بسم الله الرحمن الرحيم
لمحة من حياة المؤلف(1)
اسمه واسم أبيه:
اتّفقت المصادر المترجمة له على أنّ اسمه "الحسن" ولكنّها اختلفت اختلافاً شديداً في اسم أبيه.
قال صاحب أعيان الشيعة في ترجمته: اقتصر بعضهم في اسم أبيه على أبي الحسن، وبعض سمّاه محمّداً ولم يذكر أبا الحسن، وبعض قال: الحسن بن أبي الحسن محمد، فجعل كنية أبيه أبا الحسن واسمه محمد، وبعضهم قال: الحسن بن أبي الحسن بن محمد.
وعنونه في الرياض مرّة الحسن بن أبي الحسن محمد، واُخرى الحسن بن أبي الحسن بن محمد.
وعنونه صاحب أمل الآمل: الحسن بن محمد الديلمي.
____________
1- أخذنا أكثر هذه الترجمة من مقدّمة كتاب "أعلام الدين في صفات المؤمنين" للمؤلف، والذي عنى بتحقيقه ونشره مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث.
الصفحة 6
قال صاحب الرياض: لعلّه كان في نسخة صاحب الأمل لفظة "ابن" بعد أبي الحسن ساقطة، فظنّ أنّ أبا الحسن كنية والده محمد فأسقط الكنية رأساً ولعلّه سهواً.
وقال: السيد الأمين أيضاً: وفي صدر نسخ ارشاده وكذا في بعض المواضع منه: الحسن بن محمد الديلمي.
أقول: الصواب انّه الحسن بن أبي الحسن محمد، وأبو الحسن كنية أبيه واسم أبيه محمد، أمّا الحسن بن أبي الحسن بن محمد فزيادة "ابن" قبل محمد من سهو النسّاخ، ومثله يقع كثيراً، فحين يرى الناظر الحسن بن أبي الحسن محمد يسبق إلى ذهنه زيادة ابن قبل محمد.
انتهى ما ذكره السيد الأمين في ج5/250 من أعيان الشيعة.
وعاد في ج4/629 أيضاً قائلا: الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي، يأتي في ترجمة الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي، احتمال أن يكون أبو الحسن كنية والده واسمه، وأن يكون محمد اسم جدّه، فراجع.
هذا مجمل القول في اختلافهم في اسم أبيه، والذي نطمئنّ إليه ما جاء في بداية ارشاد القلوب، حيث يقول ما نصّه: "يقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه ورضوانه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي، جامع هذه الآيات من الذكر الحكيم".
وقال في ص97 من كتاب أعلام الدين في صفات المؤمنين: "يقول العبد الفقير إلى رحمة الله وعفوه، الحسن بن عليّ بن محمد بن الديلمي...".
وهذا ما يحلّ المشكلة في اسم أبيه، إذ تبيّن من كتاب ارشاد القلوب انّ كنية أبيه "أبو الحسن"، وتبيّن من كتاب أعلام الدين انّ اسم أبيه "عليّ" وعليّ يكنّى أبا الحسن، فيكون محمد جدّاً للمؤلّف، فالمحصل انّ المؤلف هو: الحسن بن أبي الحسن عليّ بن محمد الديلمي.
الصفحة 7
القول في طبقته وعصره:
ينقسم العلماء في تحديد طبقة المترجم له إلى قسمين:
الأوّل: يرى انّه من المتقدّمين على الشيخ المفيد أو من معاصريه، وهو ما ذهب إليه صاحب الرياض، ونقله عنه السيد الأمين في الأعيان، وهذا الرأي غير صحيح كما سيتّضح لك.
الثاني: يرى انّ المؤلف كان معاصراً للعلاّمة الحلّي (726 هـ) أو الشهيد الأول (786 هـ) أو متأخراً عنهما بقليل، وانّه معاصر لفخر المحقّقين ابن العلاّمة الحلّي المتوفي سنة (771) أي انّه من أعلام المائة الثامنة، وهذا ما ذهب إليه السيد الخوانساري في الروضات، والشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة.
وممّا يؤيّد هذا الرأي اُمور:
1 ـ انّ الديلمي نقل في الجزء الأوّل من ارشاد القلوب في الباب الثاني والخمسون والثالث والخمسون عن كتاب ورّام، فهو متأخّر عن الشيخ ورّام المتوفي سنة (605) قطعاً.
2 ـ انّه قال في الجزء الثاني من ارشاد القلوب: "... فإنّ علماء الشيعة رضوان الله عليهم قد ألّفوا في فضائله [أي فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)] والأدلة على امامته كتباً كثيرة، من جملتها كتاب واحد من جملة تصانيف الشيخ الأعظم، والبحر الخضم، ينبوع الفضائل والحكم، جمال الإسلام والمسلمين، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي قدّس الله روحه الزكية، سمّاه كتاب الألفين، فيه ألف دليل من الكتاب العزيز..." فيكون اذاً متأخراً عنه أو معاصراً له لأنّ العلاّمة توفى سنة (726).
الصفحة 8
مضافاً إلى انّه ذكر في الجزء الثاني روايات كثيرة من كتاب المناقب للخوارزمي المتوفي سنة (568) وذكر حكايتين من كتاب تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي المتوفي سنة (654).
3 ـ انّ المترجم له قال في كتاب "غرر الأخبار" ما لفظه: "وفي كتاب العيون والمحاسن للشيخ المفيد... وقال بعد ذكر ما جرى من بني اُمية ثمّ من بني العباس على المسلمين بتأثير اختلاف ملوك المسلمين شرقاً وغرباً في ضعف الإسلام وتقوية الكفّار ـ إلى قوله ـ فالكفّار اليوم دون المائة سنة قد أباحوا المسلمين قتلا ونهباً"(1).
فيظهر من هذا النص انّه ألّف كتابه المذكور بعد انقراض دولة بني العباس في سنة (656) بما يقرب من مائة سنة، أي أواسط المائة الثامنة.
وعلى هذا يمكن حصر طبقة المترجم له والفترة التي عاش فيها من ما بعد سنة (726) إلى ما قبل سنة (841) (بما أنّ ابن فهد الحلّي المتوفى سنة (841) روى عنه في كتاب عدّة الداعي) تقريباً، وهذا الاحتمال أقرب للواقع.
أقوال العلماء فيه:
1 ـ الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل 2/77: "كان فاضلا محدّثاً صالحاً".
2 ـ وقال العلامة المجلسي في البحار 1/16 بعد ذكر مؤلّفاته: "كلّها للشيخ العارف أبي محمد الحسن بن محمد الديلمي".
وفي 1/33 بعد ذكر كتابي أعلام الدين وغرر الأخبار: "وإن كان يظهر من الجميع ونقل الأكابر عنهما جلالة مؤلّفهما".
____________
1- راجع الذريعة 16: 36.
الصفحة 9
3 ـ الميرزا عبد الله أفندي في رياض العلماء 1/338: "الشيخ العارف أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي قدّس الله سرّه، العالم المحدّث الجليل المعروف بالديلمي".
4 ـ السيد الخوانساري في روضات الجنّات 2/291: "العالم العارف الوجيه أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي، الواعظ المعروف الذي هو بكلّ جميل موصوف... وبالجملة فهذا الشيخ من كبراء أصحابنا المحدّثين".
5 ـ السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة 5/250: "هو عالم عارف عامل محدّث كامل وجيه، من كبار أصحابنا الفضلاء في الفقه والحديث والعرفان والمغازي والسير".
6 ـ الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب 2/212: "أبو محمد الحسن بن أبي الحسن محمد الديلمي الشيخ المحدّث الوجيه النبيه".
7 ـ وقال أيضاً في الفوائد الرضوية ص94: "قال صاحب التكملة: الحسن بن أبي الحسن الديلمي صاحب كتاب ارشاد القلوب، كان هذا الشيخ من أهل القرن السابع، ومن كبار أصحابنا الفضلاء في الفقه والحديث والعرفان والمغازي والسير...".
بعض سلوكه وأحواله:
في تواضعه لله تعالى:
قال في كتاب ارشاد القلوب، الباب الثاني والثلاثون: "... كنت في شبيبتي إذا دعوت بالدعاء المقدم على صلاة الليل، ووصلت إلى قوله: "اللّهمّ انّ ذكر الموت وهول المطلع والوقوف بين يديك نغّصني مطعمي ومشربي، وأغصني بريقي، وأقلقني عن وسادي، ومنعني رقادي" أخجل حيث لا أجد هذا كلّه في نفسي،
الصفحة 10
فاستخرجت له وجهاً يخرجه عن الكذب، فأضمرت في نفسي انّي أكاد أن يحصل عندي ذلك.
فلمّا كبرت السن، وضعفت القوّة، وقربت سرعة النقلة إلى دار الوحشة والغربة ما بقي يندفع هذا عن الخاطر، فصرت ربّما أرجو أن لا اُصبح إذا أمسيت، ولا اُمسي إذا أصبحت، ولا إذا مددت خطوة أن أتبعها اُخرى، ولا أن يكون في فمي لقمة أسيغها، فصرت أقول: "اللّهمّ انّ ذكر الموت وهول المطلع والوقوف بين يديك نغّصني مطعمي ومشربي، وأغصني بريقي، وأقلقني عن وسادي، ومنعني رقادي، ونغّص عليّ سهادي، وابتزّني راحة فؤادي.
الهي وسيّدي ومولاي مخافتك أورثتني طول الحزن، ونحول الجسد، وألزمتني عظيم الهمّ والغم ودوام الكمد، وأشغلتني عن الأهل والولد والمال والعبيد، وتركتني مسكيناً غريباً وحيداً، وإن كنت بفناء الأهل والولد، ما أحسّ بدمعة ترقأ من أماقي، وزفير يتردّد بين صدري والتراقي.
سيّدي فبرّد حزني ببرد عفوك، ونفّس غمّي وهمّي ببسط رحمتك ومغفرتك، فإنّي لا آمن إلاّ بالخوف منك، ولا أعزّ إلاّ بالذل لك، ولا أفوز إلاّ بالثقة بك والتوكل عليك يا أرحم الراحمين وخير الغافرين".
في غربته:
قد ابتلى المؤلّف بالغربة والوحشة وضيق ذات اليد، وهذا ما تنبأ له والده، قال المؤلف في كتاب أعلام الدين ص326 بعد ذكر عدّة آيات في الموالاة في الله والمعاداة فيه:
"يقسم بالله جلّ جلاله مملي هذا الكتاب: انّ أوثق وأنجح ما توخّيته فيما بيني وبين الله عزوجل بعد المعرفة والولاية هذا المعنى، ولقد فعل الله تعالى معي به كلّ
الصفحة 11
خير، وإن كان أكسبني العداوة من الناس، فقد ألبسني ثوب الولاية لله تعالى، لأنّ الله تعالى علم منّي مراعاة هذا الأمر صغيراً وكبيراً، وما عرفني به معرفة صحيحة غير والدي رحمه الله، فإنّه قال لي يوماً من الأيام: يا ولدي، أنت تريد الأشياء بيضاء نقيّة خالية من الغشّ من كلّ الناس، وهذا أمر ما صحّ منهم لله، ولا لرسوله، ولا لأمير المؤمنين، ولا لأولاده الأئمة (عليهم السلام)، فإذاً تعيش فريداً وحيداً غريباً فقيراً، وكان الأمر كما قال، ولست بحمد الله بندمان على ما فات حيث كان في ذلك حفاظ جنب الله تعالى، وكفى به حسيباً ونصيراً".
وقال في مدح الحزن في ارشادالقلوب، الباب الثاني والثلاثون: "ليس العجب من أن يكون الإنسان حزيناً بل العجب أن يخلو من الحزن ساعة واحدة...".
في ذمّه لعلماء السوء:
قال رحمه الله في الباب السابع عشر من كتاب ارشاد القلوب في ذمّ علماء السوء: "... ومثل ذلك مثل رجل كان عطشاناً فرأى جرّة مملوّة فيها ماء، فأراد أن يشرب منها فقال له رجل: لا تدخل يدك فيها فإنّ فيها أفعى يلسعك وقد ملأها سمّاً، فامتنع الرجل من ذلك، ثمّ انّ المخبر بذلك أخذ يدخل يده فيها، فقال العطشان: لو كان فيها سمّاً لما أدخل يده.
وكذلك حال الناس مع علماء السوء، زهدوا الناس في الدنيا ورغبوا هم فيها، وحسنوا إليهم أفعالهم، ووعدوهم بالسلامة، لا بل قالوا لهم: قد رأينا لكم المنامات بعظيم المنازل والقبول...".
في شعره:
قال في أعلام الدين:
الصفحة 12
تخيّر قريناً من فعالك صالحاً * * * يُعِنْكَ على هول القيامة والقبر
ويسعى به نوراً لديك ورحمة * * * تعمّك يوم الروع في عرصة الحشر
وتأتي به يوم التغابن آمن * * * أمانك في يمناك من روعة النشر
فما يصحب الإنسان من جلّ ماله * * * سوى صالح الأعمال أو خالص البر
بهذا أتى التنزيل في كلّ سورة * * * يفصّلها ربّ الخلائق في الذكر
وفي سنّة المبعوث للناس رحمة * * * سلام عليه بالعشي وفي الفجر
حديث رواه ابن الحصين خليفة * * * يحدّثه قيس بن عاصم ذو الوفر
قاله بعد ذكر حديث عن خليفة بن الحصين، وقال أيضاً في ارشاد القلوب:
لا تنسوا الموت في غم ولا فرح * * * والأرض ذئب وعزرائيل قصّاب
وقال أيضاً:
صبرت ولم اُطلع هواي على صبري * * * وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي * * * إلى دمعتي سرّاً فيجري ولا أدري
مؤلّفاته:
1 ـ الأربعون حديثاً:
ذكره الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة، قال: "قال الفاضل المعاصر الشيخ علي اكبر البجنوردي: انّه كانت عندي نسخة منه وتلفت، وكان أوّل أحاديثه حديث جنود العقل والجهل، وثالثها حديث الغدير"(1).
____________
1- الذريعة 1: 414.
الصفحة 13
2 ـ غرر الأخبار ودرر الآثار في مناقب الأطهار:
ذكر الشيخ آقا بزرك الطهراني في الذريعة وقال: "ينقل عنه المجلسي في أوّل البحار، وأيضاً ينقل عن الغرر المولى محمد حسين الكوهرودي المعاصر المتوفي بالكاظمية في (1314 هـ) في تأليفاته كثيراً، منها حديث الكساء بالترتيب الموجود في منتخب الطريحي باختلاف يسير جداً، بأسانيد عديدة".
وقال أيضاً: "وينقل في الغرر أيضاً عن كتاب "نزهة السامع" الملقّب بالمحبوبي جملة من مطاعن معاوية وفضائحه، وينقل فيه أيضاً عن كتاب "السقيفة" رواية أبي صالح السليل أحمد بن عيسى.
وذكره الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب قائلا: "وله كتاب غرر الأخبار ودرر الآثار... قيل انّ حديث الكساء المشهور الذي يعدّ من متفرّدات منتخب الطريحي موجود في غرر هذا الشيخ".
3 ـ أعلام الدين في صفات المؤمنين:
وقد عنى بتحقيقه وطبعه مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لاحياء التراث.
وهو كتاب مهمّ نقل فيه تمام كتاب "البرهان على ثبوت الايمان" لأبي الصلاح الحلبي، ونقل أيضاً "الأربعون الودعانيّة" بكاملها، وهي أربعون حديثاً رواها ابن ودعان الموصلي.
4 ـ ارشاد القلوب إلى الصواب المنجي من عمل به من أليم العقاب:
وهو هذا الكتاب الذي بين يديك، ويعدّ من أشهر مؤلفاته ويعرف بارشاد الديلمي، نقل عنه العلامة المجلسي في البحار، وقال عنه: "وكتاب ارشاد القلوب
الصفحة 14
كتاب لطيف مشتمل على أخبار متينة غريبة"(1).
واعتمده الشيخ الحرّ في موسوعته وسائل الشيعة، وعنونه في الفائدة الرابعة من خاتمة الكتاب بعد أن قال: "الفائدة الرابعة: في ذكر الكتب التي نقلت منها أحاديث هذا الكتاب، وشهد بصحّتها مؤلّفوها وغيرهم، وقامت القرائن على ثبوتها، وتواترت عن مؤلّفيها، أو علمت صحّة نسبتها إليهم، وقامت بحيث لم يبق فيها شك ولا ريب، كوجودها بخطوط أكابر العلماء، وتكرّر ذكرها في مصنّفاتهم، وشهادتهم بنسبتها، وموافقة مضامينها لروايات الكتب المتواترة، أو نقلها بخبر واحد محفوف بالقرينة، وغير ذلك وهي... كتاب الارشاد للديلمي الحسن بن محمد".
وقال عنه الشيخ آقا بزرك الطهراني: "وهو كتاب جليل قرّظه السيد عليّ صدر الدين المدني المتوفّي سنة (1120) برباعيّتين، إحداهما:
إذا ضلّت قلوب عن هداه * * * فلم تدر العقاب من الثواب
فأرشدها جزاك الله خير * * * بارشاد القلوب إلى الصواب
وثانيتهما:
هذا كتاب في معانيه حسن * * * للديلمي أبي محمد الحسن
أشهى إلى المضني العليل من الشف * * * وألذّ للعينين من غمض الوسن(2)
وذكره اسماعيل باشا في ايضاح المكنون قائلا: "ارشاد القلوب إلى الصواب المنجي من عمل به من أليم العقاب، للشيخ أبي محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد، الواعظ الشيعي"(3).
____________
1- البحار 1: 33.
2- الذريعة 1: 517.
3- ايضاح المكنون 3: 62.
الصفحة 15
وقال السيد الخوانساري في الروضات: "وله كتب ومصنّفات منها كتاب ارشاد القلوب في مجلّدين، رأيت منه نسخاً كثيرة، وينقل عنه صاحب الوسائل والبحار كثيراً، معتمدين عليه"(1).
يقع الكتاب في مجلّدين، المجلّد الأوّل في المواعظ والنصائح ونحوها، والمجلّد الثاني في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).
قال الشيخ الحرّ بعد الثناء على المؤلّف: "له كتاب ارشاد القلوب مجلّدان"(2).
وقد شكّك صاحب الرياض في نسبة المجلّد الثاني من الكتاب للديلمي وقال: "وبالجملة المجلّد الثاني من كتاب ارشاده كثيراً ما يشتبه الحال فيه، بل لا يعلم الأكثر انّه المجلّد الثاني من ذلك الكتاب"(3).
وقال السيد الخوانساري: "إلاّ انّ في كون المجلّد الثاني منه المخصوص بأخبار المناقب تصنيفاً له أو جزءاً من الكتاب نظراً بيّناً، حيث انّ وضعه كما استفيد لنا من خطبته على خمس وخمسين باباً كلّها في الحكم والمواعظ، فبتمام المجلّد الأوّل تتصرّم عدّة الأبواب، مضافاً إلى أنّ في الثاني توجد نقل أبيات في المناقب عن الحافظ رجب البرسي، مع انّه من علماء المائة التاسعة"(4).
وقال السيد الأمين بعد ذكره قول الميرزا الأفندي والسيد الخوانساري: "ويرشد إليه ما ستعرف من اسمه الدال على انّه في المواعظ خاصة"(5).
ويقوى هذا التشكيك انّه لا يوجد في الجزء الثاني من الكتاب ما يدلّ على كونه للديلمي، مع انّه يذكر في المجلّد الأوّل عدّة مرّات عبارات تؤكّد نسبته إليه،
____________
1- روضات الجنات 2: 291.
2- أمل الآمل 2: 77.
3- رياض العلماء 1: 340.
4- روضات الجنات 2: 291.
5- أعيان الشيعة 5: 250.
الصفحة 16
مثل عبارة: "يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه الحسن بن محمد الديلمي تغمّده الله برحمته"، وغيرها، ولكن لا توجد أيّ عبارة هكذا وعلى هذا السياق العام للكتاب في الجزء الثاني.
وأيضاً فقد ذُكر في الجزء الثاني ـ في النسخة المطبوعة في منشورات الرضي ـ بعد ذكر حديث يرفعه إلى الشيخ المفيد:
"وذكره المجلسي رحمه الله في المجلّد التاسع من كتاب بحار الأنوار، والسيد البحراني في كتاب مدينة المعاجز بتغيير ما، فمن أراده فليراجعهما".
أقول: انّ ما ذكره السيد الخوانساري من ايراد أبيات للحافظ رجب البرسي، فإنّها جاءت في ابتداء الجزء الثاني ومعها عدّة أحاديث، ثمّ بعد تمامها يبدأ الكتاب هكذا: "بسم الله الرحيم الرحيم، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة...".
فيحتمل أن تكون هذه الأشعار من زيادة النسّاخ، مضافاً إلى أنّها لم ترد في النسخة المطبوعة في منشورات الشريف الرضي، بل ذكر الناشر عدّة أبيات للحافظ البرسي في نهاية الكتاب.
وكذلك الحال بالنسبة إلى قوله: "وذكره المجلسي رحمه الله في المجلّد التاسع من كتاب بحار الأنوار، والسيد البحراني في كتاب مدينة المعاجز..." فنحن نجزم بعدم كون هذه الجملة من أصل الكتاب، لعدم ورودها في النسخ التي اعتمدنا عليها في تحقيق الكتاب.
وأمّا بالنسبة إلى قول السيد الأمين بأنّ اسم الكتاب يدلّ على أنّه في المواعظ خاصّة، فإنّا لا نرى هذه الخاصية لأنّ اسم الكتاب كما عرفت هو "ارشاد القلوب إلى الصواب المنجي من عمل به من أليم العقاب" فكما انّ العمل بالمواعظ منجي فكذلك ذكر أهل البيت وذكر فضائلهم سيّما الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة
الصفحة 17
والسلام، فإنّهم حجج الله، وصراطه، وميزانه، وانّ حساب الخلق عليهم، وايابهم إليهم وفصل الخطاب عندهم.
وبعد هذا كلّه وبعد اعتراف الشيخ الحرّ بأنّ الكتاب يقع في مجلّدين، وبعد اعتماد العلامة المجلسي رحمه الله، والسيد هاشم البحراني في كتبهما على الجزء الثاني، واذعانهما بأنّه للؤلّف بذكرهما أحاديث كثيرة عنه، لا يبقى لنا مجال للتشكيك في انّ المجلّد الثاني من كتاب ارشاد القلوب للديلمي أم لغيره، هذا ما توصّلنا إليه من ظاهر الأمر، والله أعلم بحقائق الاُمور.
الصفحة 18
منهج التحقيق
اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب على عدّة نسخ:
1 ـ النسخة المحفوظة في مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد المقدّسة برقم (14372) وهي التي اعتمدت عليها في استنساخ الكتاب لجودة خطّها وقلّة خطأها، ورمزت لها بـ "الف"، ولم يرد تاريخ نسخها في آخرها لكن ذكر في فهرس المكتبة الرضويّة انّها نسخت في القرن التاسع الهجري.
2 ـ النسخة المحفوظة في مدرسة الشهيد المطهّري في طهران، تحت رقم (5286) ولم يُعلم تاريخ نسخها لانمحاء الأسطر الأخيرة منها، ورمزت لها بحرف "ب".
3 ـ النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي قدّس سره، تحت رقم (577)، وجاء في آخرها: "ولقد وقع الفراغ من استنساخ هذه النسخة الشريفة عصر يوم السبت ثالث عشر شهر محرّم الحرام في سنة (1127)". ولم أعتمد عليها كثيراً إلاّ في ما لم أجده في النسختين المتقدّمتين، فإنّه
الصفحة 19
وقع في هاتين النسختين سقط في موضعين من المجلّد الأوّل، أحدهما في الباب الرابع عشر، والثاني في الباب الثالث والعشرون.
4 ـ النسخة المطبوعة من قبل منشورات الشريف الرضي، ورمزت لها بحرف "ج"، وهي نسخة كثيرة الأخطاء والأغلاط، وقد حذف الناشر من آخرها ـ للظروف التي كانت آنذاك في بغداد ـ فصلا كاملا في ذكر صفات أعداء أمير المؤمنين (عليه السلام) ومثالبهم والبدع التي ابتدعوها.
وممّا يؤيّد انّ هذا الفصل من أصل الكتاب، مجيئه أوّلا في النسخ الخطّية، وثانياً نَقْلُ العلاّمة المجلسي رحمه الله إيّاه في المجلّد الثامن من البحار ونسبته إلى المؤلّف.
5 ـ راجعنا في بعض الأحيان إلى ما أورده العلاّمة المجلسي في بحار الأنوار وذكرنا موارد الاختلاف في الهامش.
وانّي بعد الاستنساخ والمقابلة حاولت ـ حسب وسعي وجهدي ـ في تخريج الأحاديث، ولكن بقيت أحاديث لم أستطع تخريجها، أو وجدت ما يشابهها فذكرت المصدر مع الاشارة إلى أنّ هذا ليس نصّ الحديث بقولي: "نحوه" أو "مثله" أو "باختلاف"، وأرجعت بعضها الآخر إلى البحار، وهو وإن كان متأخّراً إلاّ انّي رأيت عدم الاهمال أولى من الاهمال.
وذكر المؤلّف قدّس سرّه في الباب الثاني والخمسون، وكذلك في الباب الثالث والخمسون أحاديث كثيرة من كتاب ورّام بن أبي فراس، ولكن مع الفحص الشديد ـ بحيث تصفّحت ورقة ورقة من الكتاب ـ لم أعثر على بعض الأحاديث، ولا يبعد أن يكون هذا الكتاب ناقصاً، مع كونه جديراً باعادة الطبع والتحقيق لمن يتمكّن ذلك ويُوَفَّق.
وفي الختام أسأل الله العليّ الأعلى أن يتقبّل منّا هذا القليل، وأن ينفع به
الصفحة 20
اخواننا المؤمنين، ويوفّقنا لخدمة هذا الدين المبين، فهو خير ناصر ومعين، والحمد لله ربّ العالمين.
السيد هاشم الميلاني
قم المقدّسة
ذو الحجة 1416 هـ. ق
الصفحة 21

الصفحة 22

الصفحة 23

الصفحة 24

الصفحة 25

الصفحة 26

الصفحة 27
[مقدّمة المؤلف]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين.
أمّا بعد، فانّه لمّا استولى سلطان الشهوة والغضب على الآدميين، ومحبّة كلّ منهم لنفسه، واشتغاله عن آخرته ورمسه، عملت هذا الكتاب وسمّيته بـ (ارشاد القلوب إلى الصواب المُنجي مَنْ عمل به مِن أليم العقاب).
واعلموا رحمكم الله تعالى انّ الله عزوجل لم يخلق العالم عبثاً فتركه سداً، بل جعل لهم عقولاً دلّهم(1) بها على معرفته، وأبان لهم بها شواهد قدرته ودلائل وحدانيّته، وأعطاهم قوى مكّنهم بها من طاعته، والإنتهاء عن معصيته لئلاّ تجب لهم الحجة عليه.
فأرسل إليهم أنبياء وختمهم بسيّد المرسلين محمد بن عبدالله الصادق الأمين، صلوات الله وسلامه عليه وآله وعليهم أجمعين، وأنزل عليهم كتبه بالوعد والوعيد
____________
1- في "ب": دلّوا.
الصفحة 28
والترهيب، فحذّر وأنذر وزجر فأعذر(1)، فقال جلّ من قائل:
{رسلاً مبشرين ومنذرين لئلاّ يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}(2).
وقال سبحانه: {ولو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربّنا لو لا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى}(3).
وقال سبحانه: {وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً}(4).
وقال: {يا أيّها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين}(5).
وقال سبحانه: {ويحذّركم الله نفسه}(6).
وقال: {واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}(7).
وقال سبحانه: {واتقوا الله واعلموا أنّكم ملاقوه}(8).
وقال: {واتقون يا أولي الألباب}(9).
وقال تعالى: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثمّ توفّى كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}(10).
وقال سبحانه: {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة}(11).
____________
1- في "ب": فحذروا وأنذروا وزجروا فأعذروا.
2- النساء: 165.
3- طه: 134.
4- الأسراء: 15.
5- يونس: 57.
6- آل عمران: 28.
7- البقرة: 235.
8- البقرة: 223.
9- البقرة: 197.
10- البقرة: 281.
11- البقرة: 123.
الصفحة 29
وقال سبحانه: {يا أيّها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً انّ وعد الله حق فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا ولا يغرّنّكم بالله الغرور}(1).
وقال سبحانه: {يا أيّها النّاس اتّقوا ربّكم انّ زلزلة الساعة شيء عظيم}(2).
وقال سبحانه: {يا أيّها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً}(3).
وقال عزوجل: {يا عباد فاتقون}(4).
وقال سبحانه: {فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة}(5).
وقال جلّ من قائل: {إقترب للناس حسابهم وهم فى غفلة معرضون * ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الاّ استمعوه وهم يلعبون}(6).
وقال سبحانه: {يا أيّها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانّه يأمر بالفحشاء والمنكر}(7).
وقال جلّ وعزّ من قائل: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}(8).
وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً}(9).
____________
1- لقمان: 33.
2- الحج: 1.
3- النساء: 1.
4- الزمر: 16.
5- البقرة: 24.
6- الأنبياء: 1-2.
7- النور: 21.
8- التحريم: 6.
9- الأحزاب: 70.
الصفحة 30
وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغد واتقوا الله إنّ الله خبير بما تعملون}(1).
وقال: {واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب}(2).
وقال: {يا أيّها الإنسان ما غرّك بربك الكريم}(3).
وقال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق}(4).
وقال: {أفحسبتم انّما خلقناكم عبثاً وأنّكم إلينا لا ترجعون}(5).
وقال: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى}(6).
وقال: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون * أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون}(7).
وقال: {فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإنّ الجحيم هي المأوى * وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فانّ الجنّة هي المأوى}(8).
وقال: {أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر وجاءكم النذير}(9).
وقال: {وأنيبوا إلى ربّكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون}(10).
وقال: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيّها المؤمنون لعلّكم تفلحون}(11).
____________
1- الحشر: 18.
2- المائدة: 2.
3- الانفطار: 6.
4- الحديد: 16.
5- المؤمنون: 115.
6- القيامة: 36-37.
7- الأعراف: 97-98.
8- النازعات: 37-41.
9- الفاطر: 37.
10- الزمر: 54.
11- النور: 31.
الصفحة 31
وقال: {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً}(1).
وقال: {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم}(2).
ثم خوّفهم سبحانه وتعالى أحوال القيامة وزلزالها وعظيم أخطارها، وسماها لهم بعظيم الأسماء وكثير(3) البلاء وطول العناء، ليحذروها ويعتدوا لها بعظيم الزاد، وحسن الارتياد(4).
سّماها الواقعة، والراجفة، والطامة، والصّاخّة، والحاقّة، والساعة، ويوم النشور، ويوم الحسرة، ويوم الندامة، ويوم المسألة، ويوم الندم، ويوم الفصل، ويوم الحق، ويوم الحساب، ويوم المحاسبة، ويوم التلاق، وقال: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * الاّ من أتى الله بقلب سليم}(5).
وقال: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض الاّ من شاء الله وكلّ أتوه داخرين * وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كلّ شيء انّه خبير بما تفعلون}(6).
وقال: {كأنّهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الاّ ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك الا القوم الفاسقون}(7).
وقال: {واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب * يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج}(8).
____________
1- التحريم: 8.
2- المائدة: 74.
3- في "ج": كبير.
4- في "ب" و"ج": الازدياد.
5- الشعراء: 88 و89.
6- النمل: 87-88.
7- الأحقاف: 35.
8- ق: 41 و42.
الصفحة 32
وقال: {يوم تمور السماء موراً * وتسير الجبال سيراً * فويل يومئذ للمكذبين}(1).
وقال: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة}(2).
وقال: {يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن * ولا يسئل حميم حميماً * يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعاً ثمّ ينجيه}(3).
وقال: {يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً}(4).
وقال: {فكيف تتقون ان كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً * السماء منفطر به كان وعده مفعولاً}(5).
وقال: {إلى ربك يومئذ المساق}(6).
وقال: {إلى ربك يومئذ المستقر * ينبأ الإنسان يومئذ بما قدّم وأخّر}(7).
وقال: {هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون}(8).
وقال: {هذا يوم الفصل جمعناكم والأوّلين * فان كان لكم كيد فكيدون}(9).
وقال: {إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً * وفتحت السماء فكانت أبواباً * وسيّرت الجبال فكانت سراباً * إنّ جهنّم كانت مرصاداً
____________
1- الطور: 9-11.
2- القلم: 42-43.
3- المعارج: 8-14.
4- المزمل: 14.
5- المزمل: 17-18.
6- القيامة: 30.
7- القيامة: 12 و13.
8- المرسلات: 35-36.
9- المرسلات: 38-39.
الصفحة 33
* للطاغين مآباً * لابثين فيها أحقاباً * لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً * الاّ حميماً وغسّاقاً * جزآءً وفاقاً}(1).
وقال: {يوم يقوم الروح والملائكة صفّاً لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً * ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربّه مآباً * انّا أنذرناكم عذاباً قريباً يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}(2).
وقال: {يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة}(3).
وقال: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرّزت الجحيم لمن يرى}(4).
وقال: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش * فأمّا من خفّت موازينه * فهو في عيشة راضية * وأمّا من خفّت موازينه * فاُمّه هاويه * وما أدراك ما هيه * نار حامية}(5).
وقال: {يوم نقول لجهنّم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}(6).
وقال: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ممّا فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الاّ أحصاها}(7).
وكرّر سبحانه وتعالى ذكرها في مواضع كثيرة، ولم تخل سورة من القرآن الاّ وذكرها فيها ليكون ذلك أبلغ في تخويف الناس، وأوكد في وجوب الحجة عليهم، وتبصرة لهم وشفقة عليهم، وإنذاراً وإعذاراً إليهم وموعظة لهم.
____________
1- النبأ: 17-26.
2- النبأ: 38-40.
3- النازعات: 6-9.
4- النازعات: 35-36.
5- القارعة: 4-11.
6- ق: 30.
7- الكهف: 49.
الصفحة 34
فتدبروها وفرّغوا قلوبكم لها، ولا تكونوا من الغافلين، فإنّ الله تعالى يقول: {أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها}(1).
فافتحوا أقفالها بالتدبّر والتفكر والتبصّر والاعتبار، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم، قالوا: يا رسول الله ففيم النجاة؟
قال: عليكم بالقرآن، فانّه من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه(2) إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن أخذ به أوجز،(3)ومن عمل به وفّق(4).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) مادحاً للمؤمن العامل به: قد ألزم الكتاب زمامه فهو قائده ودليله، يحلّ حيث حلّ ثقله، وينزل حيث كان منزله، لا يدع للخير غاية الاّ أمّها، ولا منزلة الاّ قصدها.(5)
وقال (عليه السلام): القرآن ظاهره أنيق،(6) وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات الاّ به.(7)
فتفكّروا وانزجروا بقوله تعالي:
{وأنذرهم يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}(8).
وقال سبحانه: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا
____________
1- محمد: 24.
2- في "ج": قاده.
3- في "ب": اُجر.
4- راجع الكافي 2: 598 ح2 بتفصيل أكثر.
5- نحوه في البحار: 2:56 ضمن حديث 36.
6- أنيق: حسن معجب.
7- نهج البلاغة: خطبة 18; عنه البحار: 2:284 ح1.
8- غافر: 18.
الصفحة 35
يؤمنون}(1).
وقال: {أزفت الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة}(2).
وقال: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربّنا أخّرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتّبع الرسل (فأجابهم) أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال * وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال}(3).
وقال تعالى: {ألا يظنّ أولئك انّهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لربّ العالمين}(4).
وقال: {يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد}(5).
وقال: {يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}(6).
وقال: {يوماً يجعل الولدان شيباً * السماء منفطر به كان وعده مفعولاً}(7).
فاحذروا عبادالله يوم يشيب فيه رؤوس الصغار، ويسكر الكبار، وتضع(8)الحبالى، وقال:
{يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه}(9).
____________
1- مريم: 39.
2- النجم: 57-58.
3- ابراهيم: 44-45.
4- المطففين: 4-6.
5- آل عمران: 30.
6- الحج: 2.
7- المزمّل: 17-18.
8- في "الف": يوضع.
9- آل عمران: 106.
الصفحة 36
وقال: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره}(1).
وقال: {يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون}(2).
وقال: {يوم يفرّ المرء من أخيه * واُمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه}(3).
وقال: {يوم تأتي كلّ نفس تجادل عن نفسها وتوفّى كلّ نفس ما عملت وهم لا يظلمون}(4).
وقال: {يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً}(5).
وقال: {يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}(6).
وقال: {وجيء يومئذ بجهنّم يومئذ يتذكر الإنسان وأنّى له الذكرى * يقول يا ليتني قدّمت لحياتي * فيومئذ لا يعذّب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد}(7).
وقال: {يوم تبدل الأرض غير الأرض وبرزوا لله الواحد القهّار}(8).
وقال: {ويوم نُسيّر الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحد * وعُرضوا على ربك صفّاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرّة بل زعمتم ألّن نّجعل لكم مّوعداً}(9).
{.... وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين
____________
1- الزلزلة: 6-8.
2- الطور: 46.
3- عبس: 34 و37.
4- النحل: 111.
5- النبأ: 40.
6- غافر: 52.
7- الفجر: 23-26.
8- ابراهيم: 48.
9- الكهف: 47-48.
الصفحة 37
زعمتم انّهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون}(1).
وقال: {يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتب}(2).
وقال: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}(3).
وقال: {يخافون يوماً كان شرّه مستطيراً}(4).
وقال: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وان كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}(5).
وقال: {يا بنيّ انّها ان تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أوفي السماوات أو في الأرض يأت بها الله انّ الله لطيف خبير}(6).
وأكّده بالقسم بنفسه فقال: {فوربّك لنسئلنّهم أجمعين * عمّا كانوا يعملون}(7).
وقال: {فلنسئلنّ الذين اُرسل إليهم ولنسألنّ المرسلين * فلنقصّنّ عليهم بعلم وما كنّا غائبين}(8).
وقال: {ونكتب ما قدّموا وآثارهم وكلّ شيء أحصيناه في امام مبين}(9).
وقال: {يوم يبعثهم الله جميعاً فينبّئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كلّ شيء شهيد}(10).
____________
1- الأنعام: 94.
2- الأنبياء: 104.
3- النور: 24.
4- الإنسان: 7.
5- الأنبياء: 47.
6- لقمان: 16.
7- الحجر: 92 و93.
8- الأعراف: 6 و7.
9- يس: 12.
10- المجادله: 6.
الصفحة 38
وقال: {يوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً}(1).
ثم انه سبحانه لم يؤيس من أساء إلى نفسه وظلمها من رحمته، ووعده بقبول التوبة والمحبّة عليها إذا تاب وأناب، فقال سبحانه: {ومن يعمل سوءً أويظلم نفسه ثم يستغفرالله يجد الله غفوراً رحيماً}(2).
وقال: {كتب ربّكم على نفسه الرحمة انه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم}(3).
وقال: {والذين إذا فعلوا فاحشة أوظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون}(4).
وقال: {ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً}(5).
ودعاهم سبحانه بألطف الكلام وأرجاه وأقربه إلى قلوبهم، تلطّفاً منه ورحمة وترغيباً، فقال سبحانه:
{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله انّ الله يغفر الذنوب جميعاً انّه هو الغفور الرحيم}(6).
وقال: {إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}(7).
____________
1- الفرقان: 27.
2- النساء: 110.
3- الأنعام: 54.
4- آل عمران: 135.
5- النساء: 64.
6- الزمر: 53.
7- النساء: 48.
الصفحة 39
وقال سبحانه: {وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّة}(1).
وقال سبحانه: {ادعوني أستجب لكم}(2).
فوعدهم بالاجابة ومدحهم سبحانه في كتابه: العاملين بالطاعات، المسارعين إلى الخيرات، ليرغّب العباد في عملها، كما رهّب في فعل السيّئات ليتناهى الناس عنها، فقال:
{ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه انّ الله بالغ أمره قد جعل الله لكلّ شيء قدراً}(3).
وقال سبحانه: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}(4).
وقال سبحانه: {ومن يتق الله يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجراً}(5).
وقال سبحانه: {الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لاتبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم}(6).
وقال سبحانه: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ممّا يجمعون}(7).
وقال: {يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذين آمنوا باياتنا وكانوا مسلمين * ادخلوا الجنّة أنتم وأزواجكم تحبرون}(8).
وقال: {واُزلفت الجنّة للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكلّ أوّاب حفيظ
____________
1- آل عمران: 133.
2- غافر: 60.
3- الطلاق: 2-3.
4- الطلاق: 4.
5- الطلاق: 5.
6- يونس: 63-64.
7- يونس: 58.
8- الزخرف: 68-70.
الصفحة 40
* من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب}(1).
فلم يقنط أحداً من فضله ورحمته، وبسط العفو والرحمة، ووعد وتوّعد ليكون العبد مترجّحاً بين الخوف والرجاء، كما روي أنّه لو وُزن خوف العبد ورجاؤه لم يرجح أحدهما على الآخر.
فإذا عظم الخوف كان ادعى إلى السلامة، فانه روي أنّ الله تعالى أنزل في بعض كتبه: وعزّتي وجلالي لا أجمع لعبدي المؤمن بين خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة.(2)
والدليل على ذلك من القرآن المجيد كثير، منه قوله تعالى: {ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}(3).
وقوله تعالى: {وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى}(4).
وقوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربّه جنّتان}(5).
وقوله تعالى: {انّما يخشى الله من عباده العلماء}(6).
وقوله تعالى: {وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (يعني عن وجه السلامة) * قالوا انّا كنّا قبل في أهلنا مشفقين (يعني خائفين) * فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السموم}(7).
وقوله تعالى: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم
____________
1- ق: 31-33.
2- الخصال: 79 ح 127; عنه البحار 70:379 ح 28.
3- ابراهيم: 14.
4- النازعات: 40-41.
5- الرحمن: 46.
6- الفاطر: 28.
7- الطور: 25-27.
الصفحة 41
الباب فإذا دخلتموه فانّكم غالبون}(1)، يعني مدحهم بذلك.
وقال سبحانه: {ويدعوننا رغباً ورهباً}(2).
وقال سبحانه عن هابيل يروي قوله لأخيه: {اني أخاف الله ربّ العالمين}(3).
وقال: {وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوي}(4).
وقال: {واتقون يا اُولي الألباب}(5).
والآيات في ذلك كثيرة، يعتبر بها ويتفكر فيها من أسعده الله تعالى بالذكر، وأيقظه بالتبصرة، ولم يخلد إلى الأماني والكلام به، فإنّ قوماً غرّتهم أماني المغفرة والعفو خرجوا من الدنيا بغير زاد مبلغ، ولا عمل نافع، فخسرت تجارتهم، وبارت صفقتهم، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، فلنسأل من الله توفيقاً وتسديداً يوقظنا به من الغفلة، ويرشدنا إلى طريق الهدى والرشاد.
يقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه ورضوانه، أبو محمد الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي، جامع هذه الآيات من الذكر الحكيم:
انّما بدأت بالموعظة من كتاب الله تعالى لأنّه أحسن الذكر، وأبلغ الموعظة، وساُتبعه ان شاءالله بكلام عن سيدنا ومولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤيد بالوحي، المسدد بالعصمة، الجامع من الايجاز والبلاغة ما لم يبلغه أحد من العالمين، فقد قال (صلى الله عليه وآله): اُوتيت جوامع الكلم.
____________
1- المائدة: 23.
2- الأنبياء: 90.
3- المائدة: 28.
4- النازعات: 40 و41.
5- البقرة: 197.
الصفحة 42
وقد صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانه إذا فكر العبد في قوله (صلى الله عليه وآله): "أكثروا من ذكر هادم اللذّات" علم انه قد أتى بهذه اللفظة على جوامع العظة، وبلاغة التذكرة، دلّ على ذلك قول الله تعالى في امتنانه على ابراهيم وذرّيّته عليه و(عليهم السلام): {انّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}(1).
وفي قوله (عليه السلام): "إيّاك وما يُعتذر منه" فقد دخل في هذه اللفظة جميع آداب الدنيا، وفي قوله (صلى الله عليه وآله): "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" زجر(2)عن كلّ الشبهات، وقوله: "الاُمور ثلاثة: أمر استبان رشده فاتبعوه، وأمر استبان غيّه فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فردّوه إلى الله"، وفي قوله: "ايّاك وما يسوء الأدب" فقد استوفى بهذا كلّ مكروه ومذموم.
وفي أحاديثه (صلى الله عليه وآله) من المواعظ والزواجر ما هو أبلغ من كلّ كلام مخلوق، وأنا أذكر ان شاءالله من ذلك ما تيسّر ايراده بحذف الأسانيد لشهرتها في كتب أسانيدها، واُتبع ذلك بكلام أهل بيته (عليهم السلام) ومن تابعهم من الصالحين.
قال أنس بن مالك: جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أشكو إليك قسوة قلبي، فقال له: اطلع إلى القبور، واعتبر بيوم النشور.
وقال (صلى الله عليه وآله): عودوا المرضى، واتبعوا الجنائز، يذكركم الآخرة(3).وقد حثّ الله تعالى في الموعظة وندب إليها وأمر نبيّه بها، فقال:{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}(4).
____________
1- ص: 46.
2- في "ج": زجر نفسه.
3- راجع البحار 81:266 ح 24.
4- النحل: 125.
الصفحة 43
وقال سبحانه: {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً}(1).
وقال: {وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين}(2).
وقال: {وذكرهم بأيّام الله}(3)، يعني يوم القيامة، ويوم الموت، ويوم الحساب، ويوم مساءلة القبر، ويوم النشور، وسلامة هذه الأيّام سأل الله عيسى (عليه السلام) بقوله: "والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم اُبعث حيّاً"، وإذا كان قوله: يوم ولدت وقد سأل [أنواع الشكر على](4) سلامته منه يدلّ على شدّة المشقّة فيه أيضاً.
قال مصنف هذا الكتاب: وقد رتبت هذا الكتاب على خمسة وخمسون باباً.
____________
1- النساء: 63.
2- الذاريات: 55.
3- ابراهيم: 5.
4- أثبتناه من "ج" و"ب".
الصفحة 44
الباب الأوّل
في ثواب الموعظة والمصلحة(1) بها
قال النبي (صلى الله عليه وآله): ما أهدى المسلم لأخيه هديّة أفضل من كلمة حكمة، تزيده هدى أوترّده عن ردى(2).
وقال: نعم العطية، ونعم الهديّة الموعظة.وأوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام): تعلّم الخير وعلّمه من لا يعلمه، فانّي منّور لمعلّمي الخير ومتعلّميه قبورهم حتّى لا يستوحشوا بمكانهم(3).
وروي انّه ذكر عند النبي (صلى الله عليه وآله) رجلان، أحدهما يصلّي المكتوبة ويجلس ويعلّم الناس الخير، وكان الآخر يصوم النهار ويقوم الليل، فقال (صلى الله عليه وآله): فضل الأول على الثاني كفضلي على أدناكم(4).وقد أثنى الله تعالى على اسماعيل بقوله: {انه كان صادق الوعد وكان رسولاً
____________
1- في"ج": النصيحة بها.
2- البحار 2:25 ح 88 ; معالم الزلفى: 13.
3- مجموعة ورام 2:212 ; معالم الزلفى: 13.
4- مجموعة ورام 2:212.
الصفحة 45
نبيّاً * وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربّه مرضيّاً}(1).
وقال (عليه السلام): ما تصدّق مؤمن بصدقة أحبّ إلى الله من موعظة يعظ بها قوماً متفرقين، وقد نفعهم الله بها، وهي أفضل من عبادة سنه(2)
فاستمع أيّها الغافل(3) إلى الموعظة، ولا تضرب عن الذكر صفحاً، وغالب هواك، وجاهد نفسك، وفرّغ قلبك، فانّما جعل لك السمع لتعي به الحكمة، والبصر لتعتبر ما ترى من خلق السماوات والأرض وما بينهما من الخلق، واللسان لتشكر به نعم الله، وتديم ذكره به وحمده وتلاوة كتابه، والقلب لتتفكر به.
فاجعل شغلك في آخرتك وما تصير إليه، واصرف إليه همّتك، فإنّ نصيبك من الدنيا يأتي من غير فكر ولا حركة، فقد قال أميرالمؤمنين (عليه السلام): قد سبق إلى جنان(4) عدن أقوام كانوا أكثر الناس عملاً(5)، فإذا وصلوا إلى الباب ردوهم عن الدخول، فقيل: بماذا ردّوا؟ ألم يكونوا في دار الدنيا صلّوا وصاموا وحجّوا؟! فإذا النداء من قبل الملك الأعلى جلّوعلا: بلى قد كانوا، ليس أحد أكثر منهم صياماً ولا صلاةً ولاحجّاً ولا اعتماراً، ولكنّهم غفلوا عن الله ومواعظه(6).
وعن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحبّ المؤمنين إلى الله من نصب نفسه في طاعة الله تعالى، ونصح لاُمّة نبيّه، وتفكر في عيوبه فأصلحها، وعلم فعمل(7).
وعن أنس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا اُخبركم بأجود
____________
1- مريم: 54-55.
2- مجموعة ورام 2:212.
3- في"ج": العاقل.
4- في"ب" و"ج": جنّات.
5- في"ج": صلاة وصياماً.
6- مجموعة ورام 2:213.
7- الفردوس 1: 366 ح 1476.
الصفحة 46
الأجواد؟ قالوا: بلى يا رسول الله صلّى الله عليك وآلك، فقال: أجود الأجواد الله، وأنا أجود بني آدم، وأجودهم بعدي رجل علم بعدي علماً فنشره، ويبعث يوم القيامة اُمّة واحدة(1)، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله حتّى قُتل(2).
وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: من علّم علماً فله أجر من عمل به إلى يوم القيامة(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): إذا مات الرجل انقطع عمله الاّ من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح [يدعو له](4)(5).
وقال عيسى (عليه السلام): من علم وعمل عُدّ في الملكوت عظيماً(6).
وروي انّه يؤتى بالرجل فيوضع عمله في الميزان، ثم يؤتى بشيء مثل الغمام فيوضع فيه، ثم يقال: أتدري ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال له: هذا العلم الذي علّمته الناس فعملوا به بعدك(7).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): الدنيا ملعونة وملعون من فيها، الاّ عالماً أو متعلّماً أو ذاكراً لله تعالى فيها(8).
وروي في قوله: {انّ ابراهيم كان اُمّة قانتاً حنيفاً ولم يك من المشركين}(9)، انّه كان يعلّم الخير.
وقيل: الموعظة حرز من الخطأ، وأمان من الأذى، وجلاء القلوب من الصدآء.
____________
1- في"ب": وحده.
2- الترغيب و الترهيب 1:119 ح 5; كنزالعمال 10:151 ح 28771; ومعالم الزلفى: 13.
3- الجامع الصغير 2: 624 ح 8863 نحوه.
4- أثبتناه من "ج".
5- الترغيب والترهيب 1:99 ح 25; روضة الواعظين 1: 11.
6- مجموعة ورام 1:82; معالم الزلفى: 13.
7- عنه معالم الزلفى: 13.
8- كنزالعمال 3:186 ح 6084; معالم الزلفى: 13.
9- النحل: 120.
الصفحة 47
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): الزاهدون في الدنيا قوم وعظوا فاتعظوا، وخوفوا فحذروا، وعلموا فعملوا، ان أصابهم يسر شكروا، وان أصابهم عسر صبروا(1).
قالوا:(2) يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتّى نعمل به كلّه، ولا ننهى عن المنكر حتّى ننتهي عنه كلّه، فقال: لا بل مروا بالمعروف وان لم تعملوا به كلّه، وانهوا عن المنكر وان لم تنتهوا عنه كلّه(3).
وقال (عليه السلام): أشدّالناس عذاباً يوم القيامة من علم علماً فلم ينتفع به(4).
وقال (عليه السلام): تعلّموا ما شئتم أن تعملوا، فانّكم لن تنتفعوا به حتّى تعملوا به، وانّ العلماء همّتهم الوعاية(5)، وانّ السفهاء همّتهم الرواية(6).
وقال (صلى الله عليه وآله): انّ الله أوحى إلى بعض أنبيائه في بعض كتبه قال: قل للذين يتفقّهون لغير الدين، ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، يلبسون للناس مفتول الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، وألسنتهم أحلى من العسل، وأعمالهم أمرّ من الصبر، إيّاي يخادعون؟ وبي يغترون؟ وبديني يستهزؤون؟ لاُبيحنّ لهم فتنة تدع الحكيم منكم حيراناً(7).
و قال (عليه السلام): مثل من يعلم ويعلّم ولا يعمل كمثل السراج يضيء لغيره ويحرق نفسه(8).
____________
1- مجموعة ورام 2:213; مستدرك الوسائل 12:44 ح 13474.
2- في "ج": قالوا: يا وصي رسول الله.
3- مجموعة ورام 2:213.
4- الترغيب والترهيب 1:127 ح 15; مجموعة ورام 2:213; مكارم الأخلاق: 460; روضة الواعظين: 10.
5- في "ب" و"ج": الرعاية.
6- مجموعة ورام 2:213; عدة الداعي:76.
7- مجموعة ورام 2:213; عدة الداعي:79; كنزالعمال 10:200 ح 29054.
8- مجموعة ورام 2:214; عدة الداعي:80.
الصفحة 48
والعالم هو الهارب من الدنيا لا الراغب فيها، لأنّ علمه دلّ على انّه سمٌّ قاتل فحمله على الهرب من الهلكة، فإذا التقم السمّ عرف الناس انّه كاذب فيما يقوله.
وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): انّ لله تعالى خواصاً من خلقه يسكنهم الرفيق الأعلى من جنانه، لأنّهم كانوا أعقل أهل الدنيا، قيل: يا رسول الله كيف كانوا أعقل أهل الدنيا؟ قال: كانت همّتهم المسارعة إلى ربّهم فيما يرضيه فهانت الدنيا عليهم، ولم يرغبوا في فضولها، صبروا قليلاً فاستراحوا طويلاً(1).
وقال (صلى الله عليه وآله): لكلّ شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العارفين(2).
وقال (صلى الله عليه وآله): لا تزلّ قدم عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن خمس خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيما علم(3).
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): انّما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلّة انتفاع من علم بلا عمل(4).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): علم لا ينتفع به ككنز لا ينفق منه(5).
وقال (عليه السلام): العلم علمان، علم باللسان وهو الحجة على صاحبه، وعلم بالقلب وهو النافع لمن عمل به، وليس الايمان بالتمنّي، ولكنّه ما ثبت في القلوب وعملت به الجوارح(6).
وكان نقش خاتم الحسين بن عليّ (عليهم السلام): علمت فاعمل، وقال
____________
1- مجموعة ورام 2:214.
2- روضه الواعظين: 4، في ماهية العقول وفضلها.
3- الترغيب والترهيب 1:125 ح 6.
4- مجموعة ورام 2:215.
5- كنزالعمال 10:190 ح 28994.
6- مجموعة ورام 2:214.
الصفحة 49
بعضهم: أوّل العلم الانصات، ثم الاستماع، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم نشره.
وقيل في قوله تعالى: {فنبذوه ورآء ظهورهم}(1) قال: تركوا العمل به والنشر له(2).
وقال (صلى الله عليه وآله): مثل ما بعثت به من الهدى والرحمة، كمثل غيثأصاب الأرض منها، فمنها ما أنبت العشب والكلأ(3)، وكانت منها أخاديد(4)حقنت الماء، فانتفع به الناس فشربوا وسقوا زروعهم، وأرض سبخة(5) لم تمسك الماء ولم تنبت الزرع، كذلك قلوب العالمين العاملين، وقلوب العالمين التاركين(6).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لايكون الرجل مسلماً حتّى يسلم الناس من يده ولسانه، ولا يكون مؤمناً حتّى يأمن أخوه بوائقه، وجاره بوادره(7)، ولا يكون عالماً حتّى يكون عاملاً بما علم، ولا يكون عابداً حتّى يكون ورعاً، ولا يكون ورعاً حتّى يكون زاهداً فيما في أيدي الناس، يا أخي أطل الصمت، وأكثر الفكر، واعمل بالموعظة، وأقلّ الضحك، واندم على خطيئتك، تكن عندالله وجيهاً مقبولاً(8).
وقال (صلى الله عليه وآله): رأيت ليلة اُسري بي إلى السماء قوماً تُقرض شفاهم بمقاريض من نار ثم ترمى، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ فقال: خطباء
____________
1- آل عمران: 187.
2- مجموعة ورام 2:214.
3- العشب:الكلأ الرطب، والكلأ عند العرب يقع على العشب وغيره، والعشب: الرطب من البقول البريّة، ينبت في الربيع. (لسان العرب) 4- الخد: الحفرة.
5- السبخة: أرض ذات ملح ونزّ، وجمعها سباخ. (لسان العرب) 6- مجموعة ورام 2:214.
7- البادرة: الحدّة والغضب والخطأ.
8- مجموعة ورام 2:214 نحوه.
الصفحة 50
اُمّتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون(1).
وقال بعضهم: العالم طبيب الاُمّة، والدنيا الداء، فإذا رأيت الطبيب يجرّ الداء إلى نفسه فاتهمه في علمه، واعلم انّه الذي لا يوثق به فيما يقول.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لاتطلبوا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتراؤوا به في المجالس، ولا لتصرفوا به وجوه الناس اليكم للتراؤس، فمن فعل ذلك كان في النار، وكان علمه حجّة عليه يوم القيامة، لكن تعلّموه واعملوا به(2).
____________
1- مجموعة ورام 2:215; ومثله كنزالعمال 10:209 ح 29106.
2- مجموعة ورام 2:215; معاني الأخبار: 180; المواعظ: 26 نحوه.
الصفحة 51
الباب الثاني
في الزهد في الدنيا وذكر الآيات المنزلة فيه
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربّكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً انّ وعد الله حقّ فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا ولا يغرّنّكم بالله الغرور}(1).
وقال سبحانه: {يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدّمت لغد واتقوا الله انّ الله خبير بما تعملون}(2).
وقال تعالى: {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة الاّ متاع}(3)يعني جيفة.
وقال: {انّ الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * اولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون}(4).
____________
1- لقمان: 33.
2- الحشر: 18.
3- الرعد: 26.
4- يونس: 8.
الصفحة 52
وقال: {انّما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ممّا يأكل الناس و الأنعام حتّى إذا أخذت الأرض زخرفها وازّيّنت وظنّ أهلها أنّهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصّل الآيات لقوم يتفكرون}(1).
وقال سبحانه: {من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثمّ جعلنا له جهنّم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها و هو مؤمن فاولئك كان سعيهم مشكوراً}(2).
وقال تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الآخرة الا النار وحبط ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون}(3).
وقال سبحانه: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}(4).
وقال سبحانه ذامّاً لقوم: {كلاّ بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة}(5).
وقال سبحانه: {انّ هؤلاء يحبّون العاجلة و يذرون وراءهم يوماً ثقيلاً}(6).
وقال: {وما اوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى}(7).
وقال: {وما هذه الحياة الدنيا الاّ لهو ولعب وانّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو
____________
1- يونس: 24.
2- الأسراء: 19.
3- هود: 15-16.
4- الشورى: 20.
5- القيامة: 20 و21.
6- الدهر: 27.
7- القصص: 60.
الصفحة 53
كانوا يعلمون}(1).
وقال: {واعلموا انّما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرّاً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الاّ متاع الغرور}(2).
وقال سبحانه: {لا يغرّنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنّم وبئس المهاد * لكن الذين اتقوا ربّهم لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً من عندالله وما عندالله خير للأبرار}(3).
وقال سبحانه: {ولا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربّك خير وأبقى}(4).
وقال تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلاً}(5).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر رضي الله عنه: كن في الدنيا كأنّك غريب، واعدد نفسك من الموتى، فإذا أصبحت لا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت لا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحّتك لسقمك، ومن شبابك لهرمك، و من حياتك لوفاتك، فانّك لا تدري ما اسمك غداً(6).
وقال (صلى الله عليه وآله): أكثروا من ذكر هادم اللذات، فانّكم ان كنتم في
____________
1- العنكبوت: 64.
2- الحديد: 20.
3- آل عمران: 196-198.
4- طه: 131.
5- النساء: 77.
6- مكارم الأخلاق: 458; روضة الواعظين: 448; مشكاة الأنوار: 304.
الصفحة 54
ضيق وسّعه عليكم فرضيتم به واُثبتم(1)، وان كنتم في غنى نغّصه(2) اليكم فجدتم به فاجرتم، فإنّ أحدكم إذا مات فقد قامت قيامته، يرى ما له من خير أو شرّ.
انّ الليالي قاطعات الآمال، والأيّام مدنيات الآجال، وانّ المرء عند خروج نفسه [وحلول رمسه](3) يرى جزاء ما أسلف، وقلّة غنى ما خلّف، ولعلّه من باطل جمعه، أو من حق منعه(4).
وقال سعد لسلمان في مرضه: كيف تجد نفسك؟ فبكى، فقال: ما يبكيك؟فقال: والله ما أبكي حزناً على الدنيا، ولكن بكائي لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب، فأخاف أن أكون قد تجاوزت ذلك، وليس حوله في بيته غير مطهرة واجّانة(5) وقصعة(6).
وقال ثوبان: يا رسول الله ما يكفيني من الدنيا؟ فقال: ما سدّ جوعتك، ووارى عورتك، وان كان لك بيت يظلّك فبخ بخ، وأنت مسؤول عمّا بعد ذلك(7).
وقال (صلى الله عليه وآله): تفرّغوا من هموم الدنيا [ما استطعتم](8)، فانّه من كانت الدنيا همّته قسى قلبه، وكان فقره بين عينيه، ولم يعط من الدنيا غير نصيبه المكتوب له، ومن كانت الآخرة همّته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة(9).
وقال موسى بن جعفر (عليهم السلام): أهينوا الدنيا، فإنّ أهنى ما يكون لكم
____________
1- في "ب": فأنستم.
2- في "ب": بغّضه.
3- أثبتناه من "ج".
4- أورده المصنف (ره) في اعلام الدين: 335; وانظر ايضاً معالم الزلفى: 69.
5- الاجّانة ـ بالكسر والتشديد ـ: واحدة الأجاجين، وهي المركن والذي يغسل فيه الثياب./ مجمع البحرين.
6- مجموعة ورام 2:215; البحار 22:381 ح 14.
7- مجموعة ورام 2:215.
8- أثبتناه من "ج".
9- الجامع الصغير 1: 514 ح 3343; الفردوس 2: 53 ح 2300.
الصفحة 55
أهون ما يكون عليكم، فانّه ما أهان قوم الدنيا الاّ هنّأهم الله العيش، وما أعزّها قوم الاّ ذلّوا وتعبوا وكانت عاقبتهم الندامة(1)
وقال (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: يا أباذر انّ الدنيا سجن المؤمن والقبر أمنهوالجنّة مأواه، وانّ الدنيا جنّة الكافر والقبر عذابه والنار مثواه(2).
وقال: الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه، والراغب فيها يُتعب قلبه وبدنه(3).
وقال: المؤمن يتزوّد، والكافر يتمتّع، يا ابن آدم عفّ عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسّم الله لك تكن غنيّاً، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلماً، وصاحب الناس بما تحب أن يصحبوك تكن منصفاً، انّه قد كان قبلكم قوم جمعوا كثيراً، وبنوا مشيّداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، ومساكنهم قبوراً.
ياابن آدم انّك مرتهن بعملك، متعرّض على ربّك، فجد بما في يديك لما بين يديك، وطأ الأرض بقدمك، فانّها عن قليل مسكنك، لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت على الأرض من بطن اُمّك(4).
وقال: من استغنى بالله أحوج الله الناس إليه(5).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر ممّا ورآها شيئاً، والبصير ينفذها بصره، ويعلم انّ الدار(6) وراءها، فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص، والبصير منها يتزوّد، والأعمى إليها يتزوّد(7).
وقال: الزهد قصر الأمل، والشكر على النعم، والورع عن المحارم، فان عزب
____________
1- أورد نحوه في أعلام الدين: 280.
2- راجع البحار 6: 169 ح 41.
3- روضة الواعظين: 441 نحوه.
4- مجموعة ورام 2:216.
5- البحار 78:79 ح 62 نحوه.
6- في "ب": النار، وفي "ج": البوار.
7- نهج البلاغة: الخطبة 133.
الصفحة 56
ذلك عنكم فلا يغلب الحرام صبركم، ولا تنسوا عند النعم شكركم، فإنّ الله تعالى قد أعذر اليكم بحجج ظاهرة مستقرّة، وكتب بارزة(1) ظاهرة(2).
وقال (عليه السلام): أيّها الناس انّ الدنيا دار ممرّ والآخرة دار مستقرّ، فخذوا من ممرّكم لمستقرّكم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم، فللآخرة خلقتم وفي الدنيا حبستم.
وإنّ المرء إذا مات قالت الملائكة: ما قدّم، وقال الناس: ما خلّف، فلله اياكم، قدّموا كلّما(3) يكون لكم، ولا تخافوا(4) كلّما يكون عليكم، فانّما مثل الدنيا مثل السمّ يأكله من لا يعرفه(5).
وقال (عليه السلام): انّ السعداء بالدنيا الهاربون منها اليوم(6).
وقال: ما يصنع بالمال والولد من يخرج منها ويحاسب عليها، عراة دخلتم الدنيا وعراة تخرجون منها، وانّما هي قنطرة فاعبروا عليها وانتظروها.
وقال في دعائه: "اللهم توفّني فقيراً، ولا توفّني غنيّاً، واحشرني في زمرة المساكين"، وقال: أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة(7).
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): الرغبة فيما عندالله تورث الروح والراحة، والرغبة في الدنيا تورث الهم والحزن(8).
وقال: انّ من صفات أولياء الله: الثقة به في كل شيء، والغنى به عن كل شيء،
____________
1- في "الف": مستقرة.
2- نهج البلاغة: الخطبة 81 في الزهد.
3- في"ج": كيلا.
4- في "ب" و"ج": ولا تقدموا.
5- روضة الواعظين: 442 في ذكر الدنيا; ومشكاة الأنوار: 269.
6- نهج البلاغة: الخطبة 223; عنه البحار 71:193 ح 59.
7- كنز الفوائد: 289; عنه البحار 103:20 ح 3 نحوه.
8- مشكاة الأنوار: 269.
الصفحة 57
والافتقار إليه في كل شيء(1).
وقال: ادفع الدنيا بما يحضرك من الزاد وتبلغ به.
وكان (عليه السلام) ينشد ويقول:
ادفع الدنيا بما اندفعت * * * واقطع الدنيا بما انقطعت
يطلب المرء الغنى عبث * * * والغنى في النفس لو قنعت(2)
وقال (عليه السلام): والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها، وقال لي قائل: ألا تنبذها؟ فقلت: أعزب(3) عنّي فعند الصباح يحمد القوم السُّرى(4).
وقال: الزاهدون في الدنيا ملوك الدنيا والآخرة، والراغبون فيها فقراء الدنيا والآخرة، ومن زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب فيها ملكته.
وقال نوف البكالي: كنت عند أميرالمؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة، فقام من فراشه ونظر في النجوم، ثمّ قرأ آيات آل عمران: {انّ في خلق السموات والأرض...}(5).
ثم قال: يا نوف أراقد أنت أم رامق؟ فقلت: بل رامق يا أميرالمؤمنين، فقال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة، اولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً، وترابها فراشاً، وماءها طيباً، والقرآن شعاراً، والدعاء دثاراً(6)، ثم قرضوا
____________
1- كنز الفوائد: 288; عنه البحار 103:20ح2 2- كنز الفوائد: 289; عنه البحار103:21ح13.
3- أعزب: بَعُد وأَبعَد. (القاموس) 4- نهج البلاغة: الخطبة 160; عنه البحار41:160ح56.
5- آل عمران: 188.
6- الشعار: ما ولي شعر جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب، والدثار: الثوب الذي فوق الشعار. (لسان العرب)
الصفحة 58
الدنيا قرضاً(1) على منهاج المسيح.
يا نوف انّ الله تعالى أوحى إلى المسيح أن: قل لبني اسرائيل لا يدخلوا بيتاً من بيوتي الاّ بقلوب طاهرة، ونيّات(2) نقيّة، وألسن ناطقة صادقة، وأعلمهم انّي لا أستجيب لأحد منهم دعاءً ولأحد من خلقي قبله تبعة، يعني مظلمة.
يا نوف انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام في مثل هذه الساعة فقال: انّ هذه ساعة لا تردّ لأحد فيها دعوة الاّ أن يكون عريفاً، أوعشّاراً، أوشرطيّاً، أوشاعراً، أوصاحب عرطبة(3). والعرطبة الطبل الكبير والكبر(4) الصغير، وروي بالعكس.
وقال: ما عاقبت أحداً عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت منه شرّاً وأنت تجد لها في الخير محملاً، ومن كتم سرّه ملك أمره وكانت الخيرة بيده، ومن عرض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن(5).
وعليكم باخوان الصدق تعيشوا في أكنافهم، ولا تهاونوا بالحلف(6) فيهينكم الله، ولا تتعرّضوا لما لا يعنيكم، وعليكم بالصدق فهو النجاة والمنجاة، واحذروا من عدوّكم من الجن والانس، ولا تصحبوا الفجّار، واستشيروا ذوي الدين والنصيحة ترشدوا، وواخوا الاخوان بالله، ولا تعيبون شيئاً تأتون بمثله.
وقال سويد بن غفلة: دخلت على أميرالمؤمنين (عليه السلام) في داره، فلم أر
____________
1- في "ج": رفضوا الدنيا رفضاً.
2- في "ج": ثياب.
3- الخصال: 337ح40باب6; عنه البحار77:401ح22.
4- كذا في الأصل.
5- في"ج": فلا يلومنّ الاّ نفسه.
6- في"ب": في الخلق.
الصفحة 59
في البيت شيئاً فقلت: فأين الأثاث يا اميرالمؤمنين؟ فقال: يا ابن غفلة نحن أهل بيت لا نتأثّث في الدنيا نقلنا جلّ متاعنا إلى الآخرة، انّما مثلنا في الدنيا كراكب ظلّ تحت شجرة ثم راح وتركها(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ أشد ما أتخوّف عليكم منه اتباع الهوى وطول الأمل، فإنّ اتباع الهوى يصدّ عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة، وانّ الله تعالى يعطي الدنيا لمن يحب ويبغض، ولا يعطي الآخرة الاّ لمن يحب.
وانّ للدنيا أبناءً وللآخرة أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة [ولا تكونوا من أبناء الدنيا](2) فإنّ كلّ ولد يتبع بامّه، ألا وإنّ الدنيا قد ترحّلت مدبرة، والآخرة قد تجمّلت مقبلة، وانّكم في يوم عمل ليس فيه حساب، ويوشك أن تكونوا في يوم حساب ليس فيه عمل(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): يا أيها الناس لا تغترّوا، فإنّ الله تعالى لو أهمل شيئاً لأهمل الذرّة والخردلة والبعوضة(4).
وقال ابن مسعود: انّما أنتم في الدنيا مع آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيراً يحصد زرعه رغبة، ومن يزرع شرّاً يحصد زرعه رهبة، ومن اُعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شرّاً فالله وقاه، المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة، ولو لم يكن فينا الاّ حبّاً لمن أبغض الله ـ وهي الدنيا ـ لكفى به ذنباً.
وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، ومفتاح كلّ
____________
1- مجموعة ورام: 2:22 نحوه.
2- اثبتناه من "ب" و"ج".
3- مجموعة ورام: 1:271 نحوه.
4- مجموعة ورام: 2:218.
الصفحة 60
سيّئة، وسبب احباط كلّ حسنة(1)، والعجب انّ الله يقول: {انّما أموالكم وأولادكم فتنة}(2) والناس يجمعونها ويحبّونها مع علمهم انّهم مفارقوها ومحاسبون عليها.
ولقد أحسن من قال فيها:
هي الدنيا تقول لمن عليه * * * حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم حسن ابتسامي * * * فقولي مضحك والفعل مبكي(3)
____________
1- البحار 77:182; مستدرك الوسائل 12:70ح13538.
2- الأنفال: 28.
3- مجموعة ورام 1:1.
الصفحة 61
الباب الثالث
في ذمّ الدنيا، منثوراً ومنظوماً
عجباً عجباً لغفلة الإنسان * * * قطع الحياة بذلّة وهوان
فكّرت في الدنيافكانت منزل * * * عندي كبعض منازل الركبان
مجرى جميع الخلق فيها واحد * * * فكثيرها وقليلها سيّان
أبغي الكثير إلى الكثير مضاعف * * * ولو اقتصرت على القليل كفاني
لله درّ الوارثين كأنّني * * * بأخصّهم متبرّم بمكاني
قلقاً يجهّزني إلى دار البلاء * * * متحرّياً(1) لكرامتي بهواني
متبرياً حتّى إذا نشر الثرى * * * فوقي طوى كشحاً على هجراني
وقال:
نل ما بداك أن تنال * * * فانّما تعطى وتسلب
واعلم بأنّك غافل * * * في العالمين(2) وأنت تطلب
____________
1- في "ج": متحفّزاً.
2- في "ج": في الغافلين.
الصفحة 62
والمشكلات كثيرة * * * والوقف عند الشك أصوب
يبغي المهذّب في الاُمور * * * جميعها ومن المهذّب
وروي انّه وجد على باب مدينة: ياابن آدم غافص(1) الفرصة عند امكانها، ووكّل الاُمور إلى مدبّرها، ولا تحمل على نفسك همّ يوم لم يأتك، فانّه ان لم يكن من أجلك يأتي الله فيه برزقك، ولا تكن عبرة للناظرين، واسوة بالمغرورين في جمع المال على المال، فكم من جامع لبعل حليلته، وتقتير المرء على نفسه توفير لخزانة غيره.
وقال الخليل: انّما يجمع المرء المال لأحد ثلاثة كلّهم أعداؤه: امّا زوج امرأته، أو زوج ابنه، أو زوج بنته، فمال المرء لهؤلاء ان تركه، فالعاقل الناصح لنفسه الذي يأخذ معه زاداً لآخرته، ولايؤثر هؤلاء على نفسه.
لبعضهم(2):
يا جامعاً لاهياً والدهر(3) يرمقه * * * مفكراً ايّ باب عنه يغلقه
جمعت مالاً فقل لي هل جمعت له * * * يا غافل القلب أيّاماً تفرّقه
ولأبي العتاهيّه:
أصبحت والله في مضيق * * * هل من دليل إلى الطريق
اُفّ لدنيا تلاعبت بي * * * تلاعب الموج بالغريق
وقال أيضاً:
نظرت إلى الدنيا بعين مريضة * * * وفكرة مغرور وتدبير جاهل
فقلت هي الدنيا التي ليس غيرها(4) * * * ونافست فيها في غرور وباطل
____________
1- غافصه: فاجأه، وأخذه على غرّة. (القاموس) 2- في "ب": وقال بعضهم في ذلك.
3- في"ب": والموت.
4- في "ب" و"ج": مثلها.
الصفحة 63
وضيّعت أحقاباً أمامي طويلة * * * بلذّة أيّام قصار قلائل
[وقال أيضاً](1)
وان امرء دنياه أكبر همّه * * * لمستمسك منها بحبل غرور
[وقال آخر:](2):
طلبتك يا دنيا فأعذرت في الطلب * * * وما نلت الاّ الهمّ والغمّ والنصب
وأسرفت(3)في ذنبي ولم أقض حسرتي * * * هربت بديني(4) منك ان نفع الهرب
ولم أر حظّاً كالقنوع لأهله * * * وان يحمل الإنسان ما عاش في الطلب
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تخالفوا على الله في أمره، فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تسعون في عمران دار قضى الله بخرابها.
وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يتمثّل [ويقول:](5)
ومن يصحب الدنيا يكن مثل قابض * * * على الماء خانته فروج الأصابع
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ الله تعالى جعل الدنيا دار بلوى، والآخرة دار عقبى، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سبباً، وثواب الدنيا من بلوى الآخرة عوضاً(6)، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.
وانّها سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها، واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها، ولا تواصلوها وقد قضى الله اجتنابها، ولا تسعوا في عمرانها وقد قضى الله خرابها، فتكونوا لسخطه متعرّضين
____________
1- أثبتناه من "ب".
2- أثبتناه من "ج".
3- في "ج": وأسرعت.
4- في "ب" و"ج": بذنبي.
5- أثبتناه من "ب" و"ج".
6- في"ج": وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً.
الصفحة 64
ولعقوبته مستحقّين(1).
وقال:
الدار دار نوائب ومصائب * * * وفجيعة بأحبّة وحبائب
ما ينقضي رزئي بفرقة صاحب * * * الاّ اُصبت بفرقة من صاحب
فإذا مضى الآلاف كفاك مظنّة(2) * * * والمؤنسين بأنّك أوّل ذاهب
____________
1- راجع البحار 77:184ضمن حديث 10.
2- في "ب" و"ج": عنك لظنّه.
الصفحة 65
الباب الرابع
[في ترك الدنيا](1)
روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: انّ الناس في الدنيا ضيف وما في أيديهم عارية، وانّ العارية مردودة، وانّ الضيف راحل، ألا وانّ الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل قاهر، فرحم الله من نظر لنفسه، ومهّد لرمسه، وحبله على عاتقه ملقىً قبل أن ينفذ أجله، وينقطع أمله، ولا ينفع الندم(2).
وقال الحسن(3) (عليه السلام): من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه، ومن ازداد حرصاً على الدنيا لم يزدد منها الاّ بعداً، وازداد هو من الله بغضاً، والحريص الجاهل والزاهد القانع كلاهما مستوف أكله، غير منقوص من رزقهم شيئاً، فعلام التهافت في النار(4).
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
2- راجع البحار 77:189ضمن حديث 10.
3- في "ب": الحسين بن علي (عليهم السلام).
4- الى هنا في مجموعة ورام 2:218.
الصفحة 66
والخير كلّه في صبر ساعة، تورث راحة طويلة وسعادة كبيرة(1)، والناس طالبان: طالب يطلب الدنيا حتّى إذا أدركها فهو هالك، وطالب يطلب الآخرة حتّى إذا أدركها فهو ناج فائز، واعلم أيّها الرجل انّه لا يضرّك ما فاتك من الدنيا وأصابك من شدائدها إذا ظفرت بالآخرة، وما ينفعك ما أصبت من الدنيا إذا حرمت الآخرة.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري: عظني، فكتب إليه: انّ رأس ما يصلحك الزهد في الدنيا، والزهد باليقين، واليقين بالفكر، والفكر هو الاعتبار، فإذا فكّرت في الدنيا لم تجدها أهلاً لأن تنفع نفسك بجميعها فكيف ببعضها، ووجدت نفسك أهلاً أن تكرمها بهوان الدنيا.
واذكر قول الله تعالى: {وكلّ انسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً}(2) فلقد عدل عليك مَنْ جعلك حسيباً على نفسك حيث قال(3): {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً}(4).
وقال: لقد صحبت في الدنيا أقواماً كانوا والله قرّة عين، وكلامهم شفاء الصدور، وكانوا والله في الحلال أزهد منكم في الحرام، وكانوا على النوافل أشد محافظة منكم على الفرائض، وكانوا والله من حسناتهم ومن أعمالهم الحسنة مخافة أن ترد عليهم أكثر وجلاً من أعمالكم السيّئة أن تعذّبوا بها.
وكانوا والله من حسناتهم أن تظهر(5) أشد خوفاً منكم من سيّئاتكم أن تشهر(6)، وكانوا يسترون حسناتهم كما تسترون أنتم سيّئاتكم، وكانوا محسنين
____________
1- في "ب" و"ج": كثيرة.
2- الاسراء: 13.
3- في "ب" و"ج": لقوله تعالى.
4- الاسراء: 14.
5- في "ب": يظهروا.
6- في "ب": تشهدوا.
الصفحة 67
وهم مع ذلك يبكون، وأنتم تسيئون وتضحكون، فانّا لله وانّا إليه راجعون.
ظهر الجفاء(1)، وقلّت العلماء، وعفت السنّة، وهجر الكتاب، وشاعت البدعة، وتعامل الناس بالمداهنة، وتقارضوا الثناء، وذهب الناس وبقي حثالة من الناس، يوشك أن تدعوا فلا تجابوا، وتظهر عليكم أيدي المشركين فلا تغاثوا.
فأعدّوا الجواب فانّكم مسؤولون، والله لو تكاشفتم ما تدافنتم، فاتقوا الله وقدموا فضلاً(2)، فإنّ من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم، ويؤثرون بفضل ذلك اخوانهم المؤمنين، ومساكينهم وأيتامهم وأراملهم، فانتبهوا من رقدتكم فإنّ الموت فضح الدنيا، ولم يجعل الله لذي عقل فرحاً(3).
واعلموا أنّه من عرف ربّه أحبّه فأطاعه، ومن عرف عدوّه(4) الشيطان عصاه، ومن عرف الدنيا وغدرها بأهلها مقتها(5)، وانّ المؤمن ليس بذي لهو ولا غفلة وانّما همّه التفكر والاعتبار، وشعاره الذكر قائماً وقاعداً وعلى كلّ حال.
نطقه ذكر، وصمته فكر، ونظره اعتبار، لأنّه يعلم انّه يصبح ويمسي بين أخطار ثلاثة: امّا بليّة نازلة، أو نعمة زائلة، أو منيّة قاضية، ولقد كدّر ذكر الموت عيش كلّ عاقل، فعجباً لقوم نودي فيهم بالرحيل وهم غافلون عن التزوّد، ولقد علموا انّ لكل سفر زاداً لابد منه، حبس أوّلهم عن آخرهم وهم لاهون ساهون.
وروي في قوله تعالى: {وآتيناه الحكم صبيّاً}(6) عن يحيى (عليه السلام) انّه كان له سبع سنين، فقال له الصبيان: امض معنا نلعب، فقال: ليس للّعب خلقنا.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: {ولا تنس نصيبك من
____________
1- في "ج": المخالفون.
2- في "ب" و"ج": فضلكم.
3- في "ج": فسحاً.
4- في "ب" و"ج": عداوة.
5- في "ج": زهد فيها.
6- مريم: 12.
الصفحة 68
الدنيا}(1) قال: لا تنس صحّتك وقوّتك وشفاءك(2) وغناك ونشاطك أن تطلب الآخرة(3).
وقال آخرون: هو الكفن من جميع ما يملك، أي لا تنس انّه هو نصيبك من الدنيا كلّه لو ملكتها.
وقال علي بن الحسين (عليه السلام): أعظم الناس قدراً من لم يبال الدنيا في يد من كانت.
وقال محمد بن الحنفيّة: من كرمت نفسه عليه هانت الدنيا عنده(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزداد الزمان الاّ شدّة، والعمر الاّ نقصاناً، والرزق الاّ قلّة، والعلم الاّ ذهاباً، والخلق الاّ ضعفاً، والدنيا الاّ ادباراً، والناس الاّ شحّاً، والساعة الاّ قرباً، تقوم على الاشرار من الناس.
وقال: كان الكنز الذي تحت الجدار: عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجباً لمن أيقن بالرزق كيف يحزن، وعجباً لمن أيقن بالحساب(5) كيف يذنب، وعجباً لمن عرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه، وإذا أحبّه الحبّ البالغ افتناه، فقالوا: وما معنى افتناه؟ قال: لا يترك له مالاً ولا ولداً(6).
وانّ الله تعالى يتعهّد عبده المؤمن في نفسه وماله بالبلاء كما تتعهّد الوالدة ولدها باللبن، وانّه ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي الطبيب المريض من
____________
1- القصص: 77.
2- في "ج": شبابك.
3- مجموعة ورام 2:219; معاني الأخبار: 325.
4- مجموعة ورام 1:77نحوه.
5- في "ج": بالنار.
6- البحار 81:188ح45; عن دعوات الراوندي.
الصفحة 69
الطعام(1).
وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: اللهم انّي أسألك سلواً عن الدنيا ومقتاً لها، فإنّ خيرها زهيد، وشرّها عتيد، وصفوها يتكدّر، وجديدها يخلق، وما فات فيها لم يرجع، وما نيل منها فتنة الاّ من أصابته منك عصمة وشملته منك رحمة، فلا تجعلني ممّن رضي بها واطمأنّ إليها ووثق بها، فإنّ من اطمأنّ إليها خانته، ومن وثق بها غرّته.
ولقد أحسن من وصفها بقوله:
ربّ ريح لاُناس عصفت * * * ثم ما لبثت إلى أن سكنت
وكذاك الدهر في أطواره * * * قدم زلّت واُخرى ثبتت
وكذا الأيّام من عاداته * * * انّها مفسدة ما أصلحت
[وقال غيره:](2)
لا تحزننّ(3) على الدنيا وما فيه * * * واحزن على صالح لم تكتسب فيه
[وقال آخر:](4)
واذكر ذنوباً عظاماً منك قد سلفت * * * نسيت أكثرها والله محصيه
وفي قوله تعالى: {كم تركوا من جنّات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوماً آخرين * فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}(5) عبرة.
وقال بعضهم: مررت بخربة فأدخلت فيها رأسي وقلت:
____________
1- مجموعة ورام 1:86.
2- أثبتناه من "ب" و"ج".
3- في "ب" و"ج": تحرصنّ.
4- أثبتناه من "ج".
5- الدخان: 24-29.
الصفحة 70
ناد ربّ الدار ذا المال الذي * * * جمع الدنيا بحرص ما فعل؟!
فأجابه هاتف من الخربة يقول:
كان في دار سواها داره * * * علّلته بالمنى حتّى انتقل(1)
وقال قتاده في قوله تعالى: {وقد خلت من قبلهم المثلات}(2) قال: وقائع القرون الماضيه، وما حلّ بها من خراب الديار وتعفية الآثار.
ومرّ الحسن (عليه السلام) بقصر أوس فقال: لمن هذا؟ فقالوا: لاُوس، فقال: ودّ أوس انّ له في الآخرة بدله رغيفاً(3).
وقال أبو العتاهيّة:
جمعوا فما أكلوا الذي جمعو * * * وبنوا مساكنهم فما سكنو
وكأنّهم كانوا بها ظعن * * * لمّا استراحوا ساعة ظعنو
وقال مسروق: ما امتلأت دار حبرة الاّ امتلأت عبرة، وأنشد [عند ذلك يقول:](4)
كم ببطن الأرض ثاو من وزير وأمير * * * وصغير الشأن عبد خامل الذكر حقير
لو تأمّلت قبور القوم في يوم قصير * * * لم تميّزهم ولم تعرف غنيّاً من فقير
وروي انّ سعد بن أبي وقّاص لما ولي العراق دعا حرقة(5) ابنة النعمان، فجاءت في لمّة من جواريها، فقال لهنّ: أيّتكنّ حرقة؟ قلن: هذه، فقالت: نعم، فما استنذارك(6) ايّاي يا سعد؟ فوالله ما طلعت الشمس، وما شيء يدبّ تحت
____________
1- مجموعة ورام 2:220.
2- الرعد:6.
3- مجموعة ورام 1:70.
4- أثبتناه من "ب".
5- في "ب": خرقة.
6- في "ب" و"ج": استبداؤك.
الصفحة 71
الخورنق(1) الاّ وهو تحت أيدينا، فغربت [شمسنا](2) وقد كان رحمنا جميع من كان يحسدنا، وما من بيت دخلته حبرة الاّ وعقّبته عبرة، ثمّ أنشأت تقول:
فبينا نسوق الناس والأمر أمرن * * * إذا نحن فيها سوقة نتنصّف
فاُفٍّ لدنيا لا يدوم سروره * * * تقلّب بنا ثاراتها وتصرف
هم الناس ما ساروا يسيرون حولن * * * وان نحن أومأنا إلى الناس أوقفو
ثم قالت: انّ الدنيا دار فناء وزوال لا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالاً، ولقد كنّا ملوك هذا القصر يطيعنا أهله، ويجبوا إلينا دخله فأدبر الأمر وصاح بنا الدهر، فصدع عصانا، وشتّت شملنا، وكذا الدهر لا يدوم لأحد، ثم بكت فبكى لبكائها، وأنشد:
انّ للدهر صولة فاحذريه * * * لا تقولين قد أمنت الدهور
قد يبيت الفتى معافاً فيؤذى * * * ولقد كان آمناً مسرور
فقال لها: اذكري حاجتك، فقالت: بنوا النعمان وأهله أجزهم على عوائدهم، فقال لها: اذكري حاجتك لنفسك خاصّة، فقالت: يد الأمير بالعطيّة أطلق من لساني بالمسألة، فأعطاهم وأعطانا(3) وأجزل.
فقالت: شكرتك يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل الله لك إلى اللئيم حاجة، ولا أخذ الله من كريم نعمة الاّ وجعل لك السبب في ردها إليه، فقال سعد: اكتبوها في ديوان الحكمة، فلمّا خرجت من عنده سألها نساؤها فقلن: ما فعل معك الأمير؟ فقالت: حاط لي ذمّتي، وأكرم وجهي، إنْ يكرم الكريم الاّ كريماً(4).
____________
1- الخورنق: اسم قصر بالعراق، فارسيّ معرّب، بناه النعمان الأكبر. (لسان العرب) 2- أثبتناه من "ج".
3- في "ج": وأعطاها.
4- أورده المصنف رحمه الله في أعلام الدين: 283 باختصار.
الصفحة 72
ولقد أحسن من قال:
وما الدهر والأيّام الاّ كما ترى * * * رزيّة مال أو فراق حبيب
وانّ امرأً قد جرّب الدهر لم يخف * * * تقلّب يوميه لغير أريب
وقال الآخر:
هو الموت لا منجى من الموت والذي * * * اُحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
وقال آخر:
إذا الرجال كثرت أولاده * * * وجعلت أوصابها تعتاده
واضطربت من كبرها أعضاده * * * فهي زروع قد دنا حصاده
وقال بعضهم: اجتزت بدار جبار كان معجباً بنفسه وملكه، فسمعت هاتفاًينشد ويقول:
وما سالم عمّا قليل بسالم * * * وان كثرت أحراسه ومواكبه
ومن يك ذا باب شديد وحاجب * * * فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه
ويصبح في لحد من الأرض ضيّق * * * يفارقه أجناده ومواكبه
وما كان الاّ الموت حتّى تفرّقت * * * إلى غيره أحراسه وكتائبه
وأصبح مسروراً به كلّ كاشح * * * وأسلمه أحبابه وحبائبه
فنفسك فاكسبها السعادة جاهد * * * فكلّ امرء رهناً بما هو كاسبه
قال: وكان بعضهم إذا نظر في المرآة إلى جماله أنشد:
يا حسان الوجوه سوف تموتون * * * وتبلى الوجوه تحت التراب
يا ذوي الأوجه الحسان المصونات * * * وأجسامها الفظاظ الرطاب
اكثروا من نعيمها أو أقلّو * * * سوف تهدونها لعفر التراب
قد نعتك الأيّام نعياً صحيح * * * بفراق الأقران والأصحاب
الصفحة 73
[وقال آخر:](1)
تذكّر ولا تنس المعاد ولا تكن * * * كأنّك في الدنيا مخلى وممرج(2)
فلابد من بيت انقطاع ووحشة * * * وان غرّك البيت الأنيق المدبّج
ووجد على بعض القبور مكتوباً هذه الأبيات:
تزوّد من الدنيا فانّك لاتبقى * * * وخذ صفوها لمّا صفت ودع الرتق
ولا تأمننّ الدهر انّي أمنته * * * فلم يبق لي خلاًّ ولم يرع لي حقّ
قتلت صناديد الملوك فلم أدع * * * عدوّاً ولم أمهل على ظنّه خلق
وأخليت دار الملك من كل بارع * * * فشرّدتهم غرباً وفرّقتهم(3) شرق
فلمّا بلغت النجم غراً ورفعة * * * وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقّ
رماني الردى رمياً فأخمد جمرتي * * * فها أنا ذا في حفرتي مفرداً ملقى
فأفسدت دنيائي وديني جهالة * * * فمن ذا الذي منّي بمصرعه أشقى
وقال بعضهم: يا أيّها الإنسان لا تتعظّم، فليس بعظيم من خلق من الترابوإليه يعود، وكيف يتكبّر من أوّله نطفة مذرة(4)، وآخره جيفة قذرة، وهو يحمل بين جنبيه العذرة، واعلم انّه ليس بعظيم من تصرعه الأسقام، وتفجعه الآلام، وتخدعه الأيّام، ولا يأمن أن يسلبه الدهر شبابه وملكه، وينزله من علوّ سريره إلى ضيق قبره، انّما الملك العاري من هذه المعائب، ثم أنشد:
أين الملوك وأبناء الملوك ومن * * * قاد الجيوش ألا يا بئس ما عملو
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم * * * غلب الرجال فلم تنفعهم القلل
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
2- في "ج": مخرج.
3- في "ب" و"ج": مزّقتهم.
4- في"ج": قذرة.
الصفحة 74
فانزلوا بعد عزٍّ من معاقلهم(1) * * * واسكنوا حفرة يا بئس ما نزلو
ناداهم صارخ من بعد ما دفنو * * * أين الأسرّة والتيجان والكلل(2)
أين الوجوه التي كانت منعّمة * * * من دونها تضرب الأستار والحجل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم * * * تلك الوجوه عليها الدود يقتتل(3)
قد طال ما أكلوا دهراً وما شربو * * * فأصبحوا بعد طيب الأكل قد اكلو
سالت عيونهم فوق الخدود فلو * * * رأيتهم ما هنّاك العيش يا رجل
وقال الحسين (عليه السلام): ياابن آدم تفكّر وقل: أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمّروا خرابها، واحتفروا أنهارها، وغرسوا أشجارها، ومدّنوا مدائنها، فارقوها وهم كارهون، وورثها(4) قوم آخرون، ونحن(5) بهم عمّا قليل لاحقون.
ياابن آدم اذكر مصرعك، وفي قبرك مضجعك، وموقفك بين يدي الله تعالى، يشهد جوارحك عليك، يوم تزلّ فيه الأقدام، وتبلغ القلوب الحناجر، وتبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، وتبدى السرائر ويوضع الميزان للقسط.
ياابن آدم اذكر مصارع آبائك وأبنائك كيف كانوا وحيث حلّوا، وكأنّك عن قليل قد حللت محلّهم، وأنشد:
أين الملوك التي عن حظّها(6) غفلت * * * حتّى سقاها بكأس الموت ساقيه
تلك المدائن في الآفاق خالية * * * عادت خراباً وذاق الموت بانيه
أموالنا لذوي الورّاث نجمعه * * * ودورنا لخراب الدهر نبنيه
ما عبّر أحد عن الدنيا كما عبّر أميرالمؤمنين (عليه السلام) بقوله: دار بالبلاء
____________
1- في "ب": منازلهم.
2- في "ب": الحلل.
3- في "ج": تنتقل.
4- في "ب": ورثوها.
5- في "الف": وهم.
6- في "ب" و"ج": حفظها.
الصفحة 75
محفوفه، وبالغدر معروفه، لاتدوم أحوالها، ولا تسلم نزّالها، أحوال مختلفة، وتارات متفرّقة(1)، العيش فيها مذموم، والأمان فيها معدوم، وانّما أهلها فيها أغراض مستهدفة، ترميهم بسهامها وتفنيهم بحمامها.
واعلموا عباد الله انّكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من كان قبلكم ممّن كان أطول منكم أعماراً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، أصبحت أصواتهم هامدة، وآثارهم خامدة، ورياحهم راكدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خاوية، وآثارهم عافية.
فاستبدلواالقصورالمشيّدة،والنمارق الممهّدة،والصخور(2)والأحجار المسندة، بالقبور اللاّطية الملحّدة التي قد بُني على الخراب فناؤها، وشُيّد بالتراب بناؤها، فمحلّها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل محلّة موحشين وأهل فراغ متشاغلين.
لا يستأنسون بالأوطان، ولا يتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار، ودنوّ الدار، فكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكلة البلاء، وأكلهم الجنادل والثرى، وكأنّكم قد صرتم إلى ما صاروا إليه، وارتهنكم(3) ذلك المضجع، وضمّكم ذلك المستودع.
فكيف بكم إذا تناهت بكم الاُمور، وبُعثرت القبور، هنالك تبلو كلّ نفس ما أسلفت، وردّوا إلى الله مولاهم الحق وضلّ عنهم ما كانوا يفترون(4).
ودخل أبوالهذيل دار المأمون فقال: انّ دارك هذه كانت مسكونة قبلك من ملوك درست آثارهم، وانقطعت أعمارهم، فالسعيد من وعظ بغيره(5).
____________
1- في "ب" و"ج": متصرّفة.
2- في "ب": بالصخور.
3- في "ب": ارتهنتم.
4- نهج البلاغة: الخطبة 226; عنه البحار 73:82ح45.
5- مجموعة ورام 2:221.
الصفحة 76
الباب الخامس
في التخويف والترهيب من كتاب الله جلّ جلاله
قال: {ونخوّفهم فما يزيدهم الاّ طغياناً كبيراً}(1).
وقال سبحانه: {بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}(2).
وقال: {ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير}(3).
وقال: {وما نرسل بالآيات الاّ تخويفاً}(4).
وقال: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحىً وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله الاّ القوم الخاسرون}(5).
____________
1- الأسراء: 60.
2- القمر: 46.
3- الملك: 16-17.
4- الأسراء: 59.
5- الأعراف: 97-99.
الصفحة 77
وقال: {ويل لكلّ أفّاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصرّ مستكبراً كأن لم يسمعها فبشّره بعذاب أليم}(1).
وقال: {ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابّة}(2).
وقال سبحانه: {ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلّهم يرجعون}(3).
وقال سبحانه: {وتلك القرى أهلكناهم لمّا ظلموا}(4).
وقال: {فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات اُحلّت لهم}(5).
وقال سبحانه: {ولو لا كلمة سبقت من ربّك لقضي بينهم}(6).
وقال سبحانه: {ولو لا كلمة سبقت من ربّك لكان لزاماً وأجلاً مسمى}(7)، يعني سبحانه: للزمهم(8) بالعذاب عند كلّ معصية، وانّما سبق منه سبحانه أنّه قال: {وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون}(9).
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): كان في الناس أمانان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والاستغفار، فرفع منهم أمان وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبقي أمان وهو الاستغفار(10).
____________
1- الجاثية: 7-8.
2- النحل: 61.
3- الروم: 41.
4- الكهف: 59.
5- النساء: 160.
6- هود: 110.
7- طه: 129.
8- في "ب" و "ج": ألزمهم.
9- الأنفال: 33.
10- نهج البلاغة: قصار الحكم 88; عنه البحار 93:284ح31; روضة الواعظين: 478.
الصفحة 78
الباب السادس(1)
في التخويف من الآثار
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مهلاً عباد الله عن معصية الله، فإنّ الله شديد العقاب(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الله لم يعط ليأخذ ولو أنعم على قوم ما أنعم، وبقو ما بقي الليل والنهار، ما سلبهم تلك النعم وهم له شاكرون إلاّ أن يتحوّلوا من شكر إلى كفر، ومن طاعة إلى معصية، وذلك قوله تعالى:{انّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم}(3).
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام): انّ الله يبتلي عباده عند طول السيّئات بنقص الثمرات، وحبس البركات، واغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكّر متذكّر، وينزجر منزجر، وقد جعل الله الاستغفار سبباً له وللرزق
____________
1- أثبتنا عنوان هذا الباب من "الف"، ولم يرد في سائر النسخ، وبه يتم خمس وخمسين باباً كما وعده المصنف (ره).
2- مجموعة ورام 2: 221.
3- الرعد: 11.
الصفحة 79
رحمة للخلق، فقال سبحانه: {استغفروا ربّكم انّه كان غفّاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنّات ويجعل لكم أنهاراً}(1).
فرحم الله من قدّم توبته، وأخّر شهوته، واستقال عثرته، فإنّ أمله خادع له، وأجله مستور عنه، والشيطان موكل به، يمنّيه التوبة ليسوّفها، ويزهي له المعصية ليرتكبها، حتّى تأتي عليه منيّته وهو أغفل ما يكون عنها.
فيالها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حسرة، وأن تؤدّيه أيّامه إلى شقوة، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وايّاكم ممّن لا تبطره نعمة، ولا تقصر به عن طاعة ربّه غاية، ولا تحلّ(2) به بعد الموت ندامة ولا كآبة(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): ولو انّهم حين تزول عنهم النعم وتحل بهم النقم، فزعوا إلى الله بوَلَه من نفوسهم، وصدق من نيّاتهم، وخالص من طويّاتهم، لرد عليهم كلّ شارد، ولأصلح لهم كلّ فاسد(4).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ لله تعالى ملكاً ينزل في كلّ ليلة وينادي: يا أبناء العشرين جدّوا واجتهدوا، ويا أبناء الثلاثين لا تغرنّكم الحياة الدنيا، ويا أبناء الأربعين ماذا أعددتم للقاء ربّكم، ويا أبناء الخمسين أتاكم النذير، ويا أبناء الستين زرع آن حصاده، ويا أبناء السبعين نودي بكم فأجيبوا، ويا أبناء الثمانين أتتكم الساعة وأنتم غافلون، ثم يقول: لولا عباد ركّع، ورجال خشّع، وصبيان رضّع، وأنعام رتّع لصبّ عليكم العذاب صبّاً(5).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أكرموا ضعفاءكم فانّما ترزقون
____________
1- النوح: 10-12.
2- في "الف": لا تجعل.
3- راجع البحار 91: 336 ح20.
4- نهج البلاغة: الخطبة 178; عنه البحار 6: 57 ح7.
5- عنه معالم الزلفى: 59.
الصفحة 80
وتنصرون بضعفائكم(1).
وقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني قصيّ اشتروا أنفسكم من الله، واعلموا انّي أنا النذير، والموت المغيّر، والساعة الموعد.
ولما أنزل الله عليه: {وأنذر عشيرتك الأقربين}(2) صعد على الصفا وجمع عشيرته وقال: يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، يا بني قصي، اشتروا أنفسكم من الله، فانّي لا اُغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس عمّ محمد، يا صفيّه عمّته، يا فاطمة ابنته ـ ثم نادى كل رجل باسمه وكل امرأة باسمهاـ لا ينجي الناس يوم القيامة الاّ العمل.
لا يجيء الناس يوم القيامة يحملون الآخرة(3) وتأتون وتقولون: انّ محمداً منّا، وتنادون: يا محمد يا محمد، فأعرض عنكم هكذا وهكذا ـ وأعرض عن يمينه وشماله ـ فوالله ما أوليائي منكم الاّ المتقون، انّ أكرمكم عند الله أتقاكم.
وروي انّه (صلى الله عليه وآله) لمّا مرض مرضه الذي مات فيها خرج متعصّباً، معتمداً على يد أميرالمؤمنين (عليه السلام) والفضل بن العباس، فتبعه الناس فقال: يا أيّها الناس انّه قد آن منّي خفوق ـ يعني رحيلاً ـ وقد اُمرت بأن أستغفر لأهل البقيع، ثم جاء حتّى دخل البقيع، ثم قال:
"السلام عليكم يا أهل التوبة، السلام عليكم يا أهل الغربة، ليهنكم ما أصبحتم فيه وقد نجوتم ممّا الناس فيه، أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أوّلها آخرها" ثم استغفر لهم وأطال الاستغفار، ورجع واجتمع(4) الناس حوله فحمد الله
____________
1- مجموعة ورام 2: 221.
2- الشعراء: 214.
3- في "الف": تحملون الآخرة.
4- في "ب": جمع.
الصفحة 81
وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس انّه قد آن منّي خفوق فإنّ جبرئيل كان يأتيني يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة، وانّه قد عارضني به في هذه السنة مرّتين، ولا أقول ذلك الاّ لحضور أجلي، فمن كان له عليّ دين فليذكر أعطه، ومن كان له عندي عدة فليذكرها [أعطه](1).
أيّها الناس لا يتمنّ متمنٍّ ولا يدّعي مدّع انّه ينجو بلا عمل، أو يتقرّب إلى رضا الله بلا عمل، فانّه والله لا ينجي الاّ العمل ورحمة الله، ولو عصيت لهويت، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم هل بلّغت؟!(2)
وقال (عليه السلام): ايّاكم ومحقرات الذنوب فإنّ لها من الله طالباً، وانّها لتجتمع على المرء حتّى تهلكه.
وقال (عليه السلام): لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً على أنفسكم، ولخرجتم على الصعدات تبكون على أعمالكم، ولو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم شيئاً سميناً.
وقال علي (عليه السلام): أما والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم على أنفسكم، ولخرجتم على الصعدات تندمون على أعمالكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها، ولا خالف عليها، ولكنّكم نسيتم ما ذكّرتم، وأمنتم ما حذّرتم، فتاه(3) عنكم رأيكم، وتشتت عليكم أمركم.
أما والله لوددت انّ الله ألحقني بمن هو خير لي منكم، قوم والله ميامين الرأي، مراجيح الحكمة، مقاويل الصدق، متاريك للبغي، مضوا قدماً على الطريقة، وأوجفوا على المحجّة، فظفروا بالعقبى الدائمة والكرامة الباقية.
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
2- ارشاد المفيد: 97; عنه البحار 22: 467 ضمن حديث 19; اعلام الورى: 140 باختلاف.
3- في "ب": ففاتكم.
الصفحة 82
أما والله ليظهرنّ(1) عليكم غلام ثقيف، الذيّال الميّال، يأخذ خضرتكم، ويذيب شحمتكم، أيه أبا وذحة أيه أبا وذحة، يعني بذلك الحجاج بن يوسف [لهمّة تهتمّ به](2)(3).
وقال (عليه السلام): انّ الزاهدين في الدنيا تبكي قلوبهم وان ضحكوا، ويشتدّ حزنهم وان فرحوا، ويكثر مقتهم أنفسهم وان اغتبطوا بما رزقوا(4).
وقال (عليه السلام) في خطبة: أمّا بعد فإنّ الدنيا قد أدبرت وأذنت بوداع، وانّ الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، ألا وانّ اليوم المضمار وغداً السبقة، والسبقة الجنّة والغاية النار.
أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه وحسرته، ألا وانّكم في أيّام أمل(5) من ورائه أجل، فمن عمل في أيّام أمله(6) قبل حضور أجله نفعه عمله ولم يضرّه أجله، ومن قصر في أيّام أمله(7) خسر عمله وضرّه(8)أجله.
ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة، ألا وانّي لم أر كالجنّة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، وانّه من لم ينفعه الحق يضرّه الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يرده الضلال، ألا وانّكم قد امرتم بالظعن، ودللتم على الزاد، وانّ أخوف ما أتخوّف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، وتزوّدوا من الدنيا في الدنيا ما تنجون به
____________
1- في "ج": ليظهر.
2- أثبتناه من "ب" و"ج".
3- نهج البلاغة: الخطبة 116.
4- نهج البلاغة: الخطبة 113.
5- في "ج": عمل.
6- في "ج": عمله.
7- في "ب": أجله.
8- في "ب": قصر.
الصفحة 83
أنفسكم(1).
يقول العبد الفقير إلى رحمة الله ورضوانه، الحسن بن محمد الديلمي تغمّده الله برأفته ورحمته وغفرانه: انّ هذا الكلام منه (عليه السلام) لعظيم الموعظة، وجليل الفائدة، وبليغ المقالة، لو كان كلام يأخذ بالازدجار والموعظة لكان هذا، فكفى به قاطعاً لعلائق الآمال، وقادحاً زناد الاتعاظ والايقاض.
يأخذ والله بأعناق المتفكّرين فيه المتبصّرين في الزهد، ويضطرّهم إلى عمل الآخرة، فاعتبروا وتفكّروا وتبصّروا إلى معانيه يا اُولي الأبصار.
وقال (عليه السلام) في خطبة اُخرى تجري هذا المجرى: انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصارفين عنها، فانّها عن قليل والله تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المترف الآمن، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، سرورها مشوب بالحزن، وجلد الرجال منها إلى الضعف والوهن.
فلا تغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها، فرحم الله امرء تفكّر فاعتبر فأبصر، وكأنّما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن، وما هو كائن من الآخرة عمّا قليل لم يزل، وكلّ معدود منقص، وكلّ متوقّع آت، وكلّ آت قريب دان.
والعالم من عرف قدره، وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره، وانّ أبغض العباد إلى الله لعبد وكّله الله لنفسه، وهو جائر عن قصد السبيل، سائر بغير دليل، إن دُعي إلى حرث الدنيا عمل وإلى حرث الآخرة كسل، كأنّما عمل له واجب عليه، وما ونى عنه ساقط عنه. وذلك زمان لا يسلم فيه الاّ كلّ مؤمن نؤمة، ان شهد لم يُعرف، وان غاب لم يُفتقد، اُولئك مصابيح الهدى، وأعلام الورى، ليسوا بالمساييح ولاالمذاييع البذر، اُولئك يفتح الله عليهم باب الرحمة، ويكشف عنهم ضرّاء(2) نقمته.
____________
1- نهج البلاغة: الخطبة 28; ونحوه البحار 77: 333 ح21.
2- في "ج": ضرّ.
الصفحة 84
يا أيّها الناس انّه سيأتي عليكم زمان يُكفأ فيه الإسلام كما يُكفأ الاناء بما فيه، أيّها الناس انّ الله تعالى قد أعاذكم من أن يجور عليكم، ولم يعذكم من أن يبتليكم، فقال تعالى: {انّ في ذلك لآيات وان كنّا لمبتلين}(1)(2).
قوله (عليه السلام): "كلّ مؤمن نؤمة" يريد الخامل الذكر، القليل الشر(3)، و "المساييح" جمع مسياح، وهو الذي يسيح بالفساد والنمائم، و "المذاييع" جمع مذياع، وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها وأعلن بها، و "البذر" وهو كثير السفه واللغو بالهذيان.
وقال (عليه السلام) في خطبة اُخرى تجري هذا المجرى: ألا وانّ الدنيا قد تصرّمت، [وأذنت بزوال](4) وأذنت بانقضاء، وتنكّر معروفها، وأدبرت حذّاء(5)، فهي تخوّف بالفناء سكّانها، وتحذّر بالموت جيرانها، وقد أمرّ منها ما كان حلواً، وكدر منها ما كان صفواً، فلم يبق منها الاّ سملة(6) كسملة الأداوة(7)، أو جرعة كجرعة المقلة لو تمزّزها(8) الصدآن لم ينفع(9).
فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار، المقدور على أهلها الزوال، ولا يغرّنّكم فيها الأمل، ولا يطولنّ عليكم الأمد، فوالله لو حننتم حنين الواله العجلان، ودعوتم بهديل(10) الحمام، وجأرتم جؤار متبتلي الرهبان، وخرجتم إلى الله من
____________
1- المؤمنون: 30.
2- نهج البلاغة: الخطبة 103.
3- زاد في "ج": والمصابيح جمع مصباح.
4- أثبتناه من "ب".
5- أي ماضية سريعة.
6- السملة ـ محرّكة ـ: الماء القليل. (القاموس) 7- الأداوة: المطهرة.
8- تمزّز: تمصّص الماء.
9- في "ب": لو مرّ بها الصدآن لم ينتفع.
10- الهديل: صوت الحمام، أو خاص بوحشيها. (القاموس)
الصفحة 85
الأموال والأولاد ابتغاء القربة إليه في رفع درجة عنده، وغفران سيّئة أحصاها كتبته وحفظتها رسله، لكان قليلاً فيما أخشى عليكم من عقابه، وأرجوا لكم من ثوابه.
وتالله لو انماثت قلوبكم انمياثاً، وسالت عيونكم من رغبة إليه(1) ورهبة دماً، ثم عمّرتم في الدنيا ما كانت الدنيا قائمة ما جزت أعمالكم ولو لم تبقوا شيئاً من جهدكم، لأنعمه عليكم العظام وهداه ايّاكم للايمان(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه: ليظهر النفاق، وترفع الأمانة، وتغيض الرحمة، ويتّهم الأمين، ويؤتمن الخائن، أتتكم الفتن كأمثال الليل المظلم.
وجاء في قوله تعالى: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك}(3) قال: ينادون أربعين عاماً فلا يجيبهم، ثم يقول: {انّكم ماكثون} فيقولون: {ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانّا ظالمون} فيدعون أربعين عاماً، فيقال لهم: {اخسأوا فيها ولا تكلّمون}(4) فييأس القوم بعدها، فلم يبق الاّ الزفير والشهيق(5) كما تتناهق الحمير(6).
وقال (صلى الله عليه وآله): يشتد على اهل النار الجوع على ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصّة وعذاب أليم وشراب حميم فيقطع أمعاءهم، فيقولون لخزنة جهنّم: ادعو ربكم يخفّف عنّا يوماً من العذاب، فيقال لهم: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبيّنات؟ قالوا: بلى، قالوا: فادعوا وما دعاء
____________
1- في "ب" و"ج": من رغبة الله.
2- نهج البلاغة: الخطبة 52.
3- الزخرف: 77.
4- المؤمنون: 106-108.
5- في "ب": النهيق.
6- عنه معالم الزلفى: 358.
الصفحة 86
الكافرين الاّ في ضلال(1).
وقال الحسن (عليه السلام): انّ الله تعالى لم يجعل الأغلال في أعناق أهل النارلأنّهم أعجزوه، ولكن إذا طفى بهم اللهب أرسبهم في قعرها، ثم غشى عليه فلمّا أفاق من غشوته قال: يا ابن آدم نفسك نفسك، فانّما هي نفس واحدة، ان نجت نجوت وان هلكت لم ينفعك نجاة من نجى(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلٌ للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون: ربنا ظلمونا حقوقنا التي فرضت عليهم في أموالهم(3).
وقال (عليه السلام): بئس العبد عبد سهى ولهى وغفل ونسى القبر والبلى، وبئس العبد عبد طغى وبغى ونسى المبتدأ والمنتهى، وبئس العبد عبد يقوده الطمع، ويطغيه الغنى، ويرديه الهوى.
الحديث رواه الخليفة بن الحصين، قال: قال قيس بن عاصم: وفدت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جماعة من بني تميم، فقال لي: اغتسل بماء وسدر، فاغتسلت ثم رجعت إليه فقلت: يا رسول الله عظنا موعظة ننتفع بها.
فقال: يا قيس انّ مع العزّ ذلاًّ، وانّ مع الحياة موتاً، وانّ مع الدنيا آخرة، وانّ لكلّ شيء حسيباً، وعلى كلّ شيء رقيباً، وانّ لكلّ حسنة ثواباً، ولكلّ سيّئة عقاباً، وانّه لابد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حيّ، وتدفن معه وأنت ميّت، فان كان كريماً أكرمك، وان كان لئيماً أساءك(4)، ثم لا تدفن الاّ معه ولا يدفن الاّ معك، فلا تجعله الاّ صالحاً، لأنّه إذا كان صالحاً لا يؤنسك الاّ هو، وان كان فاحشاً لا يوحشك الاّ هو.
____________
1- عنه معالم الزلفى: 358.
2- مجموعة ورام 1: 301; معالم الزلفى: 358.
3- عنه معالم الزلفى: 358.
4- في "ب" و"ج": أسلمك.
الصفحة 87
فقال: يا رسول الله لو نظم شعراً افتخرنا به على من يلينا من العرب، فأراد(1)أن يدعو حسّاناً لينشد فيه فقال رجل يقال له الصلصال:
تخيّر خليطاً من فعالك انّم * * * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل
فلابد بعد الموت من أن تعدّه * * * ليوم ينادي المرء فيه فيقبل
فان كنت مشغولاً بشيء فلا تكن * * * بغير الذي يرضى به الله تشغل
فلن يصحب الإنسان من بعد موته * * * ومن قبله الاّ الذي كان يعمل
ألا انّما الإنسان ضيف لأهله * * * يقيم قليلاً بينهم ثم يرحل(2)
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لكلّ انسان ثلاثة أخلاّء، أما أحدهم فيقول: ان قدّمتني كنت لك، وأما الآخر فيقول: أنا معك إلى باب الملك ثم اُودّعك وأمضي عنك، وأما الثالث فيقول: أنا معك لا اُفارقك.
فامّا الأول فماله، وأمّا الثاني فأهله وولده، وأمّا الثالث فعمله، فيقول: والله لقد كنت عندي أهون الثلاثة، فليتني لم أشغل الاّ بك.
وقال العِرباض بن سارية: وعظنا رسول الله موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله انّ هذه لموعظة مودّع، فما تعهد إلينا؟ فقال: تركتكم على المحجّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ(3) بعدها الاّ هالك. ومن يعيش منكم يرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من أهل بيتي، فعظّوا عليهم بالنواجذ، وأطيعوا الحق ولو كان صاحبه عبداً حبشيّاً، فإنّ المؤمن كالجمل الأنوف(4) حيث ما قيد استقاد(5).
____________
1- في "ب": فأرادوا.
2- معاني الأخبار: 232; الخصال: 114 ح 93 باب الثلاثة; أمالي الصدوق: 12ح 4 مجلس 1; عنهم البحار 77: 110 ح1; ومعالم الزلفى: 121.
3- في "الف": لا يرتفع.
4- في "ج": الألوف.
5- الترغيب والترهيب 1: 77 ح1.
الصفحة 88
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: {ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم}(1) قال: الصحّة والأمن والقوّة والعافية. وقيل: الماء البارد في أيّام الحر، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا شرب الماء قال: الحمد لله الذي لم يجعله اجاجاً بذنوبنا وجعله عذباً فراتاً بنعمته.
وقال سفيان بن عيينة: ليس(2) أحد من عباد الله الاّ ولله الحجّة عليه، امّا مهمل لطاعة، أو مرتكب لمعصية، أو مقصّر في شكر(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله تعالى: "ياابن آدم ما تنصفني، أتحبّب إليك بالنعم وتتبغّض اليّ بالمعاصي، خيري إليك نازل وشرّك اليّ صاعد، ولم يزل ولا يزال في كلّ يوم ملك كريم يأتيني عنك بعمل قبيح، ياابن آدم لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تدري من الموصوف لسارعت إلى مقته"(4).
وقال (صلى الله عليه وآله): لا يغرّنّكم من ربّكم طول النسية، وتمادي الامهال، وحسن التقاضي فإنّ أخذه أليم، وعذابه شديد، انّ لله تعالى في كلّ نعمة حقّاً وهو شكره، ومن أدّاه زاده، ومن قصر فيه سلبه منه، فليراكم الله من النقمة وجلين كما رآكم بالنعمة فرحين(5).
وقال ابن عباس: آخر آية نزلت: {واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفّى كلّ نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}(6).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّي لأعرف آية في كتاب الله لو أخذ بها
____________
1- التكاثر: 8.
2- في "ج": ما من أحد.
3- مجموعة ورام 2: 221.
4- أمالي الطوسي: 125 ح10 مجلس 5; البحار 73: 352 ح50.
5- مجموعة ورام 2: 221.
6- البقرة: 281.
الصفحة 89
جميع الناس كفتهم، قالوا: وما هي؟ فقال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب}(1)(2).
____________
1- الطلاق: 2-3.
2- مستدرك الوسائل 11: 267 ح12963.
الصفحة 90
الباب السابع
في التحذير بالعقوبة في الدنيا
قال الله تعالى: {فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يظهر في امّتي الخسف والقذف(2)، قالوا: متى يكون ذلك يا رسول الله صلى الله عليك وآلك؟ قال: إذا ظهرت المعازف والقيّنات وشرب الخمور، والله ليبيت(3) اُناس من امّتي على شرّ وبطر ولعب، ويصبحون قردة وخنازير لاستحلالهم الحرام، واتخاذهم القينات، وشرب الخمور، وأكلهم الربا، ولبسهم الحرير(4).
وقال (عليه السلام): إذا جار الحاكم قلّ المطر، وإذا غدر بأهل الذمّة ظهر
____________
1- العنكبوت: 40.
2- في "ب": الترف.
3- في "ب" و"ج": ليبيتنّ.
4- عنه الوسائل 12: 231 ح30.
الصفحة 91
عليهم عدوّهم، وإذا ظهرت الفواحش كانت الرجفة، وإذا قلّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استبيح الحريم، وانّما هو التبديل [ثم التدبير](1) ثم التدمير.
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
الصفحة 92
الباب الثامن
في قصر الأمل
قال الله تعالى: {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون}(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حان(2) الأجل دون رجاء الأمل.
وقال بعضهم: لو رأيت الأجل ومسيره لبغضت(3) الأمل وغروره.
وقال أنس: كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوضع ثوبه تحت رأسهونام، فهبّت ريح عاصفة فقام فزعاً وترك رداءه، فقلنا: يا رسول الله مالك؟ قال: قد ظننت انّ الساعة قد قامت.
وقال (صلى الله عليه وآله): يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنان: الحرص وطول الأمل(4).
وقال أميرالمؤمنين (عليه السلام) في خطبة: اتقوا الله فكم من مؤمّل ما
____________
1- الحجر: 3.
2- في "ب" و"ج": جاء.
3- في "ج": لأبغضت.
4- الخصال: 73 ح113 باب 2; عنه البحار 73: 161 ح 8.
الصفحة 93
لا يبلغه، وجامع ما لا يأكله، ولعلّه من باطل جمعه ومن حق منعه، أصابه حراماً وورثه عدواً، فاحتمل اصره، وبآء بوزره، وردّ على ربّه خاسراً آسفاً لاهفاً، قد خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين(1).
وقال الأصمعي: سمعت أعرابيّاً يقول: انّ الآمال قطعت أعناق الرجالكالسراب، أخلف من رجاه، وغرّ من رآه، ومن كان الليل والنهار مطيّتاه أسرعا به السير، وبلغاه المحل.
وأنشد بعضهم:
ويمسي المرء ذا أجل قريب * * * وفي الدنيا له أمل طويل
ويعجّل للرحيل وليس يدري * * * إلى ماذا يقرّبه الرحيل
وقال آخر:
يا أيّها المطلق آماله * * * من دون آمالك آجال
كم أبلت الدنيا وكم جددت * * * فينا وكم تبلي وتغتال
وقال الحسين (عليه السلام): ياابن آدم انّما أنت أيّام، كلّما مضى يوم ذهب بعضك.
وقال بعضهم لرجل: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت والله في غفلة عن الموت، مع ذنوب قد أحاطت بي وأجل مسرع، أقدم على هول لا أدري على ما أقتحم، فمن أسوء حالاً منّي وأعظم خطراً، ثم بكى(2).
ودخل أبو العتاهيّة على أبي نواس في مرضه الذي مات فيه، فقال: كيف تجد نفسك؟ فقال أبو نواس:
دبّ في الفنى سفلاً وعلو * * * وأراني الموت عضواً فعضو
____________
1- نهج البلاغة: قصار الحكم 344; عنه البحار 78: 83 ح 88.
2- مجموعة ورام 2: 221.
الصفحة 94
ذهبت جدتي لطاعة نفسي * * * فتذكّرت طاعة الله نضو
ليس من ساعة مضت بي ال * * * نقصتني بمرّها لي جزو
قد أساءت كلّ الاساءة اللهم * * * صفحاً عنّا وعفواً وعفو
وقال آخر:
يمد المنى للمرء آمال نفسه * * * وسهم الردى من لحظ عينيه قد نزع
لمن يجمع المال البخيل وقد رأى * * * مصارع من قد كان بالأمس قد جمع
الصفحة 95
الباب التاسع
في قصر الأعمار وسرعة انقضائها وترك الاغترار بها
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعمار امّتي ما بين الستين إلى السبعين، وقلّ ما يتجاوزها(1).
وجاء في قوله تعالى: {أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر}(2) انّه معاتبة لابن الأربعين، وقيل لابن ثمانية عشر سنة، {وجاءكم النذير}(3) الشيب.
وفي قوله: {قد بلغت من الكبر عتيّاً}(4) جاوزت الستين. وروي انّ لله ملكاً ينادي أبناء الستين: عدّوا أنفسكم في الموتى(5). وقال بعضهم: يوشك انّ من سار إلى منهل ستين سنة أن يردّه(6).
وأنشد بعضهم:
____________
1- عنه معالم الزلفى: 59.
2- فاطر:37.
3- فاطر: 37.
4- مريم: 9.
5- عنه مستدرك الوسائل 12: 156 ح 13766.
6- مجموعة ورام 2: 222 نحوه.
الصفحة 96
تزوّد من الدنيا فانّك لا تبقى * * * وخذ صفوها لمّا صفت ودع الزلق
ولا تأمننّ الدهر انّي أمنته * * * فلم يبق لي خلاًّ ولم يبق لي حقّاً(1)
وقال آخر:
تزوّد من الدنيا فانّك راحل * * * وبادر فإنّ الموت لا شك نازل
وانّ امرءً عاش ستين حجّة * * * ولم يتزوّد للمعاد فجاهل(2)
وقال آخر:
إذا كانت الستون عمرك لم يكن * * * لدائك الاّ أن تموت طبيب
وانّ امرءً عاش ستين حجّة * * * إلى منهل من ورده لقريب
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم * * * وخُلّفت في قرن فأنت غريب
وجاء في قوله تعالى: {انّما نعدّ لهم عدّاً}(3) قال: الأنفاس، يخسرها من أنفقها في غير طاعة الله(4).
وقال بعضهم: العمر قصير، والسفر بعيد، فاشتغل(5) بصلاح أيّامك(6)، وتزوّد(7) لطول سفرك(8)، وانتفع بما جمعت فقدّمه من ممرّك إلى مقرّك قبل أن تنزعج(9) عنه فتحاسب به ويحضي به غيرك، فما أقلّ مكثك في دار الفناء، وأعظم مقامك في دار البقاء.
____________
1- في "ج": خلفاً.
2- في "ج": فهو جاهل.
3- مريم: 84.
4- مجموعة ورام 2: 222.
5- في "ب": فاشتغلوا.
6- في "ب": أيّامكم.
7- في "ب": تزوّدوا.
8- في "ب": سفركم.
9- في "الف": تزعج.
الصفحة 97
وقال بعضهم:
لهفي على عمر ضيّعت أوّله * * * وغال(1) آخره الأسقام والهرم
كم أقرع السن عند الموت من ندم * * * وأين يبلغ قرع السن والندم
هلاّ انتبهت(2) ووجه العمر مقتبل * * * والنفس في جدة والعزم مخترم
وجاء في قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} قال: الشباب، {ثم رددناه أسفل سافلين}(3) قال: الهرم.
وقال بعضهم: الشيب رائد الموت، ونذير الفناء، ورسول المنيّة، وقاطع الاُمنيّة، وأوّل مراحل الآخرة، ومقدّمة الهرم، [ورائد الانتقال، ونذير الآخرة](4)، وواعظ فصيح، وهو للجاهل نذير، وللعاقل بشير، وهو سمت الوقار، وشعار الأخيار، ومركب الحمام، والشباب حلم المنام.
وقيل لشيخ من العبّاد: ما بقي منك مما تحب له الحياة؟ فقال: البكاء على الذنوب(5).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): خير شبابكم من تزيّا بزيّ شيّابكم، وشرّ شيّابكم من تزيّا بزيّ شبابكم.
وقال (صلى الله عليه وآله): قال الله تعالى: "وعزّتي وجلالي انّي لأستحي من عبدي وأَمَتي يشيبان في الإسلام أن اُعذّبهما، ثم بكى (صلى الله عليه وآله) فقيل: ممّ تبكي يا رسول الله؟ فقال: أبكي ممّن استحى الله من عذابهم ولا يستحون من عصيانهم(6).
____________
1- غاله الشيء غولا واغتاله: أهلكه وأخذه من حيث لم يدر. (لسان العرب) 2- في "ج": انتهيت.
3- التين: 4-5.
4- أثبتناه من "ب" و"ج".
5- مجموعة ورام 2: 222.
6- في "ب": عصيانه.
الصفحة 98
وقال بعضهم: من أخطأته سهام المنيّة قيّده عقال الهرم.
وقال بعضهم:
انّي أرى رقم البلاء * * * في قود(1) رأسك قد نزل
وأراك تعثر دائم * * * في كلّ يوم بالعلل
والشيب والعلل الكثيرة * * * من علامات الأجل
فاعمل لنفسك أيّها المغ * * * ـرور في وقت العمل
وقال آخر:
ولقد رأيت صغيرة * * * فسترت شيبي بالخمار
قالت: غبار قد علاك؟ * * * فقلت: ذا غير الغبار
هذا الذي نقل الملو * * * ك إلى القبور من الديار
____________
1- في "ج": قرن.
الصفحة 99
الباب العاشر
في المرض ومصلحته
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً لأصحابه: أيّكم يحب أن يصح ولا يسقم؟ قالوا: كلّنا يا رسول الله، فقال: أتحبّون أن تكونوا كالحمير الضالة، ألا تحبّون أن تكونوا أصحاب كفّارات، والذي نفسي بيده انّ الرجل ليكون له الدرجة في الجنّة ما يبلغها بشيء من عمله ولكن بالصبر على البلاء، وعظيم الجزاء لعظيم البلاء، فإنّ الله إذا أحب عبداً ابتلاه بعظيم البلاء، فان رضي فله الرضا، وان سخط فله السخط.
وقال (عليه السلام): لو يعلم المؤمن ما له في السقم ما أحبّ أن يفارق السقم أبداً.
وقال (عليه السلام): يود أهل العافية يوم القيامة انّ لحومهم قرّضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء(1).
____________
1- جامع الأخبار: 310 ح 857; عنه البحار 67: 235 ح54.
الصفحة 100
وقال موسى (عليه السلام): يا ربّ لا مرض يضنيني(1)، ولا صحّة تنسيني، ولكن بين ذلك أمرض تارة فأذكرك، وأصح تارة فأشكرك(2).
وروي انّ أباالدرداء مرض فعادوه، فقالوا: أيّ شيء تشتكي؟ فقال: ذنوبي، قالوا: فأيّ شيء تشتهي؟ فقال: المغفرة من ربّي(3)، فقالوا: ألا ندعوا لك طبيباً؟ فقال: الطبيب أمرضني، قالوا: فاسأله عن سبب ذلك، فقال: قد سألته فقال: انّي أفعل ما اُريد.
ومرض رجل فقيل له: ألا تتداوى، فقال: انّ عاداً وثموداً وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً كانت لهم أطباء داووا(4)، فلا الناعت بقي ولا المنعوت له، ولو كانت الأدواء تمنع الداء لما مات طبيب ولا ملك(5).
____________
1- الضَّنْي: السقيم الذي قد فال مرضه وثَبَتَ فيه...، وأَضْناهُ المرضُ أي أثقله. (لسان العرب) والمراد أنّ موسى (عليه السلام) يسأل الله تعالى أن لا يصيبه بمرض مثقل طويل، ولا بصحّة توجب الغفلة والنسيان.
2- دعوات الراوندي: 134 ح334، إلى قوله: لكن بين ذلك.
3- في "ب": ذنوبي.
4- في "ب": أدواء، وفي "ج": أدوية.
5- مجموعة ورام 2: 222 نحوه.
الصفحة 101
الباب الحادي عشر
في ثواب عيادة المريض
عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمى رائد الموت، وسجن الله في أرضه، وحرّها من جهنّم، وهي حظ(1) كل مؤمن من النار، ونعم الوجع الحمى، تعطي كل عضو حقه من البلاء، ولا خير في من(2)لا يبتلي.
انّ المؤمن إذا حمّ حماة واحدة تناثرت عنه الذنوب كورق الشجر، فان أَنَّ على فراشه فأنينه تسبيح، وصياحه تهليل، وتقلّبه في فراشه كمن يضرب بسيفه في سبيل الله، فان أقبل يعبد الله في مرضه كان مغفوراً له وطوبى له.
وحمى ليلة كفّارة سنة، لأنّ ألمها يبقى في الجسد سنة، وهي كفارة لما قبلها وما بعدها، ومن اشتكى ليلة فقبلها بقبولها وأدّى شكرها، كانت له كفّارة ستين سنة لقبولها ولصبره عليها(3)، والمرض للمؤمن تطهير ورحمة، وللكافر تعذيب ولعنة،
____________
1- في "ب": حرز.
2- في "ب": في مؤمن.
3- في "ب": وسنة لصبره عليها.
الصفحة 102
ولا يزال المرض بالمؤمن حتّى لا يبقى عليه ذنباً، وصداع ليلة يحطّ كلّ خطيئة الاّ الكبائر(1).
وقال (صلى الله عليه وآله): للمريض في مرضه أربع خصال: يرفع عنه القلم، ويأمر الله الملك أن يكتب له ثواب ما كان يعمله في صحّته، وتساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر، ومن عاد مريضاً لم يسأل الله شيئاً الاّ أعطاه.
ويوحي الله تعالى إلى ملك الشمال لا تكتب على عبدي مادام في وثاقي [شيئاً](2)، وإلى ملك اليمين أن اجعل أنينه حسنات، وانّ المرض ينقي الجسد من الذنوب كما ينقي(3) الكير(4) خبث الحديد، وإذا مرض الصغير كان مرضه كفّارة لوالديه(5).
وروي فيما ناجى موسى ربّه أن قال: يا ربّ أعلمني ما في عيادة المريض من الأجر؟ فقال سبحانه: اُوكّل به ملكاً يعوده في قبره إلى محشره، قال: يا ربّ فما لمن غسّله؟ قال: اغسله من ذنوبه كما ولدته اُمّه. فقال: يا ربّ فما لمن شيّع جنازته؟ قال: اُوكّل بهم ملائكتي يشيّعونهم في قبورهم إلى محشرهم، قال: يا ربّ فما لمن عزّا مصاباً على مصيبته؟ قال: أظلّه بظلّي يوم لا ظل الاّ ظلّي(6).
وقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): عائد المريض يخوض في الرحمة، فإذا جلس ارتمس فيها(7).
ويستحب الدعاء له، فيقول العائد: اللهم ربّ السماوات السبع [وربّ
____________
1- أورده المصنف في أعلام الدين: 397 و 398.
2- أثبتناه من "ب" و"ج".
3- في "ب": يذهب.
4- الكير ـ بالكسر ـ: زقّ ينفخ فيه الحداد. (القاموس) 5- أورده المصنف في أعلام الدين: 398.
6- أورده المصنف في أعلام الدين: 398 و 399.
7- كنز الفوائد: 178; عنه البحار 81: 224 ح 33.
الصفحة 103
الأرضين السبع](1)، وما فيهنّ وما بينهنّ وما تحتهنّ، وربّ العرش العظيم، صل على محمد وآل محمد واشفه بشفائك، وداوه بدوائك، وعافه من بلائك، واجعل شكايته كفّارة لما مضى من ذنوبه ومابقى(2).
ويستحب للمريض الدعاء لعائده، فإنّ دعاءه مستجاب، وتكره الاطالة عند المريض.
____________
1- أثبتناه من "ب" و "ج".
2- أورده المصنف في أعلام الدين: 399; عنه البحار 81: 225 ح35.
الصفحة 104
الباب الثاني عشر
في التوبة وشروطها
قال الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً}(1)، يعني بالنصوح لا رجوع فيها إلى ذنب.
وقال سبحانه: {انّما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاُولئك يتوب الله عليهم}(2).
قوله "بجهالة" يعني بمواقع العقاب، وقيل: بعظمة الله، وأخذه للعبد بعصيانه حال المواقعة، ثم قال سبحانه: {و ليست التوبة للذين يعملون السيّئات حتّى إذا حضر أحدهم الموت قال انّي تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار}(3).
نفى سبحانه قبول التوبة عند مشاهدة أشراط الموت من العاصي والكافر، وانّما هي مقبولة ما لم يتيقن الموت، فانّه سبحانه وعد قبوله بقوله: {و هو الذي
____________
1- التحريم: 8.
2- النساء: 17.
3- النساء: 18.
الصفحة 105
يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات}(1). وبقوله سبحانه مخبراً عن نفسه: {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب}(2).
فالتوبة واجبة في نفسها عن القبيح وعن الإخلال بالواجب، ثمّ إنْ كانت التوبة عن حقّ الله تعالى، مثل ترك الصلاة والصيام والحج والزكاة وسائر الحقوق اللاّزمة للنفس والبدن أو لأحدهما، فيجب على التائب الشروع فيها مع القدرة عليها في وقت القدرة، والندم على الإخلال بها في الماضي، والعزم على ترك العود.
وان كانت التوبة عن حق الناس يجب ردّه عليهم ان كانوا أحياء، وإلى ورثتهم بعد موتهم ان كان ذلك المال بعينه والاّ فمثله، وان لم يكن لهم وارث تصدّق به عنهم ان علم مقداره، والاّ فيما يغلب على ظنّه مساواته، والندم على غصبه، والعزم على ترك العود إلى مثله، ويستغفر الله على تعدي أمره وأمر رسوله وتعدّي أمر امام زمانه، فلكلّ منهم حق في ذلك يسقط بالإستغفار.
وان كانت توبته عن أخذ عرض، أو نميمة، أو بهتان عليهم بكذب، فيجب انقياده إليهم، وإقراره على نفسه بالكذب عليهم والبهتان، وليستبرئ لهم عن حقّهم ان نزلوا، أو يراضيهم بما يرضوا به عنه.
وان كانت عن قتل نفس عمداً أو جراح، أو شيء في أبدانهم، فينقاد إليهم للخروج عن [حقوقهم على](3) الوجه المأمور به من قصاص عن جراح، أو دية عن قتل نفس عمداً ان شاء أو رضوا بالدية، والاّ فالقتل بالقتل.
وان كانت التوبة عن معصية من زنا، أو شرب خمر وأمثاله، فالتوبة عنه الندم على ذلك الفعل، والعزم على ترك العود إليه، وليست التوبة قول الرجل "استغفر الله وأتوب إليه" وهو لا يؤدّي حقّه ولا حق رسوله ولا امامه ولا حق
____________
1- الشورى: 25.
2- الشورى: 25.
3- أثبتناه من "ب" و"ج".
الصفحة 106
الناس.
فقول الرجل هذا من دون ذلك استهزاء بنفسه، ويجرِ عليها ذنباً ثانياً بكذبه، كما روي انّ بعض الناس اجتاز على رجل وهو يقول: استغفر الله، ويشتم الناس ويكرّر الاستغفار ويشتم، فقال السامع له: استغفر الله من هذا الاستغفار والتكرار.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّها الناس توبوا إلى الله توبة نصوحاً قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وأصلحوا بينكم وبين ربّكم تسعدوا، وأكثروا من الصدقة ترزقوا، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر تنصروا.
أيّها النّاس انّ أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وانّ أحزمكم أحسنكم استعداداً له، وانّ من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزوّد لسكنى القبور، والتأهّب ليوم النشور(1).
وكان (صلى الله عليه وآله) يقول في دعائه: "اللهم اغفر لي(2) وتب عليّ انّك أنت التواب الرحيم".
وقيل: انّ ابليس قال: وعزتك لا أزال أغوي [وأدعو](3) ابن آدم إلى المعصية ما دامت الروح في بدنه، فقال الله تعالى: "وعزّتي وجلالي لا أمنعه التوبة حتّى يغرغر بروحه(4).
وما يقبض الله عبداً الاّ بعد أن يعلم منه أنّه لا يتوب لو أبقاه، كما أخبر الله سبحانه عن جواب أهل النار من قولهم: {ربنا أخرجنا نعمل صالحاً}(5)، فقال
____________
1- راجع البحار 77: 176 ضمن حديث 10.
2- في "ج": اغفر لي كلّ ذنب عليّ.
3- أثبتناه من "ب".
4- راجع البحار 6: 16.
5- فاطر: 37.
الصفحة 107
تعالى: {ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وانّهم لكاذبون}(1).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستغفر في كل يوم سبعين مرّة، يقول: "استغفر الله ربّي وأتوب إليه"، وكذلك أهل بيته (عليهم السلام) وصالحوا أصحابه، لقوله تعالى: {استغفروا ربّكم ثمّ توبوا إليه}(2).
وقال رجل: يا رسول الله انّي أذنبت، فقال: استغفر الله، فقال: انّي أتوب ثم أعود، فقال: كلّما أذنبت استغفر الله، فقال: اذن تكثر ذنوبي، فقال له: عفو الله أكثر، فلا تزال تتوب حتّى يكون الشيطان هو المدحور(3).
وقال: انّ الله تعالى أفرح بتوبة العبد منه لنفسه، وقد قال: {انّ الله يحب التوابين ويحب المتطهّرين}(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من عبد أذنب ذنباً، فقام وتطهّر وصلّى ركعتين، واستغفر الله الاّ غفر الله له، وكان حقيقاً على الله أن يقبله، لأنّه سبحانه قال: {ومن يعمل سوءً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً}(5).
وقال: انّ العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنّة، فقيل: وكيف ذلك يا رسول الله صلى الله عليك وآلك؟ قال: يكون نصب عينيه، لا يزال يستغفر منه ويندم عليه فيدخله الله به الجنّة، ولم أر أحسن من حسنة حدثت بعد ذنب قديم، انّ الحسنات يذهبن السيّئات ذلك ذكرى للذاكرين.
وقال: إذا أذنب العبد ذنباً كان نكتة سوداء على قلبه، فان هو تاب وأقلع
____________
1- الأنعام: 28.
2- هود: 52.
3- مجموعة ورام 2: 223 نحوه.
4- البقرة: 222.
5- عنه الوسائل 11: 363 ح3; ومجموعة ورام 2: 223; والآية في سورة النساء: 110.
الصفحة 108
واستغفر صفا قلبه منها، وان هو لم يتب ولم يستغفر كان الذنب على الذنب، وذلك قوله: {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}، يعني غطّي(1).
والعاقل يحسب نفسه قد مات وسأل الله الرجعة ليتوب ويقلع ويصلح، فأجابه الله فيجد ويجتهد.
وجاء في قوله تعالى: {ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلّهم يرجعون}(2)، وقال: المصائب في المال والأهل والولد والنفس دون العذاب الأكبر، [والعذاب الأكبر](3) عذاب جهنّم، وقوله تعالى: {لعلّهم يرجعون} يعني عن المعصية، وهذا لا يكون الاّ في الدنيا.
وأوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام): احذر أن آخذك على غرّة فتلقاني بغير حجّة (يريد التوبة).
وروي انّ الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قوله تعالى: {ربّنا ظلمنا أنفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين}(4). وروي انّه وزوجته حوّاء رأيا على باب الجنّة "محمد، وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين صفوتي من الخلق" فسألا الله بهم فتاب عليهما.
والتوبة على أربعة خصال: ندم بالقلب، وعزم على ترك العود، وخروج من الحقوق، وترك بالجوارح. وتوبة النصوح أن يتوب فلا يرجع فيما تاب عنه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمصر على الذنب مع الإستغفار يستهزئ بنفسه ويسخر منه الشيطان، وانّ الرجل إذا قال: "استغفرك يا ربّ وأتوب إليك" ثم عاد
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 11: 333 ح13190; والآية في سورة المطففين: 14.
2- السجدة: 21.
3- أثبتناه من "ب" و"ج".
4- الأعراف: 23.
الصفحة 109
ثم قال، ثم عاد ثم قال، كتب(1) في الرابعة من الكذّابين.
وقال بعضهم: كن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك، وكيف تلومهم على تضييع وصيّتك وقد ضيّعتها أنت في حياتك؟!(2).
وسمع أمير المومنين (عليه السلام) رجلاًيقول: "استغفر الله"، فقال: ثكلتك اُمّك، أو تدري ما حدّ الإستغفار؟ الإستغفار درجة في العلّيين، وهو اسم واقع على ستة معان، أوّلها: الندم على ما مضى، والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً. والثالث: أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى الله أملس، والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدّي حقّها، والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت والمعاصي فتذيبه، والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: "استغفر الله"(3).
ولقد أحسن بعضهم:
مضى أمسك الماضي شهيداً معدّل * * * وأصبحت في يوم عليك شهيد
فان كنت بالأمس اقترفت إساءة * * * فثنّ بإحسان وأنت حميد
ولا تؤجل(4) فعل الصالحات إلى غد * * * لعلّ غداً يأتي وأنت فقيد
وقال آخر:
تمتّع انّما الدنيا متاع * * * وان دوامها لا يستطاع
وقدّم ما ملكت وأنت حيّ * * * أمير فيه متبع مطاع
ولا يغررك مَن توصي إليه * * * فقصر وصيّة المرء الضياع
وما لي أن اُملك ذاك غيري * * * واُوصيه به لولا الخداع
____________
1- في "ج": كان.
2- مجموعة ورام 2: 223.
3- نهج البلاغة: قصار الحكم 417.
4- في "الف": ترج.
الصفحة 110
وقال آخر:
إذا ما كنت متخذاً وصيّ * * * فكن فيما ملكت وصيّ نفسك
ستحصد ما زرعت غداً وتجني * * * إذا وضع الحساب ثمار غرسك
الصفحة 111
الباب الثالث عشر
في ذكر الموت ومواعظه
قال الحسن بن أبي الحسن بن محمد الديلمي، مصنّف هذا الكتاب، تغمّده الله برحمته: انّه من جعل الموت نصب عينيه زهّده في الدنيا، وهوّن عليه المصائب، ورغّبه في فعل الخير، وحثّه على التوبة، وقيّده عن الفتك، وقطعه عن بسط الأمل في الدنيا، وقلّ أن يعود يفرح قلبه بشيء من الدنيا.
وما أنعم الله تعالى على عبد بنعمة أعظم من أن يجعل [ذكر](1) الدار الآخرة نصب عينيه، ولهذا امتنّ الله على ابراهيم وذريّته (عليهم السلام) بقوله تعالى: {انّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار}(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اكثروا من ذكر هادم اللذّات، فانّكم إن كنتم في ضيق وسّعه عليكم فرضيتم به فاُثبتم، وان كنتم في غنىً بغّضه اليكم فجدتم به فاُجرتم، لأنّ المنايا قاطعات الآمال، والليالي مدنيات الآجال. انّ المرء عند خروج نفسه وحلول رمسه، يرى جزاء ما قدّم وقلّة غنى ما خلّف، ولعلّه من باطل
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- ص: 46.
الصفحة 112
جمعه أو من حق منعه(1).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من علم انّ الموت مصدره، والقبر مورده، وبين يدي الله موقفه، وجوارحه شهيدة له، طالت حسرته، وكثرت عبرته، ودامت فكرته.
وقال (عليه السلام): من علم انّه يفارق الأحباب، ويسكن التراب، ويواجه الحساب، كان حريّاً بقطع الأمل، وحسن العمل(2).
فاذكروا رحمكم الله قوله تعالى: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد * ... فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}(3)، يعني شاهدته ما بقي عندك فيه شك ولا ارتياب بعدما كنت ناسياً له غير مكترث به.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتدرون من أكيسكم؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: أكثركم للموت ذكراً، وأحسنكم استعداداً له، فقالوا: وما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزوّد لسكنى القبور، والتأهّب ليوم النشور.
ولقد أحسن من قال:
اذكر الموت هادم اللذات * * * وتجهّز لمصرع سوف يأتي
[وقال آخر:](4)
ماذا تقول وليس عندك حجّة * * * لو قد أتاك منغّص اللذّات
ماذا تقول إذا دُعيت فلم تجب * * * وإذا تركت وأنت في غمرات
ماذا تقول إذا حللت محلّة * * * ليس الثقات لأهلها بثقات
____________
1- أورده المصنّف في أعلام الدين: 335; وفي البحار 77: 179.
2- البحار 73: 167 ح31; عن كنز الفوائد.
3- تلفيق من سورة ق: 19 و22.
4- أثبتناه من "ب" و "ج".
الصفحة 113
الباب الرابع عشر
في المبادرة بالعمل
يقول مصنف هذا الكتاب رحمه الله: انتبه أيّها الإنسان من رقدتك، وافق من سكرتك، واعمل وأنت في مهل قبل حلول الأجل، وجد بما(1) في يديك لما بين يديك(2)، فإنّ أمامك عقبةً كؤداً لا يقطعها الاّ المخفّون، فأحسن الإستعداد لها من دار تدخلها عرياناً وتخرج منها عرياناً، كما قال تعالى:
{ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة وتركتم ما خوّلناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم}(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): اعملوا في الصحّة قبل السقم، وفي الشباب قبل الهرم، وفي الفراغ قبل الشغل، وفى الحياة قبل الموت، وقد نزل جبرئيل (عليه السلام) اليّ وقال لي: يا محمد ربّك يقرئك السلام ويقول لك: "كل ساعة تذكرني
____________
1- في "ب": وخذ مما.
2- في "ج": بعد موتك.
3- الأنعام: 94.
الصفحة 114
فيها فهي لك عندي مدّخرة، وكل ساعة لا تذكرني فيها فهي منك ضائعة".
وأوحى الله إلى داود: [ياداود](1) كل ساعة لا تذكرني فيها عدمتها من ساعة.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان امرء ضيّع من عمره ساعة في غير ما خلق له لجدير أن يطول عليها حسرته يوم القيامة(2).
[(3)وقد روي انّ شاباً ورث من أبيه مالاً جزيلاً، فجعل يخرجه في سبيل الله، فشكت اُمّه ذلك إلى صديق كان لأبيه وقالت: انّي أخاف عليه الفقر، فأمره ذلك الصديق أن يستبقي لنفسه من الأموال.
فقال له الشاب: ما تقول في رجل ساكن في ربط البلد، وقد عزم على أن يتحوّل إلى داخل المدينة، فجعل يبعث غلمانه برحله ومتاعه إلى داره بالمدينة، فذلك خير أم من كان يرحل بنفسه ويترك متاعه خلفه لا يدري يُبعث به إليه أو لا؟ فعرف الصديق انّه صادق في مثاله، فأمره بإنفاقه في الصدقات.
فعليك يا أخي بدوام الصدقات، فدوامها من دليل سعادات الدنيا والآخرة، ولا تحقرنّ قليلها فذلك القليل ينتظم إلى قليل مثله فيصير كثيراً.
وبادر بإخراج الزكاة إذا وجبت من المال أو كانت تطوّعاً، فإنّ الصدقة لا تخرج من يد المؤمن حتّى يفك بها سبعين شيطاناً، كلّهم [قد عضّ على قلب ابن آدم](4) ينهونه عن اخراجها، ولا تستكثر يا أخي ما تعطيه في الصدقة، وطاعة الله إذا استكثرها المؤمن صغرت عند الله، وإذا صغرت عند المؤمن كبرت عند الله.
وفي خبر انّ موسى (عليه السلام) قال لإبليس: أخبرني بالذنب الذي إذا
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
2- عنه معالم الزلفى: 245.
3- من هنا إلى ص 126 لم يرد في "الف" و"ب"، بل أثبتناه من "ج" و"د".
4- أثبتناه من "د".
الصفحة 115
عمله ابن آدم استحوذت عليه، فقال ابليس: إذا أعجبته نفسه، واستكثر عمله وصدقته، ونسي ذنوبه، استحوذت عليه(1).
وايّاك ثم ايّاك أن تنهر سائلاً أو تردّه خائباً ولو بشق تمرة، وان ألحّ في السؤال لا تسأم بل ردّه ردّاً جميلاً إذا لم يكن عندك شيء تعطيه، فانّه أبقى لنعمة الله عليك، فانّه ربّما كان السائل ملكاً بعثه الله إليك في صورة بشر، يختبرك به ليرى كيف تصنع بما رزقك وأعطاك. ففي الحديث انّ الله تعالى لمّا ناجى موسى قال: يا موسى أنل السائل ولو باليسير والاّ فردّه ردّاً جميلاً، فانّه يأتيك من ليس بإنس ولا جان، بل ملك من ملائكة الرحمان يسألونك عمّا خوّلك، ويختبرونك فيما رزقك.
وروي انّ بعض العلماء كان جالساً في المسجد وحوله أصحابه، فدخل مسكين فسأل شيئاً فقال لهم العالم: أتدرون ما يقول لكم هذا المسكين؟ يقول: أعطوني أحمله لكم إلى دار الآخرة يكون لكم ذخيرة، تقدمون عليه غداً في عرصة المحشر.
فيا أخي يجب عليك أن تبعث معهم شيئاً جزيلاً من مالك إلى دار البقاء، ليكون ثوابك غداً الجنّة في دار النعيم الباقي الدائم.
ولله درّ القائل حيث يقول:
يا صاح انّك راحل فتزوّد * * * فعساك في ذا اليوم ترحل أو غد
لا تغفلنّ فالموت ليس بغافل(2) * * * هيهات بل هو للأنام بمرصد
فليأتينّ منه عليك بساعة * * * فتود انّك قبلها لم تولد
ولتخرجنّ إلى القبور مجرّد * * * ممّا شقيت(3) بجمعه صفر اليد
____________
1- البحار 13: 350 ح39; عن قصص الأنبياء.
2- في "د": الموت يأتيك بغتة.
3- في "د": سعيت.
الصفحة 116
قال الخليل بن أحمد لصديق له من الأغنياء: انّما تجمع مالك لأجل ثلاثة أنفس كلّهم أعداؤك، اما زوج امرأتك بعدك، واما زوج ابنتك، أو ولدك، وكل يتمنّى موتك ويستطيل عمرك، فان كنت عاقلاً ناصحاً لنفسك فخذ مالك معك زاداً لآخرتك، ولا تؤثر أحد هؤلاء على نفسك.
ولقد أجاد الشاعر حيث قال:
تورّع ما حرّم الله وامتثل * * * أوامره وانظر غداً ما أنت عامله
فأنت بذي الدار لا شك تاجر * * * لدار غد فانظر غداً من تعامله
وقال رجل صالح لبعض العلماء: أوصني، قال: اوصيك بشيء واحد، اعلم انّ الليل والنهار يعملان فيك فاعمل أنت فيهما.
وهذا القول إذا تدبّره العاقل علم انّه أبلغ العظات، وقيل لعالم: ما أحمد الأشياء وأحلاها في قلب المؤمن؟ قال: شيء واحد وهو ثمرة العمل الصالح، قيل له: فما نهاية السرور؟ قال: الأمن من الوجل عند حلول الأجل، ثم تمثّل بهذين البيتين:
ولدتك إذ ولدتك امّك باكي * * * والناس حولك يضحكون سرور
فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكو * * * في يوم موتك ضاحكاً مسرور
وقال رجل للصادق (عليه السلام): أوصني، قال له: أعد جهازك، وأكثر من زادك لطول سفرك، وكن وصيّ نفسك، ولا تأمن غيرك أن يبعث إليك بحسناتك إلى قبرك، فانّه لن يبعثها أحد من ولدك إليك(1).
ما أبين الحق لذي عينين * * * انّ الرحيل أحد اليومين
تزوّدوا من صالح الأعمال * * * وتصدّقوا من خالص الأموال
فقد دنى الرحلة والزوال
____________
1- البحار 78: 270 ح111 نحوه.
الصفحة 117
خرجت من الدنيا فقامت قيامتي * * * غداة أقل الحاملون جنازتي
وعجّل أهلي(1) حفر قبري فصيّرو * * * خروجي عنهم من أجل كرامتي
يجب على العاقل أن يحافظ على أوّل أوقات الصلاة، ويسارع إلى فعل الخيرات، فيكثر من أعمال البر والصدقات، فإنّ العمر لحظات، يقال: فلان قد مات، فإذا عاين في قبره الأهوال والحسرات قال: أعيدوني إلى الدنيا لأتصدّق بمالي، فيقال: هيهات.
فاغتنم أيّها اللبيب ما بقي لك من الأوقات، فإنّ بقيّة عمرك لا بقاء لها فاستدرك بها ما فات، واجتهد أن تجعل بصرك لاُخراك، فهو أعود عليك من نظرك إلى دنياك، فإنّ الدنيا فانية والاُخرى باقية، والسعيد من استعد لما بين يديه، وأسلف عملاً صالحاً يقدم عليه قبل نزول المنون، يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وبادر شبابك أن يهرم * * * وصحّة جسمك أن يسقم
وأيّام عزّك قبل الممات * * * فما كل من عاش أن يسلم
وقدّم فكل امرء قادم * * * على كل ما كان قد قدم
أقول في جمع المال والبخل به على نفسه وانفاقه في مرضات الله تعالى كما قال تعالى في كتابه: {ولا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شرّ لهم سيطوّقون ما بخلوا به يوم القيامة}(2).
وفي الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يصوّر الله مال أحدكم شجاعاً أقرع، فيطوق في حلقه ويقول: أنا مالك الذي منعتني أن تتصدّق به، ثم ينهشه بأنيابه، فيصيح عند ذلك صياحاً عظيماً.
ثم عليك يا طالب الجنّة ونعيمها بترك حب الدنيا وزينتها، لأنّ الله تعالى قد
____________
1- في "د": عجّلوا.
2- آل عمران: 180.
الصفحة 118
ذمّها في كتابه العزيز فقال: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون}(1)، أي لا ينقصون من المال والجاه، ثم قال تعالى: {اولئك الذين ليس لهم في الآخرة الاّ النار وحبط ما صنعوا فيها}(2)، والإحباط هو ابطال أعمالهم في الدنيا.
وقال الله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنّم يصلاها مذموماً مدحوراً}(3).
وقال تعالى: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب}(4)، وحرث الآخرة هو العمل للآخرة الذي يستحق به العبد دخول الجنّة، لأنّ الحرث هو زرع الأرض.
وقال بعض الصالحين:
وما الناس الاّ هالك وابن هالك * * * وذو نسب في الهالكين عريق
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * * * له عن عدوّ في ثياب صديق
وقال آخر:
كاحلام نوم أو كظل زائل * * * انّ اللبيب بمثلها لا يخدع
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ أهل الجنّة لا يندمون على شيء من امور الدنيا الاّ على ساعة مرّت بهم في الدنيا لم يذكروا الله تعالى فيها.
وقال (صلى الله عليه وآله): ما من يوم يمر الاّ والباري عزوجل ينادي: عبدي ما أنصفتني أذكرك وتنسى ذكري، وأدعوك إلى عبادتي وتذهب إلى غيري، وأرزقك من خزانتي وآمرك لتتصدّق لوجهي فلا تطيعني، وأفتح عليك أبواب
____________
1- هود: 15.
2- هود: 15.
3- الأسراء: 18.
4- الشورى: 20.
الصفحة 119
الرزق واستقرضك من مالي فتجبهني(1)، واذهب عنك البلاء وأنت معتكف على فعل الخطايا، يا ابن آدم! ما يكون جوابك لي غداً إذا جئتني؟.
وقال بعض العلماء: يا أخي! انّ الموتى لم يبكوا من الموت لأنّه محتوم لابد منه، وانّما يبكون من حسرة الفوت، كيف لا يتزوّدون من الأعمال الصالحة التي يستحقون بها الدرجات العلى، بل ارتحلوا من دار لم يتزوّدوا منها، وحلّوا بدار لم يعمروها ولم يتزوّدوا لها، فيقولون حينئذ: يا حسرتا على ما فرّطنا في جنب الله.
وقال (صلى الله عليه وآله): ما من ليلة الاّ وملك ينادي: يا أهل القبور بم تغتبطون اليوم وقد عاينتم هول المطلع، فيقول الموتى: انّما نغبط المؤمنون في مساجدهم، لأنّهم يصلّون ولا نصلّي، ويؤتون الزكاة ولا نزكّي، ويصومون شهر رمضان ولا نصوم، ويتصدّقون بما فضل عن عيالهم ونحن لا نتصدّق، [ويذكرون الله كثيراً ونحن لا نذكر، فواحسرتنا على ما فاتنا في دار الدنيا](2).
وقال لقمان لابنه: يا بني! ان كنت تحب الجنّة فإنّ ربّك يحب الطاعة، فاحب ما يحب [ليعطيك ما تحبّ](3)، وان كنت تكره النار فإنّ ربّك يكره المعصية، فاكره ما يكرهه لينجيك مما تكره.
واعلم انّ من وراء الموت ما هو أعظم وأدهى، قال الله تعالى في محكم كتابه: {ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض الاّ من شاء الله ثم نفخ فيه اُخرى فإذا هم قيام ينظرون}(4).
وقد روت الثقات عن زين العابدين (عليه السلام): انّ الصور قرن عظيم له رأس واحد وطرفان، وبين الطرف الأسفل الذي يلي الأرض إلى الطرف الأعلى
____________
1- في "د": فتبخلني.
2- أثبتناه من "د".
3- أثبتناه من "د".
4- الزمر: 68.
الصفحة 120
الذي يلي السماء مثل ما بين تخوم الأرضين السابعة إلى فوق السماء السابعة. فيه أثقاب بعدد أرواح الخلائق، ووسْع فمه ما بين السماء والأرض، وله في الصور ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الموت، ونفخة البعث.
فإذا فنيت أيام الدنيا أمر الله عزّوجل اسرافيل أن ينفخ فيه نفخة الفزع، فإذا رأت الملائكة اسرافيل وقد هبط ومعه الصور قالوا: قد أذن الله في موت أهل السماء والأرض، فيهبط اسرافيل عند بيت المقدس مستقبل الكعبة، فينفخ في الصور نفخة الفزع.
قال الله تعالى: {ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض الاّ من شاء الله وكلّ أتوه داخرين} إلى قوله تعالى: {من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون}(1).
وتزلزلت الأرض وتذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت، وتضع كلّ ذات حمل حملها، ويصير الناس يميدون، ويقع بعضهم على بعض كأنّهم سكارى، وما هم بسكارى ولكن من عظيم ما هم فيه من الفزع، وتبيضّ لحى الشبان من شدّة الفزع.
وتطير الشياطين هاربة إلى أقطار الأرض، ولولا انّ الله تعالى يمسك أرواح الخلائق في أجسادهم لخرجت من هول تلك النفخة، فيمكثون على هذه الهيئة ما شاء الله تعالى، ثم يأمر الله تعالى اسرافيل ان ينفخ في الصور نفخة الصعق، فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض، فلا يبقى في الأرض انس ولا جن ولا شيطان ولا غيرهم ممن له روح الاّ صعق ومات.
ويخرج الصوت من الطرف الذي يلى السماء، فلا يبقى في السماوات ذو روح الاّ مات، قال الله تعالى: {الاّ من شاء الله}، وهو جبرئيل وميكائيل واسرافيل
____________
1- النمل: 89 - 87.
الصفحة 121
وعزرائيل فاؤلئك الذين شاء الله، فيقول الله تعالى: يا ملك الموت من بقي من خلقي؟ فقال: يا رب أنت الحي الذي لا يموت، بقي جبرئيل وميكائيل واسرافيل وبقيت أنا.
فيأمر الله بقبض أرواحهم فيقبضها، ثم يقول الله: يا ملك الموت من بقي من خلقي؟ فيقول ملك الموت: يا رب بقي عبدك الضعيف المسكين ملك الموت، فيقول الله له: مت يا ملك الموت باذني، فيموت ملك الموت ويصيح عند خروج روحه صيحة عظيمة لو سمعها بنو آدم قبل موتهم لهلكوا، ويقول ملك الموت: لو كنت أعلم انّ في نزع أرواح بني آدم هذه المرارة والشدّة والغصص لكنت على قبض أرواح المؤمنين شفيقاً.
فإذا لم يبق أحد من خلق الله في السماء والأرض، نادى الجبّار جلّ جلاله: يا دنيا أين الملوك وأبناء الملوك؟ أين الجبابرة وأبناؤهم؟ وأين مَن ملك الدنيا بأقطارها؟ أين الذين كانوا يأكلون رزقي ولا يخرجون من أموالهم حقّي؟، ثم يقول: {لمن الملك اليوم} فلا يجيبه أحد، فيجيب هو عن نفسه فيقول: {لله الواحد القهّار}(1).
ثم يأمر الله السماء فتمور أي تدور بأفلاكها ونجومها كالرحى، ويأمر الجبال فتسير كما تسير السحاب، ثم تبدل الأرض بأرض اُخرى لم يكتسب عليها الذنوب ولا سفك عليها دم، بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها أوّل مرّة، وكذا تبدل السماوات كما قال الله تعالى: {يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهّار}(2).
ويعيد عرشه على الماء، كما كان قبل خلق السماوات والأرض، مستقلاً بعظمته وقدرته، ثم يأمر الله السماء ان تمطر على الأرض [أربعين يوماً](3) حتّى يكون
____________
1- غافر: 16.
2- ابراهيم: 48.
3- أثبتناه من "د".
الصفحة 122
الماء فوق كل شيء اثنى عشر ذراعاً، فتنبت به أجساد الخلائق كما ينبت البقل.
فتساق أجزاؤهم التي صارت تراباً بعضها إلى بعض بقدرة العزيز الحميد، حتّى انّه لو دفن في قبر واحد ألف ميت وصارت لحومهم وأجسادهم وعظامهم النخرة كلّها تراباً مختلطة بعضها في بعض، لم يختلط تراب ميت بميت آخر، لأنّ في ذلك القبر شقيّاً وسعيداً، جسد ينعم بالجنّة وجسد يعذّب بالنّار (نعوذ بالله منها).
ثم يقول الله تعالى: ليحيى جبرئيل وميكائيل واسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، فيحيون باذن الله. فيأمر الله اسرافيل أن يأخذ الصور بيده، ثم يأمر الله أرواح الخلائق فتأتي فتدخل في الصور، ثم يأمر الله اسرافيل أن ينفخ في الصور للحياة، وبين النفختين أربعين سنة.
قال: فتخرج الأرواح من أثقاب الصور كأنّها الجراد المنتشر، فتملأ ما بين السماء والأرض، فتدخل الأرواح في الأرض إلى الأجساد وهم نيام في القبور كالموتى، فتدخل كل روح في جسدها، فتدخل في خياشيمهم فيحيون بإذن الله تعالى، فتنشق الأرض عنهم كما قال: {يوم يخرجون من الأجداث سراعاً كأنّهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلّة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون}(1).
وقال تعالى: {ثم نفخ فيه اُخرى فإذا هم قيام ينظرون}(2)، ثم يدعون إلى عرصة المحشر، [فإذا دخلوا عرصة القيامة أمر](3) الله الشمس أن تنزل من السماء الرابعة إلى السماء الدنيا قريب حرّها من رؤوس الخلائق، فيصيبهم من حرّها أمر عظيم حتّى يعرفون من شدة حرّها كربها، حتّى يخوضون في عرقهم.
____________
1- المعارج: 44-43.
2- الزمر: 68.
3- أثبتناه من "د".
الصفحة 123
ثم يبقون على ذلك حفاة عراة عطاشا، وكل واحد دالع لسانه على شفتيه، قال: فيبكون عند ذلك حتّى ينقطع الدمع، ثم يبكون بعد الدموع دماً.
قال الراوي وهو الحسن بن محبوب يرفعه إلى يونس بن أبي فاختة، قال: رأيت زين العابدين (عليه السلام) عند بلوغه إلى هذا المكان ينتحب ويبكي بكاء الثكلى ويقول: آه ثم آه على عمري كيف ضيّعته في غير عبادة الله وطاعته لأكون في هذا اليوم من الناجين الفائزين.
قلت: وذلك في تفسير قوله تعالى آخر سورة المؤمنين: {حتّى إذا جاء أحدهم الموت قال ربّ ارجعون * لعلّي أعمل صالحاً فيما تركت}(1) يعني فيما تركته ورائي لورّاثي، فأتصدّق به وأكون من الصالحين فيقول له ملك الموت: {كلاّ انّها كلمة هو قائلها}(2).
أي كلاّ لا رجوع لك إلى دار الدنيا، وقوله: انّها كلمة هو قائلها، أي قال هذه الكلمة لمّا شاهد من شدّة سكرات الموت، وأهوال ما عاينه من عذاب القبر وهول المطلع، ومن هول سؤال منكر ونكير.
قال الله تعالى: {ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وانّهم لكاذبون}(3) أي لو ردّوا إلى دار الدنيا، ومددنا لهم في العمر لعادوا إلى ما كانوا عليه من بخلهم بأموالهم فلم يتصدّقوا، ولم يطعموا الجيعان، ولم يكسوا العريان، ولم يواسوا الجيران، بل يطيعون الشيطان في البخل وترك الطاعة.
ثم قال تعالى: {ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}(4) والبرزخ في التفسير القبر.
____________
1- المؤمنون: 100.
2- المؤمنون: 100.
3- الأنعام: 28.
4- المؤمنون: 100.
الصفحة 124
ثم قال تعالى: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون * فمن ثقلت موازينه فاؤلئك هم المفلحون * ومن خفّت موازينه فاؤلئك الذين خسروا أنفسهم في جهنّم خالدون * تلفح وجوههم النار}(1)، الآية.
قوله: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم، ففي الخبر الصحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله): انّ الخلائق إذا عاينوا القيامة ودقّة الحساب وأليم العذاب، فإنّ الأب يومئذ يتعلّق بولده فيقول: أي بني كنت لك في دار الدنيا، ألم اُربّك واُغذّيك واُطعمك من كدّي، وأكسيك واعلّمك الحكم والآداب، واُدرّسك آيات الكتاب، واُزوّجك كريمة من قومي، وأنفقت عليك وعلى زوجتك في حياتي، وآثرتك على نفسي بمالي بعد وفاتي؟.
فيقول: صدقت فيما قلت يا أبي، فما حاجتك؟ فيقول: يا بني انّ ميزاني قد خفّت ورجحت سيّئاتي على حسناتي، وقالت الملائكة: تحتاج كفّة حسناتك إلى حسنة واحدة حتّى ترجح بها، وانّي اُريد أن تهب لي حسنة واحدة اثقل بها ميزاني في هذا اليوم العظيم خطره.
قال: فيقول الولد: لا والله يا أبت، إنّي أخاف ممّا خفته أنت، ولا اُطيق أعطيك من حسناتي شيئاً. قال: فيذهب عنه الأب باكياً نادماً على ما كان أسدى إليه في دار الدنيا.
وكذلك قيل انّ الاُمّ تلقي ولدها في ذلك اليوم فتقول له: يا بني ألم يكن بطني لك وعاءً؟ فيقول: بلى يا اُمّاه، فتقول: ألم يكن ثديي لك سقاءً؟ فيقول: بلى يا اُماه، فتقول له: انّ ذنوبي أثقلتني فاُريد أن تحمل عنّي ذنباً واحداً، فيقول: إليك عنّي يا اُمّاه، فانّي مشغول بنفسي فترجع عنه باكية، وذلك تأويل قوله تعالى: {فلا أنساب
____________
1- المؤمنون: 104-101.
الصفحة 125
بينهم يومئذ ولا يتساءلون}(1).
قال: ويتعلّق الزوج بزوجته، فيقول: يا فلانة! أيّ زوج كنت لك في الدنيا؟ فتثني عليه خيراً وتقول: نعم الزوج كنت لي، فيقول لها: أطلب منك حسنة واحدة لعلّي أنجو بها ممّا ترين من دقّة الحساب، وخفّة الميزان، والجواز على الصراط، فتقول له: لا والله، انّي لا اُطيق ذلك، وانّي أخاف مثل ما تخافه أنت، فيذهب عنها بقلب حزين حيران في أمره.
وذلك ورد في تأويل قوله تعالى: {وان تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى}(2)، يعني انّ النفس المثقلة بالذنوب تسأل أهلها وقرابتها أن يحملوا عنها شيئاً من حملها وذنوبها، فانّهم لا يحملونه بل يكون حالهم يوم القيامة نفسي نفسي، كما قال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه * واُمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه}(3).
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أخبرني جبرئيل قال: بينما الخلائق وقوف في عرصة القيامة إذ أمر الله تعالى ملائكة النار أن يقودوا جهنّم، فيقودوها سبعون ألف ملك في سبعين ألف زمام، فيجد الخلائق حرّها ووهجها من مسيرة شهر للراكب المجد، وقد تطاير شررها وعلا زفيرها.
فإذا دنت من عرصة القيامة صارت ترمي بشرر كالقصر، فلا يبقى يومئذ من نبي ولا وصي نبي ولا شهيد الاّ وقع من قيامه جاثياً على ركبتيه وغيرهم من سائر الخلائق إلاّ ويخرّ على وجهه، وكل منهم ينادي بأعلى صوته: يا رب نفسي نفسي الاّ أنت يا نبي الله، فانّك قائم تقول: يا رب نجّ ذريتي وشيعتي ومحبّ ذريتي.
____________
1- المؤمنون: 101.
2- فاطر: 18.
3- عبس: 37-34.
الصفحة 126
قال: فيطلب النبي أن تتأخّر عنهم جهنّم، فيأمر الله تعالى خزنتهاأن يرجعوها إلى حيث أتت منه، وذلك في تفسير قوله تعالى في سورة الفجر: {وجيء يومئذ بجهنّم يومئذ يتذكّر الإنسان وأنّي له الذكرى}(1)، معني يومئذ: أي يوم القيامة، ومعنى يتذكّر: أي ابن آدم يتذكّر ذنوبه ومعاصيه، ويندم كيف ما قدم ماله ليقدم عليه يوم القيامة، وقوله تعالى (وأنّى له الذكرى) أي أنّى له الذكرى يوم القيامة حيث ترك الذكرى في دار الأعمال، وما تذكر حاله في دار الجزاء، فما عاد تنفعه الذكرى يومئذ.
وقوله يحكي عن ابن آدم: {يقول يا ليتني قدّمت لحياتي}(2) أي قدّمت أمامي، فتصدّقت به لوجه ربي، وتزيّدت من عمل الخير والصلاة والعبادات والتسبيح، وذكر الله تعالى حتّى نلت به في هذا اليوم درجات العلى في الآخرة، والنعيم الدائم في أعلى الجنان مع الشهداء والصالحين.
وانّما سمّى الله الآخرة الحياة، لأنّ نعيم الجنّة خالد دائم لا نفاد له، باق ببقاء الله تعالى، بخلاف الدنيا فإنّ الحياة فيها منقطعة، مع انّه مشوب بالهم والغم والمرض والخوف والضعف والشيب والدين وغير ذلك.
فاستيقظ يا أخي من نومك، واخرج من غفلتك، حاسب نفسك قبل يوم الحساب، واخرج من تبعات العباد، وصالح الذين أخذت منهم الربا، واعتذر إلى من قذفته بالزنا واغتبته ونلت من عرضه، فإنّ العبد مادام في الدنيا تقبل توبته إذا تاب من ذنوبه، وإذا اعتذر من غرمائه رحموه وعفو عنه واسقطوا عنه حقوقهم الذي عليه، فأمّا في الآخرة فلا حق يوهب، ولا معذرة تقبل، ولا ذنب يغفر، ولا بكاء ينفع](3).
____________
1- الفجر: 23.
2- الفجر: 24.
3- إلى هنا تمّ ما نقلناه من "ج" و"د".
الصفحة 127
وقال (عليه السلام): ما فرغ امرء فرغة الاّ كانت فرغته عليه حسرة(1) يوم القيامة، فما خلق امرء ليلهوا(2).
وانظروا إلى قوله تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}(3).
وقال تعالى: {أفحسبتم انّما خلقناكم عبثاً}(4).
واعلموا أيّها الإخوان انّ العمر متجر عظيم الربح، وكلّ نَفَس منه جوهرة، وكيف لا يكون ذلك وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من قال "أشهد أن لا اله الاّ الله، وحده لا شريك له، الهاً واحداً أحداً فرداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً"، كتب الله له بكلامه خمساً وأربعين ألف ألف حسنة، ومحى عنه خمساً وأربعين ألف ألف سيّئة، ورفع له خمساً وأربعين ألف ألف درجة في علّيين(5).
وقال له جبرئيل: يا رسول الله صلى الله عليك وآلك، كل شيء يحصى ثوابه الاّ قول الرجل: "لا اله الاّ الله وحده وحده لا شريك له" فانّه لا يحصي ثوابه الاّ الله تعالى، فإنّ الله تعالى ادخر لك ولاُمّتك قوله: {فاذكروني أذكركم}(6).
وانّه سبحانه يقول: أهل ذكري في ضيافتي، وأهل طاعتي في نعمتي، وأهل شكري في زيادتي، وأهل معصيتي لا اؤيسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن مرضوا فأنا طبيبهم، اُداويهم بالمحن والمصائب لاُطهّرهم من الذنوب والمعايب(7).
وقال علي بن الحسين (عليه السلام): العقل دليل الخير، والهوى مركب المعاصي، والفقه وعاء العمل، والدنيا سوق الآخرة، والنفس تاجر، والليل والنهار
____________
1- في "ج": ما فزع امرء فزعة الاّ كانت فزعته.
2- عنه معالم الزلفى: 245.
3- القيامة: 36.
4- المؤمنون: 115.
5- التوحيد للصدوق: 30 ح35; عنه البحار 93: 206 ح5.
6- البقرة: 152.
7- راجع البحار 77: 42 ح10.
الصفحة 128
رأس المال، والمكسب الجنّة، والخسران النار، وهذه والله هي التجارة التي لا تبور، والبضاعة التي لا تخسر.
سوق مثله(1) صلوات الله عليه وآله، وسوق الفائزين من شيعته وشيعة آبائه وأبنائه (عليهم السلام)، ولقد جمع الله هذا كلّه بقوله: {يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاؤلئك هم الخاسرون}(2).
وقال سبحانه: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله}(3).
وقال سبحانه: {فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد الاّ الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم}(4).
وقال سبحانه: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا}(5).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): انّ الله سبحانه جعل الذكر جلاءً للقلوب، تسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد الغشوة، وتنقاد به بعد المعاندة، وما برح لله عزّت أسماؤه في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات عباد ناجاهم في فكرهم(6)، وكلّمهم في ذات عقولهم، فاستصبحوا بنور يقظة في الأسماع والأبصار والأفئدة.
يذكّرون بأيّام الله،[ويخوّفون مقامه](7)، بمنزلة الأدلّة في الفلوات(8)، مَنْ أَخَذ القصد حمدوا إليه الطريق، وبشّروه بالنجاة، ومَنْ أَخَذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق،
____________
1- كذا، وفي "ج": وقال مثله.
2- المنافقون: 9 3- النور: 37.
4- النجم: 29-30.
5- الكهف: 28.
6- في "ج": قلوبهم.
7- أثبتناه من نهج البلاغة.
8- في النسخ: القلوب، وأثبتنا قوله:"الفلوات" من نهج البلاغة.
الصفحة 129
وحذّروه من الهلكة.
كانوا لذلك مصابيح تلك الظلمات، وأدلّة تلك الشبهات، وانّ للذكر أهلاً أخذوه بدلاً من الدنيا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع، يقطعون به أيّام الحياة، ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في أسماع الغافلين.
يأمرون بالمعروف ويأتمرون به، وينهون عن المنكر ويتناهون عنه، فكأنّما قطعوا الدنيا إلى الآخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك، وكأنّما اطلعوا على عيوب أهل البرزخ في طول الإقامة فيه، وحقّقت القيامة عليهم عذابها، فكشفوا غطاء ذلك لأهل الدنيا حتّى كأنّهم يرون ما لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمعون.
فلو مثّلتهم بعقلك(1) في مقاماتهم المحمودة، ومجالسهم المشهودة، قد نشروا دواوين أعمالهم، ففزعوا لحساب أنفسهم على كل صغيرة وكبيرة اُمروا بها فقصّروا عنها، أو نُهوا عنها ففرّطوا فيها، وحملوا ثقل أوزارهم على ظهورهم فضعفوا عن الإستقلال بها، فنشجوا نشيجاً(2)، وتجاوبوا نحيباً، يعجّون إلى الله من مقام ندم واعتراف بذنب، لرأيت أعلام هدى، ومصابيح دجى.
قد حفّت بهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وفتحت لهم أبواب السماء، واُعدّت لهم مقاعد الكرامات في مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم، وحمد مقامهم، يتنسّمون بدعائه روح التجاوز، رهائن فاقة إلى فضله، واُسارى ذلّة لعظمته.
جرح طول الأذى قلوبهم، وأقرح طول البكاء عيونهم، لكل بابِ رغبة إلى الله منهم يدٌ قارعة، يسألون من لا تضيق لديه المنادح، ولا يخيب عليه السائلون، فحاسب نفسك لنفسك، فإنّ غيرها من النفوس لها حسيب غيرك(3).
____________
1- في "ب": بقلبك.
2- نشج الباكي ينشج نشيجاً: غصّ بالبكاء في حلقه.
3- نهج البلاغة: الخطبة 222; عنه البحار 69: 325 ح39.
الصفحة 130
وروي انّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ارتعوا في رياض الجنّة، فقالوا: وما رياض الجنّة؟ فقال: الذكر غدوّاً ورواحاً، فاذكروا(1).
ومن كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله تعالى ينزل العبدَ حيث أنزل اللهَ العبدُ من نفسه، ألا انّ خير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها عند ربكم في درجاتكم، وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر عن نفسه وقال: "أنا جليس من ذكرني" وأي منزلة أرفع منزلة من جليس الله تعالى(2).
وروي انّه ما اجتمع قوم يذكرون الله الاّ اعتزل الشيطان عنهم والدنيا، فيقول الشيطان للدنيا: ألا ترين ما يصنعون؟ فتقول الدنيا: دعهم فلو قد تفرّقوا أخذت بأعناقهم(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يقول الله تعالى: من أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضّأ ولم يصلّ ركعتين(4) فقد جفاني، ومن أحدث وتوضّأ وصلّى ركعتين ودعاني فلم أجبه فيما يسأل من أمر دينه ودنياه فقد جفوته، ولست بربٍّ جاف(5).
وروي انّه إذا كان آخر الليل يقول الله سبحانه: هل من داع فاُجيبه؟ هل من سائل فأعطيه سؤله؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟(6).
وروي انّ الله تعالى أوحى إلى داود (عليه السلام): يا داود! من أحب حبيباً صدّق قوله، ومن آنس بحبيب قبل قوله ورضى فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 5: 301 ح5920.
2- راجع البحار 93: 163 ضمن حديث 42; عن عدة الداعي.
3- عنه مستدرك الوسائل 5: 287 ح5876; وأورده في أعلام الدين: 273.
4- زاد في "ج": ولم يدعني.
5- عنه البحار 80: 308 ح 18.
6- راجع البحار 87: 167 ح 9; عن عدة الداعي; وأورده في أعلام الدين: 277.
الصفحة 131
عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جدّ في المسير إليه. يا داود! ذكري للذاكرين، وجنّتي للمطيعين، وزيارتي للمشتاقين، وأنا خاصّة المحبّين(1).
وقال (عليه السلام): على كل قلب جاثم من الشيطان، فإذا ذكر الله تعالى خنس، وإذا ترك الذكر التقمه، فجذبه وأغواه واستزلّه وأطغاه(2).
وروى كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى نبي من أنبيائه: إن أردت أن تلقاني غداً في حضرة القدس فكن في الدنيا ذاكراً غريباً محزوناً مستوحشاً، كالطير الوحداني الذى يطير في الأرض المقفرة، ويأكل من رؤوس الأشجار المثمرة، فإذا جاءه الليل آوى إلى وكره، ولم يكن مع الطير استيحاشاً من الناس واستيناساً بربّه(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الملائكة يمرّون على مجالس الذكر، فيقفون على رؤوسهم ويبكون لبكائهم، ويؤمّنون على دعائهم، وإذا صعدوا إلى السماء يقول الله: ملائكتي أين كنتم؟ وهو أعلم بهم. فيقولون: ربنا أنت أعلم، كنّا حضرنا مجلساً من مجالس الذكر، فرأيناهم يسبحونك ويقدّسونك ويستغفرونك، يخافون نارك، ويرجون ثوابك.
فيقول سبحانه: اُشهدكم انّي قد غفرت لهم، وآمنتهم من ناري، وأوجبت لهم الجنّة، فيقولون: ربنا تعلم انّ فيهم من لا يذكرك؟! فيقول سبحانه: قد غفرت له بمجالسته أهل ذكري، فإنّ الذاكرين لا يشقى بهم جليسهم(4).
وروي عن بعض الصالحين انّه قال: نمت ذات ليلة فسمعت هاتفاً يقول: أتنام عن حضرة الرحمان وهو يقسم الجوائز بالرضوان، بين الأحبّة والخلاّن، فمن
____________
1- عنه البحار 14: 40 ح 23; وأورده في أعلام الدين: 279.
2- راجع البحار 70: 61 ح 42; عن عدّة الداعي; وفي أعلام الدين: 279.
3- أورده في اعلام الدين: 279.
4- البحار 75: 468 ح 20; وأورده في أعلام الدين: 280.
الصفحة 132
أراد منّا المزيد فلا ينانم ليله الطويل، ولا يقنع من نفسه بالقليل(1).
وقال كعب الأحبار: مكتوب في التوراة: يا موسى من أحبّني لم ينسني، ومن رجى معروفي ألحّ في مسألتي، يا موسى لست بغافل عن خلقي، ولكن احب أن تسمع ملائكتي ضجيج الدعاء، وترى حفظتي تقرّب بني آدم اليّ ممّا أنا مقوّيهم عليه ومسببه لهم.
يا موسى قل لبني اسرائيل: لا تبطركم النعمة فيعاجلكم السلب، ولا تغفلوا عن الذكر والشكر فتسلبوا النعم، ويحلّ بكم الذلّ، وألحّوا بالدعاء تشملكم الإجابة وتهنّيكم النعمة بالعافية(2).
وجاء في قوله تعالى: {اتقوا الله حق تقاته}(3) قال: يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: يا أباذر! أقلل من الشهوات يقلل عليك الفقر، وأقلل من الذنوب يخف عليك الحساب، واقنع بما اُوتيته يسهل عليك الموت، وقدّم مالك أمامك يسرّك اللحاق به، وانظر العمل الذي تحب أن يأتيك الموت وأنت عليه فاعمله، ولا تتشاغل عمّا فرض عليك بما ضمن لك، واسع لملك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه(4).
____________
1- أورده المصنّف في أعلام الدين: 281.
2- راجع البحار 77: 42 ح 11.
3- آل عمران: 102.
4- أورده المصنّف في أعلام الدين: 344.
الصفحة 133
الباب الخامس عشر
في حال المؤمن عند موته
قال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ المؤمن إذا حضره الموت جاءت إليه ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون لنفسه: اُخرجي راضية مرضية إلى روح وريحان ورب غير غضبان. فتخرج كأطيب من المسك حتّى يتناولها بعض من بعض، فينتهي بها إلى باب السماء، فيقول سكانها: ما أطيب رائحة هذه النفس، وكلّما صعدوا بها من سماء إلى سماء قال أهلها مثل ذلك، حتّى يؤتى بها إلى الجنّة مع أرواح المؤمنين، فيستريح من غم الدنيا.
واما الكافر فتأتيه ملائكة العذاب فيقولون لنفسه: اخرجي كارهة مكروهة إلى عذاب الله ونكاله ورب عليك غضبان(1).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما ترون المحتضر يشخص ببصره، قالوا: بلى، قال: يتبع بصره نفسه(2).
____________
1- عنه معالم الزلفى: 67.
2- عنه معالم الزلفى: 67.
الصفحة 134
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما من بيت الاّ وملك الموت يأتيه كل يوم خمس مرات، فإذا وجد الرجل قد انقطع أجله، ونفذ أكله، ألقى عليه غم الموت، فغشيته كرباته، وغمرته غمراته، فمن أهل بيته الناشرة شعرها، والضاربة وجهها، والباكية شجوها، والصارخة بويلها.
فيقول ملك الموت: ويلكم فما الفزع وما الجزع، والله ما أذهبت لواحد منكم رزقاً، ولا قرّبت له أجلاً، ولا أتيته حتّى اُمرت، ولا قبضت روحه حتّى استأمرت، وانّ لي فيكم عودة ثم عودة حتّى لا يبقى(1) منكم أحداً.
قال: والذي نفسي بيده لو يرون مكانه، ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميّتهم، ولبكوا على نفوسهم، حتّى إذا حمل الميت في نعشه رفرفت روحه فوق نعشه، ينادي: يا أهلي! يا ولدي! لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبت بي، مال جمعته من حلّه ومن غير حلّه وخلّفته لكم، فالمهناة لكم والتبعة عليّ، فاحذروا مثل ما نزل بي(2).
ولقد أحسن القائل:
لقد لهوت وجدّ الموت في طلبي * * * وانّ في الموت لي شغل عن اللعب
لو شمّرت فكرتي فيما خلقت له * * * ما اشتد حزني(3) على الدنيا ولا طلبي
وقال محمود الورّاق:
أبقيت مالك ميراثاً لوارثه * * * فليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال يسرّهم * * * فكيف بعدهم حالت بك الحال
ملّوا البكاء فما يبكيك من أحد * * * واستحكم القيل في الميراث والقال
أنستهم العهد دنياً أقبلت لهم * * * وأدبرت عنك والأيّام أحوال
____________
1- في "ب": اُبقي.
2- عنه معالم الزلفى: 67.
3- في "ج": حرصي.
الصفحة 135
وقال آخر:
هوّن الدنيا وما فيها عليك * * * واجعل الهمّ لما بين لديك
انّ هذا الدهر يدنيك الى * * * ملك الموت ويدنيه إليك
فاجعل العدّة ما عشت له * * * انّه يأتيك إحدى ليلتيك
وقال سلمان رحمه الله: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث، أضحكني غافلاً وليس بمغفول عنه، وضاحك ملأ فيه والموت يطلبه، ومؤمّل الدنيا ولا يدري متى أجله، وأبكاني فراق الأحبّة، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله تعالى، لا أدري(1) أساخط هو أم راض(2).
واعلموا رحمكم الله انّما يتوقّع الصحيح سقماً يرديه، وموتاً من البلاء يدنيه، فكأنّه لم يكن في الدنيا ساكن، وإليها راكن، نزل به الموت فأصبح بين أهله وولده لا يفهم كلاماً، ولا يردّ سلاماً، قد اصفرّ وجهه، وشخص بصره، وشرح(3) صدره، ويبس ريقه، واضطربت أوصاله، وقلقلت أحشاؤه، والأحبّة حوله.
يرى فلا يعرف، ويسمع فلا يرد، وينادي فلا يجيب، خلّف القصور، وخلت منه الدور، وحمل على أعتاق الرجال، يسرعون به إلى محلّة الأموات، ودار الحسرات(4)، وبيت الوحدة والغربة والوحشة، ثم قسّموا أمواله، وسكنوا داره، وتزوّجوا أزواجه، وحصل هو برهنه(5)، فرحم الله من جعل الهمّ همّاً واحداً، وأكل قوته، وأحسن عمله، وقصر ليله(6).
____________
1- في "ب": لا يُدرى.
2- مجموعة ورام 2: 224.
3- في "ب": تحرج، وفي "ج": حشرج.
4- في "ج": دار الخسران.
5- في "ج": برمسه.
6- في "ج": قصر أمله.
الصفحة 136
وروي انّه إذا حمل عدوّ الله إلى قبره، نادى إلى من تبعه: يا إخوتاه! احذروا مثل ما وقعت فيه، انّي أشكوا دنياً غرّتني حتّى إذا اطمأننت إليها وضعتني، وأشكوا اليكم أخلاّء الهوى حتّى إذا وافقتهم تبرّؤوا منّي وخذلوني، وأشكوا اليكم أولاداً آثرتهم على نفسي فأسلموني.
وأشكوا اليكم مالاً كدحت في جمعه البر والبحر، وقاسيت الأهوال، فأخذه أعدائي وصار وبالاً عليّ، وعاد نفعه لغيري وأصبحت مرتهناً به، وأشكوا اليكم بيت الوحدة والوحشة والظلمة والمساءلة عن الصغيرة من عملي والكبيرة، فاحذروا مثل ما قد نزل بي، فواطول بلائي، وعظم عنائي، مالي شفيع ولا رحيم حميم(1).
وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا دخل الجبانة يقول: السلام عليكم أيّها الأبدان البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا بحسراتها، وحصلت منها برهنها، اللهم أدخل عليهم روحاً منك وسلاماً منّا ومنك يا أرحم الراحمين.
وقال عبدالله الجرهمي ـ وكان من المعمّرين ـ: تبعت جنازة فخنقتني العبرة، فأنشدت:
يا قلب انّك في الدنيا لمغرور * * * فاذكر فهل ينفعنّ اليوم تذكير
فبينما المرء في الأحياء مغتبط * * * إذ صار في الرمس تقفوه الأعاصير
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه * * * وذوا قرابته في الحيّ مسرور
واسترزق الله خيراً ثم ارض به * * * فبينما العسر إذ دارت مياسير
فقال رجل من أصحاب الجنازة: تعرف لمن هذا الشعر؟ فقلت: لا والله، فقال: هو [والله](2) لصاحب هذه الجنازة، وأنت غريب تبكي عليه وأهله
____________
1- مجموعة ورام 2: 224.
2- أثبتناه من "ب".
الصفحة 137
مسرورون بتركته، فقال أبو العتاهيّة:
أرى الدنيا تجهز بانطلاق * * * مشمّرة على قدم وساق
فلا الدنيا بباقية لحيّ * * * ولا حيّ على الدنيا بباق
وقال بعضهم: محلّة الأموات أبلغ العظات، فزوروا القبور واعتبروا للنشور(1).
وكان(2) بعضهم يدخل المقبرة ليلاً فينادي: يا أهل القبور من أنتم؟ ثم يجيب عن نفسه: نحن الآباء والاُمّهات والإخوة، نحن الأصدقاء والإخوان والأخوات، نحن الأحباب والجيران، نحن الأحبّة والخلاّن، طحننا البلاء، وأكلتنا الجنادل والثرى.
وأنشد بعضهم:
خمدوا فليس يُجاب من ناداهم * * * موتى وكيف إجابة الأموات
قال براء بن عازب: بينما نحن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أبصر بجنازة تدفن، فبادر إليها مسرعاً حتّى وقف عليها، ثم بكى حتّى بلّ ثوبه، ثم التفت إلينا فقال: يا إخوتي! لمثل هذا فليعمل العاملون، احذروا هذا واعملوا له(3).
وكتب بعضهم إلى ملك يعظه: أيّها الملك إعدل برعيّتك، وارحم من تحت يدك ولا تتجبّر عليهم، ولا تعل قدرك، ولا تنس قبرك الذي هو منتهى أمرك، فإنّ الموت يأتيك وان طال عمرك، والحساب أمامك، والقيامة موعدك، وقد كان هذا الأمر الذي أنت فيه بيد غيرك، فلو بقي له لم يصل إليك، وسينقل عنك كما انتقل عنه، وانّه لا يبقى لك ولا تبقى له.
____________
1- مجموعة ورام 2: 224.
2- في "ج": ورؤي.
3- مجموعة ورام 2: 225; مستدرك الوسائل 2: 465 ح 2476.
الصفحة 138
فقدّم لنفسك خيراً تجده محضراً، وتزوّد من دار الغرور لدار الفرح والسرور، واعتبر بمن كان قبلك ممّن خزن الأموال، وخلّد الأقلال، وجمع الرجال، فلم يستطع دفع المنيّة، ولا ردّ الرزيّة، فلا تغتر بدنيا دنيّة، لم يرضها الله جزاء لأوليائه ولا عذاباً لأعدائه، واعتبر بقول الشاعر:
وكيف يلذّ العيش من كان موقن * * * بانّ المنايا بغتة ستعاجله
وكيف يلذّ النوم من كان موقن * * * بانّ اله الخلق لابد سائله
وكيف يلذّ العيش من كان صائر * * * إلى جدث تبلى الثياب(1) منازله
وكيف يلذّ النوم من أثبتوا له * * * مثاقيل أوزار الذي هو فاعله
____________
1- في "الف": الشباب.
الصفحة 139
الباب السادس عشر
من كلام المصنّف في الموعظة
قال جامع هذا الكتاب: انّ الموعظة لا تنجع فيمن لا زاجر له ولا واعظ من نفسه، وما وهب الله تعالى لعبده هبة أنفع له من [زاجر](1) من نفسه، وقلّ أن تنجع الموعظة في أهل التجبّر والتكبّر.
وانّي لأعجب من قوم غدوا في المطارف(2) العتاق، والثياب الرقاق، يحيطون الولايات، ويتحمّلون الأمانات، ويتعرّضون للخيانات، حتّى إذا بلغوا بغيتهم ونالوا اُمنيتهم أخافوا مَن فوقهم مِن أهل الفضل والعفّة(3)، وظلموا مَن دونهم مِن أهل الضعف والحرفة.
وسمّنوا براذينهم(4)، وأهزلوا دينهم، وعمّروا دنياهم، وخرّبوا اُخراهم، وأوسعوا دورهم، وضيّقوا قبورهم، يتّكئ أحدهم على شماله ويأكل غير ماله،
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- المِطرَف والمُطرَف ـ واحد المطارف ـ: وهي أردية من خزّ مربّعة لها أعلام. (لسان العرب) 3- في "ج": الفقه.
4- في "ج": أبدانهم.
الصفحة 140
يدعو بحلو بعد حامض، ورطب بعد يابس، وحار بعد بارد، حتّى إذا غصّته الكظّة، وأثقلته البطنة، وغلبه البشم قال: يا جارية! هاتي هاضوماً، هاتي حاطوماً.
والله يا جاهل يا مغرور، ما حطمت طعامك بل حطمت دينك، وأزلت يقينك، فأين مسكينك، وأين يتيمك، وأين جارك، وأين من غصبته وظلمته؟! استأثرت بهذا عليه، وتجبّرت بسلطانك عليه حتّى إذا بالغ هذا في المظالم، وارتطم في المآثم، قال: قد زرت وقد حججت وقد تصدّقت، ونسى قول الله تعالى: {انّما يتقبّل الله من المتقين}(1).
وقوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}(2).
وقول النبي (صلى الله عليه وآله): ما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه(3).
وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس من شيعتي من أكل مال مؤمن حراماً(4).
انّما يعيش صاحب هذا الحال مفتوناً، ويموت مغروراً، يقول يوم القيامة لمن دخل الجنّة من أهل السعادة هو وأمثاله: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربّصتم وارتبتم وغرّتكم الأمانيّ، حتّى جاء أمر الله وغرّكم بالله الغرور، فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا، (دل هذا على انّه غير الكافرين)(5).
____________
1- المائدة: 27.
2- القصص: 83.
3- كنز الفوائد: 163; عنه البحار 92: 185 ح 23; مستدرك الوسائل 4: 250 ح 4620.
4- البحار 104: 296 ح 17; عن مجموعة ورام.
5- في "ج": على انّهم غير الكفار.
الصفحة 141
الباب السابع عشر
في أشراط الساعة وأهوالها
قال الله تعالى: {فهل ينظرون الاّ الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها}(1).
وقال سبحانه: {الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر}(2).
وقال تعالى: {انّ الساعة آتية لا ريب فيها}(3).
وخطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدى الله، وشرّ الاُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، فقام إليه رجل وقال: يا رسول الله متى الساعة؟
فقال: ما المسؤول بأعلم بها من السائل، لا تأتيكم الاّ بغتة، فقال: فأعلمنا أشراطها، فقال: لا تقوم الساعة حتّى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، وتكثر الفتن،
____________
1- محمد: 18.
2- القمر: 46.
3- الحج: 7.
الصفحة 142
ويظهر الهرج والمرج، وتكثر فيكم الأموال(1)، ويخرب العامر، ويعمر الخراب، ويكون خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب.
وتطلع الشمس من مغربها، وتخرج الدابة، ويظهر الدجال، وينتشر يأجوج ومأجوج، وينزل عيسى بن مريم (عليه السلام)، فهناك تأتي ريح من جهة اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحداً فيه مثقال ذرّة من الإيمان الاّ قبضته. انّه لا تقوم الساعة الاّ على الأشرار، ثم تأتي نار من قبل عدن تسوق سائر من على الأرض تحشرهم، فقالوا: فمتى يكون ذلك يا رسول الله؟.
قال: إذا داهن قرّاؤكم اُمراؤكم، وعظّمتم أغنياءكم، وأهنتم فقراءكم، وظهر فيكم الغناء، وفشا الزنا، وعلا البناء، وتغنّيتم بالقرآن، وظهر أهل الباطل على أهل الحق، وقلّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واُضيعت الصلاة، واتبعت الشهوات، وميل مع الهوى، وقدّم اُمراء الجور فكانوا خونة، والوزراء فسقة، وظهر الحرص في القرّاء، والنفاق في العلماء، فعند ذلك ينزل بهم البلاء.
انّه ما تقدست اُمّة لا ينتصر لضعيفها من قويّها، وتزخرف المساجد، وتزوّق(2) المصاحف، وتعلى المنابر، وتكثر الصفوف، وترتفع الضجّات في المساجد، وتجتمع الأجساد والألسن مختلفة، ودين أحدهم لعقة على لسانه.
إن اُعطي شكر، وإن منع كفر، لا يرحمون صغيراً، ولا يوقّرون كبيراً، يستأثرون أنفسهم، توطأ حريمهم، ويجوروا في حكمهم، تحكم عليهم العبيد، وتملكهم الصبيان، وتدبر اُمورهم النساء، تتحلّى الذكور بالذهب والفضّة، ويلبسون الحرير والديباج، يسرون الجواري، ويقطعون الأرحام، ويخيفون(3)
____________
1- في "ج": الأهواء.
2- في "ج": تُذَهّب.
3- يحيفون: (خل).
الصفحة 143
السبيل، وينصبون العشّارين.
يجاهدون المسلمين، ويسالمون الكافرين، فهناك يكثر المطر، ويقلّ النبات، وتكثر الهزّات، وتقلّ العلماء، وتكثر الاُمراء، وتقلّ الاُمناء، فعند ذلك يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من المائة تسعة وتسعون، ويسلم واحد.
وقال [رجل](1): صلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) من غلس(2) فنادى رجل: متى الساعة يا رسول الله؟ فزبره حتّى إذا أسفرنا رفع طرفه إلى السماء فقال: تبارك خالقها وواضعها وممهّدها ومحلّيها بالنبات، ثم قال: أيّها السائل عن الساعة، تكون عند خبث الاُمراء، ومداهنة القرّاء، ونفاق العلماء، وإذا صدّقت اُمتي بالنجوم، وكذّبت بالقدر، ذلك حين يتخذون الأمانة مغنماً، والصدقة مغرماً، والفاحشة رباحة، والعبادة تكبراً واستطالة على الناس.
وقال (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتّى يكون عليكم اُمراء فجرة، ووزرآء خونة، وعرفاء ظلمة، وقرّآء فسقة، وعبّاد جهّال، يفتح الله عليهم فتنة غبرآء مظلمة، فيتيهون فيها كما تاهت اليهود، فحينئذ ينقص الإسلام عروة عروة حتّى يقال: الله الله.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما من سلطان آتاه الله قوّة ونعمة فاستعان بها على ظلم عباده الاّ كان حقّاً على الله أن ينزعها منه، ألم تروا إلى قول الله تعالى: {انّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم}(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا تزال هذه الاُمّة تحت يد الله وفي كنفه ما لم
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلط بضوء الصباح./لسان العرب.
3- الرعد: 11.
الصفحة 144
يمالئ قرّاؤها اُمراؤها، ولم يوال(1) صلحاؤها أشرارها، فإذا فعلوا نزع الله يده منهم، ورماهم بالفقر والفاقة، وسلّط عليهم شرارهم، وملأ قلوبهم رعباً، ورمى جبابرتهم بالعذاب المهين، ويدعون دعاء الغريق لا يستجيب لهم(2).
وقال (عليه السلام): بئس العبد عبد يسأل المغفرة وهو يعمل بالمعصية، ويرجو النجاة ولا يعمل لها، ويخاف العذاب ولا يحذره، يعجّل الذنب ويؤخّر التوبة، ويتمنّى على الله الأماني الكاذبة، فويل له ثم ويل له ثم ويل له من يوم العرض على الله.
وروي انّ عمر بن هبيرة لمّا ولي العراق من قبل هشام بن عبد الملك أحضر السبعي(3) والحسن البصري وقال لهما: انّ هشام بن عبد الملك أخذ بيعتي له على السمع والطاعة، ثم ولاّني عراقكم من غير أن أسأله، ولا تزال كتبه تأتيني بقطع(4)قطائع الناس، وضرب الرقاب، وأخذ الأموال، فما تريان في ذلك؟
فأمّا السبعي فداهنه وقال قولاً ضعيفاً، وأمّا الحسن البصري فانّه قال له: يا عمر! انّي أنهاك عن التعرّض لغضب الله برضى هشام، واعلم انّ الله تعالى يمنعك من هشام، ولا يمنعك هشام من الله تعالى ولا أهل الأرض.
أيأتيك كتاب من الله بالعمل بكتابه والعدل والإحسان، وكتاب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) نبيّك، وكتاب من هشام بخلاف ذلك فتعمل بكتاب هشام وتترك كتاب الله وسنّة رسوله، انّ هذا لهو الحرب الكبير، والخسران المبين، فاتق الله تعالى واحذره، فانّه يوشك أن ينزل إليك ملك من السماء فينزلك من علوّ سريرك، ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، ثم لا يوسعه عليك الاّ عملك
____________
1- في "الف" و"ب": لم تزل.
2- أورده المصنّف في أعلام الدين: 281.
3- في "ب": الشبقي.
4- في "ب": قبض.
الصفحة 145
إن كان حسناً، ولا يوحشك الاّ هو إن كان قبيحاً.
واعلم انّك إن تنصر الله ينصرك ويثبّت أقدامك، فإنّ الله تعالى ضمن إعزاز من يعزّه، ونصر من ينصره، وقال سبحانه: {إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم}(1).
وقال سبحانه: {ولينصرنّ الله من ينصره}(2).
وقال: كيف أنتم إذا ظهر فيكم البدع حتّى يربوا فيها الصغير، ويهرم الكبير، ويسلم عليها الأعاجم، فإذا ظهرت البدع قيل سنّة، وإذا عمل بالسنّة قيل بدعة، قيل: ومتى يكون ذلك؟ قال: إذا ابتعتم الدنيا بعمل الآخرة.
وقال ابن عباس: لا يأتي على الناس زمان الاّ أماتوا فيه سنّة، وأحيوا فيه بدعة حتّى تموت السنن، وتحيى البدع، وبعد فوالله ما أهلك الناس وأزالهم عن المحجّة قديماً وحديثاً الاّ علماء السوء، قعدوا على طريق الآخرة فمنعوا الناس سلوكها والوصول إليها، وشكّكوهم فيها.
مثال ذلك مثل رجل كان عطشاناً فرأى جرّة مملوءة فيها مآء، فأراد أن يشرب منها فقال له الرجل: لا تدخل يدك فيها فإنّ فيها أفعى يلسعك وقد ملأها سمّاً، فامتنع الرجل من ذلك، ثم انّ المخبر بذلك أخذ يدخل يده فيها، فقال العطشان: لو كان فيها سّماً لما أدخل يده.
وكذلك حال الناس مع علماء السوء، زهّدوا الناس في الدنيا ورغبوا هم فيها، ومنعوا الناس من الدخول إلى الولاة والتعظيم لهم ودخلوا هم إليهم، وعظّموهم ومدحوهم، وحسّنوا إليهم أفعالهم، ووعدوهم بالسلامة، لا بل قالوا لهم: قد رأينا لكم المنامات بعظيم المنازل والقبول، ففتنوهم وغرّوهم، ونسوا قول
____________
1- محمد: 7.
2- الحج: 40.
الصفحة 146
الله تعالى: {انّ الأبرار لفي نعيم * وانّ الفجّار لفي جحيم}(1).
وقوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع}(2).
وقوله تعالى: {يوم يعضّ الظالم على يديه}(3).
وقوله تعالى: {يوم لا يغني مولىً عن مولىً شيئاً}(4).
وقول النبي (صلى الله عليه وآله): الجنّة محرّمة على جسد غذّي بالحرام(5).
وقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس من شيعتي من أكل مال امرء حراماً(6).
وقول النبي (صلى الله عليه وآله): لا يشمّ ريح الجنّة جسد نبت على الحرام.
وقال (عليه السلام): انّ أحدكم ليرفع يده إلى السماء فيقول: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، وملبسه حرام، فأيّ دعاء يُستجاب له؟! وأيّ عمل يُقبل منه؟! وهو ينفق من غير حلٍّ، ان حج حج بحرام، وان تزوّج تزوّج بحرام، وان صام أفطر على حرام، فيا ويحه، أما علم انّ الله تعالى طيّب لا يقبل الاّ الطيّب، وقد قال في كتابه: {انّما يتقبّل الله من المتقين}(7).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ليكون عليكم اُمراء سوء، فمن صدّقهم في قولهم، وأعانهم على ظلمهم، وغشى أبوابهم، فليس منّي ولست منه، ولن يرد عليّ الحوض.
وقال (صلى الله عليه وآله) لحذيفة: كيف أنت يا حذيفة إذا كانت اُمراء ان
____________
1- الإنفطار: 13-14.
2- غافر: 18.
3- الفرقان: 27.
4- الدخان: 41.
5- كنز العمال 4: 14 ح9261.
6- البحار 104: 296 ح17; عن مجموعة ورام.
7- المائدة: 27.
الصفحة 147
أطعتموهم أكفروكم، وان عصيتموهم قتلوكم؟!، فقال حذيفة: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: جاهدهم ان قويت، واهرب عنهم ان ضعفت.
وقال (صلى الله عليه وآله): صنفان من اُمّتي إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: الاُمراء والعلماء(1).
وقال الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار}(2).
وقال: {ولا تطغوا فيحلّ عليكم غضبي}(3)، والله ما فسدت اُمور الناس الاّ بفساد هذين الصنفين، وخصوصاً الجائر في قضائه، والقابل الرشا في الحكم.
ولقد أحسن أبو نواس في قوله:
إذا خان الأمير وكاتباه * * * وقاضي الأمر داهن في القضآء
فويل ثم ويلٌ ثم ويل * * * لقاضي الأرض من قاضي السماء
وجاء في تفسير قوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله...}(4) الآية، نزلت فيمن يخالط السلاطين والظلمة.
وقال (عليه السلام): الإسلام علانية باللسان، والايمان سرّ بالقلب، والتقوى عمل بالجوارح، كيف تكون مسلماً ولا تسلم الناس منك؟ وكيف تكون مؤمناً ولا تأمنك الناس؟ وكيف تكون تقيّاً والناس يتّقون من شرّك وأذاك؟.
وقال: انّ من ادعى حبنا وهو لا يعمل [عملنا ولا يقول](5) بقولنا، فليس منّا ولا نحن منه، أما سمعوا قول الله تعالى يقول مخبراً عن نبيّه: {قل ان كنتم تحبّون الله فاتبعوني يحببكم الله}(6).
____________
1- الخصال: 36 ح12 باب الاثنين; عنه البحار 2: 49 ح10.
2- هود: 113.
3- طه: 81.
4- المجادلة: 22.
5- أثبتناه من "ب".
6- آل عمران: 31.
الصفحة 148
ولما بايع أصحابه أخذ عليهم العهد والميثاق بالسمع لله تعالى وله بالطاعة في العسر واليسر، وعلى أن يقولوا الحق أينما كانوا، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، وقال: انّ الله تعالى ليحصي على العبد كل شيء حتّى أنينه في مرضه، والشاهد على ذلك قوله تعالى:
{ما يلفظ من قول الاّ لديه رقيب عتيد}(1).
وقوله تعالى: {انّ عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون}(2).
وقوله تعالى: {ان تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله}(3).
____________
1- ق: 18.
2- الإنفطار: 10-12.
3- البقرة: 284.
الصفحة 149
الباب الثامن عشر
في عقاب الزنا والربا
قال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ لأهل النار صرخة من نتن فروج الزناة، فايّاكم والزنا فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فامّا التي في الدنيا: فانّه يذهب ببهاء الوجه، ويورث الفقر، وينقص العمر، وامّا التي في الآخرة: يوجب سخط الله، وسوء الحساب، وعظم العذاب، انّ الزناة يأتون يوم القيامة تشتعل فروجهم ناراً، يعرفون بنتن فروجهم(1).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ الله مستخلفكم في الدنيا فانظروا كيف تعملون، فاتقوا الزنا والربا والرياء(2).
قيل: قالت المعتزلة يوماً في مجلس الرضا (عليه السلام): انّ أعظم الكبائر القتل، لقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمناً متعمّداً فجزاؤه جهنّم خالداً فيها...}(3).
____________
1- الكافي 5: 541 ح3; من لا يحضره الفقيه 3: 573 ح4960 باختلاف; وفي معالم الزلفى: 337.
2- الرياء، لم يرد في "ب" و"ج".
3- النساء: 93.
الصفحة 150
قال الرضا (عليه السلام): أعظم من القتل عندي إثماً، وأقبح منه بلاءً الزنا وأدوم، لأنّ القاتل لم يفسد بضرب المقتول غيره، ولا بعده فساد، والزاني قد أفسد النسل إلى يوم القيامة، وأحل المحارم، فلم يبق في المجلس فقيه الاّ قبّل يده وأقرّ بما قال.
وقال (صلى الله عليه وآله): إذا كانت خمس منكم رميتم بخمس: إذا أكلتم الربارميتم بالخسف، وإذا ظهر فيكم الزنا اُخذتم بالموت، وإذا جارت الحكّام ماتت البهائم، وإذا ظلم أهل الملّة ذهبت الدولة، وإذا تركتم السنّة ظهرت البدعة.
وقال (صلى الله عليه وآله): ما نقض قوم عهدهم الاّ سلّط عليهم عدوّهم، وما جار قوم الاّ كثر القتل بينهم، وما منع قوم الزكاة الاّ حبس القطر عنهم، ولا ظهرت فيهم الفاحشة الاّ نشأ فيهم الموت، وما بخس قوم المكيال والميزان الاّ اُخذوا بالسنين.
وقال (صلى الله عليه وآله): إذا عملت اُمّتي خمس عشرة خصلة حلّ بهم البلاء: إذا كان الفيء دولاً، والأمانة مغنماً، والصدقة مغرماً، وأطاع الرجل امرأته، وعصى اُمّه، وبرّ صديقه، وجفا أباه، وارتفعت الأصوات في المساجد. واُكرم الرجل مخافة شرّه، وكان زعيم القوم أرذلهم، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيّنات والمعازف(1)، وشربوا الخمور، وكثر الزنا، فارتقبوا عند ذلك ريحاً حمرآء، وخسفاً ومسخاً، وظهور العدو عليكم ثم لا تنصرون(2).
____________
1- في "ج": المغنّيات.
2- عنه الوسائل 12: 231 ح31.
الصفحة 151
الباب التاسع عشر
[وصايا وحكم بليغة]
وصيّة لقمان لابنه بعلوم وحكمة، قال: يا بني! لا يكن الديك أكيس منك وأكثر محافظة على الصلوات، ألا تراه عند كلّ صلاة يؤذّن لها، وبالأسحار يعلن بصوته وأنت نائم.
وقال: يا بني! من لا يملك لسانه يندم، ومن يكثر المراء يشتم، ومن يدخل مداخل السوء يُتّهم، ومن يُصاحب صاحب السوء لا يسلم، ومن يجالس العلماء يغنم، يا بني! لا تؤخّر التوبة فإنّ الموت يأتي بغتة، يا بني! اجعل غناك في قلبك، وإذا افتقرت فلا تحدّث الناس بفقرك فتهون عليهم، ولكن اسأل الله من فضله.
يا بني! كذب من يقول: الشرّ يقطع بالشرّ، ألا ترى انّ النار لا تُطفى بالنار ولكن بالماء، وكذلك الشرّ لا يُطفى الاّ بالخير، يا بني! لا تشمت بالمصائب، ولا تعيّر المبتلي، ولا تمنع المعروف فانّه ذخيرة لك في الدنيا والآخرة.
يا بني! ثلاثة تجب مداراتهم: المريض والسلطان والمرأة، وكن قنعاً تعش غنيّاً، وكن متّقياً تكن عزيزاً، يا بني! انّك من حين سقطت من بطن اُمّك استدبرت
الصفحة 152
الدنيا واستقبلت الآخرة، وأنت كل يوم إلى ما استقبلت أقرب منك ممّا استدبرت، فتزوّد لدار أنت مستقبلها، وعليك بالتقوى فانّه أربح التجارات، وإذا أحدثت ذنباً فأتبعه بالإستغفار والندم والعزم على ترك العود لمثله.
واجعل الموت نصب عينيك، والوقوف بين يدي خالقك، وتمثّل شهادة جوارحك عليك بعملك، والملائكة الموكّلين بك تستحي(1) منهم ومن ربّك الذي هو مشاهدك، وعليك بالموعظة فاعمل بها، فانّها عند العاقل أحلى من العسل الشهد، وهي في السفيه أشقّ من صعود الدرجة على الشيخ الكبير، ولا تسمع الملاهي فانّها تنسك الآخرة، ولكن احضر الجنائز، و زُر المقابر، وتذكّر الموت وما بعده من الأهوال فتأخذ حذرك.
يابني استعذ بالله من شرار النساء، وكن من خيارهنّ على حذر، يا بني لا تفرح بظلم أحد بل احزن على ظلم من ظلمته، يا بني الظلم ظلمات ويوم القيامة حسرات، وإذا دعتك القدرة إلى ظلم من هو دونك فاذكر قدرة الله عليك.
يا بني تعلّم من العلماء ما جهلت، وعلّم الناس ممّا علمت تذكر بذلك في ا لملكوت، يا بني أغنى الناس من قنع بما في يديه، وأفقرهم من مد عينيه إلى ما في أيدي الناس، وعليك يا بني باليأس ممّا في أيدي الناس، والوثوق بوعد الله، واسع فيما فرض عليك، ودع السعي فيما ضمن لك، وتوكّل على الله في كل اُمورك يكفيك، وإذا صلّيت فصلّ صلاة مودّع تظنّ أن لا تبقى بعدها أبداً.
واياك وما يُعتذر منه فانّه لا يُعتذر من خير، وأحبب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكرهه لنفسك، ولا تقل ما لا تعلم، واجهد أن يكون اليوم خيراً لك من أمس، وغداً خيراً لك من اليوم، فانّه من الستوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرّاً من أمسه فهو ملعون، وارض بما قسّم الله لك فانّه سبحانه يقول: أعظم عبادي
____________
1- في "ب": لم لا تستحي منهم.
الصفحة 153
ذنباً من لم يرض بقضائي، ولم يشكر نعمائي، ولم يصبر على بلائي.
وأوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) معاذ بن جبل، فقال له: اُوصيك باتقاء الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وخفض الجناح، والوفاء بالعهد، وترك الخيانة، وحسن الجوار، وصلة الأرحام، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السلام. وحسن العمل، وقصر الأمل، وتوكيد الايمان، والتفقّه في الدين، وتدبّر القرآن، وذكر الآخرة، والجزع من الحساب، وكثرة ذكر الموت، ولا تسب مسلماً، ولا تطع آثماً، ولا تقطع رحماً، ولا ترض بقبيح تكن كفاعله، واذكر الله عند كل شجر ومدر وبالأسحار وعلى كل حال يذكرك، فإنّ الله تعالى ذاكر من ذكره، وشاكر من شكره، وجدّد لكل ذنب توبة، السرّ بالسرّ والعلانية بالعلانية.
واعلم انّ أصدق الحديث كتاب الله(1)، وأوثق العرى التقوى، وأشرف الذكر ذكر الله تعالى، وأحسن القصص القرآن، وشرّ الاُمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف الموت الشهادة، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وشرّ العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى.
وشرّ المعذرة عند الموت، وشرّ الندامة يوم القيامة، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله تعالى في السر والعلانية، وخير ما اُلقي في القلب اليقين، وانّ جماع الإثم الكذب والإرتياب، والنساء حبائل الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشرّ الكسب كسب الربا، وشرّ المأثم أكل مال اليتيم.
السعيد من وُعظ بغيره، وليس لجسم نبت على الحرام إلاّ النار، ومن تغذّى بالحرام فالنار أولى به، ولا يستجاب له دعاء، والصلاة نور، والصدقة حرز،
____________
1- في "ب": كلام الله.
الصفحة 154
والصوم جُنّة حصينة، والسكينة مغنم وتركها مغرم، وعلى العاقل أن يكون له ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يتفكّر فيها في صنع الله، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتخلّى فيها لحاجته من حلال.
وعلى العاقل أن لا يكون ضاعناً(1) إلاّ في ثلاث(2): تزوّد لمعاد، ومرمّة لمعاش، لذّة في غير محرّم، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه.
وفي توراة موسى (عليه السلام): عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالحساب كيف يذنب، ولمن أيقن بالقدر كيف يحزن، ولمن أيقن بالنار كيف يضحك، ولمن رأى تقلّب الدنيا بأهلها كيف يطمئنّ إليها، ولمن أيقن بالجزاء كيف لا يعمل، لا عقل كالدين، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق.
وقال أبوذر: أوصاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) [بسبع خصال](3): حب المساكين والدنو منهم، وهجران الأغنياء، وأن أصل رحمي، وأن لا أتكلّم بغير الحق، ولا أخاف في الله لومة لائم، وأن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أكثر من قول: "سبحان الله والحمد الله ولا اله إلاّ الله والله اكبر، ولا حول ولا قوّة الاّ بالله العليّ العظيم" فهنّ الباقيات الصالحات.
وقال بعضهم: من سلك الجدد أمن العثار، والصبر مطيّة السلامة، والجزع مطيّة الندامة، ومرارة الحلم أعذب من مرارة(4) الإنتقام، وثمرة الحقد الندامة، ومن صبر على ما يكره أدرك ما يحب، والصبر على المصيبة مصيبة للشامت بها، والجزع عليها مصيبة ثانية لفوات الثواب وهي أعظم المصائب.
____________
1- ضعن: سار. (القاموس) 2- في "ج": أن يكون ساعياً في ثلاث.
3- أثبتناه من "ب" و"ج".
4- في "ج": حلاوة.
الصفحة 155
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر ما يخفى، وانّي اُوصيكم بتقوى الله، وبحسن النظر لأنفسكم، وقلّة الغفلة عن معادكم، وابتياع ما يبقى بما يفنى.
واعلموا انّها أيّام معدودة، وأرزاق مقسومة، وآجال معلومة، والآخرة أبد لا أمد له، وأجل لا منتهى له، ونعيم لا زوال له، فاعرفوا ما تريدون وما يُراد بكم، واتركوا من الدنيا ما يشغلكم عن الآخرة، واحذروا حسرة المفرطين، وندامة المغترين، واستدركوا فيما بقي ما فات، وتأهّبوا للرحيل من دار البوار إلى دار القرار، واحذروا الموت أن يفجأكم على غرّة ويعجلكم عن التأهّب والإستعداد، انّ الله تعالى قال: {فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون}(1).
فرب ذي عقل شغله هواه عمّا خُلق له حتّى صار كمن لا عقل له، ولا تعذروا أنفسكم في خطائها، ولا تجادلوا بالباطل فيما يوافق هواكم، واجعلوا همّكم نصر الحق من جهتكم أو من جهة من يجادلكم، فإنّ الله تعالى يقول: {يا أيّها الذين آمنوا كونوا أنصار الله}(2). فلا تكونوا انصاراً لهواكم والشيطان.
واعلموا انّه ما هدم الدين مثل امام ضلالة وضلّ وأضلّ، وجدالِ منافق بالباطل، والدنيا قطعت رقاب طالبيها والراغبين إليها، واعلموا انّ القبر روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النار، فمهّدوه بالعمل الصالح، فمثل أحدكم يعمل الخير كمثل الرجل ينفذ كلامه يمهّد له، قال الله تعالى: {فلأنفسهم يمهدون}(3).
وإذا رأيتم الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على المعصية، فاعلموا انّ ذلك استدراج له، قال الله تعالى: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}(4).
____________
1- يس: 50.
2- الصف: 14.
3- الروم: 44.
4- الأعراف: 182.
الصفحة 156
وسئل ابن عباس عن صفة الذين صدقوا الله المخافة، فقال: هم قوم قلوبهم من الخوف قرحة، وأعينهم باكية، ودموعهم على خدودهم جارية، يقولون: كيف نفرح والموت من ورائنا، والقبر موردنا، والقيامة موعدنا، وعلى الله عرضنا، وشهودنا جوارحنا، والصراط على جهنّم طريقنا، وعلى الله حسابنا.
فسبحان الله وتعالى، فانّا نعوذ به من ألسن واصفة، وأعمال مخالفة مع قلوب عارفة، فإنّ العمل ثمرة العلم، والخشية والخوف ثمرة العمل، والرجاء ثمرة اليقين، ومن اشتاق إلى الجنّة اجتهد في أسباب الوصول إليها، ومن حذر النار تباعد مما يدني إليها، ومن أحب لقاء الله استعد للقائه.
وروي انّ الله تعالى يقول في بعض كتبه: يا ابن آدم أنا حيٌّ لا أموت، أطعني فيما أمرتك أجعلك حيّاً لا تموت، يا ابن آدم أنا أقول للشيء كن فيكون، أطعني فيما أمرتك أجعلك تقول للشيء كن فيكون(1).
ولذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز: {ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلاً من غفور رحيم}(2).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فاما المهلكات: فشحٌّ مطاع، وهوىً متّبع، وإعجاب المرء بنفسه، واما المنجيات: فخشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب(3).
وقال الحسن (عليه السلام): لقد أصحبت(4) أقواماً كأنّهم كانوا ينظرون إلى الجنّة ونعيمها، والنار وجحيمها، يحسبهم الجاهل مرضى وما بهم من مرض، أو قد خولطوا وانّما خالطهم أمر عظيم، خوف الله ومهابته في قلوبهم.
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 11: 258 ح12928.
2- فصلت: 31-32.
3- الخصال: 84 ح11 باب3; عنه البحار 70: 6 ح2.
4- في "الف" و"ج": أصبحت.
الصفحة 157
كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا من حاجة، ليس لها خُلقنا ولا بالسعي لها اُمرنا، أنفقوا أموالهم، وبذلوا دماءهم، اشتروا بذلك رضى خالقهم، علموا انّ الله اشترى منهم أموالهم وأنفسهم بالجنّة فباعوه، ربحت تجارتهم، وعظمت سعادتهم، أفلحوا وأنجحوا، فاقتفوا آثارهم رحمكم الله، واقتدوا بهم فإنّ الله تعالى وصف لنبيّه صفة آبائه ابراهيم واسماعيل وذرّيتهما، وقال: {فبهداهم اقتده}(1).
واعلموا عباد الله انّكم مأخوذون بالإقتداء بهم والإتباع لهم، فجدوا واجتهدوا واحذروا أن تكونوا أعواناً للظالم، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من مشى(2) مع ظالم ليعينه على ظلمه فقد خرج من ربقة الإسلام، ومن حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد حادّ الله ورسوله، ومن أعان ظالماً ليبطل حقّاً لمسلم فقد برئ من ذمّة الإسلام ومن ذمّة الله ومن ذمّة رسوله.
ومن دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله، ومن ظُلم بحضرته مؤمن أو اغتيب وكان قادراً على نصره ولم ينصره فقد بآء بغضب من الله ورسوله، ومن نصره فقد استوجب الجنّة من الله تعالى.
وانّ الله أوحى إلى داود (عليه السلام): قل لفلان الجبار: انّي لم أبعثك لتجمع الدنيا على الدنيا، ولكن لترد عنّي دعوة المظلوم وتنصره، فانّي آليت على نفسي أن أنصره وأنتصر له ممّن ظُلم بحضرته ولم ينصره(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من آذى مؤمناً ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيساً من رحمة الله، وكان كمن هدم الكعبة والبيت المقدس، وقتل عشرة آلاف من الملائكة.
____________
1- الأنعام: 90.
2- في "ج": مضى.
3- عنه البحار 14: 40 ح24.
الصفحة 158
وقال رفاعة بن أعين: قال لي الصادق (عليه السلام): ألا اُخبرك بأشد الناس عذاباً يوم القيامة؟ قلت: بلى يا مولاي، قال: أشد الناس عذاباً يوم القيامة من أعان على مؤمن بشطر كلمة، ثم قال: ألا اُخبرك بأشد من ذلك؟ فقلت: بلى يا سيدي، فقال: من أعاب على شيء من قوله أو فعله.
ثم قال: اُدن منّي أزدك أحرفاً اُخر، ما آمن بالله ولا برسوله ولا بولايتنا أهل البيت من أتاه المؤمن في حاجة لم يضحك في وجهه، فان كان عنده قضاها له، وان لم تكن عنده تكلّفها له حتّى يقضيها له، فان لم يكن كذلك فلا ولاية بيننا وبينه. ولو علم الناس ما للمؤمن عند الله لخضعت له الرقاب، وانّ الله تعالى اشتق للمؤمن اسماً من أسمائه، فالله تعالى هو المؤمن سبحانه وسمّى عبده مؤمناً تشريفاً له وتكريماً، وانّه يوم القيامة يؤمن على الله تعالى فيجيز ايمانه(1).
وقال الله تعالى: ليأذن بحرب منّي من آذى مؤمناً وأخافه.
وكان عيسى (عليه السلام) يقول: يا معشر الحواريين تحبّبوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقرّبوا إلى الله بالبعد عنهم، والتمسوا رضاه في غضبهم، وإذا جلستم فجالسوا من يزيد في عملكم منطقه، ويذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله(2).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأبي ذر: ألزم قلبك الفكر، ولسانك الذكر، وجسدك العبادة، وعينيك البكاء من خشية الله، ولا تهتم برزق غد، وألزم المساجد فإنّ عمّارها هم أهل الله، وخاصّته قرّآء كتابه والعاملون به.
وقال (عليه السلام): المروءة ست، ثلاث في السفر وثلاث في الحضر: فالذي في الحضر تلاوة القرآن، وعمارة المساجد، واتخاذ الإخوان في الله، واما الذي في
____________
1- البحار 75: 176 ح12 باختلاف.
2- مجموعة ورام 2: 235; عنه البحار 14: 230 ح65 باختصار.
الصفحة 159
السفر: بذل الزاد، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف(1).
وكان الحسن (عليه السلام) يقول: يا ابن آدم من مثلك وقد خلّى ربك بينه وبينك، متى شئت أن تدخل عليه توضّأت وقمت بين يديه، ولم يجعل بينك وبينه حجّاباً ولا بوّاباً، تشكو إليه همومك وفاقتك، وتطلب منه حوائجك، وتستعينه على اُمورك، وكان يقول: أهل المسجد زوّار الله، وحق على المزور التحفة لزائره.
وروي انّ المتنخّم في المسجد يجد بها خزياً في وجهه يوم القيامة.
وكان الناس في المساجد ثلاثة أصناف: صنف في الصلاة، وصنف في تلاوة القرآن، وصنف في تعليم العلوم، فأصبحوا صنف في البيع والشراء، وصنف في غيبة الناس، وصنف في الخصومات وأقوال الباطل.
وقال (عليه السلام): ليعلم الذي يتنخّم في القبلة انّه يُبعث وهي في وجهه.
وقال: يقول الله تعالى: المصلّى يناجيني، والمنفق يقرضني [في الغنى](2)، والصائم يتقرّب اليّ.
وقال: انّ الرجلين يكونان في صلاة واحدة وبينهما مثل ما بين السماءوالأرض من فضل الثواب.
____________
1- الخصال: 324 ح11 باب 6; عنه البحار 76: 311 ح2.
2- أثبتناه من "ج".
الصفحة 160
الباب العشرون
في قراءة القرآن المجيد
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ هذه القلوب لتصدئ كما يصدئ الحديد، وانّ جلاءها قراءة القرآن(1).
وقال ابن عباس: قارئ القرآن التابع له لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة.
وقال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس غافلون، وببكائه إذا الناس ضاحكون، وبورعه إذا الناس يطمعون، وبخشوعه إذا الناس يمزحون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وبصمته إذا الناس يخوضون.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): القرآن على خمسة أوجه، حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال، وما آمن بالقرآن من استحلّ محارمه، وشرّ الناس
____________
1- كنز العمال 1: 545 ح2441.
الصفحة 161
من يقرأ القرآن ولا يرعوي عن شيء به.
وقال جعفر بن محمد (عليهم السلام) في قوله تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته}(1) قال: يرتلون آياته، ويتفقّهون فيه، ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، ويتناهون عن نواهيه.
ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سوره، ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وانّما هو تدبّر آياته، والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته}(2).
واعلموا رحمكم الله انّ سبيل الله سبيل واحدة وجماعها الهدى، ومصير العامل بها الجنة والمخالف لها النار، وانّما الايمان ليس بالتمنّي ولكن ما ثبت بالقلب، وعملت به الجوارح، وصدقته الأعمال الصالحة، واليوم فقد ظهر الجفاء، وقلّ الوفاء، وتركت السنّة، وظهرت البدعة، وتواخا الناس على الفجور، وذهب منهم الحياء، وزالت المعرفة، وبقيت الجهالة، ما ترى إلاّ مترفاً صاحب دنيا، لها يرضى ولها يغضب وعليها يقاتل، ذهب الصالحون وبقيت تفالة كتفالة الشعير وحثالة التمر.
وقال الحسن (عليه السلام): ما بقي في الدنيا بقيّة غير هذا القرآن، فاتخذوه اماماً يدلّكم على هداكم، وانّ أحق الناس بالقرآن من عمل به وان لم يحفظه، وأبعدهم منه من لم يعمل به وان كان يقرأه.
وقال: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.
وقال: انّ هذا القرآن يجيىء يوم القيامة قائداً وسائقاً، يقود قوماً إلى الجنّة، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا بمتشابهه، ويسوق قوماً إلى النار، ضيّعوا
____________
1- البقرة: 121.
2- ص: 29.
الصفحة 162
حدوده وأحكامه واستحلّوا محارمه.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): رتلوا القرآن ولا تنثروه نثراً، ولا تهذوه هذّ الشعر(1)، قفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.
وخطب (صلى الله عليه وآله) وقال: لا خير في العيش إلاّ لعالم ناطق أو مستمع واع، أيّها الناس انّكم في زمن هدنة وانّ السير بكم سريع، وقد رأيتم الليل والنهار كيف يبليان كل جديد، ويقرّبان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود.
فقال له المقداد: يا نبي الله وما الهدنة؟ فقال: دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الاُمور كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فانّه شافع مشفع وشاهد مصدّق، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه قاده(2) إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، ظاهره حكم وباطنه علم، لا تحصى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به فاز، فإنّ المؤمن الذي يقرأ القرآن كالاترجة طعمها طيّب وريحها طيّب، وانّ الكافر كالحنظلة طعمها مرّ ورائحتها كريهة(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): ألا أدلّكم على أكسل الناس وأبخل الناس وأسرق الناس وأجفى الناس وأعجز الناس؟ فقالوا: بلى يا رسول الله.
فقال: أكسل الناس عبد صحيح فارغ لا يذكر الله بشفة ولا لسان، وأبخل الناس رجل اجتاز على مسلم فلم يسلّم عليه، واما أسرق الناس فرجل يسرق من صلاته، تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق فيضرب به وجهه(4)، وأجفى الناس رجل ذكرت بين يديه فلم يصلّ عليّ، وأعجز الناس من عجز عن الدعاء(5).
____________
1- تهدروه هدر الشعر، (خل).
2- في "ج": ساقه.
3- أورده المصنف في أعلام الدين: 333; عنه البحار 77: 177.
4- في "ب": وجه صاحبها.
5- راجع البحار 84: 257 ح55; عن عدة الداعي.
الصفحة 163
الباب الحادي والعشرون
يتضمّن خطبة بليغة على سورة
قال: أيّها الناس تدبّروا القرآن المجيد، فقد دلّكم على الأمر الرشيد، وسلّموا لله أمره فانّه فعّال لما يُريد، واحذروا يوم الوعيد، واعملوا بطاعته فهذا شأن العبيد، واحذروا غضبه فكم قصم من جبّار عنيد، {ق والقرآن المجيد}(1).
أين من بنى وشاد وطول، وتأمّر على الناس وساد في الأول، وظنّ جهالة منه وجرأة انّه لا يتحول، عاد الزمان عليه سالباً ما خُوّل، فسقوا إذ فسقوا كأساً على هلاكهم عوّل، {أفعيينا بالخلق الأوّل بل هم في لبس من خلق جديد}.
فيا من أنذره يومه وأمسه، وحادثه بالعبر قمره وشمسه، واستلب منه ولده وأخوه وعرسه وهو يسعى في الخطايا مستتراً(2) وقد دنا حبسه {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.
أما علمت انّك مسؤول عن الزمان، مشهود عليك يوم تنطق عليك
____________
1- الآيات الواردة في هذا الباب كلّها من سورة "ق".
2- في "ج": مشمّراً.
الصفحة 164
الأركان، محفوظ عليك ما عملت في زمان الامكان، {إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول الاّ لديه رقيب عتيد}.
وكأنّك بالموت وقد اختطفك اختطاف البرق، ولم تقدر على دفعه بملك الغرب والشرق، وندمت على تفريطك بعد اتساع الخرق، وتأسفت على ترك الاُولى والاُخرى أحق، {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد}.
ثم ترحلت من القصور إلى القبور، وبقيت وحيداً على ممرّ الدهور كالأسير المحصور، {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد}، فحينئذ أعاد الأجسام من صنعها، وألّف أشتاتها بقدرته، وجمعها وناداها بنفخة الصور فأسمعها، {وجآءت كل نفس معها سائق وشهيد}.
فهرب منك الأخ وتنسى أخاك، ويعرض عنك الصديق ويرفضك ولاءك(1)، ويتجافاك صاحبك ويجحد الآءك، وتلقى من الأهوال كلّما أعجزك وساءك، وتنسى أولادك وتنسى نساءك، {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}.
وتجري دموع الأسف وابلاً ورذاذاً، وتسقط الأكباد من الحسرات أفلاذاً، ولهب لهيب النار إلى الكفار فجعلهم جذاذاً، ولا يجد العاصي من النار لنفسه ملجأً ولا معاذاً، {وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد}.
يوم تقوم الزبانية إلى الكفار، ويبادر من يسوقهم سوقاً عنيفاً والدموع تتحادر، وتثب النار [إلى الكفار](2) كوثوب الليث إذا استاخر(3)، فيذلّ زفيرها كل من عزّ وفاخر، {الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد}.
____________
1- في "ج": يرفض ولاءك.
2- أثبتناه من "ج".
3- في "ج": شاخر.
الصفحة 165
ويقول الحق: قد أزلت المطل واللّي، وفصل هذا الأمر اليّ، وانتصار(1)المظلوم من ظالمه عليّ، لا تختصموا لديّ وقد قدمت لديكم بالوعيد، أما أنذرتكم فيما مضى من الأيّام؟ أما حذّرتكم بعواقب المعاصي والأثام؟! أما وعدتكم بهذا اليوم من سائر الأيام؟! {ما يبدل القول لديّ وما أنا بظلاّم للعبيد}.
فالعياذ بالله من هذا الأمر المهول الذي يحار فيه الغافل الجهول، وتذهل منه ذوي الألباب والعقول، قد أعد للكافر اللعين ابن ملجم وللكافر يزيد، {يوم نقول لجهنّم هل امتلأت وتقول هل من مزيد}.
فيا حسرة على العاصين حسرة لا يملك(2) تلافيها، ويا نصرة للمخلصين قد تكامل صافيها، ادخلوا الجنّة {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد}، انظروا عباد الله فرق ما بين الفريقين بحضور القلب، واغتنموا الصحّة قبل أن ينخلع القلب، فاللذات تفنى ويبقى العار والثلب، {انّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما أصاب أحد همٌّ أو غمٌّ فقال: "اللهم انّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، نفسي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضائك، أسألك بكل اسم هو لك سمّيت به نفسك، أو أنزلته في كتبك، أو علّمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تصلي على محمد وآل محمد، وأن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وشفاء صدري، وذهاب غمّي، وجلاء حزني يا أرحم الراحمين" إلاّ أذهب الله همّه وغمّه، ونفّس كربه وقضى حوائجه.
وكان (صلى الله عليه وآله) يدعو فيقول: "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما يبلغنا به جنّتك، ومن اليقين ما يهوّن علينا
____________
1- في "ب": انتصاف.
2- في "ب": يمكن.
الصفحة 166
مصائب الدنيا، ومتّعنا بأسماعنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا، اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان وفيما عندك الرغبة ولديك غاية الطلبة.
اللهم آمن روعتي، واستر عورتي، اللهم أصلح ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح آخرتنا التي إليها منقلبنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والوفاة راحة لنا من كل سوء.
اللهم انّا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل برٍّ، والسلامة من كل إثم، يا موضع كل شكوى، وشاهد كل نجوى، وكاشف كل بلوى، [فانّك](1) تَرى ولا تُرى، وأنت بالمنظر الأعلى، أسألك الجنّة وما يقرّب إليها من قول أو فعل، وأعوذ بك من النار وما يقرّب إليها من فعل أو قول.
اللهم انّي أسألك خير الخير رضوانك والجنّة، وأعوذ بك من شر الشر سخطك والنار، اللهم انّي أسألك خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، انّك أنت علاّم الغيوب".
وروي عن ذي النون المصري انّه قال: وجدت على صخرة في بيت المقدس مكتوب: "كل خائف هارب، وكل راج طالب، وكل عاص مستوحش، وكل طائع مستأنس، وكل قانع عزيز، وكل طالب ذليل"، فنظرت فإذا هذا الكلام أصل لكل شيء، وكان يقول: يقدّر المقدّرون والقضاء يضحك منهم.
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
الصفحة 167
الباب الثاني والعشرون
في الذكر والمحافظة عليه
قال الله تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}(1).
وقال سبحانه في بعض كتبه: أهل ذكري في ضيافتي، وأهل طاعتي في نعمتي، وأهل شكري في زيادتي، وأهل معصيتي لا اُؤيسهم من رحمتي، ان تابوا فأنا حبيبهم، وان مرضوا فأنا طبيبهم، اُداويهم بالمحن والمصائب لاُطهرهم من الذنوب والمعايب(2).
وقال علي بن الحسين (عليهم السلام): انّ بين الليل والنهار روضة يرتقي(3) في نورها الأبرار، ويتنعّم في حدائقها المتقون، فذابوا سهراً من الليل وصياماً من النهار، فعليكم بتلاوة القرآن في صدره، والتضرّع والاستغفار في آخره. وإذا ورد النهار فأحسنوا مصاحبته بفعل الخيرات وترك المنكرات، وترك ما يرديكم(4) من
____________
1- البقرة: 152.
2- راجع عدة الداعي: 252; عنه البحار 77: 42 ح10; وأورده في أعلام الدين: 279.
3- في "ج": يرتع.
4- في "الف": يؤذيكم.
الصفحة 168
محقّرات الذنوب، فانّها مشرفة بكم إلى قبائح العيوب، وكأنّ الموت قد دهمكم، والساعة قد غشيتكم، فإنّ الحادي قد حدا بكم مجدّاً لا يلوي دون غايتكم، فاحذروا ندامة التفريط حيث لا تنفع الندامة إذا زلّت الأقدام.
وقال (عليه السلام): [قال الله سبحانه:](1) إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني(2).
وقال (عليه السلام): المؤمن نطقه ذكر، وصمته فكر، ونظره اعتبار.
وقال (عليه السلام): انّ عدوّي يأتيني في الحاجة فاُبادر إلى قضائها خوفاً أن يسبقني أحد إليها وأن يستغني عنّي فتفوتني فضيلتها.
وسُئل عن الزاهد فقال: هو المبتلغ(3) بدون قوته، المستعد ليوم موته.
وقال: الدنيا سبات، والآخرة يقظة، ونحن بينهما أضغاث أحلام.
وقال: أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب، ومن طاعة الشيطان إذا حرد(4).
وخطب عمر بن عبد العزيز فقال: أيّها الناس انّكم لم تخلقوا عبثاً، ولم تتركوا سدى، وانّ لكم معاداً يجمعكم الله فيه ليوم الفصل والحكم بينكم، وقد خاب وخسر من أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء وجنّته التي عرضها السماوات والأرض بسوء عمله، وانّ الأمان غداً لمن باع قليلاً بكثير، وفانياً بباق، وشقاوة بسعادة.
ألا ترون انّكم أخلاف الماضين ويستخلفكم الله قوماً آخرون، يأخذون تراثكم، ويبوّء بكم أجداثكم، وفي كل يوم تجهزون غادياً ورائحاً قد قضى نحبه
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
2- الكافي 2: 276 ح30; عنه البحار 73: 343 ح27.
3- في "ج": المتبلّغ.
4- حرد: غضب. (القاموس)
الصفحة 169
ولقى ربه، فتجعلونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسلاب(1)، وسكن التراب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب، أصبح فقيراً إلى ما قدم، غنيّاً عمّا خلّف، ولا يزيد من حسنة ولا ينقص من سيّئة.
واعلموا انّ لكل سفر زاداً لابد منه، فتزوّدوا لسفركم التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من ثوابه وعقابه لترغبوا وترهبوا، ولا يغرّنّكم الأمل، ولا يطولنّ عليكم الأمد، فانّه والله ما بسط أمل من لا يدري إذا أصبح انّه يمسي، وإذا أمسى انّه يصبح، وبين ذلك خطفات المنايا، وخطرات الأمل من الشيطان الغرور.
يزيّن لكم المعصية لتركبوها، ويمنّيكم التوبة لتسوّفوها(2) حتّى تأتي المنيّة أغفل ما يكون عنها، فلا تركنوا إلى غروره فيصيدكم بشركه، واعلموا انّما يغتبط ويطمئنّ من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأمّا من لا يدري ربه ساخط عليه أم راض عنه كيف يطمئن، أعوذ بالله من أن آمركم أو أنهاكم بما اُخالفكم فيه فتخسر صفقتي، وتعظم عولتي(3) يوم لا ينجي منه إلاّ الحق والصدق، ولا يفوز إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّها الناس استقيموا إلى ربكم كما قال تعالى: {فاستقيموا إليه واستغفروه}(4) وقال سبحانه: {انّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}(5).
أيّها الناس لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، ولا تتخذوا أيمانكم دخلاً بينكم، واعلموا انّ من لم يكن مستقيماً في صفته لم يرتق من مقام إلى
____________
1- في "ج": الأسباب.
2- في "ج": لتنسوها.
3- في "ب" و"ج": لوعتي.
4- فصلت: 6.
5- فصلت: 30.
الصفحة 170
غيره، ولم يتبيّن سلوكه على صحة، ولا تخرجوا عن عز التقوى إلى ذل المعصية، ولا من اُنس الطاعة إلى وحشة الخطيئة، ولا تسرّوا لإخوانكم غشاً فانّه من أسرّ لأخيه غشاً أظهره الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه، فأورثه به الذلّ في الدنيا والخزي والعذاب والندامة في الآخرة فأصبح من الخاسرين أعمالاً.
وقال الصادق (عليه السلام): ثلاثة لا يضرّ معهم شيء: الدعاء عند الكربات، والإستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة(1).
وقال (عليه السلام): في حكمة آل داود: يا ابن آدم كيف تتكلّم بالهدى وأنت لا تفيق عن الردى، يا ابن آدم أصبح قلبك قاسياً، ولعظمة الله ناسياً، ولو كنت بالله عالماً وبعظمته عارفاً لم تزل منه خائفاً، ولموعده راجياً، فيا ويحك كيف لا تذكر لحدك، وانفرادك فيه وحدك(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد السيّئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: لا تعجل وانظره سبع ساعات [لعلّه يستغفر]، فإذا مضى سبع ساعات ولم يستغفر قال: اكتب فما أقلّ حياء هذا العبد(3).
وقال الصادق (عليه السلام): انّ النبي (صلى الله عليه وآله) صلّى على سعد بن معاذ وقال: لقد وافى من الملائكة للصلاة عليه تسعون ألف ملك وفيهم جبرئيل يصلّون عليه، فقلت: يا جبرئيل بما استحق صلاتكم عليه؟ قال: بقراءته (قل هو الله أحد) قائماً وقاعداً وراكباً وماشياً وذاهباً وجائياً(4).
____________
1- مشكاة الأنوار: 30; عنه البحار 71: 55 ح86.
2- أمالي الطوسي: 203 ح346; عنه البحار 14: 36 ح10.
3- أمالي الطوسي: 207 ح355; عنه البحار 71: 247 ح5.
4- أمالي الطوسي: 437 ح975; عنه البحار 22: 108 ح72; وأمالي الصدوق: 323 ح5 مجلس: 62; وفي مجموعة ورام 2: 169.
الصفحة 171
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا اُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة، فرأيت فيها قصراً من ياقوت أحمر، يرى باطنه من ظاهره لضيائه ونوره وفيه قبّتان من درٍّ وزبرجد، فقلت: يا جبرئيل لمن هذا القصر؟ قال: هو لمن أطاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وتهجّد بالليل والناس نيام.
قال علي (عليه السلام): وفي اُمّتك من يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: أتدري ما اطابة الكلام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من قال: "سبحان الله والحمد لله ولا اله إلاّ الله والله أكبر"، أتدري ما إدامة الصيام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من صام شهر الصبر شهر رمضان ولم يفطر يوماً.
أتدري ما إطعام الطعام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من طلب لعياله ما يكف به وجوههم عن الناس، أتدري ما التهجّد بالليل والناس نيام؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: من لم ينم حتّى يصلّي العشاء الآخرة، والناس من اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين نيام بينهما(1).
وقال (صلى الله عليه وآله): لمّا اُسري بي إلى السماء دخلت الجنّة، فرأيت فيها قيعاناً بقعاً(2) من مسك، ورأيت فيها ملائكة يبنون لبنة من ذهب ولبنة من فضّة وربما أمسكوا، فقلت لهم: ما بالكم ربما بنيتم وربما أمسكتم؟ فقالوا: حتّى تجيئنا النفقة، قلت: وما نفقتكم؟ قالوا: قول المؤمن "سبحان الله والحمد لله ولا اله إلاّ الله والله أكبر" فإذا قالهنّ بنينا، وإذا سكت وأمسك أمسكنا(3).
____________
1- أمالي الطوسي: 458 ح1024; عنه البحار 69: 388 ح58; معالم الزلفى: 281.
2- في أمالي الطوسي: يققاً، أي بيضاً.
3- أمالي الطوسي: 474 ح1035; عنه البحار 93: 169 ح7; معالم الزلفى: 281.
الصفحة 172
الباب الثالث والعشرون
في فضل صلاة الليل
قال الله تعالى: {كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون}(1).
وقال: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون}(2).
وقال سبحانه: {أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه}(3).
وقال: {والذين يبيتون لربهم سجّداً وقياماً}(4).
وقال: {ومن الليل فتهجّد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربّك مقاماً
____________
1- الذاريات: 17 و18.
2- السجدة: 16.
3- الزمر: 9.
4- الفرقان: 64.
الصفحة 173
محموداً}(1).
وقال سبحانه: {يا أيّها المزمّل * قم الليل إلاّ قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً}(2).
وما كان الله ليدعو نبيّه إلاّ لأمر جليل وفضل جزيل، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): إذا جمع الله الأولين والآخرين نادى مناد: ليقم الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فيقومون وهم قليل، فيحاسب الله الناس من بعدهم.
[(4) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: انّ في جنّة عدن شجرة تخرج منها خيل بلق مسرّجة بالياقوت والزبرجد، ذوات أجنحة لا تروث ولا تبول، يركبها أولياء الله، فتطير بهم في الجنّة حيث شاؤوا.
قال: فيناديهم أهل الجنّة: يا اخواننا ما أنصفتمونا، ثم يقولون: ربنا بماذا أنال عبادك منك هذه الكرامة الجليلة دوننا؟ فيناديهم ملك من بطان العرش: انّهم كانوا يقومون الليل وكنتم تنامون، وكانوا يصومون وكنتم تأكلون، وكانوا يتصدّقون بمالهم لوجه الله تعالى وأنتم تبخلون(5)، وكانوا يذكرون الله كثيراً لا يفترون، وكانوا يبكون من خشية ربهم وهم مشفقون(6).
____________
1- الاسراء: 79.
2- المزمل: 1-4.
3- الكافي 2: 148 ح1; عنه البحار 75: 109 ح14.
4- من هنا إلى ص 181 لم يكن في "الف" و"ب"، وأثبتناه من "ج" و"د".
5- في "د": تمسكون.
6- أمالي الصدوق:239 ح14 مجلس 48; عنه البحار 87: 139 ح7.
الصفحة 174
وكان ممّا ناجى به الباري تعالى داود (عليه السلام): يا داود عليك بالاستغفار في دلج الليل والأسحار، يا داود إذا جنّ عليك الليل فانظر إلى ارتفاع النجوم في السماء وسبّحني، وأكثر من ذكري حتّى أذكرك.
يا داود انّ المتقين لا ينامون ليلهم إلاّ بصلاتهم اليّ، ولا يقطعون نهارهم إلاّ بذكري، يا داود انّ العارفين بي كحلوا أعينهم بمرود السهر، وقاموا ليلهم يسهرون، يطلبون بذلك مرضاتي(1)، يا داود انّه من يصلّي بالليل والناس نيام يريد بذلك وجهي، فانّي آمر ملائكتي أن يستغفروا له وتشتاق إليه جنّتي، ويدعو له كل رطب ويابس.
يا داود إسمع ما أقول والحق أقول، انّي أرحم بعبدي المذنب من نفسه لنفسه، وأنا أحب عبدي ما لا يحبني، واستحي منه ما لا يستحي منّي.
وصيّة: واعلم يا أخي انّ الليل والنهار لا يفتران من سيرهما، وانّما يسيران بنقص عمر ابن آدم وهما ساعات ولحظات، فإذا لهوت مع سرعة سيرهما لحظة، واشتغلت عن الصلاة والذكر لحظة اُخرى، ذهبت ساعات النهار كلها في غفلة، ثم جاء الليل فان نمته كلّه كنت ممن لا خير فيه ليلاً ولا نهاراً، ومن كان هذا حاله فموته خير له من حياته، لانّه قد مات قلبه ولا خير في حياة جسد(2) قد مات قلبه.
ولله درّ القائل:
أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم * * * وكيف يلذّ النوم حيران هائم
فلو كنت يقظان الغداة لحرقك(3) * * * مدامع عينيك الدموع السواجم
نهارك يا مغرور لهو وغفلة * * * وليلك نوم والردى لك لازم
____________
1- في "د": قاموا بأرجلهم يطلبون....
2- في "د": حيّ.
3- في "د": لحرقت.
الصفحة 175
وسعيك مما سوف تكره عنده * * * وعيشك في الدنيا كعيش البهائم
تسر بما يفنى وتفرح بالمنى * * * كما سرّباللذات في النوم حالم
فلا أنت في اليقظان يقظان ذاكر * * * ولا أنت في النوم ناج وسالم
ثم قال: يا جيفة بالليل بطالة بالنهار، تعمل عمل الفجّار وأنت تطلب منازل الأبرار، هيهات هيهات كم تضرب في حديد بارد.
وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): ليس(1) من بني آدم إلاّ وفي غفلة ونقص، ألا ترى إذا نمى له مال بالزيادة فيسر بذلك، وهذا الليل والنهار يجريان بطي عمره فلا يهمّه ذلك ولا يحزنه، وما يغني عنه مال يزيد وعمر ينقص، [ودين يذهب](2).
وقد قيل لرجل: انّ فلاناً استفاد مالاً، فقال له: فهل استفاد أيّاماً يتفقّه(3)فيها؟.
وقيل: انّ لله ملكاً ينادي: يا أبناء الخمسين زرع قد دنا حصاده، ويا أبناء الستين ماذا قدمتم لأنفسكم من العمل الصالح، وماذا أخّرتم من أموالكم لمن لا يترحم عليكم، ويا أبناء السبعين عدوا أنفسكم من الموتى.
ليت الخلائق لم يخلقوا، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا، فاعرف يا أخي ذلك وبادر لعمل الخير ثم بادر قبل أن ينزل بك ما تحاذر، ولا يلهيك أحد من الناس عن صلاتك ودعائك وذكرك ربك، فيرفعان الملكان رقيب وعتيد دون ما كان يرفعان من عملك من قبل، والله لا يرضى منك بذلك بل يريد من عبده أن يزيد كل يوم في طاعته أكثر مما كانت.
____________
1- في "ج": قليل.
2- أثبتناه من "د".
3- في "د": ينفعه.
الصفحة 176
وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان غده شراً فهو ملعون، ومن لم يتفقّد النقصان في عمله(1) كان النقصان في عقله، ومن كان نقصان في عمله(2) وعقله فالموت خير له من حياته(3).
واعلم يا أخي انّ العقلاء العارفين بالله المجتهدين في تحصيل رضى الله، تراهم عامة ليلهم بذكر ربهم يتلذّذون، وفي عبادته يتقلّبون ما بين صلاة نافلة، وقرآءة سورة، وتسبيح واستغفار، ودعاء وتضرّع، وابتهال وبكاء من خشيته، لاينامون من ليلهم إلاّ ماغلبوا عليه وما أراحوا به أبدانهم، فهم الرجال الأخيار، ووصفك وصف اغترار(4)، جيفة بالليل بطّال بالنهار، تعتذر في ترك القيام بالليل بأعذار كاذبة.
تقول: أنا ضعيف القوى، أنا تاعب بكدر الدنيا، بي مرض وصداع، وتجمع بالبرد في الشتاء والحر في الصيف وهذه أعذار كاذبة، ولو انّ سلطاناً أعطاك ديناراً أو كسوة وأمرك أن تقف ببابه تحرسه بالليل لبادرت إلى ذلك، لا بل لو قال لك: خذ سلاحك واخرج قدّامي تحارب عدوي، لبذلت روحك العزيزة دونه وان قتلت.
وكم من انسان يأخذ درهماً اجرة له على حراسة زرع غيره، أو ثمرة غيره، ويسهر الليل كله في برد شديد وحرّ عظيم، ولو انّك أردت سفراً أو عملاً من أعمال الدنيا لسهرت عامة الليل في تعبية أشغالك(5)، وتحفظ تجارتك، ولم تعتذر بتلك الأعذار عن خدمة ربك.
وهذا يدل على كذبك، وضعف يقينك بما وعد الله العاملين(6) بالثواب والجنّة على الطاعة، فانّك قد أطعت في ذلك نفسك الأمّارة بالسوء، وأطعت ابليس وقد
____________
1- في "د": في جسده.
2- في "د": في جسده.
3- البحار 71: 173 ح5; عن أمالي الصدوق نحوه.
4- في "د": يوصفك بوصف الاختيار.
5- في "د": بقية أسفارك.
6- في "د": العالمين.
الصفحة 177
حذّرك الله من طاعته، فقال تعالى: {انّ الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً انّما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}(1).
وقال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً}(2)، فاحذر(3) نفسك يا أخي من طول الرقاد، واعبد ربك حتّى تبلغ منه المراد.
ولله درّ بعض الزهاد حيث قال:
حبيبي تجاف من المهاد * * * خوف من الموت والمعاد
من خاف من سكرة المناي * * * لم يدر ما لذّة الرقاد
قد بلغ الزرع منتهاه * * * لابد للزرع من حصاد
فاستيقظ يا أخي من رقدتك، فقد مضى من عمرك أكثره في غفلة ونوم، ولا تنس نصيبك من قيام الليل فيما بقي من عمرك لتكون خاتمتك خاتمة خير، فاغتنمها تغنم، ولا تغفل عنها فتندم، فقد سمّى الله تعالى يوم القيامة يوم الحسرة والندامة، وسمّاها في موضع آخر يوم التغابن.
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: ما من مخلوق يوم القيامة إلاّ ويندم ولكن لا تنفعه الندامة، فأما السعيد إذا رأى الجنّة وما أعد الله فيها لأوليائه المتقين يندم حيث لا عمل له مثل عملهم، ويريد من العبادة أكثر منهم لينال درجتهم العليا في الفردوس الأعلى، وان كان من الأشقياء إذا رأى النار وزفيرها وما أعد الله فيها من العذاب الأليم، صرخ وندم حيث لم يكن أقلع من ذنوبه ومعاصيه ليسلم ممّا هو فيه.
____________
1- الفاطر: 6.
2- البقرة: 268.
3- في "د": فازجر.
الصفحة 178
فهذه هي الطامة الكبرى، فاستدرك يا أخي ما فرّطت من أمرك، واسكب الدمع بكاءً على نفسك حيث لم تكن صالحاً للقيام بباب ربك فأنامك، ولو علم انّك صالح للقيام لأقامك بالبدار قبل نفاد(1) الأعمار، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة وعلى قدر ما تزرعه في الدنيا تحصده في الآخرة، وقد أمر الباري عزوجل عباده بالمسارعة إلى الطاعات والاستباق إليها، فقال تعالى: {وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنّة عرضها كعرض السماء والأرض اُعدّت للذين آمنوا بالله ورسله}(2).
ومن نام عن العبادات سائر ليله لم يمتثل ما أمره الله به من المسارعة إلى المغفرة، ودخول الجنّة العريضة التي أعدها للعاملين(3)، واعلم انّ من نام عامة ليله كان ذلك دليل على انّه عمل في نهاره ذنباً عظيماً فعاقبه الله، فطرده عن بابه ومرافقة العابدين الذين هم أحباؤه، ولو علم النائم عن صلاة الليل ما فاته من الثواب العظيم والأجر المقيم لطال بكائه عليه.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حسب الرجل من الخيبة أن يبيت ليله لا يصلّي فيها ركعتين، ولا يذكر الله فيها حتّى يصبح.
وقيل: يا رسول الله انّ فلاناً نام البارحة عن ورده حتّى أصبح، قال: ذلك الرجل بال الشيطان في اُذنه فلم يستيقظ.
وكان بعض العباد يصلّي عامة الليل فإذا كان السحر أنشد يقول:
ألا يا عين ويحك أسعديني * * * بطول الدمع في ظلم الليالي
لعلّك في القيامة أن تفوزي * * * بحور العين في قصر اللئالي
وقال بعض العابدين: رأيت في منامي كأنّي على شاطئ نهر يجري بالمسك الأذفر، وعلى حافته شجر من اللؤلؤ وقصب الذهب، وإذا بجوار مزينات لابسات
____________
1- في "د": انقضاء.
2- الحديد: 21.
3- في "د": أعدها الله للعابدين.
الصفحة 179
ثياب السندس، كأنّ وجوههنّ الأقمار، وهنّ يقلن: سبحان المسبح بكل لسان سبحانه، سبحان الموجود في كل مكان سبحانه، سبحان الدائم في كل الأزمان سبحانه، فقلت لهنّ: من أنتنّ؟ فقلن:
ذرأنا إله النّاس ربّ محمّد * * * لقوم على الأطراف بالليل قوم(1)
يناجون رب العالمين إلههم * * * وتسري حمول القوم والناس نوّم
فقلت: بخ بخ لهؤلاء القوم، من هم؟ فقلن: هؤلاء المتهجّدون بالليل بتلاوة القرآن، الذاكرون الله كثيراً في السر والإعلان، المنفقين والمستغفرين بالأسحار.
فعاتب يا أخي نفسك، ولا تقبل منها اعتذارها في ترك القيام، فتلك معاذير كاذبة، فقوّام الليل تحمّلوا السهر والقيام والقعود، وصبروا صبراً جميلاً، أعقبهم ذلك راحة طويلة في نعمة لا انقطاع لها.
وأنت يا مسكين لو صبرت صبرهم وعملت مثل عملهم فزت بما فازوا، ولكنّك آثرت لذّات الرقاد على تحصيل الزاد، ولم تجد الزاد ولم تَجُد بمالك على المساكين من العباد، فآثر الله عليك العباد الزهاد، فقرّبهم وأبعدك، وأدناهم من بابه وطردك.
واعلم انّك إذا لم تنشط(2) لأفعال الخير وعبادة الله، فاعلم انّك مكبّل مقيّد قد قيّدتك ذنوبك وخطاياك، فسابق يا أخي العابدين بسهر الليل لتسبقهم إلى جنّات العلى، فالليل أسبق جواد ركبه الصالحون إلى رفيع الدرجات من الجنّات، فتكون ممّن مدحهم الله في كتابه العزيز، فقال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً وممّا رزقناهم ينفقون}(3).
____________
1- في "د": ساجد.
2- في "د": تمشي.
3- السجدة: 16.
الصفحة 180
فانظروا إلى ما مدحه الله به المصلّين بالليل، المنفقين ممّا رزقهم الله على المستحقين، وإن خفت ألاّ تستيقظ للصلاة بعد النوم فخذ حظّك من الصلاة قبل النوم، وايّاك أن تغفل عن الاستغفار في وقت الأسحار، فذلك وقت لا تنام فيه الأطيار بل ترفع أصواتها بالتسبيح والأذكار، وعليك بتلاوة الأدعية والمناجاة فإنّ الدعاء مخ العبادة.
وان كنت ولابد من النوم(1) فاستيقظ منه ساعة للتوبة والبكاء والدعاء، فان غفلت ونمت الليل كله حتّى ساعة الدعاء فقد مات قلبك، ومن مات قلبه أبعده الله عن قربه.
قلت: وأقلّ حالات المؤمن أن يصلّي في ليله أربع ركعات من صلاة الليل، وأدنى من ذلك أن يقرأ مائة آية من كتاب الله العزيز، ثم يسبح الله تعالى ويدعو لنفسه ولوالديه وللمؤمنين، ثم يستغفر الله تعالى حتّى لا يكتب في ديوان الغافلين.
اعلم انّ الصلاة بين المغرب والعشاء لها فضل عظيم، وهي صلاة الأوّابين، وروي انّها تسمّى ساعة الغفلة، وهي ركعتين بين المغرب والعشاء، يُقرأفي الاُولى "الحمد" و"ذا النون إذ ذهب مغاضباً"، وفي الثانية "الحمد" و"وعنده مفاتح الغيب" وهي أفضل عند الله من صوم النهار.
واعلم يا أخي انّك إذا عملت الطاعات وواظبت على العبادات، من صيام أو صدقة أو بر أو صلة رحم، فاقصد به وجه الله تعالى خالصاً مخلصاً من الرياء المحبط للأفعال، واتبع فيه قول الله تعالى: {ولدار الآخرة خير}(2).
وقال (صلى الله عليه وآله): انّ الله تعالى يقول: لا يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنوافل مخلصاً لي حتّى احبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي
____________
1- في "د": فان كنت غافلاً بعض الليل للنوم.
2- يوسف: 109.
الصفحة 181
يبصر به، ويده التي يبطش بها، ان سألني أعطيته وان استعاذني أعذته(1)](2).
وقال (صلى الله عليه وآله): إذا قام العبد من مضجعه والنعاس في عينيه ليرضي ربه بصلاة الليل، باهى الله به ملائكته فيقول: أما ترون عبدي هذا قام من مضجعه، وترك لذيذ منامه إلى ما لم أفرضه عليه، اشهدوا انّي قد غفرت له(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل، وما نام الليل كله أحد إلاّ بال الشيطان في اُذنه(4)، وجآء يوم القيامة مفلساً، وما من أحد إلاّ وله ملك يوقظه من نومه كل ليلة مرتين، يقول: يا عبد الله اقعد لتذكر ربك، ففي الثالثة ان لم ينتبه يبول الشيطان في اُذنه.
روت عائشة قالت: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقوم من فراشه ويصلّيويقرأ القرآن ويبكي، ثم يجلس يقرأ ويدعو ويبكي حتّى إذا فرغ اضطجع وهو يقرأ ويبكي حتّى بلّت الدموع خديه ولحيته، قلت: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وماتأخّر؟ قال: بلى، أفلا أكون عبداً شكوراً.
وقال: الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه(5).
وقال: من خاف أن ينام عن صلاة الليل فليقرأ عند منامه: {قل انّما أنا بشر مثلكم يوحى اليّ انّماالهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً}(6).
ويقول: اللهم أنبهني لأحب الساعات إليك، فأدعوك فتجيبني، وأسألك
____________
1- البحار 87: 31 ح15; عن المحاسن.
2- إلى هنا تم مانقلناه من نسخة "ج" و"د".
3- روضة الواعظين: 320; عنه البحار 87: 156 ح40; معالم الزلفى: 45.
4- في "ج": اُذنيه.
5- معاني الأخبار: 228; عنه البحار 83: 133 ح102.
6- الكهف: 110.
الصفحة 182
فتعطيني، واستغفرك فتغفر لي. ويقول: اللهم ابعثني من مضجعي لذكرك(1) وشكرك وصلاتك واستغفارك، وتلاوة كتابك، وحسن عبادتك يا أرحم الراحمين(2).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ البيوت التي يُصلّى فيها بالليل ويُتلى فيها القرآن تضيء لأهل السماء كما يضيء الكوكب الدرّي لأهل الأرض(3).
واعلموا علماً يقيناً انّه ما تقرّب المؤمن بقربان أعظم عند الله سبحانه وأفضل من صلاة الليل، والتسبيح والتهليل بعدها ومناجات ربه العزيز الحميد، والاستغفار من ذنوبه، وأدعية صلاة الليل ببكاء وخشوع، ثم قرآءة القرآن إلى طلوع الفجر وايصال صلاة الليل بصلاة النهار، فانّي اُبشّره بالرزق الواسع بالدنيا من غير كدٍّ ولا تعب ولا نصب، وبعافية شاملة في جسده، واُبشّره إذا مات بالنعيم في قبره من الجنة، وضياء قبره بنور صلاته تلك إلى يوم محشره.
واُبشّره بانّ الله تعالى لا يحاسبه، وأن يأمر الملائكة تدخله الجنة في أعلى عليين في جوار محمد وأهل بيته الطاهرين، فيالها من فرصة ما أحسن عاقبتها إذا سلمت من الرياء والعجب.
وقال (صلى الله عليه وآله) في وصيّته لأمير المؤمنين (عليه السلام): وعليك بصلاة الليل ـ وكررّ ذلك ثلاثاًـ(4).
وقال: ألا ترون إلى المصلّين بالليل وهم أحسن الناس وجوهاً، لأنّهم خلوا بالليل لله سبحانه فكساهم من نوره(5).
وسُئل الباقر (عليه السلام) عن وقت صلاة الليل فقال: هو الوقت الذي جاء
____________
1- في "ب": أيقظني لذكرك.
2- عنه البحار 87: 173 ح2.
3- روضة الواعظين: 321.
4- البحار 87: 157 ح42; عن روضة الواعظين.
5- علل الشرائع: 365 ح1 باب87; عنه البحار 87: 159 ح 48.
الصفحة 183
عن جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: انّ لله تعالى منادياً ينادي في السحر: هل من داع فاُجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب فاُعطيه؟.
ثم قال: هو الوقت الذي وَعَدَ فيه يعقوب بنيه أن يستغفر لهم، وهو الذي مدح فيه المستغفرين فقال: {والمستغفرين بالأسحار}(1) انّ صلاة الليل في آخره أفضل من أوّله، وهو وقت الإجابة، والصلاة فيه هدية المؤمن إلى ربه، فأحسنوا هداياكم إلى ربكم يحسن الله جوائزكم، فانّه لا يواظب عليها إلاّ مؤمن صدّيق(2).
واعلم أيّدك الله انّ صلاة الليل من أول نصفه الأخير لمن يطول في قراءته ودعائه أفضل، وهي في آخره لمن يقتصر أفضل.
وقال الصادق (عليه السلام): لا تعطوا العين حظّها من النوم فانّها أقل شيء شكراً(3).
وروي انّ الرجل يكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل، فإذا حرم صلاة الليل حرم بذلك الرزق(4).
وقال (عليه السلام): كذب من زعم انّه يصلّي صلاة الليل ويجوع بالنهار(5).
وفيما أوحى الله إلى موسى بن عمران: لو رأيت الذين يصلّون لي في [ظلم](6)الدياجي وقد مثّلت نفسي بين أعينهم(7) وهم يخاطبوني وقد جليت عن المشاهدة، ويكلّموني وقد تعزّزت عن الحضور، ياابن عمران! هب لي من عينيك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ثم ادعني في ظلم الليالي تجدني قريباً
____________
1- آل عمران: 17.
2- عنه البحار 87: 222 ح32.
3- البحار 87: 156 ح39; عن عدة الداعي.
4- عنه معالم الزلفى: 45.
5- روضة الواعظين: 321; عنه البحار 87: 157 ح42; والمحاسن 1: 125 ح141.
6- أثبتناه من "ب".
7- في "ب": أيديهم.
الصفحة 184
مجيباً، ياابن عمران! كذب من يقول(1) انّه يحبني وإذا جنّه الليل نام عنّي(2).
وروي عن المفضل بن صالح قال: قال لي مولاي الصادق (عليه السلام): يا مفضل انّ لله تعالى عباداً عاملوه بخالص من سرّهم فقابلهم(3) بخالص من برّه، فهم الذين تمرّ صحفهم يوم القيامة فرغاً، فإذا وقفوا بين يديه ملأها لهم من سرّ ما أسرّوا إليه، فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟ فقال: أجلّهم أن تطّلع الحفظة على ما بينه وبينهم(4).
وفي هذا دلالة على انّ الإخفاء بها أفضل من الإجهار بها، وقول النبي (صلى الله عليه وآله): "خير العبادة أخفاها، وخير الذكر الخفي" وقوله (عليه السلام): "صلاة السر تزيد على الجهر بسبعين ضعفاً"، ومدح الله تعالى زكريا إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً، وقال سبحانه: {واذكر ربّك تضرّعاً وخيفة ودون الجهر من القول}(5)وهذا صريح في فضل إخفائها.
وسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوماً يرفعون أصواتهم بالدعاء، فقال: على رسلكم انّما تدعون سميعاً بصيراً حاضراً معكم(6).
وما ورد من استحباب الجهر في صلاة الليل فانّه يختصّ بالقراءة دون الدعاء، واعلم انّ كيفيّة رفع اليدين في الصلاة أن تكونا مبسوطتين تحاذي صدر الإنسان.
[وعن سعدبن يسار قال:](7) قال الصادق (عليه السلام): هكذا الرغبة ـ وأبرز
____________
1- في "ج": زعم.
2- البحار 13: 361 ح78; عن عدة الداعي.
3- في "ج": فعاملهم.
4- عنه البحار 70: 252 ح7; ومعالم الزلفى: 247.
5- الأعراف: 205.
6- البحار 93: 343 ح12 نحوه.
7- أثبتناه من "ب".
الصفحة 185
باطن كفّيه إلى السماء ـ وقال: هكذا الرهبة ـ وجعل ظهرهما إلى السماء ـ وقال: هكذا التضرّع ـ وحرّك اصبعيه السبابتين يميناً وشمالاًـ وقال: هكدا التبتل ـ ورفع اصبعيه ووضعهما ـ وقال: هكذا الابتهال ـ ومدّ يديه تلقاء وجهه إلى القبلة ـ وقال: من ابتهل منكم فمع الدمعة يجريها على خديه، وان لم يبك فليتباك، ومن لم يستطع أن يصلّي قائماً فليصلّي قاعداً(1).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من استغفر الله في السحر سبعين مرّة كان من الذين قال الله فيهم: {والمستغفرين بالأسحار}(2).
وقال: من قرأ في ليلة سبعين آية لم يكن من الغافلين.
وقال بعضهم: لئن أبيت نائماً وأصبح نادماً خير من أن أبيت قائماً واُصبح معجباً(3).
وقرّب رجل من بني اسرائيل قرباناً فلم يُقبل منه، فرجع وهو يلوم نفسه ويقول لها: يا نفس هذا منك ومن قبلك اُتيت، فنودي: انّ مقتك لنفسك خير من عبادة مائة ألف سنة(4).
وقال بعض الصالحين: نمت ذات ليلة عن وردي فسمعت هاتفاً يقول: أتنام عن حضرة الرحمن، وهو يقسم جوائز الرضوان بين الأحبة والخلاّن، فمن أراد منّا المزيد فلا ينام ليله الطويل، ولا يقنع من نفسه لها بالقليل(5).
ويستحب أن لا تكون يده تحت ثيابه، فقد ذكر بعض الصالحين انّه دعا وإحدى يديه بارزة والاُخرى تحت ثيابه، فرآى في نومه البارزة مملوءة نوراً
____________
1- الكافي 2: 480 ح3 باختلاف.
2- آل عمران: 17.
3- أورده المصنف في أعلام الدين: 264.
4- أورده المصنف في أعلام الدين: 264.
5- أورده المصنّف في أعلام الدين: 281.
الصفحة 186
والاُخرى ليس فيها شيء، فسأل في نومه عن سبب ذلك، فقيل له: لو أبرزتها لاُمليت(1) نوراً، فحلف أن لا يعود إلى ذلك أبداً.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لقارئ القرآن في الصلاة قائماً بكل حرف يقرأه مائة حسنة، وقاعداً خمسون حسنة(2)، ومتطهراً في غير صلاة خمسة وعشرون حسنة، وعلى غير طهارة عشر حسنات، اما أنا لا أقول المزيد له بالألف عشر، وباللام عشر، وبالميم عشر، وبالراء عشر(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال تعالى: من أحدث ولم يتوضّأ فقد جفاني، ومن توضّأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني، ومن صلّى ركعتين ولم يدعني فقد جفاني، ومن أحدث وتوضّأ ودعا ولم اُجبه فقد جفوته ولست برب جاف(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اتخذوا المساجد بيوتاً، وعوّدوا قلوبكم الرقة(5)، واكثروا من التفكر والبكاء من خشية الله تعالى، وكونوا في الدنيا أضيافاً، واكثروا من الذكر(6).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما فرغ امرء فرغة(7) إلاّ كانت عليه حسرة يوم القيامة(8).
وقال: ان امرء ضيّع من عمره ساعة في غير ما خلق له لجدير أن تطول عليه حسرته يوم القيامة(9).
____________
1- في "ب" و"ج": لامتلأت.
2- في "ب": خمسة وخمسون حسنة.
3- الوسائل 4: 848 ح3; عن عدة الداعي.
4- عنه البحار 80: 308 ح18.
5- في "ج": الرأفة.
6- البحار 73: 81 ح43; عن كنز الكراجكي.
7- في "ج": ما فزع امرء فزعة.
8- عنه معالم الزلفى: 245.
9- عنه معالم الزلفى: 245.
الصفحة 187
وقال (صلى الله عليه وآله): نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ(1).
وأبلغ من هذا الكلام وأفصح قول الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون}(2) وان كان مندوباً إليه فانّه في جنب الذكر خسارة، لأنّ الربح القليل في جنب الكثير خسارة.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ليكن لسان أحدكم رطباً من ذكر ربه.
وقال الله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}(3).
وقال سبحانه: {فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلاّ الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم}(4). وقد أمرنا بالذكر في كتابه.
____________
1- مجموعة ورام 1: 279.
2- المنافقون: 9.
3- الكهف: 28.
4- النجم: 29-30.
الصفحة 188
الباب الرابع والعشرون
في البكاء من خشية الله
عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أوحى الله إلى عيسى (عليه السلام): يا عيسى هب لي من عينيك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، واكحل عينيك بميل الحزن إذا ضحك البطّالون، وقم على قبور الأموات فنادهم برفيع صوتك لعلّك تأخذ موعظتك منهم، وقل انّي لاحق في اللاحقين(1).
وقال علي (عليه السلام): البكاؤون خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف، وفاطمة، [وعلي بن الحسين](2)، فاما آدم فانّه بكى على الجنّة حتّى صار في خدّيه أمثال الأودية، وبكى يعقوب على يوسف حتّى ذهب بصره، وبكى يوسف على يعقوب حتّى تأذّى به أهل السجن فقالوا: امّا تبكي بالليل وتسكت بالنهار، أو تسكت بالليل وتبكي بالنهار.
وبكت فاطمة (عليه السلام) على فراق رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى
____________
1- أمالي الطوسي: 12 ح 15 مجلس1; عنه البحار 14: 320 ح 24.
2- في "ألف"و "ب": يحيى بن زكريا، وأثبتنا ما بين المعقوفتين من "ج" والخصال.
الصفحة 189
تأذّى أهل المدينة، فكانت تخرج إلى البقيع فتبكي فيه، وبكى علي بن الحسين (عليه السلام) عشرين سنة، وما رأوه آكلاً ولا شارباً إلاّ وهو يبكي، فلاموه في ذلك فقال: انّي لم أذكر مصارع أبي وأهل بيتي إلاّ وخنقتني العبرة(1).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): انّ لله عباداً كسرت قلوبهم من خشية الله فأسكتهم عن النطق، وانّهم لفصحاء ألبّاء نبلاء، يستبقون إليه بالأعمال الصالحة الزكيّة، لا يستكثرون له الكثير، ولا يرضون له القليل، يرون في أنفسهم انّهم أشرار وانّهم لأكياس أبرار(2).
وأوحى الله إلى موسى (عليه السلام): يا موسى ما تزيّن اليّ المتزيّنون بمثل الزهد في الدنيا، وما تقرّب اليّ المتقرّبون بمثل الورع من خشيتي، وما تعبّد اليّ المتعبّدون بمثل البكاء من خيفتي.
فقال موسى: يا رب بما تجزيهم على ذلك؟ فقال: اما المتزيّنون بالزهد فانّي اُبيحهم جنّتي، واما المتقرّبون بالورع عن محارمي فانّي أنحلهم(3) جناناً لا يشركهم فيها غيرهم، واما البكّاؤون من خيفتي فانّي افتّش الناس ولا افتّشهم حياءً منهم(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي عليك بالبكاء من خشية الله، يُبنى لك بكل قطرة ألف بيت في الجنة(5).
وقال (عليه السلام): لو انّ باكياً بكى في امّة لرحم الله تلك الاُمة لبكائه(6).
وقال (عليه السلام): إذا احب الله عبداً نصب في قلبه نائحة من الحزن، فإنّ الله
____________
1- الخصال: 272 ح15; عنه البحار 82: 86 ح 33; وروضة الواعظين: 450.
2- البحار 69: 286 ح 21.
3- في "ب" و"ج": اُدخلهم.
4- البحار 13: 349 ح 37; عن ثواب الأعمال باختلاف.
5- عدة الداعي: 171; عنه البحار 93: 334 ح 25.
6- البحار 93: 331 ح 14; عن ثواب الأعمال.
الصفحة 190
تعالى يحب كل قلب حزين، وإذا أبغض الله عبداً نصب له في قلبه مزماراً من الضحك، وما يدخل النار من بكى من خشية الله حتّى يعود اللبن إلى الضرع، ولن يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مؤمن أبداً(1).
وقال (عليه السلام): البكاء من خشية الله يطفئ بحاراً من غضب الله.
وقد وبّخ الله تعالى على ترك البكاء عند استماع القرآن عند قوله: {أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون}(2). ومدح الذين يبكون عند استماعه بقوله: {وإذا سمعوا ما انزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنّا فاكتبنا مع الشاهدين}(3).
وقال (عليه السلام): لكل شيء كيل أو وزن إلاّ البكاء فإنّ الدمعة تطفئ بحاراً من النار(4).
وروي انّ بعض الأنبياء اجتاز بحجر ينبع منه ماء كثير، فعجب من ذلك، فسأل الله انطاقه، فقال له: لِمَ يخرج منك الماء الكثير مع صغرك؟ فقال: بكائي من حيث سمعت الله يقول: {ناراً وقودها الناس والحجارة}(5) وأخاف أن أكون من تلك الحجارة. فسأل الله تعالى أن لا يكون من تلك الحجارة، فأجابه الله وبشّره النبي بذلك، ثم تركه ومضى ثم عاد إليه بعد وقت فرآه ينبع كما كان، فقال: ألم يؤمنك الله؟ فقال: بلى، فذلك بكاء الحزن وهذا بكاء السرور(6).
وروي انّ يحيى بن زكريا (عليه السلام) بكى حتّى أثّرت الدموع في خديه،
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 11: 245 ح 12885.
2- المائدة: 83.
3- المائدة: 83.
4- البحار 93: 331 ح 14; عن ثواب الأعمال.
5- التحريم: 6.
6- عنه مستدرك الوسائل 11: 246 ح 12886.
الصفحة 191
وعملت له امه لباداً على خدّيه تجري عليه الدموع(1).
وقال الحسين (عليه السلام): ما دخلت على أبي قط إلاّ وجدته باكياً(2).
وقال: انّ النبي (صلى الله عليه وآله) بكى حين وصل أبي في قراءته (عليه السلام): {فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}(3).
فانظروا إلى الشاهد كيف يبكي والمشهود عليهم يضحكون، والله لولا الجهل ما ضحكت سنّ، فكيف يضحك من يصبح ويمسي ولا يملك نفسه، ولا يدري ما يحدث عليه من سلب نعمة أو نزول نقمة أو مفاجأة منيّة، وأمامه يوم يجعل الولدان شيباً، تشيب الصغار وتسكر الكبار، وتوضع ذوات الأحمال، ومقداره في عظم هوله خمسون ألف سنة، فانّا لله وانّا إليه راجعون.
اللهم أعنّا على هوله، وارحمنا فيه، وتغمّدنا برحمتك التي وسعت كل شيء، ولا تؤيسنا من روحك(4)، ولا تحل علينا غضبك، واحشرنا في زمرة نبيك محمد وأهل بيته الطاهرين صلواتك عليه وعليهم أجمعين.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما من مؤمن يخرج من عينيه مثل رأس الذبابة من الدموع فيصيب حرّ وجهه إلاّ حرّمه الله على النار(5).
وقال (صلى الله عليه وآله): لا ترى النار عين بكت من خشية الله، ولا عين سهرت في طاعة الله، ولا عين غُضّت عن محارم الله(6).
وقال (صلى الله عليه وآله): ما من قطرة أحب إلى الله من قطرة دمع خرجت من خشية الله، ومن قطرة دم سفكت في سبيل الله، وما من عبد بكى من خشية الله
____________
1- البحار 93: 333 ح 24 نحوه.
2- عنه مستدرك الوسائل 11: 245 ح 12885.
3- النساء: 41.
4- في "ب": رحمتك.
5- عنه مستدرك الوسائل 11: 246 ح 12887.
6- عنه مستدرك الوسائل 11: 246 ح 12888.
الصفحة 192
إلاّ سقاه الله من رحيق رحمته، وأبدله الله ضحكاً وسروراً في جنّته، ورحم الله من حوله ولو كانوا عشرين ألفاً. وما اغرورقت عين من خشية الله إلاّ حرم الله جسدها على النار، وان أصابت وجهه لم يرهقه قتر ولا ذلّة، ولو بكى عبد في امة لنجّى الله تلك الاُمة ببكائه(1).
وقال (صلى الله عليه وآله): من بكى من ذنب غفر له(2)، ومن بكى خوف النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقاً إلى الجنة أسكنه الله فيها، وكتب له الأمان من الفزع الأكبر، ومن بكى من خشية الله حشره الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً(3).
وقال (عليه السلام): البكاء من خشية الله مفتاح الرحمة، وعلامة القبول، وباب الاجابة(4).
وقال (عليه السلام): إذا بكى العبد من خشية الله تتحات عنه الذنوب كمايتحاتّ الورق، فيبقى كيوم ولدته امه(5).
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 11: 246 ح 12889.
2- في "ب": غفر الله له.
3- عنه مستدرك الوسائل 11: 247 ح 12890.
4- عنه مستدرك الوسائل 5: 207 ح 5707 و12891.
5- عنه مستدرك الوسائل 11: 247 ح 12892.
الصفحة 193
الباب الخامس والعشرون
في الجهاد في سبيل الله
قال الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا}(1).
وقال سبحانه: {لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم واولئك لهم الخيرات واولئك هم المفلحون}(2).
وقال سبحانه: {انّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بانّ لهم الجنّة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقّاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}(3).
وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: للجنة باب يقال له باب المجاهدين، يدخلون منه والملائكة تترحّب بهم، وأهل الجمع ينظرون إليهم بما
____________
1- العنكبوت: 69.
2- التوبة: 88.
3- التوبة: 111.
الصفحة 194
أكرمهم الله، وأعظم الجهاد جهاد النفس لأنّها أمّارة بالسوء، راغبة بالشر، ميّالة إلى الشهوات، متثاقلة بالخيرات، كثيرة الأمال، ناسية الأهوال، محبّة للرئاسة، وطالبة للراحة.
قال الله تعالى: {انّ النفس لأمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي}(1).
وقال (عليه السلام): من أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر، ومن أراد صلاح حاله ومجاهدة(2) نفسه فليجعل دأبه مجاهدة النفس عند كل حال، لا يخالف فيه كتاب الله وسنة نبيه وسنن الأئمة من أهل بيته وآدابهم.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): المؤمن لا يصبح ولا يمسي إلاّ ونفسه عنده ظنون، يعني يتهمها ويزري عليها(3).
قيل: انّ رجلاً في زمان بني اسرائيل نام عن صلاة الليل، فلمّا انتبه لام نفسه، فقال: هذا منك وبطريقك وتفريطك حرمت عبادة ربي، فأوحى الله إلى موسى (عليه السلام): قل لعبدي هذا: اننّي قد جعلت لك ثواب مائة سنة بلومك لنفسك.
وينبغي للعاقل مجاهدة نفسه على القيام بحقوق الله وسلوك طريق السلامة، فإنّ الله تعالى قال: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا}(4) ومن أراد السلامة من الشيطان فليجاهد نفسه ويحاسبها محاسبة الشريك لشريكه، ولقد أحسن أبوذر في قوله: ما وهب الله لامرء(5) هبة أحسن من أن يلزمه زاجراً من نفسه يأمره وينهاه.
ومن مجاهدة النفس انّ الإنسان لا يأكل الا عند الحاجة، ولا ينام الا عند غلبة النوم، ولا يتكلّم الا عند الضرورة، وبالجملة يقمعها عن الهوى، كما قال
____________
1- يوسف: 53.
2- في "ج": سلامة.
3- البحار 73: 85 ح 48; عن عدة الداعي.
4- العنكبوت: 69.
5- في "ج": لعبد.
الصفحة 195
تعالى: {واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنة هي المأوى}(1)واعلموا انّ المجاهدة تعقب الراحة.
____________
1- النازعات: 40-41.
الصفحة 196
الباب السادس والعشرون
في مدح الخمول والاعتزال
اعلم انّ جماع الخير كله واحرازه في الوحشة من الناس والعزلة عنهم، فإنّ بالعزلة يتحصل(1) الاخلاص، وينسد عنه باب الغيبة والنميمة ولغو القول، وسلامة النظر والسمع لمن لا يجوز، والوحشة من الناس علامة الاُنس بالله، والعزلة من امارات الوصلة.
وروى سفيان الثوري قال: قصدت جعفر بن محمد (عليهم السلام) فأذن لي بالدخول، فوجدته في سرداب ينزل اثنى عشر مرقاة، فقلت: يا ابن رسول الله أنت في هذا المكان مع حاجة الناس إليك، فقال: يا سفيان فسد الزمان، وتنكر الاخوان، وتقلبت الأعيان، فاتخذنا الوحدة سكناً، أمعك شيء تكتب؟ قلت: نعم، فقال: اكتب:
لا تجزعنّ لوحدة وتفرّد * * * ومن التفرّد في زمانك فازدد
فسد الإخاء فليس ثَمّ اخوّة * * * الا التملّق باللسان وباليد
____________
1- في "ب" و"ج": يحصل.
الصفحة 197
وإذا نظرت جميع ما بقلوبهم * * * أبصرت ثَمّ نقيع سم الأسود
[فإذا فتشت ضميره عن قلبه * * * وافيت عنه مرارة لا تنفد(1)](2)
والعزلة في الحقيقة اعتزال الاُمور الذميمة، والذي حصل علوم معارفه وعمله ثم اعتزل بني أمره على أساس ثابت، وينبغي لصاحب العزلة الاشتغال بذكر ربه، والفكر في صنائعه، وإلاّ أوقعته خلوته في بليّة وفتنة، ويكون أيضاً عنده قوّة في العلم تدفع عنه هواجس الشيطان ووساوسه، ولا شك انّ خير الدنيا والآخرة في العزلة والتقليل عن علق الدنيا، وشرّها في الكثرة والاختلاط بالناس، والخمول رأس كل خير.
وقال بعضهم: رأيت بعض الأئمة (عليهم السلام) في النوم يقول: الخمول نعمةوكل يأباه، والترفّع نقمة وكل يترجّاه، والغنى فتنة وكل يتمنّاه، والفقر عصمة وكل يتجافاه، والمرض حطّة للذنوب وكل يتوقّاه، والمرء لنفسه ما لم يُعرف فإذا عُرف صار لغيره.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: تبدل ولا تشهر، ووار شخصك ولا تذكر، وتعلّم واعمل، واسكت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار، ولا عليك إذا علمت معالم دينك أن لا تعرف الناس ولا يعرفوك(3).
ومن ألزم قلبه الفكر، ولسانه الذكر، ملأ الله قلبه ايماناً ورحمة ونوراً وحكمة، انّ الفكر والاعتبار يخرجان من قلب المؤمن عجائب المنطق في الحكمة، وتسمع له أقوال يرضاها العلماء، وتخشع لها العقلاء، وتعجب منها الحكماء.
وروي انّ رجلاً سأل ام اُويس: من أين لابنك هذه الحال العظيمة التي قد
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج"، وجاء المصرع الثاني في "ب": وافيت منه نقيع سم الأسود.
2- عنه مستدرك الوسائل 11: 390 ح 13344.
3- عنه مستدرك الوسائل 11: 391 ح 13345; ونحوه في البحار 2: 37 ح51.
الصفحة 198
مدحه النبي (صلى الله عليه وآله) بها مدحاً لم يمدح به أحداً من أصحابه هذا فلم يره(1)؟ فقالت: انّه من حيث بلغ اعتزلنا وكان يأخذ في الفكر والاعتبار.
وروي انّ الله أوحى إلى موسى (عليه السلام): من أحب حبيباً آنس به، ومن آنس بحبيب صدّق قوله ورضي فعله، ومن وثق بحبيب اعتمد عليه، ومن اشتاق إلى حبيب جدّ في السير إليه، يا موسى ذكري للذاكرين، وزيارتي للمشتاقين، وجنّتي للمطيعين، وأنا خاصّة المحبين(2)(3).
وروى كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى بعض الأنبياء: إن أردت لقائي غداً في حظيرة القدس فكن في الدنيا غريباً محزوناً مستوحشاً كالطير الوحداني الذي يطير في الأرض المقفرة، ويأكل من الأشجار المثمرة، فإذا كان الليل آوى إلى وكره، ولم يكن مع الطير استيحاشاً من الناس واستيناساً بربه(4).
ومن اعتصم بالخلوة وآنس بها فقد اعتصم بالله، ومكابدة العزلة والصبر عليهاأيسر من سوء عاقبة مخالطة الناس، والوحدة طريقة الصدّيقين، وعلامة الافلاس القرب من الناس، ومخالطة الناس فتنة في الدين عظيمة، لأنّ من خالط الناس داراهم، ومن داراهم راياهم وداهنهم وراقبهم.
ولا يصح مولاة الله ومراقبة الناس ومراياهم، ومن أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس، فإنّ هذا زمان وحشة، والعاقل الناصح لنفسه من اختار الوحدة وآنس بها، ولست أرى عارفاً يستوحش مع الله، وألزموا الوحدة، واستتروا بالجدّ(5)، وامحوا أسماءكم من قلوب الناس تسلمون من
____________
1- في "ج": ولم يره النبي (صلى الله عليه وآله).
2- في "ج": للمحبين.
3- عنه البحار 14: 40 ح 23، وفيه: أوحى الله إلى داود (عليه السلام).
4- راجع البحار 70: 108 ح 1; عن أمالي الصدوق نحوه; وأورده في أعلام الدين: 279.
5- في "ب" و"ج": بالجدار.
الصفحة 199
غوائلهم.
ولمّا ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الزمان وفتنته قال: ذلك زمان لا يسلم فيه إلاّ كل مؤمن نؤمة، إذا شهد لم يُعرف، وإذا غاب لم يُفتقد، اولئك مصابيح الهدى، وأعلام السرى، ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر، اولئك يفتح الله عليهم أبواب رحمته، ويسدّ عنهم أبواب نقمته(1).
تفسير(2): المساييح يعني يسيحون في الأرض بالفساد، والمذاييع: النميمة والكذب، والبذر: يبذرون الكذب والنميمة كبذر الزرع من كثرته.
وإذا أراد الله أن ينقل العبد من ذلّ المعصية إلى عزّ الطاعة، ومن فتنة الناس إلى السلامة منهم، آنسه بالوحدة، وحبب إليه الخلوة، وأغناه بالقناعة، وبصّره عيوب نفسه، وحجبه عن عيوب الناس، ومن اعطي ذلك فقد اعطي خير الدنيا والآخرة.
____________
1- نهج البلاغة: الخطبة 103; عنه البحار 69: 273 ح 5.
2- في "ج": وقال.
الصفحة 200
الباب السابع والعشرون
في الورع والترغيب فيه
قال الصادق (عليه السلام): عليكم بالورع والإجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة لمن ائتمنكم، فلو انّ قاتل الحسين (عليه السلام) ائتمنني على السيف الذي قتله به لائتمنته(1) إليه.
وقال (عليه السلام): انّ أحق الناس بالورع آل محمد وشيعتهم لكي يقتدي الناس بهم، فانّهم القدوة لمن اقتدى، فاتقوا الله وأطيعوه فانّه لا ينال ما عند الله إلاّ بالتقوى والورع والإجتهاد، فإنّ الله تعالى يقول: {انّ أكرمكم عند الله أتقاكم}(2).
وقال: أما والله انّكم على دين الله ودين ملائكته، فأعينونا على ذلك بالورع والإجتهاد وكثرة العبادة، وعليكم بالورع(3).
وروي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كنت مع أبي حتّى انتهينا إلى القبر
____________
1- في "ج": لأتيته.
2- الحجرات: 13.
3- الكافي 2: 187 ح5; عنه البحار 74: 260 ح59.
الصفحة 201
والمنبر فإذا اُناس من أصحابه، فوقف (عليه السلام) وقال: والله انّي لاُحبكم واحب ريحكم وأرواحكم، فأعينونا على ذلك بورع واجتهاد فانّكم لن تنالوا ولايتنا إلاّ بالورع والاجتهاد، ومن ائتم بامام فليعمل بعمله.
ثم قال: أنتم شرطة الله، وأنتم شيعة الله، وأنتم السابقون الأوّلون، والسابقون في الآخرة إلى الجنّة، ضمنّا لكم الجنّة بضمان الله عزوجل وضمان رسوله، أنتم الطيبون ونساؤكم الطيبات، كل مؤمن صدّيق وكل مؤمنة حوراء.
وكم من مرّة قد قال علي (عليه السلام) لقنبر: بشّر وأبشر واستبشر، فوالله لقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانّه لساخط على جميع امّته إلاّ الشيعة، انّ لكل شيء عروة وانّ عروة الدين الشيعة، ألا وانّ لكل شيء شرفاً وشرف الدين الشيعة، ألا وانّ لكل شيء اماماً وامام الأرض أرض تسكنها الشيعة، والله لولا ما في الأرض منكم لمادت الأرض بأهلها، وكل مخالف في الأرض وان تعبّد واجتهد فمنسوب إلى هذه الآية:{خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية * تسقى من عين آنية}(1).
والله ما دعا مخالف دعوة خير إلاّ كانت اجابة دعوته لكم، ولا دعا احد منكم دعوة خير إلاّ كانت له من الله مائة، ولا [احد منكم](2) سأله مسألة إلاّ كانت له من الله مائة، ولا عمل أحد منكم حسنة إلاّ لم يحص تضاعفها(3).
والله انّ صائمكم ليرتع في رياض الجنّة، والله انّ حاجّكم ومعتمركم لمن خاصّة الله، وأنتم جميعاً لأهل دعوة الله وأهل إجابته، ولا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، كلّكم في الجنّة فتنافسوا في الدرجات، فوالله ما أقرب إلى عرش الله من
____________
1- الغاشية: 2 - 5.
2- أثبتناه من "ج".
3- في "ج": إلاّ له احسن منها.
الصفحة 202
شيعتنا، حبّذا شيعتنا ما أحسن صنيع الله إليهم.
والله لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): تخرج شيعتنا من قبورهم مشرقة وجوههم، قريرة أعينهم، قد اُعطوا الأمان، تخاف الناس ولا يخافون، وتحزن الناس ولا يحزنون، والله ما سعى أحدكم إلى الصلاة إلاّ وقد اكتنفته الملائكة من خلفه يدعون الله له بالفوز حتّى يفرغ من صلاته، ألا انّ لكل شيء جوهراً وجوهر ولد آدم محمد(صلى الله عليه وآله)، ونحن وأنتم(1).
وأوحى الله إلى موسى (عليه السلام): ما تقرّب اليّ المتقرّبون بمثل الورع عن محارمي(2).
____________
1- مجموعة ورام 2: 90; امالي الطوسي: 722 ح6 مجلس 43; عنه البحار 68: 146 ح 95.
2- الكافي 2: 80 ح3; عنه البحار 71: 204 ح8.
الصفحة 203
الباب الثامن والعشرون
في الصمت
قال الرضا (عليه السلام): من علامات الفقه الحلم والحياء والصمت، انّ الصمت باب من أبواب الحكمة، وانّه ليكسب المحبّة ويوجب السلامة، وراحة لكرام الكاتبين، وانّه لدليل على كل خير(1).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يزال الرجل المسلم سالماً ما دام ساكتاً، فإذا تكلّم كتب محسناً او مسيئاً(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل: ألا أدلّك على أمر يدخلك الله به الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أنل ممّا أنالك الله، قال: فان لم يكن لي، قال: فانصر المظلوم، قال: فان لم أقدر، قال: قل خيراً تغنم، واسكت(3) تسلم(4).
وقال رجل للرضا (عليه السلام): أوصني، فقال: احفظ لسانك تعز، ولا تمكن
____________
1- قرب الاسناد: 369 ح 1321; عنه البحار 71: 276 ح8; ونحوه في تحف العقول: 332.
2- الاعتقادات للصدوق: 46، باب الاعتقاد فيما يكتب على العبد; عنه البحار 5: 327 ح22.
3- في "ج": أو اسكت.
4- الكافي 2: 113 ح 5; عنه البحار 71: 296 ح 69 باختلاف.
الصفحة 204
الشيطان من قيادك فتذلّ(1).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لابنه محمد بن الحنفية: واعلم يا بني انّ اللسان كلب عقور إن أرسلته عقرك، وربّ كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة، فاخزن لسانك كما تخزن ذهبك وورقك(2)، ومن سيّب عذار لسانه ساقه إلى كل كريهة.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هل يكبّ الناس على مناخرهم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم، ومن أراد السلامة في الدنيا والآخرة قيّد لسانه بلجام الشرع فلا يطلقه الا فيما ينفعه(3) في الدنيا والآخرة.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من صمت نجا(4).
وقال عقبة بن عامر: قلت: يا رسول الله فيما النجاة؟ قال: أملك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك(5).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من وقى شر قبقبه ولقلقه وذبذبه فقد وقى الشر كله، والقبقب البطن، واللقلق اللسان، والذبذب الفرج(6).
وقال: لا يستقيم ايمان عبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه، لأنّ لسان المؤمن ورآء قلبه إذا أراد أن يتكلّم يتدبّر(7) الكلام، فان كان خيراً أبداه وان كان شراً واراه، والمنافق قلبه ورآء لسانه، يتكلّم بما أتى على لسانه ولا يبالي ما عليه مما له، وانّ أكثر خطايا ابن آدم من لسانه(8).
____________
1- الكافي 2: 113 ح 4; عنه البحار 71: 296 ح 68، وفيه: لا تمكن الناس.
2- إلى هنا في البحار71: 287 ح 43; عن الاختصاص.
3- في "ب": يعينه وينفعه.
4- مجموعة ورام 1: 104; روضة الواعظين: 469.
5- مجموعة ورام 1: 104.
6- مجموعة ورام 1: 105.
7- في "ب": تدبر.
8- نهج البلاغة: الخطبة 176; عنه البحار 71: 292 ح62 باختلاف قليل.
الصفحة 205
وقال (عليه السلام): من كف لسانه ستر الله عوراته(1)، ومن ملك غضبه وقاه الله عذابه، ومن اعتذر إلى الله قبل عذره.
وقال أعرابي: يا رسول الله دلّني على عمل أنجو به، فقال: أطعم الجائع، وارو العطشان، وامر بالمعروف وانه عن المنكر، فان لم تطق فكف لسانك فانّك بذلك تغلب الشيطان(2).
وقال: انّ الله عند لسان كل قائل، فليتق الله امرء وليعلم ما يقول(3).
وقال: إذا رأيتم المؤمن صموتاً وقوراً فادنوا منه فانّه يلقي الحكمة(4).
وقال عيسى بن مريم (عليه السلام): العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في الصمت وجزء واحد في الفرار من الناس(5).
وفي حكمة آل داود: على العاقل أن يكون عارفاً بزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شأنه(6)، مستوحشاً من أوثق إخوانه، ومن أكثر ذكر الموت رضى باليسير، وهان عليه من الاُمور الكثير، ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ من خير.
واعلم انّ أحسن الأحوال أن تحفظ لسانك من الغيبة والنميمة ولغو القول، وتشغل لسانك بذكر الله تعالى أو في تعلّم علم(7) فانّه من ذكر الله، فإنّ العمر متجر عظيم كلّ نَفَس منه جوهرة، فإذا ترك الذكر وشغل لسانه باللغو كان كمن رأى درّة فأراد أن يأخذها فأخذ عوضها مدرة، لأنّ الإنسان إذا عاين ملك الموت لقبض(8)
____________
1- في "ب": عورته.
2- مجموعة ورام 1: 105.
3- مجموعة ورام 1: 105.
4- مجموعة ورام 1: 106.
5- مجموعة ورام 1: 106.
6- إلى هنا في الكافي 2: 116 ح20; مجموعة ورام 1: 106.
7- في "ب": او في علم تعلّمه.
8- في "ب": ليقبض.
الصفحة 206
روحه فلو طلب منه المفاداة(1) على أن يتركه ساعة او نفساً واحداً يقول فيه: "لااله إلاّ الله" بملك الدنيا لم يقبل منه.
وكم يضيّع الإنسان من ساعة في لا شيء، بل ساعات وأيام، فهذا هو الغبن العظيم، وانّ المؤمن هو الذي يكون نطقه ذكراً، وصمته فكراً، ونظره اعتباراً.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: ألا اُعلّمك عملاً ثقيلاً في الميزان خفيفاً على اللسان؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: الصمت، وحسن الخلق، وترك ما لا يعنيك(2).
وروي انّ لقمان رأى داود يعمل الزرد، فأراد أن يسأله ثم سكت، فلمّا لبسها داود (عليه السلام) عرف لقمان حالها بغير سؤال(3).
وقال: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثر لغوه، ومن كثر لغوه كثر كذبه، ومن كثر كذبه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به، ولقد حجب الله اللسان بأربع مصاريع لكثرة ضرره، الشفتان مصرعان، والأسنان مصرعان.
وقال بعض العلماء: انّما خلق للانسان لسان واحد واُذنان وعينان، ليسمع ويبصر أكثر مما يقول. وروي انّ الصمت مثراة(4) الحكمة.
____________
1- في "ج": التأخير.
2- مجموعة ورام 1: 107.
3- مجموعة ورام 1: 108.
4- في "ج": مرآة.
الصفحة 207
الباب التاسع والعشرون
في الخوف من الله تعالى
روي انّ ابراهيم (عليه السلام) [كان](1) يسمع منه في صلاته أزير كأزير المرجل من خوف الله تعالى في صدره، وكان سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذلك(2). وكان أمير المومنين (عليه السلام) إذا قال: "وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض" يتغيّر وجهه، ويصفرّ لونه، فيعرف ذلك في وجهه من خيفة الله تعالى.
وأعتق ألف عبد من كدّ يمينه، وكان يغرس النخل ويبيعها ويشتري بثمنها العبيد ويعتقهم، ويعطيهم مع ذلك ما يغنيهم عن الناس، وأخبره بعض عبيده انّه قد نبع في بستانه عين، ينبع الماء منها مثل عنق البعير، فقال: بشر الوارث، بشر الوارث، ثم أحضر شهوداً فأشهدهم انّه أوقفها في سبيل الله حتّى يرث الله الأرض ومن عليها، وقال: انّما فعلت ذلك ليصرف الله عن وجهي النار.
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- عنه مستدرك الوسائل 11: 232 ح 12834.
الصفحة 208
وأعطى معاوية للحسن (عليه السلام) فيها مائتي ألف دينار، فقال: ما كنت أبيع شيئاً أوقفه أبي في سبيل الله، وما عرض له أمران إلاّ عمل بأشدّهما طاعة، وكان إذا سجد سجدة الشكر غشي عليه من خيفة(1) الله تعالى.
وكانت فاطمة (عليه السلام) تنهج في صلاتها من خوف الله تعالى، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يتغيّر وجهه في صلاته من خوف الله تعالى.
وقال لقمان لابنه: يا بني خف الله خوفاً لو أتيته بعمل الثقلين خفت أن يعذّبك، وارجه رجاء لو أتيته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر لك(2).
وقال علي بن الحسين (عليهم السلام): يا ابن آدم انّك لا تزال بخير ما دام(3)لك واعظاً من نفسك، وما كان الخوف شعارك، والحزن دثارك، يا ابن آدم انّك ميّت ومحاسب فاعد الجواب.
وأوحى الله إلى موسى بن عمران (عليه السلام): خفني في سر أمرك(4)احفظك في عوراتك، واذكرني في سرائرك وخلواتك وعند سرور لذّاتك أذكرك عند غفلاتك، واملك غضبك عمّن ملّكتك أمره أكفّ غضبي عنك، واكتم مكنون سرّي، وأظهر في علانيتك المداراة عنّي لعدوّك وعدوّي(5).
وقال الصادق (عليه السلام): ما الدنيا عندي إلاّ بمنزلة الميتة، إذا اضطررت إليها أكلت منها، يا حفص انّ الله تعالى علم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة بعلمه السابق فيهم، وانّما يعجّل من يخاف الفوت، فلا يغرّنّك من الله تأخير العقوبة، ثم تلا قوله تعالى: {تلك الدار الآخرة نجعلها
____________
1- في "ج": خشية.
2- البحار 70: 384 ح 40; عن أمالي الصدوق.
3- في "ج": كان.
4- في "ب" و"ج": سرائرك.
5- أمالي الصدوق: 210 ح 6 مجلس:44; عنه البحار 13: 328 ح6.
الصفحة 209
للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}(1). وجعل يبكي ويقول: ذهبت الأماني عند هذه الآية.
ثم قال: فاز والله الأبرار وخسر الأشرار، أتدري من الأبرار؟! هم الذين خافوه واتقوه وتقرّبوا إليه بالأعمال الصالحة، وخشوه في سرائرهم وعلانيتهم، كفى بخشية الله علماً وكفى بالإغترار به جهلاً.
يا حفص انّ الله يغفر للجاهلين سبعين ذنباً قبل أن يغفر للعالم ذنباً واحداً، يا حفص من تعلّم وعمل كتب في الملكوت عظيماً، انّ أعلم الناس بالله أخوفهم منه، وأخشاهم له، وأزهدهم في الدنيا، فقال له رجل: يا ابن رسول الله أوصني، فقال: اتق الله حيث كنت فانّك لا تستوحش(2).
وقال الصادق (عليه السلام): بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم قاعداً إذ نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) كئيباً حزيناً، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أخي جبرئيل ما لي أراك كئيباً حزيناً؟
فقال: كيف لا أكون كذلك وقد وضعت منافيخ جهنّم اليوم، قال: وما منافيخ جهنّم؟ فقال: انّ الله أمر بالنار فأوقد عليها ألف عام حتّى احمرّت، ثم أوقد عليها ألف عام حتّى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف عام حتّى اسودّت، فهي سوداء مظلمة، ظلمات بعضها فوق بعض. فلو انّ حلقة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعاً وضعت على الجبال لذابت من حرّها، ولو انّ قطرة من الزقوم والضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها، فبكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى جبرئيل، فأوحى الله إليهما: قد أمنتكما من أن تذنبا ذنباً تستحقان به النار، ولكن هكذا كونا(3).
____________
1- القصص: 83.
2- تفسير القمي 2: 146; عنه البحار 78: 193 ح7.
3- عنه معالم الزلفى: 337; وانظر روضة الواعظين: 506 و508; وفي البحار 8: 280 ح 1; عن تفسير القمي.
الصفحة 210
وما جاء من الخوف والخشية في القرآن فكثير، مثل قوله تعالى: {وخافون ان كنتم مؤمنين}(1).
وقال: {وايّاي فارهبون}(2).
وقال في مدح قوم: {يخافون ربهم من فوقهم}(3).
وقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}(4).
وقال: {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى}(5).
وقال: {انّما يخشى الله من عباده العلماء}(6).
فالخشية ثمرة العلم ولا علم لمن لا خشية له، والخوف(7) سراج النفس به يُهدى من ظلمتها، وليس الخوف من يبكي ويمسح الدموع انّما ذلك خوف كاذب، وانّما الخائف الذي يترك الذنب(8) الذي يُعذّب عليه.
ولو خاف الرجل النار كما يخاف الفقر لأمن منها، وانّ المؤمن لا يطمئنّ قلبه، ولا تسكن روعته حتّى يترك جسر جهنم وراءه ويستقبل باب الجنة، ولا يسكن الخوف اليوم إلاّ قلب من يأمن غداً، وكذلك قال الله تعالى: "وعزّتي وجلالي لاأجمع لعبدي بين خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة(9).
____________
1- آل عمران: 175.
2- البقرة: 40.
3- النحل: 50.
4- الرحمن: 46.
5- النازعات: 40-41.
6- فاطر: 28.
7- في "ج": الخشية.
8- في "ج": الأمر.
9- الخصال: 79 ح 127 باب 2; عنه البحار 70: 379 ح 28.
الصفحة 211
والخوف توقّع العقوبة في كل ساعة، وما فارق الخوف إلاّ قلباً خراباً، ودوام المراقبة لله تعالى في السر والعلانية يهيّج الخوف في القلب، ومن علاماته قصر الأمل وشدّة العمل والورع.
وقال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): قول الله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة انّهم إلى ربهم راجعون}(1)، يعني بذلك الرجل الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر وهو خائف؟ قال: لا ولكن الرجل الذي يصلّي ويصوم ويتصدّق وهو مع ذلك يخاف ألاّ يقبل منه.
ومتى سكن الخوف في القلب أحرق منه موضع الشهوات، وطرد عنه رغبة الدنيا، وأظهر آثار الحزن على الوجه.
____________
1- المؤمنون: 60.
الصفحة 212
الباب الثلاثون
في الرجاء لله تعالى
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أراد أحدكم أن لا يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه فليقطع رجاءه من الناس وليصله به، فإذا علم ذلك منه لم يسأله شيئاً إلاّ أعطاه(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال جبرئيل: قال الله تعالى: عبدي إذا عرفتني وعبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئاً غفرت لك على ما كان منك، ولو استقبلتني بملئ الأرض خطايا وذنوباً استقبلتك بملئها مغفرة وعفواً، وأغفر لك ولا اُبالي.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله عزوجل: أخرجوا من النار من كان في قلبه مقدار حبّة ايماناً، ثم يقول: وعزّتي وجلالي لا أجعل من آمن بي ساعة من ليل أو نهار مع من لم يؤمن بي.
وحقيقة الرجاء انبساط الأمل في رحمة الله تعالى وحسن الظنّ به، واعلم انّ
____________
1- أمالي المفيد: 203 مجلس: 39; عنه البحار 93: 355 ح4 باختلاف قليل.
الصفحة 213
علامة الراجي حسن الطاعة، لأنّ الرجاء ثلاث مراتب: رجل عمل الحسنة فيرجو قبولها، ورجل عمل السيّئة فيرجو غفرانها، ورجل كذّاب مغرور يعمل المعاصي ويتمنّى المغفرة مع الإصرار والتهاون بالذنوب.
وقال رجل للصادق (عليه السلام): انّ قوماً من شيعتكم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فقال: كذبوا ليسوا من شيعتنا، كل من رجا شيئاً عمل له، فوالله ما شيعتنا منكم إلاّ من اتقى الله(1).
وقال: انّ قوماً استقبلوا عليّاً (عليه السلام) فسلّموا عليه وقالوا: نحن شيعتكم يا أمير المؤمنين، قال: فما لي لا أرى عليكم سيماء الشيعة؟! قالوا: وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين؟ فقال: صفر الوجوه من السهر، عمش العيون من البكاء، خمص البطون من الطوى، ذبل الشفاة من الدعاء، حدب الظهور من القيام، عليهم غبرة الخاشعين(2).
وقال رجل: يا ابن رسول الله انّي ألمّ بالمعاصي وأرجو العفو مع ذلك، فقال له: يا هذا اتق الله، واعمل بطاعته، وارج مع ذلك القبول، فإنّ أحسن الناس بالله ظنّاً وأعظمهم رجاء أعملهم بطاعته.
ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) أحسن الناس بالله ظنّاً، وأبسطهم له وجهاً، وكانا أعظم الناس منه خوفاً، وأشدّهم له هيبة ومنه رهبة صلى الله عليهما، وكذلك سائر الأنبياء (عليهم السلام)، لم يكن في زمان كل واحد منهم أحد أحسن منه رجاء، ولا أشد منه خوفاً.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه: إن استطعتم أن يشتد من الله خوفكم ويحسن ظنّكم به فأجمعوا بينهما، فانّما يكون حسن ظنّ العبد بربه على قدر
____________
1- الكافي 2: 68 ح 6; عنه البحار 70: 357 ح 4.
2- أمالي الطوسي: 216 ح 27 مجلس: 8; عنه البحار 77: 404 ح 30.
الصفحة 214
خوفه منه، وان أحسن الناس بالله ظنّاً أشدهم منه خوفاً، فدعوا الأماني منكم، وجدّوا واجتهدوا وأدّوا إلى الله حقه وإلى خلقه، فما مع أحد براءة من النار، وليس لأحد على الله حجة، ولا بين أحد وبين الله قرابة(1).
فما ضرب الله تعالى مثل آدم في انّه عصى بأكل حبة إلاّ عبرة لكم وتذكرة، ولقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في تسبيحه: "سبحان من جعل خطيئة آدم عبرة لأولاده"، أراد بها انّ أباكم آدم الذي هو أصلكم قد اصطفاه وجعله أبا الأنبياء سمّاه عاصياً، وأهبطه من الجنّة إلى الأرض، وطفق هو واُمّكم حواء يخصفان عليهما من ورق الجنّة لأجل أكل حبة واحدة، فكيف بكم وأنتم تأكلون البيادر كلها؟! هذا هو الطمع العظيم في جنب الله تعالى.
وينبغي أن يكون الرجاء والخوف كجناحي طائر في قلب المؤمن، إذا استويا حصل الطيران، وإذا حصل أحدهما دون الآخر فقد انكسر أحد الجناحين، وحصل النقص في القلب وفي العمل.
وينبغي للعبد أن يبسط رجاءه في الله تعالى، ويحدث في نفسه انّه يعاين من عفوه ورحمته وكرمه عند لقائه ما لم يكن في حسابه، ولا شك انّ العاقل يرى نفسه مقصّراً وليس له وثوق بقبول عمله، فلا يعتمد إلاّ على حسن الظنّ بالله والرجاء لعفوه وحلمه وكرمه، والرغبة إليه والتضرّع بين يديه والابتهال، كما قال (عليه السلام):
"الهي ذنوبي تخوّفني منك، وجودك يبشّرني عنك، فاخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا حتّى أكون غداً في القيامة عتيق كرمك، كما كنت في الدنيا ربيب نعمتك، وليس ما تبذله غداً من النجاة بأعظم ممّا قد منحته من الرجاء، ومتى خاب من في فنائك آمل، أم متى انصرف بالرد عنك سائل؟!. الهي ما
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 11: 250 ح 12903.
الصفحة 215
دعاك من لم تجبه، لأنّك قلت: "ادعوني استجب لكم" وأنت لا تخلف الميعاد، فصلّ على محمد وآل محمد، واستجب دعائي، ولا تقطع رجائي يا أرحم الراحمين"(1).
وروي انّ سبب نزول قوله تعالى: {نبّئ عبادي انّي أنا الغفور الرحيم}(2)، انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرّ بقوم يضحكون، فقال: أتضحكون؟! فلو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم طويلاً، فنزل جبرئيل (عليه السلام) وقال: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: {نبّئ عبادي انّي أنا الغفور الرحيم}.
قالت ام سلمة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: انّ الله تعالى ليعجب من أياس العبد من رحمته، وقنوطه من عفوه مع عظم سعة رحمته.
وروي انّ علي بن الحسين (عليه السلام) مرّ بالزهري وهو يضحك وقد خولط، فقال: ما باله؟ فقالوا: هذا لحقه من قتل النفس، فقال: والله لقنوطه من رحمة الله أشد عليه من قتله.
وينبغي أن يعتمد العبد على حسن الظنّ بالله تعالى فانّه وسيلة عظيمة، فإنّ الله تعالى يقول: أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن. ورأى بعضهم في المنام صاحباً له على أحسن الحال، فقال: بأيّ شيء نلت هذا؟ فقال: بحسن ظنّي بربي، وما ينال أحد خير الدنيا والآخرة الا بحسن الظنّ بالله تعالى.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الثقة بالله وحسن الظنّ به حصن لا يتحصّن به إلاّ كل مؤمن، والتوكل عليه نجاة من كل سوء، وحرز من كل عدوّ(3).
وقال الصادق (عليه السلام): والله ما اُعطي المؤمن خير الدنيا والآخرة الا بحسن ظنّه بالله ورجائه له، وحسن خلقه، والكف عن أعراض الناس، فإنّ الله تعالى لا يُعذّب عبداً بعد التوبة والاستغفار إلاّ بسوء ظنّه وتقصيره في رجائه،
____________
1- راجع البحار 94: 112 ح 16.
2- الحجر: 49.
3- عنه مستدرك الوسائل 11: 250 ح 12902; وأورده الديلمي في اعلام الدين: 455.
الصفحة 216
وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين.
وليس يحسن ظنُّ عبد بربّه إلاّ كان عند ظنّه به(1)، لأنّ الله تعالى كريم يستحي أن يخلف ظنَّ عبدِه بِه ورجاءه له، فأحسنوا الظنّ بالله وارغبوا فيما عند الله، فانّه سبحانه يقول للظانّين بالله ظنّ السوء: {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيراً}(2)(3).
ورأى بعضهم صاحباً له في المنام فقال له: ما فُعل بك؟ قال: غفر لي ومحى ذنوبي كلها بحسن ظنّي به.
وروي انّ الله سبحانه يقول: أنا عند حسن ظنّ عبدي المؤمن بي، فلا يظنّ بي إلاّ خيراً(4).
وكان بعضهم كثيراً يسأل العصمة، فرأى في منامه: كلّكم يسألني العصمة، فإذا عصمتكم جميعاً من الذنوب لمن تشمل وتعمّ رحمتي؟!.
وأوحى الله إلى داود (عليه السلام): قل لعبادي: لم أخلقكم لأربح عليكم، ولكن لتربحوا عليّ. صدق الله العظيم، ودليل ذلك انّه جعل الحسنة بعشر، وزاد لمن يشاء بسبعمائة ضعف لقوله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبّة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة}(5).
وجعل السيئة سيئة واحدة، والاهتمام بالحسنة حسنة وان لم يفعلها، ولا شيء في الاهتمام بالسيئة ان لم يفعلها، وجعل التوبة من الذنب حسنة، وانّه تعالى يحب التوابين، فدلّ ذلك على انّه خلقنا ليربّحنا عليه في معاملته.
____________
1- في "ج": عند ظن عبده.
2- الفتح: 6.
3- راجع عدة الداعي: 147; عنه البحار 70: 399 ح 72.
4- راجع البحار 93: 305 ح 1.
5- البقرة: 261.
الصفحة 217
وروي عن الحسن العسكري (عليه السلام) انّ أبا دلف تصدّق بنخلة تمر، ثم أعطاه الله بكل تمرة منها قرية، وكان فيها ثلاثة آلاف تمرة وستون تمرة، فأعطاه الله تعالى بها ثلاثة آلاف قرية وستون قرية.
وروي انّ امرأة في زمان داود (عليه السلام) خرجت من دارها ومعها ثلاثة أرغفة وثلاثة أرطال شعيراً، فسألها فقير فأعطته الثلاثة الأرغفة وقالت: أطحن الشعير وآكل منه، وهو في شيء على رأسها، فهبّت ريح عاصفة فأخذتها من رأسها، فوحشت لذلك وضاق صدرها.
فأتت داود (عليه السلام) وشكت إليه، فقال لها: امضي إلى ابني سليمان فاحكي له ذلك، فمضت إليه فأعطاها ألف درهم، فرجعت إلى داود فأخبرته، فقال لها: ردّيها عليه وقولي له: ما اُريد إلاّ أن تخبرني لم أخذت الريح شعيري؟.
فقال لها سليمان: يا امرأة قد أعطيناك ألف درهم، فقالت: ما آخذها، فأعطاها ألف اُخرى، فرجعت إلى داود (عليه السلام) فأخبرته، فقال لها: رديها عليه وقولي: لم آخذ شيئاً بل اسأل الله يحضر لك الملك الموكل بالريح لم أخذ شعيري، أعن اذن الله تعالى أم لا؟.
فسأل الله تعالى فأحضره وسأله عن شعيرها، فقال: باذن الله تعالى أخذناه، فإنّ تاجراً كان معه مراكب كثيرة وقد نفذ زاده، ونذر انّه إن أكل من زاد أحد كان له ثلث أموال المراكب، وقد أعطيناه الشعير فأكله ووجب عليه الوفاء بالنذر، فأحضره سليمان وسأله فأقرّ بذلك وسأله احضار صاحبة الشعير، فقال التاجر للمرأة: قد حصل لك من ثلث المراكب بحقك ثلاثمائة ألف دينار وستون ألف دينار، وأقبضها المال.
فقال داود (عليه السلام): يا بني من أراد المعاملة الرابحة فليعامل هذا الرب الكريم.
الصفحة 218
ومن هاهنا جاء الحديث: إذا أملقتم فتاجروا الله بالصدقة، [فسبحانه](1) ما أربح معاملته، وما أنجح مرابحته.
____________
1- أثبتناه من "ب".
الصفحة 219
الباب الحادي والثلاثون
في الحياء من الله تعالى
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحياء من الايمان(1).
وقال يوماً لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: ما نصنع يا رسول الله؟ قال: ان كنتم فاعلين فليحفظ أحدكم الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وليذكر الموت وطول البلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا(2)، فمن فعل ذلك فقد استحى من الله حق الحياء(3).
وروي انّ جبرئيل (عليه السلام) نزل إلى آدم بالحياء والعقل والايمان، فقال: ربك [يقرئك السلام و](4) يقول لك: تخير من هذه الأخلاق واحداً، فاختار العقل، فقال جبرئيل للايمان والحياء: ارحلا، فقالا: اُمرنا أن لا نفارق العقل(5).
____________
1- راجع البحار 71: 336 ح 19.
2- في "ب" و"ج": الحياة الدنيا.
3- روضة الواعظين: 460.
4- أثبتناه من "ب".
5- راجع الكافي 1: 10 ح2 نحوه.
الصفحة 220
وقال (عليه السلام): الحياء من الايمان، فمن لا حياء له لا خير فيه ولا ايمان له.
وروي انّ الله تعالى يقول: عبدي انّك إذا استحيت منّي أنسيت الناس عيوبك، وبقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من الكتاب زلاّتك، ولا اُناقشك الحساب يوم القيامة.
وروي انّ الله تعالى يقول: عبدي انّك إذا استحيت منّي وخفتني غفرت لك.
وروي انّ رجلاً رأى رجلاً يصلّي على باب المسجد فقال: لم لا تصلّي فيه؟ فقال: استحي منه أن أدخل بيته وقد عصيته.
ومن علامات المستحي أن لا يُرى في أمر استحى منه، وأوحى الله إلى عيسى (عليه السلام): فإن اتعظت وإلاّ فاستحي مني أن تعظ الناس.
وعلامات السفهاء خمس: قلّة الحياء، وجمود العين، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل، وقسوة القلب.
وقال الله تعالى في بعض كتبه: ما أنصفني عبدي، يدعوني فاستحي منه أن أردّه، ويعصيني ولا يستحي منّي.
ونهاية الحياء ذوبان القلب للعلم بانّ الله مطّلع عليه، وطول المراقبة لمن لا يغيب عن نظره سرّاً وعلانية، وإذا كان العبد حال عصيانه يعتقد انّ الله تعالى يراه فانّه قليل الحياء، جاهل بقدرة الله، وان كان يعتقد انّه لا يراه فانّه كافر.
الصفحة 221
الباب الثاني والثلاثون
في الحزن وفضله
قال الله تعالى: {وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم}(1)، وما كان حزنه إلاّ عبادة الله تعالى لا جزعاً.
وروي انّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان دائم الفكر، متواصل الحزن، وانّ الحزن من أوصاف الصالحين، وانّ الله يحب كل قلب حزين، وإذا أحب الله قلباً نصب فيه نائحة من الحزن، ولا يسكن الحزن إلاّ قلباً سليماً، وقلب ليس فيه الحزن خراب، ولو انّ محزوناً كان في اُمة لرحم الله تلك الاُمة.
قال مصنف الكتاب: ليس العجب من أن يكون الإنسان حزيناً، بل العجب كيف يخلو من الحزن ساعة واحدة، وكيف لا يكون كذلك وهو يصبح ويمسي على جناح سفر بعيد، اول منازله الموت، ومورده القبر، مصدره القيامة، وموقفه بين يدي الله تعالى.
أعظاؤه شهوده، وجوارحه جنوده، وضمائره عيونه، وخلواته عيانه، يمسي
____________
1- يوسف: 84.
الصفحة 222
ويصبح بين نعمة يخاف زوالها، ومنية(1) يخاف حلولها، وبليّة لا يأمن نزولها، مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل، صريع بطنته، وعبد شهوته، وعريف زوجته، ومتعب في كل أحواله حتّى في أوقات لذّته.
بين أعداء كثيرة: نفسه، والشيطان، والعمل(2)، والعائلة يطلبونه بالقوت، وحاسد يحسده، وجار يؤذيه، وأهل يقطعونه، وقرين سوء يريد حتفه، والموت موجه إليه، والعلل متقاطرة عليه.
ولقد جمع هذا كله مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: عين الدهر تطرف بالمكاره والناس بين أجفانه، والله لقد أفضح الدنيا نعيمها ولذتها الموت، وما ترك لعاقل فيها فرحاً، ولا خلّى القيام بالحق للمؤمن في الدنيا صديقاً ولا أهلاً.
ولا يكاد من يريد رضى الله تعالى وموالاته يسلم إلاّ بفراق الناس، ولزوم الوحدة والتفرّد منهم والبعد عنهم، كما قال تعالى: {ففرّوا إلى الله انّي لكم منه نذير مبين}(3)، أراد سبحانه بالفرار إليه اللجأ من الذنوب، والانقطاع عن الخلق، والاعتماد عليه في كل الأحوال، وما يكاد يعرف الناس من يقاربهم، والوحشة منهم تدل على المعرفة بهم.
وأوصى حكيم حكيماً فقال له: لا تتعرّف إلى من لا تعرف، فقال له: يا أخي أنا أزيدك في ذلك: وأنكر من تعرف لأنّه لا يؤذي الشخص من لا يعرفه.
والمعرفة بين الرجلين خطر عظيم لوجوه، منها قيام الحق بينهما، وحفظ كل واحد منهما جانب صاحبه في مواساته(4) ومؤازرته وعيادته في مرضه، وحفظه في
____________
1- في "ج": ميتة.
2- في "ج": الأمل.
3- الذاريات: 50.
4- في "ب": مساواته.
الصفحة 223
غيبته برد غيبته، ويحفظه(1) في أهله بأحسن حفظه وخلفه ونصيحته له بعظة(2). وأن يريد له في كل أحواله كما يريد لنفسه.
وهذا ثقيل جسيم لا يكاد يقوم به إلاّ من أيّده الله بعصمته، والله لو لا الغفلة والجهل ما التذّ عاقل بعيش، ولا مهد فراشاً، ولا توق طعاماً، ولا طوى له ثوباً، وكان لا يزال مستوفراً قلقاً مقلقاً متململاً كالأسير في يد من يذبحه، وكذلك نحن مع ملك الموت في الدنيا كذئب الغنم، وملك الموت قصّابها.
من المصنف:
لا تنسوا الموت في غم ولا فرح * * * فالأرض ذئب وعزرائيل قصّاب
ومن عجب الدنيا أن يحثو المرء التراب على من يحب، ويعلم انّه عن قليل يُحثى عليه التراب كما حثاه على غيره وينسى ذلك، وأعجب من ذلك انّه يضحك والله تعالى يقول: {أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون}(3).
وروي انّه كان في الكنز الذي حفظه الله تعالى للغلامين: عجب(4) لمن أيقن بالموت كيف يفرح ويضحك، وعجب(5) لمن أيقن بالحساب كيف يذنب، وعجب لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجب لمن عرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها؟! وأعقل الناس وأفضلهم المحسن الخائف، وأحمقهم وأجهلهم مسيء آمِن(6).
وقال المصنف: كنت في شبيبتي إذا دعوت بالدعاء المقدم على صلاة الليل، ووصلت إلى قوله: "اللهم انّ ذكر الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يديك نغّصني
____________
1- في "ج": يخلفه.
2- في "الف": بغبطته.
3- النجم: 59-60.
4- في "ج": عجبت.
5- في "ج": عجبت.
6- مجمع البيان، سورة الكهف; عنه البحار 70: 152.
الصفحة 224
مطعمي ومشربي، وأغّصني(1) بريقي، وأقلقني عن وسادي، ومنعني رقادي"(2)، أخجل حيث لا أجد هذا كله في نفسي، فاستخرجت له وجهاً يخرجه عن الكذب، فأضمرت في نفسي انّي أكاد أن يحصل عندي ذلك.
فلمّا كبرت السن، وضعفت القوة، وقربت سرعة(3) النقلة إلى دار الوحشة والغربة ما بقي يندفع هذا عن الخاطر، فصرت ربما أرجو لا اُصبح إذا أمسيت، ولا اُمسي إذا أصبحت، ولا إذا مددت خطوة أن أتبعها اُخرى، ولا أن يكون في فمي لقمة أسيغها، فصرت أقول: "الهي إذا ذكرت الموت وهول المطلع، والوقوف بين يديك نغّصني مطعمي ومشربي، وأغصّني بريقي، وأقلقني عن وسادي، ومنعني رقادي، ونغّص عليّ سهادي، وابتزّني راحة فؤادي.
الهي وسيدي ومولاي مخافتك أورثتني طول الحزن، ونحول الجسد، وألزمتني عظيم الهم والغم ودوام الكمد، واشغلتني عن الأهل والولد والمال والعبيد، وتركتني مسكيناً غريباً وحيداً، وان كنت بفناء الأهل والولد ما أحس بدمعة ترقأ من اماقي، وزفير يتردد بين صدري والتراقي.
سيدي فبرّد حزني ببرد عفوك، ونفّس غمّي وهمّي ببسط رحمتك ومغفرتك، فانّي لا آمن إلاّ بالخوف منك، ولا أعزّ إلاّ بالذل لك، ولا أفوز إلاّ بالثقة بك والتوكل عليك يا أرحم الراحمين وخير الغافرين".
____________
1- قال في البحار: أغصّني بريقي من الغصة بالضم، وهي الشجى في الحلق، وهي كناية عن كمال الخوف والاضطراب، أي صيّرني بحيث لا أقدر على أن أبلع ريقي، وقد وقف في حلقي.
2- راجع البحار 87: 237 ح47.
3- في "ب": ساعة.
الصفحة 225
الباب الثالث والثلاثون
في الخشوع لله سبحانه والتذلل له
قال الله تعالى: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون}(1)، ثم فسّرهم سبحانه بتمام الآية في سورة المؤمنين.
فنقول: الخشوع الخوف الدائم اللازم للقلب، وهو ايضاً قيام العبد بين يدي الله تعالى بهمّ مجموع، وقلب مروع، وروي انّه من خشع قلبه لم يقربه الشيطان، ومن علاماته غضّ العيون، وقطع علائق الشؤون.
والخاشع من خمدت نيران شهوته، وسكن دخان أمله، وأشرق نور عظمة الله في قلبه، فمات أمله، وواجه أجله، فحينئذ خشعت جوارحه، وسالت عبرته، وعظمت حسرته، والخشوع ايضاً يذلل البدن والقلب لعلاّم الغيوب، قال الله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً}(2)، يعني المتواضعين الخاشعين.
____________
1- المؤمنون: 2-1.
2- الفرقان: 63.
الصفحة 226
وروي انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى رجلاً يعبث في صلاته بلحيته فقال: لو خشع قلبه لخشعت جوارحه(1).
دلّ هذا الحديث على انّ الخشوع من أفعال القلب، تظهر آثاره على الجوارح، وهو أيضاً ذبول القلوب عند استحضار عظمة الله تعالى، وهو من مقدمات الهيبة، ولا ينبغي للمرء أن يظهر من الخشوع فوق ما في قلبه، ومن الخشوع التذلل لله تعالى بالسجود على التراب، وكان الصادق (عليه السلام) لا يسجد إلاّ على تراب من تربة الحسين (عليه السلام) تذللاً لله تعالى واستكانة إليه(2).
وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبيد، ويجلس على الأرض، ويركب الحمار ويردف، ولا يمنعه الحياء أن يحمل حاجة من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ولا ينزع يده من يد أحد حتّى ينزعها هو، ويسلّم على من استقبله من كبير وصغير وغني وفقير، ولا يحقر ما دعى إليه ولو إلى حشف التمر.
وكان خفيف المؤنة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاماً(3) من غير ضحك، محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير ذلّة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب، رحيم بكل مسلم، ولم يتجشّأ من شبع قط، ولم يمد يده إلى طمع، وكفاه مدحاً قوله تعالى: {وانّك لعلى خلق عظيم}(4).
وأوحى الله إلى موسى (عليه السلام): أتدري لم ناجيتك وبعثتك إلى خلقي؟ قال: لا يا رب، قال: لأنّي قلّبت عبادي واختبرتهم فلم أر أذلّ لي قلباً منك،
____________
1- راجع البحار 84: 266 ح67; عن دعائم الإسلام; كنز العمال 3: 144 ح5891.
2- عنه البحار 85: 158 ح 25.
3- في "ج": بشاشاً.
4- القلم: 4.
الصفحة 227
فأحببت أن أرفعك من بين خلقي، لانّي عند المنكسرة قلوبهم(1).
وينبغي للعاقل أن لا يرى لنفسه على أحد فضلاً، والعز في التواضع والتقوى، ومن طلبه في الكبر لم يجده. وروي انّ ملكي العبد الموكلين به ان تواضع رفعاه، وان تكبر وضعاه(2). والشرف في التواضع والعز في التقوى، والغنا في القناعة، وأحسن ما كان التواضع في الملوك والأغنياء، وأقبح ما كان التكبر في الفقراء.
وقد أمر الله تعالى نبيّه محمداً (صلى الله عليه وآله) بالعفو عن الناس، والاستغفار لهم والتواضع، بقوله تعالى: {ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم}(3).
وأوحى الله تعالى إلى موسى (عليه السلام): يا موسى ذكّر خلقي نعمائي، وأحسن إليهم وحبّبني إليهم، فانّهم لا يحبون إلاّ من أحسن إليهم.
____________
1- الكافي 2: 123 ح 7; عنه البحار 75: 129 ح 29 باختلاف.
2- الكافي 2: 122 ح 2.
3- آل عمران: 159.
الصفحة 228
الباب الرابع والثلاثون
في ذم الغيبة والنميمة وعقابها وحسن كظم الغيظ(1)
قال الله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه}(2)، فقد بالغ سبحانه في النهي عن الغيبة، وجعلها شبه الميتة المحرّمة من لحم الآدميين.
وقال (صلى الله عليه وآله): يأتي الرجل يوم القيامة وقد عمل الحسنات، فلا يرى في صحيفته من حسناته شيئاً، فيقول: أين حسناتي التي عملتها في دار الدنيا؟ فيقال له: ذهبت باغتيابك الناس فهي لهم عوض اغتيابهم(3).
وأوحى الله إلى موسى (عليه السلام): من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرّاً عليها فهو أول من يدخل النار(4).
وروي انّه من اغتيب غفرت نصف ذنوبه. وروي انّ الرجل يعطى كتابه
____________
1- قوله "النميمة وعقابها وحسن كظم الغيظ" أثبتناه من "ب" و"ج".
2- الحجرات: 12.
3- عنه معالم الزلفى: 321; ونحوه في كنز العمال 3: 590 ح 8047.
4- عنه معالم الزلفى: 321; وفي مجموعة ورام 1: 116.
الصفحة 229
فيرى فيه حسنات لم يكن يعرفها، فيقال: هذه بما اغتابك الناس(1).
وقال بعضهم: لو اغتبت أحداً لم أكن لأغتاب إلاّ ولدي، لأنّهم أحق بحسناتي من الغريب.
وبلغ الحسن البصري انّ رجلاً اغتابه فأنفذ إليه بهدية، فقال له: والله ما لي عندك يد، فقال: بلى بلغني انّك تهدي لي حسناتك فأحببت أن اُكافيك، ومن اغتيب عنده أخوه المؤمن فلم ينصره فقد خان الله ورسوله.
وقال: إذا لم تنفع أخاك المؤمن فلا تضرّه، وإذا لم تسرّه فلا تغمّه، وإذا لم تدرجه بمدحة(2) فلا تذمّه.
وقال (صلى الله عليه وآله): لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً، وكونوا عباد الله اخواناً(3).
وقال (عليه السلام): اياكم والغيبة، فانّها أشد من الزنا، لأنّ الرجل يزنيفيتوب فيتوب الله عليه، وانّ صاحب الغيبة لا يغفر له إلاّ إذا غفرها صاحبها(4).
وقال (صلى الله عليه وآله): مررت ليلة اُسري بي إلى السماء على قوم يخمشونوجوههم بأظفارهم، فسألت جبرئيل (عليه السلام) عنهم فقال: هؤلاء الذين يغتابون الناس(5).
وخطب (صلى الله عليه وآله) فذكر الربا وعظم خطره، وقال: الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم من سبعين زنية بذات محرم، وأعظم من ذلك عرض المسلم(6).
____________
1- راجع كنز العمال 3: 590 ح 8046 نحوه.
2- في "ب" و"ج": إذا لم تمدحه.
3- مجموعة ورام 1: 115.
4- مجموعة ورام 1: 115; الترغيب 3: 511.
5- مجموعة ورام 1: 115.
6- مجموعة ورام 1: 116.
الصفحة 230
وروي في تفسير قوله تعالى: {ويل لكل همزة لمزة}(1) انّ الهمزة الطعن في الناس، واللمزة أكل لحومهم، وينبغي لمن أراد ذكر عيوب غيره أن يذكر عيوب نفسه فيقلع عنها ويستغفر منها، وعليكم بذكر الله فانّه شفاء، واياكم وذكر الناس فانّه داء.
ومرّ عيسى (عليه السلام) ومعه الحواريّون بكلب جائف، قالوا: ما أجيفه، فقال: ما هو، ما أبيض أسنانه(2)، يعني ما عوّد لسانه إلاّ على الخير.
والغيبة هو أن تذكر أخاك بما يكرهه لو سمعه، سواء ذكرت نقصاناً في بدنه أو نسبه أو خلقه أو فعله أو دينه أو دنياه حتّى في ثوبه، وقال (عليه السلام): حد الغيبة أن تقول في أخيك ما هو فيه، فإن قلت ما ليس فيه فذاك بهتان، والحاضر في الغيبة ولم ينكرها شريك فيها، ومن أنكرها كان مغفوراً له.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ردّ عن عرض أخيه كان حقّاً على الله أن يعتقه من النار(3).
وقال (صلى الله عليه وآله): طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس(4). ومنشأ الغيبة في الصدور الحسد والغضب، فإذا نفاهما الرجل عن نفسه قَلَّتْ غيبته للناس.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ للنار باباً لا يدخله إلاّ من شفى غيظه(5).
وقال: من كظم غيظه وهو يقدر على إمضائه خيّره الله في أيّ الحور العين شاء أخذ منهنّ(6).
____________
1- الهمزة: 1.
2- مجموعة ورام 1: 117.
3- مجموعة ورام 1: 119.
4- مجموعة ورام 1: 120.
5- مجموعة ورام 1: 121.
6- مجموعة ورام 1: 121.
الصفحة 231
وفي بعض الكتب المنزلة: ابن آدم اذكرني عند غضبك أذكرك عند غضبي، فلا أمحقك مع من امحقه(1).
وللعاقل شغل فيما خلق له عن نفسه وماله وولده، فكيف عن أعراض الناس؟! وإذا كان اشتغال الإنسان بغير ذكر الله خسارة فكيف بالغيبة؟!.
وقال (عليه السلام): وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلاّ حصائد ألسنتهم(2).
وكفى بذلك قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو اصلاح بين الناس}(3)، فنفى الخير في المنطق(4) إلاّ في هذه الاُمور الثلاثة، فسبحانه ما أنصحه لعباده وأشفقه عليهم وأحبه لهم لو كانوا يعلمون.
واما النميمة فانّها أعظم ذنباً واكبر وزراً، لأنّ النمام يغتاب وينقلها إلى غيره فيغويه بأذى من ينقلها عنه، والنمام يثير الشرّ ويدلّ عليه، ولقد سدّ الله تعالى باب النميمة ومنع من قبولها بقوله: {ان جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}(5)، وسمّى النمام فاسقاً ونهى عن قبول قوله إلاّ بعد البيان والبيّنة أو الاقرار، وسمّى العامل بقوله جاهلاً.
وقال رجل لعلي بن الحسين (عليهم السلام): انّ فلاناً يقول فيك ويقول، فقال له: والله ما حفظت حق أخيك إذ خنته وقد استأمنك، ولا حفظت حرمتنا إذ سمعتنا ما لم يكن لنا حاجة بسماعه، اما علمت انّ نَقَلَةَ النميمة هم كلاب النار، قل لأخيك: انّ الموت يعمّنا، والقبر يضمّنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا(6).
____________
1- مجموعة ورام 1: 121; وأورده في أعلام الدين: 184.
2- الكافي 2: 115 ح 14; عنه البحار 71: 303 ح 78.
3- النساء: 114.
4- في "ج": النطق.
5- الحجرات: 6.
6- راجع الاحتجاج 2: 145; عنه البحار 75: 246 ح 8 باختلاف.
الصفحة 232
وكتب رجل من عمال المأمون يقول له: انّ فلاناً العامل مات وخلف مائة ألف دينار وليس له إلاّ ولد صغير، فإن أذن مولانا في قبض المال، واجراء ما يحتاج الصغير إليه قبضناه، فانّما احتقب هذا المال من أموالك، فكتب إليه المأمون: المال نمّاه الله، والولد حبرة(1) الله، والساعي عليه لعنة الله.
____________
1- لعلّه من الحَبرة بمعنى النعمة التامة كما في لسان العرب.
الصفحة 233
الباب الخامس والثلاثون
في القناعة ومصالحها(1)
جاء في تفسير قوله تعالى: {فلنحيينّه حياة طيّبة}(2) قال: يعطيه القناعة(3).
وجاء في تفسير قوله تعالى حكاية عن سليمان: {رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}(4) قال: القناعة في بعض الوجوه، لأنّه كان يجلس مع المساكين ويقول: مسكيناً مع المساكين.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): القناعة كنز لا يُفنى(5).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبعض أصحابه: كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس، وحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمناً،
____________
1- قوله "مصالحها" أثبتناه من "ب".
2- النحل: 97.
3- نهج البلاغة: قصارالحكم 229.
4- ص: 35.
5- راجع كنز العمال 3: 389 ح 7080، وفيه: مال لا ينفد.
الصفحة 234
وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً، واقلل من الضحك فإنّ كثرة الضحك تميت القلب(1).
والناس أموات إلاّ من أحياه الله بالقناعة، وما سكنت القناعة إلاّ قلب من استراح، والقناعة ملك لا يسكن إلاّ قلب مؤمن، والرضى بالقناعة رأس الزهد، ومعناها السكون عند عدم المشتهيات، والرضى بقليل الأقوات، وترك التأسّف على ما فات.
وجاء في تأويل قوله تعالى: {ليرزقنّهم الله رزقاً حسناً}(2) قال: القناعة، لأنّ القناعة رضى النفس بما حضر من الرزق وان كان قليلاً، وقال بعضهم: انّ الغنى والعز خرجا يجولان فوجدا القناعة فاستقرّا.
وروي انّ علياً (عليه السلام) اجتاز بقصاب ومعه لحم سمين، فقال: يا أمير المؤمنين هذا اللحم سمين اشتر منه، فقال: ليس الثمن حاضراً، فقال: أنا أصبر يا أمير المؤمنين، فقال له: أنا أصبر عن اللحم.
وانّ الله سبحانه وضع خمسة في خمسة:
العز في الطاعة، والذل في المعصية، والحكمة في خلوّ البطن، والهيبة في صلاة الليل، والغنى في القناعة.
وفي الزبور: القانع غني ولو جاع وعرى، ومن قنع استراح من أهل زمانه، واستطال على أقرانه.
وجاء في قوله تعالى: {فك رقبة * أو اطعام في يوم ذي مسغبة}(3) قال: فكّها من الحرص والطمع، ومن قنع فقد اختار العز على الذل، والراحة على التعب.
____________
1- الترغيب والتذهيب 2: 560 ح13; وقطعة منه في مجموعة ورام 1: 163.
2- الحج: 58.
3- البلد: 13 - 14.
الصفحة 235
[حكاية داود مع متى](1)
قيل: انّ داود (عليه السلام) قال: رب أخبرني بقريني في الجنة في قصري، فأوحى الله إليه انّ ذلك متّى أبو يونس، فاستأذن الله تعالى في زيارته فأذن له، فأخذ بيد ولده سليمان (عليهم السلام) حتّى أتيا موضعه، فإذا هما ببيت من سعف، فسألا عنه فقيل: انّه في الحطّابين يقطع(2) الحطب ويبيعه.
فجلسا ينتظرانه إذ أقبل وعلى رأسه حزمة حطب، فألقاها عنه ثم حمد الله وقال: من يشتري منّي طيّباً بطيّب، فساومه واحد واشتراه آخر، فدنيا منه وسلّما عليه، فقال: انطلقا بنا إلى المنزل، وابتاع بما كان معه طعاماً، ثم وضعه بين حجرين قد أعدهما لذلك، وطحنه ثم عجنه في نقير له، ثم أجّج ناراً وأوقدها بالحطب، ثم وضع العجين عليها، ثم جلس يحدث(3) معهم هنيئة.
ثم نهض وقد نضجت خبزته، فوضعها في النقير وفلقها، ووضع عليها ملحاً ووضع إلى جانبه مطهرة فيها ماء، وجلس على ركبتيه وأخذ لقمة وكسرها ووضعها في فيه وقال: بسم الله الرحمن الرحيم، فلمّا ازدردها قال: الحمد لله رب العالمين.
ثم فعل ذلك باُخرى واُخرى، ثم أخذ الماء فشرب منه وحمد الله تعالى وقال: لك الحمد يا رب، من ذا الذي أنعمت عليه وأوليته مثل ما أوليتني، إذ أصححت بدني وسمعي وبصري وجوارحي، وقوّيتني حتّى ذهبت إلى شجر لم أغرسه بيدي، ولا زرعته بقوّتي، ولم أهتمّ بحفظه، فجعلته لي رزقاً، وأعنتني على قطعه وحمله، وسقت لي من اشتراه منّي، واشتريت بثمنه طعاماً لم أزرعه ولم أتعنّى(4) فيه،
____________
1- أثبتناه من "ب".
2- في "ب": يقلع.
3- في "ب" و"ج": يتحدث.
4- في "ج": أتعب.
الصفحة 236
وسخّرت لي حجراً طحنته وناراً نضجته، وجعلت لي شهوة قابلة لذلك فصرت آكله بشهوة وأقوى بذلك على طاعتك، فلك الحمد حتّى ترضى وبعد الرضى.
ثم بكا بكاءً عالياً، فقال داود (عليه السلام) لابنه سليمان: يا بني يحق لمثل هذا العبد الشاكر أن يكون صاحب المنزلة الكبرى في الجنة، فلم أر عبداً أشكر من هذا(1).
____________
1- مجموعة ورام 1: 18و19; عنه البحار 14: 402 ح 16.
الصفحة 237
الباب السادس والثلاثون
في التوكل على الله تعالى
قال الله تعالى: {وعلى الله فتوكّلوا ان كنتم مؤمنين}(1).
وقال: {وعلى الله فليتوكّل المتوكّلون}(2).
وقال: {ومن يتوكّل على الله فهو حسبه}(3).
وقال: {انّ الله يحب المتوكّلين}(4).
فأعظم مقام موسوم بعظمة الله وبمحبة الله المتوكل عليه، لأنّه مضمون بكفاية الله، لأنّ من يكن الله حسبه وكافيه ومحبه ومراعيه فقد فاز فوزاً عظيماً، وقد قال: {أليس الله بكاف عبده}(5)، فطالب الكفاية بغيره غير طالب التوكل، ومكذّب بالآية.
____________
1- المائدة: 23.
2- ابراهيم: 12.
3- الطلاق: 3.
4- آل عمران: 159.
5- الزمر: 36.
الصفحة 238
قال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}(1).
وقال: {ومن يتوكل على الله فإنّ الله عزيز حكيم}(2)، أيْ عزيز لا يذل من استجار به، ولايضيع من لجأ إليه، حكيم لا يقصر عن تدبير من اعتصم به.
وعيّر من لجأإلى غيره فقال: {انّ الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم}(3)، يعني عاجزون عن حوائجكم، أنتم وهم محتاجون إلى الله تعالى فهو أحق أن تدعوه، وكلّما ذكر سبحانه من التوكل عليه عنى به قطع الملاحظة إلى خلقه والانقطاع إليه.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو انّ العبد يتوكل على الله حق توكّله لجعله كالطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً، ومن انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة، ومن انقطع إلى الدنيا وكّله الله إليها، ومن أراد أن يرزقه الله من حيث لا يحتسب فليتوكل على الله(4).
وأوحى الله إلى داود: ما من عبد يعتصم بي دون خلقي وتكيده السماوات(5)والأرض الا جعلت له مخرجاً(6).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أيّها الناس لا يشغلكم المضمون من الرزق عن المفروض عليكم من العمل، والمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يمسك شيئاً خوف الفقر.
وينبغي لمن أراد سلوك طريق التوكل أن يجعل نفسه بين يدي الله تعالى فيما يجري عليه من الاُمور كالميت بين يدي الغاسل يقلّبه كيف يشاء، كما قال النبي صلى
____________
1- الطلاق: 3.
2- الانفال: 49.
3- الأعراف: 194.
4- مجموعة ورام 1 222 نحوه.
5- في "ج": أهل السماوات.
6- مجموعة ورام 1: 222.
الصفحة 239
الله عليه وآله: عجبت للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلاّ كان خيراً له، ويعني بذلك انّه يرضى بقضاء الله له، سواء كان شدة أو رخاء.
والتوكل هو الاعتصام بالله كما قال جبرئيل (عليه السلام) لابراهيم (عليه السلام) وهو في كفّة المنجنيق: ألك حاجة يا خليل الله؟ فقال: إليك لا، اعتماداً على الله ووثوقاً به في النجاة، فجعل الله تعالى عليه النار برداً وسلاماً، وأرضها وروداً وثماراً، ومدحه الله فقال: {وابراهيم الذي وفى}(1). وما استوى حاله وحال يوسف في قوله للّذي معه في السجن: {اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربّه فلبث في السجن بضع سنين}(2).
وقال لي رجل: من أين مؤنتك؟ فقلت: {ولله خزائن السماوات والأرض ولكنّ المنافقين لا يفقهون}(3).
ورأى بعضهم شيخاً(4) في البريّة يعبد الله تعالى فقال: من أين قوتك؟ فقال: من تدبير العزيز العليم، ثم أومىء إلى أسنانه وقال: الذي خلق الرحى هو يأتيها بالهشل(5)، يعني الحب.
واعلموا انّ التوكل محلّه القلب، والحركة في الطلب لا تنافي التوكل، لأنّ الله تعالى أمر بها بقوله: {فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}(6)، ولما دخل الأعرابي إلى مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أعقلت ناقتك؟ قال: لا قد توكلت [على الله](7)، فقال: أعقلها وتوكل.
____________
1- النجم: 37.
2- النجم: 37.
3- المنافقون: 7.
4- في "ج": شخصاً.
5- في "ب": بالعلس.
6- الملك: 15.
7- أثبتناه من "ج".
الصفحة 240
وقال الله تعالى له ولأصحابه: {خذوا حذركم}(1) يعني رسول الله وأصحابه.
ومن الكذب أن يقول الرجل: توكلت على الله وفي قلبه غيره، أو يكون غير راض بصنعه إليه، لأنّ التوكل الاستسلام إلى الله والانقطاع إليه دون خلقه، فحقيقته الاكتفاء بالله تعالى والاعتماد عليه.
فللمتوكل(2) ثلاث درجات: الانقطاع إلى الله، والتسليم إليه، والرضى بقضائه، فهو يسكن إلى وعده، ويكتفي بتدبيره، ويرضى بحكمه.
وقيل لبعضهم: لِمَ تركت التجارة؟ فقال: وجدت الكفيل ثقة.
وروي انّ الله تعالى يقول: من اعتصم بي دون خلقي ضمنت السماوات والأرض رزقه، فإن دعاني أجبته، وان استعطاني أعطيته، وان استكفاني كفيته، ومن اعتصم بمخلوق دوني قطعت أبواب(3) السماوات والأرض دونه، ان دعاني لم أجبه، وان سألني لم أعطه، وان استكفاني لم أكفه.
وقال محمد بن عجلان: نَزَلَت بي فاقة عظيمة، ولزمني دين لغريم ملح وليس لمضيقي صديق، فوجهت(4) فيه إلى الحسن بن زيد - وكان أمير المدينة - لمعرفة كانت بيني وبينه، فلقيني في طريقي محمد بن عبد الله بن الباقر (عليه السلام)، فقال: قد بلغني ما أنت فيه من الضيق فمن أملت لمضيقك؟
قلت: الحسن بن زيد، فقال: اذن لا تقضى حاجتك، فعليك بمن هو أقدر الأقدرين وأكرم الأكرمين، فانّي سمعت عمي جعفر بن محمد (عليهم السلام) يقول: أوحى الله إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه:
____________
1- النساء: 71.
2- في "ب": فللتوكل.
3- في "ب" و"ج": أسباب.
4- في "ج": فتوجهت.
الصفحة 241
"وعزّتي وجلالي وعظمتي وارتفاعي لأقطعنّ أمل كل مؤمّل غيري باليأس، ولأكسونّه ثوب المذلّة في الناس، ولابعدنّه من فرجي(1) وفضلي، أيؤمّل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي، ويرجو سواي وأنا الغني الجواد، أبواب الحوائج عندي، وبيدي مفاتيحها وهي مغلقة، فما لي أرى عبدي معرضاً عنّي وقد غطّيته بجودي وكرمي ما لم يسألني، فأعرض عنّي وسأل في حوائجه غيري، وأنا الله لا اله إلاّ أنا، ابتدىء بالعطيّة من غير مسألة، أفأُسأل فلا أجود؟! كلاّ، أليس الجود والكرم لي؟ أليس الدنيا والآخرة بيدي؟ فلو انّ كل واحد من أهل السماوات والأرض سألني مثل ملك السماوات والأرض فأعطيته ما نقص ذلك من ملكي مثل جناح بعوضة، فيا بؤساً لمن أعرض عنّي، وسأل في حوائجه وشدائده غيري".
قال: فقلت له: أعد علىّ هذا الكلام، فعاد ثلاث مرّات فحفظته وقلت في نفسي: لا والله لا أسأل أحداً حاجة، ثم لزمت بيتي فما لبثت أيّاماً إلاّ وأتاني الله برزق، قضيت منه ديني، وأصلحت به أمر عيالي، والحمد لله رب العالمين(2).
____________
1- في "ب": روحي.
2- راجع أمالي الطوسي: 584 ح13 مجلس: 24; عنه البحار 71: 154 ح 67; ونحوه مجموعة ورام 2: 73.
الصفحة 242
الباب السابع والثلاثون
في الشكر وفضل الشاكرين
قال الله تعالى: {واشكروا لي ولا تكفرون}(1).
وقال الله سبحانه: {لئن شكرتم لأزيدنّكم}(2).
وقال: {ومن يشكر فانّما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ الله غني حميد}(3)، يريد به الجحود لنعمته، وحقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم.
وأوحى الله إلى داود (عليه السلام): اشكرني حق شكري، فقال: الهي كيف أشكرك حق شكرك، وشكري اياك نعمة منك؟! فقال: الآن شكرتني حق شكري(4).
وقال داود: يا رب وكيف كان آدم يشكرك حق شكرك، وقد جعلته أبا أنبيائك وصفوتك، وأسجدت له ملائكتك؟! فقال: انّه اعترف انّ ذلك من عندي
____________
1- البقرة: 152.
2- ابراهيم: 7.
3- لقمان: 12.
4- عنه البحار 14: 40 ح 25.
الصفحة 243
فكان اعترافه بذلك حق شكري(1).
وينبغي للعبد أن يشكر على البلاء كما يشكر على الرخاء، وروي انّ الله سبحانه قال: يا داود انّي خلقت الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضّة، وجعلت سقوفها الزمرد، وطليها(2) الياقوت، وترابها المسك الأذفر، وأحجارها الدر واللؤلؤ، وسكّانها الحور العين، أتدري يا داود لمن أعددت هذا؟ قال: لا وعزتك يا الهي، فقال: هذا أعددته لقوم كانوا يعدّون البلاء نعمة، والرخاء مصيبة(3).
ولا شك انّ البلاء من الأمراض وغيرها يوجب العوض على الألم والثواب على الصبر عليه، ويكفّر السيئات، ويذكر بالنعمة أيّام الصحة، ويحث على التوبة والصدقة، وهو اختيار الله تعالى للعبد، وقد قال سبحانه: {ويختار ما كان لهم الخيرة}(4).
عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال: مثل المؤمن مثل كفتي الميزان، كلما زيد في ايمانه زيد في بلائه ليلقى الله عزوجل ولا خطيئة له(5).
والنعم قد تكون استدراجاً فتكون أعظم المصائب، وان لم تكن استدراجاً فانّها توجب الشكر، والشكر أيضاً نعمة توجب الاعتراف بالتقصير، ولا شك انّ زيادة النعم وكثرتها ملهية عن الله تعالى، ولهذا اختار لأوليائه وعباده الصالحين الفقر، وحبس الدنيا عنهم لأنّه قال في بعض وحيه:
"وعزتي وجلالي لولا حيائي من عبدي المؤمن ما تركت له خرقة يواري بها جسده، وانّي إذا أكملت ايمان عبدي المؤمن أبليته بفقر الدنيا في ماله أو مرض في
____________
1- عنه البحار 14: 40 ح 25.
2- في "ج": طينها.
3- عنه معالم الزلفى: 433.
4- القصص: 68.
5- أمالي الطوسي: 631 ح1 مجلس: 25; عنه البحار 67: 243 ح 82.
الصفحة 244
بدنه، فإن هو جزع أضعفت ذلك عليه، وان هو صبر باهيت به ملائكتي".
وتمام [هذا](1) الحديث: "انّي جعلت علياً علماً للايمان، فمن أحبه واتبعه كان هادياً، ومن تركه وأبغضه كان ضالاً، وانّه لا يحبه إلاّ مؤمن، ولا يبغضه إلاّ منافق"(2).
ومن شكر النعمة أن لا يتقوى به أحد على معصية الله تعالى، وشكر العوام على المطعم والملبس، وشكر الخواص على ما يختاره سبحانه من بأساء وضرّاء ومنع(3) غيره.
وروي انّ الصادق (عليه السلام) قال لشقيق: كيف أنتم في بلادكم؟ فقال: بخير يا ابن رسول الله، ان اُعطينا شكرنا، وان مُنعنا صبرنا، فقال له: هكذا كلاب حجازنا يا شقيق، فقال له: كيف أقول: فقال له: هلا كنتم إذا اُعطيتم آثرتم، وإذا مُنعتم شكرتم. وهذه درجته ودرجة آبائه (عليهم السلام).
وروي انّ سبب رفع ادريس إلى السماء انّ ملكاً بشّره بالقبول والمغفرة فتمنّى الحياة، فقال له الملك: لم تمنّيت الحياة؟ قال: لأشكر الله تعالى، فقد كانت حياتي لطلب القبول وهي الآن لبلوغ المأمول، قال: فبسط الملك جناحه ورفعه إلى السماء(4).
والشاكر يلاحظ المزيد لقوله تعالى: {لئن شكرتم لأزيدنّكم}(5)، والصابر مشاهد(6) ثواب البلاء، فهو مع الله لقوله تعالى: {انّ الله مع الصابرين}(7)، فهو
____________
1- أثبتناه من "ب".
2- راجع البحار 81: 195 ح 52.
3- لم يرد في "ج".
4- عنه معالم الزلفى: 80.
5- ابراهيم: 7.
6- في "ج": يشاهد.
7- البقرة: 153.
الصفحة 245
أعلى درجة، ولهذا فضّل معتقد البلوى نعمة على غيره.
وروي انّ اول من يدخل الجنة الحامدون، وعلى كل حال فله الحمد على ما دفع(1)، وله الشكر على ما يقع(2)، وروي انّ الله تعالى أوحى إلى موسى (عليه السلام): يا موسى ارحم عبادي المبتلى منهم والمعافى، قال: يا رب قد عرفت رحمة المبتلي فما بال المعافى؟ قال: لقلّة شكره.
وقوله تعالى: {وان تعدّوا نعمة الله لا تحصوها}(3) أي لا تقوموا بشكرها كلها، وذلك صحيح لأنّ في اللحظة الواحدة ينظر الإنسان نظرات لا تحصى، وتسمع اُدنه حروفاً لا تُحصى، ويتكلّم بلسانه بحروف لا تحصى، وتسكن منه عروق لا يعلم عددها، وتتحرّك منه عروق لا يعلم عددها، ويتنفّس بأنفاس لا تحصى، ويتناول من الهوى أنفاساً لا تحصى، وكذلك تتحرّك جوارحه بحركات كثيرة، فهذا في اللحظة الواحدة فكيف في يومه وسنته وطول عمره؟! صدق الله العلي العظيم.
____________
1- في "ب": ما وقع.
2- في "ج": نفع.
3- ابراهيم: 34.
الصفحة 246
الباب الثامن والثلاثون
في مدح الموقنين
قال الله تعالى: {والذين يؤمنون بما اُنزل إليك وما اُنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}(1).
فمدح الموقنين بالاخرة يعني المطمئنّين بما وعد الله فيها من ثواب وتوعد من عقاب، كأنّهم قد شاهدوا ذلك، كما روي انّ سعد بن معاذ دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال (صلى الله عليه وآله): كيف أصبحت يا سعد؟ فقال: بخير يا رسول الله، أصبحت بالله مؤمناً موقناً، فقال: يا سعد انّ لكل قول حقيقة، فما مصداق ما تقول؟
فقال: يا رسول الله ما أصبحت فظننت انّي اُمسي، ولا أمسيت فظننت أنْ اُصبح، ولا مددت خطوة فظننت انّي اُتبعها باُخرى، وكأنّي بكل امة جاثية، وكل امة معها كتابها ونبيّها وامامها تدعى إلى حسابها، وكأنّي بأهل الجنة وهم يتنعّمون، وبأهل النار وهم يعذّبون، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا سعد عرفت
____________
1- البقرة: 4.
الصفحة 247
فالزم.
فلما صح يقينه كالمشاهدة أمره باللزوم، واليقين هو مطالعة أحوال الآخرة على سبيل المشاهدة، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. فدل على انّه مشاهد(1) الآخرة مع الغيب عنها.
وقال (عليه السلام): ما منكم إلاّ ومن قد عاين الجنة والنار ان كنتم تصدقون بالقرآن. وصدق (عليه السلام) لأنّ اليقين بالقرآن يقين بكل ما تضمّنه من وعد ووعيد، وهو أيضاً في قلب العارف كالعلم البديهي الذي لا يندفع، ولأجل هذا منعنا من انّ المؤمن يكفر بعد المعرفة.
فإن عارض أحد بقوله تعالى: {انّ الذين آمنوا ثم كفروا}(2) قلنا: آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}(3)، فالاسلام نطق باللسان، والايمان نطق باللسان واعتقاد بالقلب، فلما علم سبحانه انّه لم يعتقدوا ما نطقوا به حقاً نفى عنهم انّهم مؤمنون.
فأوّل مقامات الايمان المعرفة ثم اليقين ثم التصديق ثم الاخلاص ثم الشهادة بذلك كلّه، والايمان اسم لهذه الاُمور كلّها، فأوّلها النظر بالفكر في الأدلّة ونتيجته المعرفة، فإذا حصلت لزم التصديق، وإذا حصل التصديق والمعرفة أنتجا اليقين، فإذا صحّ اليقين جالت أنوار السعادة في القلب بتصديق ما وعد به من رزق في الدنيا وثواب في الآخرة، وخشعت الجوارح من مخافة ما توعد من العقاب، وقامت بالعمل والزجر عن المحارم.
وحاسب العقل النفس على التقصير في الذكر والتنبيه على الفكر، فأصبح صاحب هذه الحال نطقه ذكراً، وصمته فكراً، ونظره اعتباراً، واليقين يدعو إلى قصر
____________
1- في "ج": يشاهد.
2- النساء: 137.
3- النساء: 137.
الصفحة 248
الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد ينتج النطق بالحكمة لخلوّ البال من هموم الدنيا، لقوله (عليه السلام): من زهد في الدنيا استراح قلبه وبدنه، ومن رغب فيها تعب قلبه وبدنه. فلا يبقى له نظر إلاّ إلى الله ولا رجوع إلاّ إليه، كما مدح الله سبحانه ابراهيم (عليه السلام) بقوله: {انّ ابراهيم لحليم أوّاه منيب}(1).
وعلى قدر يقين العبد يكون اخلاصه وتقواه، وهذه الأحوال الصحيحة توجب لصاحبها حالاً لا يراها بين اليقظة والنوم، ويحصل باليقين ارتفاع معارضات الوساوس النفسانية لأنّه رؤية العيان بحقائق الايمان.
وهو أيضاً ارتفاع الريب بمشاهدة الغيب، وهو سكون النفس دون جولان الموارد، ومتى استكمل القلب حقائق اليقين صار البلاء عنده نعمة، والرخاء مصيبة حتّى انّه يستعذب البلاء، ويستوحش لمطالعة العافية.
____________
1- هود: 75.
الصفحة 249
الباب التاسع والثلاثون
في الصبر وفضله
قال الله تعالى: {واصبر وما صبرك إلاّ بالله}(1).
وقال سبحانه: {واصبر على ما أصابك}(2).
وقال الله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة}(3). فجعل الصبر معونة على الصلاة، بل هو معونة على كل طاعة، وترك كل معصية وبليّة.
وقال سبحانه: {وبشّر الصابرين}(4) يعنى بعظيم الثواب وحسن الجزاء، وأوجب صلاته ورحمته عليهم، فقال: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا انّا لله وانّا إليه راجعون * اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة واولئك هم المهتدون}(5).
وقال سبحانه: {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار}(6).
____________
1- النحل: 127.
2- لقمان: 17.
3- البقرة: 45.
4- البقرة: 155.
5- البقرة: 155.
6- الرعد: 24.
الصفحة 250
فسلّم على الصابرين، وجعل لهم عقبى الدار الآخرة، والصبر على ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على المصيبة.
وقال علي (عليه السلام): الصبر مطية لا تكبوا بصاحبها(1).
والصبر على المصيبة مصيبة للشامت، ولا شك انّ الصابر محرز أجرها، ويكبت عدوّه بصبره، ويسلم من ضرر الجزع بشق ثوب أو ألم في بدنه، والجازع يدخل عليه بجزعه ثلاث آفات: يحبط أجره، ويشمت عدوّه، ويدخل الضرر على نفسه بما يلحقه من الألم، وصبر الصابر مصيبة للشامت.
وينبغي للعاقل أن تحدث له المصيبة موعظة، لأنّ من الجائز أن يكون موضع المفقود، فهو أحق بالحمد لله والثناء عليه، ويحدث في نفسه الاستعداد بمثل ما نزل بغيره من موت أو بلية يستدفعها بالدعاء.
وينبغي للانسان أن يطمئنّ قلبه ونفسه على البلايا والرزايا العظيمة حتّى إذا نزل به قليلها عدّه نعمة في جنب غيره، وأحسن مقامات الإنسان أن ينظر في المصائب و البلايا وضيق المعاش والفاقة والفقر إلى من هو أكبر منه بليّة، فيصير حاله عنده نعمة.
وينظر في عمل الخير إلى من هو فوقه، فيستقلّ عمله ويزري على نفسه، ويحثّها على اللحاق بمن هو فوقه في صالح العمل، وهكذا يكون من يريد صلاح(2)نفسه، وعظيم صبره، وقلّة همّه وغمّه.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا ايمان لمن لا صبر له(3).
____________
1- كنز الكراجكي: 58; عنه البحار 71: 96 ح 61.
2- في "ب": اصلاح.
3- الكافي 2: 89 ح4; عنه البحار 71: 81 ح17; وكنز الكراجكي: 58.
الصفحة 251
وقال: انّا وجدنا الصبر على طاعة الله أيسر من الصبر على عذابه(1).
وقال: اصبروا على عمل لا غنى لكم عن ثوابه، واصبروا عن عمل لا طاقة لكم على عقابه(2).
وحقيقة الصبر تجرّع الغصص عند المصائب، واحتمال البلايا والرزايا، وغاية الصبر أن لا يفرق بين النعمة والمحنة، ويرجح المحنة على النعمة للعلم بحسن عاقبتها، والصبر(3): السكون عند البلاء مع تحمّل أثقال المحنة عند عظمها.
قال المصنف رحمة الله عليه:
صبرت ولم اُطلع هواي على صبري * * * وأخفيت ما بي منك عن موضع الصبر
مخافة أن يشكو ضميري صبابتي * * * إلى دمعتي سرّاً فتجري ولا أدري
قيل: أوحى الله إلى داود (عليه السلام): تخلّقوا(4) بأخلاقي، فإنّ من أخلاقي انّي أنا الصبور، والصابر ان مات مع الصبر مات شهيداً، وان عاش عاش عزيزاً، واعلموا انّ الصبر على المطلوب عنوان الظفر، والصبر في المحن عنوان الفرج.
وقد مدح الله سبحانه عبده أيوب: {انّا وجدناه صابراً نعم العبد انّه أوّاب}(5).
وروي انّه لما اشتد به البلاء قالت له امرأته يوماً: انّ دعاء الأنبياء مستجاب فلو سألت الله كَشْف ما بك، فقال لها: يا هذه قد متّعنا الله بالنعم سبعين سنة، فدعينا نصبر على بلائه مثل ذلك.
وروي انّه لما جاءت امرأته إليه وقد باعت أحد ظفائرها لقوته شقّ عليه
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 11: 261 ح 12938; وفي البحار 77: 380.
2- عنه مستدرك الوسائل 11: 261 ح 12939; وفي البحار 77: 380.
3- في "ج": التصبر.
4- في "ج": تخلّق.
5- ص: 44.
الصفحة 252
ذلك، فنصب نفسه بين يدي الله تعالى ثم قال: يا رب انّك أبليتني بفقد الأهل والأولاد فصبرت، وبالمرض الفلاني فصبرت، ثم أعدد أمراضه، فإذا النداء من قبل الله: يا أيوب لمن المنّة عليك في صبرك؟
فقال: اللهم لك، اللهم لك، وصار يحثو التراب على رأسه ويبكي ويقول: اللهم لك، اللهم لك، فجاءه النداء: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب}(1)، فركض برجله فنبعت عين عظيمة، فاغتسل منها فخرج وجسمه كاللؤلؤة البيضاء، وجاء جراد كلّه ذهب فصاده هو وأهله، وأحيى الله تعالى له من مات من ولده وأهله، ورزقه من النساء اللاتي تزوجهنّ أولاداً كثيرة، كما قال تعالى: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منّا وذكرى لاُولي الألباب}(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله، ومن صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن العزاء كتب الله له بكل صبرة ثلاثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى علوّ العرش.
ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش(3)، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش(4).
____________
1- ص: 42.
2- ص: 43.
3- في "ب": إلى السماء.
4- مجموعة ورام 1: 40.
الصفحة 253
الباب الأربعون
في المراقبة
قال الله تعالى: {وكان الله على كل شيء رقيباً}(1).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله) لبعض أصحابه: اعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك(2).
وهذا اشارة إلى المراقبة، لأنّ المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه في كل حالاته، وملاحظة الإنسان لهذا الحال هو المراقبة، وأعظم مصالح العبد استحضاره مع عدد أنفاسه انّ الله تعالى عليه رقيب ومنه قريب، يعلم أفعاله، ويرى حركاته، ويسمع أقواله، ويطلع على أسراره، وانّه يتقلّب في قبضته، وقلبه وناصيته بيده، وانّه لا طاقة له على التستر عنه، ولا على الخروج عن سلطانه.
قال لقمان لابنه: يا بني إذا أردت أن تعصي الله فاطلب مكاناً لا يراك فيه. اشارة منه له انّك لا تجد مكاناً لا يراك فيه فلا تعصه، وقال تعالى: {وهو معكم أين
____________
1- الأحزاب: 52.
2- راجع البحار 77: 76.
الصفحة 254
ما كنتم}(1).
وكان بعض العلماء يرفع شاباً على تلاميذه كلهم، فلاموه في ذلك، فأعطى كل واحد منهم طيراً وقال: اذبحه في مكان لا يراك فيه أحد، فجاؤوا كلهم بطيورهم وقد ذبحوها، وجاء الشاب بطيره وهو غير مذبوح. فقال: لم لا تذبحه؟ فقال: لقولك لا تذبحه إلاّ في مكان لا يراك فيه أحد، ولا يكون مكان إلاّ يراني فيه الواحد الأحد الفرد الصمد، فقال له: أحسنت، ثم قال لهم: لهذا رفعته عليكم وميّزته منكم(2).
ومن علامات المراقبة ايثار ما آثر الله، وتعظيم ما عظّم الله، وتصغير ما صغّر الله، فالرجاء يحرك(3) على الطاعات، والخوف يبعد عن المعاصي، والمراقبة تؤدّي إلى طريق الحياء وتحمل على ملازمة الحقائق والمحاسبة على الدقائق.
وأفضل الطاعات مراقبة الحق سبحانه على دوام الأوقات، ومن سعادة المرء أن يلزم نفسه المحاسبة والمراقبة وسياسة نفسه باطلاع الله ومشاهدته لها، وانّها لا تغيب عن نظره، ولا تخرج عن علمه.
وينبغي للواعظ غيره أن يعظ نفسه قبلهم، ولا يغرّه اجتماع الناس عليه واستماعهم منه، فانّهم يراقبون ظاهره والله شهيد على ما في باطنه.
روي انّ بعضهم رأى شاباً حسن العبادة والاجتهاد فقال: يا فتى على ما بنيت أمرك؟ فقال: على أربع خصال، قال: وما هي؟ قال: علمت انّ رزقي لا يفوتني منه شيء وانّ وعد الله حق فاطمأننت إلى وعده، والثانية علمت انّ عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، والثالثة علمت انّ أجلي يأتيني بغتة فبادرته، والرابعة علمت انّي لا أغيب عن نظر الله في سرّي وعلانيتي، فأنا مراقبه في كل أحوالي.
____________
1- الحديد: 4.
2- مجموعة ورام 1: 235 نحوه.
3- في "ج": يحثك.
الصفحة 255
الباب الحادي والأربعون
في ذم الحسد
قال الله تعالى: {قل أعوذ برب الفلق * من شرّ ما خلق}، وعدّد المستعاذ منهم، ثم ختم السورة بقوله: {ومن شرّ حاسد إذا حسد}(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اياكم وثلاث خصال فانّهنّ رأس كل خطيئة: اياكم والكبر، فإنّ ابليس حمله الكبر على ترك السجود لآدم فلعنه الله وأبعده، واياكم والحرص، فإنّ آدم حمله الحرص على أن أكل من الشجرة، واياكم والحسد فإنّ قابيل ابن آدم حمله الحسد على قتل أخيه هابيل، والحاسد جاحد لانّه لم يرض بقضاء الله.
واعلم انّ الحسود لا يسود، وجاء في تأويل قوله تعالى: {قل انّما حرّم ربّي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}(2)، قيل: ما بطن الحسد، وقال تعالى في بعض كتبه [المنزلة](3): الحاسد عدوّ نعمتي، والحسد يبين في الحاسد قبل المحسود.
____________
1- الفلق: 5-1.
2- الأعراف: 33.
3- أثبتناه من "ب".
الصفحة 256
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لله در الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله(1).
وقال بعضهم: الحمد لله الذي لم يجعل في قلوب الاُمراء والولاة ما في قلب الحاسد، فكان يهلك الناس جميعاً.
وروي انّ في السماء الخامسة ملكاً تمرّ به الأعمال، فربما مرّ به عمل كالشمسيضيء نوراً فيرده ويقول: هذا فيه حسد فاضربوا به وجه صاحبه، وما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم إلاّ الحاسد، وكل أحد في رضاه سبيل إلاّ الحاسد لا طريق إلى رضاه، لأنّه لا يرضيه إلاّ زوال نعمة المحسود.
ومن علامة الحاسد انّه يشمت بزوال نعمة الذي يحسده ومصائبه، ومن علامته أيضاً انّه يتملّق إذا حضر، ويغتابه إذا غاب عنه من يحسد.
وروي انّ موسى (عليه السلام) رأى رجلاً عند العرش فغبطه وقال: يا رب بم نال هذا ما هو فيه من سكناه تحت ظلال عرشك؟ فقال: انّه لم يكن يحسد الناس.
والحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى عثرة شمت، وينبغي لمن أراد السلامة من الحاسد أن يكتم عنه نعمته، وأعظم الأخلاق المذمومة الحسد والغيبة والكذب، فإذا كان الحاسد همّه نشر خصائل المحسود فانّه ينشر فضائله من حيث لا يعلم، ولقد أحسن الشاعر في قوله:
وإذا أراد الله نشر فضيلة * * * طويت أتاح لها لسان حسود
ولقد أحسن الشاعر أيضاً:
وكيف يرجى ودّ حسود(2) نعمة * * * إذا كان لا يرضيه إلاّ زواله
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب،
____________
1- البحار 73: 241.
2- في "ب": حاسد.
الصفحة 257
فلا تحاسدوا(1).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ولا تحاسدوا فإنّ الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب(2).
وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) قد شهدا بانّ الحسد يأكل الايمان والحسنات فأيّ شيء يبقى مع العبد مع(3) ذهاب الايمان والحسنات، فتحرّروا منه تستريح قلوبكم وأبدانكم من التعب والاثم، ولقد سرّني اننّي قد مثلت في نفسي انّ عينيّ(4) لو تحوّلتا إلى رأس غيري لم أحسده، إذ قد فات الأمر في ذلك ولم يبق الا الصبر والاحتساب، وانّ الحزن والحسد بعد فوات ذلك مصيبة ثانية.
فتمثّلوا رحمكم الله آخر الأمر تستريحوا وتفوزوا، فالعاقل يحسب آخر الامور فيقف عندها ولا يتجاوزها، ومتى كان الغالب على القلب الفكر وعلى اللسان الذكر، فإنّ العبد لا يتخلّى مع ذلك لحسد ولا لشيء من المعاصي وغيرها، وانّ الذكر والفكر سيف قاطع لرأس كل شيطان من الجن والانس، وجنّة واقية من الغفلة، وخير الذكر الخفي.
____________
1- المجازات النبويّة: 210 ح 193; عنه البحار 73: 257 ح 30.
2- تحف العقول: 101; عنه البحار 77: 291 ح 2.
3- في ""ج": بعد.
4- في "ج": انّ عقلي لو تحوّل.
الصفحة 258
الباب الثاني والأربعون
في فراسة المؤمن
قال الله تعالى: {انّ في ذلك لآيات للمتوسمين}(1)، قيل: المتفرسون.
قال النبي (صلى الله عليه وآله): اتقوا فراسة المؤمن فانّه ينظر بنور الله(2)، يعني ينظر بنور وهبه الله له.
وروي عن اُويس رحمه الله انّه لما قصده حيان بن هرم قال له حين رآه: السلام عليك يا أخي حيان بن هرم، فقال له: من أين لك معرفتي ولم ترني؟ فقال له: المؤمن ينظر بنور الله، وانّ أرواح المؤمنين تسام كما تسام الخيل.
والفراسة أنوار سطعت في القلوب لحقائق الايمان، ومعرفة تمكّنت في النفوس فصدرت من حال إلى حال حتّى شهدت الأشياء من حيث أشهدها سيدها ومولاها، فنطقت عن ضمائر قوم وأمسكت عن آخرين، والفراسة أيضاً نتيجة اليقين، وطريق المؤمنين.
____________
1- الحجر: 75.
2- بصائر الدرجات: 377 ح 10; عنه البحار 67: 74 ح 4.
الصفحة 259
وسُئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن قوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام}(1) قال: يقذف في قلبه نوراً فينشرح ويتوسّع.
والتفرس من خواص أهل الايمان، سطعت في قلبه أنواراً فأدرك بها المعاني، ومن غضّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشهوات، وعمّر باطنه بصفاء السريرة ومراقبة الله تعالى، وظاهره باتباع الكتاب والسنة، ولم تدخل معدته الحرام، وخرس لسانه من الكذب والغيبة ولغو القول لم تخط فراسته.
وينبغي لمن جالس أهل الصدق أن يعاملهم بالصدق، فإنّ قلوبهم جواسيس القلوب، وينبغي الكون معهم لقوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}(2)، يعني المعلوم لهم الصدق، وهم أهل بيت محمد (صلى الله عليه وآله) أجمعين.
والدليل على صدقهم قوله تعالى: {انّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً}(3)، والكذب أيضاً رجس.
وقال (صلى الله عليه وآله): انّي تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض.
فأمر باتباعهم إلى يوم القيامة، فدلّ ذلك على انّ كل زمان يكون منهم من يقوم بالكتاب والعمل به في تفسيره وتفصيل حلاله وحرامه، ولم يقل بذلك سوى الشيعة الاثنى عشرية. فدلّ هذا التفصيل على صدقهم أيضاً فيجب الكون معهم، وانّ الصدق مفتاح كل خير، ومغلاق باب كل سوء، وما لزمه إلاّ كل من نجى من ورطات الذنوب وفضيحات العيوب.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الصادق على شرف منجاة، والكاذب على
____________
1- الأنعام: 125.
2- التوبة: 119.
3- الأحزاب: 33.
الصفحة 260
شفا مهواة ومهانة(1).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لا يزال العبد يصدق حتّى يكتبه الله صدّيقاً، ولا يزال يكذب حتّى يكتبه الله كذّاباً(2).
والصدق عماد الدين ونجاة المسلمين، وهو تالي درجة النبوة، ورأس الفتوّة، وموجب مرافقة النبيين، قال الله تعالى: {فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقاً}(3).
والصادق اسم لازم للصدق، والصدّيق المبالغ فيه، المتحرّي له في أقواله وأفعاله وكل حالاته التي تصدق قوله فعله، ومن أراد أن يكون الله معه فليلزم الصدق، فإنّ الله تعالى يقول: انّ الله مع الصادقين.
والمداهن لا يشمّ رائحة الجنّة، والصادق الذي لو كشف سرّه لما خالف ظاهره، وقد قال الله تعالى: {فتمنّوا الموت ان كنتم صادقين}(4)، يعني في انّكم أحباء الله وأولياؤه، لأنّ الحبيب يتمنّى لقاء حبيبه.
والصدق علامة صحّة المعرفة والمهابة والمراقبة له لمشاهدته حال المخلوقين في أسرارهم وخلواتهم، ومعاملة الله تعالى بالصدق ساعةً خير من الضرب بالسيف في سبيل الله سنةً، ومن عامل الله تعالى بالصدق في عباده أعطاه الله من نور الفراسة ما يبصر به كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة، فعليكم بالصدق من حيث يضرّكم فانّه ينفعكم، وايّاكم والكذب من حيث ينفعكم فانّه يضرّكم.
وعلامة الكذب(5) تبرّعه باليمين من غير أن يحلّفه أحد، فانّه لا يحلف الرجل
____________
1- تحف العقول: 101; عنه البحار 77: 294 ح 2.
2- الكافي 2: 338 ح 2; عنه البحار 72: 235 ح 2.
3- النساء: 69.
4- الجمعة: 6.
5- في "ب": الكذّاب.
الصفحة 261
في حديثه إلاّ لأحدى خصال ثلاث: اما لعلمه انّ الناس لا يصدّقونه إلاّ إذا حلف لمهانته عندهم، أو لتدليس كذبه عندهم، أو لغو في النطق يتّخذ حلفه حشو في كلامه.
والصدق مجلبة للرزق، لقوله (عليه السلام): الصحة والصدق يجلبان الرزق. والصدق هو أصل الفراسة، والفراسة الصادقة هي أول خاطر من غير معارض، فإن عرض عارض فهو من وساوس النفس.
وجاء في قوله تعالى: {أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس}(1)، أي ميت الذهن، فأحياه الله بنور الايمان والفراسة، وقوله: {كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها}(2)، يعني الكافر في ظلمات كفره لا نور له ولا فراسة ولاسبب يستضيء به عند ظلمة نفسه، فاعتبروا يا اُولي الأبصار.
____________
1- الأنعام: 122.
2- الأنعام: 122.
الصفحة 262
الباب الثالث والأربعون
في حسن الخلق وثوابه
قال الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله): {وانّك لعلى خلق عظيم}(1)، مادحاً له بذلك وكفى بذلك مدحة.
وقيل: انّ سبب نزول هذا الآية انّه كان قد لبس برداً نجرانياً ذا حاشية قويّة، فبينما هو يمشي إذ جذبه أعرابي من خلفه فحزّت في عنقه، وقال له: أعطني عطائي يا محمد، فالتفت إليه صلوات الله عليه وآله متبسّماً وأمر له بعطائه، فنزل قوله تعالى: {وانّك لعلى خلق عظيم}، فمدحه الله بهذه مدحة لم يمدح بها أحداً من خلقه.
وسئل النبي (صلى الله عليه وآله): أيّ المؤمنين أفضلهم ايماناً؟ فقال: أحسنهم خلقاً(2).
وقال الصادق (عليه السلام): أكمل المؤمنين ايماناً أحسنهم خلقاً(3).
____________
1- القلم: 4.
2- راجع البحار 71: 395 ح 70.
3- أمالي الطوسي: 139 ح40 مجلس: 5; عنه البحار 71: 389 ح 44.
الصفحة 263
وقال: انّ الصبر والصدق وحسن الخلق والحلم من اخلاق الأنبياء(1). وما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة شيء أفضل من حسن الخلق(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الخلق الحسن يذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد، وانّ الخلق السيّىء يفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل(3).
وقال: انّ حسن الخلق ينبت(4) المودّة، وحسن البشر يذهب بالسخيمة، ومن أيقن بالخلف سخت(5) نفسه بالنفقة، فاستنزلوا الرزق بالصدقة، واياكم أن يمنع أحدكم من [ذي ]حق [حقه] فينفق مثله في معصية.
وقال: انّ حسن الخلق يبلغ درجة الصائم القائم(6).
وقال (عليه السلام): انّ الله يعطي العبد على حسن خلقه من الثواب كما يعطي المجاهد في سبيل الله(7).
وقال: الرفق يمن، والخرق شؤم(8).
وقال: أقربكم منّي غداً في الموقف أصدقكم للحديث، وأداكم للأمانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقاً(9).
وقال: يا بني عبد المطلب إفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وأطيبوا الكلام، تدخلوا الجنة بسلام(10).
____________
1- الخصال: 251 ح 121 باب 4; عنه البحار 74: 394 ح 17.
2- الكافي 2: 99 ح 2; عنه البحار 71: 374 ح 2.
3- راجع البحار 71: 395 ح 74.
4- في "ج": يثبت.
5- في "ب": سمحت.
6- الكافي 2: 103 ح 18; عنه البحار 71: 381 ح 16.
7- الكافي 2: 101 ح 12; عنه البحار 71: 377 ح 10.
8- الكافي 2: 119 ح 4; عنه البحار 75: 59 ح 23.
9- روضة الواعظين: 377; والبحار 69: 381 ح 41 نحوه.
10- المحاسن 2: 141 ح 3; عنه البحار 74: 10 ح 40.
الصفحة 264
وقال أبو حمزة الثمالي: قال علي بن الحسين (عليه السلام): انّ أحبّكم إلى الله أحسنكم خلقاً، وأعظمكم عملاً أشدّكم فيما عند الله رغبة، وأبعدكم من عذاب الله أشدّكم خشية، وأكرمكم عند الله أتقاكم(1).
وقال الصادق (عليه السلام) لجراح المدائني: ألا [اُحدّثك](2) بمكارم الأخلاق؟ قال: بلى، قال: الصفح عن الناس، ومواساة الرجل أخاه في الله، وذكر الله كثيراً(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحلم الناس الذين إذا غضبوا عفوا، وأصبرهم أكظمهم للغيظ، وأغناهم أرضاهم بما قسّم الله، وأحبّهم إلى الله أكثرهم ذكراً، وأعدلهم من أعطى الحق من نفسه، وأحبّ للمسلمين ما يحبّ لنفسه، وكره لهم ما يكره لنفسه.
وقال الحسين بن عطية: قال أبو الحسن (عليه السلام): مكارم الأخلاق عشرة، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فانّها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في ولده ولا تكون فيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحر: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، وإعطاء السائل، والمكافاة على الصنائع، والتذمّم للجار وللصاحب، ورأسهنّ الحياء وكثرة الذكر(4).
وقال ابو عبد الله (عليه السلام): من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيّته زيد في رزقه، ومن حسن برّه بأهل بيته مدّ في عمره(5).
وقال (عليه السلام): لا تغتروا بصلاتهم وصيامهم، فإنّ الرجل ربما لهج
____________
1- راجع البحار 104: 73 ح 25.
2- أثبتناه من "ب"، وفي "الف" و"ج": اُحدّثكم.
3- معاني الأخبار: 191 ح2; عنه البحار 69: 372 ح 18.
4- الكافي 2: 55 ح 1; عنه البحار 70: 367 ح 17.
5- الكافي 2: 105 ح 11; عنه البحار 71: 8 ح 9.
الصفحة 265
بالصلاة والصيام حتّى لو تركها استوحش لذلك، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الأرحام، والبرّ بالإخوان(1).
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلّمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم المنقري، قال: كان عنده ضيف فجاءت جارية بشواء في سفود(2)، فوقع على ابن له فمات من ساعته، فدهشت الجارية فقال لها: لا روع ولا خوف ولا جزع عليك، وأنت حرّة لوجه الله.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه، وحسن الخلق(3).
وعنه (عليه السلام): ثلاثة لا تعرف إلاّ في ثلاثة: لا يعرف الحليم إلاّ في الغضب، ولا الشجاع إلاّ عند الحرب، ولا الأخ الا عند الحاجة(4).
وتبع الأحنف رجل يشتمه في طريقه، فلما قرب من داره قال له: يا هذا ان كان بقي في نفسك شيء فقله قبل أن يسمعك خدمي وقومي فيقتلوك.
ودعا علي بن الحسين (عليه السلام) عبداً له فلم يجبه مرات، فقال له: ما منعك من جوابي؟ فقال: أمنت عقوبتك، فقال: امض فأنت حرٌّ لوجه الله تعالى(5).
ومن حسن الخلق انّ العبد يعطي الناس من نفسه ما يحبّ أن يعطوه من أنفسهم، وهو أيضاً احتمال ما يقع من جفاء الناس، واحتمالهم من غير ضجر ولا حرد، وقال موسى (عليه السلام) في مناجاته: أسألك يا رب أن لا يقال فيّ ما ليس فيّ، فقال: يا موسى ما فعلت هذا لنفسي فكيف لك؟!.
____________
1- الكافي 2: 104 ح 2; عنه البحار 71: 2 ح 2.
2- السَّفُود والسُّفُود ـ بالتشديد ـ: حديدة ذات شعب مُعَقَّفَة معروف يُشوى به اللحم، وجمعه سفافيد. (لسان العرب) 3- مجموعة ورام 1: 90; وروضة الواعظين: 376.
4- تحف العقول: 233; عنه البحار 78: 229 ح 9.
5- ارشاد المفيد: 258; عنه البحار 46: 56 ح 6 نحوه.
الصفحة 266
والخلق الحسن احتمال المكروه مع بسط الوجه وتبسّم السنّ، وسئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الشؤم، فقال: سوء الخلق(1).
وقيل: يا رسول الله ادع الله على المشركين يهلكهم الله، قال: انّما بعثت رحمة لا عذاباً.
وقال رجل للرضا (عليه السلام): ما حد حسن الخلق؟ فقال: أن تعطي الناسمن نفسك ما تحبّ أن يعطوك مثله، فقال: ما حدّ التوكّل؟ فقال: أن لا تخاف مع الله أحداً، فقال: احب أن أعرف كيف أنا عندك، فقال: انظر كيف أنا عندك(2).
وقال المتوكل لعليّ الهادي (عليه السلام) كلاماً يعاتبه ويلومه فيه، فقال له: لا تطلب الصفو ممن كدرت عليه، ولا الوفاء ممن صرفت سوء ظنّك إليه، فانّما قلب غيرك لك كقلبك له(3).
وقال (عليه السلام): لا يكمل المؤمن ايمانه حتّى تكون فيه ثلاث خصال، خصلة من ربه، وخصلة من نبيّه، وخصلة من امامه، فاما التي من ربه: فكتمان السرّ فانّه قال تعالى: {فلا يظهر على غيبه احد * إلاّ من ارتضى من رسول}(4). واما من نبيه: [فمداراة الناس](5)، فانّه قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}(6)، واما من امامه: فالصبر على البأسآء والضرّآء فإنّ الله تعالى يقول: {والصابرين في البأسآء والضرآء}(7).
ومن حسن الخلق أن يكون الرجل كثير الحياء، قليل الأذى، صدوق
____________
1- مجموعة ورام 1: 89.
2- أمالي الصدوق: 199 ح 8 مجلس: 42; عنه البحار 71: 134 ح 11.
3- راجع البحار 74: 182 ح 8; عن الدرة الباهرة.
4- الجن: 26-27.
5- أثبتناه من الخصال.
6- الأعراف: 199.
7- الخصال: 82 ح 7 باب 3; عنه البحار 75: 417 ح 71; والآية في سورة البقرة: 177.
الصفحة 267
اللسان، قليل الكذب، كثير العمل، قليل الزلل، وقوراً صبوراً، [رضيّاً](1) تقيّاً شكوراً، رفيقاً عفيفاً شفيقاً، لا نمّام ولا غيّاب ولا مغتاب، ولا عجول ولا حسود ولا بخيل، يحبّ في الله، ويبغض في الله، ويعطي في الله، [ويمنع في الله](2)، ويرضى في الله، ويسخط في الله، يحسن ويبكي كما انّ المنافق يُسيء ويضحك.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ أقرب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة من طال جوعه وعطشه وحزنه في الدنيا، فهم الأتقياء الأنقياء الذين إذا شهدوا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفقدوا، تعرفهم بقاع الأرض، وتحفّ بهم ملائكة السماء، ينعم الناس بالدنيا وتنعّموا بذكر الله.
افترش الناس الفرش وافترشوا الجباه والركب، وَسَعُوا الناس بأخلاقهم، تبكي الأرض لفقدهم، ويسخط الله على بلد ليس فيها منهم احد، لم يتكالبوا على الدنيا تكالب الكلاب على الجيف، شعثاً غبراً تراهم الناس فيظنّون انّ بهم داء وقد خولطوا أو ذهبت عقولهم، وما ذهبت بل نظروا إلى أهوال الآخرة فزال حبّ الدنيا عن قلوبهم، عقلوا حيث ذهبت عقول الناس، فكونوا أمثالهم(3).
وقال ابو عبد الله (عليه السلام): مكارم الدنيا والآخرة أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك(4).
____________
1- أثبتناه من "ب" و"ج".
2- أثبتناه من "ج".
3- مجموعة ورام 1: 100.
4- الكافي 2: 107 ح 3; عنه البحار 71: 399 ح 3، وفيه: تحلم إذا جهل عليك.
الصفحة 268
الباب الرابع والأربعون
في السخاء والجود في الله تعالى
قال الله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}(1).
وقال سبحانه: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}(2).
فمدح سبحانه اهل الايثار وان كان بهم خصاصة، والمعطين(3) الطعام على حبه، قيل: على حب الطعام، وقيل: على حب الله تعالى، ويجوز أن يكون على حبهما معاً، وهذه الآية نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم بلا خلاف.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): السخي قريب من الله، قريب من الناس، [قريب من الجنة](4)، وبعيد من النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، [بعيد
____________
1- الحشر: 9.
2- الإنسان: 8.
3- في "ب" و"ج": المطعمين.
4- أثبتناه من "ج".
الصفحة 269
من الجنة](1)، قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من العابد البخيل(2).
ولا فرق بين الجود والسخاء، ولا يسمّى الله تعالى بالسخي لعدم التوقيف على ذلك من كلامه او كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجلّ كلام العلماء.
وقال علي بن الحسين (عليهم السلام): انّي لاُبادر إلى قضاء حاجة عدوّي خوفاً أن يقضيها له غيري او أن يستغني(3).
وقال آخر: ما احب أن أرد أحداً عن حاجة، اما أن يكون كريماً فأصون عرضه، أو لئيماً فأصون عرضي.
وقال رجل لرجل: من أين أنت؟ فقال: أنا من المدينة، فقال له: لقد أغنانا رجل منكم سكن عندنا وذكره له، فقال له: انّه أتاكم ولا مال له، فقال: ما أغنانا بماله ولكن علّمنا الكرم فجاد بعضنا على بعض.
وروي انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أتاه طالب في حاجة فقال له: اكتبها على الأرض فانّي أكره أن أرى ذلّ السؤال في وجه السائل(4).
وجاء رجل إلى الرضا (عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله قد نفذت نفقتي ولم يبق معي ما يوصلني إلى أهلي، فأقرضني وأنا أتصدق به عنك، فدخل داره وأخرج يده من الباب وقال: خذ هذه الصرّة ـ وكان فيها مائتي دينار ـ وقال: لا حاجة لنا إلى صدقتك، فقال له: يا ابن رسول الله لم لا تخرج وجهك؟ فقال: نحن أهل بيت لا نرى ذلّ السؤال في وجه السائل(5).
وسأل رجل الحسن بن عليّ (عليهم السلام) شيئاً فأعطاه خمسين ألف درهم
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- عنه معالم الزلفى: 322; ونحوه في مجموعة ورام 1: 171; وروضة الواعظين: 385.
3- في البحار 78: 207 ح 64، عن ابي عبد الله (عليه السلام) نحوه.
4- عنه مستدرك الوسائل 7: 238 ح 8131.
5- الكافي 4: 23 ح 3; عنه البحار 49: 101 ح 19 بتفصيل أكثر.
الصفحة 270
وأعطى الجمال طيلسانة وكراه وقال: تمام المروّة إعطاء الاُجرة لحمل الصدقة.
وقيل انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بكى يوماً فسألوه عن سبب بكائه فقال: لنا سبعة أيام لم يأتنا ضيف(1). وما كانوا يبنون بيتاً إلاّ وفيه موضع الضيافة، وضيف الكريم كريم.
وأربعة أشياء لا ينبغي للرجل أن يأنف منها، قيام الرجل في مجلسه لأبيه وإجلاسه فيه، وخدمة الرجل لضيفه، وخدمة العالم لمن يتعلّم منه، والسؤال عما لا يعلم، وكانوا يخدمون الضيف فإذا أراد الرحيل لم يعينوه على رحيله كراهة لرحلته، وأعظم الجود الايثار مع الضرورة الشديدة، كما آثر آل محمد عليه و(عليهم السلام) بالقرص عند حضور افطارهم وباتوا مطوين، فمدحهم الله سبحانه وتعالى بسورة هل أتى.
قال مصنف هذا الكتاب: ينبغي للعبد أن يكون الغالب عليه الايثار، والسخاء، والرحمة للخلق، والاحسان إليهم، فإنّ هذه أخلاق الأولياء، وهو أصل من اُصول النجاة والقرب من الله تعالى، فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): السخاء شجرة من شجر الجنة من تعلّق بغصن(2) منها فقد نجى.
وقال جبرئيل (عليه السلام): قال الله تعالى: هذا دين ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلاّ السخاء وحسن الخلق، فالزموهما ما استطعتم(3).
وقال (عليه السلام): جبل الله أولياءه على السخاء وحسن الخلق(4).
وقالوا: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ فقال: السخاء وحسن الخلق، فألزموهما تفوزوا.
____________
1- راجع إحياء العلوم للغزالي 3: 239، حكايات الأسخياء.
2- في "الف": ببعض منها.
3- مجموعة ورام 1: 170.
4- مجموعة ورام 1: 170.
الصفحة 271
وقال (صلى الله عليه وآله): الرزق إلى السخي أسرع من السكين إلى ذروة البعير، وانّ الله تعالى يباهي بمطعم الطعام الملائكة(1).
وقال: خلقان يحبهما الله: السخاء وحسن الخلق، وخلقان يبغضهما الله: البخل وسوء الخلق(2). ولقد جمع الله تعالى ذلك في قوله: {ومن يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون}(3).
وروي انّ بني عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لاموه في كثرة عطائه، فقال: يا بني انّ الله عوّدني أن يمدني وعوّدته أن أجود به على خلقه، فأخاف أن أقطع العادة فيقطع(4) المادة.
وروي انّه دخل ذات يوم إلى حائط له وفيه عبد لجاره وبين يديه ثلاثة أقراص، فدخل إليه كلب فرمى له بواحد ثم الآخر ثم الآخر، فقال له: هلاّ أكلت منها وأطعمته؟ فقال: انّه غريب جائع فآثرته على نفسي، فقال عبد الله: تلوموني على السخاء وهذا أسخى منّي، ثم اشتراه وأعتقه وملكه الحائط(5).
والعجب لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة فإنّ الجود لا يفنيها، أو هي مدبرة فإنّ البخل لا يبقيها، ولقد أحسن من قال:
إذا جادت الدنيا عليك فجد به * * * على الناس طراً قبل أن تتفلّت
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت * * * ولا البخل يبقيها إذا هي ولّت
وروي انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لكميل بن زياد: يا كميل مر أهلك أن يروحوا في المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم، فوالذي وسع سمعه
____________
1- مجموعة ورام 1: 171.
2- مجموعة ورام 1: 170 نحوه.
3- الحشر: 9.
4- في "ج": فتنقطع.
5- مجموعة ورام 1: 173 نحوه.
الصفحة 272
الأصوات ما من أحد أودع قلباً سروراً الا وخلق الله من ذلك السرور لطفاً، إذا نابته نائبة انحدر عليها كالسيل في انحداره، فيطردها كما يطرد غرائب الابل(1).
وقال (عليه السلام): تنافسوا إلى المكارم، وسارعوا إلى الغنائم، واعلموا انّ حوائج الناس اليكم من نعمة الله تعالى(2) عليكم، وأجود الناس من يعطي من لا يرجوه، ومن نفّس عن مؤمن كربة نفّس الله عنه اثنين وسبعين كربة من كرب الدنيا، واثنين وسبعين كربة من كرب الآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله يحب المحسنين.
وقال (عليه السلام): من تيقّن انّ الله يخلف ما ينفقه لم يمسك عن الانفاق.
وروي انّ الشمس كل يوم تطلع على قرني ملك ينادي: اللهم عجّل لكل منفق خلفاً، ولكل ممسك تلفاً(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أكرم الضيف فقد(4) أكرم سبعين نبياً، ومن أنفق على الضيف درهماً فكأنّما أنفق ألف ألف دينار في سبيل الله عزوجل.
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أتدري ما الشحيح؟ قلت: هو البخيل، قال: الشح أشد من البخل، انّ البخيل يبخل بما في يده والشحيح على ما في أيدي الناس وعلى ما في يديه حتّى لا يرى في أيدي الناس شيئاً إلاّ تمنّى أن يكون له بالحلّ والحرام، ولا يشبع ولا ينتفع(5) بما رزقه الله(6).
وللبخيل ثلاث علامات: يخاف من الجوع، ويخاف من سائل يأتيه، ويرحب باللسان مع اخوان الخير، وللسخي ثلاث علامات: العفو بعد القدرة،
____________
1- نهج البلاغة: قصار الحكم 257; عنه البحار 74: 318 ح 82.
2- في "الف" و "ج": من نعمته.
3- كنز العمال 6: 374 ح 16122 نحوه.
4- في "ب": فكأنّما.
5- في "ب" و"ج": يقنع.
6- تحف العقول: 277; عنه البحار 78: 256 ح130.
الصفحة 273
واخراج الزكاة، وحب الصدقات.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لما خلق الله الجنة قالت: يا رب لمن خلقتني؟قال: لكل سخيّ تقيّ، قالت: رضيت يا رب(1).
وقيل: انّ رجلاً سأل الصادق (عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله ما حد التدبير والتبذير والتقتير؟ فقال: التبذير أن تتصدّق بجميع مالك، والتدبير أن تنفق بعضه، [والتقتير أن لا تنفق من مالك شيئاً](2)، فقال: زدني بياناً يا ابن رسول الله.
[قال:](3) فقبض (صلى الله عليه وآله) قبضة من الأرض وفرّق أصابعه ثم فتح كفّه فلم يبق في يده شيئاً، فقال: هذا التبذير، ثم قبض قبضة اُخرى وفرّق أصابعه فنزل البعض وبقي البعض فقال: هذا التدبير، ثم قبض قبضة اُخرى وضمّ كفّه حتّى لم ينزل منه شيء فقال: هذا التقتير.
وقال (عليه السلام): المؤمن من كان بماله متبرّعاً وعن مال غيره متورّعاً.
وقال (عليه السلام): السخاء اسم شجرة في الجنة ترفع يوم القيامة كل سخي إلى الجنة بأغصانها، والبخل اسم شجرة في النار تقود بأغصانها كل بخيل إلى النار(4).
وقال (عليه السلام): رأيت على باب الجنة مكتوب: أنت محرمة على كل بخيل ومرائي وعاق ونمّام.
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 7: 18 ح 7526; ومعالم الزلفى: 322.
2- أثبتناه من "ج".
3- أثبتناه من "ج".
4- مجموعة ورام 1: 170 نحوه; ومعالم الزلفى: 322.
الصفحة 274
الباب الخامس والأربعون
في سؤال أبي ذر للنبي (صلى الله عليه وآله)
قال أبوذر رحمة الله عليه: دخلت يوماً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في المسجد(1) جالس وحده، فاغتنمت وحدته فقال: يا أباذر انّ للمسجد تحيّة، فقلت: وما تحيّته يا رسول الله؟ فقال: ركعتان، فركعتهما ثم التفتّ إليه فقلت: يا رسول الله أمرتني بالصلاة فما حدّ الصلاة؟ قال: خير موضوع فمن شاء أقلّ ومن شاء أكثر.
فقلت: يا رسول الله أيّ الأعمال أحب إلى الله تعالى، قال: الايمان بالله، ثم الجهاد في سبيله، قلت: يا رسول الله أيّ المؤمنين أكمل ايماناً؟ قال: أحسنهم خلقاً، قلت: فأيّ المؤمنين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده، قلت: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: من هجر السوء، قلت: فأيّ [وقت من](2) الليل أفضل؟ قال: جوف الليل الغابر.
____________
1- في "الف" و "ج": المجلس.
2- أثبتناه من "ج".
الصفحة 275
قلت: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت، قلت: أيّ الصدقة أفضل؟ قال: جهد من مقلّ إلى فقير في سرّ، قلت: فما الصوم؟ قال: فرض مجز وعند الله أضعاف ذلك، قلت: فأيّ الرقاب أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، قلت: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده واهرق دمه.
قلت: فأيّ آية أنزلها عليك أفضل وأعظم؟ قال: آية الكرسي، قلت: يا رسول الله ما كانت صحف ابراهيم (عليه السلام)؟ قال: كانت أمثالاً كلّها، أيّها الملك المغرور المسلّط المبتلى انّي لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عنّي دعوة مظلوم فانّي لا أردّها وان كانت من كافر أو فاجر ففجوره على نفسه.
وكان فيها أمثالاً، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يفكّر في صنع الله عزوجل، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدّم وأخّر، وساعة يخلو فيها لحاجته من الحلال في المطعم والمشرب.
وعلى العاقل أن لا يكون ظاعناً إلاّ في ثلاث: تزوّد لمعاد، أو مرمّة(1) لمعاش، أو لذّة في غيرِ ذات محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما يعنيه.
قلت: يا رسول الله فما كانت صحف موسى (عليه السلام)؟ قال: كانت عبراً كلها، عجباً لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجباً لمن أيقن بالنار كيف يضحك، عجباً لمن أبصر الدنيا وتقلّبها بأهلها حال بعد حال ثم هو يطمئنّ إليها، عجباً لمن أيقن بالحساب غداً ثم لم يعمل، قلت: يا رسول الله فهل في الدنيا(2) شيء مما كان في
____________
1- في "ج": سعي.
2- في "ج": في أيدينا.
الصفحة 276
صحف ابراهيم وموسى مما أنزل الله عليك؟
قال: اقرأ يا أباذر: {قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلّى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * انّ هذا ـ يعني ذكر هذه الأربع آيات ـ لفي الصحف الاُولى * صحف ابراهيم وموسى}(1).
قلت: يا رسول الله أوصني، قال: اُوصيك بتقوى الله فانّه رأس أمرك كله، قلت: يا رسول الله زدني، قال: عليك بتلاوة القرآن وذكر الله فانّه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض، قلت: يا رسول الله زدني، قال: عليك بالجهاد فانّه رهبانيّة اُمّتي، قلت: يا رسول الله زدني، قال: عليك بالصمت إلاّ من خير فانّه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك.
قلت: يا رسول الله زدني، قال: ايّاك وكثرة الضحك فانّه يميت القلب، ويذهب بنور الوجه، قلت: يا رسول الله زدني، قال: انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فانّه أجدر أن لا تزدري نعمة الله تعالى عليك، قلت: يا رسول الله زدني، قال: صل قرابتك وان قطعوك، وحب المساكين وأكثر مجالستهم.
قلت: يا رسول الله زدني، قال: لا تخف في الله لومة لائم، قلت: يا رسول الله زدني، قال: يا أباذر ليردك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى بالرجل عيباً أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه، ويجد عليهم فيما يأتي، قال: ثم ضرب على صدري وقال: يا أباذر لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق(2).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) انّه قال: في خطبة أبي ذر رضي الله عنه: يا مبتغي العلم لا تشغلك الدنيا ولا أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف
____________
1- الأعلى: 19-14.
2- مجموعة ورام 2: 67; وكنز العمال 16: 131 ح 44158; وأورده في أعلام الدين: 204.
الصفحة 277
بتّ فيهم ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، الدنيا والآخرة كمنزل تحوّلت منه إلى غيره، وما بين البعث والموت إلاّ كنومة نمتها ثم استيقظت منها، يا جاهل تعلّم العلم فإنّ قلباً ليس فيه علم كالبيت الخراب الذي لا عامر له(1).
وعن أبي ذر رحمة الله عليه قال: يا باغي العلم قدّم لمقامك بين يدي الله عزوجل فانّك مرتهن بعملك كما تدين تدان، يا باغي العلم صلّ قبل أن لا تقدر على ليل ولا نهار تصلّي فيه، انّما مثل الصلاة لصاحبها كمثل رجل دخل على ذي سلطان فأنصت إليه حتّى فرغ من حاجته، فكذلك المرء المسلم باذن الله تعالى ما دام في الصلاة، لم يزل الله عزوجل ينظر إليه حتّى يفرغ من صلاته.
يا باغي العلم تصدّق قبل أن لا تقدر تعطي شيئاً ولا تمنعه، انّما مثل الصدقة لصاحبها مثل رجل طلبه قوم بدم فقال لهم: لا تقتلوني واضربوا لي أجلاً أسعى في رضاكم، كذلك المرء المسلم باذن الله كلّما تصدّق بصدقة حلّ بها عقدة من رقبته حتّى يتوفّى الله أقواماً وهو عنهم راض، ومن رضى الله عزوجل عنه فقد اُعتق من النار.
يا باغي العلم انّ هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شرّ، فاختم على فمك كما تختم على ذهبك وورقك(2)، يا باغي العلم انّ هذه الأمثال ضربها الله عزوجل للناس [وقال:](3) {وما يعقلها الا العالمون}(4).
يا باغي العلم كأنّ شيئاً من الدنيا لم يكن إلاّ عمل ينفع خيره ويضرّ شرّه إلاّ ما رحم الله عزوجل، يا باغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك فلن يغنوا عنك شيئاً(5).
____________
1- مجموعة ورام 2: 69.
2- في "الف": رزقك.
3- أثبتناه من "ج".
4- العنكبوت: 43.
5- مجموعة ورام 2: 66 بحذف الأخير; وفي أعلام الدين: 207.
الصفحة 278
الباب السادس والأربعون
في الولاية لله تعالى
قال الله تعالى: {ألا انّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(1).
فولاية الله معرفته ومعرفة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، ومعرفة الأئمة من أهل بيته (عليهم السلام)، وموالاتهم وموالاة كافّة أولياء الله، [والمعاداة في الله](2) ومعاداة أعداء الله وأعداء رسوله وأهل بيته، والتبري من كل من لم يدن لهم بدين الإسلام.
وأعظم عرى الايمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، ولا طريق إلى ذلك إلاّ بعد المعرفة لهم، وإذا لم يعرف أولياء الله فيواليهم وأعداء الله فيعاديهم، لا يأمن أن يعادي لله وليّاً أو يوالي لله عدوّاً، فيخرج بذلك عن طريق الولاية بل عن الايمان، وما من شيء من ذلك إلاّ وعليه دلالة من كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، وشرح ذلك مذكور في كتب العلم.
وينبغي للعاقل الالتزام بعرى الايمان، والتحلّي بحلية أهل الولاية، فمن أراد
____________
1- يونس: 62.
2- أثبتناه من "ب".
الصفحة 279
ذلك فليلزم لسانه الذكر، وقلبه الفكر، ويعتزل أهل الدنيا ويجالس الصالحين من أهل العلم، ويتبع آثار الصالحين، ويقتدي بهداهم من الرفض للدنيا، ويقنع من العيش بما حضر.
ويتقرب إلى الله بصالح القربات من صلاة النوافل، والبرّ بالاخوان، وقضاء حوائجهم وصلتهم، والايثار على نفسه بما يقدر عليه، وصيام الأوقات المندوب إليها، وصيانة بطنه عن الحرام، ولسانه عن فضول الكلام، وليعلم انّ الله يتولاّه، فانّه تعالى قال: {وهو يتولّى الصالحين}(1)، فحينئذ لا يكله إلى نفسه بل يتولّى عنايته وحوائجه.
وقال سبحانه: فليأذن بحرب منّي من آذى عبدي المؤمن، أو أخاف لي وليّاً(2).
وقال سبحانه: ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته(3).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة ينادي المنادي: أين المؤذون لأوليائي؟ فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم، فيقال: هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم [العداوة](4) وعاندوهم وعنّفوهم في دينهم، ثم يؤمر بهم إلى جهنّم(5).
وقال (عليه السلام): من حقّر مؤمناً لم يزل الله عزوجل له حاقراً حتّى يرجع عن محقرته ايّاه(6).
____________
1- الأعراف: 196.
2- الكافي 2: 350 ح 1; عنه البحار 75: 152 ح 22 نحوه.
3- المحاسن 1: 454 ح 449; عنه البحار 87: 31 ح 15.
4- أثبتناه من "ج".
5- الكافي 2: 351 ح 2; عنه البحار 75: 154 ح 23.
6- الكافي 2: 351 ح 4; عنه البحار 75: 157 ح 26.
الصفحة 280
وقال: أيّما مؤمن منع مؤمناً شيئاً مما يحتاج إليه وهو قادر عليه من عنده أو من عند غيره أقامه الله يوم القيامة مسوداً وجهه، مزرقة عيناه، مغلولة يداه إلى عنقه، فيقال: هذا الخائن الذي خان الله عزوجل ورسوله (صلى الله عليه وآله) فيؤمر به إلى النار(1).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): من ردّ أخاه المؤمن عن حاجة وهو يقدر على قضائها سلّط الله عليه ثعباناً من نار ينهشه في قبره إلى يوم القيامة(2).
وقال (عليه السلام): من نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه الله عزوجليوم لا ظلّ إلاّ ظلّه(3).
وقال (عليه السلام): من حبس حق المؤمن أقامه الله يوم القيامة خمسمائة عامحتّى يسيل عرقه ودمه، وينادي مناد من عند الله عزوجل: هذا الظالم الذي حبس عن الله عزوجل حقه، فيوبّخ أربعين يوماً ويؤمر به إلى النار(4).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروهاً فأصابه(5) فهو في النار، ومن روّع مؤمناً بسلطان ليصيبه منه مكروهاً فأصابه فهو مع فرعون وآل فرعون في النار، ومن أعان على مؤمن بشطر كلمة لقى الله عزوجل يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله عزوجل(6).
وقال (عليه السلام): من علامة شرك الشيطان الذي لا شك فيه أن يكون الرجل فحّاشاً لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، فانّه لعب به(7).
____________
1- الكافي 2: 367 ح 1; عنه البحار 75: 177 ح 16.
2- الكافي 2: 367 ح 4; عنه البحار 75: 179 ح 19.
3- الكافي 2: 368 ح 1; عنه البحار 75: 151 ح 19; ومجموعة ورام 2: 209.
4- الكافي 2: 367 ح 2; عنه البحار 75: 178 ح 17.
5- زاد في "ج": ولم يصبه.
6- الكافي 2: 368 ح 3-2; عنه البحار 75: 151 ح 21-20.
7- الكافي 2: 323 ح 1.
الصفحة 281
وباسناده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الله حرّم الجنّة على كل فحّاش بذيّ قليل الحياء، لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ من شرار عبيد الله من تكره مجالسته لفحشه(2).
وقال الصادق (عليه السلام): من خاف الناس لسانه فهو في النار(3).
وباسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: أشرّ الناس يوم القيامة الذين يُكْرَمُونَ اتقاء شرّهم(4).
وينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور على البلايا، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لا يظلم الأعداء ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب والناس منه في راحة، والولي كل الولي من توالت أقواله وأفعاله على موافقة الكتاب والسنّة، ومن كان هكذا تولّى الله سياسته(5)باللطف في كل اُموره، وحرسه في غيبته وحضوره، وحفظه في أهله وولده وولد ولده وفي جيرانه، فانّه جاء في الحديث النبوي: انّ الله يحفظ الرجل في ولده وولد ولده ودويرات حوله.
وجاء في تأويل قوله: {وكان أبوهما صالحاً}(6) انّه كان بينهما وبين أبيهما الصالح سبعة أجداد، وقيل: سبعين جداً.
والولي ريحانة الله في أرضه يشمّها المؤمنون، ويشتاق إليها الصالحون، وعلامة الولي ثلاثة أشياء: شغله بالله، وهمّه لله، وفراره إلى الله، وإذا أراد الله أن
____________
1- الكافي 2: 323 ح 3; عنه البحار 63: 206 ح 39.
2- الكافي 2: 325 ح 8; البحار 75: 281 ح 9.
3- الكافي 2: 327 ح 3; عنه البحار 75: 283 ح 11.
4- الكافي 2: 327 ح 4; عنه البحار 75: 283 ح 12.
5- في "ج": سيئاته.
6- الكهف: 82.
الصفحة 282
يوالي عبداً فتح على لسانه ذكره، وعن قلبه قفل فكره، فإذا استلذّ الذكر فتح له باب القرب، ثم فتح عليه باب الاُنس به والوحشة من خلقه، فأجلسه على كرسي الولاية، وعامله بأسباب العناية، وأورثه دار الكرامة، وكشف عن قلبه وبصره غشاوة العماية، فأصبح ينظر بنور الله.
ورفع عنه حزن الرزق، وخوف العدوّ من حيث يحلّ التوكل في قلبه، والرضى بقسمه، ولهذا قال الله تعالى: {ألا انّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}(1) وأمن من أهوال يوم القيامة ونار جهنّم.
____________
1- يونس: 62.
الصفحة 283
الباب السابع والأربعون
فيه من كلام أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام)
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة بطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها عمل الراغبين، إن اُعطى لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يعجز عن شكر ما اُوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي.
يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له، إن سقم ظلّ نادماً، وإن صحّ أمن لاهياً، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطراً، وإن أصابه(1) رجاء أعرض مغتراً.
تغلبه نفسه على ما يظنّ ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله، إن استغنى بطر وقتر، وإن افتقر قنط ووهن، يقصر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل، إن عرضت له شهوة أسلف المعصية
____________
1- في "ج": ناله.
الصفحة 284
وسوّف التوبة، وإن عرته محنة انفرج عن شرائط الملّة.
يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتّعظ، فهو بالقول مدل ومن العمل مقلّ، ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى، يرى المغنم مغرماً والغرم مغنماً، يخشى الموت ولا يبادر الفوت، يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن، ولنفسه مداهن.
اللغو مع الأغنياء أحبّ إليه من الذكر مع الفقراء، يحكم على غيره لنفسه ولا يحكم عليها لغيره، يرشد غيره ويغوي نفسه، فهو يطاع ويعصي، ويستوفي ولا يوفي، ويخشى الخلق في غير ربّه ولا يخشى ربّه في خلقه(1).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): يا نوف خلقنا من طينة وخلق شيعتنا من طينتنا، فإذا كان يوم القيامة اُلحقوا بنا، قال نوف: قلت: صف لي شيعتك يا أمير المؤمنين.
فبكى لذكر شيعته ثمّ قال: يا نوف شيعتي والله الحلماء العلماء بالله ودينه، العاملون بطاعته وأمره، المهتدون بحبّه، أنصار عباده(2)، أحلاس(3) زهادة، صفر الوجوه من التهجد، عمش العيون من البكاء، ذبل الشفاة من الذكر، خمص البطون من الطوى، تعرف الربانية في وجوههم، والرهبانية في سمتهم.
مصابيح كلّ ظلمة، ورياحين كلّ قبيلة، لا يثنون من المسلمين سلفاً، ولا تقفون لهم خلفاً، شرورهم مكنونة، وقلوبهم محزونة، وأنفسهم عفيفة، وحوائجهم خفيفة، أنفسهم منهم في عناء والناس منهم في راحة، فهم الكاسة
____________
1- نهج البلاغة: قصار الحكم 150; عنه البحار 72: 199 ح30.
2- في أمالي الطوسي والبحار: "أنضاء عبادة"، والنضو: المهزول من الابل وغيرها.
3- هكذا في أمالي الطوسي والبحار، وهو الصحيح، وفي النسخ: جلاّس زهادة، والحلس: كساء يلي ظهر البعير تحت القتب، ملازم له، فقيل لكلّ ملازم لشيء: هو حِلْسُهُ.
الصفحة 285
الألبّاء(1)، والخالصة النجباء، وهم الروّاغون(2) فراراً بدينهم، إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفقدوا، اُولئك من شيعتي الأطيبين واخواني الأكرمين، ألا هاه شوقاً إليهم(3).
وعن عليّ (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا الشجرة وفاطمة فرعها وعليّ لقاحها والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا أغصانها، فما من عبد أحبّنا أهل البيت وعمل بأعمالنا، وحاسب نفسه قبل أن يحاسب إلاّ أدخله الله الجنّة(4).
وعن عليّ (عليه السلام) انّه قال: يا نبيّ الله بيّنه لي لأهتدي بهداك لي، فقال: يا عليّ من يهدي الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وانّه عزوجل هاديك ومعلّمك وحق لك أن تعي، لقد أخذ الله ميثاقي وميثاقك وميثاق شيعتك وأهل مودّتك إلى يوم القيامة، فهم شيعتي وذووا مودّتي وهم ذووا الألباب، يا عليّ حق على الله أن ينزلهم في جنّاته ويسكنهم مساكن الملوك، وحق لهم أن يطيبوا(5).
وباسناده مرفوعاً إلى الصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام) انّه سئل: أيّ الأعمال أفضل بعد المعرفة؟ قال: ما من شيء بعد المعرفة يعدل هذه الصلاة، ولا بعد المعرفة والصلاة شيء يعدل الزكاة، ولا بعد الزكاة شيء يعدل الحج، وفاتحة ذلك كلّه معرفتنا وخاتمته معرفتنا ولا شيء بعد ذلك.
كبّر الاخوان، والمواساة ببذل الدينار والدرهم فإنّهما حجران ممسوخان، بهما امتحن الله خلقه بعد الذي عدّدت لك، وما رأيت شيئاً أسرع غنىً ولا أنفى
____________
1- في "ج": الأولياء.
2- قال في البحار: أي يميلون عن الناس ومخالطتهم.
3- أمالي الطوسي: 576 ح3 مجلس 23; عنه البحار 68: 177 ح34.
4- أمالي الطوسي: 611 ح12 مجلس 28; عنه البحار 68: 69 ح126 باختلاف.
5- أمالي الطوسي: 612 ح1 مجلس 29; عنه البحار 38: 316 ضمن حديث 21.
الصفحة 286
للفقر من إدمان حج هذا البيت، وصلاة فريضة تعدل عند الله ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبّلات، ولحجة عند الله خير من بيت مملوء ذهباً، لا بل خير من ملئ الدنيا ذهباً وفضّة ينفق في سبيل الله عزوجل. والذي بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً لقضاء حاجة امرئ مسلم وتنفيس كربته أفضل عند الله من حجة وطواف، وحجة وطواف وعمرة حتّى عدّ عشرة، ثمّ رفع يده.
وقال: اتّقوا الله ولا تملّوا من الخير ولا تكسلوا فإنّ الله عزوجل ورسوله (صلى الله عليه وآله) غنيّان عنكم وعن أعمالكم وأنتم الفقراء إلى الله عزوجل، وإنّما أراد الله عزوجل بلطفه سبباً يدخلكم الجنّة به(1).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: مصافحة المؤمن بألف حسنة(2).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ لله عباداً من خلقه تفزع الناس إليهم في حوائجهم، اُولئك الآمنون من عذاب الله عزوجل(3).
وعنه (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من أفضل الأعمال عند الله عزوجل ابراد الأكباد(4) الحارّة، وإشباع الأكباد الجائعة، والذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعاناً وأخوه ـ أو قال: جاره ـ المسلم جائعاً(5).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من كسى مؤمناً كُسي ألف حلّة، وقُضي له ألف حاجة، وكتب الله له عبادة سنة، وغفر له ذنوبه كلّها وإن كانت أكثر من نجوم السماء، وأعطاه الله يوم القيامة ثواب ألف شهيد، وزوّجه الله تعالى ألف
____________
1- أمالي الطوسي: 694 ح21 مجلس 39; عنه البحار 27: 202 ح71.
2- مستدرك الوسائل 9: 58 ح10200 عن مشكاة الأنوار.
3- البحار 74: 318 ح81 عن دعوات الراوندي.
4- في "ج": الأفئدة.
5- أمالي الطوسي: 598 ح15 مجلس 26; عنه البحار 74: 368 ح58.
الصفحة 287
حوراء، وكتب له براءة من النار وجواز على الصراط.
وعن النبي (صلى الله عليه وآله): إذا تلاقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح، وإذا تفرّقتم فتفرّقوا بالاستغفار.
وعن أبي جعفر (عليه السلام): من مشى في حاجة أخيه المؤمن أظلّه الله عزوجل بخمسة وسبعين ألف ملك، ولم يرفع قدماً إلاّ كتب له بها حسنة، وحطّ بها عنه سيّئة، ورفع له بها درجة، فإذا فرغ من حاجته كتب الله له بها بكلّ ما قضاه له أجر حاجّ ومعتمر.
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): من مشى في حاجة أخيه المؤمن كان أحبّ إلى الله من عتق ألف نسمة، وحمل ألف فرس في سبيل الله مسرّجة ملجّمة.
وقال (عليه السلام): من سعى في حاجة أخيه المسلم طلب وجه الله، كتب الله له ألف ألف حسنة يغفر فيها لأقاربه وجيرانه واخوانه ومعارفه.
وقال (عليه السلام): من أغاث(1) أخاه المؤمن اللهفان عند جهده فنفّس كربته وأعانه على نجاح حاجته، كتب الله له بذلك اثنين وسبعين رحمة يعجّل الله له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته ويدّخر له احدى وسبعين رحمة لإفزاع يوم القيامة وأهواله.
وقال (عليه السلام): أيّما مؤمن نفّس عن مؤمن كربته وهو معسر، يسّر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة(2).
وقال (عليه السلام): من أشبع مؤمناً وجبت له الجنّة، ومن أشبع كافراً كان حقّاً على الله أن يملأ جوفه من الزقوم، وإنّ اشباع(3) رجل من المسلمين أحبّ إليّ
____________
1- في "ج": أعان.
2- الكافي 2: 200 ح5; عنه البحار 74: 322 ح89.
3- في "ج": ولئن أشبع.
الصفحة 288
من إطعام(1) اُفقاً من الناس، قلت: وما الاُفق؟ قال: مائة ألف أو يزيدون(2).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من أطعم ثلاثة نفر من المسلمين أطعمه الله عزوجل من ثلاث جنان في ملكوت السماوات: الفردوس، وجنّة عدن، وطوبى(3).
وقال عليّ (عليه السلام): ما من رجل يدخل بيته مؤمنان ويشبعهما إلاّ كانذلك أفضل من عتق نسمة(4).
وعن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: من أطعم مؤمناً من جوع أطعمه الله من ثمار الجنّة، ومن سقى مؤمناً من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم(5).
وقال الصادق (عليه السلام): من أطعم مؤمناً حتّى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل الاّ الله ربّ العالمين، ثمّ قال: من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان، قال تعالى: {أو اطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة}(6).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سقى مؤمناً شربة ماء من حيث يقدر على الماء أعطاه الله عزوجل بكلّ شربة سبعين ألف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء فكأنّما أعتق عشر رقاب من ولد اسماعيل(7).
وقال الصادق (عليه السلام): لإطعام مؤمن أحبّ إليّ من عتق عشر رقاب وعشر حجج(8)، ومن كساه ثوباً كسوة شتاً أو صيف كان حقاً على الله أن يكسوه
____________
1- في "ج": أن أطعم.
2- الكافي 2: 200 ح1و2; عنه البحار 74: 369 ح63 و64; والمحاسن 2: 149 ح31.
3- الكافي 2: 200 ح3; عنه البحار 74: 371 ح65; والمحاسن 2: 152 ح44.
4- المحاسن 2: 155 ح55; عنه البحار 75: 460 ح10; والكافي 2: 201 ح4.
5- الكافي 2: 201 ح5; عنه البحار 74: 373 ح67; والمحاسن 2: 152 ح43.
6- المحاسن 2: 145 ح17; عنه البحار 71: 392 ح57; والآية في سورة البلد: 14-16.
7- الكافي 2: 201 ح7; عنه البحار 74: 374 ح69.
8- الكافي 2: 204 ح20; عنه البحار 74: 379 ح82.
الصفحة 289
من ثياب الجنّة، وأن يهوّن عليه سكرات الموت، وأن يوسّع عليه في قبره، وأن تلقاه الملائكة إذا خرج من قبره بالبشرى، كما قال تعالى: {تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنّة التي كنتم توعدون}(1)(2).
وقال (عليه السلام): من كسى أحداً من فقراء المسلمين ثوباً من عرى، أو عانه بشيء ممّا يقوته من معيشة، وكّل الله عزوجل به سبعة آلاف ملك يستغفرون لكلّ ذنب عمله إلى أن ينفخ في الصور(3).
وقال (عليه السلام): من كسى مؤمناً ثوباً من عرى كساه الله من استبرق الجنّة، ومن كساه ثوباً من غنى لم يزل في ستر الله عزوجل ما بقي من الثوب خرقة(4).
وقد ورد انّ مشركاً تلطّف بمؤمن فلمّا مات أوحى الله إليه: لو كان في جنّتي سكن لمشرك لأسكنتك فيها، ولكنّها محرّمة على من مات بي مشركاً، ولكن يا نار حاذيه ولا تؤذيه، قال: ويؤتى رزقه طرفي النهار من حيث يشاء الله(5).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من أدخل على مؤمن سروراً خلق الله عزوجل من ذلك السرور تمثالا لا يزال معه في كلّ هول يبشّره بالجنّة(6).
____________
1- فصلت: 30.
2- الكافي 2: 204 ح1; عنه البحار 74: 379 ح83 والآية فيه تختلف.
3- الكافي 2: 204 ح2; عنه البحار 74: 380 ح84.
4- الكافي 2: 205 ح5; عنه البحار 74: 381 ح87.
5- الكافي 2: 188 ضمن حديث 3; عنه البحار 74: 288 ح16.
6- الكافي 2: 191 ح12 باختلاف; معالم الزلفى: 141.
الصفحة 290
الباب الثامن والأربعون
في الدعاء وبركته وفضله
قال الله تعالى: {اُدعوني أستجب لكم}(1).
وقال سبحانه: {أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء}(2).
وقال سبحانه: {إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين}(3) يعني عن دعائي.
وقال سبحانه: {ولقد أرسلنا إلى اُمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضرّاء لعلّهم يتضرّعون * فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولكن قست قلوبهم}(4).
وقال: {قل من ينجّيكم من ظلمات البرّ والبحر تدعونه تضرّعاً وخفية}(5).
ومدح قوماً على الدعاء فقال: {انّهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا
____________
1- غافر: 60.
2- النمل: 62.
3- غافر: 60.
4- الأنعام: 42-43.
5- الأنعام: 63.
الصفحة 291
رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين}(1).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): أفضل العبادة الدعاء(2).
وقال: الدعاء مخّ العبادة(3).
وقال: إذا أذن الله لعبد في الدعاء فتح له باب الاجابة بالرحمة، وانّه لن يهلك مع الدعاء هالك(4)، وانّ الله سبحانه وتعالى يغضب إذا ترك سؤاله، فليسأل أحدكم ربّه حتّى شسع نعله إذا انقطع، إنّ سلاح المؤمن الدعاء.
وقال (عليه السلام): إنّه سبحانه يبتلي العبد حتّى يسمع دعاءه وتضرّعه(5).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما كان الله ليفتح على العبد باب الدعاء ويغلق عنه باب الاجابة وهو يقول: {اُدعوني أستجب لكم}(6) وما كان الله ليفتح باب التوبة فيغلق باب [الرحمة و](7) المغفرة، لأنّه يقول: {هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيّئات}(8).
وما كان الله ليفتح باب الشكر ويغلق باب الزيادة لأنّه يقول: {لئن شكرتم لأزيدنّكم}(9) وما كان الله ليفتح باب التوكّل ولم يجعل للمتوكّل مخرجاً فإنّه سبحانه يقول: {ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه}(10).
____________
1- الأنبياء: 90.
2- كنز العمال 2: 64 ح3134.
3- كنز العمال 2: 62 ح3113.
4- إلى هنا في البحار 93: 302 ح39 عن عدّة الداعي.
5- مجموعة ورام 1: 4 نحوه.
6- غافر: 60.
7- أثبتناه من "ب".
8- غافر: 60.
9- ابراهيم: 7.
10- الطلاق: 2-3.
الصفحة 292
وقال (عليه السلام): الدعاء يردّ القضاء المبرم(1).
وقال (عليه السلام): من سرّه أن يكشف عنه البلاء فليكثر من الدعاء.
وينبغي للعبد أن يدعو بهمّ مجموع، وقلب خاشع، وسريرة خالصة، وبدن خاضع، وجوارح متذلّلة، ويقين واثق بالاجابة ليصدق قوله تعالى: {اُدعوني أستجب لكم}، ولا يكون قلبه متشاغلا لغير الله تعالى.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): للدعاء شروط أربعة، الأوّل: احضار النيّة، الثاني: اخلاص السريرة، الثالث: معرفة المسؤول، الرابع: الانصاف في المسألة، فإنّه روي أنّ موسى (عليه السلام) مرّ برجل ساجد يبكي ويتضرّع ويدعو، فقال موسى: يا ربّ لو كانت حاجة هذا العبد إليّ(2) لقضيتها، فأوحى الله إليه: يا موسى إنّه يدعوني وقلبه مشغول بغنم له، فلو سجد حتّى ينقطع صلبه وتتفقّأ عيناه لم أستجب له، وفي رواية اُخرى: حتّى يتحوّل عمّا أبغض إلى ما اُحبّ.
وقال تعالى: إنّ العبد يدعوني للحاجة فآمر بقضائها، فيذنب فأقول للملك: إنّ عبدي قد تعرّض لسخطي بالمعصية فاستحقّ الحرمان، وانّه لا ينال ما عندي إلاّ بطاعتي(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ العبد ليرفع يديه إلى الله تعالى ومطعمه حرام وملبسه حرام، فكيف يُستجاب له وهذه حالته؟!(4).
وقال: ثلاث خصال يدرك بها خير الدنيا والآخرة: الشكر عند النعماء، والصبر عند الضرّاء، والدعاء عند البلاء.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لو أنّ الناس إذا زالت عنهم النعم ونزلت
____________
1- البحار 93: 289 ضمن حديث 5; عن الخصال، حديث الأربعمائة.
2- في "ج": بيدي.
3- الكافي 2: 271 ح14; عنه البحار 73: 329 ح11 باختلاف.
4- كنز العمال 2: 81 ح3236 نحوه.
الصفحة 293
بهم النقم، فزعوا إلى الله بوله من نفوسهم، وصادق من نيّاتهم، وخالص من سرائرهم، لردّ عليهم كلّ شارد، ولأصلح لهم كلّ فاسد، ولكنّهم أخلوا بشكر النعم فسلبوها، وإنّ الله تعالى يعطي النعم بشرط الشكر لها والقيام فيها بحقوقها، فإذا أخلّ المكلّف بذلك كان لله التغيير.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): التعلّل زكاة البدن، والمعروف زكاة النعم، وكلّ نعمة اُنيل منها المعروف فمأمونة السلب، محصنة من الغير.
وقال: والله ما نزع من قوم نعماً إلاّ بذنوب اجترحوها، فاربطوها بالشكر وقيّدوها بالطاعة، والدعاء مفتاح الرحمة، وسراج الزاهدين، وشوق العابدين، وأقرب الناس إلى الاجابة والرحمة الطائع المضطر الذي لابدّ له ممّا سأله وخصوصاً عند نفوذ الصبر.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): فعند فناء الصبر باب الفرج.
وجاءت امرأة إلى الصادق (عليه السلام) فقالت: يا ابن رسول الله إنّ ابني سافر عنّي وقد طالت غيبته وقد اشتدّ شوقي إليه فادع الله لي، فقال لها: عليك بالصبر، فمضت وأخذت صبراً واستعملته، ثمّ جاءت بعد ذلك فشكت إليه فقال لها: عليك بالصبر، فاستعملته.
ثمّ جاءت فشكت إليه طول غيبة ابنها، فقال لها: ألم أقل لك عليك بالصبر؟ فقالت: يا ابن رسول الله كم الصبر، فوالله لقد فنى الصبر، فقال: ارجعي إلى منزلك تجدي ولدك قد قدم من سفره، فمضت فوجدته قد قدم، فأتت به إليه، فقالوا: يا ابن رسول الله أوحيٌ بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: لا ولكنّه قد قال: عند فناء الصبر يأتي الفرج، فلمّا قالت قد فنى الصبر عرفت انّ الله قد فرّج عنها بقدوم ولدها.
والدعاء اظهار العبد الفاقة والافتقار إلى الله تعالى مع الاستكانة والتذلّل
الصفحة 294
والمسكنة والخضوع، وإذا فعل العبد ذلك فقد فعل ما عليه من العبوديّة، ولله سبحانه المشيئة في الاستجابة على قدر ما يراه من مصلحة العبد وما يقتضيه العدل والحكمة، لأنّ جوده وكرمه لا يتعدّيان حكمته، فإنّه سبحانه لا يمنع لبخل ولعُدم بل للمصلحة وما تقتضيه الحكمة، لا على سؤال العبد فيما يقترحه ويهواه، ولهذا قال: {لو اتبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنّ}(1).
لأنّ الداعي يدعو بما يظنّه انّه مصلحة له، والله يعمل على ما يعلم، كمن دعا الله تعالى أن يعطيه مالا وعلم انّه يطغى به فمنعه اشفاقاً عليه ورحمة له، فسبحان من عطاؤه كرم، ومنعه فضل.
ومن أكثر من الدعاء والذكر والشكر والحمد والثناء على الله أعطاه الله أفضل ما يعطي السائلين، فإنّه تعالى يقول في بعض كتبه: "إذا شغل عبدي ذكري عن مسألته أعطيته أفضل ممّا أعطي السائلين".
وينبغي أن يكون الداعي بلسانه راضياً بقلبه فيما يجري له وعليه ليجمع بين الأمرين: الرجاء والرضا، ولا ينبغي للعبد أن يملّ، والتطويل له أفضل ما لم يتضيّق وقت فريضة.
وفي الخبر انّ الله إذا أحبّ أن يسمع صوت عبده ودعاءه أخّر حاجته(2)، يقول: يا جبرئيل أخّر حاجته فإنّي اُحبّ تضرّعه وسماع صوته، وإذا كره سماع صوت عبده قال: يا جبرئيل عجّل حاجته فإنّي أكره أن أسمع صوته(3).
هذا إذا كان عاصياً، وإنّ العبد ليدعو الله تعالى وهو عليه غضبان فيردّه، ثمّ يدعو فيردّه، ثمّ يدعوه فيقول: أبى عبدي أن يدعو غيري فقد استجبت له(4).
____________
1- المؤمنون: 71.
2- في "ج": اجابته.
3- كنز العمال 2: 85 ح3261; جامع الأخبار: 370 ح1025; عدة الداعي: 31.
4- مجموعة ورام 1: 7 نحوه.
الصفحة 295
فلا تيأسوا من تأخير الاجابة، وقد كان بين اجابة موسى وهارون في فرعون أربعين سنة من حين قال الله لهما: {قد اُجيبت دعوتكما}(1).
وروي انّ تاجراً كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) يسافر من المدينة إلى الشام ولا يصحب القوافل توكّلا على الله، فعرض له لصّ في طريقه وصاح به، فوقف فقال له: خذ المال ودعني، فقال: لا غنى لي عن نفسك، فقال: دعني أتوضّأ واُصلّي أربع ركعات، فقال: افعل ما شئت، فتوضّأ وصلّى ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال:
"يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا مبدئ يا معيد، يا ذا البطش الشديد، يا فعّالا لما يريد، أسألك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وأسألك بقدرتك التي قدّرت بها على جميع خلقك، وبرحمتك التي وسعت كلّ شيء، لا إله إلاّ أنت، يا مغيث أغثني، يا مغيث صلّ على محمّد وآل محمد وأغثني".
فإذا هو بفارس على فرس أشهب عليه ثياب خضر وبيده رمح، فشدّ على اللص فطعنه طعنة فقتله، ثمّ قال للتاجر: اعلم إنّي ملك من السماء الثالثة حين دعوت سمعنا أبواب السماء قد فتحت، فنزل جبرئيل (عليه السلام) وأمرني بقتله، واعلم يا عبد الله انّه ما دعا بدعائك هذا مكروب ولا محزون إلاّ فرّج الله عنه وأغاثه، فرجع التاجر إلى المدينة سالماً، فأخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك فقال له: لقد لقّنك الله أسماءه الحسنى التي إذا دُعي بها أجاب وإذا سُئل بها أعطى.
قال مصنّف هذا الكتاب شمله الله تعالى بواسع رحمته: إنّ من شرائط الدعاء وآدابه استحضار العبد ذهنه وفطنته، وأن لا يكون قلبه متشاغلا بغير الله، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله لا يستجيب دعاء عبد وقلب لاه(2).
____________
1- راجع الكافي 2: 489 ح5; والآية في سورة يونس: 89.
2- الدعوات: 30 ح61; عنه البحار 93: 313 ضمن حديث 17.
الصفحة 296
ومن شرائطه أن يكون مطعم العبد وملبسه من حلال، فإنّ الله سبحانه قال: {إنّما يتقبّل الله من المتّقين}(1)، وقال رجل للصادق (عليه السلام): إنّا ندعوا الله فلا يستجيب لنا، قال: إنّكم تدعون من لا تهابونه وتعصونه، فكيف يستجيب لكم؟!.
وروى عثمان بن عيسى عمّن حدّثه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: آيتين في كتاب الله أطلبهما ولا أجدهما، قال: ما هما؟ قلت: قول الله عزوجل: {اُدعوني أستجب لكم}(2) فندعوه فلا نرى اجابة، قال: أفترى الله أخلف وعده؟ قلت: لا، قال: فممّ ذلك؟ قلت: لا أدري، فقال: ولكنّي اُخبرك، من أطاع الله فيما أمره ثمّ دعاه من جهة الدعاء أجابه.
قلت: وما جهة الدعاء؟ قال: تبدأ فتحمد الله وتذكر نعمه عندك، ثمّ تشكره ثمّ تصلّي على النبي (صلى الله عليه وآله)، ثمّ تذكر ذنوبك فتقرّ بها، ثمّ تستغفر الله منها، فهذا جهة الدعاء، قال: وما الآية الاُخرى؟
قلت: قول الله تعالى: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه}(3) وانّي أنفق ولا أرى خلفاً، قال: أفترى الله أخلف وعده؟ قلت: لا، قال: فممّ؟ قلت: لا أدري، قال: لو أنّ أحدكم اكتسب المال من حلّه وأنفقه في حقّه، لم ينفق رجل درهماً إلاّ أخلفه الله عليه(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما من عبد دعا الله سبحانه دعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا اثم إلاّ أعطاه الله بها احدى خصال ثلاث: أما أن تعجّل دعوته، وأما أن تؤخّر له، وأما أن تدفع عنه من السوء مثلها، قالوا: يا رسول الله
____________
1- المائدة: 27.
2- غافر: 60.
3- السبأ: 39.
4- الكافي 2: 486 ح8; عدّة الداعي: 21.
الصفحة 297
إذن نُكْثِر، قال: الله أكثر، وفي رواية: الله أكثر وأطيب ـ ثلاث مرّات ـ(1).
وفيما أوحى الله إلى موسى (عليه السلام): ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن، وانّي إنّما ابتليته لما هو خير له، وعافيته لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عبدي، فليصبر على بلائي وليشكر على نعمائي اثبته في الصديقين عندي إن عمل برضائي وأطاع أمري(2).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): يقول الله عزوجل: يا عبادي أطيعوني فيما أمرتكم ولا تعلموني بما يصلحكم، فإنّي أعلم به ولا أبخل عليكم بمصالحكم(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا عباد الله أنتم كالمرضى وربّ العالمين كالطبيب، فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبّره، لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه، ألا فسلّموا الله أمره تكونوا من الفائزين(4).
وعن الصادق (عليه السلام): عجبت للمؤمن لا يقضي الله بقضاء إلاّ كان خيراً له، وإن قرض بالمقاريض كان خيراً له، وإن ملك مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له(5).
وفيما أوحى الله إلى داود (عليه السلام): من انقطع إليّ كفيته، ومن سألني أعطيته، ومن دعاني أجبته، وإنّما اُؤخّر دعوته وهي معلّقة وقد استجبتها حتّى يتمّ قضائي، فإذا تمّ قضائي أنفذت ما سأل.
قل للمظلوم: إنّما اُؤخّر دعوتك وقد استجبتها لك على من ظلمك لضروب
____________
1- كنز العمال 2: 70 ح3171; دعوات الراوندي: 19 ح12; عنه البحار 93: 366 ح16; جامع الأخبار: 369 ح1022.
2- أمالي المفيد: 63; عنه البحار 67: 235 ح52; وأمالي الطوسي: 238 ح13 مجلس 9.
3- مجموعة ورام 2: 108; عدة الداعي: 37.
4- الاحتجاج 1: 85، احتجاجه في تحويل القبلة; عنه البحار 84: 61 ضمن حديث 12; مجموعة ورام 2: 117.
5- الكافي 2: 62 ح8; عنه البحار 72: 331 ح15; مجموعة ورام 2: 184.
الصفحة 298
كثيرة غابت عنك، وأنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، امّا أن يكون قد ظلمت رجلا فدعا عليك فتكون هذه بهذه لا لك ولا عليك، وامّا أن تكون لك درجة في الجنّة لا تبلغها عندي إلاّ بظلمه لك، لأنّي أختبر عبادي في أموالهم وأنفسهم وربّما أمرضت العبد فقلّت صلاته وخدمته، ولصوته إذا دعاني في كربته أحبّ إليّ من صلاة المصلّين.
ولربما صلّى العبد فأضرب بها وجهه، وأحجب عنّي صوته، أتدري من ذلك يا داود؟ ذلك الذي يكثر الالتفات إلى حرم المؤمنين بعين الفسق، وذلك الذي حدّثته نفسه لو ولّي أمراً لضرب فيه الرقاب ظلماً.
يا داود نح على خطيئتك كالمرأة الثكلى على ولدها، لو رأيت الذين يأكلون الناس بألسنتهم وقد بسطتها بسط الأديم، وضربت نواحي ألسنتهم بمقامع من نار ثمّ سلّطت عليهم موبخاً لهم يقول: يا أهل النار هذا فلان السليط فاعرفوه، كم من ركعة طويلة فيها بكى وخشيته ما تساوي عند الله فتيلا، حين نظرت في قلبه فوجدته إن سلّم من صلاته وبرزت له امرأة وعرضت عليه نفسها أجابها، وإن عامله مؤمن خاتله(1).
وقال (عليه السلام) في صفة رفع اليدين بالدعاء: هكذا الرغبة، وبسط راحتيه باطنهما إلى السماء، وهكذا الرهبة وجعل ظهرهما إلى السماء، وقال: هكذا التضرّع ورفع اصبعيه السبابتين وحرّكهما يميناً وشمالا، وقال: هكذا التبتّل ورفع سبابتيه عالياً ونصبهما، وقال: هكذا الابتهال وبسط يديه رافعاً لهما، وقال: من ابتهل منكم فمع الدمعة يجريها على خدّيه، وينبغي للداعي أن يكون متطهّراً مستقبل القبلة(2).
ومن آداب الدعاء المواضع الشريفة، والأوقات الشريفة، وعقيب الصلاة،
____________
1- البحار 14: 42 ح34; عن عدة الداعي: 38.
2- مكارم الأخلاق: 272 في الأوقات المرجوّة لاجابة الدعاء.
الصفحة 299
وأن يكون في يده خاتم عقيق أو ذي فص عقيق، فقد روي انّه لا ترد يد فيها عقيق، وقال: ما رفع إلى الله كفّ أحبّ إليه من كف فيها عقيق، وانّه لا يفتقر كفّ فيها عقيق، وهو أمن في السفر(1).
وقال الصادق (عليه السلام): صلاة ركعتين بخاتم عقيق أفضل من سبعين ركعة بغيره.
وقال (عليه السلام): العقيق أوّل جبل أقرّ لله تعالى بالعبوديّة والوحدانيّة، ولمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة، ولعليّ بالولاية، آلى(2) الله على نفسه انّه لا يرد كفّاً رفعت إليه بالعقيق ولا يعذّبها.
وكان قد أضرّ رجل فشكى إلى الله تعالى، فرأى في منامه قائلا يقول له: قل يا قريب يا مجيب يا سميع يا بصير يا لطيف يا خبير يا لطيفاً لما يشاء، صلّ على محمد وآل محمد وردّ عليّ بصري، فردّ الله تعالى عليه بصره.
وروي أنّ شاباً تعلّق بأستار الكعبة باكياً وقال: الهي ليس لك شريك فيؤتى، ولا وزير فيرشى، ولا حاجب فينادى، إن أطعتك فلك الحمد والفضل، وإن عصيتك فلك الحجة، فبإثبات حجّتك عليّ وقطع حجّتي اغفر لي، فسمع هاتفاً يقول: أنت معتوق من النار، وخير الدعاء ما هيّجته الأحزان، وحرّكته الأشجان، وشفيع المذنبين دموعهم(3).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): عليكم بالبكاء من خشية الله، يبنى لكم بكلّ دمعة ألف بيت في الجنّة، وما من شيء أحبّ إلى الله من قطرة دمع من خشية الله، وقطرة دم جرت في سبيل الله، وإذا أراد الله بعبد خيراً نصب في قلبه نائحة من الحزن، وانّ الله يحبّ كلّ قلب حزين، وخير الدعاء الخفي، قال الله تعالى: {اُدعوا
____________
1- عدة الداعي: 129.
2- في "ج": قدر.
3- هكذا وفي "الف": ذنوبهم.
الصفحة 300
ربّكم تضرّعاً وخفيةً}(1).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): خير العبادة أخفاها(2).
وقال: خير الذكر الخفي(3).
وقال: دعاء السرّ يزيد على الجهر سبعين ضعفاً(4).
وأثنى الله سبحانه على زكريا (عليه السلام) بقوله: {إذ نادى ربّه نداءً خفيّاً}(5)، وسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقواماً يجاهرون بالدعاء، فقال: أربعوا(6) بأصواتكم فإنّ ربّكم ليس بأصمّ(7).
____________
1- الأعراف: 55.
2- قرب الاسناد: 135 ح475، وفيه: أعظم العبادة أجراً.
3- كنز العمال 1: 417 ح1771.
4- البحار 93: 312 ضمن حديث 17; عن الدعوات: 18 ح7.
5- مريم: 3.
6- في "ج": لا ترفعوا.
7- كنز العمال 2: 82 ح3243 نحوه.
الصفحة 301
الباب التاسع والأربعون
في فضيلة الفقر وحسن عاقبته
الشاهد على فضيلة الفقراء على الأغنياء قول النبي (صلى الله عليه وآله): يدخل الفقراء الجنّة قبل الأغنياء بنصف يوم، ومقداره خمسمائة عام(1).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): انّ الفقراء المؤمنين يتقلّبون في رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفاً، ثمّ قال: سأضرب لكم مثلا، إنّما مثل ذلك سفينتين مرّ بهما ناخس(2)، فنظر في احداهما فلم يجد فيها شيئاً فقال: أسربوها، ونظر في الاُخرى فإذا هي موفورة فقال: احبسوها(3).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة وقف عبدان مؤمنان للحساب كلاهما من أهل الجنّة فقير وغني، فيقول الفقير: يا ربّ على ما اُحاسب، فو عزّتك لقد علمت انّي ما وليت ولاية لأعدل فيها أو أجور، ولم تملكني مالا فاعطي حقّه أو أمنعه، ولقد كان يأتيني رزقي كفافاً.
____________
1- كنز العمال 6: 468 ح16580.
2- في "ب": ناظر.
3- الكافي 2: 260 ح1; عنه البحار 72: 6 ح4; عدة الداعي: 116.
الصفحة 302
فيقول الله: صدق عبدي ادخلوه الجنّة، ويبقى الغني حتّى يسيل منه العرق ما لو شرب منه أربعون بعيراً لأصدرها، ثمّ يدخل الجنّة فيقول له الفقير: ما أخّرك؟ فيقول: طول الحساب، ما زال يحاسبني بالشيء بعد الشيء ويغفره الله لي، ثمّ يحاسبني بآخر حتّى تغمّدني الله برحمته، فمن أنت؟ فيقول له: أنا الفقير الذي كنت واقفاً معك في الحساب، فيقول له الغني: لقد غيّرك النعيم بعدي(1)، وهذا من أعظم نعم الله تعالى على الفقير، خفّة حسابه ودخوله الجنّة قبل الغني.
ومن سعادة الفقير وراحته انّه لا يطالب في الدنيا بخراج، ولا في الآخرة بحساب، ولا يشتغل قلبه عن الله تعالى بهموم الغني من حراسة المال، والخوف من السلطان، ومن اللصوص والحاسد، وكيف يدبره وكيف ينميه. ومقاسات عمارة الأملاك والوكلاء والأكاري، وقسمة الزروع، وتعب الأسفار، وغرق المراكب، وتمنّي الورّاث موته ليرثوه، وإذا خلا من آفة تذهبه حال حياته كان حسرة له عند الموت، وطول حسابه في الآخرة، ويرثه منه امّا من يتزوّج بامرأته أو امرأة ابنه أو زوج ابنته، لابدّ من أحد هؤلاء يرثه ويحصل هو التعب والهموم وشغله به عن العبادة، وتحظى به أعداؤه الذين لا يغنون عنه شيئاً.
ولا يزال الغني مخاطراً بنفسه وبالمال في البراري والقفار، إن كان في بحر غرق هو والمال، وإن كان في برّ أخذه منه القطّاع أخذوه وقتلوه، فهو لا يزال على خطر به وبنفسه، والفقير قد انقطع إلى الله وقنع بما يسدّ فورته، ويواري عورته.
وقال بعض العلماء: استراح الفقير من ثلاثة أشياء وبلى بها الغني، قيل: وما هي؟ قال: جور السلطان، وحسد الجيران، وتملّق الاخوان(2).
وقال بعضهم: اختار الفقراء ثلاثة أشياء: اليقين، وفراغ القلب، وخفّة
____________
1- أمالي الصدوق: 294 ح11 مجلس 57; عنه البحار 72: 35 ح28; روضة الواعظين: 455.
2- عدة الداعي: 107.
الصفحة 303
الحساب، واختار الأغنياء ثلاثة أشياء: تعب النفس، وشغل القلب، وشدّة الحساب(1).
ولا شك انّ الفقر حلية الأولياء وشعار الصالحين، ففيما أوحى الله إلى موسى (عليه السلام): وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحباً بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجّلت عقوبته(2).
ثمّ انظر في قصص الأنبياء وخصائصهم وما كانوا فيه من ضيق العيش، فهذا موسى كليم الله الذي اصطفاه لوحيه وكلامه كان يرى خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، وما طلب حين آوى إلى الظلّ بقوله: {ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير}(3) إلاّ خبزاً يأكله، لأنّه كان يأكل بقلة الأرض، وروي انّه (عليه السلام) قال يوماً: ربّ انّي جائع، فقال تعالى: أنا أعلم بجوعك، قال: يا ربّ أطعمني، قال: إلى أن اُريد(4).
وفيما أوحى الله إلى موسى (عليه السلام): الفقير من ليس له مثلي كفيل، والمريض من ليس له مثلي طبيب، والغريب من ليس له مثلي مونس ـ ويُروى حبيب(5) ـ يا موسى ارض بكسرة من شعير تسدّ بها جوعتك، وبخرقة تواري بها عورتك، واصبر على المصائب، وإذا رأيت الدنيا مقبلة عليك فقل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، عقوبة عجّلت في الدنيا، وإذا رأيت الدنيا مدبرة عنك فقل: مرحباً بشعار الصالحين، يا موسى لا تعجبنّ بما اُوتي فرعون وما متّع به، فإنّما هي زهرة الحياة الدنيا(6).
____________
1- عدة الداعي: 106.
2- البحار 72: 55 ضمن حديث 85; عن عدة الداعي: 117.
3- القصص: 24.
4- البحار 13: 361 ح75; عن عدة الداعي: 117.
5- في "ج": ويُروى أنّه قال.
6- البحار 13: 361 ح76; عن عدة الداعي: 118.
الصفحة 304
وأمّا عيسى بن مريم روح الله وكلمته فإنّه كان يقول: خادمي يداي، ودابتي رجلاي، وفراشي الأرض، ووسادي الحجر، ودفائي في الشتاء مشارق الأرض، وسراجي بالليل القمر، وادامي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، وفاكهتي وريحانتي ما أنبتت الأرض للوحوش والأنعام، أبيت وليس لي شيء، وأصبح وليس لي شيء، وليس على وجه الأرض أحد أغنى منّي(1).
وأمّا نوح (عليه السلام) مع كونه شيخ المرسلين، وعمّر في الدنيا مديداً، ففي بعض الروايات انّه عاش ألفي عام وخمسمائة عام، ومضى من الدنيا ولم يبن فيها بيتاً، وكان إذا أصبح يقول لا امسي، وإذا أمسى يقول لا اصبح(2).
وكذلك نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) فإنّه خرج من الدنيا ولم يضع لبنة على لبنة، ورأى رجلا من أصحابه يبني بيتاً بجصّ وآجر، فقال: الأمر أعجل من هذا(3).
وأمّا ابراهيم (عليه السلام) أبو الأنبياء فقد كان لباسه الصوف، وأكله الشعير، وأمّا يحيى بن زكريا (عليه السلام) فكان لباسه الليف، وأكله ورق الشجر، وأمّا سليمان (عليه السلام) فقد كان مع ما هو فيه من الملك يلبس الشعر، وإذا جنّه الليل شدّ يديه إلى عنقه، فلا يزال قائماً حتّى يصبح باكياً، وكان قوته من سفائف الخوص يعملها بيده، وإنّما سأل الملك لأجل القوّة والغلبة على ملوك الكفّار ليقهرهم بذلك، وقيل: سأل الله القناعة.
وأمّا سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله) فقد عرفت ما كان من طعامه ولباسه، وقيل: انّه (صلى الله عليه وآله) أصابه يوماً الجوع فوضع حجراً على بطنه، ثمّ قال: ألا ربّ مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه وهو لها مكرم، ألا
____________
1- البحار 72: 55 ضمن حديث 85; عن عدة الداعي: 118.
2- البحار 70: 321 ح38; عن عدة الداعي: 118.
3- البحار 76: 155 ح37; عن عدة الداعي: 119.
الصفحة 305
ربّ نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة في الآخرة ناعمة يوم القيامة.
ألا ربّ نفس كاسية ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ متخوّض متنعّم فيما أفاء الله على رسوله ما له [في الآخرة](1) من خلاق، ألا انّ عمل الجنّة جنّة بربوة، ألا انّ عمل النار كلمة سهلة بشهوة، ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلا يوم القيامة(2).
وأمّا عليّ سيد الوصيّين، وتاج العارفين، وصنو رسول ربّ العالمين فحاله في الزهد والتقشّف أظهر من أن يُحكى.
قال سويد بن غفلة: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدما بويع بالخلافة، وهو جالس على حصير صغير ليس في البيت غيره، فقلت: يا أمير المؤمنين بيدك بيت المال ولست أرى في بيتك شيئاً ممّا يحتاج إليه البيت، فقال (عليه السلام): يا ابن غفلة إنّ اللبيب لا يتأثّث في دار النقلة، ولنا دار قد نقلنا إليها خير متاعنا، وإنّا عن قليل إليها صائرون(3).
وكان (عليه السلام) إذا أراد أن يكتسي دخل السوق فيشتري الثوبين، فيخيّر قنبر أجودهما ويلبس الآخر، ثمّ يأتي النجار(4) فيمدّ له أحد كمّيه ويقول: خذه بقدومك، ويقول: هذه تخرج في مصلحة اُخرى ويبقى الكم الاُخرى بحالها ويقول: هذه تأخذ فيها من السوق للحسن والحسين(5).
فلينظر العاقل بعين صافية، وفكرة سليمة، ويتحقّق انّه لو يكون في الدنيا والاكثار فيها خير لم يفت هؤلاء الأكياس الذين هم خلاصة الخلق وحجج الله على
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- البحار 70: 321 ضمن حديث 38; عن عدة الداعي: 120.
3- البحار 70: 321 ضمن حديث 38; عن عدة الداعي: 121.
4- في "ج": الخياط.
5- البحار 70: 322 ضمن حديث 38; عن عدة الداعي: 121.
الصفحة 306
سائر الناس، بل تقربوا إلى الله بالبعد عنها، حتّى قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يعبد الله بشيء مثل الزهد في الدنيا(2).
إنّ الله تعالى يقول للفقراء يوم القيامة: لم افقركم لهوانكم عليّ ولكن لما هو خير لكم.
وقال تعالى في بعض كتبه: انّي لم اغن الغني لكرامته عليّ، ولم افقر الفقيرلهوانه علي، وإنّما ابتليت الأغنياء بالفقراء، ولولا الفقراء لم يستوجب الأغنياء الجنّة(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله يجمع الفقراء والأغنياء في رحبة الجنّة يوم القيامة، ثمّ يبعث منادياً ينادي من بطنان العرش: يا معاشر المؤمنين أيّما رجل منكم وصله أخوه المؤمن في الله ولو بلقمة من خبز بادامها خصّه بها على مائدته، فليأخذ بيده على مهل حتّى يدخله الجنّة.
قال: فهم أعرف بهم يومئذ منهم بآبائهم واُمّهاتهم، قال: فيجيء الرجل منهم حتّى يضع يده على ذراع أخيه المكرم له الواصل له، فيقول له: يا أخي أما تعرفني، ألست الصانع بي في يوم كذا وكذا من المعروف كذا وكذا؟ فيذكره كلّ شيء صنع معه من البر والصلة والكرامة، ثمّ يأخذ بيده، فيقول: إلى أين؟ فيقول: إلى الجنّة فإنّ الله قد أذن لي بذلك، فينطلق به إلى الجنّة، فيدخله فيها برحمة الله وفضله وكرامته لعبده الفقير المؤمن.
روي أنّ فقراء المؤمنين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بسبعين خريفاً، وأمّا
____________
1- نهج البلاغة: قصار الحكم 77; عنه البحار 73: 128 ضمن حديث 132.
2- عدة الداعي: 121.
3- الكافي 2: 265 ح20; عنه البحار 72: 26 ح22.
الصفحة 307
الغني فإنّه مطغى لقوله تعالى: {كلاّ إنّ الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى}(1) وما يجمع الغني المال إلاّ لنعيم الدنيا ولذّتها وترفّهها، وقد قال الله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون}(2)، فوعدهم بالعذاب، وعيّرهم أيضاً بالتكاثر بقوله تعالى: {ألهاكم التكاثر}(3) يعني عن العبادة والزهد.
وروي عن الصادق (عليه السلام) انّ رجلا فقيراً أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده رجل غنيّ، فكفّ ثيابه وتباعد عنه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما حملك على ما صنعت، أخشيت أن يلصق فقره بك، أو يلصق غناك به؟!
فقال: يا رسول الله أما إذا قلت هذا فله نصف مالي، قال النبي (صلى الله عليه وآله) للفقير: أتقبل منه؟ قال: لا، قال: ولِمَ؟ قال: أخاف أن يدخلني ما دخله(4).
واعلم انّ احياء دين الله، واعزاز كلمته، وامتثال أوامر الرسل والشرائع، ونصرة الأنبياء، وانتشار دعوتهم من لدن آدم إلى زمان نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) لم تقم إلاّ بأولي الفقر والمسكنة، أولا تسمع إلى ما قصّه الله عليك في كتابه العظيم على لسان نبيّه الكريم، وتبيّن لك انّ المتصدّي لانكار الشرائع هم الأغنياء المترفون، والأشراف المتكبّرون.
فقال تعالى مخبراً عن قوم نوح (عليه السلام) إذ عيّروه: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}(5)، {وما نراك اتبعك إلاّ الذين هم أراذلنا}(6) يعني بذلك الفقراء منّا.
وقالوا لشعيب (عليه السلام): {إنّا لنراك فينا ضعيفاً (أي فقيراً) ولولا رهطك
____________
1- الأحقاف: 20.
2- الأحقاف: 20.
3- التكاثر: 1.
4- البحار 72: 54 ح85; عن عدّة الداعي: 114.
5- الشعراء: 111.
6- الشعراء: 111.
الصفحة 308
لرجمناك وما أنت علينا بعزيز}(1).
وقال المستكبرون من قوم صالح للّذين استضعفوا: {أتعلمون انّ صالحاً مرسل من ربّه قالوا إنّا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنّا بالذي آمنتم به كافرون}(2).
وقال فرعون مزدرياً لموسى (عليه السلام) ومفتخراً عليه: {فلولا اُلقي عليه أسورة من ذهب}(3).
وقالوا لمحمد (صلى الله عليه وآله): {لولا اُلقي عليه كنز أو تكون له جنّة يأكل منها}(4) وكفى بهذا كلّه مدحاً للفقراء الراضين، وذمّاً للأغنياء المتكبّرين.
____________
1- هود: 91.
2- الأعراف: 75-76.
3- الزخرف: 53.
4- الفرقان: 9.
الصفحة 309
الباب الخمسون
في الأدب مع الله تعالى
روي في تأويل قوله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}(1) قال ابن عباس: أراد بذلك فقّهوهم في الدين، وأدّبوهم بأدب الشريعة(2).
وقال سبحانه لموسى (عليه السلام): {فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوى}(3) فأمره بالأدب بخلع نعليه عند مناجاته، فلمّا نزل قوله تعالى: {خذ العفو وأْمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}(4) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أدّبني ربّي بمكارم الأخلاق.
وأعظم الخلق أدباً مع الله الأنبياء ثمّ الأوصياء ثمّ الأمثل فالأمثل، وأكثر الخلق تأديباً مع الله تعالى نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) بقوله سبحانه: {وإنّك لعلى
____________
1- التحريم: 6.
2- في "ج": وتأديبهم بالآداب الشرعيّة.
3- طه: 12.
4- الأعراف: 199.
الصفحة 310
خلق عظيم}(1).
وقال أمير المؤمنين لولده الحسن (عليه السلام): يا بني احرز حظك من الأدب وفرّغ له قلبك، فإنّه أعظم من أن يخالطه دنس، واعلم انّك إذا افتقرت عشت به، وإن تغرّبت كان لك الصاحب الذي لا وحشة معه، يا بني الأدب لقاح العقل، وذكاء القلب، وعنوان الفضل، واعلم انّه لا مروّة لأحد بماله وحاله بل الأدب عماد الرجل، وترجمان عقله، ودليله على مكارم الأخلاق، وما الإنسان لولا الأدب إلاّ بهيمة مهملة(2).
قال الجواد (عليه السلام): ما اجتمع رجلان إلاّ كان أفضلهما عند الله أءدّبهما، فقيل: يا ابن رسول الله قد عرفنا فضله عند الناس، فما فضله عند الله؟ فقال: بقراءة القرآن كما اُنزل، ويروي أحاديثنا كما قلناها، ويدعو الله مُعزماً بدعائه(3).
وحقيقة الأدب اجتماع خصال الخير، وتجافي خصال الشر، وبالأدب يبلغ الرجل مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة، ويصل به إلى الجنّة، والأدب عند الناس النطق بالمستحسنات لا غير، وهذا لا يعتدّ به ما لم يوصل به إلى رضا الله سبحانه والجنّة.
والأدب هو أدب الشريعة، فتأدّبوا بها تكونوا اُدباء حقّاً، ومن صاحب الملوك بغير أدب أسلمه ذلك إلى الهلكة، فكيف بمن يصاحب ملك الملوك وسيّد السادات.
وقد روي انّ الله سبحانه يقول في بعض كتبه: عبدي أمن الجميل أن تناجيني وأنت تلتفت يميناً وشمالا، ويكلّمك عبد مثلك تلتفت إليه وتدعني، وترى من أدبك إذا كنت تحدّث أخاً لك لا تلتفت إلى غيره، فتعطيه من الأدب ما لا تعطيني، فبئس
____________
1- القلم: 4.
2- أورده المصنّف في كتابه أعلام الدين: 84.
3- الوسائل 4: 866 ح3 عن عدة الداعي باختلاف.
الصفحة 311
العبد عبد يكون كذلك.
وروي انّ النبي (صلى الله عليه وآله) خرج إلى غنم له وراعيها عريان يفلي ثيابه، فلمّا رآه مقبلا لبسها، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): امض فلا حاجة لنا في رعايتك، فقال: ولِمَ ذلك؟ فقال: إنّا أهل بيت لا نستخدم من لا يتأدّب مع الله ولا يستحي منه في خلوته، وإنّما فعل ذلك لأنّ الراعي أعطاه فوق ما أعطى ربّه.
وروي انّه (صلى الله عليه وآله) مرّ عليه غلام دون البلوغ وبش له وتبسّم فرحاً بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال له: أتحبّني يا فتى؟ فقال: اي والله يا رسول الله، فقال: مثل عينيك، فقال: أكثر، فقال: مثل أبيك، فقال: أكثر، فقال: مثل اُمّك، فقال: أكثر، فقال: مثل نفسك، فقال: أكثر والله يا رسول الله.
فقال: مثل ربّك، قال: الله الله يا رسول الله، ليس هذا لك ولا لأحد، فإنّما أحببتك لحبّ الله، فالتفت النبي (صلى الله عليه وآله) إلى من كان معه وقال: هكذا كونوا، أحبّوا الله لاحسانه اليكم وانعامه عليكم، وحبّوني لحبّ الله.
فاختبره (صلى الله عليه وآله) على صحّة أدبه في المحبّة في الله تعالى، فالأدب مع الله بالاقتداء بآدابه وآداب نبيّه وأهل بيته (عليهم السلام)، وهو العمل بطاعته، والحمد له على السرّاء والضرّاء، والصبر على البلاء، ولهذا قال أيوب: {إنّي مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين}(1).
فقد تأدّب هنا من وجهين، أحدهما انّه لم يقل: إنّك أمسستني بالضر، والآخر لم يقل: ارحمني، بل عرّض تعريضاً، فقال: وأنت أرحم الراحمين، وإنّما فعل ذلك حفظاً لمرتبة الصبر، وكذا قال ابراهيم: {وإذا مرضت فهو يشفين}(2) ولم يقل: إذا أمرضني، حفظاً للأدب.
____________
1- الأنبياء: 83.
2- الشعراء: 80.
الصفحة 312
وقال أيوب في موضع آخر: {إنّي مسّني الشيطان بنصب وعذاب}(1) أشار بذلك إلى الشيطان لأنّه كان يغري الناس فيؤذونه، وكلّ ذلك تأدّب منهم مع الله تعالى في مخاطباتهم، وقوم آخر افتروا عليه سبحانه، ونسبوا إليه من القبيح ما نزّهوا عنه آباءهم واُمّهاتهم.
قالوا: كلّما في الوجود من كفر وظلم وفساد وقتل وغصب فمنه، قضاه وأراده، وهذا قضاء بالباطل لأنّه سبحانه يقول: {والله يقضي بالحق}(2) ويقولون: انّه سبحانه يأمر بما لا يريد وينهى عمّا يريد، وانّه أمر قوماً بالايمان وأراد منهم الكفر، وهو تعالى يقول: {ولا يرضى لعباده الكفر}(3).
ولو قيل لأحدهم: إنّك تأمر بما لا تريد وتنهى عمّا لا تكره وكذلك أبوك واُمّك لغار من ذلك وغضب وقال لقائله: إنّك نسبتني إلى السفه والجهل والجنون، فسبحانه ما أحلمه وأكرمه، ولولا حلمه ورحمته لأحلّ بالأرض النقمة غضباً على القائل بذلك والراضي به.
وانّ الله سبحانه لم يعص مغلوباً، ولم يطع مكروهاً، وإنّما أمر الله سبحانه تخييراً، ونهى تحذيراً، وأقدر على الحالين، وقد قال سبحانه: {وهديناه النجدين}(4) يعني عرّفناه الطريقين الخير والشر، وأمر سبحانه بالخير ونهى عن الشر، كما قال سبحانه: {وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}(5).
وقال سبحانه: {يا أيّها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة}(6) وما كان يأمر بالدخول في باب ثمّ يغلقه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، فاعتبروا وتفكّروا
____________
1- ص: 41.
2- غافر: 20.
3- الزمر: 7.
4- البلد: 10.
5- فصلت: 17.
6- البقرة: 208.
الصفحة 313
ودعوا اتباع الهوى، فهو مردى لصاحبه ومهلك له، فسبحانه وتعالى كيف يجبر عباده على الكفر ثمّ يعذّبهم عليه، وعلى الزنا والسرقة والقذف للمحصنات ويأمر بحدّهم.
أفمن العدل والحكمة هذا أم لا؟ خبّرونا هداكم الله تعالى، ولا شك انّ هذه مكيدة من الشيطان عظيمة مبيحة لارتكاب كلّ قبيح وضلال، وقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): أَدَلَّكَ على الطريق، ولزم عليك المضيق، إنّ هذا بالحكمة لا يليق(1).
وقال (عليه السلام): أيأمر بالعدل ويخالفه؟ وينهى عن المنكر ويؤالفه؟ لقد افترى عليه من بهذا وصفه(2).
وقال (عليه السلام): إذا كان الوزر في الأصل محتوماً كان المأخوذ فيهبالقصاص مظلوماً(3).
وقال (عليه السلام): ما استغفرته عليه فهو منك، وما حمدته عليه فهو منه(4).
وقال تعالى: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك}(5) وهذه الأقوال أجوبة لمن سأله عن القضاء والقدر من العلماء.
وأمّا جواب الحسن بن عليّ (عليهم السلام) لمّا كتب إليه الحسن البصري يسأله عن القضاء والقدر، فإنّه قال (عليه السلام): من لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه فقد فجر، ومن حمل المعاصي على الله فقد كفر، إنّ الله سبحانه لا يُطاع باكراه، ولا يُعصى بغلبة، ولا أهمل العباد من الملكة، بل هو المالك لما ملّكهم، القادر على ما
____________
1- أورده المصنّف في أعلام الدين: 316.
2- المصدر نفسه.
3- أروده المصنّف في أعلام الدين: 317.
4- المصدر نفسه.
5- النساء: 79.
الصفحة 314
أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يكن الله تعالى لهم عنها صاداً، ولا منها مانعاً.
وإن عملوا بالمعصية فشاء أن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها اجباراً، ولا ألزمهم بها اكراهاً، بل له الحجّة عليهم أن عرّفهم، وجعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه، وترك ما نهاهم عنه، ولله الحجّة البالغة على جميع خلقه، والسلام(1).
قال مصنّف الكتاب رحمه الله: والأدب أيضاً التفقّه في الدين وعلوم اليقين، وثلاثة أشياء هي رأس الأدب، مجانبة الريب، والسلامة من العيب، والايمان بالغيب. والأدب كلّ الأدب أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.
وقال شخص: إنّ الجنيد قال: إذا صحّت المودّة سقطت شروط الأدب، قلت: هذا غلط وترك للأدب، بل إذا صحّت المحبّة وخلصت، تأكّدت على المحبّ ملازمة الأدب، والدليل على ذلك انّ سيّدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أكثر الناس محبّة لله تعالى، وأعظمهم أدباً.
وروي إنّ الخليل بن أحمد قال لولده: يا بني تعلّم الأدب فإنّه يقوّمك ويسدّدك صغيراً، ويقدّمك ويعظمك كبيراً.
وروي انّ صبياً كان له سبع سنين وقف على الحجاج فقال: أيّها الأمير اعلم انّ أبي مات وأنا حمل في بطن اُمّي، وماتت اُمّي وأنا رضيع، وكفلني الغرباء، وخلّف(2) لي ضيعة أتموّن منها واستند إليها، وقد غصبها رجل من عمّالك، لا يخاف الله ولا يخشى من سطوة الأمير. وعليك بردع الظالم وردّ المظالم لتجد ذلك يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء تودّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً، فأمر بردّ ضيعته، وصرف الاُدباء من بابه وقال: الأدب أدب الله يؤتيه من
____________
1- كنز الكراجكي: 170; تحف العقول: 162; عنه البحار 5: 40 ح63.
2- في "ب": خلّفا.
الصفحة 315
يشاء، وعلى العاقل أن يتأدّب مع العالم الذي يعلّمه.
وروى عبد الله بن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) انّه قال: انّ من حقّ المعلّم على المتعلّم أن لا يكثر السؤال عليه، ولا يسبقه في الجواب، ولا يلحّ عليه إذا أعرض، ولا يأخذ ثوبه إذا كسل، ولا يشير إليه بيده، ولا يخزره بعينه، ولا يشاور في مجلسه، ولا يطلب عوراته.
وأن لا يقول: قال فلان خلاف قولك، ولا يفشي له سرّاً، ولا يغتاب عنده، وأن يحفظه شاهداً وغائباً، ويعم القوم بالسلام ويخصّه بالتحيّة، ويجلس بين يديه، وإن كان له حاجة سبق القوم إلى خدمته.
ولا يملّ من طول صحبته، فإنّما هو مثل النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها منفعة، والعالم بمنزلة الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، وإذا مات العالم انثلم في الإسلام ثلمة لا تنسدّ إلى يوم القيامة، وإنّ طالب العلم ليشيّعه سبعون ألف ملك من مقرّبي السماء(1).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أعان طالب العلم فقد أحبّ الأنبياء وكان معهم، ومن أبغض طالب العلم فقد أبغض الأنبياء فجزاؤه جهنّم، وإنّ لطالب العلم شفاعة كشفاعة الأنبياء، وله في جنّة الفردوس ألف قصر من ذهب، وفي جنّة الخلد مائة ألف مدينة من نور، وفي جنّة المأوى ثمانون درجة من ياقوتة حمراء. وله بكلّ درهم أنفقه في طلب العلم جوراً(2) بعدد النجوم وبعدد الملائكة، ومن صافح طالب العلم حرّم الله جسده على النار، ومن أعان طالب العلم إذا مات غفر الله له ولمن حضر جنازته.
وقالوا لمالك بن دينار: يا أبا يحيى ربّ طالب علم للدنيا، قال: ويحكم ليس
____________
1- البحار 2: 44 ح19; عن عدة الداعي: 80.
2- في "الف": جوار.
الصفحة 316
يقال له طالب العلم، ولكن يقال له: طالب الدنيا، ألا وإنّ ذهاب العلم ذهاب العلماء، ومن آذى طالب العلم لعنته الملائكة، وأتى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان، ألا ومن أعان طالب العلم بدرهم بشّرته الملائكة عند قبض روحه بالجنّة، وفتح الله له باباً من نور في قبره.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): سألت جبرئيل (عليه السلام) فقلت: العلماء أكرم عند الله أم الشهداء؟ فقال: العالم الواحد أكرم على(1) الله تعالى من ألف شهيد، فإنّ اقتداء العلماء بالأنبياء، واقتداء الشهداء بالعلماء(2).
وقال (عليه السلام): من أحبّ أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى طالب العلم(3).
وقال (عليه السلام): طالب العلم أفضل عند الله من المجاهدين والمرابطينوالحجاج والعمّار والمعتكفين والمجاورين، واستغفرت له الشجر والرياح والسحاب والنجوم والنبات وكلّ شيء طلعت عليه الشمس.
وعن الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فاطلبوا العلم من مظانّه، واقتبسوه من أهله، فإنّ تعلّمه لله حسنة، وطلبه عبادة، والمذاكرة فيه تسبيح، والعمل به جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة إلى الله تعالى; لأنّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنّة، والمؤنس في الوحشة، والصاحب في
____________
1- في "ب": عند.
2- نحوه باختلاف معالم الزلفى: 14; من لا يحضره الفقيه 4: 284.
3- البحار 1: 184 ح95.
الصفحة 317
الغربة والوحدة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاّء، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة، تقتبس آثارهم، وتهتدى بأفعالهم، وتنتهي إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتها تبارك عليهم.
ويستغفر لهم كلّ رطب ويابس حتّى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، وانّ العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوّة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأخيار، ومجالس الأبرار، والدرجات العلى في الآخرة والاُولى.
الفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الرب ويُعبد، وبه توصل الأرحام، ويعرف الحلال والحرام، العلم أمام العمل والعمل تابعه، وتلهمه السعداء وتحرمه الأشقياء، فطوبى لمن لم يحرمه الله منه حظّه(1).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): العالم بين الجهّال كالحي بين الأموات، وإنّ طالب العلم يستغفر له كلّ شيء، فاطلبوا العلم فإنّه السبب بينكم وبين الله عزوجل، وإنّ طلب العلم فريضة على كلّ مسلم(2).
وقال (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة يوزن مداد العلماء مع دماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء(3).
وقال (عليه السلام): ما عمل رجل عملا بعد اقامة الفرائض خيراً من اصلاح بين الناس، يقول خيراً وينمي خيراً(4).
وقال (عليه السلام): عليكم بسنّتي، فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في
____________
1- أمالي الطوسي: 487 ح38 مجلس 17; عنه البحار 1: 171 ح24.
2- أمالي الطوسي: 521 ح55 مجلس 18; عنه البحار 1: 172 ح25.
3- أمالي الطوسي: 521 ح56 مجلس 18; عنه البحار 2: 16 ح35.
4- أمالي الطوسي: 522 ح59 مجلس 18; عنه البحار 76: 43 ح1.
الصفحة 318
بدعة(1).
وقال (عليه السلام): من احتقر صاحب العلم فقد احتقرني، ومن احتقرني فهو كافر.
وقال (عليه السلام): سألت جبرئيل (عليه السلام) عن صاحب العلم، فقال: هو سراج اُمّتك، رئيس الدنيا والآخرة(2)، طوبى لمن عرفهم وحبّهم، والويل لمن أنكر معرفتهم وأبغضهم، ومن أبغضهم شهدنا انّه في النار، ومن أحبّهم شهدنا انّه في الجنّة.
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: إذا جلس المتعلّم بين يدي العالم فتح اللهله سبعين باباً من الرحمة، ولا يقوم من عنده إلاّ كيوم ولدته اُمّه، وأعطاه الله بكلّ حديث عبادة سنة، ويبني له بكلّ ورقة مدينة مثل الدنيا عشر مرّات.
وقال (عليه السلام): جلوس ساعة عند العلماء أحبّ إلى الله تعالى من عبادة [ألف](3) سنة، لا يُعصى الله فيها طرفة عين، والنظر إلى العالم أحبّ إلى الله تعالى من اعتكاف سنة في بيت الحرام. وزيارة العلماء أحبّ إلى الله تعالى من سبعين حجة وعمرة، وأفضل من سبعين طوافاً حول البيت، ورفع الله له سبعين درجة يكتب له بكلّ حرف حجة مقبولة، وأنزل الله عليه الرحمة، وشهدت الملائكة له بأنّه قد وجبت له الجنّة(4).
وقال (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة جمع الله العلماء فيقول لهم: عبادي إنّي اُريد بكم الخير الكثير بعدما أنتم تحملون الشدّة من قبلي وكرامتي وتعبدني الناس بكم، فابشروا فإنّكم أحبّائي، وأفضل خلقي بعد أنبيائي، وأبشروا فإنّي غفرت لكم
____________
1- أمالي الطوسي: 522 ح60 مجلس 18; عنه البحار 2: 261 ح3.
2- في "ب": أصحاب العلم رئيس الدنيا والآخرة.
3- أثبتناه من "ب"، وعدّة الداعي.
4- البحار 1: 205 ح33; عن عدّة الداعي: 75.
الصفحة 319
ذنوبكم، وقبلت أعمالكم، ولكم في الناس شفاعة مثل شفاعة أنبيائي، وإنّي منكم راض ولا أهتك ستوركم، ولا أفضحكم في هذا الجمع.
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): طوبى للعالم والمتعلّم والعامل به، فقال رجل: يا رسول الله هذا للعالم فما للمتعلّم؟ فقال: العالم والمتعلّم في الأجر سواء.
وقال (عليه السلام): كن عالماً أو متعلّماً أو مستمعاً أو محبّاً لهم، ولا تكن الخامس فتهلك، فإنّ أهل العلم سادة ومصاحبتهم زيادة.
الصفحة 320
الباب الحادي والخمسون
في توحيد الله تعالى
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ القول بأنّ الله تعالى واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها يجوزان على الله، ووجهان لا يجوزان، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد، يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز على الله تعالى، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد. أما ترى انّ الله تعالى كفّر من قال ثالث ثلاثة، وكذا قول القائل: واحد، يريد النوع من الجنس، فهذا لا يجوز عليه لأنّه تشبيه، تعالى الله عن ذلك [علوّاً كبيراً](1).
وأمّا الوجهان اللذان يثبتان له، فقول القائل: هو واحد يعني ليس في الأشياء له مثل ولا شبه(2)، وكذا قول القائل انّه واحد بمعنى انّه أحديّ المعنى، أي لا ينقسم في عقل ولا وجود ولا وهم(3).
وقال رجل للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): أيّ شيء تعبد؟ فقال: الله،
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- في "ج": مثيل ولا شبيه.
3- التوحيد للصدوق: 83 ح3; ومعاني الأخبار: 5 ح1; والبحار 3: 206 ح1.
الصفحة 321
فقال: هل رأيته؟ فقال: لم تره العيون بمشاهدة العيان، ورأته القلوب بحقائق الايمان، لا يعرف بالقياس، ولا يشبّه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلاّ هو ربّي عليه توكّلت وإليه اُنيب(1).
وقال له رجل: يا أبا عبد الله أخبرني عن الله متى كان، فقال له: ويلكأخبرني أنت عن الله متى لم يكن حتّى اُخبرك متى كان(2).
وقال له آخر: لم يزل الله تعالى يعلم ويسمع ويبصر؟ فقال: ذات الله تعالى علامة سميعة بصيرة(3)(4).
وسأله رجل فقال: قوله تعالى: {ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى}(5) ما هذا الغضب؟ فقال: العقاب، يا هذا من زعم انّ الله زال من شيء إلى شيء فقد وصفه بصفة المخلوق، وإنّ الله تعالى لا يغيّره شيء ولا يشبهه شيء، وكلّما وقع في الوهم فهو بخلافه(6).
وقال ذعلب اليماني لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل رأيت ربّك؟ فقال له: أفأعبد من لا أراه، فقال: فكيف تراه؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان، قريب من الأشياء من غير ملامسة، بعيد منها من غير مباينة، متكلّم بلا رؤية، مريد بلا همّة، صانع بلا حاجة.
لطيف لا يوصف بالخفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنوا الوجوه لعظمته، وتوجل القلوب من مخافته، الذي لم يسبق له حال حالا، فيكون أوّلا قبل أن يكون آخراً، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً.
____________
1- التوحيد للصدوق: 108 ح5; عنه البحار 4: 26 ح1 عن أبي جعفر (عليه السلام).
2- التوحيد للصدوق: 173 ح1; الاحتجاج 2: 166 ح194; عنه البحار 3: 284 ح3.
3- في "ب": علامة لسمعه وبصره.
4- التوحيد للصدوق: 139 ضمن حديث 2; عنه البحار 4: 72 ضمن حديث 19.
5- طه: 81.
6- التوحيد للصدوق: 168 ح1; عنه البحار 4: 64 ح5 باختلاف.
الصفحة 322
كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل، وكلّ عزيز غيره ذليل، وكلّ قويّ غيره ضعيف، وكلّ مالك غيره مملوك، وكلّ عالم غيره متعلّم، وكلّ قادر غيره عاجز، وكلّ سميع غيره أصمّ عن لطيف الأصوات ويصمّه كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام، وكلّ ظاهر غيره غير باطن، وكلّ باطن غيره غير ظاهر.
لم يخلق ما خلقه لتسديد سلطان، ولا تخوّف من عواقب زمان، ولا استعانة على يد مشاور، ولا شريك مكاثر، ولا ضد منافر، ولكن خلائق مربوبون وعباد آخرون، لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن، ولا بنآء عنها فيقال: هو منها بائن.
لم يؤده خلق ما خلق، ولا تدبير ما برأ وذرأ، ولا وقف به عجز ممّا خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قدّر وقضى، بل قضاءٌ متين(1)، وعلم محكم، وأمر مبرم، المأمون من النقم، المرهوب مع النعم(2).
وقال له آخر: أخبرنا يا أمير المؤمنين بما عرفت ربّك؟ قال: بفسخ العزم ونقض الهمم، لما هممت فحال بيني وبين همّي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، علمت انّ المدبّر لي غيري.
قال: فيما ذا شكرت نعماه؟ قال: نظرت إلى بلاء قد صرفه عنّي وبلى به غيري، واحسان شملني به، فعلمت أن قد أحسن إليّ وأنعم عليّ فشكرته، قال: فيما ذا أحببت لقاءه؟ قال: رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله، فعلمت انّه قد أكرمني واختار لي دار كرامته، فاشتقت إلى لقائه(3).
____________
1- في "ب": و "ج": متقت.
2- نهج البلاغة: الخطبة 65; وفي أعلام الدين: 65.
3- التوحيد للصدوق: 288 ح6; الخصال: 33 ح1 باب 2; عنه البحار 3: 42 ح17.
الصفحة 323
وقال (عليه السلام): من عبد الله بالوهم أن يكون صورة أو جسماً فقد كفر، ومن عبد الاسم دون المعنى فقد عبد غير الله، ومن عبد المعنى دون الاسم فقد دلّ على غائب، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى بوقوع الاسم عليه فعقد به قلبه ونطق به لسانه في سرائره وعلانيته فذلك ديني ودين آبائي(1).
وبالاسناد إلى الصادق (عليه السلام) انّ رجلا سأله فقال: يا ابن رسول الله دلّني على الله ما هو فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني، فقال له: يا عبد الله هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم، قال: فهل كسرت بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم.
قال: فهل تعلّق قلبك هنالك انّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم، قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو الله تعالى، القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الاغاثة حيث لا مغيث(2).
وجاء في تفسير قوله تعالى: {وما قدروا الله حقّ قدره}(3) أي ما عرفوه حقّ معرفته، ولا عظّموه حقّ عظمته، ولا عبدوه حقّ عبادته.
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته لولده الحسن (عليه السلام): إنّ ربّك أعظم أن يثبت ربوبيّته باحاطة سمع أو بصر(4).
وكان (عليه السلام) إذا بالغ في التحميد يقول: سبحان من إذا تناهت العقول في وصفه كانت حائرة دون الوصول إليه، وتبارك من إذا عرفت الفطن في تكيّفه لم يكن لها طريق إليه غير الدلالة عليه، وكفى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو
____________
1- البحار 4: 165 ح7 عن توحيد الصدوق، باختلاف; وأورده المصنّف رحمه الله في كتابه أعلام الدين: 67.
2- معاني الأخبار: 4 باب معنى الله عزوجل; عنه البحار 3: 41 ح16.
3- الأنعام: 91.
4- نهج البلاغة: الكتاب 31; البحار 4: 317 ح41.
الصفحة 324
السميع البصير}(1).
قال مصنّف الكتاب رحمة الله عليه: دواء القلوب في سبعة أشياء: التفكّر في طريق السلامة، وتدبر أدلّة العقل، وترك الهوى، وقراءة القرآن المجيد بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع في السحر، ومجالسة العلماء الصالحين.
ومن ألزم نفسه آداب الكتاب العزيز، والعلم بمعانيه، والعمل به وبسنّة نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله)، وسنن الأئمة من أهل بيته (عليهم السلام) نوّر الله قلبه بنور الايمان، ومكّن له بالبرهان، وجعل وجهه وفعله وقوله شاهد الحق، كما قال بعضهم [ممثّلا في ذلك](2):
وقَلَّ مَنْ ضمنَتْ خيراً طويّتُهُ * * * إلاّ وفي وجهِهِ للخَير عُنوانُ
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ من دعامة البيت أساسه، ودعامة الدينالمعرفة بالله تعالى واليقين بتوحيده والعقل القامع، فقالوا: وما العقل القامع يا رسول الله؟ قال: الكف عن المعاصي، والحرص على طاعة الله، والشكر على جميل(3)احسانه وانعامه وحسن بلائه.
ومن علامات المعرفة بالله شدّة الخوف منه والهيبة له، قال الله تعالى: {إنّما يخشى الله من عباده العلماء}(4) وذلك لمشاهدتهم له في أسرار قلوبهم، ومعرفتهم انّه تعالى مشاهد لهم، كما قال تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم}(5).
فكلّما ازدادت معرفة العبد لربّه ازدادت مخافته منه ومهابته له، وكذلك أعرف أعوان السلطان به أهيبهم له وأخوفهم منه، ومثال ذلك مثال رجلين دخلا
____________
1- الشورى: 11.
2- أثبتناه من "ب".
3- في "ب": جميع.
4- فاطر: 28.
5- الحديد: 4.
الصفحة 325
داراً عرف أحدهما انّ المالك واقف على بعضها(1) يشرف عليه، فأحسن أدبه ولم يحدث أمراً مستنكراً، والآخر لم يعرف اشرافه عليه فأساء أدبه، وفعل ما لا يليق أن يفعل بحضرة المالك.
وكذلك العارف بالله، فإنّه مشاهده في كلّ حالاته وأسراره، فهو معه متأدّب ومنه خائف وله مراقب، والجاهل بالله خارج من هذه الحالة، راكب للجهالة، ولهذا نقول: إن كان العاصي حين يواقع المعصية يعتقد انّ الله تعالى يراه فإنّه لجاهل حيث جعله أهون الناظرين، وإن كان يعتقد انّه لا يراه فإنّه لكافر، فكلا الأمرين خطر عظيم واثم جسيم، ولا شك انّ المعرفة توجب الخوف والحياء.
ومن علامات العارف أن يكون خاطره فارغاً من علق الدنيا ومهامّها، مشغولا بأخطار الآخرة وأهوالها، والعارف لا يأسف على شيء فات إلاّ على ما فات من ذكر الله، فإنّه أبداً لا يرى إلاّ الله فلا يأسف على شيء مع الله، لأنّه يرى ما سوى الله بعين الفناء والزوال فكيف ينظر إلى شيء فان زائل، كما قال تعالى: {كلّ شيء هالك إلاّ وجهه}(2) يعني إلاّ ذاته سبحانه.
والعارف لا يخرج من الدنيا متأسّفاً إلاّ على قلّة بكائه على ذنبه وتقصيره في ثنائه على ربّه، ولكلّ شيء ثمرة وثمرة المعرفة الهيبة والمخافة والانس، ولكلّ شيء عقوبة وعقوبة العارف فتوره عن الذكر وغفلته عن الفكر، ومن علامات المعرفة شدّة المحبّة لله، وإذا اشتدّت محبّة العارف بالله كان الله له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيّداً.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الله إذا أحبّ عبداً قال لجبرئيل: إنّي اُحبّ فلاناً فأحبّوه(3)، ويوضع له القبول في الأرض، والمحبّة حالة شريفة كما أثنى
____________
1- في "ب" و "ج": بابها.
2- القصص: 88.
3- البحار 71: 372 ح5 عن نوادر الراوندي، نحوه.
الصفحة 326
الله تعالى بها على قوم فقال: {فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه}(1) ومحبّة الله للعبيد سبوغ نعمه عليهم في الدنيا مع طاعتهم له، واثابته لهم في الآخرة.
وأمّا انعامه على الكفّار والعصاة فإنّما هو املاء لهم واستدراج لم يصدر عن محبّة، كما قال تعالى: {ولا يحسبنّ الذين كفروا انّما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنّما نملي لهم ليزدادوا اثماً}(2).
وقال سبحانه: {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون}(3).
وقال سبحانه: {أيحسبون انّما نمدّهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون}(4).
ومحبّة الله تعالى لأهل طاعته ارادة نفعهم وثوابهم، وتسمّى هذه المحبّة رحمة منه وثناء على العبيد، كما انّ ذمّه لمن غضب عليه بغض له، ولقد ذهب المحبّون لله تعالى بشرف الدنيا والآخرة، يقول النبي (صلى الله عليه وآله): المرء مع من أحبّ(5)، وأيّ منزلة أشرف، ودرجة أعلى ممّن يكون مع الله؟! وليس بصادق من ادّعى محبّة الله ولم يحفظ حدوده.
ومن علامات محبّة العبد لله تعالى أن لا ينسى ذكره، وذلك انّ من أحبّ حبيباً تولّه بذكره يقظة ومناماً، ولقد أحسن من قال:
عجبت لمن يقول ذكرت ربّي * * * وهل أنسى فأذكر اذ(6) نسيت
شربت الحبّ كأساً بعد كأس * * * فما نفذ الشراب وما رويت
وإذا تردّد العبد بين الشوق إلى لقاء الله تعالى وبين البقاء رغبة في عبادته،
____________
1- المائدة: 54.
2- آل عمران: 178.
3- الأعراف: 182.
4- المؤمنون: 55-56.
5- أمالي الطوسي: 621 ح17 مجلس 29; عنه البحار 68: 70 ح128.
6- في "ب": إن.
الصفحة 327
يوكّل الأمر إلى الله ويقول: يا ربّ اختر لي أحد الأمرين إليك.
وروي انّ داود (عليه السلام) خرج مصحراً متفرّداً، فأوحى الله إليه: يا داود ما لي أراك وحدانياً؟ فقال: الهي اشتدّ الشوق منّي إلى لقائك فحال بيني وبينك خلقك، فأوحى الله إليه: ارجع إليهم فإنّك إن تأتيني بعبد آبق اُثبتك في اللوح حميداً(1)(2).
وينبغي أن يكون يتمنّى الموت في حالة الراحة والنعمة والعافية، كيوسف لمّا اُلقي في الجبّ لم يقل توفّني، ولا في السجن قال توفّني، فلمّا دخل عليه أبواه وخرّوا له سجّداً، وكان أعظم مسرّة بلقاء الأحبّة، وتمام الملك وكمال النعمة قال: توفّني مسلماً.
وروي انّ شعيباً (عليه السلام) بكى حتّى عمي، فردّ الله تعالى عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي، فردّ الله عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي فردّ الله تعالى عليه بصره، ثمّ بكى حتّى عمي فأوحى الله إليه: يا شعيب إن كان هذا البكاء لأجل الجنّة فقد أبحتها لك، وإن كان من أجل النار فقد حرّمتها عليك. فقال: لا بل شوقاً إليك، فقال الله تعالى: لأجل هذا أخدمتك كليمي موسى عشر سنين، ومن اشتاق إلى الله اشتاق إليه كلّ شيء(3).
وروي انّ الله تعالى أنزل في بعض كتبه: عبدي أنا وحقّي لك محبّ، فبحقّي عليك كن لي محبّاً.
والمحبّة تهيّج الشوق إلى لقاء الله تعالى، وتبعث على العمل الصالح لقوله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربّه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً}(4).
____________
1- في "ج": جميلا.
2- عنه البحار 14: 40 ح26.
3- البحار 12: 380 ح1 عن علل الشرائع، بتفصيل أكثر.
4- الكهف: 110.
الصفحة 328
وممّا يستدلّ به على معرفة الله تعالى أيضاً انّه لابدّ للعالم من صانع لأنّه لا يجوز أن يجتمع ألواح السفينة ومساميرها وقيرها مع بعضها ببعض بغير جامع ولا مؤلّف، ولا تعبر الناس فيها بغير ملاّح ولا معبر ولا مدبّر لها، ولا تمتلئ السفينة من نفسها متاعاً ثمّ تصعد وتنحدر في البلاد من غير مدبّر لها.
وإذا كان ذلك مستحيلا في العقول كان ذلك في وجود هذا العالم العظيم أشدّ امتناعاً، وما رأينا أيضاً دولاباً يدور بغير مدير، ولا رحاً تطحن بغير طاحن، ولا سراجاً بغير مسرج، فأيّ سراج أعظم من نور الشمس والقمر يضيئان لأهل السماوات والأرض، وأهل المشارق والمغارب.
وأيّ دولاب أعظم من هذه الأفلاك التي تقطع في اليوم الواحد والليلة الواحدة اُلوفاً من السنين بشمسها وقمرها ونجومها، تراها عياناً من غير مخبر يخبرك عنها، كما قال تعالى: {رفع السماوات بغير عمد ترونها}(1) وأشار بذلك إلى أنّها آية عظيمة تدلّ على عظم صانعها، ومحكم تدبيره، وواسع قدرته.
وقال تعالى: {أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت}(2).
وقال تعالى: {إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لاُولي الألباب}(3) والآيات في ذلك كثيرة، ولابدّ لها من صانع ومدبّر حكيم، فتفكّروا واعتبروا تجدوا دلالات توحيده أضوأ من الشمس، وأنور من القمر.
وكلّ من وصفه بتحديد فهو ملحد، ومن أشار إليه في جهة فهو كافر، ومن تصوّره فهو ضالّ، ومن شبّهه فهو جاحد، وكلّما ميزتموه بأوهامكم وأدركتموه
____________
1- الرعد: 2.
2- الغاشية: 17-20.
3- آل عمران: 190.
الصفحة 329
ممثلا في نفوسكم، ومصوّراً في أذهانكم فهو محدث مصنوع مثلكم، فالعارف به هو الموحد له برفع هذه الأسباب المستحيلة عليه.
وممّا يستدلّ به على توحيد الله تعالى وعظم قدرته أمر الفيل وأصحابه، الذين أخبر الله تعالى عنهم وما أصابهم ممّا ليس لأحد فيه حيلة بوجه من الوجوه، ولا إلى انكاره سبيل لاشتهاره، فإنّه لا يجوز أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله) لقريش في وجوههم مع كثرة عنادهم، وردّهم عليه: {ألم تر كيف فعل ربّك بأصحاب الفيل} وقصّ عليهم قصصهم وما نزل بهم من العذاب، إلاّ بعد أن رأوها وشاهدها كثير منهم.
وليس من الطبائع والعادات التي تحتج بها الملاحدة ما يوجب قصة أصحاب الفيل، ولا علم في العادات قبلها، ولا وقع في الآثار نظيرها، وهو أن يجيء طير كثير وفي منقار كلّ واحد حجر يرسله على رأس كلّ واحد من مائة ألف، فيخرج من دبره حتّى يعود كالعصف المأكول.
وكذلك كان في كلّ رِجْل من أَرْجُلِ الطير حجر يلقيه على رأس كلّ واحد من أصحاب الفيل فيخرج من دبره، فيهلكهم جميعاً دون أهل الأرض، وهذا لا يكون إلاّ من صانع حكيم عظيم، وليس ذلك إلاّ من ربّ العالمين جلّ جلاله، وتقدّست أسماؤه، ولا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم.
الصفحة 330
الباب الثاني والخمسون
في أخبار عن النبي والأئمة (عليهم السلام)
من كتاب ورام عن جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: لأهل الجنّة أربع علامات: وجه منبسط، ولسان منطلق(1)، وقلب رحيم، ويد معطية(2).
وعنه (عليه السلام) يقول: المؤمن أكرم على الله أن يمر عليه أربعون يوماً لا يمحّصه الله تعالى فيها من ذنوبه، وإنّ الخدش والعثرة وانقطاع الشسع واختلاج العين وأشباه ذلك ليمحّص به وليّنا من ذنوبه، وأن يغتمّ لا يدري ما وجهه، فأمّا الحمّى فإنّ أبي حدّثني عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حمّى ليلة كفارة سنة(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): السلطان [العادل](4) ظلّ الله في الأرض، يأوي إليه كلّ مظلوم، فمن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، ومن
____________
1- في "ج": فصيح لطيف.
2- مجموعة ورام 1: 91.
3- أمالي الطوسي: 630 ح11 مجلس 30; عنه البحار 81: 187 ح44.
4- أثبتناه من "ب" و "ج".
الصفحة 331
جار كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر حتّى يأتيهم الأمر(1).
وعنه (صلى الله عليه وآله): إنّ في جهنّم وادياً يستغيث أهل النار كلّ يوم سبعين ألف مرّة منه، وفي ذلك الوادي بيت من النار، وفي ذلك البيت جب من النار، وفي ذلك الجب تابوت من النار، وفي ذلك التابوت حية لها ألف ناب، كلّ ناب ألف ذراع، قال أنس: قلت: يا رسول الله لمن يكون هذا العذاب؟ قال: لشارب الخمر من أهل القرآن، وتارك الصلاة(2).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: جاءني جبرئيل (عليه السلام) متغيّر اللون، فقلت: يا جبرئيل ما لي أراك متغيّر اللون؟ قال: اطلعت في النار فرأيت وادياً في جهنّم يغلي، فقلت: يا مالك لمن هذا؟ فقال: لثلاثة نفر، للمحتكرين(3)، والمدمنين الخمر، والقوّادين(4).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعدائي؟ فيقول جبرئيل: يا ربّ أعداؤك كثير فأيّ أعداؤك؟ فيقول عزوجل: أين أصحاب الخمر، أين الذين كانوا يبيتون سكارى، أين الذين كانوا يستحلّون فروج المحارم، فيقرنهم مع الشياطين(5).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّما امرأة رضيت بتزويج فاسق فهي منافقة وجلست في النار، وإذا ماتت فتح لها في قبرها سبعون باباً من العذاب، وإن قالت: "لا إله إلاّ الله" لعنها كلّ ملك بين السماء والأرض، وغضب الله عليها في الدنيا والآخرة، وكتب عليها في كلّ يوم وليلة سبعين خطيئة.
____________
1- أمالي الطوسي: 634 ح9 مجلس 31; عنه البحار 75: 345 ح69.
2- عنه الوسائل 4: 838 ح9; ومعالم الزلفى: 337.
3- في "ب": للمتكبّرين.
4- عنه الوسائل 12: 314 ح11; ومعالم الزلفى: 337.
5- عنه معالم الزلفى: 247.
الصفحة 332
وقال (صلى الله عليه وآله): من زوّج كريمته بفاسق نزل عليه كلّ يوم ألف لعنة، ولا يصعد له عمل إلى السماء، ولا يستجاب دعاؤه، ولا يقبل منه صرف ولا عدل(1).
وقال (صلى الله عليه وآله): أيّما امرأة وهبت صداقها لزوجها، فلها بكلّ مثقال ذهب كأجر عتق رقبة(2).
وقال (صلى الله عليه وآله): أيّما امرأة كتمت سرّ زوجها، فلم تطلع عليه أحداًفهي في درجات الحور العين، فإن كان غير طاعة الله فلا يحلّ لها أن تكتم(3).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من شهد نكاح امرأة مسلمة كان خائضاً في رحمة الله تعالى، وله ثواب ألف شهيد، وله بكلّ خطوة يخطوها ثواب نبيّ، وكتب الله تعالى له بكلّ كلمة يتكلّمها عبادة سنة، ولا يرجع إلاّ مغفوراً. ومن سعى فيما بينهما وكان دليلا أعطاه الله بكلّ شعرة على بدنه مدينة في الجنّة، وزوّجه ألف حوراء، وكأنّما اشترى أسرى اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) وأعتقهم، وإن مات ذاهباً أو جائياً مات شهيداً(4).
وقال (عليه السلام): لا تدخل الملائكة بيتاً فيه خمر أو دفّ أو طنبور أو نرد، ولا يستجاب دعاؤهم، ويرفع الله عنهم البركة(5).
وقال (عليه السلام): أيّما امرأة أطاعت زوجها وهو شارب الخمر، كان لها من الخطايا بعدد نجوم السماء، وكلّ مولود تلد منه فهو نجس، ولا يقبل الله تعالى منها صرفاً ولا عدلا حتّى يموت زوجها، أو تخلع عنه نفسها.
____________
1- عنه مستدرك الوسائل 5: 279 ح5852.
2- عنه الوسائل 15: 36 ح2 باب 26.
3- عنه معالم الزلفى: 321.
4- عنه معالم الزلفى: 321.
5- عنه الوسائل 12: 235 ح13 باب 100; ومستدرك الوسائل 5: 279 ح5853.
الصفحة 333
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح، وأيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيّام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنّة، تدخل منها أيّها(1) شاءت(2).
وقال (عليه السلام): من ضرب امرأة بغير حق فأنا خصمه يوم القيامة، لا تضربوا نساءكم فمن ضربهنّ بغير حق فقد عصى الله ورسول الله.
وقال (عليه السلام): من تزوّج امرأة لجمالها جعل الله جمالها وبالا عليه(3).
وقال (عليه السلام): ما من امرأة تسقى زوجها شربة ماء إلاّ كان خيراً لها من عبادة سنة، صيام نهارها وقيام ليلها، وبنى الله لها بكلّ شربة تسقى زوجها مدينة في الجنّة، وغفر لها ستين(4) خطيئة(5).
وقال (عليه السلام): ثلاث من النساء يرفع الله عنهم عذاب القبر، ويكون محشرهنّ مع فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله): أيّما امرأة صبرت على غيرة زوجها، وامرأة صبرت على سوء خلق زوجها، وامرأة وهبت صداقها لزوجها، يعطى الله تعالى لكلّ واحدة منهنّ ثواب ألف شهيد، ويكتب لكلّ واحدة منهنّ عبادة سنة(6).
وعن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ردّ عادية ماء أو عادية نار فله الجنّة البتة(7).
وعنه (عليه السلام): ما من أحد مرّ بمقبرة إلاّ وأهل القبور(8) يقولون: يا غافل
____________
1- في "ب": من أيّ باب شاءت.
2- عنه الوسائل 14: 123 ح2 باب 89; ومعالم الزلفى: 321.
3- عنه الوسائل 14: 32 ح11 باب 14.
4- سبعين. خ ل.
5- عنه الوسائل 14: 123 ح3 باب 89; ومعالم الزلفى: 321.
6- عنه الوسائل 15: 37 ح3 باب 26; ومعالم الزلفى: 321.
7- الكافي 2: 164 ح8; مشكاة الأنوار: 182 في محاسن الأفعال.
8- في "ب" و "ج": المقبرة.
الصفحة 334
لو علمت ما نعلم لذاب لحمك عن جسدك(1).
وقال (عليه السلام): من ضحك على جنازة أهانه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق، ولا يستجاب دعاؤه، ومن ضحك في المقبرة رجع وعليه من الوزر مثل جبل اُحد، ومن ترحّم عليهم نجى من النار(2).
وقال (عليه السلام): إذا تصدّق الرجل بنيّة الميّت أمر الله تعالى جبرئيل (عليه السلام) أن يحمل إلى قبره سبعين ألف ملك، في يد كلّ ملك طبق من نور، فيحملون إلى قبره ويقولون: السلام عليك يا وليّ الله، هذه هدية فلان بن فلان إليك فيتلألأ قبره، وأعطاه الله ألف مدينة، وزوّجه ألف حوراء، وألبسه ألف حلّة، وقضى له ألف حاجة(3).
وقال (عليه السلام): إذا قرأ المؤمن آية الكرسي وجعل ثواب قراءته لأهل القبور جعل الله تعالى له من كلّ حرف ملكاً يسبّح له إلى يوم القيامة(4).
وقال (عليه السلام): إذا مات شارب الخمر عرج بروحه إلى السماء السابعةومعه الحفظة يقولون: ربّنا عبدك فلان مات وهو سكران، فيقول الله تعالى: ارجعا إلى قبره والعناه إلى يوم القيامة، وإذا مات وليّ الله عرج بروحه إلى السماء السابعة والحفظة معه فيقولون: ربّنا عبدك فلان مات، فيقول الله عزوجل: ارجعا إلى قبره، واكتبا له الحسنات(5) إلى يوم القيامة(6).
وقال (عليه السلام): من مات وميراثه الدفاتر والمحابر وجبت له الجنّة(7).
____________
1- في "ج": جسمك.
2- عنه الوسائل 2: 886 ح5 باب 63; والبحار 81: 264 ح18.
3- عنه الوسائل 2: 656 ح9 باب 28; والبحار 82: 63 ح7; معالم الزلفى: 321.
4- عنه الوسائل 2: 862 ح4 باب 34; والبحار 82: 63 ح7.
5- في "ج": استغفرا له.
6- معالم الزلفى: 35.
7- معالم الزلفى: 321.
الصفحة 335
وقال (عليه السلام): لا تسبوا الدنيا فنعم المطيّة للمؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، انّه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربّه(1).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من زنا بامرأة خرج من الايمان، ومن شرب الخمر خرج من الايمان، ومن أفطر يوماً من شهر رمضان خرج من الايمان(2).
وعن موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد الله (عليه السلام)، فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية: {الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش}(3) وأمسك، فقال له أبو عبد الله: ما أسكتك(4)؟ فقال: احبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزوجل.
فقال: نعم، يا عمرو أكبر الكبائر الاشراك بالله عزوجل، قال الله تعالى: {من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة}(5) وبعده اليأس من روح الله عزوجل، قال الله تعالى: {ولا تيأسوا من روح الله انّه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون}(6).
ثمّ الأمن لمكر الله عزوجل، قال الله تعالى: {فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون}(7) يعني يجازيهم بمكرهم له، ومنها عقوق الوالدين، لأنّ الله تعالى جعل العاق جباراً شقيّاً، وقتل النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، قال تعالى: {فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً}(8).
____________
1- عنه الوسائل 5: 161 ح4 باب 16.
2- الكافي 2: 278 ح5; عنه البحار 69: 197 ح13.
3- الشورى: 37.
4- في "ب": أمسكك.
5- المائدة: 72.
6- يوسف: 87.
7- الأعراف: 99.
8- النساء: 93.
الصفحة 336
وقذف المحصنة، قال الله تعالى: {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم}(1) وأكل مال اليتيم، قال الله تعالى: {إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً}(2).
والفرار من الزحف، قال الله تعالى: {ومن يولّهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير}(3).
وأكل الربا، قال الله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلاّ كما يقوم الذي يتخطّفه الشيطان من المس}(4) والسحر، قال الله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق}(5) والزنا، قال الله تعالى: {ومن يفعل ذلك يلق اثاماً * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً}(6).
واليمين الغموس الفاجرة، قال الله تعالى: {الذين يشترون بعهد الله وايمانهم ثمناً قليلا اُولئك لا خلاق لهم في الآخرة}(7) والغلول، قال الله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة}(8) ومنع الزكاة المفروضة، قال الله تعالى: {يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم}(9).
وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، قال الله تعالى: {ومن يكتمها فإنّه آثم قلبه}(10) وشرب الخمر لأنّ الله تعالى نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان، وترك
____________
1- النور: 23.
2- النور: 23.
3- النور: 23.
4- البقرة: 275.
5- البقرة: 102.
6- البقرة: 102.
7- آل عمران: 77.
8- آل عمران: 161.
9- آل عمران: 161.
10- البقرة: 283.
الصفحة 337
الصلاة أو شيء ممّا فرض الله، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ترك الصلاة فقد برئ من ذمّة الله وذمّة رسوله.
ونقض العهد، وقطيعة الرحم، قال الله تعالى: {اُولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}(1)، فخرج عمرو وله صراخ من بكائه وهو يقول: هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم(2).
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أوّل ما عصى به الله تعالى ست خصال: حبّ الدنيا، وحبّ الرئاسة، وحبّ الطعام، وحبّ الراحة، وحبّ النوم، وحبّ النساء(3).
وقال (عليه السلام): الغضب يفسد الايمان كما يفسد الخلّ العسل(4).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): الغضب مفتاح كلّ شر(5).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من كفّ نفسه عن أعراض المسلمين أقاله الله يوم القيامة عثراته، ومن كفّ غضبه عن الناس كفّ الله تعالى عنه عذاب يوم القيامة(6).
وقال (عليه السلام): إنّ في جهنّم لوادياً للمتكبّرين يقال له: سقر، شكى إلى الله تعالى شدّة حرّه وسأله أن يأذن له أن يتنفّس، فتنفّس فأحرق جهنّم(7).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان عليّ بن الحسين (عليهم السلام) يقول لولده: اتّقوا الكذب الصغير منه والكبير، في كلّ جدٍّ وهزل، فإنّ الرجل إذا كذب في
____________
1- الرعد: 25.
2- الكافي 2: 285 ح24 باب الكبائر.
3- مجموعة ورام 2: 205.
4- الكافي 2: 302 ح1; عنه البحار 73: 267 ح22.
5- مجموعة ورام 1: 122; الكافي 2: 303 ح3.
6- الكافي 2: 305 ح14; عنه البحار 73: 280 ح34.
7- الكافي 2: 310 ح10; عنه البحار 73: 218 ح10; ومعالم الزلفى: 337.
الصفحة 338
الصغير اجترأ على الكبير، أما علمتم انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما يزال العبد يصدق حتّى يكتبه الله عزوجل صادقاً، وما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه الله كاذباً(1).
وعنه (عليه السلام) قال: إنّ الكذب هو خراب الايمان(2).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: لا تجد طعم الايمان حتّى تترك الكذب جدّه وهزله(3).
وقال عيسى بن مريم (عليه السلام): من كثر كذبه ذهب بهاؤه(4).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ينبغي للرجل المسلم(5) أن يتجنّب مؤاخاة الكذّاب، لأنّه لا يزال يكذب حتّى يجيء بالصدق فلا يصدّق(6).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسانان من نار(7).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بئس العبد عبداً يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن اُعطي حسده، وإن ابتلى خذله(8).
وقال الله تعالى: يا عيسى ليكن لسانك في السر والعلانية لساناً واحداًوكذلك قلبك، انّي اُحذّرك لنفسك وكفى بي من خبير، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا سيفان في غمد واحد، ولا قلبان في صدر واحد، وكذلك الأذهان(9).
____________
1- مجموعة ورام 2: 207; الكافي 2: 338 ح2.
2- الكافي 2: 339 ح4; عنه البحار 72: 247 ح8.
3- المحاسن 1: 209 ح156 عقاب الكذب; عنه البحار 72: 262 ح41.
4- الكافي 2: 341 ح13; عنه البحار 72: 250 ح16.
5- في "ب" و "ج": المؤمن.
6- الكافي 2: 341 ح14; عنه البحار 72: 250 ح17.
7- الكافي 2: 343 ح1; عنه البحار 75: 204 ح12.
8- الكافي 2: 343 ح2; عنه البحار 75: 206 ح13.
9- الكافي 2: 343 ح3; عنه البحار 75: 206 ح14.
الصفحة 339
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): لا يفترق رجلان عن الهجران إلاّ استوجب أحدهما البراءة واللعنة، وربّما استوجب ذلك كلاهما(1).
وعنه (عليه السلام) يقول: قال أبي (عليه السلام): قال رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثاً لا يصطلحان إلاّ كانا خارجين من الإسلام، ولم يكن بينهما ولاية، وأيّهما كان أسبق إلى كلام صاحبه كان السابق إلى الجنّة يوم الحساب(2).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجعأحدهما عن ذنبه، فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وقال: فزت، فرحم الله امرءً ألّف بين وليّين لنا، يا معشر المؤمنين تآلفوا وتعاطفوا(3).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة كشف غطاء من أغطية الجنّة، يوجد(4) ريحها من كانت له روح من مسيرة خمسمائة عام إلاّ صنف واحد، قلت: من هم؟ قال: العاق لوالديه(5).
وعنه (عليه السلام): أدنى العقوق اُف، ولو علم الله شيئاً هو أهون منه لنهى عنه(6)، كما قال تعالى: {فلا تقل لهما اُفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريماً}(7).
وقال (عليه السلام): من نظر إلى أبويه نظر ماقت وهما له ظالمان لم يقبل الله عزوجل له صلاة(8).
____________
1- مجموعة ورام 2: 207; الكافي 2: 344 ح1.
2- الكافي 2: 345 ح5; عنه البحار 75: 186 ح5; معالم الزلفى: 321.
3- الكافي 2: 345 ح6; عنه البحار 75: 187 ح6.
4- في "ب": فوجد.
5- الكافي 2: 348 ح3; عنه البحار 74: 60 ح24.
6- الكافي 2: 349 ح9; عنه البحار 74: 59 ح22.
7- الكافي 2: 349 ح9; عنه البحار 74: 59 ح22.
8- مجموعة ورام 2: 208; الكافي 2: 349 ح5.
الصفحة 340
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلام له: إيّاكم وعقوق الوالدين، فإنّ ريح الجنّة يوجد من مسيرة ألف سنة، ولا يجدها عاق، ولا قاطع رحم، ولا شيخ زان(1).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله تبارك وتعالى: "وعزّتي وجلالي وكبريائي ونوري وعظمتي وعلوّي وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواه على هواي(2) إلاّ شتّتت عليه أمره، ولبست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها، ولم أعطه منها إلاّ ما قدّرت له.
وعزّتي وجلالي وعظمتي ونوري وعلوّي وارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواي(3) على هواه إلاّ استحفظته ملائكتي، وكفلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة"(4).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من طلب مرضاة الناس بما يسخط الله عزوجل كان حامده من الناس ذاماً، ومن آثر طاعة الله عزوجل بما يغضب الناس كفاه الله عزوجل عداوة كلّ عدوّ، وحسد كلّ حاسد، وبغي كلّ باغ، وكان الله عزوجل له ناصراً وظهيراً(5).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ علياً (عليه السلام) باب فتحه الله، من دخله كان مؤمناً، ومن خرج منه كان كافراً(6).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ العبد ليذنب الذنب فيدخله الله عزوجل به الجنّة، قلت: يا ابن رسول الله يدخله الله عزوجل بالذنب الجنّة؟ قال:
____________
1- الكافي 2: 349 ح6; عنه البحار 74: 61 ح27.
2- في "ج": أمري.
3- في "ج": أمري.
4- الكافي 2: 335 ح2; عنه البحار 70: 85 ح18.
5- الكافي 2: 372 ح2; عنه البحار 73: 392 ح2.
6- الكافي 1: 437 ح8; عنه البحار 32: 324 ح301.
الصفحة 341
نعم، انّه ليذنب فلا يزال منه خائفاً ماقتاً لنفسه، ويرحمه الله عزوجل ويدخل الجنّة به(1).
وقال (عليه السلام): من أذنب ذنباً فعلم انّ الله عزوجل مطّلع عليه، إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له، [غفر له](2) وإن لم يستغفر(3).
وعن عبد الله [بن] موسى بن جعفر، عن أبيه قال: سألته عن الملكين هل يعلمان بالذنب إذا أراد العبد أن يعمله، أو الحسنة؟ فقال: ريح الكنيف وريح الطيب سواء؟ فقلت: لا، قال: إنّ العبد إذا همّ بالحسنة خرج نفسه طيّب الريح، فيقول صاحب اليمين لصاحب الشمال: قف فإنّه قد همّ بالحسنة، فإذا هو عملها كان لسانه قلمه، وريقه مداده، فأثبتها له.
وإذا همّ بالسيّئة خرج نفسه منتن الريح، فيقول صاحب الشمال لصاحب اليمين: قف فإنّه قد همّ بالسيّئة، فإذا هو فعلها كان لسانه قلمه، وريقه مداده، فأثبتها عليه في الدنيا والآخرة(4).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا تاب العبد توبة نصوحاً لوجه الله عزوجل، فإنّ الله عزوجل يستر عليه في الدنيا والآخرة، فقلت: كيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملائكته ما كتبا عليه من الذنوب، ثمّ يوحي الله إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي الله إلى بقاع الأرض: اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله عزوجل حين يلقاه وليس يُشهد عليه بشيء من الذنوب(5).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: يا محمد بن مسلم، ذنوب المسلم إذا تاب
____________
1- الكافي 2: 426 ح3; معالم الزلفى: 321.
2- أثبتناه من "ب" و "ج" والكافي.
3- الكافي 2: 427 ح5; عنه البحار 88: 36.
4- الكافي 2: 429 ح3; عنه البحار 5: 325 ح16.
5- الكافي 2: 430 ح1; عنه البحار 7: 317 ح12.
الصفحة 342
منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما والله انّها ليست إلاّ لأهل الايمان، قلت: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار للذنوب وعاد في التوبة؟
فقال: يا محمد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه، ويستغفر الله عزوجل منه ويتوب، ثمّ لا يقبل الله تعالى توبته، قلت: فإن فعل ذلك مراراً، يذنب ثمّ يتوب ويستغفر الله؟ فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد الله عليه بالمغفرة، وإنّ الله غفور رحيم، يقبل التوبة ويعفو عن السيّئات، وإيّاك أن تقنط المؤمنين(1) من رحمة الله عزوجل(2).
وعنه (عليه السلام) قال: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو يستغفر كالمستهزئ(3).
وقال الصادق (عليه السلام): من استغفر الله في كلّ يوم سبعين مرّة غفر لهسبعمائة ذنب، ولا خير في عبد يذنب في كلّ يوم أكثر من سبعمائة ذنب(4).
وقال (عليه السلام): ما من مؤمن إلاّ وله ذنب يهجره زماناً ثمّ يلمّ به، وذلك قول الله عزوجل: {إلاّ اللّمم}. وسألته عن قول الله عزوجل: {الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلاّ اللّمم}(5) قال: الفواحش: الزنا والسرقة، واللمم: الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر الله تعالى منه(6).
وعن بعض أصحابنا قال: صعد أمير المؤمنين (عليه السلام) المنبر بالكوفة، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس الذنوب ثلاثة ثمّ أمسك، فقال له رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين قلت الذنوب ثلاثة وأمسكت قال: ما ذكرتها إلاّ وأنا
____________
1- في "ب": العبد المؤمن.
2- الكافي 2: 434 ح6; عنه البحار 6: 40 ح71.
3- الكافي 2: 435 ح10; عنه البحار 6: 41 ح75.
4- الكافي 2: 439 ح10 وفيه: استغفر مائة مرّة.
5- النجم: 32.
6- الكافي 2: 442 ح3.
الصفحة 343
اُريد أن اُفسّرها، ولكن عرض لي شيء حال بيني وبين الكلام، نعم الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب يُرجى لصاحبه ويخاف عليه.
قال: يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا، فقال: نعم، أمّا الذنب المغفور فعبد عاقبه الله في الدنيا على ذنبه، والله تعالى أحكم(1) وأكرم أن يعاقب عبده مرّتين، وأمّا الذنب الذي لا يغفر فمظالم(2) العباد بعضهم لبعض، إنّ الله تعالى أقسم قسماً على نفسه فقال: وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم ولو كفّاً بكفّ، ولو مسحاً بكفّ، ولو نطحة ما بين القرنين إلى الجماء، فيقتصّ للعباد بعضهم لبعض، حتّى لا يبقى لأحد على أحد مظلمة.
فأمّا الذنب الثالث فذنب ستره الله على عبده ورزقه التوبة منه، فأصبح خائفاً من ذنبه راجياً لربّه، فنحن له كما هو لنفسه، فترجى له الرحمة(3).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ الله عزوجل إذا كان من أمره أن يكرم عبداً له وعليه ذنب ابتلاه بالسقم، فإن لم يفعل ذلك ابتلاه بالحاجة، فإن لم يفعل ذلك به شدّد عليه الموت ليكافيه بذلك الذنب(4). وإن كان من أمره أن يهين عبداً وله عنده حسنة صحّح بدنه، وإن لم يفعل ذلك به وسّع عليه رزقه، فإن لم يفعل ذلك به هوّن عليه الموت، فيكافيه بتلك الحسنة(5).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يكن عنده من العمل ما يكفّرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفّرها(6).
وعنه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تعالى
____________
1- في "ج": أحلم.
2- في "ج": فظلم.
3- الكافي 2: 443 ح1; المحاسن 1: 67 ح18; عنه البحار 75: 314 ح29.
4- في "ج": بتلك الذنوب.
5- الكافي 2: 444 ح1.
6- الكافي 2: 444 ح2.
الصفحة 344
يقول: "وعزّتي وجلالي لا أخرج عبداً من الدنيا وأنا اُريد أن أرحمه حتّى أستوفي منه كلّ خطيئة عملها، امّا بسقم في جسده، أو بضيق في رزقه، وامّا بخوف في دنياه، فإن بقيت عليه بقيّة شدّدت عليه عند الموت حتّى يأتي ولا ذنب عليه، فاُدخله الجنّة.
وعزّتي وجلالي لا اُخرج عبداً من الدنيا وأنا اُريد أن اُعذّبه حتّى اُوفّيه كلّ حسنة عملها، امّا بصحّة في جسمه، وامّا بسعة في رزقه، وامّا بأمن في دنياه، فإن بقيت بقيّة هوّنت عليه الموت حتّى يأتي ولا حسنة له، فاُدخله النار"(1).
قال (عليه السلام): إذا أراد الله بعبد سوءاً أمسك عليه ذنوبه حتّى يوافي بها يوم القيامة، وإذا أراد الله بعبد خيراً عجّل عقوبته في الدنيا(2).
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال الغم والهمّ بالمؤمن حتّى لا يدع له ذنباً(3).
وعن أبي الحسن الماضي قال: ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسنة استزاد الله عزوجل، وإن عمل سيّئة استغفر الله منها وتاب إليه(4).
ومن كلام له (عليه السلام): لا خير في العيش إلاّ لرجلين: رجل يزداد في كلّ يوم خيراً، ورجل يتدارك سيّئة(5) بالتوبة، وأنّى له بالتوبة والله لو يسجد حتّى ينقطع عنقه ما قبل الله ذلك منه إلاّ بولايتنا أهل البيت، ألا ومن عرف حقّنا ورجا الثواب فينا، ورضى بقوته وما ستر عورته، ودان الله لمحبّتنا فهو آمن يوم القيامة(6).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ما أحسن الحسنات بعد السيّئات، وما
____________
1- الكافي 2: 444 ح3.
2- الكافي 2: 445 ح5; مستدرك الوسائل 11: 334 ح13191.
3- الكافي 2: 445 ح7.
4- تحف العقول: 295; عنه البحار 1: 152 ضمن حديث 1.
5- منيّته، خ ل.
6- الكافي 8: 128 ح98; عنه البحار 78: 225 ح95 مثله.
الصفحة 345
أقبح السيّئات بعد الحسنات(1).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّكم في آجال منقوصة، وأيّام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع(2) خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع(3) شراً يحصد ندامة، ولكلّ زارع ما زرع، لا يسبق البطيء منكم حظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له، من اُعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شراً فالله عزوجل وقاه(4).
وعنه (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى أبي ذر رحمه الله فقال له: يا أباذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنّكم عمّرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنتقلوا من عمران إلى خراب، قال: فكيف ترى قدومنا على الله عزوجل؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأمّا المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
قال: فكيف ترى حالنا عند الله عزوجل؟ فقال: أعرضوا أعمالكم على الكتاب، إنّ الله عزوجل يقول: {إنّ الأبرار لفي نعيم * وإنّ الفجّار لفي جحيم}(5)، فقال الرجل: أين رحمة الله؟ فقال: رحمة الله قريب من المحسنين(6).
وقال أبو عبد الله (عليه السلام): كتب رجل إلى أبي ذر رحمه الله: يا أباذر أطرفني بشيء من العلم، فكتب إليه: إنّ العلم كثير ولكن إن قدرت أن لا تُسيء إلى من تحبّه فافعل، فقال: هل رأيت أحداً يسيء إلى من يحبّه؟ فقال: نعم، نفسك أحبّ الأنفس إليك، فإذا عصيت الله عزوجل فقد أسأت إليها(7).
وعن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) قال: إنّ أسرع الخير ثواباً البر، وأسرع
____________
1- مجموعة ورام 2: 165.
2- في "ج": من زرع.
3- في "ج": من زرع.
4- تحف العقول: 368; عنه البحار 78: 373 ح19 عن الإمام العسكري (عليه السلام).
5- الانفطار: 13-14.
6- الكافي 2: 458 ح20; عنه البحار 22: 402 ح12.
7- الكافي 2: 458 ضمن حديث 20; عنه البحار 22: 402 ضمن حديث 12.
الصفحة 346
الشر عقاباً البغي، وكفى بالمرء عيباً أن ينظر في عيوب غيره ويعمى عن عيوب نفسه، أو يؤذي جليسه بما لا يعنيه، أو ينهى الناس عمّا لا يستطيع تركه(1).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيراً ما يقول في خطبته: أيّها الناس دينكم دينكم، فإنّ السيّئة فيه خير من الحسنة في غيره، لأنّ السيّئة فيه تغفر والحسنة في غيره لا تقبل(2).
وقال: من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه(3).
وقال: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب(4).
وقال (عليه السلام): ما اعطى أحد شيئاً خير من امرأة صالحة، إذا رآها سرّته، وإذا أقسم عليها أبرّته، وإذا غاب عنها حفظته(5).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): هلاك نساء اُمّتي في الأحمرين، في الذهب والثياب الرقاق، وهلاك رجال اُمّتي في ترك العلم وجمع المال(6).
وقال (عليه السلام): إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرّعه(7).
وعن مجاهد قال: دخل النبي (صلى الله عليه وآله) على شاب وهو في الموت، فقال: كيف تجدك؟ قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلاّ أعطاه الله ما يرجو وآمنه ممّا يخاف(8).
____________
1- مجموعة ورام 2: 180.
2- مجموعة ورام 2: 161.
3- مجموعة ورام 1: 2.
4- المصدر نفسه.
5- مجموعة ورام 1: 3.
6- مجموعة ورام 1: 3.
7- مجموعة ورام 1: 4.
8- المصدر نفسه.
الصفحة 347
وقال (صلى الله عليه وآله): إنّ الله عزوجل يستحي من عبده إذا صلّى في جماعة ثمّ سأله حاجة أن ينصرف حتّى يقضيها(1).
وقال (عليه السلام): أكثر خطايا ابن آدم في لسانه(2).
وقال (عليه السلام): من صلّى ركعتين في خلأ لا يراه إلاّ الله عزوجل كانت له براءة من النار(3).
وقال (عليه السلام): ما من قوم قعدوا في مجلس ثم قاموا فلم يذكروا اللهعزوجل فيه إلاّ كان عليهم حسرة يوم القيامة(4).
وقال (عليه السلام): أكثروا الاستغفار فإنّ الله عزوجل لم يعلّمكم الاستغفار إلاّ وهو يريد أن يغفر لكم(5).
وقال (صلى الله عليه وآله): ألا أدلّكم على ما يمحق(6) الله به الخطايا ويذهب به الذنوب؟ فقلنا: بلى يا رسول الله، قال: اسباغ الوضوء في المكروهات، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة(7).
وقال (عليه السلام): اتّق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لكتكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحبّ لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإنّ كثرة الضحك يميت القلب(8).
وقال (عليه السلام): إذا كان للرجل على أخيه الدين، فأجّله إلى أجل كان له
____________
1- مجموعة ورام 1: 4; مستدرك الوسائل 6: 513 ح7395.
2- مجموعة ورام 1: 4.
3- مجموعة ورام 1: 5.
4- المصدر نفسه.
5- المصدر نفسه.
6- في "ب": و "ج": ما يمحو.
7- المصدر نفسه.
8- المصدر نفسه.
الصفحة 348
صدقة، فإن أخّره بعد أجله كان له بكلّ يوم صدقة(1).
وقال (عليه السلام): الخير كثير ومن يعمل به قليل(2).
وعنه (عليه السلام) قال: إنّ الرجل ليدعو ربّه وهو عنه معرض، ثمّ يدعو ربّه وهو عنه معرض، ثمّ يدعو ربّه وهو عنه معرض، فإذا كان الرابعة يقول الله تبارك وتعالى: يدعوني عبدي وأنا عنه معرض، عرف عبدي انّه لا يغفر الذنوب(3) إلاّ أنا، اُشهدكم انّي قد غفرت له(4).
وقال (عليه السلام): كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته، والأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيّته، والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على أهل بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيّده وهو مسؤول عنه، ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته(5).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وأغرف لجيرانك منها(6).
وقال (عليه السلام): لا يزال الناس بخير ما لم يستعجلوا، قيل: يا رسول الله وكيف يستعجلون؟ قال: يقولون: دَعَوْنا فلم يستجب لنا(7).
وقال (عليه السلام): من أدرك الصلاة أربعين يوماً في الجماعة كتب له براءةمن النفاق وبراءة من النار(8).
____________
1- المصدر نفسه.
2- المصدر نفسه.
3- في "ب" و "ج": لا يغفره.
4- مجموعة ورام 1: 7.
5- مجموعة ورام 1: 6.
6- المصدر نفسه.
7- المصدر نفسه.
8- مجموعة ورام 1: 7.
الصفحة 349
وقال (عليه السلام): إنّ الله يحب عبده الفقير المتعفّف أبا العيال(1).
وقال (عليه السلام): طهّروا أفواهكم فإنّها طرق القرآن(2).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): اطلبوا الحوائج إلى ذي الرحمة من اُمّتيترزقوا وتنجحوا، فإنّ الله عزوجل يقول: رحمتي في ذي الرحمة من عبادي، ولا تطلبوا الحوائج عند القاسية قلوبهم فلا ترزقوا ولا تنجحوا، فإنّ الله عزوجل يقول: إنّ سخطي فيهم(3).
وقال (عليه السلام): إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام، وانّه لينظر إلى اخوانه وأزواجه في الجنّة(4).
وقال (عليه السلام): من أذنب ذنباً وهو ضاحك دخل النار [وهو باك](5)(6).
وقال (عليه السلام): ألا اُنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: أكبر الكبائر ثلاث: الاشراك بالله عزوجل، وعقوق الوالدين، وكان متّكئاً فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكرّرها حتّى قلنا ليته سكت(7).
وباسناده الصحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يدخل الجنّة من اُمّتي سبعين ألفاً بغير حساب، ثمّ التفت إلى عليّ (عليه السلام) وقال: هم شيعتك [يا عليّ](8) وأنت إمامهم(9).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رفع قرطاساً من الأرض
____________
1- المصدر نفسه.
2- المصدر نفسه.
3- مجموعة ورام 1: 9.
4- مجموعة ورام 1: 17.
5- أثبتناه من "ج".
6- مجموعة ورام 1: 18.
7- المصدر نفسه.
8- أثبتناه من "ج".
9- مجموعة ورام 1: 23; معالم الزلفى: 321.
الصفحة 350
مكتوباً فيه اسم الله اجلالا لله ولإسمه عن أن يُداس، كان عند الله من الصدّيقين، وخفّف الله عن والديه وإن كانا مشركين(1).
وقال (عليه السلام): ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويوقّر كبيرنا(2).
وقال (عليه السلام): من عرف فضل كبير لسنّه فوقّره، آمنه الله من فزع يوم القيامة(3).
وقال (عليه السلام): إذا بلغ المؤمن ثمانين سنة فهو أمين(4) الله في الأرض، يكتب له الحسنات وتمحى عنه السيّئات(5).
وعن ابن عباس قال: من بلغ الأربعين ولم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار(6).
وعن محمد بن عليّ بن الحسين صلوات الله عليهم: إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء: دنا الرحيل فأعد له زاداً، ولقد كان فيما مضى إذا أتت على الرجل أربعين سنة حاسب نفسه(7).
وعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله ما عمل أهل الجنّة؟ قال: الصدق، إذا صدق العبد برّ، وإذا برّ آمن، وإذا آمن دخل الجنّة، قال: يا رسول الله وما عمل أهل النار؟ قال: الكذب، إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار(8).
____________
1- مجموعة ورام 1: 32.
2- مجموعة ورام 1: 34 وأيضاً 2: 197.
3- مجموعة ورام 1: 34.
4- في "ج": أسير.
5- مجموعة ورام 1: 34; معالم الزلفى: 34.
6- مجموعة ورام 1: 35.
7- مجموعة ورام 1: 35; مستدرك الوسائل 11: 156 ح13767; معالم الزلفى: 34.
8- مجموعة ورام 1: 43; مستدرك الوسائل 8: 457 ح9997.
الصفحة 351
وعنه (عليه السلام): من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم انّه ظالم فقد خرج من الإسلام(1).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة، حتّى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، قال: فيجمعون في تابوت من حديد ثمّ يرمى بهم في جهنّم(2).
وعنه (صلى الله عليه وآله): يأتي في آخر الزمان اُناس يأتون المساجدفيقعدون فيها حلقاً، ذكرهم الدنيا وحبّ الدنيا، فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة(3).
وقال عيسى (عليه السلام): إنّي أرى الدنيا في صورة عجوز هتماء(4) عليها كلّ زينة، قيل لها: كم تزوّجت؟ قالت: لا اُحصيهم كثرةً، قيل: أماتوا عنكِ أم طلّقوكِ؟ قالت: بل قتلتهم كلّهم(5)، قيل: فتعساً لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين، وكيف لا يكونون على حذر(6).
وكان الحسين(7) بن عليّ (عليهم السلام) كثيراً ما يتمثّل ويقول:
يا أهل لذّات دنيا لا بقاء له * * * إنّ اغتراراً بظلّ زائل حمق(8)
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، ويطلب شهواتها من لا فهم له، وعليها يعادي من لا علم له، وعليها يحسد من
____________
1- مجموعة ورام 2: 233.
2- مجموعة ورام 1: 54; معالم الزلفى: 247.
3- مجموعة ورام 1: 69.
4- الهتم: انكسار الثنايا من اُصولها خاصّة. (لسان العرب) 5- في "ج": بل كلّهم ماتوا.
6- مجموعة ورام 1: 69 وأيضاً 1: 146.
7- في المصدر: الحسن بن عليّ (عليه السلام).
8- مجموعة ورام 1: 145.
الصفحة 352
لا فقه له، ولها يسعى من لا يقين له، من كانت الدنيا همّه كثر في الدنيا والآخرة غمّه(1).
وقيل: إنّ عابداً احتضر فقال: ما تأسّفي على دار الأحزان والغموم والخطايا والذنوب، وإنّما تأسّفي على ليلة نمتها، ويوم أفطرته، وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى(2).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله): من ذبّ عن عرض أخيه كان ذلك حجاباً له من النار، ومن كان لأخيه المسلم في قلبه مودّة ولم يعلمه فقد خانه، ومن لم يرض من أخيه إلاّ بايثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب صديقه على كلّ ذنب كثر عدوّه.
وقال (عليه السلام): إنّ الله يعطي الدنيا على نيّة الآخرة، ولا يعطي الآخرة على نيّة الدنيا(3). اجعل الآخرة رأس مالك، فما أتاك من الدنيا فهو ربح(4).
____________
1- مجموعة ورام 1: 70 وأيضاً 1: 130.
2- مجموعة ورام 1: 75.
3- مجموعة ورام 1: 76.
4- المصدر نفسه.
الصفحة 353
الباب الثالث والخمسون
في أحاديث منتخبة
من الكتاب المذكور. روي عن الصادق (عليه السلام) انّه قال لبعض تلاميذه يوماً: أيّ شيء تعلّمت منّي؟ قال له: يا مولاي ثمان مسائل، قال له (عليه السلام): قصها عليّ لأعرفها، قال: الاُولى رأيت كلّ محبوب يفارق محبوبه عند الموت، فصرفت همّي إلى ما لا يفارقني بل يؤنسني في وحدتي وهو فعل الخير، قال: أحسنت والله.
الثانية [قال](1): ورأيت قوماً يفخرون بالحسب وآخرين بالمال والولد، وإذا ذلك لا فخر [فيه]، ورأيت الفخر العظيم قوله تعالى: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}(2) فاجتهدت أن أكون عند الله كريماً، قال: أحسنت والله.
الثالثة قال: رأيت الناس في لهوهم وطربهم، وسمعت قوله تعالى: {وأمّا من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى}(3) فاجتهدت في
____________
1- أثبتناه من "ب".
2- الحجرات: 13.
3- النازعات: 40-41.
الصفحة 354
صرف الهوى عن نفسي حتّى استقرّت على طاعة الله تعالى، قال: أحسنت والله.
الرابعة قال: رأيت كلّ من وجد شيئاً يكرم عنده اجتهد في حفظه، وسمعت قوله تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم}(1)فأحببت المضاعفة ولم أر أحفظ ممّا يكون عنده، وكلّما وجدت شيئاً يكرم عندي وجّهت به إليه ليكون لي ذخراً إلى وقت حاجتي إليه، قال: أحسنت والله.
الخامسة، قال: رأيت حسد الناس بعضهم لبعض وسمعت قوله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربّك خير ممّا يجمعون}(2) فلمّا عرفت انّ رحمة الله خير ممّا يجمعون ما حسدت أحداً، ولا أسفت على ما فاتني، قال: أحسنت والله.
السادسة، قال: رأيت عداوة الناس بعضهم لبعض في دار الدنيا والحزازات التي في صدورهم، وسمعت قول الله تعالى: {إنّ الشيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عدوّاً}(3) فاشتغلت بعداوة الشيطان عن عداوة غيره، فقال: أحسنت والله.
السابعة، قال: رأيت كدح الناس واجتهادهم في طلب الرزق، وسمعت قوله تعالى: {وما خلقت الجنّ والانس إلاّ ليعبدون * ما اُريد منهم من رزق وما اُريد أن يطعمون * إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين}(4) فعلمت انّ وعده حقّ وقوله صدق، فسكنت إلى وعده، ورضيت بقوله، واشتغلت بما له عليّ عمّا لي عنده، قال: أحسنت والله.
الثامنة، قال: رأيت قوماً يتّكلون على صحّة أبدانهم، وقوماً على كثرة أموالهم، وقوماً على خلق مثلهم، وسمعت قوله تعالى: {ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً
____________
1- الحديد: 11.
2- الزخرف: 32.
3- الفاطر: 6.
4- الذاريات: 56-58.
الصفحة 355
* ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إنّ الله بالغ أمره قد جعل لكلّ شيء قدراً}(1). فاتّكلت على الله وزال اتّكالي عن غيره، قال له: والله إنّ التوراة والانجيل والزبور والفرقان العظيم وسائر الكتب ترجع إلى هذه المسائل(2).
وقال النبي (صلى الله عليه وآله): من طلب العلم لله عزوجل لم يصب منه باباًإلاّ ازداد في نفسه ذلاًّ، وللناس تواضعاً، ولله خوفاً، وفي الدين اجتهاداً، فذلك الذي ينتفع بالعلم فيتعلّمه.
ومن طلب العلم للدنيا والمنزلة عند الناس، والحظوة عند السلطان، لم يزد(3)منه باباً إلاّ ازداد في نفسه عظمة، وعلى الناس استطالة، وبالله اغتراراً، وفي الدين جفاء، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم، فليكفّ وليمسك عن الحجّة على نفسه، والندامة والخزي يوم القيامة(4).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ ملك الموت إذا نزل ليقبض روح الفاجر نزل ومعه سفود من نار، قال عليّ (عليه السلام): يا رسول الله فهل يصيب ذلك أحداً من اُمّتك؟ قال: نعم، حاكماً جائراً، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وإنّ شاهد الزور يدلع لسانه في النار كما يدلع الكلب لسانه في الاناء(5).
وقيل لبعضهم: على ما بنيت أمرك؟ قال: على أربع خصال، علمت إنّ رزقي لا يأكله غيري فاطمأنّت نفسي، وعلمت انّ عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت انّ أجلي لا أدري متى يأتيني [ولا يأتيني إلاّ بغتة](6) وأنا اُبادره، وعلمت
____________
1- الطلاق: 2-3.
2- مجموعة ورام 1: 303.
3- في "ج": يصب.
4- مجموعة ورام 2: 3; معالم الزلفى: 13.
5- مجموعة ورام 2: 7; معالم الزلفى: 67.
6- أثبتناه من "ب" و "ج".
الصفحة 356
انّي لا اُغيب عن عين الله فأنا منه مستحي(1).
وقال (عليه السلام): من علّق سوطاً بين يدي سلطان جائر، جعل ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من نار طوله سبعون ذراعاً، يسلّطه الله عليه يوم القيامة في نار جهنّم وبئس المصير(2).
وقال (عليه السلام): من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه، [ومن كان باطنه أرجح من ظاهره ثقل ميزانه](3).
وعن الحسن بن عليّ (عليهم السلام) قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيّها الناس من كان له على الله أجر فليقم، قال: فلا يقوم إلاّ أهل المعروف(4).
قيل: من كان غناه في كيسه لم يزل فقيراً، ومن كان غناه في قلبه لم يزل غنيّاً(5).
وقال بعضهم: من لم يسلم لك صدره فلا يغرّنّك بشره، باشر ما أغناك ولا تكله إلى سواك، استغن فيما دهاك بمن يغنيه غناك(6).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله): إيّاكم والغيبة، فإنّ الغيبة أشدّ من الزنا، إنّ الرجل ليزني ويتوب فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبها(7).
وقال (عليه السلام): يا معاشر الناس من اغتاب آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، فلا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من تتبّع عورة أخيه تتبّع [الله] عورته
____________
1- مجموعة ورام 2: 9.
2- المصدر نفسه.
3- مجموعة ورام 2: 10; وأثبتنا ما بين المعقوفين من "ج".
4- مجموعة ورام 2: 10 وفيه: أهل العفو; معالم الزلفى: 246 و321.
5- مجموعة ورام 2: 13; معالم الزلفى: 246 و 321.
6- مجموعة ورام 2: 13.
7- مجموعة ورام 1: 115.
الصفحة 357
وفضحه في جوف بيته(1).
وأوحى الله إلى موسى (عليه السلام): من مات تائباً عن الغيبة فهو آخر من يدخل الجنّة، ومن مات وهو مصرّ عليها فهو أوّل من يدخل النار(2).
وقال (عليه السلام): ليس الشديد(3) بالصرعة، إنّما الشديد(4) الذي يملك نفسه عند الغضب، فإنّ الغضب مفتاح كلّ شرّ(5).
وقد ذمّ الله تعالى الكبر في مواضع من كتابه، وذمّ كلّ جبار عنيد، وقال: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق}(6).
وقال: {ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر}(7).
وقال: {اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون}(8).
وقال: {فبئس مثوى المتكبّرين}(9).
وقال: {كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبّر جبّار}(10).
وقال: {واستفتحوا وخاب كلّ جبّار عنيد}(11).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال
____________
1- المصدر نفسه.
2- مجموعة ورام 1: 116; معالم الزلفى: 359.
3- في "ج": الشهيد.
4- في "ج": الشهيد.
5- مجموعة ورام 1: 122.
6- الأعراف: 146.
7- النساء: 172.
8- الأنعام: 93.
9- الزمر: 72.
10- غافر: 35.
11- ابراهيم: 15.
الصفحة 358
حبّة من خردل من كبر، ولا يدخل النار رجل(1) في قلبه مثقال حبّة من الايمان(2).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الله تعالى يقول: "الكبرياء ردائي، والعظمة ازاري، فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار"(3).
وباسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: من اجتهد في اُمتي بترك شهوة من شهوات الدنيا فتركها من مخافة الله آمنه الله من الفزع الأكبر، وأدخله الجنة.
وباسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه: من قبّل غلاماً بشهوة عذّبه الله ألف عام في النار، ومن جامعه لم يجد ريح الجنة، وريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام إلاّ أن يتوب.
وباسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ما من أحد من اُمتي يذكرني ويصلّي عليّ إلاّ غفر الله له ذنوبه وإن كانت مثل رمل عالج.
وباسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: صدقة المؤمن تدفع عن صاحبها آفات الدنيا، وفتنة القبر، وعذاب يوم القيامة(4).
وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: صلاة الليل سراج لصاحبها في ظلمة القبر، وقول "لا إله إلاّ الله" يطرد الشيطان عن قائلها(5).
[وباسناده](6) عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات غريباً مات شهيداً.
وعنه (عليه السلام): موت غربة شهادة، فإذا احتضر فرمى ببصره عن يمينه وعن يساره فلم ير إلاّ غريباً، وذكر أهله فتنفّس فله بكلّ نفس تنفّسه يمحو الله عنه
____________
1- في "ب" و "ج": من كان.
2- مجموعة ورام 1: 198.
3- المصدر نفسه.
4- عنه معالم الزلفى: 122.
5- عنه البحار 87: 160 ح52; معالم الزلفى: 121.
6- أثبتناه من "ب".
الصفحة 359
به ألف ألف سيّئة، ويكتب له ألف ألف حسنة، وإذا مات مات شهيداً.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الغريب إذا مرض فنظر عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه فلم ير أحداً غفر الله له ما تقدّم من ذنبه [وما تأخّر](1).
وفي الخبر: من أحرق سبعين مصحفاً، وقتل سبعين ملكاً مقرباً، وزنا بسبعين بكراً، كان أقرب إلى النجاة ممّن ترك الصلاة متعمّداً.
وعن النبي (صلى الله عليه وآله): جلوس ساعة عند العالم في مذاكرة العلم أحبّ إلى الله تعالى من مائة ألف ركعة تطوّعاً، ومائة ألف تسبيحة، ومن عشرة آلاف فرس يغزو بها المؤمن في سبيل الله(2).
وباسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إذا صلّيت الصلاة لوقتها صعدت ولها نور شعشعاني، وتفتح لها أبواب السماء حتّى تنتهي إلى العرش، فتشفع لصاحبها وتقول: حفظك الله كما حفظتني، وإذا صلّيت لغير وقتها صعدت مظلمة، تغلق دونها أبواب السماء، ثمّ تلفّ كما يلفّ الثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها فتقول: ضيّعك الله كما ضيّعتني.
وروي عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): صلاة الليل مرضات للرب، وحبّ الملائكة، وسنّة الأنبياء، ونور المعرفة، وأصل الايمان، ورأفة(3) للأبدان، وكراهية للشيطان، وسلاح على الأعداء، واجابة للدعاء، وقبول للأعمال، وبركة في الرزق، وشفيع بين صاحبها وبين ملك الموت، وسراج في قبره، وفراش من تحت جنبه، وجواب مع منكر ونكير، ومونس وزائر في قبره.
____________
1- أثبتناه من "ب".
2- معالم الزلفى: 13.
3- في "ج": راحة.
الصفحة 360
فإذا كان يوم القيامة كانت الصلاة ظلاًّ فوقه، وتاجاً على رأسه، ولباساً على بدنه، ونوراً يسعى به بين يديه، وستراً بينه وبين النار، وحجة للمؤمن بين يدي الله تعالى، وثقلا في الموازين، وجوازاً على الصراط، ومفتاحاً للجنة لأنّ الصلاة تكبير وتحميد وتسبيح وتمجيد وتقديس وتعظيم وقراءة ودعاء، وانّ أصل الأعمال كلّها الصلاة لوقتها(1).
وقال (عليه السلام): اعلموا رحمكم الله انّكم على أعلام بيّنة، والطريق نهج إلى دار السلام، وأنتم في دار مستعتب على مهل وفراغ، والصحف منشورة، والأقلام جارية، والأبدان صحيحة، والألسن مطلقة، والتوبة مسموعة، والأعمال مقبولة(2).
وعن حذيفة بن اليمان رفعه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ قوماً يجيئون يوم القيامة ولهم من الحسنات أمثال الجبال، فيجعلها الله هباءً منثوراً ثمّ يؤمر بهم إلى النار، فقال سلمان: إحكهم(3) لنا يا رسول الله، فقال: امّا انّهم قد كانوا يصومون ويصلّون ويأخذون اهبّة من الليل، ولكنّهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام وثبوا عليه(4).
وقال (عليه السلام): ألا فاذكروا هادم اللذات، ومنغّص الشهوات، وقاطع الاُمنيات عند المشاورة للأعمال القبيحة، واستعينوا بالله على أداء واجب حقّه، وما لا يحصى من اعداد نعمه واحسانه.
وقال (عليه السلام): رحم الله امرأ تفكّر واعتبر، واعتبر فأبصر، فكأنّ ما هو كائن من الدنيا عمّا قليل لم يكن، وكأنّ ما هو كائن من الآخرة عن قليل لم يزل، وكلّ
____________
1- عنه البحار 87: 161 ضمن حديث 52.
2- نهج البلاغة: الخطبة 94; عنه البحار 71: 190 ح56.
3- في "ج": صفهم.
4- مجموعة ورام 1: 61; مستدرك الوسائل 11: 28 ح13014.
الصفحة 361
معدود منقص، وكلّ متوقع آت، وكلّ آت قريب دان(1).
وقال (عليه السلام): ألا وانّ الآخرة قد أقبلت والدنيا قد أدبرت ولكلٍّ منها بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، وانّ كلّ واحد(2)سيلحق باُمّه يوم القيامة، وانّ اليوم عمل بلا حساب وغداً حساب بلا عمل.
وقال (عليه السلام): إنّ النساء نواقص الايمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأمّا نقصان ايمانهنّ فقعودهنّ عن الصلاة والصوم أيام حيضهنّ، وأمّا نقصان حظوظهنّ فمواريثهنّ بالانصاف من مواريث الرجال، لقوله تعالى: {للذكر مثل حظّ الاُنثيين}(3)، وأمّا نقصان عقولهنّ فشهادة الامرأتين منهنّ كشهادة الرجل الواحد، فاتّقوا شرار النساء وكونوا من خيارهنّ على حذر، ولا تطيعوهنّ في المعروف حتّى لا يطمعن في المنكر(4).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): عجبت للبخيل يستعجل الفقر الذي منه هرب، ويفوته الغنى الذي إيّاه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء، وعجبت للمتكبّر الذي كان بالأمس نطفة ويكون غداً جيفة. وعجبت لمن شكّ في الله وهو يرى خلق الله، وعجبت لمن نسى الموت وهو يرى من يموت، وعجبت لمن أنكر النشأة الاُخرى وهو يرى النشأة الاُولى، وعجبت لعامر دار الفناء وتارك دار البقاء(5).
وقال (صلى الله عليه وآله): من آذى جاره حرّم الله عليه ريح الجنّة ومأواه جهنّم وبئس المصير، ومن ضيّع حقّ جاره فليس منّا(6).
____________
1- البحار 73: 119 ضمن حديث 109 عن كتاب عيون الحكم والمواعظ.
2- في "ج": ولد.
3- أمالي الصدوق، حديث المناهي; عنه البحار 76: 335 ح1.
4- نهج البلاغة: الخطبة 80; عنه البحار 32: 247 ح195.
5- مجموعة ورام 1: 62; معالم الزلفى: 134.
6- أمالي الصدوق، حديث المناهي; عنه البحار 74: 150 ح2.
الصفحة 362
وقال (صلى الله عليه وآله): من مشى إلى ذي قرابة بنفسه وماله ليصل رحمهأعطاه الله عزوجل أجر مائة شهيد، وله بكلّ خطوة أربعون ألف حسنة، ومحى عنه أربعون ألف سيّئة، ورفع له من الدرجات مثل ذلك، وكان كأنّما عبد الله عزوجل مائة سنة صابراً محتسباً. ومن كفى ضريراً حاجة من حوائج الدنيا، ومشى له فيها حتّى يقضي له حاجته، أعطاه الله براءة من النفاق، وبراءة من النار، وقضى له سبعين ألف حاجة من حوائج الدنيا، ولا يزال يخوض في رحمة الله حتّى يرجع(1).
وسئل النبي (صلى الله عليه وآله): ما أثقل من السماء، وما أغنى من البحر، وما أوسع من الأرض، وما أحرّ من النار، وما أبرد من الزمهرير، وما أشدّ من الحجر، وما أمرّ من السمّ؟
فقال (صلى الله عليه وآله): البهتان على البريء أثقل من السماء، والحق أوسع من الأرض، وقلبٌ قانعٌ أغنى من البحر، وسلطانٌ جائرٌ أحرّ من النار، والحاجة إلى اللئيم أبرد من الزمهرير، وقلب المنافق أشدّ من الحجر، والصبر في الشدّة أمرّ من السمّ.
وقال (عليه السلام): ستة أشياء حسنة ولكنّها من ستّة أحسن: العدل حسن وهو من الاُمراء أحسن، والصبر حسن وهو من الفقراء أحسن، والورع حسن وهو من العلماء أحسن، والسخاء حسن وهو من الأغنياء أحسن، والتوبة حسنة وهي من الشباب أحسن، والحياء حسن وهو من النساء أحسن. وأمير لا عدل له كغمام لا غيث له، وفقير لا صبر له كمصباح لا ضوء له، وعالم لا ورع له كشجرة لا ثمر لها، وغني لا سخاء له كمكان لا نبت له، وشاب لا توبة له كنهر لا ماء له، وامرأة لا حياء لها كطعام لا ملح له.
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): من تاب ولم يغيّر لسانه فليس بتائب،
____________
1- أمالي الصدوق، حديث المناهي; عنه البحار 76: 335 ح1.
الصفحة 363
ومن تاب ولم يغيّر فراشه فليس بتائب، ومن تاب ولم يغيّر أعماله فليس بتائب، فإذا حصل هذه الخصال فهو تائب(1).
وعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: خلق الله تعالى ملكاً تحت العرش يسبّحه بجميع اللغات المختلفة، فإذا كان ليلة الجمعة أمره أن ينزل من السماء إلى الدنيا ويطلع إلى أهل الأرض ويقول: يا أبناء العشرين لا تغرّنّكم الدنيا، ويا أبناء الثلاثين اسمعوا وعوا، ويا أبناء الأربعين جدّوا واجتهدوا. ويا أبناء الخمسين لا عذر لكم، ويا أبناء الستين ماذا قدّمتم في دنياكم لآخرتكم، ويا أبناء السبعين زرع قد دنا حصاده، ويا أبناء الثمانين أطيعوا الله في أرضه، ويا أبناء التسعين آن لكم الرحيل فتزوّدوا، ويا أبناء المائة أتتكم الساعة وأنتم لا تشعرون، ثمّ يقول: لولا مشائخ ركّع، وفتيان خشّع، وصبيان رضّع لصبّ عليكم العذاب صبّاً(2).
وقال (عليه السلام): إنّ لله ملكاً ينادي في كلّ يوم: لدوا(3) للموت واجمعوا للفناء وابنوا للخراب(4).
وقال (عليه السلام): من عظم صغار المصائب ابتلاه الله بكبائرها(5).
وقال (عليه السلام): لا يكون الصديق صديقاً حتّى يحفظ أخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته(6).
وقال (عليه السلام): أصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة، فأصدقاؤك: صديقك وصديق صديقك وعدوّ عدوّك، وأمّا أعداؤك: فعدوّك وعدوّ صديقك وصديق
____________
1- جامع الأخبار: 227 ح8 في التوبة; عنه البحار 6: 35 ح52 بتفصيل أكثر.
2- عنه مستدرك الوسائل 6: 75 ح6474.
3- في "ج": تهيّؤوا.
4- نهج البلاغة: قصار الحكم 132; عنه البحار 82: 180 ح25.
5- نهج البلاغة: قصار الحكم 448; الدعوات للراوندي: 169 ح473; عنهما البحار 82: 136 ح20.
6- نهج البلاغة: قصار الحكم 134; عنه البحار 74: 163 ح28.
الصفحة 364
عدوّك(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تعالى ينظر إلى هذه الاُمة بالعلماء والفقراء، والعلماء ورثتي والفقراء أحبّائي، وخلق الله الخلق من طين الأرض وخلق الأنبياء والفقراء من طين الجنة، فمن أراد أن يكون في عهد الله فليكرم الفقراء(2).
وقال (عليه السلام): سراج الأغنياء في الدنيا والآخرة الفقراء، ولولا الفقراء لهلك الأغنياء، ومثل الفقراء مع الأغنياء كمثل عصى في يد أعمى.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لعن الله من أكرم الغنيّ لغناه، ولعن الله من أهان الفقير لفقره، ولا يفعل هذا إلاّ منافق، فمن أكرم الغني لغناه وأهان الفقير لفقره سمّى في السماوات عدوّ الله وعدوّ الأنبياء، لا يُستجاب له دعوة ولا تقضى له حاجة.
وقال (عليه السلام): الفقر ذلّ في الدنيا وفخر في الآخرة، والغنى فخر في الدنيا وفقر في الآخرة، فطوبى لمن كان فخره في الآخرة.
وقال (عليه السلام): المنّان على الفقراء ملعون في الدنيا والآخرة، والمنّان على أبويه واخوته بعيد من الرحمة بعيد من الملائكة، قريب من النار، لا يستجاب له دعوة، ولا تقضى له حاجة، ولا ينظر الله إليه في الدنيا والآخرة.
وقال (عليه السلام): من آذى مؤمناً فقيراً بغير حقّ فكأنّما هدم مكة عشر مرّات والبيت المعمور، وكأنّما قتل ألف ملك من المقرّبين.
وقال (عليه السلام): حرمة المؤمن الفقير أعظم عند الله من سبع سماواتوسبع أرضين والملائكة والجبال وما فيها.
____________
1- نهج البلاغة: قصار الحكم 295; عنه البحار 74: 164 ح28.
2- معالم الزلفى: 13 و14.
الصفحة 365
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: الفتوة أربعة: التواضع مع الدولة، والعفو مع القدرة، والنصيحة مع العداوة، والعطية بلا منّة.
وقال (عليه السلام): أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وخير ما أعطى الإنسان الخلق الحسن، وخير الزاد ما صحبه التقوى، وخير القول ما صدقه الفعل.
وقال (عليه السلام): من فعل خمسة أشياء فلابدّ له من خمسة، ولابد لصاحب الخمسة من النار، الأوّل: من شرب المثلث فلابدّ له من شرب الخمر، ولابدّ لشارب الخمر من النار، الثاني: من لبس الثياب الفاخرة فلابدّ له من الكبر، ولابدّ لصاحب الكبر من النار.
الثالث: من جلس على بساط السلطان فلابد أن يتكلّم بهوى السلطان، ولابدّ لصاحب الهوى من النار، الرابع: من جالس النساء فلابدّ له من الزنا، ولابدّ للزاني من النار، الخامس: من باع واشترى من غير فقه فلابدّ له من الربا، ولابدّ لآكل الربا من النار(1).
وقال (عليه السلام): الحرمة(2) من الفاسق محال، والشفقة من العدوّ محال، والنصيحة من الحاسد محال، والهيبة من الفقر محال، والوفاء من المرأة محال(3).
وقال (عليه السلام): من مشى في طلب العلم خطوتين، وجلس عند العالمساعتين، وسمع من العلم كلمتين، أوجب الله له جنّتين(4)، كما قال تعالى: {ولمن خاف مقام ربّه جنّتان}(5).
____________
1- مجموعة ورام 1: 14.
2- في "ب": الحرفة.
3- الخصال: 269 ح5 باب 5; عنه البحار 74: 194 ح18 نحوه.
4- معالم الزلفى: 13.
5- الرحمن: 46.
الصفحة 366
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا يكمل ايمان المؤمن حتّى يكون فيه أربع خصال: يحسن خلقه، وتسخو(1) نفسه، ويمسك الفضل من قوله، ويخرج الفضل من ماله(2).
وعن الصادق (عليه السلام) قال: إنّ الله يحبّ الجمال والتجمّل ويكره البؤس والتباؤس، وانّ الله عزوجل إذا أنعم على عبد نعمة أحبّ أن يرى عليه أثرها، قيل: وكيف ذلك؟ قال: ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويجصّص داره، ويكنس أفنيته، حتّى انّ السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر، ويزيد في الرزق(3).
وعن الصادق (عليه السلام) قال: ما كان ولا يكون إلى يوم القيامة رجل مؤمن إلاّ وله جار يؤذيه(4).
وقال (عليه السلام): إنّ الرجل ليموت والداه وهو عاق لهما، فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه من البارّين(5).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أيّوب ألا أدلّك على عمل يرضى الله، قال: بلى يا رسول الله، قال: أصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وأحبب بينهم إذا تباغضوا(6).
وقال (عليه السلام): لاُخبرنّكم على من تحرم النار غداً، على كلّ هيّن ليّن قريب سهل(7).
وقال (عليه السلام): خمس كلمات في التوراة ينبغي أن تكتب بماء الذهب،
____________
1- في "ج": يصلح.
2- أمالي الطوسي: 125 ح9 مجلس 5; عنه البحار 67: 297 ح22.
3- أمالي الطوسي: 275 ح64 مجلس 10; عنه البحار 76: 141 ح5.
4- أمالي الطوسي: 280 ح77 مجلس 10.
5- مجموعة ورام 1: 288.
6- مجموعة ورام 1: 6، وفيه: يا أبا أيوب.
7- أمالي الصدوق: 262 ح5 مجلس 52; عنه البحار 75: 51 ح4.
الصفحة 367
أوّلها: حجر الغصب في الدار رهن على خرابها، والغالب بالظلم هو المغلوب، وما ظفر من ظفر الاثم به، ومِنْ أقلّ حق الله عليك أن لا تستعين بنعمه على معاصيه، ووجهك ماء جامد يقطر عند السؤال فانظر عند من تقطره.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاثة تستغفر لهم السماوات والأرضون والملائكة والليل والنهار: العلماء والمتعلّمون والأسخياء، وثلاثة لا ترد دعوتهم: المريض والتائب والسخي، وثلاثة لا تمسّهم النار: المرأة المطيعة لزوجها، والولد البار بوالديه، والسخي بحسن خلقه.
وثلاثة معصومون من ابليس وجنوده: الذاكرون لله عزوجل، والباكون من خشية الله تعالى، والمستغفرين بالأسحار، وثلاثة رفع الله عنهم العذاب يوم القيامة: الراضي بقضاء الله، والناصح للمسلمين، والدال على الخير، وثلاثة على كثيب المسك الأذفر يوم القيامة لا يهولهم فزع ولا ينالهم حساب: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله، ورجل أمّ بقوم وهم عنه راضون، ورجل أذّن في مسجد ابتغاء وجه الله.
وثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب: رجل يغسل قميصه ولم يكن له بدل، ورجل لم يطبخ على مطبخ قدرين، ورجل كان عنده قوت يوم فلم يهتمّ لغد، وثلاثة يدخلون النار بغير حساب: شيخ(1) زان، وعاق الوالدين، ومدمن الخمر.
وقيل: دخل ابراهيم بن أدهم البصرة، فاجتمع الناس إليه وقالوا: يا أبا اسحاق قال الله تعالى: {اُدعوني أستجب لكم}(2) ونحن ندعوا له فلا يُستجاب لنا، قال: يا أهل البصرة لأنّ قلوبكم قد صارت في عشرة، أوّلها: عرفتم الله فلم تؤدّوا حقّه، الثاني: قرأتم كتاب الله فلم تعملوا به، الثالث: قلتم نحبّ رسول الله وتركتم سنّته.
____________
1- في "ب" و "ج": أشمط. والشمط: بياض شعر الرأس يخالط سواده، والرجل أشمط.
2- غافر: 60.
الصفحة 368
الرابع: قلتم انّ الشيطان لنا عدوّ فوافقتموه، الخامس: قلتم نحبّ الجنّة فلم تعملوا لها. السادس: قلتم انّ الموت حقّ فلم تتهيّؤوا له، السابع: انتبهتم من النوم فاشتغلتم باغتياب اخوانكم، الثامن: أكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، التاسع: قلتم نخاف من النار ولم ترهبوا منها، العاشر: دفنتم موتاكم فلم تعتبروا بهم.
قيل: نادى أمير المؤمنين (عليه السلام) بأهل القبور من المؤمنين والمؤمنات فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسمعنا صوتاً يقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين، فقال: نخبركم بأخبارنا أم تخبرونا بأخباركم؟ فقالوا: اخبرنا بأخباركم يا أمير المؤمنين، فقال: أزواجكم قد تزوّجوا(1)، وأموالكم قسّمها ورّاثكم، وحشر في اليتامى أولادكم، والمنازل الذي شيّدتم وبنيتم سكنها أعداؤكم، فما أخباركم؟.
فأجابه مجيب: قد تمزّقت الأكفان، وانتشرت الشعور، وتقطّعت الجلود، وسالت الأحداق على الخدود، وتنازلت المناخر والأفواه بالقيح والصديد، وما قدّمناه وجدناه، وما أنفقناه ربحناه، وما خلّفناه خسرناه، ونحن مرتهنون بالأعمال، نرجوا من الله الغفران بالكرم والامتنان.
____________
1- في "ب": تزوّجت.
الصفحة 369
الباب الرابع والخمسون
في العقل وأنّ به النجاة
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تعالى خلق العقل من نور مخزون في سابق علمه الذي لم يطلع عليه نبي مرسل، ولا ملك مقرّب، فجعل العلم نفسه، والفهم روحه، والزهد رأسه، والحياء عينه، والحكمة لسانه، والرأفة همّه، والرحمة قلبه، ثمّ أنّه حشاه وقوّاه بعشرة أشياء: باليقين، والايمان، والصدق، والسكينة، والوقار، والرفق، والتقوى، والاخلاص، والعطيّة، والقنوع، والتسليم، والرضا، والشكر.
ثمّ قال له: أقبل فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، ثمّ قال له: تكلّم فتكلّم، فقال: الحمد لله الذي ليس له ضدّ ولا مثل ولا شبيه ولا كفو ولا عديل، الذي كلّ شيء لعظمته خاضع ذليل، فقال الله تعالى: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك، ولا أطوع لي منك، ولا أرفع ولا أشرف منك، ولا أعزّ عليّ منك. بك اُوحّد، وبك اُعبد، وبك اُدعى، وبك اُرتجى، وبك اُخاف، وبك اُبتغى، وبك اُحذر، وبك الثواب، وبك العقاب.
الصفحة 370
فخرّ العقل عند ذلك ساجداً وكان في سجوده ألف عام، فقال تعالى: ارفع رأسك واسأل تعطى واشفع تشفّع، فرفع العقل رأسه فقال: الهي أسألك أن تشفعني فيمن جعلتني فيه، فقال الله تعالى للملائكة: اُشهدكم انّي قد شفّعته فيمن خلقته فيه(1).
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يكون المؤمن عاقلا حتّى تجتمع فيه عشر خصال: الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستكثر قليل الخير من غيره، ويستقلّ كثير الخير من نفسه، لا يسأم من طلب العلم طول عمره، ولا يتبرّم بطلب الحوائج من قبله، الذلّ أحبّ إليه من العزّ، والفقر أحبّ إليه من الغنى، نصيبه من الدنيا القوت، والعاشرة لا يرى أحداً إلاّ قال: هو خير منّي وأتقى(2).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): العقل ولادة، والعلم افادة، ومجالسة العلماء زيادة(3).
وروي انّ جبرئيل (عليه السلام) هبط إلى آدم فقال: يا أبا البشر اُمرت أن اُخيّرك بين ثلاث، فاختر منهنّ واحدة ودع اثنتين، فقال له آدم: وما هم؟ فقال: العقل والحياء والايمان، فقال آدم: قد اخترت العقل، فقال جبرئيل للايمان والحياء: ارحلا، فقالا: اُمرنا أن لا نفارق العقل(4).
قال مصنّف الكتاب رحمه الله: لكلّ أدب ينبوع، وأمير الفضل وينبوع الأدب العقل، جعله الله لمعرفته وللدين أصلا، وللملك والدنيا عماداً، وللسلامة من المهلكات معقلا، فأوجب لهم التكليف بكماله، وجعل أمر الدنيا مدبراً به، وألّف به بين خلقه مع اختلافهم ومتباين أغراضهم ومقاصدهم. وما استودع الله تعالى
____________
1- الخصال: 427 ح4 باب 10; عنه البحار 1: 107 ح3; ومستدرك الوسائل 11: 203 ح12745.
2- مجموعة ورام 2: 112; الخصال: 433 ح17 باب 10; عنه البحار 1: 108 ح4.
3- كنز الكراجكي: 13 في العقل; عنه البحار 1: 160 ح40; معالم الزلفى: 13.
4- الكافي 1: 10 ح2; روضة الواعظين: 3 في ماهية العقول وفضلها.
الصفحة 371
أحداً عقلا إلاّ استنقذه به يوماً، والعقل أصدق مشير، وأنصح خليل، وخير جليس، ونعم وزير، وخير المواهب العقل وشرّها الجهل.
قال بعضهم:
إذا تمّ عقل امرئ تمّت اُموره * * * وتـمّ(1) أيـاديـه وتمّ ثـنـاؤه
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): العقل نور في القلب يفرق به بين الحقّ والباطل(2). وجاء في قوله تعالى: {لينذر من كان حيّاً}(3) قال: يعني من كان عاقلا.
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أعقل الناس أفضلهم، ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير فيه كان حمقه أغلب خصال الشرّ فيه، وكلّ شيء إذا كثر رخص إلاّ العقل إذا كثر غلى والعقل الصحيح ما حصلت به الجنة، والعاقل يألف العاقل، والجاهل يألف الجاهل.
ولقد أحسن من قال:
إذا لم يكن للمرء عقل يزينه * * * ولم يك ذا رأي سديد وذا أدب
فما هو إلاّ ذو قوائم أربع * * * وإن كان ذا مال كثير وذا حسب
وروي انّه إذا استرذل الله عبداً أحصر عليه العلم والأدب(4)، ولا يزال المرء في صحّة من عقله ودينه ما لم يشرب مسكر، وفي صحّة من مروّته ما لم يفعل الزلاّت، وفي فسحة من أمانته ما لم يقبل وصيّة ويستودع وديعة، وفي فسحة من عقله(5) ما لم يؤمّ قوماً أو يرقى منبراً، وأشراف الناس العلماء، وساداتهم المتّقون، وملوكهم الزهّاد، وسخف منطق المرء يدلّ على قلّة عقله.
____________
1- في "ج": تمّت.
2- عنه معالم الزلفى: 15.
3- عنه معالم الزلفى: 15.
4- كنز العمال 10: 178 ح28927، وفيه: حظر عليه العمل.
5- في "ج": فضله.
الصفحة 372
وروي انّ الحسن بن عليّ (عليهم السلام) قام في خطبة له فقال: اعلموا انّ العقل حرز، والحلم زينة، والوفاء مروّة، والعجلة سفه، والسفه ضعف، ومجالسة أهل الزنا شين، ومخالطة أهل الفسوق ريبة، ومن استخفّ باخوانه فسدت مروّته.
وما يهلك إلاّ المرتابون، وينجوا المهتدون الذين لم يتهموا الله في آجالهم طرفة عين ولا في أرزاقهم، فمروّتهم كاملة وحياؤهم كامل، يصبرون حتّى يأتي الله لهم برزق، ولا يبيعون شيئاً من دينهم ومروّاتهم بشيء من الدنيا، ولا يطلبون شيئاً منها بمعاصي الله.
ومن عقل المرء ومروّته انّه يسرع إلى قضاء حوائج اخوانه وإن لم ينزلوها به، والعقل أفضل ما وهب الله تعالى للعبد، إذ به النجاة في الدنيا من آفاتها وسلامته في الآخرة من عذابها.
وروي انّهم وصفوا رجلا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحسن عبادته، فقال: انظروا إلى عقله، فإنّما يجزي الله العباد يوم القيامة على قدر عقولهم، وحسن الأدب دليل على صحّة العقل.
الصفحة 373
الباب الخامس والخمسون
فيما سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج
وهي خاتمة الكتاب
روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، انّ النبي (صلى الله عليه وآله) سأل ربّه سبحانه ليلة المعراج فقال: يا ربّ أيّ الأعمال أفضل؟ فقال الله عزوجل: ليس شيء أفضل عندي من التوكّل عليّ، والرضا بما قسّمت، يا محمّد وجبت محبّتي للمتحابّين فيّ، ووجبت محبّتي للمتقاطعين(1) فيّ، ووجبت محبّتي للمتواصلين فيّ، ووجبت محبّتي للمتوكّلين عليّ.
وليس لمحبّتي علم ولا غاية ولا نهاية، كلّما رفعت لهم علماً وضعت لهم علماً، اُولئك الذين نظروا إلى المخلوقين بنظري إليهم، ولم يرفعوا الحوائج إلى الخلق، بطونهم خفيفة من أكل الحلال، نعيمهم في الدنيا ذكري ومحبّتي ورضائي عنهم.
يا أحمد إن أحببت أن تكون أورع الناس فازهد في الدنيا وارغب في الآخرة، فقال: إلهي كيف أزهد في الدنيا؟ فقال: خذ من الدنيا خفّاً من الطعام والشراب واللباس، ولا تدخر لغد، ودم على ذكري، فقال: يا ربّ وكيف أدوم على
____________
1- في "ب": للمتعاطين.
الصفحة 374
ذكرك؟ فقال: بالخلوة عن الناس، وبغضك الحلو والحامض، وفراغ بطنك وبيتك من الدنيا.
يا أحمد احذر أن تكون مثل الصبي إذا نظر إلى الأخضر والأصفر، وإذا اُعطي شيئاً من الحلو والحامض اغترّ به، فقال: يا ربّ دلّني على عمل أتقرّب به إليك، قال: اجعل ليلك نهاراً، واجعل نهارك ليلا، قال: يا ربّ كيف ذلك؟ قال: اجعل نومك صلاة، وطعامك الجوع.
يا أحمد وعزّتي وجلالي ما من عبد ضمن لي بأربع خصال إلاّ أدخلته الجنّة: يطوي لسانه فلا يفتحه إلاّ فيما يعنيه، ويحفظ قلبه من الوسواس، ويحفظ علمي ونظري إليه، ويكون قرّة عينه الجوع.
يا أحمد لو ذقت حلاوة الجوع والصمت والخلوة وما ورثوا منها، قال: يا ربّ ما ميراث الجوع؟ قال: الحكمة، وحفظ القلب، والتقرّب إليّ، والحزن الدائم، وخفّة المؤنة بين الناس، وقول الحق، ولا يبالي عاش بيسر أم بعسر، يا أحمد هل تدري بأيّ وقت يتقرّب العبد إليّ؟ قال: لا يا ربّ، قال: إذا كان جائعاً أو ساجداً.
يا أحمد عجبت من ثلاثة عبيد: عبد دخل في الصلاة وهو يعلم إلى من يرفع يديه وقدّام من هو وهو ينعس، وعجبت من عبد له قوت يوم من الحشيش أو غيره وهو يهتمّ لغد، وعجبت من عبد لا يدري أنا راض عنه أم ساخط عليه وهو يضحك.
يا أحمد إنّ في الجنّة قصراً من لؤلؤة فوق لؤلؤة، ودرّة فوق درّة، ليس فيها فصم(1) ولا وصل، فيها الخواص، أنظر إليهم كلّ يوم سبعين مرّة فاُكلّمهم كلّما نظرت إليهم، وأزيد في ملكهم سبعين ضعفاً، وإذا تلذّذ أهل الجنة بالطعام والشراب
____________
1- في "ج": قصم، والقصم ـ بالقاف ـ: هو أن ينكسر الشيء فيبين، يقال منه: قصمت الشيء إذا كسرته حتّى يبين. والفصم ـ بالفاء ـ: فهو أن ينصدع الشيء من غير أن يبين. (لسان العرب)
الصفحة 375
تلذّذ اُولئك بذكري وكلامي وحديثي، قال: يا ربّ ما علامة اُولئك؟ قال: مسجونون قد سجنوا ألسنتهم من فضول الكلام، وبطونهم من فضول الطعام.
يا أحمد إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء والتقرّب إليهم، قال: ومن الفقراء؟ قال: الذين رضوا بالقليل، وصبروا على الجوع، وشكروا الله تعالى على الرخاء، ولم يشكوا جوعهم ولا ظمأهم، ولم يكذبوا بألسنتهم، ولم يغضبوا على ربّهم، ولم يغتمّوا على ما فاتهم، ولم يفرحوا بما أتاهم.
يا أحمد محبّتي محبّة الفقراء، فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك ادنك، وأبعد الأغنياء وأبعد مجلسهم عنك فإنّ الفقراء أحبّائي.
يا أحمد لا تتزيّن بلبس اللباس، وطيب الطعام، وطيب(1) الوطأ، فإنّ النفس مأوى كلّ شر، وهي رفيق كلّ سوء تجرّها إلى طاعة الله وتجرّك إلى معصيته، وتخالفك في طاعته وتطيعك فيما يكره، وتطغى إذا شبعت، وتشكو إذا جاعت، وتغضب إذا افتقرت، وتتكبّر إذا استغنت، وتنسى إذا كبرت، وتغفل إذا أمنت، وهي قرينة الشيطان، ومثل النفس كمثل النعامة تأكل الكثير وإذا حمل عليها لا تطير، ومثل الدّفلي(2) لونه حسن وطعمه مرّ.
يا أحمد ابغض الدنيا وأهلها، واحبّ الآخرة وأهلها، قال: يا ربّ ومن أهل الدنيا ومن أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنيا من كثر أكله وضحكه ونومه وغضبه، قليل الرضا، لا يعتذر إلى من أساء إليه، ولا يقبل عذر من اعتذر إليه، كسلان عند الطاعة، شجاع عند المعصية، أمله بعيد وأجله قريب، لا يحاسب نفسه، قليل الفقه(3)، كثير الكلام، قليل الخوف، كثير الفرح عند الطعام، وانّ أهل الدنيا لا يشكرون عند الرخاء، ولا يصبرون عند البلاء، كثير الناس عندهم قليل،
____________
1- في "ب" و "ج": لين.
2- الدِّفلي: شجر مرّ أخضر حسن المنظر، يكون في الأودية، وفي الصحاح: نبت مرّ. (لسان العرب) 3- في "ب": النفقة، وفي "ج": المنفعة.
الصفحة 376
يحمدون أنفسهم بما لا يفعلون، ويدّعون بما ليس لهم [ويتكلّمون بما يتمنّون](1)، ويذكرون مساوئ الناس.
يا أحمد إنّ عيب أهل الدنيا كثير، فيهم الجهل والحمق، لا يتواضعون لمن يتعلّمون منه، وهم عند أنفسهم عقلاء، وعند العارفين حُمقاء.
يا أحمد إنّ أهل الخير [وأهل الآخرة](2) رقيقة وجوههم، كثير حياؤهم [قليل حمقهم](3)، كثير نفعهم قليل مكرهم، الناس منهم في راحة وأنفسهم منهم في تعب، كلامهم موزون، محاسبين لأنفسهم متعبين(4) لها، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، أعينهم باكية وقلوبهم ذاكرة، إذا كتب الناس من الغافلين كتبوا من الذاكرين.
في أوّل النعمة يحمدون وفي آخرها يشكرون، دعاؤهم عند الله مرفوع، وكلامهم مسموع، تفرح بهم الملائكة، ويدور دعاؤهم تحت الحجب، يحبّ الربّ أن يسمع كلامهم [كما تحبّ الوالدة الولد](5)، ولا يشغلهم عنه طرفة عين، ولا يريدون كثرة الطعام، ولا كثرة الكلام، ولا كثرة اللباس، الناس عندهم موتى والله عندهم حيّ كريم، يدع المدبرين كرماً، ويزيد المقبلين تلطّفاً، قد صارت الدنيا والآخرة عندهم واحدة.
يا أحمد هل تعرف ما للزاهدين عندي؟ قال: لا يا رب، قال: يبعث الخلق ويناقشون الحساب وهم من ذلك آمنون، إنّ أدنى ما اُعطي الزاهدين في الآخرة أن أعطيهم مفاتيح الجنان كلّها حتّى يفتحون أيّ باب شاؤوا، ولا أحجب عنهم
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- أثبتناه من "ج".
3- أثبتناه من "ب" و "ج".
4- في "ج": متعيّبين.
5- أثبتناه من "ج".
الصفحة 377
وجهي، ولاُنعمهم بألوان التلذّذ من كلامي، ولأجلسنّهم في مقعد صدق، واُذكّرهم ما صنعوا وتعبوا في دار الدنيا. وأفتح لهم أربعة أبواب: باب تدخل عليهم الهدايا منه بكرة وعشيّاً، وباب ينظرون منه إليّ كيف شاؤوا بلا صعوبة، وباب يطّلعون منه إلى النار فينظرون إلى الظالمين كيف يعذّبون، وباب يدخل عليهم منه الوصائف والحور العين.
قال: يا ربّ من هؤلاء الزاهدون الذين وصفتهم؟ قال: الزاهد هو الذي ليس له بيت يخرب فيغم لخرابه، ولا له ولد يموت فيحزن لموته، ولا له شيء يذهب فيحزن لذهابه، ولا يعرفه انسان يشغله عن الله طرفة عين، ولا له فضل طعام يُسأل عنه، ولا له ثوب ليّن.
يا أحمد وجوه الزاهدين مصفرّة من تعب الليل وصوم النهار، ألسنتهم كلال من ذكر الله تعالى، قلوبهم في صدورهم مطعونة من كثرة صمتهم، قد أعطوا المجهود من أنفسهم لا من خوف نار ولا من شوق جنّة، ولكن ينظرون في ملكوت السماوات والأرض فيعلمون أنّ الله سبحانه أهلٌ للعبادة.
يا أحمد هذه درجة الأنبياء والصدّيقين من اُمتك واُمّة غيرك، وأقوام من الشهداء، قال: يا ربّ أيّ الزهّاد أكثر، زهّاد اُمّتي أم زهّاد بني اسرائيل؟! قال: إنّ زهّاد بني اسرائيل في زهّاد اُمّتك كشعرة سوداء في بقرة بيضاء، فقال: يا ربّ وكيف ذلك وعدد بني اسرائيل أكثر؟ قال: لأنّهم شكّوا بعد اليقين، وجحدوا بعد الاقرار، قال النبي (صلى الله عليه وآله): فحمدت الله وشكرته ودعوت لهم بالحفظ والرحمة وسائر الخيرات.
يا أحمد عليك بالورع فإنّ الورع رأس الدين ووسط الدين وآخر الدين، إنّ الورع يقرّب إلى الله تعالى.
يا أحمد إنّ الورع زين المؤمن، وعماد الدين، إنّ الورع مثله مثل السفينة، كما
الصفحة 378
أنّ في البحر لا ينجو إلاّ من كان فيها كذلك لا ينجو الزاهدون إلاّ بالورع.
يا أحمد ما عرفني عبد فخشع لي إلاّ خشع له [كلّ شيء](1).
يا أحمد الورع يفتح على العبد أنواع العبادة، فيكرم به العبد عند الخلق، ويصل به إلى الله عزوجل.
يا أحمد عليك بالصمت فإنّ أعمر مجلس قلوب الصالحين والصامتين، وانّ أخرب مجلس قلوب المتكلّمين بما لا يعنيهم.
يا أحمد إنّ العبادة عشرة أجزاء سبعة(2) منها طلب حلال، فإذا طيّبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي، قال: يا ربّ ما أوّل العبادة؟ قال: أوّل العبادة الصمت والصوم، قال: يا ربّ وما ميراث الصوم؟ قال: يورث الحكمة، والحكمة تورث المعرفة، والمعرفة تورث اليقين، فإذا استيقن العبد لا يبالي كيف أصبح بعسر أم بيسر.
وإذا كان العبد في حالة الموت يقوم على رأسه ملائكة بيد كلّ ملك كأس من ماء الكوثر وكأس من الخمر، يسقون روحه حتّى تذهب سكرته ومرارته، ويبشّرونه بالبشارة العظمى، ويقولون له: طبت وطاب مثواك، إنّك تقدم على العزيز الكريم الحبيب القريب.
فتطير الروح في أيدي الملائكة فتصعد إلى الله تعالى في أسرع من طرفة عين، ولا يبقى حجاب ولا ستر بينها وبين الله تعالى، والله تعالى إليها مشتاق، وتجلس على عين عند العرش، ثمّ يقال لها: كيف تركت الدنيا؟ فتقول: الهي وعزّتك وجلالك لا علم لي بالدنيا، أنا منذ خلقتني خائف منك.
فيقول الله تعالى: صدقت عبدي كنت بجسدك في الدنيا وروحك معي، فأنت
____________
1- أثبتناه من "ج".
2- في "ج": تسعة.
الصفحة 379
بعيني سرّك وعلانيتك، سل اُعطك، وتمنّ عليّ فاكرمك، هذه جنّتي فتبحبح(1) فيها، وهذا جواري فاسكنه، فتقول الروح: الهي عرّفتني نفسك فاستغنيت بها عن جميع خلقك، وعزّتك وجلالك لو كان رضاك في أن اُقطّع ارباً ارباً واُقتل سبعين قتلة بأشدّ ما يُقتل بها الناس، لكان رضاك أحبّ إليّ.
الهي كيف أعجب بنفسي وأنا ذليل إن لم تكرمني، وأنا مغلوب إن لم تنصرني، وأنا ضعيف إن لم تقوّني، وأنا ميت إن لم تحيني بذكرك، ولولا سترك لافتضحت أوّل مرّة عصيتك، الهي كيف لا أطلب رضاك وقد أكملت عقلي حتّى عرفتك، وعرفت الحق من الباطل، والأمر من النهي، والعلم من الجهل، والنور من الظلمة؟! فقال الله عزوجل: وعزّتي وجلالي لا حجبت بيني وبينك في وقت من الأوقات، كذلك أفعل بأحبّائي.
يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهنى، وأيّ حياة أبقى؟ قال: اللّهم لا، قال: أمّا العيش الهنيّ فهو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري، ولا ينسى نعمتي، ولا يجهل حقّي، يطلب رضاي ليله ونهاره، وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا، وتصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه، ويبغي مرضاتي، ويعظّمني حقّ عظمتي، ويذكر عملي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كلّ سيّئة ومعصية.
وينقي قلبه عن كلّ ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لابليس على قلبه سلطاناً وسبيلا، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّاً حتّى أجعل قلبه لي، وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة التي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي.
واُضيّق عليه الدنيا، واُبغّض إليه ما فيها من اللذات، واُحذّره الدنيا وما فيها
____________
1- التبحبُح: التمكن في الحلول والمقام، وقد بَحْبَحَ وتَبَحْبَحَ إذا تمكّن وتوسّط المنزل والمقام. (لسان العرب)
الصفحة 380
كما يحذّر الراعي غنمه من مراتع الهلكة، وإذا كان هكذا يفرّ من الناس فراراً، وينتقل من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن.
يا أحمد ولاُزيّننّه بالهيبة والعظمة، فهذا هو العيش الهنيّ، والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين، فمن عمل برضائي ألزمه ثلاث خصال: اعرفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته وحبّبته.
وأفتح عين قلبه إلى جلالي، فلا اُخفي عليه خاصة خلقي، فاُناجيه في ظلم الليل ونور النهار حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين ومجالسته معهم، واُسمعه كلامي وكلام ملائكتي، واُعرّفه السرّ الذي سترته عن خلقي، واُلبسه الحياء حتّى يستحي منه الخلق كلّهم، ويمشي على الأرض مغفوراً له.
وأجعل قلبه واعياً وبصيراً، ولا اُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار، واُعرّفه ما يمرّ على الناس يوم القيامة من الهول والشدّة، وما اُحاسب به الأغنياء والفقراء والجهّال والعلماء، واُنوّر له في قبره، وأنزل عليه منكراً ونكيراً حين(1) لا يسألاه، ولا يرى غمّ الموت وظلمة القبر واللحد وهول المطلع، ثمّ أنصب إليه ميزانه، وأنشر له ديوانه، ثمّ أضع كتابه في يمينه فيقرأه منشوراً، ثمّ لا أجعل بيني وبينه ترجماناً، فهذه صفات المحبّين.
يا أحمد اجعل همّك همّاً واحداً، واجعل لسانك لساناً واحداً، واجعل بدنك حيّاً لا يغفل أبداً، من غفل عنّي لا اُبالي بأيّ واد هلك.
يا أحمد استعمل عقلك قبل أن يذهب، فمن استعمل عقله لايخطئ ولا يطغى.
[يا أحمد أنت لا تغفل أبداً، من غفل عنّي لا اُبالي بأيّ واد هلك](2).
____________
1- في "ب": حتّى.
2- أثبتناه من "ج".
الصفحة 381
يا أحمد ألم تدر لأيّ شيء فضّلتك على سائر الأنبياء؟ قال: اللّهمّ لا، قال: باليقين، وحسن الخلق، وسخاوة النفس، ورحمة الخلق، وكذلك أوتاد الأرض لم يكونوا أوتاداً إلاّ بهذا.
يا أحمد إنّ العبد إذا جاع بطنه وحفظ لسانه، علّمته الحكمة وإن كان كافراً، يكون حكمته حجّة عليه ووبالا، وإن كان مؤمناً تكون حكمته له نوراً وبرهاناً وشفاءً ورحمةً، فيعلم ما لم يكن يعلم ويبصر ما لم يكن يبصر، فأوّل ما اُبصره عيوب نفسه حتّى يشتغل بها عن عيوب غيره، واُبصره دقائق العلم حتّى لا يدخل عليه الشيطان.
يا أحمد ليس شيء من العبادة أحبّ إليّ من الصمت والصوم، فمن صام ولم يحفظ لسانه كان كمن قام ولم يقرأ في صلاته، فأعطيه أجر القيام ولم أعطيه أجر العابدين.
يا أحمد هل تدري متى يكون العبد عابداً؟ قال: لا يا رب، قال: إذا اجتمع فيه سبع خصال: ورع يحجزه عن المحارم، وصمت يكفّه عمّا لا يعنيه، وخوف يزداد كلّ يوم من بكائه، وحياء يستحي منه في الحلال(1)، ويأكل ما لابدّ منه، ويبغض الدنيا لبغضي لها، ويحبّ الأخيار لحبّي إيّاهم.
يا أحمد ليس كلّ من قال اُحبّ الله يحبّني حتّى يأخذ قوتاً، ويلبس دوناً، وينام سجوداً، ويطيل قياماً، ويلزم صمتاً، ويتوكّل عليّ، ويبكي كثيراً، ويقلّ ضحكاً، ويخالف هواه، ويتّخذ المسجد بيتاً، والعلم صاحباً، والزهد جليساً، والعلماء أحبّاء، والفقراء رفقاء.
ويطلب رضاي، ويفرّ من العاصين فراراً، ويشتغل بذكري اشتغالا، فيكثر التسبيح دائماً، ويكون بالوعد صادقاً، وبالعهد وافياً، ويكون قلبه طاهراً، وفي
____________
1- في "ب" و "ج": الخلاء.
الصفحة 382
الصلاة زاكياً، وفي الفرائض مجتهداً، وفيما عندي من الثواب راغباً، ومن عذابي راهباً، ولأحبّائي قريباً وجليساً.
يا أحمد لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض، ويصوم صيام أهل السماء والأرض، وطوى من الطعام مثل الملائكة، ولَبَسَ لبس العاري، ثمّ أرى في قلبه من حبّ الدنيا ذرّة، أو سُمعتها أو رياستها أو حُليّها وزينتها لا يجاورني في داري، ولأنزعنّ من قلبه محبّتي، وعليك سلامي ورحمتي(1).
____________
1- عنه البحار 77: 21 ح6 باب 2; ومعالم الزلفى: 75.
إرشاد القلوب
تأليف
الحسن الدّيلمي
الجزء الأول
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

