بسم الله الرحمن الرحيم

[ المقدّمة ](1)

لله تـحت قـباب العرش طائفة * * * أخفاهم عن عيون الناس إجلالا

هم السلاطين في أطمار مسكنة * * * جـرّوا على الفلك الدوّار أذيال

هذى المكارم لا ثوبان من عدن * * * خـيطا قميصاً فعادا بعد اسمال

هذى المكارم لا قـعبان من لبن * * * شيـبا بـماء فـعادا بعد أبوال

مرفوعاً إلى أبي الجارود قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): يا ابن رسول الله هل تعرف مودّتي لكم، وانقطاعي إليكم، وموالاتي إيّاكم؟ قال: فقال: نعم، قال: فقلت: إنّي أسألك عن مسألة تجيبني فيها، فإنّي مكفوف البصر، قليل المشي، ولا أستطيع زيارتكم كلّ حين.

قال: هات حاجتك، قلت: أخبرني بدينك الذي تدين به أنت وأهل بيتك لأدين الله به، قال: إن كنت اقتصرت الخطبة فقد أعظمت المسألة، والله لأعطينّك

____________

1- ليست هذه المقدّمة ـ على الظاهر ـ من أصل الكتاب، لأنّها أوّلا: لم ترد في نسخة "ج"، وثانياً: فيها أبيات للحافظ رجب البرسي، وهو من علماء المائة التاسعة، فيكون متأخّراً عن المؤلّف رحمه الله، والظاهر أنّها من اضافة النسّاخ، والله العالم.

الصفحة 6

ديني ودين آبائي تدين الله به: "شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، والولاية لوليّنا، والبراءة من عدوّنا، والتسليم لأمرنا، وانتظار قائمنا، والاجتهاد والورع"(1).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّا نجد الرجل يحدّث، فلا يخطئ بلام ولا واو، خطيباً مصعقاً، وقلبه أشدّ ظلمةً من الليل المظلم، ونجد الرجل لا يستطيع يعدّ عمّا في قلبه بلسانه، وقلبه يزهر كما يزهر المصباح.

مرفوعاً إلى يحيى بن زكريّا الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من سرّه أن يستكمل الايمان كلّه فليقل: القول منّي في جميع الأشياء قول آل محمد في جميع ما أسرّوا، وفيما أعلنوا، وفيما بلغني عنهم، وفيما لم يبلغني(2).

مرفوعاً إلى جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم، وعرفتموه فاقبلوه. وما اشمأزّت منه قلوبكم وأنكرتموه، فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى القائم من آل محمد، وإنّما الهلاك أن يحدّث أحدكم بشيء فلا يحتمله، فيقول: والله ما كان هذا، والله ما كان هذا، والانكار هو الكفر(3).

مرفوعاً إلى بعض أصحابنا قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام): جعلت فداك ما معنى قول الصادق (عليه السلام) "حديثنا لا يحتمله ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان".

فجاء الجواب: إنّما معنى قول الصادق (عليه السلام)، أي لا يحتمله ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن، انّ الملك لا يحتمله حتّى يخرجه إلى ملك غيره، والنبي

____________

1- الكافي 2: 21 ح10; عنه البحار 69: 14 ح15.

2- مختصر بصائر الدرجات: 93; عنه البحار 25: 364 ح2.

3- الكافي 1: 401 ح1; وبصائر الدرجات: 40 ح1 باب 11; عنه البحار 2: 189 ح21.

الصفحة 7

لا يحتمله حتّى يخرجه إلى نبيّ غيره، والمؤمن لا يحتمله حتّى يخرجه إلى مؤمن غيره، فهذا معنى قول جدّي (عليه السلام)(1).

شعراً لبعضهم:

أينشق قيصوم الحجاز وشيخه * * * فتى لم يكن قدمن فيه ينادي

ومن لم يجد يوماً سعاد وحسنه * * * فيعذر وإن لم يهو حسن سعاد

شعراً لمولانا رجب رحمه الله:

هم القوم آثار النبوّة منهم * * * تلوح وأعلام الإمامة تلمع

مهابط وحي الله خزّان علمه * * * وعندهم غيب المهيمن مودع

إذا جلسوا للحكم فالكلّ أبكم * * * وإن نطقوا فالدهر اذن ومسمع

وإن ذكروا فالكون ندّ ومندكّ * * * له أرج من طيبهم يتضوّع

وإن بادروا فالدهر يخفق قلبه * * * لسطوتهم والأسد في الغاب تجزع

وإن ذكر المعروف والجود في الورى * * * فبحر نداهم زاخر يتدفّع

أبوهم سماء المجد والاُمّ شمسه * * * نجوم لها برج الجلالة مطلع

وجدّهم خير البريّة أحمد * * * نبيّ الهدى الطهر الشفيع المشفّع

فيا نسب كالشمس أبيض واضح * * * ويا شرف من هامة النجم أرفع

فمن مثلهم إن عدّ في الناس مفخر * * * أعد نظراً يا صاح إن كنت تسمع

ميامين قوّامون عزّ نظيرهم * * * ولاة هداة للرسالة منبع

فلا فضل إلاّ حين يذكر فضلهم * * * ولا علم إلاّ عنهم حين يرفع

ولا عمل ينجي غداً غير حبّهم * * * إذا قام يوم البعث للخلق مجمع

فيا عترة المختار يا راية الهدى * * * إليكم غداً في موقفي أتطلّع

مددت يدي بالذلّ في باب عزّكم * * * فحاشاكم أن تدفعوها وتمنعو

____________

1- معاني الأخبار: 188 ح1; عنه البحار 2: 184 ح6 نحوه.

الصفحة 8

أتيتكم مستردفاً من نوالكم * * * بحقّكم يا ساداتى لا تضيّعو

ووحدة لحدي آنسوها بنوركم * * * فعبدكم من ظلمة القبر يجزع

ولو أنّ عبداً جاء في الله جاهد * * * بغير ولاء آل العبا ليس ينفع

خذوا بيد الأبدال عبد ولائكم * * * فمَن غيركم يوم القيامة يشفع

جعلتكم يا آل طه وسيلتي * * * فنعم معاذ في المعاد ومفزع

وكربة موتي فاحضروها وامنعو * * * عدوّي أن يغتالني أو يروّع

وإن خفّ ميزاني فإنّي بحبّكم * * * بني الوحي في رجح الموازين أطمع

عليكم سلام الله يا راية الهدى * * * فويل لعبد غيرها جاء يتبع

لأبي نواس:

لا تحسبيني هويت الطهر حيدرة * * * لفضله وعلاه في ذوي النسب

ولا شجاعته في يوم معركة * * * ولا التلذّد في الجنّات من أرب

ولا البراءة من نار الجحيم ول * * * رجوت انّ ليوم الحشر يشفع بي

لكن عرفت هو السرّ الخفيّ فإن * * * أذعته حلّلوا قتلي وكُفّر بي

يصدّهم عنه داء لا دواء له * * * كالمسك يعرض عنه صاحب الكلب

وقيل فيه أيضاً:

لا تلمني في ترك مدح عليّ * * * أنا أدرى بالحال منك وأخبره

رجل ما عرفه إن رمت إلاّ الله * * * والمصطفى قل الله أكبر

انّ أهل السماء والأرض في العجز * * * سواء عن حصر أوصاف قنبر](1)

____________

1- إلى هنا تمّت المقدّمة، والتي نقلناها من "الف" و "ب".

الصفحة 9

[ باب ]
[ في فضائله (عليه السلام) ]

بسم الله الرحمن الرحيم

عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لأخي عليّ بن أبي طالب فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر فضيلة من فضائله مقرّاً بها، غفر الله له ما تقدّم من ذنوبه(1)وما تأخّر، ومن كتب فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لذلك الكتاب رسم، ومن استمع إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالسماع، ومن نظر إلى فضيلة من فضائله غفرت له ذنوبه التي اكتسبها بالنظر(2).

وقال (صلى الله عليه وآله): حبّ عليّ عبادة، والنظر إلى عليّ عبادة، ولا يقبل الله ايمان عبد إلاّ بولايته والبراءة من أعدائه(3).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو أنّ الغياض(4) أقلام، والبحر مداد،

____________

1- في "ج": ذنبه.

2- المناقب للخوارزمي: 32 ح2; عنه كشف الغمة 1: 109; وفي أمالي الصدوق: 119 ح9 مجلس 28; عنه البحار 38: 196 ح4; وأيضاً في مائة منقبة: 154 رقم 100; ونهج الحق: 231.

3- المناقب للخوارزمي: 32 ذيل حديث 2; عنه كشف الغمة 1: 109.

4- الغياض: جمع غيضة، وهي الشجر الملتفّ. (لسان العرب)

الصفحة 10

والجنّ حسّاب، والانس كتّاب، ما أحصوا فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(1).

ولا شك أنّ فضائله وحاله في الشرف والكمال، لا يعرفه إلاّ الله سبحانه ورسوله (صلى الله عليه وآله)، كما قال (صلى الله عليه وآله): "ما عرفك يا علي حقّ معرفتك إلاّ الله وأنا" ولهذا السبب سمّي النبيّ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بالخمسة الأشباح، لأنّ الناس لا يعرفون ماهيّتهم وصفاتهم لجلال شأنهم، وارتفاع منازلهم، كالشبح الذي لا تعرف حقيقته.

وقال بعض الفضلاء ـ وقد سئل عن علي (عليه السلام) ـ فقال: ما أقول في شخص أخفى فضائله أعداؤه حسداً له، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً على أنفسهم، وظهر فيما بين هذين فضائل طبقت الشرق والغرب، {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون}(2).

وقد اشتهرت فضائله عليه الصلاة والسلام حتّى رواها المخالف والمؤالف(3)، وقد أحببت أن اُورد هذه الفضائل من طريقهم مع أنّها مشهورة من طريقنا، لتأكيد الحجّة عليهم، وكما قال:

ومليحة شهدت بها ضرّاته * * * والحسن ما شهدت به الضرّات(4)

____________

1- المناقب للخوارزمي: 32 ح1; عنه كشف الغمة 1: 109; وفي كنز الفوائد: 128 و129; عنه البحار 40: 70 ح105; وابن شاذان في المائة منقبة: 153 رقم 99.

2- التوبة: 32.

3- ولنعم ما قيل:

ما زلتَ في درجات المجد مرتقي * * * تسمو وينمي بك الفرعان من مضرا

حتّى بهرت فلا تحفى على أحد * * * إلاّ على أحد لا يبصر القمرا

وكما قيل:


أعد ذكر نعمان لنا انّ ذكره * * * هو المسك ما كرّرته يتضوّع

4-

هو الفتى إن تصف أدنى خلائقه * * * فيا لها قصة في شرحها طول

الصفحة 11

[ومناقب شهد العدو بفضله * * * والفضل ما شهدت به الأعداء](1)

وقد روي عن أخطب خوارزم ـ وهو من أعظم مشايخ أهل السنّة ـ عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا خلق الله تعالى آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله، فأوحى الله تعالى: حمدني عبدي، وعزّتي وجلالي لولا عبدان اُريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك.

قال: الهي فيكونان منّي؟ قال: نعم، يا آدم ارفع رأسك وانظر، فرفع رأسه فإذا مكتوب على العرش: "لا إله إلاّ الله، محمد نبيّ الرحمة، وعليّ مقيم الحجة، من عرف حق عليّ زكى وطاب، ومن أنكر حقّه لعن وخاب، أقسمت بعزّتي وجلالي أن اُدخل الجنّة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزّتي وجلالي أن اُدخل النار من عصاه وإن أطاعني"(2).

وروي أيضاً عن أخطب خوارزم، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عبد الله أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا، قال: قلت: على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية عليّ بن أبي طالب(3).

وروى أيضاً باسناده إلى ابن عباس قال: سئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، قال: سأله بحقّ محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ، فتاب عليه(4).

ومن كتاب المناقب لأهل السنّة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- المناقب للخوارزمي: 318 ح320; عنه كشف اليقين: 7; وفي البحار 27: 10 ح22.

3- المناقب للخوارزمي: 312 ح312; عنه كشف اليقين: 6; وفي البحار 26: 307 ح70.

4- عنه كشف اليقين: 14; ومناقب ابن المغازلي: 63 ح89; وفي البحار 24: 183 ح20; ينابيع المودّة: 283.

الصفحة 12

كنت أنا وعليّ نوراً بين يدي الله عزوجل من قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف سنة، فلمّا خلق الله آدم سلك ذلك النور في صلبه، فلم يزل الله عزوجل ينقله من صلب إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبد المطلب.

ثمّ أخرجه من صلب عبد المطلب وقسّمه قسمين، قسم في صلب عبد الله وقسم في صلب أبي طالب، فعليّ منّي وأنا منه، لحمه لحمي، ودمه دمي، فمن أحبّه فيحبّني، ومن أبغضه فيبغضني وأبغضه(1).

وروى صاحب كتاب بشائر المصطفى (صلى الله عليه وآله)، عن يزيد(2) بن قعنب، قال: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب، وفريق من بني عبد العزى بازاء بيت الله الحرام، إذ أقبلت فاطمة بنت أسد اُمّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانت حاملا به تسعة أشهر، فأخذها الطلق، فقالت: يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي ابراهيم الخليل (عليه السلام)، وإنّه بنى البيت العتيق، فبحقّ الذي بنى هذا البيت، والمولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي.

قال يزيد بن قعنب: فرأيت البيت قد انشقّ من ظهره، فدخلت وغابت عن أبصارنا، وعاد إلى حاله، فرمنا أن ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا انّ ذلك من أمر الله تعالى.

ثمّ خرجت في اليوم الرابع وعلى يدها أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ قالت: إنّي فضّلت على من تقدمني من النساء، لأنّ آسية بنت مزاحم عبدت الله سرّاً في موضع لا يحب الله أن يُعبد فيه إلاّ اضطراراً، وانّ مريم بنت

____________

1- المناقب للخوارزمي: 145 ح170; عنه كشف اليقين: 11; ونحوه كفاية الطالب: 315; وفي البحار 35: 33 ح30.

2- هكذا في المصادر ونسخة "ج"، وفي "الف" و "ب": زيد.

الصفحة 13

عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتّى أكلت منها رطباً جنيّاً، وإنّي دخلت بيت الله الحرام، فأكلت من ثمار الجنّة وأرزاقها، فلمّا أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سمّيه عليّاً، فهو عليّ والله العليّ الأعلى.

يقول: شققت اسمه من اسمي، وأدّبته بأدبي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، ويؤذّن فوق ظهر بيتي، ويقدّسني ويمجّدني، فطوبى لمن أحبّه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه(1).

قال: فولدت عليّاً (عليه السلام) يوم الجمعة الثالث عشر من رجب، سنة ثلاثين من عام الفيل، ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله الحرام سواه، اكراماً له من الله عزّ اسمه، واجلالا لمحلّه في التعظيم.

وكان يومئذ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) من العمر ثلاثين سنة، فأحبّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حبّاً شديداً، وقال لها: اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان (صلى الله عليه وآله) يتولّى أكثر تربيته، وكان يطهّر عليّاً في وقت غسله، ويوجره اللبن عند شربه، ويحرّك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره، ويقول: هذا أخي ووليّي وناصري وصفيّي وخليفتي وكهفي وظهري ووصيّي وزوج كريمتي، وأميني على وصيّتي، وكان يحمله على كتفه دائماً، ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها.

واعلم انّ هذه الفضائل التي حصلت له قبل الولادة وحين الولادة، وأمّا الفضائل التي حصلت له بعد ولادته إلى حين وفاته فلا يمكن حصرها، ولا التعبير عنها لأنّها غير متناهية، فلابد أن نذكر منها شيئاً يسيراً، وتقرير ذلك أن نقول: قد ثبت عند العلماء انّ اُصول الفضائل أربعة: العلم، والعفّة، والشجاعة، والعدالة،

____________

1- بشارة المصطفى: 7و8; عنه كشف اليقين: 18; وكشف الغمة 1: 61; ونحوه في روضة الواعظين: 76; ومعاني الأخبار: 62 ح1; وأمالي الصدوق: 114 ح9 مجلس 27; عنه البحار 35: 8 ح11.

الصفحة 14

وأمير المؤمنين (عليه السلام) بلغ في هذه الاُصول الغاية، وتجاوز النهاية.

أمّا العلم: فوصل إليه حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله): أنا مدينة العلم وعليّ بابها(1).

وقال (صلى الله عليه وآله): قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، فأعطي عليّ تسعةوالناس جزءاً واحداً(2).

وقال (صلى الله عليه وآله): أقضاكم عليّ(3)، والقضاء يستدعي العلم.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حقّ نفسه: لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً(4).

وقال (عليه السلام): اندمجت على مكنون علم لو بُحت به لاضطربتم اضطرابالأرشية في الطوى(5) البعيدة(6).

وقال (عليه السلام): والله لو كسرت(7) لى الوسادة لحكمت بين أهل التوراةبتوراتهم، وبين أهل الانجيل بانجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم(8).

وهذا يدلّ على أنّه بلغ في كمال العلم إلى أقصى ما تبلغ إليه القوّة البشرية، واختصاصه بعلوم ليس في قوى غيره من الصحابة الوصول إليها، وقوله (عليه السلام): انّ هاهنا لعلماً جمّاً لا أجد له حملة.

____________

1- اُنظر صحيح الترمذي 5: 637 ح3723; وكفاية الطالب: 220; وكنز العمال 11: 614 ح32978; وكشف الغمة 1: 111.

2- المناقب للخوارزمي: 82 ح67; عنه كشف الغمة 1: 111.

3- المناقب للخوارزمي: 81 ح66; عنه كشف الغمة 1: 110.

4- المناقب لابن شهر آشوب 2: 38; والبحار 40: 153 ح54.

5- الأرشية: جمع رشاء بمعنى الحبل، والطوى: جمع طويّة وهي البئر، والبئر البعيدة: العميقة.

6- نهج البلاغة: الخطبة رقم 5.

7- في "ج": ثنيت.

8- راجع البحار 35: 391 ح14.

الصفحة 15

وهذا يدلّ على وصوله في العلم إلى مرتبة لا يمكن لأحد من المخلوقات من الملائكة والبشر الوصول إليها سوى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لكونه نفسه بآية المباهلة، فإنّ الله تعالى جعل فيها نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفس عليّ (عليه السلام) حيث قال: {وأنفسنا وأنفسكم}(1)، والمراد به نفس عليّ (عليه السلام) كما نقله جمهور المفسّرين.

وليس المراد الحقيقة، لأنّ الاتحاد محال فيحمل على أقرب المعاني وهو المواساة له في جميع الوجوه الممكنة، وثبت له (عليه السلام) حينئذ جميع ما ثبت للرسول (صلى الله عليه وآله) من الفضائل العلمية والعملية ما خلا النبوّة، لقوله (صلى الله عليه وآله): "لا نبيّ بعدي"، وكفى بهذه الآية دليلا واضحاً، وبرهاناً لائحاً على فضائله (عليه السلام).

وقد روى المخالف والمؤالف ما ظهر عنه (عليه السلام) من الفتاوى المشكلة، والقضايا الصعبة التي عجز عنها كلّ من عاصره، وراجعوه في أكثر الأحكام، وقضوا بقوله، وعملوا بفتواه.

فمن ذلك انّ عمر اُتي بامرأة قد زنت وهي حامل فأمر برجمها، فقال له عليّ (عليه السلام): إن كان لك عليها سلطان فليس لك سلطان على ما في بطنها، فأمر بتركها وقال: لولا عليّ لهلك عمر(2).

ومنها انّه اُتي بامرأة قد زنت وهي مجنونة فأمر برجمها، فقال له علي (عليه السلام): رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنائم حتّى يستيقظ، والغلام حتّى يحتلم، فقال: لولا عليّ لهلك عمر(3).

ومنها انّه أرسل إلى امرأة فخافت منه فأجهضت، فاستفتى الناس فكلّ قال

____________

1- آل عمران: 61.

2- كشف الغمة 1: 110 نحوه.

3- مناقب الخوارزمي: 80 ح64; عنه كشف الغمة 1: 110; والبحار 30: 681 نحوه.

الصفحة 16

له: ليس عليك بأس، فسأل علياً (عليه السلام) فقال: أرى أنّ الدية على عاقلتك، فقبل فعمل بقوله(1).

ومنها انّه اُتي بامرأة قد ولدت لستّة أشهر فأمر برجمها، فنهاه (عليه السلام) وتلا قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهراً}(2) مع قوله تعالى: {وفصاله في عامين}(3) فأمر بتخليتها(4).

ومنها انّه لم يعرفوا حدّ المسكر حتّى قال هو (عليه السلام): إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وإذا افترى فاجلدوه حد المفتري، فجلدوه ثمانين جلدة. وتعديد قضاياه العجيبة، وفتاويه الصعبة الغريبة أكثر من أن تحصى، ولاشك أنّ أهل العلم كافة ينسبون إليه.

أمّا علم الكلام فأصله أبو هاشم بن محمد بن الحنفية الذي استفاده منه (عليه السلام)، وأمّا علم الأدب فهو الذي قسّم الكلام إلى ثلاثة أضرب، وأمر أبا الأسود بوضعه بعد أن نبّهه على أصله، وأمّا علم التفسير فأصله ابن عباس تلميذ عليّ (عليه السلام)، وأمّا علم الفصاحة، فهو (عليه السلام) علّم الناس الخطب والكلام الفصيح.

وأمّا الفقه، فانتساب الشيعة إليه ظاهر، وأبو حنيفة كان تلميذ الصادق (عليه السلام)، والشافعي قرأ على محمد بن الحسن الشباني تلميذ أبي حنيفة، وأحمد تلميذ الكاظم (عليه السلام)، ومالك قرأ على ربيعة الرأي، وربيعة الرأي قرأ على عكرمة، وعكرمة قرأ على ابن عباس تلميذ عليّ (عليه السلام).

____________

1- البحار 40: 250 ح25 باختلاف.

2- الأحقاف: 15.

3- لقمان: 14.

4- المناقب لابن شهر آشوب 2: 365; عنه البحار 40: 232 ح12 نحوه، وتوضيح ذلك: انّ أقلّ الحمل أربعون يوماً وهو زمن انعقاد النطفة، وأقلّه لخروج الولد حيّاً ستّة أشهر، وذلك لأنّ النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثمّ تصير علقة أربعين يوماً، ثمّ تصير مضغة أربعين يوماً، ثمّ تتصوّر في أربعين يوماً، وتلجها الروح في عشرين يوماً، فذلك ستة أشهر، فيكون الفطام في أربعة وشهراً، فيكون الحمل في ستة أشهر.

الصفحة 17

فقد روى المخالف والمؤالف والخاص والعام قول النبي (صلى الله عليه وآله): "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي" فإنّه يدلّ على أنّه كلّما كان لرسول الله من الفضائل والكمالات فإنّها ثابتة لعليّ (عليه السلام) سوى درجة النبوّة، وهذا كلّه دليل على إمامته لقوله تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر اُولوا الألباب}(1).

وأمّا العفّة: فقد كان فيها الآية الكبرى، والمنزلة العظمى، ويكفيه في التنبيه على حاله مطالعة كلامه في نهج البلاغة، نحو كتابه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله بالبصرة، وقد بلغه انّه دُعي إلى وليمة قوم فأجاب إليها، وقوله فيه:

"فانظر يا ابن حنيف إلى ما تقضمه(2) من هذا المطعم(3)، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجهه فنل(4) منه، ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه(5)، ومن مطعمه بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفّة وسداد(6).

وقوله (عليه السلام): ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ(7)، ولكن هيهات هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في

____________

1- الزمر: 9.

2- قَضِمَ ـ كسمع ـ: أكل بطرف أسنانه، والمراد الأكل مطلقاً.

3- في المصدر: المقضم، وهو المأكل.

4- في "ب": فكل.

5- الطِمر ـ بالكسر ـ: الثوب الخلق البالي.

6- نهج البلاغة: الكتاب 45; عنه البحار 40: 340 ح27.

7- القزّ: الحرير.

الصفحة 18

القرص، ولا عهد له بالشبع، أأقنع [من نفسي](1) بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، وجشوبة(2) العيش(3).

وقوله (عليه السلام) فيه: وأيم الله يميناً أستثني فيها بمشيّة الله لاُروضنّ نفسيرياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً(4).

إلى غير ذلك من كلامه (عليه السلام)، ولا شك أنّه (عليه السلام) كان أزهد الناس، لم يشبع من طعام قط، وكان يلبس الخشن، ويأكل جريش الشعير، وإذا ائتدم فبالملح، فإن ترقّى فبنبات الأرض، فإن ترقّى فباللبن.

روي عن سويد بن غفلة، قال: دخلت على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فوجدته جالساً وبين يديه إناء فيه لبن أجد ريح حموضته، وفي يديه رغيف أرى قشار الشعير في وجهه وهو يكسره بيده ويطرحه فيه، فقال: اُدن فأصب من طعامنا، فقلت: إنّي صائم.

فقال (عليه السلام): سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من منعه الصيام من طعام يشتهيه كان حقّاً على الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنّة، ويسقيه من شرابها، قال: فقلت لفضّة وهي قريب منه قائمة: ويحك يا فضة ألا تتّقين الله في هذا الشيخ بنخل(5) هذا الطعام من نخاله التي فيه.

قالت: قد تقدّم إلينا أن لا ننخل له طعام، قال: ما قلت لها؟ فأخبرته، فقال: بأبي واُمّي من لم ينخل له طعام ولم يشبع من خبز البر ثلاثة أيام حتّى قبضه الله

____________

1- أثبتناه من المصدر.

2- في المصدر: أو أكون اُسوة لهم في جشوبة العيش، والجشوبة: الخشونة.

3- نهج البلاغة: كتاب 45; عنه البحار 40: 340 ح27.

4- المصدر نفسه.

5- في "ج": ألا تنخلين.

الصفحة 19

تعالى(1).

وروي عن عدي بن ثابت قال: اُوتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بفالوذج، فأبى أن يأكل منه وقال: شيء لم يأكل منه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا اُحبّ أن آكل منه(2).

وكان (عليه السلام) يجعل جريش الشعير فيوعاء ويختم عليه، فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام): أخاف هذين الولدين أن يجعلا فيه شيئاً من زيت أو سمن(3).

فانظر أيّها المنصف إلى شدّة زهده وقناعته، فإنّ ايراده الحديث وقوله: "من منع نفسه من طعام يشتهيه" دليل على رضاه بمطعمه، وكونه عنده طعاماً مشتهى يرغب فيه من يراه، وقد طلّق الدنيا ثلاثاً وقال لها: غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك(4).

فدلّ ذلك على أنّه أزهد الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإذا كان أزهد الناس كان أفضلهم، فدلّ ذلك أيضاً على أنّه هو الإمام، لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا الشجاعة: فإنّه لا خلاف بين المسلمين وغيرهم أنّ علياً (عليه السلام) كان أشجع الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأعظمهم بلاء في الحروب، تعجبت من حملاته ملائكة السماء، وبسبب جهاده ثبتت قواعد الإسلام، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضربته لعمرو بن عبدود العامري يوم الخندق أفضل من أعمال اُمّته إلى يوم القيامة(5).

____________

1- المناقب للخوارزمي: 117 ح129; عنه كشف الغمة 1: 162; وفي البحار 40: 330 ح13.

2- المناقب للخوارزمي: 119 ح131; عنه كشف الغمة 1: 163.

3- عنه البحار 66: 322 ضمن حديث 1.


لها أحاديث من ذكراك يشغله * * * عن الشراب ويلهيها عن الزاد

4- نهج البلاغة: قصار الحكم 77; عنه البحار 40: 345 ح28.

5- قال ابن شهر آشوب في المناقب 2: 298، تحت عنوان "معجزاته في نفسه": ويروى وثبته أربعون ذراعاً إلى عمرو، ورجوعه إلى خلف عشرون ذراعاً، وذلك خارج عن العادة.

الصفحة 20

ونزل جبرئيل (عليه السلام) يوم بدر وسمعه المسلمون كافة وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي"، ووقائعه مشهورة عند الخاص والعام في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وبعده في حرب الجمل وصفين والنهروان.

روى الخوارزمي قال: كان أبطال المشركين إذا نظروا إلى عليّ (عليه السلام) في الحرب عهد بعضهم إلى بعض(1).

وبالجملة فشجاعته مشهورة عند جميع الناس حتّى صارت تضرب بها الأمثال، وإذا كان أشجع الناس كان أفضلهم لقوله تعالى: {وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً}(2) فيكون هو الإمام لقبح تقديم المفضول على الفاضل.

وأمّا العدالة: فقد بلغ فيها الغاية القصوى، ويكفيك في التنبيه عليها كلامه في نهج البلاغة أيضاً لأخيه عقيل الذي لم يكن عنده أحد أحبّ إليه منه، وهو قوله (عليه السلام): والله لئن أبيت على حَسَك السعدان مسهّداً(3)، واُجَرُّ في الأغلال مصفّداً(4)، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله ظالماً لبعض العباد، أو غاصباً لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحداً لنفس تسرع إلى البلاء قفولها، ويطول في الثرى حلولها.

والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق(5) حتّى استماحني من برّكم صاعاً، ورأيت

____________

1- عنه كشف اليقين: 84; وفي المناقب لابن المغازلي: 72 ح106; وقال الراغب في محاضرات الاُدباء (3: 138): قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفاً منه.

2- النساء: 95.

3- كأنّه (عليه السلام) يريد من الحسك الشوك، والسعدان: نبت ترعاه الابل له شوك تشبه به حلمة الثدي، والمسهّد ـ من سهّده ـ: إذا أسهره.

4- المصفّد: المقيّد.

5- أملق: افتقر أشدّ الفقر.

الصفحة 21

صبيانه شعث الألوان من فقرهم كأنّما سوّدت وجوههم بالعِظلم(1)، وعاودني مؤكّداً، وكرّر عليّ مردداً، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ انّي أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقتي.

فأحميت له حديدة ثمّ أدنيتها من جسمه ليعتبر، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئنّ من حديدة أحماها انسانها للعبه، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه، أتئنّ من الأذى ولا أئنّ من لظى.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها(2)، ومعجونة قد شنئتُها(3) كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا أهل البيت، قال: لا ذا ولا ذا، ولكنّها هدية.

فقلت: هبلتك الهوابل(4)، أعن دين الله أتيتني لتخدعني، أمختبط أنت، أم ذي جنّة، أم تهجر، والله لو اُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وانّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليّ ونعيم يفنى، ولذّة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل، وبه نستعين(5).

فهذه اُصول الفضائل وأمّا فروع الفضائل التي له (عليه السلام) فغير متناهية، روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى ابراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته

____________

1- العظلم: سواد يُصبغ به.

2- الملفوفة: نوع من الحلواء، أهداها الأشعث بن قيس إلى علي (عليه السلام).

3- شنئتها: كرهتها.

4- في المصدر و "ج": الهبول.

5- نهج البلاغة: الخطبة 224; عنه البحار 41: 162 ح57.

الصفحة 22

فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب(1).

فأثبت له ما تفرّق فيهم من الفضل والكمال الذي هو المراد من كلّ واحد منهم، وروى ذلك البيهقي أيضاً في كتابه باسناده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجلّ من أنعم عليه بالعلم والخلق والعُلى، وجميع ما تشتت في الورى.

ليس من الله بمستنكر * * * أن يجمع العالم في واحد

فصل
[في عبادته وزهده]

واعلم انّه إذا نظرت إلى العبادة وجدته أعبد الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، منه تعلّم الناس صلاة الليل والتهجّد والأدعية المأثورة، ولقد كان يُفرش له بين الصفَّين والسهام تتساقط حوله، وهو لا يلتفت عن ربّه ولا يغيّر عادته [ولا يفتر عن عبادته](2).

وكان إذا توجّه إلى الله تعالى توجّه بكلّيته، وانقطع من الدنيا نظره وما فيها حتّى لا يبقى يدرك الألم، لأنّهم كانوا إذا أرادوا اخراج الحديد والنشاب من جسده الشريف تركوه حتّى يصلّي، فإذا اشتغل بالصلاة وأقبل على الله تعالى أخرجوا الحديد من جسده ولم يحسّ به، فإذا فرغ من صلاته يرى ذلك فيقول لولده الحسن (عليه السلام): إن هي إلاّ فعلتك يا حسن.

ولم يترك صلاة الليل قط حتّى في ليلة الهرير، وكان (عليه السلام) يوماً في حرب صفّين مشتغلا بالحرب والقتال وهو مع ذلك بين الصفَّين يراقب الشمس،

____________

1- كشف الغمة 1: 111 عن فضائل الصحابة للبيهقي; ومناقب الخوارزمي: 83 ح70.

2- أثبتناه من "ج".

الصفحة 23

فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين ما هذا الفعل؟ قال عليه الصلاة والسلام: أنظر إلى الزوال حتّى نصلّي(1)، فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت صلاة؟ إنّ عندنا لشغلا بالقتال عن الصلاة، فقال (عليه السلام): على ما نقاتلهم؟ إنّما نقاتلهم على الصلاة(2).

وبالجملة انّ العبادات الخمس: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد، فقد أتى بها جميعاً، وبلغ الغاية في كلّ واحد منها، ومقاماته العظيمة في التهجّد والخشوع والخوف من الله تعالى لم يسبقه إليها سوى رسول الله(3)، حتّى أنّه (عليه السلام) قال:

____________

1- في "ب": اُصلّي.

2- عنه البحار 83: 23 ح43.

ولله درّ القائل:


يسقي ويشرب لا تلهيه نشوته * * * عن النديم ولا يلهو عن الكأس

أطاعه سكره حتّى تمكّن من * * * فعل الصحاة فهذا أفضل الناس

3- روى المجلسي في البحار 41: 11 ح1، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال: كنّا جلوساً في مجلس في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتذاكرنا أعمال أهل بدر وبيعة الرضوان، فقال أبو الدرداء: يا قوم ألا اُخبركم بأقلّ القوم مالا، وأكثرهم ورعاً، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة؟ فقالوا: من؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: فوالله إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه، ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها، فقال أبو الدرداء: يا قوم إنّي قائل ما رأيت وليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت عليّ بن أبي طالب بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه واختفى ممّن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته وبَعُدَ عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول: "إلهي إن طال في عصيانك عمري وعظم في الصحف ذنبي، فما أنا مؤمّل غير غفرانك، ولا أنا براج غير رضوانك".

فشغلني الصوت واقتفيت الأثر، فإذا هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بعينه، فاستترت له وأخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثمّ فرغ إلى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى، فكان ممّا به الله ناجاه أن قال: "إلهي اُفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي"، ثمّ قال: "آه إن أنا قرأت في الصحف سيّئة أنا ناسيها وأنت محصيها فتقول: خذوه، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا اُذن فيه بالنداء" ثمّ قال: "آه من نار تنضج الأكباد والكلى، آه من نار نزّاعة للشوى، آه من غمرة ملهبات لظى".

قال: ثمّ أنعم في البكاء، فلم أسمع له حسّاً ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، اُوقظه لصلاة الفجر، قال أبو الدرداء: فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، وزويته فلم ينزو، فقلت: "إنّا لله وإنّا إليه راجعون" مات والله عليّ بن أبي طالب، قال: فأتيت منزله مبادراً أنعاه إليهم، فقالت فاطمة (عليه السلام): يا أبا الدرداء ما كان من شأنه ومن قصّته؟ فأخبرتها الخبر، فقالت: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله، ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه حتّى أفاق ونظر إليّ وأنا أبكي، فقال: ممّا بكاؤك يا أبا الدرداء؟ فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك، فقال: يا أبا الدرداء فكيف لو رأيتني ودُعي بي إلى الحساب، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ، وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد أسلمني الأحبّاء، ورحمني أهل الدنيا، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال أبو الدرداء: فوالله ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الصفحة 24

الجلسة في الجامع خير لي من الجلسة في الجنّة، فإنّ الجنّة فيها رضى نفسي والجامع فيه رضى ربي.

أفلا تنظروا إلى ما وصفه ضرار بن ضمرة الليثي من مقاماته (عليه السلام) حيث(1) دخل على معاوية فقال له: صف لي عليّاً، فقال: أولا تعفيني من ذلك؟ فقال: لا أعفيك، فقال: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق(2) الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته.

كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، ويحاسب(3) نفسه، ويناجي ربّه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، كان والله فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكنّا مع دنوّه منّا وقربنا منه لا نكلّمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسّم فعن(4) مثل اللؤلؤ المنظوم.

يعظم أهل الدين، ويحبّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل

____________

1- في "ج": حين.

2- في "ج": تنطلق.

3- في "ج": يخاطب.

4- في "ج": ظهر أسنانه.

الصفحة 25

سدوله(1)، وغارت نجومه، وهو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم(2)، ويبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا دنية أبي تعرّضت؟ أم بي تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري، لا حاجة لي فيك، قد بنتك(3) ثلاثاً لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير، وخطرك يسير، وأملك حقير، آه آه من قلّة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق، وعظم المورد.

فوكفت دموع معاوية على لحيته، فنشفها بكمّه، واختنق القوم بالبكاء، ثمّ قال: كان والله أبو الحسن كذلك، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال: صبر من ذبح واحدها(4) على صدرها، فهي لا ترقئ عبرتها، ولا تسكن حرارتها، ثمّ قام فخرج وهو باك، فقال معاوية: أما انّكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ مثل هذا الثناء، فقال بعض من كان حاضراً: الصاحب على قدر صاحبه(5).

وروي أنّه (عليه السلام) لمّا كان يفرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس والقضاء بينهم، فإذا تفرّغ من ذلك اشتغل في حائط له يعمل فيه بيده، وهو مع ذلك ذاكراً لله تعالى جلّ جلاله(6).

وروى الحكم بن مروان، عن جبير بن حبيب قال: نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وترنح وتقطر، ثمّ قال: معاشر المهاجرين ما عندكم فيها؟ قالوا: يا عمر أنت المفزع والمهرع، فغضب ثمّ قال: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولا سديداً}(7) أما والله أنا وإيّاكم لنعرف أين نجدتها والخبير بها.

____________

1- السدول جمع السدل، شبّه ظلم الليل بالأستار المسدولة.

2- تململ: تقلّب، والسليم: من لدغته الحيّة.

3- في "ب" و "ج": طلّقتك.

4- في "ج": ولدها.

5- عنه البحار 41: 120 ح28; ونحوه كنز الفوائد: 270.

6- عنه مستدرك الوسائل 13: 25 ح14636.

7- الأحزاب: 70.

الصفحة 26

قالوا: كأنّك أردت ابن أبي طالب؟ قال: وأنّى يعدل بي عنه، وهل لقحت حرّة بمثله، قالوا: فلو بعثت إليه، قال: هيهات، هناك [شيخ من بني](1) هاشم ولحمة من الرسول وأثرة من علم يؤتى لها ولا تأتي، امضوا إليه.

فأفضوا إليه وهو في حائط له عليه ثياب، يتوكّأ على مسحاته وهو يقول: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من منيّ يُمنى * ثمّ كان علقةً فخلق فسوّى}(2) ودموعه تهمل على خدّيه، فأجهش القوم لبكائه، ثمّ سكن وسكنوا وسأله عمر عن مسألته، فأصدر جوابها، فلوى عمر يديه ثمّ قال: أما والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك، فقال له: يا أبا حفص عليك من هنا ومن هنا(3)، انّ يوم الفصل كان ميقاتاً، فانصرف وقد أظلم وجهه، كأنّما ينظر من ليل(4).

وقد عرفت قول النبي (صلى الله عليه وآله): لمبارزة عليّ بن أبي طالب عمر بن عبدود العامري أفضل من عمل اُمّتي إلى يوم القيامة(5).

ولقد نقل المؤرّخون انّ مبارزاته كانت اثنين وسبعين مبارزة، فإذا فكّر العاقل انّ قسماً واحداً من أصل اثنين وسبعين قسماً من أصل خمسة أقسام ـ وهي العبادات الخمس ـ، من أصل قسمين ـ وهي العمل والعلم لأنّ العلم أيضاً عمل نفساني ـ أفضل من عمل الاُمّة إلى يوم القيامة عرف من ذلك أنّه مجهول القدر، وإذا كان أعبد الناس كان أفضلهم، فتعيّن أن يكون هو الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله).

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- القيامة: 36-38.

3- في "ب": هاهنا.

4- البحار 40: 122 ح12; عن الفضائل لابن شاذان: 136.

الصفحة 27

فصل
[في حلمه وجوده وحسن خلقه واخباره بالغيب واجابة دعائه]

ومن فضائله (عليه السلام) الحلم، والكرم، والجود، والسخاء، وحسن الخلق، واخباره بالغيب، واجابة دعائه بسرعة، فجلّ من أنعم عليه بالفضل الجسيم، والرتبة العالية، والمنزلة العظيمة، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وأمّا الحلم: فكان (عليه السلام) من أكثر الناس حلماً، لم يقابل مسيئاً بإساءته، ولقد عفى عن أهل البصرة بعد أن ضربوا وجهه بالسيف، وقتلوا أصحابه، وردّ عائشة إلى المدينة، وأطلق عبد الله بن الزبير بعد الظفر به على عداوته وتأليبه(1) عليه وشتمه له على رؤوس الخلائق، وصفح عن مروان بن الحكم يوم الجمل مع شدّة عداوته.

وأمّا الكرم: فقد بلغ فيه الغاية القصوى التي لم تحصل لغيره صلوات الله عليه، روى الثعلبي في تفسيره عن أبي ذر الغفاري قال، وذكر في أوّل الحديث من طريقنا انّ عبد الله بن عباس كان على شفير زمزم وهو يقول: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول ـ وهو يكرّر الأحاديث ـ إذ أقبل رجل معتمّ بعمامة وقد غطّى أكثر وجهه بها، وكان ابن عباس لا يقول: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)" إلاّ قال ذلك الرجل: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)".

فقال له ابن عباس: بالله عليك من أنت؟! فكشف العمامة عن وجهه وقال: أيّها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين وإلاّ صُمّتا ـ يعني اُذنيه ـ ورأيته بهاتين ـ يعني عينيه ـ وإلاّ عميتا يقول: "عليّ قائد البررة، عليّ قاتل الكفرة،

____________

1- في "ج": تألّبه.

الصفحة 28

منصورٌ من نَصَرَه، مخذولٌ من خَذَلَه، ملعونٌ من جَحَدَ ولايته".

أما إنّي صلّيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد شيئاً، فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللّهمّ اشهد إنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يُعطني أحد شيئاً.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) راكعاً، فأومى إليه بخنصره اليمنى ـ وكان يتختّم فيها ـ فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، والنبي (صلى الله عليه وآله) يشاهد، فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء وقال:

"اللّهمّ إنّ موسى سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اُشدد به أزري، وأشركه في أمري، اللّهمّ فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً {سنشدّ عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا}(1)، اللّهمّ فأنا محمد نبيّك وصفيّك، اللّهمّ فاشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي، عليّاً أخي، اُشدد به ظهري".

قال: فما استتمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى نزل جبرئيل (عليه السلام) من عند الله تعالى وقال: يا محمد إقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: إقرأ {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(2)(3).

وروي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دخل مكّة في بعض حوائجه، فوجد أعرابياً متعلّقاً بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يحويه مكان، ولا يخلو منه مكان، بلا كيفية كان، اُرزق الأعرابي أربعة آلاف درهم.

____________

1- القصص: 35.

2- المائدة: 55.

3- راجع الطرائف: 47 ح39; والعمدة: 119 ح158; وكشف الغمة 1: 317 عن تفسير الثعلبي.

الصفحة 29

قال: فتقدّم إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: ما تقول يا أعرابي؟ فقال الأعرابي: مَن أنت؟ قال: عليّ بن أبي طالب، قال: أنت والله حاجتي، قال عليه الصلاة والسلام: سل يا أعرابي، قال: أريد ألف درهم للصداق، وألف درهم أقضي بها ديني، وألف درهم أشتري بها داراً، وألف درهم أتعيّش بها، قال (عليه السلام): أنصفت يا أعرابي، إذا خرجت من مكّة فسل عن داري بمدينة الرسول (صلى الله عليه وآله).

فأقام الأعرابي اُسبوعاً بمكّة، وخرج في طلب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المدينة، ونادى: من يدلّني على دار أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلقيه الحسين(1)(عليه السلام) فقال: أنا أدلّك على دار أمير المؤمنين.

فقال له الأعرابي: من أبوك؟ قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، قال: من اُمّك؟ قال: فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، قال: من جدّك؟ قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله) محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب، قال: من جدّتك؟ قال: خديجة بنت خويلد، قال: من أخوك؟ قال: الحسن بن عليّ(2)، قال: قد أخذت الدنيا بطرفيها، امش(3) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقل له: انّ الأعرابي صاحب الضمان بمكّة على الباب.

فدخل الحسين (عليه السلام) وقال: يا أبت أعرابي بالباب يزعم أنّه صاحب ضمان بمكّة، قال: فخرج (عليه السلام) وطلب سلمان الفارسي رحمة الله عليه وقال له: يا سلمان اُعرض الحديقة التي غرسها لي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على التجار، فدخل سلمان السوق وعرض الحديقة، فباعها باثني عشر ألف درهم، وأحضر

____________

1- في "ج": الحسن (عليه السلام).

2- في "ج": الحسين بن علي بن أبي طالب.

3- في "ب": امض.

الصفحة 30

المال وأحضر الأعرابي، فأعطاه أربعة آلاف درهم وأربعون درهم للنفقة.

ووقع الخبر إلى فقراء المدينة، فاجتمعوا إليه والدراهم مصبوبة بين يديه، فجعل (عليه السلام) يقبض قبضة فيعطي رجلا رجلا حتّى لم يبق له درهم واحد منها، ودخل منزله فقالت فاطمة (عليه السلام): يا ابن عم بعت الحديقة التي غرسها لك رسول الله (صلى الله عليه وآله) والدي؟ قال: نعم بخير منها عاجلا وآجلا.

قالت له: جزاك الله في ممشاك، ثمّ قالت: أنا جائعة وابناي جائعان ولا شك أنّك مثلنا، فخرج عليّ (عليه السلام) ليقترض شيئاً يخرجه على عياله، فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: يا فاطمة أين ابن عمّي؟ فقالت له: خرج يا رسول الله، فقال صلوات الله عليه وآله: هاك هذه الدراهم فإذا جاء ابن عمّي فقولي له يبتاع لكم بها طعاماً.

وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء عليّ (عليه السلام) وقال: جاء ابن عمّي فإنّي أجد رائحة طيبة؟ قالت: نعم، وناولته الدراهم وكانت سبعة دراهم سود هجرية، وذكرت له ما قال (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا حسن قم معي.

فأتيا السوق فإذا هما برجل واقف وهو يقول: من يقرض الوفي المليّ؟ فقال: يا بني أعطيه الدراهم، فقال: بلى والله يا أبت، فأعطاه (عليه السلام) الدراهم ومضى إلى باب رجل يستقرض منه شيئاً، فلقيه أعرابي ومعه ناقة، قال: اشتر منّي هذه الناقة، قال: ليس معي ثمنها، قال: فإنّي أنظرك بها، قال: بكم يا أعرابي؟ قال: بمائة درهم، قال (عليه السلام): خذها يا حسن.

فأخذها ومضيا (عليهم السلام)، فلقيه أعرابي آخر فقال: يا علي أتبيع الناقة؟ قال (عليه السلام): وما تصنع بها؟ قال: أغزو عليها أوّل غزوة يغزوها ابن عمّك، قال له (عليه السلام): إن قبلتها فهي لك بلا ثمن، قال: معي ثمنها، فبكم اشتريتها؟ قال: بمائة درهم، قال الأعرابي: فلك سبعون ومائة درهم، فقال (عليه السلام): خذها يا

الصفحة 31

حسن وسلّم الناقة إليه، والمائة للأعرابي الذي باعنا الناقة، والسبعون لنا نأخذ منها شيئاً.

فأخذ الحسن (عليه السلام) الدراهم وسلّم الناقة، قال (عليه السلام): فمضيت أطلب الأعرابي الذي ابتعت منه الناقة لأعطيه الثمن، فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مكان لم أره فيه قبل ذلك على قارعة الطريق، فلمّا نظر إليّ (صلى الله عليه وآله) تبسّم وقال: يا أبا الحسن أتطلب الأعرابي الذي باعك الناقة لتوفّيه ثمنها؟

فقلت: إي والله فداك أبي واُمّي، فقال: يا أبا الحسن الذي باعك الناقة جبرئيل، والذي اشتراها منك ميكائيل، والناقة من نوق الجنّة، والدراهم من عند ربّ العالمين المليّ الوفيّ(1).

وروى الثعلبي وغيره من المفسّرين: انّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما جدّهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعادهما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت لولديك نذراً، فقال (عليه السلام): إن برئ ولداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله تعالى، وقالت فاطمة (عليه السلام) مثل ذلك، وقالت جاريتها فضّة: إن برئ سيّداي ممّا بهما صمت ثلاثة أيّام شكراً لله عزوجل.

فاُلبسا العافية وليس عند آل محمد لا قليل ولا كثير، فآجر عليّ (عليه السلام) نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخلا بشيء من شعير، وأتى به لمنزله، فقامت(2) فاطمة صلوات الله عليها إلى ثلثه، فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكلّ واحد منهم قرصاً.

وصلّى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام صلاة المغرب مع رسول الله صلّى

____________

1- أمالي الصدوق: 377 ح10 مجلس 71; عنه البحار 41: 44 ح1 باختلاف قليل.

2- في "ج": فقسّمت.

الصفحة 32

الله عليه وآله، ثمّ أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، فجاء مسكين فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ (عليه السلام) فقال: أطعموه حصّتي، فقالت فاطمة (عليه السلام) والباقون كذلك، فأعطوه(1) الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثاني طحنت فاطمة (عليه السلام) ثلثاً آخر واختبزته، وأتى أمير المؤمنين (عليه السلام) من صلاة المغرب مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضع الطعام بين يديه، فأتى يتيم من أيتام المهاجرين وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، يتيم من أيتام المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ وفاطمة (عليهم السلام) [والباقون](2)فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثالث قامت فاطمة (عليه السلام) إلى الثلث الباقي وطحنته واختبزته، وصلّى عليّ (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله) المغرب ثمّ أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه فجاء أسير فوقف بالباب وقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسرونا ولا تطعمونا، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فإنّي أسير محمد (صلى الله عليه وآله)، فسمعه عليّ (عليه السلام) فآثره وآثروه معه ومكثوا ثلاثة أيّام بلياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء.

فلمّا كان اليوم الرابع وقد وفوا بنذرهم أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) الحسن بيده اليمنى والحسين بيده اليسرى وأقبل نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، فلمّا بصر بهما النبي (صلى الله عليه وآله) قال:

____________

1- في "ج": فأطعموه.

2- أثبتناه من "ج".

الصفحة 33

يا أبا الحسن ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم، انطلقوا بنا إلى ابنتي فاطمة.

فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلّي، وقد لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع، فلمّا رآها النبي (صلى الله عليه وآله) قال: وا غوثاه، بالله يا أهل بيت محمد تموتون جوعاً، فهبط جبرئيل (عليه السلام) وقال: خذ يا محمد هنّأك الله تعالى في أهل بيتك، قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: فاقرأ: {هل أتى على الإنسان}السورة(1).

ومن كان أكرم الناس كان أفضل، فيكون هو الإمام دون غيره.

وأمّا الجود والسخاء: فقد بلغ فيه ما لم يبلغه أحد، جاد بنفسه والجود بالنفس أقصى غاية الجود.

روى أبو سعيد الخدري قال: لمّا خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الغار أوحى الله عزوجل إلى جبرئيل وميكائيل: إنّي قد آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فكلاهما اختار وأحبّ الحياة، فأوحى الله عزوجل إليهما: أفلا كنتما مثل عليّ بن أبي طالب، آخيت بينه وبين محمد فبات على فراشه يقيه بنفسه، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه.

وكان جبرئيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: من مثلك؟ بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب؟! يباهي الله بك الملائكة، وأنزل الله عزوجل في حقّه: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد}(2)، وإذا كان كذلك وجب أن يكون هو الإمام دون غيره.

____________

1- راجع الطرائف: 107 ح160 عن تفسير الثعلبي، وفي شواهد التنزيل 2: 394 ح1042; والمناقب للخوارزمي: 267 ح250; عنه كشف الغمة 1: 307; وتفسير فرات: 519 ح676; عنه البحار 35: 249 ح7; وكفاية الطالب: 345; والكشّاف 4: 670; ومصادر اُخر.

2- اُنظر كفاية الطالب: 239; والعمدة: 239 ح367; والطرائف: 37 ح27 عن الثعلبي; وأيضاً كشف الغمة 1: 316; ونور الأبصار: 175; والبحار 19: 38 ح6; والآية في سورة البقرة: 207.

الصفحة 34

وأمّا حسن الخلق: فقد بلغ فيه الغاية القصوى حتّى نسبه أعداؤه إلى الدعابة، وممّا يدلّ على ذلك مساواته للرسول (صلى الله عليه وآله) الاّ النبوّة، وقد مدح سبحانه نبيّه (صلى الله عليه وآله) بقوله: {وإنّك لعلى خلق عظيم}(1) فكذا يجب أن يكون علياً (عليه السلام) لمساواته له (صلى الله عليه وآله).

وأمّا اخباره بالغيب: فكثير وهي معجزة عظيمة دالّة على إمامته (عليه السلام)، لأنّها لم تتيسّر لأحد من اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) غير عليّ (عليه السلام).

منها أنّه لمّا بويع بذي قار قال: يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا ينقصون رجلا ولا يزيدون رجلا، يبايعون على الموت، آخرهم اُويس القرني، قال ابن عباس: فأحصيت المقبلين فنقصوا واحداً، فبينما أنا اُفكّر إذ أقبل اُويس القرني(2).

ومنها انّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مررت بوادي القري فرأيت خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له، فقال (عليه السلام): إنّه لم يمت ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن جماز، فقام رجل من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين إنّي لك شيعة وإنّي لك محبّ، قال: ومن أنت؟ قال: أنا حبيب بن جماز.

فقال (عليه السلام): إيّاك أن تحملها ولتحملنّها فتدخل بها من هذا الباب، وأومئ بيده إلى باب الفيل، فلمّا مضى أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومضى الحسن ابنه (عليه السلام) من بعده، وكان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان، بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين (عليه السلام)، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته،

____________

1- القلم: 4.

2- الارشاد: 166; عنه البحار 42: 147 ح7.

الصفحة 35

وحبيب بن جماز صاحب رايته، فسار بها حتّى دخل المسجد من باب الفيل(1).

ومنها اخباره عن قتل نفسه الشريفة صلوات الله عليه، وقال: والله لتخضبنّ هذه من هذه، ووضع يده على رأسه ولحيته(2).

ومنها اخباره بصلب ميثم التمار وطعنه بحربة عاشر عشرة على باب دار عمرو بن حريث، وأراه النخلة التي يُصلب على جذعها، وكان ميثم يأتيها ويصلّي عندها ويقول لعمرو بن حريث: إنّي مجاورك فأحسن جواري، فصلبه عبيد الله بن زياد وطعنه بحربة(3).

ومنها انّه قال لأصحابه لما رفع معاوية المصاحف: إنّهم لم يريدوا القرآن فاتّقوا الله وامضوا على بصائركم، فإن لم تفعلوا تفرّقت بكم السبل وندمتم حيث لا ينفعكم الندامة، وكان كما أخبر(4).

ومنها انّه أخبر بقتل ذي الثدية، فلم يُر بين القتلى، فقال: والله ما كذبت وما كُذبت فاختبروا القتلى، فاختبروهم فوجدوه في النهر، وشقّ عن ثوبه فوجد سلعة على كتفه كثدي المرأة، ينجذب كتفه إذا جذبت، ويرجع إذا تركت(5).

ومنها انّه اُخبر عن الخوارج بعبور النهر فقال: والله ما عبروا، ثمّ اُخبر ثانية وثالثة فقال: والله ما عبروا وما يعبرون حتّى يقتل منهم بعدد هذه الاجمة، قال جندب بن عبد الله الأزدي: والله لئن كانوا قد عبروا وإلاّ أكون أوّل من يقاتله، فلمّا وصلوا إليهم لم يجدوهم عبروا، فقال: يا أخا الأزد أتبيّن لك الأمر، فلمّا قتل

____________

1- الارشاد: 173; ومناقب ابن شهر آشوب 2: 270 في اخباره بالبلايا والمنايا; عنه البحار 41: 313 ح39; وكشف اليقين: 79; وشرح نهج البلاغة 2: 287.

2- الارشاد: 168; عنه البحار 42: 192 ح6.

3- الارشاد: 170; عنه البحار 42: 124 ح7; شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 210.

4- الارشاد: 167; عنه البحار 33: 311 ح561.

5- البحار 41: 339 ح59; عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 275.

الصفحة 36

الخوارج قطعوا الاجمة وتركوا على كلّ قتيل قصبة فلم تزد عليهم ولا نقصت عنهم(1).

ومنها انّه خرج ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره قد مضى هزيع(2) من الليل ومعه كميل بن زياد ـ وكان من خيار شيعته ومحبّيه ـ فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت، ويقرأ قوله تعالى: {أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنّما يتذكّر اُولوا الألباب}(3) بصوت شجيّ حزين.

فاستحسن كميل ذلك في باطنه، وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفت إليه صلوات الله عليه وقال: يا كميل لا يعجبك طنطنة الرجل انّه من أهل النار، سأنبئك فيما بعد.

فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه، ولشهادته لدخول النار(4) مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة ظاهراً في ذلك الوقت، فسكت كميل متعجباً متفكّراً في هذا الأمر، ومضى مدّة متطاولة إلى أن آل حال الخوارج إلى ما آل، وقاتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكانوا يحفظون القرآن كما اُنزل.

فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى كميل بن زياد وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً، ورؤوس اُولئك الكفرة الفجرة محلّقة على الأرض، فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: يا كميل {أمّن هو قانت آناء الليل} أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ في تلك الليلة فأعجبك حاله،

____________

1- الارشاد: 167; عنه البحار 41: 284 ح3.

2- في "ج": ربع.

3- الزمر: 9.

4- في "ج" شهادته للرجل بالنار.

الصفحة 37

فقبّل كميل قدميه واستغفر الله(1)، فصلّى الله على مجهول القدر.

ومنها انّه لما اشترى (عليه السلام) ميثم التمار من امرأة أخبره بأنّ اسمه سالم، فقال (عليه السلام): انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني بأنّ أباك سماك ميثماً فارجع إليه، فقال ميثم: صدقت [يا مولاي]، ثمّ أخبره بأنّ عبيد الله بن زياد يصلبه، كما تقدّم الحديث(2).

وأخبر رشيد الهجري بقطع يديه ورجليه وصلبه، ففعل به ذلك زياد بن النضر(3)، وأخبر (عليه السلام) مزروع بن عبد الله بأنّه يصلب بين شرفتين من شرف المسجد فصلب هناك(4)، وأخبر بأنّ الحجاج يقتل كميل بن زياد(5).

وأخبر قنبراً بذبحه فذبحه الحجاج(6)، وقال للبراء بن عازب: انّ ولدي الحسين يقتل وأنت حيّ لا تنصره، فقتل وهو حيّ ولم ينصره، وكان يظهر الندم على ذلك(7)، وأخبر بقتل الحسين (عليه السلام) ومصرعه وقبره لمّا توجّه إلى صفين، وكان كما قال(8).

وأخبر (عليه السلام) بأنّه يعرض على أصحابه سبّه، فأباحه لهم دون البراءة منه فوقع ما أخبر به(9)، وأخبر بقطع يد جويرية بن مسهر ورجله وصلبه على جذع، ففعل به ذلك في أيام معاوية وزياد بن أبيه(10)، وأخبر بعمارة بغداد(11)،

____________

1- عنه البحار 33: 399 ح620.

2- الارشاد: 170; والبحار 41: 343; عن شرح نهج البلاغة 1: 210.

3- الارشاد: 171; نهج الحق: 242; وشرح نهج البلاغة 1: 211.

4- الارشاد: 172; عنه البحار 41: 285 ح5; مناقب ابن شهر آشوب 2: 272.

5- الارشاد: 172.

6- الارشاد: 173; نهج الحق: 242.

7- الارشاد: 174; ومناقب ابن شهر آشوب 2: 270; عنه البحار 41: 315 ح40.

8- الارشاد: 175; عنه البحار 41: 286 ح6.

9- الارشاد: 169.

10- البحار 41: 301 ح31 عن الخرائج; وفي نهج الحق: 242.

11- البحار 41: 125 عن مناقب ابن شهر آشوب; ونهج الحق: 243.

الصفحة 38

وملك بني العباس وذكر أحوالهم وأخذ المغول الملك منهم(1).

وإخباره بالغيب كثير يطول بذكره الكتاب، وهذا مما يدلّ على علوّ شأنه، وارتفاع محلّه، واتّصال نفسه الشريفة الطاهرة بعالم الغيب.

وأمّا إجابة دعائه: فكثير، منها انّه دعا فردّت عليه الشمس مرّتين، احداهما في زمن النبي (صلى الله عليه وآله).

روت اُمّ سلمة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي سعيد الخدري، وجماعة من الصحابة بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان ذات يوم في منزله وعليّ (عليه السلام) بين يديه إذ جاءه جبرئيل (عليه السلام) يناجيه عن الله تعالى، فلمّا تغشّاه الوحي توسّد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم يرفع رأسه حتّى غابت الشمس، ولم يتمكّن أمير المؤمنين (عليه السلام) من صلاة العصر، فاضطرّ (عليه السلام) لأجل ذلك أن صلّى العصر جالساً، يومئ لركوعه وسجوده إيماءً.

فلمّا أفاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) من تغشّيه(2) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام): فاتتك صلاة العصر؟ فقال: لم أستطع أن اُصلّيها قائماً لمكانك يا رسول الله، والحالة التي كنت عليها في استماع الوحي.

فقال له (صلى الله عليه وآله): اُدع الله ليرد عليك الشمس حتّى تصلّيها قائماً في وقتها، فإنّ الله تعالى يجيبك لطاعتك لله ولرسوله، وسأل أمير المؤمنين (عليه السلام) الله تعالى في ردّ الشمس، فردّت عليه حتّى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلّى أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ غربت(3).

____________

1- شرح نهج البلاغة 2: 125 و241; نهج الحق: 243.

2- في "ج": غشيته.

3- كشف الغمة 1: 285; كشف اليقين: 111; ارشاد المفيد: 182; ونحوه مناقب الخوارزمي: 306 ح301; ومناقب ابن شهر آشوب 2: 316; عنه البحار 41: 174 ح10; كفاية الطالب: 385.

الصفحة 39

وأمّا الثانية بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لمّا رجع من صفين، وأراد عبور الفرات ببابل، واشتغل جمع من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، وصلّى (عليه السلام) بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم الماء حتّى غربت الشمس، ففاتت الصلاة كثيراً منهم، وفات الجمهور فضل الجماعة معه.

فتكلّموا في ذلك، فلمّا سمع كلامهم فيه سأل الله تعالى بردّ الشمس عليه ليجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله سبحانه إلى ردّها عليه، فهال الناس ذلك وأكثروا التسبيح والتهليل والاستغفار(1)(2).

ومنها لما زاد ماء الكوفة وخاف أهلها الغرق وفزعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فركب بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخرج والناس معه حتّى أتى شاطئ الفرات، فنزل (عليه السلام) وأسبغ الوضوء وصلّى منفرداً بنفسه والناس يرونه، ثمّ دعا الله سبحانه بدعوات سمعها أكثرهم.

ثمّ تقدّم إلى الفرات متوكئاً على قضيب بيده وضرب صفحة الماء وقال: انقص باذن الله تعالى ومشيئته، فغاض الماء حتّى بدت الحيتان في قعر الفرات، فنطق كثير منها بالسلام عليه بامرة المؤمنين، ولم ينطق منها أصناف من السموك، وهي الجري والمارماهي والزمار، فتعجّب الناس من ذلك وسألوه عن علّة ما نطق

____________

1- كشف الغمة 1: 286; وكشف اليقين: 113; وارشاد المفيد: 182; ومناقب ابن شهر آشوب 2: 318; عنه البحار 41: 174 ح10.

2- قال العلامة رحمه الله في كتاب "كشف اليقين": كان بعض الزهّاد يعظ الناس، فوعظ في بعض الأيام وأخذ يمدح علياً (عليه السلام)، فقاربت الشمس الغروب وأظلم الاُفق، فقال مخاطباً للشمس:


لا تغربي يا شمس حتّى ينقضي * * * مدحي لصنو المصطفى ولنجله

واثني عنانك إذ عزمت ثناءه * * * أنسيت يومك إذ رددت لأجله

إن كان للمولى وقوفك فليكن * * * هذا الوقوف لخيله ولرجله

فوقفت الشمس وأضاء الاُفق حتّى انقضى المدح، وكان ذلك بمحضر جماعة كثيرة تبلغ حدّ التواتر، واشتهرت هذه القصة عند الخواص والعوام.

الصفحة 40

منها وصموت ما صمت، فقال (عليه السلام): أنطق الله ما طهر من السموك، وأصمت عنّي ما حرّمه ونجّسه وبعّده(1).

ومنها انّه قال على منبر الكوفة: أيّها الناس من حضر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "من كنت مولاه فعليّ مولاه" فليقم وليشهد، فقام جماعة وأنس بن مالك جالس لم يقم، فقال له: يا أنس ما منعك أن تشهد ولقد سمعت ما سمعوا؟ فقال: يا أمير المؤمنين كبرت ونسيت، فقال (عليه السلام): اللّهمّ إن كان كاذباً فارمه ببياض لا تواريها العمامة، فصار أبرص(2).

ومنها انّه دعا على بسر بن أرطاة فقال: اللّهمّ انّ بسراً باع آخرته بدنياه فاسلبه عقله، ولا تبق له من دينه ما يستوجب به رحمتك، فاختلط عقله(3).

ومنها انّه اتُّهم المغيرة(4) انّه يرفع أخباره إلى معاوية، فأنكر ذلك فقال له: إن كنت كاذباً فأعمى الله بصرك، فما دارت عليه جمعة حتّى عمي(5).

وهذا أيضاً كثير فلنقتصر منه على اليسير، ولا شك انّ اجابة الدعاء بسرعة من الفضائل التي لا تتيسّر لكلّ أحد، فصلّى الله على مجهول القدر، ومن بولايته والبراءة من أعدائه يُقبل العمل، ويحصل الأجر.

روى الخوارزمي في مناقبه عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا عليّ لو أنّ عابداً عبد الله عزوجل مثل ما قام نوح في قومه، وكان له مثل جبل اُحد ذهباً

____________

1- ارشاد المفيد: 183; وكشف اليقين: 113; ومناقب ابن شهر آشوب 2: 330; عنه البحار 41: 268 ح22.

2- الارشاد للمفيد: 185; مناقب ابن شهر آشوب 2: 279; عنهما البحار 41: 204 ح19.

3- مناقب ابن شهر آشوب 2: 280; عنه البحار 41: 204 ح19.

4- كذا في "ج"، وفي "الف" و "ب" كلمة مبهمة، لعلّها "اتّهم العين"، وفي بعض المصادر: رجل يقال له: الغيزار.

5- مناقب ابن شهر آشوب 2: 279; ارشاد المفيد: 184; وفي البحار 41: 198 ح11; كشف اليقين: 111; نهج الحق: 246.

الصفحة 41

فأنفقه في سبيل الله تعالى، وحجّ ألف عام على قدميه، ثمّ قُتل بين الصفا والمروة مظلوماً، ولم يوالك يا عليّ لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها(1).

وتصديق هذا قوله تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً}(2) وقوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً}(3).

وقوله تعالى: {وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية * تُسقى من عين آنية}(4) فصلّى الله على من بولايته يحصل الايمان، وبمحبّته والبراءة من أعدائه يقبل العمل بالأركان.

فصل
[في كسر الأصنام، وأنّه (عليه السلام) أوّل من صلّى]

ومن فضائله أنّه نشأ وربا في الايمان، ولم يُدنس بدنس الجاهلية بخلاف غيره من سائر الصحابة، فإنّ المسلمين أجمعوا على أنّه (صلى الله عليه وآله) ما أشرك بالله طرفة عين، ولم يسجد لصنم قط، بل هو الذي تولّى كسر الأصنام لمّا صعد على كتف النبي (صلى الله عليه وآله).

روى أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي مريم، عن عليّ (عليه السلام) قال: انطلقت أنا والنبي (صلى الله عليه وآله) حتّى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): اجلس حتّى أصعد على منكبك، فذهبت لأنهض فرأى منّي ضعفاً،

____________

1- المناقب للخوارزمي: 67 ح40; عنه كشف الغمة 1: 100; والبحار 27: 194 ح53.

2- الفرقان: 23.

3- الفرقان: 23.

4- الغاشية 2-5.

5- راجع البحار 36: 165 ح147.

الصفحة 42

فنزل وجلس لي نبي الله (صلى الله عليه وآله) وقال: اصعد على منكبي.

فصعدت على منكبه ونهض بي، فرأيت انّي لو شئت لنلت اُفق السماء حتّى صعدت على البيت وعليه صنم كبير من صفر، فجعلت اُزاوله عن يمينه وشماله وبين يديه ومن خلفه حتّى إذا استمكنت منه قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقذف به، فقذفت به فتكسّر كما تتكسر القوارير.

ثمّ نزلت وانطلقنا أنا ورسول الله (صلى الله عليه وآله) نستبق حتّى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس(1).

وقال بعض الشعراء في هذا المعنى، وقد قيل له امدح عليّاً:

قيل لي قل في عليّ مدحة * * * ذكره يخمد(2) ناراً مؤصدة

قلت هل أمدح من في فضله * * * حار ذو اللب إلى أن عبده

والنبي المصطفى قال لن * * * ليلة المعراج لمّا صعده

وضع الله على ظهري يد * * * فأراني القلب أن قد برده

وعليّ واضع رجليه لي(3) * * * في مكان وضع الله يده

فانظر أيّها المنصف الفطن إلى حال هذا الرجل المجهول القدر، فعند المسلمين ما ذكرناه من عدم اشراكه بالله طرفة عين، وارتقائه فوق كتف النبي (صلى الله عليه وآله)، وعند غيرهم من العقلاء والأذكياء من اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) ما قلناه من غلوّهم فيه حتّى عبدوه، وقالوا باُلوهيّته من عظم ما شاهدوا منه من الآثار والأفعال التي لم تصدر من بشر، فجلّ من أعطاه هذه المرتبة، وحباه بهذه

____________

1- مسند أحمد 1: 84 ح645; عنه كشف الغمة 1: 79; وكشف اليقين: 24; ومثله مناقب الخوارزمي: 125 ح140; ومناقب ابن المغازلي: 202 ح240; عنه العمدة: 364; وكفاية الطالب: 257.

2- في "ب": فانتضا يطفئ.

3- في "ج": أقدامه.

الصفحة 43

المنزلة.

[كم بين شك في هدايته * * * وبين من قيل انّه الله](1)

ومن كتاب مسند ابن حنبل أيضاً عن عفيف الكندي قال: كنت تاجراً فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه شيئاً ـ وكان تاجراً ـ فوالله إنّي لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس، فلمّا رآها قد زالت قام يصلّي، ثمّ خرجت امرأة من الخباء الذي خرج الرجل منه، فقامت خلفه فصلّت، ثمّ خرج غلام حيّن(2) راهق الحلم من ذلك الخباء الذي خرج الرجل منه، فقام معه فصلّى.

فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله ابن أخي، فقلت: من هذه المرأة؟ قال: امرأته خديجة بنت خويلد، فقلت: من هذا الفتى؟ فقال: عليّ بن أبي طالب ابن عمّه، فقلت: وما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلّي وهو يزعم انّه نبيّ، ولم يتبعه على أمره إلاّ امرأته وابن عمّه هذا الفتى(3).

فصل
[في مؤاخاته وقربه من النبي (صلى الله عليه وآله)]

ومن فضائله (عليه السلام) انّه واجب المودّة، لكونه من ذوي القربى وهاشميّاً، ولا شك انّ النسب والقرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فضيلة عظيمة ومرتبة عالية، أمّا دنياً فظاهر، وأمّا الآخرة فقوله (صلى الله عليه وآله): "كلّ نسب

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- في "ج": حسن الوجه.

3- مسند أحمد 1: 209 ح1790; عنه كشف الغمة 1: 82; وكشف اليقين: 33; ونحوه في العمدة: 63 ح75; وكفاية الطالب: 128; والعدد القوية: 246 ح38.

الصفحة 44

منقطع يوم القيامة إلاّ نسبي"(1) وكلّ من كان أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أعظم قدراً، وأشرف ذكراً، وأكبر فخراً ممّن ليس له ذلك.

فكفى بنا فضلا على مَنْ غيرن * * * قرب النبي محمد إيّان

وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبيه واُمّه، لأنّه عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فعبد المطلب جدّهما وفيه يجتمعان صلّى الله عليهما، وأبو طالب وعبد الله أخوان لا غير من أب واُم واحدة، فلم يكن أحد حينئذ أقرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام.

ومن فضائله مؤاخاته النبي (صلى الله عليه وآله)، روى أحمد بن حنبل في مسنده انّ النبي (صلى الله عليه وآله) آخا بين الصحابة ولم يؤاخِ بين عليّ وأحد منهم، فضاق صدر عليّ (عليه السلام) حيث لم يؤاخ بينه وبين أحد.

فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أخّرتك إلاّ لنفسي، فأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، وأنت أخي ووارثي، وأنت معي في قصري في الجنّة، ثمّ تلى رسول الله (صلى الله عليه وآله): {اخواناً على سرر متقابلين}(2)(3).

وروى حذيفة بن اليمان: وآخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار وكان يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثمّ أخذ بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: هذا أخي(4).

____________

1- مناقب ابن المغازلي: 108 ح150; كفاية الطالب: 380.

2- الحجر: 47.

3- مناقب أحمد بن حنبل: 42; عنه كشف الغمة 1: 333; وكشف اليقين: 200; ونحوه في مناقب ابن المغازلي: 37; وكفاية الطالب: 194.

4- مناقب ابن المغازلي: 38 ح60; عنه كشف اليقين: 208; وأمالي الطوسي: 587 ح1115; عنه البحار 38: 333 ح5.

الصفحة 45

ورسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد ولد آدم، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): أنا سيّد ولد آدم ولا فخر(1)، وعليّ (عليه السلام) أخوه ووزيره وشبيهه ونظيره، وهذه منزلة شريفة، ومقام عظيم لم يحصل لأحد سواه.

قال الشاعر:

لو رأى مثلك النبي لآخاه * * * وإلاّ فأخطأ الانتقادا(2)

فصل
[في حبّه والتوعّد على بغضه وفضائل فاطمة (عليه السلام)]

ومن فضائله (عليه السلام) انّه كان أحبّ الخلق إلى الله تعالى، والدليل على ذلك خبر الطائر المشوي(3)، والمحبة من الله تعالى زيادة الثواب.

ومنها فضيلة المباهلة، وهي تدلّ على فضل تام وورع كامل لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ولولديه ولزوجته صلّى الله عليهم، حيث استعان بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الدعاء إلى الله تعالى، والتأمين على دعائه لتحصل له الاجابة(4).

ومنها انّه خُصّ بتزويج فاطمة (عليه السلام) التي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقّها: فاطمة بضعة منّي، من آذاها فقد آذاني، يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها، وهي سيدة نساء العالمين(5).

____________

1- راجع البحار 16: 325 ح21.

2- في "ب": الانتفاء.

3- راجع المناقب لابن المغازلي: 156; وكفاية الطالب: 144.

4- راجع المناقب لابن المغازلي: 263 ح310; وكشف اليقين: 213; والبحار 35: 257.

5- كفاية الطالب: 364 و365; ومناقب ابن المغازلي: 351 نحوه; وقال الكنجي في كفاية الطالب ص370: انّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا نورث ما تركناه صدقة...، قال: فغضبت فاطمة وهجرته ولم تكلّمه حتّى ماتت فدفنها ليلا ولم يؤذن أبا بكر.

الصفحة 46

وقال (صلى الله عليه وآله): إنّما سمّيت ابنتي فاطمة لأنّ الله عزوجل فطمهاوفطم من أحبّها من النار(1).

وقال (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة نادى مناد تحت الحجب: يا أهل الجمع غُضّوا أبصاركم ونكّسوا رؤوسكم فهذه فاطمة بنت محمد تريد أن تمرّ على الصراط(2).

قال ابن عباس: خطب جماعة من الأكابر والأشراف فاطمة (عليه السلام)، فكان لا يذكر أحد عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلاّ أعرض عنه وقال: أتوقّع الأمر من السماء فإنّ أمرها إلى الله تعالى.

قال سعد بن معاذ الأنصاري لعليّ (عليه السلام): خاطب النبي (صلى الله عليه وآله) في أمر فاطمة، فوالله إنّي ما أرى انّ النبي (صلى الله عليه وآله) يريد لها غيرك، فجاء أمير المؤمنين إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتعرّض لذلك، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): كأنّ لك حاجة يا عليّ؟ فقال: أجل يا رسول الله، قال: هات.

قال: جئت خاطباً إلى الله وإلى رسوله فاطمة بنت محمد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): مرحباً وحبّاً وزوّجه بها، فلمّا دخل البيت دعا فاطمة وقال لها: قد زوّجتكِ يا فاطمة سيداً في الدنيا وانّه في الآخرة لمن الصالحين، ابن عمّك عليّ بن أبي طالب.

فبكت فاطمة (عليه السلام) حياءً ولفراق رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): ما زوّجتك من نفسي بل الله تعالى تولّى تزويجك

____________

1- مناقب ابن المغازلي: 65 ح92; والبحار 43: 12 ح4.

2- كفاية الطالب: 364; وكشف الغمة 2: 78; وفي البحار 37: 70 ح38.

الصفحة 47

في السماء، وكان جبرئيل (عليه السلام) الخاطب والله تعالى الولي، وأمر شجرة طوبى فنثرت الدر والياقوت والحلي والحلل، وأمر الحور العين فاجتمعن ولقطن، فهنّ يتهادينه إلى يوم القيامة ويقلن: هذا نثار فاطمة [الزهراء](1).

ولما كان ليلة زفافها إلى عليّ (عليه السلام) كان النبي (صلى الله عليه وآله) قدّامها، وجبرئيل عن يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك خلفها يسبّحون الله تعالى ويقدّسونه إلى طلوع الفجر(2).

ومنها انّ أولاده (عليهم السلام) هم الأئمّة المعصومون الذين أوجب الله تعالى طاعتهم على جميع العباد، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، فأوّلهم الإمام المعصوم أبو محمد الحسن بن عليّ الزكي، وآخرهم الإمام القائم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين، وكلّ واحد منهم هو إمام زمانه، وأفضل أهل عصره وأوانه، وكمالهم وفضلهم أشهر من الأمس وأظهر من الشمس، واتّباعهم والتزامهم هو السعادة والهداية، وتركهم والتخلّف عنهم هو الشقاوة والغواية.

روى الخوارزمي في مناقبه عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك(3).

وفي الجمع بين الصحيحين عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يكون من بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش(4).

ومن مسند أحمد بن حنبل، عن مسروق قال: كنّا جلوساً في المسجد مع عبد الله بن مسعود فأتاه رجل وقال: يا ابن مسعود هل حدّثكم نبيّكم كم يكون

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- كشف اليقين: 195.

3- مناقب ابن المغازلي: 132 ح173; والطرائف: 132 ح206; عنه البحار 23: 123 ح49; ولم نجده في مناقب الخوارزمي.

4- العمدة: 419 ح871 عن الجمع بين الصحيحين; والطرائف: 170 ح260 عن البخاري ومسلم.

الصفحة 48

من بعده خليفة؟ قال: نعم، كعدة نقباء بني إسرائيل(1).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله) للحسين (عليه السلام): هذا ابني امام ابن امام أخو امام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم، والأخبار في فضائلهم وكمالاتهم أكثر من أن تُحصى.

ومنها من كتاب كفاية الطالب للحافظ الشافعي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مررت ليلة اُسري بي إلى السماء وإذا بملك جالس على منبر من نور والملائكة تحدق به، فقلت: يا جبرئيل من هذا الملك؟ فقال: اُدن منه وسلّم عليه.

فدنوت منه وسلّمت عليه، فإذا أنا بأخي وابن عمّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقلت: يا جبرئيل سبقني عليّ بن أبي طالب إلى السماء الرابعة؟ فقال: لا يا محمد، ولكن الملائكة شكت حبّها لعلي، فخلق الله هذا الملك من نور على صورة عليّ، فالملائكة تزوره في كلّ ليلة جمعة ويوم جمعة سبعين ألف مرّة، يسبّحون الله تعالى ويقدّسونه ويهدون ثوابه لمحبّ عليّ (عليه السلام)(2).

ومنها من كتاب المناقب للخوارزمي عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد سئل: بأيّ لغة خاطبك ربّك ليلة المعراج؟ فقال: خاطبني بلغة عليّ بن أبي طالب، فألهمني أن قلت: يا ربّ خاطبتني أم عليّ؟

فقال: يا أحمد أنا شيء ليس كالأشياء، ولا اُقاس بالناس، ولا اُوصف بالأشياء، خلقتك من نوري وخلقت علياً من نورك، فاطلعت على سرائر قلبك فلم أجد إلى قلبك بأحبّ من عليّ بن أبي طالب، فخاطبتك بلسانه كيما يطمئنّ قلبك(3).

____________

1- مسند أحمد 1: 398 ح3772.

2- كفاية الطالب: 133; عنه كشف الغمة 1: 137; والبحار 18: 386 ح94.

3- المناقب للخوارزمي: 78 ح61; عنه البحار 18: 386 ح94.

الصفحة 49

ومنها ما روي في محبته والتوعّد على بغضه وهو كثير، منها ما رواه صاحب كتاب الفردوس عن معاذ، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: حبّ عليّ بن أبي طالب حسنة لا يضرّ معها سيّئة، وبغضه(1) سيّئة لا ينفع معها حسنة(2).

وروى الخوارزمي أيضاً في مناقبه ذلك(3).

ومن كتاب الفردوس أيضاً عن ابن عباس انّه قال: نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة، من أحبّك فقد أحبّني وحبيبي حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني ومبغضي مبغض الله، فالويل لمن أبغضك بعدي(4).

ومن الفردوس عن ابن عباس انّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليلة عُرج بي إلى السماء رأيت على باب الجنّة مكتوب: "لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، عليّ حبيب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضهم لعنة الله"(5).

ومن كتاب المناقب عن ابن عباس انّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو اجتمع الناس على حبّ عليّ بن أبي طالب لما خلق الله عزوجل النار(6).

ومن كتاب اليواقيت لأبي عمر الزاهد انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث علياً في سريّة ـ قال الراوي ـ: فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) رافعاً يديه

____________

1- في "ج": بغض عليّ.

2- الفردوس 2: 142 ح2725; عنه كشف الغمة 1: 92; والبحار 39: 248 ح10.

3- المناقب: 75 ح56.

4- الفردوس 5: 324 ح8325; وكشف الغمة 1: 93.

5- راجع كشف الغمة 1: 93; ومناقب الخوارزمي: 302 ح297.

6- المناقب للخوارزمي: 67 ح39; عنه كشف الغمة 1: 98; والبحار 39: 248 ح10; وفي الفردوس 3: 373 ح5135.

الصفحة 50

وهو يقول: اللّهمّ لا تمتني حتّى تريني علياً(1).

ومن كتاب المناقب للخوارزمي عن عائشة انّها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في بيتي لما حضره الموت قال: ادعوا لي حبيبي، فدعوت أبا بكر، فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضع رأسه، ثمّ قال: ادعوا لي حبيبي، قلت: ويلكم ادعوا له عليّ بن أبي طالب فوالله لا يريد غيره، فلمّا رآه فرج الثوب الذي كان عليه ثمّ أدخله فيه، فلم يزل يحتضنه صلوات الله عليه حتّى قبض ويده عليه(2).

ومنه عن أنس بن مالك انّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خلق الله تعالى من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه إلى يوم القيامة(3).

ومنه عن الحسن البصري انّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة يجلس عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على الفردوس، وهو جبل قد علا على الجنّة، وفوقه عرش ربّ العالمين، ومن سفحه تتفجّر أنهار الجنّة وتتفرّق في الجنّة، وعليّ (عليه السلام) على كرسي من نور يجري بين يديه التسنيم(4)، لا يجوز أحد على الصراط إلاّ معه براءة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنّة فيدخل محبّيه الجنّة ومبغضيه النار(5).

____________

1- راجع مناقب ابن المغازلي: 122 ح160; ومناقب الخوارزمي: 70 ح46; وكشف الغمة 1: 101; وكنز الفوائد: 136.

2- المناقب للخوارزمي: 68 ح41; عنه كشف الغمة 1: 100; عنه البحار 38: 307 ح9; وكفاية الطالب: 262.

3- المناقب للخوارزمي: 71 ح47; عنه كشف الغمة 1: 101; ومائة منقبة: 66 ح19; والبحار 39: 275 ح52.

4- التسنيم ماء في الجنّة، سمّى بذلك لأنّه يجري فوق الغرف والقصور، يقال: تسنّمه إذا علاه.

5- المناقب للخوارزمي: 71 ح48; عنه كشف الغمة 1: 101; ومائة منقبة: 107 ح52; والبحار 39: 202.

الصفحة 51

ومنه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أوّل من اتّخذ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أخاً من أهل السماء اسرافيل، ثمّ ميكائيل، ثمّ جبرئيل، وأوّل من أحبّه من أهل السماء حملة العرش، ثمّ رضوان خازن الجنّة، ثمّ ملك الموت، وانّ ملك الموت يترحّم على محبّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كما يترحّم على الأنبياء (عليهم السلام)(1).

ومنه عن ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحبّ علياً قبل الله صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب دعاءه، ألا ومن أحبّ علياً أعطاه الله بكلّ عرق في بدنه مدينة في الجنّة. ألا ومن أحبّ آل محمد أمن من الحساب والميزان والصراط، ألا ومن مات على حب آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء، ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله تعالى(2).

ومن مناقب ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: أقبلت ذات يوم قاصداً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا أبا سعيد، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: انّ لله عموداً تحت العرش يضيء لأهل الجنّة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، لا يناله إلاّ عليّ ومحبّوه(3).

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهم السلام) انّه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطان العرش: أين خليفة الله في أرضه، فيقوم داود النبي (عليه السلام)، فيأتي النداء من عند الله: لسنا إيّاك أردنا وإن كنت لله تعالى خليفة.

ثمّ ينادي: أين خليفة الله في أرضه، فيقوم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب

____________

1- المناقب للخوارزمي: 71 ح49; عنه كشف الغمة 1: 101; ومائة منقبة: 119 ح64; والبحار 39: 110 ح17.

2- المناقب للخوارزمي: 72 ح51; عنه كشف الغمة 1: 102; ومائة منقبة: 149 ح95; والبحار 68: 40 ح83.

3- راجع البحار 39: 269 ح43 عن مناقب ابن مردويه.

الصفحة 52

(عليه السلام)، فيأتي النداء من قبل الله عزوجل: يا معشر الخلائق هذا عليّ بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجّته على العباد، فمن تعلّق بحبله في دار الدنيا فليتعلّق بحبله في هذا اليوم، يستضيء بنوره، وليتبعه إلى درجات العلى من الجنان.

قال: فيقوم اُناس قد تعلّقوا بحبله في الدنيا فيتبعونه إلى الجنّة، ثمّ يأتي النداء من عند الله جلّ جلاله: من إئتمّ بإمام فليتبعه إلى حيث يذهب به، فحينئذ يتبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا، ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب(1).

ومن مناقب الخوارزمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الله عزوجل منع بني اسرائيل قطر السماء بسوء رأيهم في أنبيائهم، واختلافهم في دينهم، وانّه أخذ هذه الاُمّة بالسنين، ومنعهم قطر السماء ببغضهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(2).

ومنه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ لله خلقاً ليسوا من ولد آدم يلعنون مبغض عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: من هم يا رسول الله.

قال: هم القنابر، ينادون في السحر على رؤوس الشجر: ألا لعنة الله على مبغض عليّ بن أبي طالب، بسم الله الرحمن الرحيم، وسلام على عباده الذين اصطفى(3).

ومنه عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ناصب(4) علياً الخلافة بعدي فهو كافر وقد حارب الله ورسوله، ومن شك في عليّ

____________

1- أمالي الطوسي: 63 ح1 مجلس 3; عنه البحار 8: 10 ح3; وكشف الغمة 1: 139.

2- مناقب ابن المغازلي: 141 ح186; والبحار 39: 309 ح125; ولم نجده في المصدر.

3- مناقب ابن المغازلي: 142 ح187; والعمدة: 358 ح692; ولم نجده في المصدر.

4- في "ج": غصب.

الصفحة 53

فهو كافر(1).

ومنه عن معاوية بن وحيد القشيري(2) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعليّ (عليه السلام): يا عليّ لا يبالي من مات وهو يبغضك مات يهودياً أو نصرانياً(3).

ومن المناقب أيضاً عن أبي سعيد الخدري، عن سلمان قال: قلت: يا رسول الله لكلّ نبي وصي، فمن وصيّك؟ فقال (صلى الله عليه وآله): من وصيّ موسى؟ قلت: يوشع بن نون، قال: لِمَ؟ قلت: لأنّه أعلمهم، قال: فوصيّي وموضع سرّي وخير من أتركه بعدي، ينجز عدّتي ويقضي ديني عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(4).

ومن كتاب الأربعين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا وعليّ حجة الله على عباده(5).

ومن كتاب المناقب للخوارزمي ومناقب ابن مردويه انّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان في صحن الدار ورأسه في حجر دحية الكلبي، فدخل عليّ (عليه السلام)، فلمّا رآه دحية الكلبي سلّم عليه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): [السلام عليك](6) كيف أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: بخير يا أخا رسول الله، فقال له عليّ (عليه السلام): جزاك الله عنّا أهل البيت خيراً.

فقال له دحية: إنّي اُحبّك، وانّ لك عندي مدحة أزفها إليك، أنت أمير المؤمنين، لواء الحمد بيدك يوم القيامة، تزف أنت وشيعتك إلى الجنان، أفلح من

____________

1- مناقب ابن المغازلي: 45 ح68; والطرائف: 23 ح18; ولم نجده في المصدر.

2- في "الف": القرشي، وفي المناقب لابن المغازلي: معاوية بن حَيْدة.

3- مناقب ابن المغازلي: 50 ح74; والبحار 27: 79 ح16; ولم نجده في المصدر.

4- كشف الغمة 1: 155; والبحار 38: 11 ح17; ولم نجده في المصدر.

5- كشف الغمة 1: 161; عنه البحار 38: 138 ح98; عن الأربعين للحافظ أبي بكر محمد بن أبي نصر اللفتواني.

6- أثبتناه من "ب" و "ج".

الصفحة 54

تولاّك وخسر من تخلاّك(1)، اُدن منّي يا صفوة الله وخذ رأس ابن عمك فأنت أحقّ به منّي.

فأخذ عليّ (عليه السلام) رأس النبي (صلى الله عليه وآله) فوضعه في حجره، فانتبه النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: ما هذه الهمهمة؟ فأخبره عليّ (عليه السلام)، فقال له (صلى الله عليه وآله): لم يكن دحية الكلبي، وإنّما هو جبرئيل، يا علي سمّاك باسم سمّاك الله به(2).

ومن المناقب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اُسري بي إلى السماء ثمّ من السماء إلى سدرة المنتهى وقفت بين يدي الله عزوجل، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك وسعديك، قال: قد بلوت خلقي فأيّهم رأيت أطوع لك؟ قلت: يا ربّ علياً، قال: صدقت يا محمد، فهل اتّخذت لنفسك خليفة يؤدّي عنك، ويعلّم عبادي من كتابي ما لا يعلمون؟

قال: قلت: ربّي اختر لي فإنّ خيرتك خيرتي، قال: قد اخترت لك علياً فاتّخذه لنفسك خليفة ووصياً، ونحلته علمي وحلمي، وهو أمير المؤمنين حقّاً، لم ينلها(3) أحد قبله وليست لأحد بعده، يا محمد عليّ راية الهدى، وإمام من أطاعني، ونور أوليائي، وهو الكلمة التي ألزمتها المتّقين، من أحبّه فقد أحبّني، ومن أبغضه فقد أبغضني، لولا عليّ لم يكونوا(4) حزبي ولا أوليائي(5).

____________

1- في "ب" و "ج": عاداك.

2- مناقب الخوارزمي: 322 ح329; عنه كشف الغمة 1: 350; والبحار 39: 96 ح8.

3- في "ج": لم يبلغها.

4- في "ج": لم يعرف.

5- مناقب الخوارزمي: 303 ح299; عنه كشف الغمة 1: 355; والبحار 40: 13 ح28.

الصفحة 55

فصل
[في جهاده (عليه السلام)]

ومن فضائله (عليه السلام) انّه كان قويّ البأس، رابط الجأش، سيف الله وكاشف الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تعجبت الملائكة من حملاته على المشركين، ابتلى بجهاد الكفّار والمارقين والقاسطين والناكثين.

وروى أحمد بن حنبل في مسنده قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبعثه بالراية جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، لا ينصرفا حتّى يُفتح له(1).

ونقل الواقدي(2) قال: انّ علياً (عليه السلام) وطلحة والعباس افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفاتيحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال عليّ (عليه السلام): لا أدري ما تقولان، لقد صلّيت ستّة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد.

فأنزل الله تعالى عليهم: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} إلى قوله: {أجر عظيم}(3)(4).

فصدّق الله علياً (عليه السلام) في دعواه، وشهد له بالايمان والمهاجرة والجهاد والزكاة، ورفع قدره بما نزل فيه وأعلاه، وكم له من المزايا التي لم يبلغها أحد سواه.

وأمّا مواقف جهاده، ومواطن جدّه واجتهاده فمنها ما كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنها ما تولاّه على انفراده، أمّا الاُولى وهي الغزوات التي كانت أيّام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكثير يطول بذكرها الكتاب، ولنذكر منها خمس غزوات من مشاهرها وأعلاها، ومن أعظمها وأقواها.

____________

1- مسند أحمد 1: 199 ح1721; عنه كشف الغمة 1: 178; وكشف اليقين: 123.

2- لعلّه الواحدي.

3- التوبة: 19-22.

4- راجع أسباب النزول: 139; عنه نور الأبصار: 157; وكشف الغمة 1: 179; وكشف اليقين: 123; والطرائف: 50; والعمدة: 193; ومناقب ابن شهر آشوب 2: 69.

الصفحة 56

الاُولى: غزاة بدر.

وبدر اسم موضع بين مكة وبين المدينة، وكانت الواقعة عنده، وهذه الغزاة هي الداهية العظمى التي هدّت قوى الشرك، وقذفت طواغيته في قليب الهلكة، ودوّخت مردة الكفّار، وسقتهم كاسات البوار، وهي أوّل حرب كان به الامتحان، وأراد فريق من المسلمين التأخّر عن النبي (صلى الله عليه وآله) لخوفهم وكراهيتهم لها على ما نطق به القرآن، حيث يقول جلّ اسمه: {كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وانّ فريقاً من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في الحقّ بعد ما تبيّن كأنّما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}(1).

فيومها اليوم الذي لم يأت الدهر بمثله، وكان فضل الله فيه من أحسن فضله، إذ أنزل فيه الملائكة الكرام لنصر رسوله تفضيلا له على جميع رسله، وعليّ (عليه السلام) فارس تلك الملحمة، فما تعد الأسد الغضاب(2) بشسع نعله، ويسعر تلك الحروب العوان، ينصب على الأعداء انصباب السحاب ووبله، ونار سطوته تتسعّر تسعّر النار في دقيق الغضا وجزله.

وهذه الغزاة كانت على رأس ثمانية عشر شهراً من قدومه (صلى الله عليه وآله) المدينة، وعمر عليّ (عليه السلام) سبع وعشرين سنة، وكان من جملة خبرها انّ المشركين حضروا بدراً مصرّين على القتال، مشتهرين بكثرة الأموال والأبطال والعدد والرجال، والمسلمون إذ ذاك نفر يسير ضعيف، كما قال تعالى: {ولقد

____________

1- الأنفال: 5-6.

2- في "ب": الغضبان.

الصفحة 57

نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة}(1).

قال بعضهم: سمعت علياً (عليه السلام) يقول: لقد حضرنا بدراً وما فينا فارس إلاّ المقداد بن الأسود الكندي، لقد كنّا ليلة بدر وما فينا إلاّ من نام سوى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّه كان في أصل شجرة يدعو ويصلّي إلى الصباح(2).

وروي أنّه لما أصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش، أمامها عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد، فنادى عتبة رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا محمد اخرج لنا أكفّاءنا من قريش، فبدر إليهم ثلاثة من شبّان الأنصار، فمنعهم النبي (صلى الله عليه وآله) وقال لهم: إنّ القوم دعوا الأكفّاء منهم.

ثمّ أمر علياً (عليه السلام) بالبراز إليهم، وبعث معه حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحرث رحمهما الله، فلمّا اصطفّوا قال مشركوا قريش: من أنتم؟ فانتسبوا إليهم، ونشبت بينهم الحرب، فوقف عليّ (عليه السلام) للمبارزة(3)، فبارزه الوليد بن عتبة وكان شجاعاً جريئاً، فاختلفا بينهما ضربتين، فأخطأت ضربة الوليد، واتّقى بيده اليسرى ضربة(4) أمير المؤمنين (عليه السلام) فأبانها.

وروي أنّه (عليه السلام) كان يذكر بدراً وقتله الوليد، فقال في حديثه: كأنّي أنظر إلى وميض خاتمه في شماله، ثمّ ضربته اُخرى فصرعته وسلبته، فرأيت به درعاً من خلوق، فعلمت أنّه قريب عهد بعرس(5).

ثمّ بارزه العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه الناس، لأنّه كان

____________

1- آل عمران: 123.

2- كشف الغمة 1: 184; وارشاد المفيد: 40; عنه البحار 19: 279 ح17.

3- في "ب": للمحاربة.

4- في "ج": فضربه.

5- كشف الغمة 1: 185; ونور الأبصار: 176; والبحار 19: 279.

الصفحة 58

هولا عظيماً فقتله، وقال عمر بن الخطاب: مررت بالعاص بن سعيد يوم بدر فرأيته يبحث برجله للقتال كما يبحث الثور بقرنه، وإذا شدقاه قد أزبدا كالوزغ، فهبته ورعت(1) عنه، فقال لي: إلى أين يا ابن الخطّاب؟ فقال له عليّ (عليه السلام): دعه وخذني إليك يا ابن العاص، قال عمر: فاختلفا ضرباً فما برحت من مكاني حتّى قتله عليّ (عليه السلام)(2).

إذا اشتبكت دموع في خدود * * * تبيّن من بكى ممّن تباكى

ثمّ برز إليه حنظلة بن أبي سفيان، فلمّا دنا منه ضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) ضربة بالسيف أسالت عينيه، ولزم الأرض قتيلا.

ثمّ برز إليه طعمة بن عدي فقتله، ثمّ برز إليه نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، وكانت تعظّمه وتقدّمه وتطيعه، وكان قد قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكّة في قرن واحد، وأوثقهما بحبل وعذّبهما يوماً إلى الليل حتّى سئل في أمرهما.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما عرف بحضور نوفل بدراً: اللّهمّ اكفني نوفلا، فقصده أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ ضربه بالسيف، فنشب في بيضته، فانتزعه ثمّ ضرب به ساقه وكانت درعه مشمرّة فقطعها، ثمّ أجهز عليه فقتله، فلمّا عاد إلى النبي (صلى الله عليه وآله) سمعه يقول: من له علم بنوفل؟ فقال علي (عليه السلام): أنا قتلته يا رسول الله، فكبّر النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: الحمد لله الذي أجاب دعوتي(3).

ولم يزل عليّ (عليه السلام) يقتل واحداً بعد واحد من أبطال المشركين حتّى قتل بانفراده نصف المقتولين، وقتل المسلمون كافة وثلاثة آلاف من الملائكة

____________

1- في "ب": رغبت.

2- كشف الغمة 1: 186; وارشاد المفيد: 42; عنه البحار 19: 281 ح18.

3- كشف الغمة 1: 186; وكشف اليقين: 125; وارشاد المفيد: 42; عنه البحار 19: 281 ح18.

الصفحة 59

مسوّمين النصف الآخر، وشاركهم عليّ (عليه السلام) فيه أيضاً، ثمّ رمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) باقي القوم بكفّ من الحصى وقال: شاهت الوجوه، فانهزموا جميعاً.

فهذه الغزاة العظمى على ما شرحناه كانت عبارة عنه (عليه السلام)، وما أحقّه بقول القائل:

لك خلّتان(1) مسالماً ومحارب * * * بالعدل منك وسيفك المخضوب

فرّقت ما بين الذوائب والطل * * * وجمعت ما بين الطلا والذيب

الثانية: غزاة اُحد.

وكانت في شوال، ولم يبلغ عمر أمير المؤمنين (عليه السلام) تسعاً وعشرين سنة، واُحد جبل عظيم قريب من المدينة، وكانت هذه الغزاة عنده، وسببها أنّ قريشاً لمّا كسروا يوم بدر، وقُتل بعضهم واُسر بعضهم، جزعوا لقتل رؤسائهم فتجمّعوا وبذلوا الأموال وجيّشوا الجيوش، وتولّى ذلك أبو سفيان، وقصدوا النبي (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين بالمدينة.

فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين، ودخل النفاق والشك والريب بين جماعة منهم، فرجع قريب من ثلثهم إلى المدينة، وبقى (صلى الله عليه وآله) في سبعمائة من المسلمين، كما حكاه الله سبحانه وتعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتاتل والله سميع عليم}(2) الآيات.

وصفّ النبي (صلى الله عليه وآله) المسلمين صفّاً طويلا، وجعل على الشعب خمسين رجلا من الأنصار، وأمّر عليهم رجلا منهم وقال لهم: لا تبرحوا من

____________

1- في "ج": حالتان.

2- آل عمران: 121.

الصفحة 60

مكانكم وإن قُتلنا عن آخرنا، فإنّما نؤتى من موضعكم.

واشتدّت الحرب ودارت رحاها ولواء المسلمين بيد عليّ (عليه السلام)، وهو قدّام النبي (صلى الله عليه وآله) يضربهم بسيفه بين يديه، ولواء الكفّار بيد طلحة بن أبي طلحة العبدي من بني عبد الدار، وكان يُسمّى كبش الكتيبة، فتلاقى هو وعلي (عليه السلام) وتقاربا، واختلفت بينهما ضربتان، فضربه عليّ (عليه السلام) على مقدّم رأسه فبدرت عينه وصاح صيحة عظيمة، وسقط اللواء من يده، وأخذه آخر من بني عبد الدار فقتله.

ولم يزل (عليه السلام) يقتل واحداً بعد واحد حتّى قتل منهم سبعة، ثمّ أخذ اللواء عبدٌ لهم اسمه صواب، وكان من أشدّ الناس، فضرب عليّ (عليه السلام) يده [اليمنى](1) فقطعها، فأخذ اللواء بيده اليسرى فضربه عليها فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع ساعديه عليه ويداه مقطوعتان، فضربه عليّ (عليه السلام) على رأسه فسقط صريعاً وانهزم القوم، وأكبّ المسلمون على الغنائم.

ورأى أصحاب الشعب الناس يغتنمون، فخافوا فوات الغنيمة، فاستأذنوا رئيسهم في أخذ الغنائم فقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرني أن لا أبرح من موضعي(2) هذا، فقالوا: إنّما قال ذلك وهو لا يدري انّ الأمر يبلغ ما ترى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه.

فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، وجاء من ظهر النبي (صلى الله عليه وآله)، فنظر إليه وقد حفّ به أصحابه، فقال لمن معه: دونكم هذا الذي تطلبون، فحملوا عليه حملة رجل واحد ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورمياً بالنبال، ورضخاً بالحجارة.

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": مكاني.

الصفحة 61

وجعل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقاتلون عنه حتّى قُتل منهم سبعون رجلا، وانهزم الباقون، وبقي النبي (صلى الله عليه وآله) وما زال من موضعه شبراً واحداً، وباشر القتال بنفسه، ورمى (صلى الله عليه وآله) حتّى فنيت نباله، وكان تارة يرمي بقوسه وتارة يرمي بالحجارة.

وأصاب عتبة بن أبي وقاص بشفتيه ورباعيته، وضرب ابن قميّة على كريمته الشريفة، فلم يصنع سيفه شيئاً إلاّ وهن الضربة بثقل السيف، ثمّ وقع (صلى الله عليه وآله) في حفرة مغشيّاً عليه وحجب الله أبصار المشركين عنه، وصاح صائح بالمدينة: قُتل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاختلفت(1) القلوب وخرجت فاطمة صلوات الله وسلامه عليها صارخة.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لمّا انهزم الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لحقني من الجزع ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي المشركين، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليفر، وما رأيته في القتلى وأظنّه رفع من بيننا إلى السماء.

فكسرت جفن سيفي وقلت: لاُقاتلنّ به حتّى اُقتل، وحملت على القوم فأفرجوا، فإذا أنا برسول الله (صلى الله عليه وآله) قد وقع مغشيّاً عليه، فنظر إليّ وقال: ما فعل الناس يا عليّ؟ فقلت: كفروا يا رسول الله وولّوا الدبر وأسلموك إلى عدوّك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال: ردهم عنّي، فحملت عليهم أضربهم يميناً وشمالا حتّى قتلت منهم هشام بن اُميّة المخزومي وانهزم الباقون.

وأقبلت كتيبة اُخرى فقال لي (صلى الله عليه وآله): احمل على هذه، فحملت عليهم وقتلت منهم عمر بن عبد الله الجمحي وانهزموا أيضاً، وجاءت اُخرى فحملت عليها وقتلت منها بشر بن مالك العامري وانهزموا.

____________

1- في "ج": فانخلعت.

الصفحة 62

ولم يزل (عليه السلام) يُقاتل في ذلك اليوم ويفرّق جموع القوم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى أصابه في رأسه ووجهه وبدنه سبعون جراحة وهو قائم وحده بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يغفل عنه طرفة عين، فقال له (صلى الله عليه وآله): يا عليّ أما تسمع مديحك في السماء، إنّ ملكاً اسمه رضوان ينادي بين الملائكة:

لا سيف إلاّ ذو الفقار * * * ولا فتى إلاّ عليّ(1)

ورجع الناس إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان جبرئيل (عليه السلام) يعرج إلى السماء في ذلك اليوم وهو يقول: "لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ عليّ" وسمعه الناس كلّهم، وقال جبرئيل (عليه السلام): يا رسول الله قد عجبت الملائكة من حسن مواسات أمير المؤمنين عليّ لك بنفسه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وما يمنعه من ذلك وهو منّي وأنا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام): وأنا منكما(2).

وذكر أهل السير قتلى اُحد من المشركين، فكان جمهورهم مقتولين بسيف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان الفتح له وسلامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المشركين بسببه(3)، ورجوع الناس إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بمقامه وثباته.

يذبّ عنه بسيفه دونهم، ويبذل نفسه العزيزة في نصرته، وتوجّه العتاب من الله تعالى إلى جميعهم لموضع الهزيمة، والملائكة في السماء مشغولون بمدحه، متعجّبون من مقامه وثباته وسطوته، فصلّى الله على مجهول القدر.

الثالثة: غزاة الأحزاب.

وهي غزاة الخندق، وبيانها انّ جماعة من اليهود جاؤوا إلى أبي سفيان

____________

1- ارشاد المفيد: 46; عنه البحار 20: 86 ح17; ونحوه كشف الغمة 1: 194.

2- ارشاد المفيد: 46; عنه البحار 20: 85 ح17.

3- في "ج": بسبب سيفه.

الصفحة 63

لعلمهم بعداوته للنبي (صلى الله عليه وآله) وسألوه المعونة، فأجابهم وجمع لهم قريشاً وأتباعها من كنانة وتهامة وغطفان وأتباعها من أهل نجد، واتّفق المشركون مع اليهود، وأقبلوا بجمع عظيم، ونزلوا من فوق المسلمين ومن أسفلهم، كما قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}(1).

فاشتدّ الأمر على المسلمين، وكان سلمان رضي الله عنه قد أشار بحفر الخندق، فَحُفِرَ وخرج النبي (صلى الله عليه وآله) بالمسلمين وهم ثلاثة آلاف والمشركون مع اليهود يزيدون على عشرين ألفاً، وجعلوا الخندق بينهم وبين المسلمين.

وركب عمرو بن عبدود ومعه فوارس من قريش وأقبلوا حتّى وقفوا على أضيق مكان في الخندق، ثمّ ضربوا خيلهم فاقتحمته وصاروا بين الخندق والمسلمين، فخرج إليهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال عمرو: هل من مبارز؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنا له يا رسول الله، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): إنّه عمرو، فسكت.

فقال عمرو: هل من مبارز؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنا له يا رسول الله، فقال: إنّه عمرو، فسكت، ونادى عمرو ثالثة فقال علي (عليه السلام): أنا له يا رسول الله، فقال: إنّه عمرو، فسكت، وكلّ ذلك يقوم عليّ (عليه السلام) فيأمره النبي (صلى الله عليه وآله) بالثبات انتظاراً لحركة غيره من المسلمين، وكأنّ على رؤوسهم الطير لخوفهم من عمرو.

وطال نداء عمرو بطلب المبارزة، وتتابع قيام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا لم يقدم أحد من الصحابة قال النبي (صلى الله عليه وآله): اُدن منّي يا عليّ، فدنا منه، فنزع عمامته من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه وقال: امض لشأنك، ودعا له ثمّ

____________

1- الأحزاب: 10.

الصفحة 64

قال: برز الايمان كلّه إلى الشرك كلّه.

فسعى عليّ (عليه السلام) نحو عمرو حتّى انتهى إليه، فقال له: يا عمرو إنّك كنت تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلاّ قبلتها أو واحدة منها، قال: أجل، قال (عليه السلام): إنّي أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأن تسلم لربّ العالمين.

قال: يا ابن أخي أخّر هذا عنّي، فقال (عليه السلام): أما أنّها خير لك لو أخذتها، ثمّ قال (عليه السلام): هاهنا اُخرى، قال: وما هي؟ قال (عليه السلام): ترجع من حيث أتيت، قال: لا، تحدّث(1) نساء قريش عنّي بذلك أبداً، قال (عليه السلام): فهاهنا اُخرى، قال: وما هي؟ قال (عليه السلام): اُبارزك وتبارزني.

فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أحداً من العرب يطلبها منّي، وأنا أكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك نديماً لي، فقال (عليه السلام): وأنا كذلك، ولكنّي احبّ أن أقتلك ما دمت أبيّاً للحق.

فحمى عمرو ونزل عن فرسه وضرب وجهه حتّى نفر، وأقبل على أمير المؤمنين (عليه السلام) مصلتاً سيفه وبدره بضربة، فنشب السيف في ترس عليّ (عليه السلام)، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام)(2).

قال جابر الأنصاري رحمه الله: وتجاولا وثارت بينهما فترة، وبقيا ساعة طويلة لم أرهما ولا سمعت(3) لهما صوتاً، ثمّ سمعنا التكبير فعلمنا أنّ علياً (عليه السلام) قد قتله، وسرّ النبي (صلى الله عليه وآله) سروراً عظيماً لما سمع صوت أمير المؤمنين (عليه السلام) بالتكبير، وكبّر وسجد لله تعالى شكراً، وانكشف الغبار وعبر أصحاب عمرو الخندق، وانهزم عكرمة بن أبي جهل وباقي المشركين، فكانوا كما

____________

1- في بعض المصادر: إذاً تتحدّث، وفي بعضها الاخر: لا تتحدّث.

2- كشف اليقين: 133; وكشف الغمة 1: 203; وارشاد المفيد: 53 و54; عنه البحار 20: 255 ح19.

3- في "ج": لم نرهما ولا سمعنا لهما.

الصفحة 65

قال الله تعالى: {وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً}(1).

ولما قتله عليّ (عليه السلام) احتزّ رأسه وأقبل نحو النبي (صلى الله عليه وآله) ووجهه يتهلل، فألقى الرأس بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله)، فقبّل النبي (صلى الله عليه وآله) رأس عليّ (عليه السلام) ووجهه، وقام أكابر الصحابة فقبّلوا أقدامه (عليه السلام)، وقال له عمر بن الخطاب: هلاّ سلبته درعه فما لأحد درع مثلها؟ فقال: إنّي استحييت أن أكشف سوأة ابن عمّي(2)، وكان ابن مسعود يقرأ من ذلك اليوم كذا: "وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ وكان الله قوياً عزيزاً".

وقال النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك اليوم في حقّه (عليه السلام): لمبارزة عليّ عمرو بن عبدود العامري أفضل من عبادة اُمّتي إلى يوم القيامة.

وقال ربيعة السعدي: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله أنا لنتحدّث عن عليّ (عليه السلام) ومناقبه، فيقول لنا أهل البصرة: إنّكم تفرطون في عليّ، فهل أنت محدّثي(3) بحديث؟

فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن عليّ (عليه السلام)، والذي نفسي بيده لو وضع جميع أعمال اُمّة(4) محمد (صلى الله عليه وآله) في كفّة ميزان منذ بُعث محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم يقوم الناس، ووضع عمل عليّ (عليه السلام) في الكفّة الاُخرى(5) لرجح عمل عليّ على جميع أعمالهم.

فقال ربيعة: هذا الذي لا يُقام له ولا يُقعد له، فقال حذيفة: يا لكع وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) يوم عمرو بن

____________

1- الأحزاب: 25.

2- ارشاد المفيد: 55; عنه البحار 20: 257 ح19; وكشف الغمة 1: 205.

3- في "ب" و "ج": تحدّثني.

4- في "ج": أصحاب.

5- في "ج": الثانية.

الصفحة 66

عبدود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلّهم ما خلا علياً (عليه السلام)، فإنّه برز إليه فقتله، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجراً من عمل أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة(1).

وقالت اُخت عمرو ـ وقد نُعي إليها أخوها ـ: من ذا الذي اجترأ عليه؟ فقالوا: عليّ بن أبي طالب، فقالت: لم يعد يومه(2) إلاّ على يد كفو كريم، لا رقأت دمعتي إن هرقتها عليه، قتل الأبطال، وبارز الأقران، وكانت منيّته على يد كريم قومه، وما سمعت أفخر من هذا يا بني عامر، وأنشدت:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله * * * لكنت أبكي عليه دائم الأبد

لكن قاتله من لا نظير له * * * وكان يُدعى قديماً بيضة البلد(3)

الرابعة: غزاة خيبر.

وكان الفتح فيها بأمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) حاصر اليهود بخيبر بضعاً وعشرين ليلة، ففي بعض الأيّام فتحوا الباب وكان قد خندقوا على أنفسهم خندقاً، وخرج مرحب بأصحابه يتعرّض للحرب.

فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر وأعطاه الراية في جمع من المسلمين والمهاجرين فانهزم، فلمّا كان من الغد أعطاها عمر، فسار بها غير بعيد، فأقبل عليه مرحب ثمّ انهزم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): آتوني بعليّ، فقيل: إنّه أرمد العين، قال: أرونيه تروني رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار(4).

____________

1- الارشاد للمفيد: 54; عنه البحار 20: 256 ح19; وكشف الغمة 1: 204.

2- في "ب" و "ج": موته.

3- الارشاد للمفيد: 57; عنه البحار 20: 260 ح19; وكشف الغمة 1: 206.

4- قال حسّان بن ثابت في ذلك:

وكان عليّ أرمد العين يبتغي * * * دواءً فلمّا لم يحسّ مداوي

شفاه رسول الله منه بتفلة * * * فبورك مرقيّاً وبورك راقي

وقال ساُعطي الراية اليوم صارم * * * كميّاً محبّاً للرسول موالي

يحبّ إلهي والإله يحبّه * * * به يفتح الله الحصون الأوابي

فأصفى بها دون البريّة كلّه * * * عليّاً وسمّاه الوزير المواخيا

الصفحة 67

فجاءه عليّ (عليه السلام) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ما تشتكي يا عليّ؟ قال: رمد ما أبصر معه وصداع برأسي، فقال: اجلس وضَعْ رأسك على فخذي، ثمّ تفل (صلى الله عليه وآله) في يده ومسح بها عينيه ورأسه ودعا له، ففتحت عيناه وسكن الصداع وأعطاه الراية وقال له: امض بها جبرئيل معك والنصر أمامك.

فمضى عليّ (عليه السلام) حتّى أتى الحصن، فخرج مرحب وعليه درع ومغفر وحجر قد نقبه(1) مثل البيضة على رأسه، فاختلفا ضربتين، فضربه عليّ (عليه السلام) فقدّ الحجر والمغفر ورأسه حتّى وقع السيف على أضراسه وخرّ صريعاً، وانهزم من كان مع مرحب وأغلقوا باب الحصن، وعالجه جماعة كثيرة من المسلمين فلم يتمكّنوا من فتحه.

فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فقلعه وأخذه وجعله(2) جسراً على الخندق حتّى عبر المسلمون عليه، فظفروا بالحصن وأخذوا الغنائم، ولما انصرفوا دحا به(3) بيمناه سبعين ذراعاً، وكان يغلقه عشرون رجلا، ورام المسلمون حمل ذلك فلم ينقله(4) إلاّ سبعون رجلا، وقال (عليه السلام): والله ما قلعت باب خيبر بقوّة جسمانيّة، ولكن بقوّة ربّانيّة(5).

____________

1- في "ج": ثقبه.

2- في "ج": اتخذه.

3- في "ج": رمى باب الحصن بيمناه.

4- في "ج": فلم يستطع قلبه.

5- راجع البحار 102: 138.

الصفحة 68

الخامسة: غزاة [ذات] السلسلة.

وخبر هذه الغزاة انّه جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله انّ جماعة من العرب اجتمعوا بوادي الرمل على أن يبيّتوك بالمدينة، فأمر بالصلاة جامعة فاجتمعوا وعرّفهم وقال: من لهم؟ فابتدرت جماعة من أهل الصفة وغيرهم عدّتهم ثمانون وقالوا: نحن، فَوَلِّ(1) علينا من شئت.

فاستدعى أبا بكر [وقال: امض](2) فمضى وتبعه القوم، فهزموه وقتلوا جمعاً كثيراً من المسلمين، وانهزم أبو بكر وجاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبعث عمر فهزموه أيضاً، فساء النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك، فقال عمرو بن العاص: ابعثني يا رسول الله فإنّ الحرب خدعة ولعلّي أخدعهم، فأنفذه مع جماعة فلمّا صاروا(3) إلى الوادي خرجوا إليه، فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة.

ثمّ دعا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ بعثه إليهم ودعا له وخرج معه مشيّعاً له إلى مسجد الأحزاب، وأنفذ معه جماعة منهم أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص، فسار بهم نحو العراق منكبّاً عن الطريق حتّى ظنّوا انّه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثمّ أخذهم(4) على طريق غامضة، واستقبل الوادي من فمه.

وكان (عليه السلام) يسير الليل ويكمن النهار، فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يخفوا حسّهم(5)، وأوقفهم مكاناً وتقدّم أمامهم ناحية، فلمّا رأى عمرو بن العاص فعله لم يشك في كون الفتح له، فخوّف أبا بكر وقال: إنّ هذه أرض ذات ضباع وذئاب، كثيرة الحجارة، وهي أشد علينا من بني سليم، والمصلحة أن نعلوا

____________

1- في "ج": أمّر.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ب": صعدوا.

4- في "ج": اتّجه بهم.

5- في "ج": يخفوا أصواتهم.

الصفحة 69

الوادي، وأراد فساد الحال على أمير المؤمنين (عليه السلام) حسداً له وبغضاً، وأمره أن يقول ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام).

فقال له أبو بكر فلم يجبه أمير المؤمنين (عليه السلام) بحرف واحد، فرجع أبوبكر وقال: والله ما أجابني بحرف واحد، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب: امض أنت إليه فخاطبه، ففعل فلم يجبه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال عمرو: أنضيّع أنفسنا؟! انطلقوا بنا نعلوا الوادي، فقال المسلمون: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أمرنا أن لا نخالف علياً، فكيف نخالفه ونسمع قولك؟.

فما زالوا حتّى طلع الصبح(1)، فكبس القوم وهم غافلون، فأمكنه الله منهم ونزل جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) بسورة {والعاديات ضبحاً * فالموريات قدحاً * فالمغيرات صبحاً}(2) السورة، قسماً منه تعالى بخيل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعرّفه الحال.

ففرح النبي (صلى الله عليه وآله) وبشّر أصحابه بالفتح وأمرهم باستقبال أمير المؤمنين (عليه السلام)، فخرجوا والنبي (صلى الله عليه وآله) يقدمهم، فلمّا رأى أمير المؤمنين (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله) ترجّل عن فرسه، فوقف بين يديه وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لولا انّني أشفق أن تقول فيك طوائف من اُمّتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالا لا تمرّ بملأ منهم إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك [للبركة](3)، اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان(4).

وسمّيت هذه الغزاة ذات السلاسل لأنّه أسّر منهم وقتل منهم، وأتى بالاُسارى منهم مكتفين بالحبال كأنّهم في السلاسل.

____________

1- في "ج": الفجر.

2- سورة العاديات.

3- أثبتناه من "ج".

4- ارشاد المفيد: 86; عنه البحار 21: 77 و79 ح5; وكشف الغمة 1: 230.

الصفحة 70

وأمّا الثاني: وهو مواطن جهاده بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، فإنّه ابتلى وامتحن بحرب الناكثين والمارقين والقاسطين كما أمره(1) النبي (صلى الله عليه وآله).

وبيان هذه الحروب على سبيل الاختصار انّه بعد أن آل الأمر إليه صلوات الله عليه وبايعه المسلمون، نهض طلحة والزبير ونكثا بيعته وانحازا(2) إلى عائشة، واجتمعوا إلى قتاله وتوجّهوا إلى البصرة، وانضمّ إليهم منها خلق كثير وخرجوا ليحاربوه.

فخرج (عليه السلام) وردعهم فلم يرتدعوا، ووعظهم فلم ينزجروا(3) بل أصرّوا على القتال، فقاتلهم حينئذ حتّى قتل منهم ستة عشر ألف وسبعمائة وتسعين وكانوا ثلاثين ألفاً، وقُتل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ألف وسبعون رجلا وكانوا عشرين ألفاً، وهذه الواقعة تُسمّى واقعة الجمل، وهي حربه للناكثين، وبعد ذلك اشتغل بوقعة صفين وحربه مع معاوية، وهي جهاد القاسطين.

وهذه الحروب من الوقائع العظام التي لا يكاد أن يضطرب لها فؤاد الجليد(4)، ويشيب منها رأس اللبيب(5)، وبقي (عليه السلام) يكابد هذه الواقعة ثمانية عشر شهراً، وقتل فيها من الفريقين على أقلّ الروايات مائة ألف وخمسة وسبعون ألفاً من أهل الشام، وعشرون ألفاً(6) من أهل العراق.

وفي ليلة الهرير من هذه الوقعة ـ وهي أشدّ أوقاتها ـ قُتل من الفريقين ستّة وثلاثون ألفاً، وقتل (عليه السلام) بانفراده خمسمائة وثلاثة وعشرون فارساً(7)، لأنّه

____________

1- في "ج": أخبره.

2- في "ب": صارا.

3- في "ب" و "ج": فلم يتّعظوا.

4- في "ج": الجنين.

5- في "ج": الوليد.

6- في "ج": خمسة وعشرون ألفاً.

7- في "ب": قتيلا.

الصفحة 71

كان (عليه السلام) كلّما قتل فارساً أعلن بالتكبير، فاُحصيت تكبيراته في تلك الليلة فكانت خمسمائة وثلاث وعشرين تكبيرة، بخمسمائة وثلاثة وعشرين قتيلا، وعرفوا قتلاه نهاراً بضرباته فإنّها كانت على وتيرة واحدة، إن ضرب طولا قدّ أو عرضاً قطّ، وكانت كلّها مكواة.

وروي أنّه (عليه السلام) في تلك الليلة فتق درعه لثقل ما كان يسيل من الدم على ذراعه(1)، وفي صبيحة هذه الليلة انتظم أمر أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ولاحت لهم امارات الظفر ولاحت لهم علامات النصر، وزحف مالك الأشتر حتّى ألجأهم إلى معسكرهم، ولم يبق إلاّ أخذهم وقبض معاوية.

فلما رأى عمرو بن العاص الحال على هذه قال لمعاوية: نرفع المصاحف وندعوهم إلى كتاب الله، فقال: أصبت، فرفعوها فرجع القرّاء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) عن القتال، وأقبلوا إليه وهم أربعة آلاف فارس كأنّهم السد من الحديد، وقالوا: ابعث ردّ الأشتر عن قتال هؤلاء.

فقال لهم: إنّها خديعة ابن العاص وشيطنته وهؤلاء ليسوا من رجال القرآن، فلم يقبلواوقالوا: لابدّ أن تردّالأشتر وإلاّقتلناك أو سلّمناك إليهم، فأنفذ (عليه السلام) يطلب الأشتر، فقال: قد أشرفت على الفتح وليس هذا وقت طلبي، فعرّفه اختلال أصحابه، فرجع وعنّف القرّاء وسبّهم وسبّوه، وضرب وجه دوابهم فلم يرجعوا.

ووضعت الحرب أوزارها، فبعث إليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال لهم: لماذا رفعتم المصاحف؟ قالوا: للدعاء إلى العمل بمضمونها، وأن نقيم حَكَماً وتقيموا حَكَماً ينظران في هذا الأمر، ويقرّان الحق مقرّه، فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام) تعجباً وقال: يا ابن أبي سفيان أنت تدعوني إلى العمل بكتاب الله، وأنا كتاب الله(2)

____________

1- لاحظ كشف الغمة 1: 255.

2- في "ج": كتابه.

الصفحة 72

الناطق، إنّ هذا لهو العجب العجيب والأمر الغريب.

ثمّ قال لاُولئك القرّاء: إنّها حيلة وخديعة فعلها ابن العاص لمعاوية، فلم يسمعوا وألزموه بالتحكيم، فعيّن معاوية عمرو بن العاص وعيّن أمير المؤمنين عبد الله بن العباس، فلم يوافقوا، قال: فالأشتر، فأبوا واختاروا أبا موسى الأشعري، فقال (عليه السلام): أبو موسى ضعيف العقل وهواه مع غيرنا، فقالوا: لابدّ منه وحكّموه.

فخدع أبو موسى وحمله على خلع أمير المؤمنين (عليه السلام) وانّه يخلع معاوية، وأمره بالتقدّم حيث هو أكبر سنّاً، فصعد أبو موسى المنبر وخطب ونزع أمير المؤمنين (عليه السلام) من الخلافة، ثمّ قال: قم يا عمرو فافعل كذلك.

فقام وصعد المنبر وخطب وأقرّ الخلافة في معاوية، فشتمه أبو موسى وتلاعنا، فقال علي (عليه السلام) لأصحابه القرّاء العبّاد الذين غلبوا على رأيه بالتحكيم: ألم أقل لكم انّها حيلة فلا تنخدعوا بها، فلم تقبلوا؟ قالوا لعنهم الله: ما كان ينبغي لك أن تقبل منّا، فأنت قد عصيت الله بقبولك منّا ولاطاعة لمن عصى الله.

وخرجوا من الكوفة مصرّين على قتاله، وأمّروا عليهم عبد الله بن وهب وذا الثدية وقالوا: ما نريد بقتالك إلاّ وجه الله والدار الآخرة، فقرأ (عليه السلام): {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انّهم يُحسنون صنعاً}(1).

ثمّ التحم القتال، فحمل عليهم أمير المؤمنين (عليه السلام) حملة واحدة، فلم يكن(2) إلاّ ساعة حتّى قتلوا بأجمعهم سوى تسعة أنفس فإنّهم هربوا، وقتل من أصحاب عليّ (عليه السلام) تسعة، عدد مَنْ سلم من الخوارج، وكان (عليه السلام) قد

____________

1- الكهف: 103 و 104.

2- في "ج": فلم تمض.

الصفحة 73

أخبر من قبل القتال بأنّا نقتلهم(1) ولا يُقتل منّا عشرة ولا يسلم منهم عشرة.

فهذه وقعة النهروان وهو قتاله (عليه السلام) للخوارج المارقين الذين قال النبي (صلى الله عليه وآله) في حقّهم: إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة، وأعظمهم عند الله يوم القيامة وسيلة(2).

[الجمع بين الفضائل المتضادّات]

ومن فضائله صلوات الله عليه التي انفرد بها من المشاركة فيها، انّه جمع بين الفضائل المتضادّات، وألّف بين الكمالات المتباينات(3).

فإنّه كان يصوم النهار ويقوم الليل مع هذه المجاهدات التي ذكرناها، ويفطر على اليسير من جريش الشعير بغير إدام كما قلناه في صفة زهده، ومن يكون بهذه الحال يكون ضعيف القوّة، وأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام كان مع ذلك أشدّ الناس قوّة، وانّه قلع باب خيبر وقد عجز عن حملها سبعون نفراً من المسلمين، ورمى بها(4) أذرعاً كثيرة ثمّ أعادها إلى مكانها بعد أن وضعها على الخندق جسراً.

وكان أكثر الوقت في الحروب يباشر قتل النفوس، ومَنْ هذا حاله يكون شديد اللقاء عبوس الوجه، وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان مع ذلك رحيماً رقيق القلب، حسن الأخلاق، طلق الوجه، حتّى نسبه بعض المنافقين إلى الدعابة لشرف

____________

1- في "ب": نقاتلهم.

2- راجع البحار 33: 331 ح577; عن كشف الغمة 1: 158.

3- قال صفيّ الدين الحلى المتوفي في المائة الثامنة:


جُمعت في صفاتك الأضداد * * * ولهذا عزّت لك الأنداد

زاهد حاكم حليم شجاع * * * فاتك ناسك فقير جواد

شيم ما جمعن في بشر قط * * * ولا حاز مثلهنّ العباد

خُلُق يخجل النسيم من اللطف * * * وبأس يذوب منه الجماد

جلّ معناك أن تحيط به * * * الشعر ويحصي صفاتك النقاد

4- في "ب": دحا بها.

الصفحة 74

أخلاقه صلوات الله عليه.

وهذه الفضائل قد وردت من طريق الخصم ولم يمكنه اخفاؤها لشهرتها من طريقهم وطريقنا(1)، وجميعها يدلّ على إمامته فكيف من طريق أهل البيت (عليهم السلام).

إنّ علماء الشيعة رضوان الله عليهم قد ألّفوا في فضائله والأدلّة على إمامته كتباً كثيرة لا تُحصى، من جملتها كتاب واحد من جملة تصانيف الشيخ الأعظم، والبحر الخضم، ينبوع الفضائل والحكم، جمال الإسلام والمسلمين، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلي قدّس الله نفسه الزكية، سمّاه بكتاب "الألفين" فيه ألف دليل من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ كما قال سبحانه وتعالى ـ، وألف دليل من سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) على إمامة عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.

ولولم يكن من الدلائل على إمامته سوى العصمة والنص من النبي (صلى الله عليه وآله) لكان كافياً، وذلك لأنّ الإمام إذا لم يكن معصوماً لجاز عليه الخطأ، فيحتاج إلى امام آخر يردّه عن خطائه، ويلزم التسلسل وهو محال لأنّ السبب المحوج إلى الإمام جواز الخطأ على الاُمّة، فلا يجوز أن يكون الإمام كذلك وإلاّ لانتفت الفائدة من إمامته.

ولأنّ الإمام حافظ للشرع، فلولم يكن معصوماً لجاز عليه الاخلال بشيء من الشرع والزيادة فيه، فلا يكون الشرع محفوظاً.

____________

1- قال الشاعر:

صفات أمير المؤمنين مَنِ اقْتفى * * * مدارجها أقنته ثوب ثوابه

صفات جلال ما اغتدى بلبانه * * * سواه ولا حلّت بغير جنابه

تفوّقها طفلا وكهلا فأينعت * * * معاني المعالي فهي ملئ إهابه

مناقب من قامت به شهدت له * * * بازلافه من ربّه واقترابه

مناقب لطف الله أنزلها له * * * وشرّف ذكراه بها في كتابه

الصفحة 75

ولأنّ الإمام مع جواز المعصية عليه امّا أن يتّبع أو لا، فإن اتّبع لزم التعاون على الاثم المنفي بقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}(1) أو لا يتّبع فلا يكون إماماً لعدم الفائدة، ومع هذا فالإمامة لطف من الله تعالى، والله تعالى حكيم فلا يختار إلاّ المعصوم، فحينئذ يجب أن يكون الإمام بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بلا فصل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) للاجماع على عصمته (عليه السلام) دون غيره.

وأمّا النصّ فكثير تواترت به الشيعة خلفاً عن سلف انّ النبي (صلى الله عليه وآله) نصّ عليه بالخلافة نصّاً جليّاً، كقوله: أنت الخليفة من بعدي، سلّموا عليه بامرة المؤمنين، اسمعوا له وأطيعوا، إلى غير ذلك من الأخبار.

وأمّا الدلائل على إمامته كقوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين}(2) أي المعلوم منهم الصدق، ولا يعلم الصدق إلاّ من المعصوم، ولا معصوم ممّن قيل بإمامته إلاّ هو، فتعيّن للإمامة.

ومنها انّ أبا بكر والعباس كانا كافرين فلا يصلحان للإمامة لقوله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}(3) فتعيّن هو لها.

ومنها انّ غيره ظالماً لكونه كافراً، والركون إلى الظالم منهيّ عنه لقوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا}(4) فتعيّن هو لها.

ومنها قوله تعالى: {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(5) والولي هو الأولى بالتصرّف، كقولهم: لا نكاح إلاّ بولي، والسلطان وليّ من لا وليّ له، فلا يخلو امّا أن يكون المراد بالذين

____________

1- المائدة: 2.

2- التوبة: 119.

3- البقرة: 124.

4- هود: 113.

5- المائدة: 55.

الصفحة 76

آمنوا الجمع أو البعض، والأوّل باطل وإلاّ لكان الولي والمولّى عليه واحداً، ولأنّه قيّده بايتاء الزكاة حال الركوع وهو وصف له لم يحصل للكل، فتعيّن أن يكون المراد البعض، وحينئذ يكون هو علياً (عليه السلام).

لأنّ كلّ من قال المراد بالآية البعض قال انّه عليّ (عليه السلام)، فلو قيل غيره مع انّ المراد به البعض كان خرقاً للاجماع، ولأنّ علياً (عليه السلام) مراد بالاجماع، امّا على قول من يقول المراد به الجميع فدخوله ظاهر لأنّه سيّدهم، وأمّا على قول الآخر فظاهر.

ومنها خبر الغدير المشهور وسيأتي، ومنها قوله تعالى: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم}(1) وليس المراد بذلك الجميع وإلاّ لكان المطاع والمطيع واحداً، فتعيّن أن يكون البعض وهو المعصوم لاستحالة الترجيح من غير مرجح، ولا معصوم سواه فيكون هو المطاع.

ومن أعجب الأشياء انّ علياً (عليه السلام) ما زال في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) أميراً والياً مستخلفاً مطاعاً، وولاّه المدينة، واستقضاه على اليمن، وأخذ(2)الراية واللواء في جميع الحروب، ولم يكن في عسكر غاب النبي (صلى الله عليه وآله) عنه إلاّ كان هو الأمير عليه، واستخلفه حين هاجر في مكة في قضاء ديونه، وردّ ودائعه، وحمل نسائه وأهله.

وبات على فراشه، وبذل نفسه وقاية له مع انّ غيره لم يستصلح لشيء من ذلك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) مع كونه ظهيراً له، وعزل عن تبليغ براءة ولم يستصلح لها، ولما استخلفته عائشة في الصلاة سأل من المصلّي؟ فقيل له: أبو بكر، فخرج متّكئاً على عليّ والفضل بن العباس فزحزحه وصلّى، وكان اُسامة أميراً

____________

1- النساء: 59.

2- في "ج": وأعطاه.

الصفحة 77

عليه وعلى عمر وعثمان، ولم يكن عليّ فيه.

فليت شعري كيف يفوّض إليه أمر الاُمّة مع انّه لم يصلح لتفويض البعض اليسير، ويترك من استصلحه (صلى الله عليه وآله) لأكثر الاُمور وشدائد الوقائع؟ انّ هذا لشيء عجاب، أعاذنا الله وإيّاكم من اتّباع الهوى، والاغترار بالأباطيل والمنى بمحمد وآله الطاهرين.

فصل
يذكر فيه طرف من فضائله (عليه السلام) من طرق أهل البيت (عليهم السلام)

روي عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن عمل يدخل به الجنّة، قال: صلّ المكتوبات، وصم شهر رمضان، واغتسل من الجنابة، وأحب عليّاً وأولاده، وادخل الجنّة من أيّ باب شئت.

فوالذي بعثني بالحقّ لو صلّيت ألف عام، وصمت ألف عام، وحججت ألف حجة، وغزوت ألف غزوة، وعتقت ألف رقبة، وقرأت التوراة والانجيل والزبور والفرقان، ولقيت الأنبياء كلّهم، وعبدت ا لله مع كلّ نبيّ ألف عام، وجاهدت معهم ألف غزوة، وحججت مع كلّ نبيّ ألف حجّة، ثمّ مت ولم يكن في قلبك حبّ علي وأولاده أدخلك [الله] النار مع المنافقين.

ألا فليبلغ الشاهد الغائب قولي في عليّ (عليه السلام)، فإنّي لم أقل في عليّ إلاّ بأمر جبرئيل (عليه السلام)، وجبرئيل لا يخبرني إلاّ عن الله عزوجل، وإنّ جبرئيل (عليه السلام) لم يتّخذ أخاً في الدنيا إلاّ عليّاً، ألا من شاء فليحبّ ومن شاء فليبغض، فإنّ الله سبحانه اتّخذ(1) على نفسه أن لا يخرج مبغض عليّ بن أبي طالب من النار أبداً.

____________

1- في "ج": حتم.

الصفحة 78

وروي عن الصادق (عليه السلام) يقول: من أحبّنا لله وأحبّ محبّنا لا لغرض دنيا يصيبه منه، وعادى عدوّنا لا لاحنّة كانت بينه وبينه، ثمّ جاء يوم القيامة وعليه من الذنوب مثل رمل عالج وزبد البحر غفرها الله تعالى له(1).

وعنه (عليه السلام): انّ الله تعالى ضمن للمؤمن(2) ضماناً، قال: قلت: وما هو؟قال: ضمن له إن أقرّ لله بالربوبيّة، ولمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة، ولعليّ (عليه السلام) بالامامة، وأدّى ما افترض الله عليه، أن يسكنه في جواره، قال: قلت: والله هذه الكرامة التي لا تشبهها كرامة الآدميين، ثمّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): اعملوا قليلا تنعموا كثيراً(3).

وباسناده عن الرضا عليّ بن موسى، عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حبّنا أهل البيت يكفّر الذنوب، ويضاعف الحسنات، والله تعالى ليتحمّل عن محبّينا أهل البيت ما عليهم من مظالم العباد إلاّ من كان منهم على اصرار وظلم للمؤمنين، فيقول للسيّئات: كوني حسنات(4).

وروي عن الحسين بن عليّ (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألزموا مودّتنا أهل البيت فإنّه من لقى الله يوم القيامة وهو يودّنا دخل الجنّة بشفاعتنا، والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفته حقّنا(5).

وروي باسناده إلى ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)

____________

1- أمالي الطوسي: 156 ح259; عنه البحار 27: 54 ح7.

2- في "ب" و "ج": للمؤمنين.

3- أمالي الطوسي: 150 ح266; عنه البحار 67: 146 ح2.

4- أمالي الطوسي: 164 ح274; عنه البحار 68: 100 ح5.

5- أمالي الطوسي: 186 ح314; عنه البحار 27: 170 ح10; ونحوه في المحاسن 1: 134 ح118.

الصفحة 79

يقول: أعطاني الله خمساً وأعطى علياً خمساً، أعطاني جوامع الكلم وأعطى علياً جوامع العلم، وجعلني نبيّاً وجعل عليّاً وصيّاً، وأعطاني الكوثر وأعطى عليّاً السلسبيل، وأعطاني الوحي وأعطى علياً الإلهام، وأسرى بي إليه وفتح له أبواب السماء حتّى رأى ما رأيت ونظر ما نظرت إليه..

ثمّ قال: يا ابن عباس من خالف علياً فلا تكوننّ ظهيراً له ولا وليّاً، فوالذي بعثني بالحق ما يخالفه أحد إلاّ غيّر الله ما به من نعمة، وشوّه خلقه قبل إدخاله النار، يا ابن عباس لا تشك في عليّ فإنّ الشك فيه كفر يُخرج عن الايمان، ويوجب الخلود في النار(1).

وروي عن جابر بن عبد الله قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله من وصيّك؟ قال: فأمسك عنّي عشراً لا يجيبني، ثمّ قال: يا جابر ألا اُخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي واُمّي أنت [يا رسول الله](2) والله لقد سكتّ عنّي حتّى ظننت إنّك وجدت عليَّ.

فقال: ما وجدت عليك يا جابر ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل فقال: يا محمد ربّك يقول لك: "إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك وخليفتك على أهلك واُمّتك، [وأمينك](3) والذائد عن حوضك، وهو صاحب لوائك يقدمك إلى الجنّة".

فقلت: يا نبيّ الله أرأيت من لا يؤمن بهذا أقتله؟ قال: نعم يا جابر، ما وضع هذا الموضع إلاّ ليتابع عليه، فمن تابعه كان معي غداً، ومن خالفه لم يرد عليّ الحوض أبداً(4).

____________

1- أمالي الطوسي: 188 ح317; عنه البحار 16: 322 ح12; ونحوه الخصال: 293 ح57 باب الخمسة.

2- أثبتناه من "ج".

3- أثبتناه من "ج".

4- أمالي الطوسي: 190 ح321; عنه البحار 38: 114 ح52; وأمالي المفيد: 108 المجلس الحادي والعشرون.

الصفحة 80

وروى أبو ذر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ضرب كتف عليّ (عليه السلام) بيده وقال: يا عليّ من أحبّنا فهو العربي ومن أبغضنا فهو العلج، فشيعتنا أهل البيوت والمعادن والشرف وما كان مولده صحيحاً، وما على ملّة ابراهيم إلاّ نحن وشيعتنا وسائر الناس منها برآء، وإنّ الله وملائكته يهدمون سيّئات شيعتنا كما يهدم القوم البنيان(1).

وروي عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما اُسري بي إلى السماء وانتهيت إلى سدرة المنتهى، نوديت: يا محمد استوص بعليّ خيراً، فإنّه سيد المسلمين، وإمام المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين(2).

وعن الباقر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على منبر الكوفة: أيّها الناس! انّه كان لي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر خصال احداهنّ أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس، قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت أقرب الخلق إليّ يوم القيامة في الموقف بين يدي الجبّار، ومنزلك في الجنّة مواجه منزلي كما يتواجه منزل الاخوان في الله عزوجل.

وأنت الوارث منّي، وأنت الوصيّ من بعدي في عدّتي واُسرتي، وأنت الحافظ لي في أهلي عند غيبتي، وأنت الإمام لاُمّتي، والقائم بالقسط في رعيّتي، وأنت وليّي ووليّي وليّ الله، وعدوّك عدوّي وعدوّي عدوّ الله(3).

____________

1- أمالي الطوسي: 190 ح322; عنه البحار 68: 23 ح41; وأمالي المفيد: 108 المجلس الحادي والعشرون.

2- أمالي الطوسي: 193 ح328; عنه البحار 18: 409 ح119; وأمالي المفيد: 111 المجلس الثاني والعشرون.

3- أمالي الطوسي: 193 ح329; عنه البحار 38: 155 ح130; وأمالي المفيد: 111 المجلس الثاني والعشرون.

الصفحة 81

وعن زيد بن علي، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ انّ الله أمرني أن أتّخذك أخاً ووصيّاً، فأنت أخي ووصيّي وخليفتي على أهلي في حياتي وبعد موتي، من تبعك فقد تبعني، ومن تخلّف عنك فقد تخلّف عنّي، ومن كفر بك فقد كفر بي، ومن ظلمك فقد ظلمني [ومن خادعك فقد خادعني](1).

يا عليّ أنت منّي وأنا منك، يا عليّ لولا أنت ما قاتل أهل النهر أحداً، قال: فقلت له: يا رسول الله ومن أهل النهر؟ قال: قوم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية(2).

وقال الصادق (عليه السلام): ما جاء عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يؤخذ به، وما نهى عنه ينتهى عنه، جرى له من الفضل(3) ما جرى لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولرسوله الفضل على جميع من خلق الله، العائب على أمير المؤمنين (عليه السلام) في شيء كالعائب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغير أو كبير على حدّ الشرك بالله.

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الله الذي لا يؤتى إلاّ منه، وسبيله الذي من تمسّك بغيره هلك، وكذلك جرى حكم الأئمة (عليهم السلام) من بعده واحد بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض، وهم الحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى.

أما علمت انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: أنا قسيم بين الجنّة والنار، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا صاحب العصى والميسم، ولقد أقرّ لي جميع الملائكة والروح مثل ما أقرّوا لمحمّد (صلى الله عليه وآله)، ولقد حملت مثل حمولة

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- أمالي الطوسي: 200 ح341; عنه البحار 33: 325 ح570.

3- في "ب" و "ج": الفضائل.

الصفحة 82

محمد وهي حمولة الربّ سبحانه.

وانّ محمداً يُدعى فيكسى ويُستنطق فينطق، واُدعى فاُكسى واُستنطق فأنطق، ولقد اُعطيت خصالا لم يعطها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا والقضايا والأنساب وفصل الخطاب، ولقد نظرت في الملكوت بإذن ربّي فما غاب عنّي ما كان قبلي ولا ما يأتي بعدي، وإنّ بولايتي أكمل الله لهذه الاُمّة دينهم(1).

وروي عن الباقر (عليه السلام) قال: أحبب حبيب آل محمد وإن كان فاسقاً زانياً(2)، وابغض مبغض آل محمد وإن كان صوّاماً قوّاماً، فإنّي سمعت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات اُولئك هم خير البرية}(3) ثمّ التفت إلى عليّ (عليه السلام) فقال: والله أنت وشيعتك يا علي وميعادك وميعادهم الحوض غداً، غرّاً محجلين مكحلين متوّجين، فقال أبو جعفر (عليه السلام): هكذا هو عياناً في كتاب عليّ (عليه السلام)(4).

وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا كان يوم القيامة وكّلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم، وما كان لنا فهو لهم، ثمّ قرأ أبو عبد الله (عليه السلام): {إنّ إلينا إيابهم * ثمّ انّ علينا حسابهم}(5)(6).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: انّ الله عزوجل جعل عليّاً علماً بينه وبين خلقه ليس بينهم علم غيره، فمن أقرّ بولايته كان مؤمناً، ومن جحدها كان كافراً، ومن جهله كان ضالاًّ، ومن نصب معه كان مشركاً، ومن جاء بولايته دخل

____________

1- أمالي الطوسي: 203 ح352; عنه البحار 25: 352 ح1; ونحوه الكافي 1: 196 ح1.

2- في "ج": جانياً.

3- البيّنة: 7.

4- أمالي الطوسي: 405 ح909; عنه البحار 27: 220 ح5.

5- الغاشية: 25 و 26.

6- أمالي الطوسي: 406 ح911; عنه البحار 7: 264 ح19.

الصفحة 83

الجنّة، ومن أنكرها دخل النار(1).

وروي عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا حُشر الناس يوم القيامة نادى مناد: يا رسول الله انّ الله جلّ اسمه أمكنك من مجازات محبّيك ومحبّي أهل بيتك الموالين لهم فيك [والمعادين لهم فيك] فكافهم بما شئت، فأقول: يا ربّ الجنّة، فاُنادى(2): بوّئهم منها حيث شئت فلك المقام المحمود الذي وعدت به(3).

وعن الصادق (عليه السلام) قال: شيعتنا جزء منّا، خلقوا من فضل طينتنا، يسوؤهم ما يسوؤنا ويسرّهم ما يسرّنا، فإذا أرادنا أحد فليقصدهم فإنّهم الباب الذي يوصل منه إلينا(4).

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اوّل من اتّخذ عليّ بن أبي طالب أخاً من أهل السماء حملة العرش ثمّ جبرئيل ثمّ ميكائيل ثمّ رضوان خازن الجنان ثمّ ملك الموت، وانّ ملك الموت يترحّم على محبّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كما يترحّم على الأنبياء، ولو أنّ عبداً عبد الله ألف عام من بعد ألف عام بين الركن والمقام ثمّ لقى الله مبغضاً لعليّ لأكبّه الله يوم القيامة على منخريه في النار(5).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من صافح علياً كأنّما صافحني، ومن صافحني فكأنّما صافح أركان العرش، ومن عانقه فكأنّما عانق الأنبياء كلّهم، ومن

____________

1- أمالي الطوسي: 410 ح922; عنه البحار 38: 117 ح59.

2- في "ب": فأنا الذي اُبوّئهم منها.

3- أمالي الطوسي: 298 ح586; عنه البحار 8: 39 ح20.

4- أمالي الطوسي: 219 ح588; عنه البحار 68: 24 ح43.

5- مائة منقبة: 119 ح94; كشف الغمة 1: 101; عنه البحار 39: 110 ح17; المناقب للخوارزمي: 71 ح49.

الصفحة 84

صافح محبّاً لعليّ غفر الله ذنوبه وأدخله الجنّة بغير حساب(1).

وقال (عليه السلام): مكتوب على العرش: لا إله إلاّ الله، محمد نبيّ الرحمة، وعليّ مقيم الحجة، ومن عرف حق علي زكى وطاب، ومن أنكر حقه لعن وخاب، أقسمت(2) بعزّتي وجلالي أن اُدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزّتي وجلالي أن اُدخل النار من عصاه وإن أطاعني(3).

وقال (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة ينادون عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بسبعة أسماء: يا صديق، يا دالّ، يا عابد، يا هادي، يا مهديّ، يا فتى، يا عليّ، اُدخل أنت وشيعتك إلى الجنة بغير حساب.

وقال (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة أقام الله عزوجل جبرئيل ومحمداً (عليهم السلام) على الصراط، لا يجوز أحد إلاّ من كان معه براءة من عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)(4).

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يحشر الشاك في عليّ من قبره في عنقه طوق من نار، فيه ثلاثمائة شعلة، على كلّ شعلة شيطان يلطم وجهه حتّى يوقف موقف الحساب(5).

وقال عليّ (عليه السلام): تفترق هذه الاُمّة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار وواحدة في الجنّة، وهم الذين قال الله تعالى: {وممّن خلقنا اُمّة يهدون بالحقّ وبه يعدلون}(6) أنا وشيعتي(7).

____________

1- راجع البحار 27: 115 ح90; عن مناقب ابن شاذان: 92 ح39.

2- زاد في "ج": وفي الحديث القدسي قال: أقسمت....

3- البحار 27: 10 ح3; عن مناقب ابن شاذان: 106 ح50.

4- راجع البحار 39: 208 ح27.

5- أمالي المفيد: 94 مجلس 18; والبحار 39: 304 ح120.

6- الأعراف: 181.

7- راجع البحار 24: 146 ح18.

الصفحة 85

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يقول الله لي ولعليّ بن أبي طالب: أدخلا الجنّة من أحبّكما وأدخلا النار من أبغضكما، وذلك قوله تعالى: {ألقينا في جهنّم كلّ كفّار عنيد}(1).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ انّ الله عزوجل قد غفر لك ولشيعتك ومحبّي شيعتك ومحبّي محبّي شيعتك، أبشر فإنّك الأنزع البطين، منزوع من الشرك، بطين من العلم(2).

وباسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: يا عليّ خلقني الله وأنت من نوره حين خلق آدم، فافرغ ذلك النور في صلبه، فأفضى به إلى عبد المطلب ثمّ افترقا من عبد المطلب، فأنا في عبد الله وأنت في أبي طالب، لا تصلح النبوّة إلاّ لي، ولا تصلح الوصيّة إلاّ لك، فمن جحد وصيّتك فقد جحد نبوّتي، ومن جحد نبوّتي أكبّه الله على منخريه في النار(3).

وباسناده قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق (عليه السلام) فقال له: يا سماعة من أشرّ الناس؟ فقال: نحن يا ابن رسول الله، قال: فغضب حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ استوى جالساً ـ وكان متّكئاً ـ فقال: يا سماعة من أشرّ الناس عند الناس؟ فقلت: والله ما كذبتك يا ابن رسول الله، نحن أشرّ الناس عند الناس، لأنّهم سمّونا كفّاراً ورافضة.

فنظر إليّ ثمّ قال: كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنّة وسيق بهم إلى النار،

____________

1- أمالي الطوسي: 290 ح563; عنه البحار 7: 338 ح27; والآية في سورة ق: 24.

2- أمالي الطوسي: 293 ح570; عنه البحار 68: 101 ح9.

3- أمالي الطوسي: 294 ح577; عنه البحار 15: 12 ح15.

الصفحة 86

فينظرون إليكم فيقولون: {ما لنا لا نرى رجالا كنّا نعدّهم من الأشرار}(1).

يا ابن مهران انّه من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا ونشفع فيه فنشفّع، والله لا يدخل النار منكم عشرة رجال، والله لا يدخل النار منكم خمسة رجال، والله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، والله لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات، واكمدوا عدوّكم بالورع(2).

[في احتجاجه (عليه السلام) يوم الشورى]

وروي عن أبي المفضل باسناده عن أبي ذر رضي الله عنه انّ علياً (عليه السلام) وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص أمرهم عمر بن الخطاب أن يدخلو بيتاً ويغلقوا عليهم بابه ويتشاوروا في أمرهم، وأجّلهم ثلاثة أيام، فإن توافق خمسة على قول واحد وأبى رجل منهم قتل ذلك الرجل، وإن توافق أربعة وأبى اثنان قتل الاثنان.

فلمّا توافقوا جميعاً على رأي واحد قال لهم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): إنّي اُحبّ أن تسمعوا منّي ما أقول لكم، فإن يكن حقّاً قاقبلوه، وإن يكن باطلا فانكروه، قالوا: قل، قال: أنشدكم بالله ـ أو قال: أسألكم بالله ـ الذي يعلم سرائركم ويعلم صدقكم إن صدقتم ويعلم كذبكم إن كذبتم، هل فيكم أحد آمن قبلي بالله ورسوله، وصلّى القبلتين قبلي؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: هل فيكم أحد من يقول الله عزوجل فيه: {يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم}(3) سواي؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم

____________

1- ص: 62.

2- أمالي الطوسي: 295 ح581; عنه البحار 68: 117 ح41.

3- النساء: 59.

الصفحة 87

أحد نصر أبوه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكفله غيري؟(1) قالوا: اللّهمّ لا.

[قال: فهل فيكم أحد أخوه ذي الجناحين في الجنّة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا،](2) قال: فهل فيكم أحد وحّد الله قبلي ولم يشرك به شيئاً؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد عمّه حمزة سيّد الشهداء غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد زوجته سيدة نساء أهل الجنة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: فهل فيكم أحد ابناه سيدا شباب أهل الجنة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد أعلم بناسخ القرآن ومنسوخه والسنّة منّي؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد سمّاه الله عزوجل في عشر آيات من القرآن مؤمناً، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد ناجى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر مرّات يقدّم بين يدي نجواه صدقة، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، ليبلغ الشاهد الغائب ذلك، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم رجل قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأعطينّ الراية غداً رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، لا يولّي الدبر، يفتح الله على يديه، وذلك حيث رجع أبو بكر وعمر منهزمين فدعاني وأنا أرمد، فتفل في عيني وقال: اللّهمّ أذهب عنه الحرّ والبرد، فما وجدت بعدها حرّاً ولا برداً يؤذياني، ثمّ أعطاني الراية فخرجت بها ففتح الله على يدي خيبر، فقتلت مقاتلهم وفيهم مرحب، وسبيت ذراريهم، فهل كان ذلك غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللّهمّ ائتني بأحبّ الخلق إليك وإليّ وأشدّهم لي ولك حبّاً، يأكل معي من هذا الطائر، فأتيت فأكلت

____________

1- في "ج": غير أبي.

2- أثبتناه من البحار.

الصفحة 88

معه، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): لتنتهينّ يا بني وليعة أو لأبعثنّ عليكم رجلا نفسه كنفسي وطاعته كطاعتي ومعصيته معصيتي، يعصاكم أو يقصعكم(1) بالسيف، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا.

قال: فهل فيكم أحد قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): كذب من زعم انّه يحبّني ويبغض علياً، غيري؟ قالوا: اللّهمّ لا، قال: فهل فيكم من سلّم عليه في ساعة واحدة ثلاثة آلاف من الملائكة وفيهم جبرئيل وميكائيل واسرافيل ليلة القليب لما جئت بالماء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له جبرئيل: هذه هي المساواة، وذلك يوم اُحد فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): [وما يمنعه من ذلك](2) انّه منّي وأنا منه، فقال جبرئيل (عليه السلام): وأنا منكما، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد نودي به من السماء "لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ عليّ" غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من يقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي قاتلت على تنزيل القرآن وستقاتل أنت يا عليّ على تأويله، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد غسّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع الملائكة المقرّبين بالروح والريحان تقلّبه لي الملائكة وأنا أسمع قولهم وهم يقولون: استروا عورة نبيّكم ستركم الله، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من كفّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضعه في حفرته، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد بعث الله عزوجل إليه بالتعزية حيث قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفاطمة عليها

____________

1- في "ج": يقطعكم.

2- أثبتناه من "ج".

الصفحة 89

السلام تبكيه إذ سمعنا حسّاً على الباب وقائلا يقول نسمع صوته ولا نرى شخصه وهو يقول:

"السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ربّكم عزوجل يقرئكم السلام ويقول لكم: انّ في الله خلفاً من كلّ مصيبة، وعزاء من كلّ هالك، ودركاً من كلّ فوت، فتعزّوا بعزاء الله واعلموا انّ أهل الأرض يموتون، وانّ أهل السماء لا يبقون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" وأنا في البيت وفاطمة والحسن والحسين أربعة لا خامس لنا سوى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسجّى بيننا، غيرنا؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد ردّت له الشمس بعدما غربت أو كادت تغيب حتّى صلّى العصر في وقتها، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ براءة من أبي بكر بعدما انطلق أبو بكر بها، فقبضتها منه فقال أبو بكر بعدما رجع: يا رسول الله أنزل فيّ شيء؟ فقال: إنّه لا يؤدّي عنّي إلاّ عليّ، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم من قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، ولو كان بعدي نبيّ لكنته يا عليّ، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ كافر، غيري؟ قالوا: لا، قال: أتعلمون انّه أمر بسد أبوابكم وفتح بابي فقلتم في ذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت بابه بل الله سدّ أبوابكم وفتح بابه؟ قالوا: نعم.

قال: أتعلمون انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ناجاني يوم الطائف دون الناس فأطال ذلك، فقال بعضكم: يا رسول الله انتجيت علياً دوننا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا انتجيته بل الله عزوجل انتجاه؟ قالوا: نعم، قال: أتعلمون

الصفحة 90

انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الحقّ بعدي مع عليّ وعليّ مع الحق يدور الحق معه حيث ما دار؟ قالوا: نعم.

قال: فهل تعلمون انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، وإنّكم لن تضلّوا ما اتّبعتموهما واستمسكتم بهما؟ قالوا: نعم.

قال: فهل فيكم أحد وقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسه، وردّ به مكر المشركين، واضطجع في مضجعه، وشرى بذلك من الله نفسه، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد حيث آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه وكان له أخ، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد ذكره الله عزوجل بما ذكرني، إذ قال: {والسابقون السابقون * اُولئك المقرّبون}(1) غيري؟ فهل سبقني أحد إلى الله ورسوله؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد آتى الزكاة وهو راكع، فنزلت فيه: {إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون}(2)غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد برز لعمرو بن عبدود حيث عبر خندقكم ودعا جميعكم إلى البراز فنكصتم عنه وخرجت إليه فقتلته، وفتّ(3) الله بذلك في أعضاد المشركين والأحزاب، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابه مفتوحاً في المسجد يحلّ له ما يحلّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويحرم عليه ما يحرم على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه

____________

1- الواقعة: 10-11.

2- المائدة: 55.

3- فتّ الشيء أي كسره، يقال: فتّ عضدي، وهدّ ركني.

الصفحة 91

آية التطهير حيث يقول تعالى: {إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً}(1) غيري وغير زوجتي وابنيّ؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا سيد ولد آدم وعليّ سيد العرب، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما سألت الله عزوجل شيئاً إلاّ سألت لك مثله، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد ناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبضته من تراب من تحت قدميه فرمى به وجه الكفّار فانهزموا، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قضى دين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنجز عداته، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد اشتاقت الملائكة إلى رؤيته فاستأذنت الله في زيارته، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد ورث سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآدابه(2)، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد استخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعل أمر أزواجه إليه من بعده، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد حمله رسول الله (صلى الله عليه وآله) على كتفه حتّى كسر الأصنام التي كانت على الكعبة، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد اضطجع هو ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في لحاف واحد إذ كفلني، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد كان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المواطن كلّها، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت صاحب رايتي ولوائي في الدنيا والآخرة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد كان أوّل وارد(3) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآخر

____________

1- الأحزاب: 33.

2- في "ج": ودوابه، وفي البحار: وأداته.

3- في "الف": داخل.

الصفحة 92

خارج من عنده ولا يحجب عنه، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه وفي زوجته وولديه: {ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}(1) إلى سائر ما اقتص(2) الله تعالى من ذكرنا في هذه السورة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله}(3) غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أنزل الله تعالى فيه: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون}(4) إلى آخر ما اقتصّ الله تعالى به من خبر المؤمنين، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أنزل الله فيه وفي زوجته وولديه آية المباهلة، وجعل الله عزوجل نفسه نفس رسوله، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله}(5) لما وقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة الفراش، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد سقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المهراس(6) لما اشتدّ ظمأه واحجم عن ذلك أصحابه، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللّهمّ إنّي أقول كما قال عبدك موسى "ربّ اشرح لي صدري، ويسّر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري" إلى آخر دعوة موسى (عليه السلام)

____________

1- الإنسان: 8.

2- في "ج": قصّ.

3- في "ج": قصّ.

4- السجدة: 18.

5- البقرة: 207.

6- قال في لسان العرب بعد ذكر مجيء عليّ (عليه السلام) بالماء من المهراس: المهراس صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء وقد يعمل منه حياض للماء، وقيل: المهراس في هذا الحديث اسم ماء باُحد.

الصفحة 93

إلاّ النبوّة، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد أدنى الخلائق برسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة وأقرب إليه منّي، كما أخبركم بذلك صلوات الله عليه وآله، غيري؟ قالوا: لا، [قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ من شيعتك رجلا يدخل في شفاعته الجنّة مثل ربيعة ومضر، غيري؟ قالوا: لا](1) قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت وشيعتك الفائزون، تردون يوم القيامة روّآء مرويّين ويرد أعداءكم ظماء مقمحين(2)، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحبّ هذه الشعرات فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله تعالى، ومن أبغضها وآذاها فقد آذاني وأبغضني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله تعالى لعنه وأعدّ له جهنّم وساءت مصيراً، فقال أصحابه: وما شعراتك هذه يا رسول الله؟ قال: عليّ وفاطمة والحسن والحسين، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت يعسوب الدين، والمال يعسوب الظالمين، وأنت الصدّيق الأكبر، وأنت الفاروق الأعظم الذي يفرق بين الحقّ والباطل، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد طرح عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثوبه وأنا تحت الثوب وفاطمة والحسن والحسين ثمّ قال: اللّهمّ أنا وأهل بيتي هؤلاء إليك لا إلى النار، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجحفة بالشجيرات من خم: من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله تعالى، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل

____________

1- أثبتناه من البحار.

2- في "ب": مقبحين.

الصفحة 94

فيكم أحد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينه وبين زوجته، وجلس بين رسول الله وزوجته، وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا ستر دونك يا عليّ، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد احتمل باب خيبر يوم فتحت حصنها ثمّ مشى به ساعة ثمّ ألقاه، فعالجه بعد ذلك أربعون رجلا فلم يقلّوه(1) من الأرض، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت معي في قصري ومنزلك تجاه منزلي في الجنّة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت أولى الناس باُمّتي من بعدي، والى الله من والاك، وعادى الله من عاداك، وقاتل من قاتلك بعدي، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الناس سنين وأشهر، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّك عن يمين العرش يكسوك الله عزوجل بردين أحدهما أحمر والآخر أخضر، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أطعمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فاكهة الجنّة لما هبط بها جبرئيل (عليه السلام) وقال: لا ينبغي أن يأكله في الدنيا إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت أقومهم بأمر الله، وأوفاهم بعهد الله، وأعلمهم بالقضيّة، وأقسمهم بالسويّة، وأرأفهم بالرعيّة، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت قسيم النار تخرج منها من آمن وأقرّ، وتدع فيها من كفر(2)، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فهل فيكم أحد قال للعين ـ وقد غاضت ـ: انفجري، فانفجرت فشرب

____________

1- أقلّ الشيء واستقلّه: حمله ورفعه، وفي "ب": يقلبوه، وفي "ج": ينقلوه.

2- في "ج": كفر واغتر.

الصفحة 95

منها القوم، وأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمون معه فشرب وشربوا، وشربت خيلهم وملؤوا رواياهم، غيري؟ قالوا: لا، قال: فهل فيكم أحد أعطاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حنوطاً من حنوط الجنّة فقال: اقسم هذا ثلاثاً، ثلثاً حنّطني به، وثلثاً لابنتي، وثلثاً لك، غيري؟ قالوا: لا.

قال: فما زال يناشدهم ويذكرهم ما أكرمه الله تعالى وأنعم عليه به حتّى قام قائم الظهيرة ودنت الصلاة، ثمّ أقبل عليهم وقال: أمّا إذا أقررتم على أنفسكم، وبان لكم من سببي الذي ذكرت فعليكم بتقوى الله وحده، وأنهاكم عن سخط الله فلا تعرضوا له وتضيّعوا أمري، وردّوا الحقّ إلى أهله، واتّبعوا سنّة نبيّكم (صلى الله عليه وآله) وسنّتي من بعده.

فإنّكم إن خالفتموني خالفتم نبيّكم، فقد سمع الله ذلك من جميعكم، وسلّموها إلى من هو لها وهي له أهل، أما والله ما أنا بالراغب في دنياكم ولا قلت ما قلت لكم افتخاراً ولا تزكية لنفسي، ولكن حدّثت بنعمة ربّي وأخذت عليكم بالحجة، ثمّ نهض إلى الصلاة.

قال: فتآمر القوم بينهم وتشاوروا فقالوا: قد فضّل الله عليّ بن أبي طالب بما ذكر لكم، ولكنّه رجل لا يفضّل أحداً على أحد، ويجعلكم ومواليكم سواء، وإن ولّيتموه إيّاها ساوى بين أسودكم وأبيضكم ووضع السيف على عاتقه، ولكن ولّوها عثمان فهو أقدمكم ميلاداً، وألينكم عريكة، وأجدر أن يتّبع مسرّتكم(1)، والله رؤوف رحيم(2).

____________

1- في "ج": بسيرتكم.

2- عنه البحار 31: 372 ح24 (كتاب الفتن والمحن); ونحوه في أمالي الطوسي: 545 ح1168 مجلس العشرون.

الصفحة 96

[في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأبي بكر في مسجد قبا]

وروي عن الصادق (عليه السلام): انّ أبا بكر لقى أمير المؤمنين (عليه السلام) في سكة [من سكك](1) بني النجار، فسلّم عليه وصافحه وقال له: يا أبا الحسن أفي نفسك شيء من استخلاف الناس إيّاي، وما كان من يوم السقيفة وكراهيتك للبيعة، والله ما كان ذلك من ارادتي إلاّ انّ المسلمين أجمعوا على أمر لم يكن لي أن اُخالف عليهم فيه، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لا تجتمع اُمّتي على الضلال.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا بكر اُمّته الذين أطاعوه في عهده من بعده، وأخذوا بهداه، وأوفوا بما عاهدوا الله عليه، ولم يبدّلوا ولم يغيّروا، قال له أبوبكر: والله يا عليّ لو شهد عندي الساعة من أثق به إنّك أحق بهذا الأمر سلّمته إليك رضى من رضى، وسخط من سخط.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا بكر فهل تعلم أحداً أوثق من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أخذ بيعتي عليك في أربعة مواطن، وعلى جماعة معك وفيهم عمر وعثمان، في يوم الدار، وفي بيعة الرضوان تحت الشجرة، ويوم جلوسه في بيت اُمّ سلمة، ويوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع، فقلتم بأجمعكم: سمعنا وأطعنا لله ولرسوله.

فقال لكم: الله ورسوله عليكم من الشاهدين؟ فقلتم بأجمعكم: الله ورسوله علينا من الشاهدين، فقال لكم: فليشهد بعضكم على بعض وليبلغ شاهدكم غائبكم، ومن سمع منكم فليسمع من لم يسمع، فقلتم: نعم يا رسول الله، وقمتم بأجمعكم تهنّون رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتهنّوني بكرامة الله لنا، فدنى عمر وضرب على كتفي وقال بحضرتكم: بخ بخ يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي(2)

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "الف": مولانا.

الصفحة 97

ومولى المؤمنين.

فقال أبو بكر: لقد ذكّرتني أمراً يا أبا الحسن لو يكون رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاهداً فأسمع منه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): الله ورسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر إن رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيّاً يقول لك إنّك ظالم لي في أخذ حقّي الذي جعله الله ورسوله لي دونك ودون المسلمين، أن تسلّم هذا الأمر لي، وتخلع نفسك منه؟.

فقال أبو بكر: يا أبا الحسن وهذا يكون أن أرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيّاً بعد موته ويقول لي ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): نعم يا أبابكر، قال: فأرني ذلك إن كان حقّاً، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ورسوله عليك من الشاهدين إنّك تفي بما قلت؟ قال أبو بكر: نعم.

فضرب أمير المؤمنين (عليه السلام) على يده وقال: تسعى معي نحو قبا، فلمّا ورداه تقدّم أمير المؤمنين (عليه السلام) فدخل المسجد وأبو بكر من ورائه، فإذا هم برسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في قبلة المسجد، فلمّا رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشيّ عليه، فناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارفع رأسك أيّها الضليل المفتون، فرفع أبو بكر رأسه وقال: لبيك يا رسول الله، أحياة بعد الموت يا رسول الله؟.

فقال له: ويلك يا أبا بكر إنّ الذي أحياها لمحيي الموتى إنّه على كلّ شيء قدير، قال: فسكت أبو بكر وشخصت عيناه نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله ورسوله عليه في المواطن الأربعة لعليّ (عليه السلام)؟ فقال: ما أنساها(1) يا رسول الله.

فقال: ما بالك اليوم تناشد عليّاً فيها ويذكرك فتقول: نسيت، وقصّ عليه

____________

1- في "ج": ما نسيتها.

الصفحة 98

رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما جرى بينه وبين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى آخره، فما نقص منه كلمة ولا زاد فيه كلمة، فقال أبو بكر: يا رسول الله فهل من توبة؟ وهل يعفو الله عنّي إذا سلّمت هذا الأمر إلى أمير المؤمنين؟ قال: نعم يا أبابكر، وأنا الضامن لك على الله ذلك إن وفيت.

قال: وغاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنهما، فتشبّث أبو بكر بأمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: الله الله فيّ يا عليّ، سر معي إلى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى أعلو المنبر فأقص على الناس ما شاهدت ورأيت من أمر رسول الله، وما قال لي وما قلت له وما أمرني به، وأخلع نفسي من هذا الأمر واُسلّمه إليك.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا معك إن تركك شيطانك، فقال أبوبكر: إن لم يتركني تركته وعصيته، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذن تطيعه ولا تعصيه، وإنّما رأيت ما رأيت لتأكيد الحجة عليك.

وأخذ بيده وخرجا من مسجد قبا يريدان مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبو بكر يخفق بعضه بعضاً ويتلوّن ألواناً، والناس ينظرون إليه ولا يدرون ما الذي كان حتّى لقيه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله ما شأنك، وما الذي دهاك؟ فقال أبو بكر: خلّ عنّي يا عمر، فوالله لا سمعت لك قولا، فقال له عمر: وأين تريد يا خليفة رسول الله؟ فقال أبو بكر: اُريد المسجد والمنبر.

فقال: هذا ليس وقت صلاة ومنبر، قال: خلّ عنّي فلا حاجة لي في كلامك، فقال عمر: يا خليفة رسول الله أفلا تدخل قبل المسجد منزلك فتسبغ الوضوء؟ قال: بلى، ثمّ التفت أبو بكر إلى عليّ (عليه السلام) فقال: يا أبا الحسن تجلس إلى جانب المنبر حتّى أخرج إليك، فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ قال له: يا أبابكر قد قلت لك انّ شيطانك لا يدعك أو يرديك، ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام) وجلس بجانب المنبر.

الصفحة 99

فدخل أبو بكر منزله ومعه عمر، فقال له: يا خليفة رسول الله لم لا تنبئني أمرك، وتحدّثني بما دهاك به عليّ بن أبي طالب؟ فقال أبو بكر: ويحك يا عمر يرجع رسول الله بعد موته حيّاً فيخاطبني في ظلمي لعليّ وبردّ حقّه عليه وخلع نفسي من هذا الأمر، فقال له عمر: قص عليّ قصّتك من أوّلها إلى آخرها، فقال له أبو بكر: ويحك يا عمر والله قد قال لي عليّ إنّك لا تدعني أخرج من هذه المظلمة، وإنّك شيطاني فدعني عنك.

فلم يزل يرقبه(1) إلى أن حدّثه بحديثه كلّه، فقال له: يا أبا بكر أنسيت شعرك من أوّل شهر رمضان فرض علينا صيامه، حيث جاءك حذيفة بن اليمان، وسهل بن حنيف، ونعمان الأزدي، وخزيمة بن ثابت في يوم جمعة إلى دارك ليقضيك(2) ديناً عليك، فلمّا انتهوا إلى باب الدار سمعوا لك صلصلة في الدار، فوقفوا بالباب ولم يستأذنوا عليك، فسمعوا اُمّ بكر زوجتك تناشدك وتقول: قد عمل حرّ الشمس بين كتفيك، قم إلى داخل البيت وأبعد عن الباب لا يسمعك بعض أصحاب محمد فيهدر دمك، فقد علمت انّ محمداً قد أهدر دم من أفطر يوماً من شهر رمضان من غير سفر ولا مرض خلافاً على الله وعلى محمد.

فقلت لها: هات لا اُمّ لك فضل طعامي من الليل، وأترعي(3) الكأس من الخمر، وحذيفة ومن معه بالباب يسمعون محاورتكما، فجاءت بصحفة(4) فيها طعام من الليل وقعب مملوء خمراً، فأكلتَ من الصحفة وكرعتَ الخمر في ضحى النهار وقلتَ لزوجتك هذا الشعر:

____________

1- رقبه: انتظره. (القاموس)

2- في "ج": ليتقاضونك.

3- أترعه: ملأه. (القاموس)

4- في "الف" و "ب": صحيفة.

الصفحة 100

ذريني أصطبح(1) يا اُمّ بكر * * * فإنّ الموت نقب عن هشام

إلى أن انتهيت في شعرك:

يقول لنا ابن كبشة سوف نُحيى * * * وكيف حياة أشلاء(2) وهام

ولكن باطل قد قال هذ * * * وإفك من زخاريف الكلام

ألا هل مبلغ الرحمن عنّي * * * بانّي تارك شهر الصيام

وتارك كلّما أوحى إلين * * * محمد من أساطير الكلام

فقل لله يمنعني شرابي * * * وقل لله يمنعني طعامي

ولكن الحكيم رأى حمير * * * فألجمها فتاهت في اللجام

فلمّا سمعك حذيفة ومن معه تهجو محمداً قمحوا عليك في دارك، فوجدوك وقعب الخمر في يدك وأنت تكرعها، فقالوا لك: يا عدوّ الله خالفت الله ورسوله، وحملوك كهيأتك إلى مجمع الناس بباب رسول الله، وقصّوا عليه قصّتك، وأعادوا شعرك.

فدنوت منك وشاورتك وقلت لك في ضجيج الناس: قل إنّي شربت الخمر ليلا فثملتُ(3) فزال عقلي فأتيت ما أتيته نهاراً ولا علم لي بذلك، فعسى أن يدرأ عنك الحدّ، وخرج محمد فنظر إليك فقال: استيقضوه، فقلت: رأيناه وهو ثمل يا رسول الله لا يعقل، فقال: ويحكم الخمر يزيل العقل، تعلمون هذا من أنفسكم فأنتم تشربونها، فقلنا: نعم يا رسول الله، وقد قال فيها امرء القيس الشاعر:

شربت الخمر حتّى زال عقلي * * * كذاك الاثم(4) يفعل بالعقول

____________

1- اصطَبَحَ: أسرج وشرب الصبوح. (القاموس)

2- أشلاء الإنسان: أعضاؤه بعد البلى والتفرّق.

3- الثمل: السكر. (القاموس)

4- في "ب" و "ج": الخمر.

الصفحة 101

ثمّ قال محمد: اُنظروا إلى افاقته من سكرته، فأمهلوك حتّى أريتهم انّك قد صحوت، فساءلك محمد فأخبرته بما أوعزته إليك من شربك لها بالليل، فما بالك اليوم تؤمن بمحمد وما جاء به وهو عندنا ساحر كذّاب؟

فقال: ويحك(1) يا أبا حفص لا شكّ عندي فيما قصصته عليّ، فاخرج إلى ابن أبي طالب فاصرفه عن المنبر.

قال: فخرج عمر وأمير المؤمنين (عليه السلام) جالس بجنب المنبر، فقال: ما بالك يا عليّ قد تصدّيت لها، هيهات هيهات دون والله ما تروم من علوّ هذا المنبر خرط القتاد، فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى بدت نواجذه ثمّ قال: ويلك منها والله يا عمر إذا أفضت إليك، والويل للاُمّة من بلائك.

فقال عمر: هذه بشرى يا ابن أبي طالب صدقت ظنونك وحقّ قولك، وانصرف أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى منزله وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(2).

[في حديث البساط وأصحاب الكهف]

روي عن سلمان الفارسي رحمه الله قال: دخل أبو بكر وعمر وعثمان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: ما بالك يا رسول الله تفضّل علينا عليّاً في كلّ حال؟ فقال: ما أنا فضّلته بل الله تعالى فضّله، فقالوا: وما الدليل؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إذا لم تقبلوا منّي فليس من الموتى عندكم أصدق من أهل الكهف، وأنا

____________

1- في "ج": ويلك.

2- عنه البحار 29: 35 ح18; ومدينة المعاجز 3: 14 ح693; وفي هداية الحضيني: 102; وقال العلاّمة المجلسي ذيل الحديث: أقول: أوردت هذا الخبر ـ ولا أعتمد عليه كلّ الاعتماد ـ لموافقته في بعض المضامين لسائر الآثار، والله أعلم بحقائق الاُمور.

الصفحة 102

أبعثكم وعليّاً، وأجعل سلماناً شاهداً عليكم إلى أصحاب الكهف حتّى تسلّموا عليهم، فمن أحياهم الله له وأجابوه كان الأفضل، قالوا: رضينا.

فأمر فبسط بساطاً له ودعا بعليّ (عليه السلام) فأجلسه وسط البساط، وأجلس كلّ واحد منهم على قرنة من البساط، وأجلس سلماناً على القرنة الرابعة، ثمّ قال: يا ريح أحمليهم إلى أصحاب الكهف وردّيهم إليّ.

قال سلمان: فدخلت الريح تحت البساط وسارت بنا وإذا نحن بكهف عظيم، فحطتنا عليه، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا سلمان هذا الكهف والرقيم، فقل للقوم يتقدّمون أو نتقدّم، فقالوا: نحن نتقدّم، فقام كلّ واحد منهم فصلّى ودعا وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف، فلم يجبهم أحد.

فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدهم فصلّى ركعتين ودعا ونادى: (يا أصحاب الكهف)، فصاح الكهف وصاح القوم من داخله بالتلبية، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): السلام عليكم أيّها الفتية الذين آمنوا بربّهم فزادهم(1)هدى، فقالوا: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيّه وأمير المؤمنين، لقد أخذ الله علينا العهد بايماننا(2) بالله وبرسوله محمد (صلى الله عليه وآله) وبالولاية بأمير المؤمنين (عليه السلام)(3) إلى يوم القيامة يوم الدين.

فسقط القوم على وجوههم وقالوا لسلمان: يا أبا عبد الله ردّنا، فقال: ما ذاك إليّ، فقالوا: يا أبا الحسن ردّنا، فقال (عليه السلام): يا ريح ردّينا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فحملتنا فإذا نحن بين يديه، فقصّ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّما جرى وقال: هذا حبيبي جبرئيل (عليه السلام) أخبرني به، فقالوا: الآن

____________

1- في "ج": فزدناهم.

2- في "ج": بعد ايماننا.

3- في "ج": لك يا أمير المؤمنين بالولاء.

الصفحة 103

علمنا فضل عليّ علينا من عند الله عزوجل لا منك(1).

[في نزول سورة والنجم وتكلّم الشمس معه]

وروى باسناده إلى الباقر (عليه السلام) قال: لمّا كثر قول المنافقين وحسّاد أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيما يظهره رسول الله (صلى الله عليه وآله) من فضل عليّ (عليه السلام) وينصّ عليه ويأمر بطاعته، ويأخذ البيعة له على كبرائهم ومن لا يؤمن غدره، ويأمرهم بالتسليم عليه بامرة المؤمنين ويقول لهم: انّه وصيّي وخليفتي وقاضي ديني ومنجز عداتي والحجة لله على خلقه من بعدي، من أطاعه سعد ومن خالفه ضلّ وشقى.

قال المنافقون: لقد ضلّ محمد في ابن عمّه عليّ وغوى وجنّ والله، وما أفتنه فيه وحبّبه إليه إلاّ قتل الشجعان والأقران والفرسان يوم بدر وغيرها من قريش وسائر العرب واليهود، وإنّ كلّما يأتينا به ويظهر في عليّ من هواه.

وكلّ ذلك يبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى اجتمعت التسعة المفسدون في الأرض في دار الأقرع بن حابس التميمي، وكان يسكنها في ذلك الوقت صهيب الرومي، وهم التسعة الذين إذا عُدّ أمير المؤمنين (عليه السلام) معهم كان عدّتهم عشرة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وأبو عبيدة بن الجراح.

فقالوا: لقد أكثر محمد في حق عليّ(2) حتّى لو أمكنه يقول لنا: اعبدوه لقال، فقال سعد بن أبي وقاص: ليت محمداً أتانا فيه بآية من السماء كما آتاه الله في نفسه

____________

1- عنه البحار 39: 144 ح10; وفي مدينة المعاجز 3: 159 ح813; عن الهداية للحضيني: 111.

2- في "ج": في حق عليّ حبّاً.

الصفحة 104

من الآيات مثل انشقاق القمر وغيره.

وباتوا ليلتهم تلك، فنزل نجم من السماء حتّى صار في ذروة جدار أمير المؤمنين (عليه السلام) متعلّقاً، يضيء في سائر المدينة حتّى دخل ضياؤه في البيوتات وفي الآبار(1) وفي المفازات(2) وفي المواضع المظلمة من بيوت الناس، فذعر أهل المدينة ذعراً شديداً، وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار من نزل، ولا أين هو متعلّق لكن يروه على بعض منازل رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فلمّا سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضجيج الناس خرج إلى المسجد ونادى في الناس: ما الذي أرعبكم وأخافكم، هذا النجم على دار عليّ بن أبي طالب؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، قال: أفلا تقولون لمنافقيكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي، فقالوا فيّ وفي أخي عليّ ما قالوه: وقال قائل منهم: ليت محمداً أتانا بآية من السماء [في عليّ](3) كما آتى بآية في نفسه من شقّ القمر وغيره، فأنزل الله عزوجل هذا النجم متعلّقاً على مشربة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وبقي إلى أن غاب كلّ نجم من السماء.

وصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الفجر مغلساً، وأقبل الناس يقولون: ما بقي نجم في السماء وهذا النجم معلّق، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): هذا حبيبي جبرئيل (عليه السلام) قد أنزل على هذا النجم قرآناً تسمعونه، ثمّ قرأ (صلى الله عليه وآله):

{والنجم إذا هوى * ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى * علّمه شديد القوى}(4).

____________

1- في "ج": الآثار.

2- في "ج": المغارات.

3- أثبتناه من "ب".

4- النجم: 1-5.

الصفحة 105

ثمّ ارتفع النجم وهم ينظرون إليه، والشمس قد بزغت وغاب النجم في السماء، فقال بعض المنافقين: لو شاء لأمر هذه الشمس فنادت باسم عليّ وقالت هذا ربّكم فاعبدوه، فهبط جبرئيل (عليه السلام) فخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بما قالوه ـ وكان ذلك في ليلة الخميس وصبيحته ـ فأقبل بوجهه الكريم على الناس وقال: استدعوا لي عليّاً من منزله، فاستدعوه.

فقال له: يا أبا الحسن انّ قوماً من منافقي اُمّتي ما قنعوا بآية النجم حتّى قالوا: لو شاء محمد لأمر الشمس أن تنادي باسم عليّ وتقول: هذا ربّكم فاعبدوه، فإنّك يا عليّ في غد بعد صلاتك ـ صلاة الفجر ـ تخرج معي إلى بقيع الغرقد، فقف نحو مطلع الشمس فإذا بزغت الشمس فادع بدعوات أنا اُلقّنك إيّاها، وقل للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، واسمع ماتقول لك وما ترد عليك وانصرف إليّ به.

فسمع الناس ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسمع التسعة المفسدون في الأرض، فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تغرون محمداً بأن يظهر في ابن عمّه عليّ كلّ آية، وليس(1) مثل ما قال محمد في هذا اليوم، فقال اثنان منهم، وأقسما بالله جهد أيمانهما ـ وهما أبو بكر وعمر ـ انّهما لابد أن يحضرا البقيع حتّى ينظرا أو يسمعا(2) ما يكون من عليّ والشمس.

فلمّا صلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة الفجر وأمير المؤمنين (عليه السلام) معه في الصلاة، أقبل عليه وقال: قم يا أبا الحسن إلى ما أمرك الله به ورسوله، فأت البقيع حتّى تقول للشمس ما قلت لك، وأسرّ إليه سرّاً كان فيه الدعوات التي علّمه إيّاها.

فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) يسعى إلى البقيع حتّى بزغت الشمس،

____________

1- في "ج": لبئس ما قال.

2- في "ج": أن نحضر البقيع حتّى ننظر ونسمع.

الصفحة 106

فهمهم بذلك الدعاء همهمة لم يعرفونها وقالوا: هذه الهمهمة ما علّمه محمد من سحره، وقال للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين، فقالت: والسلام عليك يا أخا رسول الله ووصيّه، أشهد بأنّك الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وانّك عبد الله وأخو رسوله حقّاً.

فأرعدوا(1) واختلطت عقولهم وانكفّوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مسودّة وجوههم تغيظ أنفسهم، فقالوا: يا رسول الله ما هذا العجب العجيب الذي لم نسمع من النبيّين ولا من المرسلين ولا من الاُمم الغابرة القديمة، كنت تقول لنا: انّ علياً ليس ببشر وهو ربّكم فاعبدوه، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمحضر من الناس في مسجده: تقولون بما قالت الشمس وتشهدون بما سمعتم.

فقالوا: يحضر عليّ فيقول فنسمع ونشهد بما قال للشمس وقالت له الشمس، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا بل تقولون، فقالوا: قال عليّ للشمس: السلام عليك يا خلق الله الجديد بعد أن همهم همهمة تزلزل منها البقيع، فأجابته الشمس: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيّه، اشهد أنّك الأوّل والآخر والظاهر والباطن، وانّك عبد الله وأخو رسوله حقّاً.

فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي خصّنا بما تجهلون، وأعطانا ما لا تعلمون، قال: قد تعلمون(2) انّي آخيت علياً دونكم، وأشهدتكم انّه وصيّي فماذا أنكرتم؟ عساكم تقولون(3) ما قالت له الشمس: انّك الأوّل والآخر والظاهر والباطن، قالوا: نعم يا رسول الله لأنّك أخبرتنا بأنّ الله هو الأوّل والآخر في كتابه المنزل عليك.

____________

1- في "ب" و "ج": فارتعدوا.

2- في "ج": علمتم.

3- في "ج": فماذا أنكرتم عليه لم تقولوا ما قالت.

الصفحة 107

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحكم وأنّى لكم بعلم ما قالت له الشمس، أمّا قولها: "انّك الأوّل" فصدقت، انّه أوّل من آمن بالله ورسوله ممّن دعوته إلى الايمان من الرجال وخديجة من النساء، وأمّا قولها: "الآخر" فإنّه آخر الأوصياء وأنا خاتم(1) الأنبياء وخاتم الرسل.

وأمّا قولها: "الظاهر" فإنّه ظهر على كلّ ما أعطاني الله من عَلِمَهُ، فما علمه معي غيره ولا يعلمه بعدي سواه، ومن ارتضاه بسرّه من ولده، وأمّا قولها: "الباطن" فهو والله باطن علم الأوّلين والآخرين وسائر الكتب المنزلة على النبيّين والمرسلين، وما زادني الله تعالى به من علم ما لم تعلموه وفضل ما لم تعطوه، فماذا تنكرون؟

فقالوا بأجمعهم: نحن نستغفر الله يا رسول الله، لو علمنا ما تعلم لسقط الاقرار بالفضل لك ولعليّ، فاستغفر الله لنا، فأنزل الله سبحانه: {سواءٌ عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم انّ الله لا يهدي القوم الفاسقين}(2) وهذا في سورة المنافقين، فهذه من دلائله (عليه السلام)(3).

[في قوله (عليه السلام) لرجل إخسأ]

وباسناده إلى أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: بينما أمير المؤمنين يتجهّز إلى معاوية ويحرّض الناس على قتاله إذ اختصم إليه رجلان في فعل، فعجّل أحدهما في الكلام وزاد فيه، فالتفت إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: إخسأ، فإذا رأسه رأس كلب، فبهت مَنْ حوله وأقبل الرجل باصبعه المسبّحة يتضرّع إلى أمير

____________

1- في "ج": آخر.

2- المنافقون: 6.

3- عنه البحار 35: 276 ح5; ومدينة المعاجز 3: 161 ح814; عن الهداية للحضيني: 116.

الصفحة 108

المؤمنين (عليه السلام) ويسأله الاقالة.

فنظر إليه وحرّك شفتيه، فعاد كما كان خلقاً سويّاً، فوثب إليه بعض أصحابه فقال له: يا أمير المؤمنين هذه القدرة لك كما رأينا، وأنت تجهز إلى معاوية، فما لك لا تكفيناه ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة؟

فأطرق قليلا ورفع رأسه إليهم فقال: والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والأودية حتّى أضرب صدر معاوية على سريره، فأقلبه على رأسه لفعلت، ولو أقسمت على الله عزوجل أن اُوتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا، وقبل أن يرتد إلى أحد منكم طرفه لفعلت، ولكنّها كما وصف الله عزوجل في قوله: {عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}(1) فكان هذا من دلائله (عليه السلام)(2).

[اغارة خيل معاوية على الشيعة وضربه (عليه السلام) معاوية برجله]

وروى باسناده إلى ميثم التمّار قال: خطبنا(3) أمير المؤمنين (عليه السلام) في جامع الكوفة، فأطال خطبته وأعجب الناس تطويلها وحسن وعظها وترغيبها وترهيبها، إذ دخل نذير(4) من ناحية الأنبار مستغيثاً يقول: الله الله يا أمير المؤمنين في رعيّتك وشيعتك، هذه خيل معاوية قد شنّت علينا الغارة في سواد الفرات ما بين

____________

1- الأنبياء: 26 و 27.

2- عنه البحار 33: 280 ح545; ونحو الثاقب في المناقب: 242 ح206; عنه مدينة المعاجز 2: 297 ح560; وأيضاً في 3: 173 ح817; عن الهداية للحضيني: 124.

3- في "ب" و "ج": خطب لنا.

4- في "ج": بريده.

الصفحة 109

هيت(1) والأنبار(2).

فقطع أمير المؤمنين (عليه السلام) الخطبة وقال: ويحك بعض خيل معاوية قد دخل الدسكرة(3) التي تلي جدران الأنبار، فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الأطفال ذكراناً وسبعة اُناثاً، وشهروا بهم ووطؤوهم بحوافر خيلهم، وقالوا: هذه مراغمة أبي تراب، فقام ابراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال: يا أمير المؤمنين هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك انّ في دارك خيل معاوية ابن آكلة الأكباد، وما فعل بشيعتك ولم يعلم بها هذا، فلم تقصر(4) عن معاوية؟

فقال له: ويحك يا ابراهيم {ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة}(5)، فصاح الناس من جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين فإلى متى يهلك(6) من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة وشيعتك تهلك؟ قال لهم (عليه السلام): {ليقضي الله أمراً كان مفعولا}(7).

فصاح زيد بن كثير المرادي وقال: يا أمير المؤمنين تقول بالأمس وأنت متجهّز إلى معاوية وتحرّضنا على قتاله، ويحتكم إليك الرجلان في الفعل فيعجل

____________

1- هِيت ـ بالكسر وآخره تاء مثناة ـ: قال ابن السكّيت: سميت هيتُ هيتَ لأنّها في هوّة من الأرض،... وهي بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار، ذات نخل كثير وخيرات واسعة وهي مجاورة للبريّة، طولها من جهة المغرب تسع وتسعون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة ونصف ربع، وهي في الاقليم الثالث. (معجم البلدان 5: 420)

2- الأنبار: مدينة على الفرات في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ،... قال أبو القاسم: الأنبار حدّ بابل، سمّيت به لأنّه كان يُجمع بها أنابير الحنطة والشعير والقتّ والتبن، وكانت الأكاسرة ترزق أصحابها منها، وكان يقال لها: الأهراء، فلمّا دخلتها العرب عرّبتها فقالت: الأنبار. (معجم البلدان 1: 257)

3- الدسكرة ـ فتح أوّله وسكون ثانيه وفتح كافه ـ: قرية كبيرة ذات منبر بنواحي نهر الملك من غربي بغداد، والدسكرة في اللغة: الأرض المستوية. (معجم البلدان 2: 455)

4- في "ج": تقصيرك.

5- الأنفال: 42.

6- في "ج": فإلى متى تمثلك ليهلك.

7- في "ج": فإلى متى تمثلك ليهلك.

الصفحة 110

عليك أحدهما في الكلام، فتجعل رأسه رأس الكلب، فيستجير بك فتردّه بشراً سويّاً، ونقول لك(1): ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شرّه، فتقول لنا: وفالق الحبّة وبارئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية وأقلبه على اُمّ رأسه لفعلت، فما بالك لا تفعل ما تريد، إلاّ أن تضعف نفساً(2)فتشكّ فيك فتدخل النار.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لأفعلنّ ذلك ولأعجلنّه على ابن هند، فمدّ رجله على منبره فخرجت عن أبواب المسجد وردّها إلى فخذه، وقال: معاشر الناس أقيموا تاريخ الوقت واعلموه، فقد ضربت برجلي هذه الساعة صدر معاوية فقلبته عن سريره على اُمّ رأسه، فظنّ انّه قد اُحيط به، فصاح: يا أمير المؤمنين فأين النظرة، فرددت رجلي عنه.

وتوقّع الناس ورود الخبر من الشام وعلموا انّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه لا يقول إلاّ حقّاً، فوردت الأخبار والكتب بتاريخ تلك الساعة بعينها [من ذلك اليوم](3) انّ رِجْلا جاءت من ناحية الكوفة ممدودة متّصلة، فدخلت من ديوان معاوية والناس ينظرون حتّى ضربت صدره، فقلبته عن سريره على اُمّ رأسه، فصاح: يا أمير المؤمنين فأين النظرة؟ وردّت تلك الرجل عنه، وعلم الناس ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حقّاً، فكان هذا من دلائله (عليه السلام)(4).

____________

1- في "ج": ويقول لك بعض أصحابك.

2- في "ب": نفوسنا.

3- أثبتناه من "ب" و "ج".

4- عنه البحار 33: 281 ح546; وهداية الحضيني: 125.

الصفحة 111

قصّة اليهودي وافتقاده حميره

وبالاسناد إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي اسحاق السبيعي قال: دخلت المسجد الأعظم بالكوفة فإذا أنا بشيخ أبيض الرأس واللحية لا أعرفه، مستنداً إلى اُسطوانة وهو يبكي ودموعه تسيل على خدّيه، فقلت له: يا شيخ ما يبكيك؟ فقال: انّه أتت عليّ نيف ومائة سنة لم أر فيها عدلا ولا حقّاً ولا علماً ظاهراً إلاّ ساعتين من نهار، وأنا أبكي لذلك.

فقلت: وما تلك الساعة والليلة واليوم الذي رأيت فيه العدل؟ فقال: إنّي رجل من اليهود، وكان لي ضيعة بناحية سوراء(1)، وكان لنا جار في الضيعة من أهل الكوفة يقال له: الحارث الأعور الهمداني، وكان رجلا مصاب العين، وكان لي صديقاً وخليطاً، وإنّي دخلت الكوفة يوماً من الأيّام ومعي طعام على احمرة لي اُريد بيعه بالكوفة.

فبينما أنا أسوق الأحمرة وقد صرت في سبخة الكوفة، وذلك بعد عشاء الآخرة، فافتقدت حميري، فكأنّ الأرض ابتلعتها أو السماء تناولتها، أو كأنّ الجنّ اختطفتها، وطلبتها يميناً وشمالا فلم أجدها، فأتيت منزل الحارث الهمداني من ساعتي أشكو إليه ما أصابني وأخبرته الخبر، فقال: انطلق بنا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى نخبره.

فانطلقنا إليه فأخبرته(2) الخبر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للحارث: انصرف إلى منزلك وخلّني واليهودي، فأنا ضامن لحميره وطعامه حتّى أردّها له، فمضى الحارث إلى منزله وأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيدي حتّى أتينا الموضع الذي افتقدت فيه حميري وطعامي، فحوّل وجهه عنّي وحرّك شفتيه ولسانه بكلام

____________

1- سوراء ـ بضمّ أوّله وسكون ثانيه ثمّ راء وألف ممدودة ـ: موضع يقال هو إلى جانب بغداد، وقيل: هو بغداد نفسها، ويُروى بالقصر. (معجم البلدان 3: 278)

2- في "ج": فأخبرناه.

الصفحة 112

لم أفهمه، ثمّ رفع رأسه فسمعته يقول: والله ما على هذا بايعتموني وعاهدتموني يا معشر الجنّ، وأيم الله لئن لم تردّوا على اليهودي حميره وطعامه لأنقضنّ عهدكم ولاُجاهدنّكم في الله حقّ جهاده.

قال: فوالله ما فرغ أمير المؤمنين (عليه السلام) من كلامه حتّى رأيت حميري وطعامي بين يديّ، ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): اختر يا يهودي احدى خصلتين، امّا أن تسوق حميرك وأحثّها عليك، أو أسوقها(1) أنا وتحثّها عليّ.

قال: قلت: بل أسوقها(2) وأنا أقوى على حثّها، وتقدّم أنت يا أمير المؤمنين أمامها، واتّبعته بالحمير حتّى انتهى بنا إلى الرحبة، فقال: يا يهودي إنّ عليك بقية الليل فأحْفِظُ حميرك حتّى تصبح وحط أنت عنها، أو أحط عنها وتحفظ أنت حتّى تصبح، فقلت: يا أمير المؤمنين أنا أقوى على حطّها وأنت على حفظها حتّى يطلع الفجر، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): خلّني وإيّاها ونم أنت حتّى يطلع الفجر.

فلمّا طلع الفجر انتبهت وقال: قم قد طلع الفجر فاحفظ حميرك وليس عليك بأس، ولا تغفل عنها حتّى أعود إليك إن شاء الله تعالى، ثمّ انطلق أمير المؤمنين (عليه السلام) فصلّى بالناس الصبح، فلمّا طلعت الشمس أتاني وقال: افتح برّك على بركة الله وسعّر طعامك، ففعلت.

ثمّ قال: اختر منّي خصلة من خصلتين، امّا أن أبيع أنا وتستوفي أنت الثمن، أو تبيع أنت وأستوفي أنا لك الثمن؟ فقلت: بل أبيع أنا وتستوفي أنت الثمن، فقال: أفعل، فلمّا فرغت من بيعي سلّم إليّ الثمن وقال: ألك حاجة؟ فقلت: نعم، اُريد أدخل في شراء حوائج لي، قال: فانطلق حتّى اُعينك فإنّك ذمّي.

فلم يزل معي حتّى فرغت من حوائجي، ثمّ ودّعني، فقلت له عند الفراق:

____________

1- في "ب": أسبقها أنا.

2- في "ب": بل أسبقها وأنا أقوى.

الصفحة 113

أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله، وأشهد أنّك عالم هذه الاُمّة، وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الجنّ والانس، فجزاك الله عن الإسلام خيراً.

ثمّ انطلقت إلى ضيعتي، فأقمت بها شهوراً ونحو ذلك، فاشتقت إلى رؤية أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقدمت وسألت عنه، فقيل لي: قد قُتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فاسترجعت وصلّيت صلاة كثيرة وقلت عند فراغي: ذهب العلم، وكان أوّل عدل رأيت منه تلك الليلة، وآخر عدل رأيته منه في ذلك اليوم، فما لي لاأبكي؟ وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(1).

[خبر الذين بايعوا الضبّ]

روي مرفوعاً إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) يسير إلى الخوارج بالنهروان، واستنفر أهل الكوفة وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن، فتخلّف عنه شبث بن ربعي، والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله البجلي، وعمرو بن حريث.

فقالوا: يا أمير المؤمنين تأذن لنا أيّاماً نقضي حوائجنا، ونصنع ما نريد ثمّ نلحق بك، فقال لهم: فعلتموها سوءة لكم من مشايخ، والله ما لكم حاجة تتخلّفون عليها ولكنّكم تتّخذون سفرة، وتخرجون إلى النزهة، وتجلسون وتنظرون في منظر تتنحّون عن الجادة، وتبسط سفرتكم بين أيديكم، فتأكلون من طعامكم، ويمرّ ضبّ فتأمرون غلمانكم فيصطادوه لكم ويأتوكم به فتخلعوني وتبايعون الضبّ وتجعلونه إمامكم.

____________

1- عنه البحار 39: 189 ح26; وفي هداية الحضيني: 126.

الصفحة 114

وتعلموا انّ أخي(1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ليخلوا كلّ قوم بما كانوا يأتمّون به في الحياة الدنيا، فمن أقبح وجوهاً منكم وأنتم تخلعون أخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابن عمّه وصهره، وتنقضون ميثاقه الذي أخذه الله ورسوله عليكم، وتحشرون يوم القيامة وإمامكم ضبّ، وهو قول الله عزوجل: {يوم ندعوا كلّ اُناس بإمامهم}(2).

فقالوا: والله يا أمير المؤمنين ما نريد إلاّ أن نقضي حوائجنا ونلحق بك، فولّى عنهم وهو يقول: عليكم الدمار [والبوار](3)، والله ما يكون إلاّ ما قلت لكم وما قلت إلاّ حقّاً، ومضى أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى إذا صار بالمدائن خرج القوم إلى الخورنق، وهيّأوا طعاماً في سفرة وبسطوها في الموضع، وجلسوا يأكلون ويشربون الخمر.

فمرّ بهم ضبّ فأمروا غلمانهم فصادوه وأتوهم به، فخلعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) وبايعوا له، وبسط لهم الضبّ يده فقالوا: أنت والله إمامنا ما بيعتنا لك ولعليّ بن أبي طالب إلاّ واحدة، وانّك لأحبّ إلينا منه، فكان كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان القوم كما قال الله عزوجل: {بئس للظالمين بدلا}(4).

ثمّ لحقوا به فقال لهم لما وردوا عليه: فعلتم يا أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء أمير المؤمنين ما أخبرتكم به، فقالوا: لا يا أمير المؤمنين ما فعلنا، فقال: والله ليبعثنّكم الله مع إمامكم، فقالوا: قد فلحنا يا أمير المؤمنين إذا بعثنا الله معك، قال: كيف تكونون معي وقد خلعتموني وبايعتم الضبّ؟ والله لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة والضبّ يسوقكم إلى النار.

____________

1- في "ج": اعلموا انّي سمعت أخي.

2- الاسراء: 71.

3- أثبتناه من "ب" و "ج".

4- الكهف: 50.

الصفحة 115

فحلفوا له بالله إنّا ما فعلنا ولا خلعناك ولا بايعنا الضبّ، فلمّا رأوه يكذّبهم ولا يقبل منهم أقرّوا له وقالوا: اغفر لنا ذنوبنا، قال: والله لا غفرت لكم ذنوبكم قد اخترتم مسخاً مسخه الله وجعله آية للظالمين(1)، وكذبتم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وحدّثني بحديثكم عن جبرئيل عن الله سبحانه، فبُعداً لكم وسحقاً.

ثمّ قال: لئن كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) منافقون فإنّ معي منافقون وأنتم هم، أما والله يا شبث بن ربعي، وأنت يا عمرو بن حريث ومحمد ابنك، وأنت يا أشعث بن قيس لتقتلنّ ابني الحسين، هكذا حدّثني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالويل لمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خصمه، وفاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله).

فلمّا قتل الحسين (عليه السلام) كان شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، ومحمد بن الأشعث فيمن سار إليه من الكوفة وقاتلوه بكربلاء حتّى قتلوه، وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(2).

[في اعطائه (عليه السلام) الأمان لمروان، وتكلّمه مع الأسد والأفعى]

وروي باسناده إلى حنان بن سدير الصيرفي، عن رجل من مراد يقال له: رباب بن رياح، قال: كنت قائماً على رأس أمير المؤمنين (عليه السلام) بالبصرة بعد الفراغ من أصحاب الجمل إذ أتى عبد الله بن عباس فقال: يا أمير المؤمنين لي إليك حاجة، فقال (عليه السلام): ما أعرفني بحاجتك قبل أن تذكرها، جئت تطلب منّي الأمان لمروان بن الحكم.

____________

1- في "ج": للعالمين.

2- راجع مدينة المعاجز 3: 168 ح815; عن الهداية للحضيني: 134; ونحوه في الخرائج 1: 225 ح70; عنه البحار 33: 384 ح614.

الصفحة 116

فقال: يا أمير المؤمنين أحب أن تؤمنه، فقال: قد آمنته(1)، لكن اذهب فجئني به يبايعني ولا تجئني به إلاّ رديفاً صاغراً، قال: فما لبثت إلاّ قليلا حتّى أقبل ابن عباس وخلفه مروان بن الحكم رديفاً، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): هلمّ اُبايعك.

قال مروان: على انّ النفس فيها ما فيها، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لست اُبايعك على ما في نفسك، إنّما أنا اُبايعك على الظاهر، قال: فمدّ يده فبايع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا بايعه قال: هبه يا ابن الحكم فلكنت تخاف أن يقع رأسك في هذه البقعة، كلاّ أبى الله أن يكون ذلك حتّى يخرج من صلبك طواغيت يملكون هذه الرعية، يسومونهم خسفاً(2) وظلماً وجوراً، يسقونهم كأساً مرّاً.

قال مروان لمن يثق به: والله ما كان منّي إلاّ ما أخبرني به عليّ (عليه السلام)، ثمّ هرب فلحق بمعاوية فكان ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) حقّاً، فكان هذا من دلائله (عليه السلام)(3).

وروي باسناده إلى الحارث الأعور الهمداني قال: كنّا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكناس إذ أقبل أسد يهوي من البر، فتضعضعنا له وانتهى إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وطرح نفسه بين يديه خاضعاً ذليلا، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ارجع ولا تدخلنّ دار هجرتي وبلّغ ذلك عنّي جميع السباع ما أطاعوني، فإذا عصوا الله فيّ وخلعوا طاعتي فقد حكمتكم(4) فيهم.

قال: فلم تزل جميع السباع تتجافى الكوفة وجميع ما حولها إلى أن قُبض أمير المؤمنين (عليه السلام) وتقلّدها زياد بن أبيه دعيّ أبا سفيان، فلمّا دخلها سلّطت

____________

1- في "ج": قد آمنته لك.

2- في "ب": عسفاً.

3- نحوه باختلاف في الخرائج 1: 197 ح35; عنه البحار 41: 298 ح26; والهداية: 161.

4- حكمتك (خ ل).

الصفحة 117

السباع على الكوفة وما حولها حتّى أفنت أكثر الناس، فكان هذا من دلائله (عليه السلام)(1).

وعن الحارث الأعور الهمداني قال: بينما أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) يخطب للناس يوم الجمعة في مسجد الكوفة إذ أقبل أفعى من ناحية باب الفيل، رأسه أعظم من رأس البعير، يهوي نحو المنبر، فانفرق الناس فرقتين في جانب المسجد خوفاً.

فجاء حتّى صعد المنبر، ثمّ تطاول إلى اُذن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فأصغى إليه باذنه وأقبل عليه يسارّه مليّاً ثمّ نزل، فلمّا بلغ باب أمير المؤمنين الذي يسمّونه "باب الفيل" انقطع أثره وغاب، فلم يبق مؤمن ولا مؤمنة إلاّ قال: هذا من عجائب أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يبق منافق إلاّ قال: هذا من سحره.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أيّها الناس لست بساحر، وهذا الذي رأيتموه وصيّ محمد (صلى الله عليه وآله) على الجنّ وأنا وصيّه على الجنّ والانس، وهذا يطيعني أكثر ممّا تطيعوني، وهو خليفتي فيهم، وقد وقع بين الجنّ ملحمة تهادروا فيها الدماء، لا يعلمون ما الخروج عنها ولا ما الحكم فيها، وقد أتاني سائلا عن الجواب في ذلك، فأجبته عنه بالحق، وهذا المثال الذي تمثّل لكم به أراد أن يريكم فضلي عليكم الذي هو أعلم به منكم، وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(2).

وعنه بهذا الاسناد قال: خرجنا مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى انتهينا إلى العاقول بالكوفة على شاطئ الفرات، فإذا نحن بأصل شجرة وقد وقع أوراقها وبقي عودها يابساً، فضربها بيده المباركة وقال لها: ارجعي باذن الله خضراء ذات

____________

1- الثاقب في المناقب: 250 ح1; والخرائج 1: 191 ح27; عنه البحار 41: 231 ح2; والهداية: 28 (الحجرية).

2- مدينة المعاجز 3: 171 ح816; عن الهداية للحضيني: 152; وفي الثاقب: 248 ح213.

الصفحة 118

ثمر، فإذا هي تهتزّ(1) بأغصانها مثمرة مورقة وحملها الكمّثرى الذي لم يُر مثله في فواكه الدنيا، وطعمنا منها وتزوّدنا وحملنا، فلمّا كان بعد أيّام عُدنا إليها فإذا بها خضراء وفيها الكمّثرى، وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(2).

[في قضاء ديون النبي (صلى الله عليه وآله) وقصّة الأعرابي]

وروي مرفوعاً إلى جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام) قال: لمّا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) قضاء ديون النبي (صلى الله عليه وآله) وانجاز عداته أمر منادياً ينادي: من كان له على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دين أو عدة فليقل إلينا(3).

وكان يأتي(4) الرجل وأمير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يملك شيئاً، فقال: اللّهمّ اقض عن نبيّك صلوات الله عليه، فيصيب ما وعد النبي (صلى الله عليه وآله) تحت البساط لا يزيد درهماً ولا ينقص درهماً.

فقال أبو بكر لعمر: هذا يصيب ما وعد النبي تحت البساط ونخشى أن تميل الناس إليه، فقال: ينادي مناديك أيضاً فإنّك ستقضي كما قضى، فنادى مناديه: ألا من كان له عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) دين أو عدة فليقل(5)، فسلّط الله عليه أعرابياً، فقال: إنّ لي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة ثمانون ناقة حمراء(6)سود المقل بأزمتها ورحالها.

____________

1- في "ج": تخضرّ.

2- مدينة المعاجز 3: 175 ح818; عن الهداية للحضيني: 28 (الحجرية); وفي الثاقب: 246 ح211; والبحار 41: 248 ح1.

3- في "ج": فليأت إلينا.

4- في "ج": يُقبل.

5- في "ج": فليُقبل.

6- في "ج": حمر الوبر.

الصفحة 119

فقال أبو بكر: يا أعرابي تحضر عندنا في غد، فمضى الأعرابي، فقال أبو بكر لعمر: ألا ترى إلى هذا الأمر؟ إنّك لتلقيني في كلّ أذيّة، ويحك من أين في الدنيا عشرون ناقة بهذه الصفة، ما تريد إلاّ أن تجعلنا كذّابين عند الناس، فقال عمر: يا أبابكر انّ هنا حيلة تخلّصك منه، فقال: وما هي؟ فقال: تقول: احضرنا(1) بيّنتك على رسول الله بهذا الذي ذكرته حتّى نوفّيك إيّاه، فإنّ رسول الله لا تقوم عليه بيّنة في دين ولا عدة.

فلمّا كان من الغد حضر الأعرابي فقال: قد جئت للوعد، فقال له أبو بكر وعمر: يا أعرابي أحضرنا بيّنتك على رسول الله حتّى نوفيك، فقال الأعرابي: أترك رجلا يعطيني بلا بيّنة وأجيء إلى قوم لا يعطوني إلاّ ببيّنة، وما أرى إلاّ وقد انقطعت بكم الأسباب، أو تزعمون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان كذّاباً، لآتينّ أبا الحسن علياً فإن قال لي مثل ما قلتم لأرتدّنّ عن الإسلام.

فجاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: إنّ لي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدة ثمانون ناقة حمراء(2) سود المقل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اجلس يا أعرابي فإنّ الله تعالى سيقضي عن نبيّه (صلى الله عليه وآله)، ثمّ قال (عليه السلام): يا حسن يا حسين تعاليا فاذهبا إلى وادي فلان، وناديا عند شفير الوادي بأنّا رسولا وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليكم وحبيباه، وانّ لأعرابي عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمانون ناقة حمراء(3) سود المقل [فمضيا وناديا](4).

فأجابهما مجيب من الوادي: نشهد أنّكما حبيبا رسول الله (صلى الله عليه وآله)

____________

1- في "ب": احضر لنا.

2- في "ج": حمر الوبر.

3- في "ج": حمر الوبر.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 120

ووصيّاه، فانتظرا حتّى نجمعها بيننا، فما جلسا إلاّ قليلا فظهرت ثمانون ناقة حمراء سود المقل، وانّ الحسن والحسين (عليهم السلام) ساقاهما إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فدفعها إلى الأعرابي، وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(1).

[في بيان أحوال عمرو بن الحمق الخزاعي]

وباسناده إلى أبي حمزة الثمالي، عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام(2)الأنصاري قال: أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سرية فقال: انّكم تصلون ساعة كذا وكذا من الليل أرضاً لا تهتدون فيها مسيراً، فإذا وصلتم إليها فخذوا ذات الشمال، فإنّكم تمرّون برجل فاضل خير في شأنه، فاسترشدوه فيأبى أن يرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه، ويذبح لكم كبشاً فيطعمكم، ثمّ يقوم معكم فيرشدكم الطريق، فاقرؤوه منّي السلام وأعلموه انّي قد ظهرت بالمدينة.

فمضوا فلمّا وصلوا في ذلك الوقت إلى الموضع المسمّى ضلّوا، قال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) خذوا بذات الشمال؟ [فأخذوا ذات الشمال](3) فمرّوا بالرجل الذي وصفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم، فاسترشدوه الطريق، فقال: لا أرشدكم حتّى تأكلوا من طعامي، وذبح لهم كبشاً، فأكلوا من طعامه وقام معهم فأرشدهم الطريق وقال لهم: أَظَهَرَ النبي (صلى الله عليه وآله) بالمدينة؟ قالوا: نعم، وأبلغوه سلامه.

____________

1- مدينة المعاجز 3: 175 ح815; عن الهداية للحضيني: 153; وفي الخرائج 1: 175 ح8; عنه البحار 41: 192 ح4; ونحوه الثاقب في المناقب: 127 ح4; والخصائص للرضي: 49.

2- في بعض المصادر: حرام.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 121

فخلّف في شأنه(1) من خلّف ومضى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو عمرو بن الحمق الخزاعي بن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن عمرو بن سعد بن كعب(2).

فلبث معه (صلى الله عليه وآله) ما شاء الله، ثمّ قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إليّ منه، فإذا جاء أخي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الكوفة وجعلها دار هجرته فآته(3)، فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه حتّى إذا نزل أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة أتاه فأقام معه [بالكوفة](4)، فبينما أمير المؤمنين (عليه السلام) جالس وعمرو بين يديه فقال له: يا عمرو ألك دار؟ قال: نعم.

قال: بعها واجعلها في الأزد، فإنّي في غد لو غبت عنكم لطلبت فتتبعك الأزد(5) حتّى تخرج من الكوفة متوجّهاً نحو الموصل، فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده وتستسقيه الماء، فيسقيك ويسألك عن شأنك فتخبره فتصادفه مقعداً، فادعه إلى الإسلام فإنّه يسلم، فإذا أسلم فمر يدك على ركبتيه فإنّه ينهض صحيحاً سليماً ويتبعك.

____________

1- في "ب": في بستانه.

2- قال الشيخ عباس القمي رحمه الله في منتهى الآمال 1: 400: عمرو بن الحمق الخزاعي، العبد الصالح الإلهي، من حواري باب علم النبي (صلى الله عليه وآله)، ولقد وصل إلى المقام الأسنى بخدمته لأمير المؤمنين (عليه السلام) وأدرك حضوره، وقد شارك في جميع حروبه (الجمل وصفين والنهروان) وسكن الكوفة، وساعد حجر بن عديّ بعد استشهاد عليّ (عليه السلام) في منع بني اُمية عن سبّه، وكتب الإمام الحسين (عليه السلام) في رسالته إلى معاوية:

"أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، العبد الصالح الذي أَبْلَتْهُ العبادة فنحل جسمه، وصفر لونه بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً نزل عليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأةً على ربّك واستخفافاً بذلك العهد..." (البحار 44: 213).

3- في "ج": تنزل معه.

4- أثبتناه من "ج".

5- في "ج": لطلبت منك الأزد.

الصفحة 122

وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادة، فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قضيّتك(1) وما الذي أخافك وممّ تتوقّى، فحدّثه بأنّ معاوية طلبك ليقتلك ويمثّل بك بايمانك بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وطاعتك واخلاصك في ولايتي، ونصحك لله تعالى في دينك، وادعه إلى الإسلام فإنّه يسلم، ومرّ يدك على عينيه فإنّه يرجع بصيراً باذن الله تعالى، فيتابعك ويكونان معك، وهما اللذان يواريان جسدك في الأرض.

ثمّ تصير إلى دير على نهر يُدعى بالدجلة فإنّ فيه صدّيقاً عنده من علم المسيح (عليه السلام)، فاتّخذه لك أعون الأعوان على سرّك، وما ذاك إلاّ ليهديه الله بك، فإذا أحسّ بك شرطة ابن اُمّ حكم ـ وهو خليفة معاوية بالجزيرة، ويكون مسكنه بالموصل ـ فاقصد إلى الصدّيق الذي في الدير في أعلى الموصل.

فناده فإنّه يمتنع عليك، فاذكر اسم الله الذي علّمتك إيّاه فإنّ الدير يتواضع لك حتّى تصير في ذروته، فإذا رآك ذاك الراهب الصدّيق قال لتلميذ معه: ليس هذا من أوان المسيح، هذا شخص كريم، ومحمد (صلى الله عليه وآله) قد توفّاه الله ووصيّه قد استشهد بالكوفة، وهذا من حواريه.

ثمّ يأتيك ذليلا خاشعاً فيقول لك: أيّها الشخص العظيم لقد أهلتني بما لم أستحقّه، فبم تأمرني؟ فتقول له: استر تلميذي هذين عندك، وتشرف على ديرك هذا فانظر ماذا ترى، فإذا قال لك: إنّي أرى خيلا عابرة نحونا، فخلّف تلميذيك عنده وانزل واركب فرسك، واقصد نحو غار على شاطئ الدجلة فاستتر فيه، فإنّه لابد أن يسترك، وفيه فسقة من الجنّ والانس.

فإذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ، يظهر لك بصورة تنين أسود،

____________

1- في "ب" و "ج": قصّتك.

الصفحة 123

فينهشك نهشاً يبالغ في اضعافك ويفرّ فرسك، فيبتدر بك الخيل فيقولون: هذا فرس عمرو ويقصون أثره، فإذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين الدجلة والجادة، فقف لهم في تلك البقعة فإنّ الله تعالى جعلها حفرتك وحرمك، فألقهم بسيفك فاقتل منهم من استطعت حتّى يأتيك أمر الله، فإذا غلبوك جزّوا رأسك وشهروه على قناة إلى معاوية، ورأسك أوّل رأس يُشهر في الإسلام من بلد إلى بلد.

وبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: بنفسي ريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وثمرة فؤاده وقرّة عينه ولدي الحسين، فإنّي رأيته يسير وذراريه(1) بعدك يا عمرو من كربلاء بغربيّ(2) الفرات إلى يزيد بن معاوية.

ثمّ ينزل صاحبك المحجوب والمقعد فيواريان جسدك في موضع مصرعك، وهو من الدير والموصل على مائة وخمسين خطوة، فكان كما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(3).

[في خبر رميلة، وانّهم (عليهم السلام) يمرضون لمرض شيعتهم ويحزنون لحزنهم]

وروي مرفوعاً إلى حمران بن أعين، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن رميلة ـ وكان رجلا من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ قال رميلة: وعكت وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ وجدت منه خفّاً في نفسي في يوم الجمعة، فقلت: لا أعمل شيئاً أفضل من أن أفيض عليّ الماء وآتي المسجد واُصلّي خلف أمير المؤمنين (عليه السلام).

____________

1- في "ب": يسيّروا ذراريه.

2- في "ج": بقرب.

3- مدينة المعاجز 3: 179 ح820; عن الهداية للحضيني: 154.

الصفحة 124

ففعلت ذلك فلمّا علا المنبر في جامع الكوفة عاودني الوعك، فلمّا خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) من المسجد تبعته، فالتفت إليّ وقال: ما أراك إلاّ مشتكياً(1)بعضك في بعض، قد علمت ما بك من الوعك، وما قلت إنّك لا تعمل شيئاً أفضل من غسلك لصلاة الجمعة خلفي، وانّك كنت وجدت خفّاً فلمّا صلّيت وعلوتُ المنبر عاد عليك الوعك [ثانياً](2).

قال رميلة: فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما زدت في قصّتي ولا نقصت حرفاً، فقال لي: يا رميلة ما من مؤمن ولا مؤمنة يمرض مرضاً إلاّ مرضنا لمرضه، ولا يحزن حزناً إلاّ حزنّا لحزنه، ولا دعا إلاّ أمّنّا على دعائه، ولا يسكت إلاّ دعونا له.

فقلت: هذا يا أمير المؤمنين لمن كان معك في هذا المصر، فمن كان في أطراف الأرض منزله فكيف؟ فقال: يا رميلة ليس يغيب عنّا مؤمن ولا مؤمنة في مشارق الأرض ومغاربها إلاّ وهو معنا ونحن معه، وكان هذا من دلائله (عليه السلام)(3).

[في انطاق المسوخ له (عليه السلام)]

وروي مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالوا له: انّ المعتمد يزعم انّك تقول هذا الجري مسخ، فقال: مكانكم حتّى أخرج إليكم، فتناول ثوبه ثمّ خرج إليهم، فمضى حتّى انتهى إلى الفرات بالكوفة، فصاح: يا جري، فأجابه: لبّيك لبّيك.

قال: من أنا؟ قال: أنت إمام المتّقين، وأمير المؤمنين، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): فمن أنت؟ قال: أنا ممّن عرضت عليه ولايتك فجحدتها ولم أقبلها

____________

1- في "ج": مشتبكاً.

2- أثبتناه من "ب" و "ج".

3- نحوه بصائر الدرجات: 279 ح1 باب16; عنه البحار 26: 140 ح11; ومدينة المعاجز 2: 175 ح479; واختيار معرفة الرجال 1: 319 ح162; والهداية: 156.

الصفحة 125

فَمُسِخْتُ جرياً، وبعض هؤلاء الذين معك يمسخون جرياً، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): فبيّن قصّتك وممّن كنت، ومن مُسِخَ معك.

قال: نعم يا أمير المؤمنين، كنّا أربعاً وعشرين طائفة من بني اسرائيل قد تمرّدنا وطغينا واستكبرنا وتركنا المدن لا نسكنها أبداً، وسكنّا المفاوز رغبة منّا في البُعد عن المياه فأتانا آت ـ أنت والله أعرف به منّا ـ في ضحى النهار، فصرخ صرخة فجعلنا في مجمع واحد، وكنّا منبثّين(1) في تلك المفاوز والقفار، فقال لنا: ما لكم هربتم من المدن والأنهار والمياه وسكنتم هذه المفاوز؟

فأردنا أن نقول لأنّا فوق العالم ـ تعزّزاً وتكبّراً ـ فقال: قد علمت ما في أنفسكم، فعلى الله تتعزّزون وتتكبّرون؟ فقلنا له: لا، فقال: أليس قد أخذ عليكم العهد أن تؤمنوا بمحمد بن عبد الله المكّي؟ فقلنا: بلى، قال: وأخذ عليكم العهد بولاية وصيّه وخليفته من بعده أمير المؤمنين [عليّ بن أبي طالب](2)؟

فسكتنا، فلم نجب إلاّ بألسنتنا، وقلوبنا ونيّاتنا لم تقبلها ولا تقرّ بها، فقال: أو تقولون بألسنتكم خاصّة؟ ثمّ صاح بنا صيحة وقال لنا: كونوا باذن الله مسوخاً كلّ طائفة جنساً، ثمّ قال: أيّتها القفار كوني باذن الله أنهاراً تسكنك هذه المسوخ، واتّصلي ببحار الدنيا وبأنهارها حتّى لا يكون ماء إلاّ كانوا فيه.

فمسخنا ونحن أربعة وعشرون طائفة، فمنّا من قال: أيّها المقتدر علينا بقدرة الله تعالى فبحقّه عليك إلاّ ما أغنيتنا عن الماء، واجعلنا(3) على وجه الأرض كيف شئت، قال: قد فعلت، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا جري فبيّن لنا ما كانت أجناس المسوخ البريّة والبحريّة.

____________

1- في "ج": مقيمين.

2- أثبتناه من "ب" و "ج".

3- في "ج": وجعلتنا.

الصفحة 126

فقال: أمّا البحريّة فنحن الجري، والرق(1)، والسلاحف، والمارماهي(2)، والزمار(3)، والسراطين، وكلاب الماء، والضفادع، وبنت هرس، والعرصان(4)، والكوسج، والتمساح.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): وأمّا البريّة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، الوزغ، والخفاش، والكلب، والدب، والقرد، والخنازير، والضبّ، والحرباء، والأوز، والخنافس، والأرنب، والضبع، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): صدقت أيّها الجري، فما فيكم من طبع الانسانية وخلقها؟

قال الجري: أفواهنا والبعض لكلّ صورة، وكلّنا تحيض منّا الاناث، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): صدقت أيّها الجري، فقال الجري: يا أمير المؤمنين فهل من توبة؟ فقال (عليه السلام): الأجل هو يوم القيامة وهو اليوم المعلوم، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

قال الأصبغ: فسمعنا والله ما قال ذلك الجري ووعيناه، وكتبناه وعرضناه على أمير المؤمنين (عليه السلام)(5).

[في إحياء ميّت]

وباسناده إلى الصادق (عليه السلام) قال: انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت له خؤولة من جهة الاُبوّة في بني مخزوم، وانّ شابّاً منهم أتاه فقال له: يا خالي انّ

____________

1- الرق: نوع من دواب الماء شبه التمساح، وقيل: هو العظيم من السلاحف. (لسان العرب)

2- المارماهي: معرب أصله حيّة السمك. (مجمع البحرين)

3- الزمار: سمكة جسمها ممدود شديد الانضغاط من الجانبين، مقدمها طويل أحدب، وجسمها أملس لا تغطّيه الشعور.

4- في "ب": صرصاف.

5- مدينة المعاجز 3: 183 ح821; ومستدرك الوسائل 16: 170 ح19480; عن الهداية للحضيني: 157; وباختصار في البحار 27: 271 ح24.

الصفحة 127

صاحبتي(1) ورائي، وانّ أخي مات ضالاًّ وأنّي عليه حزين، قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أفتحبّ أن تراه؟ قال: نعم.

فلبس بردة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخرج معه حتّى انتهى إلى قبره، فركض(2) برجله القبر فخرج من قبره وهو يقول: ويته ويته(3) سلان، فقال له أخوه المخزومي: أولم تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: كنّا على سنّة أبي بكر وعمر في العربيّة، ونحن اليوم على سنّة الفرس، فليست ألسنتنا على دين الله بالفارسيّة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ارجع إلى مضجعك، وانصرف المخزومي معه، وكانت هذه من دلائله (عليه السلام)(4).

[في اخباره عن القائم (عليه السلام)]

وروي عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا(5) مع أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يطوف بالسوق فيأمرهم بوفاء الكيل والميزان حتّى انتصف النهار، فمرّ برجل جالس، فقام إليه وقال: يا أمير المؤمنين مر معي فادخل بيتي وتغدّى عندي، وادع الله لي فإنّك ما تغدّيت اليوم.

فقال (عليه السلام): على شرط أشرطه عليك، قال: لك شرطك، قال: على أن لا تدخر ما في بيتك(6) ولا تتكلّف ما وراء بابك، ثمّ دخل ودخلنا معه، فأكلنا خلاًّ

____________

1- في "ج": صاحبي.

2- في "ج": فوكز.

3- في "ج": ويه ويه.

4- الكافي 1: 456 ح7; والبصائر: 293 ح3 باب 4; عنه البحار 41: 195 ح8; والثاقب في المناقب: 228 ح4; ومدينة المعاجز 1: 232 ح146; والخرائج 1: 173 ح5; والهداية: 159.

5- في "ج": كنّا.

6- في "ج": على أن لا تدخلنّ في بيتك.

الصفحة 128

وزيتاً وتمراً، ثمّ خرج يمشي حتّى انتهى إلى باب قصر الامارة بالكوفة، فركض(1)برجله فتزلزلت الأرض.

ثمّ قال: أما والله لو علمتم ما هاهنا، أما والله لو قد قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف بيضة لها وجهان، ثمّ ألبسها اثني عشر ألف رجل من ولد العجم، ثمّ ليأمرهم أن يقتلوا كلّ من كان على خلاف ما هم عليه، وانّي لأعلم ذلك وأراه كما أعلم هذا اليوم وأراه، وكان هذا من دلائله(2).

[في شفائه (عليه السلام) للمكفوف والزمن والأبرص]

وروي مرفوعاً إلى مالك الأشتر قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) في ليلة مظلمة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليك السلام، ما الذي أدخلك عليّ في هذه الساعة يا مالك؟ قلت: حبّك(3)يا أمير المؤمنين وشوقي إليك، فقال: صدقت والله يا مالك، فهل رأيت أحداً ببابي هذه الليلة المظلمة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين رأيت ثلاثة نفر.

فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرج فخرجنا معه، فإذا بالباب رجل مكفوف ورجل زمن ورجل أبرص، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ما تصنعون ببابي في هذا الوقت؟ قالوا: جئناك يا أمير المؤمنين تشفينا ممّا بنا، فمسح (عليه السلام) عليهم جميعاً، فقاموا من غير عمى ولا زمانة ولا برص، فكان هذا من دلائله (عليه السلام)(4).

____________

1- في "ج": فوكز رجله.

2- الهداية الكبرى: 31 (الحجرية).

3- في "الف": جئتك.

4- الهداية للحضيني: 159; والثاقب في المناقب: 204 ح181; والخرائج 1: 196 ح34; عنه البحار 41: 195 ح7; ومدينة المعاجز 2: 74 ح407.

الصفحة 129

[في اخباره (عليه السلام) بقتل عمر، وحوادث آخر الزمان]

وباسناده إلى هارون بن سعيد قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لعمر: من علّمك الجهالة يا مغرور؟ أما والله لو كنت بصيراً، وكنت بما أمرك به رسول الله (صلى الله عليه وآله) خبيراً، وكنت في دينك تاجراً نحريراً لركبت العقر، ولفرشت القصب، ولما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياماً، ولما ظلمت عترة النبي (صلى الله عليه وآله) بفعل القبيح(1)، غير أنّي أراك في الدنيا قتيلا بجراحة من عبد اُمّ معمر، تحكم عليه جوراًفيقتلك، وذلك توفيقاً يدخل والله به الجنان على الرغم منك.

ولو كنت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) سامعاً مطيعاً لما وضعت سيفك على عاتقك ولما خطبت على المنبر، وكأنّي أراك وقد دعيت فأجبت ونودي باسمك فأحجمت، وانّ لك [بعد القتل](2) لهتك ستر وصلباً، ولصاحبك الذي اختارك وقمت مقامه من بعده.

فقال له عمر: يا أبا الحسن أما تستحي لنفسك من هذا [التهكّن](3)؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما قلت إلاّ ما سمعت، ولا نطقت إلاّ بما علمت، قال: فمتى يكون هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خرجت جيفتكما عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قبريكما الذين لم ترقدا فيهما نهاراً، كيلا يشك أحد فيكما إذ نبشتما، ولو دفنتما بين المسلمين لشك شاك وارتاب مرتاب.

وصلبتما على أغصان دوحات شجرة يابسة، فتورق تلك الدوحات بكما وتفرع وتخضر، فتكون فتنة لمن أحبّكما ورضى بفعالكما، ليميز الله الخبيث من الطيب، وكأنّي أنظر إليكما والناس يسألون العافية ممّا قد بُليتما به، فقال: فمن يفعل

____________

1- في "ج": بقبيح الفعل.

2- أثبتناه من "ج".

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 130

ذلك يا أبا الحسن؟

قال: عصابة قد فرقت بين السيوف وأغمادها، وارتضاهم الله لنصرة دينه، فما تأخذهم في الله لومة لائم، ولكأنّي أنظر إليكما وقد اُخرجتما من قبريكما، غضّين طريّين رطبين حتّى تصلبا على الدوحات، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما، ثمّ يؤتى بالنار التي اُضرمت لابراهيم (عليه السلام)، ويجيء جرجيس ودانيال وكلّ نبيّ وصدّيق ومؤمن، ثمّ يؤمر بالنار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وابني الحسن والحسين، وابنتي زينب واُمّ كلثوم، فتحرقا بها.

ويرسل الله عليكما ريحاً مرّة فتنسفكما في اليمّ نسفاً بعد أن يأخذ السيف ما كان منكما، ويصير مصيركما جميعاً إلى النار، وتخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال الله عزوجل: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب}(1) يعني من تحت أقدامكم.

قال: يا أبا الحسن يفرق بيننا وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم، قال: يا أبا الحسن انّك سمعت هذا وانّه حق؟ قال: فحلف أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله)، فبكى عمر وقال: إنّي أعوذ بالله ممّا تقول، فهل لذلك علامة؟ قال: نعم، قتل فضيع، وموت سريع، وطاعون شنيع.

ولا يبقى من الناس في ذلك الوقت إلاّ ثلثهم، وينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي، وتكثر الآيات حتّى تتمنّى الأحياء الموت ممّا يرون من الآيات، فمن هلك استراح ومن كان له عند الله خير نجا.

ثمّ يظهر رجل من ولدي يملأ الأرض عدلا وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً،

____________

1- سبأ: 51.

الصفحة 131

يأتيه الله ببقايا(1) قوم موسى ويحيى، له أصحاب الكهف، ويؤيّده الله بالملائكة والجنّ وشيعتنا المخلصين، وينزل من السماء قطرها، وتخرج الأرض نباتها، فقال له: يا أبا الحسن امّا إنّي أعلم انّك لا تحلف إلاّ على الحقّ، فوالله لا تذوق أنت ولا أحد من ولدك حلاوة الخلافة أبداً.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّكم لا تزدادون لي ولولدي إلاّ عداوة، فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أبا الحسن اعلم انّ أصحابي هؤلاء قد أحلّوني ممّا وليت من اُمورهم فإن رأيت أن تحلّني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أرأيت لو أحللتك أنا فهل لك بتحليل من قد مضى، رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابنته، ثمّ ولّى وهو يقول: {وأسرّوا الندامة لمّا رأوا العذاب}(2) فهذا كان من دلائله (عليه السلام)(3).

[في حديث الجام]

وباسناده مرفوعاً إلى الصادق (عليه السلام) قال: جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رحبة مسجده بالمدينة، وطائفة من المهاجرين والأنصار حوله، وأمير المؤمنين عن يمينه، وأبو بكر وعمر عن يساره إذ أظلّته غمامة لها زجل وحفيف، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا الحسن قد اُوتينا بهدية من عند الله.

ثمّ مدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده إلى الغمامة، فنزلت(4) ودنت من يده، فبدا منها جام يلمع حتّى غشى أبصار من في المسجد، وله روائح زالت من طيبها

____________

1- في "ج": ببقيا.

2- يونس: 54.

3- عنه مدينة المعاجز 2: 243 ح528; ونحوه الهداية الكبرى: 162.

4- في "ج": فتدلّت.

الصفحة 132

عقول الناس، والجام يسبّح لله تعالى ويقدّسه ويمجّده بلسان عربى مبين، حتّى نزل في بطن راحة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اليمنى وهو يقول:

"السلام عليك يا حبيب الله وصفوته ورسوله المختار من ربّ العالمين، والمفضل على أهل ملك الله أجمعين من الأوّلين والآخرين، وعلى وصيّك خير الوصيّين، وأخيك خير المؤاخين، وخليفتك خير المستخلفين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، ونور المستنيرين، وسراج المقتدين، وعلى زوجته ابنتك فاطمة خير نساء العالمين، الزهراء في الزاهرين، البتول اُمّ الأئمّة الراشدين المعصومين، وعلى سبطيك، ونوريك، وريحانتيك، وقرّتي عينيك الحسن والحسين".

فسمع ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) وجميع من حضر يسمعون ما يقول الجام، ويغضّون أبصارهم عن تلألؤ نوره، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يكثر من حمد الله وشكره حتّى قال الجام وهو في كفّه: يا رسول الله انّ الله بعثني إليك وإلى أخيك عليّ وابنتك فاطمة وإلى الحسن والحسين، فردني يا رسول الله إلى كفّ عليّ.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خذه يا أبا الحسن تحفة الله إليك، فمدّ يده اليمنى وصار في بطن راحته، فقبّله(1) واشتمّه وقال: مرحباً بزلفة الله لرسوله وأهل بيته، وأكثر من حمد الله والثناء عليه، والجام يكبّر الله ويهلّله ويقول لرسول الله: قل لعليّ يردني إلى فاطمة والحسن والحسين كما أمرني الله عزوجل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قم يا أبا الحسن فاردده في كفّ فاطمة وكفّ حبيبيّ الحسن والحسين.

فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمل الجام ونوره يزيد على نور الشمس، ورائحته قد أذهبت العقول طيباً حتّى دخل على فاطمة والحسن والحسين عليهم

____________

1- في "الف": فقلّبه.

الصفحة 133

السلام وردّه في أيديهم، فحيوا به وقبّلوه وأكثروا من ذكر الله وحمده وشكره والثناء عليه، ثمّ ردّوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فلمّا صار في كفّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام عمر على قدميه وقال: يا رسول الله ما بالك تستأثر بكلّ ما أتاك من عند الله من تحيّة وهديّة أنت وعليّ وفاطمة والحسن والحسين؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويحك يا عمر ما أجرأك! أما سمعت ما قال الجام؟ تسألني أن أعطيك ما ليس لك، فقال: يا رسول الله أفتأذن بأخذه واشتمامه وتقبيله؟

فقال: ويحك يا عمر، والله ما ذاك لك ولا لغيرك من الناس أجمعين غيرنا، فقال: يا رسول الله أفتأذن لي أن أمسّه بيدي؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أشدّ إلحاحك، قم فإن نلته فما محمد(1) رسول الله حقّ ولا جاء بحقّ من عند الله، فمدّ عمر يده نحو الجام فلم تصل إليه، فانصاع الجام وارتفع نحو الغمام وهو يقول: يا رسول الله هكذا يفعل المزور بالزائر؟

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ويلك يا عمر من جرأتك(2) على الله ورسوله، قم يا أبا الحسن على قدميك وامدد يدك إلى الغمام فخذ الجام وقل له: ماذا أمرك الله أن تؤدّيه، فقام إلى الجام فأخذه وقال له: رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لك ماذا أمرك الله أن تقوله فأنسيته(3).

قال الجام: نعم يا أخا رسول الله، أمرني أن أقول لكم: انّي قد أوقفني الله على نفس كلّ مؤمن ومؤمنة من شيعتكم، وأمرني بحضور وفاته حتّى لا يستوحش بالموت فيستأنس بالنظر إليّ، وأن أنزل على صدره وأسكره بروائح طيبي، فتفيض

____________

1- في "ب": فما أنا محمد.

2- في "ج": ما أجرأك.

3- في "ج": فنسيته.

الصفحة 134

نفسه وهو لا يشعر.

فقال عمر لأبي بكر: يا ليت مضى الجام بالحديث الأوّل ولم يذكر شيئاً، فكان هذا من فضل الله على رسوله وعلى أمير المؤمنين (عليهم السلام) ودلائلهما(1).

[خبر حبابة الوالبيّة]

روي مرفوعاً إلى رشيد الهجري قال: كنت وأبو عبد الله سلمان، وأبو عبد الرحمن قيس بن ورقاء، وأبو القاسم مالك بن التيهان، وسهل بن حنيف بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) بالمدينة إذ دخلت حبابة الوالبيّة وعلى رأسها كوز(2)شبه المنسف وعليها أسمار(3) سابغة، وهي متقلّدة بمصحف وبين أناملها سبحة من حصى ونوى.

فسلّمت وبكت كثيراً وقالت: يا أمير المؤمنين آه من فقدك، ووا أسفاه من غيبتك، وواحسرتاه على ما يفوت من الغنيمة منك، لا نلهو ولا نرغب عنك(4)، وانّني من أمري لعلى يقين وبيان حقيقة، وانّي لقيتك وأنت تعلم ما اُريد، فمدّ يده اليـُمنى وأخذ منها حصاة بيضاء تلمع من صفائها، وأخذ خاتمه من يده وطبع به الحصاة وقال لها: يا حبابة هذا كان مرادك منّي؟

فقالت: اي والله يا أمير المؤمنين، هذا اُريد لما سمعناه من تفرّق شيعتك واختلافهم من بعدك، فأردت هذا البرهان ليكون معي إن عمّرت بعدك ـ ولا عمّرت ـ ويا ليتني وأهلي وقومي لك الفداء، وإذا وقعت الاشارة وأرسلت(5)

____________

1- الهداية للحضيني: 164; عنه مدينة المعاجز 1: 155 ح92.

2- في "ج": مجمرة.

3- في "ج": أثمار.

4- في "الف": لا تلهو ولا ترغب عنك.

5- في "ج": أو شكّت.

الصفحة 135

الشيعة إلى من يقوم مقامك أتيته بهذه الحصاة، فإذا فعل بها ما فعلتَ علمتُ انّه الخلف من بعدك، وأرجو أن لا اُؤجّل لذلك.

فقال لها: بلى والله يا حبابة، لتلقين بهذه الحصاة الحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمد بن عليّ وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى الرضا، وكلّ إذا أتيتيه استدعى الحصاة منك وطبعها بهذا الخاتم لك، فعند عليّ بن موسى ترين في نفسك برهاناً عظيماً منه، وتختارين الموت، فتموتين ويتولّى أمرك ويقوم على حفرتك ويصلّي عليك، وأنا مبشّرك بأنّك مع المكرورات [من المؤمنات](1)مع المهدي من ذرّيتي إذا أظهر الله أمره.

فبكت حبابة وقالت: يا أمير المؤمنين من أين هذا لأمتك الضعيفة اليقين، القليلة العمل لولا فضل الله وفضل رسوله وفضلك يا أمير المؤمنين، فبكم نلت هذه المنزلة وأنا والله بما قلته موقنة كيقيني انّك أمير المؤمنين حقّاً لا سواك، فادعُ لي يا أمير المؤمنين بالثبات على ما هداني الله عليه، لا اُسلبه ولا اُفتن فيه ولا أضلّ عنه، فدعا لها أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحبها خيراً.

قالت حبابة: فلمّا قبض أمير المؤمنين (عليه السلام) بضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله في مسجد الكوفة أتيت مولاي الحسن (عليه السلام)، فقال لي: أهلا وسهلا يا حبابة هاتي الحصاة، وطبعها كما طبعها أمير المؤمنين (عليه السلام) وأخرج الخاتم بعينه، فلمّا مضى الحسن (عليه السلام) بالسمّ أتيت الحسين (عليه السلام)، فلمّا رآني قال: مرحباً يا حبابة هاتي الحصاة، فأخذها وختمها بذلك الخاتم.

فلمّا استشهد (عليه السلام) مضيت إلى عليّ بن الحسين (عليه السلام) وقد شكّ الناس فيه، ومالت شيعة الحجاز إلى محمد بن الحنفية، وصار إليّ من كبارهم جمع

____________

1- أثبتناه من "ج".

الصفحة 136

فقالوا: يا حبابة الله الله فينا، اقصدي عليّ بن الحسين بالحصاة حتّى يتبيّن الحق، فصرت إليه فلمّا رآني رحّب بي وقرّبني ومدّ يده وقال: هاتي الحصاة، فأخذها وطبعها بذلك الخاتم.

ثمّ صرت بعده إلى محمد بن عليّ، وإلى جعفر بن محمد، وإلى موسى بن جعفر، وإلى عليّ بن موسى الرضا، فكلّ يفعل مثل أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين، ثمّ علت سنّي، ورقّ جلدي، ودقّ عظمي، وحال سواد شعري، وكنت بكثرة نظري إليهم صحيحة البصر والعقل والفهم والسمع.

فلمّا صرت بحال استولى الكبر فيه قلت لمولاي عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): لا تغفل عنّي، تحضر جنازتي وتصلّي عليّ كما وعدني جدّك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: نعم أبشري(1) فإنّك معنا.

فكان من أمرها انّها ذات ليلة نائمة على فراشها إذ نزل بها الحمام المحتوم، فأيقضوها فإذا هي قد سلّمت، فلمّا كان من الغد وإذا برسول عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عندهم وعنده كفن وحنوط، ثمّ قاموا في جهازها، فصلّى عليها الرضا (عليه السلام) ولقّنها ثمّ قام على قبرها يبكي [عليها](2) ثمّ قال: أبلغي آبائي عنّي السلام(3).

[خبر اللوح الذي كان عند جابر]

وفي حديث [جابر بن عبد الله](4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أبي

____________

1- في "ج": إلتزمي.

2- أثبتناه من "ب".

3- هداية الحضيني: 167; عنه مدينة المعاجز 3: 190 ح824.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 137

لجابر بن عبد الله الأنصاري: انّ لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: في أيّ الأوقات أحببت.

فخلا به أبي في بعض الأوقات، فقال له: يا جابر [بحقّي عليك](1) أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد اُمّي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وما أخبرك به أبي ما كان في اللوح مكتوباً(2)، فقال جابر: أشهد بالله انّي دخلت على اُمّك فاطمة في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اُهنّئها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت انّه زمردة خضراء، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه(3) نور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت واُمّي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟

فقالت: هذا اللوح أهداه الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله)، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرّني بذلك.

قال جابر: فأعطتنيه اُمّك فاطمة فقرأته واستنسخته، فقال: هل لك يا جابر أن تعرضه عليّ؟ قال: نعم، فمشى معه أبي حتّى انتهى إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي صحيفة من رق(4)، [فقال: يا جابر اُنظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً](5).

قال جابر: أشهد بالله هكذا رأيته في اللوح: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عند الله العزيز الحكيم لمحمّد [بن عبد الله نبيّه](6) ونوره وسفيره وحجابه، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمد أسمائي، واشكر

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- في "ج": ما أخبرتك اُمّي انّه في ذلك اللوح مكتوب.

3- في "ب" و "ج": شبيه.

4- في "ب" و "ج": ورق.

5- أثبتناه من "ج".

6- أثبتناه من "ج".

الصفحة 138

نعمائي، ولا تجحد آلائي، انّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، قاصم الجبّارين، ومذلّ الظالمين، وديّان الدين.

إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذّبته عذاباً لا اُعذّبه أحداً من العالمين، وإيّاي فاعبد وعليَّ فتوكّل، إنّي لم أبعث نبيّاً وأكملت أيّامه وأنقصت مدّته إلاّ جعلت له وصيّاً، وإنّي فضّلتك على الأنبياء، وفضّلت وصيّك على الأوصياء(1)، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسناً وحسيناً، فجعلت حسناً معدن [حلمي و](2) علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة.

جعلت كلمتي التامّة معه، والحجّة البالغة عنده، بعترته اُثيب واُعاقِب، أوّلهم عليّ سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جدّه المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد عليَّ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر، ولأبشرنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه.

انتجبت بعده موسى، فتنة عمياء حندس، لأنّ خطط فرضي لا تنقطع وحجّتي لا تخفى، وانّ أوليائي لا يشقون، ألا ومن جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومَن غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ، وويل للمغيّرين(3) الجاحدين عند انقضاء مدّة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي.

انّ المكذّب بالباقي(4) مكذّب بكلّ أوليائي، وعلي وليّي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوّة، وأمنحه القيام بالاطلاع بها(5)، يقتله عفريت مستكبر، يدفن

____________

1- في "الف": الأولياء.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ج": للمفترين.

4- في "ج": بالثامن.

5- في "ج": وامتحنه بالاضطلاع بها.

الصفحة 139

بالمدينة التي بناها عبد صالح إلى جنب شرّ خلقي.

قد حقّ القول منّي لأقرّنّ عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي، وموضع سرّي، وحجّتي على خلقي، جعلت الجنّة مثواه، وشفّعته في سبعة(1) من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه عليّ وليّي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي.

أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن العلمي الحسن، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال وبهاء عيسى وصبر أيّوب، سيد الأولياء في زمانه.

ويتهادون رؤوسهم كما تهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، اُولئك أوليائي حقّاً، بهم أرفع(2) كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع الآصار والأغلال، اُولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واُولئك هم المهتدون".

قال عبد الرحمن بن سليم(3): قال أبو بصير: لولم تعرف في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك قصة(4) إلاّ عن أهله(5).

____________

1- في "ج": سبعين.

2- في "ج": أدفع.

3- في "ج": سالم.

4- في "ج": فطنة.

5- كمال الدين: 308 ح1 باب 28; عنه البحار 36: 195 ح3; ونحوه في الاختصاص: 210; والكافي 1: 527 ح3; وأمالي الطوسي: 291 ح566.

الصفحة 140

[أحاديث في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم]

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة يأتيني جبرئيل (عليه السلام) ومعه لواء الحمد وله سبعون شقة، الشقة منه أوسع من الشمس والقمر، وأنا على كرسي من كراسي الرضوان فوق منبر من منابر القدس، فآخذه وأدفعه إلى عليّ بن أبي طالب.

قال: فوثب عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله وكيف يطيق عليّ حمل اللواء وقد ذكرت انّه سبعون شقّة؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا عمر إذا كان يوم القيامة يعطي الله عليّاً من القوّة مثل قوّة جبرئيل، ومن النور مثل نور آدم، ومن الحلم مثل حلم رضوان، ومن الجمال مثل جمال يوسف، ومن الصوت ما يداني صوت داود، [ولولا أن يكون](1) داود خطيباً في الجنان لاُعطي مثل صوته.

وانّ علياً أوّل من يشرب من السلسبيل والزنجبيل، لا تزلّ لعليّ (عليه السلام) قدم على الصراط إلاّ وثبت له مكانها اُخرى، وانّ لعليّ وشيعته من الله مكاناً يغبط به الأوّلون والآخرون(2).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يخرج يوم القيامة قوم من قبورهم بيضٌ وجوههم(3) كبياض الثلج، عليهم ثياب بياضها كبياض اللبن، عليهم نعال من ذهب شراكها من زبرجد، فيؤتون بنوق من نور عليها رحائل من ذهب، أزمّتها من زبرجد، فيركبون حتّى ينتهون إلى الرحمن والناس في المحاسبة يغتمّون ويهتمّون، وهؤلاء يأكلون ويشربون.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): من هؤلاء يا رسول الله، فضرب بيده على منكب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ثمّ قال: هو لشيعتك(4) وأنت إمامهم، وهو

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- الخصال: 582 ح7 أبواب السبعين; عنه البحار 8: 3 ح3.

3- في "ج": بياض وجوههم.

4- في "ب" و "ج": هؤلاء شيعتك.

الصفحة 141

قول الله عزوجل: {يوم نحشر المتّقين إلى الرحمن وفداً}(1)(2).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لقد مثّلت لي اُمّتي في الطين حتّى رأيت كبيرهموصغيرهم أرواحاً قبل أن يخلق الأجساد، وانّي مررت بك وشيعتك فاستغفرت لكم.

فقال عليّ (عليه السلام): يا نبيّ الله زدني منهم، قال: نعم، تخرج أنت يا عليّ وشيعتك من قبورهم ووجوههم(3) كالقمر ليلة البدر وقد فرجت عنكم الشدائد، وذهبت عنكم الأحزان، تستظلّون تحت العرش، يخاف الناس ولا تخافون، وتوضع لكم مائدة والناس في المحاسبة(4).

وعن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: انّ للشمس وجهين; وجه يضيء لأهل السماء ووجه يضي لأهل الأرض وعلى الوجهين كتابة، ثمّ قال: أتدرون ما تلك الكتابة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: الكتابة التي تلي أهل السماء: "الله نور السماوات والأرض" وأمّا الكتابة التي تلي أهل الأرض: "عليّ نور الأرضين"(5).

عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: معاشر المسلمين اعلموا انّ لله تعالى باباً مَن دخلها أمن من النار ومن الفزع الأكبر، فقام إليه أبو سعيد الخدري فقال: يا رسول الله إهدنا إلى هذا الباب حتّى نعرفه.

قال: هو عليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وأمير المؤمنين، وأخو رسول ربّ

____________

1- مريم: 85.

2- المحاسن 1: 286 ح565; عنه البحار 7: 185 ح37.

3- في "ب" و "ج": من قبوركم ووجوهكم.

4- فضائل الشيعة: 32 ح27; عنه البحار 7: 180 ح20; ونحوه بصائر الدرجات: 104 ح5 باب 14.

5- مائة منقبة: 100 ح45; عنه البحار 27: 9 ح21; مدينة المعاجز 2: 406 ح631.

الصفحة 142

العالمين، وخليفته على الخلق أجمعين، معاشر الناس من أحبّ أن يستمسك(1)بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها فليستمسك بولاية عليّ بن أبي طالب، فإنّ ولايته ولايتي، وطاعته طاعتي، معاشر الناس من أحبّ أن يعرف الحجّة بعدي فليعرف عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، معاشر الناس من سرّه أن يتوالى بولاية الله فليتقلّد(2) بعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فإنّه خزانة علمي، [معاشر الناس من أحبّ أن يلقى الله وهو عنه راض فليوال عدّة الأئمة](3).

فقام جابر بن عبد الله فقال: وما عدّة الأئمة؟ فقال: يا جابر سألتني ـ يرحمك الله ـ عن الإسلام بأجمعه، عدّتهم عدّة الشهور وهي عند الله اثني عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، وعدّتهم عدّة العيون التي انفجرت لموسى بن عمران (عليه السلام) حين ضرب بعصاه البحر(4) فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً، وعدّتهم عدّة نقباء بني اسرائيل.

قال الله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً}(5)، والأئمة يا جابر اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم القائم صلوات الله عليهم أجمعين(6).

وعن سلمان الفارسي رحمه الله قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): يا سلمان من أحبّ فاطمة فهو في الجنّة معي، ومن أبغضها فهو في النار، يا سلمان حُبّ فاطمة ينفع في مائة من المواطن أيسر تلك المواطن الموت، والقبر، والميزان، والحشر،

____________

1- في "ج": يتمسّك.

2- في "ب" و "ج": فليقتد.

3- أثبتناه من "ج".

4- في "ب": الحجر.

5- المائدة: 12.

6- مائة منقبة: 94 ح41; وفي البحار 36: 263 ح84 عن كشف اليقين.

الصفحة 143

والصراط، والمحاسبة، فمن رضيت عنه ابنتي رضيت عنه، ومن رضيت عنه رضى الله عنه، ومن غضبت عليه فاطمة غضبت عليه، ومن غضبت عليه غضب الله عليه، وويل لمن يظلمها ويظلم بعلها أمير المؤمنين عليّ، وويل لمن يظلم ذرّيتها وشيعتها(1).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خلق الله من نور وجه عليّ بن أبي طالب سبعون ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه إلى يوم القيامة(2).

وفي رواية عن جابر، عنه (عليه السلام) انّه قال: إذا كان يوم القيامة يجمع الله الأوّلين والآخرين لفصل الخطاب، ودعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا بأمير المؤمنين (عليه السلام)، فيكسي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حلّة خضراء يضيء لها ما بين المشرق والمغرب، ويكسي عليّ مثلها، ثمّ يُدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله نُدخل أهل الجنّة الجنّة، ونُدخل أهل النار النار.

ثمّ يُدعى بالنبيّين (عليهم السلام) فيُقامون صفّين عند عرش الله عزوجل حتّى يفرغ من حساب الناس، فإذا دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار بعث الله ربّ العزّة تبارك وتعالى عليّاً فأنزلهم منازلهم في الجنّة وزوّجهم، فعليّ والله يزوّج أهل الجنّة في الجنّة، وما ذاك إلى أحد غيره كرامة من الله عزّ ذكره، وفضلا فضّله به ومَنّ به عليه، وهو والله يدخل أهل النار النار، وهو الذي يغلق على أهل الجنّة إذا دخلوا فيها أبوابها، لأنّ أبواب الجنّة إليه وأبواب النار إليه(3).

____________

1- مائة منقبة: 116 ح61; عنه البحار 27: 116 ح94; ومقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي: 60.

2- مناقب الخوارزمي: 71 ح47; عنه كشف الغمة 1: 101; عنه البحار 39: 275 ح52; ومائة منقبة: 66 ح19; ومدينة المعاجز 3: 35 ح699 و700.

3- الكافي 8: 159 ح154; عنه البحار 7: 337 ح24.

الصفحة 144

وذكر الشيخ ابن بابويه في أماليه يرفع مسنداً إلى ابن عمر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة يزيّن عرش ربّ العالمين بكلّ زينة، ثمّ يؤتى بمنبرين من نور طولهما مائة ميل، فيوضع أحدهما عن يمين العرش والآخر عن يساره(1)، ثمّ يؤتى بالحسن والحسين (عليهم السلام)، فيقوم الحسن على أحدهما والحسين على الآخر، يزيّن الربّ تبارك وتعالى بهما عرشه كما يزيّن المرأة قرطاها(2).

وفي أماليه يرفعه إلى ابن عباس في خبر طويل فيه فضائل شتّى أخذنا منه بعضها، قال: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسن (عليه السلام)، فلمّا رآه بكى ثمّ قال: إليّ إليّ يا بني، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليمنى، ثمّ أقبل الحسين (عليه السلام)، فلمّا رآه بكى ثمّ قال: إليّ إليّ يا بني، فما زال يدنيه حتّى أجلسه على فخذه اليسرى.

ثمّ أقبلت فاطمة (عليه السلام) فلمّا رآها بكى ثمّ قال: إليّ إليّ يا بنيّة، فأجلسها بين يديه، ثمّ أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا رآه بكى ثمّ قال: إليّ إليّ يا أخي فما زال يدنيه حتّى أجلسه إلى جانبه الأيمن، فقال له أصحابه: يا رسول الله ما ترى واحداً من هؤلاء إلاّ بكيت، أما فيهم من تسرّ برؤيته؟

فقال (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحقّ واصطفاني على جميع البريّة إنّي وإيّاهم لأكرم الخلق على الله عزوجل، وما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم، أمّا عليّ بن أبي طالب فهو أخي وشقيقي، وصاحب الأمر من بعدي، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وصاحب حوضي وشفاعتي، وهو إمام كلّ

____________

1- في "ج": عن يسار العرش.

2- أمالي الصدوق: 98 ح1 مجلس 24; عنه البحار 43: 261 ح3.

الصفحة 145

مؤمن [ومؤمنة](1)، وقائد كلّ تقيّ، بولايته صارت اُمّتي مرحومة، وبعداوته صارت المخالفة ملعونة، وإنّي بكيت حين أقبل لأني ذكرت غدر الاُمّة به بعدي.

وأمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وهي بضعة منّي، ونور عيني، وثمرة فؤادي، إذا قامت في محرابها زهر(2) نورها للملائكة، فيقول الله عزوجل: يا ملائكتي اُنظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم انّي قد آمنت شيعتها من النار، وانّي لمّا رأيتها ذكرت ما يُصنع بها بعدي، وكأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها، وغُصب حقّها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها(3)، وهي تنادي: "يا محمّداه" فلا تُجاب، وتستغيث فلا تُغاث.

وأمّا الحسن فهو منّي وولدي، وقرّة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، وحجّة الله على الاُمّة، أمره أمري، وقوله قولي، ومن تبع قوله فهو منّي، ومن عصاه فليس منّي، وإنّي لمّا نظرت إليه فذكرت ما يجري عليه من الذل بعدي، فلا يزال بالأمر حتّى يُقتل بالسم عدواناً وظلماً.

وأمّا الحسين فهو منّي، وهو ابني وولدي وخير الخلق بعد أبيه(4)، وهو إمام المسلمين، ومولى المؤمنين، وخليفة ربّ العالمين، وحجّة الله على خلقه أجمعين، وسيّد شباب أهل الجنّة، وباب نجاة الاُمّة، أمره أمري، وطاعته طاعتي، وإنّي لمّا رأيته تذكّرت ما يُصنع به بعدي، كأنّي به وقد استجار بحرمي وقبرى فلا يُجار،

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": ظهر.

3- روى الشيخ الصدوق في معاني الأخبار ص205، عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا عليّ انّ لك كنزاً في الجنّة وأنت ذو قرنيها...، ثمّ قال الشيخ الصدوق رحمه الله: وقد سمعت بعض المشايخ يذكر انّ هذا الكنز هو ولده محسن (عليه السلام)، وهو السقط الذي ألقته فاطمة لما ضُغطت بين البابين....

4- في "ج": بعد أخيه.

الصفحة 146

فأضمّه في منامه إلى صدري، وآمره بالرحلة عن دار هجرتي، واُبشّره بالشهادة.

فيرتحل عنها إلى أرض مقتله، وموضع مصرعه، أرض كرب وبلاء، تنصره عصابة من المسلمين، اُولئك سادة شهداء اُمّتي يوم القيامة، ثمّ بكى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبكى من حوله، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، ثمّ قام (عليه السلام) وهو يقول: اللّهمّ إنّي أشكو إليك ما يلقى أهل بيتي بعدي، ودخل منزله(1).

[في خبر الحارث الهمداني]

وروى الشيخ المفيد عن الأصبغ بن نباتة قال: دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في نفر من الشيعة وكنت فيهم، فجعل ـ يعني الحارث ـ يتأوّد في مشيته ويخطّ الأرض بمحجنه(2) وكان مريضاً، فأقبل على أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان له منه منزلة، فقال: كيف تجدك يا حارث؟

فقال: نال الدهر منّي يا أمير المؤمنين، وزادني أواراً(3) وغليلا اختصام شيعتك ببابك، فقال: وفيم خصومتهم؟ قال: في شأنك والبليّة من قبلك، فمن مفرط غال ومقتصد قال، ومن متردّد مرتاب لا يدري يقدم أم يحجم.

قال: فحسبك يا أخا همدان، ألا انّ خير شيعتي النمط الأوسط، إليهم يرجع الغالي وبهم يلحق القالي، قال: لو كشفت فداك أبي واُمّي الريب عن قلوبنا، وجعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا، قال: أفانّك(4) أمر ملبوس عليك؟ انّ دين الله لا يُعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحقّ تعرف أهله.

____________

1- أمالي الصدوق: 99 ح2 مجلس 24.

2- المحجن كالصولجان.

3- الأوارُ ـ بالضم ـ: شدّة حرّ الشمس، ولفح النار، ووهجها، والعطش. (لسان العرب)

4- في "ج": فإنّه.

الصفحة 147

يا حارث انّ الحق أحسن الحديث، والصادع به مجاهد، وبالحقّ اُخبرك فأعرني سمعك، ثمّ خبّرته(1) من كان له حظاة من أصحابك.

ألا إنّي عبد الله وأخو رسوله وصدّيقه الأوّل، صدّقته وآدم بين الروح والجسد، ثمّ صدقّته [في اُمّتكم](2) حقّاً، فنحن الأوّلون ونحن الآخرون، ألا وأنا خاصّته باختصاصه يا حارث، وخالصته محمد نبيّه، وأنا وصيّه ووليّه وصاحب نجواه وسرّه، اُوتيت فهم الكتاب وفصل الخطاب وعلم القرون والأسباب(3)، استودعت ألف مفتاح يفتح كلّ مفتاح ألف باب، يقضي كلّ باب ألف ألف عهد.

واُيّدت ـ أو قال: واُمددت ـ بثلاثة، وإنّ ذلك ليجري لي ولمن استحفظ من ذرّيتي ما جرى الليل والنهار حتّى يرث الله الأرض ومن عليها، وابشرك يا حارث ليعرفني والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة وليّي وعدوّي في مواطن: ليعرفني عند الممات، وعند الصراط، وعند المقاسمة، قال: وما المقاسمة يا مولاي؟ قال: مقاسمة النار، اُقاسمها قسمة صحاحاً، أقول: هذا وليّي وهذا عدوّي.

ثمّ أخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيد الحارث ثمّ قال: يا حارث أخذت بيدك كما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيدي فقال لي ـ واشتكيْت إليه حينئذ قريشاً والمنافقين ـ [فقال لي](4): انّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل أو بحجزة(5)ـ يعني عصمة ـ من ذي العرش تعالى، وأخَذْتَ أنت يا عليّ بحجزتي، وأخذَ ذرّيتك بحجزتك، وأخذ شيعتكم بحجزتكم، فماذا يصنع الله بنبيّه، ومايصنع نبيّه بوصيّه؟!(6)

____________

1- في "ب" و "ج": خبّر به.

2- أثبتناه من "ج"، وفي "الف" و "ب" كلمة غير مفهومة.

3- في "ب": الأنساب.

4- أثبتناه من "ب" و "ج".

5- في "ج": بحبل الله أو بحجزته.

6- روى المحدث القمي رحمه الله في منتهى الآمال 2: 283 قال: حُكي انّ أبا عبد الله (عليه السلام) كان عنده غلام يمسك بغلته إذا هو دخل المسجد، فبينا هو جالس ومعه بغلة إذ أقبلت رفقة من خراسان، فقال له رجل من الرفقة: هل لك يا غلام أن تسأله أن يجعلني مكانك وأكون له مملوكاً وأجعل لك مالي كلّه؟ فإنّي كثير المال من جميع الصنوف، إذهب فاقبضه وأنا اُقيم معه مكانك. فقال: أسأله ذلك، فدخل على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك تعرف خدمتي وطول صحبتي فإن ساق الله إليّ خيراً تمنعنيه؟

قال: أعطيك من عندي وأمنعك من غيري! فحكى له قول الرجل، فقال: إن زهدت في خدمتنا ورغب الرجل فينا قبلناه وأرسلناك، فلمّا ولّى عنه دعاه فقال له: أنصحك لطول الصحبة ولك الخيار، إذا كان يوم القيامة كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعلّقاً بنور الله، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) متعلّقاً بنور رسول الله، وكان الأئمة متعلّقين بأمير المؤمنين، وكان شيعتنا متعلّقين بنا يدخلون مدخلنا ويردون موردنا، فقال له الغلام: بل اُقيم في خدمتك واُؤثر الآخرة على الدنيا....

وقال رحمه الله مخاطباً أئمة الهدى ومصابيح الدجى:

عن حماكم كيف أنصرف * * * وهواكم لي به شرف

سيدي لا عشت يوم أرى * * * في سوى أبوابكم أقف

الصفحة 148

خذها إليك قصيرة من طويلة، أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت ـ أو قال: اكتسبت ـ قالها ثلاثاً، ثمّ قام الحارث يجرّ رداءه جذلا وقال: ما اُبالي وربّي بعد هذا متى لقيت الموت أو لقيني(1).

[في تأويل ما نزل فيهم (عليهم السلام) من الآيات]

وروى الشيخ الصدوق عن أبي جعفر محمد بن عليّ (عليه السلام) انّ سائلا سأله عن قول الله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم}(2) وكان جوابه أن قال:(3) {ألم تر إلى الذين اُوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا}(4) أئمة الضلال والدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمد سبيلا.

{اُولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً * أم لهم نصيب من

____________

1- أمالي المفيد: 10; وأمالي الطوسي: 625 ح1292; عنه البحار 39: 239 ح28; ونحوه بشارة المصطفى: 4; ومعالم الزلفى: 69.

2- النساء: 59.

3- في "ج": فكان جواب قومه أن قالوا.

4- النساء: 59.

الصفحة 149

الملك}(1) يعني الإمامة والخلافة {فاذاً لا يؤتون الناس نقيراً}(2) نحن الناس الذين عنى الله هاهنا، والنقير النقطة التي رأيت في وسط النواة.

{أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} نحن هؤلاء الناس المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله جميعاً {فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيماً} أي جعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة {فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه وكفى بجهنّم سعيراً}(3).

قال وكذلك قوله تعالى: {جعلناكم اُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}(4) قال: نحن الاُمّة الوسط، ونحن شهداء الله على خلقه وحجّته في أرضه.

قال: فقوله تعالى في آل ابراهيم: {وآتيناهم ملكاً عظيماً} إذ جعل فيهم أئمة من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، وهذا الملك العظيم(5).

وعن الشيخ الصدوق، عن الباقر (عليه السلام) انّه قال في قول الله تعالى: {ولو ردّوه إلى الرسول وإلى اُولي الأمر منهم}(6) قال: نحن اُولو الأمر الذين أمر الله بالردّ إلينا.

وعن الشيخ المذكور(7) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام): يا عليّ أنت والأوصياء من ولدك أعراف الله بين الجنّة والنار،

____________

1- النساء: 52-53.

2- النساء: 53.

3- النساء: 54-55.

4- البقرة: 143.

5- نحوه تفسير العياشي 1: 246 ح153; عنه البحار 23: 289 ح17.

6- النساء: 83.

7- في "ج": يرفعه الشيخ المفيد رحمه الله إلى سليم بن قيس الهلالي.

الصفحة 150

لا يدخلها إلاّ من عرفكم وعرفتموه، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرتموه(1).

[خبر النصراني الذي كان من ولد حواري عيسى (عليه السلام)]

يرفعه الشيخ المفيد رحمه الله إلى سليم بن قيس الهلالي قال: لمّا أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين (عليه السلام) نزل(2) قريباً من دير نصراني إذ خرج علينا شيخ من الدير جميل الوجه، حسن الهيئة والسمت، ومعه كتاب في يده حتّى أتى إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسلّم عليه [بالخلافة](3)، ثمّ قال: إنّي رجل من ولد حواري عيسى بن مريم، وكان أبي أفضل حواري عيسى (عليه السلام) الاثني عشر، وأحبّهم إليه وآثرهم عنده.

وانّ عيسى أوصى إليه ودفع إليه كتبه وحكمته، فلم يزل أهل هذا البيت على دينه، متمسّكين بمنزلته، لم يكفروا ولم يرتدّوا ولم يغيّروا(4)، وتلك الكتب عندي باملاء عيسى (عليه السلام) وخطّ أبينا بيده، فيها كلّ شيء تفعل الناس من بعده، واسم كلّ ملك منهم.

وانّ الله يبعث رجلا من العرب من ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل الله من أرض يقال لها "تهامة" من قرية يقال لها "مكة"، يقال له أحمد، له اثنى عشر اسماً، وذكر مبعثه ومولده وهجرته، ومن يُقاتله، ومن ينصره، ومن يعاديه، وما يعيش، وما تلقى اُمّته من بعده إلى أن ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) [من السماء](5).

وفي ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلا من ولد اسماعيل بن ابراهيم خليل الله

____________

1- نحوه البحار 39: 225 ضمن حديث 1; عن مناقب ابن شهر آشوب; وفي دعائم الإسلام 1: 25.

2- في "ج": نزلنا.

3- أثبتناه من "ج".

4- في "ج": لم يفتروا.

5- أثبتناه من "ب" و "ج".

الصفحة 151

تعالى من خير خلق الله تعالى، الله وليٌّ لمن والاهم وعدوٌّ لمن عاداهم، من أطاعهم اهتدى ومن عصاهم ضلّ وغوى، وطاعتهم لله طاعة ومعصيتهم لله معصية، مكتوبة أسماؤهم وأنسابهم ونعوتهم، وكم يعيش كلّ رجل منهم واحداً بعد واحد، وكم رجل منهم يستتر بدينه ويكتمه من قومه، ومن الذي يُظهر منهم لدينه وتُقاد له الناس حتّى ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) على آخرهم، فيصلّي عيسى خلفه ويقول له: إنّكم أئمة لا ينبغي لأحد أن يتقدّمكم، فيتقدّم ويصلّي بالناس وعيسى خلفه في صف أوّلهم وأفضلهم وخيرهم، وله مثل اُجورهم واُجور من أطاعهم واهتدى بهم(1).

[حكاية الجاثليق الأوّل]

بسم الله الرحمن الرحيم، بحذف الاسناد مرفوعاً إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه(2) قال: كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عزوجل به قريشاً بعد نبيّها (صلى الله عليه وآله) ليعرّفها أنفسها، ويخرج شهاداتها عمّا ادّعته(3) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته، ودحض حجّتها وكشف غطاء ما أسرّت في قلوبها، وأخرجت ضغائنها لآل الرسول (صلى الله عليه وآله)، أزالتهم عن إمامتهم وميراث

____________

1- راجع كتاب سليم: 115; عنه مدينة المعاجز 1: 499 ح325; وفضائل ابن شاذان: 142; عنه البحار 38: 51 ح8; وغيبة النعماني: 74 ح9; عنه البحار 36: 210 ح13.

2- قال العلامة المجلسي في البحار 30/84: انّ المحدّثين فرّقوا أجزاءه [أي أجزاء هذا الحديث] على الأبواب، وهي مرويّة في الاُصول المعتبرة، وهذا ممّا يدلّ على صحّتها، ويؤيّده أيضاً انّه قال الشيخ قدّس الله روحه في فهرسته: سلمان الفارسي رحمة الله عليه... روى خبر الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبي (صلى الله عليه وآله)....

3- قال العلامة المجلسي في البحار 30/84: انّ المحدّثين فرّقوا أجزاءه [أي أجزاء هذا الحديث] على الأبواب، وهي مرويّة في الاُصول المعتبرة، وهذا ممّا يدلّ على صحّتها، ويؤيّده أيضاً انّه قال الشيخ قدّس الله روحه في فهرسته: سلمان الفارسي رحمة الله عليه... روى خبر الجاثليق الرومي الذي بعثه ملك الروم بعد النبي (صلى الله عليه وآله)....

الصفحة 152

كتاب الله فيهم، ما عظمت خطيئته، وشملت فضيحته(1)، ووضحت هداية الله فيه لأهل دعوته وورثة نبيّه (صلى الله عليه وآله) وأنار قلوب أوليائهم، وعمّهم نفعه، وأصابهم بركاته(2):

انّ ملك الروم لما بلغه خبر وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخبر اُمّته واختلافهم في الاختيار عليهم، وتركهم سبيل هدايتهم، وادّعائهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه لم يوص إلى أحد بعد وفاته، واهماله إيّاهم يختاروا لأنفسهم، وتوليتهم الأمر بعدهم الأباعد من قومه، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابته(3)، دعا علماء بلده واستفتاهم(4)، فناظرهم في الأمر الذي ادّعته قريش بعد نبيّها (صلى الله عليه وآله)، وفيما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله).

فأجابوه بجوابات من حججهم على انّه محمد (صلى الله عليه وآله)، فسأل أهل مدينته أن يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم والاحتجاج عليهم، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته، فاختار منهم مائة رجل، فخرجوا يقدمهم الجاثليق لهم، قد أقرّت العلماء له جميعاً بالفضل والعلم، متبحّراً في علمه، يخرج الكلام من تأويله، ويرد كلّ فرع إلى أصله، ليس بالخرق ولا بالنزق(5) ولا البليد ولا الرعديد(6) ولا النكل ولا الفشل، ينصت لمن يتكلّم(7)، ويجيب إذا سئل، ويصبر إذا مُنع.

فقدم المدينة بمن معه من أخيار قومه وأصحابه حتّى نزل القوم عن

____________

1- في "ج": قضيّة.

2- في "ج": أضاء به برهانه.

3- في "ج": ذرّيته وأقربائه.

4- في "ج": وأساقفتهم.

5- النزق: الخفّة والطيش.

6- الرعديد ـ بالكسر ـ: الجبان.

7- في "ج": لم يتكلّم.

الصفحة 153

رواحلهم، فسأل أهل المدينة عمّن أوصى إليه محمد (صلى الله عليه وآله) ومن قام مقامه، فدلّوه على أبي بكر، فأتوا مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدخلوا على أبي بكر وهو في حشدة من قريش، فيهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، وعثمان بن عفان، وأنا في القوم.

فوقفوا عليه، فقال زعيم القوم: السلام عليكم، فردّوا (عليه السلام)، فقال: أرشدونا إلى القائم مقام نبيّكم فإنّا قوم من الروم، فإنّا على دين المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، فقدمنا لمّا بلغنا وفاة نبيّكم واختلافكم، نسأل عن صحّة نبوّته ونسترشد لديننا ونتعرّض لدينكم، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلّمنا وقبلنا الرشد منكم طوعاً، وأجبناكم إلى دعوة نبيّكم، وإن يكن خلاف ما جاءت به الرسل وجاء به عيسى رجعنا إلى دين المسيح، فإنّ عنده من عهد ربّنا(1) في أنبيائه ورسله دلالة ونوراً واضحاً، فأيّكم صاحب الأمر بعد نبيّكم؟.

فقال عمر بن الخطاب: هذا صاحبنا ووليّ الأمر بعد نبيّنا، قال الجاثليق: هو هذا الشيخ؟ فقال: نعم، فقال: أيّها الشيخ أنت القائم الوصيّ لمحمّد في اُمّته، وأنت العالم المستغني بعلمك ممّا علّمك نبيّك من أمر الاُمّة وما تحتاج إليه؟.

قال أبو بكر: لا ما أنا بوصيّ، قال له: فما أنت؟ قال عمر: هذا خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال النصراني: أنت خليفة رسول الله استخلفك في اُمّته؟ قال أبو بكر: لا، قال: فما هذا الاسم الذي ابتدعتموه وادّعيتموه بعد نبيّكم؟ وإنّا قد قرأنا كتب الأنبياء صلوات الله عليهم فوجدنا الخلافة لا تصلح إلاّ لنبيّ من أنبياء الله، لأنّ الله عزوجل جعل آدم خليفة في الأرض، فَرَضَ طاعته على أهل السماء والأرض، ونوّه باسم داود (عليه السلام) فقال: {يا داود إنّا جعلناك خليفة في

____________

1- في "الف": رأينا.

الصفحة 154

الأرض}(1) فكيف تسمّيت(2) بهذا الاسم، ومن سمّاك به؟ أنبيّك سمّاك به؟ قال: لا ولكن تراضوا الناس فولّوني واستخلفوني.

فقال: أنت خليفة قومك لا خليفة نبيّك وقد قلت انّ النبي لم يوص إليك، وقد وجدنا في كتب من سنن الأنبياء انّ الله لم يبعث نبيّاً إلاّ وله وصيّ يوصي إليه، وتحتاج الناس كلّهم إلى علمه، وهو مستغن عنهم، وقد زعمت انّه لم يوصّ كما أوصت الأنبياء، وادّعيت أشياء لست بأهلها، وما أراكم إلاّ وقد دفعتم نبوّة محمد، وقد أبطلتم سنن الأنبياء في قومهم.

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: إنّ هؤلاء يقولون انّ محمداً لم يأتهم بالنبوّة وإنّما كان أمره بالغلبة، ولو كان نبيّاً لأوصى كما أوصت الأنبياء، وخلّف فيهم كما خلّفت الأنبياء من الميراث والعلم، ولسنا نجد عند القوم أثر ذلك.

ثمّ التفت كالأسد فقال: يا شيخ أما أنت فقد أقررت انّ محمداً النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يوص إليك، ولا استخلفك وإنّما تراضوا الناس بك، ولو رضى الله عزوجل برضى الخلق، واتّباعهم لهواهم، واختيارهم لأنفسهم، ما بعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين، وآتاهم الكتاب والحكمة(3) ليبيّنوا للناس ما يأتون ويذرون وما فيه يختلفون، ولئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.

فقد دفعتم النبيّين عن رسالاتهم، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن اختيار الله عزوجل الرسل للعباد، واختيار الرسل لاُمّتهم، ونراكم تعظمون بذلك الفرية على الله عزوجل وعلى نبيّكم، ولا ترضون إلاّ أن تتسمون بعد ذلك بالخلافة، وهذا لا يحلّ إلاّ لنبي أو وصي نبي، وإنّما تصحّ الحجّة لكم بتأكيدكم النبوّة

____________

1- ص: 26.

2- في "الف": تسمّيتم.

3- في "ب": والحكم والنبوّة.

الصفحة 155

لنبيّكم وأخذكم بسنن الأنبياء في هداهم، وقد تغلّبتم فلابد لنا أن نحتجّ عليكم فيما ادّعيتم حتّى نعرف سبيل ما تدّعون إليه، ونعرف الحق فيكم بعد نبيّكم أصواب فعلتم بايمان أم بجهل أو كفرتم.

ثمّ قال: يا شيخ أجب، قال: فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه، فلم يحر(1) جواباً، ثمّ التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: بناء القوم على غير أساس ولا أرى لهم حجّة، أفهمتم؟ قالوا: بلى، ثمّ قال لأبي بكر: يا شيخ أسألك؟ قال: سل، قال: أخبرني عنّي وعنك، ما أنت عند الله وما أنا [عنده](2)؟

قال: فأمّا أنا فعند نفسي مؤمن وما أدري ما أنا عند الله فيما بعد، وأمّا أنت فعندي كافر ولا أدري ما أنت عند الله، قال الجاثليق: أمّا أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الايمان، وجهلت مقامك في ايمانك أمحقّ أنت فيه أم مبطل، وأمّا أنا فقد منيتني الايمان بعد الكفر، فما أحسن حالي وأسوء حالك عند نفسك إذ كنتَ لا توقن بما لك عند الله، فقد شهدت لي بالفوز والنجاة، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر.

ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: طيبوا نفساً فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر، ثمّ التفت إلى أبي بكر فقال: يا شيخ أين مكانك الساعة من الجنّة إذا ادّعيت الايمان، وأين مكاني من النار؟ قال: فالتفت أبو بكر إلى عمر وأبي عبيدة مرّة اُخرى ليجيبا عنه، فلم ينطق أحد منهما.

قال: ثمّ قال: ما أدري أين مكاني وما حالي عند الله، قال الجاثليق: يا هذا أخبرني كيف استجزت لنفسك أن تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك، فهل في اُمّة نبيّك من هو أعلم منك؟ قال: نعم.

قال: ما أعلمك وإيّاهم، إلاّ وقد حملوك أمراً عظيماً، وسفهوا بتقديمهم إيّاك

____________

1- في "ب": يجد.

2- أثبتناه من "ب".

الصفحة 156

على من هو أعلم منك، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عمّا سألتك كعجزك فأنت وهو واحد في دعواكم، فأرى نبيّكم ـ إن كان نبيّاً ـ فقد ضيّع علم الله عزوجل وعهده وميثاقه الذي أخذه على النبيّين من قبله فيكم في إقامة الأوصياء لاُمّتهم ليفزعوا إليه فيما يتنازعون في أمر دينكم، فدلّوني على هذا الذي هو أعلم منكم فعساه في العلم أكثر(1) منكم في محاورة وجواب وبيان ما يحتاج إليه من أثر النبوّة وسنن الأنبياء، ولقد ظلمك قومك وظلموا أنفسهم فيك.

قال سلمان رضي الله عنه: فلمّا رأيت ما نزل بالقوم من البهت والحيرة والذلّ والصغار، وما حلّ بدين محمد (صلى الله عليه وآله)، وما نزل بالقوم من الحزن نهضت لا أعقل أين أضع قدمي إلى باب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فدققت عليه الباب فخرج وهو يقول: ما دهاك يا سلمان؟

قال: قلت: هلك دين الله وهلك الإسلام بعد محمد (صلى الله عليه وآله)، وظهر أهل الكفر على دينه وأصحابه بالحجّة، فأدرك يا أمير المؤمنين دين محمد (صلى الله عليه وآله)، والقوم قد ورد عليهم ما لا طاقة لهم به ولا بدّ ولا حيلة، فأنت اليوم مفرج كربها، وكاشف بلواها، وصاحب ميسمها، وتاجها، ومصباح ظلمها، وفتاح(2) مبهمها.

قال: فقال عليّ (عليه السلام): ما ذاك؟ قال: قلت: قد قدم قوم [لهم قوّة](3) من ملك الروم في مائة رجل من أشراف قومهم يقدمهم جاثليق، لم أر مثله يورد الكلام على معانيه ويصرفه على تأويله، ويؤكّد حجّته، ويحكم ابتداءه، لم أسمع مثل حججه ولا سرعة جوابه من كنوز علمه.

____________

1- في "ج": أقلّ.

2- في "ب" و "ج": مفتاح.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 157

فأتى أبا بكر ـ وهو في جماعة ـ فسأله عن مقامه ووصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأبطل دعواهم بالخلافة، وغلبهم بادّعائهم تخليفهم مقامه، فأورد على أبي بكر مسألة أخرجه بها عن ايمانه وألزمه الكفر والشكّ في دينه، فعلتهم لذلك ذلّة وخضوع وحيرة، فأدرك يا أمير المؤمنين دين محمد فقد ورد عليهم ما لا طاقة لهم به.

فنهض أمير المؤمنين صلوات الله عليه معي حتّى أتينا القوم وقد اُلبسوا الذلّة والمهانة والصغار والحيرة، فسلّم عليّ (عليه السلام) ثمّ جلس فقال: يا نصراني أقبل عليّ بوجهك واقصدني بمسألتك(1)، فعندي جواب ما تحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون، وبالله التوفيق.

قال: فتحوّل النصراني إليه فقال: يا شاب إنّا وجدنا في كتب الأنبياء إنّ الله عزوجل لم يبعث نبيّاً قطّ إلاّ كان له وصيّ يقوم مقامه، وقد بلغنا اختلاف عن اُمّة محمد في مقام نبوّته، وادّعاء قريش على الأنصار، وادّعاء الأنصار على قريش واختيارهم لأنفسهم، فأقدمنا ملكنا وفداً وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد (صلى الله عليه وآله)، ونعرف سنن الأنبياء فيه، والاستماع من قومه الذين ادّعوا مقامه، أحقّ ذلك أم باطل؟ قد كذّبوا عليه كما كذّبت الاُمم بعد أنبيائها على نبيّها، ودفعت الأوصياء عن حقّها.

وإنّا وجدنا قوم موسى (عليه السلام) بعده عكفوا على العجل(2)، ودفعوا هارون عن وصيّته، واختاروا ما أنتم عليه، وكذلك سنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنّة الله تبديلا، فقدمنا فاُرشدنا إلى هذا الشيخ، فادّعى مقامه والأمر له من بعده، فسألناه عن الوصيّة إليه عن نبيّه فلم يعرفها، وسألته عن قرابته منه إذا

____________

1- في "ج": بحاجتك.

2- في "ب": السامري.

الصفحة 158

كانت الدعوة من ابراهيم (عليه السلام) فيما سبقت في الذرية(1) في إمامته انّه لا ينالها إلاّ ذريّة بعضها من بعض، ولا ينالها إلاّ مصطفى مطهّر، فأردنا أن نتبيّن(2) السنّة من محمد (صلى الله عليه وآله) وما جاء به النبيّون صلوات الله عليهم، واختلاف الاُمّة على الوصي كما اختلفت على من مضى من الأوصياء، ومعرفة العترة فيهم.

فإن وجدنا لهذا الرسول وصيّاً قائماً بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس، ويجيب بجوابات نبيّه، ويخبر عن أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والأنساب، وما يهبط من العلم ليلة القدر في كلّ سنة، وما تنزل به الملائكة والروح إلى الأوصياء صدّقنا بنبوّته، وأجبنا دعوته، واقتدينا بوصيّته، وآمنّا به(3) وبكتابه وما جاءت به الرسل من قبله، وإن يكن غير ذلك رجعنا إلى ديننا، وعلمنا انّ أحمد لم يُبعث.

وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح بنبوّة محمد (صلى الله عليه وآله)، وإنّما ادّعوا له وكان جبّاراً غلب على قومه بالقهر وملكهم، ولم يكن عنده أثر النبوّة، ولا ما جاءت به الأنبياء قبله، وانّه مضى وتركهم بهماً يغلب بعضهم بعضاً، وردّهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم لأنفسهم أيّ دين أحبّوا، وأيّ ملك أرادوا.

فأخرجوا محمداً (صلى الله عليه وآله) من سبيل الأنبياء، وجهلوه في رسالته، ودفعوا وصيّته، وزعموا انّ الجاهل يقوم مقام العالم، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل، وظهور الفساد في الأرض والبرّ والبحر، وحاشا لله عزوجل أن يبعث نبيّاً إلاّ مطهّراً مسدّداً مصطفى على العالمين، وانّ العالم أمير على الجاهل أبداً إلى يوم

____________

1- زاد في "ج" بعد قوله في الذرية: انّي جاعلك للناس إماماً قال ومن ذرّيتي قال لا ينال عهدي الظالمين وانّ الإمامة لا ينالها....

2- في "ج": يتبيّن لنا.

3- في "ج": اقتدينا بوصيّه واُمنائه.

الصفحة 159

القيامة.

فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه: هذا خليفة رسول الله، فقلت: إنّ هذا الاسم لا نعرفه لأحد بعد النبي إلاّ أن يكون لغة من لغات العرب، فأمّا الخلافة فلا تصلح إلاّ لآدم وداود (عليهم السلام)، والسنّة فيها للأنبياء والأوصياء، وإنّكم لتعظمون الفرية على الله وعلى رسوله، فانتفى من العلم واعتذر من الاسم وقال: إنّما تراضوا الناس بي فسمّوني خليفة، وفي الاُمّة من هو أعلم منّي، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى من اختاره، وقدمت مسترشداً وباحثاً عن الحقّ، فإن وضح لي اتّبعته ولم تأخذني في الله عزوجل لومة لائم، فهل عندك أيّها الشاب شفاء لما في صدورنا؟.

قال عليّ (عليه السلام): بلى عندي شفاء لصدوركم، وضياء لقلوبكم، وشرح لما أنتم عليه، وبيان لا يختلجكم الشك معه، واخبار من اُموركم، وبرهان لدلالتكم، فأقبل إليّ بوجهك، وفرّغ لي مسامع قلبك، واحضرني ذهنك، وعِ ما أقول لك، انّ الله بمنّه وطوله وفضله ـ له الحمد كثيراً دائماً ـ قد صدق وعده، وأعزّ دينه، ونصر محمداً عبده ورسوله، وهزم الأحزاب وحده، فله الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، تبارك وتعالى.

اختصّ محمداً (صلى الله عليه وآله) واصطفاه وهداه وانتجبه لرسالته إلى الناس كافّة برحمته، وإلى الثقلين برأفته، وفرض طاعته على أهل السماء وأهل الأرض، وجعله إماماً لمن قبله من الرسل، وخاتماً لمن بعده من الخلق، وورّثه مواريث الأنبياء، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة، واتّخذه نبيّاً ورسولا وحبيباً وإماماً، ورفعه إليه فقرّبه عن يمين عرشه بحيث لا يبلغه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل.

الصفحة 160

فأوحى الله إليه في وحيه: {ما كذب الفؤاد ما رأى}(1) وأنزل علاماته على الأنبياء، وأخذ ميثاقهم: {لتؤمننّ به ولتنصرنّه}(2) ثمّ قال: {ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}(3).

وقال: {يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي اُنزل معه اُولئك هم المفلحون}(4).

فما مضى (صلى الله عليه وآله) حتّى أتمّ الله عزوجل مقامه، وأعطاه وسيلته، ورفع له درجته، فلن يذكر الله عزوجل إلاّ كان معه مقروناً، وفرض دينه، ووصل طاعته بطاعته، فقال: {من يُطع الرسول فقد أطاع الله}(5) وقال: {ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}(6).

فأبلغ عن الله عزوجل رسالته، وأوضح برهان ولايته، وأحكم آياته، وشرع شرائعه وأحكامه، ودلّهم على سبيل نجاتهم، وباب هدايته وحكمته، وكذلك بشّر به النبيّون (عليهم السلام) قبله، وبشّر به عيسى روح الله وكلمته، إذ يقول في الانجيل: أحمد العربي الاُمّي، صاحب الجمل الأحمر والقضيب.

وأقام لاُمّته وصيّه فيهم، وعيبة علمه، وموضع سرّه، ومحكم آيات كتابه، وتاليه حقّ تلاوته وتأويله، وباب حِطّتِهِ، ووارث كتابه، وخلّفه مع كتاب الله فيهم،

____________

1- النجم: 11.

2- النجم: 11.

3- النجم: 11.

4- الأعراف: 157.

5- النساء: 80.

6- النساء: 80.

الصفحة 161

وأخذ فيهم الحجّة فقال: قد خلّفت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا(1)، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان كتاب الله الثقل الأكبر، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، سبب بأيديكم وسبب بيد الله عزوجل، وإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا، ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم.

وأنا وصيّه، والقائم بتأويل كتابه، والعارف بحلاله وحرامه، وبمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وأمثاله وعبره وتصاريفه، وعندي علم ما تحتاج إليه اُمّته من بعده وكلّ قائم وملتوي، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والأنساب، وفصل الخطاب، ومولد الإسلام، ومولد الكفر، وصاحب الكرّات، ودولة الدول.

فاسألني عمّا يكون إلى يوم القيامة، وعمّا كان على عهد عيسى (عليه السلام) منذ بعثه الله تبارك وتعالى، وعن كلّ وصيّ، وكلّ فئة تضلّ مائة وتهدي مائة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم القيامة، وكلّ آية نزلت في كتاب الله، في ليل نزلت أم نهار، وعن التوراة والانجيل والقرآن العظيم، فإنّه (صلى الله عليه وآله) لم يكتمني شيئاً من علمه ولا شيئاً تحتاج إليه الاُمم من أهل التوراة والانجيل، وأصناف الملحدين، وأحوال المخالفين، وأديان المختلفين.

وكان (صلى الله عليه وآله) خاتم النبيّين بعدهم، وعليهم فرضت طاعته والايمان به والنصر له(2)، تجدون ذلك مكتوباً في التوراة والانجيل والزبور، وفي الصحف الاُولى صحف ابراهيم وموسى، ولم يكن ليضيّع عهد الله عزوجل في خلقه ويترك الاُمّة تائهين بعده، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو

____________

1- في "ج": لن تضلّوا أبداً.

2- في "ج": النصرة له.

الصفحة 162

والأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر](1) وإقامة القسطاس المستقيم.

وانّ الله عزوجل أوحى إليه كما أوحى الى نوح والنبيّين من بعده، وكما أوحى الى موسى وعيسى (عليهم السلام)، فصدّق الله، وبلّغ رسالته، وأنا على ذلك من الشاهدين، وقد قال الله تبارك وتعالى: {فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}(2).

وقال: {كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}(3).

وقد صدّقه الله وأعطاه الوسيلة إليه وإلى الله عزوجل فقال: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين}(4) فنحن الصادقون، وأنا أخوه في الدنيا والآخرة، والشاهد منه عليهم بعده، وأنا وسيلته بينه وبين اُمّته، وأنا وولدي ورثته، وأنا وهم كسفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.

وأنا وهم كباب حطّة في بني اسرائيل، وأنا بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعده، وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) على بيّنة من ربّه، وتعرض طاعتي ومحبّتي بين أهل الايمان(5) وأهل الكفر وأهل النفاق، فمن أحبّني كان مؤمناً، ومن أبغضني كان كافراً، والله ما كذبت ولا كُذّبت ولاضللت ولا ضلّ بي، وانّي لعلى بيّنة بيّنها ربّي عزوجل لنبيّه محمد (صلى الله عليه وآله) فبيّنها لي، فاسألوني عمّا كان وعمّا هو كائن إلى يوم القيامة.

قال: والتفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: هذا هو والله الناطق بالعلم

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- النساء: 41.

3- الرعد: 43.

4- التوبة: 119.

5- في "ب" و "ج": وفرض... على أهل الايمان.

الصفحة 163

والقدرة، الفاتق الراتق، ونرجوا [من الله](1) أن يكون قد صادفنا حظّنا، ونور هدايتنا، وهذه والله حجج الأوصياء من الأنبياء على قومهم.

قال: ثمّ التفت إلى عليّ (عليه السلام) فقال: كيف عدل بك القوم عن قصدهم إيّاك، وادّعوا ما أنت أولى به منهم؟ ألا وقد وقع القول عليهم فضرّوا أنفسهم، وما ضرّ ذلك الأوصياء مع ما أغناهم الله عزوجل به من العلم، واستحقاق مقامات رسله، فأخبرني أيّها العالم الحكيم عنّي وأنت، ما أنت عند الله وما أنا عنده؟.

قال عليّ (عليه السلام): أمّا أنا فعند الله عزوجل مؤمن وعند نفسي مؤمن، مستيقن بفضله ورحمته وهدايته ونعمته عليّ، وكذلك أخذ الله جلّ جلاله ميثاقي على الايمان، وهداني لمعرفته، ولا أشك في ذلك ولا أرتاب، لم أزل على ما أخذه الله عليّ من الميثاق، ولم اُبدّل ولم اُغيّر، وذلك بمنّ الله ورحمته وصنعه، أنا في الجنّة لا أشك في ذلك ولا أرتاب، لم أزل على ما أخذ الله عزوجل عليّ من الميثاق، فإنّ الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبيّنة.

وأمّا أنت فعند الله كافر بجحودك الميثاق والاقرار الذي أخذ الله عليك بعد خروجك من بطن اُمّك، وبلوغك العقل، ومعرفة التمييز للجيّد والردي، والخير والشر، واقرارك بالرسل، وجحودك لما أنزل الله في الانجيل من أخبار النبيّين (عليهم السلام) ما دمت على هذه الحال كنت في النار لا محالة.

قال: فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنّة، فقال علي (عليه السلام): فلم أدخلها فأعرف مكاني من الجنّة ومكانك من النار، ولكن أعرف(2)ذلك من كتاب الله عزوجل، انّ الله جلّ جلاله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالحق، وأنزل عليه كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من

____________

1- أثبتناه من "ب" و "ج".

2- في "ب": أعرفك.

الصفحة 164

حكيم حميد، أحكم فيه جميع علمه.

وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الجنّة بدرجاتها ومنازلها، وقسّم الله جلّ جلاله الجنان بين خلقه لكلّ عامل منهم ثواباً منها، وأحلّهم على قدر فضائلهم في الأعمال والايمان، فصدّقنا الله وعرفنا منازل الأبرار، وكذلك منازل الفجّار وما أعدّ لهم من العذاب في النار وقال: {لها سبعة أبواب لكلّ باب منهم جزء مقسوم}(1) فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه فلكلّ باب منهم جزء مقسوم، وقد قال عزوجل: {إنّ في ذلك لآيات للمتوسّمين}(2) وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو المتوسّم، وأنا والأئمة من ذرّيتي المتوسّمون إلى يوم القيامة.

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: قد أصبتم إرادتكم وأرجو أن تظفروا بالحقّ الذي طلبنا، إلاّ انّه(3) قد نصبت له مسائل فإن أجابنا عنها نظرنا في أمرنا وقبلت منه.

قال عليّ (عليه السلام): فإن أجبتك عمّا سألتني عنه ـ وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له مدفعاً، ولا من قبوله بدّاً ـ أن تدخل في ديننا؟ قال: نعم، فقال عليّ (عليه السلام): الله عليك راع كفيل إذا أوضح لك الحق وعرفت الهدى أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك؟ قال الجاثليق: نعم، لك الله عليّ راع كفيل انّي أفعل ذلك.

فقال (عليه السلام): فخذ على أصحابك الوفاء، قال: فأخذ عليهم العهد، ثمّ قال عليّ (عليه السلام): سل عمّا أحببت، قال: أخبرني عن الله عزوجل أحمل العرش أم العرش يحمله؟

قال (عليه السلام): الله حامل العرش، والسماوات والأرض وما فيهما وما

____________

1- الحجر: 44.

2- الحجر: 75.

3- في "ج": إلاّ انّي.

الصفحة 165

بينهما، وذلك قول الله عزوجل: {انّ الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده انّه كان حليماً غفوراً}(1)، قال: فأخبرني عن قوله عزوجل: {ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية}(2) فكيف ذلك وقلت انّه يحمل العرش والسماوات والأرض؟.

قال عليّ (عليه السلام): انّ العرش خلقه الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر احمرّت منه الحمرة، ونور أخضر اخضرّت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرّت منه الصفرة، ونور أبيض ابيضّ منه البياض، وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من عظمته، فبعظمته ونوره ابيضّت قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه.

إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة، والأديان المنشئة(3)، وكلّ محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وكلّ شيء محمل والله عزوجل الممسك لها أن تزولا، والمحيط بها وبما فيها من شيء، وهو حياة كلّ شيء، ونور كلّ شيء، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

قال: فأخبرني عن الله عزوجل أين هو؟ قال (عليه السلام): هو هاهنا وهاهنا، وهاهنا وهاهنا، وهو فوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا

____________

1- فاطر: 41.

2- الحاقة: 17.

3- في "ب" و "ج": المتشتّتة.

الصفحة 166

أكثر إلاّ هو معهم أين ما كانوا ثمّ ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}(1) والكرسي محيط بالسماوات والأرض، ولا يؤده حفظهما وهو العليّ العظيم.

فالذين يحملون العرش هم العلماء، هم الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق الله(2) عزوجل في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه الله عزوجل خليله (عليه السلام)، قال: {وكذلك نُري ابراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين} فكيف يحمل العرش الله وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته [وانقادوا](3)؟

قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: هذا والله الحقّ من عند الله عزوجل على لسان المسيح والنبيّين والأوصياء (عليهم السلام)، قال: أخبرني عن الجنّة، في الدنيا هي أم في الآخرة؟ وأين الآخرة والدنيا؟.

قال (عليه السلام): الدنيا في الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا، إذا كانت النقلة عن الحياة إلى الموت ظاهرة، وكانت الآخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، وذلك أنّ الدنيا نقلة والآخرة حياة، ومقام مثل ذلك النائم، وذلك انّ الجسم ينام والروح لا تنام، والبدن يموت والروح لا تموت، قال الله عزوجل: {وانّ الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}(4).

والدنيا رسم الآخرة، والآخرة رسم الدنيا، وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروح الجسم يرجع كلّ واحد منهما إلى ما منه بدأ وما منه خلق، وكذلك الجنّة والنار في الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة، لأنّ العبد إذا مات صار في دار من الأرض، أمّا روحة في روضة من رياض الجنّة، وأمّا بقعة من بقاع

____________

1- المجادلة: 7; وزاد في "ج": انّ الله بكلّ شيء عليم. وهو تمام الآية.

2- في البحار: خلقه الله عزوجل.

3- أثبتناه من البحار.

4- العنكبوت: 64.

الصفحة 167

النار، وروحه إلى أحد دارين: امّا في دار نعيم مقيم لا موت فيها، وامّا في دار عذاب أليم لا موت فيها، والرسم لمن عقل موجود واضح، وقد قال الله عزوجل: {كلاّ لو تعلمون علم اليقين * لترونّ الجحيم * ثمّ لترونّها عين اليقين * ثمّ لتسألنّ يومئذ عن النعيم}(1)، وعنى الكفّار فقال: {كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً}(2) ولو علم الإنسان علم ما هو فيه مات حيّاً(3) ما من الموت، ومن نجا فبفضل اليقين.

قال: فأخبرني عن قوله عزوجل: {وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويّات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون}(4) فإذا طويت السماء وقبضت الأرض فأين تكون الجنّة والنار، وهما فيهما؟.

قال: فدعا بدواة وقرطاس ثمّ كتب فيه الجنّة والنار، ثمّ درج القرطاس ودفعه إلى النصراني وقال له: أليس قد طويت هذا القرطاس؟ قال: نعم، قال: فافتحه، قال: ففتحه، قال: هل ترى آية النار وآية الجنّة أمحاهما [طيّ](5)القرطاس؟ قال: لا، قال: فهكذا في قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الأرض لم تبطل الجنّة والنار كما لا يبطل طيّ هذا الكتاب آية الجنّة وآية النار.

قال: فأخبرني عن قول الله عزوجل: {كلّ شيء هالك إلاّ وجهه}(6) ما هذا الوجه؟ وكيف هو؟ وأين يؤتى(7)؟ وما دليلنا عليه؟ قال عليّ (عليه السلام): يا غلام عليّ بحطب ونار، فأتى بحطب ونار، فأمر أن تُضرم، فلمّا استوقدت واشتعلت قال

____________

1- الكهف: 101.

2- الكهف: 101.

3- في "ج": خوفاً.

4- الزمر: 67.

5- أثبتناه من "ج" والبحار.

6- القصص: 88.

7- في "ب": وأين هو.

الصفحة 168

له: يا نصراني هل تجد لهذه النار وجهاً دون وجه؟ قال: لا [بل](1) حيثما أتيتها(2)فهو وجه.

قال (عليه السلام): فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في صنعها(3) وسرعة زوالها لا تجد لها وجهاً، فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من شيء أجابه؟ كيف يوصف بوجه، أو بحدّ يُحدّ، أو يُدرك ببصر، أو يُحيط به عقل، أو يضبطه وهم، وقال الله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}(4)؟!.

قال الجاثليق: صدقت أيّها الوصيّ العليم الحكيم الرفيق الهادي، أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله أرسله بالحقّ بشيراً ونذيراً، وانّك وصيّه وصديقه ودليله، وموضع سرّه، وأمينه على أهل بيته، ووليّ المؤمنين من بعده، من أحبّك وتولاّك هديته ونوّرت عينه وقلبه، وأعنته وكفيته وشفيته، ومن تولّى عنك، وعدل عن سبيلك غبن عن حظّه، واتّبع هواه بغير هدى من الله ورسوله، وكفى هداك ونورك هادياً وكافياً وشافياً.

قال: ثمّ التفت إلى القوم فقال: يا هؤلاء قد أصبتم اُمنيتكم وأخطأتم سنّة نبيّكم، فاتّبعوه تهتدوا وترشدوا، فما دعاكم إلى ما فعلتم؟ ما أعرف لكم عذراً بعد آيات الله والحجّة عليكم، أشهد انّها سنّة في الذين خلوا من قبلكم ولا تبديل لكلمات الله، وقد قضى عزوجل الاختلاف على الاُمم والاستبدال بأوصيائهم بعد أنبيائهم، وما العجب إلاّ منكم بعدما شاهدتم، فما هذه القلوب القاسية، والحسد الظاهر، والضغن والافك المبين؟!.

قال: وأسلم النصراني ومن معه، وشهدوا لعليّ (عليه السلام) بالوصيّة، ولمحمّد

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": لقيتها.

3- في "ب" و "ج": ضعفها.

4- الشورى: 11.

الصفحة 169

(صلى الله عليه وآله) بالحق والمروة(1)، وانّه الموصوف المنعوت في التوراة والانجيل، ثمّ خرجوا منصرفين إلى ملكهم ليردّدوا إليه(2) ما عاينوا وما سمعوا.

فقال عليّ (عليه السلام): الحمد لله الذي أوضح برهان محمد (صلى الله عليه وآله)، وأعزّ دينه ونصره، وصدّق رسوله وأظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله.

قال: فتباشر القوم بحجج عليّ (عليه السلام) وبيان ما أخرجه إليهم وانكشفت(3) عنهم الذلة، وقالوا: أحسن الله جزاك(4) يا أبا الحسن في مقامك بحقّ نبيّك، ثمّ تفرّقوا وكأنّ الحاضرين لم يسمعوا شيئاً ممّا فهمه القوم الذين هم عندهم أبداً، وقد نسوا ما ذكّروا به، والحمد لله ربّ العالمين.

قال سلمان الخير: فلمّا خرجوا من المسجد وتفرّق الناس وأرادوا الرحيل أتوا عليّاً (عليه السلام) مسلّمين عليه، ويدعون الله له(5)، واستأذنوا فخرج إليهم عليّ (عليه السلام) فجلسوا، فقال الجاثليق: يا وصيّ محمد وأبا ذرّيته ما نرى الاُمّة إلاّ هالكة كهلاك من مضى من بني اسرائيل من قوم موسى، وتَرْكهم هارون وعكوفهم على أمر السامري، وإنّا وجدنا لكلّ نبيّ بعثه الله عدوّاً شياطين الانس والجن يفسدان على النبي دينه، ويهلكان اُمّته، ويدفعان وصيّه، ويدعيان الأمر بعده(6).

وقد أرانا الله عزوجل ما وعد الصادقين من المعرفة بهلاك هؤلاء القوم،

____________

1- في البحار: النبوّة.

2- في البحار: ليردّوا عليه.

3- في "ج": كشف.

4- في "ب": جزاك الله.

5- في "ج": مودّعين له.

6- في "ب": انّ الأمر بعده.

الصفحة 170

وبيّن سبيلك وسبيلهم، وبصرنا ما أعماهم عنه، ونحن أولياؤك، وعلى دينك، وعلى طاعتك، فمرنا بأمرك إن أحببت أقمنا معك ونصرناك على عدوّك، وإن أمرتنا بالمسير سرنا وإلى ما صرفتنا إليه صرنا، وقد نرى صبرك على ما ارتكب منك، وكذلك سيماء الأوصياء وسنّتهم بعد نبيّهم، فهل عندك من نبيّك (صلى الله عليه وآله) فيما أنت فيه وهم؟

قال علي (عليه السلام): نعم والله عندي لعهداً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممّا هم صائرون إليه وما هم عاملون، وكيف يُخفي عليّ أمر اُمّته وأنا منه بمنزلة هارون من موسى، ومنزلة شمعون من عيسى؟! أوما تعلمون انّ وصيّ عيسى شمعون بن حمّون الصفا ـ ابن خاله ـ اختلفت عليه اُمّة عيسى (عليه السلام)، وافترقوا أربع فرق، فافترقت الأربع على اثنين وسبعين فرقة كلّها هالكة إلاّ فرقة، وكذلك اُمّة موسى (عليه السلام) افترقت على احدى وسبعين فرقة كلّها هالكة إلاّ فرقة.

وقد عهد إليّ محمد (صلى الله عليه وآله) انّ اُمّته يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، ثلاث عشرة فرقة تدّعي مودّتنا، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة، وإنّي لعلى بيّنة من ربّي، وإنّي عالم بما يصير القوم له، ولهم مدّة وأجل معدود لأنّ الله عزوجل يقول: {وإن أدري لعلّه فتنة لكم ومتاع إلى حين}(1).

وقد صبر(2) عليهم القليل لما هو بالغ أمره وقدره المحتوم فيهم، وذكر نفاقهم وحسدهم انّه سيخرج أضغانهم، ويبيّن مرض قلوبهم بعد فراق نبيّهم (صلى الله عليه وآله)، قال تعالى: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تُنبئهم بما في قلوبهم

____________

1- الأنبياء: 111.

2- في "ج": صبرت.

الصفحة 171

قل استهزءوا انّ الله مخرج ما تخدرون} [أي تعلمون](1) {ولئن سألتهم ليقولنّ انّما كنّا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد ايمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة بأنّهم كانوا مجرمين}(2).

فقد عفا عن القليل من هؤلاء، ووعدني أن يظهرني على أهل الفتنة، ويردّ الأمر إليّ ولو كره المبطلون، وعندكم كتاب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المصالحة والمهادنة على أن لا تحدثوا ولا تأووا محدثاً، فلكم الوفاء بما وفيتم، ولكم العهد والذمّة ما أقمتم على الوفاء بعهدكم، وعلينا مثل ذلك لكم.

وليس هذا أوان نصرنا، ولا يسلّ سيف، ولا يقام عليهم بحق ما لم يقبلوا أو يعطوني طاعتهم إذ كنت فريضة من الله عزوجل ومن رسوله (صلى الله عليه وآله)، مثل الحج والزكاة والصلاة والصيام، فهل يقام بهذه الحدود إلاّ بعالم قائم يهدي إلى الحق وهو أحقّ أن يتّبع، ولقد أنزل الله سبحانه: {قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتّبع أمّن لا يهدي إلاّ أن يُهدى فما لكم كيف تحكمون}(3).

فأنا ـ رحمك الله ـ فريضة من الله ومن رسوله عليكم، بل أفضل الفرائض وأعلاها وأجمعها للحق وأحكمها لدعائم الايمان وشرائع الإسلام، وما يحتاج إليه الخلق لصلاحهم ولفسادهم ولأمر دنياهم وآخرتهم، فقد تولّوا عنّي ودفعوا فضلي، وفَرَضَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إمامتي وسلوك سبيلي، فقد رأيتم ما شملهم من الذل والصغار من بعض الحجة.

وكيف أثبت الله عزوجل عليهم الحجة وقد نسوا ما ذكّروا به من عهد نبيّهم، وما أكّد عليهم من طاعتي، وأخبرهم من مقامي، وبلغهم من رسالة الله عزوجل في

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- التوبة: 64 و66.

3- يونس: 35.

الصفحة 172

فقرهم إلى علمي، وغنائي عنهم وعن جميع الاُمّة ممّا أعطاني الله عزوجل، فكيف آسى على من صدّ(1) عن الحق بعدما تبيّن له، واتّخذ إلهه هواه، وأضلّه الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله.

انّ هداه للهدى، وهما السبيلان: سبيل الجنّة وسبيل النار والدنيا والآخرة، فقد ترى ما نزل بالقوم من استحقاق العذاب الذي عذّب به من كان قبلهم من الاُمم، وكيف بدّلوا كلام الله، وكيف جرت السنّة من الذين خلوا من قبلهم، فعليكم بالتمسّك بحبل الله وعروته، وكونوا حزب الله(2) ورسوله، وألزموا عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وميثاقه عليكم، فإنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً.

وكونوا في أهل ملّتكم كأصحاب الكهف، وإيّاكم أن تفشوا أمركم إلى أهل أو ولد أو حميم أو قريب، فإنّه دين الله عزوجل الذي أوجب له التقيّة ولأوليائه فيقتلكم قومكم، وإن أصبتم من الملك فرصة ألقيتم على قدر ما ترون من قبوله، وانّه باب الله وحصن الايمان لا يدخله إلاّ من أخذ الله ميثاقه، ونوّر له في قلبه(3)، وأعانه على نفسه، انصرفوا إلى بلادكم على عهدكم الذي عاهدتموني عليه، فإنّه سيأتي على الناس برهة من دهرهم ملوك بعدي وبعد هؤلاء يغيّرون دين الله عزوجل، ويحرّفون كلامه، ويقتلون أولياء الله، ويعزّون أعداء الله.

وتكثر البدع، وتدرس السنن حتّى تملأ الأرض جوراً وعدواناً وبدعاً، ثمّ يكشف الله بنا أهل البيت جميع البلاء عن أهل دعوة الله بعد شدّة من البلاء العظيم حتّى تملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً.

ألا وقد عهد إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّ الأمر صائر إليّ بعد الثلاثين من وفاته وظهور الفتن، واختلاف الاُمّة عليّ، ومروقهم من دين الله

____________

1- في "ب": ضلّ.

2- في "ب": من حزب الله.

3- في "الف": في قبره.

الصفحة 173

عزوجل، وأمرني بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين، فمن أدرك منكم ذلك الزمان وتلك الاُمور وأراد أن يأخذ بحظّه من الجهاد معي فليفعل، فإنّه والله الجهاد الصافي، صفّاه لنا كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، فكونوا رحمكم الله من أجلاس(1) بيوتكم إلى أوان ظهور أمرنا، فمن مات منكم كان من المظلومين، ومن عاش منكم أدرك ما تقرّ به عينه إن شاء الله تعالى.

ألا وإنّي اُخبركم انّه سيحملون على خطّة [من](2) جهلهم، وينقضون علينا عهد نبيّنا (صلى الله عليه وآله) لقلّة علمهم بما يأتون ويذرون، وسيكون منهم ملوك يدرس عندهم العهد، وينسوا ما ذكّروا به، ويحلّ بهم ما يحلّ بالاُمم حتّى يصيروا إلى الهرج والاعتداء وفساد العهد(3)، وذلك لطول المدّة وشدّة المحنة التي اُمرت بالصبر عليها، وسلّمت لأمر الله في محنة عظيمة يكدح فيها المؤمن حتّى يلقى الله ربّه.

واهاً للمتمسّكين بالثقلين وما يعمل بهم، وواهاً لفرج آل محمد (صلى الله عليه وآله) من خليفة مستخلف عريف مترف(4) يقتل خلفي وخلف الخلف، بلى اللّهمّ لا تخلو الأرض من قائم بحجّة امّا ظاهراً مشهوراً أو باطناً مستوراً، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته، ويكون نحلة لمن اتّبعه واقتدى به.

وأين اُولئك؟ وكم اُولئك؟ اُولئك الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله خطراً، بهم يحفظ الله دينه وعلمه حتّى يزرعها في صدور أشباههم ويودعها أمثالهم، هجم بهم العلم على حقيقة الايمان، واستروحوا روح اليقين، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، واستلانوا ما استوعر منه المترفون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها

____________

1- في البحار: أحلاس.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ب": العهود.

4- في البحار: عتريف.

الصفحة 174

معلّقة بالمحلّ الأعلى، اُولئك حجج الله في أرضه واُمناؤه على خلقه، هاه شوقاً إليهم(1) وإلى رؤيتهم، وواهاً على صبرهم على عدوّهم، وسيجمعنا الله وإيّاهم في جنّات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّياتهم.

ثمّ قال: ثمّ بكى وبكى القوم معه، ثمّ ودّعوه وقالوا: نشهد لك بالوصيّة والإمامة والاخوّة وانّ عندنا لصفتك وصورتك، وسيقدم وفد بعد هذا الرجل من قريش على الملك، ولنخرجنّ إليهم صورة الأنبياء، وصورة نبيّك وصورتك، وصورة ابنيك الحسن والحسين، وصورة فاطمة زوجتك سيّدة نساء العالمين بعد مريم الكبرى البتول، وانّ ذلك لمأثور عندنا ومحفوظ، ونحن راجعون إلى الملك ومخبروه بما أودعتنا من نور هدايتك وبرهانك وكرامتك وصبرك على ما أنت فيه، ونحن المرابطون لدولتك، الراعون(2) لك ولأمرك، فما أعظم هذا البلاء، وما أطول هذه المدّة، ونسأل الله التوفيق والثبات، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته(3).

[في إجابته (عليه السلام) سؤال يهودي]

بحذف الاسناد قيل: لمّا كان بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل يهودي المسجد فقال: أين وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأشاروا إلى أبي بكر، فوقف عليه وقال: انّي اُريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، قال أبو بكر: سل عمّا بدا لك، فقال اليهودي: أخبرني عمّا ليس لله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله.

فقال أبو بكر: هذه مسائل الزنادقة يا يهودي، أو في السماء [والأرض](4)

____________

1- في "ج": فوا شوقاه.

2- في "ب" و "ج": الداعون.

3- عنه البحار 30: 53 ح1; ونحوه في أمالي الطوسي: 218 ح382; عنه البحار 10: 54 ح2.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 175

شيء لا يعلمه الله وليس لله، وهمّ به المسلمون، وكان في القوم ابن عباس فقال: ما أنصفتم الرجل، قال أبو بكر: أوما سمعت ما تكلّم به؟ فقال ابن عباس: إن كان عندكم جواب وإلاّ فاذهبوا به إلى من يجيبه، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعليّ بن أبي طالب: اللّهمّ اهد قلبه، وثبّت لسانه.

قال: فقام أبو بكر ومن حضر من المهاجرين والأنصار حتّى أتوا علياً (عليه السلام) واستأذنوا عليه فدخلوا، فقال أبو بكر: يا أبا الحسن انّ هذا اليهودي سألني مسائل الزنادقة، فقال عليّ (عليه السلام) لليهودي: ما تقول يا يهودي؟ قال: إنّي أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، فقال (عليه السلام): سل يا يهودي فاُنبئك به، قال: أخبرني عمّا ليس لله، وعمّا ليس عند الله، وعمّا لا يعلمه الله.

فقال [عليّ (عليه السلام)](1): أمّا قولك أخبرني عمّا ليس لله فليس لله شريك، وأمّا قولك عمّا ليس عند الله فليس عند الله ظلم للعباد، وأمّا قولك عمّا لا يعلمه الله فذلك قولكم أنّ عزير ابن الله والله لا يعلم أنّ له ولداً، فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وانّك وصيّه، فقام أبو بكر ومن معه فقبّلوا رأس عليّ (عليه السلام) وقالوا: يا مفرّج الكرب(2).

[في جوابه (عليه السلام) عن مسائل اليهوديين]

وبحذف الاسناد أيضاً مرفوع إلى ابن عباس قال: قدم يهوديان أخوان من رؤوس(3) اليهود، فقالا: يا قوم [انّ](4) نبيّنا حدّثنا انّه يظهر بتهامة رجل يمحي

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- عنه البحار 30: 85 ح2; ونحوه الفضائل لابن شاذان: 132; والاحتجاج 1: 484 ح118; عنه البحار 10: 52 ح1.

3- في "ج": رؤساء.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 176

بسيفه أحلام اليهود ويطعن في دينهم، ونحن نخاف أن يزيلنا عمّا كانت عليه آباؤنا، فأيّكم هذا النبي؟ فإن كان المبشّر به داود آمنّا به واتّبعناه، وإن كان يورد الكلام على ابلاغه(1) ويورد الشعر ويقهرنا(2) جاهدناه بأنفسنا وأموالنا، فأيّكم هذا النبي؟

فقال المهاجرون والأنصار: انّ نبيّنا قُبض، فقالا: الحمد الله، فأيّكم وصيّه، فما بعث(3) الله نبيّاً إلى قوم إلاّ وله وصيّ يؤدّي من بعده، ويحكي ما أمره به ربّه، فأومأ المهاجرون والأنصار إلى أبي بكر، فقالوا: هو وصيّه، فقالا: إنّا نلقي عليك من المسائل ما يلقى على الأوصياء، ونسألك ما تُسأل الأوصياء عنه، فقال أبو بكر: ألقيا سأخبركما عنه(4) إن شاء الله تعالى.

فقال له أحدهما: ما أنا وأنت عند الله؟ وما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ وما قبر سار بصاحبه؟ ومن أين تطلع الشمس وأين تغرب؟ وأين سقطت(5) الشمس ولم تسقط(6) في ذلك الموضع؟ وأين تكون الجنّة وأين تكون النار؟ وربّك يَحمل أو يُحمل؟ وأين يكون وجه ربّك؟ وما اثنان شاهدان؟ وما اثنان غائبان؟ وما اثنان متباغضان؟ وما الواحد وما الاثنان، وما الثلاثة، وما الأربعة، وما الخمسة، وما الستّة، وما السبعة، وما الثمانية، وما التسعة، وما العشرة، وما الاحدى عشر، وما الاثنى عشر، وما العشرون، وما الثلاثون، وما الأربعون، وما الخمسون، وما الستّون، وما السبعون، وما الثمانون، وما التسعون، وما المائة؟

قال ابن عباس: فبقى أبو بكر لا يردّ جواباً، وتخوّفنا أن يرتدّ القوم عن

____________

1- في "ج": بالبلاغة.

2- في "ج": يقهرنا بلسانه.

3- في "ج": أرسل.

4- في "ج": مسائلكما.

5- في "ج": طلعت.

6- في "ج": لم تطلع فيه بعد ذلك.

الصفحة 177

الإسلام، فأتيت منزل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقلت له: يا عليّ انّ رؤساء اليهود(1) قد قدموا المدينة وألقوا على أبي بكر مسائل وقد بقي لا يردّ جواباً.

فتبسّم عليّ (عليه السلام) ضاحكاً ثمّ قال: هو الذي وعدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ يمشي أمامي، فما أخطأت مشيته مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى قعد في الموضع الذي كان يقعد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ التفت إلى اليهوديين فقال: يا يهوديان اُدنوا منّي وألقيا ما ألقيتما على الشيخ، فقالا: من أنت؟ فقال: أنا عليّ بن أبي طالب، أخو النبي، وزوج فاطمة، وأبو الحسن والحسين، ووصيّه في خلافته(2) كلّها، وصاحب كل نفيسة(3) وغزاة، وموضع سرّ النبي (صلى الله عليه وآله).

فقال اليهودي(4): ما أنا وأنت عند الله؟ قال: أنا مؤمن منذ عرفت نفسي وأنت كافر منذ عرفت نفسك، وما أدري ما يحدث الله فيك يا يهودي بعد ذلك، قال اليهودي: فما نفس في نفس ليس بينهما رحم ولا قرابة؟ قال: يونس (عليه السلام) في بطن الحوت،قال: فماقبر ساربصاحبه؟قال:يونس حين طاف به الحوت في سبعة أبحر.

قال له: فالشمس من أين تطلع؟ قال: من قرن(5) الشيطان، قال: فأين تغيب(6)؟ قال: في عين حمئة، وقال لي حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تصلّي في اقبالها ولا في ادبارها حتّى تصير في مقدار رمح أو رمحين، قال: فأين سقطت الشمس ولم تسقط(7) في ذلك الموضع؟ قال: البحر حين فرقه الله تعالى لقوم

____________

1- في "ب": رؤوساً من اليهود.

2- في "ج": في حالاته.

3- في "ج": منقبة.

4- في "ج": فقال له أحد اليهوديين.

5- في "ج": قرني.

6- في "ج": في أين تغرب.

7- في "ج": طلعت الشمس ثمّ لم تطلع.

الصفحة 178

موسى (عليه السلام).

قال له: ربّك يَحمل أو يُحمل؟ قال: ربّي يحمل كلّ شيء ولا يحمله شيء، قال: فكيف قوله: {ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية}(1)؟ قال: يا يهودي ألم تعلم انّ الله له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، وما تحت الثرى، وكلّ شيء على الثرى، والثرى على القدرة، والقدرة عند ربّي.

فقال: فأين تكون الجنّة؟ وأين تكون النار؟ قال: الجنّة في السماء، والنار في الأرض، قال: فأين يكون وجه ربّك؟ فقال عليّ (عليه السلام) لابن عباس: ائتني بنار وحطب فأضرمها، فقال: يا يهودي أين وجه هذه النار؟ قال: لا أقف لها على وجه، قال: كذلك ربّي، أينما تولّوا فثمّ وجه الله.

قال: فما اثنان شاهدان(2)؟ قال: السماء والأرض لا يغيبان، قال: فما اثنان غائبان؟ قال: الموت والحياة لا نقف عليهما، قال: فما اثنان متباغضان؟ قال: الليل والنهار، قال: فما نصف الشيء؟ قال: المؤمن، قال: فما لا شيء؟ قال: يهودي مثلك لا يعرف ربّه، قال: فما الواحد؟ قال: الله عزوجل، قال: فما الاثنان؟ قال: آدم وحواء، قال: فما الثلاثة: قال: كذبت النصارى على الله عزوجل وقالوا عيسى بن مريم ابن الله، والله لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً.

قال: فما الأربعة؟ قال: التوراة والانجيل والزبور والفرقان(3) العظيم، قال: فما الخمسة؟ خمس صلوات مفروضات، قال: فما الستّة، قال: خلق الله السماوات والأرض في ستّة أيّام ثمّ استوى على العرش، قال: فما السبعة؟ قال: سبعة أبواب النار متطابقات، قال: فما الثمانية؟ قال: ثمانية أبواب الجنّة، قال: فما التسعة؟ قال:

____________

1- الحاقة: 17.

2- زاد في "ج": لا يغيبان.

3- في "ج": القرآن.

الصفحة 179

تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، قال: فما العشرة؟ قال: عشرة أيّام من العشر.

قال: فما الأحد عشر؟ قال: قول يوسف لأبيه: {إنّي رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين}(1) قال: فما الاثنى عشر؟ قال: شهور السنة، قال: فما العشرون؟ قال: بيع يوسف بعشرين درهماً، قال: فما الثلاثون؟ قال: ثلاثون ليلة(2) من شهر رمضان صيامه فرض واجب على كلّ مؤمن، إلاّ من كان مريضاً أو على سفر.

قال: فما الأربعون؟ قال: كان ميقات موسى ثلاثين ليلة قضاها والعشرة كانت تمامها، قال: فما الخمسون؟ قال: دعا نوح [قومه](3) ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، قال: فما الستّون؟ قال: قال الله عزوجل: فاطعام ستّين مسكيناً (أو) صيام شهرين متتابعين(4)، قال: فما السبعون؟ قال: اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقات ربّه، قال: فما الثمانون؟ قال: قرية بالجزيرة يقال لها "ثمانين" [منها](5) قعد نوح في السفينة واستوت على الجودي وغرّق(6) الله القوم.

قال: فما التسعون؟ قال: الفلك المشحون اتّخذ [نوح فيه تسعين](7) بيتاً للبهائم، قال: فما المائة؟ قال: كان لداود (عليه السلام) ستّون سنة وهب له آدم أربعين [سنة من عمره](8)، فلمّا حضر آدم الوفاة جحد، فجحد ذرّيته.

____________

1- يوسف: 4.

2- في "ج" يوماً.

3- أثبتناه من البحار.

4- تلفيق من سورة المجادلة آية: 4.

5- أثبتناه من "ج".

6- في "ج": أغرق.

7- أثبتناه من "ج"، وفي البحار: اتّخذ يوماً فيها بيتاً للبهائم.

8- أثبتناه من "ج".

الصفحة 180

فقال: يا شاب صف لي محمداً (صلى الله عليه وآله) كأنّي أنظر إليه حتّى اُؤمن به الساعة، فبكى عليّ (عليه السلام) ثمّ قال: يا يهودي هيّجت أحزاني، كان حبيبي [رسول الله](1) (صلى الله عليه وآله) صلب(2) الجبين، مقرون الحاجبين، أدعج(3)العينين، سهل الخدّين، أقنى(4) الأنف، دقيق المسربة(5)، كثّ اللحية، براق الثنايا، كأنّ عنقه ابريق فضّة.

كان له شعرات من لبته(6) إلى سرّته متفرّقة كأنّها قضيب كافور، لم يكن بالطويل الذاهب، ولا القصير النزر، كان إذا مشى مع الناس غمرهم(7)، كان إذا مشى كأنّه ينقطع من صخرة أو ينحدر من صبب، كان مبدول(8) الكعبين، لطيف القدمين، دقيق الخصر، عمامته السحاب، سيفه ذو الفقار، بغلته دلدل، حماره اليعفور، ناقته العضباء، فرسه المبدول(9)، قضيبه الممشوق، كان أشفق الناس على الناس، وأرأف الناس بالناس، كان بين كتفيه خاتم النبوّة، مكتوب على الخاتم سطران، أوّل سطر "لا إله إلاّ الله" والثاني "محمد رسول الله" هذه صفته يا يهودي.

فقال اليهوديان: نشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأنّك وصيّ محمّد حقّاً، وأسلما وحسن اسلامهما ولزما أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكانا معه حتّى كان من أمر الجمل ما كان، فخرجا معه إلى البصرة، فقتل أحدهما في وقعة

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- في "ج" والبحار: صلت.

3- الدعج والدعجة: السواد في العين وغيرها.

4- القنا في الأنف: طوله ودقّة أرنبته مع حدب في وسطه.

5- المسربة: ما دقّ من شعر الصدر مائلا إلى الجوف.

6- اللبة: المنحر، والجمع اللبات.

7- في "ج": غمرهم نوره.

8- في "ج": مدوّر.

9- في "ج": لزار.

الصفحة 181

الجمل وبقى الآخر حتّى خرج معه إلى صفين فقُتل(1).

[في جوابه (عليه السلام) عن مسألة يهودي آخر]

وبحذف الاسناد مرفوعاً إلى الصادق (عليه السلام) قال: لمّا بايع الناس عمر بعد وفاة أبي بكر أتاه رجل من شبّان اليهود وهو في المسجد، فسلّم عليه والناس حوله فقال: يا عمر(2) دلّني على أعلمكم بالله وبرسوله وبكتابه وسنّته، فأومأ إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: هذا.

فتحوّل الرجل إلى عليّ (عليه السلام) فسأله: أنت كذلك؟ فقال: نعم، فقال: انّي أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة، قال: أفلا قلت عن سبع؟ قال اليهودي: لا، إنّما أسألك عن ثلاث فإن أصبت(3) فيهنّ سألتك عن ثلاث بعدها، وإن لم تصب لم أسألك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أخبرني إذا أجبتك بالصواب والحقّ تعرف ذلك ـ وكان الفتى من علماء اليهود وأحبارها، يروون(4) انّه من ولد هارون أخي موسى بن عمران ـ؟ فقال: نعم.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): بالله الذي لا إله إلاّ هو لئن أجبتك بالصواب والحق لتسلمنّ وتدع اليهودية؟ فحلف له وقال: ما جئتك إلاّ مرتاداً اُريد الإسلام، فقال: يا هاروني سل عمّا بدا لك تخبر إن شاء الله تعالى.

[قال اليهودي](5): فأخبرني عن أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض، وعن أوّل عين نبعت في الأرض، وعن أوّل حجر وضع على وجه الأرض، فقال أمير

____________

1- عنه البحار 30: 86 ح3.

2- في "الف": يا أمير المؤمنين.

3- في "ب": أجبت.

4- في "ج": يرون.

5- أثبتناه من "ج".

الصفحة 182

المؤمنين (عليه السلام): أمّا أوّل شجرة نبتت على وجه الأرض فإنّ أهل الأرض يزعمون انّها الزيتونة وكذبوا، إنّها هي النخلة وهي العجوة، هبط بها آدم من الجنّة فغرسها، وأصل النخل كلّه منها.

وأمّا أوّل عين نبعت على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون انّها العين التي في بيت المقدس تحت الحجر وكذبوا، بل هي عين الحياة التي انتهى موسى وفتاه اليها، فغسلا فيها السمكة(1) فحييت، وليس من ميّت يصيبه ذلك الماء إلاّ حيي، وكان الخضر (عليه السلام) شرب منها ولم يجدها ذو القرنين.

وأمّا أوّل حجر وضع على وجه الأرض فإنّ اليهود يزعمون انّه الحجر الذي في بيت المقدس وكذبوا، إنّما هو الحجر الأسود هبط به آدم من الجنّة، فوضعه على الركن والناس يستلمونه، وكان أشدّ بياضاً من الثلج فاسودّ من خطايا بني آدم.

قال: فأخبرني كم لهذه الاُمّة من امام هدى، هادين مهديّين، لا يضرّهم خذلان من خذلهم؟ وأين منزل محمد من الجنّة؟ ومن معه من اُمّته في الجنّة؟ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أمّا قولك كم لهذه الاُمة من امام هدى، وأين منزل محمد من الجنّة، ومن معه من اُمّته في الجنّة، فإنّ أئمة الهدى اثنا عشر، امّا منزل محمد (صلى الله عليه وآله) ففي أشرف الجنان وأفضلها وجنّة عدن، وأمّا الذين معه فهؤلاء الأئمة الاثني عشر أئمة الهدى.

قال الفتى: صدقت، فوالله الذي لا إله إلاّ هو انّه لمكتوب عندي باملاء موسى وخطّ هارون بيده، قال: فأخبرني كم يعيش وصيّ محمد بعده، وهل يموت موتاً أو يُقتل قتلا؟ قال له: ويحك أنا وصيّ محمد، أعيش بعده ثلاثين لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً(2)، ثمّ يبعث أشقاها شقيق عاقر ناقة صالح، فيضربني ضربة في قرني

____________

1- في "ج": السمكة المالحة.

2- قال العلامة المجلسي رحمه الله في ذيل الحديث: أقول: ليس هذا في أكثر الروايات، ويشكل تصحيحه لعدم اتحاد يومي وفاتهما صلوات الله عليهما، ويمكن أن يقال بناء الثلاثين على التقريب وقوله (عليه السلام): "لا يزيد" استئناف لبيان انّ الموعد الذي وعدت لك لا يتخلّف وأعلمه بحيث لا يزيد يوماً ولا ينقص يوماً، وقيل: الضمير راجع إلى كتاب هارون، وربّما يُقرأ تزيد وتنقص على صيغة الخطاب [أقول: كما هو في نسخة "ب" ]أي انّك رأيت في كتاب أبيك هارون ثلاثين سنة فتتوهّم انّه لا كسر فيها، وليس ذلك بل هو مبني على إتمام الكسر، ولا يخفى بعدها.

الصفحة 183

فتخضب منه لحيتي، ثمّ بكى عليّ (عليه السلام) بكاءً شديداً، قال: فصرخ الفتى وقطع سبحته(1) وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله، [وأنّك وصيّه وخليفته، وهادي الاُمّة، ومحيي السنّة من بعده](2) والحمد لله ربّ العالمين(3).

[خبر حذيفة بن اليمان رحمه الله من تآمر القوم ونكثهم البيعة وتخلّفهم عن جيش اُسامة]

بحدف الاسناد قال: لمّا استخلف عثمان بن عفّان آوى إليه عمّه الحكم بن العاص وولده مروان والحارث بن الحكم، ووجّه عمّاله في الأمصار، وكان فيمن وجّه عمر بن سفيان بن المغيرة بن أبي العاص بن اُميّة إلى مشكان، والحارث بن الحكم إلى المدائن، فأقام بها مدّة يتعسّف أهلها ويسيء معاملتهم.

فوفد منهم إلى عثمان وفد يشكوه، وأعلموه بسوء ما يعاملهم به، وأغلظوا عليه في القول، فولّى حذيفة بن اليمان عليهم ـ وذلك في آخر أيّامه ـ فلم ينصرف حذيفة بن اليمان عن المدائن إلى أن قتل عثمان واستخلف عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأقام حذيفة عليها وكتب إليه:

____________

1- في البحار: كستيجه، وهو خيط غليظ يشدّه الذمّي فوق ثيابه دون الزنّار، معرّب كُسْتي.

2- أثبتناه من "ج".

3- عنه البحار 30: 95 ح4; ونحوه في كمال الدين: 297 ح5 باب 26; عنه البحار 36: 374 ح5; والخصال: 476 ح40 أبواب الاثنى عشر، والاحتجاج 1: 537 ح128; والكافي 1: 531 ح8; وغيبة النعماني: 97 ح29.

الصفحة 184

"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان، سلام عليك، أمّا بعد فإنّي قد ولّيتك ما كنت عليه(1) لمن كان قبلي من حرف المدائن، وقد جعلت إليك اعمال الخراج والرستاق وجباية أهل الذمّة، فاجمع إليك ثقاتك ومن أحببت ممّن ترضى دينه وأمانته، واستعن بهم على أعمالك فإنّ ذلك أعزّ لك ولوليّك وأكبت لعدوّك.

وإنّي آمرك بتقوى الله وطاعته في السرّ والعلانية، واُحذّرك عقابه في المغيب والمشهد، وأتقدّم إليك بالاحسان إلى المحسن، والشدّة على المعاند، وآمرك بالرفق في اُمورك، واللين والعدل على رعيّتك، فإنّك مسؤول عن ذلك، وانصاف المظلوم، والعفو عن الناس، وحسن السيرة ما استطعت، فالله يجزي المحسنين.

وآمرك أن تجبي خراج الأرضين على الحق والنصفة، ولا تتجاوز ما تقدّمت به إليك، ولا تدع منه شيئاً، ولا تبتدع فيه أمراً، ثمّ اقسمه بين أهله بالسويّة والعدل، واخفض لرعيّتك جناحك، وواس بينهم في مجلسك، وليكن القريب والبعيد عندك في الحق سواء، واحكم بين الناس بالحق، وأقم فيهم بالقسط، ولا تتّبع الهوى، ولا تخف في الله لومة لائم، فإنّ الله مع الذين اتّقوا والذين هم محسنون.

ولقد وجّهت إليك كتاباً لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم وفي جميع المسلمين، فأحضرهم واقرأه عليهم، وخذ البيعة لنا على الصغير والكبير منهم إن شاء الله تعالى".

قال: فلمّا وصل عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حذيفة جمع الناس فصلّى بهم، ثمّ أمر بالكتاب فقرئ عليهم وهو:

"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين، سلام عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الذي لا إله إلاّ هو، وأسأله أن

____________

1- في "ج": ما كنت تليه.

الصفحة 185

يصلّي على محمد وآله، فأمّا بعد فإنّ الله تعالى اختار الإسلام ديناً لنفسه وملائكته ورُسله إحكاماً لصنعه، وحسن تدبيره، ونظر الله(1) لعباده، وخصّ(2) به من أحبّ من خلقه، فبعث إليهم محمداً (صلى الله عليه وآله) فعلّمهم الكتاب والحكمة اكراماً وتفضيلا لهذه الاُمّة، وأدّبهم لكي يهتدوا، وجمعهم لئلاّ يتفرّقوا، وفقّههم لئلاّ يجوروا.

فلمّا قضى ما كان عليه من ذلك مضى إلى رحمة الله حميداً محموداً، ثمّ انّ بعض المسلمين أقاموا بعده رجلين رضوا بهداهما وسيرتهما، فأقاما ما شاء الله ثمّ توفّاهما الله عزوجل، ثمّ ولّوا بعدهما الثالث، فأحدث أحداثاً، ووجدت الاُمّة عليه فعالا، فاتّفقوا عليه ثمّ نقموا منه فغيّروا، ثمّ جاؤوني كتتابع الخيل فبايعوني، فإنّي أستهدي الله بهداه وأستعينه على التقوى.

ألا وانّ لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه، والقيام عليكم بحقّه، واحياء سنّته، والنصح لكم بالمغيب والمشهد، وبالله نستعين على ذلك وهو حسبنا ونعم الوكيل، وقد ولّيت اُموركم حذيفة بن اليمان، وهو ممّن ارتضى بهداه وأرجو صلاحه، وقد أمرته بالاحسان إلى محسنكم، والشدّة على مريبكم، والرفق بجميعكم، أسأل الله لنا ولكم حسن الخيرة والاحسان ورحمته الواسعة في الدنيا والآخرة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

ثمّ انّ حذيفة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبي وآله ثمّ قال: الحمد لله الذي أحيى الحق، وأمات الباطل، وجاء بالعدل، ودحض الجور، وكبت الظالمين(3)، أيّها الناس! إنّما وليّكم والله(4) أمير المؤمنين حقّاً حقّاً، وخير من نعلمه بعد نبيّنا عليه وآله السلام، وأولى الناس بالناس، وأحقّهم بالأمر، وأقربهم إلى

____________

1- في "ب": نظراً منه لعباده.

2- في "ج": اختصّ.

3- في "ب": الباطل.

4- في "ب" و "ج": وليّكم الله ورسوله وأمير المؤمنين.

الصفحة 186

الصدق، وأرشدهم إلى العدل، وأهداهم سبيلا، وأدناهم إلى الله وسيلة، وأمسّهم(1)برسول الله (صلى الله عليه وآله) رحماً.

أنيبوا إلى طاعة أوّل الناس سلماً، وأكثرهم علماً، وأقصدهم طريقاً، وأسبقهم ايماناً، وأحسنهم يقيناً، وأكثرهم معروفاً، وأقدمهم جهاداً، وأعزّهم مقاماً، أخي رسول الله وابن عمّه، وأبي الحسن والحسين، وزوج الزهراء البتول سيّدة نساء العالمين، فقوموا أيّها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ لله في ذلك رضى، ولكم مقنع وصلاح، والسلام.

فقام الناس [بأجمعهم](2) فبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) أحسن بيعة وأجمعها، فلمّا استتمّت البيعة قام إليه فتى من أبناء العجم وولاة الأنصار لمحمد بن عمارة بن التيهان أخو أبي الهيثم بن التيهان، يقال له: "مسلم" متقلّداً سيفاً، فناداه من أقصى الناس: أيّها الأمير! إنّا سمعناك تقول [في أوّل كلامك: إنّما](3) وليّكم الله [ورسوله و](4) أمير المؤمنين حقّاً حقّاً، تعرض(5) لمن كان قبله من الخلفاء إنّهم لم يكونوا اُمراء المؤمنين حقّاً، فعرّفنا ذلك أيّها الأمير رحمك الله ولا تكتمنا، فإنّك ممّن شهد وعاين(6)، ونحن مقلّدون ذلك أعناقكم، والله شاهد عليكم فيما تأتون به من النصيحة لاُمّتكم، وصدق الخبر عن نبيّكم (صلى الله عليه وآله).

فقال حذيفة: أيّها الرجل أمّا إذا سألت وفحصت هكذا، فاسمع وافهم ما اخبر به، أمّا من تقدّم من الخلفاء قبل عليّ بن أبي طالب ممّن تسمّى بأمير المؤمنين، فإنّهم تسمّوا بذلك وسمّاهم الناس به، وأمّا عليّ بن أبي طالب فإنّ جبرئيل عليه

____________

1- في "ج": أقربهم.

2- أثبتناه من "ج".

3- أثبتناه من "ج".

4- أثبتناه من "ج".

5- في "ج": تعريضاً ممّن.

6- في "ج": وغبنا.

الصفحة 187

السلام سمّاه بهذا الاسم عن الله تعالى، وشهد له رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن سلام جبرئيل له بإمرة المؤمنين، وكان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعونه في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإمرة المؤمنين(1).

قال الفتى: خبّرنا كيف كان ذلك يرحمك الله، قال حذيفة: انّ الناس كانوا يدخلون على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل الحجاب إذا شاؤوا، فنهاهم (صلى الله عليه وآله) أن يدخل أحد إليه وعنده دحية بن خليفة الكلبي، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يراسل قيصراً ملك الروم وبني حنيفة وبني غسّان(2) على يده، وكان جبرئيل (عليه السلام) يهبط عليه في صورته، ولذلك نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يدخل المسلمون عليه إذا كان عنده دحية.

قال حذيفة: وإنّي أقبلت يوماً لبعض اُموري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) مهجراً رجاء أن ألقاه خالياً، فلمّا صرت بالباب نظرت فإذا أنا بشملة قد سدلت على الباب، فرفعتها وهممت بالدخول ـ وكذلك كنّا نصنع ـ فإذا أنا بدحية قاعد عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) والنبي نائم ورأسه في حجر دحية، فلمّا رأيته انصرفت.

فلقيني عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في بعض الطريق، فقال: يا ابن اليمان من أين أقبلت؟ قلت: من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: وماذا صنعت عنده؟ قلت: أردت الدخول عليه في كذا وكذا ـ وذكرت الأمر الذي جئت له ـ فلم يتهيّأ لي ذلك، قال: ولِمَ؟ قلت: كان عنده دحية الكلبي، وسألت عليّاً (عليه السلام)

____________

1- روى صاحب الفردوس عن حذيفة قال: لو علم الناس متى سمّي عليّ أمير المؤمنين ما أنكروا فضله، سمّي أمير المؤمنين وآدم بين الروح والجسد، قال الله عزوجل: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم) قالت الملائكة: بلى، قال تبارك وتعالى: أنا ربّكم، ومحمد نبيّكم، وعليّ أميركم. (الفردوس 3: 354 ح5066)

2- في "ج": ملوك بني غسّان.

الصفحة 188

معونتي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك الأمر.

قال: فارجع معي فرجعت معه، فلمّا صرنا إلى باب الدار جلست بالباب ورفع عليّ (عليه السلام) الشملة ودخل فسلّم، فسمعت دحية يقول: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثمّ قال له: اجلس فَخُذْ رأسَ أخيك وابن عمّك من حجري فأنت أولى الناس به، فجلس عليّ (عليه السلام) وأخذ رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعله في حجره، وخرج دحية من البيت، فقال عليّ (عليه السلام): اُدخل يا حذيفة.

فدخلت وجلست فما كان بأسرع أن انتبه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فضحك في وجه عليّ (عليه السلام) ثمّ قال: يا أبا الحسن مِنْ حجر مَنْ أخذت رأسي؟ قال: من حجر دحية الكلبي، فقال: ذلك جبرئيل (عليه السلام)، فما قلت له حين دخلت وما قال لك؟

قال: دخلت فسلّمت فقال لي: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ سلّمت عليك ملائكة الله وسكّان سماواته بإمرة المؤمنين من قبل أن تسلّم عليك أهل الأرض، يا عليّ إنّ جبرئيل (عليه السلام) فعل ذلك عن أمر الله عزوجل، وقد أوحى إليّ عن ربّي عزوجل من قبل دخولك أن أفرض ذلك على الناس، وأنا فاعل ذلك إن شاء الله.

فلمّا كان من الغد بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ناحية فدك في حاجة، فلبثت أيّاماً ثمّ قدمت، فوجدت الناس يتحدّثون انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الناس أن يسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وانّ جبرئيل (عليه السلام) أتاه بذلك عن الله عزوجل.

فقلت: صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا فقد سمعت جبرئيل (عليه السلام) يسلّم على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين ـ وحدّثتهم الحديث ـ فسمعني

الصفحة 189

عمر بن الخطاب وأنا اُحدث الناس في المسجد، فقال لي: أنت رأيت جبرئيل وسمعته، اتق القول فقد قلت قولا عظيماً، وقد خولط بك، فقلت: نعم أنا رأيت ذلك وسمعته، فأرغم الله أنف من رغم، فقال: يا أبا عبد الله لقد رأيت وسمعت عجباً.

قال حذيفة: فسمعني بريدة بن الحصيب الأسلمي وأنا اُحدّث ببعض ما رأيت وسمعت، فقال لي: والله يا ابن اليمان لقد أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين، فاستجابت له طائفة يسيرة من الناس، وردّ ذلك عليه وأباه كثير من الناس، فقلت: يا بريدة أكنت شاهداً ذلك اليوم؟ فقال: نعم من أوّله إلى آخره، فقلت له: حدّثني به رحمك الله فإنّي كنت عن ذلك اليوم غائباً.

فقال بريدة: كنت أنا وعمّار أخي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نخيل بني النجار، فدخل علينا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فسلّم، فردّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورددنا، ثمّ قال له: يا عليّ اجلس هناك فجلس، فدخل رجال فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين، فسلّموا وما كادوا، ثمّ دخل أبو بكر وعمر فسلّما فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقالا: الأمر(1) من الله ورسوله؟ فقال: نعم.

ثمّ دخل طلحة وسعد بن مالك فسلّما، فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقالا: عن الله ورسوله؟ فقال: نعم، قالا: سمعنا وأطعنا، ثمّ دخل سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري رضي الله عنهما فسلّما، فردّ (عليهم السلام) ثمّ قال: سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فسلّما ولم يقولا شيئاً، ثمّ دخل خزيمة بن ثابت وأبو الهيثم بن التيهان فسلّما، فردّ (عليهم السلام) ثمّ قال: سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، ففعلا ولم يقولا شيئاً.

ثمّ دخل عمّار والمقداد فسلّما، فردّ (عليهم السلام) فقال: سلّما على عليّ بإمرة

____________

1- في "ج": الامرة.

الصفحة 190

المؤمنين، ففعلا ولم يقولا شيئاً، ثمّ دخل عثمان وأبو عبيدة فسلّما، فردّ (عليهم السلام) وقال: سلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، قالا: عن الله ورسوله؟ قال: نعم، [فسلّما](1).

ثمّ دخل فلان وفلان ـ وعدّ جماعة من المهاجرين والأنصار ـ كلّ ذلك يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، فبعض سلّم ولا يقول شيئاً، وبعض يقول للنبي: عن الله ورسوله؟ فيقول: نعم، حتّى غصّ المجلس بأهله، وامتلأت الحجرة، وجلس بعض على الباب وفي الطريق، وكانوا يدخلون فيسلّمون ويخرجون، ثمّ قال لي ولأخي: قم يا بريدة أنت وأخوك فسلّما على عليّ بإمرة المؤمنين، فقمنا وسلّمنا ثمّ عُدنا إلى مواضعنا فجلسنا.

قال: ثمّ أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم جميعاً فقال: اسمعوا وعوا، إنّي أمرتكم أن تسلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، وانّ رجالا سألوني أذلك عن أمر الله وأمر رسوله، وما كان لمحمّد أن يأتي أمراً من تلقاء نفسه بل بوحي ربّه وأمره، أفرأيتم والذي نفسي بيده لئن أبيتم ونقضتموه لتكفرون ولتفارقون ما بعثني به ربّي، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

قال بريدة: فلمّا خرجنا سمعت بعض اُولئك الذين اُمروا بالسلام على عليّ بإمرة المؤمنين [من قريش](2) يقول لصاحبه ـ وقد التفّت بهما طائفة من الجفاء البطاء من الإسلام من قريش ـ: أما رأيت ما صنع محمد بابن عمّه من علوّ المنزلة والمكان؟ ولو يستطيع والله لجعله نبيّاً من بعده، فقال له صاحبه: أمسك ولا يكبرنّ عليك هذا، فإنّا لو فقدنا محمداً لكان هذا فعله تحت أقدامنا.

قال حذيفة: ومضى(3) بريدة إلى بعض طريق الشام ورجع وقد قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبايع الناس أبا بكر، فأقبل بريدة فدخل المسجد

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ج": ثمّ خرج.

الصفحة 191

وأبو بكر على المنبر وعمر دونه بمرقاة، فناداهما من ناحية المسجد: يا أبا بكر ويا عمر، فقالا: وما لك يا بريدة أجننت؟ فقال لهما: والله ما جننت ولكن أين سلامكما بالأمس على عليّ بإمرة المؤمنين؟

فقال له أبو بكر: يا بريدة الأمر يحدث بعده الأمر، وانّك غبت وشهدنا والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فقال لهما: رأيتما ما لم يره الله ولا رسوله، وفى لك صاحبك(1) بقوله: ولو فقدنا محمداً لكان هذا قوله تحت أقدامنا، ألا انّ المدينة حرام عليّ أن أسكنها أبداً حتّى أموت.

فخرج بريدة بأهله وولده، فنزل بين قومه بني أسلم، فكان يطلع في الوقت دون الوقت، فلمّا قضى الأمر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) سار إليه وكان معه حتّى قدم العراق، فلمّا اُصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) صار إلى خراسان، فنزلها ولبث هناك إلى أن مات رحمه الله.

قال حذيفة: فهذا أنباء ما سألتني عنه، فقال الفتى: لا جزى الله الذين شهدوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعوه يقول هذا القول في عليّ خيراً، فقد خانوا الله ورسوله، أزالوا الأمر عمّن رضيه الله ورسوله، وأقرّوه فيمن لم يره الله ولا رسوله لذلك أهلا، لا جرم والله لن يفلحوا بعدها أبداً.

فنزل حذيفة عن منبره فقال: يا أخا الأنصار انّ الأمر كان أعظم ممّا تظنّ، انّه عزب والله البصر، وذهب اليقين، وكثر المخالف، وقلّ الناصر لأهل الحق، فقال له الفتى: فهلاّ انتضيتم أسيافكم، ووضعتموها على رقابكم، وضربتم بها الزائلين عن الحق قدماً حتّى تموتوا أو تدركوا الأمر الذي تحبّونه من طاعة الله عزوجل وطاعة رسوله؟ فقال: يا أيّها الفتى انّه أخذوا(2) بأسماعنا وأبصارنا، وكرهنا الموت،

____________

1- في "ج": ولكن هذا وفاء صاحبك.

2- في "ج": اُخذ والله بأسماعنا.

الصفحة 192

وزيّنت عندنا الحياة، سبق عند(1) الله بإمرة الظالمين، ونحن نسأل الله التغمّد(2)لذنوبنا، والعصمة فيما بقى من آجالنا، فإنّه مالك رحيم، ثمّ انصرف حذيفة إلى منزله وتفرّق الناس.

قال عبد الله بن سلمة: فبينا أنا ذات يوم عند حذيفة أعوده في مرضه الذي مات فيه، وقد كان يوم قدمت فيه من الكوفة وذلك من قبل قدوم عليّ (عليه السلام) إلى العراق، فبينا أنا عنده إذ جاء الفتى الأنصاري فدخل على حذيفة، فرحّب به فأدناه(3) وقرب مجلسه، وخرج من كان عند حذيفة من عوّاده، وأقبل عليه الفتى فقال: يا أبا عبد الله سمعتك يوماً تحدّث عن بريدة بن الخصيب الأسلمي انّه سمع بعض القوم الذين أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يسلّموا على عليّ (عليه السلام) بإمرة المؤمنين يقول لصاحبه: أما رأيت اليوم ما صنع محمد بابن عمّه من التشريف وعلوّ المنزلة حتّى لو قدر أن يجعله نبيّاً لفعل، فأجابه صاحبه فقال: لا يكبرنّ عليك، فلو قد فقدنا محمداً لكان قوله تحت أقدامنا، وقد ظننت نداء بريدة لهما وهما على المنبر انّهما صاحبا القول.

قال حذيفة: أجل، القائل عمر والمجيب أبو بكر، فقال الفتى: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، هلك والله القوم وبطلت أعمالهم، قال حذيفة: ولم يزل القوم على ذلك الارتداد وما يعلم الله منهم أكثر، فقال الفتى: قد كنت أحبّ أن أتعرّف هذا الأمر مِنْ فعلهم ولكنّي أجدك مريضاً، وأنا أكره أن اُملّك بحديثي ومسألتي، وقام لينصرف.

فقال حذيفة: لا بل اجلس يا ابن أخي، وتلقّ منّي حديثهم وإن كربني ذلك، فلا أحسبني إلاّ مفارقكم انّي لا احبّ أن يغتر بمنزلتهما في الناس، فهذا ما أقدر عليه

____________

1- في "ج": علم الله.

2- في "ج": الصفح.

3- في "ج": فرحّب به وأقبل به وأدناه.

الصفحة 193

من النصيحة لك، ولأمير المؤمنين (عليه السلام) من الطاعة له ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وذكر منزلته، فقال: يا أبا عبد الله حدّثني بما عندك من اُمورهم لأكون على بصيرة من ذلك.

فقال حذيفة: اذاً والله لاخبرنّك بخبر سمعته ورأيته، ولقد والله دلّنا ذلك من فعلهم على انّهم والله ما آمنوا بالله ولا رسوله طرفة عين، واخبرك انّ الله تعالى أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) في سنة عشر من مهاجرته من مكة إلى المدينة أن يحجّ هو ويحجّ الناس معه، فأوحى إليه بذلك: {وأذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالا وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق}(1).

فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) المؤذّنين فأذّنوا في أهل السافلة والعالية: ألا انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد عزم على الحجّ في عامه هذا ليفهم(2) الناس حجّهم، ويعلّمهم مناسكهم، فيكون سنّة لهم إلى آخر الدهر.

قال: فلم يبق أحد ممّن دخل في الإسلام إلاّ حجّ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سنة عشر ليشهدوا منافع لهم ويعلّمهم حجّهم ويعرّفهم مناسكهم، وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس وخرج بنسائه معه وهي حجة الوداع، فلمّا استتمّ حجّهم، وقضوا مناسكهم، وعرف الناس جميع ما احتاجوا إليه، وأعلمهم انّه قد أقام لهم ملّة ابراهيم (عليه السلام)، وقد أزال عنهم جميع ما أحدثه المشركون بعده، وردّ الحج إلى حالته الاُولى، ودخل مكة فأقام بها يوماً واحداً، فهبط عليه جبرئيل الأمين (عليه السلام) بأوّل سورة العنكبوت، فقال: يا محمد اقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم * الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون * ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين * أم حسب الذين

____________

1- الحج: 27.

2- في "ب": ليعلّم.

الصفحة 194

يعملون السيّئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون}(1).

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبرئيل وما هذه الفتنة؟ فقال: يا محمد انّ الله يقرئك السلام ويقول لك: إنّي ما أرسلت نبيّاً قبلك إلاّ أمرته عند انقضاء أجله أن يستخلف على اُمّته من بعده من يقوم مقامه، ويحيى لهم سنّته وأحكامه، فالمطيعون لله فيما يأمرهم به رسوله هم الصادقون، والمخالفون عليه أمره هم الكاذبون، وقد دنا يا محمد مصيرك إلى ربّك وجنّته، وهو يأمرك أن تنصب لاُمّتك من بعدك عليّ بن أبي طالب وتعهد إليه، فهو الخليفة القائم برعيّتك واُمّتك، إن أطاعوه [أسلموا](2) وإن عصوه [كفروا](3)، وسيفعلون ذلك وهي الفتنة التي تلوت عليه الآي فيها.

وانّ الله عزوجل يأمرك أن تعلّمه جميع ما علّمك، وتستحفظه جميع ما حفظك(4) واستودعك، فإنّه الأمين المؤتمن، يا محمد انّي اخترتك من عبادي نبيّاً، واخترته لك وصيّاً.

قال: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليّاً فخلا به يومه ذلك وليلته، واستودعه العلم والحكمة التي آتاه الله إيّاها، وعرّفه ما قال جبرئيل (عليه السلام)، وكان ذلك في يوم عائشة بنت أبي بكر، فقالت: يا رسول الله لقد طال استخلاؤك بعليّ منذ اليوم؟ قال: فأعرض عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: لم تعرض عنّي يا رسول الله بأمر لعلّه يكون لي صلاحاً؟ فقال: صدقت، وأيم الله لأمر صلاح لمن أسعده الله بقبوله والايمان به، وقد أمرت بدعاء الناس جميعاً إليه وستعلمين ذلك إذا أنا قمت به في الناس.

____________

1- العنكبوت: 1-4.

2- أثبتناه من "ب" و "ج".

3- أثبتناه من "ب" و "ج".

4- في "ج": استحفظك.

الصفحة 195

قالت: يا رسول الله ولم لا تخبرني به الآن لأتقدّم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: ساُخبرك به فاحفظيه إلى أن اُؤمر بالقيام به في الناس جميعاً، فإنّك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً، وكانت لك الفضيلة بسبقه والمسارعة إلى الايمان بالله ورسوله، وإن أضعتيه وتركت رعاية ما ألقي إليك منه كفرت بربّك، وحبط أجرك، وبرئت منكِ ذمّة الله وذمّة رسوله، وكنتِ من الخاسرين، ولم يضرّ الله ذلك ولا رسوله.

فضمنت له حفظه والايمان به ورعايته، فقال: إنّ الله تعالى أخبرني انّ عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب علياً للناس علماً، وأجعله فيهم إماماً، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءها، وأنا صائر إلى أمر ربّي وآخذ فيه بأمره، فليكن هذا الأمر منك تحت سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به، فضمنت له ذلك، وقد اطلع الله نبيّه على ما يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما، فلم تلبث أن أخبرت حفصة، وأخبرت كلّ واحدة منهما أباها.

فاجتمعا فأرسلا إلى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالأمر، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: انّ محمّداً يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنّة كسرى وقيصر إلى آخر الدهر، ولا والله ما لكم في الحياة من حظّ إن أفضى هذا الأمر إلى عليّ بن أبي طالب، وانّ محمداً عاملكم على ظاهركم وانّ علياً يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم، فأحسنوا النظر لأنفسكم في ذلك وقدّموا رأيكم فيه.

ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأحالوا الرأي، فاتّفقوا على أن ينفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله) ناقته على عقبة هرشى(1)، وقد كانوا صنعوا مثل ذلك في غزاة تبوك فصرف الله الشرّ عن نبيّه (صلى الله عليه وآله)، واجتمعوا في أمر

____________

1- في "ج": الهريش، وهو ـ بالفتح ثمّ السكون والقصر ـ: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة ترى من البحر، ولها طريقان فكل من سلك واحداً منها أفضى به إلى موضع واحد.

الصفحة 196

رسول الله (صلى الله عليه وآله) من القتل والاغتيال واسقاء السمّ على غير وجه، وقد كان اجتمع أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الطلقاء من قريش والمنافقين من الأنصار، ومن كان في قلبه الارتداد من العرب في المدينة وما حولها، فتعاقدوا وتحالفوا على أن ينفروا به ناقته، وكانوا أربعة عشر رجلا، وكان من عزم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يقيم علياً (عليه السلام) وينصبه للناس بالمدينة إذا قدمها.

فسار رسول الله (صلى الله عليه وآله) يومين وليلتين، فلمّا كان في اليوم الثالث أتاه جبرئيل (عليه السلام) بآخر سورة الحجر فقال: اقرأ: {لنسئلنّهم أجمعين * عمّا كانوا يعملون * فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنّا كفيناك المستهزئين}(1).

قال: ورحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأغذّ السير(2) مسرعاً إلى دخول المدينة لينصب علياً علماً للناس، فلمّا كانت الليلة الرابعة هبط جبرئيل (عليه السلام) في آخر الليل فقرأ عليه: {يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس انّ الله لا يهدي القوم الكافرين}(3)وهم الذين همّوا برسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال (صلى الله عليه وآله): أما تراني يا جبرئيل أغذّ السير مجدّاً فيه لأدخل المدينة فأفرض ولايته على الشاهد والغائب، قال له جبرئيل (عليه السلام): إنّ الله يأمرك أن تفرض(4) ولايته غداً إذا نزلت منزلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نعم يا جبرئيل غداً أفعل ذلك إن شاء الله.

وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالرحيل من وقته وسار الناس معه حتّى نزل بغدير خم، وصلّى بالناس وأمرهم أن يجتمعوا إليه، ودعا عليّاً (عليه السلام)

____________

1- الحجر: 92-95.

2- أي أسرع، وفي "ب": أعدّ، وفي "ج": أغدق.

3- المائدة: 67.

4- في "ب": تعرض.

الصفحة 197

ورفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يد عليّ اليسرى بيده اليمنى، ورفع صوته بالولاء لعليّ على الناس أجمعين، وفرض طاعته عليهم، وأمرهم أن لا يختلفوا عليه بعده، وخبّرهم انّ ذلك عن أمر الله عزوجل.

وقال لهم: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، ثمّ أمر الناس أن يبايعوه، فبايعه الناس جميعاً ولم يتكلّم منهم أحد، وقد كان أبو بكر وعمر تقدّما إلى الجحفة، فبعث وردّهما ثمّ قال لهما النبي (صلى الله عليه وآله) متهجّماً: يا ابن أبي قحافة ويا عمر بايعا عليّاً بالولاية من بعدي، فقالا: أمر من الله ومن رسوله؟ فقال: وهل يكون مثل هذا عن غير أمر الله(1)؟! نعم أمر من الله ومن رسوله، فبايعا ثمّ انصرفا.

وسار رسول الله (صلى الله عليه وآله) باقي يومه وليلته حتّى إذا دنوا من عقبة هرشى تقدّمه القوم فتواروا في ثنية العقبة، وقد حملوا معهم دباباً وطرحوا فيها الحصى.

فقال حذيفة: فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعا عمّار بن ياسر، وأمره أن يسوقها وأنا أقودها حتّى إذا صرنا في رأس العقبة ثار القوم من ورائنا، ودحرجوا الدباب بين قوائم الناقة، فذعرت وكادت تنفر برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصاح بها النبي (صلى الله عليه وآله): اُسكني وليس عليك بأس، فأنطقها الله بقول عربي فصيح فقالت: والله يا رسول الله لا أزلت يداً عن مستقر يد، ولا رجل عن موضع رجل وأنت على ظهري.

فتقدّم القوم إلى الناقة ليدفعوها، فأقبلت أنا وعمّار نضرب وجوههم

____________

1- في "ب" و "ج": من غير أمر الله ورسوله.

الصفحة 198

بأسيافنا ـ وكانت ليلة مظلمة ـ فزالوا عنّا وأيسوا ممّا ظنّوا وقدروا(1)، فقلت: يا رسول الله من هؤلاء القوم الذين يريدون(2) ما ترى؟ فقال: يا حذيفة هؤلاء المنافقون في الدنيا والآخرة، فقلت: ألا تبعث إليهم يا رسول الله رهطاً فيأتوا برؤوسهم؟ فقال: انّ الله أمرني أن أعرض عنهم، وأكره أن تقول الناس انّه دعا اُناساً من قومه وأصحابه إلى دينه فاستجابوا له، فقاتل بهم حتّى ظهر على عدوّه ثمّ أقبل إليهم فقتلهم، ولكن دعهم يا حذيفة فإنّ الله لهم بالمرصاد، وسيمهلهم قليلا ثمّ يضطرّهم إلى عذاب غليظ.

فقلت: من هؤلاء المنافقون يا رسول الله، أمن المهاجرين أم من الأنصار؟ فسماهم لي رجلا رجلا حتّى فرغ منهم، وقد كان فيهم اُناس [كنت](3) كاره أن يكونوا فيهم، فأمسكت عند ذلك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا حذيفة كأنّك شاك في بعض من سمّيت لك، ارفع رأسك إليهم، فرفعت طرفي إلى القوم وهم وقوف على الثنية، فبرقت برقة فأضاءت جميع ما حولنا، وثبتت البرقة حتّى خلتها شمساً طالعةً، فنظرت والله إلى القوم فعرفتهم رجلا رجلا، فإذا هم كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعدد القوم أربعة عشر رجلا، تسعة من قريش وخمسة من سائر الناس.

فقال له الفتى: سمّهم لنا يرحمك الله، فقال حذيفة: هم والله أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرّاح، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن عاص ـ هؤلاء من قريش ـ وأمّا الخمسة الاخر: فأبو موسى الأشعري، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وأوس بن الحدثان البصري، وأبو هريرة، وأبو طلحة الأنصاري.

____________

1- في "ج": دبروا.

2- في "ج": من هؤلاء القوم وما يريدون.

3- أثبتناه من "ب".

الصفحة 199

قال حذيفة: ثمّ انحدرنا من العقبة وقد طلع الفجر، فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتوضّأ وانتظر أصحابه، فانحدروا من العقبة واجتمعوا، فرأيت القوم بأجمعهم وقد دخلوا مع الناس وصلّوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلمّا انصرف من صلاته التفت فنظر إلى أبي بكر وعمر وأبي عبيدة يتناجون، فأمر منادياً فنادى في الناس: لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس فيما بينهم بسرّ.

وارتحل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس منزل العقبة، فلمّا نزل المنزل الآخر رأى سالم مولى أبي حذيفة أبا بكر وعمر وأبا عبيدة يسارّ بعضهم بعضاً، فوقف عليهم وقال: أليس قد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يجتمع ثلاثة نفر من الناس على سرّ؟ والله لتخبروني فيما أنتم وإلاّ أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) اُخبره بذلك منكم.

فقال أبو بكر: يا سالم عليك عهد الله وميثاقه لئن نحن خبرناك بالذي نحن فيه وبما اجتمعنا له، إن أحببت أن تدخل معنا فيه دخلت وكنت رجلا منّا، وإن كرهت ذلك كتمته علينا؟ فقال سالم: لكم ذلك(1)، وأعطاهم بذلك عهده وميثاقه ـ وكان سالم شديد البغض والعداوة لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وعرفوا ذلك منه ـ فقالوا له: إنّا قد اجتمعنا على أن نتحالف ونتعاقد على أن لا نطيع محمداً فيما فرض علينا من ولاية عليّ بن أبي طالب بعده.

فقال لهم سالم: عليكم عهد الله وميثاقه انّ في هذا الأمر كنتم تخوضون وتتناجون؟ قالوا: أجل، علينا عهد الله وميثاقه انّا انّما كنّا في هذا الأمر بعينه لا في شيء سواه، قال سالم: وأنا والله أوّل من يعاقدكم على هذا الأمر ولا يخالفكم عليه، انّه والله ما طلعت الشمس على أهل بيت أبغض لي من بني هاشم، ولا في بني هاشم أبغض لي ولا أمقت من عليّ بن أبي طالب، فاصنعوا في هذا ما بدا لكم فإنّي واحد

____________

1- في "ج": ذلك لكم منّي.

الصفحة 200

منكم.

فتعاقدوا من وقتهم على هذا الأمر ثمّ تفرّقوا، فلمّا أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المسير أتوه فقال لهم: فيما كنتم تتناجون في يومكم هذا وقد نهيتكم عن النجوى؟ فقالوا: يا رسول الله ما التقينا غير وقتنا هذا، فنظر إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) مليّاً، ثمّ قال لهم: أنتم أعلم أم الله، {ومن أظلم ممّن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عمّا تعملون}(1).

ثمّ سار حتّى دخل المدينة واجتمع القوم جميعاً وكتبوا صحيفة بينهم على ذكر ما تعاهدوا(2) عليه في هذا الأمر، وكان أوّل ما في الصحيفة النكث لولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وانّ الأمر لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسالم معهم ليس بخارج منهم، وشهد بذلك أربعة وثلاثون رجلا، هؤلاء أصحاب العقبة، وعشرون رجلا آخر، واستودعوا الصحيفة أبا عبيدة بن الجراح، وجعلوه أمينهم عليها.

قال: فقال الفتى: يا أبا عبد الله يرحمك الله، هبنا نقول انّ هؤلاء القوم رضوا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة لأنّهم من مشيخة قريش [ومن المهاجرين الأوّلين](3)، فما بالهم رضوا بسالم وليس هو من قريش ولا من المهاجرين ولا من الأنصار؟ وإنّما هو عبد لامرأة من الأنصار.

قال حذيفة: يا فتى انّ القوم أجمع تعاقدوا على إزالة هذا الأمر عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حسداً منهم له وكراهة لأمره، واجتمع لهم مع ذلك ما كان في قلوب قريش عليه من سفك الدماء، وكان خاصّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكانوا يطلبون الثأر الذي أوقعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهم عند عليّ من بني هاشم، فإنّما كان العقد على إزالة الأمر عن عليّ بن أبي طالب على هؤلاء الأربعة

____________

1- البقرة: 140.

2- في "ج": تعاقدوا.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 201

عشر، وكانوا يرون انّ سالماً رجل منهم.

قال الفتى: فخبرني يرحمك الله عمّا كتب جميعهم في الصحيفة لأعرفه، فقال حذيفة: حدّثتني(1) بذلك أسماء بنت عميس الخثعميّة امرأة أبي بكر، انّ القوم اجتمعوا في منزل أبي بكر فتآمروا في ذلك ـ وأسماء تسمعهم وتسمع جميع ما يدبرونه في ذلك ـ حتّى اجتمع رأيهم على ذلك، فأمروا سعيد بن العاص الأموي فكتب لهم الصحيفة باتّفاق منهم، وكانت نسخة الصحيفة:

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اتّفق عليه الملأ من أصحاب محمد رسول الله من المهاجرين والأنصار الذين مدحهم الله في كتابه على لسان نبيّه، اتّفقوا جميعاً بعد أن اجتهدوا في رأيهم، وتشاوروا في أمرهم(2)، وكتبوا هذه الصحيفة نظراً منهم إلى الإسلام وأهله على غابر الأيام وباقي الدهور، ليقتدي بهم من يأتي من بعدهم من المسلمين.

أمّا بعد، فإنّ الله بمنّه وكرمه بعث محمداً رسولا إلى الناس كافة بدينه الذي ارتضاه لعباده، فأدّى من ذلك وبلغ ما أمره الله به، وأوجب علينا القيام بجميعه حتّى إذا أكمل الدين، وفرض الفرائض، وأحكم السنن، واختار الله له ما عنده، فقبضه إليه مكرماً محبوراً من غير أن يستخلف أحداً من بعده، وجعل الاختيار إلى المسلمين يختارون لأنفسهم مَنْ وثقوا برأيه ونصحه.

وانّ للمسلمين في رسول الله اُسوة حسنة، قال الله عزوجل: {لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}(3) وانّ رسول الله لم يستخلف أحداً لئلاّ يجري ذلك في أهل بيت واحد فيكون ارثاً دون سائر

____________

1- في "ج": حدّثني.

2- في "ج": اُمورهم.

3- الأحزاب: 21.

الصفحة 202

المسلمين، ولئلاّ يكون دولة بين الأغنياء منهم، ولئلاّ يقول المستخلف انّ هذا الأمر باق في عقبه من والد إلى ولد إلى يوم القيامة.

والذي يجب على المسلمين عند مضيّ خليفة من الخلفاء أن يجتمع ذوو الرأي والصلاح منهم فيتشاوروا في اُمورهم، فمن رأوه مستحقّاً لها ولّوه اُمورهم، وجعلوه القيّم عليهم، فإنّه لا يخفى على أهل كلّ زمان من يصلح منهم للخلافة، فإن ادّعى مدّع من الناس جميعاً انّ رسول الله استخلف رجلا بعينه، نصبه للناس ونصّ عليه باسمه ونسبه، فقد أبطل في قوله، وأتى بخلاف ما يعرفه أصحاب رسول الله، وخالف على جماعة من المسلمين.

وإن ادّعى مدّع انّ خلافة رسول الله ارثاً وانّ رسول الله يورث، فقد أحال في قوله، لأنّ رسول الله قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة، وان ادّعى مدّع انّ الخلافة لا تصلح إلاّ لرجل واحد من بين الناس جميعاً وانّها مقصورة فيه ولا تنبغي لغيره لأنّها تتلو النبوّة، فقد كذب لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم(1).

وإن ادّعى مدّع انّه مستحق الخلافة والامامة بقربه من رسول الله ثمّ هي مقصورة عليه وعلى عقبه، يرثها الولد منهم عن والده، ثم هي كذلك في كل عصر وزمان لا تصلح لغيرهم ولا تنبغي أن تكون لأحد سواهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فليس له ولا لولده وإن دنا من النبي نسبه لأنّ الله يقول ـ وقوله القاضي

____________

1- قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتابه "الافصاح" ص49 ذيل هذا الحديث: هذه أحاديث آحاد، وهي مضطربة الطريق والاسناد، والخلل ظاهر في معانيها والفساد، وما كان بهذه الصورة لم يعارض الاجماع ولا يقابل حجج الله تعالى وبيّناته الواضحات، مع انّه قد عارضها من الأخبار التي جاءت بالصحيح من الاسناد، ورواها الثقات عند أصحاب الآثار، وأطبق على نقلها الفريقان من الشيعة والناصبة على الاتّفاق، ما ضمن خلاف ما انطوت عليه فأبطلها على البيان... [ثمّ ذكر الشيخ رحمه الله عدّة أحاديث في الردّ على هذا الحديث، فليراجع].

الصفحة 203

على كلّ أحد ـ: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}.

وقال رسول الله: إنّ ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وكلّهم يد على من سواهم، فمن آمن بكتاب الله وأقرّ بسنّة رسول الله فقد استقام وأناب وأخذ بالصواب، ومن كره ذلك من فعلهم فقد خالف الحق والكتاب، وفارق جماعة المسلمين فاقتلوه فإنّ قتله صلاح للاُمّة، وقد قال رسول الله: من جاء إلى اُمّتي وهم جميع ففرّق بينهم فاقتلوه واقتلوا الفرد كائناً من كان من الناس، فإنّ الاجتماع رحمة والفرقة عذاب، ولا تجتمع اُمّتي على ضلال أبداً، وانّ المسلمين يد واحدة على من سواهم، فإنّه لا يخرج من جماعة المسلمين إلاّ مفارق معاند لهم مظاهر عليهم أعداءهم، فقد أباح الله ورسوله دمه وأحلّ قتله.

وكتب سعيد بن العاص باتّفاق ممّن اثبت اسمه وشهادته آخر هذه الصحيفة في المحرّم سنة عشر من الهجرة، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله وسلّم".

ثمّ دفعت الصحيفة إلى أبي عبيدة بن الجراح فوجّه بها إلى مكة، فلم تزل الصحيفة في الكعبة مدفونة إلى أن ولى عمر بن الخطاب، فاستخرجها من موضعها وهي الصحيفة التي تمنّى أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا توفّى عمر فوقف به وهو مسجّى بثوبه، قال: ما أحبّ إليّ أن ألقى الله بصحيفة هذا المسجّى.

ثمّ انصرفوا وصلّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس صلاة الفجر، ثمّ جلس في مجلسه يذكر الله عزوجل حتّى طلعت الشمس، فالتفت إلى أبي عبيدة بن الجراح، فقال له: بخ بخ من مثلك قد أصبحت أمين هذه الاُمّة، ثمّ تلا: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا فويل لهم ممّا كتبت أيديهم وويل لهم ممّا يكسبون}(1) لقد أشبه هؤلاء رجال في هذه الاُمّة:

____________

1- البقرة: 79.

الصفحة 204

{يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطاً}(1).

ثمّ قال: لقد أصبح في هذه الاُمّة في يومي هذا [قوم](2) ضاهوهم(3) في صحيفتهم التي كتبوها علينا في الجاهلية وعلّقوها في الكعبة، وإنّ الله تعالى يعذّبهم غداً ليبتليهم(4) ويبتلي من [يأتي](5) بعدهم، تفرقة بين الخبيث والطيب، ولولا انّه سبحانه أمرني بالاعراض عنهم للأمر الذي هو بالغه لقدمتهم فضربت أعناقهم.

قال حذيفة: فوالله لقد رأينا هؤلاء النفر عند قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم هذه المقالة وقد أخذتهم الرعدة، فما يملك أحد منهم من نفسه شيئاً، ولم يخف على أحد ممّن حضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك اليوم انّ رسول الله إيّاهم عنى بقوله، ولهم ضرب تلك الأمثال بما تلا من القرآن.

قال: ولما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) من سفره ذلك نزل بمنزل اُم سلمة رضي الله عنها زوجته، فأقام به شهراً لا ينزل منزلا سواه من منازل أزواجه كما كان يفعل قبل ذلك، قال: فشكت عائشة وحفصة ذلك إلى أبويهما، فقالا لهما: إنّا نعلم لم صنع ذلك ولأيّ شيء هو، امضيا إليه فلاطفاه في الكلام وخادعاه عن نفسه، فإنّكما تجدانه حيّياً كريماً، فلعلّكما تسلاّن ما في قلبه وتستخرجان سخيمته.

قال: فمضت عائشة وحدها إليه، فأصابته في منزل اُمّ سلمة وعنده عليّ بن أبي طالب، فقال لها النبي (صلى الله عليه وآله): ما جاء بك يا حميراء؟ قالت: يا رسول الله أنكرتُ تخلّفك عن منزلك هذه المدّة، وأنا أعوذ بالله من سخطك يا رسول الله،

____________

1- النساء: 108.

2- أثبتناه من "ب" و "ج".

3- في "ج": شابهوهم.

4- في البحار: يمتعهم ليبتليهم.

5- أثبتناه من "ج".

الصفحة 205

فقال: لو كان الأمر كما تقولين لما أظهرت بسرٍّ وصّيتك بكتمانه، لقد هلكت وأهلكت اُمّة من الناس.

قال: ثمّ أمر خادمة لاُمّ سلمة فقال: اجمعي لي هؤلاء ـ يعني نساءه ـ فجمعتهنّ له في منزل اُمّ سلمة فقال لهنّ: اسمعن ما أقول لكنّ ـ وأشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب فقال لهنّ: ـ هذا أخي ووصيّي ووارثي والقائم فيكنّ وفي الاُمّة من بعدي، فأطعنه فيما يأمركنّ به ولا تعصينّه فتهلكن بمعصيته، ثمّ قال: يا عليّ اُوصيك بهنّ فأمسكهنّ ما أطعن الله ورسوله وأطعنك، وأنفق عليهنّ من مالك، ومرهنّ بأمرك، وانههنّ عمّا يريبك، وخلّ سبيلهنّ إن عصينك.

فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول الله إنّهنّ نساء ومنهنّ الوهن وضعف الرأي، فقال: ارفق بهنّ ما كان الرفق أمثل، فمن عصاك منهنّ فطلّقها طلاقاً يبرأ الله ورسوله منها، قال: وكلّ نساء النبي (صلى الله عليه وآله) قد صمتن فما يقلن شيئاً، فتكلّمت عائشة فقالت: يا رسول الله ما كنّا لتأمرنا بشيء فنخالفه إلى ما سواه.

فقال لها: بلى يا حميراء، قد خالفت أمري أشدّ خلاف، وأيم الله لتخالفين قولي هذا ولتعصينه بعدي، ولتخرجين من البيت الذي اخلّفك فيه متبرّجة، قد حفّ بك فئام(1) من الناس، فتخالفينه ظالمة له عاصية لربّك، ولتنبحنّك في طريقك كلاب حوأب، ألا انّ ذلك لكائن، ثمّ قال: قمن فانصرفن إلى منازلكنّ، قال: فقمن فانصرفن.

قال: ثمّ إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع اُولئك النفر ومن مالأهم(2)على عليّ (عليه السلام)، وطابقهم على عدواته، ومن كان من الطلقاء والمنافقين ـ وكانوا زهاء أربعة آلاف رجل ـ فجعلهم تحت يدي اُسامة بن زيد مولاه، وأمّره

____________

1- في "ج": فئات.

2- في "ج": ومن والاهم.

الصفحة 206

عليهم وأمره بالخروج إلى ناحية من الشام، فقالوا: يا رسول الله إنّا قد قدمنا من سفرنا الذي كنّا فيه معك، ونحن نسألك أن تأذن لنا في المقام لنصلح من شأننا ما يُصلحنا في سفرنا.

قال: فأمرهم أن يكونوا في المدينة ريث اصلاح ما يحتاجون إليه، وأمر اُسامة بن زيد فعسكر بهم على أميال من المدينة، فأقام بمكانه الذي حدّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله) منتظراً للقوم أن يوافوه إذا فرغوا من اُمورهم وقضاء حوائجهم، وإنّما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما صنع من ذلك أن تخلوا المدينة منهم ولا يبقى بها أحد من المنافقين.

قال: فهم على ذلك من شأنهم ورسول الله (صلى الله عليه وآله) دائب يحثّهم ويأمرهم بالخروج والتعجيل إلى الوجه الذي ندبهم إليه، إذ مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي توفي فيه، فلمّا رأوا ذلك تباطؤوا عمّا أمرهم رسول الله من الخروج، فأمر قيس بن سعد بن عبادة ـ وكان سيّاف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ والحباب بن المنذر في جماعة من الأنصار أن يرحلوا بهم إلى عسكرهم، فأخرجهم قيس بن سعد والحباب بن المنذر حتّى ألحقاهم بمعسكرهم وقالا لاُسامة: انّ رسول الله لم يرخص لك في التخلّف، فسر من وقتك هذا ليعلم رسول الله ذلك، فارتحل اُسامة وانصرف قيس والحباب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعلماه برحلة(1) القوم، فقال لهم: انّ القوم غير سائرين [من مكانهم](2).

قال: وخلا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة باُسامة وجماعة من أصحابه فقالوا: إلى أين ننطلق ونخلّي المدينة، ونحن أحوج ما كنّا إليها وإلى المقام بها؟ فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: انّ رسول الله قد نزل به الموت، والله لئن خلّينا المدينة ليحدثنّ بها اُمور

____________

1- في "ب": برحيل.

2- أثبتناه من "ج".

الصفحة 207

لا يمكن اصلاحها، ننظر ما يكون من أمر رسول الله ثمّ المسير بين أيدينا.

قال: فرجع القوم إلى المعسكر الأوّل، فأقاموا به وبعثوا لهم رسولا يتعرّف لهم [بالخبر من](1) أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأتى الرسول عائشة فسألها عن ذلك سرّاً، فقالت: امض إلى أبي بكر وعمر ومن معهما فقل لهما: إنّ رسول الله قد ثقل فلا يبرحنّ أحد منكم، وأنا اعلمكم بالخبر وقتاً بعد وقت، واشتدّت علّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فدعت(2) عائشة صهيباً فقالت: امض إلى أبي بكر وعمر وأعلمه انّ محمداً في حال لا يُرجى، فهلمّ(3) إلينا أنت وعمر وأبو عبيدة ومن رأيتم أن يدخل معكم، وليكن دخولكم في الليل سرّاً.

قال: فأتاهم الخبر فأخذوا صهيب فأدخلوه إلى اُسامة بن زيد، فأخبروه الخبر وقالوا له: كيف ينبغي لنا أن نتخلّف عن مشاهدة رسول الله؟ واستأذنوه في الدخول فأذن لهم وأمرهم أن لا يعلم بدخولهم أحد، وإن عوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجعتم إلى عسكركم، وإن حدث حادث الموت عرّفونا ذلك لنكون في جماعة الناس.

فدخل أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ليلا المدينة ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ثقل، قال: فأفاق بعض الافاقة فقال: لقد طرق ليلتنا هذه المدينة شرّ عظيم، فقيل له: وما هو يا رسول الله؟ فقال: إنّ الذين كانوا في جيش اُسامة قد رجع منهم نفر مخالفون على أمري، ألا إنّي إلى الله منهم بريء، ويحكم نفّذوا جيش اُسامة، فلم يزل يقول ذلك حتّى قالها مرّات كثيرة.

قال: وكان بلال مؤذّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يؤذّن بالصلاة في كلّ

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": فدفعت.

3- في "ج": فهلمّوا.

الصفحة 208

وقت صلاة، فإن قدر على الخروج تحامل وخرج وصلّى بالناس، وإن هو لم يقدر على الخروج أمّ عليّ بن أبي طالب فصلّى بالناس، وكان عليّ بن أبي طالب والفضل بن العباس لا يزايلانه في مرضه ذلك.

فلمّا أصبح رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ليلته تلك التي قدم فيها القوم الذين كانوا تحت يد اُسامة، أذّن بلال ثمّ أتاه يخبره كعادته، فوجده قد ثقل فمنع من الدخول إليه، فأمرت عائشة صهيباً أن يمضي إلى أبيها فيعلمه انّ رسول الله قد ثقل(1) وليس يطيق النهوض إلى المسجد، وعليّ بن أبي طالب قد شغل به وبمشاهدته عن الصلاة بالناس، فاخرج أنت إلى المسجد فصلّ بالناس، فإنّها حالة تهنئك(2) وحجة لك بعد اليوم.

قال: فلم يشعر الناس وهم في المسجد ينتظرون رسول الله أو عليّاً يصلّي بهم كعادته التي عرفوها في مرضه إذ دخل أبو بكر المسجد وقال: انّ رسول الله ثقل وقد أمرني أن اُصلّي بالناس، فقال له رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأنّى لك ذلك وأنت في جيش اُسامة، ولا والله ما أعلم أحد بعث إليك ولا أمرك بالصلاة، ثمّ نادى الناس بلالا فقال: على رسلكم رحمكم الله لأستأذِن رسول الله في ذلك.

ثمّ أسرع حتّى أتى الباب فدقّه دقّاً شديداً، فسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ما هذا الدقّ العنيف؟! فانظروا ما هو، قال: فخرج الفضل بن العباس ففتح الباب فإذا بلال، فقال: ما وراؤك يا بلال؟ فقال: انّ أبا بكر دخل المسجد وتقدّم حتّى وقف في مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وزعم انّ رسول الله أمره بذلك، فقال: أوليس أبا بكر مع اُسامة في الجيش؟ هذا والله هو الشرّ العظيم الذي

____________

1- في "ب": قد ثقل في مرضه.

2- في "ج": تهيّئك.

الصفحة 209

طرق البارحة المدينة، لقد أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك.

ودخل الفضل وأدخل بلالا معه فقال: ما وراؤك يا بلال، فأخبر رسول الله الخبر، فقال: أقيموني أقيموني اخرجوني إلى المسجد، والذي نفسي بيده قد نزلت بالاسلام نازلة وفتنة عظيمة من الفتن، ثمّ خرج (صلى الله عليه وآله) معصوب الرأس، يتمادى بين عليّ والفضل بن العباس رضي الله عنهما ورجلاه يجرّان في الأرض حتّى دخل المسجد، وأبو بكر قائم في مقام رسول الله، وقد طاف به عمر وأبو عبيدة وسالم وصهيب والنفر الذين دخلوا، وأكثر الناس قد وقفوا عن الصلاة ينتظرون ما يأتي به بلال، فلمّا رأى الناس رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد دخل المسجد وهو بتلك الحالة العظيمة من المرض أعظموا ذلك.

وتقدّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجذب أبا بكر من ورائه فنحّاه عن المحراب، وأقبل أبو بكر والنفر الذين كانوا معه فتواروا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأقبل الناس فصلّوا خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو جالس وبلال يسمع الناس التكبير حتّى قضى صلاته، ثمّ التفت فلم ير أبا بكر فقال: يا أيّها الناس لا تعجبوا من ابن أبي قحافة وأصحابه الذين أنفذتهم وجعلتهم تحت يدي اُسامة، وأمرتهم بالمسير إلى الوجه الذي وجهوا إليه، فخالفوا ذلك ورجعوا إلى المدينة ابتغاء الفتنة، ألا وانّ الله قد أركسهم فيها، اعرجوا بي المنبر.

فقام وهو مربوط حتّى قعد على أدنى مرقاة، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس انّه قد جاءني من أمر ربّي ما الناس إليه صائرون، وانّي قد تركتكم على الحجّة الواضحة ليلها كنهارها، فلا تختلفوا من بعدي كما اختلف من كان قبلكم من بني اسرائيل، أيّها الناس انّه لا اُحلّ لكم إلاّ ما أحلّه القرآن، ولا اُحرّم عليكم إلاّ ما حرّم القرآن، وإنّي مخلّف فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ولن تزلّوا: كتاب الله

الصفحة 210

وعترتي أهل بيتي، وهما الخليفتان فيكم، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فاُسائلكم بماذا أخلفتموني فيهما، ولأذيدنّ(1) يومئذ رجالا عن حوضي كما تذاد الغريبة من الابل، فيقول رجلان: أنا فلان وأنا فلان، فأقول: أمّا الأسماء فقد عرفت ولكنّكم ارتددتم من بعدي، فسحقاً لكم سحقاً.

ثمّ نزل عن المنبر وعاد إلى حجرته، ولم يظهر أبو بكر ولا أصحابه حتّى قُبض صلوات الله عليه، وكان من الأنصار وسعد [وغيرهم](2) من السقيفة ما كان، فمنعوا أهل بيت نبيّهم حقوقهم التي جعلها الله عزوجل لهم، وأمّا كتاب الله فمزّقوه كلّ ممزّق، وفيما أخبرتك يا أخا الأنصار من خطب معتبر لمن أحبّ الله هدايته.

فقال الفتى: سمّ لي القوم الآخرين الذين حضروا الصحيفة وشهدوا فيها، فقال حذيفة: أبو سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن اُميّة بن خلف، وسعيد بن العاص، وخالد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وبشر بن سعد، وسهيل بن عمر، وحكيم بن حزام، وصهيب بن سنان، وأبو الأعور الأسلمي، ومطيع بن الأسود المدري، وجماعة من هؤلاء ممّن سقط عنّي احصاء عددهم.

فقال الفتى: يا أبا عبد الله ما هؤلاء في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى قد انقلب الناس أجمعون بسببهم؟ فقال حذيفة: إنّ في هؤلاء رؤوس القبائل، وما من رجل من هؤلاء إلاّ ومعه من الناس خلق عظيم يسمع له ويطيع(3)، واُشربوا في قلوبهم من أبي بكر كما شرب قلوب بني اسرائيل من حبّ العجل والسامري حتّى تركوا هارون واستضعفوه.

قال الفتى: فإنّي اُقسم بالله حقّاً حقّاً إنّي لا أزال لهم مبغضاً، وإلى الله منهم

____________

1- في "ج": ليذدادون.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ج": يسمعون له ويطيعون.

الصفحة 211

ومن أفعالهم متبرّئاً، ولا زلت لأمير المؤمنين (عليه السلام) متوالياً، ولأعدائه معادياً، ولألحقنّ به وإنّي لاُؤمل أن اُرزق الشهادة معه وشيكاً إن شاء الله، ثمّ وّدع حذيفة وقال: هذا وجهي(1) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).

فخرج إلى المدينة، واستقبله(2) وقد شخص من المدينة يريد العراق فسار معه إلى البصرة، فلمّا التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أصحاب الجمل كان ذلك الفتى أوّل من قُتل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وذلك لمّا صاف القوم واجتمعوا على الحرب، أحب أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يستظهر عليهم بدعائهم إلى القرآن وحكمه، فدعا بمصحف وقال: من يأخذ هذا المصحف يعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه، فيحيى ما أحياه ويميت ما أماته؟ قال: وقد شرعت الرماح في العسكرين حتّى لو أراد امرء أن يمشي عليها لمشى.

قال: فقال الفتى: يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ نادى الثانية: من يأخذ هذا المصحف فيعرضه عليهم ويدعوهم إلى ما فيه؟ فلم يقم إليه أحد، فقام الفتى وقال: يا أمير المؤمنين أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه، قال: فأعرض عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ نادى الثالثة فلم يقم أحد من الناس إلاّ الفتى، فقال: أنا آخذه وأعرضه عليهم وأدعوهم إلى ما فيه.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّك إن فعلت ذلك فأنت مقتول، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما شيء أحبّ إليّ من أن اُرزق الشهادة بين يديك وأن اُقتل في طاعتك، فأعطاه أمير المؤمنين المصحف فتوجّه به نحو عسكرهم، فنظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: انّ الفتى ممّن حشى الله قلبه نوراً وايماناً وهو مقتول،

____________

1- في "ج": وتوجّه إلى....

2- في "ج": واستقبله عليّ.

الصفحة 212

ولقد أشفقت عليه من ذلك، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إيّاه.

فمضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بازاء عسكر عائشة، وطلحة والزبير حينئذ عن يمين الهودج وشماله ـ وكان له صوت ـ فنادى بأعلى صوته: معاشر الناس هذا كتاب الله وانّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يدعوكم إلى كتاب الله والحكم بما أنزل الله فيه، فأنيبوا إلى طاعة الله والعمل بكتابه.

قال: وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله فأمسكوا(1)، فلمّا رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى، فتناول المصحف بيده اليسرى وناداهم بأعلى صوته مثل ندائه أوّل مرّة، فبادروا إليه وقطعوا يده اليسرى، فتناول المصحف واحتضنه ودماؤه تجري عليه وناداهم مثل ذلك، فشدّوا عليه فقتلوه ووقع ميّتاً فقطّعوه ارباً ارباً، ولقد رأينا شحم بطنه أصفر.

قال: وأمير المؤمنين (عليه السلام) واقف يراهم، فأقبل على أصحابه وقال: إنّي والله ما كنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم، ولكن أحببت أن يتبيّن لكم جميعاً ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدي في رجال صالحين معه، و[تضاعف](2) ذنوبهم بهذا الفتى، وهو يدعوهم إلى كتاب الله والحكم به والعمل بموجبه، فثاروا إليه فقتلوه ولا يرتاب بقتلهم مسلم، ووقدت(3)الحرب واشتدّت، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): احملوا عليهم، بسم الله حم لا ينصرون، وحمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فغاص في القوم بنفسه، فوالله ما كانت إلاّ ساعة من نهار حتّى رأينا القوم

____________

1- قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الجمل: 339: "فأقبل الغلام حتّى وقف بازاء الصفوف ونشر المصحف وقال: هذا كتاب الله عزوجل وأمير المؤمنين (عليه السلام) يدعوكم إلى ما فيه، فقالت عائشة: اشجروه بالرماح قبّحه الله، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كلّ جانب...".

2- أثبتناه من البحار، وفي "ج": ووثوبهم بهذا الفتى.

3- في "ب": وقعت.

الصفحة 213

شلايا يميناً وشمالا صرعى تحت سنابك الخيل، ورجع أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤيداً منصوراً وفتح الله عليه ومنحه أكتافهم، وأمر بذلك الفتى وجمع(1) من قتل معه، فلفّوا في ثيابهم بدمائهم لم تُنزع عنهم ثيابهم، وصلّى عليهم ودفنهم، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا لهم مدبراً، وأمر بما حوى العسكر فجمع له فقسّمه بين أصحابه، وأمر محمد بن أبي بكر أن يدخل اُخته إلى البصرة، فيقيم أيّاماً ثمّ يرحلها(2) إلى منزلها بالمدينة.

قال عبد الله بن سلمة: كنت ممّن شهد حرب أهل الجمل، فلمّا وضعت الحرب أوزارها رأيت اُمّ ذلك الفتى واقفة عليه، فجعلت تبكي عليه وتقبّله، ثمّ أنشأت تقول:

يا ربّ انّ مسلماً أتاهم * * * يتلو كتاب الله لا يخشاهم

يأمرهم بالأمر من مولاهم * * * فخضّبوا من دمه قناهم

واُمّهم(3) قائمة تراهم * * * تأمرهم بالغيّ لا تنهاهم(4)

[مكالمته (عليه السلام) مع رأس اليهود]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى الباقر (عليه السلام) قال: قال محمد بن الحنفية: أتى رأس اليهود إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عند منصرفه من وقعة النهروان وهو جالس في مسجد الكوفة، فقال: يا أمير المؤمنين اُريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ، قال: سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود.

____________

1- في "ج": جميع.

2- في "ج": يرتحل بها.

3- أي عائشة.

4- عنه البحار 28: 86 ح3.

الصفحة 214

قال: إنّا نجد في الكتاب انّ الله عزوجل إذا بعث نبيّاً أوحى إليه أن يتّخذ من(1) أهل بيته من يقوم [مقامه](2) في اُمّته من بعده، وأن يعهد إليهم فيه عهداً يحتذى عليه ويعمل به في اُمّته من بعده، قال: نعم، ثمّ قال: وانّ الله عزوجل يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء ويمتحنهم بعد وفاتهم، فأخبرنا كم يمتحن الله الأوصياء في حياة الأنبياء(3) من مرّة، وكم يمتحنهم بعد وفاتهم، وإلى من يصير أمر الأوصياء إذا رضى بمحنتهم؟

قال له عليّ (عليه السلام): تحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو الذي فلق البحر لموسى، وأنزل عليه التوراة لئن خبرتك بحق عمّا سألتني عنه لتؤمننّ به؟ قال: نعم، قال عليّ (عليه السلام): [انّ الله تعالى يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في](4) سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم، فإذا رضى طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم، فتصير طاعة الأوصياء في أعناق الاُمم موصولة بطاعة الأنبياء، ثمّ يمتحن الأوصياء بعد وفاة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي صبرهم، فإن رضى محنتهم ختم لهم بالسعادة.

قال له رأس اليهود: صدقت يا أمير المؤمنين، فأخبرني كم امتحنك الله في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) من مرّة؟ وكم امتحنك بعد وفاته من مرّة؟ وإلى ما يصير آخر أمرك؟ فأخذ أمير المؤمنين (عليه السلام) بيده وقال: انهض معي لاُنبئك بذلك يا أخا اليهود، فقام إليه جماعة من أصحابه وقالوا: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك معه، قال: إنّي أخاف أن لا تحتمله قلوبكم، قالوا: ولِمَ ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لاُمور بدت لي من كثير منكم.

____________

1- في "ج": يخلف في....

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ج": في حياتهم.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 215

فقام إليه الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين أنبئنا بذلك فوالله انّا لنعلم انّه ما على ظهر الأرض وصيّ نبيّ سواك، وانّا لنعلم انّ الله عزوجل لا يبعث بعد نبيّنا (صلى الله عليه وآله) نبيّاً سواه، وانّ طاعتك في أعناقنا موصولة بطاعة نبيّنا، فجلس عليّ (عليه السلام) وأقبل على اليهودي فقال: يا أخا اليهود انّ الله عزوجل امتحنني في حياة نبيّنا (صلى الله عليه وآله) في سبعة مواطن فوجدني فيهنّ ـ من غير تزكية لنفسي بنعمة الله ـ له مطيعاً، قال: فيم وفيم يا أمير المؤمنين، قال:

أمّا أوّلهنّ فإنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله) وحمّله الرسالة، وأنا أحدث أهل بيته سنّاً، أخدمه في بيته، وأسعى بين يديه في أمره، فدعا صغير بني عبد المطّلب وكبيرهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً(1) رسول الله، فامتنعوا من ذلك وأنكروه عليه، وهجروه ونابذوه واعتزلوه واجتنبوه، وسائر الناس مقصية له مخالفة عليه لما ورد عليهم(2) ما لا يحتمله قلوبهم، ولم تدركه عقولهم.

فأجبت رسول الله وحدي إلى ما دعاني إليه مسرعاً مطيعاً موقناً، لم يختلجني في ذلك الأخاليج(3)، فمكثنا بذلك ثلاث حجج ليس على ظهر الأرض خلق يصلّي لله ويشهد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بما آتاه الله غيري وغير ابنة خويلد رحمها الله ـ وقد فعل ـ، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الثانية يا أخا اليهود فإنّ قريشاً لم تزل تخيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبي (صلى الله عليه وآله) حتّى إذا كان آخر ما اجتمعت في ذلك الدار ـ دار الندوة ـ

____________

1- في "ج": وأنّه.

2- في "ج": مبغضون له ومخالفون عليه قد استعظموا ما أورده عليهم.

3- في "ج": في ذلك شك.

الصفحة 216

وابليس الملعون حاضر في صورة أعور ثقيف، فلم تزل تضرب أمرها ظهراً لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجلا، ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه، ثمّ يأتي النبي (صلى الله عليه وآله) وهو نائم على فراشه، فيضربوه بأسيافهم جميعاً ضربة رجل واحد فيقتلوه، فإذا قتلوه منعت قريش رجالها فلم تسلّمه، ويمضي(1) دمه هدراً.

فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك، وخبره بالليلة التي يجتمعون فيها والساعة التي يأتون فراشه فيها، وأمره بالخروج في الوقت الذي خرج فيه إلى الغار، فأنبأني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالخبر، وأمرني أن أضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي، فأسرعت في ذلك مطيعاً مسروراً به نفسي لاُقتل دونه.

فمضى (صلى الله عليه وآله) لوجهه واضطجعت في مضجعه، ثمّ أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها بقتل النبي (صلى الله عليه وآله)، فلمّا استوى بي وبهم البيت الذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، ودفعتهم عن نفسي بما علمه الله والناس منّي، ثمّ أقبل على أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الثالثة يا أخا اليهود فإنّ ابني ربيعة وابني عتبة كانوا فرسان قريش، ودعوا إلى البراز يوم بدر، فلم يبرز لهم خلق من قريش، فأنهضني رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع صاحبيّ رضي الله عنهما ـ يريد بصاحبيه(2) حمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ـ وقد فعل، وأنا أحدث أصحابي سنّاً وأقلّهم بالحرب تجربة، فقتل الله بيدي وليداً وشيبة سوى من قتلته من جحاجحة قريش في ذلك اليوم وسوى من أسرت، وكان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي، واستشهد

____________

1- في "ج": مضى.

2- في "ج": بهما.

الصفحة 217

ابن عمّي في ذلك اليوم رحمه الله، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الرابعة يا أخا اليهود فإنّ أهل مكة أقبلوا إلينا عن بكرة أبيهم، قد استجاشوا مَنْ يليهم من قبائل العرب(1) وقريش طالبي بثأر مشركي قريش في بدر، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك، فتأهّب النبي (صلى الله عليه وآله) وعسكر بأصحابه في سد سفح اُحد، وأقبل المشركون فحملوا علينا حملة رجل واحد، فاستشهد من المسلمين من استشهد، وكان ممّن بقي ما كان من الهزيمة، وبقيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومضى المهاجرون والأنصار إلى منازلهم من المدينة، كلّ يقول: قُتل رسول الله وقُتل أصحابه.

ثمّ ضرب الله عزوجل وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) نيف وسبعين جراحة، منها هذه وهذه ـ ثمّ ألقى رداءه وأمرّ يده على جراحاته ـ وكان منّي في ذلك ما على الله ثوابه إن شاء الله، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الخامسة يا أخا اليهود فإنّ قريشاً والعرب تجمّعت وعقدت بينها عقداً وميثاقاً لا ترجع من وجهها حتّى تقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقتلنا معه معاشر بني عبد المطلب، ثمّ أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة وأيقنت لأنفسها(2) بالظفر فيما توجّهت له، فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فأنبأه بذلك، فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار، فَقَدمتْ قريش فأقامت على الخندق محاصرة لنا ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف، تبرق وترعد ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوها إلى الله

____________

1- في "ب": من قبائلهم من العرب.

2- في "ج": واثقة في أنفسها.

الصفحة 218

ويناشدها بالقرابة والرحم فتأبى ولا يزيدها ذلك إلاّ عتوّاً.

وفارسها فارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود، يهدر كالبعير المغتلم يدعو إلى البراز ويرتجز ويخطر برمحه مرّة وبسيفه اُخرى، لا يقدم عليه مقدم، ولا يطمع له(1) طامع، لا حمية تهيّجه ولا بصيرة تنجعه(2)، فأنهضني إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعمّمني بيده، وأعطاني سيفه هذا ـ وضرب بيده إلى ذي الفقار ـ فخرجت إليه ونساء أهل المدينة(3) بواكي إشفاقاً عليّ من ابن عبدود، فقتله الله بيدي والعرب لا تعد لها فارساً غيره، وضربني هذه الضربة ـ وأومأ بيده إلى هامته ـ فهزم الله قريشاً والعرب بذلك وبما كان منّي فيهم من النكاية، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا السادسة يا أخا اليهود فإنّا وردنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) مدينة أصحابك خيبر على رجال اليهود وفرسانها من قريش وغيرها، فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، وهم في أمنع دار وأكثر عدد، كلّ ينادي للبراز وينادي(4) للقتال، فلم يبرز لهم من أصحابي أحد إلاّ قتل حتّى إذا احمرّ الحدق، ودعيت إلى البراز، وأهمت كلّ امرء نفسه، والتفت بعض أصحابي إلى بعض وكلّ يقول: يا أبا الحسن، يا أبا الحسن انهض.

فأنهضني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دارهم، فلم يبرز إليّ منهم أحد إلاّ قتلته، ولا ثبت لي فارس إلاّ طعنته(5)، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم مدينتهم مشدّداً عليهم، واقتلعت باب حصنهم بيدي، ثمّ

____________

1- في "ب" و "ج": لا يطمع فيه.

2- في "ج": تشجعه.

3- في "ج": أهل البلد.

4- في "ج": ويدعو.

5- في "ج": ولا يثب لي فارس إلاّ طحنته.

الصفحة 219

دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها حتّى افتتحتها وحدي، ولم يكن لي فيها معاون إلاّ الله وحده، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا توجّه لفتح مكة أحبّ أن يعذر إليهم ويدعوهم إلى الله عزوجل آخراً كما دعاهم أوّلا، فكتب إليهم كتاباً يحذّرهم فيه وينذرهم عذاب ربّهم، ويعدهم الصفح عنهم ويمنّيهم مغفرة ربّهم، ونسخ لهم فيه آخر(1) سورة براءة لتقرأ عليهم، ثمّ عرض على أصحابه المضيّ به إليهم، فكلّهم يرى التثاقل فيه، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا يوجه به، فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك.

فأنبأني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكة، فأتيت مكة وأهلها من قد عرفتم ليس منهم أحد إلاّ ولو قدر أن يضع على كلّ جبل منّي إربااً لفعل، ولو بذل في ذلك نفسه وأهله وماله وولده، فبلّغتهم رسالة النبي (صلى الله عليه وآله)، وقرأت عليهم كتابه، فكلّ(2) تلقّاني بالتهدّد والوعيد، ويبدي لي البغضاء، ويظهر لي الشحناء من رجالهم ونسائهم، فكان منّي في ذلك ما قد رأيتم، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

قال: يا أخا اليهود هذه المواطن السبعة التي امتحنني ربّي مع نبيّه فوجدني فيها كلّها بمنّه مطيعاً، ليس لأحد فيها مثل الذي لي، ولو شئت لوصفت ذلك ولكنّ الله تعالى نهى عن التزكية.

____________

1- في "ج": نسخ لهم في آخره.

2- في "ج": فكلّهم.

الصفحة 220

فقالوا(1): والله يا أمير المؤمنين لقد صدقت، فوالله لقد أعطاك الله عزوجل الفضيلة بالقرابة من نبيّنا (صلى الله عليه وآله)، وأسعدك بأن جعلك أخاه تنزل منه بمنزلة هارون من موسى، وفضّلك بالمواقف التي باشرتها والأهوال التي ركبتها، وذكر(2) لك الذي ذكرت وأكثر منه ممّا لم تذكره، وممّا ليس لأحد من المسلمين مثله، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبيّنا ومن شهدك بعده. فأخبرنا يا أمير المؤمنين بما امتحنك الله به بعد نبيّنا (صلى الله عليه وآله) فاحتملته وصبرت عليه، فلو شئت(3) أن نصف نحن ذلك لوصفناه علماً منّا به، وظهور منّا عليه، إلاّ انّا نحبّ أن نسمع ذلك منك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه.

قال (عليه السلام): يا أخا اليهود انّ الله عزوجل امتحنني بعد وفاة نبيّه (صلى الله عليه وآله) في سبعة مواطن، فوجدني فيهنّ من غير تزكية لنفسي بمنّه ونعمته صبوراً.

أمّا أوّلهنّ يا أخا اليهود فإنّه لم يكن لي خاصة دون المسلمين عامة أحدآنس به، ولا أستقيم إليه، ولا أعتمد عليه، ولا أتقرّب به غير رسول الله (صلى الله عليه وآله)، هو ربّاني صغيراً، وبوّأني كبيراً، وكفاني العيلة، وجبرني من اليتم، وأغناني عن الطلب، ووقاني التكسّب، وعالني في النفس والأهل والولد، هذا في تصاريف اُمور الدنيا مع ما خصّني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله عزوجل.

فنزل بي من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يكن(4) أظنّ انّ الجبال

____________

1- في "الف" و "ب": قال اليهودي.

2- في "ج": ذخر.

3- في "ج": ولو شئنا.

4- في "ج": أكن.

الصفحة 221

لو حملته كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي من بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به حتّى قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزى يأمر بالصبر، وبين مساعد على البكاء جازعين لجزعي(1).

فحملت نفسي على الصبر بعد وفاته، ولزمت(2) الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة، ولا جليل مصيبة حتّى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب لله عزوجل عليّ لرسوله (صلى الله عليه وآله)، وبلغت فيه الذي أمرني به، فاحتملته صابراً محتسباً، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

أمّا الثانية يا أخا اليهود، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمّرني في حياته على جميع اُمّته، وأخذ على جميع من أحضره منهم البيعة لي بالسمع والطاعة، وأمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب في ذلك، فكنت المؤدّي إليهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمره إذا حضرته، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا يختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا بعد وفاته.

ثمّ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتوجيه الجيش الذي وجهه مع اُسامة بن زيد عندما أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه، فلم يدع النبي صلّى الله

____________

1- في "ج": باك لبكائهم جازع لجزعهم.

2- في "ج": بلزوم.

الصفحة 222

عليه وآله أحد من قبائل(1) العرب ولا الأوس ولا الخزرج وغيرهم من سائر الناس ممّن يخاف على نقضه أو منازعته، ولا أحد ممّن يراني بعين البغضاء ممّن قد وترته بقتل أبيه أو أخيه أو حميمه إلاّ وجّهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والأنصار والمسلمين وغيرهم من المؤلّفة قلوبهم والمنافقين، لتصفوا قلوب من يبقى معي بحضرته، ولئلاّ يقول قائل شيئاً ممّا أكره، ولا يدفعني دافع عن الولاية والقيام باُمور رعيّته واُمّته من بعده.

ثمّ كان آخر ما تكلّم به في شيء من أمر اُمّته أن يمضي جيش اُسامة ولا يتخلّف عنه أحد ممّن أنهض معه، وتقدّم في ذلك أشدّ التقدّم، وأوعز فيه أبلغ الايعاز، وأكّد فيه أكثر التأكيد، فلم أشعر بعد أن قُبض النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ برجال ممّن بعث مع اُسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا بمواضعهم، وخالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما أنهضهم له وأمرهم به وتقدّم إليهم(2) من ملازمة أميرهم، والمسير معه تحت لوائه حتّى ينفذ لوجهه الذي وجّهه إليه(3).

فخلّفوا أميرهم مقيماً في عسكره، وأقبلوا يتبادرون على الخيل ركضاً إلى حل عقدة عقدها الله عزوجل ورسوله لي في أعناقهم، فحلّوها ونكثوها وعقدوا لأنفسهم عقداً ضجّت به أصواتهم، واختصّت به آراؤهم من غير مناظرة لأحد منّا من بني عبد المطلب، أو مشاركة في رأي، أو استقالة لما في أعناقهم من بيعتي.

فعملوا ذلك وأنا برسول الله (صلى الله عليه وآله) مشغول بتجهيزه عن سائر

____________

1- في "ج": افناء.

2- في "ج": تقيدهم.

3- في "ج": أنفذه إليه.

الصفحة 223

الأشياء، فإنّه كان أهمّها وأحقّ ما بُدئ منها، وكان هذا يا أخا اليهود أفدح(1) ما ورد على قلبي مع الذي أنا فيه من عظيم الرزية، وفاجع المصيبة، وفقد من لا خلف منه إلاّ الله عزوجل، فصبرت عليها إذ أتت بعد اختها على تقاربها وسرعة اتّصالها، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

أمّا الثالثة يا أخا اليهود، فإنّ القائم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كان يلقاني معتذراً في كلّ أيّامه ويلزم غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي ونقض بيعتي، ويسألني

____________

1- في "ج": أقرح.

الصفحة 224

تحليله، فكنت أقول: تنقضي أيّامه ثمّ أرجع إلى(1) حقّي الذي جعله الله عزوجل لي عفواً هنيئاً من غير أن أحدث في الإسلام مع حدوثه وقرب عهده بالجاهلية حدثاً في طلب حقّي بمنازعة، لعلّ فلاناً يقول فيها: نعم، وفلاناً يقول: لا، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل.

وجماعة من خواص أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) [ممّن](2) أعرفهم بالنصح لله ولرسوله ولكتابه ولدينه والإسلام يأتوني عوداً وبدواً(3) وعلانية وسرّاً فيدعوني إلى أخذ حقّي، ويبذلون أنفسهم في نصرتي ليؤدّوا(4) إليّ بذلك بيعتي في أعناقهم، وأقول: رويداً وصبراً قليلا لعلّ الله أن يأتيني بذلك عفواً بلا منازعة ولا إراقة الدماء، فقد ارتاب كثير من الناس بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وطمع في الأمر بعده من ليس له بأهل، فقال كلّ قوم: منّا أمير [ومنكم أمير](5)، وما طمع القائلون في ذلك إلاّ لتناول الأمر غيري.

فلمّا قربت وفاة القائم وانقضت أيّامه صيّر الأمر من بعده لصاحبه، فكانت هذه اُخت اُختها، ومحلّها منّي مثل محلّها، وأخذا منّي ما جعله الله عزوجل لي، فاجتمع إليّ نفر من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) ممّن مضى رحمه الله ومن بقى ممّن أخّره الله من اجتمع، فقالوا لي فيها مثل الذي قالوا لي في اُختها.

فلم يعد قولي الثاني قولي الأوّل صبراً واحتساباً ويقيناً، اشفاقاً من أن تفنى عصبة تألّفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) باللين مرّة وبالشدة اُخرى، وبالبذل مرّة وبالسيف اُخرى، حتّى لقد كان من تألّفه لهم أن كان الناس في الكن والقرار

____________

1- في "ج": يرجع إليّ.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ب": غدوّاً وجدّاً.

4- في "الف": ليروا.

5- أثبتناه من "ب" و "ج".

الصفحة 225

والشبع والري واللباس والوطأة والدثار، ونحن أهل بيت محمد لا سقوف لبيوتنا ولا أبواب ولا ستور إلاّ الجرائد وما أشبهها، ولا وطاء لنا، ولا دثار علينا، يتناول الثوب الواحد في الصلاة أكثرنا، ونطوي الأيّام والليالي جوعاً مشاعاً(1)، وربّما أتانا الشيء ممّا أفاء الله علينا وصيّره لنا خاصة دون غيرنا، ونحن على ما وصفت من حالنا، فيؤثر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحاب(2) النعم والأموال تألّفاً لهم.

فكنت أحق من لم يفرق هذه العصبة التي ألّفها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يحملها على الخطيئة التي لا خلاص لها منها دون بلوغها أو فناء آجالها، لأنّي لو نصبت نفسي بدعوتي(3) إلى نصرتي كانوا في أمري على أحد منزلتين، امّا متّبع مقاتل وامّا مقتول إن لم يتبع الجميع، وامّا خاذل يكفر بخذلانه إن قصّر في نصرتي أو أمسك عن طاعتي، وقد علم انّي منه بمنزلة هارون من موسى، يحلّ بهم في مخالفتي والامساك عن نصرتي ما أحلّ قوم موسى بأنفسهم في مخالفة هارون وترك طاعته.

ورأيت تجرّع الغصص، وردّ أنفاس الصعداء، ولزوم الصبر حتّى يفتح الله عزوجل أو يقضي بما أحبّ أن يُدان في حقّي، وأرفق بالعصابة التي وصفت(4)أمرهم، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، ولو لم اتق هذه الحال يا أخا اليهود ثم طلبت حقّي لكنت أولى ممّن طلبه، لعلم من مضى من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن بحضرتك منهم، فإنّي كنت أكثر عدداً، وأعزّ عشيرة، وأمنع رجالا، وأطوع أمراً، وأوضح حجّة، وأكثر في هذا الدين مناقباً وآثاراً لسوابقي وقرابتي

____________

1- في "ج": جوعاً عامتنا.

2- في "ج": أرباب.

3- في "ب" و "ج": فدعوتهم.

4- في "الف": وضعت.

الصفحة 226

ووراثتي، فضلا عن استحقاقي ذلك بالوصية التي لا مخرج للعباد منها، والبيعة المقدمة في أعناقهم ممّن تناولها.

ولقد قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانّ ولاية الامامة في يده وفي بيته لا في يد الذي تناولوها ولا في بيوتهم، وانّ أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس أهل البيت وطهّرهم تطهيراً أولى بالأمر بعده من غيرهم في جميع الخصال، ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الرابعة يا أخا اليهود، فإنّ القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الاُمور فيصدرها عن أمري، ويناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي لا اُعلم أحداً ولا يعلمه أصحابي، ولا يناظره في ذلك غيري، ولا يطمع في الأمر بعده سواي، فلمّا أتته منيّته على فجأة بلا مرض كان قبله، ولا أمر كان أمضاه في صحّة من بدنه، لم أشك أن قد استرجعت حقّي في عافية بالمنزلة التي كنت أطلبها، والعافية(1) التي كنت ألتمسها، وانّ الله عزوجل يأتي بذلك على أحسن ما رجوت، وأفضل ما أمّلت.

فكان من فعله أن أختم أمره بأن سمّى قوماً أنا سادسهم، ولم يساوني بواحد منهم، ولا ذكر لي حالا(2) في وراثة الرسول، ولا قرابة ولا صهراً ولا نسباً، ولا كان لواحد منهم سابقة من سوابقي، ولا أثر من آثاري، فصيّرها شورى بيننا وصيّر ابنه حاكماً علينا، وأمره أن يضرب أعناق الستة الذين صيّر الأمر فيهم إن لم ينفذوا أمره، وكفى بالصبر على هذا يا أخا اليهود صبراً.

فمكث القوم أيّامهم كلّ يخطبها لنفسه وأنا ممسك، قد سألوني عن أمري فناظرتهم في أيّامي وأيّامهم وآثاري وآثارهم، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من

____________

1- في "ب" و "ج": العاقبة.

2- في "ج": حقاً.

الصفحة 227

وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكّرتهم عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم وتأكيد ما أكّده لي من البيعة في أعناقهم، دعاهم حبّ الامارة، وبسط الأيدي والألسن في الأمر والنهي، والركون إلى الدنيا، والاقتداء بالماضين قبلهم إلى تناول ما لم يجعل الله عزوجل لهم، فإذا خلوت بالواحد منهم ذكّرته أيّام الله، وحذّرته ما هو قادم عليه وصائر إليه، التمس منّي شرطاً أن اُصيّرها له بعدي.

فلما لم يجدوا عنّي إلاّ المحجّة البيضاء، والحمل على كتاب الله عزوجل، ووصيّة الرسول (صلى الله عليه وآله) من إعطاء كلّ امرئ منهم ما جعله الله له، ومَنْعِهِ ما لم يجعل الله له أزواها(1) عنّي إلى ابن عفان طمعاً في التبحبح معه فيها، وابن عفان رجل لم يستويه بواحد ممّن حضره حال قط فضلا عمّن دونهم، لا ببدر التي هي سنام فخرهم، ولا غيرها من المآثر التي أكرم الله عزوجل بها رسوله ومن اختصّه معه من أهل بيته.

ثمّ لم أعلم القوم أمسوا من يومهم حتّى ظهرت ندامتهم، ونكصوا على أعقابهم، وأحال بعضهم على بعض، كلّ يلوم نفسه ويلوم صاحبه، ثمّ لم تطل الأيام بالمستبد بالأمر ابن عفان حتّى كفروه وتبرّؤوا منه، ومشى إلى أصحابه خاصة وسائر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يستقيلهم من بيعته، ويتوب إلى الله عزوجل من فلتته، فكانت هذه يا أخا اليهود أكبر من اُختها وأقطع(2) وأحرى أن لا يُصبر عليها، فنالني منها الذي وصفه ما لم يجد فيه، ولم يكن عندي إلاّ الصبر على ما أمض وأبلغ منها.

ولقد أتاني الباقون من الستة من يومهم كلّ راجع عمّا كان ركب منّي يسألني خلع ابن عفان والوثوب عليه وأخذ حقّي، ويعطيني صفقته وبيعته على الموت تحت

____________

1- في "ج": زووها.

2- في "ب": أعظم، وفي "ج": أفظع.

الصفحة 228

رايتي أو يردّ الله عزوجل عليّ حقّي، فوالله يا أخا اليهود ما منعني منها إلاّ الذي منعني من اُختيها قبلها، ورأيت الابقاء على من بقى من الطائفة أبهج لي وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت انّي إن حملتها على دعوة الموت ركبته، فامّا نفسي فقد علم من حضر ممّن ترى ومن غاب من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) انّ الموت عندي بمنزلة شربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش الصدي.

ولقد كنت عاهدت الله عزوجل ورسوله أنا، وعمّي حمزة، وأخي جعفر، وابن عمّي عبيدة على أمر وفينا به لله عزوجل ولرسوله، فتقدّمني أصحابي وخلفت بعدهم لما أراد الله عزوجل، فأنزل عزوجل فينا: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا}(1) حمزة وعبيدة وجعفر [قضوا نحبهم](2)، وأنا والله المنتظر يا أخا اليهود وما بدّلت تبديلا.

وما سكتني عن ابن عفان وحثّني على الامساك إلاّ انّي عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه ما لن يدعه حتّى يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه فضلا عن الأقارب وأنا في عزلة، فتصبّرت حتّى كان ذلك لم أنطق فيه بحرف من لا ولا نعم، ثمّ أتاني القوم وأنا يعلم الله كاره لمعرفتي بما تطامعوا به من اعتقال الأموال، والمرح في الأرض، وعلمهم بأنّ تلك ليست لهم عندي، وشديد عادة منتزعة، فلما لم يجدوها عندي تعلّلوا الأعاليل، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا الخامسة يا أخا اليهود، فإنّ المبايعين لي لمّا لم يطمعوا في ذلك منّي وثبوا بالمرأة عليّ ـ وأنا وليّ أمرها والوصيّ عليها ـ فحملوها على الجمل، وشدّوها على

____________

1- الأحزاب: 23.

2- أثبتناه من "ج".

الصفحة 229

الرحال، وأقبلوا بها تخبط الفيافي(1)، وتقطع البراري، وتنبح عليها كلاب الحوأب، وتظهر لهم علامات الندم في كلّ ساعة وعلى كلّ حال، في عصبة قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم الاُولى في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتّى أتت أهل بلدة قصيرة أيديهم، طويلة لحاهم، قليلة عقولهم، عارية آراؤهم، وهم جيران بدو ووراء بحر.

فأخرجتهم يخبطون بسيوفهم بغير علم، ويرمون بسهامهم بغير فهم، فوقفت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلّة المكروه ممّن إن كففت لم يرجعوا ولم يقلعوا، وإن أقدمت(2) كنت قد صرت إلى الذي كرهت، فقدّمت الحجّة بالأعذار والانذار ودعوت المرأة إلى الرجوع إلى بيتها، والقوم الذين حملوها إلى الوفاء ببيعتهم لي، والترك لنقضهم عهد الله عزوجل فيّ، وأعطيتهم من نفسي كلّ الذي قدرت عليه، وناظرت بعضهم [فرجع](3) وذكرته فذكر، ثمّ أقبلت على الناس بمثل ذلك فلم يزدادوا إلاّ جهلا وتمادياً وغيّاً.

فلمّا أبوا إلاّ هي ركبتها منهم، وكانت عليهم الدائرة، وبهم الهزيمة، ولهم الحسرة، وفيهم الفناء والقتل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بدّاً، ولم يسعني إذ فعلت ذلك وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أوّلا من الاغضاء والامساك، ورأيت انّي إن أمسكت كنت معيناً لهم عليّ بامساكي فيما صاروا إليه وطمعوا فيه من تناول الأطراف، وسفك الدماء، وقتل الرعية، وتحكيم النساء النواقص العقول والحظوظ على كلّ حال، كعادة بني الأصفر ومن مضى من ملوك سبأ والاُمم الخالية، فأصير إلى ما كرهت أوّلا وآخراً.

وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس ولم

____________

1- الفيف والفيفاة: المفازة التي لا ماء فيها، وجمعها الفيافي. (لسان العرب)

2- في "ج": أقمت.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 230

أهجم على الأمر إلاّ بعدما قدّمت وأخّرت وتأنّيت وراجعت وراسلت(1) وشافهت وأعذرت وأنذرت وأعطيت القوم كلّ شيء التمسوه، بعد أن عرضت عليهم كلّ شيء لم يلتمسوه، فلمّا أبوا إلاّ تلك أقدمت عليها، فبلغ الله عزوجل بي وبهم منهم ما أراد(2)، وكان منّي عليهم بما كان منّي إليهم شهيداً، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

وأمّا السادسة يا أخا اليهود، فتحكيمهم الحكمين ومحاربة ابن آكلة الأكباد وهو طليق ابن طليق، معاند لله عزوجل ولرسوله (صلى الله عليه وآله) وللمؤمنين منذ بعث الله محمداً (صلى الله عليه وآله) إلى أن فتح الله عزوجل عليه مكة عنوة، فاُخذت بيعته وبيعة أبيه لي معه في ذلك اليوم وفي ثلاثة مواطن بعده، وأبوه بالأمس أوّل من سلّم عليّ بإمرة المؤمنين، وجعل يحضّني على النهوض بأخذ حقّي من الماضين قبلي، يجدّد لي بيعته كلّما أتاني.

وأعجب العجب انّه لما رأى ربّي تبارك وتعالى قد ردّ لي حقّي وأقرّه في معدنه، وانقطع طمعه في دين الله(3) وفي أمانة حمّلناها حاكماً، كرّ على العاصي ابن العاص فاستماله فمال إليه، ثمّ أقبل به بعد أن أطمعه مصر ـ وحرام عليه أن يأخذ من الفيء فوق قسمته درهماً، وحرام على الراعي ايصال درهم إليه فوق حقّه ـ فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطأهم بالغشم، فمن تابعه أرضاه ومن خالفه ناواه، ثمّ توجّه إليّ ناكثاً علينا، مغيراً في البلاد شرقاً وغرباً ويميناً وشمالا، والأنباء تأتيني والأخبار ترد عليّ بذلك.

فأتاني أعور ثقيف فأشار أن اُولّيه البلاد الذي هو بها لأداريه(4) بما اُولّيه

____________

1- في "ب": أرسلت.

2- في "ب": على ما أرادوا.

3- في "ج": انقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعاً.

4- في "ب": لأدرأه.

الصفحة 231

منها، وفي الذي أشار به الرأي في أمر الدنيا، ولو وجدت عند الله في توليته لي مخرجاً، وأصبت لنفسي في ذلك عذراً فأعملت الرأي في ذلك، وشاورت من أثق بنصيحته لله عزوجل ولرسوله (صلى الله عليه وآله) ولي وللمؤمنين، فكان رأيه في ابن آكلة الأكباد كرأيي، ينهاني عن توليته ويحذّرني أن أدخل في المسلمين يده، ولم يكن الله يراني أن أتّخذ المضلّين عضداً.

فوجّهت إليه أخا بجيلة مرّة وأخا الأشعر اُخرى وكلاهما ركن إلى الدنيا وتابع(1) هواه فيما أرضاه، فلمّا لم أره يزداد فيما انتهك في محارم الله إلاّ تمادياً شاورت من معي من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) البدريين، والذين ارتضى الله عزوجل أمرهم ورضى عنهم بيعتهم، وغيرهم من صلحاء المسلمين والتابعين، فكلّ يوافق رأيه رأيي في غزوه ومحاربته ومنعه ممّا نالت يده.

وانّي أنهضت إليه أصحابي، أنفذ إليه من كلّ موضع كتبي، واُوجّه إليه رسلي أدعوه إلى الرجوع عمّا هو فيه والدخول فيما فيه الناس معي، فكتب يتحكّم عليّ ويتمنّى عليّ الأماني، ويشترط عليّ شروطاً لا يرضاها الله عزوجل ولا رسوله ولا المسلمون ولا المؤمنون، ويشترط في بعضها أن أدفع إليه أقواماً(2) من أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) أبراراً فيهم عمّار بن ياسر ـ وأين مثل عمّار، والله لقد رأيتنا مع النبي (صلى الله عليه وآله) وما يعد(3) منّا خمسة إلاّ كان سادسهم، ولا أربعة إلاّ كان خامسهم ـ اشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم.

وانتحل دم عثمان، ولعمر الله ما ألّب على عثمان ولا جمع الناس على قتله إلاّ هو وأشباهه من أهل بيته، أغصان الشجرة الملعونة في القرآن، فلمّا لم أجب إلى ما

____________

1- في "ج": اتّبع.

2- في "ج": أدفع إليه أصحابي وهم أقواماً....

3- في "ج": وما تقدم.

الصفحة 232

اشترط كرّ مستعلياً في نفسه بطغيانه وبغيه بحمير لا عقول لهم ولا بصائر(1)، فموّه لهم أمراً فاتّبعوه وأعطاهم من الدنيا ما أمالهم(2) به إليه، فناجزناهم وحاكمناهم إلى الله عزوجل بعد الاعذار والانذار.

فلمّا لم يزده ذلك إلاّ تمادياً وبغياً لقيناه بعادة الله التي عوّدنا من النصر على أعدائه وعدوّنا، وراية رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأيدينا لم يزل الله تعالى يقتل حزب الشيطان بها حتّى يقضي الموت عليه، وهو معلم راية أبيه التي لم أزل اُقاتلها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك المواطن، فلم يجد من الموت منجا إلاّ الهرب. فركب فرسه وقلب رايته لا يدري كيف يحتال، فاستعان برأي ابن العاص فأشار عليه باظهار المصاحف ورفعها على الأعلام والدعاء إلى ما فيها، فقال له: انّ ابن أبي طالب وحزبه أهل بصائر ورحمة وفقهاً(3)، وقد دعوك إلى كتاب الله أوّلا وهم مجيبوك إليه آخراً، فأطاعه فيما أشار به عليه إذ رأى أن لا منجا له من القتل أو الهرب غيره.

فرفع المصاحف يدعو إلى ما فيها بزعمه، فمالت إلى المصاحف قلوب من بقى من أصحابي بعد فناء خيارهم، وجهدهم في جهاد أعداء الله وأعدائهم على بصائرهم، وظنّوا انّ ابن آكلة الأكباد له الوفاء بما دعا إليه، فأصغوا إلى دعوتهم، وأقبلوا بأجمعهم في اجابته، فأعلمتهم انّ ذلك منه مكر ومن ابن العاص معه، وانّهما إلى النكث أقرب منهما إلى الوفاء، فلم يقبلوا قولي ولم يطيعوا أمري، وأبوا إلاّ اجابته كرهت أم هويت، شئت أم أبيت، حتّى بعضهم يقول لبعض: إن لم يفعل فألحقوه بابن عفان أو ادفعوه إلى ابن هند يرميه(4).

____________

1- في "ب": بصيرة.

2- في "ب": أمالوا.

3- في "ب" و "ج": فقهاء.

4- في "ب" و "ج": برمته.

الصفحة 233

فجهدت علم الله جهدي، ولم أدع علّة في نفسي إلاّ بلّغتها في أن يخلّوني ورأيي فلم يفعلوا، وراودتهم على الصبر على مقدار فواق الناقة أو ركضة الفرس، فلم يجيبوا ما خلا هذا الشيخ ـ وأومأ بيده إلى الأشتر ـ وعصبة من أهل بيتي، فوالله ما منعني أن أمضي على بصيرتي إلاّ مخافة أن يقتل هذان ـ وأومأ بيده(1) إلى الحسن والحسين (عليهم السلام) ـ فيقطع نسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذرّيته من اُمّته، ومخافة أن يقتل هذا وهذا ـ وأومأ بيده إلى عبد الله بن جعفر، ومحمد بن الحنفية ـ فإنّي أعلم لولا مكاني لم يقفا ذلك الموقف، فلذلك صبرت على ما أراد القوم مع ما سبق فيه من علم الله عزوجل.

فلمّا رفعنا عن القوم سيوفنا تحكّموا في الاُمور وتخيّروا الاحكام، وما كنت بالذي احكم في دين الله أحداً إذ كان التحكيم في ذلك الخطأ الذي لا شك فيه ولا امتراء، فلمّا أبوا إلاّ ذلك أردت اُحكّم رجلا من أهل بيتي أو رجلا ممّن أرضى رأيه وعقله، وأثق بنصيحته ومودّته ودينه، وأقبلت لا اُسمّي أحداً إلاّ امتنع منه ابن هند، ولا أدعوه إلى شيء من الحقّ إلاّ أدبر عنه، وأقبل ابن هند يسومنا عسفاً، وما ذلك إلاّ باتّباع أصحابي له على ذلك.

فلمّا أبوا إلاّ غلبتي على التحكيم برئت إلى الله عزوجل منهم وفوّضت ذلك إليهم، فقلّده(2) أمراً فخدعه ابن العاص خديعة ظهرت في شرق الأرض وغربها وأظهر المخدوع عليه ندماً، ثمّ أقبل (عليه السلام) على أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

أمّا السابعة يا أخا اليهود فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان عهد إليّ أن اُقاتل في آخر الزمان من أيّامي قوماً من أصحابي، يصومون النهار ويقومون

____________

1- في "ج": وأشار إلى.

2- في "ج": فقلّدوه.

الصفحة 234

الليل، ويتلون الكتاب، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فمنهم ذو الثدية، يُختم لي بقتلهم بالسعادة، فلمّا انصرفت إلى موضعي هذا ـ يعني بعد الحكمين ـ أقبل بعض القوم على بعض باللاّئمة فيما صاروا إليه من تحكيم الحكمين، فلم يجدوا لأنفسهم مخرجاً إلاّ أن قالوا: كان ينبغي لأمير المؤمنين انّه لا يتابع من أخطأ، وأن يقضي بحقيقة رأيه على قتل نفسه وقتل من خالفه منّا، فقد كفر بمتابعته إيّانا وطاعته لنا في الخطأ، واُحلّ لنا بذلك قتله وسفك دمه.

فجمعوا على ذلك وخرجوا راكبين رؤوسهم ينادون بأعلى أصواتهم: لا حكم إلاّ لله، ثمّ تفرّقوا فرقة بالنخيلة والاُخرى(1) بحروراء، [واُخرى](2) راكبة رأسها تخبط(3) الأرض شرقاً حتّى عبرت دجلة، فلم تمرّ بمسلم إلاّ امتحنته، فمن تابعها استحثّته(4) ومن خالفها قتلته، فخرجتُ إلى الاولتين واحدة بعد اُخرى أدعوهم إلى طاعة الله عزوجل والرجوع إليه، فأبيا إلاّ السيف لا يقنعها غير ذلك.

فلمّا أعييتُ الحيلة فيهما حاكمتهما إلى الله عزوجل، فقتل الله(5) هذه وهذه، وكانوا يا أخا اليهود لولا ما فعلوا لكانوا ركناً قويّاً وسدّاً منيعاً، فأبى الله إلاّ ما صاروا إليه، ثمّ كتبت إلى الفرقة الثالثة ووجّهت رسلي تترى، وكانوا من جملة أصحابي وأهل التعبّد والزهد في الدنيا، فأبت إلاّ اتّباع اُختيها والاحتذاء على مثالهما، وأسْرَعَتْ في قتل من خالفها من المسلمين.

وتتابعت إليّ الأخبار بفعلهم، فخرجت حتّى قطعت إليهم دجلة واُوجّه إليهم السفراء والنصحاء، وأطلب العتبى بجهدي بهذا مرّة وبهذا مرّة وبهذا مرّة ـ وأومأ

____________

1- في "ج": وفرقة.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ب": تخط.

4- في "ج": تركته.

5- في "ج": فقتلت.

الصفحة 235

بيده إلى الأشتر، والأحنف بن قيس، وسعيد بن قيس الأرحبي، والأشعث بن قيس الكندي ـ فلمّا أبوا إلاّ تلك ركبتها منهم فقتلهم الله يا أخا اليهود عن آخرهم ـ وهم أربعة آلاف أو يزيدون ـ حتّى لم يفلت منهم مخبر، فاستخرجت ذا الثدية من قتلاهم بحضرة من ترى، له ثدي كثدي المرأة، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ فقالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

فقال (عليه السلام): قد وفيت سبعاً وسبعاً يا أخا اليهود، وبقيت اُخرى واُوشك بها فكأنّ قد قربتْ، فبكى أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وبكى رأس اليهود وقال: أخبرنا الاُخرى، فقال: الاُخرى أن تخضب هذه من هذه ـ وأومأ بيده إلى لحيته وأومأ بيده إلى هامته ـ.

قال: فارتفعت أصوات القوم في المسجد الجامع بالضجة والبكاء حتّى لم يبق بالكوفة دار إلاّ خرج أهلها فزعاً(1)، وأسلم رأس اليهود على يد عليّ (عليه السلام) من ساعته، ولم يزل مقيماً حتّى قُتل أمير المؤمنين (عليه السلام) واُخذ ابن ملجم لعنة الله عليه، فأقبل رأس اليهود حتّى وقف على الحسن (عليه السلام) والناس حوله وابن ملجم لعنه الله بين يديه، فقال له: يا أبا محمد اقتله قتله الله، فإنّي رأيت في الكتب التي اُنزلت على موسى بن عمران (عليه السلام) انّ هذا أعظم جرماً عند الله من ابن آدم قاتل أخيه، ومن القدار عاقر ناقة ثمود(2).

تمّ الحديث والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلّم تسليماً كثيراً(3).

____________

1- في "ب": جزعاً.

2- في "ج": صالح.

3- الخصال: 364 ح58 باب السبعة; عنه البحار 38: 167 ح1; وفي الاختصاص: 163.

الصفحة 236

[جوابه (عليه السلام) عن مسائل أحبار اليهود، وفيه خبر أصحاب الكهف]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى ابن عباس قال: لمّا ولى عمر بن الخطاب الخلافة أتاه أقوام من أحبار اليهود فقالوا: يا عمر أنت وليّ الأمر بعد محمد؟ قال: نعم، قالوا: نريد أن نسألك عن خصال إن أخبرتنا بها دخلنا في الإسلام، وعلمنا انّ دين الإسلام حق، وانّ محمداً كان نبيّاً، وإن لم تخبرنا بها علمنا انّ دين الإسلام باطل، وانّ محمداً لم يكن نبيّاً، قال عمر: سلوا عمّا بدا لكم ولا قوّة إلاّ بالله.

قالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي، وأخبرنا عن مفاتيح هذه الأقفال ما هي، و[أخبرنا عن قبر سار بصاحبه ما هو](1)، وأخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجنّ ولا من الانس، وأخبرنا عن خمسة أشياء مشت على الأرض لم تخلق في الأرحام، وأخبرنا ما يقول الدراج في صياحه، وما يقول الديك في صدحه، وما يقول الفرس في صهيله، وما يقول الحمار في نهيقه، وما يقول الضفدع في نقيقه، وما يقول القبّر(2) في أنيقه.

قال: فنكس عمر رأسه في الأرض، ثمّ رفع رأسه إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أبا الحسن ما أرى جوابهم إلاّ عندك، فإن كان لها جواب فأجب، فقال لهم عليّ (عليه السلام): سلوا عمّا بدا لكم ولي عليكم شريطة، قالوا: فما شريطتك؟ قال (عليه السلام): إذا أخبرتكم بما في التوراة دخلتم في ديننا، قالوا: نعم، قال (عليه السلام): سلوني عن خصلة خصلة.

فقالوا: أخبرنا عن أقفال السماوات ما هي؟ قال (عليه السلام): أمّا أقفال السماوات فهو(3) الشرك بالله، فإنّ العبد والأمة إذا كانا مشركين لم يرتفع لهما إلى الله

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": القنبرة.

3- في "ب": فهي.

الصفحة 237

عزوجل عمل، فهذه أقفال السماوات، قالوا: أخبرنا عن مفاتيح هذه الأقفال، قال (عليه السلام): مفاتيحها شهادة(1) أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله.

قالوا: أخبرنا عن قبر سار بصاحبه، قال: ذلك الحوت حين ابتلع يونس بن متّى فدار به في البحار السبعة، قالوا: فأخبرنا عمّن أنذر قومه لا من الجن ولا من الانس، قال: تلك نملة سليمان إذ قالت: يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده، قالوا: أخبرنا عن خمسة أشياء مشوا على الأرض لم يُخلقوا في الأرحام، قال (عليه السلام): ذاك آدم، وحوّاء، وناقة صالح، وكبش ابراهيم، وعصى موسى (عليه السلام).

قالوا: أخبرنا ما يقول الدرّاج في صياحه، قال: يقول: الرحمن على العرش استوى، قالوا: أخبرنا ما يقول الديك في صدحه، قال: فإنّه يقول: اذكروا الله يا غافلين، قالوا: أخبرنا ما يقول الفرس في صهيله، قال: يقول: اللّهمّ انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين، قالوا: أخبرنا ما يقول الحمار في نهيقه، قال: الحمار يلعن العشار(2) وينهق في أعين الشياطين.

قالوا: أخبرنا ما يقول الضفدع في نقيقه، قال: الضفدع يقول: سبحان ربّي المعبود المسبَّح في لجج البحار، قالوا: فأخبرنا ما يقول القبّر(3) في أنيقه، قال: يقول: اللّهمّ العن مبغض محمد ومبغض آل محمد ومبغض أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله).

قال: وكانت الأحبار ثلاثة فوثب اثنان وقالا: نشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، قال: فوقف الحبر الآخر(4) فقال: يا عليّ لقد وقع في قلبي ما

____________

1- في "ج": أشهد.

2- في "ج": العشارين.

3- في "ج": القنبرة.

4- في "ب": الثالث.

الصفحة 238

وقع في قلوب أصحابي ولكن بقيت خصلة، أخبرني عن قوم كانوا في أوّل الزمان، فماتوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين ثمّ أحياهم الله، ما كانت قصّتهم؟

فابتدأ (عليه السلام) فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، أراد أن يقرأ سورة الكهف فقال اليهودي: ما أكثر ما سمعنا قراءتكم(1)، فإن كنت فاعلا(2) فأخبرنا بقصّة هؤلاء وبأسمائهم وعددهم، واسم كلبهم، واسم كهفهم، واسم ملكهم، واسم مدينتهم.

فقال عليّ (عليه السلام): لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، يا أخا اليهود حدّثني حبيبي محمد (صلى الله عليه وآله) انّه كان بأرض الروم مدينة يقال لها: "اقسوس"، وكان لها ملك صالح، فمات ملكهم وتشتّت أمرهم(3) واختلفت كلمتهم، فسمع بهم ملك من ملوك الفارس يقال له: "دقيانوس" فأقبل في مائة ألف حتّى دخل مدينة "اقسوس" فاتّخذها دار مملكته، واتّخذ فيها قصراً طوله فرسخ في عرض فرسخ، واتّخذ في ذلك القصر مجلساً طوله ألف ذراع في عرض ذلك من الزجاج الممرّد.

واتّخذ في المجلس أربعة آلاف اُسطوانة من ذهب، واتّخذ ألف قنديل من ذهب لها سلاسل من اللجين تسرج بأطيب الأدهان، واتّخذ في شرقي المجلس ثمانين كوّة وفي غربيّه ثمانين كوّة، وكانت الشمس إذا طلعت تدور في المجلس كيف ما دارت، واتّخذ سريراً من ذهب [طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً](4) له قوائم من فضة مرصّعة بالجواهر وعلاه بالنمارق، واتّخذ عن يمين السرير ثمانين كرسياً من الذهب مرصعة بالزبرجد الأخضر فأجلس عليها بطارقته، واتّخذ عن يسار السرير ثمانين كرسياً من الفضة مرصّعة بالياقوت الأحمر فأجلس عليها هراقلته،

____________

1- في "ج": من قرآنكم.

2- في "ج": عالماً.

3- في "ج": تشتّتت اُمورهم.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 239

ثمّ جلس على السرير فوضع التاج على رأسه.

قال: فوثب اليهودي فقال: يا أمير المؤمنين ممّ كان تاجه؟ فقال (عليه السلام): لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، كان تاجه من الذهب المشبّك له شبه سبعة أركان، على كلّ ركن لؤلؤة بيضاء [تضيء](1) كضوء المصباح في الليلة الظلماء، واتّخذ خمسين غلاماً من أولاد الهراقلة فقرطقهم بقراطق(2) الديباج الأحمر، وسرولهم سراويلات من الفرند الأخضر، وتوّجهم ودملجهم وخلخلهم وأعطاهم أعمدة من الذهب وأوقفهم على رأسه، واتّخذ ستّة أغلمة(3) من أولاد العلماء واتّخذهم وزراءه، فأقام ثلاثة عن يمينه وثلاثة عن يساره.

قال اليهودي: ما كان أسماء الثلاثة الذين عن يمينه والثلاثة الذين عن يساره؟ فقال (عليه السلام): أمّا الثلاثة الذين كانوا عن يمينه فكان أسماؤهم: تمليخا ومكسلمينا ومحسمينا(4)، وأمّا الثلاثة الذين كانوا عن يساره فكانت أسماؤهم: مرطوس وكينطوس وسارينوس(5)، وكان يستشيرهم في جميع اُموره.

قال: وكان يجلس كلّ يوم في صحن داره والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن يساره، قال: ويدخل ثلاثة أغلمة في يد أحدهم جام من ذهب مملوء من المسك المشرق(6)، وفي يد الآخر جام من فضّة مملوء من ماء الورد، وفي يد الآخر طائر أبيض له منقار أحمر.

قال: فإذا نظر إلى ذلك الطائر صفر به، فيطير الطير(7) حتّى يقع في جام ماء

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": فقرطهم بقراط.

3- في "ج": غلمان.

4- في "ج": مجسلينا.

5- في "ب": مرطوس وكسطوس وسارسوس. وفي "ج": مرنوس وديرنوس وشاذرنوس.

6- في "ج": المسحوق.

7- في "ج": الطائر.

الصفحة 240

الورد، فيتمرّغ فيه فيحمل ما في الجام بريشه وجناحيه، ثمّ يصفر به الثانية، فيطير الطائر حتّى يقع في جام المسك، فيحمل ما في الجام بريشه وجناحيه، ثمّ يصفر به الثالثة فيطير الطائر على تاج الملك فينفض ريشه وجناحيه على رأس الملك.

فلمّا نظر(1) الملك إلى ذلك عتا(2) وتجبّر وادّعى الربوبية من دون الله عزوجل، قال: فدعا إلى ذلك وجوه قومه، فكلّ من أطاعه على ذلك أعطاه وحباه وكساه، وكلّ من لم يتابعه قتله، فاستجاب له اُناس فاتّخذ لهم عيداً في كلّ سنة مرّة(3)، فبينما هم ذات يوم في عيدهم والبطارقة عن يمينه والهراقلة عن شماله إذا ببطريق من بطارقته قد أخبره انّ عساكر الفرس قد غشيته، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً حتّى سقط التاج عن ناصيته(4).

فنظر إليه أحد الفتية الثلاثة الذين كانوا عن يمينه يقال له "تمليخا" فقال في نفسه: لو كان دقيانوس إلهاً كما يزعم ما كان يغتمّ ولا كان يفزع، ولا كان يبول ولا يتغوّط، ولا كان ينام ولا كان يستيقظ، وليس هذا من فعل الآلهة.

قال: وكان الفتية الستّة كلّ يوم عند أحدهم يأكلون ويشربون، وكان ذلك اليوم يوم(5) تمليخا، فاتّخذ لهم من أطيب الطعام وأعذب الشراب، فطعموا وشربوا ثمّ قال: يا اخوتاه قد وقع في نفسي شيء قد منعني الطعام والشراب والمنام، قالوا: وما ذلك يا تمليخا؟ قال: أطلت فكري في هذه السماء فقلت: من رفع سقفها محفوظاً بلا علاقة من فوقها ولا دعائم من تحتها؟ ومن أجرى فيها شمساً وقمراً نيّران مضيئان(6)؟ ومن زيّنها بالنجوم؟

____________

1- في "ب": رأى.

2- في "ب" و "ج": طغى.

3- في "ب": مرّتين.

4- في "ج": رأسه.

5- في "ج": وكانوا في ذلك اليوم عند تمليخا.

6- في "ج": آيتين مبصرتين.

الصفحة 241

ثمّ أطلت الفكر في هذه الأرض فقلت: من سطحها على صميم الماء الزاخر؟ ومن حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء، وأطلت فكري في نفسي فقلت: من أخرجني جنيناً من بطن اُمّي؟ ومن غذّاني؟ ومن ربّاني في بطنها؟ انّ لهذا صانعاً ومدبراً غير دقيانوس الملك، وما هو إلاّ ملك الملوك وجبّار السماوات.

فأكبّت(1) الفتية على رجليه يقبّلوهما ويقولون له: قد هدانا الله من الضلالة إلى الهدى بك فأشر علينا، قال: فوثب تمليخا فباع تمراً من حائط له بثلاثة دراهم(2) وصرّها في كمّه وركبوا على خيولهم وخرجوا من المدينة، فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال تمليخا: يا اخوتاه ذهب ملك الدنيا وزال أمرها انزلوا عن خيولكم، وامشوا على أرجلكم [لعلّ الله يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً، فنزلوا عن خيولهم](3)، ومشوا سبع فراسخ في ذلك اليوم، فجعلت أرجلهم تقطر دماً.

قال: فاستقبلهم راع فقالوا: يا أيّها الراعي هل من شربة لبن؟ هل من شربة ماء؟ فقال الراعي: عندي ما تحبّون ولكن أرى وجوهكم وجوه الملوك، وما أظنّكم إلاّ هرابا من دقيانوس الملك، فقالوا: يا أيّها الراعي لا يحلّ لنا الكذب، أفينجينا معك الصدق؟ قال: نعم، فأخبروه بقصّتهم، فأكبّ الراعي على أرجلهم يقبّلها وقال: يا قوم لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم، ولكن امهلوني حتّى أردّ الأغنام على أربابها وألحق بكم، فوقفوا له فردّ الأغنام وأقبل يسعى يتبعه كلب له.

فقال اليهودي: يا عليّ ما كان اسم الكلب وما لونه؟ قال عليّ (عليه السلام): يا أخا اليهود أمّا لون الكلب فكان أبلق بسواد، وأمّا اسمه فكان قطمير، فلمّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم لبعض: إنّا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنباحه،

____________

1- في "ج": قال: فانكبّت.

2- في "ج": بثلاثة آلاف درهم.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 242

فألحّوا عليه بالحجارة، فلمّا نظر الكلب إليهم قد ألحّوا عليه بالطرد أقعى على ذنبه وتمطى، ونطق بلسان طلق ذلق وهو ينادي: يا قوم لِمَ تطردوني(1) وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له؟ ذروني أحرسكم عن عدوّكم، قال: فجعلوا يبتدرونه فحملوه على أعناقهم.

قال: فلم يزل الراعي يسير بهم حتّى علا بهم جبلا، فانحطّ بهم على كهف يقال له "الوصيد" فإذا بازاء الكهف عين وأشجار مثمرة، فأكلوا من الثمرة وشربوا من الماء، وجنّهم الليل فآووا إلى الكهف، فأوحى الله جلّ جلاله إلى ملك الموت أن يقبض أرواحهم، ووكّل الله عزوجل بكلّ رجل منهم ملكين يقلبانهم ذات اليمين إلى ذات الشمال ومن ذات الشمال إلى ذات اليمين، فأوحى الله إلى خزّان الشمس وكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وتقرضهم ذات الشمال.

فلمّا رجع دقيانوس من عيده سأل عن الفتية فاُخبر انّهم خرجوا هرابا، فركب في ثمانين ألف حصان، فلم يزل يقفو أثرهم حتّى علا الجبل وانحطّ إلى الكهف، فلمّا نظر إليهم إذا هم نيام، فقال الملك: لو أردت أن اُعاقبهم بشيء ما عاقبتهم بأكثر ما عاقبوا به أنفسهم ولكن ائتوني بالبنائين، وسدّ باب الكهف بالكلس(2) والحجارة، ثمّ قال لأصحابه: قولوا لهم يقولون لإلههم الذي في السماء يذهب بهم(3) إن كانوا صادقين أن يخرجهم من هذا الموضع.

ثمّ قال عليّ (عليه السلام): يا أخا اليهود فمكثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فلمّا أراد الله أن يحييهم أمر اسرافيل الملك أن ينفخ فيهم الروح، قال: فنفخ فقاموا من رقدتهم، فلمّا أن بزغت الشمس قال بعضهم لبعض: قد غفلنا هذه الليلة عن عبادة

____________

1- في "ب": أتطردوني.

2- الكِلْسُ: مثل الصاروج يُبنى به، وقيل: الكلس ما طُلي به حائط أو باطن قصر شبه الجِصّ من غير آجر. (لسان العرب)

3- في "ج": لينجيهم ممّا بهم.

الصفحة 243

إله السماوات، فقاموا فإذا العين قد غارت والأشجار قد جفّت، فقال بعضهم لبعض: إنّ في أمرنا لعجباً، مثل تلك العين الغزيرة قد غارت في ليلة واحدة، ومثل تلك الأشجار قد جفّت في ليلة.

قال: ومسّهم الجوع فقالوا: ابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيّها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه، وليتلطّف ولا يشعرنّ بكم أحداً، فقال لهم تمليخا: لا يذهب في حوائجكم غيري، ولكن ادفع إليّ أيّها الراعي ثيابك، قال: فدفع الراعي ثيابه إليه ومضى إلى المدينة، فجعل يرى مواضع لا يعرفها وطرقاً هو منكرها حتّى أتى باب المدينة، وإذا عليه علم أخضر مكتوب عليه بصفرة: "لا إله إلاّ الله عيسى رسول الله [وروحه](1)".

قال: فجعل ينظر إلى العلم ويمسح عينيه ويقول: كأنّي نائم، ثمّ دخل المدينة حتّى أتى السوق، فإذا رجل خبّاز فقال: أيّها الخبّاز ما اسم مدينتكم هذه؟ قال: اقسوس، قال: وما اسم ملككم؟ قال: عبد الرحمن، قال: يا هذا حرّكني كأنّي نائم، فقال الخبّاز: أتهزأ بي؟ تكلّمني وأنت نائم، فقال تمليخا للخبّاز: فادفع إليّ بهذا الورق طعاماً.

قال: فتعجّب الخبّاز من ثقل الدرهم ومن كبره، قال: فوثب اليهودي وقال: يا عليّ وما كان وزن كلّ درهم؟ قال عليّ (عليه السلام): يا أخا اليهود كان وزن كلّ درهم منها عشرة دراهم وثلثي درهم، فقال له الخباز: يا هذا انّك أصبت كنزاً؟ فقال تمليخا: ما هذه إلاّ ثمن تمرة بعتها منذ ثلاث، وخرجت من هذه المدينة وتركت الناس يعبدون دقيانوس الملك، فغضب وقال: ألا تعطيني بعضها وتنجو، تذكر رجلا خمّاراً(2) كان يدّعي الربوبية قد مات أكثر من ثلاثمائة سنة.

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ب": جبّاراً.

الصفحة 244

قال: فتثبت بتمليخا حتّى أدخله على الملك فقال: ما شأن هذا الفتى؟ قال الخباز: هذا الرجل أصاب كنزاً، قال له الملك: يا فتى لا تخف فإنّ نبيّنا عيسى بن مريم (عليه السلام) أمرنا أن لا نأخذ من الكنوز إلاّ خمسها، فأعطني خمسها وامض سالماً.

قال تمليخا: انظر أيّها الملك في أمري ما أصبت كنزاً، أنا من أهل هذه المدينة، فقال له الملك: أنت من أهلها؟ قال: نعم، قال: فهل تعرف بها أحداً؟ قال: نعم، قال: فسمّ، قال: فسمّى تمليخا نحواً من ألف رجل لا يعرف منهم رجل واحد، قال(1): ما هذه الأسماء أسماء أهل زماننا، قال: فهل لك في هذه المدينة دار؟ قال: نعم، اركب أيّها الملك معي.

قال: فركب الناس معه فأتى بهم أرفع باب دار بالمدينة، فقال تمليخا: هذه الدار داري، فقرع الباب فخرج إليهم شيخ كبير قد وقع حاجباه على عينيه من الكبر فقال: ما شأنكم؟ فقال له الملك: أتينا بالعجب، هذا الغلام يزعم انّ هذه الدار داره، فقال له الشيخ: من أنت؟ فقال: أنا تمليخا قسطيطين(2).

قال: فأكبّ الشيخ على رجليه يقبّلها ويقول: هذا جدّي وربّ الكعبة، فقال: أيّها الملك هؤلاء الستّة الذين خرجوا هرابا من دقيانوس الملك، قال: فنزل الملك عن فرسه وحمله على عاتقه، وجعل الناس يقبّلون يديه ورجليه، فقال: يا تمليخا ما فعل أصحابك؟ فأخبرهم انّهم في الكهف ـ وكان يومئذ بالمدينة واليها ملكان: ملك مسلم وملك نصراني ـ فركبا أصحابهما.

فلمّا صاروا قريباً من الكهف قال لهم تمليخا: يا قوم إنّي أخاف أن يسمع أصحابي أصوات حوافر الخيل فيظنّوا أنّ دقيانوس الملك قد جاء في طلبهم، ولكن

____________

1- زاد في "ج": قال: ما اسمك؟ قال: اسمي تمليخا، قال:....

2- في "ج": تمليخا بن قسطين.

الصفحة 245

أمهلوني حتّى أتقدّم فاُخبرهم، قال: فوقف الناس وأقبل تمليخا حتّى دخل الكهف، فلمّا نظروا إليه اعتنقوه وقالوا: الحمد لله الذي نجّاك من دقيانوس.

قال تمليخا: دعوني عنكم وعن دقيانوس، كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، قال تمليخا: بل لبثتم ثلاثمائة وتسع سنين، وقد مات دقيانوس وذهب قرن بعد قرن، وبعث الله عزوجل نبيّاً يقال له المسيح عيسى بن مريم، ورفعه الله عزوجل إليه، وقد أقبل إلينا الملك والناس معه، قالوا: يا تمليخا أتريد أن تجعلنا فتنة للعالمين؟ قال تمليخا: فما تريدون؟ قالوا: تدعو(1) الله وندعوه معك أن يقبض أرواحنا، ويجعل عشانا عنده في الجنّة.

قال: فرفعوا أيديهم وقالوا: إلهنا بحقّ ما اُتينا(2) من الدين فمر بقبض أرواحنا، فأمر الله عزوجل بقبض أرواحهم، وطمس الله عزوجل على باب الكهف عن الناس، وأقبل الملكان يطوفان على باب الكهف سبعة أيّام لا يجدان للكهف باباً، فقال الملك المسلم: ماتوا على ديننا أبني على باب الكهف مسجداً، قال النصراني: لا بل ماتوا على ديني أبني على باب الكهف ديراً، فاقتتلا فغلب المسلم النصراني وبنى على باب الكهف مسجداً.

ثمّ قال عليّ (عليه السلام): سألتك بالله يا يهودي أيوافق ما في توراتكم؟ فقال اليهودي: والله ما زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وأنّك يا أمير المؤمنين وصيّ رسول الله، فأسلم، وهذا ما انتهى إلينا من حديث أهل الكهف، والحمد لله حقّ حمده وصلّى الله على محمد وآله(3).

____________

1- في "ج": اُدع.

2- في "ج": آتيناه.

3- راجع عرائس المجالس: 371; وكشف اليقين: 431; وقصص الأنبياء للراوندي: 255 ح300; عنه البحار 14: 411 ح1; وتفسير البرهان 2: 460 ح2; والتحصين: 642 باب 27.

الصفحة 246

[في إجابته (عليه السلام) عن مسائل قيصر]

بحذف الاسناد قال: لمّا جلس عمر في الخلافة جرى بين رجل من أصحابهيقال له الحارث بن سنان الأزدي وبين رجل من الأنصار كلام ومنازعة، فلم ينتصف له عمر فلحق الحارث بن سنان بقيصر وارتدّ عن الإسلام، ونسى القرآن كلّه إلاّ قوله عزوجل: {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(1).

فسمع قيصر هذا الكلام قال: سأكتب إلى ملك العرب بمسائل فإن أخبرني بتفسيرها(2) أطلقت مَنْ عندي مِن الاُسارى، وإن لم يخبرني بتفسير مسائلي عهدت إلى الاسارى فعرضت عليهم النصرانية، فمن قبل منهم استعبدته ومن لم يقبل قتلته.

وكتب إلى عمر بن الخطاب بمسائل أحدها سؤاله عن تفسير الفاتحة، وعن الماء الذي ليس من الأرض ولا من السماء، وعمّا يتنفّس ولا روح فيه، وعن عصى موسى ممّ كانت وما اسمها وما طولها، وعن جارية بكر لأخوين في الدنيا وفي الآخرة لواحد، فلمّا وردت هذه المسائل على عمر لم يعرف تفسيرها ففزع في ذلك إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فكتب إلى قيصر:

"من عليّ بن أبي طالب صهر محمد، ووارث علمه، وأقرب الخلق إليه، ووزيره، ومن حقّت له الولاية، وأمر الخلق بالبراءة من أعدائه، قرّة عين رسول الله، وزوج ابنته وأبو ولده(3) إلى قيصر ملك الروم، أمّا بعد فإنّي أحمد الله الذي لاإله إلاّ هو، عالم الخفيّات، ومنزل البركات، من يهدي الله فلا مضلّ له، ومن يضلل الله

____________

1- آل عمران: 85.

2- في "ج": عنها.

3- في "ب": ولديه.

الصفحة 247

فلا هادي له.

ورد كتابك وأقرأنيه عمر بن الخطاب، فأمّا سؤالك عن اسم الله فإنّه اسم فيه شفاء من كلّ داء وعون على كلّ دواء، وأمّا الرحمن فهو عون لكلّ من آمن به وهو اسم لم يتسمّ به غير الرحمن تبارك وتعالى(1)، وأمّا الرحيم فرحيم(2) من عصى وتاب وآمن وعمل صالحاً، وأمّا قوله: الحمد لله ربّ العالمين، فذلك ثناء منّا على ربّنا تبارك وتعالى بما أنعم علينا.

وأمّا قوله: {مالك يوم الدين}، فإنّه يملك نواصي الخلق يوم القيامة، وكلّ من كان في الدنيا شاكّاً أو جبّاراً أدخله النار، ولا يمتنع من عذاب الله عزوجل شاك ولا جبّار، وكلّ من كان في الدنيا طائعاً مديماً محا خطاياه وأدخله الجنّة برحمته.

وأمّا قوله: {إيّاك نعبد}، فإنّا نعبد الله ولا نشرك به شيئاً. وأمّا قوله: {وإيّاك نستعين}، فإنّا نستعين بالله عزوجل على الشيطان لا يضلّنا كما أضلّكم، وأمّا قوله: {اهدنا الصراط المستقيم}، فذلك الطريق الواضح من عمل في الدنيا عملا صالحاً فإنّه يسلك على الصراط إلى الجنّة، وأمّا قوله: {صراط الذين أنعمت عليهم}، فتلك النعمة التي أنعمها الله عزوجل على من كان قبلنا من النبيّين والصدّيقين، فنسأل الله ربّنا أن ينعم علينا كما أنعم عليهم.

وأمّا قوله عزوجل: {غير المغضوب عليهم}، فاُولئك اليهود بدّلوا نعمة الله كفراً فغضب عليهم، فجعل منهم القردة والخنازير، فنسأل الله ربّنا أن لا يغضب علينا كما غضب عليهم، وأمّا قوله: {ولا الضالين}، فأنت وأمثالك يا عابد الصليب الخبيث ضللتم من بعد عيسى بن مريم، نسأل الله ربّنا أن لا يضلّنا كما ضللتم.

____________

1- في "ب": غيره هو الله تبارك وتعالى.

2- في "ب": فرحم.

الصفحة 248

وأمّا سؤالك عن الماء الذي ليس من الأرض ولا من السماء، فذلك الذي بعثه بلقيس إلى سليمان بن داود (عليه السلام)، وهو عرق الخيل إذا جرت في الحروب، وأمّا سؤالك عمّا يتنفّس ولا روح له فذلك الصبح إذا تنفّس، وأمّا سؤالك عن عصى موسى ممّا كانت وما طولها وما اسمها وما هي، فإنّها كان يقال لها البرنية، وتفسير البرنية الزائدة(1)، وكان إذا كانت فيها الروح زادت وإذا خرجت منها الروح نقصت، وكانت من عوسج، وكانت عشرة أذرع، وكانت من الجنّة أنزلها جبرئيل (عليه السلام) على شعيب (عليه السلام).

وأمّا سؤالك عن جارية تكون في الدنيا لأخوين وفي الآخرة لواحد، فتلك النخلة هي في الدنيا لمؤمن مثلي ولكافر مثلك ونحن من ولد آدم، وفي الآخرة للمسلم دون المشرك وهي في الجنّة ليست في النار، وذلك قوله عزوجل: {فيهما فاكهة ونخل ورمان}(2).

ثمّ طوى الكتاب وأنفذه، فلمّا قرأه قيصر عمد إلى الاُسارى واختارهم ودعا أهل مملكته إلى الإسلام والايمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله)، فاجتمعت عليه النصارى وهمّوا بقتله، فجاء بهم(3) فقال: يا قوم إنّي أردت أن اُجرّبكم، وإنّما أظهرت منه ما أظهرت لأنظر كيف تكونون، فقد حمدت الآن أمركم عند الاختبار، فسكنوا(4) واطمأنّوا فقالوا: كذلك الظنّ بك.

وكتم قيصر اسلامه حتّى مات وهو يقول لخواص أصحابه ومن يثق به: إنّ عيسى (عليه السلام) عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، ومحمد (صلى الله عليه وآله) نبيّ بعد عيسى، وانّ عيسى بشّر أصحابه بمحمد صلى الله عليه

____________

1- في "ج": الزابدة.

2- الرحمن: 68.

3- في "ج": فأجابهم.

4- في "ج": فسكتوا.

الصفحة 249

وآله ويقول: من أدركه منكم فليقرأه منّي السلام، فإنّه أخي وعبد الله ورسوله.

ومات قيصر على القول مسلماً، فلمّا مات وتولّى بعده هرقل أخبروه بذلك، قال: اكتموا هذا وأنكروه ولا تقرّوا فإنّه إن ظهر طمع ملك العرب، وفي ذلك فسادنا وهلاكنا، فمن كان من خواص قيصر وخدمه وأهله على هذا الرأي كتموه، وهرقل أظهر النصرانية وقوى أمره، والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وسلّم(1).

[خبر الراهب مع خالد بن الوليد]

بحذف الاسناد قال سهل بن حنيف الأنصاري: أقبلنا مع خالد بن الوليد فانتهينا(2) إلى دير فيه ديراني فيما بين الشام والعراق، فأشرف علينا وقال: من أنتم؟ قلنا: نحن المسلمون اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله)، فنزل إلينا فقال: أين صاحبكم؟ فأتينا به خالداً، فسلّم على خالد فردّ (عليه السلام)، قال: وإذا بشيخ كبير، فقال له خالد: كم أتى(3) عليك؟ قال: مائتا سنة وثلاثون سنة.

قال: منذ كم سكنت ديرك هذا؟ قال: سكنته منذ نحو ستّين سنة، قال: هل لقيت أحداً لقى عيسى بن مريم (عليه السلام)؟ قال: نعم لقيت رجلين، قال: وما قالا لك؟ قال: قال لي أحدهما: انّ عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته ألقاها إلى مريم أمته، وانّ عيسى مخلوق غير خالق، فقبلت منه وصدّقته، وقال لي الآخر: إنّ عيسى هو ربّه، فكذبّته ولعنته.

قال خالد: انّ ذا لعجب، كيف يختلفا(4) وقد لقيا عيسى (عليه السلام)؟ قال

____________

1- عنه البحار 10: 60 ح4.

2- في "ج": فأتينا.

3- في "ج": مضى.

4- في "ب": مختلفان، وفي "ج": اختلفا.

الصفحة 250

الديراني: اتّبع هذا هواه وزيّن له الشيطان سوء عمله، واتّبع ذلك الحق وهداه الله عزوجل، قال: هل قرأت الانجيل؟ قال: نعم، قال: فالتوراة؟ قال: نعم، قال: فآمنت بموسى؟ قال: نعم، قال: فهل لك في الإسلام أن تشهد أنّ محمداً رسول الله، وتؤمن به وبما جاء به؟ قال: آمنت به قبل أن تؤمن به وإن كنت لم أسمعه ولم أره.

قال: فأنت الساعة تؤمن بمحمد وبما جاء به؟ قال: وكيف لا اُؤمن به وقد قرأته في التوراة والانجيل، وبشّرني به موسى وعيسى (عليهم السلام)، قال: فما مقامك في هذا الدير؟ قال: فأين أذهب وأنا شيخ كبير، ولم يكن لي أمراً(1) انهض به، وبلغني مجيئكم فكنت أنتظر أن ألقاكم واُلقي إليكم اسلامي(2) واُخبركم انّي على ملّتكم، فما فعل نبيّكم؟ قالوا: توفّى (صلى الله عليه وآله).

قال: فأنت وصيّه؟ قال: لا، ولكن رجل من عشيرته وممّن صحبه، قال: فمن بعثك إلى هاهنا وصيّه؟ قال: لا ولكن خليفته، قال: غير وصيّه؟ قال: نعم، قال: فوصيّه حيّ؟ قال: نعم، قال: فكيف ذلك؟ قال: اجتمع الناس على هذا الرجل، وهو رجل من عشيرته ومن صالح الصحابة، قال: فما أراك إلاّ أعجب من الرجلين اللذين اختلفا في عيسى وقد لقياه وسمعا به، وهو ذا أنتم قد خالفتم نبيّكم وفعلتم مثل ما فعل ذلك الرجل.

قال: فالتفت خالد إلى من يليه وقال: هو والله ذلك، اتّبعنا هوانا والله وجعلنا رجلا مكان رجل، ولولا ما كان بيني وبين عليّ من الخشونة على عهد النبي صلى الله عليهوآله ما مالأت(3) عليه أحداً، فقال له الأشترالنخعي ـ مالك بن الحارث ـ: ولم كان ذلك بينك وبين عليّ ما كان؟

____________

1- في البحار: لم يكن لي عمر....

2- في "ج": سلامي.

3- في "ج": ما واليت.

الصفحة 251

قال خالد: نافسته في الشجاعة ونافسني فيها، وكان له من السوابق والقرابة ما لم يكن لي، فداخلني حمية قريش فكان ذلك، ولقد عاتبتني في ذلك اُمّ سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) وهي لي ناصحة فلم أقبل منها، ثمّ عطف على الديراني فقال: هلم(1) حديثك وما تخبر(2)، قال: اُخبرك انّي كنت من أهل دين كان جديداً فخلق حتّى لم يبق منهم من أهل الحق إلاّ الرجلان أو الثلاثة، ويخلق دينكم حتّى لا يبقى منه إلاّ الرجلان أو الثلاثة.

واعلموا انّ بموت نبيّكم قد تركتم من الإسلام درجة، وستتركون بموت وصيّ نبيّكم من الإسلام درجة اُخرى إذ لم يبق أحد رأى نبيّكم (صلى الله عليه وآله) أو صحبه، وسيخلق دينكم حتّى تفسد صلاتكم وحجّكم وغزوكم وصومكم، وترتفع الأمانة والزكاة منكم، ولن تزال فيكم بقية ما بقي كتاب ربّكم عزوجل فيكم، وما بقي فيكم أحد من أهل بيت نبيّكم، فإذا رفع هذان منكم لم يبق من دينكم إلاّ الشهادتان: شهادة التوحيد وشهادة انّ محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعند ذلك تقوم قيامتكم وقيامة غيركم، ويأتيكم ما توعدون، ولم تقم الساعة إلاّ عليكم لأنّكم آخر الاُمم، بكم تختم الدنيا وعليكم تقوم الساعة.

قال له خالد: قد أخبرنا بذلك نبيّنا، فأخبرنا بأعجب شيء رأيته منذ سكنت ديرك هذا وقبل أن تسكنه، قال: لقد رأيت ما لا اُحصي من العجب، وأفنيت ما لا اُحصي من الخلق، قال: فحدّثنا ببعض ما تذكره، قال: نعم، كنت أخرج بين الليالي إلى غدير كان في سفح الجبل أتوضّأ منه وأتزوّد من الماء ما أصعد به معي إلى ديري، وكنت أستريح إلى النزول فيه بين العشائين، فأنا عنده ذات ليلة إذا أنا برجل قد أقبل، فسلّم فرددت (عليه السلام)، فقال: هل مرّ بك قوم معهم غنم

____________

1- في "ج": هات.

2- في "ب": وما الخبر.

الصفحة 252

وراعي أو حسستهم؟ قلت: لا.

قال: إنّ قوماً من العرب مرّوا بغنم وفيها مملوك لي يرعاها، فاستاقوها وذهبوا بالعبد معها، قلت: وممّن أنت؟ قال: أنا رجل من بني اسرائيل(1)، قال: فما دينك؟ قلت: أنت فما دينك؟ قال: ديني اليهوديّة، فقلت: أنا ديني النصرانيّة، وأعرضت عنه بوجهي، قال لي: ما لك فإنّكم أنتم ركبتم الخطأ ودخلتم فيه وتركتم الصواب، فلم يزل يحاورني فقلت له: هل لك أن نرفع أيدينا فنبتهل؟ فأيّنا كان على الباطل دعونا الله عليه أن ينزل عليه ناراً تحرقه من السماء.

فرفعنا أيدينا فما استتمّ الكلام حتّى نظرت إليه يلتهب وما تحته من الأرض، فلم ألبث أن أقبل رجل فسلّم، فرددت عليه فقال: هل رأيت رجلا من صفته كيت وكيت؟ قلت: نعم وحدّثته، قال: كذبت ولكنّك قتلت أخي يا عدوّ الله ـ وكان مسلماً ـ فجعل يسبّني فجعلت أردّه عنّي بالحجارة، وأقبل يشتمني ويشتم المسيح ومن هو على دين المسيح، فبينما هو كذلك إذ نظرت إليه يحترق وقد أخذته النار التي أخذت أخاه، ثمّ هوت به النار في الأرض.

فبينما أنا كذلك قائماً أتعجّب إذ أقبل رجل ثالث: فسلّم فرددت (عليه السلام)، فقال: هل رأيت رجلين من حالهما وصفتهما كيت وكيت؟ قلت: نعم وكرهت أن اُخبره كما أخبرت أخاه فيقاتلني، فقلت له: هلمّ اُريك أخويك، فانتهيت به إلى موضعهما، فنظر إلى الأرض يخرج منها الدخّان، فقال: ما هذه؟ فأخبرته، فقال: والله لئن أجابني أخواي بتصديقك لأتّبعك(2) في دينك، ولئن كان غير ذلك لأقتلنّك أو تقتلني.

فصاح به: يا دانيال أحق ما يقول هذا الرجل، قال: نعم يا هارون، فصدّقه

____________

1- هكذا في "الف" والبحار، لكن زاد في "ب" و "ج": فمن أنت؟ قلت: أنا رجل من بني اسرائيل.

2- في "ب": لاتّبعتك.

الصفحة 253

فقال: أشهد انّ عيسى بن مريم روح الله وكلمته وعبده ورسوله، قلت: الحمد لله الذي قد هداك، قال: فإنّي أجبتك(1) في الله وانّ لي أهلا وولداً وغنماً ولولاهم لسحت في الأرض، ولكن بقياي(2) عليهم شديدة، وأرجو أن أكون في القيامة بهم مأجوراً، ولعلّي أنطلق فآتي بهم فأكون بالقرب معك.

فانطلق فغاب عنّي ليالي ثمّ انّه أتاني فهتف بي ليلة من الليالي، فإذا هو قد جاء ومعه أهله وغنمه، فضرب له خيمة هاهنا بالقرب منّي، فلم أزل أنزل إليه في آناء الليل وأتعاهده واُلاقيه [وأقعد عنده](3)، وكان لي أخ صدق في الله، فقال لي ذات ليلة: يا هذا إنّي قرأت في التوراة فإذا فيها صفة محمد النبيّ الأمين(4)، فقلت: وأنا قرأت صفته في التوراة والانجيل فآمنت به، وعلمته من الانجيل وأخبرته بصفته في الانجيل، فآمنّا به ـ أنا وهو ـ وأحببناه وتمنّينا لقاءه.

قال: فمكث كذلك زماناً وكان من أفضل ما رأيت وكنت أستأنس إليه، وكان من فضله انّه يخرج بغنمه يرعاها، فينزل بالمكان المجدب(5) فيصير ما حوله أخضر من البقل، وكان إذا جاء المطر جمع غنمه حوله فيصير حول غنمه وخيمته مثل الاكليل من أثر المطر ولم يصب خيمته ولا غنمه منه شيء، وإذا كان الصيف كان على رأسه أينما توجّه سحابة، وكان بيّن الفضل كثير الصوم والصلاة.

قال: فحضرته الوفاة فدعيت إليه فقلت له: ما كان سبب مرضك ولم أعلم به؟ قال: انّي ذكرت خطيئة فارقتها في حداثتي فغشي عليّ ثمّ أفقت، ثمّ ذكرت خطيئة اُخرى فغشي عليّ فأورثني ذلك مرضاً، فلست أدري ما حالي، ثمّ قال: فإن

____________

1- في "ج": أحببتك في الله، وفي البحار: فإنّي اُواخيك في الله.

2- في "ج": محنتي بقيامي، وفي البحار: مفارقتي.

3- أثبتناه من "ج".

4- في البحار: النبيّ الاُمّي.

5- المِجْدابُ: الأرض التي لا تكاد تُخْصِبُ. (القاموس)

الصفحة 254

لقيت(1) محمّداً (صلى الله عليه وآله) نبيّ الرحمة فاقرأه منّي السلام، وإن لم تلقه ولقيت وصيّه فاقرأه منّي السلام، وهي حاجتي إليك ووصيّتي، قال الديراني: وإنّي مودعكم إلى وصيّ أحمد منّي ومن صاحبي السلام.

قال سهل بن حنيف: فلمّا رجعنا إلى المدينة لقيت علياً (عليه السلام) فأخبرته خبر الديراني وخبر خالد، وما أودعنا إليه الديراني من السلام منه ومن صاحبه، قال: فسمعته يقول: وعليهما وعلى من مثلهما السلام، وعليك يا سهل بن حنيف السلام، وما رأيته اكترث بما أخبرته من خالد بن الوليد وما قال، وما ردّ عليّ شيئاً غير انّه قال: يا سهل بن حنيف انّ الله تبارك وتعالى بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) فلم يبق في الأرض شيء إلاّ علم انّه رسول الله إلاّ أشقى الثقلين وعصاتهما، قال سهل: وما في الأرض من شيء داحره(2) إلاّ شقيّ الثقلين وعصاتهما.

قال سهل: فعبرنا(3) زماناً ونسيت ذلك، فلمّا كان من أمر عليّ ما كان توجّهنا معه، فلمّا رجعنا من صفين نزلنا أرضاً قفراء ليس بها ماء فشكونا ذلك إلى عليّ، فانطلق يمشي على قدميه حتّى انتهى إلى موضع كأنّه يعرفه، فقال: احفروا هاهنا، فحفرنا فإذا صخرة صماء عظيمة، قال: اقلعوها، قال: فجهدنا أن نقلعها فما استطعنا، قال: فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام) من عجزنا عنها، ثمّ أهوى بيديه جميعاً كأنّما كانت في يده كرة فإذا تحتها عين بيضاء كأنّها من شدّة بياضها اللجين المجلو، قال: دونكم فاشربوا واسقوا وتزوّدوا ثمّ آذنوني بها.

قال: ففعلنا ثمّ أتينا، فأقبل يمشي إليها بغير رداء ولا حذاء، فتناول الصخرة بيده ثمّ دحا بها في فم العين فألقمها إيّاها، ثمّ حثا بيده التراب عليها، وكان ذلك بعين

____________

1- في "ج": رأيت.

2- دَحَرَهُ يَدْحَرُهُ دَحْراً ودُحُوراً: دفعه وأبعده. (لسان العرب) وجاء في "ج": (ما في الأرض من شيء ذي حسرة)، وفي البحار: (... من شيء فاخره).

3- في "ج": فعمرنا.

الصفحة 255

الديراني، وكان بالقرب منها ومنّا يرانا ويسمع كلامنا.

قال: فنزل فقال: أين صاحبكم؟ فانطلقنا به إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله وأنّك وصيّ محمد (صلى الله عليه وآله)، ولقد كنت أرسلت بالسلام عنّي وعن صاحب لي مات ـ كان أوصاني بذلك ـ مع جيش لكم منذ كذا وكذا من السنين، قال سهل: فقلت: يا أمير المؤمنين هذا الديراني الذي كنت أبلغتك عنه وعن صاحبه السلام، قال: وذكر الحديث يوم مررنا مع خالد، فقال له عليّ (عليه السلام): وكيف علمت انّي وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال: أخبرني أبي ـ وكان قد أتى عليه العمر مثل ما أتى عليّ ـ عن أبيه، عن جدّه، عمّن قاتل مع يوشع بن نون وصيّ موسى (عليه السلام) حين توجّه فقاتل الجبّارين بعد موسى بأربعين سنة، انّه مرّوا بهذا المكان وانّ أصحابه عطشوا، فشكوا إليه العطش فقال: اما انّ بقربكم عيناً نزلت من الجنّة استخرجها آدم (عليه السلام)، فقام إليها يوشع بن نون فنزع عنها الصخرة، ثمّ شرب وشرب أصحابه وسقوا، ثمّ قلب الصخرة وقال لأصحابه: لا يقلبها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ.

قال: فتخلّف نفر من أصحاب يوشع بعدما مضى فجهدوا الجهد على أن يجدوا موضعها فلم يجدوه، وإنّما بني هذا الدير على هذه العين وعلى بركتها وطلبتها، فعلمت حين استخرجتها انّك وصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كنت أطلب، وقد أحببت الجهاد معك، قال: فحمله على فرس وأعطاه سلاحاً، فخرج مع الناس وكان ممّن استشهد يوم النهر(1).

قال: وفرح أصحاب عليّ بحديث الديراني فرحاً شديداً، قال: وتخلّف قوم بعدما رحل العسكر وطلبوا العين فلم يدروا أين موضعها فلحقوا بالناس، قال

____________

1- في "ج": النهروان.

الصفحة 256

صعصعة بن صوحان: وأنا رأيت الديراني يوم نزل إلينا حين قلب [عليّ (عليه السلام) الصخرة عن](1) العين وشرب منها الناس وسمعت حديثه لعليّ، وحدّثني ذلك اليوم سهل بن حنيف بهذا الحديث حين مرّوا مع خالد(2).

تمّ الحديث والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا محمد النبي وآله وسلّم.

عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قام عمر بن الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: انّك لا تزال تقول لعليّ: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي" وقد ذكر الله هارون في القرآن ولم يذكر علياً، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): يا عمر(3) يا غليظ! أما سمعت قول الله عزوجل: {هذا صراط عليّ مستقيم}(4)(5).

[إخباره (عليه السلام) بما يقول الناقوس]

بحذف الاسناد عن الحارث الأعور قال: بينما أنا أسير مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في الحيرة إذا نحن بديراني يضرب الناقوس، قال عليّ (عليه السلام): يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس؟ قلت: الله ورسوله وابن عمّ رسوله أعلم.

قال: انّه يضرب مثل الدنيا وخرابها ويقول: لا إله إلاّ الله حقّاً حقّاً، صدقاً صدقاً، انّ الدنيا قد غرّتنا وشغلتنا واستهوتنا واستغوتنا، يا ابن الدنيا مهلا مهلا، يا

____________

1- أثبتناه من "ب" و "ج".

2- عنه البحار 10: 62 ح5.

3- في "ج": يا أعرابي.

4- الحجر: 41.

5- مناقب ابن شهر آشوب 3: 107; فصل في تسميته بعلي والمرتضى... ; عنه البحار 35: 58; مائة منقبة لابن شاذان: 139 ح85; وفي فرايد السمطين 2: 258; وشواهد التنزيل 1: 60 قطعة منه.

الصفحة 257

ابن الدنيا دقّاً دقّاً، يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً، تفنى الدنيا قرناً قرناً، ما من يوم يمضي عنّا إلاّ أوهن منّا ركناً، قد ضيّعنا داراً تبقى واستوطنّا داراً تفنى، لسنا ندري ما فرّطنا فيها إلاّ لو قَدِمْنا(1).

قال الحارث: يا أمير المؤمنين النصارى يعلمون ذلك؟ قال: لو علموا ذلك ما اتّخذوا المسيح إلهاً دون الله، قال: فذهبت إلى الديراني فقلت له: بحقّ المسيح لما ضربت بالناقوس على الجهة التي تضربها، قال: فأخذ يضرب وأنا أقول حرفاً حرفاً حتّى بلغ إلى موضع "إلاّ لو قدمنا".

قال: بحقّ نبيّكم من أخبركم بهذا؟ قلت: هذا الرجل الذي كان معي أمس، قال: فهل بينه وبين نبيّكم قرابة؟ قلت: هو ابن عمّه، قال: بحقّ نبيّكم أسَمع هذا من نبيّكم؟ قال: قلت: نعم، قال: فأسلم ثمّ قال: إنّي وجدت في التوراة انّه يكون في آخر الأنبياء نبيّ وهو يفسّر ما يقول الناقوس(2).

[خبر ذعلب، وقول عليّ (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى الأصبغ بن نباتة قال: لما جلس عليّ (عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس خرج إلى المسجد(3) متعمّماً بعمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لابساً بردة رسول الله، منتعلا بنعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متقلّداً سيف رسول الله، فصعد المنبر فجلس (عليه السلام) [عليه](4) متّكئاً(5)، ثمّ

____________

1- في "ج": لو قد مِتنا.

2- أمالي الصدوق: 187 ح3 مجلس 40; ومعاني الأخبار: 230; عنهما البحار 14: 334 ح1; وفي مناقب ابن شهر آشوب 2: 56.

3- هكذا في النسخ، وفي "الف": الى المدينة.

4- أثبتناه من البحار.

5- في "ج": والبحار: متمكّناً.

الصفحة 258

شبّك بين أصابعه فوضعها على بطنه وقال:

معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله، هذا ما زقّني رسول الله (صلى الله عليه وآله) زقّاً زقّاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما والله لو ثنّيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل الانجيل بانجيلهم، وأهل التوراة بتوراتهم(1)، حتّى ينطق التوراة والانجيل فيقولا: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله عزوجل فينا، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، ولولا آية من كتاب الله لأخبرتكم بما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب}(2).

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فوالذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل نزلت أم في نهار، مكّيها ومدنيّها، سفرها وحضرها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم.

فقام إليه رجل يقال له: "ذعلب" ـ وكان ذرب اللسان، بليغاً في الخطب، شجاع القلب ـ قال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة، لأخجلنّه اليوم لكم بمسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ قال: ويلك يا ذعلب لم أكن أعبد ربّاً لم أره، قال: فكيف رأيته صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار(3) ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان.

ويلك يا ذعلب انّ ربّي لا يوصف بالبعد [ولا بالقرب](4) ولا بالحركة ولا بالسكون، ولا بقيام فيقال: انتصب، ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطف لا يوصف

____________

1- زاد في "ج": وأهل الزبور بزبورهم.

2- الرعد: 39.

3- في "ب": الأعيان.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 259

باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة(1) لا يوصف بالرقة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بحاسّة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، وأمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، خارج منها لا كشيء من شيء خارج، فخرّ ذعلب مغشيّاً عليه، ثمّ قال: بالله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عُدت إلى مثلها.

ثمّ قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف يؤخذ(2) من المجوس الجزية ولم يُبعث إليهم نبي ولم ينزل عليهم كتاب، قال: بلى يا أشعث قد أنزل الله عليهم كتاباً، وبعث إليهم نبيّاً حتّى كان لهم ملك سكر ذات ليلة، فدعا إليه ابنته إلى فراشه فارتكبها، فلمّا أصبح تسامع به قومه فاجتمعوا على بابه فقالوا: أيّها الملك دنست علينا ديننا وأهلكته، فاخرج نطهّرك ونقيم عليك الحد.

فقال: اجتمعوا واسمعوا كلامي فإن لم يكن لي مخرج ممّا ارتكبت وإلاّ فشأنكم، فاجتمعوا فقال لهم: هل علمتم انّ الله لم يخلق خلقاً أكرم عليه من أبينا آدم واُمّنا حوّاء؟ قالوا: صدقت أيّها الملك، قال: أوليس قد زوّج بنيه ببناته وبناته من بنيه؟ قالوا: صدقت هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك، فمحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بغير حساب، والمنافقون أشدّ عذاباً منهم، فقال الأشعث بن قيس: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عُدت إلى مثلها أبداً.

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً

____________

1- في "ب": وذو الرحمة.

2- في "ج": تأخذ.

الصفحة 260

على عصاه، فلم يزل يتخطّى الناس حتّى دنا منه فقال: يا أمير المؤمنين دلّني على عمل إذا أنا عملته نجّاني الله عزوجل من النار، فقال له: اسمع يا هذا ثمّ افهم ثمّ استيقن، قامت الدنيا بثلاث: عالم ناطق مستعمل لعلمه، وبغنيّ لا يبخل بماله على أهل دينه، وبفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغني، ولم يصبر الفقير فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون بالله انّ الدار قد رجعت إلى بدئها، أيْ الكفر بعد الايمان.

أيّها السائل فلا تغترنّ بكثرة المساجد وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شتّى، إنّما(1) الناس ثلاثة: زاهد، وراغب، وصابر، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه ولا يحزن على شيء منها فاته، وأمّا الصابر فيتمنّاها بقلبه فإذا أدرك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من شرّ عاقبتها، وأمّا الراغب فلا يبالي من حلٍّ أصابها أم من حرام.

قال: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: ينظر إلى ما أوجب الله عليه من حقّ يتولاّه، وينظر إلى ما خالفه فيبرأ منه وإن كان حميماً قريباً، قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ثمّ غاب الرجل فلم نره، فطلبه الناس فلم يجدوه، قال: فتبسّم عليّ (عليه السلام).

ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني فلم يقم إليه أحد، ثمّ قال للحسن (عليه السلام): قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون: انّ الحسن لا يحسن شيئاً، فقال: يا أبت كيف أصعد وأتكلّم وأنت في الدنيا تسمع وترى؟ قال: بأبي واُمّي اُواري نفسي عنك وأسمع يا ولدي ولا تراني.

فصعد الحسن (عليه السلام) المنبر فحمد الله بمحامد شريفة بليغة، وصلّى على النبيّ وآله صلاة موجزة، ثمّ قال: أيّها الناس سمعت جدّي رسول الله صلى الله عليه

____________

1- في "ج": أيّها السائل الناس....

الصفحة 261

وآله يقول: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وهل يدخل المدينة إلاّ من بابها؟ ثمّ نزل فوثب إليه عليّ (عليه السلام) فحمله وضمّه إلى صدره، ثمّ قال للحسين (عليه السلام): يا بني قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون الحسين بن عليّ لا يبصر(1) شيئاً، وليكن كلامك تبعاً لكلام أخيك.

فصعد الحسين (عليه السلام) المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على نبيّه صلاة موجزة، ثمّ قال: يا معشر الناس سمعت جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ عليّاً هو مدينة الهدى، فمن دخلها نجا ومن تخلّف عنها هلك، فوثب عليّ (عليه السلام) فضمّه إلى صدره فقبّله، ثمّ قال: معاشر الناس، اشهدوا انّهما فرخا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووديعته التي استودعنيها، وأنا أستودعكموها أيّها الناس، انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سائلكم عنها(2).

[قوله (عليه السلام) سلوني قبل أن تفقدوني]

وبحذف الاسناد روي أنّ قوماً حضروا(3) عند أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يخطب بالكوفة ويقول: سلوني قبل أن تفقدوني فأنا لا اُسأل عن شيء دون العرش إلاّ أجبت فيه، لا يقولها بعدي إلاّ مدّع أو كذّاب مفتر(4)، فقام إليه رجل من جنب مجلسه في عنقه كتاب كالمصحف ـ وهو رجل أدم ضرب طوال جعد الشعر كأنّه من يهود العرب ـ فقال رافعاً صوته لعليّ (عليه السلام): يا أيّها الداعي لما

____________

1- في "ب": لا يحسن شيئاً.

2- التوحيد للصدوق: 304 ح1 باب 42; وأمالي الصدوق: 280 ح1 مجلس 55; عنهما البحار 10: 117 ح1; والاختصاص: 235.

3- في "ج": انّ يوماً حضر الناس.

4- قال المحدّث القمي رحمه الله في منتهى الآمال 1: 288: ومن الغرائب انّ مَن تفوّه بهذه الجملة بعده (عليه السلام) انفضح أمره وذلّ عند الناس، كما وقع هذا الأمر لابن الجوزي، ومقاتل بن سليمان، والواعظ البغدادي في عهد الناصر لدين الله العباسي... فمن أراد المزيد فليراجع الكتاب المذكور.

الصفحة 262

لا يعلم، والمتقدّم لما لا يفهم، أنا سائلك فأجب.

قال: فوثب به أصحابه وشيعته من كلّ ناحية وهمّوا به، فنهرهم عليّ (عليه السلام) وقال: دعوه ولا تعجلوه فإنّ الطيش(1) لا تقوم به حجج الله، ولا باعجال السائل تظهر براهين الله عزوجل، ثم التفت إلى السائل فقال: سل بكلّ لسانك ومبلغ علمك اُجبك إن شاء الله بعلم لا تختلج فيه الشكوك، ولا يهيجنّه دنس ريب الزيغ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.

قال الرجل: كم بين المشرق والمغرب؟ قال عليّ (عليه السلام): مسافة الهوى، قال الرجل: وما مسافة الهوى؟ قال (عليه السلام): دوران الفلك، قال الرجل: وما دوران الفلك؟ قال عليّ (عليه السلام): مسيرة يوم للشمس، قال: صدقت، فمتى القيامة؟ قال عليّ (عليه السلام): عند حضور المنيّة وبلوغ الأجل.

قال الرجل: صدقت، فكم عمر الدنيا؟ قال عليّ (عليه السلام): يقال سبعة(2)ثمّ لا تحديد، قال الرجل: صدقت، فأين بكّة من مكّة؟ قال (عليه السلام): مكة أكناف الحرم وبكّة موضع البيت، قال الرجل: صدقت، فلم سمّيت مكة؟ قال (عليه السلام): لأنّ الله عزوجل مدّ الأرض من تحتها، قال صدقت، فلم سمّيت بكة؟ قال عليّ (عليه السلام): لأنّها بكّت رقاب الجبّارين وعنوق المذنبين.

قال: صدقت، فأين كان الله قبل أن يخلق عرشه؟ قال (عليه السلام): سبحان من [لا تدركه الأبصار و](3) لا تدرك كنه صفته حملة العرش على قرب ربواتهم من كرسي كرامته، ولا الملائكة [المقرّبون من أنوار](4) سبحات جلاله، ويحك لا يقال: الله أين، ولا فيم، ولا أي، ولا كيف.

____________

1- في "ب" و "ج": فإنّ العجلة والبطش والطيش.

2- في البحار: سبعة آلاف.

3- أثبتناه من "ج".

4- أثبتناه من البحار، وفي "ج": من زاخر رشحات جلاله.

الصفحة 263

قال الرجل: صدقت، فكم مقدار ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء؟ قال (عليه السلام): أتحسن تحسب؟ قال الرجل: نعم، قال للرجل: لعلّك لا تحسن أن تحسب، قال الرجل: بلى إنّي لأحسن أن أحسب، قال (عليه السلام): أرأيت إن صبّ خردل في الأرض حتّى سدّ الهواء وما بين الأرض والسماء، ثمّ اُذن لك على ضعفك بنقله حبّة حبّة من مقدار المشرق إلى المغرب، ومُدّ في عمرك، واُعطيت القوّة على ذلك حتّى نقلته وأحصيته، لكان ذلك أيسر من احصاء عدد أعوام ما لبث عرشه على الماء من قبل أن يخلق الأرض والسماء، وإنّما وصفت ذلك منتقص عشر عشر العشير من جزء من مائة ألف جزء، وأستغفر الله من التقليل والتحديد.

قال: فحرّك الرجل رأسه وأنشد يقول:

أنت أصل العلم يا ذا الهدى(1) * * * تجلو من الشكّ الغياهب

حُزت أقاصي علوماً(2) فم * * * تبصر أن غولبت مغلوب

تقوم إن قمت مقالاته * * * حولا يعانيه وقلوب

لا تنثني عن كلّ اُشكولة * * * تبدي إذا حلت أعاجيب

لله درّ العلم من صاحب * * * يطلب انساناً ومطلوباً(3)

عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: انّ حلقة باب الجنّة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فإذا دقّت الحلقة على الصفيحة طنّت وقالت: يا عليّ(4).

وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعليّ بن أبي طالب، وعليّ بن أبي طالب أفضل لكم من كتاب الله،

____________

1- في "ب": أنت أهل العلم يا هادي الهدى.

2- في "ج": كلّ علم.

3- عنه البحار 10: 126 ح6.

4- أمالي الصدوق: 471 ح13 مجلس 86; عنه البحار 39: 235 ح18.

الصفحة 264

لأنّه يترجم لكم كتاب الله(1).

[خبر خالد بن الوليد والطوق]

عن جابر بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن العباس قالا: كنّا جلوساً عند أبي بكر في ولايته وقد أضحى النهار وإذا بخالد بن الوليد المخزومي قد وافى في جيش قام غباره، وكثر صواهل خيله، وإذا بقطب رحى ملوي في عنقه قد فتل فتلا، فأقبل حتّى نزل عن فرسه بازاء أبي بكر، فرمقه الناس بأعينهم وهالهم منظره.

ثمّ قال: أعدل يا ابن أبي قحافة حيث جعلك الناس في هذا الموضع الذي ليس له أنت بأهل، وما ارتفعت إلى هذا المكان إلاّ كما يرتفع الطافي(2) من السمك على الماء، وإنّما يطفو ويعلو حين لا حراك به، ما لك ولسياسة الجيوش، وتقويم العساكر، وأنت بحيث أنت من لين(3) الحسب، ومنقوص النسب، وضعف القوى، وقلّة التحصيل، لا تحمى ذماراً، ولا تضرم ناراً، فلا جزى الله أخا ثقيف وولد صهاك خيراً.

إنّي رجعت منكفئاً(4) من الطائف إلى جدّة في طلب المرتدّين، فرأيت ابن أبي طالب ومعه رهط عتاة من الدين، حماليق شزرت أعينهم من حسدك(5)، وبدرت حنقاً عليك، وقرحت آماقهم لمكانك منهم، ابن ياسر، والمقداد، وابن جنادة، وأخو غفار، وابن العوام، وغلامان أعرف أحدهما بوجهه، وغلام أسمر

____________

1- مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي: 32; مائة منقبة لابن شاذان: 140 ح86.

2- الطافي: الحوت الميت الذي يعلو الماء ولا يرسب فيه، يقال: طفى الشيء على الماء أي علاه.

3- في "ج": أليم الحسب.

4- الانكفاء: الرجوع، وفي "ج": متكفياً.

5- في "ج": من الذين شزرت حماليق أعينهم....

الصفحة 265

لعلّه من ولد عقيل أخوه، فتبيّن لي المنكر في وجوههم، والحسد في احمرار أعينهم، وقد توشّح عليّ بدرع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولبس رداءه السحاب، ولقد أسرج له دابته العقاب، وقد نزل على عين ماء [اسمها روبة](1).

فلمّا رآني اشمأزّ وبربر(2)، وأطرق موحشاً يقبض على لحيته، فبادرته بالسلام استكفاء شرته واتقاء وحشته، واستغنمت سعة المناخ وسهولة المنزل، فنزلت ومن معي بحيث نزلوا اتقاء عن مراوغته، فبدأني ابن ياسر بقبيح لفظه ومحض عداوته، فقرعني هزواً بما تقدّمتَ به إليّ بسوء رأيك.

فالتفت إليّ الأصلع الرأس، وقد ازدحم الكلام في حلقه كهمهمة الأسد أو كقعقعة الرعد، فقال لي بغضب منه: أوكنت فاعلا يا أبا سليمان؟ فقلت: والله لو أقام على رأيه لضربت الذي فيه عيناك، فأغضبه قولي إذ صدقته، وأخرجه إلى طبعه الذي أعرفه له عند الغضب فقال: يا ابن اللخناء! مثلك من يقدر على مثلي أن يجسر، أو يدير اسمي في لهواته التي لا عهد لها بكلمة حكمة؟ ويلك إنّي لست من قتلاك ولا قتلى صاحبك(3)، وإنّي لأعرف بمنيّتي منك بنفسك.

ثمّ ضرب بيده إلى ترقوتي فنكسني عن فرسي، وجعل يسوقني دعّاً إلى رحى للحارث بن كلدة الثقفي، فعمد إلى القطب الغليظ فمدّ عنقي بكلتا يديه وأداره في عنقي ينفتل له كالعلك المسخن، وأصحابي هؤلاء وقوف ما أغنوا عنّي سطوته، ولا كفوا عنّي شرته، فلا جزاهم الله عنّي خيراً، فإنّهم لمّا نظروا إليه كأنّهم قد نظروا إلى ملك موتهم، فوالذي رفع السماء بلا عمادها لقد اجتمع على فك هذا القطب مائة رجل أو يزيدون من أشدّ العرب فما قدروا على فكّه. فدلّني عجز الناس عن فتحه انّه سحر منه أو قوّة ملك قد ركبت فيه، ففكّه الآن عنّي إن كنت فاكّه، وخذ لي بحقّي

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- البربرة: الصوت وكلام في غضب.

3- في "ج": أصحابك.

الصفحة 266

إن كنت آخذاً، وإلاّ لحقت بدار عزّي ومستقر مكرمتي، قد ألبسني ابن أبي طالب من العار ما صرتُ به ضحكة لأهل الديار.

فالتفت أبو بكر إلى عمر وقال: ما ترى إلى ما يخرج من هذا الرجل؟! كأنّ ولايتي والله ثقل على كاهله أو شجاً في صدره، فالتفت إليه عمر فقال: فيه والله دعابة لا تدعه حتّى تورده فلا تصدره، وجهل وحسد قد استحكما في جلده(1)، فجرى منه مجرى الدماء لا يدعانه حتّى يهينا منزله، ويورطاه ورطة الهلكة(2).

ثمّ قال أبو بكر لمن بحضرته: اُدعوا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فليس لفكّ هذا القطب غيره، قال: [وكان قيس سيّاف النبي](3) وكان قيس رجل طوله ثمانية عشر شبراً في عرض خمسة أشبار، وكان أشدّ الناس في زمانه بعد أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، فحضر قيس فقال له: يا قيس إنّك من شدّة البدن بحيث أنت، ففك هذا القطب عن عنق أخيك.

فقال قيس: ولم لا يفكّه خالد من عنقه؟ قال: لا يقدر عليه، قال: فما لا يقدر عليه أبو سليمان ـ وهو نجم العسكر وسيفكم على أعدائكم ـ فكيف أقدر عليه أنا؟! قال عمر: دعنا من هزئك وهزلك وخُذ فيما حضرت له، فقال: اُحضرت لمسألة تسألونها [طوعاً](4) أو كرهاً تجبروني عليه؟.

فقال له: إن كان طوعاً وإلاّ فكُرهاً، قال قيس: يا ابن الصهاك! خذل الله من يكرهه مثلك، إنّ بطنك لعظيمة، وإنّ كرشك لكبيرة، فلو فعلت أنت ذلك ما كان منك [عجب، قال:](5) فخجل عمر من قيس بن سعد وجعل ينكث أسنانه بالانملة،

____________

1- في "ج": في صدره.

2- قال العلاّمة المجلسي: وفي رواية اُخرى:... فقال له [أي لعمر] أبو بكر: دعني عن تمرّدك وحديثك هذا، فوالله لو همّ بقتلي وقتلك لقتلنا بشماله دون يمينه....

3- أثبتناه من البحار.

4- أثبتناه من "ج".

5- أثبتناه من "ج".

الصفحة 267

فقال أبو بكر: دع عنك وما بداك به اقصد لما سئلت، فقال قيس: والله لو أقدر على ذلك ما فعلت، فدونكم وحدّادين المدينة فإنّهم أقدر على ذلك منّي.

فأتوا بجماعة من الحدّادين فقالوا: لا ينفتح حتّى نحميه بالنار، فالتفت أبو بكر إلى قيس مغضباً فقال: والله ما بك من ضعف عن فكّه ولكنّك لا تفعل فعلا(1)يعيب عليك فيه إمامك وحبيبك أبو الحسن، وليس هذا بأعجب من انّ أباك رام الخلافة ليبتغي الإسلام عوجاً، فحصد الله شوكته، وأذهب نخوته، وأعزّ الإسلام بوليّه، وأقام دينه بأهل طاعته، وأنت الآن في حال كيد وشقاق.

قال: فاستشاط قيس غضباً وامتلأ غيظاً، فقال: يا ابن أبي قحافة انّ لك عندي جواباً حمياً بلسان طلق وقلب جري، ولولا البيعة [التي في عنقي لسمعته منّي](2)، والله لئن بايعتك يدي لم يبايعك قلبي ولا لساني، ولا حجة في عليّ بعد يوم الغدير، ولا كانت بيعتي لك إلاّ كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً، أقول قولي هذا غير هائبك ولا خائف من معرتك، ولو سمعت هذا القول منك بداء لما فتح لك منّي صلاحاً.

إن كان أبي رام الخلافة فحقيق من يرومها بعد من ذكرته، لأنّه رجل لايقعقع بالسنان(3)، ولا يغمز جانبه كغمز التينة(4)، خضم صنديد، سمك منيف(5)، وعز باذخ(6) أشوس(7)، فقام بخلافك والله أيّها النعجة العرجاء والديك النافش، لا عزّ صميم، ولا حسب كريم، وأيم الله لئن عاودتني في أبي لألجمنّك بلجام من القول يمج

____________

1- في "ج": لئلاّ.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ب": باللسان، وفي البحار: بالشنان.

4- غمز التين كناية عن سرعة الانقياد ولين الجانب.

5- سمك البيت: سقفه، والمنيف: المشرف المرتفع.

6- الباذخ: العالي.

7- الشوس ـ بالتحريك ـ: النظر بمؤخر العين تكبراً وتغيظاً، والرجل أشوس.

الصفحة 268

فوك منه دماً، فدعنا نخوض في عمايتك، ونتردّى في غوايتك على معرفة منّا بترك الحقّ واتّباع الباطل.

أمّا قولك انّ علياً إمامي فوالله ما أنكر إمامته، ولا أعدل عن ولايته، وكيف أنقض وقد أعطيت الله عهداً بإمامته وولايته يسألني عنه، فأنا إن ألقى الله بنقض بيعتك أحبّ إليّ من نقض عهده وعهد رسوله وعهد وصيّه وخليله، وما أنت إلاّ أمير قومك، إن شاؤوا تركوك وإن شاؤوا عزلوك.

فتب إلى الله ممّا اجترمته، وتنصل(1) إليه ممّا ارتكبته، وسلّم الأمر إلى من هو أولى منك بنفسك، فقد ركبت عظيماً بولايتك دونه، وجلوسك في موضعه، وتسميتك باسمه، وكأنّك بالقليل من دنياك وقد انقشع عنك كما ينقشع السحاب، ويعلم أيّ الفريقين شرّ مكاناً وأضعف جنداً.

وأمّا تعييرك إيّاي بأنّه مولاي، فهو والله مولاي ومولاك ومولى المسلمين أجمعين، آه آه أنّى لي بثبات قدمه، وتمكن وطأته حتّى ألفظك لفظ المنجنيق الحجرة، ولعلّ ذلك يكون قريباً ونكتفي بالعيان عن الخبر، ثمّ قام ونفض ثوبه ومضى، فندم أبو بكر عمّا أسرع إليه من القول إلى قيس، وجعل خالد يدور في المدينة والقطب في عنقه أيّاماً.

ثمّ أتى آت إلى أبي بكر فقال له: قد وافى عليّ بن أبي طالب الساعة من سفره، وقد عرق جبينه واحمرّ وجهه، فأنفذ إليه أبو بكر الأقرع بن سراقة الباهلي والأشوس بن الأشجع الثقفي يسألانه المضي إلى أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأتياه فقالا: يا أبا الحسن إنّ أبا بكر يدعوك لأمر قد أحزنه، وهو يسألك أن تصير إليه في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يجبهما.

فقالا: يا أبا الحسن ما ترد علينا فيما جئناك به، فقال: بئس والله الأدب

____________

1- في "ب": تبتل.

الصفحة 269

أدبكم، أوليس يجب على القادم أن يصير إلى الناس في حوائجهم(1) إلاّ بعد دخوله في منزله؟! فإن كان لكم حاجة فأطلعاني عليها في منزلي حتّى اُقضيها إن كانت ممكنة إن شاء الله تعالى.

فصارا إلى أبي بكر فأعلماه بذلك، فقال أبو بكر: قوموا بنا إليه، فمضى الجمع بأسره إلى منزله، فوجدوا الحسين (عليه السلام) قائماً على الباب يقلب سيفاً ليبتاعه، فقال له أبو بكر: يا أبا عبد الله إن رأيت أن تستأذن لنا على أبيك، فقال: نعم، فاستأذن للجماعة فدخلوا ومعهم خالد بن الوليد، فبدأ به الجمع بالسلام فردّ مثل ذلك، فلمّا نظر إلى خالد قال: نعمت صباحاً يا أبا سليمان، نعم القلادة قلادتك.

فقال: والله يا عليّ لا نجوت منّي إن ساعدني الأجل، فقال له عليّ (عليه السلام): اُفّ لك يا ابن دميمة، إنّك ومَنْ فلق الحبّة وبرئ النسمة عندي لأهون [شيء](2)، وما روحك في يدي لو أشاء إلاّ كذبابة وقعت في إدام حار فطفقت منه، فاغن عن نفسك غناها ودعنا [بحالنا](3) حكماء، وإلاّ ألحقتك بمن أنت أحقّ بالقتل منه، ودع عنك يا أبا سليمان ما مضى وخُذ فيما بقى، فوالله ما تجرّعت من جرار المختمة إلاّ علقمها، والله لقد رأيت منيتي ومنيتك وروحي وروحك، وروحي في الجنّة وروحك في النار.

قال: وحجز الجمع بينهما وسألوه قطع الكلام، فقال أبو بكر لعليّ (عليه السلام): إنّا ما جئناك لما تناقض منه أبا سليمان وإنّما حضرنا لغيره، وأنت لم تزل يا أبا الحسن مقيماً على خلافي والاجتراء(4) على أصحابي، فقد تركناك فاتركنا ولا تردنا فيردك منّا ما يوحشك ويزيدك نبوة على نبوتك(5).

____________

1- في "ب": في اجابتهم.

2- أثبتناه من "ج".

3- أثبتناه من البحار.

4- في "ج": الافتراء.

5- في البحار: تنويماً إلى تنويمك.

الصفحة 270

فقال عليّ (عليه السلام): لقد أوحشني الله منك ومن جمعك، وآنس(1) بي كلّ مستوحش، وأمّا ابن الوليد الخاسر فإنّي أقصّ عليك نبأه، إنّه لمّا رأى تكاثف جنوده وكثرة جمعه زها في نفسه، فأراد الوضع منّي في موضع رفع ومحفل ذي جمع ليصول بذلك عند أهل الجمع، فوضعت منه عندما خطر بباله وهمّ به، وهو عارف بي حقّ معرفته وما كان الله ليرضى بفعله.

فقال له أبو بكر: فنضيف هذا إلى تقاعدك عن نصرة الإسلام، وقلّة رغبتك في الجهاد، فبهذا أمرك الله ورسوله، أم عن نفسك تفعل هذا؟

فقال له عليّ (عليه السلام): يا أبا بكر وعلى مثلي يتفقّه الجاهلون؟ انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمركم ببيعتي، وفرض عليكم طاعتي، وجعلني فيكم كبيت الله الحرام يؤتى ولا يأتي، فقال: يا عليّ ستغدر بك اُمّتي من بعدي كما غدرت الاُمم بعد مضيّ الأنبياء بأوصيائها إلاّ قليل، وسيكون لك ولهم بعدي هناة وهناة فاصبر، أنت كبيت الله من دخله كان آمناً ومن رغب عنه كان كافراً، قال الله عزوجل: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً}(2)، وانّي وأنت سواء إلاّ النبوّة، فإنّي خاتم النبيّين وأنت خاتم الوصيّين.

وأعلمني عن ربّي سبحانه بأنّي لست أسلّ سيفاً إلاّ في ثلاث مواطن بعد وفاته، فقال: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ولن يقرب أوان ذلك بعد، فقلت: فما أفعل يا رسول الله بمن ينكث بيعتي منهم ويجحد حقّي؟ قال: تصبر(3) حتّى تلقاني وتستسلم لمحنتك حتّى تلقى ناصراً عليهم.

فقلت: أفتخاف عليّ منهم أن يقتلوني؟ فقال: تالله لا أخاف عليك منهم قتلا ولا جراحاً، وانّي عارف بمنيتك وسببها وقد أعلمني ربّي، ولكنّي خشيت أن تفنيهم

____________

1- في "ب": آنسني.

2- البقرة: 125.

3- في "ب": فاصبر.

الصفحة 271

الصفحة 272

فلمّا سأله بذلك استحيى ـ وكان عليّ (عليه السلام) كثير الحياء ـ فجذب خالداً إليه وجعل يحذف(1) من الطوق قطعة قطعة، ويفتلها في يده فتفتل كالشمع، ثمّ ضرب بالاُولى رأس خالد ثمّ الثانية فقال: آه يا أمير المؤمنين، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): قلتها على كره منك ولو لم تقلها لأخرجت الثالثة من أسفلك.

ولم يزل يقطع الحديد جميعه إلى أن أزاله من عنقه، وجعل الجماعة يكبّرون لذلك ويهلّلون ويتعجّبون من القوّة التي أعطاها الله سبحانه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وانصرفوا شاكرين [لذلك](2)(3).

[خبر الأشجع بن مزاحم الثقفي ـ لقاه الله غب عمله ـ]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى جابر الجعفي قال: قلّد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة وضياع فدك رجلا من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي وكان شجاعاً، وكان له أخ قتله عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في وقعة هوازن وثقيف، فلمّا خرج الرجل عن المدينة جعل أوّل قصده ضيعة من ضياع أهل البيت تُعرف بـ "بانقيا"(4).

____________

1- في "ج": يجذب.

2- أثبتناه من "ج".

3- عنه البحار 29: 161 ح37; وقطعة منه في مناقب ابن شهر آشوب 2: 290.

وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله: وفي الرواية الاُخرى زيادة، وهي هذه: فانصرفت الجماعة شاكرين له وهم متعجبّون من ذلك، فقال أبو بكر: لا تعجبوا من أبي الحسن، والله لقد كنت بجنب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم قلع عليّ باب خيبر، فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد ضحك حتّى بدت ثناياه، ثمّ بكى حتّى اخضلّت لحيته، فقلت: يا رسول الله أضحك وبكاء في ساعة واحدة؟ قال: نعم، أمّا ضحكي ففرحت بقلع عليّ باب خيبر، وأمّا بكائي فلعليّ (عليه السلام)، فإنّه ما قلعه إلاّ وهو صائم منذ ثلاثة أيّام على الماء القراح، ولو كان فاطراً على طعام لدحا به من وراء السور.

4- بانقيا: رستاق على أميال من المدينة، وهناك ناحية من نواحي الكوفة تسمّى بهذا الاسم أيضاً، كما ذكر ذلك في معجم البلدان 1: 331.

الصفحة 273

فجاء بغتة واحتوى عليها وعلى صدقات كانت لعليّ (عليه السلام)، فوكّل بها وتغطرس(1) على أهلها، وكان الرجل زنديقاً منافقاً، فابتدر أهل القرية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) برسول يعلمونه ما فرط من الرجل. فدعا عليّ (عليه السلام) بدابة له تسمّى السابح ـ وكان أهداه إليه ابن عمّ لسيف بن ذي يزن ـ وتعمّم بعمامة سوداء، وتقلّد بسيفين، واجنب إلى دابته المرتجز، وأصحب معه الحسين (عليه السلام)، وعمّار بن ياسر، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن العباس حتّى وافى القرية، فأنزله عظيم القرية في مسجد يُعرف بمسجد القضاء، ثمّ وجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) بالحسين (عليه السلام) يسأله المصير(2) إليه.

فصار إليه الحسين (عليه السلام) فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: ومن أمير المؤمنين؟ فقال: عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: أمير المؤمنين أبو بكر خلّفته بالمدينة، فقال له الحسين: فأجب عليّ بن أبي طالب، فقال: أنا سلطان وهو من العوام والحاجة له، فليصير هو إليّ.

قال له الحسين: ويلك أيكون مثل والدي من العوام ومثلك يكون سلطان، فقال: أجل لأنّ والدك لم يدخل في بيعة أبي بكر إلاّ كرهاً، وبايعناه طائعين وكنّا له غير كارهين، فشتان بيننا وبينه.

فصار(3) الحسين (عليه السلام) فأعلمه ما كان من قول الرجل، فالتفت إلى عمّار فقال: يا أبا اليقظان صِر إليه وألطف له في القول واسأله أن يصير إلينا، فإنّه لا يجب لوصيّ من الأوصياء أن يصير إلى أهل الضلالة، فنحن مثل بيت الله يؤتى ولا يأتي.

فصار إليه عمّار وقال: مرحباً يا أخا ثقيف، ما الذي أقدمك على مثل أمير

____________

1- الغِطريس: الظالم المتكبر.

2- في "ج": المسير.

3- في "ب": فسار.

الصفحة 274

المؤمنين في حيازته، وحملك على الدخول في مساءته، فصر إليه وأفصح عن حجّتك، فانتهر عمار وأفحش له في الكلام، وكان عمّار شديد الغضب، فوضع حمائل سيفه في عنقه فمدّ يده إلى السيف، فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): الحق عمّاراً فالساعة يقطّعوه.

فوجّه أمير المؤمنين بالجميع وقال لهم: لا تهابوه وصيروا به إليّ، وكان مع الرجل ثلاثون فارساً من جياد قومه(1)، فقالوا له: ويلك هذا عليّ بن أبي طالب قتلك والله وقتل أصحابك عنده دون النطفة(2)، فسكت القوم جزعاً(3) من أمير المؤمنين، فَسُحِبَ الأشجع إلى أمير المؤمنين على حرّ وجهه سحباً.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه ولا تعجلوه، فإنّ العجلة والطيش لا يقوم بها حجج الله وبراهينه، ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ويلك بما استحللت أخذ أموال أهل البيت، وما حجّتك في ذلك؟ فقال لأمير المؤمنين: وأنت فيما استحللت قتل هذا الخلق في كلّ حق وباطل، وانّ مرضاة صاحبي لهي أحبّ إليّ من اتّباع موافقتك.

فقال عليّ (عليه السلام): أيْهاً عليك، ما أعرف من نفسي إليك ذنباً إلاّ قتل أخيك يوم هوازن، وليس بمثل هذا الفعل تطلب الثارات، فقبّحك الله وترحك، فقال له الأشجع: بل قبّحك الله وبتر عمرك ـ أو قال: ترحك ـ فإنّ حسدك الخلفاء لا يزال بك حتّى يوردك موارد الهلكة والمعاطب، وبغيك عليهم يقصر بك عن مرادك.

فغضب الفضل بن العباس من قوله، ثمّ تمطى عليه بسيفه فحمل عنقه(4)

____________

1- في "ج": رجلا من خيار قومه.

2- في "ج": دون النقطة.

3- في "ج": خوفاً.

4- في "ب": فجزّ عنقه.

الصفحة 275

ورماه عن جسده بساعده اليمنى، فاجتمع أصحابه على الفضل فسلّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سيفه ذوالفقار، فلمّا نظر القوم إلى بريق عيني أمير المؤمنين (عليه السلام) ولمعان ذي الفقار في كفّه(1) رموا سلاحهم وقالوا: الطاعة الطاعة.

فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): اُفّ لكم انصرفوا برأس صاحبكم هذا الأصغر إلى صاحبكم الأكبر، فما بمثل قتلكم يطلب الثار، ولا تنقضي الأوتار، فانصرفوا ومعهم رأس صاحبهم حتّى ألقوه بين يدي أبي بكر، فجمع المهاجرين والأنصار وقال: يا معاشر الناس انّ أخاكم الثقفي أطاع الله ورسوله واُولي الأمر منكم، فقلّدته صدقات المدينة وما يليها، فغافصه(2) ابن أبي طالب فقتله أخبث(3)قتلة، ومثّل به أخبث(4) مثلة، وقد خرج في نفر من أصحابه إلى قرى الحجاز، فليخرج إليه من شجعانكم وليردوه عن سنته، واستعدوا له من رباط الخيل والسلاح وما يتهيّأ لكم، وهو من تعرفونه الداء الذي لا دواء له، والفارس الذي لا نظير له.

قال: فسكت القوم مليّاً كأنّ الطير على رؤوسهم، فقال: أخرس أنتم أم ذو ألسن؟! فالتفت إليه رجل من الأعراب يقال له: الحجاج بن السخر(5) فقال له: إن سرت إليه سرنا معك، فأمّا لو سار إليه جيشك هذا لينحرنّهم عن آخرهم كنحر البدن، ثمّ قام آخر فقال: أتعلم إلى من توجّهنا إليه، إنّك توجّهنا إلى الجزّار الأعظم الذي يختطف الأرواح بسيفه خطفاً، والله إنّ لقاء ملك الموت أسهل(6) علينا من لقاء عليّ بن أبي طالب.

____________

1- في "ج": في يده.

2- في "ج": فاعترضه.

3- في "ج": أشنع.

4- في "ج": أعظم.

5- في البحار: الصخر.

6- في "ج": أهون.

الصفحة 276

فقال ابن أبي قحافة: لا جزيتم قوم عن إمامكم خيراً، إذا ذكر لكم عليّ بن أبي طالب دارت أعينكم في وجوهكم وأخذتكم سكرة الموت، أهكذا يقال لمثلي؟! قال: فالتفت إليه عمر بن الخطاب فقال: ليس له إلاّ خالد بن الوليد، فالتفت إليه أبو بكر فقال: يا أبا سليمان أنت اليوم [سيف](1) من سيوف الله وركن من أركانه، وحتف الله على أعدائه، وقد شق عليّ بن أبي طالب عصى هذه الاُمّة، وخرج في نفر من أصحابه على ضياع الحجاز، وقد قتل من شيعتنا ليثاً [صؤولا](2)وكهفاً منيعاً، فصر إليه في كثيف من قومك وسله أن يدخل الحضرة فقد عفونا عنه، وإن نابذك الحرب فجئنا به أسيراً.

فخرج خالد في خمسمائة فارس من أبطال قومه قد اُشحنوا سلاحاً(3) حتّى قدموا على أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: فنظر الفضل بن العباس إلى غبرة الخيل من البُعد فقال: يا أمير المؤمنين قد وجّه إليك ابن أبي قحافة بقسطل(4)يدقّون الأرض بحوافر الخيل دقّاً، فقال: يا ابن العباس هوّن عليك، فلو كانوا صناديد قريش وقبائل حنين وفرسان هوازن لما استوحشت إلاّ من ضلالتهم.

ثمّ قام أمير المؤمنين (عليه السلام) فشدّ محزم الدابة، ثمّ استلقى نائماً على قفاه ـ تهاوناً بخالد ـ حتّى وافاه، فانتبه لصهيل الخيل فقال: يا أبا سليمان ما الذي أعدل(5) بك إليّ؟ فقال: أعدل(6) بي إليك ما أنت أعلم به منّي، فقال: فأسمعنا الآن، فقال: يا أبا الحسن أنت فهم غير مفهم، وعالم غير معلم، فما هذه اللوثة(7) التي قد

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ج": أثقلوا بالسلاح.

4- القسطل: الغبار، وهو كناية عن الجمّ الغفير.

5- في "ج": أتى.

6- في "ج": أتى.

7- اللوثة ـ بالضم ـ: الاسترخاء والبطء، ومسّ الجنون.

الصفحة 277

بدرت منك، والنبوة(1) التي قد ظهرت فيك؟!

إن كنت كرهت هذا الرجل فليس يكرهك، ولا تكوننّ ولايته ثقلا على كاهلك ولا شجاً في حلقك، فليس بعد الهجرة بينك وبينه خلاف، ودع الناس وما تولّوه، وضلّ من ضلّ وهدي من هدي، ولا تفرّق بين كلمة مجتمعة، ولا تضرم النار بعد خمودها، فإنّك إن فعلت ذلك وجدت غبّه غير محمود.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تهدّدني يا خالد بنفسك وبابن أبي قحافة؟! فما بمثلك ومثله تهديد، فدع عنك ترهاتك التي أعرفها منك، واقصد نحو ما وجّهت(2) له، قال: فإنّه قد تقدّم إليّ إن رجعت عن سنتك كنت مخصوصاً بالكرامة والحبور، وإن أقمت على ما أنت عليه من خلاف(3) الحقّ حملتك إليه أسيراً.

فقال له عليّ (عليه السلام): يا ابن اللخناء وأنت تعرف الحقّ من الباطل؟! ومثلك يحمل مثلي أسيراً؟! يا ابن الرادة عن الإسلام أتحسبني ويلك مالك بن نويرة حيث قتلته ونكحت امرأته، يا خالد جئتني برقة عقلك، وتغاير نحيرتك، واكفهرار وجهك، وتشمّخ أنفك، والله لئن تمطيت بسيفي هذا عليك وعلى أوغادك لاشبعنّ من لحومكم عرج(4) الضباع، وطلس الذئاب، لست ويلك ممّن تقتلني أنت ولا صاحبك، وإنّي لأعرف قاتلي وأطلب منيّتي صباحاً ومساءً، وما مثلك يحمل مثلي أسيراً، ولو أردت ذلك لقتلتك في فناء هذا المسجد.

فغضب خالد وقال: توعد وعيد(5) الأسد وتروغ روغان الثعالب، ما أعداك في المقال، وما مثلك إلاّ من اتبع قوله بفعله، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا كان

____________

1- النبوة: الرفعة.

2- في "ج": وجّهك له.

3- في "ج": مخالفة.

4- في "ب": جوع.

5- في "ب": ترعد رعيد.

الصفحة 278

هذا قولك فشأنك، وسلّ أمير المؤمنين على خالد ذا الفقار وحقّق عليه.

فلمّا نظر خالد إلى بريق عيني أمير المؤمنين (عليه السلام) وبريق(1) ذي الفقار في يده، وتصمّمه عليه نظر إلى الموت عياناً، فاستحقّها(2) خالد وقال: يا أبا الحسن لم نرد هذا، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقفاء رأس ذي الفقار على ظهره فنكسه عن دابته، ولم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) ليردّ يده إذا بدت به(3) لئلاّ يُنسب إلى الجبن.

فلحق أصحاب خالد من فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) هولا عجباً وخوفاً عنيفاً(4)، ثمّ قال: ما لكم لا تكافحون عن سيّدكم، والله لو كان أمركم إليّ لتركت رؤوسكم، وهو أخفّ على يدي من جني الهبيد(5) على أيدي العبيد، وعلى هذا السبيل تقضمون مال الفيء؟ اُفّ لكم.

فقام إليه رجل من القوم يقال له المثنّى بن الصباح(6)، وكان عاقلا فقال: والله ما جئناك لعداوة بيننا وبينك، ولا عن غير معرفة بك، وإنّا لنعرفك كبيراً وصغيراً، وأنت أسد الله في أرضه، وسيف نقمته على أعدائه، وما مثلنا من جهل مثلك ونحن اتباع مأمورون، وجند موازرون، وأطواع غير مخالفين، فتبّاً لمن وجّه بنا إليك، أما كان له معرفة بيوم بدر واُحد وحنين؟!.

فاستحى أمير المؤمنين (عليه السلام) من قول الرجل وترك الجميع، وجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يمازح خالداً لما به من ألم الضربة(7) وهو ساكت، فقال له

____________

1- في "ج": لمعان.

2- في "ج": فاستخفى.

3- في "ج": إذا رفعها.

4- في "ج": هول عجيب ورعب عنيف.

5- الهبيد: الحنظل أو حبّه.

6- في البحار: الصياح.

7- في "ج": الذي كان ساكتاً لا ينطق بكلمة من ألم الضربة، قائلا له.

الصفحة 279

أمير المؤمنين (عليه السلام): ويلك يا خالد ما أطوعك للخائنين الناكثين، أما كان لك بيوم الغدير مقنع إذ بدر إليك صاحبك في المسجد حتّى كان منك ما كان، فوالذي فلق الحبّة وبرئ النسمة لو كان ما رمته أنت وصاحبك(1) ابن أبي قحافة وابن الصهاك شيء لكانا هما أوّل مقتولين بسيفي هذا وأنت معهما، ويفعل الله ما يشاء.

ولا يزال يحملك على افساد حالتك عندي، فقد تركتَ الحق على معرفة وجئتني تجوب مفاوز البسابس(2) لتحملني إلى ابن أبي قحافة أسيراً بعد معرفتك انّي قاتل عمرو بن عبدود ومرحب، وقالع باب خيبر، وانّي لمستحي منكم ومن قلّة عقولكم.

أَوَتزعم أنّه قد خفي عليّ ما تقدّم به إليك صاحبك حين أخرجك إليّ وأنت تذكره ما كان منّي إلى عمرو بن معدي كرب وإلى أصيد(3) بن سلمة المخزومي، فقال لك ابن أبي قحافة: لا تزال تذكر له ذلك، وإنّما كان ذلك من دعاء النبي (صلى الله عليه وآله) وقد ذهب ذلك كلّه وهو الآن أقلّ من ذلك، أليس كذلك يا خالد؟!.

فلولا ما تقدّم به إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكان منّي إليهما وهما أعلم به منك، يا خالد أين كان ابن أبي قحافة وأنت تخوض معي المنايا في لجج الموت خوضاً، وقومك بادون في الانصراف كالنعجة القوداء والديك النافش، فاتّق الله يا خالد ولا تكن للخائنين رفيقاً(4) ولا للظالمين ظهيراً.

فقال خالد: يا أبا الحسن إنّي أعرف ما تقول، وما عدلت العرب والجماهير عنك إلاّ طلب ذحول أيّامهم(5) قديماً وتنكل رؤوسهم قريباً، فراغت عنك

____________

1- في "ج": صاحباك.

2- البسبس: القفر الخالي.

3- في البحار: أسيد.

4- في البحار: خصمياً.

5- في "ج" والبحار: آبائهم.

الصفحة 280

كروغان الثعلب فيما بين الفجاج والدكادك(1)، وصعوبة اخراج ملك من يدك، وهرباً من سيفك، وما دعاهم إلى بيعة أبي بكر إلاّ استلانة جانبه، ولين عريكته، وأمن جانبه، وأخذهم الأموال فوق استحقاقهم، وأقلّ ما تره اليوم(2) يميل إلى الحق، وأنت قد بعت الدنيا بالآخرة، ولو اجتمعت أخلاقهم إلى أخلاقك لما خالفك خالد.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والله ما اُوتي خالداً إلاّ من قبل(3) هذا الخؤون الظلوم المفتن ابن الصهاك، فإنّه لا يزال يؤلّب على القبائل ويفزعهم منّي ويؤيسهم(4) من عطاياهم، ويذكرهم ما أنساهم الدهر، وسيعلم غب أمره إذا فاضت نفسه.

فقال خالد: يا أبا الحسن بحقّ أخيك لما قطعت هذا من نفسك، وصرت إلى منزلك مكرماً إذا كان القوم رضوا بالكفاف منك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا جزاهم الله عن أنفسهم ولا عن المسلمين خيراً.

قال: ثمّ دعا بدابته فاتبعه أصحابه وخالد يحدّثه ويضاحكه حتّى دخل المدينة، فبادر خالد إلى أبي بكر فحدّثه بما كان منه، فصار أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) ثمّ صار إلى الروضة فصلّى أربع ركعات فدعا وقام يريد الانصراف إلى منزله، وكان أبو بكر جالساً في المسجد والعباس جالساً إلى جنبه.

فأقبل أبو بكر على العباس فقال: يا أبا الفضل اُدع لي ابن أخيك علياً لاُعاتبه على ما كان منه إلى الأشجع، فقال له العباس: أوليس قد تقدّم إليك

____________

1- الدكادك: الأراضي التي فيها غلظ.

2- في "ج": ولقلّ اليوم من يميل.

3- في "ب": جهة.

4- في "ج": يواسيهم.

الصفحة 281

صاحبك خالد بترك معاتبته، وإنّي أخاف عليك منه إن عاتبته ألاّ تنتصر منه، فقال أبو بكر: انّي أراك يا أبا الفضل تخوّفني منه دعني وإيّاه، فامّا ما كلّمني خالد بترك معاتبته فقد رأيته يكلّمني بكلام خلاف الذي خرج به إليه، ولا أشك إلاّ أنّه قد كان منه إليه شيء أفزعه.

فقال له العباس: أنت وذاك يا ابن أبي قحافة، فدعاه العباس فجاء أمير المؤمنين (عليه السلام) فجلس إلى جنب العباس، فقال له العباس: انّ أبا بكر استبطاك وهو يريد أن يسألك بما جرى، فقال: يا عمّ لو دعاني لما أتيته، فقال له أبوبكر: يا أبا الحسن ما أرضى لمثلك هذا الفعال، قال: وأيّ فعل؟ قال: قتلك مسلماً بغير حق، فما تملّ من القتل قد جعلته شعارك ودثارك.

فالتفت إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أمّا عتابك عليّ في قتل مسلم فمعاذ الله أن أقتل مسلماً بغير حق لأنّ من وجب عليه القتل رفع عنه اسم الإسلام، وأمّا قتلي الأشجع فإن كان اسلامك كاسلامه فقد فزت فوزاً عظيماً، أقول وما عذري إلاّ من الله، وما قتلته إلاّ عن بيّنة من ربّي، وما أنت أعلم بالحلال والحرام منّي، وما كان الرجل إلاّ زنديقاً منافقاً وانّ لفي منزله صنماً من رخام يتمسّح به ثمّ يصير إليك، وما كان من عدل الله أن يؤاخذ بقتل عبدة الأوثان والزنادقة.

وافتتح أمير المؤمنين (عليه السلام) الكلام، فحجز بينهما المغيرة بن شعبة وعمار بن ياسر، وأقسموا على عليّ فسكت وعلى أبي بكر فأمسك، ثمّ أقبل أبو بكر على الفضل بن العباس وقال: لو قيدتك بالأشجع لما فعلت مثلها، ثمّ قال: كيف اُقيّدك بمثله وأنت ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغاسله.

فالتفت إليه العباس فقال: دعونا ونحن حكماء، بلغ من شأنك انّك تتعرّض لولدي وابن أخي، وأنت ابن أبي قحافة بن مرّة، ونحن بنو عبد المطلب بن هاشم أهل بيت النبوة واُولوا الخلافة، تسمّيتم بأسمائنا، ووثبتم علينا في سلطاننا، وقطعتم

الصفحة 282

أرحامنا، ومنعتم ميراثنا، ثمّ أنتم تزعمون أن لا ارث لنا وأنتم أحق وأولى بهذا الأمر منّا، فبُعداً وسُحقاً لكم أنّى تؤفكون.

ثمّ انصرف القوم وأخذ العباس بيد عليّ وجعل عليّ (عليه السلام) يقول: أقسمت عليك يا عمّ لا تتكلّم، وإن تكلّمت لا تتكلّم إلاّ بما يسرّه، وليس لهم عندي إلاّ الصبر كما أمرني نبيّ الله (صلى الله عليه وآله)، دعهم ما كان لهم يا عمّ بيوم غدير مقنع، دعهم يستضعفونا جهدهم فإنّ الله مولانا وهو خير الحاكمين.

فقال له العباس: يا ابن أخي أليس قد كفيتك، وإن شئت حتّى أعود إليه فاعرفه [مكانه](1) وأنزع عنه سلطانه، فأقسم عليه عليّ (عليه السلام) فأسكته(2).

[خبر وفاة أبي بكر وعمر ومعاذ بن جبل]

بحذف الاسناد مرفوعاً إلى عبد الرحمن بن غنم(3) الأزدي حين مات ـ ختن معاذ بن جبل ـ وكانت ابنته تحت معاذ بن جبل، وكان أفقه أهل الشام وأشدّهم اجتهاداً، قال: مات معاذ بن جبل بالطاعون فشهدت يوم مات والناس متشاغلون بالطاعون، فقال: وسمعته حين احتضر وليس معه في البيت غيري ـ وذلك في خلافة عمر بن الخطاب ـ فسمعته يقول: ويل لي، فقلت في نفسي: أصحاب الطاعون يهذون ويقولون الأعاجيب، فقلت له: أتهذي؟ قال: لا.

قلت: [فلم](4) تدعو بالويل والثبور؟ قال: لموالاتي عدوّ الله على وليّ الله،

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- عنه البحار 29: 46 ح19.

وقال العلاّمة المجلسي رحمه الله في ذيل الحديث بعد تفسير بعض كلماته: ولم نبالغ في تفسير هذا الحديث وشرحه، لعدم اعتمادنا عليه لما فيه ممّا يخالف السير وسائر الأخبار.

3- في "ب": غانم.

4- أثبتناه من البحار.

الصفحة 283

فقلت له: من هم؟ فقال: موالاتي عتيقاً وعمر على خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووصيّه عليّ بن أبي طالب، فقلت: إنّك لتهجر(1).

قال: يا ابن غنم هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعليّ بن أبي طالب يقولان لي: أبشر بالنار أنت وأصحابك، أفليس قلتم إن مات رسول الله زوينا الخلافة عن عليّ بن أبي طالب فلن تصل إليه؟! فاجتمعت أنا وأبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم، قال: قلت: متى يا معاذ؟ قال: في حجة الوداع، قلت لهم(2): أكفيكم قومي الأنصار واكفوني قريشاً.

ثمّ دعوت على عهد رسول الله ((صلى الله عليه وآله)) إلى هذا الذي قلت، فعاهدونا عليه بشر بن سعد وأسد(3) بن حصين فبايعاني على ذلك، فقلت: يا معاذ انّك لتهجر، فألصق خدّه بالأرض فما زال يدعو بالويل والثبور حتّى مات.

فقال ابن غنم: ما حدّثت بهذا الحديث غير قيس بن هلال أحداً إلاّ ابنتي امرأة معاذ ورجل آخر، فإنّي فزعت ممّا رأيت وسمعت من معاذ، قال: [فحججت](4) ولقيت الذي غمض أبا عبيدة وسالم، فأخبرني انّه حصل لهما نحو ذلك عند موتهما ولم يزد فيه حرفاً ولم ينقص حرفاً، كأنّهما قالا مثل ما قال معاذ بن جبل.

قال سليم: فحدّثت بحديث ابن غنم هذا كلّه محمد بن أبي بكر فقال لي: اكتم عليّ وأشهد انّ أبي قال عند موته مثل مقالتهم، فقالت عائشة: إنّ أبي يهجر.

قال: ولقيت عبد الله بن عمر في خلافة عثمان وحدّثته ما سمعت من أبي عند

____________

1- في "ج": لتهجو.

2- زاد في البحار و "ج": قلنا: نتظاهر على عليّ فلا ينال الخلافة ما حيينا، فلمّا قُبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) قلت لهم....

3- في "ج" والبحار: أسيد.

4- أثبتناه من "ج" والبحار.

الصفحة 284

موته، وأخذت عليه العهد والميثاق ليكتم عليّ، فقال لي ابن عمر: اكتم عليّ فوالله لقد قال أبي مقالة مثل ما قال أبوك ما زاد ولا نقص، ثمّ تداركها ابن عمر بعد وتخوّف أن أخبر بذلك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لمّا علم من حبّي له وانقطاعي إليه، فقال: إنّما كان يهجر.

فأتيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فأخبرته بما سمعته من أبي وبما حدّثني به ابن عمر، قال عليّ: قد حدّثني بذلك عن أبيك وعن أبيه وعن أبي عبيدة وسالم وعن معاذ ما هو أصدق منك ومن ابن عمر، فقلت: ومن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: من حدثني، فعرفت ما عنى، فقلت: صدقت، إنّما ظننت(1) إنساناً حدّثك، وما شهد أبي وهو يقول ذلك غيري.

قال سليم: قلت لابن غنم: مات معاذ بالطاعون فبما مات أبو عبيدة؟ قال: مات بالدبيلة(2)، فلقيت محمد بن أبي بكر فقلت: هل شهد موت أبيك غيرك وغير أخيك عبد الرحمن وعائشة وعمر؟ قال: لا، قلت: وسمعوا منه ما سمعت؟ قال: سمعوا منه طرفاً فبكوا وقالوا: هو يهجر، فامّا كلّ ما سمعت فلا، قلت: فالذي سمعوا ما هو؟

قال: دعا بالويل والثبور(3)، قال عمر: يا خليفة رسول الله لِمَ تدعو بالويل والثبور؟ قال: هذا رسول الله ومعه عليّ يبشّراني بالنار ومعه الصحيفة التي تعاهدنا عليها في الكعبة وهو يقول: لقد وفيتَ بها وظاهرتَ على وليّ الله فأبشر أنت وصاحبك بالنار في أسفل السافلين.

فلمّا سمعها عمر خرج وهو يقول: انّه ليهجر، قال: لا والله ما أهجر أين

____________

1- في "ب": طلبت.

2- داء في الجوف.

3- في "الف" و "ب": دعا إلى النار فادخل، وما أثبتناه في المتن من "ج" والبحار.

الصفحة 285

تذهب؟ قال عمر: كيف لا تهجر وأنت ثاني اثنين في الغار، قال: الآن أيضاً(1) لم اُحدّثك انّ محمداً ـ ولم يقل رسول الله ـ قال لي وأنا معه في الغار: انّي أرى سفينة جعفر وأصحابه تعوم(2) في البحر، فقلت: أرنيها، فمسح يده على وجهي فنظرت إليها، فأضمرت عند ذلك انّه ساحر، وذكرت لك ذلك بالمدينة فأجمع رأيي ورأيك على انّه ساحر.

فقال عمر: يا هؤلاء إنّ أبا بكر يهذي، فاجتنبوه(3) واكتموا ما تسمعون منه لئلاّ يشمت بكم أهل هذا البيت، ثمّ خرج وخرج أخي وخرجت عائشة ليتوضّؤوا للصلاة، فأسمعني من قوله ما لم يسمعوا، فقلت له لمّا خلوت(4) به: قل لا إله إلاّ الله، قال: لا أقولها ولا أقدر عليها أبداً حتّى أرد النار فأدخل التابوت.

فلمّا ذكر التابوت ظننت أنّه يهجر، فقلت: أيّ تابوت؟ فقال: تابوت من نار مقفل بقفل من النار، فيه اثنا عشر رجلا أنا وصاحبي هذا، قلت: عمر؟ قال: نعم، وعشرة في(5) جب من جهنّم عليه صخرة، قلت: تهذي؟ قال: لا والله ما أهذي، لعن الله ابن صهاك هو الذي أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني فبئس القرين، ثمّ ألصق خدّه بالأرض فألصقت خدّي بالأرض، فما زال يدعو بالويل والثبور حتّى غمّضته(6).

ثمّ دخل عمر عليّ فقال: هل قال(7) بعدنا شيئاً؟ فحدّثتهم، فقال عمر: يرحم الله خليفة رسول الله اكتم هذا كلّه فإنّ هذا كلّه هذيان، وأنتم أهل بيت يُعرف فيكم

____________

1- في "ج": أولم اُحدّثك.

2- تعوم: تسبح وتسير.

3- في "ب": فخذوه.

4- في "ج": انفردت به.

5- في "ب": قل له عنّي....

6- في "ج": غلبه النوم.

7- في "ج": هل حدّث.

الصفحة 286

الهذيان في موتاكم، قالت عائشة: صدقت، ثمّ قال عمر: إيّاك أن يخرج منك شيئاً ممّا سمعت فيشمت به ابن أبي طالب وأهل بيته.

قال: قلت لمحمّد: من تراه حدّث أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هؤلاء الخمسة بما قالوا؟ فقال: رسول الله (صلى الله عليه وآله)، انّه يراه كلّ ليلة في المنام وحدّثه إيّاه في المنام مثل ما حدّثه(1) إيّاه في اليقظة والحياة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي في نوم ولا يقظة ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة.

[قال سليم:](2) فقلت لمحمّد: فمن حدّثك بهذا؟ قال: عليّ، قال: وأنا سمعته أيضاً منه، قلت لمحمّد: فملك من الملائكة حدّثه؟ قال: أو ذاك، قلت: فهل تحدّث الملائكة إلاّ الأنبياء، [قال](3) أما تقرأ كتاب الله عزوجل: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي}(4) ولا محدّث.

قلت: فأمير المؤمنين (عليه السلام) محدّث؟ قال: نعم، وفاطمة محدّثة ولم تكن نبيّة، ومريم محدّثة ولم تكن نبيّة، واُمّ موسى كانت محدّثة ولم تكن نبيّة، وسارة امرأة ابراهيم (عليه السلام) قد عاينت الملائكة ولم تكن نبيّة، فبشّروها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب.

قال سليم: فلمّا قُتل محمد بن أبي بكر بمصر ونعي، عزّيت أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلوت به، فحدّثته بما أخبرني(5) به محمد بن أبي بكر وبما حدّثني به ابن غنم، قال: صدق محمد رحمه الله، أما انّه شهيد حيّ مرزوق، يا سليم إنّي وأوصيائي

____________

1- في البحار: مثل حديثه.

2- أثبتناه من "ج" والبحار.

3- أثبتناه من البحار.

4- الحج: 52.

5- في "ج": بما حدّثني.

بسيفك فيبطل الدين وهو حديث فيرتدّ القوم عن التوحيد، ولولا انّ ذلك كذلك ـ

الصفحة 287

أحد عشر رجلا من ولدي أئمّة هدىً مهديّون محدّثون، قلت: يا أمير المؤمنين ومن هم؟

قال: ابنيَّ الحسن والحسين، ثمّ ابني هذا ـ وأخذ بيد عليّ بن الحسين وهو رضيع ـ ثمّ ثمانية من ولده واحد بعد واحد، وهم الذين أقسم الله بهم فقال: {ووالد وما ولد}(1) [فالوالد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما ولد](2) يعني هؤلاء الأحد عشر وصيّاً صلوات الله عليهم، قلت: يا أمير المؤمنين يجتمع إمامان؟ قال: لا إلاّ أحدهما صامت لا ينطق حتّى يهلك الأوّل.

تمّ حديث موتهم، والحمد لله وحده وصلّى الله على خير خلقه محمد وآله وسلّم(3).

[بيانه (عليه السلام) في سبب قعوده عن القتال]

[في الفتن عن كتاب سليم بن قيس بعد خطبة لعليّ (عليه السلام) استنفر بها القوم ووبّخهم على تقاعدهم عن الجهاد، قال الأشعث بن قيس: فهلاّ فعلت كما فعل عثمان بن عفّان، فأجابه وكان ممّا أجابه أن قال: إنّ هذه الاُمّة تفترق على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار، وشرّها وأبعدها وأبغضها السامرة الذين يقولون لا قتال وكذبوا، قد أمر الله بقتال الباغين في كتابه وسنّة نبيّه، وكذلك المارقة.

فقال ابن قيس وقد غضب من قوله (عليه السلام): فما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع فلان وفلان أن تضرب بسيفك؟ فأجابه بما يشبه هذا الكلام أو هو،

____________

1- البلد: 3.

2- أثبتناه من "ج" والبحار.

3- عنه البحار 30: 127; ومعالم الزلفى: 329 و439; ومدينة المعاجز 2: 89 ح419; وروي نحوه في كتاب سليم: 182.

الصفحة 288

فراجع الفتن حتّى تطّلع على حقيقة الحال](1).

قال الأشعث بن قيس: يا أمير المؤمنين لم لا ضربت بسيفك وأخذت حقّك، وأنت لم تخطب خطبة إلاّ قلت فيها: انّي لأولى الناس بالناس، وما زلت مظلوماً منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فما منعك أن تضرب بسيفك دون مظلمتك؟

قال عليّ (عليه السلام): قد قلت يا ابن قيس فاسمع، لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية الباري، وأن لا أكون أعلم(2) انّ ما عند الله خير من الدنيا والبقاء فيها، بل منعني من ذلك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونهيه إيّاي وعهده إليّ، وأخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما الاُمّة صانعة بعده.

ولم أكن حين عاينته أعلم به ولا أشدّ استيقاناً منّي به قبل ذلك، بل أنا بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشدّ يقيناً منّي بما عاينته وشهدته، فقلت: يا رسول الله فما تعهد إليّ إذا كان ذلك؟ قال: إن وجدت أعواناً فانتدب إليهم وجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكفّ يدك واحقن دمك حتّى تجد على اقامة كتاب الله وسنّتي أعواناً.

وأخبرني انّه ستخذلني الناس وتبايع(3) غيري، وأخبرني انّي منه بمنزلة هارون من موسى، وانّ الاُمّة من بعدي سيصيرون بمنزلة هارون ومن تبعه والعجل ومن تبعه، إذ قال له موسى: {يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا * ألاّ تتَّبعنِ أفعصيت أمري * قال يَبْنَؤُم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي انّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي}(4).

يعني انّ موسى أمره حين استخلفه عليهم إن ضلّوا فوجدت أعواناً عليهم

____________

1- أثبتنا ما بين المعقوفتين من "ج" ولم ترد في "الف" و "ب"، وفي كتاب سليم بعد قول الأشعث "فما منعك..." هكذا: فما يمنعك يا ابن أبي طالب حين بويع أبو بكر أخو بني تيم، وأخو بني عدي بن كعب، وأخو بني اُميّة بعدهم أن تقاتل....

2- في "ج": وانّي لأعلم انّ ما عند الله....

3- في "ج": يبايعون.

4- طه: 92-94.

الصفحة 289

فجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكف يدك واحقن دمك ولا تفرّق بينهم، وانّي خشيت أن يقول ذلك أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويقول: لم فرّقت بين الاُمّة ولم ترقب قولي، وقد عهدت إليك إن لم تجد أعواناً أن تكفّ يدك وتحقن دمك ودماء أهل بيتك وشيعتك.

فلمّا قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) مال الناس إلى أبي بكر فبايعوه، واستنصرت الناس فلم ينصروني غير أربعة: سلمان والمقداد وأبو ذر والزبير بن العوام، ولم يكن أحد من أهل بيتي أصول به ولا أقوى به، أما حمزة فقتل يوم اُحد، وأمّا جعفر فقتل يوم موتة، وبقيت في خليفتين(1) خائفين ذليلين حقيرين قريبي عهد بالاسلام: عباس وعقيل، فأكرهوني وقهروني، فقلت كما قال هارون لأخيه: يا ابن اُمّ انّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، ولي في هارون اُسوة حسنة، ولي بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجّة قويّة.

قال الأشعث: كذلك فعل عثمان لما استغاث ودعا الناس إلى نصرته، فلمّا لم يجد أعواناً كفّ يده حتّى قتل، قال: ويلك يا ابن قيس، انّ القوم حين قهروني واستضعفوني وكادوا يقتلونني لو قالوا: نقتلك البتة لامتنعت من قتلهم إيّاي ولو لم أجد أحداً غير نفسي، ولكنّهم قالوا: إن بايعت كففنا عنك وأكرمناك وفضّلناك وقدّمناك، وإن لم تفعل قتلناك، فلمّا لم أجد أعواناً بايعتهم، وبيعتي لهم لما لاحق لهم فيه لا توجب لهم حقّاً ولا يلزمني لهم رضى.

ولو أنّ عثمان لما قالوا اخلعها وإلاّ نحن قاتلوك فكفّ يده حتّى قتلوه، ولعمري خلعه إيّاها كان خيراً له لأنّه أخذها بغير حق، فلم يكن له فيها نصيب، لأنّه ادّعى ما ليس له وتناول حقّ غيره.

____________

1- في "ج": رجلين.

الصفحة 290

يا ابن قيس انّ عثمان لم يعد(1) أن يكون أحد رجلين، امّا أن يكون دعا الناس إلى نصرته فلم ينصروه، وامّا أن يكون القوم دعوه إلى نصرتي(2) فلم يحل له أن ينهى المسلمين أن يعبدوا الله ويطيعوه بنصرة إمامهم، وسيهدي الله الذي لم يحدث به حدثاً، فبئس ما صنع حيث نهاهم، وبئس ما صنعوا حيث أطاعوه.

وامّا أن يكون قد بلغ من حدّته وسوء سيرته ما لم يروه أهلا لنصرته، وحكم بخلاف الكتاب والسنّة، وكان وراءه من أهل بيته ومواليه وأصحابه أكثر من أربعة آلاف فارس ليمتنع بهم، ولم ينه أصحابه عن نصرته، ولو كنت وجدت يوم بويع أخو تيم(3) أربعين رجلا يطيعون لجاهدتهم(4) فأمّا يوم بويع عمر وعثمان فلا، لأنّي كنت بايعت ومثلي لا ينكث بيعته.

ويلك يا ابن قيس كيف رأيتني صنعت يوم قتل عثمان، لو وجدت أعواناً هل رأيت منّي فشلا أو جبناً أو تقصيراً، وانّك لتعرفني يوم البصرة وهم في جملهم الملعون [من معه](5)، والملعون من قتل حوله، والملعون من ينصره، والملعون من ركبه، والملعون من بقي بعده غير راجع ولا تائب ولا مستغفر، قتلوا أنصاري، ونكثوا بيعتي، ومثّلوا بعاملي، وبغوا عليّ، فسعيت إليهم باثني عشر ألفاً وهم نيف وعشرون ومائة ألف، فنصرنا الله عليهم بأيدينا وشفى صدور قوم مؤمنين.

وكيف رأيت يا ابن قيس وقعتنا بصفين، إنّ الله قتل بأيدينا في صعيد واحد خمسين ألفاً إلى النار، وكيف رأيتنا يوم النهروان، لقينا المارقين وهم مستبصرون بين يدي الذين(6) ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً،

____________

1- في "ج": لابد.

2- في "ج": دعوه أن ينصروه.

3- في "ج": بويع أبو بكر بالخلافة.

4- في "ج": لما قعدت عن القتال.

5- أثبتناه من "ج".

6- في "ج": متديّنون قد ضلّ.

الصفحة 291

قتلهم الله في صعيد واحد أربعة آلاف، ولم يبق منهم عشرة ولم يقتلوا منّا عشرة.

يا ابن قيس أرأيت لي لواء ردّ أو راية رُدّت بجبن، يا ابن قيس وأنا صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع مواطنه ومشاهده المتقدّمة، في الشدائد بين يديه لا أفرّ ولا ألوي ولا أتنحّى ولا أمنح العدوّ دبري، انّه لا ينبغي لنبي ولا لوصي نبي إذا لبس لامة أو برز لعدو أن يرجع، ولا ينثني حتّى يقتل أو يقتل بين يديه(1).

ويلك يا ابن قيس هل سمعت لي بفرار أو نبوة، يا ابن قيس اما أنا ـ والذي فلق الحبّة وبرئ النسمة ـ لو وجدت أعواناً(2) ما كففت يدي ولناهضت القوم، ولكن لم أجد خامساً، [قال الأشعث: من كان هؤلاء](3) الأربعة؟ قال: سلمان والمقداد وأبو ذر وابن صفية، ثمّ رجع ابن صفية بعد بيعته إيّاي بعد قتل عثمان.

أمّا بيعته التي أتاني فيها مخلوفاً فقد وفى بها، وهي البيعة الاُولى التي بويع فيها عتيق، وذلك انّه أتاني أربعون رجلا من المهاجرين والأنصار فبايعوني فيهم الزبير، أمرتهم أن يصبحون عند بابي محلقين [رؤوسهم](4) عليهم السلاح، فما وفوا ولا صحبني منهم إلاّ أربعة، وأمّا بيعته الاُخرى فإنّه أتاني هو وصاحبه طلحة بعد قتل عثمان بن عفّان طائعين غير مكرهين، ثم رجعا عن دينهما مرتدّين ناكثين باغين معاندين خاسرين، فقتلهما الله إلى النار. وأمّا الثلاثة ـ أبو ذر والمقداد وسلمان ـ فثبتوا على دين محمد وملّته وملّة ابراهيم حتّى لقوا الله ـ يرحمهم الله ـ فقال الأشعث: إن كان الأمر كما تقول لقد هلكت الاُمّة غيرك وغير شيعتك.

قال: فإنّ الحقّ والله كما أقول(5)، وما هلك من الاُمّة إلاّ الماضين(6) المكابرين

____________

1- في "ج": أو يفتح الله له.

2- وزاد في "ج": على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت.

3- أثبتناه من "ج".

4- أثبتناه من "ج".

5- في "ب": كما تقول.

6- في "ج": الناصبون.

الصفحة 292

الجاحدين المعاندين، فامّا من تمسّك بالتوحيد والاقرار بمحمد (صلى الله عليه وآله) لم يخرج من الملّة، ولم يظاهر علينا الظلمة، وينصب لنا العداوة، ويشك في الخلافة، ولم يعرف أهلها وولاتها، ولم ينكر لنا ولاية ولم ينصب لنا عداوة، فإنّ ذلك مسلم ضعيف يُرجى له الرحمة من ربّه ويتخوّف(1) عليه ذنوبه.

قال: فلم يبق يومئذ من شيعته أحد إلاّ تهلهل(2) وفرح بمقالته إذ شرح أمير المؤمنين (عليه السلام) الأمر وباح به وكشف الغطاء وترك التقية، ولم يبق أحد من العرب كان شاكّاً أو يكفّ ويدع البراءة منهم إلاّ استيقن واستبصر وترك الشك والوقوف، ولم يبق أحد ممّن كان حوله ممّن بايعه على وجه ما بويع عثمان إلاّ عرف ذلك في وجهه وترك مقالته ثمّ استبصروا وذهب شكّهم.

قال أبو عبد الله(3) سليم بن قيس: فما شهد الناس يوماً قط على [رؤوس](4)العامة كان أقر للأعين من ذلك اليوم لما كشف للناس من الغطاء، وأجهر فيه من الحق، وشرح فيه من الأمر، وألقى فيه من التقيّة والكتمان، وكثرت الشيعة من ذلك اليوم وتكلّموا، وقد كانوا أهل عسكره وسائر الناس يقاتلون معه على غير علم بمكانه من الله ومن رسوله، وصارت الشيعة بعد ذلك اليوم وذلك المجلس أجلّ الناس وعظماؤهم، وذلك بعد وقعة النهروان وهو يأمرهم بالتهيّؤ والمسير معه إلى معاوية، قال قيس: ثمّ لم يلبث أن قتله ابن ملجم عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

قال: وأقبل عليّ (عليه السلام) على الناس ممّن كان حوله فقال: أوليس قد ظهر لكم رأيي، وحملهم علينا أهل البيت من كلّ جانب ووجه، لا يألون به ابعاداً

____________

1- في "ب": ولا يتخوّف.

2- في "ج": تهلل وجهه.

3- في "ج": قال أبان عن سليم بن قيس.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 293

وتقاصياً وأخذ حقوقنا، أليس العجب بحبسه وصاحبه عنّا سهم ذي القربى الذي فرض لنا في القرآن، وقد علم الله انّهم سيظلمونا وينزعوه منّا، قال الله تبارك وتعالى: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}(1).

ثمّ العجب لهدمه منزل أخي جعفر وادخاله في المسجد، ولم يعطني منه قليلا ولا كثيراً، ولم تعب عليه الناس كأنّه يأخذ منزل رجل من الديلم، والعجب من جهله وجهل الاُمناء(2) إذ كتب إلى عمّاله انّ الجنب إذا لم يجد الماء فليس له أن يتيمّم بالصعيد حتّى يجد الماء وإن لم يجده حتّى يلقى الله، ثمّ قبل ذلك منه الناس ورضوا به، وقد علم الناس انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر عماراً وأبا ذر أن يتيمّما من الجنابة، وقد شهدا به عنده وغيرهما، فما قبل ولا رفع به رأس.

والعجب لما قد خلط أنصاباً مختلفة في الجَدّ بغير علم تعسّفاً وجهلا، وادّعى ما لم يعلم خبره على الله قلّة ورع، [وادّعى](3) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقض للجد شيئاً، ولم يدع أحداً يعطي للجد من الميراث، ثمّ تابعوه على ذلك وصدّقوه، وعتق اُمّهات الأولاد وأخذ الناس بقوله وتركوا أمر الله تبارك وتعالى وأمر رسوله.

والعجب لما صنع بنصر بن الحجاج وبجعدة بن سليمان وبابن زيد، وأعجب من ذلك انّه لمّا أتاه العبدي فقال له: إنّي طلّقت امرأتي وأنا غائب، فوصل إليها الطلاق ثمّ راجعتها وهي في عدّتها فكتبت إليها فلم يصل إليها كتابي حتّى تزوّجت.

فكتب له: إن كان هذا الذي تزوّج بها قد دخل بها فهي امرأته، وإن كان لم

____________

1- الأنفال: 41.

2- في "ج": الاُمّة.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 294

يدخل بها فهي امرأتك، فكتب بذلك وأنا شاهد لم يشاورني ولم يسألني استغناءً بجهله، فأردت أن أنهاه ثمّ قلت لا اُبالي أن يفضحهه الله، ثمّ لم تعيبه الناس بذلك، استحسنوا قوله واتّخذوه سنّة ورأوه صواباً، فقضى في ذلك قضاءً لو قضى به مجنون لحمّق منه(1).

وقضيّة المفقود زوجها أجّلها أربع سنين ثمّ تتزوّج، فإذا جاء زوجها خيّر بين امرأته وبين الصداق، ثمّ استحسنه الناس واتّخذوه سنّة، وقبلوا منه جهالته بكتاب الله وقلّة بصيرة لسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واخراجه كلّ أعجمي من المدينة وارساله إلى عمّاله بحبل خمسة أشبار، وأمرهم في من بلغ من الأعاجم وكان في طول مثله يضرب عنقه، وردّه سبايا المشركين حبالى وقبله الناس.

وأعجب منه انّ كذّاباً رجم بكذبه ما قبله هو وقبله كلّ جاهل، وزعموا انّ الملك ينطق على لسانه ويلقّنه، واعتاقه سبايا أهل اليمن، وتخلّفه وصاحبه عن جيش اُسامة، وتسليمه عليه بالامرة.

ثمّ أعجب من ذلك انّه قد علم وعلم الذين معه وحوله انّه الذي صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك، قال: وانّه الذي قال مثل محمد في قومه كنخلة نبتت في كناسة، ثمّ قال كما قال صاحبه: الحمد لله الذي كفانا عن قتل الرجل، حين أمرهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقتله فلم يقتلاه وتركا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ردّهما أمره وأمرني بعدما رجعا أن أقتله، فقال في ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قال، وأمر رسول الله صاحبه أن ينادي في الناس: انّه من مات دخل الجنّة من موحّد لايشرك بالله شيئاً.

وردّ طاعته وطاعة رسوله ولم ينفذ أمره حتّى قال رسول الله صلى الله عليه

____________

1- في "ج": لعيب عليه.

الصفحة 295

وآله في ذلك ما قال، ومساوئه ومساوئ صاحبه أكثر من أن تُحصى أو تُعد، ولم يبغضهما(1) عند ذلك الجهلة بل هما أحبّ إلى الناس من أنفسهم، وانّهم ليغضبون لهما ما لا يغضبون لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويتورعون عن ذكرهما ما لا يتورعون عن ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).

[سؤال الخضر (عليه السلام) عن ثلاث مسائل]

قيل: أقبل ذات يوم رجل حسن الهيئة فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فجلس وقال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أجبتني علمت انّ القوم ركبوا(3) من أمرك ما أقضي عليهم انّهم ليس بمأمومين(4) في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن كانت الاُخرى علمت انّك وهم شرع سواء، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك.

قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه، وعن الرجل كيف يذكر وينسى، وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال.

فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ولده أبي محمد الحسن فقال: يا أبا محمد أجبه، فقال (عليه السلام): أمّا ما ذكرت من أمر الرجل ينام أين تذهب روحه، فإنّ روحه متعلّقة بالروح، والروح(5) متعلّق بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة، فإن أذن الله تعالى بردّ الروح جذبت تلك الروح الروح، وجذب الروح الهواء فرجعت الروح فاُسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله تعالى بردّ الروح

____________

1- في "ج": لم ينقصهما.

2- راجع كتاب سليم: 90 وفيه اختلاف كثير.

3- في "ج": تركوا.

4- في "ب": بمؤمنين.

5- في "ج": متعلّقة بالريح والريح....

الصفحة 296

جذب الهواء الروح وجذب الروح تلك الروح فلم ترد على صاحبها.

وأمّا ما ذكرت من أمر الذكر والنسيان، فإنّ قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق، فإن صلّى عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق، فأضاء القلب وذكر الرجل ما كان نسي، وإن هو لم يصلّ وأنقص(1) من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق، فاُظلم القلب ونسى الرجل ما كان ذكره.

وأمّا ما ذكرته من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإنّ الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن، وعروق هادئة، وبدن غير مضطرب اُسكنت تلك النطفة في جوف الرحم فخرج الرجل يشبه أباه، وإن أتاها بقلب غير ساكن اضطربت النطفة فوقعت على بعض العروق، فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه أخواله.

فقال الرجل عند ذلك: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثمّ قام فمضى، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده: أتبعه فانظر أين يقصد فخرج في أثره، قال: فما كان إلاّ أن وضع رجله خارج المسجد فما علمت أين أخذ من أرض الله، فأعلمت أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟ فقلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر (عليه السلام)(2).

____________

1- في "ج": أو نقص.

2- راجع كمال الدين: 313 ح1 باب 19; عنه البحار 36: 414 ح1; وفي علل الشرائع: 96 ح6; والاحتجاج 2: 9 ح148.

الصفحة 297

[ باب ]
[ فيه بعض قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) ]

في أخذ الحد. روي انّ رجلا وافى(1) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين خذ حدّ الله في جنبي، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ماذا صنعت؟ قال: لطت بغلام، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): لم توقب، قال: بل أوقبت يا أمير المؤمنين، فقال له: اختر من احدى ثلاث(2)، ضرباً بالسيف أخذ السيف منك ما أخذ، أم هدم جدار عليك، أو حرقاً بالنار.

فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وأيّها أشدّ تمحيصاً لذنوبي؟ فقال عليّ (عليه السلام): الحرق بالنار، فقال: إنّي قد اخترته، [فنادى أمير المؤمنين بقنبر و](3) قال: يا قنبر اضرم له ناراً، فأضرم له النار فقال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي أن اُصلّي ركعتين وأحسن؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): صلّ.

____________

1- في "ب": أتى.

2- في "ج": واحداً من ثلاث.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 298

قال: فتوضّأ الغلام وأسبغ ثمّ صلّى ركعتين وأحسن، فلمّا فرغ من صلاته سجد سجدة الشكر، وجعل يبكي في سجوده ويدعو ويقول: (اللّهمّ إنّي عبدك وابن عبدك وابن أمتك، مذنب خاطئ ارتكبت من ذنبي كيت وكيت، وقد أتيت حجّتك في أرضك وخليفتك في بلادك وكشفت له عن ذنبي، فعرّفني انّ تمحيصي في احدى ثلاث خصال: ضرباً بالسيف، أو هدم جدار، أو حرقاً بالنار، اللّهمّ وقد سألته عن أشدّها تمحيصاً لذنبي فعرّفني انّ الحرق بالنار، اللّهمّ وانّي قد اخترته، وصلّ على محمد وآل محمد، واجعله تمحيصاً لي من النار).

قال: فبكى أمير المؤمنين صلوات الله عليه ثمّ التفت إلى أصحابه وقال: من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا، ثمّ قال له: قم يا هذا الرجل فقد غفر الله لك ذنبك، ودرأ عنك الحد، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين فحدّ الله في جنبه لا تقيمه؟ فقال: الحدّ الذي عليه لله هو للإمام، فإن شاء أقامه وإن شاء وهبه(1).

مرفوعاً إلى سلمان الفارسى رضي الله عنه قال: كنت جالساً عند النبي (صلى الله عليه وآله) في المسجد إذ دخل العباس بن عبد المطلب، فسلّم فردّ النبي (صلى الله عليه وآله) ورحّب به، فقال: يا رسول الله بما فضل علينا عليّ بن أبي طالب أهل البيت والمعادن واحدة؟

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اذن اُخبرك يا عم، انّ الله خلقني وخلق علياً ولا سماء ولا أرض ولا جنّة ولا نار ولا لوح ولا قلم، فلمّا أراد الله عزوجل بدؤ خلقنا تكلّم بكلمة فكانت نوراً، ثمّ تكلّم بكلمة ثانية فكانت روحاً، فمزج فيما بينهما واعتدلا فخلقني وعلياً منهما، ثمّ فتق من نوري نور العرش فأنا أجلّ من العرش، ثمّ فتق من نور عليّ نور السماوات فعليّ أجلّ من السماوات، ثمّ فتق من نور الحسن

____________

1- عنه البحار 79: 73 ح29.

الصفحة 299

نور الشمس ومن نور الحسين نور القمر فهما أجلّ من نور الشمس والقمر.

وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدّسه وتقول في تسبيحها: سبّوح قدّوس من أنوار ما أكرمها على الله، فلمّا أراد الله عزوجل أن يبلو الملائكة أرسل عليهم سحاباً من ظلمة، وكانت الملائكة لا تنظر أوّلها من آخرها ولا آخرها من أوّلها، فقالت الملائكة: إلهنا وسيّدنا منذ خلقتنا ما رأينا مثل ما نحن فيه، فنسألك بحقّ هذه الأنوار إلاّ ما كشفت عنّا.

فقال الله: وعزّتي وجلالي لأفعلنّ، فخلق الله نور فاطمة (عليه السلام) يومئذ كالقنديل وعلّقه في قرط العرش، فزهرت السماوات السبع والأرضون السبع، ومن أجل ذلك سمّيت فاطمة الزهراء، وكانت الملائكة تسبّح الله وتقدّسه فقال الله عزوجل: وعزّتي وجلالي لأجعلنّ ثواب تسبيحكم وتقديسكم إلى يوم القيامة لمحبّي هذه المرأة وأبيها وبعلها وبنيها.

قال سلمان: فخرج العباس فلقيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وقال: بأبي عترة المصطفى من أهل بيت ما أكرمكم على الله(1).

يرفعه إلى أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: افتخر اسرافيل على جبرئيل فقال: أنا خير منك، قال: ولم أنت خير منّي؟ قال: لأنّي صاحب الثمانية حملة العرش، وأنا صاحب النفخة في الصور، وأنا أقرب الملائكة إلى الله عزوجل.

قال جبرئيل: أنا خير منك، فقال: بما أنت خير منّي؟ قال: لأنّي أمين الله على وحيه، وأنا رسوله إلى الأنبياء والمرسلين، وأنا صاحب الخسوف والقذوف(2)، وما

____________

1- عنه البحار 43: 17 ح16.

2- في "ج": الكسوف والخسوف.

الصفحة 300

أهلك الله اُمّة من الاُمم إلاّ على يديّ، فاختصما إلى الله تبارك وتعالى، فأوحى الله إليهما: اسكتا فوعزّتي وجلالي لقد خلقت من هو خير منكما، قالا: يا ربّ أوتخلق مَن هو خير منّا ونحن خلقتنا من نور؟

قال الله تعالى: نعم، وأوحى(1) إلى القدرة أن انكشفي فانكشفت، فإذا على ساق العرش الأيمن مكتوب: لا إله إلاّ الله، محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين [(عليهم السلام) أحبّاء الله](2)، فقال جبرئيل: يا ربّ فإنّي أسألك بحقّهم عليك إلاّ جعلتني خادمهم، قال الله تعالى: قد فعلت، فجبرئيل (عليه السلام) من أهل البيت وانّه لخادمنا(3).

يرفعه إلى محمد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): أنا رسول الله والمبلغ عنه، وأنت وجه الله والمؤتمّ به، فلا نظير لي إلاّ أنت ولا مثلك إلاّ أنا.

وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): يا عليّ انّ الله تبارك وتعالى خلقني وإيّاك من نوره الأعظم، ثمّ رشّ من نورنا على جميع الأنوار من بعد خلقه لها، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى إلينا، ومن أخطأه ذلك النور ضلّ عنّا، ثمّ قرأ: {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}(4) يهتدي إلى نورنا(5).

وروي مسنداً إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال: نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد، من عادانا عادى الله، ومن والانا وائتمّ بنا وقبل منّا ما أوحى الله

____________

1- في "ج": أومأ.

2- أثبتناه من "ج".

3- عنه البحار 16: 364 ح68.

4- النور: 40.

5- عنه البحار 68: 44 ح90.

الصفحة 301

إلينا، وعلّمنا الله إيّاه، وأطاع الله فينا فقد وإلى الله، ونحن خير البريّة، وولدنا منّا ومن أنفسنا، وشيعتنا [معنا](1)، من آذاهم آذانا ومن أكرمهم أكرمنا، ومن أكرمنا كان من أهل الجنّة(2).

يرفعه إلى محمد بن زياد قال: سأل ابن مهران عبد الله بن العباس في تفسير قول الله: {وإنّا لنحن الصافون * وإنّا لنحن المسبّحون}(3).

قال: كنّا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأقبل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلمّا رآه النبي (صلى الله عليه وآله) تبسّم في وجهه وقال: مرحباً بمن خلقه الله تعالى قبل أبيه آدم(4) بأربعين ألف عام، فقلت: يا رسول الله أكان الابن قبل الأب؟ فقال: نعم، انّ الله تعالى خلقني وخلق علياً قبل أن يخلق آدم بهذه المدّة، خلق نوراً فقسّمه نصفين، فخلقني من نصفه وخلق علياً من النصف الآخر قبل الأشياء، فنورها من نوري ونور عليّ ثمّ جعلنا عن يمين العرش، ثمّ خلق الملائكة فسبّحنا فسبّحت الملائكة، وهلّلنا فهلّلت الملائكة، وكبّرنا فكبّرت الملائكة، وكان ذلك من تعليمي وتعليم عليّ، وكان ذلك في علم الله السابق انّ الملائكة تتعلّم منّا التسبيح والتهليل والتكبير، وكلّ شيء سبّح الله وكبّره وهلّله بتعليمي وتعليم عليّ.

وكان في علم الله السابق أن لا يدخل النار محبّ لي ولعليّ، وكذا كان في علمه أن لا يدخل الجنّة مبغض لي ولعليّ، ألا وإنّ الله عزوجل خلق ملائكة بأيديهم أباريق اللجين مملوّة من ماء الجنّة من الفردوس، فما أحد من شيعة عليّ إلاّ وهو طاهر الوالدين تقي نقي مؤمن بالله، فإذا أراد أبو أحدهم أن يواقع أهله جاء ملك من الملائكة الذين بأيديهم أباريق الجنّة، فطرح من ذلك الماء في إنائه الذي يشرب

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- عنه البحار 68: 45 ح90.

3- الصافات: 165-166.

4- في "ج": خلقه الله تبارك وتعالى قبل كلّ شيء، خلقني الله وعلياً قبل أن يخلق آدم....

الصفحة 302

به فيشرب، وذلك الماء ينبت الايمان في قلبه كما ينبت الزرع، فهم على بيّنة من ربّهم، ومن نبيّهم، ومن وصيّي عليّ، ومن ابنتي الزهراء، ثمّ الحسن ثمّ الحسين والأئمة من ولد الحسين صلوات الله عليهم أجمعين.

قلت: يا رسول الله ومن هم(1)؟ قال: أحد عشر منّي أبوهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ قال النبي (صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي جعل محبّة عليّ والايمان سببين(2).

مرفوعاً إلى مسعدة قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى ظهره متّكئاً على عصاه، فسلّم عليه فردّ (عليه السلام)، ثمّ قال الشيخ: يا ابن رسول الله ناولني يدك لاُقبّلها، فأعطاه يده فقبّلها ثمّ بكى، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يبكيك يا شيخ؟

فقال: جعلت فداك أقمت [أنتظر](3) على قائمكم منذ مائة سنة، أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبر سنّي، ودقّ عظمي، واقترب أجلي، ولا أرى فيكم ما أحبّ، أراكم مقتولين مشرّدين، وأرى أعداؤكم يطيرون بالأجنحة، وكيف لا أبكي.

فدمعت عينا أبي عبد الله (عليه السلام) ثمّ قال: يا شيخ إن أبقاك الله حتّى ترى قائمنا كنت في السنام الأعلى، وإن حلّت بك المنيّة جئت يوم القيامة مع ثقل محمد (صلى الله عليه وآله)، ونحن ثقله فقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): أنا مخلف فيكم الثقلين فتمسّكوا بهما فلن تضلّوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي.

فقال الشيخ: لا اُبالي بعدما سمعت هذا الخبر، ثمّ قال الشيخ: يا سيّدي

____________

1- في "ج": كم هم.

2- عنه البحار 26: 345 ح18.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 303

بعضكم أفضل من بعض؟ قال: لا نحن في الفضل سواء ولكن بعضنا أعلم من بعض، ثمّ قال: يا شيخ ألا إنّ شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبت على هداه المخلصون، اللّهمّ أعِنْهُم على ذلك(1).

مرفوعاً إلى محمد بن يعقوب النهشلي قال: حدّثني الإمام عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله)، عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن اسرافيل، عن الله تعالى، قال الله: أنا الله الذي لا إله إلاّ أنا، خالق الخلق بقدرتي، واخترت منهم من شئت نبيّاً، واخترت من جملتهم(2) محمداً حبيباً وخليلا وصفيّاً، وبعثته رسولا إلى سائر خلقي، وجعلته سيّدهم وخيرهم وأحبّهم إليّ.

واصطفيت عليّاً فجعلته أخاً له ووزيراً ووصيّاً ومؤدّياً عنه بعده إلى خلقي، وخليفته على عبادي يبيّن لهم كتابي، ويسير فيهم بحجّتي، وجعلته العلم الهادي من الضلالة، وبابي الذي اُوتي منه، وبيتي الذي من دخله كان آمناً من ناري، وحصني الذي من لجأ إليه حصنته من مكروه الدنيا والآخرة، ووجهي الذي من توجّه به لم أصرف وجهي عنه، وحجّتي في أهل السماوات والأرض على جميع من فيهنّ من خلقي.

لا أقبل عمل عامل منهم إلاّ بالاقرار بولايته مع نبوّة أحمد، فهو يدي المبسوطة على عبادي، وعيني الناظرة إلى خلقي بالرحمة، وهو النعمة التي أنعمت بها على من أحببت من عبادي، فمن أحبّه وتولاّه أنعمت عليه بولايته ومعرفته، فبعزّتي حلفت وبجلالي أقسمت انّه لا يتولاّه أحد من عبادي إلاّ حرّمت عليه النار وأدخلته الجنّة، ولا أبغضه أحد من عبادي أو عدل عن ولايته إلاّ أبغضته وأدخلته النار(3).

____________

1- راجع البحار 36: 408 ح17 عن كفاية الأثر.

2- في "ج": جميعهم.

3- أمالي الصدوق: 184 ح10 مجلس 39; عنه البحار 38: 98 ح17.

الصفحة 304

[في جوابه (عليه السلام) عن حبر اليهود]

يرفعه إلى الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: حدّثني أبي جعفر، عن أبيه قال: حدّثني أبي قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: بينما أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) جلوس في مسجده بعد وفاتهيتذاكرون فضل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ دخل علينا حبر من أحبار اليهود من أهل الشام، قد قرأ التوراة والانجيل والزبور وصحف ابراهيم والأنبياء (عليهم السلام)، وعرف دلائلهم، فسلّم علينا وجلس ثمّ لبث هنيئة ثمّ قال: يا اُمّة محمد ما تركتم لنبيّ درجة ولا لمرسل فضيلة إلاّ وقد نحلتموها لنبيّكم، فهل عندكم جواب إن أنا سألتكم؟.

فقال له أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): سل يا أخا اليهود ما أحببت فإنّي اُجيبك عن كلّ ما تسأل بعون الله ومشيئته(1)، فوالله ما أعطى الله عزوجل نبيّاً ولا مرسلا درجة ولا فضيلة إلاّ وقد جمعها لمحمد (صلى الله عليه وآله)، وزاده على الأنبياء والمرسلين أضعافاً مضاعفة، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: ولا فخر، وأنا ذاكر لك اليوم من فضله (صلى الله عليه وآله) من غير إزراء على أحد من الأنبياء ما يقرّ الله به أعين المؤمنين، شكراً لله على ما أعطى محمداً (صلى الله عليه وآله) [وزاده عليهم](2) الآن.

فاعلم يا أخا اليهود انّه كان من فضله (صلى الله عليه وآله) عند ربّه تبارك وتعالى وشرفه ما أوجب المغفرة والعفو لمن خفض الصوت عنده، فقال جلّ ثناؤه في كتابه: {انّ الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله اُولئك الذين امتحن الله

____________

1- في "ب": ومَنِّه.

2- أثبتناه من "ج".

الصفحة 305

قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم}(1).

ثمّ قرن طاعته بطاعته فقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله}(2) ثمّ قرّبه من قلوب المؤمنين وحبّبه(3) إليهم، وكان يقول (صلى الله عليه وآله): حبّي خالط دماء اُمّتي، فهم يؤثروني على الآباء والاُمّهات وعلى أنفسهم، ولقد كان أقرب الناس وأرأفهم، فقال تبارك وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}(4)، وقال عزوجل: {النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه اُمّهاتهم}(5).

والله لقد بلغ من فضله (صلى الله عليه وآله) في الدنيا ومن فضله في الآخرة ما تقصر عنه الصفات، ولكن اُخبرك بما يحمله قلبك ولا يدفعه عقلك، ولا تنكره بعلم إن كان عندك، لقد بلغ من فضله (صلى الله عليه وآله) انّ أهل النار يهتفون ويصرخون بأصواتهم ندماً أن لا يكونوا أجابوه في الدنيا، فقال الله عزوجل: {يوم تقلّب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا}(6).

والله لقد ذكره الله تبارك وتعالى مع الرسل، فبدأ به وهو آخرهم لكرامته (صلى الله عليه وآله) فقال جلّ ثناؤه: {وإذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح}(7) وقال: {إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيّين من بعده}(8) والنبيّون قبله فبدأ به (صلى الله عليه وآله) وهو آخرهم.

____________

1- الحجرات: 3.

2- النساء: 80.

3- في "الف": أحبّه.

4- التوبة: 128.

5- الأحزاب: 6.

6- الأحزاب: 66.

7- الأحزاب: 7.

8- النساء: 163.

الصفحة 306

والله لقد فضّله الله على جميع الأنبياء، وفضّل اُمّته على جميع الاُمم، فقال عزوجل: {كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}(1).

فقال اليهودي: إنّ آدم (عليه السلام) أسجد الله عزوجل له ملائكته، فهل فضل لمحمّد مثل ذلك؟ فقال عليّ (عليه السلام): قد كان ذلك، ولئن أسجد الله لآدم ملائكته فإنّ ذلك لما أودع الله عزوجل صلبه من الأنوار والشرف إذ كان هو الوعاء، ولم يكن سجودهم عبادة له وإنّما كان سجودهم طاعة لأمر الله وتكرمة وتحيّة، مثل السلام من الإنسان على الإنسان، واعترافاً لآدم (عليه السلام) بالفضيلة.

وقد أعطى الله محمداً (صلى الله عليه وآله) أفضل من ذلك، وهو انّ الله عزوجل صلّى عليه وأمر ملائكته أن يصلّوا عليه، وتعيد(2) جميع خلقه بالصلاة عليه إلى يوم القيامة، فقال جلّ ثناؤه: {إنّ الله وملائكته يصلّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليماً}(3) فلا يصلّي عليه أحد في حياته ولا بعد وفاته إلاّ صلّى الله عليه بذلك عشراً، وأعطاه من الحسنات عشراً بكلّ صلاة صلّى عليه، ولا أحد يصلّي عليه بعد وفاته إلاّ وهو يعلم ذلك، ويرد على المصلّي والمسلّم مثل ذلك.

ثمّ انّ الله عزوجل جعل دعاء اُمّته فيما يسألون ربّهم جلّ ثناؤه موقوفاً عن الاجابة حتّى يصلّوا فيه عليه (صلى الله عليه وآله)، فهذا أكبر وأعظم ممّا أعطى الله لآدم (عليه السلام)، ولقد أنطق الله عزوجل صمّ الصخور والشجر بالسلام والتحيّة له، وكنّا نمرّ معه (صلى الله عليه وآله) فلا يمرّ بشعب ولا شجرة إلاّ قالت: السلام عليك يا رسول الله، تحيّة له واقراراً بنبوّته (صلى الله عليه وآله).

____________

1- آل عمران: 110.

2- في "ج": أمر.

3- الأحزاب: 56.

الصفحة 307

وزاده الله عزوجل تكرمة بأخذ ميثاقه قبل النبيّين، وأخذ ميثاق النبيّين بالتسليم والرضا والتصديق له، فقال جلّ ثناؤه: {وإذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح وابراهيم}(1) أن آمنوا بي وبرسولي، قالوا: آمنّا.

وقال الله عزوجل: {النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم}(2) وقال تعالى: {ورفعنا لك ذكرك}(3) فلا يرفع رافع صوته بكلمة الاخلاص بشهادة أن لا إله إلاّ الله، حتّى يرفع صوته معها بأنّ محمداً رسول الله في الأذان، والاقامة، والصلوات، والأعياد، والجمع، ومواقيت الحجّ، وفي كلّ خطبة حتّى في خطب النكاح وفي الأدعية.

ثمّ ذكر اليهودي مناقب الأنبياء، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يثبت للنبي ما هو أعظم منها تركنا ذكرها طلباً للاختصار، حتّى وصل إلى أن قال اليهودي: فإنّ الله عزوجل ناجى موسى على جبل طور سيناء بثلاثمائة وثلاث عشرة كلمة مع كلّ كلمة يقول له فيها: يا موسى إنّي أنا الله، فهل فعل بمحمّد شيئاً من ذلك؟

قال عليّ صلوات الله عليه: [لقد كان كذلك ومحمد](4) ناجاه الله جلّ ثناؤه فوق سبع سماوات، رفعه عليهنّ فناجاه في موطنين، أحدهما عند سدرة المنتهى وكان له هناك مقام محمود، ثمّ عرج به حتّى انتهى به إلى ساق العرش، فقال عزوجل: {ثمّ دنا فتدلّى}(5) ودنا ودلى له رفرفاً أخضر غشي عليه نور عظيم حتّى كان في دنوّه كقاب قوسين أو أدنى، وهو مقدار ما بين الحاجب إلى الحاجب، وناجاه بما ذكره الله عزوجل في كتابه، قال الله تعالى: {لله ما في السماوات وما في

____________

1- إلى هنا في سورة الأحزاب: 7.

2- الأحزاب: 6.

3- الشرح: 4.

4- أثبتناه من "ج".

5- النجم: 8.

الصفحة 308

الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء}(1).

وكانت هذه الآية قد عرضت على سائر الاُمم من لدن آدم إلى مبعث محمد (صلى الله عليه وآله)، فأبوا جميعاً أن يقبلوها من ثقلها وقبلها محمد (صلى الله عليه وآله) واُمّته، فلمّا رأى الله عزوجل منه ومن اُمّته القبول خفّف عنه ثقلها، فقال الله عزوجل: {آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه}(2) ثمّ انّ الله عزوجل تكرّم على محمد، وأشفق على اُمّته(3) من تشديد الآية التي قبلها هو واُمّته، فأجاب عن نفسه وعن اُمّته فقال: {والمؤمنون كلّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله}(4). فقال الله عزوجل: لهم المغفرة والجنّة إذا فعلوا ذلك.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): {سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير}(5) يعني المرجع في الآخرة، فأجابه سبحانه: قد فعلت ذلك بتأبي اُمّتك(6)، قد أوجبت لهم المغفرة، ثمّ قال الله عزوجل: أمّا إذا قبلتها أنت واُمّتك وقد كانت عُرضت من قبل على الأنبياء والاُمم فلم يقبلوا، فحقّ عليّ أن أرفعها عن اُمّتك، فقال الله: لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شرّ.

ثمّ ألهم الله عزوجل نبيّه (صلى الله عليه وآله) أن قال: {ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}(7) فقال الله سبحانه: لكرامتك يا محمد عليّ انّ الاُمم السالفة كانوا

____________

1- البقرة: 284.

2- البقرة: 285.

3- في "ج": أشفق عليه.

4- البقرة: 285.

5- البقرة: 285.

6- في "ج": تباهي اُمّتك الاُمم.

7- البقرة: 286.

الصفحة 309

إذا نسوا ما ذكروا فتحت عليهم أبواب عذابي، وقد رفعت ذلك عن اُمّتك، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): {ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا}(1) يعني بالآصار الشدائد التي كانت على الاُمم ممّن كان قبل محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال عزوجل: قد رفعت عن اُمّتك الآصار التي كانت على الاُمم السالفة، وذلك إنّي جعلت على الاُمم أن لا أقبل فعلا إلاّ في بقاع من الأرض اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الأرض لك ولاُمّتك طهوراً ومسجداً، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن اُمّتك.

وقد كانت الاُمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى البيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه ناراً تأكله، وإن لم أقبل ذلك منه رجع به مثبوراً، وقد جعلت قربان اُمّتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه اُضاعف له الثواب أضعافاً مضاعفة، وإن لم أقبل ذلك منه رفعت به عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن اُمّتك وهي من الآصار التي كانت [على الاُمم السالفة](2).

وكانت الاُمم السالفة مفروضاً عليها صلواتها في كبد الليل وأنصاف النهار، وهي الشدائد التي كانت وقد رفعتها عن اُمّتك، وفرضت عليهم صلواتهم في أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم.

وكانت الاُمم السالفة مفروضاً عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتاً، وهي من الآصار التي كانت عليهم وقد رفعتها عن اُمّتك، وكانت الاُمم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة وسيّئتهم بسيّئة واحدة، وجعلت لاُمّتك الحسنة بعشر(3) والسيّئة بواحدة.

وكانت الاُمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة لم تُكتب له، وإذا همّ بالسيّئة

____________

1- البقرة: 286.

2- أثبتناه من "ج".

3- في "ب": بعشرة أمثالها.

الصفحة 310

كتبتها عليه وإن لم يعملها، وقد رفعت ذلك عن اُمّتك، فإذا همّ أحدهم بسيّئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإذا همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة.

وكانت الاُمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنب أن اُحرّم عليهم بعد التوبة أحبّ الطعام إليهم، وكانت الاُمم يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة والمائتي سنة، ثمّ لم أقبل توبته دون أن اُعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن اُمّتك، وانّ الرجل من اُمّتك ليذنب المائة سنة ثمّ يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كلّه وأقبل توبته.

وكانت الاُمم السالفة إذا أصابهم أدنى نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهوراً لاُمّتك من جميع الأنجاس والصعيد في الأوقات، وهذه من الآصار التي كانت عليهم ورفعتها عن اُمّتك.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذ قد فعلت ذلك بي فزدني، فألهمه الله سبحانه أن قال: {ربّنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}(1) قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك باُمّتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الاُمم، وذلك حكمي في جميع الاُمم أن لا اُكلّف نفساً فوق طاقتها، قال: {واعفُ عنّا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا}(2) قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك بتأبي اُمّتك.

ثمّ قال: {فانصرنا على القوم الكافرين}(3) قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك وجعلت اُمّتك يا أحمد كالشامة البيضاء في الثور الأسود، هم القادرون وهم القاهرون، يستخدمون ولا يُستخدمون لكرامتك، وحقّ عليَّ أن أظهر دينك على الأديان حتّى لا يبقى في شرق الأرض ولا في غربها دين إلاّ دينك، ويؤدّون إلى أهل

____________

1- البقرة: 286.

2- البقرة: 286.

3- البقرة: 286.

الصفحة 311

دينك الجزية وهم صاغرون، {ولقد رآه نزلة اُخرى عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربّه الكبرى}(1).

فهذه أعظم يا أخا اليهود من مناجاته لموسى على طور سيناء، ثمّ زاد الله محمداً (صلى الله عليه وآله) ان مثّل النبيّين فصلّى بهم وهم خلفه يقتدون به، ولقد عاين تلك الليلة الجنّة والنار، وعرج به إلى السماء(2) فسلّمت عليه الملائكة، فهذا أكثر من ذلك.

قال اليهودي: فإنّ الله عزوجل ألقى على موسى محبّة منه، فقال له عليّ (عليه السلام): لقد كان كذلك ومحمد (صلى الله عليه وآله) ألقى عليه محبّة منه فسماه حبيباً، وذلك انّ الله جلّ ثناؤه أرى ابراهيم صورة محمّد واُمّته فقال: يا ربّ ما رأيت من اُمم الأنبياء أنور [ولا أزهر](3) من هذه الاُمّة، فمن هذا؟ فنودي: هذا محمد حبيبي، لا حبيب لي من خلقي غيره، أجريت ذكره(4) قبل أن أخلق سمائي وأرضي، وسمّيته نبيّاً وأبوك آدم يومئذ من الطين ما أجريت فيه روحاً، ولقد ألقيت أنت معه في الذروة الاُولى، وأقسم بحياته في كتابه فقال عزوجل: {لعمرك انّهم لفي سكرتهم يعمهون}(5) أي وحياتك يا محمد، وكفى بهذا رفعة وشرفاً من الله عزوجل ورتبة.

قال اليهودي: فأخبرني بما فضّل الله به اُمّته على سائر الاُمم؟ قال عليّ (عليه السلام): لقد فضّل الله اُمّته (صلى الله عليه وآله) على سائر الاُمم بأشياء كثيرة أنا أذكر لك منها قليلا من كثير، من ذلك قول الله عزوجل: {كنتم خير اُمّة اُخرجت

____________

1- النجم: 13-18.

2- عرج به إلى سماء سماء.

3- أثبتناه من "ب".

4- في "ج": أحببته.

5- الحجر: 72.

الصفحة 312

للناس}(1).

ومن ذلك انّه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلق في صعيد، سأل الله عزوجل النبيّين: هل بلّغتم؟ فيقولون: نعم، فيسأل الاُمم فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقول الله جلّ ثناؤه ـ وهو أعلم بذلك ـ للنبيّين: من شهداءكم اليوم؟ فيقولون: محمد واُمّته، فتشهد لهم اُمّة محمد بالتبليغ وتصدق شهادتهم شهادة محمد (صلى الله عليه وآله)، فيؤمنون عند ذلك، وذلك قول الله عزوجل: {لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}(2) يقول: يكون محمد عليكم شهيداً انّكم قد بلّغتم الرسالة.

ومنها انّه أوّل الناس حساباً، وأسرعهم دخولا إلى الجنّة قبل سائر الاُمم كلّها، ومنها أيضاً انّ الله عزوجل فرض عليهم في الليل والنهار خمس صلوات في خمس أوقات، اثنتان بالليل وثلاث بالنهار، ثمّ جعل هذه الخمس صلوات تعدل خمسين صلاة، وجعلها كفارة خطاياهم، فقال عزوجل: {انّ الحسنات يذهبن السيّئات}(3) يقول: صلوات الخمس تكفّر الذنوب ما اجتنب العبد الكبائر.

ومنها أيضاً انّ الله تبارك وتعالى جعل لهم الحسنة الواحدة التي يهمّ بها العبد ولا يعملها حسنة واحدة يكتبها له، فإن عملها كتب له عشر حسنات، وأمثالها إلى سبعمائة ضعف فصاعداً.

ومنها انّ الله عزوجل يدخل الجنّة من أهل هذه الاُمّة سبعين ألفاً بغير حساب، ووجوههم مثل القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أحسن ما يكون الكوكب الدري في اُفق السماء، والذين [قلوبهم](4) على أشدّ كوكب في السماء

____________

1- آل عمران: 110.

2- البقرة: 143.

3- هود: 114.

4- أثبتناه من "ب"، وفي "الف": يلوهم.

الصفحة 313

إضاءة، ولا اختلاف بينهم ولا تباغض بينهم.

ومنها انّ القاتل منهم عمداً إن شاء أولياء المقتول أن يعفوا عنه فعلوا، وإن شاؤوا قبلوا الدية، وعلى أهل التوراة ـ وهم أهل دينك ـ يقتل القاتل ولا يُعفى عنه ولا تؤخذ منه دية، قال الله عزوجل: ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة.

ومنها انّ الله عزوجل جعل فاتحة الكتاب نصفها لنفسه، ونصفها لعبده، قال الله تعالى: قسمت بيني وبين عبدي هذه السورة، فإذا قال أحدهم: {الحمد لله} فقد حمدني، وإذا قال: {ربّ العالمين} فقد عرفني، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} فقد مدحني، وإذا قال: {مالك يوم الدين} فقد أثنى عليَّ، وإذا قال: {إيّاك نعبد وإيّاك نستعين} فقد صدق عبدي في عبادتي بعدما سألني، وبقيّة هذه السورة له.

ومنها انّ الله عزوجل بعث جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أن بشّر اُمّتك بالزين والسناء(1) والرفعة والكرامة والنصر.

ومنها انّ الله سبحانه أباحهم صدقاتهم يأكلونها، ويجعلونها في بطون فقرائهم يأكلون منها ويطعمون، وكانت صدقات من كان قبلهم من الاُمم المؤمنين(2) يحملونها إلى مكان قصي فيحرقونها بالنار.

ومنها انّ الله عزوجل جعل الشفاعة لهم خاصة دون الاُمم، والله تعالى متجاوز(3) عن ذنوبهم العظام لشفاعة نبيّهم (صلى الله عليه وآله).

ومنها انّه يقال يوم القيامة: ليتقدّم الحامدون، فتتقدّم اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) قبل الاُمم، وهو مكتوب اُمّة محمد الحامدون، يحمدون الله عزوجل على كلّ منزلة ويكبّرونه على كلّ محل، مناديهم في جوف السماء لهم دوي كدوي النحل.

____________

1- في "ج": النساء.

2- في "ج": الماضين.

3- في "ج": يتجاوز.

الصفحة 314

ومنها انّ الله لا يهلكهم بجوع، ولا يجمعهم على ضلالة، ولا يسلّط عليهم عدوّاً من غيرهم، ولا يساخ ببقيّتهم، وجعل لهم الطاعون شهادة.

ومنها انّ الله جعل لمن صلّى منهم على نبيّه (صلى الله عليه وآله) صلاة واحدة عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيّئات، وردّ الله سبحانه عليه مثل صلاته على النبي (صلى الله عليه وآله).

ومنها انّه جعلهم أزواجاً ثلاثة اُمماً، منهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، والسابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب، والمقتصد يحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه مغفوراً له إن شاء الله.

ومنها انّ الله عزوجل جعل توبتهم الندم والاستغفار والترك للاصرار، وكانت بنو اسرائيل توبتهم قتل أنفسهم، ومنها قول الله عزوجل لنبيّه (صلى الله عليه وآله): اُمّتك هذه مرحومة، عذابها في الدنيا الزلزلة والفقر.

ومنها انّ الله عزوجل يكتب للمريض الكبير من الحسنات على حسب ما كان يعمل في شبابه وصحّته من أعمال الخير، يقول الله سبحانه للملائكة: اكتبوا لعبدي مثل حسناته قبل ذلك مادام في وثاقي.

ومنها انّ الله عزوجل ألزم اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) كلمة التقوى، وجعل بدو الشفاعة لهم في الآخرة.

ومنها انّ النبي (صلى الله عليه وآله) رأى في السماء ليلة عرج به إليها ملائكة قياماً وركوعاً منذ خلقوا، فقال: يا جبرئيل هذه هي العبادة، فقال له جبرئيل: صدقت يا محمد فسل الله ربّك أن يعطي اُمّتك(1) القنوت والركوع والسجود في صلاتهم، فأعطاهم الله عزوجل ذلك، فاُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) يقتدون بالملائكة الذين في السماء.

____________

1- في "ج": يعطيك.

الصفحة 315

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): انّ اليهود يحسدونكم على صلاتكم وركوعكم وسجودكم، فالحمد لله الذي اختصّ اُمّة محمد (صلى الله عليه وآله) بهذه الكرامة فبعث إليهم خير النبيّين، ووفّقهم للاقتداء بالملائكة الذين في السماوات، ونسخ بكتابهم كلّ كتاب نزل من السماء، وجعله مهيمناً على الكتب، وجعلهم يدخلون الجنّة قبل مؤمني الاُمم كلّها، كرامة من الله عزوجل ورحمة اختصّهم بها(1).

[أحاديث في فضائل أهل البيت (عليهم السلام)]

يرفعه الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان قدّس الله روحه إلى زيد الشهيد قال: دخل أحمد بن بكر على زيد بن عليّ فقال له: يا ابن رسول الله حدّثني من فضل ما أنعم الله به عليكم؟ قال: نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحبّنا أهل البيت فنحن شفعاؤه يوم القيامة.

يا ابن بكر من أحبّنا في الله حشر معنا وأدخلناه معنا الجنّة، يا ابن بكر من تمسّك بنا فهو معنا في الدرجات العلى، يا ابن بكر انّ الله تعالى اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله) واختارنا ذريّته، فلولانا لم يخلق الله الدنيا والآخرة، يا ابن بكر بنا عُرف الله، وبنا عُبِدَ الله، ونحن السبيل إلى الله، ومنّا المصطفى والمرتضى، ومنّا يكون المهدي قائم هذه الاُمّة.

فقلت: هذا الذي تقوله عنك أو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: بل عهد عهده إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).

يرفعه المفيد أيضاً إلى عبد الله بن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه

____________

1- عنه البحار 16: 341 ح33; ونحوه باختصار في الاحتجاج 1: 497.

2- راجع البحار 46: 202 ح77 عن كفاية الأثر بتفصيل أكثر.

الصفحة 316

وآله: انّ الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطلع ثانية فاختار منها عليّاً فجعله اماماً، ثمّ أمرني أن اتّخذه أخاً ووصيّاً وخليفة ووزيراً، فعليّ منّي وهو زوج ابنتي وأبو سبطيّ الحسن والحسين، ألا وانّ الله تعالى جعلني أنا وهم(1) حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري، ويحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائمهم(2).

يرفعه الشيخ المفيد إلى أنس بن مالك قال: كنت أنا، وأبو ذر، وسلمان، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم عند النبي (صلى الله عليه وآله) إذ دخل الحسن والحسين صلوات الله عليهما، فقبّلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقام أبو ذر فانكبّ عليهما وقبّل أيديهما، ثمّ رجع فقعد معنا فقلنا له سرّاً: يا أبا ذر أنت رجل شيخ من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تقوم إلى صبيّين من بني هاشم فتنكبّ عليهما وتقبّل أيديهما؟

فقال: نعم، لو سمعتم ما سمعت فيهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفعلتم بهما أكثر ممّا فعلت، فقلنا: وماذا سمعت يا أبا ذر؟ قال: سمعته يقول لعليّ ولهما: يا عليّ والله لو أنّ رجلا صام وصلّى حتّى يصير كالشنّ البالي، إذن ما نفعته صلاته وصومه إلاّ بحبّك، يا عليّ من توسّل إلى الله عزوجل بحبّكم فحقّ على الله أن لا يردّه، يا عليّ من أحبّكم وتمسّك بكم فقد تمسّك بالعروة الوثقى.

قال: ثمّ قام أبو ذر وخرج وتقدّمنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقلنا: يا رسول الله أخبرنا أبو ذر عنك بكيت وكيت، فقال: صدق أبو ذر، والله ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): خلقني الله تبارك وتعالى وأهل بيتي من نور واحد

____________

1- في "ج": إيّاهم.

2- عنه البحار 36: 301 ح139.

الصفحة 317

قبل أن يخلق آدم بسبعة آلاف عام، ثمّ نقلنا إلى صلب آدم، ثمّ نقلنا من صلبه إلى أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات، قلت(1): يا رسول الله فأين كنتم، وعلى أيّ مثال كنتم؟ قال: كنّا أشباهاً من نور تحت العرش نسبّح الله ونقدّسه ونمجّده.

ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي إلى السماء وبلغت سدرة المنتهى ودّعني جبرئيل (عليه السلام)، فقلت له: جبرئيل حبيبي أفي هذا المكان تفارقني؟ فقال: إنّي لا أجوزه فتحترق أجنحتي، قال: ثمّ زجّ بي في النور ما شاء الله، وأوحى الله إليّ: يا محمد إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبيّاً، ثمّ اطلعت ثانية فاخترت منها علياً وجعلته وصيّك، ووارث علمك، والإمام بعدك، واُخرج من أصلابكما الذرية الطاهرة، والأئمة المعصومين خزّان علمي، فلولاكم ما خلقت الدنيا ولا الآخرة ولا الجنّة ولا النار.

يا محمد أتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب، فنوديت: يا محمد ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار عليّ، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمد بن عليّ، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمد بن عليّ، وعليّ بن محمد، والحسن بن عليّ، والحجة يتلألأ من بينهم كأنّه كوكب درّي.

فقلت: يا ربّ من هؤلاء؟ ومن هذا؟ قال: يا محمد هم الأئمة من بعدك المطهّرون من صلبك، وهذا الحجّة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا، ويشفي صدور قوم مؤمنين، فقلنا: بآبائنا واُمّهاتنا يا رسول الله لقد قلت عجباً، فقال (صلى الله عليه وآله): وأعجب من هذا انّ قوماً يسمعون منّي هذا الكلام ثمّ يرجعون على أعقابهم بعد إذ هداهم الله ويؤذونني فيهم، ما لهم؟ لا أنالهم الله شفاعتي(2).

وعنه يرفعه إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال لي أمير المؤمنين

____________

1- في "ج": فقلنا.

2- عنه البحار 36: 301 ح140; ومعالم الزلفى: 252; وانظر أيضاً كفاية الأثر: 70.

الصفحة 318

(عليه السلام): يا سلمان الويل كلّ الويل لمن لا يعرفنا حقّ معرفتنا وانكر فضلنا، يا سلمان أيّما أفضل محمداً (صلى الله عليه وآله) أو سليمان بن داود (عليه السلام)؟ قال سلمان: بل محمد (صلى الله عليه وآله) [أفضل](1).

فقال: يا سلمان فهذا آصف بن برخيا قدر أن يحمل عرش بلقيس من فارس إلى سبأ في طرفة عين وعنده علم من الكتاب، ولأفعل أنا أضعاف ذلك وعندي ألف كتاب، أنزل الله على شيث بن آدم (عليه السلام) خمسين صحيفة، وعلى ادريس النبي (عليه السلام) ثلاثين صحيفة، وعلى ابراهيم الخليل (عليه السلام) عشرين صحيفة، والتوراة والانجيل والزبور والفرقان.

فقلت: صدقت يا سيّدي، قال الإمام (عليه السلام): اعلم يا سلمان انّ الشاك في اُمورنا وعلومنا كالممتري(2) في معرفتنا وحقوقنا، وقد فرض الله ولايتنا في كتابه في غير موضع، وبيّن فيه ما وجب العمل به وهو غير مكشوف(3).

وعن الشيخ محمد بن يعقوب مرفوعاً إلى اسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) انّه كتب إلى أصحابه المؤمنين بهذه الرسالة، من جملتها قال: من سرّه أن يلقى الله وهو مؤمن حقاً حقاً فليتولّى الله ورسوله والذين آمنوا، وليتبرّأ إلى الله من عدوّهم(4)، وليسلم لما انتهى إليه من فضلهم، لأنّ فضلهم لا يبلغه ملك مقرّب، ولا نبيّ مرسل، ولا من دون ذلك.

ألم تسمعوا ما ذكر(5) من فضل اتّباع الأئمة الهداة وهم المؤمنون، قال: {فاُولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ب": كالمستهزئ.

3- عنه البحار 26: 221 ح47.

4- في "ج": من أعدائهم.

5- في "ج": ما ذكر الله تعالى.

الصفحة 319

وحسن اُولئك رفيقاً}(1) فهذا وجه من وجوه فضل اتّباع الأئمة، فكيف بهم وبفضلهم، واعلموا انّ أحداً من خلق الله لم يصب رضى الله إلاّ بطاعته، وطاعة رسوله، وطاعة ولاة الأمر من آل محمد صلوات الله عليهم، ومعصيتهم من معصية الله، ولم ينكر لهم فضلا عظم أو صغر(2).

وعن أبي جعفر بن بابويه رضي الله عنه يرفعه إلى ابراهيم بن أبي محمود قال: قال الرضا (عليه السلام): نحن حجج الله في أرضه، وخلفاؤه على عباده، واُمناؤه(3)على سرّه، ونحن كلمة التقوى والعروة الوثقى(4)، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريّته، بنا يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، وبنا ينزل الغيث وينشر الرحمة، ولا تخلو الأرض من قائم منّا ظاهر أو خاف، ولو خلت يوماً بغير حجّة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله(5).

سوى الله لم يعرفكم يا بني الهدى * * * وما عرف الله العلي سواكم

وما عرف الأملاك من عظم قدركم * * * وجبريل يعنو(6) رفعة لعلاكم

فمن فوه مثلي أن يفوه بفضلكم * * * ومن للساني أن يعد علاكم

خذوا بيدي يوم المعاد(7) واغفرو * * * ذنوبي فما للعبد إلاّ ولاكم

____________

1- في "ج": ما ذكر الله تعالى.

2- الكافي 8: 10 ح1; عنه البحار 78: 219 ح93.

3- في "ج": وأوصياؤه.

4- قال العلاّمة المجلسي رحمه الله ذيل الحديث: قوله (عليه السلام): "نحن كلمة التقوى" اشارة الى قوله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى) وفسّرها المفسّرون بكلمة الشهادة وبالعقائد الحقة إذ بها يتّقى من النار، أو هي كلمة أهل التقوى واطلاقها عليهم امّا باعتبار انّهم (عليهم السلام) كلمات الله يعبرون عن مراد الله كما انّ الكلمات تعبّر عمّا في الضمير، أو باعتبار انّ ولايتهم والقول بامامتهم سبب للاتقاء من النار، ففيه تقدير مضاف أي ذو كلمة التقوى. "والعروة الوثقى" اشارة الى انّهم هم المقصودون بها في قوله تعالى: (فقد استمسك بالعروة الوثقى)ويحتمل هنا أيضاً حذف المضاف، والعروة: كلّ ما يتعلّق أو يتمسّك به.

5- كمال الدين: 202 ح6; عنه البحار 23: 35 ح59.

6- لعلّه بمعنى يخضع، وفي "ج": يعلو.

7- في "ج": يوم القيامة.

الصفحة 320

فإن تغفروا فالله راض وغافر * * * لأنّ رضى الله العليّ رضاكم

يرفعه إلى خيثمة الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته وهو يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته(1)، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن اُمناء الله عزوجل، ونحن حجّته، ونحن أركان الايمان ودعائم الإسلام، ونحن رحمة الله على خلقه، ونحن بنا يفتح وبنا يختم.

ونحن أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ونحن منار الهدى، ونحن السابقون، ونحن الآخرون، ونحن العلم المرفوع للخلق، من تمسّك بنا لحق ومن تأخّر عنّا غرق، ونحن قادة الغرّ المحجّلين، ونحن خيرة الله، ونحن الطريق الواضح والصراط المستقيم إلى الله عزوجل، ونحن من نعم الله على خلقه، ونحن المنهاج، ونحن معدن النبوّة، ونحن موضع الرسالة.

ونحن الدين، ونحن النبأ ومختلف الملائكة، ونحن السراج لمن استضاء بنا، ونحن السبيل لمن اقتدى بنا، ونحن الهداة إلى الجنّة، ونحن عرى(2) الإسلام، ونحن الجسور والقناطر، من مضى عليها لم يسبق ومن تخلّف عنها محق، ونحن السنام الأعظم، ونحن الذين ينزل الله عزوجل بنا الرحمة، وبنا يسقون الغيث، ونحن الذين بنا يصرف الله عنكم العذاب، فمن عرفنا وأبصرنا وعرف حقّنا وأخذ بأمرنا فهو منّا وإلينا(3).

مرفوعاً إلى الحسين بن أبي العلاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: تكون الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: [فيكون](4) إمامان في وقت واحد؟ قال:

____________

1- في "ج": خيرة الله.

2- في "ج": عزّ الإسلام.

3- بصائر الدرجات: 82 ح10 الجزء الثاني; عنه البحار 26: 248 ح18; وكمال الدين: 205 ح20; وانظر أمالي الطوسي: 654 ح1354.

4- أثبتناه من "ج".

الصفحة 321

لا، إلاّ وأحدهما صامت، قلت: الإمام يعرف الإمام الذي بعده؟ قال: نعم، قلت: القائم إمام؟ قال: إمام ابن إمام، قد ائتمّ(1) به قبل ذلك(2).

يرفعه إلى عليّ بن أبي حمزة عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة تبارك وتعالى قال: من علم انّه لا إله إلاّ أنا وحدي، وأنّ محمداً عبدي ورسولي، وأنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، وأنّ الأئمة من ولده حججي على بريّتي، أدخلته الجنّة ونجّيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصّتي وخالصتي. إن ناداني لبيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فرّ منّي دعوته، وإن رجع إليّ قبلته، وإن قرع بابي فتحته.

ومن لم يشهد أن لا إله إلاّ أنا وحدي، أو شهد ولم يشهد أنّ محمداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ الأئمة من بعده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم أسمع دعاءه، وإن رجاني خيّبته، وذلك جزاؤه منّي، وما أنا بظلاّم للعبيد(3).

يرفعه إلى سلمان الفارسى رحمه الله قال: كنت جالساً بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضته التي قبض فيها فدخلت فاطمة (عليه السلام)، فلمّا رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتّى جرت دموعها على خدّيها، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا رسول الله أخشى الضيعة على نفسي وولدي بعدك.

____________

1- في البحار: قد اوذنتم به.

2- كمال الدين: 223 ح17 باب 22; عنه البحار 25: 107 ح7.

3- كمال الدين: 258 ح3 باب24; عنه البحار 36: 251 ح68.

الصفحة 322

فاغرورقت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالبكاء ثمّ قال: يا فاطمة أما علمت إنّا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وانّه حتم الفناء على جميع خلقه، وانّ الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك، ثمّ اطلع اطلاعة فاختار منها زوجك، فأوحى الله إليّ أن اُزوّجك إيّاه وأن أتّخذه وليّاً ووزيراً، وأن أجعله خليفتي في اُمّتي، فأبوك خير أنبياء الله ورسله، وبعلك خير الأوصياء، وأنت أوّل من يلحق بي من أهلي.

ثمّ اطلع اطلاعة ثالثة فاختارك وولدك، فأنت سيّدة نساء [العالم و](1) أهل الجنّة، وابناك حسن وحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبناء(2) بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة كلّهم هادون مهديّون، فالأوصياء بعدي أخي عليّ، ثمّ حسن، ثمّ حسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين في درجتي، وليس في الجنّة درجة أقرب إلى الله عزوجل من درجتي ودرجة أبي ابراهيم، أما تعلمين يا بنيّة انّ من كرامة الله عزوجل إيّاك أن زوّجك خير اُمّتي وخير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً.

فاستبشرت فاطمة صلوات الله عليها وفرحت بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ قال: يا بنيّة انّ لبعلك مناقب، ايمانه بالله ورسوله قبل كلّ أحد لم يسبقه إلى ذلك أحد من اُمّتي، وعلمه بكتاب الله عزوجل وسنّتي، وليس أحد من اُمّتي يعلم جميع علمي غير عليّ، فإنّ الله عزوجل علّمني علماً لا يعلمه غيري، وعلّم ملائكته ورسله علماً، فكلّ ما علّمه ملائكته ورسله فأنا أعلمه، وأمرني عزوجل أن اُعلّمه إيّاه ففعلت، فليس أحد من اُمّتي يعلم علمي وفهمي وحكمي غيره، وانّك يا بنيّة زوجته، وابناه سبطاي حسن وحسين، وهما سبطا اُمّتي، أمره

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ب": وأبناؤك وبعلك.

الصفحة 323

بالمعروف ونهيه عن المنكر، وانّ الله عزوجل آتاه الحكمة وفصل الخطاب.

يا بنيّة إنّا أهل بيت أعطانا الله عزوجل ست خصال لم يعطها أحداً من الأولين كان قبلكم، ولا يعطيها أحداً من الآخرين غيرنا: نبيّنا خير الأنبياء والمرسلين وهو أبوك، ووصيّنا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة بن عبد المطلب عمّ أبيك، قالت: يا رسول الله هو سيّد شهداء الذين قتلوا معه؟ قال: لا بل سيّد شهداء الأولين والآخرين ما خلا الأنبياء والأوصياء، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطائر في الجنّة مع الملائكة، وابناي حسن وحسين سبطا اُمّتي وسيّدا شباب أهل الجنّة، ومنّا والذي نفسي بيده مهديّ هذه الاُمّة، الذي تملأ الأرض به قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً.

قالت: فأيّ هؤلاء أفضل من الذين سمّيت؟ قال: عليّ بعدي أفضل اُمّتي، وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد عليّ وبعدك وبعد ابنيّ وسبطيّ حسن وحسين، وبعد الأوصياء من ولد ابني هذا ـ وأشار إلى الحسين (عليه السلام) ـ منهم المهدي، إنّا أهل بيت اختار الله عزوجل لنا الآخرة على الدنيا.

ثمّ نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليها وإلى بعلها وإلى ابنيها فقال: يا سلمان اشهد إنّي سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم، أما إنّي معهم(1) في الجنّة، ثمّ أقبل على عليّ (عليه السلام) فقال: يا أخي إنّك ستبقى بعدي، وستلقى من قريش شدّة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك، فإن وجدت عليهم أعواناً فقاتل من خالفك بمن أطاعك ووافقك، وإن لم تجد أعواناً فاصبر وكفّ يدك ولا تلق بها إلى التهلكة، فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى، ولك بهارون اُسوة حسنة إذ استضعفه قومه وكادوا يقتلونه، فاصبر لظلم قريش إيّاك وتظاهرهم عليك، فإنّك بمنزلة هارون ومن تبعه وهم بمنزلة العجل ومن تبعه.

____________

1- في "ب": انّهم معي وأنا معهم.

الصفحة 324

يا عليّ انّ الله تبارك وتعالى قد قضى الفرقة والاختلاف على هذه الاُمّة، ولو شاء لجمعهم على الهدى حتّى لا يختلف اثنان من هذه الاُمّة، ولا يتنازع في شيء من أمره، ولا يجحد المفضول ذا الفضل فضله، ولو شاء لجعل(1) النقمة وكان منه التغيير حتّى يكذب الظالم ويعلم الحق أين مصيره، ولكنّه جعل الدنيا دار الأعمال والآخرة دار القرار، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وقال عليّ (عليه السلام): الحمد لله وشكراً على نعمائه، وصبراً على بلائه(2).

يرفعه إلى الأعمش عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: سألته عن أفضل الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأحقّهم بالأمر، فقال: عليّ بن أبي طالب، إمام المتّقين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ المحجّلين، وأفضل الوصيّين، وخير الخلق أجمعين بعد رسول ربّ العالمين، وبعده الحسن ثمّ الحسين سبطا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابنا خيرة النسوان.

ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمد بن عليّ(3)، ثمّ من بعده الأئمة الهادية المهديّة(4)صلوات الله عليهم أجمعين، فإنّ فيهم الورع، والعفّة، والصدق، والصلاح، والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وطول السجود، وقيام الليل، واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر وحسن الصحبة، وحسن الجوار(5).

يرفعه المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عزوجل: {وإذ ابتلى ابراهيم ربّه بكلمات}(6) ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم (عليه السلام) من ربّه فتاب عليه، وهو انّه قال: يا ربّ أسألك بحقّ

____________

1- في "ج": لعجل.

2- كمال الدين: 262 ح10 باب 24; عنه البحار 28: 52 ح21.

3- زاد في "ج": ثمّ جعفر بن محمد.

4- في "ج": الهداة المهديّون.

5- راجع كمال الدين: 336 ح9 باب 33; والخصال: 478 ح46 أبواب الاثنى عشر، باختلاف.

6- البقرة: 124.

الصفحة 325

محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين الاّ تبت عليّ، فتاب الله عليه إنّه هو التوّاب الرحيم.

فقلت: يا ابن رسول الله فما معنى قوله عزوجل: {فأتمّهنّ} قال: يعني فأتمهنّ إلى القائم (عليه السلام) اثنا عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين، قال المفضل: فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن، وهما جميعاً ولدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسبطاه وسيّدا شباب أهل الجنّة.

فقال (عليه السلام): إنّ موسى وهارون كانا نبيّين مرسلين أخوين، فجعل الله تبارك وتعالى النبوّة في صلب ولد هارون دون صلب موسى، ولم يكن لأحد أن يقول لِمَ فعل الله ذلك، وانّ الامامة خلافة من الله عزوجل ليس لأحد أن يقول لِمَ جعل الله الامامة في صلب الحسين دون صلب الحسن، فإنّ الله عزوجل هو الحكيم في أفعاله لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون(1).

يرفعه إلى سعد بن عبد الله القمي قال: أعددت نيفاً وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيباً، فقصدت مولانا أبا محمد الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) بسر من رأى، فلمّا انتهينا إلى باب سيّدنا (عليه السلام) فاستأذنّا عليه فخرج الاذن بالدخول.

قال سعد: فما شبهت مولانا أبا محمد (عليه السلام) حين غشينا نور وجهه إلاّ ببدر قد استوفى لياليه أربعاً بعد عشر، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر، فسلّمنا عليه فألطف في الجواب وأومأ إلينا بالجلوس، فلمّا جلسنا سألته شيعته عن اُمورهم في دينهم ودنياهم(2)، فنظر أبو محمد الحسن (عليه السلام)

____________

1- كمال الدين: 358 ح55 باب 33; عنه البحار 24: 177 ح8; وانظر الخصال: 304 ح84 باب 5; ومعاني الأخبار: 126 ح1.

2- في "الف" و "ج": وهداياهم.

الصفحة 326

إلى الغلام وقال: يا بني أجب شيعتك ومواليك، فأجاب كلّ واحد عمّا في نفسه وعن حاجته من قبل أن يسأله عنها في أحسن جواب، وأوضح برهان، حتّى حارت عقولنا من غامر علمه، واخباره بالغائبات.

ثمّ التفت إليّ أبو محمد (عليه السلام) وقال: ما جاء بك يا سعد؟ قلت: شوقي إلى لقاء مولانا، فقال: المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟ قلت: على حالها يا مولاي، قال: فسل قرّة عيني ـ وأومأ إلى الغلام ـ عمّا بدا لك منها.

فكان من بعض ما سألته أن قلت له: يا ابن رسول الله أخبرني عن تأويل: {كهيعص}(1)، قال: هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع الله عليها عبده زكريا ثمّ قصّها على محمد (صلى الله عليه وآله)، وذلك انّ زكريا سأل الله تعالى أن يعلّمه أسماء الخمسة، فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) فعلّمه إيّاها، وكان زكريا إذا ذكر محمداً وعلياً وفاطمة والحسن سري عنه همّه وانجلى عنه كربه، فإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة.

فقال ذات يوم: يا الهي ما بالي إذا ذكرت أربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي، فأنبأه الله عزوجل عن قصّته، فقال: كهيعص، فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره.

فلمّا سمع بذلك زكريّا (عليه السلام) لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام، ومنع فيهنّ الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكانت ندبته: "الهي أتفجع خير جميع خلقك بولده، الهي أتنزل هذه الرزية بفنائه، الهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة، الهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما؟!".

ثمّ قال: اللّهمّ ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر، وتجعله وارثاً رضيّاً

____________

1- مريم: 1.

الصفحة 327

يوازي محلّه منّي محلّ الحسين (عليه السلام)، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثمّ افجعني به كما تفجع محمداً حبيبك، وكان حمل يحيى ستة أشهر وكان الحسين (عليه السلام) كذلك، وله قصة طويلة(1).

مرفوعاً إلى ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام): يا عليّ شيعتك هم الفائزون يوم القيامة، من أهان واحد منهم فقد أهانك، ومن أهانك فقد أهانني، ومن أهانني أدخله الله نار جهنّم خالداً فيها وبئس المصير.

يا عليّ أنت منّي وأنا منك، روحك من روحي، وطينتك من طينتي، وشعيتك خلقوا من فضل طينتنا، فمن أحبّهم فقد أحبّنا، ومن أبغضهم فقد أبغضنا، ومن عاداهم فقد عادانا، ومن ردّهم فقد ردّنا، يا عليّ انّ شيعتك مغفور لهم على ما كان منهم من ذنوب وعيوب، يا عليّ أنا الشفيع لشيعتك غداً إذا قمت المقام المحمود فبشّرهم بذلك، يا عليّ سعد من تولاّك وشقي من عاداك، يا عليّ لك كنز في الجنّة وأنت ذو قرنيها(2)(3).

يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن الحسين بن عليّ (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فاطمة بهجة(4)قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها اُمناء ربّي، وحبله

____________

1- كمال الدين: 461 ضمن حديث 21; عنه البحار 52: 80 ح1.

2- أمالي الصدوق: 23 ح8 مجلس 4; عنه البحار 68: 7 ح1; وانظر أيضاً بشارة المصطفى: 18.

3- قال الشيخ الصدوق رحمه الله في معاني الأخبار ص206:... وقد سمعت بعض المشايخ يذكر انّ هذا الكنز هو ولده المحسن (عليه السلام)، وهو السقط الذي ألقته فاطمة (عليه السلام) لما ضغطت بين البابين، واحتجّ في ذلك بما روي في السقط من انّه يكون محبنطأً على باب الجنّة، فيقال له: اُدخل الجنّة، فيقول: لا حتى يدخل أبواي قبلي... وأمّا قوله (صلى الله عليه وآله): "وأنت ذو قرنيها" فإنّ قرني الجنّة الحسن والحسين لما روي انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله عزوجل يزيّن بهما جنّته كما تزين المرأة بقرطيها، وفي خبر آخر يزين الله بهما عرشه، وفي وجه آخر معنى قوله (صلى الله عليه وآله): "وأنت ذو قرنيها" أي إنّك صاحب قرني الدنيا وانّك الحجّة على شرق الدنيا وغربها وصاحب الأمر فيها والنهي فيها.

4- في "الف": مهجة.

الصفحة 328

الممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلّف عنهم هوى(1).

وروى الشيخ المفيد رحمه الله عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه ذكر في خبر طويل من جملته قال: انّ لمحمد (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة قبل الحساب مقاماً يقوم فيه، وهو المقام المحمود الذي ذكره الله عزوجل، يقوم فيثني على الله تبارك وتعالى بما لم يثن أحد من قبله، ثمّ تثني عليه الملائكة فلا يبقى ملك إلاّ أثنى على محمد وآل محمد.

ثمّ تثني عليهم الرسل، ثمّ يثني عليهم كلّ مؤمن ومؤمنة، يبدأ بالصدّيقين والشهداء والصالحين، ثمّ تحمده أهل السماوات والأرض، وذلك قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً}(2) فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظّ ونصيب، وويل لمن لم يكن له فيه حظّ ولا نصيب(3).

يرفعه إلى أبي حمزة قال: قدم قتادة على أبي جعفر (عليه السلام) وحوله أهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحجّ وغيره فجلس قريباً منه، فلمّا قضى أبو جعفر (عليه السلام) حوائج القوم وانصرفوا التفت إلى الرجل فقال له: من أنت؟ قال: أنا قتادة بن دعامة السدوسي البصري، قال أبو جعفر (عليه السلام): فقيه أهل البصرة؟ قال: نعم.

قال: ويحك يا قتادة انّ الله تعالى خلق خلقاً من خلقه فجعلهم حججاً على عباده، أوتاداً في أرضه، قواماً بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه أظلّة عن يمين عرشه، قال: فسكت قتادة طويلا ثمّ قال: أصلحك الله، والله لقد جلست بين يدي العلماء والفقهاء وبين يدي ابن عباس، فما اضطرب قلبي قدام أحد منهم

____________

1- فضائل ابن شاذان: 146; ومائة منقبة: 100 ح44; عنهما البحار 23: 142 ح95.

2- الاسراء: 79.

3- انظر التوحيد للصدوق: 261 ح5 باب 36; عنه البحار 7: 119 ح55; وانظر الاحتجاج 1: 567 ح136; ولم نعثر عليه في كتب الشيخ المفيد رحمه الله.

الصفحة 329

اضطرابه قدامك.

فقال أبو جعفر: ويحك أتدري بين يدي من أنت، أنت بين يدي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة، فأنت ثمّ ونحن اُولئك، قال قتادة: صدقتوالله جعلني الله فداك ياابن رسول الله، ماهي بيوت حجارة ولابيوت طين(1).

مرفوعاً إلى الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويتمسّك بالعروة الوثقى، ويعتصم بحبل الله المتين فليتوال علياً من بعدي ولياً، وليعادي عدوّه، ثمّ يتوال(2) الأئمة الهداة من ولده، فإنّهم خلفائي، وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي، وسادة اُمّتي، وقادة الأتقياء إلى الجنّة، حزبهم حزبي وحزبي حزب الله، وحزب أعدائهم حزب الشيطان(3).

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: انّ الله عزوجل يقول: يا عبادي أوليس من كان له اليكم حاجة من كبار الحوائج لا تجودون(4) بها إلاّ إذا تحمل عليكم بأحبّ الخلق اليكم تقضونها كرامة لشفيعهم، ألا فاعلموا انّ أكرم الخلق عليّ، وأحبّهم إليّ، وأفضلهم لديّ محمد وأخوه عليّ من بعده والأئمة الذين هم الوسائل، ألا فليدعني من أهمّته حاجة يريد نفعها، أو دهمته داهية يريد كشف ضرّها(5) بمحمد وآله الطاهرين أقضها أحسن ما

____________

1- الكافي 6: 256 ح1; عنه البحار 46: 357 ح11.

2- في "ج": ثمّ ليأتمّ بالأئمة.

3- أمالي الصدوق: 26 ح5 مجلس 5; عنه البحار 38: 92 ح5.

4- في "ج": لا تجدون.

5- في "الف": ضررها.

الصفحة 330

يقضيها من يتشفّعون إليه بأحبّ الخلق إليه.

فقال له قوم من المنافقين والمشركين ـ وهم يستهزؤون ـ: يا أبا عبد الله ما لك لا تقترح(1) على الله وتتوسّل بهم أن يجعلك أغنى أهل المدينة؟ فقال لهم سلمان رضي الله عنه: قد دعوت الله وسألته بهم ما هو أجل وأنفع وأعظم وأفضل من الدنيا بأسرها، سألته بهم صلّى الله عليهم أن يهب لي لساناً بحمده وثنائه ذاكراً، وقلباً لآلائه شاكراً، وبدناً على الدواهي الداهية لي صابراً، وهو عزوجل قد أجابني إلى ملتمسي من ذلك، وهو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها، وما يشتمل عليه من خيراتها بمائة ألف ألف مرّة(2).

وعن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) انّه قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) انّ أبا ذر الغفاري جاء ذات يوم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ وكان من خيار أصحابه ـ فقال: يا رسول الله انّ لي غنيمات قدر ستين شاة أكره أن أبدو فيها واُفارق حضرتك وخدمتك، وأكره أن اكلها إلى راع فيظلمها ويسيء إليها في رعايتها، فكيف أصنع؟.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابد فيها فبدا فيها، فلمّا كان اليوم السابع جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أبا ذر فقال: لبّيك يا رسول الله، فقال: ما فعلت غنمك؟ فقال: يا رسول الله إنّ لها قصّة عجيبة، فقال: وما هي؟ فقال: يا رسول الله بينا أنا في صلاتي إذا عدا على غنمي الذئب، فقلت في قلبي: يا ربّ صلاتي يا ربّ غنمي، فأخطر الشيطان على بالي: يا أبا ذر أين أنت إن عدت الذئاب على غنمك وأنت تصلّي، فأهلكتها جميعاً، وما يبقى لك في الدنيا ما تعيش به.

____________

1- في "الف": تقرح.

2- راجع البحار 22: 369 ح9 عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام).

الصفحة 331

فقلت للشيطان: يبقى لي توحيد الله والايمان بمحمد (صلى الله عليه وآله)، وموالاة أخيه سيد الخلق بعده عليّ بن أبي طالب، وموالاة الأئمة الطاهرين من ولده (عليهم السلام)، ومعاداة أعدائهم وكلّ ما فات من الدنيا بعد ذلك باطل، وأقبلت على صلاتي، فجاء الذئب فأخذ حملا وذهب، وأنا أحس به إذ أقبل على الذئب أسد فقطعه نصفين واستخلص الحمل وردّه إلى القطيع، ثمّ نادى: يا أبا ذر أقبل على صلاتك فإنّ الله سبحانه قد وكّلني بغنمك إلى أن تصلّي.

فأقبلت على صلاتي وقد غشيني من العجب ما لا يعلمه إلاّ الله، فجاءني الأسد وقال لي: امض إلى محمد واقرأه عنّي السلام، وأخبره انّ الله قد أكرم صاحبك الحافظ لشريعتك، ووكّل أسداً بغنمه يحفظها، فسرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعجب من كان حوله لما سمعوا ذلك(1).

مرفوعاً إلى سماعة قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): إذا كان يا سماعة لك حاجة إلى الله فقل: "اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمد وعلي(2) فإنّ لهما عندك شأناً من الشأن، وقدراً من القدر، فبحقّ ذلك الشأن وبحقّ ذلك القدر أن تصلّي على محمد وآل محمد، وأن تفعل بي كذا وكذا" فإنّه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرّب، ولا نبي مرسل، ولا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان إلاّ وهو محتاج إليهما في ذلك اليوم(3).

مرفوعاً إلى الحسن بن عليّ العسكري قال: إنّ الله تعالى قال: يا عبادي اعملوا أفضل الطاعات وأعظمها لاُسامحكم إن قصّرتم فيما سواها، واتركوا أعظم المعاصي وأقبحها لئلاّ اُناقشكم في ركوب ما عداها، إنّ أعظم الطاعات توحيدي وتصديق نبيّي، والتسليم لمن ينصبه بعده، وهو عليّ بن أبي طالب والأئمة الطاهرين من نسله، وانّ أعظم المعاصي عندي الكفر بي وبنبيّي، ومنابذة وليّ محمد بعده عليّ

____________

1- راجع البحار 22: 393 ح1; عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 73 ح37.

2- زاد في "ب": وفاطمة.

3- دعوات الراوندي: 51 ح127; عنه البحار 8: 59 ح81.

الصفحة 332

بن أبي طالب وأوليائه من بعده.

وإن أردتم أن تكونوا عندي في المنظر الأعلى والشرف الأشرف، فلا يكون أحد من عبادي آثر عندكم من محمد وبعده من أخيه عليّ، وبعدهما أبناؤهما(1)القائمين بأمر عبادي بعدهما، فإنّ من كان ذلك عقيدته جعلته من أشرف ملوك جناني.

واعلموا انّ من أبغض عبادي من الخلق إليّ من تمثّل بي وادّعى ربوبيّتي، وأبغضهم إليّ بعده من تمثّل بمحمّد ونازعه في محلّه وشرفه وادّعاهما، وأبغض الخلق لهؤلاء المدّعون لما هم(2) به لسخطي متعرّضون، ومن كان لهم على ذلك من المعاونين، وأبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء مَنْ كان مِن الراضين وإن لم يكن لهم من المعاونين.

كذلك أحبّ الخلق إليّ القوّامون بحقّي، وأفضلهم لديّ وأكرمهم عليّ سيّد الورى، وأكرمهم وأفضلهم بعده عليّ أخو المصطفى المرتضى، ثمّ من بعده القوّامون بالقسط من أئمة الحق، وأفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقّهم، وأحبّ الخلق إليّ بعدهم من أحبّهم وأبغض أعداءهم وإن لم يمكنه معرفتهم(3).

ثمّ قال الإمام العسكري (عليه السلام): انّ رجلا قال للصادق (عليه السلام): يا ابن رسول الله إنّي عاجز ببدني عن نصرتكم ولم أملك إلاّ البراءة من أعدائكم واللعن عليهم، فكيف حالي؟.

فقال له الصادق (عليه السلام): حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت فلعن في صلاته أعداءنابلغ الله صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش، وكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا

____________

1- في "ج": إبناهما.

2- في البحار: وأبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء المدّعين لما هم به.

3- إلى هنا البحار 27: 96 ح59; عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 42 ح19.

الصفحة 333

ساعدوه فلعنوا من يلعنه، ثمّ ثنّوا(1) وقالوا: اللّهمّ صلّ على عبدك هذا بَذَلَ ما في وسعه، ولو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل الله عزوجل: قد أجبت دعاءكم وسمعت نداءكم، وصلّيت على روحه في الأرواح، وجعلته عندي من المصطفين الأخيار(2).

وجميع هذه الأخبار تدلّ على انّ آل محمد هم أشرف خلق الله تعالى، وهم الوسائل إليه لا يقبل الله عملا إلاّ بولايتهم والبراءة من أعدائهم، حتّى الملائكة والأنبياء والرسل لا شرف للجميع إلاّ بهم، وانّ فضلهم (عليهم السلام) لا يحصى، كما ورد عنهم (عليهم السلام): انفوا عنّا الربوبيّة وقولوا ما شئتم، ولا سيّما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فإنّ فضائله لا تحصيها البشر، فلنقتصر على هذا القدر.

من رام أن يحصي فضائلكم * * * رام المحال وحاول التلف

إنّي وفضل الله ليس له * * * عدّ وأنتم فضله وكفى

وقد ذكرنا في الكتاب ما يتضمّن حصول الفضائل له قبل وجوده وولادته، فلنذكر أيضاً بعض ما له من الفضائل بعد مضيّه وحياته، ونختم الكتاب بذكر شيء من صفات أعدائه بعد ايراد هذين الحديثين.

____________

1- في "ج": أثنوا.

2- تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 47 ح21; عنه البحار 27: 222 ح11.

الصفحة 334

[ باب ]
[ الفضائل الثابتة له (عليه السلام) بعد مضيّه ووفاته ]

منقول من كتاب الأربعين للشيخ القدوة، أخطب الخطباء، موفق الدين بن أحمد المكي، بالاسناد عن سليمان بن مهران الأعمش رحمه الله قال: بينا أنا ذات ليلة إذ أيقظني صياح الحرس وصك الباب عليّ، فقمت مرعوباً وناديت الغلام: ما هذا؟ فقال: رسل أبي جعفر المنصور، فقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون وفتحت الباب، فقال الرسول: أجب أمير المؤمنين.

فدخلت لألبس ثيابي وقلت في نفسي: ما بعث إليّ هذا الظالم في هذا الوقت إلاّ ويسألني(1) عن شيء من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، إن قلت ما عندي من الحق قتلني لا محالة، وإن ملت إلى هواه تبوّأت جهنّم، فأيست من الحياة والحرس يستحثّوني، فلبست تحت ثيابي كفناً محنّطاً كنت قد أعددته لوفاتي، ثمّ ودّعت أهلي وأطفالي، وخرجت معهم ولم أعقل شيئاً حتّى اُدخلت عليه، فسلّمت سلام خائف ذاهل اللب.

____________

1- في "ج": ليسألني.

الصفحة 335

فأومأ إليّ بالجلوس فلم أجلس رعباً، ونظرت فإذا عمرو بن عبيدة عنده، فرجع إليّ ذهني حين رأيته ثمّ سلّمت ثانياً ثمّ جلست، فعلم إنّي رعبت(1) منه فقال لي: اُدن منّي، فقمت ودنوت منه، فشمّ منّي رائحة الحنوط فقال: ويلك يا ابن مهران لتصدّقني أمرك وإلاّ أمرت بك(2)، فقلت: سل والله لا اُكذّبك.

فقال: ويحك ما هذا الحنوط، وما حدّثتك به نفسك حتّى فعلت هذا؟ فقلت: يا أمير المؤمنين الصدق أنجا، وأخبرته بجميع ما خطر ببالي، وما حدّثت نفسي به حتّى لبست كفني، وودعت قومي وصيّتي(3)، فلمّا سمع كلامي وثبت في نفسه صدقي قال: لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، فلمّا سمعت حوقلته سكن روعي، وذهب بعض ما بي لما أعرف من سطوته.

ثمّ قال: يا سليمان أخبرني كم تروي حديثاً في فضائل عليّ (عليه السلام)، قلت: عشرة آلاف حديث، فقال: والله لاُحدّثنّك بحديثين في فضل عليّ (عليه السلام)، إن يكونا ممّا سمعت ورويت فعرّفني وإلاّ فاروهما عنّي، قلت: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: إنّي أيّام كنت هارباً من بني مروان لا تسعني منهم بلد، ولا تحويني دار ولا ينالني قرار، كلّما دخلت بلداً خالطت(4) أهل ذلك البلد فيما يحبّون لأنال من نفعهم بما يطعموني ويزوّدوني إذا خرجت إلى بلد آخر، حتّى قدمت بلاد الشام متنكراً وعليّ كساء لا يواريني غيره، فبينا أنا أدور إذ سمعت الأذان في المسجد، فدخلت ذلك المسجد وركعت ركعتين، واُقيمت(5) الصلاة فصلّيت معهم العصر،

____________

1- في "ج": انّ بي رعباً منه.

2- في "ب": بقتلك.

3- في "ج": ودّعت عيالي وأطفالي ووصّيت.

4- في "الف" و "ب": خالفت.

5- في "الف" و "ب": أقمتُ.

الصفحة 336

وفي نفسي إذا قضيت الصلاة أسأل من القوم عشاء ليلتي تلك.

ولمّا سلّم الإمام وجلس إذا هو شيخ ذو وقار ونعمة ظاهرة، فأقبل إليه صبيّان وضيئان ذوا جمال وبهجة فسلّما، فقال الشيخ: مرحباً بكما ومن سمّيتما باسمهما، وكان إلى جانبي فتى فقلت له: ما هذان الصبيّان مِنْ هذا الشيخ؟ فقال: هو جدّهما، وليس في هذه البلدة رجل يحبّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) غيره، وانّه من حبِّهِ عليّاً سمّى سبطيه بالحسن والحسين (عليهم السلام).

فقلت في نفسي: الله أكبر، وقمت فرحاً مسروراً ودنوت منه وقلت: أيّها الشيخ هل لك أن اُحدّثك بحديث تقرّ به عينك؟ قال: نعم، فقلت: أخبرني والدي عن أبيه عن جدّه قال: كنّا جلوساً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أتت فضّة جارية فاطمة (عليه السلام) فقالت ـ وهي باكية العين ـ: انّ الحسن والحسين خرجا من عند سيّدتي فاطمة آنفاً وما تدري أين ذهبا وهي باكية [حزينة](1).

فقام (صلى الله عليه وآله) من ساعته حتّى دخل منزل فاطمة فوجدها باكية حزينة، فقال: لا تبكي يا فاطمة ولا تحزني فوالذي نفسي بيده انّ الله هو ألطف بهما منك وأرحم، ورفع يده إلى السماء وقال: اللّهمّ إنّهما ولداي وقرّتا عيني وثمرة فؤادي، وأنت أرحم بهما وأعلم بموضعهما، يا لطيف بلطفك الخفي احفظهما لي، وسلّمهما أين كانا من الأرض.

فما استتمّ كلامه ودعاءه حتّى هبط الأمين جبرئيل (عليه السلام) وقال: يا محمد لا تحزن ولا تغتمّ فإنّ ولديك وجيهان عند الله في الدنيا والآخرة وأبوهما خير منهما، وهما الآن نائمان في حظيرة بني النجار، وقد وكّل الله عزوجل بهما ملكاً يحفظهما.

فلمّا سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك مضى ومن حضر معه حتّى انتهى

____________

1- أثبتناه من "ب".

الصفحة 337

إليهما، فوجدهما نائمان وهما متعانقان، والملك الموكّل بهما قد وضع أحد جناحيه وطاءً لهما(1) والآخر قد جلّلهما به وقاية من حرّ الشمس، فهوى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهما يقبّلهما واحداً واحداً ويمسح بيده عليهما حتّى استيقضا.

فحمل النبي (صلى الله عليه وآله) الحسن وحمل جبرئيل (عليه السلام) الحسين حتّى خرجنا من الحظيرة وهو يقول: والله لاُشرفكما اليوم كما شرّفكما الله من لدنه، وكان جبرئيل يتمثّل بدحية الكلبي دائماً، فصادفهما أبو بكر فقال: يا رسول الله ناولني أحد الصبيّين اُخفّف عنك أو عن صاحبك، فقال: دعهما فنعم الحاملان ونعم الراكبان وأبوهما خير منهما.

ومضيا بهما حتّى دخلا المسجد ثمّ أقبل (صلى الله عليه وآله) على بلال فقال: هلمّ عليّ بالناس فنادِ فيهم واجمعهم، ثمّ قام (صلى الله عليه وآله) على قدميه خطيباً، فخطب الناس خطبة أبلغ فيها بحمد الله عزوجل والثناء عليه بما هو مستحقّه، ثمّ قال: معاشر المسلمين هل أدلّكم على خير الناس جدّاً وجدّه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الحسن والحسين، جدّهما رسول الله، وجدّتهما خديجة سيّدة نساء أهل الجنّة، وأوّل من سارعت إلى الايمان بالله تعالى، والتصديق بما أنزل الله على نبيّه.

ثمّ قال: ألا أدلّكم على خير الناس أباً واُمّاً؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الحسن والحسين أبوهما(2) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، واُمّهما فاطمة بضعة رسول الله التي شرّفها الله عزوجل في سمائه وأرضه، يرضى الله برضاها ويغضب لغضبها، ثمّ قال: ألا أدلّكم على خير الناس خالا وخالة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الحسن والحسين، خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول الله.

ثمّ قال: ألا أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال:

____________

1- في "ج": وظلّلهما.

2- زاد في "ج": أبوهما إمام المتّقين، ومن افترض الله طاعته على الخلائق أجمعين.

الصفحة 338

الحسن والحسين، عمّهما جعفر الطيّار ذو الجناحين يطير مع الملائكة في الجنّة حيث يشاء، وعمّتهما اُمّ هاني بنت أبي طالب المقبولة الايمان، ثمّ قال: اللّهمّ إنّك تعلم انّ الحسن والحسين في الجنّة، وجدّهما وجدّتهما في الجنّة، وأبوهما في الجنّة، واُمّهما في الجنّة، وخالهما في الجنّة، وخالتهما في الجنّة، وعمّهما في الجنّة، وعمّتهما في الجنّة، ومن يحبّهما في الجنّة، ومن يبغضهما في النار.

قال: فتهلّل وجه الشيخ وقال: أنشدك الله تعالى من أنت؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فقال: عربي أم مولى، قلت: بل عربي شريف، قال: تحدّث بمثل هذا الحديث وتكون في مثل هذا الكساء الرث، قلت: نعم، أنا هارب من بني مروان على هذه الحالة ولو غيّرتها ربّما عُرفت، فلا آمن على نفسي منهم القتل، فقال: لا خوف عليك إن شاء الله، وكساني خلعتين(1) وحملني على بغلته إلى منزله وقال: أقرّ الله عينك كما قررت عيني بروايتك، ولاُرشدك إلى فتى يقرّ الله به عينك.

ثمّ بعث معي رجلا بعد أن [أكرمني و](2) أكرم ضيافتي، فأتى بي ذلك الرجل إلى باب دار وقرع الباب واستأذن لي، فخرج الخادم إليّ وأدخلني الدار، وإذا بفتى جالس على سرير منجّد(3)، فسلّمت فأحسن الردّ وأخذ بيدي وأجلسني قريباً منه، وكان صبيح الوجه حسن الخلقة، فقال ـ وقد نظر إلى ملبوسي ـ: قد عرفت هذه الكسوة والخلعة والبغلة، وما كان أبو محمد ليكسوك خلعته ويحملك على مركوبه إلاّ بأنّك من محبّي أهل بيت رسول الله وعترته، واحبّ رحمك الله أن تحدّثني بشيء من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام).

قلت: نعم، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: دخلت يوماً إلى فاطمة فقامت إليّ والحسن على كتفها وهي تكفكف عبرتها،

____________

1- في "ج": حلّتين.

2- أثبتناه من "ج".

3- المنجّد: المزيّن. (أقرب الموارد)

الصفحة 339

فقلت: ما يبكيك لا أبكى الله عينك، قالت: يا أبة سمعت انّ نساء قريش قد عيّرتني في المحافل فقلن: زوجها معدوماً لا مال له.

فقال لها (صلى الله عليه وآله): لتقرّ عينك يا فاطمة، والله ما أنا زوّجتك ولكنّ الله عزوجل زوّجك من فوق سبع سماوات، وأشهد جبرئيل وميكائيل واسرافيل، وانّ الله سبحانه اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار من الخلائق أباك لرسالته، ثمّ اطلع ثانية فاختار علياً لولايته وزوّجك إيّاه فاتّخذته وصيّاً، فعليّ منّي وأنا منه.

ألا وانّ علياً أوفر الناس علماً، وأعظمهم حلماً، وأقدمهم سلماً، والحسن والحسين ولداه سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين، وسمّاهما الله تعالى في التوراة على لسان موسى (عليه السلام) شبّراً وشبيراً، يا فاطمة أبشري فإنّي إذا دُعيت غداً إلى ربّ العالمين فعليّ معي، وإذا جئت(1) فمعي عليّ، وهو صاحب لواء الحمد في موقفي، يا فاطمة انّ علياً وشيعته الفائزون يوم القيامة بالجنّة يوم لا ينفع مال ولا بنون.

قال: فلمّا سمع الفتى حديثي بدت عليه البهجة وتلألأ وجهه مسرّة وقال: أنشدتك الله من تكون؟ قلت: رجل من أهل الكوفة، فلم يزد على ذلك، ثمّ أمر لي بثلاثين ثوباً مع عشرة آلاف درهم، ثمّ قال: أقرّ الله عينك بما بشّرتنا، ثمّ قال: ولي إليك حاجة، قلت: قضيت إن شاء الله، قال: إذا كان السحر(2) فآت مسجد فلان لكي ترى أخي الشقي.

قال: فوالله ما بتّ ليلتي من الحرص لأن أرى أخاه، فلمّا كان الصبح أتيت ذلك المسجد للصلاة، فقمت في الصف الأوّل، فلمّا قضيت أداء الفرض نظرت وإلى جانبي(3) شاب معتم بعمامة كبيرة وقد أهوى للسجود عجلا، فسرحت العمامة عن

____________

1- في "ب": وإذا أجبت.

2- في "ج": الفجر.

3- في "ج": وإذا بجانبي.

الصفحة 340

نصف رأسه وهو على هيئة رأس خنزير، وبان صفحة وجهه وجه خنزير.

فدهشت ممّا عاينت حتّى لم أعقل في يقظة أنا أم في نوم، وانّ الرجل ابتدرها عجلا فردّها على رأسه ولاحت منه التفاتة نحوي، فاستبان منّي انّي قد عاينته، فقلت له: يا فتى ما هذا الذي لمحت منك؟ فأخذ بيدي وقال: أظنّك غريباً فصر معي إلى منزلي لاُضيّفك واخبرك، وأتى بي إلى منزله وإلى جانب داره دكان خراباً، فأومأ إليه وقال: رأيته؟ قلت: نعم.

فأدخلني الدار وجلسنا واستدعى بمأكول فأكلت، ثمّ قلت: هل تخبرني؟ فصعد نفساً طويلا وبكى حتّى كادت نفسه تزهق، ثمّ قال: اعلم انّي كنت اُؤذّن في المسجد على أهل هذا الدكان وأؤم في المسجد، وكنت أشتم عليّاً (عليه السلام) عقيب كلّ أذان مائة مرّة حتّى إذا كان يوم الجمعة أذّنت وأقمت [الصلاة](1) ولعنت بينهما ألف مرّة، ولمّا خرجت من المسجد أتيت هذا الدكان الذي أريتك، فجلست على طرفه متّكئاً على جانب الحائط إذ أخذتني رقدة، فرأيت في منامي كأنّما قد فتح باب من الجنّة مقابل هذا الدكان، فبان لي منه قبة خضراء مكلّلة بالاستبرق والديباج.

وكان النبي وعلياً والحسن والحسين (عليهم السلام) قد أقبلوا فدخلوها، وجبرئيل عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) بيده ابريق فضّة بيضاء يشرق نوره، وعن يساره عليّ (عليه السلام) بيده كأس يتلألأ نوراً، وكأنّما النبي (صلى الله عليه وآله) قال للحسين: خذ الكأس واسق أباك، فسقاه ثمّ سقى النبي ومن معه، وكأنّما قال النبي (صلى الله عليه وآله) للحسين: اسق هذا الذي على هذا الدكان، فدمعت عينه وقال: يا جدّاه أتأمرني أن أسقي من يلعن أبي عقيب كلّ أذان مائة مرّة في كلّ يوم، وفي هذا يوم الجمعة قد لعنه ألف مرّة.

____________

1- أثبتناه من "ب".

الصفحة 341

فإذا النبي (صلى الله عليه وآله) يقول بأعلى صوته: ما لك عليك لعنة الله ـ قالها ثلاثاً ـ ويلك أتشتم علياً وهو منّي وأنا منه ـ قالها ثلاثاً ـ ما لك عليك غضب الله ـ قالها ثلاثاً ـ ويلك أتسبّ علياً وعليّ منّي، ثمّ تفل في الهواء نحوي وقال: بدّل الله خلقك، وسوّد وجهك، وجعلك عبرة لغيرك، قال: والله قد أحسست برأسي وكأنّه انفطر، فانزعجت مرعوباً فإذا رأسي ووجهي على ما رأيت.

ثمّ قال المنصور: يا ابن مهران انّ هذين الحديثين رويتهما على ما ترى؟!(1)فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين، فقال: هذا من ذخائر الأحاديث ونوادره، ثمّ قال: حبّ عليّ ايمان وبغضه نفاق، فقلت: الأمان يا أمير المؤمنين، فقال: لك الأمان، قلت: ما تقول في قاتل الحسين (عليه السلام)؟ قال: في النار أخزاه الله، فقلت: وكذلك من قتل من ولدهم أحداً، قال: فحرّك رأسه قليلا ثمّ قال: ويحك يا سليمان الملك عقيم ـ قالها ثلاثاً ـ. تمّ الحديثان والحمد لله المنّان(2).

وأمّا الفضائل الثابتة بعد مضيّه (صلى الله عليه وآله) فكثيرة يطول بذكرها الكتاب، فلنذكر منها شيئاً يسيراً.

روي انّ الشاعر الببغا وفد على بعض الملوك، وكان يفد عليه في كلّ سنة فوجده في الصيد، فكتب وزير الملك يخبره بقدومه، فأمره أن يسكنه في بعض دوره، وكان على باب تلك الدار غرفة كان الببغا يبيت ليله فيها ولها مطلع إلى الدرب، وكان على الحارس أن يخرج كلّ ليلة بعد نصف الليل فيصيح بأعلى صوته: يا غافلين اذكروا الله، على باغض معاوية لعنة الله.

وكان الببغا الشاعر ينزعج لصوته، فاتّفق في بعض الليالي انّ الشاعر رأى في منامه انّ النبي (صلى الله عليه وآله) قد جاء هو وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى

____________

1- في "ج": فيما تروي.

2- راجع مناقب الخوارزمي: 284; ومناقب ابن المغازلي: 143; وفضائل ابن شاذان: 116; وانظر أيضاً أمالي الصدوق: 353 ح1 مجلس 67; عنه البحار 37: 88 ح55; ولم نعثر على كتاب أربعين الخوارزمي.

الصفحة 342

ذلك الدرب، فوجدا الحارس، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) [لعليّ بن أبي طالب](1): اصفعه بيدك فإنّه يسبّك، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) بين كتفيه، وانتبه الشاعر منزعجاً من المنام.

ثمّ انتظر الصوت الذي كان يسمعه من الحارس كلّ ليلة فلم يسمعه فعجب من ذلك، ثمّ سمع صياحاً ورأى رجالا قد أقبلوا إلى دار الحارس، فسألهم الخبر فقالوا: انّ الحارس قد حصل له بين كتفيه ضربة بقدر الكف وهي تتشقّق وتمنعه القرار، فلم يكن وقت الصباح حتّى مات وشاهده بذلك الحال أربعون نفساً(2).

وروي أيضاً انّه كان لأبي دلف ولد، فتحادث أصحابه في حبّ عليّ (عليه السلام) وبغضه، فروى بعضهم عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: يا عليّ ما يحبّك إلاّ مؤمن تقيّ، ولا يبغضك إلاّ كافر منافق شقي ولد زنية أو حيضة.

فقال ولد أبي دلف: ما تقولون في الأمير هل يؤتى في أهله؟ فقالوا: لا، فقال: أنا أبغض عليّاً وليس كما روى هذا الرجل، فخرج أبوه وهم في التشاجر فقال: ما تقولون؟ فقالوا: كذا، وحكوا كلام ولده، فقال: والله انّ هذا الخبر حق، وانّه لولد زنية وحيضة معاً، إنّي كنت مريضاً في دار أخي فتماثلت ودخلت عليّ جاريته لقضاء حاجة، فدعتني نفسي إليها، فأبت وقالت: انّي حائض، فكابرتها على نفسها ووطأتها، فحملت بهذا الذي يبغض علياً فهو لزنية وحيضة(3).

وروي أيضاً انّه كان ببلد الموصل شخص يقال له حمدان بن حمدونالعدوي، وكان شديد العناد كثير البغض لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأراد بعض أعيان أهل الموصل الحج، فجاء إليه يودّعه وقال: انّي قد عزمت على

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- راجع كشف اليقين: 478; عنه البحار 42: 9 ح12.

3- كشف اليقين: 482; عنه البحار 39: 287 ح80.

الصفحة 343

الخروج إلى الحجّ، فإن كان لك حاجة هناك فعرفني حتّى أقضيها(1)، فقال: إنّ لي حاجة مهمّة وهي عليك سهلة، فقال له: مرني حتّى أفعلها.

قال: إذا وردت المدينة وزرت النبي (صلى الله عليه وآله) فخاطبه عنّي وقل له: يا رسول الله ماذا أعجبك من عليّ بن أبي طالب حتّى زوّجته ابنتك؟ عظم بطنه، أم دقة ساقيه، أم صلعة رأسه؟! وحلّفه وعزم عليه أن يبلغ هذا الكلام.

فلمّا بلغ الرجل المدينة وقضى أمره نسى تلك الوصيّة، فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) في منامه وهو يقول: لِمَ لا تبلّغ وصيّة فلان؟ فانتبه ومضى لوقته إلى القبر المقدّس، وخاطب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما أوصاه ذلك الرجل، ثمّ نام فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) قد أخذه ومشى هو وإيّاه إلى منزل ذلك الرجل، وفتح الأبواب وأخذ مدية(2) فذبحه أمير المؤمنين (عليه السلام) بها، ثمّ مسح المدية بملحفة كانت عليه، ثمّ جاء إلى سقف باب الدار فرفعه بيده ووضع المدية تحته وخرج.

فانتبه الحاج منزعجاً من ذلك وكتب صورة المنام هو وأصحابه، وانتهى الخبر إلى سلطان الموصل في تلك الليلة، فأخذ الجيران والمشتبهين ورماهم في السجن، واستعجب(3) أهل الموصل من قتله حيث لم يجدوا نقباً، ولا أثر تسلّق على حائط، ولا باباً مفتوحاً.

وبقي السلطان متحيّراً في أمره ما يدري ماذا يصنع في قضيّته، ولم يزل الجيران وغيرهم في السجن حتّى ورد الحاج من مكة، فلقى الجيران في السجن فسأل عن سبب ذلك، فقيل له: انّ في الليلة الفلانية وجد فلان في داره مذبوحاً ولم نعرف قاتله، فكبّر هو وأصحابه وقال لأصحابه: اخرجوا صورة المنام المكتوبة

____________

1- في "ج": حتّى نجيبها لك.

2- المدية: الشفرة. (القاموس)

3- في "ج": تعجب.

الصفحة 344

عندكم، فأخرجوها فوجدوا ليلة المنام هي ليلة القتل.

ثمّ مضى هو وأصحابه إلى دار المقتول، وأمرهم باخراج الملحفة، وأخبرهم بالدم الذي كان فيها، فوجدوها كما قال، ثمّ أمر برفع المردم(1) فرفع فوجدوا السكين تحته فعرفوا صدق منامه، وافرج عن المسجونين(2) ورجع أهل المقتول وكثير من أهل البلد إلى الايمان، وكان ذلك من لطف الله سبحانه وتعالى في حقّهم(3)، وهذه القصة مشهورة وهي من الغرائب، فماذا تقول في فضل هذا الرجل وعظم شأنه، وارتفاع منزلته، وعلوّ مكانه. تمّ الخبر.

[في فضائل مشهده الشريف (عليه السلام)]

ومن فضائله ما خصّ الله تعالى مشهده الشريف، وحرمه المقدّس من الفضل والمزيّة التي ليست لمكان آخر من الأمكنة الشريفة، وما جاء في فضل زيارته (عليه السلام).

الأوّل: في ذكر قبره، وكيفية دفنه (عليه السلام)، وما يتعلّق بذلك.

اعلم انّ عمره (عليه السلام) المبارك كان ثلاثاً وستّين سنة، وقبض بالكوفة ليلة الجمعة احدى وعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلا بالسيف، قتله ابن ملجم المرادي لعنه الله في مسجد الكوفة وهو في الصلاة، وحمل إلى الغري ودفن حيث الآن قبره، والغري يقال بالافراد للتخفيف، والمسموع الغريّان، قال الجوهري: بناءان طويلان(4).

____________

1- في "ج": السقف.

2- في "ج": فأخرج المحبوسين.

3- كشف اليقين: 480; عنه البحار 42: 10 ح12.

4- الصحاح 4: 2445 / غرا.

الصفحة 345

وأمّا كيفية دفنه فهو لمّا قبض (عليه السلام) وغسل وكفن، اُخرج إلى مسجد الكوفة أربع توابيت وصلّى عليها، ثمّ اُدخل تابوت إلى البيت، والثلاثة الباقية منها ما بُعث إلى جهة بيت الله الحرام، ومنها ما بعث إلى مدينة الرسول، ومنها ما نقل إلى بيت المقدس، وفعل ذلك لاخفائه (عليه السلام)، ويأتي سبب ذلك.

وكان (عليه السلام) قال لولديه الحسن والحسين (عليهم السلام) عند الوفاة: إذا أنا متّ فاحملاني على سريري، وانتظرا حتّى إذا ارتفع لكما مقدّم السرير فاحملا مؤخّره، فلمّا مضى هزيع من الليل قام الحسن والحسين (عليهم السلام) وخواصّهما وارتفع مقدّم السرير وحملا مؤخّره.

قال من حضر من خواصّهم: كنّا حال حمل الجنازة نسمع دوي الملائكة بالتسبيح والتكبير والتهليل، وناطقاً لنا بالتعزية يقول: أحسن الله لكم العزاء في سيّدكم وحجة الله على خلقه، حتّى أتينا الغريين فإذا صخرة بيضاء تلمع نوراً، فوضع المقدّم عندها فوضعنا المؤخّر، وحفرنا الصخرة فإذا ساجة مكتوب عليها: "هذا قبر ادّخره نوح النبي لوصيّ محمد (صلى الله عليه وآله) قبل الطوفان بسبعمائة عام". فدفنّاه هناك واُخفي قبره الشريف، وبقي مخفيّاً إلى زمان الرشيد، وظهر في زمانه.

و [أمّا](1) كيفيّة ظهوره ما روي عن عبد الله بن حازم قال: خرجنا يوماً مع الرشيد من الكوفة وهو يتصيّد، فصرنا إلى ناحية الغريين فرأينا ضباء، فأرسلنا عليها الصقور والكلاب فجاولتها ساعة، ثمّ لجأت الضباء إلى اكمة فسقطت عليها، فتراجعت الصقور والكلاب عنها، فتعجّب الرشيد من ذلك.

ثمّ انّ الضباء هبطت من الاكمة فسقطت الطيور والكلاب عليها، فرجعت الضباء إلى الاكمة فتراجعت الكلاب عنها مرّة ثانية، ثمّ فعلت ذلك مرّة اُخرى،

____________

1- أثبتناه من "ج".

الصفحة 346

فقال الرشيد: اركضوا إلى الكوفة فأتوني بأكبرها سنّاً، فاُتي بشيخ من بني أسد فقال له الرشيد: أخبرني ما هذه الاكمة، فقال: حدّثني أبي عن آبائه انّهم كانوا يقولون انّ هذه الاكمة قبر عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، جعله الله تعالى حرماً لا يأوي إليه شيء إلاّ أمن.

فنزل هارون الرشيد ودعا بماء وتوضّأ وصلّى عند الأكمة، وجعل يدعو ويبكي ويمرغ عليها وجهه، وأمر أن يبنى فيه [قبّة](1) بأربعة أبواب، فبني وبقي إلى أيّام السلطان عضد الدولة رحمه الله، فجاء وأقام في ذلك الطرف قريباً من سنة هو وعساكره، فبعث فاُتي بالصنّاع والأساتذة من الأطراف، وخرّب تلك العمارة وصرف أموالا كثيراً جزيلة، وعمّر عمارة جليلة حسنة، وهي العمارة التي كانت قبل عمارة اليوم(2).

وأمّا الدليل الواضح والبرهان اللاّئح على انّ قبره الشريف (عليه السلام) بالغري فمن وجوه: الأوّل: تواتر الامامية الاثنا عشرية يروونه خلفاً عن سلف، الثاني: اجماع الشيعة والاجماع حجة، و [الثالث](3) منها: ما حصل عنده من الأسرار والآيات وظهور المعجزات، ومنها ما ذكر في كيفية ظهوره في أيام الرشيد، ومنها ما حصل فيه من قيام الزمن وردّ بصر الأعمى.

ومنها ما حكي عن جماعة خرجوا بليل مختفين إلى الغري لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام)، قالوا: فلمّا وصلنا إلى القبر الشريف ـ وكان يومئذ قبراً حوله حجارة ولا بناء عنده، وذلك بعد أن أظهره الرشيد وقبل أن يعمّره ـ فبينما نحن عنده بعضنا يقرأ وبعضنا يصلّي وبعضنا يزور، وإذا نحن بأسد مقبل نحونا، فلمّا قرب منّا

____________

1- أثبتناه من "ب".

2- فرحة الغري: 119; عنه البحار 42: 329 ح16.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 347

قدر رمح قال بعضنا لبعض: ابعدواعن القبر لننظر ما يصنع.

فتباعدنا عن القبر الشريف، فجاء الأسد وجعل يمرغ ذراعيه على القبر، فمضى رجل منّا فشاهده وعاد فأعلمنا، فزال الرعب عنّا فجئنا فأجمعنا فشاهدناه يمرغ ذراعيه على القبر وفيه جراح، فلم يزل يمرغه ساعة ثمّ انزاح عن القبر ومضى، وعُدنا إلى ما كنّا عليه لاتمام الزيارة والصلاة وقراءة القرآن(1).

ومنها ما روي عن كمال الدين بن عنان(2) القمي قال: دخلت حضرة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) فزرت وتحوّلت إلى المسألة ودعوت وتوسّلت بمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ قمت فعلق مسمار من الضريح المقدّس سلام الله على مشرفه في قبائي فمزّقه، فقلت مخاطباً لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما أعرف عوض هذا القباء إلاّ منك.

وكان إلى جانبي رجل رأيه غير رأيي، فقال لي مستهزئاً: ما يعطيك عوضه إلاّ قباء وردياً(3)، وانفصلنا من الزيارة وجئنا إلى الحلّة، وكان جمال الدين بن قشتم(4) الناصري قد هيّأ لشخص يريد أن ينفذه إلى بغداد قباء وردياً(5)، فخرج الخادم على لسان ابن قشتم وقال: اُطلبوا كمال الدين القمي.

فجئت وأخذ بيدي ودخل الخزانة وألبسني قباء وردياً(6)، فخرجت ودخلت حتّى اُسلّم على ابن قشتم واُقبّل كفّه، فنظر نظراً شزراً عرفت الكراهية في وجهه، والتفت إلى الخادم كالمغضب وقال له: طلبت فلان فأين هو؟ فقال الخادم: إنّما طلبت كمال الدين القمي، وشهد الجماعة الذين كانوا جلساء الأمير انّه أمر

____________

1- فرحة الغري: 141; عنه البحار 42: 315 ح2.

2- في "ج": غياث.

3- في "ج": قباءً ورداءً.

4- في "ج": قشم، وفي فرحة الغري: قشتمر.

5 و 6) في "ج": قباء ورداء.

الصفحة 348

بحضور كمال الدين القمي.

فقلت: أيّها الأمير ما خلعت أنت عليّ هذه الخلعة بل أمير المؤمنين (عليه السلام) خلعها عليّ، فالتمس منّي الحكاية فحكيت له، فخرّ ساجداً وقال: الحمد لله إذ كانت الخلعة على يدي(1).

ومنها ما روي عن عليّ بن يحيى بن الحسن بن الطحال المقدادي قال: أخبرني أبي، عن أبيه، عن جدّه ـ وكان من الملازمين للقبّة الشريفة صلوات الله على مشرفها ـ انّه أتاه رجل مليح الصورة نقي الأثواب ودفع إليه مثقالين(2) وقال له: اغلق عليّ باب القبّة وذرني وحدي أعبد الله.

فأخذهما منه وأغلق عليه الباب، فنام فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) في منامه وهو يقول: اُقعد أخرجه عنّي فإنّه نصراني. فنهض عليّ بن طحال فأخذ حبلا فوضعه في عنق الرجل وقال له: اُخرج تخدعني بالمثقالين وأنت نصراني، فقال: لست بنصراني، قال: بلى انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أتاني في المنام وأخبرني انّك نصراني، وقال أخرجه عنّي.

فقال الرجل: امدد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وانّ علياً أمير المؤمنين خليفة الله، والله ما علم أحد بخروجي من الشام، ولا عرفني أحد من أهل العراق، ثمّ حسن اسلامه(3).

ومنها ما حكي انّ عمران بن شاهين من أهل العراق عصى على السلطان عضد الدولة، فطلبه طلباً شديداً فهرب منه إلى المشهد الشريف متخفيّاً(4)، وقصد أمير المؤمنين (عليه السلام) ودعا عنده وسأله السلامة.

____________

1- فرحة الغري: 142; عنه البحار 42: 316 ح3.

2- في "ج": دينارين.

3- فرحة الغري: 146; عنه البحار 42: 319 ح6.

4- في "ج": مستخفياً.

الصفحة 349

فرأى أمير المؤمنين (عليه السلام) في منامه وهو يقول: يا عمران انّ في غد يأتي فناخسرو إلى مشهدي للزيارة، فتقف أنت هاهنا ـ وأشار إلى زاوية من زوايا القبّة ـ وانّهم لا يرونك، ويدخل هو إلى الضريح ويزور ويصلّي ويبتهل في الدعاء والقسم بمحمد وآله أن يظفر بك، فادن منه وقل له: أيّها الملك ما هذا الذي قد ألجأت(1) بالقسم بمحمد وآله أن يظفرك به؟ فيقول: رجل عصاني ونازعني في سلطاني، فقل له: ما لمن يظفرك به؟ فيقول: إن طلب منّي العفو عنه قبلت منه، فأعلمه بنفسك فإنّك تجد منه ما تريد.

قال: فكان ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: أنا عمران بن شاهين(2)، قال له: من أوقفك هاهنا؟ فقال: هذا مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أوقفني هاهنا، وقال لي في منامي: غداً يحضر فناخسرو إلى هاهنا، وأعاد عليه القول، فقال له السلطان: بحقّه عليك قال لك فناخسرو؟ قلت: اي وحقّه.

فقال عضد الدولة: انّه لحق والله، ما عرف أحد انّ اسمي فناخسرو إلاّ اُمّي والقابلة وأنا، ثمّ خلع عليه خلع الوزارة وطلع بين يديه إلى الكوفة.

وكان عمران هذا قد نذر عليه انّه متى عفى عنه عضد الدولة أن يأتي إلى زيارة أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حافياً حاسراً، فلمّا جنّه الليل خرج من الكوفة وحده، فرأى بعض من كان في الحضرة الشريفة من القوّام ـ وهو عليّ بن طحال المقدادي ـ مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) في منامه وهو يقول: اقعد وافتح لوليّي عمران بن شاهين الباب.

فقعد وفتح الباب فإذا بالرجل قد أقبل، فلمّا وصل قال له: بسم الله يا مولانا، فقال له: ومن أنا؟ فقال: عمران بن شاهين، فقال: لست بعمران بن شاهين(3)،

____________

1- في "ج": ألحت.

2- زاد في "ج": فقال: من أنت؟ قال: أنا عمران....

3- في "ج": من أين علمت انّي عمران بن شاهين.

الصفحة 350

فقال: بلى انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أتاني في منامي فقال لي: اقعد وافتح الباب لوليّي عمران بن شاهين.

قال له: بحقّه هو قال لك؟ فقال: اي وحقّه هو قال لي، فوقع على العتبة الشريفة يقبّلها ويبكي، وأحال لذلك الرجل بستّين مثقالا، وبنى الرواق المعروف برواق عمران في المشهدين الشريفين ـ الغروي والحائري على مشرفهما أفضل الصلاة والسلام ـ والأخبار الواردة في هذا المعنى كثيرة(1).

وأمّا السبب الموجب لاخفاء قبره فهو انّه قد تحقّق وعلم ما جرى لأمير المؤمنين (عليه السلام) من الوقائع العظيمة والحروب الكثيرة زمان النبي (صلى الله عليه وآله) وبعده، وأوجب ذلك حقد المنافقين المارقين عليه حتّى ابن ملجم لعنه الله لمّا اُخذ ليُقتل قال للحسن(2) (عليه السلام): انّي اُريد أن اُسارّك(3) بكلمة يا ابن رسول الله، فأبى الحسن(4) (عليه السلام) وقال: انّه يريد أن يعضّ اُذني، فقال ابن ملجم لعنه الله: والله لو أمكنني منها لأخذتها من صماخه(5).

فإذا كان هذا فعال هذا الكافر وحقده إلى هذه الغاية، وهو على تلك الحال وقد اُتي به للقتل، فكيف يكون حال معاوية وأصحابه وبني اُميّة والدولة لهم والملك بيدهم، وكانوا يبالغون في اطفاء نور أهل البيت واخفاء آثارهم، فلهذا السبب أوصى (عليه السلام) أن يدفن سرّاً خوفاً من بني اُميّة وأعوانهم، والخوارج وأمثالهم أن يتهجّموا على قبره الشريف لو كان ظاهراً.

وأيضاً ربّما لو نبشوه مع العلم بمكانه لحمل ذلك بني هاشم على المحاربة

____________

1- فرحة الغري: 147; عنه البحار 42: 319 ح7 باختلاف.

2- في "الف": للحسين (عليه السلام).

3- في "ب": اُشاورك.

4- في "الف: للحسين (عليه السلام).

5- انظر فرحة الغري: 19.

الصفحة 351

والمشاقة(1) التي أغضى عنها (عليه السلام) في حال حياته فكيف لا يرضى بترك ما فيه مادة النزاع بعد وفاته، ولمّا عرف أهل بيته (عليهم السلام) انّهم متى أظهروه لم يتوجّه له إلاّ التعظيم والتبجيل، لا جرم انّهم دلّوا عليه وأظهروه.

الثاني: فضل مشهده الشريف الغروي على مشرفه أفضل الصلاة والسلام وما لتربته والدفن فيها من المنزلة والشرف.

روي عن أبي عبد الله(2) (عليه السلام) انّه قال: الغريّ قطعة من الجبل الذي كلّم الله عليه موسى تكليماً، وقدّس عليه تقدسياً، واتّخذ عليه ابراهيم خليلا، ومحمداً (صلى الله عليه وآله) حبيباً، وجعله للنبيّين مسكناً(3).

وروي انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) نظر إلى الكوفة فقال: ما أحسن منظرك، وأطيب قعرك، اللّهمّ اجعل قبري بها(4).

ومن خواص تربته اسقاط عذاب القبر، وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك، كما وردت به الأخبار الصحيحة عن أهل البيت (عليهم السلام).

وروي عن القاضي ابن بدر الهمداني الكوفي ـ وكان رجلا صالحاً متعبّداً ـ قال: كنت في جامع الكوفة ذات ليلة وكانت ليلة مطيرة، فدقّ باب مسلم جماعة ففتح لهم، وذكر بعضهم انّ معهم جنازة، فأدخلوها وجعلوها على الصفة التي تجاه باب مسلم بن عقيل رضي الله عنه.

ثمّ انّ أحدهم نعس فنام، فرأى في منامه قائلا يقول لآخر: ما نبصره(5) حتّى نبصر هل لنا معه حساب أم لا؟ فكشف عن وجه الميّت وقال لصاحبه: بل لنا معه

____________

1- في "ج": المناقشة.

2- في "ج": ابن عباس، والظاهر انّه خطأ.

3 و4) عنه البحار 100: 232.

5- في البحار: ما تبصره.

الصفحة 352

حساب وينبغي أن نأخذه منه معجلا قبل أن يتعدّى الرصافة، فما يبقى لنا معه طريق، فانتبه وحكى لهم المنام وقال: خذوه عجلا، فأخذوه ومضوا به في الحال إلى المشهد الشريف صلوات الله وسلامه على مشرفه(1).

إذا متّ فادفنّي إلى جنب حيدر * * * أبي شبر أكرم به وشبير

فلست أخاف النار عند جواره * * * ولا أتّقي من منكر ونكير

فعار على حامي الحمى وهو في الحمى * * * إذا ضلّ(2) في المرعى عقال بعير

وروى جماعة من صلحاء المشهد الشريف الغروي صلّى الله على مشرفه، انّه رأى أنّ كلّ واحد من القبور التي في المشهد الشريف وظاهره، قد خرج منه حبل ممتد متصل بالقبة الشريفة صلوات الله على مشرفها(3).

وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى إلى طرف الغري، فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف وإذا رجل قد أقبل من البرية راكباً على ناقة وقدّامه جنازة، فحين رأى علياً (عليه السلام) قصده حتّى وصل إليه وسلّم عليه، فردّ (عليه السلام) وقال له: من أين؟ قال: من اليمن.

قال: وما هذه الجنازة التي معك؟ قال: جنازة أبي أتيت لأدفنه في هذه الأرض، فقال له (عليه السلام): لِمَ لا دفنته في أرضكم؟ قال: أوصى إليّ بذلك وقال: انّه يُدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر، فقال له (عليه السلام): أتعرف ذلك الرجل؟ قال: لا، فقال (عليه السلام): أنا والله ذلك الرجل، أنا والله ذلك الرجل، أنا والله ذلك الرجل، قم فادفن أباك، فقام فدفنه(4).

ومن خواص ذلك الحرم الشريف انّ جميع المؤمنين يحشرون فيه، روي عن

____________

1- عنه البحار 100: 232.

2- في "ج": ضاع.

3- عنه البحار 100: 233.

4- عنه البحار 100: 233; ومستدرك الوسائل 2: 310 ح2056.

الصفحة 353

أبي عبد الله (عليه السلام) انّه قال: ما من مؤمن يموت في شرق الأرض وغربها إلاّ حشر الله روحه إلى وادي السلام.

قال: ما جاء في ذلك من الأخبار والآثار انّه(1) بين وادي النجف والكوفة، كأنّي بهم حلق قعود يتحدّثون على منابر من نور(2). والأخبار في هذا المعنى كثيرة.

الثالث: في فضل زيارته (عليه السلام) وما جاء في ذلك من الأخبار والآثار.

روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انّه قال للحسين (عليه السلام): تزوركم طائفة من اُمّتي تريد برّي وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف، وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده(3).

وعنه (صلى الله عليه وآله) انّه قال لعليّ (عليه السلام): والله لتقتلنّ بأرض العراق فتدفن بها، قلت: يا رسول الله ما لمن زار قبورنا وعمّرها وتعاهدها؟ فقال لي: يا أبا الحسن انّ الله تعالى جعل قبرك وقبر ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة، وعرصة من عرصاتها، وانّ الله تعالى جعل قلوباً من خلقه وصفوة من عباده تحنّ اليكم، وتحمل الأذى فيكم، فيعمرون قبوركم تقرّباً منهم إلى الله ومودّة لرسوله، اُولئك يا عليّ المخصوصون بشفاعتي، الواردون حوضي، وهم زوّاري غداً في الجنّة.

يا عليّ من زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام، وخرج من ذنوبه حين يخرج(4) من زيارتكم كيوم ولدته اُمّه، فأبشر وبشّر أولياءك ومحبّيك من النعيم وقرّة العين بما لا عين رأت، ولا اُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولكن حثالة من الناس يعيّرون زوّار قبوركم بزيارتكم كما تعيّر

____________

1- هكذا في "الف" و "ب" والبحار، وفي "ج": قيل: وأين وادي السلام؟ قال: بين وادي النجف....

2- عنه البحار 100: 233; ونحوه في الكافي 3: 243 ح2; عنه البحار 6: 268 ح118.

3- البحار 10: 441; ومستدرك الوسائل 10: 228 ح11910 عن الفصول للسيد المرتضى.

4- في "ج": حين يرجع.

الصفحة 354

الزانية بزناها، اُولئك شرار اُمّتي لا تنالهم شفاعتي ولا يردون حوضي(1).

وروي عن صفوان الجمال قال: لما وافيت مع مولاي جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) الغريّ(2) يريد أبا جعفر المنصور، قال لي: يا صفوان أنخ الناقة فإنّ هذا حرم جدّي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأنختها فنزل واغتسل وغيّر ثوبه وتحفّى وقال لي: افعل مثل ما أفعل.

ففعلت ثمّ قال: خُذ نحو الذكوات، وقال لي: قصّر خطاك، وألق ذقنك(3)الأرض، فإنّ لك بكلّ خطوة مائة ألف حسنة، ويمحى عنك [مائة](4) ألف سيّئة، ويرفع لك مائة ألف درجة، ويقضى لك مائة ألف حاجة، ويكتب لك ثواب كلّ صدّيق وشهيد مات أو قتل.

ثمّ مشى ومشيت معه [حافياً](5) وعلينا السكينة والوقار، نسبّح الله ونقدّس ونهلل إلى أن بلغنا الذكوات، فوقف عليه ونظر يمنة ويسرة وخط بعكازه وقال لي: اطلب، فطلبت فإذا أثر القبر في الخط، ثمّ أرسل دمعه وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثمّ قال:

"السلام عليك أيّها الوصي البرّ التقي، السلام عليك أيّها النبأ العظيم، السلام عليك أيّها الصديق الشهيد، السلام عليك أيّها الوصي(6) الزكي، السلام عليك يا وصيّ [رسول](7) ربّ العالمين، السلام عليك يا خيرة الله من الخلائق أجمعين، أشهد أنّك حبيب الله وخاصته وخالصته، السلام عليك يا وليّ الله وموضع سرّه،

____________

1- فرحة الغري: 77; عنه البحار 100: 120 ح22.

2- في "ب": الكوفة.

3- في "ج": عينيك.

4- أثبتناه من "ج".

5- أثبتناه من "ج".

6- في "ج": الرضي.

7- أثبتناه من "ج".

الصفحة 355

وعيبة علمه، وخازن وحيه".

ثمّ انكبّ على القبر وقال:

"بأبي أنت واُمّي يا أمير المؤمنين، بأبي أنت واُمّي يا حجّة الخصام، بأبي أنت واُمّي يا باب المقام، بأبي أنت واُمّي يا نور الله التام، أشهد أنّك قد بلغت عن الله وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما حمّلت، ورعيت ما استحفظت، وحفظت ما استودعت، وحلّلت حلال الله، وحرّمت حرام الله، وأقمت أحكام الله، ولم تتعدّ حدود الله، وعبدت الله مخلصاً حتّى أتاك اليقين، صلّى الله عليك وعلى الأئمة من بعدك".

ثمّ قام فصلّى ركعتين عند الرأس الكريم، ثمّ قال: يا صفوان! من زار أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه الزيارة، وصلّى هذه الصلاة، رجع إلى أهله مغفوراً ذنبه، مشكوراً سعيه، ويكتب له ثواب كلّ من زاره من الملائكة، وانّه ليزوره في كلّ ليلة سبعون قبيلة، قلت: وكم القبيلة؟ قال: مائة ألف.

ثمّ خرج القهقرى وهو يقول: "يا جدّاه يا سيّداه يا طيّباه يا طاهر، لا جعله الله آخر العهد منك(1) ورزقني العود إليك، والمقام في حرمك، والكون معك ومع الأبرار من ولدك، صلّى الله عليك وعلى الملائكة المحدقين بك"، قلت: يا سيّدي أتأذن لي أن اُخبر أصحابنا(2) من أهل الكوفة؟ فقال: نعم، وأعطاني درهم فأصلحت القبر(3).

وقال الصادق (عليه السلام): من ترك زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم ينظر الله إليه، ألا تزوروا من تزوره الملائكة والنبيّون (عليهم السلام)، وانّ أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام أفضل من كلّ الأئمة، وله مثل ثواب أعمالهم وعلى قدر

____________

1- في "ج": من زيارتك.

2- في "ج": أصحابك.

3- فرحة الغري: 94; عنه البحار 100: 279 ح15.

الصفحة 356

أعمالهم فضّلوا(1).

وقال (عليه السلام): انّ أبواب السماء لتفتح عند دخول الزائر لأمير المؤمنين (عليه السلام)(2).

وقال (عليه السلام): انّ بظاهر الكوفة قبر ما زاره مهموم إلاّ فرّج الله همّه.

وحكى بعضهم قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) فذكر أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال:(3) يا ابن مارد من زار جدّي عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة، والله يا ابن مارد ما يطعم الله النار قدماً تغبّرت في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) ماشياً كان أو راكباً، يا ابن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب(4). والأخبار في هذا المعنى كثيرة.

الرابع: إيتاء ذي القربى.

وهو صلة الذرية العلوية، فإنّ الله تعالى أكّد الوصية فيهم، وجعل مودّتهم أجر الرسالة بقوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى}(5).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّي شافع يوم القيامة لأربعة أصناف ولو جاؤوا بذنوب أهل الأرض، رجل نصر ذريتي(6)، ورجل بذل ماله لذريتي عند المضيق، ورجل سعى في قضاء حوائج ذريتي إذا طردوا وشردوا، ورجل أحبّ

____________

1- الخصائص للرضي: 40; عنه مستدرك الوسائل 10: 212 ح11883.

2- عنه البحار 100: 262 ح16.

3- زاد في "ج": فقال ابن مارد لأبي عبد الله (عليه السلام): ما لمن زار جدّك أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فقال:....

4- فرحة الغري: 75; عنه البحار 100: 260 ح10.

5- الشورى: 23.

6- في "ب": ديني.

الصفحة 357

ذريتي باللسان والقلب(1).

وقال الصادق (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أيّها الخلائقانصتوا فإنّ محمّداً يكلّمكم، فتنصت الخلائق فيقوم النبي (صلى الله عليه وآله) ويقول: يا معاشر الخلائق من كان له عندي يداً أو منّة أو معروفاً فليقم حتّى اُكافيه، فيقولون: وأيّ يد، وأيّ منّة، وأيّ معروف لنا؟! بل اليد والمنّة والمعروف لله ولرسوله على جميع الخلائق.

فيقول (صلى الله عليه وآله): من آوى أحداً من أهل بيتي، أو برّهم، أو كساهم من عرى، أو أشبع جائعهم فليقم حتّى اُكافيه، فيقوم اُناس قد فعلوا ذلك، فيأتي النداء من عند الله: يا محمّد يا حبيبي قد جعلت مكافأتهم إليك، فأسكنهم حيث شئت من الجنّة، فيسكنهم في الوسيلة حيث لا يحجبون عن محمّد وأهل بيته صلوات الله عليهم(2).

وذكر ابن الجوزي ـ وكان حنبلي المذهب ـ في كتاب تذكرة الخواص انّ عبد الله بن المبارك كان يحجّ سنة ويغزو سنة وداوم على ذلك خمسين سنة، فخرج في بعض سنيّ الحج وأخذ معه خمسمائة دينار إلى موقف الجمال بالكوفة ليشتري جمالا للحج، فرأى امرأة علويّة على بعض المزابل تنتف ريش بطة ميتة.

قال: فتقدّمت إليها فقلت: لِمَ تفعلين [هذا](3)؟ فقالت: يا عبد الله لا تسأل عمّا لا يعنيك(4)، قال: فوقع من كلامها في خاطري شيء فألححت عليها، فقالت: يا عبد الله قد ألجأتني أن أكشف سرّي إليك، أنا امرأة علوية ولي أربع بنات يتامى مات أبوهنّ من قريب، وهذا اليوم الرابع ما أكلنا شيئاً وقد حلّت لنا الميتة،

____________

1- الكافي 4: 60 ح9; من لا يحضره الفقيه 2: 65 ح1726.

2- من لا يحضره الفقيه 2: 65 ح1727; والوسائل 11: 556 ح3.

3- أثبتناه من "ج".

4- زاد في "ب": تقع في ما لا يرضيك.

الصفحة 358

فأخذت هذه البطة أصلحها وأحملها إلى بناتي ليأكلنها.

قال: فقلت في نفسي: ويحك يا ابن المبارك أين أنت من هذه الفرصة، [قلت:](1) افتحي ازارك، فصببت الدنانير في طرف ازارها وهي مطرقة لا تلتفت، قال: ومضيت إلى المنزل ونزع الله من قلبي شهوة الحج في ذلك العام، ثمّ تجهّزت إلى بلادي وأقمت حتّى حجّ الناس وعادوا، فخرجت أتلقّى جيراني وأصحابي، فجعلت كلّ من أقول له: قبل الله حجّك وسعيك، يقول: وأنت قبل الله حجّك وشكر سعيك، إنّنا قد اجتمعنا بك في مكان كذا وكذا، وأكثر عليّ الناس في هذا القول.

فبتّ متفكّراً فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المنام وهو يقول: يا عبد الله أغثت ملهوفة من ولدي، فسألت الله عزوجل أن يخلق على صورتك ملكاً يحجّ عنك كلّ عام إلى يوم القيامة، فإن شئت أن تحجّ وإن شئت أن لا تحج(2).

وذكر ابن الجوزي أيضاً قال: كان ببلخ رجل من العلويين نازلا بها وله زوجة وبنات فتوفى، قالت المرأة: فخرجت بالبنات إلى سمرقند خوفاً من شماتة الأعداء، واتّفق وصولي في شدّة البرد، فأدخلت البنات مسجداً ومضيت لأحتال في القوت.

فرأيت الناس مجتمعين على شيخ فسألت عنه فقيل: هذا شيخ البلد، فشرحت له الحال فقال: أقيمي البيّنة انّك علوية ولم يلتفت إليّ، فيئست منه وعُدت إلى المسجد فرأيت في طريقي شيخاً جالساً على دكّة وحوله جماعة، فقلت: من هذا؟ فقيل: ضامن البلد وهو مجوسي، فقلت: [أمضي إليه](3) عسى أن يكون لنا عنده فرج.

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- تذكرة الخواص: 381; عنه كشف اليقين: 485; والبحار 42: 11 ح12; وينابيع المودّة: 467.

3- أثبتناه من "ج".

الصفحة 359

[فجئت إليه](1) فحدّثته حديثي وما جرى لي مع شيخ البلد، فصاح بخادم له فخرج فقال: قل لسيّدتك تلبس ثيابها، فدخل وخرجت امرأته ومعها جوارها، فقال لها: اذهبي مع المرأة إلى المسجد الفلاني واحملي بناتها إلى الدار، فجاءت معي وحملت البنات، فجئنا وقد أفرد لنا مقاماً في داره وأدخلنا الحمّام وكسانا ثياباً فاخرة، وجاءنا بألوان الطعام، وبتنا بأطيب ليلة.

فلمّا كان نصف الليل رأى شيخ البلد المسلم في منامه كأنّ يوم القيامة قد قامت واللواء على رأس محمّد (صلى الله عليه وآله)، وإذا بقصر من الزمرد الأخضر، فقال: لمن هذا القصر؟ فقيل: لرجل مسلم موحّد، فتقدّم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأعرض عنه فقال: يا رسول الله تعرض عنّي وأنا رجل مسلم؟! فقال (صلى الله عليه وآله): أقم البيّنة عندي انّك مسلم، فتحيّر الشيخ، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): نسيت قولك للعلوية، وهذا القصر للشيخ الذي هي في داره.

فانتبه الشيخ وهو يلطم ويبكي، وبعث غلمانه إلى البلد وخرج بنفسه يدور على العلوية، فاُخبر انّها في دار المجوسي فجاء إليه وقال له: أين العلوية(2)؟ قال: عندي، قال: اُريدها، فقال: ما إلى هذا من سبيل، قال: هذه ألف دينار وسلمهنّ(3)إليّ، فقال: لا والله ولا مائة ألف دينار.

فلمّا ألحّ عليه قال: المنام الذي رأيته أنت رأيته أنا أيضاً، والقصر الذي رأيته لي اُعدّ وأنت تدلّ عليّ باسلامك، والله ما نمت أنا ولا أحد في داري حتّى أسلمنا على يد العلوية، وعادت بركتها علينا، ورأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول لي: القصر لك ولأهلك بما فعلت مع العلوية، وأنت من أهل الجنّة، خلقكم الله عزوجل مؤمنين في القدم(4).

والأخبار في هذا المعنى كثيرة لا نطوّل بذكرها الكتاب.

____________

1- أثبتناه من "ج".

2- في "ج": ألك علم بالعلوية.

3- في "ج": خذها وسلّمها إليّ.

4- تذكرة الخواص: 383; عنه كشف اليقين: 486; والبحار 42: 12 ح12; وينابيع المودّة: 468.

الصفحة 360

[ باب ]
[ في صفات أعدائه ](1)

وأمّا صفات أعدائه وما نُسب إليهم من المثالب وكثرة الخطايا والمعايب فكثيرة جداً، مرّ بعضها في الكتاب ونذكر أيضاً منها جملة يسيرة نختم بها الكتاب.

فمنها ما تضمّنه خبر وفاة الزهراء (عليه السلام)، قرّة عين الرسول، وأحبّ الناس إليه، مريم الكبرى، والحوراء التي أفرغت من ماء الجنّة من تفاحة من صلب رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2) التي قال في حقّها رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ

____________

1- انّ هذا الباب حُذف من النسخة المطبوعة الموجودة في الأسواق، وجاءت في جميع النسخ الخطية، وكذلك أورده العلاّمة المجلسي في البحار 30: 347 ح164 فلاحظ، وقال في ذيل الحديث: إنّما أوردت هذا الكلام لاشتماله على بعض الأخبار الغريبة، وإن كان في بعض ما احتجّ به وهن أو مخالفة للمشهور، فسيتّضح لك حقيقة الأمر في الأبواب الآتية، والله الموفّق.

2- ورد هذا الخبر بطرق مختلفة في عدّة مصادر، منها: ميزان الاعتدال 2: 518; نظم درر السمطين: 177; ذخائر العقبى: 36; فرائد السمطين 1: 50 تحت رقم 381; الدر المنثور 4: 153 في سورة الاسراء; المستدرك على الصحيحين 3: 169.

الصفحة 361

الله يرضى لرضاك يا فاطمة ويغضب لغضبك(1)، وقال عليه وآله السلام: فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني(2).

وروي أنّه لمّا حضرتها الوفاة قالت لأسماء بنت عميس: إذا أنا متّ فانظري إلى الدار فإذا رأيت سجفاً(3) من سندس من الجنّة قد ضرب فسطاطاً في جانب الدار، فاحمليني وزينب واُمّ كلثوم فاجعلوني من وراء السجف وخلّوني وبين نفسي(4).

فلمّا توفّيت (عليه السلام) وظهر السجف حملتها وجعلتها وراءه، فغسلت وكفنت وحنطت بالحنوط، وكان كافوراً أنزله جبرئيل (عليه السلام) من الجنّة في ثلاث صرر، فقال: يا رسول الله ربّك يقرؤك السلام ويقول لك: هذا حنوطك وحنوط ابنتك وحنوط أخيك عليّ مقسوم أثلاثاً، وانّ أكفانها وماءها وأوانيها من الجنّة، وانّها أكرم على الله تعالى أن يتولّى ذلك منها أحد غيرها.

وروي انّها توفّيت (عليه السلام) بعد غسلها وتكفينها وحنوطها لأنّها طاهرة لا دنس فيها، وانّه لم يحضرها إلاّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحسن، والحسين، وزينب، واُمّ كلثوم، وفضّة جاريتها، وأسماء بنت عميس، وانّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل وصلّوا عليها، ولم

____________

1- قد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة في مصادر الشيعة والسنة، منها: مستدرك الحاكم 3: 167 ح4730; مناقب الإمام عليّ (عليه السلام) للمغازلي: 351 ح401; ذخائر العقبى للمحبّ الطبري: 39; المعجم الكبير للطبراني 22: 401 ح1001; وغيرها.

2- صحيح البخاري 4: 210 باب فضائل أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله); الجامع الصحيح للترمذي 5: 359 ح3959; المسند لأحمد بن حنبل 4: 326; المعجم الكبير للطبراني 22: 405 ح1014; مستدرك الحاكم 3: 195 ح1013.

3- السجف: الستر.

4- في البحار: خلّوا بيني وبين نفسي.

الصفحة 362

يعلم بها أحد ولا حضروا وفاتها، ولا صلّى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، لأنّها (عليه السلام) أوصت بذلك وقالت: لا تصلّي عليّ اُمّة نقضت عهد الله وعهد أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمير المؤمنين عليّ، وظلموني حقّي، وأخذوا ارثي، وحرقوا صحيفتي التي كتبها إليّ أبي بملك فدك، وكذبوا شهودي، وهم ـ والله ـ جبرئيل وميكائيل وأمير المؤمنين واُمّ أيمن.

وطِفْتُ عليهم في بيوتهم وأمير المؤمنين يحملني ومعي الحسن والحسين ليلا ونهاراً، آتي منازلهم اُذكّرهم الله بالله وبرسوله ألاّ تظلمونا ولا تغصبونا حقّنا الذي جعله الله لنا، فيجيبونا ليلا ويقعدون عن نصرتنا نهاراً. ثمّ ينفذون إلى دارنا قنفذاً ومعه عمر وخالد بن الوليد ليخرجوا ابن عمّي علياً إلى سقيفة بني ساعدة لبيعتهم الخاسرة، فلا يخرج إليهم متشاغلا بوصاة(1) رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأزواجه وبتأليف القرآن، وقضى ثمانين ألف درهم وصّاه بقضائها عنه عداتاً وديناً، فجعلوا الحطب الجزل على بابنا وأتوا بالنار ليحرقونا(2).

فأخذت(3) بعضادة الباب وناشدتهم بالله وبأبي (عليه السلام) أن يكفّوا عنّا وينصرفوا(4)، فأخذ عمر السوط من يد قنفذ مولى أبي بكر فضرب به عضدي، فالتوى السوط على عضدي حتّى صار كالدملج، وركل الباب برجله فردّه عليّ وأنا حامل، فسقطت لوجهي والنار تستعر، وسفع(5) وجهي بيده حتّى انتثر قرطي من اُذني، فجاءني المخاض فأسقطت محسناً قتيلا بغير جرم(6)، فهذه اُمّة تصلّي عليّ

____________

1- في البحار: بما أوصاه به.

2- في البحار: ليحرقوه ويحرقونا.

3- في البحار: فوقفت.

4- في البحار: وينصرونا.

5- سَفَعَ فلانٌ فلاناً: لطمه وضربه. (القاموس)

6- وفي ذلك كلّه يقول العلاّمة محمد حسين الاصفهاني:


لكن كسر الضلع ليس ينجبر * * * الاّ بصمصام عزيز مقتدر

إذ رضّ تلك الأضلع الزكيّة * * * رزيّة لا مثلها رزيّة

ومن نبوع الدم من ثدييه * * * يعرب عظم ما جرى عليه

وجاوزوا الحدّ بلطم الخدّ * * * شلّت يد الطغيان والتعدي

فاحمرّت العين وعين المعرفة * * * تذرف بالدمع على تلك الصفة

ولا تزيل حمرة العين سوى * * * بيض السيوف يوم ينشر اللوى

وللسياط رنّة صداه * * * في مسمع الدهر فما أشجاه

والأثر الباقي كمثل الدملج * * * في عضد الزهراء أقوى الحجج

ولست أدري خبر المسمار * * * سل صدرها خزانة الأسرار

والباب والجدار والدماء * * * شهود صدق ما به خفاء

الصفحة 363

وقد تبرّأ الله ورسوله منهم وتبرّأت منهم(1).

فعمل أمير المؤمنين (عليه السلام) بوصيّتها ولم يعلم أحداً بها، فأصبح في البقيع ليلة دفنت فاطمة (عليه السلام) أربعون قبراً جدداً.

ثمّ انّ المسلمين لمّا علموا بوفاة فاطمة (عليه السلام) ودفنها جاؤوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يعزّونه لها وقالوا: يا أخا رسول الله أمرت(2) بتجهيزها وحفر تربتها؟ فقال (عليه السلام): قد ورّيت ولحقت بأبيها صلوات الله عليه وآله، فقالوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تموت ابنة نبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) ولم يخلّف فينا ولداً غيرها ولا يصلّى عليها، إنّ هذا لشيء عظيم.

فقال (عليه السلام): حسبكم ما جنيتم على الله وعلى رسوله في أهل بيته، ولم أكن والله لأعصيها في وصيّتها التي أوصت بها في أن لا يصلّي عليها أحد منكم، وما بعد العهد فأغدر، فنفض القوم أثوابهم وقالوا: لابدّ لنا من الصلاة على ابنة رسول

____________

1- انّ حديث الدار والباب والضرب واسقاط محسن وكسر الضلع ورد في كثير من مصادر الخاصة والعامة، منها: دلائل الإمامة للطبري: 45; وأمالي الصدوق: 116 ح2 مجلس 28; أمالي الطوسي 1: 191; كامل الزيارات لابن قولويه: 332-333; تفسير العيّاشي 2: 307-308; اقبال الأعمال لابن طاووس: 625; اثبات الوصية: 23-24; المناقب لابن شهر آشوب 3: 358 على ما نقله عن كتاب المعارف لابن قتيبة; الملل والنحل للشهرستانى 1: 57; الفرق بين الفرق للاسفرائيني: 107; الوافي بالوفيات 5: 347 على ما نقله المحدّث القمي في سفينة البحار; وغيرها من المصادر الكثيرة.

2- في البحار: لو أمرت.

الصفحة 364

الله (صلى الله عليه وآله)، ومضوا من فورهم إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبراً جدداً، فاشتبه عليهم قبرها (عليه السلام) بين تلك القبور، فضجّ الناس ولام بعضهم بعضاً وقالوا: لم تحضروا وفاة بنت نبيّكم ولا الصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها فتزوروه، فقال أبو بكر: هاتوا من ثقاة المسلمين ينبش هذه القبور حتّى تجدوا قبرها، فنصلّي عليها ونزورها.

فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)، فخرج من داره مغضباً وقد احمرّ وجهه وقامت عيناه ودرّت أوداجه، وعلى يده قباه الأصفر الذي لم يكن يلبسه إلاّ في كلّ كريهة، يتوكّأ على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع، فسبق الناس النذير فقال لهم: هذا عليّ قد أقبل كما ترون، يقسم بالله لأن بحث من هذه القبور حجر واحد لأضعنّ السيف على غابر الاُمّة، فولّى القوم هاربين قطعاً قطعاً.

ومنها ما فعله الأوّل من التآمر على الاُمّة من غير أن أباح الله له ذلك ولا رسوله، ولا مطالبته جميعهم بالبيعة له والانقياد إلى طاعته طوعاً وكرهاً، وكان ذلك أوّل ظلم ظهر في الإسلام بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ كان هو وأولياؤه جميعاً مقرّين بأنّ الله عزوجل ورسوله (صلى الله عليه وآله) لم يولّياه ذلك، ولا أوجبا طاعته ولا أمرا ببيعته(1).

وطالب الناس بالخروج إليه ممّا كان يأخذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأخماس والصدقات والحقوق الواجبات، ثمّ تسمّى بخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد علم هو ومن معه من الخاص والعام انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يستخلفه، فقد جمع بين الظلم والمعصية والكذب على رسول الله صلى الله

____________

1- وممّا يدلّ على عدم أهليّته للخلافة قول صاحبه الثاني: "كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله المسلمين شرّها، فمن عاد مثلها فاقتلوه"، ورد هذا النص أو ما يقاربه في عدّة مصادر، منها: تاريخ الخلفاء للسيوطي: 67; صحيح البخاري، باب رجم الحبلى 5: 208; السيرة الحلبية 3: 363; الصواعق المحرقة 5: 5 و8 و21; تاريخ الطبري 3: 210.

الصفحة 365

عليه وآله، وقد قال (صلى الله عليه وآله): من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار(1).

ولمّا امتنع طائفة من الناس في دفع الزكاة إليه وقالوا: انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يأمر بدفع ذلك إليك، فسمّاهم أهل الردة وبعث إليهم خالد بن الوليد في جيش، فقتل مقاتلهم وسبى ذراريهم واستباح أموالهم، وجعل ذلك فيئاً للمسلمين، وقتل خالد بن الوليد رئيس القوم مالك بن نويرة، وأخذ امرأته فوطأها من ليلته تلك، واستحلّ الباقون فروج نسائهم من غير استبراء.

وقد روى أهل الحديث جميعاً بغير خلاف عن القوم الذين كانوا مع خالد انّهم قالوا: أذّن مؤذّننا وأذّن مؤذّنهم، وصلّينا وصلّوا وتشهّدوا، فأي ردة هاهنا مع ما رووه جميعاً انّ عمر قال لأبي بكر: كيف تقاتل قوماً يشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: اُمرت أن اُقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله وانّي محمد رسول الله، فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم؟!

فقال: لو منعوني عقالا ممّا كانوا يدفعونه إلى رسول الله لقاتلتهم ـ أو قال لجاهدتهم ـ وكان هذا فعلا فضيعاً في الإسلام وظلماً عظيماً، فكفى بذلك خزياً وكفراً وجهلا، وإنّما أخذ عليه عمر بسبب قتل مالك بن نويرة، لأنّه كان [بين عمر و](2) بين مالك خلّة أوجبت العصبيّة له من عمر(3).

ثمّ رووا جميعاً انّ عمر لما ولّي جمع من بقى من عشيرة مالك، واسترجع ما

____________

1- كنز العمال: ح29168.

2- أثبتناه من البحار.

3- راجع تاريخ الطبري 3: 280; والفتوح لابن أعثم 1: 25; والصراط المستقيم للبياظي: 279 الباب الثاني عشر; والغدير 7: 159; والملل والنحل 1: 25; الإمامة والسياسة 1: 23.

الصفحة 366

وجد عند المسلمين من أموالهم وأولادهم ونسائهم، وردّ ذلك جميعاً عليهم، فإن كان فعل أبي بكر بهنّ خطأ فقد أطعم المسلمين الحرام من أموالهم، وملكهم العبيد الأحرار من أبنائهم، وأوطأهم فروجاً حراماً من نسائهم، وإن كان ما فعله حقّاً فقد أخذ عمر نساء قوم ملكوهنّ بحق، فانتزعهنّ من أيديهم غصباً وظلماً، وردّهم إلى قوم لا يستحقّونهنّ بوطئهنّ حراماً من غير مباينة وقعت، ولا أثمان دفعت إلى من كنّ عنده في تملّكه. فعلى كلا الحالين قد أخطئا جميعاً أو أحدهما، لأنّهما أباحا للمسلمين فروجاً حراماً، وأطعماهم طعاماً حراماً من أموال المقتولين على دفع الزكاة إليه، وليس له ذلك على ما تقدّم ذكره.

ومنها تكذيبه لفاطمة صلوات الله عليها في دعواها فدك(1)، وردّ شهادة اُمّ أيمن مع انّهم رووا جميعاً انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اُمّ أيمن امرأة من أهل الجنّة، وردّ شهادة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد رووا جميعاً انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: عليّ مع الحق والحق مع عليّ يدور معه حيث ما دار، وأخبرهم أيضاً بتطهير عليّ وفاطمة من الرجس عن الله تعالى، فمن توهّم انّ علياً وفاطمة يدخلان ـ بعد هذه الأخبار عن الله عزوجل ـ في شيء من الكذب والباطل فقد كذّب الله، ومن كذّب الله كفر بغير خلاف.

ومنها قوله في الصلاة: لا يفعل خالد ما اُمر(2)، فهذه بدعة يقارنها كفر، وذلك انّه أمر خالداً بقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا هو سلّم من صلاة الفجر، فلمّا قام في الصلاة ندم على ذلك وخشى إن فعل خالد ما أمر به من قتل عليّ (عليه السلام) أن تهيج عليه فتنة لا يقومون لها، فقال: لا يفعل خالد ما اُمر قبل أن يسلّم، وكان

____________

1- راجع شرح النهج لابن أبي الحديد 4: 80 و82; والصواعق: 22; السيرة الحلبية 3: 362; على ما في نهج الحق: 265; والصراط المستقيم: 282 باب12; مجمع الزوائد للهيثمي 9: 39.

2- راجع كتاب سليم: 214; عنه البحار 28: 305; مناقب ابن شهر آشوب 2: 290.

الصفحة 367

الكلام في الصلاة بدعة والأمر بقتل عليّ (عليه السلام) كفر.

ومنها انّهم رووا عنه بغير خلاف انّه قال وقت وفاته: ثلاث فعلتها ووددت انّي لم أفعلها، وثلاث لم أفعلها ووددت أنّي فعلتها، وثلاث أغفلت المسألة عنها ووددت انّي سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها. أمّا الثلاث التي وددت انّي لم أفعلها فبعث خالد بن الوليد إلى مالك بن نويرة وقومه المسمّين بأهل الردة، وكشف بيت فاطمة (عليه السلام) وإن كان اغلق على حرب...، واختلف أولياؤه في باقي الخصال فأهملنا ذكرها وذكرنا ما اجتمعوا عليه(1).

فقد دلّ قوله: انّي لم أكشف بيت فاطمة بنت رسول الله...، انّه أغضب فاطمة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): انّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك، فقد أوجب بفعله هذا غضب الله عليه بغضب فاطمة، وقال (صلى الله عليه وآله): فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله عزوجل، فقد لزمه أن يكون قد آذى الله ورسوله بما لحق فاطمة (عليه السلام) من الأذى بكشف بيتها، وقال الله عزوجل:

{إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة}(2).

وأمّا الثلاث التي ودّ أن يسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنها فهي: الكلالة ما هي، وعن الجد ما له من الميراث، وعن الأمر لمن هو بعده ومن صاحبه. وكفى بهذا الاقرار على نفسه خزياً وفضيحةً لأنّه شهر نفسه بالجهل بأحكام الشريعة، ومن كان هذا حاله كان ظالماً فيما دخل فيه من الحكومة بين المسلمين بما

____________

1- ورد هذا الكلام بنصوص مختلفة متّحدة المعنى، منها: تاريخ الطبري 2: 353 في ذكر أسماء قضاته وكتابه...; تاريخ اليعقوبي 2: 137; شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 45-47; الصراط المستقيم: 301 باب12; الخصال: 171-173 ح288 باب3; عنه البحار 30: 122 ح2; مروج الذهب 2: 302; الإمامة والسياسة: 24.

2- الأحزاب: 57.

الصفحة 368

لا يعلمه، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.

وقوله: انّي وددت انّي سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمن الأمر بعده ومن صاحبه، فقد أقرّ وشهد على نفسه بأنّ الأمر لغيره وانّه لا حقّ له فيه، لأنّه لو كان له فيه حقّ لكان قد علمه من الله عزوجل ومن رسوله (صلى الله عليه وآله)، فلمّا لم يكن له فيه حق لم يعلم لمن هو بزعمه، وإذا لم يكن له فيه حق ولم يعلم لمن هو فقد دخل فيما لم يكن له، وأخذ حقاً هو لغيره، وهذا يوجب الظلم والتعدّي وقال الله عزوجل: {ألا لعنة الله على الظالمين}(1)، وقال: والكافرون هم الظالمون.

ومنها ما وافقه عليه صاحبه الثاني انّه لما أراد أن يجمع ما تهيّأ له من القرآن أمر منادياً ينادي في المدينة: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، ثمّ قال: لا نقبل من أحد شيئاً إلاّ بشاهدي عدل، وهذا منهم مخالف لكتاب الله عزوجل، إذ يقول: {لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}(2).

فإن كان الرجل وصاحبه جهلا هذا من كتاب الله، وظنّا انّه لا يجوز(3) لأحد من الناس أن يأتي بمثل هذا القرآن، فذلك غاية الجهل وقلّة الفهم، وهذا الوجه أحسن أحوالهما، ومن حلّ هذا المحلّ لم يجز أن يكون حاكماً بين المسلمين فضلا عن منزلة الامامة، وإن كانا قد علما ذلك من كتاب الله، ولم يصدّقا أخبار الله فيه، ولم يثقا بحكمه في ذلك، كانت هذه حالا توجب عليهما ما لا خفاء به على كلّ ذي فهم.

ولكن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) قالوا: انّهما قصدا بذلك علياً (عليه السلام)، فجعلا هذا سبباً لترك قبول ما كان عليّ (عليه السلام) جمعه وألّفه من القرآن

____________

1- هود: 18.

2- الاسراء: 88.

3- لعلّ الأصح: يجوز.

الصفحة 369

في مصحفه بتمام ما أنزل الله عزوجل على رسوله (صلى الله عليه وآله) منه، وخشيا أن يقبلا ذلك منه فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على اُمورهم، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم، وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد إلاّ بشاهدي عدل.

هذا مع ما يلزم من يتولاّهما انّهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله (صلى الله عليه وآله)، ومن كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكماً بين المسلمين أو اماماً لهم، ومن لم يصلح لذلك ثمّ دخل فيه فقد استوجب المقت من الله عزوجل، لأنّ من لا يعلم حدود الله يكون حاكماً بغير ما أنزل الله، وقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الكافرون}(1).

ومنها انّ الاُمّة مجمعة على انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ضمّه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى اُسامة بن زيد وولاّه عليهما، وأمره بالمسير فيهم، وأمرهم بالمسير تحت رايته وهو أمير عليهم إلى بلاد الشام، ولم يزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لينفّذ جيش اُسامة حتّى توفّي (صلى الله عليه وآله) في مرضه ذلك، وانّهما لم ينفّذا وتأخّرا عن اُسامة في طلب ما استوليا عليه من اُمور الاُمة(2).

فبايع الناس لأبي بكر واُسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة،

____________

1- المائدة: 44.

2- راجع في تخلّف القوم عن جيش اُسامة: الملل والنحل 1: 23، وفيه: "جهّزوا جيش اُسامة لعن الله من تخلّف عنه"; السيرة الحلبيّة 3: 207; شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 53; الكامل في التاريخ 2: 215; كنز العمال 5: 312; تاريخ اليعقوبي 2: 113; صراط المستقيم: 296 باب12.

الصفحة 370

والاُمة مجمعة على انّ من عصى رسول الله وخالفه فقد عصى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله بنصّ الكتاب العزيز، والاُمة أيضاً مجمعة على انّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، وانّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، وانّهما لم يطيعاه في الحالتين وتركا أمره بالخروج، ومن ترك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمّداً وخالفه وجب الحكم بارتداده.

ومنها انّه لمّا حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده(1)، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به، كره في ذلك من كره ورغب من رغب، وقد أجمعوا في روايتهم انّ الغالب كان من الناس يومئذ الكراهة، فلم يفكّر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم، وخوّفوه من الله عزوجل في توليته فقال: بالله تخوّفوني، إذا أنا لقيته قلت له: إنّي استخلفت عليهم خير أهلك(2).

فكان هذا القول جامعاً لعجائب من المنكرات الفضيعات، أرأيت لو أجابه الله تعالى فقال: من جعل إليك ذلك، ومن ولاّك أنت حتّى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلّد الظلم في حياته وبعد وفاته.

ثمّ انّ قوله: أتخوّفوني بالله، اما هو دليل على الاستهانة بملاقاة الله تعالى، أو يزعم انّه زكيّ عند الله برئ من كلّ زلّة وهفوة، وهذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى}(3) ثمّ انّه لم يكتف بذلك حتّى شهد لعمر انّه خير القوم، وهذا ممّا لا يصل إليه مثله ولا يعرفه.

ثمّ انّه ختم ذلك بالطامة الكبرى انّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله

____________

1- وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبته الشقشقية: فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عَقَدَها لآخر بعد وفاته ـ لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ـ فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها....

2- راجع الملل والنحل 1: 25; تاريخ الطبري 2: 355.

3- النجم: 32.

الصفحة 371

(صلى الله عليه وآله) في بيته وموضع قبره، وجعل أيضاً بذلك سبيلا لعمر عليه، فإنّه فعل كما فعله وصيّرت العامة ذلك منقبة لهما بقولهم: ضجيعا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن عقل وميّز وفهم على انّهما قد جنيا على أنفسهما جناية لا يستقيلانها أبداً، وأوجبا على أنفسهما المعصية لله ولرسوله والظلم الظاهر الواضح، لأنّ الله سبحانه قد نهى عن الدخول إلى بيوت النبي إلاّ باذنه حيث يقول: {يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلاّ أن يؤذن لكم}(1).

والحال في ذلك بعد وفاته كالحال في حياته إلاّ أن يخصّ الله عزوجل ذلك أو رسوله، فإن كان البيت الذي فيه قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) للرسول خاصة فقد عصيا الله بدخولهما بيته بغير اذن الرسول، وختما أعمالهما بمعصية الله في ذلك، وإن كان البيت من جملة التركة فامّا أن يكون كما زعموا انّه صدقة، أو يكون للورثة، فإن كان صدقة فحينئذ يكون لسائر المسلمين لا يجوز أن يختصّ واحد دون واحد، ولا يجوز أيضاً شراؤه من المسلمين ولا استيهابه.

وإن كان ميراثاً فليس هما ممّن يرث الرسول (صلى الله عليه وآله)، وإن ادّعى جاهل ميراث ابنتيهما من الرسول فإنّ نصيبهما تسع الثمن، لأنّ الرسول مات عن تسع نسوة وعن ولد للصلب، فلكلّ واحدة منها تسع الثمن، وهذا القدر لا يبلغ مفحص قطاة، وبالجملة فإنّهما غصبا الموضع حتّى تقع القسمة على تركة الرسول، ولا قسمة مع زعمهم انّ ما تركه صدقة.

وأمّا ما جعل أولياءه له فضيلة في آية الغار فهو أيضاً رذيلة، كما ذكر الشيخ المفيد ما حكاه الطبرسي في كتاب الاحتجاج، احتجاج الشيخ السديد المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمة الله عليه.

حدّث الشيخ أبو عليّ الحسن بن معمر الرقي بالرملة في شوال سنة ثلاث

____________

1- الأحزاب: 53.

الصفحة 372

وعشرين وأربعمائة، عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رضي الله عنه انّه قال: رأيت في المنام سنة من السنين كأنّي قد اجتزت في بعض الطرق، فرأيت حلقة دائرة فيها ناس كثير، فقلت: ما هذه؟ قالوا: هذه حلقة فيها رجل يعظ الناس، فقلت: من هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب.

ففرّقت الناس ودخلت الحلقة وإذا أنا برجل يتكلّم على الناس بشيء لم أحصله، فقطعت عليه الكلام فقلت: يا شيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق بن أبي قحافة من قول الله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار}(1) فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية ستة مواضع:

الأوّل: انّ الله تعالى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر أبا بكر ثانيه، وقال: {ثاني اثنين}.

الثاني: انّه وصفهما بالاجتماع في مكان واحد بتألّفه بينهما، فقال: {إذ هما في الغار}.

الثالث: انّه أضافه إليه بذكر الصحبة ليجمع بينهما فيما تقتضي الرتبة، فقال: {إذ يقول لصاحبه}.

الرابع: انّه أخبر عن شفقة النبي (صلى الله عليه وآله) ورفقه به لموضعه عنده، فقال: {لا تحزن}.

الخامس: انّه أخبر انّ الله معهما على حدّ سواء، ناصراً لهما ودافعاً عنهما، فقال: {إنّ الله معنا}.

السادس: انّه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم تفارقه السكينة، فقال: {فأنزل الله سكينته عليه}، فهذه ستّة مواضع تدلّ على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها.

____________

1- التوبة: 40.

الصفحة 373

فقلت له: خبرت كلامك في الاحتجاج لصاحبك، وانّي بعون الله سأجعل جميع ما أتيت به كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف، فأمّا قولك: فإنّ الله تعالى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل أبا بكر ثانيه، فهو اخبار عن العدد، لعمري لقد كانا اثنين فما في ذلك من الفضل، ونحن نعلم انّ مؤمناً ومؤمناً أو كافراً ومؤمناً اثنان، فما أرى لك في ذكر العدد طائلا تعتمده.

وأمّا قولك بأنّه وصفهما بالاجتماع في المكان، فإنّه كالأوّل لأنّ المكان يجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكافرين، وأيضاً فإنّ مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) أشرف من الغار ولقد جمع المؤمنين والكافرين والمنافقين، وفي ذلك قوله عزوجل: {فمالِ الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن الشمال عزين}(1)، وأيضاً فإنّ سفينة نوح (عليه السلام) قد جمعت النبي والشيطان والبهيمة، والمكان لا يدلّ على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل وجهان.

وأمّا قولك انّه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنّه أضعف من الفضلين الأوّلين، لأنّ اسم الصحبة تجمع المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلا}(2)وأيضاً فإنّ اسم الصحبة يُطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل على ذلك كلام العرب كما قيل:

إنّ الحمار مع الحمار مطية * * * فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضاً فقد سمّوا الجماد مع الحي صاحباً قالوا ذلك في السيف، فقالوا:

زرت هنداً وذاك غير اختيان * * * ومعي صاحب كتوم اللسان

يعني السيف، فإذا كان اسم الصحبة تقع بين المؤمن والكافر وبين العاقل

____________

1- المعارج: 36-37.

2- الكهف: 37.

الصفحة 374

والبهيمة وبين الحيوان والجماد، فأيّ حجّة لصاحبك فيه.

وأمّا قولك: انّه قال: (لا تحزن) فإنّه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطائه، لأنّ قوله: (لا تحزن) نهي وصورة النهي قول القائل لا تفعل، فلا يخلو امّا أن يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة أو معصية، فإن كان طاعة فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لا ينهى عن الطاعات بل يأمر بها ويدعو إليها، وإن كان معصية فقد نهاه النبي (صلى الله عليه وآله) عنها، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل انّه نهاه.

وأمّا قولك انّه قال (انّ الله معنا) فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أخبر انّ الله معه وعبّر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله: {إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون}(1) وقد قيل أيضاً في هذا أنّ أبا بكر قال: يا رسول الله حزني على أخيك عليّ بن أبي طالب ما كان منه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): لا تحزن انّ الله معنا [أي] معي ومع أخي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

وأمّا قولك انّ السكينة نزلت على أبي بكر فإنّه ترك للظاهر، لأنّ الذي نزلت عليه السكينة هو الذي أيّده الله بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها}(2) فإن كان أبو بكر هو صاحب السكينة فهو صاحب الجنود، وفي هذا اخراج النبي (صلى الله عليه وآله) من النبوّة على انّ هذا الموضع لو كتمته على صاحبك كان خيراً له، لأنّ الله تعالى أنزل السكينة على النبي (صلى الله عليه وآله) في موضعين كان معه قوم مؤمنون فشركهم فيها.

فقال في أحد الموضعين: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين

____________

1- الحجر: 9.

2- التوبة: 40.

الصفحة 375

وألزمهم كلمة التقوى}(1) وقال في الموضع الآخر: {ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها}(2) ولمّا كان في هذا الموضع خصّه وحده بالسكينة دلّ ذلك على انّه لم يكن عنده مؤمناً، لأنّه لو كان عنده مؤمناً شركه معه بالسكينة كما شرك من كان معه من المؤمنين في الموضعين الأوّلين، فدلّ اخراجه من السكينة على خروجه من الايمان، فلم يحر جواباً وتفرّق الناس(3).

وأمّا صاحبه الثاني فقد حذا حذوه، وزاد عليه فيما غيّر من حدود الله تعالى في الوضوء والأذان والاقامة والصلاة وسائر أحكام الدين.

أمّا الوضوء، فقد قال عزّ من قائل: {يا أيّها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}(4) فقد جعل سبحانه وتعالى للوضوء حدوداً أربعة، حدّان منها غسل وحدّان منها مسح، فلمّا قدم الثاني بعد الأوّل جعل المسح على الرجلين غسلا وأمر الناس بذلك فاتّبعوه إلاّ فرقة الحق، وأفسد على من اتّبعه وضوءه وصلاته لفساد الوضوء، لأنّه على غير ما أمر الله(5) من حدود الوضوء، وأجاز أيضاً المسح على الخفّين من غير أمر من الله ورسوله.

وأمّا الأذان والاقامة فأسقط منهما وزاد فيهما، أمّا الأذان فإنّه كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) "حيّ على خير العمل" باجماع العلماء وأهل المعرفة بالأثر والخبر(6)، فقال الثاني: ينبغي لنا أن نسقط "حيّ على خير العمل" من

____________

1- الفتح: 26.

2- التوبة: 26.

3- الاحتجاج 2: 607 ح361; عنه البحار 27: 327 ح1; وأورده الكراجكي في كنز الفوائد: 202.

4- المائدة: 6.

5- في البحار: على غير ما أنزل الله به....

6- راجع في ذلك: سنن البيهقي 1: 254-525; السيرة الحلبية 2: 105; ميزان الاعتدال 1: 139; لسان الميزان 1: 268; البحار 84: 179 ح11; عن دعائم الإسلام 1: 145.

الصفحة 376

الأذان لئلاّ يتّكل الناس على الصلاة فيتركوا الجهاد، فأسقط ذلك من الأذان والاقامة جميعاً لهذه العلّة بزعمه، فقبلوا ذلك منه واتبعوه عليه(1).

فلزمهم في حقّ النظر أن يكون عمر قد أبصر من الرشد في ذلك ما لم يعلمه الله عزوجل ولا رسوله (صلى الله عليه وآله)، لأنّ الله ورسوله قد أثبتا ذلك في الأذان والاقامة ولم يخافا على الناس ما خشيه عليهم عمر وقدّره فيهم، ومن ظنّ ذلك وجهله لزمه الكفر، فأفسد عليهم الأذان بذلك أيضاً لأنّه من تعمّد الزيادة أو النقيصة في فريضة أو سنّة فقد أفسدها.

ثمّ انّه بعد اسقاط ما أسقط من الأذان والاقامة من حيّ على خير العمل، أثبت في بعض الأذان زيادة من عنده وذلك في صلاة الفجر، زاد في الأذان "الصلاة خير من النوم" فصارت هذه البدعة عند من اتّبعه من السنن الواجبة لا يستحلّون تركها، فبدعة الرجل عندهم معمورة متّبعة معمول بها، يطالب من تركها بالقهر عليها، وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندهم مهجورة مطرحة يضرب من استعملها ويقتل من أقامها.

وجعل أيضاً الاقامة فرادى فقال: ينبغي لنا أن نجعل بين الأذان والاقامة فرقاً بيّناً، وكانت الاقامة على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبيلها كسبيل الأذان مثنى مثنى، وكان فيها "حيّ على خير العمل" مثنى، وكانت أنقص من الأذان بحرف واحد في آخرها، لأنّ في آخر الأذان "لا إله إلاّ الله" مرّتين وفي آخر الاقامة مرّة واحدة، وكان هذا هو الفرق فغيّره وجعل بينهما فرقاً من عنده.

فقد خالف الله ورسوله وزعم انّه قد أبصر من الرشد في ذلك، وأضاف من الحق ما لم يعلمه الله ورسوله، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلّ محدثة

____________

1- راجع دعائم الإسلام 1: 144; علل الشرائع 2: 56; عنه البحار 84: 140 ح34; الصراط المستقيم: 21 تتمّة الباب الثاني عشر.

الصفحة 377

بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار. ولا شك انّه كلّ من ابتدع بدعة كان عليه وزرها ووزر العامل بها إلى يوم القيامة.

وأمّا الصلاة فقد أفسد من حدودها ما فيه الفضيحة والهتك لمذهبهم وهوانهم، رووا انّ تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم، وانّ الصلاة المفروضة على الحاضرين الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعشاء الآخرة أربعاً لا سلام إلاّ في آخر التسليم في الرابعة، وأجمعوا انّه من سلّم قبل التشهّد عامداً متعمّداً فلا صلاة له وقد لزمه الاعادة، وانّه من سلّم في كلّ ركعتين من هذه الصلوات الأربع عامداً غير ناس فقد أفسد صلاته، وعليه الاعادة.

فاستنّ الرجل لهم التشهّد الأوّل والثاني ما أفسد صلاتهم وأبطل عليهم تشهّدهم، فليس منهم أحد يتشهّد في صلاته قط ولا يصلّي من هذه الصلوات الأربع التي ذكرناها، وذلك انّهم يصلّون ركعتين ثمّ يقعدون للتشهّد الأوّل، فيقولون عوضاً عن التشهّد: "التحيّات لله، الصلوات الطيّبات، السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".

فإذا قالوا ذلك فقد سلّموا أتمّ سلام وأكمله، لأنّه إذا سلّم المصلّي على النبي وعلى نفسه وعلى عباد الله الصالحين لم يبق بعد هؤلاء من يجوز صرف التسليم إليه، فإنّ عباد الله الصالحين في جملتهم الأوّلون والآخرون والجنّ والانس والملائكة وأهل السماوات والأرض والأنبياء والأوصياء، وجميع المرسلين من الأحياء والأموات، ومن قد مضى ومن هو آت، فحينئذ يكون المصلّي منهم قد قطع صلاته الأربع ركعات بسلامه هذا.

ثمّ يقول بعد التسليم: "أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله" والتشهّد هو الشهادتان، والمصلّي منهم يأتي بالشهادتين بعد التسليم الذي ذكرناه منهم، فلزم انّه ليس منهم أحد يتشهّد في الصلاة إذا كان التسليم

الصفحة 378

موجباً للخروج من الصلاة، ولا عبرة بالتشهّد بعد الصلاة، فهذا بيان فضيحتهم، وابطال اُصولهم، وفساد مذاهبهم، وهلاكهم وهلاك من استنّ بهم، ومن يقتدي بهم إلى يوم القيامة.

ثمّ أتبع ذلك بقوله آمين عند الفراغ من قراءة سورة الحمد، فصارت عند أوليائه سنّة واجبة حتّى أنّ من يتلقّن القرآن من الأعاجم وغيرهم وعوام الناس وجهالهم يلقنونهم من بعد قوله "ولا الضالين" آمين، فقد زيدوا آية في اُمّ الكتاب، وصار عندهم من لم يأت بها في صلاته وغير صلاته كأنّه قد ترك آية من كتاب الله عزوجل.

وقد أجمع أهل النقل عن الأئمة (عليهم السلام) عن أهل البيت انّهم قالوا: من قال آمين في صلاته فقد أفسد صلاته وعليه الاعادة، لأنّها عندهم كلمة سريانيّة معناها بالعربية: افعل، كسبيل من يدعو بدعاء فيقول في آخره: اللّهمّ افعل، ثمّ استنّ أولياؤه وأنصاره رواية متخرّصة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه كان يقول ذلك بأعلى صوته في الصلاة، فأنكر أهل البيت ذلك ولما رأينا أهل البيت (عليهم السلام) مجمعين على انكارها صحّ عندنا فساد اخبارهم فيها، لأنّ الرسول صلوات الله عليه وآله حكم بالاجماع لئلاّ(1) نضلّ ما تمسّكنا بأهل بيته، فتعيّن ضلالة من تمسّك بغيرهم.

وأمّا الدليل على خرص روايتهم انّهم مختلفون في الرواية، فمنهم من يروي: إذا أمّن الإمام فأمّنوا، ومنهم من يروي: إذا قال الإمام: {ولا الضالين} فقولوا: آمين، ومنهم من يروي رفع(2) الصوت بها، ومنهم من يروي الاخفات بها، فكان هذا اختلافهم فيما وصفناه من هذه المعاني دليلا واضحاً ـ لمن فهم ـ على تخرّص

____________

1- في البحار: أن لا نضلّ.

2- في البحار: ندب رفع الصوت.

الصفحة 379

روايتهم.

ثمّ أتبع ذلك بفعل من أفعال اليهود، وذلك عقد اليدين في الصدر إذا قاموا في الصلاة لأنّ اليهود تفعل في صلاتها ذلك، فلمّا رآهم الرجل يستعملون ذلك استعمله هو أيضاً اقتداءً بهم، وأمر الناس بفعل ذلك وقال: انّ هذا تأويل قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين}(1) يريد بزعمه التذلّل والتواضع.

وممّا رووه عنه بلا خلاف انّه قال للرسول (صلى الله عليه وآله) يوماً: انّا لنسمع من اليهود أشياء فنستحسنها منهم فنكتب ذلك منهم، فغضب الرسول (صلى الله عليه وآله) وقال: أمتهوّدون(2) أنتم يا ابن الخطاب؟! لو كان موسى حيّاً لم يسعه إلاّ اتّباعي(3).

ومن استحسن ذلك في حياة الرسول من قول اليهود فاستحسانه بعد فقد الرسول أولى، وقد أنكر أهل البيت (عليهم السلام) ونهوا عنه نهياً مؤكّداً، وحال أهل البيت ما شرحناه من شهادة الرسول لهم بازالة الضلالة عنهم وعمّن تمسّك بهم.

فليس من بدعة ابتدعها هذا الرجل إلاّ أولياؤه متحفّظون بها، مواظبون عليها وعلى العمل بها، طاعنون على تاركها، وكلّ تأديب الرسول الذي قد خالفه الرجل ببدعه فهو عندهم مطرح متروك مهجور، يطعن على من استعمله وينسب عندهم إلى الاُمور المنكرات.

ولقد رووا جميعاً أنّ الرسول قال: لا تبركوا في الصلاة كبرك البعير، ولا تنقروا كنقر الديك، ولا تقعوا كإقعاء الكلب، ولا تلتفتوا كالتفات القرد، فهم لأكثر

____________

1- البقرة: 238.

2- في البحار: أمتهوّكون، والتهوّك: التحيّر.

3- راجع النهاية لابن الأثير 5: 282; ولسان العرب 12: 400; على ما في تدوين السنّة: 342-346.

الصفحة 380

ذلك فاعلون، ولقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) مخالفون، فإذا أرادوا السجود بدأوا بركبهم فيطرحونها إلى الأرض قبل أيديهم، وذلك منهم كبرك البعير على ركبتيه، ويعملون(1) ذلك جهالهم خلافاً على تأديب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا شأنهم في سائر أحكام الدين فلا نطول بذكرها الكتاب.

ولمّا أمر الله سبحانه نبيّه (صلى الله عليه وآله) بسدّ أبواب الناس عن مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) تشريفاً له وصوناً له عن النجاسة سوى باب النبي (صلى الله عليه وآله) وباب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأمره أن ينادي في الناس بذلك، فمن أطاعه فاز وغنم ومن عصاه هلك وندم، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) المنادي فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فأقبل الناس يهرعون.

فلمّا تكاملوا صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس إنّ الله سبحانه وتعالى قد أمرني بسدّ أبوابكم المفتوحة إلى المسجد، وبعد يومي لا يدخله جنب ولا نجس فبذلك أمرني ربّي جلّ جلاله، فلا يكن في نفس أحد منكم أمر، ولا تقولوا: لِمَ، وكيف، وأنّى ذلك، فتحبط أعمالكم وتكونوا من الخاسرين، وإيّاكم والمخالفة والشقاق، فإنّ الله تعالى أوحى إليّ أن اُجاهد من عصاني وانّه لا ذمّة له في الإسلام.

وقد جعلت مسجدي طاهراً من كلّ دنس، محرماً على كلّ من يدخل إليه من هذه الصفة التي ذكرتها غير أنا، وأخي عليّ بن أبي طالب، وابنتي فاطمة، وولدي الحسن والحسين، كما كان مسجد هارون وموسى، فإنّ الله أوحى إليهما أن اجعلا بيوتكما قبلةً لقومكما، وانّي قد بلّغتكم ما أمرني به ربّي وأمرتكم بذلك، ألا فاحذروا الحسد والشقاق وأطيعوا الله طاعة يوافق فيها سرّكم علانيتكم، واتّقوا

____________

1- في البحار: يعلّمون.

الصفحة 381

الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون.

فقال الناس بأجمعهم: سمعنا وأطعنا لله ولرسوله لا نخالف ما اُمرنا به، ثمّ خرجوا وسدّوا أبوابهم جميعاً غير باب النبي وعليّ (عليهم السلام)، فأظهر الناس الحسد والكلام، فقال عمر: ما بال رسول الله يؤثر ابن عمّه عليّ بن أبي طالب علينا، ويقول على الله الكذب، ويخبر عن الله بما لم يقل في ابن أبي طالب؟! وإنّما قول محمد محبّة لعليّ بن أبي طالب واجابة إلى ما يريد، فلو سأل الله ذلك لنا لأجابه، وأراد عمر أن يكون له باب مفتوح إلى المسجد.

ولمّا بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول عمر وخوض القوم في الكلام أمر المنادي بالنداء إلى الصلاة جامعة، فلمّا اجتمعوا قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله): معاشر الناس قد بلغني ما خضتم فيه وما قال قائلكم، وإنّي اُقسم بالله العظيم انّي لم أتقوّل على الله الكذب، ولا كذبت فيما قلت، ولا أنا سددت أبوابكم، ولا أنا فتحت باب عليّ بن أبي طالب، ولا أمرني في ذلك إلاّ الله عزوجل الذي خلقني وخلقكم أجمعين، فلا تحاسدوا فتهلكوا، ولا تحسدوا الناس على ما آتاهم الله من فضله فإنّه يقول في محكم كتابه: {تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض}(1) فاتّقوا الله وكونوا من الصابرين.

ثمّ صدّق الله سبحانه وتعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) بنزول الكوكب من السماء على دار عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ـ وقد مرّ حديث النجم ـ وأنزل الله سبحانه قرآناً وأقسم فيه بالنجم تصديقاً لرسوله (صلى الله عليه وآله) وقال: {والنجم إذا هوى * ما ضلّ صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى}(2) الآيات كلّها، وتلاها النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يزدادوا إلاّ

____________

1- البقرة: 253.

2- النجم: 1-4.

الصفحة 382

غضباً وحسداً ونفاقاً واستكباراً، ثمّ تفرّقوا وفي قلوبهم من الحسد والنفاق ما لا يعلمه إلاّ الله سبحانه.

فلمّا كان بعد أيّام دخل عليه عمّه العباس فقال: يا رسول الله قد علمت ما بيني وبينك من القرابة والرحم الماسة، وأنا ممّن يدين الله بطاعتك، فاسأل الله تعالى أن يجعل لي باباً إلى المسجد أتشرّف بها على من سواي، فقال له (صلى الله عليه وآله): يا عمّ ليس إلى ذلك سبيل، فقال: فميزاباً يكون من داري إلى المسجد أتشرّف به على القريب والبعيد.

فسكت النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وكان كثير الحياء لا يدري ما يعيد من الجواب خوفاً من الله تعالى وحياءً من عمّه العباس ـ فهبط جبرئيل (عليه السلام) في الحال على النبي (صلى الله عليه وآله) ـ وقد علم الله تعالى من نبيّه اشفاقه بذلك ـ فقال: يا محمد إنّ الله يأمرك أن تجيب سؤال عمّك، وأمرك أن تنصب له ميزاباً إلى المسجد كما أراد، فقد علمت ما في نفسك، وقد أجبتك إلى ذلك كرامةً لك، ونعمةً منّي عليك وعلى عمّك العباس.

فكبّر النبي (صلى الله عليه وآله) وقال: أبى الله إلاّ إكرامكم يا بني هاشم وتفضيلكم على الخلق أجمعين، ثمّ قام ومعه جماعة من الصحابة والعباس بين يديه حتّى صار على سطح العباس، فنصب له ميزاباً إلى المسجد وقال: معاشر المسلمين إنّ الله قد شرّف عمّي العباس بهذا الميزاب فلا تؤذونني في عمّي فإنّه بقيّة الآباء والأجداد، فلعن الله من آذاني في عمّي وبخسه حقّه أو أعان عليه.

ولم يزل الميزاب على حاله مدّة أيام النبي (صلى الله عليه وآله) وخلافة أبي بكر، وثلاث سنين من خلافة عمر بن الخطاب، فلمّا كان في بعض الأيام وعك العباس ومرض مرضاً شديداً، وصعدت الجارية تغسل قميصه، فجرى الماء من الميزاب إلى صحن المسجد، فنال بعض الماء مرقعة الرجل، فغضب غضباً شديداً

الصفحة 383

وقال لغلامه: اصعد واقلع الميزاب، فصعد الغلام فقلعه ورمى به إلى سطح العباس، وقال: والله لإن ردّه أحد إلى مكانه لأضربنّ عنقه.

فشقّ ذلك على العباس ودعا بولديه عبد الله وعبيد الله، ونهض يمشي متوكّئاً عليهما وهو يرتعد من شدّة المرض، وسار حتّى دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلمّا نظر إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) انزعج لذلك وقال: يا عم ما جاء بك وأنت على هذه الحالة؟ فقصّ عليه القصة وما فعل معه عمر من قلع الميزاب، وتهدده من يعيده إلى مكانه وقال له: يا ابن أخي إنّه كان لي عينان أنظر بهما فمضت احداهما وهي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبقيت الاُخرى وهي أنت يا عليّ، وما أظنّ انّي اُظلم ويزول ما شرّفني به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنت لي، فانظر في أمري.

فقال له: يا عمّ ارجع إلى بيتك فسترى منّي ما يسرّك إن شاء الله تعالى، ثمّ نادى: يا قنبر عليّ بذي الفقار، فتقلّده ثمّ خرج إلى المسجد والناس حوله، وقال: يا قنبر اصعد فردّ الميزاب إلى مكانه، فصعد قنبر فردّه إلى موضعه، وقال عليّ (عليه السلام): وحقّ صاحب هذا القبر والمنبر لئن قلعه قالع لأضربنّ عنقه وعنق الآمر له بذلك، ولأصلبنّهما في الشمس حتّى يتقدّدا.

فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فنهض ودخل المسجد، ونظر إلى الميزاب وهو في موضعه فقال: لا يُغضِب أحد أبا الحسن فيما فعله ونكفّر عنه عن اليمين، فلما كان من الغداة مضى أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عمّه العباس فقال له: كيف أصبحت يا عمّ؟ قال: بأفضل النعم ما دمت لي يا ابن أخي، فقال: يا عم طب نفساً فوالله لو خاصمني أهل الأرض في الميزاب لخصمتهم، ثمّ لقتلتهم بحول الله وقوّته، ولا ينالك ضيم يا عمّ، فقام العباس فقبّل بين عينيه وقال: يا ابن أخي ما خاب من أنت ناصره.

الصفحة 384

فكان هذا فعل عمر بالعباس عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد قال في غير موطن وصيّة منه في انّ عمّه العباس بقية الآباء والأجداد فاحفظوني فيه، كلّ في كنفي وأنا في كنف عمّي العباس، فمن آذاه فقد آذاني ومن عاداه فقد عاداني، سلمه سلمي وحربه حربي. وقد آذاه عمر في ثلاث مواطن ظاهرة غير خفيّة.

منها قصة الميزاب ولولا خوفه من عليّ لم يتركه على حاله.

ومنها انّ النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الهجرة خرج يوماً إلى خارج مكة ورجع طالباً منزله، فاجتاز بمناد ينادي من بني تيم، وكان لهم سيد يسمّى عبد الله بن جذعان، وكان يعدّ من سادات قريش وأشياخهم، وكان له منادية ينادون في شعاب مكة وأوديتها: من أراد الضيافة والقرى فليأت مائدة عبد الله بن جذعان، وكان مناديه أبو قحافة واُجرته أربعة دوانيق، وله مناد آخر ينادي فوق سطح داره.

فاُخبر عبد الله بن جذعان بجواز النبي (صلى الله عليه وآله) على بابه، فخرج يسعى حتّى لحق به وقال: يا محمد بالبيت الحرام إلاّ ما شرّفتني بدخولك إلى منزلي وتحرّمك بزادي، وأقسم عليه بربّ البيت والبطحاء وبشيبة عبد المطلب، فأجابه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ذلك ودخل منزله وتحرّم بزاده، فلمّا خرج النبي (صلى الله عليه وآله) خرج معه ابن جذعان مشيّعاً له، فلمّا أراد الرجوع عنه قال له النبي (صلى الله عليه وآله): إنّي اُحبّ أن تكون غداً ضيفي أنت وتيم وأتباعها وحلفاؤها عند طلوع الغزالة.

ثمّ افترقا ومضى النبي (صلى الله عليه وآله) إلى دار عمّه أبي طالب وجلس متفكّراً فيما وعده لعبد الله بن جذعان، إذ دخلت عليه فاطمة بنت أسد زوجة عمّه أبي طالب، وكانت هي مربيته وكان يسمّيها اُمّي، فلمّا رأته مهموماً قالت: فداك أبي واُمّي ما لي أراك مهموماً، أعارضك أحد من أهل مكة؟! فقال: لا، فقالت: فبحقّي

الصفحة 385

عليك إلاّ ما أخبرتني بحالك، فقصّ عليها قصة ابن جذعان وما قال له وما وعده من الضيافة، فقالت: يا ولدي لا يضيق صدرك مع اتيان عمّك يقوم لك بكلّ ما تريد.

فبينما هما في الحديث إذ دخل أبو طالب رضي الله عنه فقال لزوجته: فيما أنتما؟ فأعلمته بذلك كلّه وبما قال النبي (صلى الله عليه وآله) لابن جذعان، فضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وقال: يا ولدي بالله عليك لا يضيق صدرك من ذلك، في نهار غد أقوم لك بجميع ما يُحتاج إليه إن شاء الله، وأصنع وليمة تتحدّث بها الركبان في سائر البلدان، وعزم على وليمة تعمّ سائر القبائل، وقصد نحو أخيه العباس ليقترض من ماله شيئاً يضمّه إلى ماله، فوجد بني عبد المطلب في الطريق فأقرضوه من الجمال والذهب ما يكفيه، فرجع عن القصد إلى أخيه العباس وآثر التخفيف عنه.

فبلغ أخاه العباس ذلك وعظم عليه رجوعه عن القصد إليه، فأقبل إلى أخيه أبي طالب وهو مغموم كئيب، فسلّم عليه فقال له أبو طالب: ما لي أراك حزيناً كئيباً؟ فقال: بلغني انّك قصدتني في حاجة ثمّ بدا لك عنها فرجعت من الطريق، فما هذا الحال؟

فقصّ عليه القصة إلى آخرها، فقال له العباس: الأمر إليك وانّك لم تزل أهلا لكلّ مكرمة وموئلا لكلّ نائبة، ثمّ جلس عنده ساعة وقد أخذ أبو طالب فيما يحتاج إليه من آلة الطبخ وغير ذلك، فقال له العباس: يا أخي ولي إليك حاجة، فقال أبو طالب: هي مقضيّة فاذكرها، فقال العباس: أقسمت عليك بحقّ البيت وبشيبة الحمد إلاّ ما قضيتها، فقال: لك ذلك ولو سألت النفس والولد، فقال: تهب لي هذه المكرمة تشرّفني بها، فقال: قد أجبتك إلى ذلك مع ما أصنعه أنا.

فنحر العباس الجزر، ونصب القدور، وعقد الحلاوات، وسوّى المشويّ،

الصفحة 386

وأكثر من الزاد فوق ما يراد، ونادى في سائر الناس، فاجتمع أهل مكة، وبطون قريش، وسائر العرب على اختلاف طبقاتها يهرعون من كلّ مكان حتّى كأنّه عيد الله الأكبر، ونصب للنبي (صلى الله عليه وآله) منصباً عالياً وزينة بالدر والياقوت والثياب الفاخرة، وبقى الناس معجبون من حسن النبي (صلى الله عليه وآله) ووقاره وعقله وكماله، وضوؤه يعلو على ضوء الشمس، وتفرّق الناس مسرورين قد أخذوا في الخطب والأشعار ومدح النبي (صلى الله عليه وآله) وأهله وعشيرته على حسن ضيافتهم، وكانت يد العباس رحمة الله عليه عند النبي (صلى الله عليه وآله) اليد العليا.

فلمّا تكامل النبي (صلى الله عليه وآله) وبلغ أشدّه وتزوّج خديجة، وأوحى الله إليه، وأنبأه وأرسله إلى سائر العرب والعجم، وأظهره على المشركين وفتح مكة ودخلها مؤيّداً منصوراً، وقتل من قتل وبقي من بقي، أوحى الله إليه: يا محمد إنّ عمّك العباس له عليك يدٌ سابقة وجميل متقدّم، وهو ما أنفق عليك في وليمة عبد الله بن جذعان، وهو ستّون ألف دينار مع ما له عليك في سائر الأزمان، وفي نفسه شهوة من سوق عكاظ فامنحه إيّاه في مدّة حياته، ولولده بعد وفاته.

[فأعطاه ذلك](1) ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): ألا لعنة الله على من عارض عمّي العباس في سوق عكاظ أو نازعه فيه، ومن أخذه منه فأنا بريء منه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فلم يكترث عمر بذلك وحسد العباس على دخل سوق عكاظ، وغصبه منه ولم يزل العباس متظلّماً منه عليه إلى حين وفاته.

ومنها انّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالساً في مسجده يوماً وحوله جماعة من الصحابة، إذ دخل عليه عمّه العباس ـ وكان رجلا صبيحاً حسناً حلو الشمائل ـ

____________

1- أثبتناه من البحار.

الصفحة 387

فلمّا رآه النبى (صلى الله عليه وآله) قام إليه واستقبله وقبّل ما بين عينيه، ورحّب به وأجلسه إلى جانبه، وجعل يفديه بأبيه واُمّه، فجعل العباس يقول:

من قبلها كنت في الظلال(1) وفي * * * مستودع حين يخصف الورق

ثمّ هبطت(2) البلاد لا بشر * * * أنت ولا نطفة ولا علق

بل حجة تركب السفين وقد * * * ألجم براً وأهله الغرق

وخضت نار الكثيب مكتتم * * * تجول فيها وليس تحترق

من صلب طاهر إلى رحم * * * إذا بدا عالم به طبق

وأنت لما ولدت أشرقت الأرض * * * وتلألأ بنورك الاُفق

ونحن في ذلك الضياء على الن * * * ـور وسبيل الرشاد نحترق

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): جزاك الله يا عمّ خيراً ومكافاتك على الله عزوجل، ثمّ قال: معاشر الناس احفظوني في عمّي العباس وانصروه ولا تخذلوه، ثمّ قال: يا عمّ اطلب منّي شيئاً أتحفك به على سبيل الهدية، فقال: يا ابن أخي اُريد من الشام الملعب، ومن العراق الحيرة، ومن هجر الخط ـ وكانت هذه المواضع كثيرة العمارة ـ فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): حبّاً وكرامة.

ثمّ دعا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: اُكتب لعمّك العباس هذه المواضع، فكتب له أمير المؤمنين (عليه السلام) كتاباً بذلك وأملا رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عليّ، وأشهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الجماعة الحاضرين، وختمه النبي (صلى الله عليه وآله) بخاتمه وقال: يا عم إن يفتح الله لي هذه المواضع فهي لك هبة من الله ورسوله، وإن فتحت بعد موتي فإنّي أوصي الذي ينظر بعدي في الاُمة وآمر بتسليم هذه المواضع إليك.

____________

1- في "الف": الضلال.

2- كذا الظاهر، وفي "الف" و "ب": هبطن.

الصفحة 388

ثمّ قال: معاشر المسلمين إنّ هذه المواضع المذكورة لعمّي العباس، فعلى من يغير عليه أو يبدل أو يمنعه أو يظلمه لعنة الله ولعنة اللاّعنين ثمّ ناوله الكتاب، فلمّا ولي عمر وفتح هذه المواضع المذكورة أقبل إليه العباس بالكتاب، فلمّا نظر فيه دعا رجلا من أهل الشام وسأله عن الملعب، فقال: يزيد ارتفاعه على عشرين ألف درهم، ثمّ سأل عن النواحي الاُخر، فذكر له انّ ارتفاعها يقوم بمال كثير، فقال: يا أبا الفضل إنّ هذا مال كثير لا يجوز لك أخذه من دون المسلمين، فقال العباس: هذا كتاب رسول الله يشهد لي بذلك قليلا أو كثيراً، فقال عمر: لا والله إن كنت تساوي المسلمين في ذلك وإلاّ فارجع من حيث أتيت.

فجرى بينهما كلام كثير غليظ، فغضب عمر وكان سريع الغضب، وأخذ الكتاب من العباس ومزّقه وتفل فيه، ورمى به وجه العباس وقال: والله لو طلبت منّي جنّة واحدة ما أعطيتك.

فأخذ العباس بقية الكتاب وعاد إلى منزله حزيناً كئيباً باكياً شاكياً إلى الله تعالى وإلى رسوله، فصاح العباس بالمهاجرين والأنصار، فغضبوا لذلك وقالوا: يا عمر تخرق كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتلقى به إلى الأرض، هذا شيء لا نصبر عليه، فخاف عمر أن ينخرم عليه الأمر فقال: قوموا بنا إلى العباس نسترضيه ونفعل معه ما يصلحه.

فنهضوا بأجمعهم إلى دار العباس، فوجدوه موعوكاً لشدّة ما لحقه من الغبن والألم والظلم، فقال: نحن في الغداة عائدوه إن شاء الله ومعتذرون إليه من فعلنا، فمضى غد وبعد غد ولم يعد إليه ولا اعتذر منه، ثمّ فرّق الأموال على المهاجرين والأنصار، وبقى كذلك إلى أن مات.

ولو أخذنا في ذكر أفعاله لطال الكتاب، وهذا القدر فيه عبرة لاُولي الألباب.

وأمّا صاحبهما الثالث فقد استبدّ أيضاً بأخذ الأموال ظلماً على ما تقدّم به

الصفحة 389

الشرح في صاحبيه، واختصّ بها مع أهل بيته من بني اُمية دون المسلمين، فهل يستحلّ هذا أو يستجيزه مسلم، ثمّ انّه ابتدع أشياء اُخر:

فمنها انّه منع المراعي من الجبال والأودية وحماها حتّى أخذ عليها مالا باعها به من المسلمين(1).

ومنها انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفى الحكم بن أبي العاص عمّ عثمان عن المدينة وطرده من جواره، فلم يزل طريداً من المدينة ومعه ابنه مروان أيّام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأيّام أبي بكر وأيّام عمر يسمّى طريد رسول الله، حتّى استولى عثمان فردّه إلى المدينة وآواه، وجعل ابنه مروان كاتبه وصاحب تدبيره في داره(2).

فهل هذا منه إلاّ خلافاً على رسول الله ومضادة لفعله؟ وهل يستجيز هذا الخلاف على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمضادة لأفعاله إلاّ خارج عن الدين بريء من المسلمين؟ وهل يظنّ ذو فهم انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) طرد الحكم ولعنه وهو مؤمن، وإذا لم يكن مؤمناً فما الحال التي دعت عثمان إلى ردّه والاحسان إليه وهو رجل كافر، لولا انّه تعصّب لرحمه ولم يفكّر في دينه، فحقّت عليه الآية قوله تعالى: {لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم}(3).

ومنها انّه جمع ما كان عند المسلمين من صحف القرآن، وطبخه بالماء على النار وغسلها ورمى بها إلاّ ما كان عند ابن مسعود، فإنّه امتنع من الدفع إليه، فأتى

____________

1- راجع السيرة الحلبية 2: 78; وتاريخ الخميس 2: 262; تاريخ الخلفاء: 164; شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 135.

2- الاصابة 1: 345; اُسد الغابة 2: 33; المعارف لابن قتيبة: 83; تاريخ اليعقوبي 2: 154; الملل والنحل للشهرستاني 1: 26; السيرة الحلبية 2: 76.

3- المجادلة: 22.

الصفحة 390

إليه فضربه حتّى كسر منه ضلعين، وحمل من موضعه ذلك فبقى عليلا حتى مات.

وهذه بدعة عظيمة، لأنّ تلك الصحف إن كان فيها زيادة عمّا في أيدي الناس وقصد لذهابه ومنع الناس منه فقد قصد إلى ابطال بعض كتاب الله، وتعطيل بعض شريعته، ومن قصد إلى ذلك فقد حقّ عليه قوله تعالى: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل عمّا تعملون}(1).

هذا مع ما يلزمه انّه لم يترك ذلك ويطرحه تعمّداً إلاّ وفيه ما قد كرهه، ومن كره ما أنزل الله في كتابه حبط جميع عمله، كما قال الله تعالى: {ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم}(2) فإن لم تكن في تلك الصحف زيادة عمّا في أيدي الناس فلا معنى لما فعله.

ومنها: انّ عمار بن ياسر قام يوماً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعثمان يخطب على المنبر، فوبّخ عثمان بشيء من أفعاله، فنزل عثمان إليه فركله برجله وألقاه على قفاه وجعل يدوس على بطنه ويأمر أعوانه بذلك حتّى غشي على عمّار، وهو يفتري على عمّار ويشتمه، وقد رووا جميعاً انّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: الحق مع عمار يدور معه حيث ما دار(3).

وقال (صلى الله عليه وآله): إذا افترق الناس يميناً وشمالا فانظروا الفرقة التي فيها عمار فاتّبعوها، فإنّه يدور مع الحق حيث دار، فلا يخلو حال ضربه لعمار من أمرين، أحدهما انّه يزعم انّ ما قال عمار وما فعل باطل، وهذا ممّا فيه تكذيب لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قال: الحقّ مع عمار، فثبت أن يكون ما قاله

____________

1- البقرة: 85.

2- محمد: 9.

3- الاستيعاب بهامش الاصابة 2: 480; البحار 44: 35 ح1.

الصفحة 391

عمّار حقّاً كرهه عثمان فضربه عليه.

ومنها: ما فعل بأبي ذر حين نفاه عن المدينة إلى الربذة مع اجماع الاُمة في الرواية انّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: ما أقلّت الغبراء وما أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر(1).

ورووا انّه قال: انّ الله عزوجل أوحى إليّ انّه يحبّ أربعة من أصحابيوأمرني بحبّهم، فقيل: من هم يا رسول الله؟ قال: عليّ سيّدهم، وسلمان، والمقداد، وأبوذر(2).

فحينئذ ثبت انّ أباذر أحبّه الله وأحبّه رسوله، ومحال عند ذي الفهم أن يكون الله ورسوله يحبّان رجلا وهو يجوز أن يفعل فعلا يستوجب به النفي عن حرم الله وحرم رسوله، ومحال أيضاً أن يشهد رسول الله لرجل انّه ما على وجه الأرض ولا تحت السماء أصدق منه ثمّ يقول باطلا، فتعيّن أن يكون ما فعله وما قاله حقّاً كرهه عثمان فنفاه عن الحرمين، ومن كره الحق ولم يحبّ الصدق فقد كره ما أنزل الله في كتابه، لأنّه تعالى أمر بالكون مع الصادقين فقال: {يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين}(3).

ومنها: انّ عبد الله بن عمر بن الخطاب لمّا ضرب أبو لؤلؤة عمر الضربة التي مات فيها سمع قوماً يقولون: قتل العلج أمير المؤمنين، فقدّر انّهم يعنون الهرمزان ـ رئيس فارس ـ وكان قد أسلم على يد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ أعتقه من قسمه من الفيء، فبادر إليه عبد الله بن عمر فقتله قبل أن يموت

____________

1- الاصابة 4: 64; وفي هامشها الاستيعاب 1: 216; مستدرك الحاكم 4: 64; اُسد الغابة 1: 301; التاج الجامع للاُصول 3: 404; نهج الحق: 300.

2- كنز العمال 11: 643 ح33127.

3- التوبة: 119.

الصفحة 392

عمر، فقيل لعمر: انّ عبد الله بن عمر قد قتل الهرمزان، فقال: أخطأ فإنّ الذي ضربني أبو لؤلؤة وما كان للهرمزان في أمري صنع، وإن عشت احتجت أن اُقيّده به، فإنّ عليّ بن أبي طالب لا يقبل منّا الدية وهو مولاه.

فمات عمر واستولى عثمان على الناس بعده، فقال عليّ (عليه السلام) لعثمان: انّ عبد الله بن عمر قتل مولاي الهرمزان بغير حق وأنا وليّه والطالب بدمه سلّمه لاُقيّده به، فقال عثمان: بالأمس قتل عمر وأقتل ابنه أورد على آل عمر ما لا قوام لهم به، وامتنع من تسليمه إلى عليّ شفقة منه بزعمه على آل عمر، فلمّا رجع الأمر إلى عليّ (عليه السلام) هرب منه عبد الله بن عمر إلى الشام فصار مع معاوية، وحضر يوم صفين مع معاوية محارباً لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فقتل في معركة الحرب ووجد متقلّداً بسيفين يومئذ(1).

فانظروا يا أهل الفهم في أمر عثمان كيف عطّل حدّاً من حدود الله لا شبهة فيه شفقة منه بزعمه على آل عمر، ولم يشفق على نفسه من عقوبة تعطيل حدود الله ومخالفته، وأشفق على آل عمر في قتل من أوجب الله قتله، وأمر به رسوله (صلى الله عليه وآله).

ومنها: انّه عمد إلى صلاة الفجر فنقلها من أوّل وقتها في حين طلوع الفجر، فجعلها بعد الإسفار واظهار ضياء النهار، واتبعه أكثر الناس إلى يومنا هذا، وزعم انّه فعله ذلك اشفاقاً منه على نفسه في خروجه إلى المسجد خوفاً أن يقتل في غلس الفجر كما قتل عمر، وذلك انّ عمر كان قد جعل لنفسه سرباً تحت الأرض من بيته إلى المسجد، وكان يخرج من منزله في وقت الفجر في ذلك السرب إلى المسجد، فقعد أبو لؤلؤة في السرب فضربه بخنجره في بطنه، فلمّا ولي عثمان أخّر صلاة الفجر إلى

____________

1- راجع في ذلك شرح النهج لابن أبي الحديد 1: 242; تاريخ الخميس 2: 273; الاصابة 1: 619; تاريخ اليعقوبي 2: 153; نهج الحق: 301.

الصفحة 393

الإسفار.

فعطّل وقت فريضة الله وحمل الناس على صلاتها في غير وقتها، لأنّ الله سبحانه قال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}(1) يعني ظلمته، ثمّ قال: {وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً}(2) والفجر هو أوّل ما يبدؤ من المشرق في الظلمة وعنده تجب الصلاة، فإذا علا في الاُفق وانبسط الضياء وزالت الظلمة صار صبحاً وزال عن أن يكون فجراً.

ودرج على هذه البدعة أولياؤه، ثمّ تخرّص بنو اُمية بعده أحاديث انّ النبي (صلى الله عليه وآله) غلس بالفجر وأسفر بها، وقال للناس: اسفروا بها أعظم لأجركم، فصار المصلّي للفجر في وقتها من طلوع الفجر عند كثير من أوليائهم مبتدعاً، ومن ابتدع بدعة عثمان فهو على السنّة، فما أعجب أحوالهم وأشنعها.

ثمّ ختم بدعه بأنّ أهل مصر شكوا من عامله وسألوه أن يصرفه عنهم، أو يبعث رجلا ناظراً بينهم وبينه، فوقع الاختيار على محمد بن أبي بكر يكون ناظراً، وكان محمد ممّن يشير بالحق ويأمر به وينهى عن مخالفته، فثقل أمره على عثمان وكاده وبقي حريصاً على قتله بحيلة، فلمّا وقع الاختيار عليه أن يكون ناظراً بين أهل مصر وعامله خرج معهم، وكتب عثمان في عقب خروجه إلى عامله بمصر يأمره بقتل محمد بن أبي بكر إذا صار إليه، ودفع الكتاب إلى عبد من عبيده.

فركب العبد راحلته وسار نحو مصر بالكتاب مسرعاً ليدخل مصر قبل دخول محمد بن أبي بكر، فقيل: إنّ العبد مرّ يركض بحيث نظر إليه القوم الذين مع محمد بن أبي بكر، فأخبروا محمداً بذلك، فبعث خلفه خيلا فأخذوه وارتاب به محمد، فلمّا ردّوه إليه وجد الكتاب معه، فقرأه وانصرف راجعاً مع القوم والعبد والراحلة معهم، فصاروا إلى عثمان في ذلك فقال: أمّا العبد فعبدي، والراحلة

____________

1 و3) الاسراء: 78.

الصفحة 394

راحلتي، وختم الكتاب ختمي، وليس الكتاب كتابي، ولا أمرت به.

وكان الكتاب بخطّ مروان فقيل له: إن كنت صادقاً فادفع إلينا مروان فهذا خطّه وهو كاتبك، فامتنع عليهم فحاصروه وكان ذلك سبب قتله، فهذه جملة يسيرة من بدع القوم ممّا يقرّ بها أولياؤهم، فسحقاً لهم وبُعداً(1).

ثمّ ما أغفلهم عن قوله تعالى: {إنّ الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى}(2).

وقال عزوجل: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}(3).

وقال عزّ من قائل: {وأقسطوا إنّ الله يحبّ المقسطين}(4).

وقال تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا}(5).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): السلطان العادل ظلّ الله في أرضه(6).

وقال (عليه السلام): عدل ساعة تعدل عبادة سبعين سنة بعد أداء الفرائض(7).

وافتخر النبي (صلى الله عليه وآله) بولادته في زمان أنوشيروان العادل مع كفره، بقوله (صلى الله عليه وآله): ولدت في زمن الملك العادل أنوشيروان، ويكفيهم ما أعدّ الله تعالى للظالمين من النكال وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة، فقال: {وما للظالمين من أنصار}(8).

____________

1- عنه البحار 30: 347 ح164.

2- النحل: 90.

3- النحل: 90.

4- الأنعام: 152.

5- النحل: 90.

6- راجع كنز العمال 6: 6 ح14589 نحوه.

7- راجع الترغيب والترهيب 3: 167 ح6; وفيه: عدل ساعة أفضل من عبادة ستين سنة.

8- البقرة: 270.

الصفحة 395

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ولّى اُمور سبعة من المسلمين ولم يعدل فيهم، جعل الله رأسه ورجليه في ثقب فأس من نار حتّى يفرغ من حساب الخلائق.

ويكفي في التنبيه على فضيلة العدل حال فرعون وموسى (عليه السلام)، فإنّ الله عزوجل أنعم عليه بجميع أنواع النعم من الأمن والصحة والملك إلى غير ذلك من النعم، وقابل على ذلك بأبلغ مراتب الكفر وأنهى أحوال الشرك، وهو ادّعا الربوبيّة مع نفيها عنه تعالى، كما حكى عنه سبحانه وتعالى: {ما علمت لكم من إله غيري}(1).

ثمّ بعث إليه أنبياءه ورسله الذين هم أخصّ خلقه وأقربهم إليه ليعظوه ويزجروه عن ذلك، فغلظ عليهما في الكلام وخاطبهما بما يخاطب به العوام، فرجعا إليه تعالى وشكيا منه، فقال لهما الحكيم الكريم جلّ جلاله: {فقولا له قولا ليّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى}(2) وبقي موسى يدعو عليه أربعين سنة فلا يُستجاب له، فخاطب الله تعالى في ذلك، فقال جلّ جلاله: يا موسى ما دام آمناً لعبادي، عامراً لبلادي، لم أجب فيه دعوة مناد.

وقال تعالى: {وأمّا القاسطون فكانوا لجهنّم حطباً}(3) والقاسط الجائر والمقسط العادل، يقال: أقسط إذا عدل وقسط إذا جار، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يؤتى يوم القيامة بالحاكم الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في نار جهنّم، فيدور فيها كما تدور الرحاء، ثمّ يرتبط في قعرها.

____________

1- القصص: 38.

2- طه: 44.

3- الجن: 15.

الصفحة 396

وقال الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {إنّ ربّك لبالمرصاد}(1)قال: قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة(2).

وقال بعض الحكماء: السلطان الجائر الذي يغصب مال رعيّته كمن يأخذ التراب من أساس داره ويبني به عاليها، وكان كسرى قد فتح بابه، ورفع حجابه، وبسط إذنه لكلّ واصل إليه، فقال له رسول ملك الروم: لقد أقدرت عليك عدوّك بفتح بابك ورفع حجابك، فقال: أتحصّن من عدوّي بعدلي، إنّما انتصبت هذا المنصب وجلست هذا المجلس لقضاء الحاجات، وإذا لم تصل الرعية إليّ فمتى أقضي الحاجة وأكشف الظلامة؟!.

وروى المظفري في تاريخه قال: لمّا حجّ المنصور في سنة أربع وأربعين ومائة نزل بدار الندوة وكان يطوف ليلا ولا يشعر به، فإذا طلع الفجر صلّى بالناس وراح في موكبه إلى منزله، فبينما هو ذات ليلة يطوف إذ سمع قائلا يقول: اللّهمّ إنّا نشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وبين أهله من الظلم.

قال: فملأ المنصور مسامعه منه ثمّ استدعاه فقال له: ما الذي سمعته منك؟ قال: إن أمنتني على نفسي نبأتك بالاُمور من أصلها، قال: أنت آمن على نفسك، قال: أنت الذي دخله الطمع حتّى حال بينه وبين الحق، وسبب حصول ما ظهر في الأرض من البغي والفساد، فإنّ الله سبحانه وتعالى استرعاك اُمور المسلمين فأغفلتها، وجعلت بينك وبينهم حجاباً وحصوناً من الجص والآجر، وأبواباً من الحديد، وحجبة معهم السلاح.

واتّخذت وزراء ظلمة، وأعواناً فجرة، إن أحسنت لا يعينوك وإن أسأت لا يردّوك، وقويتهم على ظلم الناس ولم تأمرهم باعانة المظلوم والجائع والعاري،

____________

1- الفجر: 14.

2- الفجر: 14.

الصفحة 397

فصاروا شركاؤك في سلطانك، وصانعهم العمال بالهدايا خوفاً منهم فقالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه، فاختزنوا الأموال وحالوا بين المتظلّم ودونك، فامتلأت بلاد الله فساداً وبغياً وظلماً، فما بقي الإسلام وأهله على هذا.

وقد كنت اُسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه فجعل يبكي، فقال له وزراؤه: ما يبكيك؟ فقال: لست أبكي على ما نزل من ذهاب سمعي، ولكن لمظلوم يصرخ بالباب ولا أسمع نداءه، ولكن إن كان سمعي قد ذهب فبصري باق، نادوا في الناس: لا يلبس ثوب أحمر إلاّ مظلوم، فكان يركب الفيل في كلّ طرف نهار هل يرى مظلوماً فلا يجده.

هذا وهو مشرك بالله وقد غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه، وأنت مؤمن بالله وابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك، فإنّك لا تجمع المال إلاّ لواحدة من ثلاث، إن قلت: إنّك تجمع لولدك فقد أراك الله تعالى الطفل الصغير يخرج من بطن اُمّه لا مال له فيعطيه الله، فلست بالذي تعطيه بل الله سبحانه الذي يعطي، وإن قلت: أجمعها لتشييد سلطاني، فقد أراك الله القدير عبراً في الذين تقدّموا ما أغنى عنهم ما جمعوا من الأموال، ولا ما أعدّوا من السلاح، وإن قلت: أجمعها لغاية هي أحسن من الغاية التي أنا فيها، فوالله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلاّ العمل الصالح.

يا هذا هل تعاقب من عصاك إلاّ بالقتل؟! فكيف تصنع بالله الذي لا يعاقب إلاّ بأليم العذاب، وهو يعلم منك ما أضمره قلبك وعقدت عليه جوارحك، فماذا تقول إذا كنت بين يديه للحساب عرياناً؟! هل يغني عنك ما كنت فيه شيئاً؟!.

قال: فبكى المنصور بكاءً شديداً وقال: يا ليتني لم اُخلق ولم أك شيئاً، ثمّ قال: ما الحيلة فيما حولت؟ قال: عليك بالأعلام العلماء الراشدين، قال: فرّوا منّي، قال: فرّوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر من طريقتك، ولكن افتح الباب، وسهّل

الصفحة 398

الحجاب، وخُذ الشيء ممّا حلّ وطاب، وانتصف للمظلوم من الظالم، وأنا ضامن عمّن هرب منك أن يعود إليك فيعاونك على أمرك.

فقال المنصور: اللّهمّ وفّقني لأن أعمل بما قال هذا الرجل، ثمّ حضر المؤذّنون وأقاموا الصلاة، فلمّا فرغ من صلاته قال: عليّ بالرجل، فطلبوه فلم يجدوا له أثراً، فقيل: انّه كان الخضر (عليه السلام)(1).

وأمّا الاحسان فهو التفضّل والمعروف، قال الله تبارك وتعالى: {إنّ الله يحبّ المحسنين}(2).

وقال جلّ جلاله: {وأحسن كما أحسن الله إليك}(3).

وقال النبي (صلى الله عليه وآله): صنائع المعروف تقي مصارع السوء(4).

وقال (صلى الله عليه وآله): البيوت التي يسار فيها المعروف تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض.

وقال (صلى الله عليه وآله): خياركم سمحاؤكم.

وقال (صلى الله عليه وآله): الخلق كلّهم عباد الله فأحبّ خلقه إليه أنفعهم لعباده.

وقال (صلى الله عليه وآله): إنّ لله سبحانه وتعالى عباداً خلقهم لقضاء حوائج الناس، آلى على نفسه أن لا يعذّبهم بالنار، فإذا كان يوم القيامة وضعت لهم منابر من نور يسبّحون الله ويقدّسونه والناس في الحساب.

ومرّ (صلى الله عليه وآله) بيهودي يحطب، فقال لأصحابه: إنّ هذا اليهودي

____________

1- عنه البحار 75: 351 ح60.

2- البقرة: 195.

3- البقرة: 195.

4- الترغيب والترهيب 2: 30 ح4.

الصفحة 399

يلدغه اليوم أفعى فيموت، فلمّا كان آخر النهار رجع اليهودي والحطب على رأسه كالعادة، فقال الجماعة: يا رسول الله ما عهدناك تخبر بما لم يكن، فقال (صلى الله عليه وآله): وما ذلك؟ قالوا: إنّك أخبرت اليوم انّ هذا اليهودي يلدغه أفعى فيموت، وقد رجع سالماً.

فقال: عليّ به، فأحضروه إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال له: يا يهودي ضع الحطب وحلّه، فحلّه فرأى فيه أفعى، فقال: يا يهودي ما صنعت اليوم من المعروف؟ قال: إنّي لم أصنع شيئاً منه غير انّي خرجت ومعي كعكتان، فأكلت احداهما ثمّ سألني سائل فدفعت إليه الاُخرى، فقال (صلى الله عليه وآله): تلك الكعكة خلّصتك من شرّ هذا الأفعى، فأسلم على يده(1).

وروى اسحاق بن عمار قال: كنت بين يدي الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عند مقام ابراهيم (عليه السلام)، فقال لي: يا ابن عمار من طاف بهذا البيت طوافاً واحداً كتب الله له ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيّئة، وأعتق عنه ألف نسمة، وغرس له ألف شجرة في الجنّة.

قال: قلت: هذا كلّه لمن طاف طوافاً واحداً؟ فقال: نعم، أفلا اُخبرك بأفضل منه؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله، قال: قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف وطواف ـ حتّى عدّ عشرة ـ(2).

ودخل عليّ بن يقطين رحمه الله على الإمام الكاظم (عليه السلام) ـ وكان قد حجّ في تلك السنة وهو يومئذ وزير الرشيد ـ فقال له: يا ابن رسول الله أوصني بحاجة، فقال له (عليه السلام): اضمن لي واحدة أضمن لك ثلاثاً، فقال له: يا مولاي وما هي؟ فقال: تضمن انّه لا يقف على باب هذا الجبّار أحد من شيعتنا أو أهل بيتنا

____________

1- الكافي 4: 5 ح3; عنه البحار 4: 121 ح67.

2- الكافي 2: 194 ح8; عنه البحار 74: 326 ح97.

الصفحة 400

إلاّ قضيت حاجته، أضمن لك أن لا يظلّ رأسك سقف سجن، ولا يصيب جسدك حدّ سيف، ولا تمسّك النار يوم القيامة(1).

وأمّا ايتاء ذي القربى وقد تقدّم ذكره في مدح عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

يقولون لي قل في عليّ مدائح * * * فإن أنا لم أفعل يقولوا معاند

فماصنت عنه الشعر عن ضعف هاجس * * * ولا انّني عن مذهب الحق حائد

ولكن عن الأشعار والله صنت من * * * عليه بنى قرباننا والمساجد

ولو أنّ ماء السبعة الأبحر التي * * * خلقن مداد والسماوات كاغد

وأشجار كلّ الأرض أقلام كاتب * * * إذا الخطّ أفناهنّ عُدن عوائد

وكان جميع الانس والجنّ كتب * * * إذا كَلَّ منهم واحد قام واحد

وخطوا جميعاً منقباً بعد(2) منقب * * * لما خط من تلك المناقب واحد

وقال الصادق (عليه السلام): انّ القائم (عليه السلام) يمدّ في أيّام غيبته ليصرح الحقّ عند من محضه، ويصفو الايمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة التي يخشي عليهم النفاق(3).

تمّ الكتاب بعون الله وتوفيقه، وصلّى الله على من لا نبيّ بعده محمد وآله خير خلقه، وسلّم تسليماً كثيراً.

____________

1- راجع البحار 48: 136 ح10 عن كتاب حقوق المؤمنين، نحوه.

2- في "د": اثر منقب.

3- كمال الدين: 356 ضمن حديث 53; عنه البحار 51: 222 ح9.

الصفحة 401

المَصادِرُ

1 ـ اختيار معرفة الرجال، الطوسي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

2 ـ الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، الطبعة الاُولى عام 1413 انتشارات اُسوة.

3 ـ الارشاد للشيخ المفيد، الطبعة الثالثة عام 1399 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

4 ـ الاعتقادات في دين الامامية، محمد بن علي بن بابويه، طبع عام 1412 المطبعة العلمية.

5 ـ الافصاح في امامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، الشيخ المفيد، طبع عام 1413 نشر المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

6 ـ البحار للعلاّمة المجلسي، طبعة بيروت.

7 ـ البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، مؤسسة اسماعيليان.

8 ـ الترغيب والترهيب من الحديث الشريف للمنذري، المكتبة المصرية، طبعة بيروت.

9 ـ التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، الطبعة الاُولى عام 1409 نشر مؤسسة الإمام المهدي (عليه السلام).

10 ـ التوحيد، محمّد بن علي بن بابويه، منشورات جماعة المدرّسين.

11 ـ الثاقب في المناقب، محمد بن علي الطوسي، الطبعة الثانية عام 1412 مؤسسة انصاريان.

12 ـ الجامع الصغير للسيوطي، الطبعة الاُولى عام 1401 دار الفكر.

13 ـ الجمل والنصرة لسيد العترة في حرب البصرة، للشيخ المفيد، طبع عام 1413 مكتب الاعلام الإسلامي.

الصفحة 402

14 ـ الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، طبع عام 1409 مؤسسة الإمام المهدي (عليه السلام).

15 ـ الخصال، محمّد بن علي بن بابويه، منشورات جماعة المدرّسين.

16 ـ الدعوات، قطب الدين الراوندي، الطبعة الاُولى عام 1407 مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام).

17 ـ الصحاح، اسماعيل بن حمّاد الجوهري، دار العلم للملايين.

18 ـ الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ابن طاووس، طبع عام 1400 مطبعة خيّام.

19 ـ الفردوس بمأثور الخطاب، ابن شيرويه الديلمي، الطبعة الاُولى عام 1406 دار الكتب العلمية.

20 ـ الفضائل، شاذان بن جبرئيل، منشورات الشريف الرضي.

21 ـ القاموس المحيط للفيروزآبادي.

22 ـ الكافي، محمّد بن يعقوب الكليني، الطبعة الخامسة عام 1363 دار الكتب العلمية.

23 ـ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، الزمخشري، الطبعة الاُولى عام 1416، مكتب الإعلام الإسلامي.

24 ـ المجازات النبوية، السيد الرضي، طبع عام 1408 المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الايرانية بدمشق.

25 ـ المحاسن، أحمد بن محمد البرقي، الطبعة الاُولى عام 1385 المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام).

26 ـ المناقب، الموفق بن أحمد الخوارزمي، طبع عام 1414 منشورات جماعة المدرّسين.

27 ـ المنجد في اللغة.

28 ـ الهداية الكبرى، أبي عبد الله الخصيبي، طبع عام 1406 مؤسسة البلاغ.

29 ـ اليقين باختصاص مولانا علي بامرة المؤمنين، ابن طاووس، طبع عام 1410، دار العلوم.

30 ـ أمالي الشيخ الصدوق، الطبعة الخامسة عام 1400 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.

31 ـ أمالي الشيخ الطوسي، الطبعة الاُولى عام 1414 مؤسسة البعثة.

32 ـ أمالي الشيخ المفيد، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.

33 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، الطبري الامامي، منشورات المكتبة الحيدرية في النجف الأشرف.

34 ـ بصائر الدرجات، ابن فروخ الصفار، طبع عام 1404 مؤسسة الأعلمي.

35 ـ تحف العقول عن آل الرسول، الحرّاني، منشورات مكتبة بصيرتي.

36 ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي، منشورات المطبعة العلمية في النجف الأشرف.

37 ـ تفسير العياشي، طبع عام 1380 المكتبة العلمية الإسلامية.

38 ـ تفسير فرات الكوفي، الطبعة الاُولى عام 1410 مؤسسة الطبع والنشر لوزارة الارشاد.

39 ـ جامع الأخبار، محمد بن محمد السبزواري، الطبعة الاُولى عام 1414 مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

الصفحة 403

40 ـ خصائص الأئمة، السيد الرضي، طبع عام 1406 مؤسسة الطبع والنشر للآستانة الرضوية.

41 ـ دعائم الإسلام، أبو حنيفة النعمان بن محمد المغربي، طبع عام 1383 دار المعارف.

42 ـ روضة الواعظين، محمّد بن الفتال النيشابوري، منشورات الشريف الرضي.

43 ـ علل الشرائع، محمد بن عليّ بن بابويه، طبع عام 1385 دار احياء التراث العربي.

44 ـ قرب الاسناد، عبد الله بن جعفر الحميري، الطبعة الاُولى عام 1413 مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

45 ـ قصص الأنبياء (عرائس المجالس)، الثعلبي، نشر المكتبة الثقافية.

46 ـ قصص الأنبياء، قطب الدين الراوندي، طبع عام 1409 مؤسسة الطبع والنشر الآستانة الرضوية.

47 ـ كتاب الغيبة، النعماني، طبع في مكتبة الصدوق.

48 ـ كشف الغمة في معرفة الأئمة، الأربلي، دار الأضواء.

49 ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)، الحسن بن يوسف الحلّي، طبع عام 1411 مؤسسة النشر لوزارة الارشاد.

50 ـ كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الاثني عشر، الخزاز القمي، طبع عام 1401 انتشارات بيدار.

51 ـ كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، الحافظ الگنجي، طبع عام 1404 دار احياء تراث أهل البيت.

52 ـ كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، منشورات جماعة المدرّسين.

53 ـ كنز العمال، علي المتّقي الهندي، طبع عام 1401 مؤسسة الرسالة.

54 ـ كنز الفوائد، محمد بن علي الكراجكي، منشورات مكتبة المصطفوي.

55 ـ لسان العرب، ابن منظور.

56 ـ مائة منقبة، ابن شاذان، طبع عام 1413 انتشارات انصاريان.

57 ـ مجمع البحرين للطريحي.

58 ـ مجمع البيان، الفضل بن الحسن الطبرسي، منشورات دار مكتبة الحياة.

59 ـ مجموعة ورّام، أبي الحسين ورّام بن أبي فراس، مكتبة الفقيه.

60 ـ مختصر بصائر الدرجات، الحسن بن سليمان الحلّي، منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف.

61 ـ مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني، الطبعة الاُولى عام 1414 مؤسسة المعارف الإسلامية.

62 ـ مستدرك الوسائل، المحدّث النوري، الطبعة الاُولى عام 1407 مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

63 ـ مسند أحمد بن حنبل، الطبعة الاُولى عام 1412 مؤسسة التاريخ العربي، دار احياء التراث العربي.

الصفحة 404

64 ـ مشكاة الأنوار، أبي الفضل الطبرسي، الطبعة الثانية عام 1385 المكتبة الحيدرية في النجف.

65 ـ معالم الزلفى، السيد هاشم البحراني (طبعة حجرية).

66 ـ معاني الأخبار، محمد بن علي بن بابويه، منشورات جماعة المدرّسين.

67 ـ معجم البلدان، ياقوت الحموي، طبع عام 1399 دار احياء التراث العربي.

68 ـ مكارم الأخلاق، الحسن بن الفضل الطبرسي، منشورات الشريف الرضي.

69 ـ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب الحلّي، انتشارات علاّمة.

70 ـ مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ابن المغازلي، طبع عام 1402 المطبعة الإسلامية.

71 ـ من لا يحضره الفقيه، محمد بن علي بن بابويه، منشورات جماعة المدرّسين.

72 ـ نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار، الشيخ مؤمن الشبلنجي، منشورات الشريف الرضي.

73 ـ نهج البلاغة للشريف الرضي.

74 ـ نهج الحق وكشف الصدق، الحسن بن يوسف الحلّي، منشورات دار الهجرة.

75 ـ وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، الطبعة الاُولى عام 1391، دار احياء التراث العربي.

76 ـ ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي، منشورات الشريف الرضي.

إرشاد القلوب


تأليف

الحسن الدّيلمي


الجزء الثاني

جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org