إلزام الناصب في إثبات‏

الحجة الغائب عجّل الله تعالي فرجه الشريف‏


الجزء الأول‏


تأليف

علي اليزدي الحائري‏


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

8

3- كتاب روح السعادة، و هو مختصر السعادة الأبدية و قد طبع في سنة 1330 ه ق‏ (1).

4- منظومة في الفقه‏ (2).

5- تواريخ الأنبياء و الأئمة، لم يطبع‏ (3).

6- كتاب حدائق الجنان، لم يطبع، و قيل أن إلزام الناصب ضمن كتاب حديقة الجنان‏ (4).

7- بحر الغموم في مقتل سيدنا الإمام أبي عبد اللّه الحسين السبط الشهيد (عليه السّلام)(5).

8- كتاب إلزام الناصب في أحوال الإمام الغائب.

و هو هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم و قد طبع عدة مرات‏ (6)، فرغ من تأليفه المصنف سنة 1326 ه ق، و قد أوصى المؤلف المولى محمد حسين القمشهي الصغير أن يطبع كتابه من ثلث ماله، و قد نشر في سنة 1352 ه ق و ترجم له ولده الميرزا علي أكبر الحائري، و ذكر أنه فرغ من تأليفه في سنة 1326 ه ق‏ (7).

وفاته:

توفي العلامة البارجيني (رحمه اللّه) في سنة 1333 ه ق، في مدينة كربلاء المقدسة في العراق، و كان يوم تشييعه مشهودا في المحافل و الحوزات الدينية بفقد هذا العالم و المرجع الكبير.

و دفن (رحمه اللّه) في حرم سيدنا العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بالتحديد قريبا من جهة الرجلين، ف (سلام اللّه عليه) يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيا.

____________

(1)- الذريعة: 11/ 264، نقباء البشر: 4/ 1442، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

(2)- الذريعة: 3/ 323، نقباء البشر: 4/ 1442، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

(3)- الذريعة: 4/ 474، نقباء البشر: 4/ 1442، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

(4)- الذريعة: 6/ 282، نقباء البشر: 4/ 1442، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

(5)- الذريعة: 3/ 43، نقباء البشر: 4/ 1442.

(6)- طبع في ايران و لبنان مرات عدة جميعها لم تكن مصححة و لا محققة، و قد وجدنا الكثير من الأخطاء العلمية و النحوية و الإملائية، بل في كثير من الآيات و الأحاديث الشريفة، و التي كان بعضها يؤثر على معنى الحديث.

(7)- الذريعة: 2/ 289 و 3/ 43- 323 و 4/ 474، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

6

و غيرهم من أساطين الفقه و الأصول و الحديث في كربلاء آنذاك.

و كان الحائري (قدس سره) فقيها فاضلا مفتيا متوقد الذهن سريع الحافظة، بل أوحد زمانه في الحفظ، و فرد أقرانه في الاتقان و الضبط كما نقل عنه أصحاب التراجم.

و تدرج به الحال حتى حصل على إجازة الحديث و الرواية عن علماء كثيرين منهم أساتذته الذين مرّ ذكرهم، و كذلك عن العلامة جمال السالكين السيد المرتضى الرضوي الكشميري النجفي، و عن العلامة الآية خاتم المحدثين الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، و العلامة الآية الحاج ميرزا فتح اللّه شيخ الشريعة الأصفهاني النمازي النجفي.

و غيرهم من العلماء الأعلام و الثقات الأفذاذ، الذي كان (رحمه اللّه) محطّ ثقتهم و موضع صدقهم، و هو التلميذ البار الغيور على الإسلام و أهله.

حتى أصبح الشيخ البارجيني (رحمه اللّه) من العلماء المشار إليهم بالبنان و آية من آيات اللّه في المرجعية و التقليد، و إلقاء البحوث العالية لدرس الخارج في الفقه و الأصول في الحوزة العلمية.

و استجاز منه جماعة في نقل الحديث و الرواية عن أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) بالواسطة السلسلية الشريفة.

فممن روى عنه: السيد شمس الدين محمود الحسيني المرعشي النجفي والد العلامة المرجع السيد شمس الدين شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي المتوفى سنة 1338 ه ق، و تلميذه العلامة الحجة نظر علي بن إسماعيل الكرماني الواعظ، صاحب أنيس الأنام المتوفى سنة 1348 ه ق.

و غيرهم من الأعلام الثقات.

و كان (رحمه اللّه) من أرباب الفضل و رواد العلم و الأدب، و كان يتّصف بالتواضع و السماحة، و يشجع على طلب العلم و يحث عليه، حتى جعل هذه المفاهيم مصاديقه عملية حيث كانت داره محط طلاب العلم و الفضيلة، فأسس فيها مكتبة عامرة بألوان و أصناف العلوم الفقهية و الأصولية و الحديثية و الأدبية، و الكلامية و غيرها.

حتى أن معاصره العلامة آغا بزرك الطهراني عند ما كان يأتي إلى كربلاء فإنه يقضي أكثر أوقاته في مطالعة مكتبة العلامة البارجيني، و هذا يدلّ على عظمة المترجم (رحمه اللّه) و مدى‏

7

حبه للعلم و العلماء و خدمة الإسلام و المسلمين.

أقوال العلماء في حقه:

ترجم له معاصره العلامة المحقق و الآية المدقق الشيخ آغا بزرك الطهراني في أكثر من كتاب و موضوع بقوله: هو الشيخ علي بن زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري المعروف بشهرنوي، عالم متضلع، و فاضل متتبع.

كان من الأجلاء المشهورين في كربلاء، كانت له مكتبة كبيرة فتح لها بابا من خارج بيته، و عرضها لفائدة الناس و أهل الفضل، فكانوا يرتادونها و يستفيدون منها، و قد كنت أطيل المكث فيها لدى تشرّفي بزيارة الحسين (عليه السّلام)(1).

و قال عمر رضا كحالة في ضمن ترجمته للمؤلف (رحمه اللّه):

علي بن زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري المعروف بالشهرنوي، من الأجلاء في كربلاء، توفي سنة 1333 ه ق.

ثم سرد آثار المؤلف و ذكر منها كتابه هذا «إلزام الناصب في أحوال الإمام الغائب» (2).

مصنفات المؤلف (رحمه اللّه):

لقد اغنى المؤلف (رحمه اللّه) المكتبة الإسلامية بمؤلفاته و كتاباته و أفاض على المذهب الحق من مداد قلمه الشريف أنوار كلماته، فرغم جهوده المبذولة في الدرس و التدريس، و أمور العامة، و التصدي للفتوى و المرجعية، كان مترجمنا (رحمه اللّه) يخصص بعض الوقت للكتابة و التأليف ما يسعفه وقته الشريف.

و في المقام نذكر ما وصل إلينا من مؤلفات العلامة الحائري (قدس سره) في كتب التراجم و هي كالتالي:

1- كتاب تبصرة المتهجدين في آداب صلاة الليل، و قد طبع في سنة 1331 ه ق‏ (3).

2- كتاب السعادة الأبدية في الأخبار العددية، لم يطبع‏ (4).

____________

(1)- نقباء البشر: 1442 ترجمة رقم: 1951.

(2)- المستدرك على معجم المؤلفين: 488.

(3)- الذريعة: 3/ 323، نقباء البشر: 4/ 1442، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

(4)- الذريعة: 12/ 180، نقباء البشر: 4/ 1442، مستدرك معجم المؤلفين: 488.

5

ترجمة المصنف:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

هو الشيخ علي بن زين العابدين البارجيني‏ (1)، اليزدي الحائري، المعروف بشهرنوي‏ (2).

نشأ و ترعرع (رحمه اللّه) في قرية صغيرة من قرى أردكان في محافظة يزد، و أكمل دراسته البدائية في مسقط رأسه بارجين القرية الصغيرة، و استمر في دراسته مواظبا عليها حتى أنهاها بتفوق و نجاح، و لكنه من عائلة ذات أصول دينة عرفت بالالتزام و المحافظة فاستهوته دراسة الحديث و الفقه و الأصول و الخوض في مضاميرها لخدمة الدين الإسلامي و المذهب الحنيف، فشد الرحال الى كربلاء- و هي من المراكز العلمية يوم ذاك- و منها لقّب بالحائري، لأنّ كربلاء كانت تسمى بالحائر الحسيني، فدرس المقدمات و السطوح على يد أساتيذ هذا الفن، حتى شرع بدراسة البحوث العالية.

أساتذته:

درس المؤلف البارجيني (رحمه اللّه) تحت أساتذة معروفين و علماء مرموقين حتى احتل هذه المنزلة في المجتمع الإسلامي.

و من أساتذته:

1- العلامة السيد زين العابدين الطباطبائي الحائري، درس عنده الفقه و الأصول و الحديث و برع على يديه.

2- العلامة الحاج الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري، صاحب كتاب «ذخيرة المعاد» في الفروع الفقهية.

3- العلامة الحجة الحاج الميرزا محمد حسين الحسيني المرعشي الشهرستاني الحائري.

____________

(1)- البارجين: قرية- زراعية- صغيرة من قرى ميبد التابعة لناحية أردكان من محافظة يزد، و يبلغ عدد نفوسها 456 نسمة (لغة نامة: 3/ 3472).

(2)- شهرنو: ناحيتان من نواحي مدينة مشهد، أحدهما كبيرة و الأخرى صغيرة، عدد نفوس الأولى 23046 نسمة، و الأخرى 2661 نسمة، و يمارس الأهالي فيها مهنة الزراعة (لغة نامة: 9/ 1288).

9

[مقدمة الناشر]

هو اللّه تعالى شأنه بسم اللّه الرّحمن الرحيم

هذا كتاب إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه)، أحد مجلّدات حدائق الجنان في ذكر ما ينبغي أن يطلع عليه الإنسان ممّا ألّفه و صنّفه المرحوم المبرور حضرة شيخ الفقهاء و المجتهدين حجّة الإسلام و المسلمين آية اللّه الكبرى في الأرضين الحاج الشيخ علي اليزدي الحائري أعلى اللّه مقامه و نوّر اللّه مرقده، الذي انتهت إليه الرئاسة العلمية و القضاوة الشرعية و توفي سنة 1333 في الحائر المقدّسة بعد إقامته خمسا و ستّين سنة في تلك البلدة الشريفة و دفن في تلك البلدة عند رجلي العبّاس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و قد ألّف و صنّف كتبا كثيرة منها السعادة الأبدية في ذكر الأخبار العددية، و منها روح السعادة التي هي فذلكة السعادة الأبدية و خلاصة الأخبار العددية التي طبعها (رحمه اللّه) في حياته، و منها إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه)، و منها منظومة في علم الفقه من الطهارة إلى الزكاة مشتملة على المدارك و الاستدلالات.

10

[مقدمة المؤلف‏]

هذه النسخة الموسومة بالشجرة المباركة المشتهرة بإلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه و سهّل اللّه مخرجه) بسم اللّه الرّحمن الرحيم نحمدك اللهمّ يا من خصّنا بحججه البالغة و نعمه السابغة الذين بهم رزق الورى و بيمنهم ثبتت الأرض و السماء، و لولاهم لساخت الأرض بأهلها، نشكرك اللهمّ يا من حبانا بخاتم الأوصياء و خاتم الأصفياء و فتننا بغيبته التامّة الإلهية الكبرى و الطامة العظمى و منّ على المؤمنين المنتظرين لدولته و وصفهم بالذكر بقوله‏ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏، (1) و الصلاة و السلام على خاتم صحيفة النبوّة و المبعوث على الأمّة بالهداية و الرحمة، المبشّر برجعته و المنذر لغيبته و دولته و المذكّر لقيامه و سلطنته حيث أمره اللّه بقوله‏ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏، (2) و على آله و عترته الهداة البررة الكرام، و اللعنة على أعاديهم من الآن إلى يوم القيام.

أمّا بعد فيقول العبد الراجي عفو ربّه الغني ابن المرحوم زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري علي: إنّي بعد إقامتي في الحائر المقدّسة على ساكنيه آلاف التحية كنت كثيرا ما عازما أن أمهّد صحيفة جامعة في أحوال سيّدنا و إمامنا النجم الثاقب و الإمام الغائب حجّة اللّه المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه) و لا يسعني الزمان من تقلّب الدهر الخوان و اختلال البال و كثرة الاشتغال، إلى أن كاد الفراغ من كتابنا الجامع الموسوم ب (حدائق الجنان في ذكر ما ينبغي أن يطّلع عليه الإنسان) و قد خرج منه مجلدات و قد سنح ببالي أن أمهّد شجرة منها في ذلك و اجعل كراريس في ترجمة الإمام و قطب رحى الإسلام (عجّل اللّه فرجه)، فبينما أنا فيه و إذا بسانحة عظيمة و عويصة فخيمة و داهية قد أوقعتني في محبس الاعتزال و مسجن‏

____________

(1)- البقرة: 4.

(2)- إبراهيم: 5.

11

الإخمال و الإجمال، و غلقت عليّ الباب و لم يكن لي أنيسا سوى ربّ الأرباب فاحتصرت في فسحة الدار ممنوعا من مراجعة الأخيار، فأتى على ذلك أيّام و ضاق بي المقام و اشتدّ عليّ الأمر و بلغت روحي التراق و التفت الساق بالساق، فسألت اللّه في ذلك و توسّلت إلى محيط مركز الامّة و شمس فلك الإمامة، و عاهدت اللّه أن أكتب لاستخلاصي منها شرحا مستقلّا يحتوي جلّ ما يتعلّق بأحواله و صحيفة جامعة تفوق الصحف الممهّدة له، فهاجت نفسي فأخذت فيها قبل أن تلمح المناص و تفوح ريح الاستخلاص.

فحاشا المنتظر المهدي نجل الحجّة العسكري (عجّل اللّه فرجه) أن يحجبني دونه الحجاب قبل أوان فراغ غصون هذا الكتاب، فشرعت فيه على المعهود و صرفت إليه عنان المقصود و عكفت عنان الهمّة إلى اجتماع فصول المهمّة فها هو قد أتى، كتاب جامع و برهان قاطع و صحيفة حاولت النمط الأوفى و معالم الزلفى و جنّة المأوى، و لعمري قد تضمّن هذه السطور كنوزا من لآلئ المنثور و كتاب مسطور في رقّ منشور، كاشف الغمّة عن المنتظرين، و الكافي عن عمدة ما أهمّ المسترشدين لإكمال الدين، بحيرة تضمن بحار الأنوار و عجائب الآثار و ينابيع الأخبار بل عيون الأخبار و كشف الأستار عن وجه الغيبة الإلهية النوراء، و شاخص الأبصار نحو البحر الأبيض و الجزيرة الخضراء، هداة لإرشاد الصراط المستقيم مبرهنا، براهين إحقاق الحقّ و در النظيم سيفا لفتوحات عوالم الغيبة، و حساما لقطع حبائل الناصب عن الشيعة، فروعه أبواب دار السلام و في ثمراته غاية المرام و فاكهة الأنام، و لاشتمالها على أغصان أنواره الزاهرة و أثمار وجوده الباهرة سمّيتها بالشجرة المباركة، و لما تضمّن من خرق ما نسجته العامّة العمياء و قلع ما أسسته أمّة الطواغيت الطغيا من النقض و الإبرام في وجوده و تصرّفاته سمّيتها ب (إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب) و رتبته على أغصان.

ثمّ إنّي اقتصرت فيه على لباب الأخبار بطرح المكررات اللفظية و المعنوية؛ بإلغاء الأسانيد و الرجال من الأخبار المروية، اعتمادا على الصحاح المشهورة المنقولة و اتّكالا على الثقات من الرجال المقبولة، و أحمد اللّه تعالى سبحانه أوّلا و آخرا و صلّى اللّه على خاتم أنبيائه و أشرف سفرائه محمّد و عترته الطاهرين الأنجبين الغرّ الميامين.

12

الغصن الأوّل‏

في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة و فيمن مات و لم يعرف إمام زمانه و علامات الإمام و معرفته و جوامع صفاته و أنّ الإمامة في الأعقاب و لا تعود في أخ و لا عمّ إلّا الحسن و الحسين (عليه السّلام) و عدم مدخلية البلوغ في الإمامة و لا يضرّها صغر السنّ و فيه فروع:

الفرع الأوّل:

في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة و فيمن مات و لم يعرف إمام زمانه و علائم الإمام و معرفته و جوامع صفاته، و فيه ثمرات:

الثمرة الأولى: في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة

قال اللّه تعالى في سورة الرعد إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (1) و قال اللّه تعالى في سورة القصص‏ وَ لَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏ (2).

في معالم الزلفى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام.

و قال (عليه السّلام): آخر من يموت الإمام لئلّا يحتجّ أحد على اللّه عزّ و جلّ أنّه تركه بغير حجّة للّه عليه‏ (3). و بهذا المضمون أخبار كثيرة بطرق مختلفة.

و في الأربعين عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو بقيت الأرض يوما بلا إمام منّا لساخت بأهلها و لعذّبهم اللّه بأشدّ عذابه، إنّ اللّه تبارك و تعالى جعلنا حجّة في أرضه و أمانا في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد اللّه أن يهلكهم و لا ينظرهم ذهب بنا من بينهم و رفعنا اللّه ثمّ يفعل ما شاء و أحب‏ (4).

و في البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لما انقضت نبوّة آدم و انقطع أكله أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه يا آدم قد انقضت نبوّتك و انقطع أكلك فانظر إلى ما عندك من العلم و الإيمان و ميراث النبوّة

____________

(1)- الرعد: 7.

(2)- الأنعام: 51.

(3)- علل الشرائع: 1/ 231 باب 153 ح 6.

(4)- بحار الأنوار: 23/ 37 ح 64 عن كمال الدين: 197 باب 21 ح 14.

13

و أثرة العلم و الاسم الأعظم فاجعله في العقب من ذريتك عند هبة اللّه، فإنّي لم أدع الأرض بغير عالم يعرف طاعتي و ديني و يكون نجاة لمن أطاعه‏ (1).

و فيه عن علي (عليه السّلام): لا تخلو الأرض من قائم بحجّة اللّه إمّا ظاهر مشهور و إمّا خائف مغمور لئلّا تبطل حجج اللّه و بيّناته‏ (2).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): و اللّه ما ترك اللّه الأرض منذ قبض اللّه آدم إلّا و فيها إمام يهتدى به إلى اللّه و هو حجّة اللّه على عباده‏ (3).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الأرض لن تخلو إلّا و فيها عالم‏ (4) كلّما زاد المؤمنون شيئا ردّهم، و إذا نقصوا أكملهم، فقال: خذوه كاملا، و لو لا ذلك لالتبس على المؤمنين امورهم و لم يفرّقوا بين الحقّ و الباطل‏ (5).

و فيه عن رسول (صلّى اللّه عليه و آله): إنّما مثل أهل بيتي في هذه الامّة كمثل نجوم السماء كلّما غاب نجم طلع نجم‏ (6).

و في الكافي عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه قال للزنديق الذي سأله: من أين أثبت الأنبياء و الرسل؟ قال: إنّا لما أنّ لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق اللّه و كان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يحاجّهم و يحاجوه ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه و عباده و يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه و المعبّرون عنه عزّ و جلّ و هم الأنبياء و صفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس على مشاركتهم في الخلق و التركيب في شي‏ء من أحوالهم مؤيّدين عند الحكيم العليم بالحكمة.

ثمّ ثبت في كلّ دهر و زمان ممّا أتت به الرسل و الأنبياء من الدلائل و البراهين لكي لا تخلو أرض اللّه من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته و جواز عدالته‏ (7).

____________

(1)- بحار الأنوار: 23/ 20 ح 15 عن المحاسن: 235.

(2)- بحار الأنوار: 23/ 20.

(3)- المصدر السابق ص 22.

(4)- في البحار و العلل هنا زيادة: يعلم الزيادة و النقصان.

(5)- علل الشرائع: 1/ 234 باب 153 ح 22.

(6)- بحار الأنوار: 23/ 44 عن كمال الدين: 231.

(7)- أصول الكافي: 1/ 168 ح 1 كتاب الحجّة باب الاضطرار إلى الحجّة.

14

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ الحجّة لا يقوم للّه على خلقه إلّا بإمام حيّ حتّى يعرف‏ (1).

و فيه عنه (عليه السّلام): الحجّة قبل الخلق [آدم‏] و مع الخلق و بعد الخلق [صاحب الأمر] (عليه السّلام)(2).

و فيه سئل أبو عبد اللّه: تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: لا، قلت: يكون إمامان؟ قال: لا إلّا و أحدهما صامت‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ الأرض لا تخلو إلّا و فيها إمام كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردّهم و إن نقصوا شيئا أتمّه لهم‏ (4).

و فيه عنه (عليه السّلام): ما زالت الأرض إلا و للّه فيها الحجّة يعرف الحلال و الحرام و يدعو الناس إلى سبيل اللّه‏ (5).

و فيه عن أحدهما (عليه السّلام): إنّ اللّه لم يدع الأرض بغير عالم، و لو لا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل‏ (6).

و قال: إنّ اللّه أجلّ و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل‏ (7).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): و اللّه ما ترك اللّه أرضا منذ قبض اللّه آدم إلّا و فيها إمام يهتدى به إلى اللّه عزّ و جلّ و هو حجّته على عباده و لا تبقى الأرض بغير إمام حجّة للّه على عباده‏ (8).

و فيه عن أبي الحسن (عليه السّلام): إنّ الأرض لا تخلو من حجّة و أنا و اللّه ذلك الحجّة (9).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت‏ (10).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله‏ (11).

و فيه سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا. قيل: إنّا نروي أنّها لا تبقى إلّا أن يسخط اللّه عزّ و جلّ على العباد. فقال: لا تبقى إذا لساخت‏ (12).

____________

(1)- أصول الكافي: 1/ 177 ح 2.

(2)- أصول الكافي: 1/ 177 ح 4 و ما بين معكوفتين غير موجود فيه.

(3)- أصول الكافي: 1/ 178 ح 1.

(4)- أصول الكافي: 1/ 178 ح 2.

(5)- أصول الكافي: 1/ 178 ح 3.

(6)- أصول الكافي: 1/ 178 ح 5.

(7)- أصول الكافي: 1/ 178 ح 6.

(8)- أصول الكافي: 1/ 179 ح 8.

(9)- أصول الكافي: 1/ 179 ح 9.

(10)- أصول الكافي: 1/ 179 ح 10.

(11)- أصول الكافي: 1/ 179 ح 12.

(12)- أصول الكافي: 1/ 179 ح 11.

15

الثمرة الثانية فيمن مات و لم يعرف إمام زمانه و دان اللّه بغير إمام‏

في الكافي عن أبي جعفر (عليه السّلام) لمحمّد بن مسلم: من دان اللّه بعبادة يجهد فيها نفسه و لا إمام له من اللّه فسعيه غير مقبول و هو ضالّ متحيّر و اللّه شانئ لأعماله فمثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها و قطيعها فهجمت ذاهبة و جائية يومها، فلما جنّها الليل بصرت بقطيع غنم بغير راعيها فحنّت إليها و اغترت بها فباتت معها في مربضها فلمّا أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها و قطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها و قطيعها و بصرت بغنم مع راعيها فحنّت إليها و اغترت بها فصاح بها الراعي: الحقي براعيك و قطيعك فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك و قطيعك فهجمت ذعرة متحيّرة نادة (1) و لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، و كذلك و اللّه يا محمد من أصبح من هذه الامّة لا إمام له من اللّه جلّ و عزّ ظاهرا عادلا أصبح ضالّا تائها، و إن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر و نفاق. و اعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا و أضلّوا فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شي‏ء ذلك هو الضلال البعيد (2).

و فيه عن عبد اللّه بن أبي يعفور قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّي اخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولّونكم و يتولّون فلانا و فلانا، لهم أمانة و صدق و وفاء، و أقوام يتولّونكم ليس لهم تلك الأمانة و لا الوفاء و لا الصدق. قال: فاستوى أبو عبد اللّه (عليه السّلام) جالسا فأقبل عليّ كالغضبان ثمّ قال: لا دين لمن دان اللّه بولاية إمام جائر ليس من اللّه، و لا عتب على من دان بولاية إمام عادل من اللّه. قلت: لا دين لأولئك و لا عتب على هؤلاء! قال: نعم لا دين لأولئك و لا عتب على هؤلاء. ثمّ قال: ألا تسمع لقول اللّه عزّ و جلّ‏ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ (3) يعني ظلمات الذنوب إلى نور التوبة و المغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من اللّه‏

____________

(1)- في نسخة ثانية: نافرة.

(2)- أصول الكافي: 1/ 183 ح 8.

(3)- سورة البقرة: 257.

16

عزّ و جلّ و قال‏ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ‏ (1) إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر ليس من اللّه خرجوا بولايتهم إيّاه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب اللّه لهم النار مع الكفّار أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ‏ (2) (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه لا يستحي أن يعذّب أمّة دانت بإمام ليس من اللّه، و إن كانت في أعمالها برّة تقيّة. و إنّ اللّه ليستحي أن يعذّب أمّة دانت بإمام و إن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة (4).

و فيه عن فضيل بن يسار: ابتدأنا أبو عبد اللّه يوما و قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من مات و ليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية. قلت: قال ذلك رسول اللّه!؟ فقال: إي و اللّه قد قال. قلت: فكلّ من مات و ليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم‏ (5).

و فيه عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من مات و ليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: فقلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال. قلت: فمن مات اليوم و ليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم‏ (6).

و فيه قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من دان اللّه بغير سماع عن صادق ألزمه اللّه تعالى العناء، و من ادّعى سماعا من غير الباب الذي فتحه اللّه تعالى فهو مشرك، و ذلك الباب المأمون على سرّ اللّه المكنون‏ (7).

و فيه سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) أخبرني عمّن عاندك و لم يعرف حقّك من ولد فاطمة هو و سائر الناس سواء في العقاب [فقال: كان علي بن الحسين (عليه السّلام) يقول: عليهم ضعفا العذاب‏] (8).

و فيه عن ابن أبي نصر سألته (عليه السّلام) الجاحد منكم و من غيركم سواء؟ فقال: الجاحد منّا له ذنبان و المحسن له حسنتان‏ (9).

____________

(1)- سورة البقرة: 257.

(2)- البقرة: 257.

(3)- الكافي: 1/ 375 ح 3.

(4)- الكافي: 1/ 376 ح 4.

(5)- الكافي: 1/ 376 ح 5.

(6)- الكافي: 1/ 376 ح 2.

(7)- الكافي: 1/ 377 ح 4.

(8)- الكافي: 1/ 376 ح 4 و ما بين المعكوفين زيادة منه.

(9)- الكافي: 1/ 378 ح 4.

17

الثمرة الثالثة في حالات الإمام و كيفيّاته و علاماته‏

في الكافي عن الحكم بن عتيبة (1) قال: دخلت على علي بن الحسين (عليه السّلام) يوما فقال: يا حكم هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يعرف قاتله بها و يعرف بها الامور العظام التي كان يحدّث بها الناس.؟ قال الحكم فقلت في نفسي: قد وقعت على علم من علم علي بن الحسين (عليهما السّلام) أعلم بذلك تلك الامور العظام. قال: فقلت: لا و اللّه لا أعلم، ثمّ قلت الآية تخبرني بها يا بن رسول اللّه. قال: هو و اللّه قول اللّه‏ وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍ‏ (2) و لا محدّث و كان علي بن أبي طالب (عليه السّلام) محدثا. فقال رجل يقال له عبد اللّه بن زيد كان أخا لعلي لامّة: سبحان اللّه محدثا! كأنه ينكر ذلك. فأقبل عليه أبو جعفر فقال: أما و اللّه إن ابن أمّك بعد قد كان يعرف ذلك. قال: فلمّا قال ذلك سكت الرجل، فقال: هي التي هلك فيها أبو الخطّاب‏ (3) فلم يدر ما تأويل المحدّث و النبي‏ (4).

و في البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): كان علي محدّثا و كان سلمان محدثا. قبل فما آية المحدث؟ قال: يأتيه ملك فينكت كيت و كيت‏ (5).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ عليّا كان محدّثا. فخرجت إلى أصحابي فقلت لهم: جئتكم بعجيبة. قالوا: ما هي؟ قلت: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: كان علي محدّثا. فقالوا: ما صنعت شيئا، ألا سألته من يحدثه.؟ فرجعت إليه فقلت له: إنّي حدّثت أصحابي بما حدثتني فقالوا:

ما صنعت شيئا ألا سألته من يحدثه؟ فقال لي: يحدثه ملك. قلت: فنقول إنّه نبي. قال: فحرّك يده هكذا ثمّ قال أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو كذي القرنين، أو ما بلغكم‏

____________

(1)- في المصدر: عتبة و هو و هم.

(2)- الحج: 52.

(3)- «هو محمد بن مقلاص الأسدي كان غاليا ملعونا، كان يقول إن الأئمة أنبياء لمّا سمع أنهم محدّثون، و لم يفرق بين النبي و المحدّث، ثم عدل عنه و كان يقول إنهم آلهة» عن الملل و النحل للشهرستاني.

(4)- الكافي: 1/ 229 باب 54 ح 2.

(5)- البحار: 6/ 67 باب 2 ح 4.

18

أنّه (عليه السّلام) قال: و فيكم مثله‏ (1).

في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: لو لا أن نزداد لأنفدنا. قال: قلت: تزدادون شيئا لا يعلمه رسول اللّه. قال: أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول اللّه ثمّ على الأئمّة ثمّ انتهى الأمر إلينا (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إنّ للّه تعالى علمين علما أظهر عليه ملائكته و رسله و أنبياءه فما أظهر عليه ملائكته و رسله و أنبياءه فقد علمناه، و علما استأثر به، فإذا بدا اللّه في شي‏ء منه أعلمنا ذلك و عرض على الأئمّة الذين كانوا من قبلنا (3).

و في البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّا لنزداد في الليل و النهار و لو لم نزدد لنفد ما عندنا (4).

و فيه عنه (عليه السّلام) ليحيى الصنعاني‏ (5): يا يحيى في ليالي الجمعة لشأن من الشأن. قال: فقلت له: جعلت فداك و ما ذلك الشأن؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى و أرواح الأوصياء الموتى و روح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتّى توافي عرش ربّها فتطوف بها اسبوعا و تصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثمّ تردّ إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء و الأوصياء قد ملئوا و أعطوا سرورا و يصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم و قد زيد في علمه مثل جم الغفير (6).

و في الكافي عن سيف التمّار: كنّا مع أبي عبد اللّه (عليه السّلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال:

علينا عين. فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا فقلنا: ليس علينا عين. فقال: و ربّ الكعبة و ربّ البيّنة- ثلاث مرّات- لو كنت بين موسى و الخضر [لأخبرتهما أني أعلم منهما و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأنّ موسى و الخضر (عليهما السّلام)‏]، (7) أعطيا علم ما كان و لم يعطيا علم ما يكون و ما هو كائن حتّى تقوم الساعة و قد ورثناه من رسول اللّه وراثة (8).

و فيه عنه (عليه السّلام) يقول: إنّي لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض و لأعلم ما في الجنّة و أعلم ما في النار و أعلم ما كان و أعلم ما يكون. قال: ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على‏

____________

(1)- البحار: 40/ 142 ح 43 و قال العلامة المجلسي بعد الحديث: و «أو» هنا بمعنى «بل» كما قيل في قوله تعالى: مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏.

(2)- الكافي: 1/ 146 ح 11.

(3)- الكافي: 1/ 255 ح 1.

(4)- البحار: 18/ 270 ح 33.

(5)- في المصدر: أبي يحيى.

(6)- البحار: 17/ 151 ح 53.

(7)- زيادة لازمة من المصدر.

(8)- الكافي: 1/ 260 ح 1.

19

من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول «فيه تبيان كلّ شي‏ء» (1).

و في البحار عن أبي جعفر (عليه السّلام) سئل علي عن علم النبي فقال (عليه السّلام): علم النبي علم جميع النبيّين و علم ما كان و ما هو كائن إلى قيام الساعة. ثمّ قال: و الذي نفسي بيده إنّي لأعلم علم النبي و علم ما كان و علم ما هو كائن فيما بيني و بين قيام الساعة (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): و اللّه إنّي لأعلم ما في السماوات و ما في الأرض و ما في الجنّة و النار و ما كان و ما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثمّ قال: أعلمه من كتاب اللّه، أنظر إليه هكذا ثمّ بسط كفّيه ثمّ قال: إنّ اللّه يقول «و أنزلنا إليك الكتاب فيه تبيان كلّ شي‏ء» (3).

و فيه عن مفضل عن الصادق (عليه السّلام) قال: يا مفضّل هل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) كنه معرفتهم؟ قال: يا مفضل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمنا في السنام الأعلى‏ (4). قال: قلت: عرفني يا سيّدي؟ قال: يا مفضّل تعلم أنّهم علموا ما خلق اللّه عزّ و جلّ و ذرأه و برأه و أنّهم كلمة التقوى و خزّان السماوات و الأرضين و الجبال و الرمال و البحار، و علموا كم في السماء من نجم و ملك و كم وزان الجبال و كيل ماء البحر و أنهارها و عيونها و ما تسقط من ورقة إلّا علموها و لا حبّة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلّا في كتاب مبين، و هو في علمهم و قد علموا ذلك. فقلت: يا سيدي قد علمت ذلك و أقررت به و آمنت، قال: نعم يا مفضّل نعم يا مكرم يا محبور نعم يا طيّب، طبت و طابت لك الجنّة و لكلّ مؤمن بها (5).

في البحار عن أصبغ بن نباتة: كنت جالسا عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّي لاحبّك في السرّ كما احبّك في العلانية. قال: فنكت أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعود كان في يده في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال: كذبت و اللّه ما أعرف وجهك في الوجوه و لا اسمك في الأسماء. قال الأصبغ: فعجبت من ذلك عجبا شديدا فلم أبرح حتّى أتاه رجل آخر فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين لاحبّك في السّر كما أحبّك في العلانية. قال: فنكت بعوده‏

____________

(1)- الآية: تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ، النحل: 89 و الحديث في الكافي: 1/ 59 ح 1.

(2)- البحار: 26/ 110 ح 6 و بصائر الدرجات: 147.

(3)- البحار: 26/ 110 ح 7 و الكافي: 1/ 261، و الآية هكذا: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ.

(4)- في السنام الأعلى: أي في أعلى درجات الإيمان، و سنام كل شي‏ء أعلاه.

(5)- تأويل الآيات: 2/ 488، و البحار: 26/ 116 ح 22.

20

ذلك في الأرض طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: صدقت إنّ طينتنا طينة مرحومة أخذ اللّه ميثاقها يوم أخذ الميثاق فلا يشذّ منها شاذ و لا يدخل فيها داخل إلى يوم القيامة أما إنّه فاتخذ للفاقة جلبابا فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: الفاقة إلى محبيك أسرع من السيل من أعلى الوادي إلى أسفله‏ (1).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هو مع أصحابه فسلّم عليه ثمّ قال: أنا و اللّه أحبّك و أتولّاك. فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): ما أنت كما قلت: إنّ اللّه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ثمّ عرض علينا المحبّ لنا، فو اللّه ما رأيت روحك فيمن عرض علينا فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك و لم يراجعه‏ (2).

في البحار عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه أكرم و أحكم و أجمل و أعظم و أعدل من أن يحتجّ بحجّة ثمّ يغيّب عنه شيئا من امورهم‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): من زعم أنّ اللّه يحتجّ بعبده في بلاده ثمّ يستر عنه جميع ما يحتاج إليه فقد افترى على اللّه‏ (4).

و فيه عنه عن أبيه (عليهما السّلام) لجماعة من أصحابه: و اللّه لو أنّ على أفواههم أوكية لأخبرت كلّ رجل منهم ما لا يستوحش إلى شي‏ء، و لكن فيكم الإذاعة و اللّه بالغ أمره‏ (5).

و فيه عن أبيه سعيد الخدري عن رميلة قال: و عكت وعكا شديدا في زمان أمير المؤمنين (عليه السّلام) فوجدت من نفسي خفة في يوم الجمعة و قلت: لا أعرف شيئا أفضل من أن أفيض على نفسي من الماء و اصلّي خلف أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ففعلت ثمّ جئت إلى المسجد فلمّا صعد أمير المؤمنين (عليه السّلام) المنبر عاد علي ذلك الوعك فلمّا انصرف أمير المؤمنين (عليه السّلام) و دخل القصر دخلت معه فقال: يا رميلة رأيتك و أنت متشبّك بعضك في بعض. فقلت: نعم و قصصت عليه القصة التي كنت فيها و الذي حملني على الرغبة في الصلاة خلفه، فقال: يا رميلة ليس من مؤمن يمرض إلّا مرضنا بمرضه و لا يحزن إلّا حزنا بحزنه و لا يدعو إلّا أمّنا

____________

(1)- البحار: 26/ 117 ح 1، و أمالي الطوسي: 410 ح 921.

(2)- البحار: 26/ 119 ح 5، و الكافي: 1/ 438.

(3)- بصائر الدرجات: 143 و البحار: 26/ 138 ح 5.

(4)- البحار: 26/ 139 ح 8، و بصائر الدرجات: 143.

(5)- البحار: 26/ 141 ح 13، و أمالي الشيخ: 197 ح 336.

21

بدعائه و لا يسكت إلّا دعونا له. فقلت له: يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك هذا لمن معك في القصر أ رأيت من كان في أطراف الأرض. قال: يا رميلة ليس يغيب عنّا مؤمن في شرق الأرض و لا في غربها (1).

و في الكافي عن مفضل بن عمر قال: أتينا إلى باب أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و نحن نريد الإذن عليه فسمعناه يتكلّم بكلام ليس بالعربية فتوهّمنا أنّه بالسريانية ثمّ بكى فبكينا لبكائه ثمّ خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه فقلت: أصلحك اللّه أتيناك و نريد الإذن عليك فسمعناك تتكلّم بكلام ليس بالعربية فتوهّمنا أنّه بالسريانية ثمّ بكيت فبكينا لبكائك. فقال (عليه السّلام): نعم ذكرت إلياس النبي (عليه السّلام) و كان من عبّاد أنبياء بني إسرائيل فقلت كما يقول في سجوده، ثمّ اندفع فيه بالسريانية. فلا و اللّه ما رأينا قسّا و لا جاثليقا أفصح لهجة منه ثمّ فسّره لنا بالعربية فقال: كان يقول في سجوده أتراك معذّبي و قد أظمأت لك هو اجري، أتراك معذّبي و قد عفّرت لك في التراب وجهي، أتراك معذّبي و قد اجتنبت لك المعاصي، أتراك معذّبي و قد أسهرت لك ليلي، قال: فأوحى اللّه إليه أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك. قال: فقال: إن قلت لا أعذّبك ثمّ عذبتني كان ما ذا أ لست عبدك و أنت ربّي. قال: فأوحى اللّه إليه أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك فإنّي إذا وعدت وعدا وفيت به‏ (2).

و في البحار عن الثمالي عن علي (عليه السّلام): لو ثنيت لي و سادة لحكمت بين أهل القرآن بالقرآن حتّى يزهر إلى اللّه و لحكمت بين أهل التوراة بالتوراة حتّى يزهر إلى اللّه و لحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل حتّى يزهر إلى اللّه و لحكمت بين أهل الزبور بالزبور حتّى يزهر إلى اللّه، و لو لا آية في كتاب اللّه لأنبئنّكم بما يكون حتّى تقوم الساعة (3).

و فيه عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه تعالى لمّا أنزل ألواح موسى (عليه السّلام) أنزلها عليه و فيها تبيان كلّ شي‏ء و ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. فلمّا انقضت أيّام موسى (عليه السّلام) أوحى اللّه إليه أن استودع الألواح و هي زبرجدة من جبل الجنّة، فأتى موسى الجبل فانشق له الجبل فجعل فيه الألواح ملفوفة، فلمّا جعلها فيه انطبق الجبل عليها فلم تزل في الجبل حتّى بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) نبيّه، فأقبل ركب من اليمن يريدون النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلمّا انتهوا

____________

(1)- البحار: 26/ 140 ح 11.

(2)- الكافي: 1/ 227 ح 2.

(3)- البحار: 26/ 182 ح 8 و بصائر الدرجات: 154.

22

إلى الجبل انفرج الجبل و خرجت الألواح ملفوفة كما وصفها موسى فأخذها القوم فلمّا وقعت في أيديهم ألقي في قلوبهم أن لا ينظروا إليها و هابوها حتّى يأتوا بها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنزل اللّه جبرئيل على نبيّه و أخبره بأمر القوم و بالذي أصابوا، فلمّا قدموا على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ابتدأهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فسألهم عمّا وجدوا. فقالوا: و ما علمك بما وجدنا؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله):

أخبرني به ربّي و هي الألواح. فقالوا: نشهد أنّك رسول اللّه، فأخرجوها و دفعوها إليه، فنظر إليها و قرأها و كتابها بالعبراني، ثمّ دعا أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: دونك هذه ففيها علم الأوّلين و علم الآخرين و هي ألواح موسى و قد أمرني ربّي أن أدفعها إليك قال: يا رسول اللّه لست احسن قراءتها. قال: إنّ جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه فإنّك تصبح و قد علمت قراءتها، فجعلها تحت رأسه فأصبح و قد علّمه اللّه كلّ شي‏ء فيها، فأمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن ينسخها في جلد شاة، و هو الجفر و فيه علم الأوّلين و الآخرين و هو عندنا و الألواح، و عصا موسى عندنا و نحن ورثنا النبي‏ (1).

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): نحن شجرة النبوّة و بيت الرحمة و مفاتيح الحكمة و معدن العلم و موضوع الرسالة و مختلف الملائكة و موضوع سرّ اللّه، و نحن وديعة اللّه في عباده و نحن حرم اللّه الأكبر و نحن ذمّة اللّه و نحن عهد اللّه، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد اللّه و من خفرها (2) فقد خفر ذمّة اللّه و عهده‏ (3).

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: و اللّه إنّي لأعلم كتاب اللّه من أوّله إلى آخره كانّه في كفّي، فيه خبر السماء و خبر الأرض و خبر ما كان و خبر ما هو كائن، قال اللّه عزّ و جلّ: «فيه تبيان كلّ شي‏ء» (4).

في الكافي عن عبد الرّحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ (5) ففرج أبو عبد اللّه بين أصابعه فوضعها في صدره ثمّ قال: و عندنا علم الكتاب كلّه‏ (6).

____________

(1)- روضة الواعظين: 210، و البصائر: 203، البحار: 26/ 187 ح 25.

(2)- خفرها: نقضها.

(3)- الكافي: 1/ 221 ح 3.

(4)- الكافي: 1/ 61 بتفاوت.

(5)- النمل: 40.

(6)- الكافي: 1/ 229 ح 5.

23

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة و سبعين حرفا و إنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه و بين سرير بلقيس حتّى تناول السرير بيده ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، و نحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه تعالى استأثر به في علم الغيب عنده، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم‏ (1).

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ألواح موسى عندنا و عصا موسى عندنا و نحن ورثة النبيّين‏ (2).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ القائم إذا قام بمكّة و أراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه:

ألا لا يحمل أحد منكم طعاما و لا شرابا، و يحمل حجر موسى بن عمران و هو وقر بعير فلا ينزل منزلا إلّا انبعث عين منه فمن كان جائعا شبع و من كان ظامئا روي فهو زادهم حتّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة (3).

في الكافي عن سعيد السمان قال: كنت عند أبي عبد اللّه إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أ فيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال فقال: لا (4).

فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنّك تفتي و تقرّ و تقول به و تسميتهم لك فلان و فلان و هم أصحاب ورع و تشمير (5)، و هم ممّن لا يكذب، فغضب أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و قال: ما أمرتهم بهذا، فلمّا رأيا الغضب في وجهه خرجا. فقال لي: أ تعرف هذين؟ قلت: نعم هما من أهل سوقنا و هما من الزيدية و هما يزعمان أنّ سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عند عبد اللّه بن الحسن. فقال: كذبا لعنهم اللّه و اللّه ما رآه عبد اللّه بن الحسن بعينيه و لا بواحدة من عينيه و لا رآه أبوه، اللهمّ إلّا أن يكون رآه عند علي بن الحسين (عليهما السّلام) فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه؟ و ما أثر في موضع مضربه؟ و إنّ عندي لسيف رسول اللّه و إنّ عندي لراية رسول اللّه و درعه و لأمته‏

____________

(1)- الكافي: 1/ 230 ح 1.

(2)- الكافي: 1/ 231 ح 2.

(3)- الكافي: 1/ 231 ح 3.

(4)- قوله (عليه السّلام): «لا» تقية، و لعله أراد تورية: ليس فينا إمام لا بد له من الخروج بزعمكم، لأن الزيدية لا يعتقدون بإمامة الإمام إلا إذا خرج بالسيف.

(5)- التشمير: بمعنى شمّر و رفع الثوب للصلاة، و يكنى به هنا عن التقوى و الطهارة.

24

و مغفره‏ (1)، و إن كانا صادقين فما علامة درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و إنّ عندي لراية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المغلبة، و إنّ عندي ألواح موسى و عصاه و إنّ عندي لخاتم سليمان بن داود (عليهما السّلام)، و إنّ عندي الطست الذي كان موسى يقرب بها القربان، و إنّ عندي الاسم الذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا وضعه بين المسلمين و المشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، و إنّ عندي كمثل الذي جاءت به الملائكة (2)، و مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم اوتوا النبوّة، و من صار إليه السلاح منّا اوتي الإمامة و قد لبس أبي درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فخطت على الأرض خطيطا و لبستها أنا فكانت و كانت، و قائمنا إذا لبسها ملأها إن شاء اللّه‏ (3).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّما مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل أينما دار التابوت دار الملك و أينما دار السلاح فينا دار العلم‏ (4).

و فيه سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن الجعفر قال: هو جلد ثور مملوء علما. قال له: فالجامعة؟ قال:

تلك الصحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم مثل فخذ الفالج‏ (5)، فبها كلّ ما يحتاج الناس إليه و ليس من قضية إلّا و هي فيها حتّى أرش الخدش. قال: فمصحف فاطمة (عليها السّلام)؟ قال:

فسكت طويلا ثمّ قال: إنّكم لتبحثون عمّا تريدون و عمّا لا تريدون، إنّ فاطمة (عليها السّلام) مكثت بعد رسول اللّه سبعين يوما كان دخلها حزن شديد على أبيها و كان جبرئيل (عليه السّلام) يأتيها و يحسن عزاءها على أبيها و يطيب نفسها و يخبرها عن أبيها و يخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها فكان علي يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (6).

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أي إمام لا يعلم ما يصيبه و إلى ما يصير فليس ذلك بحجّة اللّه على خلقه‏ (7).

و فيه عن حسن بن جهم، قلت للرضا: إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد عرف قاتله و الليلة التي يقتل فيها و الموضع الذي يقتل فيه و قوله لمّا سمع صياح الإوز في الدار: صوائح تتبعها

____________

(1)- اللأمة: نوع من الدروع. و المغفر: النسيج يلبس تحت القلنسوة.

(2)- المراد التابوت كما في البقرة تحمله الملائكة.

(3)- الكافي: 1/ 232 ح 1.

(4)- الكافي: 1/ 238 ح 2.

(5)- الأديم: الجلد المدبوغ، و الفالج: الجمل العظيم ذو السنامين.

(6)- الكافي: 1/ 241 ح 5.

(7)- الكافي: 1/ 258 ح 1.

25

نوائح، و قول أمّ كلثوم: لو صلّيت الليلة داخل الدار و أمرت غيرك يصلّي بالناس فأبى عليها، و كثر دخوله و خروجه تلك الليلة بلا سلاح و قد عرف أنّ ابن ملجم قاتله بالسيف، كان هذا ممّا لم يجز تعرّضه. فقال: ذلك كان و لكنّه خيّر في تلك الليلة لتمضي مقادير اللّه عزّ و جلّ‏ (1).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله و في كفنه و دخوله في قبره قلت: يا أباه و اللّه ما رأيتك منذ اشتكيت بأحسن منك اليوم، ما رأيت عليك أثر الموت فقال: يا بني أ ما سمعت علي بن الحسين (عليهما السّلام) ينادي من وراء الجدار: يا محمّد، تعال عجّل‏ (2).

في الكافي عن أبي جعفر (عليه السّلام) نزل جبرئيل برمّانتين من الجنّة من الجنّة فلقيه علي (عليه السّلام) فقال: ما هاتان الرمّانتان اللتان في يدك؟ فقال: أمّا هذه فالنبوّة ليس لك فيها نصيب و أمّا هذه فالعلم ثمّ فلقها رسول اللّه بنصفين فأعطاه نصفها و أخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نصفها ثمّ قال: أنت شريكي فيه. قال: فلم يعلم و اللّه رسول اللّه حرفا ممّا علّمه اللّه إلّا و قد علّمه عليّا ثمّ انتهى العلم إلينا ثمّ وضع يده على صدره‏ (3).

الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ علمنا غابر و مزبور و نكت في القلوب و نقر في الأسماع.

فقال: أمّا الغابر فما تقدّم من علمنا و أمّا المزبور فما يأتينا و أمّا النكت في القلوب فإلهام و أمّا النقر في الأسماع فأمر الملك‏ (4).

الكافي عن أبي بصير قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): من أين أصاب أصحاب علي ما أصابهم مع علمهم بمناياهم و بلاياهم؟ قال: فأجابني شبه المغضب: ممّن ذلك الأمر إلّا منهم. فقلت: ما يمنعك جعلت فداك. قال: ذلك باب أغلق إلّا أن الحسين بن علي (عليهما السّلام) فتح منه شيئا يسيرا.

ثمّ قال: يا أبا محمّد إنّ اولئك كان على أفواههم أوكية (5).

الكافي عن سدير قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ قوما يزعمون أنّكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآنا وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلهٌ‏ (6) فقال: يا سدير سمعي و بصري و بشري و لحمي و دمي و شعري من هؤلاء برآء، و برئ اللّه منهم و رسوله، ما هؤلاء على ديني و لا

____________

(1)- الكافي: 1/ 259 ح 4.

(2)- الكافي: 1/ 260 ح 7.

(3)- الكافي: 1/ 263 ح 3.

(4)- الكافي: 1/ 264 ح 3.

(5)- الكافي: 1/ 265 ح 2.

(6)- الزخرف: 84.

26

على دين آبائي، و اللّه لا يجمعني اللّه و إيّاهم يوم القيامة إلّا و هو ساخط عليهم. قال: قلت:

و عندنا قوم يزعمون أنّكم رسل يقرءون علينا بذلك قرآنا يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏ (1) فقال: يا سدير سمعي و بصري و شعري و بشري و لحمي و دمي من هؤلاء برآء و برئ اللّه منهم و رسوله، ما هؤلاء على ديني و لا على دين آبائي، و اللّه لا يجمعني اللّه و إيّاهم يوم القيامة إلّا و هو ساخط عليهم قال: قلت: فما أنتم؟

قال: نحن خزّان علم اللّه نحن تراجمة أمر اللّه نحن قوم معصومون، أمر اللّه تبارك و تعالى بطاعتنا و نهى عن معصيتنا، نحن الحجّة البالغة على من دون السماء و فوق الأرض‏ (2).

و فيه عن جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن علم العالم. قال لي: يا جابر إنّ في الأنبياء و الأوصياء خمسة أرواح روح القدس و روح الايمان و روح الحياة و روح القوّة و روح الشهوة، فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى. ثمّ قال: يا جابر إنّ هذه الأربعة يصيبها الحدثان إلّا روح القدس فإنّها لا تلهو و لا تلعب‏ (3).

و فيه عن مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض و هو في بيته مرخى عليه ستره. قال: يا مفضّل إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل في النبي خمسة أرواح روح الحياة فبه دبّ و درج، و روح القوّة فبه نهض و جاهد، و روح الشهوة فبه أكل و شرب و أتى النساء من الحلال و روح الإيمان فبه آمن و عدل، و روح القدس فبه حمل النبوّة فإذا قبض النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، و روح القدس لا ينام و لا يغفل و لا يلهو و لا يزهو، و الأربعة الأرواح تنام و تغفل و تلهو و تزهو، و روح القدس كان يرى به‏ (4).

الكافي: سئل أبو عبد اللّه عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏ (5) قال: خلق أعظم من جبرائيل و ميكائيل لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد و هو مع الأئمّة يسدّدهم و ليس كلّما طلب وجد (6).

الكافي: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) حين سئل عن الإمام متى يعرف إمامته و ينتهي الأمر إليه،

____________

(1)- المؤمنون: 51.

(2)- الكافي: 1/ 269 ح 6.

(3)- الكافي: 1/ 272 ح 2.

(4)- الكافي: 1/ 272 ح 3.

(5)- الإسراء: 85.

(6)- الكافي: 1/ 273 ح 3.

27

قال: في آخر دقيقة تبقى من حياة الأوّل‏ (1).

الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال‏ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ ما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ (2) قال: الذين آمنوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) و ذريّته الأئمّة و الأوصياء ألحقنا بهم و لم ينقص ذريتهم الحجّة التي جاء بها محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) في علي و حجّتهم واحدة و طاعتهم واحدة (3).

الكافي عن بريد العجلي: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قوله اللّه عزّ و جلّ‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏ (4) (5) قال: إيّانا عنى أن يؤدّوا الأوّل إلى الإمام الذي بعده الكتب و العلم و السلاح و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم. ثمّ قال للناس‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (6) إيّانا عنى خاصّة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا فإن خفتم تنازعا في أمر فردّوه إلى اللّه و إلى الرسول و أولي الأمر منكم، كذا نزلت، و كيف يأمرهم اللّه عزّ و جلّ بطاعة ولاة الأمر و يرخص في منازعتهم إنّما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم‏ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (7).

الكافي عن أبي بصير: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فذكروا الأوصياء و ذكرت إسماعيل فقال: لا، و اللّه يا أبا محمّد ما ذاك إلينا و ما هو إلّا إلى اللّه عزّ و جلّ ينزل واحدا بعد واحد (8).

و فيه عنه (عليه السّلام): أ ترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد لا و اللّه و لكن عهد من اللّه و رسوله لرجل فرجل حتّى ينتهي الأمر إلى صاحبه‏ (9).

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ الإمامة عهد من اللّه عزّ و جلّ معهود لرجال مسمّين ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده، إنّ اللّه تبارك و تعالى أوحى إلى داود (عليه السّلام) أن اتخذ وصيّا من أهلك فإنّه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبيّا إلّا و له وصي من أهله، و كان لداود (عليه السّلام) أولاد عدّة فيهم غلام كانت أمّة عند داود و كان لها محبّا فدخل داود (عليه السّلام) عليها حين أتاه الوحي‏

____________

(1)- الكافي: 1/ 275 ح 3.

(2)- الطور: 21.

(3)- الكافي: 1/ 275 ح 1.

(4)- النساء: 58.

(5)- الكافي: 1/ 275 ح 1.

(6)- النساء: 59.

(7)- الكافي: 1/ 187 ح 7.

(8)- الكافي: 1/ 211 ح 6.

(9)- الكافي: 1/ 277 ح 2.

28

فقال لها: إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إليّ يأمرني أن أتّخذ وصيّا من أهلي. فقالت له امرأته: فليكن ابني. قال: ذاك اريد. و كان السابق في علم اللّه المحتوم عنده أنّه سليمان فأوحى اللّه تبارك و تعالى لداود أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري فلم يلبث داود (عليه السّلام) أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم و الكرم فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيّك من بعدك فجمع داود (عليه السّلام) ولده فلمّا أن قصّ الخصمان قال سليمان: يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك؟ قال: دخلته ليلا، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك و أصوافها في عامك هذا. ثمّ قال له داود:

فكيف لم تقض برقاب الغنم و قد قوّم ذلك علماء بني إسرائيل فكان ثمن الكرم قيمة الغنم؟

فقال سليمان (عليه السّلام): إنّ الكرم لم يجتثّ من أصله و إنّما أكل حمله و هو عائد في قابل فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى داود أنّ القضاء في هذه القضية ما قضى سليمان به، يا داود أردت أمرا و أردنا أمرا غيره، فدخل داود على امرأته فقال: أردنا أمرا و أراد اللّه أمرا غيره، لم يكن إلّا ما أراد اللّه عزّ و جلّ فقد رضينا بأمر اللّه عزّ و جلّ و سلّمنا. و كذلك الأوصياء ليس لهم أن يتعدوا بهذه فيتجاوزون صاحبه إلى غيره.

قال الكليني (رحمه اللّه): معنى الحديث الأوّل أن الغنم لو دخلت الكرم نهارا لم يكن على صاحب الغنم شي‏ء لأنّ لصاحب الغنم أن يسرح غنمه بالنهار ترعى و على صاحب الكرم حفظه، و على صاحب الغنم أن يربط غنمه ليلا و لصاحب الكرم أن ينام في بيته‏ (1).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أ ترون أن الموصي منّا يوصي إلى من يريد؟ لا و اللّه و لكنّه عهد رسول اللّه إلى رجل فرجل حتّى انتهى إلى نفسه‏ (2).

الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الوصية نزلت من السماء على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كتابا، لم ينزل على محمّد كتاب محتوم إلّا الوصيّة، فقال جبرئيل: يا محمّد هذه وصيّتك في أمّتك عند أهل بيتك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب اللّه منهم و ذريته ليرثك علم النبوّة كما ورّثه إبراهيم و ميراثه لعلي و ذريّتك من صلبه. قال: و كان عليها خواتيم قال: ففتح علي (عليه السّلام) الخاتم الأوّل و مضى لما فيها، ثمّ فتح الحسن الخاتم الثاني و مضى لما امر به و نهي، فلمّا توفّي الحسن (عليه السّلام) و مضى فتح الحسين (عليه السّلام) الخاتم الثالث فوجدها: أن قاتل‏

____________

(1)- الكافي: 1/ 278 ح 3.

(2)- الكافي: 1/ 277 ح 2.

29

فاقتل و تقتل و اخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلّا معك. قال: فأفعل ففعل (عليه السّلام). فلمّا مضى دفعها إلى علي بن الحسين قبل ذلك ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها: أن اصمت و أطرق لما حجب العلم، فلمّا توفّي و مضى دفعها إلى محمّد بن علي (عليه السّلام) و فتح الخامس فوجد فيها: أن فسّر كتاب اللّه و صدق أباك و ورث ابنك و اصطنع الامّة و قم بحق اللّه عزّ و جلّ و قل الحقّ في الخوف و الأمن و لا تخش إلّا اللّه ففعل، ثمّ دفعها إلى الذي يليه. قال: قلت له: جعلت فداك فأنت هو؟ قال: فقال: ما بي إلّا أن تذهب يا معاذ فتروي عنّي. قال: فقلت: أسأل اللّه الذي رزقك من آبائك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات. قال: قد فعل اللّه ذلك يا معاذ. قال: فقلت: فمن هو جعلت فداك؟ قال: هذا الراقد، و أشار بيده إلى العبد الصالح و هو راقد (1).

و في رواية و كذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده ثمّ كذلك إلى قيام المهدي (عليه السّلام)(2).

____________

(1)- الكافي: 1/ 279 ح 1 و يريد بالعبد الصالح: موسى بن جعفر (عليه السّلام).

(2)- الكافي: 1/ 280 ح 2.

30

الثمرة الرابعة في جامع صفاتهم (صلوات اللّه عليهم)

في البحار عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام): للإمام علامات، يكون أعلم الناس و أحكم الناس و أتقى الناس و أحلم الناس و أشجع الناس و أسخى الناس و أعبد الناس، و يولد مختونا و يكون مطهرا و يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، و لا يكون له ظلّ، و إذا وقع إلى الأرض من بطن أمّه وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، و لا يحتلم، و تنام عيناه و لا ينام قلبه، و يكون محدّثا، و يستوى عليه درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا يرى له بول و لا غائط؛ لأنّ اللّه عزّ و جلّ قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه و تكون رائحته أطيب من رائحة المسك، و يكون أولى الناس منهم بأنفسهم و أشفق عليهم من آبائهم و أمّهاتهم و يكون أشدّ

تواضعا للّه عزّ و جلّ و يكون آخذ الناس بما يأمر به و أكفّ الناس عمّا ينهى عنه، و يكون دعاؤه مستجابا حتّى إنّه لو دعا على صخرة لانشقّت بنصفين و يكون عنده سلاح رسول اللّه و سيفه ذو الفقار و تكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة و صحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة و يكون عنده الجامعة و هي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم و يكون عنده الجفر الأكبر و الأصغر، إهاب ماعز و إهاب كبش فيها جميع العلوم حتّى أرش الخدش و حتّى الجلدة و نصف الجلدة و ثلث الجلدة، و يكون عنده مصحف فاطمة (عليها السّلام)(1).

و فيه في حديث آخر: إنّ الإمام مؤيّد بروح القدس و بينه و بين اللّه عزّ و جلّ عمود من نور يرى فيه أعمال العباد، و كلّما احتاج إليه لدلالة اطّلع عليه و يبسط له فيعلم و يقبض عنه فلا يعلم، و الإمام يولد و يلد و يصحّ و يمرض و يأكل و يشرب و يبول و يتغوّط و ينكح و ينام و ينسّى و يسهو (2) و يفرح و يحزن و يضحك و يبكي و يحيى و يموت و يقبر فيزار و يحشر و يوقف و يعرض و يسأل و يتاب و يكرم و يشفع، و دلالته في الخصلتين: في العلم و استجابة

____________

(1)- البحار: 25/ 116 ح 1.

(2)- في عيون أخبار الرضا: لا ينسى و لا يسهو.

31

الدعوة، و كلّما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها فذلك بعهد معهود إليه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) توارثه عن آبائه عنهم و يكون ذلك ممّا عهده إلى جبرئيل عن علّام الغيوب عزّ و جلّ، و جميع الأئمّة الأحد عشر بعد النبي قتلوا، منهم بالسيف و هو أمير المؤمنين و الحسين و الباقون قتلوا بالسّم، قتل كلّ واحد منهم طاغية زمانه و جرى ذلك عليهم على الحقيقة و الصحّة لا كما تقوله الغلاة و المفوّضة لعنهم اللّه، فإنّهم يقولون: إنّهم (عليهم السّلام) لم يقتلوا على الحقيقة و أنّه شبّه للناس أمرهم، و كذبوا عليهم غضب اللّه، فإنّه ما شبه أمر أحد من أنبياء اللّه و حججه للناس إلّا أمر عيسى ابن مريم وحده لأنّه رفع من الأرض حيّا و قبض روحه بين السماء و الأرض، ثمّ رفع إلى السماء و ردّ عليه روحه و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ‏ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى‏ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَ‏ (1) و قال عزّ و جلّ حكاية لقول عيسى يوم القيامة وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ (2).

و يقول المتجاوزون للحدّ في أمر الأئمّة: إنّه جاز أن يشبه أمر عيسى للناس فلم لا يجوز أن يشبه أمرهم (عليهم السّلام) أيضا؟ و الذي يجب أن يقال لهم: إنّ عيسى مولود من غير أب فلم لا يجوز أن يكونوا مولودين من غير آباء، فإنّهم لا يجسرون على إظهار مذهبهم لعنهم اللّه في ذلك، و متى جاز أن يكون جميع أنبياء اللّه و رسله و حججه بعد آدم (عليه السّلام) مولودين من الآباء و الامّهات و كان عيسى مولودا من غير أب جاز أن يتشبّه للناس أمره دون أمر غيره من الأنبياء و الحجج، كما جاز أن يولد من غير أب دونهم و إنّما أراد اللّه عزّ و جلّ أن يجعل أمره آية و علامة ليعلم بذلك أنّه على كلّ شي‏ء قدير (3).

و في البحار عن مشارق البرسي عن طارق بن شهاب عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: يا طارق الإمام كلمة اللّه و حجّة اللّه و وجه اللّه و نور اللّه و حجاب اللّه و آية اللّه، يختاره اللّه و يجعل فيه ما يشاء و يوجب بذلك الطاعة و الولاية على جميع خلقه، فهو وليّه في سماواته و أرضه أخذ له بذلك العهد على جميع عباده، فمن تقدّم عليه كفر باللّه من فوق عرشه، فهو يفعل ما يشاء و إذا شاء اللّه شاء، و يكتب على عضده‏ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا (4) فهو الصدق‏

____________

(1)- آل عمران: 55.

(2)- المائدة: 117.

(3)- البحار: 25/ 119 ح 2.

(4)- الأنعام: 115.

32

و العدل، و ينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء يرى فيه أعمال العباد، و يلبس الهيبة و علم الضمير و يطّلع على الغيب، و يرى ما بين المشرق و المغرب فلا يخفى عليه شي‏ء من عالم الملك و الملكوت، و يعطى منطق الطير عند ولايته فهذا الذي يختاره اللّه لوحيه و يرتضيه لغيبه و يؤيّده بكلمته و يلقنه حكمته و يجعل قلبه مكان مشيئته و ينادى له بالسلطنة و يذعن له بالإمرة و يحكم له بالطاعة، و ذلك لأنّ الإمامة ميراث الأنبياء و منزلة الأصفياء و خلافة اللّه و خلافة رسل اللّه، فهي عصمة و ولاية و سلطنة و هداية، لأنّها تمام الدين و رجح الموازين.

الإمام دليل القاصدين و منار للمجتهدين و سبيل السالكين و شمس مشرقة في قلوب العارفين، ولايته سبب للنجاة و طاعته مفترضة في الحياة وعدة بعد الممات، و عزّ المؤمنين و شفاعة المذنبين و نجاة المحبّين و فوز التابعين، لأنّها رأس الإسلام و كمال الإيمان و معرفة الحدود و الأحكام و حدّ سنن الحلال من الحرام فهي مرتبة لا ينالها إلّا من اختاره اللّه و قدّمه و ولّاه و حكمه، فالولاية هي حفظ الثغور و تدبير الامور و تعديد الأيّام و الشهور.

الإمام الماء العذب على الظمأ و الدالّ على الهدى.

الإمام المطهّر من الذنوب المطّلع على الغيوب.

الإمام هو الشمس الطالعة على العباد بالأنوار فلا تناله الأيدي و الأبصار، و إليه الإشارة بقوله تعالى‏ وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ‏ (1) و المؤمنون علي و عترته فالعزّة للنبي و العترة لا يفترقان في العزّة إلى آخر الدهر، فهم رأس دارة الايمان و قطب الوجود و سماء الجود و شرف الموجود وضوء شمس الشرف و نور قمره و أصل العزّ و المجد و مبدأه و معناه و مبناه، فالإمام هو السراج الوهّاج و السبيل و المنهاج و الماء الثجاج و البحر العجاج‏ (2) و البدر المشرق و الغدير المغدق و المنهج الواضح المسالك و الدليل إذا عميت المهالك و السحاب الهاطل و الغيث الهائل و البدر الكامل و الدليل الفاضل و السماء الظليلة و النعمة الجليلة، و البحر الذي لا ينزف و الشرف الذي لا يوصف و العين الغزيرة و الروضة المطيرة و الزهر الأريج و البدر البهيج و النير اللائح و الطيب الفائح و العمل الصالح و المتجر الرابح و المنهج‏

____________

(1)- المنافقون: 8.

(2)- الوهّاج: شديد الاتّقاد. الثجاج: شديد الانصباب. العجاج: الصيّاح.

33

الواضح و الطيّب الرفيق و الأب الشفيق، مفزع العباد في الدواهي و الحاكم و الآمر و الناهي، مهيمن اللّه على الخلائق و أمينه على الحقائق، حجّة اللّه على عباده و محجّته في أرضه و بلاده، مطهّر من الذنوب مبرّأ من العيوب مطّلع على الغيوب، ظاهره أمر لا يملك و باطنه غيب لا يدرك، واحد دهره و خليفة اللّه في نهيه و أمره، لا يوجد له مثيل و لا يقوم له بديل، فمن ذا ينال معرفتنا أو يعرف درجتنا و يشهد كرامتنا أو يدرك منزلتنا، حارت الألباب و العقول و تاهت الأفهام فيما أقول، تصاغرت العظماء و تفاخرت العلماء و كلّت الشعراء و خرست البلغاء و لكنت الخطباء و عجزت الفصحاء و تواضعت الأرض و السماء عن وصف شأن الأوصياء، و هل يعرف أو يوصف أو يعلم أو يفهم أو يدرك أو يملك من هو شعاع جلال الكبرياء و شرف الأرض و السماء؟ جلّ مقام آل محمّد عن وصف الواصفين و نعت الناعتين، و أن يقاس بهم أحد من العالمين، كيف و هم الكلمة العليا و التسمية البيضاء و الوحدانية الكبرى التي أعرض عنها من أدبر و تولّى و حجاب اللّه الأعظم الأعلى، فأين الاختيار من هذا؟ و أين العقول من هذا؟ و من ذا عرف أو وصف من وصفت؟ ظنّوا أنّ ذلك في غير آل محمّد، كذبوا و زلّت أقدامهم، اتّخذوا العجل ربّا و الشياطين حزبا و كلّ ذلك بغضة لبيت الصفوة و دار العصمة و حسدا لمعدن الرسالة و الحكمة، و زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فتبّا لهم و سحقا، كيف اختاروا إماما جاهلا عابد الأصنام، جبانا يوم الزحام، و الإمام يجب أن يكون عالما لا يجهل و شجاعا لا ينكل لا يعلو عليه حسب و لا يدانيه نسب، فهو في الذروة من قريش و الشرف من هاشم و البقية من إبراهيم و المتمتع من النبع الكريم، و النفس من الرسول و الرضا من اللّه و القول عن اللّه، فهو شرف الأشراف و الفرع من عبد مناف، عالم بالسياسة قائم بالرئاسة مفترض الطاعة إلى يوم الساعة، أودع اللّه قلبه سرّه و أطلق به لسانه فهو معصوم موفّق ليس بجبان و لا جاهل فتركوه يا طارق و اتّبعوا أهواءهم و من أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدى من اللّه، و الإمام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و أمر إلهي و روح قدسي و مقام عليّ و نور جليّ و سرّ خفيّ، فهو ملكي الذات إلهي الصفات زائد الحسنات. عالم بالمغيبات مدحضا من ربّ العالمين و نصّا من الصادق الأمين جبرئيل، و هذا كلّه لآل محمّد لا يشاركهم فيه مشارك، لأنّهم معدن التنزيل و معنى التأويل و خاصّة الربّ الجليل و مهبط الأمين جبرئيل، صفوة اللّه و سرّه و كلمته، شجرة النبوّة و معدن الصفوة،

34

عين المقالة و منتهى الدلالة و محكم الرسالة و نور الجلالة و جنب اللّه و وديعته و موضع خلفاء النبي الكريم و أبناء الرءوف الرحيم و أمناء العليّ العظيم، ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1) السنام الأعظم و الطريق الأقوم من عرفهم و أخذ عنهم فهو منهم، و إليه الإشارة بقوله‏ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي‏ (2) خلقهم اللّه من نور عظمته و ولّاهم أمر مملكته فهم سرّ اللّه المخزون و أولياؤه المقرّبون و أمرهم بين الكاف و النون، لا بل هم الكاف و النون، إلى اللّه يدعون و عنه يقولون و بأمره يعملون، علم الأنبياء في علمهم و سرّ الأوصياء في سرّهم و عزّ الأولياء في عزّهم، كالقطرة في البحر و الذرّة في القفر. و السماوات و الأرض عند الإمام كيده من راحته يعرف ظاهرها من باطنها و يعلم برّها من فاجرها و رطبها من يابسها، لأنّ اللّه علّم نبيّه علم ما كان و ما يكون و ورث ذلك السرّ المصون الأوصياء المنتجبون و من أنكر ذلك فهو شقيّ ملعون يلعنه اللّه و يلعنه اللاعنون.

و كيف يفرض اللّه على عباده طاعة من يحجب عنه ملكوت السماوات و الأرض و إنّ الكلمة من آل محمّد تنصرف إلى سبعين وجها و كلّ ما في الذكر الحكيم و الكتاب الكريم و الكلام القديم من آية تذكر فيها العين و الوجه و اليد و الجنب فالمراد منها الولي، لأنّه جنب اللّه و وجه اللّه نعني حقّ اللّه و علم اللّه و عين اللّه و يد اللّه، فهم الجنب العلي و الوجه الرضي و المنهل الروي و الصراط السويّ و الوسيلة إلى اللّه و الوصلة إلى عفوه و رضاه، سرّ الواحد و الأحد فلا يقاس بهم من الخلق أحد، فهم خاصّة اللّه و خالصته و سرّ الديّان و كلمته و باب الإيمان و كعبته و حجّة اللّه و محجّته و أعلام الهدى و رايته [و فضل اللّه. كلمة اللّه و مفتاح حكمته، مصابيح رحمته و ينابيع نعمته، السبيل إلى اللّه و السلسبيل و القسطاس المستقيم و المنهاج القويم و الذكر الحكيم و الوجه الكريم و النور القديم، أهل التشريف و التقويم و التقديم و التعظيم و التفضيل‏] (3) و رحمته، و عين اليقين و حقيقته و صراط الحقّ و عصمته و مبدأ الوجود و غايته و قدرة الربّ و مشيئته، و أمّ الكتاب و خاتمته و فصل الخطاب و دلالته و خزنة الوحي و حفظته، آية الذكر و تراجمته و معدن التنزيل و نهايته، فهم الكواكب العلوية و الأنوار العلوية المشرقة من شمس العصمة الفاطمية في سماء العظمة المحمّدية و الأغصان‏

____________

(1)- آل عمران: 34.

(2)- إبراهيم: 36.

(3)- ما بين معكوفين زيادة من نسخة ثانية.

35

النبوية النابتة في الدوحة الأحمدية و الأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية، و الذرية الزكية و العترة الهاشمية الهادية المهدية، أولئك هم خير البرية فهم الأئمّة الطاهرون و العترة المعصومون و الذرية الأكرمون و الخلفاء الراشدون و الكبراء الصدّيقون و الأوصياء المنتخبون و الأسباط المرضيون و الهداة المهديون و الغرّ الميامين من آل طه و يس و حجج اللّه على الأوّلين و الآخرين، و اسمهم مكتوب على الأحجار و على أوراق الأشجار و على أجنحة الأطيار و على أبواب الجنّة و النار و على العرش و الأفلاك و على أجنحة الأملاك و على حجب الجلال و سرادقات العزّ و الجمال و باسمهم تسبّح الأطيار و تستغفر لشيعتهم الحيتان في لجج البحار، و إنّ اللّه لم يخلق أحدا إلّا و أخذ عليه الإقرار بالوحدانية و الولاية للذرية الزكية و البراءة من أعدائهم، و إنّ العرش لم يستقرّ حتّى كتب عليه بالنور: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه علي وليّ اللّه‏ (1).

____________

(1)- البحار: 25/ 174- 169 باب 4 ح 38 و مشارق أنوار اليقين: 114 ط. الأعلمي.

36

الثمرة الخامسة في معرفة الإمام (عليه السّلام)

في البحار عن محمّد بن صدقة سأل أبو ذرّ الغفاري سلمان الفارسي (رحمه اللّه) و قال: يا أبا عبد اللّه ما معرفة أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالنورانية؟ قال جندب: فامض بنا حتّى نسأله عن ذلك.

قال: فأتينا فلم نجده فانتظرناه حتّى جاء. قال (صلوات اللّه عليه): ما جاء بكما؟ قالا: جئناك يا أمير المؤمنين نسألك عن معرفتك بالنورانية. قال (عليه السّلام): مرحبا بكما من وليّين متعاهدين لدينه لستما بمقصّرين، لعمري إنّ ذلك الواجب على كلّ مؤمن و مؤمنة. ثمّ قال: يا سلمان و يا جندب.

قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: إنّه لا يستكمل أحد الإيمان حتّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن اللّه قلبه للإيمان و شرح صدره للإسلام و صار عارفا مستبصرا، و من قصّر عن معرفة ذلك فهو شاكّ و مرتاب. يا سلمان و يا جندب قالا:

لبّيك يا أمير المؤمنين، قال (عليه السّلام): معرفتي بالنورانية معرفة اللّه عزّ و جلّ و معرفة اللّه عزّ و جلّ معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص الذي قال اللّه تعالى‏ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (1) يقول: ما أمروا إلّا بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و هو دين الحنيفية المحمّدية السمحة، و قوله: وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ فمن أقام ولايتي فقد أقام الصلاة، و إقامة ولايتي صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان، فالملك إذا لم يكن مقرّبا لم يحتمله و النبي إذا لم يكن مرسلا لم يحتمله و المؤمن إذا لم يكن ممتحنا لم يحتمله. قلت: يا أمير المؤمنين من المؤمن؟ و ما نهايته؟ و ما حدّه حتّى أعرفه؟ قال: يا أبا عبد اللّه. قلت: لبّيك يا أخا رسول اللّه.

قال: المؤمن الممتحن هو الذي لا يردّ من أمرنا إليه شي‏ء إلّا شرح صدره لقبوله و لم يشكّ و لم يرتد. اعلم يا أبا ذرّ: أنا عبد اللّه عزّ و جلّ و خليفته على عباده لا تجعلونا أربابا و قولوا في‏

____________

(1)- البيّنة: 5.

37

فضلنا ما شئتم فإنّكم لم تبلغوا كنه ما فينا و لا نهايته، فإنّ اللّه عزّ و جلّ قد أعطانا أكبر و أعظم ممّا يصفه و اصفكم أو يخطر على قلب أحدكم، إذا عرفتمونا هكذا فأنتم المؤمنون. قال سلمان: قلت: يا أخا رسول اللّه و من أقام الصلاة أقام ولايتك؟ قال: نعم يا سلمان تصديق ذلك قوله تعالى في الكتاب العزيز وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ (1) فالصبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الصلاة إقامة ولايتي فمنها قال اللّه تعالى‏ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ و لم يقل و إنّهما لكبيرة لأنّ الولاية كبير حملها إلّا على الخاشعين، و الخاشعون هم الشيعة المستبصرون بفضلي لأنّ أهل الأقاويل من المرجئة و القدرية و الخوارج و غيرهم من الناصبية يقرّون لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ليس بينهم خلاف، و هم مختلفون في ولايتي منكرون لذلك جاحدون بها إلّا القليل، و هم الذين وصفهم اللّه في كتابه العزيز فقال‏ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏.

و قال اللّه تعالى في موضع آخر في كتابه العزيز في نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و في ولايتي فقال عزّ و جلّ‏ وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ (2) فالقصر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و البئر المعطّلة ولايتي عطّلوها و جحدوها، و من لم لم يقرّ بولايتي لم ينفعه الإقرار بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ألا إنّهما مقرونان، و ذلك أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) نبي مرسل و هو إمام الخلق و وصيّ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كما قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي مرسل بعدي، و أوّلنا محمّد و أوسطنا محمّد و آخرنا محمّد فمن استكمل معرفتي فهو على الدين القيّم كما قال اللّه تعالى‏ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ و سأبين ذلك بعون اللّه تعالى و توفيقه.

يا سلمان و يا جندب! قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك)، قال: كنت أنا و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) نورا واحدا من نور اللّه عزّ و جلّ فأمر اللّه تبارك و تعالى ذلك النور أن يشقّ فقال للنصف: كنّ محمّدا و قال للنصف: كنّ عليّا، فمنها قال رسول اللّه: علي منّي و أنا من علي و لا يؤدّي عنّي إلّا علي، و قد وجّه أبا بكر ببراءة إلى مكّة فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد. قال:

لبّيك. قال: إنّ اللّه يأمرك أن تؤدّيها أنت أو رجل منك، فوجّهني في استرداد أبي بكر فرددته فوجد في نفسه و قال: يا رسول اللّه أنزله في القرآن؟ قال: لا و لكن لا يؤدّي إلّا أنا أو علي. يا سلمان و يا جندب. قالا: لبيك يا أخا رسول اللّه. قال: من لا يصلح لحمل صحيفة يؤدّيها عن‏

____________

(1)- البقرة: 45.

(2)- الحج: 45.

38

رسول اللّه كيف يصلح للإمامة؟ يا سلمان و يا جندب فأنا و رسول اللّه نور واحد صار رسول اللّه محمّد المصطفى و صرت أنا وصيّه المرتضى، و صار محمّد الناطق و صرت أنا الصامت، و إنّه لا بدّ في كلّ عصر من الأعصار أن يكون فيه ناطق و صامت. يا سلمان صار محمّد المنذر و صرت أنا الهادي و ذلك قوله عزّ و جلّ‏ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (1) فرسول اللّه المنذر و أنا الهادي‏ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى‏ وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ وَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ. عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ. سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ وَ مَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَ سارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ‏ (2).

قال: فضرب بيده على الأخرى و قال: صار محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) صاحب الجمع و صرت أنا صاحب النشر و صار محمّد صاحب الجنّة و صرت أنا صاحب النار، أقول لها خذي هذا و ذري هذا، و صار محمّد صاحب الرجفة و صرت أنا صاحب الهدة و أنا صاحب اللوح المحفوظ، ألهمني اللّه عزّ و جلّ علم ما فيه، نعم يا سلمان و يا جندب صار محمّد يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ‏ (3) و صار محمد ن وَ الْقَلَمِ‏ (4) و صار محمد طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى‏ (5) و صار محمّد صاحب الدلالات، و صرت أنا صاحب المعجزات و الآيات و صار محمد خاتم النبيّين و صرت أنا خاتم الوصيّين، و أنا الصراط المستقيم و أنا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و لا أحد اختلف إلّا في ولايتي، و صار محمد صاحب الدعوة و صرت أنا صاحب السيف و صار محمّد نبيّا مرسلا و صرت أنا صاحب أمر النبيّ، قال اللّه عزّ و جلّ‏ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ‏ (6) و هو روح اللّه لا يعطيه و لا يلقي هذا الروح إلّا على ملك مقرّب أو نبي مرسل أو وصي منتجب فمن أعطاه اللّه هذا الروح فقد أبانه من الناس و فوّض إليه القدرة و أحيى الموتى و علم بما كان و ما يكون و سار من المشرق إلى المغرب و من المغرب إلى المشرق في لحظة عين و علم ما في الضمائر و القلوب و علم ما في السماوات و الأرض. يا سلمان و يا جندب و صار محمد الذكر الذي قال اللّه عزّ و جلّ‏ قَدْ

____________

(1)- الرعد: 7.

(2)- الرعد: 8- 11.

(3)- يس: 1- 2.

(4)- القلم: 1.

(5)- طه: 1- 2.

(6)- غافر: 15.

39

أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ‏ (1) إنّي أعطيت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب و استودعت علم القرآن و ما هو كائن إلى يوم القيامة و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أقام الحجّة حجّة للناس و صرت أنا حجّة اللّه عزّ و جلّ، جعل اللّه لي ما لم يجعل لأحد من الأولين و الآخرين لا لنبي مرسل و لا لملك مقرّب.

يا سلمان و يا جندب، قالا: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: أنا الذي حملت نوحا في السفينة بأمر ربّي‏ (2)، و أنا الذي أخرجت يونس من بطن الحوت بإذن ربّي، و أنا الذي جاوزت بموسى ابن عمران البحر بإذن ربّي، و أنا الذي أخرجت إبراهيم من النار بإذن ربّي، و أنا الذي أجريت أنهارها و فجّرت عيونها و غرست أشجارها بإذن ربّي، و أنا عذاب يوم الظلمة (3) و أنا المنادي من مكان قريب قد سمعه الثقلان الجنّ و الإنس و فهمه قوم إنّي لأسمع كلّ قوم؛ الجبّارين و المنافقين بلغاتهم، و أنا الخضر معلّم موسى و أنا معلّم سليمان بن داود و أنا ذو القرنين و أنا قدرة اللّه عزّ و جلّ. يا سلمان و يا جندب أنا محمّد و محمّد أنا و أنا من محمّد و محمّد منّي. قال اللّه‏ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ‏ (4). يا سلمان و يا جندب، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: إنّ ميّتنا لم يمت و غائبنا لم يغب و إن قتلانا لم يقتلوا. يا سلمان و يا جندب، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك)، قال: أنا أمير كلّ مؤمن و مؤمنة ممّن مضى و ممّن بقي و أيّدت بروح العظمة، و إنّما أنا عبد من عبيد اللّه لا تسمّونا أربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فإنّكم لم تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله اللّه لنا و لا معشار العشر، لأنّا آيات اللّه و دلائله و حجج اللّه و خلفاؤه و أمناء اللّه و أئمّته و وجه اللّه و عين اللّه و لسان اللّه، بنا يعذّب اللّه عباده و بنا يثيب، و من بين خلقه طهّرنا و اختارنا و اصطفانا و لو قال قائل لم و كيف و فيم كفر و أشرك، لأنّه لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون. يا سلمان و يا جندب. قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك)، قال (عليه السّلام): من آمن بما قلت و صدّق‏

____________

(1)- الطلاق: 11.

(2)- قال العلامة المجلسي في البحار: قوله: أنا الذي حملت نوحا ... لو صح صدور الخبر عنه (عليه السّلام) لاحتمل أن يكون المراد به و بأمثاله أن الأنبياء (عليهم السّلام) بالاستشفاع بنا و التوسل بأنوارنا رفعت عنهم المكاره و الفتن كما دلت عليه الأخبار الصحيحة، انتهى.

و قد أوضحنا ذلك في كتابنا «آل محمد بين قوسي النزول و الصعود» ط. دار الهادي.

(3)- في المصدر: يوم الظلّة.

(4)- الرحمن: 19- 20.

40

بما بيّنت و فسّرت و شرحت و أوضحت و نورت و برهنت فهو مؤمن ممتحن امتحن اللّه قلبه للإيمان و شرح صدره للإسلام و هو عارف مستبصر قد انتهى و بلغ و كمل، و من شك و عند و جحد و وقف و تحيّر و ارتاب فهو مقصّر و ناصب. يا سلمان و يا جندب، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك).

قال: أنا احيي و اميت بإذن ربّي و أنبّئكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم بإذن ربّي، و أنا عالم بضمائر قلوبكم، و الأئمّة من أولادي يعلمون و يفعلون هذا إذا أحبّوا و أرادوا إنّا كلّنا واحد؛ أوّلنا محمّد و آخرنا محمّد و أوسطنا محمّد و كلّنا محمّد، فلا تفرّقوا بيننا، و نحن إذا شئنا شاء اللّه و إذا كرهنا كره اللّه‏ (1)، الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا و خصوصيتنا و ما أعطانا اللّه ربّنا؛ لأنّ من أنكر شيئا ممّا أعطانا اللّه فقد أنكر قدرة اللّه عزّ و جلّ و مشيئته فينا. يا سلمان و يا جندب. قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك). قال: لقد أعطانا اللّه ربّنا ما هو أجلّ و أعظم و أعلى و أكبر من هذا كلّه.

قلنا: يا أمير المؤمنين ما الذي أعطاكم ما هو أجلّ و أعظم من هذا كلّه؟ قال (عليه السّلام): قد أعطانا ربّنا عزّ و جلّ، علمنا الاسم الأعظم الذي لو شئنا خرقنا السماوات و الأرض و الجنّة و النار و نعرج به إلى السماء و نهبط به الأرض و نغرّب و نشرّق و ننتهي به إلى العرش فنجلس عليه بين يدي اللّه عزّ و جلّ و يطيعنا كلّ شي‏ء حتّى السماوات و الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدواب و البحار و الجنّة و النار، أعطانا اللّه ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا و خصّنا به، و مع هذا كلّه نأكل و نشرب و نمشي في الأسواق نعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا و نحن عباد اللّه المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون و جعلنا معصومين مطهّرين و فضّلنا على كثير من عباده المؤمنين فنحن نقول الحمد للّه الذي هدانا لهذا و ما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه و حقّت كلمة العذاب على الكافرين، أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا اللّه من الفضل و الإحسان. يا سلمان و يا جندب فهذا معرفتي بالنورانية فتمسّك بها راشدا مهديّا فإنّه لا يبلغ أحد من شيعتنا حدّ الاستبصار حتى يعرفني بالنورانية فإذا عرفني بها كان مستبصرا بالغا كاملا قد خاض بحرا من العلم و ارتقى درجة من الفضل‏

____________

(1)- أي مشيئتهم متعلقة بمشيئة اللّه، فهم (عليهم السّلام) لا يشاءون ما يخالف مشيئة اللّه تعالى و لا يكرهون إلا ما يكرهه تعالى.

41

و اطّلع على سرّ من أسرار اللّه و مكنون خزائنه‏ (1).

و فيه عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: لما أفضيت الخلافة إلى بني اميّة سفكوا فيها الدم الحرام و لعنوا فيها أمير المؤمنين على المنابر ألف شهر و تبرّءوا منه و اغتالوا الشيعة في كلّ بلدة و استأصلوا بنيانهم من الدنيا لحطام دنياهم، فخوّفوا الناس في البلدان و كلّ من لم يلعن أمير المؤمنين و لم يتبرّأ منه قتلوه كائنا من كان. قال جابر بن يزيد الجعفي: فشكوت من بني امية و أشياعهم إلى الإمام المبين أطهر الطاهرين زين العابدين و سيّد الزهّاد و خليفة اللّه على العباد علي بن الحسين (عليه السّلام) فقلت: يا بن رسول اللّه قد قتلونا تحت كلّ حجر و مدر و استأصلوا شأفتنا و أعلنوا لعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) على المنابر و المنارات و الأسواق و الطرقات و تبرّءوا منه، حتّى إنّهم ليجتمعون في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيلعنون عليّا علانية لا ينكر ذلك أحد و لا ينهر، فإن أنكر ذلك أحد منّا حملوا عليه بأجمعهم و قالوا: هذا رافضي أبو ترابي، و أخذوه إلى سلطانهم و قالوا: هذا ذكر أبا تراب بخير، فضربوه ثمّ حبسوه ثمّ بعد ذلك قتلوه. فلمّا سمع الإمام (صلوات اللّه عليه) ذلك منّي نظر إلى السماء فقال: سبحانك اللهمّ سيّدي ما أحلمك و أعظم شأنك في حلمك و أعلى سلطانك يا ربّ قد أمهلت عبادك في بلادك حتّى ظنّوا أنّك أمهلتهم أبدا و هذا كلّه بعينك، لا يغالب قضاؤك و لا يردّ المحتوم من تدبيرك كيف شئت و أنّى شئت و أنت أعلم به منّا. قال: ثمّ دعا ابنه محمدا، قال: يا بني، قال:

لبّيك يا سيدي. قال: إذا كان غدا فاغد إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) خذ معك الخيط الذي أنزل مع جبرئيل على جدّنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحرّكه تحريكا ليّنا و لا تحرّكه تحريكا شديدا، اللّه اللّه فتهلك الناس كلّهم.

قال جابر: فبقيت متفكّرا متعجّبا من قوله (عليه السّلام) فما أدري ما أقول لمولاي، فغدوت إلى محمّد و قد بقي عليّ ليل حرصا على أن أنظر إلى الخيط و تحريكه فبينما أنا على الباب إذ خرج الإمام فقمت و سلّمت عليه فردّ عليّ السلام و قال: ما غدا بك؟ فلم تكن تأتينا في هذا الوقت فقلت: يا ابن رسول اللّه سمعت أباك يقول بالأمس خذ الخيط و صر إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحرّكه تحريكا ليّنا و لا تحرّكه تحريكا شديدا فتهلك الناس كلّهم. فقال: يا جابر لو لا الوقت المعلوم و الأجل المحتوم و القدر المقدور لخسفت و اللّه بهذا المخلوق المنكوس في‏

____________

(1)- البحار: 26/ 6 ح 1.

42

طرفة عين، لا بل في لحظة، لا بل في لمحة، و لكنّنا عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعلمون. قال: قلت له: يا سيّدي و لم تفعل هذا بهم؟ قال: ما حضرت أبي بالأمس و الشيعة يشكون إليه ما يلقونه من الناصبية الملاعين و القدرية المقصّرين؟ فقلت: بلى يا سيدي. قال: فإنّي أرعبهم و كنت أحب أن يهلك طائفة منهم و يطهّر اللّه منهم البلاد و يريح العباد. قلت: يا سيدي فكيف ترعبهم و هم أكثر من أن يحصوا؟ قال: امض بنا إلى المسجد لأريك قدرة من قدرة اللّه تعالى، قال جابر: فمضيت معه إلى المسجد فصلّى ركعتين ثمّ وضع خدّه على التراب و تكلّم بكلمات ثمّ رفع رأسه و أخرج من كمه خيطا دقيقا يفوح منه رائحة المسك و كان أدقّ في المنظر من خيط المخيط ثمّ قال لي: خذ إليك طرف الخيط و امش رويدا و إيّاك ثمّ إيّاك أن تحرّكه، قال: فأخذت طرف الخيط و مشيت رويدا فقال (عليه السّلام):

قف يا جابر، فوقفت فحرّك الخيط تحريكا ليّنا فما ظننت أنّه حرّكه من لينه ثمّ قال: ناولني طرف الخيط. قال: فناولته فقلت: ما فعلت به يا بن رسول اللّه؟ فقال: ويحك اخرج إلى الناس و انظر ما حالهم. قال: فخرجت من المسجد فإذا صياح و ولولة من كلّ ناحية و زاوية و إذا زلزلة و هدّة و رجفة و إذا الهدة أخربت عامّة دور المدينة و هلك تحتها أكثر من ثلاثين ألف رجل و امرأة و إذا بخلق يخرجون من السكك لهم بكاء و عويل و ضوضاء و رنّة شديدة و هم يقولون: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون قد قامت الساعة و وقعت الواقعة و هلك الناس. و آخرون يقولون: الزلزلة و الهدة، و آخرون يقولون: الرجفة و القيامة هلك فيها عامّة الناس، و إذا اناس قد أقبلوا يبكون يريدون المسجد و بعضهم يقولون لبعض: لم لا يخسف بنا و قد تركنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ظهر الفسق و الفجور و كثر الزنا و الربا و شرب الخمر و اللواط، و اللّه لينزلن بنا ما هو أشدّ من ذلك و أعظم أو نصلح أنفسنا. قال جابر: فقمت متحيّرا أنظر إلى الناس يبكون و يصيحون و يولولون و يفدون زمرا إلى المسجد فرحمتهم حتّى و اللّه لبكيت لبكائهم، و إذن لا يدرون من أين أتوا و اخذوا فانصرفت إلى الإمام الباقر (عليه السّلام) و قد اجتمع الناس عليه و هم يقولون: يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما ترى ما نزل بنا و بحرم رسول اللّه قد هلك الناس و ماتوا فادع اللّه عزّ و جلّ لنا، فقال: افزعوا إلى الصلاة و الصدقة و الدعاء. ثمّ سألني و قال: يا جابر ما حال الناس؟ فقلت: يا سيدي لا تسأل يا بن رسول اللّه خربت الدور و القصور و هلك الناس و رأيتهم بغير رحمة فرحمتهم. فقال (عليه السّلام): لا رحمهم اللّه أبدا، أما إنّه قد بقي‏

43

عليك بقية، لو لا ذلك ما رحمت أعداءنا و أعداء أوليائنا. ثمّ قال: سحقا سحقا و بعدا بعدا للقوم الظالمين و اللّه لو حرّكت الخيط أدنى تحريكة لهلكوا أجمعين و جعلوا أعلاها أسفلها و لم يبق دار و لا قصر و لكن أمرني سيّدي و مولاي أن لا أحرّكه شديدا. ثمّ إنّه صعد المنارة و الناس لا يرونه و أنا أراه فنادى بأعلى صوته ألا أيّها الضالّون المكذّبون فنظر الناس أنّه صوت من السماء فخرّوا لوجوههم و طارت أفئدتهم و هم يقولون في سجودهم: الأمان الأمان. فإذا هم يسمعون الصيحة بالحقّ و لا يرون الشخص ثمّ أشار بيده (صلوات اللّه عليه) و أنا أراه و الناس لا يرونه فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة ليست كالأولى و تهدّمت فيها دور كثيرة ثمّ تلا هذه الآية ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ‏ (1) ثمّ تلا بعد ما نزل‏ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا (2) عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ‏ (3) و تلا (عليه السّلام)فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ‏ (4). قال: و خرجت المخدّرات في الزلزلة الثانية من خدورهنّ مكشفات الرءوس و إذا الأطفال يبكون و يصر خون فلا يلتفت أحد، فلمّا بصر الباقر (عليه السّلام) ضرب بيده إلى الخيط فجمعه في كفّه فسكنت الزلزلة ثمّ أخذ بيدي و الناس لا يرونه و خرجنا من المسجد فإذا قوم قد اجتمعوا على باب حانوت الحداد و هم خلق كثير يقولون: ما سمعتم في مثل هذه المدرة (5) من الهمهمة، فقال بعضهم: بلى همهمة كثيرة. و قال آخرون: بلى و اللّه صوت و كلام و صياح كثير و لكنّا و اللّه لم نقف على الكلام. قال جابر: فنظر الباقر (عليه السّلام) إلى قصتهم ثمّ قال: يا جابر هذا دأبنا و دأبهم في كلّ عصر، إذا بطروا و أشروا و تمرّدوا و بغوا أرعبناهم و خوّفناهم فإذا ارتدعوا و إلّا أذن اللّه في خسفهم.

قال جابر: يا بن رسول اللّه فما هذا الخيط الذي فيه الأعجوبة؟ قال: هذه بقيّة ممّا ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة إلينا، يا جابر: إنّ لنا عند اللّه منزلة و مكانا رفيعا و لو لا نحن لم يخلق اللّه أرضا و لا سماء و لا جنّة و لا نارا و لا شمسا و لا قمرا و لا برّا و لا بحرا و لا سهلا و لا جبلا و لا رطبا و لا يابسا و لا حلوا و لا مرّا و لا ماء و لا نباتا و لا شجرا، و اخترعنا اللّه من نور ذاته، و لا يقاس بنا بشر، بنا أنقذكم اللّه عزّ و جلّ و بنا هداكم و نحن و اللّه دللناكم على ربّكم‏

____________

(1)- الأنعام: 146.

(2)- سورة هود: 82.

(3)- سورة الذاريات: 33- 34.

(4)- النحل: 26.

(5)- في نسخة ثانية: المنارة.

44

فقفوا عند أمرنا و نهينا و لا تردوا كلّ ما ورد عليكم منّا فإنّا أكبر و أجلّ و أعظم و أرفع من جميع ما يرد عليكم، ما فهمتموه فاحمدوا اللّه عليه و ما جهلتموه فكلوا أمره إلينا و قولوا:

أئمتنا أعلم بما قالوا. قال: ثمّ استقبله أمير المدينة راكبا و حواليه حرّاسه و هم ينادون في الناس: معاشر الناس احضروا إلى ابن رسول اللّه علي بن الحسين و تقرّبوا إلى اللّه عزّ و جلّ به لعلّ اللّه يصرف به عنكم العذاب، فلمّا بصروا بمحمّد بن علي الباقر (عليه السّلام) تبادروا نحوه و قالوا له: يا بن رسول اللّه أ ما ترى ما نزل بأمّة جدّك محمّد، هلكوا و فنوا عن آخرهم، أين أبوك حتّى نسأله أن يخرج إلى المسجد و نتقرّب به إلى اللّه ليرفع به عن أمّة جدّك هذا البلاء؟ قال لهم محمّد بن علي (عليه السّلام): يفعل اللّه ما يشاء أصلحوا من أنفسكم و عليكم بالتوبة و التضرّع و الورع و النهي عمّا أنتم عليه فإنّه لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون. قال جابر: فأتينا علي بن الحسين و هو يصلّي فانتظرناه حتّى فرغ من صلاته و أقبل علينا فقال: يا محمّد ما خبر الناس؟

فقال: ذلك لقد رأى من قدرة اللّه عزّ و جلّ ما لا زال متعجّبا منها. قال جابر: فقلت: يا سيدي إنّ سلطانهم سألنا أن نسألك أن تحضر إلى المسجد حتّى يجتمع الناس يدعون و يتضرّعون إلى اللّه عزّ و جلّ و يسألونه الإقالة. قال: فتبسّم ثمّ تلا أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى‏ قالُوا فَادْعُوا وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ‏ (1) و قرأ وَ لَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ الْمَوْتى‏ وَ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ‏ (2) فقلت: يا سيدي العجب أنّهم لا يدرون من أين أتوا. قال: أجل ثمّ تلا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ‏ (3) و هي و اللّه آياتنا و هذه إحداها و هي و اللّه و لا يتنا. يا جابر ما تقول في قوم أماتوا سنّتنا و تولّوا أعداءنا و انتهكوا حريمنا فظلمونا و غصبونا و أحيوا سنن الظالمين و ساروا بسيرة الفاسقين. قال جابر: الحمد للّه الذي منّ عليّ بمعرفتكم و ألهمني فضلكم و وفّقني لطاعتكم و موالاة مواليكم و معاداة أعدائكم.

قال (صلوات اللّه عليه): يا جابر أ تدري ما المعرفة؟ المعرفة إثبات التوحيد أوّلا ثمّ معرفة المعاني ثانيا ثمّ معرفة الأبواب ثالثا ثمّ معرفة الإمام رابعا ثمّ معرفة الأركان خامسا ثمّ معرفة

____________

(1)- سورة المؤمن: 50.

(2)- سورة الأنعام: 111.

(3)- سورة الأعراف: 51.

45

النقباء سادسا ثمّ معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالى‏ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (1) و تلا أيضا وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏ (2).

يا جابر: مالك أمركم إثبات التوحيد و معرفة المعاني، أما إثبات التوحيد معرفة اللّه القديم الغائب الذي لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب باطن ستدركه كما وصف به نفسه.

أمّا المعاني فنحن معانيه و مظاهره فيكم، اخترعنا من نور ذاته و فوّض إلينا أمور عباده، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء و نحن إذا شئنا شاء اللّه و إذا أردنا أراد اللّه، و نحن أحلّنا اللّه هذا المحل و اصطفانا من بين عباده و جعلنا حجّة في بلاده، فمن أنكر شيئا من ذلك و ردّه فقد ردّ على اللّه جل اسمه و كفر بأنبيائه و رسله. يا جابر من عرف اللّه تعالى بهذه الصفات فقد أثبت التوحيد لأنّ هذه الصفة موافقة لما في الكتاب المنزل و ذلك قوله تعالى‏ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (3) و قوله تعالى‏ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ‏ (4) قال جابر: يا سيدي ما أقلّ أصحابي. قال (عليه السّلام): هيهات هيهات أ تدري كم على وجه الأرض من أصحابك؟ قلت: يا بن رسول اللّه كنت أظنّ في كل بلدة ما بين المائة إلى المائتين و في كل إقليم منهم ما بين الألف إلى ألفين، بل كنت أظنّ أكثر من مائة ألف في أطراف الأرض و نواحيها. قال (عليه السّلام): يا جابر خالفك ظنّك و قصر رأيك أولئك المقصّرون و ليسوا لك بأصحاب. قلت: يا بن رسول اللّه و من المقصّر؟ قال: الذين قصّروا في معرفة الأئمّة و عن معرفة ما فرض اللّه عليهم من أمره و روحه. قلت: يا سيّدي و ما معرفة روحه؟

قال (عليه السّلام): أن يعرف كلّ من خصّه اللّه تعالى بالروح فقد فوّض إليه أمره، يخلق بإذنه و يحيي بإذنه و يعلم ما في الضمائر و يعلم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، ذلك أنّ هذا الروح من أمر اللّه تعالى فمن خصّه اللّه تعالى بهذا الروح فهو كامل غير ناقص يفعل ما يشاء بإذن اللّه، يسير من المشرق إلى المغرب بإذن اللّه في لحظة واحدة يعرج به إلى السماء و ينزل به إلى الأرض يفعل ما شاء و أراد. قلت: يا سيّدي أوجدني بيان هذا الروح من كتاب اللّه تعالى و أنّه‏

____________

(1)- سورة الكهف: 109.

(2)- سورة لقمان: 27.

(3)- الأنعام 103.

(4)- الأنبياء: 23.

46

من أمر خصّه اللّه تعالى بمحمّد و أوصيائه (عليهم السّلام). قال: نعم اقرأ هذه الآية وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا (1)، و قوله تعالى‏ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ‏ (2) قلت: فرّج اللّه عنك كما فرّجت عنّي و وقفتني على معرفة الروح و الأمر. ثمّ قلت: يا سيّدي صلّى اللّه عليك فأكثر الشيعة مقصّرون و أنا ما أعرف من أصحابي على هذه الصفة واحدا. قال: يا جابر فإن لم تعرف منهم أحدا فإنّي أعرف منهم نفرا قلائل يأتون و يسلمون و يتعلّمون منّي شيئا من سرّنا و مكنوننا و باطن علومنا. قلت: إنّ فلان بن فلان و أصحابه من أهل هذه الصفة إن شاء اللّه و ذلك أنّي سمعت منهم سرّا من أسراركم و باطنا من علومكم و لا أظنّ إلّا و قد كملوا و بلغوا. قال: يا جابر ادعهم غدا و أحضرهم معك. قال: فأحضرتهم من الغد فسلّموا على الإمام و بجّلوه و وقّروه و وقفوا بين يديه.

فقال: يا جابر أما إنّهم إخوانك و قد بقيت عليهم بقية، أ تقرّون أيّها النفر أن اللّه تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و لا معقب لحكمه و لا رادّ لقضائه و لا يسأل عمّا يفعل و هم يسألون؟

قالوا: نعم إنّ اللّه يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد. قال جابر: فقلت: الحمد للّه قد استبصروا و عرفوا و بلغوا. قال: يا جابر لا تعجل بما لا تعلم، فبقيت متحيّرا. فقال (عليه السّلام): هل يقدر علي بن الحسين (عليه السّلام) أن يصير بصورة ابنه محمد و هل يقدر ابني محمد أن يصير بصورتي؟ قال جابر:

فسألتهم فأمسكوا و سكتوا. قال: يا جابر سلهم: هل يقدر محمّد أن يكون بصورتي؟ قال جابر: فأسألتهم فأمسكوا و سكتوا. قال: فنظر إليّ الإمام و قال: يا جابر هذا ما أخبرتك به قد بقي عليهم بقيّة. فقلت لهم: ما لكم لا تجيبون إمامكم فسكتوا و شكوا فنظر إليهم و قال: يا جابر هذا ما أخبرتك به، قد بقي عليهم بقيّة. و قال الباقر (عليه السّلام): ما لكم لا تنطقون فنظر بعضهم إلى بعض يتساءلون و قالوا: يا بن رسول اللّه لا علم لنا فعلّمنا. قال: فنظر الإمام سيّد العابدين علي بن الحسين إلى ابنه محمّد الباقر (عليه السّلام) و قال لهم: من هذا؟ قالوا: ابنك. فقال لهم: من أنا؟

قالوا: أبوه علي بن الحسين (عليهما السّلام). قال: فتكلّم بكلام لم نفهم فإذا محمّد بصورة أبيه علي بن الحسين و علي بصورة ابنه محمّد، قالوا: لا إله إلّا اللّه. فقال الإمام: لا تعجبوا من قدرة اللّه أنا محمّد و محمّد أنا. و قال محمّد: لا تعجبوا من أمر اللّه أنا علي و علي أنا و كلّنا واحد من نور

____________

(1)- الشورى: 52.

(2)- المجادلة: 22.

47

واحد و روحنا من أمر اللّه أوّلنا محمّد و أوسطنا محمّد و آخرنا محمّد و كلّنا محمّد. قال: فلمّا سمعوا ذلك خرّوا لوجوههم سجدا و هم يقولون: آمنّا بولايتكم و بسرّكم و علانيتكم و أقررنا بخصائصكم.

فقال الإمام زين العابدين: يا قوم ارفعوا رءوسكم فأنتم الآن العارفون الفائزون المستبصرون و أنتم الكاملون البالغون اللّه اللّه لا تطلعوا أحدا من المقصّرين المستضعفين على ما رأيتم منّي و من محمّد فيشنعوا عليكم و يكذّبوكم. قالوا: سمعنا و أطعنا، قال:

فانصرفوا راشدين كاملين. فانصرفوا. قال جابر: قلت: سيّدي و كلّ من لا يعرف هذا الأمر على الوجه الذي صنعته و بيّنته إلّا أن عنده محبّة و يقول بفضلكم و يتبرّأ من أعدائكم، ما يكون حاله؟ قال (عليه السّلام): يكونون في خير إلى أن يبلغوا. قال جابر: قلت: يا بن رسول اللّه هل بعد ذلك شي‏ء يقصّرهم؟ قال (عليه السّلام): نعم إذا قصروا في حقوق إخوانهم و لم يشاركوهم في أموالهم و لم يشاوروهم في سرّ أمورهم و علانيتهم و استبدّوا بحطام الدنيا دونهم فهنالك تسلب المعروف و تسلخ من دونه سلخا و يصيبه من آفات هذه الدنيا و بلائها ما لا يطيقه و لا يحتمله من الأوجاع في نفسه و ذهاب ماله و تشتّت شمله لما قصر في برّ إخوانه.

قال جابر: فاغتممت و اللّه غمّا شديدا و قلت: يا بن رسول اللّه ما حقّ المؤمن على أخيه المؤمن؟ قال (عليه السّلام): يفرح لفرحه و يحزن إذا حزن و ينفذ اموره كلّها فيحصلها و لا يغتمّ بشي‏ء من حطام الدنيا الفانية إلّا واساه حتّى يجريا في الخير و الشرّ في قرن واحد. قلت: يا سيّدي فكيف أوجب اللّه كلّ هذا للمؤمن على أخيه المؤمن؟ قال: لأنّ المؤمن أخو المؤمن لأبيه و أمّه على هذا الأمر لا يكون أخاه و هو أحقّ بما يملكه. قال جابر: سبحان اللّه و من يقدر على ذلك؟

قال (عليه السّلام): من يريد أن يقرع أبواب الجنان و يعانق الحور الحسان و يجتمع معنا في دار السلام. قال جابر: فقلت: هلكت و اللّه يا بن رسول اللّه لأنّي قصّرت في حقوق إخواني و لم أعلم أنّه يلزمني من التقصير كلّ هذا و لا عشره و أنا أتوب إلى اللّه تعالى يا بن رسول اللّه ممّا كان منّي من التقصير في رعاية حقوق إخواني المؤمنين‏ (1).

____________

(1)- البحار: 26/ 8 ح 2.

48

الفرع الثاني في أنّ الإمامة في الأعقاب و أنّها لا تعود في عمّ و لا أخ إلّا الحسن و الحسين (عليهما السّلام)

الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن و الحسين أبدا إنّما جرت من علي بن الحسين (عليه السّلام) كما قال اللّه تعالى‏ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ (1) فلا تكون بعد علي بن الحسين إلّا في الأعقاب و أعقاب الأعقاب‏ (2).

و فيه سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام): أ تكون الإمامة في عمّ أو خال؟ قال: لا. سئل: ففي أخ؟

فقال: لا. سئل ففيمن؟ قال: في ولدي، و هو يومئذ لا ولد له‏ (3).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أبى اللّه أن يجعلها لأخوين بعد الحسن و الحسين (عليهما السّلام)(4).

و فيه عنه (عليه السّلام): لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن و الحسين إنّما في الأعقاب و أعقاب الأعقاب‏ (5).

و فيه قيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إن كان كون و لا أراني اللّه، فبمن ائتم؟ فأومأ إلى ابنه موسى.

قيل: فإن حدث فبمن ائتم؟ قال: بولده. قيل: فإن حدث بولده و ترك أخا كبيرا و ابنا صغيرا فبمن ائتم؟ قال: بولده ثمّ واحد فواحد (6).

و في البحار (7) عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: الحسن أفضل من الحسين. قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن؟ فقال: إنّ اللّه تبارك و تعالى أحبّ أن يجعل سنّة موسى و هارون جارية في الحسن و الحسين، ألا ترى أنّهما كانا شريكين في النبوّة، كما كان الحسن و الحسن و الحسين‏

____________

(1)- الأنفال: 75.

(2)- الكافي: 1/ 285 ح 1.

(3)- الكافي: 1/ 286 ح 3.

(4)- الكافي: 1/ 286 ح 2.

(5)- الكافي: 1/ 286 ح 4.

(6)- الكافي: 1/ 286 ح 5 و فيه: و في نسخة الصفواني: ثمّ هكذا أبدا.

(7)- نقلا عن كتاب كمال الدين: 383.

49

شريكين في الإمامة، و أنّ اللّه عزّ و جلّ جعل النبوّة في ولد هارون و لم يجعلها في ولد موسى (عليه السّلام) و إن كان موسى أفضل من هارون.

قلت: فهل يكون إمامان في وقت؟ قال: لا، إلّا أن يكون أحدهما صامتا مأموما لصاحبه و الآخر إماما ناطقا لصاحبه، و أمّا أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا. قلت: فهل الإمامة في أخوين بعد الحسن و الحسين؟ قال: إنّما هي جارية في عقب الحسين كما قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ‏ (1) ثمّ هي جارية في الأعقاب و أعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة (2).

و فيه عن عبد الرّحمن بن المثنى الهاشمي؛ قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن و هما يجريان في شرع واحد؟ فقال: لا أراكم تأخذون به، إنّ جبرائيل نزل على محمد و ما ولد الحسين بعد فقال له: يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك. فقال: يا جبرئيل لا حاجة فيه، فخاطبه ثلاثا ثمّ دعا عليّا فقال له: إنّ جبرئيل يخبرني عن اللّه عزّ و جلّ أنّه يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك. فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول اللّه، فخاطب عليا ثلاثا ثمّ قال: إنّه يكون فيه و في ولده الإمامة و الوراثة و الخزانة فأرسل إلى فاطمة (عليه السّلام): إنّ اللّه يبشّرك بغلام تقتله أمّتي من بعدي. فقالت فاطمة: ليس لي فيه حاجة يا أبه، فخاطبها ثلاثا ثمّ أرسل إليها: لا بدّ أن يكون فيه الإمامة و الوراثة و الخزانة. فقالت له: رضيت من اللّه عزّ و جلّ، فعلت و حملت بالحسين فحملت ستّة أشهر ثمّ وضعت و لم يعش مولود قط ستّة أشهر غير الحسين بن علي و عيسى ابن مريم فكفلته أمّ سلمة و كان رسول اللّه يأتيه في كلّ يوم فيضع لسانه في فم الحسين فيمصّه حتّى يروى، فأنبت اللّه عزّ و جلّ لحمه من لحم رسول اللّه و لم يرضع من فاطمة و لا من غيرها لبنا قطّ، فلمّا أنزل اللّه تبارك و تعالى فيه‏ وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي‏ (3) فلو قال أصلح لي ذريتي كانوا كلّهم أئمّة و لكن خصّ هكذا (4).

____________

(1)- الزخرف: 28.

(2)- البحار: 25/ 249 باب 8 ح 1.

(3)- الاحقاف: 15.

(4)- البحار: 25/ 254 ح 15، و كامل الزيارات: 124.

50

و فيه عن العلل: فقال: يا فضيل أ تدري في أيّ شي‏ء كنت أنظر؟ فقلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة فليس ملك يملك إلّا و هو مكتوب باسمه و اسم أبيه فما وجدت لولد الحسن فيه شيئا (1).

و فيه عن محمد بن يعقوب البلخي سألت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) قلت: لأي علّة صارت الإمامة في ولد الحسين و لم يجعلها في ولد الحسن؟ قال: لأنّ اللّه عزّ و جلّ جعلها في ولد الحسين و لم يجعلها في ولد الحسن و اللّه لا يسأل عمّا يفعل‏ (2).

و فيه عن عبد الرّحمن بن كثير: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما عنى اللّه عزّ و جلّ بقوله‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (3) قال: نزلت في النبي و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين و فاطمة فلمّا قبض اللّه عزّ و جلّ نبيّه كان أمير المؤمنين ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ وقع تأويل هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ (4) و كان علي بن الحسين إماما ثمّ جرت في الأئمّة من ولده و الأوصياء فطاعتهم طاعة اللّه و معصيتهم معصية اللّه‏ (5).

و فيه عن عبد الرحيم القصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ‏ في من انزلت؟ قال: انزلت في الإمرة، إنّ هذه الآية جرت في الحسين بن علي (عليهما السّلام) و في ولد الحسين من بعده فنحن أولى بالأمر و برسول اللّه من المؤمنين و المهاجرين. فقلت: لولد جعفر فيها نصيب؟ قال: لا، فعددت عليه بطون بني عبد المطّلب كلّ ذلك يقول: لا. و نسيت ولد الحسن (عليه السّلام) فدخلت عليه بعد ذلك فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟ قال: لا يا أبا عبد الرّحمن ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا (6).

____________

(1)- البحار: 25/ 259 ح 21 و علل الشرائع: 1/ 207 ح 7.

(2)- البحار: 25/ 258 ح 19، و علل الشرائع: 1/ 208.

(3)- الأحزاب: 33.

(4)- الأنفال: 75.

(5)- البحار: 25/ 255 ح 16.

(6)- البحار: 25/ 256 ح 17، و الكافي: 1/ 288.

51

الفرع الثالث في عدم مدخلية البلوغ في الإمامة و لا يضرّها صغر السن‏

في الكافي عن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام): أ كان عيسى ابن مريم حين تكلّم في المهد حجّة اللّه على أهل زمانه؟ فقال: كان يومئذ نبيّا حجّة اللّه غير مرسل أ ما تسمع لقوله حين قال‏ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (1) قلت: فكان يومئذ حجّة للّه على زكريا في تلك الحال و هو في المهد؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس و رحمة من اللّه لمريم حين تكلّم فعبّر عنها و كان نبيّا حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثمّ صمت فلم يتكلّم حتّى مضت.

له سنتان و كان زكريا الحجّة للّه عزّ و جلّ على الناس بعد صمت عيسى سنين‏ (2) ثمّ مات زكريا فورث ابنه يحيى الكتاب و الحكمة و هو صبي صغير، أ ما تسمع لقوله عزّ و جلّ‏ يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (3)فلمّا بلغ عيسى سبع سنين تكلّم بالنبوّة و الرسالة حين أوحى اللّه تعالى إليه فكان عيسى الحجّة على يحيى و على الناس أجمعين، و ليس تبقى الأرض يا أبا خالد يوما واحدا بغير حجّة للّه على الناس منذ يوم خلق اللّه آدم و أسكنه الأرض فقلت: جعلت فداك أ كان علي حجّة من اللّه و رسوله على هذه الامّة في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ فقال: نعم يوم أقامه للناس و نصبه علما و دعاهم إلى ولايته و أمرهم بطاعته، قلت:

فكانت طاعة علي واجبة على الناس في حياة رسول اللّه و بعد وفاته؟ فقال: نعم و لكنّه صمت فلم يتكلّم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كانت الطاعة لرسول اللّه على أمّته و على علي في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كانت الطاعة من اللّه و من رسوله على الناس كلّهم لعلي بعد وفاة رسول اللّه و كان عليا حكيما عالما (4).

و فيه عن صفوان بن يحيى قلت للرضا (عليه السّلام): قد كنّا نسألك أن يهب لك أبا جعفر فكنت تقول يهب لي غلاما فقد وهب اللّه لك فقرّ عيوننا، فلا أرانا اللّه يومك، فإن كان كون فإلى من؟

____________

(1)- مريم: 31.

(2)- في المصدر: بسنتين.

(3)- مريم: 12.

(4)- الكافي: 1/ 383 ح 1.

52

فأشار بيده إلى أبي جعفر و هو قائم بين يديه. فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين! قال:

و ما يضرّه من ذاك شي‏ء، قد قام عيسى بالحجّة و هو ابن ثلاث سنين‏ (1).

و فيه عن بعض الأصحاب قلت لأبي جعفر الثاني: إنّهم يقولون في حداثة سنّك. فقال: إنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان و هو صبي يرعى الغنم فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل و علماؤهم، فأوحى اللّه إلى داود (عليه السّلام) أن خذ عصا المتكلّمين و عصا سليمان و اجعلهما في بيت و اختم عليهما بخواتيم القوم، فإذا كان من الغد فمن كانت عصاه قد أورقت فأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود (عليه السّلام) فقالوا: رضينا و سلّمنا (2).

و فيه عن محمد بن إسماعيل بن بزيع: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن شي‏ء من أمر الإمام فقلت:

يكون الإمام ابن أقلّ من سبع سنين؟ فقال: نعم و أقلّ من خمس سنين‏ (3).

و فيه عن الخيراني عن أبيه كنت واقفا بين يدي أبي الحسن بخراسان فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من؟

قال: إلى أبي جعفر ابني فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر (عليه السّلام). فقال أبو الحسن: إنّ اللّه تبارك و تعالى بعث عيسى ابن مريم رسولا نبيّا صاحب شريعة مبتدئة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر.

و فيه قال علي بن حسان لأبي جعفر: يا سيّدي إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك، فقال: و ما ينكرون من ذلك قول اللّه؟ لقد قال اللّه لنبيّه‏ قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي‏ (4) فو اللّه ما تبعه إلّا علي و له تسع سنين و أنا ابن تسع سنين‏ (5).

و فيه سئل الرضا (عليه السّلام) عن الإمام يغسله الإمام قال: سنّة موسى بن عمران‏ (6)، حيث غسل أخاه هارون في التيه‏ (7).

و فيه قيل للرضا: إنّ الإمام لا يغسله إلّا الإمام. فقال: أ ما تدرون من حضر لعلّه‏ (8) قد حضره خير ممّن غاب عنه الذين حضروا يوسف في الجبّ حين غاب أبواه و أهل بيته‏ (9).

____________

(1)- الكافي: 1/ 321 ح 10.

(2)- الكافي: 1/ 383 ح 3.

(3)- الكافي: 1/ 384 ح 5.

(4)- يوسف: 108.

(5)- الكافي: 1/ 385 ح 3.

(6)- الكافي: 1/ 385 ح 2.

(7)- البحار: 13/ 364.

(8)- في نسخة أخرى: حضر لغسله.

(9)- الكافي: 1/ 385 ح 3.

53

الغصن الثاني إخبار اللّه تعالى بقيام القائم (عليه السّلام) و فيه فرعان‏

الفرع الأوّل: إخبار اللّه تعالى في كلامه المجيد و فرقانه الحميد بوجود القائم و غيبته و علامات ظهوره و قيامه في آخر الزمان و الآيات المؤوّلة به.

اعلم أنّ الآيات المذكورة في هذا الغصن و الروايات المنقولة المأثورة فيها ما كان أسانيدها مقيّدا مذكورا يؤخذ و يسند إلى من أخذنا منه، و ما كان منها مطلقا ينصرف إلى المحجّة للسيّد الجليل النبيل المتبحّر المحدّث النحرير السيّد هاشم البحراني (رحمه اللّه) فمنها:

الآية الاولى: قوله عزّ و جلّ: الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ‏ (1) عن الصادق (عليه السّلام): المتّقون شيعة علي و الغيب هو الحجّة (عليه السّلام)(2)، و شاهد ذلك قوله تعالى: وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (3) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّتهم أولئك من وصفهم اللّه في كتابه فقال تعالى‏ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ قال: اولئك حزب اللّه ألا إنّ حزب اللّه هم الغالبون‏ (4).

الآية الثانية: قوله تعالى‏ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يعني أصحاب القائم (عجّل اللّه فرجه) الثلاثمائة و البضعة عشر. قال (عليه السّلام): هم و اللّه الأمّة المعدودة يجتمعون و اللّه في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف، فيبايعونه بين الركن و المقام و معه عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد توارثته الأبناء عن الآباء (6). و في ذيل هذه الآية نقل (رحمه اللّه) عن كتاب مسند فاطمة (سلام اللّه عليها) أسماء الأصحاب و بلدهم و عددهم ذكرناها في الفرع الرابع من الغصن السابع لا حاجة بذكرهم.

____________

(1)- البقرة: 1- 2- 3.

(2)- كمال الدين: 340 ح 20 باب 33.

(3)- الأعراف: 71.

(4)- ينابيع المودّة: 3/ 285، و البحار: 36/ 306.

(5)- البقرة: 148.

(6)- تفسير البرهان: 1/ 162 ح 4.

54

و في غيبة النعماني: قال الصادق (عليه السّلام): نزلت الآية في القائم و أصحابه يجمعون على غير ميعاد (1).

في المجمع عنهم (عليهم السّلام): إنّ المراد به أصحاب المهدي في آخر الزمان. و عن الرضا (عليه السّلام):

و ذلك و اللّه أن لو قام قائمنا يجمع اللّه جميع شيعتنا من جميع البلدان‏ (2).

الآية الثالثة: آية أخرى جعلتها رابعة و الرابعة خامسة و هكذا قوله تعالى‏ وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ‏ (3) الآية في الخصال عن مفضل بن عمر عن الصادق (عليه السّلام) قال:

سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏ ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه و هو أنّه قال: يا رب أسألك بحقّ محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلّا تبت علي، فتاب اللّه عليه إنّه هو التوّاب الرحيم. فقلت: يا ابن رسول اللّه فما يعني عزّ و جلّ بقوله‏ فَأَتَمَّهُنَ‏؟ قال: يعني فأتمهنّ إلى القائم اثنا عشر إماما تسعة من ولد الحسين ... الحديث‏ (4).

الآية قوله تعالى‏ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ (5).

في تفسير البرهان عن العياشي عن الفضل بن محمّد الجعفي عن الصادق (عليه السّلام) قال: الحبّة فاطمة و السبعة السنابل سبعة من ولدها سابعها قائمهم. قلت: الحسن. قال: إنّ الحسن إمام من اللّه مفترض الطاعة و لكن ليس من السنابل السبعة أوّلهم الحسين و آخرهم القائم. قلت:

قوله‏ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ فقال: يولد للرجل منهم في الكوفة مائة من صلبه و ليس ذاك إلّا هؤلاء السبعة (6).

أقول: ينافي هذا الخبر من أنّ الحسين و التسعة من ولده عشرة و عاشرهم قائمهم: أن يحمل السبعة سبعة أسماء و هم حسين و عليّون ثلاث و محمّدان اثنان و جعفر و موسى و الحسن و القائم.

____________

(1)- غيبة النعماني: 160.

(2)- مجمع البيان: 1/ 429.

(3)- البقرة: 124.

(4)- الخصال: 304 الكلمات التي ابتلى ابراهيم ربّه فأتمهن ح 84.

(5)- البقرة: 261.

(6)- تفسير العياشي: 1/ 147.

55

قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا بدّ و أن يكون قدام قيام القائم سنة يجوع فيها الناس و يصيبهم خوف شديد من القتل و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و إنّ ذلك في كتاب اللّه لبيّن‏ (2).

و عن أبي جعفر (عليه السّلام): الجوع جوع خاصّ و جوع عامّ، فأمّا العام فهو بالشام فإنّه عام، و أمّا الخاص بالكوفة يخصّ و لا يعمّ و لكن يخصّ بالكوفة أعداء آل محمّد فيهلكهم اللّه بالجوع، و أمّا الخوف فإنّه عام بالشام و ذلك الخوف إذا قام القائم و أمّا الجوع فقبل قيام القائم (عليه السّلام)(3).

في الإكمال عن محمد بن مسلم سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ لقيام القائم علامات تكون من اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين. قلت: و ما هي جعلني اللّه فداك؟ قال: قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ‏ يعني المؤمنين قبل خروج القائم‏ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ قال: نبلوهم بشي‏ء من‏ الْخَوْفِ‏ ملوك بني فلان في آخر سلطانهم‏ وَ الْجُوعِ‏ بغلاء أسعارهم‏ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ‏ قال: كساد التجارات و قلّة الفضل‏ وَ الْأَنْفُسِ‏ قال: موت ذريع‏ (4) وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ‏ قلّة ريع ما يزرع‏ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ عند ذلك بخروج القائم‏ (5).

الآية الرابعة: في أواخر سورة البقرة قوله تعالى‏ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ (6) في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر الذي قال اللّه تعالى‏ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ و إنّ أصحاب القائم (عليه السّلام) يبتلون بمثل ذلك‏ (7).

قوله تعالى في سورة آل عمران‏ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ (8) عن أبي الحسن (عليه السّلام): انزلت في القائم إذا خرج باليهود و النصارى و الصابئين و الزنادقة و أهل الردة و الكفّار في شرق الأرض و غربها فعرض (عليه السّلام) عليهم الإسلام فمن أسلم طوعا أمره بالصلاة و الزكاة و ما يؤمر به المسلم و يوحّد اللّه، و من لم يسلم ضرب عنقه حتّى لا

____________

(1)- البقرة: 155.

(2)- غيبة النعماني: 168.

(3)- المصدر السابق.

(4)- الموت الذريع: السريع و الفجأة.

(5)- كمال الدين: 649 ح 3 باب 57.

(6)- البقرة: 249.

(7)- غيبة النعماني: 316 ح 13 باب 12.

(8)- آل عمران: 83.

56

يبقى في المشارق و المغارب أحد إلّا وحّد اللّه. قلت: جعلت فداك إنّ الخلق أكثر من ذلك؟

فقال: إنّ اللّه إذا أراد أمرا قلّل الكثير و كثّر القليل‏ (1).

الآية الخامسة: قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ (2) عن الباقر (عليه السّلام): اصبروا على أداء الفرائض و صابروا عدوّكم و رابطوا إمامكم المنتظر (3).

الآية السادسة: قال اللّه تعالى‏ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ‏ (4).

في البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما زال منذ خلق اللّه آدم دولة للّه و دولة لإبليس فأين دولة اللّه؟ ما هو إلّا قائم واحد (5).

الآية السابعة: قال اللّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى‏ أَدْبارِها (6) عن أبي جعفر (عليه السّلام) لجابر الجعفي: الزم الأرض و لا تحرّك يدا و لا رجلا حتّى ترى علامات أذكرها لك و ما أراك تدرك ذلك، و لكن حدّث به بعدي .. إلى أن يقول: و لا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر يحوّل اللّه وجوههم في أقفيتهم و هم من كلب، و فيهم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ‏ الخ‏ (7).

الآية الثامنة: قال اللّه تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (8) عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري يقول: لما أنزل اللّه على نبيّه محمّد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ قلت: يا رسول اللّه عرفنا اللّه و رسوله فمن اولي الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي يا جابر و أئمّة المسلمين من بعدي؛ أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه منّي السّلام، ثمّ الصادق‏

____________

(1)- تفسير العياشي: 1/ 183 في سورة آل عمران ح 82.

(2)- آل عمران: 200.

(3)- تأويل الآيات: 133 و غيبة النعماني: 199 ح 13 باب 11.

(4)- آل عمران: 140.

(5)- البحار: 51/ 54 ح 38.

(6)- النساء: 47.

(7)- الاختصاص: 255 حديث في زيارة المؤمن للّه. و غيبة النعماني: 279.

(8)- النساء: 59.

57

جعفر بن محمّد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ محمّد بن علي ثمّ علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي ثمّ سميّي و كنيّي حجّة اللّه في أرضه و بقيّته في عباده ابن الحسن بن علي (عليهم السّلام)، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى ذكره مشارق الأرض له، ذاك الذي يغيب عن شيعته و أوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن اللّه قبله للايمان. قال جابر: قلت له: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه السّلام): إي و الذي بعثني بالنبوّة إنّهم يستضيئون بنوره و ينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن تجلّاها سحاب. يا جابر هذا من مكنون سرّ اللّه و مخزون علمه فاكتمه إلّا عن أهله‏ (1).

الآية التاسعة: قال اللّه تعالى‏ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (2) في الدمعة عن تفسير القمي عن الصادق (عليه السّلام): النبيّين رسول اللّه و الصدّيقين علي و الشهداء الحسن و الحسين و الصالحين الأئمّة وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً القائم من آل محمّد (3).

الآية العاشرة: قوله تعالى‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ‏ إلى قوله تعالى‏ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏ (4) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: و اللّه، الذي صنعه الحسن بن علي كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشمس، فو اللّه لقد نزلت هذه الآية أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ إنّما هي طاعة الإمام و طلب القتال فلمّا كتب عليهم القتال مع الحسين (عليه السّلام)قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ‏ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ‏ (5) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم‏ (6).

الآية الحادية عشرة: قوله تعالى‏ وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (7) عن الباقر (عليه السّلام): إنّ عيسى قبل القيامة ينزل إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملّة يهودي و لا غيره إلّا آمن به قبل موته و يصلّي خلف المهدي (عليه السّلام)(8).

الآية الثانية عشرة: قوله تعالى‏ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ‏

____________

(1)- كمال الدين: 253 ح 3 باب نص اللّه عليه.

(2)- النساء: 69.

(3)- تفسير القمّي: 2/ 104.

(4)- النساء: 77- 78.

(5)- إبراهيم 44.

(6)- تفسير العياشي: 1/ 258 ح 196.

(7)- النساء: 159.

(8)- تفسير القمي: 1/ 158 من سورة النساء.

58

وَ اخْشَوْنِ‏ (1). في البحار: يوم يقوم القائم يئس بنو امية فهم الذين كفروا يئسوا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(2).

الآية الثالثة عشرة: قال اللّه تعالى‏ وَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ‏ (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا تشتروا من السودان أحدا فإن كان و لا بدّ فمن النوبة فإنّهم‏ مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى‏ أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ‏ أما إنهم سيذكرون ذلك الحظّ و سيخرج مع القائم منّا عصابة منهم، و لا تنكحوا من الأكراد أحدا فإنّهم جنس من الجنّ كشف عنهم الغطاء (4).

الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ‏- إلى قوله- أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ صاحب هذا الأمر محفوظ له، لو ذهب الناس جميعا أتى اللّه بأصحابه و هم الذين قال اللّه‏ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ‏ (6) و هم الذين قال اللّه‏ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (7).

الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى‏ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ‏ (8) عن أبي جعفر (عليه السّلام): أمّا قوله‏ فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ‏ يعني دولتهم في الدنيا و ما بسط لهم فيها، و أمّا قوله‏ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ‏ يعني قيام القائم‏ (9).

الآية السادسة عشرة: قوله تعالى‏ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ‏ (10) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أهل هذه الآية هم أهل تلك الآية أي قوله‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ‏ إلى‏ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (11).

____________

(1)- المائدة: 3.

(2)- البحار: 51/ 55 ح 39.

(3)- المائدة: 14.

(4)- عوالي اللئالي: 3/ 302 باب النكاح.

(5)- الحجرات: 54.

(6)- الأنعام: 89.

(7)- تأويل الآيات: 155.

(8)- الأنعام: 44.

(9)- تفسير القمي: 1/ 200 مورد الآية من الأنعام.

(10)- الأنعام: 89.

(11)- تفسير العياشي: 1/ 326 من المائدة ح 135 و 369 ح 56.

59

الآية السابعة عشرة: قوله تعالى‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ‏ (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الآيات الأئمّة و الآية المنتظرة القائم فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف و إن آمنت بما تقدّم من آبائه‏ (2).

الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى‏ المص‏ (3) في البحار و الدمعة و المحجّة (4) عن أبي جعفر (عليه السّلام) لأبي لبيد: إنّه يملك من ولد العبّاس اثنا عشر يقتل بعد الثامن منهم أربعة فتصيب أحدهم الذبحة فتذبحه فئة قصيرة أعمارهم، قليلة مدّتهم، خبيثة سيرتهم منهم الفويسق الملقّب بالهادي و الناطق و الغاوي. يا أبا لبيد إنّ في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا، إنّ اللّه تعالى أنزل‏ الم ذلِكَ الْكِتابُ‏ (5) فقام محمد حتّى ظهر نوره و ثبتت كلمته، و ولد يوم ولد و قد مضى من الألف السابع مائة سنة و ثلاث سنين، ثمّ قال: و تبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار، و ليس من الحروف المقطعة حرف لا ينقضي الأيّام إلّا و قائم من بني هاشم عند انقضائه، ثمّ الألف واحد «و اللام» ثلاثون «و الميم» أربعون «و الصاد» تسعون، فذلك مائة و إحدى و ستّون. ثمّ كان بدء خروج الحسين بن علي‏ الم‏ اللّه فلمّا بلغت مدّته قام قائم ولد العبّاس من عند المص‏ و يقوم قائمنا عند انقضائها ب المر فافهم ذلك وعه و اكتمه‏ (6).

فاكهة قال الشيخ الأوحد الشيخ أحمد الأحسائي في بيان الرمز: كان في زماننا رجل من أهل الخلاف يدّعي معرفة الحقيقة و الرمز، فاجتمع ببعض إخواننا المعاصرين لنا و هو شيخنا الشيخ موسى بن محمد الصائغ، فكان بينهما كلام في بعض المسائل فأخبرني بمجلسهما و أنّه كثير الدعوى و هو على مذهب أهل الخلاف في أنّ الصاحب (عليه السّلام) في الأصلاب، فأشار إليّ أن أكتب مسألة فيها رمز لا يفهمها حتّى ينكسر، و إن فهمها انكسر؛ لأنّها

____________

(1)- الأنعام: 158.

(2)- كمال الدين: 18.

(3)- الأعراف: 1.

(4)- بحار الأنوار للمجلسي و الدمعة الساكبة للبهبهاني و المحجة البيضاء للكاشاني.

(5)- البقرة: 1- 2.

(6)- تفسير العياشي: 2/ 3 في سورة الأعراف ح 3 مع تفاوت.

60

تلزمه مذهب الحقّ ضرورة و عيانا و مشاهدة و كشفا و إشارة و دلالة و حسّا و جفرا و شرعا و غير ذلك حتّى لا يكون له و لمنكره سبيل في أرض أو سماء إلّا الإقرار أو الانكسار و هي:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

أقول: روي أنّه بعد انقضاء المص‏ ب المر يقوم المهدي و الألف قد أتى على آخر الصاد و الصاد عندكم أوسع من الفخذين فكيف يكون احداهما. و أيضا الواو ثلاثة أحرف ستّة و ألف و ستّة و قد مضت ستّة الأيام و الألف هو التمام و لا كلام فكيف الستّة و الأيّام الأخر و إلّا لما حصل العود لأنّه سر التنكيس لرمز الرئيس، فإن حصل من الغير الإقرار بالستّة الباقية تمّ الأمر بالحجّة و ظهر الاسم الأعظم بالألفين القائمين بالحرف الذي هو حرفان من اللّه؛ إذ هما أحد عشر و بهما ثلاثة عشر فظهروا و الذي هو هاء فأين الفصل؟ و لكن الواحد ما بين الستّة و الستّة مقدر بانقضاء المص‏ ب المر فظهر الستّة و الستين في سدسها الذي هو ربعها و تمام السدس الذي هو الربع بالألف المندمجين فيه و سرّه تنزل الألف من النقطة الواسعة بالستّة و الستّة الثاني في الليلة المباركة بالأحد عشر و هي هو الذي هو الستر و الاسم المستتر الأوّل الظاهر في سرّ يوم الخميس، فيستتم السرّ يوم الجمعة و يجري الماء المعين يوم تأتي السماء بدخان مبين، هذا و الكلّ في الواو المنكوسة من الهاء المهموسة فأين الوصل عند مثبت الفصل؟ ليس في الواحد و لا بينه غير و إلّا لكان غير واحد وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ‏ (1) تمّ كلامه‏ (2).

قال بعض الفضلاء في حلّ هذا الرمز: هذا الحديث من أخبارهم الصعبة المستصعبة، هذا و احتمال البداء في أخبارهم من غير الحتمية جار، و هو يرفع إشكال عدم المطابقة في بعض التواريخ كما عرفت بل يمكن أن يخبروا بخبر في رجل فيقع في ولده أو يخبروا في ولده فيقع في ولد ولده، فعن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه أوحى إلى عمران إنّي واهب لك ذكرا سويا مباركا يبرئ الأكمه و الأبرص و يحيي الموتى بإذن اللّه و جاعله رسولا إلى بني إسرائيل، فحدّث عمران بذلك امرأته حنّة و هي أمّ مريم فلمّا حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما فلمّا وضعتها قالت: إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى‏ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى‏ (3) أي لا تكون البنت رسولا،

____________

(1)- العنكبوت: 43.

(2)- في تفسير العياشي قريب منه: 2/ 203 ح 2.

(3)- آل عمران: 36.

61

يقول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ‏ فلمّا وهب اللّه لمريم عيسى كان هو الذي بشّر به عمران و وعده إيّاه، فإذا قلنا في الرجل منّا شيئا فكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك‏ (1).

و في العوالم عن غيبة الطوسي قال أبو عبد اللّه: كان هذا الأمر فيّ فأخّره اللّه و يفعل بعد بذريّتي ما يشاء (2). و قال: قد يقوم الرجل بعدل أو يجور و ينسب إليه، و لم يكن قام به فيكون ذلك ابنه أو ابن ابنه من بعده و هو (3)، انتهى. فإذا إذا صدر عنهم توقيت على حسب التقدير ذلك اليوم و لم يقع في الموعد و لعلّه يقع بعد أيام أو شهور أو سنين، و لا حرج إذا أخبروا عن مجرى التقدير و لا كذب. و قد قلنا إنّه لا يقع إذا أخبروا حال التحدّي و إقامة الحجّة فإنّ أغلب توقيتاتهم التي أخبروا عنها و تحيّر العلماء في تطبيقها يحمل على ذلك و لا تحير بعد هذا، و يمكن أن يكون العدد عدد الأيّام أو الأسابيع أو الشهور أو السنين أو القرون، و يمكن أن يكون نفس العدد العدد الكبير أو العدد الوسيط أو العدد الصغير أو العدد المجموعي أو عدد الزبر أو عدد البيّنات أو هما معا أو عدد الحروف أو الأبجد المعروف أو أبجد المغاربة أو غيرهم أو عدد كبير الأبجد أو عدد صغير الأبجد أو غير ذلك. و من كان من أهل الجفر يقدر على تطبيق الأعداد مع الحوادث الماضية بوجه من الوجوه و لكن الحوادث الآتية فلا يحصل منها العلم، لأنّ الإنسان لا يعلم أن يحاسب بأي تلك الأعداد و لا علم عندي في قول الإنسان يحتمل و يحتمل، و لا فضل فيه. و قال الفاضل المذكور عند شرح قوله: و أيضا الواو ثلاثة أحرف ستّة ألف و ستّة إلى الرمز الرئيس.

أقول: قد مضت الإشارة إلى شرح ذلك و نزيد بيانا بالستر الجفري أنّ اسم الواو و يكتب واو و ألف و واو كما ترى، فالواو الأوّل ستّة و هو إشارة إلى الستّة الأيّام في القوس النزولية أو الغيب أو الدهر و الواو الآخر إشارة إلى الستّة الأيّام في الغيب في القوس الصعودية أو الشهادة و الزمان. و قد علم أولو الألباب أنّ الاستدلال على ما هنالك لا يعلم إلّا بما هاهنا، فكما أنّ نزول الأشياء لم يكن إلّا في الحدود الستّة، صعودها أيضا لا يكون إلّا في الحدود الستة، و الألف القائم في الواوين هو الولي الواقف على الطتنجين الناظر في المغربين‏

____________

(1)- تفسير القمي: 1/ 101 في سورة آل عمران.

(2)- غيبة الشيخ: 428 فصل في بيان عمره.

(3)- الكافي: 1/ 535 ح 3.

62

و المشرقين، و الواو فخذاه و هو قائم بهما قيام ظهور، و هما حيتان قائمتان به، و قد عرفت أنّ الحدود الستّة لا قوام لها بدون جوهر يكون ركن وجودها و قوام شهودها، فلا قوام للواو الأوّل إلّا بالألف بداهة و هو التمام و لا كلام، فإنّه لا يضرّ بالمخالف فإذا كان العود على جهة البدء كما قال سبحانه‏ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ‏ (1) فلا بدّ و أن يكون للواو الآخر أيضا ألف، و لما كان الألفان واحدا بين الرئيس في رمزه الحرف بالتنكيس ليعود على الأوّل فتبيّن و ظهر لمن نظر و أبصر أنّ الواو الثاني يحتاج إلى الألف كما يحتاج إليه الواو الأوّل، فلأجل ذلك نكس الواو الرئيس (عجّل اللّه فرجه) في رمزه في الاسم الأعظم و هو هذا* 111 مم 1111 ه، فنكس الواو ليدل على دورانه على الألف الأوّل هكذا وا، فأشار بتنكيس الواو إلى دورانه على الألف الذي هو قطبها و عليه يدور رحاهما، ظاهر بهما و به قوامهما. إلى هنا مقدار حاجتنا.

الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ (2)، عن كتاب التحصين لابن فهد الحلّي صاحب العدّة في صفات العارفين في القطب الثالث منه عن كتاب زهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بإسناده عن عميرة بن نفيل قال: سمعت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: و أقبل على اسامة بن زيد فقال: يا اسامة. و ساق الحديث إلى أن قال: ثمّ بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى علا بكاؤه و اشتد نحيبه و زفيره و شهيقه، و هاب القوم أن يكلّموه فظنّوا أنّه لأمر قد حدث من السماء، ثمّ إنّه رفع رأسه فتنفّس الصعداء ثمّ قال: اوه اوه، بؤسا لهذه الامّة، ما ذا يلقى منهم من أطاع اللّه، و يضربون و يكذبون من أجل أنّهم أطاعوا اللّه فأذلّوهم بطاعة اللّه، ألا و لا تقوم الساعة حتّى يبغض الناس من أطاع اللّه و يحبّون من عصى اللّه، فقال عمر: يا رسول اللّه و الناس يومئذ على الإسلام؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله): و أين الإسلام يومئذ يا عمر، إنّ المسلم كالغريب الشريد، ذلك زمان يذهب فيه الإسلام، و لا يبقى إلّا اسمه، و يندرس فيه القرآن فلا يبقى إلّا رسمه. قال عمر: يا رسول اللّه و فيما يكذبون من أطاع اللّه و يطردونهم و يعذّبونهم؟ فقال: يا عمر ترك القوم الطريق و ركنوا إلى الدنيا و رفضوا الآخرة و أكلوا الطيّبات و لبسوا الثياب المزيّنات و خدمتهم أبناء فارس و الروم، فهم يغتذون في طيب الطعام و لذيذ الشراب و زكي الذبح و مشيد البنيان و مزخرف‏

____________

(1)- الأعراف: 29.

(2)- الأعراف: 32.

63

البيوت و منجد المجالس، يتبرّج الرجل منهم كما تتبرّج الزوجة لزوجها و تتبرّج النساء بالحلي و الحلل المزيّنة، رأيتهم يومئذ ذي الملوك الجبابرة يتباهون بالجاه و اللباس، و أولياء اللّه عليهم الفناء، شجية ألوانهم من السهر، و منحنية أصلابهم من القيام، قد لصقت بطونهم بظهورهم من طول الصيام، قد أذهلوا أنفسهم و ذبحوها بالعطش طلبا لرضى اللّه و شوقا إلى جزيل ثوابه و خوفا من أليم عقابه، فإذا تكلّم منهم بحق متكلّم أو تفوّه بصدق قيل له:

اسكت فأنت قرين الشيطان و رأس الضلالة، يتأوّلون كتاب اللّه على غير تأويله و يقولون‏ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ إلى قوله تعالى‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ‏ عن الصادق (عليه السّلام) فهو من الآيات التي تأويلها بعد تنزيلها قال: ذلك بعد قيام القائم، و يقول يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ‏ أي تركوه‏ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا قال: هذا يوم القيامة أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ‏ أي بطل‏ ما كانُوا يَفْتَرُونَ‏ (1) (2).

الآية العشرون: قوله تعالى‏ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (3). في الدمعة عن الكافي عن أبي جعفر (عليه السّلام) عن كتاب علي: أنا و أهل بيتي الذين أورثنا الأرض و نحن المتقون و الأرض كلها لنا فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها، و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي و له ما أكل حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها و يمنعها منهم و يخرجهم كما حواها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و منعها إلّا ما كان في أيدي شيعتنا، يقاطعهم على ما في أيديهم و يترك الأرض في أيديهم‏ (4).

الآية الحادية و العشرون: قوله تعالى‏ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ‏ إلى قوله‏ الْمُفْلِحُونَ‏ (5) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال:

يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ‏ يعني النبي و الوصي و القائم (عليه السّلام)، يأمرهم بالمعروف إذا قام و ينهاهم عن المنكر، و المنكر من أنكر فضل الإمام و جحده‏ وَ يُحِلُّ لَهُمُ‏

____________

(1)- الأعراف: 53.

(2)- الحديث بتفاوت في التحصين لابن فهد: 21 القطب الثالث في فوائدها.

(3)- الأعراف: 128.

(4)- الكافي: 1/ 407 ح 1 و تأويل الآيات: 184.

(5)- الأعراف: 157.

64

الطَّيِّباتِ‏ أخذ العلم من أهله‏ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ‏ قول من خالف‏ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏ و هي الذنوب التي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام و الأغلال التي كانت عليهم‏ وَ الْأَغْلالَ‏ ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام «فلمّا عرفوا» فضل الإمام‏ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ‏ و الإصر الذنوب ثمّ نسبهم فقال‏ فَالَّذِينَ آمَنُوا يعني بالإمام‏ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ يعني الذين اجتنبوا الجبت و الطاغوت أن يعبدوها، و الجبت و الطاغوت فلان و فلان و فلان، و العبادة طاعة الناس لهم، ثمّ قال‏ وَ أَنِيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ‏ (1) ثمّ جزاهم فقال‏ لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ (2) و الإمام يبشّرهم بقيام القائم و بظهوره و بقتل أعدائهم و بالنجاة في الآخرة و الورود على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله) الصادقين- على الحوض‏ (3).

الآية الثانية و العشرون: قوله تعالى‏ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‏ (4) عن المفضل بن عمر، قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام)، إذا ظهر القائم من ظهر هذا البيت‏ (5) بعث اللّه معه سبعة و عشرين رجلا، منهم أربعة عشر رجلا من قوم موسى و هم الذين قال اللّه‏ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‏، و أصحاب الكهف سبعة و المقداد و جابر الأنصاري و مؤمن آل فرعون و يوشع بن نون وصيّ موسى‏ (6).

الآية الثالثة و العشرون: قوله تعالى‏ وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏ (7) عن أبي جعفر (عليه السّلام): لم يجئ تأويل هذه الآية، و لو قام قائمنا بعد سيرى من يدرك ما يكون من تأويل هذه الآية ليبلغن دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ما بلغ الليل حتّى لا يكون شرك على ظهر الأرض‏ (8).

الآية الرابعة و العشرون: قوله تعالى‏ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ (9).

____________

(1)- الزمر: 54.

(2)- يونس: 64.

(3)- الكافي: 1/ 495 باب 108 ح 83 و للحديث صدر.

(4)- الأعراف: 159.

(5)- أي بيت اللّه الحرام، الكعبة المشرفة.

(6)- دلائل الإمامة: 247 معرفة و جوب القائم.

(7)- الأنفال: 39.

(8)- تفسير العياشي: 2/ 56 سورة الأنفال ح 48.

(9)- القلم: 15 و المطففين 13.

65

في البحار: يعني تكذيبه بقائم آل محمد؛ إذ يقول له: لسنا نعرفك و لست من ولد فاطمة كما قال المشركون لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

الآية الخامسة و العشرون: قوله تعالى‏ وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (2) في البحار، قال: خروج القائم و أذان دعوته إلى نفسه‏ (3).

الآية السادسة و العشرون: قوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): و اللّه ما انزل تأويلها حتّى يخرج القائم، فإذا خرج القائم لم يبق كافر باللّه و لا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه، حتّى لو كان كافر في بطن صخرة قالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني و اقتله‏ (5).

الآية السابعة و العشرون: قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (6).

في البحار و المحجّة و الدمعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): موسع على شعيتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه فيستعين به على عدوّه، و هو قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه‏ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ (7).

الآية الثامنة و العشرون: قوله تعالى‏ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‏ (8) عن جابر الجعفي: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن تأويل قول اللّه عزّ و جلّ‏ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‏ قال: فنفّس سيدي الصعداء ثمّ قال (عليه السّلام): يا جابر أمّا السنة فهي جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و شهورها اثنا عشر شهرا فهو أمير المؤمنين (عليه السّلام) و إلى الحسن و إلى الحسين و إلى أبي علي زين العابدين و إليّ و إلى ابني جعفر و ابنه موسى و ابنه علي و ابنه محمد و ابنه‏

____________

(1)- البحار: 24/ 280 ح 6.

(2)- التوبة: 3.

(3)- البحار: 51/ 55 ح 40.

(4)- التوبة: 33.

(5)- كمال الدين: 670 ح 16 و تفسير فرات: 481 ح 627.

(6)- الحجرات: 34.

(7)- تفسير العياشي: 2/ 87 سورة براءة.

(8)- التوبة: 36.

66

علي و إلى ابنه الحسن و إلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إماما، حجج اللّه على خلقه و أمناؤه على وحيه و علمه، و الأربعة الحرم الذين هم الدين القيم أربعة منهم يخرجون باسم واحد علي أمير المؤمنين و أبي علي بن الحسين و علي بن موسى و علي بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيم‏ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ‏، أي قولوا بهم جميعا تهتدوا (1).

الآية التاسعة و العشرون: قوله تعالى‏ وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً (2) عن أبي جعفر (عليه السّلام): قاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة حتّى لا يكون شرك و يكون الدين كلّه للّه. فقال: و لم يجئ تأويل هذه الآية، و لو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، و ليبلغن دين محمّد ما بلغ الليل حتّى لا يكون شرك على ظهر الأرض كما قال اللّه تعالى‏ (3).

الآية الثلاثون: قوله تعالى‏ وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (4) عن الصادق (عليه السّلام): المتّقون شيعة علي، و الغيب الحجّة القائم‏ (5).

الآية الحادية و الثلاثون: قوله تعالى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏ (6) في الدمعة عن أبي جعفر (عليه السّلام): فهو عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة و هم يجحدون نزول العذاب عليهم‏ (7).

الآية الثانية و الثلاثون: قوله تعالى‏ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً (8) عن الصادق (عليه السّلام) قال: نزلت في بني فلان ثلاث آيات: قوله عزّ و جلّ‏ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ‏ إلى‏ أَوْ نَهاراً يعني القائم بالسيف‏ فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ‏ و قوله عزّ و جلّ و لو فتحنا عليهم بركات‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (9) قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): بالسيف، و قوله عزّ و جلّ‏ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ يعني القائم يسأل‏

____________

(1)- البرهان: 2/ 123 ح 5.

(2)- التوبة: 36.

(3)- تفسير العياشي: 2/ 56 سورة الأنفال.

(4)- يونس: 20.

(5)- كمال الدين: 340 ح 20 باب ما روي عن الصادق من النصّ على القائم (33).

(6)- يونس: 51.

(7)- تفسير القمي: 1/ 312 في سورة يونس.

(8)- يونس: 24.

(9)- الأنعام: 45.

67

بني فلان عن كنوز بني امية (1).

الآية الثالثة و الثلاثون: قوله تعالى‏ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (2) عن عبد الرّحمن بن مسلمة الجريري قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): يوبخوننا و يكذّبوننا أنّا نقول: صيحتان يكونان، يقولون: من أين يعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟

قال: فما تردّون عليهم؟ قلت: ما نردّ عليهم شيئا. قال: قولوا يصدق بها إذا كان من يؤمن بها من قبل إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (3).

الآية الرابعة و الثلاثون: قوله تعالى في سورة هود مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى‏ وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ‏ (4) في مجمع النورين و ملتقى البحرين للشيخ أبي الحسن المرندي عن عبد اللّه البشار الأخ الرضاعي للحسين بن علي (عليهما السّلام) في حديث طويل له عن الحسين (عليه السّلام) قال: اختلاف الصنفين من العجم في لفظ كلمة عدل [إلى أن يقول:] و يسفك فيهم دماء كثيرة و يقتل منهم ألوف ألوف ألوف و خروج الشروس من بلاد الأرومية إلى أذربايجان يسمّى بالتبريز، يريد وراء الري الجبل الأحمر بالجبل الأسود لزيق جبال طالقان- فتكون بين الشروس‏ (5) و المروزي وقعة صيلمانية يشيب منه الصغير و يهرم منه الكبير، اللّه اللّه فتوقّعوا خروجه إلى الزوراء و هي بغداد و هي أرض مشئومة، هي أرض ملعونة، و يبعث جيشه إلى الزوراء مائة و ثلاثون ألف و يقتل على جسرها إلى مدّة ثلاثة أيّام سبعون ألف نفس و يفتض اثنا عشر ألف بكر، و ترى ماء الدجلة محمرا من الدم و من نتن الأجساد (6).

من سورة الشعراء و من سورة هود قوله تعالى‏ وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): العذاب خروج القائم و الامّة المعدودة أهل بدر

____________

(1)- دلائل الإمامة: 469 ح 456 ط. مؤسسة البعثة.

(2)- يونس: 35.

(3)- البرهان: 2/ 185 ح 3.

(4)- هود: 24.

(5)- في المصدر: السروسي.

(6)- كمال الدين: 469 باب ذكر من شاهد القائم ح 22 بتفاوت.

(7)- هود: 8.

68

و أصحابه‏ (1).

الآية الخامسة و الثلاثون: قوله تعالى‏ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قوّة القائم و الركن الشديد الثلاثمائة و الثلاثة عشر أصحابه، و قال (عليه السّلام): ما كان قول لوط (عليه السّلام) لقومه‏ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ إلّا تمنيا لقوّة القائم، و لا الركن إلّا شدّة أصحابه فإنّ الرجل منهم يعطى قوّة أربعين رجلا و إنّ قلبه أشدّ من زبر الحديد، لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت، لا يكفون سيوفهم حتّى يرضى اللّه عزّ و جلّ‏ (3).

الآية السادسة و الثلاثون: قوله تعالى‏ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فشكا إليه طول دولة الجور فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): و اللّه لا يكون ما تأملون حتّى يهلك المبطلون و يضمحل الجاهلون و يأمن المتّقون، و قليل ما يكون حتّى لا يكون لأحدكم موضع قدمه، و حتّى تكونوا على الناس أهون من الميتة عند صاحبها، فبينا أنتم كذلك إذا جاء نصر اللّه و الفتح و هو قول ربّي عزّ و جلّ في كتابه‏ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا (5).

الآية السابعة و الثلاثون: قوله تعالى‏ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ (6) عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: أيّام اللّه ثلاثة؛ يوم القائم و يوم الكرّة و يوم القيامة (7).

الآية الثامنة و الثلاثون: قوله تعالى‏ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ‏ (8) رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ‏ (9) عن أبي جعفر (عليه السّلام): أرادوا تأخير ذلك إلى القائم‏ (10).

الآية التاسعة و الثلاثون: قوله تعالى‏ وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ (11) عن غير واحد ممّن حضر عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) رجل يقول: قد بنيت دار صالح و دار عيسى بن علي و ذكر دور العباسية، فقال رجل: أرانا اللّه خرابها أو خرّبها بأيدينا، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام):

____________

(1)- غيبة النعماني: 241 ح 36 باب صفته.

(2)- هود: 80.

(3)- كمال الدين: 673 ح 27 باب في نوادر الكتاب.

(4)- يوسف: 110.

(5)- دلائل الإمامة: 251 معرفة و جوب القائم.

(6)- إبراهيم: 5.

(7)- الصراط المستقيم: 2/ 264.

(8)- النساء: 77.

(9)- إبراهيم: 44.

(10)- تفسير العياشي: 1/ 258 مورد الآية.

(11)- إبراهيم: 45.

69

لا تقل هكذا، بل يكون مساكن القائم و أصحابه، أ ما سمعت اللّه يقول‏ وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ‏ (1).

الآية الأربعون: قوله تعالى‏ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ‏ (2)، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

إنّ مكر بني العبّاس بالقائم لتزول منه قلوب الرجال‏ (3).

الآية الحادية و الأربعون: قوله تعالى‏ شَدِيدُ الْمِحالِ‏ (4)، في غيبة النعماني عن علي (عليه السّلام): إن بين يدي القائم سنين خداعة، يكذّب فيها الصادق و يصدّق فيها الكاذب، و يقرّب فيها الماحل و ينطق فيها الرويبضة. فقلت: و ما الرويبضة؟ و ما الماحل؟ قال (عليه السّلام): أو ما تقرءون القرآن قوله‏ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ‏ قال: يريد المكر، فقلت: و ما الماحل؟ قال: يريد المكّار (5).

الآية قوله تعالى‏ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ هُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ‏ (6). عن الطبرسي في المجمع عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: نقصانها ذهاب عالمها (7). و عن القمي قال: موت علمائها (8). و عن الكافي عن الصادق (عليه السّلام)نَنْقُصُها يعني بالموت من العلماء، قال: نقصانها ذهاب عالمها (9).

و عن الجوامع: يريد أرض الكفر ننقصها من أطرافها بما يفتح على المسلمين من بلادهم فننقص بلاد الحرب و نزيد في بلاد الإسلام‏ (10).

الآية الثانية و الأربعون: قوله تعالى‏ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ (11) عن الصادق (عليه السّلام): أي وقت قيام قائمنا فيأخذ بناصيته و يضرب عنقه، فذلك إلى يوم الوقت المعلوم‏ (12).

الآية الثالثة و الأربعون: قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ‏ (13)

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 235 مورد الآية.

(2)- إبراهيم: 46.

(3)- تفسير العياشي: 2/ 252 ح 50.

(4)- الرعد: 13.

(5)- غيبة النعماني: 278 باب 14.

(6)- الرعد: 41.

(7)- مجمع البيان: 6/ 52.

(8)- تفسير القمّي: 1/ 367 مورد الآية.

(9)- الكافي: 1/ 38 ح 6.

(10)- بحار الأنوار: 3/ 311 عن الطبرسي.

(11)- الحجر: 36- 38.

(12)- دلائل الإمامة: 240 معرفة و جوب القائم.

(13)- الحجر: 87.

70

عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إن ظاهرها الحمد و باطنها ولد الولد و السابع منها القائم (عليه السّلام)(1).

الآية الرابعة و الأربعون‏ من سورة النحل: قوله تعالى‏ أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ‏ (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ أوّل من يبايع القائم (عليه السّلام) جبرئيل، ينزل بصورة طير أبيض فيبايعه، ثمّ يضع رجلا على بيت اللّه الحرام و رجلا على بيت المقدس، ثمّ ينادي بصوت ذلق فيسمع الخلائق‏ أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ‏ (3) (4).

و في غيبة النعماني عن الصادق (عليه السّلام) قال: هو أمرنا أمر اللّه عزّ و جلّ فلا تستعجل به، يؤيّده بثلاثة أجناد: بالملائكة و بالمؤمنين و بالرعب، و خروجه كخروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ذلك قوله عزّ و جلّ‏ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ‏ (5). (6).

الآية الخامسة و الأربعون: قوله تعالى‏ وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى‏ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (7) عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):

وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ‏ الخ الآية. فقال لي: يا أبا بصير ما تقول في هذه الآية؟ قلت: إنّ المشركين يزعمون و يحلفون لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن اللّه لا يبعث الموتى. قال: فقال: تبّا لمن قال هذا، هل كان المشركون يحلفون باللّه أم باللّات و العزّى؟ قال: قلت: جعلت فداك فأوجدنيه. قال:

فقال: يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث اللّه إليه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان و فلان و فلان من قبورهم و هم مع القائم (عليه السّلام) فبلغ ذلك من عدوّنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم و أنتم تقولون فيها الكذب، لا و اللّه ما عاش هؤلاء و لا يعيشون إلى يوم القيامة. قال: فحكى اللّه قولهم‏ وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ‏ (8).

الآية السادسة و الأربعون: قوله تعالى‏ أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ‏ (9) سئل أبو عبد اللّه عن قول اللّه في هذه الآية، قال: هم أعداء اللّه و هم يمسخون‏ (10) و يقذفون و يسيحون‏

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 270 سورة الحجر.

(2)- النحل: 1.

(3)- النحل: 1.

(4)- البرهان: 2/ 360 ح 3.

(5)- الأنفال: 5.

(6)- غيبة النعماني: 243 ح 43 باب 13.

(7)- النحل: 38.

(8)- تأويل الآيات: 258 مورد الآية.

(9)- النحل: 45.

(10)- الظاهر انّ المراد قوم السفياني.

71

في الأرض‏ (11). الآية السابعة و الأربعون: قوله تعالى‏ وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (12) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في هذه الآية لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ‏ قال: قتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) و طعن الحسن بن علي‏ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً قال: قتل الحسين، و الكرّة الرجعة (13).

و في الصافي في ذيل (لكم الكرة) أن في الحديث: هي خروج الحسين في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهبة لكل بيضة وجهان، يؤدّون إلى الناس أنّ هذا الحسين قد خرج حتّى لا يشكّ المؤمنون فيه، و أنّه ليس بدجّال و لا شيطان، و الحجّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنّه الحسين جاء الحجّة الموت فيكون هو الذي يغسّله و يكفّنه و يحنّطه و يلحده في حفرته، و لا يلي الوصي إلّا الوصي‏ فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما قال: إذا جاء نصر الحسين‏ بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ قوم يبعثهم اللّه قبل قيام القائم (عليه السّلام) ثمّ لا يدعون لآل محمّد وترا إلّا أخذوه‏ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا (14).

و قد ذكرنا هذه الآية في الثمرة الثالثة من الغصن التاسع في ذكر الآيات المشعرة بالرجعة عموما مفصّلا ذكرناها هنا طردا للباب.

الآية الثامنة و الأربعون: قوله تعالى‏ عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا (15) عن الصادق (عليه السّلام)عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ‏ أن ينصركم على عدوّكم ثمّ خاطب بني امية فقال:

وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا يعني عدتم بالسفياني عدنا بالقائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (16).

الآية التاسعة و الأربعون: قوله تعالى‏ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (17) سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن قوله تعالى‏ وَ مَنْ قُتِلَ‏ إلى‏ إِنَّهُ كانَ‏

____________

(11)- تفسير العياشي: 2/ 261 سورة النحل.

(12)- الاسراء: 4- 5.

(13)- تفسير العياشي: 2/ 281 سورة الاسراء، ح 20.

(14)- تفسير الصافي: 3 ح 179.

(15)- الاسراء: 8.

(16)- تفسير القمي: 2/ 14 مورد الآية.

(17)- الاسراء: 33.

72

مَنْصُوراً قال (عليه السّلام): ذلك قائم آل محمّد (صلوات اللّه عليه) يخرج فيقتل بدم الحسين، فلو قتل أهل الأرض لم يكن مسرفا و قوله‏ فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ‏ أي لم يكن ليضيع شيئا فيكون مسرفا، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يقتل و اللّه ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائهم.

و عنه (عليه السّلام): إذا قام القائم (عليه السّلام) قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائها. فقال: هو كذلك.

قلت: فقول اللّه عزّ و جلّ‏ أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ (1) ما معناه؟ فقال: صدق اللّه في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) يرضون أفعال آبائهم و يفتخرون بها، و من رضي شيئا كمن أتاه، و لو أنّ رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند اللّه عزّ و جلّ شريك القاتل، و إنّما يقتلهم بالقائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم. قال: فقلت له:

بأي شي‏ء يبدأ القائم فيكم؟ قال: يبدأ ببني شيبة و يقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت اللّه عزّ و جلّ‏ (2).

الآية الخمسون: سورة بني إسرائيل قوله تعالى‏ وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (3) عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل‏ (4).

قوله تعالى‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (5) عن جابر الجعفي عن الصادق (عليه السّلام) يقول: الزم الأرض و لا تحرّك يدك و لا رجلك أبدا حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة وتر، و ترى مناديا ينادي بدمشق و خسف بقرية من قراها و تسقط طائفة من مسجدها، فإذا رأيت الترك جاوزوها فأقبلت الترك حتّى نزلت الجزيرة و أقبلت الروم حتّى نزلت الرملة، و سنة اختلاف في كلّ أرض من أرض العرب، و أنّ أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات الأصهب و الأبقع و السفياني مع بني ذنب الحمار مضر، و مع السفياني أخواله كلب، يظهر السفياني و من معه على بني ذنب الحمار حتّى يقتلوا قتلا لم يقتله شيئا قط، و يحضر رجل بدمشق فيقتل هو و من معه قتلا و هو من بني ذنب الحمار و هي الآية التي يقول اللّه تعالى‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ‏ إلى‏ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (6) و الحديث طويل فاطلبه‏

____________

(1)- الأنعام: 164.

(2)- عيون أخبار الرضا: 1/ 273 ح 5 باب 28.

(3)- الإسراء: 81.

(4)- الفصول العشرة بتفاوت: 74 فصل 4.

(5)- مريم: 37.

(6)- مريم: 37.

73

في محلّه‏ (7). الآية الحادية و الخمسون: قوله تعالى‏ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً (8) عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا (9) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دعا قريشا إلى ولايتنا فنفروا و أنكروا، فقال الذين كفروا من قريش للذين آمنوا؛ الذين أقرّوا لأمير المؤمنين و لنا أهل البيت: أي الفريقين خير مقاما و أحسن نديّا تعييرا منهم فقال اللّه ردّا عليهم: وَ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ‏ من الامم السالفة هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَ رِءْياً قلت: قوله‏ قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا (10) قال: كلّهم كانوا في الضلالة لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) و لا بولايتنا فكانوا ضالّين مضلّين، فيمدّ لهم في ضلالتهم و طغيانهم حتّى يموتوا فيصيّرهم اللّه شرّ مكانا و أَضْعَفُ جُنْداً.

قلت: قوله‏ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَ أَضْعَفُ جُنْداً قال: أمّا قوله‏ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏ فهو خروج القائم و هو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم و ما نزل بهم من اللّه على يدي وليّه فذلك قوله‏ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً نعني عند القائم‏ وَ أَضْعَفُ جُنْداً

قلت: قوله‏ وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً‏ (11) قال: يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى باتّباعهم القائم حيث لا يجحدونه و لا ينكرونه‏

قلت: قوله‏ لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (12) قال: إلّا من دان اللّه بولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الأئمّة من بعده فهو العهد عند اللّه.

قلت: قوله‏ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (13) قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو الودّ الذي قال اللّه.

قلت: قوله‏ فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (14) قال: إنّما يسّرناه‏

____________

(7)- تفسير العيّاشي: 1/ 64 سورة البقرة ح 117.

(8)- مريم: 75.

(9)- مريم: 73.

(10)- مريم: 75.

(11)- مريم: 76.

(12)- مريم: 87.

(13)- مريم: 96.

(14)- مريم: 97.

74

على لسانه حين قام أمير المؤمنين (عليه السّلام) علما فبشّر به المؤمنين و أنذر به الكافرين و هم الذين ذكرهم اللّه في كتابه‏ لُدًّا أي كفّارا (1).

الآية الثانية و الخمسون: قوله تعالى‏ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (2) عن الصادق (عليه السّلام) قال: ما بين أيديهم ما مضى من أخبار الأنبياء، و ما خلفهم من أخبار القائم‏ (3).

الآية الثالثة و الخمسون: قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (4) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: أخذ اللّه الميثاق على النبيين و قال‏ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى‏ و أن هذا محمّدا رسولي، و أن عليا أمير المؤمنين و الأوصياء من بعده ولاة أمري و خزّان علمي، و أنّ المهدي أنتصر به لديني و أظهر به دولتي فأنتقم به من أعدائي و أعبد به طوعا و كرها «قالوا أقررنا ربنا و شهدنا» و لم يجحد آدم و لم يقرّ فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي و لم يكن لآدم عزيمة على الإقرار و هو قول اللّه تعالى‏ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى‏ آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (5).

الآية الرابعة و الخمسون: قوله تعالى‏ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدى‏ (6) عن موسى بن جعفر (عليه السّلام): سألت أبي عن هذه الآية قال: الصراط هو القائم، و المهدي و من اهتدى إلى طاعته‏ (7). و مثلها في كتاب اللّه‏ وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى‏ (8) قال: إلى ولايتنا. و في كثير من الروايات أنّها في الأئمّة و ولايتهم‏ (9).

الآية الخامسة و الخمسون: قوله تعالى‏ وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ‏ إلى قوله‏ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ خامِدِينَ‏ (10) عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول في قول اللّه عزّ و جلّ‏ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ (11) قال: إذا قام القائم و بعث إلى بني امية بالشام هربوا

____________

(1)- تفسير القمي: 2/ 57 سورة مريم.

(2)- طه: 110.

(3)- تفسير القمي: 2/ 65 سورة طه.

(4)- طه: 115.

(5)- تأويل الآيات: 313 سورة طه.

(6)- طه: 135.

(7)- تأويل الآيات: 317 سورة طه.

(8)- طه: 82.

(9)- تأويل الآيات: 309 و البصائر: 78 و تفسير فرات: 257 سورة طه.

(10)- الأنبياء: 11- 15.

(11)- الأنبياء: 13.

75

إلى الروم فيقول لهم الروم: لا ندخلنّكم حتّى تتنصروا فيعلّقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان و الصلح، فيقول أصحاب القائم (عليه السّلام): لا نفعل حتّى تدفعوا إلينا من قبلكم. قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله‏ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ قال: يسألهم عن الكنوز و هو أعلم بها. قال فيقولون: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ‏ (1) بالسيف، و هو سعيد بن عبد الملك الأموي صاحب سعيد بالرحبة (2).

الآية السادسة و الخمسون: قوله تعالى‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (3) عن الصادق (عليه السّلام): الكتب كلّها ذكر اللّه‏ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ قال: القائم (عليه السّلام) و أصحابه‏ (4). و عن أبي جعفر (عليه السّلام)أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ هم أصحاب المهدي في آخر الزمان‏ (5).

الآية السابعة و الخمسون: قوله تعالى‏ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (6) عن أبي جعفر (عليه السّلام): في القائم (عليه السّلام) و أصحابه‏ (7). و عن الصادق (عليه السّلام): العامّة يقولون نزلت في رسول اللّه لما أخرجته قريش من مكة، و إنّما هو القائم (عليه السّلام) إذا خرج يطلب بدم الحسين (عليه السّلام)، و هو قوله: نحن أولياؤكم في الدم و طلب الدية (8).

الآية الثامنة و الخمسون: قوله تعالى‏ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (9) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: هذه لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، المهدي و أصحابه يملّكهم اللّه مشارق الأرض و مغاربها و يظهر الدين و يميت اللّه عزّ و جلّ به و أصحابه البدع و الباطل كما أمات السفهة الحقّ حتّى لا يرى أثر من الظلم، و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و للّه عاقبة الامور (10).

الآية التاسعة و الخمسون: قوله تعالى‏ وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَ إِنَ‏

____________

(1)- الأنبياء: 14- 15.

(2)- تأويل الآيات بتفاوت: 320 سورة الأنبياء.

(3)- الأنبياء: 105.

(4)- تفسير القمي: 2/ 77 سورة الأنبياء.

(5)- مجمع البيان: 7/ 66 و تأويل الآيات: 1/ 332.

(6)- الحج: 39.

(7)- تأويل الآيات: 334 سورة الحج.

(8)- تفسير القمي: 2/ 84 سورة الحج.

(9)- الحج: 41.

(10)- تفسير القمي: 2/ 87.

76

يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ (1).

في البحار في باب النصوص من اللّه و من آبائهم (عليهم السّلام) عن كعب الأحبار قال في الخلفاء:

هم اثنا عشر فإذا كان عند انقضائهم و أتى طبقة صالحة مدّ اللّه لهم في العمر، كذلك وعد اللّه هذه الامّة ثمّ قرأ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ (2) قال: و كذلك فعل اللّه عزّ و جلّ ببني إسرائيل، و ليس بعزيز أن يجمع هذه الامّة يوما أو نصف يوم‏ وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏ (3).

الآية الستّون: قوله تعالى‏ ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (4) في تفسير علي بن إبراهيم هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا أخرجته قريش من مكّة و هرب منهم إلى الغار و طلبوه ليقتلوه فعاقبهم اللّه يوم بدر، فقتل عتبة و شيبة و الوليد و أبا جهل و حنظلة بن أبي سفيان و غيرهم فلمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طلب بدمائهم فقتل الحسين (عليه السّلام) و آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بغيا و عدوانا و هو قول يزيد حين تمثّل بهذا الشعر:

ليت أشياخي ببدر شهدوا* * * وقعة (5)الخزرج من وقع الأسل‏

لأهلّوا و استهلّوا فرحا* * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل‏

لست من خندف إن لم أنتقم‏* * * من بني أحمد ما كان فعل‏

قد قتلنا القرم من ساداتهم‏* * * و عدلناه ببدر فاعتدل‏

و قال أيضا:

يا ليت أشياخنا الماضين بالحضر* * * حتّى يقيسوا قياسا لا يقاس به‏

أيّام بدر فكان الوزن بالقدر

فقال اللّه تعالى‏ وَ مَنْ عاقَبَ‏ يعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ‏ حين أرادوا أن يقتلوه‏ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ‏ يعني بالقائم (عليه السّلام) من ولده‏ (6).

الآية الحادية و الستّون: قوله تعالى‏ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا

____________

(1)- الحج: 47.

(2)- النور: 55.

(3)- البحار: 25/ 73 ح 63.

(4)- الحج: 60.

(5)- في المصدر: جزع.

(6)- تفسير القمّي: 2/ 87.

77

يَتَساءَلُونَ‏ (1) عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام): إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثمّ خلق الأبدان بعد ذلك، فما تعارف منها في السماء تعارف في الأرض و ما تناكر منها في السماء تناكر في الأرض، فإذا قام القائم ورث الأخ في الدين و لم يورث الأخ في الولادة، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه‏ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ‏ (2). (3).

الآية الثانية و الستّون: قوله تعالى‏ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ‏ إلى قوله تعالى‏ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (4) الآية. عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: دخلت إلى مسجد الكوفة و أمير المؤمنين (صلوات اللّه و سلامه عليه) يكتب بإصبعه و تبسّم، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما الذي يضحكك؟ فقال (عليه السّلام): عجبت لمن يقرأ هذه الآية و لم يعرفها حقّ معرفتها! فقلت له: أي آية يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السّلام): قوله تعالى‏ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ المشكاة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)فِيها مِصْباحٌ‏ أنا المصباح‏ فِي زُجاجَةٍالزجاجة الحسن و الحسين‏ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ‏ هو علي بن الحسين‏ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ محمّد بن علي‏ زَيْتُونَةٍ جعفر بن محمد لا شَرْقِيَّةٍ

موسى بن جعفر وَ لا غَرْبِيَّةٍ علي بن موسى الرضا يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ محمد بن علي‏ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ علي بن محمّد نُورٌ عَلى‏ نُورٍ الحسن بن علي‏ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ القائم المهدي (عليه السّلام)وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (5) و الروايات في أنّ الآية نزلت في أهل البيت كثيرة (6).

الآية الثالثة و الستّون: قوله تعالى‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): نزلت في علي ابن أبي طالب (عليه السّلام) و الأئمّة من ولده‏ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً قال: عنى به ظهور القائم‏ (8).

____________

(1)- المؤمنون: 101.

(2)- المؤمنون: 1 و 101.

(3)- البرهان: 3/ 120 ح 6.

(4)- النور: 35.

(5)- مصباح الهداية: 250، و غاية المرام: 317 و بصائر الدرجات: 200 ح 19.

(6)- تأويل الآيات: 365 مورد الآية.

(7)- النور: 55.

(8)- تأويل الآيات: 365 مورد الآية.

78

في كنز الواعظين للفاضل المحدّث البرغاني عن غيبة النعماني عن الصادق (عليه السّلام): إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تعالى ملائكة إلى سماء الدنيا، فإذا طلع الفجر نصب لمحمد و علي و الحسن و الحسين منابر من نور عند البيت المعمور فيصعدون عليها و يجمع لهم الملائكة و النبيّين و المؤمنين و تفتح أبواب السماء، فإذا زالت الشمس قال رسول اللّه: يا ربّ، ميعادك الذي وعدت في كتابك و هو هذه الآية وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ الخ. و يقول الملائكة و النبيّون مثل ذلك، ثمّ يخرّ محمّد و علي و الحسن و الحسين سجّدا ثمّ يقولون: يا ربّ اغضب فإنّه قد هتك حريمك و قتل أوصياؤك و اذلّ عبادك الصالحون، فيفعل اللّه ما يشاء و ذلك وقت معلوم‏ (1).

الآية الرابعة و الستّون: قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (2) عن مفضّل قلت لأبي عبد اللّه: ما قول اللّه في هذه الآية؟ قال: الليل اثنتا عشرة ساعة و الشهور اثنا عشر شهرا و الأئمّة اثنا عشر إماما و النقباء اثنا عشر نقيبا، و إنّ عليا ساعة من اثنتي عشرة ساعة و هو قول اللّه عزّ و جلّ‏ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً.

و عنه (عليه السّلام): إنّ الليل و النهار اثنتا عشرة ساعة و إنّ علي بن أبي طالب أشرف ساعة من اثنتي عشرة ساعة و هو قوله تعالى‏ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (3).

الآية الخامسة و الستّون: قوله تعالى‏ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَ كانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (4) عن محمّد بن الحسن عن علي بن أسباط قال: روى أصحابنا في قول اللّه‏ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الخ. قال: الملك للرحمن اليوم و قبل اليوم و بعد اليوم، و لكن إذا قام القائم (عليه السّلام) لم يعبد إلّا اللّه عزّ و جلّ‏ (5).

الآية السادسة و الستّون: قوله تعالى‏ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ (6) عن عبد اللّه بن سنان قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فسمعت رجلا من همدان‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 52/ 297 و غيبة النعماني: 147.

(2)- الفرقان: 11.

(3)- الغيبة للنعماني: 54.

(4)- الفرقان: 26.

(5)- تأويل الآيات: 1/ 173 و تفسير البرهان: 3/ 162.

(6)- الشعراء: 4.

79

يقول: إنّ هؤلاء العامّة يغيّرون و يقولون: إنّكم تزعمون أن مناديا ينادي باسم صاحب هذا الأمر، و كان متّكئا فغضب و جلس، ثمّ قال: لا ترووه عنّي و ارووه عن أبي، و لا حرج عليكم في ذلك، أشهد أنّي سمعت أبي يقول: و اللّه إنّ ذلك في كتاب اللّه عزّ و جلّ لبيّن حيث يقول‏ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ فلا يبقي في الأرض يومئذ أحد إلّا خضع و ذلّت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء، ألا إنّ الحقّ في علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و شيعته.

قال: فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتّى يتوارى عن أهل الأرض ثمّ ينادي ألا إنّ الحقّ في عثمان بن عفّان فإنّه قتل مظلوما فاطلبوا بدمه. قال: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ‏ على الحقّ و هو النداء الأوّل، و يرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، و المرض و اللّه عداوتنا، فعند ذلك يتبرّءون منّا و يتناولوننا و يقولون: إنّ المنادي الأوّل سحر من سحر أهل هذا البيت، ثمّ تلا أبو عبد اللّه (عليه السّلام)وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (1). (2).

الآية السابعة و الستّون: قوله تعالى‏ أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ‏ (3) الآية عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: في هذه الامّة خروج القائم (عليه السّلام)ما أَغْنى‏ عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‏ (4) قال: هم بنو امية الذين متّعوا بدنياهم‏ (5).

الآية الثامنة و الستّون: قوله تعالى‏ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (6) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أحبّ أن يتمسّك بديني و يركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي طالب و ليعاد عدوّه و ليوال وليّه، فإنّه خليفتي و وصيّي على أمّتي في حياتي و بعد وفاتي، و هو أمير كلّ مسلم و أمير كلّ مؤمن بعدي، قوله قولي و أمره أمري و نهيه نهيي و تابعه تابعي و ناصره ناصري و خاذله خاذلي، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله): من فارق عليا بعدي لم يرني و لم أره يوم القيامة، و من خالف عليا حرّم اللّه عليه الجنّة و جعل مأواه النار، و من خذل عليّا خذله اللّه‏

____________

(1)- القمر: 2.

(2)- غيبة النعماني: 173 ح 20.

(3)- الشعراء: 206.

(4)- الشعراء: 207.

(5)- تأويل الآيات: 1/ 393 و البحار: 24/ 372 ح 96.

(6)- الشعراء: 227.

80

يوم يعرض عليه، و من نصر عليا نصره اللّه يوم يلقاه و لقّاه حجّة عند المنازلة، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

الحسن و الحسين إماما أمّتي بعد أبيهما و سيّدا شباب أهل الجنّة، و أمّهما سيّدة نساء العالمين، و أبوهما سيّد الوصيّين، و ولد الحسين (عليه السّلام) تسعة أئمّة، تاسعهم القائم (عليه السّلام) من ولدي، طاعتهم طاعتي و معصيتهم معصيتي، إلى اللّه أشكو المنكرين لفضلهم و المضيّعين لحقّهم بعدي و كفى باللّه وليّا و كفى باللّه نصيرا لعترتي و أئمّة أمّتي و منتقما من الجاحدين لحقّهم‏ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ‏ (1).

الآية التاسعة و الستّون: قوله تعالى‏ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏ (2) أوّل المضطرّ بالمهدي: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ القائم (عليه السّلام) إذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل القبلة و يجعل ظهره إلى المقام، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمّ يقوم فيقول: يا أيّها الناس أنا أولى الناس بآدم، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بإبراهيم، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بإسماعيل، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ يرفع يديه إلى السماء و يدعو و يتضرّع حتّى يقع على وجهه و هو قول اللّه عزّ و جلّ‏ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ‏ (3).

الآية السبعون: قوله تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ‏ (4) عن الباقر و الصادق (عليهما السّلام): إنّ فرعون و هامان هاهنا، هما شخصان من جبابرة قريش يحييهما اللّه تعالى عند قيام القائم (عليه السّلام) من آل محمّد في آخر الزمان فينتقم منهما بما أسلفا (5).

و الروايات في أنّ هذه الآية نزلت في الأئمّة من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) كثيرة، ذكر جلّها السيّد الأجلّ المحدّث البحراني في تفسير البرهان و غيره.

الآية الحادية و السبعون: قوله تعالى‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (6) روى المفيد في الإرشاد عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال: لا يكون ما تمدّون إليه‏

____________

(1)- كمال الدين: 261 ح 6.

(2)- النمل: 62.

(3)- البحار: 51/ 59 ح 56، و تفسير البرهان: 3/ 208 ح 5.

(4)- القصص: 5.

(5)- تفسير البرهان: 3/ 220 ح 1.

(6)- العنكبوت: 1- 2.

81

أعناقكم حتّى تميّزوا و تمحّصوا، فلا يبقى منكم إلّا ندر ثمّ قرأ قوله‏ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ‏ الآية (1).

الآية الثانية و السبعون: قوله تعالى‏ وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ‏ (2) يعني القائم (عليه السّلام)لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ‏ (3).

الآية الثالثة و السبعون: قوله تعالى‏ الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ‏ إلى قوله تعالى‏ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‏ (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) حين سئل عن تفسير الم غُلِبَتِ الرُّومُ‏ قال (عليه السّلام): هم بنو امية و إنّما أنزلها اللّه عزّ و جلّ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ‏ بنو امية فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‏ عند قيام القائم (عليه السّلام). و عن علي (عليه السّلام): قوله تعالى:

الم غُلِبَتِ الرُّومُ‏ فينا و في بني امية (5).

الآية الرابعة و السبعون: قوله تعالى‏ وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ (6) الآية، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الأدنى عذاب السقر و الأكبر المهدي (عليه السّلام) بالسيف في آخر الزمان‏ (7).

الآية الخامسة و السبعون: قوله تعالى‏ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‏ (8) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: يوم الفتح يوم تفتح الدنيا على القائم (عليه السّلام)، لا ينفع أحدا تقرّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمنا و بعد هذا الفتح موقنا، فذلك الذي ينفعه إيمانه، و يعظم اللّه عنده قدره و شأنه، و يزخرف له يوم القيامة و البعث جنانه، و تحجب عنه نيرانه، و هذا أجر الموالين لأمير المؤمنين (عليه السّلام) و لذرّيته الطيبين‏ (9).

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 375 و فيه: إلّا القليل، و بالهامش: الأندر.

(2)- العنكبوت: 10.

(3)- البحار: 9/ 229 ح 118.

(4)- الروم: 1- 2- 3.

(5)- تفسير البرهان: 3/ 257 ح 1 و تأويل الآيات: 1/ 434 ح 2.

(6)- السجدة: 21.

(7)- معجم أحاديث الإمام المهدي: 5/ 342 عن المحجّة: 173 و فيه: الأدنى القحط و الجدب.

(8)- السجدة: 29.

(9)- تأويل الآيات: 2/ 445 ح 9.

82

الآية السادسة و السبعون: في سورة لقمان‏ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً (1) في الدمعة عن الكفاية عن محمد بن زياد الأزدي قال: سألت سيّدي موسى بن جعفر (عليهما السّلام) عن هذه الآية قال (عليه السّلام): النعمة الظاهرة الإمام الظاهر و الباطنة الإمام الغائب. قال: فقلت له: فيكون في الأئمّة من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه و لا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، و هو الثاني عشر منّا، يسهّل اللّه تعالى له كلّ عسير، و يذلّل كلّ صعب، و يظهر له كنوز الأرض، و يقرّب عليه كلّ بعيد (2).

الآية السابعة و السبعون: قوله تعالى‏ مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (3).

في كنز البرغاني عن ابن أبي الحديد في شرح خطبة نهج البلاغة المشتملة على ذكر بني امية ثمّ قال: و منها: فانظروا أهل بيت نبيّكم، فإن لبدوا فلبدوا، و إن استنصروكم فانصروهم، ليفرجنّ اللّه برجل منّا أهل البيت، بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلّا السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية حتّى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، يغريه اللّه ببني اميّة حتّى يجعلهم حطاما و رفاتا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. ثمّ قال ابن أبي الحديد: فإن قيل: من هذا الرجل الموعود؟ قيل: أمّا الإمامية فيزعمون أنّه إمامهم الثاني عشر و أنه ابن أمة اسمها نرجس. و أمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لام ولد و ليس موجودا الآن. فإن قيل: فمن يكون من بني امية في ذلك الوقت موجودا حتّى يقول (عليه السّلام) في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم؟ قال: أمّا الإمامية فيقولون بالرجعة و يزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني امية و غيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر و أنه يقطع أيدي أقوام و أرجلهم و يسمل عيون بعضهم و يصلب قوما آخرين و ينتقم من أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) المتقدّمين و المتأخّرين إلى آخر كلامه‏ (4).

الآية قوله تعالى‏ يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ

____________

(1)- لقمان: 20.

(2)- بحار الأنوار: 51/ 150 ح 2.

(3)- الأحزاب: 62.

(4)- شرح النهج لابن أبي الحديد: 7/ 58 الخطبة 97.

83

تَكُونُ قَرِيباً (1) في تفسير مفتاح الجنان عن البحار عن المفضّل عن الصادق (عليه السّلام) هل للمأمول المنتظر المهدي من وقت موقت يعلمه الناس؟ فقال: حاش للّه أن يوقّت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا. قلت: يا سيدي لم ذلك؟ قال: لأنّه هو الساعة التي قال اللّه تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ الآية، و هو الساعة التي قال اللّه تعالى‏ يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ (2) و قال‏ وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (3) و لم يقل إنّها عند واحد، و قال‏ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (4) و قال‏ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (5) و قال‏ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (6) قلت: فما معنى يمارون؟ قال: يقولون:

متى ولد؟ و من رأى؟ و أين يكون؟ و متى يظهر؟ كلّ ذلك استعجالا لأمر اللّه و شكّا في قضائه.

الخبر (7).

و عن الكافي مسندا عن الصادق (عليه السّلام) في حديث: أمّا قوله‏ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏ (8) فهو خروج القائم (عليه السّلام) و هو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم و ما نزل بهم من اللّه على يدي قائمه- الخبر- قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ‏ لا يعلمها غيره‏ وَ ما يُدْرِيكَ‏ يا محمّد أي: أي شي‏ء يعلمك عن الساعة متى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثمّ قال‏ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (9) أي قريبا مجيئها (10).

قوله تعالى‏ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ‏ (11) عن محمد بن صالح الهمداني كتبت إلى صاحب الزمان: إنّ أهل بيتي يؤذونني و يقرعونني بالحديث الذي روي عن آبائك أنّهم قالوا: خدّامنا و قوّامنا

____________

(1)- الأحزاب: 63.

(2)- الأحزاب: 63.

(3)- الزخرف: 85.

(4)- محمد: 18.

(5)- القمر: 1.

(6)- الشورى: 18.

(7)- البحار: 53/ 2 باب 25، و ينابيع المودّة: 3/ 251.

(8)- مريم: 75 و الجن: 24.

(9)- الأحزاب: 63.

(10)- أصول الكافي: 1/ 431 ح 90 و البحار: 24/ 332.

(11)- سبأ: 18.

84

شرار خلق اللّه. فكتب: ويحكم أ ما تقرءون ما قال اللّه‏ وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً (1) فنحن و اللّه القرى التي بارك اللّه فيها و أنتم القرى الظاهرة (2).

الآية الثامنة و السبعون: قوله تعالى‏ وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (3) إلى آخر السورة، عن أبي جعفر (عليه السّلام):

يكون لصاحب هذا الأمر غيبة- و ذكر حديثا طويلا يتضمّن غيبة صاحب الأمر و ظهوره إلى أن قال- فيدعو الناس- يعني القائم (عليه السّلام)- إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه و الولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) و البراءة من عدوّه، و لا يسمّي أحدا حتّى ينتهي إلى البيداء فيخرج إليه جيش السفياني فيأمر اللّه الأرض فتأخذهم من تحت أقدامهم و هو قول اللّه تعالى‏ وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏ يعني بقائم آل محمّد وَ قَدْ كَفَرُوا بِهِ‏ يعني بقائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إلى آخر السورة. فلا يبقى منهم إلّا رجلان يقال لهما: و تر و وتيرة من مراد، وجوههما في أقفيتهما يمشيان القهقرى فيخبران الناس بما فعل بأصحابهم. (4) و الحديث طويل اكتفينا بقدر الحاجة.

الآية في سورة يس‏ وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ‏ (5).

عن كتاب الغيبة للسيّد علي عن السجّاد (عليه السّلام) قال: يقتل القائم من أهل المدينة حتّى ينتهي إلى الأجفر و يصيبهم مجاعة شديدة، قال (عليه السّلام): فيصبحون و قد نبتت لهم ثمرة يأكلون منها و يتزوّدون و هو قوله تعالى‏ وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ‏ (6) الخبر (7).

الآية التاسعة و السبعون: قوله تعالى‏ وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏ (8) سأل جابر بن يزيد الجعفي جعفر بن محمد الصادق (عليهما السّلام) عن تفسير هذه الآية، فقال: إنّ اللّه سبحانه لمّا خلق إبراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نورا إلى جنب العرش فقال: إلهي ما هذا النور؟ فقيل له: هذا نور محمد صفوتي من خلقي، و رأى نورا إلى جنبه فقال: إلهي ما هذا النور؟ فقيل له:

____________

(1)- سبأ: 18.

(2)- كتاب الغيبة للطوسي: 345.

(3)- سبأ: 51.

(4)- بحار الأنوار: 52/ 342.

(5)- يس: 33.

(6)- يس: 33.

(7)- البحار: 52/ 387 عن الغيبة.

(8)- الصافات: 83.

85

هذا نور علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ناصر ديني، و رأى إلى جنبهما ثلاثة أنوار فقال: إلهي و ما هذه الأنوار؟ فقيل: هذه فاطمة فطمت محبّيها من النار، و نور ولديها الحسن و الحسين، فقال:

إلهي و أرى تسعة أنوار قد حفّوا بهم؟ قيل: يا إبراهيم هؤلاء الأئمّة من ولد علي و فاطمة، فقال إبراهيم: بحقّ هؤلاء إلّا ما عرّفتني من التسعة، فقال: يا إبراهيم أوّلهم علي بن الحسين و ابنه محمد و ابنه جعفر و ابنه موسى و ابنه علي و ابنه محمد و ابنه علي و ابنه الحسن و الحجّة القائم ابنه، فقال إبراهيم: إلهي و سيّدي أرى أنوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلّا أنت؟ قيل: يا إبراهيم هؤلاء شيعتهم، شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فقال إبراهيم: و بما تعرف شيعتهم؟ قال: بصلاة إحدى و خمسين و الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم و القنوت قبل الركوع و التختّم في اليمين، فعند ذلك قال إبراهيم: اللهمّ اجعلني من شيعة أمير المؤمنين، قال: فأخبر اللّه في كتابه فقال‏ وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ‏ (1).

الآية الثمانون: قوله تعالى‏ وَ لَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ‏ (2) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: عند خروج القائم‏ (3).

الآية الحادية و الثمانون: قوله تعالى‏ وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها (4) عن مفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ربّها أي ربّ الأرض، أي إمام الأرض، قلت: فإذا خرج يكون ما ذا؟ قال: إذن يستغني الناس عن ضوء الشمس و نور القمر و يحتظون بنور الإمام‏ (5).

و عنه (عليه السّلام): إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها و استغنى العباد عن ضوء الشمس و صار الليل و النهار واحدا و عاش الرجل في زمانه ألف سنة، يولد له كلّ سنة غلام لا يولد له جارية، يكسوه الثوب فيطول عليه كلّما طال، و يكون عليه أي لون شاء (6).

الآية الثانية و الثمانون: قوله تعالى‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قوله‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (8) قال: ثمود رهط من الشيعة فإنّ اللّه‏

____________

(1)- تأويل الآيات: 2/ 495 و مدينة المعاجز: 4/ 40.

(2)- ص: 86.

(3)- روضة الكافي: 8/ 287.

(4)- الزمر: 69.

(5)- تفسير القمّي: 2/ 253 سورة الزمر، و فيه: و يجتزون بنور الإمام.

(6)- دلائل الإمامة: 454 ح 433.

(7)- فصلت: 17.

(8)- الشمس: 11.

86

سبحانه يقول‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ‏ (1) فهو السيف إذا قام القائم‏ (2).

الآية الثالثة و الثمانون: قوله تعالى‏ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏ (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أي أنّه القائم (عليه السّلام)(4). و سئل أبو جعفر (عليه السّلام) عن تفسير قوله عزّ و جلّ‏ سَنُرِيهِمْ آياتِنا إلى‏ أَنَّهُ الْحَقُ‏ فقال (عليه السّلام): يريهم اللّه في أنفسهم المسخ و يريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم، فيرون قدرة اللّه في أنفسهم و في الآفاق، و قوله‏ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏ يعني بذلك خروج القائم و هو الحقّ من اللّه عزّ و جلّ، يراه هذا الخلق لا بدّ منه‏ (5).

الآية الرابعة و الثمانون: قوله تعالى‏ حم عسق‏ (6) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: (حم عسق) عدد سنيّ القائم و قاف جبل محيط بالدنيا من زمرّد أخضر، و خضرة السماء من ذلك الجبل و علم كلّ شي‏ء في‏ عسق‏ (7).

و عنه (عليه السّلام): (حم) حتم و عين عذاب و سين سنون كسني يوسف، و ق قذف و مسخ يكون في آخر الزمان بالسفياني و أصحابه، و ناس من كلب خال السفياني و بنو كلب و بنو خالد ثلاثون ألفا يخرجون معه و ذلك حين يخرج القائم بمكّة، و هو مهدي هذه الأمّة (8).

الآية الخامسة و الثمانون: قوله تعالى‏ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ‏ (9). في الصافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ليس له في دولة الحقّ مع القائم نصيب‏ (10).

الآية السادسة و الثمانون: قوله تعالى‏ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ‏ (11) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) لمفضل بن عمر: يا مفضّل كيف يقرأ

____________

(1)- فصلت: 17.

(2)- بحار الأنوار: 24/ 72.

(3)- فصلت: 53.

(4)- تأويل الآيات: 2/ 541 ح 16 و 17.

(5)- غيبة النعماني: 269.

(6)- الشورى: 2.

(7)- تفسير القمي: 2/ 240.

(8)- البرهان: 4/ 115 ح 4.

(9)- الشورى: 20.

(10)- أصول الكافي: 1/ 436 ح 92 و تفسير الصافي: 4/ 371.

(11)- الشورى: 18.

87

أهل العراق هذه الآية؟ قال: قلت: يا سيّدي و أي آية؟ قال (عليه السّلام): قول اللّه تعالى‏ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها فقلت: يا سيّدي كذا تقرأ. فقال: كيف تقرأ؟

فقلت: يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ‏ قال: ويحك أ تدري ما هي؟ فقلت: اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم. فقال (عليه السّلام): و اللّه ما هي إلّا قيام القائم، فكيف يستعجل به من لا يؤمن به؟ و اللّه ما يستعجل به إلّا المؤمنون و لكنّهم حرّفوها حسدا لكم، فاعلم ذلك يا مفضّل. إلى آخر الحديث‏ (1).

الآية السابعة و الثمانون: قوله تعالى‏ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ‏ (2) عن أبي بصير قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ. قال:

ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام)، قلت: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ، قال: معرفة أمير المؤمنين و الأئمّة. نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ‏، قال: نزيده منها. قال: يستوفي نصيبه من دولتهم‏ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ‏ قال: ليس له في دولة الحقّ مع القائم (عليه السّلام) نصيب‏ (3).

الآية الثامنة و الثمانون: قوله تعالى‏ وَ لَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (4) عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو لا ما تقدّم فيهم من أمر اللّه عزّ و جلّ ما أبقى منهم القائم واحدا (5).

الآية التاسعة و الثمانون: قوله تعالى‏ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ قَلْبِكَ وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ‏ (6) عن أبي جعفر (عليه السّلام): جاءت الأنصار إلى رسول اللّه فقالوا: إنّا قد آوينا و نصرنا فخذ طائفة من أموالنا استعن بها على ما أنابك، فأنزل اللّه‏ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني على النبوّة إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (7) أي في أهل بيته، ثمّ قال: ألا ترى أن الرجل يكون له صديق، و في ذلك شي‏ء على أهل بيته فلا يسلم صدره،

____________

(1)- دلائل الإمامة: 238 معرفة وجوب القائم.

(2)- الشورى: 19- 20.

(3)- تفسير البرهان: 4/ 121 ح 2 عن الكافي كما تقدّم.

(4)- الشورى: 21.

(5)- روضة الكافي 8: 287 ح 432.

(6)- الشورى: 24.

(7)- الشورى: 23.

88

فأراد اللّه أن لا يكون في نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) شي‏ء على أمّته ففرض عليهم المودّة في القربى، فإن أخذوا أخذوا مفروضا و إن تركوا تركوا مفروضا، قال: فانصرفوا من عنده و بعضهم يقول: عرضنا عليه أموالنا فقال: قاتلوا عن أهل بيتي. و قال طائفة: ما قال هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و جحدوا و قالوا كما حكى اللّه‏ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى‏ عَلَى اللَّهِ كَذِباً فقال اللّه‏ فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى‏ قَلْبِكَ‏ قال: لو افتريت‏ وَ يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ‏ يعني سيبطله‏ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ‏ يعني بالأئمّة و القائم من آل محمّد إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ثمّ قال‏ وَ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَ يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ‏ إلى قوله‏ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ‏ (1) يعني الذين قالوا: القول ما قال رسول اللّه، ثمّ قال: و الكافرون لهم عذاب شديد (2). و الروايات من طرق الخاصّة و العامّة كثيرة انّ الآية نزلت في مودّة أهل البيت‏ (3).

الآية التسعون: قوله تعالى‏ وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‏ (4) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ‏ يعني القائم و أصحابه‏ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‏ و القائم إذا قام انتصر من بني امية و من المكذّبين و النصّاب هو و أصحابه، و هو قول اللّه تبارك و تعالى‏ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (5) (6).

الآية الحادية و التسعون: قوله تعالى‏ وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ‏ (7) عن أبي جعفر (عليه السّلام): مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ‏ يعني القائم (عليه السّلام)(8).

الآية الثانية و التسعون: قوله تعالى‏ وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (9) عن جابر بن يزيد عن الباقر (عليه السّلام) قال: قلت له: يا بن رسول اللّه إنّ قوما يقولون إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل الأئمّة في عقب الحسن دون الحسين (عليهما السّلام)، قال: كذبوا و اللّه أولم يسمعوا أنّ اللّه تعالى ذكره يقول‏ وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ‏ فهل جعلها إلّا في عقب الحسين (عليه السّلام). فقال: يا جابر إنّ الأئمّة هم الذين نصّ عليهم رسول اللّه بالإمامة، و هم الذين قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لما

____________

(1)- الشورى: 24- 25.

(2)- تفسير القمّي: 2/ 275 سورة الشورى.

(3)- ملحق المودّة.

(4)- الشورى: 41.

(5)- الشورى: 42.

(6)- تفسير القميّ: 2/ 278 سورة الشورى.

(7)- الشورى: 45.

(8)- تأويل الآيات: 535 سورة حمعسق.

(9)- الزخرف: 28.

89

اسري بي إلى السماء وجدت أسماءهم مكتوبة على ساق العرش بالنور اثني عشر اسما، منهم علي و سبطاه و علي و محمد و جعفر و موسى و علي و محمد و علي و الحسن و الحجّة القائم (عليه السّلام)، فهذه الأئمّة من أهل بيت الصفوة و الطهارة، و اللّه ما يدّعيه أحد غيرنا إلّا حشره اللّه تعالى مع إبليس و جنوده، ثمّ تنفّس (عليه السّلام) و قال: لا رعى حقّ هذه الامّة فإنّها لم ترع حقّ نبيّها، و اللّه لو تركوا الحقّ على أهله لما اختلف في اللّه اثنان، ثمّ أنشأ يقول:

إنّ اليهود لحبّهم لنبيّهم‏* * * أمنوا بوائق حادث الأزمان‏

و ذوو الصليب بحبّ عيسى أصبحوا* * * يمشون صحوا في قرى نجران‏

و المؤمنون بحبّ آل محمّد* * * يرمون في الآفاق بالنيران‏

قلت: يا سيّدي أ ليس هذا الأمر لكم؟ قال: نعم. قلت: فلم قعدتم عن حقّكم و دعواكم و قد قال اللّه تبارك و تعالى‏ وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ‏ (1) فما بال أمير المؤمنين قعد عن حقّه؟ قال: فقال: حيث لم يجد ناصرا، أ لم تسمع اللّه يقول في قصّة لوط قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى‏ رُكْنٍ شَدِيدٍ (2) و يقول حكاية عن نوح (عليه السّلام)فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (3) و يقول في قصّة موسى (عليه السّلام)إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ‏ (4) فإذا كان النبي هكذا فالوصي أعذر، يا جابر مثل الإمام مثل الكعبة تؤتى و لا تأتي‏ (5).

و عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام): فينا نزلت هذه الآية وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ‏ فالإمامة في عقب الحسين إلى يوم القيامة، و إنّ للغائب منّا غيبتين؛ إحداهما أطول من الاخرى: أمّا الاولى فستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ست سنين، و أمّا الاخرى فيطول أمدها حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلّا من قوى يقينه و صحّت معرفته و لم يجد في نفسه حرجا ممّا قضينا و سلم لنا أهل البيت‏ (6).

الآية الثالثة و التسعون: قوله تعالى‏ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا

____________

(1)- الحج: 78.

(2)- هود: 80.

(3)- القمر: 10.

(4)- المائدة: 25.

(5)- كفاية الأثر: 197 باب ما جاء عن فاطمة.

(6)- كمال الدين: 323 ح 8 باب 31.

90

يَشْعُرُونَ‏ (1) عن أبي جعفر (عليه السّلام): هي ساعة القائم تأتيهم بغتة (2).

الآية الرابعة و التسعون: قوله تعالى‏ حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ (3) عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السّلام): الليلة المباركة ليلة القدر و أنزل اللّه القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في طول عشرين سنة فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ‏ يعني في ليلة القدر كلّ أمر حكيم، أي يقدر اللّه كلّ أمر من الحقّ و الباطل، و ما يكون في تلك السنة، و له فيها البداء و المشيئة، يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء من الآجال و الأرزاق و البلايا و الأمراض، و يزيد فيها ما يشاء و ينقص ما يشاء، و يلقيه رسول اللّه إلى أمير المؤمنين و يلقيه أمير المؤمنين إلى الأئمّة حتّى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان، و يشترط له ما فيه البداء و المشيئة و التقديم و التأخير (4).

الآية الخامسة و التسعون: قوله تعالى‏ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ‏ (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الأيّام المرجوّة ثلاثة: يوم قيام القائم و يوم الكرّة و يوم القيامة، كما ذكر في ذيل آية وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ (6) في سورة إبراهيم.

الآية في سورة الأحقاف‏ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ‏ (7) عن الكراجكي عن الصادق (عليه السّلام) في قوله تعالى‏ وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ‏ يا محمّد من تكذيبهم إيّاك، فأنا منتقم منهم برجل منك و هو قائمي الذي سلّطته على دماء الظلمة (8).

الآية السادسة و التسعون: قوله تعالى‏ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ‏ (9) عن مفضّل بن عمر: سألت سيّدي أبا عبد اللّه الصادق (عليه السّلام): هل للمأمول المنتظر المهدي وقت موقّت تعلمه الناس؟ فقال: حاش للّه أن يوقّت له وقتا. قال: قلت: مولاي و لم ذلك؟ قال: لأنّه الساعة التي قال اللّه تعالى‏ يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي‏

____________

(1)- الزخرف: 66.

(2)- تأويل الآيات: 552 سورة الزخرف.

(3)- الدخان: 2.

(4)- تفسير القمّي: 2/ 290 سورة الدخان.

(5)- الجاثية: 14.

(6)- إبراهيم: 5.

(7)- الاحقاف: 35.

(8)- تأويل الآيات: 492 سورة ص.

(9)- محمد: 18.

91

السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏ (1) و قوله‏ وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ و لم يقل: عند أحد دونه، و قوله‏ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ‏ و قوله‏ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (2) و قوله‏ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) قلت: يا مولاي ما معنى يمارون؟ قال: يقولون: متى ولد؟ و من رآه؟ و أين هو؟ و متى يظهر؟ كلّ ذلك استعجالا لأمره و شكّا في قضائه و قدرته، أولئك الذين خسروا أنفسهم في الدنيا و الآخرة و إنّ للكافرين لشرّ مآب. قال المفضّل: يا مولاي فلا يوقّت له وقت؟.

قال (عليه السّلام): يا مفضّل لا توقّت فإنّه من وقّت لمهديّنا وقتا فقد شارك اللّه في عمله و ادّعى أنّه أظهره على علمه و سرّه‏ (4).

الآية السابعة و التسعون: قوله تعالى‏ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) لرجل قال له: أصلحك اللّه أ لم يكن علي قويّا في دين اللّه؟ قال: بلى. قال:

فكيف ظهر عليه القوم؟ و كيف لم يدفعهم؟ و ما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ منعته. قال: و أيّ آية؟ قال: قوله‏ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً إنّه كان للّه عزّ و جلّ ودائع مؤمنين، في أصلاب قوم كافرين و منافقين، فلم يكن علي ليقتل الآباء حتّى تخرج الودائع، فلمّا خرج الودائع ظهر علي على من ظهر و قاتله، و كذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتّى تظهر ودائع اللّه عزّ و جلّ، فإذا ظهرت ظهر على من ظهر فقتله‏ (6).

الآية الثامنة و التسعون: قوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏ (7) عن الصادق (عليه السّلام): هو الإمام الذي يظهره على الدين كلّه، فيملا الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و هذا من الذي تأويله بعد تنزيله‏ (8).

____________

(1)- الأعراف: 187.

(2)- القمر: 1.

(3)- الشورى: 17- 18.

(4)- الصراط المستقيم: 2/ 257 فصل علامات القائم (عليه السّلام).

(5)- الفتح: 25.

(6)- علل الشرائع: 147 ح 3 باب 122.

(7)- التوبة: 33.

(8)- تفسير القمي: 2/ 317 سورة الفتح.

92

الآية التاسعة و التسعون: قوله تعالى‏ وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ (1) عن الصادق (عليه السّلام): ينادي المنادي باسم القائم و اسم أبيه. قوله‏ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ قال: صيحة القائم من السماء، و ذلك يوم الخروج‏ (2).

الآية المائة: قوله تعالى‏ وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ‏ (3) عن ابن عبّاس: هو خروج المهدي‏ (4).

الآية الحادية و المائة: قوله تعالى‏ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ‏ (5) عن علي بن الحسين (عليهما السّلام) قوله: إِنَّهُ لَحَقٌ‏ قيام القائم (عليه السّلام)، و فيه نزلت‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (6) (7).

الآية الثانية و مائة: قوله تعالى‏ وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (8) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: الليلة التي يقوم فيها قائم آل محمد ينزل رسول اللّه و أمير المؤمنين و جبرئيل على حراء فيقول له جبرئيل أجب فيخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رقّا من حجزة إزاره فيدفعه إلى علي فيقول له: اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم. هذا عهد من اللّه و من رسوله و من علي بن أبي طالب لفلان بن فلان باسمه و اسم أبيه، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ في كتابه‏ وَ الطُّورِ وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ و هو الكتاب الذي كتبه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و الرقّ المنشور الذي أخرجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حجزة إزاره. قلت: و البيت المعمور أ هو رسول اللّه؟ قال: نعم المملي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الكاتب علي (عليه السّلام)(9).

الآية الثالثة و مائة: قوله تعالى‏ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (10) قد مرّ الحديث في ذلك من سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1)- ق: 41- 42.

(2)- تفسير القمي: 2/ 327 سورة ق.

(3)- الذاريات: 22.

(4)- غيبة الطوسي: 175 الكلام على الواقفة.

(5)- الذاريات: 23.

(6)- النور: 55.

(7)- غيبة النعماني: 269 ح 40 باب ما جاء في العلامات.

(8)- الطور: 1- 3.

(9)- البرهان: 4/ 232.

(10)- القمر: 1.

93

الآية الرابعة و مائة: قوله تعالى‏ وَ إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (1) قد مرّ الحديث في ذلك من سورة الشعراء، في ذيل آية إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ‏.

الآية الخامسة و مائة: قوله تعالى‏ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ‏ (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اللّه يعرفهم، و لكن هذه انزلت في القائم و هو يعرفهم بسيماهم فيخبطهم [بالسيف‏] هو و أصحابه خبطا (3).

و عن معاوية الدهني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه تعالى‏ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ‏ فقال (عليه السّلام): يا معاوية ما يقولون في هذا؟ قلت: يزعمون أنّ اللّه تبارك و تعالى يعرف المجرمين بسيماهم في القيامة، فيأمر بهم، فيؤخذ بنواصيهم و أقدامهم فيلقون في النار. فقال لي: و كيف يحتاج تبارك و تعالى إلى معرفة خلق أنشأهم و هو خلقهم؟

فقلت: جعلت فداك و ما ذلك؟ قال: ذلك لو قام قائمنا أعطاه السيماء فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم و أقدامهم ثمّ يخبط بالسيف خبطا، و قرأ أبو عبد اللّه (عليه السّلام): هذه جهنّم التي كنتما بها تكذبان تصليانها و لا تموتان فيها و لا تحييان‏ (4).

الآية السادسة و مائة: قوله تعالى‏ وَ لا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ‏ (5) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): نزلت هذه الآية في أهل زمان الغيبة و أيّامها دون غيرهم، و الأمد أمد الغيبة (6).

الآية السابعة و مائة: قوله تعالى‏ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (7) عن أبي جعفر: يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بكفر أهلها، و الكافر ميّت فيحييها اللّه بالقائم (عليه السّلام) فيعدل فيها فيحيي الأرض و يحيي أهلها بعد موتهم‏ (8).

و عن ابن عبّاس‏ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يعني: يصلح اللّه الأرض بقائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بعد موتها، يعني من بعد جور أهل مملكتها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ‏ بقائم آل محمّد لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ و جلّ‏ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ

____________

(1)- القمر: 2.

(2)- الرّحمن: 41.

(3)- غيبة النعماني: 242 ح 39 باب 13 و ما بين معكوفين زيادة من المصدر.

(4)- البرهان: 4/ 268.

(5)- الحديد: 16.

(6)- غيبة النعماني: 24.

(7)- الحديد: 17.

(8)- تأويل الآيات: 638 سورة الحديد.

94

مَوْتِها قال: ليس يحييها بالقطر و لكن يبعث اللّه عزّ و جلّ رجالا فيحيون العدل فتحيى الأرض لإحياء العدل، و لإقامة العدل فيها أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا (1).

الآية الثامنة و مائة: قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (2) عن علي (عليه السّلام): العجب كلّ العجب بين جمادى و رجب، فقام رجل و قال: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تتعجّب منه؟ فقال (عليه السّلام): ثكلتك أمّك و أي العجب أعجب من أموات يضربون كلّ عدوّ للّه و لرسوله و لأهل بيته و ذلك تأويل هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلى‏ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ فإذا اشتدّ القتل قلتم: مات و هلك و أي واد سلك؟ و ذلك تأويل هذه الآية ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (3) (4).

الآية التاسعة و مائة: قوله تعالى‏ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏ (5) عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي قال: سألته عن الآية قال:

يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم. قلت: وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ‏. قال: و اللّه متمّ الإمامة لقوله عزّ و جلّ‏ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا (6) فالنور هو الإمام، قلت:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِ‏ قال: هو أمر رسوله محمّد بالولاية لوصيّه، و الولاية هي دين الحقّ. قلت: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏ قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم. قال: يقول اللّه‏ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ‏ بولاية القائم‏ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏ بولاية علي.

قلت: هذا تنزيل. قال: نعم، أمّا هذا الحرف فتنزيل، أمّا غيره فتأويل‏ (7).

الآية العاشرة و مائة: قوله تعالى‏ وَ أُخْرى‏ تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ‏ (8) في تفسير الإمام يعني في الدنيا بفتح القائم (عليه السّلام)(9).

الآية الحادية عشرة و مائة: قوله تعالى‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (10) عن أبي بصير سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الآية فقال:

____________

(1)- تأويل الآيات: 638.

(2)- الممتحنة: 13.

(3)- الإسراء: 6.

(4)- تأويل الآيات: 659 سورة الممتحنة.

(5)- الصف: 8.

(6)- التغابن: 8.

(7)- عيون أخبار الرضا (عليه السّلام): 214 دلالة أخرى.

(8)- الصف: 13.

(9)- مجمع البيان: 7/ 520.

(10)- التوبة: 33.

95

و اللّه ما نزل تأويلها. قلت: جعلت فداك و متى ينزل تأويلها؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء اللّه، فإذا خرج القائم لم يبق كافر و مشرك إلّا كره خروجه، حتّى لو أن كافرا أو مشركا في بطن صخرة لقالت الصخرة: يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك فاقتله فيجيئه فيقتله‏ (1).

الآية الثانية عشرة و مائة: قوله تعالى‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (2) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السّلام) قال: سألته عن هذه الآية، فقال:

إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فما ذا تصنعون؟ (3).

و عن عمّار بن ياسر قال: كنت مع رسول اللّه في بعض غزواته، و قتل علي أصحاب الألوية و فرّق جمعهم و قتل جمعا، أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقلت له: يا رسول اللّه إنّ عليّا قد جاهد في اللّه حقّ جهاده. فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لأنّه منّي و أنا منه و إنّه وارث علمي و قاضي ديني و منجز و عدي و الخليفة من بعدي، و لولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي، حربه حربي و حربي حرب اللّه و سلمه سلمي و سلمي سلم اللّه، ألا إنّه أبو سبطيّ و الأئمّة، من صلبه يخرج اللّه تعالى الأئمّة الراشدين و منهم مهدي هذه الامّة. فقلت: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه من هذا المهدي؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله): يا عمّار إنّ اللّه تبارك و تعالى عهد إليّ أنّه يخرج من صلب الحسين أئمّة تسعة و التاسع من ولده يغيب عنهم و ذلك قوله عزّ و جلّ‏ قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏، يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم و يثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، و هو سميّي و أشبه الناس بي.

يا عمّار سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا و اصحبه فإنّه مع الحقّ و الحقّ معه، يا عمّار إنّك ستقاتل بعدي مع علي صنفين: الناكثين و القاسطين ثمّ تقتلك الفئة الباغية، قال: يا رسول اللّه أ ليس ذلك على رضا اللّه و رضاك؟ قال: نعم على رضا اللّه و رضاي، و يكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه، فلمّا كان يوم صفّين خرج عمّار بن ياسر إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له: يا أخار رسول اللّه أ تأذن لي في القتال؟ فقال: مهلا رحمك اللّه، فلمّا كان‏

____________

(1)- حلية الأبرار: 2/ 648.

(2)- الملك: 30.

(3)- كمال الدين: 360 ح 3 باب ذكر كلام هشام.

96

بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله، فأعاد عليه ثالثا فبكى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فنظر إليه عمّار فقال: يا أمير المؤمنين إنّه اليوم الذي وصفه لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فنزل علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن بغلته و عانق عمّارا و ودّعه ثمّ قال: يا أبا اليقظان جزاك اللّه عن نبيّك و عنّي خيرا، فنعم الأخ كنت و نعم الصاحب كنت ثمّ بكى (عليه السّلام) و بكى عمّار ثمّ قال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلّا ببصيرة فإنّي سمعت رسول اللّه يقول يوم خيبر: يا عمّار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا و حزبه فإنّه مع الحقّ و الحقّ معه، و ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين، فجزاك اللّه يا أمير المؤمنين عن الإسلام أفضل الجزاء فلقد أديت و أبلغت و نصحت، ثمّ ركب و ركب أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثمّ برز إلى القتال ثمّ دعا بشرية من ماء، فقيل: ما معنا ماء، فقام إليه رجل من الأنصار و سقاه شربة من لبن فشربه فقال: هكذا عهد إليّ رسول اللّه أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، ثمّ حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفسا فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعناه و قتل (رحمه اللّه)، فلمّا كان في الليل طاف أمير المؤمنين (عليه السّلام) في القتلى فوجد عمّارا ملقى بين القتلى فجعل رأسه على فخذه ثمّ بكى عليه و أنشأ يقول:

ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي‏* * * أرحني فقد أفنيت كلّ خليل‏

أيا موت كم هذا التفرّق عنوة* * * فلست تبقّي خلّة لخليل‏

أراك بصيرا بالذين أحبّهم‏* * * كأنّك تمضي نحوهم بدليل‏ (1)

الآية الثالثة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ (2) في تفسير الإمام (عليه السّلام): إذا تتلى عليه قال كنّى عن الثاني، أساطير الأوّلين أي أكاذيب الأوّلين‏ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ‏ (3) قال: في الرجعة إذا رجع‏ (4). و في الدمعة عن تأويل الآيات‏ إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ يعني تكذيبه بقائم آل محمّد؛ إذ يقول له لسنا نعرفك و لست من ولد فاطمة، كما قال المشركون لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(5).

الآية الرابعة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ‏

____________

(1)- كفاية الأثر: 120 باب ما جاء عن عمّار بن ياسر.

(2)- القلم: 15.

(3)- القلم: 16.

(4)- تفسير القمّي: 2/ 381 سورة القلم.

(5)- تأويل الآيات: 2/ 748 سورة المطففين.

97

اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ‏ (1) سئل أبو جعفر (عليه السّلام) عن معنى هذا، قال: نار تخرج من المغرب و ملك يسوقها من خلفها حتّى تأتي دار سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع دارا لبني امية إلّا أحرقتها و أهلها، و لا تدع دارا فيها وتر لآل محمّد إلّا أحرقتها و ذلك المهدي‏ (2).

الآية الخامسة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ وَ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ‏ (3) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بخروج القائم‏ (4).

الآية السادسة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ‏ (5) عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني يوم خروج القائم‏ (6).

الآية السابعة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً (7) عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني بذلك القائم و أنصاره. و عن الصادق (عليه السّلام)إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏ قال: القائم و أمير المؤمنين في الرجعة فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً قال: هو قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) لزفر: و اللّه يا ابن صهاك لو لا عهد من رسول اللّه و عهد من اللّه سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا، قال: فلمّا أخبرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما يكون من الرجعة، قالوا: متى يكون هذا؟ قال: قل يا محمّد إن أدري أ قريب ما توعدون أم يجعل له ربّي أمدا (8).

الآية الثامنة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (9) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) [و قد سئل‏] عن هذه الآية قال: إنّ منّا إماما مظفرا مستترا، فإذا أراد اللّه عزّ و جلّ اظهار أمره نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمر اللّه‏ (10).

الآية التاسعة عشرة و مائة: قوله تعالى‏ ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً الآية عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني بهذه الآية إبليس اللعين، خلقه وحيدا من غير أب و لا أمّ، و قوله‏ وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً يعني هذه الدولة إلى يوم الوقت المعلوم يوم يقوم القائم‏ وَ بَنِينَ شُهُوداً

____________

(1)- المعارج: 1- 3.

(2)- تفسير القمي: 2/ 385 سورة المعارج.

(3)- غافر: 27.

(4)- الكافي: 8/ 287.

(5)- المعارج: 44.

(6)- تأويل الآيات: 21/ 726 و تفسير البرهان: 4/ 386 ح 1.

(7)- الجن: 34.

(8)- تفسير القمّي: 2/ 391 سورة الجنّ.

(9)- المدّثر: 8.

(10)- غيبة الطوسي: 164 الكلام عن الواقفة.

98

وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (1) يقول: معاندا للأئمّة يدعو إلى غير سبيلها و يصدّ الناس عنها و هي آيات اللّه‏ (2).

الآية العشرون و مائة: قوله تعالى‏ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله‏ ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً قال: الوحيد ولد الزنا و هو زفر وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً قال: أجل ممدود إلى مدّة وَ بَنِينَ شُهُوداً قال: أصحابه الذين شهدوا أنّ رسول اللّه لا يورث‏ وَ مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ملكه الذي ملكته مهّدته له‏ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً قال: لولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) جاحدا معاندا لرسول اللّه‏ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ فيما أمر به من الولاية، و قدر أي مضى رسول اللّه لا يسلم لأمير المؤمنين البيعة الذي بايعه بها على عهد رسول اللّه‏ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ قال:

عذاب بعد عذاب يعذّبه القائم، ثُمَّ نَظَرَ إلى رسول اللّه و أمير المؤمنين ف عَبَسَ وَ بَسَرَ ممّا أمر به‏ ثُمَّ أَدْبَرَ وَ اسْتَكْبَرَ و قال: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ.

قال: إنّ زفر قال: إنّ رسول اللّه سحر الناس لعلي‏ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ أي ليس بوحي من اللّه عزّ و جلّ‏ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ إلى آخر الآية، فيه نزلت‏ (4).

الآية الحادية و العشرون و مائة: وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (5) المراد بالصبح القائم‏ (6). قوله تعالى‏ وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً (7) لأهل المشرق و المغرب، و الملائكة هم الذين يملكون علم آل محمّد. قوله‏ وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا قال: يعني المرجئة. و قوله‏ لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏ قال: هم الشيعة و هم أهل الكتاب و هم الذين اوتوا الكتاب و الحكم و النبوّة. و قوله تعالى‏ وَ يَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ‏ أي لا يشكّ الشيعة في أمر القائم‏ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ‏ يعني بذلك الشيعة و ضعفاءها و الكافرين‏ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا فقال اللّه عزّ و جلّ لهم: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ فالمؤمن يسلّم و الكافر يشكّ.

____________

(1)- المدّثر: 11- 16.

(2)- تأويل الآيات: 709 سورة المدّثر.

(3)- المدّثر: 20.

(4)- تفسير القمّي: 703 ط. القديمة و تأويل الآيات: 2/ 733.

(5)- المدّثر: 34.

(6)- لم أجده في المصادر.

(7)- المدثر: 31.

99

و قوله تعالى‏ وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ فجنود ربّك هم الشيعة و هم شهداء اللّه في الأرض. و قوله‏ وَ ما هِيَ إِلَّا ذِكْرى‏ لِلْبَشَرِ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ عنه، و قوله‏ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ‏ قال: هم أطفال المؤمنين، قال اللّه تبارك و تعالى‏ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‏ قال: إنّه بالميثاق. و قوله‏ وَ كُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ‏ قال: بيوم الدين خروج القائم و قولهم‏ فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ‏.

قال: بالتذكرة ولاية أمير المؤمنين‏ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ قال: كأنّهم حمر وحش فرّت من قسورة أي الأسد حين رأته و كذلك المرجئة إذا سمعت بفضل آل محمّد تعرّف عن الحقّ، ثمّ قال اللّه تعالى‏ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى‏ صُحُفاً مُنَشَّرَةً قال: يريد كلّ رجل من المخالفين أن ينزّل عليهم كتابا من السماء ثمّ قال اللّه تعالى‏ كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ قال: هي دولة القائم، ثمّ قال تعالى بعد أن عرفهم [أنّ‏] التذكرة هي الولاية كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَ ما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فالتقوى هي النبي و المغفرة علي أمير المؤمنين (عليه السّلام)(1).

الآية الثانية و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏ (2) عن أبي جعفر (عليه السّلام): الخنّس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع عن عمله عند الناس سنة ستّين و مائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الثاقب في ظلمة الليل، فإن أدركت ذلك قرّت عيناك‏ (3).

الآية الثالثة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏ (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها فقلت له: و لم ذلك يا بن رسول اللّه؟ قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ أبي أن لا يجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم، و إنّه لا بدّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم، قال اللّه عزّ و جلّ‏ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ‏ أي على سنن من كان قبلكم‏ (5).

الآية الرابعة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ‏ (6) عن الأصبغ عن ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ذكر اللّه عزّ و جلّ عبادة و ذكري عبادة و ذكر على عبادة و ذكر الأئمّة

____________

(1)- بطوله في تأويل الآيات: 2/ 735- 736 سورة المدّثر.

(2)- التكوير: 16.

(3)- اصول الكافي: 1/ 341 ح 23.

(4)- الانشقاق: 19.

(5)- علل الشرائع: 1/ 245 ح 7.

(6)- البروج: 1.

100

من ولده عبادة، و الذي بعثني بالنبوّة و جعلني خير البرية إن وصيّي لأفضل الأوصياء، و إنّه لحجّة اللّه على عباده و خليفته على خلقه، و من ولده الأئمّة الهداة، بهم يحبس اللّه العذاب عن أهل الأرض، و بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، و بهم يمسك الجبال أن تميد بهم، و بهم يسقي خلقه الغيث، و بهم يخرج النبات، اولئك أولياء اللّه حقّا و خلفاؤه صدقا، و عدّتهم عدّة الشهور و هي اثنا عشر شهرا، و عدّتهم عدّة نقباء موسى بن عمران ثمّ تلا هذه الآية وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ‏ ثمّ قال: أ تقدّر يا ابن عبّاس أنّ اللّه يقسم بالسماء ذات البروج يعني به السماء و بروجها! قلت: يا رسول اللّه فما ذاك؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): فأمّا السماء فأنا، و أمّا البروج فالأئمّة بعدي أوّلهم علي و آخرهم المهدي‏ (1).

الآية الخامسة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (2) عن أبي بصير في قوله‏ فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ (3) قال: ما قوّة يقوى بها على خالقه، و لا ناصر من اللّه ينصره إن أراد به سوءا. قلت: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً (4)؟ قال: كادوا رسول اللّه و كادوا عليا و كادوا فاطمة فقال: يا فاطمة إنّهم يكيدون كيدا و أكيد كيدا فمهّل الكافرين يا محمّد أمهلهم رويدا، الوقت بعد بعث القائم فينتقم من الجبابرة و الطواغيت من قريش و بني امية و سائر الناس‏ (5).

الآية السادسة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً (6) عن سهل بن محمّد عن أبيه عن أبي عبد اللّه قال: قلت:

أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ قال: يغشاهم القائم بالسيف قال: قلت‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ لا تطيق الامتناع. قال: قلت: عامِلَةٌ قال: عملت بغير ما أنزل اللّه، قال: قلت: ناصِبَةٌ قال:

نصبت غير ولاة الأمر، قال: قلت: تَصْلى‏ ناراً حامِيَةً قال: تصلى نار الحرب في الدنيا على عهد القائم، و في الآخرة نار جهنّم‏ (7).

الآية السابعة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ وَ اللَّيْلِ إِذا

____________

(1)- الاختصاص: 224 حديث في الدعاء و أوقاته- بتفاوت- و إثبات الهداة: 1/ 635 ح 747.

(2)- الطارق: 17.

(3)- الطارق: 10.

(4)- الطارق: 15.

(5)- تفسير القمي: 2/ 416.

(6)- الغاشية: 4.

(7)- الكافي: 8/ 50 ح 13.

101

يَسْرِ (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قوله عزّ و جلّ‏ وَ الْفَجْرِ الفجر هو القائم و الليالي العشر الأئمّة من الحسن إلى الحسن‏ وَ الشَّفْعِ‏ أمير المؤمنين و فاطمة وَ الْوَتْرِ هو اللّه وحده لا شريك له‏ وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ هي دولة جبت فهي تسري إلى دولة القائم‏ (2).

الآية الثامنة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (3) عن سليمان الديلمي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألت عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها.

قال: الشمس رسول اللّه أوضح للناس دينهم. قلت: وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها قال: ذاك أمير المؤمنين تلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها قال: ذلك الإمام من ذرية فاطمة نسل رسول اللّه فيجلي ظلام الجور و الظلم، فحكى اللّه سبحانه عنه و قال‏ النَّهارِ إِذا جَلَّاها يعني به القائم (عليه السّلام).

قلت: وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها قال: ذاك أئمّة الجور الذين استبدّوا بالامور دون آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و جلسوا مجلسا كان الرسول أولى به منهم، فغشوا دين اللّه بالجور و الظلم فحكى اللّه سبحانه فعلهم فقال‏ وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4).

عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها الشمس أمير المؤمنين (عليه السّلام) و ضحاها قيام القائم (عليه السّلام)؛ لأنّ اللّه سبحانه قال‏ وَ أَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى‏ (5) وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها الحسن و الحسين (عليهما السّلام)وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها هو قيام القائم (عليه السّلام)وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها الجبت و دولته قد غشا عليه الحقّ، و أمّا قوله‏ وَ السَّماءِ وَ ما بَناها قال: هو محمد هو السماء الذي يسيمون إليه الخلق في العلم، و قوله‏ وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها قال: الأرض الشيعة وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها قال: هو المؤمن المستوي على الخلق، و قوله‏ فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قال:

عرفت الحقّ من الباطل فذلك قوله‏ وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قد أفلحت نفس زكّاها اللّه‏ وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها و قوله‏ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها قال: ثمود رهط من الشيعة فإنّ اللّه تعالى يقول‏ وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ

____________

(1)- الفجر: 1.

(2)- تأويل الآيات بتفاوت: 2/ 793.

(3)- الشمس: 1- 4.

(4)- روضة الكافي: 8/ 50 ح 12.

(5)- طه: 59.

102

الْعَذابِ الْهُونِ‏ فهو السيف إذا قام القائم (عليه السّلام)، و قوله‏ فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَ سُقْياها قال: الإمام الناقة الذي فهم عن اللّه، و سقياها أي عنده منتقى العلم‏ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها قال: في الرجعة وَ لا يَخافُ عُقْباها قال: لا يخاف من مثلها إذا رجع‏ (1).

الآية التاسعة و العشرون و مائة: قوله تعالى‏ وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ (2) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏ قال: دولة إبليس لعنه اللّه إلى يوم القيامة و هو قيام القائم‏ وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ و هو القائم إذا قام، و قوله‏ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى‏ وَ اتَّقى‏ (3) أعطى نفسه الحقّ و اتّقى الباطل‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى‏ وَ أَمَّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنى‏ (4) يعني بنفسه عن الحقّ و استغنى بالباطل عن الحقّ، وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى‏ بولاية علي بن أبي طالب و الأئمّة من بعده‏ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى‏ يعني النار، و أمّا قوله‏ إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى‏ يعني إنّ عليّا هو الهدى‏ وَ إِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَ الْأُولى‏ فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى‏ قال: القائم (عليه السّلام) إذا قام بالغضب فيقتل من كلّ ألف تسعمائة و تسعة و تسعين‏ لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى‏ قال: هو عدوّ آل محمّد وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى‏ قال: ذاك أمير المؤمنين و شيعته‏ (5).

و عن أبي جعفر قال: الليل في هذا الموضع الثاني يغشى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في دولته التي جرت له عليه، و أمير المؤمنين (عليه السّلام) يصير في دولتهم حتّى تنقضي قال: وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ قال: النهار هو القائم (عليه السّلام) منّا أهل البيت إذا قام غلبت دولته الباطل، و القرآن ضرب فيه الأمثال و خاطب نبيّه و نحن، فليس يعلمه غيرنا (6).

الآية الثلاثون و مائة: قوله تعالى‏ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (7) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أبو محمد: قرأ علي بن أبي طالب (عليه السّلام)إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (8) و عنده الحسن و الحسين فقال الحسنان: يا أبتا كأن بها فيك من حلاوة، قال له: يا ابن رسول اللّه و ابني، اعلم‏

____________

(1)- إثبات الهداة: 3/ 566 ح 660 و البرهان: 4/ 467 ح 11.

(2)- الليل: 1- 2.

(3)- الليل: 5.

(4)- الليل: 8.

(5)- تأويل الآيات: 2/ 807 و إثبات الهداة: 3/ 566 ح 662.

(6)- وسائل الشيعة: 27/ 205 ح 33611 و فيه: و نحن نعلمه فليس.

(7)- القدر: 5.

(8)- القدر: 1.

103

أنّي أعلم فيها ما لم تعلم، إنّها لما أنزلت بعث إليّ جدّك رسول اللّه فقرأها عليّ فضرب على كتفي الأيمن و قال: يا أخي و وصيّي و وليّي على أمّتي و حرب أعدائي إلى يوم يبعثون، هذه السورة لك من بعدي و لولديك من بعدك، إنّ جبرئيل أخي من الملائكة أحدث إليّ أحداث أمّتي في سنتها و إنّه ليحدث ذلك إليك كأحداث النبوّة، و لها نور ساطع في قلبك و قلوب أوصيائك إلى مطلع فجر القائم. و سئل أبو عبد اللّه عن ما يفرق في ليلة القدر، هل هو ما يقدر سبحانه و تعالى فيها؟ قال: لا توصف قدرة اللّه تعالى سبحانه لأنّه يحدث ما يشاء، و أمّا قوله‏ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (1) يعني فاطمة، و قوله تعالى‏ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها (2) و الملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمّد، و الروح روح القدس و هي فاطمة مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ‏ يقول: كلّ أمر سلّمه حتّى مطلع الفجر يعني حتّى يقوم القائم (عليه السّلام)(3).

الآية الحادية و الثلاثون و مائة: قوله تعالى‏ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

دين القيمة إنما هو ذلك دين القائم (عليه السّلام)(5).

الآية الثانية و الثلاثون و مائة: قوله تعالى‏ وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (6) الآيات عن مفضّل: سألت الصادق (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ فقال: العصر عصر القائم (عليه السّلام)إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يعني أعداءنا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بآياتنا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ يعني بمواساة الإخوان‏ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِ‏ يعني بالإمامة وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني في الفترة (7).

الآية الثالثة و الثلاثون و مائة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ (8) من المواضع التي أوّل بزمان قيام القائم (عليه السّلام) كما عن كتاب تنزيل و تحريف لأحمد بن محمد السيار في آية إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ فتح قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(9).

____________

(1)- القدر: 3.

(2)- القدر: 4.

(3)- تفسير البرهان: 4/ 487 ح 24 و تأويل الآيات: 2/ 818.

(4)- البيّنة: 5.

(5)- المحجّة: 257، تأويل الآيات: 2/ 831.

(6)- العصر: 2.

(7)- كمال الدين: 656 في نوادر الكتاب ح 1.

(8)- النصر: 1.

(9)- لم أجده في المصادر بهذه الألفاظ، نعم ورد في تفسير الآية قول النبي: بنا فتح اللّه و بنا يختم» راجع‏

104

الفاكهة الاولى: قد ذكر ذيل آية النور تأويل قوله تعالى‏ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (1) إلى الحجّة، و لقد أجاد المحدّث الخوانساري في كتابه الموضوع للزبر و البيّنات المسمّى بمضي‏ء الأعيان قال: زبر هذه الآية يطابق الإمام الحميد محمد بن الحسن المهدي صاحب الزمان، و استخرج و طابق بيّناته: الحميد الزكي محمد بن الحسن المهدي الهادي و من جمع الزبر و البيّنات: الإمام الماحي و القائم الدائم ابن الحسن محمد المهدي صاحب العصر و الزمان، و استخرج من زبر كلمة الغيب في قوله تعالى‏ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (2) الإمام الجامع بالحقّ أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي الهادي و من بيّناته: حبيب و دود محمد مهدي هادي، و من جمعهما: الإمام بحق مولانا أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي الهادي صاحب الزمان ((عجّل اللّه فرجه) و سهّل مخرجه)(3).

الفاكهة الثانية: في حديث جم الفوائد كثير العوائد حسن السبك جعلتها فاكهة من فرع هذه الشجرة المباركة، و ذلك هو الحديث الوارد في تأويل سورة القدر و العصر في شأن اولي الأمر (عليه السّلام)، عن السيّد الثقة الجليل الفقيه السيّد نعمة اللّه الجزائري (رحمه اللّه) في بعض مؤلّفاته عن ابن عبّاس قال: لمّا صارت الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) و سيّد الوصيّين و قائد الغرّ المحجّلين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فلمّا كان في اليوم الثالث أقبل رجل في ثياب خضر و وقف على باب المسجد، و كان أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) جالسا في المسجد و الناس حوله يمينا و شمالا فقال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة و مهبط الحقّ. فقال له أمير المؤمنين: و عليك السلام يا بيهس بن صاف بن حاف بن لامو بن بيهس. فقال: يا خليفة اللّه في أرضه من أين عرفتني و عرفت اسمي؟ قال (عليه السّلام): من علم و تبيان، أ ليس مسكنك في الجبال و البراري؟ قال: بلى يا خليفة اللّه. قال: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت أنظر نورك فأستضي‏ء به. قال: كيف علمت أنّ لنا أنوارا؟ قال: يقول اللّه تعالى‏ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ ... (4) و أنتم مصابيح‏

____________

- ملاحم ابن طاوس: 84 باب 191.

(1)- النور: 35.

(2)- البقرة: 3.

(3)- مضي‏ء الأعيان: الورق 4 و الكتاب مخطوط فارسي.

(4)- النور: 35.

105

الدجى و مفاتيح الهدى و حبل اللّه المتين.

قال له: صدقت سل عمّا بدا لك؟ قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول اللّه تعالى‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) قال (عليه السّلام): نعم يا بيهس قد سألت عنه غيري؟ قال: لا كرامة لهم و هذا علم لا يعلمه إلّا نبي أو وصيّ.

قال (عليه السّلام): أمّا قوله تعالى‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فنور أنزل على الدنيا. قال: كيف انزل؟

قال (عليه السّلام): لمّا استوى الربّ على العرش أراد أن يستضي‏ء ضوء بنورنا و إنّ نورنا من نوره، فأمر اللّه النور أن ينطق فنطق حول العرش فعلمت الملائكة بذلك فخرّوا له سجّدا لحلاوة كلام نورنا، فلذلك سمّيت القدر فإنّها لنا و لمن يتولّانا، و ليس لغيرنا فيه نصيب فكان نورنا عند العرش ناميا صباحا، و الملائكة يسلّمون علينا، فلمّا أن خلق اللّه آدم رفع رأسه فنظر إلى نورنا فقال آدم: إلهي و سيّدي منذ كم نورهم تحت عرشك؟ فقال اللّه تبارك و تعالى: يا آدم من قبل أن خلقتك و خلقت السماوات و الأرض و الجبال و البحار و الجنّة و النار بأربعة و عشرين ألف عام و أنت في بعض أنوارهم، فلمّا أن هبط آدم (عليه السّلام) إلى الدنيا كانت الدنيا مظلمة، فقال آدم (عليه السّلام): بإذن ربّهم. أ تدري أي إذن كان؟ قال: لا. قال: أنزل اللّه تعالى إلى جبرائيل يا ربّ بحقّ محمّد و علي إلّا رددت عليّ النور الذي كان لي، فأهبطه اللّه تبارك و تعالى إلى الدنيا فكان آدم يستضي‏ء بنورنا، فلذلك سمّي ليلة القدر؛ فلمّا بقي آدم (عليه السّلام) في الدنيا و عاش فيها أربعمائة سنة أنزل اللّه عليه تابوتا من نور له اثنا عشر بابا، لكلّ باب وصي قائم يسير بسيرة الأنبياء.

قال: يا ربّ من هؤلاء؟ قال اللّه عزّ و جلّ: يا آدم أوّل الأنبياء أنت و الثاني نوح و الثالث إبراهيم و الرابع موسى و الخامس عيسى و السادس محمد خاتم الأنبياء. و أمّا الأوصياء أوّلهم شيث ابنك و الثاني سام بن نوح و الثالث إسماعيل بن إبراهيم و الرابع يوشع بن نون و الخامس شمعون الصفا و السادس علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و آخرهم القائم من ولد محمد الذي أظهر به ديني على الدين كلّه و لو كره المشركون. قال: فسلّم آدم التابوت إلى شيث و قبض آدم، فلذلك قال اللّه تعالى‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ ما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ و إنّ نورنا أنزله اللّه إلى الدنيا حتى يستضي‏ء بنورنا المؤمنون و يعمى‏

____________

(1)- القدر: 1.

106

الكافرون.

و أمّا قوله‏ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ فإنّه لمّا بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و معه تابوت من درّ أبيض له اثنا عشر بابا، فيه رقّ أبيض فيه أسامي الاثني عشر فعرضه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمره عن ربّه أنّ الحقّ لهم و هم أنوار. قال: و من هم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنا و أولادي الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و محمد بن الحسن صاحب الزمان (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، و بعدهم أتباعنا و شيعتنا المقرّون بولايتنا المنكرون لولاية أعدائنا.

و قوله‏ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ‏ من كلّ من في السماوات و من في الأرض علينا صباحا و مساء إلى يوم القيامة، هي نور ذرّيتي، تستضاء بنا الدنيا حتّى مطلع الفجر عنّا إلى يوم القيامة، و أوّل ما يسأل العبد في ذلك اليوم يسأل عن ولايتنا فإن كان منّا نجا و إلّا دحي في نار جهنّم.

قال: صدقت يا أمير المؤمنين أشهد أنّك وصي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) حقّا، فأخبرني عن نوركم ما هو؟

قال: نعم، نور لا يزول و لا ينقص و لا يطفأ فإذا كان ليلة القدر زيد فيه من نور عرش ربّ العالمين فيدخل في نورنا و نور شيعتنا و محبّينا.

قال: من شيعتك و محبّوك؟ قال (عليه السّلام): المؤمنون و المؤمنات من يتولّانا و لا يتولّى عدوّنا.

قال: يا أمير المؤمنين فبعد ذلك أين يذهب نوركم؟ قال (عليه السّلام): يرجع نورنا إلى السماء فإذا كان العام القابل و تأتي ليلة القدر ينزل نورنا إلى الدنيا فمن كان منّا نظر إلى نورنا و من لم يكن منّا لم ير نورنا و لم يدر. قال: يا أمير المؤمنين ففي أي ليلة نلتمس أنواركم؟ قال: في الليلة الثالثة و العشرين من شهر رمضان أو سبعة و عشرين و هي أكرم ليلة على اللّه و أشرفها. قال: يا مولاي أخبرني عن أرواح محبّيكم؟ قال (عليه السّلام): أرواح محبّينا إذا أخذوا مضاجعهم تخرج أرواحهم من أبدانهم فيؤتى بها إلى العرش ثمّ ترجع إلينا لا تختلط بأرواح الآخرين، فلذلك يقع حبّنا في قلوبهم، لا يختلط معه حبّ غيرنا.

قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى‏ فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ‏ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ‏ (1) قال: نعم، قوم زعموا أنّهم مؤمنون و ليسوا مؤمنين. قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى‏ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي‏

____________

(1)- الكهف: 6.

107

النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (1) قال: نعم، التيمي و العدوي و الأموي الذين لم يصدّقوا رسول اللّه و اتّهموه. فقال: إنّ لدنيا أنكالا و جحيما و طعاما ذا غصّة و عذابا أليما. قال: أخبرني عن قومك؟ قال: نعم قومي الخيّرون الفاضلون غدا في عرض ربّي يكسون إذا كسيت و يحيون اذا حييت. قال: فكيف يقومون؟ قال: بيض الوجوه خضر الثياب بين أيديهم النور حتّى ينتهوا إلى باب الجنّة. قال: فأخبرني عن المنكرين لحقّك؟ قال: يقومون حفاة عراة منكسين الرءوس، بين أيديهم السرادق من الظلم حتّى ينتهوا إلى باب جهنّم. و إنّ اللّه تعالى آلى على نفسه في ليلة القدر أن يقضي لنا حوائج الدنيا و الآخرة.

و ليلة القدر ليلة عظيمة شريفة شرّفها اللّه تعالى في محكم كتابه المنزل على لسان نبيّه الصادق فقال‏ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ‏ (2) فمن اهتدى إلينا و شايعنا كانوا هم السعداء و من لم يهتد إلينا كانوا هم الأشقياء الذين لا خلاق لهم في الآخرة و لا يكلّمهم اللّه و لا ينظر إليهم يوم القيامة و لا يزكّيهم و لهم عذاب أليم. قال: بما ذا يكلّم العباد؟ قال: يسألون عن ولايتنا فمن تولّانا دخل الجنّة و من لم يتولّنا فأولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا و الآخرة و ما لهم من ناصرين.

قال: أخبرني عن سراج أهل الجنّة؟ قال: سراج أهل الجنّة نورنا، بنا يبصرون و بنا يعرفون و بنا يجوزون على الصراط و بنا يدخلون الجنّة. قال: فما يصنع بمذنبيهم؟ قال (عليه السّلام): لو أنّ لأحد من شيعتي من الذنوب مثل الجبال الرواسي و زبد البحر و عدد الحصى و الرمل ليغفر له تلك الذنوب كلّها، و لو أنّ لأهل البدع و الأهواء من الحسنات بقدر ورق الأشجار و قطر الأمطار و لم يتولّنا لم تنفعه حسناته شيئا. قال: فأخبرني عن فاطمة بنت محمّد؟ قال (عليه السّلام):

حورية في صورة إنسية خلقت من النور. قال: فالحسن و الحسين؟ قال (عليه السّلام): نوران مضيئان و سراجان ظاهران، لا يطفأ نورهما و لا ينقض علمهما و لا تفنى خزائنهما. قال: من العلم أم من النور؟ قال: من النور و من العلم.

قال: أخبرني عن قوله تعالى‏ فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً (3) قال (عليه السّلام): نعم نزوله من السماء على الخلق، عنى بذلك المهدي (عليه السّلام). قال: أخبرني عن قول‏

____________

(1)- المزمل: 11.

(2)- البقرة: 185.

(3)- القمر: 11.

108

اللّه تعالى‏ وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ (1) فبكى بكاء شديدا و قال (عليه السّلام): قد سألتني عن أمر عظيم سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّه قال لجبرئيل: أخبرني عن بئر معطّلة و قصر مشيد؟ قال:

لا علم لي بذلك حتّى أرجع إلى ربّي. قال: فرجع جبرائيل قال: أمّا البئر المعطّلة فعلي بن أبي طالب و في أمّتك قوم يعطّلون ذكرهم يرجون رحمتي يوم القيامة، لا تنالهم رحمتي، هم أشرّ الناس و أبغضهم إليّ، فو عزّتي و جلالي لاذيقنّهم ماء الحميم، لا يموت عبد و في قلبه من بغض علي إلّا أكبّه اللّه على منخريه في النار.

قال (صلّى اللّه عليه و آله): يا جبرئيل و ما القصر المشيد؟ قال: أنت يا محمّد أكرمك اللّه بكرامته و اختصك برسالته و علا ذكرك مع ذكره، فما يذكر اسم اللّه إلّا و تذكر معه، و أنت يوم القيامة أقرب منزلة إلى اللّه تعالى و أمّتك أكرم الامم على اللّه تعالى فطوبى لك يا محمّد.

قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى‏ وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) فبكى بكاء شديدا و قال: كم تسألني و لو سألتني عمّا في التوراة و الإنجيل و الكتب التي أنزل اللّه على الأنبياء لأجبتك عن ذلك، لا يذهب عليّ حرف منها بقدرة اللّه تعالى. قال: صدقت يا أمير المؤمنين و لكنّي رسول الجنّ إليك و نحن ممّن آمنوا بمحمّد و صدّقوه و عرفوا أنّك وصيّه و لا بدّ لي من أن أسألك، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): أما العصر فمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ فأهل الشام الذين خسروا إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ هم محبّونا و أهل ولايتنا وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ ولداي.

قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى‏ وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى‏ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (3) قال (عليه السّلام): أمره بأن يذكّر المؤمنين أمرنا حتّى ينتفعوا بذلك، و إذا ذكرونا لا يفترقون حتّى تنزل عليهم ملائكة من السماء فيقومون على رءوسهم و يسمعون كلامهم و يباركون عليهم و يقولون: طوبى لأقوام ذكروا هؤلاء القوم، فإذا صعدوا قالت الملائكة بعضهم لبعض: كنّا عند قوم ازداد نورنا من نور كلامهم، فتقول الملائكة: طوبى لهم و لمحبّيهم و طوبى لمن يسلم عليهم، فهذا الذكرى.

قال: أخبرني عن اسمك لم سمّيت عليّا؟ قال: لأنّ اللّه الأعلى قد أعلى أمري. قال:

أخبرني ما يكون بعدك؟ قال: جور و قهر و ظلم و زور و باطل. (4) قال علي (عليه السّلام): من قال على‏

____________

(1)- الحجّ: 45.

(2)- العصر: 1- 2.

(3)- الذاريات: 55.

(4)- ثمت سقط في الكلام لم نهتد إليه.

109

أولادي و ذريتي و أهل بيتي و محبيّ. قال: و كيف يفعلون ذلك يا ابن عمّ محمّد و يعاندوكم أ ليس هم من أمّة محمّد؟ قال علي (عليه السّلام): بلى و لكنّهم أشدّ خلق اللّه لنا بغضا لأنّهم لا يرون حبّنا و يرون حبّ غيرنا فريضة، و إنّ اللّه تعالى فرض حبّنا على كلّ مؤمن باللّه و نبيّه، قال اللّه عزّ و جلّ لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله): فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (1) فنحن الذين عرّفنا في الكتب السالفة و معرفتنا في التوراة و الإنجيل و الفرقان، قد سألتك يا بيهس: أ ليس تعلم أن الجنّ تعرفنا و تعرف أسامينا و حقّنا؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ما جئت إليك إلّا لمعرفتي بك، فطوبى لك فطوبى لك ثمّ طوبى لمن أحبّك و طوبى لمن أحبّ محبّك، فلقد أخبرتني بعلم الأوّلين و أخبرتني بتفسير القرآن كما انزل على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و إنّي راجع إلى قومي لا يراني أحد بعدك حتّى يأتي اللّه بأمره و هم كارهون. و رجع من وقته و ساعته و لم يره أحد بعد ذلك، و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (2).

____________

(1)- الواقعة: 8.

(2)- لم أجده في المصادر المتوفّرة لدينا و لا في الأنوار النعمانية للجزائري.

110

الفرع الثاني إخبار اللّه عزّ و جلّ في كتب أنبيائه السلف و بشاراته بقيام القائم (عليه السّلام)

البشارة الاولى‏

البشارة الاولى في إقامة الشهود أنّ في التوراة، في سفر التكوين، في الفصل السابع عشر في الآية العشرين ممّا ترجمته بالعربية: يقول اللّه تعالى مخاطبا لهاجر توصية لإسماعيل: يا إبراهيم إنّا قد سمعنا دعاءك و تضرّعك في إسماعيل فباركت لك فيه و سأرفع له مكانا رفيعا و مقاما عليا، و سأظهر منه اثني عشر نقيبا و ستكون له أمّة عظيمة (1).

و لا يخفى أنّ الآية فيها من علائم بيت الوحي و النبوّة و الإشعار بوجودهم و البشارة بمقدمهم (صلوات اللّه عليهم) عدّة امور؛ الأوّل: لفظة بمأدمأد، فإنّ هذه الكلمة موافقة في الجمل بكلمة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) حيث إن كلّا منهما في العدد اثنان و تسعون. الثاني: وعد اللّه كثرة ذريّته و انتشار أولاده (صلوات اللّه عليه)، و مع انحصار عقبه في الزهراء (سلام اللّه عليها) لم يكن بلد من البلاد، لا مصر و لا صقع من الأصقاع إلّا و قد اشتمل على ذريته الطاهرة و السادة الزكية من ولده، و قد ملأ العالم نورهم، و لم ينعقد اليوم مجلس إلّا و يكون أكثرهم أو نصفهم أو غالبا فردا منهم و من ذريتهم، و لا أقلّ من واحد و لا يكون خاليا غالبا، و إنّما ببركة دعاء الخليل و وعد الربّ الجليل، و ليس الاثنا عشر الموعودون في الآية إلّا الأئمّة (صلوات اللّه عليهم)، فهم من ولد إسماعيل من قيدار، لا ما توهّمه اليهود خذلهم اللّه لأنّ أولاده الاثني عشر المسمّون في التوراة في الفصل الخامس و العشرين في الآية الحادية و الثلاثين: و هم بنايوت و قيدار و ادئيل و ميسام و ميشماع و دوماه و مسا و حدر و تيما و يطور و نافيش و قيدماه، عدد أسماء قبائلهم و اممهم، لم يكن المقصود في الآية هؤلاء البتة، لأنّهم لم ينالوا مرتبة النبوّة و لا الوحي و الإلهام و الرسالة، فليسوا مقصودين إلّا الأنوار الطاهرة الاثنا عشر من بطن‏

____________

(1)- سفر التكوين: 92، الإصحاح: 17 رقم 20- 18 ط. دار المشرق بيروت.

111

قيدار، و قد فضل اللّه تعالى ذكرا لقيدار و بيان شرفه في الفصل الثاني و الأربعين من كتاب الشعيا في طي آيات.

البشارة الثانية

لا يخفى أنه يناسب بحسب الترتيب ذكر البشارة السادسة و العشرين قبل البشارة الثانية، ما ذكره القاضي جواد الساباطي و كان نصرانيا فأسلم و هو من السنّة و الجماعة، و ألّف كتابا في رد القسيس الپادري و إثبات حقيقة مذهب الإسلام سمّاه «البراهين الساباطية» و قد طبع ما يقرب [من‏] خمسين سنة قبل زماننا و هو عندنا موجود. قال: البرهان الأوّل من المقالة الثالثة من التبصرة الثالثة من البراهين الساباطية ما ورد في الفصل الثاني في الآية السابعة من الرؤيا التي ترجمتها بالعربية: من كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس: إنّي سأطعم المظفر من شجرة الحياة التي هي في جنّة اللّه‏ (1).

و في الآية الحادية عشرة: من كانت له اذن سامعة فليسمع ما تقول الروح للكنائس: فإنّ المظفر لا تضرّه الموتة الثانية (2).

و في الآية السابعة عشرة: من كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس: إنّي سأطعم المظفر من المن المكنون و أعطيته حجرة بيضاء مكتوبا عليها اسم مرتجل لا يفهمه إلّا من يناله‏ (3).

و في الآية السادسة و العشرين: و سأعطي المظفر الذي يحفظ جميع أفعالي سلطانا على الامم، فيرعاهم بقضيب من حديد و يسحقهم كآنية الفخار كما أخذت من أبي و اعطيه أيضا نجمة الصبح، فمن كانت له اذن سامعة فليسمع ما تقول الروح للكنائس‏ (4).

و في الفصل الثالث في الآية الخامسة: المظفر يلبس ثيابا بيضاء، و لا أمحو اسمه من سفر الحياة، و أعترف باسمه أمام أبي و أمام ملائكته، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول‏

____________

(1)- العهد الجديد، رؤيا يوحنا: 2، الآية 7 و فيه تفاوت: من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة.

(2)- العهد الجديد، رؤيا يوحنا الثانية، و فيه: من يغلب فلا يؤذيه الموت الثاني.

(3)- المصدر بتفاوت.

(4)- المصدر بتفاوت و فيه: كوكب الصبح.

112

الروح للكنائس‏ (1).

و في الآية السادسة عشرة (2) منه: المظفر أجعله عمودا في الهيكل الإلهي، و لا يخرج خارجا، و أكتب عليه اسم إلهي و اسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي نزلت من السماء من عند إلهي، و أكتب عليه اسمي الجديد، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس‏ (3).

و في الآية الحادية و العشرين‏ (4) منه: المظفر أهب له الجلوس معي على كرسيّي، كما ظفرت أنا أيضا و جلست مع أبي على كرسيّة، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائى‏ (5).

أقول: هذه سبعة براهين متواترة مترادفة في الإصحاح الثاني و الثالث من رؤيا يوحنا بن زبدى تدلّ دلالة صريحة على بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على نبوّته العامّة و قبلته الجديدة و علوّ درجته، تغافل النصارى عنها و أوّلوها تأويلات ركيكة لا تستقيم على شي‏ء منها حجّة، و لا يثبت برهان، و كان الأحرى بها أن يكتب كلّ واحد منها على حدة لكنّي أعرضت عن ذلك و كتبتها كلّها في برهان واحد، و جعلتها أوّل هذه المقالة و تركت تفصيلها إلى آن خروجي من الهند، و بعد ذلك سأشرحها إن شاء اللّه تعالى في المطوّل الذي أو عدت به في صدر الكتاب، و لأشرع الآن في بيان معانيها و الاستدلال بمبانيها.

فاعلم أيّدك اللّه بروحه القدسية، و جعلك ممّن يقتفي شريعة سيّد البرية أن يوحنا رضى عنه اللّه كان في جزيرة أطموس، و هي جزيرة واقعة في طول أربعة و أربعين درجة و خمس عشرة دقيقة من الطول الجديد و عرض سبعة و ثلاثين درجة و خمس عشرة دقيقة من الشمال، في يوم الأحد، فأتاه الوحي و حلّ عليه الروح القدس و سمع صوتا عظيما يقول له: إنّي أنا الألف و الياء، الأوّل و الآخر فاكتب ما تراه و أرسله إلى الكنائس السبع المشهورة، أعني كنيسة افس و كنيسة سمرنا و بير غابوس و شاتيرا و سارديس و فيلادلفيه و لاذقية، ثمّ رأى في رؤيا سبع‏

____________

(1)- العهد الجديد، رؤيا يوحنا الثالثة، الآية الخامسة بتفاوت.

(2)- في العهد الجديد، الآية الثانية عشرة.

(3)- المصدر السابق الآية الثانية عشرة.

(4)- المصدر السابق، بتفاوت كبير، و في اللفظ دون المعنى.

(5)- نفحات الأزهار: 10/ 303 ط. قم.

113

منائر من ذهب، و في وسطها إنسان يماثل عيسى (عليه السّلام)، و في يده سبعة كواكب و في فمه سيف فقال: إنّي أنا الذي كنت حيّا و صرت ميّتا و أنا الآن حيّ إلى الأبد، و عندي مفاتيح جهنّم فاكتب إلى الكنائس السبع ما رأيته و ما هو كائن و ما سيكون، أعني سرّ الكواكب السبعة التي رأيت في يدي و المنائر السبع، فإنّ النجوم ملائكة الكنائس و المنائر أنفسها، فاكتب إلى ملك كنيسة افس، هذا ما يقول ذو الكواكب السبعة المتمشي بين المنائر السبع:

إنّي قد عرفت جميع أحوالك و امتحانك أنبياءك الكذبة، لكنّك لست كما كنت، فاذكر سقوطك و تب و إلّا فسأجي‏ء و أزيل منارتك من وسطك، من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس:

إنّي سأطعم المظفر من شجرة الحياة التي في جنّة اللّه فاكتب إلى ملك كنيسة سميرنا، هذا ما يقول الأوّل و الآخر الذي مات و حيي: إنّي قد عرفت عملك و مسألتك فلا تخف ممّا يحلّ عليك فإن إبليس سيضطهدكم عشرة أيّام، فاصبر و أنا أعطيك إكليل الحياة.

من كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس: فإنّ المظفر لا تضرّه الموتة الثانية، و اكبت إلى ملك كنيسة بئر غاموس، هذا ما يقول ذو السيف الحاد: إنّي قد علمت أنّك لم تنكرني مع أنّك مستقرّ في مقرّ الشيطان لكن بعض قومك متمسّك ببدع بلعم باعور، و بعضهم ببدع النيقولانيين فتب و إلّا حاربتك بسيف فمي.

من كانت له اذن فليستمع ما تقول الروح للكنائس: إنّي سأطعم المظفر من المنّ المكتوم و أعطيه حصاة بيضاء مكتوبا عليها اسم لا يعرفه إلّا من يناله، و اكتب إلى ملك كنيسة تياتيرا هذا ما تقول: أين اللّه الذي عيناه كالنار و رجلاه كالنحاس، إنّي قد اطلعت على حسن إيمانك إلّا أنك قبلت زابيل المتبنية أن تضلّ القوم و ترغبهم في الزنا و أكل ذبائح الأوثان فسأقتلها و أولادها، و ستعلم الكنائس أني أنا هو، و سأحصي الكلّ و أجازيكم بحسب أعمالكم، و من تمسّك منكم بشريعتي فلا القي عليه ثقلا آخر، بل سيكون كذلك إلى آن إتياني، و سأعطي المظفر الذي يحفظ أفعالي سلطانا على الامم فيرعاهم بقضيب من حديد، و يسحقهم كآنية الفخار كما أخذت أنا أيضا من أبي و أعطيه نجمة الصبح، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس.

و اكتب إلى ملك كنيسة ساوديس: هذا ما يقول ذو الأرواح السبع الإلهية و الكواكب‏

114

السبعة التي قد عرفت أعمالكم و أنك حيّ بالاسم، إلّا أنك ميّت فتيقّظ، و قوّ أصحابك فإنّ أعمالك لم تكمل أمام اللّه، فتذكر ما سمعت و تب، و إلّا فسأجي‏ء إليك مجي‏ء اللص، و الذين لم يتدنّسوا منكم يستحقّون أن يلبسوا معي البياض، فالمظفر يلبس ثيابا بيضاء و لا أمحو اسمه من سفر الحياة و أعترف باسمه أمام أبي و أمام ملائكة، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس.

و اكتب إلى ملك كنيسة دلفيا هذا ما يقوله المقدس الحقيقي الذي عنده مفتاح داود فيفتح و لا أحد يغلق، و يغلق و لا أحد يفتح، قد عرفت أعمالك و فتحت لك بابا لا يستطيع أحد أن يغلقه لمحافظتك على كلامي، و سيذلّ لك الذين يقولون: إنّا يهود و ليسوا بيهود، و يعلمون أنّي أحبّك و سأحافظ عليك ساعة الامتحان كما حافظت على كلامي فإنّي سريع الإتيان فتمسّك بما عندي لئلّا يؤخذ تاجك، فإنّي سأجعل المظفر عمودا في هيكل إلهي فلا يخرج منها إلى خارج، و اكتب عليه اسم إلهي و اسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي نزلت من السماء من عند إلهي، و اكتب عليه اسمي الجديد فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس:

و اكتب إلى ملك كنيسة لاذقية، هذا ما يقوله أمين الشاهد، الأمين الحقيقي رأس خليقة اللّه: إنّي قد عرفت أنك لا حارّ و لا بارد، فيا ليتك كنت حارّا أو باردا، و ها أنا أتقياك لأنّك فاتر تدّعي الغنى و عدم الاحتياج و لم تعلم بفقرك و شقائك فاشترني الذهب الإبريز لتستغني و البس البياض لتستر و تكحّل لتبصر، فإنّي اؤدّب من أحبّه فتب، فإنّي واقف على الباب فمن يفتح لي الباب أدخل إليه و أسعى معه و سأجلس المظفر معي على كرسيّي كما ظفرت و جلست مع أبي على كرسيه، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس‏ (1).

أقول: هذا ملخّص الفصول الثلاثة المشتملة على الحجج السبعة و إن أردت الاطّلاع على جميع العبارة فارجع إلى سفر الرؤيا (2).

إذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الرؤيا هي، على ما يعتقد النصارى رؤيا رآها يوحنّا (عليه السّلام) تشتمل على الأخبار التي حدثت في العالم من ارتفاع المسيح إلى بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و من‏

____________

(1)- العهد الجديد، رؤيا يوحنا، الاصحاح الأوّل و الثاني و الثالث.

(2)- رؤيا يوحنا في الإنجيل المسمّى بالعهد الجديد.

115

و فاته إلى ظهور المهدي (عجّل اللّه فرجه)، و من وفاته إلى قيام الساعة. و لا شكّ في أنّها تدلّ على جميع ذلك، و أنّها كلام اللّه تعالى لكنّي لست بمطمئنّ الخاطر من تحريفها، و مع ذلك إنّ أماكن الاستدلال فيها قائمة على دعائمها الأصلية، فمن جملة ذلك هذه الآيات الشريفة.

و هاهنا أمر يقف عليه البحث و هو معرفة الكلمات التي هي محلّ النزاع، فمن ذلك لفظة:

الاووركمن‏ (1)، يعني المظفر، و هي في الأصل اليوناني تدلّ على الغالب و الغازي و القاهر في الحرب، و منها الموتة الثانية و هي عند النصارى عبارة عن موت الإنسان في الذنب أي انهماكه فيه لا غير، و أمّا البعث فانّهم يعترفون بقيام جميع الناس عند ظهور المسيح و بخلود أهل الجنّة في الجنّة و أهل النار في النار، و لم يتعرّضوا للبحث في هذا المقام، و عند اليهود عبارة عن الموتة التي لا تكون بعدها موتة.

و تقرير ذلك: أنّهم يقولون إنّ مدّة مكث هذه الخليقة على حالتها لا يكون إلّا سبعة آلاف سنة، فمن آدم إلى موسى ألفان و ثلاثمائة و ثمان و ستون سنة، و من موسى إلى المسيح ثلاثة آلاف و ستمائة و اثنتان و ثلاثون سنة، و إذا ظهر المسيح تبعث جميع الموتى و تستقيم لهم السلطنة ألف سنة، و بعد ذلك يفنى من على وجه الأرض، و تزول هي و السماء و يصير العالم كأن لم يكن، ثمّ يستأنف الصانع صنعته الأخرى، ترادف هذه الصنعة أو تغايرها، و فيه ما فيه من عدم فساد الأنفس؛ إذ الحكماء كلّهم متّفقون على عدم فسادها، لأنّها لو قبلت الفساد لكانت مركّبة من شي‏ء يكون فيها بمنزلة المادّة يقبل الفساد، [و] شي‏ء بمنزلة الصورة يفسد بالفعل، و ينبغي للقائل للفساد أن يبقى مع الفساد و للفساد الفاسد بالفعل أن لا يبقى معه، و الذي يفسد بالفعل غير الذي يقبل الفساد فتكون مركّبة، و ليس الأمر كذلك و لأنّها لو كانت قابلة للفساد لاشير إليها في النواميس، لأنّها ممّا عليه التعويل، و لم يذكر ذلك في شي‏ء من نواميسهم، فليس بشي‏ء.

و قال بعضهم: إنّ أنفس الأتقياء تبقى إلى الأبد و أنفس الأشقياء تهلك.

و عند المسلمين: أمّا أهل السنّة و الجماعة فالظاهر أنّهم لا يعترفون بموتة ثانية، و لم يذكروا إلّا الموتة الاولى و الحياة الثانية، و بعدها يساق الذين آمنوا إلى الجنّة و الذين كفروا إلى النار، و قالوا إنّ الاستثناء في مثل‏ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى‏ (2) منقطع.

____________

(1)- لفظة عبرية.

(2)- الدخان: 56.

116

و أمّا الإمامية فيقولون: إنّه إذا ظهر المهدي (عليه السّلام) و نزل عيسى يرجع حينئذ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليه السّلام)، و يرجع معهم الأبرار و الفجّار و تستقلّ لهم المملكة، و استدلّوا بآيات كثيرة منها قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (1) و قالوا: إنّ علي بن إبراهيم و سهل بن عبد اللّه قد رويا عن الصادق (عليه السّلام): أن يوم يقوم الأشهاد يوم رجعة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(2)، و بقوله تعالى‏ رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ‏ (3) و فيه بحث.

و منها بلعم بن باعور الفاثوري، و فاثور بلد على شاطئ الفرات و قيل قبيلة من أعراب مدين، و كان بالاق بن صفور ملك الموآبيّين لما نزل بنو إسرائيل على شاطئ الأردن، و شاهد ما فعلوا في الامور خاف منهم و استدعى بلعم بن باعور ليدعو عليهم بالهلاك، فاستخار اللّه فمنعه عن ذلك فخالف حكم اللّه و سار إليه طمعا في إكرامه، قتله موسى في حرب مدين.

و منها الحصاة البيضاء و هي حصاة يدفعها عيسى أو الروح القدس (عليهما السّلام) إلى المظفر و هو إلى الذي يكون بعده، و لا يفهم ما كتب عليها إلّا من يأخذها، و لا يشابه ذلك في مذاهب أهل السنّة و الجماعة، و ذهب الإمامية إلى أنّ جبرائيل (عليه السّلام) قد أعطى ذلك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و هو دفعه إلى علي (عليه السّلام)، و هلم جرّا إلى الحسن بن علي (عليهما السّلام) و هو دفعها إلى المهدي (عليه السّلام).

و منها زابيل المتنبئة، و هي زابيل بنت أشبال ملك الزبدانيين، زوجة باشا بن أهيجا ملك إسرائيل فإنّها لمّا تزوّجت بباشا ألجأته إلى عبادة الأوثان، و أفسدتهم حتّى صار أكثر بني إسرائيل يعبدون التماثيل، كما صرّح به في الفصل السادس عشر في الآية الحادية و الثلاثين من سفر الملوك الأول.

و منها اورشليم الجديدة و هي عبارة عن مكة المعظّمة على بادئ الرأي لقوله: النازلة من السماء، لأنّ أهل الإسلام قد ذهبوا إلى أنّ قوله‏ أُمَّ الْقُرى‏ وَ مَنْ حَوْلَها (4) يفيد العموم و قالوا: إنّ الحجر الأسود كان قد نزل من السماء أشدّ بياضا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم.

و قد رواه الترمذي و صحّحه‏ (5).

____________

(1)- غافر: 51.

(2)- مختصر البصائر: 18.

(3)- غافر: 11.

(4)- الأنعام: 92.

(5)- سنن الترمذي: 2/ 182 ح 878 ط. دار الفكر.

117

و ذهب الإمامية إلى مثل ذلك‏ (1)، فيكون قوله: اورشليم الجديدة النازلة من السماء، كناية عن مكة و هذا من قبيل إقامة الظرف مقام المظروف، و هي في جزيرة العرب قريب من ساحل البحر الأحمر في محاري طول خمسة و أربعين درجة من الطول الجديد و عرض اثنتين و عشرين درجة من الشمال.

فالأول‏ قوله: فاكتب إلى كنيسة افس الخ، و هي بلدة في عرض ثمان و ثلاثين درجة من الشمال و طول خمس و أربعين درجة و خمس عشرة دقيقة من الطول الجديد، هذا ما يقول المراد بالكواكب الملائكة الموكلة على الكنائس من أنّه لكل كنيسة ملك و بالمنائر نفوس الكنائس، أي هذا ما يقول مولانا.

و قوله: امتحانك الأنبياء الكذبة، يشير به إلى أنّه قد خرج في زمان الفترة نبي كاذب غير بارلسوع بصيغة الجمع. قوله: لكنّك لست كما كنت، يدلّ على عدم استقامة أهل افس في دينهم. قوله: و إلّا أزلت منارتك، إمّا بتخريب البلد أو بتفريق القوم. قوله: من كانت له اذن سامعة الخ، يدلّ على أنّ هذا هو محلّ يجب استماعه. قوله: ما تقول الروح للكنائس، ذهب كافّة النصارى إلى أنّ الفاعل هاهنا هو المسيح مع أنّه مظهر يؤول إلى الروح، و طمسوا على أعين القوم بأدلّة فاسدة، و الحقّ أنّ الفاعل هو الروح.

قوله: إنّي ساطعم المظفر من عود الحياة، قال النصارى: إنّ المراد بالمظفر الذي يظفر على الشيطان من أهل كلّ كنيسة فيكون عاما، و العهد الخارجي يمنعه فلا يقوم، و الحقّ أنّ مراده محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)؛ لأن تقييد كلا المعنيين يدلّ على أنّ موضوع الثاني غير موضوع الأوّل، و لم يأت بعد عيسى من يقوم بالأمر فيكون المنصوص عليه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و لأنّ قوله:

و امتحانك لكذبة الأنبياء واضح الدلالة على إتيان غير الكاذب، و هذا يدلّ على فضيلته.

و فيه أنّك قد كذّبت الكاذبين فيلزمك تصديق الصادقين.

و قوله: لكنّك لست كما كنت أي لست مستعدّا في تصديق الصادق كما كنت في تكذيب الكاذب، فاحذر سقوطك، يحذره بهفوة آدم (عليه السّلام) أي اذكر سقوط آدم و كيف حبط علمه لمّا عصى اللّه و أكل من شجرة العلم، أو منصوب بنزع الخافض: أي احذر من سقوطك و تب عمّا أنت مستهيئ له من تكذيب الصادق و إلّا فسأجي‏ء و ازيل منارتك، ثمّ رجع بعد ذلك‏

____________

(1)- عوالي اللئالي: 1/ 68.

118

و قال: من كانت له اذن سامعة الخ، و هذا من بليغ التأكيد، و قد تحقّق أنّ هذه الكنائس السبع قد زالت بعد ظهوره و ناهيك به من تنبؤ الصادق و من بالحقّ ناطق.

و الثاني: قوله و اكتب إلى ملك كنيسة سيمرنا الخ، و هي بلد في عرض ثمان و ثلاثين و خمس و ثلاثين و طول خمس و أربعين من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول الأوّل و الآخر أي الذي مات وحيي. احتجّ النصارى بذلك على ربوبية المسيح و قالوا: إنّ قوله: الأوّل و الآخر، يدلّ على ربوبيته؛ إذ هما من صفات الواجب تعالى، مع أنّ في قوله: مات وحيي، إضافة الموت و الحياة إلى نفسه ظاهرة.

و الحقّ أنّه يجيز النهوض لأنّه إن كان المراد بالأوّل القديم و بالآخر الحادث، فلا يجتمعان لأنّهما متباينان؛ لأنّ القديم إن كان بالذات فهو ما لا يكون وجدانه من غيره كواجب الوجود تعالى اسمه، و عيسى ابن مريم قد تولّد في أيّام هيروديس من أمّة مريم فليس بقديم الذات، و إن كان بالزمان فالقديم بالزمان ما لا أوّل لزمانه كالأفلاك العلوية، و عيسى متأخّر بالزمان فليس بقديم الزمان. و أمّا إن اريد به المقدّم بالرتبة في أنّه (عليه السّلام) أقرب لمبدئه من ملك كنيسة سيمرنا و أنا أثق به و عليه جميع أهل التحقيق، لكن أرادوا بالآخر المتأخّر بالرتبة فمن المحال أن يجتمع المتقدّم بالرتبة و المتأخّر فيها في شخص واحد. و إن أرادوا بهما الأوّل و الآخر اللذين هما من صفات الواجب تعالى فينقضهما قوله: الذي مات وحيي، لأنّ الموت من أمارات الحدث. و من المعلوم أنّ الوجوب مباين للحدث. و أمّا إضافة الموت و الحياة لنفسه فمحمول على العرف العام إذ لم يرو أحد من أهل لغة قتل اللّه أو موّت اللّه فلانا، بل المطّرد عندهم مات وحيي، فتمسّكه بهذا الدليل ليس إلّا كتمسّك الضرير الساقط في البئر بحدّ السيف الطرير.

قوله إنّي قد عرفت عملك، إلى قوله: فاصبر و أنا أعطيك إكليل الحياة، إشارة إلى و فور الشبهات التي عرضت عليهم في سنيّ الفترة، عبّر فيها باليوم عن خمسين سنة لتصير المدّة بالنظر إلى حدوث الإنسان. و قوله إنّ يوما عند ربّك كألف سنة الخ بالنظر إلى قدم الواجب، فالذي يصبر فيها و لا ينحرف إلى عبادة الأوثان اعطيه إكليل الحياة، و بديهي أن غاية الصبر لا تكون إلّا بلوغ المأمول و هو إكليل الحياة الذي كنّى به عن محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

قوله اذن الخ، حثّ على الإصغاء لأنّ الذي يأتي بعده هو غاية الكلام. قوله: المظفر لا

119

تضرّه الموتة الثانية، يريد به محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله)، و الموتة الثانية مرّ ذكرها في مقدّمة هذا البحث.

و الثالث‏ قوله: و اكتب إلى ملك كنيسة بئر غاموس، و هي بلد في عرض تسعة و ثلاثين درجة و عشرين دقيقة من الشمال و طول خمسة و أربعين درجة من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول ذو السيف الحادّ: إنّي قد عرفت الخ إشارة إلى حسن اعتقادهم و عدم انحرافهم عن دينه في أوان الشبهات، إلّا أنّ بعضهم كانوا يستعملون الرياضات و الطلاسم مثل بلعم بن باعور فمنع عن ذلك، و بعضهم النيقوذيمسيين، و هي إضافة إلى نيقوذيمس و هو شماس دهري فمنعهم (عليه السّلام) عن اتباع شبهاته، و نيقوذيمس هذا ليس بنيقوذيمس الذي ذكر في الفصل الثالث في الآية الاولى من يوحنا، فإنّ ذلك من مقدّسي النصارى (رحمه اللّه). ثمّ قال: إن تركت هذين الأمرين و سلكت في سبيل الرشاد الذي أمرتك بسلوكه، و إلّا جئت و حاربتك بسيف فمي. قال بعض النصارى: إنّه يريد بسيف فمه سيف اللّه أبيه، فعلى هذا التقرير يكون المراد به عليّا (عليه السّلام)؛ لأنّه هو سيف اللّه الذي قاتل مشركي اليهود و النصارى.

ثمّ قال: من كانت له اذن سامعة الخ. حثّ على الإصغاء لأنّ هذا هو مقام البحث و النزاع لا تشتبهوا فيه لما مرّ فيما قبله. قوله: إنّي سأطعم المظفر من المن المكتوم، يريد به محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و المن المكتوم هو علم النبوّة، و المن هو ما كان ينزل من الطل على الأشجار لبني إسرائيل في بريته فارو أعطيه حصاة بيضاء. اختلف النصارى في تأويلها فأكثرهم لم يبحث في الرؤيا، و الذي بحث في أوّلها قال: هذه كناية عن ما يتفضّل به عليهم من الثواب؛ لأنّ اللذة لا يعرفها إلّا من ينالها، و ليس بشي‏ء؛ إذ تشبيه اللذّة بالحصاة أمر ما أبرده، و الحقّ ما ذهب إليه الإمامية في مقدّمة هذا البحث.

و قال بعض أهل التحقيق: هذه حصاة نزل بها آدم (عليه السّلام) و أعطاها عند وفاته شيثا و لم تزل تنتقل من يد إلى يد حتّى أتت إلى عيسى (عليه السّلام) و منه إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لا شكّ أنّ محمّدا إمّا أن يكون دفعها إلى عليّ (عليه السّلام) أو سيدفعها إلى المهدي (عليه السّلام)، لا سبيل إلى الثاني؛ لأنّ علماءنا لم يعترفوا بالرجعة و إنّما هي من خصائص مذهب الإمامية، فيكون قد فوّضها إلى عليّ (عليه السّلام) و هذا ممّا يؤيّد مذهبهم.

و الرابع: قوله: و اكتب إلى ملك كنيسة تاتير الخ. و هي بلد في عرض ثمان و ثلاثين درجة و خمس و أربعين دقيقة من الشمال و طول خمس و أربعين درجة و عشرين دقيقة من الطول‏

120

الجديد. قوله هذا ما يقول الذي عيناه إشارة إلى شدّة غضبه. و قوله رجلاه كالنحاس إشارة إلى استقامة رأيه و عزمه. قوله قد اطلعت يريد به حسن إيمانه الذي ثبت عليه في زمان الفترة، ثمّ جرحه بأنّه قد أهمل يزابيل أن تتصرّف في الكنيسة بفجورها، و لم تكن في ذلك الزمان باغية تسمّى يزابيل، لكنّه كنّى بها عن يزابيل المذكورة في مقدّمة هذا البحث لما اتبعوها في عبادة الأوثان، و أنذرهم بأنّهم إن لم يرتدعوا عمّا هم عليه و إلّا سيجي‏ء إليهم، و يهلكهم و يجزيهم بحسب أعمالهم في زمان الرجعة مع المهدي (عليه السّلام)، و إلّا فلا معنى لإتيانه و مجازاتهم. قوله من تمسّك بشريعتي فلا القي عليه ثقلا آخر من البحث فيه في البرهان الثالث عشر من المقالة الثانية من التبصرة الثالثة، أراد بذلك أنّه لا يكلّف باتباع شريعة اخرى، و فوات المشروط يمنع وقوع الشرط، لكنّه سيكلّفه به بعد إتيانه.

قوله و سأعطي المظفر الذي يحفظ أفعالي، و في بعض التراجم كلامي، و أيّما كان المراد بحفظ أفعاله أو كلامه هو مطلق أوامره، فيرعاهم بقضيب من حديد، و قد رعاهم بحدّ ذي الفقار، و سحقهم سحق آنية الفخار. قوله كما أخذت من أبي، أي اعطيه فكما أعطاني أبي على حسب مرتبة النبوّة اعطيه على حسب مرتبة النبوّة و السلطنة، و أعطيه نجمة الصبح، يريد بذلك المهدي (عليه السّلام) لأنّه ظهر في صبح اليوم الأوّل من الشهر الأوّل من السنة الاولى من العشرة الاولى من المائة الاولى من الألف السابع.

ثمّ قال: فمن كانت الخ، يحثّ على امتثال أمره و اتباع حكمه إذا بعث، و الاستضاءة بضياء نجمة الصبح، جعلني اللّه و إيّاك ممّن يستضي‏ء و يهتدي بهداه.

و الخامس: قوله: فاكتب إلى ملك كنيسة سارديس، و هي بلدة في عرض سبع و ثلاثين درجة و خمس و خمسين دقيقة من الشمال و طول خمس و أربعين درجة و خمسين دقيقة من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول ذو الأرواح السبع الإلهية الخ، الأرواح السبع هي أرواح المنائر، هذا كما قال في الأوّل ذو الكواكب السبعة المتمشّي في وسط المنائر السبع. قوله:

قد عرفت أعمالك الصالحة و أنك لتمرّ حيّا مع أنّك ميّت أي أنّ عملك ليس بشي‏ء، ثمّ أخذ يرغّبهم في التهيؤ لاتباع محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: إنّ الذين لم يتدنسوا منهم بعصيان الإعراض عن اتباعه (صلّى اللّه عليه و آله) يلبسون معه البياض، أي يدخلون معه تحت ظلال نجمة الصبح، ثمّ قال: فإنّ المظفّر يلبس ثيابا بيضاء أي يدخل تحت راية نجمة الصبح، و هذا مصداق ما ذهب إليه‏

121

الإمامية من باب الرجعة، فإنّهم قد اتفقوا على أنّ محمّدا و عليا و فاطمة و الحسنين (عليهم السّلام) يرجعون بالأجسام إذا ظهر المهدي (عليه السّلام).

قوله: لا أمحو اسمه، ترغيب آخر لهم في اتباع شريعته حيث قال: إنّه يظهر فضيلتهم أمام اللّه و أمام ملائكته، أي يعترف بأنّ هؤلاء الذين اتبعوني و امتثلوا أمري ثمّ أزاد الترغيب بالتأكيد و التخصيص، و قال فمن كانت له الخ يريد به أن هذا كلام روح اللّه و لا شكّ في وقوعه، فاسمعوا وعده فإنّكم مسئولون.

السادس: قوله: و اكتب إلى ملك كنيسة دلفية، و هي بلدة في عرض ثمان و ثلاثين درجة و عشرين دقيقة من الشمال، و طول ست و أربعين درجة و عشرين دقيقة من الطول الجديد.

قوله هذا ما يقول الخ يريد بالمقدس الحقيقي درجة النبوّة، لأنّ السلطان ملك غير حقيقي أي زائل المملكة، و أمّا النبي فإنّ ملكه حقيقي، و هذا أيضا ممّا يشير إلى عدم احتياج أمّة أحد الأنبياء إلى تقيد الآخر، و المراد بالمفتاح هو الاقتدار الحقيقي كأنّما قال: إنّي أنتهز القاضي و المفتي فأفتي بالإطلاق و اطلق و امنّي بالحبس و أحبس، و لم تجمع هاتان الصفتان في شخص واحد، و اظهر له أنّه عرفت كيفية أعماله، و أفتح له بابا لن يغلق، و أنه سيذلّ له المتهودون الكذّابون، أي الذين لم يتمسّكوا بتوراة موسى، و قد فعل ذلك و سلّط عليهم اليونانيين و الروم فأخذوهم أخذ عزيز مقتدر، و إنّه سيحافظ عليه ساعة الامتحان أي ساعة خروج الدجّال المسيح الكذّاب لعنه اللّه.

ثمّ أخذ يحذّره و حيث قال: فتمسّك بما عندك لئلّا يؤخذ تاجك إشارة إلى ما يجب على النصراني المشرك إذا لم يعترف بنبوّة ربّ الجنود من أداء الجزية، ثمّ أكّد ذلك و قال: فإنّي سأجعل المظفر الخ العمود الدعامة، و هيكل إلهه هو هيكل إلهنا أعني الكعبة شرّفها اللّه تعالى، و مدينة إلهه أورشليم الجديدة هي مكّة زادها اللّه شرفا، و المراد بنزولها من السماء هو نزول الحجر الأسود كما مرّ في مقدّمة هذا البحث، ثمّ زاده تأكيدا و قال: و كتب عليه اسمي الجديد، يعني الفار قليطا.

ثم زاد في التأكيد بالتخصيص حيث قال: فمن كانت له اذن الخ، حثّا على ترغيب القوم و تخويفهم بالوعد و الوعيد.

السابع: قوله: و اكتب إلى ملك كنيسة لاذقية، و هي بلدة في عرض ثلاثين درجة و ثلاثين.

122

دقيقة من الشمال و طول سبع و أربعين درجة من الطول الجديد. قوله هذه هو ما يقول الخ أي غاية قوله: و أمين عجمة عبرانية بمعنى ليكن كذلك، و تكلّف المفسّرين لها جهل بحت، و نصيرها علما للمتكلّم إشارة إلى نفوذ الكلام، و وصفه نفسه بالشاهد الأمين بيانا لأنّه لم يأت إلّا شاهدا لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ وصف الشاهد بالأمين إخراجا له من الخائن، يريد به أنّه لم يكتم شهادته، بل إنّه أدّاها على سبيل إعلام، و ضرب بها الأمثال، و الحقيقي الذي يباين المجازي يريد به أنّه ليس بشاهد مجازي يشهد أمام القاضي الحقيقي على الأمر الحقيقي، و اتّصافه برأس خليفة اللّه إشارة إلى فضيلة الأنبياء.

و قوله إنّه قد عرف أنّه فاتر و سيتقياه لفتوره إشارة إلى عدم تعصّب أهل كنيسته في مذهبهم و مداهنتهم مع اليونانيين و الملاحدة، ثمّ وصفه بالفقر و أمره بشراء الذهب إشارة إلى تبشيره بالشريعة الغرّاء، و لباس البياض حثّ إلى الإعراض عن سبيل الضلال، و التكحّل أمر بإمعان النظر في معاني كلامه ليحصل له الغنى الحقيقي في الدين، و يستر بالسرور الذي لا زوال له و يشاهد حقائق الأشياء كما هي عليه في نفس الأمر. (و قوله) اؤدّب من أحبّه بيان لكمال اللطف على أهل كنيسته، ثمّ أمره بالتوبة بعد ما هدّده بالتأدّب و أخبره بسرعة إتيانه و قرب زمانه.

ثمّ قال: و سأجلس المظفر معي على كرسيي، تأكيد آخر برجعة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) زمان ظهور المهدي (عليه السّلام) و تأييد لما يزعمه الإمامية من باب الرجعة، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما يقول الروح للكنائس، و يرغب في آجل الثواب و يحذر من عاجل العقاب و يتهيّأ بشريعة ربّ الجنود و يدلي بحاجته إلى النجاح و ينتظم في حزب نجمة الصباح، جعلني اللّه و إيّاك ممّن يفوز بلقائه و يسلك في سلسلة أوليائه.

البشارة الثالثة

و فيه: البرهان الثالث ما ترجمته: و سيولم ربّ الجنود لجميع الناس في هذا الجنود و يدلي بحاجته إلى النجاح و ينتظم في حزب نجمة الصباح. جعلني اللّه في تأويل هذا النصّ، فقال اليهود: إنّ المراد بربّ الجنود هو المسيح المزمع بالإتيان. و قال النصارى: بل هو عيسى ابن مريم (عليه السّلام) لأنّه كان قد صيّر الماء في قانى الجليل خمرا كما حرّر في الفصل‏

123

الثاني في الآية الاولى من يوحنا، و ليس بشي‏ء، لأنّ قوله: ربّ الجنود لا يتناول عيسى ابن مريم لأنّه لم يكن ذا جند، و لأنّ الضيافة المذكورة هاهنا لا بدّ أن تكون لجميع الناس أو لأعظم النصفين، أو أن يكون فيها من كلّ حزب من بني آدم جماعة، و ضيافة الجليل لم تكن إلّا وليمة عرس، فلا يصدق عليها.

و المراد بربّ الجنود و هو المهدي (عليه السّلام) فيكون هو المقصود من هذا النصّ. فإن قلت: لم لا يكون المقصود محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله)؛ لأنك قد وصفته بربّ الجنود. قلت: و لأني قد صرّحت فيما قبل هذا بأنّه لم يذهب إلى اورشليم إلّا ليلة الإسراء و لم يضيف هناك أحدا، و قد ذكرت لك ما ذهب إليه القوم من مسير المهدي (عليه السّلام) إلى اورشليم و تعميرها و إقامة دعائمها فيما مرّ آنفا فتذكّره، فلا يكون إلّا هو.

البشارة الرابعة

لا يخفى أنّه يناسب ذكر البشارة السابعة قبل ذلك، فيه في البرهان الخامس في الفصل الحادي و العشرين في الآية العاشرة من كتاب الرؤيا من كتب العهد الجديد (1) ترجمتها بالعربية: فأخذتني الروح إلى جبل عظيم شامخ، و أرتني المدينة العظيمة اورشليم المقدّسة نازلة من السماء من عند اللّه و فيها مجد اللّه، وضوؤها كالحجر الكريم، كحجر اليشم و البلور، و كان لها سور عظيم عال و اثنا عشر بابا، و على الأبواب اثنا عشر ملكا، و كان قد كتب عليها أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر.

أقول: لا تأويل لهذا النصّ بحيث أن يدلّ على غير مكّة شرّفها اللّه تعالى، و المراد بمجد اللّه بعثته محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) فيها، و الضوء عبارة عن الحجر الأسعد، و تشبيهه باليشم و البلور إشارة إلى صحيح الروايات التي وردت في أنّه لمّا نزل كان أبيض. و المراد بالسور هو ربّ الجنود و الأبواب الاثني عشر أولاده الأحد عشر و ابن عمّه علي و هم: الحسن و الحسين و علي و محمد و جعفر و موسى و علي و محمد و علي و الحسن و القائم المهدي (عليه السّلام) محمد، و قوله:

و على الأبواب الاثني عشر اثنا عشر ملكا، يدلّ على عظم رتبته و على عموم نبوّته و قيام‏

____________

(1)- العهد الجديد، رؤيا يوحنا؛ الفصل 21 أو الرؤية 21، الآية العاشرة، و فيه تفاوت في اللفظ دون المعنى.

124

دعوته على انقياد جميع الأسباط له، و الأسباط الاثنا عشر عبارة عن أولاد يعقوب (عليه السّلام) و هم:

روبين و شمعون و لاوي و يهودا و اسحر و زابلون و بنيامين و دان و نفتالى و ياد و عاشر و يوسف (عليه السّلام) و هذا مصداق لقوله [تعالى‏] «لولاك لما خلقت الأفلاك» (1).

البشارة الخامسة

فيه: البرهان السادس ما ورد في الفصل الحادي و العشرين أيضا في الآية الرابعة عشرة من كتاب الرؤيا ما ترجمته بالعربية: و لسور المدينة اثنا عشر أساسا، و عليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر (2).

أقول: هذا تأكيد صريح لما قبله، و الاثنا عشر الأساس هم الأئمّة الاثنا عشر، و رسل الحمل الاثنا عشر هم الحواريون الاثنا عشر (رض) و هم: شمعون و بطرس و اندرياس و يعقوب و يوحنا و فيلبوس و برتولو و ملئوس و توما و متى و يعقوب و لباؤس و شمعون القاني و برلوص على راني انا لأن يهودا الاسخريوطي‏ (3) كان قد خنق نفسه و هلك و اقيم برلوص مقامه، و فيه إشارة إلى انقياد جميع المذاهب العيسوية لشريعة خير البرية.

البشارة السادسة

فيه: البرهان السابع ما ورد في الفصل الحادي و العشرين من الآية الحادية و العشرين من الرؤيا من كتب العهد الجديد ما ترجمته بالعربية: و الأبواب الاثنا عشر لؤلؤا كلّ واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة، و ساحة المدينة من الذهب الابريز كالزجاج الشفّاف‏ (4).

أقول: بيان لما قبله و صفة للأبواب، و كون كل باب من لؤلؤة واحدة فيه إشارة إلى ما يدّعيه الإماميون من عصمة أئمّتهم؛ لأنّ اللؤلؤة كروية، و لا شكّ أنّ الشكل الكروي لا يمكن انشلابه؛ لأنّه لا يباشر الأجسام إلّا على ملتقى نقطة واحدة، كما صرّح به اوقليدس، و الأصل‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 15/ 28 و: 54/ 199 و كشف الخفاء: 2/ 164.

(2)- العهد الجديد، رؤيا يوحنا الحادية و العشرون الآية 14 و فيه: و سور المدينة كان له اثنا عشر أساسا و عليها أسماء رسل الحروف الاثني عشر.

(3)- كذا و لم نجده.

(4)- المصدر السابق، الآية 21، و فيه: و سوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف.

125

في عصمة الإمام أما عند أهل السنّة و الجماعة فإن العصمة ليست بشرط، بل العمدة فيه انعقاد الإجماع، و أمّا عند الإمامية فهي واجبة فيه لأنّه لطف، و لأنّ النفوس الزكية الفاضلة تأبى عن اتباع النفوس الدنية المفضولة، و عدم العصمة علّة عدم الفضيلة، و لهما فيها بحث طويل لا يناسب هذا المقام‏ (1).

قوله: و ساحة المدينة من الذهب الإبريز كالزجاج الشفاف يريد بذلك أهل ملّته لأنّهم لا ينحرفون عن اعتقادهم و لا ينصرفون عن مذهبهم في حالة العسرة، و أمّا الذين أغواهم قسوس الانكتاريين فمن الجهّال الذين لا معرفة لهم باصول دينهم، و هذا هو مصداق قوله (عليه السّلام): «أنا مدينة العلم و علي بابها» (2).

البشارة السابعة

و فيه: البرهان الرابع في الفصل الحادي عشر في الآية الاولى من كتاب شعيا ما ترجمته بالعربية: و سيخرج من قيس الآس عصا و ينبت من عروقه غصن و ستستقر عليه روح الرب أعني روح الحكمة و المعرفة، و روح الشورى و العدل، و روح العلم و خشية اللّه، و تجعله ذا فكرة وقّادة، مستقيما في خشية الربّ، فلا يقضى كذا عجايبات الوجوه و لا يدين بمجرّد السمع‏ (3)، ثمّ ذكر تأويل اليهود و النصارى هذا الكلام و ردّه و قال: فيكون المنصوص عليه هو المهدي (عليه السّلام) بعينه بصريح قوله: و لا يدين بمجرّد السمع، لأنّ المسلمين أجمعوا على أنّه رضي اللّه عنه لا يحكم بمجرّد السمع و الحاضر، بل لا يلاحظ إلّا الباطن، و لم يتّفق ذلك لأحد من الأنبياء و الأوصياء، إلى أن قال: و قد اختلف المسلمون في المهدي (عليه السّلام) فقال أصحابنا من أهل السنّة و الجماعة: إنّه رجل من أولاد فاطمة يكون اسمه محمّد و اسم أبيه عبد اللّه و اسم أمّه آمنة.

و قال الإماميون: بل إنّه هو محمّد بن الحسن العسكري (عليه السّلام)، و كان قد تولّد سنة خمس و خمسين بعد المائتين من فتاة للحسن العسكري (عليه السّلام) اسمها نرجس في سر من رأى بزمن‏

____________

(1)- راجع كتاب الألفين للعلّامة الحلّي فقد ذكر عدّة أدلّة على ذلك.

(2)- عيون الأخبار: 1/ 72 و الخصال: 574 و البحار: 10/ 120- 145 و فيض القدير: 3/ 60.

(3)- العهد القديم، و هو التوراة، كتاب شعيا الفصل الحادي عشر، الآية الاولى.

126

المعتمد، ثمّ غاب سنة ظهر ثمّ غاب و هي الغيبة الكبرى، و لا يئوب بعدها إلّا إذا شاء اللّه، و لما كان قولهم أقرب لتناول هذا النص و كان غرضي الذبّ عن ملّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) مع قطع النظر عن التعصّب في المذهب؛ ذكرت لك مطابقة ما يدّعيه الإماميون مع هذا النصّ.

انتهى.

ثمّ ذكر بعد ذلك: إذا علمت ذلك فاعلم أن ما تحقّق عندي هو أنّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فمن خلقة آدم إلى مولد موسى (عليه السّلام) ثمان و ستّون سنة بعد ثلاثمائة و ألفي سنة، و من مولد موسى إلى مولد عيسى اثنتان و تسعون بعد ثلاثمائة و ألف سنة، و من مولد عيسى إلى مولد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاث عشرة و ستمائة سنة، و من ميلاد محمّد إلى بعثته أربعون سنة، يصير الجميع من خلقة آدم إلى ميلاد محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثا و سبعين بعد أربعمائة و أربعة آلاف سنة، فينبغي أن يكون من بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) إلى ظهور المهدي (عليه السّلام) مدّة سبع و ثمانين بعد خمسمائة و ألف سنة مضت منها احدى و أربعون و مائتان و ألف سنة و بقيت ست و أربعون و ثلاثمائة سنة (1) حتّى تتمّ مدّة ستّة آلاف سنة، فبعد مضي هذه المدّة يظهر المهدي و يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما، و تسلّط بنو هاشم على جميع المسكونة مدّة ألف سنة، و حينئذ يعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون. و أمّا ما ذكره بعض العلماء من أنّ المدّة الفاصلة بين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و بين المهدي (عليه السّلام) ألف سنة فليس بشي‏ء، برهان ساباطية.

البشارة الثامنة

فيه: البرهان الثامن ما ورد في الفصل الثاني و العشرين في الآية الاولى من كتاب الرؤيا ما ترجمته بالعربية: قوله: و أراني في وسطها نهرا معينا من ماء الحياة، مضيئا كالبلّور خارجا من كرسي اللّه و الحمل، و في أزقّتها و على كلّ طرف من طرفي النهر شجرة الحياة تثمر في كلّ شهر اثنتي عشرة ثمرة، و أوراق الأشجار شفاء الامم‏ (2).

____________

(1)- هذا إلى زمان المؤلّف و إلى زماننا أي سنة 1420 ه. ق. فيبقى على هذا الحساب مائة و سبع و ستون سنة.

(2)- العهد الجديد، الرؤيا 22 ليوحنا، الآية الاولى، و عبارته: و أراني نهرا صافيا من ماء حياة، لامعا كبلور، خارجا من عرش اللّه، و الحروف في وسط سوقها، و على النهر من هنا و من هناك شجرة حياة تضع اثنتي عشرة ثمرة و تعطي كلّ شهر ثمرها، و ورق الشجرة لشفاء الامم.

127

أقول: هذه كناية ظاهرة في حقّ آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و النهر هو شريعة محمّد، و كرسي اللّه و الحمل هو السماء و الحمل لقب عيسى (عليه السّلام)، و الشجرة هي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و الثمرات الاثنتا عشرة هم: علي و أولاده الأحد عشر على رأي الإمامية، و التثنية للتأكيد بتكرير الجملة، كما تقول: رأيت زيدا أخاك رأيت زيدا أخاك، و أوراق الأشجار هم السادة الذين هم من ولد فاطمة (رض)، الذين هم شفاء العالم، الذين حرّمت عليهم نار جهنّم، و إنّما قلت: حرّمت عليهم نار جهنّم، لأنّ الجنين يتركّب من كلا الماءين، و ليس في الوجود جزء لا يتجزّأ، فإذا تأذّى السيّد يتأذّى ربّ الجنود بأذيته و ذلك ممتنع عليه، و فيه بحث طويل لطيف، و لك أن تقول: إنّ النهر نفس محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و الشجرتان فاطمة و علي، ثمّ تقول و الأثمار الاثنتا عشرة هم الأئمّة الاثنا عشر بدخول علي فيهم، و الأوراق أولادهم، و هذا المقدار في الأمثال مقنع لمن له اذن واعية و فطنة كافية، و قد فسّرته بهذا التفسير للمطابقة مع ما قبله و إلّا فعليهم أن يفسّروا، و عليّ أن أمنع.

البشارة التاسعة

فيه: البرهان الحادي عشر ما ورد في الفصل الثالث من الآية الرابعة من لوقا (1)، و في الفصل الخامس و الأربعين في الآية الثالثة من كتاب أشعيا (2) [ما] ترجمته بالعربية: صوت صارخ في البرية، أعدّوا طرق الرب و هيّئوا سبله فإنّ كلّ واد سيمتلئ، و كلّ جبل و أكمة (3) ستتضع، و تعتدل المعوجات و تلين الصعاب و يشاهد خلاص اللّه كلّ ذي جسد.

أقول: هذا من أوضح البراهين الواردة في شأن محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و قد تغافل اليهود و النصارى عنه، فأوّله اليهود في شأن مسيحهم الموهوم، و أوّله النصارى في حقّ إلههم المعلوم، و الحقّ أنّه لا يدلّ على ذلك، أمّا أنّه لا يدلّ على المسيح الموهوم فلأنّ سياقه في أشعيا: سلوا شيعتي سلوهم، قال إلهكم: سلوا اورشليم و قولوا لها إنّ تعبها قد تمّ و خطيئتها قد غفرت؛ لأنّه قد وقع عليها من يد الرب لخطيئتها ضعفان من العذاب، و هذا صوت صارخ يقول في‏

____________

(1)- إنجيل لوقا من العهد الجديد: 75 الإصحاح الثالث الفصل التاسع، مع تفاوت في المطبوع.

(2)- كتاب العهد القديم كتاب أشعياء: 1064 باب 45.

(3)- أي الجبابرة.

128

البرية: يئسوا طريق الرب و وطّئوا لأجل إلهنا في البادية سبيلا مرتفعا، فإن كلّ واد سيرتفع و كلّ جبل و أكمة ستتضع، و سيعتدل المعوج و ستلين الصعاب و سيظهر مجد اللّه و يشاهده كلّ ذي جسم، لأنّ فم اللّه نطق به فقال الصوت: أصرخ، فقال: بما ذا أصرخ فإنّ جميع الأجسام كلاء و كلّ مجد ماكم هر الحقل ما لكلاء يذبل و الزهر يسقط، لأنّ روح الربّ ترف عليه و لا شكّ أن تملأ كلاء فيجفّ الكلاء و يسقط الزهر، و كلمة اللّه تمكث إلى الأبد.

فمن قوله: سلوا، إلى: من العذاب؛ ظاهر الدلالة على أنّ الواجب تعالى يقول لنبيّه أن يسلي و يخبر أمّته بما هو مزمع الوقوع، و باستقامتكم دعائم اورشليم في آخر الزمان. و في قوله: ضعفان من العذاب، إشارة إلى أنّها كانت قد أخطأت فانتقم اللّه منها بما أحدث عليها من الذلّ بعد المسيح (عليه السّلام) في أيّام تسلّط الروم و النصارى عليها إلى زمان محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و بعد محمّد أيّام تسلّط العرب عليها، و هي أيامنا هذه إلى زمان ظهور القائم (عليه السّلام)، و بعد ذلك تستقيم دعائمها و تعمر رسومها، و قد ذكر بعض المحقّقين أنّ المهدي (عليه السّلام) سينطلق إلى اورشليم و يصلّي فيها و يجتمع هناك بالمسيح عند نزوله.

و من قوله: هذا صوت صارخ، إلى قوله: نطق به، إشارة إلى يحيى بن زكريا (عليه السّلام) لما كان يعظ بهذه الجملة على شاطئ شط الأردن، و قوله: وطّئوا له في البادية سبيلا مرتفعا، لا يدلّ على غير السبيل المستقيم من مكة إلى اورشليم البتة؛ لأنّ اورشليم ليست في البادية.

و قوله: فإنّ كلّ واد، يريد به الجهال كأهل السواحل، و الارتفاع عبارة عن الصعود على ذروة طود الايمان و كلّ جبل، و أكمة يشير به إلى الجبابرة من الفرس و الروم، و الاتضاع الانقياد إلى أواخر الدين الحنيف و سيعتدل المعوج، إشارة إلى اليونانيين و حكماء الهند بقبول الشريعة الغرّاء لانحرف طبائعهم عن الانعطاف إلى اتباع النواميس الإلهية. و قوله: تلين الصعاب، كناية عن العرب لأنّهم هم أقوى الناس جنانا و أبعدهم إيمانا، و إلى ذلك أشار بقوله [تعالى‏] وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى‏ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ‏ (1) الخ. و قوله: سيشاهد مجد اللّه، أي المهدي (عليه السّلام) و السين لاستقبال البعيد و المعنى: إنّه إذا كملت جميع هذه الامور و بعث محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) يظهر المهدي (عليه السّلام).

و قوله: لأنّ فم الربّ قد نطق به، إشارة إلى وجوب وقوعه، و من قوله: فقال الصوت‏

____________

(1)- الشعراء: 198.

129

اصرخ الخ، ضرب من شديد التأكيد لوجوب وقوعه بلا دلالة لشي‏ء منه على مسيح اليهود الموهوم، اللهمّ إلّا أن يريدوا أنّ المسيح نفس المهدي (عليه السّلام)، فحينئذ يلزمهم الاعتراف بنبوّة عيسى و محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أمّا أنّه لا يدلّ على عيسى ابن مريم (عليهما السّلام) فلأنّ سياقه في أشعيا قد مرّ بيانه و لا محتمل له غيره، و لأن لوقا لم يذكره مستدلّا به عليه و لا قرينة هناك يؤول إليها الضمير، بل إنّه جملة مستأنفة في أوّل الإصحاح، و مضمون الإصحاح على الإجمال أن لوقا أخبر أنه في زمان كذا جاء يحيى بن زكريا إلى البرية و يصرخ و يقول كذا، و هذا لا يدلّ على المسيح ابن مريم بوجه من الوجوه، لكنّه يدلّ على بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و قيام المهدي (عليه السّلام)؛ لأنّ الجملة مستأنفة و القاعدة في المستأنفات أن تحمل على ما يناسبها فيكون ما ذكره لوقا ضربا من التأكيد لكلام أشعيا لا غير، فعليك أن تتأمّل في هذا البرهان فإنّه في غاية اللطافة.

البشارة العاشرة

في الدمعة الساكبة عن المقتضب عن حاجب بن سليمان أبو موزج السدوي قال: لقيت ببيت المقدس عمران بن خاقان الوافد إلى المنصور على يهود الجزيرة و غيرها، أسلم على يد أبي جعفر المنصور، و كان قد غلب حجج اليهود ببيانه و علمه، و كانوا لا يستطيعون جحده لما في التوراة من علامات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الخلفاء من بعده، فقال لي يوما: يا أبا موزج إنّا نجد في التوراة ثلاثة عشر اسما منها محمد و اثنا عشر بعده من أهل بيته هم أوصياؤه و خلفاؤه، مذكورون في التوراة، و ليس فيهم القائمون بعده من تيم و لا عدي و لا بني امية، و إنّي لأظنّ ما تقول هؤلاء الشيعة حقّا. قلت: فأخبرني به، قال: لتعطيني عهد اللّه و ميثاقه أن لا تخبر الشيعة بشي‏ء من ذلك فيظهروه عليّ. قلت: و ما تخاف من ذلك و القوم من بني هاشم؟ قال: ليست أسماؤهم أسماء هؤلاء، بل هم من ولد الأوّل منهم و هم محمد و من بقيّته في الأرض من بعده، فأعطيته ما أراد من المواثيق، و قال لي: حدّث به بعدي إن تقدمتك و إلّا فلا عليك أن لا تخبر به أحدا: نجدهم في التوراة عبارة ذكر ترجمتها: إن شموعل يخرج من صلبه ابن مبارك- صلواتي عليه- يلد اثني عشر ولدا، يكون ذكرهم باقيا إلى يوم القيامة، و عليهم القيامة تقوم، طوبى لمن عرفهم بحقيقتهم‏ (1).

____________

(1)- مقتضب الأثر: 39 و بحار الأنوار: 36/ 225.

130

البشارة الحادية عشرة

فيه: عن الإقبال عن أبي المفضل في حديث طويل: أن علماء نصارى نجران أحضروا صحيفة آدم الكبرى و نقلوا منها كلاما طويلا في الإخبار بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و نعته و صفة أهل بيته و أوصيائه و منازلهم و مرتبتهم عند اللّه عزّ و جلّ، إلى أن قال: ثمّ صار القوم إلى ما نزل على موسى فألغوا في السفر الثاني من التوراة: إنّي باعث في الاميين من ولد إسماعيل رسولا انزل عليه كتابي و أبعثه بالشريعة القيّمة إلى جميع خلقي، اوتيه حكمي و اؤيّده بملائكتي و جنودي، يكون ذريته من ابنة له مباركة باركتها ثمّ من شبلين لها كإسماعيل و إسحاق، أصلين شعبين عظيمين، أكبرهم جدّا جدّا، يكون منهم اثنا عشر قيّما، أكمل لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و بما أرسله به من بلاغ و حكمة ديني، و أختم به أنبيائي و رسلي، فعلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أمّته تقوم الساعة. الحديث‏ (1).

البشارة الثانية عشرة

فيه: عن علي بن عيسى في كشف الغمّة: حكى لي بعض اليهود و رأيته أنا في توراة معرّبة و قد نقله الرواة أيضا: إسماعيل قبلت صلواته و باركت فيه و أنميته و كثّرت عدده بمادماد، و قيل: معناه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و عدد حروفه اثنان و تسعون حرفا، ساخرج اثنا عشر إماما ملكا من نسله و أعطيه قوما كثير العدد. و أوّل هذا الفصل بالعبري: لا شموعيل شمعثخوا. انتهى‏ (2).

البشارة الثالثة عشرة

فيه: عن كتاب إثبات الهداة عن الشيخ المفيد في جواب المسائل السروية: قد بشّر اللّه عزّ و جلّ بالنبي و الأئمّة في الكتب الاولى فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائه و أهل الكتب يقرءونه و اليهود يعرفونه: أنه ناجى إبراهيم في مناجاته: إنّي قد عظمتك و باركت عليك و على إسماعيل، و جعلت منه اثني عشر عظيما و كبرتهم جدّا جدّا، و جعلت منهم‏

____________

(1)- إقبال الأعمال: 2/ 340.

(2)- مناقب آل أبي طالب: 1/ 246.

131

شعبا عظيمة لامّة عظيمة، و أشباه ذلك كثيرة في كتب اللّه تعالى، انتهى‏ (1). و عن الشيخ زين الدين علي بن محمد بن يونس البياضي في كتاب الصراط المستقيم: في السفر الأوّل من التوراة: نزل الملك على إبراهيم (عليه السّلام) و قال: إسماعيل يلد اثني عشر عظيما (2).

البشارة الرابعة عشرة

فيه: عن كتاب الغيبة ما هذا نصّه: فما ثبت في التوراة ممّا يدلّ على الأئمّة الاثني عشر ما ذكر في السفر الأوّل فيها من قصّة إسماعيل بعد انقضاء قصة سارة، و ما خاطب اللّه به إبراهيم في أمرها و ولدها قوله عزّ و جلّ: و قد أجبتك دعاءك في إسماعيل و قد سمعتك ما باركته و سأكثره جدّا جدّا، و سيلد اثني عشر عظيما أجعلهم أئمّة كشعب عظيم. ثمّ قال:

و أقرأني عبد الحكيم بن الحسن السمري (رحمه اللّه) ما أملاه عليه رجل من اليهود بأرجان يقال له الحسن بن سليمان من علماء اليهود، بها من أسماء الأئمّة بالعبرانية و عدّتهم، و قد أثبته على لفظه و كان فيها قراءة: إنّه يبعث من ولد إسماعيل- و اسم إسماعيل في التوراة اشموعيل- ميمي ما يد يعني محمّدا، يكون سيّدا و يكون من آله اثنا عشر رجلا أئمّة و سادة يقتدى بهم:

تقوبيث قيذوا دبيرا مغسورا مسموعا دوموه مشبو هذار يثيمو بطور توقس قيذموا. و سئل هذا اليهودي عن هذه الأسماء في أي سورة هي فذكر أنّها في سدّ سليمان، أي في قصّة سليمان، و قرأ منها أيضا كلاما تفسيره و ترجمته: إنّه يخرج من صلب إسماعيل ولد مبارك عليه صلواتي و عليه رحمتي يلد منه اثنا عشر رجلا يرتفعون و ينجلون، و يرتفع اسم هذا الرجل و يحلو بعلو ذكره، و قرأ هذا الكلام و التفسير على موسى بن عمران بن زكريا اليهودي و قال فيه إسحاق بن إبراهيم يحسبونه اليهودي العيسوي مثل ذلك، و قال سليمان بن داود النوشجاني مثل ذلك. آخر كلام النعماني‏ (3).

البشارة الخامسة عشرة

فيه: عن المقتضب عن سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب: كنت مع أبي عند كعب‏

____________

(1)- المسائل السروية للمفيد: 43.

(2)- الصراط المستقيم: 1/ 55.

(3)- غيبة النعماني: 108 ح 38 باب 4.

132

الأحبار فسمعته يقول: إنّ الأئمّة من هذه الامّة بعد نبيّها على عدد نقباء بني إسرائيل، و أقبل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال كعب: هذا المقبل أوّلهم و أحد عشر من ولده، و سمّاهم كعب بأسمائهم في التوراة: تقوبيث قيذوا دبيرا مغسورا مسموعا دوموه مشيو هذاريتيمو (1) بطور توقس قيذموا. قال أبو عامر هشام الدستواني: لقيت يهوديا بالحيرة يقال له: عثوا بن أوسوا (2) و كان حبرا لليهود و عالمهم فسألته عن هذه الأسماء و تلوتها عليه. فقال لي: من أين عرفت هذه النعوت؟ قلت: هي أسماء. قال: ليست أسماء لو كانت أسماء لتطرّزت في تواطؤ الأسماء، و لكنّها نعوت لأقوام و أوصاف بالعبرانية صحيحة نجدها عندنا في التوراة، و لو سألت عنها غيري لعمي عن معرفته أو تعامى. قلت: و لم ذلك؟ قال: أمّا العمى فللجهل بها، و أمّا التعامي لئلّا يكون على دينه ظهيرا و به خبيرا، و إنّما أقررت لك بهذه النعوت لأني رجل من ولد هارون بن عمران، مؤمن بمحمّد، أسر بذلك عن بطانتي من اليهود الذين لم اظهر لهم الإسلام و لن اظهره لأحد بعدك حتّى أموت.

قلت: و لم ذلك؟ قال: لأنّي أجد في كتب آبائي الماضين من ولد هارون أن لا نؤمن بهذا النبي الذي اسمه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ظاهرا و نؤمن به باطنا حتّى يظهر المهدي القائم (عليه السّلام) من ولده، فمن أدركه منّا فليؤمن به، و به نعت الأخير من الأسماء. قلت: و بما نعت به؟ قال: نعت بأنّه يظهر على الدين كلّه، و يخرج إليه المسيح فيدين به و يكون له صاحبا. قال: فانعت لي هذه النعوت لأعلم علمها؟ قال: نعم فعه عنّي و صنه إلّا عن أهله و موضعه: أمّا تقوبيث فهو أول الأوصياء و وصي آخر الأنبياء، أما قيذوا فهو ثاني الأوصياء و أوّل العترة الأصفياء. و أمّا دبيرا فهو ثالث الأوصياء و ثاني العترة و سيّد الشهداء، و أمّا مغسورا فهو سيّد عبد اللّه من عباده، و أما مسموعا فهو وارث علم الأوّلين و الآخرين، و أمّا دوموه فهو المدره الناطق عن اللّه الصادق، و أمّا مشيو فهو خير المسجونين في سجن الظالمين، و أمّا هذار فهو المنخوع‏ (3) بحقّه النازح عن الأوطان الممنوع، و أمّا يثيمو فهو القصير العمر الطويل الأثر، و أمّا بطور فهو رابع أي رابع من سمي بهذا الاسم اسمه، و أمّا توقس فهو سمّي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و أمّا قيذموا فهو

____________

(1)- في البحار: يثمو.

(2)- في المقتضب: عتو بن لوسو.

(3)- المنخوع: الممنوع.

133

المفقود من أبيه و أمّه، الغائب بأمر اللّه بعلمه و القائم بحكمه‏ (1).

البشارة السادسة عشرة

فيه: عن كتاب ضياء العالمين عن الشيخ محمد بن علي الكراجكيّ و بعض علماء اليهود بعد إسلامه، في رسالته التي ألّفها في بشارات اللّه و أنبيائه بمجي‏ء نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، ثمّ قال:

و قد صرّح جمع بأنّها في السفر الأوّل من التوراة، في ذكر البشارة لإبراهيم في قبول دعائه في حقّ إسماعيل، ثمّ ذكر العبارة و لغته ملخّص ما فيه: و في إسماعيل سمعت دعاءك، ها أنا باركته و أثمرته و كثرته بعظيم عظيم أو بمحمّد و اثني عشر شريفا يولدون منه، و أعطيته لقوم عظيم كبير (2).

البشارة السابعة عشرة

في قوام الأمّة عن مكاشفات يوحنا في الباب الثاني عشر في الآية الاولى ما ترجمته: إنّه ظهر في السماء علامة و هي امرأة لبست الشمس، و تحت رجليها القمر، و على رأسها تاج من اثني عشر كوكبا، فبينما هي حامل و إذا بثعبان سيمتلئ، و كلّ جبل و أكمة ستتضع و تعتدل المعوجات و تلين الصعاب، تلك الكواكب على الأرض و الثعبان واقفة عند المرأة الحاملة على الوضع لتأخذ مولودها بعد وضعها، فوضعت ذكرا سويا يحكم على جميع الطوائف بعصا من حديد، فاجتلب و أخذ إلى اللّه و بلغ إلى مقرره و سريره، انتهى‏ (3).

قال المؤلّف: المراد بالمرأة هي فاطمة الزهراء حيث غلبت نورها الشمس، و القمر تحت رجلها و هي أعلى و أجلّ، بل نوره جزء من آلاف جزء من أجزاء نورها و مكتسب منها، و التاج المشتمل على البروج الاثني عشر الأئمّة الاثنا عشر (سلام اللّه عليهم أجمعين)، و المراد من تلك الثعبان شجرة بني أمية، الشجرة الخبيثة، قتلت الكواكب المعنوية المشرقة، و المراد من الطفل هو الإمام القائم (عليه السّلام) الغائب، حيث أراد الأعداء قتله فاختفى و حجب عن‏

____________

(1)- مقتضب الأثر: 28- 29، و البحار: 36/ 224 و غيبة النعماني: 109 ح 38.

(2)- كتاب الأربعين لمحمّد طاهر القمي: 358 و الصراط المستقيم: 2/ 238.

(3)- قوام الامّة في رد شياطين الكفرة للشيخ محمد تقي، مخلوط بالفارسية.

134

الأبصار، و العصا الحديد كناية عن السيف، فيقاتل من على وجه الأرض من الطوائف بالسيف و يملأ الأرض قسطا و عدلا و يضمحل و ينهدم بنيان الكفر و الضلال و الظلم، و ليس مراد اليسوع المسيح لأنّه (عليه السّلام) لم يقاتل قط، و إنّما كان المسيح مظهرا للرحمة، و يمكن أن يكون المراد من النجوم الاثني عشر محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و عليا و العشرة من أولاده، و القمر كناية عن القائم (عليه السّلام)، و لا ينطبق على مريم و اليسوع و الحواريين؛ لأنّهم و إن كانوا اثني عشر إلّا أنّه ارتدّ واحد منهم فينافي العدد المعلوم.

و ما فسّره بعض علماء النصارى من أنّ المراد من المرأة هي المعبد و الكنيسة، و النجوم الاثني عشر عبارة عن الحوراء الملازمة لها الحافات حولها، و ذلك حيث ذكر في الباب الثاني من المكاشفات أن اكتب للحوراء الموكّلة بكنيسة أقس أنّ من بيده النجوم السبع يسير في المصابيح السبعة المذهبة، ففيه أن الكنائس لا تشتمل على الحور و لا يناسب ذكر النجم لها أيضا و بعيد جدّا، و التعبير عن الخادم و الحارث و الحفظة مع ما هم عليه من الظلمة بالنورانية و البهاء أبعد خطأ عند العقلاء.

البشارة الثامنة عشرة

في حسام الشيعة (1) عن الفصل العاشر من كتاب عزير (2) أن أهل سامراء يشردون سلطانهم و رئيسهم على وجه الماء كزبد البحر. و المسيحية يؤوّلون هذه الآية و يطبقونها على المسيح و لا نسبة للمسيح و سامراء بوجه من الوجوه أبدا و عدم المناسبة ظاهر، كما أن انطباقه على القائم (عليه السّلام) ظاهر و صريح لما رأوه في سرداب داره منهزما مستترا عن أبصار الظلمة على البحر الذي ظهر هناك بإعجازه (عليه السّلام) فغاب عنهم، و السرداب ذاك حينئذ مقام معروف، مزار للشيعة مع أنّهم لم يذكروا و لم ير في تواريخهم شي‏ء من فرار المسيح أو مروره على هذا الطريق و الأراضي، فلا ينطبق عليه قطعا، هذا مع ما في ذلك الفصل من الكتاب المذكور حيث يقول اللّه سبحانه إغضابا لتلك البلدة ما حاصله و ترجمته: إنّه يهجم بهم سامراء لأنّ أهلها أغضبوا ربّهم، و يقطّع أطفالهم إربا إربا و يشقّ بطون نسائهم الحبليات،

____________

(1)- للسيّد محمد علي الحسيني السدهي الاصفهاني، الذريعة: 7/ 12.

(2)- لم نجد في التوراة اسم هذا الكتاب، نعم يوجد كتاب اسمه: عزرا.

135

و المواعيد المعلومة كناية عن هجمها، و قد وقع جميع ذلك بعد غيبته.

البشارة التاسعة عشرة

فيه: ما ناجى اللّه داود في السفر الحادي و السبعين من الزبور قوله: اللهمّ أعط قيامتك للسلطان و حجّتك لذريته، إلى أن يقول: و سيظهر في دولته حجّة و يزيد العدل و القسط إلى أن يزول القمر، و يحكم من البحر إلى البحر، و من الوادي إلى جميع ما على وجه البسيطة، و تنعطف له العالم، و تقبّل رجله الجيش، و تلعس الأرض عنده الأعداء، و تهدى إليه الهدايا من سلاطين الجزائر و يقدم له من سلاطين العرب و اليمن التقديمات و يسجدون له و يثنى عنده جميع سلاطين الأرض و ملوك العجم عنده‏ (1)، و النصارى يطبقون هذه البشارات على المسيح. و فساده ظاهر لعدم سلطنته، و لو سلم أنّ المراد به السلطنة الواقعية المعنوية فلم يكن له عقب من ذريته له سلطنته، و اقتدار، ثمّ المراد بزوال القمر لا شكّ أنّه القيامة فيلزم أن يكون العدل و القسط مبسوطان في العالم من زمان المسيح إلى القيامة، و خلافه ظاهر، و كذا سائر الإخبارات من تقبيل الجيش و ذلّ الأعداء و اهداء السلاطين و ملوك الجزائر، و كذا إهداء ملوك العرب و اليمن و سجود جميع السلاطين و تثنية ملوك العجم عنده و حضورهم لديه، و لم يذكر أحد منهم شيئا من هذه الامور بالنسبة إلى المسيح مع اهتمامهم بتواريخهم من الضبط، و لما كانت السلطنة العامة القاهرة لنبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ثابتا باتّفاق المؤرخين في هذه النشأة، و الموهبة العظيمة و السلطنة الرفيعة و الشفاعة الكبرى للعصاة في يوم القيامة، و تقدّمه على جميع الأنبياء في ذلك اليوم و بيده مفاتيح أبواب الجنان الثمانية، فيكون هو المراد بالسلطان، و أولاده و ذريته و عترته فهم السلطنة، و لما تواتر (2) في الأخبار انطباق جميع الإخبارات المعلومة في الرجعة من طرق الشيعة بالقائم (عليه السّلام)؛ فالمراد به هو ليس إلّا لأنّه الملقّب بالحجّة و هو المظهر حجّته بعد ظهوره للعالمين، و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و يبقى عدله إلى القيامة و ينفذ حكمه على العالمين، و تذلّ له جميع السلاطين و تخضع له رقاب الجبابرة و الطاغين.

____________

(1)- العهد القديم، و هو التوراة، كتاب الزبور السفر الواحد و السبعون، بتفاوت في اللفظ.

(2)- راجع مختصر البصائر: 17- 19- 20- 26- 43، و كتاب الرجعة للأسترآبادي.

136

البشارة العشرون‏

فيه: عن الفصل الأوّل من كتاب ميلكيس‏ (1) و هو الذي يقول بنو إسرائيل بنبوّته، يقول اللّه سبحانه: إنّه يأتي زمان كالتنور المسجرة، و الظلمة فيه كالذرة فتحترق فيه أهل الظلم بحيث لا يبقى منهم عرق، و سيطلع عليكم أيها الخائفين عن اسمي من تحت جناحه شمس العدالة و الشفاء، إلى أن يقول عزّ و جلّ: إنّا سنبعث عليكم قبله الإيليا. هذا و لم ينقل النصارى محو آثار الظلمة في زمان عيسى، و كيف يختص هذا الخبر من قطع عرق الظلم و محو آثاره بزمانه مع اتّفاقهم على شيوعه في ذلك الزمان خاصة و اجتماعهم على قتل المسيح و صلبه و هكذا بعده من الأزمنة؟ و اتفقت الكلمة و تواتر الأخبار على محوه في زمان القائم و امتلاء العالم من العدل و القسط، و لم ينقطع و لم يمح في زمان نبي من الأنبياء، فتعيّن أنّه المعتبر بشمس العدالة و الشفاء حتّى يملأ الأرض بوجوده قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا.

و المراد من أنّ الشفاء يكون تحت جناحه حتّى يشتفي به مرض جميع الكفّار و المخالفين و لا يبقى من مرض الكفر و الشرك على وجه الأرض قط أبدا. و المراد بإيليا هو قطب الأولياء أمير المؤمنين (عليه السّلام) لأن إيليا على اصطلاحهم الإلياس، و ليس المراد إلياس النبي لأنّ هذه العبارة الصادرة من ميلكيس و إنّما هو في زمان المسيح، و إلياس في عصر داود فالإلياس قبل ميلكيس بأزمنة بعيدة فلا ينطبق على إلياس نفسه. و ليس المراد به يحيى لأنّه ذكر في الفصل الأوّل من انجيل يوحنا أنّ اليهود أرسلوا علماءهم إلى يحيى و سألوه:

أنّك الإيلياء الموعود؟ فأجابهم: إنّي لست بإيلياء الموعود و إنّما أنا يحيى، فيظهر أنّ اليهود كانوا ينتظرونه إلى زمان يحيى، على أن ما استظهر من الفصول الإنجيلية هو أنّ المسيح و يحيى كانا معاصرين، فظهر ممّا ذكر أنّ البشارة السابقة من قوله: إنّا نبعث قبل ذلك اليوم المهول الإلياء لا ينطبق على ما ذكر و أنّ المراد به هو أمير المؤمنين (عليه السّلام).

و يؤيّده ما تواتر به الإخبار من أنّ اسمه (عليه السّلام) في التوراة إيليا (2).

____________

(1)- لم أجد في العهد القديم و العهد الجديد هذا الاسم.

(2)- راجع الاحتجاج: 1/ 308 و مناقب آل أبي طالب: 2/ 100 و: 3/ 67.

137

و في باب علامات ظهور القائم (عليه السّلام) الحجّة ابن الحسن (عليه السّلام) بارز عند [زوال‏] الشمس و المراد به هو علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فإنّه سيظهر في أوان الظهور عندها، و تقف الشمس في مركزها عن المسير ساعة فيظهر وجهه و بهاؤه بحيث يعرفه الناس و ينادي أن بعث اللّه باقيا يعني الصاحب لهلاك الظلمة (1). و في الحديث: إنّ خروج الدابة إنّما هو بعد الدجّال و خروجها من جبل صفا في مكة، و معه خاتم سليمان و عصا موسى فيضع الخاتم على المؤمن و الكافر فيوسمهم فيعرفون به‏ (2). و سئل رأس الجالوت عن دابة الأرض فقال: إنّ اسمه إيليا (3). فصدق ما في الأخبار أنّ خروج إيليا إنّما يكون قبل خروج القائم (عليه السّلام) بيسير.

البشارة الحادية و العشرون‏

فيه: عن الفصل السابع و الثلاثين من كتاب زكيال النبي‏ (4) قوله: إني أجمع أهل الإسلام و ألمّ شعثهم و آتي بهم على الأرض، و يحكم على جميعهم سلطان حاكم، فلا ينقادون بعد ذلك لسلطانين، و لا يذلّون و لا يكرهون من سوء اختيارهم و فعالهم و عصيانهم بعبادة الأصنام قط، و سأطهّرهم من رجسها، و أنا اللّه ربّهم و عبدي داود نبيّهم و سلطانهم، و ينفرد الراعي على جميعهم، فيمشون في حججي و يحفظون أحكامي. و لمّا كان زكيال هو على اعتقاد النصارى بعد داود بمنزلة داود (عليه السّلام) و أبا لسليمان (عليه السّلام) فلا يمكن أن يقال المراد هو داود، و كذا لا ينطبق على المسيح من تأويلهم أنّ المسيح كان يعبّر عنه داود (عليه السّلام)؛ لأنّ التعبير هذا بهم خاصة، و ليس من اللّه و لا في الكتب السماوية، و باتفاق النصارى أنّ المسلمين من بني إسرائيل ما اجتمعوا في زمان المسيح و لم يأتوا أرضهم و ديارهم، و إنّما كانوا متفرّقين مشرّدين، بل إنّما اشتدّ تفرّقهم في تلك الأزمنة، و ليس في التواريخ من كان فيهم (ح) مسمّى بداود (عليه السّلام) حاكما على جميع بني إسرائيل، و ليس المراد بالسلطان المسيح لعدم اقتداره و سلطنته، و كذا لم يتعرّض مؤرّخ اجتناب أحد من عبدة الأصنام في ذلك الزمان عمّا هو

____________

(1)- مختصر بصائر الدرجات: 206 بتفاوت و تأويل الآيات: 1/ 387.

(2)- مختصر البصائر: 208 و تأويل الآيات: 1/ 406 و مجمع الزوائد: 8/ 8.

(3)- مختصر البصائر: 208 ضمن حديث طويل.

(4)- لم نجد في التوراة هذا الاسم.

138

عليه، و انهدام معابدهم و إعدام أصنامهم، و إنّما يتوجّه النصارى بالطعن على بني إسرائيل لعدم إيمانهم بالمسيح، و لما يعتقدونه من انتساب قتل المسيح إليهم؛ فظهر ممّا ذكر عدم انطباقه على المسيح (عليه السّلام) أيضا، فتعيّن انطباقه على القائم المنتظر (عليه السّلام).

و يؤيّده ما ذكر في الأخبار من وقوفه بعد ظهوره بين الركن و المقام و ندائه بأعلى الصوت:

ألا أيّتها الجماعة المخصوصة بي و المدّخرة المحفوظة المنتصرة من اللّه لي من قبلي على وجه الأرض، أسرعوا إليّ، فيقرع اللّه بذلك النداء أسماعهم حيث ما كانوا من المشرق و المغرب، فيأتونه طرفة عين و يحضرون حوله و يجتمعون لديه‏ (1).

و هذا هو المراد بالآية و البشارة من اجتماعهم بعد تفرّقهم، و لمّهم بعد شعثهم، و إتيانهم أرض مكّة و قبلة الإسلام، و لما اتفقت الكلمة من أصحابنا على إعلائه على ملوك الأرض و جميع السلاطين و محو آثارهم و انحصار السلطنة به، فهو المراد من الحاكم على الجميع، فلا ينقادون حينئذ لأحد غيره، و لا لسلطانين لأنّه ماحي أثر الكفر و الشرك عن الأرض، و الاختلاف عن الملل و الأديان، و يتّحد الأديان كما وعد الرّحمن في القرآن بقوله‏ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (2) و في الاخرى‏ وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏ (3) فيحتمل على هذا أن يكون الدار محرّفا من مهدي، و إلّا فيكون إشارة إلى الخبر المروي فيه (عليه السّلام) من أنّه يحكم بحكم داود (4)، أي يحكم في الناس على الواقع كما كان يحكم داود (عليه السّلام)، و ما ذكر من أنّهم يمشون في حججي و يحفظون أحكامي، يشعر بالحديث المروي فيه من رفعه (عليه السّلام) الاختلاف من بين الناس، و يرفع العالم أمنا، و يطيع الناس إيّاه و محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام)(5).

البشارة الثانية و العشرون‏

فيه: عن الفصل الثاني من كتاب «حول النبي» (6) أن ارفعوا أصواتكم في جبلي المقدس‏

____________

(1)- كمال الدين: 2/ 370 بتصرّف، و البحار: 52/ 342، و تفسير العياشي: 2/ 56 ح 49.

(2)- التوبة: 33.

(3)- الأنفال: 39.

(4)- بصائر الدرجات: 279 و اصول الكافي: 1/ 397.

(5)- مسند أحمد: 3/ 37 و سعد السعود: 34 ذكر إدريس.

(6)- لم أجد في التوراة هذا الاسم.

139

لأنّه إلى يوم الصاحب و قرب يوم الظلمة و يوم العجاج و المطر، و فيه تنتشر كثير من الامّة و الشجعان، لم يكن مثلهم في الأوّلين و لا يأتي كمثلهم في الآخرين، ينتشرون في الجبال و تكون بين أعينهم نار محرقة [و] من ورائهم نار موقدة ذات زفير و شهيق، و تكون بين عينيه الأرض كالبساتين المخضرة، و من ورائه الأرض القفراء و لا يقدر أحد على الانهزام منه.

و يتراكض جنده كالخيل القوي المسرع، و أصواتهم يرى كصوت الجنود العظيمة المرتفعة في قلل الجبال، و هم كالنار المحرقة للقشاش، و هم مستعدّون للحرب بين يديه كالامّة القوية و الشجعان العلية، و تبتلى الامّة بغضبة و تسودّ به الوجوه، و أمّة الصاحب يركضون كالشجعان و يعلون الحيطان، آخذين طريقهم نصب أعينهم، غير تاركيه يوم يفرّ المرء من أخيه و لا ينجيه، و تتزلزل به الأراضي و تتحرك به السماوات و تظلم الشمس و القمر. إلى أن يقول: فيصيح الصاحب قبالة جنده لأنّهم كثيرون و هم الشجعان و هم مطيعوه، فيوم الصاحب يوم عظيم مهول و من يطيق على ذلك اليوم، انتهى.

و النصارى يأخذون هذه الآيات برهانا على خاتمية المسيح مع أنّه لم ينقل فيه ظهور صوت ممتاز عنه حين تولّده أو بعثته قط، و باتّفاق جميع النصارى أنّ أمّته لم تكن كثيرة و لا شجاعة ممتازة، و كذا جميع ما ذكر من العلامات، و كما يظهر من الأسفار الإنجيلية أنّ المسيح لم يزل شاردا منهزما من اليهود و مختفيا عنهم في البراري و الصحاري، و لما ظهر من الإشارة إلى اللقلب الصاحب المخصوص بالقائم المهدي (عليه السّلام) كما هو المبيّن أيضا من العلامات المذكورة و البشارات المسطورة في المقام؛ فلا يخفى على من له أدنى مسكة انطباقها عليه لا المسيح، و ينادي المنادي مقارنا لظهوره حين طلوع الشمس عند قرصها بصوت جلي يسمعه أهل السماوات و الأرضين، فيعيد نسبه الشريف إلى جدّه الحسين (عليه السّلام).

ثمّ المراد بيوم الظلمة و يوم تموّج الهواء و العجاج و المطر و الريح، إشارة إلى إتيانه بعد ظهوره بمدينة، فيمتحن الناس في الجبت و الطاغوت و يأمر الناس بالبراءة منهما و يتوعّد العذاب على من لم يتبرّأ منهما، فيأبى محبّوهما و شيعتهما ذلك، فيأمر القائم الريح الأسود فيهلكهم جميعا (1)، و عدد الامّة و أصحابه يكون ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا من الأتقياء،

____________

(1)- مختصر البصائر: 187 ضمن حديث طويل و مفصّل.

140

و يكون رجوع الشيعة الخاص و خروج السيّد الحسني مع جمع كثير، و نزول عيسى (عليه السّلام) و أصحاب الكهف و رجعة الأنبياء و الأوصياء، و معاونة جمع كثير من الملائكة و الشجعان، و ذلك على ما في الحديث من أنّه يعطى يومئذ لكلّ أحد من الشيعة قوّة أربعين شجاعا، و قلوبهم أقوى من الحديد (1) و لو شاءوا لقلعوا الجبال الحديد الرواسي، و الخوف عن قلوبهم زائل، و إلى قتال الأعداء مائل و يسحقون أعادي اللّه سحقا، و ينشرهم في الجبال و القفار انتشارا، و إذا طاف بجنوده العالم لا يبقى على الأرض من الكافرين ديّارا و لو التجأ إلى شجر أو كنف حجر فينادونه أن عدوّ اللّه التجأ إلى كنفي و مختف عندي، فخذوه و اقتلوه‏ (2).

و المراد بقوله: و تكون نار محرقة و نار موقدة، أن المخالف و الطاغي عن إطاعته يبتلى بالنار الموقدة من ضربه بين أيديه أو ورائه. و من قوله: بين يديه البساتين المخضرة، إلى ما روي فيه و في زمانه من أنّ اللّه عزّ و جلّ ينزل حينئذ بركاته من السماء حتّى أن كلّ شجرة تثمر ما شاء اللّه، و تثقل أغصانها من ثمرتها حتّى تنكسر، و توجد ثمرة الشتاء في الصيف و ثمرة الصيف في الشتاء و تمطر السماء بمطر الرحمة (3) و قد قطع عن العالمين من يوم السقيفة و غصب خلافة أمير المؤمنين (عليه السّلام)، فلو أن أحدا خرج من العراق إلى الشام لم يضع قدما و يرفع إلّا على العشب و الخضر، كما ذكر في الفصل التاسع من كتاب «امس النبي» أنّ الجبال حينئذ تقطر و يجري منها السمن، و تجري من دار الصاحب عين عذب.

و المراد من داره مسجد الكوفة، و قد ورد في الحديث أنّ العيون الجارية من المسجد يومئذ أربعة؛ عين السمن و عين الحليب و عين ماء الطهور و عين ماء. و المراد من قوله: و من ورائه الأرض القفراء، إشارة إلى انهدام العالم؛ و عماراتها. و المراد من الركض كالخيل ما ورد من طي الأرض تحته و تحت جنده، و تقطع المسافة البعيدة بأسرع ما يكون‏ (4). و المراد من ركضهم كالشجعان و اعتلائهم الحيطان ما ورد من طي رجله أو رجل أصحابه حتّى يقطعوا

____________

(1)- راجع مجمع البيان: 4/ 398 و البحار: 52/ 186- 304 ح 73.

(2)- بحار الأنوار: 52/ 188- 300 ضمن حديث طويل.

(3)- مختصر البصائر: 51 الخرائج و الجرائح: 2/ 848 ح 63.

(4)- كناية عن طي الأرض، راجع إثبات الهداة: 3/ 570 ح 686.

141

المسافة البعيدة بزمان قليل‏ (1).

و المراد من ابتلاء الامم بغضبة خسف الأرض بمخالفيه من السفياني‏ (2) و جنده و هم ثلاثمائة ألف نفر و الخسف الواقع بخراسان، و خراب كثير من البلدان فيأخذ كل ذي طريق طريقه و لا يتخلّف عنه و لا يؤذي أحد أحدا، و هذا إشارة إلى الحديث المروي من تصفية القلوب حينئذ من الحقد و العدوان، و المعز و الذئب في المرعى يرعيان سيّان، حتّى أن المرأة تخرج بزينتها و حليها من العراق إلى الشام تمشي على أراضي الخضرة المعشوشبة و لا يعارضها أحد، و لا يؤذيها مفترس‏ (3).

و المراد بحركة السماء حركة ملائكتها لنصرته. و المراد من ظلمة الشمس و القمر ظلمتهما خلاف العادة، فظلمة القمر في آخر رمضان، و الشمس في نصفه. و المراد من صيحة الصاحب قبالة الجند، إلى آخر الآية و الأحاديث المروية في كثرة جنده و كمال شجاعتهم و غاية إطاعتهم له (عليه السّلام)، و يومه أيضا يوم عظيم مهول لا يطيق المخالف عليه، و هذا ظاهر لمن له أدنى تتبّع في حالاته و أيّام ظهوره‏ (4).

البشارة الثالثة و العشرون‏

في حسام الشيعة عن الفصل الأوّل من كتاب صفنيا النبي من قوله: قرب زمان الصاحب، و يكون ذلك اليوم يوم مرّ تهرب منه الشجعان و يوم ضيق القلب و اضطراب الحال، و الظلمة و العجة و الرياح العاصفة و الصوت العظيم في البلاد المعمورة و الأماكن و الغرف العالية، فيضطرب الناس فيمشون مشي الأعمى لعصيانهم بالصاحب، و تهرق دماؤهم و تطحن أجسادهم، فلا ينجيهم ذهبهم و فضّتهم يوم غضب الصاحب؛ لأنّه حين غضبه تحرق جميع وجه الأرض‏ (5). و النصارى زعموا انطباق هذه العلائم بالمسيح مع أنّ المعلوم من تواريخهم أنّ شيئا منها لا يلائم زمانه، و كيف و المذكور في الآية قرب يوم الصاحب. إلى أن يقول:

____________

(1)- مستدرك الوسائل: 12/ 335 ح 6.

(2)- عقد الدرر: 74 الباب الرابع.

(3)- سنن ابن ماجة: 2/ 1359 ح 4077، و عقد الدرر: 157 باب 7، و إثبات الهداة: 3/ 599 ح 65 باب 32 فصل 2، و منتخب الأثر: 461 الباب السابع ح 7.

(4)- راجع ما تقدّم من مصادر في الهوامش السابقة.

(5)- العهد القديم، التوراة، كتاب صفنيا، الإصحاح الأوّل بتفاوت في اللفظ.

142

و ذلك لعصيانهم بالصاحب.

ثمّ قوله: لا ينجيهم ذهبهم و فضّتهم يوم غضب الصاحب، و اتّفقوا على أن المسيح لم يكن غضوبا و ما غضب قط، و يظهر من العبارة صحّة انطباقه على القائم (عليه السّلام) لا غير، و ذلك لأنّه لا شك في أن المراد بالصاحب غير قائلها المخبر عن وجوده و مجيئه، و أنّ النصارى يزعمون في المسيح الألوهية، فباعتقادهم هو قائلها و المخبر بمجيئه و المبشّر لظهوره، فيكون الصاحب غيره، و لا يكون ذلك الغير إلّا القائم (عليه السّلام) بدلالة لفظ الصاحب لظهوره و اقتداره على المخالفين و المعاندين، و استعلائه على الجبابرة الطاغين و تضييقه على الامراء و السلاطين، فيكون يومئذ على كفّار و المعاندين يوما عبوسا قمطريرا و عذابا صبا، أو المراد ما يقع في القلوب من الخوف و الهول و الاضطراب بنداء يناديه جبرائيل، و ذكره إيّاه باسمه و نسبه يفزع و يقوم النائم و يجلس القائم و يقوم الجالس لما دهاه من الاضطراب و الاندهاش.

و المراد من الظلمة و العجة و الأرياح العاصفة ما ورد في الأحاديث مع كسوف الشمس و خسوف القمر يومئذ، و هبوب الريح السوداء حين إتيانه إلى المدينة و امتحانهم في الجبت و الطاغوت فيهلكهم جميعا (1)، و المراد من الصيحة العظيمة هي الصيحة التي ترتفع حين ظهوره عند قرص الشمس، فيسمعها أهل السماوات و الأرضين: ألا يا أهل العالم هذا مهدي آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، بايعوه تهتدوا. و قوله: فاضطرب حتّى أدعهم يمشون عميانا لأنّهم عصوا بالصاحب، فالمعنى أن اضطرابهم يكون من اقتدار الصاحب و سلطنته عليهم و هم خائفون، و فيما هم عليه عمون، و يدلّ على هذا ما في الفصل الأوّل و الثاني من هذا الكتاب بعيد هذه العبارة أن آمنوا و اجتمعوا أيّتها الامّة الذليلة الخفيفة قبل انقضاء الفرصة، و اتبعوه قبل يوم التعب و الانتقام، و المراد من هرق الدماء و سحق الأجساد ما يشير إليه الإمام سيّد الشهداء (عليه السّلام) في خطبته من إخباره بظهوره، و سلّه سيف الانتقام في أيّام رجعته و أخذ ثأره‏ (2).

____________

(1)- تقدّم ذلك مع مصادره.

(2)- راجع معجم أحاديث الإمام المهدي: 3/ 181 انّه (عليه السّلام) المنتقم من الظالمين، و مناقب آل أبي طالب:

4/ 85.

143

البشارة الرابعة و العشرون‏

في سيف الامّة (1) عن يوحنا في الفصل الحادي و العشرين من كتاب ابكليس‏ (2) ما ترجمته: إنّ للجنّة اثني عشر بابا من ألوان الجواهر، مكتوب على الأبواب الأسماء الاثنا عشر المنسوبون من عند من سبقوا العالمين في طاعتهم إيّاه، و تشبّه بعض منهم بقتله في سبيل طاعته بالشاة.

البشارة الخامسة و العشرون‏

فيه: عن شعيا النبي في كتابه في السيمان السادس و العشرين و السابع و العشرين، في بيان إخباره بالمهدي الموعود، ففي السيمان السادس و العشرين‏ (3) قوله في عدة باسوق بحذف الزوائد: إنّه يقرأ في أرض يهودا، أي في البيت المقدس و توابعه، تسبيحك و تقديسك و شكرك، و ستقول أنّك شافعنا فيبقى في تلك الحصن، افتحوا الأبواب لدخول الأخيار فإنّهم أهل الخير و حافظو الخير، إلى قوله: إنّي مدمّر ساكني أعاليكم و البلد التي أعلا بلدانكم، و تطأها أقدام الفقراء و المساكين لاستقامة طريق المتنسكين و طريقة للمشاءين فيها مستقيم.

ثمّ يقول شعيا: يا نور اللّه إن ذكرك و اسمك أقصى مقاصدنا، و ظهورك لنا في الليالي أسنى مرامنا، و لأجله استيقظت في طلوع الصبح أرواحنا، يا نور اللّه؛ إذ قلعت من على الأرض المجانين، تعلّم العدل منك ساكنيها، و لذلك لم ترحم المنافق لأنّه حينئذ لا يتعلّم العدل منك مع ذلك لمعصية في أرض يسكنها المقدسون، فيا نور اللّه تعلو يدك القاهرة إن شاء اللّه، فلا يرون يرون، و تندم حسّادك و تحرق أعاديك نار غضبك، فيا نور اللّه كنّا في غيبتك و عدم حضورك و استتارك مأسورا متصرّفا، و مع ذلك كنّا نسلّي قلوبنا بذكرك فلا ترجع أهل النار فتنكسر و تنعدم من كنّا في تصرّفه و أذاه، حيث يمحى عن الأرض ذكره و اسمه.

____________

(1)- سيف الامّة و برهان الملّة في الردّ على الغادري النصراني، تأليف ملّا أحمد بن مهدي الكاشاني المتوفى 1244 ه، طبع بإيران بالفارسية على الطبع الحجري.

(2)- لم نجد هذا الكتاب في التوراة.

(3)- كتاب العهد القديم، كتاب أشعيا: 1036 باب 26.

144

يا نور اللّه ليست جلالتك بديعة، بل إنّما هي قديمة، و تابعوك تفحّصوا عنك في ضيقهم، و حديثك دينهم و طريقتهم في الشدّة، و سيقولون في رخائهم: إنّا كنّا في غيبتك كالمرأة الحامل المتحملة لضيق المخاض و وجع الارتياض، و نقرّ بسوء أعمالنا و إن بسببه و إدبارنا عن العدل أصابنا ما أصابنا، و لم ينقطع آثار الجبّارين عنّا، فلو أنا سمعنا ما أقرعت أسماعنا من كلام ربّنا و وعينا لقطعت عنّا أذى الجبّارين من قبل، و لأدركنا زمان الفرج و الراحة، فما جرعناها من أذاهم ليست إلّا بما كسبت أيدينا، فإنّا لم نخلص أعمالنا فأخّرنا ظهورك، فنحن السبب في استتارك. إلى قوله في السيمان السابع و العشرون في الباسوق السابع و العشرون في خطاب شعيا لقومه: يا قوم ادخلوا مساكنكم و أغلقوا عليكم أبوابكم مدّة انقضاء الغضب، فإنّ هذا نور اللّه سيظهر لديوان العاصين و قلعهم من الأرض رادا عصيانهم إليهم، و ستظهر الأرض حينئذ دماءها و قتلاها و سينتقم يومئذ نور اللّه منهم، أي الجبابرة و القتلة بسيفه القوي الشديد، و في العبارة: و ينتقم من ليوياتان، و ليوياتان يطلق في اصطلاحهم بالعبري تارة على: بالإجماع و الاتّفاق، و تارة على: التحالف و التواخي في الخدعة و الاحتيال، مأخوذ من ليوتان و هي الآلة الملتفة طرفاها بها تجذب الأشياء من العالي إلى السافل، محتوية بالعقد و زيادة الاعوجاج، و المراد انتقامه من هؤلاء، إلى قوله: و سيطلب نور اللّه بستانه و حديقة مهره و صداقه إلى باسوق آخر بعده، و إني أحافظها و أتعوض بها ما غصبته و اجتلبته الليوياتان‏ (1).

أقول: فالمنصف لو تأمّل فيما ذكرت من الآيات يرى أنّ ما أخبر به نبيّنا في ولده و قضية ليوياتان صريح في اتّفاقهم و عهدهم و مؤاخاتهم في غصب حقوق آباء الحجّة المنتقم (عجّل اللّه فرجه)، و طلبه البستان و الحديقة في فدك التي غصبها و حازها الليوياتان الآخرين صريح في المقصود، سيما بعد ضميمة ما يظهر من كلام شعيا في السيمان الثاني و الثلاثين‏ (2) من كتاب من أوّل الباسوق إلى آخره ما خلاصته و محصّله: إنّه يقوم في سلطنته بالعدل، و أبناء السلاطين أقرب من بحضرته، و يكون يومئذ يوما يكون فيه ذلك الرجل- و لعلّ المراد بالرجل هو الليوياتان- كالمنهزم من الطوفان، ينهزم من مكان إلى مكان مختفيا هاربا من الرعد و البرق و ما نزل من الحدثان، و يكون ذلك السلطان منقذا كالشط الجاري للظامئين في‏

____________

(1)- كتاب العهد القديم، كتاب أشعيا: 1038- 1039 باب 27.

(2)- المصدر السابق: 1045 باب 32.

145

العطش الشديد، أو كظل شجرة عظيمة في القفر، فلا ينصدع يومئذ العيون و تقرب الآذان بالسماع و القلوب بالإدراك، و يتكلّم و يفصح الأخرس و لا يأتم الجاهل الغبي و لا يستعظم المنافق الشقي، إلى قوله: فيمهد للمنافق بئس الأوقات و أسوأ الساعات؛ لأنّ فكره دائما لإضاعة الحقوق و تكلّمه بكلمات لأذيّة المظلوم.

فانظر أيّها المنصف بما صرّح في المقام من قرب أولاد السلاطين بمحضره و ديوانه، من أنّ ذلك اليوم رجعة الأئمّة الاثني عشر و فرار الليوياتان، فإنّه وصف المنافقين به و من كونه باتّفاق رفيقه منبعثا لإضاعة حقوق المظلومين، و مصاديق هذه البشارات كلّها ظاهرة و منطبقة على الأوّل و الثاني، و ائتلافهما شدّة الائتلاف و ما سنح منها. و كذا ما ذكر في آخر السيمان الحادي عشر (1) بعد اخباره عن آخر الزمان من قوله: إنّ نور اللّه يقوم لديوان المساكين و ينتقم للمظلومين، متحزم بالايمان و مستظهر بالعدل، يرعى في زمانه الذئب و الشاة على المرعى، و النمر و المعز يتراكضان معا، و الأسد و البقر يأكلان معا، و يدخل الرضيع يده في جحر الحشرات و الحيات‏ (2).

البشارة السادسة و العشرون‏

فيه: ما أخبر به شعيا في آخر السيمان الثاني و الأربعين من كتابه: ألا أنبئكم بحدث الأخبار و أعلمكم بها قبل وقوعها، ستقرون و تثنون لنور اللّه ثناء جديدا، و منتهى الأرض في البحر و الجزائر عند سكنة تلك الجزائر (3)، و المراد من الجزائر و البحر ما في أخبار الشيعة من كون القائم في منتهى الأرض في بحر المغرب و جزائر الخضراء.

البشارة السابعة و العشرون‏

فيه: ما أخبر به شعيا في السيمان التاسع و الأربعين من قوله: و لقد سمع اللّه دعاءك و قد حميتك و أوثقتك لامّة لإحيائك، و تصرّفك المواريث المنتهية و إخراجك المحبوسين المقيّدين، و بشائرك بظهور من كان مبتلى بظلمة الغيبة (4).

____________

(1)- العهد القديم كتاب أشعيا: 1021 باب 11.

(2)- كما تقدّم.

(3)- العهد القديم، كتاب أشعيا، الباب الثاني و الأربعون: 1060 ط. لندن- فارسي. كمال الدين: 158 عن بشارة عيسى. و بحار الأنوار: 53/ 276.

(4)- العهد القديم، كتاب أشعيا: 1069 باب 49.

146

البشارة الثامنة و العشرون‏

في سيف الامّة عن كتاب جاماسب بعد ذكر نبذة من أحوال النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من أنّ سبطه من بنته المسمّاة بخورشيدجهان و شاه زنان يصير ملكا بحكم اليزدان، يكون وصي ذلك النبي و تتصل دولته بالقيامة، فتتمّ الدنيا بعد سلطنته و تنطبق السماوات بعد دولته، و تخسف الأرض في الماء و تزول الجبال و تقيد، و تحبس الاهرمن الذي هو بضد اليزدان، و العبد العاصي للإله الديان، و يأخذ السمندع و قزح و عبائل و قنفذ من رؤساء الاهرمن، و يكون اسمه و مذهبه برهان القاطع فيحضر عنده البشر و السروش و الاسمان، و المراد بهم ميكائيل و جبرائيل و عزرائيل، و ينزل عليه البهرام و هو الملك الموكل بالمسافرين و فرخ زاد الموكّل بالأرض و بهمن الموكّل بالثيران و الشاة و آذر الملك الموكّل بأوّل يوم من شهر مهر ماه و آذركشسب الموكّل بالنار. و كذا ينزل روان بخش و المراد منه روح القدس.

و يحيي كثيرا من الخلائق من السعداء و الأشقياء، و كثيرا من الأنبياء كملكان و مهراس والدي الخضر، و الإلياس و لغوماس و الدارسطاليس و يحيي آصف بن برخيا وزير حوسب و هو سليمان، و كذا يحيي أرسطو الماقدوني و سام بن فريدون و هو نوح و شمسون العابد، و كذا سولان و شادول و شموئل و بحذقل و سيينا و شعيا و حيو أوّل و حوقوق و زخويا، و يحضر عنده رخ.

و من الطلحاء و الأشقياء يحيي سورپوس و هو النمرود فيحرقه بالنار، و پرع و قرح و هما الفرعون و قارون و يحيي هامان وزير فرعون فيصلبه حيّا، و يخرج الضحاك من البئر و يكافيه بسوء ظلامته، و يحرق بخت النصر الذي يخرب الهجة و هو البيت المقدس، و يحيي الشمامو مخرّب دين البهلويين، و كذا سدوم قاضي قوم لوط و أسقف قاضى مجوس و اود و باغ مبدع عمل قوم لوط، و كذا زردون من أكابر الفرس، و يحيي شيذرنكر أو صائب اللذين أبدعا عبادة النجوم، و كذا الكيوان فيحرقهم جميعا، ثمّ يحيي سلاطين الجور و الفتن من عشيرته و بني عمومته الذين أطفئوا السنن و أظهروا البدع و قتلوا الصالحين.

و من الشجعان يحيي رستم بن زال و كيخسرو و يكون اسم هذا السلطان بهرام، و هو من بطن خورشيد جهان، و شاه زنان بنت السنين، و السنين بالبهلوي اسم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و من ذلك‏

147

قوله تعالى مخاطبا لنبيّه (عليه السّلام)يس‏، و ظهوره إنّما هو في الدنيا و يكون عمره بقدر عمر سبعة نسور و يكون يوم ظهوره و خروجه قاضيا ثلاثين قرنا، و يقتل في أيّام خروجه الوردر يعني الدجّال و هو رجل أعمى، راكب على حمار له، يدّعي الألوهية و يكون معه ذو حياء و هو عيسى أو اسكندر بن دارا و هو ذو القرنين، و يفتح القسطنطينية و الهند و ينشر فيها أعلام الإسلام، و معه عصا سرخ شبان باهودار يعني موسى، و معه خاتم ذهب يعني سليمان و هو من ولد زمان العظيم، و المراد به إبراهيم و هو آذرگشب يعني به المطيع للّه، و هو الاتابك العظيم، و هو الكياوند و الشيروية يعني صاحب عظمة و ابّهة و هو من بنت السنين.

إلى قوله: و يدوم سلطنته و ملكه في مدةاند و هو عبارة عن خمسمائة قرن، و يمضي إلى مقدونية دار الفيلقوس، و يخيم في ساحل بحر أقيانوس الذي هو آخر الدنيا و يتّحد به أديان العالمين، فلا يبقى من المجوس و طريقته أثر، ثمّ يرجع من المغرب و يدخل الظلمات و يخرب جزيرة النسناس‏ (1).

البشارة التاسعة و العشرون‏

و فيه أيضا: إنّي رأيت في كتاب جاماسب بعض السوانح المستقبلة و الأخبار الآتية، فممّا شاهدت فيه تعبيره عن موسى بسرخ شبان باهودار، و كتب: إنّ النبي الخاتم يخرج من صلب هاشم دوال پشت، و ذكر بعض أوصافه فمنها: إنّه ليس له عقب من ذكور، و منها أنّه يغصب حق وصيّه، و ذكر في آخرها: إنّ ابنه (عليه السّلام) يظهر و تخضر الدنيا بوجوده.

البشارة الثلاثون‏

فيه: عن كتاب پاتنكل و هو من أعظم كتب كفرة الهند في باب عمر الدنيا: إنّ عمر الدنيا أربعة أطوار، كلّ طور أربعة أكوار، كلّ كور أربعة أدوار، كل دور أربعة آلاف سنة، فإذا انقضى الدورة و استكملت العدّة و تمام المدّة يأتي صاحب الملك و هو من ولد مقتداءين، أحدهما ناموس خاتم النبيّين (صلّى اللّه عليه و آله) و الآخر وصيّه و خليفته الأكبر الذي اسمه بش، فيكون ملكا بحق و يحكم في البرية في مقام الأنبياء كإبراهيم و خضر الحي، و يكون كثير المعجزات و الآيات،

____________

(1)- سيف الامة و برهان الملّة، مخطوط.

148

من اعتصم به و اختار دين آبائه يكون محمرّ اللون، فتطول دولته و عمره أكثر من سائر ولد الناموس الأكبر، و به تختم الدنيا و يسخر من ساحل بحر المحيط و قبر آدم و جبال القمر و شمال هيكل الزهرة إلى سيف البحر (1).

البشارة الحادية و الثلاثون‏

فيه: عن كتاب الشاكيوني تزعم كفرة هند أنّه نبي، صاحب كتاب، مبعوث على الخطا و الختن، و مولده بلدة كيلواس ما ملخّصه: إنّ زوال الدنيا و دولتها و حكومتها إنّما يكون بابن سيّد الخلائق و مميت العالم، السيّد العظيم و هو الحاكم على أعالي جبال المشرق و المغرب، و يركب السحاب و عمّاله الملائكة، و يتصرّف من السودان الذي هو تحت خط الاستواء إلى عرض فلسطين الذي هو تحت خط قطب الشمال، و ما وراء الاقليم السابع و جنّة الإرم، و به يتّحد دين اللّه‏ (2).

البشارة الثانية و الثلاثون‏

فيه: عن كتاب ناسك أحد أنبياء كفرة هند و هم يزعمون أنّ الإنسان حاله كالنبت ينبت فيخضر ثمّ يصفرّ و يذبل فييبس و يبلى، لعنهم اللّه، و هو أنّ زوال الدنيا بملك في آخر الزمان يكون إمام الملائكة و الإنس و هو من أولاد خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه و آله) و معه الحق و الصدق، و يخرج ما في الجبال و البحار و الأرضين‏ (3).

البشارة الثالثة و الثلاثون‏

فيه: عن ماهي‏شور أحد أنبياء كفرة هند في كتابه في باب خراب الدنيا و زوالها أنّه سيظهر في آخر الزمان ملك يؤمّ الخلائق، و يملك الدنيا و يتصرّف في العالم و يدخلهم في دينه من المؤمن و الكافر، يعرفه الجميع و يعطيه اللّه تعالى ما سأله‏ (4).

____________

(1)- سيف الامّة، مخطوط.

(2)- المصدر السابق.

(3)- المصدر السابق.

(4)- المصدر السابق.

149

البشارة الرابعة و الثلاثون‏

فيه: ما ذكره صاحب الوش المسمّى يحوك: إنّ اليوم الآخر من الدنيا تدور بمن يحب اللّه، و هو من المقرّبين إلى اللّه و إمام الخلق بالحق، يحيي الخلق بحكم من الجائن أي بحكم اللّه، و يحيي المبتدعين الضالّين و من أضاع حقوق النبيّين فيحرقهم أجمعين، فيجدّد الدنيا، و دولته الملك و الكرور، و به و بعشيرته تدور السلطنة و الملك‏ (1).

البشارة الخامسة و الثلاثون‏

في العوالم: عن عبد اللّه بن سليمان و كان قارئا للكتب قال: قرأت في الإنجيل، و ذكر أوصاف النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى أن قال تعالى لعيسى: أرفعك إليّ ثمّ اهبطك في آخر الزمان؛ لترى من أمّة ذلك النبي العجائب، و لتعينهم على اللعين الدجّال، اهبطك في وقت الصلاة لتصلّي معهم، إنّهم أمّة مرحومة (2).

مائدة: في أوائل البراهين الساباطية من قاضي جواد الساباطي الذي مضت ترجمته في أوّل هذا الفرع من إخبار اللّه تعالى من كتب أنبياء السلف: (اعلم) أنّ العهد العتيق عبارة عن جميع رسائل الأنبياء التي كتبت قبل المسيح (عليه السّلام)، و العهد الجديد عبارة عمّا كتب بعده، فاليهود لا يعتقدون إلّا بالعتيق، و النصارى يعتقدون بالعتيق و بالجديد معا، و كتب العهد العتيق هي سفر الخليقة و سفر الخروج و سفر الأخبار و سفر العدد و سفر الاستثناء، ثمّ صحيفة يوشع بن نون و راعوث، و صحائف احمويل‏ (3) و الملوك و الاحبار و عزرا و نحميا و استير و أيوب و زبور داود و أمثال سليمان و الجامعة، و نشيد الانشاد و صحيفة أشعيا و أرميا و مراثيه‏ (4)، و صحيفة خرقيال‏ (5) و دانيال و هوشع و يونيل‏ (6) و عاموس و عوبديا و يونس‏ (7) و ميخا و ناحوم و حبقوق و صفونيا (8) و يحيى و زكريا و ملاخيا (9) (عليهم السّلام).

____________

(1)- سيف الامة، مخطوط.

(2)- أعلام الورى: 1/ 60 و كمال الدين: 159 ح 18.

(3)- في العهد: صموئيل.

(4)- في العهد: مراثي أرميا.

(5)- في العهد: حزقيل.

(6)- في العهد: يوئيل.

(7)- في العهد: يونان.

(8)- في العهد: صفنيا.

(9)- في العهد: ملاخي.

150

و كتب العهد الجديد هي إنجيل متى و مرقس و لوقا و يوحنا، و أعمال الرسل و رسائل بولوس إلى أهل الرومية و قورنثيه‏ (1)، و رسائله إلى أهل غلاطية و أفس و الفيلبين‏ (2) و الكولوصائيين‏ (3)، و رسالتاه إلى التسالونيعيين‏ (4)، و رسالتاه إلى طيموطاؤس‏ (5)، و رسالته إلى طيطوس‏ (6). و فليمون و العبرانيين، و رسالة يعقوب و رسالتا بطرس و رسائل يوحنا و رسالة يهوذا و رؤيا يوحنا (7).

البشارة السادسة و الثلاثون‏

و فيه: البرهان الرابع عشر من المقالة الثانية من التبصرة الثالثة ما ورد في الفصل التاسع في الآية الثالثة و الثلاثين من رومية، و في الفصل الثامن في الآية الرابعة عشرة من أشعيا ما ترجمته بالعربية: ها أنا واضع في صهيون حجرة عثرة و صخرة شك و كلّ من يؤمن بها لا يخجل.

أقول: تقييد عدم الخجالة بالإيمان بها دليل على صحّة نبوّته و أخذه النصارى، و استدلّوا به على ربوبية المسيح، و ليس بشي‏ء لما مرّ آنفا.

و صهيون جبل في اورشليم و قيل: بل عقبة اسست عليها اورشليم، و الحجرة و الصخرة و العثرة و الشك من المترادفات، و سياق الكلام في رومية أنّ بولوس كان يعظ بعيسى (عليه السّلام) و يوبخ اليهود على عدم إيمانهم به إلى أن يقول: و أمّا إسرائيل فإنّه قد طلب شريعة العدل و لم يظفر بشريعة العدل، لم لم يظفر بها؟ لأنّهم لم يطلبوها بالإيمان، بل بأعمال الشريعة إلى أن يقول: و لسكنة اورشليم مصيدة و سيعثرون و يسقطون و ينكسرون و يقيّدون و يؤسرون، فاطووا الشهادة و اختموا الصحف التي عند تلاميذي، و أنا سأنتظر الربّ الذي يغطي وجهه عن أهل بيت إسرائيل و الرقبة، و ها أنا و الأولاد الذين وهب لي ربّي علامة عجيبة في إسرائيل لرب الجنود الذي يسكن في صهيون‏ (8)، و هذا لا دلالة فيه على عيسى ابن مريم‏

____________

(1)- في العهد: كورنثوس.

(2)- في العهد: فيلبي.

(3)- في العهد: كولوسي.

(4)- في العهد: تسالونيكي.

(5)- في العهد: تيموثاوس.

(6)- في العهد: تيطس أو تيطوس.

(7)- و العهد العتيق هو التوراة و العهد الجديد هو الإنجيل.

(8)- رسالة بولس إلى مدينة رومية من العهد الجديد، رومية 9، الآية 33.

151

لأنّ أوّل صفاته ربّ الجنود و لم يكن المسيح ابن مريم كذلك و الصفة الثانية كونه حجرة عثرة.

فإن قلت: إنّهم قد عثروا بالمسيح أي شكّوا فيه. قلت: إنّ مطلق الشك لا يكفي في صدقه عليه لقوله: يعثرون و يسقطون الخ، و الصفة الثالثة كونه يغطي وجهه عن إسرائيل، و ابن مريم كان مختصّا بدعوتهم، كما صرّح به في الفصل الخامس عشر في الآية الثانية و الأربعين من متى فلا يصدق عليه. و الصفة الرابعة كونه ناسخا لما قبله من الشرائع كلّها لقوله: أطووا الشهادة و اختموا الصحف، و عيسى ابن مريم (عليه السّلام) يقول في الفصل العاشر في الآية الخامسة من متى ما ترجمته: هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم عيسى و أمرهم و هو يقول: لا تنطلقوا إلى طريق العوام، و لا تدخلوا في أحد أمصار السامريين، بل اذهبوا إلى غنم بيت إسرائيل الضالة. و يقول في الفصل التاسع عشر في الآية السابعة عشرة من متى ما ترجمته: لكنك إن أردت أن تلج الحياة فحافظ على الأحكام الخ‏ (1). و هذه كلّها صريحة في خصوصية نبوّته و عدم نسخ ناموس موسى فلا يصدق عليه، فلا دلالة له عليه.

إذا فهمت هذا فاعلم أنّ غاية هذا الفصل التبشير ببعثة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و الإخبار بعد بعثته بظهور المهدي (عليه السّلام). إلى أن يقول بعد كلام طويل: و لربّ الجنود الذي يسكن في صهيون، إشارة إلى المهدي (عليه السّلام) لأنّه وصف محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) بربّ الجنود الذي يغطي وجهه عن إسرائيل، فإذا كان كذلك لا يمكن أن يسكن في صهيون، و إلى هذا ذهب أكثر العلماء و صرّحوا بأنّ المهدي (عليه السّلام) يستقرّ في اورشليم و يعمرها بأموال الهند، و في هذا البرهان إقناع كامل لليهود و النصارى و المسلمين معا.

____________

(1)- إنجيل متى من العهد الجديد، متى 10، الآية 5.

152

الغصن الثالث في إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة من طرق الخاصة و العامة بقيام المهدي (عليه السّلام) في آخر الزمان‏

من ولد فاطمة (عليها السّلام) مع عيسى، و أخبار الدجّال و ما جرى مع الدجّال و هو مشتمل على فروع:

الفرع الأوّل إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السّلام) بقيام المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليها السّلام) من طرق العامّة.

في غاية المرام عن أبي سعيد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يكون في أمّتي المهدي (عليه السّلام) إن قصر عمره فسبع و إلّا فثمان و إلّا فتسع، تتنعّم أمّتي في زمانه نعيما لم يتنعّم مثله قط البرّ و الفاجر، ترسل السماء مدرارا و لا تدّخر الأرض شيئا من نبات‏ (1).

و في الفصول المهمّة لابن صباغ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يخرج المهدي (عجّل اللّه فرجه) و على رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا خليفة اللّه المهدي فاتبعوه‏ (2).

و عن أبي أمامة الباهلي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): بينكم و بين الروم أربع هدن، تتم الرابعة على يد رجل من أهل هرقل، تدوم سبع سنين، فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستور بن غيلان: يا رسول اللّه من إمام الناس يومئذ؟ قال: المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأنّ وجهه كوكب درّيّ، في خدّه الأيمن خال أسود، عليه عبايتان قطوانيتان، كأنّه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز و يفتح مدائن الشرك‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي القسطنطينية و جبل الديلم، و لو لم يبق إلّا يوم لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يفتحها (4).

و فيه عنه (عليه السّلام): سيكون بعدي الخلفاء و من بعد الخلفاء أمراء و من بعد الامراء ملوك‏

____________

(1)- كتاب الفتن لنعيم بن حمّاد: 223 و ملاحم ابن طاوس: 69.

(2)- تلخيص المتشابه للبغدادي: 1/ 417.

(3)- مجمع الزوائد: 7/ 319 و فيه: قطوانيتان و كذا في كنز العمّال: 14/ 268 ح 38681.

(4)- كشف الغمة: 3/ 274 و حديث خيثمة: 192 ط. دار الكتاب العربي.

153

جبابرة، ثمّ يخرج المهدي (عليه السّلام) من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا (1).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): تتنعّم أمّتي في زمن المهدي (عليه السّلام) نعمة لم تتنعّم مثلها قط، يرسل السماء عليهم مدرارا، و لا تدع الأرض شيئا من نباتها إلّا أخرجته‏ (2).

و فيه عن هارون العبدي قال: أتيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدرا؟ قال:

نعم، قلت: أ فلا تحدّثني بما سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في على (عليه السّلام) و فضله؟ قال: بلى اخبرك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مرض مرضه الذي فقد منه، فدخلت عليه فاطمة (عليها السّلام) و أنا جالس عن يمين النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا رأت فاطمة (عليهما السّلام) ما برسول اللّه من الضعف خنقتها العبرة حتّى بدت دموعها على خدّها فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما يبكيك يا فاطمة؟

قالت: أخشى الضيعة يا رسول اللّه.

فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا فاطمة إنّ اللّه اطلع على الأرض اطلاعة على خلقه فاختار منهم أباك فبعثه نبيّا، ثمّ اطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأوحى إليّ أن أنكحه فاطمة فأنكحته إيّاك و اتخذته وصيّا، أ ما علمت أنك بكرامة اللّه إيّاك زوّجك أغزرهم علما و أكثرهم حلما و أقومهم سلما فاستبشرت، فأراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يزيدها عن مزيد الخير الذي قسمه اللّه تعالى لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لها: يا فاطمة، و لعليّ ثمانية أضراس يعني مناقب: إيمانه باللّه و رسوله و حكمته و زوجته و سبطاه الحسن و الحسين و أمره بالمعروف و نهيه عن المنكر.

يا فاطمة إنّا أهل بيت اعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأوّلين، و لم يدركها أحد من الآخرين غيرنا، نبيّنا خير الأنبياء و هو أبوك و وصينا خير الأوصياء و هو بعلك، و شهيدنا خير الشهداء و هو عمّ أبيك، و منّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء و هو جعفر، و منّا سبطا هذه الامّة و هما ابناك، و منّا مهدي هذه الامّة الذي يصلّي خلفه عيسى ابن مريم (عليه السّلام)، ثمّ ضرب على منكب الحسين و قال: من هذا مهدي هذه الامّة (3).

و في عمدة ابن بطريق عن صحيح مسلم و غيره عن أبي نضرة قال: كنّا عند جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز و لا درهم. قلنا: من أين؟

قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثمّ قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار و لا مدّ.

____________

(1)- حديث خيثمة: 202 و البحار: 51/ 84.

(2)- كتاب الفتن لنعيم: 223 و الفصول المهمّة: 298 الفصل 12.

(3)- منتخب الأثر: 156 ح 47.

154

قلنا: من أين؟ قال: من قبل الروم، ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يكون في آخر أمّتي خليفة يحثو المال حثوا لا يعدّه عدّا. قلنا: أ ترى أنه عمر بن عبد العزيز، قال: لا.

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعدّه‏ (1).

و فيه عن تفسير الثعلبي في تفسير حم. عسق‏ (2) قال سين سناء المهدي (عليه السّلام)، قاف قوّة عيسى حين ينزل فيقتل النصارى و يخرب البيع‏ (3).

و فيه أيضا عن الثعلبي في تفسير قوله تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ‏ (4) و ذكر حديث البساط و مسيرهم إلى الكهف و يقظتهم ثمّ قال: قال: و أخذوا مضاجعهم فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي (عليه السّلام) فقال: إنّ المهدي يسلّم عليهم فيحييهم اللّه عزّ و جلّ، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم و لا يقومون إلى يوم القيامة (5).

و فيه عن أمّ سلمة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي من عترتي من ولد فاطمة (6).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي منّي و هو أجلى الجبهة، أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، يملك سبع سنين‏ (7).

و فيه عنه (عليه السّلام): يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكّة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه و هو كاره فيبايعونه بين الركن و المقام، و يبعث إليهم بعثا إلى الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكّة و المدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال [الشام‏] و عصائب أهل العراق فيبايعونه، ثمّ ينشأ رجل أخواله كلب فيبعث إليه بعثا فيظهرون عليهم، و ذلك بعث كلب، و الخيبة لمن يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال و يعمل بسنّتي- أو قال بسنّة نبيّهم- و يلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض فيثبت سبع سنين، و عن بعض الرواة تسع سنين‏ (8).

و فيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في قصة المهدي: فيجي‏ء إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني، فيجبي‏

____________

(1)- العمدة: 424 ح 885 و صحيح مسلم: 8/ 185 ط. دار الفكر و مسند أحمد: 3/ 317.

(2)- الشورى: 1- 2.

(3)- العمدة: 429 ح 898 و إثبات الهداة: 3/ 604 ح 97.

(4)- الكهف: 10.

(5)- العمدة: 373 ح 733.

(6)- العمدة: 433 ح 909، و سنن أبي داود: 2/ 310 ح 4284.

(7)- تحفة الأحوذي: 6/ 403.

(8)- العمدة: 433 و مسند ابن راهويه: 4/ 170.

155

له في ثوبه ما استطاع أن يحمله‏ (1).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي طاوس أهل الجنّة (2).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدريّ، اللون لون عربي، و الجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماوات و الأرض و الطير في الجو، يملك عشرين سنة.

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): يصيب هذه الامّة بلاء حتّى لا يجد الرجل ملجأ إليه من الظلم، فيبعث إليه رجلا من عترتي فيملأ به الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، يرضى عنه ساكن السماوات و الأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئا إلّا صبّته مدرارا و لا تدع الأرض من نباتها شيئا إلّا أخرجته حتّى يتمنّى الأحياء للأموات، تعيش في ذلك سبع سنين أو تسع سنين‏ (3).

و فيه عن الصحاح من قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كيف تهلك أمّة أنا أوّلها و المهدي أوسطها و المسيح آخرها (4). و لا يتوهّم أن عيسى يبقى بعد المهدي، و ذلك لا يجوز؛ لأنّ المهدي إذا كان إمام آخر الزمان و مات فلا إمام بعده. مذكور في رواية أحد من الأئمّة، فقد بقيت الامّة بغير إمام، و هذا ما لا يمكن أنّ الخلق تبقى بغير إمام، فإن قيل: إنّ عيسى (عليه السّلام) يبقى بعده و تقتدي الامّة به، فغير ممكن أيضا لأنّ عيسى لا يجوز أن يكون إماما لامّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و لو كان ذلك جائزا لانتقلت الملة المحمّدية إلى ملّة عيسى، فلا يمكن أن يكون ذلك.

و ذلك لا يقوله عاقل و لا محصل، بل للخبر معنى صحيح يحمل عليه و هو أنّه قد تقدّم معنى من الأخبار في هذا الباب أنّ عيسى ينزل و قد صلّى الإمام- و هو المهدي- بالناس العصر و قيل: الصبح، فيتأخّر فيقدّمه عيسى و يصلّى عيسى خلفه. و ما نزل عيسى على مقتضى هذه الأخبار إلّا بعد نفوذ دعوة الإمام و اجتماع الناس عليه، فيكون مصدّقا لدعوة الإمام دعواه، و قوّة له و عونا إلّا أنّه لا يغيّر شيئا ممّا جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، فيكون فائدة الخبر أنّ النبي أولها لأنّه هو الداعي إلى الإسلام، و المهدي أوسطها و إن كان آخر الأئمّة فجعله وسطا

____________

(1)- كشف الغمة: 3/ 279 و كنز العمّال: 14/ 273 ح 38701 و فيهما و في بقية المصادر فيحثي.

(2)- العمدة: 439 ح 922 و الفردوس: 4/ 221 ح 6667.

(3)- مصنف عبد الرزاق: 11/ 372 ح 20770.

(4)- العمدة: 223، و مسند أبي يعلى: 1/ 165، و صحيح ابن حبان: 9/ 176 ح 7182.

156

إذ ظهوره قبل نزول عيسى فيكون في نزوله آخر المصدّقين بهذه الملّة، و المهدي (عليه السّلام) قبله صدّق بهذه الملّة قبل نزوله، و النبي فهو صاحب الملة لا بدّ أن يكون أولا، فعلى هذا يكون آخر المصدّقين و المعتنين لأنّه آخر الامّة.

يشهد بصحّة هذا التأويل لفظ الخبر لأنّه قال: كيف تهلك أمّة أنا أوّلها و المهدي أوسطها و المسيح آخرها، و المسيح ليس من أمّتنا هذه و إنّما نبيّها منها بلا خلاف لأنّه إمام آخر الزمان، و من ولد رسول اللّه، و من ولد علي و فاطمة، و المسيح ليس من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و لا من علي و فاطمة، و لا من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، بل هو آخر من ينزل لنصرة ملّة محمّد و آخر من يدعو إليها، لأنّ المهدي يكون قبل نزوله و قد تبعت الامّة و قد دخلت تحت أمره و نهيه، بدليل ما ورد في هذه الأخبار الصحاح أن المسيح يصلّي خلفه، إمّا صلاة الصبح أو صلاة العصر كما تقدّمت الرواية، فصار آخر هذه الامّة داعيا و مصدّقا، لأنّه منفرد ببقاء الدولة، و النبي أوّل داع إلى ملّة الإسلام و المهدي أوسط داع و المسيح آخر داع، معنى هذا الخبر، فللّه الحمد و المنّة.

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تذهب الدنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما (1).

أقول: اورد أنّ بعض هذه الصفات لا ينطق عليه (عليه السّلام)، فإنّ اسم أبيه (عليه السّلام) لا يوافق اسم والد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و يمكن أن يجاب شيوع إطلاق لفظ الأب على الجدّ الأعلى كقوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ‏ (2)، و في حديث الإسراء أنّ جبرئيل قال: هذا أبوك إبراهيم‏ (3). و يمكن أن يجاب: إطلاق الاسم على الكنية و اللقب كما سمّي علي أبو تراب فكان كنية أبيه أبو محمد كما كان كنية أب النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أبو محمد، و يمكن أن يكون أبي مصحّف ابني كما هو الظاهر.

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي من عترتي و من ولد فاطمة (4). و قال (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي منّا أهل البيت، يصلحه اللّه عزّ و جلّ في ليلة (5).

و عن الحمويني عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه: إنّ علي بن أبي طالب إمام أمّتي و خليفتي عليها بعدي، و من ولده القائم المنتظر الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما

____________

(1)- العمدة: 436 و مسند أحمد: 1/ 376 ط الميمنية.

(2)- الحج: 78.

(3)- روضة الواعظين: 58.

(4)- كنز العمال: 14/ 264 ح 38662.

(5)- مسند أبي يعلى: 1/ 359 ح 465.

157

و جورا، و الذي بعثني بالحقّ بشيرا و نذيرا الثابتون على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر. فقام إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يا رسول اللّه و للقائم من ولدك غيبة؟ قال: إي و ربّي ليمحص الذين آمنوا و يمحق الكافرين، يا جابر إنّ هذا الأمر من أمر اللّه و سرّ من سرّ اللّه علّته مطوية عن عباده فإيّاك و الشكّ، فإنّ الشكّ في أمر اللّه عزّ و جلّ كفر (1).

و عنه أيضا عن حسن بن خالد عن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام): لا دين لمن لا ورع له، و لا إيمان لمن لا تقية له، و إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم، أي أعملكم بالتقيّة، فقيل: إلى متى يا ابن رسول اللّه؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم، و هو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا. فقيل له: يا ابن رسول اللّه و من القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي، ابن سيّدة الإماء، يطهّر اللّه به الأرض من كلّ جور و يقدّسها من كلّ ظلم، و هو الذي يشكّ الناس في ولادته، و هو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره و وضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحدا، و هو الذي تطوى له الأرض و لا يكون له ظلّ، و هو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض للدعاء إليه يقول: ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتبعوه فإنّ الحقّ فيه و معه، و هو قول اللّه‏ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ (2) (3).

و عن تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ (4) قال: ذاك عيسى ابن مريم‏ (5). و روى ذلك جماعة. قال: و قرأ ابن عبّاس و أبو هريرة و قتادة و مالك بن دينار و ضحاك: و إنّه لعلم للساعة، أي أمارة و علامة (6).

في الحديث: أنّ عيسى ينزل بثوبين مهرودين أو مصبوغين بالهرد و هو الزعفران‏ (7). و في الحديث: ينزل عيسى في ثنية من الأرض المقدّسة يقال لها: اثبني و عليه ممصرتان و شعر رأسه دهين و بيده حربة و هي التي يقتل بها الدجّال، فيأتي بيت المقدس و الناس في صلاة العصر و الإمام يؤمّ بهم فيتأخّر الإمام فيقدّمه عيسى و يصلّي خلفه على شريعة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)،

____________

(1)- أعلام الورى: 2/ 227، و فرائد السمطين: 2/ 334 ح 589.

(2)- الشعراء: 4.

(3)- أعلام الورى: 2/ 241 و كفاية الأثر: 270.

(4)- الزخرف: 61.

(5)- منتخب الأثر: 149 ح 24 و الفصول المهمّة: 300.

(6)- تفسير الثعلبي، مخطوط، ذيل الآية 61 من الزخرف.

(7)- العمدة: 430 ح 901.

158

ثمّ يقتل الخنازير و يكسر الصليب و يخرّب البيع و الكنائس و يقتل النصارى إلّا من آمن به‏ (1).

و برواية: و يقبض أموال القائم و يمشي خلفه أهل الكهف، و هو الوزير الأيمن للقائم و حاجبه و نائبه و يبسط في المشرق و المغرب الأمن كرامة الحجّة بن الحسن (عليه السّلام)(2).

أقول: فإن قال معترض: هذه الأحاديث النبويّة متّفق على صحّتها و مجمع على نقلها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هي صحيحة صريحة في كون المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليها السّلام) و أنّه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّه من عترته و أنّه من أهل بيته و أنّ اسمه يواطئ اسمه و أنّه يملأ الأرض قسطا و عدلا و أنّه من ولد عبد المطلب و أنّه سادات الجنّة و ذلك ممّا لا نزاع فيه، غير أنّ ذلك لا يدلّ على أنّ المهدي الموصوف بما ذكر من الصفات و العلامات هو هذا أبو القاسم محمد بن الحسن الحجّة الخلف الصالح، فإنّ ولد فاطمة كثيرة، و كل من يولد من ذريتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنّه من ولد فاطمة و أنّه من العترة الطاهرة و أنّه من أهل البيت، فيحتاجون مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل يدلّ على أنّ المهدي المراد هو الحجّة المذكور ليتمّ مرامكم.

فجوابه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا وصف المهدي (عليه السّلام) بصفات متعدّدة من ذكر اسمه و نسبه و مرجعه إلى فاطمة و إلى عبد المطلب، و أنّه أجلى الجبهة أقنى الأنف، و عدّد من الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث المذكورة آنفا، و جعلها علامة و دلالة على أنّ الشخص الذي يسمّى بالمهدي و ثبتت له الأحكام المذكورة هو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامة و دلالة مجتمعة في أبي القاسم محمد الخلف الصالح دون غيره فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام و أنّه صاحبها، و إلّا فلو جاز وجود ما هو علامة و دليل و لا يثبت ما هو مدلوله قدح ذلك في تعينها علامة و دلالة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و ذلك ممتنع.

ثمّ أقول: سلّمنا لكن مع انضمام الأخبار الآتية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام) بأعيان الأئمّة في الفرع الرابع من طرق أهل السنّة و الجماعة يثبت المدّعى و المطلوب.

____________

(1)- المستدرك: 2/ 595 و العمدة: 430 ح 901.

(2)- حلية الأبرار: 2/ 620 ب 34.

159

الفرع الثاني إخبار النبي و الأئمّة (عليهم السّلام) بقيامه من طرق الخاصّة

في البحار عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تقوم الساعة حتّى يقوم القائم الحق منّا، و ذلك حين يأذن اللّه عزّ و جلّ له، من تبعه نجا و من تخلّف عنه هلك، اللّه اللّه عباد اللّه فأتوه و لو [حبوا] على الثلج فإنّه خليفة اللّه عزّ و جلّ و خليفتي‏ (1).

و فيه عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لمّا عرج بي إلى السماء السابعة و منها إلى سدرة المنتهى و من السدرة إلى حجب النور ناداني ربّي جل جلاله: يا محمد أنت عبدي و أنا ربك، فلي فاخضع و إيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل و بي فثق، فإنّي قد رضيت بك عبدا و حبيبا و رسولا و نبيّا، و بأخيك علي خليفة و بابا، فهو حجّتي على عبادي و إمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي و به يميّز حزب الشيطان من حزبي، و به يقام ديني و تحفظ حدودي و تنفذ أحكامي، و بك و به و بالأئمّة من ولدك أرحم عبادي و إمائي، و بالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي و تقديسي و تهليلي و تكبيري و تمجيدي، و به اطهّر الأرض من أعدائي و اورثها أوليائي، و به أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى و كلمتي العليا، و به احيي عبادي و بلادي بعلمي، و له اظهر الكنوز و الذخائر بمشيئتي، و إيّاه اظهر على الأسرار و الضمائر بإرادتي، و أمدّه بملائكتي ليؤيّدوه على إنفاذ أمري و إعلان ديني، ذلك وليي حقّا و مهدي عبادي صدقا (2).

و فيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا تذهب الدنيا حتّى يقوم بأمر أمّتي رجل من ولد الحسين يملؤها عدلا كما ملئت ظلما و جورا (3).

و فيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في مرضه لفاطمة: و الذي نفسي بيده لا بدّ لهذه الامّة من مهدي‏

____________

(1)- البحار: 51/ 65 ح 2.

(2)- البحار: 18/ 304 ح 8 و الأمالي للصدوق: 731 ح 1002.

(3)- البحار: 3/ 268 ح 3 و كفاية الأثر: 97.

160

و هو و اللّه من ولدك‏ (1).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لمّا كان من أمر الحسين بن علي ما كان ضجّت الملائكة إلى اللّه تعالى و قالت: يا ربّ يفعل هذا بالحسين صفيك و ابن نبيّك، قال: فأقام اللّه لهم ظلّ القائم، قال: بهذا أنتقم له من ظالميه‏ (2).

و فيه عن الحكم بن الحكم قال: أتيت أبا جعفر (عليه السّلام) و هو بالمدينة فقلت: عليّ نذر بين الركن و المقام إذا أنا لاقيتك أن لا أخرج من المدينة حتّى أعلم أنك قائم آل محمّد أم لا، فلم يجبني بشي‏ء فأقمت ثلاثين يوما ثمّ استقبلني في طريق فقال (عليه السّلام): يا حكم و إنّك لهاهنا بعد، فقلت: إنّي أخبرتك بما جعلت للّه علي، فلم تأمرني و لم تنهني عن شي‏ء و لم تجبني بشي‏ء.

فقال (عليه السّلام): بكّر عليّ غدوة المنزل، فغدوت عليه فقال (عليه السّلام): سل عن حاجتك؟ فقلت: إني جعلت للّه عليّ نذرا و صياما و صدقة بين الركن و المقام إن لقيتك أن لا أخرج من المدينة حتّى أعلم أنك قائم آل محمّد أم لا، فإن كنت أنت رابطتك، و إن لم تكن أنت سرت في الأرض فطلبت المعاش. فقال: يا حكم كلّنا قائم بأمر اللّه. قلت: فأنت المهدي؟ فقال: كلّنا يهدي إلى اللّه.

قلت: فأنت صاحب السيف؟ قال: كلّنا صاحب السيف و وارث السيف. قلت: فأنت الذي تقتل أعداء اللّه و يعزّ بك أولياء اللّه و يظهر بك دين اللّه؟ فقال: يا حكم كيف أكون أنا و قد بلغت خمسا و أربعين، و إنّ صاحب هذا أقرب عهدا باللبن منّي، و أخفّ على ظهر الدابة (3).

بيان: أقرب عهدا باللبن منّي أي بحسب المرئي و النظر، أي يحسبه الناس شابّا بكمال قوّته، و عدم ظهور أثر الكهولة و الشيخوخة فيه.

و فيه عن جبوا بن نوف قال: قلت لأبي سعيد الخدري: و اللّه ما يأتي علينا عام إلّا و هو شرّ من الماضي، و لا أمير إلّا و هو شرّ ممّن كان قبله، فقال أبو سعيد: سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول ما تقول، و لكن سمعت رسول اللّه يقول: لا يزال بكم الأمر حتّى يولد في الفتنة و الجور من لا يعرف عندها، حتّى تملأ الأرض جورا فلا يقدر أحد يقول: اللّه، ثمّ يبعث اللّه عزّ و جلّ‏

____________

(1)- البحار: 37/ 41 ح 16.

(2)- البحار: 45/ 221 ح 3. و الأمالي: 418 ح 941.

(3)- البحار: 51/ 141 ح 14 و اصول الكافي: 1/ 536.

161

رجلا منّي و من عترتي فيملأ الأرض عدلا كما ملأها من كان قبله جورا، و تخرج له الأرض أفلاذ كبدها و يحثو المال حثوا و لا يعدّه عدّا، و ذلك حتّى يضرب الإسلام بجرانه‏ (1). الجران:

باطن العنق، يقال للشي‏ء إذا قرّ و استقرّ.

و فيه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي من ولدي اسمه اسمي و كنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا و خلقا، تكون له غيبة و حيرة تضلّ فيه الامم، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي و هو مقتد به قبل قيامه، يأتم به و بأئمة الهدى من قبله، و برئ إلى اللّه من عدوّهم، اولئك رفقائي و أكرم أمّتي عليّ‏ (3).

و في غيبة النعماني عن الباقر (عليه السّلام) قال: إذا قام قائم أهل البيت قسّم بالسوية و عدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع اللّه و من عصاه فقد عصى اللّه، إنّما سمّي المهدي مهديا لأنّه يهدي إلى أمر خفي، و يستخرج التوراة و سائر كتب اللّه عزّ و جلّ من غار بأنطاكية، و يحكم بين أهل التوراة بالتوراة، و بين أهل الإنجيل بالإنجيل، و بين أهل الزبور بالزبور، و بين أهل القرآن بالقرآن، و يجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض و ظهرها فيقول للناس، تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام و سفكتم فيه الدماء الحرام و ركبتم فيه ما حرّم اللّه عزّ و جلّ، فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله، و يملأ الأرض عدلا و قسطا و نورا كما ملئت ظلما و جورا و شرّا (4).

و في كتاب كنز الواعظين للفاضل المحدّث البرغاني عن غيبة النعماني مسندا عن أبان ابن عثمان عن الصادق (عليه السّلام): بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم بالبقيع فأتاه علي فسلّم عليه فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اجلس، فأجلسه عن يمينه، ثمّ جاء جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام)، فسأل عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقيل له هو بالبقيع فأتاه فسلّم عليه فأجلسه عن يساره، ثمّ جاء العبّاس فسأل عنه فقيل هو بالبقيع، فأتاه فسلّم عليه و أجلسه أمامه، ثمّ التفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إلى علي (عليه السّلام) فقال: ألا أبشّرك، ألا اخبرك يا علي؟ فقال: بلى يا رسول اللّه فقال: كان جبرئيل عندي آنفا

____________

(1)- البحار: 28/ 18 ح 25 و المستدرك: 4/ 514.

(2)- البحار: 3/ 268 ح 3. و كمال الدين: 287.

(3)- كمال الدين: 287 و الغيبة: 456.

(4)- البحار: 52/ 351 ح 103 و غيبة النعماني: 322.

162

و أخبرني أنّ القائم الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا، من ذريتك، من ولد الحسين (عليه السّلام)، فقال علي (عليه السّلام): يا رسول اللّه: ما أصابنا خير قط من اللّه إلّا على يدك.

ثمّ التفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا جعفر ألا أبشّرك؟ قال: بلى يا رسول اللّه. فقال: كان جبرئيل عندي آنفا فأخبرني أنّ الذي يدفعها إلى القائم هو من ذريتك، أ تدري من هو؟ قال:

لا قال: ذلك الذي وجهه كالدينار، و أسنانه كالمنشار و سيفه كحريق النار، يدخل الجبل ذليلا و يخرج منه عزيزا، يكتنفه جبرائيل و ميكائيل، ثمّ التفت إلى العبّاس فقال: يا عمّ النبي ألا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل؟ فقال: بلى يا رسول اللّه. قال: قال لي: ويل لذريتك من ولد العبّاس. فقال: يا رسول اللّه أجتنب النساء. قال له: قد فرغ اللّه ممّا هو كائن‏ (1).

و في إثبات الهداة للشيخ حرّ العاملي (رحمه اللّه) عن الأصبغ عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، يكون لغيبته حيرة يضلّ فيها أقوام و يهتدي آخرون. إلى أن قال: أولئك خيار هذه الامّة مع خيار أبرار هذه العترة. انتهى‏ (2).

و فيه أيضا عن الصادق (عليه السّلام) قال: في القائم سنّة من موسى و سنّة من يوسف و سنّة من عيسى و سنّة من محمّد فأمّا سنّة موسى فخائف يترقّب، و أمّا سنّة يوسف فإنّ إخوته كانوا يبايعونه و يخاطبونه و لا يعرفونه، و أمّا سنّة عيسى فالسياحة، و أمّا سنّة محمّد فالسيف‏ (3).

و في العيون في حديث الرضا (عليه السّلام) عن أبي الصلت الهروي بشهادته و محل قبره و ظهور الحيتان الصغار، ثمّ خروج حوتة كبيرة و التقاطها الحيتان الصغار إشعار و إخبار بقيامه (عليه السّلام)، يناسب ذكر تمام الخبر لليمن و البركة و مزيد البصيرة.

عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن أبي الصلت الهروي قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) إذ قال: يا أبا الصلت ادخل هذه القبّة التي فيها قبر هارون، و ائتني بتراب من أربعة جوانبها. قال: فمضيت فأتيت به فلمّا مثل بين يديه قال لي: ناولني هذا التراب، و هو من عند الباب فناولته فأخذه و شمّه ثمّ رمى به ثمّ قال: سيحفر لي هاهنا فتظهر

____________

(1)- غيبة النعماني: 247.

(2)- الكافي: 1/ 338 ح 7.

(3)- الإمامة و التبصرة: 94 و كمال الدين: 152.

163

صخرة لو جمع عليها كلّ معول بخراسان لم يتهيّأ قلعها، ثمّ قال في الذي عند الرجل و الذي عند الرأس مثل ذلك، ثمّ قال: ناولني هذا التراب فهو من تربتي.

ثمّ قال: سيحفر لي في هذا الموضوع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل، و أن يشق ضريحه لي فإن أبوا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين و شبرا، فإنّ اللّه تعالى سيوسعه ما يشاء، فإذا فعلوا ذلك فإنّك ترى عند رأسي نداوة فتكلّم بالكلام الذي اعلمك، فإنّه ينبع الماء حتّى يمتلئ اللحد و ترى فيه حيتانا صغارا ففتّ لها الخبز الذي اعطيك فإنّها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شي‏ء خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتّى لا يبقى منها شي‏ء، ثمّ تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء ثمّ تكلّم بالكلام الذي اعلمك، فإنّه يغيض الماء و لا يبقى منه شي‏ء، و لا تفعل ذلك إلّا بحضرة المأمون، ثمّ قال: يا أبا الصلت غدا أدخل إلى هذا الفاجر فإن أنا خرجت مكشوف الرأس فتكلّم أكلمك و إن خرجت و أنا مغطّى الرأس فلا تكلّمني.

قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد لبس ثيابه و جلس فجعل في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين فلبس نعله و رداءه و قام يمشي و أنا أتبعه حتّى دخل على المأمون و بين يديه طبق عليه عنب و أطباق فاكهة، و بيده عنقود عنب قد أكل بعضه و بقي بعضه، فلمّا أبصر الرضا وثب إليه فعانقه و قبّل ما بين عينيه و أجلسه معه، ثمّ ناوله العنقود و قال له: يا ابن رسول اللّه ما رأيت عنبا أحسن من هذا.

قال له الرضا (عليه السّلام): ربّما يكون عنبا حسنا يكون من الجنّة. فقال له: كل منه. فقال له الرضا:

تعفيني منه. فقال: لا بدّ من ذلك و ما يمنعك منه لعلّك تتّهمنا بشي‏ء، فتناول العنقود فأكل منه ثمّ ناوله فأكل منه الرضا (عليه السّلام) ثلاث حبّات ثمّ رمى به و قام. فقال المأمون: إلى أين؟

فقال (عليه السّلام): إلى حيث وجهتني، و خرج مغطّى الرأس فلم اكلّمه حتّى دخل الدار، فأمر أن يغلق الباب فغلقت ثمّ نام (عليه السّلام) على فراشه، و مكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا، فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه، قطط الشعر أشبه الناس بالرضا فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت الدار و الباب مغلق. فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار و الباب مغلق. فقلت له: و من أنت؟

قال لي: أنّا حجّة اللّه عليك يا أبا الصلت أنا محمد بن علي، ثمّ مضى نحو أبيه (عليهما السّلام) فدخل‏

164

و أمرني بالدخول معه، فلمّا نظر إليه الرضا (عليه السّلام) وثب إليه فعانقه و ضمّه إلى صدره و قبّل ما بين عينيه ثمّ سحبه سحبا في فراشه، و أكبّ على محمّد بن علي (عليه السّلام) يقبّله و يسارّه بشي‏ء لم أفهمه فرأيت على شفتي الرضا (عليه السّلام) زبدا أشدّ بياضا من الثلج، و رأيت أبا جعفر (عليه السّلام) يلحسه بلسانه ثمّ أدخل يده بين ثوبيه و صدره فاستخرج شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر (عليه السّلام)، و مضى الرضا (عليه السّلام)، فقال أبو جعفر: قم يا أبا الصلت فأتني بالمغتسل و الماء من الخزانة.

فقلت: ما في الخزانة مغتسل و لا ماء. فقال (عليه السّلام): انته إلى ما أمرتك به، فدخلت الخزانة فإذا فيها مغتسل و ماء، فأخرجته و شمرت ثيابي لأغسله فقال لي: تنحّ يا أبا الصلت فإنّ لي من يعينني غيرك، فغسله ثمّ قال لي: ادخل الخزانة فأخرج لي السفط الذي فيه كفنه و حنوطه، فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط فحملته إليه فكفّنه و صلّى عليه ثمّ قال: ائتني بالتابوت، فقلت: أمضي إلى النجّار حتّى يصلح التابوت. قال: قم فإنّ في الخزانة تابوتا فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط، فأتيته به فأخذ الرضا (عليه السّلام) بعد ما صلّى عليه فوضعه في التابوت، و صفّ قدميه و صلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتّى علا التابوت، فانشق السقف فخرج منها التابوت و مضى. فقلت: يا ابن رسول اللّه الساعة يجيئنا المأمون و يطالبنا بالرضا (عليه السّلام) فما نصنع؟ فقال لي: اسكت فإنّه سيعود يا أبا الصلت، ما من نبي يموت بالمشرق و يموت وصيّه بالمغرب إلّا جمع اللّه تعالى بين أرواحهما و أجسادهما، فما أتمّ الحديث حتّى انشق السقف فنزل التابوت فقام (عليه السّلام) و استخرج الرضا (عليه السّلام) من التابوت و وضعه على فراشه كأنّه لم يغسل و لم يكفّن.

ثم قال لي: يا أبا الصلت قم فافتح الباب للمأمون ففتحت الباب فإذا المأمون و الغلمان بالباب، فدخل باكيا حزينا قد شقّ جيبه و لطم رأسه و هو يقول: يا سيداه فجعت بك يا سيدي، ثمّ دخل و جلس عند رأسه و قال: خذوا في تجهيزه، فأمر بحفر القبر فحفرت الموضع فظهر كلّ شي‏ء كما وصفه الرضا (عليه السّلام)، فقال له بعض جلسائه: أ لست تزعم أنّه إمام؟

قال: بلى. قال: لا يكون الإمام إلّا مقدم الناس، فأمر له أن يحفر له في القبلة، فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي و أن أشق له ضريحه، فقال: انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح، و لكن يحفر له و يلحد، فلمّا رأى ما ظهر من النداوة و الحيتان و غير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا (عليه السّلام) يرينا عجائبه في حياته حتّى أراناها بعد وفاته أيضا.

165

فقال له وزير كان معه: أ تدري ما أخبرك به الرضا (عليه السّلام)؟ قال: لا. قال: إنّه أخبرك أن ملككم يا بني عبّاس مع كثرتكم و طول مدّتكم مثل هذه الحيتان، حتّى إذا فنيت آجالكم و انقطعت آثاركم و ذهبت دولتكم سلّط اللّه عليكم رجلا منّا فأفناكم عن آخركم. قال له: صدقت. ثمّ قال لي يا أبا الصلت علّمني الكلام الذي تكلّمت به. قلت: و اللّه لقد نسيت الكلام من ساعتي و قد كنت صدقت، فأمر بحبسي و دفن الرضا (عليه السّلام) فحبست سنة فضاق علي الحبس و سهرت الليلة و دعوت اللّه بدعاء ذكرت فيه محمّدا و آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و سألت اللّه تعالى بحقّهم أن يفرّج عنّي، فلم أستتم الدعاء حتّى دخل عليّ أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السّلام) فقال لي: يا أبا الصلت لقد ضاق صدرك؟ فقلت: إي و اللّه. قال: قم فاخرج ثمّ ضرب يده إلى القيود التي كانت علي ففكّها، و أخذ بيدي و أخرجني من الدار و الحرسة و الغلمة يرونني فلم يستطيعوا أن يكلّموني فخرجت من باب الدار، ثمّ قال لي: امض في ودائع اللّه فإنك لن تصل إليه و لن يصل إليك أبدا. فقال أبو الصلت: فلم ألتق مع المأمون إلى هذا الوقت‏ (1).

و رويت كيفية غسله و كفنه و دفنه (عليه السّلام) و خروج الحيتان من طرق أهل السنّة عن هرثمة باختلاف يسير (2).

و في الخصال عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): سيأتي مسجدكم هذا- يعني مكة- ثلاثمائة و ثلاثة عشر يعلم أهل مكة أنّهم لم يلدهم آباؤهم و لا أجدادهم، عليهم السيوف، مكتوب على كلّ سيف كلمة تفتح ألف كلمة طلعت‏ (3) الريح فتنادي بكل واد: هذا المهدي يقضي بقضاء آل داود، و لا يسأل عليه بيّنة (4).

و في العوالم عن أبي سعيد الخراساني قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): المهدي و القائم واحد؟ فقال: نعم. فقلت: لأي شي‏ء سمّي المهدي؟ قال: لأنّه يهدي إلى أمر خفي، و سمّي القائم لأنّه يقوم بعد ما يموت، إنّه يقوم بأمر عظيم‏ (5).

أقول: قوله: بعد ما يموت، أي يموت ذكره أو بزعم الناس.

____________

(1)- عيون أخبار الرضا: 245 باب 63 ح 1 حديث أبي الصلت.

(2)- مدينة المعاجز: 7/ 76.

(3)- في المصدر: تبعث و بالهامش: في بعض النسخ: طلعت.

(4)- الخصال: 649 ح 43 باب علّم رسول اللّه عليّا ألف باب من أبواب الثمانين و ما فوق.

(5)- غيبة الطوسي: 471 ح 489.

166

الفرع الثالث في الآيات القرآنية المفسّرة بأعيان الأئمّة الاثني عشر:

الآية الاولى: قوله تعالى في سورة البقرة وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (1).

في الدمعة عن تأويل الآيات عن مفضّل قال: سألت الصادق (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ‏ ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، و هو أنّه قال: يا ربّ بحقّ محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلّا تبت علي، فتاب عليه إنّه هو التوّاب الرحيم. قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه فما معنى قوله‏ فَأَتَمَّهُنَ‏ قال: أتمهنّ إلى القائم اثني عشر إماما: علي و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين. و أما قوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ ... أي إماما يقتدى به في أقواله و أفعاله و يقوم بتدبير الامّة و سياستها، فلمّا بشّره ربّه بذلك قال فرحا و استبشارا وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي‏ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ و العهد هو الإمامة، و الظالم هو الكافر بقوله تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ و لذلك انّ الظالم لا يكون إماما (2).

الآية الثانية: قوله تعالى‏ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ‏ (3).

في الدمعة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لما اسري بي إلى السماء قال لي العزيز: آمن الرسول بما انزل إليه من ربّه. قلت: و المؤمنون. قال: صدقت يا محمد عليك السلام، من خلفت لامّتك من بعدك؟ قلت: خيرها لأهلها. قال: علي بن أبي طالب. قلت: نعم يا رب. قال: يا محمّد إنّي اطلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها، و اشتققت لك اسما من أسمائي، لا أذكر في مكان إلّا و ذكرت معي فأنا المحمود و أنت محمّد.

ثمّ اطلعت ثانية فاخترت عليا و اشتققت له اسما من أسمائي فأنا الأعلى و هو علي، يا

____________

(1)- البقرة: 124.

(2)- الخصال: 305 ح 84.

(3)- البقرة: 285.

167

محمد إنّي خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين أشباح نور من نوري، و عرضت ولايتكم على السماوات و أهلها و على الأرضين و من فيهنّ، فمن قبل ولايتكم كان عندي من المقرّبين و من جحدها كان عندي من الكفّار الضالّين.

يا محمّد لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم. يا محمد تحب أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب، قال: التفت عن يمين العرش فالتفتّ فإذا أنا بأشباح علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة كلّهم، حتّى بلغ المهدي في ضحضاح من نور قيام يصلّون، المهدي في وسطهم كأنّه كوكب درّي. فقال لي:

يا محمد هؤلاء الحجج، و هو الثائر من عترتك، فو عزّتي و جلالي إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي و المنتقم من أعدائي‏ (1).

الآية الثالثة: في سورة الأنفال قوله تعالى‏ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ‏ (2).

في الدمعة عن حسين بن علي (عليهما السّلام): لما أنزل اللّه تبارك و تعالى هذه الآية سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن تأويلها فقال (صلّى اللّه عليه و آله): ما عنى بها غيركم، فأنتم أولو الأرحام، فإذا متّ فأبوك علي أولى بي و بمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به. قلت: يا رسول اللّه فمن أولى بي من بعدي؟ فقال: ابنك علي أولى بك من بعدك، فإذا مضى فابنه محمّد أولى به، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى به من بعده، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإذا مضى موسى فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه محمّد أولى به من بعده، فإذا مضى محمّد فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه الحسن أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الأئمّة التسعة من صلبك، أعطاهم اللّه علمي و فهمي، طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤذونني فيهم، لا أنالهم اللّه شفاعتي‏ (3).

الآية الرابعة: قوله تعالى‏ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (4).

____________

(1)- تأويل الآيات: 1/ 98 و المختصر للحلي: 82.

(2)- الأنفال: 75.

(3)- كفاية الأثر: 176.

(4)- هود: 86.

168

في الدمعة عن الحسن بن مسعود و محمد بن خليل قالا: دخلنا على سيّدنا أبي الحسن علي بن محمد (عليه السّلام) بسامراء و عنده جماعة من شيعته، فسألناه عن الأيام سعدها و نحسها فقال (عليه السّلام): لا تعادوا الأيّام فتعاديكم. و سألناه عن معنى الحديث فقال (عليه السّلام): له معنيان: ظاهر و باطن، فالظاهر أن السبت لنا و الأحد لشيعتنا و الاثنين لبني امية و الثلاثاء لشيعتهم و الأربعاء لبني العبّاس و الخميس لشيعتهم و الجمعة للمسلمين عيد. و الباطن: السبت جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الأحد أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و الاثنين الحسن و الحسين، و الثلاثاء علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد (عليهم السّلام)، و الأربعاء موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد ابن علي و أنا، و الخميس ابني الحسن، و الجمعة ابنه الذي به يجمع الكلم و يتم النعم و يحق اللّه الحقّ و يزهق الباطل، و هو مهديكم المنتظر، ثمّ قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ قال: هو و اللّه بقية اللّه‏ (1).

الآية الخامسة: قوله تعالى‏ وَ لَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏ (2) في الخرائج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: أ تدري ما كان قميص يوسف؟ قلت: لا.

قال: إنّ إبراهيم لمّا أو قد له النار أتاه جبرئيل بثوب من الجنة فألبسه إيّاه فلم يضرّه معه حرّ و لا برد، فلمّا حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة و علقها على إسحاق، و علقه إسحاق على يعقوب، فلمّا ولد يوسف علّقه عليه فكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان، فلما أخرجه يوسف من التميمة بمصر وجد يعقوب ريحه، و هو قوله تعالى حاكيا عنه‏ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ‏ فهو ذلك القميص الذي أنزل من الجنّة.

قلت له: جعلت فداك فإلى من صار ذلك القميص؟ قال: إلى أهله، و هو قائمنا إذا خرج يجد المؤمنون ريحه إن شاء اللّه شرقا و غربا، ثمّ قال: كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمّد و آله‏ (3).

الآية السادسة: قوله تعالى‏ طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏ (4) في الإكمال عن أبي بصير: قال‏

____________

(1)- الهداية الكبرى: 363 و من لا يحضره الفقيه: 1/ 425 ح 1257.

(2)- يوسف: 94.

(3)- الخرائج و الجرائح: 693 فصل في اعلام الإمام محمد بن الحسن المهدي.

(4)- الرعد: 29.

169

الصادق (عليه السّلام): طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية. فقلت له:

جعلت فداك و ما طوبى؟ قال (عليه السّلام): شجرة في الجنّة أصلها في دار علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و ليس من مؤمن إلّا و في داره غصن من أغصانها، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ‏ طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏ (1).

الآية السابعة: قوله تعالى في سورة الحجر إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏ (2).

عن المفيد في الإرشاد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إذا قام قائم آل محمّد يحكم بين الناس بحكم داود (عليه السّلام)، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه اللّه فيحكم بعلمه و يخبر كلّ قوم بما استنبطوه، و يعرف وليّه من عدوّه بالتوسم، قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ‏ (3).

الآية الثامنة: قوله تعالى في سورة الأنبياء فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إلى قوله‏ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ (4).

في الدمعة عن القمي: فلمّا أحسّوا بأسنا يعني بني امية إذا أحسّوا بالقائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى‏ ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ‏ يعني الكنوز التي كنزوها. قال: فيدخلون بني امية إلى الروم إذا طلبهم القائم، ثمّ يخرجهم من الروم و يطالبهم بالكنوز التي كنزوها فيقولون كما حكى اللّه‏ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ‏ (5) قال: بالسيف و تحت ظلال السيوف، و هذا كلّه ممّا لفظه ماض و معناه مستقبل‏ (6).

الآية التاسعة: قوله تعالى في سورة الشعراء فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ‏ (7).

في البحار عن الباقر (عليه السّلام) قال: إذا ظهر قائمنا أهل البيت قال‏ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي خفتكم على نفسي و جئتكم لما أذن لي ربي و أصلح لي أمري‏ (8).

____________

(1)- كمال الدين: 358 ح 55 باب 33.

(2)- الحجر: 74- 75.

(3)- الإرشاد: 2/ 386، و ينابيع المعاجز: 90.

(4)- الأنبياء: 12 و 13.

(5)- الأنبياء: 14- 15.

(6)- تفسير القمي: 2/ 68- 254.

(7)- الشعراء: 21.

(8)- البحار: 52/ 385 ح 194.

170

الآية العاشرة: قوله تعالى في سورة ص‏ هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏ (1).

عن بصائر الدرجات عن أبي عبيدة الحذاء قال: كنّا زمان أبي جعفر (عليه السّلام) مضى حين نردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة فقال: يا أبا عبيدة من إمامك؟ قال: قلت:

أئمّتي آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله). قال: هلكت و أهلكت أ ما سمعت أنا و أنت أبا جعفر و هو يقول: من مات و ليس له إمام مات ميتة جاهلية. قلت: بلى لعمري لقد كان ذلك.

ثمّ بعد ذلك بثلاث أو نحوها دخلنا على أبي عبد اللّه فرزق اللّه لنا المعرفة فدخلت عليه فقلت له: لقيت سالما فقال لي كذا و كذا و قلت له كذا و كذا. فقال أبو عبد اللّه: يا ويل لسالم ثلاث مرّات أ ما يدري سالم ما منزلة الإمام، الإمام أعظم ممّا يذهب إليه سالم و الناس أجمعين، يا أبا عبيدة إنّه لم يمت منّا ميّت حتّى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله، و يسير بمثل سيرته و يدعو إلى مثل الذي دعا إليه، يا أبا عبيدة إنّه لم يمنع اللّه ما أعطى داود أن يعطي سليمان أفضل ممّا أعطى داود، ثمّ قال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ‏. قال: قلت: ما أعطاه اللّه جعلت فداك؟ قال: نعم يا أبا عبيدة إنّه إذا قام قائم آل محمّد حكم بحكم داود و سليمان لا يسأل الناس البيّنة (2).

الآية الحادية عشرة: قوله تعالى في سورة الواقعة السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏ (3).

في الدمعة عن غيبة النعماني عن داود بن كثير الرقي قال: قلت لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السّلام): جعلت فداك أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ‏ قال: نطق اللّه بهذا يوم ذرأ الخلق في الميثاق، و قبل أن يخلق الخلق بألفي عام.

فقلت: فسّر لي ذلك؟ فقال: إنّ اللّه جلّ و عزّ لمّا أراد أن يخلق الخلق خلقهم من طين و رفع لهم نارا فقال ادخلوها فكان أوّل من دخلها محمد (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الحسن و الحسين و تسعة من الأئمّة، إمام بعد إمام ثمّ أتبعهم بشيعتهم، فهم و اللّه السابقون‏ (4).

الآية الثانية عشرة: قوله تعالى في سورة الصف‏ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ‏

____________

(1)- ص: 39.

(2)- بصائر الدرجات: 509 باب النوادر ح 11 و 15.

(3)- الواقعة: 10- 11.

(4)- غيبة النعماني: 90 ح 20.

171

طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ‏ (1).

في الدمعة عن ابن أبي يعفور قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) و عنده نفر من أصحابه فقال لي: يا ابن أبي يعفور هل قرأت القرآن؟ قال: قلت: نعم، هذه القراءة. قال: عنها سألتك لبس عن غيرها. قال: فقلت: نعم جعلت فداك و لم؟ قال: لأنّ موسى (عليه السّلام) حدّث قومه بحديث لم يحتملوه عنه، فخرجوا عليه بمصر فقاتلوه فقتلهم و هو قوله عزّ و جلّ‏ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى‏ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ‏ و إنّه أوّل قائم يقوم منّا أهل البيت يحدّثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة (2) فتقاتلونه فيقاتلكم، فيقتلكم، و هي آخر خارجة تكون‏ (3).

____________

(1)- الصف: 14.

(2)- الدسكرة القرية أو الأرض المستوية، و بيوت الأعاجم يكون فيها الشراب و الملاهي أو بناء كالقصر حوله بيوت (القاموس).

(3)- كتاب الزهد للكوفي: 104 و البحار: 52/ 375.

172

الفرع الرابع إخبار النبي و الأئمّة بأعيان الأئمّة من طريق أهل السنّة

في غاية المرام عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جل جلاله أنّه قال: من علم أنّه لا إله إلّا أنا وحدي، و أنّ محمدا عبدي و رسولي، و أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، و أنّ الأئمّة من ولده حججي، أدخلته الجنّة برحمتي و نجيته من النار بعفوي و أبحت له جواري و أوجبت له كرامتي و أتممت عليه نعمتي و جعلته من خاصّتي و خالصتي، إن ناداني لبّيته و إن دعاني أجبته و إن سألني أعطيته و إن سكت ابتدأته و إن أساء رحمته و إن فرّ منّي دعوته و إن رجع إلي قبلته و إن قرع بابي فتحته، و من لم يشهد أن لا إله إلّا أنا وحدي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ محمّدا عبدي و رسولي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك و لم يشهد أنّ الأئمّة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي و صغّر عظمتي و كفر بآياتي و كتبي و رسلي، إن قصدني حجبته و إن سألني حرمته و إن ناداني لم أسمع نداءه و إن دعاني لم أستجب دعاءه و إن رجاني خيّبت رجاءه منّى و ما أنا بظلّام للعبيد.

فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يا رسول اللّه و من الأئمّة من ولد علي بن أبي طالب؟ قال: الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنّة، ثمّ سيّد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثمّ الباقر محمد بن علي ستدركه يا جابر فإذا أدركته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمد ثمّ الكاظم موسى بن جعفر ثمّ الرضا علي بن موسى ثمّ التقي محمد بن علي ثمّ النقي علي بن محمد ثمّ الزكي الحسن بن علي ثمّ ابنه القائم محمد بالحق، مهدي أمّتي الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، هؤلاء يا جابر خلفائي و أوصيائي و أولادي و عترتي، من أطاعهم فقد أطاعني و من عصاهم فقد عصاني و من أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، و بهم يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض، و بهم‏

173

يحفظ اللّه الأرض أن تميد بأهلها (1).

و فيه عن أخطب الخطباء، خطيب خوارزم موفق بن أحمد المكي من أعيان علماء العامة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لمّا اسري بي إلى السماء أوحى إلي ربّي جل جلاله فقال: يا محمّد إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها و جعلتك نبيّا و شققت لك اسما من اسمي، فأنا المحمود و أنت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا و جعلته وصيك و خليفتك و زوج ابنتك و أبا ذريتك و شققت له اسما من أسمائي، فأنا العلي الأعلى و هو علي، و خلقت فاطمة و الحسن و الحسين من نوركما، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان عندي من المقرّبين.

يا محمد لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع و يصير كالشن البالي، ثمّ أتاني جاحدا لولايتهم ما أسكنته جنّتي و لا أظللته تحت عرشي. يا محمد تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ. فقال عزّ و جلّ: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي ابن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد ابن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي، و م ح م د بن الحسن القائم في وسطهم كأنّه كوكب دري. فقلت: و من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمّة و هذا القائم في وسطهم كأنه كوكب دري، الذي يحلّ حلالي و يحرّم حرامي و به أنتقم من أعدائي‏ (2).

أقول: و هكذا عن طرق الخاصة بزيادة: و هو راحة الأولياء و هو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين و الجاحدين و الكافرين، فيخرج اللات و العزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذ أشدّ من فتنة العجل و السامري‏ (3).

و فيه عن الحمويني عن أصبغ عن عبد اللّه بن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر أوّلهم أخي و آخرهم ولدي. قيل:

يا رسول اللّه من أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب. قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و الذي بعثني بالحق بشيرا و نذيرا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح اللّه‏

____________

(1)- كمال الدين: 260 و كفاية الأثر: 19.

(2)- ينابيع المودة: 3/ 249 ح 44.

(3)- المختصر للحلي: 91، و البحار: 52/ 379 ح 185.

174

عيسى ابن مريم فيصلّي خلفه، و تشرق الأرض بنور ربّها، و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب‏ (1).

و فيه عن الحمويني: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا سيّد النبيّين، و علي بن أبي طالب سيّد الوصيّين، و إنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر؛ أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم المهدي‏ (2).

و فيه عنه عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه قال: يخرج المهدي في أمّتي، يبعثه اللّه عيانا للناس، تنعم الامّة و تعيش الماشية و تخرج الأرض نباتها و يعطى المال صحاحا (3).

و فيه عن سلمان المحمّدي: دخلت على النبي و إذا الحسين على فخذه و هو يقبّل عينيه و يلثم فاه و هو يقول: أنت السيّد ابن السيّد أبو السادة، أنت الإمام أخو الإمام ابن الإمام أبو الأئمّة، أنت الحجّة ابن الحجّة أخو الحجّة أبو الحجج التسعة، من صلبك تاسعهم قائمهم‏ (4).

و فيه عن أخطب الخطباء موفق بن أحمد الخوارزمي في مناقبه عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا واردكم على الحوض و أنت يا علي الساقي و الحسن الذائد و الحسين الآمر و علي بن الحسين القارض و محمد بن علي الناشر و جعفر بن محمد السائق و موسى بن جعفر محصي المحبّين و المبغضين و قامع المنافقين، و علي بن موسى زين المؤمنين و محمد بن علي منزل أهل الجنّة في درجاتهم و علي بن محمد خطيب شيعته و مزوّجهم الحور العين، و الحسن بن علي سراج أهل الجنّة يستضيئون به، و المهدي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن اللّه إلّا أن يشاء و يرضى‏ (5).

و في أعلام الورى عن ابن عبّاس: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين حضرته وفاته فقلت: إذا كان ما نعوذ باللّه منه فإلى من؟ فأشار إلى علي فقال: إلى هذا فإنّه مع الحقّ و الحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماما، مفترضة طاعتهم كطاعتي‏ (6).

و فيه عن عبّاس بن عبد المطّلب أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال له: يا عم يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثمّ تكون امور كريهة شديدة عظيمة، ثمّ يخرج المهدي من ولدي يصلح اللّه أمره في‏

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 295 و كمال الدين: 280.

(2)- فرائد السمطين للحمويني: 2/ 313 ح 563.

(3)- نور الأبصار: 189 باب 2.

(4)- ينابيع المودّة: 2/ 44 ح 401.

(5)- مقتل الحسين للخوارزمي: 1/ 145.

(6)- أعلام الورى: 385 الفصل الأوّل في النصّ عليهم.

175

ليلة، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا و يمكث في الأرض ما شاء اللّه، ثمّ يخرج الدجّال‏ (1).

و في الخصال و عمدة ابن بطريق و أعلام الورى عن صحاح أهل السنّة عن جابر بن سمرة:

جئت مع أبي إلى المسجد و رسول اللّه يخطب فسمعته يقول: يكون من بعدي اثنا عشر أميرا، ثمّ خفض من صوته فلم أدر ما قال فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش‏ (2).

و بهذا المضمون أخبار كثيرة بطرق مختلفة و في بعضها: فقالوا له: ثمّ يكون ما ذا؟ قال: ثمّ يكون النفث و النفاث‏ (3).

و في العمدة بطرق متعدّدة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لا يزال الدين قائما حتّى تقوم الساعة، و يكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش. و سمعته يقول: عصبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى و آل كسرى. و سمعته يقول: إنّ بين يدي الساعة كذّابين فاحذروهم‏ (4).

و في الخصال عن مسروق قال: بينا نحن نعرض مصاحفنا على ابن مسعود إذ قال له فتى شاب: هل عهد إليكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنّك لحدث السن و إنّ هذا شي‏ء ما سألني عنه أحد قبلك. قال: نعم عهد إلينا نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل‏ (5).

و فيه عنه بهذا المضمون من طرق متعدّدة كثيرة (6).

و في الينابيع عن بعض المحقّقين أنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده (صلّى اللّه عليه و آله) اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان و تعريف الكون علم أنّ مراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من حديثه هذا الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته و عترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر، و لا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر و لظلمهم الفاحش إلّا عمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه)، و لكونهم عين‏

____________

(1)- أعلام الورى: 376 الفصل الأوّل في النصّ عليهم.

(2)- الخصال: 469- 472 الخلفاء و الأئمّة ح 13 و 24.

(3)- كفاية الأثر: 50، و كمال الدين: 1/ 272.

(4)- غيبة النعماني: 121، و العمدة: 418 ح 866.

(5)- عيون أخبار الرضا: 2/ 53.

(6)- الأمالي للصدوق: 386 ح 495 و كمال الدين: 270.

176

بني هاشم لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: كلّهم من بني هاشم، لأنّ النبي في رواية عبد الملك عن جابر و إخفاء صوته في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنّهم لا يحسنون خلافة بني هاشم.

و لا يمكن أن يحمل على الملوك العبّاسية لزيادتهم على العدد المذكور و لقلّة رعايتهم.

الآية قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ (1) و حديث الكساء، فلا بدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته و عترته؛ لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم و أجلّهم و أورعهم و أتقاهم و أعلاهم نسبا و أفضلهم حسبا و أكرمهم عند اللّه، و كانت علومهم عن آبائهم متصلا بجدّهم (صلوات اللّه عليه و عليهم) و بالوراثة و اللدنية (2).

في الينابيع عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما انزل على محمد، و من أنكر نزول عيسى فقد كفر، و من أنكر خروج الدجّال فقد كفر (3).

و فيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر؛ أوّلهم علي و آخرهم ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى ابن مريم فيصلّي خلف المهدي، و تشرق الأرض بنور ربّها و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب‏ (4).

و فيه عن فرائد السمطين عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: قدم يهودي يقال له نعثل فقال:

يا محمّد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك، قال (صلّى اللّه عليه و آله): سل يا أبا عمارة. فقال: يا محمد صف لي ربّك؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه، و كيف يوصف الخالق الذي تعجز العقول أن تدركه و الأوهام أن تناله و الخطرات أن تحدّه و الأبصار أن تحيط به، جل و علا عمّا يصفه الواصفون، ناء في قربه و قريب في نأيه، هو كيّف الكيف و أيّن الأين فلا يقال له أين هو، و هو منقطع الكيفية و الأينونية، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه، و الواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوا أحد.

قال: صدقت يا محمد فأخبرني عن قولك: إنّه واحد لا شبيه له، أ ليس اللّه واحدا و الإنسان واحد؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): اللّه عزّ و علا واحد حقيقي أحدي المعنى، أي لا جزء و لا تركّب‏

____________

(1)- الشورى: 23.

(2)- ينابيع المودّة: 3/ 292 ح.

(3)- ينابيع المودّة: 3/ 295.

(4)- المصدر السابق، و فرائد السمطين: 4/ 332 ح 585.

177

له، و الإنسان واحد ثنائي المعنى مركّب من روح و بدن. قال: صدقت، فأخبرني عن وصيّك من هو، فما من نبي إلّا و له وصي و إنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى [إلى‏] يوشع بن نون.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ وصيّي علي بن أبي طالب و بعده سبطاي الحسن و الحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين. قال: يا محمّد: فسمّهم لي؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): إذا مضى الحسين فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه جعفر فإذا مضى جعفر فابنه موسى فإذا مضى موسى فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه علي فإذا مضى علي فابنه الحسن فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي (عجّل اللّه فرجه)، فهؤلاء اثنا عشرة إلى هنا محلّ الحاجة (1).

و ما ذكرنا يعدّ إتماما للخبر المؤلفة. قال: أخبرني عن كيفية موت علي و الحسن و الحسين؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): يقتل علي بضربة على قرنه و الحسن يقتل بالسمّ و الحسين بالذبح. قال:

فأين مكانهم؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): في الجنّة في درجتي. قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه، و أشهد أنّهم الأوصياء بعدك، و لقد وجدت في كتب الأنبياء المتقدّمة و فيما عهد إلينا موسى ابن عمران أنّه إذا كان آخر الزمان يخرج نبي يقال له أحمد و محمّد و هو خاتم الأنبياء، لا نبي بعده فيكون أوصياؤه بعده اثني عشر أوّلهم ابن عمّه و ختنه و الثاني و الثالث كانا أخوين من ولده، و يقتل أمّة النبي الأوّل بالسيف و الثاني بالسمّ و الثالث مع جماعة من أهل بيته بالسيف و بالعطش في موضع الغربة، فهو كولد الغنم يذبح و يصبر على القتل، يرفع درجاته و درجات أهل بيته و ذريّته و لإخراج محبّيه و أتباعه من النار، و التسعة الأوصياء منهم من أولاد الثالث، فهؤلاء الاثنا عشر عدد الأسباط.

قال (صلّى اللّه عليه و آله): أ تعرف الأسباط؟ قال: نعم إنّهم كانوا اثني عشر أوّلهم لاوي بن برخيا و هو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبة، ثمّ عاد فأظهر اللّه به شريعته بعد اندراسها، و قاتل قرسطيا الملك حتّى قتل الملك. قال: كائن في أمّتي ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، و إنّ الثاني عشر من ولدي يغيب حتّى لا يرى، و يأتي على أمّتي بزمن لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه و لا يبقى من القرآن إلّا رسمه، فحينئذ يأذن اللّه تعالى له بالخروج فيظهر اللّه الإسلام به و يجدّده، طوبى لمن أحبّهم و تبعهم و الويل لمن أبغضهم و خالفهم، و طوبى‏

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 281 و فرائد السمطين: 2/ 132 ح 431.

178

لمن تمسّك بهداهم‏ (1).

أقول: كذا في كتاب الدر النظيم باختلاف يسير و في آخره فانتفض نعثل فقام بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فأنشأ يقول:

صلّى العلي ذو العلى‏* * * عليك يا خير البشر

أنت النبي المصطفى‏* * * و الهاشمي المفتخر

بك قد هدانا ربّنا* * * و فيك نرجو ما أمر

و معشر سمّيتهم‏* * * أئمة اثني عشر

حباهم ربّ العلى‏* * * ثمّ صفاهم من كدر

قد فاز من والاهم‏* * * و خاب من عادى الزهر

آخرهم يشفي الظما* * * و هو الإمام المنتظر

عترتك الأخيار لي‏* * * و التابعون ما أمر

من كان عنهم معرضا* * * فسوف يصلاه سقر (2)

و فيه: عن المناقب عن واثلة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا محمّد أخبرني عمّا ليس للّه و عمّا ليس عند اللّه و عمّا لا يعلمه اللّه، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أما ما ليس للّه فليس للّه شريك، و أمّا ما ليس عند اللّه فليس عند اللّه ظلم للعباد، و أمّا ما لا يعلمه اللّه فذلك قولكم يا معشر اليهود: إنّ عزيزا ابن اللّه، و اللّه لا يعلم أنّ له ولدا، بل يعلم أنّه مخلوقه و عبده. فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّك رسول اللّه حقّا و صدقا.

ثمّ قال: إنّي رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران فقال: يا جندل أسلم على يد محمّد خاتم الأنبياء و استمسك بأوصيائه من بعده. فقلت: أسلم! فللّه الحمد أسلمت و هداني بك. ثمّ قال: أخبرني يا رسول اللّه عن أوصيائك من بعدك لأتمسّك بهم، قال:

أوصيائي الاثنا عشر؟ قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة و قال: يا رسول اللّه سمّهم لي؟

فقال: أوّلهم سيّد الأوصياء أبو الأئمّة علي، ثمّ ابناه الحسن و الحسين فاستمسك بهم، و لا يغرنّك جهل الجاهلين، فإذا ولد علي بن الحسين زين العابدين يقضي اللّه عليك، و يكون‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 36/ 283 بتفاوت.

(2)- العدد القوية للحلي: 81.

179

آخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه.

فقال جندل: وجدناه في التوراة و في كتب الأنبياء: إيليا و شبر و شبير فهذه اسماء علي و الحسن و الحسين. فمن بعد الحسين ما أساميهم؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): إذا انقضت مدّة الحسين فالإمام ابنه علي و يلقّب بزين العابدين (عليه السّلام)، فبعده ابنه محمد يلقب بالباقر، فبعده ابنه جعفر يدعى بالصادق، فبعده ابنه موسى يدعى بالكاظم، فبعده ابنه علي يدعى بالرضا، فبعده ابنه محمد يدعى بالتقي و الزكي، فبعده علي يدعى بالنقي و الهادي، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري، فبعده ابنه محمد يدعى بالمهدي و القائم و الحجة فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّتهم، أولئك الذين وصفهم اللّه في كتابه و قال: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (1) ثمّ قال تعالى: أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏ (2) فقال جندل: الحمد للّه الذي وفّقني بمعرفتهم. ثمّ عاش إلى أن كانت ولادة علي بن الحسين (عليهما السّلام) فخرج إلى الطائف، و مرض و شرب لبنا و قال: أخبرني رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، و مات و دفن بالطائف بالموضع المعروف بالكوزارة (3).

في الدمعة عن كتاب سليم بن قيس الهلالي قال: أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) فنزل العسكر قريبا من دير النصارى فنزل إلينا من الدير شيخ حسن الوجه، حسن الهيئة و السمة، معه كتاب في يده حتّى أتى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسلّم عليه بالخلافة. فقال له علي:

مرحبا يا أخي شمعون بن حمون، كيف حالك رحمك اللّه؟

قال: بخير يا أمير المؤمنين و سيّد المسلمين و وصي رسول ربّ العالمين، أنا من حواري أخيك عيسى ابن مريم (عليه السّلام)، و أنا من نسل شمعون بن يوحنا وصي عيسى ابن مريم، و إليه دفع كتبه و علمه، فلم يزل أهل بيته على دينه مستمسكين بملّته، لم يكفروا و لم يبدّلوا و لم يغيّروا، و تلك الكتب عندي، إملاء عيسى و خط أبينا، و فيه كلّ شي‏ء يفعل الناس من بعده، كل ملك ملك و كم يملك، و ما يكون في زمان كلّ ملك منهم حتّى يبعث اللّه رجلا من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه من أرض تهامة يقال له أحمد، الأنجل العينين‏

____________

(1)- البقرة: 3.

(2)- المجادلة: 22.

(3)- ينابيع المودّة: 3/ 285 باب 76.

180

المقرون الحاجبين، صاحب الناقة و الحمار و القضيب و التاج يعني العمامة.

ثمّ ذكر مبعثه و مولده و هجرته (صلّى اللّه عليه و آله) و من يقاتله و من ينصره و من يعاديه و كم يعيش و ما تلقى أمّته بعده، إلى أن ينزل عيسى ابن مريم من السماء (1)، فذكر في ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلا من ولد إسماعيل، هم خير خلق اللّه و أحبّ من خلق اللّه إلى اللّه، و أن اللّه وليّ من والاهم و عدوّ من عاداهم، من أطاعهم اهتدى و من عصاهم ضلّ، طاعتهم للّه طاعة و معصيتهم للّه معصية، مكتوب بأسمائهم و أنسابهم و نعتهم، و كم يعيش كلّ رجل منهم، و كم رجل منهم يستتر بدينه و يكتمه من قومه، و من يظهر حتّى ينزل عيسى على آخرهم فيصلّي خلفه و يقول: إنّكم الأئمّة لا ينبغي لأحد أن يتقدّمكم، فيتقدّم فيصلّي بالناس و عيسى خلفه في الصف الأوّل، و هو أفضلهم و أخيرهم، له مثل اجورهم و نور من أطاعهم و اهتدى بهم:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم أحمد رسول اللّه و هو محمد و يس و الفتاح و الخاتم و الحاشر و العاقب و الماحي و القائد هو نبي اللّه و خليل اللّه و حبيب اللّه و صفيّ اللّه و خيرته يرى تقلّبه في الساجدين، يعني في أصلاب النبيّين، هو أكرم خلق اللّه على اللّه و أحبّهم إليه لم يخلق اللّه خلقا ملكا مقرّبا و لا نبيّا مرسلا آدم فمن سواه خيرا عند اللّه منه و لا أحب إلى اللّه منه، يقعده اللّه يوم القيامة على عرشه و يشفّعه في كلّ من يشفع فيه، باسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ.

ثمّ أخوه و وزيره و خليفته و أحبّ من خلق اللّه إلى اللّه بعده، ابن عمّه علي بن أبي طالب ولي كلّ مؤمن بعده، ثمّ أحد عشر رجلا من ولده و ولد ولده؛ أوّلهم شبر و الثاني شبير و تسعة من ولد شبير واحدا بعد واحد، آخرهم الذي يصلّي عيسى خلفه يسمّيه من يملك منهم و من يستتر بدينه و من يظهر، فأوّل من يظهر منهم يملأ جميع بلاد اللّه قسطا و عدلا، و يملك ما بين الشرق و الغرب حتّى يظهره اللّه على الأديان كلّها، فبعث النبي و أبي حي فصدّق به و آمن به و شهد أنّه رسول اللّه، و كان شيخا كبيرا، لم يكن به شخوص فمات و قال: يا بني إنّ وصي محمّد و خليفته الذي اسمه في هذا الكتاب و نعته سيمرّ بك، إذا مضى ثلاثة من أئمّة الضلالة و المسمّين بأسمائهم و قبائلهم، فإذا مرّ بك فاخرج إليه فبايعه و قاتل معه عدوّه فإنّ الجهاد معه كالجهاد مع محمّد، و الموالي له كالموالي لمحمد و المعادي له كالمعادي‏

____________

(1)- في المصدر: و ما تلقى أمّته من بعده من الفرقة و الاختلاف و فيه تسمية كل إمام هدى و إمام ضلالة.

181

لمحمد.

و في هذا الكتاب اثنا عشر إماما من أئمة الضلالة من قريش من قومه، يعادون أهل بيته و يمنعونهم حقّهم و يقتلونهم و يطردونهم و يحرمونهم و يخنقونهم، مسمّين واحدا واحدا بأسمائهم و نعتهم، و كم يملك كلّ رجل منهم و ما يلقى من قومه ولدك و أنصارك و شيعتك من القتل و الخوف و البلاء، و كيف يديلكم منهم و من أوليائهم و أنصارهم، و ما يلقون من الذل و الخزي و القتل و الخوف منكم أهل البيت.

ثمّ قال: ابسط يدك يا أمير المؤمنين ابايعك، فإنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، و أشهد أنّك وصيّه و خليفته في بيعته و شاهده على خلقه و حجّته في أرضه، و أنّ الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه و رضيه لأوليائه، و أنّه دين عيسى و من كان قبله من أنبياء اللّه و رسله، و هو الدين الذي دان به من مضى من آبائي، و إنّي أتولّاك و أتولّى أولياءك و أبرأ من أعدائك، و أتولّى الأئمّة من ولدك و أبرأ من عدوّهم و ممّن خالفهم و برئ منهم، و ادّعى حقّهم و ظلمهم من الأوّلين و الآخرين، فتناول يد أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبايعه، ثمّ قال له أمير المؤمنين: أرني كتابك فناوله إيّاه فقال لرجل من أصحابه: قم مع الرجل فانظر ترجمانا يفهم كلامه فلينسخه لك بالعربية، فلمّا انتسخه، أتاه به فقال للحسن: يا بني ائتني بالكتاب الذي دفعته إليك، و اقرأ أنت يا بني و انظر أنت يا فلان في نسخة هذا الكتاب فإنّه خطي و إملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقرأه فما خالف حرفا واحدا فكأنّه إملاء رجل واحد، فحمد اللّه أمير المؤمنين و قال: الحمد للّه الذي لو شاء لم تختلف الامّة و لم تفترق، و الحمد للّه الذي لم ينسني و لم يضع أمري و لم يخمد (1) ذكري عنده و عند أوليائه؛ إذ صغر و خمل عند أولياء الشيطان و حزبه‏ (2). انتهى‏ (3).

و في الينابيع عن الحمويني الشافعي في فرائد السمطين عن دعبل الخزاعي: أنشدت قصيدة لمولاي الرضا (عليه السّلام) أوّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوة* * * و منزل وحي مقفر العرصات‏

____________

(1)- في المصدر: يخمل ذكري.

(2)- في المصدر: إذ صغر و خمل ذكر أولياء الشيطان و حزبه.

(3)- بطوله في: كتاب سليم بن قيس: 252، و الخرائج: 2/ 744.

182

و قبر ببغداد لنفس زكية* * * تضمّنها الرّحمن في الغرفات‏

قال: قال لي الرضا: أ فلا الحق البيتين بقصيدتك؟ قلت: بلى يا ابن رسول اللّه، فقال (عليه السّلام):

و قبر بطوس يا لها من مصيبة* * * توقد في الأحشاء بالحرقات‏

إلى الحشر حتّى يبعث اللّه قائما* * * يفرّج عنّا الهمّ و الكربات‏

قال دعبل: ثمّ قرأت بواقي القصيدة عنده فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة واقع‏* * * يقوم على اسم اللّه و البركات‏

يميّز فينا كلّ حقّ و باطل‏* * * و يجزي على النعماء و النقمات‏

بكى الرضا (عليه السّلام) بكاء شديدا ثمّ قال: يا دعبل نطق روح القدس بلسانك، أ تعرف من هذا الإمام؟ و متى يقوم؟ قلت: لا إلّا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطا و عدلا.

فقال: إنّ الإمام بعدي ابني محمد و بعد محمد ابنه علي و بعد علي ابنه الحسن و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم، و هو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و أما متى يقوم فإخبار عن الوقت‏ (1).

و في عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) من طرق الشيعة هكذا، إلّا أن فيه: لقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عن النبي قيل له: يا رسول اللّه متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله مثل الساعة لا يجلّيها لوقتها إلّا هو ثقلت في الأرض لا تأتيكم إلّا بغتة (2).

أقول: و لما انجرّ الكلام إلى هذا فلا ضير أن نذكر بقية حال دعبل من بركة هذه القصيدة فتكون على بصيرة من أمرك.

في إكمال الدين: نهض الرضا (عليه السّلام) بعد فراغ دعبل من إنشاده القصيدة، و أمره أن لا يبرح من موضعه فدخل الدار، فلمّا كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية، فقال له:

يقول لك مولاي اجعلها في نفقتك. فقال: و اللّه ما لهذا جئت و لا قلت هذه القصيدة طمعا في شي‏ء يصل إلي، و ردّ الصرّة و سأل ثوبا من ثياب الرضا (عليه السّلام) ليتبرّك به و يتشرّف، و أنفذ إليه الرضا بجبّة خزّ مع الصرّة و قال للخادم: قل له يقول لك مولاي خذ هذه الصرّة فإنّك ستحتاج إليها و لا تراجعني فيها.

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 309 و فرائد السمطين: 2/ 337 ح 591.

(2)- عيون أخبار الرضا: 265- 266 ح 34 باب 66.

183

فأخذ دعبل الصرّة و الجبة و انصرف، و سار من مرو في قافلة فلما أتوا ميان (بلد بقرب نيسابور قوهان) وقع عليهم اللصوص و أخذوا القافلة بأسرها و كتّفوا أهلها، و كان دعبل فيمن كتف، و ملك اللصوص القافلة و جعلوا يقتسمونها بينهم، فقال رجل من اللصوص متمثّلا بقول دعبل من قصيدة:

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما* * * و أيديهم من فيئهم صفرات‏

فسمعه دعبل فقال: لمن هذا البيت؟ قال: لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي. قال دعبل: أنا دعبل بن علي قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت، فوثب الرجل إلى رئيسهم و كان يصلّي على رأس تل و كان من الشيعة فأخبره، فجاء بنفسه حتّى وقف على دعبل فقال له: أنت دعبل؟ فقال: نعم. قال: أنشد القصيدة، فأنشدها فحل كتافه و كتاف جميع أهل القافلة و ردّ إليهم جميع ما اخذ منهم لكرامة دعبل.

و سار دعبل حتّى وصل إلى قم فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في مسجد الجامع، فلما اجتمعوا صعد دعبل المنبر فأنشدهم القصيدة، فوصله الناس من المال و الخلع بشي‏ء كثير و اتصل بهم خبر الجبّة فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار فامتنع من ذلك، فقالوا له: بعنا شيئا منها بألف دينار فأبي عليهم، و سار عن قم فلمّا خرج عن رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب و أخذوا الجبّة منه، فرجع دعبل إلى قم و سألهم ردّ الجبّة عليه فامتنع الأحداث من ذلك و عصوا المشايخ في أمرها فقالوا لدعبل: لا سبيل لك إلى الجبّة فخذ ثمنها ألف دينار، فأبى عليهم فلما يئس من ردّهم الجبّة فسألهم أن يدفعوا إليه شيئا منها فأجابوه إلى ذلك، فأعطوه بعضها و دفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار، و انصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله، فباع المائة دينار التي كان الرضا (عليه السّلام) وصله بها من الشيعة، كل دينار بمائة درهم فحصل في يده عشرة آلاف درهم، فتذكّر قول الرضا (عليه السّلام) إنّك ستحتاج إلى الدنانير.

و كانت له جارية لها من قلبه محل، فرمدت رمدا عظيما فأدخل أهل الطب عليها فنظروا إليها فقالوا: أمّا العين اليمنى فليس فيها لنا علاج و لا حيلة، قد ذهبت، و أمّا اليسرى فنحن نعالجها و نجتهد و لا نرى أن تسلم، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا و جزع عليها جزعا عظيما، ثمّ إنّه ذكر ما معه من فضلة الجبّة فمسحها على عيني الجارية و عصبها بعصابة من أوّل الليل‏

184

فأصبحت و عيناها أضحّ ممّا كانتا، و كأنّه ليس لها أثر رمد قط ببركة مولانا أبي الحسن الرضا (عليه السّلام)(1).

و في العيون عن علي بن دعبل الخزاعي، يقول: لمّا أن حضرت أبي الوفاة تغيّر لونه و انعقد لسانه و اسودّ وجهه فكدّت الرجوع من مذهبه، فرأيته بعد ثلاث فيما يرى النائم و عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء فقلت: يا أبه ما فعل اللّه بك؟ فقال: يا بني إنّ الذي رأيته من اسوداد وجهي و انعقاد لساني كان من شرب الخمر في دار الدنيا، و لم أزل كذلك حتّى لقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء فقال لي: أنت دعبل؟ قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: فأنشدني قولك في أولادي فأنشدته قولي:

لا أضحك اللّه سنّ الدهر إن ضحكت‏* * * و آل أحمد مظلومون قد قهروا

مشرّدون نفوا عن عقر دارهم‏* * * كأنّهم قد جنوا ما ليس يغتفر

قال: فقال لي: أحسنت فشفع و أعطاني ثيابه و ها هي و أشار إلى ثياب بدنه‏ (2).

و في العيون: سمعت أبا نصر بن الحسن الكرخي الكاتب يقول: رأيت على قبر دعبل بن علي الخزاعي:

أعد للّه يوم يلقاه‏* * * دعبل أن لا إله إلّا هو

يقولها مخلصا عساه بها* * * يرحمه في القيامة اللّه‏

اللّه مولاه و الرسول و من‏* * * بعدهما فالوصي مولاه‏ (3).

____________

(1)- كمال الدين: 376 ح 7 باب 35.

(2)- عيون أخبار الرضا: 266 ح 36 باب 66 خبر دعبل.

(3)- عيون أخبار الرضا: 267 ح 37.

185

الفرع الخامس إخبار النبي و الأئمّة بأعيان الأئمّة و أسمائهم (عليهم السّلام) من طرق الخاصّة

في أعلام الورى أنّ رسول اللّه يقول: إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فأخوه الحسين بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا علي، ثمّ ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم و ستدركه يا حسين ثمّ تكملة اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين‏ (1).

و فيه سئل أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن معنى قول رسول اللّه: «إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي» من العترة؟ قال: أنا و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم و قائمهم، لا يفارقون كتاب اللّه و لا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللّه حوضه‏ (2).

و فيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أنا و علي و الحسن و الحسين و التسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون‏ (3).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): أنا سيّد النبيّين و علي سيّد الوصيّين، و إنّ أوصيائي من بعدي اثنا عشر وصيّا؛ أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و آخرهم القائم‏ (4).

و فيه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: لمّا أنزل اللّه تعالى على نبيّه‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ (5) قلت: يا رسول اللّه قد عرفنا اللّه و رسوله فمن أولو الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعته؟ فقال: هم خلفائي يا جابر و أئمّة المسلمين‏

____________

(1)- أعلام الورى: 395 الفصل الثاني من النص عليهم.

(2)- أعلام الورى: 396 الفصل الثاني من النص عليهم.

(3)- أعلام الورى: 396 الفصل الثاني من النص عليهم.

(4)- أعلام الورى: 391 الفصل الثاني من النص عليهم.

(5)- النساء: 59.

186

بعدي؛ أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي المعروف بالتوراة بالباقر و ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمّد بن علي ثمّ علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي ثمّ سميّي و كنيّي حجّة اللّه في أرضه و بقيته في عباده محمد بن الحسن ابن علي (عليهم السّلام)، ذلك الذي يغيب عن شيعته و أوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن اللّه قلبه للإيمان.

قال جابر: فقلت: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال: إي و الذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره و ينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن تجلاها سحاب، يا جابر: هذا من مكنون سرّ اللّه و مخزون علم اللّه فاكتمه إلّا عن أهله، الحديث. فليطلب تمامه في محلّه‏ (1).

و فيه: عن عبد اللّه بن عبّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه تعالى اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّا، ثمّ اطلع الثانية فاختار منها عليا فجعله إماما، ثمّ أمرني أن أتخذه أخا و وصيّا و خليفة و وزيرا، فعلي منّي و أنا من علي، و هو زوج ابنتي و أبو سبطيّ الحسن و الحسين، ألا و إنّ اللّه تبارك و تعالى جعلني و إيّاه حججا على عباده، و جعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري و يحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي و مهدي أمّتي أشبه الناس بي في شمائله و أقواله و أفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة و حيرة مظلمة، فيعلن أمر اللّه و يظهر دين اللّه و يؤيّد ينصر اللّه و ينصر بملائكة اللّه، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا (2).

و فيه عن حسين بن علي قال: دخلت على رسول اللّه و عنده أبي بن كعب فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): مرحبا يا أبا عبد اللّه يا زين السماوات و الأرض. قال له أبي: و كيف يكون يا رسول اللّه زين السماوات و الأرض أحد غيرك؟ فقال: و الذي بعثني بالحقّ نبيّا إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، و إنّه لمكتوب على يمين عرش اللّه مصباح هدى و سفينة نجاة و إمام غير وهن و عزّ و فخر و علم و ذخر، و إنّ اللّه عزّ و جلّ ركب في صلبه نطفة طيّبة مباركة

____________

(1)- أعلام الورى: 397.

(2)- أعلام الورى: 397 الفصل الثاني من النصّ عليهم.

187

زكية، خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام أو يجري ماء في الأصلاب أو يكون ليل أو نهار، و لقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلّا حشره اللّه عزّ و جلّ معه و كان شفيعه في آخرته، و فرّج اللّه عنه كربه، و قضى بها دينه و يسّر أمره و أوضح سبيله و قوي على عدوّه و لم يهتك ستره. فقال له أبي: و ما هذه الدعوات يا رسول اللّه؟ قال: تقول إذا فرغت من صلاتك و أنت قاعد: اللهمّ إنّي أسألك بكلماتك و معاقد عزّك و سكّان سماواتك و أنبيائك و رسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسرا، فأسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تجعل لي فرجا من عسري و يسرا و مخرجا، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يسهّل أمرك و يشرح صدرك و يلقنك شهادة أن لا إله إلّا اللّه عند خروج نفسك.

قال له أبي: يا رسول اللّه فما هذه النطفة في صلب الحسين (عليه السّلام)؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): مثل هذه النطفة كمثل القمر و هي نطفة تبيين و بيان‏ (1)، يكون من اتّبعه رشيدا و من ضلّ عنه غويا. قال:

فما اسمه و ما دعاؤه؟ قال: اسمه علي و دعاؤه: يا دائم يا ديموم يا حي يا قيوم يا كاشف الغمّ و يا فارج الهمّ و يا باعث الرسل و يا صادق الوعد، من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه مع علي بن الحسين و كان قائده إلى الجنّة. قال له أبي: يا رسول اللّه فهل له من خلف و وصي؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

نعم له مواريث السماوات و الأرض. قال: و ما معنى مواريث السماوات و الأرض؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله):

القضاء بالحق و الحكم بالديانة و تأويل الأحكام و بيان ما يكون. قال: فما اسمه؟

قال: محمد و إنّ الملائكة لتستأنس به في السماوات و يقول في دعائه: اللهم إن كان لي عندك رضوان و ود فاغفر لي و لمن تبعني من إخواني و شيعتي و طيّب ما في صلبي، فركّب اللّه عزّ و جلّ في صلبه نطفة مباركة زكية، و أخبرني أنّ اللّه طيّب هذه النطفة و سمّاها عنده جعفرا و جعله هاديا و راضيا و مرضيا، يدعو ربّه فيقول في دعائه: يا ديّان غير متوان يا أرحم الراحمين، اجعل لشيعتي من النار وقاء، و لهم عندك رضى و اغفر ذنوبهم و استر عيوبهم و يسّر امورهم و اقض ديونهم و استر عوراتهم، و هب لهم الكبائر التي بينك و بينهم، يا من لا يخاف الضيم، و لا تأخذه سنة و لا نوم، اجعل لي من كلّ غمّ فرجا. من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه أبيض الوجه مع جعفر بن محمد إلى الجنّة.

يا أبي إنّ اللّه ركب على هذه النطفة نطفة زكية مباركة طيّبة أنزل عليهما الرحمة و سمّاها

____________

(1)- في العيون: و هي نطفة بنين و بنات.

188

عنده موسى. فقال له أبي يا رسول اللّه كأنّهم يتواصفون و يتناسلون و يتوارثون و يصف بعضهم بعضا، قال: وصفهم لي جبرئيل عن ربّ العالمين جل جلاله، قال: فهل لموسى من دعوة يدعو بها سوى دعاء آبائه؟ قال: نعم يقول في دعائه: يا خالق الخلق و يا باسط الرزق و فالق الحب و بارئ النسم و محيي الأموات و مميت الأحياء و دائم الثبات و مخرج النبات افعل بي ما أنت أهله. من دعا بهذا الدعاء قضى اللّه حوائجه و حشره يوم القيامة مع موسى ابن جعفر.

و إنّ اللّه عزّ و جلّ ركّب في صلبه نطفة مباركة زكية مرضية و سمّاها عنده عليا و كان للّه في خلقه رضيا في علمه و حكمه، و جعله حجّة على خلقه إلى يوم القيامة، و له دعاء يدعو به فيقول: اللهمّ اعطني الهدى و ثبّتني عليه، و احشرني مع الذين لا خوف عليهم و لا حزن و لا جزع، إنّك أهل التقوى و أهل المغفرة.

و إنّ اللّه عزّ و جلّ ركّب في صلبه نطفة مباركة طيّبة زكية مرضية، و سمّاها محمد بن علي فهو شفيع شيعته و وارث علم جدّه، له علامة بيّنة و حجّة ظاهرة إذا ولد، يقول: لا إله إلّا اللّه و يقول في دعائه: يا من لا شبيه له و لا مثال، أنت اللّه لا إله إلّا أنت، و لا خالق إلّا أنت، تغني المخلوقين و تبقى، أنت حلمت عمّن عصاك و في المغفرة رضاك، من دعا بهذا الدعاء كان محمد بن علي شفيعه يوم القيامة.

و إنّ اللّه تبارك و تعالى ركّب في صلبه نطفة لا باغية و لا طاغية، بارّة مباركة طيّبة طاهرة سمّاها عنده علي بن محمد، فألبسها السكينة و الوقار، و أودعها العلوم و كلّ سرّ مكتوم، من لقيه و في صدره شي‏ء أنبأه به و حذّره من عدوّه، و يقول في دعائه: يا نور يا برهان يا مبين يا منير يا رب اكفني شرّ الشرور، و آفات الدهور، و أسألك النجاة يوم ينفخ في الصور، من دعا بهذا الدعاء كان علي بن محمد شفيعه و قائده إلى الجنّة.

و إنّ اللّه قد ركّب في صلبه نطفة و سمّاها عنده الحسن فجعله نورا في بلاده و خليفة في أرضه و عزّا لامّته و هاديا لشيعته و شفيعا لهم عند ربّهم، و نقمة على من خالفه و حجّة لمن والاه و برهانا لمن اتخذه إماما، يقول في دعائه: يا عزيز العزّ في عزّه يا عزيزا أعزّني بعزّتك و أيّدني بنصرك، و أبعد عنّي همزات الشيطان و ادفع عنّي بدفعك و امنع عنّي بمنعك و اجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد، من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه‏

189

عزّ و جلّ معه و نجّاه من النار و لو وجبت عليه.

و إنّ اللّه تعالى ركّب في صلبه نطفة زكية طيّبة طاهرة مطهّرة يرضى بها كلّ مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان ممّن قد أخذ اللّه ميثاقه في الولاية، و يكفر بها كلّ جاحد، فهو إمام تقي نقي سار مرضيّ هادي مهدي، يحكم بالعدل و يأمر به و يصدق اللّه و يصدقه اللّه في قوله، يخرج من تهامة حتّى يظهر الدلائل و العلامات، و له بالطالقان كنوز لا ذهب و لا فضّة إلّا خيول مطهمة و رجال مسومة، يجمع اللّه له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر، ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا مع صحيفة مختومة، فيها عدد أصحابه بأسمائهم و أنسابهم و بلدانهم و طبائعهم و خلقهم، و كدادون مجدّون في طاعته. فقال له أبي: و ما دلائله و علامته يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله): له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، و أنطقه اللّه عزّ و جلّ فناداه العلم: أخرج يا ولي اللّه و اقتل أعداء اللّه، و له رايتان و علامتان، و له سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده و أنطقه اللّه عزّ و جلّ فناداه السيف: اخرج يا ولي اللّه و أمرني بأمرك يا حجّة اللّه فلا يحلّ لك أن تقعد من أعداء اللّه حيث ثقفتهم، و يقيم حدود اللّه و يحكم بحكم اللّه، و يكون جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يسرته، و شعيب و صالح على مقدّمته، و سوف تذكرون ما أقول لكم و افوّض أمري إلى اللّه تعالى و لو بعد حين.

يا أبي طوبى لمن لقيه و طوبى لمن أحبّه و طوبى لمن قال به، ينجيهم اللّه من الهلكة و بالإقرار به و برسول اللّه و بجميع الأئمّة تفتح لهم الجنّة، مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي تسطع ريحه فلا يتغيّر أبدا، و مثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ أبدا نوره. قال أبي: يا رسول اللّه كيف حال هؤلاء الأئمّة عن اللّه عزّ و جلّ؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل عليّ اثنتي عشرة صحيفة باثني عشر خاتما اسم كلّ إمام على خاتمه و صفته في صحيفته‏ (1).

و فيه: عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لأصحابه: آمنوا بليلة القدر فإنّها تكون من بعدي لعلي بن أبي طالب و ولده و هم أحد عشر من بعده‏ (2).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم اللّه فهمي و علمي و حكمتي، و خلقهم من‏

____________

(1)- أعلام الورى: 404 الفصل الثاني من النص عليهم.

(2)- أعلام الورى: 390 الفصل الثاني من النص عليهم.

190

طينتي، فويل للمتكبّرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، ما لهم لا أنالهم اللّه شفاعتي‏ (1).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا علي، و آخرهم القائم الذي يفتح اللّه على يده مشارق الأرض و مغاربها (2).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب و آخرهم القائم، هم خلفائي و أوصيائي و أوليائي و حجج اللّه على أمّتي بعدي، المقرّ لهم مؤمن و المنكر لهم كافر (3).

و فيه: عنه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ خلفائي و أوصيائي و حجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر أوّلهم أخي و آخرهم ولدي. قيل: يا رسول اللّه و من أخوك؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): علي بن أبي طالب. قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا، و الذي بعثني بالحقّ بشيرا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى ابن مريم فيصلّي خلفه، و تشرق الأرض بنور ربّها، و يبلغ سلطانه المشرق و المغرب‏ (4).

و في أربعين الخوئي عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّه لما عرج بي ربي جل جلاله أتاني النداء: يا محمد. قلت: لبيك ربّ العظمة لبيك، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلي: يا محمد فيم اختصم به الملأ الأعلى؟ قلت: إلهي لا علم لي. فقال لي: يا محمد هل اتخذت من الآدميين وزيرا و أخا و وصيّا من بعدك؟ فقلت: إلهي و من أتخذ؟ تخيّر لي أنت يا إلهي، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى: يا محمّد قد اخترت لك من الآدميين عليا فقلت: إلهى ابن عمّي فأوحى اللّه لي: يا محمد إنّ عليا وارثك و وارث العلم من بعدك، و صاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة، و صاحب حوضك يسقي من ورد عليه من بريتي من أمّتك، ثمّ أوحى اللّه عزّ و جلّ إلي، يا محمد إنّي قد أقسمت على نفسي قسما حقّا لا يشرب من ذلك الحوض مبغض لك و لأهل بيتك و ذريتك الطيبين الطاهرين حقّا حقّا، أقول يا محمّد لأدخلن جميع أمّتك الجنّة إلّا من أبي.

فقلت: إلهي و أحد يأبى دخول الجنّة؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلي: بلى. فقلت: و كيف يا

____________

(1)- أعلام الورى: 390.

(2)- أعلام الورى: 391.

(3)- أعلام الورى: 391.

(4)- أعلام الورى: 391.

191

ربي؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلي: يا محمّد اخترتك من خلقي و اخترت لك وصيّا من بعدك، و جعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدك، و ألقيت محبته في قلبك، و جعلته أبا لولديك، فحقّه بعدك على امتك كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه جحد حقّك و من أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك، و من أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة.

فخررت للّه عزّ و جلّ ساجدا شاكرا لما أنعم علي، فإذا مناد ينادي: ارفع يا محمّد رأسك و اسألني أعطك. فقلت: إلهي اجمع أمّتي من بعدي على علي بن أبي طالب ليردوا علي جميعا حوضي يوم القيامة، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلي يا محمد إنّي قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم، و قضائي ماض فيهم، لاهلك به من أشاء و أهدي به من أشاء، و قد آتيته علمك من بعدك و جعلته وزيرك و خليفتك من بعدك على أهلك و أمّتك، عزيمة منّي و لا يدخل الجنّة من عاداه و أبغضه و أنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك و من أبغضك فقد أبغضني، و من عاداه فقد عاداك و من عاداك فقد عاداني و من أحبّه فقد أحبّك و من أحبّك فقد أحبّني، و قد جعلت لك هذه الفضيلة، و أعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهديّا، كلّهم من ذريتك من البكر البتول، و آخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى ابن مريم يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا، انجي به من الهلكة و أهدي به من الضلالة و أبرئ به الأعمى و أشفي به المريض، فقلت: إلهي و سيّدي متى يكون ذلك؟

فأوحى اللّه عزّ و جلّ: يكون ذلك إذا رفع العلم و ظهر الجهل و كثر القرّاء و قلّ العمل و كثر القتل و قل الفقهاء الهادون و كثر فقهاء الضلالة و الخئونة، و كثر الشعراء، و اتخذت أمّتك قبورهم مساجد و حليت المصاحف و زخرفت المساجد و كثر الجور و الفساد و ظهر المنكر و أمرت أمّتك به، و نهي عن المعروف و اكتفى الرجال بالرجال و النساء بالنساء، و صارت الامراء كفرة و أولياؤهم فجرة و أعوانهم ظلمة و ذوو الرأي منهم فسقة، و عند ثلاثة خسوف خسف بالمشرق و خسف بالمغرب و خسف بجزيرة العرب، و خراب البصرة على يد رجل من ذريتك تتبعه الزنوج، و خروج رجل من ولد الحسين بن علي، و ظهور الدجّال، يخرج بالمشرق من سجستان و ظهور السفياني.

فقلت: إلهي و ما يكون بعدي من الفتن؟ فأوحى اللّه إلي و أخبرني ببلاء بني امية و فتنة

192

ولد عمّي، و ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأوصيت بذلك ابن عمّي حين هبطت إلى الأرض، و أديت الرسالة و للّه الحمد على ذلك كما حمده النبيّون، و كما حمده كلّ شي‏ء قبل و ما هو خالقه إلى يوم القيامة (1).

و في أعلام الورى: سئل أمير المؤمنين عن معنى قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي، من العترة؟ قال: أنا و الحسن و الحسين و الأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم و قائمهم، لا يفارقون كتاب اللّه و لا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللّه حوضه‏ (2).

و في أعلام الورى عن أصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ذات يوم، و وضع يده في يد ابنه الحسن (عليه السّلام) و هو يقول: خرج علينا رسول اللّه ذات يوم و يده في يدي هكذا و هو يقول: خير الخلق بعدي و سيّدهم أخي هذا، و هو إمام كلّ مسلم و أمير كل مؤمن بعد وفاتي، ألا و إنّي أقول: إنّ خير الخلق بعدي و سيّدهم ابني هذا، إمام كلّ مسلم، و ولي كلّ مؤمن بعد وفاتي، ألا و إنّه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و خير الخلق و سيّدهم بعد الحسن ابني الحسين المظلوم بعد أخيه، المقتول بأرض كربلاء، أما إنّه و أصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة، و من بعد الحسين تسعة من صلبه، خلفاء اللّه في أرضه و حججه على عباده و أمناؤه على خزائنه، و هم أئمّة المسلمين و قادة المؤمنين و سادة المتّقين، و تاسعهم القائم الذي يملأ اللّه به الأرض نورا بعد ظلمتها، و عدلا بعد جورها، و علما بعد جهلها، و الذي بعث أخي محمدا بالنبوّة و اختصّني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الأمين جبرئيل، و لقد سئل رسول اللّه و أنا عنده:

من الأئمّة بعده؟ فقال للسائل: و السماء ذات البروج إنّ عددهم كعدد البروج، و رب الليالي و الأيّام و الشهور إنّ عدّتهم كعدّة الشهور.

قال السائل: فمن هم يا رسول اللّه؟ فوضع رسول اللّه يده على رأسي فقال: أوّلهم هذا و آخرهم المهدي من والاهم فقد والاني و من عاداهم فقد عاداني، و من أحبّهم فقد أحبّني‏

____________

(1)- كمال الدين: 252 باب نص اللّه عليه (23) ح 1.

(2)- أعلام الورى: 396 الفصل الثاني من النص عليهم.

193

و من أبغضهم فقد أبغضني، و من أنكرهم فقد أنكرني و من عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ اللّه دينه و بهم يعمر بلاده و بهم يرزق عباده، و بهم ينزل القطر من السماء و بهم يخرج بركات الأرض، هؤلاء أوصيائي و خلفائي و أئمّة المسلمين و موالي المؤمنين‏ (1).

و فيه: لمّا مات أبو بكر و بويع عمر و علي جالس ناحية، إذ أقبل يهودي عليه ثياب حسان و هو من ولد هارون حتّى قام على رأس عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين أنت أعلم هذه الامّة بكتابهم و أمر نبيّهم، فطأطأ عمر رأسه، فأعاد عليه القول فقال له عمر: و لم ذلك؟

فقال: إنّي جئت مرتاد النفس، شاكّا في ديني اريد الحجّة و أطلب البرهان. فقال له عمر:

دونك هذا الشاب، و أشار إلى أمير المؤمنين علي (عليه السّلام). فقال الغلام: و من هذا؟ قال عمر: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه و أبو الحسن و أبو الحسين ابني رسول اللّه، و زوج فاطمة بنت رسول اللّه، و أعلم الناس بالكتاب و السنّة. قال: فقام الغلام إلى علي (عليه السّلام) فقال:

أنت كذلك؟ فقال (عليه السّلام) له: نعم.

قال الغلام: اريد أن أسألك عن ثلاث و ثلاث و واحدة، فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السّلام) و قال: يا هاروني ما منعك أن تقول عن سبع؟ فقال: اريد أن أسألك عن ثلاث فإن علمتهنّ سألتك عمّا بعدهنّ، و إن لم تعلمهن علمت أنّه ليس فيكم علم. قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): فإنّي أسألك بالإله الذي تعبده لئن أجبتك عن ما تسألني لتدعن دينك و لتدخلن في ديني؟ قال: ما جئت إلّا لذلك. قال: فسل. قال: فأخبرني عن أوّل قطرة دم قطرت على وجه الأرض، أي قطرة دم هي؟ و أوّل عين فاضت على وجه الأرض أي عين هي؟ و أوّل شجرة اهتزّت على وجه الأرض أي شجرة هي؟

فقال (عليه السّلام): يا هاروني أما أنتم فتقولون: أوّل قطرة دم قطرت على وجه الأرض حيث قتل أحد ابني آدم، و ليس كذلك و لكنّه حيث طمثت حوّاء، و ذلك قبل أن تلد ابنيها. و أمّا أنتم فتقولون: أوّل عين فاضت على وجه الأرض العين التي ببيت المقدس، و ليس هو كذلك و لكنّها عين الحياة التي وقف عليها موسى و فتاه و معهما النون المالح، فسقط فيها فحيي و هذا الماء لا يصيب ميتا إلّا وحيي. و أمّا أنتم فتقولون: أوّل شجرة اهتزت على وجه الأرض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح، و ليس كذلك و لكنّها النخلة التي اهبطت من الجنّة، و هي‏

____________

(1)- أعلام الورى: 399 الفصل الثاني من النص عليهم.

194

العجوة، و منها تفرع كلّ ما ترى من أنواع النخل.

فقال: صدقت و اللّه الذي لا إله إلّا هو، إنّي لأجد هذا في كتب أبي هارون، كتابته بيده و املاء عمّي موسى، ثمّ قال: أخبرني عن الثلاث الأخر، عن أوصياء محمّد كم بعده من أئمّة عدل و عن منزله في الجنة و من يكون ساكنا معه في الجنّة و في منزله؟ فقال (عليه السّلام): يا هاروني إنّ لمحمّد اثني عشر وصيّا أئمّة عدل لا يضرّهم خذلان من خذلهم، و لا يستوحشون خلاف من خالفهم، و إنّهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في الأرض، و مسكن محمّد في جنّة عدن التي ذكرها اللّه عزّ و جلّ و غرسها بيده، و معه في مسكنه فيه الأئمّة الاثنا عشر العدول. فقال: صدقت و اللّه الذي لا إله إلّا هو، إنّي لأجد ذلك في كتب أبي هارون، كتابته بيده و إملاء عمّي موسى (عليه السّلام). قال: فأخبرني عن الواحدة: كم يعيش وصيّ محمّد بعده؟

و هل يموت أو يقتل؟ فقال (عليه السّلام): يا هاروني يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما و لا ينقص يوما، ثمّ يضرب ضربة هاهنا، و وضع يده على قرنه و أومأ إلى لحيته، فتخضب هذه من هذه.

قال: فصاح الهاروني و قطع كستيجه‏ (1) و قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّك وصي رسول اللّه، ينبغي أن تفوق و لا تفاق و أن تعظم و لا تستضعف، ثمّ مضى به علي إلى منزله فعلّمه معالم الدين‏ (2).

أقول: قد ورد هذا الخبر بطرق مختلفة باختلاف يسير تركناها خوفا من الإطالة.

و في أعلام الورى عن أبي جعفر محمد بن علي الثاني قال (عليه السّلام): أقبل أمير المؤمنين ذات يوم و معه الحسن بن علي و سلمان الفارسي، و أمير المؤمنين متكئ على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس؛ إذ أقبل رجل حسن الهيئة و اللباس فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السّلام) فرد، فجلس ثمّ قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهنّ علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم، و لا في آخرتهم، و إن تكن الاخرى علمت أنك و هم شرع سواء.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): سلني عمّا بدا لك. فقال: أسألك عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ و عن الرجل كيف يذكر و ينسى؟ و عن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام و الأخوال؟

____________

(1)- الكستيج بالضم: حبل غليظ يشدّه الذمّي فوق ثيابه دون الزنار.

(2)- أعلام الورى: 388 الفصل الثاني من النص عليهم.

195

فالتفت أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى الحسن (عليه السّلام) فقال: يا أبا محمد أجبه. فقال (عليه السّلام): أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه متعلّقة بالريح، و الريح متعلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة، فإن أذن اللّه بردّ تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الريح الروح، و جذبت تلك الروح الهواء فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، و إن لم يأذن اللّه عزّ و جلّ بردّ تلك على صاحبها جذبت الهواء، و جذبت الريح الروح فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث.

و أمّا ما ذكرت من الذكر و النسيان فإن قلب الرجل في حقّ، و على الحقّ طبق، فإن صلّى عند ذلك على محمّد و آل محمّد صلاة تامّة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فأضاء القلب و ذكّر الرجل ما كان نسي، و إن لم يصلّ على محمّد و آل محمّد أو انتقص من الصلوات عليهم طبق ذلك الطبق على ذلك الحقّ و أظلم القلب و نسي الرجل.

و أمّا ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه و أخواله، فإنّ الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن و عروق هادئة و بدن غير مضطرب، فأسكنت بذلك تلك النطفة جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه و أمّه، و إذا أتاها بقلب غير ساكن و عروق غير هادئة و بدن مضطرب اضطربت تلك النطفة، فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام يشبه الولد أعمامه، و إن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.

فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و لم أزل أشهد بها، و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه و لم أزل أشهد بذلك، و أشهد أنّك وصي رسول اللّه و القائم بحجّته و أشار إلى أمير المؤمنين، و لم أزل أشهد بذلك، و أشهد أنّك وصيّه القائم بحجّته، و أشار إلى الحسن بن علي، و أشهد أنّ الحسين بن علي أخيك وصي أبيك و القائم بحجّته بعدك، و أشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين من بعده، و أشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن الحسين من بعده، و أشهد على جعفر بن محمد أنّه القائم بأمر محمد بن علي، و أشهد على موسى بن جعفر أنّه القائم بأمر جعفر بن محمد، و أشهد على علي بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، و أشهد على محمّد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن موسى، و أشهد على علي بن محمد أنّه القائم بأمر محمد بن علي، و أشهد على الحسن بن علي أنّه القائم بأمر علي بن‏

196

محمد و أشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنّى و لا يوصف أنّه يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، أنّه القائم بأمر الحسن بن علي، و السلام عليكم أيّها المؤمنون و رحمة اللّه و بركاته. ثمّ قام و مضى.

فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد، فخرج الحسن بن علي (عليهما السّلام)، قال: فما كان إلّا أن وضع رجله خارج المسجد فما رأيت أين أخذ من أرض اللّه فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأعلمته، فقال: يا أبا محمّد أتعرفه؟ فقلت: اللّه و رسوله و أمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر (1).

في أعلام الورى عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أبي لجابر بن عبد اللّه الأنصاري: إنّ لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر:

في أي الأوقات شئت، فخلا به أبي فقال له: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمّي فاطمة بنت رسول اللّه، و ما أخبرتك به أمّي أنّ في ذلك اللوح مكتوبا؟ فقال له جابر: أشهد باللّه أني دخلت على أمّك فاطمة (سلام اللّه عليها) في حياة رسول اللّه اهنيها بولادة الحسن، فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنّه زمرد، و رأيت فيه كتابا أبيض شبيه نور الشمس فقلت لها:

بأبي أنت و أمّي يا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما هذا اللوح؟ فقالت (عليها السّلام): هذا اللوح أهداه اللّه إلى رسول اللّه فيه اسم أبي (صلّى اللّه عليه و آله) و اسم بعلي (عليه السّلام) و اسم ابنيّ و اسم الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمّك فاطمة فقرأته و انتسخته.

فقال أبي: فهل لك أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي حتّى انتهى إلى منزل جابر و أخرج إلى أبي صحيفة من رق، قال جابر: فأشهد باللّه أني رأيته هكذا في اللوح مكتوبا:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم هذا كتاب من اللّه العزيز العليم لمحمد بن عبد اللّه نوره و سفيره و حجابه و دليله، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمد أسمائي و اشكر نعمائي و لا تجحد آلائي، إني أنا اللّه الذي لا إله إلّا أنا قاصم الجبّارين و مذلّ الظالمين و مبيد المتكبّرين و ديّان يوم الدين.

إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا فمن رجا غير فضلي و خاف غير عدلي عذّبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل إني لم أبعث نبيّا فأكملت أيّامه و انقضت مدّته إلّا

____________

(1)- أعلام الورى: 404 الفصل الثاني من النص عليهم.

197

جعلت له وصيّا، و إنّي فضّلتك على الأنبياء و فضّلت وصيّك على الأوصياء، و أكرمتك بشبليك بعده و بسبطيك الحسن و الحسين، فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، و جعلت حسينا خازن وحيي و أكرمته بالشهادة و ختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد و أرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه و الحجّة البالغة عنده و بعترته اثيب و اعاقب، أوّلهم سيّد العابدين و زين أوليائي الماضين، و ابنه شبيه جدّه المحمود محمد الباقر لعلمي، و المعدن لحكمي، سيهلك المرتابون في جعفر، الرادّ عليه كالرادّ عليّ، حقّ القول منّي لاكرمن مثوى جعفر و لأسرّنّه في أشياعه و أنصاره و أوليائه، و انتجبت بعده موسى و ارتجيت بعده فتنة عمياء حندس‏ (1)، ألا إنّ خيط فرجي لا ينقطع و حجّتي لا تخفى و إنّ أوليائي لا يشقون‏

ألا من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي من غير آية من كتابي فقد افترى عليّ، و ويل للمفترين الجاحدين، فعند انقضاء مدّة عبدي موسى و حبيبي و خيرتي، إنّ المكذّب بالثامن مكذّب بكلّ أوليائي، و علي وليّي و ناصري، و من أضع عليه أعباء النبوّة و أمنحه بالاضطلاع، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلقي، حق القول منّي لاقرّنّ عينيه بمحمّد ابنه و خليفته من بعده، فهو وارث علمي و معدن حكمي و موضع سرّي و حجّتي على خلقي، و جعلت الجنّة مثواه، و شفعته في سبعين من أهل بيته قد استوجبوا النار، و أختم بالسعادة لابنه علي وليّي و ناصري، و الشاهد في خلقي، و أميني على وحيي، اخرج منه الداعي إلى سبيلي و الخازن لعلمي الحسن العسكري، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى و بهاء عيسى و صبر أيّوب، ستذلّ أوليائي في زمانه، و يتهادون رءوسهم كما تتهادى رءوس الترك و الديلم، فيقتلون و يحرقون و يكونون خائفين مرعوبين و جلين، تصبغ الأرض بدمائهم و يغشو الويل و الرنين في نسائهم، أولئك أوليائي حقّا، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، و بهم أكشف الزلازل و أرفع الآصار و الأغلال، اولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة و اولئك هم المهتدون. قال أبو بصير لو لم تسمع في دهرك إلّا هذا الحديث لكفاك فصنه إلّا عن أهله‏ (2).

____________

(1)- أي: شديدة الظلمة.

(2)- أعلام الورى: 394 الفصل الثاني من النص عليهم.

198

و عن إسحاق بن عمّار مثله بتفاوت يسير.

و عن محمد بن جعفر (عليه السّلام) عن أبيه جعفر بن محمد (عليه السّلام) أنّ أباه محمد بن علي جمع ولده و فيهم عمّهم زيد بن علي، و أخرج اللوح المذكور و فيه ما ذكر (1).

و فيه عن جابر بن عبد اللّه: دخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قدّامها لوح يكاد ضوؤه يعشي الأبصار فيه اثنا عشر اسما، ثلاثة في ظاهره و ثلاثة في باطنه و ثلاثة أسماء في آخره و ثلاثة أسماء في طرفه فعددتها فإذا هي اثنا عشر، فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت:

هذه أسماء الأوصياء، أوّلهم ابن عمّي و أحد عشر من ولدي آخرهم القائم. قال جابر: فرأيت فيها محمّدا محمدا محمّدا في ثلاثة مواضع و عليا عليا عليا في أربعة مواضع، بشهادة جمع عند معاوية (2).

في الأربعين: لمّا صالح الحسن بن علي (عليهما السّلام) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال (عليه السّلام): و يحكم ما تدرون ما عملت، و اللّه الذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، مفترض الطاعة عليكم و أحد سيدي شباب أهل الجنّة بنصّ رسول اللّه؟ قالوا: بلى. قال: أ ما علمتم أنّ الخضر لما خرق السفينة و قتل و أقام الجدار كان ذلك سخطا لموسى بن عمران؛ إذ خفي عليه وجه الحكم فيه، و كان ذلك عند اللّه حكمة و صوابا؟ أ ما علمتم أنّه ما منّا أحد إلّا و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلّا القائم الذي يصلّي روح اللّه عيسى ابن مريم خلفه؟ فإنّ اللّه عزّ و جلّ يخفي ولادته و يغيّب شخصه لئلّا يكون في عنقه بيعة، إذا خرج التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيّدة الإماء، يطيل اللّه عمره في غيبته ثمّ يظهر بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أنّ اللّه على كلّ شي‏ء قدير (3).

و في الأربعين قال الحسين بن علي (عليهما السّلام): في التاسع من ولدي سنّة من يوسف و سنّة من موسى بن عمران، و هو قائمنا أهل البيت، يصلح اللّه تبارك و تعالى أمره في ليلة واحدة (4).

____________

(1)- عيون أخبار الرضا: 44 باب النصوص على الرضا (6) ح 1. و الاختصاص: 212 في إثبات إمامة الأئمّة.

(2)- أعلام الورى: 394 الفصل الثاني من النص عليهم.

(3)- كمال الدين: 316 ح 27 باب 29.

(4)- كشف الغمة: 2/ 522 الفصل الثاني.

199

و فيه عنه (عليه السّلام): قائم هذه الامّة هو التاسع من ولدي و هو صاحب الغيبة، و هو الذي يقسم ميراثه و هو حيّ‏ (1).

و عنه (عليه السّلام): منّا اثنا عشر مهديا أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و آخرهم التاسع من ولدي و هو الإمام القائم بالحق، يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، و يظهر به دين الحق على الدين كلّه و لو كره المشركون، و له غيبة يرتدّ فيها أقوام و يثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون و يقال: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، أما إن الصابر في غيبته على الأذى و التكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه.

و فيه عنه (عليه السّلام): لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه عزّ و جلّ ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا، كذلك سمعت رسول اللّه‏ (2).

و فيه عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) فقلت له: يا ابن رسول اللّه أخبرني بالذين فرض اللّه طاعتهم و مودّتهم، و أوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول اللّه، فقال (عليه السّلام): يا كنكر إنّ اولي الأمر الذين جعلهم اللّه أئمّة للناس و أوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ابنا علي ابن أبي طالب، ثمّ انتهى الأمر إلينا و سكت. فقلت له: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين أن الأرض لا تخلو من حجّة للّه على عباده، فمن الحجّة و الإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد، فاسمه في التوراة باقر يبقر العلم بقرا، هو الحجّة و الإمام بعدي و من بعد محمّد ابنه جعفر و اسمه عند أهل السماء الصادق.

فقلت: يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق و كلّكم الصادقون؟ فقال (عليه السّلام): حدّثني أبي عن أبيه أنّ رسول اللّه قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسمّوه الصادق لأنّ الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة افتراء على اللّه و كذبا عليه، فسمّوه جعفر الكذّاب المفتري على اللّه و المدّعي بما ليس بأهل، المخالف على أبيه و الحاسد لأخيه ذلك اليوم الذي يروم كشف سرّ اللّه عند غيبة ولي اللّه، ثمّ بكى علي بن الحسين (عليه السّلام) بكاء شديدا، ثمّ قال: كأنّي بجعفر الكذّاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي اللّه و المغيب في حفظ اللّه، و التوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، و حرصا

____________

(1)- أعلام الورى: 2/ 231.

(2)- كمال الدين: 577 باب حديث شداد.

200

على قتله إن ظفر به طمعا في ميراث أبيه حتّى يأخذه بغير حقّه.

فقال أبو خالد: فقلت له: يا ابن رسول اللّه و إنّ ذلك لكائن؟ فقال: إي و ربّي إنّ ذلك لمكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول اللّه. قال:

فقلت له: يا ابن رسول اللّه ثمّ يكون ما ذا؟ قال: ثمّ تمتد الغيبة بولي اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه و الأئمّة بعده، يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته و القائلين بإمامته و المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره أعطاهم من العقول و الأفهام و المعرفة ما صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه بالسيف، اولئك المخلصون حقّا و شيعتنا صدقا و الدعاة إلى اللّه سرّا و جهرا (1).

و في أعلام الورى عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ اللّه تعالى أرسل محمّدا إلى الجنّ و الإنس و جعل من بعده اثني عشر وصيّا، منهم من سبق و منهم من بقي، و كلّ وصي جرت به سنّة الأوصياء الذين من بعد محمّد على سنّة أوصياء عيسى، و كانوا اثني عشر (2).

و في الأربعين عن أبي بصير: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنّة من موسى و سنّة من عيسى و سنّة من يوسف و سنّة من محمّد، أمّا من موسى فخائف يترقّب، و أمّا من يوسف فالحبس، و أمّا من عيسى فيقال: إنّه مات و لم يمت، و أمّا من محمّد فالسيف‏ (3).

و فيه عن محمد بن مسلم: دخلت على أبي جعفر (عليه السّلام) و أنا اريد أن أسأله عن القائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فقال لي مبتدئا: يا محمد بن مسلم إنّ في القائم من آل محمّد شبه من خمسة من الرسل: يونس بن متى و يوسف بن يعقوب و موسى و عيسى و محمد، فأمّا شبهه من يونس فرجوعه من غيبته و هو شاب بعد كبر السن، و أمّا شبهه من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصة و عامة، و اختفاؤه من اخوته، و إشكال أمره على أبيه يعقوب مع قرب المسافة بينه و بين أبيه و أهله و شيعته، و أمّا شبهه من موسى فدوام خوفه و طول غيبته و خفاء ولادته، و تعب شيعته من بعده ممّا لقوا من الأذى و الهوان إلى أن أذن اللّه عزّ و جلّ في ظهوره و نصره‏

____________

(1)- كمال الدين: 299 باب 31 ح 2، و البحار: 36/ 386.

(2)- أعلام الورى: 386 الفصل الثاني من النص عليهم ط. قم الاولى.

(3)- كمال الدين: 327.

201

و أيّده على عدوّه، و أمّا شبهه من عيسى فاختلاف من اختلف فيه حتّى قالت طائفة منهم: ما ولد، و قالت طائفة: مات و قالت طائفة قتل و صلب. و أمّا شبهه من جدّه المصطفى فخروجه بالسيف و قتل أعداء اللّه و أعداء رسوله و الجبّارين و الطواغيت، و أنّه ينصر بالسيف و بالرعب، و أنّه لا تردّ له راية. و إنّ من علامات خروجه، خروج السفياني من الشام و خروج اليماني و صيحة من السماء في شهر رمضان، و مناد ينادي باسمه من السماء و اسم أبيه‏ (1).

و فيه عن الصادق (عليه السّلام): من أقرّ بجميع الأئمّة و جحد المهدي كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء و جحد محمّدا نبوّته، فقيل له: يا ابن رسول اللّه فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه؛ و لا تحلّ لكم تسميته‏ (2).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا توالت ثلاثة أسماء محمد و علي و الحسن كان رابعهم قائمهم‏ (3).

و فيه عن مفضل: دخلت على الصادق (عليه السّلام) قلت: يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضل الإمام من بعدي ابني موسى و الخلف المأمول المنتظر م ح م د ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى‏ (4).

و في أعلام الورى عن مفضل عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا. فقيل له: يا ابن رسول اللّه و من الأربعة عشر؟

فقال: محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته، و يطهّر الأرض من كلّ جور و ظلم‏ (5).

و فيه عن الحميري في حديث طويل: قلت للصادق (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه روي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة و صحّة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال: إنّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي و هو الثاني عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول اللّه؛ أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و آخرهم القائم بالحقّ بقيّة اللّه في الأرض و صاحب الزمان، و بقي من غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتّى يظهر فيخرج فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت‏

____________

(1)- كشف الغمة: 3/ 330.

(2)- أعلام الورى: 2/ 234 ط. مؤسسة آل البيت.

(3)- المصدر السابق.

(4)- المصدر السابق.

(5)- أعلام الورى: 408 الفصل الثاني من النص عليهم. ط. قم الاولى.

202

جورا و ظلما (1).

و في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل على نبيّه كتابا قبل وفاته و قال: يا محمد هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك. قال: و ما النجبة يا جبرئيل؟ قال: علي بن أبي طالب و ولده، و كان على الكتاب خواتم من ذهب، و دفعه النبي إلى أمير المؤمنين و أمره أن يفك خاتما منه و يعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين خاتما و عمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى ابنه الحسن ففكّ خاتما و عمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى الحسين ففكّ خاتما فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلّا معك و اشر نفسك للّه ففعل، ثمّ دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتما فوجد فيه: أن أطرق و اصمت إلى منزلك، و اعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين ففعل، ثمّ دفعه إلى محمّد بن علي ففك خاتما فوجد فيه: حدّث الناس و أفتهم و لا تخافنّ إلّا اللّه عزّ و جلّ فإنّه لا سبيل لأحد عليك، ثمّ دفعه إلى ابنه جعفر ففك خاتما فوجد فيه: حدّث الناس و أفتهم و انشر علوم أهل بيتك، و صدّق آباءك الصالحين، و لا تخافن إلّا اللّه عزّ و جلّ و أنت في حرز و أمان ففعل، ثمّ دفعه إلى ابنه موسى و كذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده، ثمّ كذلك إلى قيام المهدي‏ (2).

و في الأربعين عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام): إذا فقد الخامس من ولد السابع فاللّه اللّه في أديانكم، لا يزيلنّكم أحد عنها، يا بني إنّه لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنّما هي محنة من اللّه عزّ و جلّ امتحن بها خلقه، و لو علم آباؤكم و أجدادكم دينا أصحّ من هذا لاتّبعوه. فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني عقولكم تصغر من هذا، و أخلاقكم تضيق عن حمله، و لكن إن تعيشوا فسوف تدركونه‏ (3).

و فيه عن يونس بن عبد الرّحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر (عليه السّلام) فقلت له: يا ابن رسول اللّه أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق، و لكن القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء اللّه و يملأها عدلا كما ملئت جورا هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتدّ فيها أقوام و يثبت فيها آخرون، ثمّ قال: طوبى لشيعتنا المتمسّكين بحبلنا

____________

(1)- أعلام الورى: 286 الفصل الرابع من النصّ عليهم.

(2)- الكافي: 1/ 280 ح 2.

(3)- الكافي: 1/ 336 ح 2.

203

في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا و البراءة من أعدائنا، اولئك منّا و نحن منهم، قد رضوا بنا أئمّة و رضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثمّ طوبى لهم و اللّه معنا في درجاتنا يوم القيامة (1).

قال الناقل لهذا الحديث الفاضل المحقّق الحاج ميرزا إبراهيم الخوئي في أربعينه: أحد العلل التي من أجلها وقعت الغيبة الخوف كما ذكر في هذا الحديث، و قد كان موسى بن جعفر (عليهما السّلام) في ظهوره كاتما لأمره و كان شيعته لا يجترءون على الإشارة إليه خوفا من طاغية زمانهم، حتّى أنّ هشام بن الحكم لما سئل في مجلس يحيى بن خالد عن الدلالة على الإمام أخبر بها، فلمّا قيل له: فمن هذا الموصوف؟ قال: صاحب أمير المؤمنين هارون الرشيد، و كان هو خلف الستر قد سمع كلامه، فقال: أعطانا و اللّه من جراب النورة، فلمّا علم هشام أنّه قد أتى هرب، فطلب فلم يقدر عليه فخرج إلى الكوفة و مات بها عند بعض الشيعة فلم يكف عنه الطلب حتّى وضع ميتا بالكناسة و كتب رقعة معه: هذا هشام بن الحكم الذي يطلبه أمير المؤمنين حتّى نظر إليه القاضي و العدول و صاحب المعونة و العامل، فحينئذ كفّ الطاغية عنه‏ (2).

و في الأربعين عن علي بن موسى (عليه السّلام) لحسن بن محبوب: لا بدّ من فتنة صمّاء صيلم‏ (3)، يسقط منها كل بطانة و وليجة و ذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء و أهل الأرض، و كل حيرى و حيران و كل حزين و لهفان، ثمّ قال: بأبي و أمّي سمي جدّي و شبيهي و شبيه موسى بن عمران عليه حتوب‏ (4) النور و يتوقّد من شعاع ضياء القدس، يحزن لموته أهل الأرض و السماء، و كم من مؤمنة و كم من مؤمن متأسّف حيران حزين عند فقدان الماء المعين، كأني بهم آيس ما كانوا و قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة على المؤمنين و عذابا على الكافرين‏ (5).

و فيه عن عبد العظيم بن عبد اللّه عن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى (عليهم السّلام) و أنا أريد أن أسأله عن القائم أ هو المهدي أو غيره، فابتدأني فقال: يا أبا القاسم إنّ القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته‏

____________

(1)- كمال الدين: 361 ح 5 باب 34.

(2)- كمال الدين: 368 ح 5.

(3)- الفتنة الصماء: هي التي تدع الناس حيارى لا يجدون المخلص منها، و الصيلم الشديد من الداهية.

(4)- في الإمامة و التبصرة: عليه جيوب.

(5)- الإمامة و التبصرة: 114 و مختصر البصائر: 38.

204

و يطاع في ظهوره، و هو الثالث من ولدي، و الذي بعث محمّدا بالنبوّة و خصّنا بالإمامة إنّه لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، و إنّ اللّه تبارك و تعالى يصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى، إذ ذهب ليقتبس لأهله نارا فرجع و هو رسول نبي، ثمّ قال (عليه السّلام): أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج‏ (1).

و فيه عن صغير بن دلف قال: سمعت أبا جعفر الثاني يقول: إنّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري و قوله قولي و طاعته طاعتي، و الإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه و قوله قول أبيه و طاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام بعد الحسن؟

فبكى (عليه السّلام) بكاء شديدا ثمّ قال (عليه السّلام): إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر، فقلت له:

يا ابن رسول اللّه و لم سمّي القائم؟ قال: لأنّه يقوم بعد موت ذكره و ارتداد أكثر القائلين بإمامته.

فقلت له: و لم سمّي المنتظر؟ قال (عليه السّلام): لأنّ له غيبة تكثر أيّامها و يطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون و ينكره المرتابون و يستهزى‏ء بذكره الجاحدون و يكذّب فيها الوقّاتون و يهلك فيها المستعجلون و ينجو فيها المسلمون‏ (2).

و فيه عن محمد بن عبد اللّه الحسيني: قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليهم السّلام): إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.

فقال: يا أبا القاسم ما منّا إلّا قائم بأمر اللّه عزّ و جلّ و هاد إلى دينه، و لكن القائم الذي يطهّر اللّه به الأرض من أهل الكفر و الجحود و يملأها قسطا و عدلا هو الذي يخفى عن الناس ولادته، و يغيب عنهم شخصه، و يحرم عليهم تسميته، و هو سمّي رسول اللّه و كنيّه و هو الذي تطوى له الأرض و يذلّ له كلّ صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ‏ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (3) فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر أمره، فإذا أكمل له العقد و هو عشرة آلاف رجل خرج بإذن اللّه عزّ و جلّ فلا يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه عزّ و جلّ.

____________

(1)- كفاية الأثر: 281.

(2)- كمال الدين: 378 و كفاية الأثر: 283.

(3)- سورة البقرة: 148.

205

قال عبد العظيم: فقلت: يا سيدي و كيف يعلم أنّ اللّه قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات و العزّى و أحرقهما (1).

و فيه عن علي بن مهزيار كتبت إلى أبي الحسن أسأله عن الفرج فكتب: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقّعوا الفرج‏ (2).

و فيه عن داود بن قاسم الجعفري: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف، فقلت: لم جعلني اللّه فداك؟ فقال:

لأنّكم لا ترون شخصه و لا يحلّ لكم ذكره باسمه. قلت: فكيف نذكره؟ قال: قولوا الحجّة من آل محمّد (3).

و فيه عن عبد العظيم الحسني، ابن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب (عليه السّلام): دخلت على سيدي علي بن محمد قال: فبصر بي و قال: مرحبا بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا. قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه إنّي اريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضيا أثبت عليه حتّى ألقى اللّه عزّ و جلّ. فقال: هات يا أبا القاسم. فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك و تعالى واحد ليس كمثله شي‏ء خارج عن الحدّين حدّ التشبيه و حدّ الإبطال، و إنّه ليس بجسم و لا صورة و لا عرض و لا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام و مصوّر الصور و خالق الأعراض و الجواهر و ربّ كلّ شي‏ء و مالكه و جاعله و محدثه، و إنّ محمّدا عبده و رسوله خاتم النبيّين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، و إنّ شريعته خاتم الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة.

و أقول إنّ الإمام و الخليفة و ولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي ثمّ جعفر بن محمّد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمّد بن علي ثمّ أنت يا مولاي. فقال (عليه السّلام): و من بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف بعده؟ قال: فقلت: و كيف ذلك يا مولاي؟ قال: لأنّه لا يرى شخصه و لا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما

____________

(1)- غيبة النعماني: 165.

(2)- الإمامة و التبصرة: 93 و الخرائج: 3/ 1172 ح 67.

(3)- الإرشاد للمفيد: 2/ 320.

206

و جورا. قال: فقلت: أقررت. و أقول: بأنّ وليّهم ولي اللّه و عدوّهم عدوّ اللّه و طاعتهم طاعة اللّه و معصيتهم معصية اللّه عزّ و جلّ. الحديث، إلى هنا محلّ الحاجة (1).

و فيه عن سعد بن عبد اللّه دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السّلام) و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال مبتدئا: يا أحمد بن إسحاق إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم إلى يوم القيامة من حجّة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض و به ينزل الغيث و به يخرج بركات الأرض. فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام و الخليفة بعدك فنهض (عليه السّلام) مسرعا فدخل البيت ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال (عليه السّلام): يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على اللّه و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمّي رسول اللّه و كنيّه الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما، يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الامّة مثل الخضر، و مثله مثل ذي القرنين و اللّه ليغيبن غيبة لا ينجو منها من الهلكة إلّا من ثبّته اللّه على القول بإمامته و وفّقه للدعاء بتعجيل فرجه.

قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي فهل من علامة يطمئن بها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال (عجّل اللّه فرجه): أنا بقيّة اللّه في أرضه و المنتقم من أعدائه فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق. قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا فلمّا كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما مننت عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد. فقلت: يا ابن رسول اللّه فإنّ غيبته لتطول؟ قال: إي و ربّي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلّا من أخذ اللّه عهده بولايتنا و كتب في قلبه الإيمان و أيّده بروح منه، يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر اللّه و سرّ من سرّ اللّه و غيب من غيب اللّه، فخذ ما آتيتك و اكتمه و كن من الشاكرين تكن معنا غدا في عليين‏ (2).

____________

(1)- أمالي الصدوق: 419 ح 557.

(2)- كمال الدين: 385 ح 1 باب 38.

207

الفرع السادس في ذكر كتاب وجد عند صخرة تحت أرض الكعبة في زمان عبد اللّه بن الزبير، و فيه أخبار عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة الاثني عشر (عليهم السّلام).

في الدمعة عن المقتضب عن عبد اللّه بن ربيعة- رجل من أهل مكّة- قال: قال لي: إنّي محدّثك الحديث فاحفظه عنّي و اكتمه علي ما دمت حيّا، أو يأذن اللّه فيه بما يشاء: كنت مع من عمل مع ابن الزبير في الكعبة قال: حدّثني أنّ ابن الزبير أمر العمّال أن يبلغوا في الأرض.

قال: فبلغنا صخورا أمثال الإبل، فوجدت على بعض تلك الصخور كتابا موضوعا، فتناولته و سترت أمره فلمّا صرت إلى منزلي تأمّلته فرأيته كتابا لا أدري من أي شي‏ء هو، و لا أدري الذي كتب به ما هو إلّا أنه ينطوي الكتاب فقرأت فيه:

باسم الأوّل لا شي‏ء قبله، لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، و لا تعطوها غير مستحقيها فتظلموها، إنّ اللّه يصيب بنوره من يشاء، و اللّه يهدي من يشاء، و اللّه ضالّ لمن يريد. باسم الأوّل لا نهاية له القائم على كلّ نفس بما كسبت، و كان عرشه على الماء، ثمّ خلق الخلق بقدرته و صوّرهم بحكمته و ميّزهم بمشيئته كيف شاء، و جعلهم شعوبا و قبائل و بيوتا لعلمه السابق فيهم، ثمّ جعل من تلك القبائل قبيلة مكرمة سمّاها قريشا و هي أهل الإمامة، ثمّ جعل من تلك القبيلة بيتا خصّه اللّه بالبناء و الرفعة، و هم ولد عبد المطّلب حفظة هذا البيت و عمّاره و ولاته و سكّانه.

ثمّ اختار من ذلك البيت نبيّا يقال له محمّد و يدعى في السماء أحمد، يبعثه اللّه في آخر الزمان نبيّا، و برسالته مبلغا و للعباد إلى دينه داعيا منعوتا في الكتب، تبشّر به الأنبياء و يرث علمه خير الأوصياء، يبعثه اللّه و هو ابن أربعين عند ظهور الشرك و انقطاع الوحي و ظهور الفتن؛ ليظهر اللّه به دين الإسلام و يدحر به الشيطان و يعبد به الرّحمن، قوله فصل و حكمه عدل يعطيه اللّه النبوّة بمكّة و السلطان بطيبة، له مهاجرة من مكة إلى طيبة و بها موضع قبره، يشهر سيفه و يقاتل من خالفه و يقيم الحدود فيمن اتبعه، هو على الامّة شهيد و لهم يوم القيامة شفيع، يؤيّده بنصره و يعضده بأخيه و ابن عمّه و صهره و زوج ابنته و وصيّه في أمّته من بعده، و حجّة اللّه على خلقه، ينصبه لهم علما عند اقتراب أجله، هو باب اللّه فمن أتى اللّه من غير الباب ضلّ، يقبضه اللّه و قد خلف في أمّته عمودا بعد أن يبيّن لهم، يقول بقوله فيهم‏

208

و يبيّنه لهم، هو القائم من بعده و الإمام و الخليفة في أمّته، فلا يزال مبغضا محسودا مخذولا و من حقّه ممنوعا، لأحقاد في القلوب و ضغائن في الصدور و لعلوّ مرتبته و عظم منزلته و علمه و حلمه، و هو وارث العلم و مفسّره، مسئول غير سائل، عالم غير جاهل، كريم غير لئيم، كرّار غير فرّار، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، يقبضه اللّه عزّ و جلّ شهيدا بالسيف مقتولا هو (1) يتولّى قبض روحه، و يدفن في الموضع المعروف بالغري، يجمع اللّه بينه و بين النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

ثمّ القائم من بعده ابنه الحسن سيّد الشباب و زين الفتيان، يقتل مسموما، يدفن بأرض طيبة في الموضع المعروف بالبقيع، ثمّ يكون بعده الحسين (عليه السّلام) إمام عدل يضرب بالسيف و يقري الضيف، يقتل بالسيف على شاطئ الفرات في الأيّام الزاكيات، يقتله بنو الطوامث و البغيات، يدفن بكربلاء، قبره للناس نور و ضياء و علم، ثمّ يكون القائم من بعده ابنه سيّد العابدين و سراج المؤمنين، يموت موتا، يدفن في أرض طيبة في الموضع المعروف بالبقيع، ثمّ يكون الإمام القائم بعده المحمود فعاله محمد باقر العلم و معدنه و ناشره و مفسّره، يموت موتا يدفن بالبقيع من أرض طيبة، ثمّ يكون الإمام جعفر، و هو الصادق و بالحكمة ناطق، مظهر كلّ معجزة و سراج الامّة، يموت موتا بأرض طيبة، موضع قبره بالبقيع.

ثمّ الإمام بعده المختلف دفنه، سمي المناجي ربّه موسى بن جعفر يقتل بالسمّ في محبسه، يدفن في الأرض المعروفة بالزوراء، ثمّ القائم بعده ابنه الإمام علي الرضا المرتضى لدين اللّه إمام الحق، يقتل بالسمّ في أرض العجم، ثمّ القائم الإمام بعده ابنه محمد، يموت موتا، يدفن بالأرض المعروفة بالزوراء، ثمّ القائم بعده ابنه علي للّه ناصر و يموت موتا و يدفن في المدينة المحدثة، ثمّ القائم بعده ابنه الحسن وارث علم النبوّة و معدن الحكمة، يستضاء به من الظلم، يموت موتا يدفن في المدينة المحدثة.

ثمّ المنتظر بعده اسمه اسم النبي يأمر بالعدل و يفعله و ينهى عن المنكر و يجتنبه، يكشف اللّه به الظلم و يجلو به الشك و العمى، و يرعى الذئب في أيّامه مع الغنم، و يرضى عنه ساكن السماء و الطير في الجوّ و الحيتان في البحار، يا له من عبد ما أكرمه على اللّه، طوبى لمن أطاعه و ويل لمن عصاه، طوبى لمن قاتل بين يديه فقتل و قتل، اولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة و اولئك هم المهتدون، و اولئك هم المفلحون‏ (2).

____________

(1)- يعني اللّه عزّ و جلّ كما ورد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) راجع‏

(2)- بطوله في مقتضب الأثر: 12- 14، و البحار: 36/ 219.

209

زهرتان‏

الزهرة الأولى‏

في الدر النظيم عن الجارود بن منذر العبدي و كان نصرانيا، أسلم عام الحديبية و أنشد في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

أنبأ الأولون باسمك فينا* * * و بأسماء أوصياء كرام‏

فقال رسول اللّه: أ فيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي؟ فقال الجارود: كلّنا نعرف يا رسول اللّه، غير أني من بينهم عارف بخبره، واقف على أثره. فقال سلمان: أخبرنا؟ فقال: يا رسول اللّه لقد شهدت قسا و قد خرج من ناد من أندية أياد إلى ضحضح ذي قتاد و سمر و عتاد، و هو مشتمل بنجاد، فوقف في أضحيان ليل كالشمس، رافعا في السماء وجهه و إصبعه، فدنوت منه فسمعته يقول: اللهم ربّ السماوات الأرفعة و الأرضين الممرعة، بحق محمّد و الثلاثة المحاميد معه و العليين الأربعة، و فاطمة و الحسنين الأربعة، و جعفر و موسى التبعة، و سمي الكليم الضرعة، اولئك النقباء الشفعة، و الطريق المهيعة، درسة الأناجيل و نفاة الأباطيل و الصادقو القيل، عدد النقباء من بني إسرائيل، فهم أوّل البداية و عليهم تقوم الساعة، و بهم تنال الشفاعة، و لهم من اللّه فرض الطاعة، اسقنا غيثا مغيثا، ثمّ قال: ليتني ادركهم و لو بعد لأي‏ (1) من عمري و محياي، ثمّ أنشأ يقول:

أقسم قس قسما* * * ليس به مكتتما

لو عاش ألفي سنة* * * لم يلق منها سأما

حتّى يلاقي أحمدا* * * و النجباء الحكماء

هم أوصياء أحمد* * * أفضل من تحت السما

يعمى الأنام عنهم‏* * * و هم ضياء للعمى‏

لست بناس ذكرهم‏* * * حتّى احلّ الرجما

____________

(1)- في الصحاح: يقال فعل ذلك بعد لأي، أي: بعد شدة و إبطاء.

210

قال الجارود: فقلت: يا رسول اللّه أنبئني أنبأك اللّه بخير هذه الأسماء التي لم نشهدها و أشهدنا قس ذكرها؟ فقال رسول اللّه: يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء أوحى اللّه عزّ و جلّ إليّ أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا. قلت: على ما بعثوا؟ قال: بعثتهم على نبوّتك و ولاية علي بن أبي طالب و الأئمّة منكما، ثمّ عرفني اللّه تعالى بهم و بأسمائهم، ثمّ ذكر رسول اللّه للجارود أسماءهم واحدا واحدا إلى المهدي (عليه السّلام)، ثمّ قال: قال لي الرب:

هؤلاء أوليائي و هذا المنتقم من أعدائي، يعني المهدي‏ (1).

و قد ذكر صاحب الروضة أنّ هذا الاستسقاء كان قبل النبوّة بعشر سنين، و شهادة سلمان بمثل ذلك مشهورة.

____________

(1)- مناقب آل أبي طالب: 1/ 247.

211

الزهرة الثانية

اعلم أنّ انحصار عدد الأئمّة في اثني عشر بوجوه:

الأوّل: أن الإيمان و الإسلام مبني على أصلين أحدهما: لا إله إلّا اللّه، و الثاني: محمّد رسول اللّه، و كلّ واحد من هذين الأصلين مركّب من اثني عشر حرفا، و الإمامة فرع الإيمان المتأصل و الإسلام المقرر، فيكون عدّة القائمين بها اثنا عشر كعدد كلّ واحد من الأصلين المذكورين.

الثاني: أنّ اللّه تعالى أنزل في كتابه العزيز وَ لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً (1) فجعل عدّة القائمين بفضيلة الإمامة و التقدمة بها مختصّة به، و لهذا لما بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الأنصار ليلة العقبة قال لهم: أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا كنقباء بني إسرائيل، ففعلوا فصار ذلك طريقا متبعا و عددا مطلوبا.

الوجه الثالث: قال اللّه تعالى‏ وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً (2) فجعل الأسباط الهداة في الإسلام اثني عشر.

الوجه الرابع: أنّ مصالح العالم في تصرّفاتهم لمّا كانت في حصولها مفتقرة إلى الزمان؛ لاستحالة انتظام مصالح الأعمال و إدخالها في الوجود الدنياوي بغير الزمان، و كان الزمان عبارة عن الليل و النهار، و كلّ واحد منهما حال الاعتدال مركّب من اثني عشر جزءا يسمّى ساعات، فكانت مصالح العالم مفتقرة إلى ما هو بهذا العدد، و كانت مصالح الأنام مفتقرة إلى الأئمّة و إرشادها، فجعل عددهم كعدد أجزاء كلّ واحد من جزئي الزمان للافتقار إليه كما تقدّم.

الوجه الخامس: أنّ نور الإمامة يهدي القلوب و العقول إلى سلوك طريق الحق، و يوضح لها المقاصد في سلوك سبيل النجاة كما يهدي نور الشمس و القمر أبصار الخلائق إلى سلوك الطرق، و يوضح لهم المناهج السهلة ليسلكوها، و المسالك الوعرة ليتركوها، فهما نوران‏

____________

(1)- المائدة: 12.

(2)- الأعراف: 159- 160.

212

هاديان: أحدهما يهدي البصائر و هو نور الإمامة و الآخر يهدي الأبصار و هو نور الشمس و القمر، و لكلّ واحد من هذين النورين محال يتناقلها، فمحل ذلك النور الهادي الأبصار البروج الاثنا عشر التي أوّلها الحمل و آخرها المنتهى إليه الحوت، فينقل من واحد إلى آخر، فيكون محال النور الثاني الهادي للبصائر و هو نور الإمامة منحصرا في اثني عشر أيضا.

لطيفة: قد ورد في الحديث النبوي أنّ الأرض بما عليها محمولة على الحوت‏ (1).

و في هذا إشارة لطيفة و حكمة شريفة و هو أنّ محال ذلك النور لمّا كان آخرها الحوت، و الحوت حامل لأثقال هذا الوجود و قصر العالم في الدنيا، فآخر محال هذا النور و هو نور الإمامة أيضا حال انتقال مصالح أديانهم، و هو المهدي (عجّل اللّه فرجه)(2).

الوجه السادس: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: الأئمّة من قريش‏ (3). فلا يجوز أن تكون الإمامة في غير قرشي و إن كان عربيا، و الذي عليه محققو علماء النسب أنّ كل من ولده النضر بن كنانة، فهو قرشي، فمردّ كلّ قرشي إلى النضر بن كنانة، و النضر هو دوحة متفرّع صفة الشرف عليها، و تنبعث منها و ترجع إليها، و هذه القبيلة الشريفة كمل شرفها و عظم قدرها و اشتهر ذكرها، و استحقّت التقدّم على بقية القبائل و سائر البطون من العرب و غيرها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فنسب قريش انحدر من النضر بن كنانة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فرسول اللّه في الشرف بمنزلة مركز الدائرة بالنسبة إلى محيطها، فمنه يرقى الشرف.

فإذا فرضت الشرف خطا متصاعدا متراقيا متّصلا إلى المحيط، مركّبا من نقط هي آباؤه أبا فأبا، وجدته محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، فالمركز الذي انبعث منه الشرف متصاعدا هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و وجدت المحيط الذي تنتهي الصفة الشريفة القرشية إليه هو النضر بن كنانة، فالخط المتصاعد الذي بين المركز و بين المنتهى المحيط اثنا عشر جزءا.

فإذا كانت درجات الشرف المعدودة متصاعدة اثني عشر، لاستحالة أن يكون الخطّان‏

____________

(1)- الصحيفة الصادقية: 232، و الاحتجاج: 1/ 100.

(2)- هذا الكلام للعلّامة الحلّي في العدد القوية: 79 ذيل حديث 137.

(3)- المحاسن للبرقي: 1/ 56 ح 87 و الكافي: 8/ 343 ح 541.

213

الخارجان من المركز إلى المحيط متفاوتين، فالنبي منبع الشرف الذي الإمامة منه بنفسه متصاعدا، و هو منبع الشرف الذي هو محل الإمامة متنازلا، فيلزم أن يكون الأئمّة اثني عشر، فكما أن الخط المتصاعد اثنا عشر فالخط المتنازل اثنا عشر، و هم: علي، الحسن، الحسين، علي، محمد، جعفر، موسى، علي، محمد، علي، الحسن، محمد (عليهم السّلام) جميعا، فأوّل من ثبتت له الصفة بأنّه قرشي مالك بن نضر و لا يتعداه صاعدا و هو الثاني عشر، و كذلك المنتهي تثبت له الإمامة و لا تتعدّاه نازلا و استقرّت في محمد بن الحسن المهدي و هو الثاني عشر (عليه السّلام).

214

الفرع السابع إخبار أهل الجفر و الحساب بأعيان الأئمّة (صلوات اللّه عليهم أجمعين)

في الينابيع عن الشيخ عبد الرّحمن بن محمد علي بن أحمد البسطامي- كان أعلم زمانه في علم الحروف-: أمّا آدم (عليه السّلام) فهو نبي مرسل خلقه اللّه تعالى بيده و نفخ فيه من روحه فأنزل عليه عشر صحائف، و هو أوّل من تكلّم في علم الحروف، و له كتاب سفر الخفايا، و هو أوّل كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، و ذكر فيه أسرار غريبة و امور عجيبة، و له كتاب الملكوت و هو ثاني كتاب كان في الدنيا في علم الحروف و صاحب الهيكل الأحمر قد أخذ من شيث (عليه السّلام) كتاب الملكوت و كتاب السفر المستقيم، و هو ثالث كتاب كان في الدنيا في علم الحروف عاش تسعمائة و ثلاثين سنة شمسية.

عن ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: خلق اللّه الأحرف و جعل لها سرّا، فلمّا خلق آدم (عليه السّلام) بثّ فيه السرّ و لم يبثّه في الملائكة، فجرت الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان و فنون اللغات، و قد اطلع اللّه على أسرار أولاده و ما يحدث بينهم إلى يوم القيامة، و من هذه الكتب تفرّعت سائر العلوم الحرفية و الأسرار العددية إلى يومنا هذا و إلى ما شاء اللّه.

ثمّ بعده ورث علم أسرار الحروف ابنه أغاناذيمون و هو نبي اللّه شيث (عليه السّلام)، و هو نبي مرسل أنزل اللّه عليه خمسين صحيفة، و هو وصي آدم (عليه السّلام) و ولي عهده، و هو الذي بنى الكعبة المعظّمة بالطين و الحجر، و له سفر جليل الشأن في علم الحروف، و هو رابع كتاب في الدنيا في علم الحروف، و عاش تسعمائة سنة شمسية، ثم ورث علم الحروف ابنه أنوش، ثمّ ابنه قينا و إليه ينسب القلم القيناوي، ثمّ ابنه مهلائيل ثمّ ابنه بارد، و في زمانه عبدت الأصنام‏

ثمّ ابنه هرمس و هو نبي اللّه إدريس و هو نبي مرسل أنزل اللّه عليه ثلاثين صحيفة، و إليه انتهت الرئاسة في العلوم الحرفية و الأسرار الحكمية و اللطائف العددية و الإشارات الفلكية، و قد ازدحم على بابه سائر الحكماء، و اقتبس من مشكاة أنواره سائر العلماء، و قد صنّف‏

215

كتاب كنز الأسرار و ذخائر الأبرار، و هو خامس كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، و علّمه جبرائيل علم الرمل، و به أظهر اللّه نبوّته و قد بني اثنين و سبعين مدينة، و تعلّم منه علم الحروف الهرامسة و هم أربعون رجلا، و كان أمهرهم اسقلينوس الذي هو أبو الحكماء و الأطبّاء، و هو أوّل من أظهر الطب، و هو خادم نبي اللّه إدريس (عليه السّلام) و تلميذه، ثمّ ابنه متوشلخ ثمّ ابنه لامك ثمّ ابنه نوح (عليه السّلام)، و هو نبي مرسل و له سفر جليل القدر، و هو سادس كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثمّ ابنه سام ثمّ ابنه أرفخشد ثمّ ابنه شالخ ثمّ ابنه عابر، و هو نبي اللّه هود (عليه السّلام) ثمّ ابنه فالغ ثمّ ابنه يقطر و هو قاسم الأرض بين الناس، ثمّ ابنه صالح نبي اللّه ورث علم الحروف، ثمّ ارغوا بن فالغ المذكور ورث علم الحروف، ثمّ ابنه اسردع ثمّ ابنه ناحود ثمّ ابنه تارخ ثمّ ابنه إبراهيم (عليه السّلام)، و هو نبي مرسل أنزل اللّه عليه عشرين صحيفة، و هو أوّل من تكلّم في علم الوفق‏ (1).

و قيل: إنّه وفق القاف في أساس الكعبة المكرمة، و له سفر عظيم القدر، و هو سابع كتاب كان في علم الحروف، ثمّ ابناه إسماعيل و إسحاق ثمّ ابنه يعقوب ثمّ ابنه يوسف ثمّ موسى (عليه السّلام)، و هو نبي مرسل أنزل اللّه عليه التوراة و علّمه علم الكيمياء، و كان أعلم الناس في عصره بأسرار الأوفاق و بالوفق المسدس، استخرج تابوت يوسف من النيل، ثمّ وصيّه يوشع ابن نون ثمّ إلياس (عليه السّلام) ثمّ حزقيل، و قيل زردشت الآذربيجاني أخذ علم أسرار الحروف عن أصحاب موسى، ثمّ أخذ عن زردشت جاماسب الحكيم و هو أكبر أصحابه، ثمّ داود (عليه السّلام) ثمّ ابنه سليمان (عليه السّلام) ثمّ آصف بن برخيا و هو وزير سليمان ثمّ أشعيا (عليهم السّلام) ثمّ أرميا، ثمّ عيسى (عليه السّلام) ورث علم الحروف، ثمّ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) ورث علم الحروف.

و قال الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام): العلم الذي دعي إليه المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) علم الحروف، و علم الحروف في لام الألف و علم لام ألف في الألف و علم الألف في النقطة و علم النقطة في المعرفة الأصلية و علم المعرفة الأصلية في علم الأزل و علم الأزل في المشيئة- أي المعلوم- و علم المشيئة في غيب الهوية، و هو الذي دعا اللّه إليه نبيّه بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏ (2)، و الهاء في (أنّه) راجع إلى غيب الهوية، ثمّ إنّ الإمام عليا (عليه السّلام) ورث علم أسرار الحروف من سيّدنا و مولانا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): أنا مدينة العلم و علي بابها.

____________

(1)- من علم الحروف.

(2)- محمد: 19.

216

و هو أوّل من وضع وفق مائة في مائة في الإسلام، ثمّ الإمامان الحسن و الحسين ورثا علم أسرار الحروف من أبيها، ثمّ ابنه الإمام زين العابدين ورث من أبيه علم أسرار الحروف ثمّ ابنه الإمام محمد الباقر (عليه السّلام)، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) و هو الذي حلّ معاقد رموزه و فك طلاسم كنوزه.

و قال الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام): علمنا غابر و مزبور و كتاب مسطور في رقّ منشور، و نكت في القلوب و مفاتيح أسرار الغيوب، و نقر في الأسماع و لا تنفر منه الطباع، و عندنا الجفر الأبيض و الجفر الأحمر و الجفر الأكبر و الجفر الأصغر، و الجامعة و الصحيفة و كتاب علي، قال: لسان الحروف و مشكاة أنوار الظروف‏

[قال‏] أبو عبد اللّه زين الكافي: أمّا قوله: «علمنا غابر» فإنّه أشار به إلى العلم بما مضى من القرون و الأنبياء، و كلّما كان من الحوادث في الدنيا، و أمّا المزبور فإنّه أشار إلى المسطور في الكتب الإلهية و الأسرار الفرقانية المنزلة من السماء على المرسلين و الأنبياء (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و أمّا الكتاب المسطور فإنّه أشار به إلى أنّه مرقوم في اللوح المحفوظ.

أمّا قوله: «نقر في الأسماع» فإنّه أشار به إلى أنّه كلام عليّ و خطاب جليّ، لا ينفر منه الطبع و لا يكرهه السمع، لأنّه كلام عذب، يسمعونه و لا يرون قائله فيؤمنون بالغيب. و أمّا الجفر الأبيض فإنّه أشار به إلى أنّه وعاء فيه كتب اللّه المنزلة و أسرارها المكنونة و تأويلاتها. و أمّا الجفر الأحمر فإنّه أشار به إلى أنّه وعاء فيه سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هو عند من له الأمر، و لا يظهر حتّى يقوم رجل من أهل البيت.

و أمّا الجفر الأكبر فإنّه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي من ألف با تا ثا إلى آخرها، و هي ألف وفق. و أمّا الجفر الأصغر فإنّه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي مركّبة من أبجد إلى قرشت، و هي سبعمائة وفق. و أمّا الجامعة فإنّه أشار به إلى كتاب فيه علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة. و أمّا الصحيفة فهي صحيفة فاطمة (عليها السّلام)، فإنّه أشار بها إلى ذكر الوقائع و الفتن و الملاحم و ما هو كائن إلى يوم القيامة. و أمّا كتاب علي فإنّه أشار إلى كتاب أملاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من فلق فيه- أي من شقّ فمه و لسانه المبارك- و كتب علي، و أثبت فيه كلّما يحتاج إليه من الشرائع الدينية و الأحكام و القضايا حتى فيه جلدة و نصف الجلدة. و الجفر من حيث اللغة فإنّه رق الجدي.

217

و قال جعفر الصادق (عليه السّلام) أيضا: منّا الفرس الغواص و الفارس القناص. و قيل: إنّه يظهر في آخر الزمان مع محمّد المهدي (عجّل اللّه فرجه) و لا يعرفه على الحقيقة إلّا هو رضي اللّه عنه و قيل: إنّ المهدي (عجّل اللّه فرجه) يستخرج كتبا من غار أنطاكية و يستخرج الزبور من بحيرة طبرية، فيها ممّا ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة و فيها الألواح و عصا موسى.

و المهدي (عجّل اللّه فرجه) أكثر الناس علما و حلما، و على خدّه الأيمن خال أسود، هو من ولد الحسين بن علي (عليهما السّلام). و أمّا الجامعة فهو عبارة عن سفر آدم (عليه السّلام) و سفر الشيث (عليه السّلام) و سفر إدريس و سفر نوح و سفر إبراهيم (عليهم السّلام)، و قد تناقله أهل البصائر كابرا عن كابر إلى زماننا و إلى ما شاء اللّه.

قال بعض العارفين: إنّ الحروف سرّ من أسرار اللّه تعالى، و العمل بها من أشرف العلوم المخزونة، و هو من العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الأنبياء و الأولياء، و هو الذي يقول فيه محمد بن علي الحكيم الترمذي: علم الأولياء فافهم.

و لا بدّ للشارع في علم الحروف من معرفة علم التصحيف.

كتب علي (عليه السّلام): خراب البصرة بالريح، يعني بالزنج.

قال الحافظ الذهبي: ما علم التصحيف في هذه الكلمة إلّا بعد المائتين من الهجرة؛ لأنّ بالقرمط الزنجي خربت البصرة، و اعلم أنّ اللّه تبارك و تعالى قال: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها (1) يعني الحروف المحيطة بكل نطق، و هي اثنان و ثلاثون حرفا تحوي جميع لغات الناطقين في الموجودات كلّها مع اختلاف ألسنتهم و لغاتهم، فمنها ثمانية و عشرون عربية بعدد منازل القمر، و منها أربعة عجمية و هي پ چ ژ گ.

قال جعفر الصادق (عليه السّلام): علّم اللّه آدم الأسماء بالقلم الذي في اللوح المحفوظ، و قيل: إنّ الحروف كانت تتشكّل لآدم (عليه السّلام) في قوالب نورانية عند إرادة مسمّاها، و هي خاصته التي اختصّه اللّه تعالى بها، و علّمه اللّه سبعين ألف باب من العلم، و علّمه ألف حرفة، و أنزل عليه تحريم الميتة و الدم و لحم الخنزير، و أنزل عليه حروف المعجم في إحدى و عشرين ورقة و هي أوّل كتاب كان في الدنيا، و كونها في إحدى و عشرين ورقة إشارة إلى أن الدنيا سبعة أدوار- أي سبعة آلاف سنة- و أنزل عليه عشر صحائف و فيها ألف لغة، و قد بيّن اللّه فيها

____________

(1)- سورة البقرة: 31.

218

أخبار الدنيا و ما يكون فيها في أهل كل زمان، و ذكر صورهم و سيرهم مع أنبيائهم و اممهم و ملوكهم و عبيدهم و رعاياهم، و ما يحدث في الأرض‏ (1).

روي عن أبي ذرّ الغفاري (رحمه اللّه): قلت: يا رسول اللّه أي كتاب أنزل اللّه تعالى على آدم؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله): كتاب الحروف المعجم: ا ب ت ث الخ، فهي تسعة و عشرون حرفا. قلت: يا رسول اللّه عددت ثمانية و عشرين حرفا. فغضب (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى احمرّت عيناه فقال (صلّى اللّه عليه و آله): يا أبا ذر و الذي بعثني بالحق نبيّا ما أنزل اللّه على آدم في اللغة العربية إلّا تسعة و عشرين حرفا. قلت: يا رسول اللّه أ ليس فيها لام و ألف؟ قال: لام و ألف حرف واحد، قد أنزله اللّه تعالى على آدم في صحيفة واحدة و معه سبعون ألف ملك، من خالف لام ألف فقد كفر بما أنزل اللّه تعالى علي.

قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً (2).

قال بعض المفسّرين: ذلك هو الاسم الأعظم تركّب من الحروف الواردة في فواتح السور، و كان مكتوبا على خاتم سليمان بن داود (عليهما السّلام)، و به لان الحديد لداود (عليه السّلام)، و سخّر الجنّ لسليمان و طوى الأرض للخضر، و به تعلّم العلم اللدني و به اوتي عرش بلقيس و به يحيي عيسى الطير، و كان مكتوبا على عصا موسى (عليه السّلام) و سيف علي (عليه السّلام)، و كما بلغنا عن الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) سأله رجل عن معنى‏ كهيعص‏ (3) فقال له: لو فسّرتها لك لمشيت على الماء.

فأوّل الأقلام قلم السرياني و منه تفرّعت سائر الأقلام و هو أوّل قلم كان في الدنيا و به كان آدم (عليه السّلام) قد وضع سفره‏ (4).

____________

(1)- بطوله في ينابيع المودّة: 3/ 197 الباب 67.

(2)- النمل: 15.

(3)- مريم: 1.

(4)- ينابيع المودّة: 3/ 202.

219

الفرع الثامن إخبار الكهنة و السابقين بأعيان الأئمّة (عليهم السّلام) و قيام القائم (عجّل اللّه فرجه)

في البحار عن كتاب المقتضب: أجلي الفرس عن القادسية و بلغ يزدجرد بن شهريار ما كان من رستم و إدالة العرب عليه، و ظنّ أنّ رستم قد هلك و الفرس جميعا، و جاء مبادرا و أخبره بيوم القادسية و انجلائها عن خمسين ألف قتيل، فخرج يزدجرد هاربا في أهل بيته و وقف بباب الإيوان و قال: السلام عليك أيّها الإيوان، ها أنا ذا منصرف عنك و راجع إليك أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه و لا آن أوانه.

قال سليمان الديلمي فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فسألته عن ذلك و قلت له ما قوله: «أو رجل من ولدي»؟ قال: ذلك صاحبكم القائم بأمر اللّه عزّ و جلّ السادس من ولدي قد ولده يزدجرد فهو ولده‏ (1).

في إثبات الهداة للشيخ حرّ العاملي (رحمه اللّه) عن هشام بن سعد الرجال قال: إنّا وجدنا حجرا بالإسكندرية مكتوبا فيه: أنا شداد بن عاد، أنا الذي شيد عماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، إلى أن قال: و كنزت كنزا في البحر على اثني عشر ميلا لن يخرجه أحد حتّى يخرجه قائم آل محمّد (2).

و في البحار عن الشعبي: إنّ عبد الملك بن مروان دعاني فقال: يا أبا عمرو إنّ موسى بن نصير العبدي كتب إليّ- و كان عامله على المغرب- يقول: إنّ مدينة من صفر كان ابتناها نبي اللّه سليمان بن داود، أمر الجن أن يبنوها له فاجتمعت العفاريت من الجن على بنائها، و إنّها من عين القطر التي ألانها اللّه لسليمان بن داود، و إنّها في مفازة الأندلس، و إنّ فيها من الكنوز التي استودعها سليمان، و قد أردت أن أتعاطى الارتحال إليها، فأعلمني الغلام بهذا الطريق أنّه صعب لا يتمطى إلّا بالاستعداد من الظهور و الأزواد الكثيرة مع بعد المسافة و صعوبتها،

____________

(1)- البحار: 51/ 163، و المقتضب: 40.

(2)- كمال الدين: 307.

220

و إنّ أحدا لم يهتمّ بها إلّا قصر عن بلوغها، إلّا دارا بن دارا، فلما قتله الاسكندر قال: و اللّه لقد جئت الأرض و الأقاليم كلّها و دان لي أهلها، و ما أرض إلّا و قد وطئتها إلّا هذه الأرض من الأندلس، فقد أدركها دارا بن دارا و إنّي لجدير بقصدها كي لا اقصر عن غاية بلغها دارا، فتجهّز الإسكندر و استعد للخروج عاما كاملا، فلمّا ظنّ أنّه قد استعدّ لذلك و قد كان بعث روّاده فأعلموه أنّ موانع دونها، فكتب عبد الملك إلى موسى بن نصير يأمره بالاستعداد و الاستخلاف على عمله، فاستعدّ و خرج فرآها و ذكر أحوالها.

فلمّا رجع كتب إلى عبد الملك بحالها و قال في آخر الكتاب: فلمّا مضت الأيّام و فنيت الأزواد سرنا نحو بحيرة ذات شجر، و سرت مع سور البلد فصرت إلى مكان من السور فيه كتاب بالعربية فوقفت على قراءته و أمرت بانتساخه فإذا هو:

ليعلم المرء ذو العزّ المنيع و من‏* * * يرجو الخلود و ما حيّ بمخلود

لو أنّ خلقا ينال الخلد في مهل‏* * * لنال ذاك سليمان بن داود

سالت له القطر عين القطر فائضة* * * بالقطر منه عطاء غير مصدود

فقال للجن ابنوا لي به أثرا* * * يبقى إلى الحشر لا يبلى و لا يؤدي‏

فصيّروه صفاحا ثمّ هيل له‏* * * إلى السماء بإحكام و تجويد

و أفرغ القطر فوق السور منصلتا* * * فصار صلب من الصماء صيخود

و بثّ فيه كنوز الأرض قاطبة* * * و سوف يظهر يوما غير محدود

و صار في قعر بطن الأرض مضطجعا* * * مصمّدا بطوابيق الجلاميد

لم يبق من بعده للملك سابقة* * * حتّى يضمّن رمسا غير اخدود

هذا ليعلم أنّ الملك منقطع‏* * * إلّا من اللّه ذي النعماء و الجود

حتّى إذا ولدت عدنان صاحبها* * * من هاشم كان منها خير مولود

و خصّه اللّه بالآيات منبعثا* * * إلى الخليفة منها البيض و السود

له مقاليد أهل الأرض قاطبة* * * و الأوصياء به أهل المقاليد

هم الخلائف اثنا عشرة حججا* * * من بعدها الأوصياء السادة الصيد

حتّى يقوم بأمر اللّه قائمهم‏* * * من السماء إذا ما باسمه نودي‏

فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب و أخبره طالب بن مدرك- و كان رسوله إليه- بما عاين من‏

221

ذلك، و عنده محمد بن شهاب الزهري قال: ما ترى في هذا الأمر العجيب؟ فقال الزهري:

أرى و أظنّ أنّ جنّا كانوا موكلين بما في تلك المدينة، حفظة لها، يخيلون إلى من كان صعدها، قال عبد الملك: فهل علمت من أمر المنادي من السماء شيئا؟ قال: أله عن هذا يا أمير المؤمنين. قال عبد الملك: كيف ألهو عن ذلك و هو أكبر أقطاري؟ لتقولن بأشد ما عندك في ذلك ساءني أم سرّني. فقال الزهري: أخبرني علي بن الحسين (عليه السّلام) أنّ هذا المهدي (عجّل اللّه فرجه) من ولد فاطمة بنت رسول اللّه، فقال عبد الملك: كذبتما لا تزالان ترحضان في بولكما و تكذبان في قولكما، ذلك رجل منّا.

قال الزهري: أما أنا فرويته لك عن علي بن الحسين (عليه السّلام)، فإن شئت فاسأله عن ذلك و لا لوم علي فيما قلته لك، فإن يك كاذبا فعليه كذبه و إن يك صادقا يصبكم بعض الذي يقول.

فقال عبد الملك: لا حاجة بي إلى سؤال بني أبي تراب، فخفض عليك يا زهري بعض هذا القول فلا يسمعه منك أحد. قال الزهري: لك عليّ ذلك‏ (1).

____________

(1)- مقتضب الأثر: 44 و البحار: 51/ 164.

222

الفرع التاسع في ذكر الدجّال و بعض أخباره و حالاته‏

و هو المسيح الكذّاب و القبيح المرتاب الذي استحق بسوء اختياره أليم العذاب، و استوجب شديد العقاب، المعروف بالأعور الدجّال عليه من اللّه اللعنة على الدوام و الاتصال.

في الدمعة الساكبة عن مشكاة المصابيح عن أبي بكرة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يمكث أبوا الدجّال ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد، ثمّ يولد لهما غلام أعور أخرس- أي عظيم السن- و أقلّه منفعة- تنام عيناه و لا ينام قلبه، ثمّ نعت لنا رسول اللّه أبويه فقال: أبوه طويل ضرب اللحم‏ (1)، كأنّ أنفه منقار، و أمّة امرأة فرضاخية (2) طويلة اليدين، فقال أبو بكرة: فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا و الزبير بن العوّام حتّى دخلنا على أبويه، فإذا نعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيهما، فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عاما لا يولد لنا ولد ثمّ ولد لنا غلام أعور أخرس و أقلّه منفعة، تنام عيناه و لا ينام قلبه. قال: فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة و له همهمة فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: و هل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم تنام عيناي و لا ينام قلبي‏ (3).

في الكافي عن ابن عمر: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) صلّى ذات يوم بأصحابه الفجر، ثمّ قام مع أصحابه حتّى أتى باب دار المدينة، فطرق الباب فخرجت إليه امرأة فقالت: ما تريد يا أبا القاسم؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أمّ عبد اللّه استأذني لي على عبد اللّه، فقالت: يا أبا القاسم، و ما تصنع بعبد اللّه فو اللّه إنّه لمجهود (4) في عقله، يحدث في ثوبه، و إنّه ليراودني على الأمر

____________

(1)- ضرب اللحم: خفيف اللحم المستدق كما في النهاية.

(2)- الفرضاخية: الضخمة العظيمة.

(3)- مصابيح البغوي: 3/ 514 ح 4257 و المصنف لابن أبي شيبة: 8/ 652 ح 27.

(4)- المجهود: المضروب.

223

العظيم. فقال: استأذني لي عليه، فقالت: أعلى ذمتك؟ قال: نعم. قالت: ادخل فدخل فإذا هو في قطيفة يهينم‏ (1) فيها. فقالت أمّه: اسكت و اجلس، هذا محمّد أتاك، فسكت، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما لها لعنها اللّه، لو تركتني لأخبرتكم أ هو هو، ثمّ قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما ترى؟

قال: أرى حقّا و باطلا و أرى عرشا على الماء، فقال: اشهد أن لا إله إلّا اللّه و أني رسول اللّه، فقال: بل تشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه، فما جعلك اللّه بذلك أحقّ منّي. فلمّا كان في اليوم الثاني صلّى بأصحابه الفجر ثمّ نهض فنهضوا معه حتّى طرق الباب، فقالت أمّه: ادخل فدخل فإذا هو في نخلة يفرد فيها، فقالت له أمّه: اسكت و انزل هذا محمّد قد أتاك، فسكت، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما لها لعنها اللّه لو تركتني لأخبرتكم أ هو هو، فلمّا كان في اليوم الثالث صلّى بأصحابه الفجر، ثمّ نهض فنهضوا معه حتّى أتى ذلك المكان فإذا هو في غنم ينعق بها، فقالت له أمّه: اسكت و اجلس هذا محمّد قد أتاك، و قد كانت نزلت في ذلك اليوم آيات من سورة الدخان، فقرأها لهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في صلاة الغداة ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله): اشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه فقال: بل تشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّي رسول اللّه، و ما جعلك اللّه بذلك أحقّ منّي، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إنّي قد خبّأت لك خبيئا، فقال: الدخ الدخ، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): اخسأ فإنّك لن تعدو أجلك و لن تبلغ أملك و لن تنال إلّا ما قدّر لك، ثمّ قال لأصحابه: أيّها الناس ما بعث اللّه نبيّا إلّا و قد أنذر قومه الدجّال، و إنّ اللّه عزّ و جلّ ادخره إلى يومكم هذا، فمهما تشابه عليكم من أمره فإنّ ربّكم ليس بأعور، إنّه يخرج على حمار، عرض ما بين أذنيه ميل، يخرج و معه جنّة و نار و جبل من خبز و نهر من ماء، أكثر أتباعه اليهود و النساء و الأعراب، يدخل آفاق الأرض كلّها إلّا مكة و بيتها، و لا المدينة و لا أبنيتها (2).

أقول: الهينمة صوت خفي. أ هو أ هو: أي أما تقولون ألوهية إله أم لا. أرى عرشا على الماء: أي عرش إبليس على البحر. قد خبأت لك خبيئا: أي أضمرت لك شيئا فأخبرني.

الدخ: بالضم و الفتح الدخان أراد بذلك‏ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ‏ (3).

و في عمدة ابن بطريق: انطلق عمر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في رهط إلى ابن صياد حتّى وجده‏

____________

(1)- الهينمة: الصوت الخفي.

(2)- الخرائج و الجرائح: 3/ 1141.

(3)- الدخان: 10.

224

يلعب مع الصبيان عند أطم‏ (1) بني مغالة، و قد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتّى ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على ظهره بيده، ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لابن صياد: اشهد أنّي رسول اللّه، فنظر إليه ابن صياد قال: أشهد أنك رسول الاميين، فقال ابن صياد لرسول اللّه: اشهد أنّي لرسول اللّه، فقال: آمنت باللّه و برسوله، ثمّ قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما ذا ترى؟ قال ابن صياد:

يأتيني صادق و كاذب، فقال رسول اللّه: خلط عليك الأمر، ثمّ قال له رسول اللّه: إنّي خبأت لك خبيئا فقال ابن الصياد: هو الدخ، فقال له رسول اللّه: اخسأ فلن تعدو قدرك، فقال عمر بن الخطّاب: ذرني يا رسول اللّه أضرب عنقه؟ فقال رسول اللّه: إن يكن هو فلن تسلّط عليه، و إن لم يكن هو فلا خير لك في قتله‏ (2).

و فيه: انطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك و أبي بن كعب إلى النخلة التي فيها ابن صياد شيئا حتّى إذا دخل رسول اللّه طفق يتقي بجذوع النخل، و هو يحتال أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول اللّه و هو مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها زمزمة، فرأت أمّ ابن صياد رسول اللّه و هو يتّقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف- و هو اسم ابن صياد- هذا محمد، فثار ابن صياد فقال رسول اللّه: لو تركته بين، فقام رسول اللّه في الناس فأثنى على اللّه تعالى بما هو أهله ثمّ ذكر الدجّال فقال: لانذركموه، و ما من نبي إلّا و قد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، و لكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلّموا أنّه أعور و إنّ اللّه ليس بأعور (3).

و فيه إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان حذّر الناس الدجّال أنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرأه كلّ من كره عمله، أو يقرأه كلّ مؤمن. و قال: هلموا إنّه لن يرى أحد منكم ربّه حتّى يموت، و ابن صياد هو الدجّال‏ (4).

و فيه إنّ جابر بن عبد اللّه يحلف باللّه أنّ ابن صياد هو الدجّال. فقيل: تحلف باللّه! قال:

سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فلم ينكره النبي (صلّى اللّه عليه و آله)(5).

(في البيان) روي عن عامر بن شراحيل الشعبي: شعب شمذان دخل على فاطمة بنت‏

____________

(1)- الأطم: الحصن كما في غريب الحديث: 2/ 73.

(2)- العمدة: 440 بتفاوت و كمال الدين: 528.

(3)- كتاب الفتن لنعيم: 317، العمدة: 441.

(4)- العمدة: 441 ح 925.

(5)- المصدر السابق.

225

قيس اخت الضحّاك بن قيس و كانت من المهاجرات الاول فقال: حدّثيني حديثا سمعته عن رسول اللّه لا يسند إلى أحد غيره؟ فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل حدّثيني. فقالت:

نكحت ابن المغيرة، و كان من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أوّل الجهاد مع رسول اللّه، و لما تأيّمت‏ (1) خطبني عبد الرّحمن بن عوف في نفر من أصحاب محمد، و خطبني رسول اللّه على مولاه اسامة بن زيد و كنت حدثت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من أحبّني فليحبّ اسامة، فلمّا كلّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قلت: أمري بيدك فأنكحني من شئت. فقال: انتقلي إلى بيت أمّ شريك، و أمّ شريك امرأة غنية عظيمة النفقة في سبيل اللّه تنزل عليه الضيفان، فقلت:

سأفعل، قال: لا تفعلي إنّ أمّ شريك كثيرة الضيفان فإنّي أكره أن يسقط عنك خمارك، و ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، و لكن انتقلي إلى ابن عمّك عبد اللّه بن عمرو بن أمّ مكتوم، و هو رجل من بني فهر قريش و هو من البطن الذي هي منه، فانتقلت إليه فلما انقضت عدّتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول اللّه ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول اللّه، فكنت في الصفّ الذي يلي ظهور القوم.

فلمّا فرغ رسول اللّه من صلاته جلس على المنبر و هو يضحك فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلّاه ثمّ قال: هل تدرون لم جمعتكم؟ قالوا: اللّه و رسوله أعلم. فقال: إنّي و اللّه ما جمعتكم لرغبة و لا لرهبة و لكن جمعتكم لأنّ تميما كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع و أسلم، و حدّثني حديثا وافق الذي احدّثكم عن مسيح الدجال، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم و جذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس، فجلسوا في ما يقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة، أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره لكثرة الشعر فقالوا: و يلك من أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة.

قالوا: و ما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال: سمت لنا رجلا فزعنا منها أن تكون شيطانة.

قال: انطلقنا سريعا حتّى دخلنا الدير فإذا أعظم إنسان ما رأيناه قط خلقا و أشدّه وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا: و يلك ما أنت؟ قال: قدرتم‏

____________

(1)- تأيمت: أصبحت من الأيامى.

226

على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قلنا: نحن اناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهرا ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا: و يلك ما أنت؟

قالت: أنا الجساسة. قلنا: ما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعا و فزعنا منها و لم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن هزبيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ فقلنا له: نعم، فقال: أما إنّه يوشك أن لا يثمر، قال: أخبرونا عن بحيرة طبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟

قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إنّ ماءها يوشك إن يذهب. قال: أخبروني عن عين زعز؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ و هل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء و أهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الاميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج مهاجرا من مكّة و نزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ قال: فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب و أطاعوه. قال لهم: قد كان ذاك؟

قلنا: نعم. قال: أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه و إنّي أخبركم عنّي: إنّي أنا المسيح الدجّال، و إنّي اوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة و طيبة فهما محرّمتان علي كلتاهما، كلّما أردت أن أدخل واحدة- أو واحدا- منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدّني عنها، و إنّ على كلّ نقب منها ملائكة يحرسونها.

قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و طعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة يعني المدينة. ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم، [قال:] فإنّه أعجبني حديث تميم إنّه وافق الذي كنت أحدّثكم عنه و عن مكة و المدينة، ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من المشرق ما هو، و أومى بيده، قالت: فحفظت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(1).

____________

(1)- سنن أبي داود: 2/ 320 ح 4327 و كنز العمال: 14/ 291 ح 38741.

227

الفرع العاشر في أن اثني عشر لا ينطبق في بني أميّة كما زعم و لا في بني العبّاس، بل في بني فاطمة (عليهم السّلام)

اعلم أنّه إذا تأمّل المنصف عرف أنّ الأحاديث الشريفة النبوية في خصوص الاثني عشر لا تنطبق إلّا على مذهب الإمامية لقرائن كثيرة منها: أنّ خليفة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لا بدّ و أن يكون عالما عاملا عاقلا ورعا تقيّا حاويا للخصال الحميدة و منزها عن الصفات القبيحة، تاركا لما يجب و ينبغي تركه، بصيرا حاذقا، إلى غير ذلك ممّا هو من لوازم خلافة مثله (صلّى اللّه عليه و آله) المبعوث لهداية الخلق و تهذيبهم و تكميلهم و تزكيتهم و تعليمهم الكتاب و الحكمة، فمن خلفه و جلس مجلسه لا بدّ و أن يكون له حظّ وافر من ذلك حتّى يصدق عليه الخلافة التي أخبر بها من جهة نبوّته و رسالته، لا من حيث سلطنته و ملكيّته و غلبته على البلاد و العباد، مع أنّ في طرق بعض الأخبار المذكورة: يعمل بالهدى و دين الحقّ، و جعلهم بمنزلة نقباء بني إسرائيل و حواريي عيسى (عليه السّلام) و قيام الدين و عزّته بهم، و عزّة الدين بصلاح أهله لا بسعة الملك و كثرة المال و إن لم يكن لهم حظّ من الدين إلّا الإقرار باللسان، و هذا المعنى في هذا العدد من هذه القبيلة لم يتّفق بالاتّفاق إلّا في الاثني عشر الذين اتخذهم الإمامية، فإنّهم عند جمع من أهل السنّة علماء حكماء صلحاء عبّاد زاهدون جامعون لكلّ ما ينبغي أن يكون في الخليفة، كما لا يخفى على المتتبّع في الأخبار.

و قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: قال القاضي عياض: لعلّ المراد بالاثني عشر في الأحاديث و ما شابهها أنّهم يكونون في مدّة عزّة الخلافة و قوّة الإسلام و استقامة اموره، و الاجتماع على من يقوم بالخلافة، و قد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني امية، و وقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العبّاسية فاستأصلوا أمرهم.

و أيّده ابن حجر في شرح البخاري قال: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث‏

228

و أرجحه؛ لأنّ في بعض طرق الحديث: «كلّهم يجتمع عليه الناس» و هو انقيادهم لبيعته، و الذي وقع أنّ الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثمّ اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثمّ اجتمعوا على ولده يزيد و لم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثمّ لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، و تخلل بين سليمان و يزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين.

و الثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمّه هشام فولي نحو أربع سنين، ثمّ قاموا عليه فقتلوه و انتشرت الفتن و تغيّرت الأحوال من يومئذ، و لم يتّفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأنّ يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمّه الوليد بن يزيد لم تطل مدّته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عمّ أبيه مروان بن محمد بن مروان، و لمّا مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فقتله مروان ثمّ ثار على مروان بنو العبّاس إلى أن قتل، ثمّ كان أوّل خلفاء بني العبّاس السفاح و لم تطل مدّته مع كثرة من ثار عليه، ثمّ ولي عليه أخوه المنصور فطالت مدّته لكن خرج عليهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، و استمرّت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك، و انفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلّا الاسم في البلاد، بعد أن كان في أيّام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض، شرقا و غربا، يمينا و شمالا ممّا غلب عليه المسلمون، و لا يتولّى أحد في بلد من البلاد كلّها الإمارة على شي‏ء منها إلّا بأمر الخليفة.

و من انفراط الأمر أنّه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستّة أنفس، كلّهم يتسمّى بالخلافة و معهم صاحب مصر العبيدي و العبّاس ببغداد خارجا عمّن كان يدّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية و الخوارج. انتهى‏ (1).

و حاصل كلامه: أنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر الذين أخبر بهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّهم سبب عزّ الدين، و كلّهم يعملون بالهدى و دين الحقّ هم الخلفاء الأربعة و معاوية و ولده يزيد و عبد

____________

(1)- فتح الباري: 13/ 182 ط. دار المعرفة، بيروت.

229

الملك بن مروان و وليد بن عبد الملك و أخوه سليمان و أخوه يزيد و أخوه هشام بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه) و الوليد بن يزيد بن عبد الملك الملقّب بالزنديق و الفاسق.

و المستند أنّ الناس اجتمعوا عليهم دون غيرهم و اقتصروا من شروط الخلافة بما انفرد به بعضهم في بعض طرق الحديث: و كلّهم يجتمع عليه الناس، فمع الاجتماع يصير مصداقا للحديث النبوي الشريف سواء كان فيه العلم و الهداية و العدالة و العمل بالحق، أو كان فاقدا لجميعها (1).

و يردّ على هذا الكلام بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّه كما قد قيد الأخبار المطلقة بما في بعض الطرق من قوله: و يعمل بالهدى و دين الحق، فلا بدّ من تقييدها أيضا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض طرقها: «و كلّهم يعمل بالهدى و دين الحقّ» (2) و عليه فيخرج بعض هؤلاء ممّا لا خلاف في عدم عمله بهما.

الوجه الثاني: كيف أخرج الحسن بن علي (عليهما السّلام) من هذا العدد مع أنّه صرّح به في الأوّل، و عن سفينة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الخلافة ثلاثون عاما ثمّ يكون بعد ذلك الملك‏ (3). و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أوّل دينكم بدأ نبوّة و رحمة، ثمّ يكون الخلافة و الرحمة، ثمّ يكون ملكا و جبرية، حديث حسن. انتهى‏ (4). فالحسن خليفة (5) بنص منه، فإن عدّ الخلفاء الأربعة من الاثني عشر فلا بدّ من عدّه أيضا فيها، و ما تشبّث به من الاجتماع على فرض التسليم، لا يعارض النصّ الصريح الصحيح، مع أنّه لو بنى على إخراجه بعدم الاجتماع أهل الشام عليه، يلزم إخراج والده أمير المؤمنين (عليه السّلام) منها أيضا لعدم اجتماعهم عليه من أوّل خلافته إلى آخرها، بل إخراجه (عليه السّلام) منها أولى من إخراج المنصور منها لعدم اجتماع أهل الأندلس عليه، و هم في أقصى المغرب، و نصارى هذه المملكة أضعاف المسلمين بخلاف الشام الواقع في بحبوحة بلاد المسلمين. و من ذلك يعلم أنّ قوله: و كلّهم يجتمع الخ من زيادة الراوي لا تصلح لتقييد الأخبار المطلقة.

____________

(1)- تاريخ الخلفاء: 10.

(2)- فتح الباري: 13/ 184.

(3)- مسند الطيالسي: 151 ط. دار المعرفة، و مسند أحمد: 5/ 220.

(4)- المعجم الأوسط: 6/ 345 و الطرائف: 379.

(5)- من الذين نصّوا على خلافة الحسن (عليه السّلام) الصولي و ابن حجر و غيرهما، راجع تاريخ الخلفاء: 22 الفصل الثامن، و الصواعق: 135 ط. مصر و: 208 ط. بيروت.

230

الوجه الثالث: أنّ ظاهر نسبة الفعل إلى أحد صدوره منه قاصدا اختيارا من غير جبر و لا إكراه، فقوله: يجتمع على فرض التسليم أي باختيارهم و رضاهم، و غير خفيّ أنّ اجتماع الناس على ملوك بني امية كان للقهر و الغلبة و الخوف منهم، و أخذهم البيعة على الناس بسيفهم، كما هو مشروح في السير و التواريخ، و هل يمكن أن ينسب أحد إلى أهل مكة و المدينة و فيهم وجوه الفقهاء و المحدّثين و بقيّة الصحابة و المشايخ من أولاد المهاجرين و الأنصار أنهم باختيارهم اجتمعوا على يزيد بن معاوية و اختاروه لخلافة الامّة، و هل هو إلّا لما رأوا من قهره و غلبته و تجرّيه على سفك الدماء، فحفظوا أنفسهم و لم يلقوها إلى التهلكة فبايعه من بايع و تخلّف من تخلّف؟

الوجه الرابع: كيف جوّزوا الخلافة المنعوتة على لسان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في جمع من بني امية و قد رووا فيهم من الذموم ما رووا؟ ففي كشف الأستار عن الإمام الثعلبي في قوله تعالى:

وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏ (1) قال: رأى بني امية على المنابر فساءه ذلك.

فقيل له: إنّها الدنيا يعطونها فنزل عليه (صلّى اللّه عليه و آله): إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏ قال: بلاء للناس‏ (2).

و فيه عن سهل بن سعد عن أبيه قال: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بني امية ينزون على منبره نزو القردة فساءه، فما استجمع ضاحكا حتّى مات فأنزل اللّه عزّ و جلّ في ذلك‏ وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏ (3).

و فيه عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ (4) قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة و بنو امية، فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، و أمّا بنو امية فتمتعوا إلى حين‏ (5).

و عن الثعلبي في قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ‏ (6) نزلت في امية و بني هاشم. انتهى‏ (7).

أ ترى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يراهم كالقردة، و يرى أنّ اللّه تعالى كنّى عنهم بالشجرة الملعونة ثمّ يقول‏

____________

(1)- الإسراء: 60.

(2)- كنز العمّال: 14/ 87 ح 38014.

(3)- المستدرك للحاكم: 4/ 480.

(4)- إبراهيم: 28- 29.

(5)- كنز العمّال: 2/ 444 ح 4452.

(6)- محمد: 22.

(7)- الكافي: 8/ 103 ح 76.

231

في سبعة منهم أنهم خلفاء يهدون بالحق و يعملون به و يعزّ في عصرهم الدين، حاشا أفعاله و أقواله من التناقض.

و فيه عن ابن مسعود: قال لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): احذّركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة و فتنة تقبل من مكة و فتنة تقبل من اليمن و فتنة تقبل من الشام و فتنة تقبل من المشرق و فتنة تقبل من المغرب و فتنة من المغرب إلى بطن الشام و هي السفياني. قال ابن مسعود: فمنكم من يدرك أوّلها و منكم من يدرك آخرها، فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة و الزبير و فتنة مكّة من قبل عبد اللّه بن الزبير و فتنة الشام من قبل بني امية و فتنة بطن الشام من قبل هؤلاء (1).

الوجه الخامس: ثمّ كيف جوّزوا في خصوص بني مروان منهم أن يكون فيهم خلفاء هادون و قد لعنهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كان لا يولد لأحد مولود إلّا أتى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيدعو له، فادخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون‏ (2).

و فيه عن عمر بن يحيى قال: أخبرني جدّي [قال:] كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما بالمدينة و معنا مروان فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدّق يقول:

هلاك امتي على يدي غلمة من قريش قال: مروان لعنه اللّه غلمة (3).

و عن زيد بن وهب أنّه كان عند معاوية و دخل عليه مروان في حوائجه فقال: اقض حوائجي يا أمير المؤمنين فإنّي أصبحت أبا عشرة و أخا عشرة، و قضى حوائجه، ثمّ خرج فلمّا أدبر قال معاوية لابن عبّاس و هو معه على السرير: أنشدك باللّه يا ابن عبّاس أ ما تعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذات يوم: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال اللّه عليهم دولا و عباد اللّه خولا و كتابه دخلا، فإذا بلغوا تسعا و تسعين و أربعمائة كان هلاكهم أسرع من أوّل؟ فقال ابن عبّاس: اللهمّ نعم. ثمّ إنّ مروان ذكر حاجته لما حصل في بيته فوجّه ابنه عبد الملك إلى معاوية فكلّمه فيها فقضاها، فلمّا أدبر عبد الملك قال معاوية لابن عبّاس: أنشدك اللّه يا ابن عبّاس أ ما تعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذكر هذا فقال: هذا أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عبّاس:

اللهمّ نعم، فعند ذلك ادّعى معاوية زيادا (4).

____________

(1)- كتاب الفتن لنعيم: 28.

(2)- فيض القدير: 2/ 76 ح 1326.

(3)- كنز العمّال: 11/ 128 ح 30899.

(4)- كتاب الفتن لنعيم: 73.

232

و في حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا كان مال اللّه دولا و عباده خولا.

و نشأ للحكم بن العاص أحد و عشرون ابنا و ولد لمروان بن الحكم تسعة بنين. انتهى‏ (1).

و مع ذلك كلّه كيف رضي هؤلاء الأعلام أن يجعلوا الذين لعنهم رسول اللّه و عدّهم من الجبابرة من خلفاء الاثني عشر الذين يعملون بالهدى و دين الحق، و كان الإسلام في عهدهم عزيزا منيعا مع ما وقع في عهدهم من سفك الدماء المحرّمة و هتك الفروج المحرّمة حتّى المحارم، و حلّ الأموال المعتصمة ما لا يحصى، و التجاهر بشرب الخمور و اللعب بالقمار و غيرها بما لم يقع في عصر، فكان الإسلام بهم ذليلا مهانا (2).

الوجه السادس: أنّ هؤلاء الأجلّة كيف استحسنوا أن يكون يزيد بن معاوية من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحقّ مع ما كان عليه من الفساد، و ما صدر منه ممّا بكت و تبكي منه السبع الشداد: من وقعة الطف‏ (3) و من وقعة الحرّة (4) و هتك بيت الحرام‏ (5)، و قد ألف فيها بالانفراد كتب و رسائل سوى ما في التواريخ و السير.

في كشف الأستار عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: إنّ قوما ينسبونني إلى تولي يزيد. فقال: يا بني هل يتولّى يزيد أحد يؤمن باللّه؟ فقلت: فلم لا تلعنه؟ فقال: و متى رأيتني ألعن شيئا؟ و لم لا تلعن من لعنه اللّه في كتابه؟ فقلت: و أين لعن اللّه يزيد في كتابه، فقرأ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ أَبْصارَهُمْ‏ (6) فهل يكون فساد أعظم من القتل‏ (7)؟

و عن ابن حنظلة غسيل الملائكة الذي بايعه أهل المدينة قال: و اللّه ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنّ رجلا ينكح الامّهات و البنات و الأخوات و يشرب الخمر و يدع الصلاة، و اللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت اللّه فيه بلاء حسنا.

و عن الزهري أنّه قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمائة من وجوه الناس من قريش و الأنصار

____________

(1)- مجمع الزوائد: 5/ 243.

(2)- راجع ما فصّله المقريزي في كتابه: النزاع و التخاصم.

(3)- أعلام الورى: 2/ 205.

(4)- شرح النهج لابن أبي الحديد: 2/ 18، و ينابيع المودّة: 3/ 33.

(5)- مجمع الزوائد: 3/ 290.

(6)- سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله): 230.

(7)- ذكره و ذكر أدلّته، و من جوّز لعن يزيد ابن الجوزي في كتابه: الردّ على المتعصّب العنيد.

233

و المهاجرين و وجوه الموالي، و ممّن لا يعرف من عبد و حرّ و امرأة عشرة آلاف‏ (1).

و عن تاريخ عبد الملك العصامي: أنّ رجلا من أهل الشام وقع على امرأة في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و لم يجد خرقة ينظف بها، و وجد ورقة من القرآن المجيد فنظف نفسه بها، فسبحان من لم يهلكهم بصاعقة من السماء أو بحجارة من سجيل و إنّما يعجل من يخاف الفوت‏ (2).

و فيه عن أبي عبيدة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يزال أمر أمّتي قائما بالقسط حتّى يكون أوّل من يثلمه رجل يقال له يزيد (3).

و كفاك الاستعجاب من هؤلاء الأعلام الذين عدّوه من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحق مع هذه المفاسد العظيمة و الرزايا الجليلة التي اصيب بها الإسلام في زمانه و لم يصب بعشر معشاره بعده، و بعد الخلفاء الذين عدّوهم من الاثني عشر الذين قام بهم الدين و أخبر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بأن بعدهم هرج. و أعجب من ذلك إخراجهم الحسن بن علي (عليهما السّلام) من العدد مع ما عرفت من نصّه بخلافته، بل انقضائها به، و أنّ الذين يلون الأمر بعده ملوك جبّارون لا خلفاء هادون، و ما كان عليه من الفضل و العلم و التقي و السخاء و السيادة و الشرافة و النسب الذي لا يدانيه أحد، و المناقب التي لا يحصيها عدد.

الوجه السابع: أنّهم لم يذكروا المهدي في هذا العدد مع نصّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليه بالخلافة، فإن عدّ في قبال الاثني عشر يزيد في عدد الخلفاء، و ظاهر تمام النصوص السابقة حصر العدد فيها و إلّا فيلزم دخوله فيبطل ما عيّنوه بالحدس. و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال و لا يعدّه‏ (4).

و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يخرج المهدي و على رأسه غمامة فيها ملك ينادي: هذا هو المهدي خليفة اللّه فاتّبعوه‏ (5). إلى غير ذلك، و حيث إنّهم لم يشترطوا التوالي و جوّزوا تخلّل زمان بلا خليفة من الاثني عشر المنصوصة كما بين يزيد و عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن‏

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 33.

(2)- النصائح الكافية، لمحمّد بن عقيل: 31 ط. الاولى.

(3)- مسند أبي يعلى: 2/ 176 ح 871.

(4)- مسند أحمد: 3/ 333- 338.

(5)- كفاية الأثر: 151.

234

الزبير، فاللازم عليهم أن يخرجوا يزيد بن معاوية منهم و يتمّوا العدد بالمهدي صونا للأخبار النبوية عن الاختلاف و المعارضة.

الوجه الثامن: عدّهم عبد الملك بن مروان من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحق الذين بعد انقضائهم يصير الهرج، و في عصرهم يكون الدين قائما عزيزا، و هذا موضع التعجّب، أ ليس في عهدهم هدم الحجّاج و أصحابه الكعبة الشريفة و رموها بالمنجنيق و فعلوا ما فعلوا في حرم اللّه تعالى من الهتك‏ (1)؟ أ ليس في عهده استخفّوا بأهل المدينة و ختموا في أعناق بقيّة الصحابة و أيديهم، كجابر بن عبد اللّه و أنس بن مالك و سهل بن سعد الساعدي ليذلّوهم بذلك و جعلوهم بمنزلة العبيد، بل المواشي و الأنعام؟ (2) و من عظم هذه المصيبة الفادحة قال السيوطي‏ (3) بعد نقلها: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون. أ ليس في عهده ولي الحجاج العراق و ما والاها في عشرين سنة و فعل ما فعل من القتل و الحبس و النهب و الهدم و غيرها من الامور الفظيعة الشنيعة ما لا يدانيه أحد قبله و لا بعده. قال عمر بن عبد العزيز: لو أنّ الامم تخابثت يوم القيامة فأخرجت كلّ أمّة خبيثها ثمّ أخرجنا الحجّاج لغلبناهم.

روي: لمّا ولي عمر بن عبد العزيز جعل لا يدع شيئا ممّا كان في يده و في يد أهل بيته من المظالم إلّا ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك فكتب إليه: إنّك ازدريت على من قبلك من الخلفاء و سرت بغير سيرتهم و خصصت أهل قرابتك بالظلم و الجور. فكتب إليه عمر: أمّا أوّل شأنك يا ابن الوليد كما تزعم و أمّك بنانة تطوف في سوق حمص و اللّه أعلم بها، اشتراها ذيبان من في‏ء المسلمين، ثمّ أهداها لأبيك فحملت بك فبئس المحمول و بئس المولود، ثمّ نشأت فكنت جبّارا عنيدا تزعم أنّي من الظالمين.

و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، فويل لك و ويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة، و كيف ينجو أبوك من خصمائه، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعمل الحجّاج بن يوسف ليسفك الدم الحرام و يأخذ المال الحرام، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من استعمل قرة بن شريك‏

____________

(1)- الكافي: 2/ 64، و المصنف لابن أبي شيبة: 1/ 352 و: 7/ 248.

(2)- راجع ما له من فضائح في كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي: 214 و 218 خلافة عبد الملك بن مروان.

(3)- تاريخ الخلفاء: 220.

235

أعرابيا جافيا على مصر، أذن له في المعازف و اللهو و الشرب، و إنّ أظلم منّي و أترك لعهد اللّه من جعل للغالية البربرية سهما في خمس العرب، فرويدا، لو تفرّغت لك و لأهل بيتك لحملتهم على المحجّة البيضاء، فطال ما تركتم الحقّ و أخذتم في تيهات الطريق و ما وراء هذا ما أرجو أن أكون رائده أبيع رقبتك و أقسّم الثمن بين اليتامى و المساكين و الأرامل، فإنّ لكلّ فيك حقّا.

و عن تفسير النيسابوري في قوله تعالى: وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ‏ (1) أنّ الحجّاج قتل مائة ألف و عشرين ألف رجل صبرا و أنّه وجد في سجنه ثمانون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة، منهم ثلاثة و ثلاثون ألفا ما يجب عليهم قطع و لا صلب‏ (2).

و عن تاريخ الخميس و توفي في حبوسه خمسون ألف رجل و ثلاثون ألف امرأة، منهم ثلاثة و ثلاثون ألفا ما يجب عليهم قطع و لا صلب‏ (3). قتل بسببه في الحروب أضعاف ذلك، و فضائح أعماله و شنائع أفعاله التي هلكت بها العباد و خربت بها البلاد مشروحة في السير (4).

و عن الفقهاء و المؤرخين‏ (5) أنّه كان ارتفاع العراق بعد الفتح إلى زمان الحجّاج ثلاثمائة و ستّين ألف ألف درهم و رجع ارتفاعها في زمان الحجّاج إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم، وليت شعري بأي خصلة استحق بها الخلافة المعهودة؛ بصلاحه و علمه و زهده في نفسه أو بنشره و ترويجه معالم الإسلام، أو بحفظه و حراسته نفوس المسلمين و قد بلغت قتلاه ما بلغت، أو بعمارته و إحيائه الأرضين؟ فإذا كان تعيين الخلفاء المنصوصة بالميل و الجزاف لا بشواهد من الكتاب و السنّة، و سقط شرط التوالي فيما بينهم، فكان ينبغي أن يخرجوا هؤلاء الملعونين على لسان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و يجعلوا بدلهم من بني العبّاس خصوصا بعد ما رووا في حقّهم ما يقتضي ذلك.

و عن تاريخ الخلفاء للسيوطي عن الطبراني عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): رأيت بني مروان‏

____________

(1)- الحجرات: 11.

(2)- العمدة: 469 ح 987 و البداية و النهاية: 9/ 156.

(3)- البداية و النهاية لابن كثير: 9/ 156 ط. دار الاحياء.

(4)- الغدير: 10/ 52، و تاريخ الخلفاء: 220.

(5)- راجع الصراط المستقيم: 3/ 193.

236

يتعاورون على منبري فساءني ذلك، و رأيت بني العبّاس يتعاورون على منبري فسرّني ذلك‏ (1). فلا أقل من إخراج بني مروان منهم و عدّ بعض العبّاسيين الذين بالغوا في مدحهم و حسن سيرتهم و سياستهم، مثل المهتدي باللّه الذي هو في بني عبّاس كعمر بن عبد العزيز في بني امية، و أحمد الناصر الذي قال الذهبي: و لم يل الخلافة أحد أطول مدّة منه، فإنّه أقام فيها سبعة و أربعين سنة، و لم يزل مدّة حياته في عزّ و جلالة و قمع الأعداء و استظهار على الملوك، و لم يجد ضيما و لا خرج عليه خارجي إلّا قمعه، و لا مخالف إلّا دفعه، و كلّ من أضمر له سوءا رماه اللّه بالخذلان، و كان مع سعادة جدّه شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شي‏ء من أحوال رعيّته كبارهم و صغارهم‏ (2).

الوجه التاسع: أنّ مقتضى كلام هؤلاء المشايخ العظام انقضاء مدّة خلافة الخلفاء الاثني عشر المنصوصة بهلاك الثاني عشر منهم، و هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي قال السيوطي في تاريخه: كان فاسقا شاربا للخمر، منتهكا حرمات اللّه، أراد أن يشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه، و خرجوا عليه فقتل‏ (3).

و نقل عن تاريخ الخميس أنّه ولد لأخي أمّ سلمة ولد سمّوه الوليد، فقال (صلّى اللّه عليه و آله): سمّيتموه باسم فراعنتكم، ليكونن في هذه الامّة رجل يقال له الوليد لهو أشدّ لهذه الامّة من فرعون لقومه‏ (4).

و نقل في التاريخ المذكور عنه من كفرياته كثيرا، من ذلك أنّه دخل يوما فوجد ابنته جالسة مع دادتها فبرك عليها و أزال بكارتها. فقالت له الدادة: هذا دين المجوس فأنشد:

من راقب الناس مات غمّا* * * و فاز باللذة الجسور (5)

و أخذ يوما المصحف فأوّل ما طلع: وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (6) قال: أ تهدّدني، ثمّ أغلق المصحف، و لا زال يضربه بالنشاب حتّى مزّقه ثمّ أنشد:

أتوعد كلّ جبّار عنيد* * * فها أنا ذاك جبّار عنيد

____________

(1)- المعجم الكبير: 2/ 96.

(2)- تاريخ الخلفاء: 448 خلافة الناصر.

(3)- تاريخ الخلفاء للسيوطي: 250- 251.

(4)- مسند أحمد: 1/ 18، و مجمع الزوائد: 5/ 240 و تاريخ الخميس: 2/ 320.

(5)- تاريخ الخميس: 2/ 320 ذكر خلافة الوليد الزنديق بن يزيد.

(6)- إبراهيم: 15.

237

إذا لاقيت ربّك يوم حشر* * * فقل يا ربّ مزّقني الوليد (1)

و اذّن للصبح مرّة و عنده جارية يشرب الخمر معها فقام فوطئها و حلف لا يصلّي بالناس غيرها فخرجت و هي جنب سكرانة، فلبست ثيابه و تنكّرت و صلّت بالناس. و نكح أمّهات أولاد أبيه، انتهى‏ (2).

إلى غير ذلك من شنائع الأعمال المذكورة في التواريخ، و مع ذلك كيف يكون من الخلفاء الذين كان الدين في زمنهم عزيزا منيفا، و بمدتهم و هلاك آخرهم في سنة ست و عشرين و مائة صار الإسلام ذليلا و الدين مهينا و وقع الهرج و الفتن، مع أنّه خلاف الحس و الوجدان، فإن قوّة الدين و عزّه بعزّ حملته و نقلته و سدنته و كثرتهم، و عزّ من يرعاهم و يحرسهم و يعينهم.

و لا شكّ أنّ في دولة بني العبّاس إلى أن يرجع الأمر إلى سلاطين آل عثمان حماة الدين و حفظة الإسلام مل‏ء الآفاق من العلماء و الفقهاء و المحدّثين و الادباء و القرّاء الجامعين للسنن و الحافظين للقرآن، المؤلفين في العلوم الشرعية و المعالم الدينية بما لا يحصى عدّه، و هم مع ذلك فارغو البال من هموم تهيئة امور المعاش باهتمام ولاة الامور في إصلاح شئونهم و يدخلنهم شيعتهم، لا هتك بيت اللّه الحرام في عصرهم، و لا صلّت الجنب السكرانة بالناس في مسجد دار خلافتهم، و لا مزّق المصحف من نشاب خليفتهم، فأي عزّ كان في عصر بني امية فقد بعدهم، و أي ذلّ ورد على الدين الحنيف بعدهم أفظع و أشنع ممّا فعلوا. و من جميع ذلك يظهر أنّ ما ورد في الأخبار النبوية الشريفة من ذكر الخلفاء الاثني عشر بمعزل عمّا ذكروا و رجحوا و صححوا.

الوجه العاشر: ظاهر جملة من الأخبار و صريح بعضها أن بانقضاء الثاني عشر منهم ينقضي أمر الدين و تظهر علامات الساعة، و تقوم أشراط القيامة و يصير الهرج و ينخرم نظام الامور. فلا آمر و لا مأمور و لا إمام و لا مأموم: عن أنس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها (3).

____________

(1)- تاريخ الخميس: 2/ 32، و أمالي المرتضى: 90، و تفسير القرطبي: 9: 350.

(2)- تاريخ الخميس: 2/ 320 ذكر خلافته.

(3)- غيبة النعماني: 119.

238

و في نسخة ماجت‏ (1). و نظيره أخبار اخر.

و من تأمّل في هذه الأخبار و دوام قيام الدين و ظهوره و غلبته و سكون الأرض و قرارها بوجود الخلفاء الاثني عشر، و بانقضاء خاتمهم تقوم الساعة فيكون الثاني عشر هو المهدي (عليه السّلام) بالاتفاق، إذ هو الخليفة المنصوص الذي بانقضاء مدّته تظهر أعلام القيامة، بل ظهور وجوده المقدّس عدّ منها، فلو فرض خلو زمانه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى زمان ظهوره (عجّل اللّه فرجه) من خليفة منهم لزم عدم قيام الدين و ذلّته و اضطراب الأرض و ظهور الفتن و الهرج قبل انقضاء الاثني عشر؛ و هو خلاف صريح هذه الأخبار الصحيحة فيكون زمان وجودهم منطبقا على زمان رحلته إلى زمان ظهور أعلام الساعة.

____________

(1)- مقتضب الأثر: 4.

239

الفرع الحادي عشر في كراهية التوقيت و ظهوره بعد الإياس و النهي عن التسمية و وجوب القيام عند ذكر لقب القائم و فيه ثمرات:

الثمرة الاولى: في كراهيّة التوقيت‏

في الكافي عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: يا ثابت إنّ اللّه تبارك و تعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين (عليه السّلام) اشتد غضب اللّه على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين و مائة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، و لم يجعل اللّه بعد ذلك وقتا عندنا و يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ‏ (1) (2).

و فيه عن عبد الرّحمن بن كثير: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إذ دخل عليه مهزم فقال له:

جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟ فقال: يا مهزم كذب الوقّاتون و هلك المستعجلون و نجا المسلمون‏ (3).

و عن أبي بصير سألت الصادق (عليه السّلام) عن القائم (عليه السّلام) قال: أبى اللّه إلّا أن يخالف وقت الموقّتين‏ (4).

و فيه عن فضيل بن يسار: سألت أبا جعفر (عليه السّلام): أ لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، إنّ موسى لما خرج وافدا إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده اللّه على الثلاثين عشرا قال قومه: قد اخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به فقولوا صدق اللّه تؤجروا مرّتين‏ (5).

و فيه عن إبراهيم بن مهزم عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ذكرنا عنده ملوك آل بني‏

____________

(1)- الرعد: 39.

(2)- الكافي: 1/ 368 ح 1.

(3)- الكافي: 1/ 368 ح 2.

(4)- الكافي: 1/ 368 ح 4.

(5)- الكافي: 1/ 368 ح 5.

240

عباس فقال: إنّما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر- أي دولة الحق- إنّ اللّه لا يعجل لعجلة العباد، إنّ لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة و لم يستأخروا (1).

و في إثبات الهداة للحرّ العاملي (رحمه اللّه) في وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السّلام) قال: يا علي أعجب الناس إيمانا و أعظمهم يقينا قوم يكونون في آخر الزمان، لم يروا النبي، و حجب عنهم الحجّة فآمنوا بسواد على بياض‏ (2).

و في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر و خطب بخطبة ذكرها، يقول فيها: ألا إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه، و الذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة و لتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم، و ليسبقنّ سبّاقون كانوا قصروا، و ليقصرنّ سباقون كانوا سبقوا، و اللّه ما كتمت و سمة و لا كذبت كذبة، و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم‏ (3).

و فيه عن أبي يعفور: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب.

قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب؟ قال: نفر يسير. قلت: و اللّه إنّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير. قال: لأنه للناس أن يمحصوا و يميّزوا و يغربلوا، و يستخرج بالغربال خلق كثير (4).

و فيه عن منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يا منصور إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلّا بعد إياس، لا و اللّه حتى يميّزوا، و لا و اللّه حتى يمحصوا، و لا و اللّه حتى يشقى من يشقى و يسعد من يسعد (5).

و فيه عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السّلام)الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (6) ثمّ قال لي: ما الفتنة؟ قلت: جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدين.

فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثمّ قال: يخلصون كما يخلص الذهب‏ (7).

____________

(1)- الكافي: 1/ 369 ح 7.

(2)- من لا يحضره الفقيه: 4/ 466.

(3)- الكافي: 1/ 369 ح 1.

(4)- الكافي: 1/ 370 ح 2.

(5)- الكافي: 1/ 370 ح 3.

(6)- العنكبوت: 1- 2.

(7)- الكافي: 1/ 370 ح 4.

241

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إن حديثكم هذا لتشمئزّ منه قلوب الرجال فمن أقرّ به فزيدوه و من أنكره فذروه، إنّه لا بدّ من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة و وليجة حتّى يسقط فيها من يشق الشعر بشعرتين، حتى لا يبقى إلّا نحن و شيعتنا (1).

و فيه عن منصور الصيقل قال: كنت أنا و الحارث بن مغيرة و جماعة من أصحابنا جلوسا، و أبو عبد اللّه يسمع كلامنا فقال لنا: في أي شي‏ء أنتم؟ هيهات هيهات لا و اللّه لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتّى تغربلوا، لا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تمحّصوا، لا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا، لا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلّا بعد إياس، لا و اللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى يشقى من يشقى و يسعد من يسعد (2).

أقول: و الشاهد على كلامه (عليه السّلام) حكاية نوح في إكمال الدين عن جعفر بن محمد: لمّا أظهر اللّه نبوّة نوح و أيقن الشيعة بالفرج و اشتدّت البلوى و عظمت العزيمة، إلى أن آل الأمر إلى شدّة شديدة نالت الشيعة، و الوثوب على نوح بالضرب المبرح حتّى مكث (عليه السّلام) في بعض الأوقات مغشيا عليه ثلاثة أيّام، يجري الدم من اذنه ثمّ أفاق، و ذلك بعد ثلاثمائة سنة من مبعثه، و هو في خلال ذلك يدعوهم ليلا و نهارا فيهربون، و يدعوهم سرّا فلا يجيبون، و يدعوهم علانية فيولّون، فهمّ بعد ثلاثمائة سنة بالدعاء عليهم، و جلس بعد صلاة الفجر للدعاء فهبط إليه وفد من السماء السابعة و هم ثلاثة أملاك فسلّموا عليه ثمّ قالوا: يا نبي اللّه لنا حاجة. قال: و ما هي؟ قالوا: تؤخّر الدعاء على قومك فإنّها أوّل سطوة للّه عزّ و جلّ في الأرض. قال: أخّرت الدعاء عليهم ثلاثمائة سنة اخرى.

و عاد إليهم فصنع ما كان يصنع و يفعلون ما كانوا يفعلون حتّى انقضت ثلاثمائة سنة، و يئس من إيمانهم جلس وقت الضحى و النهار للدعاء فهبط إليه وفد من السماء السادسة و هم ثلاثة أملاك فسلّموا عليه فقالوا: نحن وفد من السماء السادسة خرجنا بكرة و جئناك ضحوة، ثمّ سألوه ما سأله وفد السماء السابعة، فأجابهم مثل ما أجاب اولئك إليه و عاد (عليه السّلام) إلى قومه يدعوهم فلا يزيدهم دعاؤه إلّا فرارا، حتّى انقضت ثلاثمائة سنة اخرى فتمّت تسعمائة سنة.

____________

(1)- الكافي: 1/ 370 ح 5.

(2)- الكافي: 1/ 370 ح 6.

242

فصارت إليه الشيعة و شكوا ما ينالهم من العامّة و الطواغيت، و سألوه الدعاء بالفرج فأجابهم إلى ذلك و صلّى و دعا فهبط جبرئيل فقال له: إنّ اللّه تبارك و تعالى أجاب دعوتك فقل للشيعة يأكلون التمر و يغرسون النوى و يراعونه حتّى يثمر فإذا أثمر خرجت عنهم، فحمد اللّه و أثنى عليه فعرّفهم ذلك فاستبشروا به، فأكلوا التمر و غرسوا النوى و راعوه حتّى أثمر، ثمّ صاروا إلى نوح بالثمر و سألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل اللّه عزّ و جلّ في ذلك فأوحى اللّه إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر و اغرسوا النوى فإذا أثمر فرجت عنكم، فلمّا ظنّوا أنّ الخلف قد وقع عليهم ارتدّ منهم الثلث و ثبت الثلثان، فأكلوا التمر و غرسوا النوى حتّى إذا أثمر أتوا به نوحا فأخبروه و سألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل اللّه عزّ و جلّ في ذلك فأوحى اللّه إليه: قل لهم: كلوا هذا الثمرة و اغرسوا النوى، فارتدّ الثلث الآخر و بقي الثلث، فأكلوا التمر و غرسوا النوى فلمّا أثمر أتوا به نوحا (عليه السّلام) فقالوا: لم يبق منّا إلّا القليل و نحن نتخوّف على أنفسنا بتأخّر الفرج أن نهلك، فصلّى نوح (عليه السّلام) فقال: يا ربّ لم يبق من أصحابي إلّا هذه العصابة، و إنّي أخاف عليهم الهلاك إن تأخّر عنهم الفرج، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه قد أجبت دعاءك فاصنع الفلك، و كان بين إجابة الدعاء و بين الطوفان خمسون سنة (1).

و في إثبات الهداة عن علي بن الحسين (عليهما السّلام) قال: إنّ للقائم (عجّل اللّه فرجه) منّا غيبتين إحداهما أطول من الاخرى- إلى أن قال: و أمّا الاخرى فيطول أمدها حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلّا من قوي يقينه و صحّت معرفته، و لم يجد في نفسه حرجا ممّا قضينا و سلّم لنا أهل البيت‏ (2).

و في العوالم: و الذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض و حتّى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين‏ (3).

و في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لتكسّرن تكسّر الزجاج و إنّ الزجاج ليعاد فيعود، و اللّه لتكسّرن تكسّر الفخار و إنّ الفخار ليتكسرن و لا يعود كما كان، و و اللّه لتغربلن و و اللّه لتميزن و و اللّه لتمحصن حتّى لا يبقى منكم إلّا الأقلّ، و صفر كفّه‏ (4).

____________

(1)- كمال الدين: 133 ح 2 باب 2.

(2)- إثبات الهداة: 3/ 467 ح 128 باب 32، و كمال الدين: 324.

(3)- غيبة النعماني: 26.

(4)- غيبة النعماني: 208 ح 13 باب 12.

243

فتبيّنوا يا معشر الشيعة هذه الأحاديث المروية عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) و من بعده الأئمّة و احذروا ما حذروكم و تأمّلوا ما جاء عنهم تأمّلا شافيا و تفكّروا فيه تفكّرا، فلو لم يكن في التحذير شي‏ء أبلغ من قولهم: إنّ الرجل يصبح على شريعة من أمرنا و يمسي و قد خرج منها، و يمسي على شريعة من أمرنا و يصبح و قد خرج منها، أ ليس هذا دليلا على خروج من نظام الإمامة و ترك ما كان يعتقد منها إلى بنيّات الطريق؟ و في قوله (عليه السّلام): و اللّه لتكسّرن تكسّر الزجاج، و إنّ الزجاج ليعاد فيعود كما كان، و اللّه لتكسّرن تكسّر الفخار فإنّ الفخار ليكسّر فلا يعود كما كان، فضرب ذلك مثلا لمن يكون على مذهب الإمامية فيعدل عنه إلى غيره بالفتنة التي تعرض له، ثمّ تلحقه السعادة بنظرة من اللّه فيتبيّن ظلمة ما دخل فيه و صفيّ ما خرج منه، فيبادر قبل موته بالتوبة و الرجوع إلى الحقّ، فيتوب اللّه عليه و يعيده إلى حاله في الهدى، كالزجاج الذي يعاد بعد تكسيره فيعود كما كان. و لمن يكون على هذا الأمر فيخرج عنه و يتمّ على الشقاء بأن يدركه الموت و هو على ما هو عليه غير تائب منه، [و غير] عائد إلى الحقّ فيكون مثله كمثل الفخار الذي يكسر فلا يعاد إلى حاله؛ لأنّه لا توبة له بعد الموت و لا في ساعته. نسأل اللّه الثبات على ما منّ به علينا و أن يزيد في إحسانه إلينا فإنّما نحن له و منه.

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): لتمحصن يا شيعة آل محمّد تمحيص الكحل في العين، و إنّ صاحب الكحل يدري متى ما يقع الكحل في عينه، و لا يعلم متى يخرج منها، و كذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا و يمسي و قد خرج منها، و يمسي على شريعة من أمرنا و يصبح و قد خرج منها (1).

و فيه عن إبراهيم بن هليل قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): جعلت فداك مات أبي على هذا الأمر و قد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت و لا تخبرني بشي‏ء، فقال: يا أبا إسحاق أنت تعجل.

فقلت: إي و اللّه أعجل، و ما لي لا أعجل و قد بلغت أنا من السن ما قد ترى؟ قال: أما و اللّه يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا و تمحّصوا و حتى لا يبقى منكم إلّا الأقل ثمّ صفر كفّه‏ (2).

و فيه عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام): و اللّه لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتّى تمحّصوا

____________

(1)- غيبة النعماني: 206 ح 12 باب 12.

(2)- غيبة النعماني: 208 ح 14 باب 12.

244

و تميّزوا و حتّى لا يبقى منكم إلّا الأندر (1).

و في إثبات الهداة للشيخ الحرّ العاملي عامله اللّه بالخير عن الرضا (عليه السّلام) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): و الذي بعثني بالحقّ بشيرا ليغيبنّ القائم من ولدي بعهد معهود إليه منّي حتّى يقول أكثر الناس: ما للّه في آل محمّد حاجة، و يشكّ آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسّك بدينه و لا يجعل للشيطان عليه سبيلا بشكّه فيزيله عن ملّتي و يخرجه عن ديني، فقد أخرج أبويكم من الجنّة من قبل، و إنّ اللّه عزّ و جلّ جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون‏ (2).

في العوالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أما إنّه لو قد قام لقال الناس: أنّى يكون هذا و قد بليت عظامه، هذا كذا و كذا (3).

و في الغيبة النعمانية عن أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: كونوا كالنحل في الطير، ليس شي‏ء من الطير إلّا و هو يستضعفها، و لو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك، خالطوا الناس بألسنتكم و أبدانكم و زايلوهم بقلوبكم و أعمالكم، فو الذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض، و حتّى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين و حتّى لا يبقى منكم- أو قال: من شيعتي- إلّا كالكحل في العين و الملح في الطعام، و سأضرب لكم مثلا و هو مثل رجل كان له طعام فنقّاه و طيّبه ثمّ أدخله بيتا و تركه فيه ما شاء اللّه، ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس فأخرجه و نقاه و طيّبه ثمّ أعاده إلى البيت فتركه ما شاء اللّه، ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس فأخرجه و نقّاه و طيّبه و أعاده، و لم يزل كذلك حتّى بقيت رزمة كرزمة الأندر، لا يضرّه السوس شيئا، و كذلك أنتم تميّزون حتّى لا يبقى منكم إلّا عصابة لا تضرّها الفتنة شيئا (4).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: لو قد قام القائم لأنكره الناس؛ لأنّه يرجع إليهم شابّا موفقا، لا يثبت عليه إلّا مؤمن قد أخذ اللّه ميثاقه في الذرّ الأوّل‏ (5).

و في هذا الحديث عبرة للمعتبر و ذكرى للمتذكّر المتبصّر و هو قوله: يخرج إليهم شابّا

____________

(1)- غيبة النعماني: 208 ح 15 باب 12.

(2)- كمال الدين: 51، و إثبات الهداة: 3/ 459 ح 97.

(3)- كمال الدين: 326.

(4)- غيبة النعماني: 21.

(5)- غيبة النعماني: 212 ح 20 باب 12.

245

موفقا لا يثبت عليه إلّا مؤمن قد أخذ اللّه ميثاقه في الذرّ الأوّل. فهل يدلّ هذا إلّا على أنّ الناس يستبعدون مدّة العمر، و يستطيلون المدى في ظهوره و ينكرون تأخّره و ييأسون منه، فيطيرون يمينا و شمالا كما قالوا: تتفرّق بهم المذاهب و تنشعب لهم طرق الفتن، و يغترّون بلمع السراب من كلام المفتونين، فإذا ظهر بعد السنّ الذي يوجب مثلها فيمن بلغه الشيخوخة و الكبر و حنوّ الظهر و ضعف القوى، شابّا موفقا أنكره من كان في قلبه مرض و ثبت عليه من سبقت له من اللّه الحسنى، بما وفّقه اللّه إليه و قدّمه إليه من العلم بحاله و أوصله إلى هذه الروايات من قول الصادقين (عليهم السّلام) فصدقها و عمل بها، و تقدّم علمه بما يأتي من أمر اللّه و تدبيره فارتقبه غير شاكّ و لا مرتاب و لا متحيّر و لا مغترّ بزخارف إبليس و أشياعه؟

و الحمد للّه الذي جعلنا ممّن أحسن إليه و أنعم عليه، و أوصله من العلم إلى ما لا يوصل إليه غيره إيجابا للمنّة و اختصاصا بالموهبة، حمدا يكون لنعمه كفاء و لحقه أداء (1).

و في البحار عن محمد بن الحنفية في حديث: إنّ لبني فلان ملكا مؤجّلا حتّى إذا أمنوا و اطمأنوا، و ظنّوا أنّ ملكهم لا يزول صيح فيهم صيحة فلم يبق لهم راع يجمعهم و لا داع يسمعهم و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ‏ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (2) قلت: جعلت فداك هل لذلك وقت؟ قال: لا، لأنّ علم اللّه غلب علم الموقّتين، إنّ اللّه وعد موسى ثلاثين ليلة و أتمّها بعشر لم يعلمها موسى و لم يعلمها بنو إسرائيل، فلمّا جاز الوقت قالوا: غرّنا موسى فعبدوا العجل، و لكن إذا كثرت الحاجة و الفاقة في الناس و أنكر بعضهم بعضا فعند ذلك توقّعوا أمر اللّه صباحا و مساء (3).

و فيه عن مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أما و اللّه ليغيبنّ إمامكم سنينا من دهركم، و ليمحصن حتّى يقال: مات أو قتل و هلك، بأيّ واد سلك؟ و لتدمعن عليه عيون المؤمنين و لتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلّا من أخذ اللّه ميثاقه و كتب في قلبه الإيمان و أيّده بروح منه و لترفعنّ اثنا عشر راية مشتبهة لا يدرى أي من أي. قال: فبكيت ثمّ‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 212 ح 20 باب 12.

(2)- سورة يونس: 24.

(3)- البحار: 52/ 104 و غيبة الطوسي: 427.

246

قلت: فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة قال: يا أبا عبد اللّه ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم، فقال: و اللّه لأمرنا أبين من هذه الشمس‏ (1).

و فيه عن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، قلت: فلم؟

قال: يخاف، و أومى بيده- يعني القتل- إلى بطنه، ثمّ قال: يا زرارة و هو المنتظر و هو الذي يشكّ في ولادته منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، و منهم من يقول: حمل، و منهم من يقول: إنّه ولد قبل موت أبيه بسنتين و هو المنتظر، غير أنّ اللّه يحبّ أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شي‏ء أعمل؟

قال: يا زرارة إذا أدركت ذلك الزمان فادع بهذا الدعاء: اللهمّ عرّفني نفسك فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللهمّ عرفني رسولك فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللهمّ عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني، ثمّ قال (عليه السّلام): يا زرارة لا بدّ من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك أ ليس يقتله جيش السفياني؟ قال: لا، و لكن يقتله جيش آل بني فلان، أي بني الحسن، يجي‏ء حتّى يدخل المدينة فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغيا و عدوانا و ظلما لا يمهلون فعند ذلك توقّع الفرج إن شاء اللّه‏ (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم- أي موسم الحج- فيراهم و لا يرونه‏ (3).

عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السّلام) فوجدته متفكّرا ينكت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكّرا تنكت في الأرض، رغبة منك فيها؟ فقال: لا و اللّه ما رغبت فيها و لا في الدنيا يوما قط، و لكن فكّرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما، يكون له غيبة و حيرة، تضلّ فيها أقوام و يهتدي فيها آخرون. فقلت: يا أمير المؤمنين و كم تكون الحيرة و الغيبة؟ قال: ستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ست سنين، فقلت: و إنّ هذا لكائن؟ قال: نعم، كما أنّه مخلوق، و أنّى لك بهذا الأمر يا أصبغ؟ اولئك خيار هذه الأمّة مع خيار أبرار هذه العترة.

فقلت: ثمّ ما يكون بعد ذلك؟ فقال: ثمّ يفعل اللّه ما يشاء فإنّ له بداءات و إرادات و غايات‏

____________

(1)- الكافي: 1/ 336 ح 3، و البحار: 52/ 281 ح 9.

(2)- البحار: 52/ 146 ح 70 و الكافي: 1/ 337 ح 5.

(3)- كمال الدين: 351 ح 48.

247

و نهايات‏ (1).

يمكن أن يكون المراد أنّ آحاد مدّة الغيبة هذا القدر، و كان ظهوره في السابع سواء كان مع العشرات أو المئات أو الالوف، و يمكن أن يكون المراد هذا القدر محتوما، و ربّما يزيده اللّه تعالى بالبداء و يمكن أن يكون هذا القدر الذي قدره اللّه تعالى للغيبة الصغرى.

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة و الاخرى طويلة، و الاولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة شيعته، و الاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصة مواليه‏ (2).

و فيه عنه (عليه السّلام): لصاحب هذا الأمر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله و الاخرى يقال:

هلك، في أيّ واد سلك؟ قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادّعاها مدّع فاسألوه عن أشياء يخيب فيها مثله‏ (3).

و فيه عن أبي حمزة: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقلت: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال:

لا، فقلت: فولدك؟ فقال: لا، فقلت له: فولد ولدك هو؟ فقال: لا. فقلت: فولد ولد ولدك؟

فقال: لا. فقلت: من هو؟ قال: الذي يملأها عدلا كما ملئت ظلما و جورا على فترة من الأئمّة، إنّ رسول اللّه بعث على فترة من الرسل‏ (4).

في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سأل نوح ربّه أن ينزل على قومه العذاب، فأوحى اللّه إليه أن يغرس نواة من النخل فإذا بلغت و أثمرت و أكل منها أهلك قومه و أنزل عليهم العذاب، فغرس نوح النواة و أخبر أصحابه بذلك فلما بلغت النخلة و أثمرت و اجتنى نوح منها و أكل و أطعم أصحابه قالوا له: يا نبي اللّه، الوعد الذي وعدتنا، فدعا نوح ربّه و سأل الوعد الذي وعده فأوحى إليه أن يعيد الغرس ثانية حتّى إذا بلغ النخل و أثمر و أكل منه أنزل عليهم العذاب، فأخبر نوح أصحابه بذلك فصاروا ثلاث فرق: فرقة ارتدت و فرقة نافقت و فرقة ثبتت، ففعل نوح، حتّى إذا بلغت النخلة و أثمرت و أكل منها و أطعم أصحابه قالوا: يا نبي اللّه، الوعد الذي وعدتنا، فدعا نوح ربّه فأوحى اللّه إليه أن يغرس ثالثة فإذا بلغ و أثمر أهلك قومه فأخبر أصحابه، فافترقت الفرقتان ثلاث فرق: فرقة ارتدّت و فرقة نافقت و فرقة

____________

(1)- الكافي: 1/ 338 ح 7، و البحار: 51/ 134 ح 1.

(2)- البحار: 53/ 324 و الكافي: 1/ 340 ح 19.

(3)- البحار: 53/ 324 و: 50/ 21 ح 7 و الكافي: 1/ 340 ح 20.

(4)- الكافي: 1/ 341، البحار: 51/ 39 ح 19.

248

ثبتت معه، حتّى فعل ذلك نوح (عليه السّلام) عشر مرّات، و فعل اللّه ذلك بأصحابه الذين يبقون معه فيفترقون كلّ فرقة ثلاث فرق على ذلك، فلمّا كان في العاشرة جاء إليه رجال من أصحابه الخلّص المؤمنين فقالوا: يا نبي اللّه فعلت بنا ما وعدت أو لم تفعل فأنت صادق نبي مرسل لا نشكّ فيك، و لو فعلت ذلك بنا. قال: فعند ذلك أهلكهم اللّه لقول نوح، و أدخل الخاص معه في السفينة فنجّاهم اللّه تعالى و نجّى نوحا معهم بعد ما صفّوا و هذّبوا و ذهب الكدر منهم‏ (1).

و فيه عن سليمان بن صالح رفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السّلام) قال: إنّ حديثكم هذا لتشمئزّ منه قلوب الرجال فانبذوه إليهم نبذا، فمن أقرّ به فزيدوه و من أنكره فذروه، إنّه لا بدّ أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة و وليجة حتّى يسقط من يشقّ الشعرة بشعرتين حتّى لا يبقى إلّا نحن و شيعتنا (2).

و فيه أنّه دخل على أبي عبد اللّه بعض أصحابه فقال له: جعلت فداك، إنّي و اللّه احبّك و احبّ من يحبّك يا سيدي ما أكثر شيعتكم. فقال (عليه السّلام): اذكرهم؟ فقال: كثير. فقال: تحصيهم؟

فقال: هم أكثر من ذلك. فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): أما لو كملت العدّة الموصوفة ثلاثمائة و بضعة عشر كان الذي تريدون، و لكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه و لا شجاؤه‏ (3)، و لا يمدح بنا غاليا و لا يخاصم بنا واليا و لا يجالس لنا عائبا و لا يحدث لنا ثالبا و لا يحبّ لنا مبغضا و لا يبغض لنا محبّا. فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنّهم يتشيّعون؟

فقال: فيهم التمييز و فيهم التمحيص و فيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم و سيف يقتلهم و اختلاف يبددهم، إنّما شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب و لا يطمع طمع الغراب و لا يسأل الناس بكفّه و إن مات جوعا. قلت: جعلت فداك، فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: اطلبهم في أطراف الأرض، اولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا و إن غابوا لم يفتقدوا، و إن مرضوا لم يعادوا و إن خطبوا لم يزوّجوا و إن ماتوا لم يشهدوا، اولئك الذين في أموالهم يتواسون و في قبورهم يتزاورون، و لا تختلف أهواؤهم و إن اختلفت بهم البلدان‏ (4).

____________

(1)- غيبة النعماني: 286 ح 6 باب 15.

(2)- غيبة النعماني: 202 ح 3 باب 12.

(3)- في نسخة ثانية: شحناؤه.

(4)- غيبة النعماني: 203 ح 4 باب 12.

249

الثمرة الثانية في القيام عند ذكر لقب القائم (عليه السّلام)

عن تنزيه الخواطر: سئل الصادق (عليه السّلام) عن سبب القيام عند ذكر لفظ القائم من ألقاب الحجّة. قال: لأنّ له غيبة طولانية، و من شدّة الرأفة إلى أحبّته ينظر إلى كلّ من يذكره بهذا اللقب المشعر بدولته و الحسرة بغربته، و من تعظيمه أن يقوم العبد الخاضع لصاحبه عند نظر المولى الجليل إليه بعينه الشريفة، فليقم و ليطلب من اللّه جل ذكره تعجيل فرجه.

و روي أيضا عن الرضا (عليه السّلام) في مجلسه بخراسان أنّه قام عند ذكر لفظة القائم، و وضع يديه على رأسه الشريف و قال: اللهمّ عجّل فرجه و سهّل مخرجه. و ذكر من خصائص دولته‏ (1).

ذكر المحدّث النوري طاب ثراه في كتابه النجم الثاقب ما ترجمته بالعربية: هذا القيام و التعظيم خصوصا عند ذكر ذلك اللقب المخصوص سيرة تمام أبناء الشيعة في كل البلاد من العرب و العجم و الترك و الهند و الديلم و غيرها، بل و عند أبناء أهل السنّة و الجماعة أيضا (2).

و عن العالم المتبحّر الجليل السيّد عبد اللّه سبط المرحوم العلّامة الجزائري في بعض تصانيفه أنّه رأى هذه الرواية المنسوبة إلى الصادق (عليه السّلام)، و عند أهل السنّة هذه السنّة جارية (3). و روى أنّه اجتمع عند الإمام السبكي جمع من علماء عصره فإذا قرأ أحد الشعراء:

قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب‏* * * على ورق من خط أحسن من كتب‏

و أن نهض‏ (4)الأشراف عند سماعه‏* * * قياما صفوفا أو جثيّا على الركب‏

____________

(1)- لم أجد هذا الكتاب و لا الرواية في المصادر المتوفّرة.

(2)- النجم الثاقب: 605 باب 9، و النسخة الفارسية.

(3)- النجم الثاقب: 605.

(4)- في النجم الثاقب: تنهض.

250

فإذا قاموا كلّهم تعظيما (1).

و في علل الشرائع: سئل الباقر (عليه السّلام): يا بن رسول اللّه أ فلستم كلّكم قائمين بالحقّ؟ قال: بلى.

قيل: فلم سمّي القائم قائما؟ قال: لمّا قتل جدّي الحسين ضجّت الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ بالبكاء و النحيب قالوا: إلهنا و سيّدنا أ تغفل عمّن قتل صفوتك و ابن صفوتك و خيرتك من خلقك؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليهم: قرّوا ملائكتي، فو عزّتي و جلالي لأنتقمنّ منهم و لو بعد حين، ثمّ كشف اللّه عزّ و جلّ عن الأئمّة من ولد الحسين للملائكة فسرّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلّي فقال اللّه عزّ و جلّ: بذلك القائم أنتقم منهم‏ (2).

____________

(1)- النجم الثاقب: 606.

(2)- علل الشرائع: 160 باب العلّة التي سمّي علي أمير المؤمنين باب 129 ح 1.

251

الثمرة الثالثة في النهي عن التسمية

في الكافي عن أبي الحسن العسكري (عليه السّلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: و لم جعلني اللّه فداك؟ قال: إنّكم لا ترون شخصه و لا يحلّ لكم ذكره باسمه. فقلت: و كيف نذكره؟ فقال: قولوا الحجّة من آل محمّد (1).

و فيه عن أبي عبد اللّه الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضيّ أبي محمد أن أسأل عن الاسم و المكان، فخرج الجواب: إن دللتهم على الاسم أذاعوه و إن عرفوا المكان دلّوا عليه‏ (2).

و فيه سئل الرضا (عليه السّلام) عن القائم فقال: لا يرى جسمه و لا يسمّى اسمه‏ (3).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافر (4).

و فيه عن محمد بن عثمان العمري قدّس روحه: خرج توقيع بخط أعرفه: من سمّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة اللّه‏ (5).

و في البحار: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس‏ (6).

و فيه عن موسى بن جعفر (عليه السّلام) أنّه قال عند ذكر القائم (عجّل اللّه فرجه): يخفى على الناس ولادته، و لا تحلّ لهم تسميته حتّى يظهره اللّه عزّ و جلّ فيملأ به الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما (7).

____________

(1)- الكافي: 1/ 328 ح 3.

(2)- الكافي: 1/ 333 ح 2.

(3)- الكافي: 1/ 333 ح 3.

(4)- الكافي: 1/ 333 ح 4.

(5)- اعلام الورى: 423 باب 3 فصل 3.

(6)- وسائل الشيعة: 11/ 488 باب 33 ح 12 و البحار: 51/ 33.

(7)- البحار: 51/ 32 ح 5.

252

الغصن الرابع في إمكان الغيبة و عدم استبعادها و من اتّفقت لهم الغيبة من الأنبياء و الأولياء و الأوصياء و ذكر جمع من المعمّرين مشتمل على فرعين:

الفرع الأوّل في إمكان الغيبة و من اتّفقت لهم‏

الأوّل: إدريس النبي (عليه السّلام)، فقد غاب عن شيعته حتّى آل الأمر إلى أن تعذّر عليهم القوت، و قتل الجبّار من قتل منهم و أفقر و أخاف باقيهم، ثمّ ظهر فوعد شيعته بالفرج و بقيام القائم من ولده و هو نوح، ثمّ رفع اللّه عزّ و جلّ إدريس فلم تزل الشيعة يتوقّعون قيام نوح قرنا بعد قرن و خلفا عن سلف، صابرين من الطواغيت على العذاب المهين حتّى ظهرت نبوّة نوح‏ (1).

الثاني: صالح (عليه السّلام) فقد غاب عن قومه زمانا و كان يوم غاب عنهم كهلا، فلمّا رجع إليهم لم يعرفوه من طول المدّة (2).

الثالث: إبراهيم (عليه السّلام) فإنّ غيبته تشبه غيبة مولانا القائم (عليه السّلام)، لأنّ اللّه سبحانه قد غيّب أثر إبراهيم و هو في بطن أمّه حتّى حوّله عزّ و جلّ بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثمّ أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله، و ذلك أنّ منجم نمرود أخبره بأنّ مولودا يولد في أرضنا فيكون هلاكنا على يده و كان فيما اوتي المنجم من العلم: سيحرق بالنار و لم يكن اوتي أنّ اللّه سينجيه، فحجب النساء عن الرجال، فلمّا حملت أمّ إبراهيم به بعث القوابل إليها فلم يعرفن شيئا من الحمل، فلمّا ولد ذهبت به أمّه إلى غار ثمّ وضعته و جعلت على الباب‏

____________

(1)- راجع كمال الدين: 127.

(2)- كمال الدين: 136 غيبة صالح.

253

صخرة ثمّ انصرفت عنه، فجعل اللّه عزّ و جلّ رزقه في إبهامه فجعل يمصّها و يشرب لبنا، و جعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة، فجعل يكبر في الغار و يشبّ حتّى قام بأمر اللّه تعالى. و قد غاب غيبة اخرى سار فيها في البلاد بعد نجاته من النار. و نقل أنّه كانت له غيبة اخرى حين هاجر إلى الشام.

و كذا ورد أنّ لموسى غيبة اخرى في التيه. و غيبة يونس بن متى حين التقطه الحوت.

و كذا غاب سليمان حين أخذ الماء خاتمه. و نقل بعض أهل التواريخ أنّ مريم هربت بعيسى عن اليهود إلى مصر اثنتي عشرة سنة. (1).

و في نهج المحجّة روي عن الصادق (عليه السّلام): غيبة إلياس في الجبل عن الملك أجب سبع سنين إلى أن رفعه اللّه إليه و استخلف اليسع على بني إسرائيل‏ (2).

الرابع: غيبة يوسف (عليه السّلام) فإنّها كانت عشرين سنة، و كان هو بمصر و يعقوب (عليه السّلام) بفلسطين و بينهما مسيرة تسعة أيّام فاختلفت الأحوال عليه في غيبته حتّى إنّه روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قدم أعرابي على يوسف يشتري منه طعاما فباعه فلمّا فرغ قال له يوسف: أين منزلك؟

قال: بموضع كذا. فقال له: إذا مررت بوادي كذا و كذا فقف فناد: يا يعقوب يا يعقوب، فإنّه سيخرج إليك رجل عظيم جميل جسيم و سيم فقل له: رأيت رجلا بمصر و هو يقرئك السلام و يقول لك: إنّ وديعتك عند اللّه عزّ و جلّ لن تضيع. قال: فمضى الأعرابي حتّى انتهى إلى الموضع فقال لغلمانه: احفظوا عليّ الإبل ثمّ نادى: يا يعقوب يا يعقوب، فخرج إليه رجل أعمى طويل جميل يتّقي الحائط بيده حتّى أقبل فقال الرجل: أنت يعقوب؟ فقال:

نعم، فأبلغه ما قال يوسف، فسقط مغشيا عليه ثمّ أفاق فقال: يا أعرابي أ لك حاجة إلى اللّه تعالى عزّ و جلّ؟ فقال: نعم، إنّي رجل كثير المال ولي بنت عمّ و ليس لي ولد منها فاحبّ أن تدعوا اللّه عزّ و جلّ يرزقني ولدا، فتوضّأ يعقوب و صلّى ركعتين ثمّ دعا اللّه عزّ و جلّ فرزقه اللّه أربعة أبطن أو قال: ستّة أبطن في كلّ بطن ابنان. و كان يعقوب يعلم أنّ يوسف حيّ لا يموت و أنّ اللّه تعالى ذكره سيظهره له بعد غيبته.

و الدليل عليه: أنّه لمّا رجع إليه بنوه يبكون قال لهم: يا بني ما لكم تبكون و تدعون بالويل‏

____________

(1)- كمال الدين: 137.

(2)- غيبة إلياس راجع منار الهدى: 632.

254

و الثبور؟ و ما لي لا أرى فيكم حبيبي يوسف؟ قالوا: يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب و ما أنت بمؤمن لنا و لو كنّا صادقين، و هذا قميصه قد أتيناك به. قال: ألقوه إلي، فألقوه على وجهه فخرّ مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قال لهم: يا بنيّ أ لستم تزعمون أنّ الذئب أكل حبيبي يوسف؟ قالوا: نعم، قال: ما لي لا أشمّ ريح لحمه و ما لي أراه صحيحا، هبوا أنّ القميص انكشف من أسفله، أ رأيتم ما كان في منكبه و عنقه كيف خلص عنه الذئب من غير أن يخرقه؟ إنّ هذا الذئب مكذوب عليه، و إنّ ابني لمظلوم، بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل و اللّه المستعان على ما تصفون، فتولّى عنهم ليلتهم تلك لا يكلّمهم و أقبل يرثي يوسف و يقول: حبيبي يوسف الذي كنت أؤثره على جميع أولادي فاختلس منّي، حبيبي يوسف الذي كنت أرجوه من بين أولادي، فاختلس منّي، حبيبي يوسف الذي كنت أوسده يميني و أدثّره بشمالي، فاختلس منّي، حبيبي يوسف الذي كنت أؤمن به وحشتي و أصل به وحدتي، فاختلس منّي، حبيبي يوسف، ليت شعري في أيّ الجبال طرحوك؟ أو في أيّ البحار أغرقوك؟ حبيبي يوسف ليتني كنت معك فيصيبني الذي أصابك‏ (1).

و قال الصادق (عليه السّلام): قال يعقوب (عليه السّلام) لملك الموت: الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟

فقال: بل متفرّقة. فقال: هل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟ قال: لا.

فعند ذلك قال لبنيه‏ (2): يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ‏ (3).

فحال العارفين في وقتنا هذا بصاحب الزمان حال يعقوب في معرفته بيوسف و غيبته، و حال الجاهلين به و بغيبته و المعاندين في أمره حال اخوة يوسف الذين من جهلهم بأمر يوسف و غيبته قالوا لأبيهم يعقوب‏ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ‏ (4).

الخامس: غيبة موسى فقد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته و أهل بيته، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ حدّثهم شدّة تنالهم، يقتل فيها الرجال و تشقّ فيها بطون الحبالى و تذبح الأطفال حتّى يظهر الحقّ من ولد لاوي بن يعقوب، و هو رجل أسمر طويل، و نعته لهم بنعته، فتمسّكوا بذلك، و وقعت الغيبة و الشدّة على بني إسرائيل و هم منتظرون‏

____________

(1)- كمال الدين: 141.

(2)- روضة الكافي: 8/ 199.

(3)- يوسف: 87.

(4)- يوسف: 95.

255

قيام القائم أربعمائة سنة حتّى إذا بشّروا بولادته و رأوا علامات ظهوره و اشتدّت البلوى عليهم و حمل عليهم بالحجارة و الخشب، و طلب الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، فراسلوه و قالوا: كنّا مع الشدّة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى بعض الصحاري و جعل يحدّثهم حديث القائم و نعته و قرب الأمر و كانت له فترة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى، و كان في ذلك الوقت حدث السنّ، و خرج من عند فرعون يظهر النزهة فعدل عن موكبه و أقبل إليهم و تحته بغلة و عليه طيلسان خزّ، فلمّا رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه و أكبّ على قدمه ثمّ قال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتّى رأيتك، فلمّا رأى الشيعة ذلك علموا أنّه صاحبهم فأكبّوا على الأرض شكرا للّه عزّ و جلّ، فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجّل اللّه فرجكم، ثمّ غاب بعد ذلك و خرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام، فكانت الغيبة الثانية أشدّ من الأولى، و كانت نيفا و خمسين سنة، اشتدّت البلوى عليهم و استتر الفقيه، فبعثوا إليه بأنّه لا صبر لنا على استتارك عنّا، فخرج إلى بعض الصحاري و استدعاهم و طيّب نفوسهم و أعلمهم أنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إليه أنّه مفرّج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجمعهم: الحمد للّه. فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: قل لهم قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد للّه.

فقالوا: كلّ نعمة من اللّه، فأوحى اللّه: قد جعلتها عشرين سنة. فقالوا: لا يأتي بالخير إلّا اللّه، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: قل لهم لا يرجعوا، فقد أذنت في فرجهم، فبينما هم كذلك إذ طلع موسى راكبا حمارا فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، و جاء موسى حتّى وقف عليهم فسلّم فقال الفقيه: ما اسمك؟ قال: موسى، فقال: ابن من؟ فقال: ابن عمران.

قال: ابن من؟ قال: ابن قاهب بن لاوي بن يعقوب. قال: بما ذا جئت؟ قال: بالرسالة من عند اللّه عزّ و جلّ. فقام إليه فقبّل يده ثمّ جلس بينهم و طيّب نفوسهم ثمّ أمرهم ثمّ فرّقهم، و كان بين ذلك الوقت و بين فرجهم لغرق فرعون لعنه اللّه أربعون سنة (1).

السادس: غيبة أوصياء موسى: أوّلهم يوشع بن نون فإنّه قام بالأمر بعد موته صابرا من طواغيت زمانه على الجهد و البلاء حتّى مضى منه ثلاث طواغيت فقوي بعدهم أمره،

____________

(1)- كمال الدين: 145.

256

فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى في مائة ألف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة و هزم الباقين بإذن اللّه تعالى، و أسر صفراء بنت شعيب ثمّ قال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن تلقي نبي اللّه موسى فأشكو ما لقيت منك و من قومك. فقالت صفراء: وا ويلاه و اللّه لو ابيحت لي الجنّة لاستحييت أن أرى فيها رسول اللّه و قد هتك حجابه علي و خرجت على وصيّه بعده‏ (1).

و اعلم أنّه قد وقع مثل هذا في هذه الامّة حذو النعل بالنعل، فإنّ وصي نبي هذه الامّة إنّما استقلّ بالأمر بعد مضي الثلاثة، و لمّا استقل خرجت عليه اخت صفيراء- و هي حميراء- أخرجها المنافقان إلى أن أسرها علي (عليه السّلام) في حرب البصرة، و لكن الفرق بين الامرأتين أنّ الاولى ندمت على ما فعلته و الثانية لم تندم.

ثمّ إنّ الأئمّة قد استتروا بعد يوشع إلى زمان داود أربعمائة سنة و كانوا أحد عشر، فكان قوم كلّ واحد منهم يختلفون إليهم و يأخذون معالم دينهم حتّى انتهى الأمر إلى آخرهم، فغاب عنهم ثمّ ظهر و بشّرهم بداود و أخبرهم أنّ داود هو الذي يأخذ الملك من جالوت و جنوده، و يكون فرجهم في ظهوره و كانوا ينتظرونه، فلمّا كان زمان داود كان له أربعة اخوة، و كان لهم أب شيخ كبير، و كان داود من بينهم خامل الذكر و هو أصغرهم، فخرجوا إلى قتال جالوت و خلفوا داود يرعى الغنم تحقيرا لشأنه فلمّا اشتدّت الحرب و أصاب الناس جهد رجع أبوه و قال لداود (عليه السّلام): احمل إلى إخوتك طعاما، فخرج داود و القوم متقاربون فمرّ داود على حجر فناداه: يا داود خذني و اقتل بي جالوت فإنّي خلقت لقتله، فأخذه و وضعه في مخلاته التي كانت فيها حجارته التي يرعى بها غنمه، فلمّا دخل العسكر رآهم يعظمون أمر جالوت فقال: تعظمون من أمره فو اللّه لئن أتيته لأقتلنّه، فأدخلوه على طالوت فقال له: يا بني ما عندك من القوّة؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه و أفكّ لحييه عن الشاة و اخلّصها من فيه، و كان أوحى اللّه إلى طالوت أنّه لا يقتل جالوت إلّا من لبس درعك فملأها، فدعا بدرعه فلبسها داود فاستوى عليه فراع ذلك طالوت و من حضره من بني إسرائيل، فلمّا أصبحوا و التقى الناس قال داود (عليه السّلام): أروني جالوت، فلمّا رآه أخذ الحجر

____________

(1)- راجع كمال الدين: 26.

257

فرماه فصك بين عينيه و قتله و قال الناس: قتل داود (عليه السّلام) جالوت، فاجتمعت عليه بنو إسرائيل و أنزل اللّه عليه الزبور و ليّن له الحديد و أمر الجبال و الطير أن تسبّح معه، و أعطاه صوتا لم يسمع بمثله حسنا و أقام في بني إسرائيل نبيّا (1).

و هكذا يكون سبيل القائم (عجّل اللّه فرجه) فإنّ له سيفا مغمدا، إذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده و أنطقه اللّه عزّ و جلّ فناداه السيف: اخرج يا ولي اللّه فلا يحلّ لك أن تقعد عن أعداء اللّه، فيخرج فيقتلهم.

ثمّ إنّ داود أراد أن يستخلف سليمان لأنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إليه يأمره بذلك، فلمّا أخبر بني إسرائيل ضجّوا من ذلك و قالوا: تستخلف علينا حدثا و فينا من هو أكبر منه، فدعا أسباط بني إسرائيل و قال لهم: قد بلغتني مقالتكم فأروني عصيّكم فأيّ عصا أثمرت فصاحبها ولي الأمر من بعدي. فقالوا: رضينا. قال: ليكتب كلّ واحد منكم اسمه على عصاه، فكتبوا، ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه، ثمّ ادخلت بيتا و اغلق الباب و حرسته رءوس أسباط بني إسرائيل، فلمّا أصبح فتح الباب فأخرج عصيهم و قد أورقت عصا سليمان و أثمرت فسلّموا ذلك لداود فقال: إنّ هذا خليفتي من بعدي.

ثم اخفي سليمان بعد ذلك و تزوّج بامرأة استتر في بيتها عن شيعته ما شاء اللّه، ثمّ إنّ امرأته قالت له ذات يوم: بأبي أنت و أمّي ما أكمل خصالك و أطيب ريحك، و لا أعلم لك خصلة أكرهها إلّا أنّك في مئونة أبي، فلو دخلت السوق فتعرّضت لرزق اللّه رجوت أن لا يخيبك. فقال لها سليمان: إنّي و اللّه ما عملت عملا قط و لا احسنه، فدخل السوق يومه ذلك فرجع و لم يصب شيئا فقال لها: ما أصبت شيئا؟ قالت: لا عليك إن لم يكن اليوم كان غدا.

فلمّا كان من الغد خرج إلى السوق فجال يومه فلم يقدر على شي‏ء فرجع فأخبرها فقالت:

غدا يكون إن شاء اللّه، فلمّا كان اليوم الثالث مضى حتّى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصيّاد فقال له: هل لك أن أعينك و تعطيني شيئا؟ قال: نعم، فأعانه فلمّا فرغ أعطاه الصياد سمكتين. فأخذهما و حمد اللّه، ثمّ إنّه شقّ بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها فأخذه و صيّره في ثوبه، و حمد اللّه عزّ و جلّ و أصلح السمكتين و جاء بهما إلى منزله و فرحت امرأته‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 13/ 366 و 445.

258

بذلك فرحا شديدا و قالت له: إنّي أريد أن تدعو والديّ حتّى يعلما أنّك قد كسبت، فدعاهما فأكلا معه فلمّا فرغوا قال لهم: هل تعرفوني؟ قالوا: لا و اللّه إلّا أنّا لم نر منك إلّا خيرا.

قال: فأخرج خاتمه فلبسه و خرّ عليه الطير و الريح و غشيه الملك، و حمل الجارية و والديها إلى بلاد اصطخر و اجتمعت إليه الشيعة و استبشروا به، ففرّج اللّه عنهم ممّا كانوا فيه من حيرة غيبته، فلمّا حضرته الوفاة أوحى إلى آصف بن برخيا بأمر اللّه تعالى، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة و يأخذون منه معالم دينهم.

ثمّ غيّب اللّه تعالى آصف غيبة طال أمدها، ثمّ ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء اللّه، ثمّ إنّه ودّعهم فقالوا له: أين الملتقى؟ قال: على الصراط، فغاب عنهم ما شاء اللّه فاشتدّت البلوى على بني إسرائيل بغيبته، و تسلّط عليهم بخت نصر فجعل يقتل من يظفر به منهم و يطلب من يهرب و يسبي ذراريهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال، و اصطفى من ولد هارون عزيرا، و هم حينئذ صبية صغار فمكثوا في يده، و بنو إسرائيل في العذاب المهين، و الحجّة دانيال اسر في يد بخت نصر لعنه اللّه تسعين سنة، فلمّا عرف فضله و سمع أنّ بني إسرائيل ينتظرون خروجه و يرجون الفرج من ظهوره و على يده، أمر أن يجعل في جبّ عظيم واسع و يجعل معه أسد ليأكله، فلم يقربه و أمر أن لا يطعم، و كان اللّه تبارك و تعالى يأتيه بطعامه و شرابه على يدي نبي من أنبيائه، فكان دانيال يصوم النهار و يفطر بالليل على ما يدلى إليه من الطعام.

و اشتدّت البلوى على شيعته و قومه المنتظرين لظهوره و شكّ أكثرهم في الدين لطول الأمد، فلمّا تناهى البلاء بدانيال و قومه رأى بخت نصر لعنه اللّه في المنام كأنّ ملائكة السماء هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجبّ الذي فيه دانيال مسلّمين عليه يبشّرونه بالفرج، فلمّا أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال، فأمر بأن يخرج من الجبّ فلمّا أخرج اعتذر إليه ممّا ارتكب منه، ثمّ فوّض إليه النظر في امور ممالكه و القضاء بين الناس، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل، و رفعوا رءوسهم و اجتمعوا إلى دانيال موقنين بالفرج، فلم يثبت إلّا القليل على ذلك الحال حتّى مات، و أفضى الأمر بعده إلى عزير فكانوا يجتمعون إليه و يأنسون به و يأخذون منه معالم دينهم، فغيّب اللّه تعالى عنهم شخصه مائة عام ثمّ بعثه‏

259

و غابت الحجج بعده و اشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتّى ولد يحيى بن زكريا و ترعرع، فظهر و له تسع سنين فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكّرهم بأيّام اللّه عزّ و جلّ، و أخبرهم أنّ محن الصالحين إنّما كانت لذنوب بني إسرائيل و أنّ العاقبة للمتّقين، و وعدهم الفرج بقيام المسيح بعد نيف و عشرين سنة من هذا القول، فلمّا ولد المسيح أخفى اللّه ولادته و غيّب اللّه شخصه؛ لأنّ مريم لما حملته انتبذت به مكانا قصيا، ثمّ إنّ زكريا و خالتها أقبلا يقصّان أمرها حتّى هجما عليها و قد وضعت ما في بطنها و هي تقول: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (1) فأطلق اللّه تعالى ذكره لسانه بعذرها و إظهار حجّتها، فلمّا ظهر اشتدّت البلوى و الطلب على بني إسرائيل و أكبّ الجبابرة و الطواغيت عليهم حتّى كان من أمر المسيح ما قد أخبر اللّه تعالى به.

و استتر شمعون بن حمون و الشيعة، ثمّ أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجّر اللّه لهم فيها العيون العذبة، و أخرج لهم من كل الثمرات و جعل لهم فيها الماشية، و بعث إليهم سمكة تدعى القمل لا لحم لها و لا عظم و إنّما هي جلد و دم فخرجت من البحر، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى النحل أن يركبها فركبها فأتت بالنحل إلى تلك الجزيرة، و نهض النحل و تعلّق بالشجر فعرس و بنى و كثر العسل، و لم يكونوا يفقدون من أخبار المسيح شيئا (2).

فقد روي أنّ له غيبات يسيح فيها في الأرض فلا يعرف قومه و شيعته خبره، ثمّ ظهر فأوحى إلى شمعون بن حمون، فلمّا مضى شمعون غاب الحجج بعده و اشتدّ الطلب و عظمت البلوى و درس الدين و اميتت الفروض و السنن، و ذهب الناس يمينا و شمالا لا يعرفون أيّا من أي، فكانت الغيبة مائتين و خمسين سنة (3).

و عن الصادق (عليه السّلام): كان بين عيسى و بين محمّد خمسمائة عام، منها مائتان و خمسون عاما ليس فيها نبي و لا عالم ظاهر. قيل: فما كانوا؟ قال: كانوا متمسّكين بدين عيسى‏ (4).

____________

(1)- مريم: 23.

(2)- بطوله في كمال الدين: 159 ح 17، و بحار الأنوار: 13/ 449.

(3)- كمال الدين: 160.

(4)- كمال الدين: 161.

260

و أمّا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) فغيبته المشهورة كانت في الغار و كل المسلمين أطبقوا على أنّ غيبته في الغار إنّما كانت تقية عن المشركين و خوفا على نفسه، حتّى أنّه لو لم يذهب إلى الغار لقتلوه؛ لأنّهم مهّدوا له القتل و سوّل لهم الشيطان و علّمهم لطائف الحيل في قتله، و أخذ معه أبا بكر خوفا منه أيضا لئلّا يدلّ الناس عليه كما قالوه في كتبهم، و استشهد العامّة بهذا بأنّه فوق الصحابة، و جوابه هو الذي أجاب به إمام زماننا في سؤالات سعد بن عبد اللّه و ذكرناه بعيد هذا في الفرع التاسع من الغصن الخامس في عداد التوقيعات.

أقول: الثامن‏ ممّن غاب سليمان بن داود. و التاسع آصف بن برخيا غاب عن قومه مدّة طال أمدها ثمّ رجع إليهم. و العاشر دانيال. و الحادي عشر عزير. و الثاني عشر مسيح‏ (1).

و غيبة نبيّنا ثلاث سنين في شعب أبي طالب حين حاصر قريش بني هاشم، و له غيبة اخرى قبلها، بمعنى اختفائه بالدعوة خمس سنين و ذلك بعد البعثة حتّى أنزل اللّه عزّ و جلّ‏ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏ (2) و له (صلّى اللّه عليه و آله) غيبة اخرى في الغار (3).

____________

(1)- راجع لذلك كمال الدين: 136 باب 7 ح 17 و ما بعده.

(2)- الحجر: 94.

(3)- كما تقدّم.

261

الفرع الثاني في ذكر جمع من المعمّرين‏

قال محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان: من الدلالة على كون المهدي (عجّل اللّه فرجه) حيّا باقيا منذ غيبته و إلى الآن أنّه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى ابن مريم و الخضر و إلياس من أولياء اللّه، و بقاء الأعور الدجّال و إبليس اللعين من أعداء اللّه، و قد ثبت بقاؤهم بالكتاب و السنّة (1).

أمّا عيسى‏ فالدليل على بقائه قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏ (2) و لم يؤمن منذ نزول هذه و إلى يومنا هذا أحد، فلا بدّ أن يكون هذا في آخر الزمان.

و أمّا السنّة: كما رواه مسلم و غيره في قصّة الدجّال فينزل عيسى ابن مريم (عليه السّلام) عند المنارة البيضاء بين مهرودتين واضعا كفّيه على أجنحة ملكين‏ (3). و أيضا قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم و إمامكم منكم‏ (4).

و أمّا الخضر (عليه السّلام) و إلياس‏ فعن ابن جرير الطبري: الخضر و إلياس باقيان يسيران في الأرض‏ (5). و ما روي في صحيح مسلم و غيره عن أبي سعيد الخدري: حدّثنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حديثا طويلا عن الدجّال و كان فيما حدّثنا أنّه قال: يأتي و هو محرّم عليه أن يدخل بقباب‏ (6) المدينة فينتهي إلى بعض السباخ‏ (7) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس- أو من خير الناس- فيقول الدجّال: إن قتلت هذا ثمّ أحييته أ تشكّون في الأمر؟

فيقولون: لا، قال: فيقتله ثمّ يحييه فيقول حين يحييه: و اللّه ما كنت فيك قط أشدّ بصيرة منّي الآن، فيريد الدجّال أن يقتله فلن يسلّط عليه. و قال إبراهيم بن سعد: يقال إنّ الرجل هو

____________

(1)- البيان في أخبار صاحب الزمان: 148 الباب الخامس و العشرون.

(2)- النساء: 159.

(3)- كشف الغمة: 3/ 291.

(4)- العمدة: 431 ح 903.

(5)- كشف الغمّة: 3/ 291.

(6)- في صحيح مسلم: نقاب.

(7)- واحدتها سبخة بكسر الباء، و هي أرض ذات نز و ملح.

262

الخضر. هذا لفظ مسلم في صحيحه كما سقناه سواء (1). و الدليل على بقاء إبليس اللعين‏ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ (2).

و أمّا بقاء المهدي‏ (عجّل اللّه فرجه) فقد جاء في الكتاب و السنّة: أمّا الكتاب فقد قال سعيد ابن جبير في تفسير قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (3) قال: هو المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليها السّلام)(4). و أمّا من قال إنّه عيسى، فلا تنافي بين القولين إذ هو مساعد للمهدي (عجّل اللّه فرجه) على ما تقدّم. و عن مقاتل بن سليمان و من تابعه من المفسّرين في تفسير قوله تعالى: وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ (5) قال: هو المهدي يكون في آخر الزمان و بعد خروجه يكون أمارات و دلالات الساعة و قيامها (6).

و في الينابيع عن سدير الصير في قال: دخلت أنا و المفضل بن عمر و أبو بصير و أبان بن تغلب على مولانا أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السّلام) فرأيناه جالسا على التراب و هو يبكي بكاء شديدا و يقول: سيّدي غيبتك نفت رقادي و ابتزّت منّي راحة فؤادي. قال سدير:

تصدّعت قلوبنا جزعا فقلنا: لا أبكى اللّه- يا ابن خير الورى- عينيك، فزفر زفرة انتفخ منها جوفه قال: نظرت في كتاب الجفر الجامع صبيحة هذا اليوم- و هو الكتاب المشتمل على علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة، و هو الذي خصّ اللّه به محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة من بعده (صلوات اللّه عليه و عليهم)- و تأمّلت فيه مولد قائمنا المهدي (عجّل اللّه فرجه) فطول غيبته و طول عمره و بلوى المؤمنين في زمان غيبته و تولّد الشكوك في قلوبهم من إبطاء ظهوره و خلعهم ربقة الإسلام عن أعناقهم، قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ‏ (7) يعني ولاية الإمام؛ فأخذتني الرقّة و استعلت علي الأحزان. و قال: قدّر اللّه مولده تقدير مولد موسى و قدّر غيبته تقدير غيبة عيسى، و أبطأ كإبطاء نوح و جعل عمر العبد الصالح الخضر دليلا على عمره.

و أمّا مولد موسى فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه بيد مولود من بني إسرائيل أمر

____________

(1)- صحيح مسلم: 8/ 199 ح 2938 صفة الدجّال. ط. دار الفكر.

(2)- الحجر: 38.

(3)- التوبة: 33.

(4)- مناقب آل أبي طالب: 1/ 248، و ينابيع المودّة: 2/ 83.

(5)- الزخرف: 61.

(6)- تأويل الآيات: 2/ 570.

(7)- الإسراء: 13.

263

بقتل كلّ مولود ذكر من بني إسرائيل حتّى قتل نيفا و عشرين ألف مولود فحفظ اللّه موسى، كذلك بنو امية و بنو العبّاس لما وقفوا على أنّ زوال الجبابرة على يد القائم منّا قصدوا قتله، و يأبى اللّه أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلّا أن يتمّ نوره.

و أمّا غيبته كغيبة عيسى فإنّ اليهود و النصارى اتّفقت على أنّه قتل فكذّبهم اللّه عزّ و جلّ ذكره بقوله‏ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ‏ (1) كذلك غيبة القائم فإنّ الناس استنكروها لطولها؛ فمن قائل بغير هدى بأنّه لم يولد، و قائل يقول: إنّه ولد و مات، و قائل يقول: إنّ حادي عشرنا كان عقيما، و قائل يقول: يتعدّى إلى ثالث عشر و ما عدا، و قائل: إنّ روح القائم ينطق في هيكل غيره، و كلّها باطل.

و أمّا إبطاؤه كإبطاء نوح (عليه السّلام) فإنّه لما استنزل العقوبة على قومه بعث اللّه الروح الأمين فقال: يا نبي اللّه إنّ اللّه يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي و عبادي لست اهلكهم إلّا بعد تأكيد الدعوة و إلزام الحجّة، فاغرس النوى و اصبر و اجتهد، و أخبر بذلك الذين آمنوا به فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل، ثمّ إنّ اللّه يأمر عند ثمرها كلّ مرّة بأن يغرسها مرّة بعد اخرى إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زال منهم يرتدّ إلى أن بقي بالايمان نيف و سبعون رجلا فأوحى اللّه إليه: الآن صفى الحقّ عن الكدر بارتداد من كانت طينته خبيثة، فكذلك القائم- (عجّل اللّه فرجه)- منّا فإنّه تمتدّ غيبته ثمّ تلا حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا (2).

و أمّا الخضر ما طوّل اللّه عمره لنبوّة قدرها له، و لا لكتاب ينزل عليه و لا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله، و لا لامّة يلزم اقتداؤهم به و لا لطاعة يعرضها له، بل طوّل عمره للاستدلال به على طول عمر القائم (عجّل اللّه فرجه) و لتنقطع بذلك حجّة المعاندين؛ لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة (3).

زهرة: في القاموس في باب الدال و فصل العين عن حديث مفصل: إنّ أوّل الناس دخولا الجنّة عبد أسود يقال له عبود، و ذلك أنّ اللّه تعالى بعث نبيّا إلى أهل قرية فلم يؤمن به أحد إلّا ذلك الأسود، و إنّ قومه احتفروا له بئرا فصيّروه فيها و أطبقوا عليه صخرة عظيمة، و كان ذلك الأسود يخرج فيحتطب فيبيع الحطب و يشتري به طعاما و شرابا ثمّ يأتي تلك‏

____________

(1)- النساء: 157.

(2)- سورة يوسف: 110.

(3)- بطوله في كمال الدين: 353، و ينابيع المودّة: 3/ 310 باب 80.

264

الحفرة فيعينه اللّه عزّ و جلّ على تلك الصخرة فيرفعها و يدلي إليه ذلك الطعام و الشراب، و إنّ الأسود احتطب يوما ثمّ جلس ليستريح، فضرب بنفسه شقّه الأيسر فنام سبع سنين، ثمّ هبّ من نومته و هو لا يرى إلّا أنّه نام ساعة من نهار فاحتمل حزمته فأتى القرية فباع حطبه، ثمّ أتى الحفرة فلم يجد النبي فيها، و قد كان بدا للقوم فيه فأخرجوه، فكان يسأل عن الأسود فيقولون: لا ندري أين هو، فضرب به المثل لمن نام طويلا.

و هذه الحكاية جواب لاستبعاداتهم بقاء الحجّة في طول الزمان؛ لأنّ بقاء أسود سبع سنين بلا ماء و لا طعام في الشمس و المطر و سائر الحوادث في معبر الدواب و الحيوانات، أعجب من بقاء من يأكل و يشرب و يسير كما هو مذهب الإمامية، و أعجب من هذا أيضا خفاء هذا الأسود على أهالي تلك القرية في تلك المدّة مع أنّه نام في مكان مخصوص، كيف يمكن عدم عبور أحد في تلك المدّة من ذلك المكان و ما احتاجوا إلى الحطب، و أعجب من هذا نوم أصحاب الكهف ثلاثمائة و تسع سنين فافهم و تأمّل.

يستدلّون مخالفونا (1) على بقاء عيسى بالآيات و الأخبار و لا يستبعدون، و ينكرون بقاء المهدي (عجّل اللّه فرجه). و من أعجب العجب أنّهم يروون أن عيسى ابن مريم مرّ بأرض كربلاء فرأى عدّة من الظباء هناك مجتمعة فأقبلت إليه و هي تبكي، و أنّه جلس و جلس الحواريون فبكى و بكى الحواريون و هم لا يدرون لم جلس و لم بكى فقالوا: يا روح اللّه و كلمته ما يبكيك؟ قال (عليه السّلام): أ تعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد و فرخ الخيرة الطاهرة البتول شبيهة أمّي، و يلحد فيها و هي أطيب من المسك لأنّها طينة الفرخ المستشهد، و هكذا تكون طينة الأنبياء و أولاد الأنبياء، و هذه الظباء كلّمتني و تقول إنّها ترعى في هذه الأرض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك، و زعمت أنّها آمنة في هذه الأرض، ثمّ ضرب بيده إلى بعر تلك الظباء فشمّها و قال: اللهمّ أبقها أبدا حتّى يشمّها أبوه (عليه السّلام) فتكون له عزاء و سلوة، و إنّها بقيت إلى أيّام أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى شمّها و بكى و أبكى و أخبر بقصّتها لمّا مرّ بكربلاء (2).

فهم يصدقون بأن بعر تلك الظباء تبقى زيادة على خمسمائة سنة، لم تغيّرها الأمطار

____________

(1)- هذا على لغة أكلوني البراغيث، و الأولى أن يقال: يستدل مخالفونا، و قد تكرر هذا في أكثر من موضع.

(2)- كمال الدين: 532، و الخرائج: 3/ 1143 ح 55.

265

و الرياح و مرور الأيّام و الليالي و السنين، و لا يصدّقون بأنّ القائم (عليه السّلام) من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) يبقى حتّى يخرج بالسيف فيبيد أعداء اللّه و يظهر دين اللّه، مع الأخبار الواردة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة بالنصّ عليه باسمه و نسبه و غيبته المدّة الطويلة و جري سنن الأوّلين فيه، هل هذا إلّا عناد و جحود الحقّ؟

و لمّا كان بناء هذا الفرع على ذكر بعض المعمّرين ينبغي ذكرهم هنا، و إن ذكرهم علماء السلف في كتبهم‏ (1)، و الصدوق عليه الرحمة في كتاب كمال الدين‏ (2)، و المحقّق المجلسي‏ (3) طاب ثراه، و لذلك تركنا كثيرا منهم خوفا من الإطالة.

من المعمّرين: أوّل الناس: آدم‏ عمره تسعمائة و ثلاثون سنة.

الثاني: شيث‏ و عمره تسعمائة و اثنتا عشرة سنة.

الثالث: نوح‏ و عمره ألفان و خمسمائة سنة.

الرابع: إدريس‏ و عمره تسعمائة و خمس و ستّون سنة.

الخامس: سليمان بن داود و عمره سبعمائة و اثنتا عشرة سنة.

السادس: عوج بن عنقا و عمره ثلاثة آلاف و خمسمائة سنة، و عمر أمّه عنق بنت آدم أزيد من ثلاثة آلاف سنة.

في غيبة الطوسي‏ (4): أفريدون العادل عاش فوق ألف سنة، و يقولون: إنّ الملك الذي أحدث المهرجان عاش ألفي سنة و خمسمائة سنة استتر منها عن قومه ستمائة سنة، و منهم عمرو بن عامر مزيقيا عاش ثمانمائة سنة أربعمائة سنة في حياة أبيه و أربعمائة سنة ملكا، و كان في سني ملكه يلبس في كل يوم حلتين، فإذا كان بالعشيّ مزّقت الحلّتان عنه لئلّا يلبسها غيره فسمّي مزيقيا.

السابع: أصحاب الكهف‏ بعمرهم اللّه أعلم. (5)

الثامن: الخضر (عليه السّلام) و بعمره اللّه أعلم.

____________

(1)- راجع كتاب المعمّرين للمبرّد، و كتاب المعمّرين لأبي حاتم السجستاني.

(2)- كمال الدين: 532 ح باب 47.

(3)- البحار: 51/ 225 باب 14 ذكر المعمّرين.

(4)- غيبة الشيخ: 123 الكلام على الواقفة.

(5)- فإنّ القرآن و إن أخبر عن مقدار نومهم لكنه لم يخبرنا عن مقدار عمرهم قبل نومهم.

266

التاسع: إلياس‏ و بعمره اللّه أعلم.

العاشر: سلمان الفارسي‏ عمره على المشهور أربعمائة سنة. و في رواية العوالم لقي عيسى ابن مريم‏ (1).

الحادي عشر: ذو القرنين‏ و بعمره اللّه أعلم.

الثاني عشر: ضحاك‏ و عمره ألف سنة.

الثالث عشر: كرشاسب‏ و عمره خمس و سبعمائة سنة.

الرابع عشر: رستم‏ و عمره ستمائة سنة.

الخامس عشر: زال‏ و عمره خمسون و ستمائة سنة.

السادس عشر: حبيب‏ الذي استدعى من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) معجزة شق القمر و عمره .....

السابع عشر: رئيس نصارى نجران‏ .....

الثامن عشر: دقيانوس‏ .....

التاسع عشر: فرعون‏ .....

العشرون: شداد بن عاد و عمره سبعمائة سنة.

الحادي و العشرون: لقمان بن عاد و عمره ثلاثة آلاف و خمسمائة سنة.

الثاني و العشرون: عزيز مصر و عمره سبعمائة سنة.

الثالث و العشرون: ريان بن دومغ‏ والد عزيز مصر و عمره ألف و سبعمائة سنة.

الرابع و العشرون: دومغ‏ والد ريان و عمره ثلاثة آلاف سنة.

عن الصدوق: أنّ أبا الحسن حمّادويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه من كنوز مصر ما لم يرزق أحد قبله، فأغري بالهرمين، فأشار إليه ثقاته و حاشيته و بطانته أن لا يتعرّض لهدم الأهرام فإنّه ما تعرض أحد لها فطال عمره، فلجّ في ذلك و أمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب، و كانوا يعملون سنة حواليه حتّى ضجروا و كلّوا، فلمّا همّوا بالانصراف بعد الإياس منه و ترك العمل وجدوا سربا فقدروا أنّه الباب الذي يطلبونه، فلمّا بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مرمر فقدروا أنّها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها و أخرجوها فإذا عليها كتابة يونانية، فجمعوا حكماء مصر و علماءها فلم يهتدوا لها، و كان في القوم رجل يعرف بأبي‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 51/ 205.

267

عبد اللّه المديني أحد حفّاظ الدنيا و علمائها فقال لأبي الحسن حمّادويه بن أحمد: أعرف في بلد الحبشة أسقفا قد عمّر و أتى عليه ثلاثمائة و ستّون سنة يعرف هذا الخط، و قد كان عزم على أن يعلّمنيه فلحرصي على علم العرب لم أقم عليه و هو باق، فكتب أبو الحسن إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الأسقف إليه فأجابه أنّ هذا قد طعن في السن و حطمه الزمان، و إنّما يحفظه هذا الهواء، و يخاف عليه إن نقل إلى هواء آخر و إقليم آخر و لحقته حركة و تعب و مشقّة السفر أن يتلف، و في بقائه لنا شرف و فرج و سكينة، فإن كان لكم شي‏ء يقرأه و يفسّره و مسألة تسألونه كاتبوه بذلك، فحملت البلاطة في قارب إلى بلد أسوان من الصعيد الأعلى، و حملت من أسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة و هي قرية من أسوان، فلمّا وصلت قرأها الأسقف و فسّر ما فيها بالحبشية ثمّ نقلت إلى العربية فإذا فيها مكتوب: أنا الريان بن دومغ- فسأله أبو عبد اللّه عن الريان من هو كان.

قال: هو والد العزيز ملك يوسف و اسمه الريان بن دومغ و قد كان عمر العزيز سبعمائة سنة و الريان والده ألف و سبعمائة سنة، و عمر دومغ ثلاثة آلاف سنة فإذا فيها: أنا الريان بن دومغ خرجت في طلب علم النيل لأعلم فيضه و منبعه إذ كنت أرى مفيضه و منبعه فخرجت و معي ممّن صحبت أربعة آلاف ألف رجل فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات و البحر المحيط بالدنيا، فرأيت النيل يقطع البحر المحيط و يعبر فيه و لم يكن له منفذ، و تماوت أصحابي و بقيت في أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي، فرجعت إلى مصر و بنيت الأهرام و البرابي و بنيت الهرمين و أودعتهما كنوزي و ذخائري‏ (1) و قلت في ذلك شعرا:

و أدرك علمي بعض ما هو كائن‏* * * و لا علم لي بالغيب و اللّه أعلم‏

و أتقنت ما حاولت إتقان صنعه‏* * * و أحكمته و اللّه أقوى و أحكم‏

و حاولت علم النيل من بدء فيضه‏* * * فأعجزني و المرء بالعجز ملجم‏

ثمانين شاهورا قطعت مسايحا* * * و حولي بنو حجر و جيش عرمرم‏

إلى أن قطعت الجن و الإنس كلّهم‏* * * و عارضني لج من البحر مظلم‏

فأيقنت أن لا منفذا بعد منزلي‏* * * لدى هيبة بعدي و لا متقدّم‏

____________

(1)- كمال الدين: 564، و بحار الأنوار: 51/ 244.

268

فأبت‏ (1)إلى ملكي و أرسيت ناديا* * * بمصر و للأيّام بؤس و أنعم‏

أنا صاحب الأهرام في المصر كلّها* * * و باني برابيها بها و المقدم‏

تركت بها آثار كفي و حكمتي‏* * * على الدهر لا تبلى و لا تتهدم‏

و فيها كنوز جمّة و عجائب‏* * * و للدهر أمر مرّة و تهجّم‏

سيفتح أقفالي و يبدي عجائبي‏* * * ولي و لربّي آخر الدهر ينجم‏

بأكناف بيت اللّه تبدو اموره‏* * * و لا بدّ أن يعلو و يسمو به السم‏

ثمان و تسع و اثنتان و أربع‏* * * و تسعون اخرى من قتيل و ملجم‏

و من بعد هذا كر تسعون تسعة* * * و تلك البرابي تستخر و تهدم‏

و تبدي كنوزي كلّها غير أنني‏* * * أرى كلّ هذا أن يفرقها الدم‏

رمزت مقالي في صخور قطعتها* * * ستبقى و أفنى بعدها ثمّ اعدم‏

قال أبو الحسن حمّادويه بن أحمد: هذا شي‏ء ليس لأحد فيها حيلة إلّا للقائم (عجّل اللّه فرجه) من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، وردت البلاطة كما كانت مكانها، ثمّ إنّ أبا الحسن بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم على فراشه و هو سكران، و من ذلك الوقت عرف خبر الهرمين و من بناهما، فهذا أصحّ ما يقال في خبر النيل و الهرمين و من بناهما (2).

الخامس و العشرون: عبيد بن شريد الجرهمي‏ (3)، في الإكمال أنّه معروف و عاش ثلاثمائة و خمسين سنة فأدرك النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و حسن إسلامه و عمّر بعد ما قبض النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتى قدم على معاوية في أيام تغلبه و ملكه فقال معاوية: أخبرني يا عبيد عمّا رأيت و سمعت و أدركت و كيف رأيت الدهر؟ فقال: أمّا الدهر فرأيت ليلا يشبه ليلا، و نهارا يشبه نهارا، و مولودا يولد و ميتا يموت و لم أدرك أهل زمان إلّا و هم يذمّون زمانهم، و أدركت من قد عاش ألف سنة و حدّثني عمّن كان قبله عاش ألفي سنة.

و أمّا ما سمعت فإنّه حدّثني ملك من ملوك حمير أنّ بعض الملوك السابقة ممّن قد دانت له البلاد و كان يقال له ذو سرح، اعطي الملك في عنفوان شبابه، و كان حسن السيرة في أهل مملكته، سخيا فيهم مطاعا و ملكهم سبعمائة سنة و كان كثيرا [ما] يخرج في خاصّته إلى‏

____________

(1)- أي: رجعت.

(2)- المصدر السابق.

(3)- هكذا في بعض النسخ، و هو تصحيف و الصحيح عبيد بن شرية.

269

الصيد و النزهة، فخرج يوما في بعض نزهه فأتى على حيّتين: إحداهما بيضاء كأنها سبيكة فضة و الاخرى سوداء كأنّها فحمة، و هما يقتتلان و قد غلبت السوداء على البيضاء فكادت تأتي على نفسها فأمر الملك بالسوداء فقتلت و أمر بالبيضاء فاحتملت حتى انتهى بها إلى عين من ماء تفي‏ء عليها شجرة فأمر بصب الماء عليها و سقيت حتى رجعت إليها نفسها فقامت فخلّى سبيلها فانسابت الحية و مضت لسبيلها، و مكث الملك يومئذ في تصيّد و نزهة، فلما أمسى و رجع إلى منزله فجلس على سريره في موضع لا يصل إليه حاجب و لا أحد، فبينا هو كذلك إذ رأى شابا أخذ بعضادتي الباب و به من الشباب و الجمال شي‏ء لا يوصف، فسلم عليه فذعر منه الملك فقال له: من أنت؟ و من أذن لك في الدخول إليّ في هذا الموضع الذي لا يصل إليّ فيه حاجب و لا غيره؟

فقال له الفتى: لا ترع أيّها الملك إنّي لست بإنسي و لكن فتى من الجن أتيتك لاجازيك ببلائك الحسن الجميل عندي. قال الملك: و ما بلائي عندك؟ قال: أنا الحية التي أحييتني في يومك هذا، و الأسود الذي قتلته و خلّصتني منه كان غلاما لنا تمرّد علينا، و قد قتل من أهل بيتي عدّة، كان إذا خلي بواحد منّا قتله، فقتلت عدوّي و أحييتني و جئتك لاكافيك ببلائك عندي، و نحن أيّها الملك الجن لا الجن. قال له الملك: و ما الفرق بين الجن و الجنّ.

إلى هنا مذكور ثمّ بعد هذا الخبر مقطوع‏ (1).

السادس و العشرون من المعمّرين ربيع بن ضبيع الفراوي‏، في الإكمال: لمّا وفد الناس على عبد الملك بن مروان قدم في من قدم عليه الربيع بن ضبيع الفراوي، و كان أحد المعمّرين و معه ابن ابنه وهب بن عبد اللّه بن الربيع شيخا فانيا، قد سقطت حاجباه على عينيه و قد عصبهما فلمّا رآه الآذن يأذنون الناس على أصنافهم قال له: ادخل أيّها الشيخ، فدخل يدق على العصا يقيم بها صلبه و كشحه، و لحيته على ركبتيه، فلمّا رآه عبد الملك رقّ له و قال له: اجلس أيّها الشيخ، فقال: يا أمير المؤمنين أ يجلس الشيخ و جدّه على الباب. قال:

فأنت إذن من ولد الربيع بن ضبيع؟ قال: نعم أنا وهب بن عبد اللّه بن الربيع. قال للآذن: ارجع، فأدخل الربيع، فخرج الآذن فلم يعرفه حتّى نادى: أين الربيع؟ قال: ها أنا ذا فقام يتطرق في مشيته، فلما دخل على عبد الملك سلّم فقال عبد الملك لجلسائه: ويلكم إنّه لأشيب‏

____________

(1)- كمال الدين: 547 ح 1 باب 51.

270

الرجلين، يا ربيع أخبرني عمّا أدركت من العمر، و الذي رأيت من الخطوب الماضية؟ قال:

أنا الذي قلت الشعر هذا:

أنا ذا آمل الخلود و قد* * * أدرك عمري مولدي حجرا

أنا امرأ القيس قد سمعت به‏* * * هيهات هيهات طال ذا عمرا

فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك و أنا صبي. قال: و أنا أقول شعرا:

إذا عاش الفتى مائتين عاما* * * فقد ذهب اللذاذة و البهاء

قال عبد الملك: و قد رويت هذا أيضا و أنا غلام، يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر (1) ففصّل لي عمرك؟ فقال: عشت مائتين سنة في الفترة بين عيسى و محمّد و مائة و عشرين في الجاهلية، و ستّين في الإسلام. قال: أخبرني عن الفترة في القريش المتواطي الأسماء؟ قال:

سل عن أيّهم شئت؟ قال: أخبرني عن عبد اللّه بن عبّاس؟ قال: فهم و علم و عطاء و حلم و مقرئ ضخم. قال: فأخبرني عن عبد اللّه بن عمر؟ قال: حلم و علم و طول و كظم و بعد من الظلم. قال: فأخبرني عن عبد اللّه بن جعفر؟ قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها. قال: فأخبرني عن عبد اللّه بن زبير؟ قال: جبل وعر ينحدر منه الصخرة.

قال: للّه درك ما أخبرك بهم؟ قال: قرب جواري و كثرة استخباري‏ (2).

السابع و العشرون من المعمّرين: علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مؤيّد المعروف بأبي الدنيا، في الإكمال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب بن نصر السجزيّ قال:

حدّثنا أبو بكر محمد بن الفتح المزكّى و أبو الحسن علي بن حسن بن حمكا الملاشكي ختن أبي بكر قالا: لقينا بمكّة رجلا من أهل المغرب فدخلنا عليه مع جماعة من أصحاب الحديث ممّن كان حضر الموسم في تلك السنة، و هي سنة تسع و ثلاثمائة، فرأيناه رجلا أسود الرأس و اللحية كأنه شن باب، و حوله جماعة من أولاده و أولاد أولاده و مشايخ من أهل بلده ذكروا أنّهم من أقصى بلاد المغرب تعرف باهرة العليا، و شهد هؤلاء المشايخ أنّهم سمعوا آباءهم حكوا عن آبائهم و أجدادهم أنّهم عهدوا هذا الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمرا و اسمه علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مؤيّد، و ذكر أنّه همداني و أنّ أصله من‏

____________

(1)- الجد: الحظ و الغناء يريد: طلبك حظ عظيم لم يعثر بك.

(2)- كمال الدين: 549- 551 ح 1 باب 52.

271

صنعاء اليمن. فقلت له: أنت رأيت علي بن أبي طالب (عليه السّلام)؟ فقال بيده: نعم، ففتح عينيه، و قد كان وقعت حاجباه على عينيه ففتحهما كأنّهما سراجان فقال: رأيته بعيني هاتين، و كنت خادما له و كنت معه في وقعة صفّين، و هذه الشجة من دابة علي (عليه السّلام)، و أرانا أثره على حاجبه الأيمن.

و شهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ و من حفدته و أسباطه بطول العمر، و أنّهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة، و كذا سمعنا من آبائنا و أجدادنا، ثمّ إنّا فاتحناه و سألناه عن قصّته و حاله و سبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل، يفهم ما يقال له و يجيب عنه بلبّ و عقل، فذكر أنّه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل و قرأها و قد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان، و أنّها تجري في الظلمات، و أنّه من شرب منها طال عمره فحمله الحرص على دخول الظلمات، و تزود و حمل حسب ما قدّر أنّه يكتفي في مسيره به، و أخرجني معه و أخرج معنا خادمين بازلين و عدّة جمال لبون و روايا و زادا، و أنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة، فسار بنا إلى أن وافانا طرف الظلمات.

ثمّ دخلنا الظلمات فسرنا فيها نحو ستّة أيّام بلياليها و كنّا نميز بين الليل و النهار بأنّ النهار كان يكون أضوأ قليلا و أقل ظلمة من الليل. فنزلنا بين جبال و أودية و ربوات، و قد كان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر؛ لأنّه وجد في الكتب التي قرأها أنّ مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع، فأقمنا في تلك البقعة أيّاما حتّى فني الماء الذي كان معنا و أسقيناه جمالنا، و لو لا أنّ جمالنا كانت لبونا لهلكنا و تلفنا عطشا، و كان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر و يأمرنا أن نوقد نارا ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا، فكنّا في تلك البقعة نحو خمسة أيّام و والدي يطلب النهر فلم يجده، و بعد الإياس عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد و الماء و الخدم الذين كانوا معنا، فأوجسوا في أنفسهم خيفة من التلف فألحّوا على والدي بالخروج من الظلمات، فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ، لا بالصغير من الأنهار و لا بالكبير، يجري جريا ليّنا فدنوت منه و غرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا فوجدته عذبا باردا لذيذ فبادرت مسرعا إلى الرحل فبشّرت الخدم بأنّي قد وجدت الماء، فحملوا ما كان معنا من القرب و الأدوات لنملأها و لما أتى والدي في طلب النهر، فلم نهتد إليه حتّى‏

272

أنّ الخدم كذّبوني و قالوا لم تصدق.

فلمّا انصرف الرجل و انصرف والدي أخبرته بالقصّة فقال لي: يا بني، الذي أخرجني إلى ذلك المكان و تحمّل الخطر كان لذلك النهر و لم ارزق أنا، و أنت رزقته و سوف يطول عمرك حتّى تملّ الحياة، و رحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا و بلادنا و عاش والدي بعد ذلك سنيّا ثمّ مات (رحمه اللّه)، فلمّا بلغ سنّي قريبا من ثلاثين سنة، و كان قد اتصل بنا وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و وفاة الخليفتين بعده خرجت حاجّا فلحقت آخر أيّام عثمان، فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فأقمت معه أخدمه و شهدت معه وقائع، و في وقعة صفّين أصابتني هذه الشجة من دابته، فما زلت مقيما معه إلى أن مضى لسبيله فألحّ عليّ أولاده و حرمه أن اقيم معهم فلم أقم، و انصرفت إلى بلدي و خرجت أيام بني مروان حاجّا و انصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية، و ما خرجت إلّا ما كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري و طول عمري فشخصوني إلى حضرتهم ليروني و يسألوني عن سبب طول عمري و عمّا شاهدت، و كنت أتمنّى و اشتهي أن أحجّ حجّة اخرى فحملني هؤلاء حفدتي و أسباطي الذين ترونهم حولي. و ذكر أن أسنانه سقطت مرّتين أو ثلاثة.

فسألناه أن يحدّثنا بما سمع من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فذكر أنّه لم يكن حرص و لا همّ في طلب العلم وقت صحبته لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و الصحابة أيضا كانوا متوافرين، فمن فرط ميلي إلى علي (عليه السّلام) و محبّتي له لم أشتغل بشي‏ء سوى خدمته و صحبته، و الذي كنت أتذكّره ممّا كنت سمعت منه قد سمعه منّي عالم كثير من الناس ببلاد المغرب و مصر و الحجاز و قد انقرضوا و تفانوا، و هؤلاء أهل بلدي و حفدتي قد دوّنوه، فأخرجوا إلينا النسخة و أخذ يملي علينا من خطّه: حدّثنا علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مؤيّد الهمداني المعروف بأبي الدنيا المعمّر المغربي رضي اللّه عنه حيّا و ميّتا قال: حدّثنا علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «من أحبّ أهل اليمن فقد أحبّني و من أبغض أهل اليمن فقد أبغضني».

و حدّثنا أبو الدنيا المعمر قال: حدّثني علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

من أعان ملهوفا كتب اللّه له عشر حسنات و محا عنه عشر سيّئات، و رفع له عشر درجات ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من سعى في حاجة أخيه المسلم و للّه فيها رضا و له فيها صلاح‏

273

فكأنّما خدم اللّه ألف سنة و لم يقع في معصيته طرفة عين.

حدّثنا أبو الدنيا المعمّر المغربي قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يقول: أصاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جوع شديد و هو في منزل فاطمة (عليها السّلام) قال علي: فقال لي النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا علي هات المائدة، فقدمت المائدة فإذا عليها خبز و لحم مشوي.

حدّثنا أبو الدنيا المعمّر قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يقول:

جرحت في وقعة خيبر خمسا و عشرين جراحة، فجئت إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فلمّا رأى ما بي بكى و أخذ من دموع عينيه فجعلها على الجراحات، فاسترحت من ساعتي.

و حدّثنا أبو الدنيا قال: حدّثني علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فكأنّما قرأ ثلث القرآن، و من قرأها مرّتين فكأنّما قرأ ثلثي القرآن، و من قرأها ثلاث مرّات فكأنّما قرأ القرآن كلّه.

و حدّثنا أبو الدنيا: قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): كنت أرعى الغنم فإذا أنا بذئب على قارعة الطريق، فقلت ما تصنع هاهنا؟ فقال لي: و أنت ما تصنع هاهنا؟ قلت: أرعى الغنم. قال: مرّ أو قال: ذا الطريق. قال: فسقت الغنم فلمّا توسّط الذئب الغنم إذا أنا به قد شدّ على شاة، قال: فجئت حتّى أخذت بقفاه فذبحته و جعلته على يدي، و جعلت أسوق الغنم، فلمّا سرت غير بعيد و إذا أنا بثلاثة أملاك جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت فلمّا رأوني قالوا هذا محمّد بارك اللّه فيه، فاحتملوني و أضجعوني و شقّوا جوفي بسكين كان معهم و أخرجوا قلبي من موضعه و غسلوا جوفي بماء بارد كان معهم في قارورة حتّى نقى من الدم، ثمّ ردّوا قلبي إلى موضعه و أمرّوا أيديهم على جوفي فالتحم الشقّ بإذن اللّه تعالى فما أحسست بسكين و لا وجع. قال: و خرجت أغدو إلى أمّي- يعني حليمة داية النبي (صلّى اللّه عليه و آله)- فقالت لي: أين الغنم؟ فخبرتها بالخبر فقالت: سوف تكون لك في الجنّة منزلة عظيمة (1).

أقول: ذكروا حال المعمر أبي الدنيا المغربي بطريق آخر يطول الكلام، و مقصودنا ذكر

____________

(1)- كمال الدين: 542 ح 7 باب 50، و قصّة شق الصدر من الأمور التي اختلف العلماء في صحّتها؛ فمنهم من أثبتها لروايات، و منهم من أنكرها لأنّها تنافي طهارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) تلك الطهارة التي كانت تلازمه منذ عالم الأنوار كما دلّت عليه كثير من الروايات فصلناها في كتابنا: آل محمد بين قوسي النزول و الصعود.

274

المعمّرين، يكفينا هذا المقدار.

و قال الفاضل المحدّث الجزائري (رحمه اللّه) في كتابه الأنوار النعمانية: حدّثني أوثق مشايخي السيّد هاشم الأحسائي في شيراز في مدرسة الأمير محمد، عن شيخنا العادل الثقة الورع الشيخ محمد الحرفوشي أعلى اللّه مقامه في دار المقامة، أنّه دخل يوما مسجدا من مساجد الشام و كان مسجدا عتيقا مهجورا فرأى رجلا حسن الهيئة في ذلك المسجد فأخذ الشيخ في المطالعة في كتاب الحديث، ثمّ إنّ ذلك الرجل سأل الشيخ عن أحواله و عمّن نقل الحديث فأخبره الشيخ، ثمّ إنّ الشيخ سأله عن أحواله و عن مشايخه، فقال ذلك الرجل: أنا المعمر أبو الدنيا و أخذت العلم عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و عن الأئمّة الطاهرين، و أخذت فنون العلم عن أربابها و سمعت و كتبت من مصنّفيها، فاستجازه الشيخ في كتب الأحاديث و الاصول و غيرها و في كتب العربية و الاصول فأجازه، و قرأ عليه الشيخ بعض الأخبار في ذلك المسجد توثيقا للإجازة.

فمن ثم كان شيخنا الثقة (قدّس اللّه روحه) يقول لي: يا بني إن سندي إلى المحدثين الثلاثة و غيرهم من أهل الكتب قصير، فإنّي أروي عن الفاضل الحرفوشي عن المعمّر أبي الدنيا عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و كذا إلى الصادق و الكاظم إلى آخر الأئمّة، و كذلك روايتي لكتب الاصول مثل الكافي و التهذيب و من لا يحضره الفقيه، و أجزتك أن تروي عنّي بهذه الإجازة، فنحن نروي الكتب الأربعة عن مصنّفيها بهذا الطريق‏ (1).

الثامن و العشرون‏ في كنز الفوائد للكراجكي و في البحار: و كذلك حال المعمر الآخر المشرقي و وجوده بمدينة من أرض المشرق يقال لها سهرورد إلى الآن، و رأينا جماعة رأوه و حدّثوا حديثه، و أنّه كان أيضا خادما لأمير المؤمنين، و الشيعة تقول أنّهما يجتمعان عند ظهور الإمام المهدي عليه و على آبائه أفضل السلام. و قال: هذا رجل مقيم ببلاد العجم من أرض الجبل، يذكر أنّه رأى أمير المؤمنين (عليه السّلام)، يعرفه الناس بذلك على مرّ السنين و الأعوام، و يقول أنّه لحقه ما لحق المغربي من الشجة في وجهه، و أنّه صحب أمير المؤمنين (عليه السّلام) و خدمه.

و حدّثني جماعة مختلفو المذاهب بحديثه، و أنّهم رأوه و سمعوا كلامه: منهم أبو العبّاس‏

____________

(1)- الأنوار النعمانية:، و بحار الأنوار: 53/ 279.

275

أحمد بن نوح بن محمد الحنبلي الشافعي، فحدّثني بمدينة الرملة في سنة إحدى عشرة و أربعمائة قال: كنت متوجّها إلى العراق للتفقّه فعبرت بمدينة يقال لها شهرود من أعمال الجبل، قريبة من زنجان، و ذلك في سنة خمسة و أربعمائة فقيل لي: إنّ هاهنا شيخا يزعم أنّه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فلو صرت إليه فرأيته لكان في ذلك فائدة عظيمة.

قال: فدخلنا عليه فإذا هو في بيته يعمل النوار، و إذا هو شيخ نحيف الجسم مدوّر اللحية كبيرها و له ولد صغير ولد له منذ سنة فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من أهل العلم متوجّهون إلى العراق يحبّون أن يسمعوا من الشيخ ما قد لقي من أمير المؤمنين. فقال: نعم، كان السبب في لقائي له أنّي كنت قائما في موضع من المواضع فإذا أنا بفارس مجتاز فرفعت رأسي فجعل الفارس يمرّ يده على رأسي و يدعو لي، فلمّا أن غبر أخبرت بأنّه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فهرولت حتّى لحقته و صاحبته، و ذكر أنّه كان معه في تكريت و موضع من العراق يقال له: تل فلان بعد ذلك، و كان بين يديه يخدمه إلى أن قبض (عليه السّلام) فخدم أولاده.

قال لي أحمد بن نوح: رأيت جماعة من أهل البلد ذكروا ذلك عنه قالوا: إنّا سمعنا آباءنا يخبرون عن أجدادنا بحال هذا الرجل و أنّه على هذه الصفة، و كان قد مضى فأقام بالأهواز ثمّ انتقل إليها لأذية الديلم له و هو مقيم بشهرود، و حدّثني بحديثه أيضا قوم من أهل شهرود و وصفوا الوصفة و قالوا هو يعمل الزنانير. انتهى‏ (1).

التاسع و العشرون من المعمّرين: و في البحار عن مكي بن أحمد قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الطوسي يقول: و قد أتى عليه سبع و تسعون سنة على باب يحيى بن منصور قال:

رأيت سربايك ملك الهند في بلاد تسمّى صوح، فسألناه: كم أتى عليك من السنين؟ قال:

تسعمائة سنة و خمس و عشرون سنة، و هو مسلم فزعم أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنفذ إليه عشرة من أصحابه منهم حذيفة بن اليمان و عمرو بن العاص و اسامة بن زيد و أبو موسى الأشعري و صهيب الرومي و سفينة و غيرهم يدعونه إلى الإسلام فأجاب و أسلم، و قبّل كتاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

فقلت له: كيف تصلّي مع هذا الضعف؟ فقال لي: قال اللّه عزّ و جلّ‏ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ‏

____________

(1)- كنز الفوائد: 267، و البحار: 51/ 260 ح 5.

276

قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ‏ (1) الآية، فقلت له: ما طعامك؟ فقال لي: آكل ماء اللحم و الكرّاث، و سألته: هل يخرج منك شي‏ء؟ فقال: في كل اسبوع مرّة شي‏ء يسير، و سألته عن أسنانه فقال: أبدلتها عشرين مرّة، و رأيت له في اسطبله شيئا من الدواب أكبر من الفيل يقال له زند فيل فقلت له: ما تصنع بهذا؟

قال: يحمل ثياب الخدم إلى القصار و مملكته مسيرة أربع سنين في مثلها، و مدينته طولها خمسون فرسخا في مثلها، و على كلّ باب منها عسكر مائة ألف و عشرين ألفا، إذا وقع في أحد الأبواب حدث خرجت تلك الفرقة إلى الحرب لا تستعين بغيرها و هو في وسط المدينة. و سمعته يقول: دخلت العرب فبلغت إلى الرمل، رمل عالج، و صرت إلى قوم موسى فرأيت سطوح بيوتهم مستوية و بيدر الطعام خارج القرية، يأخذون منه القوت و الباقي يتركونه هناك، و قبورهم في دورهم و بساتينهم من المدينة على فرسخين ليس فيهم شيخ و لا شيخة، و لم أر فيهم علّة و لا يعتلون إلى أن يموتوا، و لهم أسواق إذا أراد الإنسان منهم شراء شي‏ء صار إلى السوق فوزن لنفسه و أخذ ما يصيبه و صاحبه غير حاضر، و إذا أراد الصلاة حضروا فصلّوا و انصرفوا، لا يكون بينهم خصومة و لا كلام يكره إلّا ذكر اللّه عزّ و جلّ و الصلاة و ذكر الموت‏ (2).

قال الصدوق (رحمه اللّه): إذا كان عند مخالفينا مثل هذا الحال لسربايك ملك الهند فينبغي أن يحيلوا مثل ذلك في حجّة اللّه من التعمير، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم‏ (3).

الثلاثون من المعمّرين: في الدمعة عن كنز الكراجكيّ عن معاوية بن فضلة: كنت في الوفد الذين وجّههم عمر بن الخطاب و فتحنا مدينة حلوان، و طلبنا المشركين في الشعب فلم نقدر (4) عليهم، فحضرت الصلاة فانتهيت إلى ماء فنزلت عن فرسي، و أخذت بعنانه و توضّأت و أذّنت فقلت: اللّه أكبر، فأجابني شي‏ء من الجبل و هو يقول: كبرت تكبيرا، ففزعت لذلك فزعا شديدا و نظرت يمينا و شمالا فلم أر شيئا فقلت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، فأجابني و هو يقول: الآن حين أخلصت، فقلت: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقال: نبي بعث، فقلت:

حي على الصلاة، فقال: فريضة افترضت، فقلت: حي على الفلاح، فقال: قد أفلح من أجابها

____________

(1)- سورة آل عمران: 191.

(2)- كمال الدين: 642، و البحار: 14/ 520 ح 5.

(3)- كمال الدين: 642 ح 1 باب 54.

(4)- في نسخة: يردوا.

277

و استجاب لها، فقلت: قد قامت الصلاة، فقال: البقاء لامّة محمّد و على رأسها تقوم الساعة.

فلمّا فرغت من أذاني ناديت بأعلى صوتي حتّى أسمعت ما بين لابتي الجبل فقلت: إنسي أم جنّي؟

قال: فأطلع رأسه من كهف الجبل فقال: ما أنا بجنّي و لكنّي إنسي، فقلت له: من أنت يرحمك اللّه؟ قال: أنا رزيب بن ثملا من حواريي عيسى ابن مريم، أشهد أنّ صاحبكم نبيّ و هو الذي بشّر به عيسى ابن مريم، و لقد أردت الوصول إليه فحالت فيما بيني و بينه فارس و كسرى و أصحابه، ثمّ أدخل رأسه في كهف الجبل فركبت دابتي و لحقت بالناس و سعد بن أبي وقاص أميرنا فأخبرته بالخبر فكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب فجاء كتاب عمر يقول:

الحق الرجل، فركب سعد و ركبت معه حتّى انتهينا إلى الجبل فلم نترك كهفا و لا شعبا و لا واديا إلّا التمسناه فيه و لم نقدر عليه، و حضرت الصلاة.

فلمّا فرغت من صلاتي ناديت: يا صاحب الصوت الحسن و الوجه الجميل قد سمعنا منك كلاما حسنا فأخبرنا من أنت يرحمك اللّه، أقررت باللّه تعالى و وحدانيته فأنا عبد اللّه و وفد نبيّه. قال: فأطلع رأسه من كهف الجبل فإذا شيخ أبيض الرأس و اللحية، له هامة كأنّه رحى فقال: السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته. قلت: و عليك السلام و رحمة اللّه، من أنت يرحمك اللّه؟ قال: أنا رزيب بن ثملا وصي العبد الصالح عيسى ابن مريم (عليه السّلام)، كان سأل ربّه لي البقاء إلى نزوله من السماء، و قراري في هذا الجبل، و أنا موصيكم، سددوا و قاربوا، و إيّاكم و خصال لا تظهر في أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فإن ظهرت فالهرب الهرب، ليقوم أحدكم على نار جهنّم حتّى يطفأ عنه خير من البقاء في ذلك الزمان. الخبر (1).

الحادي و الثلاثون رجل معمّر ذو قلاقل‏، ذكر السيّد النسابة العلّامة علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي (قدّس اللّه روحه) في كتابه المسمّى بالأنوار المضيئة في الحكمة الشرعية:

روى الجدّ السعيد عبد الحميد يرفعه إلى الرئيس أبي الحسن الكاتب البصري و كان من الأشدّاء الأدباء قال: سنة اثنتين و تسعين و ثلاثمائة أشنت‏ (2) البرّ سنين عدّة و بعثت السماء درّها في أكناف البصرة و تسامع العرب بذلك، فوردوها من الأقطار البعيدة و البلاد النائية

____________

(1)- كنز الفوائد: 59، و مستدرك الوسائل: 12/ 332.

(2)- أشنت: هجمت و أغارت و حمشت.

278

على اختلاف لغاتهم و تباين فطرهم، فخرجت مع جماعة من الكبار و وجوه التجار نتصفّح أحوالهم و لغاتهم و نلتمس فائدة ربّما وجدناها عند أحدهم، فارتفع لنا بيت عال فقصدناه فوجدنا في كسره شيخا جالسا قد سقطت حاجباه على عينيه كبرا، و حوله جماعة من عبيده و أصحابه فسلمنا عليه فردّ التحية و أحسن التلقية فقال له رجل منّا: هذا السيد- و أشار إليّ- هو الناظر في معاملة الدرب، و هو من الفصحاء و أولاد العرب و كذلك الجماعة، ما منهم إلا من ينتسب إلى قبيلة و يختص بسداد و فصاحة، و قد خرج و خرجنا معه حين ورد ثمّ نلتمس الفائدة المستطرفة من أحدكم، و حين شاهدناك رجونا ما نبغيه عندك لعلوّ سنك. فقال الشيخ: و اللّه يا بني أخي: حيّاكم اللّه، إنّ الدنيا شغلتنا عمّا تبغونه منّي فإن أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي وهابيته، و أشار إلى بيت كبير بإزائه، فقلنا النظر إلى مثل والد هذا الشيخ أهم فائدة فلنتعجّل، فقصدنا ذلك البيت فوجدنا خباء في كسره شيخ مضطجع و حوله من الخدم و الأمراء.

و في ما شاهدناه أوّلا و رأينا عليه من آثار السن ما يجوز أن يكون والد ذلك الشيخ، فدنونا منه و سلّمنا عليه و أحسن الردّ و أكرم الجواب، فقلنا له مثل ما قلنا لابنه و ما كان من جوابه، و أنّه دلّنا عليك فعرجنا بالقصد إليك فقال: يا بني أخي حيّاكم اللّه إنّ الذي شغل ابني عمّا التمستموه هو الذي شغلني عمّا هذه سبيلي، و لكن الفائدة تجدونها عند والدي و ها هو بيته، و أشار إلى بيت منيف بنحوه منه، فقلنا فيما بيننا: حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفاني فإن كانت منه فائدة بعد ذلك فهي ربح لم تحتسب، فقصدنا ذلك الخباء فوجدنا حوله عددا كثيرا من الإماء و العبيد، فحين رأونا تسرعوا إلينا و بدءوا بالسلام علينا فقالوا: ما تبغون حيّاكم اللّه؟ فقلنا: نبغي السلام على سيّدكم و طلب الفائدة من عنده ببركتكم.

فقالوا: الفوائد كلّها عند سيّدنا و دخل منهم من يستأذن ثمّ خرج بالإذن لنا فدخلنا فإذا سرير في صدر البيت و عليه مخاد من جانبيه و وسادة في أوّله، على الوسادة رأس شيخ قد بلي و طار شعره، و الإزار على المخاد التي من جانبي السرير لتستره و لا شغل منها عليه، فجهرنا بالسلام فأحسن الرد، و قال قائلنا مثل ما قال لولد ولده و أعلمناه أنّه أرشدنا إلى أبيه فحجنا بما احتج به و أنّ أباه أرشدنا إليك و بشّرنا بالفائدة منك، ففتح الشيخ عينين قد غارتا

279

في أمّ رأسه و قال للخدم: أجلسوني، فلم تزل أيديهم تتهاداه بلطف إلى أن جلس و ستر بالأزر التي طرحت على المخاد.

ثمّ قال لنا: يا بني أخي لاحدّثنّكم بخبر تحفظونه عنّي و تفيدون منه ما يكون فيه ثواب لي: كان والدي لا يعيش له ولد و يحب أن يكون له عاقبة، فولدت له على كبر ففرح بي و ابتهج بمولدي ثمّ قضى ولي سبع سنين، فكفلني عمّي بعده و كان مثله في الحذر علي، فدخل بي يوما على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له: يا رسول اللّه إنّ هذا ابن أخي و قد مضى أبوه لسبيله و أنا كفيل بتربيته، و إنّني أنفس به على الموت فعلّمني عوذة أعوذه بها ليسلم ببركتها.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله): أين أنت عن ذات القلاقل. فقال: يا رسول اللّه و ما ذات القلاقل؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله): أن تعوذه فتقرأ عليه سورة الجحد قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ‏ إلى آخرها، و سورة الاخلاص‏ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الخ، و سورة الفلق‏ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ‏ الخ، و سورة الناس‏ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ‏ الخ.

و أنا إلى اليوم أتعوّذ بها كل غداة فما أصبت بولد و لا اصيب لي مال و لا مرضت و لا افتقرت، و قد انتهى بي السن إلى ما ترون فحافظوا عليها و استكثروا من التعوّذ بها، فسمعنا ذلك منه و انصرفنا من عنده.

و إذا كان شخص من بعض أمّة محمّد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ولع على التعوّذ بأربع سور من قصيرات أحد أجزاء القرآن فعمّر هذا العمر الطويل و بلغ ببركتها ما بلغ كما قيل، فما ظنّك بولد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الذي قد انتهى هذا القرآن و حكمه و فهمه و فوائده و علمه إليه و هو القائم بإيضاحه و بيانه، أ ليس هو ولي المسلمين و الإسلام و صاحب زمانه؟ فما المانع أن يكون قد أعطاه اللّه تعالى من الخاصية و جعل له من المزية طول التعمير و البقاء على مرّ الدهور و الأعوام، ليقوم بما وجب في القرآن على المكلّفين من شرائع الإسلام و ملّة جدّه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)؟ و هل يجحد ذلك إلّا من طبع على قلبه فكان من أصحاب الشيطان و حزبه، اولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم فأصمّهم و أعمى أبصارهم‏ (1). (2)؟

الثاني و الثلاثون‏، في العوالم عن عوالي اللئالي عن الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف‏

____________

(1)- إشارة إلى قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى‏ أَبْصارَهُمْ‏ سورة محمد: الآية 23.

(2)- مستدرك الوسائل: 4/ 389، و البحار: 51/ 258.

280

ابن مطهر قال: رويت عن مولانا شرف الدين إسحاق بن محمود اليماني القاضي بقم عن خاله مولانا عماد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي عن الشيخ صدر الدين السلوي قال: دخلت على الشيخ بابارتن و قد سقطت حاجباه على عينيه من الكبر فرفعهما عن عينيه فنظر إليّ و قال: ترى عينيّ هاتين، طال ما نظرتا إلى وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد رأيته يوم حفر الخندق و كان يحمل على ظهره التراب مع الناس و سمعته يقول في ذلك اليوم: اللهمّ إنّي أسألك عيشة هنيئة و ميتة سوية و مردّا غير مخز و لا فاضح‏ (1).

و عن السيد الجليل صدر الدين السيد علي في صنوة الغريب‏ (2) عن قاضي القضاة نور الدين علي بن شريف محمد بن الحسين الحسيني الأثري الحنفي قال: حكى لي جدّي حسين بن محمد الحسيني في سنة إحدى و سبعمائة من الهجرة ما ترجمته بالعربية: إنّه مضى من عمري سبع أو ثماني عشرة سنة، فسافرت مع أبي و عمّي من خراسان إلى بلاد الهند للتجارة، فلمّا وصلنا إلى أوائل ملك هند وردنا مزرعة فقيل: إنّ هذه المزرعة للشيخ رتن بن كزبال بن رتن المترندي، فحططنا رحالنا عند شجرة يكفي ظلّها لأن يستظلّ فيه جماعة كثيرة، فاجتمع أهل المزرعة كلّهم عندنا و سلّمنا عليهم فردوا علينا السلام، فنظرنا بالفروع و أغصان هذه الشجرة فإذا بغصن من أغصانها زنفيل كبير معلّق فسألتهم عن الزنفيل و عمّا فيه و كيفيّته، قالوا: هذا مسكن الشيخ رتن و هو الذي أدرك زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و تشرّف بخدمته و دعا (صلّى اللّه عليه و آله) له بطول العمر ست مرّات، فالتمسنا منهم أن ينزلوا الزنفيل فأنزله من بينهم رجل هرم فرأيناه مملوءا من القطن، و في وسطه الشيخ رتن قاعد مثل الدجاجة، فجعل هذا الرجل الهرم فمه عند اذنه و قال: يا جدّ إن جمعا من أهل خراسان و فيهم الشرفاء و ولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) يسألونك كيف رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و ما قال لك، ثمّ تأوه و تكلّم بالفارسية و صوته كصوت النحل و نحن نسمع كلامه و نتميزه و ترجمته بالعربية:

قال: سافرت مع أبي من هذه البلاد إلى الحجاز للتجارة، فلمّا وصلنا بواد من أودية مكّة و فيها ماء السبيل الكثير الغزير فرأينا شابّا وجيها كأنّ وجهه فلقة القمر و هو أسمر اللون، عمره‏

____________

(1)- عوالي اللئالي: 1/ 29.

(2)- طبع الكتاب باسم سلوة الغريب و اسوة الأديب، و له اسم آخر: رحلة ابن معصوم المدني. ط. عالم الكتب، بيروت 1408 ه.

281

عشرة أو اثنتا عشرة سنة، كان يرعى الإبل و قد حال الماء بينه و بين إبله و هو يريد العبور عن الماء و هو خائف على نفسه من ذلك، فلمّا وقفت بحاله أركبته على كتفي و جاوزته عن الماء و ألحقته بإبله فنظر إليّ و قال لي بلسانه على ثلاث مرّات: بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، ثمّ اشتغلت بشغلي و تجارتي و رجعت إلى وطني و مضت عليّ سنون عديدة فإذا بليلة من الليالي و كانت ليلة إكمال القمر من الليالي البيض، كنت في مزرعتي هذه فإذا بالقمر انشق نصفين، و صار نصفه إلى المشرق و نصفه الآخر إلى المغرب، و عادا في محلّهما و التصقا فصارا قمرا كالأوّل، فتعجبنا من ذلك و ما عرفنا كيف الحال إلى أن جاءت القوافل من سمت الحجاز، و أخبرونا بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) الذي ظهر في الحجاز طلبوا منه هذه المعجزة و صار كما طلبوا و أرادوا، فصرت مشتاقا لزيارة ذلك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) المبعوث و سافرت إليه، فلمّا وصلت مكّة و استأذنت للدخول عليه، فدخلت عليه و رأيته و قد سطع النور من وجهه إلى السماء، و هو (صلّى اللّه عليه و آله) يأكل الرطب فسلّمت عليه و ردّ عليّ، فبقيت من هيبته واقفا في مقامي ثمّ قال لي: كل الرطب فإنّ من المروّة الموافقة و إنّ من النفاق الزندقة، فقعدت و أكلت الرطب، و ناولني بيده الشريفة رطبة واحدة ثمّ رطبة واحدة حتّى ناولني ستّا غير ما أخذته بيدي و أكلت، ثمّ نظر إليّ و تبسّم و قال (صلّى اللّه عليه و آله): لعلّك ما عرفتني، أنا ذلك الصبي الذي نجيته من ماء السيل الذي حال بيني و بين إبلي، فعرفته بتلك العلامة و قلت: نعم عرفتك يا حسن الوجه، ثمّ قال: مدّ يدك فمددت يدي و صافحته، فقال: قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقلت ذلك و أسلمت، ففرح بإسلامي فلمّا أردت الرجوع إلى بلدي و استأذنته به و أذن لي دعا لي و قال (صلّى اللّه عليه و آله) لي ثلاث مرّات: بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، فودّعته و فرحت بمحبّته إيّاي، و استجاب اللّه دعاءه لي و بارك في عمري و مضى من عمري أزيد من ستمائة سنة، و كل من كان في هذه المزرعة من نسلي و أولادي، و بدعائه (صلّى اللّه عليه و آله) تفضّل اللّه لي و لهم بكل الخير و البركة (1).

أقول: لما ذكر قصّة شق القمر في ترجمة الشيخ رتن لا ضير بذكر بعض أخبار شقّ القمر:

و هو أن جناب المولوي محمد صاحب الحبشي ذكر في تصديق المسيح في جواب الپادري‏

____________

(1)- سلوة الغريب: 264- 266 بتفاوت حيث إنّ المصنّف نقلها عن أصل غير عربي، و الكتاب المطبوع عربي.

282

عند سؤاله عن شقّ القمر و كيفية وقوعه، نقلا عن سوانح الحرمين و كتب بالهندية ما ترجمته بالعربية و هو: أنّ رجلا هنديا كافرا يعبد الصنم و كان كبيرا في قومه، و صاحب الاقتدار في بلد دهار المتصلة ببحر چنبل صوبه مالون كان قاعدا في محلّه، و إذا قد صار القمر نصفين و تفرّق و التصق بعد ساعة، فسأل علماء مذهبه عن هذه الكيفية قالوا: في كتبنا مذكور أن نبيّا يظهر في العرب و معجزته شقّ القمر، ثمّ أرسل هذا الرجل أمينه و من هو في اموره العظيمة عميده، و استكشف حاله فآمن به، و سمّاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عبد اللّه و له قبر معروف و مزار عام.

قصّة اخرى أيضا في تصديق المسيح عن المقالة الحادية عشرة من تاريخ فرشته: أنّ في مملكة مليپار كان يهودي من أولاد السامري الذي أبدع عبادة العجل في زمن موسى، و هو رأى شقّ القمر فتعجّب من هذه الواقعة العجيبة العظيمة، فاستعلم عن جمع من المعتمدين فعلم أنّه من معاجز النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الامّي، فسافر إلى الحجاز و تشرّف بخدمته و آمن به و رجع إلى أن بلغ بلد ظفار فمات و قبره معلوم و مزاره عام.

الثالث و الثلاثون: سمعت من جمع أنّ من المعمّرين رجلا يسمّى نردوول في الكهف الذي من حوالي كابل من بلاد الأفاغنة من أهل السنّة و الجماعة، فأردت كشف النقاب و رفع الحجاب عن هذا الأمر العجاب، و استفسرت عمّن له من علم السياحة و التواريخ سائغ و شراب، من الشيخ و الشاب، و الرعية و الأرباب، و الأدنين و الأنجاب، و الضبّاط و النوّاب، فأخبروني و صار بحيث ما بقي مجال شك و لا ارتياب أنّ بقدر ثمانية أو تسعة منازل إلى كابل كفّار، و أهل كابل يأخذون العبيد و الإماء من أهل ذلك البلد، و هم معروفون بكفّار، سود اللباس مأكولهم لحم المعز و لبسهم جلد المعز، و يحرم عندهم نكاح الأرحام، و تمامهم من أولاد نردوول و نتائجه، و هو في كهف جبل من جبال ذلك البلد.

و نردوول هذا كان في عصر علي أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و حضر غزوة من الغزوات، و جرح علي (عليه السّلام) رأسه بضربته، و كلّما قرب أن يندمل جراحته يخرج من الكهف فإذا طير يسيح في الهواء و يعود جراحته و دائما مبتل بهذا البلاء و مأكوله كل يوم معزان؛ معز في النهار و معز في العشاء، و يعطيه أهل البلد لكونهم من نتائجه، و حكى لي واحد من السيّاحين: إنّي حضرت عند باب الكهف لأراه و أعرف حاله و أنّه كيف هو، فرأيته جالسا جلسة القرفصاء بحيث كانت ركبتاه بحذاء صدره، و كان رأسي قائما محاذي ركبتيه، و هو في الكهف دائما يأكل‏

283

و ينام و يتغوّط فيه.

الرابع و الثلاثون: في المجمع الرائق تصنيف السيّد هبة اللّه الموسوي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: إنّ داود (عليه السّلام) خرج يقرأ الزبور، و كان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل و لا حجر و لا طائر إلّا أجابه، فانتهى إلى جبل فإذا على ذلك الجبل نبيّ عابد يقال له حزقيل، فلمّا سمع دويّ الجبال و أصوات السباع و الطير علم أنّه داود (عليه السّلام)، فقال داود: يا حزقيل تأذن لي فأصعد إليك؟

قال: لا. فبكى داود فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا حزقيل لا تعير داود و سلني العافية. قال:

فأخذ حزقيل بيد داود و رفعه إليه. فقال داود: يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط؟ قال: لا.

قال: فهل دخلك العجب ممّا أنت من عبادة اللّه عزّ و جلّ؟ قال: لا. قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها و لذّتها؟ قال: بلى ربّما عرض ذلك بقلبي. قال: فما تصنع إذا كان ذلك؟ قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه. قال: فدخل داود الشعب فإذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية و عظام فانية، و إذا لوح من حديد فيه كتابة فقرأها داود (عليه السّلام) فإذا فيها: أنا ملكت ألف سنة و بنيت ألف مدينة و افتضضت ألف بكر، فكان آخر عمري أن صار التراب فراشي و الحجارة و سادي و الديدان و الهوام جيراني، فمن رآني فلا يغترّ بالدنيا (1).

في العوالم عن عوالي اللئالي بالإسناد إلى أحمد بن فهد عن بهاء الدين علي بن عبد الحميد عن يحيى بن نجل الكوفي عن صالح بن عبد اللّه اليمني و كان قدم الكوفة، قال يحيى: و رأيته بها سنة أربع و ثلاثين و سبعمائة عن أبيه عبد اللّه اليمني، و أنّه كان من المعمّرين و أدرك سلمان الفارسي رضى اللّه عنه، و أنه روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، و رأس العبادة حسن الظنّ باللّه‏ (2).

روى أبو رواحة الأنصاري عن المغربي قال: كنت عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) و قد أراد حرب معاوية، فنظر إلى جمجمة في جانب الفرات و قد أتت عليه، فمرّ عليها أمير المؤمنين (عليه السّلام) فدعاها فأجابته بالتلبية، و قد خرجت بين يديه و تكلّمت بكلام فصيح فأمرها بالرجوع فرجعت إلى مكانها كما كانت.

____________

(1)- أمالي الشيخ: 159 ح 157 مجلس 21.

(2)- بحار الأنوار: 51/ 258، و عوالي اللئالي: 1/ 27.

284

و لمّا فرغ من حرب نهروان أبصرنا جمجمة نخرة بالية فقال: هاتوها، فحرّكها بسوطه و قال: أخبرني من أنت فقير أم غني، شقيّ أم سعيد، ملك أم رعية؟ فقالت بلسان فصيح: يا أمير المؤمنين أنا كنت ملكا ظالما، فأنا پرويز بن هرمز ملك الملوك، ملكت مشارق الأرض و مغاربها و سهلها و جبلها و بحرها و برّها، أنا الذي أخذت ألف مدينة في الدنيا و قتلت ألف ملك من ملوكها، يا أمير المؤمنين أنا الذي بنيت خمسين مدينة و فضضت خمسمائة ألف جارية بكر، و اشتريت ألف عبد تركي و أرمني، و تزوّجت سبعين ألفا من بنات الملوك، و ما من ملك في الأرض إلّا غلبته و ظلمت أهله، فلمّا جاءني ملك الموت قال: يا ظالم يا طاغي خالفت الحقّ، فتزلزلت أعضائي و ارتعدت فرائصي و عرض علي أهل حبسي فإذا هم سبعون ألفا من أولاد الملوك قد شقوا من حبسي، فلمّا رفع ملك الموت روحي سكن أهل الأرض من ظلمي، فأنا معذّب في النار أبد الآبدين، فوكّل اللّه لي سبعين ألف ألف من الزبانية، في يد كلّ واحد منهم مرزبة من نار لو ضربت على جبال أهل الأرض لاحترقت الجبال فتدكدكت، و كلّما ضربني الملك بواحدة من تلك المرازيب تشتعل فيّ النار فيحييني اللّه تعالى و يعذّبني بظلمي على عباده أبد الآبدين، و كذلك و كلّ اللّه تعالى بعدد كلّ شعرة في بدني حيّة تنهشني و عقربة تلدغني، و كلّ ذلك أحسّ به كالحيّ في دنياه فتقول لي الحيّات و العقارب: هذا جزاء ظلمك على عباده. فسكتت الجمجمة فبكى جميع عسكر أمير المؤمنين (عليه السّلام) و ضربوا على رءوسهم‏ (1).

____________

(1)- مدينة المعاجز: 1/ 231، و البحار: 41/ 215.

285

الغصن الخامس في أخبار أمّه و تولّده و المعترفين بولادته من أهل السنّة و الجماعة

و من رآه في حياة أبيه (عليه السّلام) و بعد وفاته في غيبته الصغرى و الكبرى و معاجزه و سفرائه و توقيعاته، و هو مشتمل على فروع:

الفرع الأوّل: أخبار أمّه.

في البحار عن بشر بن سليمان النحاس و هو من ولد أبي أيّوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن و أبي محمد و جارهما بسر من رأى قال: أتاني كافور الخادم فقال: مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري يدعوك إليه فأتيته، فلمّا جلست بين يديه قال (عليه السّلام) لي: يا بشر إنّك من ولد الأنصار و هذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف و أنتم ثقاتنا أهل البيت، و إنّي مزكيك و مشرّفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بسرّ أطلعك عليه و انفذك في ابتياع أمة، فكتب كتابا لطيفا بخطّ رومي و لغة رومية و طبع عليه خاتمه و أخرج شقّة صفراء فيها مائتان و عشرون دينارا فقال (عليه السّلام): خذها و توجّه إلى بغداد و احضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا و ترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العبّاس و شرذمة من فتيان العرب، فإذا رأيت ذلك فأشرف من العبد على المسمّى عمر بن يزيد النخاس عامّة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا و كذا، لابسة حريرين صفيفين‏ (1)، تمتنع من العرض و لمس المعترض و الانقياد لمن يحاول لمسها، و تسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق فاعلم أنّها تقول و اهتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين عليّ ثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة فتقول بالعربية: لو برزت في زي سليمان بن داود و على شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك، فيقول النخاس: و ما الحيلة و لا بدّ من بيعك، فتقول الجارية: و ما العجلة و لا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه و إلى وفائه و أمانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس و قل له: إنّ معي كتابا ملطفا لبعض الأشراف كتب بلغة رومية و خط رومي‏

____________

(1)- ثوب كثير الغزل.

286

و وصف فيه كرمه و وفاءه و سخاءه فناولها إيّاه لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه و رضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.

قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن (عليه السّلام) في أمر الجارية، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا و قالت لعمر بن يزيد بعني من صاحب هذا الكتاب، و حلفت بالمحرجة و المغلظة أنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحّه في ثمنها حتّى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي من الدنانير، فاستوفاه و تسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة و انصرفت بها إلى الحجرة التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولانا (عليه السّلام) من جيبها و هي تلثمه و تطبقه على جفنها و تضعه على خدّها و تمسحه على بدنها، فقلت تعجّبا منها: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟

فقالت: أيّها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء، أعرني سمعك و فرّغ لي قلبك:

أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم و أمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، انبئك بالعجب أنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه و أنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين و الرهبان ثلاثمائة رجل، و من ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، و جمع من أمراء الأجناد و قوّاد العسكر و نقباء الجيوش و ملوك العشائر أربعة آلاف، و أبرز من بهيّ ملكه عرشا مصاغا من أصناف الجواهر و رفعه فوق أربعين مرقاة، فلمّا صعد ابن أخيه و أحدقت الصلب و قامت الأساقفة عكفا و نشرت أسفار الإنجيل، تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت الأرض و تقوّضت أعمدة العرش، فانهارت إلى القرار و خرّ الصاعد من العرش مغشيا عليه، فتغيّرت ألوان الأساقفة و ارتعدت فرائصهم.

فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي و المذهب الملكاني، فتطيّر جدّي من ذلك تطيرا شديدا و قال للأساقفة:

أقيموا هذه الأعمدة و ارفعوا الصلبان و أحضروا أخا هذا المدبر العاهر المنكوس جدّه لازوّجه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده، و لمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأوّل و تفرّق الناس، و قام جدّي قيصر مغتمّا فدخل منزل النساء و ارخيت‏

287

الستور، و رأيت في تلك الليلة كأنّ المسيح (عليه السّلام) و شمعون و عدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدّي و نصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوّا و ارتفاعا في الموضع الذي كان نصب جدّي فيه عرشه، و دخل عليه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و ختنه و وصيّه (عليه السّلام) و عدّة من أبنائه فتقدّم المسيح إليه فاعتنقه، فقال له محمد (صلّى اللّه عليه و آله): يا روح اللّه إنّي جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لا بني هذا، و أومأ بيده إلى أبي محمد ابن صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح إلى شمعون و قال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك إلى رحم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر فخطب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و زوّجني من ابنه و شهد المسيح و شهد أبناء محمّد و الحواريون، فلمّا استيقظت أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي و جدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها و لا ابديها لهم و ضرب صدري بمحبّة أبي محمد (عليه السّلام) حتى امتنعت من الطعام و الشراب فضعفت نفسي و دقّ شخصي و مرضت مرضا شديدا، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلّا أحضره جدّي و سأله عن دوائي، فلمّا برح به اليأس قال:

يا قرّة عيني هل يخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا؟

فقلت: يا جدّي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، و فككت عنهم الأغلال و تصدّقت عليهم و منيتهم الخلاص، رجوت أن يهب المسيح و أمّه عافية، فلمّا فعل ذلك تجلّدت في إظهار الصحّة من بدني قليلا و تناولت يسيرا من الطعام، فسر بذلك و أقبل على إكرام الأسارى و إعزازهم، فرأيت أيضا بعد أربع عشرة ليلة كأنّ سيّدة نساء العالمين قد زارتني و معها مريم بنت عمران و ألف من وصائف الجنان فتقول لي مريم: هذه سيّدة النساء (عليها السّلام) أمّ زوجك أبي محمّد (عليه السّلام)، فأتعلّق بها و أبكي و أشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي، فقالت سيّدة النساء (عليها السّلام): إنّ ابني أبا محمّد لا يزورك و أنت مشركة باللّه على مذهب النصارى، و هذه اختي مريم بنت عمران تبرأ إلى اللّه من دينك فإن ملت إلى رضاء اللّه تعالى و رضا المسيح و زيارة أبي محمّد إيّاك فقولي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ أبي محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فلمّا تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني إلى صدرها سيّدة نساء العالمين، و طيّبت نفسي و قالت: الآن توقعي زيارة أبي محمّد و إنّي منفذة إليك، فانتبهت و أنا أقول و أتوقّع لقاء أبي محمّد، فلمّا نمت من الليلة القابلة رأيت أبا محمّد (عليه السّلام) و كأنّي أقول: قد جفوتني يا حبيبي بعد أن أتلفت نفسي معالجة حبّك، فقال: ما

288

كان تأخّري عنك إلّا لشركك، فقد أسلمت و أنا زائرك في كلّ ليلة إلى أن يجمع اللّه شملنا في العيان، فما قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

قال بشر: فقلت لها: و كيف وقعت في الأسارى؟ فقالت: أخبرني أبو محمّد (عليه السّلام) ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسيّر جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا و كذا ثمّ يتبعهم فعليك باللحاق بهم متنكّرة في زي الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت ذلك فوقفت علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت و شاهدت، و ما شعر بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك و ذلك بإطلاعي إيّاك عليه، و لقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته و قلت: نرجس اسم الجواري. قلت: العجب أنّك رومية و لسانك عربي! قالت: نعم من ولع جدّي و حمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمانة له في الاختلاف إليّ، و كانت تقصدني صباحا و مساء و تفيدني العربية حتّى استمر لساني عليها و استقام.

قال بشر: فلمّا انكفأت بها إلى سرّ من رأى دخلت على مولاي أبي الحسن (عليه السّلام) فقال: أراك اللّه عزّ الإسلام و ذلّ النصرانية و شرف محمّد و أهل بيته. قالت: كيف أصف لك يا بن رسول اللّه ما أنت أعلم به منّي. قال (عليه السّلام): فإنّي احبّ أن اكرمك فأيّما أحبّ إليك أصف لك يا بن رسول اللّه ما أنت أعلم به منّي. قال (عليه السّلام): فإنّي احبّ أن اكرمك فأيّما أحبّ إليك عشرة آلاف دينار أم بشرى لك بشرف الأبد؟ قالت: بشرى بولد لي. قال لها: أبشري بولد يملك الدنيا شرقا و غربا و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا. قالت: ممن؟ قال: ممّن خطبك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية، قال لها: ممّن زوّجك المسيح و وصيّه؟ قالت: من ابنك أبي محمّد (عليه السّلام). فقال: هل تعرفينه؟ قالت: و هل خلت ليلة لم يزرني فيها، منذ الليلة التي أسلمت على يد سيّدة النساء (عليها السّلام). قال: فقال مولانا: يا كافور ادع اختي حكيمة (ر ض)، فلمّا دخلت قال لها: ها هيه و اعتنقتها طويلا و مالت بها كثيرا، فقال لها أبو الحسن: يا بنت رسول اللّه خذيها إلى منزلك و علّميها الفرائض و السنن، فإنّها زوجة أبي محمّد و أمّ القائم (عجّل اللّه فرجه)(1).

____________

(1)- كمال الدين: 423، و غيبة الشيخ الطوسي: 213 و البحار: 51/ 8 خ 12.

289

الفرع الثاني أخبار تولّده (عجّل اللّه فرجه)

في إرشاد المفيد: كان الإمام القائم (عليه السّلام) بعد أبي محمد ابنه المسمّى باسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المكنّى بكنيته، و لم يخلف أبوه ولدا ظاهرا و لا باطنا غيره، و خلّفه غائبا مستترا و كان مولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين و أمّه أمّ ولد يقال لها نرجس، و كان سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه اللّه فيها الحكمة و فصل الخطاب و جعله آية للعالمين، و آتاه اللّه الحكمة كما آتاها يحيى صبيا، و جعله إماما في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى ابن مريم في المهد نبيّا، و له قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الاخرى كما جاءت بذلك الأخبار؛ فأمّا القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه و بين شيعته و عدم السفراء بالوفاة، و أمّا الطولى فهي بعد الاولى و في آخرها يقوم بالسيف، قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (1) و قال جلّ اسمه‏ وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (2) و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لن تنقضي الأيّام و الليالي حتّى يبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يواطي اسمه اسمي يملؤها عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا (3).

و في البحار عن محمّد بن عبد اللّه المطهري قال: قصدت حكيمة بنت محمد بعد مضيّ أبي محمد أسألها عن الحجّة و ما قد اختلفت فيه الناس من الحيرة التي هم فيها. فقالت لي:

اجلس، فجلست، ثمّ قالت لي: يا محمد إنّ اللّه تبارك و تعالى لا يخلي الأرض من حجّة ناطقة أو صامتة، و لم يجعلها في أخوين بعد الحسن و الحسين (عليهما السّلام) تفضيلا للحسن و الحسين و تمييزا لهما أن يكون في الأرض عديلهما، إلّا أنّ اللّه تبارك و تعالى خصّ ولد الحسين‏

____________

(1)- سورة القصص: 5.

(2)- سورة الأنبياء: 105.

(3)- الإرشاد: 346 باب ذكر الإمام القائم.

290

بالفضل على ولد الحسن كما خصّ ولد هارون على ولد موسى و إن كان موسى حجّة على هارون و الفضل لولده إلى يوم القيامة. و لا بدّ للامّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون و يخلص فيها المحقّقون لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل، و إنّ الحيرة لا بدّ واقعة بعد مضيّ أبي محمّد الحسن (عليه السّلام).

فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن ولد؟ فتبسّمت ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن عقب فمن الحجّة من بعده، و قد أخبرتك أنّ الإمامة لا تكون للأخوين بعد الحسن و الحسين. فقلت: يا سيّدتي حدّثيني بولادة مولاي و غيبته؟ قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس فزارني ابن أخي و أقبل يحدّ النظر إليها فقلت له: يا سيدي لعلّك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال: لا يا عمّة لكن أتعجّب منها. فقلت: و ما أعجبك؟ فقال (عليه السّلام): سيخرج منها ولد كريم على اللّه عزّ و جلّ الذي يملأ اللّه به الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما. قلت: فأرسلها إليك يا سيّدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي (عليه السّلام).

قالت: فلبست ثيابي و أتيت منزل أبي الحسن فسلّمت و جلست فبدأني و قال: حكيمة ابعثي بنرجس إلى ابني أبي محمّد. قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك أن أستأذنك في ذلك، فقال: يا مباركة إنّ اللّه تبارك و تعالى أحبّ أن يشركك في الأجر و يجعل لك في الخير نصيبا. قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي و زيّنتها و وهبتها لأبي محمّد و جمعت بينه و بينها في منزلي، فأقام عندي أيّاما ثمّ مضى إلى والده و وجّهت بها معه، قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن و جلس أبو محمد مكان والده، و كنت أزوره كما كنت أزور والده فجاءتني نرجس يوما تخلع خفي و قالت: يا مولاتي ناوليني خفك.

فقلت: بل أنت سيدتي و مولاتي، و اللّه ما رفعت إليك خفّي لتخلعيه لا خدمتني، بل أخدمك على بصري، فسمع أبو محمد ذلك، فقال: جزاك اللّه خيرا يا عمّة، فجلست عنده إلى غروب الشمس فصحت بالجارية و قلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال: يا عمّتاه بيتي الليلة عندنا فإنّه سيولد الليلة المولود الكريم على اللّه عزّ و جلّ، الذي يحيي اللّه عزّ و جلّ به الأرض بعد موتها، قلت: ممّن يا سيدي و لست أرى بنرجس شيئا من أثر الحمل؟ فقال: من نرجس لا من غيرها. قالت: فوثبت إلى نرجس فقلبتها ظهرا لبطن فلم أر بها أثرا من حمل، فعدت إليه فأخبرته بما فعلت، فتبسّم ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحمل؛

291

لأنّ مثلها مثل أمّ موسى لم يظهر بها الحمل و لم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها؛ لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى و هذا نظير موسى.

قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر و هي نائمة بين يدي لا تقلب جنبا إلى جنب، حتّى إذا كان في آخر الليل وقت طلوع الفجر و ثبت فزعة فضممتها إلى صدري و سمّيت عليها فصاح أبو محمد و قال: اقرئي عليها: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ و قلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ و سلّم علي.

قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح لي أبو محمد: لا تعجبي من أمر اللّه عزّ و جلّ، إنّ اللّه تبارك و تعالى ينطقنا بالحكمة صغارا و يجعلنا حجّة في أرضه كبارا، فلم يستتم الكلام حتّى غيّبت عنّي نرجس فلم أرها، كأنّه ضرب بيني و بينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد و أنا صارخة فقال لي: ارجعي يا عمّة فإنّك ستجدينها في مكانها.

قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب بيني و بينها و إذا أنا بها و عليها من أثر النور ما غشّى بصري، و إذا أنا بالصبي ساجدا على وجهه جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه نحو السماء و هو يقول: «أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ جدّي رسول اللّه و أنّ أبي أمير المؤمنين،» ثمّ عدّ إماما إماما إلى أن بلغ إلى نفسه فقال (عجّل اللّه فرجه): اللهمّ أنجز لي وعدي و أتمم لي أمري و ثبّت وطأتي و املأ الأرض بي عدلا و قسطا. فصاح أبو محمّد الحسن (عليه السّلام) فقال: يا عمّة تناوليه فهاتيه، فتناولته و أتيت به نحوه، فلمّا مثلت بين يدي أبيه و هو على يدي، سلّم على أبيه فتناوله الحسن و الطير ترفرف على رأسه فصاح بطير منها فقال له:

احمله و احفظه و ردّه إلينا في كل أربعين يوما فتناوله الطائر و طار به في جوّ السماء، و اتبعه سائر الطير، و سمعت أبا محمد يقول: استودعتك الذي استودعته أمّ موسى موسى، فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فإنّ الرضاع محرم عليه إلّا من ثديك و سيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمّه، و ذلك قوله عزّ و جلّ: فَرَدَدْناهُ إِلى‏ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ‏ (1).

قالت حكيمة: فقلت: ما هذا الطائر؟ قال: هذا روح القدس الموكّل بالأئمّة، يوفقهم و يسدّدهم و يربيهم بالعلم. قالت حكيمة: فلمّا أن كان بعد أربعين يوما ردّ الغلام و وجّه إليّ‏

____________

(1)- سورة القصص: 13.

292

ابن أخي فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرّك يمشي بين يديه فقلت: سيدي هذا ابن سنتين؟ فتبسّم (عليه السّلام) ثمّ قال: إنّ أولاد الأنبياء و الأوصياء إذا كانوا أئمّة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم، و إنّ الصبي منّا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، و إنّ الصبي منّا ليتكلّم في بطن أمّه و يقرأ القرآن و يعبد ربّه عزّ و جلّ، و عند الرضاع تطيعه الملائكة و تنزل عليهم صباحا و مساء.

قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي كلّ أربعين يوما إلى أن رأيته رجلا قبل مضيّ أبي محمّد (عليه السّلام) بأيّام قلائل فلم أعرفه فقلت لأبي محمّد: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس و خليفتي من بعدي و عن قليل تفقدوني فاسمعي له و أطيعي. قالت حكيمة: فمضى أبو محمّد بأيّام قلائل و افترق الناس كما ترى، و اللّه إنّي لأراه صباحا و مساء و إنّه لينبئني عمّا تسألونني عنه فأخبركم، و و اللّه إنّي لاريد أن أسأله عن الشي‏ء فيبدأني به، و إنّه ليرد عليّ الأمر فيخرج إليّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، و قد أخبرني البارحة بمجيئك إليّ و أمرني أن اخبرك بالحقّ. قال محمّد بن عبد اللّه: فو اللّه لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها إلّا اللّه عزّ و جلّ، فعلمت أنّ ذلك صدق و عدل من اللّه تعالى، و أنّ اللّه عزّ و جلّ قد أطلعه على ما لم يطلع عليه أحدا من خلقه‏ (1).

____________

(1)- كمال الدين: 429، و مدينة المعاجز: 8/ 68، و البحار: 51/ 12 ح 14.

293

الفرع الثالث في ذكر بعض المعترفين بولادته من أهل السنّة و الجماعة

اعلم أيّها الطالب للحقّ و الإنصاف أنّ في خصوص تولّده (عجّل اللّه فرجه) في سر من رأى أنّه و هو ابن الحسن العسكري لا يكاد يوجد منكر من طرف الخاصّة. و أمّا من طرف أهل السنّة فالمعترفون بولادته في سر من رأى من نرجس في سنة خمس و خمسين و مائتين، بل غيبته في السرداب من المعروفين الموثقين كثير بحيث لا يكاد يحصى عددهم، و نحن نذكر جلّا منهم:

الأوّل: أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن القرشي النصيبي: و لا يكاد يوجد منكر من أهل السنّة و الجماعة لنفسه و لكتابه المسمّى بمطالب السئول، قال في كتابه: الباب الثاني عشر في أبي القاسم م ح م د بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) بن أبي طالب، المهدي الحجّة الخلف الصالح المنتظر (عجّل اللّه فرجه) و رحمة اللّه و بركاته:

فهذا الخلف الحجّة قد أيّده اللّه‏* * * هدانا منهج الحق و آتاه سجاياه‏

و أعلاه ذرى العليا و بالتأييد رقّاه‏* * * و آتاه حلى فضل عظيم فتحلاه‏

و قد قال رسول اللّه قولا قد رويناه‏* * * و ذو العلم بما قال إذا أدركت معناه‏

يرى الأخبار في المهدي جاءت بمسمّاه‏* * * و قد أبداه بالنسبة و الوصف و سمّاه‏

و يكفي قوله: مني لإشراق محياه‏* * * و من بضعته الزهراء مجراه و مرساه‏

و لن يبلغ ما اوتيه أمثال و أشباه‏* * * فإن قالوا هو المهدي ما ماتوا بما فاهوا

قد وقع من النبوّة في أكناف عناصرها و رضع من الرسالة أخلاف أواصرها و ترع من القرابة بسجال معاصرها، و برع في صفات الشرف فعقدت عليه بخناصرها، فاقتنى من الأنساب شرف نصابها، و اعتلا عند الانتساب على شرف أحسابها، و اجتنى جنا الهداية من‏

294

معادنها و أسبابها؛ فهو من ولد الطهر البتول، المجزوم بكونها بضعة من الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فالرسالة أصلها و إنّها لأشرف العناصر و الاصول، فأمّا مولده فبسرّمن‏رأى في الثالث و العشرين من رمضان سنة ثمان و خمسين و مائتين للهجرة. و أمّا نسبه أبا و امّا فأبوه الحسن الخالص بن علي المتوكّل- إلى أن قال: ابن علي المرتضى أمير المؤمنين- إلى أن قال: و أمّا اسمه فمحمّد و كنيته أبو القاسم و لقبه الحجّة و الخلف الصالح، و قيل: المنتظر (1).

الثاني: أبو عبد اللّه محمد بن يوسف الكنجي الشافعي الذي يعبّر عنه ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة: بالإمام الحافظ، و وثّقه و بجّله جمع من العلماء، و لا يوجد له معارض في أهل السنّة و الجماعة قال في كتابه كفاية الطالب بعد ذكر تاريخ ولادة أبي محمّد (عليه السّلام) و وفاته: و خلّف ابنه، و هو الإمام المنتظر (2).

و في كتابه البيان بعد ذكر الأئمّة من ولد أمير المؤمنين (عليه السّلام) ما لفظه: و خلّف- يعني علي الهادي- من الولد أبا محمد الحسن ابنه. ثمّ ذكر تاريخ ولادته و وفاته و قال: ابنه و هو الحجّة الإمام المنتظر، و كان قد أخفى مولده و ستر أمره لصعوبة الوقت و خوف السلطان. و الباب الرابع و العشرون منه في الدلالة على جواز بقاء المهدي (عجّل اللّه فرجه) منذ غيبته‏ (3).

الثالث: نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي، و وثّقه و بجّله جلّ من العلماء منهم محمد بن عبد الرّحمن السخاوي البصري تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال في الفصول المهمّة: الفصل الثاني عشر في ذكر أبي القاسم الحجّة الخلف الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص، و هو الإمام الثاني عشر و تاريخ ولادته و دلائل إمامته‏ (4).

الرابع: شمس الدين يوسف بن قزأغلي بن عبد اللّه البغدادي الحنفي، سبط العالم الواعظ أبي الفرج عبد الرّحمن بن جوزي في آخر كتابه الموسوم بتذكرة خواص الامّة بعد ترجمة العسكري (عليه السّلام): ذكر أولاده منهم (م ح م د) الإمام فقال هو (م ح م د) بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام)، و كنيته أبو عبد اللّه و أبو القاسم، و هو الخلف الحجّة صاحب الزمان القائم‏

____________

(1)- مطالب السئول: باب 12 و كشف الغمة: 3/ 233 عنه.

(2)- كفاية الطالب: 458 ذيل الباب الثامن.

(3)- البيان: 148.

(4)- الفصول المهمّة.

295

و المنتظر و التالي، و هو آخر الأئمّة (1).

الخامس: الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي في الباب السادس و الستّين و ثلاثمائة من الفتوحات: و اعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي (عجّل اللّه فرجه) لكن لا يخرج حتّى تمتلئ الأرض جورا و ظلما فيملأها قسطا و عدلا، و لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد طوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يلي ذلك الخليفة، و هو من عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من ولد فاطمة (عليها السّلام)، جدّه الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، و والده الحسن العسكري بن الإمام علي النقي- بالنون- بن الإمام محمد التقي- بالتاء- بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، يواطئ اسمه اسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، يبايعه المسلمون ما بين الركن و المقام، يشبه رسول اللّه في الخلق- بفتح الخاء- و ينزل عنه في الخلق- بضمّها- إذ لا يكون أحد مثل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في أخلاقه، و اللّه تعالى يقول: وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏ (2) و هو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة يقسم المال بالسوية و يعدل في الرعية، يمشي الخضر بين يديه، يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا، يقفو أثر رسول اللّه، له ملك يسدّده من حيث لا يراه، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفا من المسلمين، يعزّ اللّه به الإسلام بعد ذلّه، و يحييه بعد موته، و يضع الجزية و يدعو إلى اللّه بالسيف فمن أبى قتل و من نازعه خذل، يحكم بالدين الخالص عن الرأي. إلى آخر كلامه‏ (3).

السادس: الشيخ العارف عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني في كتابه المسمّى باليواقيت، و هو بمنزلة الشرح لتعلّقات الفتوحات، و هذا كتابه تلقّاه العلماء بالقبول. قال في المبحث الخامس و الستّين من الجزء الثاني من الكتاب المذكور: في بيان أنّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ لا بدّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة، و ذلك لخروج المهدي (عجّل اللّه فرجه) ثمّ الدجّال ثمّ نزول عيسى- إلى أن قال- إلى انتهاء الألف، ثمّ تأخذ في ابتداء الاضمحلال إلى أن يصير الدين غريبا كما بدأ، و ذلك الاضمحلال يكون بدايته من‏

____________

(1)- تذكرة الخواص: 325 فصل في ذكر الحجّة المهدي (عليه السّلام).

(2)- سورة القلم: 4.

(3)- الفتوحات المكية: 3/ 419 باب 366 ط. بولاق- مصر، اليواقيت و الجواهر: 422- 423.

296

مضي ثلاثين سنة من القرن الحادي عشر، فهناك يترقّب خروج المهدي (عجّل اللّه فرجه)، و هو من أولاد الإمام الحسن العسكري و مولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين، و هو باق إلى أن يجتمع بعيسى ابن مريم فيكون عمره إلى وقتنا هذا- و هو سنة ثمان و خمسين و تسعمائة- سبعمائة و ثلاث سنين‏ (1).

السابع: نور الدين عبد الرّحمن بن قوام الدين الدشتي الجامي الحنفي في شواهد النبوّة (2)، و هو كتاب جليل معتمد، و في هذا الكتاب جعل الحجّة ابن الحسن (عليه السّلام) الإمام الثاني عشر، ذكر غرائب حالات ولادته و بعض معاجزه و أنّه الذي يملأ الأرض عدلا و قسطا، و روى عن حكيمة عمّة أبي محمّد الزكي أنّها قالت: كنت يوما عند أبي محمّد (عليه السّلام) فقال: يا عمّة بيتي الليلة فإنّ اللّه يعطينا خلفا. فقلت: ممّن؟ فإنّي لا أرى في نرجس أثر الحمل. فقال (عليه السّلام): يا عمّة مثل نرجس مثل أمّ موسى لا يظهر حملها إلّا في وقت الولادة (3)، إلى آخر حال تولّده كما ذكر في غصن تولّده (عجّل اللّه فرجه) باختلاف ما روي عن غير واحد رؤيتهم إيّاه في حال حياة أبي محمّد (عليه السّلام)، و حكاية المبعوثين من قبل المعتمد على قتله (عليه السّلام).

الثامن: الحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري المعروف بخواجة پارسا من أعيان علماء الحنفية في كتابه فصل الخطاب: و لمّا زعم أبو عبد اللّه جعفر بن أبي الحسن علي الهادي رضى اللّه عنه أنّه لا ولد لأخيه أبي محمد الحسن العسكري (عليه السّلام) و ادّعى أنّ أخاه الحسن العسكري جعل الإمامة فيه سمّي الكذّاب، و هو معروف بذلك، و العقب من ولد جعفر بن علي هذا في علي بن جعفر، و عقب علي هذا ثلاثة: عبد اللّه و جعفر و إسماعيل، و أبو محمد الحسن العسكري ولده م ح م د (عليه السّلام) معلوم عند خاصّة خواص أصحابه و ثقات أهله. ثمّ جر الكلام في ذكر رواية تولّده عن حكيمة بنت أبي جعفر محمد الجواد كما في ترجمة عبد الرّحمن الجامي قبيل ذلك باختلاف يسير (4).

التاسع: الحافظ أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس في أربعينه‏ (5) المعروف في الحديث‏

____________

(1)- اليواقيت و الجواهر: 422 المبحث الخامس و الستّون.

(2)- راجع غيبة النعماني: 14.

(3)- مدينة المعاجز: 8/ 31. و تقدّم الحديث مفصّلا.

(4)- عنه خاتمة المستدرك: 22/ 487 ح 214.

(5)- راجع مقتضب الأثر: 12.

297

الرابع عن أحمد بن نافع البصري قال: حدّثني أبي و كان خادما للإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر الصادق (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي باقر علوم الأنبياء محمّد بن علي قال: حدّثني أبي سيّد العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي سيّد الشهداء الحسين بن علي (عليه السّلام) قال:

حدّثني سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أنّه قال: قال لي أخي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و هو مقبل عليه غير معرض عنه فليتولّ عليا، و من سرّه أن يلقى اللّه و هو راض عنه فليتولّ ابنك الحسن، و من أحب أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و لا خوف عليه فليتولّ ابنك الحسين، و من أحب أن يلقى اللّه و هو يحطّ عنه ذنوبه فليتولّ علي بن الحسين (عليه السّلام) فإنّه كما قال اللّه تعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (1) من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و هو قرير العين فليتولّ محمد بن علي (عليه السّلام)، و من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ فيعطيه كتابه بيمينه فليتولّ جعفر بن محمد، و من أحبّ أن يلقى اللّه طاهرا مطهرا فليتولّ موسى بن جعفر النور الكاظم، و من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و هو ضاحك فليتولّ علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) و من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و قد رفعت درجاته و بدّلت سيّئاته حسنات فليتولّ ابنه محمدا، و من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ فيحاسبه حسابا يسيرا، و يدخله جنّة عرضها السموات و الأرض فليتولّ ابنه عليّا، و من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و هو من الفائزين فليتولّ ابنه الحسن العسكري، و من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ و جلّ و قد كمل إيمانه و حسن إسلامه فليتولّ ابنه صاحب الزمان المهدي (عجّل اللّه فرجه)؛ فهؤلاء مصابيح الدجى و أئمّة الهدى و أعلام التقى فمن أحبّهم و تولّاهم كنت ضامنا له على اللّه الجنّة (2).

العاشر: أبو المجد عبد الحقّ الدهلوي البخاري قال في رسالته في المناقب و أحوال الأئمّة الأطهار بعد ذكر أمير المؤمنين و الحسنين و السجّاد و الباقر و الصادق: و هؤلاء من أهل البيت وقع لهم ذكر في الكتاب- إلى أن قال- و لقد تشرّفا بذكرهم جميعا في الرسالة المنفردة الخ. فقال في الرسالة: و أبو محمد العسكري، ولده (م ح م د) معلوم عند خواص أصحابه و ثقاته. ثمّ نقل قصّة الولادة بالفارسية على طبق ما مرّ عن فصل الخطاب للخواجة

____________

(1)- سورة الفتح: 29.

(2)- الروضة في المعجزات و الفضائل: 155، و الصراط المستقيم: 2/ 148.

298

محمّد پارسا (1).

الحادي عشر: السيّد جمال الدين عطاء اللّه بن السّيد غياث الدين فضل اللّه بن السيّد عبد الرّحمن المحدث المعروف صاحب كتاب: روضة الأحباب بالفارسية: إمام دوازدهم (م ح م د) بن الحسن (عليه السّلام) تولد همايون آن در درج ولايت و جوهر معدن هدايت در منتصف شعبان سنة دويست و پنجاه و پنج در سامره اتفاق افتاد و گفته شده در بيست و سيم از شهر رمضان سنة دويست و پنجاه و هشت و مادر آن عالى عالى‏گهر امّ ولد بوده و مسماة بصيقل يا سوسن و قيل: نرجس و قيل: حكيمة، و آن إمام ذو الاحترام در كنيت با حضرت خير الأنام عليه و آله تحف السلام موافقت دارد و مهدي منتظر و الخلف الصالح و صاحب الزمان در ألقاب أو منتظم است در وقت وفات پدر (عليه السّلام) بزرگوار خود بروايتى كه بصحت اقربست پنجساله بود و بقول ثانى دوساله و حضرت واهب العطايا آن شكوفه گلزار را مانند يحيى بن زكريا (سلام اللّه عليهما) در حالت طفوليت حكمت كرامت فرموده و در وقت صبا به مرتبه بلند إمامت رسانيده و صاحب الزمان يعنى مهدى دوران در زمان معتمد خليفه در سنه دويست و شصت و پنج يا شصت و شش على اختلاف القولين در سردابه سر من رأى أز نظر فرق برا يا غائب شد، و بعد ذكر كلماتى چند درباره آن جناب و نقل بعضى روايات صريحه در آنكه مهدى موعود همان حجة بن الحسن العسكري است‏ (2).

الثاني عشر: الحافظ بن محمد أحمد بن إبراهيم بن هاشم الطوسي البلاذري في مسلسلاته: أخبرني فريد عصره الشيخ حسن بن علي العجمي، أنا (3) حافظ عصره جمال الدين الباهلي، أنا مسند وقته محمد الحجازي الواعظ، أنا صوفي زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعراني، أنا مجتهد عصره الجلال السيوطي، أنا حفظ عصره أبو نعيم رضوان العقبي، أنا معرفي زمانه الشيخ محمد بن الجوزي، أنا الإمام جلال الدين محمد بن محمد بن الجمال زاهد عصره، أنا الإمام محمد بن مسعود محدث بلاد فارس في زمانه، أنا شيخنا إسماعيل ابن مظفر الشيرازي عالم وقته، أنا عبد السلام بن أبي الربيع الحنفي محدّث زمانه، أنا أبو بكر عبد اللّه بن محمد بن شابور القلانسي شيخ عصره، أنا عبد العزيز، حدثنا (4) محمد الأمّي‏

____________

(1)- راجع كشف الغمة: 2/ 498.

(2)- راجع غيبة النعماني: 14 و مقتضب الأثر: 12.

(3)- أي أخبرنا.

(4)- أي حدّثنا.

299

إمام أوانه، أنا سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان نادرة عصره، حدثنا أحمد بن محمد بن هاشم البلاذري حافظ زمانه، حدثنا (م ح م د) بن الحسن المحجوب إمام عصره، حدثنا الحسن بن علي عن أبيه عن جدّه عن أبي جدّه علي بن موسى الرضا، حدثنا موسى الكاظم قال: حدثنا أبي جعفر الصادق، حدثنا أبي محمد الباقر بن علي، حدثنا علي بن الحسين زين العابدين السجّاد، حدثنا أبي الحسين سيّد الشهداء (عليه السّلام)، حدثنا أبي علي بن أبي طالب سيّد الأولياء، قال: أخبرنا سيّد الأنبياء محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: أخبرني جبرئيل سيّد الملائكة قال: قال اللّه تعالى سيّد السادات: إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، من أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني و من دخل حصني أمن من عذابي.

الثالث عشر: الشيخ العالم الأريب الأوحد أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن الخشّاب عن صدقة بن موسى، حدّثنا أبي شهاب الدين المعروف بملك العلماء عن الرضا (عليه السّلام) الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي، و هو صاحب الزمان و هو المهدي. و عن هارون بن موسى عن أبيه موسى قال: قال سيّدي جعفر بن محمّد (عليه السّلام):

الخلف الصالح من ولدي هو المهدي، اسمه م ح م د و كنيته أبو القاسم يخرج في آخر الزمان يقال لامّه صيقل، و في رواية، بل أمّه حكيمة، و في رواية اخرى ثالثة يقال لها:

نرجس، و يقال بل سوسن، و اللّه أعلم بذلك‏ (1).

الرابع عشر: شهاب الدين بن شمس‏ (2) الدين بن عمر الهندي المعروف بملك العلماء، صاحب التفسير الموسوم بالبحر المواج قال في كتابه الموسوم ب «هداية السعداء» (3):

و يقول أهل السنّة: إنّ خلافة الخلفاء الأربعة ثابتة بالنص، كذا في عقيدة الحافظية، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): خلافتي ثلاثون سنة، و قد تمّت بعلي و كذا خلافة الأئمّة الاثني عشر أوّلهم:

الإمام علي كرّم اللّه وجهه، و في خلافته ورد حديث: الخلافة ثلاثون سنة، و الثاني: الإمام الشاه حسن رضى اللّه عنه، قال (صلّى اللّه عليه و آله): هذا ابني سيّد سيصلح بين المسلمين، و الثالث: الإمام الشاه حسين (عليه السّلام)، قال (صلّى اللّه عليه و آله): هذا ابني ستقتله الباغية، و تسعة من ولد الشاه حسين، قال (صلّى اللّه عليه و آله): بعد الحسين بن علي كانوا من أبنائه تسعة أئمّة آخرهم القائم.

____________

(1)- تاريخ مواليد الأئمّة لابن الخشّاب: 45، و كشف الغمة: 3/ 265.

(2)- في المصدر: شهاب.

(3)- غيبة النعماني: 15.

300

و قال جابر بن عبد اللّه الأنصاري: دخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و بين يديها ألواح فيها أسماء أئمّة من ولدها فعددت أحد عشر اسما آخرهم القائم. ثمّ أورد على نفسه سؤالا أنّه لم يدّع زين العابدين الخلافة فأجاب عنه بكلام طويل حاصله: أنّه رأى ما فعل بجدّه أمير المؤمنين و أبيه (عليها السّلام) من الخروج و القتل و الظلم، و سمع أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) رأى في منامه أن أجرية الكلاب تصعد على منبره و تعوي فحزن فنزل عليه جبرئيل بالآية لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ و هي مدّة ملك بني امية و تسلّطهم على عباد اللّه، فخاف و سكت إلى أن يظهر المهدي من ولده فيرفع الألوية و يخرج السيف فيملأ الأرض عدلا و قسطا إلى أن قال:

و أوّلهم الإمام زين العابدين و الثاني الإمام محمد الباقر و الثالث الإمام جعفر الصادق (عليهم السّلام) و الرابع الإمام موسى الكاظم ابنه، و الخامس علي الرضا ابنه، و السادس الإمام محمّد التقي ابنه، و السابع الإمام علي النقي ابنه، و الثامن الإمام الحسن العسكري ابنه، و التاسع الإمام حجّة اللّه القائم الإمام المهدي ابنه، و هو غائب و له عمر طويل، كما بين المؤمنين عيسى و إلياس و خضر، و في الكافرين الدجّال و السامري‏ (1).

الخامس عشر: الشيخ العالم المحدّث علي المتقي ابن حسام الدين ابن القاضي عبد الملك بن قاضي خان القرشي من كبار العلماء، و قد مدحوه في التراجم و وصفوه بكل جميل قال في كتاب المرقاة في شرح المشكاة بعد ذكر حديث اثني عشرية الخلفاء؛ قلت:

و قد حملت الشيعة الاثني عشر على أنّهم من أهل بيت النبوّة متوالية أعمّ من أن بهم خلافة حقيقة، يعني ظاهرا أو استحقاقا؛ فأوّلهم علي ثمّ الحسن و الحسين فزين العابدين فمحمد الباقر فجعفر الصادق فموسى الكاظم فعليّ الرضا فمحمّد التقي فعليّ النقي فحسن العسكري (عليهم السّلام)، فمحمّد المهدي (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين)، على ما ذكرهم صاحب زبدة الأولياء خواجه محمد پارسا في كتاب فصل الخطاب مفصّلا، و تبعه مولانا نور الدين عبد الرّحمن الجامي في أواخر شواهد النبوّة، و ذكر فضائلهم و مناقبهم و كراماتهم مجملة، و فيه ردّ على الروافض حيث يظنّون بأهل السنّة بأنّهم يبغضون أهل البيت باعتقادهم الفاسد و فهمهم الكاسد. و أوّل كلامه و إن كان نقدا لمذهب الشيعة، إلّا أنّ آخره صريح في‏

____________

(1)- راجع كشف الغمة: 3/ 246، و مقدمة غيبة النعماني: 15.

301

التصديق بما قالوا. (1)

(و قال أيضا) في كتابه البرهان‏ (2) في علامات مهدي آخر الزمان: عن أبي عبد اللّه الحسين ابن علي (عليه السّلام) قال: لصاحب هذا الأمر- يعني المهدي (عجّل اللّه فرجه)- غيبتان: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات، و بعضهم: ذهب لا يطلع على موضعه أحد من ولي و لا غيره إلّا المولى الذي يلي أمره‏ (3).

و عن أبي جعفر محمد بن علي قال: يكون لصاحب هذا الأمر- يعني المهدي (عجّل اللّه فرجه)- غيبة في بعض هذا الشعاب، و أومى بيده إلى ناحية ذي طوى، حتّى إذا كان قبل خروجه أتى المولى الذي يكون معه حتّى يلقى بعض أصحابه فيقول: كم أنتم؟ فيقولون:

نحوا من أربعين رجلا، فيقول: كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: و اللّه لو يأوي الجبال لنأوينّها، ثمّ يأتيهم من المقابلة فيقول: استبرءوا من رؤسائكم عشرة فيستبرءون فينطلق حتّى يلقى صاحبهم و يعدهم الليلة التي تليها.

السادس عشر: العالم المعروف فضل بن روزبهان شارح الشمائل للترمذي، قال في أوّله:

يقول الفقير إلى اللّه تعالى مؤلّف هذا الشرح، أبو الخير فضل اللّه ابن أبي محمد روزبهان محمد إسماعيل بن علي، الأنصاري أصلا و تبارا، الحنفي محتدا، الشيرازي مولدا، الاصبهاني دارا، المدني موتا، و أتبارا: أخبرنا بكتاب الشمائل الخ، و هو الذي تصدّى لرد كتاب نهج الحق للعلّامة الحلّي حسن بن يوسف بن المطهر و سمّاه: إبطال الباطل، و هو مع شدّة تعصّبه و إنكاره لجملة من الأخبار الصحيحة الصريحة، بل بعض ما هو كالمحسوس، وافق الإمامية في هذا المطلب فقال في شرح قول العلّامة: المطلب الثاني في زوجته و أولاده (عليه السّلام): كانت فاطمة سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) زوجته، و ساق بعض فضائلها و فضائل الأئمّة من ولدها. قال الفضل:

أقول: ما ذكر من فضائل فاطمة صلوات اللّه على أبيها و عليها و على سائر آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و السلام أمر لا ينكر فإنّ الإنكار على البحر برحمته و على البرّ بسعته و على الشمس بنورها

____________

(1)- مرقاة المفاتيح: 179.

(2)- في البرهان المطبوع لا يوجد هذا الحديث نعم ذكر عدة أحاديث حول الامام المهدي غير ذلك.

(3)- راجع معجم أحاديث الامام المهدي: 2/ 465.

302

و على الأنوار بظهورها و على الحساب بجودها و على الملك بسجوده؛ إنكار لا يزيد المنكر إلّا الاستهزاء به، و من هو قادر على أن ينكر على جماعة هم أهل السداد، و خزّان معدن النبوّة، و حفّاظ آداب الفتوة (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و نعم ما قلت فيهم منظوما:

سلام على المصطفى المجتبى‏* * * سلام على السيّد المرتضى‏

سلام على ستنا فاطمة* * * من اختارها اللّه خير النسا

سلام من المسك أنفاسه‏* * * على الحسن الألمعي الرضا

سلام على الأورعي الحسين‏* * * شهيد يرى جسمه كربلاء

سلام على سيّد العابدين‏* * * على ابن الحسين المجتبى‏

سلام على الباقر المهتدى‏* * * سلام على الصادق المقتدى‏

سلام على الكاظم الممتحن‏* * * رضي السجايا إمام التقى‏

سلام على الثامن المؤتمن‏* * * علي الرضا سيّد الأصفيا

سلام على المتّقي التقي‏* * * محمد الطيب المرتجى‏

سلام على الأريحي النقي‏* * * علي المكرّم هادي الورى‏

سلام على السيّد العسكري‏* * * إمام يجهز جيش الصفا

سلام على القائم المنتظر* * * أبي القاسم العرم نور الهدى‏

سيطلع كالشمس في غاسق‏* * * ينجيه من سيفه المنتقى‏

قوي يملأ الأرض من عدله‏* * * كما ملئت جور أهل الهوى‏

سلام عليه و آبائه‏* * * و أنصاره ما تدوم السما (1)

فنصّ من غير تردّد أنّ المهدي الموعود القائم المنتظر هو الثاني عشر من هؤلاء الأئمّة الغرّ الميامين الدرر، و الحمد للّه.

السابع عشر: الناصر لدين اللّه أحمد ابن المستضي‏ء بنور اللّه من الخلفاء العبّاسية، و هو الذي أمر بعمارة السرداب الشريف و جعل الصفة التي فيه شباكا من خشب صاج منقوش عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (2) هذا ما أمر بعمله سيّدنا و مولانا الإمام‏

____________

(1)- راجع: كتاب چهارده معصوم: 31 المقدمة.

(2)- الشورى: 23.

303

المفترض الطاعة على جميع الأنام أبو العبّاس أحمد الناصر لدين اللّه، أمير المؤمنين و خليفة ربّ العالمين، الذي طبق البلاد إحسانه و عدله و عمّ البلاد رأفته و فضله، قرّب اللّه أوامره الشريفة باستمرار البحح و النشر و ناطها بالتأييد و النصر، و جعل لأيّامه المخلدة حدّا لا يكبو جواده و لآرائه الممجدة سعدا لا يخبو زناده، في عز تخضع له الأقدار فيطيعه عواميها، و ملك خشع له الملوك فيملكه نواصيها بتولي الملوك معد بن الحسين بن معد الموسوي الذي يرجو الحياة في أيّامه المخلدة، و يتمنّى إنفاق عمره في الدعاء لدولته المؤيّدة، استجاب اللّه أدعيته و بلغه في أيّامه الشريفة امنيته من سنة ست و ستمائة الهلالية، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل و صلّى اللّه على سيّدنا خاتم النبيّين و على آله الطاهرين و عترته و سلّم تسليما. و نقش أيضا في الخشب الساج داخل الصفة في دائر الحائط: بسم اللّه الرّحمن الرحيم محمّد رسول اللّه، أمير المؤمنين علي ولي اللّه، فاطمة، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي القائم بالحق (عجّل اللّه فرجه). هذا عمل علي بن محمد ولي آل محمد رضى اللّه عنه. و لو لا اعتقاد الناصر بانتساب السرداب إلى المهدي (عجّل اللّه فرجه) و بكونه محل ولادته أو موضع غيبته أو مقام بروز كرامته لإمكان إقامته في طول غيبته، كما نسبه بعض من لا خبرة له إلى الإمامية، و ليس في كتبهم قديما و حديثا منه أثر أصلا، لما أمر بعمارته و تزيينه، و لو كانت كلمات علماء عصره متّفقة على نفيه و عدم ولادته لكان إقدامه عليه بحسب العادة صعبا أو ممتنعا، فلا محالة فهم من وافقه في معتقده الموافق لمعتقد جملة ممّن سبقت إليهم الإشارة و هو المطلوب، و إنّما أدخلنا الناصر في سلك هؤلاء لامتيازه عن أقرانه بالفضل و العلم و عداده من المحدّثين.

الثامن عشر: العالم العابد العارف الورع البارّ الألمعي الشيخ سليمان ابن خواجة كلان الحسين القندوزي البلخي صاحب كتاب «ينابيع المودّة» قد بالغ فيه في إثبات كون المهدي الموعود هو الحجّة بن الحسن العسكري (عليه السّلام) في طي أبواب فلا حاجة لذكر كلماته‏ (1).

التاسع عشر: العارف المشهور بشيخ الإسلام الشيخ أحمد الجامي قال: قال عبد الرّحمن‏

____________

(1)- ينابيع المودّة: 1/ 89 باب 73.

304

الجامي في كتابه النفحات: إنّه دخل في غار جبل قرب بلد جام بجذب قوي من اللّه جلّ شأنه، و كان أمّيا لا يعرف الحروف و لا الكتاب، و سنّه كان اثنين و عشرين، و استقام في الغار ثماني عشرة سنة من غير طعام، و يأكل أوراق الأشجار و عروقها، و عبد اللّه فيه إلى أن بلغ سنّه أربعين سنة، ثمّ أمره اللّه بإرشاد الناس، و صنّف كتابا قدره ألف ورقة تحيّر فيه العلماء و الحكماء من غموض معانيه، و هو عجيب في هذه الامّة و بلغ عدد من دخل في طريقته من المريدين ستمائة ألف، و من كلماته كما في الينابيع:

من زمر حيدرم هر* * * لحظه اندر دل صفاست‏

أز پى حيدر حسن‏* * * ما رام إمام و رهنماست‏

إلى أن قال:

عسكري نور دو چشم عالمست و آدم است‏* * * همچه يك مهدي سپهسالار در عالم كجاست‏

(1) العشرون: العارف عبد الرّحمن من مشايخ الصوفية في «مرآة الأسرار»: ذكر آن آفتاب دين و دولت آن هادى جميع ملت و دولت آن قائم مقام پاك أحمدى إمام بر حق أبو القاسم م ح م د بن الحسن المهدي (صلوات اللّه و سلامه عليه) وى إمام دوازدهم است أز ائمه أهل بيت مادرش أم ولد بود نرجس نام داشت ولادتش شب جمعه پانزدهم ماه شعبان سنه خمس و خمسين و مأتين و بروايت شواهد النبوة بتاريخ ثلاث و عشرين شهر رمضان سنه ثمان و خمسين در سر من رأى معروف سامره واقع گرديد و إمام دوازدهم در كنيت و نام حضرت رسالت‏پناهي موافقت دارد، ألقاب شريفش مهدي و حجة و قائم و منتظر و صاحب الزمان و خاتم اثنى عشر، و صاحب الزمان در وقت وفات پدر خود إمام حسن عسكرى (عليه السّلام) پنج‏ساله بوده كه بر مسند إمامت نشست چنانچه حق تعالى حضرت يحيى بن زكريا را در حال طفوليت حكمت كرامت فرمود و عيسى ابن مريم را در وقت صبا به مرتبه بلند رسانيد و همچنين أو را در صغر سن إمام گردانيد و خوارق عادات أو نه چندانست كه در اين مختصر گنجايش دارد.

الحادي و العشرون: عن عبد اللّه بن محمد المطري عن الإمام جمال الدين السيوطي في‏

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 349، و بالهامش: نفحات الانس: 357 ط. المحمودي.

305

رسالة «إحياء الميت بفضائل أهل البيت»: إنّ من ذرية الحسين بن علي المهدي المبعوث في آخر الزمان- إلى أن قال-: و جميع نسل الحسين (عليه السّلام) و ذريته يعودون إلى إمام الأئمّة المحقّق المجمع على جلالته و غزارة علمه و زهده و ورعه و كماله سلالة الأنبياء و المرسلين، و سلالة خير المخلوقين زين العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام)- إلى أن قال-: فالإمام الأوّل علي ابن أبي طالب (عليه السّلام). و ساق أسامي الأئمّة، ثمّ قال: الحادي عشر ابنه الحسن العسكري، الثاني عشر ابنه محمد القائم المهدي، و قد سبق النص عليه في ملّة الإسلام من النبي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و كذا من جدّه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و من بقية آبائه أهل الشرف و المراتب، و هو صاحب السيف القائم المنتظر. إلى آخر ما قال‏ (1).

الثاني و العشرون: أبو المعالي محمد سراج الدين الرفاعي ثمّ المخزومي الشريف الكبير في كتابه الموسوم ب «صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطمية الأخيار» في ترجمة أبي الحسن الهادي ما لفظه: و أمّا الإمام علي الهادي بن الإمام محمّد الجواد و لقبه النقي و العالم و الفقيه و الأمير و الدليل و العسكري و النجيب، ولد في المدينة سنة اثنتي عشرة و مائتين من الهجرة، و توفي شهيدا بالسمّ في خلافة المعتزّ العبّاسي يوم الاثنين في رجب سنة أربع و خمسين و مائتين، و كان له خمسة أولاد: الإمام الحسن العسكري و الحسين و محمّد و جعفر و عائشة، فأمّا الحسن العسكري فأعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر، ولي اللّه الإمام محمد المهدي، و أمّا محمد فلم يذكر له ذيل. إلى آخر ما قال.

و قال في موضع آخر في الإمامة: و روى العارفون من سلف أهل العلم أنّ الإمام الحسين لما انكشف له في سرّه أنّ الخلافة الروحية- التي هي الغوثية و الإمامة الجامعة- فيه و في بنيه على الغالب استبشر بذلك و باع في اللّه نفسه لنيل هذه النعمة المقدّسة، فمنّ اللّه عليه بأن جعل بيته كبكبة الإمامة و ختم ببيته هذا الشأن، على أنّ الحجّة المنتظر الإمام المهدي من ذريّته الطاهرة و عصابته الزاهرة. انتهى.

الثالث و العشرون: قال أحمد بن حجر الشافعي المصري في كتاب الصواعق المحرقة في الردّ على الرافضة: الآية الثانية عشرة قوله‏ وَ إِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ (2) قال مقاتل بن سليمان‏

____________

(1)- في الاحياء المطبوع بهامش الاتحاف لا يوجد أحاديث حول الامام المهدي (عجّل اللّه فرجه).

(2) الزخرف: 61.

306

و من تبعه من المفسّرين: إنّ هذه الآية نزلت في المهدي. و سيأتي التصريح بأنّه من أهل البيت النبوي، ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة و علي (عليهما السّلام)، و أنّ اللّه يخرج منهما كثيرا طيّبا، و أن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة و معادن الرحمة، و سرّ ذلك أنّه تعالى أعاذها و ذريّتها من الشيطان الرجيم و دعا لعلي بمثل ذلك.

ثمّ ذكر بعد ترجمة أبي محمد الحسن العسكري: و لم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجّة و عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه فيها الحكمة، و يسمّى القائم المنتظر.

و قيل: لأنّه تستّر بالمدينة و غاب فلم يدر أين ذهب. و مرّ في الآية الثانية عشرة قول الرافضة فيه إنّه المهدي. إلى أن يقول: و ممّا وردت من الأحاديث في حقّ المهدي ما أخرجه مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة و البيهقي و آخرون: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. و عنهم:

لو لم يبق من الدهر إلّا يوم لبعث اللّه فيه رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا. و أيضا:

المهدي منّا أهل البيت يصلحه اللّه في ليلة. إلى أن يقول: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: المهدي هو الذي يصلّي ابن مريم خلفه. و عنه أيضا: لن تهلك أمّة أنا أوّلها و عيسى ابن مريم آخرها و المهدي وسطها. إلى أن يقول: و أخرج الحاكم عن ثوبان أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال: إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتبعوها فإنّ فيها خليفة اللّه المهدي. إلى أن يقول: و استفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى بخروجه، و أنّه من أهل بيته، و أنّه يملك سبع سنين، و أنّه يملأ الأرض عدلا، و أنّه يخرج معه عيسى فيساعده على قتل دجّال بباب لد بأرض فلسطين، و أنّه يؤمّ هذه الامّة، و يصلّي عيسى خلفه‏ (1).

الرابع و العشرون: يوسف بن يحيى بن علي الشافعي قال في كتابه المسمّى بعقد الدرر في ظهور المنتظر على ما نقل عنه بعض الثقات: و قد بشّرت بظهور المهدي أحاديث جمّة دوّنها في كتبهم علماء الامّة. ثمّ ذكر أحاديث تقدّمت ثمّ قال: و عن أبي سعيد الخدري قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تقوم الساعة حتّى تملأ الأرض ظلما و عدوانا ثمّ يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملأها قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و عدوانا. إلى آخر ما قال.

الخامس و العشرون: العالم الألمعي القاضي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان في تاريخه المعروف: أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن‏

____________

(1)- الصواعق المحرقة: 162 الباب الحادي عشر، فصل 1.

307

محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجّة، و هو الذي تزعم الشيعة أنّه المنتظر و القائم و المهدي و هو صاحب السرداب عندهم و أقاويلهم فيه كثيرة، و هم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين، و لمّا توفي أبوه- و قد سبق ذكره في حرف الحاء- كان عمره خمس سنين، و اسم أمّه خمط و قيل نرجس.

إلى أن قال: و ذكر ابن الأزرق في تاريخ ميافارقين: أنّ الحجّة المذكور ولد في تاسع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان و خمسين و مائتين، و قيل: في ثامن من شعبان سنة ست و خمسين و هو الأصحّ، و أنّه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين و قيل: خمس سنين، و قيل: إنّه دخل السرداب سنة خمس و سبعين و مائتين و عمره سبع عشرة سنة و اللّه أعلم أيّ ذلك كان، (سلام اللّه و رحمته عليه)(1).

السادس و العشرون: عن الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الزرندي في كتاب معراج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول: الإمام الثاني عشر، صاحب الكرامات المشتهر، الذي عظم قدره بالعلم و اتباع الحقّ و الأثر القائم- مولده على ما نقلته الشيعة ليلة الجمعة للنصف من شعبان سنة خمس و خمسين- بالحقّ و الداعي إلى منهج الحقّ الإمام أبو القاسم محمد ابن الحسن، و كان بسر من رأى في زمان المعتمد و أمّه نرجس بنت قيصر الرومية أمّ ولد.

انتهى.

السابع و العشرون: عن الشيخ محمد بن محمود الحافظ البخاري في كتابه ما لفظه: و أبو محمد الحسن العسكري، ولده محمد معلوم عند خاصّة أصحابه و ثقات أهله. ثمّ قال:

و يروى أنّ حكيمة بنت أبي جعفر محمد الجواد، عمّة أبي محمد الحسن العسكري كانت تحبّه و تدعو له و تتضرّع أن ترى له ولدا، و كان أبو محمد الحسن العسكري اصطفى جارية يقال لها: نرجس، فلمّا كان ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين دخلت حكيمة فدعت لأبي محمد الحسن العسكري فقال لها: يا عمّة كوني الليلة عندنا. إلى آخر تاريخ تولّده كما شرحناه في الفرع الثاني من الغصن الخامس في أخبار تولّده باختلاف يسير (2).

____________

(1)- الصواعق المحرقة: 314، و 247 الآية 12.

(2)- ينابيع المودّة: 3/ 304.

308

الثامن و العشرون: عن الشيخ عبد اللّه بن محمد المطيري الشافعي في الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و عترته الطاهرة: ولد أبو القاسم محمّد الحجّة ابن الحسن الخالص بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين للهجرة.

التاسع و العشرون: عن كتاب الهداية للحسين بن حمدان الخصيبي قال: و مضى أبو محمد الحادي عشر الحسن بن علي في سبع و عشرين سنة، يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين من الهجرة.

إلى أن قال: ولده الخلف المهدي الثاني عشر صاحب الزمان، ولد يوم الجمعة عند طلوع الفجر لثمان ليال خلون من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين من الهجرة قبل مضيّ أبيه بسنتين و سبعة أشهر.

309

الفرع الرابع من رآه في حياة أبيه‏

الأوّل: ممن رآه حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى (عليهم السّلام) عمّة الحسن العسكري، فإنّها رأت القائم ليلة مولده و بعد ذلك عن نسيم و مارية قالتا: لمّا خرج صاحب الزمان من بطن أمّه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا بسبابتيه نحو السماء فعطس فقال: الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمّد و آله عبد اللّه أوّلا و آخرا غير مستنكف و لا مستكبر، ثمّ قال: زعمت الظلمة أنّ حجّة اللّه داحضة و لو أذن اللّه لنا لزال الشكّ‏ (1).

الثاني: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في كشف الغمّة عن أبي بصير الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان و هو في المهد فقال لي: عليّ بالصندل الأحمر، فأتيته به فقال:

أ تعرفني؟ قلت: نعم، أنت سيّدي و ابن سيّدي، فقال: ليس عن هذا سألتك، فقلت: فسّر لي.

فقال. أنا خاتم الأوصياء، و بي يرفع اللّه البلاء عن أهل شيعتي‏ (2).

الثالث: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): و فيه عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال:

وجّه قوم من المفوضة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد قال: فقلت في نفسي: لئن دخلت عليه أسأله عن الحديث المروي عنه: لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي، و كنت جلست إلى باب عليه ستر مسبل، فجاءت الريح فكشفت طرفه و إذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي: يا كامل بن إبراهيم، فاقشعررت من ذلك فقلت: لبيك يا سيّدي. قال: جئت إلى ولي اللّه تسأله: لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتك و قال بمقالتك؟

قلت: إي و اللّه. قال: إذا و اللّه يقلّ داخلها و اللّه إنّه ليدخلنّها قوم يقال لهم «الحقّية». قلت: و من هم؟ قال: هم قوم من حبّهم لعلي يحلفون بحقّه و لا يدرون ما حقّه و فضله، إنّهم قوم يعرفون ما تجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلا من معرفة اللّه و رسوله و الأئمّة و نحوها. ثمّ قال:

و جئت تسأل عن مقالة المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة اللّه فإذا شاء اللّه شئنا و اللّه‏

____________

(1)- الإرشاد للمفيد: 2/ 351.

(2)- كمال الدين: 441 و الغيبة للطوسي: 246.

310

يقول‏ وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ‏ (1) فقال لي أبو محمد: ما جلوسك و قد أنبأك بحاجتك‏ (2).

الرابع: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): و فيه عن نسيم خادم أبي محمّد (عليه السّلام) قال: دخلت على صاحب الزمان (عليه السّلام) بعد مولده بعشرة أيّام فعطست عنده فقال: يرحمك اللّه. قال: ففرحت بذلك فقال لي: ألا أبشّرك في العطاس، هو أمان من الموت ثلاثة أيّام‏ (3).

و فيه عن حكيمة قالت: دخلت على أبي محمد بعد أربعين يوما من ولادة نرجس فإذا مولانا صاحب الزمان يمشي في الدار، فلم أر لغة أفصح من لغته فتبسّم أبو محمّد فقال: إنّا معاشر الأئمّة ننشأ في كل يوم كما ينشأ غيرنا في الشهر، و ننشأ في الشهر كما ينشأ غيرنا في عصر السنة. قالت: ثمّ كنت بعد ذلك أسأل أبا محمد عنه فقال: استودعناه الذي استودعت أمّ موسى ولدها عنده‏ (4).

الخامس: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): و في البحار عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال و أحمد بن هلال و محمد بن معاوية بن حكيم و الحسن بن أيوب بن نوح في خبر طويل مشهور قالوا جميعا: اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) نسأله عن الحجّة من بعده، و في مجلسه أربعون رجلا، فقام إليه عثمان بن سعيد العمري فقال له: يا بن رسول اللّه اريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي. فقال (عليه السّلام) له: اجلس يا عثمان، فقام مغضبا ليخرج فقال:

لا يخرجنّ أحد، فلم يخرج منّا أحد إلى أن كان بعد ساعة، فصاح (عليه السّلام) بعثمان فقام على قدميه قال: اخبركم لم جئتم؟ قالوا: نعم يا بن رسول اللّه. قال: جئتم تسألونني عن الحجّة من بعدي. قالوا: نعم. فإذا غلام كأنّه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمّد (عليه السّلام) فقال: هذا إمامكم من بعدي و خليفتي عليكم، أطيعوه و لا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا و إنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله و انتهوا إلى أمره و اقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم و الأمر إليه‏ (5).

السادس: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في الاحتجاج و تبصرة الولي باختلاف يسير عن‏

____________

(1)- سورة الإنسان: 30.

(2)- دلائل الإمامة: 506.

(3)- كمال الدين: 430.

(4)- الخرائج و الجرائح: 1/ 466.

(5)- غيبة الطوسي: 357.

311

سعد بن عبد اللّه القمي قال: كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم و دقائقها، كلفا (1) باستظهار ما يصحّ من حقائقها، مغرما بحفظ مشتبهها و مستغلقها، شحيحا على ما أظفر به من معاضلها و مشكلاتها، متعصّبا لمذهب الإمامية، راغبا عن الأمن و السلامة في انتظار التنازع و التخاصم و التعدّي إلى التباغض و التشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كاشفا عن مثالب أئمّتهم، هتاكا لحجب قادتهم إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة و أطولهم مخاصمة و أكثرهم جدلا و أشنفهم سؤالا و أثبتهم على الباطل قدما.

فقال ذات يوم و أنا اناظره: تبّا لك و لأصحابك يا سعد، إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين و الأنصار بالطعن عليهما و تجحدون من رسول اللّه و لا يتهما و إمامتهما، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، أ ما علمتم أنّ رسول اللّه ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علما منه بأنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد من أمر التأويل، و الملقى إليه أزمّة الامّة، و عليه المعوّل في شعب الصدع و لمّ الشعث و سدّ الخلل و إقامة الحدود و تسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك، كما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته؛ إذ ليس من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه؟ و لمّا رأينا النبيّ متوجّها إلى الانجحار (2)، و لم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد استبان لنا قصد رسول اللّه بأبي بكر إلى الغار للعلّة التي شرحناها، و إنّما أبات عليا على فراشه لما لم يكن ليكترث له و لم يحفل به و لاستثقاله، و لعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.

قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتّى فما زال يقصد كلّ واحد منها بالنقض و الردّ علي ثمّ قال: يا سعد دونكها اخرى بمثلها تحطّم آناف الروافض، أ لستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرأ من دنس الشكوك، و الفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق و استدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصدّيق أسلم طوعا أو كرها. قال سعد: فاحتملت لدفع هذه المسألة عنّي خوفا من الإلزام و حذرا منّي إن أقررت لهما بطواعيتهما، و الإسلام احتج بأن بدوّ النفاق و نشوءه في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح القهر و الغلبة و إظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد له قلبه نحو قول اللّه عزّ و جلّ‏ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا

____________

(1)- كلفا: أي مولعا.

(2)- الانجحار: الاستتار.

312

بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا (1). و إن قلت: أسلما كرها كان يقصدني بالطعن؛ إذ لم يكن ثم سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.

قال سعد: فصددت منه مزورا قد انتفخت أحشائي من الغضب، و تقطّع كبدي من الكرب و كنت قد اتخذت طومارا و أثبتّ فيه نيفا و أربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل فيها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد (عليه السّلام)، فارتحلت خلفه و قد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّ من رأى، فلحقته في بعض المناهل فلمّا تصافحنا قال: بخير لحاقك بي. قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسئلة. قال: قد تكافينا هذه اللحظة الواحدة فقد برح بي العزم إلى لقاء مولانا أبي محمد، و اريد أن أسأله عن معاضل في التأويل و مشاكل من التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة فإنّها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه و لا تفنى غرائبه و هو إمامنا، فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا فاستأذن فخرج الإذن بالدخول عليه و كان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبري فيه ستّون و مائة صرّة من الدنانير و الدراهم، على كلّ صرّة منها ختم صاحبها.

قال سعد: فما شبهت مولانا أبا محمد حين غشينا نور وجهه إلّا بدرا قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر، و على فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة و المنظر و على رأسه فرق بيّن و قرطين كأنّه ألف بين واوين، و بين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، و بيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض الغلام على أصابعه فكان مولانا يد حرج الرمانة بين يديه و يشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبه ما أراد، فسلّمنا فألطف في الجواب و أومى إلينا بالجلوس، فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر الهادي إلى الغلام و قال له: يا بني فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك.

فقال: يا مولاي أ يجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة و أموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟ فقال مولاي: يا بن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز بين الأحل و الأحرم منها، فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها فقال الغلام: هذه لفلان ابن فلان من محلّة كذا بقم تشتمل‏

____________

(1)- سورة غافر: 85.

313

على اثنين و ستين دينارا، فيها من ثمن حجرة باعها صاحبها و كانت إرثا له من أخيه خمسة و أربعون دينارا و من أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيها اجرة حوانيت ثلاثة عشر دينارا. فقال مولانا: صدقت يا بني. دلّ الرجل على الحرام منها؟ فقال: فتش على دينار رازي السكة تاريخه السنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، و قراضة آملية وزنها ربع دينار، و العلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الحملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا و ربع منّ فأتت على ذلك مدّة قيض انتهاؤها لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه فكذبه، و استرد منه بدل ذلك منّا و نصف منّ غزلا أدقّ ممّا كان دفعه إليه، و اتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه، فلمّا فتح رأس الصرّة صادفه رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه و بمقدارها على حسب ما قال، و استخرج الدينار و القراضة بتلك العلامة. ثمّ أخرج صرّة اخرى فقال الغلام: هذه لفلان ابن فلان من محلّة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحلّ لنا مسّها.

قال: و كيف ذلك؟ قال: لأنّها ثمن حنطة خان صاحبها على أكاره في المقاسمة، و ذلك أنّه قبض حصّة منها بكيل واف و كال ما خصّ الأكار بكيل بخس. فقال مولانا (عليه السّلام): صدقت يا بني. ثمّ قال: يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردّها أو توصي بردّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شي‏ء منها و ائتنا بثوب العجوز. قال أحمد: و كان ذلك الثوب في حقيبة لي نفيسة فلمّا انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إلي مولانا أبو محمّد (عليه السّلام) فقال: ما جاء بك يا سعد؟ فقال: شوّقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا.

قال: فالمسائل التي أردت أن تسأل عنها! قلت: على حالها يا مولاي. قال: فسل قرّة عيني- و أومى إلى الغلام- عمّا بدا لك منها. فقلت له: مولانا و ابن مولانا إنّا روينا عنكم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة إنّك قد أربحت‏ (1) على الإسلام و أهله بفتنتك، و أوردت بنيك حيّا من الهلاك بجهلك فإن كففت عنّي عززتك و إلّا طلّقتك، و نساء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد كان طلاقهن وفاته قال: ما الطلاق؟ قلت:

تخلية السبيل. قال: فإذا كان طلاقهنّ وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد خلّيت لهنّ السبيل، فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج؟ قلت: لأنّ اللّه تبارك و تعالى حرّم الأزواج عليهنّ. قال: و كيف و قد خلّى الموت‏

____________

(1)- أربحت تجارته إذا أربيتها له.

314

سبيلهنّ؟ قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حكمه إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال (عجّل اللّه فرجه): إنّ اللّه تبارك و تعالى عظّم شأن نساء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فخصّهن بشرف الامّهات، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا أبا الحسن إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن للّه على الطاعة، فأيّهنّ عصت اللّه بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج و أسقطها من شرف امومة المؤمنين.

قلت: فأخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيّام عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته؟ قال: الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنا، فإنّ المرأة إذا زنت و اقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحدّ، و إذا سحقت وجب عليها الرجم و الرجم خزي، و من قد أمر اللّه عزّ و جلّ برجمه فقد أخزاه، و من أخزاه فقد أبعده فليس لأحد أن يقرّبه.

قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه عن أمر اللّه تبارك و تعالى لنبيّه موسى‏ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً‏ (1) فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة. فقال (عليه السّلام):

من قال ذلك فقد افترى على موسى و استجهله في نبوّته؛ لأنّه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين؛ إمّا أن تكون صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة، فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة، و إن كانت مقدّسة مطهّرة فليست بأقدس و أطهر من الصلاة، و إن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنه لم يعرف الحلال من الحرام، و علم ما تجوز فيه الصلاة و ما لم تجز و هذا كفر. قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما؟

قال: إنّ موسى ناجى ربّه بالوادي المقدّس فقال: يا ربّ إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي و غسلت قلبي عمّن سواك، و كان شديد الحبّ لأهله فقال اللّه تعالى‏ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ‏ أي انزع حبّ أهلك عن قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة، و قلبك من الميل من سواي مغسولا.

قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن تأويل‏ كهيعص‏ (2)؟ قال: هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع اللّه عليها عبده زكريا ثمّ قصّها على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و ذلك أنّ زكريا سأل ربّه أن يعلّمه الأسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرائيل فعلّمه إيّاها فكان زكريا إذا ذكر محمّدا و عليا و فاطمة و الحسن سرى عنه همّه و انجلى كربه، و إذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة و وقعت‏

____________

(1)- سورة طه: 12.

(2)- سورة مريم: 1.

315

عليه البهرة، فقال ذات يوم: إلهي ما بالى إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي و إذا ذكرت الحسين (عليه السّلام) تدمع عيني و تثور زفرتي؟ فأنبأه اللّه تعالى عن قصّته و قال‏ كهيعص‏ فالكاف اسم كربلاء، و الهاء هلاك العترة، و الياء يزيد و هو ظالم الحسين، و العين عطشه، و الصاد صبره، فلمّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام و منع فيها الناس من الدخول عليه، و أقبل على البكاء و النحيب و كانت ندبته: إلهي أتفجع خير خلقك بولده، أ تنزل بلوى هذه الرزية بفنائه، أ تلبس عليا و فاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أ تحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما، ثمّ كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقرّبه عيني عند الكبر، و اجعله لي وارثا و وصيّا و اجعل محلّه منّي محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثمّ افجعني به كما تفجع محمّدا حبيبك بولده، فرزقه اللّه يحيى و فجعه به، و كان حمل يحيى ستّة أشهر و حمل الحسين كذلك و له قصّة طويلة.

قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح. قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى. قال: فهي العلّة أوردتها لك ببرهان يثق به عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه و أنزل الكتب عليهم و أيّدهم بالوحي و العصمة، و هم أعلى الامم و أهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى و عيسى، هل يجوز مع وفور عقلهما و كمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق و هما يظنّان أنّه مؤمن؟ قلت: لا. قال (عليه السّلام): فهذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله و كمال علمه و نزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم و إخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين، قال اللّه عزّ و جلّ‏ وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا إلى قوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ بظلمهم‏ (1) فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح و يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور و تكنّ الضمائر و تتصرّف عليه السرائر، و أن لا خطر لاختيار المهاجرين و الأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح.

____________

(1)- سورة البقرة: 155.

316

ثمّ قال مولانا: يا سعد و حين ادّعى خصمك أنّ رسول اللّه ما أخرج مع نفسه مختار هذه الامّة إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، و أنّه هو المقلّد لامور التأويل و الملقى إليه أزمة الامّة، المعول عليه في لمّ الشعث و سدّ الخلل و إقامة الحدود، و تسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته؛ إذ لم يكن من حكم الاستتار و التواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه، و إنّما أبات عليا على فراشه لما لم يكن يكترث له و لا يحفل به، و لاستثقاله إيّاه و علمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها؛ فهلا نقضت عليه دعواه بقولك: أ ليس قال رسول اللّه: الخلافة بعدي ثلاثون سنة فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، و كان لا يجد بدّا من قوله: بلى، فكنت تقول له حينئذ: أ ليس كما علم رسول اللّه أنّ الخلافة بعده لأبي بكر علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر و من بعد عمر لعثمان و من بعد عثمان لعلي، فكان أيضا لا يجد بدا من قوله لك: نعم، ثمّ كنت تقول له:

فكان الواجب على رسول اللّه أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار (1) و يشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر، و لا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم و تخصيصه أبا بكر بإخراجه مع نفسه دونهم.

و لمّا قال: أخبرني عن الصدّيق و الفاروق أسلما طوعا أو كرها لم لم تقل له: بل أسلما طمعا لأنّهما كانا يجالسان اليهود و يستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة و سائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمّد و من عواقب أمره؟ فكانت اليهود تذكر أنّ محمّدا يسلّط على العرب كما كان بخت نصر سلّط على بني إسرائيل، و لا بدّ له من الظفر على العرب كما ظفر بخت‏نصر ببني إسرائيل، غير أنّه كاذب في دعواه و أنّ هذا نبي. فأتيا محمّدا فساعداه على قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و بايعاه طمعا في أن ينال كلّ منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت اموره و استتبت أحواله، فلما أيسا من ذلك تلثما و صعدا العقبة مع عدّة من أمثالهما من المنافقين بغية أن يقتلوه، فدفع اللّه كيدهم و ردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أتى طلحة و الزبير عليا فبايعاه، و طمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد، فلمّا أيسا نكثا بيعته و خرجا عليه، فصرع اللّه كلّ واحد منهما مصرع‏

____________

(1)- بتوضيح تأخير هجرة عمر و عثمان و إلّا فإنّهما هاجرا قبل رسول اللّه إلى المدينة.

317

أشباههما من الناكثين. قال: ثمّ قام مولانا الحسن بن علي الهادي (عليه السّلام) إلى الصلاة مع الغلام فانصرفت عنهما و طلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا. فقلت: ما أبطأك و أبكاك؟

قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره. فقلت: لا عليك فأخبره، فدخل عليه مسرعا و انصرف من عنده متبسما و هو يصلّي على محمّد و آل محمّد، فقلت: ما الخبر؟

قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا (عليه السّلام) يصلّي عليه. قال سعد: فحمدنا اللّه جل ذكره على ذلك، و جعلنا نختلف بعد ذلك إلى منزل مولانا أيّاما فلا نرى الغلام بين يديه فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا و أحمد بن إسحاق و كهلان من أهل بلدنا و انتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما و قال: يا ابن رسول اللّه قد دنت الرحلة و اشتدّت المحنة و نحن نسأل اللّه أن يصلّي على المصطفى جدّك و على المرتضى أبيك و على سيّدة النساء أمّك و على سيدي شباب أهل الجنّة عمّك و أبيك و على الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك، و أن يصلّي عليك و على ولدك، و نرغب إلى اللّه أن يعلّي كعبك و يكبت عدوّك، و لا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك. قال: فلمّا قال هذه الكلمة استعبر مولانا حتّى استهلت دموعه و تقاطرت عبراته ثمّ قال: يا بن إسحاق لا تكلّف في دعائك شططا فإنّك ملاقي اللّه في سفرك هذا، فخرّ أحمد مغشيا عليه فلمّا أفاق قال: سألتك باللّه و بحرمة جدّك إلّا شرّفتني بخرقة أجعلها كفنا، فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال (عليه السّلام): خذها و لا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت، و إنّ اللّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.

قال سعد: فلمّا صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ حمّ أحمد بن إسحاق و صارت عليه علّة صعبة آيس من حياته فيها، فلمّا وردنا حلوان و نزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها، ثمّ قال: تفرّقوا عنّي هذه الليلة و اتركوني وحدي، فانصرفنا عنه و رجع كلّ واحد منّا إلى مرقده. قال سعد: فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم، خادم مولانا أبي محمّد (عليه السّلام) و هو يقول: أحسن اللّه بالخير عزاكم، و جبر بالمحبوب رزيتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم و تكفينه فقوموا لدفنه فإنّه من أكرمكم محلّا عند سيّدكم، ثمّ غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء و النحيب و العويل حتّى قضينا حقّه و فرغنا من أمره‏

318

(رحمه اللّه تعالى)(1).

السابع: ممّن رآه في حياة أبيه (عليه السّلام): في تبصرة الولي عن أبي سهل إسماعيل النوبختي:

دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) في المرضة التي مات فيها، فأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد و كان الخادم أسود نوبيّا قد خدم من قبله علي بن محمّد (عليه السّلام) و هو ربّى الحسن (عليه السّلام) فقال له: يا عقيد اغل لي ماء بالمصطكى، فأغلى له، ثمّ جاءت به صيقل الجارية أمّ الخلف، فلمّا صار القدح قرب ثنايا الحسن (عليه السّلام) فتركه في يده و همّ بشربه فجعلت يده ترتعد حتّى ضرب القدح و قال للعقيد: ادخل البيت فإنّك ترى صبيا ساجدا فائتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت الحجرة فإذا بالصبي ساجدا رافعا سبابته نحو السماء فسلّمت عليه فأوجز لي صلاته فقلت: إنّ سيدي يدعوك إليه؛ إذ جاءت أمّه صيقل فأخذت بيده و أخرجته إلى أبيه الحسن (عليه السّلام).

قال أبو سهل: فلمّا مثل الصبي بين يديه سلّم فإذا هو دريّ اللون و في شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلمّا رآه الحسن (عليه السّلام) بكى و قال: يا سيّد أهل بيته اسقني إنّي ذاهب إلى ربّي، و أخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكى بيده ثمّ حرّك شفتيه ثمّ سقاه، فلمّا شربه قال:

هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضّأه الصبي واحدة واحدة و مسح على رأسه و قدميه فقال له أبو محمّد (عليه السّلام): أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان و أنت المهدي و أنت الحجّة للّه في أرضه و أنت ولدي و وصيي، و أنا ولدتك و أنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد ابن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولدك رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و أنت خاتم الأئمّة الطاهرين، و قد بشّر بك رسول اللّه و سمّاك و كنّاك، بذلك عهد إليّ أبي عن آبائك الطاهرين صلّى اللّه على أهل البيت، ربّنا إنّه حميد مجيد، و مات الحسن بن علي (عليه السّلام) من وقته‏ (2).

الثامن: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في البحار عن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السّلام) و أنا اريد أن أسأله عن الخلف بعده فقال لي مبتدئا: يا أحمد

____________

(1)- بطوله في الاحتجاج: 466 احتجاج الحجّة القائم (عليه السّلام)، و كمال الدين: 454 و تبصرة الولي: 771 ح 37.

(2)- غيبة الطوسي: 273، و تبصرة الولي: 782 ح 69.

319

ابن إسحاق إنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، و لا تخلو إلى يوم القيامة من حجّة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، و به ينزل الغيث، و به يخرج بركات الأرض.

قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام و الخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السّلام) فدخل البيت ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين فقال: يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على اللّه و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمي رسول اللّه و كنيّه الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما. يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الامّة مثل الخضر و مثله كمثل ذي القرنين، و اللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلّا من يثبته اللّه على القول بإمامته، و وفّقه للدعاء بتعجيل فرجه. قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي هل من علامة يطمئن إليها قلبي؟

فنطق الغلام (عجّل اللّه فرجه) بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية اللّه في أرضه و المنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق. قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا، فلمّا كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما أنعمت عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد.

فقلت له: يا ابن رسول اللّه و إنّ غيبته لتطول؟ قال: إي و ربّي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلّا من أخذ اللّه عهده بولايتنا و كتب في قلبه الإيمان و أيّده بروح منه. يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر اللّه، و سرّ من سرّ اللّه، و غيب من غيب اللّه فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين تكن غدا في العليين‏ (1).

التاسع: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في تبصرة الولي عن يعقوب بن منفوس: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) و هو جالس على دكان في الدار، عن يمينه بيت و عليه ستر مسبل فقلت له: يا سيّدي من صاحب هذا الأمر؟ فقال (عليه السّلام): ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض دريّ المقلتين، شثن الكفين معطوف الركبتين، في خدّه الأيمن خال و في رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد (عليه السّلام) ثمّ قال لي: هذا هو صاحبكم، ثمّ وثب فقال له: يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم،

____________

(1)- تبصرة الولي: 777 ح 44، و كمال الدين: 385.

320

فدخل البيت و أنا أنظر إليه ثمّ قال لي: يا يعقوب انظر من في البيت فدخلت فما رأيت أحدا (1).

العاشر: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): فيه عن ظريف أبي نصر قال: دخلت على صاحب الزمان فقال: عليّ بالصندل الأحمر، فأتيته به ثمّ قال: أ تعرفني؟ قلت: نعم. قال: من أنا؟

فقلت: أنت سيّدي و ابن سيّدي. فقال: ليس عن هذا أسألك. قال ظريف: قلت: جعلني اللّه فداك فبيّن لي قال: أنا خاتم الأوصياء، بي يدفع اللّه عزّ و جلّ البلاء عن أهلي و شيعتي‏ (2).

الحادي عشر: ممّن رآه في حياة أبيه (عليها السّلام): فيه عن عبد اللّه الستوري قال: صرت إلى بستان بني هاشم فرأيت غلمانا يلعبون في غدير ماء، و فتى جالس على مصلّى واضعا كمه على فيه، فقلت من هذا؟ فقالوا: م ح م د بن الحسن بن علي (عليه السّلام) و كان في صورة أبيه‏ (3).

الثاني عشر: ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): و فيه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: كنت مع أحمد بن إسحاق عند العمري رضي اللّه عنه فقلت للعمري: إنّي أسألك عن مسألة كما قال اللّه عزّ و جلّ في قصّة إبراهيم‏ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏ (4) هل رأيت صاحبي؟

فقال لي: نعم و له عنق مثل ذي، و أومأ بيده جميعا إلى عنقه. قال: قلت له: فالاسم؟ قال:

إيّاك أن تبحث عن هذا فإنّ عند القوم أنّ هذا النسل قد انقطع‏ (5).

الثالث عشر: ممّن رآه هو، أمّه نرجس و هذه في الحقيقة معجزة واضحة: اعلم أنّه لما علم خلفاء بني عبّاس بالأخبار النبوية و الآثار المروية عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة ما مضمونها: أنّ المهدي المنتظر سيظهر من صلب الحسن العسكري (عليه السّلام)، و يملأ اللّه به الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا، و ينتقم من أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) خصوصا من بني العبّاس و بني امية، فلذلك صاروا في صدد إطفاء نوره، و يأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره، و قد بالغوا و جدّوا و اجتهدوا فلم ينفعهم الجدّ حيث كانت يد اللّه فوق أيديهم‏ وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ

____________

(1)- كمال الدين: 407، و تبصرة الولي: 766 ح 24.

(2)- كمال الدين: 441، و الهداية الكبرى: 358 و فيه زيادة: القوام بدين اللّه.

(3)- ينابيع المودّة: 3/ 330 عن كمال الدين: 442.

(4)- سورة البقرة: 260.

(5)- كمال الدين باب 44 ح 14، و أعلام الورى: 396 باب 1.

321

الْماكِرِينَ‏ (1)

و قد أخفى اللّه عزّ و جلّ حمل أمّه نرجس بنت يشوعا قيصر الروم عن عامّة الناس كما أخفى حمل أمّ موسى عن فرعون و قومه، مع أنّ الكهنة و المنجّمين قد عيّنوا سنة ولادته إلى أن بعث المعتمد العبّاسي القوابل سرّا و أمرهنّ أن يدخلن دور بني هاشم سيما دار العسكري (عليه السّلام) بلا استئذان، و في أي وقت كان ليفتشن أثره و يتطلعن خبره إلى أن نوّر الكون بقدومه إلى عالم الوجود، و تولد (عجّل اللّه فرجه) قبل وفاة أبيه بسنتين، و قيل بخمس، في سامراء في منتصف شعبان، كما في نوحة الأحزان من مؤلفات العالم الفاضل محمد يوسف اللاهخوارماني الذي ألف في زمن شاه عباس الثاني (رحمه اللّه): إنّه كان (عليه السّلام) يوما من الأيّام في حجر والدته في صحن الدار إذ أحسّت نرجس بالقوابل فاضطربت اضطرابا شديدا، و لم تجد فرصة حتّى تخفي ذلك النّور، فهتف هاتف بها أن ألقي حجّة اللّه القهار في البئر التي في صحن الدار، فألقته في البئر و قد سمعت القوابل صوت الطفل فدخلن الدار بسرعة فبالغن في التفحّص فلم يجدن منه أثرا فخرجن والهات حائرات، فلما فرغت الدار عن الأغيار أقبلت نرجس إلى البئر لكي تعلم ما جرى على قرّة عينها، فلمّا أشرفت على البئر رأت الماء يفور إلى أن ساوى أرض الدار، و حجّة اللّه فوق الماء صحيحا سالما كالبدر الطالع، و القماط (2) الذي عليه لم يبتل أبدا فتناولته و أرضعته و حمدت اللّه و سجدت له شكرا فهتف هاتف: أن يا نرجس ألقيه إلى البئر أربعين يوما، فمتى أردت أن تسترضعيه نوصله إليك، فكانت كلّما أرادت إرضاعه تأتي إلى شفير البئر فيفور الماء، و حجّة اللّه فوقه فتأخذه و ترضعه و تقرّ عينها بجماله و ترده إلى البئر فينزل الماء إلى قراره، فبقي (عجّل اللّه فرجه) في البئر في تلك المدّة كما كان يوسف الصدّيق أيضا كذلك، و كان مستورا عن أعين الناس‏ (3).

الرابع عشر: ممّن رآه في حياة أبيه (عليها السّلام): و فيه عن علي بن إبراهيم بن مهزيار الذي كان خادما له (عليه السّلام) أنّ الحسن العسكري كان يأمرني بإحضار حجّة اللّه من السرداب، و أنا أحضره‏

____________

(1)- سورة آل عمران: 54.

(2)- القماط: خرقة عريضة تلفّ على الصغير إذا شدّ في المهد.

(3)- الأحاديث هذه نقلها المصنّف بالمضمون قد صرّح في أوّل الحديث، راجع غيبة الشيخ و غيبة النعماني، و بعض الأحاديث تقدّم، نعم الحديث الأخير لم أجده.

322

عنده و هو يأخذه و يقبّله و يتكلّم معه، و هو يجاوب أباه بذلك و هو يشير إلي بردّه و أردّه إلى السرداب، حتّى أنّه (عليه السّلام) أمرني بإحضاره يوما من الأيّام فقال (عليه السّلام): يا ابن مهزيار ائتني بولدي حجّة اللّه، فأتيت به إليه من السرداب، فأخذه منّي و أجلسه في حجره و قبّل وجهه و تكلّم معه بلغة لا أعرفها و هو يجاوب أباه بتلك اللغة، فأمرني بردّه إلى محلّه و مكانه، فذهبت به و رجعت إلى العسكري (عليه السّلام)، ثمّ رأيت أشخاصا من خواصّ المعتمد العبّاسي عند الإمام (عليه السّلام) يقولون: إنّ الخليفة يقرئك السلام و يقول: بلغنا أنّ اللّه عزّ و جلّ أكرمك بولد و كبر فلم لا تخبرنا بذلك لكي نشاركك في الفرح و السرور؟ و لا بدّ لك أن تبعثه إلينا فإنّا مشتاقون إليه.

قال ابن مهزيار: لمّا سمعت منهم هذه المقالة فزعت و تضجرت و تفجرت و اضطرب فؤادي فقال الإمام: يا ابن مهزيار اذهب بحجّة اللّه إلى الخليفة، فزاد اضطرابي و حيرتي؛ لأني كنت متيقّنا أنّه أراد قتله فكنت أتعلّل و أنظر إلى سيّدي و مولاي العسكري (عليه السّلام) فتبسّم في وجهي و قال: لا تخف اذهب بحجّة اللّه إلى الخليفة، فأخذتني الهيبة و رجعت إلى السرداب فرأيته يتلألأ نوره كالشمس المضيئة فما كنت رأيته بذلك الحسن و الجمال، و كانت الشامة السوداء في خدّه الأيمن كوكبا دريّا، فحملته على كتفي و كان عليه برقع، فلمّا أخرجته من السرداب تنوّرت سامراء من تلك الطلعة الغرّاء و سطع النور من وجهه إلى عنان السماء و اجتمع الناس رجالا و نساء في الطرق و الشوارع و صعدوا على السطوح فانسدّ الطريق عليّ، فلم أقدر على المشي إلى أن صار أعوان الخليفة يبعدون الناس من حولي حتّى أدخلوني دار الامارة.

فرفع الحجاب فدخلنا مجلس الخليفة، فلمّا نظر هو و جلساؤه إلى طلعته الغراء و إلى ذلك الجمال و البهاء أخذتهم الهيبة منه فتغيّرت ألوانهم و طاش لبهم و حارت عقولهم و خرست ألسنتهم، فصار الرجل منهم لا يتكلّم و لا يقدر أن يتحرّك من مكانه، فبقيت واقفا و النور الساطع و الضياء اللامع على كتفي، فبعد برهة من الزمان قام الوزير و صار يشاور الخليفة، فأحسست أنّه يريد قتله فغلب عليّ الخوف من أجل سيّدي و مولاي، فإذا بالخليفة أشار إلى السيّافين أن اقتلوه، فكل واحد منهم أراد سلّ سيفه من غمده، فلم يقدر عليه و لم يخرج السيف من غمده، و قال الوزير: هذا من سحر بني هاشم، و ليس هذا بعجيب و لكن ما أظن أنّ سحرهم يؤثر في السيوف التي في خزانة الخليفة، فأمر بإتيان‏

323

السيوف من الخزانة فأتيت فلم يقدروا أيضا على إخراجها من أغمادها، و جاءوا بالمواسي و السكاكين فلم يقدروا على فكّها.

ثمّ أمر الخليفة بإشارة من الوزير بالأسود الضارية من بركة السباع، فأتي بثلاثة من الأسود الضارية و السباع العادية فأشار إلى الخليفة و قال: ألقه نحو الاسود، فحار عقلي و طاش لبّي و قلت في نفسي: إنّي لا أفعل ذلك و لو أنّي اقتل، فقرب (عجّل اللّه فرجه) من اذني فقال لي: لا تخف و ألقنى، فلمّا سمعت من سيدي و مولاي ذلك ألقيته نحو الأسود بلا تأمّل، فتبادرت و تسابقت الأسود نحوه و أخذوه بأيديهم في الهواء، و وضعوه على الأرض برفق و لين و رجعوا إليّ القهقرى مؤدّبين كأنّهم العبيد بين يدي الموالي واقفين، ثمّ تكلّم واحد منهم بلسان فصيح، و شهد بوحدانية الباري عزّ شأنه و برسالة النبي المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله) و بإمامة علي المرتضى و الزكي المجتبى و الشهيد بكربلاء و عن الأئمّة واحدا واحدا، ثمّ قال: يا ابن رسول اللّه لي إليك الشكوى فهل تأذن لي؟ فأذن له فقال: إنّي هرم و هذان شابّان فإذا جي‏ء إلينا بطعمة ما يراعياني، و يأكلان الطعمة قبل أن أكمل فأبقى جائعا، قال (عجّل اللّه فرجه):

مكافأتهما أن يصيرا مثلك و تصير مثلهما، فلمّا قال هذا الكلام فإذا صار كما قال، و صارا كما أراد، فعرض لهما الهرم و عاد له الشباب ما شاء اللّه، فلمّا رأى الحاضرون كبّروا جميعا من غير اختيار، و فزع الخليفة و من كان معه و تغيّرت ألوانهم، فأمر بردّه إلى أبيه العسكري (عليه السّلام)، فعدت ضاحكا شاكرا للّه حامدا له، فأتيت به إلى أبيه و قصصت عليه القصّة فأمرني بردّه إلى السرداب فذهبت به‏ (1).

____________

(1)- لم أجده في المصادر.

324

الفرع الخامس فيمن رآه بعد أبيه في غيبته الصغرى‏

الأوّل: ممّن رآه في الغيبة الصغرى: في البحار عن علي بن سنان الموصلي عن أبيه: لمّا قبض سيّدنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري وفد من قم و الجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم، و لم يكن عندهم خبر وفاته، فلمّا أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيّدنا الحسن بن علي (عليه السّلام) فقيل لهم إنّه قد فقد. قالوا: فمن وارثه؟ قالوا: أخوه جعفر بن علي، فسألوا عنه فقيل لهم قد خرج متنزّها و ركب زورقا في الدجلة يشرب و معه المغنون.

قال: فتشاور القوم و قالوا: ليست هذه صفات الإمام، و قال بعضهم لبعض: امضوا بنا لنردّ هذه الأموال إلى أصحابها، فقال أبو العبّاس أحمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتّى ينصرف هذا الرجل و نختبر أمره على الصحّة. قال: فلمّا انصرف دخلوا عليه فسلّموا عليه و قالوا: يا سيّدنا نحن قوم من أهل قم و معنا جماعة من الشيعة و غيرها كنّا نحمل إلى سيّدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال، فقال: و أين هي؟ قالوا: معنا قال (لع): احملوها إلي.

قالوا: إنّ لهذه الأموال خبرا طريفا. فقال: و ما هو؟ قالوا: إنّ هذه الأموال تجمع و يكون فيها من عامّة الشيعة الدينار و الديناران، ثمّ يجعلونها في كيس و يختمون عليها، و كنّا إذا وردنا بالمال قال سيّدنا أبو محمد: جملة المال كذا كذا دينارا؛ من فلان كذا و من فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلّهم و يقول ما على الخواتيم من نقش. فقال جعفر: كذبتم، تقولون على أخي ما لم يفعله هذا علم الغيب. قال: فلمّا سمع القوم كلام جعفر جعل ينظر بعضهم إلى بعض، فقال لهم: احملوا هذا المال إلي. فقالوا: إنّا قوم مستأجرون، وكلاء لأرباب المال و لا نسلّم المال إلّا بالعلامات التي كنّا نعرفها من سيّدنا أبي محمد الحسن بن علي، فإن كنت الإمام فبيّن لنا و إلّا رددناها إلى أصحابها يرون فيها رأيهم.

قال: فدخل جعفر على الخليفة و كان بسر من رأى فاستعدى عليهم فلمّا حضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر. قالوا: أصلح اللّه أمير المؤمنين إنّا قوم مستأجرون،

325

وكلاء لأرباب هذه الأموال و هي لجماعة أمرونا أن لا نسلّمها إلّا بعلامة و دلالة، و قد جرت بهذا العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام)، فقال الخليفة: و ما الدلالة التي كانت لأبي محمّد (عليه السّلام)؟ قال القوم: كان يصف الدنانير و أصحابها و الأموال و كم هي، فإذا فعل ذلك سلّمناها إليه، و قد وفدنا عليه مرارا فكانت هذه علامتنا منه و دلالتنا، و قد مات فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيم لنا أخوه و إلّا رددناها إلى أصحابها. فقال جعفر: يا أمير المؤمنين إنّ هؤلاء قوم كذّابون، يكذبون على أخي و هذا علم الغيب، فقال الخليفة: القوم رسل و ما على الرسول إلّا البلاغ المبين. قال: فبهت جعفر و لم يحر جوابا.

فقال القوم: يتطوّل أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبذرقنا (1) حتّى نخرج من هذه البلدة. قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلمّا أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجها كأنّه خادم فنادى: يا فلان ابن فلان و يا فلان ابن فلان أجيبوا مولاكم. قال:

فقالوا له: أنت مولانا؟ قال: معاذ اللّه أنا عبد مولاكم فسيروا إليه، قالوا: فسرنا معه حتّى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي فإذا ولده القائم قاعد على سرير كأنّه فلقة القمر، عليه ثياب خضر فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام ثمّ قال: جملة المال كذا و كذا دينارا، حمل فلان كذا و فلان كذا، و لم يزل يصف حتّى وصف الجميع ثمّ وصف ثيابنا و رحالنا و ما كان معنا من الدواب، فخررنا سجّدا للّه عزّ و جلّ شكرا لما عرفنا، و قبّلنا الأرض بين يديه، ثمّ سألناه عمّا أردنا و أجاب، فحملنا إليه الأموال، و أمرنا القائم أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئا فإنّه ينصب لنا ببغداد رجلا نحمل إليه الأموال و يخرج من عنده التوقيعات.

قال: فانصرفنا من عنده و دفع إلى أبي جعفر محمد بن جعفر القمي الحميري شيئا من الحنوط و الكفن و قال له: أعظم اللّه أجرك في نفسك. قال: فما بلغ أبو العبّاس عقبة همدان حتّى توفي (رحمه اللّه)، و كنّا بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد، إلى الأبواب المنصوبين و يخرج من عنده التوقيعات‏ (2).

قال الصدوق: هذا الخبر يدلّ على أنّ الخليفة كان يعرف هذا الأمر، كيف هو و أين موضعه فلهذا كفّ عن القوم و عمّا معهم من الأموال، و دفع جعفر الكذّاب عنهم و لم يأمرهم‏

____________

(1)- من البذرقة. و هي الجماعة التي تتقدم القافلة و تكون معها تحرسها. (مجمع: 5/ 13).

(2)- كمال الدين: 479 ح 26 باب 43، و البحار: 52/ 48 ح 34.

326

بتسليمها إليه، إلّا أنّه كان يحبّ أن يخفى هذا الأمر و لا يظهر لئلّا يهتدي إليه الناس فيعرفونه، و قد كان جعفر حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لمّا توفي الحسن بن علي (عليه السّلام) فقال له: يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي و منزلته؟ فقال الخليفة: اعلم أنّ منزلة أخيك لم تكن بنا إنّما كانت باللّه عزّ و جلّ، نحن كنّا نجتهد في حطّ منزلته و الوضع منه، و كان اللّه عزّ و جلّ يأبى إلّا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان فيه من الصيانة و حسن السمت و العلم و العبادة، فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا، و إن لم تكن عندهم بمنزلته و لم يكن فيك ما في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئا (1).

الثاني: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في تبصرة الولي عن أبي علي محمد بن أحمد المحمودي قال: حججت نيفا و عشرين سنة، كنت جميعها أتعلّق بأستار الكعبة و أقف على الحطيم و الحجر الأسود و مقام إبراهيم، و أديم الدعاء في هذه المواضع، و أقف بالموقف و أجعل جلّ دعائي أن يريني مولاي صاحب الزمان، فإنني في بعض السنين قد وقفت بمكّة على أن أبتاع حاجة و معي غلام في يده مشربة [حليج ملمعة] (2) فدفعت إلى الغلام الثمن و أخذت المشربة من يده، و تشاغل الغلام بمماكسة البيع و أنا واقف أترقّب؛ إذ جذب ردائي جاذب، فحوّلت وجهي إليه فرأيت رجلا ذعرت حين نظرت إليه هيبة له فقال لي:

تبيع المشربة، فلم أستطع ردّ الجواب و غاب عن عيني، فلم يلحقه بصري و ظننته مولاي، فإنّني في يوم من الأيّام كنت اصلّي بباب الصفا، فسجدت و جعلت مرفقي في صدري فحرّكني تحرّكا برجله فرفعت رأسي فقال: افتح منكبك عن صدرك، ففتحت عيني فإذا الرجل الذي سألني عن المشربة و لحقني من هيبته ما حار بصري، فغاب عن عيني و أقمت على رجائي و يقيني و مضيت مدّة و أنا أرجح و اديم الدعاء في الموقف، فإنّني في آخر سنة جالس في الكعبة و معي يمان بن الفتح بن دينار و محمد بن القاسم العلوي و علان الكناني و نحن نتحدّث إذا أنا بالرجل في الطواف و أشربت بالنظر إليه و قمت أسعى لأتبعه، فطاف حتّى إذا بلغ الحجر رأى سائلا واقفا على الحجر، و يستحلف و يسأل الناس باللّه جلّ و عزّ أن يصدّق عليه، فإذا بالرجل قد طلع، فلمّا نظر السائل انكبّ إلى الأرض فأخذ منها شيئا و دفع‏

____________

(1)- كمال الدين: 479 ذيل ح 26 باب 43.

(2)- زيادة من دلائل الإمامة و فيه: المشربة إناء يشرب فيه، و الحليج اللبن الذي ينقع فيه التمر ثمّ يماث.

327

إلى السائل، فسألته عمّا وهب لك فأبى أن يعلمني، فوهبت له دينارا فقلت له: أرني ما في يدك، ففتح يده فقدّرت أنّ فيها عشرين دينارا، فوقع في قلبي اليقين أنّه مولاي، و رجعت إلى مجلسي الذي كنت فيه و عيني ممدودة إلى الطواف حتّى إذا فرغ من طوافه عدل إلينا فلحقنا له هيبة شديدة و حارت أبصارنا جميعا، قمنا إليه فجلس فقلنا له: ممّن الرجل؟ فقال:

من العرب. فقلت: من أيّ العرب؟ فقال: من بني هاشم. فقلنا: من أيّ بني هاشم؟ فقال: ليس يخفى عليكم، أ تدرون ما كان يقول زين العابدين عند فراغه من صلاته في سجدة الشكر؟

قلنا: لا. قال: كان يقول: يا كريم مسكينك بفنائك، يا كريم فقيرك زائرك، حقيرك ببابك يا كريم. ثمّ انصرف عنّا و وقعنا نموج و نتذكّر و نتفكّر و لم نحقّق. و لمّا كان من الغد رأيناه في الطواف فامتدت عيوننا إليه فلمّا فرغ من طوافه خرج إلينا و جلس عندنا و أنس و تحدّث، ثمّ قال: أ تدرون ما كان يقول زين العابدين في دعائه بعقب الصلاة؟ قلنا: تعلّمنا. قال: كان يقول:

اللهمّ إنّي أسألك باسمك الذي به تقوم السماء و الأرض، و باسمك الذي به تجمع المتفرّق، و به تفرّق بين المجتمع، و باسمك الذي تفرّق به بين الحقّ و الباطل، و باسمك الذي تعلم به كيل البحار و عدد الرمال و وزن الجبال أن تفعل بي كذا و كذا و أقبل عليّ، حتّى إذا صرنا بعرفات و أدمت الدعاء، فلمّا أفضنا و صرنا إلى المزدلفة و بتنا بها فرأيت رسول اللّه فقال لي:

هل بلغت حاجتك، فتيقّنت عندها (1).

الثالث: ممّن رآه في غيبته الصغرى: فيه عن أبي محمد الحسن بن وجنا النصيبي قال:

كنت ساجدا تحت الميزاب في رابع أربع و خمسين حجّة بعد العتمة، و أنا أتضرّع في الدعاء إذ حرّكني محرّك فقال: قم يا حسن بن وجنا. قال: فقمت فإذا جارية صفراء نحيفة البدن‏ أقول‏ إنّها من أبناء أربعين فما فوقها، فمشت بين يدي و أنا لا أسألها عن شي‏ء حتّى أتت بي دار خديجة و فيه بيت، بابه في وسط الحائط و له درجة سدج ترتقي إليه، فصعدت فوقفت بالباب فقال لي صاحب الزمان: يا حسن أتراك خفيت عليّ، و اللّه ما من وقت في حجّك إلّا و أنا معك فيه، ثمّ جعل يعدّ عليّ أوقاتي فوقعت مغشيا على وجهي فحسست بيد قد وقعت عليّ فقمت فقال لي: يا حسن الزم دار جعفر بن محمد و لا يهمنك طعامك و لا شرابك و لا ما يستر عورتك، ثمّ دفع إليّ دفترا فيه دعاء الفرج و صلاته عليه، فقال: بهذا فادع‏

____________

(1)- دلائل الإمامة: 537، و مدينة المعاجز: 8/ 114.

328

و هكذا صلّ عليّ، و لا تعطه إلّا محقّي أوليائي فإنّ اللّه جلّ جلاله موفّقك. فقلت: يا مولاي أراك بعدها؟

فقال: يا حسن إذا شاء اللّه.

قال: فانصرفت من حجّتي و لزمت دار جعفر بن محمد فأنا أخرج منها فلا أعود إليها إلّا لثلاث خصال: لتجديد وضوء أو لنوم أو لوقت الإفطار، فأدخل بيتي وقت الإفطار فاصيب رباعيا مملوءا ماء و رغيفا على رأسه و عليه ما تشتهي نفسي بالنهار، فآكل ذلك فهو كفاية لي، و كسوة الشتاء في وقت الشتاء و كسوة الصيف في وقت الصيف، و إنّي لأدخل الماء بالنهار و أرشّ البيت و ادخل الكوز فارغا فاوتى بالطعام و لا حاجة لي إليه فأتصدّق به كيلا يعلم بي من معي‏ (1).

الرابع: ممّن رآه في غيبته الصغرى عن حبيب بن محمد بن يونس بن شاذان الصنعائي قال: دخلت إلى علي بن مهزيار الأهوازي فسألته عن آل أبي محمّد (عليه السّلام) قال: يا أخي لقد سألت عن أمر عظيم، حججت عشرين حجّة كل أطلب به عيان الإمام فلم أجد إلى ذلك سبيلا، فبينا أنا ذات ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلا يقول: يا علي بن إبراهيم قد أذن اللّه لك في الحجّ، فلم أعقل ليلتي حتّى أصبحت فأنا مفكّر في أمري، أرقب الموسم ليلي و نهاري، فلمّا كان وقت الموسم أصلحت أمري و خرجت متوجّها نحو المدينة، فما زلت كذلك حتّى دخلت يثرب فسألت عن آل أبي محمّد (عليه السّلام) فلم أجد له أثرا و لا سمعت له خبرا، فأقمت مفكّرا في أمري حتّى خرجت من المدينة اريد مكّة، فدخلت الجحفة و أقمت بها يوما و خرجت متوجّها نحو الغدير، و هو على أربعة أميال من الجحفة فلمّا أن دخلت المسجد صلّيت و عفّرت و اجتهدت في الدعاء و ابتهلت إلى اللّه لهم و خرجت اريد عسفان، فما زلت كذلك حتّى دخلت مكّة، فأقمت بها أيّاما أطوف البيت و اعتكفت، فبينا أنا ليلة في الطواف إذا أنا بفتى حسن الوجه طيّب الرائحة يتبختر في مشيه، طائف حول البيت فحسّ قلبي به فقمت نحوه فحككته، فقال لي: من أين الرجل؟

فقلت: من أهل العراق، فقال لي: من أي العراق؟ قلت: من الأهواز. فقال لي: أ تعرف ابن الخضيب؟ فقلت: (رحمه اللّه) دعي فأجاب. فقال: (رحمه اللّه) فما كان أطول ليلته و أكثر تبتله‏

____________

(1)- الخرائج و الجرائح: 2/ 961 و الثاقب في المناقب: 612.

329

و أغزر دمعته، أ فتعرف علي بن إبراهيم المهزيار؟ فقلت: أنا علي بن إبراهيم المهزيار. فقال:

حيّاك اللّه أبا الحسن، ما فعلت بالعلامة التي بينك و بين أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام)؟

فقلت: معي. قال: أخرجها، فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلمّا أن رآها لم يتمالك أن غرقت عيناه و بكى منتحبا حتّى بلّ أطماره ثمّ قال: اذن لك الآن يا ابن المهزيار، صر إلى رحلك و كن على أهبة من أمرك حتّى إذا لبس الليل جلبابه و غمر الناس ظلامه صر إلى شعب بني عامر فإنّك ستلقاني هناك، فصرت إلى منزلي فلمّا أحسست بالوقت أصلحت رحلي و قدمت راحلتي و عكمتها شديدا، و حملت و صرت في متنه، و أقبلت مجدّا في السير حتّى وردت الشعب فإذا أنا بالفتى قائم ينادي: إليّ يا أبا الحسن إليّ، فما زلت نحوه فلمّا قربت بدأني بالسلام و قال لي: سر بنا يا أخي فما زال يحدّثني و أحدّثه حتّى تخرقنا جبال عرفات و سرنا إلى جبال منى، و انفجر الفجر الأوّل و نحن قد توسّطنا جبال الطائف فلمّا أن كان هناك أمرني بالنزول و قال لي: انزل فصلّ صلاة الليل، فصلّيت و أمرني بالوتر فأوترت و كانت فائدة منه.

ثمّ أمرني بالسجود و التعقيب ثمّ فرغ من صلاته و ركب و أمرني بالركوب، و سار و سرت معه حتّى علا ذروة الطائف فقال: هل ترى شيئا؟ قلت: نعم أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقّد البيت نورا، فلمّا أن رأيته طابت نفسي فقال لي: هناك الأمل و الرجاء، ثمّ قال: سر بنا يا أخ، فسار و سرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة و سار في أسفله فقال: انزل فهاهنا يذلّ كل صعب و يخضع كلّ جبّار، ثمّ قال: خلّ عن زمام الناقة. قلت: فعلى من أخلفها. فقال: حرم القائم لا يدخله إلّا مؤمن و لا يخرج منه إلّا مؤمن، فخليت عن زمام راحلتي و سار و سرت معه إلى أن دنا من باب الخباء، فسبقني بالدخول و أمرني أن أقف حتّى يخرج إلي، ثمّ قال لي: ادخل هناك السلامة، فدخلت فإذا أنا به جالس قد اتشح ببردة و اتّزر باخرى و قد كسر بردته على عاتقه و هو كأقحوانة ارجوانة (1) قد تكاثف عليها الندى و أصابها ألم الهواء (2)، و إذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان سمحي سخي تقي نقي، ليس بالطويل الشامخ و لا بالقصير اللاصق، بل مربوع القامة، مدوّر الهامة، صلت الجبين، أزجّ الحاجبين، أقنى الأنف‏

____________

(1)- أقحوان بابونج، أرجوانة الأحمر.

(2)- إصابة الندى تشبيه لما أصابه من العرق، و أصابه ألم الهواء لانكسار لون الحمرة و عدم اشتدادها.

330

سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على رضاضة العنبر، فلمّا أن رأيته بدرته بالسلام فردّ عليّ أحسن ما سلّمت عليه و شافهني و سألني عن أهل العراق، فقلت:

سيدي قد البسوا جلباب الذلّة و هم بين القوم أذلّاء. فقال لي: يا ابن المهزيار لتملكونهم كما ملكوكم و هم يومئذ أذلّاء. فقلت: سيدي لقد بعد الوطن و طال المطلب. فقال: يا ابن المهزيار أبي أبو محمد عهد إلي أن لا اجاور قوما غضب اللّه عليهم و لهم الخزي في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب أليم، و أمرني أن لا أسكن من الجبال إلّا و عرها و من البلاد إلّا قفرها، و اللّه مولاكم أظهر التقية فوكلها بي، فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج. فقلت: يا سيدي متى يكون هذا الأمر؟

فقال: إذا حيل بينكم و بين سبيل الكعبة، و اجتمع الشمس و التمر و استدار بهما الكواكب و النجوم. فقلت: متى يا ابن رسول اللّه؟ قال لي: في سنة كذا و كذا يخرج دابّة الأرض من بين الصفا و المروة، و معه عصا موسى و خاتم سليمان تسوق الناس إلى المحشر.

قال: فأقمت عنده أيّاما و أذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي و خرجت نحو منزلي، و اللّه لقد سرت من مكة إلى الكوفة و معي غلام يخدمني فلم ير إلّا خيرا و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم‏ (1).

الخامس: ممّن رآه في غيبته الصغرى: فيه عن أبي الأديان: كنت أخدم الحسن بن علي ابن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام)، و أحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علّته التي توفي فيها فكتب معي كتبا فقال: تمضي بها إلى المدائن، فإنّك ستغيب خمسة عشر يوما فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر و تسمع الواعية في داري و تجدني على المغتسل. قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي. فقلت: زدني؟

فقال: من يصلّي علي فهو القائم بعدي. فقلت: زدني؟ فقال: من أخبر عمّا في الهميان فهو القائم من بعدي. ثمّ منعتني هيبته أن أسأله ما الهميان، و خرجت بالكتب إلى المدائن و أخذت جواباتها و دخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما قال (عليه السّلام) لي فإذا الواعية في داره و إذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار و الشيعة حوله يعزّونه و يهنئونه، فقلت في‏

____________

(1)- غيبة الطوسي: 263.

331

نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة؛ لأنّي كنت أعرفه يشرب النبيذ و يقامر في الجوسق و يلعب بالطنبور، فتقدّمت و عزّيت و هنيت فلم يسألني عن شي‏ء.

ثمّ خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم للصلاة عليه فدخل جعفر بن علي و الشيعة من حوله يقدمهم السمان و الحسن بن قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلمّا صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي (عليه السّلام) مكفّنا فتقدّم جعفر بن علي ليصلّي على أخيه، فلمّا همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج فجذب رداء جعفر بن علي و قال: تأخّر يا عمّ فأنا أحقّ بالصلاة على أبي، فتأخّر جعفر و قد أربد وجهه، فتقدّم الصبي فصلّى عليه و دفن إلى جانب قبر أبيه ثمّ قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك.

فدفعتها إليه و قلت في نفسي: هذه اثنتان بقي الهميان، ثمّ خرجت إلى جعفر بن علي و هو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم عليه الحجّة؟ فقال: و اللّه ما رأيته و لا عرفته، فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي (عليه السّلام) فعرفوا موته فقالوا:

فمن؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلّموا عليه و عزّوه و هنّئوه و قالوا: معنا كتب و مال فتقول ممّن الكتب و كم المال، فقام ينفض أثوابه و يقول: يريدون منّا أن نعلم الغيب.

قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان و فلان و هميان فيه ألف دينار و عشر دنانير منها مطلسة، فدفعوا الكتب و المال و قالوا: الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام، فدخل جعفر بن علي على المعتمد و كشف له ذلك فوجه المعتمد خدمه، فقبضوا على صيقل الجارية و طالبوها بالصبي فأنكرته و ادّعت حملا بها لتغطي على حال الصبي، فسلّمت على ابن أبي الشوارب و بلغتهم موت عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان فجأة، و خروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم، و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1).

السادس: ممّن رآه في غيبته الصغرى: و في كشف الغمّة عن رشيق حاجب المادرائي‏ (2):

بعث إلينا المعتضد و أمرنا أن نركب و نحن ثلاثة نفر و نخرج مخفين السروج و نجنب اخرى‏ (3) و قال: الحقوا بسامراء و اكبسوا دار الحسن بن علي فإنّه توفي، و من رأيتم في داره‏

____________

(1)- كمال الدين: 475، و تبصرة الولي: 776 ح 41.

(2)- في المصدر: المادرائي.

(3)- في المصدر: محفين على السروج و نجنب اخرى.

332

فأتوني برأسه، فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدناها دارا سرية كأن الأيدي رفعت عنها في ذلك الوقت، فرفعنا الستر و إذا سرداب في الدار الاخرى فدخلناها و كأن بحرا فيها، و في أقصاه حصير، و قد علمنا أنّه على الماء و فوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلّي فلم يلتفت إلينا و لا إلى شي‏ء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد اللّه ليخطي فغرق في الماء، و ما زال يضطرب حتّى مددت يدي إليه فجلست فخلّصته و أخرجته فغشي عليه و بقي ساعة، و عاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك فناله مثل ذلك، فبقيت مبهوتا فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى اللّه و إليك، فو اللّه ما علمت كيف الخبر و إلى من نجي‏ء، و أنا تائب إلى اللّه، فما التفت إلي بشي‏ء ممّا قلت فانصرفنا إلى المعتضد فقال: اكتموه و إلّا ضربت رقابكم‏ (1).

السابع: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في البحار عن يعقوب بن يوسف الضراب الغساني في منصرفه من أصفهان قال: حججت في سنة إحدى و ثمانين و مائتين، و كنت مع قوم مخالفين من أهل بلدنا فلمّا قدمنا مكّة تقدّم بعضهم فاكترى لنا دارا في زقاق بين سوق الليل، و هي دار خديجة تسمّى دار الرضا، و فيها عجوز سمراء فسألتها- لما وقفت على أنّها دار الرضا- ما تكونين من أصحاب هذه الدار؟ و لم سمّيت دار الرضا؟ فقالت: أنا من مواليهم و هذه دار الرضا علي بن موسى (عليه السّلام)، أسكننيها الحسن بن علي (عليه السّلام) فإنّي كنت من خدمه.

فلمّا سمعت ذلك منها أنست بها و أسررت الأمر عن رفقائي المنافقين المخالفين، فكنت إذا انصرفت من الطواف بالليل أنام معهم في رواق الدار، و تغلق الباب و نلقي خلف الباب حجرا كبيرا كنّا نديره خلف الباب، فرأيت غير ليلة ضوء السراج في الرواق الذي كنّا فيه شبيها بضوء المشعل، و رأيت الباب قد انفتح و لا أرى أحدا فتحه من أهل الدار، و رأيت رجلا ربعة أسمر إلى الصفرة مائل، قليل اللحم، في وجهه سجادة، عليه قميصان و إزار رقيق، قد تقنّع به و في رجله نعل طاق، فصعد إلى الغرفة في الدار حيث كانت العجوز تسكن، و كانت تقول لنا إنّ في الغرفة ابنة لا تدع أحدا يصعد إليها، فكنت أرى الضوء الذي رأيته يضي‏ء في الرواق على الدرجة عند صعود الرجل إلى الغرفة التي يصعدها، ثمّ أراه في الغرفة من غير أن أرى السراج بعينه، و كان الذين معي يرون مثل ما أرى، فتوهّموا أنّ هذا الرجل يختلف إلى ابنة العجوز و أن يكون قد تمتّع بها، فقالوا: هؤلاء البلدية يرون المتعة

____________

(1)- كشف الغمّة: 3/ 303، و فرج المهموم: 248 بتفاوت.

333

و هذا حرام لا يحلّ فيما زعموا، و كنّا نراه يدخل و يخرج و يجي‏ء إلى الباب و إذا الحجر على حاله الذي تركناه، و كنّا نغلق هذا الباب خوفا على متاعنا، و كنّا لا نرى أحدا يفتحه أو يغلقه و الرجل يدخل و يخرج و الحجر خلف الباب إلى وقت ننحيه إذا خرجنا.

فلمّا رأيت هذه الأسباب ضرب على قلبي و وقعت في قلبي فتنة، فتلطّفت العجوز و أحببت أن أقف على خبر الرجل فقلت لها: يا فلانة إنّي أحبّ أن أسألك و افاوضك من غير حضور من معي فلا أقدر عليه، فأنا احبّ إذا رأيتني في الدار و حدي أن تنزلي إلي لأسألك عن أمر، فقالت لي مسرعة: و أنا أريد أن أسرّ إليك شيئا فلم يتهيّأ لي ذلك من أجل من معك، فقلت: ما أردت أن تقولي؟ فقالت: يقول لك- و لم تذكر أحدا- لا تحاشن أصحابك و شركاءك و لا تلاحهم فإنّهم أعداؤك و دارهم. فقلت لها: من يقول؟ فقالت: أنا أقول، فلم أجسر لما دخل قلبي من الهيبة أن اراجعها فقلت: أيّ أصحابي تعنين؟ و ظننت أنّها تعني رفقائي الذين كانوا حجّاجا معي.

قالت: شركاؤك الذين في بلدك و في الدار معك. و كان جرى بيني و بين الذين معي في الدار شركة عنت في الدين، فسعوا إلي حتّى هربت و استترت بذلك السبب، فوقفت على أنّها عنت اولئك، فقلت لها: ما تكونين أنت من الرضا؟ فقالت: كنت خادمة للحسن بن علي (عليه السّلام)، فلمّا استيقنت ذلك قلت لأسألها عن النائب فقلت: باللّه عليك رأيته بعينك؟

فقالت: يا أخي لم أره بعيني فإنّي خرجت و اختي حبلى و بشّرني الحسن بن علي (عليه السّلام) بأنّي سوف أراه في آخر عمري، و قال لي: تكونين له كما كنت لي، و أنا اليوم منذ كذا بمصر، و إنّما قدمت الآن بكتابة و نفقة وجّه بها إلي على يد رجل من أهل خراسان لا يفصح بالعربية و هي ثلاثون دينارا، و أمرني أن أحجّ سنتي هذه فخرجت رغبة منّي في أن أراه، فوقع في قلبي أنّ الرجل الذي كنت أراه هو، فأخذت عشرة دراهم صحاحا فيها ستّة رضوية و من ضرب الرضا (عليه السّلام)، قد كنت خبأتها لالقيها في مقام إبراهيم، و كنت نذرت و نويت ذلك فدفعتها إليها و قلت في نفسي: أدفعها إلى قوم من ولد فاطمة أفضل ممّا ألقيها في المقام و أعظم ثوابا، فقلت لها: ادفعي هذه الدراهم إلى من يستحقّها من ولد فاطمة، و كان في نيّتي أنّ الذي رأيته هو الرجل، و إنّما تدفعها إليه فأخذت الدراهم و صعدت و بقيت ساعة ثمّ نزلت و قالت: يقول لك: ليس لنا فيها حقّ اجعلها في الموضع الذي نويت، و لكن هذه الرضوية خذ منّا بدلها

334

و ألقها في الموضع الذي نويت، ففعلت و قلت في نفسي: الذي امرت به عن الرجل.

ثمّ كان معي نسخة توقيع خرج إلى القاسم بن العلاء بأذربايجان فقلت لها: تعرضين هذه النسخة على إنسان قد رأى توقيعات الغائب؟ فقالت: ناولني فإنّي أعرفه، فأريتها النسخة و ظننت أنّ المرأة تحسن أن تقرأ، فقالت: لا يمكنني أن أقرأ في هذا المكان، فصعدت الغرفة ثمّ أنزلته فقالت: صحيح و في التوقيع: أبشّركم ببشرى ما بشّرت به غيركم، ثمّ قالت: يقول لك: إذا صلّيت على نبيّك كيف تصلّي؟ فقلت: أقول: اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آل محمّد كأفضل ما صلّيت و باركت و ترحمت على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد. فقالت: لا، إذا صلّيت فصلّ عليهم كلّهم و سمّهم. فقلت: نعم، فلمّا كان من الغد نزلت و معها دفتر صغير فقالت: يقول لك: إذا صلّيت على النبيّ فصلّ عليه و على أوصيائه على هذه النسخة، فأخذتها و كنت أعمل بها، و رأيت عدّة ليال قد نزل من الغرفة وضوء السراج قائم و كنت أفتح الباب و أخرج على أثر الضوء، و أنا أراه أعني الضوء و لا أرى أحدا حتّى يدخل المسجد، و أرى جماعة من الرجال من بلدان شتّى يأتون باب هذه الدار، فبعضهم يدفعون إلى العجوز رقاعا معهم، و رأيت العجوز قد دفعت إليهم كذلك الرقاع فيكلّمونها و تكلّمهم و لا أفهم عينهم، و رأيت منهم في منصرفنا جماعة في طريقي إلى أن قدمت بغداد.

و نسخة الدفتر الذي خرج: بسم اللّه الرّحمن الرحيم اللهمّ صلّ على محمّد سيّد المرسلين و خاتم النبيّين و حجّة ربّ العالمين، المنتخب في الميثاق، المصطفى في الظلال، المطهّر من كل آفة، البري‏ء من كلّ عيب، المؤمّل للنجاة، المرتجى للشفاعة، المفوّض إليه دين اللّه. اللهمّ شرّف بنيانه و عظّم برهانه و أفلح حجّته و ارفع درجته و أضئ نوره و بيّض وجهه، و أعطه الفضل و الفضيلة و الدرجة و الوسيلة الرفيعة و ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون و الآخرون.

و صلّ على أمير المؤمنين و وارث المرسلين و قائد الغرّ المحجّلين و سيّد الوصيّين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على الحسن بن علي إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على الحسين بن علي إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على علي بن الحسين إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ‏

335

العالمين، و صلّ على محمّد بن علي إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على جعفر بن محمّد إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على موسى بن جعفر إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على علي بن موسى إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على محمد بن علي إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على علي بن محمد إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على الحسن بن علي إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين، و صلّ على الخلف الصالح الهادي المهدي إمام المؤمنين و وارث المرسلين و حجّة ربّ العالمين.

اللهمّ صلّ على محمّد و أهل بيته الأئمّة الهادين المهديين العلماء الصادقين الأبرار المتّقين، دعائم دينك و أركان توحيدك و تراجمة وحيك و حجّتك على خلقك و خلفائك في أرضك، الذين اخترتهم لنفسك و اصطفيتهم على عبادك و ارتضيتهم لدينك و خصصتهم بمعرفتك و جللتهم بكرامتك و غشيتهم برحمتك و ربيتهم بنعمتك و غذيتهم بحكمتك و ألبستهم نورك و رفعتهم في ملكوتك و حففتهم بملائكتك و شرّفتهم بنبيّك.

اللهمّ صلّ على محمّد و عليهم صلاة كثيرة دائمة طيّبة لا يحيط بها إلّا أنت و لا يسعها إلّا علمك و لا يحصيها أحد غيرك.

اللهمّ و صلّ على وليّك المحيي سنّتك القائم بأمرك الداعي إليك الدليل عليك و حجّتك على خلقك و خليفتك في أرضك و شاهدك على عبادك، اللهمّ أعزّ نصره و مدّ في عمره و زيّن الأرض بطول بقائه، اللهمّ اكفه بغي الحاسدين و أعذه من شرّ الكائدين و ازجر عنه إرادة الظالمين و خلّصه من أيدي الجبّارين، اللهمّ أعطه في نفسه و ذريته و شيعته و رعيته و خاصّته و عامّته و عدوّه و جميع أهل زمانه ما تقرّبه عينه و تسرّ به نفسه، و بلّغه أفضل أمله في الدنيا و الآخرة إنّك على كلّ شي‏ء قدير.

اللهمّ جدّد به ما محي من دينك، و أحي به ما بدّل من كتابك، و أظهر به ما غير من حكمك حتى يعود دينك به و على يديه غضّا جديدا خالصا مخلصا لا شكّ فيه و لا شبهة معه و لا باطل عنده و لا بدعة لديه. اللهمّ نوّر بنوره كلّ ظلمة و هدّ بركنه كل بدعة و اهدم بعزّته كلّ ضلالة و اقسم به كلّ جبّار و أخمد بسيفه كلّ نار و أهلك بعدله كلّ جائر و أجر

336

حكمه على كلّ حكم و أذلّ بسلطانه كلّ سلطان. اللهمّ أذلّ كلّ من ناواه و أهلك كل من عاداه و امكر بمن كاده و استأصل من جحد حقّه و استهان بأمره و سعى في إطفاء نوره و أراد إخماد ذكره.

اللهمّ صلّ على محمّد المصطفى و علي المرتضى و فاطمة الزهراء و الحسن الرضا و الحسين المصطفى و جميع الأوصياء مصابيح الدجى و أعلام الهدى و منار التقى و العروة الوثقى و الحبل المتين و الصراط المستقيم، و صل على وليّك و ولاة عهده و الأئمّة من ولده و مدّ في أعمارهم و زد في آجالهم و بلغهم أقصى آمالهم دينا و دنيا و آخرة إنّك على كلّ شي‏ء قدير (1).

الثامن: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في الكافي عن أبي سعيد غانم الهندي قال: كنت بمدينة الهند المعروفة بقشمير الداخلة، و أصحاب لي يقعدون على كراسي عن يمين الملك أربعون رجلا، كلّهم يقرأ الكتب الأربعة، التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم، نقضي بين الناس و نفقّههم في دينهم و نفتيهم في حلالهم و حرامهم، يفزع إلينا الملك و من دونه، فتجارينا ذكر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقلنا: هذا النبي المذكور في الكتب قد خفي علينا أمره و يجب علينا الفحص عنه و طلب أثره، و اتفق رأينا و توافقنا على أن أخرج فأرتاد لهم، فخرجت و معي مال جليل فسرت اثني عشر شهرا حتّى قربت من كابل، فعرض لي قوم من الترك فقطعوا علي و أخذوا مالي و جرحت جراحات شديدة، و دفعت إلى مدينة كابل فأنفذني ملكها لمّا وقف على خبري إلى مدينة بلخ، و عليها إذ ذاك داود بن العباس بن أبي أسود فبلغه خبري و أنّي خرجت مرتادا من الهند، و تعلّمت الفارسية و ناظرت الفقهاء و أصحاب الكلام فأرسل إلى داود بن العبّاس فأحضرني مجلسه، و جمع عليّ الفقهاء فناظروني فأعلمتهم أنّي خرجت من بلدي أطلب هذا النبي الذي وجدته في الكتب.

فقال لي: من هو؟ و ما اسمه؟ فقلت: محمّد فقال: هو نبيّنا تطلب، فسألتهم عن شرائعه فأعلموني، فقلت لهم: أنا أعلم أنّ محمّدا لنبي و لا أعلمه هذا الذي تصفون أم لا، فأعلموني موضعه لأقصده فأسأله عن علامات عندي و دلالات، فإن كان صاحبي الذي طلبت آمنت به، فقالوا قد مضى (صلّى اللّه عليه و آله)، قلت: فمن وصيّه و خليفته؟ فقالوا: أبو بكر. قلت: فسمّوه لي فإنّ‏

____________

(1)- بطوله في غيبة الشيخ: 279 و بحار الأنوار: 52/ 20 ح 14.

337

هذه كنيته؟ قالوا: عبد اللّه بن عثمان، و نسبوه إلى قريش. قلت: فانسبوا لي محمّدا، و هل لمحمّد قرابة إلى وصيّه و خليفته؟ فنسبوه، فقلت: ليس هذا صاحبي الذي طلبت، صاحبي الذي أطلبه خليفته أخوه في الدين و ابن عمّه في النسب و زوج ابنته و أبو ولده، و ليس لهذا النبي ذريّة على الأرض غير ولد هذا الرجل الذي هو خليفته.

قال: فوثبوا بي و قالوا: يا أيّها الأمير إنّ هذا قد خرج من الشرك إلى الكفر هذا حلال الدم.

فقلت لهم: يا قوم أنا رجل معي دين متمسّك به لا افارقه حتّى أرى ما هو أقوى منه، إنّي وجدت صفة الرجل في الكتب الذي أنزلها اللّه عزّ و جلّ على أنبيائه، و إنّما خرجت من بلاد الهند و من العزّ الذي كنت فيه طلبا له، فلمّا فحصت عن أمر صاحبكم الذي ذكرتم لم يكن النبي الموصوف في الكتب فكفّوا عنّي، و بعث العامل إلى رجل يقال له الحسين بن أسكب فدعاه فقال له: ناظر هذا الرجل الهندي، فقال له الحسين: أصلحك اللّه عندك الفقهاء و العلماء و هم أعلم و أبصر بمناظرته، فقال له: ناظره كما أقول لك و اخل به و الطف به، فقال لي الحسين بن إسكيب بعد ما فاوضته: إنّ صاحبك الذي تطلبه هو النبي الذي وصفه هؤلاء و ليس الأمر في خليفته كما قالوا، هذا النبيّ محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطّلب و وصيّه علي ابن أبي طالب بن عبد المطّلب و هو زوج فاطمة بنت محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و أبو الحسن و الحسين سبطي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

قال غانم أبو سعيد: فقلت: اللّه أكبر هذا الذي طلبت فانصرفت إلى داود بن العبّاس فقلت له: أيّها الأمير وجدت ما طلبت و أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه. قال:

فبرّني و وصلني و قال للحسين تفقده. قال: فمضيت إليه حتّى أنست به و فقّهني فيما احتجت إليه من الصلاة و الصيام و الفرائض. قال: فقلت له: إنّا نقرأ في كتبنا أنّ محمّدا خاتم النبيّين لا نبي بعده و أنّ الأمر من بعده إلى وصيّه و خليفته من بعده، ثمّ إلى الوصي، لا يزال أمر اللّه جاريا في أعقابهم حتّى تنقضي الدنيا فمن وصي وصي محمد؟

قال: الحسن ثمّ الحسين (عليهما السّلام) ابنا محمّد، ثمّ ساق الأمر في الوصية حتّى انتهى إلى صاحب الزمان (عليه السّلام)، ثمّ أعلمني ما حدث فلم يكن لي همّة إلّا طلب الناحية، فوافى قم وفد من أصحابنا في سنة أربع و ستّين، و خرج معهم حتى وافى بغداد و معه رفيق له من أهل السند كان صحبه على المذهب، فحدّثني غانم قال: و أنكرت من رفيقي بعض أخلاقه‏

338

فهجرته، و خرجت حتّى صرت إلى العبّاسية أتهيّأ للصلاة و اصلّي و أنا واقف متفكّرا فيما قصدت لطلبه إذا أنا بآت قد أتاني فقال: أنت فلان- اسمه بالهند-؟ قلت: نعم، قال: أجب مولاك، فمضيت معه فلم يزل يتخلّد في الطرق حتّى أتى دارا و بستانا فإذا أنا به (عليه السّلام) جالس فقال: مرحبا يا فلان- بكلام الهند- كيف حالك و كيف خلفت فلانا و فلانا و فلانا، حتّى عدّ الأربعين كلّهم فسألني عنهم واحدا واحدا، ثمّ أخبرني بما تجاريناه كلّ ذلك بكلام الهند، ثمّ قال: أردت أن تحجّ مع أهل قم؟ قلت: نعم يا سيدي. فقال: لا تحجّ معهم و انصرف سنتك هذه و حجّ في قابل، ثمّ ألقى إليّ صرّة كانت بين يديه فقال لي: اجعلها نفقتك و لا تدخل إلى بغداد إلى فلان- سمّاه- و لا تطلعه على شي‏ء و انصرف إلينا إلى البلد، ثمّ وافانا بعض الفيوج فأعلمونا أنّ أصحابنا انصرفوا من العقبة، و مضى نحو خراسان فلمّا كان في قابل حجّ و أرسل إلينا بهدية من طرف خراسان فأقام بها مدّة ثمّ مات (رحمه اللّه)(1).

التاسع: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في البحار عن محمد بن أحمد بن خلف قال: نزلنا مسجدا في المنزل المعروف بالعبّاسية على مرحلتين من فسطاط مصر، و تفرّق غلماني في النزول و بقي معي في المسجد غلام أعجمي، فرأيت في زاويته شيخا كثير التسبيح فلمّا زالت الشمس ركعت و صلّيت الظهر في أوّل وقتها و دعوت بالطعام و سألت الشيخ أن يأكل معي فأجابني، فلمّا طعمنا سألته عن اسمه و اسم أبيه و عن بلده و حرفته، فذكر أنّ اسمه محمد بن عبيد اللّه و أنّه من أهل قم، و ذكر أنّه يسيح منذ ثلاثين سنة في طلب الحقّ و ينتقل في البلدان و السواحل، و أنّه أوطن مكّة و المدينة نحو عشرين سنة يبحث عن الأخبار و يتتبع الآثار، فلمّا كان في سنة ثلاث و تسعين و مائتين طاف بالبيت، ثمّ صار إلى مقام إبراهيم فركع فيه و غلبته عينه فأنبهه صوت دعاء لم يجر في سمعه مثله.

قال: فتأمّلت الداعي فإذا هو شاب أسمر لم أرقط في حسن صورته و اعتدال قامته، ثمّ صلّى فخرج و سعى فتبعته و أوقع اللّه في نفسي أنّه صاحب الزمان، فلمّا فرغ من سعيه قصد بعض الشعاب فقصدت أثره، فلمّا قربت منه إذا أنا بأسود مثل الفنيق‏ (2) قد اعترضني فصاح بي بصوت لم أسمع أهول منه: ما تريد عافاك اللّه؟ فارتعدت و وقفت و زال الشخص عن بصري و بقيت متحيّرا، فلمّا طال بي الوقوف و الحيرة انصرفت ألوم نفسي و أعذلها بانصرافي‏

____________

(1)- الكافي: 1/ 517 ح 3.

(2)- الفنيق: الفحل من الابل المكرم.

339

بزجرة الأسود، فخلوت بربّي عزّ و جلّ أدعوه و أسأله بحقّ رسوله و آله أن لا يخيب سعيي، و أن يظهر لي ما يثبّت به قلبي و يزيد في بصري، فلمّا كان بعد سنين زرت قبر المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله)، فبينا أنا في الروضة التي بين القبر و المنبر إذ غلبتني عيني فإذا محرّك يحرّكني فاستيقظت فإذا أنا بالأسود فقال: ما خبرك و كيف كنت؟ فقلت: أحمد اللّه و أذمّك. فقال: لا تفعل فإنّي امرت بما خاطبتك، به و قد أدركت خيرا كثيرا فطب نفسا و ازدد من الشكر للّه عزّ و جلّ على ما أدركت و عاينت، ما فعل فلان- و سمّى بعض إخواني المستبصرين- فقلت: ببرقة (1).

فقال: صدقت ففلان؟- و سمّى رفيقا لي مجتهدا في العبادة مستبصرا في الديانة، فقلت:

بالاسكندرية، حتّى سمّى لي عدّة من إخواني، ثمّ ذكر اسما غريبا فقال: ما فعل فغفور؟

قلت: لا أعرفه. فقال: كيف لا تعرفه و هو رومي فيهديه اللّه فيخرج ناصر من قسطنطينة.

ثمّ سألني عن رجل آخر فقلت: لا أعرفه. فقال: هذا رجل من أهل هيت من أنصار مولاي، امض إلى أصحابك فقل لهم: نرجو أن يكون قد أذن اللّه في الانتصار للمستضعفين و في الانتقام من الظالمين، و قد لقيت جماعة من أصحابي و أديت إليهم و أبلغتهم ما حملت و أنا منصرف، و اشير عليك أن لا تتلبّس بما يثقل به ظهرك و تتعب به جسمك، و أن تحبس نفسك على طاعة ربّك فإنّ الأمر قريب إن شاء اللّه، فأمرت خازني فأحضر لي خمسين دينارا و سألته قبولها فقال: يا أخي قد حرّم اللّه علي أن آخذ منك ما أنا مستغن عنه كما أحلّ لي أن آخذ منك الشي‏ء إذا احتجت إليه.

فقلت: هل سمع هذا الكلام منك أحد غيري من أصحاب السلطان؟ فقال: نعم أخوك أحمد بن الحسين الهمداني المدفوع عن نعمته بأذربايجان، و قد استأذن للحج أملا أن يلقى ما لقيت، فحجّ أحمد بن الحسين الهمداني (رحمه اللّه) في تلك السنة فقتله زكرويه بن مهرويه، و افترقنا و انصرفت إلى الثغر، ثمّ حججت فلقيت بالمدينة رجلا اسمه طاهر من ولد الحسين الأصغر يقال إنّه يعلم من هذا الأمر شيئا، فثابرت عليه حتّى أنس بي و سكن إلي، و وقف على صحّة عقيدتي فقلت له: يا ابن رسول اللّه بحق آبائك الطاهرين لما جعلتني مثلك في العلم بهذا الأمر، فقد شهد عندي من توثقه بقصد القاسم بن عبيد اللّه بن سليمان بن وهب إيّاي بمذهبي و اعتقادي، و إنّه غزا بلادي مرارا فسلّمني اللّه منه. فقال: يا أخي اكتم ما تسمع‏

____________

(1)- قرية من قرى قم.

340

منّي الخبر في هذه الجبال، و إنّما يرى العجائب الذين يحملون الزاد في الليل و يقصدون به مواضع يعرفونها، فقد نهينا عن الفحص و التفتيش، فودّعته و انصرفت عنه‏ (1).

العاشر: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في البحار عن يوسف بن أحمد الجعفري قال:

حججت سنة ست و ثلاثمائة و جاورت بمكّة تلك السنة و ما بعدها إلى سنة تسع و ثلاثمائة ثمّ خرجت عنها منصرفا إلى الشام، فبينا أنا في بعض الطريق و قد فاتتني صلاة الفجر فنزلت من المحمل و تهيّأت للصلاة، فرأيت أربعة نفر في محمل فوقفت أعجب منهم فقال أحدهم: مم تعجب، تركت صلاتك و خالفت مذهبك؟ فقلت للذي يخاطبني: و ما علمك بمذهبي؟ فقال: تحبّ أن ترى صاحب زمانك؟ فقلت: نعم، فأومى إلى أحد الأربعة. فقلت:

إنّ له دلائل و علامات، فقال: أيّما أحبّ إليك أن ترى الجمل و ما عليه صاعدا إلى السماء، أو ترى المحمل صاعدا إلى السماء؟ فقلت: أيّهما كان فهي دلالة؟ فرأيت الجمل و ما عليه يرتفع إلى السماء، و كان الرجل أومى إلى رجل به سمرة و كأن لونه الذهب، بين عينيه سجادة (2).

الحادي عشر: ممّن رآه في غيبته الصغرى: عن علي بن إبراهيم الأودي قبل سنة ثلاثمائة: بينا أنا في الطواف قد طفت ستّة و أريد أن أطوف السابعة، فإذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة و شاب حسن الوجه، طيّب الرائحة، هيوب و مع هيبته متقرّب إلى الناس، فلم أر أحسن من كلامه و لا أعذب من منطقه في حسن جلوسه فذهبت اكلّمه فزبرني‏ (3) الناس، فسألت بعضهم: من هذا؟ فقال: ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يظهر للناس في كلّ سنة يوما لخواصّه فيحدّثهم. فقلت: مسترشدا إيّاك فأرشدني هداك اللّه.

قال: فناولني حصاة فحوّلت وجهي فقال لي بعض جلسائه: ما الذي دفع إليك ابن رسول اللّه؟ فقلت: حصاة، فكشفت عن يدي فإذا أنا بسبيكة من ذهب فذهبت، فإذا أنا به قد لحقني فقال: ثبتت عليك الحجّة، و ظهر لك الحقّ، و ذهب عنك العمى أ تعرفني؟ فقلت:

اللهمّ لا. قال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملأها عدلا كما ملئت جورا، إنّ الأرض لا

____________

(1)- بحار الأنوار: 52/ 4 ح 2 و غيبة الشيخ: 257.

(2)- بحار الأنوار: 52/ 5 ح 3 و غيبة الشيخ: 258.

(3)- أي: زجرني و منعني.

341

تخلو من حجّة، و لا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، و قد ظهر أيّام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك فحدّث بها إخوانك من أهل الحقّ‏ (1).

الثاني عشر: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في البحار عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال: كنت حاضرا عند المستجار بمكّة و جماعة زهاء ثلاثين رجلا، لم يكن منهم مخلص غير محمّد بن القاسم العلوي، فبينا نحن كذلك في اليوم السادس من ذي الحجّة سنة ثلاث و تسعين و مائتين؛ إذ خرج علينا شاب من الطواف، عليه إزاران محرم بهما و في يده نعلان، فلمّا رأيناه قمنا جميعا هيبة له، و لم يبق منّا أحد إلّا قام فسلّم علينا و جلس متوسّطا و نحن حوله، ثمّ التفت يمينا و شمالا ثمّ قال: أ تدرون ما كان يقول أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في دعائه الإلحاح؟ قلنا: و ما كان يقول؟

قال: كان يقول: اللهمّ إنّي أسألك باسمك الذي به تقوم السماء و به تقوم الأرض و به تفرّق بين الحقّ و الباطل و به تجمع بين المتفرّق و به تفرّق بين المجتمع، و به أحصيت عدد الرمال وزنة الجبال وكيل البحار، أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تجعل لي من أمري فرجا و مخرجا، ثمّ نهض و دخل الطواف فقمنا لقيامه حتّى انصرف، و نسينا أن نذكر أمره و أن نقول من هو و أي شي‏ء هو إلى الغد في ذلك الوقت، فخرج علينا من الطواف فقمنا له كقيامنا بالأمس و جلس في مجلسه متوسّطا و توسّطنا، فنظر يمينا و شمالا و قال: أ تدرون ما كان يقول أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد صلاة الفريضة؟ فقلنا: و ما كان يقول؟

قال: كان يقول إليك رفعت الأصوات و دعيت الدعوة، و لك عنت الوجوه، و لك خضعت الرقاب، و إليك التحاكم في الأعمال، يا خير من سئل و يا خير من أعطى يا صادق يا بارئ، يا من لا يخلف الميعاد يا من أمر بالدعاء و وعد بالإجابة يا من قال‏ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‏ (2) يا من قال: وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏ (3) يا من قال: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ (4) لبيك و سعديك، ها أنا ذا بين‏

____________

(1)- غيبة الشيخ الطوسي: 253 فصل ما روي من الأخبار المتضمّنة لمن رآه و هو لا يعرفه.

(2)- سورة غافر: 60.

(3)- سورة البقرة: 186.

(4)- سورة الزمر: 53.

342

يديك المسرف و أنت القائل: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (1) ثمّ نظر يمينا و شمالا بعد هذا الدعاء فقال: أ تدرون ما كان أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول في سجدة الشكر؟ فقلت: و ما كان يقول؟

قال: كان يقول: يا من لا تزيده كثرة العطاء إلّا سعة و عطاء، يا من لا تنفد خزائنه، يا من له خزائن السماوات و الأرض، يا من له خزائن ما دق و جل لا تمنعك إساءتي من إحسانك، أنت تفعل بي الذي أنت أهله فأنت أهل الجود و الكرم و العفو و التجاوز، يا رب يا اللّه لا تفعل بي الذي أنا أهله فإنّي أهل العقوبة و قد استحققتها لا حجّة لي و لا عذر لي عندك، أبوء لك بذنوبي كلّها و أعترف بها كي تعفو عنّي و أنت أعلم بها منّي، أبوء لك بكل ذنب أذنبته و كلّ خطيئة احتملتها و كلّ سيّئة عملتها، ربّ اغفر لي و ارحم و تجاوز عمّا تعلم إنّك أنت الأعزّ الأكرم. و قام فدخل الطواف فقمنا لقيامه، و عاد من الغد في ذلك الوقت فقمنا لإقباله كفعلنا فيما مضى، فجلس متوسطا و نظر يمينا و شمالا فقال: كان علي بن الحسين سيّد العابدين يقول في سجوده في هذا الموضع- و أشار بيده إلى الحجر تحت الميزاب-: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك يسألك ما لا يقدر عليه غيرك.

ثمّ نظر يمينا و شمالا و نظر إلى محمّد بن القاسم من بيننا فقال: يا محمّد بن القاسم أنت على خير إن شاء اللّه، و كان محمد بن القاسم يقول بهذا الأمر، ثمّ قام فدخل الطواف فما بقي منّا أحد إلّا و قد الهم ما ذكره من الدعاء، و نسينا أن نتذاكر أمره إلّا في آخر يوم، فقال لنا أبو علي المحمودي: يا قوم أ تعرفون هذا؟ هذا و اللّه صاحب زمانكم. فقلنا: و كيف علمت يا أبا علي؟ فذكر أنّه مكث سبع سنين يدعو ربّه و يسأله معاينة صاحب الزمان، قال: فبينا نحن يوما عشية عرفة و إذا بالرجل بعينه يدعو بدعاء وعيته، فسألته ممّن هو؟ فقال: من الناس.

قلت: من أيّ الناس؟ قال: من عربها. قلت: من أيّ عربها؟ قال: من أشرفها. قلت: و من هم؟

قال: بنو هاشم. قلت: من أيّ بني هاشم؟ قال: من أعلاها ذروة و أسناها. قلت: ممّن؟ قال:

ممّن فلق إلهام و أطعم الطعام و صلّى و الناس نيام. فقال: فعلمت أنّه علوي فأحببته على العلويّة، ثمّ افتقدته من بين يديّ، فلم أدر كيف مضى، فسألت القوم الذين كانوا حوله تعرفون هذا العلوي؟ قالوا: نعم يحجّ معنا في كلّ سنة ماشيا. فقلت: سبحان اللّه و اللّه ما أرى‏

____________

(1)- الزمر: 53.

343

به أثر مشي.

قال: فانصرفت إلى المزدلفة كئيبا حزينا على فراقه و نمت من ليلتي تلك فإذا أنا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا أحمد رأيت طلبتك. فقلت: و من ذاك يا سيّدي؟ فقال: الذي رأيته في عشيتك هو صاحب زمانك. قال: فلمّا سمعنا ذلك منه عاتبناه أن لا يكون أعلمنا ذلك، فذكر أنّه كان ينسى أمره إلى وقت ما حدثنا به‏ (1).

الثالث عشر: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في البحار عن الزهري قال: طلبت هذا الأمر طلبا شافيا حتّى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعت إلى العمري و خدمته و لزمته و سألته بعد ذلك عن صاحب الزمان فقال لي: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت فقال لي: بكّر بالغداة، فوافيت و استقبلني و معه شاب من أحسن الناس وجها و أطيبهم رائحة بهيئة التجّار، و في كمّه شي‏ء كهيئة التجّار، فلمّا نظرت إليه دنوت من العمري فأومى إلي فعدلت إليه و سألته فأجابني عن كلّ ما أردت، ثمّ مرّ ليدخل الدار و كانت من الدور التي لا نكترث لها، فقال العمري: إذا أردت أن تسأل سل فإنّك لا تراه بعد ذا، فذهبت لأسأل فلم يسمع و دخل الدار و ما كلّمني بأكثر من أن قال: ملعون ملعون من أخّر العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخّر الغداة إلى أن تنقضي النجوم، و دخل الدار (2).

الرابع عشر: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في الكافي عن بعض أهل المدائن قال: كنت حاجّا مع رفيق لي فوافينا إلى الموقف فإذا شاب قاعد عليه إزار و رداء، و في رجله نعل صفراء، قوّمت الإزار و الرداء بمائة و خمسين دينارا، و ليس فيه أثر السفر، فدنا منّا سائل فرددناه فدنا من الشاب فسأله فحمل شيئا من الأرض و ناوله، فدعا له السائل و اجتهد في الدعاء و أطال فقام الشاب و غاب عنّا، فدنونا من السائل فقلنا له: ويحك ما أعطاك، فأرانا حصاة ذهب مضرسة قدرناها عشرين مثقالا فقلت لصاحبي: مولانا عندنا و نحن لا ندري، ثمّ ذهبنا في طلبه فدرنا الموقف كلّه فلم نقدر عليه، فسألنا من كان حوله من أهل مكّة و المدينة فقالوا: شاب علوي يحجّ في كلّ سنة ماشيا (3).

____________

(1)- غيبة الشيخ: 259 ح 227، و البحار: 52/ 8 ح 5.

(2)- البحار: 52/ 15 ح 13 و الاحتجاج: 2/ 479.

(3)- الكافي: 1/ 332 و الخرائج و الجرائح: 2/ 694 بتفاوت.

344

الخامس عشر: ممّن رآه في غيبته الصغرى: في البحار عن أبي ذر أحمد بن أبي سورة و هو محمد بن الحسن بن عبد اللّه التميمي و كان زيديا قال: سمعت هذه الحكاية من جماعة يروونها عن أبي (رحمه اللّه) أنّه خرج إلى الحير قال: فلمّا صرت إلى الحير إذا شاب حسن الوجه يصلّي، ثمّ إنّه ودّع و ودّعت و خرجنا فجئنا إلى الشرعة فقال لي: يا أبا سورة، أين تريد؟

فقلت: الكوفة. فقال لي: مع من؟ قلت: مع الناس. قال لي: لا تريد نحن جميعا نمضي. قلت:

و من معنا؟ فقال: ليس نريد معنا أحدا.

قال: فمشينا ليلتنا فإذا نحن على مقابر مسجد السهلة فقال لي: هو ذا منزلك فإن شئت فامض، فسألني الرجل عن حالي فأخبرته بضيقتي و بعيلتي، فلم يزل يماشيني حتى انتهيت إلى النواويس في السحر فجلسنا، ثمّ حفر بيده فإذا الماء قد خرج فتوضّأ ثمّ صلّى ثلاث عشرة ركعة ثمّ قال: امض إلى أبي الحسن علي بن يحيى فأقرئه السلام و قل له: يقول لك الرجل ادفع إلى أبي سورة من السبعمائة دينار التي مدفونة في موضع كذا و كذا مائة دينار، و إنّي مضيت من ساعتي إلى منزله فدققت الباب فقيل: من هذا؟ فقلت قولي لأبي الحسن:

هذا أبو سورة، فسمعته يقول: ما لي و لأبي سورة ثمّ خرج إلي فسلّمت عليه، و قصصت عليه الخبر فدخل و أخرج إليّ مائة دينار فقبضتها فقال: صافحته؟ فقلت: نعم فأخذ يدي فوضعها على عينيه و مسح بها وجهه‏ (1).

____________

(1)- غيبة الشيخ: 270 و البحار: 52/ 15 ح 12.

345

الفرع السادس في ذكر جملة من معاجزه و دلائله‏

الاولى: في كشف الغمّة عن أبي الحسن المسترق الضرير قال: كنت يوما في مجلس حسن بن عبد اللّه بن حمدان ناصر الدولة فتذاكر لي أمر الناحية قال: كنت أزري عليها إلى أن حضرت مجلس عمّي الحسين يوما فأخذت أتكلّم في ذلك فقال: يا بني قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت إلى ولاية قم حين استصعبت على السلطان، و كان كلّ من ورد إليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلم إلي جيش و خرجت نحوها، فلمّا خرجت إلى ناحية طرز و خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة فاتبعتها و أوغلت في أثرها حتّى بلغت إلى نهر فسرت فيه، كلّما سرت يتسع النهر، فبينا أنا كذلك إذ طلع علي فارس تحته شهباء و هو متعمّم بعمامة خزّ خضراء، لا أرى منه سوى سواد عينيه، و في رجليه خفّان أحمران فقال لي: يا حسين. و ما أمرني و ما كنّاني فقلت: ما ذا تريد؟ فقال: لم تزري على الناحية؟ و لم تمنع أصحابي خمس مالك؟

و كنت رجلا وقورا لا أخاف شيئا فأرعدت و تهيبته و قلت له: أفعل يا سيّدي ما تأمر به.

فقال: إذا أتيت إلى الموضع الذي أنت متوجّه إليه، فدخلته عفوا و كسبت ما كسبته فيه تحمل خمسه إلى مستحقّه. فقلت: السمع و الطاعة. فقال: امض راشدا و لوى عنان دابته و انصرف، فلم أدر أي طريق سلك فطلبته يمينا و شمالا فخفي عليّ أمره، فازددت رعبا و انكفأت راجعا إلى عسكري و تناسيت الحديث.

فلمّا بلغت قم و عندي أنني اريد محاربة القوم خرج إلي أهلها و قالوا: كنّا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا، و أمّا إذ وافيت أنت فلا خلاف بيننا و بينك، ادخل البلدة فدبرها كما ترى، فأقمت فيها زمانا و كسبت أموالا زائدة على ما كنت أتوقّع ثمّ وشى القواد بي إلى السلطان، و حسدت على طول مقامي و كثرة ما اكتسبت، فعزلت و رجعت إلى بغداد فابتدأت بدار السلطان فسلّمت و أقبلت إلى منزلي، و جاءني فيمن جاءني محمد بن العثمان‏

346

العمري فتخطّى رقاب الناس حتّى اتكأ على متكئي، فاغتظت من ذلك، و لم يزل قاعدا لا يبرح و الناس يدخلون و يخرجون، و أنا أزداد غيظا فلمّا تصرّم المجلس دنا لي و قال بيني و بينك سرّ فاسمعه. فقلت: قل. فقال: صاحب الشهباء و النهر يقول: قد و فينا بما وعدنا.

فذكرت الحديث و ارتعشت من ذلك و قلت: السمع و الطاعة، فقمت و أخذت بيده و فتحت الخزائن، فلم يزل يخمسها إلى أن خمّس شيئا قد كنت أنسيته ممّا كنت قد جمعته و انصرف، و لم أشكّ بعد ذلك و تحقّقت الأمر، فأنا منذ سمعت هذا من عمّي أبي عبد اللّه زال ما كان اعترضني من شكّ‏ (1).

المعجزة الثانية: في كشف الغمّة عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه قال: لمّا وصلت بغداد في سنة سبع و ثلاثين للحجّ، و هي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت، كان أكبر همّي بمن ينصب الحجر لأنّي مضى عليّ في أثناء الكتب قصّة أخذه و أنّه ينصبه في مكانه الحجّة في الزمان، كما في زمن الحجّاج وضعه زين العابدين في مكانه فاستقرّ، فاعتللت علّة صعبة خفت فيها على نفسي و لم يتهيأ لي ما قصدت له فاستنبت المعروف بابن هشام، و أعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدّة عمري و هل تكون المنية في هذه العلّة أم لا، و قلت: همّي إيصال هذه الرقعة إلى واضع الحجر في مكانه و أخذ جوابه و إنّما أندبك لهذا، فقال المعروف بابن هشام: لما حصلت بمكّة و عزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكّنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه، فأقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس، فكلّما عمد إنسان لوضعه اضطرب و لم يستقم، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه فتناوله و وضعه في مكانه، فاستقام كأنّه لم يزل عنه، و علت لذلك الأصوات فانصرف خارجا من الباب فنهضت من مكاني أتبعه و أدفع الناس عنّي يمينا و شمالا حتّى ظنّ بي الاختلاط في العقل، و الناس يفرجون لي، و عيني لا تفارقه حتّى انقطع عنّي الناس و كنت أسرع الشدّة خلفه و هو يمشي على تؤدة و لا ادركه، فلمّا حصل بحيث لا يراه أحد غيري وقف و التفت إلي فقال: هات ما معك فناولته الرقعة، فقال من غير أن ينظر فيها: قل له لا خوف عليك في هذه العلّة، و يكون ما لا بدّ منه بعد ثلاثين سنة. قال: فوقع علي الزمع حتّى لم أطق حراكا و تركني و انصرف.

____________

(1)- كشف الغمّة: 2/ 501 الباب 25.

347

قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة فلمّا كانت سنة سبع و ستّين اعتل أبو القاسم، فأخذ ينظر في أمره و تحصيل جهازه إلى قبره، و كتب وصيّته و استعمل الجدّ في ذلك فقيل له: ما هذا الخوف و نرجو أن يتفضّل اللّه بالسلامة فما عليك مخوفة، فقال: هذه السنة التي و عدت و خوفت منها فمات في علّته‏ (1).

المعجزة الثالثة: في البحار عن أبي محمد عيسى بن مهدي الجوهري قال: خرجت في سنة ثمان و ستّين و مائتين إلى الحجّ، و كان قصدي المدينة حيث صحّ عندنا أنّ صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) قد ظهر، فاعتللت و قد خرجنا من فيل‏ (2) فتعلّقت نفسي بشهوة السمك و التمر، فلمّا وردت المدينة و لقيت بها إخواننا و بشّروني بظهوره بصابر فصرت إلى صابر فلمّا أشرفت على الوادي رأيت عنيزات عجافا، فدخلت القصر فوقفت أرقب الأمر إلى أن صلّيت العشاءين و أنا أدعو و أتضرّع و أسأل، فإذا أنا ببدر الخادم يصيح بي: يا عيسى ابن مهدي الجوهري ادخل، فكبّرت و هلّلت و أكثرت من حمد اللّه عزّ و جلّ و الثناء عليه، فلمّا صرت في صحن القصر رأيت مائدة منصوبة، فمرّ بي الخادم إليها فأجلسني عليها و قال لي: مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علّتك و أنت خارج من فيل. فقلت: حسبي بهذا برهانا فكيف آكل و لم أر سيدي و مولاي؟

فصاح: يا عيسى كل من طعامك فإنّك تراني فجلست على المائدة فإذا عليها سمك حار يفور و تمر إلى جانبه أشبه التمور بتمرنا، و بجانب التمر لبن فقلت في نفسي عليل و سمك و تمر و لبن فصاح بي: يا عيسى أ تشكّ في أمرنا فأنت أعلم بما ينفعك و يضرّك؟ فبكيت و استغفرت اللّه تعالى و أكلت من الجميع، و كلّما رفعت يدي منه لم يتبيّن موضعها فيه فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا فأكلت منه كثيرا حتّى استحييت، فصاح بي لا تستحي يا عيسى فإنّه من طعام الجنّة لم تصنعه يد مخلوق، و أكلت فرأيت نفسي لا تنتهي عنه من أكله فقلت: يا مولاي حسبي. فصاح بي أقبل إليّ، فقلت في نفسي: آتي مولاي و لم أغسل يدي، فصاح بي يا عيسى و هل لما أكلت غمر؟ فشممت يدي و إذا هي أعطر من المسك و الكافور، فدنوت منه فبدا لي نور غشّى بصري و رهبت حتّى ظننت أنّ عقلي قد اختلط،

____________

(1)- كشف الغمّة: 2/ 502 باب 25 و الخرائج: 477.

(2)- في البحار و الهداية و إثبات الهداة: فيد، و هي قلعة في طريق مكّة، و فيل هو باب في مسجد الكوفة.

348

فقال (عجّل اللّه فرجه): يا عيسى ما كان لك أن تراني لو لا المكذّبون القائلون: بأين هو؟ و متى كان؟ و أين ولد؟ و من رآه؟ و ما الذي خرج إليكم منه؟ و بأيّ شي‏ء نبأكم؟ و أي معجز أتاكم؟

أما و اللّه لقد دفعوا أمير المؤمنين (عليه السّلام) مع ما رووه و قدّموا عليه و كادوه و قتلوه و كذلك آبائي، و لم يصدقوهم و نسبوهم إلى السحر و خدمة الجنّ إلى ما تبين، يا عيسى فخبّر أولياءنا ما رأيت و إيّاك أن تخبر عدوّنا فتسلبه، فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات، فقال: لو لم يثبتك اللّه ما رأيتني، و امض بنجحك راشدا، فخرجت أكثر حمدا للّه‏ (1).

المعجزة الرابعة: في مدينة المعاجز: سئل محمد بن عبد الحميد البزاز و محمد بن يحيى و محمد بن ميمون الخراساني و حسين بن مسعود الفزاري عن جعفر الكذّاب و ما جرى من أمره قبل غيبة سيّدنا أبي الحسن و أبي محمد صاحبي العسكري (عليه السّلام)، و بعد غيبة سيّدنا أبي محمّد (عليه السّلام) و ما ادّعاه جعفر و ما ادعي له. فحدّثوا أنّ سيّدنا أبا الحسن كان يقول: تجنبوا ابني جعفرا فإنّه منّي بمنزلة نمرود من نوح الذي قال اللّه عزّ و جلّ فيه: قال نوح‏ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي‏ قال اللّه‏ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ‏ (2) و أنّ أبا محمّد (عليه السّلام) كان يقول لنا بعد أبي الحسن: اللّه اللّه أن يظهر لكم أخي جعفر على سرّ، فو اللّه ما مثلي و مثله إلّا مثل هابيل و قابيل ابني آدم حيث حسد قابيل هابيل على ما أعطاه من فضله فقلته، و لو تهيّأ لجعفر قتلي لفعل و لكنّ اللّه غالب على أمره، و لقد عهدنا بجعفر و كلّ من في البلد و كل من في العسكر من الحاشية و الرجال و النساء و الخدم يشكون إلينا إذا وردنا أمر جعفر فيقولون:

إنّه يلبس المضي من النساء (3) و يضرب له بالعيدان و يشرب الخمر و يبذل الدراهم و الخلع لمن في داره على كتمان ذلك عليه، فيأخذون منه و لا يكتمون.

و إنّ الشيعة بعد أبي محمّد (عليه السّلام) أرادوا هجره و تركوا السلام عليه، و قالوا: لا تقية بيننا و بينه نتجمل به، و إن نحن لقيناه و سلمنا عليه و دخلنا داره و ذكرناه نحن فنضل الناس فيه و عملوا على ما يروننا نفعله فيكون ذلك من أهل النار، و إنّ جعفرا لمّا كان في ليلة وفاة أبي محمد ختم على الخزائن و كلّما في الدار، و أصبح و لم يبق في الخزائن و لا في الدار إلّا شي‏ء يسير

____________

(1)- الهداية الكبرى: 373، و إثبات الهداة: 3/ 700 ح 138، البحار: 52/ 69 ح 54.

(2)- هود: 45- 46.

(3)- في الهداية: يلبس المصنعات من ثياب النساء، و في مدينة المعاجز: المصبغات.

349

نزر و جماعة من الخدم و الإماء فقالوا: لا تضربنا فو اللّه لقد رأينا الأمتعة و الذخائر تحمل و توقر بها جمال في الشارع، و نحن لا نستطيع الكلام و لا الحركة إلى أن سارت الجمال و تغلقت الأبواب كما كانت، فولّى جعفر على رأسه أسفا على ما أخرج من الدار و إنّه بقي يأكل ما كان له معه و يبيع حتّى لم يبق له قوت يوم، و كان له من الولد أربعة و عشرون ولدا، بنين و بنات و أمّهات أولاد، حشم و خدم و غلمان فبلغ به الفقر إلى أن أمر الجدّة و جدّة أمّ أبي محمد أن يجري عليه من مالها الدقيق و اللحم و الشعير لدوابه و كسوة أولاده و أمّهاتهم و حشمه و غلمانه و نفقاتهم، و لقد ظهرت منه أشياء أكثر ممّا وصفناه، و نسأل اللّه العصمة و العافية من البلاء في الدنيا و الآخرة (1).

المعجزة الخامسة: في البحار عن أحمد الدينوري السراج المكنّى بأبي العبّاس الملقّب باستارة قال: انصرفت من أردبيل إلى دينور و اريد أن أحجّ، و ذلك بعد مضيّ أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) بسنة أو سنتين، و كان الناس في حيرة فاستبشر أهل دينور بموافاتي و اجتمع الشيعة عندي فقالوا: اجتمع عندنا ستّة عشر ألف دينار من مال الموالي و نحتاج أن نحملها معك و تسلّمها بحيث يجب تسليمها. قال: فقلت: يا قوم هذه حيرة و لا نعرف الباب في هذا الوقت؟ قال: فقالوا: إنّما اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك و كرمك، فاعمل على أن لا تخرجه من يديك إلّا بحجّة. قال: فحمل إليّ ذلك المال في صرر باسم رجل رجل، فحملت ذلك المال و خرجت، فلمّا وافيت قرميسين كان أحمد بن الحسن بن الحسن مقيما بها فصرت إليه مسلّما، فلمّا لقيني استبشر بي ثمّ أعطاني ألف دينار في كيس و تخوت ثياب ألوان معكمة لم أعرف ما فيها ثمّ قال لي: احمل هذا معك و لا تخرجه عن يدك إلّا بحجّة. قال: فقبضت المال و التخوت بما فيها من الثياب، فلمّا وردت بغداد لم يكن لي همّة غير البحث عمّن اشير إليه بالنيابة فقيل لي: إنّ هاهنا رجلا يعرف بالباقطاني يدّعي النيابة و آخر يعرف بإسحاق الأحمر يدّعي النيابة و آخر يعرف بأبي جعفر العمري يدّعي النيابة.

قال: فبدأت بالباقطاني و صرت إليه فوجدته شيخا مهيبا له مروّة ظاهرة و فرس عربي و غلمان كثير، و يجتمع إليه الناس يتناظرون قال: فدخلت إليه و سلّمت عليه فرحّب و سرّ

____________

(1)- مدينة المعاجز: 7/ 527، و الهداية الكبرى للخصيبي: 382.

350

و قرّب قال: فأطلت القعود إلى أن أخرج أكثر الناس قال: فسألني عن ديني فعرّفته أنّي رجل من أهل دينور وافيت و معي شي‏ء من المال أحتاج أن اسلّمه، فقال لي: احمله. قال: فقلت:

اريد حجّة. قال: تعود إلي في غد. قال: فعدت إليه من الغد فلم يأت بحجّة و عدت إليه في اليوم الثالث فلم يأت بحجّة.

قال: فصرت إلى إسحاق الأحمر فوجدته شابّا نظيفا منزله أكبر من منزل الباقطاني و فرسه و لباسه و مروته أسرى و غلمانه أكثر من غلمانه و يجتمع عنده من الناس أكثر ممّا يجتمع عند الباقطاني قال: فدخلت و سلّمت فرحّب و قرّب، قال: فصبرت إلى أن خفّ الناس قال:

فسألني عن حاجتي. فقلت له كما قلت للباقطاني وعدت إليه ثلاثة أيّام فلم يأت بحجّة.

قال: فصرت إلى أبي جعفر العمري فوجدته شيخا متواضعا عليه مبطنة بيضاء، قاعد على لبد في بيت صغير ليس له غلمان و لا له من المروة و الفرس ما وجدت لغيره، قال: فسلّمت فردّ الجواب و أدناني و بسط منّي ثمّ سألني عن حالي فعرّفته أنّي وافيت من الجبل و حملت مالا، قال: فقال: إن أحببت أن يصل هذا الشي‏ء إلى من يجب أن يصل إليه تخرج إلى سرّ من رأى و تسأل دار ابن الرضا (عليه السّلام) و عن فلان بن فلان الوكيل- و كانت دار ابن الرضا عامرة بأهلها- فإنّك تجد هناك ما تريد.

قال: فخرجت من عنده و مضيت نحو سرّ من رأى فصرت إلى دار ابن الرضا (عليه السّلام)، و سألت عن الوكيل فذكر البوّاب أنّه مشتغل في الدار و أنّه يخرج آنفا، فقعدت على الباب أنتظر خروجه فخرج بعد ساعة، فقمت و سلّمت عليه و أخذ بيدي إلى بيت كان له و سألني عن حالي و ما وردت له، فعرّفته أنّي حملت شيئا من المال من ناحية الجبل و أحتاج أن اسلّمه بحجّة، قال: فقال: نعم، ثمّ قدّم إليّ طعاما و قال لي: تغدّ بهذا و استرح فإنّك تعبت فإنّ بيننا و بين الصلاة الاولى ساعة فإنّي أحمل إليك ما تريد.

قال: فأكلت و نمت فلمّا كان وقت الصلاة نهضت و صلّيت و ذهبت إلى المشرعة و اغتسلت و انصرفت إلى بيت الرجل و سكنت إلى أن مضى من الليل ربعه، فجاءني بعد أن مضى من الليل ربعه و معه درج فيه: بسم اللّه الرّحمن الرحيم وافى أحمد بن محمد الدينوري و حمل ستّة عشر ألف دينار في كذا و كذا صرّة فيها صرّة فلان بن فلان كذا و كذا دينار، إلى أن عدّد الصرر كلّها و صرّة فلان بن فلان الزراع ستّة عشر دينارا، قال: فوسوس لي‏

351

الشيطان فقلت: إنّ سيّدي أعلم بهذا منّي فما زلت أقرأ ذكره صرّة صرّة و ذكر صاحبها حتّى أتيت عليها عند آخرها، ثمّ ذكر: قد حمل من قرميسين من عند أحمد بن الحسن المادرائي أخي الصوان كيس ألف دينار و كذا و كذا تختا من الثياب منها ثوب فلان و ثوب لونه كذا حتّى نسب الثياب إلى آخرها بأنسابها و ألوانها، قال: فحمدت اللّه و شكرته على ما منّ به عليّ من إزالة الشكّ عن قلبي، فأمر بتسليم جميع ما حملت إلى حيث يأمرك أبو جعفر العمري.

قال: فانصرفت إلى بغداد و صرت إلى أبي جعفر العمري، قال: و كان خروجي و انصرافي في ثلاثة أيّام قال: فلمّا بصر بي أبو جعفر العمري، قال: و كان خروجي و انصرافي في ثلاثة أيّام قال: فلمّا بصر بي أبو جعفر قال: لم لم تخرج؟ فقلت: يا سيّدي من سرّ من رأى انصرفت، قال: فأنا أحدّث أبا جعفر بهذا إذ وردت رقعة على أبي جعفر العمري من مولانا صاحب الأمر و معها درج مثل الدرج الذي كان معي، فيه ذكر المال و الثياب و امر أن يسلّم جميع ذلك إلى أبي جعفر محمّد بن أحمد بن جعفر بن القطان القمي، فلبس أبو جعفر العمري ثيابه و قال لي: احمل ما معك إلى منزل محمد بن أحمد بن جعفر القطان القمي قال: فحملت المال و الثياب إلى منزل محمد بن أحمد بن القطان و سلّمتها إليه و خرجت إلى الحجّ، فلمّا رجعت إلى دينور اجتمع عندي الناس فأخرجت الدرج الذي أخرجه وكيل مولانا (عليه السّلام) إليّ و قرأته على القوم فلمّا سمع بذكر الصرّة باسم الزراع سقط مغشيا عليه، و ما زلنا نعلّله حتّى أفاق، فلمّا أفاق سجد شكرا للّه عزّ و جلّ و قال: الحمد للّه الذي منّ علينا بالهداية، الآن علمت أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، هذه الصرّة دفعها إليّ هذا الزراع، لم يقف على ذلك إلّا اللّه عزّ و جلّ.

قال: فخرجت و لقيت بعد ذلك أبا الحسن المادرائي و عرّفته الخبر و قرأت عليه الدرج، فقال: يا سبحان اللّه ما شككت في شي‏ء فلا تشكّ في أنّ اللّه عزّ و جلّ لا يخلي أرضه من حجّة، اعلم أنّه لما عرك أذكوتكين يزيد بن عبد اللّه بشهرزور و ظفر ببلاده و احتوى على خزائنه، صار إلى رجل و ذكر أن يزيد بن عبد اللّه جعل الفرس الفلاني و السيف الفلاني في باب مولانا، قال: فجعلت أنقل خزائن يزيد بن عبد اللّه إلى أذكوتكين أولا فأوّلا و كنت ادافع بالفرس و السيف إلى أن لم يبق شي‏ء غيرهما، و كنت أرجو أن أخلص ذلك لمولانا (عليه السّلام)، فلمّا اشتدّت مطالبة أذكوتكين إيّاي و لم يمكنّي مدافعته جعلت السيف و الفرس في نفسي ألف دينار و وزنتها و دفعتها إلى الخازن و قلت له: ارفع هذه الدنانير في أوثق مكان و لا تخرجنّ إليّ‏

352

في حال من الأحوال و لو اشتدّت الحاجة إليها، و سلمت الفرس و السيف.

قال: فأنا قاعد في مجلسي بالذي أبرم الامور و أوفي القصص و آمر و أنهى؛ إذ دخل أبو الحسن الأسدي و كان يتعاهدني الوقت بعد الوقت و كنت أقضي حوائجه، فلمّا طال جلوسه و عليه بؤس كثير قلت له: ما حاجتك؟ قال: أحتاج منك إلى خلوة فأمرت الخازن أن يهيّئ لنا مكانا من الخزانة، فدخلنا الخزانة فأخرج إليّ رقعة صغيرة من مولانا فيها: يا أحمد بن الحسن الألف دينار التي عندك ثمن الفرس و السيف سلّمها إلى أبي الحسن الأسدي. قال:

فخررت للّه ساجدا شكرا لما منّ به علي، و عرفت أنّه حجّة اللّه حقّا، لأنّه لم يكن وقف على هذا أحد غيري، فأضفت إلى ذلك المال ثلاثة آلاف دينار اخرى سرورا بما منّ اللّه عليّ بهذا الأمر (1).

المعجزة السادسة: في البحار عن محمد بن أحمد الصفواني قال: رأيت القاسم بن العلاء و قد عمّر مائة سنة و سبع عشرة سنة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، لقي مولانا أبا الحسن و أبا محمد العسكريين و حجب بعد الثمانين وردت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيّام؛ و ذلك أنّي كنت مقيما عنده بمدينة ألوان من أرض أذربايجان و كان لا ينقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، و بعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح (قدّس اللّه أرواحهما)، فانقطعت عنه المكاتبة نحوا من شهرين فقلق (رحمه اللّه) لذلك، فبينا نحن عنده نأكل إذ دخل البوّاب مستبشرا فقال له: فيج العراق لا يسمّي بغيره، فاستبشر القاسم و حوّل وجهه إلى القبلة فسجد، و دخل كهل قصير يرى أثر الفيوج عليه، و عليه جبّة مضربة و في رجله نعل محاملي و على كتفه مخلاة، فقام القاسم فعانقه و وضع المخلاة عن عنقه و دعا بطست و ماء فغسل يده و أجلسه إلى جانبه، فأكلنا و غسلنا أيدينا، فقام الرجل فأخرج كتابا أفضل من نصف المدرج، فناوله القاسم فأخذه و قبّله و دفعه إلى كاتب له يقال له ابن أبي سلمة، فأخذه أبو عبد اللّه ففضّه و قرأه حتّى أحسّ القاسم بنكاية فقال: يا أبا عبد اللّه بخير؟ فقال: خير، فقال: ويحك خرج فيّ شي‏ء؟

فقال أبو عبد اللّه: ما تكره فلا.

قال القاسم: فما هو؟ قال: نعي الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوما و قد

____________

(1)- بطوله في محاسن البرقي: 1/ 39، و بحار الأنوار: 51/ 300 ح 19.

353

حمل إليه سبعة أثواب، فقال القاسم: في سلامة من ديني؟ فقال: في سلامة من دينك، فضحك (رحمه اللّه) فقال: ما اؤمل بعد هذا العمر، فقام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة ازر و حبرة يمانية حمراء و عمامة و ثوبين و منديلا، و كان عنده قميص خلعه عليه مولانا الرضا أبو الحسن (عليه السّلام)، و كان له صديق يقال له عبد الرّحمن بن محمد السنيزي و كان شديد النصب، و كان بينه و بين القاسم نضّر اللّه وجهه مودّة في امور الدنيا شديدة، و كان القاسم يودّه و قد كان عبد الرّحمن وافى إلى الدار لإصلاح بين أبي جعفر بن حمدون الهمداني و بين ختنه ابن القاسم، فقال القاسم لشيخين من مشايخنا المقيمين معه، أحدهما يقال له أبو حامد عمران المفلس و الآخر أبو علي بن جحدر أن أقرئا هذا الكتاب عبد الرّحمن بن محمد فإنّي احبّ هدايته و أرجو أن يهديه اللّه بقراءة هذا الكتاب. فقال له: اللّه اللّه اللّه فإنّ الكتاب لا يحتمل ما فيه خلق من الشيعة فكيف عبد الرّحمن بن محمد فقال: أنا أعلم أنّي مفش لسرّ لا يجوز لي إعلانه لكن من محبّتي لعبد الرّحمن بن محمد و شهوتي أن يهديه عزّ و جلّ لهذا الأمر هو ذا أقرئه الكتاب.

فلمّا مرّ ذلك اليوم و كان يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من رجب دخل عبد الرّحمن ابن محمّد و سلّم عليه، فأخرج القاسم الكتاب فقال له: اقرأ هذا الكتاب و انظر لنفسك، فقرأ عبد الرّحمن الكتاب فلمّا بلغ إلى موضع النعي رمى الكتاب عن يده و قال للقاسم: يا أبا محمد اتق اللّه فإنّك رجل فاضل في دينك متمكّن من عقلك، و اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَ ما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ‏ (1) و قال: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً (2) فضحك القاسم و قال: أتمّ الآية إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ‏ و مولاي هو الرضا من الرسول، و قال: قد علمت أنّك تقول هذا و لكن أرّخ اليوم، فإن أنا عشت بعد هذا اليوم المؤرّخ في هذا الكتاب فاعلم أنّي لست على شي‏ء، و إن أنا متّ فانظر لنفسك، فأرّخ عبد الرّحمن اليوم و افترقوا.

و حمّ القاسم يوم السابع من ورود الكتاب و اشتدّت به في ذلك اليوم العلّة و استند في فراشه إلى الحائط، و كان ابنه الحسن بن القاسم مدمنا على شرب الخمر، و كان متزوّجا إلى أبي عبد اللّه بن حمدون الهمداني، و كان جالسا و رداؤه مستور على وجهه في ناحية من‏

____________

(1)- سورة لقمان: 34.

(2)- سورة الجنّ: 26.

354

الدار، و أبو حامد في ناحية، و أبو جعفر بن جحدر و أنا و جماعة من أهل البلد نبكي إذ اتّكى القاسم على يديه إلى خلف و جعل يقول: يا محمد يا علي يا حسن يا حسين يا مواليّ كونوا شفعائي إلى اللّه عزّ و جلّ و قالها الثانية و قالها الثالثة فلمّا بلغ في الثالثة: يا موسى يا علي تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع الصبيان شقائق النعمان، و انتفخت حدقته و جعل يمسح بكمّه عينيه و خرج من عينيه، شبيه بماء اللحم ثمّ مدّ طرفه إلى ابنه فقال: يا حسن إليّ يا أبا حامد، إليّ يا أبا علي فاجتمعنا حوله و نظرنا إلى الحدقتين صحيحتين.

فقال له أبو حامد: تراني! و جعل يده على كلّ واحد منّا و شاع الخبر في الناس و العامّة.

و أتاه الناس من العوامّ ينظرون إليه و ركب القاضي إليه و هو أبو السبائب عتبة بن عبيد اللّه المسعودي و هو قاضي القضاة ببغداد، فدخل عليه فقال له: يا أبا محمد ما هذا الذي بيدي، و أراه خاتما فصّه فيروزج فقرّبه منه فقال: عليه ثلاثة أسطر فتناوله القاسم (رحمه اللّه) فلم يمكنه قراءته و خرج الناس متعجّبين يتحدّثون بخبره، و التفت القاسم إلى ابنه الحسن فقال له: إنّ اللّه منزلك منزلة و مرتبك مرتبة فاقبلها بشكر. فقال له الحسن: يا أبه قد قبلتها. قال القاسم:

على ما ذا؟ قال: على ما تأمرني به يا أبه. قال: على أن ترجع عمّا أنت عليه من شرب الخمر.

قال الحسن: يا أبه و حقّ من أنت في ذكره لأرجعن عن شرب الخمر و مع الخمر أشياء لا تعرفها، فرفع القاسم يده إلى السماء و قال: اللهمّ ألهم الحسن طاعتك و جنبه معصيتك، ثلاث مرّات، ثمّ دعا بدرج فكتب وصيّته بيده (رحمه اللّه)، و كانت الضياع التي في يده لمولانا وقف وقفه أبوه و كان فيما أوصى الحسن أن قال: يا بني إن اهّلت لهذا الأمر- يعني الوكالة لمولانا- فيكون قوتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجيدة، و سائر ما أملك لمولاي، و إن لم تؤهل له فاطلب خيرك من حيث يتقبّل اللّه، و قبل الحسن وصيته على ذلك، فلمّا كان في يوم الأربعين و قد طلع الفجر مات القاسم (رحمه اللّه) فوافاه عبد الرّحمن يعدو في الأسواق حافيا حاسرا و هو يقول: وا سيداه، فاستعظم الناس ذلك منه و جعل الناس يقولون: ما الذي تفعل بذلك فقال: اسكتوا فقد رأيت ما لم تروه، و تشيّع و رجع عمّا كان عليه و وقف الكثير من ضياعه و تولّى أبو علي بن جحدر غسل القاسم، و أبو حامد يصبّ عليه الماء و كفن في ثمانية أثواب، على بدنه قميص مولاه أبي الحسن (عليه السّلام) و ما يليه السبعة الأثواب التي جاءته من العراق، فلمّا كان بعد مدّة يسيرة ورد كتاب تعزية على الحسن مولانا في آخره دعاء: ألهمك‏

355

اللّه طاعته و جنّبك معصيته، و هو الدعاء الذي كان دعا به أبوه و كان آخره: قد جعلنا أباك إماما لك و فعاله لك مثالا (1).

المعجزة السابعة: و فيه عن محمد بن الحسن الصير في المقيم بأرض بلخ: أردت الخروج إلى الحجّ و كان معي مال بعضه ذهب و بعضه فضّة، فجعلت ما كان معي من الذهب سبائك، و ما كان معي من فضّة نقرا، و كان قد دفع ذلك المال إليّ لاسلّمه إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس سره). قال: فلمّا نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل، و جعلت أميز تلك السبائك و النقر، فسقطت سبيكة من تلك السبائك منّي و غاصت في الرمل و أنا لا أعلم. قال: فلمّا دخلت همدان ميّزت تلك السبائك و النقر مرّة اخرى اهتماما منّي بحفظهما، ففقدت منها سبيكة وزنها مائة مثقال و ثلاثة مثاقيل أو قال: ثلاثة و تسعون مثقالا فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة و جعلتها بين السبائك.

فلمّا وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح (قدّس اللّه روحه)، و سلّمت إليه ما كان معي من السبائك و النقر فمدّ يده من بين السبائك إلى السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلا ممّا ضاع منّي، فرمى بها إليّ و قال لي: ليست هذه السبيكة لنا، سبيكتنا ضيّعتها بسرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل، فارجع إلى مكانك و انزل حيث نزلت و اطلب السبيكة هناك تحت الرمل فإنّك ستجدها و تعود إليّ هاهنا فلا تراني، فرجعت إلى سرخس و نزلت حيث كنت نزلت و وجدت السبيكة و انصرفت إلى بلدي فلمّا كان بعد ذلك حججت و معي السبيكة فدخلت مدينة السلام، و قد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح (رحمه اللّه) مضى، و لقيت أبا الحسن السمري رضى اللّه عنه فسلّمت إليه السبيكة (2).

المعجزة الثامنة: في البحار عن الحسين بن علي بن محمد القمّي المعروف بأبي علي البغدادي قال: كنت ببخارى فدفع إلي المعروف بابن جاوشير عشر سبائك ذهبا و أمرني أن اسلّمها بمدينة السلام إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس سره)، فحملتها معي فلمّا بلغت أموية ضاعت منّي سبيكة من تلك السبائك، و لم أعلم بذلك حتّى دخلت مدينة السلام، فأخرجت السبائك لاسلّمها فوجدتها ناقصة واحدة منها فاشتريت سبيكة مكانها بوزنها

____________

(1)- بطوله في غيبة الشيخ: 315، و بحار الأنوار: 51/ 315 ح 37.

(2)- البحار: 51/ 340 ح 68.

356

و أضفتها إلى التسع سبائك، فدخلت على أبي القاسم الروحي (رحمه اللّه) و وضعت السبائك بين يديه فقال لي: خذ تلك السبيكة التي اشتريتها و أشار إليها بيده، فإنّ السبيكة التي ضيّعتها قد وصلت إلينا و هو ذا هي، ثمّ أخرج إليّ تلك السبيكة التي كانت ضاعت منّي بأمويه فنظرت إليها و عرفتها.

فقال الحسين بن علي المزبور: و رأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة تسألني عن وكيل مولانا (عجّل اللّه فرجه) من هو؟ فأخبرها بعض القمّيين أنّه أبو القاسم الحسين بن روح (رحمه اللّه)، و أشار لها إليّ فدخلت عليه و أنا عنده فقالت له: أيّها الشيخ أيّ شي‏ء معي؟ فقال: ما معك فألقيه في دجلة، ثمّ ائتني حتّى أخبرك فذهبت المرأة و حملت ما كان معها فألقته في دجلة ثمّ رجعت، و دخلت إلى أبي القاسم الروحي (رحمه اللّه) فقال أبو القاسم لمملوكة له: أخرجي إليّ الحقّة، فأخرجت إليه حقّة فقالت للمرأة: هذه الحقّة التي كانت معك و رميت بها في دجلة اخبرك بما فيها أو تخبرين؟ فقالت له: بل أخبرني. فقال: في هذه الحقّة زوج سوار ذهب و حلقة كبيرة فيها جوهر و حلقتان صغيرتان فيهما جوهر و خاتمان أحدهما فيروزج و الآخر عقيق، و كان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئا، ثمّ فتح الحقّة فعرض عليّ ما فيها و نظرت المرأة إليه فقالت: هذا الذي حملته بعينه و رميت به في دجلة، فغشي عليّ و على المرأة فرحا بما شاهدناه من صدق الدلالة.

قال الحسين لي بعد ما حدّثني بهذا الحديث: أشهد باللّه تعالى أنّ هذا الحديث كما ذكرته لم أزد فيه و لم أنقص منه، و حلف بالأئمّة الاثني عشر (عليهم السّلام) لقد صدق فيما حدّث به ما زاد فيه و لا نقص منه‏ (1).

المعجزة التاسعة: في البحار عن أحمد بن فارس عن بعض إخوانه: أنّ بهمدان ناسا يعرفون ببني راشد و هم كلّهم يتشيّعون، و مذهبهم مذهب أهل الإمامة، فسألت عن سبب تشيّعهم من بين أهل همدان، فقال لي شيخ منهم رأيت فيه صلاحا و سمتا: إنّ سبب ذلك أنّ جدّنا الذي ننسب إليه خرج حاجّا فقال أنّه لما صدر من الحج و ساروا منازل في البادية قال:

فنشطت في النزول و المشي فمشيت طويلا حتّى أعييت و تعبت، و قلت في نفسي: أنام نومة تريحني فإذا جاء أواخر القافلة قمت.

____________

(1)- كمال الدين: 518، و البحار: 51/ 342 ح 69.

357

قال: فما انتبهت إلّا بحرّ الشمس، فلم أر أحدا فتوحّشت، و لم أر طريقا، و لا أثرا فتوكّلت على اللّه عزّ و جلّ و قلت أسير حيث وجّهني، و مشيت غير طويل فوقعت في أرض خضراء نضرة كأنّها قريبة عهد بغيث، و إذا تربتها أطيب تربة و نظرت في سواء (1) تلك الأرض إلى قصر يلوح كأنّه سيف فقلت: يا ليت شعري ما هذا القصر الذي لم أعهده و لم أسمع به، فقصدته فلمّا بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين، فسلّمت عليهما فردّا عليّ ردّا جميلا فقالا: اجلس فقد أراد اللّه بك خيرا، و قام أحدهما فدخل و احتبس غير بعيد ثمّ خرج فقال:

قم فادخل، فدخلت قصرا لم أر بناء أحسن من بنائه و لا أضوأ منه، و تقدّم الخادم إلى ستر على بيت فرفعه ثمّ قال لي: ادخل فدخلت البيت فإذا فتى جالس في وسط البيت و قد علّق على رأسه من السقف سيف طويل تكاد ظبته تمسّ رأسه، و الفتى بدر يلوح في ظلام فسلّمت فردّ السلام بألطف الكلام و أحسنه ثمّ قال لي: أ تدري من أنا؟ فقلت: لا و اللّه.

فقال: أنا القائم من آل محمّد أنا الذي أخرج في آخر الزمان بهذا السيف- و أشار إليه- فأملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما، فسقطت على وجهي و تعفّرت فقال: لا تفعل، ارفع رأسك، أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها همدان. قلت: صدقت يا سيدي و مولاي. قال: فتحبّ أن تئوب إلى أهلك؟ قلت: نعم يا سيدي و أبشّرهم بما أتاح اللّه عزّ و جلّ لي. فأومى إلى الخادم فأخذ بيدي و ناولني صرّة و خرج و مشى معي خطوات، فنظرت إلى أطلال و أشجار و منارة مسجد فقال: أ تعرف هذا البلد؟ قلت: إنّ بقرب بلدنا بلدة تعرف باستاباد و هي تشبهها. قال: فقال هذه استاباد، امض راشدا، فالتفتّ فلم أره و دخلت استاباد و إذا في الصرّة أربعون أو خمسون دينارا، فوردت همدان و جمعت أهلي و بشّرتهم بما أتاح اللّه لي و يسّره عزّ و جلّ، و لم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير (2).

أقول: استاباد هي التي تعرف اليوم بأسدآباد و هي قريب من همدان و بينهما عقبة كئود، و سمعت أنّ قبر هذا الرجل بأسدآباد معروف و اللّه تعالى العالم.

المعجزة العاشرة: في البحار: لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية الإفرنج جعلوا واليها رجلا من المسلمين ليكون ادعى إلى تعميرها و أصلح بحالها، و كان هذا الوالي من النواصب و له‏

____________

(1)- سواء تلك الأرض: أي وسطها.

(2)- الثاقب في المناقب: 606، و البحار: 52/ 41 ح 30.

358

وزير أشدّ نصبا منه، يظهر العداوة لأهل البحرين لحبّهم لأهل البيت (عليهم السّلام)، و يحتال في إهلاكهم و إضرارهم بكل حيلة، فلمّا كان في بعض الأيام دخل الوزير على الوالي و بيده رمّانة فأعطاها الوالي فإذا كان مكتوبا عليها: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه أبو بكر و عثمان و عمر و علي خلفاء رسول اللّه، فتأمّل الوالي و رأى الكتابة من أصل الرمّانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون صناعة بشر فتعجّب من ذلك و قال للوزير: هذه آية بيّنة و حجّة قويّة على إبطال مذهب الرافضة، فما رأيك في أهل البحرين؟ فقال له: أصلحك اللّه إنّ هؤلاء جماعة متعصّبون ينكرون البراهين، و ينبغي لك أن تحضرهم و تريهم هذه الرمّانة فإن قبلوا و رجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، و إن أبوا إلّا المقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث: إمّا أن يؤدّوا الجزية و هم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم و تسبي نساءهم و أولادهم و تأخذ بالغنيمة.

فاستحسن الوالي رأيه و أرسل إلى العلماء و الأفاضل الأخيار و النجباء و السادة الأبرار من أهل البحرين، و أحضرهم و أراهم الرمّانة و أخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف من القتل و الأسر و أخذ الأموال و أخذ الجزية على وجه الصغار كالكفّار، فتحيّروا في أمرها و لم يقدروا على جواب و تغيّرت وجوههم فارتعدت فرائصهم فقال كبراؤهم: أمهلنا أيّها الأمير ثلاثة أيّام لعلّنا نأتيك بجواب ترتضيه و إلّا فاحكم فينا ما شئت، فأمهلهم فخرجوا من عنده خاشعين مرعوبين متحيّرين، فاجتمعوا في مجلس و أجالوا الرأي في ذلك فاتفق رأيهم على أن يختاروا من صلحاء البحرين و زهّادهم عشرة، ففعلوا ثمّ اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لأحدهم: اخرج الليلة إلى الصحراء و اعبد اللّه فيها و استغث بإمام زماننا و حجّة اللّه علينا لعلّه يبيّن لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء، فخرج و بات طول ليلته متعبّدا خاشعا داعيا باكيا يدعو اللّه و يستغيث بالإمام (عجّل اللّه فرجه) حتّى أصبح و لم ير شيئا، فأتاهم و أخبرهم. فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه و لم يأتهم بخير.

فازداد قلقهم و جزعهم فأحضروا الثالث و كان تقيّا فاضلا اسمه محمد بن عيسى فخرج الليلة الثالثة حافيا حاسر الرأس إلى الصحراء، و كانت ليلة مظلمة فدعا و بكى و توسّل إلى اللّه تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين و كشف هذه البلية عنهم، و استغاث بصاحب الزمان، فلمّا كان آخر الليل إذا هو برجل يخاطبه و يقول: يا محمّد بن عيسى ما لي أراك على هذه الحالة

359

و لما ذا خرجت إلى هذه البرية؟ فقال له: أيّها الرجل دعني فإنّي خرجت لأمر عظيم و خطب جسيم لا أذكره إلّا لإمامي و لا أشكوه إلّا إلى من يقدر على كشفه عنّي. فقال (عجّل اللّه فرجه):

يا محمّد بن عيسى أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك؟ فقال: إن كنت هو فأنت تعلم قصّتي و لا تحتاج إلى أن أشرحها لك. فقال: نعم، خرجت لما دهمكم من أمر الرمّانة و ما كتب عليها و ما أوعدكم الأمير به.

قال: فلمّا سمعت ذلك منه توجّهت إليه و قلت له: نعم يا مولاي قد تعلم ما أصابنا و أنت إمامنا و ملاذنا و القادر على كشفه عنّا، فقال (صلوات اللّه عليه): يا محمّد بن عيسى إنّ الوزير لعنه اللّه في داره شجرة رمّان فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئا من الطين على هيئة الرمّانة و جعلها نصفين و كتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة ثمّ وضعها على الرّمانة و شدّها عليها و هي صغيرة فأثّر فيها و صارت هكذا، فإذا مضيتم غدا إلى الوالي فقل له جئتك بالجواب و لكنّي لا أبديه إلّا في دار الوزير، فإذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك ترى فيها غرفة فقل للوالي: لا اجيبك إلّا في تلك الغرفة، و سيأبى الوزير عن ذلك و أنت بالغ في ذلك و لا ترض إلّا بصعودها فإذا صعد فاصعد معه و لا تتركه وحده يتقدّم عليك، فإذا دخلت الغرفة رأيت كوة فيها كيس أبيض فانهض إليه و خذه، و ترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثمّ ضعها أمام الوالي وضع الرمّانة فيها لينكشف له جلية الحال.

و أيضا يا محمّد بن عيسى قل للوالي: إنّ لنا معجزة اخرى و هي أنّ هذه الرمّانة ليس فيها إلّا الرماد و الدخان و إن أردت صحّة ذلك فأمر الوزير بكسرها فإذا كسرها طار الرماد و الدخان على وجهه و لحيته، فلمّا سمع محمد بن عيسى ذلك من الإمام فرح فرحا شديدا و قبّل يدي الإمام (صلوات اللّه عليه)، و انصرف إلى أهله بالبشارة و السرور، فلمّا أصبحوا مضوا إلى الوالي ففعل محمد بن عيسى كلّما أمره الإمام (عجّل اللّه فرجه) و ظهر كلّ ما أخبره فالتفت الوالي إلى محمد بن عيسى و قال: من أخبرك بهذا؟ فقال: إمام زماننا و حجّة اللّه علينا. فقال:

و من إمامكم؟ فأخبره بالأئمّة (عليهم السّلام) واحدا بعد واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الأمر (صلوات اللّه عليهم). فقال الوالي: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّ الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)، ثمّ أقرّ بالأئمّة إلى آخرهم (عليهم السّلام) و حسن إيمانه و أمر بقتل الوزير و اعتذر إلى أهل بحرين و أحسن إليهم و أكرمهم، قال من قال: و هذه القصّة

360

مشهورة عند أهل البحرين، و قبر محمّد بن عيسى عندهم معروف يزوره الناس‏ (1).

المعجزة الحادية عشرة: في البحار: عن أبي الحسن بن أبي البغل الكاتب قال: تقلّدت عملا من أبي منصور بن صالحان، و جرى بيني و بينه ما أوجب استتاري فطلبني و أخافني فمكثت مستترا خائفا، ثمّ قصدت مقابر قريش ليلة الجمعة و اعتمدت المبيت هناك للدعاء و المسألة و كانت ليلة ريح و مطر فسألت أبا جعفر القيم أن يغلق الأبواب، و أن يجتهد في خلوة الموضع لأخلو بما اريده من الدعاء و المسألة، و آمن من دخول إنسان لم آمنه و خفت من لقائي له، ففعل و قفل الأبواب و انتصف الليل و ورد من الريح و المطر ما قطع الناس عن الموضع، و مكثت أدعو و أزور و اصلّي.

فبينا أنا كذلك إذ سمعت وطئا عند مولانا موسى (عليه السّلام) و إذا برجل يزور فسلّم على آدم و اولي العزم ثمّ الأئمّة (عليهم السّلام) واحدا بعد واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) فلم يذكره، فعجبت من ذلك و قلت: لعلّه نسي أو لم يعرف أو هذا مذهب لهذا الرجل، فلمّا فرغ من زيارته صلّى ركعتين و أقبل إلى عند مولانا أبي جعفر (عليه السّلام) فزار مثل تلك الزيارة و ذلك السلام و صلّى ركعتين و أنا خائف منه إذ لم أعرفه، و رأيته شابّا تامّا من الرجال، عليه ثياب بيض و عمامة محنك و ذؤابة، و رداء على كتفه مسبل فقال: يا أبا الحسن بن أبي البغل أين أنت عن دعاء الفرج؟ فقلت: و ما هو يا سيّدي؟

فقال: تصلّي ركعتين و تقول: يا من أظهر الجميل و ستر القبيح يا من لم يؤاخذ بالجريرة و لم يهتك الستر يا كريم الصفح يا عظيم المنّ يا حسن التجاوز يا واسع المغفرة يا باسط اليدين بالرحمة يا منتهى كلّ نجوى و يا غاية كلّ شكوى يا عون كل مستعين يا مبتدئا بالنعم قبل استحقاقها يا ربّاه، عشر مرّات، يا سيّداه، عشر مرّات، يا مولاه، عشر مرّات، يا غايتاه، عشر مرّات، يا منتهى غاية رغبتاه، عشر مرّات، أسألك بحقّ هذه الأسماء و بحقّ محمّد و آله الطاهرين إلّا ما كشفت كربي و نفّست همّي و فرّجت غمّي و أصلحت حالي، و تدعو بعد ذلك ما شئت و تسأل حاجتك ثمّ تضع خدّك الأيمن على الأرض و تقول مائة مرّة في سجودك: يا محمّد يا علي يا علي يا محمّد اكفياني فإنّكما كافياي و انصراني فانّكما ناصراي، و تضع خدّك الأيسر على الأرض و تقول مائة مرّة: أدركني، و تكرّرها كثيرا و تقول:

____________

(1)- بطوله في بحار الأنوار: 52/ 180- 181.

361

الغوث الغوث الغوث، حتّى ينقطع النفس، و ترفع رأسك فإنّ اللّه بكرمه يقضي حاجتك إن شاء اللّه.

فلمّا شغلت بالصلاة و الدعاء خرج فلمّا فرغت خرجت إلى أبي جعفر لأسأله عن الرجل و كيف دخل فرأيت الأبواب على حالها مغلقة مقفلة، فعجبت من ذلك و قلت لعلّه باب هاهنا و لم أعلم فانتهيت إلى أبي جعفر القيّم، فخرج إلى عندي من بيت الزيت فسألته عن الرجل و دخوله، فقال: الأبواب مقفلة كما ترى و ما فتحتها، فحدّثته بالحديث فقال: هذا مولانا صاحب الزمان، و قد شاهدته مرارا في مثل هذه الليلة عند خلوّها من الناس، فتأسّفت على ما فاتني منه، و خرجت عند قرب الفجر و قصدت الكرخ إلى الموضع الذي كنت مستترا فيه، فما أضحى النهار إلّا و أصحاب ابن الصالحان يلتمسون لقائي و يسألون عنّي أصدقائي، و معهم أمان من الوزير و رقعة بخطّه فيها كلّ جميل فحضرته مع ثقة من أصدقائي عنده، فقام و التزمني و عاملني بما لم أعهده منه، و قال: انتهت بك الحال إلى أن تشكوني إلى صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه).

فقلت: قد كان منّي دعاء و مسألة. فقال: ويحك رأيت البارحة مولاي صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) في النوم، يعني ليلة الجمعة- و هو يأمرني بكلّ جميل و يجفو علي في ذلك جفوة خفتها فقلت: لا إله إلّا اللّه أشهد أنّهم الحق و منتهى الحقّ، رأيت البارحة مولانا في اليقظة و قال لي كذا و كذا و شرحت ما رأيته في المشهد فعجب من ذلك و جرت منه امور عظام حسان في هذا المعنى، و بلغت منه غاية ما لم أظنّه ببركة مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) و سلّم‏ (1).

المعجزة الثانية عشرة: في مهج الدعوات عن محمّد بن علي العلوي الحسيني و كان يسكن بمصر قال: دهمني أمر عظيم و همّ شديد من قبل صاحب مصر، و خشيته على نفسي و كان قد سعى بي إلى أحمد بن طولون، فخرجت من مصر حاجّا و سرت من الحجاز إلى العراق، فقصدت مشهد مولاي الحسين بن علي (عليه السّلام) عائذا به و لائذا بقبره و مستجيرا به من سطوة من كنت أخافه، فأقمت في الحائر خمسة عشر يوما أدعو و أتضرّع ليلي و نهاري، فتراءى لي قيّم الزمان و ولي الرّحمن و أنا بين النائم و اليقظان، فقال لي: يقول لك الحسين يا

____________

(1)- البحار: 51/ 305 ح 19.

362

بني خفت فلانا؟ فقلت: نعم، أراد هلاكي فلجأت إلى سيّدي أشكو إليه عظيم ما أراد بي، فقال: هلّا دعوت اللّه ربّك و ربّ آبائك بالأدعية التي دعا بها من سلف من الأنبياء، فقد كانوا في شدّة فكشف اللّه عنهم ذلك. قلت: و ما ذا أدعوه؟ فقال: إذا كان ليلة الجمعة فاغتسل و صلّ صلاة الليل، فإذا سجدت سجدة الشكر دعوت بهذا الدعاء و أنت بارك على ركبتيك، فذكر لي دعاء.

قال: و رأيته في مثل ذلك الوقت يأتيني و أنا بين النائم و اليقظان قال: و كان يأتيني خمس ليال متواليات يكرّر عليّ هذا القول و الدعاء حتّى حفظته، و انقطع عنّي مجيئه ليلة الجمعة، فاغتسلت و غيّرت ثيابي و تطيّبت و صلّيت صلاة الليل و سجدت سجدة الشكر، و جثوت على ركبتي و دعوت اللّه جل و تعالى بهذا الدعاء، فأتاني ليلة السبت فقال: قد اجيبت دعوتك يا محمّد و قتل عدوّك عند فراغك من الدعاء عند من وشى به إليه، فلمّا أصبحت ودّعت سيّدي و خرجت متوجّها إلى مصر، فلمّا بلغت الأردن و أنا متوجّه إلى مصر رأيت رجلا من جيراني بمصر و كان مؤمنا، فحدّثني أنّ خصمي قبض عليه أحمد بن طولون فأمر به فأصبح مذبوحا من قفاه قال: و ذلك في ليلة الجمعة و أمر به فطرح في النيل، و كان ذلك فيما أخبرني جماعة من أهلنا و إخواننا الشيعة أنّ ذلك كان فيما بلغهم عند فراغي من الدعاء كما أخبرني مولاي (عليه السّلام)(1).

المعجزة الثالثة عشرة: في البحار: أنّ الحسن بن نضر و أبا صدام و جماعة تكلّموا بعد مضيّ أبي محمّد (عليه السّلام) فيما في أيدي الوكلاء، و أرادوا الفحص فجاء الحسن بن نضر إلى أبي صدام فقال: إنّي اريد الحجّ، فقال أبو صدام: أخّره هذه السنة، فقال له الحسن: إنّي أفزع في المنام و لا بدّ من الخروج، و أوصى إلى أحمد بن يعلى بن حمدان و أوصى للناحية بمال، و أمره أن لا يخرج شيئا من يده إلى يد غيره بعد ظهوره، فقال الحسن: لمّا وافيت بغداد اكتريت دارا فنزلتها فجاءني أحد الوكلاء بثياب و دنانير و خلّفها عندي فقلت له: ما هذا؟

قال: هو ما ترى، ثمّ جاءني آخر بمثلها و آخر حتّى كبسوا الدار ثمّ جاءني أحمد بن إسحاق بجميع ما كان معه فتعجّبت و بقيت متفكّرا فوردت علي رقعة الرجل: إذا مضى من النهار كذا و كذا فاحمل ما معك، فرحلت و حملت ما معي، و في الطريق صعلوك يقطع‏

____________

(1)- مهج الدعوات: 279.

363

الطريق في ستّين رجلا فاجتزت عليه و سلّمني اللّه منه، فوافيت العسكر و نزلت فوردت عليّ رقعة أن احمل ما معك فصببته في صنان الحمّالين، فلمّا بلغت الدهليز فإذا فيه أسود قائم فقال: أنت الحسن بن النضر؟ فقلت: نعم. قال: ادخل، فدخلت الدار و دخلت بيتا و فرغت ما في صنان الحمّالين، فإذا في زاوية البيت خبز كثير فأعطى كلّ واحد من الحمّالين رغيفين و اخرجوا، و إذا بيت على ستر فنوديت منه، يا حسن بن النضر احمد اللّه على ما منّ به عليك و لا تشكّنّ، فودّ الشيطان أنّك شككت. و أخرج إليّ ثوبين و قيل لي: خذهما فتحتاج إليهما، فأخذتهما. قال سعد بن عبد اللّه راوي الحديث: فانصرف الحسن بن النضر و مات في شهر رمضان و كفّن في الثوبين‏ (1).

المعجزة الرابعة عشرة: في العوالم عن إكمال الدين عن محمد بن عيسى بن أحمد الزوجي قال: رأيت بسر من رأى رجلا شابّا في المسجد المعروف بمسجد زيد، و ذكر أنّه هاشمي من ولد موسى بن عيسى فلمّا كلّمني صاح بجارية و قال: يا غزال و يا زلال، فإذا أنا بجارية مسنّة فقال لها: يا جارية حدّثي مولاك بحديث الميل و المولود. فقالت: كان لنا طفل وجع فقالت لي مولاتي ادخلي إلى دار الحسن بن علي (عليه السّلام) فقولي لحكيمة تعطينا شيئا نستشفي به مولودنا، فدخلت عليها و سألتها ذلك فقالت حكيمة: ائتوني بالميل الذي كحل به المولود الذي ولد البارحة- يعني ابن الحسن بن علي- فأتيت بالميل فدفعته إليّ و حملته إلى مولاتي فكحلت به المولود فعوفي و بقي عندنا، و كنّا نستشفي به ثمّ فقدناه‏ (2).

المعجزة الخامسة عشرة: في البحار عن الخرائج عن أحمد بن أبي روح قال: وجهت إلى امرأة من دينور فأتيتها فقالت: يا ابن أبي روح أنت أوثق من في ناحيتنا دينا و ورعا، و إنّي اريد أن اودعك أمانة أجعلها في رقبتك تؤدّيها و تقوم بها، فقلت: أفعل إن شاء اللّه، فقالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم لا تحلّه و لا تنظر فيه حتّى تؤديه إلى من يخبرك بما فيه، و هذا قرطي يساوي عشرة دنانير، و فيه ثلاث حبّات تساوي عشرة دنانير، و لي إلى صاحب الزمان حاجة اريد أن يخبرني بها قبل أن أسأله عنها، فقلت: و ما الحاجة؟ قالت: عشرة دنانير استقرضتها أمّي في عرس، و لا أدري ممّن استقرضتها، و لا أدري إلى من أدفعها، قالت: إن أخبرك بها فادفعها إلى من يأمرك بها. قال: [فقلت في نفسي:] و كيف أقول لجعفر بن علي؟

____________

(1)- البحار: 51/ 308 ح 25.

(2)- كمال الدين: 517 ح 46 باب 45.

364

فقلت: هذه المحنة بيني و بين جعفر بن علي، فحملت المال و خرجت حتّى دخلت بغداد، فأتيت حاجز بن يزيد الوشاء فسلّمت عليه و جلست قال: أ لك حاجة؟ قلت: هذا مال دفع إلي لا أدفعه إليك حتّى تخبرني كم هو و من دفعه إلي فإن أخبرتني دفعته إليك.

قال: يا أحمد بن أبي روح توجّه به إلى سرّ من رأى، فقلت: لا إله إلّا اللّه لهذا أجلّ شي‏ء أردته، فخرجت و وافيت سرّ من رأى فقلت أبدأ بجعفر، ثمّ تنكّرت فقلت: أبدأ بهم فإن كانت المحنة من عندهم و إلّا مضيت إلى جعفر، فدنوت من دار أبي محمّد فخرج إلي خادم فقال: أنت أحمد بن أبي روح؟ قلت: نعم.

قال: هذه الرقعة اقرأها فإذا فيها مكتوب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم يا ابن أبي روح أودعتك عاتكة بنت الديراني كيسا فيه ألف درهم بزعمك، و هو خلاف ما تظنّ و قد أدّيت فيه الأمانة و لم تفتح الكيس و لم تدر ما فيه، و فيه ألف درهم و خمسون دينارا و معك قرط زعمت المرأة أنّه يساوي عشرة دنانير صدقت مع الفصّين اللذين فيه، و فيه ثلاث حبّات لؤلؤا شراؤها عشرة دنانير و يساوي أكثر، فادفع ذلك إلى خادمتنا فلانة فإنّا قد وهبناه لها، و صر إلى بغداد و ادفع المال إلى الحاجز و خذ منه ما يعطيك لنفقتك إلى منزلك، و أمّا عشرة الدنانير التي زعمت أن أمّها استقرضتها في عرسها و هي لا تدري من صاحبها، بل هي تعلم لمن، هي لكلثوم بنت أحمد و هي ناصبية، فتحرّجت أن تعطيها و أحبّت أن تقسّمها في أخواتها، فاستأذنتنا في ذلك فلتفرّقها في ضعفاء أخواتها، و لا تعودنّ يا ابن أبي روح إلى القول بجعفر و المحنة له، و ارجع إلى منزلك فإنّ عمّك قد مات، و قد رزقك اللّه أهله و ماله، فرجعت إلى بغداد و ناولت الكيس حاجزا، فوزنه فإذا فيه ألف درهم و خمسون دينارا فناولني ثلاثين دينارا و قال: أمرت بدفعها إليك لنفقتك، فأخذتها و انصرفت إلى الموضع الذي نزلت فيه، و قد جاءني من يخبرني أنّ عمّي قد مات و أهلي يأمروني بالانصراف إليهم، فرجعت فإذا هو قد مات و ورثت منه ثلاثة آلاف دينار و مائة ألف درهم‏ (1).

المعجزة السادسة عشرة: فيه: عن رجل من أهل استراباد قال: صرت إلى العسكر و معي ثلاثون دينارا في خرقة، منها دينار شامي فوافيت الباب، و إنّي لقاعد إذ خرج إليّ جارية أو غلام- الشكّ من الراوي- قال: هات ما معك؟ قلت: ما معي شي‏ء، فدخل ثمّ خرج و قال:

____________

(1)- البحار: 51/ 296 ح 11.

365

معك ثلاثون دينارا في خرقة خضراء منها دينار شامي، و خاتم كنت نسيته، فأوصلته و أخذت الخاتم‏ (1).

المعجزة السابعة عشرة: في الإرشاد عن محمّد بن إبراهيم بن مهزيار: شككت عند مضي أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام)، و اجتمع عند أبي مال جليل فحمله و ركبت السفينة معه مشيّعا له، فوعك وعكا شديدا فقال: يا بني ردّني فهو الموت و قال لي: اتق اللّه في هذا المال، و أوصى إلي و مات بعد ثلاثة أيّام فقلت في نفسي: لم يكن أبي يوصي بشي‏ء غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق و أكتري دارا على الشط و لا أخبر أحدا بشي‏ء فإن وضح لي شي‏ء كوضوحه في أيّام أبي محمد أنفذته، و إلّا أنفقه في ملاذّي و شهواتي، فقدمت العراق و اكتريت دارا على الشط، و بقيت أيّاما فإذا أنا برقعة مع رسول فيها: يا محمّد معك كذا و كذا، حتّى قصّ عليّ جميع ما معي، و ذكر في جملته شيئا لم أحط به علما فسلّمته إلى الرسول و بقيت أيّاما لا أرفع لي رأسا فاغتممت فخرج إلي: قد أقمناك مقام أبيك فاحمد اللّه‏ (2).

المعجزة الثامنة عشرة: فيه: عن محمد بن عبد اللّه السياري قال: أوصلت أشياء للمرزباني الحارثي فيها سوار ذهب فقبلت و ردّ علي السوار، و امرت بكسره فكسرته فإذا في وسطه مثاقيل حديد و نحاس و صفر، فأخرجته فأنفذت الذهب بعد ذلك فقبل‏ (3).

المعجزة التاسعة عشرة: فيه: عن علي بن محمّد: أوصل رجل من أهل السواد مالا فردّ عليه و قيل له: أخرج حقّ ولد عمّك منه و هو أربعمائة درهم، و كان الرجل في يده ضيعة لولد عمّه فيها شركة، قد حبسها عنهم فنظر فإذا الذي لولد عمّه من ذلك المال أربعمائة درهم فأخرجها و أنفذ الباقي فقبل‏ (4).

المعجزة العشرون: فيه: عن أبي عبد اللّه بن صالح: خرجت سنة من السنين إلى بغداد، فاستأذنت في الخروج فلم يؤذن لي، فأقمت اثنين و عشرين يوما بعد خروج القافلة إلى النهروان، ثمّ اذن لي بالخروج يوم الأربعاء و قيل لي: اخرج فيه، فخرجت و أنا آيس من‏

____________

(1)- البحار: 51/ 294 ح 6.

(2)- الإرشاد: 2/ 355 باب طرف من دلائل صاحب الزمان (عليه السّلام).

(3)- الإرشاد: 2/ 356.

(4)- الإرشاد: 2/ 356.

366

القافلة بأن ألحقها، فوافيت النهروان و القافلة مقيمة، فما كان إلّا أن علفت جملي حتّى رحلت القافلة فرحلت و قد دعى لي بالسلامة فلم ألق سوءا و الحمد للّه‏ (1).

المعجزة الحادية و العشرون: فيه: عن محمد بن يوسف الشاشي قال: خرج بي ناسور فأريته الأطبّاء و أنفقت عليه مالا فلم يصنع الدواء فيه شيئا، فكتبت رقعة أسأل الدعاء فوقع إلي: ألبسك اللّه العافية، و جعلك معنا في الدنيا و الآخرة، فما أتت علي جمعة حتّى عوفيت، و صار الموضع مثل راحتي فدعوت طبيبا من أصحابنا و أريته إيّاه فقال: ما عرفنا لهذا دواء و ما جاءتك العافية إلّا من قبل اللّه بغير احتساب‏ (2).

المعجزة الثانية و العشرون: فيه: عن حسن بن الفضل، قال: وردت العراق و علمت على أن لا أخرج إلّا عن بيّنة من أمري، و نجاح من حوائجي، و لو احتجت أن اقيم بها حتّى أتصدّق. قال: و في خلال ذلك تضيق صدري بالمقام و أخاف أن يفوتني الحجّ قال: فجئت يوما إلى محمد بن أحمد- و كان السفير يومئذ- أتقاضاه فقال لي: سر إلى مسجد كذا و كذا فإنّه يلقاك رجل. قال: فصرت إليه فدخل عليّ رجل، فلمّا نظر إلي ضحك و قال لي: لا تغتمّ فإنّك ستحجّ في هذه السنة، و تنصرف إلى أهلك و ولدك سالما، فاطمأننت و سكن قلبي و قال: هذا مصداق ذلك.

قال: ثمّ وردت العسكر فخرجت إليّ صرّة فيها دنانير و ثوب، فاغتممت و قلت في نفسي: جرى عند القوم هذا و استعملت الجهل فرددتها، ثمّ ندمت بعد ذلك ندامة شديدة و قلت في نفسي: كفرت بردّي على مولاي، و كتبت رقعة أعتذر من فعلي و أبوء بالإثم و أستغفر من زللي، و أنفذتها و قمت أتطهّر للصلاة، و أنا إذ ذاك افكّر في نفسي و أقول: إن ردّت علي الدنانير لم أحلل شدّها، و لم أحدث فيها شيئا حتّى أحملها إلى أبي فإنّه أعلم منّي، فخرج إليّ الرسول الذي حمل الصرّة و قال لي: أقبل أسأت إذ لم تعلم الرجل، إنّا ربّما فعلنا ذلك بموالينا ابتداء، و ربّما سألونا ذلك يتبرّكون به، و خرج إليّ: أخطأت في ردّك برّنا، فإذا استغفرت اللّه فاللّه تعالى يغفر لك، و إذا كانت عزيمتك و عقد نيّتك فيما حملناه إليك ألّا تحدث فيه حدثا إذا رددناه إليك، و لا تنتفع به في طريقك فقد صرفنا عنك، و أمّا الثوب فخذه لتحرم فيه، قال: و كتبت في معينين و أردت أن أكتب في الثالث، فامتنعت منه مخافة

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 357.

(2)- المصدر نفسه.

367

أن يكره ذلك، فورد الجواب: المعينين و الثالث الذي طويت مفسّرا و الحمد للّه.

قال: كنت وافقت جعفر بن إبراهيم النيشابوري بنيشابور على أن أركب معه إلى الحجّ و ازامله، فلمّا وافيت بغداد بدا لي و ذهبت أطلب عديلا فلقيني ابن الوجناء، و كنت قد صرت إليه و سألته أن يكتري لي فوجدته كارها، فلمّا لقيني قال لي: أنا في طلبك، و قد قيل:

إنّه يصحبك فأحسن عشرته و اطلب له عديلا و اكتر له‏ (1).

المعجزة الثالثة و العشرون: فيه: عن الحسن بن عبد الحميد: شككت في أمر حاجز فجمعت شيئا ثمّ صرت إلى العسكر، فخرج إلي: ليس فينا شكّ و لا فيمن يقوم مقامنا، بأمرنا تردّ ما معك إلى حاجز بن يزيد (2).

المعجزة الرابعة و العشرون: فيه: عن محمّد بن صالح: لمّا مات أبي و صار الأمر إليّ كان لأبي على الناس سفاتيج من مال الغريم، يعني صاحب الأمر (عجّل اللّه فرجه). قال الشيخ المفيد (رحمه اللّه): و هذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديما بينها، و يكون خطابها عليه للتقية. قال:

فكتبت إليه اعلمه و كتب إليّ: طالبهم و استقض عليهم، فقضاني الناس إلّا رجل واحد، و كان عليه سفتجة بأربعمائة دينار، فجئت إليه أطلبه فمطلني و استخف بي ابنه و سفه علي، فشكوته إلى أبيه فقال: و كان ما ذا! فقبضت على لحيته و أخذت برجله، فسحبته إلى وسط الدار فخرج ابنه مستغيثا بأهل بغداد يقول: قمي رافضي قد قتل والدي، فاجتمع علي منهم خلق كثير فركبت دابتي و قلت: أحسنتم يا أهل بغداد تميلون مع الظالم على الغريب المظلوم، أنا رجل من أهل همدان من أهل السنّة، و هذا ينسبني إلى قم و يرميني بالرفض ليذهب بحقّي و مالي. قال: فمالوا عليه و أرادوا أن يدخلوا إلى حانوته حتّى سكنتهم، و طلب إليّ صاحب السفتجة أن آخذ مالها و حلف بالطلاق أن يوفيني مالي في الحال فاستوفيته منه‏ (3).

المعجزة الخامسة و العشرون: فيه: عن أحمد بن الحسن قال: وردت الجبل و أنا لا أقول بالإمامة و لا احبّهم جملة، إلى أن مات يزيد بن عبيد اللّه فأوصى في علّته أن يدفع الشهري‏

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 360.

(2)- الإرشاد: 2/ 361.

(3)- الإرشاد: 2/ 362.

368

الفرس السمند و سيفه و منطقته إلى مولاه، فخفت إن لم أدفع الشهري‏ (1) إلى اذكوتكين‏ (2) نالني منه استخفاف، فقومت الدابة و السيف و المنطقة بسبعمائة دينار في نفسي و لم أطلع عليه أحدا، و دفعت الشهري إلى اذكوتكين، فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق: أن وجّه السبعمائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري و السيف و المنطقة (3).

المعجزة السادسة و العشرون: و فيه: عن حسين بن عيسى العريضي: لمّا مضى أبو محمد الحسن بن علي (عليه السّلام)، ورد رجل من أهل مصر بمال إلى مكّة لصاحب الأمر (عجّل اللّه فرجه) فاختلف عليه و قال بعض الناس: إنّ أبا محمّد (عليه السّلام) قد مضى من غير خلف، و قال آخرون:

الخلف من بعده جعفر، و قال آخرون: الخلف من بعده ولده، فبعث رجلا يكنّى أبا طالب إلى العسكر يبحث عن الأمر و صحّته، و معه كتاب فصار الرجل إلى جعفر و سأله عن برهان فقال له جعفر: لا تتهيّأ في هذا الوقت، فصار الرجل إلى الباب و أنفذ الكتاب إلى أصحابنا الموسومين بالسفارة فخرج إليه: آجرك اللّه في صاحبك فقد مات و أوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة يعمل فيه بما يجب، و أجيب عن كتابه و كان الأمر كما قيل له‏ (4).

المعجزة السابعة و العشرون: و فيه: حمل رجل من أهل أبة شيئا يوصله، و نسي سيفا بآبة كان أراد حمله، فلمّا وصل الشي‏ء كتب إليه بوصوله، و قيل في الكتاب: ما خبر السيف الذي انسيته‏ (5)؟

المعجزة الثامنة و العشرون: فيه: عن محمد بن شاذان النيشابوري: اجتمع عندي خمسمائة درهم ينقص عشرون درهما، فلم أحب أن أنفذها ناقصة فوزنت من عندي عشرين درهما، و بعثتها إلى الأسدي و لم أكتب مالي فيها، فورد الجواب: وصلت خمسمائة درهم لك منها عشرون درهما (6).

المعجزة التاسعة و العشرون: و فيه: كتب علي بن زياد الصيمري يسأل كفنا، فكتب إليه:

إنّك تحتاج إليه في سنة ثمانين، و بعث إليه بالكفن قبل موته‏ (7).

المعجزة الثلاثون: و فيه: عن محمد بن هارون الهمداني: كان للناحية عليّ خمسمائة

____________

(1)- الشهري: ضرب من البرذون، و في المجمع (3/ 357) اسم فرس.

(2)- اسم أحد أمراء الترك من أتباع بني العبّاس.

(3)- الإرشاد: 2/ 363. و المحاسن للبرقي: 1/ 32.

(4)- الإرشاد: 2/ 364.

(5)- الإرشاد: 2/ 365.

(6)- المصدر نفسه.

(7)- الإرشاد: 2/ 366.

369

دينار فضقت بها ذرعا ثمّ قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة و ثلاثين دينارا قد جعلتها للناحية بخمسمائة دينار و لم أنطق بذلك، فكتب إلي محمد بن جعفر: اقبض الحوانيت من محمد بن هارون بخمسمائة دينار التي لنا عليه‏ (1).

المعجزة الحادية و الثلاثون: ذكر المحدّث الجليل البارع الفاضل النراقي في خزائنه قال:

حدّثني الشيخ الجليل محمد جعفر النجفي (قدس سره)- و هو من مشايخ إجازتي- في مسافرتي معه إلى زيارة العسكريين و السرداب المقدّس في سرّ من رأى أنّه كان لي في تلك البلدة المشرّفة صاحب من أهلها و لكن أحيانا إذا تشرّفت للزيارة أنزل عنده، فأتيته في بعض الأحيان فوجدته مريضا في غاية الضعف و النقاهة، مشرفا على الموت فسألته عن ذلك، قال لي: إنّه قدم علينا من سرّ من رأى في هذه الأوان جمعا (2) من الزوّار، و فيهم من أهل تبريز فقمت على عادتنا الخدمة في شراء الزوّار و تزاورنا إيّاهم و اكتسابنا منهم، و إذا بشابّ فيهم في غاية الصلاح و نهاية الصفاء و الطراوة قد أشرف على الدجلة و نزل و اغتسل في الشط، ثمّ لبس الثياب الطيّبة النفيسة و تقدّم إلى الزيارة في غاية الخضوع و نهاية التذلّل و الخشوع، حتّى انتهى إلى الروضة المقدّسة و وقف على باب الرواق، و بيده كتابه المزار، فأخذ في الدعاء و الاستئذان و الدموع تسيل على خدّيه، فأعجبني غاية خشوعه و رقّته و بكاؤه فأتيته و جررت رداءه و قلت: أريد أن أزورك فمدّ يده في جيبه و أخرج دينارا من ذهب، و أشار لي بالرجوع عنه و عدم التعرّض إيّاه، فلمّا نظرت إلى الدنانير طار قلبي و تحرّكت عروق الطمع؛ إذ كنت في أيّام لم يحصل لي من صناعتي عشر من أعشار ذلك المبلغ، فأخذني الطمع أن أتعرّضه أيضا فرجعت إليه ثانية و هو في بكائه و حضور من قلبه فزاحمته، و أعدت إليه ما قلته فدفع إلي نصف دينار، و أشار لي بالرجوع و عدم التعرّض.

فرجعت و نار الطمع تشتعل في جوارحي و أنا أقول: لا يفوتك الرجل فنعم الصيد صيدك، إلى أن رجعت إليه ثالثة و زاحمته و كرّرت عليه الكلام، و أمرته بإلقاء الكتاب و جررت رداءه و هو في عين تخشّعه و بكائه، فدفع إلي في هذه المرّة ريالا و اشتغل بما هو فيه، و أنا لم أزل فيما أنا عليه إلى أن أقامني الطمع ذلك المقام رابعا، فانصرف الرجل عمّا هو فيه و تمّ حضور قلبه و طبق كتاب المزار، و خرج من غير زيارة فندمت من ذلك فأتيته‏

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 366 باب طرف من دلائل صاحب الزمان.

(2)- الصحيح: جمع.

370

و قلت له: ارجع إلى ما كنت عليه فلا أتعرّضك بعد أبدا، فأجابني و دموعه تنحدر أنّه لم يبق لي حال الزيارة و قد زال ما بي من الخشوع، فأسفت على ما فعلت و لمت نفسي و رجعت إلى الدار، فلمّا دخلت الفضاء و إذا بثلاثة واقفين على السطح و هم يحاذونني، و الذي بينهم أقصر سنّا و بيده قوس و سهم، ينظر إليّ نظرة الغضب، و قائل: لم منعت زائرنا و صرفته عن حاله، ثمّ وضع السهم في كبد قوسه فما شعرت إلّا و قد اخترق صدري، فغابوا عن بصري و احترق صدري، فجرح بعد يومين و قد زاد الآن كما ترى، فكشف عن صدره و إذا قد أخذ مجموع صدره، فما مضى أيّام إلّا و مات‏ (1).

المعجزة الثانية و الثلاثون: و فيه: قال (رحمه اللّه): أخبرني الورع التقي الحاج جواد الصبّاغ، و هو من أعاظم التجّار و ثقاتهم و كان ناظرا على تعمير الروضة المقدّسة و السرداب من قبل بانيه جعفر قلي خان الخوئي، أخبرني حين تشرّفي إلى زيارة المشهد المقدّس و السرداب المشرّف و ذلك في سنة عشر و مائتين بعد الألف، أيّام مسافرتي إلى بيت اللّه الحرام فمضيت إلى سرّ من رأى، و اتّفق لي مصاحبته في تلك البلدة، فحكى لي عن رجل ناصبي يدعى بسيد علي، و كان مأمورا هناك من والي بغداد و حكومة العثماني، و كان حاكما على أهلها- و ذلك في سنة خمس و مائتين بعد الألف- و يأخذ من كلّ زائر ريالا للدخول في الروضة المقدّسة و يسوم ساقهم، و يعلمهم علامة لا يشتبه بغيره بعد ذلك.

فبينما ذات يوم هو جالس على سرير له بباب الصحن و بين يديه المأمورون، و بيده خشبة طويلة يسوق بها الزوّار بعد أخذ الريال منهم و سوم ساقهم إذ أقبل شاب من زوّار العجم و معه زوجته، و هم من أهل بيت الشرف و العفّة، و دفع إليه ريالين فطبع ساقه و أشار إلى زوجته بالطبع فقال الشاب: دع الامرأة و أنا اعطي لكل دخول لها في الروضة المقدّسة ريالا من غير أن يكشف لها ساق، و لم أرض بهذه الفضيحة، فصاح عليه الناصبي- السيد علي المذكور- و شتمه بالرفض و العصبية و قال: أ تغير عليها يا فلان؟ فأجابه الشاب باللين و الرفق. فصاح ثانيا بأنّه لا يمكن لها الدخول في الحرم إلّا و أكشف عن ساقها و أطبع عليها، فأخذ الشاب بيدها و قال: ارجعي فقد كفتنا هذه الزيارة، فاغتاظ الناصبي لذلك و صاح عليه قائلا: يا رافضي استثقلت ما أمرتك فيها، ثمّ مدّ يده و أخذ الخشبة الطويلة التي كانت عنده‏

____________

(1)- الخزائن للنراقي: 427 و الكتاب مخطوط بين العربي و الفارسي و هذه القصّة مترجمة منه.

371

و ركنها إلى صدر المرأة و أوقعها على الأرض و جانب بعض ثيابها و كشف عن بدنها، فأقامها الشاب و توجّه إلى الحرم الشريف و دموعه تنحدر و تجري و قال: يا سيّدي أ ترضى به فإنّي راض برضاكم- يعني حاشاك أن ترضى- ثمّ أخذ بيدها و عاد إلى منزله.

قال الحاج جواد: كنت حينئذ في الدار إذ طرق عليّ طارق معجلا بعد ثلاث أو أربع ساعات و هو يقول: أجب والدة السيّد علي و أدركه، فقمت مسرعا و لم أخرج و لم أصل إليه إلى أن تواتر عليّ الرسل، فدخلت عليه، فإذا به ملقى على فراشه يتململ تململ السليم و ينادي و يشكو من وجع القلب و عياله حوله، فلمّا رأتني أمّه و زوجته و بناته و أخواته اجتمعن حولي بالبكاء، و استدعين منّي الذهاب إلى الشاب المزبور و الاسترضاء عنه، هذا و هو ينادي في فراشه و يقول: إلهي أسأت و ظلمت و بئس ما صنعت، فأتيت منزل الشابّ و أخبرته بالخبر و سألته الرضا عنه فقال: أمّا أنا فقد رضيت عنه، و لكن أين عنّي ذلك القلب المنكسر و الحالة التي كنت فيها؟ فما رجعت إلّا و قد ارتج دار السيد علي بالبكاء، و النساء ناشرات الشعر لاطمات الخدّ مشرفات بالحرم، يردن الشفاء من الضريح المطهّر و أسمع أنين السيّد علي من الدار إلى الصحن الشريف، فحضر فريضة المغرب و العشاء و أتيت و قمت للصلاة فما أتممت صلاتي إلّا و نودي نداء موته، و ضجّت عياله بالبكاء عليه فغسل في ساعته و أتي بالجنازة لتوضع في الرواق إلى الصبح.

و لمّا كانت مفاتيح الروضة المقدّسة في تلك الأوقات لتعمير الحرم الشريف عندي و بيدي، فأمرت بسدّ الأبواب و التجسّس في أطراف الحرم و الرواق، و بالغنا في التخلية عن جميع من يكون و ذلك لحفظ الخزانة و الآلات المعلّقات و غيرها حتّى اطمأننا، فوضعت الجنازة في الرواق و انسدّت الأبواب بيدي و أخذت المفاتيح، فلمّا جئت وقت السحر لفتح الأبواب ففتحتها جاء الخدم و علق الشموع، و إذا بكلب أسود قد خرج من الرواق إلى الصحن فامتلأت غضبا على الخدمة و المأمورين الذين كانوا معي في الرواق بالتجسس فحلفوا، و أنا أعلم أنّهم لم يقصّروا و لم يكن شي‏ء قطّ في الحرم و قالوا: إنّا تفحّصنا غاية التفحّص، فلمّا كان غداة غد اجتمع الناس لدفن السيّد علي و إذا بالتابوت و فيه كفن خال ممّا فيه، فتعجّبت و اعتبرت كما تعجّب الناس و تفرّقوا، و هذا ممّا شاهدته بعيني‏ (1).

____________

(1)- لم أجده في البحار و لا غيره من المصادر.

372

ريحانة معطّرة من ثمرة هذا الفرع جعلتها التحفة لمن زار الرضا (عليه السّلام) و تمسّك بعروة اللّه الوثقى‏

في دار السلام للمحدّث النوري (رحمه اللّه) عن المعتمد المؤتمن آقا محمد التاجر عن نور الدين محمد قال: لمّا كنت في البندر (1) المسمّى بريك مشغولا بتجهيز سفر البحر، و السير إلى بندر كنك أحد البنادر المعمورة، حدّثني جماعة كثيرة عن رجل ثقة معتمد من أهل گيلان، و كان يتردّد في البلاد للتجارة قال: دخلت مرّة في سفر الهند و بقيت في البنگالة قريبا من ستّة أشهر، و كان بجنب حجرتي التي كنت فيها حجرة كان فيها رجل غريب، و كان في تمام أوقاته متحيّرا مستغيثا باكيا مهموما متفكّرا، لا يفتر عن حزنه ساعة.

فلمّا رأيت كثرة بكائه و عويله و خروجه عن العادة عزمت على استكشاف حاله، فأنست به بلسان ذلق و كلام ليّن فوجدته ضعيفا نحيفا قد تحلّلت قواه و دقّ عظمه و رقّ جلده، فسألته عن طول حزنه و دوام بكائه و همومه فأبي فألححت عليه فقال: جمعت في اثنتي عشرة سنة قبل ذلك أموالا و أمتعة نفيسة و حملتها في السفينة مع جماعة عازما على التجارة، فلمّا توسّطنا البحر و السفينة تجري بريح طيّبة و مضى علينا عشرون يوما، إذ أتتنا ريح عاصف و بلاء مبرم فانكسرت السفينة و غرقت الأموال و النفوس، و تعلّقت بلوح من ألواحها و الريح تلعب به يمينا و شمالا إلى أن وقع بصري على جزيرة، فسكن خاطري و قرّت عيني، و الموج يلطمني لطمة بعد لطمة إلى أن طرحني في الساحل فسجدت للّه تعالى شكرا.

و رأيت جزيرة مونقة معشوشبة خالية عن جنس البشر، فبقيت مدّة اعتلف من كلائها في اليوم، و أبيت على الأشجار خوفا من السباع الضارية، و مضى عليّ كذلك سنة فاتفق أنّي كنت يوما مشغولا بالوضوء على عين ماء، فرأيت فيها عكس صورة امرأة، فرفعت رأسي‏

____________

(1)- كلمة فارسية الأصل تعني المرفأ.

373

فإذا على بعض أغصان الشجرة امرأة حسناء غراء فرعاء لم أر مثلها، و كانت عريانة فلمّا رأت أنّي أنظر إليها أدلت شعرها على جسدها و تستّرت به عنّي و قالت: أيّها الناظر إلى ما يحرم عليك أ ما تستحي من اللّه تعالى و رسوله؟ فاستحيت من كلامها و أطرقت برأسي، و أقسمت عليها باللّه تعالى و قلت: أنت من البشر، أو من الملائكة أو من الجنّ؟ فقالت: من البشر و الآن قريب من ثلاث سنين أعيش في هذه الجزيرة، أبي كان رجلا من أهل إيران فعزم الرحيل إلى الهند، و لمّا بلغنا قبّة البحر انكسرت سفينتنا و وقعت أنا في هذه الجزيرة.

و لمّا علمت بحالها حكيت لها قصّتي و قلت: لو خطبك أحد ترغبين فيه، فسكتت فعلمت برضاها، فحوّلت وجهي حتّى نزلت من الشجرة فعقدت عليها، و كنت أتمتّع بها و أفرح بها فرزقني اللّه تعالى هذين الغلامين اللذين تراهما، فكنت أطيب خاطري تارة بمصاحبتها و أتسلّى مرّة بوجودهما و الاشتغال بها و كذلك بهما، و كذلك المرأة و كانت عاقلة و كنّا نعيش في الجزيرة كذلك إلى أن بلغ أحدهما تسع سنين و الآخر ثماني، و لمّا كنّا عراة و على أبداننا شعور طوال قبيحة المنظر قلت يوما لها: ليت كان لنا قطعة لباس نستر بها عوراتنا، و نخرج بها عن هذه الفضيحة، فتعجّب الولدان و قالا: هل بغير هذا الوضع و المكان وضع آخر و مكان و طريقة اخرى؟

فقالت أمّهما: نعم إنّ للّه تعالى بلادا و رجالا كثيرة و مأكولات و مشروبات لا تحصى، و لكنّا عزمنا المسافرة و ركبنا السفينة فكسرتها الرياح العاصفة، و طرحتنا بوسيلة لوح منها في هذه الجزيرة. فقالا: لم لا ترجعون إلى أوطانكم المألوفة؟ فقالت: لا يمكن العبور من هذا البحر الزخار بلا سفينة مستعدّة، فقالا: نحن نصنع السفينة، فلمّا رأتهما عازمين أشارت إلى شجرة كبيرة كانت في ساحل البحر و قالت: لو قدرتما على نحت وسطها لعلّ اللّه بعنايته يرحمنا و يوصلنا إلى مكان نستر به عوراتنا، فلمّا سمع الغلامان مقالة أمّهما عمد إلى جبل كان قريبا منّا و أخذا بعض الأحجار التي كانت رءوسها محدّدة، و شرعا في نحت الشجرة و حرّما على أنفسهما الطعام و الشراب و النوم و لم يفترا عن العمل في مدّة ستّة أشهر إلى أن صار وسط الشجرة خاليا كهيئة الزوارق و كان يسع اثني عشر نفرا يقعدون فيه.

فلمّا رأينا كذلك شكرنا اللّه تعالى على هذه النعمة و هداية الغلامين إلى هذا العمل و طاعتهما لنا، و أمّهما كانت في غاية السرور و الفرح، و الحثّ على إتمامها و ترتيبها لما بلغ بها الوحشة و ألم العري و فقد المحلّ و المأوى النهاية، ثمّ عمدوا إلى حمل العنبر من صفح‏

374

جبل قريب كان في حوالي الجزيرة، و كان في غاية الارتفاع، و كان في خلف الجبل غيضة أشجارها قرنفل، و كان النحل تأكل في فصل الربيع من أزهارها و يبادرون إلى قلّة الجبل، فيجتمع لسببها فيها عسل كثير، ثمّ يأتي المطر فيغسله و يجريه إلى البحر فيشربه الحيتان، و من شمعه يحصل العنبر الأشهب، فإن في وقت الجريان من الجبل يبقى شيئا فشيئا في سفح الجبل، و بإشراق الشمس على تلك الشموع تتفرّق في تمام تلك الصحراء، و كنّا نأتي منه في كلّ يوم أمنان إلى أن جمع مائة منّ، و صنعنا منه في الزورق حوضا، و صنعنا منه ظروفا و حملنا الماء منها إلى الحوض حتى ملئ منه، ثمّ جمعنا لطعامنا من الاصول المعروفة بچيني، و كان كثيرا في الجزيرة ثمّ صنعنا من لحاء الأشجار حبالا وثيقة و شددنا بها رأس الزورق، و ربطناه برأسها الأخرى على شجرة عظيمة.

ثمّ انتظرنا أيام مدّ البحر و زيادة مائه إلى أن بلغ وقته، و وقع الزورق فوق الماء فحمدنا اللّه تعالى و جلسنا فيه فلم يتحرّك من مكانه فتأمّلنا فإذا برأس الجبل مشدود على الشجرة، و نسينا أن نفكّه فأراد أحد الغلامين أن ينزل فنزلت أمّهما قبلهما، و فكّت الحبل و أخذ الموج الحبل من يدها، و أذهب بالزورق إلى وسط البحر، فأخذت المرأة في البكاء و النحيب و الصياح و العويل و الحركة من طرف إلى طرف، فلمّا بعدنا منها صعدت شجرة تنظر إلينا و تبكي و تتحسّر، فلمّا غبنا طرحت نفسها منها، و الغلامان لمّا يئسا منها شرعا في البكاء و الأنين و القلق و الاضطراب إلى أن وصلنا قبّة البحر، خافا من نفسها فسكتا، فلمّا مضى علينا سبعة أيّام وصلنا إلى الساحل و لمّا كنّا عراة صبرنا حتّى أظلم الليل، فعلوت على مرتفع فرأيت سواد بلاد وضوء نار، فذهبت إليه مهتديا بعلامة النار، فلمّا وصلت إليه رأيت بابا عاليا فدققت الباب فكانت الدار لرجل تاجر من رؤساء اليهود، فخرج فأعطيته قليلا من العنبر الأشهب، و أخذت منه أثوابا و فرشا و رجعت في الليل إلى ولدي و سترنا عوراتنا، فلمّا أصبحنا دخلت البلد، و أخذت هذه الحجرة في هذا الخان، و جئت بولديّ و صيّرت من الفرش جوالق حملت بها في الليل العنبر و الچيني من الزورق إلى الحجرة، و بعت منها على التدريج، و اشتريت متاع البيت و صرت في زيّ التجّار، و الآن قريب سنة أنا في الهمّ و البكاء و القلق من فراق العاجزة الضعيفة المهجورة و كذلك الأولاد.

فلمّا بلغ كلامه هذا المقام عرضتني رقّة فبكيت معه ساعة ثمّ قلت له: لا رادّ لقضاء اللّه و تدبيره، و لا مغيّر لمقاديره و حكمته، و لكنّي أظنّ أنك لو زرت الإمام الثامن أبا الحسن‏

375

الرضا (عليه السّلام)، و شكوت إليه ما دهاك من هذه المصيبة، و عرضت عليه قصّتك و قصّة زوجتك لأجاب سؤلك و كشف ضرّك و نفّس همّك، فإنّه لم يلجأ إليه أحد إلّا أصلح حاله، و لم يستعن به ضعيف إلّا أعانه، و لم يستغث إليه مضطرّ إلّا أغاثه، فإنّه أبو الأيتام و ملجأ الأنام و ذخر المفلسين و كهف المظلومين.

فلمّا سمع كلامي أثر في قلبه و وقع في روعه، فعاهد اللّه تعالى مخلصا في هذا المجلس أن يصنع قنديلا من الذهب الخالص، و يمشي راجلا إلى زيارته، و يشكو إليه ضرّه و فاقته و يطلب منه الاجتماع مع زوجته، ثمّ قام و طلب الذهب من يومه و صنع القنديل و ركب السفينة و قطع الفيافي و القفار، إلى أن بلغ مرحلة من المشهد الرضوي، و رأى المتولّي في تلك الليلة الإمام (عليه السّلام) في المنام و قال (عليه السّلام) له: غدا يدخل علينا زائر لنا فاستقبله، فلمّا أصبح خرج مستقبلا مع جميع أرباب المناصب في الحضرة الرضوية، و أدخلوه في البلد معزّزا مكرّما، و أدخلوا القنديل في الروضة و علّقوه في محلّه، فلمّا استقرّ به الدار خرج من هيئة المسافر و اغتسل و دخل الروضة المنوّرة، و قبّل تلك القبّة الشريفة و اشتغل بالزيارة و الدعاء إلى أن مضى برهة من الليل، و أخرجوا الخدّام غيره من الزائرين و سدّوا الأبواب و مضوا لشأنهم، فلمّا اختصّ به الحرم و رأى نفسه فريدا سكت ساعة، ثمّ اشتغل بالتضرّع و البكاء و الاستغاثة بالإمام (عليه السّلام)، و سأل منه الوصول إلى زوجته و ألحّ فيه إلى أن بقي ثلث الليل و قد أعيى من كثرة الإلحاح و الدعاء، فسجد فغلبه النوم فسمع هاتفا يقول: قم، فلمّا قام من السجدة رأى الإمام الهمام أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) واقفا فقال له: قم فقد اوتيت بزوجتك و هي الآن واقفة خلف الروضة فاذهب إليها.

فقال: فديتك بنفسي إنّ الأبواب مسدودة. فقال (عليه السّلام): الذي أتى بها من ذاك المكان البعيد إلى هنا يتمكّن من فتح الأبواب المغلقة، فخرج فكلّما مرّ بباب انفتح له إلى أن بلغ خلف الروضة، فرأى زوجته على الهيئة التي خلّفها في الجزيرة متحيّرة خائفة، فلمّا رأت بعلها تعلّقت به فقال لها: من أبلغك إلى هذا المقام؟ فقالت: كنت في شاطئ البحر جالسة متفكّرة، و قد أصاب عيني رمد شديد و ألم موجع من شدّة البكاء، أتأوّه من شدّته فإذا بشاب قد أضاء بنور وجهه جميع البرّ و البحر في هذا الليل المظلم، فأخذ بيدي و قال: غمضي عينيك فغمضتهما و فتحتهما بعد زمان، فرأيت نفسي في هذا المكان، فذهب بها إلى الحجرة عند ولديه، و جاوروا بعد ذلك في ذاك المكان الشريف إلى أن توفوا.

376

الفرع السابع في بيان نوّابه و سفرائه الممدوحين الذين كانوا في زمان غيبته الصغرى وسائط بين الشيعة و بينه عليه الصلاة و السلام‏

أوّلهم: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري و كان من نوّاب أبي الحسن و أبي محمّد في الأوّل، و كانت توقيعات إمام العصر تخرج على يدي عثمان بن سعيد و ابنه أبي جعفر محمد ابن عثمان إلى شيعته و خواصّ أبيه أبي محمّد بالأمر و النهي عنه، و الأجوبة عمّا تسأل الشيعة، و ترجمه (رحمه اللّه) في البحار مفصّلا، و قبر عثمان بن سعيد بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أوّل الموضع المعروف بدرب حيلة (1).

الثاني: من السفراء ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري، قام مقام أبيه بنصّ أبي محمد و أبيه عثمان بأمر القائم (عليه السّلام)، و خرج التوقيع إليه في التعزية بأبيه رضى اللّه عنه، و في فصل من الكتاب: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون، تسليما لأمره و رضا بفعله و بقضائه، عاش أبوك سعيدا و مات حميدا ف(رحمه اللّه) و ألحقه بأوليائه و مواليه فلم يزل مجتهدا في أمرهم، ساعيا فيما يقرّبه إلى اللّه عزّ و جلّ و إليهم، نضّر اللّه وجهه و أقال عثرته.

و في فصل آخر: أجزل اللّه لك الثواب و أحسن لك العزاء، رزيت و أوحشك فراقه و أوحشنا، فسرّه اللّه في منقلبه، و كان من كمال سعادته أن رزقه اللّه ولدا مثلك يخلفه من بعده و يقوم مقامه بأمره و يترحّم عليه، و أقول الحمد للّه فإنّ الأنفس طيّبة بمكانك و ما جعله اللّه عزّ و جلّ فيك و عندك، و أعانك اللّه و قوّاك و عضدك، و وفّقك و كان لك وليا و حافظا و راعيا.

و هما رأيا القائم (عجّل اللّه فرجه)، و قبره عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره و منازله، و هو الآن في وسط الصحراء (2).

____________

(1)- بحار الأنوار: 51/ 347 و غيبة الطوسي: 358.

(2)- الاحتجاج: 481 ذكر طرف ممّا خرج أيضا عنه من المسائل الفقهية.

377

الثالث‏ من السفراء: أبو القاسم حسين بن روح النوبختي، أقامه محمد بن عثمان بعد مقامه بأمر الإمام (عجّل اللّه فرجه) و هو من أعقل الناس عند الموافق و المخالف و كان يستعمل التقية.

في البحار: عن أبي جعفر محمد بن علي بن الأسود قال: كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه اللّه) فيقبضها منّي، فحملت إليه يوما شيئا من الأموال في آخر أيّامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمرني بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي رضى اللّه عنه، فكنت اطالبه بالقبوض فشكى ذلك إلى أبي جعفر رضى اللّه عنه، فأمرني أن لا اطالبه بالقبوض و قال: كلّ ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إليّ، فكنت أحمل بعد ذلك الأموال إليه و لا اطالبه بالقبوض‏ (1).

و فيه: عن جعفر بن أحمد بن منيل: لمّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري الوفاة كنت جالسا عند رأسه أسأله و أحدّثه و أبو القاسم بن روح عند رجليه فالتفت إليّ ثمّ قال:

امرت أن اوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح. قال: فقمت من عند رأسه و أخذت بيد أبي القاسم و أجلسته في مكاني و تحوّلت إلى عند رجليه‏ (2).

و حسين بن روح من أعقل الناس عند الموافق و المخالف و كان يستعمل التقيّة، و قبره (رحمه اللّه) في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل و إلى الدرب الآخر و إلى قنطرة الشوك. و قد كانت العامّة تعظّمه (رحمه اللّه) حيّا و ميّتا، و قد تناظر اثنان في دار ابن يسار و هو (رحمه اللّه) حضر تقيّة فزعم واحد أنّ أبا بكر أفضل الناس بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثمّ عمر ثمّ علي، و قال آخر: علي أفضل من أبي بكر و عمر فزاد الكلام بينهما، فقال أبو القاسم رضى اللّه عنه: الذي اجتمعت عليه الصحابة هو تقديم الصدّيق ثمّ بعده الفاروق ثمّ بعده عثمان ذو النورين ثمّ علي الوصيّ، و أصحاب الحديث على ذلك و هو الصحيح عندنا، فبقي من حضر المجلس متعجّبا من هذا القول و كانت العامّة يرفعونه على رءوسهم، و كثر الدعاء له و الطعن على من يرميه بالرفض.

فوقع عليّ الضحك فلم أزل أتصبّر و أمنع نفسي و أدسّ كمي في فمي فخشيت أن‏

____________

(1)- البحار: 51/ 354 ح 4 و كمال الدين: 501.

(2)- الخرائج و الجرائح: 3/ 1120 و البحار: 51/ 254 ح 5.

378

أفتضح، فوثبت عن المجلس، و نظر إليّ فتفطّن بي، فلمّا حصلت في منزلي فإذا بالباب يطرق فخرجت مبادرا فإذا بأبي القاسم بن روح راكبا بغلته قد وافاني من المجلس قبل مضيّه إلى داره فقال لي: يا عبد اللّه أيّدك اللّه لم ضحك و أردت أن تهتف بي، كأن الذي قلته عندك ليس بحقّ؟ فقلت له: كذاك هو عندي، فقال لي: اتق اللّه أيّها الشيخ فإنّي لا أجعلك في حلّ أن تستعظم هذا القول منّي. فقلت: يا سيدي رجل يرى بأنّه صاحب الإمام (عجّل اللّه فرجه) و وكيله يقول ذلك القول لا يتعجّب منه و لا يضحك من قوله هذا! فقال لي: و حياتك لئن عدت لأهجرنّك، و ودّعني و انصرف‏ (1).

الرابع‏ من السفراء: أبو الحسن علي بن محمد السمري (رحمه اللّه)، أوصى أبو القاسم الحسين بن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري (رحمه اللّه) فلمّا حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي قال للّه أمر هو بالغه، فالغيبة التامّة هي التي وقعت بعد مضيّ السمري.

في البحار عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري (قدّس اللّه روحه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: بسم اللّه الرّحمن الرحيم يا علي بن محمّد السمري أعظم اللّه أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك و بين ستّة أيّام، فاجمع أمرك و لا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة فلا ظهور إلّا بعد إذن اللّه تعالى، و ذلك بعد طول الأمد و قسوة القلوب و امتلاء الأرض جورا، و سيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني و الصيحة فهو كذّاب مفتر، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم.

فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه و هو يجود بنفسه فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال:

للّه أمر هو بالغه.

و قبره (رحمه اللّه) في الشارع المعروف بشارع الخلخي من ربع باب المحول، قريب من شاطئ نهر أبي عتاب، و مات (رحمه اللّه) في سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة، و قد كان في زمان السفراء (رضوان اللّه عليهم) أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنسوبين للسفارة:

(منهم) أبو الحسين محمد بن جعفر الأسدي، أتى الجواب عن الناحية بعد السؤال عن‏

____________

(1)- غيبة الشيخ الطوسي: 385 ح 347 ذكر إقامة أبي جعفر محمد بن عثمان العمري.

379

قبض شي‏ء: فليدفع إليه، من ثقاتنا.

(و منهم) أحمد بن إسحاق و إبراهيم بن محمد و أحمد بن حمزة، خرج التوقيع في مدحهم.

(و منهم) إبراهيم بن مهزيار و ابنه محمد و وقع التوقيع في حقهما.

(و منهم) الحسن بن محبوب أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري و محمد بن علي بن بلال و عمر الأهوازي و أبو محمد الوجناني، و بعض آخر لا حاجة بذكرهم هنا، ثمّ اعلم أنّ الذين ادّعوا البابية كذبا و افتراء كثيرون لعنهم اللّه، لا حاجة لنا بذكرهم في هذا المقام‏ (1).

____________

(1)- راجع البحار: 51/ 362 ح 10.

380

الفرع الثامن في علّة الغيبة و كيفية انتفاع الناس به في غيبته (عليه السّلام)

في العوالم و البحار عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي عن الصادق (عليه السّلام): إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له: و لم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج اللّه تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر من خرق السفينة و قتل الغلام و إقامة الجدار لموسى (عليه السّلام) إلّا وقت افتراقهما. يا ابن الفضل إنّ هذا الأمر أمر من أمر اللّه، و سرّ من سرّ اللّه و غيب من غيب اللّه، و متى علمنا أنّه عزّ و جلّ حكيم صدقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة و إن كان وجهها غير منكشف لنا (1).

و فيه: عن الأعمش عن الصادق (عليه السّلام) قال: لم تخل الأرض منذ خلق اللّه آدم من حجّة للّه فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، و لا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجّة للّه فيها، و لو لا ذلك لم يعبد اللّه. قال سليمان: فقلت للصادق (عليه السّلام): فكيف ينتفع بالحجّة الغائب المستور؟

قال (عليه السّلام): كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب‏ (2).

و فيه: عن إسحاق بن يعقوب أنّه ورد عليه من الناحية المقدّسة على يد محمّد بن عثمان: و أمّا علّة ما وقع من الغيبة فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏ (3) إنّه لم يكن أحد من آبائي إلّا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، و إنّي أخرج حين أخرج و لا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي. و أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، و إنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم، و لا تتكلّفوا على ما قد

____________

(1)- البحار: 52/ 91 ح 4 و كمال الدين: 482.

(2)- البحار: 23/ 5 ح 10 و أمالي الصدوق: 253.

(3)- سورة المائدة: 101.

381

كفيتم، و أكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم و السلام عليك يا إسحاق بن يعقوب و على من اتّبع الهدى‏ (1).

و فيه: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أقرب ما يكون العبد إلى اللّه عزّ و جلّ و أرضى ما يكون عنه إذا افتقدوا حجّة اللّه فلم يظهر لهم، و حجب عنهم فلم يعلموا بمكانه، و هم في ذلك يعلمون أنّه لم تبطل حجج اللّه و لا بيّناته، فعندها فليتوقّعوا الفرج صباحا و مساء. و إنّ أشدّ ما يكون اللّه غضبا على أعدائه إذا أفقدهم حجّته فلم يظهر لهم، و قد علم أنّ أولياءه لا يرتابون و لو علم أنّهم يرتابون ما أفقدهم حجّته طرفة عين‏ (2).

و فيه: عن جابر الجعفي عن جابر الأنصاري أنّه سأل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): هل ينتفع الشيعة بالقائم (عجّل اللّه فرجه) في غيبته؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إي و الذي بعثني بالنبوّة إنّهم لينتفعون به، و يستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن جلّلها السحاب‏ (3).

أقول: التشبيه بالشمس المجلّلة بالسحاب يومئ إلى امور كما يستفاد من كلمات العلّامة المجلسي (رحمه اللّه)(4).

الأوّل: أن نور الوجود و العلم و الهداية يصل إلى الخلق بتوسّطه (عليه السّلام)، إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنّهم العلل الغائية لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، و ببركتهم و الاستشفاع بهم و التوسل إليهم يظهر العلوم و المعارف على الخلق، و يكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحق الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب، كما قال اللّه تعالى:

وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ‏ (5) و لقد جربنا مرارا لا نحصيها أنّه عند انفلاق الامور و إعضال المسائل و البعد عن جناب الحقّ تعالى و انسداد أبواب الفيض لمّا استشفعنا بهم و توسّلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الامور الصعبة، و هذا معاين لمن أكحل اللّه عين قلبه بنور الإيمان.

الثاني: كما أنّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها، ينتظرون في كلّ آن انكشاف السحاب عنها و ظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيّام غيبته ينتظر

____________

(1)- الاحتجاج: 284، و البحار: 53/ 181 ح 10.

(2)- البحار: 52/ 94 ح 9، و كمال الدين: 339.

(3)- البحار: 52/ 92 ح 8، و الأنوار البهية: 341.

(4)- البحار: 52/ 93 ح 8.

(5)- سورة الأنفال: 33.

382

المخلصون من شيعته خروجه و ظهوره في كلّ وقت و زمان و لا ييأسون منه.

الثالث: أنّ منكر وجوده مع وفور ظهور آثاره، كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار.

الرابع: أنّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب، فكذلك غيبته (عجّل اللّه فرجه) أصلح لهم في تلك الأزمان؛ فلذا غاب عنهم.

الخامس: أنّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب، و ربّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدّسة ربّما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم، و يكون سببا لعماهم عن الحقّ، و تحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب و لا يتضرّر بذلك.

السادس: أنّ الشمس قد تخرج من السحاب و ينظر إليها واحد دون واحد، فكذلك يمكن أن يظهر (عليه السّلام) في أيّام غيبته لبعض الخلق دون بعض.

السابع: أنّهم كالشمس في عموم النفع و إنّما لا ينتفع بهم من كان أعمى، كما فسّر به في الأخبار قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (1).

الثامن: أنّ الشمس كما أنّ شعاعها يدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن و الشبابيك، و بقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك الخلق إنّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم و مشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية و العلائق الجسمانية، و بقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية، إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب. فقد فتحت لك من هذه الجنّة الروحانية ثمانية أبواب، و لقد فتح اللّه عنّي بفضله ثمانية اخرى تضيق العبارة عن ذكرها، عسى اللّه أن يفتح علينا و عليك في معرفتهم ألف باب، يفتح من كلّ باب ألف باب‏ (2).

عن ابن عمير عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قلت له: ما بال أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يقاتل‏

____________

(1)- الإسراء: 72.

(2)- الوجوه الثمانية للعلّامة المجلسي في بحاره: 52/ 93، و قد ذكرت في كتابنا قصص أهل البيت ثمانية وجوه اخرى فمن أراد فليرجع إليها.

383

مخالفيه في الأول؟ قال: لآية في كتاب اللّه عزّ و جلّ‏ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (1) قال: قلت: و ما يعني بتزيلهم؟ قال: ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، و منافقين فلم يكن علي (عليه السّلام) ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع فلما خرج ظهر على من ظهر و قتله، فكذلك القائم لن يظهر أبدا حتّى تخرج ودائع اللّه عزّ و جلّ، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء اللّه عزّ و جلّ جلاله فقتلهم‏ (2).

و فيه: سأل أبو خالد أبا جعفر (عليه السّلام) أن يسمّي القائم حتّى أعرفه باسمه. فقال (عليه السّلام): يا أبا خالد سألتني عن أمر لو أنّ بني فاطمة عرفوه لحرصوا على أن يقطّعوه بضعة بضعة (3).

و فيه: قال الشيخ (رحمه اللّه): لا علّة تمنع من ظهوره إلّا خوفه على نفسه من القتل‏ (4)، لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار، و كان يتحمّل المشاق و الأذى، فإنّ منازل الأئمّة و كذلك الأنبياء إنّما تعظم لتحمّلهم المشاق العظيمة في ذات اللّه تعالى‏ (5).

فإن قيل: هلّا منع اللّه من قتله بما يحول بينه و بين من يريد قتله؟

قلنا: المنع الذي لا ينافي التكليف هو النهي عن خلافه و الأمر بوجوب اتباعه و نصرته و إلزام الانقياد له، و كلّ ذلك فعله تعالى، و أمّا الحيلولة بينهم و بينه فإنّه ينافي التكليف و ينقض الغرض، لأنّ الغرض بالتكليف استحقاق الثواب، و الحيلولة ينافي ذلك، و ربما كان في الحيلولة و المنع من قتله بالقهر مفسدة للخلق فلا يحسن من اللّه فعلها، و ليس هذا كما قال بعض أصحابنا أنّه لا يمتنع أن يكون في ظهوره مفسدة و في استتاره مصلحة؛ لأنّ الذي قاله يفسد طريق وجوب الرسالة في كلّ حال، و يطرق القول بأنّها تجري مجرى الألطاف التي تتغيّر بالأزمان و الأوقات و القهر و الحيلولة، ليس كذلك و لا يمتنع أن يقال في ذلك مفسدة و لا يؤدّي إلى فساد وجوب الرئاسة.

فإن قيل: أ ليس آباؤه كانوا ظاهرين و لم يخافوا و لا صاروا بحيث لا يصل إليهم أحد؟

____________

(1)- سورة الفتح: 25.

(2)- تفسير القمّي: 2/ 292 ط. الأعلمي، و علل الشرائع: 1/ 147 ح 3، باب 122 بتفاوت فيهما.

(3)- البحار: 52/ 98 ح 21، و غيبة النعماني: 289.

(4)- أقول: مراده (قدس سره) من الخوف على النفس الخوف من انقطاع الحجّة على الناس بقتله، و هذا غير الخوف على النفس المنافي للقاء اللّه و حبّ الشهادة في سبيله.

(5)- غيبة الشيخ: 329، البحار: 52/ 98 ح 22.

384

قلنا: آباؤه (عليهم السّلام) حالهم بخلاف حاله لأنّه كان المعلوم من حال آبائه لسلاطين الوقت و غيرهم لا يرون الخروج عليهم، و لا يعتقدون أنّهم يقومون بالسيف و يزيلون الأول، بل كان المعلوم من حالهم أنّهم ينتظرون مهديا و ليس يضرّ السلطان اعتقاد من يعتقد إمامتهم إذا أمنوهم على مملكتهم، و ليس كذلك صاحب الزمان؛ لأنّ المعلوم منه أن يقوم بالسيف و يزيل الممالك و يقهر كلّ سلطان و يبسط العدل و يميت الجور، فمن هذه صفته يخاف جانبه و تتقى فورته فيتبع و يوصل و يوضع العيون عليه، و يعنى به خوفا من و ثبته و رهبة من تمكنه، فيخاف حينئذ و يخرج إلى التحرّز و الاستظهار بأن يخفي شخصه عن كلّ من لا يأمنه من وليّ و عدوّ إلى وقت خروجه.

و أيضا فآباؤه إنّما ظهروا لأنّه كان المعلوم أنّه لو حدث بهم حادث لكان هناك من يقوم مقامه و يسدّ مسدّه من أولادهم و ليس كذلك صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) لأنّ المعلوم أنّه ليس بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف، فلذلك وجب استتاره و غيبته، و فارق حاله حال آبائه، و هذا واضح بحمد اللّه.

فإن قيل: بأيّ شي‏ء يعلم زوال الخوف وقت ظهوره، بالوحي من اللّه فالإمام لا يوحى إليه، أو بعلم ضروري فذلك ينافي التكليف، أو بأمارة توجب غلبة الظنّ ففي ذلك تقرير بالنفس.

قلنا: عن ذلك جوابان:

أحدهما: أنّ اللّه أعلمه على لسان نبيّه و أوقفه عليه من جهة آبائه زمان غيبته المخوفة و زمان زوال الخوف عنه، فهو يتبع في ذلك ما شرع له و اوقف عليه، و إنّما أخفى ذلك عنّا لما فيه من المصلحة، فأمّا هو فعالم به لا يرجع إلى الظنّ.

و الثاني: أنّه لا يمتنع أن يغلب على ظنّه بقوّة الامارات بحسب العادة قوّة سلطانه، فيظهر عند ذلك و يكون قد اعلم أنّه متى غلب في ظنّه كذلك وجب عليه، و يكون الظنّ شرطا و العمل عنده معلوما، كما تقوله في تنفيذ الحكم عند شهادة الشهود، و العمل على جهات القبلة بحسب الامارات و الظنون، و إن كان وجوب التنفيذ للحكم و التوجّه إلى القبلة معلومين و هذا واضح بحمد اللّه‏ (1).

____________

(1)- غيبة الطوسي: 331.

385

و أمّا ما روي من الأخبار من امتحان الشيعة في حال الغيبة، و صعوبة الأمر عليهم و اختيارهم للصبر عليه، فالوجه فيها الإخبار عمّا يتّفق من ذلك من الصعوبة و المشاق، لا أن اللّه تعالى غيّب الإمام ليكون ذلك، و كيف يريد اللّه و ما ينال المؤمنين من جهة الظالمين ظلم منهم لهم و معصية و اللّه لا يريد ذلك، بل سبب الغيبة هو الخوف على ما قلناه، و أخبروا بما يتّفق في هذه الحال، و ما للمؤمن من الثواب على الصبر على ذلك و التمسّك إلى أن يفرّج اللّه عنهم‏ (1).

فاكهة: اعلم أنّ بعض المخالفين يشنعوننا بأنّه إذا لم يمكن التوسّل إلى إمام زمانكم، و لا أخذ المسائل الدينية عنه فأيّ ثمرة تترتّب على مجرّد معرفته حتّى يكون من مات و ليس عارفا به فقد مات ميتة الجاهلية؟ و الإمامية يقولون: ليست الثمرة منحصرة في مشاهدته و أخذ المسائل عنه، بل نفس التصديق بوجوده و أنّه خليفة اللّه في الأرض أمر مطلوب لذاته، و ركن من أركان الايمان كتصديق من كان في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بوجوده و نبوّته.

و قد روي عن جابر بن عبد اللّه أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ذكر المهدي فقال: ذلك الذي يفتح اللّه عزّ و جلّ على يديه مشارق الأرض و مغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلّا من امتحن اللّه قلبه للايمان، فقلت: يا رسول اللّه هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله): إي و الذي بعثني بالحقّ إنّهم يستضيئون بنوره و ينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و إن علاها السحاب‏ (2).

ثمّ قالت الإمامية: إنّ تشنيعكم علينا مقلوب عليكم؛ لأنّكم تذهبون إلى أنّ المراد بإمام الزمان في هذا الحديث صاحب الشوكة من ملوك الدنيا كائنا من كان، عالما أو جاهلا عدلا أو فاسقا، و أيّ ثمرة على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات و لم يعرفه فقد مات ميتة جاهلية؟

فاكهة اخرى: حكى السيّد صاحب المقام رضيّ الدين علي بن طاوس أنّه اجتمع يوما في بغداد مع بعض فضلائه فانجرّ الكلام بينهما إلى ذكر الإمام محمّد بن الحسن المهدي، (عجّل اللّه فرجه) و ما تدّعيه الإمامية من حياته في هذه المدّة الطويلة، فشنع ذلك الفاضل على من يصدق بوجوده و يعتقد طول عمره إلى ذلك الزمان إنكارا بليغا. قال‏

____________

(1)- غيبة الطوسي: 335.

(2)- أمالي الصدوق: 111 المجلس 23 ح 9.

386

السيّد (رحمه اللّه): فقلت له: إنّك تعلم أنّه لو حضر اليوم رجل و ادّعى أنه يمشي على الماء لاجتمع لمشاهدته كلّ أهل البلد، فإذا مشى على الماء و عاينوه و قضوا تعجّبهم منه، ثمّ جاء في اليوم الثاني آخر و قال: أنا أمشي على الماء أيضا فشاهدوا مشيه عليه، لكان تعجّبه أقل من الأوّل.

فإذا جاء في اليوم الثالث آخر و ادّعى أنّه يمشي على الماء أيضا، فربّما لا يجتمع للنظر إليه إلّا القليل ممّن شاهد الأولين، فإذا مشى سقط التعجّب بالكلية فإذا جاء رابع و قال: أنا أيضا أمشي على الماء كما مشوا، فاجتمع عليه جماعة ممّن شاهدوا الثلاثة الأول، ثمّ أخذوا يتعجّبون منه تعجّبا زائدا على تعجّبهم الأوّل و الثاني و الثالث لتعجّب العقلاء من نقص عقولهم و خاطبوهم بما يكرهون، و هذا بعينه حال المهدي (عجّل اللّه فرجه) فإنّكم رويتم أنّ إدريس حيّ موجود في السماء من زمانه إلى الآن و رويتم أنّ الخضر حي موجود من زمان موسى (عليه السّلام) أو قبله إلى الآن، و رويتم أن عيسى (عليه السّلام) حيّ موجود في السماء و أنّه سيعود إلى الأرض إذا ظهر المهدي (عجّل اللّه فرجه) و يقتدي به، فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم زيادة على المهدي (عجّل اللّه فرجه)، فكيف لا تتعجّبون منهم و تتعجبون من أن يكون لرجل من ذرية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) اسوة بواحد منهم، و تنكرون أن يكون من جملة آياته (صلّى اللّه عليه و آله) أن يعمر واحد من عترته و ذريّته زيادة على المتعارف من الأعمار في هذا الزمان‏ (1)؟

____________

(1)- كشف المحجّة: 55 ط. النجف، و كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي: 220 ط. الأولى 1417 ه.

387

الفرع التاسع في توقيعاته الشريفة التي صدرت من الناحية المقدّسة

الأول: في الاحتجاج عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري (رحمه اللّه): أنّه جاء بعض أصحابنا يعلمه أنّ جعفر بن علي كتب إليه كتابا يعرّفه كتابا نفسه، و يعلمه أنّه القيّم بعد أخيه و أنّ عنده من علم الحلال و الحرام ما يحتاج إليه و غير ذلك من العلوم كلّها. قال أحمد ابن إسحاق: فلمّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان و صيّرت كتاب جعفر في درجه فخرج إلي الجواب في ذلك: «بسم اللّه الرّحمن الرحيم آتاني كتابك أبقاك اللّه و الكتاب الذي أنفذت في درجه» و أحاطت معرفتي بجميع ما تضمّنه على اختلاف ألفاظه و تكرّر الخطأ فيه، و لو تدبّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، و الحمد للّه ربّ العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا و فضله علينا، أبي اللّه عزّ و جلّ للحقّ إلّا إتماما و للباطل إلّا زهوقا، و هو شاهد عليّ ممّا أذكره، ولي عليكم بما أقوله إذا اجتمعنا لليوم الذي لا ريب فيه و يسألنا عمّا نحن فيه مختلفون، و إنّه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه و لا عليك و لا على أحد من الخلق جميعا إمامة مفترضة و لا طاعة و لا ذمّة، و سأبيّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء اللّه:

يا هذا يرحمك اللّه إنّ اللّه تعالى لم يخلق الخلق عبثا و لا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته و جعل لهم أسماعا و أبصارا و قلوبا و ألبابا، ثمّ بعث إليهم النبيّين مبشّرين و منذرين يأمرونهم بطاعته، و ينهونهم عن معصيته، و يعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم و دينهم، و أنزل عليهم كتابا و بعث إليهم ملائكة، و باين بينهم و بين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعل لهم عليهم، و ما آتاهم اللّه من الدلائل الظاهرة و البراهين الباهرة و الآيات الغالبة، فمنهم من جعل النار عليه بردا و سلاما و اتخذه خليلا، و منهم من كلّمه تكليما و جعل عصاه ثعبانا مبينا، و منهم من أحيى الموتى بإذن اللّه و أبرأ الاكمه و الأبرص بإذن اللّه، و منهم من علّمه‏

388

منطق الطير و اوتي من كلّ شي‏ء، ثمّ بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) رحمة للعالمين و تمّم نعمته و ختم به أنبياءه، و أرسله إلى الناس كافّة، و أظهر من صدقه ما أظهر، و بيّن من آياته و علاماته ما بيّن، ثمّ قبضه (صلّى اللّه عليه و آله) حميدا فقيدا سعيدا، و جعل الأمر من بعده إلى أخيه و ابن عمّه و وصيّه و وارثه علي بن أبي طالب (عليه السّلام).

ثمّ إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد، أحيى بهم دينه، و أتمّ بهم نوره، و جعل بينهم و بين إخوانهم و بني عمّهم و الأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقا بيّنا تعرف به الحجّة من المحجوج و الإمام من المأموم، بأن عصمهم من الذنوب و برأهم من العيوب، و طهّرهم من الدنس و نزّههم من اللبس و جعلهم خزّان علمه و مستودع حكمته و موضع سرّه و أيّدهم بالدلائل، و لو لا ذلك لكان الناس على سواء، و لادّعى أمر اللّه عزّ و جلّ كلّ أحد، و لما عرف الحقّ من الباطل و لا العلم من الجهل، و قد ادّعى هذا المبطل المدّعي على اللّه الكذب بما ادّعاه، فلا أدري بأي حالة هي له رجا أن يتمّ دعواه في دين اللّه، فو اللّه ما يعرف حلالا من حرام و لا يفرّق بين خطأ و صواب، فما يعلم حقّا من باطل و لا محكما من متشابه، و لا يعرف حدّ الصلاة و لا وقتها، أم بورع فاللّه شهيد على تركه الصلاة الفريضة أربعين يوما يزعم ذلك لطلب الشعوذة (1) و لعلّ خبره تأدى إليكم، و هاتيك طروق منكرة منصوبة و آثار عصيانه للّه عزّ و جلّ مشهودة قائمة، أم بآية فليأت بها أم بحجّة فليعمّها أم بدلالة فليذكرها قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ، قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ وَ إِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَ كانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ‏ (2).

فالتمس تولّى اللّه توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك و امتحنه، و اسأله عن آية من كتاب اللّه يفسّرها أو صلاة يبيّن حدودها و ما يجب فيها لتعلم حاله و مقداره، و يظهر لك عواره و نقصانه و اللّه حسيبه، حفظ اللّه الحقّ على أهله و أقرّه في مستقرّه، و قد أبى اللّه عزّ و جلّ أن‏

____________

(1)- الشعبذة.

(2)- سورة الأحقاف: الآيات 1- 6.

389

تكون الإمامة في أخوين إلّا في الحسن و الحسين (عليها السّلام)، و إذا أذن اللّه لنا في القول ظهر الحقّ و اضمحل الباطل و انحسر عنكم، و إلى اللّه أرغب في الكفاية و جميل الصنع و الولاية و حسبنا اللّه و نعم الوكيل و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد (1).

الثاني: من التوقيعات و فيه: عن علي بن أحمد الدلّال القمّي قال: اختلف جماعة من الشيعة في أنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض إلى الأئمّة (صلوات اللّه عليهم) أن يخلقوا و يرزقوا، فقال قوم:

هذا محال لا يجوز على اللّه تعالى؛ لأنّ الأجسام لا يقدر على خلقها غير اللّه عزّ و جلّ. و قال آخرون: بل اللّه عزّ و جلّ أقدر الأئمّة على ذلك، و فوّض إليهم فخلقوا و رزقوا، و تنازعوا في ذلك تنازعا شديدا. قال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألونه عن ذلك ليوضّح لكم الحقّ فيه، فإنّه الطريق إلى صاحب الأمر (عجّل اللّه فرجه)، فرضيت الجماعة بأبي جعفر و سلّمت و أجابت إلى قوله فكتبوا المسألة و أنفذوها، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته: إنّ اللّه تعالى هو الذي خلق الأجسام و قسّم الأرزاق لأنّه ليس بجسم و لا حالّ في جسم، ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، و أمّا الأئمّة فإنّهم يسألون اللّه تعالى فيخلق و يسألونه فيرزق إيجابا لمسألتهم و إعظاما لحقّهم‏ (2).

الثالث: من التوقيعات و فيه: عن أبي عمرو العمري، قال: تشاجر ابن أبي غانم القزويني و جماعة من الشيعة في الخلف و ذكر ابن أبي غانم أنّ أبا محمد مضى و لا خلف له، ثمّ إنّهم كتبوا في ذلك كتابا و أنفذوه إلى الناحية و أعلموه بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابهم بخطّه (عليه السّلام) و على آله و آبائه: بسم اللّه الرّحمن الرحيم عافانا اللّه و إيّاكم من الفتن، و وهب لنا و لكم روح اليقين، و أجارنا و إيّاكم من سوء المنقلب، إنّه أنهي إليّ ارتياب جماعة منكم في الدين و ما دخلهم من الشكّ و الحيرة في ولاة أمرهم فغمّنا ذلك لكم لا لنا، و ساءنا فيكم لا فينا؛ لأنّ اللّه معنا فلا فاقة بنا إلى غيره، و الحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد، و نحن صنائع ربّنا و الخلق بعد صنائعنا، يا هؤلاء ما لكم في الريب تتردّدون، و في الحيرة تنعكسون؟

أو ما سمعتم اللّه عزّ و جلّ يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي‏

____________

(1)- الاحتجاج: 468 احتجاج الحجّة القائم (عليه السّلام).

(2)- الاحتجاج: 471 احتجاج الحجّة القائم (عليه السّلام).

390

الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏؟ (1) أو ما علمتم ما جاءت به الآثار ممّا يكون يحدث في أئمّتكم على الماضين و الباقين منهم السلام؟ أو ما رأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون إليها و أعلاما تهتدون بها من لدن آدم (عليه السّلام) إلى أن ظهر الماضي، كلّما غاب علم بدا علم، و إذا أفل نجم طلع نجم، فلمّا قبضه اللّه إليه ظننتم أن اللّه أبطل دينه و قطع بينه و بين خلقه؟ كلّا ما كان ذلك و ما يكون حتّى تقوم الساعة و يظهر أمر اللّه و هم كارهون، و إنّ الماضي مضى (عليه السّلام) سعيدا فقيدا على منهاج آبائه (عليهم السّلام) حذو النعل بالنعل، و فينا وصيّه و علمه و منه خلفه و من يسدّ مسدّه، و لا ينازعنا موضعه إلّا ظالم آثم و لا يدّعيه دوننا إلّا كافر جاحد، و لو لا أنّ أمر اللّه لا يغلب، و سرّه لا يظهر و لا يعلن لظهر لكم من حقّنا ما تبتز منه عقولكم و يزيد شكوككم، ما شاء اللّه كان، و لكل أجل كتاب فاتّقوا اللّه و سلّموا لنا وردوا الأمر إلينا، فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، و لا تحاولوا كشف ما غطي عنكم، و لا تميلوا عن اليمين و تعدلوا إلى اليسار، و اجعلوا قصدكم إلينا بالمودّة على السنّة الواضحة فقد نصحت، و اللّه شاهد عليّ و عليكم.

و لو لا ما عندنا من محبّة صاحبكم و رحمتكم و الإشفاق عليكم لكنّا عن مخاطبتكم في شغل ممّا قد امتحنّا به من منازعة الظالم العتلّ الضالّ المتتابع في غيّه، المضاد لربّه، المدّعي ما ليس له، الجاحد حقّ من افترض اللّه طاعته، الظالم الغاصب، و في ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و عليها لي اسوة حسنة و سيردى الجاهل رداء عمله و سيعلم الكافر لمن عقبى الدار، عصمنا اللّه و إيّاكم من المهالك و الأسواء و الآفات و العاهات كلّها برحمته، فإنّه ولي ذلك و القادر على ما يشاء، و كان لنا و لكم وليّا حافظا، و السلام على جميع الأوصياء و الأولياء و المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، و صلّى اللّه على محمّد النبي و آله و سلّم تسليما (2).

الرابعة: من التوقيعات فيه: عن الكافي عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رحمه اللّه) أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه): أمّا ما سألت عنه- أرشدك اللّه و ثبّتك و وقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا و بني عمّنا- فاعلم أنّه ليس بين اللّه و بين أحد قرابة، و من أنكرني فليس منّي و سبيله سبيل ابن نوح، أمّا سبيل عمّي جعفر و ولده فسبيل إخوة

____________

(1)- النساء: 59.

(2)- الاحتجاج: 466 احتجاج القائم (عليه السّلام).

391

يوسف، و أمّا الفقاع فشربه حرام و لا بأس بالشلماب‏ (1)، و أمّا أموالكم فلا نقبلها إلّا لتطهروا، فمن شاء فليصل و من شاء فليقطع، و ما آتانا اللّه خير ممّا آتاكم.

و أمّا ظهور الفرج فإنّه إلى اللّه، و كذب الوقّاتون، و أمّا قول من زعم أنّ الحسين لم يقتل فكفر و تكذيب و ضلال. و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه، و أمّا محمد بن عثمان العمري فرضي اللّه عنه و عن أبيه من قبل فإنّه ثقتي و كتابه كتابي، و أمّا محمّد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح اللّه قلبه و يزيل عنه شكّه، و أمّا ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلّا لما طاب و طهر، و ثمن المغنية حرام، و أمّا محمد ابن شاذان بن نعيم فإنّه رجل من شيعتنا أهل البيت، و أمّا أبو الخطّاب محمد بن أبي زينب الأجذع، فإنّه ملعون و أصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم فإنّي منهم بري‏ء و آبائي منهم برآء، و أمّا المتلبّسون بأموالنا فمن استحلّ منها شيئا فأكله فإنّما يأكل النيران، و أمّا الخمس فقد ابيح لشيعتنا و جعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم و لا تخبث.

و أمّا ندامة قوم شكّوا في دين اللّه على ما وصلونا به فقد أقلنا من استقال و لا حاجة لنا إلى صلة الشاكّين، و أمّا علّة ما وقع من الغيبة فإنّ اللّه عز و جل يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‏ (2)، إنّه لم يكن أحد من آبائي إلّا و قد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، و إنّي أخرج حين أخرج و لا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، و أمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، و إنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عمّا لا يعنيكم، و لا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، و أكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإنّ ذلك فرجكم و السلام عليك يا إسحاق بن يعقوب و على من اتّبع الهدى‏ (3).

الخامسة: من التوقيعات فيه: عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: كنت عند

____________

(1)- شراب يتخذ من الشيلم و هو الزوان الذي يكون في البرّ يشبه الشعير، فيه تخدير نظير البنج.

(2)- سورة المائدة: 101.

(3)- لم أجده في الكافي و هو في البحار: 53/ 180 ح 10 عن الكليني، و في الاحتجاج: 469 احتجاج القائم (عليه السّلام).

392

الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه اللّه) مع جماعة منهم علي بن عيسى القصري فقام إليه رجل فقال له: إنّي اريد أن أسألك عن شي‏ء، فقال له: سل عمّا بدا لك، فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي (عليه السّلام) أ هو ولي اللّه؟ قال: نعم.

قال: أخبرني عن قاتله لعنه اللّه أ هو عدوّ للّه؟ قال: نعم. قال له الرجل: فهل يجوز أن يسلّط اللّه عزّ و جلّ عدوّه على وليّه؟ فقال له أبو القاسم (قدّس اللّه روحه): افهم ما أقول لك: اعلم أنّ اللّه تعالى لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان و لا يشافههم بالكلام و لكنّه جلّت عظمته يبعث إليهم من أجناسهم و أصنافهم بشرا مثلهم، و لو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم و صورهم لنفروا عنهم و لم يقبلوا منهم، فلمّا جاءوهم، و كانوا من جنسهم يأكلون الطعام و يمشون في الأسواق قالوا لهم: أنتم مثلنا لا نقبل منكم حتّى تأتونا بشي‏ء نعجز عن أن نأتي بمثله فنعلم أنّكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل اللّه عزّ و جلّ لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها؛ فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإعذار و الإنذار فغرق جميع من طغى و تمرّد، و منهم من القي في النار فكانت عليه بردا و سلاما، و منهم من أخرج من الحجر الصلد ناقة و أجرى من ضرعها لبنا، و منهم من فلق له البحر و فجّر له من العيون و جعل له العصا اليابسة ثعبانا تلقف ما يأفكون، و منهم من أبرأ الأكمه و الأبرص و أحيى الموتى بإذن اللّه، و أنبأهم بما يأكلون و ما يدّخرون في بيوتهم، و منهم من انشق له القمر و كلّمته البهائم مثل البعير و الذئب و غير ذلك.

فلمّا أتوا بمثل ذلك و عجز الخلق من اممهم عن أن يأتوا بمثله كان من تقدير اللّه جل جلاله و لطفه بعباده و حكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين و اخرى مغلوبين، و في حال قاهرين و اخرى مقهورين، و لو جعلهم اللّه عزّ و جلّ في جميع أحوالهم غالبين و قاهرين و لم يبتلهم و لم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون اللّه عزّ و جلّ، و لما عرف فضل صبرهم على البلاء و المحن و الاختبار، و لكنّه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة و البلوى صابرين، و في حال العافية و الظهور على الأعداء شاكرين، و يكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين و لا متجبّرين، و ليعلم العباد أنّ لهم إلها هو خالقهم و مدبّرهم فيعبدونه و يطيعون رسله، و تكون حجّة اللّه ثابتة على من تجاوز الحدّ فيهم و ادّعى لهم الربوبية أو عاند و خالف و عصى و جحد بما أتت به الأنبياء

393

و الرسل (عليهم السّلام) ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بيّنة.

قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق (رحمه اللّه): فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه اللّه) في الغد و أنا أقول في نفسي أ تراه ذكر لنا ما ذكر يوم أمس من عند نفسه، فابتدأني و قال: يا محمد بن إبراهيم لئن أخرّ من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليّ من أن أقول في دين اللّه برأيي و من عند نفسي، بل ذلك عن الأصل و مسموع عن الحجّة (صلوات اللّه و سلامه عليه)(1).

السادس: من التوقيعات في الاحتجاج ممّا خرج من صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) ردّا على الغلات من التوقيع جوابا لكتاب كتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي:

يا محمد بن علي تعالى اللّه عزّ و جلّ عمّا يصفون، سبحانه و بحمده ليس نحن شركاءه في علمه و لا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه‏ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ‏ (2) و أنا و جميع آبائي من الأوّلين آدم و نوح و إبراهيم و موسى و غيرهم من النبيّين، و من الآخرين محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و علي بن أبي طالب و الحسنين (عليهم السّلام) و غيرهم ممّن مضى من الأئمّة (صلوات اللّه عليهم أجمعين) إلى مبلغ أيّامي و منتهى عصري، عبيد للّه عزّ و جلّ، يقول اللّه عزّ و جلّ: مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى‏ (3).

يا محمد بن علي قد أذانا جهلاء الشيعة و حمقاؤهم، و من دينه جناح البعوضة أرجح منه فاشهد اللّه الذي لا إله إلّا هو و كفى به شهيدا و رسوله محمّدا و ملائكته و أنبياءه و رسله و أولياءه (عليهم السّلام)، و اشهدك و اشهد كلّ من سمع كتابي هذا أنّي بري‏ء إلى اللّه و إلى رسوله ممّن يقول إنّا نعلم الغيب أو نشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلّا سوى المحلّ الذي رضيه اللّه لنا و خلقنا له، أو يتعدّى بنا عمّا قد فسّرته لك و بيّنته في صدر كتابي، و اشهدكم أنّ كلّ من نبرأ منه فإنّ اللّه يبرأ منه و ملائكته و رسله و أولياؤه، و جعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب‏

____________

(1)- غير موجود في الكافي، و هو في البحار: 44/ 273 ح 1 عن الكافي، و الاحتجاج: 471 احتجاج القائم (عليه السّلام) و علل الشرائع: 1/ 243 ح 1 علة جعل الأنبياء أئمّة باب 178. و كمال الدين: 509.

(2)- سورة النمل: 65.

(3)- سورة طه: 124- 126.

394

أمانة في عنقك و عنق من سمعه أن لا يكتمه عن أحد من مواليّ و شيعتي، حتّى يظهر على هذا التوقيع الكلّ من الموالي، لعلّ اللّه عزّ و جلّ يتلافاهم فيرجعون إلى دين اللّه الحقّ، و ينتهون عمّا لا يعلمون منتهى أمره و لا يبلغ منتهاه، فكل من فهم كتابي و لا يرجع إلى ما قد أمرته به و نهيته عنه فقد حلّت عليه اللعنة من اللّه و ممّن ذكرت من عباده الصالحين‏ (1).

السابعة: من التوقيعات فيه: خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان (قدّس اللّه سرّه) في التعزية بأبيه (رحمه اللّه) في فصل من الكتاب: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون تسليما لأمره و رضا بقضائه، عاش أبوك سعيدا و مات حميدا ف(رحمه اللّه) و ألحقه بأوليائه و مواليه (عليهم السّلام)، فلم يزل مجتهدا في أمرهم ساعيا فيما يقرّبه إلى اللّه عزّ و جلّ، نضّر اللّه وجهه و أقاله عثرته.

و في فصل آخر: أجزل اللّه لك الثواب و أحسن لك العزاء، رزيت و رزينا و أوحشك فراقه و أوحشنا، فسرّه اللّه في منقلبه، و كان من كمال سعادته أن رزقه اللّه ولدا مثلك تخلفه من بعده و تقوم مقامه بأمره و تترحّم عليه، و أقول: الحمد للّه فإنّ الأنفس طيّبة بمكانك و ما جعله اللّه عزّ و جلّ فيك و عندك، أعانك اللّه و قوّاك و عضدك و وفّقك، و كان لك وليّا و حافظا و راعيا و كافيا (2).

الثامنة: من التوقيعات فيه: إنّ أبا محمد الحسن السريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمّد (عليه السّلام) ثمّ الحسن بن علي (عليه السّلام)، و هو أوّل من ادّعى مقاما لم يجعله اللّه فيه من قبل صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه)، و كذب على اللّه و حججه و نسب إليهم ما لا يليق بهم و ما هم منه برآء، ثمّ ظهر منه القول بالكفر و الإلحاد، و كذلك كان محمد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمّد (عليه السّلام)، فلمّا توفي ادّعى البابية لصاحب الزمان ففضحه اللّه تعالى بما ظهر منه من الإلحاد و الغلوّ و القول بالتناسخ، و كان يدّعي أنّه رسول نبي أرسله علي بن محمد و يقول فيه بالربوبية و يقول بالإجابة (3) للخادم، و كان أيضا من جملة الغلاة حمد بن هلال الكرخي و قد كان من قبل في عداد أصحاب أبي محمّد (عليه السّلام)، ثمّ تغيّر عمّا كان عليه و أنكر بابية أبي جعفر محمد بن عثمان، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الأمر و الزمان‏

____________

(1)- الاحتجاج: 473 احتجاج القائم (عليه السّلام).

(2)- الاحتجاج: 481 ذكر طرف ممّا خرج أيضا عن صاحب الزمان (عليه السّلام).

(3)- بالإباحة للمحارم.

395

و بالبراءة منه في جملة من لعن و تبرأ منه، و كذا كان أبو طاهر محمد بن علي بن بلال و الحسين بن منصور الحلاج و محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقري لعنهم اللّه، فخرج التوقيع بلعنهم و البراءة منهم جميعا على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح و نسخته:

عرّف- أطال اللّه بقاك و عرفك اللّه الخير كلّه و ختم به عملك- من تثق بدينه و تسكن إلى نيّته من إخواننا أدام اللّه سعادتهم بأنّ محمد بن علي المعروف بالشلمغاني، عجّل اللّه له النقمة و لا أمهله، قد ارتدّ عن الإسلام و فارقه و ألحد في دين اللّه و ادّعى ما كفر معه بالخالق جلّ و تعالى، و افترى كذبا و زورا و قال بهتانا و إثما عظيما، كذب العادلون باللّه و ضلّوا ضلالا بعيدا و خسروا خسرانا مبينا، و إنّا برئنا إلى اللّه و إلى رسوله- (صلوات اللّه و سلامه و رحمته و بركاته عليه)- منه و لعنّاه، عليه لعائن اللّه تترى في الظاهر منّا و الباطن، في السرّ و الجهر و في كلّ وقت و على كلّ حال، و على كل من شايعه و تابعه و بلغه هذا القول منّا فأقام على تولّيه بعده، و أعلمه تولاكم اللّه أننا في التوقي و المحاذرة منه على مثل ما كنّا عليه ممّن تقدّمه من نظرائه من السريعي‏ (1) و النميري و الهلالي و البلالي و غيرهم، و عادة اللّه جل ثناؤه مع ذلك قبله و بعده عندنا جميلة و به نثق و إيّاه نستعين، و هو حسبنا في كلّ امورنا و نعم الوكيل‏ (2).

التاسعة: من التوقيعات فيه: في ذكر طرف ممّا خرج أيضا عن صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) من المسائل الفقهية و غيرها في التوقيعات على أيدي الأبواب الأربعة و غيرهم (رحمهم اللّه):

عن الزهري قال: طلبت هذا الأمر طلبا شافيا حتّى ذهب لي فيه مال صالح، فرفعت إلى العمري و خدمته و لزمته، فسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) فقال: ليس إلى ذلك وصول، فخضعت له فقال لي: بكّر بالغداة، فوافيته فاستقبلني و معه شاب من أحسن الناس وجها و أطيبهم ريحا، و في كمّه شي‏ء كهيئة التجّار، فلمّا نظرت إليه دنوت إلى العمري فأومى إلي، فعدلت إليه و سألته فأجابني عن كلّ ما أردت، ثمّ مرّ ليدخل الدار و كانت الدار التي لا يكترث بها فقال العمري: إن أردت أن تسأل فاسأل فإنّك لا تراه بعد ذا، فذهبت لأسأل فلم يستمع، و دخل الدار و ما كلّمني بأكثر من أن قال: ملعون ملعون من أخّر

____________

(1)- في الغيبة: الشريعي.

(2)- الغيبة للطوسي: 411 ح 384، و الاحتجاج: 474 احتجاج الحجّة القائم (عليه السّلام).

396

العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخّر الغداة إلى أن تنقضي النجوم، و دخل الدار (1).

العاشرة: من التوقيعات و فيه: عن أبي الحسن محمد بن جعفر الأسدي قال: كان فيما ورد عليّ من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان (قدّس اللّه روحه) في جواب مسائلي إلى صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه): أمّا ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها، فلئن كان كما يقول الناس أنّ الشمس تطلع بين قرني شيطان، و تغرب بين قرني شيطان فما أرغم أنف الشيطان أفضل من الصلاة مثل صلاة الصبح، فصلّها و أرغم الشيطان أنفه.

و أمّا ما سألت عنه من أمر الوقوف على ناحيتنا، و ما يجعل لنا ثمّ يحتاج إليه صاحبه فكلّ ما لم يسلم فصاحبه بالخيار، و كلّ ما سلم فلا خيار لصاحبه فيه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه. و أمّا ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا، و يتصرّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا فمن فعل ذلك فهو ملعون و نحن خصماؤه يوم القيامة، و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): المستحلّ من عترتي ما حرّم اللّه ملعون على لساني و لسان كلّ شي‏ء يجاب، فمن ظلمنا كان في جملة الظالمين لنا، و كانت عليه لعنة اللّه لقوله عزّ و جلّ: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ‏ (2) أمّا ما سألت عنه من أمر المولود الذي نبتت غلفته بعد ما يختن مرّة اخرى، فإنّه يجب أن يقطع غلفته، فإنّ الأرض تضجّ إلى اللّه عزّ و جلّ من بول الأغلف أربعين صباحا. و أمّا ما سألت عنه من أمر المصلّي و النار و الصورة و السراج بين يديه، هل تجوز صلاته؟ فإنّ الناس يختلفون في ذلك قبلك، فإنّه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام و النيران يصلّي و النار و الصورة و السراج بين يديه، و لا يجوز ذلك لمن يكون من أولاد عبدة الأوثان و النيران‏ (3).

فأمّا ما سألت من أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها و أداء الخراج و صرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للأجر و تقرّبا إليكم؟ فلا يحلّ لأحد أن‏

____________

(1)- الاحتجاج: 479 ذكر طرف ممّا خرج أيضا عن صاحب الزمان (عليه السّلام).

(2)- سورة هود: 18.

(3)- روحي فداه أحلّ الصلاة لغير أولاد عبدة النيران مع كراهية ذلك كما هو مذكور في محلّه، و حرّمه على من كان سابقا على دينهم أو انتسب إليهم من أجل رفع الشبهة عنهم و خوفا من عودتهم إلى مثله.

397

يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا، من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحلّ منّا ما حرّم عليه، و من أكل من أموالنا شيئا فإنّما يأكل في بطنه نارا و سيصلى سعيرا.

و أمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، و يسلّمها من قيّم يقوم بها و يعمرها و يؤدّي من دخلها خراجها و مئونتها، و يجعل ما يبقى من الدخل لناحيتنا، فإنّ ذلك جائز لمن جعل صاحب الضيعة قيما عليها، إنّما لا يجوز ذلك لغيره. و أمّا ما سألت عنه من الثمار من أموالنا، يمرّ به المارّ فيتناول منه و يأكل، هل يحلّ له ذلك؟ فإنّه يحلّ له أكله و يحرم عليه حمله‏ (1).

الحادية عشرة: من التوقيعات فيه: عن أبي الحسن الأسدي أيضا قال: ورد علي توقيع من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدس سره) ابتداء لم يتقدّمه سؤال عنه، نسخته: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين على من استحل من أموالنا درهما.

قال أبو الحسن (رحمه اللّه): فوقع في نفسي أنّ ذلك فيمن استحل من مال الناحية درهما دون من أكل منه غير مستحلّ له، و قلت في نفسي أيضا: إنّ ذلك في جميع من استحلّ محرما فأيّ فضل في ذلك للحجّة على غيره؟ قال: فوالذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا بشيرا لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي نسخته: بسم اللّه الرّحمن الرحيم: لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين على من أكل من مالنا درهما حراما (2).

الثانية عشرة: من التوقيعات فيه: أيضا ممّا خرج عن صاحب الزمان من جوابات المسائل الفقهية أيضا ممّا سأله عنها محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري فيما كتب إليه و هو: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أطال اللّه بقاك و أدام اللّه عزّك و تأييدك و سعادتك و سلامتك و أتمّ نعمته عليك و زاد في إحسانه إليك و جميل مواهبه لديك و فضله عندك و جعلني من السوء فداك و قدمني قبلك، الناس يتنافسون في الدرجات فمن قبلتموه كان مقبولا و من دفعتموه كان وضيعا، و الخامل من وضعتموه، و نعوذ باللّه من ذلك و ببلدنا- أيّدك اللّه- جماعة من الوجوه يتنافسون في المنزلة، و ورد- أيّدك اللّه- كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة (ص) (3). و أخرج علي بن محمد بن الحسين بن الملك المعروف‏

____________

(1)- الاحتجاج: 479.

(2)- الاحتجاج: 480 و فيه: من استحلّ من أموالنا درهما.

(3)- هذا تعبير بالرمز للمصلحة.

398

بملك بادوكة، و هو ختن (ص) (رحمه اللّه) من بينهم، فاغتمّ بذلك و سألني- أيّدك اللّه- أن اعلمك ما ناله من ذلك، فإن كان من ذنب فاستغفر اللّه منه و إن كان غير ذلك عرّفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء اللّه.

التوقيع: لم نكاتب إلّا من كاتبنا و قد عودتني- أدام اللّه عزّك- من تفضّلك ما أنت أهل أن تجريني على العادة و قبلك- أعزّك اللّه- فقهاء قالوا: إنّا محتاجون إلى أشياء تسأل لنا عنها (1).

روي لنا عن العالم (عليه السّلام) أنّه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال: يؤخّر و يتقدّم بعضهم و يتمّ صلاتهم و يغتسل من مسّه.

التوقيع: ليس على من نحّاه إلّا غسل اليد، و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمّم صلاته مع القوم‏ (2).

و روي عن العالم (عليه السّلام) أنّ من مسّ ميّتا بحرارته غسل يده، و من مسّه و قد برد فعليه الغسل، و هذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلّا بحرارته فالعمل في ذلك على ما هو، و لعلّه ينحيه بثيابه و لا يمسّه، فكيف يجب عليه الغسل؟

التوقيع: إذا مسّه على هذه الحال لم يكن عليه إلّا غسل يده‏ (3).

و عن صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود، و ذكره في حالة اخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟

التوقيع: إذا سها في حالة من ذلك ثمّ ذكر في حالة اخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره‏ (4).

و عن المرأة يموت زوجها يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟

التوقيع: تخرج في جنازته‏ (5).

و هل يجوز لها في عدّتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟

التوقيع: تزور قبر زوجها و لا تبيت عن بيتها (6).

____________

(1)- الاحتجاج: 481 ذكر طرف ممّا خرج أيضا عن صاحب الزمان.

(2)- الاحتجاج: 481.

(3)- المصدر نفسه.

(4)- المصدر نفسه.

(5)- المصدر نفسه.

(6)- المصدر نفسه.

399

و هل يجوز لها أن تخرج في قضاء حقّ يلزمها، أم لا تبرح من بيتها و هي في عدّتها؟

التوقيع: إذا كان حقّ خرجت فيه و قضته، و إن كانت لها حاجة و لم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها حتّى تقضيها، و لا تبيت إلّا في بيتها (1).

و روي في ثواب القرآن في الفرائض و غيرها أنّ العالم (عليه السّلام) قال: عجبا لمن لم يقرأ في صلاته‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ كيف تقبل صلاته. و روي: ما زكت صلاة لم يقرأ فيها قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و روي أنّ من قرأ في فرائضه الهمزة اعطي من الدنيا، فهل يجوز أن يقرأ الهمزة و يدع هاتين السورتين اللتين ذكرناهما مع ما قد روي أنّه لا تقبل صلاة و لا تزكو إلّا بهما؟

التوقيع: الثواب في السور على ما قد روي، و إذا ترك سورة ممّا فيها الثواب و قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و إِنَّا أَنْزَلْناهُ‏ لفضلهما اعطي ثواب ما قرأ و ثواب السورة التي ترك، و يجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين و تكون صلاته تامّة و لكن يكون قد ترك الفضل‏ (2).

و عن وداع شهر رمضان متى يكون فقد اختلف فيه أصحابنا فبعضهم يقول: يقرأ في آخر ليلة منه، و بعضهم يقول: هو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوّال.

التوقيع: العمل في شهر رمضان في لياليه، و الوداع يقع هو في آخر ليلة منه، فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين‏ (3).

و عن قول اللّه عزّ و جلّ‏ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ‏ (4) أ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) المعني به؟ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ‏ ما هذه القوّة؟ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ‏ ما هذه الطاعة؟ و أين هي؟ ما خرج لهذه المسألة جواب، فرأيك- أدام اللّه عزّك- بالتفضّل علي بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل، و إجابتي عنها منعما، مع ما يشرحه لي من أمر علي بن محمد بن الحسين بن الملك المتقدّم ذكره بما يسكن إليه و يعتدّ بنعمة اللّه عنده، و تفضّل علي بدعاء جامع لي و لإخواني في الدنيا و الآخرة، فعلت مثابا إن شاء اللّه.

التوقيع: جمع اللّه لك و لإخوانك خير الدنيا و الآخرة (5).

الثالثة عشرة: من التوقيعات كتاب آخر لمحمّد بن عبد اللّه الحميري أيضا إليه عليه‏

____________

(1)- المصدر نفسه.

(2)- المصدر نفسه.

(3)- الاحتجاج: 483.

(4)- سورة الحاقة: 40.

(5)- الاحتجاج: 483.

400

الصلاة و السلام في مثل ذلك: فرأيك- أدام اللّه عزّك- في تأمّل رقعتي و التفضّل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى سائر أياديك عندي و مننك عليّ، و احتجت- أدام اللّه عزّك- أن تسأل لي بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوّل إلى الركعة الثالثة، هل يجب عليه أن يكبّر فإنّ بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير و يجزيه أن يقول: بحول اللّه و قوّته أقوم و أقعد.

الجواب: إنّ فيه حديثين؛ أمّا أحدهما فإنّه إذا انتقل من حالة إلى حالة اخرى فعليه التكبير، و أمّا الآخر فإنّه روي أنّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبّر ثمّ جلس ثمّ قام، فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، و كذلك في التشهّد الأوّل تجري هذا المجرى و بأيّهما أخذت من جهة التسليم كان صوابا.

و عن فصّ الجوهر، هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في اصبعه؟

الجواب: فيه كراهية أن يصلّي فيه، و فيه إطلاق و العمل على الكراهية.

و عن رجل اشترى هديا لرجل غائب عنه، و سأله أن ينحر عنه هديا بمنى، فلمّا أراد نحر الهدي نسي اسم الرجل و نحر الهدي ثمّ ذكره بعد ذلك أ يجزي عن الرجل أم لا؟

الجواب: لا بأس بذلك و قد أجزأ عن صاحبه.

و عندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة و لا يغتسلون من الجنابة و ينسجون لنا ثيابا فهل تجوز الصلاة فيها قبل أن تغسل؟

الجواب: لا بأس بالصلاة فيها.

و عن المصلّي يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجادة و يضع جبهته على مسح أو نطع، فإذا رفع رأسه وجد السجّادة، هل يعتدّ بهذه السجدة أم لا يعتدّ؟

الجواب: ما لم يستو جالسا فلا شي‏ء عليه في رفع رأسه بطلب الجمرة.

و عن المحرم يرفع الظلال، هل يرفع الخشب العمارية أو الكنيسية و يرفع الجناحين أم لا؟

الجواب: لا شي‏ء عليه في تركه و رفع الخشب.

و عن المحرم يستظلّ من المطر بنطع أو غيره حذرا على ثيابه و ما في محمله أن يبتلّ، فهل يجوز ذلك أم لا؟

الجواب: إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه فعليه دم.

401

و عن الرجل يحجّ عن أحد، هل يحتاج أن يذكر الذي حجّ عنه عند عقد إحرامه أم لا؟

و هل يجب أن يذبح عمّن حجّ عنه و عن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟

الجواب: قد يجزيه هدي واحد و إن لم يفعل فلا بأس.

و هل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خزّ أم لا؟

الجواب: لا بأس بذلك و قد فعله قوم صالحون.

و هل يجوز للرجل أن يصلّي في بطبط لا يغطي الكعبين أم لا يجوز؟

الجواب: جائز.

و عن الرجل يصلّي و في كمه أو سراويله سكين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟

الجواب: جائز.

و عن الرجل يكون معه بعض هؤلاء و يكون متّصلا بهم، يحجّ و يأخذ على الجادّة و لا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلّا أن يحرم من المسخ؟

الجواب: يحرم من ميقاته ثمّ يلبس الثياب و يلبّي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهر.

و عن لبس النعل المبطون، فإنّ بعض أصحابنا يذكر أنّ لبسه كريهة.

الجواب: جائز، و ذلك لا بأس به.

و عن الرجل من وكلاء الوقف مستحلّا لما في يده، و لا يرع عن أخذ ماله، ربّما نزلت في قريته و هو فيها إذ أدخل منزله و قد حضر طعامه، فيدعوني إليه فإن لم آكل من طعامه عاداني عليه و قال: فلان لا يستحلّ أن يأكل من طعامنا، فهل يجوز أن آكل من طعامه و أتصدّق بصدقة؟ و كم مقدار الصدقة؟ و إن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، و أنا أعلم أنّ الوكيل لا يرع، إن اخذ ما في يده، فهل عليّ فيه شي‏ء إن أنا نلت منها؟

الجواب: إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه و اقبل برّه و إلّا فلا.

و عن الرجل ممّن يقول بالحقّ و يرى المتعة و يقول بالرجعة إلّا أنّ له أهلا موافقة له في جميع اموره، و قد عاهدها أن لا يتزوّج عليها و لا يتمتّع و لا يتسرّى، و قد فعل هذا منذ تسع عشرة سنة، و وفى بقوله فربّما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتّع و لا تتحرّك نفسه أيضا لذلك،

402

و يرى أنّ وقوف من معه من أخ و ولد و غلام و وكيل و حاشية ممّا يقلّله في أعينهم، و يحب المقام على ما هو عليه محبّة لأهله و ميلا إليها و صيانة لها و لنفسه لا لتحريم المتعة، بل يدين اللّه بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟

الجواب: يستحبّ له أن يطيع اللّه تعالى بالمتعة ليزول عنه الخلف في المعصية و لو مرّة (1).

الرابعة عشرة: من التوقيعات في كتاب آخر لمحمّد بن عبد اللّه الحميري إلى صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) من جوابات مسائله التي سأله عنها في سنة سبع و ثلاثمائة: و سأل عن المحرم يجوز أن يشدّ المئزر من خلفه على عقبه بالطول، و يرفع طرفيه إلى حقويه و يجمعهما إلى خاصرته و يعقدهما، و يخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه و يرفعهما إلى خاصرته، و يشدّ طرفيه إلى وركيه فيكون مثل السراويل و يستر ما هناك، فإنّ المئزر الأوّل كنّا نتزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك و هذا أستر.

فأجاب: جاز أن يتّزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثا بمقراض و لا إبرة، يخرجه به عن حدّ المئزر و غزره غزرا و لم يعقده و لم يشدّ بعضه ببعض، و إذا غطّى سرّته و ركبتيه علاهما، فإنّ السنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرّة و الركبتين، و الأحبّ إلينا و الأفضل لكلّ أحد شدّه على السبيل المألوفة المعروفة للناس جميعا إن شاء اللّه.

و سأل: هل يجوز أن يشدّ عليه مكان العقد تكّة؟

فأجاب: لا يشدّ المئزر بشي‏ء سواه من تكة و لا غيرها.

و سأل عن التوجّه للصلاة أن يقول على ملّة إبراهيم (عليه السّلام) و دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّه إذا قال على دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فقد أبدع؛ لأنّا لم نجده في شي‏ء من كتب الصلاة خلا حديثا في كتاب القاسم بن محمد عن جدّه الحسن بن راشد أنّ الصادق (عليه السّلام) قال للحسن: كيف تتوجّه؟ فقال: أقول: لبّيك و سعديك. فقال له الصادق (عليه السّلام): ليس عن هذا أسألك كيف تقول وجّهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض حنيفا مسلما؟ قال الحسن:

أقول‏. فقال له الصادق (عليه السّلام): إذا قلت ذلك فقل على ملّة إبراهيم و دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و منهاج علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و الائتمام بآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين.

____________

(1)- بطوله في الاحتجاج: 483 ذكر طرف ممّا خرج أيضا عن صاحب الزمان في المسائل الفقهية.

403

فأجاب: التوجّه كلّه ليس بفريضة و السنّة المؤكّدة فيه التي هي كالإجماع الذي لا خلاف فيه: وجّهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض حنيفا مسلما على ملّة إبراهيم و دين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و هدى علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) و ما أنا من المشركين إنّ صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له و بذلك امرت و أنا من المسلمين، اللهمّ اجعلني من المسلمين، أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرّحمن الرحيم، ثمّ يقرأ الحمد. قال الفقيه الذي لا يشكّ في علمه: إنّ الدين لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و الهداية لعلي أمير المؤمنين لأنّها له (عليه السّلام) و ما في عقبه باقية إلى يوم القيامة، فمن كان كذلك فهو من المهتدين، و من شكّ فلا دين له و نعوذ باللّه من الضلالة بعد الهدى.

و سأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه أن يرد يديه على وجهه و صدره للحديث الذي روي أنّ اللّه عزّ و جلّ أجلّ من أن يرد يدي عبده صفرا، بل يملأها من رحمته أم لا يجوز فإنّ بعض أصحابنا عمل في الصلاة؟

فأجاب: ردّ اليدين من القنوت على الرأس و الوجه غير جائز في الفرائض، و الذي عليه العمل فيه إذا أرجع يده في قنوت الفريضة، و فرغ من الدعاء أن يرد بطن راحته على تمهل و يكبّر و يركع، و الخبر صحيح و هو في نوافل النهار و الليل دون الفرائض و العمل به فيها أفضل.

و سأل عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإنّ بعض أصحابنا ذكر أنّها بدعة، فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة، و إن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟

فأجاب: سجدة الشكر من ألزم السنن و أوجبها، و لم يقل أنّ هذه السجدة بدعة إلّا من أراد أن يحدث في دين اللّه بدعة، فأمّا الخبر مروي فيها بعد صلاة المغرب و الاختلاف في أنّها بعد الثلاث أو بعد الأربع فإنّ فضل الدعاء و التسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل كفضل الفرائض على النوافل، و السجدة دعاء و تسبيح، و الأفضل أن تكون بعد الفرض فإن جعلت بعد النوافل أيضا جاز.

و سأل أنّ لبعض إخواننا ممّن نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خرابة، للسلطان فيها

404

حصّة، و اكرته‏ (1) ربّما زرعوا حدودها، و يؤذيهم عمّال السلطان و يتعرّض في الكلّ من غلّات الضيعة، و ليس لها قيمة لخرابها و إنّما هي بائرة منذ عشرين سنة، و هو يتحرّج من شرائها؛ لأنّه يقال إنّ هذه الحصّة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف قديما للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان و كان ذلك صلاحا له و عمارة لضيعته، فإنّه يزرع هذه الحصّة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة و ينحسم عنه طمع أولياء السلطان و إن لم يجز ذلك عمل بما تأمره.

فأجابه: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلّا من مالكها أو بأمره و رضا منه.

و سأل عن رجل استحلّ امرأة خارجة من حجابها و كان يتحرّز من أن يقع له ولد، فجاءت بابن فتحرّج الرجل أن لا يقبله فقبله و هو شاكّ فيه، و جعل يجري عليه و على أمّه حتّى ماتت الامّ، فهو ذا يجري عليه و هو شاكّ فيه ليس يخلطه بنفسه، فإن كان ممّن يجب أن يخلط بنفسه و يجعله كسائر ولده فعل ذلك، و إن جاز أن يجعل له شيئا من ماله دون حقّه فعل.

فأجاب: الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، و الجواب مختلف فيها فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال به مشروحا ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء اللّه.

و سأله الدعاء.

فخرج الجواب: جاد اللّه عليه بما هو جلّ و تعالى أهله، إيجابنا لحقّه و رعايتنا لأبيه (رحمه اللّه) و قربه منّا، و قد رضينا بما علمناه من جميل نيّته و وقفنا عليه من مخالطة المقربة له من اللّه التي يرضى اللّه عزّ و جلّ و رسوله و أولياؤه (عليهم السّلام) بما بدأنا نسأل اللّه بمسألته ما أمّله من كلّ خير عاجل و آجل، و أن يصلح له من أمر دينه و دنياه ممّا يحبّ صلاحه إنّه ولي قدير (2).

الخامسة عشرة: من التوقيعات، كتب إليه (صلوات اللّه عليه) أيضا في سنة ثمان و ثلاثمائة كتابا سأله فيه عن مسائل اخرى كتب فيه: بسم اللّه الرّحمن الرحيم أطال اللّه بقاك و أدام عزّك و كرامتك و سعادتك و سلامتك و أتمّ نعمته عليك، و زاد في إحسانه إليك و جميل مواهبه لديك و فضله عليك و جزيل قسمه لك، و جعلني من السوء كلّه فداك و قدمني قبلك،

____________

(1)- عمّاله.

(2)- التوقيع بطوله في الاحتجاج: 485 إلى 487 و فيه: ما يجب صلاحه.

405

إنّ قبلنا مشايخ و عجائز يصومون رجبا منذ ثلاثين سنة و أكثر، و يصلون شعبان بشهر رمضان و روى لهم بعض أصحابنا أنّ صومه معصية.

فأجاب له: قال الفقيه: يصوم منه أيّاما إلى خمسة عشر يوما ثمّ يقطعه، إلّا أن يصومه عن الثلاثة الأيّام الثابتة للحديث: إنّ نعم شهر القضاء رجب.

و سأله عن رجل يكون في محمله و الثلج كثير قدر قامة رجل فيتخوّف إن نزل الغوص فيه و ربّما يسقط الثلج و هو على تلك الحال، و لا يستوي أن يلبد شيئا منه لكثرته و تهافته، هل يجوز له أن يصلّي في المحمل الفريضة، فقد فعلنا ذلك أيّاما فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟

الجواب: لا بأس به عند الضرورة و الشدّة.

و عن الرجل يلحق الإمام و هو راكع فيركع معه و يحتسب بتلك الركعة، فإنّ بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة.

فأجاب: إذا لحق الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدّ بتلك الركعة، و إن لم يسمع تكبيرة الركوع.

و سأل عن رجل صلّى الظهر ركعتين و دخل في صلاة العصر، فلمّا أن صلّى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنّه صلّى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟

فأجاب: إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين، و إذا لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمّة لصلاة الظهر بعد ذلك.

و سأل عن أهل الجنّة هل يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟

فأجاب: إنّ الجنّة لا حمل فيها للنساء و لا ولادة و لا طمث و لا نفاس و لا شقاء بالطفولية و فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين كما قال سبحانه، فإذا اشتهى المؤمن ولدا خلقه اللّه عزّ و جلّ بغير حمل و لا ولادة على الصورة التي يريد كما خلق آدم عبرة.

و سأل عن رجل تزوّج امرأة بشي‏ء معلوم إلى وقت معلوم و بقي عليها وقت، فجعلها في حلّ ممّا بقي له عليها، و قد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حلّ من أيّامها بثلاثة أيّام، أ يجوز أن يتزوّجها رجل آخر بشي‏ء معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة اخرى؟

فأجاب: يستقبل حيضة غير تلك الحيضة لأنّ أقلّ تلك العدّة حيضة و طهرة تامّة.

406

و سأل عن الأبرص و المجذوم و صاحب الفالج هل تجوز شهادتهم فقد روي لنا أنّهم لا يؤمّون الأصحّاء؟

فأجاب: إن كان ما بهم حادثا جازت شهادتهم و إن كان ولادة لم تجز.

و سأل: هل للرجل أن يتزوّج ابنة امرأته؟

فأجاب: إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز و إن لم يكن ربيت في حجره و كانت أمّها في غير عياله فقد روي أنّه جائز.

و سأل: هل يجوز أن يتزوّج بنت ابنة امرأة ثمّ يتزوّج جدّتها بعد ذلك أم لا؟

فأجاب: قد نهي عن ذلك.

و سأل عن رجل ادّعى على رجل ألف درهم و أقام به البيّنة العادلة، و ادّعى عليه أيضا خمسمائة درهم في صكّ آخر، و له بذلك كلّه بيّنة عادلة، و ادّعى عليه أيضا ثلاثمائة درهم في صكّ آخر و مائتي درهم في صك آخر و له بذلك كلّه بيّنة عادلة، و يزعم المدّعى عليه أنّ هذه الصكوك كلّها قد دخلت في الصك الذي بألف درهم، و المدّعي منكر أن يكون كما زعم، فهل يجب الألف درهم مرّة واحدة أو يجب عليه كلّما يقيم البيّنة به و ليس في الصكاك استثناء إنّما هي صكاك على وجهها؟

الجواب: يؤخذ من المدّعى عليه درهم مرّة و هي التي لا شبهة فيها، و يردّ اليمين في الألف الباقي على المدّعي، فإن نكل فلا حقّ له.

و سأل عن طين القبر يوضع مع الميّت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا؟

الجواب: يوضع مع الميّت في قبره و يخلط بحنوطه إن شاء اللّه.

و سأل فقال: روي لنا عن الصادق (عليه السّلام) أنّه كتب على إزار إسماعيل ابنه: إسماعيل يشهد أن لا إله إلّا اللّه. فهل يجوز لنا أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟

الجواب: يجوز ذلك.

و سأل: هل يجوز أن يسبح الرجل بطين القبر؟ و هل فيه فضل؟

فأجاب: يسبح به فما من شي‏ء من السبح أفضل، و من فضله أن الرجل ينسى التسبيح و يدير السبحة فيكتب له التسبيح.

و سأل عن السجدة على لوح من طين القبر و هل فيه فضل؟

407

فأجاب: يجوز ذلك و فيه الفضل.

و سأل عن الرجل يزور قبور الأئمّة (عليهم السّلام) هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهم أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة أو يقوم عند رأسه أو رجليه؟ و هل يجوز أن يتقدّم القبر و يصلّي و يجعل القبر خلفه أم لا؟

فأجاب: أمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة، و الذي عليه أن يضع خدّه الأيمن على القبر، و أمّا الصلاة فإنّها خلفه و يجعل القبر أمامه، و لا يجوز أن يصلّي بين يديه و لا عن يمينه و لا عن يساره لأنّ الإمام لا يتقدّم عليه و لا يساوى.

و سأل فقال: هل يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة و بيده السبحة أن يديرها و هو في الصلاة؟

فأجاب: يجوز إذا خاف السهو أو الغلط.

و سأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسرى إذا سبّح أو لا يجوز؟

فأجاب: يجوز ذلك و الحمد للّه ربّ العالمين.

و سأل فقال: روي عن الفقيه في بيع الوقوف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم و أعقابهم فاجتمع أهل الوقف على بيعه و كان ذلك أصلح أن يبيعوه، فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إن لم يجتمعوا كلّهم على ذلك و عن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟

فأجاب: إذا كان الوقف على إمام المسلمين فيبيع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين و متفرّقين إن شاء اللّه.

و سأل: هل يجوز للمحرم أن يصير على إبطه المرتك أو التوية لريح العرق أم لا يجوز؟

فأجاب: يجوز ذلك و باللّه التوفيق.

و سأل عن الضرير إذا اشهد في حال صحّته على شهادة ثمّ كفّ بصره و لا يرى خطّه فيعرفه هل تجوز شهادته أم لا؟ و إن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن يشهد على شهادته أم لا يجوز؟

فأجاب: إذا حفظ الشهادة و حفظ الوقت جازت شهادته.

و سأل عن الرجل يوقف ضيعة أو دابّة و يشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف، ثمّ يموت هذا الوكيل أو يتغيّر أمره و يتولّى غيره، هل يجوز أن يشهد الشاهد لهذا الذي اقيم‏

408

مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد؟

فأجاب: لا يجوز غير ذلك، لأنّ الشهادة لم تقم للوكيل و إنّما قامت للمالك، و قد قال اللّه تعالى‏ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ‏ (1).

و سأل عن الركعتين الأخيرتين قد كثرت فيها الروايات فبعض يروي أنّ قراءة الحمد وحدها أفضل، و بعض يروي أنّ التسبيح فيهما أفضل، و الفضل لأيّهما نستعمله؟

فأجاب: قد نسخت قراءة أمّ الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح، و الذي نسخ التسبيح قول العالم: كلّ صلاة لا قراءة فيها فهي خداج، إلّا للعليل أو من يكثر عليه السهو فيتخوّف بطلان الصلاة عليه.

و سأل فقال: يتّخذ عندنا ربّ الجوز لوجع الحلق و البحبحة، يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد و يدقّ دقّا ناعما و يعصر ماؤه و يصفّى و يطبخ على النصف و يترك يوما و ليلة ثمّ ينصب على النار، و يلقى على كلّ ستّة أرطال منه رطل عسل، و يغلى و ينزع رغوته و يسحق من النوشادر و الشبّ اليماني‏ (2) من كلّ واحد نصف مثقال، و يداف بذلك الماء و يلقى فيه درهم زعفران مسحوق و يغلى، و يؤخذ رغوته و يطبخ حتّى يصير مثل العسل ثخينا ثمّ ينزل عن النار و يبرد و يشرب منه، فهل يجوز شربه أم لا؟

فأجاب: إن كان كثيره يسكر أو يغيّر فقليله و كثيره حرام، و إن كان لا يسكر فهو حلال.

و سأل عن الرجل تعرض له حاجة ممّا لا يدري أن يفعلها أم لا فيأخذ خاتمين فيكتب في أحدهما: نعم افعل و في الآخر: لا تفعل، فيستخير اللّه مرارا ثمّ يرى فيهما فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم لا؟ و العامل به و التارك له أ هو مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك؟

فأجاب: الذي سنّه العالم (عليه السّلام) في هذه الاستخارة بالرقاع و الصلاة.

و سأل عن صلاة جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام) في أيّ أوقاتها أفضل أن يصلّي فيه؟ و هل فيها قنوت؟ و إن كان ففي أيّ ركعة منها؟

____________

(1)- سورة الطلاق: 2.

(2)- في الوسائل: النوشاذر، و الشبّ حجارة الزاج يقطر من الجبل و ينجمد و يتبخّر، و أحسنها ما يجلب من اليمن.

409

فأجاب: أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة ثمّ في أيّ الأيّام شئت، و أيّ وقت صلّيتها من ليل أو نهار فهو جائز، و القنوت فيها مرّتان في الثانية قبل الركوع و الرابعة.

و سأل عن الرجل أن ينوي إخراج شي‏ء من ماله و أن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثمّ يجد في أقربائه محتاجا، أ يصرف ذلك عمّن نواه له في قرابته؟

فأجاب: يصرف إلى أدناهما و أقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم: لا يقبل اللّه الصدقة و ذووهم محتاجون، فليقسم بين القرابة و بين الذي نوى حتّى يكون قد أخذ بالفضل كلّه.

و سأل فقال: قد اختلف أصحابنا في مهر المرأة فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط عنه المهر و لا شي‏ء لها. و قال بعضهم: هو لازم في الدنيا و الآخرة فكيف ذلك؟ و ما الذي يجب فيه؟

فأجاب: إن كان عليه بالمهر كتاب فيه ذكر دين فهو لازم له في الدنيا و الآخرة، و إن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، و إن لم يكن عليه كتاب فإذا دخل بها سقط باقي الصداق.

و سأل فقال: روي لنا عن صاحب العسكر (عليه السّلام) أنّه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغشى بوبر الأرانب، فوقّع: يجوز. و روي عنه أيضا أنّه لا يجوز، فأيّ الأمرين نعمل به؟

فأجاب: إنّما حرم في هذه الأوبار و الجلود، و أمّا الأوبار وحدها فحلال، و قد سئل بعض العلماء عن قول الصادق (عليه السّلام): لا يصلّى في الثعلب و لا في الأرنب و لا في الثوب الذي يليه فقال: إنّما عنى الجلود دون غيرها.

و سأل فقال: نجد بأصفهان ثيابا عنابية على عمل الوشي من قز أو إبريسم، هل تجوز الصلاة فيها أم لا؟

فأجاب: لا تجوز الصلاة إلّا في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتّان.

و سأل عن المسح على الرجلين بأيّهما يبدأ باليمين أو يمسح عليها جميعا معا؟

فأجاب: يمسح عليهما جميعا معا فإن بدأ بإحداهما قبل الاخرى فلا يبتدئ إلّا باليمين.

و سأل عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن تصلّى أم لا؟

فأجاب: يجوز ذلك.

410

و سأل عن تسبيح فاطمة من سها فجاوز التكبير أكثر من أربع و ثلاثين، هل يرجع إلى أربع و ثلاثين أو يستأنف، و إذا سبّح تمام سبعة و ستّين هل يرجع إلى ستّة و ستّين أو يستأنف و ما الذي يجب في ذلك؟

فأجاب: إذا سها في التكبير حتّى تجاوز أربعا و ثلاثين عاد إلى ثلاث و ثلاثين و يبني عليها، و إذا سها في التسبيح فتجاوز سبعا و ستّين تسبيحة عاد إلى ستّة و ستّين و يبني عليها، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شي‏ء عليه‏ (1).

السادس عشر من التوقيعات: و فيه ورد من الناحية المقدّسة حرسها اللّه و رعاها في أيّام بقيت من صفر سنة عشرة و أربعمائة على الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان أدام اللّه إعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد:

بسم اللّه الرّحمن الرحيم أمّا بعد سلام اللّه عليك أيّها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك اللّه الذي لا إله إلّا هو و نسأله الصلاة على سيّدنا و مولانا و نبيّنا محمّد و آله الطاهرين و نعلمك- أدام اللّه توفيقك لنصرة الحقّ و أجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصدق- أنّه قد اذن لنا في تشريفك بالمكاتبة و تكليفك ما تؤدّيه عنّا إلى موالينا قبلك أعزّهم اللّه بطاعته و كفاهم المهمّ برعايته لهم و حراسته، فقف أمدّك اللّه بعونه على أعدائه المارقين من دينه على ما نذكره، و اعمل في ناديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء اللّه نحن و إن كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناه اللّه تعالى من الصلاح و لشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين؛ فإنّا نحيط علما بأنبائكم و لا يعزب عنّا شي‏ء من أخباركم و معرفتنا بالأزل الذي من جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا، و نبذوا العهد المأخوذ منه وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون أنّا غير مهملين لمراعاتكم و لا ناسين لذكركم، لو لا ذلك لنزل بكم اللأواء (2) و اصطلمكم الأعداء، فاتّقوا اللّه جلّ جلاله و ظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمّ أجله و يحمى عنها من أدرك أمله، و هي أمارة لازوف حركتنا (3) و مباينتكم بأمرنا و نهينا و اللّه متمّ نوره و لو كره المشركون.

____________

(1)- التوقيع بطوله في: الاحتجاج: 487 إلى 492 و الوسائل: 25/ 383.

(2)- اللأواء: الشدّة.

(3)- أي: هي علامة لاقتراب حركتنا.

411

اعتصموا بالتقيّة من شب نار الجاهلية يحششها عصب اموية تهول بها مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن الخفية، و سلك في الطعن منها السبيل المرضية، إذا حل جمادى الاولى من سنتكم هذه فاعتبروا بما يحدث فيها و استيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه، سيظهر لكم من السماء آية جلية، و من الأرض مثلها بالسوية، و يحدث في أرض المشرق ما يحزن و يقلق، و يغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مرّاق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثمّ تنفرج الغمّة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثمّ يسير بهلاكه المتّقون الأخيار و يتفق لمريدي الحجّ من الآفاق، ما يؤمّلونه منه على توفير غلبة منهم و إنفاق، و لنا في تيسير حجّهم على الاختيار منهم و الوفاق، شأن يظهر على نظام و اتساق، فليعمل كل امرئ منكم بما يقرب به من محبّتنا و يتجنّب ما يدنيه من كراهتنا و سخطنا، فإنّ أمرنا بغتة فجأة حين لا ينفعه توبة و لا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، و اللّه يلهمكم الرشد و يلطف لكم في التوفيق برحمته.

التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام: هذا كتابنا إليك أيّها الأخ الولي و المخلص في ودّنا الصفيّ، و الناصر لنا الوفيّ، حرسك اللّه بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به و لا تظهر على خطّنا الذي سطّرناه و لا بما فيه ضمنّاه أحدا، و أدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، و أوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء اللّه و صلّى اللّه على محمّد و آله الطاهرين‏ (1).

السابع عشر من التوقيعات فيه أيضا: ورد عليه كتاب آخر من قبله (صلوات اللّه عليه) يوم الخميس الثالث و العشرين من ذي الحجّة سنة اثنتي عشرة و أربعمائة نسخته: من عبد اللّه المرابط في سبيله إلى ملهم الحق و دليله: بسم اللّه الرّحمن الرحيم سلام عليك أيّها الناصر للحقّ الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنّا نحمد اللّه إليك الذي لا إله إلّا هو إلهنا و إله آبائنا الأوّلين و نسأله الصلاة على سيّدنا و مولانا محمّد خاتم النبيّين و على أهل بيته الطاهرين و بعد: فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك اللّه بالسبب الذي وهبه لك من أوليائه و حرسك من كيد أعدائه و شفعنا ذلك الآن من مستقرّ لنا ينصب في شمراخ‏ (2) من يهمأ، صرنا إليه آنفا من‏

____________

(1)- الاحتجاج: 495 ذكر طرف ممّا خرج عن صاحب الزمان من المسائل الفقهية.

(2)- واحد شماريخ النخل و هي العثاكيل التي عليها البسرة، و العثكال ما يكون فيه الرطب، و الشمراخ غرة الغرس.

412

غماليل ألجأنا إليه السباديث‏ (1) من الإيمان، و يوشك أن يكون هبوطنا إلى ضحضح من غير بعد من الدهر و لا تطاول من الزمان، و يأتيك بناء منّا بما يتجدّد لنا من حال، فتعرف بذلك ما يعتمد من الزلفة إلينا بالأعمال و اللّه موفّقك لذلك برحمته، فلتكن حرسك اللّه بعينه التي لا تنام، أن تقابل بذلك فتنة تسبل نفوس قوم حرشت‏ (2) باطلا لاسترهاب المبطلين، يبتهج لدمارها المؤمنون و يحزن لذلك المجرمون، و آية حركتنا من هذه اللوثة (3) حادثة بالحرم المعظم من رجس منافق مذمم مستحلّ للدم المحرّم، يعمل بكيده أهل الايمان و لا يبلغ بذلك غرضه من الظلم لهم و العدوان؛ لأنّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب من ملك الأرض و السماء.

فليطمئنّ بذلك من أوليائنا القلوب، و ليتّقوا بالكفاية منه و إن راعتهم به الخطوب، و العاقبة بجميل صنع اللّه سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب، و نحن نعهده إليك- أيّها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيّدك اللّه بنصره الذي أيّد به السلف من أوليائنا الصالحين- أنّه من اتّقى ربّه من إخوانك في الدين و أخرج ممّا عليه إلى مستحقّيه كان آمنا من الفتنة المبطلة و محنها المظلمة المضلّة، و من يبخل منهم بما أعاده اللّه من نعمته على من أمره بصلته، فإنّه يكون خاسرا بذلك لاولاه و آخرته، و لو أنّ أشياعنا وفّقهم اللّه لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد لما تأخّر عنهم العمى بلقائنا، و لتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة و صدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكره و لا نؤثره منهم و اللّه المستعان و هو حسبنا و نعم الوكيل و صلواته على سيّدنا البشير النذير محمّد و آله الطاهرين و سلّم.

و كتب: في غرّة شوّال من سنة اثنتي عشرة و أربعمائة نسخة التوقيع باليد العليا صلوات اللّه على صاحبها: هذا كتابنا إليك أيّها الولي الملهم للحقّ العلي، بإملائنا و خطّ ثقتنا فأخفه عن كلّ أحد و اطوه و اجعل له نسخة تطلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم اللّه ببركاتنا إن شاء اللّه، الحمد للّه و الصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ و آله الطاهرين‏ (4).

____________

(1)- في الاحتجاج و التهذيب: 1/ 39. من بهماء- اسباريت.

(2)- الاحتراش: أن يقصد الرجل إلى جحر الضبّ فيضربه بكفّه ليحسبه الضب أفعى.

(3)- اللوثة: الجرح و الاسترخاء، و اللوثة الشرّ و الدنس.

(4)- الاحتجاج: 498 و تهذيب الأحكام: 1/ 39.

413

فاكهة

في البحار عن الكافي عن محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي: ممّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه صلوات اللّه الملك المنّان، و رآه من الوكلاء ببغداد: العمري و ابنه و حاجز و البلالي و العطّار، و من الكوفة العاصمي، و من الأهواز محمد بن إبراهيم بن مهزيار، و من أهل قم أحمد بن إسحاق، و من أهل همدان محمد بن صالح، و من أهل الري البسامي الأسدي، و من أهل أذربايجان القسم بن العلاء، و من نيشابور محمد بن شاذان.

و من غير الوكلاء من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي جالس و أبو عبد اللّه الكندي و أبو عبد اللّه الجندي و هارون القزّاز و النيلي و أبو القاسم بن دبيس و أبو عبد اللّه بن فروخ و مسرور الطباخ مولى أبي الحسن و أحمد و محمد ابنا الحسن و إسحاق الكاتب من بني نيبخت و صاحب الفرار الصرّة المختومة، و من همدان محمد بن كشمرد و جعفر بن حمدان و محمد ابن هارون بن عمران و من الدينور حسن بن هارون و أحمد ابن أخيه و أبو الحسن، و من أصفهان ابن بادشاله، و من الصيمرة زيدان، و من قم الحسن بن نضر و محمد بن محمد و علي ابن محمد بن إسحاق و أبوه و الحسن بن يعقوب، و من أهل الري القاسم بن موسى و ابنه و أبو محمد بن هارون و صاحب الحصاة و علي بن محمد و محمد بن محمد الكليني و أبو جعفر الرن، و من قزوين مرداس و علي بن أحمد و من قابس رجلان، و من شهر زور ابن الخال، و من فارس المجروح، و من مرو صاحب الألف دينار و صاحب المال و الرقعة البيضاء و أبو ثابت، و من نيسابور محمد بن شعيب بن صالح، و من اليمن الفضل بن يزيد و الحسن ابنه و الجعفري و ابن الأعجمي و الشمشاطي، و من مصر صاحب المولودين و صاحب المال بمكة و أبو رجا، و من نصيبين أبو محمد ابن الوجنا، و من الأهواز الحصيني‏ (1).

____________

(1)- غير موجود في الكافي و هو في البحار: 52/ 31 ح 26 عن الكافي.

414

الفرع العاشر انتظار الفرج و مدح الشيعة في زمان الغيبة و ما ينبغي فعله في ذلك الزمان‏

في البحار عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أفضل أعمال أمّتي انتظار فرج اللّه عزّ و جلّ‏ (1).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): من رضي من اللّه بالقليل من الرزق رضي اللّه عنه بالقليل من العمل، و انتظار الفرج عبادة (2).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله): أفضل أعمال امتي انتظار الفرج‏ (3).

و فيه عن علي بن الحسين (عليه السّلام) قال: تمتد الغيبة بولي اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه و الأئمّة بعده. يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، لأنّ اللّه تعالى ذكره أعطاهم من العقول و الأفهام و المعونة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بالسيف، اولئك المخلصون حقّا و شيعتنا صدقا و الدعاة إلى دين اللّه سرّا و جهرا.

و قال: انتظار الفرج من أعظم الفرج‏ (4).

و فيه عن أبي بصير عن الصادق (عليه السّلام): طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية، فقلت له: جعلت فداك و ما طوبى؟ قال: شجرة في الجنّة أصلها في دار علي بن أبي طالب و ليس من مؤمن إلّا في داره غصن من أغصانها و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ‏ طُوبى‏ لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ‏ (5) (6).

و فيه سئل الصادق (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: الم ذلِكَ الْكِتابُ‏ إلى‏ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (7) فقال: المتّقون شيعة علي، و الغيب فهو الحجّة الغائب، و شاهد ذلك قول اللّه‏

____________

(1)- عيون أخبار الرضا: 1/ 39 ح 87.

(2)- أمالي الطوسي: 405 ح 907.

(3)- الإمامة و التبصرة: 163.

(4)- البحار: 52/ 31 ح 26 و الاحتجاج: 2/ 50.

(5)- سورة الرعد: 29.

(6)- البحار: 52/ 123 ح 6.

(7)- مطلع سورة البقرة: 1 إلى 3.

415

عزّ و جلّ: وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (1) فأخبر عزّ و جلّ أنّ الآية هي الغيب، و الغيب هو الحجّة، و تصديق ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً (2) يعني حجّة (3).

و فيه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي: يا علي .. و اعلم أنّ أعظم الناس يقينا قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و حجب عنهم الحجّة، فآمنوا بسواد في بياض‏ (4).

و فيه عن سيّد العابدين (عليه السّلام): من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا أعطاه اللّه أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر و احد (5).

و فيه عن أبي عبد اللّه: من مات منكم على هذا الأمر منتظرا له كان كمن كان في فسطاط القائم‏ (6).

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة؛ المتمسّك فيها بدينه كالخارط الشوك القتاد بيده، ثمّ أومى أبو عبد اللّه بيده هكذا قال: فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده، ثمّ أطرق مليا ثمّ قال: لصاحب هذا الأمر غيبة ليتقوا اللّه عند غيبته‏ (7) و ليتمسّك بدينه‏ (8).

و فيه عنه عن أبيه (عليهما السّلام): لا بدّ لنار من أذربيجان لا يقوم لها شي‏ء، و إذا كان ذلك فكونوا جلاس بيوتكم، و البدوا ما لبدنا فإذا تحرّك متحرّك فاسعوا إليه و لو حبوا، و اللّه لكأنّي أنظر إليه بين الركن و المقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، ويل لطغاة العرب من شرّ قد اقترب‏ (9).

و فيه عنه (عليه السّلام): أوحى اللّه إلى إبراهيم (عليه السّلام) أنّه سيولد لك فقال لسارة فقالت‏ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ (10) فأوحى إليه: أنّها ستلد و يعذّب أولادها بردّها الكلام عليّ. قال: فلمّا طال على‏

____________

(1)- سورة يونس: 20.

(2)- سورة المؤمنون: 50.

(3)- كمال الدين: 18.

(4)- من لا يحضره الفقيه: 4/ 366، و البحار: 52/ 125 ح 12.

(5)- اعلام الورى: 402، و البحار: 52/ 125 ح 13.

(6)- محاسن البرقي: 1/ 173 ح 147، البحار: 52/ 125 ح 15.

(7)- في الكافي و غيبة النعماني (169): إن لصاحب هذا الامر غيبة فليتق اللّه عبد.

(8)- الكافي: 1/ 335، و البحار: 52/ 111 ح 21.

(9)- غيبة النعماني: 194، و البحار: 52/ 293 ح 42.

(10)- سورة هود: 72.

416

بني إسرائيل العذاب ضجّوا و بكوا إلى اللّه أربعين صباحا فأوحى اللّه إلى موسى و هارون ليخلصهم من فرعون فحطّ عنهم سبعين و مائة سنة فقال الصادق (عليه السّلام): هكذا أنتم لو فعلتم لفرّج اللّه عنّا، فأمّا إذا لم تكونوا فإنّ الأمر ينتهي إلى منتهاه‏ (1).

و فيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم: ليتني قد لقيت إخواني. فقال له أبو بكر و عمر: أ و لسنا إخوانك آمنّا بك و هاجرنا معك؟ قال: قد آمنتم و هاجرتم. و أعادا القول فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله):

أنتم أصحابي و لكن إخواني يأتون من بعدكم يؤمنون بي و يحبّونني و ينصرونني و يصدّقونني و ما رأوني، فيا ليتني قد لقيت إخواني‏ (2).

في العوالم: عن علي بن الحسين (عليه السّلام) قال: و اللّه لا يخرج واحد منّا قبل خروج القائم (عجّل اللّه فرجه) إلّا كان مثله مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحا فأخذه الصبيان فعبثوا به‏ (3).

و فيه عن المحاسن قيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما تقول فيمن مات على هذا الأمر منتظرا له؟

قال: هو بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه، ثمّ سكت هنيئة، قال: هو كمن كان مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)(4).

في البحار عن إبراهيم الكوفي: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فكنت عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر و هو غلام فقمت إليه و قبّلت رأسه و جلست فقال لي أبو عبد اللّه: يا أبا إبراهيم أما إنّه صاحبك من بعدي، أما ليهلكن فيه أقوام و يسعد آخرون، فلعن اللّه قاتله و ضاعف على روحه العذاب، أما ليخرجنّ اللّه من صلبه خير أهل الأرض في زمانه بعد عجائب تمرّ به حسدا له، و لكن اللّه بالغ أمره و لو كره المشركون، يخرج اللّه تبارك و تعالى من صلبه تكملة اثني عشر إماما مهديا اختصهم اللّه بكرامته و أحلّهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يذبّ عنه، فدخل رجل من موالي بني امية و انقطع الكلام، وعدت إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) خمس عشرة مرّة اريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك، فلمّا كان من قابل دخلت عليه و هو جالس فقال (عليه السّلام) لي: يا إبراهيم هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد و بلاء طويل و جوع، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان و حسبك يا إبراهيم. قال أبو إبراهيم: فما رجعت بشي‏ء أسرّ إليّ من هذا و لا أفرح لقلبي‏

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 154 سورة هود.

(2)- أمالي المفيد: 63 مجلس 7 ح 9.

(3)- غيبة النعماني: 199 ح 14.

(4)- المحاسن للبرقي: 173 ح 146 باب 38.

417

منه‏ (1).

و فيه عن الحكم بن عيينة: لما قتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) الخوارج يوم النهروان قام إليه رجل فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لقد شهدنا في هذا الموقف اناس لم يخلق اللّه آباءهم و لا أجدادهم بعد. فقال الرجل: و كيف يشهدنا قوم لم يخلقوا؟ قال: بلى قوم يكونون في آخر الزمان يشركوننا فيما نحن فيه و يسلمون لنا فاولئك شركاؤنا فيما كنّا فيه حقّا حقّا (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إذا أصبحت و أمسيت لا ترى إماما تأتمّ به فأحبب من كنت تحبّ و أبغض من كنت تبغض حتّى يظهره اللّه عزّ و جلّ‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): أقرب ما يكون العباد إلى اللّه عزّ و جلّ و أرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجّة اللّه فلم يظهر لهم و لم يعلموا بمكانه‏ (4).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى و لا إمام هدى لا ينجو منها إلّا من دعا بدعاء الغريق، قال (عليه السّلام) تقول: يا اللّه يا رحمن يا رحيم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك. قال الراوي فقلت: يا مقلّب القلوب و الأبصار ثبّت قلبي على دينك. فقال:

إنّ اللّه عزّ و جلّ مقلّب القلوب و الأبصار، و لكن قل كما أقول: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك‏ (5).

و فيه عن علي (عليه السّلام) في نهج البلاغة: الزموا الأرض و اصبروا على البلاء و لا تحرّكوا بأيديكم و سيوفكم و هوى ألسنتكم، و لا تستعجلوا بما لم يعجله اللّه لكم، فإنّه من مات منكم على فراشه و هو على معرفة ربّه و حقّ رسوله و أهل بيته مات شهيدا، و وقع أجره على اللّه فاستوجب ثواب ما نرى من صالح عمله و قامت النيّة مقام إصلائه بسيفه فإنّ لكلّ شي‏ء مدّة و أجلا (6).

و فيه عن عمّار الساباطي قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): العبادة مع الإمام منكم المستتر في السرّ في دولة الباطل أفضل أم العبادة في ظهور الحقّ و دولته مع الإمام الظاهر منكم؟ فقال: يا

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 20 سورة الأعراف، و البحار: 52/ 130.

(2)- محاسن البرقي: 1/ 262 ح 322.

(3)- الكافي: 1/ 342 ح 28.

(4)- البحار: 52/ 148 ح 71.

(5)- كمال الدين: 352، و البحار: 12/ 277 ح 49.

(6)- نهج البلاغة: 2/ 133 خطبة 190 و فيه تفاوت، و البحار: 52/ 144 ح 63.

418

عمّار الصدقة في السرّ و اللّه أفضل من الصدقة في العلانية، و كذلك عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل لخوفكم من عدوّكم في دولة الباطل، و حال الهدنة ممّن يعبد اللّه في ظهور الحقّ مع الإمام الظاهر في دولة الحقّ، و ليس العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن في دولة الحقّ، اعلموا أنّ من صلّى منكم صلاة فريضة وحدانا مستترا بها من عدوّه في وقتها فأتمّها كتب اللّه عزّ و جلّ له بها خمسا و عشرين صلاة فريضة وحدانية، و من صلّى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتمّها كتب اللّه عزّ و جلّ له بها عشر صلوات نوافل، و من عمل منكم حسنة كتب اللّه له بها فأتمّها كتب اللّه عزّ و جلّ له بها عشر صلوات نوافل، و من عمل منكم حسنة كتب اللّه له بها عشرين حسنة، و يضاعف اللّه تعالى حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله و دان اللّه بالتقيّة على دينه و على إمامه و على نفسه، و أمسك من لسانه أضعافا مضاعفة كثيرة إنّ اللّه عزّ و جلّ كريم.

قال: فقلت: جعلت فداك قد رغبتني في العمل و حثثتني عليه و لكنّي أحبّ أن أعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالا من أصحاب الإمام منكم الظاهر في دولة الحقّ و نحن و هم على دين واحد و هو دين اللّه عزّ و جلّ؟ فقال: إنّكم سبقتموهم إلى الدخول في دين اللّه و إلى الصلاة و الصوم و الحجّ و إلى كلّ فقه و خير و إلى عبادة اللّه سرّا من عدوّكم مع الإمام المستتر، مطيعون له صابرون معه منتظرون لدولة الحقّ، خائفون على إمامكم و على أنفسكم من الملوك، تنظرون إلى حقّ إمامكم و حقّكم في أيدي الظلمة قد منعوكم ذلك، و اضطروكم إلى جذب الدنيا و طلب المعاش مع الصبر على دينكم و عبادتكم و طاعة ربّكم و الخوف من عدوّكم، فبذلك ضاعف اللّه أعمالكم فهنيئا لكم هنيئا.

قال: فقلت: جعلت فداك و ما نتمنّى إذا أن نكون من أصحاب القائم في ظهور الحقّ و نحن اليوم في إمامتك و طاعتك أفضل أعمالا صاحب دولة الحقّ؟ فقال:

سبحان اللّه أ ما تحبّون أن يظهر اللّه عزّ و جلّ الحقّ و العدل في البلاد، و يحسن حال عامة الناس، و يجمع اللّه الكلمة و يؤلّف بين القلوب المختلفة، و لا يعصى اللّه في أرضه و يقام حدود اللّه في خلقه، و يرد الحقّ إلى أهله فيظهره حتّى لا يستخفي بشي‏ء من الحقّ مخافة أحد من الخلق. أما و اللّه يا عمّار لا يموت منكم ميّت على الحال التي أنتم عليها إلّا كان أفضل عند اللّه عزّ و جلّ من كثير ممّن شهد بدرا و احدا فأبشروا (1).

____________

(1)- البحار: 52/ 128 ح 20.

419

الفرع الحادي عشر في شمائله و أوصافه و خصائصه و أسمائه و ألقابه و كناه (عليه السّلام) و فيه ثمرات‏

الثمرة الاولى: في شمائله و أوصافه.

في العلوي: أبيض مشرب حمرة، عن الصادق (عليه السّلام): أسمر يعتوره مع سمرته صفرة من سهر الليل. عن أهل السنّة: لونه لون عربي، و جسمه جسم إسرائيلي و جسم إسرائيلي في طول القامة و عظم الجثّة. و في العلوي: شاب مربوع. في النبوي: أجلى الجبينين‏ (1).

و عن الصادق: مقرون الحاجبين أقنى الأنف. و عن العلوي: حسن الوجه و نور وجهه يعلو سواد لحيته و رأسه‏ (2).

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): وجهه كالدينار، على خدّه الأيمن خال كأنّه كوكب درّي‏ (3).

و عن علي (عليه السّلام): أفلج الثنايا حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه‏ (4).

و في خبر سعد بن عبد اللّه: و على رأسه فرق بين وفرتين كأنّه ألف بين واوين‏ (5).

و عن الباقر (عليه السّلام): مشرف الحاجبين، غائر العينين بوجهه أثر (6).

و عن الصادق (عليه السّلام): شامة في رأسه، منتدح البطن‏ (7).

____________

(1)- غيبة الطوسي: 226 و فيه: صلت الجبين.

(2)- الإرشاد: 2/ 382 و الاختصاص: 45 مسائل عبد اللّه بن سلام.

(3)- غيبة الشيخ: 266 و الخرائج و الجرائح: 787 باب 15.

(4)- شرح النهج لابن أبي الحديد: 19/ 130 نبذة من غريب كلامه. و مجموعة ورام: 1/ 19.

(5)- كمال الدين: 457 باب من شاهده و دلائل الإمامة: 275.

(6)- الفتن لنعيم بن حمّاد: 425، و مقتل الحسين لأبي مخنف: 374.

(7)- كمال الدين: 653 و اعلام الورى: 465 فصل 4 و فيهما: مبدح.

420

و عن علي (عليه السّلام): مبدح البطن‏ (1). و أيضا عنه (عليه السّلام): ضخيم البطن‏ (2)، و كلّها متقاربة.

و عن الباقر (عليه السّلام): واسع الصدر مترسل المنكبين عريض ما بينهما (3). و عنه أيضا: عريض ما بين المنكبين‏ (4).

و عن الصادق (عليه السّلام): بعيد ما بين المنكبين.

و عن علي (عليه السّلام): عظيم مشاش المنكبين بظهره شامتان؛ شامة على لون جلده و شامة على شبه شامة النبي (صلّى اللّه عليه و آله)(5).

و عن علي (عليه السّلام): كثّ اللحية أكحل العينين برّاق الثنايا في وجهه خال في كتفه علائم نبوة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عريض الفخذين. و عنه (عليه السّلام): أذيل الفخذين على فخذه اليمنى شامة.

و عن الصادق (عليه السّلام): أحمش الساقين‏ (6).

و عن الصادق و الباقر (عليهما السّلام): شامة بين كتفه من جانبه الأيسر، تحت كتفيه ورقة مثل الآس‏ (7).

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): أسنانه كالمنشار و سيفه كحريق النار (8).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله) أيضا: كأنّ وجهه كوكب دريّ، في خدّه الأيمن خال أسود أفرق الثنايا (9).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): المهدي طاوس أهل الجنّة، وجهه كالقمر الدريّ عليه جلابيب النور (10).

و عن الرضا (عليه السّلام): عليه جيوب النور تتوقّد بشعاع ضياء القدس‏ (11).

و عن علي بن إبراهيم بن مهزيار: كأقحوانة و أرجوان قد تكاثف عليها الندى، و أصابها ألم الهوى كغصن بان أو كقضيب ريحان، ليس بالطويل الشامخ و لا بالقصير اللازق، مربوع القامة مدوّر الهامة صلت الجبين أزج الحاجبين أقنى الأنف سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال‏

____________

(1)- المصدر السابق.

(2)- مجموعة ورام: 1/ 19 و فيه: فخم.

(3)- بصائر الدرجات: 188 ح 56 باب ما عند الأئمّة من سلاح و فيه: مسترسل.

(4)- كتاب الفتن لنعيم: 236، و السنن الكبرى النسائي: 5/ 412.

(5)- كمال الدين: 653.

(6)- فلاح السائل: 200 فصل 21.

(7)- غيبة النعماني: 216.

(8)- غيبة النعماني: 247.

(9)- كشف الغمة: 2/ 470 ذكر علاماته.

(10)- الصراط المستقيم: 2/ 241.

(11)- غيبة النعماني: 180.

421

كأنّه فتات مسك على رضاضة عنبر (1).

و في خبر آخر عنه: رأيت وجها مثل فلقة قمر، لا بالخرق و لا بالنزق، أدعج العينين‏ (2).

و في خبر آخر: واضح الجبين أبيض الوجه دريّ المقلتين شثن الكفين معطوف الركبتين‏ (3).

و في خبر إبراهيم بن مهزيار: ناصع اللون واضح الجبين أبلج الحاجب مسنون الخدّ. إن شاء اللّه‏ (4).

____________

(1)- الخرائج و الجرائح: 787 باب 15.

(2)- كمال الدين: 468.

(3)- كمال الدين: 407 و الخرائج و الجرائح: 958.

(4)- كمال الدين: 446.

422

الثمرة الثانية في خصائصه (عليه السّلام)

الاولى: امتياز ظلّه و شبحه في عالم الأظلّة كما في حديث المعراج.

الثانية: شرافة نسبه الشريف.

الثالثة: سيره في أعلى سرادق العرش بعد تولّده، و خطاب اللّه له.

الرابعة: له بيت حمل يشتعل السراج فيه من يوم تولّده إلى يوم خروجه.

الخامسة: ليس لأحد أن يجمع اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كنيته و حرام له سواه.

السادسة: حرمة ذكر اسمه الشريف.

السابعة: هو خاتم الأوصياء.

الثامنة: غيبته يوم تولّده و توديعه بروح القدس و تربيته في عالم النور.

التاسعة: بعده عن الكفّار و المنافقين للخوف.

العاشرة: غاب و لم يكن لأحد عليه بيعة حتّى يقوم مع السيف.

الحادية عشرة: على ظهره شامة كما على ظهر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).

الثانية عشرة: اختصّه اللّه في الكتب السماوية و أخبار المعراج من سائر الأوصياء، و ذكره بألقابه تبجيلا بشأنه و مقامه.

الثالثة عشرة: ظهور العلامات و الآيات السماوية و الأرضية لتولّده و خروجه كما قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏ (1).

الرابعة عشرة: الصيحة السماوية مقارن خروجه (عجّل اللّه فرجه) كما في تفسير وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ (2) و أشار إلى ذلك ما كتب على جدران المدينة الواقعة في برية الأندلس التي بنيت قبل زمان الإسكندر، و وجدوها في زمان عبد الملك: حتّى يقوم بأمر اللّه قائمهم من السماء إذا ما باسمه نودي، كما في الفرع الثامن من الغصن الثالث في ذكر أخبار الكهنة و السابقين بأعيان الأئمّة مشروح.

____________

(1)- سورة فصلت: 53.

(2)- سورة ق: 41.

423

الخامسة عشرة: توقّف الأفلاك و بطؤها عن السير و الحركة، كما في الخبر كلّ سنة من سني زمانه يطول و يكون مقدار عشرة سنين.

السادسة عشرة: ظهور مصحف علي (عليه السّلام) الذي جمعه بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) كما في أخبار زمان ظهوره عن علي (عليه السّلام) في غيبة النعماني يقول: كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة، يعلّمون الناس القرآن كما انزل. قيل: يا أمير المؤمنين أو ليس هو كما انزل؟ قال: لا، محي عنه سبعون من قريش بأسمائهم و أسماء آبائهم و ما ترك اسم أبي لهب إلّا ازدارء لرسول اللّه لأنّه عمّه‏ (1).

السابعة عشرة: إظلال الغمامة البيضاء على رأسه الشريف.

الثامنة عشرة: حضور الملائكة و الجنّ في عسكره و ظهورهم لنصرته.

التاسعة عشرة: عدم تصرّف الليل و النهار و الفلك الدوّار في بنيته الشريفة و جثته المنيفة، و يبقى بصورة أبناء أربعين سنة.

العشرون: تظهر الأرض كنوزها و تبدي بركاتها.

الحادية و العشرون: كثرة الأمطار و ثمرات الأشجار في زمانه و ظهور تأويل‏ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ‏ (2).

الثانية و العشرون: تكميل عقول الناس من بركة وجوده.

الثالثة و العشرون: إحياء جمع من الأموات و حضورهم في ركابه.

الرابعة و العشرون: طول عمر الرجل حتّى يولد له ألف ولد ذكر.

الخامسة و العشرون: إذا قام أشرقت الأرض بنورها و استغنى العباد عن ضوء الشمس و ذهبت الظلمة.

السادسة و العشرون: استغنى الناس بما رزقهم اللّه من فضله حتّى لا يوجد أحد يقبل زكاة مال أخيه، و لا يجد الرجل موضعا لصدقته و لا لبرّه بشمول الغنى جميع المؤمنين.

السابعة و العشرون: إعطاء كلّ رجل من أصحابه و أنصاره قوّة أربعين رجلا.

الثامنة و العشرون: نزع حمة كل ذات حمة من الهوام و غيرها و ذهاب سمّ كل ما يلدغ.

التاسعة و العشرون: ترعى الشاة و الذئب بمكان واحد و يلعب الصبيان بالحيّات‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 318 ح 5 باب 21، و مراده (عليه السّلام) ليس إثبات النقص في النصّ القرآني إنّما بشّر أنّه انزل مع تفسيره و شرح مبهمه.

(2)- سورة إبراهيم: 48.

424

و العقارب لا يضرّهم شي‏ء. و في رواية ترعى الوحوش و السباع و تلعب بهم الصبيان‏ (1).

الثلاثون: تأمن النساء على أنفسهن، و لو أنّ امرأة في العرباء لم تخف على نفسها.

الحادية و الثلاثون: إزالة البلايا و العاهات، كما عن زين العابدين: إذ قام القائم أذهب اللّه عن كلّ مؤمن العاهة و ردّ إليه قوّته‏ (2).

الثانية و الثلاثون: نشر الأموات من القبور و رجوعهم إلى الدنيا فيتعارفون فيها و يتزاوجون.

الثالثة و الثلاثون: نشر الراية التي ما نشرت بعد بدر و الجمل و هي راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) نزل بها جبرئيل يوم بدر كما قال أبو جعفر (عليه السّلام) ثمّ قال: و اللّه ما هي قطن و لا كتّان و لا قز و لا حرير.

فقيل: من أي شي‏ء هي؟ قال: من ورق الجنّة، نشرها رسول اللّه يوم بدر، ثمّ لفّها و دفعها إلى علي فلم تزل عند علي حتّى كان يوم البصرة فنشرها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ففتح اللّه عليه، ثمّ لفّها و هي عندنا هناك لا ينشرها أحد حتّى يقوم القائم، فإذا نشرها فلم يبق في المشرق و المغرب أحد إلّا لقيها، و يسير الرعب قدامها شهرا و عن يمينها شهرا و عن يسارها شهرا.

الحديث في غيبة النعماني‏ (3).

الرابعة و الثلاثون: اعتدال درع الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) على قامته الشريفة.

الخامسة و الثلاثون: له الغمامة التي فيها الرعد و البرق و الصواعق كما عن الباقر (عليه السّلام): أما إنّ ذا القرنين قد خيّر بين السحابين فاختار الذلول و ذخر لصاحبكم الصعب. قيل: و ما الصعب؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد و صاعقة أو برق لصاحبكم يركبه. الحديث‏ (4).

السادسة و الثلاثون: زوال الخوف و التقية من المؤمنين عن الكفّار و المنافقين و المشركين، و لا يبقى كافر و لا منافق و لا مشرك، قال اللّه تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (5).

السابعة و الثلاثون: جريان أمره في المشرق و المغرب و البر و البحر وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي‏

____________

(1)- راجع لذلك: سنن أبي داود: 4/ 117 ح 3424 و المستدرك: 2/ 595، و مقتضب الأثر: 11- 12، و إثبات الهداة: 1/ 709 ح 149.

(2)- غيبة النعماني: 317 ح 2.

(3)- غيبة النعماني: 307 ح 2 باب 19.

(4)- الاختصاص: 199، مدينة المعاجز: 1/ 543.

(5)- سورة النور: 55.

425

السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً (1).

الثامنة و الثلاثون: يملأ الأرض قسطا و عدلا.

التاسعة و الثلاثون: يحكم بين الناس بحكم داود و لا يطلب البيّنة.

الأربعون: جريان الأحكام التي ما جرت إلى زمانه من قبيل رجم المحصن و قتل مانع الزكاة و ميراث الأخ من الأخ في الدين.

الحادية و الأربعون: ظهور تمام مراتب العلوم و نشر علوم الأنبياء.

الثانية و الأربعون: هبوط السيوف من السماء لنصرته.

الثالثة و الأربعون: إطاعة الوحوش و الطيور و البهائم أنصاره (عجّل اللّه فرجه).

الرابعة و الأربعون: جريان نهرين و انبعاثهما في ظهر الكوفة بالماء و اللبن دائما فمن كان جائعا شبع و من كان عطشان روي‏ (2).

الخامسة و الأربعون: معه حجر موسى و أنّه إذا أراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحد منكم طعاما و لا شرابا، و يحمل حجر موسى الذي انبجست منه اثنتا عشرة عينا فلا ينزل منزلا إلّا نصبه فانبجست منه العيون فمن كان جائعا شبع و من كان ظمئا روي‏ (3).

السادسة و الأربعون: امتيازه عن سائر الأئمّة ليلة المعراج بأنّه يحلّل الحلال و يحرم الحرام و ينتقم من أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله).

السابعة و الأربعون: نزول عيسى إلى الأرض لنصرته (عجّل اللّه فرجه).

الثامنة و الأربعون: عدم جواز الصلاة بسبع تكبيرات على أحد سوى علي (عليه السّلام) و المهدي (عجّل اللّه فرجه).

التاسعة و الأربعون: قتل الدجال الذي هو عذاب للمؤمنين بيده، يعني بأمره في زمانه.

الخمسون: انقطاع سلطنة الجبابرة و دولة الظالمين، و اتصال دولة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بالقيامة و يترنم و يقول [الإمام‏] الصادق (عليه السّلام):

لكلّ اناس دولة يرقبونها* * * و دولتنا في آخر الدهر تظهر (4)

____________

(1)- سورة آل عمران: 83.

(2)- الكافي: 1/ 231.

(3)- بصائر الدرجات: 208 ح 54، و الكافي: 1/ 231.

(4)- روضة الواعظين: 212.

426

الثمرة الثالثة في أسمائه و ألقابه و كناه (سلام اللّه عليه و على آبائه‏) (1).

الاولى: أبو القاسم، كما قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في المستفيضة: سميّي و كنيّي‏ (2). الثانية: أبو عبد اللّه، كما ذكر الكنجي الشافعي في كتابه البيان قال رسول اللّه: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لبعث اللّه فيه رجلا اسمه اسمي و خلقه خلقي يكنّي أبا عبد اللّه‏ (3)، و سيأتي أنّه (عجّل اللّه فرجه) يكنّي بكنية أجداده. الثالثة: أبو جعفر. الرابعة: أبو محمّد. الخامسة: أبو إبراهيم.

السادسة: أبو الحسين. السابعة: أبو تراب، ككنية جدّه أمير المؤمنين (عليه السّلام) لأنّه مربي الأرض.

الثامنة: أبو بكر، و هذا من كنى الرضا (عليه السّلام). التاسعة: أبو صالح، و هذه الكنية معروفة عند الأعراب عند التوسلات و الاستغاثات.

العاشرة: الأصل، و معناه ظاهر، و عند الكسائي الأصل الحسب، و يكون هذا اللقب إشارة إلى نسبه الشريف، و حسبه المنيف كما لا يخفى على ذي لب بأنّ نسبه الذي ينتهي إلى علي (عليه السّلام) و فاطمة (عليهما السّلام) و خاتم الرسل هو خير الأنساب، و يمكن أن يكون هذا اللقب إشارة بأنّه أصل الهداية، لأنّ بعد غلبة الكفر و النفاق بحيث لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه و لا يبقى من القرآن إلّا درسه، و ملئت الأرض ظلما و جورا، بوجوده يرجع كلّ شي‏ء إلى أصله و هو الهداية.

الحادية عشرة: أحمد، كما عن الإكمال و هذا من أسمائه المخفية. الثانية عشرة: أمير الأمراء، كما عن فضل بن شاذان عن الصادق (عليه السّلام): ثمّ يخرج أمير الامراء و قاتل الفجرة و سلطان مأمول. الثالثة عشرة: أيدي و هو جمع اليد و هو النعمة، قال اللّه تعالى: وَ أَسْبَغَ‏

____________

(1)- ذكر المصنّف هنا مائة و ستة و ثمانين اسما و لقبا للحجّة (عليه السّلام) بعضها بيّن الثبوت، و بعضها ورد في الروايات و الزيارات، و بعضها في كتب التوراة و الإنجيل و غيرها، و بعضها صفات من شيعته.

(2)- تفسير الأصفى: 1/ 217 و تفسير كنز الدقائق: 2/ 506.

(3)- عقد الدرر: 218، و ملاحم ابن طاوس: 142.

427

عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً (1) فالنعمة الظاهرة الإمام الظاهر و النعمة الباطنة الإمام الغائب.

الرابعة عشرة: ايزدشناس. الخامسة عشرة: ايزد نشان، و هذان عند المجوس. السادسة عشرة: إحسان. السابعة عشرة: ايستاده، و هذا عندهم أيضا عن كتاب شامكونى. الثامنة عشرة: بقيّة اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ أوّل ما يتكلّم به عند الكعبة يقول: أنا بقيّة اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين، ثمّ يقول: أنا بقيّة اللّه و حجّته و خليفته عليكم، فيسلّمون عليه و يقولون:

السلام عليك يا بقيّة اللّه في أرضه‏ (2). التاسعة عشرة: بقيّة الأنبياء (3)، عن حكيمة بعد تولّده و أمر أبوه بالتكلّم قال: يا حجّة اللّه و بقيّة الأنبياء و نور الأصفياء و غوث الفقراء و خاتم الأوصياء و نور الأتقياء و صاحب الكرة البيضاء (4). العشرون: برهان اللّه، و البرهان في اللغة الحجّة و الدليل. الحادية و العشرون: الباسط، و هو الذي يبسط العدل كما ذكر في كتاب وجد عند صخرة تحت أرض الكعبة كما ذكرناه في الفرع السادس من الغصن الثالث، و فيه ذكر النبي و الأئمّة إلى الإمام الثاني عشر إلى أن يقول: يرعى الذئب في أيّامه مع الغنم، الحديث‏ (5). الثانية و العشرون: بئر معطّلة، كما في آية وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ (6) و نعم ما قال من قال و للّه درّه:

بئر معطلة و قصر مشرف‏* * * مثل لآل محمّد مستطرف‏

فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى‏* * * و البئر علمهم الذي لا ينزف‏ (7)

الثالثة و العشرون: بقيّة الأتقياء، كما في المشارق عن حكيمة في قضية حال تولّده (عجّل اللّه فرجه)(8). الرابعة و العشرون: بنده يزدان، ترجمته بالعربية: عبد اللّه. الخامسة و العشرون:

پرويز بابا، ترجمته بالعربية: أبو الپرويز. السادسة و العشرون: البهرام. السابعة و العشرون:

البلد الأمين. الثامنة و العشرون: التمام، لأنّه تام في جميع الصفات الحميدة و الكمال‏

____________

(1)- لقمان: 2.

(2)- أعلام الورى: 2/ 292، و إثبات الهداة: 3/ 570 ح 686.

(3)- بحار الأنوار: 99/ 293 ضمن حديث طويل.

(4)- مجمع النورين للمرندي: 290 و مشارق أنوار اليقين: 157 بتحقيقنا.

(5)- مقتضب الأثر: 11، و البحار: 36/ 219.

(6)- الحج: 45.

(7)- معاني الأخبار: 112 باب معنى البئر المعطلة ح 3.

(8)- المشارق: 157، و راجع بحار الأنوار؛ 99/ 293 زيارة الحجّة لمحمد العمروي الأسدي.

428

و الأفعال و شرافة النسب و الحسب و الشوكة و السلطنة و القدرة و العبادة و الخلق و الخلق و العلم و الحلم و الشجاعة و السخاوة. التاسعة و العشرون: التأييد، لأنّ المؤمن في زمانه مؤيّد و ذو قوّة و شجاعة فإنّه ورد أنّ الرجل منهم يعطى قوّة أربعين رجلا، أو لأنّ الملائكة يؤيّدونه لقوله تعالى‏ وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‏ (1) و عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يفرح المؤمنون بنصر اللّه عند قيام القائم (عجّل اللّه فرجه)(2). الثلاثون: التالي، و عدّه يوسف بن قزأغلي سبط ابن الجوزي من الألقاب‏ (3). الحادية و الثلاثون: الثائر، و هو الذي لا يبقى على شي‏ء و لا يستقيم حتّى يدرك و يطلب ثأره، لما ثبت في الأخبار أنّه (عجّل اللّه فرجه) يطالب بدم جدّه السعيد الشهيد بكربلاء. الثانية و الثلاثون: الجمعة، إمّا باعتبار تولّده لأنّه (عجّل اللّه فرجه) تولّد في الصبح من يوم الجمعة المنتصف من شعبان على المشهور، أو باعتبار خروجه فإنّ خروجه (عجّل اللّه فرجه) في يوم الجمعة، ففي الزيارة المختصّة له (عجّل اللّه فرجه): يا مولاي يا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليك) و على آل بيتك هذا يوم الجمعة و هو يومك المتوقّع فيه ظهورك و الفرج فيه للمؤمنين على يديك.

الثالثة و الثلاثون: الجعفر، و عبروه بهذا اللقب خوفا من عمّه يقولون: رأينا جعفرا أو هو إمام أو وقع التوقيع أو هذه الصرّة له (عجّل اللّه فرجه) و أمثال ذلك حتى لا يطلعوا تابعي عمّه جعفر الكذّاب بحالهم. الرابعة و الثلاثون: الجابر، و سببه معلوم لأنّه شجاع و يجبر القلوب المنكسرة عند ظهوره. الخامسة و الثلاثون: جنب، كما في آية يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ‏ (4). السادسة و الثلاثون: الجوار الكنس، و هي النجوم المخفية تحت شعاع الشمس كما في تفسير فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ‏ (5). السابعة و الثلاثون: حجّة و حجّة اللّه، و هو الدليل و البرهان و نقش خاتمه: أنا حجّة اللّه و خالصته‏ (6). الثامنة و الثلاثون:

الحق، قال اللّه تعالى‏ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ‏ (7) و فسّره بالحجّة القائم، و في زيارته:

____________

(1)- سورة الروم: 4- 5.

(2)- تأويل الآيات: 1/ 434 ح 2 و تفسير البرهان: 3/ 257 ح 2.

(3)- تذكرة الخواص: 325 فصل في ذكر الحجّة المهدي (عليه السّلام).

(4)- الزمر: 56.

(5)- سورة التكوير: 15.

(6)- بحار الأنوار: 99/ 215 ضمن زيارته.

(7)- سورة الإسراء: 81.

429

السلام على الحقّ الجليل‏ (1). التاسعة و الثلاثون: الحجاب كما في زيارته: السلام على حجاب اللّه القديم الأزلي‏ (2). الأربعون: الحاشر، في الحديث قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): إنّ لي أسماء، و عدّ منها: و أنا الحاشر الذي يحشر الناس خلفه و على ملّته دون ملّة غيره‏ (3)، فعلى هذا يمكن أن يكون لقبه بحاشر إشارة إلى أنّه يحشر جمعا من الأخيار و الأشرار في زمان ظهوره.

الحادية و الأربعون: الحامد. الثانية و الأربعون: الحمد. الثالثة و الأربعون: الخلف، و هو بالتحريك و السكون كلّ من يحيى بعد من مضى إلّا أنّه بالتحريك في الخير و بالتسكين في الشرّ و أنّه خلف جميع الأنبياء و الأوصياء و حامل علومهم و صفاتهم و حالاتهم، و يمكن أنّه لما كان أبوه عقيما لا ولد له و يقولون هو عقيم و يعتقدون بذلك فلمّا تولّد (عجّل اللّه فرجه) بشّر الشيعة بعضهم بعضا بظهور الخلف للحسن العسكري.

الرابعة و الأربعون: الخازن، فإنّه خازن جميع علوم الأنبياء و الأوصياء و يمكن أن يكون إشارة إلى أنّه مالك خزائن الأرض كلّها و تظهر له جميع خزائن الأرض و لا يبقى فقير و لا محتاج على وجه الأرض حتّى يقبل الزكاة. الخامسة و الأربعون: الخنّس: عن أبي جعفر (عليه السّلام):

الخنس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عن الناس سنة ستّين و مائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الثاقب في ظلمه الليل فإن أدركت ذلك قرّت عيناك‏ (4). السادسة و الأربعون:

خليفة اللّه، ففي البيان لمحمد بن طلحة الشافعي الكنجي عن رسول اللّه: يخرج المهدي (عجّل اللّه فرجه) و على رأسه غمامة فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة اللّه فاتبعوه‏ (5).

السابعة و الأربعون: خاتم الأصفياء، كما في التاسعة عشرة.

الثامنة و الأربعون: خاتم الأوصياء. التاسعة و الأربعون: خاتمة الأئمّة. الخمسون:

خجسته، كما عن كتاب كندرال فرنج. الحادية و الخمسون: خسرو، كما عن كتاب جاويدان مجوس. الثانية و الخمسون: خداشناس، كما عن كتاب شامكونى. الثالثة و الخمسون: خليفة الأتقياء. الرابعة و الخمسون: الخلف الصالح. الخامسة و الخمسون: دابة الأرض، و لا يخفى‏

____________

(1)- في مزار الشهيد الأوّل: السلام على الحق الجديد: 208 و كذا في البحار: 99/ 119، و في البحار أيضا: 99/ 199: السلام على الحقّ الجلي.

(2)- معجم أحاديث الإمام المهدي: 4/ 489 ح 1433، و مصباح الزائر: 327.

(3)- اعلام الورى: 1/ 49.

(4)- اصول الكافي: 1/ 341 ح 23.

(5)- الأمالي للطوسي: 292 ح 566، و البيان للشافعي: 511 باب 15.

430

أنّ ذلك من ألقاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) و اسند ذلك اللقب إليه لأنّه في وقت الظهور يدعو الناس بالايمان مقدار طرفة عين. السادسة و الخمسون: الداعي، فإنّ في زيارته: السلام عليك يا داعي اللّه‏ (1)، لأنّه يدعو الخلائق إلى اللّه. السابعة و الخمسون: رجل، فإنّ الشيعة يتكلّمون بذلك في زمان التقية. الثامنة و الخمسون: ربّ الأرض، كما في تفسير (2) وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها (3). التاسعة و الخمسون: راهنما كما عن كتاب باتنكل. الستون من أسمائه: ناخواه زندا فريس كما عن كتاب مارياقين. الحادي و الستون: السلطان المأمول، كما عن فضل بن شاذان عن الصادق (عليه السّلام): بعد خروج الدجّال يظهر أمير الأمرة و قاتل الكفرة و السلطان المأمول‏ (4). الثانية و الستون: سدرة المنتهى. الثالثة و الستون: السناء.

الرابعة و الستون: السبيل. الخامسة و الستون: السيّد، لأنّه يطلق على الربّ و المالك و الشريف و الفاضل و الكريم و الحليم و الرئيس و الكبير و المقدّم و المطاع، و معلوم أنّ تلك الصفات صادقة في حقّه (عجّل اللّه فرجه). السادسة و الستون: الساعة، عن الصادق (عليه السّلام): أنّه المراد في آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (5) و آية يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ (6) و آية وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (7) و آية وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ (8) إلى قوله تعالى: أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (9) و المراد بالساعة هو المهدي (عجّل اللّه فرجه)(10).

السابعة و الستون: سروش إيزد، كما عن كتاب زمزم زردشت. الثامنة و الستون: الشريد، و هو الطريد، و معلوم أنّه مطرود عن هذا الخلق المنكوس الذين ما عرفوا مقدار نعمة وجوده. التاسعة و الستون: شماطيل، كما عن كتاب ارماطش. السبعون: صاحب الكرّة البيضاء، كما مرّ في التاسعة عشرة. الحادية و السبعون: صاحب. الثانية و السبعون: صاحب الدار. الثالثة و السبعون: صاحب الرجعة. الرابعة و السبعون: صاحب الناحية، و هذا يطلق‏

____________

(1)- مزار المشهدي: 569، و الاحتجاج: 2/ 316.

(2)- تأويل الآيات: 2/ 524 ح 37.

(3)- سورة الزمر: 69.

(4)- منتخب الأثر: 466 ح 2، و معجم أحاديث الإمام المهدي: 3/ 24 ح 578.

(5)- الاعراف: 187.

(6)- النازعات: 42.

(7)- الزخرف: 85.

(8)- الشورى: 17.

(9)- الشورى: 18.

(10)- تفسير العياشي: 1/ 334 ح 157 الهامش، و تفسير الصافي: 2/ 72 الهامش.

431

عليه و على جدّه و أبيه (عليهم السّلام). الخامسة و السبعون: صاحب الغيبة. السادسة و السبعون:

صاحب الزمان. السابعة و السبعون: صبح مسفر، و فسر وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (1) به (عجّل اللّه فرجه)(2). الثامنة و السبعون: صاحب العصر. التاسعة و السبعون: صاحب الدولة البيضاء.

الثمانون: صاحب الدولة الزهراء. الحادية و الثمانون: صاحب الأمر. الثانية و الثمانون: صالح.

الثالثة و الثمانون: الصدق. الرابعة و الثمانون: الصراط. الخامسة و الثمانون: الصمصام الأكبر، كما عن كتاب كندرال‏ (3). السادسة و الثمانون: الضياء. السابعة و الثمانون: الضحى في‏ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها (4) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الشمس أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و ضحاها قيام القائم‏ (5). الثامنة و الثمانون: الطريد، و هذا قريب بشريد في المعنى. التاسعة و الثمانون:

طالب التراث، من جنس الوارث. التسعون: العالم. الحادية و التسعون: العدل. الثانية و التسعون: عاقبة الدار.

الثالثة و التسعون: عين، يعني عين اللّه‏ (6) كما في زيارته، و إطلاقها على جميع الأئمّة شائع. الرابعة و التسعون: العصر. الخامسة و التسعون: عزة. السادسة و التسعون: الغائب.

السابعة و التسعون: الغلام. الثامنة و التسعون: الغيب، كما في آية هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (7) عن الصادق (عليه السّلام): المتّقون شيعة علي و الغيب الحجّة الغائب‏ (8)، و الشاهد على ذلك‏ وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (9). التاسعة و التسعون: الغريم، و هذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديما بينها و يكون خطابها عليه للتقية. المائة: الغوث. الحادية و مائة: غاية الطالبين. الثانية و مائة: الغاية القصوى. الثالثة و مائة: الغليل. الرابعة و مائة: غوث الفقراء. الخامسة و مائة: الفجر، كما في‏ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى‏ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي مطلع فجر القائم (عجّل اللّه فرجه).

السادسة و مائة: الفتح، عن تفسير علي بن إبراهيم في تفسير نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ‏ (10)

____________

(1)- المدثر: 34.

(2)- كما تقدّم.

(3)- معجم أحاديث الإمام المهدي: 4/ 494 ح 1435 و البحار: 102/ 83 ح 2.

(4)- الشمس: 1.

(5)- تأويل الآيات: 2/ 803.

(6)- جمال الاسبوع: 41.

(7)- سورة البقرة: 2- 3.

(8)- تقدّم الحديث مع تخريجه.

(9)- يونس: 20.

(10)- العنكبوت: 10.

432

أنّ المراد بالفتح هو فتح قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)(1). و عن كتاب تنزيل و تحريف لأحمد بن محمد السياري في آية إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ (2) أنّ المراد بالفتح فتح قائم آل محمّد.

السابعة و مائة: الفقيه، كما في التوقيعات التي صدرت من الناحية: قال الفقيه ...، الثامنة و مائة: فرج المؤمنين. التاسعة و مائة: الفرج الأعظم. العاشرة و مائة: الفردوس الأكبر، كما عن كتاب قبرس الروم. الحادية عشرة و مائة: فيروز، كما عن كتاب فرنج. الثانية عشرة و مائة:

فرخنده، كما عن كتاب شعيا النبي.

الثالثة عشرة و مائة: فيذموا، و ذلك لقب الثاني عشر من الأئمّة في التوراة، و معناه المفقود من أبيه و أمّه، الغائب بأمر اللّه و بعلمه، و القائم بحكمه و تفصيله في البشارة الخامسة عشرة من البشارات السماوية في الفرع الثاني من الغصن الثاني من هذا الكتاب. الرابعة عشرة و مائة: قائم، و إنّما سمّي بالقائم لقيامه بالحقّ كما عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)(3). الخامسة عشرة و مائة: قائم الزمان، كما في «الحادي عشر ممّن رآه» (4) أنّه قلب الحصاة سبيكة ذهب و سأل عنه أن يعرّفه نفسه، قال: أنا قائم الزمان. السادسة عشرة و مائة: قيّم الزمان كما في خبر العلوي المصري. السابعة عشرة و مائة: قاطع. الثامنة عشرة و مائة: قاتل الكفرة. التاسعة عشرة و مائة: القوّة. العشرون و مائة: القابض القيامة. الحادية و العشرون و مائة: القسط. الثانية و العشرون و مائة: القطب عند العرفاء و الصوفية. الثالثة و العشرون و مائة: كاشف الغطاء.

الرابعة و العشرون و مائة: الكمال. الخامسة و العشرون و مائة: كلمة الحقّ. السادسة و العشرون و مائة: كيقباد دوم، أي العادل عند المجوس. السابعة و العشرون و مائة: كوكما، و ذلك منقول عن كتاب بختا.

الثامنة و العشرون و مائة: كائر، أي يخرج و ينتقم. التاسعة و العشرون و مائة: اللواء الأعظم.

الثلاثون و مائة: لسان الصدق. الحادية و الثلاثون و مائة: لنديطار. الثانية و الثلاثون و مائة:

المنتقم، كما في الخطبة الغديرية: ألا إنّه المنتقم من الظالمين‏ (5). و في علل الشرائع عن‏

____________

(1)- تفسير القمي: 2/ 366.

(2)- النصر: 1.

(3)- كما تقدّم.

(4)- راجع الفرع الخامس من هذا الكتاب: فيمن رآه بعد أبيه في غيبته الصغرى.

(5)- روضة الواعظين: 97.

433

الباقر (عليه السّلام): إذا ظهر قائمنا تحيى إحدى الزوجات ليقام عليها الحدّ و ينتقم لفاطمة (عليهما السّلام)(1).

و قال (عليه السّلام) لأحمد بن إسحاق: أنا بقية اللّه في أرضه و المنتقم‏ (2). الثالثة و الثلاثون و مائة:

المنتظر، قال اللّه تعالى‏ وَ يَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏ (3) و قال الصادق (عليه السّلام) في ذيل هذه الآية: الغيب هو الحجّة القائم المنتظر (4). الرابعة و الثلاثون و مائة: الموعود، قال اللّه تعالى‏ وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ‏ (5) و الموعود الذي وعدتم و وعد الأنبياء اممهم هو المهدي و في زيارته (عجّل اللّه فرجه): السلام على المهدي الذي وعد اللّه به الامم أن يجمع به الكلم‏ (6). و في الزيارة الجامعة في أوصافه (عجّل اللّه فرجه): و اليوم الموعود و شاهد و مشهود.

الخامسة و الثلاثون و مائة: المنصور كما في تفسير فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (7). السادسة و الثلاثون و مائة: المهدي، عن الصادق (عليه السّلام): و إنّما سمّي القائم مهديا لأنّه يهدي إلى أمر مضلول عنه‏ (8). و في علل الشرائع عن الباقر (عليه السّلام): انّما سمّي المهدي مهديا لأنّه يهدي لأمر خفي، يستخرج التوراة و سائر كتب اللّه من غار بإنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة و بين أهل الإنجيل بالإنجيل و بين أهل الزبور و بين أهل الفرقان بالفرقان، و تجمع إليه أموال الدنيا كلّها ما في بطن الأرض و ظهرها فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام و سفكتم فيه الدماء و ركبتم فيه محارم اللّه، فيعطي شيئا لم يعط أحد ممّن كان قبله‏ (9). السابعة و الثلاثون و مائة: الماء المعين، عن كتاب الإكمال‏ (10) في تفسير قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ‏ (11).

الثامنة و الثلاثون و مائة: مبلي السرائر، لأنّه يحكم بالواقع و السرائر عنده ظاهرة حتّى أنّ الرجل قائم و يفعل و يحكم و يأمر فيأمر بقتله. التاسعة و الثلاثون و مائة: مبدي الآيات، فإنّه‏

____________

(1)- علل الشرائع: 2/ 580 ح 10 باب 385 نوادر العلل.

(2)- كمال الدين: 2/ 384 باب 38 ح 1 و الخرائج: 3/ 1174 ح 68.

(3)- يونس: 20.

(4)- ينابيع المودّة: 3/ 241 ح 20.

(5)- سورة الذاريات: 22.

(6)- مزار الشهيد الأوّل: 209، و البحار: 99/ 101.

(7)- الإسراء: 33.

(8)- روضة الواعظين: 264 و البحار: 51/ 30.

(9)- عقد الدرر: 39 الباب الثالث، و إثبات الهداة: 3/ 497 ح 268.

(10)- كمال الدين: 326 ح 3.

(11)- الملك: 30.

434

مظهر آياته بل هو مظهر آياته. الأربعون و مائة: المفضل، و لا شكّ أنّه (عجّل اللّه فرجه) مظهر هذا و هو اسم اللّه. الحادية و الأربعون و مائة: الموتور، لأنّه هو صاحب الوتر الطالب له، يعني طالب دم المقتول أي دم جدّه الحسين (عليه السّلام) و آبائه (عليهم السّلام). الثانية و الأربعون و مائة: المأمول، عن الصادق (عليه السّلام) بعد ذكر جملة من العلامات: ثمّ يقوم القائم المأمول و الإمام المجهول‏ (1). و في زيارته المأثورة: السلام عليك أيّها الإمام المأمول‏ (2). الثالثة و الأربعون و مائة: المضطرّ، قال اللّه تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ‏ (3) و أوّل المضطرّ بالمهدي (عجّل اللّه فرجه). الرابعة و الأربعون و مائة: المقتصر، أي اقتصر من الأنصار و الأعوان على المؤمنين المخلصين لقوله تعالى‏ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (4) و مدحهم اللّه بقوله‏ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ (5). الخامسة و الأربعون و مائة: المنتصر، كما في تفسير وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ‏ (6). السادسة و الأربعون و مائة: الناقور (7)، كما في تفسير فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8).

السابعة و الأربعون و مائة: الناطق، كما عن خبر طويل: أنّ الحسن بن علي صامت أمين عسكري فابنه حجّة اللّه ابن الحسن المهدي الناطق القائم بحق اللّه‏ (9). و في زيارة عاشورا:

و أن يرزقني ثاركم مع إمام مهدي ناطق لكم‏ (10). الثامنة و الأربعون و مائة: النهار، كما في تفسير وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى‏* وَ النَّهارِ إِذا تَجَلَّى‏ (11). التاسعة و الأربعون و مائة: النور، كما في تفسير وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ‏ (12) وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها (13) يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (14).

الخمسون و مائة: نور الأصفياء. الحادية و الخمسون و مائة: نور آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله). الثانية

____________

(1)- غيبة النعماني: 275، و البحار: 52/ 235.

(2)- مزار المشهدي: 570 و معجم الإمام المهدي: 4/ 503 ح 1436 و البحار: 99/ 94.

(3)- النمل: 62.

(4)- الأنبياء: 105.

(5)- الإسراء: 5.

(6)- الشورى: 41.

(7)- راجع غيبة الطوسي: 164 و تأويل الآيات: 2/ 732.

(8)- المدثر: 8.

(9)- دلائل الإمامة: 449.

(10)- كامل الزيارات: 330.

(11)- الليل: 2.

(12)- الصف: 8.

(13)- الزمر: 69.

(14)- النور: 35.

435

و الخمسون و مائة: نور الأتقياء، و هذان في التاسعة عشرة. الثالثة و الخمسون و مائة: نجم.

الرابعة و الخمسون و مائة: الناحية المقدّسة. الخامسة و الخمسون و مائة: نفس. السادسة و الخمسون و مائة: المجازي بالأعمال. السابعة و الخمسون و مائة: المخبر بما يعلن. الثامنة و الخمسون و مائة: المصباح الشديد الضياء. التاسعة و الخمسون و مائة: من لم يجعل اللّه له شبيها، و في بعض بدل شبيها: سميّا. الستون و مائة: الفرج الأعظم. الحادية و الستون و مائة:

المنّان. الثانية و الستون و مائة: المدبر. الثالثة و الستون و مائة: المأمور. الرابعة و الستون و مائة:

المقدرة، أي كأنّه عين القدرة. الخامسة و الستون و مائة: مظهر الفضائح. السادسة و الستون و مائة: المحسن. السابعة و الستون و مائة: المنعم الثامنة و الستون و مائة: منية الصابرين.

التاسعة و الستون و مائة: ميزان الحق، عن كتاب اژى النبي. السبعون و مائة: مسيح الزمان، نقل عن كتاب الافرنج. الحادية و السبعون و مائة: الماشع، كما عن التوراة. الثانية و السبعون و مائة: مهميد الآخر، كما عن التوراة. الثالثة و السبعون و مائة: محمّد (عليه السّلام). الرابعة و السبعون و مائة: نور اللّه. الخامسة و السبعون و مائة: واقيذ، في الكتب السماوية، أي الغائب.

السادسة و السبعون و مائة: وتر. السابعة و السبعون و مائة: ولي اللّه، كما في الخبر ليلة المعراج، قال اللّه تعالى هو وليي صدقا و إنّ وقت خروجه ينادي سيفه: أخرج يا وليّ اللّه‏ (1).

الثامنة و السبعون و مائة: الوجه، كما في زيارته: السلام على وجه اللّه المتقلّب بين أظهر عباده‏ (2). التاسعة و السبعون و مائة: الوارث، كما في الخطبة الغديرية: ألا إنّه وارث كل علم و المحيط به‏ (3). و ما في الأخبار أنّ ميراث الأنبياء و ودائعهم عنده. الثمانون و مائة: و هول كما عن التوراة الحادية و الثمانون و مائة: الهادي الثانية و الثمانون و مائة: اليد الباسطة، في الخبر:

هو يد اللّه الباسطة. الثالثة و الثمانون و مائة: يمين. الرابعة و الثمانون و مائة: يعسوب الدين الخامسة و الثمانون و مائة: المجدّد السادسة و الثمانون و مائة: المشيّد و هما في دعاء العهد عن الصادق (عليه السّلام): و مجدّدا لما عطّل من أحكام كتابك و مشيّدا لما ورد من أعلام دينك‏ (4).

____________

(1)- كمال الدين: 268 و اعلام الورى: 190.

(2)- بحار الأنوار: 99/ 99.

(3)- الاحتجاج: 1/ 61 و الصراط المستقيم: 1/ 303 باب 9.

(4)- الإمامة و التبصرة: 154، و مصباح الزائر: 169

436

فهرس المطالب‏

ترجمة المصنف 5

الغصن الأوّل و فيه ثمرات:

الثمرة الاولى: في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة 12

الثمرة الثانية: فيمن مات و لم يعرف إمام زمانه و دان اللّه بغير إمام 15

الثمرة الثالثة: في حالات الإمام و كيفيّاته و علاماته 17

الثمرة الرابعة: في جامع صفاتهم (صلوات اللّه عليهم) 30

الثمرة الخامسة: في معرفة الإمام (عليه السّلام) 36

الفرع الثاني: في أنّ الإمامة في الأعقاب و أنّها لا تعود في عمّ و لا أخ إلّا الحسن و الحسين (عليهما السّلام) 48

الفرع الثالث: في عدم مدخلية البلوغ في الإمامة و لا يضرّها صغر السن 51

الغصن الثاني إخبار اللّه تعالى بقيام القائم (عليه السّلام) و فيه فرعان:

الفرع الأول: إخبار اللّه تعالى بوجود القائم و غيبته و علامات ظهوره و قيامه في آخر الزمان و الآيات المؤوّلة به 52

فاكهة أولى 104

فاكهة ثانية 104

الفرع الثاني إخبار اللّه عزّ و جلّ في كتب أنبيائه السلف و بشاراته بقيام القائم (عليه السّلام):

البشارة الاولى 110

437

البشارة الثانية 111

البشارة الثالثة 122

البشارة الرابعة 123

البشارة الخامسة 124

البشارة السادسة 124

البشارة السابعة 125

البشارة الثامنة 126

البشارة التاسعة 127

البشارة العاشرة 129

البشارة الحادية عشرة 130

البشارة الثانية عشرة 130

البشارة الثالثة عشرة 130

البشارة الرابعة عشرة 131

البشارة الخامسة عشرة 131

البشارة السادسة عشرة 133

البشارة السابعة عشرة 133

البشارة الثامنة عشرة 134

البشارة التاسعة عشرة 135

البشارة العشرون 136

البشارة الحادية و العشرون 137

البشارة الثانية و العشرون 138

البشارة الثالثة و العشرون 141

البشارة الرابعة و العشرون 143

البشارة الخامسة و العشرون 143

438

البشارة السادسة و العشرون 145

البشارة السابعة و العشرون 145

البشارة الثامنة و العشرون 146

البشارة التاسعة و العشرون 147

البشارة الثلاثون 147

البشارة الحادية و الثلاثون 148

البشارة الثانية و الثلاثون 148

البشارة الثالثة و الثلاثون 148

البشارة الرابعة و الثلاثون 149

البشارة الخامسة و الثلاثون 149

البشارة السادسة و الثلاثون 150

الغصن الثالث في إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة من طرق الخاصة و العامة بقيام المهدي (عليه السّلام) في آخر الزمان من ولد فاطمة (عليهما السّلام) مع عيسى، و أخبار الدجّال و ما جرى مع الدجّال و هو مشتمل على فروع:

الفرع الأوّل: إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السّلام) بقيام المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليهما السّلام) من طرق العامّة 152

الفرع الثاني: إخبار النبي و الأئمّة (عليهم السّلام) بقيامه من طرق الخاصّة 159

الفرع الثالث: في الآيات القرآنية المفسّرة بأعيان الأئمّة الاثني عشر (عليهم السّلام) 166

الفرع الرابع: إخبار النبي و الأئمّة بأعيان الأئمّة من طريق أهل السنّة 172

الفرع الخامس: إخبار النبي و الأئمّة بأعيان الأئمّة و أسمائهم من طرق الخاصّة 185

الفرع السادس: في ذكر كتاب وجد عند صخرة تحت أرض الكعبة 207

زهرتان:

الزهرة الاولى 209

439

الزهرة الثانية 211

لطيفة 212

الفرع السابع: إخبار أهل الجفر و الحساب بأعيان الأئمّة (عليهم السّلام) 214

الفرع الثامن: إخبار الكهنة و السابقين بأعيان الأئمّة و قيام القائم (عجّل اللّه فرجه) 219

الفرع التاسع: في ذكر الدجّال و بعض أخباره و حالاته 222

الفرع العاشر: في أن اثني عشر لا ينطبق في بني اميّة كما زعم و لا في بني العبّاس بل في بني فاطمة (عليها السّلام) 227

الفرع الحادي عشر: في كراهية التوقيت و ظهوره بعد الإياس و النهي عن التسمية و وجوب القيام عند ذكر لقب القائم و فيه ثمرات:

الثمرة الاولى: في كراهية التوقيت 239

الثمرة الثانية: في القيام عند ذكر لقب القائم (عليه السّلام) 249

الثمرة الثالثة: في النهي عن التسمية 251

الغصن الرابع في إمكان الغيبة و عدم استبعادها و من اتّفقت لهم الغيبة من الأنبياء و الأولياء و الأوصياء و ذكر جمع من المعمّرين 252

الفرع الأوّل: في إمكان الغيبة و من اتّفقت لهم 252

الفرع الثاني: في ذكر جمع من المعمّرين 261

الغصن الخامس في أخبار أمّه و تولّده و المعترفين بولادته من أهل السنّة و الجماعة و من رآه في حياة أبيه (عليه السّلام) و بعد وفاته في غيبته الصغرى و الكبرى و معاجزه و سفرائه و توقيعاته، و هو مشتمل على فروع:

440

الفرع الأوّل: أخبار أمّه 285

الفرع الثاني: أخبار تولّده (عجّل اللّه فرجه) 289

الفرع الثالث: في ذكر بعض المعترفين بولادته من أهل السنّة و الجماعة 293

الفرع الرابع: من رآه في حياة أبيه 309

الفرع الخامس: فيمن رآه بعد أبيه في غيبته الصغرى 324

الفرع السادس: في ذكر جملة من معاجزه و دلائله 345

ريحانة معطّرة من ثمرة هذا الفرع جعلتها التحفة لمن زار الرضا (عليه السّلام) 372

الفرع السابع: في بيان نوّابه و سفرائه الممدوحين الذين كانوا في زمان غيبته الصغرى وسائط بين الشيعة و بينه عليه الصلاة و السلام 376

الفرع الثامن: في علّة الغيبة و كيفية انتفاع الناس به في غيبته (عليه السّلام) 380

فاكهة 385

فاكهة أخرى 385

الفرع التاسع: في توقيعاته الشريفة التي صدرت من الناحية المقدّسة 387

فاكهة 413

الفرع العاشر: انتظار الفرج و مدح الشيعة في زمان الغيبة و ما ينبغي فعله في ذلك الزمان 414

الفرع الحادي عشر: في شمائله و أوصافه و خصائصه و أسمائه و ألقابه و كناه و فيه ثمرات:

الثمرة الاولى: في شمائله و أوصافه (عليه السّلام) 419

الثمرة الثانية: في خصائصه (عليه السّلام) 422

الثمرة الثالثة: في أسمائه و ألقابه و كناه (سلام اللّه عليه و على آبائه‏)426