إلزام الناصب في إثبات‏

الحجة الغائب عجّل الله تعالي فرجه الشريف‏


الجزء الثاني‏


تأليف

علي اليزدي الحائري‏


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org

8

الأطبّاء الذين أشرفوا عليها و أمرهم بمداواتها فقالوا: ما دواؤها إلّا القطع بالحديد و متى قطعها مات.

فقال لهم الوزير: فبتقدير أن تقطع و لا يموت في كم تبرأ؟ فقالوا: في شهرين و تبقى مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسألهم الوزير متى رأيتموه؟ قالوا: منذ عشرة أيام، فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم و هي مثل اختها ليس فيها أثر أصلا، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح، فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف عاملها، ثمّ إنّه أحضر عند الخليفة المستنصر فسأله عن القصّة و عرّفه بها كما جرى فتقدّم له بألف دينار فلمّا حضرت قال: خذ هذه فأنفقها. قال: ما أجسر أن آخذ منه حبّة واحدة. فقال الخليفة:

ممّن تخاف؟ فقال: من الذي فعل معي هذا، قال (عليه السّلام): لا تأخذ من أبي جعفر شيئا، فبكى الخليفة و تكدّر، و خرج من. عنده و لم يأخذ شيئا. قال علي بن عيسى (رحمه اللّه) صاحب كتاب كشف الغمّة: كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة لجماعة عندي و كان هذا شمس الدين محمد ولده عندي و أنا لا أعرفه فلمّا انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه، فعجبت من هذا الاتفاق و قلت: هل رأيت فخذه و هي مريضة؟

فقال: لا، لأنّي أصبو عن ذلك و لكنّي رأيتها بعد ما صلحت و لا أثر فيها و قد نبت في موضعها شعر، و سألت السيد صفيّ الدين محمد بن محمد بن بشر العلوي الموسوي و نجم الدين حيدر بن الأيسر، و كانا من أعيان الناس و سراتهم و ذوي الهيئات منهم، و كانا صديقين لي و عزيزين عندي؛ فأخبراني بصحّة هذه القصّة و أنهما رأياها في حال مرضها و حال صحّتها.

و حكى لي ولده هذا أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه (عليه السّلام) حتّى أنه جاء إلى بغداد و أقام بها في فصل الشتاء و كان كلّ يوم يزور سامراء و يعود إلى بغداد، فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعا أن يعود به الوقت الذي مضى، أو يقضي له الحظّ ممّا قضى و من الذي أعطاه دهره الرضا أو ساعده بمطالبه صرف القضاء، فمات بحسرته و انتقل إلى الآخرة بغصّته و اللّه يتولّاه و إيّانا برحمته بمنّه و كرمه‏ (1).

الحكاية الثالثة: في البحار عن السيّد علي بن عبد الحميد صاحب كتاب الأنوار

____________

(1)- كشف الغمّة: 3/ 300 ط. دار الأضواء بيروت.

5

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الغصن السادس من ادّعى رؤيته (عج) في زمان غيبته الكبرى‏

الحكاية الأولى: في كشف الغمّة عن السيّد باقي بن عطوة العلوي الحسيني أن أباه عطوة كان به أدرة (1) و كان زيدي المذهب، و كان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية و يقول لا اصدقكم و لا أقول بمذهبكم حتّى يجي‏ء صاحبكم، يعني المهدي (عج) فيبرئني من هذا المرض. و تكرّر هذا القول منه فبينا نحن مجتمعون عند وقت العشاء الآخرة إذا أبونا يصيح و يستغيث بنا، فأتيناه سراعا فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي فخرجنا فلم نر أحدا فعدنا إليه و سألناه فقال: إنّه دخل إليّ شخص و قال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟

فقال (عليه السّلام): أنا صاحب بنيك قد جئت لابرئك ممّا بك، ثمّ مدّ يده فعصر قروتي‏ (2) و مشى و مددت يدي فلم أر لها أثرا. قال لي ولده: و بقي مثل الغزال ليس به قلبة، و اشتهرت هذه القصّة و سألت عنها غير ابنه فأقرّ بها (3).

الحكاية الثانية: و فيه حكى لي شمس الدين إسماعيل بن حسن الهرقلي أنه حكى لي والدي أنه خرج في الهرقل و هو شاب على فخذه الأيسر توثة (4) مقدار قبضة الإنسان، و كانت في كلّ ربيع تشقّق و يخرج منها دم و قيح و يقطعه ألمها عن كثير من أشغاله، و كان مقيما بهرقل فحضر الحلّة يوما و دخل إلى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاوس (رحمه اللّه) و شكا إليه ما يجده منها و قال: اريد أن اداويها، فأحضر له أطبّاء الحلّة و أراهم الموضع، فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الأكحل و علاجها خطر و متى قطعت خيف أن ينقطع العرق‏

____________

(1)- الأدرة: الفتق في الخصيتين و قيل انتفاخهما (تاج العروس: 3/ 10).

(2)- في لسان العرب: (10/ 350) القروة: أن يعظم جلد البيضتين لريح فيه أو ماء و الرجل قرواني.

(3)- كشف الغمّة: 3/ 301 ط دار الأضواء بيروت.

(4)- الخرم في الوجه أو البدن.

6

الأكحل فيموت. قال له السعيد رضي الدين (رحمه اللّه): أنا متوجّه إلى بغداد و ربّما كان أطباؤها أعرف و أحذق من هؤلاء فاصحبني، فأصعد معه و أحضر الأطباء فقالوا كما قال اولئك، فضاق صدره فقال له السعيد: إنّ الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب و عليك الاجتهاد في الاحتراس و لا تغرر بنفسك فاللّه تعالى قد نهى عن ذلك و رسوله. فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك و قد وصلت إلى بغداد فأتوجه إلى زيارة المشهد الشريف بسر من رأى على مشرّفه السلام، ثم أنحدر إلى أهلي، فحسّن له ذلك فترك ثيابه و نفقته عند السعيد رضي الدين و توجّه. قال: فلمّا دخلت المشهد وزرت الأئمّة (عليهم السّلام) نزلت السرداب و استغثت باللّه تعالى و بالإمام و قضيت بعض الليل في السرداب و بقيت في المشهد إلى الخميس، ثمّ مضيت إلى دجلة و اغتسلت و لبست ثوبا نظيفا و ملأت إبريقا كان معي و صعدت اريد المشهد، فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور و كان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم فالتقينا فرأيت شابّين واحدهما عبد مخطوط و كل واحد منهم متقلّد بسيف، و شيخا منقبا بيده رمح و الآخر متقلّد بسيف و عليه فرجية (1) ملوّنة فوق السيف و هو متحنّك بعذبته‏ (2)، فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق و وضع كعب الرمح في الأرض، و وقف الشابان عن يسار الطريق و بقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثمّ سلّموا عليه فرد (عليهم السّلام) فقال له صاحب الفرجية: أنت غدا تروح إلى أهلك. فقال: نعم. فقال له: تقدّم حتّى ابصر ما يوجعك، قال:

فكرهت ملامستهم و قلت في نفسي: أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة و أنا قد خرجت من الماء و قميصي مبلول، ثمّ إنّي بعد ذلك تقدّمت إليه فلزمني بيده و مدّني إليه و جعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثمّ استوى في سرجه كما كان فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل فعجبت من معرفته باسمي، فقلت:

أفلحنا و أفلحتم إن شاء اللّه.

قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام (عليه السّلام). قال: فتقدّمت إليه فاحتضنته و قبّلت فخذه، ثمّ إنّه ساق و أنا أمشي معه محتضنه، فقال: ارجع. فقلت: لا افارقك أبدا. فقال: المصلحة

____________

(1)- الفرجية ثوب مفرج من الامام.

(2)- العذبة الذؤابة (الصحاح: 4/ 1435) و في تاج العروس: (6/ 259) العقدة الفاسدة من اللحم.

7

رجوعك. فأعدت عليه مثل القول، فقال الشيخ: يا إسماعيل! ما تستحي، يقول لك الإمام مرّتين ارجع و تخالفه، فجبهني بهذا القول فوقفت فتقدّم خطوات و التفت إليّ و قال: إذا وصلت بغداد فلا بدّ أن يطلبك أبو جعفر- يعني الخليفة المستنصر- فإذا حضرت عنده و أعطاك شيئا فلا تأخذه، و قل لولدنا الرضيّ ليكتب لك إلى علي بن عوض فإنّني أوصيه يعطيك الذي تريد، ثمّ سار و أصحابه معه فلم أزل قائما ابصرهم إلى أن غابوا عنّي و حصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت إلى الأرض ساعة ثمّ مشيت إلى المشهد فاجتمع القوّام حولي و قالوا: نرى وجهك متغيّرا أ أوجعك شي‏ء؟

قلت: لا. قالوا: أخاصمك أحد؟ قلت: لا، ليس عندي ممّا تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟ فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم. فقلت: لا، بل هو الإمام. فقال: الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟ فقلت: هو صاحب الفرجية. فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده و أوجعني، ثمّ كشفت برجلي فلم أر لذلك المرض أثرا، فتداخلني الشكّ من الدهش فأخرجت رجلي الاخرى فلم أر شيئا، فانطبق الناس عليّ و مزّقوا قميصي و أدخلني القوّام خزانة و منعوا الناس عنّي، و كان ناظر بين النهرين بالمشهد فسمع الضجّة و سأل عن الخبر فرفعوه فجاء إلى الخزانة و سألني عن اسمي و سألني منذ كم خرجت من بغداد، فعرّفته أنّي خرجت في أوّل الاسبوع فمشى عنّي و بتّ في المشهد و صلّيت الصبح و خرجت و خرج الناس معي إلى أن بعدت من المشهد و رجعوا عنّي، و وصلت إلى أوانا فبت بها، و بكّرت منها أريد بغداد فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه و نسبه و أين كان، فسألوني عن اسمي و من أين جئت فعرّفتهم فاجتمعوا عليّ و مزّقوا ثيابي و لم يبق لي في روحي حكم، و كان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد و عرّفهم الحال، ثمّ حملوني إلى بغداد و ازدحم الناس عليّ و كادوا يقتلونني من كثرة الازدحام، و كان الوزير القمّي (رحمه اللّه) قد طلب السعيد رضي الدين (رحمه اللّه) و تقدّم أن يعرّفه صحّة هذا الخبر. قال: فخرج رضي الدين و معه جماعة فوافانا بباب النوبي فردّ أصحابه الناس عنّي فلمّا قال: أ عنك يقولون؟ قلت: نعم، فنزل عن دابته و كشف عن فخذي فلم ير شيئا فغشي عليه ساعة و أخذ بيدي و أدخلني على الوزير و هو يبكي و يقول:

يا مولانا هذا أخي و أقرب الناس إلى قلبي، فسألني الوزير عن القصة فحكيت فأحضر

9

المضيئة في كتاب السلطان المفرج عن أهل الايمان عند ذكر من رأى القائم (عليه السّلام) قال: فمن ذلك ما اشتهر و ذاع و ملأ البقاع و شهده بالعيان أبناء الزمان و هو قصّة أبي راجح الحمامي بالحلّة، و قد حكى ذلك جماعة من الأعيان الأماثل و أهل الصدق و الأفاضل منهم الشيخ الزاهد شمس الدين محمد بن قارون قال: كان الحاكم بالحلّة شخصا يدعى مرجان الصغير، فرفع إليه أن أبا راجح الحمامي بالحلّة يسبّ الصحابة، فأحضره و أمر بضربه فضرب ضربا شديدا مهلكا على جميع بدنه، حتّى أنه ضرب على وجهه، فسقطت ثناياه و أخرج لسانه فجعل فيه مسلّة من الحديد، و خرق أنفه و جعل فيه شركة من الشعر، و شدّ فيها حبلا و سلّمه إلى جماعة من أصحابه و أمرهم أن يدوروا به في أزقّة الحلّة، و الضرب يأخذ من جميع جوانبه حتّى سقط إلى الأرض و عاين الهلاك. فاخبر الحاكم بذلك فأمر بقتله. فقال الحاضرون: إنّه شيخ كبير و قد حصل له ما يكفيه و هو ميّت لما به فاتركه و هو يموت حتف أنفه و لا تتقلّد بدمه و بالغوا حتّى أمر بتخليته و قد انتفخ وجهه و لسانه، فنقله أهله في هذه الحالة و لم يشكّ أحد أنّه يموت من ليلته، فلمّا كان من الغد غدا عليه الناس فإذا هو قائم يصلّي على أتمّ حالة و قد عادت ثناياه التي سقطت كما كانت و اندملت جراحاته و لم يبق لها أثر و الشجة قد زالت من وجهه، فعجب الناس من حاله و سألوه عن أمره فقال: إنّي لما عاينت الموت و لم يبق لي لسان أسأل اللّه تعالى به فكنت أسأله بقلبي و استغثت إلى سيّدي و مولاي صاحب الزمان، فلمّا جنّ عليّ الليل فإذا بالدار قد امتلأت نورا و إذا بمولاي صاحب الزمان قد أمرّ يده الشريفة على وجهي و قال (عليه السّلام): اخرج و كدّ على عيالك فقد عافاك اللّه تعالى، فأصبحت كما ترون. و حكى شمس الدين المذكور و أقسم باللّه إن هذا أبا راجح كان ضعيفا جدّا، ضعيف التركيب، أصفر اللون شين الوجه مقرض اللحية، و كنت دائما أدخل الحمّام الذي هو فيه و كنت دائما أراه على هذه الحالة، و هذا الشكل، فلمّا أصبحت كنت ممّن دخل عليه فرأيته و قد اشتدّت قوّته و انتصبت قامته فطالت لحيته و احمرّ وجهه، و عاد كأنّه ابن عشرين سنة و لم يزل على ذلك حتّى أدركته الوفاة، و لما شاع هذا الخبر و ذاع طلبه الحاكم و أحضره عنده و قد كان رآه بالأمس على تلك الحالة و هو الآن على ضدّها كما وصفناه و لم ير لجراحاته أثرا و ثناياه قد عادت، فداخل الحاكم في ذلك رعب شديد و كان يجلس في مقام الإمام (عليه السّلام) في الحلّة و يعطي ظهره القبلة الشريفة، فصار بعد ذلك يجلس‏

10

و يستقبلها، و عاد يتلطّف بأهل الحلّة و يتجاوز عن مسيئهم و يحسن إلى محسنهم، و لم ينفعه ذلك، بل لم يلبث في ذلك إلّا قليلا حتّى مات‏ (1).

الحكاية الرابعة: و فيه عن شمس الدين محمد المذكور، كان من أصحاب السلاطين المعمر بن شمس يسمّى مذور يضمن القرية المعروفة ببرس و وقف العلويين و كان له نائب يقال له ابن الخطيب و غلام يتولّى نفقاته يدعى عثمان، و كان ابن الخطيب من أهل الصلاح و الإيمان بالضدّ من عثمان و كانا دائما يتجادلان، فاتّفق أنهما حضرا في مقام إبراهيم الخليل بمحضر جماعة من الرعية و العوام فقال ابن الخطيب لعثمان: يا عثمان الآن اتّضح الحقّ و استبان، أنا أكتب على يدي من أتولّاه و هم عليّ و الحسن و الحسين (عليهم السّلام) و اكتب أنت من تتولّاه [و هم‏] أبو بكر و عمر و عثمان ثمّ تشدّ يدي و يدك فأيّنا احترقت يده بالنار كان على الباطل و من سلمت يده كان على الحقّ، فنكل عثمان و أبى أن يفعل فأخذ الحاضرون من الرعية و العوام بالعياط عليه. هذا و كانت أمّ عثمان مشرفة عليهم تسمع كلامهم فلمّا رأت ذلك لعنت الحضور الذين يعيطون على ولدها عثمان و شتمتهم و تهدّدت و بالغت في ذلك فعميت في الحال، فلمّا أحسّت بذلك نادت إلى رفيقاتها فصعدن إليها فإذا هي صحيحة العينين لكن لا ترى شيئا، فقادوها فأنزلوها و مضوا بها إلى الحلّة، و شاع خبرها بين أصحابها و قرائبها و ترائبها، فاحضروا لها الأطباء من بغداد و الحلّة فلم يقدروا لها على شي‏ء، فقال لها نسوة مؤمنات كنّ أخدانها: إنّ الذي أعماك هو القائم فإن تشيّعت و تولّيت و تبرّأت ضمنّا لك العافية على اللّه تعالى و بدون هذا لا يمكنك الخلاص، فأذعنت بذلك و رضيت به فلمّا كانت ليلة الجمعة حملنها حتى أدخلنها القبّة الشريفة في مقام صاحب الزمان (عليه السّلام) و بتن بأجمعهنّ في باب القبّة، فلمّا كان ربع الليل فإذا هي قد خرجت عليهن و قد ذهب العمى عنها و هي تعدهنّ واحدة بعد واحدة و تصف ثيابهنّ و حليهنّ، فسررن بذلك و حمدن اللّه تعالى على حسن العاقبة و قلن لها: كيف كان ذلك؟ فقالت: لمّا جعلتني في القبّة و خرجتنّ عنّي أحسست بيد قد وضعت على يدي و قائل يقول: اخرجي قد عافاك اللّه تعالى، فانكشف العمى عنّي و رأيت القبّة قد امتلأت نورا و رأيت الرجل فقلت له: من أنت يا سيّدي؟ فقال (عليه السّلام): محمد بن الحسن، ثمّ غاب عنّي فقمن و خرجن إلى بيوتهنّ، و تشيّع‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 52/ 71- 72 ح 55 باب 18.

11

ولدها عثمان و حسن اعتقاده و اعتقاد أمّه المذكورة، و اشتهرت القصّة بين أولئك الأقوام و من سمع هذا الكلام و اعتقدوا وجود الإمام (عليه السّلام) و كان ذلك في سنة أربع و أربعين و سبعمائة (1).

الحكاية الخامسة: فيه عن العالم الفاضل عبد الرحمن العماني: إنّي كنت أسمع في الحلّة السيفية حماها اللّه تعالى أن المولى الكبير المعظّم جمال الدين ابن الشيخ الأجل الأوحد الفقيه القاري نجم الدين جعفر بن الزهدري كان به فالج فعالجته جدّته بعد موت أبيه بكل علاج للفالج، فلم يبرأ فأشار إليها بعض الأطباء ببغداد فأحضرتهم فعالجوه زمانا طويلا فلم يبرأ، و قيل لها: ألا تبيتينه تحت القبّة الشريفة بالحلّة المعروفة بمقام صاحب الزمان (عليه السّلام) لعلّ اللّه تعالى يعافيه و يبرؤه، ففعلت و بيّتته تحتها و إنّ صاحب الزمان أقامه و أزال عنه الفالج، ثمّ بعد ذلك حصل بيني و بينه صحبة حتّى كنّا لم نكد نفترق و ان له دار المعشرة يجتمع فيها وجوه أهل الحلّة و شبابهم و أولاد الأماثل منهم، فاستحكيته عن هذه الحكاية فقال لي: إنّي كنت مفلوجا و عجز الأطبّاء عنّي، و حكى لي ما كنت أسمعه مستفاضا في الحلّة من قضيّته و أن الحجّة صاحب الزمان (عليه السّلام) قال لي و قد أباتتني جدّتي تحت القبّة: قم.

فقلت: يا سيدي لا أقدر على القيام منذ سنتي. فقال (عليه السّلام): قم بإذن اللّه تعالى، و أعانني على القيام فقمت فزال عنّي الفالج و انطبق عليّ الناس حتّى كادوا يقتلونني و أخذوا ما كان عليّ من الثياب تقطيعا و تنتيفا يتبرّكون فيها و كساني الناس من ثيابهم و رحت إلى البيت و ليس بي أثر الفالج و بعثت إلى الناس ثيابهم، و كنت أسمعه يحكي ذلك للناس و لمن يستحكيه مرارا حتى مات (رحمه اللّه)(2).

الحكاية السادسة: فيه عن شمس الدين محمد بن قارون: إنّ رجلا يقال له النجم و يلقّب بالأسود في القرية المعروفة بدقوسا على الفرات العظمى و كان من أهل الخير و الصلاح، و كانت له زوجة تدعى بفاطمة خيّرة صالحة و لها ولدان: ابن يدعى عليا و ابنة تدعى زينب، فأصاب الرجل و زوجته العمى و بقيا على حالة ضعيفة و كان ذلك في سنة اثنتي عشرة و سبعمائة و بقيا على ذلك مدّة مديدة، فلمّا كان في بعض الليل أحسّت المرأة بيد تمرّ على‏

____________

(1)- البحار: 52/ 72 ح 55 باب 18.

(2)- البحار: 52/ 73 ح 55.

12

وجهها و قائل يقول: قد أذهب اللّه عنك العمى فقومي إلى زوجك أبي علي فلا تقصّري في خدمته. ففتحت عينيها فإذا الدار قد امتلأت نورا و علمت أنه القائم (عليه السّلام)(1).

الحكاية السابعة: فيه عن محيي الدين الأربلي: أنه حضر عند أبيه و معه رجل فنعس فوقعت عمامته عن رأسه فبدت في رأسه ضربة هائلة فسأله عنها فقال له: هي من صفّين، فقيل له: و كيف ذلك و وقعة صفّين قديمة؟ قال: كنت مسافرا فصاحبني إنسان من عنزة، فلمّا كنّا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفّين فقال لي الرجل: لو كنت في أيّام صفّين لرويت سيفي من علي و أصحابه. فقلت: لو كنت في أيّام صفّين لرويت سيفي من معاوية و أصحابه.

و ها أنا و أنت من أصحاب علي (عليه السّلام) و معاوية فاعتركنا عركة عظيمة و اضطربنا فما أحسست بنفسي إلّا مرميّا لما بي، فبينما أنا [كذلك‏] و إذا بإنسان يوقظني بطرف رمحه ففتحت عيني فنزل إليّ و مسح الضربة فتلاءمت. فقال: البث هنا، ثمّ غاب قليلا و عاد معه رأس مخاصمي مقطوعا و الدواب معه فقال (عليه السّلام): هذا رأس عدوّك و أنت نصرتنا فنصرناك‏ وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ‏ (2) فقلت: من أنت؟ قال (عليه السّلام): فلان بن فلان يعني صاحب الأمر (عليه السّلام) ثمّ قال لي: و إذا سئلت عن هذه الضربة فقل: ضربتها في صفّين‏ (3).

الحكاية الثامنة: فيه عن حسن بن محمد بن قاسم: كنت أنا و شخص من ناحية الكوفة يقال له: عمّار مرّة على الطريق الحالية من سواد الكوفة فتذاكرنا أمر القائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال لي: يا حسن احدّثك بحديث عجيب؟ فقلت له: هات ما عندك. قال:

جاءت قافلة من طي يكتالون من عندنا من الكوفة و كان فيهم رجل و سيم و هو زعيم القافلة فقلت لمن حضر: هات الميزان من دار العلوي، فقال البدوي: و عندكم هنا علوي؟ فقلت: يا سبحان اللّه معظم الكوفة علويّون. فقال البدوي: العلوي و اللّه تركته ورائي في البرية في بعض البلدان. فقلت: و كيف خبره؟ فقال: فررنا في نحو ثلاثمائة فارس أو دونها فبقينا ثلاثة أيام بلا زاد و اشتدّ بنا الجوع فقال بعضنا لبعض: دعونا نرمي السهم على بعض الخيل نأكلها فاجتمع رأينا على ذلك و رمينا بسهم فوقع على فرسي فغلطتهم و قلت: ما أقنع فعدنا بسهم آخر فوقع عليها أيضا، فلم أقبل و قلت: نرمي بثالث فرمينا فوقع عليها أيضا، و كانت عندي‏

____________

(1)- البحار: 52/ 74 ح 55.

(2)- سورة الحج: 40.

(3)- البحار: 52/ 75 ح 55.

13

تساوي ألف دينار و هي أحبّ إليّ من ولدي فقلت: دعوني أتزوّد من فرسي بمشوار فإلى اليوم ما أجد بها غاية، فركضتها إلى رابية بعيدة منّا قدر فرسخ فمررت بجارية تحطب تحت الرابية فقلت: يا جارية من أنت و من أهلك؟ فقالت: أنا لرجل علوي في هذا الوادي و مضت من عندي فرفعت مئزري على رمحي و أقبلت إلى أصحابي فقلت لهم: أبشروا بالخير، الناس منكم قريب في هذا الوادي، فمضينا فإذا بخيمة في وسط الوادي فطلع إلينا منها رجل صبيح الوجه أحسن من يكون من الرجال، ذؤابته إلى سرّته و هو يضحك و يجيئنا بالتحية فقلت: يا وجه العرب العطش، فنادى: يا جارية هاتي من عندك الماء، فجاءت الجارية و معها قد حان فيهما ماء فتناول منهما قدحا و وضع يده فيه و ناولنا إيّاه، و كذلك فعل بالآخر فشربنا عن أقصانا من القدحين و أرجعناهما عليه و ما نقص القدحان، فلمّا روينا قلنا له: الجوع يا وجه العرب، فرجع بنفسه و دخل الخيمة و أخرج بيده منسفة فيها زاد و قد وضع يده و قال: يجي‏ء منكم عشرة عشرة فأكلنا جميعا من تلك المنسفة و اللّه يا فلان ما تغيّرت و لا نقصت. فقلنا: نريد الطريق الفلاني؟ فقال: هذاك دربكم، و أومى لنا إلى معلم، و مضينا فلمّا بعدنا عنه قال بعضنا لبعض: أنتم خرجتم من أهلكم لكسب و المكسب قد حصل لكم فنهى بعضنا بعضا و أمر بعضنا به ثمّ اجتمع رأينا على أخذهم فرجعنا فلما رآنا راجعين شدّ وسطه بمنطقة و أخذ سيفا فتقلّد به و أخذ رمحه و ركب فرسا أشهب و التقانا و قال: لا تكن أنفسكم القبيحة دبّرت لكم القبيح. فقلنا: هو كما ظننت و رددنا عليه ردّا قبيحا فزعق بزعقات فما رأينا إلّا من داخل قلبه الرعب و ولّينا من بين يديه منهزمين فخط خطة بيننا و بينه و قال: و حقّ جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا يعبرنّها أحد منكم إلّا ضربت عنقه فرجعنا و اللّه عنه بالرغم منّا. هذاك العلوي حقّا لا من هو مثل هؤلاء (1).

الحكاية التاسعة: في العوالم عن سيّد علي بن عبد الحميد في كتاب السلطان المفرج عن أهل الإيمان ما أخبرني من أثق به و هو خبر مشهور عند أكثر أهل المشهد الغروي: أن الدار التي هي الآن سنة سبعمائة و تسع و ثمانين أنا ساكنها كانت لرجل من أهل الخير و الصلاح يدعى الحسين المدلّل ملاصقة بجدران الحضرة الشريفة و هو مشهور بالمشهد الشريف الغروي و كان الرجل له عيال و أطفال فأصابه فلج و مكث مدّة لا يقدر على القيام‏

____________

(1)- البحار: 52/ 76 ح 55.

14

و إنّما يرفعه عياله عند حاجته و ضروراته و مكث على ذلك مدّة مديدة، فدخل على عياله و أهله بذلك شدّة شديدة و احتاجوا إلى الناس و اشتد عليهم الناس، فلمّا كان سنة عشرين و سبعمائة هجرية في ليلة من لياليها بعد ربع الليل نبّه عياله فانتبهوا في الدار فإذا الدار و السطح قد امتلئا نورا يأخذ بالأبصار فقالوا: ما الخبر؟ فقال: إنّ الإمام جاءني و قال: قم يا حسين، فقلت: يا سيدي أ تراني أقدر على القيام؟ فأخذ بيدي و أقامني فذهب ما بي و ها أنا صحيح على أتمّ ما ينبغي. و قال لي: هذا الساباط دربي إلى زيارة جدّي فأغلقه في كلّ ليلة، فقلت: سمعا و طاعة للّه و لك يا مولاي، فقام الرجل و خرج إلى الحضرة الشريفة الغروية و زار الإمام و حمد اللّه تعالى على ما حصل له من الإنعام و صار هذا الساباط المذكور إلى الآن ينذر له عند الضرورات فلا يكاد يخيب ناذره من المبرّات ببركات الإمام القائم (عليه السّلام)(1).

الحكاية العاشرة: في جنّة المأوى للمحدّث النوري طاب ثراه عن السيّد المعظم المبجّل بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي عن الشهيد الأوّل في كتاب الغيبة عن الشيخ العالم الكامل القدوة المقرئ الحافظ المحمود الحاج المعتمر شمس الحق و الدين محمد بن قارون قال: دعيت إلى امرأة فأتيتها و أنا أعلم أنّها مؤمنة من أهل الخير و الصلاح فزوّجها أهلها من محمود الفارس المعروف بأخي بكر و يقال له و لأقاربه بنو بكر، و أهل فارس مشهورون بشدّة التسنّن و النصب و العداوة لأهل الايمان، و كان محمود هذا أشدّهم في الباب و قد وفّقه اللّه تعالى للتشيّع دون أصحابه فقلت: وا عجباه كيف سمح أبوك لك و جعلك مع هؤلاء النصّاب و كيف اتّفق لزوجك مخالفة أهله حتّى رفضهم؟ فقالت: يا أيّها المقرئ إنّ له حكاية عجيبة إذا سمعها أهل الأدب حكموا أنها من العجب.

قلت: و ما هي؟ قالت: سله عنها سيخبرك. قال الشيخ: فلمّا حضرنا عنده قلت له: يا محمود ما الذي أخرجك عن ملّة أهلك و أدخلك مع الشيعة؟ فقال: يا شيخ لما اتضح لي الحقّ تبعته، اعلم أنه قد جرت عادة أهل الفرس أنهم إذا سمعوا بورود القوافل يتلقونهم فاتّفق أنّا سمعنا بورود قافلة كبيرة فخرجت و معي صبيان كثيرون و أنا إذ ذاك صبي مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة بجهلنا و لم نفكّر في عاقبة الأمر و صرنا كلّما انقطع منّا صبي من التعب يرمونه إلى الضعف فضللنا عن الطريق و وقعنا في واد لم نكن نعرفه و فيه شوك و شجر

____________

(1)- إثبات الهداة: 3/ 705 باب 3 ح 155 و البحار: 52/ 74.

15

و دغل لم نر مثله قط، فأخذنا في السير حتّى عجزنا و تدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش فأيقنّا بالموت و سقطنا لوجوهنا، فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض قد نزل قريبا منّا و طرح مفرشا لطيفا لم نر مثله تفوح منه رائحة طيبة، فالتفتنا إليه و إذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض و على رأسه عمامة له ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثمّ قام فصلّى بصاحبه ثمّ جلس للتعقيب فالتفت إليّ و قال (عليه السّلام): يا محمود. فقلت بصوت ضعيف:

لبّيك يا سيدي. قال: ادن منّي. فقلت: لا أستطيع لما بي من العطش و التعب. قال (عليه السّلام): لا بأس عليك. فلمّا قالها حسبت كأن قد حدثت في نفسي روح متجدّدة فسعيت إليه حبوا فأمرّ يده على وجهي و صدري و رفعها إلى حنكي فرده حتى لصق بالحنك الأعلى و دخل لساني في فمي و ذهب ما بي وعدت بما كنت أولا. فقال (عليه السّلام): قم و ائتني بحنظلة من هذا الحنظل. و كان في الوادي حنظل كثير فأتيته بحنظلة كبيرة، فقسمها نصفين و ناولنيها و قال (عليه السّلام): كل منها فأخذتها منه و لم أقدر على مخالفته و عندها أمرني أن آكل الصبر لما عهد من مرارة الحنظل، فلمّا ذقتها فإذا هي أحلى من العسل و أبرد من الثلج شبعت و رويت، ثمّ قال لي: ادع صاحبك فدعوته فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة. فقال (عليه السّلام): قم لا بأس عليك، فأقبل حبوا و فعل معه كما فعل معي ثمّ نهض ليركب، فقلنا: باللّه عليك يا سيدنا إلّا ما أتممت علينا نعمتك فأوصلنا إلى أهلنا. فقال: لا تعجلوا و خط حولنا برمحه خطّة و ذهب هو و صاحبه.

فقلت لصاحبي: قم بنا حتّى نقف بإزاء الجبل و نقع على الطريق فقمنا و سرنا و إذا بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فإذا بحائط آخر و هكذا من أربع جوانبنا فجلسنا و جعلنا نبكي على أنفسنا ثمّ قلت لصاحبي: ائتني من هذا الحنظل لنأكله فأتى به فإذا هو أمرّ من كلّ شي‏ء و أقبح فرمينا به. ثمّ لبثنا هنيئة و إذا قد استدار بنا الوحش ما لم يعلم إلّا اللّه عدده و كلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط فإذا ذهبوا زال الحائط و إذا عادوا عاد قال: فبتنا تلك الليلة آمنين حتّى أصبحنا و طلعت الشمس و اشتدّ الحرّ و أخذنا العطش فجزعنا أشدّ الجزع و إذا بالفارسين قد أقبلا و فعلا كما فعلا بالأمس، فلمّا أراد مفارقتنا قلنا له: باللّه عليك إلّا أوصلتنا إلى أهلنا فقال: أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما، ثمّ غابا فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا و معه ثلاث أحمرة قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا و انهزم‏

16

و ترك حميره فصحنا إليه باسمه و تسمّينا له، فرجع و قال: يا ويلكما إنّ أهاليكما أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا و ركبنا تلك الأحمرة فلمّا قربنا من البلد دخل أمامنا و خبّر أهلنا، و فرحوا فرحا شديدا و أكرموه و أخلعوا عليه، فلمّا دخلنا إلى أهلينا سألونا عن حالنا فحكينا لهم بما شاهدناه فكذّبونا و قالوا هو تخييل لكم من العطش.

قال محمود: ثمّ أنساني الدهر حتّى كأن لم يكن و لم يبق على خاطري شي‏ء منه حتى بلغت عشرين سنة و تزوّجت و صرت أخرج في المكاراة و لم يكن في أهلي أشدّ منّي نصبا لأهل الايمان سيّما زوّار الأئمّة بسرّ من رأى، فكنت أكريهم الدواب بالقصد لأذيّتهم بكلّ ما أقدر عليه من السرقة و غيرها، و أعتقد أنّ ذلك ممّا يقرّبني إلى اللّه تعالى، فاتّفق أن أكريت دوابي مرّة لقوم من أهل الحلّة و كانوا قادمين إلى الزيارة و منهم ابن السهيلي و ابن عرفة و ابن جارب و ابن الزهدري و غيرهم من أهل الصلاح و مضيت إلى بغداد و هم يعرفون ما أنا عليه من العناد، فلمّا خلوا بي من الطريق و قد امتلئوا عليّ غيظا و حنقا لم يتركوا شيئا من القبيح إلّا فعلوه بي و أنا ساكت لا أقدر عليهم لكثرتهم، فلمّا وصلنا بغداد ذهبوا إلى الجانب الغربي فنزلوا هناك و قد امتلأ فؤادي حنقا فلمّا جاء أصحابي قمت إليهم و لطمت على وجهي و بكيت. فقالوا: ما لك و ما دهاك؟ فحكيت لهم ما جرى من اولئك القوم فأخذوا في سبّهم و لعنهم، و قالوا: طب نفسا فإنّا نجتمع معهم في الطريق إذا خرجوا و نصنع بهم أعظم ممّا صنعوا، فلمّا جنّ الليل أدركتني السعادة فقلت في نفسي إنّ هؤلاء الرفضة لا يرجعون عن دينهم بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم فما ذلك إلّا لأنّ الحقّ معهم، فبقيت متفكّرا في ذلك و سألت ربّي بنبيّه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يريني في ليلة علامة أستدلّ بها على الحقّ الذي فرضه اللّه تعالى على عباده، فأخذني النوم فإذا أنا بالجنّة قد زخرفت و إذا فيها أشجار عظيمة مختلفة الألوان و الثمار ليست مثل أشجار الدنيا، لأن أغصانها مدلاة و عروقها إلى فوق و رأيت أربعة أنهار من خمر و لبن و عسل و ماء و هي تجري و ليس لها زاجر بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، و رأيت نساء حسنة الأشكال و رأيت قوما يأكلون من تلك الثمار و يشربون من تلك الأنهار و أنا لا أقدر على ذلك، فكلّما أردت أن أتناول من الثمار تصعد إلى فوق و كلّما هممت أن أشرب من تلك الأنهار تغور إلى تحت، فقلت للقوم: ما بالكم تأكلون و تشربون و أنا لا أطيق ذلك؟

17

فقالوا: إنّك لم تأت إلينا بعد، فبينا أنا كذلك و إذا بفوج عظيم فقلت: ما الخبر؟ فقالوا:

سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السّلام) قد أقبلت، فنظرت فإذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة ينزلون من الهواء إلى الأرض و هم حافّون بها، فلمّا دنت فإذا بالفارس الذي خلّصنا من العطش بإطعامه لنا الحنظل قائم بين يدي فاطمة، فلمّا رأيته عرفته و ذكرت تلك الحكاية و سمعت القوم يقولون: هذا م ح م د بن الحسن القائم (عليه السّلام) المنتظر، فقام الناس و سلّموا على فاطمة (عليها السّلام) فقمت أنا و قلت: السلام عليك يا بنت رسول اللّه. فقالت: و عليك السلام يا محمود، أنت الذي خلّصك ولدي هذا من العطش؟ فقلت: نعم يا سيدتي. فقالت: إن دخلت مع شيعتنا أفلحت. فقلت: أنا داخل في دينك و دين شيعتك مقرّ بإمامة من مضى من بنيك و من بقي منهم. فقالت: أبشر فقد فزت. قال محمود: فانتبهت و أنا أبكي و قد ذهل عقلي ممّا رأيت فانزعج أصحابي لبكائي و ظنّوا أنّه ممّا حكيت لهم. فقالوا: طب نفسا فو اللّه لننتقمن من الرفضة فسكتّ عنهم حتّى سكتوا و سمعت المؤذّن يعلن بالأذان فقمت إلى الجانب الغربي و دخلت منزل أولئك الزوّار فسلّمت عليهم، فقالوا: لا أهلا و لا سهلا، اخرج عنّا لا بارك اللّه فيك.

فقلت: إنّي قد عدت معكم و دخلت عليكم لتعلّموني معالم الدين فبهتوا من كلامي و قال بعضهم: كذب و قال آخرون: جاز أن يصدق، فسألوني عن سبب ذلك فحكيت لهم ما رأيت فقالوا: إن صدقت فإنّا ذاهبون إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر (عليهما السّلام) فامض معنا حتّى نشيّعك هناك، فقلت: سمعا و طاعة و جعلت أقبّل أيديهم و أقدامهم و حملت إخراجهم و أنا أدعو لهم حتّى وصلنا إلى الحضرة الشريفة فاستقبلنا الخدّام و معهم رجل علوي كان أكبرهم فسلّموا على الزوّار فقالوا له: افتح لنا الباب حتّى نزور سيّدنا و مولانا فقال: حبّا و كرامة و لكن معكم شخص يريد أن يتشيّع و رأيته في منامي واقفا بين يدي سيّدتي فاطمة الزهراء (صلوات اللّه عليها)، فقالت لي: يأتيك غدا رجل يريد أن يتشيّع فافتح له الباب قبل كلّ أحد، و لو رأيته الآن لعرفته فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجّبين.

قالوا: فشرع ينظر إلى واحد واحد فقال: اللّه أكبر هذا و اللّه هو الرجل الذي رأيته، ثمّ أخذ بيدي فقال القوم: صدقت يا سيّد و بررت، و صدق هذا الرجل بما حكاه و استبشروا بأجمعهم و حمدوا اللّه تعالى، ثمّ إنّه أدخلني الحضرة الشريفة و شيّعني و تولّيت و تبرّيت‏

18

فلمّا تمّ أمري قال العلوي: و سيّدتك فاطمة (عليها السّلام) تقول لك سيلحقك بعض حطام الدنيا فلا تحفل به و سيخلفه اللّه عليك و ستحصل في مضائق فاستغث بنا تنج، فقلت: السمع و الطاعة و كان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت و خلف اللّه عليّ مثلها و أضعافها و أصابني مضائق فندبتهم و نجوت، و فرّج اللّه عنّي بهم و أنا اليوم أوالي من والاهم و أعادي من عاداهم و أرجو بهم حسن العاقبة، ثمّ إنّي سعيت إلى رجل من الشيعة فزوّجني هذه المرأة و تركت أهلي فما قبلت التزويج منهم. و هذا ما حكى لي في تاريخ شهر رجب سنة ثمان و ثمانين و سبعمائة من الهجرة و الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة على محمّد و آله‏ (1).

الحكاية الحادية عشرة: فيه بحذف الأسانيد عن كمال الدين أحمد بن محمد بن يحيى الأنباري بمدينة السلام ليلة عاشر شهر رمضان سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة قال: كنّا عند الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في رمضان بالسنة المقدم ذكرها و نحن على طبقة و عنده جماعة فلمّا أفطر من كان حاضرا- و يعوض أكثر من حضر حاضرا- أردنا الانصراف فأمرنا بالتمسّي عنده فكان في مجلسه في تلك الليلة شخص لا أعرفه و لم أكن رأيته من قبل، و رأيت الوزير يكثر إكرامه و يقرّب مجلسه و يصغي إليه و يسمع قوله دون الحاضرين، فتجارينا الحديث و المذاكرة حتّى أمسينا و أردنا الانصراف فعرّفنا بعض أصحاب الوزير أن الغيث ينزل و أنه يمنع من يريد الخروج، فأشار الوزير أن نمسي عنده فأخذنا نتحادث فأفضى الحديث حتّى تحادثنا في الأديان و المذاهب و رجعنا إلى دين الإسلام و تفرّق المذاهب فيه، فقال الوزير: أقل طائفة مذهب الشيعة و ما يمكن أكثر منهم في خطتنا هذه و هم الأقلّ من أهلها و أخذ يذمّ أحوالهم و يحمد اللّه على قتلهم في أقاصي الأرض، فالتفت الشخص الذي كان الوزير مقبلا عليه مصغيا إليه فقال له: أدام اللّه أيّامك أحدّث بما عندي فيما قد تفاوضتم فيه أو أعزب عنه فصمت الوزير ثمّ قال: قل ما عندك، فقال: خرجت مع والدي سنة اثنتين و عشرين و خمسمائة من مدينتنا و هي المعروفة بالباهية و لها الرستاق‏ (2) التي يعرفها التجّار و عدّة ضياعها ألف و مائتا ضيعة في كلّ ضيعة من الخلق ما لا يحصي‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 202- 208 المطبوع بذيل بحار الأنوار ج 53.

(2)- الرستاق فارسي معرّب و هي السواد (الصحاح: 4/ 1481) و في مجمع البحرين: (2/ 174) يستعمل في الناحية: طرف الاقليم.

19

عددهم إلّا اللّه و هم قوم نصارى، و جميع الجزائر التي كانت حولهم على دينهم و مذهبهم، و مسير بلادهم و جزائرهم مدّة شهرين و بينهم و بين البرّ مسيرة عشرين يوما و كلّ من في البر من الأعراب و غيرهم نصارى و تتصل بالحبشة و النوبة و كلّهم نصارى و تتصل بالبربر و هم على دينهم، فإن حدّ هذا كان بقدر كلّ من في الأرض و لم نضف إليهم الافرنج و الروم، و غير خفي عنكم من بالشام و العراق و الحجاز من النصارى، و اتفق أننا سرنا في البحر و أوغلنا و تعدينا الجهات التي كنّا نصل إليها و رغبنا في المكاسب، و لم نزل على ذلك حتّى صرنا إلى جزائر عظيمة كثيرة الأشجار مليحة الجدران فيها المدن المدوّرة و الرساتيق، و أوّل مدينة وصلنا إليها و ارسيت المراكب بها و قد سألنا الناخدا (1): أيّ شي‏ء هذه الجزيرة؟

قال: و اللّه إنّ هذه جزيرة لم أصل إليها و لم أعرفها و أنا و أنتم في معرفتها سواء، فلمّا أرسينا بها و صعد التجّار إلى مشرعة تلك المدينة و سألنا ما اسمها فقيل: هي المباركة، فسألنا عن سلطانهم و ما اسمه، الطاهر، فقلنا: و أين سرير ملكه؟ فقيل: بالزاهرة. فقلنا:

و أين الزاهرة؟ فقالوا: بينكم و بينها مسيرة عشر ليال في البحر و خمس و عشرين ليلة في البر، و هم قوم مسلمون. فقلنا: من يقبض زكاة ما في المركب لنشرع في البيع و الابتياع؟ فقال:

تحضرون عند نائب السلطان. فقلنا: و أين أعوانه؟ فقالوا: لا أعوان له بل هو في داره و كلّ من عليه حقّ يحضر عنده فيسلّمه إليه، فتعجّبنا من ذلك و قلنا: ألا تدلّونا عليه؟ فقالوا: بلى، و جاء معنا من أدخلنا داره، فرأيناه رجلا صالحا عليه عباءة و هو مفرشها و بين يديه دواة يكتب منها من كتاب ينظر إليه، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام و حيّانا و قال: من أين أقبلتم؟

فقلنا: من أرض كذا و كذا، فقال: كلّكم مسلمون؟

فقلنا: لا، بل فينا المسلم و اليهود و النصارى فقال: يزن اليهودي جزيته و النصراني جزيته و يناظر المسلم عن مذهبه، فوزن والدي عن خمس نفر نصارى و عنه و عنّي و عن ثلاثة نفر كانوا معنا ثمّ وزن تسعة نفر كانوا يهودا و قالوا للباقين هاتوا مذاهبكم فشرعوا معه في مذاهبهم فقال: لستم مسلمين، و إنّما أنتم خوارج و أموالكم محلّلة للمسلم المؤمن، و ليس بمسلم من لم يؤمن باللّه و رسوله و اليوم الآخر و بالوصي و الأوصياء من ذريّته حتّى مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليهم)، فضاقت بهم الأرض و لم يبق إلّا أخذ أموالهم، ثمّ قال لنا:

____________

(1)- كلمة فارسية الأصل معناها ربّان السفينة.

20

يا أهل الكتاب لا معارضة لكم فيما معكم حيث أخذت الجزية منكم، فلمّا عرف أولئك أن أموالهم معرّضة للنهب سألوه أن يحتملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم و تلا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1) فقلنا للناخدا و الربان و هو الدليل: هؤلاء قوم قد عاشرناهم و صاروا لنا رفقة و ما يحسن لنا أن نتخلّف عنهم، أينما يكونوا نكن معهم حتّى نعلم ما يستقر حالهم عليه. فقال الربان: ما أعلم هذا البحر أين المسير فيه و استأجرنا ربانا و رجالا و قلعنا القلع و سرنا ثلاثة عشر يوما بلياليها حتّى كان قبل طلوع الفجر فكبّر الربان فقال: هذه و اللّه أعلام الزاهرة و منائرها و جدرانها، إنّها قد بانت، فسرنا حتّى تضاحى النهار فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون أحسن منها و لا أخف على القلب و لا أرق من نسيمها و لا أطيب من هوائها و لا أعذب من مائها و هي راكبة البحر على جبل من صخر أبيض كأنه لون الفضة، و عليها سور إلى ما يلي البحر، و البحر يحيط الذي يليه منها و الأنهار منحرفة في وسطها يشرب منها أهل الدور و الأسواق و تأخذ منها الحمامات و فواضل الأنهار، ترى في البحر و مدّ الأنهار فرسخ و نصف، و في تحت ذلك الجبل بساتين المدينة و أشجارها و مزارعها عند العيون، و أثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها و لا أعذب منها، و يرعى الذئب و النعجة عيانا و لو قصد قاصد لتخلية دابة في زرع غيره لأرعته و لأقطعته قطعة حمله، و لقد شاهدت السباع و الهوام رابضة في غيض تلك المدينة و بنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم، فلمّا قدمنا المدينة، و أرسى المركب فيها و ما كان صحبنا من الشّوالي‏ (2) و الذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناء كثيرة الخلق وسيعة الربقة و فيها الأسواق الكثيرة و المعاش العظيم، و ترد إليها الخلق من البر و البحر و أهلها على أحسن قاعدة، لا يكون على وجه الأرض من الامم و الأديان مثلهم و أمانتهم، حتّى أنّ المتعيش بسوق يرد إليه من يبتاع منه حاجة إما بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها، ثمّ يقول: يا هذا زن لنفسك و اذرع لنفسك، فهذه صورة مبايعتهم، و لا يسمع بينهم لغو المقال و لا السفه و لا النميمة و لا يسبّ بعضهم بعضا، و إذا نادى المؤذن: الأذان، لا يتخلّف منهم متخلّف ذكرا كان أو انثى إلّا و يسعى إلى الصلاة، حتّى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض رجع كلّ منهم إلى بيته حتّى يكون وقت الصلاة الاخرى فتكون الحال كما كانت، فلمّا وصلنا

____________

(1)- سورة الأنفال: 42.

(2)- قرية بمرو.

21

المدينة و أرسينا بمشرعتها أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره و دخلنا إليه إلى بستان صور في وسطه قبّة من قصب و السلطان في تلك القبّة و عنده جماعة و في باب القبّة ساقية تجري، فوافينا القبّة و قد أقام المؤذن الصلاة فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس و أقيمت الصلاة فصلّى بهم جماعة فلا و اللّه لم تنظر عيني أخضع منه للّه و لا ألين جانبا لرعيته، فصلّى من صلّى مأموما، فلمّا قضيت الصلاة التفت إلينا و قال: هؤلاء القادمون؟

قلنا: نعم، و كانت تحية الناس له أو مخاطبتهم له بابن صاحب الأمر، فقال: على خير مقدم، ثمّ قال: أنتم تجّار أو ضياف؟ فقلنا: تجّار، فقال: من منكم المسلم و من منكم أهل الكتاب؟ فعرّفناه ذلك، فقال: أنّ الإسلام تفرّق شعبا فمن أي قبيل أنتم؟ و كان معنا شخص يعرف بالمقرى بن زبهان بن أحمد الأهوازي يزعم أنّه على مذهب الشافعي، فقال له: أنا رجل شافعي، قال: فمن على مذهبك من الجماعة؟ قال: كلّنا إلّا هذا حسّان بن غيث فإنّه رجل مالكي، فقال: أنت تقول بالإجماع؟ قال: نعم، قال: إذا تعمل بالقياس، ثمّ قال: باللّه يا شافعي تلوت ما أنزل اللّه يوم المباهلة؟

قال: نعم، قال: ما هو؟ قال قوله تعالى‏ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ‏ (1) فقال باللّه عليك من أبناء الرسول و من نساؤه و من نفسه يا بن زبهان؟ فأمسك، فقال: باللّه هل بلغك أن غير الرسول و الوصي و البتول و السبطين دخل تحت الكساء؟ قال: لا، فقال: و اللّه لم تنزل هذه الآية إلّا فيهم و لا خصّ بها سواهم، ثمّ قال: باللّه عليك يا شافعي ما تقول فيمن طهّره اللّه بالدليل القاطع فهل ينجسه المختلفون؟ قال: لا، قال: باللّه عليك هل تلوت‏ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2) قال: نعم، قال: باللّه عليك من يعني بذلك؟ فأمسك، فقال:

و اللّه ما عنى بها إلّا أهلها، ثمّ بسط لسانه و تحدّث بحديث أمضى من السهام و أقطع من الحسام فقطع الشافعي و واقفه، فقام عند ذلك فقال: عفوا يا بن صاحب الأمر، انسب إليّ نسبك فقال: أنا طاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن‏

____________

(1)- سورة آل عمران: الآية 61.

(2)- سورة الأحزاب: الآية 33.

22

محمد بن علي بن الحسين بن علي (عليه السّلام) أنزل اللّه فيه‏ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ‏ (1) هو و اللّه الإمام المبين، و نحن الذين أنزل اللّه في حقّنا ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (2) يا شافعي: نحن أهل البيت، نحن ذرية الرسول و نحن أولو الأمر، فخرّ الشافعي مغشيا عليه لما سمع منه، ثمّ أفاق من غشيته و آمن به و قال: الحمد للّه الذي منحني بالإسلام و نقلني من التقليد إلى اليقين، ثمّ أمر لنا بإقامة الضيافة فبقينا على ذلك ثمانية أيام و لم يبق في المدينة إلّا من جاء إلينا و حادثنا فلمّا انقضت الأيّام الثمانية أخذ يسأله أهل المدينة أن يقوموا لنا بالضيافة ففتح لهم في ذلك فأكثر علينا الأطعمة و الفواكه و عملت لنا الولائم و لبثنا في تلك المدينة سنة كاملة، فعلمنا و تحقّقنا أن تلك المدينة مسيرة شهرين كاملة برّا و بحرا، و بعدها مدينة اسمها الرائقة سلطانها القاسم ابن صاحب الأمر مسيرة ملكها شهران، و هي على تلك القاعدة و لها دخل عظيم، و بعدها مدينة اسمها الصافية سلطانها إبراهيم ابن صاحب الأمر بالحكام، و بعدها مدينة اسمها مظلوم سلطانها عبد الرحمن ابن صاحب الأمر مسيرة رستاقها و ضياعها شهران، و بعدها مدينة أخرى اسمها عناطيس سلطانها هاشم ابن صاحب الأمر و هي أعظم المدن كلّها و أكبرها و أعظم دخلا و مسيرة ملكها أربعة أشهر فيكون مسيرة المدن الخمس و المملكة مقدار سنة لا يوجد في أهل تلك الخطط و المدن و الضياع و الجزائر غير المؤمن الشيعي الموحّد القائل بالبراءة و الولاية الذي يقيم الصلاة و يؤتي الزكاة و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، سلاطينهم أولاد إمامهم، يحكمون بالعدل و به يأمرون، و ليس على وجه الأرض مثلهم، و لو جمع أهل الدنيا لكانوا أكثر عددا منهم على اختلاف الأديان و المذاهب، و لقد أقمنا عندهم سنة كاملة نترقّب ورود صاحب الأمر إليهم لأنّهم زعموا أنّها سنة وروده، فلم يوفّقنا اللّه تعالى إلى النظر إليه، فأمّا ابن زبهان و حسّان فإنّهما أقاما بالزاهرة يرقبان رؤيته (عليه السّلام) و قد كنّا لما استكثرنا هذه المدن و أهلها سألنا عنها فقيل: إنّها عمارة صاحب الأمر (عليه السّلام) و استخراجه، فلمّا سمع عون الدين ذلك نهض و دخل حجرة لطيفة و قد تقضى الليل فأمر بإحضارنا واحدا واحدا و قال: إيّاكم و إعادة ما سمعتم أو إجراءه على ألفاظكم و شدده و أخذ علينا، فخرجنا من عنده و لم يعد أحد منّا ممّا سمعه حرفا واحدا حتّى هلك، و كنّا إذا حضرنا موضعا و اجتمع و احدنا بصاحبه قال:

____________

(1)- سورة يس: الآية 12.

(2)- سورة آل عمران: الآية 34.

23

أتذكر شهر رمضان، فيقول: نعم، ستر الحال شرط، فهذا ما سمعته و رويته و الحمد للّه وحده و صلواته على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1).

الحكاية الثانية عشرة: فيه عن المولى زين العابدين السلماسي تلميذ آية اللّه السيّد السند و العالم المسدّد و فخر الشيعة و زينة الشريعة العلّامة الطباطبائي السيّد محمد مهدي المدعو ببحر العلوم أعلى اللّه درجته، و كان المولى المزبور من خاصّته في السرّ و العلانية قال: كنت حاضرا في مجلس السيّد في المشهد الغروي إذ دخل عليه لزيارته المحقّق القمّي صاحب القوانين في السنة التي رجع من [بلاد] (2) العجم إلى العراق زائرا لقبور الأئمّة (عليهم السّلام) و حاجّا لبيت اللّه الحرام فتفرّق من كان في المجلس و حضر للاستفادة منه و كانوا أزيد من مائة و بقيت ثلاثة من أصحابه أرباب الورع و السداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد فتوجّه المحقّق الأيد إلى جناب السيّد و قال: إنّكم فزتم و حزتم مرتبة الولاية الروحانية و الجسمانية و قرب المكان الظاهري و الباطني فتصدّقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان و ثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان كي تنشرح به الصدور و تطمئن به القلوب، فأجاب السيّد من غير تأمّل و قال: إنّي كنت في الليلة الماضية قبل ليلتين أو أقل- و الترديد من الراوي- في المسجد الأعظم بالكوفة لأداء نافلة الليل عازما على الرجوع إلى النجف في أوّل الصبح لئلّا يتعطّل أمر البحث و المذاكرة و هكذا كان دأبه في سنين عديدة، فلمّا خرجت من المسجد ألقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة فصرفت خيالي عنه خوفا من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح فيفوت البحث في اليوم، و لكن كان الشوق يزيد في كلّ آن و يميل القلب إلى ذلك المكان، فبينا أقدّم رجلا و أؤخّر أخرى إذا بريح فيها غبار كثير فهاجت بي و أمالتني عن الطريق فكأنّها التوفيق الذي هو خير رفيق إلى أن ألقتني إلى باب المسجد فدخلت فإذا به خال عن العباد و الزوّار إلّا شخصا جليلا مشغولا بالمناجاة مع الجبّار بكلمات ترقّق القلوب القاسية و تسيح الدموع من العيون الجامدة، فطار بالى و تغيّرت حالي و رجفت ركبتي و هملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها اذني و لم ترها عيني ممّا وصلت إليه من الأدعية المأثورة، و عرفت أن المناجي ينشئها في الحال لا أنّه‏

____________

(1)- بطوله في الصراط المستقيم عن الانباري: 2/ 264- 265 فصل في علامات القائم و مدّته.

(2)- زيادة يقتضيها السياق.

24

ينشد ممّا أودعه في البال، فوقفت في مكاني مستمعا متلذّذا إلى أن فرغ من مناجاته فالتفت إليّ و صاح بلسان العجم: مهدي بيا، أي: هلم يا مهدي، فتقدّمت إليه بخطوات فوقفت فأمرني بالتقدّم فمشيت قليلا ثمّ وقفت فأمرني بالتقدّم و قال: إنّ الأدب في الامتثال، فتقدّمت إليه بحيث تصل يدي إليه و يده الشريفة إليّ و تكلّم بكلمة. قال المولى السلماسي:

و لمّا بلغ كلام السيّد السند إلى هنا أضرب عنه صفحا و طوى عنه كشحا و شرح في الجواب عمّا سأله المحقّق المذكور قبل ذلك عن سرّ قلّة تصانيفه مع طول باعه في العلوم فذكر له وجوها، فعاد المحقّق القمّي فسأل عن هذا الكلام الخفي، فأشار بيده شبه المنكر بأن هذا سرّ لا يذكر (1).

الحكاية الثالثة عشرة: و فيه عن المولى السلماسي قال: كنت حاضرا في مجلس إفادته فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغرّاء في الغيبة الكبرى و كانت بيده الآلة المعروفة بشرب الدخان المسمّى عند العجم ب: (غليان) فسكت عن جوابه و طأطأ رأسه و خاطب نفسه بكلام خفي أسمعه فقال ما معناه: ما أقول في جوابه قد ضمّني (صلوات اللّه عليه) إلى صدره، و ورد أيضا في الخبر تكذيب مدّعي الرؤية في أيّام الغيبة، فكرّر هذا الكلام ثمّ قال في جواب السائل: إنّه قد ورد في أخبار العصمة تكذيب من ادّعى رؤية الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه). و اقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه‏ (2).

الحكاية الرابعة عشرة: و بهذا السند عن المولى المذكور قال: صلّينا مع جنابه في داخل حرم العسكريين، فلمّا أراد النهوض من التشهّد إلى الركعة الثالثة عرضته حالة فوقف هنيئة ثمّ قام، و لما فرغنا تعجّبنا كلّنا و لم نفهم ما كان وجهه و لم يجترئ أحد منّا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل و أحضرت المائدة فأشار إليّ بعض السادة من أصحابنا أن أسأله منه، فقلت: لا و أنت أقرب منّا، فالتفت (رحمه اللّه) إليّ و قال: فيم تتقاولون؟

قلت: و كنت أجسر الناس عليه: إنّهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلاة، فقال: إنّ الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) دخل الروضة للسلام على أبيه (عليه السّلام) فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الأنور إلى أن خرج منها (3).

____________

(1)- جنة المأوى: 234- 236 الحكاية التاسعة.

(2)- جنة المأوى: 236 الحكاية العاشرة.

(3)- جنة المأوى: 237 الحكاية الحادية عشرة.

25

الحكاية الخامسة عشرة: فيه بهذا السند عن ناظر أموره (رحمه اللّه) في أيّام مجاورته بمكة قال:

كان (رحمه اللّه) مع كونه في بلد الغربة منقطعا عن الأهل و الإخوة، قويّ القلب في البذل و العطاء، غير مكترث بكثرة المصارف، فاتّفق في بعض الأيّام أن لم نجد إلى درهم سبيلا فعرّفته الحال و كثرة المئونة و انعدام المال فلم يقل شيئا، و كان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح و يأتي إلى الدار فيجلس في القبّة المختصّة به و نأتي إليه ب (غليان) فيشربه ثمّ يخرج إلى قبّة أخرى تجتمع فيها تلامذته من كلّ المذاهب فيدرس لكلّ على مذهبه، فلمّا رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفاد النفقة و أحضرت الغليان على العادة فإذا بالباب يدقّه أحد فاضطرب أشد الاضطراب و قال لي: خذ الغليان و أخرجه من هذا المكان، و قام مسرعا خارجا عن الوقار و السكينة و الآداب ففتح الباب و دخل شخص جليل في هيئة الاعراب و جلس في تلك القبّة و قعد السيّد عند بابها في نهاية الذلّة و المسكنة و أشار إليّ أن لا أقرّب إليه الغليان، فقعدا ساعة يتحدّثان ثمّ قام فقام السيّد مسرعا و فتح الباب و قبّل يده و أركبه على جمله الذي أناخه عنده و مضى لشأنه و رجع السيّد متغيّر اللون و ناولني براثا و قال: هذه حوالة على رجل صرّاف قاعد في جبل الصفا فاذهب إليه و خذ منه ما أحيل عليه، قال:

فأخذتها و أتيت بها إلى الرجل الموصوف، فلمّا نظر إليها قبّلها و قال: عليّ بالحماميل فذهبت و أتيت بأربعة حماميل فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له: فرانسة، يزيد كلّ واحد على خمس قرانات العجم و ما كانوا يقدرون على حمله فحملوها على أكتافهم و أتينا بها إلى الدار، و لمّا كان في بعض الأيّام ذهبت إلى الصرّاف لأسأل منه حاله و ممّن كانت تلك الحوالة فلم أر صرّافا و لا دكّانا فسألت عن بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرّافا أبدا و إنّما يقعد فيه فلان فعرفت أنه من أسرار الملك المنّان و ألطاف وليّ الرحمن‏ (1).

الحكاية السادسة عشرة: عن العالم المحقّق الخبير السيّد علي سبط السيّد المذكور المرحوم المغفور له و كان عالما مبرّزا، عن السيّد المرتضى صهر السيّد أعلى اللّه مقامه على بنت اخته و كان مصاحبا له في السفر و الحضر، مواظبا لخدماته في السرّ و العلانية قال: كنت معه في سر من رأى في بعض أسفار زيارته و كان السيّد ينام في حجرة وحده و كانت لي‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 237 الحكاية الثانية عشرة.

26

حجرة بجنب حجرته و كنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته بالليل و النهار و كان يجتمع إليه الناس في أوّل الليل إلى أن يذهب شطر منه في أكثر الليالي، فاتّفق أنّه في بعض الليالي قعد على عادته و الناس مجتمعون حوله فرأيته كأنّه يكره الاجتماع و يحبّ الخلوة و يتكلّم مع كلّ واحد بكلام فيه إشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده فتفرّق الناس و لم يبق غيري فأمرني بالخروج فخرجت إلى حجرتي متفكّرا في حالته في تلك الليلة فمنعني الرقاد فصبرت زمانا فخرجت مخفيا لأتفقّد حاله فرأيت باب حجرته مغلقا فنظرت من شقّ الباب و إذا السراج بحاله و ليس فيه أحد، فدخلت الحجرة فعرفت من وضعها أنّه ما نام في تلك الليلة فخرجت حافيا متخفّيا أطلب خبره و أقفو أثره، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبّة العسكريين مغلقة فتفقدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثرا فدخلت الصحن الأخير الذي فيه السرداب فرأيته مفتّح الأبواب فنزلت من الدرج حافيا متخفّيا متأنّيا بحيث لا يسمع من حسّ و لا حركة، فسمعت همهمة من صفة السرداب كأنّ أحدا يتكلّم مع الآخر و لم أميّز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها و كان دبيبي أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء، فإذا بالسيّد قد نادى في مكانه هناك: يا سيّد مرتضى ما تصنع و لم خرجت من المنزل؟ فبقيت متحيّرا ساكتا كالخشب المسنّدة فعزمت على الرجوع قبل الجواب، ثمّ قلت في نفسي: كيف تخفي حالك على من عرفك من غير طريق الحواس، فأجبته معتذرا نادما و نزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفة فرأيته وحده واقفا تجاه القبلة ليس لغيره هناك أثر، فعرفت أنه يناجي الغائب عن أبصار البشر عليه سلام اللّه الملك الأكبر فرجعت حريّا لكل ملامة، غريقا في بحار الندامة إلى يوم القيامة (1).

الحكاية السابعة عشرة: فيه عن المولى محمد سعيد الصدتوماني و كان من تلامذة السيّد (رحمه اللّه) أنه جرى في مجلسه ذكر قضايا مصادفة رؤية المهدي (عليه السّلام) حتّى تكلّم هو في جملة من تكلّم في ذلك فقال: أحببت ذات يوم أن أصل إلى مسجد السهلة في وقت ظننته فيه فارغا من الناس، فلمّا انتهيت إليه وجدته غاصّا بالناس و لهم دويّ و لا أعهد أن يكون في ذلك الوقت فيه أحد، فدخلت فوجدت صفوفا صافّين للصلاة جامعة فوقفت إلى جنب الحائط على موضع فيه رمل فعلوته لأنظر هل أجد خللا في الصفوف فأسدّه، فرأيت موضع‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 238- 239 الحكاية الثالثة عشرة.

27

رجل واحد في صف من تلك الصفوف فذهبت إليه و وقفت فيه، فقال رجل من الحاضرين:

هل رأيت المهدي (عليه السّلام)؟ فعند ذلك سكت السيّد و كأنّه كان نائما ثمّ انتبه، فكلّما طلب منه تمام المطلب لم يتمّه‏ (1).

الحكاية الثامنة عشرة: و فيه عن السيّد الشهيد القاضي نور اللّه الشوشتري في ترجمة آية اللّه العلّامة الحلّي: أنّ من جملة مقاماته العالية أن بعض علماء أهل السنّة ممّن تلمذ عليه العلّامة (رحمه اللّه) في بعض الفنون ألف كتابا في ردّ الإمامية و أخذ يقرأه للناس في مجالسه و يضلّهم، و كان لا يعطيه أحدا خوفا من أن يردّه أحد من الإمامية، فاحتال (رحمه اللّه) في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل تلمذته عليه وسيلة لأخذه الكتاب منه عارية فالتجأ الرجل و استحيى من ردّه و قال: إنّي آليت على نفسي أن لا أعطيه أحدا أزيد من ليلة فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان، فأخذه منه و أتى به إلى البيت لينقل منه ما تيسّر منه، فلمّا اشتغل بكتابته و انتصف الليل غلبه النوم فحضر الحجّة و قال (عليه السّلام): ناولني الكتاب و خذ في نومك فانتبه العلّامة و قد تمّ الكتاب بإعجازه (عليه السّلام).

و ظاهر عبارته يوهم أنّ الملاقاة و المكالمة كان في اليقظة و هو بعيد، و الظاهر أنّه في المنام. و عن مصنّفات الفاضل الألمعي علي بن إبراهيم المازندراني و بخطّه كان معاصرا للشيخ البهائي (رحمه اللّه)، و هكذا الشيخ الجليل جمال الدين الحلّي كان علامة علماء الزمان إلى أن قال: و قد قيل إنّه كان يطلب من بعض الأفاضل كتابا لينسخه و كان هو يأبى عليه، و كان كتابا كبيرا جدّا فاتّفق أن أخذه منه مشروطا بأن لا يبقى عنده غير ليلة واحدة، و هذا كتاب لا يمكن نسخه إلّا في سنة أو أكثر، فأتى به الشيخ (رحمه اللّه) فشرع في كتابته في تلك الليلة فكتب منه صفحات و ملّه، و إذا برجل دخل عليه من الباب بصفة أهل الحجاز فسلّم و جلس، ثمّ قال:

أيّها الشيخ أنت مصطر لي الأوراق و أنا أكتب، فكان الشيخ يمصطر له الورق و ذلك الرجل يكتب و كان لا يلحق المصطر بسرعة كتابته، فلمّا نقر ديك الصباح و صاح و إذا الكتاب بأسره مكتوب تماما. و قد قيل إنّ الشيخ لما ملّ الكتابة نام فانتبه فرأى الكتاب مكتوبا (2).

الحكاية التاسعة عشرة: ذكر المحدّث الفاضل الميثمي في كتابه دار السلام عن السيّد

____________

(1)- جنّة المأوى: 240 الحكاية الرابعة عشرة.

(2)- جنّة المأوى: 255 الحكاية الخامسة و العشرون.

28

السند السيّد محمد صاحب المفاتيح ابن صاحب الرياض نقلا عن خط آية اللّه العلّامة في حاشية بعض كتبه ما ترجمته بالعربية: خرج ذات ليلة من ليالي الجمعة من بلدة الحلّة إلى زيارة قبر ريحانة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) و هو على حمار له و بيده سوط يسوق به دابّته فعرض له في أثناء الطريق رجل في زيّ الاعراب فتصاحبا و الرجل يمشي بين يديه فافتتحا بالكلام، و ساق معه الكلام من كل مقام و إذا به عالم خبير نحرير فاختبره عن بعض المعضلات و ما استصعب عليه علمها فما استتم عن كلّ من ذلك إلّا و كشف الحجاب عن وجهها و افتتح عن مغلقاتها إلى أن انجرّ الكلام في مسألة أفتى به بخلاف ما عليه العلّامة، فأنكره عليه قائلا: إنّ هذه الفتوى خلاف الأصل و القاعدة و لا بدّ لنا في خلافهما من دليل وارد عليهما مخصّص لهما، فقال العربي: الدليل عليه حديث ذكره الشيخ الطوسي في تهذيبه. فقال العلّامة: إنّي لم أعهد بهذا الحديث في التهذيب و لم يذكره الشيخ و لا غيره. فقال العربي: ارجع إلى نسخة التهذيب التي عندك الآن و عدّ منها أوراقا كذا و سطورا كذا فتجده، فلمّا سمع العلّامة بذلك و رأى أن هذا إخبار عن المغيبات تحيّر في أمر الرجل تحيّرا شديدا و اندهش في معرفته و قال في نفسه: لعلّ هذا الرجل الذي يمشي بين يدي منذ كذا و أنا في ركوبي هو الذي بوجوده تدور رحى الموجودات و به قيام الأرضين و السماوات، فبينما هو كذلك إذ وقع السوط من يده من شدّة التفكّر و التحيّر فأخذ ليستخبر عن هذه المسألة استخبارا منه و استظهارا عنه أن في زمن الغيبة الكبرى هل يمكن التشرّف إلى لقاء سيّدنا و مولانا صاحب الزمان، فهوى الرجل و أخذ السوط من الأرض و وضعه في كفّ العلّامة و قال: لم لا يمكن و كفّه في كفّك؟ فأوقع العلّامة نفسه من على الدابة منكبّا على قدميه و اغمي عليه من فرط الرغبة و شدّة الاشتياق، فلمّا أفاق لم يجد أحدا فاهتمّ بذلك همّا شديدا و تكدّر و رجع إلى أهله و تصفّح عن نسخة تهذيبه فوجد الحديث المعلوم كما أخبره الإمام (عليه السّلام) في حاشية تلك النسخة فكتب بخطّه الشريف في ذلك الموضع: هذا حديث أخبرني به سيّدي و مولاي في ورق كذا و سطر كذا، ثمّ نقل الفاضل الميثمي عن السيّد المزبور طاب ثراه أنه قد رأى تلك النسخة بخط العلّامة في حاشيته.

الحكاية العشرون: فيه عن الفاضل و العادل الأمين مولانا محمد أمين العراة عن رجل صالح عطّار من أهل البصرة أنه قال: إنّي كنت جالسا ذات يوم على دكّتي العطارة و إذا

29

برجلين قد أتيا و وقفا عليّ لشراء السدر و الكافور، فلمّا تكلّمنا و تأمّلت فيهما فلم أجدهما في الصورة و السيرة في زيّ أهل البصرة و نواحيها، بل و لا المعروف من بلادنا فسألتهما عن أهلهما و بلادهما فاكتتما فألححت عليهما، و كلّما كثر تسترهما ازددت إلحاحا عليهما إلى أن أقسمت عليهما بالرسول المختار و آله الأئمّة الأطهار (عليه السّلام)، فلمّا رأيا ذلك منّي أظهرا لي أنّهما من جملة ملازمي عتبة الإمام الحيّ المنتظر حجّة اللّه صاحب الزمان (عجّل اللّه فرجه) و أن واحدا من صحبتهم قد توفي بأجله الموعود و قد ارسلا لشراء السدر و الكافور منه. قال: فلمّا سمعت بذلك توسلت إليهما و أظهرت المصاحبة معهم إلى سيّدي و مولاي و تضرّعت و ألححت عليهما في ذلك، فقالا: إنّ هذا موقوف على إذنه (عج) و إنّا لم نؤذن بذلك. فقلت لهما: خذاني معكما إلى ذلك الصقع ثمّ استأذنا لي منه فإن أذن و إلّا فأنصرف و يصيبكم أجر الإجابة. فامتنعا عن ذلك أيضا فأكثرت من الإلحاح عليهما فترحّما عليّ و أجاباني و سلمتهما السدر و الكافور مستعجلا و أغلقت الدكان و انطلقت معهما حتّى أتينا ساحل بحر عمان، فمشيا على الماء كالمشي على الأرض الصلبة و وقفت متحيّرا فالتفتا إليّ و قالا: لا تخف و أقسم على اللّه عزّ و جلّ بالحجّة في حفظك. فقلت ذلك و بسملت فمشيت على الماء كالمشي على الأرض إلى أن انتهينا إلى قبّة البحر فبينا نذهب و إذا بسحاب مركوم و مطر غزير تمطّر، و من الاتفاق أني منذ يوم خروجي من البصرة كنت طابخا صابونا واضعا إيّاه على سطح الدار ليستنشف في الشمس، فلمّا رأيت تراكم السحاب و المطر الغزير تذكّرت الصابون و أنه يتنقع، و إذا برجليّ قد نفذتا في الماء و طمست فيه فكدت أن أغرق فأخذت في السبح فالتفت الرجلان إليّ و قالا لي: يا فلان تب عمّا قصدت و تذكّرت و ممّا انصرفت به عن مولاك و جدّد القسم، فتبت إلى اللّه و جدّدت القسم فصلّب اللّه لي الماء فأخذت أمشي خلفهما كالأوّل حتّى انتهينا إلى الساحل و مضينا فيه إلى أن ظهر لنا خباء كشجر طور نورها قد ملأ الفضاء و البيداء فالتفت إليّ الرجلان و قالا: إن مقصودك في هذه الخباء و لكن قف هنا حتّى نذهب و نستأذن لك، فذهبا و دخل واحد منهما في الخيمة فسمعته يتكلّم في أمري و إذا بصوت سمعته من وراء الحجاب و الخباء يقول: ردّوه فإنّه رجل صابوني، فلمّا سمعت هذا من الإمام (عج) و وجدته طبقا للبرهان العقلي و الشرعي فاستيأست و قطعت الطمع عن ما كنت أطمعه و علمت أن هذا مقام شامخ عظيم لا تكاد

30

تناله أيدي المتشبّث بالتعلّقات الدنيوية.

الحكاية الحادية و العشرون: ذكر الفاضل المحدّث الميثمي أيضا في كتابه دار السلام ما ترجمته بالعربية: إنّي كنت في بعض السنين سنة ألف و مائتين و سبعين- و لعلّه سبع و سبعين- قد تشرّفت من النجف الأشرف إلى زيارة أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) في مخصوصة أوّل رجب من ذلك العام و ما كنت بانيا على التوقّف في الحائر، بل كنت عازما على الرجوع إلى الغري فاتّفق لي مصاحبة بعض الأصدقاء من أهل أذربايجان فمنعني عن العجلة في العود و حثّني على الإقامة عنده و في داره إلى زيارة النصف، فأحببت إجابته و أقمت فيها، فبينا نحن ذات ليلة و قد اجتمع في تلك الدار عند صاحبنا جمع من أهل أذربايجان يريدون خطبة بنت له قد تكفّلها و ربّاها من غير أب و لا أمّ، و هم يتكلّمون معه في خطبتها و أن هذا أمر لا بدّ فيه [من‏] المسامحة سيّما مع كون الصهر شابا جديد الإسلام و ينبغي السماحة معه، فلمّا سمعت ذلك منه دنوت إليه و قلت: في أيّ مذهب كنت؟ و ما شأنك و قصّتك؟ و ما سبب إسلامك؟ فأجابني: إني تركي و لم أحسن الرطانة، فقلت: أنا أعرف لسان الترك و الترجمة لأهل المجلس. فقال: أنا رجل من أرامنة أرومية ساكن قرية من قراها و فيها الحال أبي و أمّي و عشيرتي و بنو عمومتي، و حرفتي النجارة و عمل الرحى و لي في هاتين مهارة وافية مشهورة عند أهاليها، فاتّفق لي يوما أن كنت في بستان لقطع شجرة و كانت ملقاة و قد وضعنا المنشار عليها لنقدّها، فمضى صاحبي الذي كان معي لأمر فانفردت في البستان، و إذا برجل جليل عظيم قد أهابتني جلالته و نبالته فعظّمته و احترمته قهرا، و رأيت نفسي بالنسبة إليه مقهورة مغلوبة فقرب منّي و قال: يا فلان هات يدك و أغمض عينيك و افتحهما لأقول لك، فأعطيته يدي و غمضت عينيّ فلم أحسّ شيئا إلّا و أسمع هبوب الريح و تمس جلدي من نسيمها، ثمّ أطلق يدي هنيئة ثمّ قال: افتحها، فلمّا فتحتها ما رأيت إلّا و أنا في قلّة جبل عظيم في قفر وسيع على صخرة عظيمة لا يمكن الصعود عليها و النزول منها، بحيث لو سقط ساقط عنها لتقطّع، و تلفت فرأيت ذلك الرجل في أسفل الجبل و الصخرة، ثمّ ذهب و غاب عنّي فاستوحشت وحشة شديدة و اضطربت اضطرابا عظيما، فقلت في نفسي:

و لعلّني نائم فحرّكت يدي و مسحتها على عينيّ فرأيت نفسي مستيقظا و مشاعري على ما هي عليه فأعملت كلّ حيلة أحتالها لخلاص نفسي و لم أتمكّن فاستسلمت للموت و وقفت‏

31

متفكّرا متحيّرا، و إذا برجل غير الأوّل قد ظهر و أتاني و أرفق بي و سمّاني باسمي و كلّمني بالتركية و تفقّد عيني و قال: الحمد للّه، إنّك قد أفلحت و نجوت، فتسلّيت به و سألته عن الرجل و صنيعه لي و وجه فلاحي و نجاتي، فقال: إنّ الرجل هو الإمام الغائب المهدي (عجّل اللّه تعالى فرجه) قد أتاك و نجّاك من دار الشرك و الكفر و أتى بك إلى هذا الوادي للهدى و الرشاد و الإسلام و السداد، فلمّا سمعت ذلك تذكّرت ما كنت كثيرا ما أسمعه من الشيعة عن الإمام الغائب الموعود المنتظر الحجّة ابن الحسن (عليه السّلام) و كنت احبّهم و أكتمه من أبويّ و عشيرتي خوفا منهم من لومهم إيّاي. فقلت له: هل الرجل هو المهدي الغائب الموعود؟

فقال: نعم. قلت: فمن أنت؟ قال: رجل من أعوانه و ملازميه. فقلت: ما هذا المكان؟

قال: هذا من جبال ايروان و المسافة إلى أرومية بعيدة. قلت: أجل، فما أصنع إن رجوت الفلاح و الاجتناب عن الشرك؟ قال: نعم، أسلم. فرسخ في قلبي محبّة ذلك الرجل و تجلّى في شراشر وجودي نوره و قلت: كيف أسلم؟ قال: قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أنّ عليا و أولاده المعصومين أوصياء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خلفاؤه، فأقررت بها ثمّ قال: اسمك هذا ينافي مذهبك فقد سمّيتك «سلمان»، فقبلت ذلك، ثمّ أخذ بيدي و قال لي: غمّض عينيك و افتحهما، ففعلت فرأيت نفسي في أسفل جبل عظيم، فأطلق يدي و أراني طريقا واسعا و قال لي: سر فيه إلى فرسخين فتدخل قرية فلان فتسأل عن دار شيخهم فلان فتنزل عنده فيدلّك على ما أحببت و شئت من طريقك، ثمّ غاب عنّي و مضيت إلى أن أتيت تلك القرية فدخلت فيها و سألت عن دار الشيخ فدللت عليه فوقفت و طرقت عليه الباب، فخرج إليّ شيخ فلمّا رآني قال لي: أنت سلمان؟ قلت: نعم. قال:

فادخل، فلمّا دخلت رأيت رجلا في زي عثمانلو (1) جالسا و قد حفّت به جماعة فنظر إليّ و تبسّم و أظهر الرأفة و الملاطفة و سمّاني و رحّب بي و أجلسني عنده، ثمّ قضى ما به من الجماعة من عملهم فمضوا و استفردنا فتوجّه عند ذلك إليّ و هنأني و بشّرني، ثمّ أمر بالطعام فاحضر و أكلنا و أقامني عنده إلى ثلاثة أيّام و علّمني اصول اعتقادات الشيعة و أسماء الأئمّة و أمرني بالتقيّة، ثمّ قال: لا بدّ لك و أن تذهب حينئذ إلى قرية كذا عند فلان فيوصلك إلى ما شئت و أحببت، و المسافة إلى هناك أربعة فراسخ، فانطلقت مع الرجل الأوّل حتّى دلّني‏

____________

(1)- كلمة معرّبة عن التركيّة تدل على الزي العثماني.

32

على الطريق فمشيت إلى أن أتيت القرية و دخلت فيها و وقفت على الدار المعلومة و طرقتها عليه، فخرج رجل في زيّ الروم، فلمّا رآني استبشر و تلاطف معي كالأوّل و سمّاني و هنّأني و أدخلني معه و رحّب بي و أقامني عنده ثلاثة أيّام و علّمني أحكام الصوم و الصلاة و بعض الضروريات العملية، ثمّ دلّني على رجل آخر في قرية اخرى على مسافة أكثر من القريتين فلمّا ذهبت و دخلت على الرجل رأيته أيضا في زي الروم، بل هو أشبه منهما و له الرئاسة الشرعية و المنصب من سلطان الروم، فلمّا رآني سمّاني و لاطفني و استبشر و أقامني عنده و ختنني و عاد عليّ بتلقين الأحكام و أمر الشريعة و أمرني بالتقيّة و طريقتها .. إلى أن قال لي يوما: يا سلمان لا بدّ لك اليوم من الرواح إلى كربلاء. قلت: و ما كربلاء؟ و أين هي؟ فعلّمني بها و أعلمني أنّها أرض فيها بقعة الإمام الثالث سبط الرسول المختار (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مزار للزوّار و الشيعة الأخيار. فقلت: و كم المسافة إليها؟ قال: أكثر من أربعين منزلا، فقلت: كيف أقطع هذا المقدار من الطريق بلا زاد و راحلة و رفيق؟ فقال: اذهب فإنّ اللّه سيعينك فيها، ثمّ دفع إليّ اثني عشر من الدراهم المسكوكة بسكة العثماني فبعث معي من يرشدني إلى الطريق الشارع العام فمشيت، فلمّا سرت و بعدت من القرية يسيرا صاحبني رجل خفيف الثقل فسأل عن مقصودي فأخبرته بالمقصود، فقال: و إنّي أيضا لسائر إلى نواحي كربلاء و ذاهب معك، فقلت:

هل قطعت من هذا الطريق شيئا قبل ذلك؟ و هل تعرفها؟ قال: نعم، فسررت بذلك و مضيت معه فرأيته على طريقة الشيعة و الإمامية إلّا أنّي سترت عنه رعاية للاحتياط كما أمرني ساداتي و لم يتفحّص هو عن عقيدتي أيضا و أنا لم اتّق عنه لأنّي رأيته شيعيّا فسرت معه مسرورا به يومين، حتّى إذا كان الثالث فظهر نخيل و قبّتان من ذهب متّصلتان فقال لي الرجل: هذا نخيل بغداد و توابعه و هاتان القبّتان لموسى بن جعفر الإمام السابع و محمد بن علي النقي الإمام التاسع (عليهما السّلام)، و تلك السواد المعمورة تسمّى كاظمين، و منها إلى كربلاء مسافة يومين فادخلها و زر الإمامين وقف بها حتّى يخرج منها قافلة الزوّار إلى كربلاء فسر معهم، ثمّ فارقني و ذهب عنّي من غير تكلّم، ثمّ أتيت حتّى انتهيت إلى الشط فعبرته بالعبرة (1) و دخلت الكاظمين و بقيت متشرّفا بالزيارة إلى يومين فخرجت الثالث إلى بغداد

____________

(1)- في لسان العرب: 4/ 1062- عبر. و المعبر: ما عبر به النهر من فلك أو قنطرة أو غيره، قال الازهري:

و المعبرة سفينة يعبر عليها النهر.

33

للسياحة، فبينما أسير في السياحة فمررت على دكة نجّار هناك، فلمّا عرف أنّي أهل حرفته و صنعته أحبّ أن أشتغل عنده أيّاما، فوقفت عنده، فلمّا رأى مهارتي تلاطف معي و عيّن لي كذا، فكنت بالنهار مقيما هناك و بالليل أبيت بالكاظمين، فأتى عليّ ذلك أيّام فبينما أنا ذات يوم أرجع إلى كاظمين و إذا بدرويش صاحبني و أظهر الملاطفة معي إلى أن انتهينا إلى المسجد الخرب الذي في طريق بغداد و الكاظمين الذي يدعى ب (براثا) فأظهر لي أن منزله في هذا المسجد و أحبّ أن يضيّفني الليلة فاستدعى ذلك و أصرّ عليه فأجبته و دخلت منزله و إذا بجماعة آخرين في زيّه ثمّ اجتمع جماعة آخرون في زيّهم و معهم شي‏ء من مأكلهم فاجتمعوا بعد صلاة العشاء و أحضروا ما كان معهم في كيفية من الاتحاد و اشتغلوا بالأكل، ثمّ اشتغلوا بالعبادة و إحياء الليل فأعجبني ما كانوا عليه و لم أكن أعهد من نظائرهم هذه الصفة فاضفت عندهم يومين، فلمّا كان الثالث خرج أحدهم و قال لي: يا فلان إن قافلة الزوّار قد خرجت من الكاظمين يريدون كربلاء فالحق بهم و امض معهم، فلحقتهم حتّى أتيت كربلاء فبقيت أنا أيّاما مشتغلا بالعبادة و الزيارة فقلت في نفسي: إنّي على ما أمرت لا بدّ لي من الإقامة فيه أيّاما و معي حرفتي و صنعتي النجارة فأشتغل بها و لا بدّ لي من دكة أكون عليها، فأتيت الشيخ الجليل العالم الفاضل شيخ العراقين شيخ عبد الحسين الطهراني لإجارة دكة تناسبني و هو حينئذ مشغول بعمارة الصحن الشريف، فلمّا ظهر له حالي و قصّتي قال لي الأصلح حينئذ أن تقيم على العمالة و البنائين بالصحن الشريف حتّى تتهيّأ الأسباب و الآلة المحتاجة إلى النجارة ثمّ اختر ما شئت، و أجرى لي أجرة معلومة فوقفت كما أمرني على وظيفتي السركاري‏ (1).

ثمّ ذكر اسمه و اسم قريته و اسم أبيه و أمّه و اخوته و بعض عمومته و عشيرته و ذكر أن له عيالا و أولادا في بلدته و قال: يعرفني أكثر أهل أرومية و لا بدّ من مجي‏ء زوّار من الأرومية فليتحقق و ليسأل عنّي و لم أكن أحتاج إليهم، و إنّي على صنعتي و حرفتي بحيث أعيش عشرة رءوس و أتكفّل بهم، و قد قطعت النظر عن العيال و الأطفال و التجأت إلى هذه البقعة المطهّرة و جاورت كربلاء، و إني في زيّهم مشتغل بكسبي و زيارتي و عبادتي إلى أن أدرك الأجل المحتوم. فهنيئا له ثمّ هنيئا له.

____________

(1)- كلمة فارسيّة معناها المشرف على العمّال.

34

الحكاية الثانية و العشرون: ممّن أدركه و تشرّف برؤيته في غيبته الكبرى الرجل الهرم الفلاح السهلاوي اليزدي ذو الصلاح و السداد، و محصله ما ذكره الفاضل الميثمي في كتابه دار السلام المشتمل بذكر من فاز بسلام الإمام من أنه كان من فلاليح المرحوم الحاج ملّا باقر البهبهاني ساكن الغري و هو رجل من الأخيار و النسّاك و مشهور بالخلوص لأبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام)، و اشتغل في أواخر عمره بتجارة الكتب و السير في الحجرة الواقعة في الزاوية الشرقية من الصحن الشريف من مشهد الغري و هو و إن لم يكن له حظّ من العلم و لا يعدّ من الأفاضل إلّا أنّه ألّف كتابا وافيا جامعا في شرح ترجمة أحوال الأئمّة الاثني عشر و فضائلهم و مراثيهم، و خمس مجلّدات موسوما بالدمعة الساكبة بحيث وقع مطرحا لأنظار العلماء و المحدّثين.

ثمّ إنّ المؤلف الضعيف علي بن إبراهيم زين العابدين البارجيني اليزدي يقول: بعد ما راجعت شرح هذه القصّة مع المرحوم الحاج ملّا باقر المزبور في الكتاب المذكور اتّفقت لي صحبة المرحوم الحاج علي محمد بياع الكتب نجل الحاج المزبور فسألته عن بستانهم المعروف بالصاحبية و وجه اشتهارها بها و أخبرته بما ذكره هذا الفاضل من شرحه في كتابه فقال المرحوم: أهل البيت أدرى بما في البيت، ثمّ أخذ في بيان القصة مشروحا حيث ما جرى بتفاوت يسير ممّا ذكره الفاضل المذكور فرأيت الاقتصار على ما ذكره المرحوم أضبط فاقتصرت عليه فأقول: قال المرحوم الحاج علي محمد نجل المرحوم الحاج ملّا باقر البهبهاني المزبور: لما اتسعت الامور علينا قليلا بعد ما كنّا في الشدّة و الضيق أراد الحاج الوالد تعمير بستان في أراضي قرب مسجد السهلة بغرس الأشجار فيها و سقيها فعارضوه الأصدقاء و أظهروا أن هذا الأمر لا يكون من عهدتك و أنت لا تقدر عليه لما فيه من التعب و المشقّة الشديدة، و أنت على ما أنت فيه من شيبك و نقاهتك و بقائك في المشهد فابتع بستانا معمورا قريبا منه فتمّمه، فأجابهم المرحوم: كثيرا ما أحبّ غرس الأشجار و الاشتغال بالعمارة، و اشتغل بما هم فيه إلى أن وقف و لم يستطع إتمامه فطلب من يبيعه نصفه بمائة تومان فيستعين بثمنه على تعمير النصف الباقي، و لم يجد أحدا يعينه و فيها العمّال و الفلاليح مشتغلين بوظيفتهم و فيهم رجل يزدي من أهل الصلاح و السداد، و كان بعد المغرب و فراغته من فلاحته يأتي مع سائر الفلاليح مسجد السهلة و يبيت فيه، و كان مطّلعا

35

بما قصده الحاج الوالد من بيع نصفها، فبينما هو ذات ليلة في المسجد فرأى بين النوم و اليقظة أن أحدا يدعوه قائلا: يا فلان أجب السلطان. يقول: فقمت مهربا فرأيت المسجد منورا أضوأ من الشمس الطالعة و رأيت جماعة في صحن المسجد جلوسا و قد حفّ بهم جمع كثير و فيهم سيّد جليل عظيم و النور يسطع منه إلى عنان السماء و عن يمينه رجلان جليلان، و كذلك عن يساره فأخذوني إليه فسألني السلطان من أنت؟ و ما وظيفتك؟ فأخبرته أنّي من فلاليح البستان الواقع قرب هذا المسجد للحاج ملّا باقر البهبهاني، نأتي بعد فراغنا عن فلاحتنا كلّ ليلة المسجد و نبيت فيه. فقال: نعم. قال: قل للحاج ملّا باقر أن يزرع فيها حملا من بذور الزيت الذي في خارج المسجد، فرجعت بعد ذلك فقمت من النوم و أنا لا أرى المسجد إلّا في ظلمة الليل و الوقت قريب من الفجر فأسبغت الوضوء لاصلّي في ذلك المكان لشرافته فرأيت أن أحدا يؤذّن فيه، ثمّ اشتغل بعد ذلك بالصلاة فائتممت به و صلّيت معه الفجر لما وقع في قلبي من جلالته و نبالته، فلمّا انتهيت أتيته و قصصت عليه منامي، فقال: أ ما عرفت؟ قلت: نعم.

قال: أمّا السلطان فهو إمام زمانك و الرجلان الجليلان اللّذان عن يمينه الخضر و الالياس، و اللّذان عن يساره هما هود و صالح و الحافّون به المحدقون حوله أرواح الأنبياء و المؤمنين، فأخبرني أن الحاج ملّا باقر هل يريد بيع البستان؟ فأخبرته أنه منذ مدّة يريد بيع نصفه بمائة تومان، فقال لي: بعه لي الآن. فقلت: إنّي لا أقدر إلى أن أستأذنه في ذلك، فأعطاني صرّة فيها مائة تومان و قال: اشتره لي بها، فقلت: إنّي لا أقبضها إلى أن اخبره، أين ألقاك بعد ذلك؟ فقال: إذا جرى الماء في الغري أنا أظهر.

و بالجملة فأتى الفلّاح إلى الحاج الوالد و أخبره بما رأى و قصّ عليه فاعترض عليه المرحوم بما توقّف من بيعه له، ثمّ أخذ في تحسّس هذا الشخص بهذه الصفة في أراضي السهلة و الكوفة و جميع النجف فاستيأس، ثمّ قال المرحوم الحاج علي محمد: إنّ الحاج الوالد أتاني يوما بعد مدّة من ذلك و دفع إليّ صرّة خضراء فيها مائة باجوقلي يساوي قيمتها مائة تومان، أي مائة دينار، و لمّا كانت العادة بكتابة النقود و الأجناس في الدفتر باسم دافعيها و معطيها، فسألته عن ذلك لاقيّده باسمه فأخذ يماطلني في ذلك ليلا و نهارا إلى أن انقضى علينا أيام فأصررت عليه فيه، فقال: اخبرك به على أن لا تخبر أحدا بذلك ما دمنا أنا

36

و المعطي أحياء ثمّ قال: رأيت إمام زماني في الطيف و سألني عن بيع البستان فبعته إيّاه و اشتراه منّي بمائة تومان و حوّل المبلغ إلى السيّد العالم الفاضل السيّد أسد اللّه ابن حجّة الإسلام السيّد محمد باقر أعلى اللّه مقامه، و هو الذي سعى في جري الماء في النجف الأشرف، و السيّد المرحوم حينئذ كان مقيما في النجف، فقمت فزعا متحيّرا في إظهاره إيّاه و كنت احاذر تكذيبه إيّاي فقلت في نفسي: إنّ حالي غير خفي على كلّ أحد و إنّي مأمور معذور فأتيته لاخبره، فلمّا صرت بالباب و قرعته فإذا به قد صاح من داخل الدار: اصبر اصبر فقد أتيتك، فتحيّرت في ذلك و قلت: فلعلّه رآني من شقّ الباب فخرج إليّ و أخذ يقبّلني و يقول: قبول قبول، ثمّ دخل و أخرج هذه الصرّة و أعطاني إيّاها، و قال: هذا ما حوّل الإمام فأضمره و لا تخبر به أحدا ما عشت أنا و السيّد، و اشتهرت بعد ذلك ببستان الصاحبية.

الحكاية الثالثة و العشرون: في جنّة المأوى: قال آية اللّه العلّامة الحلّي (رحمه اللّه) في آخر منهاج الصلاح في الدعاء المعروف و هو دعاء العبرات و هو روي عن الصادق (عليه السّلام) جعفر بن محمد، و له من جهة السيّد السعيد محمد بن محمد بن محمد الآوي (رحمه اللّه) حكاية معروفة بخط بعض الفضلاء في هامش ذلك الموضع:

روى المولى السعيد فخر الدين محمد بن الشيخ الأجلّ جمال الدين عن والده عن جدّه الفقيه يوسف عن السيّد الرضي المذكور أنه كان مأخوذا عند أمير من أمراء السلطان جرماغون مدّة طويلة مع شدّة و ضيق فرأى في نومه الخلف الصالح المنتظر (عليه السّلام)، فبكى و قال: يا مولاي اشفع في خلاصي من هؤلاء الظلمة. فقال (عليه السّلام): ادع بدعاء العبرات. فقال: و ما دعاء العبرات؟ فقال (عليه السّلام): إنّه في مصباحك. فقال: يا مولاي ما في مصباحي. فقال (عليه السّلام): انظر تجده، فانتبه من منامه و صلّى الصبح و فتح المصباح فلقى ورقة مكتوب فيها هذا الدعاء بين أوراق الكتاب فدعا أربعين مرّة.

و كانت لهذا الأمير امرأتان إحداهما عاقلة مدبّرة في امورها و هو كثير الاعتماد عليها فجاء في نوبتها فقالت له: أخذت أحدا من أولاد أمير المؤمنين علي (عليه السّلام)؟ فقال لها: لم تسألين عن ذلك؟ فقالت: رأيت شخصا و كان نور الشمس يتلألأ من وجهه فأخذ بحلقي بين إصبعيه ثمّ قال: أرى بعلك أخذ ولدي و يضيّق عليه من المطعم و المشرب. فقلت له: يا سيدي من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قولي له إن لم يخل عنه لأخربنّ بيته. فشاع هذا

37

النوم للسلطان فقال: ما أعلم ذلك و طلب نوّابه فقال: من عندكم مأخوذ؟ فقالوا: الشيخ العلوي أمرت بأخذه. فقال: خلوا سبيله و أعطوه فرسا يركبها و دلوه على الطريق، فمضى إلى بيته، انتهى.

و قال السيّد الأجلّ علي بن طاوس في آخر مهج الدعوات: و من ذلك ما حدّثني به صديقي و المؤاخي محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف اللّه جل جلاله سعادته و شرف خاتمته، و ذكر له حديثا عجيبا و سببا غريبا و هو: أنه كان قد حدثت حادثة فوجد هذا الدعاء في أوراق لم يجعله فيها بين كتبه فنسخ منه نسخة، فلمّا نسخه فقد الأصل الذي كان قد وجده، إلى أن ذكر الدعاء و ذكر له نسخة اخرى من طريق آخر تخالفه. و نحن نذكر النسخة الاولى تيمّنا بلفظ السيّد فإن بين ما ذكره و نقل العلّامة أيضا اختلافا شديدا و هي:

بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهمّ إنّي أسألك يا راحم العبرات و يا كاشف الكربات أنت الذي تقشع سحائب المحن و قد أمست ثقالا و تحلّ أطناب الإحن‏ (1) و قد سحبت أذيالا و تجعل زرعها هشيما و عظامها رميما و تردّ المغلوب غالبا و المطلوب طالبا. إلهي فكم من عبد ناداك إنّي مغلوب فانتصر ففتحت له من نصرك أبواب السماء بماء منهمر و فجّرت له من عونك عيونا فالتقى ماء فرجه على أمر قد قدر، و حملته من كفايتك على ذات ألواح و دسر، يا ربّ إنّي مغلوب فانتصر، يا ربّ إنّي مغلوب فانتصر، يا ربّ إنّي مغلوب فانتصر، يا رب فصلّ على محمّد و آل محمّد و افتح لي من نصرك أبواب السماء بماء منهمر، و فجّر لي من عونك عيونا ليلتقي ماء فرجي على أمر قد قدر، و احملني يا ربّ من كفايتك على ذات ألواح و دسر، يا من إذا ولج العبد في ليل من حيرته يهيم فلم يجد له صريخا يصرخه من وليّ و لا حميم صلّ على محمّد و آل محمّد وجد يا ربّ من معونتك صريخا معينا و وليّا يطلبه حثيثا، و ينجيه من ضيق أمره و حرجه و يظهر له المهمّ من أعلام فرجه. اللهمّ فيا من قدرته قاهرة و آياته باهرة و نقماته قاصمة لكلّ جبّار دامغة لكلّ كفور ختّار (2)، صل يا رب نظرة من نظراتك رحيمة تجلو بها عنّي ظلمة واقفة مقيمة من عاهة جفّت منها الضروع‏

____________

(1)- الاحنة: الشحناء، أو الضغائن و الحقد، راجع مجمع البحرين: 1/ 43.

(2)- في الصحاح: 2/ 246 الختر: الغدر يقال: ختّره فهو ختار، أقول و منه قوله تعالى: وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ سورة لقمان: 32.

38

و فلقت منها الزروع و اشتمل بها على القلوب اليأس، و جرت بسببها الأنفاس. اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و حفظا لغرائس غرستها يد الرحمن و شربها من ماء الحيوان أن تكون بيد الشيطان تجزّ و بفأسه تقطع و تحزّ. إلهي من أولى منك أن يكون عن حماك حارسا و مانعا، إلهي إنّ الأمر قد هال فهوّنه و خشن فألنه، و إنّ القلوب كاعت‏ (1) فطمّها و النفوس ارتاعت فسكّنها. إلهي تدارك أقداما قد زلّت و أفهاما في مهامه‏ (2) الحيرة ضلّت، أجحف الضرّ بالمضرور في داعية الويل و الثبور، فهل يحسن من فضلك أن تجعله فريسة للبلاء و هو لك راج، أم هل يحمد من عدلك أن يخوض لجّة الغماء (3) و هو إليك لاج، مولاي لئن كنت لا أشقّ على نفسي في التقى و لا أبلغ في حمل أعباء الطاعة مبلغ الرضا و لا أنتظم في سلك قوم رفضوا الدّنيا، فهم خمص البطون عمش العيون من البكاء، بل أتيتك يا رب بضعف من العمل و ظهر ثقيل بالأخطاء و الزلل، و نفس للراحة معتادة و لدواعي التسويف منقادة، أ ما يكفيك يا ربّ وسيلة إليك و ذريعة لديك أنّي لأوليائك موال و في محبّتك مغال أ ما تكفيني أن أروح فيهم مظلوما و أغدو مكظوما و أقضي بعد هموم هموما و بعد وجوم وجوما.

أما عندك يا رب بهذه حرمة لا تضيع و ذمّة بأدناها يقتنع فلم لا تمنعني يا ربّ و ها أنا ذا غريق و تدعني بنار عدوّك حريقا أ تجعل أولياءك لأعدائك مصائد و تقلدهم من خسفهم قلائد، و أنت مالك نفوسهم لو قبضتها جمدوا، و في قبضتك مواد أنفاسهم لو قطعتها خمدوا، و ما يمنعك يا رب أن تكفّ بأسهم و تنزع عنهم من حفظك لباسهم و تعريهم من سلامة بها في أرضك يسرحون و في ميدان البغي على عبادك يمرحون. اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و أدركني و لما يدركني الغرق و تداركني و لما غيب شمسي للشفق. إلهي كم من خائف التجأ إلى سلطانك فآب عنه محفوظا بأمن و أمان، أ فأقصد يا ربّ بأعظم من سلطانك سلطانا أم أوسع من إحسانك إحسانا، أم أكثر من اقتدارك اقتدارا أم أكرم من انتصارك انتصارا. اللهمّ أين كفايتك التي هي نصرة المستغيثين من الأنام، و أين عنايتك التي‏

____________

(1)- كاعت: عجزت.

(2)- المهامة مفردها: المهمّة: المفازة البعيدة الاطراف (الصحاح: 6/ 2250) و في لسان العرب (13/ 1099) المهمّة: الفلاة لا ماء بها و لا أنيس.

(3)- الغماء: الشديد من شدائد الدهر (كتاب العين 4/ 351).

39

هي جنّة المستهدفين لجور الأيّام إليّ بها يا ربّ نجّني من القوم الظالمين إنّي مسّني الضرّ و أنت أرحم الراحمين.

مولاي ترى تحيّري في أمري و تقلّبي في ضرّي و انطوائي على حرقة قلبي و حرارة صدري فصلّ يا ربّ على محمّد و آل محمّد وجد لي يا ربّ بما أنت أهله فرجا و مخرجا و يسّر لي يا رب نحو اليسرى منهجا و اجعل لي يا ربّ من نصب حبالا لي ليصر عني بها صريع ما مكره و من حفر لي البئر ليوقعني فيها واقعا فيما حفره، و اصرف اللهمّ عنّي شرّه و مكره و فساده و ضرّه ما تصرفه عمّن قاد نفسه لدين الديّان و مناد ينادي للايمان، إلهي عبدك عبدك أجب دعوته و ضعيفك ضعيفك فرّج غمّته، فقد انقطع كلّ حبل إلّا حبلك و تقلّص كلّ ظلّ إلّا ظلّك، مولاي دعوتي هذه إن رددتها أين تصادف موضع الإجابة، و إن كذّبتها أين تلاقي موضع الإجابة فلا تردّ عن بابك من لا يعرف غيره بابا، و لا تمنع دون جنابك من لا يعرف سواه جنابا، و يسجد و يقول: إلهي إنّ وجها إليك برغبته توجّه، فالراغب خليق بأن تجيبه و إنّ جبينا لك بابتهاله سجد حقيق أن يبلغ ما قصد، و إنّ خدّا إليك بمسألة يعفّر جدير بأن يفوز بمراده و يظفر. و ها أنا ذا يا إلهي، قد ترى تعفير خدّي و ابتهالي و اجتهادي في مسألتك و جدي فتلقّ يا رب رغباتي برأفتك قبولا و سهّل إليّ طلباتي برأفتك وصولا و ذلّل لي قطوف ثمرات إجابتك تذليلا. إلهي لا ركن أشدّ منك فآوي إلى ركن شديد و قد أويت إليك و عوّلت في قضاء حوائجي عليك و لا قول أسدّ من دعائك فاستظهر بقول سديد و قد دعوتك كما أمرت فاستجب لي بفضلك كما وعدت، فهل بقي يا ربّ إلّا أن تجيب و ترحم منّي البكاء و النحيب، يا من لا إله سواه و يا من يجيب المضطرّ إذا دعاه ربّ انصرني على القوم الظالمين و افتح لي و أنت خير الفاتحين و الطف بي يا رب و بجميع المؤمنين و المؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين‏ (1).

الحكاية الرابعة و العشرون: فيه عن كتاب الكلم الطيب و الغيث الصيّب للسيّد المتبحّر السيّد علي خان شارح الصحيفة ما لفظه: رأيت بخط بعض أصحابي من السادات الأجلّاء الصلحاء الثقات ما صورته: سمعت في رجب سنة ثلاث و تسعين و ألف الأخ العالم العامل جامع الكمالات الانسية و الصفات القدسية الأمير إسماعيل بن حسين بيك ابن علي بن‏

____________

(1)- مهج الدعوات: 338، و جنّة المأوى: 225 الحكاية الرابعة عن مهج الدعوات.

40

سليمان الحائري الأنصاري أنار اللّه تعالى برهانه يقول: سمعت الشيخ الصالح التقي المتورّع الشيخ الحاج علي المكي قال: إنّي ابتليت بضيق و شدّة و مناقضة خصوم حتّى خفت على نفسي القتل و الهلاك فوجدت الدعاء المسطور بعد في جيبي من غير أن يعطينيه أحد، فتعجّبت من ذلك و كنت متحيّرا فرأيت في المنام أن قائلا في زيّ الصلحاء و الزهّاد يقول لي:

إنّا أعطيناك الدعاء الفلاني فادع به تنج من الضيق و الشدّة، و لم يتبيّن لي من القائل فزاد تعجّبي، فرأيت مرّة اخرى الحجّة المنتظر (عليه السّلام) فقال: ادع بالدعاء الذي أعطيتكه و علّم من أردت.

قال: و قد جرّبته مرارا عديدة فرأيت فرجا قريبا، و بعد مدّة ضاع منّي الدعاء برهة من الزمان و كنت متأسّفا على فواته مستغفرا من سوء العمل فجاءني شخص و قال لي: إنّ هذا الدعاء قد سقط منك في المكان الفلاني، و ما كان في بالى أن رحت إلى ذلك المكان فأخذت الدعاء و سجدت للّه شكرا و هو:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. ربّ أسألك مددا روحانيا تقوّي به القوى الكلّية و الجزئيّة حتّى أقهر عبادي نفسي كلّ نفس قاهرة فتنقبض لي إشارة رقائقها انقباضا تسقط به قواها حتّى لا يبقى في الكون ذو روح إلّا و نار قهري قد أحرقت ظهوره. يا شديد يا شديد يا ذا البطش الشديد يا قهّار أسألك بما أودعته عزرائيل من أسمائك القهرية فانفعلت له النفوس بالقهر أن تودعني هذا السرّ في هذه الساعة حتّى أليّن به كلّ صعب و أذلّل به كلّ منيع بقوّتك يا ذا القوّة المتين.

تقرأ ذلك سحرا ثلاثا إن أمكن و في الصبح ثلاثا و في المساء ثلاثا فإذا اشتدّ الأمر على من يقرؤه يقول بعد قراءة ثلاثين مرّة: يا رحمن يا رحيم يا أرحم الراحمين أسألك اللطف بما جرت به المقادير (1).

الحكاية الخامسة و العشرون: فيه عن الكفعمي في كتاب البلد الأمين عن المهدي (عليه السّلام):

من كتب هذا الدعاء في إناء جديد بتربة الحسين (عليه السّلام) و غسله و شربه شفي من علّته: بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه دواء و الحمد للّه شفاء و لا إله إلّا اللّه كفاء و هو الشافي شفاء هو الكافي كفاء أذهب البأس بربّ الناس، شفاء لا يغادره سقم و صلّى اللّه على محمّد و آله النجباء.

قال و رأيته بخط السيّد زين الدين علي بن الحسين الحسيني (رحمه اللّه) أن هذا الدعاء نقله رجل‏

____________

(1)- منتخب الأثر: 520 باب 7 ح 4.

41

كان مجاورا بالحائر على مشرّفه السلام رأى المهدي (سلام اللّه عليه) في منامه و كان به علّة فشكاها إلى القائم (عجّل اللّه فرجه) فأمره بكتابته و غسله و شربه ففعل ذلك فبرئ في الحال‏ (1).

الحكاية السادسة و العشرون: فيه عن كتاب نور العيون تأليف الفاضل البحر الألمعي محمد شريف الحسيني الاصفهاني عن استاذه العالم الزاهد الورع الميرزا محمد تقي بن الميرزا محمد كاظم بن الميرزا عزيز اللّه بن المولى محمد تقي المجلسي الملقّب بالألماسي قال في رسالة له: و الظاهر أن اسمها «بهجة الأولياء في ذكر من رآه في الغيبة الكبرى» حدّثني بعض أصحابنا عن رجل صالح من أهل بغداد و هو حيّ إلى هذا الوقت- أي سنة ستّ و ثلاثين بعد المائة و الألف- قال: إنّي كنت قد سافرت في بعض السنين مع جماعة فركبنا السفينة و سرنا في البحر فاتّفق أنه انكسرت سفينتنا و غرق جميع من فيها، و تعلّقت أنا بلوح مكسور فألقاني البحر بعد مدّة إلى جزيرة فسرت في أطراف الجزيرة فوصلت بعد اليأس من الحياة بصحراء فيها جبل عظيم، فلمّا وصلت إليه رأيته محيطا بالبحر إلّا طرفا منه يتصل بالصحراء و استشممت منه رائحة الفواكه ففرحت و زاد شوقي و صعدت قدرا من الجبل، حتّى إذا بلغت إلى وسطه في موضع أملس مقدار عشرين ذراعا لا يمكن الاجتياز منه أبدا فتحيّرت من أمري و صرت أتفكّر في أمري فإذا أنا بحيّة عظيمة كالأشجار العظيمة تستقبلني في غاية السرعة ففررت منها منهزما مستغيثا باللّه تبارك و تعالى في النجاة من شرّها كما نجّاني من الغرق، فإذا أنا بحيوان شبه الأرنب قصد الحيّة مسرعا من أعلى الجبل حتّى وصل إلى ذنبها فصعد منه حتّى إذا وصل رأس الحيّة إلى ذلك الحجر الأملس و بقي ذنبه فوق الحجر وصل الحيوان إلى رأسها و أخرج من فمه حمئة مقدار إصبع فأدخلها في رأسها ثمّ نزعها و أدخلها في موضع آخر منها و ولى مدبرا فماتت الحيّة في مكانها من وقتها، و حدث منها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة، فما كان بأسرع من أن ذاب لحمها و سال في البحر و بقي عظامها كسلّم ثابت في الأرض يمكن الصعود منه، فتفكّرت في نفسي و قلت إن بقيت هنا أموت من الجوع فتوكّلت على اللّه في ذلك و صعدت منها حتّى علوت الجبل و سرت من طرف قبلة الجبل فإذا أنا بحديقة بالغة حدّ الغاية في الغضارة

____________

(1)- جنّة المأوى: 53/ 226 الحكاية السادسة.

42

و النضارة و الطراوة و العمارة، فسرت حتّى دخلتها و إذا فيها أشجار مثمرة كثيرة و بناء عال مشتمل على بيوتات و غرف كثيرة في وسطها، فأكلت من تلك الفواكه و اختفيت في بعض الغرف و أنا أتفرّج الحديقة و أطرافها فإذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البرّ قاصدي الحديقة يقدمهم رجل ذو بهاء و جمال و جلال و غاية من المهابة، يعلم من ذلك أنّه سيّدهم، فدخلوا الحديقة و نزلوا من خيولهم و خلّوا سبيلها و توسّطوا القصر فتصدّر السيّد و جلس الباقون متأدّبين حوله.

ثمّ أحضروا الطعام فقال لهم ذلك السيّد: إنّ لنا في هذا اليوم ضيفا في الغرفة الفلانية و لا بدّ لنا من دعوته إلى الطعام، فجاء بعضهم في طلبي فخفت و قلت: اعفني من ذلك، فأخبر السيّد بذلك فقال: اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله، فلمّا فرغنا من الطعام أمر بإحضاري و سألني عن قصّتي، فحكيت له القصّة. فقال: أ تحبّ أن ترجع إلى أهلك؟ قلت:

نعم، فأقبل على واحد منهم فأمره بإيصالي إلى أهلي فخرجت أنا و ذلك الرجل من عنده فلمّا سرنا قليلا قال لي الرجل: انظر فهذا سور بغداد، فنظرت فإذا أنا بسوره و غاب عنّي الرجل، فتفطّنت من ساعتي هذه و علمت انّي لقيت سيّدي و مولاي و من سوء حظّي حرمت من هذا الفيض العظيم فدخلت بلدي و بيتي في غاية من الحسرة و الندامة (1).

الحكاية السابعة و العشرون: في البحار عن السيّد الفاضل أمير غلام قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدّسة بالغري على مشرّفها السلام و قد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها إذ رأيت شخصا مقبلا نحو الروضة المقدّسة، فأقبلت إليه، فلمّا قربت منه عرفت أنه استاذنا الفاضل العالم التقي الزكيّ مولانا أحمد الأردبيلي (قدّس اللّه روحه) فأخفيت نفسي عنه حتّى أتى الباب و كان مغلقا فانفتح له عند وصوله إليه و دخل الروضة فسمعته يتكلّم كأنّه يناجي أحدا، ثمّ خرج و أغلق الباب فمشيت خلفه حتّى خرج من الغري و توجّه نحو مسجد الكوفة فكنت خلفه بحيث لا يراني حتّى دخل المسجد و صار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) عنده و مكث طويلا ثمّ رجع و خرج من المسجد و أقبل نحو الغري فكنت خلفه حتّى قرب من الحنانة، فأخذني سعال لم أقدر على دفعه فالتفت إليّ فعرفني و قال: أنت أمير غلام؟ قلت: نعم. قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 259.

43

حيث دخلت الروضة المقدّسة إلى الآن و أقسم عليك بحقّ صاحب القرآن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة من البداية إلى النهاية. فقال: أخبرك على أن لا تخبر به أحدا ما دمت حيّا، فلمّا توثّق ذلك منّي قال: كنت أفكّر في بعض المسائل و قد أغلقت عليّ فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين (عليه السّلام) و أسأله عن ذلك، فلمّا وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح كما رأيت فدخلت الروضة و ابتهلت إلى اللّه تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتا من القبر: أن ائت مسجد الكوفة و سل عن القائم (عليه السّلام) فإنّه إمام زمانك (عج)، فأتيت عند المحراب و سألته عنها و أجبت، و ها أنا أرجع إلى بيتي‏ (1).

الحكاية الثامنة و العشرون: فيه عن الشيخ الجليل أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير في كتاب كنوز النجاح قال: دعاء علّمه صاحب الزمان عليه سلام اللّه الملك المنّان أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث (رحمه اللّه تعالى) في بلدة بغداد في مقابر قريش و كان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش و التجأ إليه من خوف القتل فنجا منه ببركة هذا الدعاء، قال أبو الحسن المذكور: إنّه علّمني أن أقول: اللهمّ عظم البلاء و برح الخفاء و انقطع الرجاء و انكشف الغطاء و ضاقت الأرض و منعت السماء و إليك يا ربّ المشتكى و عليك المعوّل في الشدّة و الرخاء، اللهمّ فصلّ على محمّد و آل محمّد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم فعرّفتنا بذلك منزلتهم، ففرّج عنّا بحقّهم فرجا عاجلا كلمح البصر أو هو أقرب، يا محمّد يا علي اكفياني فإنّكما كافياي و انصراني فإنّكما ناصراي، يا مولاي يا صاحب الزمان الغوث الغوث أدركني أدركني أدركني. قال الراوي إنّه (عليه السّلام) عند قوله: يا صاحب الزمان، كان يشير إلى صدره الشريف‏ (2).

الحكاية التاسعة و العشرون: في جنّة المأوى عن السيّد السند و الحبر المعتمد الميرزا صالح دام علاه ابن السيّد المحقّق السيّد مهدي القزويني الساكن بالحلّة أعلى اللّه مقامه قال:

خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلّة أريد زيارة الحسين ليلة النصف منه، فلمّا وصلت إلى شط الهندية و عبرت إلى الجانب الغربي منه وجدت الزوّار الذاهبين من الحلّة و أطرافها و الواردين من النجف و نواحيه جميعا محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من‏

____________

(1)- البحار: 52/ 175.

(2)- جنّة المأوى: 275 الحكاية 40.

44

عشائر الهندية و لا طريق لهم إلى كربلاء لأنّ عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق و قطعوه عن المارّة و لا يدعون أحدا يخرج من كربلاء و لا أحدا يلج إلّا انتهبوه قال: فنزلت على رجل من العرب و صلّيت صلاة الظهر و العصر و جلست أنتظر ما يكون من أمر الزوّار و قد تغيّمت السماء و مطرت مطرا يسيرا فبينما نحن جلوس إذا خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجهين نحو طريق كربلاء فقلت لبعض من معي: اخرج و اسأل ما الخبر فخرج و رجع إليّ و قال لي: إنّ عشيرة بني طرف قد خرجوا بالأسلحة النارية و تجمّعوا لإيصال الزوّار إلى كربلاء و لو آل الأمر إلى المحاربة مع عنزة، فلمّا سمعت قلت: إنّ هذا الكلام لا أصل له لأنّ بني طرف لا قابلية لهم على مقابلة عنزة في البرّ و أظنّ هذه مكيدة منهم لإخراج الناس عن بيوتهم لأنّهم استثقلوا بقاءهم عندهم و في ضيافتهم، فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوّار إلى البيوت فتبيّن الحال كما قلت فلم تدخل الزوّار إلى البيوت و جلسوا في ظلالها و السماء متغيّمة فأخذتني لهم رقّة شديدة و أصابني انكسار عظيم و توجّهت إلى اللّه تعالى بالدعاء و التوسّل بالنبيّ و آله و طلبت إغاثة الزوّار ممّا هم فيه، فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع كريم لم أر مثله و بيده رمح طويل و هو مشمر عن ذراعيه فأقبل يخب به جواده حتّى وقف على البيت الذي أنا فيه و كان بيتا من شعر مرفوع الجوانب فسلّم فرددنا (عليه السّلام) ثمّ قال: يا مولانا- يسمّيني باسمي- بعثني من يسلّم عليك و هم كنج آغا محمد و صفر آغا و كانا من قوّاد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوّار فإنّا قد طردنا عنزة من الطريق و نحن ننتظر مع عسكرنا في عرقوب السليمانية على الجادة فقلت له: و أنت معنا إلى عرقوب السليمانية؟ قال: نعم فأخرجت الساعة فإذا قد بقي من النهار ساعتان و نصف تقريبا فقلت بخيلنا فقدّمت إلينا فتعلّق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده و قال: يا مولاي لا تخاطر بنفسك و بالزوّار و أقم الليلة حتّى يتّضح الأمر، فقلت له: لا بدّ من الركوب لإدراك الزيارة المخصوصة، فلمّا رأتنا الزوّار قد ركبنا تبعوا أثرنا بين ماش و راكب فسرنا و الفارس المذكور بين أيدينا كأنّه الأسد الخادر و نحن خلفه حتّى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه فتبعناه في الصعود ثمّ نزل و ارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا و لم نر له عينا و لا أثرا فكأنّما صعد من السماء أو نزل في الأرض و لم نر قائدا و لا عسكرا فقلت لمن معي: ما بقي شكّ في انّه صاحب الأمر (عليه السّلام).

45

فقالوا: لا و اللّه، و كنت و هو بين أيدينا أطيل النظر إليه كأنّي رأيته قبل ذلك لكنّني لا أذكر أين رأيته، فلمّا فارقنا تذكّرت انّه هو الشخص الذي زارني بالحلّة و أخبرني بواقعة السليمانية، و أمّا عشيرة عنزة فلم نر لهم أثرا في منازلهم و لم نر أحدا نسأله عنهم سوى أننا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البرّ فوردنا كربلاء تخبّ بنا خيولنا فوصلنا إلى باب البلاء و إذا بعسكر على سور البلد فنادوا: من أين جئتم؟ و كيف وصلتم؟ ثمّ نظروا إلى سواد الزوّار ثمّ قالوا: سبحان اللّه! هذه البرية قد امتلأت من الزوّار، أجل أين صارت عنزة؟ فقلت لهم:

اجلسوا و خذوا أرزاقكم و لمكّة ربّ يرعاها ثمّ دخلنا البلد فإذا بكنج محمد آغا جالس على تخت قريب من الباب فسلّمت عليه فقام في وجهي فقلت له: يكفيك فخرا أنّك ذكرت باللسان فقال: ما الخبر؟ فأخبرته بالقصّة فقال لي: يا مولاي من أين لي علم بأنّك زائر حتّى أرسل لك رسولا و أنا و عسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة؟ ثمّ قال: فأين صارت عنزة؟ قلت: لا علم لي سوى أنّي رأيت غبرة شديدة في كبد البرّ كأنّها غبرة الظعائن ثمّ أخرجت الساعة و إذا بقي من النهار ساعة و نصف فكأنّ مسيرنا كلّه في ساعة و بين منازل بني طرف و كربلاء ثلاث ساعات ثمّ بتنا تلك الليلة في كربلاء، فلمّا أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلّاحين الذين في بساتين كربلاء قال: فبينما عنزة جلوس في أنديتهم و بيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهم و بيده رمح طويل فصرخ فيهم بأعلى صوته: يا معاشر عنزة قد جاء الموت هذا عساكر الدولة العثمانية تجبهت عليكم بخيلها و رجلها و ها هم على أثري مقبلون فارحلوا و ما أظنّكم تنجون منهم فألقى اللّه عليهم الخوف و الذلّ حتّى إنّ الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل فلم تمض ساعة حتّى ارتحلوا بأجمعهم و توجّهوا نحو البرّ فقلت له:

صف لي الفارس فوصفه و إذا هو صاحبنا بعينه و هو الفارس الذي جاءنا و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1).

الحكاية الثلاثون: و فيه عن السيّد السند الميرزا صالح المزبور عن بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلّة قال: خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لأجل زيارة السيّد أعلى اللّه مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيّد محمد ذي الدمعة فرأيت على‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 288 الحكاية 46.

46

شبّاكه الخارج إلى الطريق شخصا بهيّ المنظر يقرأ فاتحة الكتاب فتأمّلته فإذا هو غريب الشكل و ليس من أهل الحلّة فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد و وقف و قرأ له فاتحة الكتاب و نحن أهل البلد نمرّ و لا نفعل ذلك فوقفت و قرأت الفاتحة و التوحيد، فلمّا فرغت سلّمت عليه فردّ السلام و قال لي: يا علي أنت ذاهب لزيارة السيّد مهدي؟ قلت: نعم، قال: فإنّي معك، فلمّا صرنا ببعض الطريق قال لي: يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران و ذهاب المال في هذه السنة فإنّك رجل امتحنك اللّه بالمال فوجدك مؤدّيا للحقّ و قد قضيت ما فرض اللّه عليك، و أمّا المال فإنّه عرض زائل يجي‏ء و يذهب و كان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطّلع عليه أحد مخافة الكسر فاغتممت في نفسي و قلت: سبحان اللّه كسري قد شاع و بلغ حتّى إلى الأجانب إلّا أنّي قلت له في الجواب: الحمد للّه على كلّ حال، فقال: إنّ ما ذهب من مالك سيعود إليك بعد مدّة و ترجع كحالك الأوّل و تقضي ما عليك من الديون قال: فسكت و أنا متفكّر في كلامه حتّى انتهينا إلى باب داركم فوقفت و وقف فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال (عليه السّلام) لي: ادخل أنا صاحب الدار فامتنعت فأخذ بيدي و أدخلني أمامه، فلمّا صرنا إلى المجلس وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيّد (قدس سره) من داخل الدار لأجل البحث، و مكانه من المجلس خال لم يجلس به أحد احتراما له و فيه كتاب مطروح فذهب الرجل فجلس في الموضع الذي كان السيّد (رحمه اللّه) يعتاد الجلوس فيه ثمّ أخذ الكتاب و فتحه و كان الكتاب شرائع المحقّق (رحمه اللّه) ثمّ استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخطّ السيّد (رحمه اللّه) و كان خطّه في غاية الضعف لا يقدر كلّ أحد على قراءته فأخذ يقرأ في تلك الكراريس و يقول للطلبة: ألا تعجبون من هذه الفروع؟ و هذه الكراريس هي بعض من جملة كتاب مواهب الافهام في شرح شرائع الأحكام و هو كتاب عجيب في فنّه لم يبرز منه إلّا ست مجلّدات من أوّل الطهارة إلى أحكام الأموات.

قال الوالد أعلى اللّه درجته: لمّا خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي، فلمّا رآني قام و تنحّى عن الموضع و ألزمته بالجلوس فيه و رأيته رجلا بهيّ المنظر و سيم الشكل في زي غريب، فلمّا جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه و بشاشة و سؤال عن حاله و استحييت أن أسأله من هو و أين موطنه، ثمّ شرعت بالبحث فجعل الرجل يتكلّم في‏

47

المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنّه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة:

اسكت، ما أنت و هذا؟ فتبسّم و سكت، قال (رحمه اللّه): فلمّا انتهى البحث قلت له: من أين كان مجيئك إلى الحلّة؟ فقال: من بلد السليمانية.

فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالأمس خرجت منها حين دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف و قد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلّب عليها و أقام مقامه أخاه عبد اللّه باشا و قد كان أحمد باشا المتقدّم قد خلع طاعة الدولة العثمانية و ادّعى السلطنة لنفسه في السليمانية، قال الوالد (رحمه اللّه): فبقيت متفكّرا في حديثه و أن هذا الفتح و خبره لم يبلغ إلى حكّام الحلّة و لم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلّة و بالأمس خرجت من السليمانية و بين الحلّة و السليمانية ما يزيد على عشرة أيّام للراكب المجدّ، ثمّ إنّ الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الاناء ليغترف به ماء من الحب فناداه لا تفعل فإنّ في الاناء حيوانا ميّتا فنظر فيه فإذا سام أبرص ميّت فأخذ غيره فجاء بالماء إليه، فلمّا شرب قام للخروج، قال الوالد: فقمت لقيامه فودّعني و خرج فلمّا صار خارج الدار قلت للجماعة هلّا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية؟ فقالوا: هلّا أنكرت عليه، قال: فحدّثني الحاج علي المتقدّم بما وقع له في الطريق و حدّثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة و إظهار العجب من الفروع التي فيها، قال الوالد أعلى اللّه مقامه، فقلت: اطلبوا الرجل و ما أظنّكم تجدونه، هو و اللّه صاحب الأمر روحي فداه فتفرّق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا و لا أثرا فكأنّما صعد في السماء أو نزل في الأرض، قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلّة بعد عشرة أيّام من ذلك اليوم و أعلن ذلك عند حكّامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر عند ذوي الدولة العثمانية. قال صاحب الكتاب قلت: الموجود فيما عندنا من كتاب الأنساب ان اسم ذي الدمعة حسين و يلقّب أيضا بذي العبرة و هو ابن زيد الشهيد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) و يكنّى بأبي عاتقة و إنّما لقّب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاة الليل، و ربّاه الصادق (عليه السّلام) فأورثه علما جمّا و كان زاهدا عابدا و توفي في سنة خمس و ثلاثين و مائة و زوّج ابنته بالمهدي الخليفة العبّاسي و له أعقاب كثيرة (1).

____________

(1)- جنّة المأوى: 286 الحكاية 44.

48

الحكاية الحادية و الثلاثون: و فيه عن تاريخ قم تأليف الشيخ الفاضل الحسن بن محمد ابن الحسن القمي من كتاب مؤنس الحزين في معرفة الحق و اليقين من مصنّفات أبي جعفر محمد بن بابويه القمّي ما لفظه بالعربية: باب ذكر بناء مسجد جمكران بأمر الإمام المهدي عليه صلوات اللّه الرحمن و على آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدّس في جمكران بأمر الإمام (عليه السّلام) على ما أخبر به الشيخ العفيف الصالح حسن بن مثلة الجمكراني قال: كنت ليلة الثلاثاء السابع و العشرين من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث و سبعين و ثلاثمائة نائما في بيتي، فلمّا مضى نصف من الليل فإذا بجماعة من الناس على باب بيتي فأيقظوني فقالوا: قم و أجب الإمام المهدي صاحب الزمان (عج) فانّه يدعوك قال: فقمت و تعبّأت و تهيّأت فقلت: دعوني حتّى ألبس قميصي فإذا بنداء من جانب الباب هو: ما كان قميصك؟ فتركته فأخذت سراويلي فنودي: ليس ذلك منك فخذ سراويلك، فألقيته و أخذت سراويلي و لبسته فقمت إلى مفتاح الباب أطلبه فنودي: الباب مفتوح، فلمّا جئت إلى الباب رأيت قوما من الأكابر فسلّمت عليهم فردّوا و رحّبوا بي و ذهبوا بي إلى موضع هو المسجد الآن فلمّا أمعنت النظر رأيت أريكة فرشت عليها فرش حسان و عليها وسائد حسان و رأيت فتى في زي ابن ثلاثين متّكئا عليها و بين يديه شيخ و بيده كتاب يقرؤه عليه و حوله أكثر من ستّين رجلا يصلّون في تلك البقعة و على بعضهم ثياب بيض و على بعضهم ثياب خضر و كان ذلك الشيخ هو الخضر فأجلسني ذلك الشيخ و دعاني الإمام باسمي و قال: اذهب إلى حسن بن مسلم و قل له: إنّك تعمر هذه الأرض منذ سنين و تزرعها و نحن نخربها زرعت خمس سنين و العام أيضا على حالك من الزراعة و العمارة و لا رخصة لك في العود إليها و عليك ردّ ما انتفعت به من غلّات هذه الأرض ليبنى فيها مسجد، و قل لحسن بن مسلم إنّ هذه أرض شريفة قد اختارها اللّه تعالى على غيرها من الأراضي و شرّفها و أنت أضفتها إلى أرضك و قد جزاك اللّه بموت ولدين لك شابّين فلم تنتبه عن غفلتك فإن لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة اللّه من حيث لا تشعر.

قال حسن بن مثلة: يا سيدي لا بدّ لي في ذلك من علامة فإنّ القوم لا يقبلون ما لا علامة و لا حجّة عليه و لا يصدّقون قولي، قال: إنّا سنعلم هناك فاذهب و بلّغ رسالتنا و اذهب إلى السيّد أبي الحسن و قل له يجي‏ء و يحضره و يطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين و يعطيه‏

49

الناس حتّى يبنوا المسجد و يتمّ ما نقص منه من غلّة رهق ملكنا بناحية اردهال و يتم المسجد و قد وقفنا نصف رهق على هذا المسجد ليجلب غلّته كلّ عام و يصرف إلى عمارته و قل للناس: ليرغبوا إلى هذا الموضع و يعززوه و يصلّوا هنا أربع ركعات للتحية في كلّ ركعة يقرأ سورة الحمد مرّة و سورة الاخلاص سبع مرّات و يسبّح في الركوع و السجود سبع مرّات و ركعتان للإمام صاحب الزمان (عليه السّلام) هكذا يقرأ الفاتحة فإذا وصل إلى‏ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ كرّر مائة مرّة، ثمّ يقرؤها إلى آخرها، و هكذا يصنع في الركعة الثانية و يسبّح في الركوع و السجود سبع مرّات فإذا أتمّ الصلاة: يهلّل‏ (1) و يسبّح تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السّلام) فإذا فرغ من التسبيح يسجد و يصلّي على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مائة مرّة، ثمّ قال (عليه السّلام) ما هذه حكاية لفظه:

فمن صلّاها فكأنّما [صلّى‏] (2) في البيت العتيق، قال حسن بن مثلة: قلت في نفسي كان هذا موضع أنت تزعم أنّما هذا المسجد للإمام صاحب الزمان مشيرا إلى ذلك الفتى المتّكي على الوسائد فأشار ذلك الفتى إليّ أن اذهب فرجعت، فلمّا سرت بعض الطريق دعاني ثانية و قال: إنّ في قطيع جعفر الكاشاني الراعي معزا يجب أن تشتريه فإن أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه و إلّا فتعطي من مالك و تجي‏ء به إلى هذا الموضع و تذبحه الليلة الآتية ثمّ تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى و من به علّة شديدة فإنّ اللّه يشفي جميعهم، و ذلك المعز أبلق كثير الشعر و عليه سبع علامات سود و بيض، ثلاث على جانب و أربع على جانب سود و بيض كالدراهم، فذهبت فأرجعوني ثالثة و قال (عليه السّلام): تقيم بهذا المكان سبعين يوما أو سبعا فإن حملت على السبع انطبق على ليلة القدر و هي الثالثة و العشرون و إن حملت على السبعين انطبق على الخامس و العشرين من ذي القعدة و كلاهما يوم مبارك، قال حسن بن مثلة: فعدت حتّى وصلت إلى داري و لم أزل الليل متفكّرا حتّى أسفر الصبح فأدّيت الفريضة و جئت إلى علي بن منذر فقصصت عليه الحال فجاء معي حتّى بلغت المكان الذي ذهبوا بي إليه البارحة فقال: و اللّه إنّ العلامة التي قال لي الإمام واحد منها أنّ هذه السلاسل و الأوتاد هاهنا فذهبنا إلى السيّد الشريف أبي الحسن الرضا فلمّا وصلنا إلى باب داره رأينا خدّامه و غلمانه يقولون: إنّ السيّد أبا الحسن‏

____________

(1)- قال الميرزا النوري: الظاهر أنّه يقول: لا إله إلّا اللّه وحده وحده.

(2)- زيادة يقتضيها السياق.

50

الرضا ينتظرك من سحر، أنت من جمكران؟

قلت: نعم، فدخلت عليه الساعة و سلّمت عليه و خضعت فأحسن في الجواب و أكرمني و مكّن لي في مجلسه و سبقني قبل أن أحدّثه و قال: يا حسن بن مثلة إنّي كنت نائما فرأيت شخصا يقول لي: إنّ رجلا من جمكران يقال له حسن بن مثلة يأتيك بالغدو و لتصدقن ما يقول و اعتمد على قوله فإنّ قوله قولنا فلا تردنّ عليه قوله فانتبهت من رقدتي و كنت أنتظرك الآن فقصّ عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحا فأمر بالخيول لتسرج و تخرج فركبوا، فلمّا قربوا من القرية رأوا جعفر الراعي و له قطيع على جانب الطرق فدخل حسن بن مثلة بين القطيع و كان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز عاديا إلى الحسن بن مثلة فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي و يأتي به فأقسم جعفر الراعي أنّي ما رأيت هذا المعز قط و لم يكن في قطيعي إلّا أنّي رأيته و كلّما أريد أن آخذه لا يمكنني و الآن جاء إليكم، فأتوا بالمعز كما أمر به السيّد إلى ذلك الموضع و ذبحوه و جاء السيّد أبو الحسن الرضا رضى اللّه عنه إلى ذلك الموضع و أحضروا الحسن بن مسلم و استردوا منه الغلّات و جاءوا بغلّات رهق و سقفوا المسجد بالجذوع و ذهب السيّد أبو الحسن الرضا (رض) بالسلاسل و الأوتاد و أودعها في بيته فكان يأتي المرضى و الأعلّاء و يمسّون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم اللّه تعالى عاجلا و يصحون.

قال أبو الحسن محمد بن حيدر: سمعت بالاستفاضة أنّ السيّد أبا الحسن الرضا كان في المحلّة المدعوة بالموسويان من بلدة قم، فمرض بعد وفاته ولد له فدخل بيته و فتح الصندوق الذي فيه السلاسل و الأوتاد فلم يرها. انتهت حكاية بناء هذا المسجد الشريف المشتملة على المعجزات الباهرة و الآثار الظاهرة التي منها وجود مثل بقرة بني إسرائيل في معز من معزى هذه الامّة.

قال مؤلّف كتاب جنّة المأوى الحاج ميرزا حسين النوري طاب ثراه: لا يخفى أنّ مؤلّف تاريخ قم هو الشيخ الفاضل حسن بن محمد القمي و هو من معاصري الصدوق (رضوان اللّه عليه)، روى في ذلك الكتاب عن أخيه حسين بن علي بن بابويه رضى اللّه عنه و أصل الكتاب على اللغة العربية، و لكن في السنة الخامسة و الستّين بعد ثمانمائة نقله إلى الفارسية حسن بن علي بن حسن بن عبد الملك بأمر الخاجا فخر الدين إبراهيم بن الوزير الكبير الخاجا عماد الدين محمود بن الصاحب الخاجا شمس الدين محمد بن علي الصفي، قال العلّامة

51

المجلسي (رحمه اللّه) في أوّل البحار: إنّه كتاب معتبر و لكن لم يتيسّر لنا أصله و ما بأيدينا إنّما هو ترجمته، و هذا كلام عجيب لأنّ الفاضل الألمعي الميرزا محمد أشرف صاحب كتاب فضائل السادات كان معاصرا له مقيما باصفهان و هو ينقل من النسخة العربية، بل و نقل عنه الفاضل المحقّق الآغا محمد علي الكرمانشهاني في حواشيه على نقل الرجال في باب الحاء في اسم الحسن حيث ذكر الحسن بن مثلة و نقل ملخّص الخبر المذكور من النسخة العربية، و أعجب منه أنّ أصل الكتاب كان مشتملا على عشرين بابا.

و ذكر العالم الخبير الميرزا عبد اللّه الاصفهاني تلميذ العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في كتابه الموسوم برياض العلماء في ترجمة صاحب هذا التاريخ أنّه ظفر على ترجمة هذا التاريخ في قم و هو كتاب كبير حسن كثير الفوائد في مجلّدات عديدة و لكنّي لم أظفر على أكثر من مجلّد واحد مشتمل على ثمانية أبواب بعد الفحص الشائع، و قد نقلنا الخبر السابق من خط السيّد المحدّث الجليل السيّد نعمة اللّه الجزائري (رحمه اللّه) عن مجموعة نقله منها و لكنّه كان بالفارسية فنقلناه ثانيا إلى العربية ليلائم نظم هذا المجموع. و لا يخفى أنّ كلمة التسعين الواقعة في صدر الخبر المثناة فوق ثمّ السين المهملة كانت في الأصل سبعين بتقديم المهملة على الموحدة و اشتبه على الناسخ؛ لأنّ وفاة الشيخ الصدوق كانت قبل التسعين، و لذا نرى جمعا من العلماء يكتبون في لفظ السبع و السبعين بتقديم السين أو التاء حذرا عن التصحيف و التحريف و اللّه تعالى هو العالم‏ (1).

الحكاية الثانية و الثلاثون: فيه عن السيّد الثقة التقي السيّد المرتضى النجفي و قد أدرك شيخ الفقهاء و عمادهم الشيخ جعفر النجفي و كان معروفا عند علماء العراق بالصلاح و السداد و صاحبته سنين سفرا و حضرا فما وقفت منه على عثرة في الدين قال: كنّا في مسجد الكوفة مع جماعة فيهم أحد من العلماء المعروفين المبرزين في المشهد الغروي و قد سألته عن اسمه غير مرّة فما كشف عنه لكونه محل هتك الستر و إذاعة السرّ قال: و لمّا حضر وقت صلاة المغرب جلس الشيخ لدى المحراب للصلاة و الجماعة في تهيئة الصلاة بين جالس عنده و مؤذن و متطهّر، و كان في ذلك الوقت في داخل الموضع المعروف بالتنور ماء قليل من قناة خربة و قد رأينا مجراها عند مقبرة هاني بن عروة، و الدرج الذي تنزل إليه‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 230 الحكاية الثامنة.

52

ضيّقة مخروبة لا تسع غير واحد فجئت إليه و أردت النزول فرأيت شخصا جليلا على هيئة الأعراب قاعدا عند الماء يتوضّأ و هو في غاية من السكينة و الوقار و الطمأنينة و كنت مستعجلا لخوف عدم إدراك الجماعة فوقفت قليلا فرأيته كالجبل لا يحرّكه شي‏ء فقلت و قد اقيمت الصلاة ما معناه: لعلّك لا تريد الصلاة مع الشيخ، أردت بذلك تعجيله فقال: لا.

فقلت: لم؟ قال: لأنّه الشيخ الدخني، فما فهمت مراده فوقفت حتّى أتمّ وضوءه فصعد و ذهب و نزلت و توضّأت و صلّيت، فلمّا قضيت الصلاة و انتشر الناس و قد ملأ قلبي و عيني هيئته و سكونه و كلامه فذكرت للشيخ ما رأيت و سمعت منه فتغيّرت حاله و ألوانه و صار متفكّرا مهموما فقال: قد أدركت الحجّة و ما عرفته و قد أخبر عن شي‏ء ما اطّلع عليه إلّا اللّه تعالى، اعلم أنّي زرعت الدخنة في هذه السنة في الرحبة و هي موضع في الطرف الغربي من بحيرة الكوفة محل خوف و خطر من جهة أعراب البادية المترددين إليه، فلمّا قمت إلى الصلاة و دخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدخنة و أهمّني أمره فصرت أتفكّر فيه و في آفاته.

الحكاية الثالثة و الثلاثون: و فيه عن العالم الصالح الميرزا محمد تقي بن الميرزا محمد كاظم عزيز اللّه بن المولى محمد تقي المجلسي الملقّب بالألماسي و هو من العلماء الزاهدين، قال: حدّثني ثقة صالح من أهل العلم من سادات سولستان عن رجل ثقة أنّه قال:

اتفق في هذه السنين أنّ جماعة من أهل بحرين عزموا على إطعام جمع من المؤمنين على التناوب فأطعموا حتّى بلغ النوبة إلى رجل منهم لم يكن عنده شي‏ء فاغتمّ لذلك و كثر حزنه و همّه فاتّفق أنّه خرج ليلة إلى الصحراء فإذا بشخص قد وافاه و قال له: اذهب إلى التاجر الفلاني و قل: يقول لك محمد بن الحسن أعطني الاثني عشر دينارا التي نذرتها لنا فخذها منه و أنفقها في ضيافتك، فذهب الرجل إلى ذلك التاجر و بلّغه رسالة الشخص المذكور فقال التاجر: قال لك ذلك محمد بن الحسن (عليهما السّلام) بنفسه؟ فقال البحريني: نعم، فقال: عرفته، فقال:

لا، فقال التاجر: هو صاحب الزمان (عج)، و هذه الدنانير نذرتها له، فأكرم الرجل و أعطاه المبلغ المذكور و سأله الدعاء و قال له: لما قبل نذري أرجو منك أن تعطيني منه نصف دينار و أعطيك عوضه فجاء البحريني و أبلغ المبلغ في مصرفه‏ (1).

____________

(1)- جنّة المأوى: 258 الحكاية 27.

53

الحكاية الرابعة و الثلاثون: و فيه عن محمد باقر الشريف الاصفهاني أنّ في سنة ألف و مائة و ثلاث و سبعين كنت في طريق مكّة المعظّمة صاحبت رجلا ورعا موثقا يسمّى الحاج عبد الغفور في ما بين الحرمين و هو من تجّار تبريز يسكن في اليزد و قد حجّ قبل ذلك ثلاث مرّات و بنى في هذا السفر على مجاورة بيت اللّه سنتين ليدرك فيض الحج ثلاث سنين متوالية، ثمّ بعد ذلك في سنة ألف و مائة و ستّة و سبعين حين معاودتي من زيارة المشهد الرضوي على صاحبه السلام رأيته أيضا في اليزد و قد مرّ في رجوعه من مكة بعد ثلاث حجّات إلى بندر صورت من بنادر هند لحاجة له و رجع في سنتها إلى بيته فذكر لي عند اللقاء: أنّي سمعت من الميرزا بولي طالب أنّ في السنة الماضية جاء مكتوب من سلطان الافرنج إلى الرئيس الذي يسكن بندر بمبئي من جانبه و يعرف بجندران، في هذا الوقت ورد علينا رجلان عليهما لباس الصوف و يدّعي أحدهما أنّ عمره سبعمائة و خمسين سنة و الآخر سبعمائة سنة و يقولان: بعثنا صاحب الأمر (عج) لندعوكم إلى دين محمّد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يقولان: إن لم تقلبوا دعوتنا و لم تتدينوا بديننا يغرق البحر بلادكم بعد ثمان أو عشرة سنين و الترديد من الحاج المذكور و قد أمرنا بقتلهما فلم يعمل فيهما الحديد و وضعناهما على الأثواب و أوقدنا فيهما النار فلم يحرقا فشددنا أيديهما و أرجلهما و ألقيناهما في البحر فخرجا منه سالمين، و كتب إلى الرئيس أن يتفحّص في أرباب مذاهب الإسلام و اليهود و المجوس و النصارى و أنّهم هل رأوا ظهور صاحب الأمر (عليه السّلام) في آخر الزمان في كتبهم أم لا، قال الحاج المزبور: و قد سألت من قسيس كان في صورت عن صحّة المكاتبة المذكورة فذكر لي كما سمعت. و بالجملة الخبر مشهور منتشر في تلك البلدة و اللّه العالم‏ (1).

الحكاية الخامسة و الثلاثون: فيه أنّ في شهر جمادى الأولى من سنة ألف و مائتين و تسع و تسعين ورد الكاظمين رجل اسمه آقا محمّد مهدي من قاطنة بندر ملومين من بنادر ماچين و ممالك برمه و هو الآن في تصرّف الانجليز، و من بلدة كلكته قاعدة سلطنة ممالك الهند إليه مسافة ستّة أيّام من البحر مع المركب الدخانية و كان أبوه من أهل شيراز و لكنّه ولد تعيش و كان له أقارب في بلدة كاظمين (عليهما السّلام) من التجّار المعروفين فنزل عليهم و بقي عندهم عشرين‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 261 الحكاية 30.

54

يوما فصادف وقت حركة مركب الدخان إلى سرّ من رأى لطغيان الماء فأتوا به إلى المركب و سلّموه إلى راكبيه و هم من أهل بغداد و كربلاء و سألوهم المراقبة في حاله و النظر في حوائجه لعدم قدرته على إبرازها و كتبوا إلى بعض المجاورين من أهل سامراء للتوجّه في أموره، فلمّا ورد تلك الأرض المشرّفة و الناحية المقدّسة أتى إلى السرداب المنوّر بعد الظهر من يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة من السنة المذكورة و كان فيه جماعة من الثقات و المقدسين إلى أن أتى إلى الصفة المباركة فبكى و تضرّع فيها زمانا طويلا و كان يكتب قبيله حاله على الجدار و يسأل من الناظرين الدعاء و الشفاعة فما تمّ بكاؤه و تضرّعه إلّا و قد فتح اللّه لسانه و خرج بإعجاز الحجّة (عج) من ذلك المقام المنيف مع لسان ذلق و كلام فصيح، و احضر في يوم السبت في محفل تدريس سيّد الفقهاء و شيخ العلماء رئيس الشيعة و تاج الشريعة المنتهى إليه رئاسة الإماميّة سيّدنا الأفخم و استاذنا الأعظم الحاج الميرزا محمد حسن الشيرازي متّع اللّه المسلمين بطول بقائه و قرأ عنده متبرّكا سورة المباركة الفاتحة بنحو أذعن الحاضرون بصحّته و حسن قراءته و صار يوما مشهودا و مقاما محمودا، و في ليلة الأحد و الاثنين اجتمع العلماء و الفضلاء في الصحن الشريف فرحين مسرورين و أضاء و افضاءه من المصابيح و القناديل و نظموا القصة و نشروها في البلاد، و كان معه في المركب مادح أهل البيت الفاضل اللبيب الحاج ملّا عباس الصفّار الزنوزي البغدادي فقال و هو من قصيدة طويلة و رآه مريضا و صحيحا:

و في عامها جئت و الزائرين‏* * * إلى بلدة سر من قد رآها

رأيت من الصين فيها فتى‏* * * و كان سمي إمام هداها

يشير إذا ما أراد الكلام‏* * * و للنفس منه يريد براها

و قد قيّد السقم منه الكلام‏* * * و أطلق من مقلتيه دماها

فوافى إلى باب سرداب من‏* * * به الناس طرا تنال مناها

يروم بغير لسان يزور* * * و للنفس منه وهت بعناها

و قد صار يكتب فوق الجدار* * * ما فيه للروح منه شفاها

أروم الزيارة بعد الدعاء* * * ممن رأى أسطري و تلاها

لعل لساني يعود الفصيح‏* * * و عليّ أزور و أدعو الإلها

55

إذا هو في رجل مقبل‏* * * تراه ورى البعض من أتقياها

تأبط خير كتاب له‏* * * و قدجاء حيث غاب ابن طه‏

فأومى إليه ادع ما قد كتب‏* * * و جاء فلمّا تلاه دعاها

و أوصى به سيّدا جالسا* * * ان ادعوا له بالشفاء شفاها

فقام و أدخله غيبة الإمام‏* * * المغيب من أوصياها

و جاء إلى حضرة الصفة* * * التي هي للعين نور ضياها

و أسرج آخر فيها السراج‏* * * و أدناه من فمه ليراها

هناك دعا اللّه مستغفرا* * * و عيناه مشغولة ببكاها

و مذ عاد منها يريد الصلاة* * * قد عاود النفس منه شفاها

و قد أطلق اللّه منه اللسان‏* * * و تلك الصلاة أتمّ أداها

و لمّا بلغ الخبر إلى خرّيت‏ (1) صناعة الشعر السيّد المؤيد الأديب اللبيب فخر الطالبيين و ناموس العلويين السيّد حيدر ابن السيد سليمان الحلّي أيّده اللّه تعالى كتب إلى سر من رأى كتابا صورته:

بسم اللّه الرحمن الرحيم لما هبت من الناحية المقدّسة نسمات كرم الإمامة فنشرت نفحات عبير هاتيك الكرامة فأطلقت لسان زائرها من اعتقاله عند ما قام عندها في تضرّعه و ابتهاله أحببت أن أنتظم في سلك من خدم تلك الحضرة في نظم قصيدة تتضمّن بيان هذا المعجز العظيم و نشره و إن أهمّني علامة الزمن و غرّة وجهه الحسن، فرع الأراكة المحمدية و منار الملّة الأحمدية، علم الشريعة و إمام الشيعة لأجمع بين العبادتين في خدمة هاتين الحضرتين فنظمت هذه القصيدة الغرّاء و أهديتها إلى دار إقامته و هي سامراء راجيا أن تقع موقع القبول فقلت و من اللّه بلوغ المأمول:

كذا يظهر المعجز الباهر* * * و يشهده البرّ و الفاجر

و تروى الكرامة مأثورة* * * يبلغها الغائب الحاضر

يقرّ لقوم بها ناظر* * * و يقذى لقوم بها ناظر

فقلب بها ترحا واقع‏* * * و قلب بها فرحا طائر

____________

(1)- الخرّيت: الحاذق في الدلالة.

56

أجل طرف فكرك يا مستدلّ‏* * * و أنجد بطرفك يا غائر

تصفّح مآثر آل الرسول‏* * * و حسبك ما نشر الناشر

و دونكه نبأ صادقا* * * لقلب العدو هو الباقر

فمن صاحب الأمر أمس استبان‏* * * لنا معجز أمره باهر

بموضع غيبته مذ ألمّ‏* * * أخو علّة داؤها ظاهر

رمى فمه باعتقال اللسان‏* * * رام هو الزمن الغادر

فأقبل ملتمسا للشفاء* * * لدى من هو الغائب الحاضر

و لقّنه القول مستأجر* * * عن القصد في أمره جائر

فبيناه في تعب ناصب‏* * * و من ضجر فكره حائر

إذ انحل من ذلك الاعتقال‏* * * و بارحه ذلك الضائر

فراح لمولاه في الحامدين‏* * * و هو لآلائه ذاكر

لعمري لقد مسحت داءه‏* * * يد كلّ خلق لها شاكر

يد لم تزل رحمة للعباد* * * لذلك أنشأها الفاطر

تحدر و إن كرهت أنفس‏* * * يضيق شجى صدرها الواغر

و قل إنّ قائم آل النبي‏* * * له النهي و هو هو الآمر

أ يمنع زائره الاعتقال‏* * * ممّا به ينطق الزائر

و يدعوه صدقا إلى حلّه‏* * * و يقضي على أنّه القادر

و يكبو راجيه دون الغياب‏* * * و هو يقال به العاثر

فحاشاه بل هو نعم المغيث‏* * * إذا نضض الحارث الفاغر

فهذي الكرامة لا ما غدا* * * يلفقه الفاسق الفاجر

أدم ذكرها يا لسان الزمان‏* * * و في نشرها فمك العاطر

و هنئ بها سر من رأى و من‏* * * به ربعها آهل عامر

هو السيّد الحسن المجتبى‏* * * خضم الندى غيثه الهامر

و قل يا تقدست من بقعة* * * بها يهب الزلّة الغافر

كلا اسميك في الناس باد له‏* * * بأوجههم أثر الظاهر

57

فأنت لبعضهم سر من رأى‏* * * و به يوصف الخاسر

لقد أطلق الحسن المكرمات‏* * * محياك فهو بها سافر

فأنت حديقة زهو به‏* * * و أخلاقه روضك الناضر

عليم توقّى بحجر الهدى‏* * * و نسج التقى برده الظاهر

إلى أن قال سلّمه اللّه تعالى:

كذا فلتكن عترة المرسلين‏* * * و إلّا فما الفخر يا فاخر (1)

الحكاية السادسة و الثلاثون: و فيه حدّثني الثقة الأمين آغا محمد المجاور لمشهد العسكريين المتولّي لأمر الشموعات لتلك البقعة العالية فيما ينيف على أربعين سنة قال:

كان رجل من أهل سامراء من أهل الخلاف يسمّى مصطفى الجمود و كان من الخدّام الذين ديدنهم أذيّة الزوّار و أخذ أموالهم بطريق فيها غضب الجبّار و كان أغلب أوقاته في السرداب المقدّس على الصفة الصغيرة خلف الشّباك الذي وصفه هناك من الزوّار و يشتغل بالزيارة، يحول الخبيث بينه و بين مولاه فينبهه على الأغلاط المتعارفة التي لا يخلو أغلب العوام منها بحيث لم يبق لهم حالة حضور و توجّه أصلا، فرأى ليلة في المنام الحجّة من اللّه الملك العلّام (عليه السّلام) فقال له: إلى متى تؤذي زوّاري و لا تدعهم أن يزوروا؟ ما لك و الدخول في ذلك؟

خل بينهم و بين ما يقولون فانتبه و قد أصمّ اللّه أذنيه فكان لا يسمع بعده شيئا و استراح منه الزوّار و كان كذلك إلى أن ألحقه اللّه بأسلافه في النار (2).

الحكاية السابعة و الثلاثون: فيه عن مجمع الفضائل و الفواضل المولى علي الرشتي طاب ثراه و كان عالما برّا تقيا قال: رجعت مرّة من زيارة أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عازما للنجف الأشرف من طريق الفرات، فلمّا ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلاء و طويريج رأيت أهلها من أهل حلّة و من طويريج تفترق طريق الحلّة و النجف و اشتغل الجماعة باللهو و اللعب و المزاح، رأيت واحدا منهم لا يدخل في عملهم و عليه آثار السكينة و الوقار لا يمازح و لا يضاحك و كانوا يعيبون على مذهبه و يقدحون فيه و مع ذلك كان شريكا في أكلهم و شربهم فتعجّبت منه إلى أن وصلنا إلى محل كان الماء قليلا فأخرجنا صاحب‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 265- 268 الحكاية 32.

(2)- جنّة المأوى: 269 الحكاية 33.

58

السفينة فكنّا نمشي على الشاطئ فاتّفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق فسألته عن سبب مجانبته من أصحابه و ذمّهم إيّاه و قدحهم فيه فقال: هؤلاء من أقاربي من أهل السنّة و أبي منهم و أمّي من أهل الايمان و كنت أيضا منهم و لكن اللّه منّ عليّ بالتشيّع ببركة الحجّة صاحب الزمان (عليه السّلام) فسألت عن كيفية ايمانه فقال: اسمي ياقوت و أنا أبيع الدهن عند جسر الحلّة فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن من أهل البراري خارج الحلّة فبعدت عنها بمراحل إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت أريد منه و حملته على حماري و رجعت مع جماعة من أهل الحلّة و نزلنا في بعض المنازل و نمنا و انتبهت فما رأيت أحدا منهم و قد ذهبوا جميعا، و كان طريقنا في برية قفر ذات سباع كثيرة ليس في أطرافها معمورة إلّا بعد فراسخ كثيرة فقمت و جعلت الحمل على الحمار و مشيت خلفهم فضلّ عنّي الطريق و بقيت متحيّرا خائفا من السباع و العطش في يومه فأخذت أستغيث بالخلفاء و المشايخ و أسألهم الإعانة و جعلتهم شفعاء عند اللّه تعالى و تضرّعت كثيرا فلم يظهر منهم شي‏ء، فقلت في نفسي: إنّي سمعت من أمّي أنّها كانت تقول: إنّ لنا إماما حيّا يكنّى أبا صالح يرشد الضالّ و يغيث الملهوف و يعين الضعيف فعاهدت اللّه تعالى إن استغثت به فأغاثني أن أدخل في دين أمّي فناديته و استغثت به فإذا بشخص في جنبي و هو يمشي معي و عليه عمامة خضراء قال (رحمه اللّه): و أشار حينئذ إلى نبات حافة النهر و قال: كانت خضرتها مثل خضرة هذا النبات، ثمّ دلّني على الطريق و أمرني بالدخول في دين أمّي و ذكر كلمات نسيتها و قال: ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعا من الشيعة قال: فقلت: يا سيدي أنت لا تجي‏ء معي إلى هذه القرية؟ فقال (عليه السّلام) ما معناه: لا لأنّه استغاث بي ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم ثمّ غاب عنّي فما مشيت إلّا قليلا حتّى وصلت إلى القرية و كان في مسافة بعيدة و وصل الجماعة إليها بعدي بيوم، فلمّا دخلت الحلّة ذهبت إلى سيّد الفقهاء السيّد مهدي القزويني (رحمه اللّه) و ذكرت له القصّة فعلّمني معالم ديني فسألته عملا أتوصّل به إلى لقائه (عليه السّلام) مرّة اخرى فقال: زر أبا عبد اللّه (عليه السّلام) أربعين ليلة جمعة قال: فكنت أزوره من الحلة في ليالي الجمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلة في يوم الخميس، فلمّا وصلت إلى باب البلد فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة و ما كان عندي تذكرة و لا قيمتها فبقيت متحيّرا و الناس متزاحمون على الباب فأردت مرارا أن أتخفّى و أجوز عنهم فما تيسّر لي فإذا

59

بصاحبي صاحب الزمان في زي لباس طلبة الأعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد، فلمّا رأيته استغثت به فخرج و أخذني معه و أدخلني من الباب فما رآني أحد، فلمّا دخلت البلد افتقدته من بين الناس و بقيت متحيّرا على فراقه (عليه السّلام) و قد ذهب عن خواطري بعض ما كان في تلك الحكاية (1).

الحكاية الثامنة و الثلاثون: فيه عن العالم الجليل المحدّث السيّد نعمة اللّه الجزائري عمّن أعتمد عليه أنّه كان منزله في بلد على ساحل البحر و كان بينهم و بين جزيرة من جزائر البحر مسير يوم أو أقلّ، و في تلك الجزيرة مياههم و حطبهم و ثمارهم و ما يحتاجون إليه فاتّفق أنّهم على عادتهم ركبوا في سفينة قاصدين تلك الجزيرة و حملوا معهم زاد يوم، فلمّا توسّطوا البحر أتاهم ريح عدلهم عن ذلك القصد و بقوا على تلك الحال تسعة أيّام حتّى أشرفوا على الهلاك من قلّة الماء و الطعام ثمّ إنّ الهواء رماهم في ذلك اليوم على جزيرة في البحر فخرجوا إليها و كان فيها المياه العذبة و الثمار الحلوة و أنواع الشجر فبقوا فيها نهارا ثمّ حملوا منها ما يحتاجون إليه و ركبوا سفينتهم و دفعوا، فلمّا بعدوا عن الساحل نظروا إلى رجل منهم بقي في الجزيرة فناداهم و لم يتمكّنوا من الرجوع فرأوه قد شدّ حزمة حطب و وضعها تحت صدره و ضرب البحر عليها قاصدا لحوق السفينة فحال الليل بينهم و بينه و بقي في البحر، و أمّا أهل السفينة فما وصلوا إلّا بعد مضيّ أشهر، فلمّا بلغوا أهلهم أخبروا أهل ذلك الرجل فأقاموا مأتمه فبقوا على ذلك عاما أو أكثر ثمّ رأوا أنّ ذلك الرجل قدم إلى أهله فتباشروا به و جاء إليه أصحابه فقصّ عليهم قصّته قال: فلمّا حال الليل بيني و بينكم بقيت تقلّبني الأمواج و إذا أنا على الحزمة يومين حتّى أوقعتني على جبل في الساحل فتعلّقت بصخرة منه و لم أطق الصعود إلى جوفه لارتفاعه فبقيت في الماء و ما شعرت إلّا بأفعى عظيمة أطول من المنار و أغلظ منها فوقعت على ذلك الجبل و مدّت رأسها تصطاد الحيتان من الماء فوق رأسي فأيقنت بالهلاك و تضرّعت إلى اللّه تعالى فرأيت عقربا تدبّ على ظهر الأفعى، فلمّا وصل إلى دماغها لسعتها بإبرة فإذا لحمها قد تناثر عن عظامها و بقي عظم ظهرها و أضلاعها كالسلّم العظيم الذي له مراق يسهل الصعود عليها قال: فرقيت على تلك الأضلاع حتّى خرجت إلى الجزيرة شاكرا للّه تعالى على ما صنع فمشيت في تلك‏

____________

(1)- جنّة المأوى: 293 حكاية 47.

60

الجزيرة إلى قريب العصر فرأيت منازل حسنة مرتفعة البنيان إلّا أنّها خالية لكن فيها آثار الانس قال: فاسترحت في موضع منها، فلمّا صار العصر رأيت عبيدا و خدما كلّ واحد منهم على بغل فنزلوا و فرشوا فرشا نظيفة و شرعوا في تهيئة الطعام و طبخه، فلمّا فرغوا منه رأيت فرسانا مقبلين عليهم ثياب بيض و خضر و يلوح من وجوههم الأنوار فنزلوا و قدّم إليهم الطعام فلمّا شرعوا في الأكل قال أحسنهم هيئة و أعلاهم نورا: ارفعوا حصّة من هذا الطعام لرجل غائب فلمّا فرغوا ناداني: يا فلان بن فلان، أقبل فعجبت منه فأتيت إليهم و رحّبوا بي فأكلت ذلك الطعام و ما تحقّقت إلّا أنّه من طعام الجنّة، فلمّا صار النهار ركبوا بأجمعهم و قالوا لي: انتظر هنا فرجعوا وقت العصر و بقيت معهم أيّاما فقال لي يوما ذلك الرجل الأنور: إن شئت الإقامة معنا في هذه الجزيرة أقمت و إن شئت المضي إلى أهلك أرسلنا معك من يبلغك بلدك فاخترت على شقاوتي بلادي، فلمّا دخل الليل أمر لي بمركب و أرسل معي عبدا من عبيده فسرنا ساعة من الليل و أنا أعلم أنّ بيني و بين أهلي مسيرة أشهر و أيّام فما مضى من الليل قليل منه إلّا و قد سمعنا نبح الكلاب فقال لي ذلك الغلام: هذا نبح كلابكم فما شعرت إلّا و أنا واقف على باب داري فقال: هذه دارك انزل إليها، فلمّا نزلت قال لي: قد خسرت الدنيا و الآخرة ذلك الرجل صاحب الدار فالتفت إلى الغلام فلم أره و أنا من ذلك الوقت بينكم نادما على ما فرطت، هذه حكايتي و أمثال هذه الغرائب كثيرة لا نطيل الكلام بها.

أقول: قد نقل صاحب الكتاب حكاية عن كتاب نور العيون تأليف محمد شريف الحسيني تقرب من هذه إلّا أنّ بينها اختلافا كثيرا و قد ذكرناها في الخامسة و العشرين من الحكايات و اللّه أعلم‏ (1).

الحكاية التاسعة و الثلاثون: و ممّن فاز بتلك الدوحة العليا و نال التشرّف بتلك الطلعة الغرّاء في غيبته الكبرى المؤلف الضعيف و ذلك في مسافرتي من محل إقامتي و مجاورتي و مدفني إن شاء اللّه تعالى و هو الحائر المقدّسة الحسينية و البقعة المباركة الطيّبة إلى زيارة مولانا أبي الأئمّة في وقفة البعثة النبوية السنة المعروفة بالغريقية و ذلك سنة ألف و ثلاثمائة و خمس من الهجرة المقدّسة و ذلك أنّه اتفقت تلك الزيارة في فصل الربيع من تلك السنة

____________

(1)- جنّة المأوى: 307 الحكاية 57.

61

الهائلة، خرج جمّ غفير من مجاوري كربلاء من العرب و العجم و خرجنا بالعيال و ثقل الأطفال بعد خروج جمع كثير قبلنا و معنا عمّنا الرجل التقيّ النقيّ المعروف بالصلاح يدعى الحاج عبد الحسين، فخرجنا حتّى انتهينا إلى قريب من السدّة التي خارج البلدة قريب من مركز السليمانية تعرف بالسدّة التي أمر بها الشيخ شيخ العراقين طاب ثراه و إذا بانقلاب الهواء و هبوب الأرياح العاصفة و العجاج الثائر فتراكمت السحب السود و أخذت الهواء تمطر مطيرات ناعمة إلى أن اشتدّ المطر و اغزر فأمطرت البرد و الحالوب الشديد فكأنها مقامع من حديد و كانت ما تقرب من جوزة كبيرة أو نارنجة صغيرة و اشتدّ الأمر و ضاق الفضاء و نزل البلاء و أيقنّا بالموت و الفناء فهلك بها المواشي و الأنعام و اضطرب منها الخاص و العام، فمنهم من أصابته في صدغه فقضى به نحبه في حينه و ساعته و منهم من كان ينتظر و منهم من اندهش و انذهل و منهم المفترش في الثلج و الوحل، هذا و استصعب البرد غايته و اشتد إلى أن بلغ نهايته فكان الفلك الزمهرير أخرق الهواء و أشرف، و كان الهواء بالثلج قد تكيف فغدت الأرجل و الأيادي مستجمدة و الأبدان كالخشبة البالية فوقفت المطايا من السير و لم تتمكّن من الحركة، فأشرت إلى عبد الحسين المذكور أن أدركنا بالوصول إلى مركز السليمانية حيث تقف السفن و السواجي و إخبارها بنا كي تحملنا إليه و تضعنا لديه و أنا متكفّل بالعيال و الأطفال فذهب و بالغ في ذلك فلم يجد شيئا منها قط و لو ببذل دراهم كثيرة و بقي في خيبة و أياس و لم يقدر المراجعة عندنا و إخباره إيّانا و قد خفقت علينا أجنحة الموت و أنشبت بنا المنية أظفارها فتوسّلت حينئذ بالحجّة المنتظر و الإمام الحي الثاني عشر فبينما نحن على ذلك و إذا بساجة هناك و فيها سيّد ظننتها من أهالي كربلاء و هو يقول:

اين حاج شيخ علي خودمانست أي: هذا الرجل المسمّى حاج شيخ علي المنسوب إلينا، ثمّ رحّب بنا فأمروا نقلنا العيال في ساجته و أخذنا إلى المركز فتحوّلنا إلى الحي و الجماعة التي هناك نزيل السليمانية و قضى من أمر الزوّار في تلك الوقعة ما قضى و لم أتفطّن باستغاثتي منذ هذه المدّة و إغاثته إلّا بعد زمان، رزقنا رؤيته الكاملة في الرجعة إن شاء اللّه.

الحكاية الأربعون: مضمون ما ذكره شيخ المحدّثين المولى النوري في كتابه جنّة المأوى، و ذكر فاضل من الواعظين باختلاف يسير: كنت سنة ثلاث و ثلاثمائة و ألف متردّدا في المذاكرة في شهر رمضان بالمسجد فرأيت ليلة من ليالي المحاق من شهر شعبان أنّ‏

62

احدا ناولني كتاب إكمال الدين للصدوق (قدس سره) الذي كان لي بالخزانة قال لي: ذاكر بما في هذا، فتناولته فانتبهت و اشتغلت بالمذاكرة و في كل يوم كنت أذاكر شيئا ممّا في ذلك الكتاب امتثالا للأمر، ثمّ إنّي سافرت لزيارة الأئمّة بالعراق يوم السابع عشر من شهر صفر المظفر من السنة التالية فزرت مقابر قريش و سرّ من رأى و لاقيت صديقي الأنور شيخ المحدّثين في عصره المولى النوري نوّر اللّه قلبه و ملأ لبّه حبّه و فاوضنا في المطالب فحدّثته بالرؤيا قال:

هذا ليس بشي‏ء و عندي رواية ليس في روايات من رأى الحجّة (عجّل اللّه تعالى فرجه) ما يحوي تفصيلها ثمّ حكاها لي فقفلت و زرت الحائر المقدّس و الغري الأقدس و عدت إلى المقابر و كان في عزمي أن أسمعها من لفظ الرائي الراوي بغير واسطة فنويت يوما أن أمضي إلى بغداد فأرسلت إلى السيّد السند و الحبر المعتمد السيّد محمد ابن السيد أحمد ابن السيد حيدر الكاظمي زيد في تأييده في أن يكتب كتابا إلى أخيه المقيم ببغداد ذي السداد و الاعتماد السيّد حسين سلّمه اللّه تعالى لكي يطلب لي الرائي الراوي و يحضره عندي لأسمعه منه فكتب و أرسل الكتاب إليّ فأخذته و أتيت بغداد و نزلت بدار الحاج علي أكبر التاجر الهمداني فبعث من أخبره بقدومنا و أوصل إليه الكتاب، ثمّ جاء السيّد المذكور و جلس هنيئة فقام و خرج في طلب الرجل و ما كان إلّا ساعة و إذا به قد رجع و معه الرجل قال: لما خرجت من عندكم أطلبه فلاقيته في بعض السكك فحمدنا اللّه جل جلاله على هذه النعمة المترقبة و اقتضينا منه أن يحكي لنا ما رأى فأبى و ضايقنا ذكر أنّ الشيخ محمد حسن طال بقاه منعه عن ذلك فأصرّ عليه السيّد و الحاج و قالا: إنّ هذا- يعنياني- من أهل العلم و المنبر يذاكر به الناس، و المصلحة في أن يحكى له فطفق يقول- و اسمه الحاج علي ابن قاسم الكرادي البغدادي و كان عليه سيماء الصدق و الصمت و الأمانة و لوائح الصلاح منه للمتوسمين لائحة و كان يوم الثلاثاء الرابع و العشرين من شهر الرجب من السنة المذكورة-:

كنت ببغداد أتجر في البز و القماش و انتدبت يوما للنظر في حساب رأس مالي و ما حصل لي من الربح لأعرف ما صار عليّ و في ذمّتي من حق السادات و سهم الإمام (عليه السّلام) و لاحظت و رأيت انّه تعلّق بذمّتي ثمانمائة قران من سهم الإمام (عليه السّلام) فعزمت أن آتي الغري و أزور أمير المؤمنين (عليه السّلام) يوم الغدير و أوصل ما عليّ إلى العلماء هناك، فجئت الغري وزرت‏

63

و أوصلت ما أخذته معي ستمائة قران إلى ثلاثة من علماء النجف و رجعت إلى بغداد و كان بعزمي أن أوصل الباقي معجلا إلى الشيخ محمد حسن آل ياسين فأخذت يوما ما كان نقدا بالحانوت معي و أتيته به و أوصلت إليه ذلك و قلت: شيخنا عندي بعد كذا من السهم و هو لم ينقد، بل جنس أبيعه و آتيك به و إن شئت فاكتب للسادة حوالة عليّ أؤدي إليهم شيئا فشيئا قال: نعم أكتب عليك الحوالة لهم، قلت له: شيخنا أريد أن تكتب لي تذكرة تكتب شهادتك بأنّي من موالي أمير المؤمنين و أولاده المعصومين (عليه السّلام) أجعلها في كفني، قال: أكتب لك ذلك فقمت من عنده لأخرج قال: بت هنا هذه الليلة تزور، إنّها ليلة الجمعة و كان وقت العصر من الخميس، قلت له: شيخنا ما أقدر لأنّ العملة بالكارخانة يستوفون أجورهم في كلّ اسبوع أوّل النهار من يوم الجمعة فخرجت إلى بغداد و ما مضيت من السبيل إلّا ثلثه فإذا بسيّد جليل مقبل من جانب بغداد أسمر على خدّه الأيمن أو الأيسر- و الترديد من الرائي- شامة سوداء، لحيته خفيفة، عليه ثياب خضر، يرى من أبناء خمسة و ثلاثين و لمّا دنا منّي سلّم عليّ و فتح باعه و ضمّني إليه و قبّلني و أنا أيضا قبّلته و أظنّه من السادة الذين كنت أعطيهم شيئا من الخمس أحيانا يعرفني و أنا لا أعرفه بشخصه و هو يرجو منّي شيئا فقال (عليه السّلام): حاج علي أهلا و سهلا، على خير؟ قلت له: أريد بغداد، قال (عليه السّلام) لي: ارجع نزور جدّي موسى بن جعفر، هذه ليلة الجمعة، قلت له: سيدنا لا أقدر، عندي شغل، قال (عليه السّلام):

ارجع لأشهد أنا لك و الشيخ، و إنّ اللّه أمر بشاهدين، قلت: أي شيخ تريد؟ قال لي: الشيخ محمد حسن آل يس قلت له: ما أدراك ما جرى بيني و بينه؟ قال (عليه السّلام) لي: يؤدّون حقّ الإنسان إليه لا يدري ارجع، فهبته و أكبرته و لم أقدر على مخالفته فرجعت معه و هو آخذ يدي بيده قابض عليها، و لما تأمّلته رأيته عظيما فقلت في نفسي: أسأله عن بعض الأشياء، فقلت له:

سيّدنا كان عليّ من سهم الإمام (عليه السّلام) كذا و أوصلت بالغري إلى فلان و فلان و فلان و سمّيتهم له فهل صار عملي صحيحا؟

قال: نعم بيد وكلائنا وصل، قلت: و أوصلت اليوم إلى فلان و سمّيته له كذا ثمّ صار القرار على الحوالة فهل هذا صار أيضا صحيحا؟ قال: (عليه السّلام): نعم بيد وكيلنا وصل، ثمّ نظرت و رأيت نهرا جاريا عن يميننا غير الدجلة و ماؤه صاف كأبيض ما يكون من الماء و أصفاه كأنّه ماء صاف في بلور و قد حفّت بنا من كلّ الطرفين أشجار كثيرة ملتفة متدلية على رءوسنا من كلّ‏

64

نوع و لون من الليمون و النارنج و الرمّان و الكرم و الكمثرى قد أينعت ثمارها فقلت له: سيدنا إنّي طرقت كثيرا من هذا الطريق و لم أر شيئا من هذه الأشياء أبدا، قال (عليه السّلام): إذا زارنا موالونا تباريهم هذه الأشياء، قلت له: سيدنا أراك فرد رؤية أريد أن أسألك عن مسألة، قال (عليه السّلام): بسم اللّه، قلت له: إني زرت سنة تسعة و ستّين و مائتين و ألف مولاي الرضا (عليه السّلام) فهل زيارتي مقبولة؟ قال (عليه السّلام): مقبولة إن شاء اللّه قلت له: سيدنا مسألة قال: بسم اللّه، قلت له: الحاج محمد حسين بذارباشي زيارته مقبولة- قلت عند نفسي: الناس يجيئونني و يسألونني: هل سألت السيد عنه و كان من أهل بغداد و معنا في طريق الرضا (عليه السّلام)- قال العبد الصالح: زيارته مقبولة، قلت له: سيّدنا مسألة، قال (عليه السّلام): بسم اللّه، قلت: فلان سمّيته له زيارته مقبولة و كان معنا في ذلك الطريق فلم يجبني بشي‏ء، قلت له: سيّدنا سألتك عن مسألة هل سمعته فأدار وجهه عنّي إلى جانب آخر، و هذا الرجل فحصنا عن حاله فبان أنّه كان قد قتل أمّه قلت له:

سيدنا فرمان هل هو من موالي أمير المؤمنين (عليه السّلام)، و كان رجلا من قرائبي قال: هو و جميع من يلوذ بك من موالي أمير المؤمنين (عليه السّلام)، قلت: سيدنا أنا قليل المعرفة بالمسألة أسألك عن مسألة قال (عليه السّلام): بسم اللّه، قلت له: لقينا في ذهابنا إلى زيارة مولانا الرضا (عليه السّلام) بمرحلة دروت رجلا من المعدان راجعا من الزيارة أقريناه بالليل و سألناه عن بلد الرضا (عليه السّلام) كيف هو؟ فقال:

الجنّة الجنّة كنت هناك خمسة عشر يوما بالمهمانخانة أتغدى و أتعشّى و أي جرأة للنكير و المنكر يجيئانني و يسألانني في القبر و قد نبت لحمي من طعامه، كلامه هذا صحيح؟

قال: نعم جدّي ضامن، قلت له: سيّدنا، أنا قليل المعرفة بالمسألة أريد أن أسألك مسألة قال: بسم اللّه، قلت: سمعت الشيخ عبد الرزاق و كان رجلا ببغداد و يقرأ لنا الأخبار و المرثية و يقول من حجّ أربعين حجّة و اعتمر أربعين عمرة و كان تمام عمره صائما نهاره قائما ليله ثمّ مات بين الصفا و المروة و لم يوال أمير المؤمنين و أولاده المعصومين (عليه السّلام) فليس بناج و لا له من عمله شي‏ء، هذا صحيح؟

قال (عليه السّلام): أي و اللّه ليس له شي‏ء، قلت له: سيدنا مسألة، قال: اسأل، قلت له: و كان يقول:

روي أنّ سليمان الأعمش قال: كان لي جار أتيته ليلة جمعة فقلت له: ما تقول في زيارة الحسين (عليه السّلام)؟ قال: بدعة فقمت من عنده و أتيت إلى مضجعي و قلت في نفسي آتيه ثانيا فإن أصرّ قتلته، فلمّا كان وقت السحر أتيت بابه فقرعته فإذا بزوجته تقول لي: إنّه قصد إلى زيارة

65

الحسين (عليه السّلام) من أوّل الليل فذهبت في أثره فلمّا دخلت الروضة فإذا بالشيخ باك و داع فقلت له: بالأمس كنت تقول: زيارته بدعة و الآن أتيت تزوره فقال: رأيت رؤيا هالتني، رأيت ناقة من نور عليها هودج من نور و فيه امرأتان و الناقة تطير بين السماء و الأرض فقلت لمن هذه؟

فقيل: لخديجة الكبرى و فاطمة الزهراء (سلام اللّه عليهما) قلت: أين يريدون؟ قيل: ليلة الجمعة يزورون الحسين (عليه السّلام) ثمّ دنوت من الهودج و إذا برقاع تتساقط من السماء قلت: ما هذه الرقاع؟ قيل: هذه فيها أمان من النار لزوّار الحسين (عليه السّلام) ليلة الجمعة فطلبت رقعة فقيل:

إنّك تقول زيارته بدعة لا تنالها حتّى تعرف فضله و تزوره فانتبهت فزعا و قصدت إلى زيارته، هل هذا صحيح؟

قال: صدق، قلت له: سيدنا سمعته يقول: روي أنّه من زار الحسين (عليه السّلام) ليلة الجمعة فله أمان من النار، هذا صحيح؟ قال (عليه السّلام): أي و اللّه و عيناه تدمعان ثمّ مضينا حتّى وصلنا إلى موضع من الجادة جانباه بساتين و كان هناك موضع عن يمين الخارج من بغداد إلى كاظمية لبعض السادة و فيهم أيتام أدخله الحكّام في الجادة غصبا و تعرف ببستان السادة، و المحتاطون من البلدتين لا يمرّون منه، و رأيته يمشي في هذا الموضع فقلت له: سيّدنا يقال: إنّ المرور من هناك مشكل، قال: يجوز لموالينا المرور منه، فقلت له: سيّدنا إنّي أراك فرد رؤية، هذا بستان ميرزا هادي يقولون: إنّ قاعه وقف على موسى بن جعفر (عليهما السّلام) فقال:

تمام مالنا، اسأل غير هذا، فوصلنا إلى ساقية أخرجت من الدجلة لأجل البساتين فيها يفترق الطريقان: طريق السادة و الطريق السلطاني فرأيته مال إلى الأوّل فقلت: سيّدنا نمضي من السلطاني قال: لا، نمضي من هذا فمشينا و ما خطونا إلّا خطوات فرأيت أنفسنا عند الكفشوان‏ (1) الصاعد إلى يسار الإيوان الشرقي و باب المراد للداخل إليه فخلع نعليه و خلعت و مضى من الإيوان و لم يقف بباب الرواق و دخله و وقف بباب الحرم و قال لي: زر، قلت له: سيدنا أنا عامي لم أقرأ، قال: أزوّرك؟ قلت له: نعم، فقال (عليه السّلام): أ أدخل يا اللّه السلام عليك يا رسول اللّه السلام عليك يا أمير المؤمنين السلام عليك يا فاطمة الزهراء و انتهى إلى السلام على علي بن محمد و الحسن العسكري (عليه السّلام) و سلّم عليه فالتفت إليّ و قال: أ تعرف إمام زمانك؟ قلت: نعم، قال (عليه السّلام): فما تقول أنت إذا انتهيت في السلام إلى هنا؟

____________

(1)- كلمة فارسية الأصل، و هو المسئول عن المكان الذي يعدّ لوضع الأحذية.

66

قلت: أقول السلام عليك يا صاحب الزمان السلام عليك يا حجّة اللّه قال: و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته فدخل و دخلت و قبّل الضريح و قبّلت ثمّ قال لي: زر، قلت له: سيدنا قلت لك انّي لم أقرأ قال (عليه السّلام): أزوّرك؟ قلت له: نعم، قال: بأيّ زيارة؟ قلت له: سيّدنا إنّي أراك فرد رؤية بأيّها أفضل؟ قال: أمين اللّه، ثمّ قال (عليه السّلام): السلام عليكما يا أميني اللّه في أرضه السلام عليكما يا حجّتي اللّه على عباده و انتهى إلى آخرها و شموع الحرم مشعلة غير أنّي أرى جوّ الحرم مضيئا بضوء غير ضوء السراج بل كضوء الشمس عند ارتفاعها و أرى ضوء تلك الشموع بجنبه كضوئها إذا اشتعلت بالنهار وقت الضحى قبالة الشمس ثمّ تحوّل من طرف الرجلين إلى خلف الضريح و وقف بالجانب الشرقي منه مستقبلا و قال: نزور الحسين (عليه السّلام) من هنا فزاره بزيارة الوارث و زرت، و لمّا فرغنا فإذا بالمؤذنين لفريضة المغرب قد فرغوا فقال لي: الحق الجماعة و صلّ و أشار إلى المسجد الذي خلف الحرم و منه إليه باب مشروع و الشيخ المذكور يصلّي بالناس هناك فدخل المسجد و وقف عن يمينه محاذيا له و صلّى بنفسه و أنا وقفت في الصف و فرج لي مكاني و صلّيت جماعة و لمّا انفلت نظرت إليه فلم أره فقمت أطلبه بالحرم لأعطيه شيئا لأنّه زوّرني و أضيفه بالليل فدرت الحرم و الرواق و الإيوان و لم أره و أنا أتفكّر في نفسي: من هذا؟ و ما هذه الامور التي شاهدتها منه و الكلمات التي سمعتها، فعلمت أنّه الإمام (عليه السّلام) فأتيت إلى الكفشوان و سألته عنه قال: خرج و مضى، ثمّ قال:

هو رفيقك؟ قلت: نعم فتبسّم فأتيت إلى منزلي و نمت، فلمّا قمت أتيت الشيخ بكرة و حكيت له ذلك فقال: اللّه موفّقك لا تحكه ببغداد، ثمّ إنّي بعد ذلك بشهر كنت بالحرم الشريف يوما بالمحل الذي يوضع المصاحف أتلو القرآن إذا به (عليه السّلام) عنّ لي و قال لي: ما ذا رأيت أنت؟ قلت: لم أر شيئا، ثمّ قال لي ثانيا: ما ذا رأيت؟ قلت له: لم أر شيئا فغاب عنّي قال‏ أقول: و هذا الرجل كان يبدو منه عند حكايته لي الأسف و التحسّر كمن فات عنه شي‏ء لا مندوحة عنه، ثم قبّلت فاه فقام و فارقنا و لعمرك لو طلب حريص و ضرب آباط الابل فيه حولا لكان قليلا. هذا ما رويته و بحق روايتي عنه بيد أنّ ما رقمته معنى ما سمعته منه بلفظه و لغته المتداولة اليوم‏ (1).

الحكاية الحادية و الأربعون: في جنّة المأوى عن المولى أبي الحسن الشريف العاملي‏

____________

(1)- لم أجده في جنّة المأوى.

67

الغروي تلميذ العلّامة المجلسي في شرح مشيخة الفقيه في ترجمة المتوكّل بن عمير راوي الصحيفة قال (رحمه اللّه): إنّي كنت في أوائل البلوغ طالبا لمرضاة اللّه ساعيا في طلب رضاه و لم يكن لي قرار بذكره إلى أن رأيت بين النوم و اليقظة أنّ صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) كان واقفا في الجامع القديم بأصبهان قريبا من باب الطبني الذي [هو] الآن مدرسي فسلّمت عليه و أردت أن أقبّل رجله فلم يدعني و أخذني فقبّلت يده و سألته عن مسائل قد أشكلت عليّ:

منها: إنّي كنت أوسوس في صلواتي و كنت أقول إنّها ليست كما طلبت منّي و أنا مشتغل بالقضاء و لا يمكنني صلاة الليل و سألت عنه شيخنا البهائي (رحمه اللّه) فقال: صل صلاة الظهر و العصر و المغرب بقصد صلاة الليل و كنت أفعل هكذا فسألت الحجّة (عج): أصلّي صلاة الليل؟ فقال: صلّها و لا تفعل كالمصنوع الذي كنت تفعل، إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبق في بالى ثمّ قلت: يا مولاي لا يتيسّر لي أن أصل إلى خدمتك كلّ وقت فأعطني كتابا أعمل عليه دائما، فقال (عج): أعطيت لأجلك كتابا إلى مولانا محمد التاج و كنت أعرفه في النوم فقال: رح و خذ منه فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلا لوجهه إلى جانب دار البطيخ محلّة من أصفهان، فلمّا وصلت إلى ذلك الشخص فلمّا رآني قال: بعثك الصاحب (عج) إليّ؟ قلت: نعم، فأخرج من جيبه كتابا قديما، فلمّا فتحته ظهر لي أنّه كتاب الدعاء فقبّلته و وضعته على عيني و انصرفت عنه متوجّها إلى الصاحب فانتبهت و لم يكن معي ذلك الكتاب فشرعت في التضرّع و البكاء و الجؤار لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الفجر، فلمّا فرغت من الصلاة و التعقيب و كان في بالى أنّ مولانا محمد هو الشيخ و تسميته بالتاج لاشتهاره من بين العلماء، فلمّا جئت إلى مدرسته و كان في جوار المسجد الجامع فرأيته مشتغلا بمقابلة الصحيفة و كان القاري السيّد صالح أمير ذو الفقار الجرفادقاني فجلست ساعة حتّى فرغ منه، و الظاهر أنّه كان في سند الصحيفة لكن للغمّ الذي كان لي لم أعرف كلامه و لا كلامهم و كنت أبكي و ذهبت إلى الشيخ و قلت له رؤياي، و كنت أبكي لفوات الكتاب فقال الشيخ: أبشر بالعلوم الإلهية و المعارف اليقينية و جميع ما كنت تطلب دائما و كان أكثر صحبتي مع الشيخ في التصوّف و كان مائلا إليه فلم يسكن قلبي و خرجت باكيا متفكّرا إلى أن ألقي في روعي أن أذهب إلى الجانب الذي ذهبت إليه في النوم، فلمّا وصلت إلى دار البطيخ رأيت رجلا صالحا اسمه آقا حسن و كان يلقّب بتاج، فلمّا وصلت‏

68

إليه و سلّمت عليه قال: يا فلان الكتب الوقفية التي عندي كلّ من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف و أنت تعمل به، و قال: و انظر إلى هذه الكتب و كلّما تحتاج إليه خذه فذهبت معه إلى بيت كتبه فأعطاني أوّل ما أعطاني الكتاب الذي رأيته في النوم فشرعت في البكاء و النحيب و قلت: يكفيني، و ليس في بالى أنّي ذكرت له النوم أم لا، و جئت عند الشيخ و شرعت في المقابلة مع نسخته التي كتبها جدّ أبيه مع نسخة الشهيد و كتب الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء و ابن السكون و قابلها مع نسخة ابن إدريس بواسطة أو بدونها و كانت النسخة التي أعطانيها الصاحب مكتوبة من خط الشهيد و كانت موافقة غاية الموافقة حتى في النسخ التي كانت مكتوبة بهامشها و بعد أن فرغت من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي و ببركة إعطاء الحجّة (عج) صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد كالشمس طالعة في كلّ بيت و سيّما في أصبهان فإنّ أكثر الناس لهم صحائف متعدّدة و صار أكثرهم صلحاء و أهل الدعاء و كثير منهم مستجابو الدعوة، و هذه الآثار معجزة لصاحب الأمر (عج) و الذي أعطاني اللّه من العلوم بسبب الصحيفة لا أحصيها و ذكرها العلّامة المجلسي (رحمه اللّه) في إجازات البحار مختصرا (1).

____________

(1)- جنّة المأوى: 277 الحكاية 41.

69

فاكهة [في خبر الجزيرة الخضراء]

في البحار وجدت رسالة مشتهرة بالجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها لاشتمالها على ذكر من رآه و لما فيها من الغرائب و انّما أفردت لها بابا لأنّي لم أظفر بها في الاصول المعتبرة و لنذكرها بعينها كما وجدتها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي هدانا لمعرفته و الشكر له على ما منحنا للاقتداء بسنن سيّد بريّته محمد الذي اصطفاه من بين خليقته و خصّنا بمحبّة علي و الأئمّة المعصومين من ذريّته صلّى اللّه عليهم أجمعين الطيّبين الطاهرين و سلّم تسليما كثيرا، و بعد فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين و سيّد الوصيين و حجّة ربّ العالمين و إمام المتّقين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بخط الشيخ الفاضل و العامل الفضل بن يحيى بن علي الطيبي الكوفي (قدّس اللّه سرّه) ما هذا صورته:

الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على محمد و آله و سلّم، و بعد فيقول الفقير إلى عفو اللّه سبحانه و تعالى الفضل بن يحيى بن علي الطيبي الإمامي الكوفي عفا اللّه عنه: قد كنت سمعت من الشيخين الفاضلين العاملين الشيخ شمس الدين محمد بن يحيى الحلّي و الشيخ جلال الدين عبد اللّه بن الحوام الحلّي (قدّس اللّه روحيهما و نوّر ضريحيهما) في مشهد سيّد الشهداء و خامس أصحاب الكساء مولانا و إمامنا أبي عبد اللّه الحسين (عليه السّلام) في النصف من شهر شعبان سنة تسع و تسعين و ستمائة من الهجرة النبوية على مشرفها محمّد و آله أفضل الصلاة و أتمّ التحية حكاية ما سمعاه من الشيخ الصالح التقي و الفاضل الورع الزكي زين الدين علي بن الفاضل المازندراني المجاور بالغري على مجاوريه السلام حيث اجتمعا به في مشهد الإمامين الزكيين الطاهرين المعصومين السعيدين بسرّ من رأى و حكى لهما حكاية ما شاهده و رآه في البحر الأبيض و الجزيرة الخضراء من العجائب، فمرّ بي باعث الشوق إلى رؤياه و سألت تيسير لقياه و الاستماع لهذا الخبر من لقلقة فيه بإسقاط روايته و عزمت على الانتقال إلى سرّ من رأى للاجتماع فيه فاتّفق أنّ الشيخ زين الدين علي بن‏

70

فاضل المازندراني انحدر من سر من رأى إلى الحلّة في أوائل شهر شوّال من السنة المذكورة ليمضي على جاري عادته و يقيم على المشهد الغروي على مشرّفيه السلام، فلمّا سمعت بدخوله إلى الحلّة و كنت يومئذ بها قد أنتظر قدومه فإذا أنا به و قد أقبل راكبا يريد دار السيّد الحسيب ذي النسب الرفيع و الحسب المنيع السيّد فخر الدين الحسن بن علي الموسوي المازندراني نزيل الحلّة أطال اللّه بقاءه، و لم أكن إذ ذاك الوقت أعرف الشيخ الصالح المذكور و لكن خلج في خاطري أنه هو، فلمّا غاب عن عيني تبعته إلى دار السيّد المذكور، فلمّا وصلت إلى باب الدار رأيت السيّد فخر الدين واقفا على باب داره مستبشرا، فلمّا رآني مقبلا ضحك في وجهي و عرّفني بحضوره فاستطار قلبي فرحا و سرورا و لم أملك نفسي على الصبر على الدخول إليه في غير ذلك الوقت، فدخلت الدار مع السيّد فخر الدين فسلّمت عليه و قبّلت يديه فسأل السيد عن حالي فقال له: هو الشيخ فضل ابن الشيخ يحيى الطيبي صديقكم فنهض واقفا و أقعدني في مجلسه و رحّب بي و أحفى السؤال عن حال أبي و أخي الشيخ صلاح الدين لأنّه كان عارفا بهما سابقا و لم أكن في تلك الأوقات حاضرا، بل كنت في بلدة واسط أشتغل في طلب العلم عند الشيخ العالم العامل الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الواسطي الإمامي تغمّده اللّه برحمته و حشره في زمرة أئمّته، فتحادث مع الشيخ الصالح المذكور متّع اللّه المؤمنين بطول بقائه فرأيت في كلامه أمارات تدلّ على الفضل في أغلب العلوم من الفقه و الحديث و العربية بأقسامها و طلبت منه شرح ما حدّث به الرجلان الفاضلان العاملان العالمان الشيخ شمس الدين و الشيخ جلال الدين الحلّيان المذكوران سابقا عفى اللّه عنهما، فقصّ لي القصّة من أوّلها إلى آخرها بحضور السيّد الجليل السيّد فخر الدين نزيل الحلّة صاحب الدار و حضور جماعة من علماء الحلّة و الأطراف و قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفّقه اللّه و كان ذلك في اليوم الحادي عشر من شهر شوّال سنة تسع و تسعين و ستمائة و هذه صورة ما سمعته من لفظه أطال اللّه بقاءه و ربّما وقع في الألفاظ التي نقلتها من لفظه تغيير لكن المعاني واحدة.

قال حفظه اللّه تعالى: قد كنت مقيما في دمشق الشام منذ سنين مشتغلا بطلب العلم عند الشيخ الفاضل الشيخ عبد الرحيم الحنفي وفّقه اللّه لنور هدايته في علمي الاصول و العربية و عند الشيخ زين الدين علي المغربي الأندلسي المالكي في علم القراءة لأنّه كان‏

71

عالما فاضلا عارفا بالقراءات السبع و كان له معرفة في أغلب العلوم من الصرف و النحو و المنطق و المعاني و البيان و الأصولين، و كان ليّن الطبع لم يكن عنده معاندة في البحث و لا في المذهب لحسن ذاته، فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول قال العلماء الإمامية بخلاف من المدرّسين فإنّهم يقولون عند ذكر الشيعة قال علماء الرافضة فاختصصت به و تركت التردّد إلى غيره فأقمنا على ذلك برهة من الزمان أقرأ عليه في العلوم المذكورة فاتّفق أنّه عزم على السفر من دمشق الشام يريد الديار المصرية فلكثرة المحبّة التي كانت بيننا عزّ عليّ مفارقته و هو أيضا كذلك فآل الأمر إلى أنّه- هداه اللّه- صمّم العزم على صحبتي له إلى مصر و كان عنده جماعة من الغرباء مثلي يقرءون عليه فصحبه أكثرهم، فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا إلى مدينة من بلاد مصر معروفة بالقاهرة و هي أكبر من مدائن مصر كلّها فأقام بالمسجد الأزهر مدّة يدرس فتسامع فضلاء مصر بقدومه فوردوا كلّهم لزيارته و للانتفاع بعلومه، فأقام في قاهرة مصر مدّة تسعة أشهر و نحن معه على أحسن حال و إذا بقافلة قد وردت من الأندلس و مع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرفه بمرض شديد قد عرض له و أنّه يتمنّى الاجتماع به قبل الممات و يحثّه فيه على عدم التأخير، فرقّ الشيخ من كتاب أبيه و بكى و صمّم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس فعزم بعض التلامذة على صحبته و من الجملة أنا لأنّه- هداه اللّه- قد كان أحبّني محبّة شديدة و حسن في المسير معه فسافرت إلى الأندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أوّل قرية من الجزائر المذكورة عرضتني حمى منعتني عن الحركة فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رقّ لي و بكى و قال: يعزّ عليّ مفارقتك، فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا إليها عشرة دراهم و أمره أن يتعاهدني حتّى يكون منّي أحد الأمرين و إن منّ اللّه بالعافية أتبعه إلى بلده، هكذا عهد إليّ بذلك وفّقه اللّه لنور الهداية إلى طريق الحقّ المستقيم، ثمّ مضى إلى بلد الأندلس و مسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيّام فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيّام لشدّة ما أصابني من الحمى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمى و خرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قفلا قد وصل من جبال قريته من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف و السمن و الأمتعة فسألت عن حالهم فقيل: إنّ هؤلاء يجيئون من جهة قريته من أرض البربر و هي قريبة من جزائر الرافضة، فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت إليهم و جذبني باعث الشوق إلى أرضهم‏

72

فقيل: إنّ المسافة خمسة و عشرون يوما منها يومان بغير عمارة و لا ماء و بعد ذلك فالقرى متّصلة، فاكتريت معهم من رجل حمارا بمبلغ ثلاثة دراهم لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها، فلمّا قطعنا معهم تلك المسافة و وصلنا أرضهم العامرة تمشيت راجلا و تنقلت على اختياري من قرية إلى اخرى إلى أن وصلت إلى أوّل تلك الأماكن فقيل لي: إنّ جزيرة الروافض قد بقي بينك و بينها ثلاثة أيّام فمضيت و لم أتأخّر فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة و لها أبراج محكمات شاهقات و تلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر، فدخلت من باب كبيرة يقال لها باب البربر فدرت في سككها أسأل عن مسجد البلد فهديت عليه و دخلت إليه فرأيته جامعا كبيرا معظما واقعا على البحر من الجانب الغربي من البلد، فجلست في جانب المسجد لأستريح و إذا بالمؤذن يؤذن بالظهر و نادى بحيّ على خير العمل، و لمّا فرغ دعا بتعجيل الفرج للإمام صاحب الزمان (عج) فأخذتني العبرة بالبكاء، فدخلت جماعة بعد جماعة إلى المسجد و شرعوا في الوضوء على عين ماء تحت شجرة في الجانب الشرقي من المسجد و أنا أنظر إليهم فرحا مسرورا لما رأيت من وضوئهم المنقول عن أئمّة الهدى، فلمّا فرغوا من وضوئهم و إذا برجل قد برز من بينهم بهيّ الصورة، عليه السكينة و الوقار فتقدّم إلى المحراب و أقام الصلاة فاعتدلت الصفوف و راءه و صلّى بهم إماما و هم مأمومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن أئمّتنا على الوجه المرضي فرضا و نفلا و كذا التعقيب و التسبيح، و من شدّة ما لقيته من و عثاء السفر و تعبي في الطريق لم يمكن أن اصلّي معهم الظهر، فلمّا فرغوا و رأوني أنكروا عليّ عدم اقتدائي بهم فتوجّهوا نحوي بأجمعهم و سألوني عن حالي و من أين أصلي؟ و ما مذهبي؟ فشرحت لهم أحوالي و أنّي عراقي الأصل و أمّا مذهبي فإنّني رجل مسلم أقول أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الأديان كلّها و لو كره المشركون فقالوا لي: لم تنفعك هاتان الشهادتان إلّا لحقن دمك في دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الاخرى لتدخل الجنّة بغير حساب؟ فقلت لهم: و ما تلك الشهادة الاخرى اهدوني إليها يرحمكم اللّه فقال لي إمامهم: الشهادة الثالثة هي أن تشهد أنّ أمير المؤمنين و يعسوب الدين و قائد الغرّ المحجّلين علي بن أبي طالب و الأئمّة الأحد عشر من ولده أوصياء رسول اللّه و خلفاؤه من بعده بلا فاصلة، قد أوجب اللّه طاعتهم على عباده و جعلهم أولياء أمره‏

73

و نهيه و حججا على خلقه في أرضه و أمانا لبريته لأنّ الصادق الأمين محمدا رسول ربّ العالمين أخبرهم عن اللّه تعالى مشافهة من نداء اللّه عزّ و جلّ له (عليه السّلام) في ليلة معراجه إلى السماوات السبع و قد صار من ربّه كقاب قوسين أو أدنى و سمّاهم له واحدا بعد واحد (صلوات اللّه و سلامه عليه و عليهم أجمعين)، فلمّا سمعت مقالتهم هذه حمدت اللّه سبحانه على ذلك و حصل عندي أكمل السرور و ذهب عليّ تعب الطريق من الفرح و عرّفتهم أنّي على مذهبهم فتوجّهوا إليّ توجّه إشفاق و عيّنوا لي مكانا في زوايا المسجد و ما زالوا يتعاهدوني بالعزّة و الإكرام مدّة إقامتي عندهم، و صار إمام مسجدهم لا يفارقني ليلا و لا نهارا فسألته عن ميرة (1) أهل بلده من أين تأتي إليهم فإنّي لا أرى لهم أرضا مزروعة، فقال: تأتي إليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض من جزائر أولاد الإمام صاحب الأمر (عج) فقلت لهم: تأتيكم ميرتكم في السنة؟ فقال: مرّتين و قد أتت مرّة و بقي الاخرى فقلت: كم بقي حتّى تأتيكم؟ قال: أربعة أشهر، فتأثّرت لطول المدّة و مكثت عندهم مقدار أربعين يوما أدعو اللّه ليلا و نهارا بتعجيل مجيئها و أنا عندهم في غاية الإعزاز و الإكرام، ففي آخر يوم من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة فخرجت إلى شاطئ البحر أنظر إلى جهة المغرب التي ذكر أهل البلد أنّ ميرتهم تأتي إليهم من تلك الجهة فرأيت شبحا من بعيد يتحرّك فسألت عن ذلك الشبح أهل البلد و قلت لهم: هل يكون في البحر طير أبيض فقالوا لي، لا فهل رأيت شيئا؟ قلت: نعم، فاستبشروا و قالوا: هذه المراكب التي تأتي إلينا في كل سنة من بلاد أولاد الإمام، فما كان إلّا قليل حتّى قدمت تلك المراكب و على قولهم إنّ مجيئها كان في غير الميعاد فقدم مركب كبير و تبعه آخر و آخر حتّى كملت سبعا فصعد من المركب الكبير شيخ مربوع القامة بهيّ المنظر حسن الزي و دخل المسجد فتوضّأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن أئمّة الهدى و صلّى الظهرين، فلمّا فرغ من صلاته التفت نحوي مسلّما عليّ فرددت فقال: ما اسمك؟ و أظنّ أنّ اسمك علي؟ قلت: صدقت، فحادثني باللين محادثة من يعرفني فقال: ما اسم أبيك و يوشك أن يكون فاضلا؟ قلت: نعم، و لم أكن أشكّ في أنّه قد كان في صحبتنا من دمشق الشام إلى مصر فقلت: أيّها الشيخ ما أعرفك بي و بأبي؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق؟ فقال: لا، قلت: و لا من مصر إلى‏

____________

(1)- الميرة: الطعام.

74

الأندلس؟ قال: لا و مولاي صاحب العصر قلت له: و من أين تعرفني باسمي و اسم أبي؟ قال:

اعلم أنّه قد تقدّم إليّ وصفك و أصلك و معرفة اسمك و شخصك و هيئتك و اسم أبيك، و أنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء، فسررت بذلك حيث قد ذكرت، و لي عندهم اسم، و كان من عادته أنّه لا يقيم عندهم إلّا ثلاثة أيّام فأقام اسبوعا و أوصل الميرة إلى أصحابها المقرّرة، فلمّا أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرّر لهم عزم على السفر و حملني معه و سرنا في البحر، فلمّا كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماء أبيض فجعلت أطيل النظر إليه، فقال لي الشيخ و اسمه محمد: ما لي أراك تطيل النظر إلى هذا الماء؟ فقلت له:

إنّي أراه على غير لون ماء البحر، فقال لي: هذا هو البحر الأبيض و تلك الجزيرة الخضراء و هذا الماء مستدير حولها مثل السور من أي الجهات أتيته وجدته و بحكمة اللّه تعالى أنّ مراكب أعدائنا إذا دخلته غرقت و إن كانت محكمة ببركة مولانا و إمامنا صاحب العصر (عليه السّلام)، فاستعملته و شربت منه فإذا هو كماء الفرات، ثمّ إنّا لمّا قطعنا ذلك الماء الأبيض وصلنا إلى الجزيرة الخضراء [فإذا هي‏] لا زالت عامرة آهلة ثمّ صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة و دخلنا البلد فرأيته محصّنا بقلاع و أبراج و أسوار سبعة واقعة على شاطئ البحر ذات أنهار و أشجار مشتملة على أنواع الفواكه و الأثمار المنوّعة و فيها أسواق كثيرة و حمّامات عديدة و أكثر عماراتها برخام شفّاف و أهلها في أحسن الزيّ و البهاء فاستطار قلبي سرورا لما رأيته، ثمّ مضى بي رفيقي محمد- بعد ما استرحنا في منزله- إلى الجامع المعظّم فرأيت فيه جماعة كثيرة و في وسطهم شخص جالس عليه من المهابة و السكينة و الوقار ما لا أقدر أن أصفه و الناس يخاطبونه بالسيّد شمس الدين محمد العالم و يقرءون عليه في القرآن و الفقه و العربية بأقسامها و أصول الدين و الفقه الذي يقرءونه عن صاحب الأمر (عليه السّلام) مسألة مسألة و قضية قضيّة و حكما حكما، فلمّا مثلت بين يديه رحّب بي و أجلسني في القرب منه و أحفى السؤال عن تعبي في الطريق و عرّفني أنّه تقدّم إليه كلّ أحوالي و أنّ الشيخ محمد رفيقي إنّما جاء بي معه بأمر من السيّد شمس الدين العالم أطال اللّه بقاءه، ثمّ أمرني بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد و قال لي: هذا يكون لك إذا أردت الخلوة و الراحة، فنهضت و مضيت إلى ذلك الموضع فاسترحت فيه إلى وقت العصر و إذا أنا بالموكّل بي قد أتى إليّ و قال لي: لا تبرح من مكانك حتّى يأتيك السيّد و أصحابه لأجل العشاء معك فقلت:

75

سمعا و طاعة، فما كان إلّا قليل و إذا بالسيّد سلّمه اللّه قد أقبل و معه أصحابه فجلسوا و مدّت المائدة فأكلنا و نهضنا إلى المسجد مع السيّد لأجل صلاة المغرب و العشاء، فلمّا فرغنا من الصلاتين ذهب السيّد إلى منزله و رجعت إلى مكاني و أقمت على هذه الحال مدّة ثمانية عشر يوما و نحن في صحبته أطال اللّه بقاءه، فأوّل جمعة صلّيتها معهم رأيت السيّد سلّمه اللّه صلّى الجمعة ركعتين فريضة واجبة فلمّا انقضت الصلاة قلت: يا سيدي قد رأيتكم صلّيتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة، قال: نعم لأنّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت فقلت في نفسي ربّما كان الإمام حاضرا ثمّ في وقت آخر سألت منه في الخلوة هل كان الإمام (عليه السّلام) حاضرا؟ فقال: لا، و لكنّي أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه (عليه السّلام) فقلت: يا سيدي و هل رأيت الإمام (عليه السّلام)؟

قال: لا و لكن حدّثني أبي (رحمه اللّه) أنّه سمع حديثه و لم ير شخصه و أنّ جدّي (رحمه اللّه) سمع حديثه و رأى شخصه فقلت له: و لم ذاك يا سيدي يختص بذلك رجل دون آخر؟ فقال لي: يا أخي إنّ اللّه سبحانه و تعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده و ذلك لحكمة بالغة و عظمة قاهرة، كما أنّ اللّه اختص من عباده الأنبياء و المرسلين و الأوصياء و المنتجبين و جعلهم أعلاما لخلقه و حججا على بريته و وسيلة بينهم و بينه ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حي عن بيّنة و لم يخل أرضه بغير حجّة على عباده للظفر بهم، و لا بدّ لكلّ حجّة من سفير يبلّغ عنه، ثمّ إنّ السيّد سلّمه اللّه أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم و جعل يسير معي نحو البساتين فرأيت فيها أنهارا جارية و بساتين كثيرة مشتملة على أنواع الفواكه عظيمة الحسن و الحلاوة من العنب و الرمّان و الكمثرى و غيرها ما لم أرها في العراقين و لا في الشامات كلّها، فبينما نحن نسير من بستان إلى آخر مرّ بنا رجل بهيّ الصورة مشتمل ببردتين من صوف أبيض فلمّا قرب منّا سلّم علينا و انصرف عنّا فأعجبتني هيئته فقلت للسيّد سلّمه اللّه: من هذا الرجل؟ قال لي: أ تنظر إلى هذا الجبل الشاهق؟ قلت: نعم قال: إنّ وسطه مكانا حسنا و فيه عين جارية تحت شجرة ذات أغصان كثيرة و عندها قبّة مبنية بالآجر و إنّ هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبّة و أنا أمضي إلى هناك في كلّ صباح جمعة و أزور الإمام (عليه السّلام) منها و أصلّي ركعتين و أجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين فمهما تضمّنت الورقة أعمل به، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك و تزور الإمام (عليه السّلام) من القبّة، فذهبت إلى‏

76

الجبل فرأيت القبّة على ما وصف لي- سلّمه اللّه- فوجدت هناك خادمين فرحّب بي الذي مرّ علينا و أنكرني الآخر فقال له: لا تنكره فإنّي رأيته في صحبة السيّد شمس الدين العالم فتوجّه إليّ و رحّب بي و حادثاني و أتياني بخبز و عنب فأكلت و شربت من ماء تلك العين التي عند تلك القبّة و توضّأت و صلّيت ركعتين و سألت الخادمين عن رؤية الإمام (عليه السّلام) فقالا لي: الرؤية غير ممكنة و ليس معنا إذن في إخبار أحد فطلبت منهم الدعاء فدعوا لي و انصرفت عنهما و نزلت من ذلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة، فلمّا وصلت إليها ذهبت إلى دار السيّد شمس الدين العالم فقيل لي: إنّه خرج في حاجة له، فذهبت إلى دار الشيخ محمد الذي جئت معه في المركب فاجتمعت به و حكيت له عن مسيري إلى الجبل و اجتماعي بالخادمين و إنكار الخادم عليّ فقال: ليس لأحد رخصة في الصعود إلى ذلك المكان سوى السيّد شمس الدين و أمثاله، فلهذا وقع الإنكار منه لك فسألته عن أحوال السيّد شمس الدين أدام اللّه أفضاله فقال: إنّه من أولاد أولاد الإمام (عليه السّلام) و إنّ بينه و بين الإمام خمسة آباء و إنّه النائب الخاص عن أمر صدر منه (عليه السّلام).

قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرّفه السلام: و استأذنت السيّد شمس الدين العالم أطال اللّه بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه و قراءة القرآن المجيد و مقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينية و غيرها فأجاب إلى ذلك و قال: إذا كان و لا بدّ من ذلك فابدأ أوّلا بقراءة القرآن العظيم، فكان كلّما قرأت شيئا فيه خلاف بين القرّاء أقول له قرأ حمزة كذا و قرأ الكسائي كذا و قرأ عاصم كذا و أبو عمرو بن كثير كذا، فقال السيّد سلّمه اللّه: نحن لا نعرف هؤلاء و إنّما القرآن نزل على سبعة أحرف قبل الهجرة من المكة إلى المدينة و بعدها لمّا حج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حجّة الوداع نزل عليه الروح الأمين جبرئيل (عليه السّلام) فقال: يا محمّد أتل عليّ القرآن حتّى أعرّفك أوائل السور و أواخرها و شأن نزولها فاجتمع إليه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و ولداه الحسن و الحسين و أبي بن كعب و عبد اللّه بن مسعود و حذيفة بن اليمان و جابر بن عبد اللّه الأنصاري و أبو سعيد الخدري و حسّان بن ثابت و جماعة من الصحابة (رض) عن المنتجبين منهم فقرأ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) القرآن من أوّله إلى آخره فكان كلّما مرّ بموضع فيه اختلاف بيّنه له جبرئيل، و أمير المؤمنين (عليه السّلام) يكتب ذاك في زوج من أدم فالجميع قراءة أمير المؤمنين (عليه السّلام) و وصي رسول‏

77

ربّ العالمين، فقلت: يا سيدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها و بما بعدها كأنّ فهمي القاصر لم يصل إلى غور ذلك، فقال: نعم الأمر كما رأيته و ذلك لما انتقل سيّد البشر محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من دار الفناء إلى دار البقاء و فعل صنما قريش ما فعلاه من غصب الخلافة الظاهرية و جمع أمير المؤمنين (عليه السّلام) القرآن كلّه و وضعه في إزار و أتى به إليهم و هم في المسجد فقال لهم: هذا كتاب اللّه سبحانه أمرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن أعرضه إليكم لقيام الحجّة عليكم يوم العرض بين يدي اللّه تعالى، فقال له فرعون هذه الامّة و نمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك، فقال: لقد أخبرني حبيبي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقولك هذا و إنّما أردت بذلك إلقاء الحجّة عليكم، فرجع أمير المؤمنين (عليه السّلام) به إلى منزله و هو يقول: لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك لا رادّ لما سبق في علمك و لا مانع لما اقتضته حكمتك فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك، فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين و قال لهم: كلّ من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجرّاح و عثمان و سعد بن أبي و قاص و معاوية بن أبي سفيان و عبد الرحمن بن عوف و طلحة بن عبد اللّه و أبو سعيد الخدري و حسّان بن ثابت و جماعات المسلمين و جمعوا هذا القرآن و أسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منهم بعد وفاة سيّد المرسلين، فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة و القرآن الذي جمعه أمير المؤمنين (عليه السّلام) بخطّه محفوظ عند صاحب الأمر (عليه السّلام) فيه كلّ شي‏ء حتّى أرش الخدش، و أمّا هذا القرآن فلا شكّ و لا شبهة و إنّما كلام اللّه سبحانه هكذا صدر عن صاحب الأمر (عليه السّلام).

قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل: و نقلت عن السيّد شمس الدين حفظه اللّه مسائل كثيرة تنوف على تسعين مسألة و هي عندي جمعتها في مجلّد و سمّيتها بالفوائد الشمسية و لا أطلع عليها إلّا الخاصّة من المؤمنين و ستراه إن شاء اللّه، فلمّا كانت الجمعة الثانية و هي الوسطى من جمع الشهر و فرغنا من الصلاة و جلس السيّد سلّمه اللّه في مجلس الإفادة للمؤمنين و إذا أنا أسمع هرجا و مرجا و جزلة عظيمة خارج المسجد، فسألت من السيّد عمّا سمعته فقال لي: إنّ أمراء عسكرنا يركبون في كلّ جمعة من وسط كلّ شهر و ينتظرون الفرج فاستأذنته في النظر إليهم فأذن لي فخرجت لرؤيتهم فإذا هم جمع كثيرون يسبّحون اللّه و يحمدونه و يهلّلونه جلّ و عزّ و يدعون بالفرج للإمام القائم (عليه السّلام) بأمر اللّه و الناصح لدين اللّه (م ح م د) بن الحسن المهدي الخلف الصالح صاحب الزمان (عليه السّلام) ثمّ عدت إلى مسجد السيّد

78

سلّمه اللّه فقال: رأيت العسكر؟ فقلت: نعم، قال: فهل عددت أمراءهم؟ قلت: لا، قال:

عدّتهم ثلاثمائة و بقي ثلاثة عشر ناصرا و يجعل اللّه لوليّه الفرج بمشيئته إنّه جواد كريم، قلت: يا سيدي و متى يكون الفرج؟ قال: يا أخي إنّما العلم عند اللّه و الأمر متعلّق بمشيئته سبحانه و تعالى حتّى إنّه ربّما كان الإمام لا يعرف ذلك بل له علامات و أمارات تدلّ على خروجه و من جملتها أن ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه و يتكلّم بلسان عربي مبين: قم يا وليّ اللّه على اسم اللّه فاقتل بي أعداء اللّه، و منها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلّهم؛ الصوت الأوّل: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، و الصوت الثاني: ألا لعنة اللّه على القوم الظالمين لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الصوت الثالث: بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: إنّ اللّه بعث صاحب الأمر م ح م د بن الحسن المهدي (عليه السّلام) فاسمعوا له و أطيعوا. فقلت: يا سيدي قد روينا من مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر (عليه السّلام) و أنّه قال لما أمر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه فقال: صدقت إنّه (عليه السّلام) إنّما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه من أهل بيته و غيرهم من فراعنة بني العبّاس حتّى الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدّث بذكره، و في هذا الزمان تطاولت المدّة و أيس منه الأعداء و بلادنا نائية عنهم و عن ظلمهم و عنائهم و ببركته لا يقدر أحد من الأعداء على الوصول إلينا، قلت: يا سيدي قد روت علماء الشيعة حديثا عن الإمام أنّه (عليه السّلام) أباح الخمس لشيعته فهل رويتم عنه ذلك؟ قال: نعم إنّه رخّص و أباح الخمس لشيعته من ولد علي و قال: هم في حلّ من ذلك، قلت: و هل رخّص للشيعة أن يشتروا الإماء و العبيد من سبي العامّة؟ قال: نعم و من سبي غيرهم لأنّه (عليه السّلام) قال: عاملوهم بما عاملوا به أنفسهم، و هاتان المسألتان زائدتان على المسائل التي سمّيتها لك. و قال السيّد سلّمه اللّه: إنّه يخرج من مكّة بين الركن و المقام في سنة و تر فليرتقبها المؤمنون، فقلت: يا سيدي قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن اللّه بالفرج فقال لي: اعلم يا أخي تقدّم إليّ كلام بعودك إلى وطنك لا يمكنني و إيّاك المخالفة لأنّك ذو عيال و غبت عنهم مدّة طويلة و لا يجوز لك التخلّف عنهم أكثر من هذا فتأثّرت من ذلك و بكيت، قلت: يا مولاي و هل تجوز المراجعة في أمري؟ قال: لا، قلت: يا سيدي و هل تأذن لي أن أحكي كلّما قد رأيته و سمعته؟ قال: لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئنّ قلوبهم إلّا كيت و كيت و عيّن ما لا أقوله، فقلت: يا سيدي ما يمكن النظر إلى جماله و بهائه؟ قال: لا،

79

و لكن اعلم يا أخي أنّ كلّ مؤمن مخلص يمكن أن يرى الإمام و لا يعرفه فقلت: يا سيدي أنا من جملة العبيد المخلصين و لا رأيته فقال لي: بل رأيته مرّتين، منها: لما أتيت إلى سر من رأى و هي أوّل مرّة جئتها و سبقك أصحابك و تخلّفت عنهم حتّى وصلت إلى نهر لا ماء فيه فحضر عندك فارس على فرس شهباء و بيده رمح طويل و له سنان دمشقي، فلمّا رأيته خفت على ثيابك فلمّا وصل إليك قال لك لا تخف اذهب إلى أصحابك فإنّهم ينتظرونك تحت تلك الشجرة. فأذكرني و اللّه ما كان، فقلت قد كان ذلك يا سيدي، قال: و المرة الاخرى حين خرجت من دمشق تريد مصرا مع شيخك الأندلسي و انقطعت عن القافلة و خفت خوفا شديدا فعارضك فارس على فرس غرّاء محجّلة، بيده رمح أيضا و قال لك: سر و لا تخف إلى قرية على يمينك و نم عند أهلها الليلة و أخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه و لا تتّق منهم فإنّهم مع قرى عديدة جنوبيّ دمشق مؤمنون مخلصون يدينون بدين علي بن أبي طالب و الأئمّة المعصومين من ذريته، أ كان ذلك يا بن فاضل؟ قلت: نعم، و ذهبت إلى عند أهل القرية و نمت عندهم فأعزّوني و سألتهم عن مذهبهم فقالوا لي من غير تقيّة منّي: نحن على مذهب أمير المؤمنين و وصيّ رسول ربّ العالمين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و الأئمّة المعصومين من ذريّته، فقلت لهم: من أين لكم هذا المذهب و من أوصله إليكم؟

قالوا: أبو ذر الغفاري (رحمه اللّه) حين نفاه عثمان إلى الشام و نفاه معاوية إلى أرضنا هذه فعمّتنا بركته، فلمّا أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة فجهّزوا معي رجلين ألحقاني بها بعد أن صرّحت لهم بمذهبي، فقلت له: يا سيدي هل يحجّ الإمام في كلّ مدّة بعد مدّة؟ قال لي:

يا ابن فاضل الدنيا خطوة مؤمن، فكيف بمن لم تقم الدنيا إلّا بوجوده و وجود آبائه، نعم يحجّ في كلّ عام و يزور آباءه في المدينة و العراق و الطوس على مشرّفها السلام و يرجع إلى أرضنا هذه، ثمّ إنّ السيّد شمس الدين حثّ عليّ بعدم التأخير بالرجوع إلى العراق و عدم الإقامة في بلاد المغرب، و ذكر لي أن دراهمهم مكتوب عليها: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه علي ولي اللّه محمد بن الحسن القائم بأمر اللّه، و أعطاني السيّد منها خمسة دراهم و هي محفوظة عندي للبركة، ثمّ إنّه- سلّمه اللّه- وجّهني مع المراكب التي أتيت معها إلى أن وصلنا إلى تلك البلدة التي أوّل ما دخلتها من أرض البربر و كان قد أعطاني حنطة و شعيرا فبعتها في تلك البلدة بمائة و أربعين دينارا ذهبا من معاملة بلاد المغرب، و لم أجعل طريقي على الأندلس‏

80

امتثالا لأمر السيّد شمس الدين أطال اللّه بقاءه، و سافرت منها مع الغربي إلى مكّة شرّفها اللّه تعالى و حججت و جئت إلى العراق و أريد المجاورة في الغري على مشرفيه السلام حتّى الممات.

قال الشيخ زين الدين علي بن فاضل المازندراني: و لم أر لعلماء الإمامية ذكرا سوى خمسة: السيّد مرتضى الموسوي و الشيخ أبي جعفر الطوسي و محمد بن يعقوب الكليني و ابن بابويه و الشيخ أبي القاسم جعفر بن سعيد الحلّي.

هذا آخر ما سمعته من الشيخ الصالح النقي و الفاضل الزكي علي بن فاضل المذكور أدام اللّه إفضاله و أكثر من علماء الدهر و أتقيائه أمثاله و الحمد للّه أوّلا و آخرا و ظاهرا و باطنا و صلّى اللّه على خير خلقه سيّد البرية محمّد و على آله الطاهرين المعصومين و سلّم تسليما كثيرا كثيرا (1).

____________

(1)- بحار الأنوار: 52/ 159- 174 باب 24.

81

فاكهة أخرى في دعاء العهد و زيارته التي صدرت من الناحية المقدّسة

في البحار عن جعفر بن محمد (عليهما السّلام) أنّه قال: من دعا إلى اللّه أربعين صباحا بهذا العهد كان من أنصار قائمنا و إن مات قبله أخرجه اللّه تعالى من قبره و أعطاه بكل كلمة ألف حسنة و محى عنه ألف سيّئة، و هو هذا: اللهمّ ربّ النور العظيم و ربّ الكرسي الرفيع و ربّ البحر المسجور و منزل التوراة و الإنجيل و الزبور و ربّ الظلّ و الحرور و منزل القرآن العظيم و ربّ الملائكة المقرّبين و الأنبياء المرسلين، اللهمّ إنّي أسألك بوجهك الكريم و بنور وجهك المنير و ملكك القديم يا حيّ يا قيوم أسألك باسمك الذي أشرقت به السماوات و الأرضون و باسمك الذي يصلح به الأوّلون و الآخرون يا حيّ قبل كلّ حيّ و يا حيّ بعد كلّ حيّ و يا حيّ حين لا حيّ يا محيي الموتى و مميت الأحياء يا حيّ لا إله إلّا أنت، اللهمّ بلّغ مولانا الإمام الهادي المهدي القائم بأمرك (صلوات اللّه عليه) و على آبائه الطاهرين عن جميع المؤمنين و المؤمنات في مشارق الأرض و مغاربها سهلها و جبلها برّها و بحرها و عنّي و عن والديّ و ولدي من الصلوات زنة عرش اللّه و مداد كلماته و ما أحصاه علمه و أحاط به كتابه، اللهمّ إنّي أجدّد له في صبيحة يومي هذا و ما عشت من أيّامي عهدا و عقدا و بيعة له في عنقي لا أحول عنها و لا أزول أبدا، اللهمّ اجعلني من أنصاره و أعوانه و الذابين عنه و المسارعين إليه في قضاء حوائجه و الممتثلين لأوامره و المحامين عنه و السابقين إلى إرادته و المستشهدين بين يديه، اللهمّ إن حال بيني و بينه الموت الذي جعلته على عبادك حتما مقضيا فأخرجني من قبري مؤتزرا كفني شاهرا سيفي مجرّدا قناتي ملبّيا دعوة الداعي في الحاضر و البادي، اللهمّ أرني الطلعة الرشيدة و الغرّة الحميدة و أكحل ناظري بنظرة منّي إليه و عجّل فرجه و سهّل مخرجه و أوسع منهجه و اسلك بي محجّته و أنفذ أمره و اشدد أزره و اعمر اللهمّ به بلادك و أحي به عبادك فإنّك قلت و قولك الحقّ: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ

82

بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ‏ (1) فأظهر اللهمّ لنا وليّك و ابن بنت نبيّك المسمّى باسم رسولك حتّى لا يظفر بشي‏ء من الباطل إلّا مزّقه و يحقّ الحقّ و يحقّقه و اجعله اللهمّ مفزعا لمظلوم عبادك و ناصرا لمن لا يجد له ناصرا غيرك و مجدّدا لما عطّل من أحكام كتابك و مشيّدا لما ورد من أعلام دينك و سنن نبيّك (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و اجعله اللهمّ ممّن حصّنته من بأس المعتدين، اللهمّ و سرّ نبيّك محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) برؤيته و من تبعه على دعوته و ارحم استكانتنا بعده اللهمّ اكشف هذه الغمّة عن هذه الامّة بحضوره و عجّل لنا ظهوره إنّهم يرونه بعيدا و نراه قريبا العجل يا مولاي يا صاحب الزمان برحمتك يا أرحم الراحمين، ثمّ تضرب على فخذك بيدك ثلاث مرّات و تقول: العجل يا مولاي يا صاحب الزمان ثلاثا (2).

في الاحتجاج: عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري أنّه قال: خرج توقيع من الناحية المقدّسة حرسها اللّه- بعد المسائل-:

بسم اللّه الرحمن الرحيم لا لأمر تعقلون و لا من أوليائه تقبلون حكمة بالغة فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين إذا أردتم التوجّه بنا إلى اللّه و إلينا فقولوا كما قال اللّه تعالى:

سَلامٌ عَلى‏ إِلْ‏ياسِينَ‏ (3) السلام عليك يا داعي اللّه و ربانيّ آياته، السلام عليك يا باب اللّه و ديّان دينه، السلام عليك يا خليفة اللّه و ناصر حقّه، السلام عليك يا حجّة اللّه و دليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب اللّه و ترجمانه، السلام عليك في آناء ليلك و أطراف نهارك، السلام عليك يا بقيّة اللّه في أرضه، السلام عليك يا ميثاق اللّه الذي أخذه و وكده، السلام عليك يا وعد اللّه الذي ضمنه، السلام عليك أيّها العلم المنصوب و العلم المصبوب و الغوث و الرحمة الواسعة وعدا غير مكذوب، السلام عليك حين تقوم السلام عليك حين تقعد السلام عليك حين تقرأ السلام عليك حين تصلّي و تقنت السلام عليك حين تركع و تسجد السلام عليك حين تهلّل و تكبّر السلام عليك حين تحمد و تستغفر السلام عليك حين تصبح و تمسي، السلام عليك في الليل إذا يغشى و النهار إذا تجلّى، السلام عليك أيّها

____________

(1)- سورة الروم: 41.

(2)- مفاتيح الجنان: 615 ط. الأعلمي.

(3)- الصافات، الآية: 130.

83

الإمام المأمون، السلام عليك أيّها المقدّم المأمول، السلام عليك بجوامع السلام، اشهد لي يا مولاي‏ (1) أنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله لا حبيب إلّا هو و أهله، و أشهد أنّ أمير المؤمنين حجّته و الحسن حجّته و الحسين حجّته و علي بن الحسين حجّته و محمد بن علي حجّته و جعفر بن محمد حجّته و موسى بن جعفر حجّته و علي بن موسى حجّته و محمّد بن علي حجّته و علي بن محمّد حجّته، و الحسن بن علي حجّته، و أشهد أنّك حجّة اللّه أنتم الأوّل و الآخر و أنّ رجعتكم حقّ لا شكّ فيها يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، و أنّ الموت حقّ و أنّ ناكرا و نكيرا حقّ و أشهد أنّ النشر و البعث حقّ و أنّ الصراط و المرصاد حقّ و الميزان و الحساب حقّ و الجنّة و النار حقّ، و الوعد و الوعيد بهما حقّ، يا مولاي شقي من خالفكم و سعد من أطاعكم، فاشهد عليّ ما أشهدتك عليه و أنا ولي لك بري‏ء من عدوّك فالحقّ ما ارتضيتموه و الباطل ما سخطتموه و المعروف ما أمرتم به و المنكر ما نهيتم عنه فنفسي مؤمنة باللّه وحده لا شريك له و برسوله و بأمير المؤمنين و بكم يا مولاي أوّلكم و آخركم و نصرتي معدة لكم و مودّتي خالصة لكم آمين آمين.

الدعاء عقيب هذا القول: بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهمّ إنّي أسألك أن تصلّي على محمّد نبي رحمتك و كلمة نورك، و أن تملأ قلبي نور اليقين و صدري نور الإيمان و فكري نور الثبات و عزمي نور العلم و قوّتي نور العمل و لساني نور الصدق و ديني نور البصائر من عندك و بصري نور الضياء و سمعي نور وعي الحكمة و مودّتي نور الموالاة لمحمّد و آله (عليهم السّلام) حتّى ألقاك و قد وفيت بعهدك و ميثاقك فتسعني رحمتك يا وليّ يا حميد.

اللهمّ صلّ على حجّتك في أرضك و خليفتك في بلادك و الداعي إلى سبيلك و القائم بقسطك و الثائر بأمرك، ولي المؤمنين و بوار الكافرين و مجلي الظلمة و منير الحقّ و الساطع بالحكمة و الصدق، و كلمتك التامّة في أرضك المرتقب الخائف و الولي الناصح، سفينة النجاة و علم الهدى و نور أبصار الورى و خير من تقمّص و ارتدى و مجلي العمى، الذي يملأ الأرض عدلا و قسطا كما ملئت ظلما و جورا إنّك على كلّ شي‏ء قدير.

اللهمّ صلّ على وليّك و ابن أوليائك الذين فرضت طاعتهم و أوجبت حقّهم و أذهبت‏

____________

(1)- في المصدر: أشهدك يا مولاي.

84

عنهم الرجس و طهّرتهم تطهيرا. اللهمّ انصره و انتصر به لدينك و انصر به أولياءك و أولياءه و شيعته و أنصاره و اجعلنا منهم. اللهمّ أعذه من شرّ كل باغ و طاغ و من شرّ جميع خلقك و احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله و احرسه و امنعه من أن يوصل إليه بسوء و احفظ فيه رسولك و آل رسولك، و أظهر به العدل و أيّده بالنصر و انصر ناصريه و اخذل خاذليه و اقصم قاصميه و اقصم به جبابرة الكفرة و اقتل به الكفّار و المنافقين و جميع الملحدين حيث كانوا من مشارق الأرض و مغاربها و برّها و بحرها و املأ به الأرض عدلا و أظهر به دين نبيّك و اجعلني اللهمّ من أنصاره و أعوانه و أتباعه و شيعته و أرني في آل محمّد (عليهم السّلام) ما يأملون و في عدوّهم ما يحذرون إله الحقّ آمين يا ذا الجلال و الإكرام يا أرحم الراحمين‏ (1).

و في البحار عن السيّد ابن طاوس (رحمه اللّه) ممّا يزار به مولانا صاحب الزمان (عليه السّلام) كلّ يوم بعد صلاة الفجر:

اللهمّ بلّغ مولاي صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) عن جميع المؤمنين و المؤمنات في مشارق الأرض و مغاربها و برّها و بحرها و سهلها و جبلها حيّهم و ميّتهم و عن والديّ و ولدي و عنّي من الصلوات و التحيّات زنة عرش اللّه و مداد كلماته و منتهى رضاه و عدد ما أحصاه كتابه و أحاط به علمه. اللهمّ اجدد له في هذا اليوم و في كلّ يوم عهدا و عقدا و بيعة في رقبتي اللهمّ فكما شرّفتني بهذا التشريف و فضّلتني بهذه الفضيلة و خصصتني بهذه النعمة فصلّ على مولاي و سيّدي صاحب الزمان و اجعلني من أنصاره و أشياعه الذابّين عنه و اجعلني من المستشهدين بين يديه طائعا غير مكره في الصفّ الذي نعتّ أهله في كتابك فقلت صفّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ‏ (2) على طاعتك و طاعة رسولك و آله (عليهم السّلام) اللهمّ هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة (3).

و فيه: من زيارته (عجّل اللّه فرجه) زيارة يوم الجمعة و هو يومه (عليه السّلام) و اليوم الذي يظهر فيه (عجّل اللّه فرجه):

السلام عليك يا حجّة اللّه في أرضه، السلام عليك يا عين اللّه في خلقه، السلام عليك‏

____________

(1)- الاحتجاج: 494 ذكر طرف ممّا خرج عنه من المسائل الفقهية.

(2)- سورة الصف: 4.

(3)- بحار الأنوار: 102/ 111 ح 2 باب 7.

85

يا نور اللّه الذي يهتدي به المهتدون و يفرّج به عن المؤمنين، السلام عليك أيّها المهذّب الخائف، السلام عليك أيّها الوليّ الناصح، السلام عليك يا سفينة النجاة، السلام عليك يا عين الحياة، السلام عليك صلّى اللّه عليك و على آل بيتك الطيّبين الطاهرين، السلام عليك عجّل اللّه لك ما وعدك من النصر و ظهور الأمر، السلام عليك يا مولاي أنا مولاك عارف بأولاك و أخراك أتقرّب إلى اللّه تعالى بك و بآل بيتك و أنتظر ظهورك و ظهور الحقّ على يدك و أسأل اللّه أن يصلّي على محمّد و آل محمّد و أن يجعلني من المنتظرين لك و التابعين لك على أعدائك و المستشهدين بين يديك في جملة أوليائك، يا مولاي يا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليك) و على آل بيتك هذا يوم الجمعة و هو يومك المتوقّع فيه ظهورك و الفرج للمؤمنين على يدك و قتل الكافرين بسيفك و أنا يا مولاي فيه ضيفك و جارك و أنت يا مولاي كريم من أولاد الكرام مأمور بالإجارة فأضفني و أجرني (صلوات اللّه عليك) و على آبائك الطاهرين و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (1).

____________

(1)- بحار الأنوار: 102/ 216 ح 1 باب 9.

86

الغصن السابع في إخبار أهل السنّة و الجماعة بوجوده الآن غائبا و أنّه سيظهر و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا

، و إن ذكرنا بعض كلماتهم في عداد المعترفين بولادته من أهل السنّة و الجماعة في الفرع الثالث من الغصن الخامس، ذكرنا هنا مقدار الحاجة إتماما للمرام منها:

الأوّل: كمال الدين محمد ذكر في كتابه أبو القاسم م ح م د بن الحسن بن علي ... إلى علي ابن أبي طالب، المهدي الحجّة الخلف الصالح المنتظر (1).

الثاني: محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بعد ذكر تاريخ ولادة أبي محمد و وفاته، وصف ابنه و هو الإمام المنتظر (2) و في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان بعد ذكر الأئمّة من ولد علي (عليه السّلام): و خلّف- يعني عليّ الهادي- من الولد أبا محمد الحسن ابنه ثمّ ذكر تاريخ ولادته و وفاته و قال: ابنه و هو الحجّة الإمام المنتظر و كان قد أخفى مولده و ستر أمره لصعوبة الوقت و خوف السلطان.

و الباب الرابع و العشرون في الدلالة على جواز بقاء المهدي مذ غيبته حيّا إلى الآن و أنّه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى ابن مريم و الخضر و الالياس من أولياء اللّه و بقاء الأعور الدجال و إبليس اللعين من أعداء اللّه قد ثبت بقاؤهم بالكتاب و السنّة، إلى أن يقول: و أمّا بقاء المهدي فقد جاء في الكتاب و السنّة، أمّا الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (3) قال: هو المهدي من ولد فاطمة.

أمّا من قال بأنّه عيسى فلا تنافي بين القولين؛ إذ هو مساعد للمهدي على ما تقدّم‏ (4). إلى آخر كلامه [الذي‏] ذكرناه مفصّلا في الفرع الثاني من الغصن الرابع في ذكر المعمّرين‏ (5).

____________

(1)- كمال الدين: 441 ح 13 ب 43.

(2)- كفاية الطالب: 458 ذيل الباب الثامن.

(3)- سورة الصف، الآية: 9.

(4)- البيان: 148.

(5)- في الجزء الأوّل.

87

الثالث: سبط ابن الجوزي شمس الدين يوسف بن قزأغلي بن عبد اللّه البغدادي الحنفي سبط العالم الواعظ أبي الفرج عبد الرحمن بن جوزي في آخر كتابه الموسوم بتذكرة الخواص بعد ترجمة العسكري ذكر أولاده منهم م ح م د الإمام ابن الحسن بن علي ... إلى علي بن أبي طالب، و كنيته أبو عبد اللّه و أبو القاسم و هو الخلف الحجّة صاحب الزمان القائم و المنتظر و التالي و هو آخر الأئمّة (1).

الرابع: الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي في الفتوحات: لا بدّ من خروج المهدي (عليه السّلام) لكنّه لا يخرج حتّى تمتلئ الأرض جورا و ظلما فيملأها قسطا و عدلا، و لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد طوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يلي ذلك الخليفة، و هو من عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من ولد فاطمة جدّه الحسين بن علي و والده الحسن العسكري بن الإمام علي النقي إلى أن يقول: يضع الجزية على الكفّار و يدعو إلى اللّه بالسيف و يرفع المذاهب عن الأرض فلا يبقى إلّا الدين الخالص، أعداؤه مقلّدة العلماء، أهل الاجتهاد، لمّا يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمّتهم فيدخلون كرها تحت حكمه خوفا من سيفه إلى أن يقول: و لو لا أنّ السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله و لكن اللّه يظهره بالسيف و الكرم، إلى آخر كلامه [و قد] ذكرنا في الفرع الثالث من الغصن السابع في إخبار أهل العرفان و الحساب و الكهنة بظهوره و علاماته تمام كلماته‏ (2).

الخامس: الشيخ العارف عبد الوهاب بن علي بن أحمد بن علي الشعراني في كتابه المسمّى باليواقيت في بيان أن جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ لا بدّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة و ذلك كخروج المهدي (عليه السّلام) ثمّ الدجّال ثمّ نزول عيسى، إلى أن قال: إلى انتهاء الألف ثمّ تأخذ في ابتداء الاضمحلال إلى أن يصير الدين غريبا كما بدئ، و ذلك الاضمحلال يكون بدايته من مضي ثلاثين سنة من القرن الحادي عشر فهناك يترقّب خروج المهدي و هو من أولاد الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام)، و مولده (عليه السّلام) ليلة النصف من شعبان سنة خمس و خمسين و مائتين، و هو باق إلى أن يجتمع بعيسى ابن مريم فيكون عمره إلى وقتنا

____________

(1)- تذكرة الخواص: 325 فصل ذكر الحجّة.

(2)- الفتوحات المكية: 3/ 419 باب 366 ط. بولاق- مصر، و اليواقيت و الجواهر: 422- 423.

88

هذا و هو سنة ثمان و خمسين و تسعمائة و سبعمائة و ثلاث سنين‏ (1).

السادس: نور الدين علي بن محمد بن صباغ المالكي في الفصول المهمّة: أبو القاسم الحجّة الخلف الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص إلى أن يقول: إنّ له غيبتين إحداهما أطول من الاخرى و التمسّك بالآيات و الأخبار (2).

السابع: شهاب الدين المعروف بملك العلماء شمس الدين بن عمر الهندي صاحب تفسير البحر الموّاج في كتابه الموسوم ب هداية السعداء عن جابر بن عبد اللّه دخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بين يديها ألواح فيها أسماء أئمّة ولدها، إلى أن قال: أوّلهم زين العابدين- أي التسعة من ولد الحسين (عليهم السّلام)- و الثاني الإمام محمد الباقر، إلى أن قال: و التاسع الإمام حجّة اللّه القائم الإمام المهدي ابنه، و هو غائب و له عمر طويل كما بين المؤمنين عيسى و الياس و خضر و في الكافرين الدجّال و السامري‏ (3).

الثامن: الشيخ العالم المحدّث علي المتّقي بن حسام الدين بن القاضي عبد الملك بن قاضي خان القرشي من كبار العلماء و قد مدحوه في التراجم في كتابه البرهان في علامات مهدي آخر الزمان عن أبي عبد اللّه الحسين بن علي (عليهما السّلام) قال: لصاحب هذا الأمر- يعني المهدي- غيبتان إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات، و بعضهم ذهب لا يطّلع على موضعه أحد من ولي‏ (4). و في كتابه المرقاة في بيان الاثني عشر: محمد المهدي بن الحسن العسكري (عليهما السّلام)(5).

التاسع: العالم المعروف فضل بن روزبهان عند شرح قول العلّامة في نهج الحق: المطلب في زوجته و أولاده إلى أن يقول: نعم ما قلت فيهم منظوما:

____________

(1)- اليواقيت و الجواهر: 422 المبحث الخامس و الستّون.

(2)- الفصول المهمّة: 281- 293 الفصل الثاني عشر.

(3)- في مقدّمة غيبة النعماني اسمه: شهاب الدين آبادي: 15 و كذا في الغدير: 6/ 68، و حديث اللوح ذكره جملة من العلماء، راجع: كشف الغمة: 3/ 246، و فرائد السمطين: 2/ 136 ح 432.

(4)- راجع معجم أحاديث المهدي 2/ 465.

أقول: في البرهان المطبوع لا يوجد الحديث، نعم، ذكر عدّة أحاديث حول المهدي (عليه السّلام) في الباب الأوّل في الكرامات.

(5)- أقول: مرقاة المفاتيح لعلي القاري و قد ذكر ذلك في كتابه ص 179.

89

سلام على المصطفى المجتبى‏* * * سلام على السيّد المرتضى‏

إلى أن يقول:

سلام على السيّد العسكري‏* * * إمام يجهز جيش الصفا

سلام على القائم المنتظر* * * أبي القاسم العرم نور الهدى‏

سيطلع كالشمس في غاسق‏* * * ينجيه من سيفه المنتقى‏

ترى يملأ الأرض من عدله‏* * * كما ملئت جور أهل الهوى‏

سلام عليه و آبائه‏* * * و أنصاره ما تدوم السما

فنصّ من غير تردّد أنّ المهدي الموعود القائم المنتظر هو الثاني عشر من هؤلاء الأئمّة (1).

العاشر: عن عبد اللّه بن محمد المطري عن الإمام جمال الدين السيوطي في رسالة إحياء الميت بفضائل أهل البيت أنّ من ذريّة الحسين بن علي المهدي (عليه السّلام) المبعوث في آخر الزمان، إلى أن قال: الحادي عشر ابنه محمد القائم المهدي و قد سبق النصّ عليه في ملّة الإسلام من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو صاحب السيف القائم المنتظر إلى آخر ما قال‏ (2).

____________

(1)- كتاب چهارده معصوم: 31 المقدّمة.

(2)- أقول: في رسالة إحياء الميت للسيوطي المطبوعة بهامش كتاب الاتحاف بحبّ الأشراف (ط. مصر الأدبية) لا يوجد كلام عن الإمام المهدي (عليه السّلام) فتأمّل!.

90

فاكهة ثالثة في البحار عن الكافي عن حسن بن راشد عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) يقول: لما احتفر عبد المطلب زمزم و انتهى إلى قعرها خرجت عليه من أحد جوانب البئر رائحة منتنة أقطعته و أبى أن ينثني، و خرج ابنه الحارث عنه ثمّ حفر حتّى أمعن فوجد في قعرها عينا تخرج عليه برائحة المسك، ثمّ احتفر فلم يحفر إلّا ذراعا حتّى تجلاه النوم فرأى رجلا طويل الباع حسن الشعر جميل الوجه جيّد الثوب طيّب الرائحة يقول: احفر تغنم وجد تسلم و لا تدخرها للمقسم، الاسياف لغيرك و البئر لك، أنت أعظم العرب قدرا و منك يخرج نبيّها و وليّها و الأسباط و النجباء و الحكماء العلماء البصراء و السيوف لهم و ليس اليوم منك و لا لك و لكن في القرن الثاني منك، بهم يطهر الأرض و يخرج الشياطين من أقطارها و يذلّها في عزّها و يهلكها بعد قوّتها و يذلّ الأوثان و يقتل عبّادها حيث كانوا، ثمّ يبقى بعده نسل من نسل هو أخوه و وزيره و دونه في السن و قد كان القادر على الأوثان لا يعصيه حرفا و لا يكتمه شيئا و يشاوره في كل أمر هجم عليه و استعيى‏ (1) عنها عبد المطّلب فوجد ثلاثة عشر سيفا مسندة إلى جنبه فأخذها و أراد أن يبث‏ (2) فقال: و كيف و لم أبلغ الماء ثمّ حفر و لم يحفر شبرا حتّى بدا له قرن الغزال و رأسه و استخرجه، و فيه طبع لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه علي وليّ اللّه فلان خليفة اللّه فسألته و قلت: فلان متى كان قبله أو بعده؟ قال: لم يجي‏ء بعد و إلّا جاء شي‏ء من أشراطه، فخرج عبد المطّلب و قد استخرج الماء و أدرك و هو يصعد فإذا أسود له ذنب طويل يسبقه بدارا إلى فوق فضربه فقطع أكثر ذنبه ثمّ طلبه ففاته و فلان قاتله إن شاء اللّه و من رأى عبد المطّلب أن يبطل الرؤيا التي رآها في البئر و يضرب السيوف مفاتيح للبيت فأتاه اللّه بالنوم فغشيه في حجر الكعبة فرأى ذلك الرجل بعينه و هو يقول: يا شيبة الحمد احمد ربّك فانّه سيجعلك لسان الأرض و يتبعك قريش خوفا و رهبة و طمعا، ضع السيوف‏

____________

(1)- أي عجز و لم يهتد لوجهه.

(2)- أي ينشر و يذكر خبر الرؤيا فكتمه، و في بعض النسخ: يئب.

91

في مواضعها، فاستيقظ عبد المطّلب فأجابه أن يأتيني في النوم فإن يكن من ربّي فهو أحبّ إليّ و إن يكن من شيطان فأظنّه مقطوع الذنب فلم ير شيئا و لم يسمع كلاما، فلمّا أن كان الليل أتاه في منامه بعدّة من رجال و صبيان فقالوا: نحن أتباع ولدك و نحن من سكّان السماء السادسة، السيوف ليست لك فتزوّج في مخزوم تقوى و اضرب بعد في بطون العرب، فإن لم يكن معك مال فلك حسب فادفع هذه الثلاثة عشر سيفا إلى ولد المخزومية و لا يبال لك أكثر من هذا، و سيف لك من هذا واحد يقع من يدك فلا تجد له أثرا إلّا أن يسجنه جبل كذا و كذا فيكون من أشراط قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فانتبه عبد المطلب و انطلق و السيوف على رقبته فأتى ناحية من نواحي مكة ففقد منها سيفا كان أرقّها عنده فيظهر من ثم، ثم دخل معتمرا فطاف بها على رقبته و الغزالين أحد عشر طوافا و قريش تنظر إليه و هو يقول: اللهمّ صدق وعدك فأثبت لي قولي و انشر ذكري و شدّ عضدي، و كان هذا ترداد كلامه و ما طاف حول البيت بعد رؤياه في البئر ببيت شعر حتّى مات، و لكن قد ارتجز على بنيه يوم أراد نحر عبد اللّه فدفع الأسياف جميعها إلى بني المخزومية إلى الزبير و إلى أبي طالب و إلى عبد اللّه فصار لأبي طالب من ذلك أربعة أسياف سيف لأبي طالب و سيف لعلي و سيف لجعفر و سيف لطالب، و كان للزبير سيفان و كان لعبد اللّه سيفان ثمّ عادت فصار لعلي الأربعة الباقية اثنتين من فاطمة و اثنتين من أولادها فطاح سيف جعفر يوم اصيب فلم يدر في يد من وقع حتّى الساعة، و نحن نقول لا يقع سيف من أسيافها في يد غيرنا إلّا رجل يعين به معنا إلّا صار فحما قال: و إنّ لواحد في ناحية يخرج كما تخرج الحيّة فيبين منه ذراع و ما يشبهه فتبرق له الأرض مرارا ثمّ يغيب فإذا كان الليل فعل مثل ذلك فهذا دأبه حتّى يجي‏ء صاحبه و لو شئت أن اسمي مكانه لسمّيته و لكن أخاف عليكم من أن أسمّيه فتسمّوه فينسب إلى غير ما هو عليه‏ (1).

أقول: حتّى تجلاه النوم أي: غلب عليه و جل أي: لا تدخر تبر الذهب، و استعيى عنها تحير، و أراد أن يبث أي: يذكر خبر الرؤيا أو يفرق السيوف على الناس، فلان خليفة اللّه أي:

القائم (عليه السّلام)، و الأسود لعلّه كان الشيطان، و القائم يقتله و يضرب السيوف صفائح للبيت، و في بعض النسخ مفاتيح أي يجاهد المشركين فيستولي عليهم و يخلّص البيت من أيديهم،

____________

(1)- الكافي: 4/ 220 ح 7 و بحار الأنوار: 15/ 167 ح 96 باب 1.

92

و اضرب بعد في بطون العرب أي: تزوّج بعد فاطمة المخزومية في أي بطن منهم شئت، و الحاصل أنّك لا بدّ لك من أن تتزوّج في بني مخزوم ليحصل والد النبي و الأوصياء و يرثوا السيوف و أمّا سائر القبائل فالأمر إليك، يسجنه أي: يخفيه و يستره، يظهر من ثم- أي زمن القائم- من هذا الموضع الذي- أو من الجبل الذي- قدم ذكره إلّا صار فحما أي يسودّ و يبطل.

93

الغصن الثامن في علامات ظهور القائم من آيات القرآن و إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة الطاهرين و أهل العرفان و الحساب و الكهنة من الخاصّة و العامّة و فيه فروع:

[الفرع الأول الآيات الدالة على علامات الظهور]

الآية الاولى: من سورة البقرة قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ (1) عن الإكمال عن محمد بن مسلم قال:

سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ لقيام القائم علامات تكون من اللّه عزّ و جلّ للمؤمنين قلت:

و ما هي جعلني اللّه فداك؟ قال (عليه السّلام): قول اللّه عزّ و جلّ‏ وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ‏ يعني المؤمنين قبل خروج القائم‏ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ قال: نبلوهم بشي‏ء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم و الجوع بغلاء أسعارهم و نقص من الأموال قال: كساد التجارات و قلّة الفضل و نقص من الأنفس قال:

موت ذريع و نقص من الثمرات: قلّة ريع ما يزرع، و بشّر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عج) (2).

الآية الثانية: من سورة آل عمران قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى‏ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ‏ (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لا تمضي الأيّام و الليالي حتّى ينادي مناد من السماء يا أهل الحقّ اعتزلوا يا أهل الباطل اعتزلوا، فيعزل هؤلاء من هؤلاء و هؤلاء من هؤلاء قلت: أصلحك اللّه يخالط هؤلاء و هؤلاء بعد ذلك النداء؟ قال: كلّا إنّه يقول في الكتاب: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الآية (4).

الآية الثالثة: من سورة النساء قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى‏ أَدْبارِها (5) عن أبي جعفر (عليه السّلام) لجابر

____________

(1)- سورة البقرة: 155.

(2)- كمال الدين: 649 ح 3 باب 57.

(3)- سورة آل عمران: 179.

(4)- تفسير العياشي: 1/ 207 سورة آل عمران: 179.

(5)- سورة النساء: 47.

94

الجعفي: الزم الأرض و لا تحرّك يدا و لا رجلا حتّى ترى علامات أذكرها لك و ما أراك تدرك ذلك و لكن حدّث به بعدي- و ساق الحديث إلى آخره: و لا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر يحوّل اللّه وجوههم في أقفيتهم و هم من كلب و فيهم نزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ‏ الآية (1).

الآية الرابعة: من سورة الأنعام‏ ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ‏ (2) عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّهما أجلان أجل محتوم و أجل موقوف. قال له حمران: ما المحتوم؟ قال: الذي لا يكون غيره، قال: و ما الموقوف؟ قال: هو الذي للّه فيه المشيئة، قال حمران: إنّي لأرجو أن يكون السفياني من الموقوف فقال أبو جعفر (عليه السّلام): لا و اللّه انّه من المحتوم‏ (3).

الآية الخامسة: قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (4) عن القمي عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً و سيريك في آخر الزمان آيات منها دابّة الأرض و الدجّال و نزول عيسى بن مريم و طلوع الشمس من مغربها (5).

الآية السادسة: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ‏ إلى‏ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ‏ (6) عن القمي عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله: هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ‏ هو الدجّال و الصيحة أو مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ‏ و هو الخسف‏ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً و هو اختلاف في الدين و طعن بعضكم على بعض‏ وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ‏ و هو أن يقتل بعضكم بعضا و كلّ هذا في أهل القبلة بقول اللّه‏ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ‏ (7).

الآية السابعة: من سورة يونس قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ‏ (8) عن أبي جعفر (عليه السّلام): فهو عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة و هم يجحدون نزول العذاب عليهم‏ (9).

الآية الثامنة: من سورة يونس (عليه السّلام) قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ‏

____________

(1)- كتاب الغيبة للنعماني: 279.

(2)- سورة الانعام: 2.

(3)- غيبة النعماني: 301.

(4)- سورة الأنعام: 37.

(5)- غيبة الشيخ: 436.

(6)- سورة الأنعام: 65.

(7)- تفسير القمي: 2/ 204.

(8)- سورة يونس: 50.

(9)- تفسير القمي: 1/ 312 و تفسير البرهان: 2/ 187 ح 2.

95

وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏ (1) عن غيبة النعماني عن محمد بن بشير قال: سمعت محمد ابن الحنفية أنّ قبل رايتنا راية لآل جعفر و اخرى لآل مرداس- بنو مرداس كناية عن بني العبّاس- فأمّا راية آل جعفر فليست بشي‏ء و لا إلى شي‏ء، فغضبت و كنت أقرب الناس إليه فقلت: جعلت فداك إنّ قبل راياتكم رايات؟ قال: أي و اللّه ان لبني مرداس ملكا موطدا لا يعرفون في سلطانهم شيئا من الخير، سلطانهم عسر ليس فيه يسر، يدنون فيه البعيد و يقصون فيه القريب حتّى إذا أمنوا مكر اللّه و عقابه صيح بهم صيحة لم يبق لهم مناد يسمعهم و لا جماعة يجتمعون إليها و قد ضربهم اللّه مثلا في كتابه‏ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً الآية، ثمّ حلف محمد ابن الحنفية باللّه أنّ هذه الآية نزلت فيهم فقلت: جعلت فداك لقد حدّثتني عن هؤلاء بأمر عظيم فمتى يهلكون؟ فقال: ويحك يا محمد إنّ اللّه خالف علمه علم الموقّتين، و إنّ موسى وعد قومه و كان في علم اللّه زيادة عشرة أيّام لم يخبر بها موسى فكفر قومه و اتخذوا العجل من بعده لما جاز عنهم الوقت، و إنّ يونس وعد قومه العذاب و كان في علم اللّه أن يعفو عنهم و كان من أمره ما قد علمت، و لكن إذا رأيت الحاجة قد ظهرت و قال الرجل بتّ بغير عشاء حتّى يلقاك الرجل بوجه ثمّ يلقاك بوجه آخر قلت هذه الحاجة قد عرفتها فما الاخرى و أي شي‏ء هي؟ قال: يلقاك بوجه طلق فإذا جئت تستقرضه قرضا لقيك بغير ذلك الوجه فعند ذلك تقع الصيحة من قريب‏ (2).

الآية التاسعة: قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (3) في روضة الكافي عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) يوبّخوننا و يكذّبوننا أنّا نقول: صيحتان تكونان، يقولون: من أين يعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟ قال: فما ذا تردّون عليهم؟ قلت: ما نردّ عليهم شيئا، قال: قولوا:

يصدّق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل، انّ اللّه عزّ و جلّ يقول‏ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِ‏

____________

(1)- سورة يونس: 24.

(2)- غيبة النعماني: 290 باب ما جاء في المنع عن التوقيت.

(3)- سورة يونس: 35.

96

أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏ (1).

الآية العاشرة: من النحل قوله تعالى: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ (2) في كتاب المحجّة و عن البحار و العوالم عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: الزم الأرض و لا تحركن يدك و لا رجلك أبدا حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة وتر، و ترى مناديا ينادي بدمشق، و خسف بقرية من قراها، و تسقط طائفة من مسجدها فإذا رأيت الترك جازوها فأقبلت الترك حتّى نزلت الجزيرة و أقبلت الروم حتّى نزلت الرملة، و هي سنة اختلاف في كل أرض من أرض العرب، و إنّ أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: الأصهب و الأبقع و السفياني مع بني ذنب الحمار مضر، و مع السفياني أخواله كلب، يظهر السفياني و من معه على بني ذنب الحمار و هي الآية التي يقول اللّه تبارك و تعالى‏ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏ (3) و يظهر السفياني و من معه حتّى لا يكون له همّة إلّا آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شيعتهم فيبعث بعثا إلى الكوفة فيصاب بأناس من شيعة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالكوفة قتلا و صلبا، و تقبل راية من خراسان حتّى تنزل ساحل الدجلة، يخرج رجل من الموالي ضعيف و من تبعه فيصاب بظهر الكوفة و يبعث بعثا إلى المدينة فيقتل بها رجلا و يهرب المهدي و المنصور منها و يؤخذ آل محمّد صغيرهم و كبيرهم لا يترك منهم أحد إلّا حبس، و يخرج الجيش في طلب الرجلين و يخرج المهدي (عج) منها على سنّة موسى خائفا يترقّب حتّى يقدم مكّة و يقبل الجيش حتّى إذا نزلوا البيداء و هو جيش الهملات و خسف بهم فلا يفلت منهم إلّا مخبر، فيقوم القائم (عج) بين الركن و المقام فيصلّي و ينصرف و معه وزيره فيقول: يا أيّها الناس إنّا نستنصر اللّه على من ظلمنا و سلب حقّنا من يحاجّنا في اللّه فإنّا أولى الناس باللّه، و من يحاجّنا في آدم فإنّا أولى الناس بآدم، و من حاجّنا في نوح، فإنّا أولى الناس بنوح و من حاجّنا في إبراهيم فإنّا أولى الناس بإبراهيم (عليه السّلام)، و من حاجّنا بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فإنّا أولى الناس بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و من حاجّنا في النبيّين فنحن أولى الناس بالنبيّين، و من حاجّنا في كتاب اللّه فنحن أولى الناس بكتاب اللّه، إنّا نشهد و كلّ مسلم‏

____________

(1)- الكافي: 1/ 202 ح 1 و الآية في سورة يونس: 35.

(2)- سورة النحل: 45- 46.

(3)- سورة مريم: 37.

97

اليوم أنّا قد ظلمنا و طردنا و بغي علينا و اخرجنا من ديارنا و أموالنا و أهالينا. إنّا نستغفر اللّه اليوم و كل مسلم، و يجي‏ء و اللّه ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضا و هي الآية التي قال اللّه تعالى:

أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (1) فيقول رجل من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اخرج منها و هي القرية الظالمة أهلها ثمّ يخرج من مكة هو و من معه الثلاثمائة و بضعة عشر يبايعونه بين الركن و المقام، معه عهد نبي اللّه و رايته و سلاحه و وزيره معه، فينادي المنادي بمكة باسمه و أمره من السماء حتّى يسمعه أهل الأرض كلّهم، اسمه اسم نبي ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبي اللّه و رايته و سلاحه و النفس الزكية من ولد الحسين (عليه السّلام) فإن أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه و أمره، و إيّاك و شذاذ من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فإنّ لآل محمّد و علي راية و لغيرهم رايات فالزم الأرض و لا تتبع منهم رجلا أبدا حتى ترى رجلا من ولد الحسين (عليه السّلام) معه عهد نبي اللّه و رايته و سلاحه فإنّ عهد نبي اللّه صار عند علي بن الحسين ثمّ صار عند محمد بن علي و يفعل اللّه ما يشاء، فالزم هؤلاء أبدا و إيّاك و من ذكرت لك فإذا خرج رجل منهم معه ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا و معه راية رسول اللّه عامدا إلى المدينة حتّى يمرّ بالبيداء حتّى يقول هذا مكان القوم الذي يخسف بهم و هي الآية التي قال اللّه‏ أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا (2) إلى‏ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ‏ (3) فإذا قدم المدينة أخرج محمد بن الشجري على سنّة يوسف، ثمّ يأتي الكوفة فيطيل بها المكث ما شاء اللّه أن يمكث حتّى يظهر عليها، ثمّ يسير حتّى يأتي العذراء هو و من معه و قد لحق به ناس كثير و السفياني يومئذ بوادي الرملة حتّى إذا التقوا و هم يوم الأبدال يخرج أناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، و يخرج كل ناس إلى رايتهم و هو يوم الأبدال.

قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): يقتل يومئذ السفياني و من معه حتّى لا يترك منهم مخبر، و الخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب، ثم يقبل إلى الكوفة فيكون منزله بها فلا يترك عبدا مسلما إلّا اشتراه و أعتقه و لا غارما إلّا قضى دينه و لا مظلمة لأحد من الناس إلّا ردّها

____________

(1)- البقرة: 148.

(2)- سورة النحل: 45.

(3)- سورة النحل: 46.

98

و لا يقتل منهم عبد إلّا أدّى ثمنه دية مسلمة إلى أهلها و لا يقتل قتيل إلّا قضى عنه دينه و ألحق عياله في العطاء حتّى يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و عدوانا و يسكن هو و أهل بيته الرحبة، و الرحبة إنّما كان مسكن نوح و هي أرض طيّبة و لا يسكن رجل من آل محمّد و لا يقتل إلّا بأرض طيّبة زاكية فهم الأوصياء الطيّبون‏ (1).

الآية الحادية عشرة: من سورة الرعد قوله تعالى: شَدِيدُ الْمِحالِ‏ (2) عن غيبة النعماني عن علي (عليه السّلام) أنّ بين يدي القائم (عج) سنين خدّاعة يكذب فيها الصادق و يصدق فيها الكاذب و يقرب فيها الماحل و ينطق فيها الرويبضة قلت: و ما الرويبضة و ما الماحل؟

قال: أ ما تقرءون القرآن، قوله‏ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ‏ قال: يريد المكر، فقلت: و ما الماحل؟

قال: يريد المكار (3).

الآية الثانية عشرة: من سورة بني إسرائيل قوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (4) عن كتاب سرور أهل الايمان و في البحار عن أصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السّلام) يقول للناس: سلوني قبل أن تفقدوني لأنّي بطرق السماء أعلم من العلماء و بطرق الأرض أعلم من العالم، أنا يعسوب الدين أنا يعسوب المؤمنين و إمام المتّقين و ديّان الناس يوم الدين، أنا قاسم النار و خازن الجنان و صاحب الحوض و الميزان و صاحب الأعراف فليس منّا إمام إلّا و هو عارف بجميع أهل ولايته و ذلك قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ألا أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فتشغر برجلها (5) فتنة شرقية و تطأ في خطامها بعد موتها و حياتها و تشبّ نار بالحطب الجزل من غربي الأرض رافعة ذيلها تدعو يا ويلها لرحله و مثلها فإذا استدار الفلك قلتم: مات أو هلك بأي واد سلك فيومئذ تأويل هذه الآية ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً و لذلك آيات أوّلهن إحصار الكوفة بالرصد و الخندق و تخريق الروايا في سكك الكوفة و تعطيل المساجد أربعين ليلة و كشف الهيكل و خفق رايات حول‏

____________

(1)- بحار الأنوار: 52/ 225 ح 87 باب 25.

(2)- سورة الرعد: 13.

(3)- غيبة النعماني: 278 باب 14 ح 62.

(4)- سورة الإسراء: 6.

(5)- تشغر برجلها: ترفعها لتبول.

99

المسجد الأكبر تهتزّ، القاتل و المقتول في النار، و قتل سريع و موت ذريع، و قتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين و المذبوح بين الركن و المقام و قتل الأشقع صبرا في بيعة الأصنام و خروج السفياني براية حمراء أميرها رجل من بني كلب، و اثنا عشر ألف عنان من خيل السفياني يتوجّه إلى مكّة و المدينة، أميرها رجل من بني اميّة يقال له خزيمة، أطمس العين الشمال على عينه ظفرة غليظة، يتمثّل بالرجال، لا ترد له راية حتّى ينزل المدينة في دار يقال لها دار أبي الحسن الأموي، و يبعث خيلا في طلب رجل من آل محمد و قد اجتمع إليه ناس من الشيعة، يعود إلى مكّة، أميرها رجل من غطفان إذا توسط القاع الأبيض خسف بهم فلا ينجو إلّا رجل يحوّل اللّه وجهه إلى قفاه لينذرهم و يكون آية لمن خلفهم و يومئذ تأويل هذه الآية وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ (1).

و يبعث مائة و ثلاثين ألفا إلى الكوفة و ينزلون الروحاء و الفاروق فيسير منها ستّون ألفا حتّى ينزلوا الكوفة موضع قبر هود بالنخيلة فيهجمون إليهم يوم الزينة و أمير الناس جبّار عنيد يقال له الكاهن الساحر فيخرج من مدينة الزوراء إليهم أمير في خمسة آلاف من الكهنة و يقتل على جسرها سبعون ألفا حتّى تحمى الناس من الفرات ثلاثة أيّام من الدماء و نتن الأجساد و يسبى من الكوفة سبعون ألف بكر لا يكشف عنها كفّ و لا قناع حتى يوضعن في المحامل و يذهب بهن إلى الثوية و هي الغري، ثمّ يخرج من الكوفة مائة ألف ما بين مشرك و منافق حتّى يقدموا دمشق لا يصدّهم عنها صاد و هي إرم ذات العماد، و تقبل رايات من شرقي الأرض غير معلمة، ليست بقطن و لا كتّان و لا حرير، مختوم في رأس القنا بخاتم السيّد الأكبر، يسوقها رجل من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تظهر بالمشرق و توجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر يسير الرعب أمامها بشهر حتّى ينزلوا الكوفة طالبين بدماء آبائهم، فبينما هم على ذلك إذ أقبلت خيل اليماني و الخراساني تستبقان كأنّهما فرسي رهان، شعث غبر جرد أصلاب نواطي و أقداح، إذا نظرت أحدهم برجله باطنه فيقول: لا خير في مجلسنا بعد يومنا هذا، اللهمّ فإنّا التائبون، و هم الأبدال الذين وصفهم اللّه في كتابه العزيز إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ (2) و نظراؤهم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يخرج رجل من أهل نجران يستجيب للإمام فيكون أوّل النصارى إجابة فيهدم بيعته و يدق صليبه فيخرج بالموالي‏

____________

(1)- سورة السبأ: 51.

(2)- سورة البقرة: 222.

100

و ضعفاء الناس فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى فيكون مجمع الناس جميعا في الأرض كلّها بالفاروق، فيقتل يومئذ ما بين المشرق و المغرب ثلاثة آلاف ألف يقتل بعضهم بعضا فيومئذ تأويل هذه الآية فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ‏ (1) بالسيف، و ينادي مناد في شهر رمضان من ناحية المشرق عند الفجر: يا أهل الهدى اجتمعوا، و ينادي مناد من قبل المغرب بعد ما يغيب الشفق: يا أهل الباطل اجتمعوا، و من الغد عند الظهر تتلوّن الشمس و تصفرّ فتصير سوداء مظلمة، و يوم الثالث يفرّق اللّه بين الحقّ و الباطل و تخرج دابة الأرض و تقبل الروم إلى ساحل البحر عند كهف الفتية فيبعث اللّه الفتية من كهفهم مع كلبهم، منهم رجل يقال له تمليخا و آخر حملاها و هما الشاهدان المسلمان للقائم (عج) (2).

الآية الثالثة عشرة: من سورة النحل قوله تعالى: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ‏ (3) عن غيبة النعماني عن عباية بن ربعي قال: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السّلام) و أنا خامس خمسة و أصغر القوم سنّا فسمعته يقول:

حدّثني أخي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إنّي خاتم ألف نبي و انّك خاتم ألف وصي و كلّفت ما لم يكلّفوا فقلت: ما أنصفك القوم يا أمير المؤمنين، فقال: ليس حيث تذهب يا ابن أخي و اللّه لأعلم ألف كلمة لا يعلمها غيري و غير محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إنّهم ليقرءون منها آية في كتاب اللّه عزّ و جلّ و هي‏ وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ‏ و ما يتدبّرونها حقّ تدبّرها. ألا أخبركم بآخر ملك بني فلان؟

قلنا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: قتل نفس حرام في يوم حرام في بلد حرام عن قوم من قريش و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة ما لهم ملك بعده غير خمس عشرة ليلة، قلنا: هل قبل هذا من شي‏ء أو بعده من شي‏ء؟ فقال: صيحة في شهر رمضان تفزع اليقظان و توقظ النائم و تخرج الفتاة من خدرها (4).

الآية الرابعة عشرة: من سورة العنكبوت قوله تعالى: الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ‏

____________

(1)- سورة الأنبياء: 15.

(2)- بحار الأنوار: 52/ 275 ح 167 باب 25.

(3)- النمل: 82.

(4)- غيبة النعماني: 258 ح 17 باب 14.

101

يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (1) روى المفيد في الإرشاد عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال: لا يكون ما تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا و تمحّصوا فلا يبقى منكم إلّا الأندر ثمّ قرأ قوله:

الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ ثمّ قال: من علامات الفرج حدث يكون بين المسجدين و يقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا من العرب‏ (2).

الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً (3) في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تعالى ملكا إلى سماء الدنيا فإذا طلع الفجر جلس ذلك الملك على العرش فوق البيت المعمور و نصب لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و علي و الحسن و الحسين (عليه السّلام) منابر من نور فيصعدون عليها و تجمع لهم الملائكة و النبيّون و المؤمنون و تفتح أبواب السماء فإذا زالت الشمس قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا ربّ ميعادك الذي وعدت في كتابك‏ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الآية، و يقول الملائكة و النبيّون مثل ذلك، ثمّ يخرّ محمّد و علي و الحسن و الحسين (عليه السّلام) سجّدا ثمّ يقولون: يا ربّ اغضب فإنّه قد هتك حريمك و قتل أصفياؤك و اذل عبادك الصالحون فيفعل اللّه ما يشاء و ذلك يوم معلوم‏ (4).

الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ وَ أَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (5) في كتاب المحجّة للسيّد هاشم البحراني برّد اللّه مضجعه عن أبي جعفر (عليه السّلام): يكون لصاحب هذا الأمر غيبة و ذكر حديثا طويلا يتضمّن غيبته و ظهوره، إلى أن قال: فيدعو الناس- يعني القائم- إلى كتاب اللّه و سنّة نبيّه و الولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) و البراءة من عدوّه و لا يسمّي أحدا حتّى ينتهي إلى البيداء فيخرج إليه جيش السفياني فيأمر اللّه فتأخذهم من تحت أقدامهم، و هو قول اللّه تعالى: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ قالُوا آمَنَّا بِهِ‏ يعني بقائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى آخر السورة، فلا يبقى منهم إلّا رجلان يقال لهما و تر و وتير من مراد، وجوههما في أقفيتهما

____________

(1)- سورة العنكبوت: 1- 2.

(2)- الإرشاد: 2/ 375 باب ذكر علامات قيام القائم.

(3)- سورة النور: 55.

(4)- غيبة النعماني: 276 ح 56 باب 14.

(5)- سورة سبأ: 51- 52.

102

يمشيان القهقرى فيخبران الناس بما فعل بأصحابهما. و الحديث طويل اكتفينا منه بقدر الحاجة (1).

الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا (2) في غيبة النعماني عن الصادق (عليه السّلام) قول اللّه تعالى: عَذابَ الْخِزْيِ‏ ما هو عذاب خزي في الدنيا؟

فقال: أيّ خزي أخزى يا أبا بصير من أن يكون الرجل في بيته و أصحابه و على اخوانه وسط عياله إذ شق أهله الجيوب عليه و صرخوا فيقول الناس: ما هذا؟ فيقال: مسخ فلان الساعة، فقلت: قبل قيام القائم (عج) أو بعده؟ قال: لا، بل قبله‏ (3).

الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏ (4) في غيبة النعماني سئل الباقر (عليه السّلام) عن تفسير هذه الآية فقال: يريهم في أنفسهم المسخ و يريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم فيرون قدرة اللّه في أنفسهم و في الآفاق، و قوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ‏ يعني بذلك خروج القائم هو الحقّ من عند اللّه عزّ و جلّ يراه الخلق لا بدّ منه‏ (5).

الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ‏ (6) قال: تأويلها فيما يأتي عذاب يقع في الثوية يعني حتّى ينتهي إلى الكناسة كناسة بني أسد حتّى تمرّ بثقيف و لا تدع وترا لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا أحرقته و ذلك قبل خروج القائم (عجّل اللّه تعالى فرجه)(7).

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 56 في سورة الأنفال.

(2)- سورة فصّلت: 16.

(3)- غيبة النعماني: 269 ح 41 باب 14.

(4)- سورة فصّلت: 53.

(5)- الكافي: 8/ 381 ح 575.

(6)- سورة المعارج: 1.

(7)- غيبة النعماني: 272 ح 48 باب 14.

103

الفرع الثاني إخبار النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السّلام) بعلامات الظهور

في عمدة ابن بطريق عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة، قالوا: كيف إضاعتها يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة (1).

و فيه عن بشر بن جابر قال: ماجت ريح حمراء بالكوفة فجاء رجل ليس له هجير فقال: يا عبد اللّه بن مسعود جاءت الساعة، قال: فقعد و كان متكيا فقال: إنّ الساعة لا تقوم حتّى لا يقسم ميراث و لا يفرح بغنيمة ثمّ قال بيده هكذا و نحاها نحو الشام عدوا يجمعون لأهل الشام يجمع لهم أهل الإسلام قلت: الروم تعني؟

قال: نعم، قال: و تكون عند ذلكم القتال ردة شديدة فتشترط المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلى غالبة فيقتلون حتّى يمسوا فيبقى هؤلاء و هؤلاء كلّ غير غالب و تفنى الشرطة، ثم تشترط المسلمون شرطة للموت فلا ترجع إلّا غالبة فيقتلون حتّى يمسوا فيبقى هؤلاء و هؤلاء كل غير غالب و تفنى الشرطة، فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقيّة أهل الإسلام فيجعل اللّه الدائرة عليهم فيقتلون مقتلة، إمّا قال: لا يرى مثلها، و إمّا قال: لا يرى منها (2) حتّى أنّ الطائر ليمرّ بجنباتهم فما يلحقهم‏ (3) حتّى يخرّ ميّتا فيتعادّ بنو الأب و كانوا مائة فلا يجدونه بقي منهم إلّا الرجل الواحد فبأي غنيمة يفرح أو بأي ميراث يقاسم.

قال: فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هم أكثر من ذلك فجاءهم الصريخ أنّ الدجّال قد خلفهم في ديارهم فيرفضون ما في أيديهم فيقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنّي لأعرف أسماءهم و أسماء آبائهم و أسماء خيولهم، هم خير الفوارس‏

____________

(1)- العمدة: 423- 426 ح 884- 891 ذكر ما ورد في الاثني عشر من الصحاح.

(2)- في المستدرك: لن نرى مثلها.

(3)- في المستدرك: فلا يخلفهم.

104

على ظهر الأرض- أو من خير الفوارس على ظهر الأرض- (1).

و في الدر النظيم عن الصادق (عليه السّلام): عام الفتح ينشق الفرات حتّى يدخل على أزقّة الكوفة و فيه عن سلمان الفارسي: أتيت عليّا فقلت: يا أمير المؤمنين متى يظهر القائم من ولدك؟

فتنفّس الصعداء، و قال: لا يظهر القائم حتّى يكون أمر الصبيان و تضييع حقوق الرحمن و التغنّي بالقرآن‏ (2).

و في العوالم عن ابن عقدة عن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: إذا ظهرت بيعة الصبي قام كلّ ذي صيصيّة بصيصيّته‏ (3). أقول: الصيصيّة شوكة الديك و قرن البقر و الظباء (4).

و فيه عن معروف بن خربوذ قال: ما دخلنا على أبي جعفر قط إلّا قال: خراسان خراسان، سجستان سجستان كأنّه يبشّرنا بذلك‏ (5).

و فيه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ظهور البواسير و موت الفجأة و الجذام من اقتراب الساعة (6).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال: توقّعوا الصوت يأتيكم بغتة من قبل دمشق فيه لكم فرج عظيم‏ (7).

و في الصراط المستقيم عن حذيفة و جابر: هبط جبرئيل (عليه السّلام) على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بشّره بأنّ القائم من ولده لا يظهر حتّى تملك الكفّار الأنهر الخمسة: سيحون و جيحون و الفراتين و النيل، ينصر اللّه أهل بيته على الضلال فلا ترفع لهم راية إلى يوم القيامة (8).

و فيه سئل الصادق (عليه السّلام) عن ظهوره فقال: إذا حكمت في الدولة الخصيان و النسوان و أخذت الامارة الشبّان و الصبيان و خرب جامع الكوفة من العمران و انعقدت الجيران فذلك الوقت زوال ملك بني عمّي العبّاس و ظهور قائمنا أهل البيت‏ (9).

و فيه أنّ عليّا قال: إذا وقعت النار في حجازكم و جرى الماء بنجفكم فتوقّعوا ظهوره‏ (10).

____________

(1)- العمدة: 425/ 890، و مستدرك الصحيحين: 4/ 477.

(2)- دلائل الإمامة: 473.

(3)- غيبة النعماني: 274 ح 52.

(4)- غيبة النعماني: 273 ح 51.

(5)- غيبة النعماني: 273 ح 51.

(6)- البحار: 52/ 269.

(7)- غيبة النعماني: 279 ح 66.

(8)- الصراط المستقيم: 2/ 258.

(9)- الصراط المستقيم: 2/ 258.

(10)- المصدر السابق.

105

و فيه عن كتاب عبد اللّه بن بشار رضيع الحسين (عليه السّلام): إذا أراد اللّه أن يظهر قائم آل محمّد بدأ الحرب من صفر إلى صفر و ذلك أوان خروج المهدي‏ (1).

و فيه عن زين العابدين (عليه السّلام): إذا ملأ نجفكم هذا السيل و المطر و ظهرت النار في الحجاز و المدر و ملكت بغداد التتر فتوقّعوا ظهور القائم المنتظر (2).

و في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا يكون هذا الأمر حتّى يذهب تسعة أعشار الناس‏ (3).

و في البحار عن جابر بن عبد اللّه عن أنس بن مالك و كان خادم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: لمّا رجع أمير المؤمنين (عليه السّلام) من قتال أهل نهروان نزل براثا و كان بها راهب في قلايته‏ (4) و كان اسمه الحبّاب، فلمّا سمع الراهب صيحة العسكر أشرف من قلايته إلى الأرض فنظر إلى عسكر أمير المؤمنين فاستفظع ذلك و نزل مبادرا فقال: من هذا و من رئيس العسكر؟ فقيل:

هذا أمير المؤمنين (عليه السّلام) و قد رجع من قتال أهل نهروان فجاء الحبّاب مبادرا يتخطّى الناس حتّى وقف على أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين حقّا حقّا فقال له: و ما علمك بأنّي أمير المؤمنين حقّا حقّا؟

قال له: بذلك أخبر علماؤنا و أحبارنا، فقال (عليه السّلام) له: يا حبّاب، فقال الراهب: و ما علمك باسمي؟ فقال (عليه السّلام): أعلمني بذلك حبيبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال له الحبّاب: مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه و أنّك علي بن أبي طالب و وصيّه، فقال له أمير المؤمنين: و أين تأوي؟ فقال: أكون في قلاية لي هاهنا فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): بعد يومك هذا لا تسكن فيها و لكن ابن هاهنا مسجدا و سمّه باسم بانيه، فبناه رجل اسمه براثا فسمّي المسجد براثا باسم الباني له ثمّ قال: و من أين تشرب يا حبّاب؟ فقال: يا أمير المؤمنين من دجلة هاهنا، قال: فلم لا تحفر هاهنا عينا أو بئرا؟ فقال له: يا أمير المؤمنين كلّما حفرنا بئرا وجدناها مالحة غير عذبة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): احفر هاهنا فحفر فخرجت عليهم صخرة لم يستطيعوا قلعها فقلعها أمير المؤمنين (عليه السّلام) فانقلعت عن عين أحلى من الشهد و ألذّ من الزبد، فقال له: يا حبّاب يكون شربك من هذه العين أمّا إنّه يا حبّاب ستبنى إلى جنب‏

____________

(1)- المصدر السابق.

(2)- الصراط المستقيم: 2/ 259.

(3)- غيبة النعماني: 274 ح 54 باب 14.

(4)- القلاية: صومعة الراهب (البداية و النهاية: 10/ 205).

106

مسجدك هذا مدينة تكثر الجبابرة فيها و يعظم البلاء حتّى إنّه ليركب فيها كلّ ليلة جمعة سبعون ألف فرج حرام، فإذا عظم بلاؤهم سدّوا على مسجدك بقنطرة (1) ثم بنوه‏ (2) لا يهدمه إلّا كافر، فإذا فعلوا ذلك منعوا الحج ثلاث سنين و احترقت خضرهم و سلّط اللّه عليهم رجلا من أهل السفح لا يدخل بلدا إلّا أهلكه و أهلك أهله، ثمّ ليعود عليهم مرّة اخرى ثمّ يأخذهم القحط و الغلاء ثلاث سنين حتّى يبلغ بهم الجهد ثمّ يعود عليهم ثم يدخل البصرة فلا يدع فيها قائمة إلّا سخطها و أهلك و أسخط أهلها، و ذلك إذا عمرت الخربة و بني فيها مسجد جامع فعند ذلك يكون هلاك البصرة ثمّ يدخل مدينة بناها الحجّاج يقال لها واسط فيفعل مثل ذلك ثمّ يتوجّه نحو بغداد فيدخل عفوا ثمّ يلتجئ الناس إلى الكوفة و لا يكون بلد من الكوفة تشوش‏ (3) له الأمر، ثمّ يخرج هو و الذي أدخله بغداد نحو قبري فيلقاهما السفياني فيهزمهما ثمّ يقتلهما، و يتوجّه جيش نحو الكوفة فيستعبد بعض أهلها و يجي‏ء رجل من أهل الكوفة فيلجئهم إلى سور فمن لجأ إليها أمن، و يدخل جيش السفياني إلى الكوفة فلا يدعون أحدا إلّا قتلوه و إنّ الرجل منهم ليمرّ بالدرة (4) المطروحة العظيمة فلا يتعرض لها و يرى الصبي الصغير فيلحقه فيقتله، فعند ذلك يا حبّاب يتوقّع بعدها هيهات هيهات و امور عظام و فتن كقطع الليل فاحفظ عنّي ما أقول لك‏ (5).

و في غيبة النعماني عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): قال لي أبي- يعني الباقر (عليه السّلام)-: لا بدّ لنا من أذربايجان، لا يقوم لها شي‏ء فإذا كان ذلك فكونوا أحلاس بيوتكم و البدوا ما لبدنا و النداء بالبيداء، فإذا تحرّك متحرّك فاسعوا إليه و لو حبوا، و اللّه لكأنّي أنظر إليه بين الركن و المقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، قال: و ويل للعرب من شرّ قد اقترب‏ (6).

و فيه عنه (عليه السّلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) حدّث عن أشياء تكون بعده إلى قيام القائم فقال الحسين (عليه السّلام): يا أمير المؤمنين متى يطهّر اللّه الأرض من الظالمين؟

____________

(1)- في المطبوع و البحار: فطوة و في بعض النسخ: فطرة، و الصحيح ما ذكر.

(2)- في المطبوع: و ابنه.

(3)- في نسخة ثانية من البحار: تستوثق.

(4)- الدرة بالكسر آلة يضرب بها. عن هامش الأصل.

(5)- اليقين لابن طاوس: 422، و بحار الأنوار: 52/ 219 ح 80 باب 25، و في نسخة ثانية: هنات و هنات.

(6)- غيبة النعماني: 263 ح 24 باب 14.

107

فقال (عليه السّلام): لا يطهّر اللّه الأرض من الظالمين حتّى يسفك الدم الحرام ثمّ ذكر بني أمية و بني العبّاس في حديث طويل ثمّ قال: إذا قام القائم بخراسان و غلب على أرض كرمان و الملتان و حاز جزيرة بني كلوان و قام منّا قائم بجيلان و أجابته الابر و الديلم و ظهرت لولدي رايات الترك متفرّقات في الأقطار و الخبات و كانوا بين هنات و هنات، إذا خرّبت البصرة و قام أمير الأمراء بمصر إلى أن قال: إذا جهّزت الألوف و صفّت الصفوف و قتل الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر و يثور الثائر و يهلك الكافر ثمّ يقوم القائم المأمول و الإمام المجهول له الشرف و الفضل، و هو من ولدك يا حسين لا ابن مثله يظهر بين الركنين في دريسين باليين يظهر على الثقلين و لا يترك في الأرض دمين، طوبى لمن أدرك زمانه و لحق أوانه و شهد أيّامه‏ (1).

و فيه عن بشر بن أبي أراكة النبّال قال: لما قدمت المدينة انتهيت إلى منزل أبي جعفر الباقر (عليه السّلام) فإذا أنا ببغلة مسرجة بالباب فجلست حيال الدار فسلّمت عليه فنزل عن البغلة و أقبل نحوي فقال لي: ممّن الرجل؟ فقلت: من أهل العراق فقال: من أيّها؟ قلت: من أهل الكوفة فقال: من صحبك في هذا الطريق؟ قلت: قوم من المحدثة فقال: و ما المحدّثة؟ قلت:

المرجئة، فقال: ويح هذه المرجئة إلى من يلجئون غدا إذا قام قائمنا؟ قلت: إنّهم يقولون: لو كان ذلك كنّا نحن و أنتم في العدل سواء فقال: من تاب تاب اللّه عليه و من أسرّ نفاقا فلا يبعد اللّه غيره و من أظهر شيئا أحرق دمه ثمّ قال: يذبحهم و الذي نفسي بيده كما يذبح القصّاب شاته و أومى بيده إلى حلقه قلت: إنّهم يقولون: إنّ المهدي لو قام لاستقامت له الامور عفوا و لا يهرق محجمة دم فقال: كلّا و الذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفوا لاستقامت لرسول اللّه حين أدميت رباعيته و شجّ في وجهه، كلّا و الذي نفسي بيده حتّى نمسح نحن و أنتم العرق و العلق ثمّ مسح جبهته‏ (2).

و فيه عن أمير المؤمنين (عليه السّلام): لا يقوم القائم حتّى تفقأ عين الدنيا و تظهر الحمرة في السماء و تلك دموع حملة العرش على أهل الأرض حتّى يظهر فيهم أقوام لا خلاق لهم، يدعون لولدي و هم برآء من ولدي، تلك عصابة ردية، على الأشرار مسلّطة و للجبابرة مفتنة و للملوك مبيرة، تظهر في سواد الكوفة يقدمهم رجل أسود اللون و القلب رثّ الدين لا خلاق له، مهجن زنيم تداولته أيدي العواهر من الامّهات من شر نسل لا سقاها اللّه المطر من سنة إظهار

____________

(1)- غيبة النعماني: 274 ح 55 باب 14.

(2)- غيبة النعماني: 283 ح 1 باب 15.

108

غيبة المتغيّب من ولدي صاحب الراية الحمراء و العلم الأخضر، أيّ يوم للمخيبين بين الأنبار و هيت ذلك يوم فيه صيلم الأكراد و خراب دار الفراعنة و مسكن الجبابرة و مأوى الولاة الظلمة و أمّ البلاء و اخت العار، تلك و ربّ علي يا عمر بن سعد بغداد ألا لعنة اللّه على العصابة من بني أمية و بني فلانة الخونة الذين يقتلون الطيّبين من ولدي لا يرقبون فيهم ذمّتي و لا يخافون اللّه فيما يفعلونه بحرمتي، إن لبني العبّاس يوما كيوم الطموح‏ (1) و لهم فيه صرخة كصرخة الحبلى، الويل لشيعة ولد العبّاس من الحرب التي منح‏ (2) بين نهاوند و الدينور، تلك صعاليك الشيعة يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، منعوت موصوف باعتدال الخلق و نضارة اللون، له في صوته ضحك و في أشفاره و طف و في عنقه سطح، فرق الشعر، مفلّج الثنايا، على فرسه كبدر التمام تجلى عنه الغمام، يسير بعصابة خير عصابة آوت و تقرّبت و دانت اللّه بدين تلك الأبطال من العرب الذين يلفحون حرب الكريهة و الدبرة (3) يومئذ على الأعداء إنّ للعدو يوم ذلك الصيلم و الاستئصال. انتهى‏ (4).

و في الدمعة عن الإكمال عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السّلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس و هو رجل ربعة وحش الوجه ضخم الهامة بوجهه أثر جدري إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عثمان و أبوه عنبسة و هو من ولد أبي سفيان حتّى يأتي أرضا ذات قرار و معين فيستوي على منبرها (5).

و عن عقد الدرر عن أبي مريم عن أشياخه قال: يرى السفياني في منامه فيقال له: قم فاخرج فيقوم فلا يجد أحدا ثمّ يرى الثانية فيقال مثل ذلك ثم يقال في الثالثة: قم فاخرج فانظر على باب دارك فينحدر في الثالثة إلى باب داره فإذا هو بسبعة نفر أو تسعة و معهم لواء فيقولون: نحن أصحابك فيخرج فيهم و بينهم ناس من قربات‏ (6) الوادي اليابس فيخرج إليهم صاحب دمشق ليلقاه [و يقاتله‏] فإذا نظر [إلى‏] رايته انهزم‏ (7).

و فيه عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة،

____________

(1)- أي شديد.

(2)- في المصدر: سنح، و في بعض النسخ: يفتح، و في بعضها: تنتح.

(3)- أي الهزيمة.

(4)- غيبة النعماني: 147 ح 5 باب 10.

(5)- كمال الدين: 651 ح 9 باب 57.

(6)- في المصدر: و يتبعهم ناس من قريات.

(7)- عقد الدرر: 56 في الخسف.

109

بوجهه أثر الجدري، بعينه ركنة بياض، يخرج من ناحية مدينة دمشق في واد يقال له الوادي اليابس، يخرج مع سبعة نفر مع أحدهم لواء معقود يعرفون في النصير يسيرون على ثلاثين ميلا لا يرى ذلك العلم أحد إلّا انهزم‏ (1). و عن خالد بن معدان: يخرج السفياني و بيده ثلاث قصبات لا يقرع بهذا إلّا مات‏ (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لو رأيت السفياني رأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق يقول:

ثاري ثمّ النار ثاري ثمّ النار، و لقد بلغ من خبثه أنّه يدفن أمّ ولد له و هي حيّة مخافة أن تدلّ عليه‏ (3).

و فيه عن عبد الملك بن أعين كنت عند أبي جعفر (عليه السّلام) فجرى ذكر القائم (عج) فقلت له:

أرجو أن يكون عاجلا و لا يكون السفياني فقال: لا و اللّه إنّه لمن المحتوم الذي لا بدّ منه‏ (4).

و فيه عن الإكمال عن عبد اللّه بن أبي منصور سألت أبا عبد اللّه عن اسم السفياني قال:

و ما تصنع باسمه؟ إذا ملك كنوز الشام الخمس دمشق و حمص و الأردن و قنسرين فتوقّعوا عند ذلك الفرج، قلت: يملك تسعة أشهر قال: لا و لكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوما (5).

و عن معاني الأخبار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّا و آل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في اللّه، قلنا: صدق اللّه و قالوا: كذب اللّه، قاتل أبو سفيان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قاتل معاوية علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و قاتل يزيد بن معاوية الحسين بن علي (عليهما السّلام) و السفياني يقاتل القائم. و عن أبي جعفر (عليه السّلام): السفياني و القائم (عليه السّلام) في سنة واحدة (6).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): اليماني و السفياني كفرسي رهان‏ (7).

و فيه عن أبي عبد اللّه السدير: يا سدير الزم بيتك و كن حلسا (8) من أحلاسه و اسكن ما

____________

(1)- عقد الدرر: 56.

(2)- المصدر السابق.

(3)- لم أجده في عقد الدرر، و رواه في كمال الدين: 2/ 65 ح 10 باب 57.

(4)- لم أجده في عقد الدرر و هو موجود في غيبة النعماني: 282.

(5)- لم أجده في عقد الدرر و هو في الكافي: 2/ 366 و البحار: 52/ 206.

(6)- معاني الأخبار: 346 باب معنى قول الصادق (عليه السّلام): إنّا و آل أبي سفيان ....

(7)- غيبة النعماني: 253 باب ما جاء في العلامات ح 13 باب 14.

(8)- الحلس بالكسر: كساء يوضع في ظهر البعير تحت البرذعة في المجمع.

110

سكن الليل و النهار فإذا بلغك أنّ السفياني قد خرج فارحل إلينا و لو على رجلك‏ (1).

و فيه عن عقد الدرر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق و عامة من يتبعه من كلب فيقتل حتّى يبقر بطون النساء و يقتل الصبيان فيجمع لهم قيس فيقتلها حتّى لا يمنع ذئب يبلغه، و يخرج رجل من أهل بيتي في الحرم فيبلغ إليه السفياني فيبعث إليه جندا من جنده فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا جاء ببيداء من الأرض خسف بهم فلا ينجو منهم إلّا المخبر (2).

و فيه عن نزال بن سبرة قال: خطبنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال (عليه السّلام): سلوني أيّها الناس قبل أن تفقدوني ثلاثا فقام إليه صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين: متى يخرج الدجّال؟ فقال (عليه السّلام): اقعد فقد سمع اللّه كلامك و علم ما أردت، و اللّه ما المسئول عنه بأعلم من السائل و لكن لذلك علامات و هيئات يتبع بعضها بعضا حذو النعل بالنعل و إن شئت أنبأتك بها، قال: نعم يا أمير المؤمنين فقال (عليه السّلام): احفظ فإنّ علامة ذلك إذا أمات الناس الصلاة و أضاعوا الأمانة و استحلّوا الكذب و أكلوا الربا و أخذوا الرشا و شيّدوا البنيان و باعوا الدين بالدنيا و استعملوا السفهاء و شاوروا النساء و قطعوا الأرحام و اتّبعوا الأهواء و استخفوا بالدماء، و كان الحلم ضعفا و الظلم فخرا و كانت الامراء فجرة و الوزراء ظلمة و العرفاء خونة و القرّاء فسقة و ظهرت شهادات الزور و استعلن الفجور و قول البهتان و الإثم و الطغيان و حليت المصاحف و زخرفت المساجد و طوّلت المنائر و أكرم الأشرار و ازدحمت الصفوف و اختلفت الأهواء و نقضت العهود و اقترب الموعود و شارك النساء أزواجهنّ في التجارة حرصا على الدنيا و علت أصوات الفسّاق و استمع منهم جما و كان زعيم القوم أرذلهم و اتّقي الفاجر مخافة شرّه و صدّق الكاذب و ائتمن الخائن و اتخذت القيان و المعازف و لعن آخر الامّة أوّلهم و ركبت ذوات الفروج السروج و تشبّهت النساء بالرجال و الرجال بالنساء و شهد الشاهد من غير أن يستشهد و شهد الآخر قضاء بغير حق عرفه و تفقّه لغير الدين و آثروا عمل الدنيا على عمل الآخرة و لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب و قلوبهم أنتن من الجيف و أمرّ من الصبر، فعند ذلك الوحا الوحا العجل العجل، خير المساكن يومئذ بيت المقدس ليأتينّ على الناس زمان يتمنّى أحدهم أنّه من سكّانه، فقام إليه‏

____________

(1)- الكافي: 8/ 265 ح 383.

(2)- عقد الدرر: 73 باب 3 الفصل 2.

111

الأصبغ بن نباتة فقال: يا أمير المؤمنين من الدجّال؟ فقال (عليه السّلام): ألا إنّ الدجّال صائد بن صيد، فالشقيّ من صدّقه و السعيد من كذّبه، يخرج من بلدة يقال لها أصبهان من قرية تعرف باليهودية، عينه اليمنى ممسوحة و الاخرى في جبهته تضي‏ء كأنّها كوكب الصبح، فيها علقة كأنّها ممزوجة بالدم، بين عينيه مكتوب: كافر يقرأه كاتب و أمّي، يخوض البحار و تسير معه الشمس بين جبل من دخان، و خلفه جبل أبيض يرى الناس أنّه طعام يخرج حين يخرج في قحط شديد، تحته حمار أقمر، خطوة حماره ميل، تطوى له الأرض منهلا منهلا، لا يمرّ بماء إلّا غار إلى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته، يسمع ما بين الخافقين من الجن و الإنس و الشياطين يقول إليّ أوليائي، أنا الذي خلق فسوّى و قدّر فهدى أنا ربّكم الأعلى و كذب عدوّ اللّه، إنّه أعور و يطعم الطعام و يمشي في الأسواق و إنّ ربكم ليس بأعور و لا يطعم و لا يمشي و لا يزول تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا. ألا و إنّ أكثر أشياعه يومئذ أولاد الزنا و أصحاب الطيالسة الخضر، يقتله اللّه عزّ و جلّ بالشام على عقبة تعرف بعقبة أفيق لثلاث ساعات من يوم الجمعة على يدي من يصلّي المسيح عيسى ابن مريم خلفه، ألا إنّ بعد ذلك الطامّة الكبرى، قلنا: و ما ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال: خروج دابة من الأرض من عند الصفا معها خاتم سليمان و عصا موسى، تضع الخاتم على وجه كلّ مؤمن فيطبع فيه: هذا مؤمن حقّا و تضعه على وجه كلّ كافر فيكتب فيه:

هذا كافر حقّا، حتّى إنّ المؤمن لينادي الويل لك يا كافر و إنّ الكافر ينادي طوبى لك يا مؤمن، وددت أنّي اليوم مثلك فأفوز فوزا عظيما. ثمّ ترفع الدابّة رأسها فيراها من بين الخافقين بإذن اللّه عزّ و جلّ بعد طلوع الشمس من مغربها فعند ذلك ترفع التوبة فلا توبة تقبل و لا عمل يرفع و لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. ثمّ قال (عليه السّلام): لا تسألوني عما يكون بعد ذلك فإنّه عهد إليّ حبيبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن لا أخبر به غير عترتي، فقال النزال بن سبرة لصعصعة: ما عنى أمير المؤمنين (عليه السّلام) بهذا القول؟ فقال صعصعة: يا ابن سبرة إنّ الذي يصلّي خلفه عيسى ابن مريم هو الثاني عشر من العترة التاسع من ولد الحسين بن علي (عليهما السّلام) و هو الشمس الطالعة من مغربها يظهر عند الركن و المقام فيطهّر الأرض و يضع ميزان العدل فلا يظلم أحد أحدا، فأخبر أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّ حبيبه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عهد إليه أن لا يخبر بما يكون بعد ذلك غير عترته الأئمّة. و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يتبع الدجّال من أمّتي‏

112

سبعون ألفا عليهم السيجان‏ (1).

و فيه عن أسماء بنت يزيد قالت: كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في بيتي فذكر الدجّال فقال: إنّ بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء فيها ثلث قطرها و الأرض ثلث نباتها و الثانية تمسك السماء ثلثي قطرها و الأرض ثلثي نباتها و الثالثة تمسك السماء قطرها كلّه و الأرض نباتها كلّه فلا تبقى ذات ظلف و لا ذات خرس من البهائم إلّا هلك، و إنّ من أشدّ فتنته أنّه يأتي الاعرابي يقول: أ رأيت إن أحييت لك إبلك، أ لست تعلم أنّي ربّك؟ فيقول: بلى، فيمثل له نحو إبله كأحسن ما يكون ضروعا و أعظمه أسنمة قال: و يأتي الرجل قد مات أخوه و مات أبوه فيقول: أ رأيت إن أحييت لك أباك و أخاك أ لست تعلم أنّي ربّك؟ فيقول: بلى فيمثل له الشياطين نحو أبيه و نحو أخيه قالت: ثمّ خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لحاجته ثمّ رجع و القوم في اهتمام و غمّ ممّا حدّثهم قالت: فأخذ بلحمتي الباب فقال: ميهم يا أسماء قلت: يا رسول اللّه لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجّال قال: إن يخرج و أنا حي فأنا حجيجه و إلّا فإنّ ربي خليفتي على كلّ مؤمن، فقلت: يا رسول اللّه و اللّه إنّا لنعجن عجيننا فما نخبزه حتّى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟

قال: يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح و التقديس‏ (2).

و فيه عن أبي بكرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا يدخل المدينة لرعب المسيح الدجّال و لها يومئذ ثلاثة أبواب، لكلّ باب ملكان‏ (3).

و فيه عن عائشة: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يستعيذ في صلاته من فتنة الدجّال‏ (4).

و فيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون و لا الدجّال‏ (5).

و فيه عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: المدينة يأتيها الدجّال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجّال و لا الطاعون‏ (6).

و في البحار عن عمر بن يزيد قال: قال لي الصادق (عليه السّلام): إنّك لو رأيت السفياني لرأيت‏

____________

(1)- كمال الدين: 527 باب حديث الدجّال.

(2)- معاني الأخبار: 136 باب قصة غزو بدر، مسند أحمد: 6/ 456 ط. الميمنية.

(3)- معاني الأخبار: 217.

(4)- فقه السنّة: 1/ 573 ح 1 بتفاوت.

(5)- المحلّى: 7/ 281 ح 919 بتفاوت.

(6)- مسند أحمد: 2/ 123 و سنن الترمذي: 4/ 514 ح 2242.

113

أخبث الناس أشقر أحمر أزرق يقول يا ربّ يا ربّ يا ربّ ثمّ للنار أي: ثم مع إقراره ظاهرا بالربّ يفعل ما يستوجب للنار و يصير إليها، و لقد بلغ من خبثه أنّه يدفن أمّ ولد له و هي حيّة مخافة أن تدلّ عليه‏ (1).

و فيه عن غيبة الطوسي عن بنت الحسن بن علي (عليهما السّلام) تقول: لا يكون هذا الأمر الذي تنتظرون حتّى يبرأ بعضكم من بعض و يلعن بعضكم بعضا و يتفل بعضكم في وجه بعض و حتّى يشهد بعضكم بالكفر على بعض قلت: ما في ذلك خير؟ قالت: الخير كلّه في ذلك، عند ذلك يقوم قائمنا فيرفع ذلك كلّه‏ (2).

و فيه عن محمد بن بشر قال: قلت لمحمد بن الحنفية: قد طال هذا الأمر، حتّى متى؟

قال: فحرّك رأسه ثمّ قال: أنّى يكون ذلك و لم يمض الزمان؟ أنّى يكون ذلك و لم يجف الإخوان؟ أنّى يكون ذلك و لم يظلم السلطان؟ أنّى يكون ذلك و لم يقم الزنديق من قزوين فيهتك ستورها و يكفر صدورها و يغيّر سورها و يذهب ببهجتها، من فرّ منه أدركه و من حاربه قتله و من اعتزله افتقر و من تابعه كفر، حتى يقوم باكيان: باك يبكي على دينه و باك يبكي على دنياه‏ (3).

و فيه عن غيبة الطوسي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يخرج بقزوين رجل اسمه اسم نبي يسرع الناس إلى طاعته المشرك و المؤمن، يملأ الجبال خوفا (4).

في البحار عن الصادق (عليه السّلام): قبل قيام القائم (عج) خمس علامات محتومات: اليماني و السفياني و الصيحة و قتل النفس الزكية و الخسف بالبيداء (5).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): آيتان بين يدي هذا الأمر: خسوف القمر و كسوف الشمس لخمس عشرة و لم يكن ذلك منذ هبط آدم (عليه السّلام) إلى الأرض، و عند ذلك سقط حساب المنجّمين‏ (6).

و فيه عن الصادق (عليه السّلام) قال: لا يكون هذا الأمر حتّى يذهب ثلثا الناس، فقيل: فإذا ذهب‏

____________

(1)- كمال الدين: 651 ح 10 باب 57، و بحار الأنوار: 52/ 205 ح 37 باب 25.

(2)- غيبة الطوسي: 438 ح 429.

(3)- بحار الأنوار: 52/ 210 باب 25 ح 61.

(4)- غيبة الطوسي: 444 ح 438، و البحار: 52/ 213 ح 66.

(5)- كمال الدين: 650/ ح 7 باب 57، و البحار: 52/ 204 ح 34.

(6)- درر الأخبار: 394، و البحار: 52/ 207 ح 41.

114

ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال (عليه السّلام): أ ما ترضون أن تكونوا الثلث الباقي‏ (1).

و فيه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: حججت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حجّة الوداع، فلمّا قضى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما افترض عليه من الحج أتى مودع الكعبة فلزم حلقة الباب و نادى برفيع صوته: أيّها الناس، فاجتمع أهل المسجد و أهل السوق فقال: اسمعوا إنّي قائل ما هو بعدي كائن فليبلغ شاهدكم غائبكم، ثمّ بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى بكى لبكائه الناس أجمعين، فلمّا سكت من بكائه قال: اعلموا- رحمكم اللّه- أنّ مثلكم في هذا اليوم كمثل ورق لا شوك فيه إلى أربعين و مائة سنة ثمّ يأتي من بعد ذلك شوك و ورق إلى مائتي سنة ثمّ يأتي من بعد ذلك شوك لا ورق فيه حتّى لا يرى فيه إلّا سلطان جائر أو غني بخيل أو عالم راغب في المال أو فقير كذّاب أو شيخ فاجر أو صبي و قح أو امرأة رعناء، ثم بكى رسول اللّه، فقام إليه سلمان الفارسي (رحمه اللّه) و قال: يا رسول اللّه أخبرنا متى يكون ذلك؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا سلمان إذا قلّت علماؤكم و ذهبت قراؤكم و قطعتم زكاتكم و أظهرتم منكراتكم و علت أصواتكم في مساجدكم و جعلتم الدنيا فوق رءوسكم و العلم تحت أقدامكم و الكذب حديثكم و الغيبة فاكهتكم و الحرام غنيمتكم و لا يرحم كبيركم صغيركم و لا يوقّر صغيركم كبيركم، فعند ذلك تنزل اللعنة عليكم و يجعل بأسكم بينكم، و بقي الدين لفظا بألسنتكم، فإذا أوتيتم هذه الخصال توقّعوا الريح الحمراء أو مسخا أو قذفا بالحجارة، و تصديق ذلك في كتاب اللّه عزّ و جلّ‏ قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى‏ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ‏ (2) فقام إليه جماعة من الصحابة فقالوا: يا رسول اللّه أخبرنا متى يكون ذلك؟

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): عند تأخير الصلاة و اتباع الشهوات و شرب القهوات و شتم الآباء و الامّهات حتّى تروا الحرام مغنما و الزكاة مغرما، و أطاع الرجل زوجته و جفا جاره و قطع رحمه و ذهبت رحمة الأكابر و قلّ حياء الأصاغر و شيّدوا البنيان و ظلموا العبيد و الإماء و شهدوا بالهوى و حكموا بالجور، و يسبّ الرجل أباه و يحسد الرجل أخاه و يعامل الشركاء بالخيانة، و قلّ الوفاء و شاع الزنا و تزيّن الرجال بثياب النساء و سلب عنهنّ قناع الحياء و دبّ الكبر في‏

____________

(1)- غيبة الطوسي: 339 ح 286، البحار: 52/ 207 ح 44.

(2)- سورة الانعام: 65.

115

القلوب كدبيب السمّ في الأبدان و قل المعروف و ظهرت الجرائم و هونت الفطائم و طلبوا المدح بالمال و أنفق المال للغناء و شغلوا بالدنيا عن الآخرة و قلّ الورع و كثر الطمع و الهرج و المرج و أصبح المؤمن ذليلا و المنافق عزيزا، مساجدهم معمورة بالأذان و قلوبهم خالية من الإيمان و استخفوا بالقرآن، بلغ المؤمن عنهم كلّ هوان فعند ذلك ترى وجوههم وجوه الآدميين و قلوبهم قلوب الشياطين، كلامهم أحلى من العسل و قلوبهم أمرّ من الحنظل فهم ذئاب و عليهم ثياب، ما من يوم إلّا يقول اللّه تعالى: أ فبي تغترون أم عليّ تجترون أ فحسبتم أنّما خلقناكم عبثا و أنّكم إلينا لا ترجعون، فو عزّتي و جلالي لو لا من يعبدني مخلصا ما أمهلت من يعصيني طرفة عين و لو لا ورع الورعين من عبادي لما أنزلت من السماء قطرة و لا أنبتّ ورقة خضراء، فوا عجباه لقوم آلهتهم أموالهم و طالت آمالهم و قصرت آجالهم و هم يطمعون في مجاورة مولاهم و لا يصلون إلى ذلك إلّا بالعمل و لا يتمّ العمل إلّا بالعقل‏ (1).

و في الدمعة عن تفسير علي بن إبراهيم عن عبد اللّه بن عبّاس قال: حججنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حجّة الوداع فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال: ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ و كان أدنى الناس يومئذ منه سلمان قال: بلى يا رسول اللّه فقال: إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات و الميل مع الأهواء و تعظيم المال و بيع الدين بالدنيا، فعندها يذوب قلب المؤمن في جوفه كما يذوب الملح في الماء ممّا يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره، قال سلمان رضى اللّه عنه: إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده، يا سلمان إنّ عندها يليهم أمراء جورة و وزراء فسقة و عرفاء ظلمة و أمناء خونة، فقال سلمان: إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان إنّ عندها يكون المنكر معروفا و المعروف منكرا و يؤتمن الخائن و يخوّن الأمين و يصدّق الكاذب و يكذّب الصادق قال سلمان: و إن هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال: إي و الذي نفسي بيده يا سلمان فعندها إمارة النساء و مشاورة الإماء و قعود الصبيان على المنابر و يكون الكذب طرفا و الزكاة مغرما و الفي‏ء مغنما و يجفو الرجل والديه و يبرّ صديقه و يطلع الكوكب المذنب، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

____________

(1)- البحار: 52/ 264 ح 148.

116

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده، يا سلمان عندها تشارك المرأة مع زوجها في التجارة و يكون المطر قيظا و يغيظ الكرام غيظا و يحتقر الرجل المعسر فعندها تقارب الأسواق إذ قال هذا: لم أبع شيئا و قال هذا: لم أربح شيئا فلا ترى إلّا ذامّا للّه، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده، يا سلمان فعندها يليهم أقوام إن تكلّموا قتلوهم و إن سكتوا استباحوهم ليستأثرنّ أنفسهم بفيئهم و ليطؤنّ حرمتهم و ليسفكنّ دماؤهم و ليملأنّ قلوبهم رعبا فلا تراهم إلّا وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، إنّ عندها يؤتى بشي‏ء من المشرق و يؤتى بشي‏ء من المغرب يلون أمّتي فالويل لضعفاء أمّتي و الويل لهم من اللّه، لا يرحمون صغيرا و لا يوقّرون كبيرا و لا يتجاوزون عن مسي‏ء، جثتهم جثة الآدميين، و قلوبهم قلوب الشياطين، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، و عندها تكتفي الرجال بالرجال و النساء بالنساء و يغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها و يشبّه الرجال بالنساء و النساء بالرجال و يركبن ذوات الفروج السروج من أمّتي فعليهنّ من أمتي لعنة اللّه، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان إنّ عندها تزخرف البيع و الكنائس و تحلّى المصاحف و تطول المنارات و تكثر الصفوف بقلوب متباغضة و ألسن مختلفة، قال سلمان:

و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده و عندها يتحلّى ذكور أمّتي بالذهب و يلبسون الحرير و الديباج و يتّخذون جلود النمور صفافا، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال: إي و الذي نفسي بيده، و عندها يظهر الربا و يعاملون بالغيبة و الرشا، و يوضع الدين و ترفع الدنيا. قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، و عندها يكثر الطلاق فلا يقام للّه حدّ و لن يضرّ اللّه شي‏ء، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

117

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، عندها تظهر القينات و المعازف و يليهم أشرار أمّتي، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، و عندها تحجّ أغنياء أمّتي للنزهة و تحجّ أوساطها للتجارة و تحجّ فقراؤهم للرياء و السمعة، و عندها يكون أقوام يتفقهون لغير اللّه و تكثر أولاد الزنا و يتغنّون بالقرآن و يتهافتون بالدنيا، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده، ذاك إذا انتهكت المحارم و اكتسبت المآثم و سلّط الأشرار على الأخيار و يفشو الكذب و تظهر الحاجة و تفشو الفاقة و يتباهون في اللباس و يمطرون في غير أوان المطر و يستحسنون الكوبة (1) و المعازف و ينكرون الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حتّى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلّ من الأمة، و تظهر قرّاؤهم و عبّادهم فيما بينهم التلاوم فأولئك يدعون في ملكوت السماوات الأرجاس الأنجاس، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، فعندها لا يخشى الغني إلّا الفقر حتّى إنّ السائل ليسأل فيما بين الجمعتين لا يصيب أحدا يضع في يده شيئا، قال سلمان: و إنّ هذا لكائن يا رسول اللّه؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إي و الذي نفسي بيده يا سلمان، عندها يتكلّم الرويبضة قال: و ما الرويبضة يا رسول اللّه فداك أبي و أمّي؟

قال: يتكلّم في أمر العامة من لم يتكلّم فلم يلبثوا إلّا قليلا حتّى تخور الأرض خورا فلا يظنّ كلّ قوم إلّا أنّها خارت في ناحيتهم فيمكثون ما شاء اللّه ثمّ يمكثون في مكثهم فتلقي لهم الأرض أفلاذ كبدها، قال: ذهب و فضّة ثمّ أومأ بيده إلى الأساطين فقال: مثل هذا فيومئذ لا ينفع ذهب و لا فضّة، فهذا معنى قوله‏ فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (2). (3)

و في روضة الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): سرت مع أبي جعفر المنصور و هو في موكبه و هو على فرس و بين يديه خيل و من خلفه خيل و أنا على حمار إلى جانبه فقال لي: يا أبا عبد اللّه قد كان ينبغي لك أن تفرح بما أعطانا اللّه من القوّة و فتح لنا من العزّ، و لا تخبر الناس‏

____________

(1)- الكوبة: النرد و الشطرنج و الطبل الصغير.

(2)- سورة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): 18.

(3)- تفسير القمّي: 2/ 307.

118

أنّك أحقّ بهذا الأمر منّا و أهل بيتك، فنصرتنا بك و بهم قال: فقلت: و من رفع هذا إليك عنّي فقد كذب فقال: أ تحلف على ما تقول؟

قال: فقلت: إنّ الناس شجرة بغي يحبّون أن يفسدوا قلبك عليّ فلا تمكّنهم من سمعك فإنّا إليك أحوج منك إلينا، فقال: تذكر يوم مسألتك: هل لنا ملك؟ قلت: نعم طويل عريض شديد فلا تزالون في مهلة من أمركم و فسحة من دنياكم حتّى تصيبوا منّا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام فعرفت أنّه قد حفظ الحديث فقلت: لعلّ اللّه عزّ و جلّ أن يكفيك فإنّي لم أخصّك بهذا و إنّما هو حديث رويته، ثمّ لعلّ غيرك من أهل بيتك أن يتولّى ذلك فسكت عنّي، فلمّا رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا فقال: جعلت فداك، و اللّه رأيتك في موكب أبي جعفر و أنت على حمار و هو على فرس و قد أشرف عليك يكلّمك كأنّك تحته فقلت بيني و بين نفسي: هذا حجّة اللّه على الخلق و صاحب هذا الأمر الذي يقتدى به، و هذا الآخر الذي يعمل بالجور و يقتل أولاد الأنبياء و يسفك الدماء في الأرض بما لا يحبّ اللّه و هو في موكبه على حمار، فدخلني من ذلك شكّ حتّى خفت على ديني و نفسي قال: لو رأيت من كان حولي و بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي من الملائكة لاحتقرته و احتقرت ما هو فيه فقال: الآن سكن قلبي ثمّ قال: إلى متى هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم؟ فقلت:

أ ليس تعلم أنّ لكلّ شي‏ء مدّة؟ قال: بلى، فقلت: هل ينفعك علمك أنّ هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين، إنّك لو تعلم حالهم عند اللّه عزّ و جلّ و كيف هي كنت لهم أشدّ بغضا، و لو جهدت أو جهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشدّ ممّا هم فيه من الإثم لم يقدروا، فلا يستفزنّك الشيطان فإنّ العزّة للّه و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين لا يعلمون.

ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا و صبر على ما يرى من الأذى و الخوف هو غدا في زمرتنا؟ فإذا رأيت الحقّ قد مات و ذهب أهله و رأيت الجور قد شمل البلاد و رأيت القرآن قد خلق و أحدث فيه ما ليس فيه و وجه على الأهواء و رأيت الدين قد انكفأ كما ينكفئ الماء و رأيت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحقّ و رأيت الشرّ ظاهرا لا ينهى عنه و يعذر أصحابه و رأيت الفسق قد ظهر، و اكتفى الرجال بالرجال و النساء بالنساء و رأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله و رأيت الفاسق يكذب و لا يرد عليه كذبه و فريته و رأيت الصغير يستحقر الكبير و رأيت الأرحام قد تقطّعت و رأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه و لا يرد عليه قوله و رأيت‏

119

الغلام يعطى ما تعطى المرأة و رأيت النساء يتزوجن بالنساء و رأيت الثناء قد كثر و رأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة اللّه فلا ينهى عنه و لا يؤخذ على يديه و رأيت الناظر يتعوّذ باللّه مما يرى المؤمن فيه من الاجتهاد و رأيت الجار يؤذي جاره و ليس له مانع و رأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن مرحا لما يرى في الأرض من الفساد و رأيت الخمور تشرب علانية و يجتمع عليها من لا يخاف اللّه عزّ و جلّ و رأيت الأمر بالمعروف ذليلا و رأيت الفاسق فيما لا يحبّ اللّه قويا محمودا و رأيت صاحبي الآثار يحتقرون و يحتقر من يحبهم و رأيت سبيل الخير منقطعا و سبيل الشرّ مسلوكا و رأيت بيت اللّه قد عطل و يؤمر بتركه و رأيت الرجل يقول ما لا يفعله و رأيت الرجال يتسمنون للرجال و النساء للنساء و رأيت الرجل معيشته من دبره و معيشة المرأة من فرجها و رأيت النساء يتخذن المجالس كما يتّخذها الرجال و رأيت التأنيث في ولد العبّاس قد أظهروا الخضاب و امتشطوا كما تمشط المرأة لزوجها و أعطوا الرجال الأموال على فروجهم و تنوفس في الرجل و تغير عليه الرجال و كان صاحب المال أعزّ من المؤمن و كان الربا ظاهرا لا يعير و كان الزنا تمتدح به النساء و رأيت المرأة تصانع زوجها على نكاح الرجال و رأيت أكثر الناس و خير بيت من يساعد النساء على فسقهنّ و رأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا و رأيت الرجال يعتدّون بشهادة الزور و رأيت الحرام يحلل و رأيت الحلال يحرم و رأيت الدين بالرأي، و عطل الكتاب و أحكامه و رأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على اللّه و رأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلّا بقلبه و رأيت العظيم من المال ينفق في سخط اللّه عزّ و جلّ و رأيت الولاة يقرّبون أهل الكفر و يباعدون أهل الخير و رأيت الولاة يرتشون في الحكم و رأيت الولاية قبالة لمن زاد و رأيت ذوات الأرحام ينكحن و يكتفى بهن و رأيت الرجل يقتل على التهمة و على الظنّة و يتغاير على الرجل الذكر فيبذل له نفسه و ماله و رأيت الرجل يعيّر على إتيان النساء و رأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور، يعلم ذلك و يقيم عليه و رأيت المرأة تقهر زوجها و تعمل ما لا يشتهي و تنفق على زوجها و رأيت الرجل يكري امرأته و جاريته و يرضى بالدنيّ من الطعام و الشراب و رأيت الأيمان باللّه عزّ و جلّ كثيرة على الزور و رأيت القمار قد ظهر و رأيت الشراب يباع ظاهرا ليس له مانع و رأيت النساء يبذلن أنفسهنّ لأهل الكفر و رأيت الملاهي يمرّ بها لا يمنعها أحد أحدا و لا يجتري أحد على منعها و رأيت الشريف يستذلّه الذي يخاف سلطانه و رأيت‏

120

أقرب الناس من الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت و رأيت من يحبّنا يزور و لا تقبل شهادته و رأيت الزور من القول يتنافس فيه و رأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه و خفّ على الناس استماع الباطل و رأيت الجار يكره الجار خوفا من لسانه و رأيت الحدود قد عطّلت و عمل فيها بالأهواء و رأيت المساجد قد زخرفت و رأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب و رأيت الشرّ قد ظهر و السعي بالنميمة و رأيت البغي قد فشا و رأيت الغيبة تستملح و يبشر بها الناس بعضهم بعضا و رأيت طلب الحجّ و الجهاد لغير اللّه و رأيت السلطان يذلّ للكافر و رأيت الخراب قد أديل من العمران و رأيت الرجل معيشته من بخس المكيال و الميزان و رأيت سفك الدماء يستخف بها و رأيت الرجل يطلب الرئاسة بغرض الدنيا و يشهر نفسه بخبث اللسان ليتّقى و يسند إليه الامور و رأيت الصلاة قد استخفّ بها و رأيت الرجل عنده المال الكثير و لم يزكّه منذ ملكه و رأيت الميّت ينبش من قبره و يؤذى و تباع أكفانه و رأيت الهرج قد كثر و رأيت الرجل يمسي نشوان و يصبح سكران لا يهتم بما الناس فيه و رأيت البهائم تنكح و رأيت البهائم تفترس بعضها بعضا و رأيت الرجل يخرج إلى مصلّاه و يرجع و ليس عليه شي‏ء من ثيابه و رأيت قلوب الناس قد قست و جمدت أعينهم و ثقل الذكر عليهم و رأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه و رأيت المصلّي إنّما يصلّي ليراه الناس و رأيت الفقيه يتفقّه لغير الدين يطلب الدنيا و الرئاسة و رأيت الناس مع من غلب و رأيت طالب الحلال يذمّ و يعيّر و طالب الحرام يمدح و يعظم و رأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحبّ اللّه، لا يمنعهم مانع و لا يحول بينهم و بين العمل القبيح أحد و رأيت المعازف ظاهرة في الحرمين و رأيت الرجل يتكلّم بشي‏ء من الحقّ و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر فيقوم من ينصحه في نفسه فيقول: هذا عنك موضوع و رأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض و يقتدون بأهل الشرّ و رأيت مسلك الخير و طريقه خاليا لا يسلكه أحد و رأيت الميّت يمرّ به فلا يفزع له أحد و رأيت كلّ عام يحدث فيه من الشرّ و البدعة أكثر ممّا كان و رأيت الخلق و المجالس لا يتابعون إلّا الأغنياء و رأيت المحتاج يعطى على الضحك به و يرحم لغير وجه اللّه و رأيت الآيات في السماء لا يفزع لها أحد و رأيت الناس يتسافدون كما تسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوّفا من الناس و رأيت الرجل ينفق الكثير في غير طاعة اللّه و يمنع اليسير في طاعة اللّه و رأيت العقوق قد ظهر و استخف بالوالدين و كانا من أسوأ الناس حالا عند

121

الولد و يفرح بأن يفترى عليهما و رأيت النساء قد غلبن على الملك و غلبن على كلّ امرئ لا يأتي إلّا ما لهنّ فيه هوى و رأيت ابن الرجل يفتري على أبيه و يدعو على والديه و يفرح بموتهما و رأيت الرجل إذا مرّ به يوم و لم يكسب فيه الذنب العظيم من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر كئيبا حزينا يحسب أنّ ذلك اليوم عليه مضيعة من عمره و رأيت السلطان يحتكر الطعام و رأيت أموال ذوي القربى تقسّم في الزور و يتقامر بها و تشرب بها الخمور و رأيت الخمر يتداوى بها و توصف للمريض و يستشفى بها و رأيت الناس قد استووا في ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و ترك التديّن به و رأيت رياح المنافقين و أهل النفاق قائمة و رياح أهل الحقّ لا تحرّك و رأيت الأذان بالأجر و الصلاة و رأيت المساجد محتشدة ممّن لا يخاف اللّه مجتمعون فيها للغيبة و أكل لحوم أهل الحقّ و يتواصفون فيها شراب المسكر و رأيت السكران يصلّي بالناس و هو لا يعقل و لا يشان بالسكر و إذا سكر أكرم و اتّقي و خيف و ترك لا يعاقب و لا يعذر بسكره و رأيت من أكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه و رأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر اللّه و رأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع و رأيت الميراث قد وضعته الولاة لأهل الفسوق و الجرأة على اللّه يأخذون منهم و يخلّونهم و ما يشتهون و رأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى و لا يعمل القائل بما يأمر و رأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها. و رأيت الصدقة بالشفاعة لا يراد بها وجه اللّه و تعطى لطلب الناس، و رأيت الناس همّتهم بطونهم و فروجهم و لا يبالون بما أكلوا و ما نكحوا و رأيت الدنيا مقبلة عليهم و رأيت أعلام الحق قد درست، فكن على حذر و اطلب من اللّه عزّ و جلّ النجاة و اعلم انّ الناس في سخط اللّه عزّ و جلّ و إنّما يمهلهم لأمر يراد بهم، فكن مترقّبا و اجتهد ليراك اللّه عزّ و جلّ في خلاف ما هم عليه فإن نزل بهم العذاب و كنت فيهم عجلت إلى رحمة اللّه و إن أخّرت ابتلوا و كنت قد خرجت ممّا هم فيه من الجرأة على اللّه عزّ و جلّ و اعلم أنّ اللّه لا يضيع أجر المحسنين و أنّ رحمة اللّه قريب من المحسنين‏ (1).

و في الإرشاد عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا تقوم الساعة حتّى يخرج المهدي (عليه السّلام) من ولدي و لا يخرج المهدي حتّى يخرج ستّون كذّابا كلّهم يقولون: أنا نبي‏ (2).

____________

(1)- بطوله في روضة الكافي: 8/ 42 ح 7.

(2)- الإرشاد: 2/ 371 باب ذكر علامات قيام القائم (عليه السّلام).

122

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إذا هدم حائط مسجد الكوفة ممّا يلي دار عبد اللّه بن مسعود فعند ذلك زوال ملك القوم و عند زواله خروج القائم (عليه السّلام)(1).

و فيه عن أبي حمزة قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): خروج السفياني من المحتوم؟

قال (عليه السّلام): نعم و النداء من المحتوم و طلوع الشمس من مغربها من المحتوم و اختلاف بني العبّاس في الدولة من المحتوم و قتل النفس الزكية محتوم و خروج القائم (عليه السّلام) من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) محتوم قلت: و كيف يكون النداء؟

قال (عليه السّلام): ينادي من السماء أوّل النهار ألا إنّ الحقّ مع علي و شيعته ثمّ ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا إنّ الحقّ مع عثمان و شيعته فعند ذلك يرتاب المبطلون‏ (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا يخرج القائم حتّى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلّهم يدعو إلى نفسه‏ (3).

و فيه عن علي (عليه السّلام): بين يدي القائم (عليه السّلام) موت أحمر و موت أبيض و جراد في حينه و جراد في غير حينه كألوان الدم، فأمّا الموت الأحمر فالسيف و أمّا الموت الأبيض فالطاعون‏ (4).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام) لجابر الجعفي: الزم الأرض و لا تحرّك يدا و لا رجلا حتّى ترى علامات أذكرها و ما أراك تدرك ذلك: اختلاف بني العبّاس و مناد ينادي من السماء و خسف قرية من قرى الشام تسمّى الخابية و نزول الترك الجزيرة و نزول الروم الرملة و اختلاف كثير عند ذلك في كلّ أرض حتّى يخرب الشام و يكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها راية الأصهب و راية الأبقع و راية السفياني‏ (5).

و فيه عن سعيد بن جبير: إنّ السنة التي يقوم فيها المهدي تمطر الأرض أربعا و عشرين مطرة ترى آثارها و بركاتها (6).

و فيه عنه (عليه السّلام): السفياني و الخراساني و اليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد و ليس فيها أهدى من راية اليماني لأنّه يدعو إلى الحقّ‏ (7).

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 375.

(2)- الإرشاد: 2/ 371.

(3)- الإرشاد 2: 372.

(4)- الإرشاد: 2/ 372.

(5)- الإرشاد: 2/ 372.

(6)- الإرشاد: 2/ 373.

(7)- الإرشاد: 2/ 375.

123

و فيه عن الرضا (عليه السّلام): لا يكون ما تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا و تمحّصوا فلا يبقى منكم إلّا القليل ثمّ قرأ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ‏ (1) ثمّ قال:

إنّ من علامات الفرج حدثا يكون بين المسجدين و يقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا من العرب‏ (2).

و فيه عن أبي الحسن (عليه السّلام): كأنّي برايات من مصر مقبلات خضر مصبغات حتّى تأتي الشامات فتهدى إلى ابن صاحب العصيات‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام) سئل عن الفرج، فقال: تريد الإكثار أم أجمل لك؟ قيل: بل تجمل لي، قال:

إذا ركزت رايات قيس بمصر و رايات كندة بخراسان‏ (4).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ لولد فلان عند مسجدكم يعني مسجد الكوفة لوقعة في يوم عروبة يقتل فيها أربعة آلاف من باب الفيل إلى أصحاب الصابون، فإيّاكم و هذا الطريق فاجتنبوه و أحسنهم حالا من أخذ في درب الأنصار (5).

و فيه عنه (عليه السّلام): إن قدام القائم (عليه السّلام) لسنة غيداقة يفسد فيها الثمار و التمر في النخل لا تشكّوا في ذلك‏ (6).

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ قدام القائم بلوى من اللّه قيل: و ما هو جعلت فداك؟ فقرأ: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ‏ (7) ثمّ قال:

الخوف من ملوك بني فلان و الجوع من غلاء الأسعار و نقص من الأموال من كساد التجارات و قلّة الفضل فيها و نقص الأنفس بالموت الذريع و نقص الثمرات بقلّة ريع الزرع و قلّة بركة الثمار ثمّ قال: و بشّر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم‏ (8).

و فيه عنه (عليه السّلام): يزجر الناس قبل قيام القائم (عليه السّلام) عن معاصيهم بنار تظهر في السماء و جمرة تجلّل السماء و خسف ببغداد و خسف ببلدة البصرة و دماء تسفك بها و خراب دورها و فناء يقع في أهلها و شمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه من قرار (9).

____________

(1)- سورة العنكبوت: 2.

(2)- الإرشاد: 2/ 375.

(3)- الإرشاد: 2/ 376 و فيه صاحب الوصيات.

(4)- الإرشاد: 2/ 369.

(5)- الإرشاد: 2/ 377.

(6)- الإرشاد: 2/ 377.

(7)- سورة البقرة: 155.

(8)- الإرشاد: 2/ 378.

(9)- الإرشاد: 2/ 378 و فيه: معه قرار.

124

في كشف الغمّة من علامات قيام القائم (عليه السّلام): خروج السفياني و قتل الحسن و اختلاف بني العبّاس في الملك و كسوف الشمس في النصف من رمضان و خسوف القمر في آخر الشهر على خلاف العادات و خسف بالبيداء و خسف بالمغرب و خسف بالمشرق و ركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر و طلوعها من المغرب و قتل نفس زكية تظهر في سبعين من الصالحين و ذبح رجل هاشمي بين الركن و المقام و هدم حائط مسجد الكوفة و إقبال رايات سود من قبل خراسان و خروج اليماني و خروج المغربي بمصر و تملكه الشامات و نزول الترك الجزيرة و نزول الروم الرملة و طلوع نجم بالمشرق يضي‏ء كما يضي‏ء القمر ثمّ ينعطف حتّى كاد يلتقي طرفاه، و حمرة تظهر في السماء و تلتبس في آفاقها و نار تظهر بالمشرق طولا و تبقى في الجو ثلاثة أيّام أو سبعة أيّام و خلع العرب أعنّتها و تملكها البلاد و خروجها عن سلطان العجم و قتل أهل مصر أميرهم و خراب بالشام و اختلاف ثلاث رايات فيه و دخول رايات قيس و العرب إلى مصر و رايات كندة إلى خراسان و ورود خيل من قبل المغرب حتى تربط بفناء الحيرة و إقبال رايات سود من المشرق نحوها و شق في الفرات حتّى يدخل الماء أزقّة الكوفة و خروج ستّين كذّابا كلّهم يدّعي النبوّة و خروج اثني عشر من آل أبي طالب كلّهم يدّعي الإمامة لنفسه و إحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العبّاس بين جلولاء و خانقين و عقد الجسر ممّا يلي الكرخ بمدينة بغداد و ارتفاع ريح سوداء بها في أوّل النهار و زلزلة حتّى ينخسف كثير منها و خوف يشمل أهل العراق و موت ذريع فيه و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و جراد يظهر في أوانه و غير أوانه حتّى يأتي على الزرع و الغلّات و قلّة ريع ما يزرعه الإنسان و اختلاف العجم و سفك دماء كثيرة فيما بينهم و خروج العبيد عن طاعة ساداتهم و قتلهم مواليهم و مسخ لقوم من أهل البدع حتّى يصيروا قردة و خنازير و غلبة العبيد على بلاد السادات و نداء من السماء يسمعه أهل الأرض، كلّ أهل لغة بلغتهم و وجه و صدر يظهران للناس في عين الشمس و أموات ينشرون من القبور حتّى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها و يتزاوجون، ثمّ يختم ذلك بأربع و عشرين مطرة تتّصل فتحيي الأرض بعد موتها و تعرف بركاتها و تزول بعد ذلك كلّ عاهة من معتقدي الحقّ من شيعة المهدي فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكّة فيتوجّهون نحوه لنصرته كما جاءت بذلك‏

125

الأخبار، و من جملة هذه الأحاديث محتومة و منها متشرطة و اللّه أعلم بما يكون‏ (1).

في عمدة ابن بطريق عن تفسير الثعلبي في تفسير قوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (2) و ذكر فتنة الدجّال قالوا: يا رسول اللّه فكيف نصلّي في تلك الأيّام القصار؟

قال: تقدرون فيها كما تقدرون في هذه الأيّام الطوال ثمّ تصلّون و إنّه لا يبقى شي‏ء في الأرض إلّا وطئه و غلب عليه إلّا مكّة و المدينة لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلّا لقيه ملك مصلت بالسيف حتّى ينزل الطريب الأحمر عند مجتمع السيول عند منقطع السبخة ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فلا يبقى منافق فيها و لا منافقة إلّا خرج، فتنقّى المدينة يومئذ الخبث كما ينقّي الكير خبث الحديد، يدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، قال الشريك: يا رسول اللّه: أين الناس يومئذ؟

قال: ببيت المقدس يخرج حتى يحاصرهم و إمام الناس يومئذ رجل صالح فيقال صلّ الصبح فإذا كبّر و دخل في الصلاة نزل عيسى بن مريم (عليه السّلام) فإذا رآه ذلك الرجل عرفه فرجع يمشي القهقرى فيتقدّم عيسى فيضع يديه بين كتفيه و يقول: صلّ فإنّما أقيمت لك الصلاة فيصلّي عيسى وراءه ثمّ يقول: افتحوا الباب فيفتحون الباب‏ (3).

في مكارم الأخلاق من جملة وصايا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لابن مسعود: يا ابن مسعود الإسلام بدأ غريبا و سيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء، فمن أدرك ذلك الزمان ممّن يظهر من أعقابكم فلا يسلّم عليهم في ناديهم و لا يشيّع جنائزهم و لا يعود مرضاهم فإنّهم يستنّون بسنّتكم و يظهرون بدعواكم و يخالفون أفعالكم فيموتون على غير ملّتكم، أولئك ليسوا منّي و لست منهم إلى أن يقول: يا بن مسعود يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه مثل القابض على الجمر بكفّه، فإن كان في ذلك الزمان ذئبا و إلّا أكلته الذئاب. يا ابن مسعود علماؤهم و فقهاؤهم خونة فجرة ألا إنّهم أشرار خلق اللّه، و كذلك أتباعهم و من يأتيهم و يأخذ منهم و يحبّهم و يجالسهم و يشاورهم أشرار خلق اللّه يدخلهم نار جهنّم صمّ بكم عمي فهم لا

____________

(1)- كشف الغمّة: 3/ 255 و روضة الواعظين: 263.

(2)- سورة غافر: 51.

(3)- العمدة: 428 ح 897 ما جاء في المهدي في الصحاح الستّة.

126

يرجعون و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صمّا مأواهم جهنّم كلّما خبت زدناهم سعيرا، كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، إذا القوا فيها سمعوا لها شهيقا و هي تفور تكاد تميز من الغيظ كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ اعيدوا فيها و قيل لهم ذوقوا عذاب الحريق، لهم فيها زفير و هم فيها لا يسمعون، يا ابن مسعود يدّعون أنّهم على ديني و سنّتي و منهاجي و شرائعي إنّهم منّي برآء و أنا منهم بري‏ء. يا ابن مسعود لا تجالسوهم في الملأ و لا تبايعوهم في الأسواق و لا تهدوهم إلى الطريق و لا تسقوهم الماء، قال اللّه تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ‏ (1) يقول اللّه تعالى: وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ‏ (2) يا ابن مسعود و ما أكثر ما تلقى أمّتي منهم العداوة و البغضاء و الجدال أولئك أذلّاء هذه الامّة في دنياهم، و الذي بعثني بالحقّ ليخسفن اللّه بهم و يمسخهم قردة و خنازير، قال: فبكى رسول اللّه و بكينا لبكائه و قلنا: يا رسول اللّه: ما يبكيك؟ فقال: رحمة للأشقياء يقول اللّه تعالى: وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ‏ (3) يعني العلماء و الفقهاء، يا ابن مسعود من تعلّم العلم يريد به الدنيا و آثر عليه حبّ الدنيا و زينتها استوجب سخط اللّه عليه و كان في الدرك الأسفل من النار مع اليهود و النصارى الذين نبذوا كتاب اللّه تعالى، قال اللّه تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ‏ (4) يا ابن مسعود من تعلّم القرآن للدنيا و زينتها حرّم اللّه عليه الجنّة، يا ابن مسعود من تعلّم العلم و لم يعمل بما فيه حشره اللّه يوم القيامة أعمى و من تعلّم العلم رياء و سمعة يريد به الدنيا نزع اللّه بركته و ضيّق عليه معيشته و وكله اللّه إلى نفسه و من وكله اللّه إلى نفسه فقد هلك، قال اللّه تعالى: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (5) يا ابن مسعود فليكن جلساؤك الأبرار و إخوانك الأتقياء و الزهّاد لأنّه تعالى قال في كتابه: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ‏ (6) يا ابن مسعود اعلم أنّهم يرون المعروف منكرا و المنكر معروفا ففي ذلك يطبع اللّه على قلوبهم فلا يكون فيهم الشاهد بالحقّ و لا القوّامون‏

____________

(1)- سورة هود: 15.

(2)- سورة الشورى: 20.

(3)- سورة سبأ: 51.

(4)- سورة البقرة: 89.

(5)- سورة الكهف: 110.

(6)- سورة الزخرف: 67.

127

بالقسط، قال اللّه تعالى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ‏ (1) يا ابن مسعود يتفاضلون بأحسابهم و أموالهم يقول اللّه تعالى: وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى‏ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى‏ وَ لَسَوْفَ يَرْضى‏ (2). إلى هنا محلّ الحاجة في نفس الرحمن عن الكشي‏ (3).

و في الاحتجاج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) باختلاف يسير قال: خطب الناس سلمان الفارسي (رحمه اللّه) بعد أن دفن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بثلاثة أيّام فقال: الحمد للّه الذي هداني لدينه بعد جحودي إذ أنا مذك لنار الكفر، أهل لها نصيبا و أوتيت لها رزقا حتّى ألقى اللّه عزّ و جلّ في قلبي حبّ تهامة فخرجت جائعا ظمآن قد طردني قومي و أخرجت من مالي و لا حمولة تحملني و لا مال يقوّيني و كان من شأني ما قد كان حتّى أتيت محمّدا فعرفت من العرفان ما كنت أعلمه و رأيت من العلامة ما أخبرت بها فأنقذني به من النار فنلت من الدنيا على المعرفة التي دخلت بها الإسلام، ألا أيّها الناس اسمعوا من حديثي ثمّ اعقلوه عنّي فقد اوتيت العلم كثيرا و لو أخبرتكم بكلّ ما أعلم لقالت طائفة: إنّه لمجنون و قالت طائفة اخرى: اللهمّ اغفر لقاتل سلمان، ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا و إنّ عند علي علم المنايا و علم الوصايا و فصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران، قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنت وصيّي و خليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى، و لكنّكم أصبتم سنّة الأوّلين و أخطأتم سبيلكم و الذي نفس سلمان بيده لتركبنّ طبقا عن طبق سنّة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة، أما و اللّه لو وليتموها عليّا لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم و لو دعوتم الطير في جوّ السماء لأجابتكم و لو دعوتم الحيتان في البحار لأتتكم و لما عال ولي اللّه و لا طاش سهم من فرائض اللّه و لا اختلف اثنان في حكم اللّه، و لكن أبيتم فوليتموها غيره فأبشروا بالبلاء و اقنطوا من الرخاء فأنذرتكم على سواء و انقطعت العصمة فيما بيني و بينكم من الولاء، أما و اللّه لو أنّي أدفع ضيما أو أعزّ للّه دينا لوضعت سيفي على عاتقي ثمّ لضربت به قدما قدما ألا إنّي أحدّثكم بما تعلمون و ما لا تعلمون فخذوها من سنة سبعين بما فيها، ألا إنّ لبني أميّة في بني هاشم نطحات، ألا إنّ بني اميّة كناقة الضروس تعض بفيها و تخبط بيديها و تضرب برجليها و تمنع درّها، ألا إنّه حقّ‏

____________

(1)- سورة النساء: 135.

(2)- سورة الليل: 19- 20- 21.

(3)- مكارم الأخلاق: 451 ط. الشريف الرضي قم.

128

على اللّه أن يذلّ ناديها و أن يظهر عليها عدوّها من قذف من السماء و خسف و مسخ و سوء الخلق حتّى إنّ الرجل يخرج من جانب حجلته إلى الصلاة فيمسخه اللّه قردا، ألا و فئتان تلتقيان بتهامة كلتاهما كافرتان، ألا و خسف بكلب و ما أنا بكلب أما و اللّه لو لا ما لأريتكم مصارعهم، ألا و هو البيداء ثمّ يجي‏ء ما تعرفون فإذا رأيتم أيّها الناس الفتن كقطع الليل المظلم يهلك فيه الراكب الموضع و الخطيب المصقع و الرأي المتبوع فعليكم بآل محمّد فإنّهم القادة إلى الجنّة و الدعاة إليها إلى يوم القيامة و عليكم بعلي فو اللّه لقد سلّمنا عليه بالولاء مع نبيّنا فما بال القوم؟ أ حسدا و قد حسد قابيل هابيل؟ أو كفرا فقد ارتد قوم موسى عن الأسباط و يوشع و شمعون و ابني هارون شبر و شبير و السبعين الذين اتّهموا موسى على قتل هارون فأخذتهم الرجفة من بغيهم ثمّ بعثهم اللّه أنبياء مرسلين و غير مرسلين، فأمر هذه الامّة كأمر بني إسرائيل فأين يذهب بكم؟ ما أنا و فلان و فلان ويحكم و اللّه ما أدري أ تجهلون أم تتجاهلون أم نسيتم أم تتناسون، أنزلوا آل محمّد منكم منزلة الرأس من الجسد، بل منزلة العين من الرأس و اللّه لترجعن كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف يشهد الشاهد الكافر على الناجي بالهلكة و يشهد الناجي على الكافر بالنجاة، ألا إنّي أظهرت أمري و آمنت بربّي و أسلمت بنبيّي و اتبعت مولاي و مولى كلّ مسلم، بأبي أنت و أمّي قتيل كوفان، يا لهف نفسي لأطفال صغار، و بأبي صاحب الجفنة و الخوان نكّاح النساء الحسن بن علي ألا إنّ النبي نحله البأس و الحياء، و نحل الحسين المهابة و الجود، يا ويح لمن أحقره لضعفه و استضعفه بقتله و ظلم من بين ولده فيه فكان بلادهم عاهر الباقين من آل محمّد.

أيّها الناس لا تكل أظفاركم عن عدوّكم و لا تستغشوا صديقكم يستحوذ الشيطان عليكم و اللّه لتبتلن ببلاء لا تغيرونه بأيديكم إلّا إشارة بحواجبكم، ثلاثة خذوها بما فيها و أرجو رابعها و موافاها و يأتي رافع الضيم شقاق شفاق بطون الحبالى و حمال الصبيان على الرماح و مغلي الرجال في القدور، أما إنّي سأحدّثكم بالنفس الطيّبة الزكية و تضريج دمه بين الركن و المقام المذبوح كذبح الكبش، يا ويح لسبايا نساء من كوفان، الواردون الثوية المستفدون عشية و ميعاد ما بينكم و بين ذلك فتنة شرقية و جاء هاتف يستغيث من قبل المغرب فلا تغيثوه لا أغاثه اللّه، و ملحمة بين الناس إلى أن يصير ما ذبح على شبيه المقتول بظهر الكوفة و هي كوفان و يوشك أن يبني جسرها و يبني جنبيها حتّى يأتي زمان لا يبقى مؤمن إلّا بها أو

129

يحن إليها، و فتنة مصبوبة تطأ في خطامها لا ينهها أحد لا يبقى بيت من العرب إلّا دخلته.

و احدّثك يا حذيفة أنّ ابنك مقتول فائت عليّا أمير المؤمنين (عليه السّلام) فمن كان مؤمنا دخل في ولايته فيصبح على أمر يمسي على مثله لا يدخل فيها إلّا مؤمن و لا يخرج منها إلّا كافر.

أهل لها أي: أصيح و أرفع صوتي لأطلب نصيبها، و تهامة بالكسر مكة شرّفها اللّه تعالى، و الطبق بالتحريك هو الحال المطابقة لحال اخرى، و القذة ريش السهم، و الضيم الظلم، و النطح الإصابة بالقرن و النطيحة هي التي نطحتها بهيمة اخرى حتّى ماتت، و الضروس الناقة السيّئة الخلق تعض حالبها، و خبط البعير الأرض بيده ضربها و وطئها شديدا، و الدر اللبن، و كلب قبيلة و النادي مجلس القوم، و الراكب الموضع هو الذي يحمل ركابه على العدو السريع، و المصقع كمنبر البليغ أو العالي الصوت، و التضريج التدمية، و التلطيخ و الملحمة الوقعة العظيمة القتل، و يحن إليها أي يشتاق إليها.

قوله: فعرفت الخ إشارة إلى أن معرفته بالنبي و بنبوّته إنّما هو بعلم سابق له و إنّما باللقاء ازداد يقينا لا أنّه كان سببا لإيمانه.

و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ سلمان كان يدعو الناس إليه قبل مبعثه منذ أربعمائة و خمسين.

قوله: و لو وليتموها عليا لأكلتم الخ إشارة إلى قوله تعالى‏ وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ‏ (1). قوله: فخذوها من سنة السبعين الخ إن كان الضمير راجعا إلى البلاء فالظاهر أنّه كان إلى بدل من و إن كان راجعا إلى الرخاء فالمراد أظهر، فكيف كان فغرضه الإشارة إلى نهاية البلاء و بداية الفرج‏ (2).

عن غيبة الشيخ عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر (عليه السّلام) إنّ عليّا كان يقول: إلى السبعين بلاء و كان يقول بعد البلاء رخاء و قد مضت السبعون و لم نر رخاء فقال أبو جعفر (عليه السّلام): يا ثابت إنّ اللّه تعالى وقّت هذا الأمر في السبعين و كان، فلمّا قتل الحسين (عليه السّلام) اشتدّ غضب اللّه على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين و مائة سنة فحدّثناكم فأذعتم الحديث و كشفتم القناع فأخّره اللّه و لم يجعل له بعد ذلك وقتا عندنا و يمحو اللّه ما يشاء و عنده أمّ الكتاب.

____________

(1)- سورة المائدة: 66.

(2)- الاحتجاج: 111 احتجاج سلمان بعد وفاة النبي.

130

قوله: ألا إنّ لبني اميّة الخ، غير خفي على من راجع سير الأوّلين ما صدر من عتاة بني اميّة و طغاتهم بالعترة الطاهرة من الظلم و العدوان و القتل و النهب و الأسر و كتمان الفضائل و إنكار المناقب و السبّ و اللعن على المنابر. قوله: ألا إنّه حقّ على اللّه إلى قوله فيمسخه اللّه قردا إشارة إلى تتمّة الآية السابقة و بعض علائم ظهور الحجّة (عجّل اللّه فرجه).

قوله: ألا و فئتان تلتقيان بتهامة، الذي يظهر من الأخبار أنّ العسكر الذي يأتي تهامة عسكر السفياني و العسكر الأخير غير معلوم إلّا أن يكون عسكر السفياني صنفين.

قوله: ألا و خسف بكلب الخ إشارة إلى خسف جيش السفياني بالبيداء و هو من المحتوم.

قوله: أما و اللّه لو لا ما لأريتكم الخ لعل ما اختصار من قوله لو لا ما في كتاب اللّه آية أي آية المحو و الإثبات.

قوله: ثمّ يجي‏ء ما تعرفون، إشارة إلى ظهور الحقّ بعد خسف البيداء.

قوله: و يوشع و شمعون الخ المعدود من الأوصياء المعروفين هو شمعون الصفاء وصيّ عيسى و لا مناسبة لذكره هاهنا و يحتمل أن يكون شخصا آخر كان نبيّا أو وصيّا في أصحاب موسى و لا بعد فيه فإنّ أغلب من كان يبعثه صاحب الشريعة إلى البلدان في تلك الأزمان كان من الأنبياء و عدم ذكره في أخبار الماضين غير مختصّ به فإن من لم يذكر في الأخبار أو لم يصل إلينا اسمه و خبره أضعاف ما وصل إلينا بمراتب عديدة. ففي إثبات الوصيّة في حديث موسى و السامري أنّ موسى قام خطيبا و ذكّرهم بأيّام اللّه إلى أن قال: فروي أنّه كان تحت المنبر ذلك اليوم ألف نبي مرسل. قوله: و السبعين الذين اتّهموا الخ الظاهر أنّ الذين اتّهموا موسى في قتل هارون لم ينزل عليهم العذاب كما ذكرنا سابقا في ذيل آية فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ثمّ بعثهم اللّه. و السبعون: الذين قالوا لموسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. (1). قوله: ألا إنّ نبي اللّه نحله .. الخ، عن قرب الاسناد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): و أمّا الحسن فأنحله الهيبة و الحلم، و أمّا الحسين فأنحله الجود و الرحمة. قوله: و ظلم من بين ولده فيه، يحتمل أن يكون المراد و ظلم الحسين من بين ولد أمير المؤمنين (عليه السّلام).

قوله: ثلاثة خذوها بما فيها و أرجو رابعها و موافاها، يحتمل أن يكون المراد بالثلاثة الخلفاء أي: خذوها بما فيها من الإضلال و الفساد و الابتلاء و المراد بالرابع هو رابعهم أمير

____________

(1)- سورة البقرة: 55.

131

المؤمنين (عليه السّلام) و يحتمل أن يكون المراد بها السفياني و اليماني و الخراساني و المراد بالرابع هو الإمام المنتظر (عجّل اللّه فرجه) و يكون المراد من الأخذ الإشارة إلى كونها من المحتوم، و في بعض النسخ: و موفاها أي به يستوفى و يتمّ عدد من يخرج قبل القائم (عليه السّلام) و قوله: و يأتي رافع الضيم هو على الاحتمال الأوّل ظاهر في الحجّاج بن يوسف الثقفي الملعون و لكن الظاهر انّ المراد به السفياني بقرينة السياق و ما يأتي من ظلمه و فساده.

قوله: أما إنّي سأحدّثكم بالنفس الطيّبة الزكية الخ، النفس الزكية يطلق على أقسام أحدهما غلام من آل محمّد اسمه محمد بن الحسن يقتل بين الركن و المقام بلا جرم و لا ذنب قبل أن يخرج القائم (عليه السّلام) بخمس عشرة ليلة أو من يبعثه القائم من المدينة إلى مكّة و قتله من المحتوم.

قوله: يا ويح لسبايا نساء من كوفان الخ إشارة إلى ما يصدر من جيش السفياني الذي يبعثه إلى العراق في المشارق في خبر سطيح الكاهن فيخرج رجل من ولد صخر فيبدل الرايات السود بالحمر فيبيح المحرمات و يترك النساء بالثدايا معلّقات و هو صاحب نهب الكوفة فربّ بيضاء الساق مكشوفة على الطريق مردوفة بها الخيل محفوفة، قتل زوجها و كثر عجزها و استحل فرجها، و في الخبر أنّ السفياني بعد خروجه و بعثه جيشا إلى الحجاز يبعث إلى العراق مائة و ثلاثين ألفا أو سبعين ألفا و يمرّ جيشه بقرقيسا (بالكسر بلد على الفرات) و يقع فيها بينهم و بين ولد العبّاس حرب عظيم فيقتلون من الجبّارين من بني العبّاس مائة ألف ثمّ يمرّ الجيش ببغداد و يقتل على جسره سبعون ألفا حتّى تحمى الناس ثلاثة أيّام من الدماء و نتن الأجساد ثمّ يمرّ الجيش بالكوفة حتّى ينزلوا موضع قبر هود بالنخيلة و هو على فرسخين من الكوفة فيخربون ما حولها و يستعبد بعض أهلها و لا يدعون أحدا إلّا قتلوه حتّى إنّ الرجل منهم ليمرّ بالدرّة المطروحة العظيمة فلا يتعرّض لها و يمرّ على الصبي الصغير فيلحقه و يقتله و يسبى منها سبعون ألف بكر لا يكشف عنها كفّ و لا قناع حتّى يوضعن في المحامل و يذهب بهن إلى الثوية موضع قبر كميل و بعض أصحاب أمير المؤمنين و ينادي منادي أهل الجيش: من جاء برأس شيعة علي فله ألف درهم فيثب الجار على جاره و يقول هذا منهم فيضرب عنقه و يأخذ ألف درهم، ثمّ يخرجون متوجّهين إلى الشام و معهم السبايا و الغنائم فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر و لا

132

يستنقذون ما في أيديهم من السبي و الغنائم.

قوله: و ميعاد ما بينكم و بين ذلك فتنة شرقية، عن غيبة الشيخ: تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة فإذا ظهر المهدي بعث إليه بالبيعة.

قوله: و جاء هاتف من قبل المغرب إلخ و هو الشيطان. قوله: إلى أن يصير ما ذبح على شبيه المقتول بظهر الكوفة كان المراد قتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين و ذلك من علامات الظهور.

قوله: لا يبقى بيت من العرب إلّا دخلته، إشارة إلى تشتّت أمر العرب في الظهور، و عن الصادق (عليه السّلام): ويل لطغاة العرب من شرّ قد اقترب، قلت: كم مع القائم من العرب قال: شي‏ء يسير، و عن غيبة النعماني: أنّه لا يخرج مع القائم من العرب أحد (1).

في روضة الكافي عن معاوية بن وهب قال: تمثّل أبو عبد اللّه ببيت شعر لابن أبي عقب:

و ينحر بالزوراء منهم لدى الضحى‏* * * ثمانون ألفا مثل ما ينحر البدن‏

و روى غيره البزل ثمّ قال لي: تعرف الزوراء؟ قال: قلت: جعلت فداك يقولون إنّها بغداد، قال: لا، قال: دخلت الري؟ قلت: نعم، قال: أتيت سوق الدواب؟ قلت: نعم، قال: رأيت الجبل الأسود عن يمين الطريق، تلك الزوراء يقتل فيها ثمانون ألفا منهم ثمانون رجلا من ولد فلان كلّهم يصلح للخلافة، قلت: و من يقتلهم جعلت فداك؟ قال: يقتلهم أولاد العجم‏ (2).

و في العوالم عنه (عليه السّلام) إذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة و عشرة الأيّام من رجب مطرا لم تر الخلائق مثله فينبت لحوم المؤمنين و أبدانهم في قبورهم و كأنّي أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب‏ (3).

في غيبة النعماني: يظهر بعد غيبة مع طلوع النجم الآخر و خراب الزوراء و هي الري و خسف المزورة و هي بغداد و خروج السفياني و حرب ولد العبّاس مع فتيان أرمينية و أذربيجان، تلك حرب يقتل فيها ألوف و ألوف كلّ يقبض على سيف محلّى تخفق عليه رايات سود تلك حرب يستبشر بها الموت الأحمر و الطاعون الأكبر (4).

____________

(1)- غيبة الشيخ: 428 ذكر المذمومين الذين ادّعوا البابية كذبا.

(2)- الكافي: 8/ 177 ح 198.

(3)- روضة الواعظين: 264.

(4)- غيبة النعماني: 145 باب 10.

133

و فيه عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهم السّلام) كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقّ فلا يعطونه ثمّ يطلبونه فلا يعطونه فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتّى يقوموا و لا يدفعونها إلّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء (1).

في أربعين المير اللوحي‏ (2) عن فضل بن شاذان عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: كأنّي بقوم قد خرجوا من أقصى بلاد المشرق من بلدة يقال لها شيلا يطلبون حقّهم من أهل الصين فلا يعطون ثمّ يطلبونه فلا يعطون فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فرضوا بإعطاء ما سألوه فلم يقبلوا و قتلوا منهم خلقا كثيرا، ثمّ يسخرون بلاد الترك و الهند كلّها و يتوجّهون إلى خراسان و يطلبونها من أهلها فلا يعطون فيأخذونها قهرا، و يريدون أن لا يدفعوا الملك إلّا إلى صاحبكم مع الذين قتلوهم فانتقموا منهم، و تعيشوا في سلطانه إلى آخر الدنيا.

و فيه عن عليّ (عليه السّلام) قال في حديث آخره: ثمّ يقع التدابر و الاختلاف بين آراء العرب و العجم فلا يزالون يختلفون إلى أن يصير الأمر إلى رجل من ولد أبي سفيان يخرج من وادي اليابس من دمشق فيهرب حاكمها منه و يجتمع إليه قبائل العرب و يخرج الربيعي و الجرهمي و الأصهب و غيرهم من أهل الفتن و الشغب فيغلب السفياني على كل من يحاربه منهم فإذا قام القائم (عج) بخراسان الذي أتى من الصين و ملتان، وجه السفياني في الجنود إليه فلم يغلبوا عليه ثمّ يقوم منّا قائم بجيلان يعينه المشرقي في دفع شيعة عثمان و يجيبه الأبر و الديلم و يجدون منه النوال و النعم و ترفع لولدي النود (3) و الرايات و يفرقها في الأقطار و الحرمات‏ (4) و يأتي إلى البصرة و يخربها و يعمر الكوفة و يوربها فيعزم السفياني على قتاله و يهمّ مع عساكره باستئصاله فإذا جهزت الألوف و صفّت الصفوف قتل الكبش الخروف فيموت الثائر و يقوم الآخر ثمّ ينهض اليماني لمحاربة السفياني و يقتل النصراني فإذا هلك الكافر و ابنه الفاجر و مات الملك الصائب و مضى لسبيله النائب خرج الدجّال و بالغ في الإغواء و الإضلال ثمّ يظهر آمر الأمرة و قاتل الكفرة السلطان المأمول الذي تحير في غيبته العقول و هو التاسع من ولدك يا حسين يظهر بين الركنين يظهر على الثقلين و لا يترك في الأرض الأدنين، طوبى للمؤمنين الذين أدركوا زمانه و لحقوا أوانه و شهدوا أيّامه و لا قوا

____________

(1)- غيبة النعماني: 273 ح 50 باب 14.

(2)- ذكره في الذريعة: 1/ 431 رقم 2194.

(3)- في المصادر: رايات الترك.

(4)- في بعض المصادر: و الجنبات.

134

أقوامه‏ (1).

في مجمع النورين عن غيبة ابن عقدة عن الصادق (عليه السّلام) اختلاف الصنفين من العجم في لفظ كلمة عدل يقتل فيهم ألوف ألوف ألوف‏ (2). يخالفهم الشيخ الطبرسي؛ فيصلب و يقتل.

في العوالم عن غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عند ذكر القائم فقال: أنّى يكون ذلك و لم يستدر الفلك حتّى يقال: مات أو هلك في أيّ واد سلك؟ فقلت: و ما استدارة الفلك؟

فقال: اختلاف الشيعة بينهم‏ (3).

و فيه عن الكتاب المذكور عنه: إذا رأيتم نارا من المشرق شبه الهروي‏ (4) العظيم تطلع ثلاثة أيّام أو سبعة فتوقّعوا فرج آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إن شاء اللّه تعالى إنّ اللّه عزيز حكيم‏ (5).

و فيه عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال على منبر الكوفة: إنّ اللّه عزّ و جلّ قدّر فيما قدّر و قضى و حتم بأنّه كائن لا بدّ منه أخذ بني اميّة بالسيف جهرة و أنّ أخذ فلان بغتة، و قال (عليه السّلام): لا بدّ من رحى تطحن فإذا قامت على قطبها و ثبتت على ساقها بعث اللّه عليها عبدا عسفا، خاملا أصله، يكون النصر معه، أصحابه الطويلة شعورهم أصحاب السبال، سود ثيابهم، أصحاب رايات سود، ويل لمن ناواهم، يقتلونهم هرجا، و اللّه لكأنّي أنظر إليهم و إلى أفعالهم و ما يلقى من الفجّار منهم و الأعراب الجفاة لسلّطهم اللّه عليهم بلا رحمة فيقتلونهم هرجا على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية و البحرية جزاء بما عملوا و ما ربّك بظلّام للعبيد (6).

و فيه عن الصادق (عليه السّلام): لا يقوم القائم إلّا على خوف شديد من الناس و زلازل و فتنة و بلاء يصيب الناس و طاعون قبل ذلك و سيف قاطع بين المغرب و اختلاف شديد بين الناس و تشتيت في دينهم و تغيير في حالهم حتّى يتمنّى المتمنّي صباحا و مساء من عظم ما يرى من كلب الناس و أكل بعضهم بعضا قيامه (عج)، فخروجه إذا خرج يكون عند اليأس و القنوط من أن يروا فرجا، فيا طوبى لمن أدركه و كان من أنصاره و الويل كلّ الويل لمن ناواه و خالفه‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 275 ح 55 و فيه: الأرض دمين.

(2)- مجمع النورين: 297 و فيه: في لفظة كلمة و يسفك فيهم دماء كثيرة و يقتل.

(3)- غيبة النعماني: 157 ح 206 باب 10.

(4)- لعل المراد بالهروي الثياب الهروية شبّهت بها في عظمتها و بياضها. عن هامش الكتاب.

(5)- غيبة النعماني: 253 ح 13 باب 14، و فيه: الهرديّ بدل الهرويّ. و الهردي: المصبوغ بالهرد و هو الزعفران، كناية عن اشتداد صفرتها.

(6)- غيبة النعماني: 257 ح 14 باب 14.

135

و خالف أمره و كان من أعدائه، و قال: يقوم بأمر جديد و كتاب جديد و سنّة جديدة و قضاء على العرب شديد و ليس شأنه إلّا القتل لا يستبقي أحدا و لا تأخذه في اللّه لومة لائم‏ (1).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا رأيتم في السماء نارا عظيمة من قبل المشرق تطلع ليال فعندها فرج الناس و هي قدّام القائم بقليل‏ (2).

و فيه عن كفاية الأثر عن علقمة بن قيس قال: خطبنا أمير المؤمنين على منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة قال فيما قال في آخرها: ألا و انّي ظاعن عن قريب و منطلق إلى المغيب فارتقبوا الفتنة الأموية و الملكة الكسروية و إماتة ما أحياه اللّه و إحياء ما أماته اللّه و اتخذوا صوامعكم بيوتكم و عضوا على مثل جمر الغضا و اذكروا اللّه كثيرا فذكره أكبر لو كنتم تعلمون. ثمّ قال: و تبنى مدينة يقال لها الزوراء بين دجلة و دجيل و الفرات فلو رأيتموها مشيّدة بالجص و الآجر مزخرفة بالذهب و الفضّة و اللازورد و المرمر و الرخام و أبواب العاج و الآبنوس و الخيم و القباب و الستارات و قد غلبت بالساج و العرعر و الصنوبر و شيّدت بالقصور و توالت عليها ملك بني شيصبان، أربعة و عشرون ملكا فيهم السفّاح و المقلاص و الجموح و الخدوع و المظفر و المؤنث و النظار و الكبش و المهتور و العثار و المصطلم و المستصعب و العلام و الرهبان و الخليع و السيار و المترف و الكديد و الأكتب و المترف و الأكلب و الوسيم و الظلام و الغيوق، و تعمل القبة الغبراء ذات الفلاة الحمراء و في عقبها قائم الحقّ يسفر عن وجه بين الأقاليم كالقمر المضي‏ء بين الكواكب الدرية، ألا و إنّ لخروجه علامات عشرة أوّلها طلوع الكوكب ذي الذنب و يقارب من الحادي و يقع فيه هرج و مرج و شغب، و تلك علامات الخصب، و من العلامة إلى العلامة عجب فإذا انقضت العلامات العشرة إذ ذاك يظهر القمر الأزهر و تمّت كلمة الإخلاص للّه على التوحيد (3).

و فيه عن غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ للّه مائدة و في غير هذه الرواية مأدبة (4) بقرقيسا يطلع مطّلع من السماء فينادي: يا طير السماء و يا سباع الأرض هلموا إلى‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 234 ح 22 باب 13.

(2)- غيبة النعماني: 262 ح 37 باب 14.

(3)- كفاية الأثر: 216.

(4)- المأدبة: الطعام الذي يصنعه الرجل يدعو إليه الناس.

136

الشبع من لحوم الجبّارين‏ (1).

و فيه عن إكمال الدين عنه (عليه السّلام) قال: سمعته يقول: إيّاكم و التنويه‏ (2) أي لا تشتهروا أنفسكم أو لا تدعوا الناس إلى دينكم أو لا تشتهروا ما أقول لكم من أمر القائم (عج) و غيره ممّا يلزم إخفاؤه عن المخالفين، أما و اللّه ليغيبن إمامكم سنينا من دهركم و ليمحص حتّى يقال مات أو هلك بأيّ واد سلك و لتدمعن عليه عيون المؤمنين و لتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر فلا ينجو إلّا من أخذ اللّه ميثاقه و كتب في قلبه الإيمان و أيّده بروح منه و لترفعن اثني عشر راية مشتبهة لا يدرى أي من أي، فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، ترى هذه الشمس؟ فقلت: نعم، قال: و اللّه أمرنا أبين من هذه الشمس‏ (3).

و فيه عن غيبة النعماني عنه (عليه السّلام) بعد ذكر القائم (عج) عنده: أما إنّه لو قد قام لقال الناس أنّى يكون هذا و قد بليت عظامه هذا كذا و كذا (4).

في معالم الزلفى عن غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) لا يخرج القائم (عج) من مكة حتّى يكون مثل الحلقة قلت: و كم الحلقة؟ قال: عشرة آلاف، جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره ثمّ يهزّ الراية المغلبة و يسير بها فلا يبقى أحد في المشرق و لا في المغرب إلّا بلغها، و هي راية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نزل بها جبرئيل يوم بدر ثمّ لفّها و دفعها إلى علي (عليه السّلام) حتّى إذا كان يوم البصرة فنشرها أمير المؤمنين (عليه السّلام) ففتح اللّه عليه ثمّ لفّها فهي عندنا لا ينشرها أحد حتّى يقوم القائم فإذا هو قام فنشرها لم يبق بين المشرق و المغرب إلّا بلغها و يسير الرعب قدّامها شهرا و عن يمينها شهرا و عن يسارها شهرا ثمّ قال: يا محمّد إنّه يخرج موتورا غضبان أسفا لغضب اللّه على هذا الخلق، عليه قميص رسول اللّه الذي كان عليه يوم أحد و عمامة السحاب و درع رسول اللّه السابغة و سيف رسول اللّه ذو الفقار، يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر هرجا فيبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم و يعلّقها في الكعبة و ينادي مناديه: هؤلاء سرّاق اللّه ثمّ يتناول المفقودين عن فرشهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ: أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً (5) قال: الخيرات الولاية (6).

____________

(1)- غيبة النعماني: 278 ح 63 باب 14.

(2)- التنويه: التشهير.

(3)- اصول الكافي: 1/ 339 ح 11.

(4)- غيبة النعماني: 155 ح 14 باب 10.

(5)- سورة البقرة: 148.

(6)- غيبة النعماني: 307 ح 2 باب 19.

137

عن المجلسي (رحمه اللّه) عن الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة من تأليفات قطب الدين الكيدري أو الشهيد الثاني قال: وجد بخط الإمام أبي محمد الحسن العسكري (عليه السّلام) على ظهر الكتاب قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوّة و الولاية و درنا سبع طرائق بأعلام الفتوة و الهداية و نحن ليوث الوغى و غيوث الندى و فينا السيف و القلم في العاجل و لواء الحمد و الحوض في الآجل، أسباطنا حلفاء الدين و خلفاء النبيّين و مصابيح الامم و مفاتيح الكرم، فالكليم ألبس الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة، شيعتنا الفئة الناجية و الفرقة الزاكية صاروا لنا ردءا و صونا، و على الظلمة إلبا و عونا سيفجّر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى مجتمع النيرين لتمام الروضة و الطواسين من السنين‏ (1).

أقول: ليس المراد بالطواسين حروفها، بل المراد طاسين ثلاث إحداها بلا ميم و اثنين مع الميم و لا يحسب الألف و الواو و اللام منه عكس الألف و اللام من الروضة فإنّه يحسب و الهاء آخر الروضة ليس من قبيل تاء قرشت بل هو هاء هوز فعلى ذلك نحسب واو و الطواسين ال روض 5 و ط ط ط س س س م م يصير ألف و خمسة و ثلاثين و ثلاثمائة.

أقول: يمكن أن تكون الحمرة الواقعة في الخبر وقعت في السابق كما ذكر السيّد العالم النسّابة العلّامة بهاء الملّة و الدين علي بن عبد الكريم بن عبد الحميد الحسيني النجفي (قدس سره) استاذ أبي العبّاس أحمد بن فهد الحلّي في الكتاب الموسوم ب الأنوار المضيئة في الحكمة الشرعية: قد ظهرت ليلة الاثنين خامس جمادى الاولى سنة اثنين و سبعين و سبعمائة بعد العشاء الآخرة حمرة عظيمة أضاءت لها أقطار السماء و كان خروجها، و انتشرت حتّى ملكت نصف الافق و شاهدها كثير من الناس بالمشهد الشريف الغروي سلام اللّه على مشرّفه. و حكى لي الشيخ الصالح حسون بن عبد اللّه أنّه كان تلك الليلة بعذار زبيد، فلمّا ظهرت هذه الحمرة و علا ضوؤها توهّم العذار أنّ ذلك حريق عظيم في بعض جمايعهم فقاموا فزعين يتعرّفون ذلك فشاهدوا الحمرة و فيها أعمدة بيض عدّها جماعة منهم فكانت خمسا و عشرين عمودا و للّه عاقبة الامور (2).

____________

(1)- البحار: 26/ 264 ح 50.

(2)- خاتمة المستدرك: 20/ 301 و فيه: حسن بدل: حسون.

138

فاكهة: ملخّص الاعتقاد في الغيبة و الظهور و رجعة الأئمّة لبعض العلماء (1)، و ممّا ينبغي اعتقاد رجعة محمّد و أهل بيته: إذا كانت السنة التي يظهر فيها قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وقع قحط شديد فإذا كان العشرون من جمادى الاولى وقع مطر شديد لا يوجد مثله منذ هبط آدم إلى الأرض متصل إلى أوّل شهر رجب تنبت لحوم من يريد اللّه أن يرجع إلى الدنيا من الأموات و في العشر الأول منه أيضا يخرج الدجّال من اصفهان و يخرج السفياني عثمان بن عنبسة (أبوه من ذرية أبي سفيان و أمّه من ذرية يزيد بن معاوية) من الرملة من الوادي اليابس، و في شهر رجب يظهر في قرص الشمس جسد أمير المؤمنين (عليه السّلام) يعرفه الخلائق و ينادي في السماء مناد باسمه، و في آخر شهر رمضان ينخسف القمر، و في الليلة الخامسة منه تنكسف الشمس، و في أوّل الفجر من اليوم الثالث و العشرين ينادي جبرئيل في السماء أنّ الحقّ مع علي و شيعته، و في آخر النهار ينادي إبليس من الأرض: ألا إنّ الحقّ مع عثمان الشهيد و شيعته، يسمع الخلائق كلا الندائين كلّ بلغته، فعند ذلك يرتاب المبطلون، فإذا كان اليوم الخامس و العشرون من ذي الحجّة يقتل النفس الزكية محمد بن الحسن بين الركن و المقام ظلما، و في اليوم العاشر من المحرّم يخرج الحجّة، يدخل المسجد الحرام، يسوق أمامه عنيزات ثماني عجاف و يقتل خطيبهم، فإذا قتل الخطيب غاب عن الناس في الكعبة فإذا جنّه الليل ليلة السبت صعد سطح الكعبة و نادى أصحابه الثلاثمائة و ثلاثة عشر فيجتمعون عنده من مشرق الأرض و مغربها فيصبح يوم السبت فيدعو الناس إلى بيعته فأوّل من يبايعه الطائر الأبيض جبرئيل و يبقى في مكّة حتّى يجتمع إليه عشرة آلاف و يبعث السفياني عسكرين: عسكرا إلى الكوفة و عسكرا إلى المدينة و يخربونها و يهدمون القبر الشريف و تروث بغالهم في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يخرج العسكر إلى مكّة ليهدموها فإذا وصلوا البيداء خسف بهم، و لم ينج منهم إلّا رجلان أو ثلاثة يمضي أحدهما نذيرا للسفياني و الآخر بشيرا للقائم (عج). ثمّ يسير إلى المدينة و يخرج الجبت و الطاغوت و يصلبهما و يسير في أرض اللّه و يقتل الدجّال و يلتقي بالسفياني و يأتيه السفياني و يبايعه فيقول له أقوامه من أخواله: يا كلب ما صنعت؟ فيقول: أسلمت و بايعت فيقولون: و اللّه ما نوافقك على هذا فلا

____________

(1)- و هو السيّد محمود بن فتح اللّه الكاظمي في كتابه: تفريج الكربة في إثبات الرجعة على ما ذكره صاحب كتاب الذريعة و نقل بعض كلامه في الذريعة: 2/ 193 رقم 736.

139

يزالون به حتّى يخرج على القائم فيقاتله فيقتله الحجّة و لا يزال يبعد أصحابه في أقطار الأرض حتّى يستقيم له الأمر فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما و يستقرّ في الكوفة و يكون مسكن أهله مسجد السهلة و محلّ قضائه مسجد الكوفة و مدّة ملكه سبع سنين يطول الأيّام و الليالي حتّى تكون السنة بقدر عشر سنين لأنّ اللّه سبحانه يأمر الملك باللبوث فتكون مدّة ملكه سبعين سنة من هذه السنين فإذا مضى منها تسع و خمسون سنة خرج الحسين (عليه السّلام) في أنصاره الاثنين و السبعين الذين استشهدوا معه في كربلاء و ملائكة النصر و الشعث الغبر الذين عند قبره فإذا تمّت السبعون السنة أتى الحجّة الموت فتقتله امرأة من بني تميم اسمها سعيدة و لها لحية كلحية الرجل بهاون صخر من فوق سطح و هو متجاوز في الطريق فإذا مات تولّى تجهيزه الحسين (عليه السّلام) ثمّ يقوم بالأمر و يحشر له يزيد بن معاوية و عبيد اللّه بن زياد و عمر بن سعد و من معه يوم كربلاء و من رضي بأفعالهم من الأوّلين و الآخرين فيقتلهم الحسين و يقتصّ منهم و يكثر القتل في كلّ من رضي بفعلهم أو أحبّهم حتّى يجتمع عليه أشرار الناس من كلّ ناحية و يلجئونه إلى البيت الحرام فإذا اشتدّ به الأمر خرج السفّاح أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) لنصرته مع الملائكة فيقتلون أعداء الدين و يمكث علي مع ابنه الحسين (عليه السّلام) ثلاثمائة سنة و تسع سنين كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم ثمّ يضرب على قرنه الأيسر و يقتل- لعن اللّه قاتله- و يبقى الحسين (عليه السّلام) قائما بدين اللّه و مدّة ملكه خمسون ألف سنة حتّى ليربط حاجبه بعصابة من شدّة الكبر و يبقى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في موته أربعة آلاف سنة أو ستّة آلاف سنة أو عشرة آلاف سنة على اختلاف الروايات، ثم يكرّ علي في جميع شيعته لأنّه (عليه السّلام) يقتل مرّتين و يحيى مرّتين، قال (عليه السّلام): أنا الذي أقتل مرّتين و أحيى مرّتين ولي الكرّة بعد الكرّة و الرجعة بعد الرجعة و الأئمّة يرجعون حتّى القائم (عج) لأنّ لكلّ مؤمن موتة فهو في أوّل خروجه قتل و لا بدّ أن يرجع حتّى يموت، و يجتمع إبليس مع جميع أتباعه و يقتلون عند الروحاء قريبا من الفرات فيرجع المؤمنون القهقرى حتّى تقع منهم رجال في الفرات، و روي ثلاثون رجلا، فعند ذلك يأتي تأويل قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ (1) رسول اللّه ينزل من الغمام و بيده حربة من نار فإذا رآه إبليس هرب فيقول أنصاره: أين تذهب و قد

____________

(1)- سورة البقرة: 210.

140

آن لنا النصر؟ فيقول: إنّي أرى ما لا ترون إنّي أخاف اللّه ربّ العالمين، فيلحقه رسول اللّه فيطعنه في ظهره فتخرج الحربة من صدره و يقتلون أصحابه أجمعين، و عند ذلك يعبد اللّه و لا يشرك به شيئا و يعيش المؤمن لا يموت حتّى يكون له ألف ولد ذكر و إذا كسا ولده ثوبا يطول معه، كلّما طال طال الثوب و يكون لونه على حسب ما يريد و تظهر الأرض بركاتها و تؤكل ثمرة الصيف في الشتاء و بالعكس فإذا أخذت الثمرة من الشجرة ينبت مكانها حتّى لا يفقد شي‏ء و عند ذلك تظهر الجنّتان المدهامتان عند مسجد الكوفة و ما حوله بما شاء اللّه سبحانه و تعالى فإذا أراد اللّه تعالى نفاذ أمره في خراب العالمين رفع محمّدا و آله صلّى اللّه عليهم إلى السماء و بقي الناس في هرج و مرج أربعين يوما ثمّ ينفخ إسرافيل في الصور نفخة الصعق.

و ما ذكرناه هنا ملتقط من روايات الأئمّة الأطهار و الذي ينبغي للمؤمن اعتقاد رجعتهم إلى الدنيا و هو في أحاديثهم لا يرتاب فيه المؤمن بتلك الأخبار و إنّما عبرت بلفظ ينبغي دون لفظ الواجب اتقاء من خلاف بعض العلماء في ذلك من أن المراد بالرجعة قيام القائم.

و الحقّ أنّ رجعتهم حقّ بنصّ الأخبار المتكثّرة و دعوى أنّه إخبار آحاد غير مسموعة بعد ظاهر القرآن و نصّ نحو خمسمائة حديث روي عنهم و لو لم يكن إلّا إنكار المخالفين الذين يكون الرشد في خلافهم لكفى.

141

الفرع الثالث في إخبار أهل العرفان و الحسّاب و الكهنة بظهوره و علاماته (عجّل اللّه فرجه)

في البحار عن البرسي في المشارق أنّ ذا جدن الملك أرسل إلى السطيح لأمر شكّ فيه، فلمّا قدم عليه أراد أن يجرّب علمه قبل حكمه فخبأ له دينارا تحت قدمه ثمّ أذن له فدخل فقال له: ما خبأت لك يا سطيح؟ فقال سطيح: حلفت بالبيت و الحرم و الحجر الأصمّ و الليل إذا أظلم و الصبح إذا تبسّم و بكل فصيح و أبكم، لقد خبّأت لي دينارا بين النعل و القدم، فقال الملك: من أين علمك هذا يا سطيح؟ فقال: من قبل أخ لي جنّي ينزل معي أنّى نزلت، فقال الملك: أخبرني عمّا يكون في الدهور؟ فقال سطيح: إذا غارت الأخيار و قادت الأشرار و كذّب بالأقدار و حمل بالأوقار و خشعت الأبصار لحامل الأوزار و قطعت الأرحام و ظهرت الطعام لمستحلّي الحرام في حرمة الإسلام و اختلفت الكلمة و خفرت الذمّة و قلّت الحرمة و ذلك عند طلوع الكوكب الذي يفزع العرب و له شبيه الذنب، فهناك ينقطع الأمطار و تجفّ الأنهار و تختلف الأعصار و تغلو الأسعار في جميع الأقطار، ثمّ تقبل البربر بالرايات الصفر على البراذين حتّى ينزلوا مصر فيخرج رجل من ولد صخر فيبدّل الرايات السود بالحمر فيبيح المحرمات و يترك النساء بالثدي معلّقات و هو صاحب نهب الكوفة، فربّ بيضاء الساق مكشوفة، على الطريق مردوفة، بها الخيل محفوفة، قتل زوجها و كسر عجزها و استحلّ فرجها، فعندها يظهر ابن النبي المهدي (عج)، و ذلك إذا قتل المظلوم بيثرب و ابن عمّه في الحرم و ظهر الخسفي فوافق الوسمي فعند ذلك يقبل المشوم بجمعه الظلوم فتظاهر الروم بقتل القروم فعندها ينكسف كسوف إذا حاد الزحوف و صفا الصفوف و يظهر ملك من صنعاء اليمن أبيض كالقطع اسمه حسين أو حسن فيذهب بخروجه عمر الفتن، فهناك يظهر مباركا زكيّا و هاديا و مهديّا و سيّدا علويّا فيفرح الناس إذا أتاهم بمن اللّه الذي هداهم فيكشف بنوره الظلمة و يظهر به الحقّ بعد الخفاء و يفرّق الأموال في الناس بالسواء

142

و يغمد السيف فلا يسفك الدماء و يعيش الناس في البشر و الهناء و يغسل بماء عدله عين الدهر من القذى و يرد الحق على أهل القرى و يكثر في الناس الضيافة و القرى و يرفع بعدله الغواية و العمى كأنّه كان غبارا فانجلى فيملأ الأرض عدلا و قسطا و الأيّام حبّا و هو علم الساعة بلا امتراء (1).

و في الينابيع عن الشيخ محيي الدين الطائي الأندلسي في حل الصحيفات الجفرية: و لما أطلعني اللّه على العوالم الماضية سألت عن شرحيهما فقال: إنّهما لا يعلمان إلّا ظاهره و إنّه إلى الآن مقفل فحله لي، و الإمام علي (عليه السّلام) ورث علم الحروف من سيّدنا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنا مدينة العلم و عليّ بابها فمن أراد العلم فعليه بالباب، و قد ورث علي كرّم اللّه وجهه علم الأوّلين و الآخرين و ما رأيت فيمن اجتمعت بهم أعلم منه.

قال ابن عبّاس: أعطي الإمام علي كرّم اللّه وجهه تسعة أعشار العلم و إنّه لأعلمهم بالعشر الباقي و هو أوّل من وضع مربع مائة في مائة في الإسلام و قد صنّف الجفر الجامع في أسرار الحروف و فيه ما جرى للأوّلين و ما يجري للآخرين و فيه اسم اللّه الأعظم و تاج آدم و خاتم سليمان و حجاب آصف و كانت الأئمّة الراسخون من أولاده يعرفون أسرار هذا الكتاب الربّاني و اللباب النوراني و هو ألف و سبعمائة مصدر المعروف بالجفر الجامع و النور اللامع و هو عبارة عن لوح القضاء و القدر، ثمّ الإمام الحسين (عليه السّلام) ورث علم الحروف من أبيه كرّم اللّه وجهه ثمّ الإمام زين العابدين ورث عن أبيه (عليهما السّلام) ثمّ الإمام محمد الباقر (عليه السّلام) ورثه من أبيه ثمّ الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) ورثه من أبيه (عليه السّلام) و هو الذي غاص في أعماق أغواره و استخرج درره من أصداف أسراره و حلّ معاقد رموزه و فكّ طلاسم كنوزه و صنف الخافية في علم الجفر و جعل في خافية الباب الكبير ابتث و في الباب الكبير أبجد إلى قرشت و نقل أنّه يتكلّم بغوامض الأسرار و العلوم الحقيقية و هو ابن سبع سنين، و قال الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام): علمنا غابر و مزبور و كتاب مسطور في رقّ منشور و نكت في القلوب و مفاتيح أسرار الغيوب و نقر في الأسماع و لا ينفر عنه الطباع و عندنا الجفر الأبيض و الجفر الأحمر و الجفر الإكسير و الجفر الأصفر و منّا الفرس الغوّاص و الفارس القنّاص فافهم هذا اللسان الغريب و البيان العجيب.

____________

(1)- البحار: 51/ 162.

143

قيل: إنّ الجفر يظهر في آخر الزمان مع الإمام محمد المهدي رضى اللّه عنه و لا يعرف عن الحقيقة إلّا هو، كان الإمام علي (عليه السّلام) من أعلم الناس بعلم الحروف و أسرارها و قال الإمام علي: سلوني قبل أن تفقدوني فإنّ بين جنبي علوما كالبحار الزواخر. و اعلم أنّ هذا الجفر هو التكسير الكبير الذي ليس فوقه شي‏ء و لم يهتد إلى وضعه من لدن آدم إلى الإسلام غير الإمام علي كرّم اللّه وجهه كلّ ذلك ببركة تعليم خير الأنام و مصباح الظلام محمّد عليه أفضل الصلاة و أتمّ السلام. و لما كنت في بلدة بجاية سنة عشرة و ستمائة اجتمعت بإدريس و حللت عليه الثمانية و العشرين سفرا بكمالها و أهدى إليّ علمه على أحسن حال. فهذا الذي حملني على إخراج كتاب سهل ممتنع و ما سلم من الخطأ إلّا المعصوم و ما منّا إلّا له مقام معلوم، و أنّ الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) وضع وفقا مسدسا على عدد حرف ألف الذي هو كافي و كان يخرج منه علوما كالبحار الزواخر، و إن أردت حلّه على الحقيقة فانظر في كتاب شقّ الجيب يظهر لك سرّ ذلك، و كان لسيّدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي فيه تصرّف غريب. قال سيّدي الشيخ أبو مدين المغربي: ما رأيت شيئا إلّا رأيت شكل الباء فيه، و لذلك كان أوّل البسملة و هي آية من كلّ سورة. و قال: ما من رسم يرسم إلّا و له خاصّية حتّى الحيّة إذا مشت على التراب. و قد أودع الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) في السرّ الأكبر من الجفر الأحمر سرّا كبيرا و لا ينبئك إلّا مثل إمام خبير فإن عرفت سرّه و وضعه وضعت الجفر جميعه، و ذكرت بعض هذه الأسرار في الفتوحات المكيّة، فلمّا أراد اللّه أن يثبت الحجّة لآدم (عليه السّلام) على الملائكة و أراد أن يعلمهم أنّ آدم أحقّ بالخلافة منهم قال: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ‏ (1) فثبت العجز على الملائكة بالمسألة التي سألهم إيّاها و عجزوا عن علمها فجعل آدم خليفة لكونه أحقّ بالخلافة منهم لفضل علمه. فمن وصل إلى هذه الفضيلة فقد اختصّه اللّه تبارك و تعالى من بين عباده و جعله أفضل أهل زمانه، و لم يهتدوا إلى سرّ يقع إلّا إمام العلوم باب مدينة المعصوم، و حللنا نزرا يسيرا في شقّ الجيب فيما يتعلّق بالمهدي (عج) و خروجه: أخرج يا إمام تعطل الإسلام إنّ الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد.

إذا دار الزمان على حروف‏* * * ببسم اللّه فالمهديّ قاما

____________

(1)- سورة البقرة: 33.

144

و يخرج بالحطيم عقيب صوم‏* * * ألا فأقرئه من عندي السلاما (1)

لمّا انجر الكلام بذكر الشيخ العارف الكامل محيي الدين ناسب ذكر بعض كلماته (في الفتوحات المكيّة) و هو هذا: إنّ للّه خليفة يخرج من عترة رسول اللّه من ولد فاطمة يواطئ اسمه اسم رسول اللّه، جدّه الحسين بن علي (عليهما السّلام) يبايع بين الركن و المقام يشبه برسول اللّه في الخلق- بفتح الخاء- و ينزل عنه في الخلق- بضمّ الخاء- أسعد الناس به أهل الكوفة يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا يضع الجزية على الكفّار و يدعو إلى اللّه بالسيف و يرفع المذاهب عن الأرض فلا يبقى إلّا الدين الخالص، أعداؤه مقلّدة العلماء أهل الاجتهاد لما يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمّتهم فيدخلون كرها تحت حكمه خوفا من سيفه يفرح به عامّة المسلمين أكثر من خواصّهم يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود و كشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته و ينصرونه و لو لا أنّ السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله و لكنّ اللّه يظهره بالسيف و الكرم فيطمعون و يخافون و يقبلون حكمه من غير إيمان و يضمرون خلافه و يعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمّتهم أنّه على ضلال في ذلك لأنّهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد و زمانه قد انقطع و ما بقي مجتهد في العالم و أنّ اللّه لا يوجد بعد أئمّتهم أحدا له درجة الاجتهاد، و أمّا من يدّعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية فهو عندهم مجنون فاسد الخيال، انتهى. (2)

فانظر بعين الإنصاف قوله: للّه خليفة، و قوله: أسعد الناس به أهل المعرفة، و قوله: أعداؤه مقلّدة العلماء أهل الاجتهاد، و قوله: لأنّهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد و زمانه قد انقطع.

و في الينابيع عن الشيخ الجليل اليماني:

و في يمن أمن يكون لأهلها* * * إلى أن ترى نور الهداية مقبلا

بميم مجيد من سلالة حيدر* * * و من آل بيت طاهرين بمن علا

يسمّى بالمهدي من الحقّ ظاهر* * * بسنة خير الخلق يحكم أوّلا

و قال الشيخ الكبير عبد الرحمن البسطامي:

و يظهر ميم المجد من آل أحمد* * * و يظهر عدل اللّه في الناس أوّلا

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 221 ط. دار الاسوة، و فيض القدير: 6/ 361 ح 9242.

(2)- الفتوحات المكيّة: 3/ 419 باب 366 ط. بولاق- مصر.

145

كما قد روينا من علي الرضا* * * و في كنز علم الحرف أضحى محصلا (1)

و عنه أيضا:

و يخرج حرف الميم من بعد شينه‏* * * بمكة نحو البيت بالنصر قد علا

فهذا هو المهدي بالحقّ ظاهر* * * سيأتي من الرحمن للحقّ مرسلا

و يملأ كلّ الأرض بالعدل رحمة* * * و يمحو ظلام الشرك و الجور أوّلا

ولايته بالأمر من عند ربّه‏* * * خليفة خير الرسل من عالم العلى‏ (2)

و عن الشيخ محيي الدين في كتابه المسمّى عنقاء المغرب:

فعند فنا خاء الزمان و دالها* * * على فاء مدلول الكرور يقوم‏

مع السبعة الأعلام و الناس غفل‏* * * عليم بتدبير الامور حكيم‏

فأشخاصه خمس و خمس و خمسة* * * عليهم ترى أمر الوجود يقوم‏

و من قال إنّ الأربعين نهاية* * * لهم فهو قول يرتضيه كليم‏

و إن شئت أخبر عن ثمان و لا تزد* * * طريقهم فرد إليه قويم‏

فسبعتهم في الأرض لا يجهلونها* * * و ثامنهم عند النجوم لزيم‏

و عن الشيخ صدر الدين القونوي في شأنه و علامة ظهوره:

يقوم بأمر اللّه في الأرض ظاهرا* * * على رغم شيطانين بالمحق للكفر

يؤيّد شرع المصطفى و هو ختمه‏* * * و يمتدّ من ميم بأحكامها يدري‏

و مدّته ميقات موسى و جنده‏* * * خيار الورى في الوقت يخلو عن الحصر

على يده محق اللئام جميعهم‏* * * بسيف قويّ المتن علّك أن تدري‏

حقيقة ذاك السيف و القائم الذي‏* * * تعيّن للدين القويم على الأمر

لعمري هو الفرد الذي بان سرّه‏* * * بكلّ زمان في مطاه يسري‏

تسمّى بأسماء المراتب كلّها* * * خفاء و إعلانا كذاك إلى الحشر

أ ليس هو النور الأتمّ حقيقة* * * و نقطة ميم منه إمدادها يجري‏

يفيض على الأكوان ما قد أفاضه‏* * * عليه إله العرش في أزل الدهر

فما ثم إلّا الميم لا شي‏ء غيره‏* * * و ذو العين من نوّابه مفرد العصر

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 337 ط. دار الاسوة.

(2)- المصدر السابق.

146

هو الروح فاعلمه و خذ عهده إذا* * * بلغت إلى مدّ مديد من العمر

كأنّك بالمذكور تصعد راقيا* * * إلى ذروة المجد الأثيل على القدر

و ما قدره إلّا ألوف بحكمة* * * إلى حدّ مرسوم الشريعة بالأمر

بنا قال أهل الحلّ و العقد و اكتفى‏* * * بنصّهم المثبوت في صحف الزبر

فإن تبغ ميقات الظهور فإنّه‏* * * يكون بدور جامع مطلع الفجر

بشمس تمدّ الكلّ من ضوء نورها* * * و جمع دراري الأوج فيها مع البدر

و صلّ على المختار من آل هاشم‏* * * محمد المبعوث بالنهي و الأمر

عليه صلاة اللّه ما لاح بارق‏* * * و ما أشرقت شمس الغزالة في الظهر

و آل و أصحاب اولي الجود و التقى‏* * * صلاة و تسليما يدومان للحشر (1)

و عن أبي هلال المصري استاذ محيي الدين:

إذا حكم النصارى في الفروج‏* * * و غالوا في البغال و في السروج‏

و ذلّت دولة الإسلام طرّا* * * و صار الحكم في أيدي العلوج‏

فقل للأعور الدجّال هذا* * * زمانك إن عزمت على الخروج‏

عن محبوب القلوب قطب الدين الأشكوري عن سعد الدين الحموي بيتا بالعربي يشعر بزمان قيام القائم (عج) الملك الخفي الجلي بالرمز العددي و هو هذا:

إذا بلغ الزمان عقيب صوم‏* * * ببسم اللّه فالمهديّ قاما

اللهمّ عجّل فرجه و سهّل مخرجه

و نقل أيضا عن الشيخ محيي الدين في العلائم:

لا بدّ للروم ممّا ينزل حلبا* * * مدججين بأعلام و أبواق‏

و الترك تحشر من نصيبين‏ (2)من حلب‏* * * يأتوا كراديس في جمع و أفراق‏

كم من قتيل يرى في الترب منجدلا* * * في رمستين بدا كالماء مهراق‏

و لا تزال جيوش الترك سائرة* * * حتّى تحلّ بأرض القدس عن ساق‏

و الترك يستنجد المصري حين يرى‏* * * في جحفل الروم غدرا بعد ميثاق‏

و يخرج الروم في جيش لهم جلب‏* * * إلى اللقاء بإرقال و إعناق‏

____________

(1)- ينابيع المودّة: 3/ 338 بتفاوت.

(2)- مدينة بين الموصل و الشام (المعجم: 5/ 288).

147

و تخرب الشام حتّى لا انجبار لها* * * من روم أو روس و إفرنج و بطراق‏

و تنشر الراية الصفراء في حلب‏* * * من كفّ قيل يقول الحقّ مصداق‏

يا وقعة لملوك الأرض أجمعها* * * روم و روس و إفرنج و بطراق‏

ويل الأعاجم من ويل يحلّ بهم‏* * * من واد و خل من روس و اعناق‏

يأخذهم السيف من أرض الجبال فلا* * * يبقى ببغداد منهم فارس باق‏

و تملك الكرد بغدادا و ساحتها* * * إلى خريسان من شرق لا عراق‏

و تشرب الشاة و السرحان ماءهما* * * بالأمن من غير إرجاف و إفراق‏

و تأتي الصيحة العظمى فلا أحد* * * ينجو و لا من حكمه باق‏

و اللّه أعلم بعد ذلك ما ذا يكون و يبقى‏* * * ذو الوجود الواحد الباقي‏

زهرة: في الصراط المستقيم: وجد كتاب بخط الكمال العلوي النيسابوري في خزانة أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيه وصيّة لابنه محمد بن الحنفية، و هذا الكتاب تأليف الشيخ زين أبي محمد علي بن محمد بن يونس العاملي الفنفجوري النباطي البياضي:

بنيّ إذا ما جاشت الترك فانتظر* * * ولاية مهديّ يقوم و يعدل‏

و ذلّ ملوك الأرض من آل هاشم‏* * * و بويع منهم من يلذ و يهزل‏

صبيّ من الصبيان لا رأي عنده‏* * * و لا عنده جلّ و لا هو يعقل‏

فثمّ يقوم القائم الحقّ منكم‏* * * و بالحق يأتيكم و بالحق يعمل‏

سمي نبي اللّه نفسي فداؤه‏* * * فلا تخذلوه يا بني و عجلوا (1)

أقول: هذه الأشعار أيضا في الديوان المنسوب إليه مذكور، و كذا في خطبته (عليه السّلام) المعروفة بخطبة البيان التي تذكر بعيد هذا.

____________

(1)- الصراط المستقيم: 2/ 264.

148

الفرع الرابع و هو فرع الرياحين في خطب علي (عليه السّلام) في علامات الظهور و حديث مفضل بن عمر في علامات الظهور و الرجعة و هو مشتمل على رياحين‏

الريحان الأوّل: في الخطبة التي خطبها في البصرة المعروفة بخطبة البيان‏

و لما كانت نسختها مختلفة ذكرنا نسختين منها نسخة ذكر فيها أصحاب القائم و نسخة ذكر فيها أصحاب الولاة منسوبة منه إلى البلاد.

النسخة الاولى: في نسخة حدّثنا محمّد بن أحمد الأنباري قال: حدّثنا محمد بن أحمد الجرجاني قاضي الري قال: حدّثنا طوق بن مالك عن أبيه عن جدّه عن عبد اللّه بن مسعود رفعه إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام): لمّا تولّى الخلافة بعد الثلاثة أتى إلى البصرة فرقي جامعها و خطب الناس خطبة تذهل منها العقول و تقشعر منها الجلود، فلمّا سمعوا منه ذلك أكثروا البكاء و النحيب و علا الصراخ، قال: و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد أسرّ إليه السرّ الخفي الذي بينه و بين اللّه عزّ و جلّ فلأجل ذلك انتقل النور الذي كان في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى وجه علي ابن أبي طالب (عليه السّلام) قال: و مات النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في مرضه الذي أوصى فيه لعلي أمير المؤمنين (عليه السّلام) و كان قد أوصى أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يخطب الناس خطبة البيان فيها علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة قال: فأقام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد موت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صابرا على ظلم الامّة إلى أن قرب أجله و حان وصاية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالخطبة التي تسمّى خطبة البيان فقام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالبصرة ورقي المنبر و هي آخر خطبة خطبها فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: أيّها الناس أنا و حبيبي محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كهاتين و أشار بسبابته و الوسطى و لو لا آية في كتاب اللّه لنبأتكم بما في السماوات و الأرض و ما في قعر هذا فما يخفى عليّ منه شي‏ء و لا تعزب كلمة منه و ما اوحي إليّ بل هو علم علمنيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لقد أسرّ لي ألف مسألة في كلّ مسألة ألف باب و في كلّ باب ألف نوع، فاسألوني قبل أن تفقدوني، اسألوني عمّا دون العرش‏

149

أخبركم و لو لا أن يقول قائلكم: إنّ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ساحر كما قيل في ابن عمّي، لأخبرتكم بمواضع أحلامكم و بما في غوامض الخزائن (المسائل) و لأخبرتكم بما في قرار الأرض‏ (1).

و هذه هي خطبته التي خطب و هي خطبة البيان:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه بديع السماوات و فاطرها و ساطح المدحيات و قادرها و مؤيّد الجبال و ساغرها (2) و مفجّر العيون و باقرها و مرسل الرياح و زاجرها و ناهي القواصف و آمرها و مزين السماء و زاهرها و مدبّر الأفلاك و مسيّرها و مظهر البدور و نائرها و مسخّر السحاب و ماطرها و مقسّم المنازل و مقدّرها [و] مدلج الحنادس‏ (3) و عاكرها و محدث الأجسام و قاهرها و منشئ السحاب و مسخّرها و مكوّر الدهور و مكرّرها و مورد الامور و مصدرها و ضامن الأرزاق و مدبّرها و منشئ الرفات‏ (4) و منشرها. أحمده على آلائه و توافرها و أشكره على نعمائه و تواترها و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة يؤدّي الإسلام ذاكرها و يؤمن من العذاب يوم الحساب ذاخرها، و أشهد أنّ محمّدا عبده الخاتم لما سبق من الرسالة و فاخرها و رسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة و ناشرها أرسله إلى أمّة قد شغل بعبادة الأوثان سائرها (5) و اغتلطس بضلالة دعاة الصلبان ماهرها و فخر بعمل الشيطان فاخرها و هداها عن لسان قول العصيان طائرها و ألمّ بزخرف الجهالات و الضلالات سوء ماكرها فأبلغ رسول اللّه في النصيحة و ساحرها و محا بالقرآن دعوة الشيطان و دامرها و أرغم معاطس‏ (6) جهال العرب و أكابرها حتّى أصبحت دعوته بالحقّ ينطق ثامرها (7) و استقامت به دعوة العليا و طابت عناصرها، أيّها الناس سار المثل و حقّق العمل و كثر الوجل و قرب الأجل و دنا الرحيل و لم يبق من عمري إلّا القليل فاسألوني قبل أن تفقدوني.

أيّها الناس أنا المخبر عن الكائنات أنا مبين الآيات أنا سفينة النجاة أنا سرّ الخفيّات أنا صاحب البيّنات أنا مفيض الفرات أنا معرب التوراة أنا المؤلّف للشتات أنا مظهر المعجزات‏

____________

(1)- بتفاوت في الأمان: 68، و من لا يحضره الفقيه باختصار: 4/ 175 ح 5402.

(2)- السغر: النفي (لسان العرب: 4/ 740) و في المصدر: قافرها.

(3)- الحنادس: الليالي المظلمة.

(4)- الرفات: العظام البالية المتفرّقة.

(5)- في المصدر: شاعرها.

(6)- المعطس: الأنف (كتاب العين: 1/ 319).

(7)- الثامر: كل شي‏ء خرج ثمره (لسان العرب: 4/ 214).

150

أنا مكلّم الأموات أنا مفرّج الكربات أنا محلّل المشكلات أنا مزيل الشبهات أنا ضيغم الغزوات أنا مزيل المهمّات أنا آية المختار أنا حقيقة الأسرار أنا الظاهر علي حيدر الكرّار أنا الوارث علم المختار أنا مبيد الكفّار أنا أبو الأئمّة الأطهار أنا قمر السرطان‏ (1) أنا شعر الزبرقان‏ (2) أنا أسد الشرة (3) أنا سعد الزهرة أنا مشتري الكواكب أنا زحل الثواقب أنا عين الشرطين أنا عنق السبطين أنا حمل الإكليل أنا عطارد التعطيل أنا قوس العراك أنا فرقد السماك‏ (4) أنا مريخ الفرقان أنا عيون الميزان أنا ذخيرة الشكور أنا مصحّح‏ (5) الزبور أنا مؤوّل التأويل أنا مصحف الإنجيل أنا فصل الخطاب أنا أمّ الكتاب أنا منجد البررة أنا صاحب البقرة أنا مثقل الميزان أنا صفوة آل عمران أنا علم الأعلام و أنا جملة الأنعام أنا خامس أهل الكساء أنا تبيان النساء أنا صاحب الأعراف أنا مبيد الأسلاف أنا مدير الكرم أنا توبة (6) الندم أنا الصاد و الميم أنا سرّ إبراهيم أنا محكم الرعد أنا سعادة الجد أنا علانية المعبود أنا مستنبط هود أنا نحلة الخليل أنا آية بني إسرائيل أنا مخاطب الكهف أنا محبوب الصحف أنا الطريق الأقوم أنا موضح مريم أنا السورة لمن تلاها أنا تذكرة آل طه أنا ولي الأصفياء أنا الظاهر مع الأنبياء أنا مكرّر الفرقان أنا آلاء الرحمن أنا محكم الطواسين أنا إمام آل ياسين أنا حاء الحواميم أنا قسم الم أنا سائق الزمر أنا آية القمر أنا راقب المرصاد أنا ترجمة صاد أنا صاحب الطور أنا باطن السرور أنا عتيد قاف أنا قارع الأحقاف أنا مرتّب الصافات أنا ساهم الذاريات أنا سورة الواقعة أنا العاديات و القارعة أنا نون و القلم أنا مصباح الظلم أنا مؤوّل القرآن أنا مبين البيان أنا صاحب الأديان أنا ساقي العطشان أنا عقد الإيمان أنا قسيم الجنان أنا كيوان الإمكان أنا تبيان الامتحان أنا الأمان من النيران أنا حجّة اللّه على الإنس و الجان أنا أبو الأئمّة الأطهار أنا أبو المهدي القائم في آخر الزمان قال: فقام إليه مالك الأشتر فقال: متى يقوم هذا القائم من ولدك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السّلام): إذا زهق الزاهق، و خفت الحقائق و لحق‏

____________

(1)- البرج المعروف.

(2)- الزبرقان: ليلة خمس عشرة ليلة البدر (كتاب العين: 5/ 255).

(3)- الشرة: النشاط و الرغبة و منه الحديث: لكل عابد شرة (النهاية: 2/ 458).

(4)- السماك الاعزل و هو الكوكب في برج الميزان و طلوعه يكون في الصبح لخمس يخلون من تشرين الاول (مجمع البحرين: 2/ 421).

(5)- في نسخة: مفصح.

(6)- في نسخة: تابوت.

151

اللاحق و ثقلت الظهور و تقاربت الامور و حجب النشور و أرغم المالك و سلك السالك و دهش العدد و هاجت الوساوس و غيطل‏ (1) العساعس‏ (2) و ماجت الأمواج و ضعف الحاج و اشتد الغرام و ازدلف الخصام و اختلفت العرب و اشتد الطلب و نكص الهرب و طلبت الديون و ذرفت العيون و أغبن المغبون و شاط النشاط و حاط الهباط و عجز المطاع و اظلم الشعاع و صمّت الأسماع و ذهب العفاف و سجسج الإنصاف و استحوذ الشيطان و عظم العصيان و حكمت النسوان و فدحت الحوادث و نفثت النوافث و هجم الوابث و اختلفت الأهواء و عظمت البلوى و اشتدّت الشكوى و استمرّت الدعوى و قرض القارض و لمظ اللامظ و تلاحم الشداد و نقل الملحاد و عجت الفلاة و خجعج الولاة و نضل‏ (3) البارخ و عمل الناسخ و زلزلت الأرض و عطل الفرض و كبتت الأمانة و بدت الخيانة و خشيت الصيانة و اشتد الغيض و أراع الفيض و قاموا الأدعياء و قعدوا الأولياء و خبثت الأغنياء و نالوا الأشقياء و مالت الجبال و أشكل الاشكال و شيع الكربال‏ (4) و منع الكمال و ساهم المستحيح و مع الفليح و كفكف الترويح و خدخد البلوع و تكلكل الهلوع و فدفد المذعور و ندند الديجور و نكس المنشور و عبس العبوس و كسكس الهموس و أجلب الناموس و دعدع‏ (5) الشقيق و جرثم الأنيق و نور الأفيق‏ (6) و أذاد الذائد و راد الرائد و جد الجدود و مدّ المدود و كد الكدود و حدّ الحدود و نطل الطليل‏ (7) و علعل العليل و فضل الفضيل و شتّت الشتات و شمتت الشمات و كد الهرم و قضم القضم و سدم السدم و بال الذاهب و ذاب الذائب و نجم ثاقب و ورور القران و احمر الدبران‏ (8) و سدس الشيطان و ربع الزبرقان و ثلث الحمل و ساهم زحل و أقل العرا (9) و الزخار (10) و أنبت الأقدار و كملت العشرة و سدس الزهرة و غرمت الغمرة (11)

____________

(1)- الغيطل: شجر ملتف، و الغيطلة أصوات القوم و الغيطلة اسم الظلام و تراكمه (كتاب العين: 4/ 386).

(2)- من العس من يسعى في الليل (كتاب العين: 1/ 74).

(3)- أي فضله في مراماة فغلبه.

(4)- ما تكربل به الحنطة.

(5)- ملأ.

(6)- الافيق: بين جوران و الغور و هو الاردن (تاج العروس: 6/ 179) و قيل الجلد الذي لم يدبغ.

(7)- الطليل: الحصير.

(8)- اسم نجم.

(9)- نوع من الشجر (كتاب العين: 1/ 86).

(10)- كثير الماء.

(11)- الماء الكثير كما في النهاية: 3/ 384، و الغمرة الشدة كما في اللسان.

152

و طهرت الأفاطس و توهم الكساكس و تقدّمتهم النفائس فيكدحون الجرائر و يملكون الجزائر و يحدثون كيسان و يخربون خراسان و يصرفون الحلسان و يهدمون الحصون و يظهرون المصون و يقتطفون الغصون و يفتحون العراق و يحجمون الشقاق بدم يراق فعند ذلك ترقّبوا خروج صاحب الزمان.

ثمّ إنّه جلس على أعلى مرقاة من المنبر و قال: آه ثمّ آه لتعريض الشفاه و ذبول الأفواه، قال (عليه السّلام) فالتفت يمينا و شمالا و نظر إلى بطون العرب و ساداتهم و وجوه أهل الكوفة و كبار القبائل بين يديه و هم صموت كأنّ على رءوسهم الطير فتنفّس الصعداء و أنّ كمدا و تململ حزينا و سكت هنيئة فقام إليه سويد بن نوفل و هو كالمستهزئ و هو من سادات الخوارج فقال: يا أمير المؤمنين أ أنت حاضر ما ذكرت و عالم بما أخبرت؟ قال: فالتفت إليه الإمام (عليه السّلام) و رمقه بعينه رمقة الغضب فصاح سويد بن نوفل صيحة عظيمة من عظم نازلة نزلت به فمات من وقته و ساعته فأخرجوه من المسجد و قد تقطّع إربا إربا فقال (عليه السّلام): أ بمثلي يستهزئ المستهزءون أم عليّ يتعرّض المتعرّضون؟ أو يليق لمثلي أن يتكلّم بما لا يعلم و يدّعي ما ليس له بحق، هلك و اللّه المبطلون، و أيم اللّه لو شئت ما تركت عليها من كافر باللّه و لا منافق برسوله و لا مكذّب بوصيّه و إنّما أشكو بثّي و حزني إلى اللّه و أعلم من اللّه ما لا تعلمون.

قال: فقام إليه صعصعة بن صوحان و ميثم و إبراهيم بن مالك الأشتر و عمر بن صالح فقالوا: يا أمير المؤمنين قل لنا بما يجري في آخر الزمان فإنّ قولك يحيي قلوبنا و يزيد في إيماننا. فقال: حبّا و كرامة، ثمّ نهض (عليه السّلام) قائما و خطب خطبة بليغة تشوّق إلى الجنّة و نعيمها و تحذّر من النار و جحيمها، ثمّ قال (عليه السّلام): أيّها الناس إنّي سمعت أخي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول:

تجتمع في أمّتي مائة خصلة لم تجتمع في غيرها فقامت العلماء و الفضلاء يقبّلون بواطن قدميه و قالوا: يا أمير المؤمنين نقسم عليك بابن عمّك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن تبيّن لنا ما يجري في طول الزمان بكلام يفهمه العاقل و الجاهل قال: ثمّ إنّه حمد اللّه و أثنى عليه و ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فصلّى عليه و قال: أنا مخبركم بما يجري من بعد موتي و بما يكون إلى خروج صاحب الزمان القائم بالأمر من ذريّة ولد الحسين و إلى ما يكون في آخر الزمان حتّى تكونوا على حقيقة من البيان فقالوا: متى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السّلام): إذا وقع الموت في الفقهاء و ضيّعت أمّة محمّد المصطفى الصلاة و اتّبعوا الشهوات و قلّت الأمانات و كثرت‏

153

الخيانات و شربوا القهوات و استشعروا شتم الآباء و الامّهات و رفعت الصلاة من المساجد بالخصومات و جعلوها مجالس الطعامات و أكثروا من السيّئات و قلّلوا من الحسنات و عوصرت السماوات فحينئذ تكون السنة كالشهر و الشهر كالاسبوع و الاسبوع كاليوم و اليوم كالساعة و يكون المطر قيظا و الولد غيضا و يكون أهل ذلك الزمان لهم وجوه جميلة و ضمائر رديّة من رآهم أعجبوه و من عاملهم ظلموه، وجوههم وجوه الآدميين و قلوبهم قلوب الشياطين فهم أمرّ من الصبر و أنتن من الجيفة و أنجس من الكلب و أروغ من الثعلب و أطمع من الأشعب و ألزق من الجرب لا يتناهون عن منكر فعلوه إن حدّثتهم كذبوك و إن أمنتهم خانوك و إن ولّيت عنهم اغتابوك و إن كان لك مال حسدوك و إن بخلت عنهم بغضوك و إن وضعتهم شتموك، سمّاعون للكذب أكّالون للسحت، يستحلّون الزنا و الخمر و المقالات و الطرب و الغناء، و الفقير بينهم ذليل حقير و المؤمن ضعيف صغير و العالم عندهم وضيع و الفاسق عندهم مكرم و الظالم عندهم معظّم و الضعيف عندهم هالك و القويّ عندهم مالك لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر، الغنى عندهم دولة و الأمانة مغنمة و الزكاة مغرمة و يطيع الرجل زوجته و يعصي والديه و يجفوهما و يسعى في هلاك أخيه و ترفع أصوات الفجّار و يحبّون الفساد و الغناء و الزنا و يتعاملون بالسحت و الربا و يعار على العلماء و يكثر ما بينهم سفك الدماء، و قضاتهم يقبلون الرشوة و تتزوّج الامرأة بالامرأة و تزفّ كما تزفّ العروس إلى زوجها و تظهر دولة الصبيان في كلّ مكان و يستحلّ الفتيان المغاني و شرب الخمر و تكتفي الرجال بالرجال و النساء بالنساء و تركب السروج الفروج، فتكون الامرأة مستولية على زوجها في جميع الأشياء؛ و تحجّ الناس ثلاثة وجوه: الأغنياء للنزهة و الأوساط للتجارة و الفقراء للمسألة و تبطل الأحكام و تحبط الإسلام و تظهر دولة الأشرار و يحلّ الظلم في جميع الأمصار فعند ذلك يكذب التاجر في تجارته و الصائغ في صياغته و صاحب كلّ صنعة في صناعته فتقلّ المكاسب و تضيق المطالب و تختلف المذاهب و يكثر الفساد و يقلّ الرشاد فعندها تسودّ الضمائر و يحكم عليهم سلطان جائر و كلامهم أمرّ من الصبر و قلوبهم أنتن من الجيفة، فإذا كان كذلك ماتت العلماء و فسدت القلوب و كثرت الذنوب و تهجر المصاحف و تخرب المساجد و تطول الآمال و تقلّ الأعمال و تبنى الأسوار في البلدان مخصوصة لوقع العظائم النازلات فعندها لو صلّى أحدهم يومه و ليلته فلا يكتب له منها

154

شي‏ء و لا تقبل صلاته لأنّ نيّته و هو قائم يصلّي يفكّر في نفسه كيف يظلم الناس و كيف يحتال على المسلمين و يطلبون الرئاسة للتفاخر و المظالم و تضيق على مساجدهم الأماكن و يحكم فيهم المتألف‏ (1) و يجور بعضهم على بعض و يقتل بعضهم بعضا عداوة و بغضا و يفتخرون بشرب الخمور و يضربون في المساجد العيدان و الزمر فلا ينكر عليهم أحد، و أولاد العلوج يكونون في ذلك الزمان الأكابر و يرعى القوم سفهاؤهم و يملك المال من لا يملكه و لا كان له بأهل لكع من أولاد اللكوع و تضع الرؤساء رءوسا لمن لا يستحقّها و يضيق الذرع و يفسد الزرع و تفشو البدع و تظهر الفتن، كلامهم فحش و عملهم وحش و فعلهم خبث و هم ظلمة غشمة و كبراؤهم بخلة عدمة و فقهاؤهم يفتون بما يشتهون و قضاتهم بما لا يعلمون يحكمون و أكثرهم بالزور يشهدون، من كان عنده درهم كان عندهم مرفوعا، و من علموا أنّه مقلّ فهو عندهم موضوع، و الفقير مهجور و مبغوض و الغني محبوب و مخصوص، و يكون الصالح فيها مدلول الشوارب، يكبرون قدر كلّ نمّام كاذب و ينكس اللّه منهم الرءوس و يعمي منهم القلوب التي في الصدور أكلهم سمان الطيور و الطياهيج‏ (2) و لبسهم الخزّ اليماني و الحرير، يستحلّون الربا و الشبهات و يتعارضون للشهادات، يراءون بالاعمال، قصراء الآجال لا يمضي عندهم إلّا من كان نمّاما، يجعلون الحلال حراما، أفعالهم منكرات و قلوبهم مختلفات، يتدارسون فيما بينهم بالباطل و لا يتناهون عن منكر فعلوه، يخاف أخيارهم أشرارهم، يتوازرون في غير ذكر اللّه تعالى، يهتكون فيما بينهم بالمحارم و لا يتعاطفون، بل يتدابرون، إن رأوا صالحا ردّوه و إن رأوا نمّاما آثما استقبلوه و من أساءهم يعظّموه و تكثر أولاد الزنا، و الآباء فرحون بما يرون من أولادهم القبيح فلا ينهونهم و لا يردّونهم عنه و يرى الرجل من زوجته القبيح فلا ينهاها و لا يردّها عنه و يأخذ ما تأتي به من كد فرجها و من مفسد خدرها حتّى لو نكحت طولا و عرضا لم تهمّه و لا يسمع ما قيل فيها من الكلام الردي‏ء، فذاك هو الديّوث الذي لا يقبل اللّه له قولا و لا عدلا و لا عذرا فأكله حرام و منكحه حرام فالواجب قتله في شرع الإسلام و فضيحته بين الأنام و يصلى سعيرا في يوم القيام، و في ذلك يعلنون بشتم الآباء و الامّهات و تذلّ السادات و تعلو الأنباط و يكثر

____________

(1)- في الصحاح: (4/ 1447) المتألف: السريع الوثب.

(2)- نوع من الطيور.

155

الاختباط (1) فما أقلّ الأخوة في اللّه تعالى و تقل الدراهم الحلال و ترجع الناس إلى أشرّ حال فعندها تدور دول الشياطين و تتواثب على أضعف المساكين و ثوب الفهد إلى فريسته و يشحّ الغني بما في يديه و يبيع الفقير آخرته بدنياه فيا ويل للفقير و ما يحلّ به من الخسران و الذلّ و الهوان في ذلك الزمان المستضعف بأهله و سيطلبون ما لا يحلّ لهم، فإذا كان كذلك أقبلت عليهم فتن لا قبل لهم بها، ألا و إنّ أوّلها الهجري القصير، و آخرها السفياني و الشامي و أنتم سبع طبقات فالطبقة الاولى [و فيها مزيد التقوى إلى سبعين سنة من الهجرة] أهل تنكيد و قسوة إلى السبعين سنة من الهجرة، و الطبقة الثانية أهل تباذل و تعاطف إلى المائتين و الثلاثين سنة من الهجرة.

و الطبقة الثالثة أهل تزاور و تقاطع إلى الخمسمائة و خمسين سنة من الهجرة، و الطبقة الرابعة أهل تكالب و تحاسد إلى السبعمائة من الهجرة، و الطبقة الخامسة أهل تشامخ و بهتان إلى الثمانمائة و عشرين سنة من الهجرة، و الطبقة السادسة أهل الهرج و المرج و تكالب الأعداء و ظهور أهل الفسوق و الخيانة إلى التسعمائة و الأربعين سنة من الهجرة، و الطبقة السابعة فهم أهل حيل و غدر و حرب و مكر و خدع و فسوق و تدابر و تقاطع و تباغض و الملاهي العظام و المغاني الحرام و الامور المشكلات في ارتكاب الشهوات و خراب المدائن و الدور و انهدام العمارات و القصور، و فيها يظهر الملعون من الوادي الميشوم و فيها انكشاف الستر و البروج و هي على ذلك إلى أن يظهر قائمنا المهدي (صلوات اللّه و سلامه عليه)، قال: فقامت إليه سادات أهل الكوفة و أكابر العرب و قالوا: يا أمير المؤمنين بيّن لنا أوان هذه الفتن و العظائم التي ذكرتها لنا لقد كادت قلوبنا أن تنفطر و أرواحنا أن تفارق أبداننا من قولك هذا، فوا أسفاه على فراقنا إيّاك فلا أرانا اللّه فيك سوءا و لا مكروها، فقال علي (عليه السّلام):

قضي الأمر الذي فيه تستفتيان كلّ نفس ذائقة الموت قال: فلم يبق أحد إلّا و بكى لذلك.

قال: ثمّ إنّ علي قال: ألا و إنّ تدارك الفتن بعد ما أنبئكم به من أمر مكّة و الحرمين من جوع أغبر و موت أحمر، ألا يا ويل لأهل بيت نبيّكم و شرفائكم من غلاء و جوع و فقر و وجل حتّى يكونوا في أسوأ حال بين الناس، ألا و إنّ مساجدكم في ذلك الزمان لا يسمع لهم صوت فيها و لا تلبّى فيها دعوة ثمّ لا خير في الحياة بعد ذلك، و إنّه يتولّى عليهم ملوك كفرة من عصاهم‏

____________

(1)- الاختباط: طلب المعروف و الكسب (لسان العرب: 7/ 533).

156

قتلوه و من أطاعهم أحبّوه، ألا إنّ أوّل من يلي أمركم بنو اميّة ثمّ تملك من بعدهم ملوك بني العبّاس فكم فيهم من مقتول و مسلوب.

ثمّ إنّه (عليه السّلام) قال: آه آه ألا يا ويل لكوفانكم هذه و ما يحلّ فيها من السفياني في ذلك الزمان، يأتي إليها من ناحية هجر بخيل سباق تقودها أسود ضراغمة و ليوث قشاعمة أوّل اسمه ش، إذا خرج الغلام الأشر فيأتي إلى البصرة فيقتل ساداتها و يسبي حريمها فإنّي لأعرف بها كم وقعة تحدث بها و بغيرها، و تكون بها وقعات بين تلول و آكام فيقتل بها اسم و يستعبد بها صنم ثمّ يسير فلا يرجع إلّا بالجرم فعندها يعلو الصياح و يقتحم بعضها بعضا، فيا ويل لكوفانكم من نزوله بداركم، يملك حريمكم و يذبح أطفالكم و يهتك نساءكم، عمره طويل و شرّه غزير و رجاله ضراغمة و تكون له وقعة عظيمة، ألا و إنّها فتن يهلك فيها المنافقون و القاسطون و الذين فسقوا في دين اللّه تعالى و بلاده و لبسوا الباطل على جادّة عباده فكأنّي بهم قد قتلوا أقواما تخاف الناس أصواتهم و تخاف شرّهم فكم من رجل مقتول و بطل مجدول يهابهم الناظر إليهم، قد تظهر الطامة الكبرى فيلحقوا أوّلها آخرها، ألا و إنّ لكوفانكم هذه آيات و علامات و عبرة لمن اعتبر، ألا و إنّ السفياني يدخل البصرة ثلاث دخلات يذل العزيز و يسبي فيها الحريم، ألا يا ويل المؤتفكة و ما يحل بها من سيف مسلول و قتيل مجدول و حرمة مهتوكة، ثمّ يأتي إلى الزوراء الظالم أهلها فيحول اللّه بينها و بين أهلها فما أشدّ أهلها بينه و بينها و أكثر طغيانها و أغلب سلطانها.

ثمّ قال: الويل للديلم و أهل شاهون و عجم لا يفقهون، تراهم بيض الوجوه سود القلوب نائرة الحروب، قاسية قلوبهم سود ضمائرهم، الويل ثمّ الويل لبلد يدخلونها و أرض يسكنونها، خيرهم طامس و شرّهم لامس، صغيرهم أكثر همّا من كبيرهم تلتقيهم الأحزاب و يكثر فيما بينهم الضراب و تصحبهم الأكراد و أهل الجبال و سائر البلدان و تضاف إليهم أكراد همدان و حمزة و عدوان حتّى يلحقوا بأرض الأعجام من ناحية خراسان فيحلون قريبا من قزوين و سمرقند و كاشان فيقتلون فيها السادات من أهل بيت نبيّكم ثمّ ينزل بأرض شيراز، ألا يا ويل لأهل الجبال و ما يحلّ فيها من الأعراب، ألا يا ويل لأهل هرموز و قلهات و ما يحلّ بها من الآفات من أهل الطراطر المذهبات، و يا ويل لأهل عمان و ما يحلّ بها من الذلّ و الهوان و كم وقعة فيها من الأعراب فتنقطع منهم الأسباب فيقتل فيها الرجال و تسبى فيها

157

الحريم، و يا ويل لأهل أوال مع صابون من الكافور الملعون يذبح رجالهم و يستحيي نساءهم و إنّي لأعرف بها ثلاث عشرة وقعة؛ الاولى بين القلعتين و الثانية في الصليب و الثالثة في الجنيبة و الرابعة عند نوپا و الخامسة عند أهل عراد و أكراد و السادسة في اوكر خارقان و الكليا و في سارو بين الجبلين و بئر حنين و يمين الكثيب و ذروة الجبل و يمين شجرات النبق، ألا يا ويل للكنيس و ذكوان و ما يحلّ بها من الذلّ و الهوان من الجوع و الغلاء، و الويل لأهل خراسان و ما يحلّ بها من الذلّ الذي لا يطاق و يا ويل للري و ما يحلّ بها من القتل العظيم و سبي الحريم و ذبح الأطفال و عدم الرجال و يا ويل لبلدان الإفرنج و ما يحلّ بها من الأعراب و يا ويل لبلدان السند و الهند و ما يحلّ بها من القتل و الذبح و الخراب في ذلك الزمان فيا ويل لجزيرة قيس من رجل مخيف ينزل بها هو و من معه فيقتل جميع من فيها و يفتك بأهلها و إنّي لأعرف بها خمس وقعات عظام: فأوّل وقعة منها على ساحل بحرها قريب من برّها و الثانية مقابلة كوشا و الثالثة من قرنها الغربي و الرابعة بين الزولتين و الخامسة مقابلة برّها، ألا يا ويل لأهل البحرين من وقعات تترادف عليها من كلّ ناحية و مكان فتؤخذ كبارها و تسبى صغارها، و إني لأعرف بها سبعة وقعات عظام فأوّل وقعة فيها في الجزيرة المنفردة عنها من قرنها الشمالي تسمّى سماهيج و الوقعة الثانية تكون في القاطع و بين النهر عن عين البلد و قرنها الشمالي الغربي و بين الأبلة و المسجد و بين الجبل العالي و بين التلتين المعروف بجبل حبوة، ثم يقبل الكرخ بين التل و الجادة و بين شجرات النبق المعروفة بالبديرات‏ (1) بجانب سطر الماجي ثمّ الحورتين و هي سابعة الطامة الكبرى و علامة ذلك يقتل فيها رجل من أكابر العرب في بيته و هو قريب من ساحل البحر فيقطع رأسه بأمر حاكمها فتغير العرب عليه فتقتل الرجال و تنهب الأموال فتخرج بعد ذلك العجم على العرب و يتبعونهم إلى بلاد الخط، ألا يا ويل لأهل الخط من وقعات مختلفات يتبع بعضها بعضا فأوّلها وقعة بالبطحاء و وقعة بالديورة و وقعة بالصفصف و وقعة على الساحل و وقعة بدارين و وقعة بسوق الجزارين و وقعة بين السكك و وقعة بين الزراقة و وقعة بالجرار و وقعة بالمدارس و وقعة بتاروت، ألا يا ويل لهجر و ما يحلّ بها ممّا يلي سورها من ناحية الكرخ و وقعة عظيمة بالعطر تحت التليل المعروف بالحسيني ثم بالفرحة ثمّ بالقزوين ثمّ بالأراكة ثمّ بأمّ خنور، ألا يا ويل‏

____________

(1)- في بعض النسخ: بالسديرات.

158

نجد و ما يحلّ بها من القحط و الغلاء، و إني لأعرف بها وقعات عظام بين المسلمين، ألا يا ويل البصرة و ما يحلّ بها من الطاعون و من الفتن يتبع بعضها بعضا و إنّي لأعرف وقعات عظام بواسط و وقعات مختلفات بين الشط و المجينبة و وقعات بين العوينات، ألا يا ويل بغداد من الري من موت و قتل و خوف يشمل أهل العراق إذا حلّ فيما بينهم السيف فيقتل ما شاء اللّه و علامة ذلك إذا ضعف سلطان الروم و تسلّطت العرب و دبّت الناس إلى الفتن كدبيب النمل فعند ذلك تخرج العجم على العرب و يملكون البصرة، ألا يا ويل لقسطنطين‏ (1) و ما يحلّ بها من الفتن التي لا تطاق، ألا يا ويل لأهل الدنيا و ما يحلّ بها من الفتن في ذلك الزمان و جميع البلدان الغرب و الشرق و الجنوب و الشمال، ألا و انّه تركب الناس بعضهم على بعض و تتواثب عليهم الحروب الدائمة و ذلك بما قدّمت أيديهم و ما ربّك بظلّام للعبيد، ثمّ إنّه (عليه السّلام) قال: لا تفرحوا بالخلوع من ولد العبّاس يعني المقتدر فإنّه أوّل علامة التغيير، ألا و إنّي أعرف ملوكهم من هذا الوقت إلى ذلك الزمان.

قال: فقام إليه رجل اسمه القعقاء و جماعة من سادات العرب و قالوا له: يا أمير المؤمنين بيّن لنا أسماءهم فقال (عليه السّلام): أوّلهم الشامخ فهو الشيخ و السهم المارد و المثير العجاج و الصفور و الفجور و المقتول بين الستور و صاحب الجيش العظيم و المشهور ببأسه و المحشور من بطن السباع و المقتول مع الحرم و الهارب إلى بلاد الروم و صاحب الفتنة الدهماء و المكبوب على رأسه بالسوق و الملاحق المؤتمن و الشيخ المكتوف الذي ينهزم إلى نينوى و في رجعته يقتل رجل من ولد العبّاس، و مالك الأرض بمصر و ما حي الاسم و السباع الفتان و الدناح الأملح، و الثاني الشيخ الكبير الأصلع الرأس و النفاض المرتعد و المدل بالفروسة و اللسين الهجين و الطويل العمر و الرضاع لأهله و المارق للزور و الأبرش الأثلم و بنّاء القصور و رميم الامور و الشيخ الرهيج و المنتقل من بلد إلى بلد و الكافر المالك أرباب المسلمين و ضعيف البصر و قليل العمر، ألا و إنّ بعده تحلّ المصائب و كأنّي بالفتن و قد أقبلت من كلّ مكان كقطع الليل المظلم، ثمّ قال (عليه السّلام): معاشر الناس لا تشكّوا في قولي هذا فإنّي ما ادّعيت و لا تكلّمت زورا، و لا أنبئكم إلّا بما علّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لقد أودعني ألف مسألة يتفرّع من كلّ مسألة ألف باب من العلم، و يتفرّع من كلّ باب مائة ألف باب، و إنّما أحصيت لكم هذه‏

____________

(1)- في بعض النسخ: لفلسطين.

159

لتعرفوا مواقيتها إذا وقعتم في الفتن مع قلّة اعتصابكم، فيا كثرة فتنكم و خبث زمانكم و خيانة حكّامكم و ظلم قضاتكم و كلابة تجّاركم و شحّة ملوككم و فشي أسراركم و ما تنحل أجسامكم و تطول آمالكم و كثرة شكواكم، و يا قلّة معرفتكم و ذلّة فقيركم و تكبّر أغنيائكم و قلّة وقاكم، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون من أهل ذلك الزمان، تحلّ فيهم المصائب و لا يتّعظون بالنوائب و لقد خالط الشيطان أبدانهم و ربح في أبدانهم و ولج في دمائهم و يوسوس لهم بالإفك حتّى تركب الفتن الأمصار و يقول المؤمن المسكين المحبّ لنا إنّي من المستضعفين، و خير الناس يومئذ من يلزم نفسه و يختفي في بيته عن مخالطة الناس و الذي يسكن قريبا من بيت المقدس طالبا لثأر (1) الأنبياء (عليه السّلام)، معاشر الناس لا يستوي الظالم و المظلوم و لا الجاهل و العالم و لا الحقّ و الباطل و لا العدل و الجور ألا و إنّ له شرائع معلومة غير مجهولة و لا يكون نبي إلّا و له أهل بيت و لا يعيش أهل بيت نبي إلّا و لهم أضداد يريدون اطفاء نورهم و نحن أهل نبيّكم ألا و إن دعوكم إلى سبّنا فسبّونا و إن دعوكم إلى شتمنا فاشتمونا و إن دعوكم إلى لعننا فالعنونا و إن دعوكم إلى البراءة منّا فلا تتبرّءوا منّا و مدّوا أعناقكم للسيف و احفظوا يقينكم فإنّه من تبرّأ منّا بقلبه تبرّأ اللّه منه و رسوله، ألا و إنّه لا يلحقنا سب و لا شتم و لا لعن.

ثمّ قال: فيا ويل مساكين هذه الامّة و هم شيعتنا و محبّونا و هم عند الناس كفّار و عند اللّه أبرار و عند الناس كاذبون و عند اللّه صادقون و عند الناس ظالمون و عند اللّه مظلومون و عند الناس جائرون و عند اللّه عادلون و عند الناس خاسرون و عند اللّه رابحون فازوا و اللّه بالايمان و خسر المنافقون.

معاشر الناس إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون، معاشر الناس كأنّي بطائفة منهم يقولون إنّ علي بن أبي طالب يعلم الغيب و هو الربّ الذي يحيي الموتى و يميت الأحياء و هو على كلّ شي‏ء قدير، كذبوا و ربّ الكعبة، أيّها الناس قولوا فينا ما شئتم و اجعلونا مربوبين، ألا و إنّكم ستختلفون و تتفرّقون، ألا و إنّ أوّل السنين إذا انقضت سنة مائة و ثلاثة و ستين سنة توقّعوا أول الفتن فإنّها نازلة عليكم ثمّ يأتيكم في عقبها الدهماء تدهم الفتن فيها و الغزو تغزو بأهلها و السقطاء تسقط الأولاد من بطون أمّهاتهم و الكسحاء تكسح فيها الناس من القحط و المحن و الفتناء تفتن بها من أهل الأرض‏

____________

(1)- في بعض النسخ: لآثار.

160

و النازحة تنزح بأهلها إلى الظلم و الغمراء تغمر فيها الظلم و المنفية نفت منهم الايمان و الكراء كرت عليهم الخيل من كلّ جهة و البرشاء يخرج فيها الأبرش من خراسان و السؤلاء يخرج فيها ملك الجبال إلى جزائر البحر يقهرهم ثمّ يؤيّدهم اللّه بالنصر عليه ثمّ تخرج بعد ذلك العرب و يخرج صاحب علم أسود على البصرة فتقصده الفتيان إلى الشام، ثم العناء عنت الخيل بأعنتها و الطحناء الأقوات من كلّ مكان و الفاتنة تفتن أهل العراق و المرحاء تمرح الناس إلى اليمن و السكتاء تسكت الفتن بالشام و الحدراء انحدرت الفتن إلى الجزيرة المعروفة أوال قبال البحرين و الطموح تطمح الفتن في خراسان و الجوراء جارت الفتن بأرض فارس و الهوجاء هاجت الفتن بأرض الخط و الطولاء طالت الخيل على الشام و المنزلة نزلت الفتن بأرض العراق و الطائرة تطايرت الفتن بأرض الروم و المتّصلة اتصلت الفتن بأرض الروم و المحربة هاجت الأكراد من شهرزور و المرملة أرملت النساء من العراق و الكاسرة تكسّرت الخيل على أهل الجزيرة و الناحرة نحرت الناس بالشام و الطامحة طمحت الفتنة بالبصرة و القتالة قتلت الناس على القنطرة برأس العين و المقبلة أقبلت الفتنة إلى أرض اليمن و الحجاز و الصروخ مصرخة أهل العراق فلا تأمن لهم و المستمعة أسمعت أهل الإيمان في منامهم و السابحة سبحت الخيل في القتل إلى أرض الجزيرة و الأكراد يقتل فيها رجل من ولد العبّاس على فراشه، و الكرباء أماتت المؤمنين بكربهم و حسراتهم و الغامرة غمرت الناس بالقحط و السائلة سال النفاق في قلوبهم و الغرقاء تغرقت أهل الخط و الحرباء نزل القحط بأرض الخط و هجر كل ناحية حتّى إنّ السائل يدور و يسأل فلا أحد يعطيه و لا يرحمه أحد و الغالية تغلو طائفة من شيعتي حتّى يتّخذوني ربّا و إني بري‏ء ممّا يقولون و المكثاء تمكث الناس فربّما ينادي فيها الصارخ مرّتين ألا و إنّ الملك في آل علي بن أبي طالب فيكون ذلك الصوت من جبرئيل و يصرخ إبليس لعنه اللّه: ألا و إنّ الملك في آل أبي سفيان، فعند ذلك يخرج السفياني فتتبعه مائة ألف رجل ثمّ ينزل بأرض العراق فيقطع ما بين جلولاء و خانقين فيقتل فيها الفجفاج فيذبح كما يذبح الكبش ثمّ يخرج شعيب بن صالح من بين قصب و آجام فهو أعور المخلد فالعجب كلّ العجب ما بين جمادى و رجب ممّا يحلّ بأرض الجزائر و عندها يظهر المفقود من بين التل يكون صاحب النصر فيواقعه في ذلك اليوم ثمّ يظهر برأس العين رجل أصفر اللون على رأس القنطرة فيقتل عليها سبعين ألفا صاحب‏

161

محلى و ترجع الفتنة إلى العراق و تظهر فتنة شهرزور و هي الفتنة الصماء و الداهية العظمى و الطامة الدهماء المسمّاة بالهلهم.

قال الراوي: فقامت جماعة و قالوا: يا أمير المؤمنين بيّن لنا من أين يخرج هذا الأصفر وصف لنا صفته؟

فقال (عليه السّلام): أصفه لكم: مديد الظهر قصير الساقين سريع الغضب يواقع اثنتين و عشرين وقعة و هو شيخ كردي بهيّ طويل العمر تدين له ملوك الروم و يجعلون خدودهم وطاءهم على سلامة من دينه و حسن يقينه، و علامة خروجه بنيان مدينة الروم على ثلاثة من الثغور تجدّد على يده ثمّ يخرب ذلك الوادي الشيخ صاحب السراق المستولي على الثغور ثمّ يملك رقاب المسلمين و تنضاف إليه رجال الزوراء و تقع الواقعة ببابل فيهلك فيها خلق كثير و يكون خسف كثير و تقع الفتنة بالزوراء و يصيح صائح: الحقوا بإخوانكم بشاطئ الفرات و تخرج أهل الزوراء كدبيب النمل فيقتل بينهم خمسون ألف قتيل و تقع الهزيمة عليهم فيلحقون الجبال و يرجع باقيهم إلى الزوراء ثمّ يصيح صيحة ثانية فيخرجون فيقتل منهم كذلك فيصل الخبر إلى أرض الجزائر فيقولون الحقوا بإخوانكم فيخرج منهم رجل أصفر اللون و يسير في عصائب إلى أرض الخط و تلحقه أهل هجر و أهل نجد ثمّ يدخلون البصرة فتعلّق به رجالها و لم يزل يدخل من بلد إلى بلد حتّى يدخل مدينة حلب و تكون بها وقعة عظيمة فيمكثون فيها مائة يوم ثمّ إنّه يدخل الأصفر الجزيرة و يطلب الشام فيواقعه وقعة عظيمة خمسة و عشرين يوما و يقتل فيما بينهم خلق كثير و يصعد جيش العراق إلى بلاد الجبل و ينحدر الأصفر إلى الكوفة فيبقى فيها فيأتي خبر من الشام أنّه قد قطع على الحاج، فعند ذلك يمنع الحاج جانبه فلا يحجّ أحد من الشام و لا من العراق و يكون الحجّ من مصر ثمّ ينقطع بعد ذلك و يصرخ صارخ من بلد الروم أنّه قد قتل الأصفر فيخرج إلى الجيش بالروم في ألف سلطان و تحت كلّ سلطان مائة ألف مقاتل صاحب سيف محلّى و ينزلون بأرض أرجون قريب مدينة السوداء ثمّ ينتهي إلى جيش المدينة الهالكة المعروفة بامّ الثغور التي نزلها سام بن نوح فتقع الواقعة على بابها فلا يرحل جيش الروم عنها حتّى يخرج عليهم رجل من حيث لا يعلمون و معه جيش فيقتل منهم مقتلة عظيمة و ترجع الفتنة إلى الزوراء فيقتل بعضهم بعضا ثمّ تنتهي الفتنة فلا يبقى غير خليفتين يهلكان في يوم واحد فيقتل‏

162

أحدهما في الجانب الغربي و الآخر في الجانب الشرقي فيكون ذلك فيما يسمعونه أهل الطبقة السابعة فيكون في ذلك خسف كثير و كسوف واضح فلا ينهاهم ذلك عمّا يفعلون من المعاصي.

قال: فقام إليه ابن يقطين و جماعة من وجوه أصحابه و قالوا: يا أمير المؤمنين إنّك ذكرت لنا السفياني الشامي و نريد أن تبيّن لنا أمره، قال: قد ذكرت خروجه لكم آخر السنة الكائنة.

فقالوا: اشرحه لنا فانّ قلوبنا قد ارتاعت حتّى نكون على بصيرة من البيان، فقال (عليه السّلام): علامة خروجه، تختلف ثلاث رايات: راية من العرب فيا ويل لمصر و ما يحلّ بها منهم و راية من البحرين من جزيرة أوال من أرض فارس و راية من الشام فتدوم الفتنة بينهم سنة ثمّ يخرج رجل من ولد العبّاس فيقول أهل العراق قد جاءكم قوم حفاة أصحاب أهواء مختلفة فتضطرب أهل الشام و فلسطين و يرجعون إلى رؤساء الشام و مصر فيقولون اطلبوا ولد الملك فيطلبوه ثمّ يوافقوه بغوطة دمشق بموضع يقال له صرتا فإذا حل بهم أخرج أخواله بني كلاب و بني دهانة و يكون له بالواد اليابس عدّة عديدة فيقولون له: يا هذا ما يحلّ لك أن تضيع الإسلام، أ ما ترى إلى [ما] الناس فيه من الأهوال و الفتن فاتّق اللّه و اخرج لنصر دينك فيقول: أنا لست بصاحبكم فيقولون له: أ لست من قريش و من أهل بيت الملك القائم؟ أ ما تتعصّب لأهل بيت نبيّك و ما قد نزل بهم من الذلّ و الهوان منذ زمان طويل؟ فإنّك ما تخرج راغبا بالأموال و رغيد العيش، بل محاميا لدينك فلا يزال القوم يختلفون و هو أوّل منبر يصعده، ثمّ يخطب و يأمرهم بالجهاد و يبايعهم على انّهم لا يخالفون أمره رضوه أم كرهوه، ثمّ يخرج إلى الغوطة و لا يلج بها حتّى تجتمع الناس عليه و يتلاحقون أهل الصقائر فيكون في خمسين ألف مقاتل فيبعث أخواله بني كلاب فيأتونه مثل السيل السائل فيأبون عن ذلك رجال يريدون يقاتلون رجال الملك ابن العبّاس فعند ذلك يخرج السفياني في عصائب أهل الشام فتختلف ثلاث رايات فراية للترك و العجم و هي سوداء و راية للبريين لابن العبّاس أوّل صفراء و راية للسفياني فيقتتلون ببطن الأزرقي قتالا شديدا فيقتل منهم ستّين ألفا ثمّ يغلبهم السفياني فيقتل منهم خلق كثير و يملك بطونهم و يعدل فيهم حتّى يقال فيه: و اللّه ما كان يقال عليه إلّا كذبا، و اللّه إنّهم لكاذبون حتّى يسير فأول سيره إلى حمص و إنّ أهلها بأسوإ حال ثمّ يعبر الفرات من باب مصر و ينزع اللّه من قلبه الرحمة و يسير إلى موضع يقال له قرية

163

سبأ فيكون له بها وقعة عظيمة فلا تبقى بلد إلّا و بلغهم خبره فيدخلهم من ذلك خوف و جزع فلا يزال يدخل بلدا بعد بلد إلّا واقع أهلها فأوّل وقعة تكون بحمص ثمّ بالرقّة ثمّ بقرية سبأ و هي أعظم وقعة يواقعها بحمص ثمّ يرجع إلى دمشق و قد دانت له الخلق فيجيّش جيشا إلى المدينة و جيشا إلى المشرق فيقتل بالزوراء سبعين ألفا و يبقر بطون ثلاثمائة امرأة حامل و يخرج الجيش إلى كوفانكم هذه فكم من باك و باكية فيقتل بها خلق كثير، و أمّا جيش المدينة فإنّه إذا توسط البيداء صاح به جبرائيل صيحة عظيمة فلا يبقى منهم أحد إلّا و خسف اللّه به الأرض و يكون في أثر الجيش رجلان أحدهما بشير و الآخر نذير فينظرون إلى ما نزل بهم فلا يرون إلّا رءوسا خارجة من الأرض فيقولان بما أصاب الجيش فيصيح بهما جبرائيل فيحوّل اللّه وجوههما إلى قهقرى فيمضي أحدهما إلى المدينة و هو البشير فيبشّرهم بما سلمهم اللّه تعالى و الآخر نذير فيرجع إلى السفياني و يخبره بما أصاب الجيش، قال: و عند جهينة الخبر الصحيح لأنّهما من جهينة بشير و نذير فيهرب قوم من أولاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هم أشراف إلى بلد الروم فيقول السفياني لملك الروم تردّ عليّ عبيدي فيردّهم إليه فيضرب أعناقهم على الدرج الشرقي لجامع بدمشق فلا ينكر ذلك عليه أحد، ألا و إنّ علامة ذلك تجديد الأسوار بالمدائن فقيل: يا أمير المؤمنين اذكر لنا الأسوار فقال: تجدّد سور بالشام و العجوز و الحران يبنى عليهما سوران و على واسط سور و البيضاء يبنى عليها سور و الكوفة يبنى عليها سوران و على شوشتر سور و على أرمنية سور و على موصل سور و على همدان سور و على ورقة سور و على ديار يونس سور و على حمص سور و على مطردين سور و على الرقطاء سور و على الرهبة سور و على دير هند سور و على القلعة سور.

معاشر الناس ألا و إنّه إذا ظهر السفياني تكون له وقائع عظام فأوّل وقعة بحمص ثمّ بحلب ثمّ بالرقة ثمّ بقرية سبأ ثمّ برأس العين ثمّ بنصيبين ثمّ بالموصل و هي وقعة عظيمة ثمّ تجتمع إلى الموصل رجال الزوراء و من ديار يونس إلى اللخمة و تكون وقعة عظيمة يقتل فيها سبعين ألفا و يجري على الموصل قتال شديد يحلّ بها ثمّ ينزل إلى السفياني و يقتل منهم ستّين ألفا و إنّ فيها كنوز قارون و لها أحوال عظيمة بعد الخسف و القذف و المسخ و تكون أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في أرض الرجف قال: و لا يزال السفياني يقتل كلّ من اسمه محمد و علي و حسن و حسين و فاطمة و جعفر و موسى و زينب و خديجة

164

و رقية بغضا و حنقا لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثمّ يبعث في جميع البلدان فيجمع له الأطفال و يغلي لهم الزيت فيقول له الأطفال: إن كان آباؤنا عصوك نحن فما ذنبنا؟ فيأخذ كلّ من اسمه على ما ذكرت فيغليهم في الزيت ثمّ يسير إلى كوفانكم هذه فيدور فيها كما تدور الدوامة فيفعل بالرجال كما يفعل بالأطفال و يصلب على بابها كلّ من اسمه حسن و حسين ثمّ يسير إلى المدينة فينهبها في ثلاثة أيّام و يقتل فيها خلق كثير و يصلب على مسجدها كلّ من اسمه حسن و حسين فعند ذلك يغلي دماؤهم كما غلى دم يحيى بن زكريا فإذا رأى ذلك الأمر أيقن بالهلاك فيولّي هاربا و يرجع منهزما إلى الشام فلا يرى في طريقه أحد يخالف عليه إذا دخل عليه، فإذا دخل إلى بلده اعتكف على شرب الخمر و المعاصي و يأمر أصحابه بذلك فيخرج السفياني و بيده حربة و يأمر بالامرأة فيدفعها إلى بعض أصحابه فيقول له: افجر بها في وسط الطريق، فيفعل بها ثمّ يبقر ببطنها و يسقط الجنين من بطن أمّه فلا يقدر أحد ينكر عليه ذلك.

قال: فعندها تضطرب الملائكة في السماوات و يأذن اللّه بخروج القائم من ذريّتي و هو صاحب الزمان ثمّ يشيع خبره في كلّ مكان فينزل حينئذ جبرائيل على صخرة بيت المقدس فيصيح في أهل الدنيا: قد جاء الحقّ و زهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقا، ثمّ إنّه (عليه السّلام) تنفّس الصعداء فأنّ كمدا و جعل يقول:

بنيّ إذا ما جاشت الترك فانتظر* * * ولاية مهديّ يقوم و يعدل‏

و ذلّ ملوك الظلم من آل هاشم‏* * * و بويع منهم من يذلّ و يهزل‏

صبيّ من الصبيان لا رأي عنده‏* * * و لا عنده حدّ و لا هو يعقل‏

و ثمّ يقوم القائم الحقّ منكم‏* * * و بالحق يأتيكم و بالحق يعمل‏

سمي رسول اللّه نفسي فداؤه‏* * * فلا تخذلوه يا بنيّ و عجّلوا

قال: فيقول جبرائيل في صيحته: يا عباد اللّه اسمعوا ما أقول: إنّ هذا مهديّ آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خارج من أرض مكّة فأجيبوه. قال: فقامت إليه الفضلاء و العلماء و وجوه أصحابه و قالوا: يا أمير المؤمنين صف لنا هذا المهدي فإنّ قلوبنا اشتاقت إلى ذكره؟

فقال (عليه السّلام): هو صاحب الوجه الأقمر و الجبين الأزهر و صاحب العلامة و الشامة، العالم غير المعلم و المخبر بالكائنات قبل أن تعلم معاشر الناس، ألا و إنّ الدين فينا قد قامت حدوده‏

165

و أخذ علينا عهوده، ألا و إنّ المهدي يطلب القصاص ممّن لا يعرف حقّنا و هو الشاهد بالحقّ و خليفة اللّه على خلقه، اسمه كاسم جدّه رسول اللّه، ابن الحسن بن علي من ولد فاطمة من ذريّة الحسين ولدي، فنحن الكرسي و أصل العلم و العمل فمحبّونا هم الأخيار و ولايتنا فصل الخطاب و نحن حجبة الحجاب، ألا و إنّ المهدي أحسن الناس خلقا و خلقة ثمّ إذا قام تجتمع إليه أصحابه على عدّة أهل بدر و أصحاب طالوت و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا كلّهم ليوث قد خرجوا من غاباتهم مثل زبر الحديد، لو أنّهم همّوا بإزالة الجبال الرواسي لأزالوها عن مواضعها فهم الذين وحّدوا اللّه تعالى حقّ توحيده، لهم بالليل أصوات كأصوات الثواكل حزنا من خشية اللّه تعالى، قوّام الليل صوّام النهار كأنّما ربّاهم أب واحد و أمّ واحدة، قلوبهم مجتمعة بالمحبّة و النصيحة، ألا و إنّي لأعرف أسماءهم و أمصارهم.

فقاموا إليه جماعة من الأصحاب و قالوا: يا أمير المؤمنين نسألك باللّه و بابن عمّك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن تسمّيهم بأسمائهم و أمصارهم فلقد ذابت قلوبنا من كلامك فقال: اسمعوا أبيّن لكم أسماء أنصار القائم إنّ أوّلهم من أهل البصرة و آخرهم من الأبدال فالذين من أهل البصرة رجلان اسم أحدهما علي و الآخر محارب و رجلان من قاشان عبد اللّه و عبيد اللّه و ثلاثة رجال من المهجمة: محمد و عمر و مالك و رجل من السند عبد الرحمن و رجلان من حجر موسى و عبّاس و رجل من الكورة إبراهيم و رجل من شيراز عبد الوهاب و ثلاثة رجال من سعداوة: أحمد و يحيى و فلاح و ثلاثة رجال من زين: محمد و حسن و فهد و رجلان من حمير مالك و ناصر و أربعة رجال من شيران و هم عبد اللّه و صالح و جعفر و إبراهيم و رجل من عقر أحمد و رجلان من المنصورية عبد الرحمن و ملاعب و أربعة رجال من سيراف: خالد و مالك و حوقل و إبراهيم و رجلان من خونخ: محروز و نوح و رجل من المثقة هارون و رجلان من الصين مقداد و هود و ثلاثة رجال من الهويقين: عبد السلام و فارس و كليب و رجل من الزناط جعفر و ستّة رجال من عمّان: محمد و صالح و داود و هواشب و كوش و يونس و رجل من العارة مالك و رجلان من صنعاء: يحيى و أحمد و رجل من كرمان عبد اللّه و أربعة رجال من صنعا: جبرئيل و حمزة و يحيى و سميع و رجلان من عدن: عون و موسى و رجل من لونجه كوثر و رجلان من ممد: علي و صالح و ثلاثة رجال من الطائف: علي و سبا و زكريا و رجل من هجر عبد القدوس و رجلان من الخط: عزيز و مبارك و خمسة رجال من جزيرة أوال و هي‏

166

البحرين: عامر و جعفر و نصير و بكير و ليث و رجل من الكبش فهد، و رجل من الجدا إبراهيم و أربعة رجال من مكة: عمر و إبراهيم و محمد و عبد اللّه و عشرة من المدينة على أسماء أهل البيت: علي و حمزة و جعفر و عبّاس و طاهر و حسن و حسين و قاسم و إبراهيم و محمد و أربعة رجال من الكوفة: محمد و غياث و هود و عتاب و رجل من مرو حذيفة و رجلان من نيشابور:

علي و مهاجر و رجلان من سمرقند: علي و مجاهد و ثلاثة رجال من كازرون: عمر و معمر و يونس و رجلان من الأسوس: شيبان و عبد الوهاب و رجلان من دستر: أحمد و هلال و رجلان من الضيف: عالم و سهيل و رجل من طائف اليمن هلال و رجلان من مرقون: بشر و شعيب و ثلاثة رجال من بروعة: يوسف و داود و عبد اللّه و رجلان من عسكر: مكرم الطيب و ميمون و رجل من واسط عقيل و ثلاثة رجال من الزوراء: عبد المطلب و أحمد و عبد اللّه و رجلان من سر من رأى: مرائي و عامر و رجل من السهم جعفر و ثلاثة رجال من سيلان: نوح و حسن و جعفر و رجل من كرخ بغداد قاسم و رجلان من نوبة: واصل و فاضل و ثمانية رجال من قزوين: هارون و عبد اللّه و جعفر و صالح و عمر و ليث و علي و محمد و رجل من البلخ حسن و رجل من المداغة صدقه و رجل من قم يعقوب و أربعة و عشرون من الطالقان و هم الذين ذكرهم رسول اللّه فقال إنّي أجد بالطالقان كنزا ليس من الذهب و لا فضّة فهم هؤلاء كنزهم اللّه فيها و هم: صالح و جعفر و يحيى و هود و فالح و داود و جميل و فضيل و عيسى و جابر و خالد و علوان و عبد اللّه و أيّوب و ملاعب و عمر و عبد العزيز و لقمان و سعد و قبضة و مهاجر و عبدون و عبد الرحمن و علي و رجلان من سحار: أبان و علي و رجلان من سرخس:

ناحية و حفص و رجل من الأنبار علوان و رجل من القادسية حصين و رجل من الدورق عبد الغفور و ستّة رجال من الحبشة: إبراهيم و عيسى و محمد و حمدان و أحمد و سالم و رجلان من الموصل: هارون و فهد و رجل من بلقا صادق و رجلان من نصيبين: أحمد و علي و رجل من سنجار محمد و رجلان من خراسان: نكبة و مسنون و رجلان من أرمنية: أحمد و حسين و رجل من اصفهان يونس و رجل من وهان حسين و رجل من الري مجمع و رجل من دنيا شعيب و رجل من هراش نهروش و رجل من سلماس هارون و رجل من بلقيس محمد و رجل من الكرد عون و رجل من الحبش كثير و رجلان من الخلاط: محمد و جعفر و رجل من الشوبا عمير و رجلان من البيضا: سعد و سعيد و ثلاثة رجال من الضيعة: زيد و علي و موسى و رجل‏

167

من أوس محمد و رجل من الانطاكية عبد الرحمن و رجلان من حلب: صبيح و محمد و رجل من حمص جعفر و رجلان من دمشق: داود و عبد الرحمن و رجلان من الرملية طليق و موسى و ثلاثة رجال من بيت المقدس: بشر و داود و عمران و خمسة رجال من عسقلان: محمد و يوسف و عمر و فهد و هارون و رجل من عنزة عمير و رجلان من عكة: مروان و سعد و رجل من عرفة فرخ و رجل من الطبرية فليح و رجل من البلسان عبد الوارث و أربعة رجال من الفسطاط من مدينة فرعون لعنه اللّه: أحمد و عبد اللّه و يونس و ظاهر و رجل من بالس نصير و أربعة رجال من الإسكندرية: حسن و محسن و شبيل و شيبان و خمسة رجال من جبل اللكام: عبد اللّه و عبيد اللّه و قادم و بحر و طالوت و ثلاثة رجال من السادة: صليب و سعدان و شبيب و رجلان من الإفرنج: علي و أحمد و رجلان من اليمامة: ظافر و جميل و أربعة عشر رجلا من المعادة: سويد و أحمد و محمد و حسن و يعقوب و حسين و عبد اللّه و عبد القديم و نعيم و علي و خيان و ظاهر و تغلب و كثير و رجل من الموطة معشر و عشرة رجال من عبادان:

حمزة و شيبان و قاسم و جعفر و عمر و عامر و عبد المهيمن و عبد الوارث و محمد و أحمد و أربعة عشر من اليمن: جبير و حويش و مالك و كعب و أحمد و شيبان و عامر و عمّار و فهد و عاصم و حجرش و كلثوم و جابر و محمد و رجلان من بدو مصر: عجلان و دراج و ثلاثة رجال من بدو أعقيل: منبة و ضابط و عريان و رجل من بدو أغير عمر و رجل من بدو شيبان نهراش و رجل من تميم ريان و رجل من بدو قسين جابر و رجل من بدو كلاب مطر و ثلاثة رجال من موالي أهل البيت: عبد اللّه و مخنف و براك و أربعة رجال من موالي الأنبياء: صباح و صياح و ميمون و هود و رجلان مملوكان عبد اللّه و ناصح و رجلان من الحلّة محمد و علي و ثلاثة رجال من كربلاء: حسين و حسين و حسن و رجلان من النجف: جعفر و محمد و ستّة رجال من الأبدال كلّهم أسماءهم عبد اللّه فقال علي (عليه السّلام): إنّهم هؤلاء يجتمعون كلّهم من مطلع الشمس و مغربها و سهلها و جبلها يجمعهم اللّه تعالى في أقلّ من نصف ليلة فيأتون إلى مكّة فلا يعرفونهم أهل مكة فيقولون كبستنا أصحاب السفياني فإذا تجلّى لهم الصبح يرونهم طائفين و قائمين و مصلّين فينكرونهم أهل مكّة، ثمّ إنّهم يمضون إلى المهدي و هو مختف تحت المنارة فيقولون له: أنت المهدي؟ فيقول لهم: نعم يا أنصاري ثمّ إنّه يخفي نفسه عنهم لينظرهم كيف هم في طاعته فيمضي إلى المدينة فيخبرونهم أنّه لاحق بقبر جدّه رسول‏

168

اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيلحقونه بالمدينة فإذا أحسّ بهم يرجع إلى مكّة فلا يزالون على ذلك ثلاثا ثمّ يتراءى لهم بعد ذلك بين الصفا و المروة فيقول: إنّي لست قاطعا أمرا حتّى تبايعوني على ثلاثين خصلة تلزمكم لا تغيّرون منها شيئا و لكم عليّ ثماني خصال، فقالوا: سمعنا و أطعنا فاذكر لنا ما أنت ذاكره يا ابن رسول اللّه فيخرج إلى الصفا فيخرجون معه فيقول: أبايعكم على أن لا تولّوا دبرا و لا تسرقوا و لا تزنوا و لا تفعلوا محرما و لا تأتوا فاحشة و لا تضربوا أحدا إلّا بحقّ و لا تكنزوا ذهبا و لا فضّة و لا برّا و لا شعيرا و لا تخرّبوا مسجدا و لا تشهدوا زورا و لا تقبحوا على مؤمن و لا تأكلوا ربا و أن تصبروا على الضراء و لا تلعنون موحّدا و لا تشربون مسكرا و لا تلبسون الذهب و لا الحرير و لا الديباج و لا تتبعون هزيما و لا تسفكون دما حراما و لا تغدرون بمسلم و لا تبقون على كافر و لا منافق و لا تلبسون الخزّ من الثياب و تتوسّدون التراب و تكرهون الفاحشة و تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر فإذا فعلتم ذلك فلكم عليّ أن لا أتّخذ صاحبا سواكم و لا ألبس إلّا مثل ما تلبسون و لا آكل إلّا مثل ما تأكلون و لا أركب إلّا كما تركبون و لا أكون إلّا حيث تكونون و أمشي حيث ما تمشون و أرضى بالقليل و أملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و نعبد اللّه حقّ عبادته و أوفي لكم اوفوا إليّ فقالوا: رضينا و بايعناك على ذلك فيصافحهم رجلا رجلا. ثمّ إنّه بعد ذلك يظهر بين الناس فتخضع له العباد و تنقاد له البلاد و يكون الخضر ربيب دولته و أهل همدان وزراءه و خولان جنوده و حمير أعوانه و مضر قوّاده، و يكثر اللّه جمعه و يشتدّ ظهره ثمّ يسير بالجيوش حتّى يصير إلى العراق و الناس خلفه و أمامه على مقدّمته رجل اسمه عقيل و على ساقته رجل اسمه الحارث فيلحقه رجل من أولاد الحسن في اثني عشر ألف فارس و يقول:

يا ابن العمّ أنا أحقّ منك بهذا الأمر لأنّي من ولد الحسن و هو أكبر من الحسين فيقول المهدي:

إنّي أنا المهدي فيقول له: هل عندك آية أو معجزة أو علامة فينظر المهدي إلى طير في الهواء فيومي إليه فيسقط في كفّه فينطق بقدرة اللّه تعالى و يشهد له بالإمامة ثمّ يغرس قضيبا يابسا في بقعة من الأرض ليس فيها ماء فيخضرّ و يورق و يأخذ جلمودا كان في الأرض من الصخر فيفركه بيده و يعجنه مثل الشمع فيقول الحسني: الأمر لك فيسلم و تسلم جنوده و يكون على مقدّمته رجل اسمه كاسمه ثمّ يسير حتّى يفتح خراسان ثمّ يرجع إلى مدينة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيسمع بخبره جميع الناس فتطيعه أهل اليمن و أهل الحجاز و تخالفه ثقيف. ثمّ إنّه يسير إلى‏

169

الشام إلى حرب السفياني فتقع صيحة بالشام: ألا و إن الأعراب أعراب الحجاز قد خرجت إليكم فيقول السفياني لأصحابه: ما تقولون في هؤلاء؟ فيقولون: نحن أصحاب حرب و نبل و عدّة و سلاح، ثمّ إنّهم يشجعونه و هو عالم بما يراد به فقامت إليه جماعة من أهل الكوفة و قالوا: يا أمير المؤمنين ما اسم هذا السفياني؟ فقال (عليه السّلام): اسمه حرب بن عنبسة بن مرّة بن كليب بن ساهمة بن زيد بن عثمان بن خالد و هو من نسل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ملعون في السماء و الأرض، أشرّ خلق اللّه تعالى و ألعنهم جدّا و أكثرهم ظلما، ثمّ إنّه يخرج بجيشه و رجاله و خيله في مائتي ألف مقاتل فيسير حتّى ينزل الحيرة، ثمّ إنّ المهدي (عج) يقدم بخيله و رجاله و جيشه و كتائبه و جبرائيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله و النصر بين يديه و الناس يلحقونه في جميع الآفاق حتّى يأتي أوّل الحيرة قريبا من السفياني و يغضب لغضب اللّه سائرا من خلقه حتّى الطيور في السماء ترميهم بأجنحتها و إنّ الجبال ترميهم بصخورها و يجري بين السفياني و بين المهدي (عج) حرب عظيم حتّى يهلك جميع عسكر السفياني فينهزم و معه شرذمة قليلة من أصحابه فيلحقه رجل من أنصار القائم اسمه صياح و معه جيش فيستأسره فيأتي به إلى المهدي و هو يصلّي العشاء الآخرة فيخفّف صلاته فيقول السفياني: يا ابن العم استبقني أكون لك عونا فيقول لأصحابه: ما تقولون فيما يقول فإنّي آليت على نفسي لا أفعل شيئا حتّى ترضوه، فيقولون: و اللّه ما نرضى حتّى تقتله لأنّه سفك الدماء التي حرّم اللّه، سفكها و أنت تريد أن تمنّ عليه بالحياة، فيقول لهم المهدي:

شأنكم و إيّاه فيأخذه جماعة منهم فيضجعونه على شاطئ الهجير تحت شجرة مدلاة بأغصانها فيذبحونه كما يذبح الكبش و عجّل اللّه بروحه إلى النار.

قال: فيتّصل خبره إلى بني كلاب أنّ حرب بن عنبسة قتل، قتله رجل من ولد علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فيرجعون بنو كلاب‏ (1) إلى رجل من أولاد ملك الروم يبايعونه على قتال المهدي و الأخذ بثأر حرب بن عنبسة فتضمّ إليه بنو ثقيف فيخرج ملك الروم في ألف سلطان و تحت كلّ سلطان ألف مقاتل فينزل على بلد من بلدان القائم تسمّى طرشوس فينهب أموالهم و أنعامهم و حريمهم و يقتلون رجالهم و ينقض حجارها حجرا على حجر و كأنّي بالنساء وهن‏

____________

(1)- هذا على لغة أكلوني البراغيث، و على اللغة المشهورة كان ينبغي أن يقال: فيرجع بنو كلاب، و قد تكرر هذا في أكثر من موضع.

170

مردفات على ظهور الخيل خلف العلوج خيلهن تلوح في الشمس و القمر فينتهي الخبر إلى القائم فيسير إلى ملك الروم في جيوشه فيواقعه في أسفل الرقة بعشرة فراسخ فتصبح بها الوقعة حتّى يتغيّر ماء الشط بالدم و ينتن جانبها بالجيف الشديدة فيهزم ملك الروم إلى الانطاكية فيتبعه المهدي إلى فئة العبّاس تحت القطوار فيبعث ملك الروم إلى المهدي و يؤدّي له الخراج فيجيبه إلى ذلك حتّى على أن لا يروح من بلد الروم و لا يبقى أسير عنده إلّا أخرجه إلى أهله فيفعل ذلك و يبقى تحت الطاعة، ثمّ إنّ المهدي يسير إلى حي بني كلاب من جانب البحيرة حتّى ينتهي إلى دمشق و يرسل جيشا إلى أحياء بني كلاب و يسبي نساءهم و يقتل أغلب رجالهم فيأتون بالأسارى فيؤمنون به فيبايعونه على درج دمشق بمسمومات البخس و النقض، ثمّ إنّ المهدي يسير هو و من معه من المؤمنين بعد قتل السفياني فينزلون على بلد من بلاد الروم فيقولون: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه فتتساقط حيطانها، ثمّ إنّ المهدي (عج) يسير هو و من معه فينزل قسطنطنية في محل ملك الروم فيخرج منها ثلاثة كنوز: كنز من الجواهر و كنز من الذهب و كنز من الفضّة ثمّ يقسّم المال على عساكره بالقفافيز، ثمّ إنّ المهدي (عج) يسير حتّى ينزل أرمينية الكبرى فإذا رأوه أهل أرمينية أنزلوا له راهبا من رهبانهم كثير العلم فيقولون: انظر ما ذا يريدون هؤلاء فإذا أشرف الراهب على المهدي (عج) فيقول الراهب: أ أنت المهدي؟ فيقول: نعم أنا المذكور في إنجيلكم أنا أخرج في آخر الزمان، فيسأله الراهب عن مسائل كثيرة فيجيبه عنها فيسلم الراهب و يمتنع أهل أرمينية فيدخلونها أصحاب المهدي فيقتلون فيها خمسمائة مقاتل من النصارى ثمّ يعلق مدينتهم بين السماء و الأرض بقدرة اللّه تعالى فينظر الملك و من معه إلى مدينتهم و هي معلّقة عليهم و هو يومئذ خارج عنها بجميع جنوده إلى قتال المهدي فإذا نظر إلى ذلك ينهزم و يقول لأصحابه خذوا لكم مهربا فيهرب أوّلهم و آخرهم فيخرج عليهم أسد عظيم فيزعق في وجوههم فيلقون ما في أيديهم من السلاح و المال و تتبعهم جنود المهدي فيأخذون أموالهم و يقسّمونها فيكون لكلّ واحد من تلك الألوف مائة ألف دينار و مائة جارية و مائة غلام، ثمّ إنّ المهدي سار إلى بيت المقدس و استخرج تابوت السكينة و خاتم سليمان بن داود (عليهما السّلام) و الألواح التي نزلت على موسى، ثمّ يسير المهدي إلى مدينة الزنج الكبرى و فيها ألف سوق و في كلّ سوق ألف دكّان فيفتحها، ثمّ يأتي إلى مدينة يقال لها قاطع‏

171

و هي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا و طول المدينة ألف ميل و عرضها ألف ميل فيكبّرون عليها ثلاث تكبيرات فتتساقط حيطانها و تنقطع جدرانها فيقتلون فيها مائة ألف مقاتل و يقيم المهدي فيها سبع سنين فيبلغ سهم الرجل من تلك المدينة مثل ما أخذوه من الروم عشر مرّات، ثمّ يخرج منها و معه مائة ألف موكب و كلّ موكب يزيد على خمسين مقاتلا فينزل على ساحل فلسطين بين عكّة و سور غزّة و عسقلان فيأتيه خبر الأعور الدجّال بأنّه قد أهلك الحرث و النسل؛ و ذلك أنّ الأعور الدجّال يخرج من بلدة يقال لها يهوداء، و هي قرية من قرى اصفهان و هي بلدة من بلدان الأكاسرة، له عين واحدة في جبهته كأنّها الكوكب الزاهر، راكب على حمار خطوته مدّ البصر و طوله سبعون ذراعا و يمشي على الماء مثل ما يمشي على الأرض، ثمّ ينادي بصوته يبلغ ما يشاء اللّه و هو يقول: إليّ إليّ يا معاشر أوليائي فأنا ربّكم الأعلى الذي خلق فسوّى و الذي قدّر فهدى و الذي أخرج المرعى فتتبعه يومئذ أولاد الزنا و أسوأ الناس من أولاد اليهود و النصارى و تجتمع معه ألوف كثيرة لا يحصي عددهم إلّا اللّه تعالى ثمّ يسير و بين يديه جبلان: جبل من اللحم و جبل من الخبز الثريد فيكون خروجه في زمان قحط شديد، ثمّ يسير الجبلان بين يديه و لا ينقص منه شي‏ء فيعطي كلّ من أقرّ له بالربوبية، فقال (عليه السّلام): معاشر الناس ألا و إنّه كذّاب ملعون ألا فاعلموا أنّ ربّكم ليس بأعور و لا يأكل الطعام و لا يشرب الشراب و هو حيّ لا يموت بيده الخير و هو على كلّ شي‏ء قدير.

قال الراوي: فقامت إليه أشراف أهل الكوفة و قالوا: يا مولانا و ما بعد ذلك؟ قال (عليه السّلام): ثمّ إنّ المهدي يرجع إلى بيت المقدس فيصلّي بالناس أيّاما فإذا كان يوم الجمعة و قد أقيمت الصلاة فينزل عيسى ابن مريم في تلك الساعة من السماء عليه ثوبان أحمران و كأنّما يقطر من رأسه الدهن و هو رجل صبيح المنظر و الوجه أشبه الخلق بأبيكم إبراهيم فيأتي إلى المهدي و يصافحه و يبشّره بالنصر فعند ذلك يقول له المهدي: تقدّم يا روح اللّه و صلّ بالناس، فيقول عيسى: بل الصلاة لك يا ابن بنت رسول اللّه، فعند ذلك يؤذن عيسى و يصلّي خلف المهدي (عج) فعند ذلك يجعل عيسى خليفة على قتال الأعور الدجّال ثمّ يخرج أميرا على جيش المهدي و إنّ الدجّال قد أهلك الحرث و النسل و صاح على أغلب أهل الدنيا و يدعو الناس لنفسه بالربوبية فمن أطاعه أنعم عليه و من أبى قتله و قد وطئ الأرض‏

172

كلّها إلّا مكّة و المدينة و بيت المقدس و قد أطاعته جميع أولاد الزنا من مشارق الأرض و مغاربها ثمّ يتوجّه إلى أرض الحجاز فيلحقه عيسى (عليه السّلام) على عقبة هرشا فيزعق عليه عيسى زعقة و يتبعها بضربة فيذوب الدجّال كما يذوب الرصاص و النحاس في النار. ثمّ إنّ جيش المهدي يقتلون جيش الأعور الدجّال في مدّة أربعين يوما من طلوع الشمس إلى غروبها ثمّ يطهرون الأرض منهم و بعد ذلك يملك المهدي مشارق الأرض و مغاربها و يفتحها من جابرقا إلى جابرصا و يستتم أمره و يعدل بين الناس حتّى ترعى الشاة مع الذئب في موضع واحد و تلعب الصبيان بالحيّة و العقرب و لا يضرّهم و يذهب الشرّ و يبقى الخير و يزرع الرجل الشعير و الحنطة فيخرج من كلّ منّ مائة منّ كما قال اللّه تعالى: فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ (1) و يرتفع الزنا و الربا و شرب الخمر و الغناء و لا يعمله أحد إلّا و قتله المهدي و كذا تارك الصلاة و يعتكفون الناس على العبادة و الطاعة و الخشوع و الديانة و كذا تطول الأعمار و تحمل الأشجار الأثمار في كلّ سنة مرّتين و لا يبقى أحد من أعداء آل محمّد المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا و هلك ثمّ إنّه تلا قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ‏ (2) قال: ثمّ إنّ المهدي يفرّق أصحابه و هم الذين عاهدوه في أوّل خروجه فيوجّههم إلى جميع البلدان و يأمرهم بالعدل و الإحسان و كلّ رجل منهم يحكم على إقليم من الأرض و يعمرون جميع مدائن الدنيا بالعدل و الإحسان ثمّ إنّ المهدي يعيش أربعين سنة في الحكم حتّى يطهّر الأرض من الدنس قال: فقامت إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) السادات من أولاد الأكابر و قالوا: و ما بعد ذلك يا أمير المؤمنين؟

قال (عليه السّلام): بعد ذلك يموت المهدي و يدفنه عيسى بن مريم في المدينة بقرب قبر جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقبض الملك روحه من الحرمين و كذلك يموت عيسى و يموت أبو محمّد الخضر و يموت جميع أنصار المهدي و وزراؤه و تبقى الدنيا إلى حيث ما كانوا عليه من الجهالات و الضلالات و ترجع الناس إلى الكفر فعند ذلك يبدأ اللّه بخراب المدن و البلدان، فأمّا المؤتفكة فيطمى عليها الفرات و أمّا الزوراء فتخرب من الوقائع و الفتن و أمّا واسط فيطمى عليها الماء و أذربيجان يهلك أهلها بالطاعون و أمّا موصل فتهلك أهلها من الجوع‏

____________

(1)- سورة البقرة: 261.

(2)- سورة الشورى: 13.

173

و الغلاء و أمّا الهرات يخرّبها المصري و أمّا القرية تخرّب من الرياح و أمّا حلب تخرّب من الصواعق و تخرّب الإنطاكية من الجوع و الغلاء و الخوف و تخرّب الصقالبة من الحوادث و تخرّب الخط من القتل و النهب و تخرب دمشق من شدّة القتل و تخرب حمص من الجوع و الغلاء، و أمّا بيت المقدس فإنّه محفوظ إلى يأجوج و مأجوج لأنّ بيت المقدس فيه آثار الأنبياء، و تخرّب مدينة رسول اللّه من كثرة الحرب و تخرّب الهجر بالرياح و الرمل و تخرب جزيرة أوال من البحرين و تخرب قيس بالسيف و تخرب كبش بالجوع ثمّ يخرج يأجوج و مأجوج و هم صنفان: الصنف الأوّل طول أحدهم مائة ذراع و عرضه سبعون ذراعا، و الصنف الثاني طول أحدهم ذراع و عرضه ذراع يفترش أحدهم اذنيه و يلتحف بالاخرى و هم أكثر عددا من النجوم فيسيحون في الأرض فلا يمرّون بنهر إلّا و شربوه و لا جبل إلّا لحسوه و لا وردوا على شط إلّا نشفوه، ثمّ بعد ذلك تخرج دابة من الأرض لها رأس كرأس الفيل و لها وبر و صوف و شعر و ريش من كلّ لون و معها عصا موسى و خاتم سليمان فتنكت وجه المؤمن بالعصا فتجعله أبيض و تنكت وجه الكافر بالخاتم فتجعله أسود و يبقى المؤمن مؤمنا و الكافر كافرا ثمّ ترفع بعد ذلك التوبة فلا تنفع نفس إيمانها إن لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.

قال الراوي: فقامت إليه أشراف العراق و قالوا له: يا مولانا يا أمير المؤمنين نفديك بالآباء و الامّهات بيّن لنا كيف تقوم الساعة و أخبرنا بدلالاتها و علاماتها، فقال (عليه السّلام): من علامات الساعة يظهر صائح في السماء و نجم في السماء له ذنب في ناحية المغرب و يظهر كوكبان في السماء في المشرق ثمّ يظهر خيط أبيض في وسط السماء و ينزل من السماء عمود من نور ثمّ ينخسف القمر ثمّ تطلع الشمس من المغرب فيحرق حرّها شجر البراري و الجبال ثمّ تظهر من السماء فتحرق أعداء آل محمّد حتّى تشوي وجوههم و أبدانهم ثمّ يظهر كفّ بلا زند و فيها قلم يكتب في الهواء و الناس يسمعون صرير القلم و هو يقول: و اقترب الوعد الحقّ فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا، فتخرج يومئذ الشمس و القمر و هما منكسفتا النور فتأخذ الناس الصيحة، التاجر في بيعه و المسافر في متاعه و الثوب في مسداته و المرأة في غزلها (1) و إذا كان الرجل بيده طعام فلا يقدر يأكله، و يطلع الشمس و القمر و هما أسودا اللون‏

____________

(1)- في بعض النسخ: نسجها.

174

و قد وقعا في زوال‏ (1) خوفا من اللّه تعالى و هما يقولان: إلهنا و خالقنا و سيّدنا لا تعذّبنا بعذاب عبادك المشركين و أنت تعلم طاعتنا و الجهد فينا و سرعتنا لمضي أمرك و أنت علّام الغيوب، فيقول اللّه تعالى: صدقتما و لكنّي قضيت في نفسي أنّي أبدأ و أعيد و أنّي خلقتكما من نور عزّتي فيرجعان إليه فيبرق كلّ واحد منهما برقة تكاد تخطف الأبصار و يختلطان بنور العرش فينفخ في الصور فصعق من في السماوات و من في الأرض إلّا ما شاء اللّه تعالى، ثمّ ينفخ فيه اخرى فإذا هم قيام ينظرون فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون.

قال الراوي: فبكى علي (عليه السّلام) بكاء شديدا حتّى بلّ لحيته بالدموع ثمّ انحدر عن المنبر و قد أشرفت الناس على الهلاك من هول ما سمعوه.

قال الراوي: فتفرّقت إلى منازلهم و بلدانهم و أوطانهم و هم متعجّبون من كثرة فهمه و غزارة علمه و قد اختلفوا في معناه اختلافا عظيما. و هذا ما انتهى إلينا من خطبة البيان و الحمد للّه ربّ العالمين‏ (2).

النسخة الثانية من خطبة البيان: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه بديع السماوات و فاطرها و ساطح المدحيات و قادرها و موطد (3) الجبال و ثاغرها و مفجّر العيون و باقرها و مرسل الرياح و زاجرها و ناهي القواصف و آمرها و مزيّن السماء و زاهرها و مدبّر الأفلاك و مسيّرها و مقسم المنازل و مقدّرها و مولج الحنادس و منورها و محدث الأجسام و مقرّرها و باري النسم و مصوّرها و منشئ السحاب و مسخّرها و مكوّر الدهور و مكرّرها و مورد الامور و مصدرها و ضامن الأرزاق و مدبّرها و محيي الرفات و منشرها. أحمده على آلائه و توافرها و أشكره على نعمائه و تواترها و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة تؤدّي إلى الإسلام ذاكرها و يؤمن من العذاب ذاخرها و أشهد أنّ محمّدا عبده الخاتم لما سبق من الرسل و فاخرها و رسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة و ناشرها (صلّى اللّه عليه و آله) أرسله إلى أمّة قد شغل‏ (4) بعبادة الأوثان سائرها (5) و اعلنكس‏ (6) بضلالة دعاة الصلبان ظاهرها

____________

(1)- في بعض النسخ: زلازل.

(2)- الخطبة بطولها في نفحات الأزهار: 12/ 80 بتفاوت.

(3)- في المصدر: و مطود.

(4)- في بعض النسخ: شعر.

(5)- في بعض النسخ: شاغرها.

(6)- المعلنكس المقيم في البلد. كتاب العين: 2/ 304.

175

و تفحّم لحج في الجهالة سائرها و فجر بعمل الشبهات فاجرها و أن بعيان ذل الخسران متجر تاجرها و هدر عن لسان الشيطان بقبول نقم طائرها و التثم آكام‏ (1) لجام الأحجام بزخرف الشقائق مكر ماكرها فأبلغ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في النصيحة وافرها و أغاص بحار الضلالة و غامرها و أنار أعلام الهداية و منابرها و محا بمعجزات القرآن دعوة الشيطان و مكاثرها و أرغم معاطس غواة العرب و كافرها حتّى أصبحت دعوته بالحقّ ينطق ناصرها و شريعته المطهرة إلى المعاد يفخر فاخرها صلى اللّه عليه و على آله الدوحة العليا و طيب عناصرها.

أيّها الناس سار المثل و حقّق العمل و كثر الوجل و اقترب الأجل و صمت الناطق و زهق الزاهق و حقّت الحقائق و لحق اللاحق و ثقلت الظهور و تفاقمت الامور و حجب المستور و أحجم المغرور و أرغم المالك و منعت المسالك و سلك المالك و هلك الهالك و عمّت الفترات و وكدت الحسرات و بغت العثرات و كثرت الغمرات و قصر الأمد و تأوّد الأود و دهش العدد و أوجس الفند (2) و هيجت الوساوس و ذهبت الهواجس و عيطل‏ (3) العساعس‏ (4) و خذل الناقس‏ (5) و مجت الأمواج و خفت العجاج و ضعفت الحجاج و اطرح المنهاج و اشتد الغرام و الحف العوام و دلف القيام و ازدلف الخصام و تفرّقت‏ (6) العرب و امتد الطلب و صحب الوصب‏ (7) و نكص الهرب و طلبت الديون و بكت العيون و غبن المغبون و أردحت‏ (8) المنون و شاط الشطاط و هاط (9) الهياط (10) و امتط العلاط (11) و عجز المطاع و لظد الدفاع و اظلم الشعاع و صمّت الأسماع و ذهب العفاف و وعد الخلاف و سمج الإنصاف و امتزج النفاف و استحوذ الشيطان و عظم العصيان و تلقب‏ (12) الخصيان و حكمت‏

____________

(1)- الاكمة: التل.

(2)- الفند الكذب.

(3)- العيطل: الطويل من النساء (كتاب العين: 2/ 9). و لعله عطل لما يأتي ان معنى العساعس الحرس.

(4)- العساعس من العسس كناية عن الحرب في الليل.

(5)- الناقس: الحامض (لسان العرب: 6/ 125).

(6)- في بعض النسخ: و اختلفت.

(7)- الوصب: الشدة.

(8)- في بعض النسخ: و ارتجت.

(9)- هط: يقال للرجل اذا أمرته بالذهاب و المجي‏ء. (تاج العروس: 5/ 245).

(10)- الهياط: الدنو (كتاب العين: 4/ 76). و في الصحاح: 4/ 1169 الهياط: الصياح.

(11)- و سمة بالكي في العنق.

(12)- في بعض النسخ: و تلهب- و تهيب.

176

النسوان و فدحت الحوادث و نفث النافث و عبث العابث و عجم‏ (1) الوابث و وهدت الاصرار و مجست الأفكار و عطل اللزاز و نافر الإعجاز و اختلفت الأهواء و عظمت البلوى و اشتدّت الشكوى و استمرّت الدعوى و قرض القارض و لحظ اللاحظ و لمظ اللامظ و عض الشاظظ و تلاحم الشداد و نفذ الإحاد و عز النفاذ و بل الرذاذ و عجت الفلاة و سبسب‏ (2) الغلاة و جعجع الولاة و بخست المقلاة (3) و نصل الباذخ و وهم الناسخ و تهجرم السابخ و لعج‏ (4) النافخ و زلزلت الأرض و اجتلى الغض و ضبضب الغرض و كثر المخض و كبتت الأمانة و بدت الخيانة و عزت الديانة و خبثت الصيانة و أنجد العيص‏ (5) و أراع القنيص‏ (6) و كثر القميص و كثكث المحيص و قام الأدعياء و قعد الأولياء و اخسبت الأغنياء و نالت الأشقياء و مالت الجبال و اشكل الإشكال و شبع الكربال‏ (7) و منع الكمال و ساهم الشحيح و قهقر الجريح و أمعن الفصيح و اخرنطم الصحيح و كفكف النزوع و حدحد البلوع و تفتّق المربوع و تكتك المولوع و فدفد (8) الموعور و ندند الديجور و أزر المأزور و انكب المستور و عبس العبوس و كسكس الهموس و نافس المفلوس و احلب الناموس و زعزع الشقيق و جرسم‏ (9) الأنيق و صحب الطريق و ثور الفريق و زاد الزائد و ماد المائد و قاد القائد و غاد الغائد (10) و حد الحدود و مد المدود و سد السدود و كد الكدود و أظل الظليل و نال المنيل و غل الغليل و فصل الفصيل و شت الشتات و نصح النيات و شمت الشمات و أصر الديات و وكد الهرم و قصم القصم و سبب الوصم و سدم‏ (11) الندم و أرب‏ (12) الذاهب و ذاب الذائب و نجم الثاقب و وصب الواصب و ازور القران و احمر الدبران و سدس السرطان و ربع الزبرقان و ثلث الحمل‏

____________

(1)- في بعض النسخ: هجم.

(2)- السبسب: المفازة: (الصحاح: 1/ 145).

(3)- في بعض النسخ: القلاة.

(4)- لعج الحزن: دام.

(5)- العيص أصول الشجر و العيص اسم مدينة. (لسان العرب: 7/ 109).

(6)- الصائد و المصيد.

(7)- ما تكربل به الحنطة.

(8)- الفدفد: الخالي.

(9)- الجرسام: البرشام (الصحاح: 5/ 1886) و في اللسان: 12/ 188 الجرسم: السم.

(10)- غاد: لان.

(11)- السدم: الهم في ندم (كتاب العين: 7/ 233).

(12)- الأرب: الدهاء، و الأرب: السقوط (الصحاح: 1/ 87) و الارب الحاجة.

177

و ساهم الزحل و ينبه الثول‏ (1) و أقل الفرار و منع الوخار و ابت الأقدار و منع الوجار (2) و كملت الفترة و سدت الهجرة و عذت‏ (3) الكسرة و غمرت الغمرة و ظهرت الأفاطس و فحم الملابس و يؤمهم الكساكس و يقدمهم العبابس فيكدحون الجزائر و يقدحون العشائر و يملكون السرائر و يهتكون الحرائر و يحدثون‏ (4) الكيسان و يخرّبون خراسان و يفرّقون الحليسان و يلحون الرويسان و يهدمون الحصون و يظهرون المصون و يقطفون‏ (5) الغصون و يفرءون الحصون و يفتحون العراق و يمتحون‏ (6) الشقاق و يسيرون‏ (7) النفاق بدم يراق، فآه ثمّ آه لتعريض الأفواه و ذبول الشفاه.

قال سلمان: ثمّ إنّ مولانا علي بن أبي طالب (عليه السّلام) التفت يمينا و شمالا و تنفّس الصعداء و تأوّه أنينا و تململ حزينا فقام إليه سويد بن نوفل الهلالي و كان من لفيف الخوارج و قال: يا أمير المؤمنين أنت حاضر بما تقول و عالم بما أخبرت فالتفت إليه فرمقه بعين الغضب فظننا أنّ السماء قد انفطرت و الأرض قد زلزلت، ثمّ قال له: ثكلتك الثواكل و نزلت بك النوازل يا ابن الجبّان الجابث و المكذّب الناكث عقرك الفشل و لاح لك الهبل، أما و اللّه ما آمنت بالرسول و لن تؤمن بوصيّه بك تصدر عن الدخول سيقصر بك الطول و يغلبك الغول فلتعبر العقول تأويل ما أقول:

أنا آية الجبّار أنا حقيقة الأسرار أنا دليل السماوات أنا أنيس المسبحات أنا خليل جبرئيل أنا صفيّ ميكائيل أنا قائد الأملاك أنا سمندل‏ (8) الأفلاك أنا سائق الرعد أنا شاهد العهد أنا شين الصراح‏ (9) أنا حفيظ الألواح أنا قطب الديجور (10) أنا البيت المعمور أنا رمية القواصف أنا مفتاح العواصف أنا منزل الكرامة أنا أصل الإمامة أنا شرف الدوائر أنا مؤثر المآثر أنا كيوان‏ (11)

____________

(1)- الثول: الذكر من النحل و يقال جماعة النحل، و الثول جنون (العين: 8/ 238).

(2)- الوجار: سرب الضبع، و الوجار الجرف.

(3)- في بعض النسخ: عزت.

(4)- في بعض النسخ: و يجيئون.

(5)- في بعض النسخ: يعيضون.

(6)- في بعض النسخ: يهجمون.

(7)- في بعض النسخ: يثيرون.

(8)- السمندل: طائر اذا انقطع نسله و هرم ألقى نفسه في الجمر فيعود الى شبابه و قيل هو دابة يدخل النار فلا تحرقه (لسان العرب: 11/ 692).

(9)- الصراح: البيت المعمور.

(10) الديجور: الظلام.

(11)- كيوان: نجم يقال له: زحل و كاوان جزيرة في البصرة (كتاب العين: 5/ 421).

178

المكان أنا شأن الامتحان أنا شهاب الإحراق أنا مواثق الميثاق أنا عصام الشواهد أنا عتيد الفراقد أنا شعاع العساعس‏ (1) أنا جون الشوامس أنا فلك اللجج و أنا حجّة الحجج أنا سماك البهو أنا مطية العفو أنا خير الامم أنا فضل ذي الهمم أنا باب الأبواب أنا مسبّب الأسباب أنا ميزان الحساب أنا المخبر عن الذات أنا المبرهن بالآيات أنا الأوّل في الدين أنا الآخر في اليقين أنا الباطن على الكفّار أنا الظاهر في الأسرار أنا البرق اللموع أنا السقف المرفوع أنا مقبل الحساب أنا مسدّد الخلائق أنا محقّق الحقائق أنا جوهر القدم أنا مرتب الحكم أنا نصب الأمل أنا عامل العوامل أنا مولج اللذّات أنا مجمع الشتات أنا الأوّل و الآخر أنا الباطن و الظاهر أنا قمر السرطان أنا شعر الزبرقان أنا أسد النثرة (2) أنا سعد الزهرة أنا مشتري الكواكب أنا زحل الثواقب أنا غفران الشرطين أنا ميزان البطين أنا حمل الإكليل‏ (3) أنا عطارد التفضيل أنا قوس العراك أنا فرقد السماك أنا مريخ القرآن أنا عيون الميزان أنا حارس الإشراق أنا جناح البراق أنا جامع الآيات أنا سرّ الخفيات أنا زاجر (4) البحر أنا قسطاس القطر أنا صاحب الجديدين أنا أمير النيرين أنا آية النصرة أنا خلاصة العصرة أنا عروة الجديدين أنا خيرة النيرين أنا محط القصاص أنا جوهر الإخلاص أنا سماك الجبال أنا معدم الآمال أنا مفجّر الأنهار أنا معذب الثمار أنا حام الأنف أنا شارف الشرف أنا مفيض الفرات أنا معرّب التوراة أنا هداية الملك أنا عذوبة الأنهار أنا لذيذ الثمار أنا عفيف الطويّة أنا محك‏ (5) البرية أنا نجاة الفلك أنا غياث الملك أنا مبين الصحف أنا يافث الكثف أنا ثاقب الكسف أنا ذخيرة الشور أنا مصفح الزبور أنا مؤوّل التأويل أنا مفسّر الإنجيل أنا أمّ الكتاب أنا فصل الخطاب أنا صراط الحمد أنا أساس المجد أنا محيي البررة أنا فصول البقرة أنا مثقل الميزان أنا صفوة آل عمران أنا علم الأعلام أنا جملة الأنعام أنا خامس الكساء أنا تبيان النساء أنا صاحب الإيلاف أنا رجال الأعراف أنا محجّة الفال‏ (6) أنا صاحب الأنفال أنا مدير مائدة الكرم أنا توبة الندم أنا الصاد و الميم أنا ثعبان الكليم أنا سر إبراهيم أنا محكم الرعد أنا سعادة الجدّ أنا

____________

(1)- العساعس: من العسس أي الحرس.

(2)- اسم نجم و يسمّى: أنف الاسد (مفردات الراغب 482).

(3)- في بعض النسخ: الأكيل.

(4)- في بعض النسخ: ساجر.

(5)- المحك: المنازعة في الكلام (تاج العروس: 7/ 176).

(6)- في بعض النسخ: الانفال.

179

علانية المعبود أنا مستنبط هود أنا نخلة الجليل أنا آية بني إسرائيل أنا مخاطب أهل الكهف أنا محبوب الصف أنا الطريق الأقوام أنا موضع مريم أنا سورة لمن تلاها أنا تذكرة أوّل طه أنا ولي الأولياء أنا الظاهر مع الأنبياء أنا (1) ولي الأنبياء أنا مفضل ولد الأنبياء أنا صاحب النهج أنا عصمة المحج أنا موصوف النون أنا نور المسجون أنا مكر الفرقان أنا آلاء الرحمن أنا محكم الطواسين أنا إمام الياسين أنا حاء الحواميم أنا قسم الم أنا سائق الزمر أنا آية القمر أنا راقب المرصاد أنا ترجمة الصاد أنا صاحب النجم أنا راصد الرجم أنا جانب الطور أنا باطن الصور أنا عتيد قاف أنا واضع الأحقاف أنا مؤيّد الصافات أنا مساهم الذاريات أنا متلو سبأ و الواقعة أنا أمان الأحزاب أنا مكنون الحجاب أنا برّ القسم أنا كهيعص أنا فاطر النافعة أنا الرحمة النافعة أنا باب الحجرات أنا حاوي المفصلات أنا وعد الوعيد أنا مثال الحديد أنا وفق الأوفاق أنا علامة الطلاق أنا ضياع البراق أنا ن و القلم أنا مصباح الظلم أنا سؤال متى أنا الممدوح بهل أتى أنا النبأ العظيم أنا الصراط المستقيم أنا زمان المطول أنا محكم الفضل أنا عذوبة القطر أنا مأمون السور أنا جامع الآيات أنا مؤلف الشتات أنا حافظ القرآن أنا تبيان البيان أنا شقيق الرسول أنا بعل البتول أنا سيف اللّه المسلول أنا عمود الإسلام أنا منكس الأصنام أنا صاحب الاذن أنا قاتل الجن أنا ساقي العطاش أنا النائم على الفراش أنا شيث البراهمة أنا يافث الأراكمة أنا كون المفارق أنا سروخ الجماهرة أنا ازهور البطارق أنا سندس الروم أنا هرقل الكرامة أنا سيّد الأشموس أنا حقيق الأري‏ (2) أنا عرعدن الكرهى أنا شبير الترك أنا شملاس الشرك أنا أجثياء الزنج أنا جرجيس الفرنج أنا بتريك الحبش أنا كلوع الوحش أنا مورق العود أنا كمرد الهنود أنا عقد الإيمان أنا قسيم الجنان أنا زبركم الغيلان أنا شبشاب رزكم العلان أنا برسوم الروس أنا كركس السدوس أنا شملة الخطاء أنا بدر البروج أنا شبشاب الكروج أنا كبور الفارق أنا ذربيس الخطاء أنا خاتم الأعاجم أنا دوسار البراجم أنا أبرياء الزبور أنا وسيم حجاب الغفور أنا صفوة الجليل أنا إيليا إنجيل أنا استمساك العرات أنا أبرياء التوراة أنا سهل الطباع أنا منون الرضاع أنا سرّ الأسرار أنا خيرة الأخيار أنا حيدر الأصلع أنا مؤاخي اليوشع أنا مؤمن رضاع عيسى أنا در فلاح الفرس أنا ظهر قبائل الأنس أنا سمير

____________

(1)- في بعض النسخ: ورثة- وارث الأنبياء.

(2)- الأري: العسل، و الأري الذي لم يدخل الفزع جنان رئته (كتاب العين: 8/ 302).

180

المحراب أنا سؤال الطلاب أنا ذرماج العرش أنا ظهير الفرش أنا شديد القوى أنا حامل اللواء أنا سابق المحشر أنا ساقي الكوثر أنا قسيم الجنان أنا مشاطر النيران أنا مغيث الدين أنا إمام المتّقين أنا طهر الأطهار أنا وارث المختار أنا مبيد الكفرة أنا أبو الأئمّة البررة أنا قالع الباب أنا عبد أواب أنا صاحب اليقين أنا سيّد بدر و حنين أنا حافظ الآيات أنا مخاطب الأموات أنا مكلّم الثعبان أنا حاطم الأديان أنا ليث الزحام أنا أنيس الهوام أنا رحيب الباع أنا أوفر الأسماع أنا مهلك الحجاب أنا مفرّق الأحزاب أنا وارث العلوم أنا هيولى النجوم أنا النقطة و الخطة أنا باب الحطة أنا أوّل الصدّيقين أنا صالح المؤمنين أنا عقاب الكفور أنا مشكاة النور أنا دافع الشقاء أنا مبلغ الأنباء أنا و اللّه وجه اللّه أنا مفرّج الكرب أنا سيّد العرب أنا كاشف الكربات أنا صاحب المعجزات أنا غياث الضنك أنا صريع الفتك أنا موضّح القضايا أنا مستودع الوصايا أنا حقيقة الأديان أنا عين الأعيان أنا منحة المانح أنا صلاح الصالح أنا سور المعارف أنا معارف العوارف أنا كاشف الردى أنا بعيد المدى أنا محلّل المشكلات أنا مزيل الشبهات أنا عصمة العوامظ أنا لحظ اللواحظ أنا غرام الغليل أنا شفاء العليل أنا صلة الآصال أنا أمر الصلصال أنا تكسير الغسق أنا بشير الفلق أنا معطل القياس أنا طبا الأرماس‏ (1) أنا حبل اللّه المتين أنا دعائم الدين أنا ناسخ المرى أنا عصمة الورى أنا دوحة الأصيلة أنا مفضال الفضيلة أنا طود الأطواد أنا جود الأجواد أنا عيبة العلم أنا آية الحلم أنا حلية المخلد أنا بيضة البلد أنا محل العفاف أنا معدن الإنصاف أنا فخار الأفخر أنا الصدّيق الأكبر أنا الطريق الأقوم أنا الفاروق الأعظم أنا زهرة النور أنا حكمة الامور أنا الشاهد المشهود أنا العهد المعهود أنا بصيرة البصائر أنا ذخيرة الذخائر أنا عصام العصمة أنا حكمة الحكمة أنا صمصام الجهاد أنا جلسة الآساد أنا زكي الوغى‏ (2) أنا قاتل من بغى أنا قرن الأقران أنا مذلّ الشجعان أنا فارس الفوارس أنا نفيس النفائس أنا ضيغم الغزوات أنا بريد المهمّات أنا سؤال المسائل أنا أوّل الأسباط أنا نجحة الوسائل أنا جواز الصراط أنا صواب الخلاف أنا رجال الأعراف أنا صحيفة المؤمن أنا خيرة المهيمن أنا ممجد الأحساب أنا جدول الحساب أنا لواء الراكز أنا أمن المفاوز (3) أنا سميدع‏ (4) البسالة أنا خليفة الرسالة أنا مرهوب الشذى أنا أسمل القذى أنا

____________

(1)- الارماس: القبور و طبا: دعا.

(2)- الوغى: الحرب.

(3)- المفاوز: مفردها المفازة: المكان الوسيع الذي ليس فيه أنيس (غريب الحديث: 2/ 202).

(4)- السميدع: السيد الموطأ الاكناف (الصحاح: 3/ 1233).

181

صفوة الصفا أنا كفو الوفاء أنا إرث الموارث أنا أنفث النافث أنا الإمام المبين أنا الدرع الحصين أنا موضح الحقيقة أنا حافظ الطريقة أنا واضع الشريعة أنا مظنّة الوديعة أنا بشارة البشير أنا البرعم النذير أنا الشفيع بالمحشر أنا الصادع بالحق أنا الباطن بالصدق أنا مبطل الأبطال أنا مذلّ الاقبال أنا الضارب بذي الفقار أنا النقم على الكفّار أنا مخمد الفتن أنا مصدر المحن.

فعندها صاح سويد بن نوفل الهلالي صيحة عظيمة و جلت منه القلوب و اقشعرت منه الأجساد من نازلة نزلت به فهلك في وقته و ساعته فأعقب (عليه السّلام) في كلامه قال: حمدا مؤيّدا و شكرا سرمدا لخالق الامم و بارئ النسم، و جعل يكرّر ذلك مرارا فقام إليه الفضلاء و أحدق به العلماء يقبّلون مواطئ قدميه و يكرّرون القسم الأعظم عليه بإتمام كلامه الذي انتهى إليه، فقال (عليه السّلام):

معاشر المؤمنين أ بمثلي يستهزئ المستهزءون أم عليّ يتعرّض المتعرّضون؟ أ يليق لعلي أن يتكلّم بما لا يعلم أو يدّعي ما ليس له بحق؟ و أيم اللّه لو شئت لما تركت عليها كافرا باللّه و لا منافقا برسول اللّه و لا مكذّبا بوصيه إنّما أشكو بثّي و حزني إلى اللّه و أعلم و اللّه ما لا تعلمون، قال: فقام إليه المقداد بن الأسود الكندي و قال: يا مولاي أقسمت عليك بالهيكل العاصم و بنور أبي القاسم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلّا أتممت لنا باقي كلامك الذي انتهيت بنا إليه، فقال (عليه السّلام):

بعد حمد اللّه الجبّار و الصلاة على النبي المختار ما أبت‏ (5) العطار قد سبق المضمار و جرت الأقدار و نفث القلم و وعدت الامم و استنشق الأدم و عصمت الكظم و حكم الخالق و رشق الراشق و وقب الواقب و غسق الغاسق و برق البارق و حققت الظنون و فتن المفتون المغبون و ذهب المنون و شجت الشجون بما أن سيكون، ألا إنّ في المقادير من القرن العاشر سيحبط علج بالزوراء من بني قنطور بأشرار و أيّ أشرار و كفّار أي كفّار و قد سلبت الرحمة من قلوبهم و كلفهم الأمل إلى مطلوبهم فيقتلون الأبله و يأسرون الأكمه و يذبحون الأبناء و يستحيون النساء و يطلبون شذاذ بني هاشم ليساقوا معهم في الغنائم و تستضعف فتنتهم الإسلام و تحرق نارهم الشام فآها لحلب بعد حصارهم و آها لخرابها بعد دمارهم و ستروى الظباء من‏

____________

(5)- في بعض النسخ: ابتر.

182

دمائهم أيّاما و تساق سباياهم فلا يجدون لهم عصاما، ثمّ تسير منهم جبابرة مارقين و تحلّ البلاء بقرية فارقين و ستهدم حصون الشامات و تطوف ببلادها الآفات فلا يسلم إلّا دمشق و نواحيها و يراق الدماء بمشارقها و أعاليها ثمّ يدخلون بعلبك بالأمان و تحلّ البلايات البلية في نواحي لبنان فكم من قتيل يقطر الأغوار و كم من أسير ذليل من قرى الطومار فهنالك تسمح الأعوال و تصحب الأهوال فإذا لا تطول لهم.

أنا مفضال الفضيلة أنا طود الأطواد أنا جود الأجواد أنا عيبة العلم أنا آية المدّة حتّى تخلق من أمرهم الجدة فإذا أتاهم الحين الأوجر و ثبت عليهم التعدّد الأقطر (1) بجيشه الململم المكرّر و هو رابع العلوج المستقر (2) المظفر (3) و نوائب القدر بجيش يلملمه الطمع و يلهبه فيسوقهم سوق الهيمان و يمكث شياطينهم بأرض كنعان و يقتل جيوشهم العفف‏ (4) و يحلّ بجمعهم التلف فيتلاءم منهم عقيب الشتات من ملك‏ (5) النجاة إلى الفرات فيثيرون الواقعة الثانية، إذ لا مناص و هي الفاصلة المهولة قبل المغاص فيعذّبهم على الإسلام الكثرة فهنالك تحل بهم الكرة (6) فيقصدون الجزيرة و الخصباء و يخربون بعد عودهم الحدباء ثمّ يظهر الجري‏ء الحالك‏ (7) من البصرة في شرذمة من بني غمرة يقدمهم إلى الشام و هو مدحش فيتابعه على الخديعة الأرعش ثمّ يصحبه بالجيش العرمرم إلى عرصه، فما أسرع ما يسلمه بعد فتنته فيروم الجري إلى العراق ليتبدّل غليله من الإشراق فيهلكه الهلاك بالأنبار قبل مرامه، و يغيض على أهلها السقام من فضول سقامه و ستنظر العيون إلى الغلام الأسمر الدعاب حين تجنح به جنوح الارتياب، يلقب بالحاكم و يسجن بالعلائم بعد ألفة العرب و إرسال حثيث الطلب مقارنة الدمار من بين صحاري الأنبار، و كأنّي اشاهد الأرعش و قد قلده الأمر و أطال حجّته ليلة الدهر بعد اختلاف أرباب الوعود و ذلك خلف موافق المقصود و علق علائق ناكثات‏ (8) ليشوبها الكدر و يؤاتيها القدر، فيا شرّاه من بلية في برهته و زهو أمانيّه‏

____________

(1)- في بعض النسخ: العقد و الأفطر.

(2)- في بعض النسخ زيادة: بكنية.

(3)- في بعض النسخ: عليه كتابة المظفر بكنيته.

(4)- العفف و قيل العفعف: ثمر الطلح. (كتاب العين: 1/ 92).

(5)- في بعض النسخ: فلك.

(6)- في بعض النسخ: الكسرة.

(7)- في بعض النسخ: الحالكة شديدة السواد في المجمع.

(8)- في بعض النسخ: باكيات.

183

بزهو نزهته، فهنالك يوصمه عطاسه و يقحمه نعاسه و يشغله شدّة رعافه و ذلك عقيب الاتصالات الظواهر و آخر القرن العاشر إذ هام بنور قنطور كل الهيام و جمعهم في المرّة الثالثة شهر الصيام فإذا قاتلهم أبو الشواص‏ (1) و هو أبو الفوارس فظهر ما بينهم الخابس انتقل ملك الهند من بيت إلى بيت، و قال البيت في حياته ألا ليت، و قل أمر الدولة من، و شملت أهل الجزورات الذلّة و لعبت السيوف في سحروت و ساحت الدماء في أقاليم صيصموت و اختلفت على الملك الجيوش وصال عليهم بحوزة المشوش‏ (2) و لجت النار الولجة و اشتدّت الحروب بين الذبحة و وافق الكمد الصعوبة و خربت طرق النوبة و لمس البرائد اللمس و اختلف ملك أندلس و دهش العرب الداهش و اقتتل أهل مراكش و وقعت الوقائع في القفحات و قام الحرب لهم على ساق و سارت الطلائع للسراف و عصفت بالسفن الرياح و اشرعت بالجزائر الرماح فظهرت الزخارخ المدفية و هلك رب قسطنطنية و هدم سواحل الروم البرح و سال على الأفاطيس الترح و اشتدّت الفتن في خراسان و كان الظفر لآل حسان و افترق بنو قنطور على اختلاف و آل بهم الرجل إلى المصاف، امتحق في الزحف أكثرهم و انكشف الأنام مظهرهم و خسف المدينة بالخطاء و خربت متاحر القيعان‏ (3) الوسطى و أكثرت الزلازل بالشجرات و طالت بأقاليم الجاوة المشاجرات و ظهر العلج بين الدسائس و تلاحم عليه القتال بأرض فارس و تلهب الضرام المشرق فالحذر كلّ الحذر من المشفق إذا ظهرت بخراسان الزلازل و نزلت بهمدان النوازل فرجفت الأراجف بالعراق و تاحم‏ (4) الكفر عند العناق و شمل الشام الخلاف و حجب عن أهله الإنصاف وصال دحداح‏ (5) السواحل على الثغور و ضعف عن دحضه أهل الغرور و اشتهر الكذب بمصر و وقع بين أهلها الكرب و الهرب و اختلف العساكر على العلج و كثر بينهما الشحّ و تمادت المبنيات بالحجاز و خيف على الحرم من المكذاد و اختلف العساكر و أهل اليمن على الملك و نجا منهم اناس إلى الفلك و سار التلاطم و الحرب و أزعج هجر العرب و تأجج كرب الجزائر و ملأ نواحي البرّ

____________

(1)- في بعض النسخ: أبو النوامس.

(2)- المشوش: المنديل، و المشاش رءوس العظام (تاج العروس: 4/ 350).

(3)- في بعض النسخ: العقيان.

(4)- تاحم: ذبح.

(5)- هو القصير من الرجال.

184

و وقع الخلف ما بين عساكر الروم و شاع ما كان مكتوم و ارتحل الأفاضل من العالم و ولي الأسافل المظالم و غلب على الناس الفجور و ملكتهم بقيّة الغرور و أثم باللص الآثم و نبذ بذنبهم العالم و منع أصحاب الحقيقة الحقوق و أصاب لبعضهم البروق البروج، قف إذا أقبل القرن الحادي عشر فإنّا للّه و إنّا إليه راجعون عمّ البلاء و قلّ الرجاء و منع الدعاء و نزل البلاء و عدم الدواء و ضاق دين الإسلام و هلكه علج بالشام فإذا قام العلج الأصهب و عصر عليه القلب لم يلبث حتّى يقتل و يطلب بدمه الأكحل فهنالك يرد الملك إلى الشرك و يقتل السابع من الترك و تفترق في البيداء الأعراب و يقطع المسالك و الأسباب و يحجب القصر و يسعد العسر و يلج الهالع و تحل البليات بأرض بابل و تشتدّ و تفترش المحن و يكدر الصفاء و يدحض الخور و ترجف من البؤس الأقاليم و تظلم بالشقاق الأظاليم و يملك الخير القهر و تنشر راية الشرّ و يشمل الناس البلاء و يحلّ الشام الغلاء و تكثر الوقائع في الآفاق و تقوم الحرب على ساق و يذعن لخرابها الأعمال و تأذن بعمارتها الجبال، فيا لها من قتلة، و كوز (1) لأبي المكارم الحبيب المستغني ثمّ يقتل بالعمد بسيف مولد أبي سند ثمّ خاتم الأربعين و هو عبد اللّه المكين فلم يلبث حتّى يدرك بجيش يقدمه لشرك و فيه سعير فيقتله و يدمع الهارب فيعجله و يهدم الجوامع و أعلامها يكثكث‏ (2) الزها و أعضائها و يستصغر الكبائر و يبيد العشائر و يرفع الفاجر و يضع الأخيار (3) و يستعبد الممالك و يهلك السالك و يحتفل بالأراذل و نفد الأفاضل و يذهب العوارف و يحرق المصاحف و يشير الشقاق و يجالس الفسّاق فلن يجف الفضة و لن يصيب السفلة حتّى يدركها فلبسه ابن حرب في ذلك العام حتّى يثيب من السام و معه جهينة بن وهب المتفرّد بحماره المهدّد بخروجه من جزيرة القشمير و معه شياطين الغير فيقتل أحدهما سعيد و يستأثر ابنتها وليدة ثمّ يروم قصد الحجاز و قتل بيدهم بيوتات الأحراز، فآها لكوفة و جامعها و آها لذوي الحقائق و آها للمستضعفين في المضائق، و أين المقرّ عند ظهور العلج شلعين الميل الكالح الزيح بجيش لا يرام عبدهم و لا يحصى سبيلهم و لا يفدى و لا ينصر أسيرهم و معهم الكركدن و الفيل و يثبطون الظهور و يفزعون الثغور الجزيل، و يسبحون و يكسحون السعيد و سيحبط ببلاد الأرم في أحد الأشهر الحرم‏

____________

(1)- الكوز حفيرة تحفر (كتاب العين: 7/ 373).

(2)- الكثكث: دقاق الحصى و التراب (النهاية: 4/ 153).

(3)- في نسخة ثانية: الآصار.

185

أشدّ العذاب من بني حام فكم من دم يراق بأرض العلائم و أسير يساق من الغنائم حتّى يقال أروى بمصر الفساد و افترست الضبع الآساد فيا للّه من تلك الآفات و التجلب بالبليات و أحصنت الربع المساحل حتّى يصمم الساحل فهنالك يأمر العلج الكسكس ان يخرب بيت المقدس فإذا أذعن لأوامره و سار بمعسكره و أهال بهم الزمان بالرملة و شملهم الشمال بالذلّة فيهلكون عن آخرهم هلعا فيدرك اسارهم طمعا، فيا للّه من تلك الأيام و تواتر شرّ ذلك العام و هو العام المظلم المقهر و يستعكمك هو له في تسعة أشهر، ألا و إنّه ليمنع البر جانبه و البحر راكبه و ينكر الأخ أخاه و يعق الولد أباه و يذممن النساء بعولتهن و تستحسن الامّهات فجور بناتهن و تميل الفقهاء إلى الكذب و تميل العلماء إلى الريب فهنالك ينكشف الغطاء من الحجب و تطلع الشمس من الغرب هناك ينادي مناد من السماء، اظهر يا وليّ اللّه إلى الاحياء و سمعه أهل المشرق و المغرب فيظهر قائمنا المتغيّب يتلألأ نوره يقدمه الروح الأمين و بيده الكتاب المستبين ثمّ مواريث النبيين و الشهداء الصالحين يقدمهم عيسى بن مريم فيبايعونه في البيت الحرام و يجمع اللّه له أصحاب مشورته فيتّفقون على بيعته، تأتيهم الملائكة و لواء الأطراف في ليلة واحدة و إن كانوا في مفارق الأطراف فيحول وجهه شطر المسجد الحرام و يبيّن للناس الامور العظام و يخبر عن الذات و يبرهن على الصفات ثمّ يولي بمكة جابر بن الأصلح و يقبله العوام بالأبطح فيرجع من العيلم و يقتل من المشركين في الحرم ثمّ يولي رماع بن مصعب و يقصد المسير نحو يثرب فيعقد لزعماء جيوشه رايته و يقلّد أصفياء أصحابه مقاليد ولايته و يولّي شبابة بن وافر و الحسين بن ثميلة و غيلان بن أحمد و سلامة بن زيد أعمال الحجاز و أرض نجد و هم من المدينة، و يولي حبيب بن تغلب و عمارة بن قاسم و خليل بن أحمد و عبد اللّه بن نصر و جابر بن فلاح أقاليم اليمين و الأكامل و هم من أعراب العراق، و يولي محمد بن عاصم و جعفر بن مطلوب و حمزة بن صفوان و راشد بن عقيل و مسعود بن منصور و أحمد بن حسّان أعمال البحرين و سواحلها و عمان و جزائرها و هم من جزائرهن، و يولي راشد بن رشيد و حزيمة بن عوام و هلال بن همام و عبد الواحد بن يحيى و إسماعيل بن جعفر و يعقوب بن مشرف و غيلان بن الحسين و موسى بن و جزائر (1) الكراديس و هم من مشارق العراق، و يولي أحمد بن سعيد و طاهر بن يحيى‏

____________

(1)- كذا بالأصل.

186

و إسماعيل بن جعفر و يعقوب بن مشرف و غيلان بن الحسين و موسى بن حارث حبشة و أقاليم المراقش و هم من الكوفة.

و يولي إبراهيم بن أعطى و الحسين بن علاب و أحمد بن موسى و موسى بن رميح و يميز ابن صالح و يحيى بن غانم و سليمان بن قيس مصادر الجذلان و أعمال الدفولة و هم من أرض قوشان، و يولي طالب بن العالي و عبد العزيز بن سهلب بن مرّة و هشام بن خولان و عمرو بن شهاب و جيار بن أعين و صبيح بن مسلم أقاليم الأدنى و جزائر الكتائب و هم من نواحي شيراز، و يولي أحمد بن سعدان و يوسف بن مغانم و علي بن مفضل و زيد بن نصر و الجراد بن أبي العلاء و كريم بن ليث و حامد بن منصور أقاليم الحمير و جزائر الرسلات و هم من بلاد فارس، و يولي العمّار بن الحارث و محمد بن عطاف و جمعة بن سعد و هلال بن داود تيه و عمر بن الأسعد جزائر مليبار و أعمال العمائر و هم من غريّ العراق الأعلى، و يولي الحسن بن هشام و الحسين بن غامر و علي بن الرضوان و سماحة بن بهيج الأشام الأردنا و هم من مشارق لبنان، و يولي الجيش بن أحمد و محمد بن صالح و عزيز بن يحيى و الفضل بن إسماعيل الشام الأقصى و السواحل من قرى الشام الأوسط، و يولي محمد بن أبي الفضل و تميم بن حمزة و المرتضى بن عماد و علي بن طاهر و أحمد بن شعبان بأقاليم مصر، و جزائر النوبة و هم من أرض مصر و يولي الحسن بن فاخر و فاضل بن حامد و منصور بن خليل و حمزة بن حريم و عطاء اللّه بن حباة و واهب بن حيار و وهب بن نصر و جعفر بن وثاب و محمد بن عيسى و تفور وسائط النوبة و أعمال الكردود و هم من بلاد حلوان.

و يولي أحمد بن سلام و عيسى بن جميل و إبراهيم بن سلمان و علي بن يوسف أعمال نواحي جابلقا و سواحلها و أعمال مفاوز، و هم من الأزد، و يولي وثاب بن حبيب و موسى بن نعمان و عباس بن محفوظ و محمد بن حسّان و الحسين بن شعبان جزائر الأندلس و افريقية و هم من نواحي الموصل، و يولي يحيى بن حامد و پنهان بن عبيد و علي بن محمود و سلمان ابن علي و أحمد بن سامر و علي بن ترخان نواحي المراكش و ثغور المصاعد و مروجة النخيل و هم من أرض خراسان، و يولي داود بن المخير و يعيش بن أحمد و أبا طالب بن إسماعيل و إبراهيم بن سهل ديار بكر و مشارق الروم و هم [من‏] (1) نصيبين و فارقين، و يولي‏

____________

(1)- زيادة يقتضيها السياق.

187

حمام بن جرير و شعبان بن قيس و سهل بن نافع و حمزة بن جعفر أقاليم الروم و سواحلها و هم من فارس، و يولي علقمة بن إبراهيم و عمران بن شبيب و الفتح بن معلّى و سند بن المبارك و قائد بن الوفاء و مصفون بن عبد اللّه بن مفارق قسطنطينة و سواحل القفجاق و هم من اصفهان، و يولي الأخوين محمد و أحمد ابني ميمون العراق الأيمن و هما من المكين، و يولي عروة بن مطلوب و إبراهيم بن معروف العراق الأيسر و هما من أهواز، و يولي سعيد ابن نضار و نزار بن سلمان و معد بن كامل بلاد فارس و سواحل هرمز و هم من همدان، و يولي عيسى بن عطاف و الحسين بن فضال عراق سواحل الري و الجبال و هما من قم، و يولي نصير بن أحمد و عباس بن نفيل و طائع بن مسعود أعمال الموصل و مصادر الأرمن و من قرى فرهان، و يولي الأمجد بن عبد اللّه و أسامة بن أبي تراب و محمد بن حامد و سفيان بن عمران و الضحاك بن عبد الجبار و المنيع بن المكرم بلاد خراسان و أعمال النهرين و هم من مازندران، و يولي المفيد بن أرقم و عون بن الضحاك و يحيى بن يرجم و إسماعيل بن ظلوم و عبد الرحمن بن محمد و كثار بن موسى جبال الكرخ و أقاليم العلان و الروس و هم من بخارا، و يولي عبد اللّه بن حاتم و بركة بن الأصيل و أبو جعفر بن الزرارة و هارون بن سلطان و سامر بن معلى المالق و نواحي چين و الصحاري و هم من مرو، و يولي رهبان بن صالح و عمارة بن حازم و عطاف بن صفوان و البطال بن حمدون و عبد الرزاق بن عيشام و حامد بن عبادة و يوسف بن داود و العباس بن أبي الحسن أقاليم الديلم و القماقم و ثغور القشاقش و الغيلان و هم من سمرقند، و يولي مطاع بن حابس و محمود بن قدامة و علي بن قنين و ضيف بن إسماعيل و الفصيح بن غيث بن النفيس و ماجد بن حبيب و الفضل بن ظهر و غياث بن كامل و علي بن زيد مدائن الخطا و جبال الزوابق و أعمال الشجارات و هم من قم، و يولي يعقوب بن حمزة و محمد بن مسلم و ثابت بن عبد العزيز و الحسين بن موهوب و أحمد بن جعفر و أبا إسحاق بن نضيع مغاليق الضوب و قرى القواريق و هم من نيشابور و يولي الحسن بن العبّاس و مريد بن قحطان و معلّى بن إبراهيم و سلامة بن داود و مفرج بن مسلم و معد بن كامل بلاد الكلب و نواحي الظلمات و هم من القرى، و يولي فضيل بن أحمد و فارس بن أبي الخير و أسد بن مراحات و باقي بن رشيد و رضى بن فهد و عبّاس بن الحسين و القاسم بن أبي المحسن و الحسين بن عتيق السدور و حيالها و هم من نواحي خوارزم،

188

و يولي فضلان بن عقيل و عبد اللّه بن غياث و بشار بن حبيب و سعد اللّه بن واثق و فصيح بن أبي عفيف و المرقد بن مرزوق و سالم بن أبي الفتح و عيسى بن المثنى أقاليم الضحاضح و مناخر القيعان و هم من قلعة النهر، و يولي الزاهد بن يونس و عصام بن أبي الفتح و عبد الكريم بن هلال و مؤيّد بن القاسم و موسى بن معصوم و المبارك بن سعيد و عزوان بن شفيع و علامة بن جواد أقاليم الغربيين و أعمال العراعر و هم من الجبل، و يولي محمد بن قوام و جعفر بن عبد الحميد و علي بن ثابت و عطاء اللّه بن أحمد و عبد اللّه بن هشام و إبراهيم بن شريف و ناصر بن سليمان و يحيى بن داود و علي بن أبي الحسين أقاليم المعابد و جبال الملابس و هم من قرى العجم و يختار الأكابر من السادات الأعمال العارفين لإقامة الدعائم منهم اثني عشر رجلا و هم محمد بن أبي الفضل و علي بن أبي غابر و الحسين بن علي و داود ابن المرتضى و إسماعيل بن حنيفة و يوسف بن حمزة و عقيل بن حمزة و عقيل بن علي و زيد بن علي و جابر بن المصاعد و يوليهم جابرسا و إقليم المشرق و يأمرهم بإقامة الحدود و مراعاة العهود، ثمّ يختار رجالا كراما أحرارا أتقياء أبرارا و هم معصوم بن علي و طالب بن محمّد و إدريس بن عبيد و إبراهيم بن مسلم و حمزة بن تمام و علي بن الحسين و نزار بن حسن و الأشرف بن قاسم و منصور بن تقي و عبد الكريم بن فاضل و إسحاق بن المؤيّد و ثواب بن أحمد و يوليهم جابرقا و بلاد المغرب يأمرهم بما أمر به أصحابهم، ثمّ يختار اثني عشر رجلا و هم طاهر بن أبي الفرو و ابن الكامل و لؤي بن حرث و محمد بن ماجد و رضي بن إسماعيل و ظهير بن أبي الفجر و أحمد بن الفضل و الركن بن الحسين و يوليهم الشمال و أعمال الروم و يأمرهم بما أمر به من يقدمهم من الصديقين، ثمّ يختار اثني عشر رجلا نقيّا من العيوب و هم إسماعيل بن إبراهيم و محمد بن أبي القاسم و يوسف بن يعقوب و فيروز بن موسى و الحسين بن محمد و علي بن أبي طالب و عقيل بن منصور و عبد القادر بن حبيب و سعد اللّه سعيد و سليمان بن مرزوق و عبد الرحمن بن عبد المنذر و محمد بن عبد الكريم و يوليهم جهة الجنوب و أقاليمها و يأمرهم بما أمر به من يقدمهم، ثمّ بعد ذلك يقيم الرايات و يظهر المعجزات و يسير نحو الكوفة و ينزل على سرير النبي سليمان و يحلق الطير على رأسه و يتختّم بخاتمه الأعظم و بيمينه عصا موسى و جليسه روح الأمين، و عيسى بن مريم، متّشحا ببرد النبي متقلّدا بذي الفقار و وجهه كدائرة القمر في ليالي كماله، يخرج من بين‏

189

ثناياه نور كالبرق الساطع، على رأسه تاج من نور راكب على أسد من نور، إن يقل للشي‏ء كن فيكون بقدرة اللّه تعالى و يبرئ الأكمه و الأبرص و يحيي الموتى و يميت الأحياء و تسفر الأرض له عن كنوزها، حوى حكمة آدم و وفاء إبراهيم و حسن يوسف و ملاحة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله و إسرافيل من ورائه و الغمام من فوق رأسه و النصر من بين يديه و العدل تحت أقدامه و يظهر للناس كتابا جديدا و هو على الكافرين صعب شديد يدعو الناس إلى أمر من أقرّ به هدي و من أنكره غوى، فالويل كلّ الويل لمن أنكره رءوف بالمؤمنين شديد الانتقام على الكافرين و يستدعي إلى بين يديه كبار اليهود و أحبارهم و رؤساء دين النصارى و علماءهم و يحضر التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و يجادلهم على كلّ كتاب بمفرده يطلب منهم تأويله و يعرفهم تبديله و يحكم بينهم كما أمر اللّه و رسوله ثمّ يرجع بعد ذلك إلى هذه الأمّة شديدة الخلاف قليلة الائتلاف و سيدعى إليه من سائر البلاد الذين ظنّوا أنّهم من علماء الدين و فقهاء اليقين و الحكماء و المنجّمين و المتفلسفين و الأطبّاء الضالّين و الشيعة المذعنين فيحكم بينهم بالحق فيما كانوا فيه يختلفون و يتلو عليهم بعد إقامة العدل بين الأنام و ما ظلمناهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون، يتّضح للناس الحقّ و ينجلي الصدق و ينكشف المستور و يحصل ما في الصدور و يعلم الدار و المصير و يظهر الحكمة الإلهية بعد إخفائها و يشرق شريعة المختار بعد ظلمائها و يظهر تأويل التنزيل كما أراد الأزل القديم، يهدي إلى صراط المستقيم و يكشف الغطاء عن أعين الأثماء و يشيد القياس و يخمد نار الخناس‏ (1) و يقرض الدولة الباطلة و يعطل العاطل و يفرق بين المفضول و الفاضل و يعرف للناس المقتول و القاتل و يترحّم عن الذبيح و يصح الصحيح و يتكلّم عن المسموم و ينبّه الندم و يظهر إليه المصون و يفتضح الخئون و ينتقم من أهل الفتوى في الدين لما لا يعلمون فتعسا لهم و لأتباعهم أ كان الدين ناقصا فتمّموه أم كان به عوج فقوموه أم الناس همّوا بالخلاف فأطاعوه أم أمرهم بالصواب فعصوه أم و هم المختار فيما أوحي إليه فذكروه أم الدين لم يكمل على عهده فكملوه و تمّموه أم جاء نبي بعده فاتّبعوه أم القوم كانوا صوامت على عهده، فلمّا قضى نحبه قاموا تصاغروا بما كان عندهم فهيهات و أيم اللّه لم يبق أمر مبهم و لا مفصّل إلّا أوضحه و بيّنه حتّى لا تكون فتنة للذين آمنوا

____________

(1)- الخناس اسم الشيطان (مجمع البحرين: 1/ 760) و الخناس داء يصيب الزرع (تاج العروس: 4/ 143).

190

إنّما يتذكّر أولو الألباب.

فكم من ولي جحدوه و كم وصيّ ضيّعوه و حقّ أنكروه و مؤمن شردوه و كم من حديث باطل عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته نقلوه و كم من قبيح منّا جوّزوه و خبر عن رأيهم تأوّلوه و كم من آية و معجزة أجراها اللّه تعالى عن يده أنكروها و صدّوا عن سماعها و وضعوها، و سنقف و يقفون و نسأل و يسألون و سيعلم الذين كفروا أيّ منقلب ينقلبون. طلبت بدم عثمان و ظنّوا أنّي منهم الآن حاربتني عائشة و معاوية و كأنّي بعد قليل و هم يقولون: القاتل و المقتول في جنّة عالية و نسوا ما قال اللّه تعالى: وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَ الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصاصٌ‏ (1) و قوله تعالى: مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها (2) و كأني بعد قليل ينقلون عنّي أنني بايعت أبا بكر في خلافته فقد قالوا بهتانا عظيما، فيا للّه العجب و كلّ العجب من قوم يزعمون أنّ ابن أبي طالب يطلب ما ليس له بحق و يمني و يتداول الأمر جزعا و يتابعهم هلعا، و أيم اللّه إنّ عليّا لآنس بالموت من سنة الكرى، بل عند الصباح يحمد القوم السرى، ألا إنّ في قائمنا أهل البيت كفاية للمستبصرين و عبرة للمعتبرين و محنة للمتكبّرين لقوله تعالى: وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ‏ (3) هو ظهور قائمنا المغيب لأنّه عذاب على الكافرين و شفاء و رحمة للمؤمنين، يظهر و له من العمر أربعون عاما فيمكث في قومه ثمانين سنة و قيل لهم سلاما و صلّى اللّه على محمّد و آله أجمعين‏ (4).

____________

(1)- سورة المائدة: 45.

(2)- سورة النساء: 93.

(3)- سورة ابراهيم: 44.

(4)- الخطبة في ينابيع المودّة: 3/ 205 ط. دار الاسوة.

191

الريحان الثاني في خطبة خطبها في الكوفة المعروفة بخطبة البيان أيضا

عن دار المنتظم في السرّ الأعظم لمحمد بن طلحة الشافعي و هو من أكابر علماء أهل السنّة و قد ثبت عند علماء الطريقة و مشايخ الحقيقة بالنقل الصحيح و الكشف الصريح أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه قال على المنبر بالكوفة و هو يخطب:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه بديع السماوات و فاطرها، و ساطح المدحيات و وازرها و موطد الجبال و قافرها (1) و مفجّر العيون و نافرها (2) و مرسل الرياح و زاجرها و ناهي القواصف و آمرها و مزيّن السماء و زاهرها و مدبّر الأفلاك و مسيّرها و مقسّم المنازل و مقدّرها و منشئ السحاب و مسخّرها و مولج‏ (3) الحنادس و منوّرها و محدث الأجسام و مقرّرها و مكوّر الدهور و مكدرها و مورد الامور و مصدرها و ضامن الأرزاق و مدبّرها و محيي الرفات و ناشرها، أحمده على آلائه و تكاثرها و أشكره على نعمائه و تواترها، و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له شهادة تؤدّي إلى السلامة ذاكرها و تؤمن من العذاب ذاخرها و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله الخاتم لما سبق من الرسالة و فاخرها و رسوله الفاتح لما استقبل من الدعوة و ناشرها أرسله إلى أمّة قد شفر بعبادة الأوثان شاعرها و اغلنطس بضلالة عبادة الأصنام ماهرها و يفحم بحجج عن الجهالة سادرها و فجر نعماء الشبهات فجور فاجرها و هدى على لسان الشيطان بقبول العصيان طائرها و قسم آكام الأحكام بزخرف الشقاشق ماكرها فأبلغ في النصيحة و وافرها و غاض لجج بحار الضلال و عامرها و أنار منار أعلام الهداية و منابرها و محق بمعجزات القرآن دعوة الشيطان و مكاثرها و أرغم معاطس الغواة و كافرها حتّى أصبحت دعوته بالحق بأوّل زائرها، و مجيبه بقبول الصدق شاعرها بنطق‏

____________

(1)- من القفر و هو الخالي من الامكنة (كتاب العين: 5/ 151).

(2)- نافرها: نازعها.

(3)- في بعض النسخ: و مدلج.

192

ناصرها و شريعته المطهّرة إلى المعاد بمفخر فاخرها (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) له الدرجة العليا و طيب عناصرها.

أيّها الناس سار المثل و حقق العمل و أقدم الوجل و اقترب الأجل و صمت الناطق و زهق الزاهق و حقت الحقائق و التحق اللاحق و ثقلت الظهور و تفاقمت الامور و حجب السرور و أحجم المغرور و أرغم المالك و منعت المسالك و سلك الحالك و هلك الهالك و عمر الفرات و كثرت الحسرات و أكدت الغمرات و كفت العثرات و قصر الأمد و تأوّد الأود و دهش العدد و أوحش المقند و هيجت الوساوس و دهشت الهواجس و عطل العساعس و خدل المنافس و لجت‏ (1) الأمواج و خيف الفجاج‏ (2) و ضعفت الحجاج و اطرح المنهاج و اشتد الغرام و اتحف الأوام و دلف القتام و ازدلف الخصام و اختلف العرب و اشتد الطلب و صحب الوصب و نكض الهرب و طلبت الديون و بكت العيون و فتن المفتون و سكت المغبون و شاط الشطاط و شط النشاط و هاط الهياط و مط القلاط و عجز المطاع وصلت الدفاع و أظلم الشعاع و صمّت الأسماع و ذهب العفاف و رغب الخلاف و سمج الإنصاف و اخرج العفاف و استحوذ الشيطان و عظم العصيان و تسلمت الخصيان و حكمت النسوان و فدحت الحوادث و نفث النافث و عبث العابث و هجم الرائث و هدت الأحراز و خافت الأعجاز و ظهر الإيجاز و بهر الرجاز و اختلفت الأهواء و عظمت البلوى و اشتدت الشكوى و استمرّت الدعوى و قرض القارض و رفض الرافض و قعد الناهض و سعد الفارض و لحظ اللاحظ و لمظ اللامظ و عض الشاظظ و رد الفاظظ و تلاحم الشذاذ و ثقل الإلحاذ و عز النفاذ و وبل الرذاذ و عجت الفلاة و نجت المقلاة و شنشنت الفلاة و عجعجت الولاة و تضاءل الباذخ و وهم الناسخ و تجهرم الشالخ و نفخ النافخ و زلزلت الأرض و ضيّع الفرض و حكم الرفض و نجم القرض و كتمت الأمانة و بدت الخيانة و خبثت الصيانة و عرت الدهانة و اتّحد العيص و زاغ القبيص و كرثم القميص و كثكث المحيص و قام الأدعياء و نال الأشقياء و تقدّمت السفهاء و تأخّرت الصلحاء و مادت الجبال و أشكل الإشكال و سبع الهكال و شعشع الوبال و ساهم الشحيح و انغر الفصيح و قهقر الجريح و اخرنطم الفحيح و كفكف اليروع و خدخد البلوع و نصف المرتوع و تكتك المولوع و فدفد الموعور و قدقد الديجور و افرد المأثور و نكب‏

____________

(1)- في بعض النسخ: و مجت.

(2)- في بعض النسخ: و خيفت العجاج.

193

المأتور (1) و عبس العبوس و كسكس الهموس و نافس المعكوس و اجلب الناموس و دعدع الشفيق و حرثم‏ (2) الأنيق و احتجب الطريق و ثور الفريق و دار الرائد و زاد الزائد و ماد المائد و قاد القائد و جد الجد و كد الكد و سد السد و حدّ الحدّ و عرض العارض و فرض الفارض و سار الرابض و وقف الراكض و ضال الضل و غال الغل و فضل الفضل و نال المثل و شت الشتات و تصوح النبات و سمت السمات و اخّرت الديات و كد الهرم و قصم الوصم و سلب الوهم و سدم الندم و آب الذاهب و ذاب الذائب و نجم الثاقب و وصب الواصب و ازور القران و احمر الدبران و سدس السرطان و ربع الزبرقان و ثلث الحمل و ساهم الزحل و تنبه الثول و عنقبت النيل و أقل الفرار و نصبت الجفار و منع الوجار و آب الاقرار و كملت الفترة و بدئت الهجرة و غرت الكثرة و غمرت الغمرة و ظهرت الأفاطس فحسمت الملابس يؤمّهم الكساكس و يقدمهم العبابس فيكدحون الجزائر و يقدحون العشائر و يملكون السرائر و يهتكون الحرائر و يحيون كيسان و يخربون خراسان و يفرّقون الجلسان و يلجون الأويسان فيهدون‏ (3) الحصون و يظهرون المصون و يعيضون الغصون و يفردون الحصون و يفتحون العراق و يهجمون الشقاق و يثيرون النفاق بدم يهراق، فآه ثم آه آه لعريض الأفواه و ذبول الشفاه، ثم التفت يمينا و شمالا و تنفّس الصعداء إملالا و تأوّه أنينا و تأفّف حزينا و تململ دنفا و توجل أسفا و تنفّس خشوعا و تغيّر خضوعا، فقام إليه سويد بن نوفل الهلالي فقال: يا أمير المؤمنين أنت حاضر ما ذكرت و عالم به و بتأويل ما أخبرت، فالتفت إليه عن كثب و رمقه بعين الغضب، ثمّ قال له: ثكلتك الثواكل و نزلت بك النوازل يا بن الجبان الجابث و المكذّب الناكث سيقصر بك الطول و يغلبك الغول، أنا سرّ الأسرار أنا شجرة الأنوار أنا دليل السماوات أنا رئيس المسبحات أنا خليل جبرئيل أنا صفي ميكائيل أنا قائد الأملاك أنا سمندل الأفلاك أنا سائق الرعد أنا شاهد العهد أنا سليل الصراح أنا حفيظ الألواح أنا قطب الديجور أنا البيت المعمور أنا زاجر القواصف أنا محرّك العواصف أنا مزن السحائب أنا نور الغياهب أنا شرف الدوائر أنا مآثر المآثر أنا كيوان الكيهان أنا شان الامتحان أنا شهاب الإحراق أنا مواثق الميثاق أنا عصام الشواهد أنا سهام الفراقد أنا شعاع العساعس أنا جون الشوامس أنا فلك اللجج أنا

____________

(1)- في بعض النسخ: الموتور.

(2)- في بعض النسخ: جرسم.

(3)- في بعض النسخ: فيهدمون.

194

حجّة الحجج أنا مهيمن الامم أنا فصيل الذمم أنا سماك البهو أنا إمام العفو أنا سبب الأسباب أنا أمين السحاب أنا مسدد الخلائق أنا محقّق الحقائق أنا جوهر القدم أنا مرتّب الحكم أنا منية الأمل أنا عامل العمل أنا شريف الذات أنا محدث الشتات أنا الأوّل و الآخر أنا الباطن و الظاهر أنا البرق اللموع أنا السقف المرفوع أنا الشعرى و الزبرقان أنا قمر السرطان أنا أسد النثرة أنا سعد الزهرة أنا مشتري الكواكب أنا زحل الثواقب أنا غفر الشرطين أنا ميزان البطين أنا حمل الإكليل أنا عطارد التفضيل أنا قوس العراك أنا فرقد السماك أنا مريخ القرآن أنا عيون الميزان أنا حارس الاستراق أنا جناح البراق أنا جامع الآيات أنا سريرة الخفيات أنا ساجر البحر أنا قسطاس القطر أنا مصاحب الجديدين أنا أمير النيّرين أنا محط القصاص أنا خلاصة الاخلاص أنا شملال الجبال أنا مقدم الآمال أنا مفجّر الأنهار أنا معذب الثمار أنا مفيض الفرات أنا معرب التوراة أنا ملك ابن ملك أنا هدية الملك أنا مبين الصحف أنا يافث الكثف أنا ثاقب الكسف أنا ذخيرة الشكور أنا مفصح الزبور أنا مؤوّل التأويل أنا مفسّر الإنجيل أنا أمّ الكتاب أنا فصل الخطاب أنا صراط الحمد أنا أساس المجد أنا منجد البررة أنا سورة البقرة أنا مثقل الميزان أنا صفوة آل عمران أنا علم الأعلام أنا جملة الأنعام أنا تبيان النساء أنا خامس أهل الكساء أنا ألفة الإيلاف أنا رجال الأعراف أنا محجّة المقال أنا صاحب الأنفال أنا مائدة الكشف أنا توبة العنف أنا صادق المثل أنا راسخ الجبل أنا سرّ إبراهيم أنا ثعبان الكليم أنا علانية المعبود أنا آصف هود أنا نحلة الجليل أنا خلة الخليل أنا مبعوث بني إسرائيل أنا مخاطب الكهف أنا محبوب الصف أنا ولي الأولياء أنا وارث الأنبياء أنا لاهج النهج أنا حجّة الحجج أنا موصوف المؤمنين أنا بدر المسبّحين أنا الفرقان أنا البرهان أنا عقود الكرمين أنا عماد الركن أنا ثبير الترك أنا شملاص الشرك أنا جنبنتا (1) الزنج أنا جرجس الفرنج أنا عقد الإيمان أنا زبركم الغيلان أنا برسم الروس أنا لوش السدوس أنا سلمه المطا أنا دودين الخطا أنا بدر البروج أنا شنشار الكروج أنا حاتم الأعاجم أنا روثيان التراجم أنا أوريا الزبور أنا حجاب الغفور أنا صفوة الجليل أنا إيليا الإنجيل أنا خبة القراة أنا كاسي العراة أنا مؤاخي يوشع و موسى أنا ميمون وصي عيسى أنا زر ملاح الفرس أنا عماد الأنس أنا شديد القوى أنا حامل اللواء أنا إمام المحشر أنا ساقي الكوثر أنا قسيم الجنان أنا مساطير النيران أنا

____________

(1)- في بعض النسخ: اجيثاء.

195

يعسوب الدين أنا إمام المتّقين أنا وارث المختار أنا ظهير الأطهار أنا مبيد الكفرة أنا أبو الأئمّة البررة أنا قالع الباب أنا مفرّق الأحزاب أنا صاحب البيعتين أنا الضارب ببدر و حنين أنا حافظ الكلمات أنا مخاطب الأموات أنا مكلّم الثعبان أنا آلاء الرحمن أنا الضارب بالسيفين أنا لطاعن بالرمحين أنا ليث الرخام أنا أنيس الهوام أنا الجوهرة الثمينة أنا باب المدينة أنا وارث العلوم أنا هيولى النجوم أنا مفسّر البيّنات أنا مبين المشكلات أنا أوّل المصدّقين أنا إمام المفسّرين أنا محكم الطواسين أنا أمانة يس أنا حاء الحواميم أنا الم أنا سابق الزمر أنا آية القمر أنا صاحب النجم أنا صدر الترجم‏ (1) أنا جانب الطور أنا باطن الصور أنا عتيد قاف أنا واضع الاحقاف أنا منازل الصافيات أنا سهام الذاريات أنا فاطر النافعة أنا متلو سبأ و الواقعة أنا أمانة الأحزاب أنا مكنون الحجاب أنا وعد الوعيد أنا مثال الحديد أنا وفاق الآفاق أنا علامة الطلاق أنا ن و القلم أنا مصباح الظلم أنا سؤال متى أنا ممدوح (هل أتى) (2) أنا النبأ العظيم أنا الصراط المستقيم أنا زمام الطول أنا محكم الفضل أنا عذوبة القطر أنا هلال الشهر أنا لؤلؤ الأصداف أنا جبل قاف أنا سرّ الحروف أنا نور الظروف أنا الجبل الشامخ أنا الجبل الراسخ أنا مفتاح الغيوب أنا مصباح القلوب أنا نور الأرواح أنا روح الأشباح أنا الفارس الكرّار أنا نصرة الأنصار أنا السيف المسلول أنا الشهيد المقتول أنا جامع القرآن أنا تبيان البيان أنا شقيق الرسول أنا بعل البتول أنا عمود الإسلام أنا مكسّر الأصنام أنا صاحب الأذن أنا قاتل الجن أنا ساقي العطاش أنا نائم الفراش أنا شيث البراهمة أنا سعد العياقمة أنا موهن البطارق أنا كون المفارق أنا بطرس الروم أنا سيدس الاشموم أنا حقيق الأرمن أنا أمين المأمن أنا صالح المؤمنين أنا إمام المفلحين أنا إمام أرباب الفتوة أنا كنز أسرار النبوّة أنا المطلع على أخبار الأوّلين أنا المخبر عن وقائع الآخرين أنا حامل الراية أنا صاحب الآية أنا قطب الأقطاب أنا حبيب الأحباب أنا مهدي الأوان أنا عيسى الزمان أنا و اللّه وجه اللّه أنا و اللّه أسد اللّه أنا سيّد العرب أنا كاشف الكرب أنا الذي قيل في حقّه لا فتى إلّا علي أنا الذي قيل في شأنه أنت منّي بمنزلة هارون من موسى من النبي أنا ليث بني غالب أنا علي بن أبي طالب، (صلوات اللّه و سلامه عليه).

قال: فصاح السائل صيحة عظيمة و خرّ ميّتا فعقب أمير المؤمنين (عليه السّلام) علي كرّم اللّه وجهه‏

____________

(1)- في بعض النسخ: رصد الرحم.

(2)- سورة الانسان: 1.

196

بأن قال: الحمد للّه بارئ النسم و ذارئ الامم و الصلاة على الاسم الأعظم و النور الأقوم ثمّ قال: سلوني عن طرق السماء فإنّي أعلم بها من طرق الأرض سلوني قبل أن تفقدوني فإنّ بين جنبي علوما كثيرة كالبحار الزواخر فنهض إليه الرسخة من العلماء و المهرة من الحكماء و أحدق به الكمّل من الأولياء و الندر من الأصفياء يقبّلون مواطئ قدميه و يقسمون بالاسم الأعظم عليه بأن يتمّم كلامه و يكمل نظامه فقال عزّ الراسخين و نور العارفين الإمام الهمام الغالب علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، أبتر المضمار و جرت الأقدار و نفث القلم و وعدت الامم و حكم الخالق و رشق الراشق و حقّقت الظنون و فتن المفتون بما أن سيكون، ألا و إنّه سيحبط بالزوراء علج من بني قنطور بأشرار و أي أشرار و كفّار و أيّ كفّار قد سلبت الرحمة من قلوبهم و كلفهم الأمل إلى مطلوبهم فيقتلون الأبله و يأسرون الأكمه و يذبحون الأبناء و يستحلّون النساء و يطلبون بني شداد و بني هاشم ليسوق‏ (1) معهم سوق الغنائم و تستضعف فتنتهم الإسلام و تحرق نارهم الشام، فواها لحلب من حصارهم و واها لخرابها بعد ديارهم و سترد الظلباء (2) من دمائهم أيّاما و تساق سباياهم فلن يجدوا لهن عصاما و سيهدون حصون الشامات و يطيفون ببلادها الآفات فلم يبق إلّا دمشق و نواحيها و تراق الدماء بمشارقها و أعاليها ثمّ يدخلونها و بعلبك بالأمان و تحل البدايات بنواحي لبنان، فكم من قتيل بالقفر و أسير بجانب النهر فهناك تسمع الأعوال و تصحب الأهوال فإذا لا تطول لهم المدّة حتّى يخلق من أمرهم الجدة فإذا هزمهم الجنين الأوجر وثب عليهم التعدّد الأقطر و هو رابع العلوج المنفر عليه كتابة المظفر تحس بالهمة الطمع و يغلقه المبلع فيسوقهم سوق الهجان و ينكص شياطينهم بأرض كنعان و يقتل عبوسهم الفقف و يحل بجميعهم التلف فيجتمعون عقيب الشتات من فلك النجاة إلى الفرات فيسيرون الواقعة إذ لا مناص و هي الفاصلة المهولة قبل العاص فيغويهم على الإسلام الكثرة فهنالك يحلّ لهم الكسرة فيقصدون الجزيرة و الخصباء و يخربون بعد فتكهم الجدباء ثمّ يظهر الجري‏ء الهالك من البصرة بشر ذمة عرب من بني عمرة يقدمهم إلى الشام و هو مدهش فيبايعه على الخديعة الأرعش و سيصحبه في المسير إلى غوطته فما أسرع ما يسلمه بعد ورطته ثمّ يأمر المجري أن يروم إلى العراق مراما ليبل من علّته بها أواما فيدركه الهلاك بلا سار دون مرامه و يحل‏

____________

(1)- في بعض النسخ: ليساقوا.

(2)- في بعض النسخ: و ستروى الظباء.

197

بأهله التلف دون سقامه و ستنظر العيون إلى الغلاب الأسمر اللعاب حين يجنح به جنوح الارتياب يلقب بالحكم سيجي‏ء بالعلم بعد ألفة العرب و حثيث الطلب، فكأنّي أنظر إلى الأرعش و قد هلك و ولده الحدث الأبرص و قد ملك فلا تطول مدّته‏ (1) أكثر من ساعة فما هذه الشناعة و يقتل مدرب الجميل الأحمر بعد أن يسجن الأسمر عند وصول رسل المغاربة إليه و مثولهم بين يديه ثمّ يخرج الهمام فيصلّي بالناس إمام ثم يقتل بعد برهة من الزمان بين الخدام و الخلّان فعندها يخرج من المغرب أناس على شهب الخيول بالمزامير و الأعلام و الطبول فيملكون البلاد و يقتلون العباد، ثمّ يخرج من السجن غلام يفني عددهم و يأسر حددهم و يهزمهم إلى البيت المقدس و يرجع منصورا مريدا محبورا، فيوافي مصر و قد نقص نيلها و قلّ نيلها و يبست أشجارها و عدمت ثمارها فيظهر عند ذلك صاحب الراية المحمّدية و الدولة الأحمدية القائم بالسيف الحال الصادق في المقال يمهد الأرض و يحيي السنّة و الفرض سيكون ذلك بعد ألف و مائة و أربع و ثمانين سنة من سني الفترة بعد الهجرة، ثمّ قال: أيّها المحجوب عن شأني و الغافل عن حالي إنّ للعجائب آثار خواطري و الغرائب أسرار ضمائري لأنّي قد خرقت الحجاب و أظهرت العجاب و أتيت باللباب و نطقت بالصواب و فتحت خزائن الغيوب و فتقت دفائن القلوب و كثرت لطائف المعارف و دمرت عوارف اللطائف فطوبى لمن استمسك بعروة هذا الكلام و صلّى خلف هذا الإمام، فإنّه يقف على معاني الكتاب المسطور و الرق المنشور ثمّ يدخل إلى البيت المعمور و البحر المسجور ثمّ أنشد شعرا:

لقد حزت علم الأوّلين و إنني‏* * * ضنين بعلم الآخرين كتوم‏

و كاشف أسرار الغيوب بأسرها* * * و عندي حديث حادث و قديم‏

و إني لقيّوم على كلّ قيّم‏* * * محيط بكل العالمين عليم‏

ثمّ قال: لو شئت لأوقرت من تفسير فاتحة الكتاب سبعين بعيرا ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (2) كلمات خفيّات الأسرار و عبارات جليات الآثار و ينابيع عوارف القلوب من مشكاة لطائف الغيوب، لمحات العواقب كالنجوم الثواقب، نهاية الفهوم بداية العلوم، الحكمة ضالّة كلّ حكيم، سبحان القديم، يفتح الكتاب و يقرأ الجواب. يا أبا العبّاس أنت إمام الناس، سبحان‏

____________

(1)- في بعض النسخ: مدّة ملكه.

(2)- سورة ق: 1.

198

من يحيي الأرض بعد موتها و ترد الولايات إلى بيوتها. يا منصور تقدّم إلى بناء الصور ذلك تقدير العزيز العليم.

هذا آخر ما سمع من لفظه النوراني و ضبط من كلامه الروحاني في هذا الباب و الصلاة على قطب الأقطاب و رسول الملك الوهّاب و على آله المنتجبين الأطياب ما أشرقت شموس الغيوب من غياهب القلوب‏ (1).

____________

(1)- الخطبة بطولها في ينابيع المودّة: 3/ 209.

199

الريحان الثالث في الخطبة التي خطبها و فيها من علائم الظهور المعروفة بتطنجية

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي فتق الأجواء و خرق الهواء (1) و علق‏ (2) الأرجاء و أضاء الضياء و أحيى الموتى و أمات الأحياء. أحمده حمدا سطع فارتفع و أينع و لمع و ابتدع فانفزع و هاع و لاع و شعشع فلمع، يتصاعد في السماء إرسالا و يذهب في الجو اعتدالا خلق السماوات‏ (3) بلا دعائم و أقامها بغير قوائم و زيّنها بالكواكب المضيئات و حبس في الجو سحائب مكفهرات و خلق‏ (4) الجبال و البحار على تلاطم تيّار رفيق فتق رتاجها فتغطمطت‏ (5) أمواجها (6)، أحمده و له الحمد و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله‏ (7) انتخبه من البحبوحة (8) العليا و أرسله في العرب العرباء و ابتعثه هاديا مهديا و حلاحلا راضيا مرضيّا طلسميا، فأقام به الدلائل و ختم به الرسائل و نصر به المسلمين و أظهر به الدين (صلّى اللّه عليه و آله) الطاهرين.

أيّها الناس‏ (9) أنيبوا إلى شيعتي و التزموا ببيعتي و واظبوا على الدين بحسن اليقين و تمسّكوا بوصي نبيّكم الذي به نجاتكم و بحبّه يوم المحنة منجاتكم، فأنا الأمل و المأمول‏

____________

(1)- في بعض النسخ: الفضاء.

(2)- في بعض النسخ: شق.

(3)- في بعض النسخ: بلا عمد تحتها و لا علائق فوقها.

(4)- في بعض النسخ: خول.

(5)- التغطمط: شدة الغليان (تاج العروس: 5/ 192).

(6)- في بعض النسخ: و أجراها بمعرفته و علمه و أحمده على نعمه و أشكره على قسمه و أستهديه إلى هدايته.

(7)- في بعض النسخ: و خيرته من خلقه أرسله خير البشر و أكرم به النذر و البحر العليا من مضر أهل الوفاء و الكرم و السخاء و الحرم و المآثر و القدم و السطوات و النعم.

(8)- البحبوحة: وسط الشي‏ء.

(9)- في بعض النسخ: هلموا إلى بيعتي بحسن اليقين و المواظبة على الدين و الإقرار بوصية نبيّكم الذي نجيتم بولايته و أفلحتم بحسن منقلبكم و مثواكم.

200

و الفاضل و وصي الرسول أنا قاسم الجنّة و النار أنا الواقف على التطنجين‏ (1) أنا الناظر في المشرقين و المغربين رأيت و اللّه الأفرودوس‏ (2) من رأي العين و هو في البحر السابع الذي يجري فيه الفلك في ذخاخيرة (3) النجوم و الفلك و الحبك‏ (4) و رأيت الأرض ملتفّة كالتفاف الثوب المقصور و هي في خرق من التطنج الأيمن من الجانب ممّا يلي المشرق، و التطنجان خليجان من ماء كأنّهما أيسار تطنجين و أنا المتولّي دائرتها و ما أفرودوس و ما هم فيه إلّا كالخاتم في الإصبع، و لقد رأيت الشمس عند غروبها و هي كالطير المنصرف إلى وكره و لو لا اصطكاك رأس أفرودوس و اختلاط التطنجين و صرير الفلك لسمع من في السماوات و من في الأرض رميم حميم دخولها في الماء الأسود في العين الحمئة و لقد علمت‏ (5) من عجائب خلق اللّه ما لا يعلمه إلّا اللّه‏ (6) و لقد كيّف لي فعرفت و علّمني ربّي فتعلّمت، ألا فعوا و لا تضجوا و لا ترتجوا فلولا خوفي عليكم أن تقولوا جن أو ارتدّ لأخبرتكم [بما كان و ما يكون إلى يوم القيامة و ما يلقونه وقتا بوقت و يوما بيوم و عصرا بعد عصر و عاما بعد عام و لقد علمت علم اليقين إلى صاحب شريعتكم هذه‏] (7) بما كانوا عليه و أنتم فيه و ما تلقونه إلى يوم القيامة، علم أوعي إليّ فعلمت و لقد ستر علمه عن جميع النبيّين إلّا صاحب شريعتكم هذه (صلّى اللّه عليه و آله) فعلّمني علمه و علّمته علمي ألا إنّا نحن النذر الاولى و نحن النذر الآخرة و الاولى و نذر كلّ وقت و أوان بنا هلك من هلك و بنا نجا من نجا فلا (8) تستعظموا ذلك فينا، فو الذي فلق الحبّة و برأ النسمة و تفرّد بالجبروت و العظمة لقد سخرت لي الشمس و الرياح و الجن و الهوام و الطيور و الأشجار و البحار، و إنّكم تستعظمون ملك سليمان و ما سليمان لو عرفتموه و كشف لكم رأيتموه سلكتم في أنفسكم، نحن كنّا مع آدم و كنّا مع نوح و كنّا مع موسى و كنّا مع عيسى و داود و سليمان و ما بينهم و بين النبيين فكلّ إلينا و فينا و بنا، فقال له‏

____________

(1)- في الذريعة (7/ 201) التطنجان: خليجان من ماء.

(2)- في المشارق: رأيت رحمة اللّه و الفردوس.

(3)- في المشارق: زخاخيره.

(4)- الحبك: أخذ القول في القلب (كتاب العين: 3/ 257).

(5)- في بعض النسخ: رأيت من.

(6)- في بعض النسخ: و علم ما كان و ما يكون و ما أنا إلى الزمن الأوّل مع من تقدّم مع آدم الأوّل.

(7)- ما بين قوسين زيادة من نسخة أخرى.

(8)- في بعض النسخ: يعظم ذلك في أعينكم فو حق من سطح الأرض و دحاها و رفع السماء و بناها.

201

رجل: يا أمير المؤمنين ألا فأديل و نقلناها عنك و نتحدّث فيها بعدك و نسأل عن معانيها فلا ندري ما هي فقال: هيهات هيهات لنسب لا سبب و عدل عادل هذا علم لا حدّ له جاش تياره فبعذر يجري فيقذف ما فيه لم يسعني السكوت عنه و الا ما سأل عمّا أعطيت و أحاط به علمي، ألا و فوق ذلك و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة عرضت لي و أعرضت عنها، أنا سحاب الدنيا لوجهها فحتى متى يلحق بي اللاحق، لقد علمت ما فوق الفردوس الاولى و ما تحت السابعة السفلى و ما في السماوات العلى و ما بينها و ما تحت الثرى، كلّ ذلك علم الإحاطة لا علم إخبار، أقسم بربّ العرش العظيم لو شئت أخبرتكم بآبائكم و أسلافكم أين كانوا و ممّن كانوا و أين هم و ما صاروا إليه فكم من آكل منكم أكل لحم أخيه و شارب برأس أبيه و هو يشتاقه و يرتجيه غدا، هيهات هيهات إذا انكشف المسطور و يحصّل ما في الصدور و علم واردات الضمير و تعلمون المصير و أيم اللّه قد كورتم كورات و كررتم كرّات و كم من بين كرّة و كرّات و كم من آية و آيات و ما بين مقتول و ميّت و بعض في حواصل الطيور (1) و بعض في بطون الوحوش و الناس ما بين ماض و راج و رائح و غاد، لو كشف لكم ما كان مني في القديم الأوّل و ما يكون منّي في الآخر لرأيتم‏ (2) عجائب مستعظمات و امورا مستعجبات و صنائع و إحاطات، أنا صاحب الخلق الأوّل، أنا قبل نوح الأوّل و لو علمتم ما بين آدم و نوح من عجائب اصطنعتها و امم أهلكتها فحق عليهم القول فبئس ما كانوا يفعلون، أنا صاحب الطوفان الأوّل [أنا صاحب بابل و الكارات، أنا صاحب الحيتان‏] (3) أنا صاحب الطوفان الثاني أنا صاحب السيل العرم أنا صاحب الأسرار المكتومات أنا صاحب العاد و الجنات أنا صاحب ثمود و الآيات أنا مدمّرها أنا مزلزلها أنا مرجفها أنا مهلكها أنا مدبّرها أنا بانيها أنا داحيها أنا مميتها أنا محييها أنا الأوّل و أنا الآخر و أنا الباطن و أنا الظاهر أنا مع الكون و قبل الكون أنا في الذر و قبل الذر أنا مع الدور و قبل الدور أنا مع القلم قبل القلم أنا مع اللوح قبل اللوح أنا صاحب الأزلية الأوّلية [أنا مترك الترك و مدلس الأدليس أنا صاحب الوقوف و بهران‏] أنا صاحب جابلقا و جابرسا أنا صاحب الرفرف و بهام أنا مدبّر العالم الأوّل حين لا

____________

(1)- في بعض النسخ: ابن أمل فوق ما أملتموه و ملك أضعاف ما ملكتموه و الناس كذلك بين رائح و غاد لو كشف.

(2)- في بعض النسخ: عظيما و دلائل بيّنات.

(3)- ما بين قوسين زيادة من نسخة أخرى.

202

سماؤكم هذه و لا غبراؤكم فقام إليه‏ (1) ابن صويرمة فقال: أنت أنت يا أمير المؤمنين فقال (عليه السّلام):

أنا أنا [سوى ربّي و ربّ الخلائق أجمعين خلق الأشياء بغير معين و دبّر الأشياء بقدرته و خضع كلّ شي‏ء لهيبته‏] (2) لا إله إلّا اللّه ربّي و ربّ الخلائق أجمعين له الخلق و الأمر الذي دبّر الامور بحكمته و قامت السماوات و الأرضون بقدرته كأنّي بضعيفكم يقول: ألا تسمعون ما يدّعيه ابن أبي طالب في نفسه و بالأمس مكفهر (3) عليه عساكر أهل الشام فلا يخرج إليها؟ و الذي بعث محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إبراهيم لأقتلن الشام بكم قتلات و أيّ قتلات، و حقّي و عظمتي لأقتلنّ بكم أهل الصفين سبعين قتلة و لأردنّ إلى كلّ مسلم حياة جديدة و لأسلمنّ إليه صاحبه و قاتله إلى أن يشفي غليل صدره منه، و لأقتلنّ بعمّار بن ياسر و أويس القرني ألف قتيل فسحقا للقوم الظالمين، أولي يقال: لا و كيف و أنّى و متى و أين و حتّى، فكيف بكم إذا رأيتم صاحب الشام ينشر بالمناشير و يقطع بالمساطير ثمّ لأذيقنّه أليم العذاب ألا فأبشروا (4) فإليّ يرد أمر الخلق غدا فلا تستعظم بما قلت فإنّا أعطينا علم المنايا و البلايا و التأويل و التنزيل و فصل الخطاب و علم النوازل و الوقائع فلا يعزب عنّا شي‏ء و كأنّي بهذا [و أومى بيده إلى ولده يأتي من المدينة إلى كربلاء و يقتل عطشانا و تقتل بين يديه رجال بايعوه على الحقّ، و إنّي أراهم يفعل بهم كالإبل، تكاد الأرض تخسف بمن يفعل بهم، لو شئت سمّيت المقتولين رجلا رجلا و من يقتلهم بأسمائهم و أسماء أمّهاتهم و آبائهم و ها هم قريب منّي و أومى بيده إليهم فرأينا قبيله رجالا وجوههم أنور من القمر متغيّري الألوان نحاف الأجسام لم ير أحسن من وجوههم، لم تدر من أين أقبلوا هؤلاء الأنصار للحق، قال جابر: يا مولاي أين يكون هؤلاء؟

قال: يا جابر في ظهور آبائهم إلى الوقت المعلوم فينتقلون من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزاكية، ثمّ قال (عليه السّلام): أنا أخلق و أرزق و احيي و اميت تبارك اللّه و تقدّست أسماؤه.

قال جابر: يا مولاي فنحن على الحقّ؟

____________

(1)- في بعض النسخ: فقال له رضيعه عرصه أين كنت يا أمير المؤمنين؟

(2)- زيادة من نسخة ثانية.

(3)- أي عابس قطوب.

(4)- في بعض النسخ: و إليّ يرد أمر الخلائق أجمعين أهلك من أريده و انجي من أريده.

203

قال: نعم و أنتم على الحقّ و معه تكونون، يا جابر كيف بكم إذا صاح الناقوس‏] (1) و أشار إلى الحسين (عليه السّلام) و قد نار نوره بين عينيه فأحضره بوقته بحنين طويل يزلزلها و يخسفها و صار معه المؤمنون من كلّ مكان و أيم اللّه لو شئت سمّيتهم رجلا رجلا بأسمائهم و أسماء آبائهم فهم يتناسلون من أصلاب الرجال و أرحام النساء إلى يوم الوقت المعلوم، ثمّ قال: يا جابر أنتم مع الحق و معه تكونون و فيه تموتون، يا جابر إذا صاح الناقوس و كبس الكابوس و تكلّم الجاموس فعند ذلك عجائب و أي عجائب، إذا أنار النار بأرض نصيبين و ظهرت راية العثمانية بوادي سود و اضطربت البصرة و غلب بعضهم بعضا و صبا كل قوم إلى قوم و اختلفت المقالات و حركت عساكر خراسان و تبع شعيب‏ (2) بن صالح التميمي من بطن طالقان و بويع لسعيد السقوسي بخوزستان و عقدت الراية لعماليق كردان و تغلبت العرب على بلاد الأرمن و السقلاب و أذعن هرقل بقسطنطينة لبطارقة سفيان فتوقعوا ظهور مكلّم موسى من الشجرة على الطور فيظهر، هذا ظاهر مكشوف و معاين موصوف، ألا و كم عجائب تركتها و دلائل كتمتها لا أجد لها حملة، أنا صاحب إبليس بالسجود و معذّبه و أنا معذّب جنوده عند التكبّر من السجود و أنا رافع إدريس مكانا عليا أنا منطق عيسى في المهد صبيا أنا مؤذن الميادين و واضح الأرض أنا قاسمها أخماسا فجعلت خمسا برا و خمسا بحرا و خمسا جبالا و خمسا عمارا و خمسا خرابا أنا خرقت القلزم من الرحيم و خرقت العقيم من الحميم و خرقت كلّا من كل و خرقت بعضا من بعض أنا طيبوثا أنا جاينوثا أنا البارجلون أنا عليوثوتا أنا المشرف على البحار في قواليم أقاليم الزخار عند التيار حتى يخرج لي ما أعد لي فيه من الخيل و الرجل فأتخذ ما أحببت و أترك ما أردت، ثمّ أسلّم إلى عمّار بن ياسر اثني عشر ألف أدهم على كل أدهم منها محب للّه و لرسوله، مع كل واحد اثنا عشر ألف كتيبة لا يعلم عددها (3) إلّا اللّه الذي خلقها و أعلم عددها، ألا فأبشروا فأنتم نعم الإخوان، ألا و إنّ لكم بعد الحين طرقة تعلمون بها بعض البيان و ينكشف لكم صنائع البرهان عند طلوع بهرام و كيوان على دقائق الاقتران فعندها تتواتر الهدات‏ (4) و الزلازل و تقبل الرايات من شاطئ جيحون إلى بلاد بابل.

____________

(1)- زيادة من نسخة ثانية.

(2)- في بعض النسخ: و بويع لشعيب.

(3)- في بعض النسخ: لا يعدّها.

(4)- في بعض النسخ: الفترة.

204

أنا مبرج الأبراج و عاقد الرتاج و مفتح الأفراج و باسط الفجاج أنا صاحب الطور يوم التجلّي لموسى بن عمران أنا كاشف لما خرّ موسى صعقا، أنا ذلك النور الظاهر أنا صاحب موسى أنا صاحب المأوى أنا ذلك البرهان الباهر و إنّما كشف لموسى شقص من شقص الذر من المثقال و كل ذلك بعلم اللّه ذي الجلال، أنا صاحب جنّات عدن و الخلود أنا مجري الأنهار من ماء تيّار و أنهار من لبن و أنهار من عسل مصفى و أنهار من خمر لذّة للشاربين. أنا قاسم الجنان أنا دارس الإسلام أنا آخر الوقت أنا حميت جهنّم و سمّيتها جحيم و سجيل و جعلتها طبقات فمنها السعير و الثبور أعددتها للمنافقين و اخرى عميوس أعددتها للظالمين أنا أودعت ذلك كلّه وادي برهوت و هو الفلق و ربّ ما فلق و يخلد فيها الجبت و الطاغوت و من عبدهما و من كفر بذي العزّ و الجبروت الحي الذي لا يموت، أنا الجنان الموصوفات بوادي السلام و الدار الخلد أنا صانع الأقاليم و المنزل البركات من اللّه الحكيم العليم، أنا الكلمة التي بها تمّت الامور و دهرت الدهور أنا جعلت الأقاليم أرباعا و الجزائر سبعا فإقليم الجنوب معدن البركات و إقليم الشمال معدن السطوات و إقليم الصبا معدن الزلازل و إقليم الدبور معدن الهلكات فاستعيذوا من مهب الدبور (1) فمن هناك الصرصر الدبور بها أهلكت المتمرّدين حتّى جعلتهم كالرميم و أفنيت الأوّلين الذين تمرّدوا بالطغيان، ألا ويل لمدائنكم و أمصاركم من طغاة يظهرون فيعذبونكم إذا قضى من مضى من الجبابرة الذين لم يحسنوا سياسة المسلمين، إذا مضى الكهب و الكهيب و الكشير و القنير و النعمان و الشصيبان و المكسور و الكرشون و الشفصبان و الحوصبان و الهولب و الأقتم و الشهيط و النخيط هو قاتل الأقران و مفتي الشجعان و يأتي بعده الأديل و الأميل و الصعلوك و الصبي الدعوك يملك و يستوعب و يسير الآجال و يكثر الشدائد في دولة السلطان و النسوان، ثمّ يأتي بعد ذلك البهلول الأيدح‏ (2) الأنددي الأريح‏ (3) المشئوم يومه، يظهر من بعده النوش‏ (4) و ينشو العبوس؛ إذ الأمر إلى العبد المعروف بالأرحب و مثله لما في الأرعب و استرعاها الديار و أسلمها العصيان و صارت إلى الصبيان فعند ذلك يتوقّع شنارها (5) و يكثر نفارها و ترتج‏

____________

(1)- الريح الدبور: الريح التي يقابل الصبا تهب من ناحية المغرب (مجمع البحرين: 2/ 9).

(2)- الأيدح: الباطل (لسان العرب: 2/ 1271).

(3)- الأريح: الواسع من كل شي‏ء.

(4)- النوش: التناول (كتاب العين: 6/ 286).

(5)- الشنار: أشد العار.

205

الأقطار و الدعاة إلى كلّ باطل، هيهات هيهات توقّعوا حلول الفرج العظيم و إقباله فرجا فرجا إذا جعل اللّه حصيات النجف جواهر و جعلها تحت أقدام المؤمنين‏ (1) و يهلك أهل النفاق و المارقين و يظهر معدن الياقوت الأحمر و خالص الدر و الجوهر، ألا و إن ذلك من أبين العلامات فإذا كان لاح ضياؤه و سطع نوره و كان ما تريدون فكم هنالك من عجائب جمة و امور لمة و كيف يلم إذا دهمتكم رايات بني كندة مع عمال من عقبة من الشام يريد بها الأموية، هيهات أن يكون الحق في تيمي أو عدوي أو اموي. ثمّ بكى و قال: آه آه للامم المشاهدة بني عتبة مع بني كنانة السائرون إلى اللا يلا اللا يلا اللا تكون حلا حلا ليصلوا إلى جنب الجزيرة من مفارقة الأوبر (2) خلق عظيم فاحضر المعطد وادعان شمخر (3) البيض الأضك الأبيض و الأبقع و ينتقص الأموال و الأنفس و الثمرات مع خوف شديد و بؤس و بشّر الصابرين، يريعون‏ (4) في النعيم و السعور المقيم يحملكم نجائب و يحملكم الأملاك، فقال رجل: نحن منهم؟ فقال (عليه السّلام): فيكم منهم، قال قالوا: بيّن لنا السعيد و الشقي فقال: فتّشوا سرائركم و اسألوا أحباركم و استدلّوا بذلك على الطريق تفوزوا الفوز العظيم و النعيم المقيم و كم يجري في العالم أعجوبات و كم فيه آيات لا لمزية و أكثر العلامات بني قنطور (5) و ملكهم العراق و أطراف الشام تفتيكم ضوية تفتيكم النساء المخدّرات، أنا أكثرهم علما و أعظمهم حلما و ذلك تقدير العزيز الحكيم، ثمّ يملك الأناباط الأفكة و الأعراب المناسبة في فلك البصرة حتّى واسط و أعمالها إلى الأهواز و أظلالها و أوّل خراب العراق، في أيّامهم يكثر البلاء العظيم و القحط الشديد ثمّ يجري في عدد ذلك عجائب و أيّ عجائب، إذا رحل العاشر على ديارهم و صالحوهم خوفا من شرّهم كلّ ذلك يكون في القرن الحادي عشر من الثلاثين يكون الفتك من فتك الجحيم و استئصال بيت اللّه الحرام و قتلهم الخاص و العام و ذلك إذا دهم البلاء الزوراء و تتصل البلايا و الرزايا بالعالم فيقتل الأنباط و جبابرتها و يملكون ديارها و ذراريها و كم يكون الثاني عشر في عشرها الأوّل ظهور الديلم واجبا و جيلان و قوم‏

____________

(1)- في بعض النسخ: و يبايع للخلاف و المنافقين و يبطل معه الياقوت الأحمر.

(2)- بنو الأوبر سكنوا براقش، و بنات الأوبر: كمأة صغار على لون التراب (مجمع البحرين: 4/ 460).

(3)- الشمخر: الجسيم من الفحول (كتاب العين: 4/ 323).

(4)- في بعض النسخ: يرتعون.

(5)- في بعض النسخ: قنطورا من بنات نوح فولدت منهما الترك و الصين.

206

من خراسان يملكون التبريز و يؤمرون الأمير و يضطرب العراق بهم و العجب كل العجب من الأربعين إلى الخمسين من نوازل و زلازل و براهين و دلائل إذا وقعت الواقعة بين همدان و حلوان و يقتل خلق في حلوان إلى النهروان. و يزول ملك الديلم، يملكها أعرابي و هو عجمي اللسان يقتل صالحي ذلك العصر و هو أوّل الشاهد، ثمّ في العشر الثالث من الثلاثين يقبل الرايات من شاطئ جيحون لفارس و نصيبين، تترادف إليهم رايات العرب فينادى بلسانهم بقدر مجرى السحاب و نقصان الكواكب و طلوع القطر التالي الجنوب كغراب الابنور و زلازل و هبات و آيات، هنالك يوضح الحق و يزول البلاء و يعزّ المؤمن و يذلّ الكافر المخالف و يملك بحار الكوفة البري‏ء منهم لا المتغلبين فيّ، ألا إنّهم طغاة مردة فراعنة و تكون بنواحي البصرة حركة لست أذكرها و يظهر العرب على العجم و يعدلون بالأهواز من دون الناس و كم أشياء أخفيتها لا يطيقها الوعي و لا يصبر على حملها و امور قد أهملتها خوفا أن يقال: متى علمتها؟ و إنّي قد بلغت الغاية القصوى التي انتهيت و على ما أمرت أبيت فلا يتّهمني المتّهمون، النار مثواهم لا يقضى عليهم فيموتوا و لا يخفّف من عذابها كذلك نجزي كلّ كفور، و شرط القيامة في الكور إذا بلغ الزور و جار الجور و حقت الكرة و كانت الرجعة و أتت الساعة بقائم يقوم في الناس يذهب البلاء عن المؤمنين و ينجلي عنهم الخوف و الرعب لا تتكلّم نفس إلّا بإذنه منهم شقيّ و سعيد، أنا الدابّة التي توسم الناس أنا العارف بين الكفر و الإيمان و لو شئت أن أطلع الشمس من مغربها و أغيبها من مشرقها بإذن اللّه و أريكم آيات و أنتم تضحكون، أنا مقدر الأفلاك و مكوكب النجوم في السماوات و من بينها بإذن اللّه تعالى و عليتها بقدرته و سمّيتها الراقصات و لقبتها الساعات و كورت الشمس و أطلعتها و نورتها و جعلت البحار تجري بقدرة اللّه و أنا لها أهلا، فقال له ابن قدامة: يا أمير المؤمنين لو لا أنّك أتممت الكلام لقلنا: لا إله إلّا أنت؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): يا ابن قدامة لا تعجب تهلك بما تسمع، نحن مربوبون لا أرباب نكحنا النساء و حمتنا الأرحام و حملتنا الأصلاب و علمنا ما كان و ما يكون و ما في السماوات و الأرضين بعلم ربّنا، نحن المدبّرون فنحن بذلك اختصاصا، نحن مخصوصون و نحن عالمون، فقال ابن قدامة: ما سمعنا هذا الكلام إلّا منك.

فقال (عليه السّلام): يا ابن قدامة أنا و ابناي شبرا و شبيرا و أمّهما الزهراء بنت خديجة الكبرى الأئمّة

207

فيها واحدا واحدا إلى القائم اثنا عشر إماما، من عين شربنا و إليها رددنا. قال ابن قدامة قد عرفنا شبرا و شبيرا و الزهراء و الكبرى فما أسماء الباقي؟ قال: تسع آيات بيّنات كما أعطى اللّه موسى تسع آيات، الأول علموثا علي بن الحسين و الثاني طيموثا الباقر و الثالث دينوثا الصادق و الرابع بجبوثا الكاظم و الخامس هيملوثا الرضا و السادس أعلوثا التقي و السابع ريبوثا النقي و الثامن علبوثا العسكري و التاسع ريبوثا و هو النذير الأكبر.

قال ابن قدامة: ما هذه اللغة يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السّلام): أسماء الأئمّة بالسريانية و اليونانية التي نطق بها عيسى و أحيى بها الموتى و الروح و أبرأ الأكمه و الأبرص، فسجد ابن قدامة شكرا للّه ربّ العالمين، نتوسل به إلى اللّه تعالى نكن من المقرّبين.

أيّها الناس قد سمعتم خيرا فقولوا خيرا و اسألوا تعلموا و كونوا للعلم حملة و لا تخرجوه إلى غير أهله فتهلكوا، فقال جابر: فقلت: يا أمير المؤمنين فما وجه استكشاف؟

فقال: اسألوني و اسألوا الأئمّة من بعدي، الأئمّة الذين سمّيتهم فلم يخل منهم عصر من الأعصار حتّى قيام القائم فاسألوا من وجدتم منهم و انقلوا عنهم كتابي، و المنافقون يقولون علي نص على نفسه بالربوبية فاشهدوا شهادة أسألكم عند الحاجة، إنّ علي بن أبي طالب نور مخلوق و عبد مرزوق، من قال غير هذا لعنه اللّه. من كذّب علي، و نزل المنبر و هو يقول:

«تحصنت بالحي الذي لا يموت ذي العزّ و الجبروت و القدرة و الملكوت من كل ما أخاف و أحذر» فأيما عبد (1) قالها عند نازلة به إلّا و كشفها عنه.

قال ابن قدامة: نقول هذه الكلمات وحدها؟ فقال (عليه السّلام): تضيف إليها الاثني عشر إماما و تدعو بما أردت و أحببت يستجيب اللّه دعاءك‏ (2).

____________

(1)- في بعض النسخ: أيّها الناس ما ذكر أحدكم هذه الكلمات عند نازلة و شدّة إلّا و أزاحها اللّه عنه فقال جابر:

وحدها يا أمير المؤمنين قال: و أضف الثلاثة عشر اسما و ضمّني ثمّ ركب و مضى.

(2)- الخطبة بطولها في مشارق أنوار اليقين: 263 إلى 267 ط. الأعلمي بتحقيقنا مع تفاوت.

208

الريحان الرابع [حديث المفضل‏]

في الحديث المروي عن مفضل بن عمر عن الصادق (عليه السّلام) و وقائع زمان الظهور و الرجعة، عن المفضل بن عمر سألت سيدي الصادق (عليه السّلام): هل للمأمول المنتظر المهدي (عليه السّلام) من وقت موقت يعلمه الناس؟ فقال: حاش للّه أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا، قلت: يا سيدي و لم ذلك؟

قال: لأنّه هو الساعة التي قال اللّه تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏ (1) الآية، و هو الساعة التي قال اللّه تعالى:

يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (2) و قال‏ وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ (3) و لم يقل إنّها عند أحد و قال‏ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها (4) الآية و قال‏ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ (5) و قال‏ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَ الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (6) قلت: فما معنى يمارون؟ قال: يقولون متى ولد؟ و من رأى؟ و أين يكون؟ و متى يظهر؟ و كل ذلك استعجالا لأمر اللّه و شكّا في قضائه و دخولا في قدرته أولئك الذين خسروا الدنيا و إنّ للكافرين لشر مآب، قلت: أ فلا يوقّت له وقت؟ فقال: يا مفضل لا اوقت له وقتا و لا يوقّت له وقت، إنّ من وقّت لمهدينا وقتا فقد شارك اللّه تعالى في علمه و ادّعى أنّه ظهر على سرّه و ما للّه من سرّ إلّا و قد وقع إلى هذا الخلق المعكوس الضالّ عن اللّه الراغب عن أولياء اللّه و ما للّه من خبر إلّا و هم أخصّ به لستره و هو عندهم، و إنّما ألقى اللّه إليهم ليكون حجّة عليهم.

قال المفضل: يا مولاي فكيف بدء ظهور محمّد المهدي و إليه التسليم؟ قال: يا مفضل‏

____________

(1)- سورة الاعراف: 187.

(2)- سورة النازعات: 42.

(3)- سورة الزخرف: 85.

(4)- سورة محمد: 18.

(5)- سورة القمر: 1.

(6)- سورة الشورى: 17- 18.

209

يظهر في شبهة ليستبين فيعلو ذكره و يظهر أمره و ينادى باسمه و كنيته و نسبه و يكثر ذلك على أفواه المحقين و المبطلين و الموافقين و المخالفين لتلزمهم الحجّة بمعرفتهم به، على أنّه قصصنا و دللنا عليه و نسبناه و سمّيناه و كنيناه و قلنا سمي جدّه رسول اللّه و كنيّه لئلّا يقول الناس ما عرفنا له اسما و لا كنية و لا نسبا، و اللّه ليتحقّق الايضاح به و باسمه و كنيته على ألسنتهم حتّى ليسمّيه بعضهم لبعض، كلّ ذلك للزوم الحجّة عليهم ثمّ يظهره اللّه كما وعد به جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في قوله عزّ و جلّ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (1) قال المفضّل: يا مولاي فما تأويل قوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ قال (عليه السّلام): هو قوله تعالى: وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏ (2) فو اللّه يا مفضّل ليرفع عن الملل و الأديان الاختلاف و يكون الدين كلّه واحدا كما قال جل ذكره: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (3) و قال اللّه: وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ (4) قال المفضّل: قلت يا سيدي و مولاي و الدين الذي في آبائه إبراهيم و نوح و موسى و عيسى و محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو الإسلام؟

قال: نعم يا مفضّل هو الإسلام لا غير، قلت: يا مولاي أ تجده في كتاب اللّه؟

قال: (عليه السّلام): نعم من أوّله إلى آخره و منه هذه الآية: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ و قوله تعالى:

مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ‏ (5) و منه قوله تعالى في قصّة إبراهيم و إسماعيل:

وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ‏ (6) و قوله تعالى في قصة فرعون‏ حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (7) و في قصّة سليمان و بلقيس‏ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏ (8) و قولها أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ (9) و قول عيسى‏ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ‏ (10) و قوله عزّ و جلّ‏ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً (11) و قوله‏

____________

(1)- سورة التوبة: 33.

(2)- سورة الانفال: 39.

(3)- سورة آل عمران: 19.

(4)- سورة آل عمران: 85.

(5)- سورة الحج: 78.

(6)- سورة البقرة: 128.

(7)- سورة يونس: 90.

(8)- سورة النمل: 38.

(9)- سورة النمل: 44.

(10)- سورة آل عمران: 52.

(11)- سورة آل عمران: 83.

210

في قصّة لوط فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ (1) و قوله‏ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا (2) إلى قوله‏ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ (3) و قوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ‏ إلى قوله‏ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏ (4) قلت: يا سيدي كم الملل؟

قال: أربع و هي شرائع قال المفضّل: قلت: يا سيدي المجوس لم سمّوا المجوس؟

قال (عليه السّلام): لأنّهم تمجّسوا في السريانية و ادعوا على آدم و على شيث و هو هبة اللّه (عليهما السّلام)، أنّهما أطلقا لهم نكاح الامّهات و الأخوات و البنات و الخالات و العمّات و المحرمات من النساء و أنّهما أمراهم أن يصلوا إلى الشمس حيث وقفت في السماء و لم يجعلا لصلاتهم وقتا.

و إنّما هو افتراء على اللّه الكذب و على آدم و شيث.

قال المفضّل: يا مولاي و سيّدي لم سمّي قوم موسى اليهود؟

قال (عليه السّلام): لقول اللّه عزّ و جلّ‏ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ‏ (5) أي اهتدينا إليك، قال: فالنصارى؟

قال (عليه السّلام): لقول عيسى‏ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ‏ (6) و تلا الآية إلى آخرها فسمّوا النصارى لنصرة دين اللّه، قال المفضّل: فقلت: يا مولاي فلم سمّي الصابئون الصابئين؟

فقال (عليه السّلام): إنّهم صبوا (7) إلى تعطيل الأنبياء و الرسل و الملل و الشرائع و قالوا كلّما جاءوا به باطل فجحدوا توحيد اللّه تعالى و نبوّة الأنبياء و رسالة المرسلين و وصيّة الأوصياء فهم بلا شريعة و لا كتاب و لا رسول و هم معطلة العالم، قال المفضّل: سبحان اللّه، ما أجلّ هذا من علم! قال (عليه السّلام): نعم يا مفضل فألقه إلى شيعتنا لئلّا يشكّوا في الدين، قال المفضّل: يا سيدي ففي أي بقعة يظهر المهدي (عج)؟

قال (عليه السّلام): لا تراه عين في وقت ظهوره إلّا رأته كلّ عين، فمن قال لكم غير هذا فكذّبوه، قال المفضّل: يا سيّدي يرى وقت ولادته؟

قال: بلى و اللّه ليرى من ساعة ولادته إلى ساعة وفاة أبيه سنتين و تسعة أشهر، أوّل ولادته‏

____________

(1)- سورة الذاريات: 36.

(2)- سورة المائدة: 59.

(3)- سورة البقرة: 136.

(4)- سورة البقرة: 133.

(5)- سورة الاعراف: 156.

(6)- سورة الصف: 14.

(7)- صبوا: خرجوا.

211

وقت الفجر من ليلة الجمعة لثمان خلون من شعبان سنة سبع و خمسين و مائتين إلى يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الأوّل من ستين و مائتين و هو يوم وفاة أبيه بالمدينة بشاطئ دجلة، بناها المتكبّر الجبّار المسمّى باسم جعفر الضالّ الملقّب بالمتوكّل و هو المتأكل لعنه اللّه تعالى و هو مدينة تدعى بسر من رأى و هي ساء من رأى يرى شخصه المؤمن المحق سنة ستين و مائتين و لا يراه المشكّك المرتاب و ينفذ فيها أمره و نهيه و يغيب عنها فيظهر في القصر بصابر بجانب المدينة في حرم جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيلقاه هناك من يسعده اللّه بالنظر إليه ثمّ يغيب في آخر يوم من سنة ست و ستّين و مائتين فلا تراه عين أحد حتّى يراه كل أحد و كل عين، قال المفضّل: قلت يا سيدي فمن يخاطبه و لم يخاطب؟

قال الصادق (عليه السّلام): تخاطبه الملائكة و المؤمنون من الجن و يخرج أمره و نهيه إلى ثقاته و ولاته و وكلائه و يعقد ببابه محمد بن نصير النميري في يوم غيبته بصابر ثمّ يظهر بمكّة، و اللّه يا مفضل كأنّي أنظر إليه دخل مكة و عليه بردة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و على رأسه عمامة صفراء و في رجليه نعل رسول اللّه المخصوفة و في يده هراوته، يسوق بين يديه أعنزا عجافا حتّى يصل بها نحو البيت ليس ثمّ أحد يعرفه و يظهر و هو شاب.

قال المفضّل: يا سيدي يعود شابّا أو يظهر في شيبة؟ فقال (عليه السّلام): سبحان اللّه و هل يعرف ذلك يظهر كيف شاء و بأيّ صورة شاء إذا جاءه الأمر من اللّه تعالى مجده و جلّ ذكره، قال المفضّل: يا سيدي فمن أين يظهر و كيف يظهر؟

قال (عليه السّلام): يا مفضل يظهر وحده و يأتي البيت وحده و يلج الكعبة وحده و يجن عليه الليل وحده، فإذا نامت العيون و غسق الليل نزل إليه جبرئيل و ميكائيل و الملائكة صفوفا فيقول له جبرئيل: يا سيدي قولك مقبول و أمرك جائز فيمسح يده على وجهه و يقول: الحمد للّه الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين، و يقف بين الركن و المقام فيصرخ صرخة فيقول: يا معاشر نقبائي و أهل خاصّتي و من ذخرهم اللّه لنصرتي قبل ظهوري على وجه الأرض ائتوني طائعين، فترد صيحته عليهم و هم في محاريبهم و على فرشهم في شرق الأرض و غربها فيسمعونه في صيحة واحدة في اذن كلّ رجل فيجيبون نحوها و لا يمضي لهم إلّا كلمحة بصر حتّى يكون كلّهم بين يديه بين الركن و المقام فيأمر اللّه عزّ و جلّ النور فيصير عمودا من السماء إلى الأرض فيستضي‏ء به كلّ مؤمن على وجه‏

212

الأرض و يدخل عليه نور من جوف بيته فتفرح نفوس المؤمنين بذلك النور و هم لا يعلمون بظهور قائمنا أهل البيت عليه و (عليهم السّلام) ثمّ يصبحون وقوفا بين يديه و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا بعدّة أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يوم بدر.

قال المفضل: يا مولاي و سيّدي فاثنان و سبعون رجلا الذين قتلوا مع الحسين بن علي يظهرون معهم؟ قال: يظهر منهم أبو عبد اللّه الحسين بن علي (عليه السّلام) في اثني عشر ألفا مؤمنين من شيعة علي و عليه عمامة سوداء.

قال المفضّل: يا سيدي فبغير سنّة القائم بايعوا له قبل ظهوره و قبل قيامه؟

فقال (عليه السّلام): يا مفضّل كلّ بيعة قبل ظهور القائم فبيعته كفر و نفاق و خديعة، لعن اللّه المبايع لها و المبايع له، بل يا مفضّل يسند القائم ظهره إلى الحرم و يمدّ يده فترى بيضاء من غير سوء و يقول: هذه يد اللّه و عن اللّه و بأمر اللّه ثمّ يتلو هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى‏ نَفْسِهِ‏ (1) الآية، فيكون أوّل من يقبّل يده جبرئيل ثمّ يبايعه و تبايعه الملائكة و نجباء الجنّ ثمّ النقباء و يصبح الناس بمكة فيقولون: من هذا الرجل الذي بجانب الكعبة؟ و ما هذا الخلق الذي معه؟ و ما هذه الآية التي رأيناها الليلة و لم نر مثلها؟ فيقول بعضهم لبعض: هذا الرجل هو صاحب العنيزات، فقال بعضهم: انظروا هل تعرفون أحدا ممّن معه؟ فيقولون: لا نعرف أحدا منهم إلّا أربعة من أهل مكّة و أربعة من أهل المدينة و هم فلان و فلان و يعدّونهم بأسمائهم، و يكون هذا أوّل طلوع الشمس في ذلك اليوم فإذا طلعت الشمس و أضاءت صاح صائح بالخلائق من عين الشمس بلسان عربي مبين يسمع من في السماوات و الأرضين: يا معشر الخلائق هذا مهدي آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يسمّيه باسم جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يكنيه و ينسبه إلى أبيه الحسن الحادي عشر إلى الحسين بن علي (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، بايعوه تهتدوا و لا تخالفوا أمره فتضلّوا، فأوّل من يقبّل يده الملائكة ثمّ الجنّ ثمّ النقباء و يقولون سمعنا و أطعنا و لا يبقى ذو اذن من الخلائق إلّا سمع ذلك النداء و تقبل الخلائق من البدو و الحضر و البحر و البر يحدّث بعضهم بعضا و يستفهم بعضهم بعضا ما سمعوا بآذانهم، فإذا دنت الشمس للغروب صرخ صارخ من مغربها: يا معشر الخلائق قد ظهر ربّكم بوادي اليابس من أرض فلسطين و هو عثمان بن‏

____________

(1)- سورة الفتح: 10.

213

عنبسة الأموي من ولد يزيد بن معاوية لعنهم اللّه فبايعوه تهتدوا و لا تخالفوا عليه، فيرد عليهم الملائكة و الجنّ و النقباء قوله، و يكذّبونه و يقولون له سمعنا و عصينا و لا يبقى ذو شكّ و لا مرتاب و لا منافق و لا كافر إلّا دخل بالنداء الأخير و سيّدنا القائم مسند ظهره إلى الكعبة و يقول: يا معشر الخلائق، ألا و من أراد أن ينظر إلى آدم و شيث، فها أنا ذا آدم و شيث ألا و من أراد أن ينظر إلى نوح و ولده سام، فها أنا ذا نوح و سام ألا و من أراد أن ينظر إلى إبراهيم و إسماعيل، فها أنا ذا إبراهيم و إسماعيل ألا و من أراد أن ينظر إلى موسى و يوشع، فها أنا ذا موسى و يوشع، ألا و من أراد أن ينظر إلى عيسى و شمعون فها أنا ذا عيسى و شمعون، ألا و من أراد أن ينظر إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السّلام) فها أنا ذا محمّد و أمير المؤمنين، ألا و من أراد أن ينظر إلى الحسن و الحسين (عليه السّلام) فها أنا ذا الحسن و الحسين، ألا و من أراد أن ينظر إلى الأئمّة من ولد الحسين (عليه السّلام) فها أنا ذا الأئمّة، أجيبوا إلى مسألتي فإنّي أنبئك بما نبئتم به و ما لم تنبّئوا به، و من كان يقرأ الكتب و الصحف فليسمع منّي ثمّ يبتدئ بالصحف التي أنزلها اللّه على آدم و شيث و يقول: أمّة آدم و شيث هبة اللّه: هذه و اللّه هي الصحف حقّا و لقد أرانا ما لم نكن نعلمه فيها و ما كان خفي علينا و ما كان سقط منها و بدل و حرّف، ثمّ يقرأ صحف نوح و صحف إبراهيم و التوراة و الإنجيل و الزبور فيقول أهل التوراة و الإنجيل و الزبور: هذه و اللّه صحف نوح و إبراهيم حقّا و ما اسقط منها و ما بدّل و حرّف منها هذه و اللّه التوراة الجامعة و الزبور التام و الإنجيل الكامل و إنّها أضعاف ما قرأنا منها ثمّ يتلو القرآن فيقول المسلمون:

هذا و اللّه القرآن حقّا الذي أنزل اللّه على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ما اسقط منه و حرّف و بدّل، ثمّ تظهر الدابّة بين الركن و المقام فتكتب في وجه المؤمن مؤمن و في وجه الكافر كافر ثمّ يقبل على القائم رجل وجهه إلى قفاه و قفاه إلى صدره و يقف بين يديه فيقول: يا سيدي أنا بشير أمرني ملك من الملائكة أن ألحق بك و أبشّرك بهلاك جيش السفياني بالبيداء فيقول له القائم: بيّن قصّتك و قصّة أخيك فيقول الرجل: كنت و أخي في جيش السفياني و خربنا الدنيا من دمشق إلى الزوراء و تركناها جمّاء و خربنا الكوفة و خربنا المدينة و كسرنا المنبر و راثت بغالنا في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خرجنا منها و عددنا ثلاثمائة ألف رجل نريد إخراب البيت و قتل أهله، فلمّا صرنا في البيداء عرسنا فيها فصاح بنا صائح يا بيداء أبيدي القوم الظالمين فانفجرت الأرض و بلعت كلّ الجيش فو اللّه ما بقي على وجه الأرض عقال ناقة ممّا سواه‏

214

غيري و غير أخي فإذا نحن بملك قد ضرب وجوهنا فصارت إلى ورائنا كما ترى فقال لأخي:

و يلك امض إلى الملعون السفياني بدمشق فأنذره بظهور المهدي من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عرّفه أنّ اللّه قد أهلك جيشه بالبيداء و قال لي: يا بشير الحق بالمهدي بمكّة و بشّره بهلاك الظالمين و تب على يده فإنّه يقبل توبتك فيمرّ القائم يده على وجهه فيردّه سويا كما كان و يبايعه و يكون معه.

قال المفضّل: يا سيّدي و تظهر الملائكة و الجنّ للناس؟

قال: إي و اللّه يا مفضل و يخاطبونهم كما يكون الرجل مع حاشيته بأهله، قلت: يا سيدي و يسيرون معه؟ قال: إي و اللّه يا مفضّل و لينزلنّ أرض الهجرة ما بين الكوفة و النجف و عدد أصحابه حينئذ ستّة و أربعون ألفا من الملائكة و ستّة آلاف من الجنّ، و في رواية اخرى و مثلها من الجن بهم ينصره اللّه و يفتح على يديه.

قال المفضّل: فما يصنع أهل مكّة؟ قال: يدعوهم بالحكمة و الموعظة الحسنة فيطيعونه و يستخلف فيهم رجلا من أهل بيته و يخرج يريد المدينة.

قال المفضّل: يا سيدي فما يصنع بالبيت؟

قال: ينقضه فلا يدع منه إلّا القواعد التي هي أوّل بيت وضع للناس ببكة في عهد آدم (عليه السّلام) و الذي رفعه إبراهيم و إسماعيل فيها و إنّ الذي بني بعدهما لم يبنه نبي و لا وصي ثمّ يبنيه كما يشاء اللّه و ليعفين آثار الظالمين بمكّة و المدينة و العراق و سائر الأقاليم و ليهدمنّ مسجد الكوفة و ليبنينه على البنيان الأوّل و ليهدمنّ القصر العتيق، ملعون ملعون ملعون من بناه.

قال المفضّل: يا سيدي يقيم بمكّة؟

قال: لا يا مفضل، بل يستخلف فيها رجلا من أهله فإذا سار منها وثبوا عليه فيقتلونه فيرجع إليهم فيأتونه مهطعين مقنعي رءوسهم يبكون و يتضرّعون و يقولون: يا مهدي آل محمّد التوبة التوبة فيعظهم و ينذرهم و يحذّرهم و يستخلف عليهم منهم خليفة و يسير فيثبون عليه بعده فيقتلونه فيرد إليهم أنصاره من الجنّ و النقباء يقول لهم ارجعوا فلا تبقوا منهم بشرا إلّا من آمن فلولا أنّ رحمة ربّكم وسعت كلّ شي‏ء و أنا تلك الرحمة لرجعت إليهم معكم فقد قطعوا الأعذار بينهم و بين اللّه و بيني فيرجعون إليهم فو اللّه لا يسلم من المائة منهم واحد لا و اللّه و لا من ألف واحد.

215

قال المفضّل: قلت يا سيدي فأين يكون دار المهدي و مجتمع المؤمنين؟

قال: دار ملكه الكوفة و مجلس حكمه جامعها و بيت ماله و مقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة و موضع خلواته الدكوات البيض من الغريّين.

قال المفضّل: يا مولاي كلّ المؤمنين يكونون بالكوفة؟

قال (عليه السّلام): إي و اللّه لا يبقى مؤمن إلّا كان بها أو حواليها و ليبلغن مجالة فرس منها ألفي درهم، إي و اللّه ليودنّ أكثر الناس انّه اشترى شبرا من أرض السبع بشبر من ذهب، و السبع خطة من خطط همدان و ليصيّرنّ الكوفة أربعة و خمسين ميلا و ليجاورن قصورها قصور كربلاء و ليصيّرن اللّه كربلاء معقلا و مقاما تختلف فيه الملائكة و المؤمنون و ليكوننّ لها شأن من الشأن و ليكونن فيها من البركات ما لو وقف مؤمن و دعا ربّه بدعوة لأعطاه اللّه بدعوته الواحدة مثل ملك الدنيا ألف مرّة، ثمّ تنفّس أبو عبد اللّه (عليه السّلام) و قال: يا مفضل إنّ بقاع الأرض تفاخرت ففخرت كعبة البيت الحرام على بقعة كربلاء فأوحى اللّه إليها أن اسكتي كعبة البيت الحرام و لا تفتخري على كربلاء فإنّها البقعة المباركة التي نودي موسى منها من الشجرة و إنّها الربوة التي أويت إليها مريم و المسيح و إنّها الدالية التي غسل فيها رأس الحسين (عليه السّلام) و فيها غسلت مريم عيسى و اغتسلت من ولادتها و إنّها خير بقعة عرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) منها وقت غيبته و ليكونن لشيعتنا فيها خيرة إلى ظهور قائمنا.

قال المفضّل: يا سيدي ثمّ يسير المهدي إلى أين؟ قال: إلى مدينة جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فإذا وردها كان له فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين و خزي الكافرين.

قال المفضّل: يا سيدي ما هو ذاك؟

قال (عليه السّلام): يرد إلى قبر جدّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيقول: يا معاشر الخلائق هذا قبر جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟

فيقولون: نعم يا مهدي آل محمّد، فيقول: و من معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه و ضجيعاه أبو بكر و عمر، فيقول- و هو أعلم بهما و الخلائق كلهم جميعا يسمعون- من أبو بكر و عمر؟

و كيف دفنا من بين الخلق مع جدّي رسول اللّه و عسى المدفون غيرهما، فيقول الناس: يا مهدي آل محمد ما هاهنا غيرهما إنّهما دفنا معه لأنّهما خليفتا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أبوا زوجتيه، فيقول للخلق: بعد ثلاث أخرجوهما من قبريهما فيخرجان غضّين طريّين لم يتغيّر خلقهما و لم يشحب لونهما فيقول: هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون: نعرفهما بالصفة و ليس‏

216

ضجيعا جدّك غيرهما فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشكّ فيهما؟ فيقولون: لا، فيؤخّر اخراجهما ثلاثة أيّام ثمّ ينتشر الخبر فى الناس و يحضر المهدي و يكشف الجدران عن القبرين و يقول للنقباء: ابحثوا عنهما فيبحثون بأيديهم حتّى يصلوا إليهما فيخرجان غضين طريين كصورتهما فيكشف عنهما أكفانهما و يأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها فتحيى الشجرة و تورق و يطول فرعها فيقول المرتابون من أهل ولايتهما:

هذا و اللّه الشرف حقّا و لقد فزنا بمحبتهما و ولايتهما و يخبر من أخفى نفسه ممّن في نفسه مقياس حبّة من محبّتهما و ولايتهما و يحضرونهما و يرونهما و يفتنون بهما و ينادي منادي المهدي: كلّ من أحب صاحبي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ضجيعيه فلينفرد جانبا فتجزأ الخلق جزءين: أحدهما موال و الآخر متبرّئ منهما فيعرض المهدي على أوليائهما البراءة منهما فيقولون: يا مهدي آل رسول اللّه نحن لم نتبرّأ منهما و لسنا نعلم أنّ لهما عند اللّه و عندك هذه المنزلة و هذا الذي بدا لنا من فضلهما، لا نتبرّأ الساعة منهما و قد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما و غضاضتهما و حياة الشجرة بهما بل و اللّه منك و ممّن آمن بك و من لا يؤمن بهما و من صلبهما و أخرجهما و فعل بهما ما فعل، فيأمر المهدي (عج) ريحا سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخل خاوية ثمّ يأمر بإنزالهما فينزلان إليه فيحييهما بإذن اللّه تعالى و يأمر الخلائق بالاجتماع ثمّ يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور و دور حتّى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم (عليه السّلام) و جمع النار لإبراهيم و طرح يوسف في الجبّ و حبس يونس في بطن الحوت و قتل يحيى و صلب عيسى و عذاب جرجيس و دانيال و ضرب سلمان الفارسي و إشعال النار على باب أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين (عليه السّلام) لإحراقهم بها و ضرب يد الصدّيقة الكبرى فاطمة (عليه السّلام) بالسوط و رفس بطنها و إسقاطها محسنا و سمّ الحسن و قتل الحسين و ذبح أطفاله و بني عمّه و أنصاره و سبي ذراري رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إراقة دماء آل محمّد و كل دم سفك و كل فرج نكح حراما و كل خبث و فاحشة و إثم و ظلم و جور و غمّ مذ عهد آدم إلى وقت قيام قائمنا، كلّ ذلك يعدّده عليهما و يلزمهما إيّاه و يعترفان به.

أقول: (1) و العلّة و السبب في إلزام ما تأخّر عنهما من الآثام عليهما ظاهر؛ لأنّهما بمنع أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن حقّه و دفعه عن مقامه صارا سببين لاختفاء سائر الأئمّة و مظلوميتهم‏

____________

(1)- و الكلام للمجلسي ضمن سياق شرح ألفاظ الحديث.

217

و تسلّط أئمّة الجور و غلبتهم إلى زمان القائم و صار ذلك سببا لكفر من كفر و ضلال من ضلّ و فسق من فسق؛ لأنّ الإمام مع اقتداره و استيلائه و بسط يده يمنع جميع ذلك، و عدم تمكّن أمير المؤمنين من بعض تلك الامور في أيّام خلافته كان لما أتياه من الظلم و الجور، و أمّا ما تقدّم عليهما فلأنّهما راضيان بفعل من فعل مثل فعلهما من دفع خلفاء الحقّ عن مقامهم و ما يترتّب على ذلك من الفساد، و لو كانا منكرين لذلك لم يفعلا مثل فعلهم و كلّ من رضي بفعل فهو كمن أتاه كما دلّت عليه الآيات الكثيرة حيث نسب اللّه تعالى فعل آباء اليهود إليهم و ذمّهم عليها لرضاهم بها و لا يبعد أن يكون لأرواحهم الخبيثة مدخلا في صدور تلك الامور عن الأشقياء كما أنّ أرواح الطيبين من أهل الرسالة كانت مؤيّدة للأنبياء و الرسل، معينة لهم في الخيرات، شقيقة لهم في دفع الكربات).

ثمّ يأمر بهما فيقتصّ منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر ثمّ يصلبهما على الشجرة و يأمر نارا تخرج من الأرض فتحرقهما و الشجرة ثمّ يأمر ريحا فتنسفهما في اليمّ نسفا.

قال المفضّل: يا سيدي ذلك آخر عذابهما؟

قال (عليه السّلام): هيهات يا مفضل و اللّه ليردنّ و ليحضرن السيّد الأكبر أمير المؤمنين (عليه السّلام) و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة و كل من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا و ليقتص منهما لجميعهم حتّى أنّهما ليقتلان في كلّ يوم و ليلة ألف قتلة و يردان إلى ما شاء ربّهما، ثمّ يسير المهدي إلى الكوفة و النجف و ينزل و عنده أصحابه في ذلك اليوم ستّة و أربعون ألفا من الملائكة و ستّة آلاف من الجن و النقباء ثلاث مائة و ثلاثة عشر نقيبا.

قال المفضّل: يا سيدي كيف تكون دار الفاسقين في ذلك الوقت؟

قال (عليه السّلام): في لعنة اللّه و سخطه تخربها الفتن و تتركها جماء فالويل لها و لمن بها كل الويل من الرايات الصفر و رايات المغرب و من يحلب الجريرة و من الرايات التي تسير إليها من كلّ قريب أو بعيد، و اللّه لينزلن بها من صنوف العذاب ما نزل بسائر الامم المتمرّدة من أوّل الدهر إلى آخره و لينزلنّ بها من العذاب ما لا عين رأت و لا اذن سمعت بمثله، و لا يكون طوفان أهلها إلّا بالسيف فالويل لمن اتخذ بها سكنا فإنّ المقيم بها يبقى بشقائه و الخارج منها برحمة اللّه، و اللّه ليبقى من أهلها في الدنيا حتّى يقال إنّها هي الدنيا و إنّ دورها و قصورها هي الجنّة و إنّ بناتها هي الحور العين و إنّ ولدانها هم الولدان و ليظننّ أنّ اللّه لم يقسّم رزق‏

218

العباد إلّا بها و ليظهرنّ فيها من الافتراء على اللّه و على رسوله و الحكم بغير كتابه و من شهادات الزور و شرب الخمور و [إتيان‏] الفجور و أكل السحت و سفك الدماء ما لا يكون في الدنيا إلّا دونه، ثمّ ليخربها اللّه بتلك الفتن و تلك الرايات حتّى ليمرّ عليها المار فيقول: هاهنا كانت الزوراء، ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح الذي نحو الديلم يصيح بصوت له فصيح يا آل أحمد أجيبوا الملهوف و المنادي من حول الضريح فتجيب كنوز اللّه بالطالقان كنوز و أي كنوز ليست من فضّة و لا من ذهب، بل هي رجال كزبر الحديد على البراذين الشهب بأيديهم الحراب و لم يزل يقتل الظلمة حتّى يرد الكوفة و قد صفا أكثر الأرض فيجعلها له معقلا فيتصل به و بأصحابه خبر المهدي و يقولون يا ابن رسول اللّه من هذا الذي قد نزل بساحتنا؟

فيقول: اخرجوا بنا إليه حتّى ننظر من هو و ما يريد، و هو و اللّه بعلم أنّه المهدي و إنّه ليعرفه و لم يرد بذلك الأمر إلّا ليعرف أصحابه من هو فيخرج الحسني فيقول: إن كنت مهدي آل محمّد فأين هراوة جدّك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خاتمه و بردته و درعه الفاضل و عمامته السحاب و فرسه اليربوع و ناقته الغضباء و بغلته الدلدل و حماره اليعفور و نجيبته البراق و مصحف أمير المؤمنين فيخرج له ذلك، ثمّ يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد و تورق و لم يرد بذلك إلّا أن يرى أصحابه فضل المهدي حتّى يبايعوه، فيقول الحسني: اللّه أكبر مدّ يدك يا ابن رسول اللّه حتّى نبايعك فيمدّ يده فيبايعه و يبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلّا أربعين ألفا أصحاب المصاحف المعروفون بالزيدية فإنّهم يقولون ما هذا إلّا سحر عظيم فيختلط العسكران فيقبل المهدي على الطائفة المنحرفة فيعظهم و يدعوهم ثلاثة أيّام فلا يزدادون إلّا طغيانا و كفرا فيأمر بقتلهم فيقتلون جميعا ثمّ يقول لأصحابه: لا تأخذوا المصاحف و دعوها تكون عليهم حسرة كما بدّلوها و غيّروها و حرّفوها و لم يعملوا بما فيها.

قال المفضل: يا مولاي ثمّ ما ذا يصنع المهدي (عليه السّلام)؟

قال (عليه السّلام): يثوّر سرايا على السفياني إلى دمشق فيأخذونه و يذبحونه على الصخرة ثمّ يظهر الحسين (عليه السّلام) في اثني عشر ألف صدّيق و اثنين و سبعين رجلا أصحابه يوم كربلاء فيا لك عندها من كرّة زهراء بيضاء ثمّ يخرج الصدّيق الأكبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و ينصب له القبّة بالنجف و يقام أركانها: ركن بالنجف و ركن بهجر و ركن بصفا و ركن بأرض طيبة لكأنّي أنظر إلى مصابيحها تشرق في السماء و الأرض كأضوأ من الشمس و القمر،

219

فعندها تبلى السرائر و تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت إلى آخر الآية، ثمّ يخرج السيّد الأكبر محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في أنصاره و المهاجرين و من آمن به و صدّقه و استشهد معه و يحضر مكذّبوه و الشاكّون فيه و الرادّون عليه و القائلون فيه إنّه ساحر و كاهن و مجنون و ناطق عن الهوى و من حاربه و قاتله حتّى يقتص منهم بالحق و يجازون بأفعالهم منذ وقت ظهور رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى ظهور المهدي مع إمام إمام و وقت وقت يحقّ تأويل هذه الآية وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (1).

قال المفضّل: يا سيّدي و من فرعون و من هامان؟

قال (عليه السّلام): أبو بكر و عمر.

قال المفضّل: يا سيّدي و رسول اللّه و أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما) يكونان معه؟

فقال: لا بدّ أن يطئا الأرض، إي و اللّه حتّى ما وراء الخاف‏ (2)، إي و اللّه و ما في الظلمات و ما في قعر البحار حتّى لا يبقى موضع قدم إلّا وطئاه و أقاما فيه الدين الواجب للّه تعالى، ثمّ لكأنّي أنظر يا مفضّل إلينا معاشر الأئمّة بين يدي رسول اللّه نشكو إليه ما نزل بنا من الأمّة بعده و ما نالنا من التكذيب و الردّ علينا و سبّنا و لعننا و تخويفنا بالقتل و قصد طواغيتهم الولاة لامورهم من دون الامّة ترحيلنا عن الحرمة إلى دار ملكهم و قتلهم إيّانا بالسمّ و الحبس فيبكي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يقول: يا بني ما نزل بكم إلّا ما نزل بجدّكم قبلكم ثمّ تبتدئ فاطمة و تشكو ما نالها من أبي بكر و عمر و أخذ فدك منها و مشيها إليه في مجمع من المهاجرين و الأنصار و خطابها له في أمر فدك و ما ردّ عليها من قوله: إنّ الأنبياء لا يورّثون، و احتجاجها بقول زكريا و يحيى و قصّة داود و سليمان و قول عمر: هاتي صحيفتك التي ذكرت أنّ أباك كتبها لك و إخراجها الصحيفة و أخذه إيّاها منها و نشره لها على رءوس الأشهاد من المهاجرين و الأنصار و سائر العرب و تفله فيها و تمزيقه إيّاها و بكائها و رجوعها إلى قبر أبيها رسول اللّه باكية حزينة تمشي على الرمضاء قد أقلقتها و استغاثتها باللّه و بأبيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و تمثّلها بقول رقية بنت أصفى:

____________

(1)- سورة القصص: 5- 6.

(2)- قال المجلسي: الخاف: الجبل المطيف بالدنيا، و لا يبعد أن يكون تصحيف القاف.

220

قد كان بعدك أنباء و هنبثة* * * لو كنت شاهدها لم يكبر الخطب‏

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها* * * و اختل أهلك فاشهدهم فقد لعبوا

أبدت رجال لنا فحوى صدورهم‏* * * لما نأيت و حالت دونك الحجب‏

لكلّ قوم لهم قرب و منزلة* * * عند الإله على الأدنين مقترب‏

يا ليت قبلك كان الموت حلّ بنا* * * أملوا اناس ففازوا بالذي طلبوا

و تقصّ عليه قصّة أبي بكر و إنفاذه خالد بن الوليد و قنفذ و عمر بن الخطّاب و جمعه الناس لإخراج أمير المؤمنين (عليه السّلام) من بيته إلى البيعة في سقيفة بني ساعدة و اشتغال أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ضمّ أزواجه و تعزيتهم و جمع القرآن و قضاء دينه و إنجاز عداته و هي ثمانون ألف درهم باع فيها تليده و طارفه‏ (1) و قضى عن رسول اللّه، و قول عمر: أخرج يا علي إلى ما أجمع عليه المسلمون و إلّا قتلناك و قول فضّة جارية فاطمة (عليه السّلام):

إنّ أمير المؤمنين مشغول و الحقّ له إن أنصفتم من أنفسكم و أنصفتموه، و جمعهم الجزل‏ (2) و الحطب على الباب لإحراق بيت أمير المؤمنين (عليه السّلام) و فاطمة و الحسن و الحسين و زينب و أمّ كلثوم و فضّة، و إضرامهم النار على الباب و خروج فاطمة إليهم و خطابها لهم من وراء الباب و قولها ويحك يا عمر ما هذه الجرأة على اللّه و على رسوله تريد أن تقطع نسله من الدنيا و تفنيه و تطفئ نور اللّه و اللّه متمّ نوره، و انتهاره لها و قوله: كفى يا فاطمة فليس محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حاضرا و لا الملائكة آتية بالأمر و النهي و الزجر من عند اللّه، و ما علي إلّا كأحد من المسلمين فاختاري إن شئت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعا، فقالت (عليها السّلام) و هي باكية: اللهمّ إليك نشكو فقد نبيّك و رسولك و صفيّك و ارتداد أمّته علينا و منعهم إيّانا حقّنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيّك المرسل فقال لها عمر: دعي عنك يا فاطمة حماقة النساء فلم يكن اللّه ليجمع لكم النبوّة و الخلافة، و أخذت النار في خشب الباب و إدخال قنفذ يده يروم فتح الباب و ضرب عمر لها بالسوط على عضدها حتّى كان كالدملج‏ (3) الأسود، و ركل الباب برجله حتّى أصاب بطنها و هي حاملة بالمحسن لستّة أشهر و إسقاطها إيّاه و هجوم عمر و قنفذ و خالد بن الوليد و صفقه خدّها حتّى بدا قرطاها تحت خمارها و هي تجهر

____________

(1)- التليد: العبد الذي ولد عنده، و الطارف نقيضه (لسان العرب: 3/ 193).

(2)- الجزل: ما عظم من الحطب و يبس.

(3)- الدملج: المعضد من الحلي (كتاب العين: 6/ 206).

221

بالبكاء و تقول وا أبتاه وا رسول اللّه! ابنتك فاطمة تكذب و يقتل جنين في بطنها، و خروج أمير المؤمنين (عليه السّلام) من داخل الدار محمرّ العين حاسرا حتّى ألقى ملاءته عليها و ضمّها إلى صدره و قوله لها: يا بنت رسول اللّه قد علمت أنّ أباك بعثه اللّه رحمة للعالمين فاللّه اللّه أن تكشفي خمارك و ترفعي ناصيتك فو اللّه يا فاطمة لئن فعلت ذلك لا أبقى اللّه على الأرض من يشهد أن محمّدا رسول اللّه و لا موسى و لا عيسى و لا إبراهيم و لا نوح و لا آدم و لا دابّة تمشي على وجه الأرض و لا طائر في السماء إلّا أهلكه اللّه، ثمّ قال: يا بن الخطّاب لك الويل من يومك هذا و ما بعده و ما يليه، اخرج قبل أن أشهر سيفي فأفني عابر الامّة فخرج عمر و خالد بن وليد و قنفذ و عبد الرحمن بن أبي بكر فصاروا من خارج و صاح أمير المؤمنين بفضّة يا فضّة مولاتك فاقبلي منها ما تقبله النساء فقد جاءها المخاض من الرفسة و ردّ الباب فأسقطت محسنا، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): فإنّه لاحق بجدّه رسول اللّه فيشكو إليه حمل أمير المؤمنين (عليه السّلام) لها في سواد الليل و الحسن و الحسين و زينب و كلثوم إلى دور المهاجرين و الأنصار يذكّرهم باللّه و رسوله و عهده الذي بايعوا اللّه و رسوله و بايعوا في أربعة مواطن في حياة رسول اللّه و تسليمهم عليه بإمرة المؤمنين في جميعها فكلّ يعده بالنصر في يومه المقبل، فإذا أصبح قعد جميعهم عنه ثمّ يشكو إليه أمير المؤمنين (عليه السّلام) المحن العظيمة التي امتحن بها بعده و قوله: لقد كانت قصّتي مثل قصّة هارون مع بني إسرائيل و قولي كقوله لموسى يا ابن أم إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني فلا تشمّت بي الأعداء و لا تجعلني مع القوم الظالمين، فصبرت محتسبا و سلّمت راضيا و كانت الحجّة لهم في خلافي و نقضهم عهدي الذي عاهدتهم عليه يا رسول اللّه و احتملت يا رسول اللّه ما لم يحتمل وصيّ نبي من سائر الأوصياء من سائر الامم حتّى قتلوني بضربة عبد الرحمن بن ملجم و كان اللّه الرقيب عليهم في نقضهم بيعتي و خروج طلحة و الزبير بعائشة إلى مكّة يظهران الحجّ و العمرة و سيرهم بها إلى البصرة و خروجي إليهم و تذكيري لهم اللّه و إيّاك و ما جئت به يا رسول اللّه فلم يرجعا حتّى نصرني اللّه عليهما حتّى أهرقت دماء عشرين ألفا من المسلمين و قطعت سبعون كفّا على زمام الجمل فما لقيت في غزواتك يا رسول اللّه و بعدك أصعب منه أبدا لقد كان من أصعب الحروب التي لقيتها و أهولها و أعظمها فصبرت كما أدّبني اللّه بما أدّبك به يا

222

رسول اللّه في قوله عزّ و جلّ: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ‏ (1) و قوله: وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ‏ (2) و حق و اللّه يا رسول اللّه تأويل الآية التي أنزلها اللّه في الامّة من بعدك في قوله: وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ (3).

يا مفضّل و يقوم الحسن إلى جدّه فيقول: يا جدّاه كنت مع أمير المؤمنين في دار هجرته بالكوفة حتّى استشهد بضربة عبد الرحمن بن ملجم لعنه اللّه فوصّاني بما وصيته، يا جدّاه و بلغ اللعين معاوية قتل أبي فأنفذ الدعي اللعين زيادا إلى الكوفة في مائة ألف و خمسين ألف مقاتل فأمر بالقبض عليّ و على أخي الحسين و سائر إخواني و أهل بيتي و شيعتنا و موالينا و أن يأخذ علينا البيعة لمعاوية فمن يأبى منّا ضرب عنقه و سيّر إلى معاوية رأسه، فلما علمت ذلك من فعل معاوية خرجت من داري فدخلت جامع الكوفة للصلاة و رقيت المنبر و اجتمع الناس فحمدت اللّه و أثنيت عليه و قلت: معشر الناس عفت الديار و محيت الآثار و قلّ الاصطبار فلا قرار على همزات الشياطين، و حكم الخائنين الساعة و اللّه صحت البراهين و فصلت الآيات و بانت المشكلات و لقد كنّا نتوقّع تمام هذه الآية و تأويلها قال اللّه عزّ و جلّ‏وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ‏ (4) فلقد مات و اللّه جدّي رسول اللّه و قتل أبي و صاح الوسواس الخنّاس في قلوب الناس و نعق ناعق الفتنة و خالفتم السنّة فيا لها من فتنة صمّاء عمياء، لا تسمع لداعيها و لا يجاب مناديها و لا يخالف واليها، ظهرت كلمة النفاق و سيّرت رايات أهل الشقاق و تكالبت جيوش أهل المراق من الشام و العراق، هلموا رحمكم اللّه إلى الافتتاح و النور الوضاح و العلم الحجّاج و النور الذي لا يطفأ و الحقّ الذي لا يخفى.

أيّها الناس تيقظوا من رقدة الغفلة و من تكاثف الظلمة فو الذي فلق الحبّة و برأ النسمة و تردى بالعظمة لئن قام إليّ منكم عصبة بقلوب صافية و نيّات مخلصة لا يكون فيها شوب نفاق و لا نيّة افتراق لأجاهدنّ بالسيف قدما قدما و لأضيفنّ من السيوف جوانبها و من الرماح‏

____________

(1)- سورة الاحقاف: 35.

(2)- سورة النحل: 127.

(3)- سورة آل عمران: 144.

(4)- سورة آل عمران: 144.

223

أطرافها و من الخيل سنابكها فتكلّموا رحمكم اللّه، فكأنّما الجموا بلجام الصمت عن إجابة الدعوة إلّا عشرين رجلا فإنّهم قاموا إليّ فقالوا: يا بن رسول اللّه ما نملك إلّا أنفسنا و سيوفنا فها نحن بين يديك، لأمرك طائعون و عن رأيك صادرون فمرنا بما شئت، فنظرت يمنة و يسرة فلم أر أحدا غيرهم فقلت: لي اسوة بجدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حين عبد اللّه سرّا و هو يومئذ في تسعة و ثلاثين رجلا، فلمّا أكمل اللّه له الأربعين صار في عدّة و أظهر أمر اللّه فلو كان معي عدّتهم جاهدت في اللّه حقّ جهاده ثمّ رفعت رأسي نحو السماء فقلت:

اللهمّ إنّي قد دعوت و أنذرت و أمرت و نهيت و كانوا عن إجابة الداعي غافلين و عن نصرته قاعدين و عن طاعته مقصّرين و لأعدائه ناصرين اللهمّ فأنزل عليهم رجزك و بأسك و عذابك الذي لا يردّ عن القوم الظالمين و نزلت ثمّ خرجت من الكوفة راحلا إلى المدينة فجاءوني يقولون إنّ معاوية أسرى سراياه إلى الأنبار و الكوفة و شنّ غاراته على المسلمين و قتل من لم يقاتله و قتل النساء و الأطفال فأعلمتهم أنّه لا وفاء لهم فأنفذت معهم رجالا و جيوشا و عرفتهم أنّهم يستجيبون لمعاوية و ينقضون عهدي و بيعتي فلم يكن إلّا ما قلت لهم و أخبرتهم، ثمّ يقوم الحسين (عليه السّلام) مخضبا بدمه هو و جميع من قتل معه فإذا رآه رسول اللّه بكى و بكى أهل السماوات و الأرض لبكائه و تصرخ فاطمة فتزلزل الأرض و من عليها و يقف أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الحسن عن يمينه و فاطمة عن شماله و يقبل الحسين فيضمّه رسول اللّه إلى صدره و يقول: يا حسين فديتك، قرّت عيناك و عيناي فيك، و عن يمين الحسين (عليه السّلام) حمزة أسد اللّه في أرضه و عن شماله جعفر بن أبي طالب الطيّار و يأتي محسن تحمله خديجة بنت خويلد و فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هن صارخات و أمّه فاطمة تقول‏ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‏ (1) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً (2).

قال: فبكى الصادق (عليه السّلام) حتّى اخضلت لحيته بالدموع ثمّ قال: لا قرّت عين لا تبكي عند هذا الذكر قال: فبكى المفضّل بكاء طويلا ثمّ قال: يا مولاي ما في الدموع يا مولاي؟ فقال: ما لا يحصى إذا كان من حقّ، ثمّ قال المفضّل ما تقول في قوله تعالى: وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ‏

____________

(1)- سورة الأنبياء: 103.

(2)- سورة آل عمران: 30.

224

بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ‏ (1).

قال: يا مفضل و الموءودة و اللّه محسن لأنّه منّا لا غير فمن قال غير هذا فكذّبوه.

قال المفضّل: يا مولاي ثمّ ما ذا؟

قال الصادق (عليه السّلام): تقوم فاطمة بنت رسول اللّه فتقول: اللهمّ أنجز وعدك و موعدك لي فيمن ظلمني و غصبني و ضربني و جزعني بكل أولادي، فتبكيها ملائكة السماوات السبع و حملة العرش و سكّان الهواء و من في الدنيا و من تحت أطباق الثرى صائحين صارخين إلى اللّه تعالى فلا يبقى أحد ممّن قاتلنا و ظلمنا و رضي بما جرى علينا إلّا قتل في ذلك اليوم ألف قتلة دون من قتل في سبيل اللّه فإنّه لا يذوق الموت و هو كما قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‏ (2) قال المفضّل:

يا مولاي إنّ من شيعتكم من لا يقول برجعتكم، فقال (عليه السّلام): أ ما سمعوا قول جدّنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و نحن سائر الأئمّة نقول: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ (3)، قال الصادق (عليه السّلام): العذاب الأدنى عذاب الرجعة و العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (4).

قال المفضّل: يا مولاي نحن نعلم انّكم اختيار اللّه في قوله‏ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ (5) و قوله‏ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ‏ (6) و قوله‏ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (7).

قال الصادق (عليه السّلام): يا مفضل فأين نحن في هذه الآية؟

قال المفضّل: فو اللّه‏ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ‏ (8) و قوله‏ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ‏ (9) و قوله عن إبراهيم‏ وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ‏ (10) و قد علمنا أنّ رسول اللّه و أمير المؤمنين ما عبدا صنما

____________

(1)- سورة التكوير: 8- 9.

(2)- سورة آل عمران: 169.

(3)- سورة السجدة: 21.

(4)- سورة إبراهيم: 48.

(5)- سورة الانعام: 83.

(6)- سورة الانعام: 124.

(7)- سورة آل عمران: 33- 34.

(8)- سورة آل عمران: 68.

(9)- سورة الحج: 78.

(10) سورة إبراهيم: 35.

225

و لا وثنا و لا أشركا باللّه طرفة عين و قوله‏ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏ (1) و العهد عهد الإمامة لا يناله ظالم قال: يا مفضل و ما علمك بأنّ الظالم لا ينال عهد الإمامة؟

قال المفضّل: يا مولاي لا تمتحنّي بما لا طاقة لي به و لا تختبرني و لا تبتلني، فمن علمكم علمت و من فضلكم على اللّه أخذت، قال الصادق (عليه السّلام): صدقت يا مفضّل و لو لا اعترافك بنعمة اللّه عليك في ذلك لما كنت هكذا، فأين يا مفضل الآيات من القرآن في أنّ الكافر ظالم؟ قال: نعم يا مولاي قوله تعالى: وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏ (2) (و الكافرون هم الفاسقون) و من كفر و فسق و ظلم لا يجعله اللّه للناس إماما قال الصادق (عليه السّلام): أحسنت يا مفضل، فمن أين قلت برجعتنا، و مقصرة شيعتنا تقول معنى الرجعة أن يرد اللّه إلينا ملك الدنيا و أن يجعله للمهدي؟ و ويحهم، متى سلبنا الملك حتّى يرد علينا؟

قال المفضّل: لا و اللّه ما سلبتموه و لا تسلبونه لأنّه ملك النبوّة و الرسالة و الوصيّة و الإمامة، قال الصادق (عليه السّلام): يا مفضّل لو تدبّر القرآن شيعتنا لما شكّوا في فضلنا، أ ما سمعوا قوله عزّ و جلّ: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (3) و اللّه يا مفضّل إنّ تنزيل هذه الآية في بني إسرائيل و تأويلها فينا و إنّ فرعون و هامان تيم وعدي.

قال المفضّل: يا مولاي فالمتعة؟ قال: المتعة حلال طلق و الشاهد بها قول اللّه عزّ و جلّ:

وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً (4) أي مشهودا و القول المعروف هو المشتهر بالولي و الشهود و انّما احتيج إلى الولي و الشهود في النكاح ليثبت النسل و يصحّ النسب و يستحق الميراث و قوله: وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (5) و جعل الطلاق في النساء المزوّجات غير جائز إلّا بشاهدين ذوي عدل من المسلمين و قال في سائر الشهادات على الدماء و الفروج و الأموال‏

____________

(1)- سورة البقرة: 124.

(2)- سورة البقرة: 254.

(3)- سورة القصص: 5- 6.

(4)- سورة البقرة: 235.

(5)- سورة النساء: 4.

226

و الأملاك‏ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ (1) و بيّن الطلاق عزّ ذكره فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ‏ (2) و لو كانت المطلّقة بثلاث تطليقات تجمعها كلمة واحدة أو أكثر منها أو أقل لما قال اللّه تعالى: وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ‏ إلى قوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ (3) و قوله: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (4) هو نكر يقع بين الزوج و زوجته فيطلق التطليقة الاولى بشهادة ذوي عدل، و حدّ وقت التطليق هو آخر القرء و القرء هو الحيض و الطلاق يجب عند آخر نقطة بيضاء تنزل بعد الصفرة و الحمرة و إلى التطليقة الثانية و الثالثة ما يحدث اللّه بينهما عطفا أو زوال ما كرهاه، و قوله تعالى: وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏ (5) هذا بقوله في أنّ للبعولة مراجعة النساء من تطليقة إلى تطليقة إن أرادوا إصلاحا و للنساء مراجعة الرجال في مثل ذلك ثمّ بيّن تبارك و تعالى فقال: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‏ (6) و في الثالثة فإن طلّق الثالثة و بانت فهو قوله: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ‏ (7) ثمّ يكون كسائر الخطّاب لها، و المتعة التي أحلّها اللّه في كتابه و أطلقها الرسول عن اللّه لسائر المسلمين فهي قوله عزّ و جلّ: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (8) و الفرق بين المزوّجة و المتعة أنّ للزوجة صداقا و للمتعة أجرا فتمتّع سائر

____________

(1)- سورة البقرة: 282.

(2)- سورة الطلاق: 1.

(3)- سورة الطلاق: 2.

(4)- سورة الطلاق: 1.

(5)- سورة البقرة: 228.

(6)- سورة البقرة: 229.

(7)- سورة البقرة: 230.

(8)- سورة النساء: 24.

227

المسلمين على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الحجّ و غيره و أيّام أبي بكر و أربع سنين في أيّام عمر حتّى دخل على اخته عفراء فوجد في حجرها طفلا يرضع من ثديها فنظر إلى درة اللبن في فم الطفل فأغضب و أرعد و أزبد و أخذ الطفل على يده و خرج حتّى أتى المسجد و رقي المنبر و قال: نادوا في الناس أنّ الصلاة جامعة و كان غير وقت صلاة فعلم الناس أنه لأمر يريده عمر فحضروا فقال: معاشر الناس من المهاجرين و الأنصار و أولاد قحطان من فيكم يحبّ أن يرى المحرمات عليه من النساء و لها مثل هذا الطفل قد خرج من أحشائها و هو يرضع على ثديها و هي غير متبعّلة؟

فقال بعض القوم: ما نحبّ هذا، فقال: أ لستم تعلمون أنّ اختي عفراء بنت خيثمة أمّي و أبي الخطّاب غير متبعلة؟ قالوا: بلى، قال: فإنّي دخلت عليها في هذه الساعة فوجدت هذا الطفل في حجرها فناشدتها: أنّى لك هذا؟ فقالت: تمتّعت، فاعلموا سائر الناس أنّ هذه المتعة التي كانت حلالا للمسلمين في عهد رسول اللّه قد رأيت تحريمها فمن أبى ضربت جنبيه بالسوط، فلم يكن في القوم منكر قوله و لا رادّ عليه و لا قائل لا يأتي رسول بعد رسول اللّه أو كتاب بعد كتاب اللّه لا نقبل خلافك على اللّه و على رسوله و كتابه بل سلموا و رضوا.

قال المفضّل: يا مولاي فما شرائط المتعة؟

قال (عليه السّلام): يا مفضّل لها سبعون شرطا من خالف فيها شرطا واحدا ظلم نفسه، قال: قلت يا سيدي قد أمرتمونا أن لا نتمتّع ببغيّة و لا مشهورة بفساد و لا مجنونة و أن ندعو المتعة إلى الفاحشة فإن أجابت فقد حرم الاستمتاع بها و أن نسأل أ فارغة أم مشغولة ببعل أو حمل أو بعدة؟ فإن شغلت بواحدة من الثلاث فلا تحلّ و إن خلت فيقول لها متّعيني نفسك على كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه، نكاحا غير سفاح أجلا معلوما باجرة معلومة و هي ساعة أو يوم أو يومان أو شهر أو سنة أو ما دون ذلك أو أكثر و الاجرة ما تراضيا عليه من حلقة خاتم أو نعل أو شق تمرة إلى فوق ذلك من الدراهم و الدنانير أو عرض ترضى به، فإن وهبت له حلّ له كالصداق الموهوب من النساء المزوّجات اللائي قال اللّه تعالى فيهنّ: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (1) ثمّ تقول لها ألا ترثيني و لا أرثك و على أنّ الماء لي أضعه منك حيث أشاء و عليك الاستبراء خمسة و أربعين يوما أو محيضا واحدا فإذا قالت نعم‏

____________

(1)- سورة النساء: 4.

228

أعدت القول ثانية و عقدت النكاح فإن أحببت و أحبّت هي الاستزادة في الأجل زدتما، و فيه ما رويناه فإن كانت تفعل فعليها على ما نزلت من الأخبار عن نفسها و لا جناح عليك، و قول أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة و السلام: فلولاه ما زنى إلّا شقي- أو شقية- لأنّه كان يقول للمسلمين غناء في المتعة عن الزنا ثمّ تلا وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَ إِذا تَوَلَّى سَعى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (1) ثمّ قال: إنّ من عزل بنطفته عن زوجته فدية النطفة عشرة دنانير كفّارة، و إن من شرط المتعة أنّ ماء الرجل يضعه حيث يشاء من المتمتّع بها فإذا وضعه في الرحم فخلق منه ولدا كان لاحقا بأبيه.

ثمّ يقوم جدّي علي بن الحسين و أبي الباقر فيشكوان إلى جدّهما رسول اللّه ما فعل بهما ثمّ أقوم أنا فأشكو إلى جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما فعل المنصور بي ثمّ يقوم ابني موسى فيشكو إلى جدّه رسول اللّه ما فعل به الرشيد ثمّ يقوم علي بن موسى إلى جدّه رسول اللّه فيشكو ما فعل به المأمون ثمّ يقوم علي بن محمّد فيشكو إلى جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما فعل به المتوكّل ثمّ يقوم الحسن بن علي فيشكو إلى جدّه رسول اللّه ما فعل به المعتزّ ثمّ يقوم المهدي سمي جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عليه قميص رسول اللّه مضرّجا بدم رسول اللّه يوم شجّ جبينه و كسرت رباعيته و الملائكة تحفّه حتّى يقف بين يدي جدّه رسول اللّه فيقول: يا جدّاه وصفتني و دللت عليّ و نسبتني و سمّيتني و كنيتني فجحدتني الامّة و تمرّدت و قالت:

ما ولد و لا كان و أين هو؟ و متى كان؟ و أين يكون؟ و قد مات و لم يعقب، و لو كان صحيحا ما أخّره اللّه تعالى إلى هذا الوقت المعلوم فصبرت محتسبا و قد أذن اللّه لي فيها بإذنه يا جدّاه، فيقول رسول اللّه: الحمد للّه الذي صدقنا وعده و أورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين و يقول‏ جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ‏ (2) و حق قول اللّه سبحانه و تعالى‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (3) و يقرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً وَ يَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (4)، فقال المفضّل: يا مولاي أيّ ذنب كان لرسول‏

____________

(1)- سورة البقرة: 204- 205.

(2)- سورة النصر: 1.

(3)- سورة التوبة: 33.

(4)- سورة الفتح: 3.

229

اللّه؟ فقال الصادق (عليه السّلام): يا مفضّل إنّ رسول اللّه قال: اللهمّ حمّلني ذنوب شيعة أخي و أولادي الأوصياء ما تقدّم منها و ما تأخّر إلى يوم القيامة و لا تفضحني بين النبيّين و المرسلين من شيعتنا فحمّله اللّه إيّاها و غفر جميعها.

قال المفضل: فبكيت بكاء طويلا و قلت: يا سيدي هذا بفضل اللّه علينا فيكم، قال الصادق (عليه السّلام): يا مفضّل ما هو إلّا أنت و أمثالك، بلى يا مفضّل لا تحدّث بهذا الحديث أصحاب الرخص من شيعتنا فيتكلّمون على هذا الفضل و يتركون العمل فلا نغني عنهم من اللّه شيئا لأنّا كما قال اللّه تعالى فينا لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى‏ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏ (1).

قال المفضل: يا مولاي فقوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏ (2) ما كان رسول اللّه ظهر على الدين كلّه؟ قال: يا مفضّل لو كان رسول اللّه ظهر على الدين كلّه ما كانت مجوسية و لا يهودية و لا صابئية و لا نصرانية و لا فرقة و لا خلاف و لا شكّ و لا شرك و لا عبدة أصنام و لا أوثان و لا اللات و العزّى و لا عبدة الشمس و القمر و لا النجوم و لا النار و لا الحجارة و إنّما قوله:

لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏ في هذا اليوم و هذا المهدي و هذه الرجعة و هو قوله‏ وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ‏ (3). فقال المفضّل: أشهد أنّكم من علم اللّه علمتم و بسلطانه و بقدرته قدرتم و بحكمه نطقتم و بأمره تعملون، ثمّ قال الصادق (عليه السّلام): ثمّ يعود المهدي إلى الكوفة و تمطر السماء بها جرادا من ذهب كما أمطره اللّه في بني إسرائيل على أيوب و يقسم على أصحابه كنوز الأرض من تبرها (4) و لجينها (5) و جوهرها.

قال المفضل: يا مولاي من مات من شيعتكم و عليه دين لإخوانه و لأضداده كيف يكون؟

قال الصادق (عليه السّلام): أوّل ما يبتدئ المهدي (عج) أن ينادي في جميع العالم: ألا من له عند أحد شيعتنا دين فليذكره حتّى يرد الثومة و الخردلة فضلا عن القناطير المقنطرة من الذهب و الفضّة و الأملاك فيوفيه إيّاه.

قال المفضل: يا مولاي ثمّ ما ذا يكون؟ قال: يأتي القائم بعد أن يطأ شرق الأرض و غربها الكوفة و مسجدها و يهدم المسجد الذي بناه يزيد بن معاوية لعنه اللّه لمّا قتل الحسين بن‏

____________

(1)- سورة الأنبياء: 28.

(2)- سورة التوبة: 33.

(3)- سورة الانفال: 39.

(4)- التبر بالكسر: الذهب.

(5)- اللجين: الفضّة.

230

علي (عليه السّلام) و [هو] مسجد ليس للّه، ملعون ملعون من بناه.

قال المفضل: يا مولاي فكم يكون مدّة ملكه؟ فقال: قال اللّه عزّ و جلّ: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (1) و المجذوذ: المقطوع أي عطاء غير مقطوع عنهم بل هو دائم أبدا و ملك لا ينهد و حكم لا ينقطع و أمر لا يبطل إلّا باختيار اللّه و مشيئته و إرادته التي لا يعلمها إلّا هو ثمّ القيامة و ما وصفه اللّه عزّ و جلّ في كتابه، و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى اللّه على خير خلقه محمّد النبي و آله الطيبين الطاهرين و سلم تسليما كثيرا كثيرا (2).

____________

(1)- سورة هود: 105- 108.

(2)- الحديث بطوله في البحار: 53 أول الكتاب، و مختصر البصائر: 179.

231

الغصن التاسع في ما يقع في زمانه و رجعته و رجعة سائر الأئمّة بعد ظهوره‏

في الإرشاد عن أبي جعفر (عليه السّلام): كأني بالقائم على نجف الكوفة قد سار إليها من مكّة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله و المؤمنون بين يديه و هو يفرق الجنود في البلاد (1).

و فيه عنه (عليه السّلام) بعد ذكر المهدي قال: يدخل الكوفة و بها ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له و يدخل حتّى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلّي بهم الجمعة فيأمر أن يخطّ له مسجد على الغري و يصلّي بهم هناك ثمّ يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين (عليه السّلام) نهرا يجري إلى الغريين حتّى ينزل الماء في النجف و يعمل على فوهته القناطير و الأرحاء فكأنّي بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر تأتي تلك الأرحاء فتطحنه بلا كرى‏ (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) ذكر عنده مسجد السهلة فقال: أما إنّه منزل صاحبنا إذا قدم بأهله‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا قام قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب و اتصلت بيوت أهل الكوفة بنهري كربلاء (4).

و فيه عنه (عليه السّلام): إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنورها و استغنى العباد عن ضوء الشمس و ذهبت الظلمة و يعمر الرجل في ملكه حتّى يولد له ألف ولد ذكر لا يولد فيهم انثى، و تظهر الأرض من كنوزها حتّى يراها الناس على وجهها و يطلب الرجل منكم من يصله ماله و يأخذ

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 379 علامات القائم.

(2)- الإرشاد: 2/ 380.

(3)- الإرشاد: 2/ 380.

(4)- الإرشاد: 2/ 380.

232

منه زكاة ماله فلا يجد أحدا يقبل منه ذلك و استغنى الناس بما رزقهم اللّه من فضله‏ (1).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا أذن اللّه تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه و ناشدهم باللّه و دعاهم إلى حقّه أن يسير فيهم بسنّة رسول اللّه و يعمل فيهم بعمله، فيبعث اللّه جل جلاله جبرئيل حتّى يأتيه فينزل على الحطيم يقول: إلى أي شي‏ء تدعو، فيخبره القائم، فيقول جبرئيل: أنا أوّل من يبايعك، أبسط يدك فيمسح على يده و قد وافاه ثلاثمائة و بضعة عشر رجلا فيبايعونه و يقيم بمكة حتّى يتمّ أصحابه عشرة آلاف نفس ثمّ يسير منها إلى المدينة (2).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا قام القائم (عج) من آل محمّد أقام خمس مائة من قريش فضرب أعناقهم ثمّ أقام خمسمائة فضرب أعناقهم ثمّ خمسمائة اخرى حتّى يفعل ذلك ست مرّات، قلت: و يبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم و من مواليهم‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا قام القائم (عج) هدم المسجد الحرام حتّى يرده إلى أساسه و حوّل المقام إلى الموضع الذي كان فيه و قطع أيدي بني شيبة و علّقها بالكعبة و كتب عليها هؤلاء سرّاق الكعبة (4).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا قام القائم (عج) سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون التبرية، عليهم السلاح فيقولون: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة فيضع فيهم السيف حتّى يأتي على آخرهم ثمّ يدخل الكوفة فيقتل بها كلّ منافق مرتاب و يهدم قصورها و يقتل مقاتلها حتّى يرضى اللّه عزّ و علا (5).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا قام القائم جاء بأمر جديد كما دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في بدء الإسلام إلى أمر جديد.

و عنه (عليه السّلام): إذا قام القائم حكم بالعدل و ارتفع في أيّامه الجور و أمنت به السبل و أخرجت الأرض بركاتها و ردّ كلّ حقّ إلى أهله و لم يبق أهل دين حتّى يظهروا الإسلام و يعترفوا بالإيمان، أ ما سمعت اللّه سبحانه يقول: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً

____________

(1)- الإرشاد: 2/ 381.

(2)- الإرشاد: 2/ 382.

(3)- الإرشاد: 2/ 383.

(4)- الإرشاد: 2/ 383.

(5)- الإرشاد: 2/ 384.

233

وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ‏ (1) و حكم بين الناس بحكم داود (عليه السّلام) و حكم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فحينئذ تظهر الأرض كنوزها و تبدي بركاتها و لا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته و لا لبرّه لشمول الغنى جميع المؤمنين، ثمّ قال: إنّ دولتنا آخر الدول و لم يبق أهل بيت لهم دولة إلّا ملكوا قبلنا لئلّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا إذا ملكنا سرنا عنده سيرة هؤلاء و هو قول اللّه تعالى:

وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (2).

في الموائد: إذا ظهر القائم (عج) قام بين الركن و المقام و ينادي بنداءات خمسة: الأول:

ألا يا أهل العالم أنا الإمام القائم، الثاني: ألا يا أهل العالم أنا الصمصام المنتقم، الثالث: ألا يا أهل العالم إن جدّي الحسين قتلوه عطشان، الرابع: ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحسين (عليه السّلام) طرحوه عريانا، الخامس: ألا يا أهل العالم إنّ جدّي الحسين (عليه السّلام) سحقوه عدوانا.

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا قام القائم سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد و لم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلّا هدّمها و جعلها جماء و وسع الطريق الأعظم و كسر كلّ جناح خارج في الطريق و أبطل الكنف و الميازيب، و لا يترك بدعة إلّا أزالها و لا سنّة إلّا أقامها و يفتح قسطنطينة و الصين و جبال الديلم فيمكث على ذلك سبع سنين كلّ سنة عشر سنين من سنيكم هذه ثمّ يفعل اللّه ما يشاء قال: قلت له: جعلت فداك فكيف يطول السنون؟

قال: يأمر اللّه تعالى الفلك باللبوث و قلّة الحركة فتطول الأيّام لذلك و السنون، قلت: إنّهم يقولون إنّ الفلك إن تغيّر فسد. قال: ذلك قول الزنادقة فأمّا المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، و قد شقّ اللّه تعالى القمر لنبيّه و ردّ الشمس من قبله ليوشع بن نون و أخبر بطول يوم القيامة و أنّه كألف سنة ممّا تعدّون‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): إذا قام قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ضرب فساطيط و يعلّم الناس القرآن على ما أنزل اللّه فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم لأنّه يخالف فيه التأليف‏ (4).

و في غيبة النعماني عن علي (عليه السّلام) يقول: كأنّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلّمون الناس القرآن كما أنزل قيل: يا أمير المؤمنين أ و ليس هو كما أنزل؟

قال: لا محا عنه من قريش بأسمائهم و أسماء آبائهم و ما ترك اسم أبي لهب إلّا إزراء

____________

(1)- سورة آل عمران: 83.

(2)- سورة الأعراف: 128.

(3)- الإرشاد: 2/ 385.

(4)- الإرشاد: 2/ 386.

234

برسول اللّه لأنّه عمّه‏ (1).

و فيه عن الباقر (عليه السّلام) قال: أصحاب القائم (عج) ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا أولاد العجم بعضهم يحمل في السحاب نهارا يعرف باسمه و اسم أبيه و نسبه و خليته، و بعضهم نائم على فراشه فيوافيه في مكّة على غير ميعاد (2).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحبّ أكثرهم أن لا يروه ممّا يقتل من الناس، أما إنّه لا يبدأ إلّا بقريش فلا يأخذ منها إلّا السيف و لا يعطيها إلّا السيف حتّى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمّد لو كان من آل محمّد لرحم‏ (3).

و فيه عنه (عليه السّلام): يقوم القائم بأمر جديد و كتاب جديد و قضاء جديد، على العرب شديد ليس شأنه إلّا السيف، لا يستنيب أحدا و لا تأخذه في اللّه لومة لائم‏ (4).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ما تستعجلون بخروج القائم؟ فو اللّه ما لباسه إلّا الغليظ و ما طعامه إلّا الجشب و ما هو إلّا السيف و الموت تحت ظلّ السيف‏ (5).

في الإرشاد عنه (عليه السّلام): إذا قام قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حكم بين الناس بحكم داود، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه اللّه تعالى فيحكم بعلمه و يخبر كلّ قوم بما استبطنوه و يعرف وليّه من عدوّه بالتوسّم قال سبحانه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ‏ (6) (7).

و فيه عن مفضل عنه (عليه السّلام): يخرج مع القائم (عج) من ظهر الكوفة سبعة و عشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهتدون بالحق و به يعدلون و سبعة من أهل الكهف و يوشع بن نون و سلمان و أبو دجانة الأنصاري و المقداد و مالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارا و حكّاما (8).

و في غيبة النعماني عنه (عليه السّلام) يقول: ثلاث عشرة مدينة و طائفة تحارب القائم (عج) أهلها، و يحاربونه أهل مكّة و أهل المدينة و أهل الشام و بنو أمية و أهل البصرة و أهل دميسان و الأكراد و الأعراب، و ضبة، و غني، و باهلة، و أزد، و أهل الري‏ (9).

____________

(1)- غيبة النعماني: 318 ح 5 باب 21.

(2)- غيبة النعماني: 315 ح 8 باب 20.

(3)- غيبة النعماني: 233 ح 18 باب 13.

(4)- غيبة النعماني: 253 ح 13 باب 14.

(5)- غيبة النعماني: 285 ح 5 باب 15.

(6)- سورة الحجر: 75- 76.

(7)- الإرشاد: 2/ 386.

(8)- الإرشاد: 2/ 386.

(9)- غيبة النعماني: 299 و فيه: و أهل دست ميسان.

235

و فيه عنه (عليه السّلام) قال: إنّ القائم يلقى في حربه ما لم يلق رسول اللّه لأنّ رسول اللّه أتاهم و هم يعبدون الحجارة المنقورة و الخشبة المنحوتة و إنّ القائم (عج) يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب اللّه و يقاتلونه عليه، و في رواية: ثمّ قال: و اللّه ليدخلنّ عليهم عدله، أما و اللّه ليدخلنّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ و القر (1).

و في الدمعة عن غيبة الطوسي عن أبي بصير في حديث له، إلى أن قال: إذا قام القائم (عج) دخل الكوفة و أمر بهدم المساجد الأربعة ... إلى أن قال: ثمّ لا يلبث إلّا قليلا حتّى يخرج عليه مارقة الموالي برميلة الأسكرة (2) عشرة آلاف، شعارهم يا عثمان، و يدعو رجلا من الموالي فيقلّده سيفه فيخرج إليهم فيقتلهم حتّى لا يبقى منهم أحد ثمّ يتوجّه إلى كابل شاه و هي مدينة لم يفتحها أحد قط غيره فيفتحها ثمّ يتوجّه إلى الكوفة فينزلها و تكون داره و يتهرج سبعين قبيلة من قبائل العرب. و في رواية اخرى: يفتح قسطنطينة لأنّها نسبت إلى منشئها و هو قسطنطين الملك و هو أوّل من أظهر دين النصرانية، و لها سبعة أسوار [عرض‏] السور السابع منها المحيط بالستّة واحد و عشرون ذراعا و فيه مائة باب و عرض السور الأخير الذي يلي البلد عشرة أذرع، و هي على خليج يصبّ في البحر الرومي و هي متّصلة ببلاد رومية و الأندلس، و أمّا رومية فهي أمّ بلاد الروم و كلّ من ملكها يقال له الباب و هو الحاكم على دين النصرانية بمنزلة الخليفة في المسلمين و ليس في بلاد الروم مثلها، كثيرة العجائب محكمة البناء (3).

و عن الأخبار الطوال الأول: رومية الكبرى مدينة رئاسة الروم و دار ملكهم و هي في شمالي غربي القسطنطينة و هي في يد الإفرنج و يقال لملكها ألمان و بها يسكن البابا الذي تطيعه الإفرنج و هو عندهم بمنزلة الإمام و هي من عجائب الدنيا لعظم عمارتها و لكثرة خلقها و حصانتها و ذلك خارج عن العادة إلى حدّ لا يصدّقه السامع‏ (4).

و عن عقد الدرر: إنّ عليها سورين من حجارة، عرض الأوّل اثنان و سبعون ذراعا و عرض الثاني اثنان و أربعون ذراعا، و مسافة ما بين السورين من الفضاء ستّون ذراعا، و لها ألف باب‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 297 باب 17 ح 1.

(2)- في المصدر: الدسكرة.

(3)- غيبة الشيخ: 475 فصل في ذكر طرف من صفاته.

(4)- عقد الدرر بتفاوت: 125 الباب التاسع.

236

من النحاس الأصفر سوى العود و الصنوبر و الخشب و الآبنوس المنقوش الذي لا تدرى قيمته، و مسافة ما بين الغربي منها إلى الشرقي مائة و عشرون ميلا، و بين السورين نهر مغطّى ببلاط من نحاس، طول كلّ بلاطة سبعون أو أربعون ذراعا، و هذا النهر الذي بين السورين يتصل بالنهر الكبير الذي تدخل فيه المراكب و تعلوه إلى داخل البلد فتقف على جانب البحر فتبيع و تشتري و فيها ألف و مائتا كنيسة و أربعون ألف حسام و فيها طلسمات للحيات و العقارب تمنعهم من الدخول إليها و طلسم يمنع الغريب من الدخول إليها، و في وسطها سوق يباع فيه الطير مقدار فرسخ، و من جملة ما فيها من الكنائس كنيسة بنيت على اسم بولس و بطرس من الحواريين و هما بهما في جوف من رخام مدفونان و طول هذه الكنيسة ثلاثة آلاف ذراع و عرضها ثلاثة آلاف ذراع، و قيل: ألف ذراع و هي مبنية على قناطر من صفر و نحاس و كذلك سقوفها و حيطانها و هي من العجائب، و فيها كنيسة اخرى على عرض بيت المقدس و طوله مرصعة باليواقيت و الجواهر و الزمرد، طول مذبحها عشرون من الزمرد الأخضر و عرضه ستّة أذرع يحملها اثنا عشر تمثالا من الذهب، طول كلّ تمثال ذراعان و نصف و لكلّ تمثال عينان من الياقوت الأحمر يضي‏ء المكان منهما و لها ثمان و عشرون بابا من الذهب الأحمر (1). و عن ابن عبّاس أنّ الرومية مدينة كثيرة العجائب و من عجائبها أنّ في وسطها كنيسة عظيمة و في وسط الكنيسة عامود من الحديد الصيني و عليه تابوت من نحاس أحمر و فيه سودانية (2) و هي زرزواه في منقارها زيتونة و في مخلبيها زيتونتان من نحاس فإذا كان أيّام الزيتون لم يبق في الدنيا سودانية على وجه الأرض إلّا جاء و في منقارها زيتونة و في مخلبيها زيتونتان فتأتي به فتلقيه في التابوت فمنه يأكلون و منه يأدمون و منه يوقدون من السنة إلى السنة من زيته، و فيها من العجائب ما يطول ذكره في هذا المقام، انتهى.

و ليعلم أنّ هذا المذكور نبذة يسيرة عن عجائبها و قطرة من غزير بحر غرائبها و من أعطى التأمّل حقّه في هذه الصفات و هذه الحصون المحكمة و السمات و الطلاسيم التي تمنع الغريب عن دخولها و تبعد من أراد الدنو من غير أهلها و نظر في صعوبة مالكها و قوّة ممالكها

____________

(1)- عقد الدرر: 125- 126 الباب التاسع، و بالهامش: المالك، و الممالك: 113- 115.

(2)- في بعض النسخ: سودائية.

237

عرف أنّ فتحها ليس إلّا بنصر إلهي ربّاني و تأييد سماوي سبحاني، و لا يتيسّر بطول الحصار و القتال و لا بقوّة الحيل و كثرة الخيل و الرجال و مع ذلك إنّ المهدي (عج) إنّما يفتحها بالتسبيح و التكبير لذي الجلال من غير قتال فيكون ذلك من المعاجز الجليلة الخارجة عن قوّة الطاقة البشرية (1).

و عن عقد الدرر أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: هل سمعتم بمدينة جانب منها في البرّ و جانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه قال: لا تقوم الساعة حتّى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق فإذا جاءوها نزلوا عليها فلم يقاتلوها بسلاح و لم يرموا بسهم قالوا: لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر فيسقط حائطها الذي في البحر ثمّ يقولون الثانية: لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر فيسقط جانبها الآخر ثمّ يقولون الثالثة: لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر فتفتح لهم فيغنمون، فبينا هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ فقالوا: إنّ الدجّال قد خرج فيتركون كلّ شي‏ء و يرجعون‏ (2).

و في غيبة النعماني عن الصادق (عليه السّلام) قال: إذا قام القائم (عج) في أقاليم الأرض في كل إقليم رجل يقول: عهدك في كفّك فإذا ورد عليك ما لا تفهمه و لا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفّك و اعمل بما فيها. قال: و يبعث جندا إلى القسطنطينة فإذا بلغوا إلى الخليج كتبوا على أقدامهم شيئا و مشوا على الماء فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء فكيف هو؟ فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون‏ (3).

و فيه عن بشر بن غالب الأسدي قال: قال لي الحسين بن علي (عليه السّلام): يا بشر ما بقاء قريش إذا قدّم القائم المهدي (عج) منهم خمسمائة رجل فضرب أعناقهم ثمّ قدم خمسمائة فضرب أعناقهم صبرا ثمّ خمسمائة فضرب أعناقهم قال: فقلت: أصلحك اللّه أ يبلغون ذلك؟

فقال الحسين بن علي (عليه السّلام): إنّ موالي القوم منهم، قال: فقال لي بشر بن غالب أخو بشير بن غالب أشهد أنّ الحسين بن علي (عليه السّلام) عدّ على أخي ست عدّات‏ (4) (5).

____________

(1)- مجمع النورين: 319، و عقد الدرر: 127، و البحار: 57/ 239 بتفاوت.

(2)- كنز العمّال: 14/ 305 ح 38775 و المستدرك للحاكم: 4/ 476.

(3)- غيبة النعماني: 319 ح 8 باب 21 و فيه: ما يشاءون.

(4)- و قال ست عددات على اختلاف الروايات.

(5)- غيبة النعماني: 235 ح 23 باب 13.

238

و في إثبات الهداة للحرّ العاملي عن غيبة الطوسي عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب ثمّ صارت إلى موسى بن عمران، و إنّها عندنا، و إنّ عهدي بها آنفا و هي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها و انها لتنطق إذا استنطقت، اعدت لقائمنا يصنع بها ما كان يصنع بها موسى بن عمران (عليه السّلام)(1).

و عن عقد الدرر عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في قصّة المهدي (عج) و فتوحاته و رجوعه إلى دمشق قال: ثمّ يأمر المهدي بإنشاء مراكب فيبنى أربعمائة سفينة في ساحل عكا، و يخرج الروم في مائة صليب تحت كلّ صليب عشرة آلاف فيقيمون على طرسوس فيفتحونها بأسنّة الرماح و يوافيهم المهدي (عج) فيقتل من الروم حتّى يتغيّر ماء الفرات بالدم و ينهزم من في الروم فيلحقوا انطاكية و ينزل المهدي (عج) على قبّة العبّاس فيبعث ملك الروم يطلب الهدنة من المهدي و يطلب المهدي (عج) منه الجزية فيجيبه إلى ذلك غير أنّه لا يخرج من بلد الروم، فلا يبقى في بلد الروم أسير إلّا خرج، و يقيم المهدي (عج) بأنطاكية سنتة تلك ثمّ يسير بعد ذلك و من تبعه من المسلمين لا يمرّون على حصن من بلد الروم إلّا قالوا عليه لا إله إلّا اللّه فتتساقط حيطانها و يقتل مقاتلته حتّى ينزل على القسطنطينة فيكبرون عليها تكبيرات فينشف خليجها و يسقط سورها فيقتلون فيها ثلاثمائة ألف مقاتل و يستخرج منها ثلاثة كنوز ذهب و كنز فضّة و كنز أبكار فيفتضّون ما بدا لهم بدار البلاط سبعون ألف بكر و يقتسمون الأموال بالغرابيل فبينا هم كذلك إذا سمعوا الصائح: ألا إنّ الدجّال قد خلفكم في أهليكم فيكشف الخبر فإذا هو باطل و يسير المهدي (عج) إلى رومية و يكون قد أمر أربعمائة مركب من عكا فيقيّض اللّه تعالى لهم الريح، فما يكون إلّا يومين و ليلتين و يحيطوا على بابها و يعلقون رجالهم على شجرة على بابها ممّا يلي غربيها، فإذا رآهم أهل الرومية أحضروا إليهم راهبا كبيرا عنده علم من كتبهم فيقولون انظر ما يريد فإذا أشرف على المهدي (عج) فيقول: إنّ صفتك التي هي عندي و أنت صاحب رومية فيسأله الراهب عن أشياء فيجيبه عنها فيقول له المهدي (عج) ارجع فيقول: لا أرجع، أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه فيكبّر المسلمون ثلاث تكبيرات فتكون كالرمانة على نشر فيدخلونها فيقتلون بها خمسمائة ألف مقاتل و يقتسمون الأموال حتّى يكون الناس في الفي‏ء شيئا واحدا لكلّ أبناء

____________

(1)- إثبات الهداة: 3/ 540 ح 508 و الكافي: 1/ 231 ح 1 باب ما عندهم من آيات الأنبياء.

239

منهم مائة ألف دينار و مائتا رأس ما بين جارية و غلام‏ (1).

و عن الكتاب المزبور عن ابن مسعود عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: يكون بين الروم و بين المسلمين هدنة و صلح يقاتلون معهم عدوّا لهم فيقاسمونهم غنائمهم. ثمّ إنّ الروم يغزون مع المسلمين فارسين فيقتلون مقاتليهم و يسبون ذراريهم فيقول الروم: قاسمونا الغنائم كما قاسمناكم فيقاسمونهم الأموال و ذراري الشرك فيقولون: قاسمونا ما أصبتم من ذراريكم فيقولون لا نقاسمكم ذراري المسلمين أبدا فيقولون: غدرتم ثمّ ترجع الروم إلى صاحبهم بالقسطنطينة فيقولون، العرب غدرت بنا و نحن أكثرهم عدّة و أشدّ منهم قوّة فأمرنا نقاتلهم، و قد كان لهم الغلبة في طول الدهر علينا، فيأتون صاحب رومية فيخبرونه بذلك فيتوجّهون بثمانين راية تحت كل راية اثنا عشر ألفا في البحر فيقولون إذا أرسيتم بسواحل الشام فأحرقوا المراكب لتقاتلوا على أنفسكم فيفعلون ذلك و يأخذون أرض الشام برّها و بحرها ما خلا مدينة دمشق و المفتق و يخربون بيت المقدس.

قال: فقال ابن مسعود: و كم تسع دمشق من المسلمين؟ فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): تتسعنّ على من يأتيها من المسلمين كما تسع الرحم على الولد، قال: قلت: و ما المفتق يا نبي اللّه؟ قال: جبل من أرض الشام من حمص على نهر يقال له الأرنط فيكون ذراري المسلمين في أعلى المفتق و المسلمون على نهر الأرنط و المشركون خلف نهر الأرنط يقاتلونهم مساء و صباحا فإذا نظر ذلك صاحب القسطنطينة وجّه في البر إلى قنسرين ثلاثمائة ألف حتّى يجيئهم مادة اليمن سبعون ألفا ألف اللّه بين قلوبهم بالإيمان فيهزمونهم من جند إلى جند حتّى يأتوا قنسرين و يجيئهم مادة الموالي، فقلت: يا رسول اللّه من هم؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): عتقاؤكم و هم منكم، قوم من فارس فيقولون: يا معاشر العرب لا نكون مع أحد من الفريقين، و تجتمع كلمتهم فيقاتل نزار يوما و اليمن يوما و الموالي يوما فيخرجون الروم إلى العمق فيقاتلونهم فيرفع اللّه نصره على العسكرين و ينزل حصره عليهما حتّى يقتل من المسلمين الثلث و يفرّ الثلث و يبقى الثلث، فأمّا الذين يقتلون من المسلمين فشهيدهم كعشرة من شهداء بدر و يشفع الواحد من الشهداء بسبعين ملاحم و شهيد الملاحم يشفع في سبعمائة، و أمّا الثلث الذي يفرّون فإنّهم يتفرّقون ثلاثة أثلاث ثلث يلحق الروم و يقولون: لو

____________

(1)- عقد الدرر: 135 في فتوحاته و سيرته- الفصل الأوّل.

240

كان للّه بهذا الدين حاجة لنصرهم و هم مسلمة العرب، و ثلث يقولون، منازل آبائنا و أجدادنا حيث لا ينالنا الروم أبدا مروا بنا إلى البدو، و هم الأعراب، و ثلث يقولون: اسم كلّ شي‏ء كاسم الثوم فسيروا بنا إلى العراق و اليمن و الحجاز حيث لا نخاف الروم، و أمّا الثلث الباقي فيمشون بعضهم إلى بعض فيقولون: اللّه اللّه دعوا عنكم العصبية و لتجتمع كلمتكم و قاتلوا عدوّكم فإنّكم تنصرونا ما تعصبتم، فيجتمعون جميعا و يبايعون على أنّهم يقاتلون حتّى يلحقوا بإخوانهم الذين قتلوا، فإذا أبصر الروم إلى من تحرّك إليهم و من قتل و رأوا قلّة المسلمين بين الصفّين يقوم رجل معه جند في أعلاه صليب فينادي غلب الصليب، فيقول رجل معه جند فينادي: بل غلب أنصار اللّه و أولياؤه، فيغضب اللّه على الذين كفروا من قولهم، غلب الصليب فيقول، يا جبرئيل أغث عبادي فينزل جبرئيل في مائة ألف من الملائكة و يقول: يا ميكائيل أغث عبادي فينزل ميكائيل في مائة ألف من الملائكة و يقول: يا إسرافيل أغث عبادي فينحدر إسرافيل في ثلاثمائة ألف من الملائكة و ينزل اللّه نصره على المؤمنين و ينزل بأسه على الكافرين فيقتلون و ينهزمون و يسير المسلمون في أرض الروم حتّى يأتوا عمورية و على سورها خلق كثير يقولون: ما رأينا شيئا أكثر من الروم، قتلنا و هزمنا و ما أكثرهم في هذه المدينة، فيقولون: آمنونا على أن نؤدّي لكم الجزية فيأخذون الأمان لهم و لجميع الروم على أداء الجزية و يجتمع إليهم أطرافهم فيقولون: يا معاشر العرب إنّ الدجّال قد خلفكم في دياركم و الخبر باطل فمن كان فيهم منكم فلا تقبلوا شيئا ممّا معه فإنّهم قوام لكم و الخبر باطل و يثب الروم على من بقي في بلادهم من العرب فيقتلونهم حتّى لا يبقى بأرض الروم لا عربي و لا عربية و لا ولد عربي إلّا قتل فيبلغ ذلك الخبر المسلمين فيرجعون غضب اللّه تعالى فيقتلون مقاتليهم و يسبون الذراري و يجمعون الأموال و لا ينزلون على مدينة و لا حصن فوق ثلاثة أيّام إلّا يفتح لهم و ينزلون على الخليج فيصبح أهل القسطنطينة يقولون للصليب: مدّ لنا ببحرنا و المسيح ناصرنا، فيصبحون و الخليج يابس فيضرب فيه الأخبية و يحتسر البحر عن القسطنطينة و يحيط المسلمون بمدينة الكفر ليلة الجمعة بالتسبيح و التهليل و التحميد و لا يرى فيهم نائم و لا جالس فإذا طلع الفجر كبّر المسلمون تكبيرة واحدة فيسقط ما بين البحرين، فيقول الروم: إنّما كنّا نقاتل العرب و الآن نقاتل ربّنا و قد هدم لهم مدينتنا فيمكنون و يكيلون الذهب بالأترسة و يقتسمون الذراري و يتمتّعون بما في‏

241

أيديهم ما شاء اللّه، ثمّ يخرج الدجّال حقّا و يفتح اللّه القسطنطينة على يد أقوام هم أولياء اللّه، يدفع اللّه عنهم الموت و المرض و السقم حتّى ينزل عيسى ابن مريم فيقاتلون معه الدجّال أخرجه الإمام أبو عبد اللّه نعيم بن عماد في كتاب الفتن‏ (1).

و في الدمعة عن عقد الدرر عن كعب الأحبار أن أمّة تدّعي النصرانية في بعض جزائر البحر تجهز ألف مركب في كل عام فيقولون: اركبوا إن شاء اللّه و إن لم يشأ، فإذا وقعوا في البحر أرسل اللّه عليهم ريحا عاصفة كسرت سفنهم قال: فيصنعون مرارا فإذا أراد اللّه تعالى اتخذت سفنا لم يوضع على البحر مثلها قال: فيقولون اركبوا إن شاء اللّه فيركبون و يمرّون بالقسطنطينة فيفزعون لهم فيقولون ما أنتم؟ فيقولون: نحن أمّة تدّعي النصرانية نريد هذه الامّة التي أخرجتنا من بلادنا و بلاد آبائنا، و أمير المسلمين يومئذ ببيت المقدس فيبعث إلى مصر فيستمدّهم فيجيئه رسوله من قبل مصر فيقول بحفرة بحر و البحر حمال فلا يمدّونه قال: فيمرّ الرسول بحمص و قد أغلقها أهلها من العجم على من فيها من المسلمين و تمدّهم أهل اليمن على قلصهم قال: و يكتم الخبر و يقول: أي شي‏ء تنتظرون؟ الآن تغلق كلّ مدينة على من فيها من المسلمين و يأخذ ثلث بأذناب الإبل و يلحقون بالبرية فيهلكون في سهيل الأرض لا إلى هؤلاء. و لا إلى هؤلاء قال: و يفتح البلد فيقبلونهم في جبل لبنان حتّى ينزل أمير المؤمنين في الخليج و يصير الأمر إلى ما كان عليه الناس أن يحمل لواه قال: فيركز لواه و يأتي الماء ليتوضّأ منه لصلاة الصبح قال: فيتباعد الماء منه قال: فيتبعه فيتباعد منه فإذا رأى ذلك أخذ لواه و اتبع الماء حتّى يجوز من تلك الناحية ثمّ ينادي أيّها الناس أغيروا إنّ اللّه عزّ و جلّ قد فرق لكم البحر كما فرقه لموسى بن عمران قال: فتجوز الناس فيستقبل القسطنطينة قال:

فيكبّرون فيهتزّ حائطها ثمّ يكبّرون فيسقط منها ما بين اثني عشر برجا فيدخلونها فيجدون فيها كنوزا من ذهب و فضّة و كنوزا من نحاس فيقتسمون غنائمهم على الترسة. أخرجه الإمام أبو عمر الداني في سننه‏ (2).

و في البحار عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا خسف بجيش السفياني ... إلى أن قال: و القائم يومئذ بمكة عند الكعبة مستجيرا بها يقول: أنا ولي اللّه، أنا أولى باللّه و بمحمّد فمن حاجّني في آدم‏

____________

(1)- عقد الدرر: 137.

(2)- عقد الدرر: 137- 139.

242

فأنا أولى الناس بآدم و من حاجّني بنوح فأنا أولى الناس بنوح و من حاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم و من حاجّني في محمّد فأنا أولى الناس بمحمّد فمن حاجّني في النبيّين فأنا أولى الناس بالنبيّين إنّ اللّه تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى‏ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏ (1) فأنا بقيّة آدم و خيرة نوح و مصطفى إبراهيم و صفوة محمّد، ألا و من حاجّني في كتاب اللّه فأنا أولى الناس بكتاب اللّه، ألا و من حاجّني في سنّة رسول اللّه فأنا أولى الناس بسنّة رسول اللّه و سيرته و أنشد اللّه من سمع كلامي لما يبلغ الشاهد الغائب، فيجمع اللّه له أصحابه ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا فيجمعهم اللّه على غير ميعاد، قزع كقزع الخريف، ثمّ تلا هذه الآية أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً (2) فيبايعونه بين الركن و المقام و معه عهد رسول اللّه، قد تواترت عليه الآباء فإن أشكل عليهم من ذلك الشي‏ء فإنّ الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه و اسم أبيه‏ (3).

و في رواية: فيقوم رجل منه فينادي: أيّها الناس هذا طلبتكم قد جاءكم يدعوكم إلى ما دعاكم إليه رسول اللّه، قال: فيقومون، قال: فيقوم هو بنفسه فيقول: أيّها الناس أنا فلان بن فلان أنا ابن نبي اللّه أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي اللّه فيقومون إليه ليقتلوه فيقوم ثلاثمائة أو ينيف على الثلاثمائة فيمنعونه خمسون من أهل الكوفة و سائرهم من أفناء الناس لا يعرف بعضهم بعضا، اجتمعوا على غير ميعاد (4).

و فيه: عنه (عليه السّلام) يقول القائم لأصحابه يا قوم إنّ أهل مكّة لا يريدونني و لكنّي مرسل إليهم لأحتجّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم فيدعو رجلا من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكّة فقل: يا أهل مكّة أنا رسول فلان إليكم و هو يقول لكم: إنّا أهل بيت النبوّة و معدن الرسالة و الخلافة و نحن ذريّة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و سلالة النبيّين و إنّا قد ظلمنا و اضطهدنا و قهرنا، ابتز منّا حقّنا منذ قبض نبيّنا إلى يومنا هذا و نحن نستنصركم فانصرونا، فإذا تكلّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن و المقام و هي النفس الزكية، فإذا بلغ ذلك الإمام قال‏

____________

(1)- سورة آل عمران: 33- 34.

(2)- سورة البقرة: 148.

(3)- إثبات الهداة: 3/ 582 ح 770، و الاختصاص: 257.

(4)- البحار: 52/ 306 ح 79.

243

لأصحابه: ألا أخبرتكم أنّ أهل مكّة لا يريدوننا، فلا يدعونه حتّى يخرج فيهبط عن عقبة طوى في ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا عدّة أهل بدر حتّى يأتي المسجد الحرام فيصلّي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات و يسند ظهره إلى الحجر الأسود ثمّ يحمد اللّه و يثني عليه و يذكر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يصلّي عليه و يتكلّم بكلام لم يتكلّم به أحد من الناس فيكون أوّل من يضرب على يديه و يبايعه جبرئيل و ميكائيل و يقوم معهما رسول اللّه و أمير المؤمنين فيدفعان إليه كتابا جديدا هو على العرب شديد، بخاتم رطب فيقولون: اعمل بما فيه و يبايعه الثلاثمائة و قليل من أهل مكّة ثمّ يخرج من مكّة حتّى يكون في مثل الحلقة، قلت:

و ما الحلقة؟ قال: عشرة آلاف رجل، جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن شماله ثمّ يهزّ الراية الجلية و ينشرها و هي راية رسول اللّه السحابة و درع رسول اللّه السابقة و يتقلّد بسيف رسول اللّه ذي الفقار. و في خبر آخر: ما من بلدة إلّا يخرج معه منهم طائفة إلّا أهل البصرة فإنّه لا يخرج معه منها أحد (1).

و في العوالم عن الأنوار المضيئة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا يخرج القائم من مكة حتّى تستكمل الحلقة، قلت: و كم الحلقة؟ قال: عشرة آلاف، جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره ثمّ يهزّ الراية المغلبة و يسير بها فلا يبقى أحد في المشرق و لا في المغرب إلّا بلغها ثمّ يجتمعون قزعا كقزع الخريف من القبائل ما بين الواحد و الاثنين و الثلاثة و الأربعة و الخمسة و الستّة و السبعة و الثمانية و التسعة و العشرة (2).

و في الخصال عنه (عليه السّلام): سيأتي من مسجدكم هذا- يعني مكّة- ثلاثمائة و ثلاثة عشر يعلم أهل مكّة أنّهم لم يلدهم آباؤهم و لا أجدادهم عليهم السيوف مكتوب على كلّ سيف كلمة تفتح ألف كلمة تبعث الريح فتنادي: هذا المهدي يقضي بقضاء آل داود لا يسأل عليه بيّنة (3).

و في البحار عن الرضا (عليه السّلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لما عرج بي إلى السماء نوديت: يا محمّد فقلت: لبيك ربّي و سعديك تباركت و تعاليت، فنوديت: يا محمد أنت عبدي و أنا ربّك فإيّاي فاعبد و عليّ فتوكّل فإنّك نوري في عبادي و رسولي إلى خلقي و حجّتي على بريّتي، لك‏

____________

(1)- البحار: 52/ 307 ح 81.

(2)- غيبة النعماني: 155.

(3)- الخصال: 649 ح 42 أبواب الواحد إلى المائة.

244

و لمن تبعك خلقت جنّتي و لمن خالفك خلقت ناري و لأوصيائك أوجبت كرامتي و لشيعتهم أوجبت ثوابي فقلت: يا رب و من أوصيائي فنوديت يا محمّد أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي فنظرت و أنا بين يدي ربّي جل جلاله إلى ساق العرش فرأيت اثني عشر نورا في كل نور سطر أخضر عليه اسم وصي من أوصيائي أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و آخرهم مهدي أمّتي فقلت: يا ربّ هؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت: يا محمد هؤلاء أوليائي و أحبّائي و أصفيائي و حججي بعدك على بريتي و هم أوصياؤك و خلفاؤك و خير خلقي بعدك، و عزّتي و جلالي لأظهرنّ بهم ديني و لأعلينّ بهم كلمتي و لأطهرنّ‏

الأرض بآخرهم من أعدائي و لأملكنّه مشارق الأرض و مغاربها و لأسخرنّ له الرياح و لأذللنّ له السحاب الصعاب و لأرقينه في الأسباب و لأنصرنه بجندي و لأمدّنه بملائكتي حتّى يعلن دعوتى و يجمع الخلق على توحيدي ثمّ لاديمنّ ملكه و لاداولنّ الأيّام بين أوليائي إلى يوم القيامة (1).

و فيه: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: له كنز بالطالقان ما هو بذهب و لا فضّة، و راية لم تنتشر منذ طويت و رجال كأنّ قلوبهم زبر الحديد، لا يشوبها شكّ في ذات اللّه، أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون برايتهم بلدة إلّا خرّبوها، كأنّ على خيولهم العقيان‏ (2)، يتمسّحون بسرج الإمام، يطلبون بذلك البركة و يحفّون به يقونه بأنفسهم في الحروب و يكفونه ما يريد فيهم، رجال لا ينامون الليل، لهم دويّ في صلاتهم كدويّ النحل يبيتون قياما على أطرافهم و يصبحون على خيولهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، هم أطوع له من الأمة لسيدها، كالمصابيح كأنّ قلوبهم القناديل و هم من خشية اللّه مشفقون يدعون بالشهادة و يتمنّون أن يقتلوا في سبيل اللّه شعائرهم يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالا، بهم ينصر اللّه إمام الحقّ‏ (3).

و فيه: عنه (عليه السّلام): كأنّي بالقائم على نجف الكوفة، و قد لبس درع رسول اللّه، فينتقض هو بها فتستدير عليه فيغشيها بخداجة (4) من استبرق، و يركب فرسا أدهم، بين عينيه‏

____________

(1)- مختصر البصائر: 181، و الهداية الكبرى: 394، و البحار: 18/ 346 ح 56.

(2)- الذهب.

(3)- البحار: 52/ 307 ح 82.

(4)- في غيبة النعماني: 309 بحداجة. و في اللسان: (2/ 447) الحدائج و الاحداج مراكب النساء.

245

شهراح‏ (1) فينتفض فيه انتفاضة لا يبقى أهل بلاد إلّا و هم يرون أنّه معهم في بلادهم، فينشر راية رسول اللّه من عمود العرش و سائرها من نصر اللّه لا يهوي بها على شي‏ء أبدا إلّا أهلكه اللّه فإذا هزّها لم يبق مؤمن إلّا صار قلبه كزبر الحديد، و يعطى المؤمن قوّة أربعين رجلا و لا يبقى مؤمن ميّت إلّا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره و ذلك حيث يتزاورون في قبورهم و يتباشرون بقيام القائم فينحط عليه ثلاثة عشر ألف ملك و ثلاثمائة و ثلاثة عشر ملكا، قلت:

كلّ هؤلاء الملائكة؟

قال: نعم، الذين كانوا مع نوح في السفينة، و الذين كانوا مع إبراهيم (عليه السّلام) حين ألقي في النار، و الذين كانوا مع موسى (عليه السّلام) حين فلق البحر لبني إسرائيل، و الذين كانوا مع عيسى حين رفعه اللّه إليه و أربعة آلاف ملك مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مسوّمين و ألف مردفين و ثلاثمائة و ثلاثة عشر ملائكة بدريين و أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن علي (عليه السّلام) فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة و رئيسهم ملك يقال له منصور فلا يزوره زائر إلّا استقبلوه و لا يودعه مودع إلى شيعوه و لا يمرض مريض إلّا عادوه و لا يموت ميّت إلّا صلّوا على جنازته و استغفروا له بعد موته و كلّ هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم (عج) إلى وقت خروجه‏ (2).

و فيه: عن كتاب سعد السعود لابن طاوس (رحمه اللّه): إنّي وجدت في صحف إدريس النبي عند ذكر سؤال إبليس و جواب اللّه له قال: ربّ فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال: لا و لكنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم فانّه يوم قضيت و حتمت أن اطهّر الأرض ذلك اليوم من الكفر و الشرك و المعاصي و انتخبت لذلك الوقت عبادا لي امتحنت قلوبهم للايمان و حشوتها بالورع و الإخلاص و اليقين و التقوى و الخشوع و الصدق و الحلم و الصبر و الوقار و التقى و الزهد في الدنيا و الرغبة فيما عندي و أجعلهم دعاة الشمس و القمر و أستخلفهم في الأرض و امكّن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم ثمّ يعبدونني لا يشركون بي شيئا، يقيمون الصلاة لوقتها و يؤتون الزكاة لحينها و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و ألقي في ذلك الزمان الأمان على الأرض فلا يضرّ شي‏ء شيئا و لا يخاف شي‏ء من شي‏ء ثمّ تكون الهوام‏

____________

(1)- في كامل الزيارات 234: شمراخ و هو غرة الفرس دقت و سالت و جللت الخيشوم.

(2)- البحار: 52/ 328 ح 48.

246

و المواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهم بعضا و أنزع حمة كلّ ذي حمة من الهوام و غيرها و أذهب سمّ كلّما يلدغ و أنزل بركات من السماء و الأرض و تزهر الأرض بحسن نباتها و يخرج كلّ ثمارها و أنواع طيبها و القي الرأفة و الرحمة بينهم فيتواسون و يقتسمون بالسوية فيستغني الفقير و لا يعلو بعضهم بعضا و يرحم الكبير الصغير و يوقر الصغير الكبير و يدينون بالحقّ و به يعدلون و يحكمون، اولئك أوليائي اخترت لهم نبيّا مصطفى و أمينا مرتضى فجعلته لهم نبيّا و رسولا و جعلتهم له أولياء و أنصارا، تلك أمّة اخترتها للنبي المصطفى و أميني المرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي و لا بدّ أنّه قائمكم واقع، أبيدك يومئذ و خيلك و رجلك و جنودك أجمعين فاذهب فإنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم‏ (1).

و في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): كأنّي بالقائم على منبر الكوفة عليه قباء فيخرج من وريان‏ (2) قبائه كتابا مختوما بخاتم من ذهب فيفكه فيقرأ على الناس فيجفلون إجفال الغنم فلم يبق إلّا النقباء فيتكلّم بكلام فلا يلحقون ملجأ حتّى يرجعوا إليه و انّي لأعلم علم الكلام الذي يتكلّم به‏ (3).

و في الدمعة عن عقد الدرر عن حذيفة بن يمان عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في قصة المهدي (عج) في فتحه لرومية، ثمّ يكبّرون عليها أربع تكبيرات فيسقط حائطها فيقتلون بها ستمائة ألف و يستخرجون منها حلية بيت المقدس و التابوت الذي فيه السكينة و مائدة بني إسرائيل و رضاضة الألواح و عصا موسى و منبر سليمان و قفيز (4) من المن الذي انزل على بني إسرائيل أشدّ بياضا من اللبن، قال حذيفة: قلت يا رسول اللّه كيف و صلوا إلى هذا؟ فقال رسول اللّه: إنّ بني إسرائيل لما اعتدوا و قتلوا الأنبياء بعث اللّه عليهم بخت‏نصّر فقتل بها سبعين ألفا ثمّ إنّ اللّه رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس أن سر إلى عبادي و استنقذهم من بخت نصر و ردهم إلى بيت المقدس مطيعين له أربعين سنة ثمّ يعودون فذلك قوله تعالى في القرآن‏ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا (5) أي إلى المعاصي عدنا عليكم بشر من العذاب فعادوا فسلّط اللّه عليهم طيالس ملك رومية فسباهم و استخرج حلي بيت المقدس،

____________

(1)- سعد السعود: 34، و البحار: 52/ 384.

(2)- أي من جيبه.

(3)- الكافي: 8/ 167 ح 185.

(4)- قفيز: مكيال.

(5)- سورة الاسراء: 8.

247

ثمّ يسيرون حتّى يأتي مدينة يقال لها القاطع و هي على البحر الذي لا يحمل جارية و هي السفينة قيل: يا رسول اللّه و لم لا يحمل جارية؟

قال: لأنّه ليس له قعر و إنّ ما ترون من البحار خلجان ذلك البحر، جعله اللّه تعالى منافع لبني آدم لها قعور فهي تحمل السفن، قال حذيفة: فقال عبد اللّه بن سلام: و الذي بعثك بالحقّ إنّ صفة هذه المدينة في التوراة طولها ألف ميل و عرضها خمسمائة ميل قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لها ستّون و ثلاثمائة باب يخرج من كلّ باب ثلاثمائة ألف مقاتل فيكبّرون عليها أربع تكبيرات فيسقط حائطها فيغتنمون ما فيها ثمّ يقيمون سبع سنين ثمّ ينقلون منها إلى بيت المقدس فيبلغهم أنّ الدجّال قد خرج في يهودية أصفهان. أخرجه الإمام أبو عمر و المقري في سننه‏ (1).

و عن الكتاب المذكور عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) في قصّة المهدي قال:

و يتوجّه إلى الآفاق فلا تبقى مدينة وطئها ذو القرنين إلّا دخلها و أصلحها و لا يبقى كافر إلّا هلك على يديه و يشفي اللّه قلوب أهل الإسلام و يحمل حلي بيت المقدس و يأتي مدينة فيها ألف سوق و في كلّ سوق مائة دكّان فيفتحها ثمّ يأتي مدينة يقال لها القاطع و هي على البحر الأخضر المحيط بالدنيا ليس خلفه إلّا أمر اللّه عزّ و جلّ، طول المدينة ألف ميل و عرضها خمسمائة ميل فيكبّرون اللّه عزّ و جلّ ثلاث تكبيرات فتسقط حيطانها فيقتلون بها ألف ألف مقاتل و يقيمون فيها سبع سنين يبلغ الرجل منهم في تلك المدينة مثل ما صح معه من سائر بلاد الروم و يولد لهم الأولاد و يعبدون اللّه تعالى حق عبادته، و يبعث المهدي إلى أمرائه لسائر الأمصار بالعدل بين الناس، و يرعى الشاة و الذئب بمكان واحد و يلعب الصبيان بالحيات و العقارب لا يضرّهم شي‏ء و يذهب الشرّ و يبقى الخير و يزرع الإنسان مدّا يخرج سبعمائة مدّ و يذهب الوباء و الزنا و شرب الخمر و الربا و تقبل الناس على العبادة و المشروعات و الديانة و الصلاة في الجماعة و تطول الأعمار و تؤدّى الأمانة و تحمل الأشجار و تتضاعف البركات و يهلك الأشرار و يبقى الأخيار و لا يبقى من يبغض أهل البيت، ثمّ يتوجّه المهدي من مدينة القاطع إلى القدس الشريف بألف مركب فينزلون شام و فلسطين بين صور و عكا و غزّة و عسقلان فيخرجون ما معهم من الأموال فينزلون المهدي بالقدس الشريف‏

____________

(1)- العطر الوردي: 68 كما في معجم أحاديث المهدي: 1/ 348.

248

و يقيم بها إلى أن يخرج الدجّال و ينزل عيسى بن مريم (عليه السّلام) فيقتل الدجّال‏ (1).

و في البيان لمحمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللّه: غزا طاهر بن أسماء بني إسرائيل فسباهم و أخذ حلي بيت المقدس و أحرقها بالنيران و حمل منها ألف و تسعمائة سفينة في البحر حتّى أوردها رومية. قال حذيفة: سمعت رسول اللّه يقول: و يستخرج المهدي ذلك حتّى يرده إلى بيت المقدس، ثمّ يسيرون إلى مدينة يقال لها: القاطع على البحر الأخضر المحدق بالدنيا ليس خلفه إلّا أمر اللّه تعالى، طول المدينة ألف ميل و عرضها خمسمائة ميل، لها ثلاثة آلاف باب و ذلك البحر لا يحمل جارية أي سفينة لأنّه ليس له قعر و كلّما ترونه من البحار إنّما هو خلجان ذلك البحر، جعله اللّه منافع لبني آدم، قال رسول اللّه: فالدنيا مسيرة خمسمائة عام. أخرجه أبو نعيم في صفة المهدي‏ (2).

و في الدمعة عن عقد الدرر قال كعب الأحبار: يخرج المهدي إلى بلد الروم و يفتح القسطنطينة ثمّ يأتيه الخبر بخروج الأعور الدجّال و هو رجل عريض عينه اليمنى مطموسة و أمّا اليسرى فكأنّها كوكب، بين عينيه مكتوب: كافر باللّه و برسول اللّه، يخرج و يدّعي أنّه الربّ و لا يسمعه أحد إلّا تبعه إلّا من عصمه اللّه عزّ و جلّ و يكون له جنّة و نار فيقول هذه جنّة لمن سجد لي و من أبى أدخلته النار (3).

و قال وهب بن منبه عن خروج الأعور الدجّال: تهب ريح قوم عاد و سماع صيحة كصيحة قوم صالح و يكون مسخ كمسخ أصحاب الرس و ذلك عند ترك الناس الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و يسفكون الدماء و يستحلّون الزنا و يعظم البلاء و يشرب الخمر و يكتفي الرجال بالرجال و النساء بالنساء فعند ذلك يخرج الدجّال من ناحية المشرق من قرية يقال لها دراس يخرج على حماره، مطموس العين مكسور الظفر و يخرج منه الحيات محدودب الظهر قد صور كل السلاح في يديه حتّى الرمح و القوس، يخوض البحار إلى كعبه و يكون أجناده أولاد الزنا و يجي‏ء إلى الشجرة و إذا جاء بلدا قال: أنا ربّكم.

____________

(1)- الصراط المستقيم: 2/ 257 و العطر الوردي: 68.

(2)- البيان: 140 باب 20، و عقد الدرر: 143.

(3)- عقد الدرر: 191 الفصل الثاني من الباب الثاني عشر.

249

فقال الخضر: كذبت يا دجّال، إنّ ربّنا ربّ العالمين ربّ السماوات و الأرضين فيقتله الدجّال و يقول: قل لربّ العالمين يحييك فيحيي اللّه الخضر (عليه السّلام) فيقوم و يقول: ها أنا ذا يا دجّال و يقول لأصحاب الدجّال: ويلكم لا تعبدوا هذا الكافر الملعون و يقتله ثلاث مرّات فيحييه اللّه تعالى ثمّ يخرج الدجّال نحو مكّة فينظر الملائكة محدقين بالبيت الحرام ثمّ يسير إلى المدينة فيجدها كذلك يطوف البلاد إلّا أربع مدن مكة و المدينة و بيت المقدس و طرسوس، فأمّا المؤمنون فإنّهم يصومون و يصلّون غير أنّهم تركوا المساجد و لزموا بيوتهم، و الشمس تطلع عليهم مرّة بيضاء و مرّة حمراء و مرّة سوداء و الأرض تزلزل و المسلمون يصبرون حتّى يسمعوا بمسير المهدي إلى الدجّال فيفرحون بذلك، قال: و يقال إنّ المهدي يسير إلى قتال الدجّال و على رأسه عمامة بيضاء فيلتقون و يقتتلون قتالا شديدا فيقتل من أصحاب الدجّال ثلاثين ألفا و ينهزم الدجّال و من معه نحو بيت المقدس فيأمر اللّه عزّ و جلّ الأرض بإمساك خيولهم ثمّ يرسل عليهم ريحا حمراء فيهلك منهم أربعين ألفا، ثمّ يسير المهدي في طلبه فيجد من عسكره نحوا من خمسين ألفا فيريهم الآيات و المعجزات و يدعوهم إلى الإيمان فلا يؤمنون فيمسخهم اللّه تعالى قردة و خنازير، ثمّ يأمر اللّه تعالى بجبرئيل أن يهبط بعيسى (عليه السّلام) إلى الأرض و هو في السماء الثانية فيأتيه فيقول: يا روح اللّه و كلمته، ربّك يأمرك بالنزول إلى الأرض فينزل و معه سبعون ألفا من الملائكة و هو بعمامة خضراء متقلّد بسيف على فرس بيده حربة فإذا نزل إلى الأرض نادى مناد: يا معاشر المسلمين جاء الحقّ و زهق الباطل فأوّل من يسمع بذلك المهدي فيسير إليه و يذكر الدجّال فيسير إليه فإذا نظر الدجّال إليه ارتعد كأنّه العصفور في يوم ريح عاصف فيتقدّم إليه عيسى فإذا رآه الدجّال يذوب كما يذوب الرصاص، فيقول عيسى: أ لست زعمت أنّك إله تقتل فلم لا تدفع عن‏ (1) نفسك القتل؟ ثمّ يطعنه بحربة فيموت ثمّ يضع المهدي سيفه و أصحابه في أصحاب الدجّال فيقتلونهم فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا حتّى ترعى الوحوش و السباع و تلعب بهم الصبيان و تأمن النساء من أنفسهنّ حتّى لو أنّ امرأة في العرباء (2) لم تخف على نفسها، و يظهر اللّه كنوز الأرض للمؤمنين و يستغني كلّ مؤمن فقير بقدرة اللّه‏ (3).

____________

(1)- في المطبوع: تنهي.

(2)- في المصدر: العراء.

(3)- عقد الدرر: 191- 192- 193.

250

و في غيبة النعماني عن أبي حمزة الثمالي قال سمعت أبا جعفر محمّد بن علي (عليه السّلام) يقول: لو قد خرج قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لنصره اللّه بالملائكة المسومين و المردفين و المنزلين و الكروبيين، يكون جبرئيل أمامه و ميكائيل عن يمينه و إسرافيل عن يساره و الرعب مسيره أمامه و خلفه و عن يمينه و عن شماله و الملائكة المقرّبون حذاه، أوّل من يتبعه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و علي (عليه السّلام) الثاني، و معه سيف مخترط، يفتح اللّه له الروم و الصين و الترك و الديلم و السند و الهند و كابل شاه و الخزر.

يا أبا حمزة لا يقوم القائم إلّا على خوف شديد و زلازل و فتنة و بلاء يصيب الناس و طاعون قبل ذلك و سيف قاطع بين العرب و اختلاف شديد بين الناس و تشتيت و تشتّت في دينهم و تغيّر من حالهم حتّى يتمنّى المتمنّي الموت صباحا و مساء من عظم ما يرى من كلب الناس و أكل بعضهم بعضا، و خروجه إذا خرج عند الإياس و القنوط فيها طوبى لمن أدركه و كان من أنصاره و الويل كلّ الويل لمن خالفه و خالف أمره و كان من أعدائه، قال: يقوم بأمر جديد و سنّة جديدة و قضاء جديد، على العرب شديد ليس شأنه إلّا القتل و لا يستتيب أحدا و لا تأخذه في اللّه لومة لائم‏ (1).

و فيه: عن الصادق (عليه السّلام): ما بقي بيننا و بين العرب إلّا الذبح و أومى بيده إلى حلقه‏ (2).

و فيه عن سدير الصير في عن رجل من أهل الجزيرة كان قد جعل على نفسه نذرا في جارية و جاء بها إلى مكّة قال: فلقيت الحجبة فأخبرتهم بخبرها و جعلت لا أذكر لأحد منهم أمرها إلّا قال: جئني بها و قد وفى اللّه نذرك، فدخلني من ذلك وحشة شديدة فذكرت ذلك لرجل من أصحابنا من أهل مكة فقال لي: تأخذ عنّي؟ فقلت: نعم، فقال: انظر الرجل الذي يجلس عند (3) الحجر الأسود و حوله الناس و هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) فأته فأخبره بهذا الأمر فانظر ما ذا يقول لك فاعمل به، قال: فأتيته فقلت: رحمك اللّه إنّي رجل من أهل الجزيرة و معي جارية جعلتها عليّ نذرا لبيت اللّه في يمين كانت عليّ و قد أتيت بها و ذكرت للحجبة و أقبلت لا ألقى منهم أحدا إلّا و قال: جئني بها و قد وفى اللّه نذرك، فدخلني من ذلك وحشة شديدة فقال: يا عبد اللّه إنّ البيت لا يأكل و لا يشرب فبع‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 234 ح 22 باب 13.

(2)- غيبة النعماني: 236 ح 24 باب 13.

(3)- بحذاء.

251

جاريتك و استقض و انظر أهل بلادك ممّن حجّ هذا البيت، فمن عجز منهم عن نفقة فأعطه حتّى يقوى على العود إلى بلادهم ففعلت ذلك ثمّ أقبلت لا ألقى أحدا من الحجبة إلّا قال:

ما فعلت بالجارية فأخبرتهم بالذي قال أبو جعفر (عليه السّلام) فيقولون: هو كذّاب جاهل لا يدري ما يقول فذكرت مقالتهم لأبي جعفر فقال: قد بلغتني فبلّغ عنّي، فقال: قل لهم: قال لكم أبو جعفر: كيف بكم لو قد قطعت أيديكم و أرجلكم و علّقت في الكعبة، ثمّ يقال لكم: نادوا نحن سرّاق الكعبة. فلمّا ذهبت لأقوم قال: إنني لست أفعل ذلك و إنّما يفعله رجل منّي‏ (1).

و في إثبات الهداة للشيخ حرّ العاملي (رحمه اللّه) سأل الصادق (عليه السّلام) معلى بن خنيس: أ يسير القائم بخلاف سيرة علي (عليه السّلام)؟

قال (عليه السّلام): نعم و ذلك أنّ عليا سار بالمن و الكفّ لأنّه علم أنّ شيعته سيظهر عليهم و أنّ القائم إذا قام سار فيهم بالسيف و السبي و ذلك أنّه يعلم أنّ شيعته لم يظهر عليهم من بعد أبدا (2).

و فيه عن أبي الحسن (عليه السّلام) قال: إذا قام قائمنا قال: يا معشر الفرسان سيروا في وسط الطريق يا معشر الرجالة سيروا على جنبي الطريق‏ (3).

و فيه عن القرطبي من علماء أهل السنّة في كتاب التذكرة بأحوال المولى و امور الآخرة أنّ ملوك جميع الدنيا أربعة مؤمنان و كافران فالمؤمنان سليمان بن داود و ذو القرنين و الكافران نمرود و بخت‏نصّر و سيملك هذه الامّة خامس و هو المهدي (عجّل اللّه فرجه)(4).

و في البحار عن الحكم بن الحكم قال: أتيت أبا جعفر (عليه السّلام) و هو بالمدينة فقلت له: عليّ نذر بين الركن و المقام إن أنا لاقيتك أن لا أخرج من المدينة حتّى أعلم أنّك قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أم لا، فلم يجبني بشي‏ء فأقمت ثلاثين يوما ثمّ استقبلني في طريق فقال: يا حكم و إنك لهاهنا بعد، فقلت إنّي أخبرتك بما جعلت للّه عليّ فلم تأمرني و لم تنهني عن شي‏ء و لم تجبني بشي‏ء فقال: بكّر عليّ غدوة المنزل فغدوت عليه فقال (عليه السّلام): سل حاجتك‏

____________

(1)- غيبة النعماني: 236 ح 25 باب 13.

(2)- إثبات الهداة: 3/ 449 ح 52 و علل الشرائع: 149 ح 9 باب 122 بتفاوت في اللفظ.

(3)- التهذيب: 10/ 314 ح 1169 باب 28 و إثبات الهداة: 3/ 455.

(4)- الخصال: 1/ 121 بتفاوت بسيط.

252

فقلت: إنّي جعلت للّه عليّ نذرا و صياما و صدقة بين الركن و المقام إن أنا لقيتك أن لا أخرج من المدينة حتّى أعلم أنّك قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أم لا، فإن كنت أنت رابطتك و إن لم تكن أنت سرت في الأرض و طلبت المعاش فقال: يا حكم كلّنا قائم بأمر اللّه فقلت: فأنت المهدي (عج) قال: كلّنا يهدي إلى اللّه، قلت: فأنت صاحب السيف؟ قال: كلّنا صاحب السيف و وارث السيف، قلت: فأنت الذي تقتل أعداء اللّه و يعزّ بك أولياء اللّه و يظهر بك دين اللّه؟ فقال: يا حكم كيف أكون أنا و قد بلغت خمسا و أربعين فإنّ صاحب هذا أقرب عهدا باللبن منّي‏ (1).

أقول: أقرب عهدا باللبن منّي أي بحسب المرئي و النظر أي يحسبه الناس شابّا بكمال قوّته و عدم ظهور أثر الكهولة و الشيخوخة فيه.

و في الدر النظيم عن علي (عليه السّلام) كأنني به و قد عبر من وادي سلام إلى سبيل السهلة على فرس محجل له شمراخ‏ (2) يزهو و يدعو و يقول في دعائه: لا إله إلّا اللّه حقّا حقّا، لا إله إلّا اللّه إيمانا و صدقا، لا إله إلّا اللّه تعبّدا و رقّا، اللهمّ معزّ (3) كلّ مؤمن و مذلّ كلّ جبّار عنيد، أنت كهفي حين تعييني المذاهب و تضيق عليّ الأرض بما رحبت، اللهمّ خلقتني و كنت غنيّا عن خلقي و لو لا نصرك إيّاي لكنت من المغلوبين، يا منشر الرحمة من مواضعها و مخرج البركات من معادنها و يا من خصّ نفسه بشموخ الرفعة و أولياؤه بعزّه يتعزّزون، يا من وضعت له الملوك المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون، أسألك باسمك الذي فطرت به خلقك فكلّ لك مذعنون، أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تنجز لي أمري و تعجل لي في الفرج و تكفيني و تعافيني و تقضي حوائجي الساعة الساعة الليلة الليلة إنّك على كلّ شي‏ء قدير (4).

في العوالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إذا قام قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب و اتصلت بيوت الكوفة بنهر كربلاء (5).

و فيه عن علي بن الحسين (عليه السّلام) أنّه قال: إذا قام القائم أذهب اللّه عن كلّ مؤمن العاهة و ردّ

____________

(1)- البحار: 51/ 140 ح 14.

(2)- الشمراخ: غرة الفرس إذا جللت الانف.

(3)- في المصدر: معين.

(4)- دلائل الإمامة: 458.

(5)- اعلام الورى: 2/ 287 الفصل الثالث.

253

إليه قوّته‏ (1).

و فيه عن التهذيب: إذا ظهر القائم و دخل الكوفة بعث اللّه تعالى من ظهر الكوفة سبعين ألف صدّيق فيكونون في أصحابه و أنصاره و يرد السواد إلى أهله، هم أهله، و يعطي الناس عطايا مرّتين في السنة و يرزقهم في الشهر رزقين و يسوّي بين الناس حتّى لا ترى محتاجا إلى الزكاة و يجي‏ء أصحاب الزكاة بزكاتهم إلى المحاويج من شيعته فلا يقبلونها فيصرّونها و يدورون في دورهم فيخرجون إليهم فيقولون: لا حاجة لنا في دراهمكم. و ساق الحديث إلى أن قال: و تجتمع إليه أموال أهل الدنيا كلّها من بطن الأرض و ظهرها فيقال للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام و سفكتم فيه الدم الحرام و ركبتم فيه المحارم فيعطي عطاء لم يعطه أحد قبله‏ (2).

و فيه عن كتاب الخرائج عنه (عليه السّلام) قال: العلم سبعة و عشرون حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا (عج) أخرج الخمسة و العشرين حرفا فبثّها في الناس و ضمّ إليها الحرفين حتّى يبثّها سبعة و عشرين حرفا (3).

في مدحه (عليه السّلام): للشيخ رجب البرسي عليه الرحمة:

فليس للدين من حام و منتصر* * * إلّا الإمام الفتى الكشّاف للظلم‏

القائم الخلف المهدي سيّدنا* * * الطاهر العلم ابن الطاهر العلم‏

بدر الغياهب بل بحر المواهب من* * * صور الكتائب حامي الحل و الحرم‏

يا ابن النبي و يا بن الطهر حيدرة* * * يا ابن البتول و يا ابن الحل و الحرم‏

أنت الفخار و معناه و صورته‏* * * و نقطة الحكم لا بل خطة الحكم‏

متى نراك فلا ظلم و لا ظلم‏* * * و الدين في رغد و الكفر في رغم‏

أقبل فسبل الهدى و الدين قد طمست‏* * * و مسّها نصب و الحق في عدم‏ (4)

أيضا في مدحه (عليه السّلام) عن البهائي (رحمه اللّه):

خليفة رب العالمين و ظلّه‏* * * على ساكن الغبراء من كل ديّار

____________

(1)- غيبة النعماني: 317 ح 2 باب 21 و الخصال: 2/ 541 ح 14.

(2)- البحار: 52/ 390 ح 212 عن غيبة السيّد علي بن عبد الحميد.

(3)- الخرائج و الجرائح: 2/ 841.

(4)- الغدير: 7/ 65، و مشارق أنوار اليقين: 244.

254

هو العروة الوثقى الذي من بذيله‏* * * تمسك لا يخشى عظائم أوزار

إمام هدى لاذ الزمان بظلّه‏* * * و ألقى إليه الدهر مقود خوّار

علوم الورى في جنب أبحر علمه‏* * * كغرفة كفّ أو كغمسة منقار

فلو زار أفلاطون أعتاب قدسه‏* * * و لم يغشه عنها سواطع أنوار

رأى حكمة قدسية لا يشوبها* * * شوائب أنظار و أدناس أفكار

بإشراقها كل العوالم أشرقت‏* * * كما لاح في الكونين من نورها الساري‏

إمام الورى طود النهى منبع الهدى‏* * * و صاحب سرّ اللّه في هذه الدار

به العالم السفلي يسمو و يعتلي‏* * * على العالم العلوي من دون إنكار

و منه العقول العشر تبغي كمالها* * * و ليس عليها في التعلم من عار

أيا حجّة اللّه الذي ليس جاريا* * * بغير الذي يرضاه سابق أقدار

و يا من مقاليد الزمان بكفّه‏* * * و ناهيك من مجد به خصّك الباري‏

أغث حوزة الإيمان و اعمر ربوعه‏* * * فلم يبق منها غير دارس آثار

و خلّص عباد اللّه من كل غاشم‏* * * و طهّر عباد اللّه من كل كفّار

و عجّل فداك العالمون بأسرهم‏* * * و بادر على اسم اللّه من غير إنظار

تجد من جنود اللّه خير كتائب‏* * * و أكرم أعوان و أشرف أنصار (1)

____________

(1)- لم أجده في مصادره.

255

الغصن العاشر في رجعة الأئمّة (عليه السّلام) و فيه فروع‏

الفرع الأوّل: في أنّ الرجعة وقعت في الامم السابقة و الأنبياء و الأوصياء السابقين و في هذه الامّة، و فيه ثمرتان:

الثمرة الاولى: في الآيات القرآنية المشعرة برجعة السابقين.

الآية الاولى: قال اللّه تعالى: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (1) و هم سبعون من خيار قومه، و تفسيره و شرّاح أخباره في كتب الأخبار مشحونة (2).

الآية الثانية: قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً إلى قوله: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى‏ وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏ (3) و فيه قصّة ذبح البقرة و سببه و إحياء الميّت و إنطاقه، و إخباره بذكر قاتله مفصّلا في تفسير الإمام‏ (4).

الآية الثالثة: قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ‏ (5) الآية، شرحنا هذه الآية من قبل و مشروحة في تفسير مجمع البيان و غيره‏ (6).

الآية الرابعة: قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ‏ (7) قال نمرود: أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ‏ أي أنا أحيي بالتخلية من‏

____________

(1)- سورة البقرة: 55- 56.

(2)- راجع بحار الأنوار: 39/ 58 و 53/ 73 و الصراط المستقيم: 1/ 101.

(3)- سورة البقرة: 67- 73.

(4)- تفسير الامام الحسن العسكري (عليه السّلام): 273 ح 140 مورد الآية.

(5)- سورة البقرة: 243.

(6)- الطرائف: 1/ 191 و نور البراهين: 2/ 454.

(7)- سورة البقرة: 258.

256

الحبس من وجب عليه القتل و اميت بالقتل من شئت ممّن هو حيّ، قال إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ‏ (1) و في هذه الآية دلالة على إمكان الرجعة بل على وقوعها لما أتى في الحديث:

أنّ اللّه تعالى أحيى بدعائه الموتى و أنّ كلّ ما كان في الامم السالفة يقع مثله في هذه الامّة (2).

الآية الخامسة: قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى‏ عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى‏ طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى‏ حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (3) و هذه حكاية عزير النبي (عليه السّلام) و شرح حاله و قريته مشروحة في تفسير مجمع البيان و غيره‏ (4).

الآية السادسة: قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى‏ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً (5).

و في ذلك أخبار منها عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه رأى جيفة تمزّقها السباع فتأكل منها سباع البر و سباع الهواء و الدواب فسأل اللّه سبحانه إبراهيم فقال: يا ربّ قد علمت أنّك تجمعها من بطون سباع الطير و دواب البحر فأرني كيف تحييها لاعاين ذلك‏ (6).

و غير ذلك أخبار مختلفة بطرق متعدّدة من كتب التفاسير و من الكافي و العلل و الخصال‏ (7).

الآية السابعة: قوله تعالى حكاية عن قول عيسى لما بعث إلى بني إسرائيل‏ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ‏

____________

(1)- سورة البقرة: 258.

(2)- مجمع البيان: 2/ 259.

(3)- سورة البقرة: 259.

(4)- تأويل الآيات: 1/ 295.

(5)- سورة البقرة: 260.

(6)- نور البراهين: 1/ 338.

(7)- الكافي: 8/ 305 و علل الشرائع: 2/ 586 ح 31.

257

لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‏ (1).

و في التفسير أنّه صنع من الطين كهيئة الخفاش فنفخ فصار طائرا، و أحيى الموتى أحيى أربعة أنفس عاذر و كان صديقا له و كان قد مات منه ثلاثة أيام فقال لاخته انطلقي بنا إلى قبره ثمّ قال: اللهمّ ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك و أخبرهم بأني احيي الموتى فأحي عاذر فخرج من قبره و بقي و ولد له، و ابن العجوز مرّ به ميّتا على سريره فدعا اللّه عيسى فجلس على سريره و نزل من أعناق الرجال و لبس ثيابه و رجع إلى أهله و بقي و ولد له، و ابنة قيل: أ تحييها و قد ماتت أمس؟ فدعا اللّه فعاشت و بقيت و ولدت، و سام بن نوح دعا عليه باسم اللّه الأعظم فخرج من قبره فشاب نصف رأسه فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا، و لكنّي دعوتك باسم اللّه الأعظم قال: و لم تكونوا تشيبون في ذلك الزمان، لأنّ سام بن نوح عاش خمسمائة سنة و هو شاب ثمّ قال له:

مت قال: بشرط أن يعيذني اللّه من سكرات الموت فدعا اللّه ففعل‏ (2).

الآية الثامنة: قوله تعالى: وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي‏ وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِي‏ (3) الآية في الدمعة عن أمالي الصدوق عن ابن عبّاس قال:

لما مضى بعيسى ثلاثون سنة بعثه اللّه عزّ و جلّ إلى بني إسرائيل فلقيه إبليس لعنه اللّه على عقبة بيت المقدس و هي عقبة أفيق فقال له: يا عيسى أنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنّك تكونت من غير أب؟

قال: بل العظمة للّه، كوّنني و كذلك كوّن آدم و حوّاء، قال إبليس: يا عيسى فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنّك تكلّمت في المهد صبيا؟ قال عيسى: يا إبليس بل العظمة للذي أنطقني في صغري و لو شاء لأبكمني، قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنّك تخلق من الطين كهيئة الطير فتنفخ فيه فيصير طيرا؟

قال عيسى: بل العظمة للذي خلقني و خلق ما سخّر لي، قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنّك تشفي المرضى؟ قال عيسى: بل العظمة للذي بإذنه أشفيهم و إذا شاء أمرضني، قال إبليس: فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنّك تحيي الموتى؟ قال عيسى: بل العظمة للذي بإذنه احييهم و لا بدّ أن يميت ما أحييت و يميتني ... الحديث‏ (4).

____________

(1)- سورة آل عمران: 49.

(2)- نور البراهين: 1/ 511 بتفاوت.

(3)- سورة المائدة: 110.

(4)- أمالي الصدوق: 272 ح 300 مجلس 37.

258

الآية التاسعة: قوله تعالى (عليهم السّلام)وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏ (1).

في الدمعة عن تأويل الآيات الظاهرة عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و هو خارج من الكوفة فتبعته من ورائه حتّى إذا صار إلى جبانة اليهود فوقف في وسطها و نادى: يا يهود فأجابوه من جوف القبور، لبيك لبيك ملطايخ يعنون بذلك يا سيدنا فقال: كيف ترون العذاب؟ فقالوا: بعصياننا لك كهارون فنحن و من عصاك في العذاب إلى يوم القيامة، ثمّ صاح صيحة كادت السماوات أن ينقلبن فوقعت مغشيا على وجهي من هول ما رأيت، فلمّا أفقت رأيت أمير المؤمنين (عليه السّلام) على سرير من ياقوتة حمراء على رأسه إكليل من الجوهر و عليه حلل خضر و صفر و وجهه كدارة القمر، فقلت: يا سيدي هذا ملك عظيم، قال (عليه السّلام): نعم يا جابر إنّ ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود و سلطاننا أعظم من سلطانه، ثمّ رجع و دخلنا الكوفة و دخلت خلفه إلى المسجد فجعل يخطو خطوات و هو يقول: لا و اللّه لا فعلت، لا و اللّه لا كان ذلك أبدا، فقلت: يا مولاي لمن تكلّم؟

و لمن تخاطب و ليس أرى أحدا؟ فقال: يا جابر كشف لي عن برهوت فرأيت سنبوبة (2) و حبتر و هما يعذّبان في جوف تابوت في برهوت فنادياني: يا أبا الحسن يا أمير المؤمنين ردّنا إلى الدنيا نقرّ بفضلك و نقرّ بالولاية لك، فقلت: لا و اللّه لا كان ذلك أبدا ثمّ قرأ هذه الآية وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‏.

يا جابر و ما أحد خالف وصيّ نبي إلّا حشره اللّه يتكبكب في عرصات القيامة (3).

الآية العاشرة: قوله تعالى: وَ لَمَّا جاءَ مُوسى‏ لِمِيقاتِنا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ‏

إلى قوله: سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (4) ذكر تفسيره في العيون و التوحيد و البحار: أحيى اللّه بني إسرائيل بعد أن ردّ اللّه روح موسى و أفاق و قال‏ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ‏ (5).

الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ‏

____________

(1)- سورة الأنعام: 28.

(2)- سنبوبة بالسين المهملة و النون و الباء الموحّدة سوء الخلق في سرعة و الغضب و هو الثاني و الحبتر بالحاء المهملة و الباء الموحّدة الثعلب و هو الأوّل.

(3)- تأويل الآيات: 1/ 163.

(4)- سورة الأعراف: 143.

(5)- كفاية الأثر: 262.

259

الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا (1).

و الحق أنّ هؤلاء السبعين غير الذين قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ (2) كما عن ابن عباس: أمر اللّه تعالى موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم و برز بهم ليدعوا ربّهم فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهمّ أعطنا ما لم تعط أحدا قبلنا و لا تعطيه أحدا بعدنا فكره اللّه ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة. و روي عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أنّه قال: إنّما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم على موسى قبل هارون و ذلك أنّ موسى و هارون و شبّر و شبير ابني هارون انطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفّاه اللّه، فلمّا مات دفنه موسى فلمّا رجع إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟

قال: توفّاه اللّه، فقالوا: لا بل أنت قتلته حسدتنا على خلقه و لينه، قال: فاختاروا من شئتم فاختاروا منهم سبعين رجلا و ذهب بهم فلمّا انتهوا إلى القبر قال موسى: يا هارون أ قتلت أم مت؟ فقال هارون: ما قتلني أحد و لكن توفاني اللّه، فقالوا: لن تعصى بعد اليوم فأخذتهم الرجفة و صعقوا و قيل: إنهم ماتوا ثمّ أحياهم اللّه و جعلهم أنبياء (3).

الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ إلى قوله: بِكُمْ أَحَداً (4) و قوله أيضا: وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً (5) الآية، و قصّتهم معروفة و شرح حالهم في التفاسير و كتب الأخبار مشحونة لا مجال لذكر حالهم هنا (6).

الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً إلى قوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (7) و الأخبار في بيان حاله و أنّه نبي أو ملك و في تسميته ذي القرنين كثيرة جدّا، سأل ابن الكوّاء عليّا (عليه السّلام) عن ذي القرنين و قال: أملك أو نبي؟ قال (عليه السّلام): لا ملك و لا نبي كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن على طاعة اللّه فمات ثمّ بعثه اللّه فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه اللّه فسمّي ذا القرنين‏ (8). و باقي الأخبار و شرح الأحوال في البحار و في كتابنا هذا في حديقة أحوال‏

____________

(1)- سورة الأعراف: 155.

(2)- سورة البقرة: 55.

(3)- مجمع البيان: 4/ 482.

(4)- سورة الكهف: 18- 19.

(5)- سورة الكهف: 25.

(6)- الاحتجاج: 2/ 88 و سعد السعود: 20.

(7)- سورة الكهف: 83- 86.

(8)- سعد السعود: 65 و البحار: 53/ 141.

260

الأنبياء (1).

الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى‏ لِلْعابِدِينَ‏ (2) و شرح حاله (عليه السّلام) معروف و مشهور، و في المجمع و البحار و الكافي و غيرها مكشوف، و إحياء أهله و ولده مذكور فمن أراد فليطلب في محلّه‏ (3).

الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ‏ (4) و القرية انطاكية و المرسلون رسل عيسى إلى أهلها بعثهم دعاة إلى الحق و كانوا عبدة أوثان أرسل إليهم اثنين، فلمّا قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات و هو حبيب نجار صاحب يس فسألهما فأخبراه فقال: أ معكما آية؟ فقالا: نشفي المريض و نبرئ الاكمه و الأبرص، و كان له ولد مريض سنتين فمسحاه فقام و آمن حبيب و فشا الخبر فشفي على أيديهما خلق و رقي حديثهما إلى الملك، و قال لهما: أ لنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم من أوجدك و آلهتك فقال: قوما حتّى أنظر في أمركما فتبعهما الناس و ضربوهما و قيل حبسا ثمّ بعث عيسى شمعون فدخل متنكّرا و عاشر حاشية الملك حتّى استأنسوا به و رفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم: بلغني أنّك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟ قال: لا حال الغضب بيني و بين ذلك فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما؟ قالا:

اللّه الذي خلق كلّ شي‏ء و ليس له شريك فقال: صفاه و أوجزا قالا: يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد قال: و ما آتاكما؟

قالا: ما يتمنّى الملك فدعا بغلام مطموس العين فدعوا اللّه حتّى انشق له بصر و أخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال له شمعون: أ رأيت لو سألت إلهك حتّى يصنع مثل هذا فيكون لك و له الشرف؟ فقال: ليس عندك سرّ إنّ إلهنا لا يبصر و لا يسمع و لا يضرّ و لا ينفع و كان شمعون يدخل معهم الصنم فيصلّي و يتضرّع و يحسبون انّه منهم ثمّ قال: إن قدر إلهكم على إحياء ميّت آمنا به فدعوا لغلام مات من سبعة أيّام فقام و قال: إنّي ادخلت في سبعة أودية من النار و أنا أحذّركم ما أنتم فيه فآمنوا و قال: فتحت‏

____________

(1)- قصص الأنبياء للجزائري: 154 الباب الثامن.

(2)- سورة الأنبياء: 84.

(3)- معاني الأخبار: 207، و قصص الأنبياء: 154.

(4)- سورة يس: 14.

261

أبواب السماء فرأيت شابّا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة قال الملك: و من هم؟

قال: شمعون و هذان فتعجّب الملك، فلمّا رأى شمعون أنّ قوله قد أثّر فيه نصحه فآمن و آمن قومه، و من لم يؤمن صاح عليهم جبرائيل فهلكوا. و في تفسير علي بن إبراهيم ذلك باختلاف يسير (1).

الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَ هُوَ يُحْيِ الْمَوْتى‏ إلى قوله جل ذكره: وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‏ (2) و عن البحار و في تفسير البرهان أنّ جماعة من اليمن أتوا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقالوا: نحن من بقايا الملل المتقدّمة من آل نوح و كان لنبيّنا وصي اسمه سام و أخبر في كتابه أنّ لكل نبي معجزا و له وصي يقوم مقامه فمن وصيّك؟ فأشار عليه و آله السلام بيده نحو علي (عليه السّلام)، فقالوا: يا محمّد إن سألناه أن يرينا سام بن نوح فيفعل، فقال: نعم بإذن اللّه و قال: يا علي قم معهم إلى داخل المسجد و اضرب برجلك الأرض عند المحراب فذهب علي (عليه السّلام) و بأيديهم صحف إلى أن دخل المسجد فصلّى ركعتين ثمّ قام و ضرب برجله الأرض فانشقّت الأرض و ظهر لحد و تابوت فقام من التابوت شيخ يتلألأ وجهه مثل القمر ليلة البدر و ينفض التراب عن رأسه و له لحية إلى سرّته و صلّى على علي و قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه سيّد المرسلين و أنّك علي وصيّ محمّد، سيّد الوصيّين و أنا سام بن نوح فنشروا أولئك صحفهم فوجدوه كما و صفوه في الصحف ثمّ قالوا: نريد أن يقرأ من صحفه سورة فأخذ في قراءته حتّى تمّم السورة ثمّ سلم على علي (عليه السّلام) و نام كما كان فانضمّت الأرض و قالوا بأسرهم: إنّ الدين عند اللّه الإسلام و آمنوا و أنزل اللّه‏ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ (3).

الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏ (4).

عن الكافي عن أبي الربيع قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السّلام) في السنة التي كان حجّ فيها هشام بن عبد الملك و كان معه نافع مولى عمر بن الخطّاب إلى أن قال: فجاء نافع حتّى اتكأ

____________

(1)- بحار الأنوار عن الثعلبي: 14/ 266 و مجمع البيان: 8/ 265.

(2)- سورة الشورى: 9- 10.

(3)- بحار الأنوار: 41/ 212 عن مناقب آل أبي طالب: 1/ 472- 474.

(4)- سورة الزخرف: 45.

262

على الناس ثمّ أشرف على علي بن جعفر (عليه السّلام) فقال: يا محمد بن علي إنّي قرأت التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان و قد عرفت حلالها و حرامها و قد جئت أسألك عن مسائل لا يجيب فيها إلّا نبي أو وصي نبي أو ابن نبي قال: فرفع أبو جعفر (عليه السّلام) رأسه فقال: سل عمّا بدا لك، فقال: أخبرني كم بين عيسى و بين محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من سنة؟ فقال (عليه السّلام): أخبرك بقولي أو بقولك؟ قال: أخبرني بالقولين جميعا، قال (عليه السّلام): أمّا في قولي فخمسمائة سنة و أمّا في قولك فستمائة سنة، قال: فأخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏ من الذي سأل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كان بينه و بين عيسى خمسمائة سنة؟ قال: فتلا أبو جعفر (عليه السّلام) هذه الآية: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا (1) فكان من الآيات التي أراها اللّه تعالى محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حين أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر اللّه عز ذكره الأوّلين و الآخرين من النبيّين و المرسلين ثمّ أمر جبرائيل فأذّن شفعا و أقام شفعا و قال في أذانه حي على خير العمل ثمّ تقدّم محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فصلّى بالقوم فلمّا انصرف قال لهم: على ما تشهدون؟ و ما كنتم تعبدون؟

قالوا: نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أنّك رسول اللّه أخذ على ذلك عهودنا و مواثيقنا، فقال نافع: صدقت يا أبا جعفر (2).

الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى‏ وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ‏ (3).

عن تفسير البرهان و المدينة جاء قوم إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقالوا: يا محمّد إنّ عيسى ابن مريم كان يحيي الموتى فأحي لنا الموتى، فقال لهم: من تريدون؟ فقالوا: فلان و إنّه قريب عهد بالموت فدعا علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فأصفى إليهم شيئا لا نعرفه ثمّ قال له: انطلق معهم إلى الميّت فادعه باسمه و اسم أبيه فانطلق معهم حتّى وقف على قبر الرجل ثمّ ناداه يا فلان بن فلان فقام الميّت فسألوه ثمّ اضطجع في لحده فانصرفوا و هم يقولون: إنّ هذا من أعاجيب بني عبد المطّلب، أو نحوها فأنزل اللّه عزّ و جلّ‏ وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ‏ أي يضجون‏ (4).

____________

(1)- سورة الاسراء: 1.

(2)- الكافي: 8/ 121 ح 93.

(3)- سورة الزخرف: 57.

(4)- تفسير البرهان: 4/ 151 ح 5.

263

الثمرة الثانية في الأحاديث الدالّة على أنّ الرجعة قد وقعت في الامم السالفة

و أن كلّ ما وقع في الامم السابقة يقع مثله في هذه الامّة حذو النعل بالنعل و القذة (1) بالقذة.

الخبر الأوّل: في الدمعة عن الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ عيسى ابن مريم جاء إلى قبر يحيى بن زكريا و كان سأل ربّه أن يحييه له فدعاه فأجابه و خرج إليه من القبر فقال له: ما تريد منّي؟ فقال له: اريد أن تؤنسني كما كنت في الدنيا، فقال له: يا عيسى ما سكنت عنّي حرارة الموت و أنت تريد أن تعيدني إلى الدنيا و تعود عليّ مرارة الموت؟ فتركه فعاد إلى قبره‏ (2).

الخبر الثاني: في البحار أنّ فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبّدين، و كانت العبادة في أولاد ملوك بني إسرائيل أنّهم خرجوا يسيرون في البلاد ليعتبروا فمرّوا بقبر على ظهر الطريق قد سفى عليه السافي ليس يتبيّن منه إلّا رسمه فقالوا: لو دعونا اللّه عزّ و جلّ و كان الساعة لينشر لنا صاحب هذا القبر فسألناه كيف وجد طعم الموت، فدعوا اللّه عزّ و جلّ و كان دعاؤهم الذي دعوا اللّه به: أنت إلهنا يا ربّنا ليس لنا إله غيرك و البديع الدائم غير الغافل و الحي الذي لا يموت، لك في كلّ يوم شأن، تعلم كلّ شي‏ء بغير تعليم، انشر لنا هذا الميّت بقدرتك، قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس و اللحية ينفض رأسه من التراب فزعا شاخصا بصره إلى السماء فقال لهم: ما يوقفكم على قبري؟ فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت؟ فقال لهم: لقد سكنت في قبري تسعة و تسعين سنة ما ذهب عنّي ألم الموت و كربه و لا خرج مرارة طعم الموت من حلقي، فقالوا له: متّ يوم متّ و أنت على ما نرى، أبيض الرأس و اللحية؟ قال: لا، و لكن لما سمعت الصيحة: اخرج، اجتمعت تربة عظامي إلى روحي فنفثت فيه فخرجت فزعا شاخصا بصري مهطعا إلى صوت الداعي‏

____________

(1)- القذة: ريش السهم (غريب الحديث: 1/ 266).

(2)- الكافي: 3/ 260 ح 37.

264

فابيض لذلك رأسي و لحيتي. فانظر و تصوّر إذا جاز أن يحيي اللّه تعالى الموتى بدعاء أولاد الملوك المتعبّدين فكيف يجوز إنكار إحياء الموتى بدعاء أولاد أشرف الأنبياء الأئمّة المعصومين و الهداة الطاهرين‏ (1).

الخبر الثالث: و عن الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه سئل: هل كان عيسى ابن مريم (عليه السّلام) أحيى أحدا بعد موته حتّى كان له أكل و رزق و مدّة و ولد؟ فقال: نعم إنّه كان له صديق مؤاخ له في اللّه تبارك و كان عيسى يمرّ به و ينزل عليه و إنّ عيسى غاب عنه حينا ثمّ مرّ به ليسلّم عليه فخرجت إليه أمّه فسألها عنه فقالت: مات يا رسول اللّه، قال: أ فتحبّين أن تريه؟ قالت:

نعم، فقال لها: فإذا كان غدا فآتيك حتّى أحييه لك بإذن اللّه تبارك و تعالى، فلمّا كان من الغد أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره فانطلقا حتّى أتيا قبره فوقف عليه عيسى ثمّ دعا اللّه عزّ و جلّ فانفرج القبر و خرج ابنها حيّا، فلمّا رأته أمّه و رآها بكيا فرحمهما عيسى (عليه السّلام) فقال له عيسى: أ تحبّ أن تبقى مع أمّك في الدنيا؟ فقال: يا نبي اللّه بأكل و رزق و مدّة أم بغير أكل و لا رزق و لا مدّة؟ فقال عيسى: بأكل و رزق و مدّة تعمر عشرين سنة و تزوج و يولد لك، قال: نعم إذا، قال: فدفعه عيسى إلى أمّه فعاش عشرين سنة و ولد له‏ (2).

الخبر الرابع: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: مرّ عيسى ابن مريم على قرية قد مات أهلها و طيرها و دوابها قال: أما انّهم لم يموتوا إلّا بغتة و لو ماتوا متفرّقين لتدافنوا، فقال الحواريون:

يا روح اللّه و كلمته ادع اللّه أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالها فنجتنبها، فدعا عيسى ربّه فنودي من الجو أنّ نادهم فقال عيسى (عليه السّلام) بالليل على شرف من الأرض فقال: يا أهل هذه القرية فأجابه منهم مجيب: لبّيك يا روح اللّه و كلمته، فقال: ويحكم ما كانت أعمالكم؟ قال:

عبادة الطاغوت و حبّ الدنيا مع خوف قليل و أمل بعيد و غفلة في لهو و لعب فقال: كيف كان حبّكم للدنيا؟

قال: كحبّ الصبي لامّه، إذا أقبلت علينا فرحنا و سررنا و إذا أدبرت عنّا بكينا و حزنا، قال (عليه السّلام): كيف كانت عبادتكم للطاغوت؟

قال: الطاعة لأهل المعاصي، قال: كيف كان عاقبة أمركم؟ قال: بتنا ليلة في عافية و أصبحنا في الهاوية، فقال: و ما الهاوية؟ فقال: سجّين، قال: و ما سجّين؟ قال: جبال من خمر

____________

(1)- البحار: 6/ 171 ح 48.

(2)- الكافي: 8/ 337 ح 532.

265

توقد علينا يوم القيامة، قال: فما قلتم؟ و ما قيل لكم؟ قال: قلنا ردّنا إلى الدنيا فنزهد فيها، قيل: كذبتم، قال: ويحك كيف لم يكلّمني غيرك من بينهم؟ قال: يا روح اللّه و كلمته إنّهم ملجمون بلجم من النار بأيدي ملائكة غلاظ شداد إنّي كنت فيهم و لم أكن منهم، فلمّا نزل العذاب عمّني معهم فأنا معلّق بشعرة على شفير جهنّم لا أدري أكبكب فيها أم أنجو منها، فالتفت عيسى إلى الحواريين فقال: يا أولياء اللّه أكل الخبز اليابس بالملح الجريش و النوم على المزابل خير كثير مع عافية الدنيا و الآخرة (1).

الخبر الخامس: عن قصص الأنبياء للقطب الراوندي عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ داود (عليه السّلام) كان يدعو أن يلهمه القضاء بين الناس بما هو عنده تعالى الحق فأوحى اللّه إليه:

يا داود إنّ الناس لا يحتملون ذلك و إنّي سأفعل، و ارتفع إليه رجلان فاستعداه أحدهما على الآخر فأمر المستعدى عليه أن يقوم إلى المستعدي فيضرب عنقه ففعل فاستعظمت بنو إسرائيل ذلك و قالت: رجل جاء يتظلّم من رجل فأمر الظالم أن يضرب عنقه فقال (عليه السّلام): ربّ أنقذني من هذه الورطة قال: فأوحى اللّه تعالى إليه: يا داود سألتني أن ألهمك القضاء بين عبادي بما هو عندي الحق و أنّ هذا المستعدي قتل أبا هذا المستعدي عليه فأمرت فضرب عنقه قودا بأبيه و هو مدفون في حائط كذا و كذا تحت شجرة كذا فائته و ناده باسمه فإنّه سيجيبك فسله قال: فخرج داود و قد فرح فرحا شديدا لم يفرح مثله، فقال لبني إسرائيل: قد فرّج اللّه فمشى و مشوا معه فانتهى إلى الشجرة فنادى يا فلان فقال: لبيك يا نبي اللّه قال: من قتلك؟

قال: فلان، فقالت بنو إسرائيل سمعناه يقول: يا نبي اللّه فنحن نقول كما قال فأوحى اللّه تعالى إليه: يا داود إنّ العباد لا يطيقون الحكم بما هو عندي الحكم، فسل المدّعي البيّنة (2).

الخبر السادس: في إكمال الدين عن أبي جعفر (عليه السّلام) يذكر حديثا طويلا و يذكر فيه غيبة إدريس و ما كان بينه و بين قومه إلى أن قال: فهبط إدريس من موضعه إلى قرية يطلب أكله من جوع، فلمّا دخل القرية نظر إلى دخان في بعض منازلها فأقبل نحوه فهجم على عجوز كبيرة و هي ترقّق قرصتين على مقلاة فقال لها: أيّتها المرأة أطعميني فإنّي مجهود من الجوع فقالت: يا عبد اللّه ما تركت لنا دعوة إدريس فضلا نطعمه أحدا و حلفت أنّها ما تملك شيئا

____________

(1)- أصول الكافي: 2/ 318 ح 11.

(2)- بحار الأنوار: 14/ 7 ح 12.

266

غيره فاطلب المعاش من غير أهل هذه القرية، قال لها: أطعميني ما أمسك به روحي و تحملني به رجلي إلى أن أطلب قالت: إنّهما قرصتان واحدة لي و الاخرى لابني فإن أطعمتك قوتي متّ و إن أطعمتك قوت ابني مات و ما هاهنا فضل أطعمه فقال لها: إنّ ابنك صغير يجزيه نصف قرصة فيحيا به و يجزيني النصف الآخر فأحيى به و في ذلك بلغة لي و له، فأكلت المرأة قرصها و كسرت القرص الآخر بين إدريس و بين ابنها، فلمّا رأى ابنها يأكل إدريس من قرصه اضطرب حتّى مات قالت له: يا عبد اللّه قتلت عليّ ابني جزعا على قوته فقال لها إدريس: أنا احييه بإذن اللّه تعالى فلا تجزعي، ثمّ أخذ إدريس بعضدي الصبي ثمّ قال: أيّتها الروح الخارجة من بدن هذا الغلام بإذن اللّه ارجعي إلى بدنه بإذن اللّه، أنا إدريس النبي فرجعت روح الغلام إليه بإذن اللّه، فلمّا سمعت أمّه كلام إدريس و قوله: أنا إدريس و نظرت إلى ابنها قد عاش بعد الموت قالت أشهد أنّك إدريس النبي و خرجت تنادي بأعلى صوتها في القرية: أبشروا بالفرج فقد دخل إدريس قريتكم‏ (1).

الخبر السابع: عن معاوية بن قرة قال: كان أبو طلحة يحبّ ابنه حبّا شديدا فمرض فخافت أمّ سليم على أبي طلحة الجزع حين قرب موت الولد فبعثته إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلمّا خرج أبو طلحة من داره توفّي الولد فسجته أمّ سليم بثوب و عزلته في ناحية من البيت ثمّ تقدّمت إلى أهل بيتها و قالت لهم: لا تخبروا أبا طلحة بشي‏ء، ثمّ إنّها صنعت طعاما ثمّ تمسّحت شيئا من الطيب فجاء أبو طلحة من عند رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال: ما فعل ابني؟ فقالت له: هدأت نفسه ثمّ قال: هل لنا ما نأكل؟ فقامت و قرّبت إليه الطعام ثمّ تعرّضت له فوقع عليها، فلمّا اطمأن قالت له: يا أبا طلحة أ تغضب من وديعة كانت عندنا وديعة فقبضها اللّه تعالى؟ فقال أبو طلحة: فأنا أحقّ بالصبر منك، ثمّ قام من مكانه فاغتسل و صلّى ركعتين ثمّ انطلق إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأخبره بصنيعها فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): الحمد للّه الذي جعل في أمّتي مثل صابرة بني إسرائيل، فقيل: يا رسول اللّه ما كان من خبرها؟ فقال: كان في بني إسرائيل امرأة و كان لها زوج و لها منه غلامان فأمرها بطعام ليدعو عليه الناس ففعلت، و اجتمع الناس في داره فانطلق الغلامان يلعبان فوقعا في بئر كانت في الدار فكرهت أن تنغص على زوجها الضيافة فأدخلتهما البيت و سجتهما بثوب، فلمّا فرغوا دخل زوجها

____________

(1)- كمال الدين: 131 ح 1 باب 1.

267

فقال: أين ابناي؟ قالت: هما في البيت و إنّما كانت تمسّحت بشي‏ء من الطيب و تعرّضت للرجل حتّى وقع عليها، ثمّ قال: أين ابناي؟

قالت: هما في البيت فناداهما أبوهما فخرجا يسعيان فقالت المرأة: سبحان اللّه و اللّه لقد كانا ميتين و لكن اللّه أحياهما ثوابا لصبري‏ (1).

الخبر الثامن: في الدمعة عن قصص الأنبياء للقطب الراوندي عن ابن عبّاس قال: بعث اللّه جرجيس إلى ملك بالشام يقال له و اذانه يعبد صنما فقال له: أيّها الملك اقبل نصيحتي، لا ينبغي للخلق أن يعبدوا غير اللّه تعالى و لا يرغبوا إلّا إليه فقال له الملك: من أي أرض أنت؟ قال: من الروم قاطنين بفلسطين فأمر بحبسه ثمّ مشط جسده بأمشاط من حديد حتّى تساقط لحمه و نضح جسده بالخل و دلكه بالمسوح الخشنة ثمّ أمر بمكاوي من حديد تحمى فيكوى بها جسده و لما لم يقتل أمر بأوتاد من حديد فوقذت في رأسه فسال منها دماغه و أمر بالرصاص فاذيب و صبّ على أثر ذلك ثمّ أمر بسارية من حجارة كانت في السجن لم ينقلها إلّا ثمانية عشر رجلا فوضعت على بطنه، فلمّا أظلم الليل و تفرّق عنه الناس رآه أهل السجن و قد جاءه ملك فقال له: يا جرجيس إنّ اللّه جلّت عظمته يقول اصبر و أبشر و لا تخف إنّ اللّه معك يخلّصك و إنّهم يقتلونك أربع مرّات في كلّ ذلك أدفع عنك الألم و الأذى، فلمّا أصبح الملك دعاه فجلده على السياط على الظهر و البطن ثمّ ردّه إلى السجن ثمّ كتب إلى أهل مملكته أن يبعثوا إليه بكلّ ساحر فبعثوا، و الساحر استعمل كلّ ما قدر عليه من السحر فلم يعمل فيه ثمّ عمد إلى سمّ فسقاه فقال جرجيس: بسم اللّه الذي يضلّ عند صدقه كذب الفجرة و سحر السحرة فلم يضرّه فقال الساحر: لو أنّي سقيت بهذا أهل الأرض نزعت قواهم و شوّهت خلقهم و عميت أبصارهم، فأنت يا جرجيس النور المضي‏ء و السراج المنير و الحق اليقين، أشهد أنّ إلهك حقّ و ما دونه باطل آمنت به و صدقت رسله و إليه أتوب بما فعلت فقتله الملك ثمّ أعاد جرجيس (عليه السّلام) إلى السجن و عذّبه بألوان العذاب ثمّ قطعه أقطاعا و ألقاها في جبّ ثمّ خلا الملك الملعون و أصحابه على طعام له و شراب فأمر اللّه تعالى جل و علا إعصارا أنشأت سحابة سوداء و جاءت بالصواعق و رجفت الأرض و تزلزلت الجبال حتّى أشفقوا أن يكون هلاكهم، و أمر اللّه ميكائيل فقام على‏

____________

(1)- مسكن الفؤاد: 69.

268

رأس الجب و قال: قم يا جرجيس بقوّة اللّه الذي خلقك فسوّاك، فقام جرجيس حيّا سويّا و أخرجه من الجبّ و قال اصبر و أبشر فانطلق جرجيس حتّى قام بين يدي الملك و قال:

بعثني اللّه ليحتجّ بي عليكم فقام صاحب الشرطة و قال: آمنت بإلهك الذي بعثك بعد موتك و شهدت أنّه الحق و جميع الآلهة دونه باطل و اتبعه أربعة آلاف آمنوا و صدّقوا جرجيس فقتلهم الملك جميعا بالسيف، ثمّ أمر بلوح من نحاس أوقد عليه النار حتّى احمرّ فبسط عليه جرجيس و أمر بالرصاص فاذيب و صبّ في فيه ثمّ ضرب الأوتاد في عينيه و رأسه ثمّ ينزع و يفرغ بالرصاص مكانه، فلمّا رأى أنّ ذلك لم يقتله فأوقد عليه النار حتّى مات و أمر برماده فذرّ في الرياح، فأمر اللّه رياح الأرضين في الليلة فجمعت رماده في مكان فأمر ميكائيل فنادى جرجيس فقام حيّا سويّا بإذن اللّه فانطلق جرجيس إلى الملك و هو في أصحابه فقام رجل و قال: إنّ تحتنا أربعة عشر منبرا، و مائدة بين أيدينا و هي من عيدان شتّى منها ما يثمر و منها ما لا يثمر فسل ربّك أن يلبس كلّ شجرة منها لحاها و ينبت فيها و رقتها و ثمرها فإن فعل ذلك فإنّي أصدقك فوضع جرجيس ركبتيه على الأرض و دعا ربّه تعالى فما برح مكانه حتّى أثمر كلّ عود فيها ثمرة فأمر به الملك فمدّ بين الخشبتين و وضع المنشار على رأسه فنشر حتّى سقط المنشار من تحت رجليه ثمّ أمر بقدر عظيمة فألقي فيها زفت و كبريت و رصاص و ألقي فيها جسد جرجيس فطبخ حتّى اختلط ذلك كلّه جميعا فأظلمت الأرض لذلك و بعث اللّه إسرافيل فصاح صيحة خرّ منها الناس لوجوههم ثمّ قلب إسرافيل القدر، فقال: قم يا جرجيس بإذن اللّه تعالى فقام حيّا سويّا بقدرة اللّه تعالى و انطلق جرجيس إلى الملك، فلمّا رآه الناس عجبوا منه فجاءته امرأة و قالت: أيّها العبد الصالح كان لنا ثور نعيش به فمات فقال لها جرجيس: خذي عصاي هذه فضعيها على ثورك و قولي: إنّ جرجيس يقول: قم بإذن اللّه ففعلت فقام حيّا فآمنت باللّه، فقال الملك إن تركت هذا الساحر أهلك قومي فاجتمعوا كلّهم أن يقتلوه فأمر به أن يخرج و يقتل بالسيف فقال جرجيس لما اخرج: لا تعجلوا عليّ، اللهمّ إن أهلكت أنت عبدة الأوثان أسألك أن تجعل اسمي و ذكري صبرا لمن يتقرّب إليك عند كلّ هول و بلاء ثمّ ضربوا عنقه و مات ثمّ أسرعوا إلى القرية فهلكوا كلّهم‏ (1).

____________

(1)- قصص الأنبياء للثعلبي: 243 و الكامل لابن الأثير: 1/ 214، و البحار: 14/ 445.

269

الخبر التاسع: في الدمعة عن أبي الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السّلام) أنّه قال للمتوكّل:

اعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لمّا حجّ حجّة الوداع فنزل بالأبطح بعد فتح مكّة فلمّا جنّ عليه الليل أتى القبور قبور بني هاشم و قد ذكر أباه و أمّه و عمّه أبا طالب (عليه السّلام) فدخله حزن عظيم عليهم و رقد فأوحى اللّه إليه: إنّ الجنّة محرّمة على من أشرك بي و إنّي أعطيك يا محمّد ما لم أعطه أحدا غيرك فادع أباك و أمّك و عمّك فإنّهم يجيبونك و يخرجون من قبورهم أحياء لم يمسّهم عذابي لكرامتك عليّ فادعهم إلى الإيمان باللّه و إلى رسالتك و موالاة أخيك علي و الأوصياء منه إلى يوم القيامة فيجيبونك و يؤمنون بك فأهب لك كلّ ما سألت و أجعلهم ملوك الجنّة كرامة لك يا محمّد، فرجع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له: قم يا أبا الحسن فقد أعطاني ربّي هذه الليلة ما لم يعطه أحدا من خلقه في أبي و أمّي و أبيك عمّي، و حدّثه بما أوحى اللّه إليه و خاطبه به و أخذ بيده و صار إلى قبورهم و دعاهم إلى الإيمان باللّه و برسوله و بأمير المؤمنين و الأئمّة منه واحدا بعد واحد إلى يوم القيامة، فقال لهم رسول اللّه:

عودوا إلى اللّه ربّكم و إلى الجنّة فقد جعلكم اللّه ملوكها فعادوا إلى قبورهم (صلوات اللّه عليهم) ... الخبر، كذا في تفسير علي بن إبراهيم باختلاف يسير (1).

الخبر العاشر: عن الخرائج كان لبعض الأنصار عناق فذبحها و قال لأهله اطبخوا بعضا و اشووا بعضا فلعل رسولنا يشرفنا و يحضر بيتنا الليلة و يفطر عندنا و خرج إلى المسجد و كان له ابنان صغيران و كانا يريان أنّ أباهما يذبح العناق فقال أحدهما للآخر: تعال حتّى أذبحك فأخذ السكين فذبحه، فلمّا رأتهما الوالدة صاحت فعدا الذابح و هرب فوقع من الغرفة فمات فسترتهما و طبخت و هيّأت الطعام، فلمّا دخل النبي دار الأنصاري نزل جبرئيل و قال:

يا رسول اللّه استحضر ولديه فخرج أبوهما يطلبهما، فقالت والدتهما: ليسا حاضرين، فرجع إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أخبره بغيبتهما فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا بدّ من إحضارهما فخرج إلى أمّهما فأطلعته على حالهما فأخذهما إلى مجلس النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فدعا اللّه فأحياهما و عاشا سنين‏ (2).

الخبر الحادي عشر: في الدمعة عن ميثم التمّار أن أعرابيا دخل على أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال إنّي رسول إليك من ستّين ألف رجل يقال لهم العقيمة و قد حملوا معي ميتا مذ مدّة

____________

(1)- مدينة المعاجز: 7/ 536 و الهداية الكبرى: 65 و حلية الأبرار: 2/ 460.

(2)- الخرائج و الجرائح: 927 بتفاوت.

270

و قد اختلفوا في سبب موته و هو بباب المسجد فإن أحييته علمنا أنّك صادق نجيب الأصل و تحققنا أنّك حجّة اللّه في أرضه و خليفة محمّد على خلقه إلى أن قال: فقال علي بن أبي طالب (عليه السّلام): كم لميّتكم هذا؟

قال: واحد و أربعون يوما، قال: و سبب موته؟ قال الأعرابي: يا علي إنّ أهله يريدون أن تحييه فيخبرهم من قتله لأنّه بات سالما و أصبح مذبوحا من أذنه إلى أذنه و يطالب بدمه خمسون رجلا يقصد بعضهم فاكشف الشكّ و الريب يا أخا محمّد قال الإمام: قتله عمّه لأنّه زوّجه ابنته فخلاها و تزوّج بغيرها فقتله حنقا عليه فقال الأعرابي: لسنا نقطع بقولك فإنّا نريد أن يشهد الغلام لنفسه عند أهله من قتله لترتفع الفتنة و السيف و القتال، فعند ذلك قام الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فحمد اللّه و أثنى عليه و ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و صلّى عليه و قال (عليه السّلام): يا أهل الكوفة ما بقرة بني إسرائيل بأجلّ عند اللّه منّي قدرا و أنا أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحييت بها ميّتا بعد سبعة أيّام، ثمّ دنا أمير المؤمنين (عليه السّلام) من الميّت و قال: إنّ بقرة بني إسرائيل ضرب بعضها على الميّت و عاش و إني لأضرب هذا الميّت ببعضي لأنّ بعضي خير من البقرة كلّها ثمّ هزّه برجله اليمنى و قال: قم بإذن اللّه يا مدركة بن حنظلة بن غسان بن بحير بن قهرب بن سلامة بن الطيب بن الأشعث فقد أحياك اللّه على يد علي بن أبي طالب (عليه السّلام).

قال ميثم التمّار: فنهض غلام أضوأ من الشمس أضعافا و من القمر أوصافا فقال: لبيك لبيك يا حجّة اللّه على الأنام المتفرّد بالفضل و الإنعام فعند ذلك قال: يا غلام من قتلك؟

قال: قتلني عمّي الحارث بن غسّان، قال له الإمام: انطلق إلى قومك فأخبرهم بذلك، فقال له: يا مولاي لا حاجة بي إليهم أخاف أن يقتلوني مرّة اخرى و لا يكون عندي من يحييني، قال: فالتفت الإمام إلى صاحبه و قال له: امض إلى أهلك فأخبرهم، قال: يا مولاي و اللّه لا افارقك، بل أكون معك حتّى يأتي اللّه بأجلي من عنده فلعن اللّه من اتضح له الحق و جعل بينه و بين الحق سترا، و لم يزل بين يدي أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتى قتل بصفّين، ثمّ إنّ أهل الكوفة رجعوا إلى الكوفة و اختلفوا أقوالا فيه‏ (1).

الخبر الثاني عشر: في الدمعة عن رجال الكشي عن أحمد بن علي بن كلثوم السرخسي قال: رأيت رجلا يعرف بأبي زينبة فسألني عن أحكم بن بشار المروزي و عن قصته و عن الأثر

____________

(1)- مدينة المعاجز: 1/ 251 و فيه: عمّي حريث بن رفعة بدل الحارث بن غسّان.

271

الذي في حلقه، و قد كنت رأيت في بعض حلقه شبه الخيط كأنّه أثر الذبح فقلت له: قد سألته مرارا فلم يخبرني قال: فقال كنّا سبعة نفر في حجرة واحدة ببغداد في زمان أبي جعفر الثاني (عليه السّلام) فغاب عنّا أحكم من عند القصر و لم يرجع إلينا في تلك الليلة، فلمّا كان في جوف الليل جاء لنا توقيع من أبي جعفر الثاني (عليه السّلام) أنّ صاحبكم الخراساني مذبوح مطروح في لبد (1) في مزبلة كذا و كذا فاذهبوا و داووه بكذا و كذا فذهبنا و وجدناه مذبوحا مطروحا كما قال (عليه السّلام) فحملناه فداويناه بما أمر به فبرئ من ذلك. قال أحمد بن علي: كانت قصّته أنّه تمتّع ببغداد في دار قوم فعلموا به و أخذوه و ذبحوه و درجوه في لبد و طرحوه في مزبلة. قال أحمد: و كان أحكم إذا ذكر عنده الرجعة فأنكرها أحد يقول: أنا أحد المكرورين‏ (2).

الخبر الثالث عشر: في الدمعة عن مفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): كيف كانت ولادة فاطمة؟

قال (عليه السّلام): نعم، إنّ خديجة (عليها السّلام) لما تزوّج بها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هجرتها نسوان مكة فلم يدخلن عليها و لم يسلّمن و لا تركن امرأة تدخل عليها، و استوحشت خديجة لذلك و كان جزعها و غمّها حذرا عليه، فلمّا حملت بفاطمة (عليها السّلام) كانت فاطمة تحدّثها في بطنها و تصبرها و كانت تكتم ذلك من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فدخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يوما فسمع خديجة تحدّث فاطمة فقال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني أنّها انثى و أنّها النسلة الطاهرة الميمونة و أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل نسلي منها و سيجعل من نسلها أئمّة يجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه فلم تزل خديجة على ذلك إلى أن حضرت ولادتها فوجّهت إلى نساء قريش و بني هاشم أن تعالين لتلين منّي ما تلي النساء من النساء فأرسلن إليها: أنت عصيتنا و لم تقبلي قولنا و تزوّجت محمّدا يتيم أبي طالب، فقيرا لا مال له فلسنا نجي‏ء و لا نلي من أمرك شيئا فاغتمّت خديجة لذلك، فبينا هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنّهنّ من نساء بني هاشم ففزعت منهنّ لمّا رأتهنّ فقالت إحداهنّ: لا تحزني يا خديجة إنّا رسل ربّك إليك و نحن أخواتك أنا سارة و هذه آسية بنت مزاحم و هي رفيقتك في الجنّة و هذه مريم بنت عمران و هذه كلثوم اخت موسى بن عمران بعثنا اللّه إليك لنلي منك ما تلي النساء من‏

____________

(1)- اللبد: بساط من صوف أو غيره يجعل على ظهر الفرس.

(2)- مناقب آل أبي طالب: 3/ 501.

272

النساء فجلست واحدة عن يمينها و اخرى عن يسارها و الثالثة بين يديها و الرابعة من خلفها فوضعت فاطمة (عليه السّلام) طاهرة مطهّرة (1).

الخبر الرابع عشر: و فيه عن قصص الراوندي عن ابن عبّاس في حديث طويل إلى أن قال: ثمّ إنّ إلياس نزل و استخفى عند أمّ يونس بن متى ستّة أشهر و يونس مولود ثمّ عاد إلى مكانه فلم يلبث إلّا يسيرا حتّى مات ابنها حين فطمته فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس و رقت الجبال حتّى وجدت إلياس فقالت: إنّي فجعت بموت ابني و ألهمني اللّه عزّ و جلّ الاستشفاع بك إليه ليحيي لي ابني فإنّي تركته بحاله و لم أدفنه و أخفيت مكانه فقال لها: و متى مات ابنك؟

قالت: اليوم سبعة أيّام، فانطلق إلياس و صار سبعة أيام اخرى حتّى انتهى إلى منزلها فرفع يديه بالدعاء و اجتهد حتّى أحيى اللّه تعالى جلّت عظمته بقدرته يونس، فلمّا عاش انصرف الياس، و لما صار ابن أربعين سنة أرسله اللّه تعالى إلى قومه كما قال‏ وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏ الحديث‏ (2) (3).

الخبر الخامس عشر: عن تفسير علي بن إبراهيم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: جاء جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل بالبراق إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى أن قال: ثمّ ركبت فمضينا حتّى انتهينا إلى بيت المقدس فربطت البراق بالحلقة التي كانت الأنبياء تربط بها فدخلت المسجد و معي جبرائيل إلى جنبي فوجدنا إبراهيم و موسى و عيسى فيمن شاء اللّه من أنبياء اللّه قد جمعوا إليّ و اقيمت الصلاة و لا أشكّ إلّا و جبرئيل يستقدمنا، فلمّا استووا أخذ جبرئيل بعضدي فقدمني و أممتهم و لا فخر، و فيه دلالة على أنّ إبراهيم و موسى و عيسى و الأنبياء جميعا رجعوا إلى الدنيا و أحياهم اللّه تعالى في ليلة الإسراء ليصلّوا مع رسول اللّه‏ (4).

____________

(1)- دلائل الإمامة: 77 و أمالي الصدوق: 691.

(2)- سورة الصافات: 147.

(3)- مجمع البيان: 8/ 457.

(4)- تفسير القمي: 2/ 3 مطلع سورة بني إسرائيل.

273

الفرع الثاني في الآيات القرآنية المشعرة بالرجعة عموما

الآية الاولى: قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ‏ (1).

عن المنتخب: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه: جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ قال: الأنبياء رسول اللّه و إبراهيم و إسماعيل و ذريّته و الملوك الأئمّة قيل له: و أي ملك أعطيتم؟ فقال: ملك الجنّة و ملك الكرّة (2).

الآية الثانية: قوله تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏ (3).

عن الكافي: عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: وجدنا في كتاب علي (عليه السّلام) أنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين أنا و أهل بيتي الذين أورثنا الأرض و نحن المتّقون و الأرض كلّها لنا من أحيى أرضنا من المسلمين فليعمرها و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي و له ما أكل منها فإن تركها أو خراجها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها و أحياها فهو أحقّ بها من الذي تركها و ليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي و له ما أكل حتّى يظهر القائم (عج) من أهل بيتي بالسيف فيحويها و يمنعها و يخرجهم منها كما حواها رسول اللّه و منعها إلّا ما كان في أيدي شيعتنا فإنّه يقاطعهم على ما في أيديهم و يترك الأرض في أيديهم‏ (4).

الآية الثالثة: قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ (5) الآية.

عن الكافي: عن أحمد بن حمّاد عن أبيه عن أبي الحسن الأوّل (عليه السّلام) قال: قلت له: جعلت‏

____________

(1)- سورة المائدة: 20.

(2)- مختصر البصائر: 28 و البرهان: 1/ 255 ح 2.

(3)- سورة الأعراف: 128.

(4)- الكافي: 1/ 407 ح 1.

(5)- سورة الرعد: 31.

274

فداك أخبرني عن النبي ورث النبيّين كلّهم؟

قال: نعم، قلت: من لدن آدم حتّى انتهى إلى نفسه؟ قال: ما بعث اللّه نبيّا إلّا و محمّد أعلم منه، قال: قلت: إنّ عيسى ابن مريم كان يحيي الموتى بإذن اللّه تعالى؟ قال: صدقت و سليمان بن داود كان يفهم منطق الطير و كان رسول اللّه يقدر على هذه المنازل إلى أن قال:

و إنّ اللّه يقول في كتابه‏ وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ (1) و قد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال و تقطع به البلدان و تحيى به الموتى ... الحديث‏ (2).

الآية الرابعة: قوله تعالى: قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى‏ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ‏ (3).

عن كتاب منتخب البصائر و تفسير البرهان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ إبليس قال: أنظرني إلى يوم يبعثون فأبى اللّه ذلك عليه و قال: إنّك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، ظهر إبليس لعنه اللّه في جميع أشيائه منذ خلق اللّه آدم إلى يوم الوقت المعلوم و هي آخر كرّة يكرّها أمير المؤمنين (عليه السّلام)، فقلت: و إنّها لكرّات؟

قال: نعم إنّها لكرّات و كرّات، ما من إمام في قرن إلّا و يكرّ معه البرّ و الفاجر في دهره حتّى يديل اللّه المؤمن من الكافر فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرّ أمير المؤمنين في أصحابه و جاء إبليس في أصحابه و يكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال لها الروحاء قريبا من كوفتكم فيقتتلون قتالا لم يقتل مثله منذ خلق اللّه عزّ و جلّ العالمين. و رواية اخرى في المحجّة في ذيل هذه الآية في الغصن الذي فيه الآيات المؤوّلة بقيام القائم (عليه السّلام)(4).

الآية الخامسة: قوله تعالى: فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما إلى قوله تعالى: وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (5) عن المقتضب و تفسير البرهان عن سلمان قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يوما فلمّا نظر إليّ قال:

يا سلمان إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يبعث نبيّا و لا رسولا إلّا جعل له اثني عشر نقيبا، قال: قلت‏

____________

(1)- سورة الرعد: 31.

(2)- الكافي: 1/ 226 ح 7.

(3)- سورة الحجر: 36- 38.

(4)- مختصر الدرجات: 27 و مدينة المعاجز: 3/ 101.

(5)- سورة الإسراء: 6.

275

يا رسول اللّه لقد عرفت هذا من أهل الكتابين؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا سلمان فهل علمت من نقبائي الاثنا عشر الذين اختارهم اللّه للإمامة من بعدي؟ فقلت: اللّه و رسوله أعلم، قال: يا سلمان خلقني اللّه من صفوة نوره و دعاني فأطعته و خلق من نوري نور علي (عليه السّلام) فدعاه إلى طاعته فأطاعه و خلق من نوري و نور علي فاطمة (عليها السّلام) فدعاها فأطاعته و خلق منّي و من علي و فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه فسمّانا اللّه عزّ و جلّ بخمسة أسماء من أسمائه، فاللّه المحمود و أنا محمّد و اللّه العلي و هذا علي و اللّه الفاطر و هذه فاطمة و اللّه ذو الإحسان و هذا الحسن و اللّه المحسن و هذا الحسين، ثمّ خلق منّا و من نور الحسين (عليه السّلام) تسعة أئمّة فدعاهم فأطاعوا قبل أن يخلق اللّه عزّ و جلّ سماء مبنية أو أرضا مدحية أو هواء أو ماء أو ملكا أو بشرا و كنّا بعلمه أنوارا نسبّحه و نسمع له و نطيع، فقال سلمان: قلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي ما لمن عرف هؤلاء؟ فقال: يا سلمان من عرفهم حقّ معرفتهم و اقتدى بهم فوالى وليّهم و تبرّأ من عدوّهم فهو و اللّه منّا، يرد حيث نرد و يسكن حيث نسكن، قال قلت: يا رسول اللّه فهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم و أنسابهم؟

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا يا سلمان، قلت: يا رسول اللّه فأنّى لي بهم قد عرفت إلى الحسين؟ قال: ثمّ سيّد العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام) ثمّ ابنه محمّد بن علي باقر علم الأوّلين من النبيّين و المرسلين ثمّ جعفر بن محمد لسان اللّه الصادق ثمّ موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبرا في اللّه ثمّ علي بن موسى الرضا لأمر اللّه ثمّ محمّد بن علي المختار من خلق اللّه ثمّ علي بن محمّد الهادي إلى اللّه ثمّ الحسن بن علي الصامت الأمين على سرّ اللّه ثمّ فلان سماه باسمه ابن الحسن المهدي (عج) الناطق القائم بحق اللّه، قال سلمان: فبكيت ثمّ قلت: يا رسول اللّه فأنّى لسلمان بإدراكهم؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا سلمان إنّك مدركهم و أمثالك و من تولّاهم بحقيقة المعرفة فشكرت اللّه كثيرا، ثمّ قلت: يا رسول اللّه إنّي مؤجل إلى عهدهم؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا سلمان اقرأ فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ‏

276

وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (1) قال سلمان: فاشتدّ بكائي و شوقي و قلت: يا رسول اللّه بعهد منك؟

فقال: إي و الذي أرسل محمّدا إنّه لبعهد منّي و بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و تسعة أئمّة و كلّ من هو منّا و مظلوم فينا إي و اللّه يا سلمان ثمّ ليحضرن إبليس و جنوده و كلّ من محض الإيمان محضا و محض الكفر محضا حتّى يؤخذ بالقصاص و الأوتار (2) و لا يظلم ربّك أحدا و نحن‏ (3) تأويل هذه الآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (4) قال سلمان رضي اللّه عنه: فقمت من بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ما يبالي سلمان متى لقي الموت أو لقيه الموت‏ (5).

الآية السادسة: قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ (6) عن القمّي عن عمّار بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ قال: نحن و اللّه أولو النهى، فقلت: جعلت فداك و ما معنى اولي النهى؟ قال: ما أخبر اللّه به رسوله ممّا يكون بعده من ادعاء أبي فلان الخلافة و القيام بها و الآخر من بعده و الثالث من بعدهما و بني امية فأخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و كان ذلك كما أخبر اللّه به نبيّه، و كما أخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليّا (عليه السّلام)، و كما انتهى إلينا من علي فيما يكون من بعده من الملك في بني امية و غيرهم، فهذه الآية التي ذكرها اللّه تعالى في الكتاب‏ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى‏ الذي انتهى إلينا علم هذا كلّه فصبرنا لأمر اللّه فنحن قوّام اللّه على خلقه و خزّانه على دينه نخزنه و نستره و نكتتم به من عدوّنا كما اكتتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حتّى أذن اللّه له في الهجرة و جاهد المشركين فنحن على منهاج رسول اللّه حتّى يأذن اللّه لنا في إظهار دينه بالسيف و ندعو الناس إليه فنضربهم عليه عودا كما ضربهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بدءا (7).

الآية السابعة: قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ‏ (8) عن تأويل الآيات عن أبي جعفر (عليه السّلام): الصالحون‏

____________

(1)- سورة الاسراء: 5- 6.

(2)- في بعض نسخ المصدر زيادة: و الأثوار.

(3)- في المصدر: و يحقق.

(4)- سورة القصص: 5- 6.

(5)- دلائل الإمامة: 234 ط. الأعلمي.

(6)- سورة طه: 54.

(7)- تفسير القمّي: 2/ 61.

(8)- سورة الأنبياء: 105- 106.

277

هم آل محمّد، العابدون هم شيعتنا (1).

و عن البحار و العوالم أخبر اللّه تعالى نبيّه في كتابه ما يصيب أهل بيته بعده من القتل و الغصب و البلاء ثمّ يردهم إلى الدنيا و يقتلون أعداءهم و يملكهم الأرض و هو قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (2) و قوله:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ‏ (3) الآية (4).

الآية الثامنة: قوله تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (5).

عن كامل الزيارة في الباب الثامن عشر عن أبي جعفر (عليه السّلام) في قوله: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ‏ الآية قال: في القائم و أصحابه‏ (6).

و اذن ماض، و معلوم أنّ مضارعا متحقّقا وقوعه بمنزلة الماضي.

الآية التاسعة: قوله تعالى‏ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (7) عن تفسير القمّي عن أبي جعفر (عليه السّلام) الآية لآل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى آخر الأئمّة و المهدي (عج) و أصحابه يملّكهم اللّه مشارق الأرض و مغاربها و يظهر الدين و يميت اللّه به و بأصحابه البدع و الباطل كما أمات السفهاء الحقّ، لا يرى أثر الظلم و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر (8).

الآية العاشرة: قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (9) دلّت الآية بمنطوقها على وعد اللّه باستخلاف من اتصف بهذه الصفات و ليس هو إلّا الأئمّة (عليهم السّلام) و حيث إنّهم (صلوات اللّه عليهم) لم يحصل‏

____________

(1)- تأويل الآيات: 1/ 332.

(2)- سورة الأنبياء: 105.

(3)- سورة النور: 55.

(4)- البحار: 53/ 117 عن علل الشرائع لمحمد بن علي بن إبراهيم.

(5)- سورة الحجّ: 39.

(6)- في كامل الزيارات المطبوع: 135 أنها في علي و الحسن و الحسين، و في غيبة النعماني: 241، انّها في القائم و أصحابه.

(7)- سورة الحج: 41.

(8)- تفسير القمّي: 1/ 108.

(9)- سورة النور: 55.

278

لهم التمكين التام فيما مضى بالبداهة لغلبة الظالمين و المنافقين فدار الأمر بين أن يخلف وعده أو ينجزه، لا سبيل إلى الأوّل لاستلزامه الكفر فتعيّن الثاني، و لمّا لم يحصل فيما مضى تعيّن أن يكون إنجاز هذا الوعد بالرجعة فثبت المطلوب منها و تكون نصّا في الرجعة و به صرّح غير واحد.

و عن مناقب الطاهرين للشيخ الجليل الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الطبري المازندراني بعد ذكر الآية أنّ من دور آدم إلى يومنا هذا لم يمكن أصلا أنّ جميع العالم يعبدون اللّه تعالى و ليس يشركون به فعلم من هنا أنّ هذه الحال منتظرة بدليل أنّه تعالى ذكر ذلك بلفظ الاستقبال بالسين و فيه تراخ و استقبال أيضا و ليس للمخالف أن يقول المراد به الخلفاء الثلاثة لأنّ في زمانهم كانت الدنيا مملوءة من الشرك و قليل من الإسلام و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أخبر نقلا عن كتبهم: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي و كنيته كنيتي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما (1).

و عن الكافي عن عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ‏ قال: هم الأئمّة (عليهم السّلام)(2).

الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ‏ (3) عن تأويل الآيات عن ابن عبّاس: هذه نزلت فينا و في بني اميّة تكون لنا عليهم دولة تذلّ أعناقهم لنا بعد صعوبة، و هوان بعد عزّ (4).

الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها (5) عن القمي: الآيات أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الأئمّة إذا رجعوا يعرفهم أعداؤهم إذا رأوهم في الدنيا، انتهى‏ (6).

الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ‏

____________

(1)- مناقب أمير المؤمنين: 2/ 173.

(2)- الكافي: 1/ 193 ح 3.

(3)- سورة الشعراء: 4.

(4)- تأويل الآيات: 1/ 386، و بحار الأنوار: 53/ 109.

(5)- سورة النمل: 93.

(6)- مختصر البصائر: 44 و تفسير القمّي: 1/ 479.

279

أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (1).

عن مجمع البيان قد صحّت الرواية عن أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) أنّه قال: و الذي فلق الحبّة و برأ النسمة لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس‏ (2) على ولدها، و تلا عقيب ذلك: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏ الآية. و روى العياشي بالإسناد عن أبي الصباح الكناني قال: نظر أبو جعفر (عليه السّلام) إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال: هذا و اللّه من الذين قال اللّه: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏ الآية، انتهى‏ (3). و في حديث مفضل ابن عمر المذكور سابقا عن الصادق (عليه السّلام): ثمّ يظهر السيّد الأكبر محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في أنصاره و المهاجرين إليه و من آمن به و صدّقه و استشهد معه و يحضر مكذّبوه و الشاكّون فيه و المكفّرون له و القائلون فيه: إنّه ساحر و كاهن و مجنون و معلّم و شاعر و ناطق عن الهوى، و من حاربه و قاتله حتّى يقتصّ منهم بالحقّ و يجازون بأفعالهم منذ وقت ظهر رسول اللّه إلى وقت ظهور المهدي مع إمام إمام و وقت وقت و يحق تأويل هذه الآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ جُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ‏ (4).

قال المفضّل: قلت: يا سيدي من هامان و فرعون؟

قال (عليه السّلام): الأوّل و الثاني ينبشان و يحييان إلى أن قال: لكأنّي أنظر يا مفضّل إلى معاشر الأئمّة و نحن بين يدي جدّنا رسول اللّه نشكو إليه ما نزل بنا من الامّة بعده و ما نالنا من التكذيب و الردّ علينا و سبّنا و لعننا و تخويفنا بالقتل، و قصد طواغيتهم الولاة لامورهم إيّانا من دون الامّة بترحّلنا من حرمه إلى دار ملكهم و قتلهم إيّانا بالسمّ و الحبس و الكيد العظيم فيبكي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يقول: ما نزل بكم إلّا ما نزل بجدّكم قبلكم و لو علمت طواغيتهم و ولاتهم أنّ الحق و الهدى و الإيمان و الوصية في غيركم لطلبوه.

و عن البرهان عن الباقر و الصادق (عليه السّلام): إنّ فرعون و هامان هنا هما شخصان من جبابرة

____________

(1)- سورة القصص: 5- 6.

(2)- الضروس: الناقة السيئة الخلق تعضّ حالبها.

(3)- مجمع البيان: 4/ 239 و نهج البلاغة: 4/ 47 (محمد عبده).

(4)- البحار: 53/ 17.

280

قريش يحييهما اللّه تعالى عند قيام القائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في آخر الزمان فينتقم منهما بما أسلفا (1).

الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ (2) عن القمّي عن علي بن الحسين: في هذه الآية يرجع إليكم نبيّكم و أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الأئمّة (عليهم السّلام)(3).

الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (4) في حديث المفضّل سئل الصادق (عليه السّلام) عن هذه الآية: يا مولاي فما العذاب الأدنى و ما العذاب الأكبر؟

قال الصادق (عليه السّلام): العذاب الأدنى عذاب الرجعة و العذاب الأكبر عذاب يوم القيامة الذي تبدّل الأرض غير الأرض و برزوا للّه الواحد القهّار (5).

الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (6) عن القمّي عن جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قلت قول اللّه تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ قال: ذلك و اللّه في الرجعة أ ما علمت أنّ أنبياء اللّه كثير لم ينصروا في الدنيا و قتلوا، و الأئمّة من بعدهم قتلوا و لم ينصروا و ذلك في الرجعة (7). و كذا في منتخب البصائر مثله‏ (8).

الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ‏ (9). عن القمي:

يريكم آياته يعني أمير المؤمنين و الأئمّة في الرجعة فإذا رأوهم قالوا آمنا باللّه وحده و كفرنا بما كنّا به مشركين أي جهدنا بما أشركناهم فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنّة اللّه التي قد خلت في عباده و خسر هنالك الكافرون‏ (10).

____________

(1)- تفسير البرهان: 3/ 220 ح 1، و المحجّة: 168.

(2)- سورة القصص: 85.

(3)- تفسير القمي: 2/ 147.

(4)- سورة السجدة: 21.

(5)- بحار الأنوار: 53/ 29.

(6)- سورة غافر: 51.

(7)- تفسير القمي: 2/ 258.

(8)- مختصر بصائر الدرجات: 45.

(9)- سورة غافر: 81.

(10)- تفسير القمي: 2/ 256 بلفظ: يعني الأئمّة.

281

الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (1) يعني فإنهم يرجعون أي الأئمة إلى الدنيا (2).

الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (3) عن القمي: الْإِنْسانَ‏ رسول اللّه، بِوالِدَيْهِ‏ إنّما عنى الحسن و الحسين (عليهما السّلام) ثم عطف على الحسين فقال: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً و وضعته كرها و ذلك أنّ اللّه أخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بشّره بالحسين قبل حمله و أنّ الإمامة تكون في ولده إلى يوم القيامة، ثمّ أخبره بما يصيبه من القتل و المصيبة في نفسه و ولده، ثمّ عوضه بأن جعل الإمامة في عقبه و أعلمه أنّه يقتل ثمّ يرده إلى الدنيا و ينصره حتّى يقتل أعداءه و يملكه الأرض و هو قوله تعالى: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ‏ (4) الآية، و قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ‏ (5) فبشّر اللّه تعالى نبيّه: إنّ أهل بيتك يملكون الأرض و يرجعون إليها و يقتلون أعداءهم، فأخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاطمة (عليها السّلام) بخبر الحسين و قتله فحملته كرها، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): فهل رأيتم أحدا يبشّر بولد ذكر فتحمله كرها أي إنّها اغتمّت و كرهت لما أخبرت بقتله و وضعته كرها لما علمت من ذلك و كان بين الحسن و الحسين طهر واحد و كان الحسين في بطن أمّه ستّة أشهر و فصاله أربعة و عشرون شهرا و هو قول اللّه تبارك و تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (6) (7).

الآية العشرون: قوله تعالى: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها (8) في تفسير الفرات عن قول اللّه تعالى: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها قال: محمد رسول اللّه: وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها قال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام): وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها هم آل محمّد (صلوات اللّه عليهم) و هما الحسن و الحسين‏ (9).

____________

(1)- سورة الزخرف: 28.

(2)- تفسير القمّي.

(3)- سورة الاحقاف: 15.

(4)- سورة القصص: 6.

(5)- سورة الأنبياء: 105.

(6)- سورة الاحقاف: 15.

(7)- تفسير القمي: 2/ 297.

(8)- سورة الشمس: 2.

(9)- تفسير العياشي: 2/ 257.

282

و فيه أيضا عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: قال الحارث الأعور للحسين (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه جعلت فداك أخبرني عن قول اللّه في كتابه‏ وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها قال: ويحك يا حارث ذاك محمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: قلت: جعلت فداك قوله‏ وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها قال ذاك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يتلو محمّدا، قال: قلت: قوله‏ وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها قال (عليه السّلام): ذاك القائم (عج) من آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يملأ الأرض عدلا و قسطا (1).

____________

(1)- المصدر السابق.

283

الفرع الثالث في الآيات المؤوّلة بالرجعة المطلقة

الآية الاولى: قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ‏ (1) عن مشارق الأنوار: الغيب ثلاثة:

يوم الرجعة و يوم القيامة و يوم القائم و هي أيّام آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(2).

الآية الثانية: قوله تعالى: وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ‏ (3) في الدمعة عن منتخب البصائر عن جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) سئل عن قول اللّه‏ وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ‏ الخ فقال: يا جابر أ تدري ما سبيل اللّه؟

قلت: لا و اللّه إلّا إذا سمعت منك، فقال: القتل في سبيل اللّه علي و ذريته، من قتل في ولايته قتل في سبيل اللّه و ليس أحد يؤمن بهذه الآية إلّا و له قتلة و ميتة، إنّه من قتل فينشر حتّى يموت و من مات ينشر حتّى يقتل‏ (4). أقول: لعلّ المراد بالحشر (5) الرجعة.

الآية الثالثة: قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ (6) عن مجمع البيان: استدلّ قوم من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة و قول من قال إنّ الرجعة لا تجوز إلّا في زمن النبيّ لتكون معجزا له و دلالة على نبوّته باطل لأنّ عندنا، بل عند أكثر الامّة يجوز إظهار المعجزات على أيدي الأئمّة و الأولياء، و الأدلّة على ذلك مذكورة في كتب الاصول. أقول: و يعلم من قوله‏ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ أنّ الشكر إنّما يكون لكونها دار التكليف و إنّما يقع الشكر منهم لرجعتهم و التشفّي لمن ينتقم و هو ساقط عنهم يوم القيامة فيكون ذلك دليلا على وقوعه في الرجعة فإنّها حق‏ (7).

الآية الرابعة: قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏ (8) في الدمعة عن تفسير كنز الدقائق‏

____________

(1)- سورة البقرة: 3.

(2)- مشارق أنوار اليقين: 295 ط. الأعلمي بتحقيقنا.

(3)- سورة آل عمران: 157- 158.

(4)- تفسير العيّاشي: 1/ 202.

(5)- بالنشر.

(6)- البقرة: 56.

(7)- مجمع البيان: 1/ 223.

(8)- سورة آل عمران: 185.

284

عن زرارة: قلت للباقر (عليه السّلام): فإنّ اللّه يقول‏ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏ من قتل لم يذق الموت، قال: لا بدّ من أن يرجع حتّى يذوق الموت‏ (1).

و عن تفسير نور الثقلين عن أبي جعفر (عليه السّلام): كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏ أو منشورة نزل بها على محمّد ليس أحد من هذه الامّة إلّا و ينشر فأمّا المؤمنون فينشرون إلى قرّة عين، و أمّا الفجّار فينشرون إلى خزي اللّه إيّاهم‏ (2).

الآية الخامسة: قوله تعالى: وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (3) عن تفسير الكشّاف قيل: الضمير متعلق بعيسى بمعنى و إن منهم أحد إلّا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى و هم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله، روي أنّه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلّا ليؤمننّ به حتّى تكون الملّة واحدة فهي ملّة الإسلام و يهلك اللّه في زمانه المسيح الدجّال و تقع الأمنة حتّى ترتع الأسود مع الإبل و النسور مع البقر و الذئاب مع الغنم و يلعب الصبيان بالحيات و يلبث في الأرض أربعين سنة ثمّ يتوفّى و يصلّي عليه المسلمون و يدفنونه‏ (4).

و عن تفسير علي بن إبراهيم عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجّاج: يا شهر آية في كتاب اللّه قد أعيتني فقلت: أيها الأمير أيّة آية؟ فقال: قوله‏ وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ‏ و اللّه انّي لآمر اليهودي و النصراني فيضرب‏ (5) عنقه ثمّ أرمقه بعيني فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يخمد، فقلت: أصلح اللّه الأمير ليس على ما تأوّلت قال: كيف هو؟ قلت:

إنّ عيسى (عليه السّلام) ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملّة، يهودي و لا غيره إلّا آمن قبل موته و يصلّي خلف المهدي، قال: ويحك أنّى لك هذا و من أين جئت؟ فقلت: حدّثني به محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال: جئت بها و اللّه من عين صافية (6).

الآية السادسة: قوله تعالى: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ‏ (7) في‏

____________

(1)- تفسير كنز الدقائق: 2/ 249 و تفسير العياشي: 1/ 202.

(2)- تفسير كنز الدقائق: 2/ 305.

(3)- سورة النساء: 159.

(4)- تفسير كنز الدقائق: 2/ 679، و قصص الأنبياء لابن كثير: 2/ 467 بتفاوت.

(5)- في بعض النسخ: فأضرب.

(6)- تفسير القمي: 1/ 158.

(7)- سورة الأعراف: 159.

285

الدمعة عن الطبرسي اختلفت في هذه من هم على أقوال أحدها أنّهم قوم من وراء الصين و بينهم و بين الصين واد جار من الرمل لم يغيّروا و لم يبدلوا (1).

و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السّلام)، إلى أن قال: و قيل: إنّ جبرئيل انطلق بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليلة المعراج إليهم فقرأ عليهم من القرآن عشر سور نزلت بمكة فآمنوا به و صدّقوه و أمرهم أن يقيموا مكانهم و يتركوا السبت و أمرهم بالصلاة و الزكاة و لم تكن نزلت فريضة غيرهما ففعلوا، ثمّ قال (رحمه اللّه): و روى أصحابنا أنّهم يخرجون مع قائم آل محمّد (2).

و عن المفيد في الإرشاد عن مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: يخرج مع القائم من ظهر الكوفة سبعة و عشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق و به يعدلون و سبعة من أهل الكهف و يوشع بن نون و سلمان و أبو دجانة الأنصاري و المقداد بن الأسود و مالك الأشتر فيكونون بين يديه أنصارا و حكّاما (3). و عن تفسير البرهان عن مفضّل عنه (عليه السّلام) قريب من هذا باختلاف يسير (4).

الآية السابعة: قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً (5) الآية، عن الشيخ حسن بن سليمان في منتخب البصائر عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏ الخ فقال: ذلك في الميثاق ثمّ قرأت‏ التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ‏ (6) فقال أبو جعفر (عليه السّلام): لا تقرأ هكذا و لكن اقرأ: التائبين العابدين، إلى آخر الآية، ثمّ قال: إذا رأيت هؤلاء فعند ذلك هؤلاء اشترى منهم أنفسهم و أموالهم يعني في الرجعة. ثمّ قال أبو جعفر (عليه السّلام): ما من مؤمن إلّا و له ميتة و قتلة، من مات بعث حتّى يقتل و من قتل بعث حتّى يموت‏ (7).

الآية الثامنة: قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ‏ (8) عن علي بن إبراهيم في هذه الآية قال:

نزلت في الرجعة كذّبوا بها أي إنّها لا تكون، ثمّ قال: وَ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ‏

____________

(1)- تفسير مجمع البيان: 4/ 376.

(2)- تفسير مجمع البيان: 4/ 377.

(3)- الكنى و الألقاب: 1/ 66.

(4)- اعلام الورى: 2/ 292 و كشف الغمة: 3/ 265.

(5)- سورة التوبة: 111.

(6)- سورة التوبة: 112.

(7)- تفسير العياشي: 2/ 118- 119.

(8)- سورة يونس: 39.

286

بِهِ وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ‏ (1).

الآية التاسعة: قوله تعالى: وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ‏ (2) الآية في الدمعة عن تفسير علي بن إبراهيم‏ وَ إِمَّا نُرِيَنَّكَ‏ يا محمّد بعض الذي نعدهم من الرجعة و قيام القائم أو نتوفينّك قبل ذلك فإلينا مرجعهم ثمّ اللّه شهيد على ما يفعلون‏ (3).

الآية العاشرة: قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ‏ (4) الآية.

عن علي بن إبراهيم، ثمّ قال: و لو انّ لكلّ نفس ظلمت آل محمّد حقّهم ما في الأرض جميعا لافتدت به في ذلك الوقت يعني الرجعة (5).

الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‏ أُمَّةٍ (6) عن تفسير علي ابن إبراهيم إن متعناهم في هذه الدنيا إلى خروج القائم فنردهم و نعذّبهم‏ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ‏ أي يقولون أما لا يقوم القائم و لا يخرج على حدّ الاستهزاء فقال اللّه تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (7) و الامّة المعدودة أصحاب القائم الثلاثمائة و البضعة عشر (8).

الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ‏ (9) عن منتخب البصائر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أيّام اللّه ثلاثة، يوم القائم و يوم الكرّة و يوم القيامة (10). و عن البرسي: أنّ يوم القائم يوم آل محمد و يوم الكرة يوم آل محمد و يوم القيامة يوم آل محمد، لأنّهم الشهداء على الامم في دار الفناء و الشفعاء لمسيئي شيعتهم في دار البقاء فمن لم يؤمن بيوم القيامة لم يؤمن باللّه فأولئك هم الكافرون‏ (11).

الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏ (12) الآية عن تفسير البرهان عن جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن هذه الآية و الذين يدعون الخ‏

____________

(1)- تفسير القمّي: 1/ 312.

(2)- سورة يونس: 46.

(3)- تفسير القمي: 2/ 261.

(4)- يونس: 54.

(5)- تفسير القمي: 1/ 312.

(6)- سورة هود: 8.

(7)- سورة هود: 8.

(8)- تفسير القمّي: 1/ 323.

(9)- سورة إبراهيم: 5.

(10)- تفسير نور الثقلين: 2/ 526 ح 7.

(11). مشارق أنوار اليقين: 295.

(12)- سورة النحل: 20.

287

قال (عليه السّلام): الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ الأوّل و الثاني و الثالث كذّبوا رسول اللّه بقوله: والوا عليا و اتبعوه، فعادوا عليا و لم يوالوه و دعوا الناس إلى ولاية أنفسهم فذلك قول اللّه‏ وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ‏ قال: و أمّا قوله‏ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً لا يعبدون شيئا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ‏ يعني و هم يعبدون و أما قوله: أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ يعني كفّار غير مؤمنين، و أمّا قوله: وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ‏ فإنّه يعني أنّهم لا يؤمنون انّهم يشركون‏ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فانّه كما قال اللّه، و أمّا قوله: فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ‏ فانّه يعني لا يؤمنون بالرجعة أنّها حق ... الخبر (1).

و عن تفسير علي بن إبراهيم عن أبي جعفر (عليه السّلام) قريب من هذا (2).

الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏ (3) عن القمي: أو يأتي أمر ربّك من العذاب و الموت و خروج القائم‏ (4).

الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ‏ (5) عن القمّي: من العذاب في الرجعة (6).

الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى‏ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ‏ (7) عن تفسير القمّي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ما تقول الناس فيها؟

قال: يقولون نزلت في الكفّار، قال: إنّ الكفّار لا يحلفون باللّه و إنّما نزلت في قوم من أمّة محمّد، قيل لهم ترجعون بعد الموت قبل القيامة فيحلفون أنّهم لا يرجعون فردّ اللّه عليهم فقال ليبيّن للذين كفروا أنّهم كانوا كاذبين يعني في الرجعة يردهم فيقتلهم و يشفي صدور المؤمنين منهم‏ (8). و في روضة الكافي و البرهان قريب من هذا (9).

الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ‏ إلى قوله: وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا (10)، و قد ذكرناها مع شطر من الأخبار في‏

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 257.

(2)- تفسير القمي: 1/ 383.

(3)- سورة النحل: 33.

(4)- تفسير القمي: 1/ 385.

(5)- سورة النحل: 34.

(6)- تفسير القمّي: 1/ 385.

(7)- سورة النحل: 38- 39.

(8)- تفسير القمّي: 1/ 385.

(9)- تفسير البرهان: 2/ 368 ح 2.

(10)- سورة الإسراء: 4- 5.

288

الغصن الثاني من هذا الكتاب المؤوّلة بقيام القائم (عجّل اللّه فرجه).

الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (1) عن منتخب البصائر و البرهان عن أبي بصير عن أحدهما: في الآخرة أعمى قال:

في الرجعة (2).

الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً (3) عن تفسير القمّي و منتخب البصائر عن معاوية بن عمّار قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) قول اللّه: فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً قال: هي و اللّه للنصّاب قال: جعلت فداك قد رأيتهم دهرهم الأطول في كفاية حتّى ماتوا قال: ذلك و اللّه في الرجعة يأكلون العذرة (4).

الآية العشرون: قوله تعالى: وَ حَرامٌ عَلى‏ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ‏ (5) عن تفسير القمّي عن محمد بن مسلم عنهما قالا: كلّ قرية أهلك اللّه أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرجعة فهذه الآية من أعظم الدلالات في الرجعة لأنّ أحدا من أهل الإسلام لا ينكر أنّ الناس كلّهم يرجعون إلى يوم القيامة من هلك و لم يهلك فقوله: لا يرجعون يعني في الرجعة فأمّا إلى يوم القيامة فيرجعون، و أمّا من محض الإيمان محضا و غيرهم ممّن لم يهلكوا بالعذاب و محضوا الكفر محضا فيرجعون‏ (6).

الآية الحادية و العشرون: قوله تعالى: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ‏ (7) الأخبار الواردة في ذيل الآية كثيرة منها ما عن تفسير القمّي عن مفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال رجل لعمّار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب اللّه قد أفسدت قلبي و شككتني قال عمّار: و أيّة آية هي؟

قال: قول اللّه‏ وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ‏ الآية، فأيّة دابّة هذه؟ قال عمّار: و اللّه ما أجلس و لا آكل و لا أشرب حتّى أريكها فجاء عمّار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) و هو يأكل تمرا و زبدا فقال: يا أبا اليقظان هلمّ فجلس عمّار و أقبل يأكل معه فتعجّب الرجل منه، فلمّا قام عمّار

____________

(1)- سورة الإسراء: 72.

(2)- مختصر البصائر: 20.

(3)- سورة طه: 124.

(4)- تفسير القمي: 2/ 65.

(5)- سورة الأنبياء: 95.

(6)- تفسير القمي: 1/ 24.

(7)- سورة النمل: 82.

289

قال الرجل: سبحان اللّه يا أبا اليقظان حلفت أنّك لا تأكل و لا تشرب و لا تجلس حتّى ترينيها، قال: قد أريتكها إن كنت تعقل‏ (1):

الآية الثانية و العشرون: قوله تعالى: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ (2) عن منتخب البصائر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه: وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً فقال: ليس أحد من المؤمنين قتل إلّا سيرجع حتّى يموت و لا أحد من المؤمنين مات إلّا سيرجع حتّى يقتل‏ (3).

و فيه عن أبي بصير قال: قال لي أبو جعفر (عليه السّلام): هل ينكر أهل العراق الرجعة؟

قلت: نعم، قال: أ ما يقرءون‏ وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً الآية (4).

الآية الثالثة و العشرون: قوله تعالى: أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ‏ (5) عن تأويل الآيات قال: الموعود علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وعده اللّه تعالى أن ينتقم له من أعدائه في الدنيا أي وعده أن ينتقم من أعدائه في الرجعة و وعده الجنّة له و لأوليائه في الآخرة (6).

الآية الرابعة و العشرون: قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ (7)

عن القمّي سئل أبو جعفر (عليه السّلام) عن جابر فقال: رحم اللّه جابرا بلغ من فقهه أنّه كان يعرف تأويل الآية إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏ مَعادٍ يعني الرجعة (8).

الآية الخامسة و العشرون: قوله تعالى: وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ‏ (9) عن تفسير البرهان عن الصادق (عليه السّلام) في قول اللّه و يومئذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ‏ قال: في قبورهم بقيام القائم (عجّل اللّه فرجه)(10).

الآية السادسة و العشرون: قوله تعالى: وَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ كَذلِكَ تُخْرَجُونَ‏ (11)

عن الكافي عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) قال: ليس يحييها بالقطر و لكن يبعث اللّه رجالا فيحيون‏

____________

(1)- تفسير القمي: 2/ 131.

(2)- سورة النمل: 83.

(3)- منتخب البصائر: 25.

(4)- المصدر السابق.

(5)- سورة القصص: 61.

(6)- تأويل الآيات: 1/ 422 و تفسير البرهان: 3/ 234 ح 2.

(7)- سورة القصص: 85.

(8)- تفسير القمي: 2/ 147.

(9)- سورة الروم: 4- 5.

(10)- تفسير البرهان: 3/ 257 ح 2 و المحجّة: 171.

(11)- سورة الروم: 19.

290

العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل، و لإقامة الحدود فيها أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا (1).

الآية السابعة و العشرون: قوله تعالى: قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ‏ (2) عن روضة الكافي عن الحسن بن شاذان الواسطي قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) أشكو جفاء أهل واسط و حملهم عليّ و كانت عصابة من العثمانية تؤذيني فوقّع (عليه السّلام) بخطّه أنّ اللّه جلّ ذكره أخذ ميثاق أوليائنا على الصبر في دولة الباطل، فاصبر لحكم ربّك فلو قد قام سيّد الخلق لقالوا: يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ‏. و المراد بسيّد الخلق القائم المهدي الحجّة ابن الحسن عجّل اللّه ظهوره آمين ثمّ آمين‏ (3).

الآية الثامنة و العشرون: قوله: وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ (4) و عن منتخب البصائر في خبر جابر كما مرّ في آية كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ‏ عن أبي جعفر (عليه السّلام) أنّه قال: ما في هذه الامّة أحد برّ و لا فاجر إلّا سينشر، فأمّا المؤمنون فينشرون إلى قرّة أعينهم، و أمّا الفجّار فينشرون إلى خزي اللّه إيّاهم، أ لم تسمع انّ اللّه يقول:

وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى‏ دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ (5) و عن القمي: العذاب الأدنى عذاب الرجعة بالسيف‏ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏ يعني فإنّهم يرجعون في الرجعة حتّى يعذّبوا (6). و عن منتخب البصائر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: العذاب الأدنى دابة الأرض‏ (7).

الآية التاسعة و العشرون: قوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً (8) إلى آخر السورة، عن القمّي: الأرض الجرز الأرض الخراب و هو مثل ضربه اللّه في الرجعة و القائم، فلمّا أخبرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بخبر الرجعة قالوا متى هذا الفتح إن كنتم صادقين فقال اللّه قل لهم يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم و لا هم ينظرون فأعرض عنهم يا محمد و انتظر انّهم منتظرون‏ (9).

____________

(1)- الكافي: 7/ 174 ح 2.

(2)- سورة يس: 52.

(3)- الكافي: 8/ 247 ح 346.

(4)- سورة السجدة: 21.

(5)- سورة السجدة: 21.

(6)- تفسير القمّي: 2/ 170.

(7)- مختصر البصائر: 210 و تأويل الآيات: 2/ 444 ح 7.

(8)- سورة السجدة: 27.

(9)- تفسير القمي: 2/ 171.

291

الآية الثلاثون: قوله تعالى حاكيا عن المشركين‏ رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى‏ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ‏ (1) عن منتخب البصائر عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: هو خاص لأقوام في الرجعة بعد الموت و يجري في القيامة، فبعدا للقوم الظالمين‏ (2). عن البحار عن الرضا (عليه السّلام) و اللّه ما هذه الآية إلّا في الكرّة (3).

الآية الحادية و الثلاثون: قوله تعالى: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ‏ (4) الآية سيأتي تفسيرها في سورة الشمس إن شاء اللّه.

الآية الثانية و الثلاثون: قوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ‏- إلى- يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى‏ إِنَّا مُنْتَقِمُونَ‏ (5) عن القمّي قال: ذلك إذا أخرجوا في الرجعة من القبر يغشى الناس كلّهم الظلمة فيقولون: هذا عَذابٌ أَلِيمٌ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ‏ فقال اللّه ردّا عليهم: أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى‏ في ذلك اليوم‏ وَ قَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ‏ أي رسول قد بيّن لهم‏ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ قالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ‏ قال: قالوا ذلك لمّا نزل الوحي على رسول اللّه و أخذه الغشي فقالوا هو مجنون، ثمّ قال: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ‏ يعني إلى القيامة و لو كان قوله: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ‏ في القيامة لم يقل انّكم عائدون لأنّه ليس بعد القيامة و الآخرة حالة يعودون إليها، ثمّ قال: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى‏ يعني في القيامة انّا منتقمون‏ (6).

الآية الثالثة و الثلاثون: قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ‏ (7) عن كتاب تأويل الآيات عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: الأيّام المرجوة ثلاثة يوم قيام القائم و يوم الكرة و يوم القيامة (8).

الآية الرابعة و الثلاثون: قوله تعالى: وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ (9) عن تفسير القمّي قال: ينادي المنادي باسم القائم (عج) و اسم أبيه و قوله: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ قال: صيحة

____________

(1)- سورة غافر: 11.

(2)- مختصر البصائر: 195.

(3)- البحار: 53/ 144 ح 162.

(4)- سورة فصلت: 17.

(5)- سورة الدخان: 10 إلى 16.

(6)- تفسير القمي: 2/ 290.

(7)- سورة الجاثية: 14.

(8)- تأويل الآيات: 2/ 576.

(9)- سورة ق: 41- 42.

292

القائم من السماء ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ‏ هي الرجعة (1).

الآية الخامسة و الثلاثون: قوله تعالى: يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً (2) عن القمّي قال: في الرجعة (3).

الآية السادسة و الثلاثون: قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ‏ (4) في منتخب البصائر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: يكسرون في الكرّة كما يكسر الذهب حتّى يرجع كلّ شي‏ء إلى شبهه يعني إلى حقيقته‏ (5).

الآية السابعة و الثلاثون: قوله تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ‏ (6) عن القمّي المطر ينزل من السماء فيخرج به أقوات العالم من الأرض و ما توعدون من أخبار الرجعة و القيامة و الأخبار التي في السماء ثمّ أقسم عزّ و جلّ بنفسه فقال: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ‏ (7) يعني ما وعدتكم‏ (8).

الآية الثامنة و الثلاثون: قوله تعالى: وَ إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏ (9) عن القمّي و البحار و العوالم و انّ الذين ظلموا آل محمّد حقّهم عذابا دون ذلك قال: عذاب الرجعة بالسيف‏ (10).

الآية التاسعة و الثلاثون: قوله تعالى: وَ الْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى‏ (11) عن القمي: المؤتفكة البصرة و الدليل على ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السّلام): يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة يا جند المرأة و أتباع البهيمة رغا فأجبتم و عقر فانهزمتم‏ (12) ماؤكم زعاق و أحلامكم وفاق‏ (13) و فيكم ختم النفاق و لعنتم على لسان سبعين نبيّا، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أخبرني أن جبرئيل أخبره أنّه طوى له الأرض فرأى البصرة أقرب الأرضين إلى الماء و أبعدها من السماء و فيها تسعة أعشار الشرّ و الداء العضال المقيم فيها بذنب و الخارج منها [متدارك‏] برحمة و قد ائتفكت‏

____________

(1)- تفسير القمّي: 2/ 327.

(2)- سورة ق: 44.

(3)- تفسير القمي: 2/ 327.

(4)- سورة الذاريات: 13.

(5)- مختصر البصائر: 28.

(6)- سورة الذاريات: 22.

(7)- سورة الذاريات: 23.

(8)- تفسير القمي: 2/ 330.

(9)- سورة الطور: 47.

(10)- تفسير القمي: 2/ 170.

(11)- سورة النجم: 53.

(12)- في المصدر: فهربتم.

(13)- في البحار دقاق، و في المصدر: رقاق.

293

بأهلها مرّتين و على اللّه تمام الثالثة، و تمام الثالثة في الرجعة (1).

الآية الأربعون: قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (2) الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): هو العدل بعد الجور (3). في تأويل الآيات و الإكمال باختلاف يسير عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني بموتها كفر أهلها و الكافر ميّت فيحييها اللّه بالقائم (عج) فيعدل فيها فتحيا الأرض و يحيا أهلها بعد موتهم‏ (4).

الآية الحادية و الأربعون: قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (5) في الدمعة عن تفسير كنز الدقائق في الآية قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ‏ يعني عامة الكفّار و قيل اليهود؛ لأنّها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود بأخبار المسلمين ليصيبوا من ثمارهم‏ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ لكفرهم بها أو لعلمهم بأنه لا حظّ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيّد بالمعجزات‏ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أن يبعثوا و يثابوا و ينالهم خير منهم، و على الأوّل وضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على أنّ الكفر آيسهم‏ (6).

الآية الثانية و الأربعون: قوله تعالى: إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ‏ (7) في البحار قال: أي الثاني‏ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ‏ أي أكاذيب الأوّلين‏ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ‏ قال: في الرجعة إذا رجع أمير المؤمنين (عليه السّلام) و يرجع أعداؤه فيسمهم بميسم معه كما توسم البهائم على الخراطيم الانف و الشفتان‏ (8).

الآية الثالثة و الأربعون: قوله تعالى: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ‏ (9) في تفسير البرهان و تأويل الآيات عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يعني خروج القائم (عج) (10). و هذا ممّا يدلّ على الرجعة في أيامه عليه و على آبائه أفضل صلوات ربّه و سلامه.

____________

(1)- تفسير القمي: 2/ 316 و المؤتفكات: الرياح تختلف مهابها، و رغا البعير: صوّت، و زعاق: مالح.

(2)- سورة الحديد: 17.

(3)- الكافي: 8/ 267 ح 390.

(4)- كمال الدين: 668 ح 13 باب 58.

(5)- سورة الممتحنة: 13.

(6)- تفسير الصافي: 5/ 167.

(7)- سورة القلم: 15- 16.

(8)- البحار: 53/ 103 ح 128.

(9)- سورة المعارج: 44.

(10)- تأويل الآيات: 2/ 726 ح 7 و تفسير البرهان: 4/ 386 ح 1.

294

الآية الرابعة و الأربعون: قوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (1) في البحار سئل أبو عبد اللّه عن اليوم قال: هي كرّة رسول اللّه فيكون ملكه في كرّته خمسين ألف سنة و يملك أمير المؤمنين (عليه السّلام) في كرّته أربعة و أربعين ألف سنة (2).

الآية الخامسة و الأربعون: قوله تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً إلى قوله عزّ و جلّ‏ رَصَداً (3) عن القمّي‏ حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ‏ قال القائم و أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الرجعة فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً قال: هو قول أمير المؤمنين لزفر: و اللّه يا ابن الصهّاك لو لا عهد من رسول اللّه و كتاب من اللّه سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصرا و أقلّ عددا، قال: فلمّا أخبرهم رسول اللّه ما يكون من الرجعة قالوا: متى يكون هذا؟

قال اللّه: قل يا محمد إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً، و قوله: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ‏ اللّه‏ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، قال: يخبر اللّه رسوله الذي يرتضيه بما كان قبله من الأخبار و ما يكون بعده من أخبار القائم و الرجعة و القيامة (4).

الآية السادسة و الأربعون: قوله تعالى: قُمْ فَأَنْذِرْ (5) في البحار قال: قيامه في الرجعة ينذر فيها (6).

الآية السابعة و الأربعون: قوله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (7) عن منتخب البصائر سئل أبو عبد اللّه عن الرجعة أحقّ هي؟

قال: نعم، و ساق الحديث فيما يدلّ على رجعة الحسين كما سيأتي إن شاء اللّه في محلّه، إلى أن قال: قلت: و معه الناس كلّهم؟

قال: لا بدّ، كما ذكر اللّه تعالى في كتابه: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً قوما بعد قوم‏ (8).

____________

(1)- سورة المعارج: 4.

(2)- البحار: 53/ 103 ح 130.

(3)- سورة الجن: 24- 27.

(4)- تفسير القمي: 2/ 391.

(5)- سورة المدّثر: 2.

(6)- تفسير القمي: 2/ 393.

(7)- سورة النبأ: 18.

(8)- مختصر البصائر: 48.

295

الآية الثامنة و الأربعون: قوله تعالى: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (1) في تفسير البرهان و عن منتخب البصائر قيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما تقول في الكرة قال: أقول فيها ما قال اللّه عزّ و جلّ و ذلك أنّ تفسيرها صار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قبل أن يأتي هذا الحرف بخمسة و عشرين ليلة، قول اللّه عزّ و جلّ: تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ إذا رجعوا إلى الدنيا و لم يقضوا دخولهم فقيل له: يقول اللّه عزّ و جلّ: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ أي شي‏ء أراد بهذا؟ فقال: إذا انتقم منهم و ماتت الأبدان بقيت الأرواح ساهرة لا تنام و لا تموت‏ (2).

الآية التاسعة و الأربعون: قوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏ (3) قال: هو أمير المؤمنين قال: ما أكفره أي ما ذا فعل و أذنب حتّى قتلوه، ثمّ قال: مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ‏ قال: يسّر له طريق الخبر ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ‏ قال: في الرجعة كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ‏ (4) أي لم يقض أمير المؤمنين ما قد أمره و سيرجع حتّى يقضي ما أمره‏ (5).

الآية الخمسون: قوله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (6) عن القمّي عن أبي بصير في قوله: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَ لا ناصِرٍ، قال: ما له قوّة يقوى بها على خالقه و لا ناصر من اللّه ينصره إن أراد به سوءا، قلت: انّهم يكيدون كيدا قال:

كادوا رسول اللّه و كادوا عليا و كادوا فاطمة فقال اللّه: يا محمّد انّهم يكيدون كيدا و أكيد كيدا فمهل الكافرين يا محمّد أمهلهم رويدا لو قد بعث القائم فينتقم لي من الجبّارين و الطواغيت من قريش و بني اميّة و سائر الناس‏ (7).

الآية الحادية و الخمسون: قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إلى قوله عزّ و جلّ:

فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَ لا يَخافُ عُقْباها (8) عن تأويل الآيات عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في خبر في قوله عزّ و جلّ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها قال: ثمود رهط من الشيعة قال اللّه‏

____________

(1)- سورة النازعات: 12- 14.

(2)- مختصر البصائر: 28.

(3)- سورة عبس: 17.

(4)- سورة عبس: 18- 23.

(5)- البرهان: 8/ 213.

(6)- سورة الطارق: 15- 17.

(7)- تفسير القمي: 2/ 416.

(8)- سورة الشمس: 11- 15.

296

سبحانه: وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى‏ عَلَى الْهُدى‏ فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ‏ (1) و هو السيف إذا قام القائم و قوله: فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ‏ و هو النبي‏ ناقَةَ اللَّهِ وَ سُقْياها قال: الناقة الإمام الذي فهم عن اللّه و فهمهم عن اللّه، و سقياها أي عند سقي القلم:

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها قال: في الرجعة وَ لا يَخافُ عُقْباها (2) قال: لا يخاف من مثلها إذا رجع. ذكر في توجيه الخبر، ثمود رهط من الشيعة و هم البلد الخبيث الذي لا يخرج نباته إلّا نكدا و هم الزيدية و ما في فرق الشيعة، و قوله ناقة اللّه يعني أمير المؤمنين و الأئمّة (عليهم السّلام) من بعده. و قد جاء في الزيارة الجامعة أنّهم الناقة المرسلة و قوله: فكذّبوه أي رسول اللّه فعقروها أي الناقة يعني قتلوا أمير المؤمنين (عليه السّلام) و الأئمّة بالسيف و السهم فدمدم عليهم ربّهم أي أهلكهم بعذاب الاستئصال في الدنيا و الآخرة (3).

الآية الثالثة و الخمسون: قوله تعالى: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ (4) عن تأويل الآيات عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قوله عزّ و جلّ: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ‏ يعني مرّة في الكرّة و مرّة اخرى يوم القيامة (5).

____________

(1)- سورة فصّلت: 17.

(2)- سورة الشمس: 13- 15.

(3)- تأويل الآيات: 2/ 805 ح 2.

(4)- سورة التكاثر: 3- 4.

(5)- تأويل الآيات: 2/ 850 و البرهان: 4/ 501 ح 2.

297

الفرع الرابع في الأخبار الواردة في خصوص رجعة الأئمّة

في البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ لعلي في الأرض كرّة مع الحسين ابنه (صلوات اللّه عليهما)، يقبل برايته حتّى ينتقم له من بني اميّة و معاوية و آل معاوية و من شهد حربه ثمّ يبعث اللّه إليهم بأنصاره يومئذ من أهل الكوفة ثلاثين ألفا و من سائر الناس سبعين ألفا فيلقاهم بصفّين مثل المرّة الاولى فيقتلهم‏ (1) و لا يبقي منهم مخبرا ثمّ يبعثهم اللّه عزّ و جلّ فيدخلهم أشدّ عذابه مع فرعون و آل فرعون، ثمّ كرّة اخرى مع رسول اللّه حتّى يكون خليفة في الأرض و تكون الأئمّة عمّاله و حتّى يبعثه اللّه علانية فتكون عبادته علانية في الأرض كما عبد اللّه سرّا ثمّ قال: إي و اللّه و أضعاف ذلك ثمّ عقد بيده أضعافا يعطي اللّه نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ملك جميع أهل الدنيا منذ يوم خلق اللّه‏(2) الناس إلى يوم يفنيها حتّى ينجز له موعوده في كتابه كما قال: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ (3) (4).

و فيه قال الصادق (عليه السّلام): ليس منّا من لم يؤمن بكرّتنا و يستحلّ متعتنا (5).

و في زيارة الجامعة المنسوبة إلى أبي الحسن الثالث: و جعلني ممّن يقتص آثاركم و يسلك سبيلكم و يهتدي بهداكم و يحشر في زمرتكم و يكرّ في رجعتكم و يملك في دولتكم و يشرف في عافيتكم و يمكّن في أيّامكم و تقرّ عينه غدا برؤيتكم. و في زيارة الوداع: و مكّنني في دولتكم و أحياني في رجعتكم. و عن الصادق (عليه السّلام) في زيارة الأربعين: و أشهد أنّي بكم مؤمن و بإيابكم موقن بشرائع ديني و خواتيم عملي‏ (6).

في الكافي و البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله تعالى: وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي‏

____________

(1)- في بعض النسخ: حتّى يقتلهم.

(2)- في بعض النسخ: الدنيا.

(3)- سورة التوبة: 33.

(4)- مختصر البصائر: 29، و البحار: 53/ 74 ح 75.

(5)- من لا يحضره الفقيه: 3/ 458 ح 4583.

(6)- عيون أخبار الرضا (عليه السّلام): 1/ 308.

298

الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ‏ (1) قتل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) و طعن الحسن، وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً قتل الحسين (عليه السّلام)، فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما إذا جاء نصر دم الحسين (عليه السّلام)بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ قوم يبعثهم اللّه قبل خروج القائم فلا يدعون و ترا لآل محمّد إلّا قتلوه‏ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا خروج القائم‏ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ‏ خروج الحسين (عليه السّلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهبة لكلّ بيضة وجهان، المؤدّون إلى الناس أنّ هذا الحسين قد خرج حتّى لا يشكّ المؤمنون فيه و أنّه ليس بدجّال و لا شيطان، و الحجّة القائم بين أظهرهم فإذا استقرّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنّه الحسين جاء الحجّة الموت فيكون الذي يغسّله و يكفّنه و يحنّطه و يلحده في حضرته الحسين بن علي (عليهما السّلام) و لا يلي الوصي إلّا وصي، و عن الصادق (عليه السّلام) برواية صفوان في زيارة مولانا الحسين (عليه السّلام) المعروفة بالوارث: و اشهد اللّه و ملائكته و أنبياءه و رسله أنّي بكم مؤمن و بإيابكم موقن بشرائع ديني و خواتيم عملي‏ (2).

و أيضا في زيارة العبّاس (عليه السّلام): إنّي بكم و بإيابكم من الموقنين، و في الزيارة الرجبية عن الناحية المقدّسة: و يرجعني من حضرتكم خير مرجع إلى جناب ممرع و خفض عيش موسع و دعة و مهل إلى حين الأجل و خير مصير و محل في النعيم الأزل و العيش المقتبل و دوام الأكل و شرب الرحيق و السلسبيل و عل و نهل لا سأم منه و لا ملل و رحمة اللّه و بركاته و تحيّاته حتّى العود إلى حضرتكم و الفوز في كرّتكم‏ (3).

و الدعاء الوارد في يوم تولّد الحسين (عليه السّلام) عن أبي القاسم بن العلاء وكيل أبي محمّد (عليه السّلام) إلى قوله: و سيّد الأسرة، الممدود بالنصرة يوم الكرّة، المعوض من قتله أنّ الأئمّة من نسله و الشفاء في تربته و الفوز معه في أوبته و الأوصياء من عترته بعد قائمهم و غيبته حتّى يدركوا الأوتار و يثأروا الثار و يرضوا الجبّار و يكونوا خير أنصار إلى قوله: فنحن عائذون بقبره نشهد تربته و ننتظر أوبته آمين ربّ العالمين. و في زيارة القائم (عج) في السرداب: و وفّقني يا ربّ للقيام بطاعته و المثوبة في خدمته و المكث في دولته و اجتناب معصيته فإن توفيتني اللهمّ قبل ذلك فاجعلني يا ربّ فيمن يكرّ في رجعته و يملك في دولته و يتمكّن في أيّامه و يستظلّ‏

____________

(1)- سورة الإسراء: 4.

(2)- مزار المشهدي: 516.

(3)- إقبال الاعمال: 3/ 184.

299

تحت أعلامه و يحشر في زمرته و تقرّ عينه برؤيته. و في زيارة اخرى له: و إن أدركني الموت قبل ظهورك فأتوسّل بك إلى اللّه سبحانه أن يصلّي على محمّد و آل محمّد و أن يجعل لي كرّة في ظهورك و رجعة في أيّامك لأبلغ من طاعتك مرادي و أشفي من أعدائك فؤادي. و في زيارة اخرى: اللهمّ أرنا وجه وليّك الميمون في حياتنا و بعد المنون، اللهمّ إنّي أدين لك بالرجعة بين يدي صاحب هذه البقعة (1).

و فيه عن الصادق (عليه السّلام) في زيارة النبي و الأئمّة من بعيد فليقل و ساق الزيارة إلى قوله: إنّي من القائلين بفضلكم مقرّ برجعتكم لا أنكر للّه قدرة و لا أزعم إلّا ما شاء اللّه‏ (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه: قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): أنا الفاروق الأكبر و صاحب الميسم و أنا صاحب النشر الأوّل و النشر الآخر و صاحب الكرّات و دولة الدول و على يدي يتمّ موعد اللّه و تكمل كلمته و بي يكمل الدين ... إلى آخر كلامه (عليه السّلام).

و في زيارة الحسين المروية عن أبي حمزة عن الصادق (عليه السّلام): و نصرتي لكم معدة حتّى يحييكم اللّه بدينه و يبعثكم و أشهد أنّكم الحجّة و بكم ترجى الرحمة فمعكم معكم لا مع عدوّكم إنّي بكم من المؤمنين و لا أنكر للّه قدرة و لا أكذّب منه بمشيئة، ثم قال: اللّهمّ صلّ على أمير المؤمنين عبدك و أخي رسولك إلى أن قال: اللهمّ أتمم به كلماتك و أنجز به وعدك و أهلك به عدوّك و اكتبنا في أوليائه و أحبّائه، اللهمّ اجعلنا شيعته و أنصارا و أعوانا على طاعتك و طاعة رسولك و ما وكّلته به و استخلفته عليه يا ربّ العالمين. و عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

إذا أتيت عند قبر الحسين و يجزيك عند قبر كلّ إمام و ساق [الزيارة] إلى قوله: اللهمّ لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر ابن نبيك و ابعثه مقاما محمودا تنتصر به لدينك و تقتل به عدوّك فإنّك وعدته و أنت الربّ الذي لا تخلف الميعاد (3). و في دعاء يوم دحو الأرض: و ابعثنا في كرّته حتّى نكون في زمانه من أعوانه‏ (4).

و في تفسير قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ‏ (5) قال: هو أمير المؤمنين قال ما أكفره أي ما ذا فعل و أذنب حتّى قتلوه‏ (6). إلى آخر ما ذكرنا في الآية التاسعة و الأربعين المؤوّلة بالرجعة المطلقة

____________

(1)- الكافي: 8/ 206 ح 250 و البحار

(2)- جمال الاسبوع 154، و البحار: 53/ 97 ح 112.

(3)- كامل الزيارات: 526.

(4)- البحار: 53/ 98- 99 ح 118.

(5)- سورة عبس: 17.

(6)- تفسير القمي: 2/ 405.

300

قبيل هذا (1).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): لقد أعطيت الست: علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب و إنّي لصاحب الكرّات و دولة الدول و إنّي لصاحب العصا و الميسم و الدابة التي تكلّم الناس‏ (2).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): و اللّه لا تذهب الأيّام و الليالي حتّى يحيي اللّه الموتى و يميت الأحياء و يردّ الحقّ إلى أهله و يقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه. إلى آخر الحديث‏ (3).

و فيه في تفسير القمّي: انّ للذين ظلموا آل محمّد حقّهم عذابا دون ذلك قال: عذاب الرجعة بالسيف.

و في تفسير إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِ آياتُنا قالَ‏ أي الثاني‏ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ‏ (4) كما ذكرنا آنفا (5).

و فيه عن أحمد بن عقبة عن أبيه عن أبي عبد اللّه سئل عن الرجعة أحقّ هي؟

قال: نعم، فقيل له: من أوّل من يخرج؟ قال: الحسين يخرج على أثر القائم، قلت: و معه الناس كلّهم؟ قال: لا، بل كما ذكر اللّه في كتابه‏ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (6) قوم بعد قوم، و عنه: و يقبل الحسين (عليه السّلام) في أصحابه الذين قتلوا معه و معه سبعون نبيّا كما بعثوا مع موسى بن عمران فيدفع إليه القائم الخاتم فيكون الحسين هو الذي يلي غسله و كفنه و حنوطه و يواريه في حفرته‏ (7).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): و اللّه ليملكنّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة و يزداد تسعا، قلت: متى يكون ذلك؟ قال: بعد القائم، قلت: و كم يقوم القائم في عالمه؟

قال: تسع عشرة سنة ثمّ يخرج المنتصر إلى الدنيا و هو الحسين (عليه السّلام) فيطلب بدمه و دم أصحابه فيقتل و يسبي حتّى يخرج السفّاح و هو أمير المؤمنين‏ (8).

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا ظهر القائم و دخل الكوفة بعث اللّه تعالى أمير المؤمنين (عليه السّلام)(9).

____________

(1)- مختصر البصائر: 48.

(2)- بصائر الدرجات: 220، و البحار: 25/ 354 ح 3.

(3)- تهذيب الاحكام: 4/ 97 ح 274.

(4)- سورة القلم: 14- 16.

(5)- مختصر البصائر: 46 و تفسير القمي: 2/ 170.

(6)- سورة النبأ: 18.

(7)- مختصر البصائر: 48.

(8)- مختصر البصائر: 49 و غيبة النعماني: 332.

(9)- مختصر البصائر: 47.

301

و فيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا ظهر القائم و دخل الكوفة بعث اللّه تعالى من ظهر الكوفة سبعين ألف صدّيق فيكونون في النصارة (1).

طريفة: كانت لمؤمن الطاق مع أبي حنيفة حكايات كثيرة فمنها أنّه قال له يوما: يا أبا جعفر تقول بالرجعة؟ فقال: نعم، فقال له: أقرضني من كيسك هذا خمسمائة دينار و إذا عدت أنا و أنت رددتها إليك فقال له في الحال: أريد ضمينا يضمن لك أنّك تعود إنسانا و إنّي أخاف أن تعود قردا فلا أتمكّن من استرجاع ما أخذت‏ (2).

و في البحار عن محمد بن مسلم قال: سمعت حمران بن أعين و أبا الخطّاب سمعا أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: أوّل من تنشق الأرض عنه و يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي (عليه السّلام) و إنّ الرجعة ليست بعامّة و هي خاصّة لا يرجع إلّا من محض الإيمان محضا أو محض الشرك محضا (3).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ إبليس قال: أنذرني إلى يوم يبعثون فأبى اللّه ذلك عليه فقال:

إنّك من المنذرين إلى يوم الوقت المعلوم ظهر إبليس لعنه اللّه في جميع أشياعه منذ خلق اللّه آدم إلى يوم الوقت المعلوم و هي آخر كرّة يكرّها أمير المؤمنين، فقلت: و إنّها لكرّات؟

قال: نعم إنّها لكرّات و كرّات ما من إمام في قرن إلّا و يكرّ معه البرّ و الفاجر في دهره حتّى يديل اللّه المؤمن [من‏] الكافر فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) في أصحابه و جاء إبليس في أصحابه، يكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال له الروحاء قريب من كوفتكم فيقتتلون قتالا لم يقتل مثله منذ خلق اللّه عزّ و جلّ العالمين، فكأنّي أنظر إلى أصحاب علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد رجعوا إلى خلفهم القهقرى مائة قدم، و كأنّي أنظر إليهم و قد وقعت بعض أرجلهم في الفرات فعند ذلك يهبط الجبّار عزّ و جلّ‏ (4) في ظلل من الغمام و الملائكة و قضي الأمر برسول اللّه أمامه بيده حربة من نور فإذا نظر إليه إبليس يرجع القهقرى ناكصا على عقبيه فيقول له أصحابه: أين تريد و قد ظفرت؟ فيقول: إنّي أرى ما لا ترون انّي أخاف اللّه ربّ العالمين، فيلحقه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه‏

____________

(1)- البحار: 52/ 390 ح 212 عن غيبة السيد علي.

(2)- فهرست النجاشي: 53/ 107.

(3)- تصحيح الاعتقاد: 215.

(4)- هبوط الجبّار تعالى كناية عن نزول آيات عذابه كما في البحار.

302

و هلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يعبد اللّه عزّ و جلّ و لا يشرك به شيئا و يملك أمير المؤمنين (عليه السّلام) أربعا و أربعين ألف سنة حتّى يلد الرجل من شيعة علي ألف ولد من صلبه ذكرا، و عند ذلك تظهر الجنّتان المدهامتان عند مسجد الكوفة و ما حوله بما شاء اللّه تعالى‏ (1).

في البحار عن الباقر (عليه السّلام) قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): إنّ اللّه تبارك و تعالى أحد واحد تفرّد في وحدانيته ثمّ تكلّم بكلمة فصارت نورا ثمّ خلق من ذلك النور محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و خلقني و ذريّتي ثمّ تكلّم بكلمة فصارت روحا فأسكنه اللّه في ذلك النور و أسكنه في أبداننا فنحن روح اللّه و كلماته فبنا احتجّ على خلقه، فما زلنا في ظلّة خضراء حيث لا شمس و لا قمر و لا ليل و لا نهار و لا عين تطرف نعبده و نقدّسه و نسبّحه و ذلك قبل أن يخلق الخلق و أخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان و النصرة لنا، و ذلك قوله عز و جل‏ وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ‏ (2) يعني لتؤمنن بمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لتنصرن وصيّه و سينصرونه جميعا و إنّ اللّه أخذ ميثاقي مع ميثاق محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالنصرة بعضنا لبعض فقد نصرت محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و جاهدت بين يديه و قتلت عدوّه و وفيت للّه بما أخذ علي من الميثاق و النصرة لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لم ينصرني أحد من أنبياء اللّه و رسله و ذلك لما قبضهم اللّه إليه و سوف ينصرونني و يكون لي ما بين مشرقها إلى مغربها و ليبعثنّ اللّه أحياء من آدم إلى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كلّ نبي مرسل يضربون بين يديّ بالسيف الأموات و الأحياء و الثقلين جميعا، فيا عجبا و كيف لا أعجب من أموات يبعثهم اللّه أحياء يلبّون زمرة بالتلبية: لبيك لبيك يا داعي اللّه، قد تخلّلوا بسكك الكوفة قد شهروا سيوفهم على عواتقهم ليضربوا بها هام الكفرة و جبابرتهم و أتباعهم من جبابرة الأوّلين و الآخرين حتّى ينجزهم اللّه ما وعدهم في قوله عزّ و جلّ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً (3) أي يعبدونني آمنين لا يخافون أحدا في عبادي، ليس عندهم تقيّة، و إن لي الكرة بعد الكرّة و الرجعة بعد الرجعة و أنا صاحب الرجعات و الكرّات‏

____________

(1)- مختصر البصائر: 27، و البحار: 53/ 42 ح 12.

(2)- سورة آل عمران: 81.

(3)- سورة النور: 55.

303

و صاحب الصولات و النقمات و الدولات العجيبات و أنا قرن من حديد و أنا عبد اللّه و أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أنا أمين اللّه و خازنه و عيبة سرّه و حجابه و وجهه و صراطه و ميزانه و أنا الحاشر إلى اللّه و أنا كلمته التي يجمع بها المفترق و يفرّق بها المجتمع و أنا أسماء اللّه الحسنى و أمثاله العليا و آياته الكبرى و أنا صاحب الجنّة و النار، أسكن أهل الجنّة الجنّة و أسكن أهل النار النار و إليّ تزويج أهل الجنّة و إليّ عذاب أهل النار و إليّ إياب الخلق جميعا و أنا الاياب الذي يئوب إليه كلّ شي‏ء بعد القضاء و إليّ حساب الخلق جميعا ...» إلى آخر الخطبة (1).

و فيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لقد أسرى بي ربّي عزّ و جلّ فأوحى إليّ من وراء حجاب ما أوحى و كلّمني بما كلّم به و كان ممّا كلّمني به أن قال: يا محمّد إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم. إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا الملك القدّوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر سبحان اللّه عمّا يشركون. إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا الخالق البارئ المصوّر له الأسماء الحسنى يسبّح له من في السماوات و الأرض و أنا العزيز الحكيم. يا محمّد إني أنا اللّه لا إله إلّا أنا الأوّل فلا شي‏ء قبلي و أنا الآخر فلا شي‏ء بعدي و أنا الظاهر فلا شي‏ء فوقي و أنا الباطن فلا شي‏ء دوني و أنا اللّه لا إله إلّا أنا بكلّ شي‏ء عليم.

يا محمّد علي أوّل من آخذ ميثاقه من الأئمّة، يا محمّد علي آخر من أقبض روحه من الأئمّة و هو الدابة التي تكلّمهم، يا محمّد علي أظهره على جميع ما أوحيه إليك ليس لك أن تكتم منه شيئا. يا محمّد أبطنه الذي أسررته إليك فليس ما بيني سرّ دونه. يا محمّد علي على ما خلقت من حلال و حرام، علي عليم به‏ (2).

و فيه بإسناده إلى حمران بن أعين: الدنيا مائة ألف سنة، لسائر الناس عشرون ألف سنة و لآل محمّد ثمانون ألف سنة (3).

و فيه عن مفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): كأني بسرير من نور قد وضع و قد ضربت عليه قبّة من ياقوتة حمراء مكلّلة بالجوهر و كأنّي بالحسين جاث على ذلك السرير و حوله تسعون ألف قبّة خضراء و كأنّي بالمؤمنين يزورونه و يسلّمون عليه فيقول اللّه عزّ و جلّ: أوليائي‏

____________

(1)- مختصر البصائر: 34، و البحار: 53: 47 ح 20.

(2)- مختصر البصائر: 36 و مدينة المعاجز: 5/ 45.

(3)- مختصر البصائر: 212، و البحار: 53/ 116 ح 138.

304

سلوني فطال ما أوذيتم و ذللتم و اضطهدتم فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلّا قضيتها لكم، فيكون أكلهم و شربهم من الجنّة، فهذه و اللّه الكرامة [التي لا انقضاء لها و لا يدرك منتهاها] (1). و لا يخفى أنّ سؤال الحوائج يدلّ على أنّ هذا في الرجعة إذ هي لا تسأل في الآخرة (2).

زهرة: قد ذكرنا في أوّل الكتاب في الغصن الأوّل في باب أنّ الأرض لا تخلو من إمام عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام. و عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو بقيت الأرض يوما بلا إمام منّا لساخت بأهلها و لعذّبهم اللّه بأشدّ عذابه‏ (3). و حديث قيام القائم بعد المهدي بأربعين يوما و نظير هذه الأخبار كثير.

إن قيل: ما التوفيق بين هذه الأخبار و أخبار رجعة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و سائر الأئمّة الأطهار (صلوات اللّه عليهم أجمعين)؟

قلنا: روي عن أبي حمزة عن أبي بصير قلت للصادق (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه سمعت من أبيك أنّه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر إماما فقال: قد قال: اثنا عشر مهديا و لم يقل: اثنا عشر إماما (4). و في رواية بعد المهدي يرجع الخلفاء الاثنا عشر و ظهور القيامة بعد المهدي بعد رجوعه في الدنيا في المرّة الثانية (5).

و في العوالم عن تفسير العيّاشي عن جابر قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: و اللّه ليملكن رجل منّا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة و يزداد تسعا قال: قلت فمتى ذلك؟ قال:

بعد موت القائم، قال: قلت: و كم يقوم القائم في عالمه حتّى يموت؟ قال: تسع عشرة سنة من يوم قيامه إلى موته، قال: قلت: فيكون بعد موته هرج؟

قال: نعم، خمسين سنة، قال: ثمّ يخرج المنصور إلى الدنيا فيطلب دمه و دم أصحابه فيقتل و يسبي حتّى يقال: لو كان هذا من ذرية الأنبياء ما قتل الناس كلّ هذا القتل، فيجتمع الناس عليه أبيضهم و أسودهم فيكثرون عليه حتّى يلجئونه إلى حرم اللّه فإذا اشتد البلاء

____________

(1)- كامل الزيارات: 259 ح 390 باب 50 و ما بين المعكوفين منه.

(2)- البحار: 53/ 116 ح 140.

(3)- كمال الدين: 118 ط. القديمة و اصول الكافي: 1/ 180 ح 3.

(4)- كمال الدين: 358 ح 56 ط. جامعة المدرسين.

(5)- راجع معجم أحاديث الإمام المهدي: 2/ 245 و ما بعدها.

305

عليه مات المنتصر و خرج السفّاح إلى الدنيا غضبا للمنتصر فيقتل كلّ عدوّ لنا يا جابر و يملك الأرض كلّها و يصلح اللّه له أمره و يعيش ثلاثمائة سنة و يزداد تسعا، ثم قال أبو جعفر:

يا جابر هل تدري من المنتصر و السفّاح؟ يا جابر المنتصر الحسين (عليه السّلام) و السفّاح أمير المؤمنين (عليه السّلام)(1).

زهرة اخرى: عن السيّد ابن طاوس (رحمه اللّه) في الطرائف عن مسلم في صحيحه سمعت جابرا يقول: عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر محمد الباقر (عليه السّلام) عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تركوها كلّها، ثمّ ذكر مسلم في صحيحه بإسناده إلى محمد بن عمر الرازي قال: سمعت حريز يقول:

لقيت جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه لأنه كان يؤمن بالرجعة (2).

انظر رحمك اللّه كيف حرموا أنفسهم الانتفاع برواية سبعين ألف حديث عن نبيّهم برواية أبي جعفر (عليه السّلام) الذي هو من أعيان أهل بيته الذين أمرهم بالتمسّك بهم. ثمّ و إنّ أكثر المسلمين أو كلّهم قد رووا إحياء الأموات في الدنيا و حديث إحياء اللّه الأموات في القبور للمسألة و روايتهم عن أصحاب الكهف، و هذا كتابهم يتضمّن‏ أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ‏ (3) و السبعون الذين أصابتهم الصاعقة مع موسى و حديث العزير و من أحياه عيسى ابن مريم، و صافي الكشاف من الزمخشري، و حديث ذي القرنين و سأل ابن الكوّاء أملك أم نبي؟ فقال: ليس بملك و لا نبي لكن كان عبدا صالحا ضرب على قرنه [الأيمن‏] في طاعة اللّه فمات ثمّ بعثه اللّه فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه اللّه فسمّي ذا القرنين‏ (4).

أقول: بعد ما أوردنا من طرق الفريقين‏ (5) في إثبات الرجعة و وقوعها للامم السابقة و هذه الامّة لا يكاد يتيسّر إنكارها لأحد، بل إنكارها يكون من المكابرات الصرفة و العناد المحض‏

____________

(1)- تفسير العياشي: 2/ 353.

(2)- الطرائف: 1/ 275 ط. الأعلمي بتحقيقنا و صحيح مسلم بشرح النووي: 1/ 60 ح 52.

(3)- سورة البقرة: 243.

(4)- كتاب السنّة: 583 ح 1318 و سعد السعود: 65.

(5)- أقول: من الذين كانوا يؤمنون بالرجعة الصحابي واثلة كما ذكر ابن قتيبة في المعارف: 192 ط. مصر ذكر من تأخّر موته من الصحابة. و جابر الجعفي: لوامع الأنوار: 2/ 147، و كثير عزة، راجع عيون الأخبار لابن قتيبة: 2/ 144، و المنتخب: 122- 123، و أبو حمزة الثمالي كما ذكره الحاكم في معرفة علوم الحديث: 137 ذكر يزيد بن هارون.

306

في الدين و الجحود لما جاء به سيّد المرسلين من وقوعها في هذه الامّة، أجارنا اللّه من ذلك و سائر المؤمنين، كيف لا و قد ورد في الصحيح عن خاتم النبيّين أنّه قال: كلّ ما جرى في امم الأنبياء قبلي شي‏ء سيجري في أمّتي مثله‏ (1). و الأخبار في ذلك قد تجاوزت حدّ التواتر المعنوي.

____________

(1)- أقول: قد فصّل ذلك المقريزي في ذيل كتابه النزاع و التخاصم: 157- 158.

307

فاكهة

هذه قصيدة نظمها بعض علماء دار السلام استغرب الناظم لها اختفاءه و لم يعلم أنّ له أسوة بالأنبياء و المرسلين، و استبعد إلى هذه الأيّام بقاءه و غفل عن قدرة ربّ العالمين. و قد أجابه علّامة زمانه و فريدة عصره الفاضل المحدّث النوري بأجوبة شافية كافية و سمّاها:

كشف الأستار عن وجه الغائب عن الأبصار ذكرت هذه القصيدة مع القصيدة التي نظمها في جوابها العالم الخبير و الفاضل النحرير الذي عجز عن وصف مدائحه المادحون و سطعت من أقلام حكمته أنوار اليقين الشيخ محمد حسين لا زال مؤيّدا و مسدّدا برفع شبه الجاهلين خلف علّامة البشر و الأستاذ الأكبر الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدّس اللّه سرّه) ألحقتها بكتابي هذا: إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب، و جعلتها فاكهة من ثمار هذا الكتاب الذي هو شجرة مباركة من أشجار كتابنا حدائق الجنان و اللّه ولي التوفيق و الغفران.

قال الناظم هداه اللّه و وفّقه للخير:

أيا علماء العصر يا من له الخبر* * * بكل دقيق حار من دونه‏ (1)الفكر

لقد حار منّي الفكر بالقائم الذي‏* * * تنازع فيه الناس و اشتبه الأمر

فمن قائل في القشر لبّ وجوده‏* * * و من قائل قد ذبّ عن لبّه القشر

و أوّل هذين للذين تقررا* * * به العقل يقضي و العيان و لا نكر

و كيف و هذا الوقت ذاع لمثله‏* * * ففيه توالى الظلم و انتشر الشرّ

و ما هو إلّا ناشر العدل و الهدى‏* * * فلو كان موجودا لما وجد الجور

و إن قيل من خوف الطغاة قد اختفى‏* * * فذاك لعمري لا يجوّزه الحجر

و لا النقل كلا إذ تيقّن أنّه‏* * * إلى وقت عيسى يستطيل له العمر

و إن ليس بين الناس من هو قادر* * * على قتله و هو المؤيّد و النصر

و إن جميع الأرض ترجع ملكه‏* * * و يملأها قسطا و يرتفع المكر

____________

(1)- في الذريعة: في مثله.

308

و إن قيل من خوف الأذاة قد اختفى‏* * * فذلك قول عن معايب يفترّ

فهلّا بدا بين الورى متحمّلا* * * مشقّة نصح الخلق من دأبه الصبر

و من عيب هذا القول لا شكّ أنّه‏* * * يؤول إلى جبن الإمام و ينجرّ

و حاشاه من جبن و لكن هو الذي‏* * * غدا يختشيه من حوى البر و البحر

على أنّ هذا القول غير مسلّم‏* * * و لا يرتضيه العبد كلا و لا الحرّ

ففي الهند أبدى المهدوية كاذب‏* * * و ما ناله قتل و لا ناله ضرّ

و إن قيل هذا الاختفاء بأمر من‏* * * له الأمر في الأكوان و الحمد و الشكر

فذلك أدهى الداهيات و لم يقل‏* * * به أحد إلّا أخو السفه الغرّ

أ يعجز ربّ الخلق عن نصر حزبه‏* * * على غيرهم كلّا فهذا هو الكفر

فتحى م هذا الاختفاء و قد مضى‏* * * من الدهر آلاف و ذاك له ذكر

و ما أسعد السرداب في سرّ من رأى‏* * * له الفضل من أمّ القرى و له فخر

فيا للأعاجيب التي من عجيبها* * * أن اتخذ السرداب برجا له البدر (1)

فأجاب المجيب الموفّق دامت بركاته و توفيقاته:

بنفسي بعيد الدار قرّبه الفكر* * * و أدناه من عشّاقه الشوق و الذكر

تستّر لكن قد تجلّى بنوره‏* * * فلا حجب تخفيه عنهم و لا ستر

و لاح لهم في كلّ شي‏ء تجليا* * * فلا يشتكي منه البعاد و لا البحر

بمرآه تسقى العين خسرا و خيبة* * * و يسعد في أنواره القلب و الصدر

ألا طل و إن عذبت يا ليل بعده‏* * * فمن بعد طول الليل يستعذب الفجر

و أقصر أطلت اللوم يا عاذلي به‏* * * فلا مفصل إلّا على حبّه قصر

عداك السنا من هذه الجذوة التي‏* * * بأكباد أهل الحبّ شب لها جمر

و ما الحب إلّا منتهى السدرة التي‏* * * لهم من جناها لبّه و لك القشر

حبيبي بك الأشياء قامت فما الذي‏* * * يقيم على إثباتك الجاهل الغرّ

حبيبي أسارى في وجودك ضلّة* * * و لولاك للإيجاد ما انتظم الأمر

بفيك جرى عين الحياة و مذ دنا* * * ليشرب منها عمّر الشارب الخضر

____________

(1)- راجع الذريعة: 1/ 475 رقم 2346 و 3/ 91 رقم 288.

309

ولي فيك سرّ لو أبوح ببعضه‏* * * لقلت من الإيجاز هذا هو السرّ

فيا بأبي لح للبرية أو تغب‏* * * و ليس على علياك من غيبة ضرّ

فشمس الضحى و البدر نوراهما هما* * * و إن غربت أو غيّب الشمس و البدر

و لا نكر أن لاحت و لم ير ضوءها* * * أخو نظر لكن على عينه النكر

و لا بأس ممّن جاء يسأل قائلا* * * أيا علماء العصر يا من له الخبر

لقد حار منّي الفكر بالقائم الذي‏* * * تحيّر فيه الناس و التبس الأمر

عثرت ألا يا سائلا حار فكره‏* * * على من له في كلّ مسألة خبر

أعرني منك اليوم أذنا سميعة* * * إذا ما قرأت الحقّ لم يعرها وقر

و قلبا ذكيا في التخاصم يعتدى‏* * * لطائرة الإنصاف عنك به وكر

و خذ عندها من نظم فكري لئالئا* * * بهنّ إليك الخبر يقذف لا البحر

مضامينها الغرّ الصحيحة صادر* * * بها مصدر العلم الإلهيّ و الصدر

إمام الهدى النوري من نور علمه‏* * * أنارت به في الافق أنجمه الزهر

يقول و لا تنفكّ أعلام فضله‏* * * على أرؤس الأعلام في طيّها نشر

ألا إنّ ما استغربت منّا مقالة* * * به قال منكم معشر ما لهم حصر

و كلّهم أضحوا لديكم أئمّة* * * عنى لعلاهم من حوى البر و البحر

موثقة أسماؤهم في رجالكم‏* * * ففي كلّ سطر من فضائلهم شطر

فمنهم كمال الدين كما في مطالب السئول‏* * * ل طوى سؤلا به حتى انكشف الستر

و ذا الحافظ الكنجي كم في بيانه‏* * * بيان براهين يبين بها الأمر

و كم لابن صباغ فصول مهمّة* * * تفصّل ما قد أجمل الكتب و السفر

فإنّ بشمس الدين تذكرة لمن‏* * * يريد خواصا طبقها النص و الذكر

و حسبي بمحيي الدين نقضا فإنّ في‏* * * الفتوح عليك الفتح قد جاء و النصر

و كم في يواقيت الجواهر جوهر* * * به عاد شعرانيكم و له الفخر

لواقح أنوار له انظر فان للعرا* * * قي فيه قصة عودها نضر

و صدقه فيه الخواص عليّ من‏* * * كراماته لا يستطاع لها ذكر

ذوو القدر ها هم عينوا قدر عمره‏* * * فما ذا يقول اليوم من ما له قدر

310

و شاهدهم فيما ادعوه شواهد* * * النبوّة فالجاميّ ممّن له خبر

و فصل الخطاب الخاجه بارسا قد احتوى‏* * * تفاصيل فيها يثلج القلب و الصدر

و هذا أبو الفتح احتوت أربعينه‏* * * أحاديث فيها جل أصحابكم قروا

و كم للبخاري الدهلوي رسائل‏* * * بهن مع المهدي آباؤه الغرّ

و في روضة الأحباب للحق روضة* * * بعرف عطاء اللّه ضاع لها نشر

و هذا البلاذري سل سلسلاتهم‏* * * تجده روى عنه شفاها و لا نكر

و هذا مواليد الأئمّة قاطع‏* * * بها كم تبدّى لابن حساد بكم سرّ

و ها لابن شمس الدين كم من هداية* * * على سعداء الكشف آثارها غرّ

يقول أرى المهدي حقّا و إنّه‏* * * سيبدو و إن كان استطال له العمر

ففي الكافرين السامري نظيره‏* * * و في المؤمنين الياس و الروح و الخضر

و كالسامري الدجال إنّ لشأنه‏* * * حديثا غريبا سوف يأتي له ذكر

و فضل بن روزبهانكم مع عناده‏* * * أقر بما قلناه إذ وضح الأمر

و ناصر دين اللّه لو لا اعتقاده‏* * * على أنّ ذا السرداب غاب به البدر

لما شيّدت منه المباني بأمره‏* * * و حرّر فيها باسمه الخلف الطهر

و هذي ينابيع المودّة قد جرت‏* * * لنا من سليمان به الأبحر الغزر

و ذا أحمد الجامي و العارف الذي‏* * * غدا شيخ إسلام لكم أيّها النضر

و للصفدي شرح دائرة بها* * * على الغيب محيي الدين أطلعه الجفر

و عيّنه في شعره مادحا أبو المعانيّ‏* * * ذو الأسرار القونوي الصدر

و ملّا جلال الدين مثنوي الذي‏* * * يحق له ذو الكشف لو سجدا خرّوا

و كم عبد رحمن لكم متألّه‏* * * بمرآة أسرار تجلّى له السير

و ذا النّسفي يحكيه عن حمويّكم‏* * * و عن ذاك تحقيق النبوة يفتر

براهين ساباطيكم كم تضمّنت‏* * * لقاضي جواد ما يبين له العذر

و كم حد مهدويكم بالمكاشفات من‏* * * غوامضها ما ضمّت الحجب و الستر

و قد نظم البصري عامر تحفة* * * غدت ذات أنوار مضامينها الغرّ

ستعرّض فيها الفارضية فاعتلت‏* * * عليها و لم لا تعتلي و هي البكر

311

يقول بها حتّى متى أنت غائب‏* * * إمام الهدى قد ضاق منّا لك الصدر

كذا الهمداني و النسميّ و شيخكم‏* * * محمد صبان الذي أنتجت مصر

كذا العارف العطّار كم ضمّ شعره‏* * * مدائح من أرواحها نفح العطر

و هذا الخوارزمي الخطيب روى لنا* * * حديثا به لا شكّ يعتقد الحبر

ألا فانظروا يا مسلمين لمنكر* * * عليّ مقالا ما به بأس أو نكر

يكفّرني فيما أقول و إنّما* * * تدين به تاللّه أقوامه الزهر

و كلّهم ما بين راو و عارف‏* * * و شيخ له الكشف المبجّل و الستر

و ما ذكروا في جنب من لم أبح بهم‏* * * كما سنحت من شاهقات الذرى ذر

و فيما ذكرناه ترى الحقّ عند من‏* * * غدا قائلا قد ذبّ عن لبّه القشر

و يا ليت شعري ما العيان الذي قضى‏* * * ببطلان هذا عند من ما له شعر

فأمّا التجلّي للعيون فما ادعى‏* * * به أحد إلّا أخو السفه الغمر

ففي الهند أبدى المهدوية كاذب‏* * * فكذّبه كل الورى البدو و الحضر

و ما كلّ من أضحى مضلّا يناله‏* * * كما حسب القتل المعجل و الضرّ

و إلّا فإنّا نحن أو أنتم على‏* * * ضلال فلم لا نالنا السوء و الشرّ

نعم هو موجود و لكن لحكمة* * * بها اللّه أدرى اختير عنّا له الستر

و إلّا فكم فاز الخواص بشخصه‏* * * كما للعراقي و الخواص مضى ذكر

وعد رجال الغيب ذا نسفيكم‏* * * ثلاث مئين بل يزيدهم الحصر

و قال و هم كلّا حضور لدى الورى‏* * * و لم يرهم إلّا الأخصّاء و النزر

فلم لا بذا المقدار كذبت حائرا* * * كما حار منك اليوم في واحد فكر

و ما هو مسجون فتحسب أنّه‏* * * قد اتّخذ السرداب برجا له البدر

بلى هو في الأمصار غاد و رائح‏* * * يخيببه مصر و يحظى به مصر

و ها هو قطب الكائنات جميعها* * * و لولاه لم يوجد ذرى لا و لا ذرّ

و ما حقّ ما لا يدرك العقل وجهه‏* * * و يعجز عن إدراكه الذهن و الفكر

مسارعة الإنكار فيه فإنّما* * * ينزّه عن أمثالها العالم الحبر

و هذا تميم قد حكى لنبيّه‏* * * حديثا حكاه كان من قبله الطهر

312

غداة بهم سفن المسير تكسّرت‏* * * فألقاه في عظمى جزائره البحر

هناك أوى جساسة ظنّ أنّها* * * لشيطانه من فوقها ارتكم الشعر

فجاءت بهم لشخص مفلل‏* * * تحيّر فيه العقل و اندهش الفكر

فأخبرهم فيما سيجري به القضا* * * و قال أنا الدجّال بي تعدد النذر

فلا مرسل إلّا و يوعد قومه‏* * * بأعور دجّال سيقوى به الكفر

فهذا لعمر اللّه أعظم حيرة* * * و أجدر أن لو ردّه اللب و الحجر

و اخرى لعمري لو تحيّرت سائلا* * * بإيجاده من قبل ذلك ما السرّ

و تلك علوم الغيب من جاءه بها* * * و ها هو ملعون له الخزي و الخسر

و قد كان مغلول اليدين من الذي‏* * * لإطعامه إيّاه أخّره الدهر

و بعد تميم كيف لم يره امرؤ* * * و كم موكب بالأبحر السبع قد مروا

و لكنّه عن فعله ليس يسأل إلّا* * * له و جاء النهي عن ذاك و الزجر

و إنّ عقول الخلق أقصر مبتغى‏* * * عروجا إلى ما دبّر الخالق البرّ

و قد صح بالبرهان أنّ إلهنا* * * حكيم غنيّ ليس يلجئه فقر

و كم مشكل يعيي العقول و إنّما* * * بما قد أشرنا يكتفي الفطن الحرّ

فكلّ بيان جاءنا عن نبيّنا* * * تناقله قوم هم بيننا السفر

علينا وجوبا أن يكون اعتقادنا* * * هو الحقّ لا يعروه ريب و لا نكر

و إنّا اناس لم ننازع و لم نكن‏* * * شركناه في خلق فيبدو لنا السرّ

و قد وردت أخباركم و تواترت‏* * * أن الخلفاء اثنان بعدهما عشر

و فيهم يقوم الدين أبلج واضحا* * * و تندفع الأسوا و يستنزل القطر

و لما انقضت للراشدين خلافة* * * و أضحى عضوضا بعدهم ذلك الأمر

و أنقص دين اللّه قدرا يزيده‏* * * فأصبح دين اللّه ليس له قدر

لكعبته هدم و قبر نبيّه‏* * * تطل الدما فيه و ينسكب الخمر

و آل رسول اللّه تلك دماؤهم‏* * * لدى كل رجس من لئام الورى هدر

مصائبهم شتّى و شتّى قبورهم‏* * * فلا بقعة إلّا و فيها لهم قبر

على ظمأ يقضي و من فيض نحرها* * * تروّى الصفاح البيض و الذبل السمر

313

و يمسي حسين بالطفوف مجدّلا* * * و يرفع منه الرأس فوق القنا شمر

و تسبى بنات المصطفى الطهر حسّرا* * * و نسوة صخر لا يراع لها وكر

أتوها بنو مروان فافتعلوا به‏* * * أفاعيل منها شنعة برئ الكفر

فكم أضربوا فيها بلادا و أهلكوا* * * عبادا و ضجّ القتل في الناس و الأسر

و أوّلهم تنبيك مكّة ما جنى‏* * * عشية بالحجّاج شدّ له أزر

على حرم اللّه المجانيق نصبت‏* * * فهدّم حتى البيت و الركن و الحجر

و ولي من بعد العراق فعندها* * * توالى هناك الظلم و انتشر الشرّ

و ما زال في كوفان يعبث ظلمه‏* * * إلى أن اعيدت و هي مخربة قفر

فكم من سعيد قد شقي بهلاكه‏* * * و كم عابد صلت على عنقه البسر

و دع للوليد الذكر إنّ بذكره‏* * * يزعزع عرش اللّه و الرسل و الطهر

أما جعل القرآن مرمى سهامه‏* * * فمزّقه رميا كما يشهد الشعر

أما أمر السكرى و قد أجنبا معا* * * فأمّت بأهل المصر غادته العفر

أما نكحوا عمّاتهم و بناتهم‏* * * و شاع الخنا ما بينهم و فشا العهر

أ لم ترد الأخبار عنه بلعنهم‏* * * و طرد أناس ما استطال له العمر

أ لم ير رؤيا أزعجته فنزلت‏* * * بلعنهم الآيات إذ ذاك و الذكر

أما عاد مال المسلمين و بيته‏* * * لهم دخلا يشرى به اللهو و السكر

أ هولاء للإسلام كانوا أئمّة* * * إليهم من اللّه انتهى النهي و الأمر

فوا أسفي لو كان يجدي تأسّفي‏* * * و وا صبر قد عيل من دونها الصبر

تعد بنو مروان فيكم أئمّة* * * و آل رسول اللّه ليس لهم ذكر

و تحكي مزاياهم مساوي عداهم‏* * * فكلّ به تفنى الدفاتر و الحبر

و لما رأينا فيهم كل سبّة* * * و كلّ شنيع دونه الكفر و المكر

علمنا بأنّ المصطفى ما عناهم‏* * * بأخباره و الأمر في بيته قصر

و إنّ اجتماع الناس لا خيرة لهم‏* * * و لكنما ألجأهم الخوف و القهر

و ليس الذي يعنيهم من تجمّعت‏* * * عليه الورى قسرا و لو دأبه الكفر

و ذا خبر الثقلين أضحى مسلّما* * * لدى الكلّ لا ريب عراه و لا نكر

314

و ها هو بالتعيين نص بأهله‏* * * فقد قرنوهم بالتمسّك و الذكر

فمن أهله لن يخلو عصر بحكمه‏* * * كما من كتاب اللّه لن يخلون عصر

و أكده مذ قال لن يتفرّقا* * * إلى أن يوافينا معا بهما الحشر

سفينة نوح هم فراكبه نجا* * * و تاركه يلقيه في لجّة البحر

و أورد سمهوديّكم في خلاصة الوفاء* * * خبرا ما إن يحيق به المكر

إلى حائط جاء النبي و كفّه‏* * * بكفّ علي في السماء له القدر

هنالك صاح النخل هذا هو النبي‏* * * و هذا الولي منه أئمّتنا الطهر

فقال رسول اللّه للصهر ذا يكن‏* * * من النخل صيحاني ليشتهر الأمر

فوا عجبا حتّى الجمادات سلمت‏* * * فما بال قوم تدّعي أن لها حجر

و ثمّ حديث قد روته كباركم‏* * * بإسناده قد صحّ مضمونه البكر

هم أ من أهل الأرض لولاهم هوت‏* * * كأهل السما أمن لها الأنجم الزهر

و من هاهنا قد بان نفع وجوده‏* * * لكل الورى من أنكروه و من قروا

و كم مثل ذا ما لو تأملتم به‏* * * لكم لاح من أسراره البطن و الظهر

و من مات لم يعرف إمام زمانه‏* * * يصرّح عمّا ندّعيه و يفترّ

و يا ليت شعري لو سئلت من الذي‏* * * إذا متّ لم تعرفه عاجلك الخسر

و في أي نقل قد تمسّكت طائعا* * * نبيّك في أهليك إذا جاءك الأمر

أ تكفرها من بعد ما قد تواترت‏* * * و سلّم فيها الكلّ لا الشفع و الوتر

أجل أم توالي غير آل محمد* * * مؤوّلة تلك الأحاديث و الزبر

فجئنا بأهدى منهم نتّبعهم‏* * * و إلّا فما زيد إذا عدّ أو عمرو

و من ذا جميعا بان لا بدّ للورى‏* * * إمام هدى لم يخل من شخصه عصر

و قولك هذا الوقت داع لمثله‏* * * ضلال فلا ظلم توالى و لا شرّ

و ما ظلم ذاك الوقت إلّا إذا ملا* * * البقاع و ما تحت السما الكفر و الغدر

بحيث لو استبقى من الناس مؤمن‏* * * لأهلكه ما بينها الخوف و الحذر

هناك له يأتي الإله بعدّة* * * كعدّة ما للمصطفى ضمنت بدر

و يأتي له من ربّه الإذن عندها* * * فيملأها قسطا و يرتفع المكر

315

و لم يأت للآن النداء من السما* * * على أحد: هذا هو الخلف الطهر

و حاشاه أن يعصي و يخرج قبل أن‏* * * يجي‏ء له من ربّه الإذن و النصر

و منّا إله العرش أدرى بفعله‏* * * و ليس لنا نهي عليه و لا أمر

و لم نعترض هلّا أذنت بوقتنا* * * ففيه توالى الظلم و انتشر الشرّ

على أنّه لا ظلم باد و هذه‏* * * ملوك بني عثمان آثارها غرّ

و راياتها في كلّ شرق و مغرب‏* * * على طي أعناق الملوك لها نشر

بسلطاننا عبد الحميد قد اغتدت‏* * * ثغور بني الإسلام بالعدل تفترّ

بيض أياديه و رزق سيوفه‏* * * جميع بقاع الأرض يانعة خضر

و لم نر في الأعصار عصرا كعصره‏* * * به انبسط الإيمان و انتشر البشر

و منه [قد] استوجبت حدا و إنّما* * * بقولك ذا عمّاله الصيد لم يدروا

على أنّه لو سلم الظلم في الورى‏* * * و أنّ جميع الأرض قد عمّها النكر

فذاك عليكم وارد حيث إنّه‏* * * إلى الآن لم يولد و لم يبده الدهر

و قولك من خوف الطغاة قد اختفى‏* * * و أن ذاك شي‏ء لا يجوّزه الحجر

كقولك من خوف الأذاة قد اختفى‏* * * و ذلك قول عن معايب يفتر

و يتلوها ذا الاختفاء بأمر من‏* * * له الأمر في الأكوان و الحمد و الشكر

و إن رمت توضيح المقال لدفع ما* * * به وقع الإشكال و التبس الأمر

فأجمعها طول على غير طائل‏* * * و تكرير ألفاظ بها قبح الكرّ

و ما الكل إن لاحظتها غير شبهة* * * لكل جهول ما له مسكة تعرو

فهيا اغتنم حلّا و نقضا جوابها* * * على أنّ هذا الأمر مسلكه وعر

و ذلك أنّ اللّه أرسل رسله‏* * * فلم يبق للعاصي بمعصية عذر

و دلّت عليهم بالعقول خوارق‏* * * معجّزة كيلا يقال هي السحر

و لو أنّهم في كل حال يرى لهم‏* * * على كلّ من عاداهم الفتح و النصر

لأوشك من ضعف العقول يرونهم‏* * * عن اللّه أربابا فينعكس الأمر

فمن أجل هذا لم يزل لعداهم‏* * * عليهم على طول المدى القهر و الظّفر

و يشهد فيما قلته كلّ من له‏* * * بأحوال رسل اللّه من قبل ذا سبر

316

و إلّا فقل مذ غاب في الغار أحمد* * * و صدّيقه لمّا أطلّهم المكر

أ يعجز ربّ الخلق عن نصر حزبه‏* * * على غيرهم كلّا فهذا هو الكفر

وليتك مذ منك المعاني تكسّرت‏* * * حفظت مبانيها فلم يعرها الكسر

بلى حيثما قد فاتك النصر جئتنا* * * تقول بها و هو المؤيّدة النصر

و قد بان من هذا بأن لو بكل ما* * * تقول التزمنا ما علينا بها ضرّ

و إنّ خلافا منك ذا حيث لم تكن‏* * * بحسن تقول الأشعرية و الجبر

و لا حسن إلّا ما به الشرع قد أتى‏* * * و لا قبح إلّا عنه ما قد أتى الزجر

فكان جديرا لو سألت من الذي‏* * * يقول به ما قاله الشارع الطهر

و طالبت في دعواه حقّ دليلها* * * فإن قاله فالحمد للّه و الشكر

و إن لم يقله كان حقّا عليك لو* * * سخرت به و اهتزّك الجهل و الكبر

و لكن بحمد اللّه أصبحت أجهل ال* * * لأنام فلا عرف لديكم و لا نكر

رددت دعاوينا بأسوإ فرية* * * كما ردّها يوما بسوأته عمرو

حفرت لنا بئرا لتوقعنا بها* * * و قد أوقعتكم في حفيرتها البئر

و شعرك لم يعذب على أنّ كلّه‏* * * افتراء نعم بالكذب يستعذب الشعر

و لكن من العجز اخترعت كواذبا* * * تثير من الأجفان ما كمن الصدر

شققت عصا الإسلام فيها و إن ذا* * * بإيحاء أهل الكفر كي يغلب الكفر

شياطينهم فيه غرتك و إنما* * * قد استلبت إيمانك البيض و الصفر

فترجمت من تلك الأباطيل جيفة* * * كستها بنتن الخبث ألفاظك الغبر

و ألقيت بالبغضاء في أهل ملّة* * * ليشغلها ما بينها الكرّ و الضرّ

فتأخذها الأعداء من كلّ جانب‏* * * و تنهش أسد الدين أكلبها العقر

أجل فاختراع الكذب فيكم سجية* * * ففيكم على أشياخكم يقتفى الأثر

فكم نسبوا أمرا إلينا و لم يفه‏* * * به أحد منّا و لا ضمّه سفر

فذا الهيثمي كم في صواعقه رمى‏* * * إلينا امورا ليس فينا لها ذكر

و ذا الحافظ الذهبي يذهب أن نرى‏* * * بسردابه المهدي أعدمه الستر

و ها نحن كلا قائلون بأنّ من‏* * * رأى شخصه بالذات لم يحصه الذكر

317

بكبراه و الصغرى معا بان للورى‏* * * و في كلّ هذا كلّ أصحابنا قروا

و ينكر منّا القول إن هو جامع‏* * * العلوم و إنّ في كلّ شي‏ء له خبر

و ما هو إلّا وارث علم جده‏* * * و إنّ علوم المصطفى ما لها حصر

فلا غرو أن لو تفتري اليوم قائلا* * * له الفضل عن أمّ القرى و له الفخر

و تهزأ في السرداب جهلا و فيهم‏* * * و يبدو على ما تفتري الفري و السخر

فما سعد السرداب بالبدر وحده‏* * * نعم ما أظلّته السما البر و البحر

و أسعدها أمّ القرى فيه أنّه‏* * * سيطلع منها مشرقا ذلك البدر

و ذا منك جهل و افتراء بأننا* * * عليها نرى السرداب أضحى له الفخر

و ما شرف السرداب إلّا لأنّه‏* * * غدا لهم بيتا به برهة قرّوا

و هم في بيوت ربّها آذن لها* * * لترفع إجلالا و يتلى به الذكر

فيا مفتري هذا المقال أبن لنا* * * بذلك من ذا قال فلتنشر السفر

و قد صرح الأصحاب أنّ طلوعه‏* * * بحيث شموس الدين أطلعها الطهر

أبا صالح خذها إليك خريدة* * * و لا يرتجى إلّا القبول لها مهر

تمزّق من أعداك كلّ ممزّق‏* * * و يمرق في أكبادها الخوف و الذعر

و ذخرا ليوم الحشر أعددتكم بها* * * و لم يفتقر عبد له أنتم الذخر

إذا اسود وجهي بالذنوب فإنّ لي‏* * * لديكم بها ما يستضاء به الحشر

أ لستم بشرع الدين أنتم نشرتم‏* * * و منه إليكم فوّض الحشر و النشر

أ لستم بساق العرش نور و منكم‏* * * لأهل السما التسبيح يعلم و الذكر

صفا الذهب الإبريز أنتم و إنّما* * * فؤادي إلّا عن ولائكم صفر

مواليّ ما آتي به عن ثنائكم‏* * * و قد ملئت منه الأناجيل و الزبر

يواليكم قلبي على أنّ جرحه‏* * * لرزئكم لا يستطاع له سبر

و ينصركم منّي لساني و مقولي‏* * * إذا ما بدا قد فاتها لكم النصر

و لا صبر لي حتّى أراها تطالعت‏* * * لقائمكم في الجور راياته الخضر

بكم أستمدّ الفيض ثمّ أمدّكم‏* * * ببحر ثناء فيكم ما له قعر

بني المصطفى من لي بأن آل عبدكم‏* * * فعبدكم من حرّ نار اللظى حرّ

318

فبشرى لأعداكم بآل أمية* * * كما بكم آل النبي لنا البشر

سلام عليكم كلّما نفحت صبا* * * و ما غربت شمس و ما طلع البدر

و لا برحت أعداؤكم في مهانة* * * يعاجلها خزي و يعقبها خسر (1)

و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين المعصومين و سلّم تسليما كثيرا كثيرا.

قد تمّ بحمد اللّه بقلم مؤلّفه الضعيف علي بن المرحوم زين العابدين اليزدي البارجيني الحائري في التاسع عشر من شهر ذي القعدة الحرام السنة السادسة و العشرين بعد الثلاثمائة و الألف من الهجرة النبويّة المحمّدية، و بعد إتمامه في هذا اليوم كان خلاصنا من بركاته عمّا نحن فيه من الهموم و الأحمال و خرجنا عن مجلس الاعتزال و فتحت عليّ الباب و لا قيت الأحباب و حاشا من بركاته أن يبأس و يخيب اللاجئ إليه و قارع الباب، و أسأل اللّه من بركاته فتح الأبواب، و لمّا كان شروعي في العاشر من شهر شوّال التالي من شهر الصيام.

فصار أربعين يوما من أوان الشروع إلى الختام.

____________

(1)- راجع ذيل كشف الأستار لكاشف الغطاء.

319

الفهرس‏

الغصن السادس من ادعى رؤيته (عليه السّلام) في الغيبة الكبرى و تحته واحد و أربعون حكاية ... 5

خبر الجزيرة الخضراء ... 69

دعاء العهد ... 81

الغصن السابع الإخبار بوجوده الآن و ظهوره (عجّل اللّه فرجه) ... 86

الغصن الثامن الآيات الدالة على علامات الظهور ... 93

الأحاديث الدالة على علامات الظهور ... 103

في إخبار أهل العرفان و الكهنة بظهوره (عليه السّلام) ... 141

في خطبة البيان ... 148

في خطبة البيان أيضا ... 191

خطبة التطنجية ... 199

حديث المفضل ... 208

الغصن التاسع ما يقع في زمان رجعته (عليه السّلام) ... 231

320

الغصن العاشر الآيات القرآنية في رجعة الأئمة (عليهم السّلام) ... 255

الأحاديث الشريفة في رجعة الأئمّة (عليهم السّلام) ... 263

في الآيات القرآنية المشعرة بالرجعة ... 273

في الآيات المؤوّلة بالرجعة المطلقة ... 283

في الأخبار الواردة في خصوص رجعة الأئمّة (عليهم السّلام) ... 297

قصيدة في الإمام المهدي (عليه السّلام) ... 307