منحصرة في أمر القبلة مثلهم بحسب ما يشهد به خوضهم، و ترغيبا في الدخول فيما دخلوا، و تنبيها على أنّ ذلك البرّ مرتبة بعد هذه المبرّات أو أنّ هذه شروط لكون هذا برّا كما قيل فتأمل.

«بِاللّٰهِ» في المجمع (1) أي صدّق باللّه، و يدخل فيه جميع ما لا يتمّ معرفة اللّه سبحانه إلّا به كمعرفة حدوث العالم و إثبات المحدث و صفاته الواجبة و الجائزة، و ما يستحيل عليه، و معرفة عدله و حكمته «وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» و يدخل فيه البعث و الحساب و الثواب و العقاب «وَ الْمَلٰائِكَةِ» بأنهم موجودون و عباد اللّه المكرمون: إياه يعبدون و بأمره يعملون «وَ الْكِتٰابِ» جنس كتب اللّه أو القرآن بأنه حقّ منزل من عند اللّه «وَ النَّبِيِّينَ» بأنهم مبعوثون إلى الناس معصومون و ما أتوا به حقّ.

«وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ» الجارّ و المجرور في موضع الحال أي مع حبّ المال كما روي (2) عنه (عليه السلام) أنه لما سئل أيّ الصدقة أفضل؟ قال: هو أن تعطيه و أنت صحيح شحيح تأمل العيش و تخشى الفقر، أو الضمير لمن، و الإضافة إلى الفاعل، و لم يذكر المفعول للظهور، و هذا و الأول في المعنى سواء.

و يمكن كونه إشارة إلى أن ذلك لا على جهة السفاهة، و عدم معرفته بقدر المال و المصالح المتعلقة به، فإنه على هذا الوجه لا يكون صفة مدح بل بمقتضى الايمان على

____________

(1) المجمع ج 1 ص 363.

(2) انظر البخاري بشرح فتح الباري ج 4 ص 27 باب فضل صدقة الشحيح و النسائي ج 5 ص 68 و الكشاف ج 1 ص 218 و الجامع الصغير بشرح فيض القدير ج 2 ص 36 الرقم 1258 عن أبي هريرة أخرجه عن أحمد و البخاري و مسلم و ابى داود و النسائي مع زيادة و تفاوت.

318

محبة و معرفة، أو المفعول ما ذكره بعده و ترك مفعول «آتى» للظهور، فان حبّ هؤلاء انّما يقتضي عطاءهم و سبق الايمان قد يكفي في الإشعار بكون الإيتاء بل الحبّ للّه أو في اللّه.

قيل: هو أحسن ما قيل، لأن تأثير هذا أبلغ من تأثير حبّ المال فإنّ محبة إذا لم يقصد وجه اللّه لم يستحقّ شيئا من الثواب و إنما تأثيره في زيادة الثواب، إذا قصد وجه اللّه، و قاصده يستحق الثواب و إن لم يكن ذلك منه على حب المال فتأمل، أو للايتاء.

«ذَوِي الْقُرْبىٰ» قرابة المعطي كما روي [1] عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه سئل عن أفضل الصدقة فقال جهد المقلّ على ذي الرحم الكاشح، و عنه (عليه السلام) أيضا صدقتك على المسكين صدقة، و على ذوي رحمك اثنتان صدقة و صلة [2] و غير ذلك من الروايات في ذلك فإنّها كثيرة.

أو قرابة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في قوله «قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ» و هو المرويّ عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) (3) و وجه التقديم على الوجهين

____________

[1] رواه بلفظ المصنف في المجمع ج 1 ص 263 و رواه مع تفاوت في الفقيه ط النجف ج 2 ص 38 بالرقم 165 و التهذيب ج 4 ص 106 بالرقم 301 و الكافي ج 1 ص 164 و الكشاف ج 1 ص 219 و في الكاف الشاف ذيله تخريجه و اللسان و النهاية كلمة (ك ش ح) و المستدرك ج 1 ص 536 عن الجعفريات و كتاب الغايات و انظر الوسائل و أيضا ج 6 من ص 286 الى ص 287 الباب 20 من أبواب الصدقة.

ثم الكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف بكسر الخاء و هو ما بين السرة إلى المتن قال ابن سيدة على ما في اللسان و الكاشح العدو الباطن العداوة كأنها يطويها في كشحه أو كأنه يوليك كشحه و يعرض عنك بوجهه و في المقاييس ج 5 ص 184 و قال قوم بل الكاشح الذي يتباعد عنك من قولك كشح القوم عن الماء إذا تفرقوا.

[2] أخرجه الكشاف كما في المتن و في الكاف الشاف تخريجه و يستفاد منه ان اللفظ في بعض المصادر الصدقة على المسكين حسنة و أخرجه في الجامع الصغير عن أحمد و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و الحاكم عن سليمان بن عامر بالرقم 5145 ج 4 ص 237 فيض القدير بلفظ المصنف الصدقة على المسكين صدقة و هي على ذي الرحم اثنتان صدقة و صلة الرحم.

____________

(3) المجمع ج 1 ص 263.

319

الأفضلية.

«وَ الْيَتٰامىٰ» جمع يتيم و هو صغير لا أب له، قيل العطف على القربى لا ذوي إذ لا يصحّ إيصال المال إلى الصغير، و الوجه أنّ المراد إيتاء اليتامى و الإيصال إليهم على وجه شرعيّ و ذلك ربما كان بالتسليم إلى الوليّ و ربما كان بالتسليم إليهم كإطعامهم، هذا و قيل المراد المحاويج من الصنفين و لم يقيد لعدم الالتباس، و فيه نظر خصوصا في ذي القربى.

«وَ الْمَسٰاكِينَ» جمع المسكين و أصله الدائم السكون كالمشكير لدائم الشكر، و يراد به المحتاج لأنه قد أسكنه الخلّة أو لأنه دائم السكون إلى الناس لحاجته.

«وَ ابْنَ السَّبِيلِ» المسافر المنقطع به سمّى به لملازمته السبيل، و قيل الضيف لأن السبيل ترعف به.

«وَ السّٰائِلِينَ» في تفسير القاضي: الّذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال، و في الكشاف: المستطعمين، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) للسائل حقّ و إن جاء على ظهر فرسه، و قيل المساكين الّذين يسألون و ما تقدم الّذين لا يسألون و التخصيص بسائلى الطعام كاشتراط الفقر أو إلجاء الحاجة موضع نظر.

«وَ فِي الرِّقٰابِ» جمع رقبة و هي أصل العنق و يعبّر به عن جميع البدن، و منه تحرير رقبة و فكاك الرقاب من النّار، قيل المراد في معاونة المكاتبين حتّى يفكوا رقابهم، و قيل ابتياع الرقاب و إعتاقها، و قيل الأعم منهما و قيل: بشرط تخصيص الثاني بالذين تحت الشدة و قيل في فك الأسارى و قيل: الأعم من الجميع.

«وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ» المفروضة أدّاها في ميقاتها بحدودها «وَ آتَى الزَّكٰاةَ» قيل المقصود منه و من قوله وَ آتَى الْمٰالَ الزكاة المفروضة (1) و لكن الغرض من الأوّل بيان مصارفها، و بالثاني أداؤها و الحثّ عليها، و لكون ذلك خلاف الظاهر قيل الأول

____________

(1) في هامش الأصل: لما روى: ليس في المال حق سوى الزكاة و في الحديث نسخت الزكاة كل صدقة. راجع الكشاف ج 1 ص 22 و في الكاف الشاف ذيله تخريجه.

320

محمول على وجوب حقوق في مال الإنسان غير الزكاة مما له سبب وجوب كالإنفاق على من يجب نفقته، و من يجب سدّ رمقه لخوف تلفه، و ما يلزمه من النذور و الكفّارات، و قيل يدخل فيه أيضا ما يخرجه الإنسان على وجه التّطوّع و القربة إلى اللّه، لأنّ ذلك كلّه من البرّ، و في الكشاف و القاضي: احتمال أن يكون حثا على نوافل الصدقات (1).

«وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا» كأنه يعم النذر و اليمين أيضا بل ما بينهم و بين الخلق من العقود و الوعود كما ذكروا قيل: رفعه على المدح خبرا لمبتدء محذوف أي و هم الموفون كما أنّ «وَ الصّٰابِرِينَ» منصوب على المدح [2] أي أعنى بهم الصابرين.

و حينئذ فالواو للاستيناف، فان العطف غير مناسب، و يحتمل أن يكون و الصابرين عطفا على محلّ «مَنْ آمَنَ» باعتبار كونه مضافا اليه، فحمل على المعنى كالموفون على اللفظ، أو الموفون على مجموع المضاف و المضاف إليه لاعتبار المضاف فيه إلّا أنه حذف و أعرب بإعرابه، و كذا في الصابرين إلا أنه لم يعرب باعراب المضاف بل أبقى على إعرابه كما في «وَ اللّٰهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» على قراءة الجرّ بتقدير عرض الآخرة.

و في الكشاف: الموفون عطف على من آمن و اخرج الصابرين منصوبا على الاختصاص و المدح إظهارا لفضل الصبر المذكور، على سائر الأعمال، و قرئ و الصابرون و الموفين.

«وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ» الفقر و الشدة «وَ الضَّرّٰاءِ» في البدن كالمرض و الزمانة «وَ حِينَ الْبَأْسِ» وقت القتال و جهاد العدوّ، و منه ما روي عن على (عليه السلام) كنا إذا احمرّ

____________

[2] انظر في ذلك المجمع ج 1 ص 262 ففيه في هذا البحث مطالب مفيدة و انظر أيضا الكشاف ج 1 ص 22 و البيضاوي ج 1 ص 213 و روح المعاني ج 2 ص 41 و البيان الأتم انما هو في المجمع ثم في حواشي الكازروني على البيضاوي في الطبعة المشار إليها أيضا مطالب مفيدة مضافا الى ما في شرح أعراب الكلمة يطول لنا الكلام بنقلها فراجع أصل الكتاب.

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 220 و البيضاوي ج 1 ص 213 ط مصطفى محمد.

321

البأس اتّقينا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فلم يكن أحد منّا أقرب إلى العدو، يريد إذا اشتدّ الحرب.

«أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا» في الدّين أو و اتّباع الحقّ و طلب البرّ أو أعم «وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» عن الكذب و غيره من المعاصي، أو عن الكفر و سائر المعاصي أو و الرذائل كما في تفسير القاضي، أو عن نار جهنّم و سائر العقوبات، فربّما كان فيه بل في أولئك الّذين صدقوا أيضا دلالة على وجوب ما تقدّم اللهم إلّا أن يحمل الحصر على المبالغة، أو على أنه بالإضافة إلى أهل الكتاب.

و لعل هذه الدلالة هي مستند المجمع، و في هذه الآية دلالة على وجوب إعطاء مال الزكاة المفروضة بلا خلاف فتأمل.

أمّا الحثّ و الترغيب و كثرة الفوائد فيها فلا خفاء فيه حتى قيل الآية جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها دالّة عليها صريحا أو ضمنا فإنّها بكثرتها و تشعّبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحّة الاعتقاد و حسن المعاشرة و تهذيب النفس، و قد أشير إلى الأوّل بقوله «مَنْ آمَنَ» إلى «وَ النَّبِيِّينَ» و إلى الثاني بقوله و «آتَى الْمٰالَ» إلى «وَ فِي الرِّقٰابِ» و إلى الثالث بقوله «وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ» إلى آخرها؛ و لذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا إلى إيمانه و اعتقاده، و بالتقوى باعتبار معاشرته للخلق و معاملته مع الحقّ، و إليه أشار (عليه السلام) بقوله من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان (1).

و استدل أصحابنا بهذه الآية على أنّ المعنىّ بها أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنّه لا خلاف بين الأمّة أنّه كان جامعا لهذه الخصال، فهو مراد بها قطعا، و لا قطع على كون غيره جامعا و لهذا قال الزّجاج و الفراء انها مخصوصة بالأنبياء المعصومين، لأن هذه الأشياء لا يؤديها بكلّيتها على حق الواجب فيها إلّا الأنبياء كذا في المجمع (2) فلعلّ المراد أنه (عليه السلام) هو المعنيّ بها من امة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قطعا فافهم.

____________

(1) أخرجه البيضاوي ج 1 ص 213 ط مصطفى محمد.

(2) انظر المجمع ج 1 ص 264.

322

الثانية حم السجدة [7] وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ المفروضة، و فيه دلالة على أن الكفّار مخاطبون بالفروع، و أن الزكاة واجبة عليهم و إن لم تصحّ منهم حال الكفر، و سقط عنهم بالإسلام للإجماع و الأخبار (1) فإنّ الظاهر كما هو المشهور أنّ تعليق الحكم بالوصف يشعر بالعلية، فيستفاد أن لعدم إتيانها تأثيرا في ثبوت الويل لهم.

و قيل معناه لا يطهرون أنفسهم من الشرك بقول «لا إله إلا اللّه» فإنها زكاة الأنفس و طهارتها من نجاسة الشرك عن عطا عن ابن عباس، و قال الفراء الزكاة هنا أنّ قريشا كانت تطعم الحاجّ و تسقيهم، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و قيل معناه لا يقرّون بالزكاة و لا يرون إيتائها عن الحسن و قتادة.

«وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» حال مشعرة بأنّ امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا و إنكارهم للآخرة، و كأنّ من قال بدلالة الآية على كفر مستحلّها قال من ههنا، باعتبار القول الأخير بل على الأول أيضا، لأنّ من المعلوم أن تركهم لها كان على جهة الاستحلال كما هو شأن المشرك.

و يفهم من الجملة الحالية أيضا مع العلّية لكن فيه أن غاية ما يلزم أن يكون علة ترك المشركين بها الكفر أما مطلقا فلا، و ربّما أيّده الحصر في الحالية و كذا كونها مقيدة فليتأمل.

نعم في الروايات ما يدلّ على أن مانع الزكاة غير مؤمن و لا مسلم، فليتدبر.

الثالثة في التوبة [36] وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الكنز في الأصل مصدر بمعنى جمع الشيء بعضه إلى بعض ثمّ قيل لذلك الشيء، و يقال للمال المدفون كثيرا، و المراد هنا الأوّل.

الذَّهَبَ سمّي به لأنه يذهب و لا يبقى وَ الْفِضَّةَ فضّة لأنّها تنفض و تتفرّق، فلا يبقى و حسبك بالاسمين دلالة على فنائهما.

____________

(1) انظر تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 من ص 14 الى ص 16 في حديث «الإسلام يجب ما قبله».

323

وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ توحيد الضمير مؤنثا إما لأنّ كل واحد منهما جملة واحدة، و عدة كثيرة، فالمجموع كذلك، أو لأنها للكنوز و الأموال المدلولة أو للفضّة اقتصارا بها لقربها، و فهم حكم الذهب بالطريق الأولى أو هو كقوله «فانّى و قيّار بها لغريب» [1] أي و قيار كذلك.

و قيل إنّ الذهب جمع واحده ذهبة [2] فهو مؤنث، و إن كان الجمع الذي ليس بينه و بين واحدة إلّا الهاء يذكر و يؤنث، فلما اجتمعا في التأنيث و جعلا كالشيء الواحد ردّ الضمير إليهما بلفظ التأنيث، و قد يكتفي بتأنيث الفضة أيضا إذا جمعا فتأمل.

فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ أي فيقال فيهم ذلك و في الكشاف: يجوز أن يكون الذين يكنزون إشارة إلى الكثير من الأحبار و الرهبان، للدلالة على خصلتين مذمومتين فيهم أخذ البراطيل و كنز الأموال و الضّنّ بها عن الإنفاق في سبيل الخير و يجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، و يقرن بينهم و بين المرتشين من

____________

[1] البيت لضابئ بن الحرث البرجمي قاله حين حبسه عثمان لما هجا بنى نهشل و صدره «و من يك أمسى بالمدينة رحله» أنشده في الكشاف عند تفسير الآية ج 2 ص 268 و ج 1 ص 629 عند تفسير الآية 36 من سورة المائدة و السر في توحيد الضمير في ليفتدوا به. و قيار اسم فرسه و قيل جمله و قيل غلامه.

و البيت من شواهد سيبويه ج 1 ص 38 و أنشده ابن الأنباري ص 94 الشاهد بالرقم 46 في المسئلة 13 من مسائل الخلاف و الاشمونى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ج 1 ص 501 الشاهد بالرقم 274 و الكامل للمبرد ط مصطفى البابى الحلبي ص 276.

و كلام أهل الأدب في إفراد كلمة لغريب طويل من شاء فليراجع المصادر التي سردناها و كذا المغني في العطف على المحل من الباب الرابع و فيما إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا من الباب الخامس.

[2] و هذا القسم من الكلمة مما تضمن معنى الجمع دالا على الجنس و له مفرد مميز عنه بالتاء أو ياء النسبة كتفاح و سفرجل و بطيخ و تمر و حنظل و مفردها تفاحة و سفرجلة و بطيخة و تمره و حنظلة و مثل عرب و ترك و روم و يهود و مفردها عربي و تركي و رومي و يهودي يسمى في اصطلاح أهل الأدب باسم الجنس الجمعى و بذلك يظهر معنى قول السيوطي في شرح الألفية: ثم الكلم على الصحيح اسم جنس جمعى.

324

اليهود و النصارى تغليظا، و دلالة على أنّ من يأخذ منهم السحت و من لا يعطى منكم طيب ماله سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم.

و هذا يقتضي تعلّق البشارة بالأحبار و الرهبان و «الّذين» جميعا، و كأنه على نصب «الّذين» عطفا على اسم إنّ، و الظاهر رفعه على الاستيناف، و ان يعمّ المسلمين و غيرهم على كلّ حال، و رجوع البشارة إلى الّذين لا غير، لأنّ أنّ باعتبار «كثيرا» قد وجد الخبر و تمّ، فان جاز مع ذلك فعلى بعد و تكلّف.

يَوْمَ يُحْمىٰ عَلَيْهٰا فِي نٰارِ جَهَنَّمَ في القاموس حمى الشمس و النار حميا و حميا اشتدّ حرّهما، و أحماها اللّه، و كأنّه قد ضمّن معنى الإيقاد أي يوم يشدّ في حرّ النار و توقد عليها، و لو قال يوم تحمى أي الكنوز مثلا من حمى الميسم و أحميته لم يعط هذا المعنى و إنّما ذكّر الفعل مع أنّ الأحماء للنار لأنّه أسند إلى الجار و المجرور و يوم ظرف لعذاب أو صفة له، قيل أو لأليم ظرفا أو صفة أو لهما و يمكن كونه ظرفا لبشّره على بعد فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ وجّه تخصيص تلك الأعضاء بوجوه و قيل معناه يكوون على جميع البدن، لأنّ الجبهة كناية عن الأعضاء المقاديم، و الجنوب عن الايمان و الشمائل و الظهور عن المآخير.

هٰذٰا مٰا كَنَزْتُمْ على إرادة القول، و هذا إشارة إلى ما يكوى به.

لِأَنْفُسِكُمْ أي كنزتموه لتنتفع به نفوسكم و تلتذّ، و ها هي تتضرّر به و تتعذّب.

فَذُوقُوا وبال مٰا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أو وبال كونكم كانزين أو هذا إشارة إلى الكيّ و العذاب، و جعل ما كنزوا مبالغة في سببيّته له، حتّى كأنّه هو فافهم.

و قرئ «يكنزون» بضمّ النّون (1) و الآية ظاهرة في تحريم الكنز و عدم الإنفاق، و قيل نسخت بالزكاة، و فيه أنّه لا منافاة على أنّ الأصل عدم النسخ فيحتاج الى دليل و قيل ثابتة، و إنّما عني بترك الإنفاق في سبيل اللّه منع الزكاة.

____________

(1) نقله الالوسى ج 10 ص 79 فهو من باب ضرب و قعد و نقله ابن خالويه في شواذ القرآن ص 52 عن يحيى بن يعمر و ابى السمال.

325

عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) (1) ما ادّى زكوته فليس بكنز و إن كان باطنا، و ما بلغ أن يزكّى فلم يزكّ فهو كنز، و إن كان ظاهرا. و عنه (عليه السلام) (2) ما من عبد له مال لا يؤدى زكوته إلّا جمع يوم القيمة صفائح يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جبينه و جبناه و ظهره، حتّى يقضي اللّه بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ممّا تعدّون ثمّ يرى سبيله إمّا إلى الجنّة و إمّا إلى النّار. أورده مسلم في الصحيح.

فتكون الآية حينئذ إشارة إجمالا إلى وجوب الزكاة في الذهب و الفضة، و البيان موكولا إلى السنّة المطهّرة فبدلائل اختصاص وجوبها بما تجب فيه تخصّ عمومات في الآية.

و روى محمّد بن يعقوب (3) عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن سنان عن معاذ بن كثير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول موسّع على شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف، فاذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه فيستعين به على عدوّه، و هو قول اللّه عز و جل في كتابه «وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لٰا يُنْفِقُونَهٰا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ».

و ربما كان في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك مع الاحتياج أو الضرورة إليه: عنه (عليه السلام) من ترك صفراء أو بيضاء كوى بها (4) و أنه توفّى رجل فوجد في مئزره دينار، فقال كيّة و توفّى آخر فوجد في مئزره ديناران فقال كيّتان (5)، فإما كان

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 266 و في الكاف الشاف تخريجه و تراه في الجامع الصغير ج 5 ص 29 فيض القدير الرقم 6341 بلفظ كل مال ادى زكوته عن البيهقي و مثله في أمالي الشيخ نقله في الوسائل ج 6 ص 16 الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة المسلسل 11447.

(2) انظر صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 ص 67 و اللفظ فيه ما من صاحب كنز لا يؤدى زكوته الى أخر ما نقله المصنف و للحديث تتمة نقل المصنف مورد الحاجة.

(3) انظر نور الثقلين ج 2 ص 213 الرقم 129.

(4) الكشاف ج 2 ص 267 و في الكافي الشاف تخريجه و انظر في تفسير الآية تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي مد ظله من ص 260 الى ص 277 ج 10 ففيها مباحث مفيدة جدا.

(5) الكشاف ج 2 ص 267 و في الكاف الشاف ذيله تخريجه.

326

هذا قبل فرض الزكاة كما في الكشاف أو كانت الدنانير مما لم يزكّ، و قد وجبت فيه أو وجب الإنفاق بها أو منها فلم ينفق. و اللّه أعلم.

الرابعة و الخامسة في البراءة [53 و 54] قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً.

نصب على الحال أي طائعين أو مكرهين لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ قيل: الأمر في معنى الخبر أي لن تتقبل منكم أنفقتم طوعا أو كرها و فائدته المبالغة في تساوي الانفاقين في عدم القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا ينفقوا و ينظروا هل تتقبل منهم.

إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فٰاسِقِينَ تعليل لردّ إنفاقهم على طريق الاستيناف و ما بعده بيان و تقرير له.

وَ مٰا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ بالتاء و الياء مِنْهُمْ نَفَقٰاتُهُمْ إِلّٰا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ أي ما منعهم من ذلك شيء إلّا كفرهم، و قرئ «يقبل» على أن الفعل للّه و كذلك في منعهم، و أنّهم كفروا في موضع نصب كما أنه على الأول في موضع رفع و قيل على الأوّل يجوز ان يكون التقدير و ما منعهم اللّه منه الا لأنّهم كفروا.

وَ لٰا يَأْتُونَ الصَّلٰاةَ إِلّٰا وَ هُمْ كُسٰالىٰ متثاقلون وَ لٰا يُنْفِقُونَ إِلّٰا وَ هُمْ كٰارِهُونَ إن قلت كيف ذلك و قد جعلهم اللّه طائعين في قوله طوعا و الكره ضدّ الطوع؟

قلت: لم يجعلهم طائعين في الواقع بل على سبيل الفرض، كأنّ المنافقين كانوا يدّعون الطوع في ذلك و يظهرون توقع القبول، فنفى القبول أولا و لو كانوا طائعين، ثم ردّ عليهم في دعوى الطوع.

و في الكشاف (1): قلت: المراد بطوعهم أنهم يبذلونه من غير إلزام من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أو من رؤسائهم و ما طوعهم ذلك إلّا عن كراهة و اضطرار لا عن رغبة و اختيار.

و اعلم أنّ الظاهر من الفسق ما هو أعمّ من الكفر و لا ينافي ذلك تعليل عدم قبول إنفاقهم به لجواز التعليل بما يعمهم و غيرهم كأن يعلل عدم قبول شهادتهم به من غير فرق فإنه قد لا يقبل إنفاق غير الكافر أيضا كشهادته مع الفسق، و لا ينافيه ما بعده

____________

(1) الكشاف ج 2 ص 280.

327

أما أولا فلان ذلك تعليل للإنفاق المفروض لهم طوعا أو كرها فالمعلول هنا أعمّ، و أما ثانيا فلان ما بعده حصر للمانع في أمور منها كفر و منها غير كفر فلا يبعد أن يكون غير الكفر أيضا مانعا كالكفر.

بل يقال لو لا أنّ غير الكفر مانع أيضا لم يصح استثناؤه كالكفر، فإنه لا ريب في كون الكفر بنفسه مانعا و علة لعدم القبول كما هو مقتضاه على تقدير كون الفسق عبارة عن الكفر، فعلى التقديرين يلزم كون غير الكفر أيضا مانعا من القبول.

اللهم إلا أن يعطف لا يأتون على ما منعهم أو يجعل استينافا أو يكون المراد استثناء المجموع لأنه أقوى من الكفر وحده، و إيراد غير الكفر معه على طريق التأييد و التقوية، و لا ينافي ذلك كون الكفر كافيا في المنع و علّة تامة في الجملة.

لكنه موضع تأمل إذ الظاهر أنّ عدم الإتيان بالصلاة إلا كسلانا و عدم الإنفاق إلا كارها مانعان حتّى صرح بعض من حمل الفسق على الكفر بفهم منع الكسل و الكره عن ذلك فليتأمل.

و بالجملة فما قيل من ان المراد بالفسق هنا الكفر فيه نظر، و كذا في تأييد ما بعده إيّاه، و تفسير المجمع الفسق بالتّمرد عن طاعة اللّه و تفسير الكشاف بالتمرد و العتوّ، إن أرادا ما يكون كفرا فتفسير بالأخص و إلّا فلا سند فيه لذلك، بل للأعم هذا.

و في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بالفروع، في المجمع لأنه سبحانه ذمّهم على ترك الصلاة و الزكاة و لو لا وجوبهما عليهم لم يذمّوا على تركهما (1) و هذا يشعر منه بحمله الإنفاق على إيتاء الزكاة لكن يستقيم على الأعم الظاهر أيضا، و ذمّوا على الكسل و الكره أيضا فإنّ الذمّ هنا على عدم الخلو من أحد الأمرين فهما قبيحان مذمومان كما لا يخفى.

ثمّ الظاهر أن الوقف إنفاق فيستفاد عدم قبوله من الكافر أو الفاسق لكن الظاهر

____________

(1) المجمع ج 3 ص 38.

328

أنّ المراد بعدم القبول عدم حصول الثواب و التقرب إلى اللّه، فلا تنافي ما يظهر من كلام الأصحاب من صحّة وقفهما و لزوم حكمه، نعم ظاهر الأصحاب ترتب الثواب على وقف الفاسق و نحوه فليتأمل.

و قد يستفاد عدم قبول كل ما يتقرب به إلى اللّه و تقع عبادة سواء الإنفاق و غيره لعدم قائل بالفرق كما صرح به جماعة و أما عدم الصحة فهو الظاهر في كلّ ما يستلزم صحته حصول الثواب كالعبادات المحضة نحو الصلاة و الصيام، فلا تبرئ بها الذمة أيضا و أما غيره فلا، فلا يقدح في ذلك أخذ حاكم الشرع الزكاة منهم قهرا مع الامتناع و حصول براءة الذمة من المال حينئذ كما هو ظاهر الأصحاب، فإنّ الظاهر أنّ هنا أمرين حق ماليّ كالدين و تأدية شرعية، فلم يتوقف الأول على الثاني، مراعاة لجانب ذي الحق كما هو مقتضى الأصل، و أما جبر تارك الصلاة عليها مع العلم بفسقه مثلا فلعلّه حفظا لأحكام الشرع من الخلل، و سدا لباب الجرأة على الخلاف، فلا يقدح بطلانها فافهم.

و قد تقدم القول بإشعار الآية بأن إتيان الصلاة كسلانا يقتضي عدم قبولها و كذا الإنفاق كرها، و قد أشرنا إلى أنّ الاشعار ينبغي أن يكون بعدم الإتيان إلا كذلك، و لا إشكال في ذلك على ما فصلنا، و إن كان خلاف ظاهر جمع من الأصحاب، خصوصا في الصلاة.

نعم لا يبعد فهم وجوب إتيان الصلاة غير كاسل فقد روى في الصحيح [1] عن أبي جعفر (عليه السلام) و لا تقم إلى الصلاة متكاسلا و لا متناعسا و لا متثاقلا، فإنها من خلال النفاق، فان اللّه نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة و هم سكارى: يعنى سكر النوم، و قال للمنافقين «وَ إِذٰا قٰامُوا إِلَى الصَّلٰاةِ قٰامُوا كُسٰالىٰ يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا».

____________

[1] انظر نور الثقلين ج 1 ص 400 و كذا العياشي ج 1 ص 242 الرقم 134 عن زرارة عن ابى جعفر و في الكافي الباب الأول من باب الخشوع في الصلاة بوجه ابسط و هو في مرآت العقول ج 3 ص 119 و في الوسائل الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة ج 4 ص 677 المسلسل 7083 و ما نقل المصنف شطر من الحديث و بهذا المضمون أحاديث أخر أيضا.

329

و كذا وجوب كون الإنفاق على طيبة النفس و الرضا لا كارها، و على كون الكره مانعا من القبول فما يأخذه الحاكم قهر الايثاب عليه نعم يمكن براءة الذمة كما تقدم.

السادسة في المعارج وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ [1] معلوم أي مقرر عندهم معلوم لهم، و قيل أى مقدر شرعا فحمل على الزكوات و الصدقات الموظّفة، و السائل المستعطى، و أما المحروم (2) فقد روى عن ابى جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام) انه المحارف الذي ليس بعقله بأس و لم يبسط له في الرزق، و كأنه المعنىّ بما نقل عن ابن عباس و مجاهد أنه المحارف و قيل المتعفّف لأنّه يظنّ غنيّا فيحرم الصدقة، و قيل من لا سهم له في الغنيمة، و في المجمع: و الأصل (3) أن المحروم الممنوع الرزق بترك السؤال، أو ذهاب المال أو خراب الضيعة أو سقوط السهم من الغنيمة، لأن الإنسان يصير فقيرا بهذه الوجوه، و أورده في التبيان (4) قولا.

ثمّ فيهما أنّ المراد حقّ ما يلزمهم لزوم الديون من الزكاة و غير ذلك، أو ما ألزموه أنفسهم من مكارم الأخلاق، و الذي في رواياتنا هو هذا الأخير لكن في بعضهم أن هذا الإلزام واجب و انه على قدر السعة.

ففي الموثق [5] عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل: و لكن اللّه عزّ و جل فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة فقال عزّ و جل «فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» فالحق

____________

[1] الآية 24 و 25 من سورة المعارج و اما الآية 19 من سورة الذاريات فاللفظ فيها فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ و سيشير المصنف (قدس سره) بتفاوت الآيتين في اللفظ و ان كان المقصود فيهما على ما ذكره المفسرون واحدا.

[5] الوسائل ج 6 ص 27 الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة المسلسل 11490 و الحديث طويل نقل المصنف بعضه مما كان يحتاج إليه في المقام و مثله مع ادنى تغيير في المجمع ج 5 ص 356.

____________

(2) الوسائل ج 6 ص 30 المسلسل 11496 الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(3) انظر المجمع ج 5 ص 155.

(4) التبيان ج 2 ص 618 و 715 ط إيران.

330

المعلوم غير الزكاة و هو شيء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليهم أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ماله فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء في كلّ جمعة و إن شاء في كل شهر.

و في الصحيح [1] عن ابى بصير عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) و انّ عليكم في أموالكم غير الزكاة فقلت أصلحك اللّه و علينا في أموالنا غير الزكاة فقال سبحان اللّه اما تسمع اللّه عزّ و جل يقول في كتابه «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» قال قلت: ما ذا الحقّ المعلوم الذي علينا؟ قال هو الشيء يعلمه الرجل في ماله يعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر، غير أنه يدوم عليه.

و في الموثق (2) أيضا عن إسماعيل بن جابر عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جل «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» أ هو سوى الزكاة فقال هو الرجل يؤتيه اللّه الثروة من المال فيخرج منه الالف و الألفين و الثلاثة آلاف و الأقل و الأكثر، فيصل به رحمه و يحمل الكلّ عن قومه.

و في طريق (3) آخر عن ابي جعفر (عليه السلام) أن رجلا جاء إلى أبي على بن الحسين (عليه السلام) فقال له: أخبرني عن قول اللّه عز و جل «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» ما هذا الحق المعلوم؟ فقال له علىّ بن الحسين (عليه السلام) الحق المعلوم الشيء يخرجه من ماله ليس من الزكاة و لا من الصدقة المفروضتين فقال فما هو فقال هو الشيء يخرجه الرجل من ماله إن شاء أكثر و إن شاء أقل على قدر ما يملك، فقال له الرجل فما يصنع به قال يصل به رحما و يقوى به ضعيفا و يحمل به كلّا أو يصل به أخا

____________

[1] الوسائل ج 6 ص 28 المسلسل 11491 و الحديث طويل أخذ المصنف مورد الحاجة و يظهر من تعبير المصنف عن الحديث بالصحيح اعتماده بابى بصير و ان كنا في حقه من المتوقفين كما أشرنا في تعاليقنا على مسالك الافهام.

____________

(2) الوسائل ج 6 ص 29 المسلسل 11493.

(3) الوسائل ج 6 ص 29 المسلسل 11494- الباب 7 من أبواب من تجب عليه الزكاة.

331

له في اللّه أو لنائبة تنوبه، فقال الرجل اللّه يعلم حيث يجعل رسالته.

و الالتزام إما أن يراد به بالوجه الشرعي كالنذر و نحوه فيجب على تقدير وجوبه و يستحب على الاستحباب أو مجرّد أن يقرر ذلك على نفسه عازما عليه بحيث لا يتخلف كما هو الأظهر، و حينئذ فربما استحب النذر كما إذا كان معينا على ذلك كأن يخاف من نفسه التخلف بدون النذر و يأمن معه، و ربما وجب مع ظن التخلف بدونه و ظنّ عدمه معه على تقدير وجوب الالتزام فليتأمل فيه.

و في سورة الذاريات في أحوال المتقين بيانا لكونهم محسنين «وَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ لِلسّٰائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» و صرّح جماعة من المفسرين باتحاد المقصود من الآيتين و ربما أيّد ذلك استحباب الالتزام و يمكن أن يستفاد من سياق كل منهما الدوام كما تقدّم في الروايتين الأوّلتين، فكأنّ حقهم ثابت فيها لا يزول، فلا يبعد استحباب الوصية أو وجوبها، و من عموم الأموال يستفاد إعارة الكتب و المواعين و نحوها.

و بالجملة يستفاد إعانتهم بكلّ ما في يدك من الأموال مع احتمال الوجوب فلا تغفل.

الثاني في قبض الزكاة و إعطائها المستحق

و فيه آيات:

الاولى و الثانية في التوبة [104] خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلٰاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ وَ يَأْخُذُ الصَّدَقٰاتِ وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ.

اختلف فيمن نزلت الآية و ما قبلها فيه ففي المجمع قال أبو حمزة الثماليّ بلغنا أنهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، و ثعلبة بن وديعة و أوس بن حذام تخلّفوا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مخرجه إلى تبوك، فلما بلغهم ما أنزل اللّه فيمن تخلف عن نبيّه أيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد.

332

فلم يزالوا كذلك حتّى قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فسأل عنهم، فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلّوا أنفسهم حتّى يكون رسول اللّه يحلّهم، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنا اقسم لا أكون أوّل من حلّهم إلا أن أومر فيهم بأمر.

فلما نزل «عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ» عمد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إليهم فحلّهم فانطلقوا فجاؤا بأموالهم إلى رسول اللّه فقالوا هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك، فخذها و تصدّق بها عنّا، قال (صلّى اللّه عليه و آله) ما أمرت فيها بأمر فنزلت «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً» الآيات.

و قيل: إنهم كانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة عن علي بن طلحة عن ابن عباس، و قيل: كانوا سبعة عن قتادة، و قيل كانوا خمسة، و روى عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام) أنّها نزلت في أبي لبابة و لم يذكر معه غيره و سبب نزولها فيه ما جرى منه في بني قريظة حين قال إن نزلتم على حكمه فهو الذّبح، و به قال مجاهد و قيل نزلت فيه خاصة حين تأخّر عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية على ما تقدّم ذكره عن الزهري.

قال ثمّ قال أبو لبابة يا رسول اللّه إنّ من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذّنب و أن أ نخلع من مالي كله، فقال يجزيك يا أبا لبابة الثلث، و في جميع الأقوال أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلث أموالهم و ترك الثلثين، لأنّ اللّه تعالى قال «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ» و لم يقل خذ أموالهم انتهى (1).

و في المعالم أيضا ذكر الإنفاق على أخذ الثلث (2) و زاد في الأقوال عن سعيد بن جبير و زيد بن أسلم أنّهم كانوا ثمانية، و قال قال الحسن و قتادة هؤلاء سوى الثلاثة الّذين خلّفوا.

و في الكشاف: و قيل كانوا عشرة فسبعة منهم أوثقوا أنفسهم (3).

____________

(1) المجمع ج 3 ص 67.

(2) و كذا في اللباب ج 2 ص 259.

(3) الكشاف ج 2 ص 306.

333

إذا عرفت ذلك فهنا أمور:

ألف- قيل: من للتبعيض أي بعض أموالهم فيكون «صدقة» تميزا لا مفعولا، و هو خلاف الظاهر، فالظاهر أنها للابتداء و تفيد التبعيض هنا، و ربما كان المراد بالتبعيض ذلك، فليتأمل.

ب- قيل: أمر بأخذ الصدقة من أموال هؤلاء التائبين تشديدا للتكليف، و ليست بالصدقة المفروضة، بل هي على سبيل الكفارة للذنوب التي أصابوها عن الحسن، و غيره.

و يؤيده نزول الآية في هؤلاء و عموم أموالهم و شمولها للزكاة و غيرها و الاتّفاق على أخذ الثلث و أنّ الحمل على الزكاة المفروضة حمل على الخصوص، فلا يجوز بغير دليل و الأصل عدمه.

و قيل أراد بها الزكاة المفروضة عن الجبائي و أكثر أهل التفسير كذا في المجمع قال: و هو الظاهر، لأنّ حمله على الخصوص بغير دليل لا وجه له، و فيه نظر واضح.

و في الكنز (1) بعد ذكر سبب النزول: فنزلت فأخذ منهم الزكاة المقرّرة شرعا، و على ذلك إجماع الأمة. و دعوى إجماع الأمة، فيه ما لا يخفى بالنظر إلى قدّمنا أما إجماع الأصحاب فغير بعيد، كما يظهر من استدلالاتهم.

و أيضا فإنهم قد رووا في الصحيح عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال أنزلت آية الزكاة «خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِهٰا» فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مناديه فنادى في النّاس، إنّ اللّه تعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة الحديث رواه في الصحيح محمّد بن يعقوب في الكافي و الصدوق في الفقيه (2).

____________

(1) انظر كنز العرفان ج 1 ص 227 و التعليق في الصحيفة المذكورة.

(2) انظر الوسائل ج 6 ص 3 الباب 1 من أبواب وجوب الزكاة المسلسل 11390 و انظر الكافي ج 1 ص 139 باب فرض الزكاة الحديث 2 و الفقيه ط النجف ج 2 ص 8 الرقم 26 و أورد صاحب المعالم في المنتقى حديث الكافي ج 2 ص 75 و حديث الفقيه ص 78 و بين موارد المخالفة في الألفاظ فراجع و لا تغفل.

334

و وجه الجمع أنّ الآية و إن نزلت بسبب أبي لبابة أو و غيره من مخصوصين، إلّا أنّها عامة، و امّا أخذ الثلث منهم فلعله كان على سبيل الكفّارة وجهة الاستحباب لمبالغتهم في ذلك، حيث قد دلّت الآية على كون الصدقة مطهّرة لما في الرواية المتقدمة أنه (عليه السلام) بعد نداء مناديه بذلك تركهم إلى تمام السنة، ثمّ نبّههم و بعث العمّال.

أو الزائد على قدر الواجب كان كذلك أو الجميع واجبة لأنّ الآية في ذلك مجملة فلعله قد جاءه البيان بأن المطهّر لهم الثلث في ذلك الوقت، ثمّ لهم و لغيرهم القدر المعلوم.

على أنه لم يصح عندنا أخذ الثلث و لا كونه بمقتضى الآية، و إن كان مشهورا بين جمع من الجمهور.

ج- التاء في «تُطَهِّرُهُمْ» للتأنيث، فيقدر بها و أما في «تُزَكِّيهِمْ» فليس إلّا للخطاب لوجوبها، و التزكية مبالغة في التطهير و زيادة فيه، أو بمعنى الإنماء و البركة في المال، و من الأول قيل أي تطهّرهم من الذنوب أو من حبّ المال المؤدّي إلى مثل ما تقدم منهم، و تنمي في حسناتهم و ترفعهم إلى منازل المخلصين فتأمل.

و على كل حال صفتان لصدقة، و يجوز أن يكون على الاستيناف، و الأول أولى و أنسب بأخذ الثلث، و ربما نبّه على أن المأمور به ما يكون عن طيبة نفس بنيّة خالصة كما قيل في ترجيح الصّفة على الجزم، جوابا للأمر و قد قرئ به «تطهّرهم» وحده، قاله في الكشاف و قيل بل قرأ سلمة بن محارب بالجزم [1] فيهما، فلعلّ مراد الكشاف أن أحدا من السبعة لم يقرأ «و تزكّهم» بالجزم و اللّه اعلم.

د- فيها إشعار بأنّ الصدقة نافعة في تطهير الذنوب و تزكية النفس خصوصا

____________

[1] و في روح المعاني ج 11 ص 13 مسلمة بن محارب مكان سلمة و الصحيح مسلمة انظر غاية النهاية ج 2 ص 298 الرقم 3607 مسلمة بن محارب بن دثار السدوسي الكوفي و في شواذ القران لابن خالويه ص 55 نقل قراءة تطهرهم بالتخفيف عن الحسن.

335

على بعض الوجوه، و دلالة على وجوب أخذ الزكاة و لا يشترط مجيء أهلها بها إليه و لا يجب عليهم ذلك أيضا نعم لا يبعد وجوب الدفع إليه أو نائبه إذا طلب، و كان باقيا.

ه «وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ» أي ادع لهم أو ترحّم عليهم بالدّعاء لهم بقبول صدقاتهم و نحوه، مثل آجرك اللّه فيما أعطيت، و بارك لك فيما أبقيت أو أعم.

عبد اللّه بن أبي أوفى قال [1] كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللّهم صلّ على آل فلان، فأتاه أبى بصدقته فقال اللّهمّ صلّ على آل أبي أوفى، أخرجه البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي و في ذلك من الدلالة على جواز الصلاة على خصوص غير النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أصالة خصوصا عند أخذ الصدقة و رجحانها ما لا يخفى.

و اختلف في هذا الأمر هل للوجوب لظهور مطلقة فيه على أنه قد عطف هنا على خذ الكائن للوجوب و علّل مؤكدا بانّ عموما عند كلّ أخذ صدقة كما هو ظاهر السياق، و المقصود اطمينان نفوسهم و طيب خواطرهم حثّا و ترغيبا و يؤيده الرواية المتقدّمة، أو في الجملة فإنّ الأمر لا يقتضي التكرار، أو للاستحباب للأصل من عدم الوجوب، و قيل يتعين لفظ الصلاة كما في قوله «صَلُّوا عَلَيْهِ» و الأولى جواز غيرها، لأنه معناها و الأصل هنا عدم النقل.

____________

[1] انظر سنن ابى داود ج 2 ص 142 الرقم 1590 و ابن ماجة ص 572 الرقم 1796 و النسائي ج 5 ص 31 و صحيح مسلم بشرح النووي ج 7 ص 184 و البخاري بشرح فتح الباري ج 4 ص 104 و أخرجه في الدر المنثور ج 3 ص 275 عن ابن أبي شيبة و البخاري و مسلم و ابى داود و النسائي و ابن ماجة و ابن ابى المنذر و ابن مردويه.

و لفظ الحديث هكذا عن عبد اللّه بن أبي أو في كان النبي (ص) إذا أتاه قوم بصدقتهم قال اللهم صل على آل فلان و في لفظ على فلان فأتاه ابى بصدقته فقال اللهم صلى على آل أبي أوفى.

و اسم أبي أوفى علقمة بن الحارث الأسلمي شهد هو و ابنه بيعة الرضوان تحت الشجرة و عمر عبد اللّه الى ان كان آخر من مات من الصحابة و ذلك سنة سبع و ثمانين.

336

ثمّ على الوجوب هل يجب على الإمام أو الساعي و الفقيه النائب؟ قيل به لأنّ النّائب كالمنوب و قائم مقامه و قيل لا لاختصاص الأمر به (عليه السلام) كما قد يشعر به التعليل و لا نزاع في الرجحان و اما المستحق فيستحبّ له بغير خلاف، و اللّه أعلم.

و- «سَكَنٌ لَهُمْ» تسكن إليه نفوسهم و تطمئن بها قلوبهم، و قيل رحمة لهم عن ابن عباس و قيل طمأنينة لهم بأنّ اللّه قد قبل منهم عن قتادة و الكلبي، و قيل تثبيت لهم عن ابى عبيدة «وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» دعاءك لهم و يعلم ما يكون منهم، أو يسمع اعترافهم و دعاءهم و يعلم ندامتهم و إخلاصهم.

ز- «أَ لَمْ يَعْلَمُوا» بالياء و التّاء، و الضمير إمّا للمتوب عليهم، و المراد أن يمكّن في قلوبهم قبول توبتهم، و الاعتداد بصدقاتهم، و «هو» للتخصيص و التأكيد، و أنّ اللّه من شأنه قبول توبة التّائبين، و قيل: معنى التخصيص في هو أنّ ذلك ليس إلى رسول اللّه إنّما اللّه هو الذي يقبل التوبة و يردّها، فاقصدوه بها، و وجّهوها إليه. في المجمع:

و السبب فيه أنّه لمّا سألوا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أن يأخذ من أموالهم ما يكون كفارة لذنوبهم امتنع من ذلك و انتظر الاذن من اللّه فيه، فبيّن اللّه أنه ليس قبول التوبة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّ ذلك إلى اللّه عزّ اسمه، هذا.

و الظاهر إرادة الحصر في قبول الصدقات أيضا كما لا يخفى أو لغير التّائبين ترغيبا لهم في التوبة و إيتاء الصدقات، فقد روي أنّه لمّا تيب عليهم قال الّذين لم يتوبوا هؤلاء أي الّذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون و لا يجالسون فما لهم؟ فنزلت، و أخذ الصدقات مجاز عن قبوله لها، عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الصدقة تقع في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل (1)، و المراد أنّه ينزّل هذا التنزيل و ذلك يرجع إلى تضمّن الجزاء، و لهذا قال الكشّاف: و المعنى أنه يتقبّلها و يضاعف عليها.

____________

(1) انظر المجمع ج 3 ص 68 و الفقيه ج 2 ص 37 الرقم 156 و الكافي ج 1 ص 162 و التهذيب ج 4 ص 112 الرقم 231 و غيرهما من الاخبار و انظر أيضا الباب 18 ص 283 و الباب 29 ص 302 من ج 6 من أبواب الصدقة من الوسائل.

337

ح- في المجمع أنّ ذلك استفهام يراد به التنبيه على ما يجب أن يعلم، فالمخاطب إذا رجع إلى نفسه و فكّر فيما نبّه عليه، علم وجوبه، و إنّما وجب أن يعلم أنّ اللّه يقبل التوبة، لأنّه إذا علم ذلك كان داعيا له إلى فعل التوبة و التمسّك بها و المسارعة إليها، و ما هذه صورته يجب العلم به ليحصل به الفوز بالثواب، و الخلاص من العقاب انتهى.

و أما ما يفيد العلم بذلك فما نبّه عليه بقوله «وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ» شأنه قبول توبة التائبين و التفضّل عليهم، فهو كثير القبول لتوبتهم واسع الرحمة بهم كما يقتضيه كماله و غناه و عموم قدرته و سبوغ كرمه، مع إحاطة علمه بجميع المعلومات.

ط- و فيها الدلالة على قبول التوبة فيجب من الذنب في كلّ حال، و يستحبّ من المكروهات- و على قبول الصدقات و استحبابها بين يدي التوبة، و كذا قبول سائر العبادات لأنّ ما ينبه على أنّ اللّه يقبل التوبة و يأخذ الصدقات ينبّه على هذا أيضا، و يؤيّده قوله «وَ أَنَّ اللّٰهَ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ» و اللّه أعلم.

الثالثة و الرابعة في البقرة [267- 268] يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ في المجمع (1) روي عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أنّها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهليّة، و كانوا يتصدّقون منها فنهاهم اللّه عن ذلك و أمر بالصدقة من الطيب الحلال، و قيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة عن علىّ (عليه السلام) و البراء بن عازب و الحسن و قتادة.

و ينبغي أن يحمل ذلك على نحو ما رواه محمّد بن يعقوب (2) في الكافي عن أبي-

____________

(1) المجمع ج 1 ص 380.

(2) الكافي باب النوادر من كتاب الزكاة الحديث 10 ج 1 ص 175 و هو في المرآت ج 3 ص 208 و انظر البرهان ج 1 ص 254 و ص 255 و انظر أيضا الوسائل الباب 46 من أبواب الصدقة ج 6 من ص 325 الى ص 328 و ما رواه المصنف انما هو بالمسلسل 12511 و انظر أيضا مستدرك الوسائل ج 1 ص 545 و نور الثقلين ج 1 ص 237 و ص 238 و العياشي ج 1 ص 148 الى 150.

338

عبد اللّه (عليه السلام) من أنّ قوله «أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ» في قوم كانوا قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية، فلما أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدّقوا بها، فأبى اللّه تبارك و تعالى إلّا أن يخرجوا من طيّب ما كسبوا.

و قوله وَ لٰا تَيَمَّمُوا في قوم كانوا يأتون بالرديء عن الجيّد في الزّكوة. و هذا يؤيّد ما قيل: إنّ هذا أمر بالإنفاق في الزكاة المفروضة و قيل هو في المتطوّع بها.

و قيل: أراد الإنفاق في سبل الخير و أعمال البر على العموم فيدخل فيه الفرائض و النوافل قال الطبرسيّ و هو الأوضح لكن حمل الأمر حينئذ على ظاهره من وجوب الإنفاق مشكل اللّهمّ إلّا أن يحمل على كون الإنفاق من الطيّب بمعنى الحلال كما دلّت عليه الرواية لا بمعنى الجيّد كما قيل و أيّد بقوله «لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ» و لا يستقيم قوله «وَ لٰا تَيَمَّمُوا» على هذا النسق إلّا أن يراد بالخبيث الحرام كما قيل لكنّه خلاف الظاهر و المرويّ.

و الحمل على الكراهة خلاف الظاهر أيضا على أنّه لا يستقيم حينئذ في الواجب سواء حمل على الرديّ أو الحرام، و على المرجوحيّة المطلقة خلاف الظاهر أيضا على أنّ الإجمال اللازم مخلّ بتمام الفائدة و كذا حمل الأمر على الرجحان المطلق، فتأمل.

و لو حمل الخبيث على ما يعمّ الحرام [1] و الرديّ باعتبار أنّ الحرام ردىّ

____________

[1] قلت قد أسلفنا في ص 52 من هذا الجزء جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فنحن في سعة من الاشكال و به ينحل اشكال تفسير الإمام في الحديث 9 من نوادر الزكاة من الكافي كما سيشير المصنف اليه الخبيث بالرديء من التمر و في الحديث المار آنفا الحديث 10 من نوادر الزكاة من الكافي بمكاسب السوء.

بل لو تصفحت كتب أهل السنة أيضا ترى المعنيين في أحاديثهم انظر الدر المنثور ج 1 من ص 345 الى ص 348 و ابن كثير ج 1 ص 320 و ص 321 و الطبري ج 3 ص 80 الى ص 86 و القرطبي ج 3 من ص 320 الى ص 328 فترى أحاديث في صدقة التمر الردى

339

أيضا لم يكن بعيدا حمل الطيب على ما يقابله في ذلك، كما هو الأولى أوّلا لكنّي لا أعرف به قولا، و كونه طاهرا حقيقة في ذلك قد ينظر فيه، و على كلّ حال فهو أيضا بالفرض أنسب، و عليه أوضح فليتأمّل، و قد يحمل على تقدير الوجوب على ما يعمّ الخمس للإطلاق.

فإن قيل: إنّ الحلال المختلط بالحرام و لا يتميز و لا يعرف قدره و لا مالكه، يجب فيه الخمس عندكم، و هو يتضمّن الإنفاق من الحرام أو هو هو، و هو مناف لمنطوق الآية.

أمكن أن يقال: إنّ ذلك إنفاق عن مالكه بإذن الشارع حيث تعذر الإيصال و الاذن، فهذا إنفاق منه لحلال ماله، نعم هو حرام علينا باعتبار التصرّف و إعطائه مثلا خمسا أو صدقة عن أموالنا بغير وجه شرعيّ، حتّى لو كان ذو اليد غاصبا فتاب و رجع عن ذلك و لم يعرف المالك و لا القدر و تعذّر ذلك، كان عين هذا المال كالأمانة الشرعيّة عنده، و إن كانت ذمّته مشغولة بها لغصبها أولا، و لو قلنا بجواز ذلك عن نفسه بدليل، فبضمانه في ماله فهو بذلك من حلال ماله كما لا يخفى، على أنّ الغاية خروج ذلك بدليل فتأمّل.

قيل: و في إيراد ما كسبتم دلالة على أنّ ثواب الصدقة من الحلال المكتسب أعظم منه من الحلال غير المكتسب و إنّما كان كذلك لأنه يكون أشقّ عليه خصوصا ما كسبه بالجارحة، و بمناسبة الكسب بهذا المعنى قد يستدلّ بها على وجوب زكاة مال التجارة و هو غير واضح، على أنّ الأصل و خبر أبى ذرّ ينفيانه.

و في الصحيح (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال «إنّ أبا ذر و عثمان تنازعا على عهد رسول اللّه

____________

و أحاديث في الإنفاق من كسب الحرام حتى ان في الدر المنثور ج 1 ص 347 في تفسير الآية ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال من حج بمال حرام فقال لبيك اللهم لبيك قال اللّه له: لا لبيك و لا سعديك حجك مردود عليك. و مع ما أسلفنا من جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ينحل جميع الإشكالات فراجع ص 52 من هذا الجزء.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ح 6 ص 48 المسلسل 11558.

340

قال عثمان: كلّ مال من ذهب أو فضّة يدار و يعمل به و يتّجر ففيه الزكاة، إذا حال عليه الحول، فقال أبو ذر أمّا ما يتّجر به أو دير و عمل به ليس فيه زكاة، إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازا أو كنزا موضوعا، فاذا حال عليه الحول ففيه الزّكوة، فاختصما في ذلك إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: القول ما قاله أبو ذرّ.» نعم الآية تناسب بهذا الاعتبار وجوب الخمس الكائن في المكتسب من الأرباح و أما زكاة مال التجارة فلا، و لعلّ المراد بالكسب هنا ما هو أعمّ من ذلك.

و «مٰا كَسَبْتُمْ» إشارة إلى غير المخرج من الأرض ممّا يتعلّق به الزّكوة كالنقدين و المواشي من الغنم و البقر و الإبل، قيل لأنها إنّما يحصل بالكسب و العمل تأمّل، أو ممّا يتعلّق به هي أو الخمس، فيعمّ الأجناس المذكورة و غيرها فإنّه يجب في جميع المكسوبات.

و لا يبعد هذا التعميم بل أعمّ منه على الأوّل أيضا فإنه لا يبعد أن يراد بالطيبات حلائل ذلك و جياده ممّا يتعلق به الحقّ من جملة المكسوبات إشارة إلى أنّ «كسبتم» يتعلّق بالحلال و الحرام أو بالجيّد و الرديّ أو جميعا.

و «من» يفيد كون الإنفاق ببعض الطيّبات ابتدائيّة كانت أو تبعيضيّة «وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا» قيل: أي من طيّبات ما أخرجنا فحذف المضاف بقرينة ما سبق، و يمكن أن يستفاد هذا بغير حذف من نسبة الإخراج إلى جناب الحقّ سبحانه و الإضافة إليهم باللّام الدالّ على الملك و اختصاص الانتفاع المتضمّن للحلّ كما يقتضيه ظاهر الامتنان منه تعالى، أو بأن يكون «وَ لٰا تَيَمَّمُوا» متعلّقا به فلا تكرار و لا تأكيد فافهم.

و قيل: ما أخرجنا لكم من الحبّ و الثمر و المعادن و غيرها و قيل: من الغلّات و الثمار ممّا يجب فيه الزّكوة، و الأوّل أولى بالإطلاق، و بشمول الخمس، فعلى الاختصاص بالزّكاة وجوبها في الجميع إلّا ما أخرجه دليل، و على هذا يمكن أن يقال بإشعار «أَخْرَجْنٰا لَكُمْ» باشتراط الحبّ و الثمر في الملك فافهم.

و أما على تقدير شمول الخمس، فجعل ذلك إشارة إلى وجوب الزّكوة في الغلّات و بعض الثمار أو جميع ما يخرج من الأرض و وجوب الخمس فيه أيضا حتّى المعادن و الكنوز إلّا ما أخرج بالدليل، فخلاف الظاهر إذ الظاهر من شمول الإنفاق الخمس

341

بإطلاقه وجوب أحد الأمرين.

نعم يجب أن يكون بالطيب في أيّهما كان، فلا دلالة فيه على عموم وجوب أحدهما للجميع، و يمكن الاستدلال ظاهرا على وجوب أحدهما إذا انتفى الآخر بدليل فتأمل.

و «لٰا تَيَمَّمُوا» لا تقصدوا «الْخَبِيثَ» أو الخبيث ممّا أخرجنا أي الردى أو الحرام منه أو الأعمّ حال كونكم تنفقونه منه، فيجوز تعلّق منه بتنفقون، و بمحذوف صفة للخبيث أو حالا عنه، و يجوز كون «تُنْفِقُونَ» بيانا أي لا تقصدوا الخبيث من المال تنفقونه أو منه تنفقون، فيجوز رجوع ضمير «منه» إلى الخبيث حينئذ، و لعلّه أوجه.

و يجوز تعلّق منه بتنفقون حالا عن الخبيث، و رجوع الضمير إليه «وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ» أي و حالكم و شأنكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لرداءته «إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ» أي تتسامحوا و تتساهلوا فيه بأن تتركوا من حقكم من قولك أغمض فلان عن بعض حقّه إذا غضّ بصره فتركه كأنه لا يراه.

فالاغماض مجاز عن التسامح لترك بعض الحق و أخذ ما جاء كأنه لا يعلم بالعيب و الرداءة كما أن من أغمض عينه فلا يرى الشيء لا يعلم عيبه و رداءته و كذا في الحرام لكن الأول أظهر، و الأعمّ أوسط.

قيل أي لا تأخذونه إلّا أن تحطّوا من الثمن فيه عن ابن عباس و الحسن و قتادة، و مثله قول الزّجاج و لستم بآخذيه إلّا بوكس فكيف تعطونه في الصدقة كذا في المجمع (1) و في الكشّاف (2) و عن الحسن لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه إلا أن يهضم لكم من الثمن، في سياق تفسير قراءة قتادة «تُغْمِضُوا» على البناء للمفعول [3]، و هو أوضح،

____________

[1] في روح المعاني ج 3 ص 34 الجمهور على ضم التاء و إسكان الغين و كسر الميم و قرء الزهري تغمضوا بتشديد الميم و عنه أيضا تغمضوا بضم الميم و كسرها مع فتح التاء و قرء قتادة تغمضوا بالبناء للمفعول اى تحملوا على الإغماض اى توجدوا مغمضين و كلا

____________

(1) المجمع ج 1 ص 381.

(2) الكشاف ج 1 ص 315.

342

و بالجملة المراد أنكم تعلمون أنّ فيه نقصانا للحق و تركا منه، فإذا أعطيتم ذلك نقصتم الحقّ و تركتم منه، فلما كانت المصلحة في ذلك لكم، عاد النقص عليكم، و كنتم بذلك مفوّتا مصلحة أنفسكم، و لذلك قال «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ» أي عن كلّ شيء خصوصا عن إنفاقكم بالجيّد و الحلال، و إنّما ذلك لنفعكم و مراعاة مصلحتكم «حَمِيدٌ» في الأمور كلّها خصوصا في أمركم بذلك، فإنه لمراعاة مصلحتكم، و كذا في قبوله و إثابته إيّاكم.

و المقصود به الترغيب و التأكيد، و لهذا عقّبه بقوله «الشَّيْطٰانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ» في الإنفاق أصله و بالجيّد «وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشٰاءِ» أي المعاصي و ترك الطاعات، أو ترك الإنفاق، و الإنفاق من الخبيث، و في الكشاف و تفسير القاضي: أي يغريكم على البخل، و الفاحش عند العرب البخيل، و قيل: الفاحشة الزّنا و ما يشتدّ قبحه من الذنوب، و كلّ ما نهى اللّه عنه، و الفحشاء البخل في أداء الزّكوة و الفاحش البخيل جدّا.

«وَ اللّٰهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ» لذنوبكم فيسترها عليكم و يصفح عن عقوبتكم «وَ فَضْلًا» أي خلفا أفضل ممّا أنفقتم من الخير و البركة، و طهارة النفس مثلا في الدنيا و الأجر العظيم و الثناء الجميل في الآخرة «وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ» الفضل و المغفرة عند بغية كلّ طالب لا يضيق بشيء «عَلِيمٌ» فيعلم ما تعملون من الإنفاق و تركه و إعطاء الخبيث و الطيّب، فيجازى كلّا بعمله، و يضاعف منفق الطيّب بسعة فضله و كرمه في الدنيا و الآخرة، على ما يعلم من المصلحة.

و لا يخفى أنّ هذه الآية يقتضي أيضا ظاهرا وجوب الإنفاق المذكور بخصوصياته فلا يجوز إنفاق الحرام و لا الرديّ من المريض و المعيب عن غيرها و لا يكون مجزية أيضا كما هو مقتضى النهى ضمنا و صريحا حتّى قيل: لأنه المقصود من النهي، و لعدم العلم بحصول براءة الذمّة مع يقين شغلها.

و ربّما احتمل بهذا عدم إجزاء مقدار قيمته أيضا إلّا أن يعلم بدليل، و إن

____________

المعنيين مما أثبته الحفاظ و من حفظ حجة على من لم يحفظ انتهى و في شواذ القرآن لابن خالويه ص 16 الا ان تغمضوا بالتشديد الزهري الا ان يغمضوا بفتح الميم عن قتادة يعني الا ان ينهضم لكم فيه.

343

قلنا بإجزاء القيمة لاحتمال اختصاصه بالدراهم و الدنانير و لأن الكلام فيما لم يعط باعتبار القيمة على أنّ فيه نظرا أيضا للإطلاق المفيد للعموم فليتأمل.

و ربما يقال بإشعارها بعدم وجوب الزّكوة أو و الخمس في الحرام و كذا في الردي لعموم عدم إخراجها مع أن وجوبهما في العين و لا يجب إخراج الحلال و الجيّد عن الرديّ و الحرام، كما هو مقتضى الأصل و الأخبار و إجماع المسلمين، حتّى كاد أن يكون ضروريا.

و يؤيّد ذلك ما رواه محمّد بن يعقوب [1] عن الحسين بن محمّد عن معلّى بن محمّد عن الحسن بن على الوشاء عن أبان عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا أمر بالنخل أن يزكى يجيء قوم بألوان من التمر و هو من أردء التمر يؤدّونهم من زكوتهم:

تمر يقال له الجعرور، و المعافارة قليلة اللّحا عظيمة النوى، و كان بعضهم يجيء بها عن التمر الجيّد، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا تخرصوا هاتين التمرتين، و لا تجيؤا منهما بشيء و في ذلك نزل «وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ».

و على هذا فعدم جواز إخراج الأدنى من الأعلى لا يستفاد هنا إلّا من تتمّة الآية «وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلّٰا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» فتدبّر.

و في قوله «وَ لٰا تَيَمَّمُوا» إشارة إلى أن ما لم يكن من إنفاق الخبيث بدلا عن الجيّد عن تعمد فلا حرج و لا إثم فيه لكن يجب التدارك مع التنبيه له كما تنبّه عليه التتمة، و نبّهنا عليه سابقا فافهم.

و حمل التتمّة على أنكم لستم بآخذيه إلا أن تتسامحوا في أخذه بحسب الدّين بناء على حمل الخبيث على الحرام، مناف لما روي، و لظاهر الآية الثانية، و يوجب كونه

____________

[1] الكافي باب النوادر من الزكاة الحديث 9 و قد مر الحديث 10 منه و هو في ج 1 ص 175 و في المرات ج 3 ص 208 و انظر الوسائل الباب 19 من أبواب زكاة الغلات ج 6 ص 141 و ص 142 و هذا الحديث فيه بالمسلسل 11851 و انظر أيضا مستدرك الوسائل ج 1 ص 0؟؟؟ 5 و البرهان ج 1 ص 254 و ص 255 و البحار ج 20 ص 13 و نور الثقلين ج 1 ص 237 و 238 و العياشي ج 1 ص 148 الى ص 150.

344

تأكيدا، و مفوّت لفوائد كثيرة فتأمل.

و أمّا ما قد يستدلّ بها عليه من عدم جواز عتق الكافر، فإن أريد عوضا عن المسلمة أو المؤمنة فلا يخلو من وجه، و أما مطلقا فلا، لأنّ ظاهرها النهى عن قصد الخبيث من جملة المال لتخصيص الإنفاق به دون الطيّب المأمور به، أو عن الطيب فليتأمل.

و أجيب أيضا بمنع كونه خبيثا بأحد المعنيين فإنه ليس حراما و إلّا لحرم بيعه و تملكه و لا رديا عرفا، و لذلك أيضا جاز دفعه إلى الفقير صدقة لكونه مالا قاله صاحب الكنز (1).

الخامسة و السادسة في الروم [38] فَآتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ.

في المجمع [2] أعط ذوي قرباك يا محمّد حقوقهم الّتي جعلها اللّه لهم من الأخماس عن مجاهد و السّدي، و روى أبو سعيد الخدري و غيره أنه لما نزلت هذه الآية على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أعطى فاطمة (عليها السلام) فدكا و سلّمه إليها، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) و قيل: إنه خطاب له و لغيره، و المراد بالقربى قرابة الرجل، و هو أمر بصلة الرحم بالمال و النفس هذا.

و لا يبعد أن يكون الخطاب للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و المراد بالحقّ صلة الرحم أو أعم كغيره أيضا فافهم، و احتجّ به الحنفيّة على وجوب النفقة للمحارم و هو غير واضح.

و قال شيخنا [3] و يحتمل وجوب نفقة الأقارب و التخصيص بالأبوين و الأولاد

____________

[2] المجمع ج 4 ص 306 و انظر أيضا الدر المنثور ج 4 ص 177 تفسير الآية 26 من سورة الأسرى ففيه و اخرج البزار و أبو يعلى و ابن ابى حاتم و ابن مردويه عن ابى سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال لما نزلت وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ اقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه فاطمة فدكا و اخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال لما نزلت وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ اقطع رسول اللّه (ص) فاطمة فدكا و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 من ص 27 الى ص 30.

[3] قد أوضحنا في تعاليقنا على هذا الجزء ص 37 ان الأمر موضوع للطلب و العقل يحكم بلزوم إطاعة أمر المولى قضاء لحق المولوية و العبودية ما لم يرخص نفس المولى في الترك فما

____________

(1) كنز العرفان ج 1 ص 233.

345

لإجماع الأصحاب و أخبارهم، و الأولى كون الأمر هنا على الإجمال، و بيانه بالأخبار و الإجماع، فإنّ ذوي القربي يتفاوتون في الحق فافهم.

و «الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ» أي و آتهما حقّهما و هو ما أوجب اللّه لهما من الزّكوة و غيرها و قيل: من الزكاة و الأعم أولى. و الخطاب للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو لمن بسط له و لذلك رتّب على ما قبله بالفاء، و قيل مرتب على قوله «أَنَّ اللّٰهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يَقْدِرُ» و الأمر للوجوب كما هو الظاهر، أو للرجحان المطلق و الحقوق أعم من الواجبة و المندوبة، و البيان من خارج.

«ذٰلِكَ» أي إعطاء الحقوق مستحقّها «خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ» أي ذاته أو جهته و جانبه أي يقصدون بمعروفهم إيّاه وجهه أو جهة التقرب اليه لا جهة أخرى، و المعنيان متقاربان، و لكن الطريقة مختلفة قاله الكشاف (1).

و يفهم من تقيد كون ذلك خير بمريدي وجه اللّه أنّ ذلك ليس خيرا من عدمه لغيرهم أو هو شرّ لهم فيشترط في ترتب الثواب عليه و براءة الذمة به كونه لوجه اللّه «وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» الفائزون بثواب اللّه و القرب لديه، بل و تزكية النفس و تنمية المال و براءة الذمة و يفهم نفي ذلك عن غيرهم، فهو كالتأكيد لما قبله، و يمكن أن يراد أنّ ذلك خير للّذين يريدون وجه اللّه في أعمالهم و مأموراتهم فيكون موافقا لقوله «إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» و يحتمل أن يراد بذلك الإتيان بالمأمور به مطلقا على بعد ما فليتأمل.

و «مٰا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا [2] فِي أَمْوٰالِ النّٰاسِ» أي ما أعطيتم من المال ليربو

____________

ورد فيه الترخيص يكون واردا على هذا الحكم من العقل و لذا ترى جمع الواجب و المستحب بلفظ أمر واحد مثل اغتسل للجمعة و الجنابة من دون مجاز أو احتياج للحكم بكون الاستعمال في أكثر من معنى واحد فلا تغفل.

[2] قال في نثر المرجان ج 5 ص 299 بوصل لام كي مكسورة و قرئ المدنيان و يعقوب بالتاء الفوقانية مضمومة و فتح الباء الموحدة و سكون الواو على الخطاب و البناء

____________

(1) انظر الكشاف ج 3 ص 481.

346

و يزيد لكم في أموال الناس، فسمّى المال المقصود به الزّيادة باسمها، فان الربا هو الزّيادة، فقيل المراد الرباء المحرّم، و قيل هدية أو عطية يتوقع بها المكافاة بأزيد، فهو حينئذ ربا حلال ليس عليه أجر و لا وزر، عن ابن عباس و طاوس، و هو المرويّ عن أبى جعفر (عليه السلام) (1).

و الذي في تفسير القاضي و الكشاف أنّ المراد ما آتيتم من زيادة محرّمة ليزيد في أموال آكلي الربا و أن يراد حينئذ: و زعمكم أنه يزيد في أموالهم، و قال الكشاف و الآية في معنى قوله «يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا وَ يُرْبِي الصَّدَقٰاتِ» سواء بسواء.

و لا يخفى أنه لا يبعد أن يراد بالرّبا فيه أيضا ما قدّمنا و أنه هنا هو الأنسب بالفقرة الآتية من قوله «وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ» الاية و بالمقصود من ترك إعطاء المال طمعا في الربا و إعطائه زكاة فإنّ النهي عن أخذ الربا و إعطاء المال طمعا فيها أولى و أهمّ من النهى عن إعطاء الرّبا لآكليه، فإنّه قلّ ما يكون ذلك إلّا من حاجة أو ضرورة و بقوله «فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» فإنه عمّا قلناه أردع.

بل لا يبعد الحكم بعدم المناسبة لغيره لأنّ من يعطى الربا لا يبالي بعدم زيادة مال الأخذ بذلك بل لا يكون الإعطاء في الأكثر عن طيب الخاطر فلا بدّ من تكلّف.

____________

للمفعول من أربيته و الضمير للمخاطبين و سقطت نون الرفع للنصب بتقدير ان و قرء الباقون بالياء التحتانية مفتوحة و ضم الباء الموحدة و نصب الواو على الغيب و البناء للفاعل من ربا و الضمير للربا منصوب بتقديران و بزيادة الألف بعد الواو على القرائتين كما نص عليه الداني و هو المرسوم في مصحف الجزري.

و في هامش بعض المصاحف الصحيحة أنه بالألف بعد الواو في أكثر المصاحف و في مصحف المدنيين بغير الالف بعد الواو انتهى و فيه انه يخالف لما نص عليه الداني و اللّه اعلم بالصواب انتهى ما في نثر المرجان.

و نقل في روح المعاني عن ابى مالك لتربوا بضمير المؤنث و كان الضمير للربا على تأويله بالعطية و نقل فيه عن ابن عباس و الحسن و قتادة و ابى رجاء و الشعبي و نافع و يعقوب و ابى حياة لتربوا بضم التاء بصيغة المعلوم و المفعول محذوف اى لتربوه.

____________

(1) المجمع ج 4 ص 306.

347

و يؤيد الأول و يضعف هذا أيضا قراءة نافع و يعقوب «لتربوا» بالتاء المضمومة و سكون الواو أي لتصيروا ذوي زيادة فافهم، و قرأ ابن كثير (1) «و ما أتيتم» بالقصر، اي ما غشيتموه أو جئتم به من إعطاء ربا «فَلٰا يَرْبُوا عِنْدَ اللّٰهِ» فذلك لا يزيد و لا ينمو لكم عند اللّه أي في حكم اللّه و بحسب علم اللّه فما لكم إلّا رؤس أموالكم، أو فلا يكون لكم بذلك زيادة من عند اللّه.

و إنّما اكتفى به عن عدم استحقاقهم بذلك عند اللّه عوضا و شيئا أصلا مراعاة لمقابلته للمضاعفة على الزكاة و إشارة إلى استلزام ذلك له، و تنبيها على كمال فضله سبحانه و تعالى و أنه إذا استحق عنده العوض على شيء زاد البتة و ضاعف و اكتفاء في ذلك بما تقدّم من أن ما لم يكن لوجهه الكريم لم يستحقّ به من عنده شيئا أصلا بل وجوده كعدمه أو لأنّه لو كان لهم من عند اللّه شيء لزادوا ربي عنده لأن لهم رأس مالهم من أموال الناس كما لا يخفى فعلى القول الأخير يمكن أن يراد به نحو الأوّل، و أن يكون كناية عن نحو «يَمْحَقُ اللّٰهُ الرِّبٰا» و اللّه أعلم.

«وَ مٰا آتَيْتُمْ مِنْ زَكٰاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّٰهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» ذوو الأضعاف من الثواب و نظير المضعف المقوي و الموسر لذي القوة و اليسار، و قيل: هم المضعفون للمال في العاجل و للثواب في الآجل، فان الزكاة منماة للمال، و منه الحديث ما نقص مال من صدقة [2] و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فرض اللّه الزكاة تسبيبا للرزق [3] في كلام

____________

[1] مستدرك الوسائل ج 1 ص 528 عن الجعفريات و بعده فأعطوا و لا تجبنوا و مثله بلفظ ما نقصت صدقة من مال مع زيادة في الحديث في الجامع الصغير بالرقم 8120 ج 5 ص 503 فيض القدير و انظر المستدرك ص 528 و ص 529 و الوسائل الباب 1 من أبواب الصدقة ج 6 من ص 255 الى ص 259 ترى روايات يستفاد منها انه يستنزل الرزق بالصدقة.

[2] انظر الرقم 249 من باب المختار من حكم أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة و قريب منه ما في الخطبة المعروفة من فاطمة الزهراء نقلها أيضا أحمد بن أبى طاهر طيفور في بلاغات النساء من ص 15 الى ص 20 و فيها و الزكاة تزييدا في الرزق و قد شرحت

____________

(1) انظر المجمع ج 4 ص 306 و كذا نثر المرجان ج 5 ص 298 و الحجة في القراءات السبع لابن خالويه ص 257.

348

طويل و التغيير عن سنن المقابلة عبارة و نظما للمبالغة و التفنّن و مراعاة أواخر الآي و الالتفات فيه للتعظيم كأنه خاطب به ملائكته و خواصّ خلقه تعريفا لحالهم، أو للتنبيه على أنّ الغالب الشائع في المخاطبين ممّن بسط له الرزق بعدهم عن هذا المعنى، و قلة التفاتهم إلى نحو هذا الكلام، بل تحويل وجوههم و إعراضهم عنه إذا خوطبوا به.

نعم ربما استمعوا إذا كان الكلام مع غيرهم، أو للتعميم كأنه قال: فمن فعل ذلك فأولئك هم المضعفون و العائد منه محذوف و التقدير المضعفون به أو فمؤتوه أولئك هم المضعفون و قرئ بفتح العين (1).

و في الآية دلالة على اعتبار النيّة، و اشتراط القربة، و إشعار بالاكتفاء بها كما لا يخفى و ما يقال كيف الجمع بين ما دلّ على الأضعاف بوجوه شتّى، و قوله «أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلّٰا مٰا سَعىٰ» فالوجه أنّ هذه الأضعاف باختلافها آثار سعيه باختلاف أنواعه و قيل ما سعى من باب العدل و الأضعاف من قسم التفضل، فليتأمّل فيه.

السابعة في التوبة [61] إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

أتى بانّما تأكيدا لحصرها في المذكورين و تصريحا و ردّا على من يلمز النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيها من المنافقين، و قطعا لأطماعهم، و اللام للاختصاص و الاستحقاق في الجملة لا للملكيّة فإن استعمالها فيه أغلب.

على أنّ الأولى مع الاستعمال فيهما أن يكون للقدر المشترك و على تقدير

____________

الخطبة في اللمعة البيضاء شرحها الحاج ميرزا محمد على الأنصاري في 464 صحيفة و أشار الى طرقها أيضا و هو شرح لطيف مشتمل على مطالب مفيدة جدا طبع في 1297 بتهران بالطبع الحجري من شاء فليراجعه فإنه كتاب ممتع.

____________

(1) نقل القراءة في روح المعاني عن ابى ج 21 ص 41 و ابن خالويه في شواذ القرآن عن محمد بن كعب ص 116.

349

الاشتراك يرجح الحمل عليه أصل عدم الملك، و أنّ الظاهر أن اللام كفي في البعض لا يفيد الملك و أنّ كونها للملك يوجب البسط على جميع أفراد كلّ صنف و عدم تخصّص بعض بدون إذن الباقين و ليس بواجب إجماعا و لذلك ذهب أصحابنا إلى أن المراد بيان المصرف دون الملك كما قال به الشافعيّ.

و اختلف في الفقراء و المساكين هل هما صنف واحد ذكرا تأكيدا- و به قال جماعة- أو صنفان و هو قول الأكثرين.

ثمّ اختلف هؤلاء على أقوال: فقيل الفقير هو المتعفّف الذي لا يسأل و المسكين الذي يسأل عن ابن عباس و جماعة و هو المرويّ (1) عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و قيل:

بالعكس و يؤيّد الأوّل قوله تعالى «لِلْفُقَرٰاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ لٰا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً».

و روى في الحديث ما يؤيّد الثاني: عنه (عليه السلام) ليس المسكين الذي يردّه الأكلة و الأكلتان و التمرة و التمرتان و لكنّ المسكين الذي لا يجد غنى فيغنيه و لا يسأل الناس شيئا و لا يفطن به فيتصدّق عليه (2) و قيل: الفقير هو الزّمن المحتاج و المسكين هو الصحيح المحتاج عن قتادة و قيل الفقراء المهاجرون و المساكين غير المهاجرين عن الضحاك.

ثمّ اختلفوا من وجه آخر فقيل الفقير أسوء حالا فإنه الذي لا شيء له و المسكين الذي له بلغة من العيش لا يكفيه و إليه ذهب الشافعيّ و ابن الأنباريّ و هو قول للشيخ و احتجوا بقوله تعالى «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ» و بأنّ الفقير مشتقّ من فقار الظهر فكأنّ الحاجة قد كسرت فقار ظهره و لأنّ البدأة بالأهم و قد بدئ به.

و لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال [3] اللهم أحيني مسكينا و أمتني مسكينا و احشرني

____________

[3] كان المصنف جمع بين الأحاديث و نقل المجموع و الا فالذي تراه في اللسان

____________

(1) و انظر المجمع ج 3 ص 41 و ص 42 و التبيان ج 1 ص 839 ط إيران و انظر أيضا تعاليقنا على مسالك الافهام ج 2 ص 32 و ص 33.

(2) المجمع ج 3 ص 4 و التبيان ج 1 ص 839.

350

في زمرة المساكين و نعوذ باللّه من الفقر. و هو يدلّ على أنّه أشدّ و قيل بل المسكين أسوء حالا و هو قول أبي حنيفة و الفتيبىّ و ابن دريد و أئمّة اللغة و أنشد يونس:

أنا الفقير الذي كانت حلوبته * * * وسط العيال فلم يترك له سبد

و عن يونس (1) أيضا قلت لأعرابي أ فقير أنت؟ فقال لا و اللّه بل مسكين و هذا هو المرويّ عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و لا ثمرة لتحقيق ذلك في هذا المقام و ربّما كان في غيره و الضابط في الاستحقاق من ليس بغنيّ و المشهور عندنا في ذلك من لا يملك مؤنة سنة له و لعياله الواجبي النفقة بحسب حاله في الشرف فما دونه و لا بصنعة و كسب و يدخل فيهم النساء و الأطفال و كذا الهاشميّ و إن كان المتصدق غيرهم و الإخراج بحسب الدليل من خارج.

«وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا» هم السعاة في تحصيلها و تحصينها بجباية و ولاية و كتابة و حفظ و حساب و غيرها «وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» و هؤلاء في زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا قوما من الأشراف كان (عليه السلام) يعطيهم سهما من الزكاة يتألّفهم على الإسلام و يستعين بهم على قتال العدوّ.

____________

و النهاية العبارة المنقولة إلى قوله في زمرة المساكين و الحديث في جامع الصغير بالرقم 1454 ج 2 ص 102 فيض القدير و بعده و ان أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا و عذاب الآخرة و عبارة التعوذ عن الفقر مروي في ضمن أدعية تراها في فيض القدير ج 2 ص 122 و 127 و 149 بالرقم 1489 و 1496 و 1546.

و لذلك ذكر في القرطبي روى عن النبي انه (ص) تعوذ عن الفقر و روى عنه انه قال اللهم أحيني مسكينا إلخ ج 1 ص 169 ثم ان السبكي قال ان المراد من المسكين في الحديث استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من الفقر فإنه أغنى الناس باللّه.

و قال المناوى في فيض القدير ج 2 ص 122 ان المراد من الفقر الذي تعوذ منه النبي فقر النفس لا ما هو المتبادر من معناه من إطلاقه على الحاجة الضرورية فإن ذلك يعم كل موجود يا ايها الناس أنتم الفقراء الى اللّه و أصله كسر فقار الظهر.

____________

(1) المجمع ج 3 ص 42 و التبيان ج 1 ص 839 و انشد بيت الراعي

أنا الفقير الذي كانت حلوبته * * * وفق العيال فلم يترك له سبد

و أنشده في القرطبي أيضا ج 8 ص 169.

351

و أورد علىّ بن إبراهيم [1] في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال: هم قوم وحّدوا اللّه و خلعوا عبادة من دون اللّه و لم يدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّدا رسول اللّه و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتألّفهم و يعرّفهم و يعلّمهم كيما يعرفوا فجعل لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا و يرغبوا.

و ظاهر الشيخ في التهذيب البناء عليه و هذا يدل على عدم اشتراط إعانتهم في الجهاد و يؤيّده الإطلاق و قول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة و محمّد بن مسلم إنّ الامام يعطي هؤلاء جميعا لأنهم يقرّون له بالطاعة و إنّما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه فتأمل.

ثمّ اختلف في هذا السهم هل هو ثابت بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أم لا؟ فقيل: ثابت عن الشافعيّ و هو المرويّ عن أبى جعفر (عليه السلام) (2) إلا أنه قال من شرطه أن يكون هناك إمام عادل يتألّفهم على ذلك به و قيل سقط بعده (صلّى اللّه عليه و آله) لان اللّه سبحانه أعزّ الإسلام و قهر الشرك عن الحسن و هو قول أبي حنيفة و أصحابه.

و اعلم أنّ المشهور عندنا أنّ المؤلّفة كفّار يستمالون بشيء من الصدقات إلى الإسلام يتألّفون ليستعان بهم على قتال المشركين حتّى قال الشيخ في المبسوط: و لا يعرف أصحابنا مؤلّفة أهل الإسلام و قال المفيد و الفاضلان و مسلمون مستدلّين بعموم الآية و قول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة و محمّد بن مسلم «و سهم المؤلّفة و سهم الرقاب عامّ و الباقي خاصّ» و به قال الشافعي.

و «فِي الرِّقٰابِ» أي في فكّها و يدخل فيها المكاتبون و العبيد مطلقا أو إذا لم

____________

[1] ترى الحديث في تفسيره عند تفسير الآية و حكاه الشيخ في التهذيب ج 4 ص 49 بالرقم 139 و حكاه في الوسائل الباب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ج 6 ص 145 المسلسل 11865 و ما أشار إليه المصنف من حسنة زرارة و محمد بن مسلم تراه في الباب 1 من أبواب المستحقين للزكاة ج 6 ص 143 المسلسل 11858 و أشار إليه المصنف في موضعين و الحديث مبسوط فراجع.

____________

(2) المجمع ج 3 ص 42.

352

يوجد مستحق أو إذا كانوا في ضرّ و شدّة و ينبغي أن يعتقهم الإمام أو المالك أو وكيل أحدهما بعد الشراء و يحتمل العتق بمحض الشراء مطلقا أو مع نيّته في الشراء و اللّه أعلم.

قال في المعتبر: و من وجب عليه كفّارة و لم يجد ما يعتق، جاز أن يعطى من الزكاة ما يشترى به رقبة و يعتقها في كفّارته روى ذلك علىّ بن إبراهيم في تفسيره عن العالم (عليه السلام) قال: وَ فِي الرِّقٰابِ قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطاء أو الظهار أو الأيمان و ليس عندهم ما يكفّرون جعل اللّه لهم سهما في الصدقات ليكفّر عنهم.

و عندي أنّ ذلك أشبه بالغارم لأنّ القصد به إبراء ذمّة المكفّر ممّا في عهدته و يمكن أن يعطى من سهم الرقاب لأنّ القصد به إعتاق الرقبة انتهى.

و الذي رأيت في تفسيره و نقله الشيخ في التهذيب بزيادة هكذا «و قتل الصيد في الحرم و ليس عندهم ما يكفّرون و هم مؤمنون فجعل اللّه» إلخ و ربما أشعر كلامه بأنّ المراد ذلك فتأمل و قد مرّ ذكر الأقوال في أوّل هذا الكتاب.

و قالوا بشرط الايمان، و قول الصادق (عليه السلام) و عموم الآية يدفعانه فلا تغفل.

و في جعل الرقاب ظرفا تنبيه على أنّ استحقاقهم ليس كغيرهم و أنه يتعين صرف هذا السهم في الوجه الخاصّ فالأولى أن يعطى للمولى في وجه مال الكتابة أو المكاتب مع الوثوق بصرفه فيه فان صرفه فقد وقع موقعه و إن أبرأه المولى أو تطوّع عليه متطوّع أو عجّز نفسه ارتجع و قال الشيخ في المبسوط لا يرتجع مطلقا.

«وَ الْغٰارِمِينَ» و هم المدينون في غير معصية للأخبار و كأنه إجماعنا و للشافعي قولان و الآخر الجواز و إن كان في معصية و قد مال المحقق إلى الجواز مع التوبة و فيه نظر.

و العطف على الرقاب فيقضى عن الغارم دينه و إذا اعطى فبقدر دينه فان صرفه في موضعه و إلّا استعيد، خلافا للشيخ، و تقضى الدين عمّن يجب نفقته مع عجزه عنه لدخوله تحت العموم، و لأنّ القضاء هو مصرف النصيب لا تمليك المدين، و كذا لو كان الدين على ميّت قضى عنه و قال أحمد و جماعة من الجمهور: لا يقضي لأنّ الغارم هو الميت و لا يمكن الدفع إليه، و الغريم ليس بغارم فلا يدفع إليه.

353

«وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» قد اختلف فيه فقيل الجهاد، و هو قول للشيخ و به قال الشافعيّ و أبو حنيفة و مالك و أبو يوسف لأنّ إطلاق السبيل ينصرف إلى الجهاد، و قيل معونة الحاج أو أعم منها و من الجهاد لما روى أنّ رجلا جعل ناقة له في سبيل اللّه فأرادت امرأته الحجّ فقال لها النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) اركبيها، فان الحجّ من سبيل اللّه.

و أكثر أصحابنا على أنّه يعمّ جميع مصالح المسلمين و وجوه القرب إلى اللّه لانّ السبيل هو الطريق، فإذا أضيفت إلى اللّه كان عبارة عن كلّ ما يتوسل به إلى ثوابه و يتقرّب به إليه، و يؤيّده ما رواه علىّ بن إبراهيم في تفسيره عن العالم (عليه السلام) «قال: و في سبيل اللّه قوم يخرجون إلى الجهاد و ليس عندهم ما ينفقون به، و قوم مؤمنون ليس لهم ما يحجّون به» و في جميع سبل الخير، و انصراف الإطلاق إلى الجهاد غير مسلم و الخبر عنه (عليه السلام) قد يشعر بما قلنا كما لا يخفى.

في المجمع (1): و هو قول ابن عمر و عطاء و اختيار البلخيّ و جعفر بن مبشّر قالوا يبنى منه المساجد و القناطر و غير ذلك.

«وَ ابْنِ السَّبِيلِ» و هو المسافر المنقطع به يعطى من الزكاة و إن كان غنيا في بلده، و سمّى به للزومه الطريق، و يؤيّده ما روى عن العالم (عليه السلام) قال ابن السبيل أبناء الطريق يكونون في السفر في طاعة اللّه فينقطع بهم و يذهب مالهم، فعلى الامام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات، فيدخل فيه الضيف إذا كان بالصفة، و قيل مع السفر و الاحتياج، فلا يبعد الاتّحاد، و قد يفرق فتأمل.

و قيل إنه الضيف و أطلق عن قتادة، و قيل مع كونه مسافرا محتاجا قال شيخنا (قدّس اللّه روحه) (2) يمكن اشتراط عدم القدرة على التدين و غيره للوصول إلى بلده، فان المتبادر من ابن السبيل هو العاجز عن الوصول إلى بلده، و يحتمل العدم لظاهر اللفظ و عدم ظهور التبادر فتأمل.

و ليس منه المنشئ سفرا من بلده خلافا للشافعيّ و أبى حنيفة، و ابن الجنيد

____________

(1) المجمع ج 3 ص 42.

(2) انظر زبدة البيان ص 188 ط المرتضوي.

354

منّا، ثم المنقطع به ان كان سفره طاعة اعطى و إن كان معصية منع، و إن كان مباحا فعند أكثرنا يعطى كالطاعة، و منع آخرون منّا و منهم، لنا عموم الآية و في المختلف انه يكفى في مصداق الخبر كون السفر مباحا مع اعتقاده ذلك و انقياده فيه فتأمل.

ثمّ إن أقام ناويا عشرة فما زاد أو شهرا غير ناو ذلك، فقيل يخرج عن كونه مسافرا فلا يصدق عليه ابن السبيل، و أجاب عنه العلّامة بالمنع و أنه و إن أخرجه ذلك عن كونه مسافرا يجب عليه القصر لم يخرجه عن كونه مسافرا مطلقا، و هو الوجه لصدق ابن السبيل عليه عرفا، و يدفع إليه قدر كفايته لوصوله إلى بلده، فان صرفه في ذلك فقد وقع موقعه، و إن صرفه في غيره فهل يرتجع؟ قيل: نعم، و قيل لا.

و في المعتبر و التذكرة: الوجه استعادته إذا دفع لقصد الإعانة اقتصارا على قصد الدافع و في التذكرة بعد الجزم بالردّ إن لم يسافر أنه لو وصل بلده و بيده فضل لم يسترد، لأنه ملكه بسبب السفر، و قد وجد فلا يحكم عليه فيما يدفع إليه، و قال المحقق يسترجع لأنه غنىّ في بلده.

و يقال بناء ذلك كلّه على معنى الظرفيّة و أنّ المراد صرفها فيه و في معونته في الجملة أو في جهة احتياجه من حيث كونه ابن سبيل من مؤنة وصوله إلى بلده، و رفع هذا الوصف عنه، و لعلّ إطلاق اللفظ يؤيّد الأوّل و يؤيد الثّاني مقابلته للفقراء و المساكين مطلقا و العدول من اللّام إلى «في» و لعلّ المراد الثاني لكن مع ذلك في استرداد الفاضل بعد وصول البلد نظر خصوصا إذا كان ممّا لا بدّ منه في الوصول و محتاجا إليه في السفر لأنه قد صرف في مصرفه، و كأنه الذي نظر إليه العلّامة ثمّ هل يؤثر قصد الدافع خصوصا على الأوّل أو لا فليتأمل.

و في الكشاف إنّما عدل عن اللّام [1] إلى «في» للإيذان بأنهم أرسخ في

____________

[1] انظر الكشاف ج 2 ص 283 و لابن المنير في الانتصاف المطبوع ذيله ما يعجبنا نقله بعين عبارته: قال أحمد و ثم سر آخر هو أظهر و أقرب و ذلك ان الأصناف الأربعة الأوائل ملاك لما عساه يدفع إليهم و انما يأخذونه ملكا فكان دخول اللام لائقا بهم و اما الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم بل و لا يصرف إليهم و لكن في مصالح تتعلق بهم.

355

استحقاق التصدّق عليهم ممّن سبق لأنّ «في» للوعاء فينبّه على أنهم أحقّاء أن يوضع فيهم الصدقات و يجعلوا مصيبا لها، و تكرير «في» في قوله «فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ» فيه فضل ترجيح لهما على الرقاب و الغارمين، و هذا يؤيّد الإطلاق أيضا و على تقدير كونه تنبيها على أنّ الاستحقاق للجهة يمكن أن يقال التكرير لأنّ الظرفيّة في هذين على وجه آخر فتأمل.

و «فَرِيضَةً» في معنى المصدر المؤكّد أي إنّما فرض اللّه الصدقات لهم فريضة، أو حال عن الضمير المستكنّ في للفقراء و قرئ «فريضة» على «تلك فريضة» أى مقدرّة واجبة «وَ اللّٰهُ عَلِيمٌ» بالأمور و المصالح «حَكِيمٌ» إنّما يفعل و يحكم على حسب المصالح فلا يحسن من الخلق إلّا الانقياد و الاتّباع.

الثامنة [في سورة البقرة 271] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ: تعطوها علانية

____________

فالمال الذي يصرف في الرقاب انما يتناوله السادة المكاتبون و البائعون فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بتملكهم لما يصرف نحوهم و انماهم مجال لهذا الصرف و المصلحة المتعلقة به و كذلك الغارمون انما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم.

و اما سبيل اللّه فواضح فيه ذلك و اما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل اللّه و انما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته مع انه مجرد من الحرفين جميعا و عطفه على المجرور باللام ممكن و لكنه على القريب منه أقرب و اللّه اعلم.

و كان جدي أبو العباس أحمد بن فارس الفقيه الوزير استنبط من تغاير الحرفين المذكورين وجها في الاستدلال لمالك على ان الغرض بيان المصرف و اللام لذلك لام الملك فيقول متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوف فيتعين تقديره فاما ان يكون التقدير انما الصدقات مصروفة للفقراء كقول مالك أو مملوكة للفقراء كقول الشافعي.

لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعا يصح تعلق اللام به و في معا فيصح ان تقول هذا الشيء مصروف في كذا و كذا بخلاف تقديره مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام و عند الانتهاء الى في يحتاج الى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من اللام عام التعلق شامل

الصحة متعين و اللّه الموفق انتهى ما في الانتصاف.

356

فَنِعِمّٰا هِيَ فنعم شيئا إبداؤها [1]، حذف الإبداء الذي هو المخصوص بالمدح حقيقة، و أقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه لدلالة السياق عليه.

____________

[1] قال القرطبي في ج 3 ص 334: و اختلف القراء في قوله فَنِعِمّٰا هِيَ فقرء أبو عمرو و نافع في رواية ورش و عاصم في رواية حفص و ابن كثير فنعما هي بكسر النون و العين و قرء أبو عمرو أيضا و نافع في غير رواية ورش و عاصم في رواية أبي بكر و المفضل فنعما بكسر- النون و سكون العين و قرء الأعمش و ابن عامر و حمزة و الكسائي فنعما بفتح النون و كسر- العين و كلهم سكن الميم و يجوز في غير القرآن فنعم ما هي قال النحاس و لكنه في السواد متصل فلزم الإدغام.

و حكى النحويون في نعم اربع لغات نعم الرجل زيد هذا الأصل و نعم الرجل بكسر- النون لكسر العين و نعم الرجل بفتح النون و سكون العين و الأصل نعم حذفت الكسرة لأنها ثقيلة و نعم الرجل و هذا أفصح اللغات و الأصل فيها نعم و هي تقع في كل مدح فخففت و قلبت كسرة العين على النون و أسكنت العين فمن قرء فنعما هي فله تقديران أحدهما ان يكون جاء به على لغة من يقول نعم و التقدير الآخر ان يكون على اللغة الجيدة فيكون الأصل نعم ثم كسرت العين لالتقاء الساكنين.

قال النحاس فأما الذي حكى عن ابى عمرو و نافع من إسكان العين فمحال حكى عن محمد بن يزيد انه قال اما إسكان العين و الميم مشددة فلا يقدر أحد ان ينطق به و انما يروم الجمع بين ساكنين و يحرك و لا يأبه و قال أبو على من قرء بسكون العين لم يستقم قوله لأنه جمع بين ساكنين الأول منهما ليس بحرف مد و لين و انما يجوز ذلك عند النحويين إذا كان الحرف الأول حرف مد إذ المد يصير عوضا من الحركة و هذا نحو دابة و ضوال و نحوه و لعل أبا عمرو أخفى الحركة و اختلسها كأخذه بالإخفاء في بارئكم و يأمركم فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع و خفائه.

قال أبو على و اما من قرء نعما بفتح النون و كسر العين فإنما جاء بالكلمة على أصلها و منه قول الشاعر:

ما أقلت قدماي انهم * * * نعم الساعون في الأمر المبر

قال أبو على و ما من قوله تعالى نعما في موضع نصب و قوله هي تفسير للفاعل المضمر قبل الذكر و التقدير نعم شيئا إبداؤها و الإبداء هو المخصوص بالمدح الا ان المضاف حذف و أقيم المضاف اليه مقامه و يدلك على هذا فهو خير لكم أي الإخفاء خير لكم فكما ان الضمير هنا

357

و أيضا فإنّ «هو» في وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لاخفائها فيجب أن يكون هنا إبداؤها أو هي للصدقات المبدوّة إشارة إلى أنّ نفس الإعلان غير مضرّ و ليس في المدح بحيث يمدح بخصوصها عند الذكر مع الصدقة و أما في العديل فإنّما أريد أنّ الإخفاء خير من الإعلان.

و المراد الصدقات المتطوّع بها فإنّ الأفضل في الفرائض أن يجاهر بها و عليه أكثر أصحاب التفاسير و هو المرويّ عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في أسانيد [1] و في مجمع البيان

____________

للإخفاء لا للصدقات فكذلك أولا الفاعل هو الإبداء و هو الذي اتصل به الضمير فحذف الإبداء و أقيم ضمير الصدقات مثله انتهى ما في القرطبي.

و انظر البحث في نعم في الإنصاف المسئلة 14 من مسائل الخلاف من ص 97 الى ص 121 و الاشمونى بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ج 4 من ص 292 الى ص 249 و شرح الرضى على الكافية ط اسلامبول من ص 311 الى ص 319 و شرح الاشمونى بحاشية الصبان ج 3 من ص 26 الى ص 38 و أسرار العربية لابن الأنباري من ص 96 الى ص 106 و شرح ابن عقيل ج 2 من ص 160 الى ص 174 ط 1385.

(1) قال في الهامش: منها ما رواه محمد بن يعقوب عن على بن إبراهيم عن أبيه عن- الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيوب عن ابى المغراء عن ابى بصير عن ابى عبد اللّه (ع) في قول اللّه عز و جل «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰاتِ فَنِعِمّٰا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» قال:

ليس من الزكاة.

و بهذا الاسناد عن أبيه عن ابن أبى عمير عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد اللّه (ع) في قول اللّه عز و جل «وَ إِنْ تُخْفُوهٰا وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» فقال: هي سوى الزكاة، ان- الزكاة علانية غير سر.

و عن على بن إبراهيم عن أحمد بن محمد عن محمد بن خالد عن عبد اللّه بن يحيى عن عبد اللّه بن مسكان عن أبى بصير عن ابى عبد اللّه (ع) قال كل ما فرض اللّه عز و جل عليك فإعلانه أفضل من إسراره و كل ما كان تطوعا فإسراره أفضل من إعلانه، و لو أن رجلا يحمل زكاة ماله على عاتقه فقسمها علانية كان ذلك حسنا جميلا.

أقول: الحديث الأول طويل رواه في الكافي ج 1 ص 140 باب فرض الزكاة الحديث 9 و هو في المرات ج 3 ص 184 و وصفه بالحسن لوجود إبراهيم بن هاشم في طريقه و قد أوضحنا

358

و قيل: الإخفاء في كلّ صدقة من الزكاة و غيرها أفضل عن الحسن و قتادة (1) و هو الأشبه لعموم الآية و يؤيد الأول استحباب حمل الواجبة إلى الامام ابتداء و وجوبه عند الطلب و أنه مع الإعلان فيها يسلم عن الاتّهام بترك الفريضة، و أنّ الريا لا يتطرّق إليها كتطرقها إلى المندوبة، و أنّ قوله «وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ» يشعر بأن الإخفاء مظنة عدم إصابة مصارفها فينبغي في الفريضة الاحتياط بالإعلان.

و أيضا لا ريب أنّ البسط أفضل فصرف الجميع على الفقراء كما هو ظاهرها لا يناسب الزكاة، و عن ابن عباس صدقات السرّ في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا و صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرّها بخمسة و عشرين ضعفا.

و نكفّر عنكم قرئ بالنون مرفوعا عطفا (2) على محلّ ما بعد الفاء أو على أنّه خبر مبتدء محذوف، أى و نحن نكفّر أو على أنه جملة مبتدأة فيجوز أن يكون ذلك بسبب الإنفاق مطلقا، و بسبب الإنفاق المخفي تأمل.

____________

في مسالك الافهام ج 1 ص 129 ان الحديث من طريقه صحيح معتبر معتمد و قد روى اجزائه في أبواب من الوسائل و نقله بتمامه أيضا في الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ج 6 ص 28 المسلسل 11491.

و لم يتعرض له في المنتقى و لعله لوجود ابى بصير في طريقه و انا أيضا في حقه من المتوقفين كما شرحنا في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 328 و قلنا انه و ان وثقه المحمد باقرون الأربعة (المجلسي و البهبهاني و السبزواري و الشفتي) و انا أيضا موسوم بمحمد باقر الگلپايگاني لكن لم أصر في هذا البحث لهم خامسا و لا أضعفه بالبت و لكني في حقه من المتوقفين الا مع اليقين بكون المراد منه الليث المرادي فإنه صحيح بالبت.

و الثاني في الوسائل الباب 54 من أبواب المستحقين للزكاة ج 6 ص 215 المسلسل 12096 و الثالث في الوسائل الباب 54 من أبواب المستحقين للزكاة ج 6 ص 215 المسلسل 12095

____________

(1) المجمع ج 1 ص 384.

(2) انظر المجمع ج 1 ص 383 و ص 384 و الكشاف ج ص 316 و روح المعاني ج 3 ص 39 و القرطبي ج 3 ص 335 و ص 336.

359

و مجزوما عطفا على محلّ الفاء و ما بعده، لأنه جواب الشرط و قرئ «و يكفر» بالياء مرفوعا و الفعل للّه فيحتمل أن يكون مبتدأة فيجيء الاحتمالان أو الفعل للإخفاء و ربما أمكن للأعمّ فافهم، و قرئ «تكفر» بالتاء مرفوعا و مجزوما و الفعل للصدقات و قرأ الحسن بالياء و النصب بإضمار أن، و معناه إن تخفوها يكن خيرا لكم و أن يكفر عنكم أو و لأن يكفر عنكم.

مِنْ سَيِّئٰاتِكُمْ قيل «من» صلة و تحقيق للتعميم، فربما خصّص السيئات بالصغائر و الأكثر على التبعيض فقيل هو الصغائر، و قيل أعمّ فإن العبادات تسقط الذنوب المتقدّم وجوبا، و هو مذهب الإحباط و التكفير. و على مذهب الأصحاب من بطلان ذلك كما هو المشهور و ادّعى عليه الإجماع يكون إسقاط الذنوب تفضّلا غير واجب إلّا بالوعد أو يقال المجمع على بطلانهما هو إحباط كلّ متأخّر و إن كان قليلا جميع ما تقدّمه مطلقا لا إسقاط ما دونه أو مساويه و اللّه أعلم.

وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الإنفاق و غيره سرا و جهرا، ليلا و نهارا، حسنا و قبيحا، فيجازى كلا بعمله، و يزيد لمن يشاء من المحسنين بفضله.

و ممّا جاء في صدقة السرّ [1] عنه (عليه السلام) «صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ و تطفئ الخطيئة كما تطفئ الماء النار، و يدفع سبعين بابا من البلاء، و سبعة يظلّهم اللّه في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه: الامام العادل، و شابّ نشأ في عبادة اللّه عز و جل و رجل قلبه متعلّق بالمساجد و رجلان تحابّا في اللّه و اجتمعا عليه و تفرّقا عليه، و رجل دعته امرءة ذات منصب و جمال فقال: انى أخاف اللّه عزّ و جل و رجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لم يعلم يمينه ما ينفق شماله و رجل ذكر اللّه ففاضت عيناه.

____________

[1] كأن المصنف جمع بين مضامين الأحاديث، تراها في كتب الشيعة و أهل السنة: انظر في ذلك مسالك الافهام ج 2 ص 45 و الوسائل الباب 13 من أبواب الصدقة ج 6 ص 275 الى ص 278 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 534 و الدر المنثور ج 1 من ص 353 الى ص 357 و ابن كثير ج 1 ص 323 و الخازن ج 1 ص 194.

360

البحث الثالث في أمور تتبع الإخراج

و فيه آيات منها في البقرة [272] وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من مال أو ما يعم كل معروف فإنه ضدّ الشرّ إلا أنّ الإنفاق ربما لا يساعد عليه لاختصاصه بالمال أو أخصّ منه كالدراهم و الدنانير فتأمل.

فَلِأَنْفُسِكُمْ وَ مٰا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ اللّٰهِ قيل حال، و قيل عطف على ما قبله أي ليس إنفاقكم إلّا لوجه اللّه على ما هو شأنكم أو على ما زعمتم فلا تمنّوا و لا تنفقوا الخبيث الذي لا يليق بابتغاء وجه اللّه و لا ترضون لأنفسكم.

في المجمع (1) هذا إخبار من اللّه تعالى عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين المستجيبين للّه و رسوله أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلّا طلبا لرضا اللّه هذا و يمكن خروج ذلك مخرج المبالغة كأنّ ما ليس لابتغاء وجه اللّه ليس بإنفاق أصلا أو على معنى أنكم لا تنفقون شيئا إلّا ابتغاء وجه اللّه فإنّه الذي يوجب الأجر و الثواب.

و يحتمل أن يكون المعنى لا تنفقون إنفاقا ينفعكم إلّا لابتغاء وجه اللّه فافهم و قيل: نفى في معنى النهى، فيستفاد اشتراط القربة و عدم اعتبار غيرها فابتغاء وجهه بالعمل هو النيّة.

قال في المجمع في ذكر الوجه هنا قولان: أحدهما أنّ المراد منه تحقيق الإضافة و دفع إيهام الشركة و ذلك أنك لما ذكرت الوجه و معناه النفس، دلّت على أنك تصرف الوهم عن الإشراك إلى تحقيق الاختصاص فكنت بذلك محقّقا للإضافة، و مزيلا لإيهام الشركة. و الثّاني أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف في الذكر من فعلته له، لأنّ وجه الشيء في الأصل أشرف ما فيه، ثمّ كثر حتى صار يدلّ على شرف الذكر من غير تحقيق وجه أ لا ترى أنك تقول وجه الرأي و وجه الدليل و وجه الأمر فلا تريد تحقيق الوجه

____________

(1) المجمع ج 1 ص 386.

361

و إنّما تريد أشرف ما فيه من جهة شدّة ظهوره و حسن بيانه تأمّل فيه.

وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوفّر و يؤدّى إليكم يعنى ثوابه و جزاؤه قيل: أي في الآخرة عن ابن عباس.

وَ أَنْتُمْ لٰا تُظْلَمُونَ بمنع ثوابه و لا بنقصان جزائه بل تعطون أضعافا مضاعفة، فالجملة الاولى دلّت على أنّ نفع الإنفاق إنّما هو للمنفق، فينبغي أن ينفق ما يرضى به لنفسه و لا يقصر فيه و لا يفسده بالمنّ و الأذى و لا يتطاول به على الناس.

و الثانية أنّ الإنفاق إنّما هو لوجه اللّه، و غيره ضائع باطل، فيجب أن يكون على ما يليق بابتغاء وجه اللّه به فلا يجوز على وجه الرّياء و السمعة، و لا تكديره بالمنّ و الأذى و التطاول على الناس و لا تقديم الخبيث الذي لا يليق لذلك فإنّه لا يرضى به لنفسه بل ينبغي ما هو أحبّ و أحسن.

و الثالثة على ما دلّت عليه الاولى، و زيادة أنّ ذلك يرجع إليه كملا من غير نقصان أصلا [1] و في تكرير ذلك في جمل متعددة بعنوانات مختلفة محفوفة بوجوهات مؤكّدة من التبيين و التحريض و الترغيب ما لا يخفى.

قيل: كان المسلمون يمتنعون عن التصدّق على غير أهل دينهم، فأنزل اللّه هذه الاية عن ابن عباس و ابن الحنفيّة و سعيد بن جبير، فذلك في المتبرّع به إن صحّ، و حمل على الجواز و إلّا فالآية الآتية يشعر باختصاصه بغيرهم و أما الواجب فإنّما أجاز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة، و أباه غيره، و هو إجماعنا بل إجماع المسلمين أجمعين، هذا.

و لمّا حثّ و رغّب في الإنفاق بأبلغ وجوه الترغيب و بيّن طريقه، أشار إلى أفضل الفقراء الّذين هم مصرف الصدقات فقال:

«لِلْفُقَرٰاءِ» أى اجعلوا ما تنفقون لهم أو اعمدوه أو الإنفاق لهم على أنّ الأمر

____________

[1] في المعيار: أعطيته المال كملا كسبب اى كاملا وافيا هكذا يتكلم به و هو سواء في الجمع و الواحد و ليس بمصدر و لا نعت انما هو كقولك أعطيته المال اجمع و قريب منه في التاج و اللسان نقلا عن ابن سيده.

362

للاستحباب أو خبر مبتدأ محذوف في هذا السياق أى ما تنفقون أو صدقاتكم لهؤلاء أي على وجه الأولوية، أو ينبغي ذلك للفقراء أو هو أولى لهم أو اجعلوا منه أو بعضه لهم فافهم.

قيل: هذا مردود على اللّام من قوله «وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ».

قال علي بن عيسى [1] لا يجوز هذا لأنّ بدل الشيء عن غيره لا يكون إلّا و المعنى يشتمل عليه و ليس كذلك ههنا، لأنّ الإنفاق للنفس من حيث هو عائد عليها و للفقراء من حيث هو واصل إليهم و ليسا من باب و أيضا فلا يجوز أن يكون العامل فيه «تُنْفِقُوا» للفصل الكثير بالأجنبيّ كما لا يخفى.

«الَّذِينَ أُحْصِرُوا» أى حبسوا أنفسهم كما قيل الإحصار باعتبار منع الشخص نفسه، و الحصر منع الغير «فِي سَبِيلِ اللّٰهِ» الجهاد أو مطلق الطاعة و العبادة «لٰا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ» ذهابا فيها للكسب للإقبال على الجهاد أو العبادة أو الّذين منعوا أرزاقهم و أموالهم في طاعة اللّه «لٰا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ» لكسب المعاش: إما لخوف العدوّ من الكفّار و إمّا لفقر أو مرض أو اشتغال بواجبات الدّين و ما هو أهمّ «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ» بحالهم «أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» من أجل تعفّفهم و امتناعهم عن السؤال «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ» بعلامتهم من الضعف و رثاثة الحال أو التخشّع و الخضوع الذي هو من شعار الصالحين و الخطاب للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أو لكلّ من تأمّل في شأنهم.

____________

[1] هذا هو الرماني و نقل ما افاده المصنف في التبيان ج 1 ص 280 عن على بن عيسى الرماني و ترى ترجمة الرجل و مصادر ترجمته في أنبأه الرواة ج 2 ص 294 الرقم 476 و الأعلام ج 5 ص 134 قال في بغية الوعاة ج 2 ص 180 الرقم 1742 ط 1384 على بن عيسى بن على بن عبد اللّه أبو الحسن الرماني و كان يعرف أيضا بالاخشيدى و بالوراق و هو بالرمانى أشهر كان إماما في العربية علامة في الأدب في طبقة الفارسي و السيرافي معتزليا ولد سنة ست و سبعين و مأتين و فيه مات في حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع و ثمانين و ثلاثمائة و في الإعلام كان له نحو مائة مصنف.

363

«لٰا يَسْئَلُونَ النّٰاسَ إِلْحٰافاً» إلحاحا، و هو أن يلازم المسئول حتى يعطيه و هو مصدر نصب على الحال أى لا يسألون ملحفين أو على المصدر لأنه سؤال على صفة و المعنى أنهم لا يسألون و إن سألوا الضرورة فبلطف من غير إلحاح، و قيل بل المراد نفى السؤال أيضا عن ابن عباس.

في المجمع (1) و هو قول الفراء و الزجّاج و أكثر أرباب المعاني، و في الآية ما يدل عليه و هو قوله «يَحْسَبُهُمُ الْجٰاهِلُ أَغْنِيٰاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» في المسئلة، و لو كانوا يسألون لم يحسبهم الجاهل أغنياء لأنّ السؤال ظاهر في الفقر، و كذا قوله «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمٰاهُمْ» و لو سألوا لعرفوا بالسؤال و إنّما هو كقولك ما رأيت مثله و أنت لم ترد له مثلا ما رأيته و إنّما تريد أن ليس له مثل فيرى، فمعناه لم يكن سؤال فيكون إلحاح.

و في الحديث: إنّ اللّه يحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده و يكره البؤس و التبأّس و إنّ اللّه يحبّ الحيي الحليم المتعفّف و يبغض البذيّ السئّال الملحف، و عنه (عليه السلام) إنّ اللّه كره لكم ثلاثا: قيل و قال، و كثرة السؤال، و إضاعة المال، و نهى عن عقوق الأمّهات و وأد البنات و عن منع و هات (2).

«وَ مٰا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ» من مال قليل أو كثير لهم أو لغيرهم سرا أو جهرا «فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ» فيجازى على حسب ما يستحقّه باعتبار حسن النفقة و الإنفاق، و مراعاة المنفق عليه كما وعد، و ما تضمّن معنى الشرط، و لهذا سقط النون و دخل الفاء في الخبر.

في المجمع (3) قال أبو جعفر (عليه السلام): نزلت الآية في أصحاب الصفّة و كذلك رواه

____________

(1) المجمع ج 1 ص 387.

(2) المجمع ج 1 ص 387.

(3) المجمع ج 1 ص 387 عن ابى جعفر و الكلبي عن ابن عباس و كذلك في الدر المنثور ج 1 ص 358 عن ابن المنذر من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس و قد سرد أبو نعيم أسماء عدة من أصحاب الصفة و ما ورد فيهم في حلية الأولياء ج 1 ص 347 الى آخر 397 و ج 2 من ص 1 الى ص 39.

364

الكلبيّ عن ابن عباس و هم نحو من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة، و لا عشائر يأوون إليهم، فجعلوا أنفسهم في المسجد، و قالوا: نخرج في كلّ سريّة يبعثها رسول اللّه فحثّ اللّه الناس عليهم، فكان الرجل إذا كان عنده فضل أتاهم به، إذا أمسى.

و في الكشاف إنّهم من مهاجري قريش، و كانوا في صفّة المسجد و هي سقيفة يتعلّمون القرآن بالليل و يرضخون النوى بالنهار، و كانوا يخرجون في كلّ سريّة يبعثها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و عن ابن عباس (1) وقف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم و جهدهم و طيب قلوبهم، فقال: أبشروا يا أصحاب الصفّة، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه، فإنّه من رفقائي.

و فيه من الحثّ و الترغيب للفقراء على الاتّصاف بصفاتهم على ما تضمّنه كالآية على ما تضمّنت من الاشتغال بالعبادة، و حبس النفس في سبيل اللّه و الصبر على الفقر، و ترك السؤال و الرضا به ما لا يخفى، فان الحكم غير مختصّ بهؤلاء كما يفهم من الخبر، و سياق الآية، و ذكر العلماء إيّاها في باب الزكاة.

على أنه مع حصول الحالات ينبغي عدم الفرق عقلا، و حينئذ فلا كراهية في ترك الكسب و حبس النفس على العبادة، سيّما تحصيل العلوم الدينيّة و نشرها، فإنّه كالجهاد أو أعظم على ما قالوا، و دلّ عليه بعض الروايات، و القناعة بما حصل من الزكاة و غيرها من الصدقات، بل يكون أفضل و أحبّ إلّا أن يكون صاحب عيلة و لم يحصل منها ما يصلح أن يقنع به فليتأمل و كذا ترغيب الأغنياء في الإنفاق على أمثالهم كما لا يخفى.

ثمّ رغب في الإنفاق و حثّ عليه حتى بجميع الأموال بقوله «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ سِرًّا وَ عَلٰانِيَةً» هما اسمان وضعا موضع المصدر على الحال، أي

____________

(1) رواه في كنز العرفان ج 1 ص 243 و مسالك الافهام ج 2 ص 51 و أخرجه في- كنز العمال ج 6 ص 261 بالرقم 1997 عن الخطيب عن ابن عباس و قريب منه في تفسير الإمام الرازي ج 7 ص 85 الطبعة الأخيرة.

365

مسرّين و معلنين أى يعمّون الأوقات و الأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلّما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها و لم يؤخّروا و لم يتعلّلوا بوقت و لا حال.

«فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ» خبر الّذين و الفاء للسببيّة، و قيل للعطف و الخبر محذوف أي و منهم الّذين، و لذلك جوّز الوقف على «وَ عَلٰانِيَةً» و فيه نظر، و «عند» ظرف مكان، و العامل فيه ما يتعلّق به اللام من «لهم» و ربما أشعر بتعظيم الأجر كأنه لا يقدر عليه و لا يعلمه إلّا ربّهم، فلا يوجد إلّا عنده.

«وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ» لا من فوت الأجر و لا من أهوال يوم القيمة، بل و ما قبلها «وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ» على شيء من ذلك مع عظم تلك الأهوال و شدّة تلك الأحزان، كما هو معلوم من الآيات و الأخبار، فالإنفاق المذكور أمر عظيم عند اللّه و للّه عناية جليلة بحال الفقراء و إنفاعهم، بل الظاهر أنّهم لا يحزنون بوجه أصلا لا من خوف ضرر و لا من فوت مطمع، لا لأمر متأخّر و لا متقدّم، و لهذا نزل في من شأنه العصمة، حيث لم يكن منه تقصير من وجه:

فعن ابن عباس [1] نزلت الآية في علىّ (عليه السلام) كانت معه أربعة دراهم فتصدّق

____________

[1] و قد روى السيد البحراني (قدس سره) في غاية المرام الباب السابع و الأربعين و الباب الثامن و الأربعين اثنى عشر حديثا من طريق العامة و أربعة أحاديث من طريق الخاصة ص 347 و ص 348 و انظر أيضا تفسير البرهان ج 1 ص 257 و نور الثقلين ج 1 ص 241 و سائر تفاسير الشيعة.

و انظر من كتب أهل السنة مجمع الزوائد ج 6 ص 324 و أسد الغابة ج 4 ص 25 و الرياض النضرة ج 2 ص 273 و نور الأبصار للشبلنجى ص 78 و أسباب النزول للواحدي ص 50 و لباب النقول ص 42 و الدر المنثور ج 1 ص 363 و فيه انه أخرجه عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابى حاتم و الطبراني و ابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن ابن عباس.

و تفسير ابن كثير ج 1 ص 326 عن ابن ابى حاتم و ابن جرير من طريق عبد الوهاب و عن ابن مردويه بوجه آخر و تفسير الخازن ج 1 ص 196 و تفسير الكشاف ج 1 ص 319 و تفسير الرازي ج 7 ص 89 الطبعة الأخيرة و العجب انه ليس في الكاف الشاف ذيل الكشاف تخريج الحديث مع ما عرفت من الرواة من أهل السنة.

366

بواحد نهارا و بواحد ليلا، و بواحد سرا و بواحد علانية، و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبى عبد اللّه (عليهما السلام) و روي عن أبى ذرّ (1) و الأوزاعيّ أنها نزلت في النفقة على الخيل في سبيل اللّه، و قيل هي في كلّ من أنفق ماله في طاعة اللّه.

و على هذه فنقول: الاية نزلت في علىّ (عليه السلام) كما هو المشهور، و دلّت عليه الروايات، و شهد له ما تضمّنته الآية من إنفاق جميع الأموال فإنه لم يرو ذلك إلّا في حقّ على (عليه السلام) نعم حكمها سائر في كلّ من فعل مثل فعله، فله فضل السبق إلى ذلك، و أجر الاقتداء به، فله أجره و أجر كلّ من عمل به من غير أن ينقص من أجر العامل شيء للخبر المشهور.

ففي الآية دلالة على حسن الإنفاق و المبالغة فيه حتّى بكلّ المال بل أحسنيّته و اغتنام الفرصة في ذلك فلا يبعد فهم عدم الخوف على المنفق المذكور من ذلك و لا حصول الحزن من ذا الوجه أصلا للعموم فافهم.

و منها [في البقرة 215] يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ قُلْ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ.

«ما» إما مرفوع المحلّ على الابتداء و ذا موصول بصلته خبر له و العائد محذوف أى ما الذي ينفقونه أو «ما ذا» بمنزلة شيء واحد، منصوب بأنه مفعول ينفقون، فذا كاللّغو لأنّ ما مفيد للمعنى كما قيل.

و ما موصول تضمّن معنى الشرط رفع بالابتداء، و أنفقتم صلته، و في محلّ الجزم به، و «مِنْ خَيْرٍ» في موضع الحال عن العائد المحذوف، و «من» للتبيين، فللوالدين خبر مبتدأ محذوف أى فهو لهما، و الجملة خبر «ما» و الفاء جواب الشرط، و مطابقة الجواب للسؤال من حيث أنّه قد تضمن قوله «مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ» بيان ما ينفقونه، و هو كلّ خير فقدّر في طرف القلّة بما يسمّى خيرا و أما في الكثرة فلا حدّ له، بل ما بلغ

____________

(1) المجمع ج 1 ص 388.

367

لكن بنى الكلام على ما هو أهمّ و هو بيان المصرف لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها.

و عن ابن عباس (1) أنه جاء عمرو بن الجموح و هو شيخ همّ و له مال عظيم فقال ما ذا ننفق من أموالنا و أين نضعها؟ فنزلت و حينئذ فتخصيص الأوّل في السؤال لعلّه لاهتمام السائل به و اعتقاده أنّ تحقيقه أهمّ و هو أدخل في القبول و ترتّب الأجر ففي الجواب أشير إلى خلافه، و قيل: المراد ما ذا ينفقون على وجه كامل تأمّل.

في المجمع (2) المراد بالوالدين الأب و الامّ و الجدّ و الجدّة و إن عليا، لأنهم يدخلون في اسم الوالدين، و بالأقربين قرابة المعطي، و اعلم أنه يلوح من بعض دخول الأولاد في الأقربين، و فيه نظر و كان الأوّل على التغليب أيضا فتأمل.

و قد اختلفوا في هذه النفقة، فقال الحسن: المراد نفقة التطوّع على من لا يجوز وضع الزكاة عنده و الزكاة لمن يجوز وضع الزكاة عنده، فهي عامّة في المفروضة و التطوّع قاله في المجمع، و الأظهر في هذا المعنى إرادة الأعمّ [3] و أنها في هؤلاء على حسب ما يجوز شرعا، فيدخل الزكاة و النفقة الواجبة و صلة الأرحام، و سائر مندوبات الصدقات، كما ذهب إليه صاحب الكنز.

و يمكن الحمل على الواجبة على نحو ذلك فلا ينافي ذكر الوالدين لوجوب نفقتهما، بل على الزكاة المفروضة لجواز إعطاء الوالدين لا في جهة النفقة كسهم الرقاب و الغارمين، بل و من سهم الفقراء على ما قيل مثل إعطائهما ما يحتاجان إليه في طلب العلم أو الاشتغال بالعبادة زيادة على الواجب، أو مؤنة الزواج و نحو ذلك.

و في الكشّاف و عن السدّي (4) هي منسوخة بفرض الزكاة، و أجيب بعدم المنافاة

____________

[3] قد أوضحنا مرارا انه لا مانع من جمع الواجب و المندوب في جملة واحدة و ان الحاكم بوجوب إطاعة أمر المولى انما هو العقل و ما ورد من الرخصة في الترك يكون واردا على هذا الحكم من العقل.

____________

(1) الكشاف ج 1 ص 257.

(2) المجمع ج 1 ص 310.

(4) الكشاف ج 1 ب 257.

368

مع أنّه لا دليل عليه، و في المجمع و قال السّدي الآية واردة في الزكاة ثمّ نسخت ببيان مصارف الزكاة. و حينئذ ربما توجّه منافاة و لكن النسخ يحتاج إلى دليل قوى، و ليس، و لا ضعيفا، فان وروده في الزكاة غير مشهور، و لا به رواية عن ثقة و يأباه ظاهر الاية كما لا يخفى، على أنك قد عرفت وجه الجمع و عدم التنافي.

و في المجمع عن الحسن هي في التطوّع بدليل باقي الآية و لقوله «وَ مٰا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ» أى عمل صالح إلى هؤلاء أو غيرهم «فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ» فيوفيكم ثوابه و يجازيكم من غير أن يضيع منه شيء و كأنّ ذلك تعميم للجواب أو و تتميم له، فيفهم أنّ ما ينفقونه من مال فلهؤلاء أولا أو على الأولويّة و الأحقية، و ما تفعلوا من إنفاق الخير المذكور و غيره من المعروف لهؤلاء و غيرهم «فَإِنَّ اللّٰهَ بِهِ عَلِيمٌ» فيوفّيهم الأجر من غير نقص، فيكون فيه ترغيب على تعميم المعروف، و توسيع الخلق للخلق و حسن المعاشرة.

و منها [في البقرة 219] يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا يُنْفِقُونَ.

قالوا: السائل عمرو بن الجموح: سأل عن النفقة في الجهاد، و قيل: في الصدقات «قُلِ الْعَفْوَ» أي أنفقوا العفو أو العفو تنفقون، أو أنفقوا، و قرئ بالرفع أي الذي تنفقونه العفو.

و فيه أقوال: أحدها أنّه ما فضل عن الأهل و العيال أو الفضل عن الغنى عن ابن عباس و قتادة، و ثانيها الوسط من غير إسراف و لا اقتار عن الحسن و عطا و هو المرويّ عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، و ثالثها أنّه ما فضل عن قوت السنة عن أبى جعفر (عليه السلام): قال:

و نسخ ذلك بآية الزكاة، و به قال السدّي. و رابعها إنه أطيب المال و أفضله كذا في المجمع (1).

و الأقوال الأول متقاربة، و لهذا قال في المعالم قال قتادة و عطا و السديّ هو ما فضل عن الحاجة، و كانت الصحابة يكسبون المال و يمسكون قدر النفقة، و يتصدّقون

____________

(1) المجمع ج 1 ص 316.

369

بالفضل بحكم هذه الآية ثمّ نسخ بآية الزكاة هذا، و في النسخ تأمل لعدم منافاة ظاهرة و دليل واضح.

و عن طاوس أنه ما يسرّ و منه قوله تعالى «خُذِ الْعَفْوَ» أي الميسور من أخلاق الناس، و به يشعر ما روي عن عليّ (عليه السلام) أنه قال لعامله: إيّاك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو [1].

و في الكشّاف و نحوه في تفسير القاضي أنّه نقيض الجهد، و هو أن ينفق ما لا يبلغ منه الجهد قال «خذي العفو منّى تستديمي مودّتي» و يقال للأرض السهلة العفو، و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) [2] أنّ رجلا أتاه ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال: خذها منّى صدقة فأعرض عنه رسول اللّه، فأتاه من الجانب الأيمن فقال مثله فأعرض عنه ثمّ أتاه من الجانب الأيسر فأعرض عنه فقال هاتها مغضبا فأخذها فخذفه بها خذفا لو أصابه لشجّته أو عقرته، ثمّ قال: يجيء أحدكم بماله يتصدّق به و يجلس يتكفّف الناس إنّما الصدقة عن ظهر غنى.

و لا بعد في هذا الخبر «إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كٰانُوا إِخْوٰانَ الشَّيٰاطِينِ وَ كٰانَ الشَّيْطٰانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً»

____________

[1] للحديث صدر ترك نقله المصنف و أخذ مورد الحاجة من الحديث و هو في الكافي ج 1 ص 152 باب أدب المصدق الحديث 8 و في المرات ج 3 ص 193 و في التهذيب ج 4 ص 98 الرقم 275 و الفقيه ج 2 ص 13 الرقم 9 و المقنعة ص 42 و نقله في الوسائل الباب 14 من أبواب زكاة الانعام ج 6 ص 90 المسلسل 11686.

قال في المرآت أن تأخذ منهم العفو أي الزيادة أو الوسط أو يكون منصوبا بنزع الخافض اى بالعفو و قال في النهاية في حديث ابن الزبير ان اللّه أمر نبيه أن يأخذ بالعفو من أخلاق الناس هو السهل المتيسر اى أمره أن يحتمل أخلاقهم و يقبل منها ما سهل و تيسر و لا يستقصي عليهم و قال الجوهري العفو ما يفضل من الصدقة انتهى ما في المرآت.

[2] كنز العرفان ج 1 ص 245 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 544 عن غوالي اللئالى و سنن ابى داود ج 2 ص 177 الرقم 1673 ط مطبعة السعادة و سنن البيهقي ج 5 ص 181 و الكشاف ج 1 ص 263 و في الكافي الشاف ذيله تخريجه.

370

و قد أشير فيه و في قوله تعالى «وَ لٰا تَبْسُطْهٰا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» إلى وجه الجمع بينهما و بين ما يدلّ على مواساة الاخوان و التسوية، بل الإيثار كما روى عن علىّ (عليه السلام) و أهل بيته حتّى نزل فيهم «هَلْ أَتىٰ» و قوله تعالى «وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ» أي حاجة.

«كَذٰلِكَ» بيانا مثل ذلك «يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْآيٰاتِ» و الحجج في أحكام الدين أو و أمور الدنيا «لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» في الدنيا و الآخرة. إما أن يتعلّق بيتفكّرون أي لعلّكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين، فتأخذون بما هو أصلح لكم في الدارين فينتظم لكم أمر الدنيا و الآخرة كما بيّنت لكم أنّ العفو أصلح من الجهد و الإسراف في النفقة، أو و أنّ الإثم في الخمر و الميسر أكثر من نفعهما، و في تخصيص الإشارة بهذا نحو بعد، أو في الدارين فتؤثرون إبقاءهما و أكثرهما منافع فتختارون الآخرة و تتركون الخمر و الميسر لإثمهما، و لا تتلوّثون بهما لمنافع زعم الناس لهم، مع أنّ إثمهما أكبر، و لا تقصرون في الإنفاق بل تتسابقون فيه حيث قد سهل عليكم. و إما إن يتعلّق بيبيّن على معنى يبيّن لكم الآيات في أمر الدارين و ما يتعلّق بهما لعلّكم تتفكّرون.

و منها [في البقرة 254] يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّٰا رَزَقْنٰاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لٰا بَيْعٌ فِيهِ وَ لٰا خُلَّةٌ وَ لٰا شَفٰاعَةٌ وَ الْكٰافِرُونَ هُمُ الظّٰالِمُونَ [1].

الأمر بظاهره يقتضي وجوب الإنفاق، و ظاهر أن ليس المراد بشيء ما مطلقا فلا بدّ أن يكون إشارة إلى معين في الجملة، فعن السديّ أراد به الزكاة المفروضة و ذلك لأنها أعرف النفقات و أهمّها.

و قيل أراد به الفرض مطلقا الزكوات و غيرها كالإنفاق على من وجبت نفقته،

____________

[1] قال في المجمع قرء ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب لا بيع فيه و لا خلة و لا شفاعة بالفتح فيها اجمع و في سورة إبراهيم لا بيع فيه و لا خلال و في الطور لا لغو و لا تأثيم و قرء الباقون جميعها بالرفع انظر ج 1 ص 359 و كذلك انظر روح المعاني ج 3 ص 4 و الحجة لابن خالويه ص 75.

371

و سدّ جوعة المسلم، و في الحج دون النفل لإقران الوعيد به، و قيل: يدخل فيه النفل أيضا. في المجمع و هو الأقوى (1) لأنه أعمّ، و لانّ الآية ليس فيها وعيد على ترك النفقة و إنّما فيها إخبار عن عظم أهوال يوم القيمة و شدائدها.

و فيه تأمل نظرا إلى ما يأتي و نظرا إلى ما تقدّم، و يكون الأمر حينئذ لمطلق الرجحان أى أنفقوا من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرّطتم، و الخلاص من تبعته من العذاب. أو الفوز بعظيم الأجر و الثواب، إذ لا بيع فتحصلون ما تنفقون أو تفتدون به، و لا خلّة حتى يعينكم أخلّاؤكم أو يسامحونكم به.

و لا شفاعة فيكون لكم شفيع يشفع لكم، فمن فاته هنا فقد فاته هذا، و قد قال تعالى «الْأَخِلّٰاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» و الأمة أجمعت على إثبات الشفاعة يوم القيمة، و تدلّ عليه آيات و أخبار كثيرة فاما أن يكون المراد النفي مطلقا لتارك الإنفاق كما هو المناسب بتمام الربط، و ظاهر السياق، أو نفى ما يجوز الاعتماد عليه في التدارك، أو المراد إلّا ما استثني و هو مما لا يجوز الاعتماد عليه في ذلك لاشتراط الاذن و الرضا منه، يقال فقد لا يأذن له و لا يرضى لعدم استئهاله.

«وَ الْكٰافِرُونَ» قيل أى تاركوا الإنفاق «هُمُ الظّٰالِمُونَ» فعبّر عن تركه بالكفر كما عبّر عن ترك الحجّ به، و حصر الظالمين فيهم أيضا للمبالغة، و مزيد الاهتمام به أو المراد و الكافرون هم مقيمون على ظلم أنفسهم فلا تكونوا مثلهم و أنتم مؤمنون إشارة إلى أن ترك الإنفاق ظلم و هو من صفات الكفّار لا يجوز للمؤمنين الاتّصاف به، و ربما أومأ إلى أنّ إصرار ذلك قد يلحقهم بهم، و يدلّ عليه بعض الروايات في منع الزكاة فتأمل.

أو المراد الكافرون بهذا اليوم هم الظالمون أنفسهم مطلقا، أو بمنع الإنفاق كما في قوله «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كٰافِرُونَ» و هذا قريب من السابق، و يجوز أن يكون تخصيص الكافر بالظلم باعتبار أنهم الكاملون في الظلم، و

____________

(1) انظر المجمع ج 1 ص 360.

372

ظلمهم قد بلغ الغاية و ليس مبلغ ظلم المؤمنين و غيرهم مبلغ ظلم الكافرين.

و نظيره فلان هو الفقيه، و فلان هو الفاضل، و يراد به تقديمه على غيره فيما أضيف إليه، فكأنّه قيل الكافرون هم الكاملون في الظلم، بالغين الغاية فيه، فإياكم أن تتشبّهوا بهم و تعملوا مثل عملهم و أنتم مؤمنون باللّه و اليوم الآخر، فافهم.

أو باعتبار أنّ اللّه لا يظلمهم يوم القيمة بل هم الظالمون أنفسهم فكأنه لما نفى البيع و الخلّة و الشفاعة و أخبر أنه قد حرم الكافر هذه الأمور، مع ما هو معلوم من الدين ضرورة من شدّة عذابه و أليم عقابه في ذلك اليوم، قال ليس ذلك بظلم منّا بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بعمل ما استحقّوا ذلك به، فكذلك إذا استحققتم شيئا من العذاب أو حرمان شيء من الثواب يكون من قبل أنفسكم، و على هذا يحتمل حمل الإنفاق على ما يعمّ الفرض و النفل، حملا للأمر على مطلق الرجحان.

و منها في البقرة [261] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الجهاد أو مطلق وجوه البرّ كَمَثَلِ زارع حَبَّةٍ أو المراد مثل نفقة الّذين ينفقون كمثل حبّة «أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» يعنى أن النفقة في سبيل اللّه بسبعمائة ضعف «وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ» أى يزيد على سبعمائة فيضاعفها و قيل يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ المقدرة و الرحمة لا يضيق عليه ما شاء من الزيادة، و لا يضيق عن المضاعفة أصلا، فكيف إذا وعد عليم بكلّ شيء فيعلم ما كان من نفقة و نيّة المنفق و قصده و استحقاقه الزيادة و عدمه.

و اعلم أنّ الحسنة في قوله سبحانه «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» أعمّ من الإنفاق، فلا مانع أن يكون العشر لازما و لو باعتبار الوعد في جميع الحسنات، و يزيد إلى سبعمائة في الإنفاق في سبيل اللّه مطلقا، و إلى أزيد في مواضع منه أو غيره، روى عن ابن عمر أنّه قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ربّ زد أمتي، فنزل قوله «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ أَضْعٰافاً كَثِيرَةً» فقال ربّ زد أمتي فنزل «إِنَّمٰا يُوَفَّى الصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ».

373

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ثُمَّ لٰا يُتْبِعُونَ مٰا أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لٰا أَذىً المنّ كأن يعتدّ بإحسانه على من أحسن إليه، و الأذى كأن يتطاول عليه و يترفّع بسبب ما أنعم به عليه، كأن يعبس وجهه عليه، ثمّ إظهار التفاوت بين الإنفاق و ترك المنّ و الأذى، و أن تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الاستقامة على الايمان خيرا من الدخول فيه، بقوله «ثُمَّ اسْتَقٰامُوا»*.

أو إشارة إلى بعد المنفقين عن ذلك فكان ترك المنّ و الأذى منهم بعيدا عن إنفاقهم، أو إشارة إلى أن ليس المراد بالاتباع إتيان ذلك بلا فصل، أو عن قرب، بل يعتبر عدمه و لو طالت المدّة بعده، يؤيد الأوّل ما روى (1) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال المنّان بما يعطي لا يكلّمه اللّه و لا ينظر إليه و لا يزكّيه و له عذاب أليم، و يستفاد منه وجه لعدم إيراد الفاء في قوله لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ و إنّما قال عند ربّهم، لأن النفس إليه أسكن، و به أوثق، فإنّ ما عنده لا يخاف عليه فوت و لا نقص و قد قدّمنا أن فيه تعظيما و تفخيما للأجر.

وَ لٰا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لٰا هُمْ يَحْزَنُونَ لفوت الأجر و نقصانه، و لا يبعد الأعم، و الاية لا ريب في دلالتها على انتفاء ذلك في الجملة، و ربما دلّت على عدم كون أجرهم لهم مع المنّ و الأذى، و تحقق الخوف و الحزن، و لا يبعد ذلك في كلّ إحسان كالاقراض و التخليص من شدّة و النصرة على العدوّ و التعظيم و ردّ الغيبة و التخلق و حسن المعاشرة و العفو و المسامحة و نحو ذلك.

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام طيّب يرد به السائل ردا جميلا و لا يخصّ الدعاء كما قيل نحو أغناك اللّه.

و مغفرة أي و نيل مغفرة من اللّه بسبب الردّ الجميل أو و عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسئول كأن يسأل في غير وقته أو يسيء الأدب، أو و عفو من قبل السائل، فإنه إذا ردّه ردّا جميلا عذره.

____________

(1) المجمع ج 1 ص 375.

374

خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهٰا أَذىً خيرا ما على حقيقته باعتبار أنّ الصدقة التي يتبعها أذى قبل الأذى حسنة يقتضي الأجر و الثواب إلّا أن المنّ و الأذى يبطلانها بعدا و معنى البطلان صرف الثواب في عوض الأذى مثلا، بل إثمه أعظم و أزيد، فيبقى بعد أو على الاتساع فلا يلزم منه ما ينافي ما تقدّم و إنّما اقتصر على ذكر الأذى لأن المنّ يستلزمه و لو غالبا.

روى عن النّبي (1) (صلّى اللّه عليه و آله) إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها، ثمّ ردّوا عليه بوقار و لين: أما بذل يسير أو ردّ جميل، فإنّه قد يأتيكم من ليس بإنس و لا جان، ينظرون كيف صنيعكم فيما خوّلكم اللّه وَ اللّٰهُ غَنِيٌّ خصوصا عن إنفاقكم و إنما نفعه لكم و يأمر به لمصلحتكم حَلِيمٌ فلا يعاجل بعقوبة من يمنّ و يؤذى، بل يؤخر العقاب بحلمه، و هذا سخط و وعيد على المنّ و الأذى، نعوذ باللّه من غضب الحليم.

و أكد ذلك بقوله يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ أي و لا بالأذى إبطالا.

«كَالَّذِي» كإبطال أو لا تبطلوا حال كونكم مماثلي الذي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ أي لأجل رئائهم أو مرائيا لهم أو إنفاق رياء أو إنفاقا كما في تفسير القاضي لكون الإضافة لفظيّة.

وَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فيريد بإنفاقه أو بأعماله وجه اللّه و الدار الآخرة و ثوابه فيها، و العطف على «ينفق» و عليه قيل أي و كالّذي لا يؤمن، يعنى كإبطاله أعماله أو إنفاقه لأنّ الكلام فيه، و ليس بوجه إذ الموصول واحد لم يتعدّد، نعم فيه تنبيه عليه كما أشرنا.

قيل: و يحتمل عطفه على رياء بجعله حالا بتأويل المفرد، و قد استدلّ بالاية على أن كلّ مرائي منافق، لأن الكافر المعلن غير مرائي، و فيه نظر فإنه لو سلم ذلك فإنما يلزم أن يكون المراد بالمرائي المذكور المنافق، بدليل قوله «وَ لٰا يُؤْمِنُ» على

____________

(1) المجمع ج 1 ص 375.

375

أنّ الحقّ أنه يصح في الكافر المعلن أيضا فإنّه حيث لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر لا يبقى له داع إلى الإنفاق إلّا الرياء، و إن لم يكن ذلك بالنسبة إلى المسلمين مثلا فافهم، و لا دلالة في الكلام على لزوم عدم الايمان للإنفاق رئاء الناس، و إن ناسبه لجواز أن يراد التشبيه بإبطال الكافر المرائي، و إن كان في المسلمين أيضا مبطل مرائي تغليظا في النهى و تقبيحا للمنّ و الأذى، بل الرياء أيضا في نظر المؤمنين فإنّ المنّ و الأذى ربما كانا كاشفين عن الرياء و عدم الإيقاع لوجه اللّه كما قيل.

فَمَثَلُهُ أي الذي ينفق رياء و لا يؤمن كَمَثَلِ صَفْوٰانٍ حجر أملس عَلَيْهِ تُرٰابٌ، فَأَصٰابَهُ وٰابِلٌ مطر عظيم القطر شديد الوقع فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس نقيا من التراب لٰا يَقْدِرُونَ عَلىٰ شَيْءٍ مِمّٰا كَسَبُوا كما لا يقدر أحد على ردّ ذلك التراب و الانتفاع به، أو كما لا يقدر ذلك الحجر على إمساك ذلك التراب و لا على ردّه، و الانتفاع به، و فيه تنبيهات فافهم، و الضمير للّذي ينفق باعتبار المعنى إذ المراد الجنس أو الجمع، كأنه قيل الفريق الذي أو لضمير «فمثله» باعتبار المذكور أو له و لصفوان جميعا.

قيل: الجملة في موضع الحال فاما من الذي أو فاعل ينفق، و الأقرب ضمير «فمثله» أو هو و الصفوان جميعا، و لا يبعد كونها استينافا مبيّنا للإبطال، أو للتمثيل، أو لهما.

و في المجمع (1) إنّ وجوه الأفعال تابعة لحدوثها، فاذا فاتت فلا طريق إلى تلافيها، و ليس في الآية ما يدلّ على أنّ الثواب الثابت المستقرّ يبطل و يزول بالمنّ فيما بعد، و لا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد، و فيه نظر واضح و الآية ظاهرة في البطلان بالمنّ و الأذى و لو بعد حين، و الأخبار مشحونة بذلك.

و قد تضمّنت الآية الحثّ على الإنفاق في أبواب البر ابتغاء مرضات اللّه، و النهى عن المنّ و الأذى و الرياء و السمعة و النفاق، و بطلان العمل بها.

عن ابن عباس (2) قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): إذا كان يوم القيمة نادى مناد يسمع أهل

____________

(1) المجمع ج 1 ص 376.

(2) المجمع ج 1 ص 277.

376

الجمع أين الذين كانوا يعبدون الناس؟ قوموا خذوا أجوركم ممّن عملتم له، فانّى لا أقبل عملا خالطه شيء من الدنيا و أهلها.

و عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من أسدى إلى مؤمن معروفا ثمّ آذاه بالكلام أو منّ عليه، فقد أبطل اللّه صدقته، ثمّ ضرب فيه مثلا كالّذي ينفق ماله رئاء الناس إلى قوله وَ اللّٰهُ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ إلى الثواب أو الجنّة أو الخير و الرشاد، و فيه تعريض بأنّ الرياء من صفات الكفار و أنّ المنّ و الأذى كذلك و يجب على المؤمن أن يتجنّب عنها و يراعى الإخلاص في الإنفاق بل في سائر الأعمال.

وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ أي رضاه، فهو إمّا مصدر ميميّ أو اسم المصدر، و ابتغاء نصب على المفعول له كما قيل، و يحتمل الحال و كذا ما عطف عليه أي «وَ تَثْبِيتاً» لهم «مِنْ أَنْفُسِهِمْ» على الايمان و مقتضاه أو على الخير و الرشاد أو على الإنفاق فكأنها برسوخها و قوّة اليقين و البصيرة في الدين و رغبتها تثبتهم عليه، أو بموافقتها لهم و متابعتها إيّاهم في إنفاق الأموال تثبّتهم على الإنفاق، أو على أحد الأوّلين، فان بتحامل التكليفات و تكلّف ما يصعب من مشاقّ العبادات يقلّ الطمع في الشهوات، و يتعوّد بالخيرات، و يشتدّ الرغبة في السعادات، فكان في ذلك تثبيت.

و فيه تنبيه على أنّ من حكمة الإنفاق للمنفق تزكية نفسه عن البخل و حبّ المال، بل عن الرياء و المنّ و الأذى أيضا أو تصديقا للإسلام و تحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، فإنّه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل اللّه علم أنّ تصديقه و إيمانه بالثواب من أصل نفسه، و إخلاص قلبه.

أو «وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ» عند المؤمنين إنّها صادقة الايمان مخلصة فيه، و يعضده قراءة مجاهد: «و تبيينا من أنفسهم» و يستفاد حينئذ رجحان الإعلان، فيخصّ بالواجب للروايات، أو و تبيينا من أنفسهم عندهم، لاتّهامهم أنفسهم و عدّهم إيّاها مقصّرة، و عن الحسن و مجاهد تثبيتا من أنفسهم أين يضعون.

و «من» على الوجوه ابتدائيّة، و يحتمل التبعيض على معنى تثبيتا بعض أنفسهم

377

على الايمان و مقتضاه، ببذل المال الذي هو شقيق الروح و بذله أشق شيء على النفس، فمن بذل ماله لوجه اللّه فإنه قد ثبتها في الجملة على ما أشرنا إليه سابقا فكأنه قد ثبت بعض نفسه و من بذل ماله و روحه فقد ثبتها كلّها، كما قال «وَ تُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ بِأَمْوٰالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ» و فيه التنبيه المتقدّم أيضا.

و المعنى و مثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند اللّه «كَمَثَلِ جَنَّةٍ» بستان «بِرَبْوَةٍ» مثلّث الراء و قرئت إلّا أنّ الكسر غير متواتر أي بمكان مرتفع فان الشجر حينئذ أحسن نبتا و منظرا و أكثر ريعا و أزكى ثمرا «أَصٰابَهٰا وٰابِلٌ» مطر عظيم القطر «فَآتَتْ أُكُلَهٰا» أي ما يؤكل منها يعني ثمرتها «ضِعْفَيْنِ» مثلي ما كانت تثمر أو مثلي ما إذا لم يكن بربوة و قيل مثلي ما إذا كانت متسفّلة، و قيل أربعة أمثاله، و نصبه على الحال أي مضاعفا و احتمل أن يكون المراد تؤتي أكلها مرّتين في سنة كما قال سبحانه «تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ» أي كلّ ستّة أشهر كما روي عن الصادق (عليه السلام) (1).

«فَإِنْ لَمْ يُصِبْهٰا وٰابِلٌ فَطَلٌّ» فمطر صغير القطر أي فيصيبها أو فالذي يصيبها طلّ أو فطلّ يكفيها لكرم منبتها و برودة هوائها لارتفاع مكانها، فتؤتى أكلها ضعفين أيضا و هو على ظاهر القول بمثلي ما كانت تثمر غير واضح.

أو فلا تنقص من ثمرها شيء، و إن لم تأت ضعفين، فكذلك نفقات هؤلاء زاكية عند اللّه يضاعف ثوابها دائما أو لا يضيع و لا ينقص بحال، و إن تفاوتت باعتبار ما ينضمّ إليها من الخصوصيات و يجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند اللّه بالجنّة على الربوة و نفقاتهم الكثيرة و القليلة بالوابل و الطلّ.

في الكشّاف: فكما أنّ كلّ واحد من المطرين تضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة، بعد أن يطلب بها وجه اللّه و يبذل فيها الوسع زاكية عند اللّه زائدة في زلفاهم و حسن حالهم عنده.

و قد فسّر ضعفين بمثلي ما كانت تثمر و في الجمع بينهما ظاهرا نظر، إلّا أن يراد إذا كانت في غير ربوة و لا يبعد أن يكون في اعتبار الضعف هنا إشارة إلى مضاعفة السبعمائة

____________

(1) المجمع ج 1 ص 378.

378

في قوله «وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ» لهؤلاء.

«وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» فيه تحذير عن الريا و المنّ و الأذى و ضعف اليقين و النفاق، و ترغيب في الإخلاص و الرسوخ و قوّة اليقين و الايمان.

«أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ» الهمزة فيه للإنكار «أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنٰابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ لَهُ فِيهٰا مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰاتِ» جعل الجنّة أولا منهما مع ما فيها من سائر الأشجار و الأثمار تغليبا لهما لشرفهما و كثرة منافعهما، ثمّ ذكر أنّ فيها من كلّ الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار و الاثمار، و يجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع.

«وَ أَصٰابَهُ الْكِبَرُ» أي كبر السنّ فإنّ الفاقة في الشيخوخة أصعب، و الواو للحال أو للعطف على نفسه حملا على المعنى، كأنه قيل أ يودّ أحدكم إذا كانت له جنّة و أصابه الكبر «وَ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفٰاءُ» لا قدرة لهم على كسب لصغر أو مرض و نحوه مثله «فَأَصٰابَهٰا إِعْصٰارٌ فِيهِ نٰارٌ فَاحْتَرَقَتْ» عطف على إصابة، أو يكون، و الأعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود.

و المعنى تمثيل حال من يفعل الأعمال الحسنة و يضمّ إليها ما يحبطها من رياء أو من أو أذى في الحسرة و الأسف، إذا كان يوم القيمة و اشتدّت حاجته إليها فوجدها محبطة، بحال من هذا شأنه، و أشبههم به من جال بسرّه في عالم الملكوت و ترقّى بفكره إلى جناب الجبروت ثمّ نكص على عقبيه إلى عالم الزور و التفت إلى ما سوى الحقّ و جعل سعيه هباء منثورا.

«كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللّٰهُ لَكُمُ الْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» فيها فتعتبرون بها.

و منها [في آل عمران 180] وَ لٰا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ من قرأ بالتاء [1] قدّر مضافا ليتطابق مفعولاه، و كذا من قرأ بالياء

____________

[1] و انظر أيضا المجمع ج 1 ص 543 و 546 و 552 و 553 تفسير الآيات 169 و 180 و 188 من سورة آل عمران و كذا روح المعاني ج 4 ص 120 و ص 123 و ص 133 الى ص 135 و الحجة لابن خالويه ص 92 و مسالك الافهام ج 2 ص 70 و ص 71 و التبيان

379

و جعل الفاعل ضمير الرسول أو من يحسب، و من جعله الموصول كان المفعول الأوّل عنده محذوفا لدلالة يبخلون عليه، و هو ينافي ما قيل من عدم جواز حذف أحد مفعولي باب حسبت، فكأنه محمول على الغالب، أو على الحذف منسيا. و «هو» فصل، و قرأ الأعمش بغير هو.

بَلْ هُوَ أي البخل و هو منع ما أوجبه اللّه شَرٌّ لَهُمْ لاستجلاب العقاب عليهم بيانه سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أى سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق [1] و قيل يجعل ما بخل من المال طوقا في عنقه، و الآية نزلت في مانعي الزكاة و هو المروي عن أبى جعفر (عليه السلام) و هو قول ابن مسعود و ابن عباس و السدّي، و قيل: يجعل في عنقه يوم القيمة طوق من نار عن النخعيّ، و قيل يكلّفون يوم القيمة أن يأتوا بما بخلوا من أموالهم عن مجاهد كذا في المجمع.

و في الكشّاف: قيل يجعل ما بخل به من الزكاة حيّة يطوّقها في عنقه يوم القيمة تنهشه من قرنه إلى قدمه و تنقر رأسه، و يقول أنا مالك. و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في مانع الزكاة يطوّق بشجاع أقرع و روى بشجاع أسود [2] و في رواياتنا قريب من

____________

ج 1 ص 380 و ص 381 و ص 385 و ص 386 ط إيران و فتح القدير للشوكانى ج 1 ص 369 و ص 370 و ص 374 و الخازن ج 1 ص 301 و ص 303 و ص 307 و النسفي بهامش الخازن و تفسير الإمام الرازي ج 9 ص 109 و ص 112 و ص 131.

[1] و لعل هذا المعنى هو الأنسب و هو نظير «وَ كُلَّ إِنسٰانٍ أَلْزَمْنٰاهُ طٰائِرَهُ فِي عُنُقِهِ» و البخل باللغات الأربع كقفل و عنق و نجم و جبل ان يمنع الإنسان الحق الواجب عليه و عليه فيشمل مانع الزكاة لأنها الحق الواجب و كاتم العلم كما سيشير اليه المصنف. و ورد في تفاسير أهل السنة كالقرطبي و ابن جرير و غيره عن ابن عباس انها نزلت في اليهود و بخلهم ببيان ما علموه من أمر محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و سيشير المصنف نقلا عن زبدة البيان إلى دلالة الاية على وجوب بذل العلم.

[2] انظر الدر المنثور ج 2 ص 105 و فتح الباري ج 4 ص 11 و نيل الأوطار ج 4 ص 125 و ص 126 و القرطبي ج 4 ص 291 ترى الحديث بهذا المضمون بألفاظ مختلفة كثيرة. قال في الفتح و المراد بالشجاع و هو بضم المعجمة ثم جيم الحية الذكر و فيه ان الأقرع الذي تقرع

380

ذلك في تفسير الآية فلنوردها:

منها في الحسن [1] عن محمّد بن مسلم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: ما من أحد منع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه ذلك يوم القيمة ثعبانا من نار مطوّقا في عنقه تنهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، ثمّ قال هو قول اللّه عزّ و جل «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» يعني ما بخلوا به من الزكاة:

و نحو ذلك في الموثق [2] عن أبى جعفر (عليه السلام).

____________

رأسه أي تمعط لكثرة سمه و فيه عن تهذيب الأزهري سمى أقرع لأنه يقري السم و يجمعه في رأسه و تتمعط فروة رأسه انتهى و التمعط سقوط شعر الرأس و الفروة على ما في اللسان جلدة الرأس و فروة الرأس أعلاه.

[1] الكافي ج 1 ص 141 باب منع الزكاة الحديث 1 و هو في المنتقى ج 1 ص 77 و في المرآت ج 3 ص 185 و عده المجلسي كما في المتن في الحسن لوجود إبراهيم بن هاشم في طريقه و قد نبهنا مرارا انه يعد من الصحيح.

[2] رواه في الفقيه ج 2 ص 6 بالرقم 14 و في عقاب الأعمال ط مكتبة الصدوق ص 278 الحديث 1 من عقاب مانع الزكاة و في الكافي ج 1 ص 142 الحديث 10 من باب منع الزكاة و هو في المرآت ج 3 ص 185 و في المنتقى ج 2 ص 76 و عده المجلسي من الصحيح و كذا في المنتقى عليه رمز الصحة و عبر عنه المصنف بالموثق لعله لما في إسماعيل بن مهران من الكلام من أجل تضعيف الغضائري إياه أو من جهة اشتراك ابن مسكان و ان كان المراد منه في الأغلب عبد اللّه بن مسكان.

و قد أورد الحديث في الوسائل الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة ج 6 ص 11 المسلسل 11425 عن الصدوق ثم قال و رواه الكليني عن على بن إبراهيم عن ابن ابى عمير عن عبد اللّه بن مسكان عن محمد بن مسلم و عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن مهران عن ابن مسكان ثم قال و رواه الصدوق في عقاب الأعمال.

قلت و هو خلط بين الحديثين فإن الذي هو في الكافي عن ابن مهران انما هو عن ابى جعفر كما في الفقيه و الذي رواه عن على بن إبراهيم انما هو عن ابى عبد اللّه و لم يبين صاحب الوسائل هذا الفرق بين الحديثين في الإمام المسئول عنه.

و العجب ان صاحب الوافي أيضا خلط بين الحديثين فقال في الجزء السادس ص 5

381

و في الحسن [1] عن حريز عن أبى عبد اللّه عليه الصلاة و السلام أنه قال: ما من ذي مال ذهب أو فضّة يمنع زكاة ماله إلّا حبسه اللّه عزّ و جلّ يوم القيمة بقاع قرقر، و سلّط عليه شجاعا أقرع يريده و هو يحيد عنه، فإذا رأى أنه لا مخلص له منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل ثمّ يصير طوقا في عنقه، و ذلك قول اللّه عز و جل «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» و ما من ذي مال إبل أو غنم أو بقر يمنع

____________

كا الثلاثة عن عبد اللّه بن مسكان عن يه محمد سألت أبا عبد اللّه حيث يستظهر منه ان المسئول عنه في حديث الفقيه أيضا أبو عبد اللّه مع كونه أبا جعفر ثم المذكور في الكافي المطبوع و المرآت في حديث ابى جعفر ابن مهران و لكن المحكى عنه في المنتقى و الوافي إسماعيل بن مهران.

و روى حديث ابى عبد اللّه في نور الثقلين عن الكافي ج 1 ص 343 بالرقم 549 و حديث ابى جعفر في ص 344 بالرقم 552 و روى حديث ابى عبد اللّه عن الكافي في البرهان ص 327 و روى حديث ابى عبد اللّه في قلائد الدرر عن الكافي ج 1 ص 266 في الحسن ثم قال و مثله رواه بسند صحيح و الظاهر انه يريد حديث ابى جعفر الذي صححه المجلسي و صاحب المعالم و صححه أيضا في الحدائق ج 12 ص 5.

و نظير الحديث أيضا في العياشي عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر في العياشي ج 1 ص 207 الرقم 158 و رواه في البحار ج 2 ص 6 و في المستدرك ج 1 ص 508 ثم في ألفاظ الحديث في المصادر التي سردناها قليل تفاوت لا يهمنا شرح تفصيل التفاوت من شاء فليراجع أصل المصادر.

[1] الحديث رواه في الكافي ج 1 ص 142 باب منع الزكاة الحديث 19 و هو في المرآت ج 3 ص 186 و حكم بحسنه و رواه في المنتقى ج 2 ص 76 جاعلا عليه رمز الحسن و حكمها بحسنه كما صنعه المصنف انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي أيدنا في مواضع متفرقة صحة الحديث من اجله.

و على اى فرواه في الفقيه أيضا ج 2 ص 4 الرقم 10 ط النجف و هو في عقاب الأعمال ط مكتبة الصدوق ص 279 الحديث 3 من عقاب مانع الزكاة و رواه أيضا في معاني الأخبار ط مكتبة الصدوق ص 335 و في المحاسن الباب 12 من كتاب عقاب الأعمال الحديث 26 ص 87 و رواه في البحار ج 20 ص 6 و في قلائد الدرر ج 1 ص 267 و في الحدائق ج 12 ص 5 و نور الثقلين ج 1 ص 344 الرقم 554 و الوافي الجزء السادس ص 5 عن الكافي

382

زكاة ماله إلّا حبسه اللّه يوم القيمة بقاع قرقر يطؤه كلّ ذات ظلف بظلفها و ينهشه كلّ ذات ناب بنابها، و ما من ذي مال نخل أو زرع يمنع زكاة مالها إلّا طوقه اللّه ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيمة.

و روى أيضا عن (1) أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما من ذي زكاة مال نخل أو زرع أو كرم يمنع زكاة ماله إلّا قلّده اللّه تربة أرضه يطوّق به من سبع أرضين إلى يوم القيمة.

و عنه (عليه السلام) (2) أيضا مانع الزكاة يطوق بحيّة قرعاء تأكل من دماغه، و ذلك قوله عز و جل «سَيُطَوَّقُونَ مٰا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ».

و في الحسن [3] عنه (عليه السلام) أيضا ما من عبد يمنع درهما في حقه إلّا أنفق اثنين في غير

____________

و الفقيه و رواه في الوسائل الباب 3 من أبواب ما تجب فيه الزكاة باب تحريم منع الزكاة ج 6 ص 10 المسلسل 11423.

و شرح اجزاء الحديث في الوافي و المنتقى و البحار و الحدائق و نحن يعجبنا نقل ما في الحدائق قال (قدس سره) بعد نقل الحديث: أقول القاع الأرض السهلة المطمئنة قد انفرجت عنها الجبال و القرقر الأرض المستوية اللينة و في بعض النسخ قفر و هو الخلاء من الأرض و شجاع بالضم و الكسر الحية أو الذكر منها أو ضرب منها و الحيد الميل و القضم بالمجمعة الأكل بأطراف الأسنان و الفحل بالمهملة الذكر من كل حيوان و من الإبل خاصة و هو المراد هنا و الريع بكسر الراء و فتحها ثم المثناة من تحت ثم المهملة المرتفع من الأرض واحدته بهاء انتهى.

و زاد في معاني الأخبار رواية فرق أيضا مكان قفر و قرقر ثم قال: و هو أيضا مثل القرقر و انشد:

كان أيديهن بالقاع القرق * * * أيدي عذارى يتعاطين الورق

[3] الحديث رواه في الفقيه ج 2 ص 6 الرقم 15 ط النجف عن عبيد بن زرارة عن

____________

(1) الوسائل ج 6 ص 14 المسلسل 11435 عن الكافي و رواه في المنتقى ج 2 ص 77 و قال انه من طريق فيه جهالة.

(2) الوسائل ج 6 ص 12 المسلسل 11428 و نور الثقلين ج 1 ص 344 الرقم 553 و البرهان ج 1 ص 327 و الحدائق ج 12 ص 5 و فيه: أقول القرعاء من الحيات ما سقط شعر رأسها لكثرة سمها.

383

حقّه و ما من رجل يمنع حقّا إلّا طوقه اللّه عز و جل به حيّة من نار يوم القيمة.

و في المجمع (1) و روى عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلّا جعل في عنقه شجاع يوم القيمة ثمّ تلا (عليه السلام) هذه الآية، و قال (عليه السلام) ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه يسأله من فضل أعطاه اللّه إياه فيبخل به عنه، إلّا أخرج اللّه له من جهنم شجاعا يتلمظ بلسانه حتّى يطوّقه، و تلا هذه الآية.

____________

ابى عبد اللّه و في التهذيب ج 4 ص 112 الرقم 328 و الكافي ج 1 ص 142 باب منع الزكاة الحديث 7 و المنتقى ج 2 ص 77 عن الكافي و التهذيب ثم بين اختلاف نسختي الكافي و التهذيب فان في التهذيب ما من رجل، مكان ما من عبد و حقا في ماله مكان حقا من ماله و طوقه اللّه حية مكان طوقه اللّه به حية و لم يرو حديث الفقيه و فيه أيضا قليل اختلاف لفظ.

و الحديث في المرآت ج 3 ص 185 و هو في الوافي الجزء السادس ص 6 عن الكافي و التهذيب و الفقيه و رواه في نور الثقلين أيضا ج 1 ص 344 الرقم 551.

و الحديث في الوسائل ج 6 ص 25 الباب 6 من أبواب ما تجب فيه الزكاة باب تحريم منع كل حق واجب في المال المسلسل 11482 كل ذلك عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد اللّه و روى الحديث في الكافي ج 1 ص 154 باب الزكاة تعطى غير أهل الولاية الحديث 2 و هو في المرآت ج 3 ص 194 و في التهذيب ج 4 ص 102 الرقم 290 مع ذيل طويل ثم قال في الكافي و عن زرارة مثله غير أنه قال الى آخر الحديث. و هو في التهذيب بالرقم 291 و رواه مع هذا الذيل في المنتقى ج 2 ص 115 ثم قال: قوله و عن زرارة معطوف على عبيد بن زرارة فهو متصل بالإسناد السابق.

و قد حكم بحسن الحديث في المرآت في الموضعين و عليه في المنتقى رمز الحسن كما حكم به المصنف هنا لكون إبراهيم بن هاشم في الطريق و ترى الحديث الثاني في الوافي الجزء السادس ص 28 و قد روى في الوسائل ذيل الحديث الثاني في ج 6 ص 147 الباب 2 من أبواب المستحقين للزكاة المسلسل 11868 و قوله عن زرارة مثله بالمسلسل 11869 و ترى صدر الحديث و هو ما نقله المصنف هنا في المقنعة أيضا مرسلا.

____________

(1) رواهما في المجمع ج 1 ص 546 و القرطبي ج 4 ص 291 و الأول منهما في سنن ابن ماجة مع يسير تفاوت ص 568 بالرقم 1784 و روى الثاني منهما خاصة في روح المعاني ج 4 ص 124.

384

ثمّ قال: و روى عن ابن عباس (1) أنّ المراد بالآية الّذين يبخلون ببيان صفة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الفضل هو التورية الّتي فيها صفته و لا يخفى أنّ التخصيص بذلك بعيد جدا، نعم شمول ذلك على وجه العموم محتمل، و لهذا قال شيخنا (2) (قدّس اللّه روحه):

و لا يبعد جعلها دليلا على وجوب بذل نحو العلم إلى كلّ من يستحقّه لطلبه، و يحتاج إليه مع عدم مانع من تقيّة و نحوها لعمومها، و عدم منافاة ما روي في تفسيرها و كذا ورودها في زكاة المال لو سلّم لعدم كون خصوص السبب مخصّصا لأنّ المدار على ظاهر اللفظ و مقتضاه على حسب القوانين كما ثبت في الأصول، و لا ينافيه «سَيُطَوَّقُونَ» خصوصا بالمعنى الأول.

و يؤيّده ما روي في ذلك من الأخبار مثل ما روى [3] عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من كتم علما عن أهله الجم بلجام من نار، و ما روى [4] عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما أخذ اللّه

____________

[3] أخرجه في الجامع الصغير عن الكامل لابن عدى بلفظ من كتم علما عن أهله الجم يوم القيمة لجاما من نار عن ابن مسعود بالرقم 8988 ج 6 ص 212 فيض القدير و ضعفه و قال المناوى في الشرح انه مروي بإسناد صحيح بلفظ من كتم علما ألجمه اللّه بلجام من نار و نقل قوة سند لفظ من علم علما فكتمه ألجمه اللّه يوم القيمة بلجام من نار عن الذهبي و رواه في المجمع ج 1 ص 241 تفسير الآية 159 من سورة البقرة بلفظ من سئل عن علم يعلمه فكتمه الجم يوم القيمة بلجام من نار.

و روى الحديث في البحار ج 1 ص 89 عن غوالي اللئالي بلفظ من كتم علما نافعا ألجمه اللّه يوم القيمة بلجام من نار و قد عقد المجلسي بابا مخصوصا في النهي عن كتمان العلم انظر البحار ط كمپانى من ص 85 الى ص 90.

[4] هذا هو الرقم 470 من المختار من الحكم من نهج البلاغة و روى الحديث أيضا في أصول الكافي عن ابى عبد اللّه عن كتاب على باب بذل العلم الحديث 1 انظر شرح ملا- صالح ج 2 ص 132 مع تفاوت في اللفظ و رواه في البحار عن غوالي اللئالي بلفظ النهج ج 1 ص 89 ط كمپانى و رواه في زبدة البيان أيضا ص 206 كذلك كما في المتن.

____________

(1) رواه في المجمع كما افاده المصنف و رواه في روح المعاني عن ابن جرير و ابن ابى حاتم عن ابن عباس.

(2) انظر زبدة البيان ص 206 ط المرتضوي.

385

على أهل الجهل أن يتعلّموا حتّى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا فليتأمل.

وَ لِلّٰهِ مِيرٰاثُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ أي له ما يتوارث أهلهما من مال و غيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه و لا ينفقونه في سبيل اللّه فيتركون للغير فيكون عليهم وزره و للغير نفعه أو أنه يرث منهم ما يمسكونه و لا ينفقون في سبيله بهلاكهم، و يبقى عليهم الحسرة و العقوبة.

وَ اللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ من المنع و الإعطاء خَبِيرٌ فيجازيكم على حسبه، و فيه تأكيد للوعد و الوعيد، و قرئ بالتاء على الالتفات [1] و هو أبلغ خصوصا في الوعيد.

[لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمٰا أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمٰا لَمْ يَفْعَلُوا فَلٰا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفٰازَةٍ مِنَ الْعَذٰابِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ] [آل عمران: 188] [2]

____________

[1] انظر المجمع ج 1 ص 546 و روح المعاني ج 4 ص 124 و البدور الزاهرة ص 72 و انظر بحث الالتفات في أنوار الربيع ط 1389 ج 1 من ص 362 الى ص 385 و شروح التلخيص و المطول أواخر باب المسند اليه و خزانة الأدب للحموي ص 59 و البرهان في علوم القرآن للزركشى ج 2 من ص 314 الى ص 338 و الإتقان للسيوطي النوع الثامن و الخمسين ج 2 من ص 85 الى ص 87 و العمدة لابن رشيق ج 2 ص 45 و المثل السائر ط 1381 ج 2 ص 170 و بديع القرآن لابن أبي الإصبع من ص 42 الى ص 45 و نهاية الارب للنويرى ج 7 ص 116 و شرح نهج البلاغة للخوئى ط الإسلامية ج 1 من ص 170 الى ص 174 و البحث لطيف جدا حقيق بالمراجعة يطول لنا الكلام ان حاولنا شرحه.

[2] هذه الآية لم يتعرض لها في كنز العرفان و مسالك الافهام و قلائد الدرر و قد تعرض لها في زبدة البيان ص 206 ط المرتضوي آخر كتاب الزكاة و لم يتعرض لها المصنف في المتن و لعل إعراضه أولا لما راى من عدم تناسبها كتاب الزكاة فغض عن التعرض لشرحها و بيان ما فيها أولا ثم توجه الى ان الغض عنها لعله يعد سوء أدب بالنسبة إلى شيخه المحقق الأردبيلي (قدس سره) فتعرض لها في الهامش.

مع ان للاية مع التوجه الى ما ورد في شأن نزولها في كتب التفسير مناسبة مع الآية 180 آل عمران السالفة حيث قد بينا هناك ان البخل بلغاته الأربع بمعنى منع الحق الواجب و هو في المال منع الزكاة و في العلم كتمانه و قد تعرض في الآية التي قبل هذه الآية اعنى الآية 187 من سورة آل عمران ذم كتمان العلم.

386

الخطاب لرسول اللّه و أحد المفعولين «الَّذِينَ يَفْرَحُونَ» و الثاني «بِمَفٰازَةٍ» و «فَلٰا تَحْسَبَنَّهُمْ» تأكيد. و قرئ بضمّ الباء فيهما على خطاب الرسول و المؤمنين، و بالياء و فتح الباء فيهما على أنّ الفعل للرسول.

و قرء أبو عمرو بالياء و فتح الباء في الأوّل، و ضمّها في الثاني، على أن الفعل للّذين يفرحون، فمفعولاه محذوفان يدل عليهما مفعولا مؤكدة، أو المفعول الأول محذوف و قوله «فَلٰا تَحْسَبَنَّهُمْ» تأكيد للفعل و فاعله و مفعوله الأول.

روى (1) أنّ رسول اللّه سأل اليهود عن شيء ممّا في التوراة فكتموا الحق و أخبروه بخلافه و أروه أنهم قد صدقوه و استحمدوا إليه و فرحوا بما فعلوا، فاطلع اللّه نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) على ذلك و سلّاه بما أنزل من وعيدهم.

و قيل يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من اتباع دين إبراهيم، حيث ادعوا أن إبراهيم كان على اليهوديّة و أنّهم على دينه.

و قيل: هم قوم تخلّفوا عن الغزو مع رسول اللّه، فلمّا قفل اعتذروا إليه بأنّهم رأوا المصلحة في التخلّف و استحمدوا إليه بترك الخروج.

و قيل: هم المنافقون يفرحون بما أتوا من إظهار الايمان للمسلمين و منافقتهم

____________

و لذا روى عند تفسيرها في المجمع ج 1 ص 552 و الكشاف حديث على (عليه السلام) المار هناك من انه ما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم ان يعلموا فرجع المصنف عن الإغماض و الغض فرأى شرح الآية مناسبا مع البحث السابق و ما ذكر في شأن نزول الآية و مع ذلك كان التعرض لها إظهار أدب بالنسبة إلى شيخه المحقق الأردبيلي (قدس سره) فتعرض لها في الهامش.

ثم ان أحسن ما قيل في معنى هذه الآية و المراد منها ما بينه في تفسير المنار ج 4 من ص 288 الى ص 295 فراجع فإنه لا يخلو من لطف و دقة و هو المناسب للحديث المروي في الدر المنثور ج 2 آخر الصحيفة 109 عن ابن ابى حاتم عن محمد بن كعب القرظي.

____________

(1) الكشاف تفسير الآية 188 من سورة آل عمران.

387

و توصّلهم بذلك إلى أغراضهم و يستحمدون إليهم بالإيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة لا بطانهم الكفر.

في الكشّاف: و يجوز أن يكون شاملا لكلّ من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب و يحبّ ان يحمده الناس و يثنوا عليه بالديانة و الزهد و بما ليس فيه.

و في إحياء العلوم [1] نقل خبر لو صحّ لهلكنا: روى انّه ذكر أحد في حضرة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بمدح فقال: لو رضي بما قلتم فيه لدخل النار.

قال شيخنا (2) (قدّس اللّه روحه): تكفى هذه الآية حملا لها على ما في الكشاف، و قد صرّح به و ذهب إليه، و فيه نظر، لأنّ ظاهر الآية مع قطع النظر عمّا روى و قيل ذم الذين يفرحون بالذي أتوا به أيّ شيء كان حسنا أو قبيحا، و الفرح بالحسنة لا يستلزم ذلك و لا هو عينه، اللهمّ إلّا ان يكون «ما» نكرة بمعنى شيء و هو خلاف الظاهر فليتأمّل فيه.

و اعلم انّ العجب من المهلكات: عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) [3]: ثلاث مهلكات: شحّ

____________

[1] انظر الأحياء ط المطبعة العثمانية 1352 ج 3 ص 248 كتاب ذم الجاه و الرياء و في المغني للزين العراقي المطبوع ذيله: لم أجد للحديث أصلا و ترى الحديث أيضا في اتحاف السادة المتقين شرح احياء علوم الدين ج 8 ص 254 قال الزبيدي في الشرح: قال العراقي لا أصل للحديث.

و تراه أيضا في المحجة البيضاء ج 6 ص 133 و نقل الغفاري في ذيله عن العراقي انه لا أصل له قلت: و الحديث حقيق بان لا يكون له أصل كيف و قد بين لنا أئمتنا ميزانا به يتميز الحديث الصحيح عن السقيم و هو الموافقة لكتاب اللّه العزيز الكريم و مخالفته له و قد أشرنا إلى مصادره في تعاليقنا على مسالك الافهام ج 1 ص 12.

و الحديث المذكور في الأحياء مخالف للكتاب إذ فيه مخاطبا لنبيه (ص) و رفعنا لك ذكرك الآية 4 سورة الانشراح و في سورة الزخرف الآية 44 و انه لذكر لك و لقومك فتدبر جيدا.

[3] الحديث مروي في عدة الداعي ص 172 و تراه في مواضع شتى من كتب الفريقين منفردا أو في ضمن مطالب أخر فلا حاجة لنا الى تخريج الحديث بوجوهه و مع ذلك فراجع

____________

(2) انظر زبدة البيان ص 207 ط المرتضوي.

388

مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه. قال في العدّة: و هو محبط للعمل، و العجب إنّما هو الابتهاج بالعمل الصالح و استعظامه و ان يرى نفسه خارجا عن حدّ التقصير، و هذا مهلك.

و امّا السرور به مع التواضع للّه جلّ جلاله و الشكر على التوفيق لذلك و طلب الاستزادة فحسن محمود. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سرّته حسنته و ساءته سيّئته فهو مؤمن [1]، و اللّه اعلم].

____________

من كتب الشيعة الوسائل الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات من ص 73- الى- ص 80 ط الإسلامية و مستدرك الوسائل ج 1 ص 16 و جامع أحاديث الشيعة الباب 15 من أبواب المقدمات من ص 109 الى ص 113.

و انظر من كتب أهل السنة فيض القدير ج 3 ص 306 و ص 307 الرقم 3471 و 3472 من الجامع الصغير و احياء العلوم الطبعة المتقدمة ج 3 ص 316 و قال الزين العراقي في ذيله: تقدم غير مرة.

[1] الحديث رواه في عدة الداعي ص 175 عن على (ع) و قد روى الحديث عن النبي و عن ابى عبد اللّه في كتب الشيعة انظر الوسائل الباب 24 من أبواب مقدمة العبادات ج 1 ص 80 و ص 81 من المسلسل 259 الى 261 و مستدرك الوسائل ص 17 و ص 18 و الباب 17 من أبواب المقدمات من جامع أحاديث الشيعة ص 122 من الرقم 926 الى 929.

و ترى الحديث بهذا المضمون في كتب أهل السنة عن النبي (ص) ففي الترمذي الباب 7 من أبواب الفتن باب لزوم الجماعة عن عمر عن النبي (ص) انظر تحفة الاحوذى ج 3 ص 207 و الجملة آخر الحديث و كذا أخرجه أحمد في المسند ج 1 ص 18 و ص 26 عن عمر عن النبي (ص) مع ادنى تفاوت في اللفظ و الجملة آخر الحديث.

و كذا أخرجه في ج 3 ص 446 عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن أبيه و اللفظ فيه من سائته سيئته و سرته حسنته فهو مؤمن و أخرجه في ج 4 ص 398 عن ابى موسى عن النبي و اللفظ فيه من عمل حسنة فسر بها و عمل سيئة فسائته فهو مؤمن و في ج 5 ص 251 و 252 و 256 عن أبي امامه و اللفظ في الأول إذا سائتك سيئتك و سرتك حسنتك فأنت مؤمن و في الثاني و الثالث 252 و 256 إذا سرتك حسنتك و سائتك سيئتك فأنت مؤمن. عند سؤال رجل عن النبي (ص) عن الايمان.

389

____________

و روى الحديث في الجامع الصغير ج 6 فيض القدير ص 152 بالرقم 8751 عن الطبراني في الكبير عن ابى موسى بلفظ من سرته حسنته و سائته سيئته فهو مؤمن و شرح الحديث المناوى ثم نقل رواية الطبراني عن أبي امامة و فيه قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح و فيه أخرجه النسائي في الكبرى عن عمر و قال الحافظ العراقي في أماليه صحيح على شرط الشيخين و نقل عن- العراقي صحة حديث أحمد أيضا.

قال العلامة المجلسي في المرآت ج 2 ص 209 عند شرح الحديث 6 من باب المؤمن و علاماته و صفاته عند شرح هذا الحديث من سرته حسنته و سائته سيئته فهو مؤمن: المروي عن- ابى عبد اللّه من سرته حسنة اى حسنة نفسه أو أعم من ان يكون من نفسه و من غيره.

و يؤيد الأول ان في بعض النسخ حسنته و سيئته كما في كتاب صفات الشيعة و السرور بالحسنة لا يستلزم العجب فإنه يمكن ان يكون عند نفسه مقصرا في الطاعة لكن يسر بان لم يتركها رأسا و كان هذا اولى مراتب الايمان مع ان السرور الواقع بالحسنة يستلزم السعي في- الإتيان بكل حسنة و المساءة الواقعية بالسيئة يستلزم التنفر عن كل سيئة و الاهتمام بتركها و هذان من كمال الايمان انتهى ما في المرآت.

قد تم المجلد الأول من شرح آيات الأحكام للعلامة المحقق و الأستاد المدقق السيد السند و العالم المؤيد الرجالي المعروف الآقا ميرزا محمد الاسترآبادي تغمده اللّه بغفرانه و يتلوه المجلد الثاني و اوله كتاب الخمس.

آيات الأحكام في تفسير كلام الملك العلام (للأسترآبادي)


تأليف

محمد بن علي بن ابراهيم الاسترابادي


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org