1
2
[تتمة كتاب الصلاة]
[تتمة الباب الثالث]
[تتمة الفصل الأول]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
المطلب الثاني في شروط وجوب الجمعة
و هي أمور: أحدها الامام، و ثانيها العدد، و ثالثها الخطبتان، و رابعها الجماعة، و خامسها ان لا يكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة أميال، و سادسها الوقت، فالكلام في هذا المطلب يقتضي بسطه في مقاصد:
[المقصد] (الأول) في الإمام
[ما يشترط في الإمام]
و يشترط فيه أمور
(الأول)- البلوغ
فلا تصح إمامة الصبي و ان كان مميزا، و قال العلامة في المنتهى انه لا خلاف فيه، مع ان المنقول عن الشيخ في الخلاف و المبسوط جواز إمامة الصبي المراهق المميز العاقل في الفرائض و هو ظاهر في ثبوت الخلاف في المسألة، و اما ما اوله به في المدارك من الحمل على غير الجمعة- حيث قال: و الظاهر ان مراده بالفرائض ما عدا الجمعة- فلا يظهر له وجه سيما مع دلالة ظواهر جملة من الأخبار على ذلك:
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الحسن أو الصحيح بإبراهيم بن هاشم عن عبد اللّٰه بن المغيرة عن غياث بن إبراهيم البتري الثقة عن ابى عبد اللّٰه
3
(عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم أن يؤم القوم و ان يؤذن».
و في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «تجوز صدقة الغلام و عتقه و يؤم الناس إذا كان له عشر سنين».
و في رواية طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (3) قال: «لا بأس ان يؤذن الغلام الذي لم يحتلم و ان يؤم».
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة الدلالة في ما نقل عن الشيخ و بها يترجح ما ذهب اليه.
قال في المدارك بعد تأويله كلام الشيخ بما قدمنا نقله عنه: و كيف كان فالأصح اعتبار البلوغ مطلقا لأصالة عدم سقوط التكليف بالقراءة بفعل الصبي، و لان غير المكلف لا يؤمن من إخلاله بواجب أو فعل محرم فلا يتحقق الامتثال، و يؤيده
رواية إسحاق بن عمار عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن على (عليهم السلام) (4) انه قال: «لا بأس ان يؤذن الغلام قبل أن يحتلم و لا يؤم حتى يحتلم».
أقول: لا يخفى ان ما ذكره من التعليلات لا وجه له في مقابلة ما نقلناه من الروايات و هل هو إلا من قبيل الاجتهاد في مقابلة النص، و اما ما ذكره من الأصل فيجب الخروج عنه بالدليل و قد عرفته. بقي الكلام في الخبر الذي نقله و يمكن حمله على غير المميز.
و ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) تقوية هذا القول لولا الإجماع المدعى من العلامة في المنتهى، قال: و لولا الإجماع المنقول في المنتهى لأمكن القول بصحة إمامة الصبي المميز مع الاعتماد عليه لان عبادته شرعية، و قد صرح به في المنتهى في كتاب الصوم و غيره. انتهى.
أقول: قد عرفت في المطلب المتقدم ما في هذه الإجماعات و انه ليس فيها إلا تكثير السواد و إضاعة المداد و لا سيما في مقابلة الأخبار الظاهرة في المراد.
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
4
ثم ان في هذه الرواية التي اعتمد عليها في المدارك زيادة مؤكدة لما اراده و لم ينقلها حيث قال بعد قوله: «و لا يؤم حتى يحتلم»: «فإن أم جازت صلاته و فسدت صلاة من خلفه» و يمكن حملها ايضا على تأكد الكراهة جمعا بين الأخبار كما هي قاعدتهم في هذا المضمار.
و بالجملة فالظاهر عندي هو قوة ما ذهب اليه الشيخ و ان كان الاحتياط في ما ذهبوا اليه. و اللّٰه العالم.
الثاني- العقل
فلا تنعقد امامة المجنون قولا واحدا لعدم الاعتداد بفعله.
بقي الكلام في ما لو كان يعتريه الجنون أدوارا فهل تجوز إمامته في حال الإفاقة؟
الظاهر ذلك و هو المشهور و به صرح العلامة في باب الجماعة من التذكرة على ما نقل عنه إلا انه قطع في باب الجمعة من التذكرة على ما حكى عنه بالمنع من إمامته مستندا إلى إمكان عروضه حال الصلاة له، و لأنه لا يؤمن احتلامه في حينه بغير شعوره فقد روى ان المجنون يمني في حال جنونه (1) و لهذه العلة نقل عن العلامة في النهاية انه يستحب له الغسل بعد الإفاقة. و لا يخفى ضعف ما استند اليه من التعليلين المذكورين
الثالث- الايمان
و هو عبارة عن الإقرار بالأصول الخمسة التي من جملتها إمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) و لا خلاف بين الأصحاب في اشتراطه.
و عليه تدل الأخبار المتظافرة، و منها
ما رواه في الكافي عن زرارة بإسنادين أحدهما من الصحاح أو الحسان بإبراهيم بن هاشم (2) قال: «كنت جالسا عند أبى جعفر (عليه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه فقال له جعلت فداك انى رجل
____________
(1) علل في التذكرة- في المسألة 3 من البحث الثاني في السلطان من صلاة الجمعة- منع إمامة الأدواري بوجوه ثلاثة و هي الوجهان المتقدمان في المتن و انه ناقص عن المراتب الجليلة. و اما الرواية فهي من كلام السبزواري في الذخيرة في شروط النائب و لم يستند إليها في التذكرة.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة.
5
جار مسجد لقومي فإذا انا لم أصل معهم وقعوا في و قالوا هو هكذا و هكذا؟ فقال اما لئن قلت ذاك لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له لا تدع الصلاة معهم و خلف كل امام. فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك فان لم يكونوا مؤمنين؟
قال فضحك (عليه السلام) ثم قال ما أراك بعد إلا ههنا يا زرارة فأية علة تريد أعظم من انه لا يؤتم به؟ ثم قال يا زرارة ا ما تراني قلت صلوا في مساجدكم و صلوا مع أئمتكم؟».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي عبد اللّٰه البرقي (1) قال «كتبت إلى ابى جعفر (عليه السلام) جعلت فداك أ يجوز الصلاة خلف من وقف على أبيك و جدك (صلوات اللّٰه عليهما)؟ فأجاب لا تصل وراءه».
و ما رواه في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن إسماعيل الجعفي (2) قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل يحب أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا يتبرأ من عدوه و يقول هو أحب الى ممن خالفه؟ فقال هذا مخلط و هو عدو فلا تصل خلفه و لا كرامة إلا ان تتقيه».
و ما رواه في التهذيب عن إبراهيم بن شيبة (3) قال: «كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام) اسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يرى المسح على الخفين أو خلف من يحرم المسح و هو يمسح؟ فكتب ان جامعك و إياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك و أقم فإن سبقك إلى القراءة فسبح».
و ما رواه الكليني في الحسن عن زرارة (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين؟ فقال ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر».
و عن ابى على بن راشد (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه».
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.
6
و ما رواه الكشي في كتاب الرجال عن يزيد بن حماد عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أصلي خلف من لا اعرف؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه».
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة مما يدل على بطلان عبادة المخالفين و عدم الاعتداد بالصلاة خلفهم.
الرابع- طهارة المولد
و هو ان لا يعلم كونه ابن زنا، و هو مذهب الأصحاب من غير خلاف ينقل.
و يدل عليه
ما رواه في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مرسلا و رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون و المحدود و ولد الزنا و الأعرابي لا يؤم المهاجرين».
و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن ابى بصير- و الظاهر انه ليث المرادي بقرينة رواية عبد اللّٰه بن مسكان عنه- عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزنا و الأعرابي».
و ما رواه في الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) انه قال: «خمسة لا يؤمون الناس و لا يصلون بهم صلاة فريضة في جماعة: الأبرص و المجذوم و ولد الزنا و الأعرابي حتى يهاجر و المحدود».
و لا عبرة بمن تناله الألسن و كذا لا تقدح ولادة الشبهة و لا كونه مجهول الأب كما صرح به جملة من الأصحاب، لأصالة عدم المانع مع وجود المقتضى. و ربما قيل بالكراهة لنفرة النفس من من هذا شأنه الموجبة لعدم كمال الإقبال على العبادة،
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة عن الكافي و الفقيه و كذا في الوافي باب (صفة إمام الجماعة.) و لم نعثر عليه في التهذيب في مظانه.
(3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.
7
قال في الذكرى: و في كراهة الائتمام بهؤلاء قول لا بأس به لنقصهم و عدم كمال الانقياد الى متابعتهم. انتهى.
الخامس- الذكورة
فلا تصح إمامة المرأة و لا الخنثى لعدم جواز إمامتهما للرجال كما سيأتي في باب الجماعة ان شاء اللّٰه تعالى، قال في التذكرة يشترط في إمامة الرجال الذكورة عند علمائنا اجمع و به قال عامة العلماء (1) و لا ريب في اشتراطها بناء على ان الجمعة لا تنعقد بالمرأة و لا بالخنثى.
السادس- السلامة من البرص و الجذام و الحد الشرعي و الاعرابية
، أما الأول و الثاني فاختلف الأصحاب في جواز إمامتهما، فقال الشيخ في النهاية و الخلاف بالمنع من ذلك مطلقا و هو اختيار العلامة في المنتهى و السيد السند في المدارك، و قال المرتضى في الانتصار و ابن حمزة بالكراهة، و قال الشيخ في المبسوط و ابن البراج و ابن زهرة بالمنع من إمامتهما إلا بمثلهما، و قال ابن إدريس يكره إمامتهما في ما عدا الجمعة و العيد و اما فيهما فلا يجوز.
و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة ما تقدم (2) من صحيحتي زرارة و ابى بصير و رواية محمد بن مسلم الدال جميعه على النهى عن الصلاة خلفهما.
و منها-
ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «لا يصلى بالناس من في وجهه آثار».
و ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن يزيد (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المجذوم و الأبرص يؤمان المسلمين؟ قال نعم. قلت هل يبتلى اللّٰه بهما المؤمن؟ قال نعم
____________
(1) في المغني ج 2 ص 199 «لا يصح ان يأتم الرجل بالمرأة بحال في فرض و لا نافلة في قول عامة الفقهاء» و في بدائع الصنائع ج 1 ص 262 «المرأة لا تصلح للإمامة في سائر الصلوات ففي الجمعة أولى» و في ص 227 صرح بعدم صلوح المرأة لامامة الرجال. و في بداية المجتهد ج 1 ص 132 «الجمهور على انه لا يجوز ان تؤم المرأة الرجال».
(2) ص 6.
(3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.
8
و هل كتب اللّٰه البلاء إلا على المؤمن».
و ما رواه احمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب المحاسن في الحسن عن الحسين بن ابى العلاء عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المجذوم و الأبرص منا أ يؤمان المسلمين؟
قال نعم و هل يبتلى اللّٰه بهذا إلا المؤمن و هل كتب اللّٰه البلاء إلا على المؤمنين».
و روى الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح على الأظهر عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: «ستة لا ينبغي ان يؤموا الناس: ولد الزنا و المرتد و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف».
و لفظ «لا ينبغي» في الخبر المذكور مراد به التحريم كما هو شائع في الأخبار.
و جملة من المتأخرين جمعوا بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الكراهة.
و الشيخ حمل رواية عبد اللّٰه بن يزيد على الضرورة في الجماعة بان لا يوجد غيرهما أو يكونا إمامين لأمثالهما. و لا يخلو من بعد.
و ظاهر صاحب المدارك بل صريحه العمل بالروايات الأولة حيث ان فيها الصحيح و هو يدور مداره غالبا، و طعن في رواية عبد اللّٰه بن يزيد بضعف السند بجهالة الراوي، ثم قال بعد كلام في البين: نعم لو صح السند لأمكن حمل النهى الواقع في الأخبار المتقدمة على الكراهة كما هو مذهب المرتضى (قدس سره).
و قال في الذكرى بعد نقل الجمع بين الأخبار بحمل الأخبار الأولة على الكراهة:
و يلزم منه استعمال المشترك في معنييه لأن النهي في ولد الزنا و المجنون محمول على المنع من النقيض قطعا فلو حمل على المنع لا من النقيض في غيرهما لزم المحذور.
و يمكن ان يقال لا مانع من استعمال المشترك في معنييه، و ان سلم فهو مجاز لا مانع من ارتكابه. انتهى.
أقول: و المسألة عندي لا تخلو من شوب التوقف فإن الأخبار المتقدمة مع
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة و في المحاسن ص 326.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة «و هل كتب البلاء».
9
صحة سند أكثرها صريحة في التحريم و الحمل على الكراهة مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و لا قرينة فيها تؤذن بذلك، و وجود المخالف ليس قرينة إذ يحتمل الحمل على معنى آخر من تقية و نحوها. و يحتمل العكس ايضا. و بالجملة فإنه لا يحضرني الآن مذهب المخالفين في هذه المسألة (1) و لعل أخبار أحد الطرفين انما خرج مخرج التقية و اما القولان الآخران فلم نقف لهما على دليل. و اللّٰه العالم.
و اما الثالث و هو المحدود فان كان قبل التوبة فلا إشكال في عدم جواز الائتمام به لفسقه، و ان كان بعدها فقد حكم الأكثر بكراهة إمامته، و علله في المعتبر بنقص رتبته عن منصب الإمامة و ان زال فسقه بالتوبة. و نقل عن ابى الصلاح انه منع من امامة المحدود بعد التوبة إلا بمثله. و رده الأكثر بأن المحدود ليس اسوأ حالا من الكافر و بالتوبة و استجماع الشرائط تصح إمامته. أقول: و مما ردوا به كلام ابى الصالح يعلم الرد لما ذكروه من الكراهة أيضا فإن الظاهر انهم لا يقولون بكراهة الائتمام بالكافر بعد الإسلام إذا استجمع شرائط الإمامة فالمحدود بطريق اولى بمقتضى ما ذكروه. و الظاهر حمل الأخبار المتقدمة الدالة على النهى عن الائتمام به على ما قبل التوبة لظهور الفسق المانع من ذلك.
و اما الرابع و هو الأعرابي فالمراد به الأعرابي بعد الهجرة كما أفصح به خبر الأصبغ بن نباتة و خبر محمد بن مسلم و عليهما يحمل ما أطلق في غيرهما، و الوجه في المنع من إمامته ظاهر لإخلاله بالواجب عليه و هو الهجرة و إصراره على الترك بغير عذر شرعي، و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في جملة من الأخبار الدالة على عدد الكبائر ان من جملتها التعرب بعد الهجرة إلا ان تحققه في مثل هذه الأزمنة غير معلوم.
و الأصحاب في هذه المسألة منهم من أطلق المنع كالشيخ و جماعة و منهم من أطلق الكراهة.
____________
(1) في بدائع الصنائع ج 1 ص 156 «تجوز امامة العبد و الأعرابي و الأعمى و ولد الزنا و عليه قول العامة لقوله (ص): صلوا خلف من قال لا إله إلا اللّٰه».
10
و فصل في المعتبر في ذلك بما يرجع الى الفرق بين من لا يعرف محاسن الإسلام و لا وصفها فالأمر كما ذكروه من المنع و بين من وصل اليه ما يكفيه اعتماده و يدين به و لم يكن تلزمه المهاجرة وجوبا جاز ان يؤم.
و فيه ان ما ذكره لا اختصاص له بالأعرابي كما لا يخفى بل الأظهر كما عرفت انما هو ما قلناه لأنه الذي دلت عليه الاخبار المذكورة.
نعم
قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليه السلام) (1) في حديث قال: «و كره ان يؤم الأعرابي لجفائه عن الوضوء و الصلاة».
و ملخص الكلام في ما يفهم من هذه الاخبار هو المنع و التحريم في من ترك الهجرة مع وجوبها عليه و الجواز على كراهة في من لم يكن كذلك مع عدم كماله في معرفة أحكام الطهارة و الصلاة. و يحتمل حمل أخبار المنع على ما إذا كان يؤم بالمهاجرين كما يستفاد من صحيح زرارة المتقدم في اشتراط طهارة المولد.
السابع- العدالة
و هي مما طال فيها الكلام بين علمائنا الأعلام بإبرام النقض و نقض الإبرام و صنفت فيها رسائل و تعارضت فيها الدلائل فلا جرم انا ارخينا للقلم عنانة في هذا الميدان و أعطينا المسألة حقها من البيان بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعيان:
و الكلام فيها يقع في مقامات
[المقام] (الأول) [اعتبار العدالة في إمام الجماعة]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في اشتراط عدالة إمام الجماعة مطلقا و نقل إجماعهم على ذلك جمع كثير منهم، بل نقل ذلك عن بعض المخالفين و هو أبو عبد اللّٰه البصري محتجا بإجماع أهل البيت (عليهم السلام) (2) و ان إجماعهم حجة.
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
(2) ذكر ذلك الشيخ في الخلاف ص 82 نقلا عن السيد المرتضى و لم يتعرض له السيد في الانتصار و الناصريات و أبو عبد اللّٰه البصري- كما في المنتظم لابن الجوزي ج 7. ص 107- يعرف بالجعل سكن بغداد و كان من شيوخ المعتزلة و صنف على مذاهبهم و انتحل في الفروع مذهب أهل العراق. و ذكر المصنف «(قدس سره)» في لؤلؤة البحرين عند ذكر الشيخ المفيد نقلا عن الشيخ و رام ان الشيخ المفيد اشتغل بالعربية على الشيخ ابى عبد اللّٰه المعروف بجعل.
11
و احتج الأصحاب على ذلك بقوله عز و جل «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» (1) و الفاسق ظالم لقوله تعالى «وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّٰهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (2) و الائتمام ركون لان معنى الركون هو الميل القلبي.
أقول: لا يخفى ان غاية ما يدل عليه هذا الدليل هو عدم جواز امامة الفاسق خاصة و هو أخص من المدعى إذ المدعى اعتبار العدالة بأحد المعاني الآتية ان شاء اللّٰه تعالى المؤذن بعدم ثبوتها لمجهول الحال أيضا و الدليل المذكور لا يشمله.
و العمدة في الاستدلال على ذلك انما هي الأخبار الواضحة المنار، و منها
ما رواه الشيخ عن خلف بن حماد عن رجل عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا تصل خلف الغالي و ان كان يقول بقولك و المجهول و المجاهر بالفسق و ان كان مقتصدا».
و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (4) و في أوله «ثلاثة لا يصلى خلفهم. الى آخر ما ذكر».
و ما رواه الشيخ في الصحيح الى سعد بن إسماعيل عن أبيه (5) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) رجل يقارف الذنوب و هو عارف بهذا الأمر أصلي خلفه؟ قال لا».
و معنى «يقارف» اى يقارب، قال في النهاية: قارف الذنب و غيره إذا داناه و لاصقه و هو كناية عن فعل الذنوب.
و ما رواه الكليني و الشيخ عن ابى على بن راشد (6) قال: «قلت لأبي جعفر
____________
(1) سورة هود الآية 115.
(2) سورة الطلاق الآية 1.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة و كلمة «و أمانته» في التهذيب.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة و في الخصال ج 1 ص 74.
(5) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة و كلمة «و أمانته» في التهذيب.
12
(عليه السلام) ان مواليك قد اختلفوا فأصلي خلفهم جميعا؟ فقال لا تصل إلا خلف من تثق بدينه و أمانته».
و ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن على المرافقي و ابى أحمد عمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) «انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال إذا كنت خلف الامام تولاه و تثق به فإنه يجزيك قراءته، و ان أحببت أن تقرأ فاقرأ في ما يخافت فيه فإذا جهر فأنصت قال اللّٰه تعالى «وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (2) قال فقيل له فان لم أكن أثق به فأصلي خلفه و اقرأ؟ قال لا صل قبله أو بعده. الحديث».
و ما رواه في الفقيه عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) «امام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم».
قال
و قال على (عليه السلام) (4) «ان سركم ان تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم».
و ما رواه في كتاب قرب الاسناد في الموثق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (5) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ان أئمتكم وفدكم الى اللّٰه تعالى فانظروا من توفدون في دينكم و صلاتكم».
و عن ابى ذر (6) «ان امامك شفيعك الى اللّٰه عز و جل فلا تجعل شفيعك سفيها و لا فاسقا».
الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع.
(المقام الثاني)- في بيان معنى العدالة
و انها عبارة عما ذا و نقل أقوال جملة من علمائنا الأعلام رفع اللّٰه تعالى أقدارهم في دار المقام:
فنقول: اعلم ان العدالة لغة مأخوذة من العدل و هو القصد في الأمور ضد الجور» و قيل من العدالة بمعنى الاستواء و الاستقامة كما يقال «هذا عدل هذا» أي
____________
(1) الوسائل الباب 31 و 6 من صلاة الجماعة. و الراوي الثاني عنون في كتب الرجال في «عمر» بلا واو.
(2) سورة الأعراف الآية 203.
(3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و الحديث «4» عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).
(4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و الحديث «4» عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).
(5) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و الحديث «4» عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله).
(6) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.
13
مساو له، و اعتدل الشيئان اى تساويا، و في اصطلاح أرباب الحكمة و أهل العرفان عبارة عن تعديل قوى النفس و تقويم أفعالها بحيث لا يغلب بعض على بعض.
و توضيح ذلك ان للنفس الإنسانية قوة عاقلة هي مبدأ الفكر و التمييز و الشوق الى النظر في الحقائق و التأمل في الدقائق، و قوة غضبية هي مبدأ الغضب و الجرأة لدفع المضار و الاقدام على الأهوال و الشوق الى التسلط على الرجال، و قوة شهوية هي مبدأ طلب الشهوة و اللذات من المآكل و المشارب و المناكح و سائر الملاذ البدنية و الشهوات الحسية، و هذه القوى متباينة جدا فمتى غلب أحدها انقهرت الباقيات و ربما أبطل بعضها فعل بعض، و الفضيلة البشرية تعديل هذه القوي لأن لكل من هذه القوى طرفي إفراط و تفريط، فاما القوة العاقلة فالسفاهة و البلاهة و القوة الغضبية التهور و الجبن و القوة الشهوية الشره و خمود الشهوة، فألقوه العاقلة تحصل من تعديلها فضيلة العلم و الحكمة و الغضبية تحصل من تعديلها فضيلة الشجاعة و القوة الشهوية تحصل من تعديلها فضيلة العفة، و إذا حصلت هذه الفضائل الثلاث التي هي في حاق الاواساط و تعادلت حصل منها فضيلة رابعة و ملكة راسخة هي أم الفضائل و هي المعبر عنها بالعدالة، فهي إذا ملكة نفسانية تصدر عنها المساواة في الأمور الصادرة عن صاحبها، و تحت كل واحدة من هذه الفضائل الثلاث المتقدمة فضائل أخرى و كلها داخلة تحت العدالة فهي دائرة الكمال و جماع الفضائل على الإجمال.
و اما في اصطلاح أهل الشرع الذي هو المقصود الذاتي بالبحث فأقوال:
(الأول) [ملكة تبعث على التقوى و المروة]
ما هو المشهور بين أصحابنا المتأخرين من انها ملكة نفسانية تبعث على ملازمة التقوى و المروة، و احترزوا بالملكة عما ليس كذلك من الأحوال المنتقلة بسرعة كحمرة الخجل و صفرة الوجل بمعنى ان الاتصاف بالوصف المذكور لا بد ان يكون من الملكات الراسخة التي يعسر زوالها.
و اختلف كلامهم في معنى التقوى، فقيل هي اجتناب الكبائر و الصغائر من المكلف العاقل، و نسبه شيخنا الشهيد الثاني إلى جماعة من أجلاء الأصحاب كالشيخ
14
المفيد و التقى ابى الصلاح الحلبي و القاضي عبد العزيز بن البراج الطرابلسي و ابى عبد اللّٰه محمد بن منصور بن إدريس الحلي العجلي (1) و ابى الفضائل الطبرسي حاكيا ذلك عن
____________
(1) بمناسبة تعرض المصنف «(قدس سره)» لذكر ابن إدريس بهذا النحو رأيت ان التعرض في المقام لما ذكره صاحب كشف الظنون عند تعرضه للكتب المؤلفة في الفقه على مذهب الإمامية ج 2 ص 1286 فإنه علق على هذا العنوان في ذيل الصفحة هكذا: يطلقون ابن إدريس على الشافعي. ثم قال في بيان الكتب هكذا: البيان و الذكرى شرائع الإسلام و حاشيته القواعد النهاية. ثم قال: و من أقوالهم الباطلة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة. إلى آخر ما ذكره من الأحكام الباطلة بنظره، و عد منها استحباب غسل يوم الغدير و هو العاشر من ذي الحجة. و قال ج 2 ص 1281: و الكتب المؤلفة على مذهب الإمامية الذين ينتسبون الى مذهب ابن إدريس اعنى الشافعي كثيرة: منها- شرائع الإسلام و حاشيته و البيان و الذكرى و القواعد و النهاية. أقول ما أدرى من أين اتى هذا المتتبع المحقق بهذا التحقيق النفيس و كيف أدى تحقيقه و تتبعه الى إغفال محمد بن إدريس العجلي الحلي من قائمة علماء الإمامية و إغفال كتابه السرائر من قائمة كتبهم حتى حكم بان المراد ب (ابن إدريس) في كلامهم هو محمد بن إدريس الشافعي القرشي و ليته رجع على الأقل إلى لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 5 ص 65 حيث يقول محمد بن إدريس العجلي الحلي فقيه الشيعة و عالمهم له تصانيف في فقه الإمامية و لم يكن للشيعة في وقته مثله مات سنة سبع و تسعين و خمسمائة. انتهى. نعم ليس هذا بغريب ممن يكتب و يؤلف و يحكم بما تشتهيه نفسه و يقتضيه تعصبه و يتجنب ما يفرضه الوجدان و الضمير من التتبع و التحقيق ليفهم من هو ابن إدريس في كلام الإمامية و ليفهم انه لا علاقة لمذهب الإمامية بمذهب الشافعي إلا التضاد كغيره من المذاهب فإن أساسه و منبعه هو ما خلفه النبي «ص» في الأمة و اوصى باتباعه و التمسك به و جعله المرجع في أمور الدين و أناط به الأمن من الضلال من بعده و هو الكتاب و العترة كما هو نص حديث الثقلين الثابت من الطريقين راجع ج 9 ص 360 من الحدائق، فمذهب الإمامية يستقى أحكامه من منبع الكتاب و العترة و لا ارتباط له بمذهب الشافعي أصلا و إنما يذكر قوله كغيره بعنوان «الشافعي» عند نقل الأقوال. و مما ذكرناه تظهر قيمة منقولاته الأخر كنسبة عدم وجوب الوضوء للصلاة المندوبة إلى الإمامية الذي هو افتراء محض عليهم و هذه كتب الشيعة منتشرة في البلاد، و كجعل الغدير اليوم العاشر من ذي الحجة، كما يظهر انه لا قيمة لحكمه و حكم غيره ببطلان أقوالهم بعد ابتنائها على الأساس الذي أسسه مشرع الشريعة (ص) و الرجوع فيها الى المرجع الذي عينه في حديث الثقلين و غيره. و لتزداد بصيرة في ما قلناه راجع ج 1 ص 452 من كشف الظنون حيث يقول: تفسير الطوسي- هو أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي فقيه الشيعة الشافعي «كان ينتمي إلى مذهب الشافعي» المتوفى سنة ستين و أربعمائة (561) سماه مجمع البيان لعلوم القرآن و اختصر الكشاف و سماه جوامع الجامع و ابتدأ بتأليفه في سنة 542 قال السبكى و قد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس. فانظر كيف صار مجمع البيان للشيخ الطوسي بدل التبيان و كيف صار فقيه الشيعة شافعيا، و راجع ج 2 ص 1602 منه حيث يقول مجمع البيان في تفسير القرآن للشيخ ابى على فضل بن الحسين الطبرسي المشهدي الشيعي.
ثم إن في ريحانة الأدب ج 5 ص 246 ما ترجمته: ابن إدريس محمد بن أحمد أو محمد بن منصور بن أحمد بن إدريس بن حسين المكنى ب«ابى عبد اللّٰه». و بالمراجعة لرجال الشيخ المامقاني «(قدس سره)» ج 2 باب (محمد) يتضح وجه الترديد في نسبه.
15
أصحابنا من غير تفصيل. و قيل باجتناب الكبائر كلها و عدم الإصرار على الصغائر أو عدم كونها أغلب فلا تقدح الصغيرة النادرة، و ألحقوا بها ما يؤول إليها بالعرض و ان غايرها بالأصل كترك المندوبات المؤدي إلى التهاون بالسنن في أظهر الوجهين و نسبه شيخنا البهائي في كتاب الحبل المتين إلى الأصحاب.
و كذا اختلفت أقوالهم في الكبائر و سيأتي الكلام فيها ان شاء اللّٰه تعالى في المقام الثالث مفصلا مشروحا.
و فسروا المروة باتباع محاسن العادات و اجتناب مساويها و ما تنفر عنه النفس من المباحات و يؤذن بدناءة النفس و خستها كالأكل في الأسواق و المجامع و البول في الشوارع وقت سلوك الناس و كشف الرأس في المجامع و تقبيل زوجته و أمته في المحاضر و لبس الفقيه لباس الجندي و المضايقة في اليسير الذي لا يناسب حاله و نقل الماء و الأطعمة بنفسه ممن ليس أهلا لذلك إذا كان عن شح و ظنة و نحو ذلك،
16
و يختلف ذلك بحسب اختلاف الأشخاص و الأعصار و الأمصار و المقامات.
و الحق- كما ذكره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين- انه لا دليل على اعتبار المروة في معنى العدالة، بل الظاهر ان تعريف العدالة بالملكة المذكورة لا مستند له من الأخبار ايضا و لذا لم يذكره القدماء و انما وقع ذلك في كلام العلامة و من تأخر عنه و الظاهر انه اقتفى في ذلك العامة حيث انهم عرفوها بذلك (1).
قال في الذخيرة بعد ذكر التعريف المشار اليه: و لم أجد ذلك في كلام من تقدم على المصنف و ليس في الأخبار منه اثر و لا شاهد عليه في ما أعلم و كأنهم اقتفوا في ذلك أثر العامة حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة و يوردونه في كتبهم. انتهى أقول: و ما ذكروه في معنى المروة مع كونه لا دليل عليه من الأخبار يدفعه
ما ورد عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) انه كان يركب الحمار العاري و يردف خلفه و انه كان يأكل ماشيا إلى الصلاة بمجمع من الناس في المسجد و انه كان يحلب الشاة.
و نحو ذلك.
و لا يخفى انه قد ورد هنا جملة من الأخبار في معنى المروة و ليس في شيء منها
____________
(1) في المغني ج 9 ص 167 «العدل هو الذي تعتدل أحواله في دينه و أفعاله ففي الدين لا يرتكب كبيرة و لا يداوم على صغيرة و اما المروءة فيجتنب الأمور الدنيئة المزرية به كأن ينصب مائدة في السوق و يأكل و الناس ينظرون اليه أو يمد رجليه بحضرتهم أو يخاطب أهله بالخطاب الفاحش، و من ذلك ارتكاب الصناعات الدنيئة كالكناسة و أمثالها» و في بدائع الصنائع ج 6 ص 268 ذكر خلافا في تعريفها فعند بعضهم العدل من لم يطعن عليه في بطن أو فرج و عند آخر من لم يعرف عليه جريمة في دينه و عند ثالث من غلبت حسناته سيئاته.
(2) في أخلاق النبي «ص» ص 61 «كان رسول اللّٰه «ص» يركب الحمار بغير سرج» و في ص 63 «عاد سعدا و أردف خلفه أسامة بن زيد و كان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض» و في المواهب اللدنية كما في شرحها للزرقانى ج 4 ص 264 «كان (ص) يحلب شاته و كان انس رديف رسول اللّٰه «ص» عند رجوعهم من خيبر» و قد أورد جميع ذلك في البحار ج 6 باب مكارم أخلاقه «ص» إلا انا لم نعثر على ما ذكره من أكله ماشيا.
17
ما ذكروه، و منها
ما رواه الكليني في روضة الكافي (1) بإسناده عن جويرية قال: «اشتددت خلف أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال لي يا جويرية انه لم يهلك هؤلاء الحمقى إلا بخفق النعال خلفهم ما جاء بك؟ قلت جئت أسألك عن ثلاث: عن الشرف و عن المروة و عن العقل؟ قال: اما الشرف فمن شرفه السلطان و اما المروة فإصلاح المعيشة و اما العقل فمن اتقى اللّٰه عقل».
و ما روى عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) (2) قال:
«قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ستة من المروة ثلاثة منها في الحضر و ثلاثة منها في السفر، فأما التي في الحضر فتلاوة كتاب اللّٰه و عمارة مساجد اللّٰه و اتخاذ الإخوان في اللّٰه و اما التي في السفر فبذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير معاصي اللّٰه تعالى».
و ما رواه الصدوق في الفقيه في باب المروة في السفر عن الصادق (عليه السلام) (3) حيث قال فيه: «المروة و اللّٰه ان يضع الرجل خوانه بفناء داره، و المروة مروتان مروة في الحضر و مروة في السفر، فأما التي في الحضر فتلاوة القرآن و لزوم المساجد و المشي مع الإخوان في الحوائج و النعمة ترى على الخادم انها تسر الصديق و تكبت العدو، و اما التي في السفر فكثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك و كتمانك على القوم أمرهم بعد مفارقتك إياهم و كثرة المزاح في غير ما يسخط اللّٰه».
ثم انه لا يخفى انه قد ورد في بعض الاخبار ما يدل على اعتبار المروة في العدالة لكن لا بالمعنى الذي ذكروه و هو
ما روى عن ابى الحسن الرضا عن آبائه عن على (عليهم السلام) (4) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته و وجبت اخوته و حرمت غيبته».
فإن المروة هنا لم يعتبر فيها إلا الخصال الثلاث و هي واجبة بناء على وجوب الوفاء كما هو الظاهر، و هو اختيار شيخنا أبى الحسن
____________
(1) ص 241.
(2) الوسائل الباب 49 من آداب السفر.
(3) الوسائل الباب 49 من آداب السفر.
(4) الوسائل الباب 1 من الشهادات.
18
الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني، و قد نقل انه كتب رسالة شريفة في وجوب الوفاء بالوعد و لم أقف عليها. و ما ذكره (قدس سره) هو ظاهر الآية الشريفة أعني قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ أَنْ تَقُولُوا مٰا لٰا تَفْعَلُونَ» (1).
و نقل شيخنا المشار إليه في رسالته الصلاتية عن بعض معاصريه- و كتب في الحاشية إنه المحقق المدقق الشيخ احمد بن محمد بن يوسف البحراني- انه استدل على اعتبار المروة في معنى العدالة
بقول الكاظم (عليه السلام) في حديث هشام بن الحكم المروي في الكافي (2) «لا دين لمن لا مروة له و لا مروة لمن لا عقل له».
و اعترضه بأنه خفي عليه ان استعمال المروة بالمعنى الذي ذكره الأصحاب غير معروف في كلامهم (عليهم السلام) و حينئذ فالأظهر حملها على بعض المعاني المروية عنهم (عليهم السلام) في تفسيرها. و هو جيد، و أشار بالمعاني المروية عنهم (عليهم السلام) الى ما قدمنا ذكره من الأخبار الواردة بتفسيرها. ثم قال، و يمكن حملها على كمال الإنسانية و هو فعل ما يليق و ترك ما لا يليق.
أقول: و يؤيده أن المروة لا تعتبر في أصل الدين إجماعا فلا بد ان يحمل نفى الدين عن من لا مروة له على نفى الكمال فتحمل المروة على كمال الإنسانية كما فسرها به بعض شارحي الكتاب.
(الثاني)- القول بأنها عبارة عن مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق
؛ و نقل هذا القول عن جماعة من المتقدمين كابن الجنيد و الشيخ في الخلاف و الشيخ المفيد في كتاب الاشراف بل ادعى في الخلاف الإجماع عليه و دلالة الأخبار، و قال (3) البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أيام الصحابة
____________
(1) سورة الصف الآية 2 و 3.
(2) الأصول ج 1 ص 19 الطبع الحديث.
(3) في كتاب آداب القضاء من الخلاف ص 231.
19
و لا أيام التابعين و انما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّٰه القاضي (1) و لو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه. انتهى.
أقول: و ممن انتصر لهذا القول و بلغ في ترجيحه الغاية الشهيد الثاني في المسالك و تبعه فيه جملة ممن تأخر عنه سيما سبطه السيد السند في المدارك و المحدث الكاشاني و الفاضل الخراساني صاحب الذخيرة و الكفاية.
أقول: و هذا القول و ما قبله وقعا على طرفي الإفراط و التفريط في المقام لأن العدالة بالمعنى الأول لا تكاد توجد إلا في المعصوم أو من قرب من مرتبته كما لا يخفى على ذوي الأفهام، مع انه لا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد مدة مديدة و مخالطة أكيدة و تعمق شديد و لربما لا يتيسر ذلك و به تنسد أبواب الأمور المشروطة بالعدالة مثل الجمعات و الجماعات و الفتاوى و الشهادات، و اما العدالة بالمعنى الثاني فقد انجر الأمر فيها إلى إثباتها للمخالفين و أعداء الدين و النصاب الذين هم أشد نجاسة من الكلاب كما وردت به الرواية عن أهل بيت النبوة الأطياب (2) و سيظهر ذلك في ما يأتي قريبا ان شاء اللّٰه تعالى في المقام.
و قال شيخنا المشار إليه في كتاب المسالك: إذا شهد عند الحاكم شهود فان عرف فسقهم فلا خلاف في رد شهادتهم من غير احتياج الى بحث و ان عرف عدالتهم قبل شهادتهم و لا حاجة الى التعديل و ان لم يعرف حالهم في الفسق و العدالة فان لم يعرف إسلامهم وجب البحث ايضا و هذا كله مما لا خلاف فيه، و ان عرف إسلامهم و لم يعرف شيئا آخر من جرح و لا تعديل فهذا مما اختلف فيه الأصحاب و المشهور بينهم خصوصا المتأخرين منهم انه يجب البحث عن عدالتهم و لا يجوز
____________
(1) ذكر صاحب الوسائل في عنوان الباب 6 من أبواب كيفية الحكم ان الحاكم إذا اشتبه عليه عدالة الشهود و فسقهم سأل عنهم حتى يعرفهم و ذكر في الباب حديثا عن تفسير الإمام العسكري (ع) يتضمن ان رسول اللّٰه (ص) كان يبحث عن عدالة الشهود إذا لم يعرفهم.
(2) ج 5 ص 187.
20
الاعتماد على ظاهر الإسلام. ثم أورد الآية (1) و رواية ابن ابى يعفور بطريق الشيخ في التهذيب (2) دليلا لهم و طعن في دلالة الآية و سند الرواية، ثم نقل عن الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد و المفيد في كتاب الاشراف ظاهرا الاكتفاء بمجرد الإسلام ثم قال: و باقي المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم بأحد الأمرين بل كلامهم محتمل لهما، ثم أورد جملة من الروايات الدالة بظاهرها على مجرد الاكتفاء بظاهر الإسلام و سننقلها جميعا ان شاء اللّٰه تعالى في المقام، ثم قال: و هذا القول امتن دليلا و أكثر رواية و حال السلف يشهد به و بدونه لا تكاد تنتظم الأحكام للحكام خصوصا في المدن الكبيرة و القاضي القادم إليها من بعد لكن المشهور الآن بل المذهب خلافه. انتهى ملخصا.
أقول: فيه (أولا)- ما أشرنا إليه آنفا من أنه قد انجر الأمر بناء على هذا القول من هذا القائل و من تبعه فيه الى الحكم بعدالة المخالفين و النصاب من ذوي الأذناب؛ و هذا من البطلان أظهر من ان يخفى على أحد من ذوي الإيمان فضلا عن العلماء الأعيان كما يأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى قريبا.
و (ثانيا)- دلالة ظاهر الآية الشريفة على خلاف ما يدعيه اعنى قوله عز و جل «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (3) فإنها صريحة الدلالة في اعتبار أمر آخر وراء الإسلام لأن الخطاب فيها للمسلمين و ضمير «مِنْكُمْ» راجع إليهم فهي دالة على إسلام الشاهدين فيكون قوله «ذَوَيْ عَدْلٍ» دالا على العدالة بعد حصول الإسلام فهي أمر زائد على مجرد الإسلام.
و اما ما أجاب به (قدس سره) في المسالك- و ان اقتفاه فيه من تبعه في ذلك من أن غاية ما تدل عليه الآية الاتصاف بأمر زائد على مجرد الإسلام فنحمله على عدم ظهور الفسق- ففيه انه لا ريب ان المتبادر من لفظ العدالة لغة و عرفا و شرعا- كما سيظهر
____________
(1) سورة الطلاق الآية 2.
(2) ستأتي ص 25.
(3) سورة الطلاق الآية 2.
21
لك ان شاء اللّٰه تعالى من الأخبار- عبارة عن أمر وجودي و صفة ثبوتية و لا سيما صحيح ابن ابى يعفور فإنه ظاهر في ذلك غاية الظهور لا مجرد أمر عدمي، فإذا قيل «فلان عدل أو ذو عدالة» فإنما يراد به ان له أوصافا وجودية توجب صدق هذا العنوان عليه و هو كونه معروفا بالصلاح و التقوى و العفاف و نحو ذلك.
و يؤيد ما ذكرناه
ما روى في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) بسنده عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) قال في قوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ (2) قال «ليكونا من المسلمين منكم فان اللّٰه تعالى انما شرف المسلمين العدول بقبول شهاداتهم و جعل ذلك من الشرف العاجل لهم و من ثواب دنياهم».
و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) في قوله عز و جل مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ (4) قال: «ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه في ما يشهد به و تحصيله و تمييزه فما كل صالح مميز و لا كل محصل مميز».
و بالجملة فإطلاق العدالة على مجرد عدم ظهور الفسق أمر لا يفهم من حاق اللفظ و لا يتبادر الى فهم فاهم بالكلية فالحمل عليه انما هو من قبيل المعميات و الألغاز الذي هو بعيد بمراحل عن الحقيقة بل المجاز، و لو قامت هذه التأويلات السخيفة البعيدة في مقابلة الظواهر المتبادرة إلى الأفهام لم يبق دليل على حكم من الأحكام من أصول و فروع إذ لا لفظ إلا و هو قابل للاحتمال و لا قول إلا و للقائل فيه مجال، فبما ذا يقيمون الحجج على المخالفين في الإمامة بل منكري التوحيد و النبوة إذا قامت مثل هذه التأويلات الغثة و عورض بها ما يتبادر من الأدلة؟
و (ثالثا) ان ما طعن به على الرواية المذكورة بضعف السند مردود- بناء على صحة هذا الاصطلاح- بأنه و ان كان السند كذلك في التهذيب إلا ان الرواية المذكورة في الفقيه (5) صحيحة و هي صريحة في رد ما ذهب اليه فتكون
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(2) سورة البقرة الآية 282.
(3) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(4) سورة البقرة الآية 282.
(5) ستأتي ص 15.
22
من أقوى الحجج عليه.
و (رابعا) ان ما نقله- من القول بالإسلام عن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم و ان ما عداهم من المتقدمين لم يصرحوا في عباراتهم بأحد الأمرين- مردود بأن هؤلاء الثلاثة و ان صرحوا بما ذكره في هذه الكتب التي أشار إليها إلا انهم صرحوا في غيرها بخلافه و قد تعارضت أقوالهم فتساقطت، و إلا فإنه كما يتمسك هو بأقوالهم في هذه الكتب كذلك يتمسك خصمه بأقوالهم التي بخلافها في غير هذه الكتب.
و دعوى ان غيرهم لم يصرحوا بأحد الأمرين مردود بما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى في البين.
و ها نحن ننقل جملة من عبائر من وصل إلينا كلامهم لتقف على حقيقة الحال و تكون ممن يعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.
فنقول: قال الشيخ في النهاية: العدل الذي يجوز قبول شهادته للمسلمين و عليهم هو ان يكون ظاهره ظاهر الإيمان ثم يعرف بالستر و الصلاح و العفاف و الكف عن البطن و الفرج و اليد و اللسان و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك الساتر لجميع عيوبه و يكون متعاهدا للصلوات الخمس مواظبا عليهن حافظا لمواقيتهن متوفرا على حضور جماعة المسلمين غير متخلف عنهم إلا لمرض أو علة أو عذر.
و قال الشيخ المفيد: العدل من كان معروفا بالدين و الورع عن محارم اللّٰه تعالى.
و قال ابن البراج: العدالة معتبرة في صحة الشهادة على المسلم و تثبت في الإنسان بشروط و هي البلوغ و كمال العقل و الحصول على ظاهر الإيمان و الستر و العفاف و اجتناب القبائح و نفى التهمة و الظنة و الحسد و العداوة.
و قال أبو الصلاح: العدالة شرط في قبول الشهادة على المسلم و يثبت حكمها بالبلوغ و كمال العقل و الايمان و اجتناب القبائح اجمع و انتفاء الظنة بالعداوة و الحسد و المنافسة و قال ابن الجنيد: فإذا كان الشاهد حرا بالغا مؤمنا عاقلا بصيرا معروف النسب
23
مرضيا غير مشهور بكذب في شهادته و لا بارتكاب كبيرة و لا مقام على صغيرة حسن التيقظ عالما بمعاني الأقوال عارفا بأحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل و لا بتهاون بواجب من علم أو عمل و لا معروف بمباشرة أهل الباطل و لا الدخول في جملتهم و لا بالحرص على الدنيا و لا بساقط المروة بريئا من أقوال أهل البدع التي توجب على المؤمنين البراءة من أهلها فهو من أهل العدالة المقبولة شهادتهم.
و قال الشيخ في المبسوط: العدالة في اللغة أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساويا، و في الشريعة هو من كان عدلا في دينه عدلا في مروته عدلا في أحكامه، فالعدل في الدين أن يكون مسلما لا يعرف منه شيء من أسباب الفسق، و في المروة أن يكون مجتنبا للأمور التي تسقط المروة مثل الأكل في الطرقات و مد الأرجل بين الناس و لبس الثياب المصبغة، و العدل في الأحكام أن يكون بالغا عاقلا، فمن كان عدلا في جميع ذلك قبلت شهادته و من لم يكن عدلا لم تقبل شهادته.
نقل جميع هذه الأقوال العلامة في المختلف، قال: و التحقيق ان العدالة كيفية نفسانية راسخة تبعث المتصف بها على ملازمة التقوى و المروة و تتحقق باجتناب الكبائر و عدم الإصرار على الصغائر. انتهى.
و أنت خبير بان هذه العبارات عدا عبارتي المبسوط و المختلف كلها ظاهرة الدلالة في القول الثالث الذي سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى و هو المختار من بين هذه الأقوال، و به يظهر لك صحة ما ذكرناه من تعارض أقوال هؤلاء الثلاثة الذين تقدم النقل عنهم و تصريح جملة من غيرهم بما ذكرناه من العدالة التي هي أمر زائد على مجرد الإسلام.
و (خامسا) ان ما استند اليه من الأخبار معارض بما هو أوضح و أصرح مع قبول ما ذكره للتأويل و الرجوع الى الروايات الدالة على ما ادعيناه كما سيأتي ذكر ذلك ان شاء اللّٰه تعالى مشروحا مبرهنا.
(الثالث) [القول بأن العدالة حسن الظاهر]
من الأقوال في المسألة انها عبارة عن حسن الظاهر و هو قول أكثر متأخري المتأخرين مستندين فيه صحيح ابن ابى يعفور الآتي ان شاء
24
اللّٰه تعالى (1) إلا انهم اكتفوا من حسن الظاهر بما هو القشر الظاهر و لم يعطوا التأمل حقه في الرواية المذكورة و ما تدل عليه مما سنكشف عنه نقاب الإبهام ان شاء اللّٰه تعالى لكل ناظر.
و ظاهر كلامهم أن المراد بحسن الظاهر هو ان لا يظهر منه ما يوجب الفسق من ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر. و أنت خبير بان هذا المعنى لا يخرج عن القول الثاني فإن القائلين بالإسلام اعتبروا عدم ظهور الفسق.
و من العجب انهم يستندون في هذا القول الى صحيح ابن ابى يعفور مع انه بالتعمق في معناه- كما سنوضحه لك ان شاء اللّٰه تعالى- بعيد عن هذا المعنى الذي ذكروه بمراحل.
و من هذه الأقوال الثلاثة يظهر وجه الخلاف الذي ذكروه في أن الأصل في المسلم هل هو العدالة أو الفسق أو التوقف؟ فذهب بعضهم الى ان الأصل فيه العدالة، و هذا مما يتفرع على تفسير العدالة بمجرد الإسلام كما هو القول الثاني، و يعرف مستنده من الأخبار الواردة في ذلك و قد عرفت و ستعرف ان شاء اللّٰه تعالى الجواب عنها، و ذهب آخرون الى ان الأصل فيه الفسق استنادا الى ان الأصل التكليف و اشتغال الذمة بالعبادات و التكاليف، و الأصل عدم خروجه عن عهدتها حتى يعلم قيامه بها، و هذا مناسب للقول الأول لأن الأصل عدم حصول الملكة المذكورة حتى يحصل الاطلاع عليها و لكنه بمحل من الضعف لدلالة الأخبار على حسن الظن بالمؤمن و حمل أفعاله على الصحة و المشروعية.
و التحقيق في المسألة هو القول الثالث و هو التوقف حتى يعلم أحد الأمرين من عدالة أو فسق، و هذا هو الأنسب بالقول الثالث الذي اخترناه.
و كيف كان فلنشتغل بنقل الأخبار الواردة في المقام ليظهر لك صحة ما ذكرناه من هذا الكلام فنقول:
____________
(1) ص 25.
25
المقام الثالث- في نقل الأخبار الواردة
، و ها نحن ننقل ما وصل إلينا منها مبتدئين بما يدل على ما اخترناه و ينادى بما قلناه عاطفين الكلام على نقل الأخبار التي استند إليها أولئك الأعلام مذيلين لها بما يقتضيه المقام من نقض و إبرام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل البيت (عليهم السلام):
فنقول: من الأخبار الدالة على ما اخترناه صحيحة عبد اللّٰه بن ابى يعفور، و هذه الرواية رواها الصدوق في الصحيح و الشيخ في التهذيب بطريق غير صحيح (1) و في المتن في الكتابين تفاوت بالزيادة و النقصان و نحن ننقلها كما نقلها في الوافي (2) عن الكتابين معلما لموضع الاختصاص بعلامة و موضع الاشتراك بما يدل على ذلك:
فرويا بسنديهما عن عبد اللّٰه بن ابى يعفور قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال ان تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان، و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك، و الدلالة على ذلك كله ان يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين و ان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة (فقيه) فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا ما رأينا منه إلا خيرا مواظبا على الصلاة متعاهدا لأوقاتها في مصلاه فان ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين (ش) (3) و ذلك ان الصلاة ستر و كفارة للذنوب (فقيه) و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلى إذا كان لا يحضر مصلاه و يتعاهد جماعة المسلمين، و انما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(2) ج 9 ص 149.
(3) إشارة إلى مورد الاشتراك بين الكتابين.
26
لكي يعرف من يصلى ممن لا يصلى و من يحفظ مواقيت الصلاة ممن يضيع (ش) و لولا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح لان من لا يصلى لا صلاح له بين المسلمين (يب) لان الحكم جرى من اللّٰه تعالى و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) بالحرق في جوف بيته (فقيه) فان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) هم بان يحرق قوما في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين و قد كان فيهم من يصلى في بيته فلم يقبل منه ذلك و كيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من اللّٰه و من رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فيه بالحرق في جوف بيته بالنار (ش) و قد كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول لا صلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين إلا من علة (يب) و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لا غيبة إلا لمن صلى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه و إذا رفع الى امام المسلمين أنذره و حذره فان حضر جماعة المسلمين و إلا أحرق عليه بيته و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته و ثبتت عدالته بينهم».
أقول: لا يخفى ان هذه الرواية قد اشتملت على شيئين في حصول العدالة و انها عبارة عنهما (الأول)- انه لا بد في ثبوتها من معرفته بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج. الى آخره، و العطف هنا من قبيل عطف الخاص على العام تفصيلا للإجمال في المقام، و لا ريب ان اشتراط معرفته بالكف عن هذه الأشياء يتوقف على نوع معاشرة و اختبار مطلع على باطن الأحوال، و ذلك انك لا تقول «فلان معروف بالشجاعة» إلا بعد أن تعرف حاله في ميدان القتال و منازلة الابطال فإذا كان ممن يقتل الرجال و لا يولى الدبر في موضع النزال و يقاوم الشجعان و يصادم الفرسان صح وصفه بالشجاعة و ان تفاوتت إفرادها شدة و ضعفا و هكذا لا تقول «فلان معروف بالطب و الحكمة في الأبدان» إلا إذا كان ممن علم تأثير أدويته و جودة قريحته في شفاء المرضى و الاطلاع على معرفة العلل و الأدواء و نحو ذلك، و حينئذ فلا يقال فلان معروف بكف البطن و الفرج و اليد و اللسان و نحو ذلك إلا بعد اختباره بالمعاملات و المحاورات الجارية بين الناس كما لو وقع في
27
يده مال لغيره أمانة أو تجارة أو نحو ذلك، أو جرى بينه و بين غيره خصومة أو نزاع و ان اعتدى عليه، فان كان ممن لا يتعدى في ذلك الحدود الشرعية و النواميس المرعية فهو هو و إلا فلا، و اما من لم يحصل الاطلاع على باطن أحواله بوجه و ان رؤي ملازما على الصلاة أو الدرس أو التدريس و الإفتاء فضلا عن ان يكون من الغثاء فهو من قبيل مجهول الحال لا يصدق عليه انه يعرف بذلك بل يحتمل أن يكون كذلك و ان لا يكون، و كم قد رأينا في زماننا من هو ملازم للصلاة و الدعاء و سائر العبادات بل التصدر للتدريس و الفتوى و امامة الجماعة حتى إذا صار بينه و بين أحد معاملة الدرهم و الدينار أو وقع في يده مال طفل أو مسجد أو وقف أو نحو ذلك انقلب الى حالة اخرى و صار همه التوصل بالغلبة و الاستيلاء بكل وجه ممكن و ان تفاوتت في ذلك افراد الناس باعتبار تفاوت المقامات، و نحو ذلك فيما إذا اعتدى عليه معتد باللسان أو سلب المال فربما قابله بأزيد مما اعتدى عليه و ربما استنكف عن ذلك حياء من الناس في الظاهر و لكن يتربص به الغوائل و ينصب له شباك العداوة و لو انه قابل بالصفح و الحلم و العفو لكان هو هو.
و بالجملة فإنه إنما تعرف أحوال الناس و ما هم عليه من هذه الأشياء المذكورة في الخبر و حسن و قبح و عدالة و فسق بالابتلاء و الامتحان في المعاملات و المحاورات و المخاصمات، فيجب ان ينظر حاله لو كان له على غيره مال في الاقتضاء و لو كان لغيره عليه مال في القضاء و كيف حاله في الغضب ان اعتدى أحد عليه و ما الذي يجري منه لو أساء أحد اليه و نحو ذلك، فان كان في جميع ذلك انما يقابل بالرضا و الانقضاء و حسن المعاملة في القضاء و الاقتضاء و الجري على قواعد الشريعة المحمدية و لا يستفزه الغضب في الخروج عن تلك الطريقة العلية فهو هو و إلا فليس بذلك.
و هذا هو الذي لحظه (عليه السلام) في الخبر و به تشهد رؤية العيان و عدول الوجدان و لا سيما في هذا الزمان، و هذا هو الذي يتبادر من العبارة المذكورة أعني قولنا ان العدالة عبارة عن حسن الظاهر أى حسن ما يظهر منه بعد الابتلاء و الامتحان
28
و الاختبار بما ذكرنا و نحوه. و اما مجرد رؤية الرجل على ظاهر الايمان عالما فاضلا أو جاهلا خاملا و ان لم يظهر منه ما يوجب الفسق فهو مجهول الحال و لم يظهر منه ما يوجب وصفه بالعدالة المذكورة في هذا الخبر، فان عدم ظهور ما يوجب الفسق لا يدل على العدم و الشرط كما عرفت من الرواية ظهور العدم لا عدم الظهور و الفرق بين المقامين واضح.
و مما يؤيد ما ذكرناه من الفحص و المعاشرة قوله (عليه السلام) «فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته. الى آخره» فإنه صريح كما ترى في وجوب السؤال، و تخصيص القبيلة و المحلة من حيث انهم أقرب الى الاطلاع على أحواله بالمعاشرة و المخالطة كما لا يخفى.
(فان قيل) انه يصدق على من لم يظهر منه ما يوجب الفسق انه معروف بالتقوى و العفاف (قلنا) هذا كلام مجمل، فإن أريد من لم يظهر منه في موضع تقضى العادة الجارية بين الناس بالإظهار فهو عين ما نقوله فمرحبا بالوفاق، فان من اعتدى عليه بيد أو لسان أو سلب مال و كف لسانه و يده عن الاعتداء و لم يتجاوز الحدود الشرعية في الاقتضاء أو وقع في يده شيء من الحطام الحرام فكف نفسه عنه فهذا هو الذي ندعيه، و اما من لم يكن كذلك بان لم تصل يده الى شيء أو لم يحصل له من يعتدى عليه فلا يوصف بالكف لان الكف انما يقال في موضع يقتضي البسط ألا ترى انه لا يقال للزاهد في الدنيا من حيث انها زاهدة فيه انه زاهد حقيقة و يترتب عليه ما أعده اللّٰه للزاهدين و انما يقال لمن تمكن منها و وقعت في يده فكف يده عنها و منع نفسه من الدخول فيها و التعرض لها؟ ثم أ لا ترى ان شر خلق اللّٰه الكلاب و السباع و أنت إذا قابلتها باللطف و الإكرام تكون معك في تمام الألفة و الصحبة و إذا قابلتها بالتعدي ترى ما يظهر منها من الشر و الجرأة؟
(فإن قيل) ان قوله (عليه السلام) في الخبر «و الدلالة على ذلك أن يكون ساترا لجميع عيوبه» ظاهر في انه يكفى في الحكم بعدالته انه يظهر من حاله انه ساتر لعيوبه بمعنى انه لم يظهر منه فسق كما أشار إليه في المدارك، قال (قدس سره) في الكتاب
29
المذكور بعد ذكر الرواية: و يستفاد من هذه الرواية انه يقدح في العدالة فعل الكبيرة التي أوعد اللّٰه عليها النار و انه يكفى في الحكم بها ان يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه ملازما لجماعة المسلمين. انتهى.
أقول: كما انه يستفاد من الرواية قدح فعل الكبيرة في العدالة كذلك يستفاد منها قدح فعل الصغيرة فلا وجه لتخصيص الكبيرة بالذكر بل ربما أوهم ان فعل الصغيرة غير مخل بالعدالة و هو و ان وافق مذهبه في اكتفائه في معنى العدالة بمجرد الإسلام إلا ان الخبر ظاهر في ما قلناه من قدح فعل الصغيرة، فإن قوله (عليه السلام) «ان تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن. الى آخره» راجع الى اجتناب الصغائر ثم عطف عليها اجتناب الكبائر، و ملخصه انه يجب ان يعرف بالتقوى و العفاف عن كل صغيرة و كبيرة، و لا يخفى انه لا يمكن ذلك إلا بالمعاشرة و الاطلاع على أحواله كما قدمنا ذكره.
و اما ما ذكره- بقوله «و يكفي في الحكم بها ان يظهر من حال المكلف كونه ساترا لعيوبه» إشارة الى ما يدعونه من ان حسن الظاهر عبارة عن ان لا يظهر منه عيب للناس و لا فسق- فقد عرفت ما فيه و انه كلام مجمل و لكنه ليس هو المراد هنا من كلامه و انما كلامه (عليه السلام) هنا وقع من قبيل الإجمال بعد التفصيل، فإنه بعد أن فسر العدالة بأنها عبارة عن ان يعرف بكذا و كذا الراجع إلى انه لا بد من العلم بتقواه و كفه عن هذه الأشياء أجمل ذلك فقال: و مجملة ان لا يقف أحد على عيب يذم به بل يكون صلاحه و تقواه و ما علم منه ساترا لعيوبه بغلبته عليها و اضمحلالها به فلا يجوز لهم بعد ذلك البحث و التفتيش عن انه هل له عثرات و عيوب أم لا؟
و أنت إذا أعطيت التأمل حقه في معنى هذه الرواية كما شرحناه و أوضحناه وجدتها قريبة من القول المشهور بين المتأخرين و انه لا فرق بينها و بين ما ذهبوا اليه إلا من حيث اعتبارهم كون التقوى ملكة و قد عرفت انه لا دليل عليه و إلا فاشتراط العلم بالصلاح و التقوى و العفاف و عدم الإخلال بالواجبات و اجتناب
30
المحرمات مما لا شك فيه و هو الذي صرحت به أيضا عبائر المتقدمين التي قدمنا نقلها الثاني- التعاهد للصلوات الخمس بالحضور مع جماعة المسلمين، و هذا الشرط و ان لم يذكره أحد من الأصحاب بل ربما صرحوا بأن الإخلال بالمندوبات لا يقدح في وصف العدالة و استثنى بعضهم ما إذا كان على وجه يؤذن بالتهاون و عدم المبالاة بكمالات الشرع فجعله قادحا، إلا ان هذا الخبر كما عرفت قد تضمن هذا الشرط على أبلغ وجه و اوكده فيجب القول به و يتعين العمل عليه و نحن تبع لأقوالهم (عليهم السلام) لا لأقوال الفقهاء إلا ان تعتضد بأخبارهم في المقام. و بذلك ايضا صرح شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني (نور اللّٰه مرقده) في بعض أجوبته.
ثم ان الظاهر انه (عليه السلام) انما آثر الصلاة جماعة في كونها مظهرا للعدالة و دليلا عليها من حيث
استفاضة الأخبار بان الصلاة عمود الدين (1).
و ان بقبولها تقبل سائر الأعمال و ان كانت باطلة و بردها ترد سائر الأعمال و ان كانت صحيحة (2) و انها معيار الكفر و الايمان (3) و انها متى اتى بها في وقتها بحدودها كانت كفارة للذنوب الواقعة في ذلك اليوم (4) و انها كما قال عز و جل «تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ» (5) و اعتبار حضور الجماعة فيها ليعلم الإتيان بها و يمكن الحكم على الآتي بها بالعدالة كما صرح به في الخبر.
و من الأخبار الدالة على ما اخترناه زيادة على هذه الصحيحة الصريحة في المراد العارية عن وصمة الاعتراض و الإيراد
ما ذكره الإمام العسكري (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 6 و 8 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(2) الوسائل الباب 8 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(3) الوسائل الباب 11 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(4) الوسائل الباب 2 و 7 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(5) سورة العنكبوت الآية 44.
31
في تفسيره (1) في تفسير قوله تعالى «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ» (2) قال: «يعنى ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه في ما يشهد به و تحصيله و تمييزه فما كل صالح مميز و لا محصل و لا كل محصل مميز صالح، و ان من عباد اللّٰه لمن هو أهل لصلاحه و عفته و لو شهد لم تقبل شهادته لقلة تمييزه، فإذا كان صالحا عفيفا مميزا محصلا مجانبا للعصبية و الهوى و الميل و التحامل فذلك الرجل الفاضل. الحديث».
و هو جار على ما تقدم في جملة من عبارات أصحابنا المتقدمين التي قدمناها و الخبر المذكور ظاهر الدلالة واضح المقالة في ما ادعيناه.
و يعضد ذلك جملة من الأخبار و ان لم تكن مثل هذين في الوضوح و الظهور السالم من الإنكار:
منها-
ما رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن الرضا عن آبائه عن على (عليهم السلام) (3) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) من عامل الناس فلم يظلمهم و حدثهم فلم يكذبهم و وعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروته و ظهرت عدالته و وجبت اخوته و حرمت غيبته».
و ما رواه فيه ايضا بسنده عن عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال «ثلاث من كن فيه أوجبت له أربعا على الناس: من إذا حدثهم لم يكذبهم و إذا وعدهم لم يخلفهم و إذا خالطهم لم يظلمهم، وجب أن تظهر في الناس عدالته و تظهر فيهم مروته و ان تحرم عليهم غيبته و ان تجب عليهم أخوته».
أقول: لا يخفى عليك ما في دلالة هذين الخبرين على ما ادعيناه زيادة على الصحيحة المتقدمة من اعتبار المعاشرة و المخالطة في معرفة العدالة لتصريحهما بأن العدالة تثبت بهذه الأمور المعدودة فيهما و من الظاهر ان هذه الأمور لا تحصل إلا
____________
(1) تفسير الصافي في تفسير الآية و في الوسائل في الباب 41 من الشهادات.
(2) سورة البقرة الآية 282.
(3) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(4) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
32
بالمخالطة و المعاشرة حسبما قدمنا تحقيقه، و بالجملة فإنهما واضحان كالخبرين السابقين في المراد عاريان عن وصمة الإيراد إلا عند من أعمى اللّٰه بصر بصيرته بالعناد و اللداد.
و منها-
ما رواه أبو بصير في الموثق عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا».
و منها-
رواية العلاء بن سيابة عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في المكاري و الملاح و الجمال؟ قال: و ما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء».
و رواية عمار بن مروان (3) «في الرجل يشهد لابنه و الابن لأبيه و الرجل لامرأته؟ قال: لا بأس بذلك إذا كان خيرا».
و رواية سماعة (4) قال: «سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصية و له خدم و مماليك و عقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال أن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس».
و التقريب فيها- كما ذكره الأصحاب- ان هذا من الأمور الحسبية الراجعة إلى الحاكم الشرعي أو عدول المؤمنين و هو (عليه السلام) قد ناط ذلك بالثقة خاصة لا من اتصف بمجرد الإسلام.
و رواية هشام بن سالم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) في حديث في الوكالة قال (عليه السلام) «و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة».
و التقريب بنحو ما تقدم حيث ان الوكيل لا ينعزل عن الوكالة إلا بعد العلم بالعزل كما صرح به الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و هو (عليه السلام) قد جعل خبر الثقة قائما مقام المشافهة، و لفظ الثقة هنا يساوق لفظ العدل في الأخبار المتقدمة فهي بمعنى العدل.
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(2) الوسائل الباب 34 من الشهادات. و أبو عبد اللّٰه يروى عن ابى جعفر (ع).
(3) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(4) الوسائل الباب 88 من الوصايا. و في نسخ الحدائق (رفاعة).
(5) الوسائل الباب 2 من الوكالة.
33
و صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس».
و رواية محمد بن مسلم (2) قال: «قدم رجل الى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة فقال انى طلقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل ان أجامعها؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) أشهدت رجلين ذوي عدل كما قال اللّٰه تعالى؟ فقال: لا. فقال اذهب فإن طلاقك ليس بشيء».
و رواية جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «شهادة القابلة جائزة على انه استهل أو برز ميتا إذا سئل عنها فعدلت».
الى غير ذلك من الأخبار الدالة على اعتبار عدالة الشاهد كما لا يخفى على من راجعها من مظانها مثل مسألة رؤية الهلال و الطلاق و الشهادات و الدين و نحوها و ان اختلفت في تأدية ذلك إجمالا و تفصيلا، فربما عبر في بعضها بالشاهدين بقول مطلق و ربما عبر بالعدلين و ربما عبر بالأوصاف التي هي شرط في حصول العدالة إجمالا أو تفصيلا.
و لا ريب ان ضم الأخبار بعضها الى بعض و حمل مطلقها على مقيدها و مجملها على مفصلها يقتضي ان العدالة أمر زائد على مجرد الإسلام أو الايمان.
و لا يخفى ايضا ان مقتضى العمل بتلك الأخبار التي استندوا في الاكتفاء بمجرد الإسلام إليها طرح هذه الأخبار مع اعتضادها بالآية الشريفة حسبما قدمناه و عمل جملة من متقدمي الأصحاب كما قدمنا من نقل عباراتهم، على ان تلك الأخبار التي استندوا إليها غير واضحة الدلالة كما سنكشف عنه ان شاء اللّٰه تعالى نقاب الإبهام في المقام بتوفيق الملك العلام و بركة أهل الذكر (عليهم السلام).
____________
(1) الوسائل الباب 14 من كيفية الحكم و 41 من الشهادات.
(2) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق و شرائطه.
(3) الوسائل الباب 24 و 41 من الشهادات.
34
و ها نحن نسوقها لك على التفصيل مذيلين لها بما لا يخفى صحته و قوته على ذوي الفهم من ذوي التحصيل فنقول:
(الاولى و الثانية)
صحيحة حريز عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان و لم يعدل الآخران؟ قال إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا و أقيم الحد على الذي شهدوا عليه، انما عليهم ان يشهدوا بما أبصروا و علموا و على الوالي ان يجيز شهادتهم إلا ان يكونوا معروفين بالفسق».
و ما رواه الصدوق في كتاب المجالس بإسناده عن صالح بن علقمة عن أبيه (2) قال: «قال الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) و قد قلت له يا ابن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أخبرني عن من تقبل شهادته و من لا تقبل؟ فقال يا علقمة كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته. قال فقلت له تقبل شهادة المقترف للذنوب؟
فقال يا علقمة لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلا شهادة الأنبياء و الأوصياء لأنهم هم المعصومون دون سائر الخلق، فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة و الستر و شهادته مقبولة و ان كان في نفسه مذنبا. الحديث».
و هذان الخبران أظهر ما استدل به للقول المذكور و أنت خبير بان الخبر الثاني ضعيف باصطلاحهم فلا يصلح للاستدلال و لا يمكنهم الاحتجاج به إلا انه حيث كان الأمر عندنا خلاف ما اصطلحوا عليه أوردناه دليلا لهم و تكلفنا الجواب عنه حسما لمادة الشبهة.
و الجواب عنهما (أولا) انهما لا يبلغان قوة في معارضة الأخبار التي قدمناها المترجحة بالآية المتقدمة، و قد ورد عنهم (عليهم السلام) في القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة التي قرروها انه مع اختلاف الأخبار يجب عرضها على كتاب
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(2) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
35
اللّٰه تعالى و الأخذ بما وافقه و رمى ما خالفه، و لا ريب ان الروايات المتقدمة موافقة للآية في اشتراط العدالة التي هي أمر زائد على مجرد الإسلام كما تقدم إيضاحه، و هذان الخبران على خلاف ما دلت عليه الآية فيجب طرحهما و ردهما إلى قائلهما بمقتضى القاعدة المذكورة.
و (ثانيا)- بالحمل على التقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و يعضده ما ذكره بعض أصحابنا من أن بعض العامة يذهب الى ان الأصل في المسلم العدالة (1) و يعضده ايضا ما ذكره الشيخ في الخلاف من ان البحث عن عدالة الشهود ما كان في أيام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أيام الصحابة و لا أيام التابعين و انما هو شيء أحدثه شريك بن عبد اللّٰه القاضي (2) و لو كان شرطا لما أجمع أهل الأمصار على تركه. فإنه دال بأوضح دلالة على ان قضاة العامة من وقت الصحابة إلى وقت شريك المذكور كانوا على الحكم بالعدالة بمجرد الإسلام، و من الظاهر ان القضاء و الحكم بعد موت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إنما كان في أيديهم و متى ثبت ذلك اتجه حمل ما دل من
____________
(1) في المغني ج 9 ص 64 في مسألة قبول شهادة مجهول الحال عن احمد ان ظاهر المسلمين العدالة فيحكم بشهادتهما إذا عرفت إسلامهما بظاهر الحال، و قال عمر: المسلمون عدول بعضهم على بعض. ثم ذكر ان أعرابيا جاء إلى النبي «ص» فشهد برؤية الهلال فقال له النبي «ص» أ تشهد ان لا إله إلا اللّٰه؟ فقال نعم. فقال أ تشهد انى رسول اللّٰه؟ قال نعم فصام و أمر الناس بالصيام. ثم اختار ابن قدامة كون العدالة شرطا فيجب البحث عنها و به قال الشافعي و أبو يوسف و محمد. و في بدائع الصنائع ج 6 ص 270 ان أبا حنيفة يعتبر العدالة الظاهرة لا الحقيقية و دليله قوله تعالى «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» اى عدلا فوصف سبحانه مؤمني هذه الأمة بالوساطة و هي العدالة و قال عمر «عدول بعضهم على بعض» فصارت العدالة أصلا في المؤمنين و زوالها بعارض. و في البحر الرائق ج 7 ص 69 عن أبي حنيفة يقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم و لا يسأل حتى يطعن الخصم لقوله «ص» الناس عدول بعضهم على بعض.
(2) ارجع الى التعليقة 3 ص 18 و 1 ص 19.
36
أخبارنا على مجرد الاكتفاء بالإسلام على التقية. و اما ما يوجد في كلام متأخري علمائهم من تفسير العدالة بالملكة فلعله حدث أخيرا من زمن شريك و نحوه كما حدث ذلك لمن تبعهم من متأخري أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) مع عدم وجوده في كلام متقدميهم.
و (ثالثا) انه متى قيل بما دل عليه الخبران المذكوران و نحوهما من ان العدالة عبارة عن مجرد الإسلام فاللازم من ذلك طرح تلك الأخبار الصحيحة الصريحة في أن العدالة عبارة عن أمر زائد على مجرد الإسلام من التقوى و الصلاح و العفاف و نحو ذلك من تلك الأوصاف و كذا مخالفة الآية و هو مما يلتزمه محصل، فالواجب حمل الخبرين المذكورين على ما ذكرناه من التقية و إلا فطرحهما بموجب تلك القاعدة المتقدمة الواضحة.
و (رابعا) انه يحتمل تقييد الخبرين المذكورين بما قدمنا من الأخبار و ذلك فإن غاية هذين الخبرين أن يكونا مطلقين بالنسبة إلى اشتراط العدالة و طريق الجمع في مثل هذا المقام حمل المطلق على المقيد، و الى ذلك يشير كلام المحدث الكاشاني في الوافي حيث انه نقل في أول الباب صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة (1) ثم نقل بعدها رواية اللاعب بالحمام المتضمنة لنفي البأس عن قبول شهادته إذا لم يعرف بفسق (2) ثم نقل خبر حريز المذكور و مرسلة يونس الآتية ان شاء اللّٰه تعالى ثم قال ما صورته: و الجمع بين هذه الأخبار يقتضي تقييد مطلقها بمقيدها اعنى تقييد ما سوى الأول بما في الأول من التعاهد للصلوات و المواظبة على الجماعات إلا من علة و انه الميزان في معرفة العدالة. إلخ.
(الثالثة)
مرسلة يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «خمسة أشياء يجب على الناس ان يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات و التناكح و المواريث و الذبائح و الشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه».
____________
(1) ص 25.
(2) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(3) الوسائل الباب 22 من كيفية الحكم.
37
و الجواب (أولا) بضعف السند الذي به يضعف عن معارضة ما قدمنا من الآية و الأخبار.
و (ثانيا) بان قوله (عليه السلام) في آخر الخبر «فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا جازت شهادته» بالدلالة على ما ندعيه أشبه، و لعله استدراك منه (عليه السلام) بالنسبة إلى الشهادة دون تلك الأشياء المعدودة، و ذلك فإنه إنما يحكم على ظاهره بالمأمونية مع العلم بما يوجب ذلك من الصفات المتقدمة في تلك الروايات المكنى بها عن العدالة و إلا فمجهول الحال الذي إنما رؤي حال الحضور عند الحاكم الشرعي للشهادة مثلا كيف يوصف بكون ظاهره مأمونا و هو مجهول، إذ مجرد الإسلام لا يكفي في المأمونية لأن الظاهر الذي يوجب الحكم عليه بالمأمونية إنما هو معرفته في عباداته و معاملاته و نحو ذلك لا الظاهر الذي هو عبارة عن رؤية شخصه و كونه مسلما.
و لو قيل: ان المراد إنما هو ظاهر الإسلام لأن الأصل في المسلم الستر و العفاف (قلنا) هذا الأصل ممنوع و ضرورة العيان و عدول الوجدان في أبناء نوع الإنسان و لا سيما في هذه الأزمان أعدل شاهد في البيان بل الأصل انما هو مجهولية الحال حتى يظهر أحد الأمرين من العدالة و الفسق.
و (ثالثا) ما ذكره المحدث الكاشاني في معنى الخبر المذكور حيث قال في كتاب الوافي بعد نقله ما صورته: بيان- يعنى ان المتولي لأمور غيره إذا ادعى نيابته مثلا أو وصايته و المباشر لامرأة إذا ادعى زواجها و المتصرف في تركة الميت إذا ادعى نسبه و بائع اللحم إذا ادعى تذكيته و الشاهد على أمر إذا ادعى العلم به و لا معارض لأحد من هؤلاء تقبل أقوالهم و لا يفتش عن صدقهم حتى يظهر خلافه بشرط ان يكون مأمونا بحسب الظاهر. انتهى. و حاصله الرجوع الى قبول قول من ادعى شيئا و لا معارض له و هي مسألة أخرى خارجة عن ما نحن فيه.
(الرابعة)
موثقة عبد اللّٰه بن ابى يعفور عن أخيه عبد الكريم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كن مستورات من أهل البيوتات معروفات
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
38
بالستر و العفاف مطيعات للأزواج تاركات للبذاء و التبرج الى الرجال في أنديتهم».
و الجواب ان هذه الرواية لما ندعيه أقرب و بما ذهبنا إليه انسب فإنه (عليه السلام) قد شرط في صحة شهادتهن أمورا زائدة على الإسلام لا بد ان يعرف اتصافهن بها و هي العفاف و التقوى و ترك المعاصي و المحرمات التي ربما صدر منهن في تلك المقامات (الخامسة و السادسة)
رواية عبد الرحيم القصير (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إذا كان الرجل لا تعرفه يؤم الناس فقرأ القرآن فلا تقرأ خلفه و اعتد بصلاته».
و مرسلة ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال و كان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي؟
قال لا يعيدون».
و الجواب ان هذين الخبرين معارضان عموما بما تقدم من صحيحة ابن ابى يعفور و غيرها الدالة على اشتراط العدالة و موردها و ان كان الشاهد إلا ان الظاهر كما صرح به جملة من الأصحاب ان العدالة المعتبرة بأي معنى أخذت فإنه لا فرق فيها بين الشاهد و الامام و نحوهما، و خصوصا بجملة من الأخبار: منها رواية ابى على بن راشد و رواية خلف بن حماد و رواية إبراهيم بن على المرافقي و ابى أحمد عمرو بن الربيع البصري و نحوها من الروايات المتقدم جميع ذلك في المقام الأول.
و بالجملة فما ذكرناه من الروايات عموما و خصوصا ان لم يكن أرجح و لا سيما مع اعتضادها بعمل الطائفة المحقة سلفا و خلفا في الإمامة فلا أقل أن يكون معارضا لهما فلا يمكن التعلق بهما، و حملهما على التقية أقرب قريب لاتفاق العامة على جواز الصلاة خلف كل بر و فاجر (3) فكيف المجهول الحال.
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة.
(3) في المغني ج 2 ص 189 «الجمع و الأعياد تصلى خلف كل بر و فاجر و قد كان احمد يشهدهما مع المعتزلة و كذلك العلماء الذين في عصره، و لان هذه الصلاة من شعائر الإسلام الظاهرة و تليها الأئمة دون غيرهم فتركها خلفهم يفضى الى تركها بالكلية» و في بدائع الصنائع ج 1 ص 156 «تجوز الصلاة خلف الفاسق في قول العامة لما روى من قوله «ص» «صلوا خلف كل بر و فاجر» و الحديث و ان ورد في الجمع و الأعياد لتعلقهما بالأمراء و أكثرهم فساق لكنه بظاهره حجة في ما نحن فيه إذ العبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب» و في البداية لابن رشد ج 1 ص 123 طبع سنة 1339 «اختلفوا في إمامة الفاسق فردها قوم بإطلاق و أجازها قوم بإطلاق و فرق قوم بين ان يكون فسقه مقطوعا به أو غير مقطوع به ففي مقطوع الفسق تعاد الصلاة خلفه و استحبت الإعادة في مظنون الفسق في الوقت.».
39
و بهذين الخبرين مع رواية عمر بن يزيد الآتية ان شاء اللّٰه تعالى استدل شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني (قدس سره) في أجوبة المسائل الشوشترية على ما اختاره من أن العدالة عبارة عن حسن الظاهر، و هو مؤذن بصحة ما قدمنا نقله عنهم من انهم انما جمدوا على القشر الظاهر من هذا اللفظ و لم يعطوا التأمل حقه كما لا يخفى على الخبير الماهر، و ان قولهم بذلك يرجع الى مذهب المفسرين للعدالة بمجرد الإسلام، مع انهم زعموا كونه قولا ثالثا في المقام و الحال كما ترى مما هو ظاهر لذوي الأفهام، على انه ايضا يمكن تأويل رواية عبد الرحيم بأن صلاة الناس خلفه بمنزلة الشهادة على عدالته سيما إذا كان فيهم من يعتقد عدالته و ان كان ظاهر الأصحاب انه لا يجوز ذلك إلا بعد الفحص و السؤال و حمل مرسلة ابن ابى عمير على ان ذلك اليهودي أظهر لهم الصلاح حتى حصل لهم الاعتقاد بعدالته.
(السابعة)
رواية عمر بن يزيد (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن امام لا بأس به في جميع أموره عارف غير انه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما اقرأ خلفه؟ قال لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا».
و الجواب انه لا ريب ان هذا الخبر بظاهره دال على عدم ثبوت العقوق بإسماع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما و لا شك و لا إشكال في ثبوت العقوق بذلك لأن
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.
40
الآية الشريفة (1) دلت على تحريم التأفيف الذي هو كناية عن مجرد التضجر،
و في الخبر عنه (عليه السلام) «لو علم اللّٰه شيئا هو أدنى من أف لنهى عنه» رواه في الكافي (2).
و رواه ايضا بطريق آخر (3) و زاد فيه «و هو من ادنى العقوق و من العقوق ان ينظر الرجل الى والديه فيحد النظر إليهما».
و روى فيه ايضا عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال «من نظر الى أبويه نظر ماقت و هما ظالمان له لم يقبل اللّٰه له صلاة».
و حينئذ فيجب الحكم بفسق الامام المذكور، و سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى عد العقوق في الكبائر بل هو من أكبرها، و بذلك يظهر ان الخبر المذكور على ظاهره لا يجوز الاعتماد عليه و لا الاستناد في حكم شرعي اليه. و يمكن تأويله بأن يكون المراد بقوله (عليه السلام) «ما لم يكن عاقا قاطعا» بمعنى مصرا على ذلك من غير توبة إلى أبويه و ان يسترضيهما و يصلحهما و يعتذر إليهما بحيث يرضيان عنه. و بالجملة فإن الخبر المذكور لما عرفت مطرح و لا بأس بارتكاب التأويل فيه و ان بعد تفاديا من طرحه.
(الثامنة و التاسعة)
ما رواه الصدوق بإسناد ظاهره الصحة عن عبد اللّٰه بن المغيرة (5) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) رجل طلق امرأته و اشهد شاهدين ناصبيين؟
قال كل من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته».
و حسنة البزنطي عن ابى الحسن (عليه السلام) (6) انه قال له «جعلت فداك كيف طلاق السنة؟ فقال يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل ان يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّٰه في كتابه فإن خالف ذلك رد الى كتاب اللّٰه. فقلت فإن أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق
____________
(1) «فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ» سورة بني إسرائيل الآية 24.
(2) الأصول باب العقوق و لفظه هكذا «ادنى العقوق أف و لو علم اللّٰه شيئا أهون منه لنهى عنه» و في آخر «أيسر» بدل «أهون».
(3) الأصول باب العقوق و اللفظ كما ذكر في المتن.
(4) الأصول باب العقوق.
(5) الوسائل الباب 41 من الشهادات.
(6) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق و شرائطه.
41
أ يكون طلاقا؟ فقال من ولد على الفطرة أجيزت شهادته على الطلاق بعد ان يعرف منه خير».
قال في المسالك بعد إيراد الخبر الثاني في كتاب الطلاق: و هذه الرواية واضحة الاسناد و الدلالة على الاكتفاء بشهادة المسلم في الطلاق. و لا يرد ان قوله «بعد ان يعرف منه خير» ينافي ذلك لأن الخير قد يعرف من المؤمن و غيره و هو نكرة في سياق الإثبات لا يقتضي العموم فلا ينافيه مع معرفة الخير منه بالذي أظهره من الشهادتين و الصلاة و الصيام و غيرهما من أركان الإسلام ان يعلم منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح لصدق معرفة الخير منه معه. و في الخبر- مع تصديره باشتراط شهادة العدلين ثم الاكتفاء بما ذكر- تنبيه على ان العدالة هي الإسلام فإذا أضيف الى ذلك أن لا يظهر الفسق كان اولى. انتهى.
و اقتفاه في هذه المقالة سبطه السيد السند في شرح النافع فقال بعد نقل كلامه المذكور و ذكر الرواية الأولى ما صورته: و هو جيد و الرواية الاولى مع صحة سندها دالة على ذلك أيضا فإن الظاهر ان التعريف في قوله (عليه السلام) فيها «و عرف بالصلاح في نفسه» للجنس لا للاستغراق، و هاتان الروايتان مع صحتهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما. انتهى.
و اقتفاهما في ذلك المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني كما هي عادتهما غالبا.
أقول: و هذا ما أشرنا إليه آنفا من انه قد انجر الأمر من القول بمجرد الإسلام إلى الحكم بعدالة النصاب و ذوي الأذناب.
و كيف كان فهذا الكلام باطل و مردود من وجوه (الأول) ما قدمنا بيانه من الآية و الأخبار المتقدمة الدالة على ان العدالة أمر زائد على مجرد الإسلام مع دلالة جملة منها على ان ذلك عبارة عن التقوى و الصلاح و العفاف و نحوها. و بذلك يظهر لك ما في قول سبطه السيد السند انهما سالمتان من المعارض فيتجه العمل بهما.
42
(الثاني) انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) من هؤلاء القائلين بهذا القول و غيرهم في كفر الناصب و نجاسته و حل دمه و ماله و ان حكمه حكم الكافر الحربي، و انما الخلاف في المخالف الغير الناصب هل يحكم بإسلامه كما هو المشهور بين المتأخرين أم بكفره كما هو المشهور بين المتقدمين؟ و الروايتان قد اشتملتا على السؤال عن شهادة الناصبين على الطلاق فكيف يتم الحكم بالإسلام ثم صحة الطلاق فرعا على ذلك مع الاتفاق نصا و فتوى على الكفر كما عرفت؟ إلا ان يريدوا بالإسلام مجرد الانتحال للإسلام و حينئذ فتدخل فيه الخوارج و المجسمة و المشبهة فتكون ظلمات بعضها فوق بعض.
ثم لو تنزلنا عن ذلك و حملنا الناصب في الخبرين على المخالف كما ربما يدعيه الخصم حيث ان مذهبهم الحكم بإسلام المخالفين فانا نقول ان قبول شهادة المخالف مخالف للأدلة الشرعية كتابا و سنة الدالة على عدم قبول شهادة الفاسق و الظالم (1) و اى فسق و ظلم أظهر من الخروج من الإيمان و الإصرار على ذلك الاعتقاد الفاسد المترتب عليه ما لا يخفى من المفاسد.
و اما ما أجاب به المحدث الكاشاني في المفاتيح تبعا للمسالك- من ان الفسق انما يتحقق بفعل المعصية مع اعتقاد كونها معصية لا مع اعتقاد كونها طاعة و الظلم انما يتحقق بمعاندة الحق مع العلم به- فهو مردود بأنه لو تم هذا الكلام المنحل الزمام المموه الفاسد الناشئ من عدم إعطاء التأمل حقه في هذه المقاصد لاقتضى قيام العذر للمخالفين و عدم استحقاق العذاب في الآخرة و لا أظن هؤلاء القائلين يلتزمونه، و ذلك فان المكلف إذا بذل جده و جهده في طلب الحق و أتعب الفكر و النظر في ذلك و اداه نظره الى ما كان باطلا في الواقع لعروض الشبهة له فلا ريب في انه يكون
____________
(1) اما الكتاب فقوله تعالى في سورة الحجرات الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.» و قوله تعالى في سورة هود الآية 115 «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» و اما السنة فيرجع فيها الى الوسائل الباب 30 من الشهادات.
43
معذورا عقلا و نقلا لعدم تقصيره في السعي لطلب الحق و تحصيله الذي أمر به و كذا يقوم العذر لمنكري النبوات و أهل الملل و الأديان و هذا في البطلان أظهر من ان يحتاج الى بيان. و بالجملة فإنه ان كان هذا الاعتقاد الذي جعله طاعة و عدم العلم بالحق الذي ذكره انما نشأ عن بحث و نظر يقوم بهما العذر شرعا عند اللّٰه فلا مناص عن ما ذكرناه و إلا فلا معنى لكلامه بالكلية كما هو الظاهر لكل ذي عقل و روية.
(الثالث) انه قد استفاضت الروايات و الاخبار عن الأئمة الأبرار (عليهم السلام)- كما بسطنا عليه الكلام في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب- بكفر المخالفين و نصبهم و شركهم
و ان الكلب و اليهودي خير منهم (1).
و هذا مما لا يجامع الإسلام البتة فضلا عن العدالة، و استفاضت ايضا بأنهم
ليسوا من الحنيفية على شيء (2).
و انهم ليسوا إلا مثل الجدر المنصوبة (3).
و انه لم يبق في يدهم إلا مجرد استقبال القبلة (4).
و استفاضت بعرض الأخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه (5) و استفاضت ايضا ببطلان أعمالهم (6) و أمثال ذلك مما يدل على خروجهم عن الملة المحمدية و الشريعة النبوية بالكلية و الحكم بعدالتهم لا يجامع شيئا من ذلك كما لا يخفى.
(الرابع) انه يلزم من ما ذكره- من ان الخير نكرة في سياق الإثبات فلا يعم و كذا قول سبطه: ان التعريف في قوله (عليه السلام) «و عرف بالصلاح في نفسه» للجنس لا للاستغراق- دخول أكثر الفسقة و المردة في هذا التعريف إذ ما من فاسق في الغالب إلا و فيه صفة من صفات الخير فإذا جاز اجتماع العدالة مع فساد العقيدة
____________
(1) ارجع الى ج 5 ص 185 و 187.
(2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الجماعة.
(4)
في الفصول المهمة للحر العاملي ص 74 الباب 29 عن ابى عبد اللّٰه «ع» قال «و اللّٰه ما بقي في أيديهم شيء من الحق الا استقبال القبلة» ....
(5) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(6) الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.
44
جاز مع شرب الخمر و الزنا و اللواط و نحو ذلك بطريق أولى، بل يدخل في ذلك الخوارج و المرجئة و أمثالهما من الفرق التي لا خلاف في كفرها حيث ان الخير بهذا المعنى حاصل فيهم فتثبت عدالتهم بذلك و ان كانوا فاسدي العقيدة نعوذ بالله من زلل الاقدام و طغيان الأقلام.
(الخامس) قوله «ان الخير يعرف من المؤمن. إلى قوله لصدق معرفة الخير منه» فان فيه زيادة على ما تقدم ان الأخبار الصحيحة الصريحة قد استفاضت ببطلان عبادة المخالفين لاشتراط صحة العبادة بالإقرار بالولاية بل
ورد عن الصادق (عليه السلام) (1) «سواء على الناصب صلى أم زنى».
و المراد بالناصب هو مطلق المخالف كما حققناه في كتاب الشهاب الثاقب و حينئذ فأي خيرية في أعمال من قام الدليل على بطلانها و انها في حكم العدم، و كونها في الظاهر بصورة العبادة لا يجدى نفعا لأن خيرية الخير و شرية الشر انما هو باعتبار ما يترتب على كل منهما من النفع و الضرر كما ينادى به
الحديث النبوي (2) «لا خير بخير بعده النار و لا شر بشر بعده الجنة».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي ظهر لي في معنى الخبرين المذكورين أنهما إنما خرجا مخرج التقية، و توضيح ذلك انه قد ظهر بما قدمناه من الوجوه ان المخالف ناصبيا كان بالمعنى الذي يدعونه أو غيره لا خير فيه بوجه من الوجوه فخرج من البين بذلك، و لو حمل الخير في الخبر على مطلق الخير كما ادعاه في المسالك لجامع الفسق البتة إذ لا فاسق متى كان مسلما إلا و فيه خير و هو باطل إجماعا نصا و فتوى لدلالة الآية (3) و الرواية (4) على رد خبر الفاسق، فلا بد من حمل الخير على أمر
____________
(1) روضة الكافي ص 160 «لا يبالي الناصب صلى أم زنى».
(2) المفردات للراغب مادة «خير» و في تاج العروس مادة «خير» نقلا من المفردات للراغب و البصائر لصاحب القاموس.
(3) قوله تعالى في سورة الحجرات الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا.».
(4) الوسائل الباب 30 من الشهادات.
45
زائد على مجرد الإسلام، و وجه الإجمال في هذه العبارة في الخبرين انما هو التقية التي هي في الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و ذلك ان السائل في الخبر الثاني لما سأله عن كيفية طلاق السنة أجاب (عليه السلام) بالحكم الشرعي الواضح و هو ان يطلقها إذا طهرت من حيضها قبل ان يغشاها بشاهدين عدلين كما قال اللّٰه عز و جل في كتابه (1) فإن خالف ذلك رد الى الكتاب بمعنى انه يبطل ما اتى به من الطلاق لمخالفته الكتاب، و لا ريب ان الطلاق بشهادة الناصب باطل بمقتضى هذا التقرير عند كل ذي انس باخبار أهل البيت و معرفة مذهبهم (عليهم السلام) و ما يعتقدونه في مخالفيهم من الكفر و الشرك و العداوة و النصب فيجب رد من أشهدهما على طلاق الى كتاب اللّٰه الدال على بطلان هذا الطلاق لاشتراط عدالة الشاهد بنص الكتاب لكن لما سأل السائل بعد ذلك عن خصوص ذلك و كان المقام لا يقتضي الإفصاح بالجواب ب «لا أو نعم» أجمل (عليه السلام) في الجواب بما فيه إشارة إلى انه لا يجوز ذلك بعبارة موهمة للجواز
فقال (عليه السلام) «كل من ولد على الفطرة الإسلامية و عرف فيه خير جازت شهادته».
و هذا في بادئ النظر يعطى ما توهمه هؤلاء من كون الناصب تجوز شهادته لانه ولد على فطرة الإسلام و فيه خير إلا انه لما كان الناصب بمقتضى مذهبهم (عليهم السلام) من أخبارهم و تتبع سيرهم لا خير فيه و لا صلاح بالكلية لما أسلفنا ذكره وجب إخراجه في المقام و حمل العبارة المذكورة على من عداه.
و من ما ذكرنا يعلم الكلام في الرواية الاولى. و بذلك يظهر لك زيادة على ما قدمناه ما في كلام السيد السند و قوله ان الروايتين سالمتان من المعارض.
و بالجملة فان الواجب في الاستدلال بالخبر في هذا الموضع و غيره النظر الى انطباق موضع الاستدلال على مقتضى القواعد المعتبرة و القوانين المقررة في الأخبار فمتى كان الخبر مخالفا لها و خارجا عنها وجب طرحه و امتنع الاستناد اليه و ان كان صحيح السند صريح الدلالة لاستفاضة أخبارهم (عليهم السلام) بعرض
____________
(1) قوله تعالى في سورة الطلاق الآية 2 «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ».
46
الأخبار على كتاب اللّٰه تعالى و السنة النبوية و لكن عادة أصحاب هذا الاصطلاح و لا سيما السيد صاحب المدارك الدوران مدار صحة السند فمتى كان السند صحيحا لم ينظر الى ما دل في متن الخبر من العلل كما قدمنا التنبيه عليه في غير موضع من ما تقدم.
و بالجملة فكلام هؤلاء الأعيان في هذا المكان أظهر في البطلان من أن يحتاج إلى زيادة على ما ذكرنا من البيان. و اللّٰه العالم.
(المقام الرابع) في الكبائر
و عددها و انها عبارة عما ذا و انه هل جميع الذنوب كبائر أو بعضها صغائر و بعضها كبائر؟
و الكلام هنا يقع في موضعين
[الموضع] (الأول) في الكبائر و عددها
، اعلم انه قد اختلفت كلمة العلماء في تفسير الكبيرة على أقوال منتشرة، فقال قوم هي كل ذنب توعد اللّٰه تعالى عليه بالعقاب في الكتاب العزيز، و قال آخرون هي كل ذنب رتب عليه الشارع حدا أو صرح بالوعيد، و قال طائفة هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث فاعلها بالدين، و قال جماعة هي كل ذنب علمت حرمته بدليل قاطع، و قيل كل ما توعد عليه توعدا شديدا في الكتاب أو السنة، و قيل هي ما نهى اللّٰه عنه في سورة النساء من أولها إلى قوله تعالى «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. الآية» (1) و قال قوم انها سبع: الشرك بالله و قتل النفس التي حرم اللّٰه و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الربا و الفرار من الزحف و عقوق الوالدين، و قيل انها تسع بزيادة السحر و الإلحاد في بيت اللّٰه أى الظلم فيه، الى غير ذلك من الأقوال الكثيرة المنسوبة إلى العامة (2).
و المختار من هذه الأقوال الأول و الظاهر انه المشهور بين أصحابنا بل قال
____________
(1) الآية 35.
(2) في بدائع الصنائع ج 6 ص 268 «اختلف في ماهية الكبائر و الصغائر فقال بعضهم ما فيه حد في كتاب اللّٰه فهو كبيرة و ما ليس فيه حد فهو صغيرة، و قال بعضهم ما يوجب الحد كبيرة و ما لا يوجبه صغيرة، و قال بعضهم كل ما جاء مقرونا بوعيد فهو كبيرة».
47
بعض أفاضل متأخري المتأخرين بعد نسبة هذا القول إلى الشهرة بينهم: و لم أجد في كلامهم اختيار قول آخر.
و يدل على هذا القول جملة من الأخبار: منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن محبوب (1) قال: «كتب معى بعض أصحابنا الى ابى الحسن (عليه السلام) يسأله عن الكبائر كم هي و ما هي؟ فكتب الكبائر من اجتنب ما وعد اللّٰه عليه النار كفر عنه سيئاته إذا كان مؤمنا، و السبع الموجبات: قتل النفس الحرام و عقوق الوالدين و أكل الربا و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و أكل مال اليتيم و الفرار من الزحف».
قال بعض مشايخنا المعاصرين قوله (عليه السلام): «و السبع الموجبات» معناه أنها أكبر الكبائر و أشدها حتى انها أوجبت النار لفاعلها، و من المستبين ان الإيجاب و الحتم أمر آخر فوق الإيعاد لا يتطرق اليه الإخلاف بخلاف الوعيد المطلق فان اخلافه حسن كما تقرر في الكلام، فهذه السبع لعظمها كأنها أوجبت النار فلا ينافي ما تضمنه صدر الخبر من تفسيرها بما وعد اللّٰه عليه النار.
و منها-
ما رواه في الكتاب المذكور عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «في قول اللّٰه عز و جل إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً؟ قال: الكبائر التي أوجب اللّٰه عز و جل عليها النار».
و مثله في تفسير العياشي عن كثير النواء عن الباقر (عليه السلام) (3).
و ما رواه في الفقيه عن عباد بن كثير النواء (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الكبائر فقال كل ما أوعد اللّٰه عليه النار».
____________
(1) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(2) الوسائل الباب 44 من جهاد النفس. و في الطبعة القديمة ورد هذا الحديث بهذا اللفظ عن أبي جميلة أيضا و هو تكرار له بهذا العنوان إذ لا حديث لأبي جميلة في الكافي غير حديث الحلبي و انما يرويه أبو جميلة عن الحلبي.
(3) مستدرك الوسائل الباب 46 من جهاد النفس.
(4) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
48
و منها-
صحيحة ابن ابى يعفور المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها «و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّٰه عليها النار من شرب الخمر. الى آخر ما تقدم».
و روى الثقة الجليل على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الكبائر التي قال اللّٰه عز و جل إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً؟ قال التي أوجب عليها النار».
و اما ما اشتمل على الحصر في عدد معين- مثل
ما رواه في الكافي عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول الكبائر سبع: قتل المؤمن متعمدا و قذف المحصنة و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البينة و كل ما أوجب اللّٰه تعالى عليه النار».
و عن عبيد بن زرارة في الحسن (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الكبائر فقال هن في كتاب على (عليه السلام) سبع: الكفر بالله و قتل النفس و عقوق الوالدين و أكل الربا بعد البينة و أكل مال اليتيم ظلما و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة. قال فقلت فهذا أكبر المعاصي؟ قال نعم. قلت فأكل درهم من مال اليتيم ظلما أكبر أم ترك الصلاة؟ قال ترك الصلاة. قلت: فما عددت ترك الصلاة في الكبائر؟ فقال اى شيء أول ما قلت لك؟ قال قلت الكفر. قال فان تارك الصلاة كافر يعنى من غير علة».
و عن مسعدة بن صدقة (5) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول الكبائر القنوط من رحمة اللّٰه و اليأس من روح اللّٰه و الأمن من مكر اللّٰه و قتل النفس التي حرم اللّٰه و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما و أكل الربا بعد البينة و التعرب بعد الهجرة و قذف المحصنة و الفرار من الزحف».
أقول: هذا الخبر قد اشتمل على عشر من الكبائر و احتمل بعض المحدثين
____________
(1) ص 25.
(2) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(3) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(4) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(5) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
49
ان عطف قوله: «اليأس» على القنوط عطف بيان، قال: لعدم التغاير بينهما في المعنى إذ لا فرق بينا بين اليأس و القنوط و لا بين الروح و الرحمة. انتهى.
و عن ابى بصير عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول: الكبائر سبعة منها قتل النفس متعمدا و الشرك بالله العظيم و قذف المحصنة و أكل الربا بعد البينة و الفرار من الزحف و التعرب بعد الهجرة و عقوق الوالدين و أكل مال اليتيم ظلما قال: و التعرب و الشرك واحد».
أقول: قوله «و التعرب و الشرك واحد» لعله اعتذار عن ما يتراءى من المخالفة بين قوله «سبعة» و التفصيل لكونها ثمانية- فيمكن دفع المنافاة بينه و بين ما تقدم بان مراتب الكبائر مختلفة و ان السبع المذكورة في هذه الأخبار أكبر من ما عداها، و لا ينافي ذلك ان كل ما أوعد اللّٰه عليه النار كبيرة. و يحتمل حمل هذه الأخبار الأخيرة على التمثيل لا الحصر و يؤيده اختلافها في بعض الأفراد المعدودة فيها.
و يؤيد ما قلنا من أن ذكر هذه السبع و نحوها انما هو من حيث كونها أكبر
ما رواه في التهذيب عن ابى الصامت عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «أكبر الكبائر سبع: الشرك بالله العظيم و قتل النفس التي حرم اللّٰه تعالى إلا بالحق و أكل مال اليتيم و عقوق الوالدين و قذف المحصنات و الفرار من الزحف و إنكار ما انزل اللّٰه عز و جل».
هذا،
و قد روى في الكافي و الفقيه عن عبد العظيم بن عبد اللّٰه الحسنى (3) قال:
«حدثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام) قال سمعت ابى (عليه السلام) يقول سمعت ابى موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) فلما سلم و جلس تلا هذه الآية «الذين يجتنبون كبائر الإثم و الفواحش» (4) ثم أمسك فقال له أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ما أسكتك؟ قال أحب ان أعرف الكبائر من كتاب اللّٰه تعالى فقال نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك بالله يقول اللّٰه تعالى
____________
(1) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(2) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(3) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(4) النجم الآية 33.
50
«مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (1) و بعده الإياس من روح اللّٰه لان اللّٰه تعالى يقول «لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ» (2) ثم الأمن لمكر اللّٰه لان اللّٰه تعالى يقول «فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ» (3) و منها عقوق الوالدين لان اللّٰه تعالى جعل العاق جبارا شقيا (4) و قتل النفس التي حرم اللّٰه إلا بالحق لان اللّٰه تعالى يقول «فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا. الى آخر الآية» (5) و قذف المحصنة لأن اللّٰه تعالى يقول «لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ» (6) و أكل مال اليتيم لان اللّٰه تعالى يقول «إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (7) و الفرار من الزحف لان اللّٰه تعالى يقول «وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ» (8) و أكل الربا لان اللّٰه تعالى يقول «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ» (9) و السحر لان اللّٰه تعالى يقول «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ» (10) و الزنا لان اللّٰه تعالى يقول «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً» (11) و اليمين الغموس الفاجرة لأن اللّٰه تعالى يقول:
«الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» (12) و الغلول لان اللّٰه تعالى يقول «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ» (13) و منع الزكاة المفروضة لأن اللّٰه تعالى يقول «فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ» (14)
____________
(1) سورة المائدة الآية 76.
(2) سورة يوسف الآية 87.
(3) سورة الأعراف الآية 97.
(4) سورة مريم الآية 32.
(5) سورة النساء الآية 95.
(6) سورة النور الآية 23.
(7) سورة النساء الآية 11.
(8) سورة الأنفال الآية 16.
(9) سورة البقرة الآية 276.
(10) سورة البقرة الآية 96.
(11) سورة الفرقان الآية 68 و 69.
(12) سورة آل عمران الآية 71.
(13) سورة آل عمران الآية 155.
(14) سورة التوبة الآية 35.
51
و شهادة الزور و كتمان الشهادة لأن اللّٰه يقول «وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» (1) و شرب الخمر لان اللّٰه تعالى نهى عنها (2) كما نهى عن عبادة الأوثان (3) و ترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض اللّٰه تعالى لأن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «من ترك الصلاة متعمدا فقد بريء من ذمة اللّٰه و ذمة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)» و نقض العهد و قطيعة الرحم لان اللّٰه تعالى يقول «أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ» (4) قال فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و هو يقول هلك من قال برأيه و نازعكم في الفضل و العلم».
أقول: و هذه الرواية قد اشتملت من عدد الكبائر على احدى و عشرين و الكلام فيها ينبغي أن يكون على نحو ما قدمناه من أن الكبائر كثيرة و إيثار هذه الاعداد بالذكر لكونها أكبر من البواقي أو يحمل على ان وقوعها أكثر فوق الاهتمام بذكرها ليحترزوا عنها و ان تفاوتت هذه الأعداد أيضا في ذلك بالشدة و الضعف، مع ان في أكثرها إشارة إجمالية إلى غيرها لاشتراكها في العلة و هي الوعيد. و من ما يعضده ما نقله جملة من أصحابنا عن ابن عباس ان الكبيرة ما نهى اللّٰه سبحانه عنه قيل، هي سبع قال: هي إلى السبعين أقرب. و في رواية إلى السبعمائة.
(الموضع الثاني) [إطلاق الصغيرة على بعض المعاصي حقيقة أو مجاز؟]
- قد اختلف أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) في انه هل يكون كل معصية كبيرة و ان إطلاق الصغيرة على بعضها انما هو مجاز بالإضافة الى ما فوقها أو انها حقيقة في القسمين فمنها ما يكون كبيرة و منها ما يكون صغيرة؟ قولان ذهب الى الأول جمع من الأصحاب و نقل عن الشيخ المفيد و ابن البراج و ابى الصلاح و الشيخ في العدة و الشيخ ابى على الطبرسي و ابن إدريس، فكل ذنب عندهم كبيرة لاشتراكها في مخالفة أمر اللّٰه تعالى إلا انه ربما أطلق الصغيرة على بعض الذنوب بالإضافة الى ما فوقه كالقبلة مثلا بالنسبة إلى الزنا و ان كانت كبيرة بالنسبة إلى مجرد النظر.
____________
(1) سورة البقرة الآية 283.
(2) سورة المائدة الآية 92.
(3) سورة الحج الآية 31.
(4) سورة الرعد الآية 25.
52
قال الشيخ أبو على المذكور في تفسيره مجمع البيان (1) بعد نقله هذا القول:
و الى هذا ذهب أصحابنا فإنهم قالوا المعاصي كلها كبيرة لكن بعضها أكبر من بعض و ليس في الذنوب صغيرة و انما يكون صغيرا بالإضافة الى ما هو أكبر منه و يستحق العقاب عليه أكثر.
و ظاهر عبارته ان ذلك اتفاقي بين من تقدم عليه من أصحابنا و ربما ظهر ذلك ايضا من كلام الشيخ في العدة و ابن إدريس.
قال شيخنا البهائي (زاده اللّٰه بهاء و شرفا) في كتاب الأربعين بعد نقل ذلك عنه: لا يخفى ان كلام الشيخ الطبرسي مشعر بان القول بان الذنوب كلها كبائر متفق عليه بين الإمامية و كفى بالشيخ ناقلا:
«إذا قالت حذام فصدقوها * * * فان القول ما قالت حذام»
قيل: و لهذا القول شواهد في الأخبار مثل ما دل على
ان كل معصية شديدة (2).
و ما دل على ان كل معصية قد توجب لصاحبها النار (3) و ما دل على التحذير من استحقار الذنب و استصغاره (4) و أمثال ذلك.
و يؤيده
ما رواه الكليني عن عبد اللّٰه بن سنان بإسناد يحتمل الصحة عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار».
و ما رواه ابن بابويه بإسناد ضعيف عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (6) قال: «لا تحتقروا شيئا من الشر و ان صغر في أعينكم و لا تستكثروا شيئا من الخير و ان كثر في أعينكم فإنه لا كبيرة مع الاستغفار و لا صغيرة مع الإصرار».
وجه التأييد ان المراد بالإصرار الإقامة على الذنب لعدم التوبة و الاستغفار كما قال جماعة من المفسرين في قوله تعالى «وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا» (7).
____________
(1) ج 3 ص 38.
(2) الوسائل الباب 38 من جهاد النفس.
(3) الوسائل الباب 38 و 39 من جهاد النفس.
(4) الوسائل الباب 42 من جهاد النفس.
(5) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس.
(6) الوسائل الباب 42 من جهاد النفس.
(7) سورة آل عمران 129.
53
أقول: يمكن تطرق النظر الى ما ذكره بان يقال (أولا) ان ما ذكره من هذه الأدلة معارض بما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في أدلة القول الآخر مما هو أوضح دلالة.
و (ثانيا) انه يمكن ان يقال ان احتقار الذنب و استصغاره أمر زائد على أصل الذنب فلعله بانضمام ذلك الى أصل الذنب يكون كبيرة، و يؤيده ما يظهر من كلام أهل اللغة، قال الجوهري «أصررت على الشيء أي أقمت و دمت» و قال ابن الأثير: «أصر على الشيء إصرارا إذا لزمه و داومه و ثبت عليه» و في القاموس «أصر على الأمر لزمه» فان ظاهر هذا الكلام ان الإصرار عبارة عن العزم على المعاودة و المداومة على ذلك الذنب.
و قال شيخنا الشهيد في قواعده على ما نقله بعض الأصحاب بعد تقسيمه الإصرار إلى فعلى و حكمي: الفعلي هو الدوام على نوع واحد من الصغائر بلا توبة أو الإكثار من جنسها بلا توبة و الحكمي هو العزم على تلك الصغيرة بعد الفراغ منها، اما لو فعل الصغيرة و لم يخطر بباله بعدها توبة و لا عزم على فعلها فالظاهر انه غير مصر. انتهى. و هو ظاهر فيما قلناه و واضح في ما ادعيناه.
إلا انه
قد روى في الكافي عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) «في قول اللّٰه تعالى وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (2) قال الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر اللّٰه و لا يحدث نفسه بتوبة فذلك الإصرار».
فإن ظاهره ان الإصرار يتحقق بالذنب مع عدم التوبة و الاستغفار و هو ظاهر في ان من لا يخطر بباله بعد الذنب توبة و لا عزم على فعلها يكون مصرا، و حينئذ تكون كبيرة بمقتضى الأخبار الدالة على انه لا صغيرة مع الإصرار (3) و يكون دليلا ظاهرا لهذا القول.
____________
(1) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس.
(2) سورة آل عمران الآية 129.
(3) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس.
54
و فيه انه و ان كان الأمر كذلك إلا انه مع ضعف سنده معارض بما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى من الأدلة الدالة على القول الآخر الظاهرة في الرجحان عليه.
هذا، و لهم في تفسير الإصرار أقوال مختلفة، فقيل انه عبارة عن الإكثار من الصغائر سواء كان من نوع واحد أو من أنواع مختلفة، و قيل انه عبارة عن المداومة على نوع واحد منها، و نقل بعضهم قولا بان المراد به عدم التوبة، قال في البحار بعد نقله: و هو ضعيف و قد تقدم في كلام شيخنا الشهيد في قواعده تقسيم الإصرار إلى فعلى و حكمي. إلى آخر ما قدمناه من كلامه، قال في البحار و ارتضاه جماعة من المتأخرين. و أنت خبير بان النصوص خالية من بيان خصوص ذلك صريحا إلا ما يفهم من رواية جابر و ظاهر جملة من الأصحاب الاعراض عن ما دلت عليه و الميل الى ما اخترناه من المعنى المذكور المأخوذ فيه العزم على العود.
قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين: و بالجملة ظاهر الجمع بين الروايات و الأخبار الواردة في هذا الباب ان العدل واقعا من يكون ارتكابه للمعاصي على سبيل الندرة بحيث يكون عامة أو قامة متجانبا عنها بحيث ان صدر منه شيء تذكر و استغفر كما قال سبحانه «وَ الَّذِينَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّٰهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ» (1) فحينئذ ان صدر منه صغيرة و لو غير مرة و غفل عن توبته لا يضره ذلك و لم يصر بذلك مصرا. انتهى.
الثاني من القولين المذكورين هو ان الذنوب تنقسم إلى كبائر و صغائر، و نقل عن الشيخ في المبسوط و ابن حمزة و الفاضلين و جمهور المتأخرين، و الظاهر انه الأقرب و يشهد له قوله تعالى «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» (2) فإنها ظاهرة في ان اجتناب الكبائر مكفر للصغائر. و اما على مذهب من ذهب الى ان الذنوب كلها كبائر فلا معنى للآية إذ ليس هنا ذنب غير الكبائر.
و أجيب عن ذلك بان من عن له ذنبان أحدهما أكبر من الآخر و دعت نفسه
____________
(1) سورة آل عمران الآية 129.
(2) سورة النساء الآية 35.
55
إليهما بحيث لا يتمالك فترك الأكبر و فعل الأصغر فإنه يكفر عنه الأصغر لما استحقه من الثواب على ترك الأكبر كمن عن له التقبيل و النظر بشهوة فكف عن التقبيل و ارتكب النظر.
و هذا الجواب ذكره في كنز العرفان و أورده البيضاوي في تفسيره و نقله شيخنا البهائي في كتاب الأربعين و أمر بالتأمل فيه، ثم انه بين وجه التأمل في حاشية الكتاب بما هو ظاهر في بطلان هذا الجواب، فحيث قال: انه يلزم منه ان من كف نفسه عن قتل شخص و قطع يده مثلا يكون مرتكبا للصغيرة و تكون مكفرة عنه، اللّهمّ إلا ان يراد بالأصغر ما لا أصغر منه و هو في هذا المثال أقل ما يصدق عليه الضرر لا قطع اليد. و فيه ما فيه فليتأمل. انتهى. و هو جيد وجيه.
و يدل على ذلك ايضا
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) من اجتنب الكبائر كفر اللّٰه عنه جميع ذنوبه و ذلك قول اللّٰه عز و جل إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً» (2).
و يشهد له ايضا قوله تعالى «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ» (3) و اللمم عبارة عن الصغائر أو نوع خاص منها:
ففي الكافي (4) عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال:
«هو الذنب يلم به الرجل فيمكث ما شاء اللّٰه تعالى ثم يلم به بعد».
و عنه (عليه السلام) (5) في تفسير الآية المذكورة قال: «الهنة بعد الهنة أي الذنب بعد الذنب يلم به العبد».
قال في كتاب مجمع البحرين و مطلع النيرين: قال ابن عرفة اللمم عند العرب ان يفعل الإنسان الشيء في الحين لا يكون له عادة، و يقال اللمم هو ما يلم به العبد من
____________
(1) الوسائل الباب 44 من جهاد النفس.
(2) سورة النساء الآية 35.
(3) سورة النجم الآية 33.
(4) الأصول ج 2 ص 441 باب اللمم. و الحديث «5» عن أحدهما «ع».
(5) الأصول ج 2 ص 441 باب اللمم. و الحديث «5» عن أحدهما «ع».
56
ذنوب صغار بجهالة ثم يندم و يستغفر و يتوب فيغفر له،
و في الحديث (1) «اللمم ما بين الحدين حد الدنيا و الآخرة».
و فسر حد الدنيا بما فيه الحدود كالسرقة و الزنا و القذف و حد الآخرة بما فيه العذاب كالقتل و عقوق الوالدين و أكل الربا، فأراد أن اللمم ما لم يوجب عليه حدا و لا عذابا، قيل و الاستثناء منقطع. و يجوز ان يكون إلا اللمم صفة أى كبائر الإثم و الفواحش غير اللمم. انتهى كلامه زيد إكرامه.
و يدل على هذا القول ايضا ما ورد في جملة من الأخبار في ثواب بعض الأعمال أنه يكفر الذنوب ما عدا الكبائر، و تشهد له أيضا الأخبار الكثيرة الدالة على تفسير الكبائر و انها ما أوعد اللّٰه عليها النار و تفصيلها و عدها في أشياء مخصوصة (2)
و ما ورد عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) في حديث «انما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
رواه الصدوق في الفقيه (3) مرسلا عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتگبع.
[هل يكفي في رجوع العدالة مجرد إظهار التوبة؟]
إذا عرفت ذلك فاعلم انه متى زالت العدالة بارتكاب بعض الذنوب فإنه لا خلاف في انها تعود بالتوبة و كذا من حد في معصية ثم تاب فإنه يرجع الى العدالة و نقل عن بعض الأصحاب دعوى الإجماع على ذلك.
و انما الخلاف في أن مجرد إظهار التوبة و الندم هل يكفي في ذلك أم لا؟
فالمشهور على ما نقله بعض الأصحاب انه لا يكفي في ذلك مجرد إظهار التوبة إذ لا يؤمن ان يكون له في الإظهار غرض فاسد بل لا بد من الاختبار مدة يغلب معها الظن بأنه أصلح سريرته و انه صادق في توبته، و قيل انه يعتبر إصلاح العمل و انه يكفى في ذلك عمل صالح و لو ذكر أو تسبيح، و قيل انه يكفى في ذلك تكرير إظهار التوبة و الندم و مجرد استمراره على التوبة.
و ذهب الشيخ في المبسوط الى الاكتفاء في قبول الشهادة بإظهار التوبة عقيب
____________
(1) نهاية ابن الأثير مادة «لمم».
(2) الوسائل الباب 45 من جهاد النفس.
(3) الوسائل الباب 46 من جهاد النفس.
57
قول الحاكم له «تب أقبل شهادتك» لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة. و رد بأن المقتضي لعود العدالة التوبة المعتبرة شرعا لا مطلق التوبة.
أقول: الظاهر من الأخبار الواردة في المقام هو قوة ما ذكره الشيخ:
منها-
ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن المحدود ان تاب تقبل شهادته؟ فقال إذا تاب- و توبته أن يرجع من ما قال و يكذب نفسه عند الامام و عند المسلمين فإذا فعل- فان على الامام ان يقبل شهادته بعد ذلك».
و عن ابى الصباح الكناني بسند معتبر (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته؟ قال يكذب نفسه. قلت أ رأيت ان أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟ قال نعم».
و ما رواه الشيخ عن ابى الصباح ايضا (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن القاذف إذا أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟ قال نعم».
و ما رواه في التهذيب و الكافي عن يونس عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب؟ قال نعم. قلت و ما توبته؟ قال يجيء فيكذب نفسه عند الامام و يقول قد افتريت على فلانة و يتوب من ما قال».
و بالجملة فإن هذا القول هو الظاهر من هذه الأخبار كما ترى و ان كان الاحتياط سيما بالنظر الى أحوال أبناء الزمان هو القول المشهور. و قول ذلك القائل- في رد كلام الشيخ «ان المقتضى لعود العدالة التوبة المعتبرة شرعا لا مجرد التوبة» مشيرا الى ان التوبة المعتبرة شرعا هي ما ذكروه في القول المشهور من انه لا بد من الاختبار مدة- جيد لو كان ما ذكروه مستندا الى دليل شرعي مع انا لم نقف في الأخبار على
____________
(1) الوسائل الباب 37 من الشهادات.
(2) الوسائل الباب 36 من الشهادات.
(3) الوسائل الباب 36 من الشهادات.
(4) الوسائل الباب 36 من الشهادات.
58
ما يدل عليه بل الذي نقلناه من الأخبار بخلافه كما رأيت. و اللّٰه العالم.
(المقام الخامس) [العدالة في الحاكم الشرعي أخص من العدالة في غيره]
- اعلم انه قد صرح جملة من أصحابنا: منهم- شيخنا العلامة المجلسي في كتاب البحار و شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني و تلميذه المحدث الشيخ عبد اللّٰه بن صالح البحراني بأن العدالة المشترطة في الإمامة و الشهادة و القضاء و الفتوى أمر واحد بأي الأقوال الثلاثة المتقدمة فسرت كان جميع من ذكر مشتركين فيها، و قد جرينا على هذا القول سابقا في جملة من زبرنا و رسائلنا، و الذي ظهر لنا الآن بعد التأمل في الأخبار بعين الفكر و الاعتبار ان العدالة في الحاكم الشرعي من قاض و مفت أخص من ما ذكر من معنى العدالة بأي المعاني المتقدمة اعتبرت لأنه نائب عن الامام (عليه السلام) و جالس في مجلس النبوة و الإمامة و متصدر للقيام بتلك الزعامة فلا بد فيه من مناسبة للمنوب عنه بما يستحق به النيابة و ذلك بان يكون متصفا بعلم الأخلاق الذي هو السبب الكلى المقرب من الملك الخلاق و هو تحلية النفس بالفضائل و تخليتها من الرذائل و ان كان هذا العلم الآن قد عفت مراسمه و انطمست في هذه الأزمنة معالمه و انما المدار بين الناس الآن على العلم بهذه العلوم الرسمية المجامعة للفسق في جل من تسمى بها.
و يكفيك في صحة ما ذكرناه
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لشريح (1) «يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي».
و يدل على ما ذكرناه جملة من الأخبار، و منها
ما رواه الثقة الجليل أبو منصور احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (2) بسنده الى الامام العسكري (عليه السلام)- و هو موجود أيضا في تفسيره- عن الرضا (عليه السلام) قال: «قال على بن الحسين (عليه السلام) إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته و هديه و تماوت في منطقه و تخاضع في حركاته فرويدا لا يغرنكم فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا و ركوب المحارم منها لضعف
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(2) ص 164.
59
نيته و مهانته و جبن قلبه فينصب الدين فخا له فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فان تمكن من حرام اقتحمه، فإذا وجدتموه يعف عن الحرام فرويدا لا يغرنكم فان شهوات الخلق مختلفة فما أكثر من ينبو عن المال الحرام و ان كثر و يحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرما، فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا ما عقله فما أكثر من ترك ذلك اجمع ثم لا يرجع الى عقل متين فيكون ما يفسده بجهله أكثر من ما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا مع هواه يكون على عقله أم يكون مع عقله على هواه و كيف محبته للرئاسات الباطلة و زهده فيها فان في الناس من خسر الدنيا و الآخرة يترك الدنيا للدنيا و يرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال و النعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة حتى «إِذٰا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّٰهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهٰادُ» (1) فهو يخبط خبط عشواء يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة و يمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه فهو يحل ما حرم اللّٰه تعالى و يحرم ما أحل اللّٰه لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي من أجلها «فأولئك الذين غضب اللّٰه عليهم و لعنهم و أعد لهم عذابا مهينا» (2) و لكن الرجل كل الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّٰه تعالى و قواه مبذولة في رضى اللّٰه يرى الذل مع الحق أقرب الى عز الأبد من العز في الباطل و يعلم ان قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد و لا تنفد و ان كثير ما يلحقه من سرائها ان اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال، فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا و الى ربكم به فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة و لا تخيب له طلبة».
____________
(1) سورة البقرة الآية 202.
(2) يمكن ان يكون من تطبيق الآية 83 و 84 من سورة البقرة عليه و هي قوله تعالى وَ لَمّٰا جٰاءَهُمْ كِتٰابٌ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ. الى قوله وَ لِلْكٰافِرِينَ عَذٰابٌ مُهِينٌ.
60
أقول: و قد اضطرب في التفصي عن هذا الخبر شيخنا الشيخ سليمان و تلميذه المحدث المتقدم ذكرهما بناء على ما قدمنا نقله عنهما من حكمهما باتحاد معنى العدالة في كل من اشترط اتصافه بها، فقال المحدث الصالح المذكور- في كتاب منية الممارسين في أجوبة الشيخ ياسين بعد الكلام في العدالة و ما به تتحقق و نقل هذا الخبر- ما صورته: انه محمول على تعريف الامام و الولي و من يحذو حذوهما من خواص الصلحاء و خلص أهل الإيمان الذين لا تسمح الأعصار منهم إلا بأفراد شاذة و آحاد نادرة، و يرشد اليه قوله (عليه السلام): «فذلكم الرجل نعم الرجل فبه فتمسكوا و بسنته فاقتدوا» بل لا يبعد أن يكون مراده الإمام خاصة، و يرشد اليه قوله في آخر الحديث «فإنه لا ترد له دعوة و لا تخيب له طلبة» و يكون غرضه الرد على الزيدية و من حذا حذوهم من القائلين بالاكتفاء في الإمام بظهور الصلاح و الورع، كيف و ما ذكر لا يتحقق إلا في الأولياء الكمل فلو اعتبر ذلك لعظم الخطب و اختل النظام و انسد باب القضاء و الفتيا و التقليد و الشهادات و الجمعة و الجماعات و الطلاق و غير ذلك. هكذا حققه شيخنا في الكتاب المذكور و هو متين جدا. أقول: أشار بذلك الى ما نقله في أثناء كلامه المتقدم في المسألة عن شيخه المذكور في كتابه العشرة الكاملة.
ثم قال (قدس سره) و أقول: ان سياق الحديث دال بجملته على ان المراد تصعيب أمر الإمامة و تشديد أمرها و قرينة الرئاسة عليه شهادة كما لا يخفى، و إلا فلا يستقيم حمله على غيره أصلا قطعا لما تقدم
في رواية ابن ابى يعفور (1) من المعارضة الصريحة من قوله (عليه السلام) «حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس».
و ما تقدم في رواية علقمة و غيرها مما هو صريح في المعارضة واضح في المناقضة، و لا يجوز التعارض في كلامهم (عليهم السلام) و لا التناقض، مع ان هذه الرواية شاذة فالترجيح للأكثر
____________
(1) ص 25.
61
المشهور بين الأصحاب المتلقاة بينهم بالقبول المعتمد عليها في الفتوى، و قد أجمعوا على ترك العمل بظاهر هذه الرواية،
و قد قال الصادق (عليه السلام) (1) «خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ الذي ليس بمشهور فان المجمع عليه لا ريب فيه».
و اللّٰه الهادي.
انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: لا ريب ان الذي أوجب لهما (نور اللّٰه مرقديهما) ارتكاب هذه التأويلات البعيدة و التمحلات السخيفة الغير السديدة انما هو صعوبة المخرج من هذه الشروط المذكورة التي اشتمل عليها الخبر و عدم سهولة القيام بها كما أمر سيما مع قولهم بعموم ذلك في إمام الجماعة و الشاهد، و إلا فمع تخصيص الخبر بالنائب عنهم (عليهم السلام) في القضاء و الفتوى لا استبعاد فيه عند من تأمل في غيره من الأخبار المؤيدة له كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى. و صعوبة الأمر بالنسبة إلى القضاء و الفتوى اللذين هما من خواص النائب عنهم (عليهم السلام) لا يوجب طعنا في الخبر فإنه انما نشأ من المكلفين بإخلالهم بما أخذ عليهم في الجلوس في هذا المجلس الشريف و المحل المنيف فإنه مقام خطير و منصب كبير كما سيظهر لك ان شاء اللّٰه تعالى و أكد الشبهة المذكورة ما اشتهر بين الناس في أكثر الأعصار و الأمصار من ان النائب عنهم (عليهم السلام) هو كل من كانت له اليد الطولى و المرتبة العليا في هذه العلوم الرسمية و ان لم يتصف بشيء من علم الأخلاق سيما ان هذا العلم اندرست مراسمه و انطمست معالمه كما أشرنا إليه آنفا.
و الذي يدل على ما قلناه من خروج هذا الخبر بالنسبة إلى النائب عنهم (عليهم السلام) (أولا) ما ذكره الإمام العسكري (صلوات اللّٰه عليه) في التفسير المتقدم ذكره من الكلام قبل هذا الخبر ثم صب عليه هذا الخبر و صاحب الاحتجاج إنما أخذه من الكتاب المذكور:
____________
(1) في مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في الوسائل الباب 9 من صفات القاضي.
62
قال (عليه السلام) (1): «حدثني ابى عن جدي عن أبيه عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) ان اللّٰه تعالى لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس و لكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم ينزل عالم الى عالم يصرف عنه طلاب حطام الدنيا و حرامها و يمنعون الحق أهله و يجعلونه لغير أهله و اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا و أضلوا. و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) يا معشر شيعتنا المنتحلين لمودتنا إياكم و أصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن تفلتت منهم الأحاديث ان يحفظوها و أعيتهم السنة ان يعوها فاتخذوا عباد اللّٰه خولا و ماله دولا فذلت لهم الرقاب و أطاعهم الخلق أشباه الكلاب و نازعوا الحق اهله و تمثلوا بالأئمة الصادقين (عليهم السلام) و هم من الكفار الملاعين فسئلوا فأنفوا ان يعترفوا بأنهم لا يعلمون فعارضوا الدين بآرائهم فضلوا و أضلوا، اما لو كان الدين بالقياس لكان باطن الرجلين اولى بالمسح من ظاهرهما. و قال الرضا (عليه السلام) قال على بن الحسين (عليهما السلام): إذا رأيتم الرجل. الحديث الى آخره».
و هو كما ترى واضح في ما ادعيناه، و سياق كلامه (عليه السلام) و ان كان بالنسبة إلى علماء العامة إلا انه شامل لمن حذا حذوهم في الإخلال بتلك الشروط سيما مع ما في الرواية المذكورة و الدخول في هذا الأمر الخطير مع الاتصاف بتلك الأمور المذكورة.
و (ثانيا)
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن ابى عبد اللّٰه عن أمير المؤمنين (عليهما السلام) (2) انه كان يقول «يا طالب العلم ان العلم ذو فضائل كثيرة فراسة التواضع و عينه البراءة من الحسد و اذنه الفهم و لسانه الصدق و حفظه الفحص و قلبه حسن النية و عقله معرفة الأشياء و الأمور و يده الرحمة و رجله زيارة العلماء و همته السلامة و حكمته الورع و مستقره النجاة و قائده العافية و مركبة الوفاء و سلاحه لين الكلام و سيفه الرضا و قوسه المداراة و جيشه محاورة العلماء و مآله الأدب و ذخيرته اجتناب الذنوب و زاده المعروف و مأواه الموادعة و دليله الهدى
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 10 رقم 6 و الباب 6 رقم 33 من صفات القاضي.
(2) الأصول ج 1 ص 48.
63
و رفيقه محبة الأخيار».
أقول: انظر أيدك اللّٰه تعالى الى ما دل عليه هذا الخبر الشريف من جعله هذه الأخلاق الملكوتية أجزاء من العلم و آلات له و أسبابا و أعوانا فكيف يكتفى في علم العالم و الرجوع اليه و الاعتماد في الأحكام الشرعية عليه بمجرد اتصافه بالعلوم الرسمية و عدم اتصافه بهذه الأخلاق الملكوتية.
قال المحقق المدقق ملا محمد صالح المازندراني في شرحه على الكتاب ما صورته:
نبههم على ان العلم إذا لم تكن معه هذه الفضائل التي بها تظهر آثاره فهو ليس بعلم حقيقة و لا يعد صاحبه عالما. الى ان قال- بعد شرح الفضائل المذكورة- ما لفظه:
و هي أربعة و عشرون فضيلة من فضائل العلم، فمن اتصف بالعلم و اتصف علمه بهذه الفضائل فهو عالم رباني و علمه نور إلهى متصل بنور الحق مشاهد لعالم التوحيد بعين اليقين، و من لم يتصف بالعلم أو اتصف به و لم يتصف علمه بشيء من هذه الفضائل فهو جاهل ظالم لنفسه بعيد عن عالم الحق و علمه جهل و ظلمة يرده إلى أسفل السافلين، و ما بينهما مراتب كثيرة متفاوتة بحسب تفاوت التركيبات في القلة و الكثرة و بحسب ذلك يتفاوت قربهم و بعدهم عن الحق، و الكل في مشيئة اللّٰه تعالى ان شاء قربهم و رحمهم و ان شاء طردهم و عذبهم. انتهى كلامه علت في الخلد اقدامه. و هو كما ترى صريح في ما قلناه واضح في ما ادعيناه.
و روى في الكتاب المذكور (1) بسنده الى ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «طلبة العلم ثلاثة فاعرفهم بأعيانهم و صفاتهم: فصنف يطلبه للجهل و صنف يطلبه للاستطالة و الختل و صنف يطلبه للفقه و العقل، فصاحب الجهل و المراء مؤذ ممار متعرض للمقال في أندية الرجال يتذاكر العلم و صفة الحلم قد تسربل بالخشوع و تخلى من الورع فدق اللّٰه تعالى من هذا خيشومه و قطع منه حيزومه، و صاحب الاستطالة و الختل ذو خب و ملق يستطيل على مثله من أشباهه و يتواضع للأغنياء
____________
(1) الأصول ج 1 ص 49.
64
من دونه فهو لحلوائهم هاضم و لدينه حاطم فأعمى اللّٰه على هذا خبره و قطع من آثار العلماء أثره، و صاحب الفقه و العقل ذو كآبة و حزن و سهر قد تحنك في برنسه و قام الليل في حندسه يعمل و يخشى و جلا داعيا مشفقا مقبلا على شأنه عارفا بأهل زمانه مستوحشا من أوثق إخوانه فشد اللّٰه من هذا أركانه و أعطاه يوم القيامة أمانة».
الى غير ذلك من الأخبار المذكورة في الكتاب المذكور و غيره.
أقول: و حينئذ فإذا كانت العلماء كما ذكره (عليه السلام) من هذه الصفات الذميمة و الأخلاق الغير القويمة فكيف يكتفى بمجرد ظاهر الاتصاف بهذه العلوم الرسمية و عدم استنباط أحوالهم و تمييز الفرد الذي يجوز الاقتداء به؟ و هل كلام الامام زين العابدين (عليه السلام) في ذلك إلا لاستعلام هذا الفرد المشار إليه في هذا الخبر من هذين الفردين المشابهين له في بادئ النظر؟ و لا ريب انه لاشتراكهم في بادئ الأمر في الخضوع و الخشوع و الاتصاف بهذه العلوم الرسمية يدق الفرق و يحتاج الى مزيد تلطف و تأمل.
و يؤيد ما قلناه ما ذكره المحدث الكاشاني في بعض رسائله حيث قال: ان من أهل الشقاء لمن يبطن شقاءه فيلتبس أمره على الذين لا يعلمون، ثم انه ليتوغل في الخفاء لتوغله في الشقاء فيذهب على الألباء أولى الذكاء حتى انهم يحسبون انهم مهتدون، لشدة الشبه بين الفريقين و كثرة الشبه بين النجدين و لبس النفاق بالإذعان لمكان النفاق في نوع الإنسان، و كلما كان أحد المتقابلين من الآخر أبعد كان الاشتباه أكثر و أشد فإن أرباب الرئاسة الدينية أمرهم في الأغلب غير مبين لمكان المرائين، و هذه هي المصيبة الكبرى في الدين و الفتنة العظمى لبيضة المسلمين و هي التي أوقعت الجماهير في الحرج و امالتهم عن سبيل المخرج، إذ من الواجب اتباع الأذناب للرأس و الرأس قد خفي في نفاق الناس و لذلك تقاتل الفئة التي تبغي حتى تفيء إلى أمر اللّٰه. انتهى.
و بالجملة فإنه لما كان علم الأخلاق الذي هو عبارة عن تحلية النفس بالفضائل
65
و تخليتها من الرذائل أحد أفراد العلوم بل هو أصلها و أساسها الذي عليه مدارها بل هو رأسها و هو الممدوح في الآيات و الأخبار بقوله تعالى «إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ» (1) و قوله «فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ. الآية» (2) فإن الخشية و الإنذار إنما يترتب على علوم الآخرة لا هذه العلوم الرسمية و كذلك الاخبار، و قد عرفت من الأخبار و كلام جملة من علمائنا الأبرار ان من العلماء من هو خال من تلك العلوم أو متصف بأضدادها مع تلبسه بلباس العلماء الأبرار و إظهار الخشوع و الخضوع و الانكسار و قد دلت الأخبار على الحث و التأكيد على المنع عن الركون الى هؤلاء و الانخداع بما يظهرونه و الاغترار فالواجب حينئذ هو البحث و الفحص عن أحوال العلماء و التمييز بين الفسقة منهم و الأبرار كما نص عليه الخبر المشار اليه و غيره من الأخبار الجارية في هذا المضمار.
و أيضا فإنه لا تتحقق نيابة هذا العالم و صحة تقليده و وجوب متابعته إلا بوجود شروطها و من جملتها العلم باتصافه بتلك الصفات الجليلة و التخلي من كل منقصة و رذيلة و الأخبار التي دلت على الاكتفاء في العدالة بحسن الظاهر كما هو الأظهر أو الإسلام إنما موردها الشاهد و الامام و لا دلالة فيها على التعرض للنائب عنهم (عليهم السلام) الذي هو محل البحث في المقام، و حينئذ فلا معارض لهذا الخبر و أمثاله في ما ادعيناه و لا مناقض له في ما قلناه.
و بذلك يظهر لك ما في كلام ذينك الفاضلين من القصور لعدم اعطائهما التأمل حقه في الأخبار و ما أطال ذلك الشيخ الصالح بعد نقل كلام أستاذه من المعارضة بصحيحة عبد اللّٰه بن ابى يعفور و نحوها و طعنه في الخبر المذكور بالشذوذ مع ما عرفت من تأيده بالأخبار الواضحة المنار و كلام جملة من علمائنا الأبرار.
و من أراد الوقوف على صحة ما ذكرناه زيادة على ما رسمناه في هذا الكتاب فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية (3) فإنه قد أحاط بأطراف الكلام بإبرام النقض و نقض
____________
(1) سورة الفاطر الآية 25.
(2) سورة التوبة الآية 123.
(3) سيأتي في الاستدراكات ما يتعلق بالمقام ان شاء اللّٰه تعالى.
66
الإبرام في هذا المقام و نقل جملة وافرة من اخبارهم (عليهم السلام) و جملة من كلمات علمائنا الأعلام الجارية على وفق تلك الأخبار المذكورة في المقام. و اللّٰه الهادي لمن يشاء.
(المقام السادس) [دخول من يعلم من نفسه الفسق في ما يشترط بالعدالة]
إذا علم المكلف من نفسه الفسق مع كونه على ظاهر العدالة بين الناس فهل يجوز له الدخول في الأمور المشروطة بالعدالة من الإمامة في الجمعة و الجماعة و الشهادة و الحكم بين الناس و الفتوى و نحو ذلك أم لا؟
ظاهر جملة من الأصحاب: منهم- شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الأول، قال في الكتاب المذكور- في الكلام على شاهدي الطلاق بعد ان ذكر انه لا يقدح فسقهما واقعا مع ظهور عدالتهما بالنسبة إلى غيرهما- ما صورته: و هل يقدح فسقهما في نفس الأمر بالنسبة إليهما حتى انه لا يصح لأحدهما أن يتزوج بها أم لا نظرا الى حصول شرط الطلاق و هو العدالة ظاهرا؟ وجهان، و كذا لو علم الزوج فسقهما مع ظهور عدالتهما ففي الحكم بوقوع الطلاق بالنسبة إليه حتى تسقط عنه حقوق الزوجية و يستبيح أختها و الخامسة وجهان، و الحكم بصحته فيهما لا يخلو من قوة.
و ظاهر شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد اللّٰه البحراني موافقته في ذلك حيث انه في بعض أجوبة المسائل سئل عن ذلك فأجاب بعد الاستشكال و قال بالنسبة إلى الحكم الأول الذي تقدم في عبارة المسالك: و اما بالنسبة إليهما ففيه كلام و الحكم بالصحة لا يخلو من قوة. و قال بعد الحكم الثاني: و للتوقف في المسألة مجال و ان كانت الصحة غير بعيدة. و ظاهر الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الكفاية موافقته في الأول دون الثاني.
و أنت خبير بان مقتضى كلامهم هنا جواز الإمامة في الجمعة و الجماعة و الفتوى و الحكم و جواز اقتداء من علم الفسق مع ظهور العدالة لأن الجميع من باب واحد.
و ظاهر المحدث الصالح الشيخ عبد اللّٰه بن صالح حيث انه من رؤوس الأخباريين
67
التوقف في المقام حيث قال: و لو نواها- يعني الإمامة- و عد نفسه من أحد الشاهدين و كان تائبا عن المعاصي جاز له ذلك اما لو كان مصرا على المعاصي مرتكبا للكبائر فإشكال و للأصحاب فيه قولان: أحدهما الجواز لان المدار انما هو على اعتقاد المؤتم أو المطلق و بناء الأمور على الظاهر دون الباطن، و من حيث انه إغراء بالقبيح لأنه عالم بفسق نفسه فكيف يتقلد ما ليس له خصوصا في الجماعة الواجبة كالجمعة.
و الأحكام الشرعية انما جرت على الظاهر إذا لم يكن الاطلاع على الباطن و هو مطلع على حقيقة الأمر. و الأول أوفق بالقواعد الأصولية إلا انه لما لم يكن نص في المسألة و اعتقادنا ان لا مناط في الأحكام الشرعية سواه وجب الوقوف عن الحكم و العمل بالاحتياط في العلم و العمل و رد ما لم يأتنا به علم من أهل العصمة (عليهم السلام)
لقول الصادق (عليه السلام) (1) «ارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات».
انتهى.
أقول- و بالله سبحانه الاستعانة و منه التوفيق لبلوغ كل مأمول- لا يخفى ان ما ذكروه (قدس اللّٰه أسرارهم) من جواز تقلد العالم بفسق نفسه للأمور المشروطة بالعدالة و ان كان مما يتراءى في بادئ النظر صحته بناء على ما ذكره المحدث المذكور من ان المدار في الصحة و البطلان انما هو على اعتقاد المؤتم أو المطلق و ان الأمور انما بنيت على الظاهر، و يؤيده أيضا تحريم أو كراهة إظهار الإنسان عيوب نفسه للناس و وجوب أو استحباب سترها و وجوب ستر غيره عليه لو اطلع على معصية منه، إلا ان الذي ظهر لي من التأمل في المقام و مراجعة أخبارهم (عليهم السلام) خلاف ذلك و توضيح ذلك ان ظاهر الآية (2) و الأخبار الدالة على النهى عن قبول خبر الفاسق (3) و النهى عن الصلاة خلفه (4) انما هو من حيث الفسق لان التعليق على
____________
(1) في مقبولة عمر بن حنظلة الواردة في الوسائل الباب 9 من صفات القاضي.
(2) قوله تعالى «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ.» في سورة الحجرات الآية 6.
(3) الوسائل الباب 30 من الشهادات.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.
68
الوصف يشعر بالعلية و هو مشعر بان الفاسق ليس أهلا لهذا المقام و لا صالحا لتقلد هذه الأحكام، و إذا كان الشارع لم يره أهلا لذلك و لا صالحا لسلوك هذه المسالك فهو في معنى منعه له عن ذلك فادخاله نفسه في ما لم يره اللّٰه أهلا له و تعرضه له موجب لمخالفته له (عز و جل) و مجرد تدليس و تلبيس حمله عليه إبليس. و جواز اقتداء الناس به و قبول شهادته من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جواز الدخول لان حكم الناس في ذلك على حده و حكمه هو في نفسه على حدة و الكلام انما هو في الثاني و أحدهما لا يستلزم الآخر. و نظيره في الأحكام الشرعية غير عزيز فان لحم الميتة حكمه في حد ذاته الحرمة و عدم جواز أكله و بالنسبة الى من لا يعلم بكونه ميتة جواز اكله.
و يؤيد ما قلناه ظواهر جملة من الأخبار مثل
صحيحة أبي بصير عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «خمسة لا يؤمون الناس على كل حال: المجذوم و الأبرص و المجنون و ولد الزنا و الأعرابي».
و نحوها صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) و قد تقدمت (2).
و التقريب فيهما ان ظاهرهما توجه النهي إلى هؤلاء عن الإمامة بالناس لأنهم ليسوا من أهلها باعتبار ما هم عليه من الأمور المذكورة المانعة من أهلية الإمامة، و بعض الأخبار و ان ورد أيضا في نهى الناس عن الائتمام بهم إلا انه انما يتوجه إلى المؤتمين و اما في هذين الخبرين الصحيحين فإنما هو متوجه الى الامام بان لا يكون من أحد هؤلاء، فلو فرضنا عدم علم الناس بما هم عليه من هذه الصفات المانعة من الائتمام مع اعتقادهم العدالة فيهم فإنه يجوز لهم الاقتداء بهم بناء على الظاهر إلا انه بمقتضى هاتين الصحيحتين لا يجوز لهم الإمامة لما هم عليه من الموانع المذكورة و ان خفيت على الناس، و لا أظن أحدا يخالف في ما قلناه. و هذا بعينه جار في الفاسق الذي هو محل البحث بان كان عالما بفسق نفسه و ان خفي على الناس.
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجماعة.
(2) ص 6.
69
و يؤيد ما ذكرنا ما ورد في اخبار الفتوى و الحكم مثل ما تقدم قريبا من
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) لشريح «يا شريح جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي».
و قول ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) «اتقوا الحكومة فإن الحكومة انما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين كنبي أو وصى نبي».
و الأخبار المانعة من تقليد العلماء و اتباعهم إلا بعد معرفة عدالتهم كحديث على بن الحسين (عليه السلام) المتقدم ذكره (3) و نحوه، فان الجميع ظاهر في النهي عن من لم يكن مستكملا لأسباب النيابة و شرائطها و أهلية الحكم و الفتوى، و لا ريب ان من أعظم الأسباب المانعة الفسق فهي ظاهرة في منع الفاسق من الجلوس في هذا المقام و ان كان ظاهر العدالة بين الأنام و عدم جواز تقلده للاحكام. و جواز تقليد الناس له من حيث عدم ظهور فسقه لهم لا يدل على جوازه له لانه عالم بان الشارع قد منع الناس من اتباع الفاسق و تقليده و ليس الا من حيث فسقه، فالفسق صفة مانعة من تقلد هذه الأمور عند اللّٰه جل شأنه فكيف يجوز له مخالفة ذلك و تقلد الأمور بناء على ظن الناس العدالة فيه؟ و قد عرفت ان حكم الناس غير حكمه في حد ذاته.
و كلام من قدمنا كلامه و ان كان مخصوصا بمسألة الشهادة و الإمامة إلا ان الحكم في المواضع الثلاثة واحد، فان مبنى الكلام هو انه هل يكتفى بظهور العدالة في جواز التقلد للأمور المشروطة بها و ان لم يكن كذلك واقعا أم لا بد من ثبوتها واقعا؟ فالإشكال و الكلام جار في جميع ما يشترط فيه العدالة و هذا أحدها، و حينئذ فما ذكروه انما جرى مجرى التمثيل لا الحصر.
و من أظهر الأدلة على ما قلناه
ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب السياري (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قوم من مواليك
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(2) الوسائل الباب 3 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(3) ص 58.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.
70
يجتمعون فتحضر الصلاة فيقدم بعضهم فيصلي بهم جماعة؟ فقال ان كان الذي يؤم بهم ليس بينه و بين اللّٰه طلبة فليفعل».
و هو كما ترى ظاهر الدلالة صريح المقالة في انه لا يجوز الإمامة لمن علم من نفسه الفسق حتى يتوب توبة نصوحا و يقلع عنه إقلاعا صحيحا. و مورد الخبر و ان كان الإمامة إلا انه جار في غيرها بالتقريب الذي تقدم ذكره.
(فان قلت) انكم قد فسرتم العدالة في ما سبق بحسن الظاهر المجامع للفسق باطنا و كلامكم هنا يشعر بأن العدالة لا يجوز مجامعتها للفسق باطنا لمنعكم له من الدخول في الأمور المشروطة بالعدالة إذا علم من نفسه الفسق؟
(قلت) لا يخفى ان العدالة بالنسبة إلى المكلف المتصف بها غيرها بالنسبة إلى غيره ممن يتبعه، فإنها بالنسبة إليه عبارة عن عدم اتصافه بما يوجب الفسق و الخروج عن العدالة و هو الذي أشار إليه صحيح ابن ابى يعفور من اتصافه بالستر و العفاف الى آخر تلك الأوصاف كما تقدم إيضاحه، و بالنسبة إلى غيره عبارة عن عدم ظهور ما يوجب الفسق منضما الى معرفته بتلك الأوصاف المذكورة في الخبر، و على هذا فمن ظهر منه ذلك مع كونه واقعا ليس كذلك يكون عدلا في الظاهر يجوز قبول شهادته و الائتمام به و امتثال أوامره و أحكامه و فتاويه و ان كان فاسقا في الباطن يحرم عليه الدخول في تلك الأمور و يأثم و يؤاخذ بالدخول فيها و ان صح اتباع الناس له فهو له حكم في حد ذاته و للناس معه حكم آخر، نظير من صلى بالناس على غير طهارة متعمدا مع اعتقاد الناس فيه العدالة فإن صلاتهم تكون صحيحة لحصول شرطها المذكور و صلاته هو تكون باطلة لفوات شرطها بالنسبة اليه، و صحة صلاتهم خلفه لا توجب له جواز الإمامة بهم بناء على اعتقادهم فيه العدالة فكذا ما نحن فيه. و منشأ الوهم في كلام الجماعة المتقدم ذكرهم انهم رتبوا العدالة و الاتصاف بها على اعتقاد الغير من مطلق مثلا و مؤتم و مستفت و نحوهم و غفلوا عنها بالنسبة الى من يتصف بها، و قد عرفت من ما حققناه ان لها اعتبارا بالنسبة الى من يتصف بها غيره
71
بالنسبة إلى غيره من هؤلاء المذكورين و نحوهم.
و مما يؤيد ما ذكرنا أيضا
صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال: «مات رجل من أصحابنا و لم يوص فرفع امره الى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله و كان الرجل خلف ورثة صغارا و متاعا و جواري فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير اليه وصية و كان قيامه بهذا بأمر القاضي لأنهن فروج، قال فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) فقلت له يموت الرجل من أصحابنا و لم يوص الى أحد و يخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن أو قال يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك القيم؟ فقال إذا كان القيم به مثلك و مثل عبد الحميد فلا بأس».
فإن المراد منه المماثلة في الوثاقة و العدالة.
و رواية سماعة (2) قال: «سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصية و له خدم و مماليك و عقد كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس».
و لا ريب ان ما تضمنه هذان الخبران من جملة المواضع المشترط فيها العدالة باتفاق الأصحاب لأن هذا من الأمور الحسبية التي صرحوا بأنها ترجع الى الفقيه الجامع للشرائط و هو النائب عنهم (عليهم السلام) و مع تعذره يقوم بها عدول المؤمنين، و هما ظاهران في اشتراط عدالة القائم بذلك في نفسه و حد ذاته لا بالنظر الى الغير فإنه إنما رخص له الدخول بشرط اتصافه بذلك.
و يؤيد ذلك بأوضح تأييد و يشيده بأرفع تشييد ان الظاهر المتبادر من الآية و الأخبار المصرح فيها بالعدالة و اشتراطها في الشاهد مثل قوله عز و جل
____________
(1) الوسائل الباب 16 من عقد البيع و شروطه.
(2) الوسائل الباب 88 من الوصايا. و الراوي في نسخ الحدائق (رفاعة) و الصحيح ما هنا كما تقدم في ص 32.
72
«وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1)
و قولهم (عليهم السلام) (2) «يطلقها بحضور عدلين» و «إذا أشهد عدلين».
و نحو ذلك هو اتصاف الشاهد بالعدالة في حد نفسه و ذاته لا بالنظر الى غيره، إذ لا يخفى ان قولنا فلان عدل و فلان ثقة مثل قولنا فلان عالم و شجاع و جواد و نحو ذلك، و من المعلوم ان المراد في جميع ذلك انما هو اتصافه بهذه الصفات في حد ذاته غاية الأمر انه قد يتطابق علم المكلف و الواقع في ذلك و قد يختلفان بان يكون كذلك في نظر المكلف و ان لم يكن واقعا و حينئذ فيلزم كلا حكمه، فيلزم من اعتقد عدالته بحسب ما يظهر من حاله جواز الاقتداء به مثلا و قبول شهادته و يلزمه هو عدم جواز الدخول في ذلك و كذا يلزم من اطلع على فسقه عدم جواز الاقتداء به، و حينئذ فإذا كان المراد من الآية و الأخبار المشار إليها انما هو اتصافه في حد ذاته فكيف يجعل المناط في حصول العدالة باعتبار الغير كما توهموه و بنوا عليه ما بنوا من الفروع المذكورة؟ و لا ريب انه متى كان ذلك انما هو بالنسبة إليه في حد ذاته فإنه لا يجوز له الدخول في ما هو مشروط بالعدالة البتة.
و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المسالك و من تبعه من الوهن و القصور و لا سيما في فرضه الثاني و هو ما إذا علم الزوج فسقهما فطلق بحضورهما مع ظهور عدالتهما بين الناس فإنه أوهن من بيت العنكبوت و انه لأوهن البيوت، و مقتضى تجويزه الطلاق هنا جواز اقتداء من علم فسق الامام به في الصلاة مع ظهور عدالته بين الناس و هكذا قبول فتواه و أحكامه، و الجميع في البطلان أوضح من أن يحتاج الى بيان عند ذوي الأفهام و الأذهان. و العجب من شيخنا الشيخ سليمان المتقدم ذكره في تردده أولا ثم ميله الى ما في المسالك من غير إيراد دليل معتمد و لا بيان مستند إلا مجرد التقليد لما في المسالك، و نحوه الفاضل الآخر. و بالجملة فالطلاق في الصورتين المفروضتين مما لا إشكال في بطلانه و لا سيما الثانية. و اللّٰه العالم بحقائق أحكامه.
(المقصد الثاني) في العدد
، لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم)
____________
(1) سورة الطلاق الآية 2.
(2) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطلاق و شرائطه.
73
كما نقله غير واحد من معتمديهم- في اعتبار العدد و اشتراطه في صحة صلاة الجمعة و وجوبها، انما الخلاف في أقله و فيه قولان (أحدهما)- و هو المشهور انه خمسة الامام و أربعة معه من المتصفين بالصفات الآتية ان شاء اللّٰه تعالى، و هو قول الشيخ المفيد و المرتضى و ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و ابن إدريس و المحقق و العلامة و غيرهم، و (ثانيهما)- أنه سبعة في الوجوب العيني و خمسة في الوجوب التخييري ذهب اليه الشيخ و ابن البراج و ابن زهرة و هو المنقول عن الصدوق و إليه مال الشهيد في الذكرى.
و استدل للقول الأول بالآية (1) و التقريب فيها ان الأمر للوجوب ثبت الاشتراط بالخمسة بالاتفاق عليها و الأخبار الكثيرة (2) و الزائد منتف لفقد الدليل و عندي ان الاستدلال بالآية في هذا المقام محل نظر؛ فإن الآية مطلقة و ليس فيها اشارة فضلا عن التصريح باشتراط العدد و لا كميته، و تقييدها بأخبار الخمسة يرجع الى الاستدلال بأخبار الخمسة لا الى الآية من حيث هي.
و التحقيق ان المرجع في الاستدلال انما هو الأخبار و هي مختلفة أيضا كما ستقف عليها ان شاء اللّٰه تعالى:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زاد فان كانوا أقل من خمسة فلا جمعة لهم».
و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (4) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط: الامام و أربعة».
____________
(1) قوله تعالى في سورة الجمعة الآية 9 «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.».
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
74
و ما رواه الشيخ في الموثق عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:
«لا تكون جمعة ما لم يكن القوم خمسة».
و عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (2) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول إذا كان قوم في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات فان كان لهم من يخطب بهم جمعوا إذا كانوا خمسة نفر. الحديث».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال في صلاة العيدين: «إذا كان القوم خمسة أو سبعة فإنهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة».
و عن زرارة في الصحيح (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) على من تجب الجمعة؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمهم بعضهم و خطبهم».
و ما رواه في الخصال في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: «لا تكون الجمعة بأقل من خمسة».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين و لا تجب على أقل منهم: الامام و قاضيه و المدعى حقا و المدعى عليه و الشاهدان و الذي يضرب الحدود بين يدي الامام».
و عن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (7) قال: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلوا في جماعة».
و ما رواه الكشي في كتاب الرجال عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن ابن ابى عمير عن غير واحد من أصحابنا عن محمد بن حكيم و غيره عن محمد بن مسلم عن محمد بن على عن أبيه عن جده عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (8) في الجمعة قال:
«إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فعليهم ان يجمعوا».
أقول: الظاهر من مجموع هذه الأخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض هو ما ذهب
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(7) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(8) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
75
إليه الشيخ فإنه الذي تجتمع عليه الأخبار، و اما العمل بالقول المشهور فهو موجب لطرح أخبار السبعة من البين مع ما يشير اليه بعضها من أن أخبار الخمسة إنما أريد بها التخيير مثل قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن مسلم
«تجب على سبعة نفر و لا تجب على أقل منهم»
يعنى انها تجب عينا على السبعة و لا تجب عينا على أقل منهم، لان هذا المعنى هو الذي يجتمع به مع الأخبار المتقدمة الدالة على الخمسة، و قوله في صحيحة زرارة
«تجب على سبعة نفر و لا جمعة لأقل من خمسة»
فان النفي هنا متوجه الى كل من العيني و التخييري بمعنى ان الأقل من خمسة لا وجوب عليهم مطلقا و مفهومه ان الخمسة تجب عليهم مع حكمه أولا و أخيرا بتخصيص الوجوب بالسبعة و لا وجه للجمع إلا باعتبار جعل الوجوب في جانب السبعة عينيا و في جانب الخمسة تخييريا، و نحو ذلك التخيير بين الخمسة و السبعة في صحيحة الحلبي فإنه لا وجه له إلا باعتبار ما ذكرناه. و صحيحة عمر بن يزيد قد اختصت بالسبعة و مفهوم الشرط فيها يدل على نفى الوجوب عن الأقل من سبعة مع دلالة الأخبار المتقدمة على الوجوب بالخمسة و لا وجه للجمع إلا ما ذكرناه. و لو جعل شرط الوجوب الخمسة خاصة كما هو المشهور لكان ذكر السبعة في جميع هذه الأخبار لغوا بل مفسدا لمعنى الأخبار المذكورة، على ان اخبار الخمسة لا ظهور فيها فضلا عن الصراحة في الوجوب العيني كما لا يخفى.
قال المحقق (قدس سره) في المعتبر- بعد نقل رواية محمد بن مسلم دليلا لقول الشيخ بالسبعة و صحيحة زرارة الاولى و موثقة ابن ابى يعفور دليلا للقول المشهور- ما صورته: و نحن نرى العمل على الوجوب مع الخمسة لأنها أكثر ورودا و نقلة و مطابقة لدلالة القرآن. و لو قال- اخبار الخمسة لا تتضمن الوجوب و ليس البحث في الجواز بل في الوجوب و رواية محمد بن مسلم تتضمن سقوط الوجوب عن من قل عددهم عن سبعة فكانت أدل على موضع النزاع- قلنا ما ذكرته و ان كان ترجيحا لكن روايتنا دالة على الجواز و مع الجواز تجب للآية فلو عمل
76
برواية محمد بن مسلم لزم تقييد الأمر المطلق المتيقن بخبر الواحد و لا كذا مع العمل بالأخبار التي اخترناها، على انه لا يمكن العمل برواية محمد بن مسلم لانه خص السبعة بمن ليس حضورهم شرطا فسقط اعتبارها. انتهى.
و أنت خبير بما فيه بعد ما عرفت فان دليل السبعة غير منحصر في رواية محمد ابن مسلم المذكورة بل قد عرفت دلالة جملة من الروايات على ذلك بالتقريب الذي ذكرناه و اللازم من ما ذهب اليه هو طرحها على كثرتها و صحة بعضها و هو بعيد عن جادة الإنصاف و الصواب سيما مع إمكان الجمع بين الجميع بما ذكرناه. و أما دعواه مطابقة أخبار الخمسة لظاهر القرآن فهو ممنوع لأن الآية كما عرفت لا اشعار فيها باشتراط عدد فضلا عن كونه خمسة و انما هي مطلقة، و تقييدها بالأخبار يتوقف أولا على النظر في اخبار المسألة و الجمع بينها على وجه يرفع التنافي بينها و تجتمع عليه في البين فيخصص بها إطلاق الآية حينئذ، و إلا فكما انه يدعى تقييدها بأخبار الخمسة فللخصم أن يقيدها باخبار السبعة على الوجه الذي يقوله و هو الحق الحقيق بالاتباع لانه هو الذي تجتمع عليه أخبار المسألة و يندفع به عنها التنافي و التدافع.
و اما طعنه في رواية محمد بن مسلم بأنه خبر آحاد فهو وارد عليه في اخبار الخمسة أيضا و اما طعنه- بأنه خص السبعة بمن ليس حضورهم شرطا فسقط اعتبارها- فقد تقدم الجواب عنه بان ذكر هؤلاء انما وقع على سبيل التمثيل كما تقدم تحقيقه، على ان ذلك ايضا وارد عليه في استناده الى هذه الرواية في اشتراط الوجوب العيني بحضور الإمام فإنه أحد السبعة أيضا كما تقدم تحقيقه.
و أجاب العلامة عن قوله (عليه السلام) في الرواية «و لا تجب على أقل منهم» تارة بالحمل على ما كان أقل من خمسة و لا يخفى تعسفه، و تارة باستضعاف السند بالحكم بن مسكين. و اللّٰه العالم.
قال شيخنا في الذكرى- و نعم ما قال- بعد نقل رواية زرارة و صحيحة منصور الدالتين على القول المشهور و رواية محمد بن مسلم الدالة على القول الآخر
77
ما لفظه: و هذان الخبران كالمتعارضين فجمع الشيخ أبو جعفر بن بابويه و الشيخ أبو جعفر الطوسي بالحمل على الوجوب العيني في السبعة و الوجوب التخييري في الخمسة و هو حمل حسن و يكون معنى قوله (عليه السلام) «و لا تجب على أقل منهم» نفى الوجوب الخاص أي العيني لا مطلق الوجوب لئلا يتناقض الخبران المرويان بعدة أسانيد.
و المحقق في المعتبر لحظ هذا ثم قال: هذا و ان كان مرجحا لكن روايتنا دالة على الجواز و مع الجواز تجب لقوله تعالى «فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ.» فلو عمل برواية محمد بن مسلم. الى آخر ما قدمناه من عبارته. ثم قال (قدس سره) قلت: الجواز لا يستلزم الوجوب و إلا لوجبت عينا حال الغيبة، و الاحتجاج بعموم القرآن وارد فيه، و الأمر المطلق مسلم و لكن الإجماع على تقييده بعدد مخصوص حتى قال الشافعي و احمد أربعون و أبو حنيفة أربعة أحدهم الامام (1) و مصير الأصحاب الى ذلك العدد مستند الى الخبر و هو من الطرفين في حيز الآحاد فلا بد من التقييد به. (فان قال)- صاحب السبعة موافق على الخمسة فاتفقا على التقييد بها فيؤخذ المتفق عليه- (قلنا) هذا من باب الأخذ بأقل ما قيل و قد توهم بعض الأصوليين انه حجة بل إجماع و قد بينا ضعفه في الأصول. انتهى. و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
فروع
(الأول) [اعتبار العدد إنما هو في الابتداء لا في الاستدامة]
مذهب الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من غير خلاف يعرف ان اشتراط العدد انما هو في الابتداء لا في الاستدامة فلو أحرموا جميعا ثم انفضوا إلا الإمام أو أحد العدد المعتبر أتمها جمعة.
و عللوه (أولا) بالنهي عن قطع العمل. و (ثانيا) بان اشتراط استدامة العدد منفي بالأصل و انه لا يلزم من اشتراطه ابتداء اشتراطه استدامة كالجماعة
____________
(1) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 2 ص 327 و 328 و البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 2 ص 150.
78
و كعدم الماء في حق المتيمم.
و اعترف الشيخ في الخلاف بأنه لا نص لأصحابنا فيه، قال لكنه قضية المذهب لأنه دخل في الجمعة و انعقدت بطريقة معلومة فلا يجوز ابطالها إلا بيقين.
أقول: لا ريب ان ما ذكروه هو مقتضى الاحتياط فينبغي أن يجعل الدليل هو ذلك لا ما ذكروه من هذه التعليلات الواهية التي لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية. و قد تقدم في مقدمات الكتاب ان الاحتياط في مثل هذا المقام واجب فإنه دليل شرعي كما دلت عليه جملة من الأخبار مؤيدا بأخبار الاحتياط العامة و تمام الاحتياط صلاة الظهر بعدها.
ثم ان ظاهر عبارة شيخنا في الذكرى اعتبار إحرام الجميع من الامام و المأمومين فلو حصل التفرق و الانفضاض بعد ذلك وجب الإتمام جمعة على من بقي و ان كان واحدا، و هو ظاهر كلام المحقق في الشرائع أيضا، و ظاهره في المعتبر عدم اعتبار ذلك بل الاكتفاء بإحرام الإمام حيث قال: لو أحرم فانفض العدد المعتبر أتم جمعة لا ظهرا. ثم استدل بأن الصلاة انعقدت و وجب الإتمام لتحقق شرائط الوجوب و منع اشتراط استدامة العدد. و اليه مال في المدارك، و هو جيد لانسحاب الدليل المتقدم في هذا الموضع ايضا من ما ذكروه (رضوان اللّٰه عليهم) و ما ذكرناه.
و اما اعتبار بقاء واحد مع الإمام أو اثنين أو انفضاضهم بعد صلاة ركعة تامة في وجوب الإتمام أو اعتبار بقاء جميع العدد فهو منسوب إلى الشافعي (1) إلا أن العلامة في التذكرة وافقه في اعتبار الركعة في وجوب الإتمام
لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2).
____________
(1) المغني ج 2 ص 333 و فتح الباري ج 2 ص 290.
(2)
في سنن ابن ماجة ج 1 ص 346 «قال رسول اللّٰه «ص» من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى».
و في سنن البيهقي ج 3 ص 204 «إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى.» ....
79
«من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى».
و رده جملة ممن تأخر عنه بأنه لا دلالة له على المطلوب، و هو جيد إذ لا دلالة فيه على ان من لم يدرك ركعة قبل انفضاض العدد يقطع الصلاة. نعم لا عبرة بانفضاض الزائد على العدد المعتبر مع بقاء ذلك العدد سواء شرعوا في الصلاة أم لا اتفاقا.
(الثاني) [نقص العدد قبل الإحرام]
لو انفضوا قبل تلبس الإمام بالصلاة أو انفض ما يسقط به العدد المعتبر سقطت الجمعة سقوطا مراعى بعدم عودهم أو عدم حصول من تنعقد به سواء كان في أثناء الخطبة أو قبلها أو بعدها قبل الدخول في الصلاة، فلو عادوا بعد انفضاضهم و الوقت باق وجبت. قالوا و لو انفضوا في حال الخطبة بنى الامام على ما تقدم منها و أتمها إذا لم يطل الفصل و معه في أحد الوجهين لحصول مسمى الخطبة و أصالة عدم اشتراط الموالاة، و لو اتى غيرهم ممن لم يسمع الخطبة أعاد الخطبة من رأس.
و استشكله في الذكرى بأنه لا يؤمن انفضاضهم ثانيا لو اشتغل بالإعادة فيصير ذلك عذرا في ترك الجمعة.
(الثالث) [تبدل الأشخاص بعد الإحرام]
قال في الذكرى: لو حضر عدد آخر بعد التحريمة فتحرموا ثم انفض الأولون لم يضر لان الانعقاد قد تم بالواردين. قاله في التذكرة، و يشكل بان من جملة الأولين الإمام فكيف تنعقد بدونه إلا أن يقال ينصبون الآن إماما أو يكون قد انفض من عدا الإمام أو يكون ذلك على القول باعتبار الركعة لأنه لو لم تعتبر الركعة في بقاء الصحة كان بقاء الامام وحده كافيا في الصحة و لا يكون في حضور العدد الآخر فائدة تصحح الصلاة. انتهى.
أقول: لا يخفى ان هذا الإشكال انما يتجه لو قلنا بأنه لو أحرم الإمام مع العدد المعتبر ثم انفض الامام مع بعض العدد فإنه لا يجب الإتمام جمعة لعدم الامام كما هو ظاهر الذكرى حيث قال في أول المسألة: العدد انما هو شرط في الابتداء لا في الاستدامة فلو تحرموا بها ثم انفضوا إلا الإمام أتمها جمعة للنهى عن إبطال العمل. الى آخره. و نحوها عبارته في الدروس، و ربما كان فيه إشعار
80
بأنه لو انفض الامام مع بعض العدد فإنه لا يجب على الباقين الإتمام جمعة كما هو صريح كلامه هنا و الفرق بين العدد الأول و الثاني لا يظهر له وجه هنا. و المحقق في الشرائع قد صرح بوجوب الإتمام جمعة بعد انفضاض العدد و ان لم يبق إلا واحد سواء كان إماما أو مأموما. و بالجملة فإن استشكاله هنا ان كان مبنيا على الفرق بين العددين فلا اعرف له وجها في البين، و ان كان لما يشعر به كلامه الذي ذكرناه من تخصيص الإتمام بالإمام أو من بقي معه دون بعض المأمومين فهو محتمل إلا ان كلام المحقق في الشرائع كما ترى صريح في خلافه و كذا ظاهر كلامه في البيان، و كذلك شيخنا الشهيد الثاني في المسالك صرح بأنه مع انفضاض الامام و بقاء العدد كلا أو بعضا فإنهم يقدمون اماما يتم بهم ان أمكن و الا أتموا فرادى. و هو صريح في جواز الإتمام بغير امام مع تعذره.
فائدة- يحسن التنبيه عليها في المقام بل هي من أهم المهام، و هي انه متى كان العدد المذكور شرطا في وجوب الجمعة عينا و بدونه لا يحصل الوجوب فاللازم من ذلك هو سقوط الجمعة رأسا لأنه بموجب ذلك لا تجب على هؤلاء الخمسة أو السبعة الجمعة لعدم حصول الشرط المذكور و متى لم تجب عليهم لم تجب على غيرهم لان الوجوب على غيرهم مشروط بحضورهم و الحال ان الحضور غير واجب عليهم، هذا خلف.
و الجواب انه لا شك ان الوجوب العيني مشروط بحضورهم موضع الجمعة و لكن حضور العدد المذكور واجب وجوبا كفائيا على كافة المسلمين المتصفين بصفات المكلفين بوجوب الجمعة لا يختص به خمسة دون خمسة و لا سبعة دون سبعة فلو أخلوا جميعا بالحضور شملهم الإثم و استحقوا العقاب بترك الواجب المذكور ثم انه متى حضر العدد المذكور سقط بهم الوجوب الكفائي و توجه الوجوب العيني إلى عامة المكلفين المتصفين بصفات التكليف بهذه الفريضة. و كذا القول في ما لو تعددت الأئمة فإنه يجب على واحد منهم الحضور في موضع إقامة الجمعة وجوبا كفائيا مع بقية العدد فإن أخلوا جميعا شملهم الإثم و ان حضر واحد منهم صار
81
الوجوب عينيا بالنسبة إلى كافة المكلفين.
(المقصد الثالث) في الخطبتين
، و تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في موارد
[المورد] (الأول) [الخطبتان شرط في انعقاد الجمعة]
- أجمع الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و أكثر العامة (1) على ان الخطبتين شرط في انعقاد الجمعة، قال في المدارك: لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) خطب خطبتين امتثالا للأمر المطلق فيكون بيانا له، و قد ثبت في الأصول ان بيان الواجب واجب.
أقول: فيه (أولا) انا لم نقف على هذا الأمر المطلق إذ ليس إلا القرآن العزيز و هو غير مشتمل على الأمر بالخطبة كما لا يخفى، إلا أن يكون مراده الأمر بالسعي في الآية و المراد السعي إلى الصلاة. و فيه ان دخول الخطبتين تحت الصلاة غير ظاهر و احتمال إطلاقها عليهما مجاز لا يترتب عليه البيان إذ البيان انما يرجع الى ما دل عليه اللفظ حقيقة و يتبادر منه فهما.
و الأظهر الاستدلال على ذلك
بما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطي عن داود بن الحصين عن ابى العباس عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال:
«لا جمعة إلا بخطبة و انما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين».
و (ثانيا) ان هذا الكلام ينقض ما تقدم منه في باب الوضوء في مسألة وجوب غسل الوجه من الأعلى حيث قد ذهب الى الاستحباب ثمة مع دلالة الوضوءات البيانية و اشتمالها على الغسل من الأعلى فهي مفسرة لإجمال الآية و مبينة له مع انه منع من ذلك ثمة، و قد تقدم تحقيق الكلام معه في ذلك في المسألة المذكورة.
____________
(1) في شرح النووي على صحيح مسلم ج 6 ص 150 «قال القاضي ذهب عامة العلماء الى اشتراط الخطبتين لصحة الجمعة و عن الحسن البصري و أهل الظاهر و رواية ابن الماجشون عن مالك انها تصح بلا خطبة» و في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 111 «و لا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان».
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.
82
و التحقيق الرجوع في ذلك الى الأخبار فإنها ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في المطلوب، و منها الرواية المذكورة و هي صريحة في المطلوب و يعضدها ما تقدم في الروايات التي قدمناها دليلا على وجوب صلاة الجمعة و هي الثالثة و الخامسة و السادسة و الثالثة عشرة و الخامسة عشرة و السادسة عشرة و السابعة عشرة (1).
[ما يجب في الخطبتين]
و قد صرح الأصحاب بأنه يجب فيهما أمور
(الأول) التقديم على الصلاة
فلو بدأ بالصلاة لم تصح الجمعة، قال في المدارك: هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب بل قال في المنتهى انه لا يعرف فيه مخالفا، و المستند فيه فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و الصحابة و التابعين و الأخبار المستفيضة الواردة بذلك
كرواية أبي مريم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن خطبة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أقبل الصلاة أو بعدها؟ فقال قبل الصلاة ثم يصلى».
انتهى.
أقول: العجب منه و من صاحب المنتهى في دعواهما عدم الخلاف في المسألة مع ان الصدوق قد صرح في جملة من كتبه مثل الفقيه و عيون الأخبار و العلل بالخلاف في ذلك فأوجب تأخير الخطبة عن الصلاة و ادعى ان تقديمها بدعة عثمانية.
و من كلامه في ذلك ما ذكره في كتاب عيون الأخبار (3) بعد ان نقل حديث علل الفضل بن شاذان الدال على وجوب تقديمهما في الجمعة و تأخيرهما في العيدين و بيان العلة في ذلك حيث قال: قال مصنف هذا الكتاب جاء هذا الخبر هكذا، و الخطبة في الجمعة و العيدين بعد الصلاة لأنهما بمنزلة الركعتين الأخيرتين و أول من قدم الخطبتين عثمان بن عفان. الى آخر كلامه.
و في كتاب من لا يحضره الفقيه (4) روى حديثا عن الصادق (عليه السلام) بهذه الصورة قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) أول من قدم الخطبة على الصلاة يوم الجمعة عثمان لانه كان إذا صلى لم يقف الناس على خطبته و تفرقوا و قالوا ما نصنع بمواعظه
____________
(1) ج 9 ص 409 الى 413.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة الجمعة.
(3) ص 258.
(4) ج 1 ص 278 و في الوسائل الباب 15 من صلاة الجمعة.
83
و هو لا يتعظ بها و قد أحدث ما أحدث فلما رأى ذلك قدم الخطبتين على الصلاة».
و قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل هذا الخبر: كذا وجدنا الحديث في نسخ الفقيه و كأنه قد وقعت لفظة الجمعة مكان لفظة العيد سهوا ثم صار ذلك سببا لا يراد الصدوق الحديث في باب الجمعة و زعمه وروده فيه كما يظهر من بعض تصانيفه الأخر، و ذلك لما ثبت و تقرر ان الخطبة في الجمعة قبل الصلاة و هذا من ما لم يختلف فيه أحد في ما أظن و قد مضت الأخبار في ذلك. و أيضا انما ورد حديث عثمان في العيدين كما مر في هذا الباب مرتين. انتهى.
و كيف كان فما ذكره الصدوق و هم صرف و غفلة محضة عن تدبر الأخبار المستفيضة بتقديمهما في صلاة الجمعة.
و منها زيادة على الروايتين المتقدمتين
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألته عن الجمعة فقال أذان و اقامة يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب و لا يصلى الناس ما دام الامام على المنبر ثم يقعد الامام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو اللّٰه أحد ثم يقوم فيفتتح خطبته ثم ينزل فيصلي بالناس ثم يقرأ بهم في الركعة الأولى بالجمعة و في الثانية بالمنافقين».
و ما روياه أيضا في الموثق عن سماعة (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ينبغي للإمام الذي يخطب الناس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشتاء و الصيف و يتردى ببرد يمني أو عدني و يخطب و هو قائم: يحمد اللّٰه و يثنى عليه ثم يوصي بتقوى اللّٰه و يقرأ سورة من القرآن قصيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد اللّٰه و يثنى عليه و يصلى على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و على أئمة المسلمين (عليهم السلام) و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات، فإذا فرغ من هذا قام المؤذن فأقام فصلى بالناس ركعتين يقرأ في الأولى بسورة الجمعة و في الثانية بسورة المنافقين».
____________
(1) الوسائل الباب 6 و 25 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 24 و 25 من صلاة الجمعة.
84
و ما روياه في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه و بين ان يقام للصلاة و ان سمع القراءة أم لم يسمع أجزأه».
و نحوه صحيحة أخرى لمحمد بن مسلم بهذا المضمون (2).
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك و يخطب في الظل الأول فيقول جبرئيل يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) قد زالت الشمس فانزل فصل و انما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهي صلاة حتى ينزل الإمام».
(الثاني) القيام حال الخطبة
، و لا خلاف في وجوبه مع الإمكان و نقل عليه في التذكرة الإجماع، و المستند فيه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان أول من خطب و هو جالس معاوية و استأذن الناس في ذلك من وجع كان بركبتيه و كان يخطب خطبة و هو جالس و خطبة و هو قائم ثم يجلس بينهما. ثم قال: الخطبة و هو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين».
و عن عمر بن يزيد في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) في حديث قال:
«و ليقعد قعدة بين الخطبتين».
و روى الثقة الجليل على بن إبراهيم في تفسيره في الصحيح عن ابن مسكان عن ابى بصير (6) «انه سأل عن الجمعة كيف يخطب الامام؟ قال يخطب قائما ان اللّٰه تعالى يقول وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً» (7).
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة.
(7) سورة الجمعة الآية 11.
85
و لو منعه مانع فالظاهر جواز الجلوس كما صرح به جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) و في وجوب الاستنابة في هذه الحالة إشكال.
قالوا: و لو خطب جالسا مع القدرة بطلت صلاته و صلاة من علم بذلك من المأمومين، اما من لم يعلم بذلك فقد قطعوا بصحة صلاته بناء على ان الظاهر من حال المسلم خصوصا العدل أن يكون جلوسه في حال الخطبة لعذر و لم يفصلوا بين تجدد العلم بعد الصلاة و عدم تجدده، و جعلوه مثل صلاة الإمام محدثا فإن صلاة من لم يعلم بحدثه صحيحة و ان تجدد العلم بعد الصلاة. و فيه ان قيام الدليل في المحدث في صورة ما إذا علم المأموم بعد الصلاة على صحة الصلاة لا يستلزم الصحة في ما نحن فيه لعدم الدليل كما في المحدث.
قالوا: و يجب في القيام الطمأنينة كما في البدل لتوقف البراءة اليقينية عليه.
و فيه إشكال.
و قال في المدارك: و يجب في القيام الطمأنينة للتأسي و لأنهما بدل من الركعتين.
و فيه (أولا) ما صرح به هو و غيره من المحققين من أن التأسي لا يصلح دليلا للوجوب كما حققوه في الأصول لان فعلهم (عليهم السلام) أعم من ذلك.
و (ثانيا) ان البدلية على تقدير صحة الاستدلال بها لا تقتضي أن تكون من كل وجه، و غاية ما يمكن أن يقال ان المسألة لما كانت عارية من النص فالاحتياط فيها واجب و هو لا يحصل إلا بما ذكروه من الطمأنينة.
(الثالث) اتحاد الخطيب و الامام
على أظهر القولين و أشهرهما و هو اختيار الراوندي في أحكام القرآن، و قواه العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى و اختاره السيد السند في المدارك، و نقل عن العلامة في النهاية القول بجواز المغايرة معللا بانفصال كل من العبادتين عن الأخرى، و بان غاية الخطبتين أن يكونا كالركعتين و يجوز الاقتداء بإمامين في صلاة واحدة.
قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و يتوجه على الأول منع الانفصال
86
شرعا، سلمنا الانفصال لكن ذلك لا يقتضي جواز الاختلاف إذا لم يرد فيه نقل على الخصوص لعدم تيقن البراءة مع الإتيان به. و على الثاني بعد تسليم الأصل انه قياس محض.
و استشكل في الذخيرة في هذا المقام فقال: و المسألة محل إشكال ينشأ من أن المنقول من فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) الاتحاد فيجب عدم التعدي منه وقوفا في الوظائف الشرعية على القدر الثابت المتيقن، و من إطلاق الأمر بالصلاة في الآية و الأخبار و الاشتراط يتقدر بقدر الدليل و الدليل لا يقتضي الخصوصية المذكورة في الخطبتين. و الاحتياط واضح. انتهى.
أقول: اما ما ذكره في الوجه الثاني من إطلاق الآية فمسلم و اما إطلاق الأخبار فممنوع فان بعضها و ان كان مطلقا كما ادعاه إلا ان جملة منها ظاهرة في الاتحاد كالأخبار المتقدمة في الأمر الأول، و نحوها أيضا صحيحة أبي بصير المنقولة من تفسير على بن إبراهيم فإنها قد اشتملت على ان الخطيب هو الامام و انه بعد الخطبة يصلى بالناس، و حينئذ فما أطلق من الأخبار ان وجد يحتمل على هذه الأخبار حمل المطلق على المقيد و بذلك يقيد إطلاق الآية أيضا.
و يدل على ما ذكرناه ما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى من الأخبار الدالة على النهى عن الكلام و الامام يخطب و نحوها، فان المراد بالإمام فيها هو إمام الجماعة الذي يصلى بعد الخطبة و إلا فلا معنى للتعبير بلفظ الإمام في المقام لو كان الخطيب غيره.
و حمله على إمام في الجملة و ان لم يكن في تلك الصلاة لا يرتكبه إلا من لم يكن له ذوق و لا رؤية في فهم معاني الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. و بالجملة فإن ما ذكره من الاستشكال من الأوهام السخيفة بلا اشكال.
(الرابع) الفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة
على الأشهر الأظهر، و استدل عليه في المدارك بالتأسي، و قد عرفت ما فيه قريبا.
و الأظهر الاستدلال على ذلك بالأخبار، و منها ما تقدم قريبا في
صحيحة
87
معاوية بن وهب (1) و هو قوله (عليه السلام) فيها «الخطبة و هو قائم خطبتان يجلس بينهما جلسة لا يتكلم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين».
و تقدم أيضا
في صحيحة عمر بن يزيد (2) قال: «و ليقعد قعدة بين الخطبتين».
و تقدم
في موثقة سماعة (3) بعد ذكر الخطبة الأولى قال (عليه السلام) «ثم يجلس ثم يقوم فيحمد اللّٰه تعالى».
و في صحيحة محمد بن مسلم المروية في الكافي في خطبة يوم الجمعة عن الباقر (عليه السلام) (4) قال بعد ذكر الخطبة الأولى بطولها «ثم اقرأ سورة من القرآن و ادع ربك و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و ادع للمؤمنين و المؤمنات ثم تجلس قدر ما تمكن هنيهة ثم تقوم فتقول الحمد لله».
ثم ساق الخطبة الثانية.
و في صحيحة محمد بن النعمان أو غيره المروية في الكافي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) انه ذكر خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة «الحمد لله أهل الحمد. ثم ساق الخطبة الى أن قال: ثم جلس قليلا ثم قام فقال الحمد لله».
ثم ساق الخطبة الثانية.
و في معناها
ما رواه في الفقيه من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) (6) و فيها بعد ذكر الخطبة الاولى «ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيقول الحمد لله. الى آخر الخطبة».
و هذه الأخبار و نحوها ما بين ما تضمن حكاية فعلهم (عليهم السلام) ذلك و ما بين ما تضمن الأمر باللام و ما تضمن الأمر بالجملة الفعلية و هو ظاهر في الوجوب و اشتمال الأخبار على بعض المندوبات لا يقدح في الدلالة لأن ما قام الدليل على استحبابه يجب ارتكاز التجوز في الأمر به و ما لم يقم على استحبابه دليل فيجب حمل الأمر به على ظاهره من الوجوب و به يتم المطلوب.
و اما ما ذكره المحقق في المعتبر من ما يؤذن بتردده في المقام- حيث قال:
و هل الجلسة بين الخطبتين واجبة؟ فيه تردد، وجه الوجوب فعل النبي و الأئمة
____________
(1) ص 84.
(2) ص 84.
(3) ص 83.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
(5) روضة الكافي ص 173 و في الوافي باب خطبة صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
88
(صلوات اللّٰه عليهم) بعده. و ما روى عن أهل البيت (عليهم السلام) من طرق أحدها ما رواه معاوية بن وهب، ثم ذكرها كما ذكرناه، ثم قال و وجه الاستحباب انه فصل بين ذكرين جعل للاستراحة فلا يتحقق فيه معنى الوجوب، و لان فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كما يحتمل أن يكون تكليفا يحتمل أن يكون للاستراحة و ليس فيه معنى التعبد، و لأنا لا نعلم الوجه الذي أوقعه عليه فلا تجب المتابعة. انتهى.
و لا يخفى ما فيه من النظر الظاهر في كل من الوجهين، أما الأول فمرجعه إلى التأسي و قد عرفت انه ليس بدليل على الوجوب، و اليه أشار في آخر كلامه بقوله: و لأنا لا نعلم الوجه الذي أوقعه عليه يعنى من وجوب و استحباب لأن الإتيان به أعم منهما.
و اما الثاني فيرجع الى العلة المستنبطة التي لا اعتماد عليها في الأحكام، و الوجه في الوجوب انما هو ورود الأمر بذلك في الاخبار المتقدمة و نحوها و ان كان أمرا بالجملة الفعلية أو باللام، فان التحقيق انه لا فرق بين الأمر بصيغة «افعل» و لا بين الصيغتين المذكورتين كما حققناه في مقدمات الكتاب و به صرح جملة من محققي الأصحاب، و يدل على ذلك أيضا
صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) و قوله فيها «يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب. الى آخره».
فإنه ظاهر في بيان الكيفية الواجبة و من جملتها الجلوس بين الخطبتين.
قالوا: و يجب في الجلوس الطمأنينة و ينبغي أن يكون بقدر قراءة سورة «قل هو اللّٰه أحد» كما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم المذكورة.
قيل: و لو عجز عن القيام فخطب جالسا فصل بينهما بسكتة، و احتمل العلامة في التذكرة الفصل بالاضطجاع.
و هل يجب السكوت حال الجلوس؟ قيل نعم لما تقدم
في صحيحة معاوية ابن وهب (2) من قوله «جلسة لا يتكلم فيها».
و رد باحتمال ان يكون المراد لا يتكلم فيها بشيء من الخطبة. و الظاهر بعده.
____________
(1) ص 83.
(2) ص 84.
89
ثم ان ههنا أشياء أخر وقع الخلاف فيها وجوبا و استحبابا في الخطبتين سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى التنبيه عليها.
(المورد الثاني) [ما تشتمل عليه الخطبتان]
اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في ما يجب اشتمال كل من الخطبتين عليه، فقال الشيخ في المبسوط: أقل ما تكون الخطبة أربعة أصناف:
حمد اللّٰه تعالى و الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الوعظ و قراءة سورة خفيفة من القرآن. و مثله قال ابن حمزة.
و قال في الخلاف: أقل ما تكون الخطبة أن يحمد اللّٰه تعالى و يثنى عليه و يصلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و يقرأ شيئا من القرآن و يعظ الناس.
و ابن إدريس وافق المبسوط في موضع من كتابه و أوجب السورة الخفيفة و خالفه في آخر، و قال في وصف الخطبة: و يوشح خطبته بالقرآن و مواعظه و آدابه. و لم يذكر السورة.
و قال أبو الصلاح: لا تنعقد الصلاة إلا بإمام. الى ان قال: و خطبة في أول الوقت مقصورة على حمد اللّٰه تعالى و الثناء عليه بما هو أهله و الصلاة على محمد و المصطفين من آله (صلوات اللّٰه عليهم) و وعظ و زجر. و لم يتعرض لشيء من القرآن بالكلية.
و قال الشيخ في الاقتصاد: أقل ما يخطب به أربعة أشياء: الحمد و الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الوعظ و قراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين.
و قال في النهاية: ينبغي ان يخطب الخطبتين و يفصل بينهما بجلسة و يقرأ سورة خفيفة و يحمد اللّٰه تعالى في خطبته و يصلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و يدعو لأئمة المسلمين (عليهم السلام) و يدعو أيضا للمؤمنين و يعظ و يزجر و ينذر و يخوف. و مثله قال ابن البراج و ابن زهرة.
و قال القطب الراوندي في الرائع: الخطبة شرط في صحة الجمعة و أقل ما يكون أن يحمد اللّٰه تعالى و يصلى على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و يعظ الناس و يقرأ سورة قصيرة من
90
القرآن، و قيل يقرأ شيئا من القرآن.
و قال ابن الجنيد عن الخطبة الاولى: و يوشحها بالقرآن. و عن الثانية:
إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ. إلى آخر الآية (1).
و قال المرتضى في المصباح: يحمد اللّٰه و يمجده و يثنى عليه و يشهد لمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) بالرسالة و يوشح الخطبة بالقرآن ثم يفتتح الثانية بالحمد و الاستغفار و الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الدعاء لأئمة المسلمين.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي يظهر من كلام الفاضلين ان وجوب الحمد و الصلاة على النبي و آله (صلوات اللّٰه عليهم) و الوعظ موضع وفاق بين علمائنا و أكثر العامة (2) لعدم تحقق الخطبة عرفا بدون ذلك، و استدل عليه في المنتهى بأمور واهية ليس في التعرض لها كثيرة فائدة.
و قد وقع الخلاف هنا في مواضع: (الأول)- هل تجب القراءة في الخطبتين كما هو المشهور أم لا كما هو مذهب ابى الصلاح؟ (الثاني)- انه على تقدير الوجوب هل الواجب سورة كاملة أو آية تامة الفائدة؟ (الثالث)- انه على الأول أعني السورة الكاملة هل الواجب سورة كاملة فيهما أو في الأولى
____________
(1) سورة النحل الآية 92.
(2) في المغني ج 2 ص 304 «يشترط لكل واحدة من الخطبتين حمد اللّٰه تعالى و الصلاة على رسوله «ص» و يحتمل ان لا تجب الصلاة على النبي «ص» لأن النبي «ص» لم يذكر في خطبته ذلك» و في ص 305 «و قال أبو حنيفة لو أتى بتسبيحة واحدة أجزأ» و في شرح النووي على صحيح مسلم ج 6 ص 150 «قال الشافعي لا تصح الخطبتان إلا بحمد اللّٰه و الصلاة على رسول اللّٰه «ص» فيهما و الوعظ و هذه الثلاثة واجبات في الخطبتين، و قال مالك و أبو حنيفة و الجمهور يكفى من الخطبة ما يقع عليه الاسم و قال أبو حنيفة و أبو يوسف و مالك في رواية عنه تكفى تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة. و هذا ضعيف لانه لا يسمى خطبة» و في المهذب ج 1 ص 111 «فرض الخطبة أربعة أشياء: يحمد اللّٰه تعالى و يصلى على النبي «ص» و الوصية بتقوى اللّٰه و قراءة آية من القرآن».
91
خاصة؟ و على الثاني أعني الآية التامة الفائدة فهل هي فيهما أو في الأولى خاصة؟
(الرابع)- هل تجب الشهادة لمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) بالرسالة في الأولى كما هو ظاهر المرتضى أم لا؟ (الخامس)- هل يجب الاستغفار و الدعاء لأئمة المسلمين كما هو ظاهر المرتضى أيضا أم لا؟ هذا ما وصل إلينا من كلام متقدمي الأصحاب في الباب.
و الواجب الرجوع الى الأخبار إلا ان الظاهر انه ليس في شيء منها تصريح بأقل الواجب كما وقع في عبائر الأصحاب بحيث لا يجزئ ما دونه.
و كيف كان فمن تلك الأخبار
موثقة سماعة (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ينبغي للإمام الذي يخطب الناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء و الصيف و يتردى ببرد يمني أو عدني و يخطب و هو قائم: يحمد اللّٰه و يثنى عليه ثم يوصي بتقوى اللّٰه و يقرأ سورة من القرآن قصيرة ثم يجلس ثم يقوم فيحمد اللّٰه و يثنى عليه ثم يصلى على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و على أئمة المسلمين (عليهم السلام) و يستغفر اللّٰه للمؤمنين و المؤمنات فإذا فرغ من هذا أقام المؤذن فصلى بالناس ركعتين. الحديث».
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم «ان أبا جعفر (عليه السلام) خطب خطبتين في الجمعة، ثم نقلهما بتمامهما، و الاولى منهما قد اشتملت على حمد اللّٰه و الشهادتين و الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الوعظ، قال ثم اقرأ سورة من القرآن و ادع ربك و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و ادع للمؤمنين و المؤمنات ثم تجلس. و تضمنت الثانية الحمد و الشهادتين و الوعظ و الصلاة على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) بقوله اللّهمّ صل على محمد عبدك و رسولك سيد المرسلين و امام المتقين و رسول رب العالمين. قال: ثم تقول اللّهمّ صلى على أمير المؤمنين و وصى رسول رب العالمين، ثم تسمى الأئمة (عليهم السلام) حتى تنتهي إلى صاحبك، ثم تقول اللهم افتح له فتحا يسيرا و انصره نصرا عزيزا اللّهمّ أظهر به دينك و سنة نبيك حتى
____________
(1) الوسائل الباب 24 و 25 من صلاة الجمعة.
(2) ج 1 ص 117 و في الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
92
لا يستخفى بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق. ثم ساق الدعاء لصاحب الأمر الى ان قال: و يكون آخر كلامه ان يقول إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ. و ذكر الآية كملا، ثم قال ثم يقول اللّهمّ اجعلنا ممن تذكر فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرىٰ ثم ينزل».
و منها-
ما رواه في الكافي (1) أيضا في الصحيح أو الحسن عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان أو غيره عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) انه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة، و الاولى منهما طويلة مشتملة على التحميد و الشهادتين و الوعظ ثم سورة «العصر» ثم قال إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم ذكر الآية و أردفها بمزيد الصلاة و الدعاء للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الى ان قال: «ثم جلس قليلا ثم قام فقال الحمد لله.».
و ذكر الخطبة الثانية و هي مشتملة على الحمد و الاستعاذة و طلب العصمة من الذنوب و مساوئ الأعمال و مكاره الآمال ثم الدعاء للمؤمنين و المؤمنات و منها- ما رواه في الفقيه (2) مرسلا، قال: «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمعة فقال. ثم ساق الخطبة الأولى و هي مشتملة على التحميد و الثناء على اللّٰه سبحانه و الشهادتين و الوعظ ثم سورة التوحيد أو «قل يا ايها الكافرون» أو «إذا زلزلت» أو «ألهاكم التكاثر» أو «العصر» قال و كان من ما يدوم عليه «قل هو اللّٰه أحد» ثم يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم فيقول.» ثم ذكر الخطبة الثانية و هي مشتملة على التحميد مختصرا و كذلك الشهادتان ثم الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم الدعاء على أهل الكتاب ثم الدعاء بنصر جيوش المسلمين و سراياهم ثم الدعاء للمؤمنين ثم الآية «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ. إلى آخرها» (3).
أقول: قد اتفقت هذه الأخبار بالنسبة إلى الخطبة الأولى على اشتمالها على التحميد و الوعظ و قراءة سورة كاملة و هي تمام ما اختصت به موثقة سماعة،
____________
(1) الروضة ص 173 و في الوافي باب خطبة صلاة الجمعة.
(2) ج 1 ص 275 و في الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
(3) سورة النحل الآية 92.
93
و اشتركت الروايات الثلاث التي بعدها في الاشتمال على الشهادتين زيادة على ذلك، و حينئذ فيخص بها إطلاق موثقة سماعة و يجب تقييدها بها، و اختصت الرواية الثانية بزيادة الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأحوط إضافتها لذلك.
و اما بالنسبة إلى الخطبة الثانية فقد اتفق الجميع على التحميد خاصة و اشترك ما عدا الرواية الثالثة في إضافة الصلاة على النبي و آله (صلوات اللّٰه عليهم) و اشتركت الاولى و الثانية في إضافة أئمة المسلمين إلى الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إجمالا في الاولى و تفصيلا في الثانية و به يجب تقييد ما خلا ذلك من الأخبار المذكورة، و اشتركت الرواية الثانية و الرابعة في إضافة الآية المتقدمة في آخر الخطبة و به يقيد إطلاق الروايتين الخاليتين من ذلك، و اتفق الجميع في عدم ذكر الوعظ في الثانية (1).
ثم انه لا يخفى ما بين ما دلت عليه هذه الأخبار و بين ما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في المقام من المنافاة و عدم الالتئام و لا سيما بالنسبة إلى إيجابهم السورة في الخطبة الثانية كما هو ظاهر المشهور، قال في الذكرى قال ابن الجنيد و المرتضى:
و ليكن في الأخيرة قوله تعالى «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ. الآية» (2).
و أورده البزنطي في جامعه. و بالنسبة إلى إيجابهم الوعظ في الخطبة الثانية و كذا بالنسبة الى عدم ذكرهم الشهادتين سوى المرتضى (رضى اللّٰه عنه) فإنه ذكر الشهادة بالرسالة و لم يذكر الشهادة بالتوحيد و الأخبار قد اشتملت عليهما و نحو ذلك. إلا ان بعض الأخبار الواردة في ذكر الخطبة غير ما أشرنا إليه اشتمل على الوعظ في الثانية أيضا. و الاحتياط لا يخفى.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه على أمور
(الأول) [هل يعتبر في التحميد في الخطبتين صيغة خاصة؟]
قد صرح العلامة و الشهيد و جماعة بأنه يجب في الخطبتين التحميد بصيغة «الحمد لله» و رده جملة ممن تأخر عنهم بصدق الخطبة مع الإتيان بالتحميد كيف اتفق.
____________
(1) تقدم الوعظ فيها في الصحيحة ص 91.
(2) سورة النحل الآية 92.
94
أقول: لا ريب ان موثقة سماعة و ان اشتملت على مطلق التحميد لقوله «يحمد اللّٰه و يثنى عليه» إلا ان الثلاث التي بعدها كلها قد اشتملت على لفظ «الحمد لله» في أول كل من الخطبتين فلا يبعد ان يحمل عليها إطلاق موثقة سماعة المذكورة و به يظهر قوة ما ذكره الأولون.
(الثاني) [الترتيب في الخطبة]
ذكر جمع من الأصحاب انه يجب الترتيب في اجزاء الخطبة بتقديم الحمد ثم الصلاة ثم الوعظ ثم القراءة فلو خالف أعاد على ما يحصل به الترتيب، قال في المدارك: و هو أحوط و ان كان في تعينه نظر.
أقول: ما ذكروه (رضوان اللّٰه عليهم) مبنى على ما تكرر في عبائرهم من إيجاب هذه الأربعة في كل من الخطبتين و قد عرفت ما بين كلامهم و بين الاخبار المتقدمة من المدافعة في البين، و الذي يتلخص من الاخبار بتقريب ما قدمنا ذكره من ضم بعضها الى بعض بالنسبة إلى الخطبة الأولى هو الإتيان بالتحميد أولا ثم الشهادتين بالتوحيد أولا ثم بالرسالة ثم اضافة الصلاة بعدهما احتياطا ثم الوعظ ثم قراءة سورة كاملة، و اما بالنسبة إلى الخطبة الثانية فالتحميد أولا ثم الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم أئمة المسلمين تفصيلا ثم الآية المتقدمة. و اما ان ذلك على جهة الوجوب أو الاستحباب فإشكال ينشأ من أن هذه الكيفية التي ورد بها النص فيقين البراءة يتوقف عليها و من احتمال خروجها مخرج الاتفاق سيما ان الخطب المذكورة مشتملة على تكرار و زيادة أشياء أخر فيها. و بالجملة فالاحتياط في الوقوف على ما دلت عليه الاخبار و ان كان لا اشعار فيها بالوجوب.
(الثالث) [العربية في الخطبة]
المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) المنع من الخطبة بغير العربية للتأسي، قال في المدارك: و هو حسن.
أقول: قد عرفت ان التأسي لا يصلح لان يكون دليلا لحرمة و لا وجوب كما صرح به هو و غيره من المحققين و لكنه في أمثال هذه المواضع يستسلقه و هو غير جيد. نعم يمكن ان يقال ان يقين البراءة موقوف على ذلك و انها عبادة
95
و العبادات توقيفية يتبع فيها ما رسمه صاحب الشريعة، و هذا هو الذي جاء عنهم (عليهم السلام).
و لو لم يفهم العدد العربية و لا أمكن التعلم قيل تجب العجمية لأن مقصود الخطبة لا يتم بدون فهم معانيها. و احتمل في المدارك سقوط الجمعة لعدم ثبوت مشروعيتها على هذا الوجه.
أقول: و الأقرب وجوب العربية في الصورة المذكورة، و التعليل بان المقصود من الخطبة فهم العدد لمعانيها مع تسليم وروده لا يقتضي كونه كليا فان علل الشرع ليست عللا حقيقة يدور المعلول مدارها وجودا و عدما و انما هي معرفات و تقريبات إلى الأذهان كما لا يخفى على من راجع كتاب العلل و ما اشتملت عليه اخباره من العلل. على ان البلدان التي فتحت من العجم و الروم و نحوهما و عينت فيها الأئمة للجمعات و الجماعات لم ينقل انهم كانوا يترجمون لهم الخطب و لو وقع لنقل و منه زمان خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) و كيف كان فالأحوط الخطبة بالعربية و ترجمة بعض الموارد التي يتوقف عليها المقصود من الخطبة.
(الرابع) [كلام المجلسي في المقام]
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار: و الاولى و الأحوط ان يراعى الخطيب أحوال الناس بحسب خوفهم و رجائهم فيعظهم مناسبا لحالهم و للأيام و الشهور و الوقائع الحادثة و أمثال تلك الأمور كما يومئ اليه بعض الاخبار و يظهر من الخطب المنقولة. انتهى. و هو جيد.
(الخامس) [كلام الصدوق في المقام]
روى الصدوق في كتاب العلل و العيون في علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «و انما جعلت خطبتين لتكون واحدة للثناء على اللّٰه تعالى و التمجيد و التقديس لله عز و جل، و الأخرى للحوائج و الاعذار و الإنذار و الدعاء و لما يريدان يعلمهم من أمره و نهيه ما فيه الصلاح و الفساد».
انتهى.
أقول: ظاهره ان احدى الخطبتين انما تشتمل على الثناء و التمجيد و التقديس
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
96
لله عز و جل و الأخرى لما ذكره (عليه السلام) و أنت خبير بأنه لا ينطبق على ما قدمناه من الأخبار و لا كلام الأصحاب و صاحبه (عليه السلام) اعلم بذلك.
(المورد الثالث) [هل يجب الإصغاء للخطبة و يحرم الكلام حالها؟]
اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في وجوب الإصغاء للخطبة و الطهارة فيهما من الحدث أو منه و من الخبث و في تحريم الكلام حال الخطبة من المأمومين و الامام و كذا في وجوب رفع الصوت لاستماع العدد.
و الكلام هنا يقع في مواضع
[الموضع] (الأول)- في وجوب الإصغاء و عدمه
ممن يمكن في حقه السماع و الإصغاء و الإنصات لها و الاستماع، و المشهور وجوبه و ذهب الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر إلى انه مستحب.
احتج الأولون بأن فائدة الخطبة لا تحصل إلا به. قال في الذخيرة: و فيه منع واضح لمنع كون الفائدة منحصرة في استماع كل منهم جميع الخطبة، قال: و لو قصد بهذا الاستدلال على وجوب إصغاء الزائد على العدد كان أخفى دلالة. انتهى.
أقول: و الأظهر الاستدلال على القول المشهور بالأخبار الدالة على النهى عن الكلام و الامام يخطب (1) فإنه لا وجه للنهي في المقام إلا من حيث وجوب الإصغاء للخطبة و الاستماع لها،
و نقل غير واحد من أصحابنا عن البزنطي في جامعه (2) انه قال «إذا قام الامام يخطب وجب على الناس الصمت».
و هو من قدماء الأصحاب و أجلاء الثقات من أصحاب الرضا (عليه السلام).
و الأصحاب أيضا قد اختلفوا في تحريم الكلام، فالمشهور التحريم فمنهم من عمم الحكم بالنسبة إلى المستمعين و الخطيب و منهم من خصه بالمستمعين، و ذهب الشيخ في المبسوط و موضع من الخلاف و المحقق إلى الكراهة، و هو جار على نحو ما قدمناه عنهم من القول بعدم وجوب الاستماع، و الى القول بالكراهة مال الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا.
و الأظهر عندي هو القول المشهور من وجوب الاستماع و تحريم الكلام
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(2) المعتبر ص 206.
97
للاخبار المشار إليها، و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا خطب الامام يوم الجمعة فلا ينبغي لأحد أن يتكلم حتى يفرغ الامام من خطبته فإذا فرغ الامام من الخطبتين تكلم ما بينه و بين أن تقام الصلاة».
و منها-
ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كلام و الامام يخطب و لا التفات إلا كما يحل في الصلاة، و إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين فهي صلاة حتى ينزل الامام».
و ظاهر هذا الخبر كما ترى انه ما دام الامام يخطب فإن الامام و الحاضرين معه في صلاة حتى ينزل فلا يتكلم هو و لا هم و لا يلتفتون إلا كما يلتفتون حال الصلاة، و منه يفهم وجوب الطهارة ايضا على الامام و عليهم من الحدث و الخبث. هذا مقتضى ظاهر الخبر المذكور.
و منها-
ما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان يتكلم الرجل إذا فرغ الامام من الخطبة يوم الجمعة ما بينه و بين ان تقام الصلاة».
فإنه يشعر بالبأس قبل الفراغ.
و منها-
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال:
«سألته عن الجمعة فقال أذان و اقامة يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب و لا يصلى الناس ما دام الامام على المنبر. الحديث».
فإنه إذا امتنعت الصلاة التي هي عبادة امتنع الكلام الذي هو لغو غالبا.
و منها-
ما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن بكر بن محمد (5) و رواه ايضا عبد اللّٰه بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن بكر بن محمد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) الناس في الجمعة على ثلاثة
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 58 من صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 58 من صلاة الجمعة.
98
منازل: رجل شهدها بإنصات و سكون قبل الامام و ذلك كفارة لذنوبه من الجمعة إلى الجمعة الثانية و زيادة ثلاثة أيام لقوله تعالى «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا» (1) و رجل شهدها بلغط و ملق و قلق فذلك حظه، و رجل شهدها و الامام يخطب فقام يصلى فقد أخطأ السنة و ذلك ممن إذا سأل اللّٰه عز و جل ان شاء أعطاه و ان شاء حرمه».
و روى الصدوق في المجالس بسنده في مناهي النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «انه نهى عن الكلام يوم الجمعة و الامام يخطب و من فعل ذلك فقد لغى و من لغى فلا جمعة له».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (3) «ان عليا (عليه السلام) كان يكره رد السلام و الامام يخطب».
و فيه بهذا الاسناد عن على (عليه السلام) (4) قال: «يكره الكلام يوم الجمعة و الامام يخطب و في الفطر و الأضحى و الاستسقاء».
قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار بعد نقل هذين الخبرين: بيان- كراهة رد السلام لعله محمول على التقية إذ لا يكون حكمها أشد من الصلاة. و يمكن حمله على ما إذا رد غيره، قال العلامة في النهاية: و يجوز رد السلام بل يجب لانه كذلك في الصلاة ففي الخطبة أولى. و كذا يجوز تسميت العاطس، و هل يستحب؟ يحتمل ذلك لعموم الأمر به، و العدم لأن الإنصات أهم و انه واجب على الأقرب انتهى.
و الكراهة الواردة في الكلام غير صريحة في الكراهة المصطلحة لما عرفته مرارا.
و ظاهره شمول الحكم لمن لم يسمع الخطبة أيضا. قال العلامة في النهاية: و هل يجب الإنصات على من لم يسمع الخطبة؟ الأولى المنع لان غايته الاستماع فله ان
____________
(1) سورة الانعام الآية 161.
(2) ص 255 و رواه في الفقيه أيضا في المناهي، راجع الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجمعة.
99
يشتغل بذكر و تلاوة. و يحتمل الوجوب لئلا يرتفع اللغط و لا يتداعى الى منع السامعين من السماع. انتهى كلام شيخنا المذكور و هو ظاهر في اختياره القول المشهور و منها-
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الإمام إذا خرج يوم الجمعة هل يقطع خروجه الصلاة أو يصلى الناس و هو يخطب؟ قال لا تصلح الصلاة و الامام يخطب إلا ان يكون قد صلى ركعة فيضيف إليها أخرى و لا يصلى حتى يفرغ الامام من خطبته».
و منها-
ما ذكره في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: «و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا كلام و الامام يخطب يوم الجمعة و لا التفات و انما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلتا مكان الركعتين الأخيرتين فهي صلاة حتى ينزل الامام».
و في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال:
«إذا قام الامام يخطب فقد وجب على الناس الصمت».
و عن على (عليه السلام) (4) انه قال: «لا كلام و الامام يخطب و لا التفات إلا كما يحل في الصلاة».
و عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (5) انه قال: «لا كلام حتى يفرغ الامام من الخطبة فإذا فرغ منها فتكلم ما بينك و بين افتتاح الصلاة ان شئت».
و عن على (عليه السلام) (6) انه قال: «يستقبل الناس الامام عند الخطبة بوجوههم و يصغون اليه».
و عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) انه قال: «انما جعلت الخطبة
____________
(1) الوسائل الباب 58 من صلاة الجمعة.
(2) ص 11.
(3) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة الجمعة.
(4) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة الجمعة.
(5) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة الجمعة.
(6) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة الجمعة.
(7) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.
100
عوضا عن الركعتين اللتين أسقطتا من صلاة الظهر فهي كالصلاة لا يحل فيها إلا ما يحل في الصلاة».
أقول: و من هذه الأخبار يظهر قوة القول المشهور و ضعف ما ذكره في الذخيرة في الجواب عن صحيحة محمد بن مسلم الأولى (1) من أن لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة، فإن فيه ان ظهوره في الكراهة انما هو باعتبار عرف الناس و اما باعتبار عرفهم (عليهم السلام) فان ورد هذا اللفظ في التحريم و لفظ «ينبغي» في الوجوب مما لا يحصى كثرة في الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار، فهو و ان كان في عرفهم (عليهم السلام) متشابها محتملا للأمرين إلا انه- بانضمام ما ذكرناه من الأخبار سيما ما دل على النهى و ما دل على انه في صلاة حتى ينزل الامام و نحو ذلك- يتحتم حمله على التحريم.
و الظاهر تحريم الكلام أو كراهته على القولين المذكورين في ما بين الخطبتين لما تقدم في صحيح محمد بن مسلم و غيره (2) من النهى حتى يفرغ من خطبته حتى إذا فرغ تكلم ما بينه و بين ان تقام الصلاة، و المراد من الفراغ من خطبته الفراغ من كلتا الخطبتين.
و الظاهر ان غاية النهي عن الكلام التحريم على تقدير القول به لا بطلان الصلاة أو الخطبة فإنه لم يصرح أحد من القائلين بالتحريم بالبطلان في هذا الموضع في ما اعلم، و بذلك ايضا صرح بعض متأخري المتأخرين.
و الظاهر انه يجب الإصغاء و يحرم الكلام على من يمكن في حقه السماع فالبعيد الذي لا يسمع و الأصم لا يجب عليهما و لا يحرم لعدم الفائدة، و قد تقدم في عبارة النهاية احتمال الوجوب و هو الأحوط.
قيل: و لا يحرم غير الكلام من ما يحرم في الصلاة خلافا للمرتضى. أقول: ظاهر خبر الفقه الرضوي المتقدم نقله المانع من الالتفات موافقة المرتضى (رضي اللّٰه
____________
(1) ص 97.
(2) ص 97.
101
عنه) في ما ذهب اليه هنا و مثله اخبار كتاب دعائم الإسلام.
و لا فرق في تحريم الكلام بين الامام و المأموم لظاهر الخبرين المتقدمين أعني صحيحة عبد اللّٰه بن سنان (1) و مرسلة الفقيه (2) و ربما فرق بينهما و خص التحريم بغير الامام لتكلم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حال الخطبة (3).
أقول: حديث تكلم النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حال الخطبة انما هو من طريق العامة كما ذكره أصحابنا في مطولاتهم فلا يقوم حجة و لكنهم (رضوان اللّٰه عليهم) يستسلقون أمثال هذه الأحاديث و يستدلون بها في مقام المجازفة و هو غير جيد.
[الموضع] (الثاني) في وجوب الطهارة و عدمه
، اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في وجوب طهارة الخطيب من الحدث حال الخطبة فذهب الشيخ في المبسوط و الخلاف الى الوجوب و منعه ابن إدريس و الفاضلان.
و بالأول صرح شيخنا الشهيد الثاني في الروض، و كذلك ظاهره القول بتحريم الكلام على الخطيب و المأمومين. و احتج على الثاني بأن فائدة الخطبة لا تتم إلا بالإصغاء. و على الأول
بصحيحة عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (4) «انما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين فهي صلاة حتى ينزل الامام».
قال فجعل (عليه السلام) الخطبتين صلاة و كل صلاة تجب فيها الطهارة و يحرم الكلام. و لا يرد ان ذلك في الصلاة الشرعية و ليست مراده هنا بل اما المعنى اللغوي أو التشبيه بحذف أداته فلا تتم كلية الكبرى. ثم أجاب بأن اللفظ يجب حمله على المعنى الشرعي و مع تعذره يحمل على أقرب المجازات إلى الحقيقة المتعذرة و هو يستلزم المطلوب فتجب مساواتهما للصلاة في كل ما لا يدل على خلافه دليل يجب المصير اليه. و للتأسي في الطهارة
____________
(1) الوسائل الباب 6 و 8 من صلاة الجمعة.
(2) ص 97.
(3)
في عمدة القارئ ج 3 ص 312 ذكر حديث جابر ان سليك الغطفاني دخل يوم الجمعة المسجد و رسول اللّٰه «ص» على المنبر يخطب فقعد سليك قبل ان يصلى «تحية المسجد» فقال له النبي «ص» أ صليت ركعتين؟ قال لا. فقال قم فاركعهما ....
(4) الوسائل الباب 6 و 8 من صلاة الجمعة.
102
بالنبي و الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) و هذا هو الأجود. انتهى.
و بما قرره من التقريب في الاستدلال بالرواية يندفع ما أجاب به سبطه السيد السند عن الرواية المذكورة من ان وجوب التماثل بين الشيئين لا يستلزم ان يكون من جميع الوجوه، فان هذا الجواب لا يندفع به ما قرره جده. نعم يمكن الجواب عنه بما ذكره الشهيد في شرح الإرشاد من ان المراد بالصلاة هنا الدعاء لاشتمالها على الدعاء و هو اولى من حمله على المجاز الشرعي لأن الحقيقة اللغوية خير من المجاز الشرعي. انتهى.
و اما ما أجاب به في الذخيرة عن الخبر المذكور- من ان المتبادر منه بقرائن المقام ان الخطبة كالصلاة في وجوب الإتيان بها أو الثواب أو غير ذلك- فإنه و ان تم له في صحيحة ابن سنان إلا انه لا يتم في رواية الفقيه المتقدم نقلها و كذا في رواية كتاب دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) المانعة من الالتفات إلا كما يحل في الصلاة معللا ذلك بان الخطبتين عوض عن الركعتين فهي صلاة ما دام الامام يخطب حسبما ذيلنا به الرواية المذكورة، و به يظهر قوة القول المشهور. و كيف كان فاقتضاء الاحتياط له يوجب الوقوف عليه.
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و قد علم من الدليل ان الطهارة من الحدث و الخبث شرط و بذلك صرح الشهيد في البيان، و في الذكرى و الدروس خصها بالحدثية لا غير، و لعل الأقوال حينئذ ثلاثة. و مقتضى الدليل ايضا وجوبها على الامام و المأموم لكن لم نقف على قائل بوجوبها على المأموم كما ذكروه في الكلام فلذلك قيدناه بالخطيب. انتهى.
أقول: لا يخفى ان خبر الفقيه المتقدم مشعر بالوجوب على المأموم لما دل عليه من المنع عن الالتفات إلا على نحو الصلاة، فإن منعه من الالتفات من حيث كونه في الصلاة ما دام الامام يخطب ظاهر في انه يجب ان يكون على طهارة بطريق اولى. و نحوه الخبر الأخير من اخبار دعائم الإسلام.
103
[الموضع] (الثالث) في وجوب الإسماع و عدمه
، قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض و هل يجب إسماع من يمكن سماعه من غير مشقة و ان زاد على العدد؟ نظر من وجوب الإصغاء عليه كما سيأتي و هو لا يتم إلا بإسماعه، و من كون الوجوب بالنسبة إلى الزائد عن العدد مشروطا بإمكان السماع كما سيأتي فلا منافاة. و ربما قيل بعدم وجوب الأسماع مطلقا لأصالة البراءة و ان وجب الاستماع لتغاير محل الوجوبين فلا يستلزم وجوب الإصغاء على المأموم وجوب الأسماع على الخطيب، و لان وجوبه مشروط بإمكان السماع كما مر. و وجوب الإصغاء غير مختص بالعدد لعدم الأولوية نعم سماع العدد شرط في الصحة و لا منافاة بينهما فيأثم من زاد و ان صحت الخطبة كما ان الكلام لا يبطلها ايضا و ان حصل الإثم. انتهى.
و قال في المدارك بعد ذكر المصنف (قدس سره) التردد في المسألة: منشأه أصالة عدم الوجوب و ان الغرض من الخطبة لا يحصل بدون الأسماع، و الوجوب أظهر للتأسي و عدم تحقق الخروج عن العهدة بدونه، و يؤيده
ما روى (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا خطب يرفع صوته كأنه منذر جيش».
انتهى. و فيه ما لا يخفى فإن غاية ما تدل عليه أدلته هو الاستحباب لا الوجوب و الاحتياط لا يخفى.
(المورد الرابع) [وقت الخطبة]
اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في وقت الخطبة فذهب جملة: منهم- المرتضى و ابن ابى عقيل و أبو الصلاح الى ان وقتها بعد الزوال فلا يجوز تقديمها عليه و اختاره العلامة و نسبه في الذكرى الى معظم الأصحاب و اليه مال في المدارك، و قال الشيخ في الخلاف يجوز ان يخطب عند وقوف الشمس فإذا زالت صلى الفرض. و قال في النهاية و المبسوط: ينبغي للإمام إذا قرب من الزوال ان يصعد المنبر و يأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت
____________
(1)
في سنن البيهقي ج 3 ص 206 عن جابر بن عبد اللّٰه قال: كان رسول اللّٰه «ص» إذا خطب احمرت عيناه و علا صوته و اشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش ....
104
الشمس فإذا زالت نزل فصلى بالناس. و اختاره ابن البراج. و ذهب ابن حمزة إلى وجوب صعود الامام المنبر بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشمس و ان يخطب قبل الزوال، و اختاره المحقق و اليه ذهب في الذخيرة قال: و مال اليه الشهيدان استدل القائلون بالأول بوجوه: منها- قوله تعالى «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ» (1) فأوجب السعي بعد النداء الذي هو عبارة عن الأذان إجماعا فلا يجب السعى قبله.
و منها-
صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (2) قال: «سألته عن الجمعة فقال أذان و اقامة يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب و لا يصلى الناس ما دام الامام على المنبر. الحديث».
قالوا: و يؤيده ان الخطبتين بدل الركعتين فكما لا يجوز إيقاع المبدل قبل الزوال فكذا البدل تحقيقا للبدلية، و انه يستحب صلاة ركعتين عند الزوال و انما يكون ذلك إذا وقعت الخطبة بعد الزوال لأن الجمعة عقيب الخطبة فلو وقعت الخطبة قبل الزوال تبعتها صلاة الجمعة فينتفى استحباب صلاة ركعتين و الحال هذه.
أقول: و يدل عليه ايضا
ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد اللّٰه بن ميمون عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا خرج الى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون».
و أجاب الفاضل الخراساني في الذخيرة عن هذه الأدلة، قال: و الجواب عن الأول انه موقوف على عدم جواز الأذان يوم الجمعة قبل الزوال و هو ممنوع (لا يقال) قد مر سابقا ان عدم جواز إيقاع الأذان قبل دخول وقت الصلاة اتفاقي بين علماء الإسلام (لأنا نقول) الخطبتان بمنزلة بعض الصلاة فإذا دخل وقت
____________
(1) سورة الجمعة الآية 9.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.
105
الخطبتين فكأنه دخل وقت الصلاة، و بالجملة القدر المسلم حصول الاتفاق على عدم جواز الأذان قبل وقت الخطبتين لا وقت الصلاة، على ان هذا لازم على المانعين أيضا إذ على قولهم وقت الصلاة بعد الزوال بمقدار الخطبتين فإذا جاز الأذان في أول الزوال يلزم جوازه قبل دخول وقت الصلاة. و بما ذكرنا يعلم الجواب عن الثاني، على ان الخبر غير دال على وجوب ما اشتمل عليه بقرينة ذكر ما لا خلاف في استحبابه و اما الأخيران فضعفهما ظاهر لا يحتاج إلى الإطالة. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من التمحل البعيد و التكليف الغير السديد (أما أولا) فإن ما ادعاه من أن الخطبتين بمنزلة بعض الصلاة فمسلم إلا ان ما ادعاه من أن لهما وقتا على حدة خارجا عن الأوقات المحدودة شرعا ممنوع أتم المنع، لأن الأوقات و لا سيما وقت الظهر محدودة آية و رواية لقوله تعالى «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ» (1) المفسر في صحيحة زرارة (2) بزوالها الشامل ليوم الجمعة و غيره صليت فيه الجمعة أم لا، و لو كان هنا وقت آخر للخطبة زائد على الأوقات المحدودة لوقعت الإشارة إليه في روايات الأوقات على كثرتها و تعددها سيما مع تكرر صلاة الجمعة في جميع الأعصار و الأمصار كالصلوات اليومية، و الاستناد في هذا الوقت الى هذا الخبر معارض بالأخبار (3) و اتفاق الأصحاب على انه لا يجوز الأذان إلا بعد دخول الوقت كما اعترف به، و المراد بالوقت فيها هو الوقت المحدود آية و رواية و هو زوال الشمس بالنسبة إلى الظهر مثلا، فإنه هو المتبادر الذي ينساق إليه الإطلاق دون هذا الفرد النادر لو سلمنا وجود دليل عليه. و كون الخطبتين صلاة لا يقتضي أن يجعل لها وقت آخر بل المراد انها يدخل وقتها بالزوال كما يدخل وقت الأربع الركعات لأن الخطبتين فيهما بمنزلة الأخيرتين من الأربع كما أشارت
____________
(1) سورة بني إسرائيل الآية 80.
(2) الوسائل الباب 2 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(3) الوسائل الباب 8 من الأذان و الإقامة.
106
إليه الأخبار المستفيضة بأن وقت صلاة الجمعة زوال الشمس (1) فان لفظ الصلاة هنا مراد به ما يعم الخطبتين، لما عرفت مما قدمنا من الأخبار من أنهما صلاة ما دام الامام يخطب قد منع فيهما ما منع في الصلاة من الأمور المتقدم ذكرها في الأخبار (2) و كلام الأصحاب. و ما توهمه (قدس سره)- كما يشير اليه قوله «على ان هذا لازم على المانعين ايضا. الى آخره» من حمل لفظ الصلاة على مجرد الركعتين في هذه الأخبار- غلط محض، فإن صلاة الجمعة حيثما أطلقت في مثل هذه الأخبار و كلام الأصحاب إنما يتبادر منها ما يعم الخطبتين إلا مع القرينة الصارفة عن ذلك كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
و (اما ثانيا) فلما نقله ابن إدريس في كتاب السرائر (3) عن البزنطي في كتاب النوادر قال بعد ذكر حديث يتضمن الركعتين اللتين قبل الزوال (4): قال صاحب الكتاب و هو
احمد بن محمد بن ابى نصر صاحب الرضا (عليه السلام): و من أراد أن يصلى الجماعة فليأت بما وصفناه مما ينبغي للإمام ان يفعل فإذا زالت الشمس قام المؤذن فأذن و خطب الامام و ليكن من قوله في الخطبة.
و أورد دعاء تركت ذكره. هذا كلام ابن إدريس في كتابه. و أنت خبير بما فيه من الدلالة الظاهرة على صحة ما قلناه مما هو المعمول عليه عند كافة الأصحاب من ان الأذان في صلاة الجمعة و غيرها انما هو بعد الزوال و كلام هذا الثقة الجليل لا يقصر عن خبر لما علم من عدم اعتماد أمثاله من ثقات الأصحاب و أجلائهم في الفتوى إلا على قول المعصومين (عليهم السلام).
و بالجملة فإن كلام هذا الفاضل عندي بمحل سحيق عن التحقيق و ان تبعه فيه شيخنا المجلسي في البحار كما هي عادته غالبا.
و استدل القائلون بالقول الثاني
بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(2) ص 96 الى 102.
(3) ص 465.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة رقم 15.
107
سنان عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك و يخطب في الظل الأول فيقول جبرئيل (عليه السلام) يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) قد زالت الشمس فانزل فصل».
وجه الاستدلال ان المستفاد من الظل الأول ما كان قبل حدوث الفيء بقرينة قول جبرئيل «يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) قد زالت الشمس فانزل» و تحديد الزوال في أول الخبر بقدر الشراك بناء على انه مقدار قليل لا يكاد يحصل اليقين بالزوال قبل ذلك. كذا ذكره في الذخيرة.
و فيه انه كما يحتمل أن يكون الأمر في الخبر المذكور ما ذكره كذلك يحتمل أن يكون المعنى فيه ما صرح به السيد السند في المدارك حيث قال- بعد نقل تأويل العلامة في المختلف للخبر المذكور و رده بالبعد و المخالفة لمقتضى الظاهر- ما لفظه:
نعم يمكن القدح فيها بأن الأولية أمر إضافي يختلف باختلاف المضاف اليه فيمكن أن يراد به أول الظل و هو الفيء الحاصل بعد الزوال بغير فصل كما يدل عليه
قوله (عليه السلام) «ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك».
فإن إتيانه بالصلاة بعد زوال الشمس عن دائرة نصف النهار قدر شراك يستدعي وقوع الخطبة أو شيء منها بعد الزوال فيكون معنى قول جبرئيل «يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) قد زالت الشمس فانزل و صل» انها قد زالت قدر الشراك فانزل و صل. و كيف كان فهذه الرواية مجملة المتن فلا تصلح معارضا لظاهر القرآن و الأخبار المعتبرة. انتهى.
و هو جيد وجيه.
و بالجملة فإن الرواية المذكورة بالنظر الى ظاهر قوله (عليه السلام) «يخطب في الظل الأول» و قول جبرئيل (عليه السلام) «يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) قد زالت الشمس فانزل» ظاهرة الدلالة في ما ذهبوا اليه و مقتضاه ان الصلاة حينئذ تكون في أول الزوال كما يدعونه أيضا، إلا ان قوله (عليه السلام) في صدر الخبر «كان يصلى الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك»
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
108
ظاهر المنافرة للمعنى المتقدم و لهذا ارتكبوا التأويل في صدر الخبر و بالنظر الى صدر الخبر الظاهر في تأخير الصلاة عن أول الزوال بحيث تقع الخطبة أو بعض منها بعد الزوال يعضد القول الأول و من ثم ارتكبوا التأويل في بقية الخبر.
و كيف كان فهذه الرواية باعتبار ما هي عليه من هذا الإجمال و قبول الاحتمال لا تقوم بمعارضة ما قدمناه من الأدلة للقول الأول آية و رواية.
و ما أجيب به عنها من جواز تقديم الأذان في صلاة الجمعة على الزوال يحتاج الى دليل قاطع لمخالفته لاتفاق الأصحاب و الأخبار على انه لا يجوز الأذان قبل الوقت المحدود شرعا إلا في صلاة الصبح خاصة كما تقدم في بحث الأوقات (1) و لو كان الأذان في صلاة الجمعة كذلك كما يدعيه هذا القائل لكان اولى بالذكر من أذان صلاة الصبح الذي تكاثرت به الأخبار مع انه لم ترد به اشارة فضلا عن التصريح و بما ذكرنا يظهر لك قوة القول الأول مع تأيده بموافقة الاحتياط كما اعترف به أصحاب القول الثاني و جعلوه وجه الجمع بين الأخبار فحملوا ما دل على التأخير إلى الزوال على الأولوية. و فيه منع ظاهر فإنها صريحة في الوجوب آية و رواية.
و في حملهم الأخبار المذكورة على الأولوية اعتراف منهم بأن الأذان فيها بعد الزوال ردا على ما تكلفه هذا الفاضل.
و لا يبعد عندي حمل هذه الرواية على التقية (2) و مذهب العامة في المسألة
____________
(1) ج 7 ص 394.
(2) في البحر الرائق ج 2 ص 156 «الصحيح في المذهب ان الأذان الذي يجب ترك البيع به بعد الزوال إذ الأذان قبله ليس بأذان» و في عمدة القارئ ج 3 ص 279 «أجمع العلماء على ان وقت الجمعة بعد زوال الشمس الا ما روى عن مجاهد يجوز فعلها وقت صلاة العيد لأنها عيد. و قال أحمد تجوز قبل الزوال و قال الجرمي يجوز فعلها في الساعة السادسة» و في البداية ج 1 ص 144 «الجمهور على ان وقت الجمعة وقت الظهر اعنى وقت الزوال و انها لا تجوز قبل الزوال، و قال احمد تجوز قبل الزوال. و اما الأذان فجمهور الفقهاء اتفقوا على ان وقته إذا جلس الامام على المنبر».
109
و ان لم يكن معلوما إلا ان شيخنا الشهيد في الذكرى نقل بعد نقل قول الشيخ و المحقق بالجواز قبل الزوال و الاستدلال عليه
بما رواه العامة عن أنس (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصلى إذا زالت الشمس».
قال: و ظاهره ان الخطبة وقعت قبل ميلها. ثم أردفها بصحيحة عبد اللّٰه بن سنان المتقدمة (2).
و نقل العلامة في المنتهى من أخبارهم أيضا عن سلمة بن الأكوع (3) قال: «كنا نجمع مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء».
و المراد نصلي معه جماعة كما هو ظاهر اللفظ، و الصلاة معه إذا زالت الشمس مستلزمة لتقدم الخطبتين على الزوال.
و العلامة في المنتهى حيث اختار فيه القول المشهور حمل الرواية على ما يوافق ما اختاره اعتضادا بها فقال: و الجمعة انما هي الخطبتان و الركعتان. و الظاهر من اللفظ انما هو ما قلنا سيما مع اعتضاده بالرواية الأخرى. و اللّٰه العالم
(المورد الخامس) في أمور أخر يجب التنبيه عليها:
[حضور العدد في الخطبة]
منها- انهم صرحوا بان حضور العدد شرط في صحة الخطبة كما هو شرط في صحة الصلاة، قال في الخلاف: و من شرطها العدد كما هو شرط في الصلاة فلو خطب من دونه ثم أحرم مع العدد لم يصح و به قال الشافعي و لم يشترطه أبو حنيفة (4). و قال في الذكرى:
و لم أقف على مخالف فيه منا و عليه عمل الناس في سائر الأعصار و الأمصار، و خلاف أبي حنيفة (5) هنا مسبوق بالإجماع و ملحوق به أعني الإجماع الفعلي بين المسلمين.
[وقت أذان الجمعة]
و منها- ان المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) ان أذان المؤذن يكون عند صعود الامام المنبر و جلوسه
لرواية عبد اللّٰه بن ميمون المتقدمة في سابق هذا المورد (6) و قوله (عليه السلام) فيها «كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا خرج الى الجمعة قعد
____________
(1) في صحيح البخاري باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس عن انس «كان النبي «ص» يصلى الجمعة حين تميل الشمس».
(2) ص 106 و 107.
(3) صحيح مسلم ج 3 ص 9 باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس.
(4) المغني ج 2 ص 332 و المهذب ج 1 ص 111.
(5) المغني ج 2 ص 332 و المهذب ج 1 ص 111.
(6) ص 104.
110
على المنبر حتى يفرغ المؤذنون».
و قال أبو الصلاح: إذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالأذان فإذا فرغوا منه صعد المنبر و خطب. و عليه تدل مضمرة
محمد بن مسلم المتقدمة ثمة (1) و قوله فيها «يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر.».
و يؤيد الرواية الأولى
ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال في حديث: «و إذا صعد الامام جلس و اذن المؤذنون بين يديه فإذا فرغوا من الأذان قام فخطب. الحديث».
و لم يحضرني الآن وجه جمع بين الأخبار إلا القول بالتخيير بين الأمرين أو حمل مضمرة محمد بن مسلم على الرخصة و ان كان السنة أن يكون الأذان بعد جلوس الامام على المنبر، و يؤيده شهرة الحكم بذلك بين الخاصة و العامة (3).
و منها-
أنه يستحب للخطيب السلام بعد ركوبه المنبر
عند أكثر الأصحاب
لما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع رفعه عن على (عليه السلام) (4) انه قال: «من السنة إذا صعد الامام المنبر أن يسلم إذا استقبل الناس».
قال في الذكرى: و عليه عمل الناس.
و نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال لا يستحب التسليم. قال في الذكرى:
و كأنه لم يثبت عنده سند الحديث. و قال في الذخيرة: و كأنه نظر الى ضعف سند الرواية.
أقول: بل الظاهر انه لم تخطر الرواية المذكورة بخاطره يومئذ و إلا فإنه يتمسك في جملة من الأحكام بالروايات العامية فضلا عن مثل هذه الرواية، و ضعف السند بهذا الاصطلاح المحدث غير معمول عليه بين المتقدمين من الشيخ و غيره بل الأظهر هو ما ذكرناه.
____________
(1) ص 104.
(2) مستدرك الوسائل الباب 6 و 14 من صلاة الجمعة.
(3) المغني ج 2 ص 296 و 297 و البداية ج 1 ص 144.
(4) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.
111
و منها-
استحباب استقبال الناس بوجهه حال الخطبة و استقبال الناس له
لما رواه في الكافي عن السكوني عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) كل واعظ قبله. يعنى إذا خطب الامام الناس يوم الجمعة ينبغي للناس ان يستقبلوه».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كل واعظ قبلة و كل موعوظ قبلة للواعظ. يعني في يوم الجمعة و العيدين و صلاة الاستسقاء في الخطبة يستقبلهم الامام و يستقبلونه حتى يفرغ الامام من خطبته».
و منها-
الاعتماد حال الخطبة على سيف أو قوس أو عصا
لما
في صحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) و فيها «و ليلبس الامام البرد و العمامة و يتوكأ على قوس أو عصا. الحديث».
و منها-
التعمم شتاء كان أو قيظا و الارتداء ببرد يمني أو عدني أو غيرهما
لما تقدم في صحيحة عمر بن يزيد،
و لما رواه سماعة عن الصادق (عليه السلام) (4) في الموثق قال:
«قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ينبغي للإمام الذي يخطب الناس يوم الجمعة ان يلبس عمامة في الشتاء و الصيف و يتردى ببرد يمني أو عدني. الحديث».
و منها-
ان يقوم على مرتفع من منبر و نحوه
لما تقدم في جملة من الأخبار (5)
و منها-
كونه بليغا
بمعنى جمعه بين الفصاحة التي هي خلوص الكلام من التعقيد و ضعف التأليف و من كونها غريبة وحشية و بين القدرة على تأليف الكلام المطابق لمقتضى الحال مع الاحتراز عن الإيجاز المخل و التطويل الممل ليكون كلامه أوقع في القلوب و به يحصل الأثر المراد من الخطبة و المطلوب.
و منها-
مواظبته على الطاعات و الانزجار عن المحرمات بل المكروهات
____________
(1) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 24 من صلاة الجمعة.
(5) ص 97 و 99 و 104 و 110.
112
و لا سيما المواظبة على الصلوات في أوقاتها و الجماعات و الجمعات و اتصافه بما يأمر به و ينهى عنه ليكون وعظه أبلغ تأثيرا في القلوب، و قد قيل ان ما خرج من اللسان لا يتجاوز الآذان و ما خرج من القلب فموقعه القلب.
(المقصد الرابع)- في الجماعة
، و اشتراطها بالجماعة إجماعي نصا و فتوى، اما الثاني فلما نقله جملة من الأصحاب و اما الأول فللأخبار المستفيضة: منها-
قول أبى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (1) في عد الروايات الدالة على الوجوب العيني «منها صلاة واحدة فرضها اللّٰه في جماعة و هي الجمعة».
و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عمر بن يزيد (2) «إذا كانوا سبعة فليصلوا في جماعة».
الى غير ذلك من الروايات المتقدمة ثمة و نحوها، فلا يصح الانفراد بها و ان حصل العدد بل لا بد من الارتباط الحاصل من صلاة الامام و المأمومين.
و تتحقق الجماعة بنية اقتداء المأمومين بالإمام فلو أخلوا بها أو بعضهم لم تنعقد الجمعة متى كان أحد العدد المعتبر لانه يعتبر في الانعقاد نية العدد المعتبر و لم تصح صلاة المخل و ان كان زائدا على العدد.
قالوا: و هل يجب على الامام هنا نية الإمامة؟ نظر من حصول الإمامة إذا اقتدى به، و من وجوب نية كل واجب. انتهى. و هو ضعيف لما عرفت مما حققناه في معنى النية في غير مقام، و كلامهم هنا- كما في غير هذا الموضع ايضا- مبنى على النية بالمعنى المشهور بينهم و هو الحديث النفسي و التصوير الفكري و ليس هو النية حقيقة كما عرفت.
و يجب التنبيه هنا على أمور
[الأمر] الأول [لو بان أن الإمام محدث]
- قال شيخنا الشهيد في الذكرى: لو بان للعدد ان الامام محدث فان كان العدد لا يتم بدونه فالأقرب انه لا جمعة لهم لانتفاء الشرط، و ان كان العدد حاصلا من غيره صحت صلاتهم عندنا لما يأتي ان شاء اللّٰه تعالى في باب الجماعة. و ربما افترق الحكم هنا و هناك لأن الجماعة شرط في
____________
(1) ج 9 ص 408.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجمعة.
113
الجمعة و لم يحصل في نفس الأمر بخلاف باقي الصلوات، فإن القدوة إذا فاتت فيها يكون قد صلى منفردا و صلاة المنفرد هناك صحيحة بخلاف الجمعة.
و قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: أقول انه لا يخفى ضعف هذا الفرق لمنع صحة الصلاة هناك على تقدير الانفراد لعدم إتيان المأموم بالقراءة التي هي من وظائف المنفرد، و بالجملة فالصلاتان مشتركتان في الصحة ظاهرا و عدم استجماعهما الشرائط المعتبرة في نفس الأمر، فما ذهب إليه أولا من الصحة غير بعيد، بل لو قيل بالصحة مطلقا و ان لم يكن العدد حاصلا من غيره لأمكن لصدق الامتثال و إطلاق
قول ابى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «و قد سأله عن قوم صلى بهم امامهم و هو غير طاهر أ تجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ قال لا اعادة عليهم تمت صلاتهم و عليه هو الإعادة و ليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع».
انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد، و يعضده ان الأحكام الشرعية من وجوب و تحريم و صحة و بطلان و نحوها إنما نيطت بنظر المكلف و علمه لا بالواقع و نفس الأمر كما تقدم تحقيقه في غير مقام، لما علم عقلا و نقلا من ان الشارع لم يجعل نفس الأمر مناطا للأحكام الشرعية و إلا لزم التكليف بما لا يطاق فان ذلك لا يعلمه إلا هو سبحانه و المناط إنما هو علم المكلف في تحليل أو تحريم أو صحة أو بطلان و نحو ذلك، و به يتجه الحكم بالصحة في الصورة التي حكم ببطلان الجمعة فيها و هو ما إذا كان العدد لا يتم بدونه فإن الصلاة صحيحة بالنظر الى ظاهر الأمر و انتفاء الشرط بحسب الواقع غير ملتفت اليه لما عرفت و يخرج الخبر المذكور شاهدا على ذلك.
[الأمر] (الثاني)- لو عرض للإمام عارض
من موت أو إغماء أو حدث لم تبطل الصلاة و جاز للمأمومين أن يقدموا من يتم بهم الصلاة، أما الأول فلان الأصل صحة الصلاة و الحكم بالإبطال يتوقف على دليل شرعي و ليس فليس، و أما الثاني
____________
(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
114
فلثبوت ذلك في مطلق الجماعة كما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في باب صلاة الجماعة.
و هل الاستخلاف هنا وجوبا أو استحبابا؟ صرح العلامة في المنتهى بالأول و جزم ببطلان الصلاة بدونه محافظة على اعتبار الجماعة فيها استدامة كما تعتبر ابتداء.
و فيه ان الظاهر ان الجماعة انما تعتبر ابتداء لا استدامة كما صرح به غير واحد من الأصحاب، و قد تقدمت الإشارة الى ذلك في فروع المقصد الثاني في العدد.
و به يعلم الوجه في الثاني و ان كان الأحوط ما ذكره (قدس سره).
و لو لم يتفق في الجماعة من هو بشروط الإمامة أتموا فرادى جمعة لا ظهرا.
و هل يشترط مع الاستخلاف استئناف نية القدوة؟ الأظهر ذلك لانتفاء القدوة الأولى بما عرض للإمام مما أوجب خروجه مع وجوب نية تعيين الامام كما سيجيء ان شاء اللّٰه تعالى في باب الجماعة. و قيل لا يشترط لتنزيل الخليفة منزلة الأول. و فيه ما عرفت من وجوب نية التعيين.
[الأمر] (الثالث)- لو ركع مع الإمام في الأولى و زوحم عن السجود
فليس له السجود على ظهر غيره بل ان امكنه السجود بعد قيام الصفوف و سجد و التحق بالإمام في الركوع الثاني وجب و أجزأه، و ما حصل من الإخلال بالمتابعة في الركن مغتفر بالعذر كما سيأتي بيانه في محله ان شاء اللّٰه تعالى.
و ان لم يمكنه السجود حتى ركع الامام ثانيا فليس له الركوع معه لئلا يلزم زيادة ركن في الصلاة فتبطل فإذا سجد سجد معه و نوى بسجدتيه الركعة الاولى ثم أتم صلاته بعد تسليم الإمام فإن صلاته تصح إجماعا.
و لو لم ينو بسجدتيه الاولى بل نوى الثانية أو لم ينو شيئا فأقوال: أحدها- بطلان صلاته و عليه الشيخ في النهاية و أكثر المتأخرين و الظاهر انه المشهور، و الظاهر ان وجهه- كما ذكره في المدارك- عدم الاعتداد بهما لعدم نيتهما للأولى و استلزام إعادتهما زيادة الركن في الصلاة.
115
و قال في المبسوط انه ان لم ينو بهما الأولى لم يعتد بهما و يستأنف سجدتين للركعة الاولى ثم يستأنف بعد ذلك ركعة أخرى و قد تمت جمعة، قال و قد روى انه تبطل صلاته. و نحوه قال في الخلاف على ما نقل عنه، و هو مذهب السيد المرتضى في المصباح.
و قال ابن إدريس إنما تبطل إذا نوى أنهما للثانية لا بترك نية أنهما للأولى.
و رده العلامة بأن أفعال المأموم تابعه لإمامه فالإطلاق ينصرف الى ما نواه الامام و قد نوى الثانية فينصرف فعل المأموم اليه.
و قال المحقق في المعتبر بعد ذكر رواية حفص الآتية ان شاء اللّٰه تعالى و ردها بضعف السند و انه لا عبرة بها: فالأشبه ما ذكره في النهاية. و هو مؤذن باختيار مذهب الشيخ في النهاية من القول بالبطلان.
و في المعتبر علل البطلان الذي ذهب اليه الشيخ في النهاية متى لم ينو بالسجدتين الأولى بأنه قد زاد ركنا و هو السجدتان فتبطل صلاته كما لو زاد ركعة، قال: و يؤيد ذلك
ما رواه زرارة و بكير ابنا أعين عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا استيقن انه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها و استقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا».
ثم نقل نحوها رواية أبي بصير (2) و علل في المدارك وجه البطلان بما قدمنا نقله عنه، و الظاهر ان المرجع إلى أمر واحد فإنه متى كانتا غير معتد بهما لزم زيادة الركن.
و ظاهر الشهيد في الذكرى اختيار القول بالصحة كما ذهب اليه الشيخ في المبسوط فإنه بعد ان نقل عن المعتبر رد الرواية بضعف السند قال ما لفظه: قلت ليس ببعيد العمل بهذه الرواية لاشتهارها بين الأصحاب و عدم وجود ما ينافيها، و زيادة السجود مغتفرة في المأموم كما لو سجد قبل امامه، و هذا التخصيص يخرج الروايات الدالة على الابطال عن الدلالة. و اما ضعف الراوي فلا يضر مع الاشتهار، على
____________
(1) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.
(2) الوسائل الباب 19 من الخلل في الصلاة.
116
ان الشيخ في الفهرست قال ان كتاب حفص معتمد عليه. انتهى. و أشار بالروايات الدالة على الإبطال الى ما أورده المحقق (قدس سره) من الروايات الدالة على إبطال الصلاة بزيادة الركن فيها.
و قال في المدارك بعد أن رد الرواية بضعف السند و انه لا عبرة بها كما ذكره في المعتبر: و الأصح البطلان ان نوى بهما الثانية كما اختاره المصنف اما مع الذهول عن القصد فتنصرفان إلى الأولى. انتهى. و هو راجع الى ما قدمنا نقله عن ابن إدريس.
و ظاهر القائلين بالبطلان هو العموم بمعنى انه متى لم ينو بهما الأولى بطلت صلاته أعم من أن ينوي بهما الثانية أو لم ينو بهما شيئا، و لهذا اعترض العلامة على مذهب ابن إدريس بما قدمنا ذكره. و الظاهر ان ما ادعاه كل منهما من الانصراف إلى الأولى أو الثانية لا يخلو من نظر لما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى في المقام، و حينئذ فتكون الأقوال في المسألة ثلاثة: البطلان مطلقا و الصحة مطلقا و التفصيل الذي ذهب اليه ابن إدريس.
و الرواية المشار إليها في المقام
ما رواه الشيخ و ابن بابويه عن حفص بن غياث (1) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول في رجل أدرك الجمعة و قد ازدحم الناس و كبر مع الامام و ركع و لم يقدر على السجود و قام الامام و الناس في الركعة الثانية و قام هذا معهم فركع الامام و لم يقدر هذا على الركوع في الركعة الثانية من الزحام و قدر على السجود كيف يصنع؟ فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اما الركعة الأولى فهي إلى عند الركوع تامة فلما لم يسجد لها حتى دخل في الركعة الثانية لم يكن له ذلك فلما سجد في الثانية فإن كان نوى ان هذه السجدة هي للركعة الأولى فقد تمت له الأولى فإذا سلم الامام قام فصلى ركعة يسجد فيها ثم يتشهد و يسلم، و ان كان لم ينو ان تكون تلك السجدة للركعة الأولى لم تجزئ عنه الأولى و لا الثانية و عليه ان يسجد سجدتين
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة.
117
و ينوي أنهما للركعة الأولى و عليه بعد ذلك ركعة ثانية يسجد فيها».
قال حفص:
و سألت عنها ابن ابى ليلى فما طعن فيها و لا قارب.
و أنت خبير بأن الرواية المذكورة لا معارض لها في البين و اطراحها بمجرد ضعف السند بهذا الاصطلاح الغير المعتمد غير مرضى سيما مع ما ذكره شيخنا الشهيد من شهرة الرواية بين الأصحاب. إلا أن الرواية المذكورة غير صريحة الدلالة في ما يدعونه من الصحة مع زيادة سجدتين أخريين و ذلك فإنه مبنى على ان يكون قوله «و عليه أن يسجد سجدتين. إلخ» معطوفا على جواب الشرط بمعنى انه إذا لم ينو ان تكون تلك السجدة للركعة الأولى فإنها لا تجزئ عن الأولى و لا عن الثانية و الواجب عليه في الصورة المذكورة ان يسجد. الى آخره، و هذا المعنى غير متعين في الرواية بل من الممكن حمل قوله (عليه السلام) «و عليه ان يسجد. إلخ» على أن يكون كلاما مستأنفا مؤكدا لما تقدم، و يكون حاصل المعنى انه إذا لم ينو ان تكون تلك السجدة التي سجدها للركعة الأولى فإنها لا تجزئ عنه للأولى و لا للثانية بل الواجب عليه من أول الأمر انه متى حصلت له فرصة للسجود في الركعة الثانية ان ينوي بها الاولى و عليه بعد ذلك ركعة ثانية. و بذلك يظهر لك ان الأقوى في المسألة هو القول بالبطلان كما هو المشهور بين المتأخرين.
فروع
(الأول) [لو سجد و ذهل عن نية كونهما للأولى أو الثانية]
- قد تقدم النقل عن ابن إدريس و صاحب المدارك بأنه لو سجد و ذهل عن نية كونهما للأولى أو الثانية فإن ذلك ينصرف إلى الأولى و على هذا تصح صلاته في الصورة المذكورة، و الى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب روض الجنان و نقل أيضا عن المحقق الشيخ على.
و علله في الروض بحمل الإطلاق على ما في ذمته، قال: فإنه لا تجب لكل فعل من أفعال الصلاة نية و ان كان المصلى مسبوقا و انما يعتبر للمجموع النية أولها و قد تقدم النقل عن العلامة بأنه اختار البطلان معللا بانصراف الإطلاق إلى
118
الركعة الثانية لأن أفعال المأموم تابعه لأفعال امامه فالإطلاق ينصرف الى ما نواه الامام و قد نوى الثانية فينصرف فعل المأموم اليه.
و رد بان وجوب المتابعة لا يصير المنوي للإمام منويا للمأموم كما في كل مسبوق و لا يصرف فعله عما في ذمته و الأصل يقتضي الصحة.
أقول: لا يخفى ان التعليل الأول أيضا لا يخلو من خدش فان قوله- لا تجب لكل فعل من أفعال الصلاة نية- على إطلاقه ممنوع لان هذا انما يتم في مقام الإتيان بالفعل في محله على الترتيب الشرعي الذي وضعت عليه الصلاة، اما في ما نحن فيه من هذه الصورة التي صار السجود فيها في غير مقامه صالحا في حد ذاته لان يكون للركعة الأولى أو الثانية و ان بطلت الصلاة على تقدير جعله للثانية فإنه لا يتعين لأحدهما إلا مع النية، و انصراف الإطلاق الى ما في ذمته لو تم لورد عليهم إيجاب القيود في النية كما صرحوا به من وجوب نية الأداء و القضاء و الوجوب و الاستحباب و كونها ظهرا أو عصرا و نية الرفع في الطهارة و الاستباحة و نحو ذلك، فإنه بمقتضى هذا الكلام لو نوى «أصلي قربة الى اللّٰه أو أتوضأ قربة الى اللّٰه» صح ذلك و انصرف الإطلاق الى ما في ذمته و هم لا يقولون به كما لا يخفى على من وقف على كلامهم في بحث النية.
هذا، و المفهوم من الرواية المتقدمة- حيث دلت على انه إذا لم ينو بتلك السجدة الركعة الأولى الذي هو أعم من نية الثانية و عدم النية بالكلية فإنها لا تجزئ للأولى و لا للثانية- هو البطلان في الصورة المذكورة و لكن الجماعة المذكورين حيث اطرحوا الرواية لضعف سندها أعرضوا عن العمل بما دلت عليه مطلقا، و المتجه عندنا هو العمل بما دلت عليه لعدم تعويلنا على هذا الاصطلاح المحدث و عدم المعارض لها، و لو سلمت من الاحتمال الذي قدمنا ذكره لحكمنا بالصحة في أصل المسألة كما ذهب إليه في المبسوط و لكنها غير ظاهرة فيه لما عرفت.
(الثاني)- لو سجد و لحق الامام راكعا في الثانية
وجب عليه المتابعة و أدرك
119
الجمعة و أتم صلاته مع الامام بلا إشكال و لا خلاف، انما الخلاف في ما لو أدركه رافعا فقيل بوجوب الانفراد حذرا من مخالفة الإمام في الأفعال لتعذر المتابعة، و قيل بوجوب المتابعة و حذف الزائد كمن تقدم الامام سهوا في ركوع أو سجود، و قيل بالتخيير بين أن يجلس حتى يسجد الامام و يسلم ثم ينهض إلى الثانية و بين ان يقعد و يعدل الى الانفراد.
(الثالث)- لو لم يتمكن من السجود في ثانية الإمام أيضا
حتى قعد الامام للتشهد ففي فوات الجمعة و عدمه اشكال من عدم إدراك الركعة الثانية، و من إدراكها حكما. أقول: و يرجع الثاني الى ما تقدم من ان الجماعة و العدد شرط في صحة صلاة الجمعة ابتداء لا استدامة. هذا إذا اتى بالسجود قبل تسليم الامام اما لو لم يأت به إلا بعده فقد قال في المنتهى ان الوجه هنا فوات الجمعة قولا واحدا لان ما يفعله بعد التسليم لم يكن في حكم صلاة الامام. و تنظر فيه بعض الأفاضل قال: لمنع اشتراط الجماعة في صحة صلاة الجمعة إلا في الابتداء.
ثم ان قلنا بفوات الجمعة فهل يعدل بنيته الى الظهر أو يستأنف؟ احتمالان و قرب العلامة الثاني، و ربما يوجه بان كلا منهما صلاة منفردة عن الأخرى في الشرائط و الأحكام و الأصل عدم جواز العدول بالنية من فرض الى آخر
لقوله (عليه السلام) (1) «و إنما لكل امرئ ما نوى».
و ان النية انما تعتبر في أول العبادات
لقوله (عليه السلام) (2): «إنما الأعمال بالنيات».
و ربما يوجه الأول بأن الجمعة ظهر مقصورة فإذا جاز العدول من السابقة المغايرة فههنا اولى.
و أنت خبير بما في هذه التعليلات و التوجيهات من عدم الصلاحية لتأسيس الأحكام الشرعية، و المسألة لا تخلو من الاشكال لعدم الدليل في المقام.
(الرابع)- لو زوحم عن الركوع و السجود معا
صبر حتى يتمكن منهما ثم يلتحق بالإمام،
لما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.
(2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.
120
ابى الحسن (عليه السلام) (1) «في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الإمام ألجأه الناس الى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على ان يركع و لا يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أ يركع ثم يسجد ثم يقوم في الصف؟ قال لا بأس بذلك».
و كذا الحكم في ما لو زوحم عن ركوع الأولى فإنه يصبر حتى يلتحق بالإمام في ركوع الثانية فإنه يركع معه و تصير له الأولى ثم يأتي بالثانية بعد تسليم الامام.
اما لو لم يدركه إلا بعد الرفع من الأخيرة ففي إدراك الجمعة بذلك و عدمه قولان ثانيهما للمحقق في المعتبر و أولهما لجمع من الأصحاب: منهم- الشهيد في الذكرى و المحقق الشيخ على استنادا الى عموم الرواية المذكورة.
قال في الذكرى: و لو لحقه بعد رفعه من الثانية فالأقرب الإجزاء لأنه أدرك ركعة مع الامام حكما و ان لم يكن فعلا و الرواية تشمله، و وجه المنع انه لم يلحق ركوعا مع الامام. انتهى.
أقول: لا يخفى ضعف ما قربه، اما التعليل الأول فعليل كما لا يخفى، و اما الرواية فإن ظاهر «ثم يقوم في الصف» هو إدراك الركعة الثانية كملا و الركوع مع الامام فيها. نعم يمكن توجيه ما ذكره بما تقدم من ان الجماعة شرط في الابتداء لا في الاستدامة و حينئذ فيمكن الاستناد الى عموم ما دل على وجوب الجمعة و تعينها. و اللّٰه العالم.
(الأمر الرابع) [إدراك الجمعة بإدراك ركعة مع الإمام و كيفية تحققها]
- انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في انه تدرك الجمعة بإدراك ركعة مع الامام، نقل الاتفاق على ذلك جملة منهم.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن العرزمي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «إذا أدركت الإمام يوم الجمعة و قد سبقك بركعة فأضف إليها ركعة أخرى و اجهر فيها، و ان أدركته و هو يتشهد فصل أربعا».
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. و لفظ الرواية في الفقيه ج 1 ص 270 هكذا «أ يركع ثم يسجد و يلحق بالصف و قد قام القوم أم كيف يصنع؟ فقال يركع و يسجد ثم يقوم في الصف و لا بأس بذلك».
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة.
121
و عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة».
و ما رواه الكليني و الشيخ عن الحلبي في الصحيح أو الحسن (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن من لم يدرك الخطبة يوم الجمعة فقال يصلى ركعتين فان فاتته الصلاة فلم يدركها فليصل أربعا. و قال: إذا أدركت الإمام قبل ان يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الصلاة و ان أنت أدركته بعد ما ركع فهي الظهر اربع ركعات».
و ما رواه الصدوق عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) انه قال:
«إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الجمعة و ان أدركته بعد ما ركع فهي أربع بمنزلة الظهر».
و عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة و ان فاتته فليصل أربعا».
و لا ينافي ذلك
ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال: «لا تكون الجمعة إلا لمن أدرك الخطبتين».
فإنه محمول على الفضل و الاستحباب جمعا.
و بالجملة فالحكم المذكور اتفاقي و انما الخلاف في ما به تدرك الركعة، فالمشهور انه يتحقق بإدراك الإمام راكعا، و اليه ذهب الشيخ في الخلاف و المرتضى و كافة
____________
(1) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. و في نسخ الحدائق هكذا «عن من يدرك الجمعة» و الصحيح ما هنا. و أيضا في الفروع ج 1 ص 119 و التهذيب ج 1 ص 322 اللفظ هكذا «فهي الظهر أربع».
(3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة. و في الفقيه ج 1 ص 270 هكذا «فقد أدركت الصلاة».
(4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 16 من صلاة الجمعة. و في التهذيب ج 1 ص 323 هكذا «الجمعة لا تكون».
122
المتأخرين، و ذهب الشيخان في المقنعة و النهاية و كتابي الأخبار الى ان المعتبر إدراك تكبير الركوع.
و الأظهر الأول، و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا أدركت الامام و قد ركع فكبرت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة و ان رفع رأسه قبل أن تركع فقد فاتتك الركعة».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد (2)
و رواه الكليني في الصحيح أيضا عن سليمان بن خالد (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل إذا أدرك الامام و هو راكع فكبر و هو مقيم صلبه ثم ركع قبل ان يرفع الإمام رأسه فقد أدرك الركعة».
و ما رواه الصدوق في الفقيه عن أبي أسامة (4) «انه سأله (عليه السلام) عن رجل انتهى الى الامام و هو راكع؟ قال إذا كبر و اقام صلبه ثم ركع فقد أدرك».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبى عبد اللّٰه عن عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) قال «إذا دخلت المسجد و الامام راكع فظننت انك ان مشيت اليه رفع رأسه قبل ان تدركه فكبر و اركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف و ان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف».
و رواه الشيخ عن عبد الرحمن بسند صحيح أيضا (6).
____________
(1) الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة. و فيه هكذا «فكبرت و ركعت» و في الفقيه ج 1 ص 254 كما هنا.
(2) الوسائل الباب 45 من الجماعة. و اللفظ في التهذيب ج 1 ص 258 كما هنا و في روايته الأخرى ص 330 أسقط لفظ الركعة.
(3) الوسائل الباب 45 من الجماعة. و في الفروع ج 1 ص 106 بإسقاط لفظ الركعة أيضا.
(4) الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 46 من الجماعة. و ليس في الفقيه ج 1 ص 254 «قبل ان تدركه» بعد قوله «رفع رأسه» و انما هو في رواية التهذيب ج 1 ص 258.
(6) الوسائل الباب 46 من الجماعة.
123
و ما رواه الشيخ عن معاوية بن شريح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «إذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع».
و عن جابر الجعفي (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) انى أؤم قوما فاركع فيدخل الناس و انا راكع فكم انتظر؟ فقال ما أعجب ما تسأل عنه انتظر مثلي ركوعك فان انقطعوا و إلا فارفع رأسك».
و في الفقيه (3) «قال رجل لأبي جعفر (عليه السلام) انى إمام مسجد الحي فاركع بهم و اسمع خفقان نعالهم و انا راكع؟ فقال اصبر ركوعك و مثل ركوعك فان انقطعوا و إلا فانتصب قائما».
هذا ما حضرني من الروايات الدالة على المشهور.
و اما ما يدل على القول الثاني فهو
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال قال لي: «ان لم تدرك القوم قبل أن يكبر الإمام للركعة فلا تدخل معهم في تلك الركعة».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال قال: «لا تعتد بالركعة التي لم تشهد تكبيرها مع الامام».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: «إذا أدركت التكبيرة قبل أن يركع الامام فقد أدركت الصلاة».
و روى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (7) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا لم تدرك تكبيرة الركوع فلا تدخل في تلك الركعة».
و روى الشيخ في التهذيب عن يونس الشيباني عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (8) قال: «إذا
____________
(1) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الإحرام و 45 من الجماعة.
(2) الوسائل الباب 50 من الجماعة.
(3) ج 1 ص 255 و في الوسائل الباب 50 من الجماعة.
(4) الوسائل الباب 44 من الجماعة.
(5) الوسائل الباب 44 من الجماعة.
(6) الوسائل الباب 44 من الجماعة.
(7) الوسائل الباب 44 من الجماعة.
(8) الوسائل الباب 13 من الأذان و الإقامة.
124
دخلت من باب المسجد فكبرت و أنت مع امام عادل ثم مشيت إلى الصلاة أجزأك ذلك و إذا الإمام كبر للركوع كنت معه في الركعة لأنه إذا أدركته و هو راكع لم تدرك التكبير لم تكن معه في الركوع».
و جملة من الأصحاب جمعوا بين هذه الأخبار بحمل النهي في الصحيحة الاولى و عدم الاعتداد في الثانية على الكراهة و نفى الاعتداد في الفضيلة و يكون الغرض التحريض على كمال السعى في عدم التأخير. قالوا و انما حملنا هذه الأخبار على ذلك رعاية لقاعدة الجمع و إبقاء للأخبار الكثيرة على ظاهرها فان هذه الأخبار الأصل فيها محمد بن مسلم و هو واحد بخلاف الأخبار الأولة.
و أنت خبير بان مرجع هذا الجمع الى التخيير في الدخول بعد فوات التكبير و ان الأولى عدمه لانه مكروه باعتبار النهى المتقدم، و هذا انما يتم في غير الجمعة مما جاز للمكلف الإتيان به جماعة و فرادى دون الجمعة التي قام الدليل على وجوبها عينا كما هو المختار الذي عليه جل علمائنا الأبرار، إلا ان تحمل هذه الأخبار بكلا طرفيها من الأخبار الدالة على إدراك الركعة حال الركوع و الأخبار الدالة على العدم إلا مع إدراك تكبيرة الإحرام على غير الجمعة، و هو مشكل لأنه يلزم منه بقاء حكم الجمعة مبهما في الصورة المذكورة.
و رجح بعض فضلاء متأخري المتأخرين وجوب الدخول في الجمعة حال الركوع نظرا الى ان الأخبار السابقة الدالة على وجوب إدراك صلاة الجمعة المتحقق بالدخول معهم في الصلاة في الصورة المذكورة أخص مطلقا من الأخبار المذكورة و الخاص مقدم على العام.
و فيه- مع غموض ما ذكره- انه ان أراد دلالتها على وجوب الدخول حال الركوع فان ظاهر صحيحتي الحلبي المتقدمتين (1) في عداد تلك الروايات انما هو العكس فان الظاهر من قوله (عليه السلام) فيهما «فإن أدركته بعد ما ركع فهي الظهر» انه متى أدركه
____________
(1) ص 121.
125
حال الركوع فهي الظهر بمعنى عدم إدراك الركعة و فوات الجمعة بإدراكه حال الركوع و لهذا ان بعضهم احتمل اختصاص الجمعة بذلك نظرا الى هاتين الروايتين و ان كان الحكم في غيرها ما دلت عليه تلك الأخبار من إدراك الركعة بإدراك الإمام راكعا و ان احتمل حمل الروايتين المذكورتين على الإدراك بعد فوات الركوع. و يمكن ترجيح هذا المعنى بالنظر الى تلك الأخبار الكثيرة فتحمل هاتان الصحيحتان على ذلك جمعا بينها و بين تلك الأخبار. و يؤيده ان قوله (عليه السلام) «إذا أدركت الإمام قبل أن يركع الركعة الأخيرة فقد أدركت الجمعة» أعم من أن يكون الإدراك قبل تكبير الركوع أو بعده و متى شمل الإدراك بعده فإنه لا ينطبق على القول الثاني.
و بالجملة فالأحوط في صلاة الجمعة انه متى لم يدرك تكبير الركوع و يدخل معه قبل الركوع هو الإتمام جمعة ثم الإعادة ظهرا لما عرفت من ظاهر الصحيحتين المذكورتين هذا، و ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي- بعد نقل بعض الأخبار الدالة على إدراك الركعة بإدراك الركوع و اخبار محمد بن مسلم الدالة على العدم إلا مع ادراك التكبير- هو موافقة الشيخ في الجمع بين الأخبار بما ذكره في التهذيبين حيث قال:
و لا تنافي بين هذه الأخبار الأربعة و الخبرين الأولين لجواز سماع التكبير من بعيد قبل بلوغ الصف. كذا في التهذيبين، و تدل عليه الأخبار الواردة في ركوع المسبوق و سجوده قبل لحوقه الصف كما مر في باب التقدم الى الصف و التأخر عنه. انتهى.
و أشار بالأخبار الأربعة الى اخبار محمد بن مسلم.
و أنت خبير بان حاصل هذا الجمع هو حمل إدراك تكبيرة الركوع في روايات محمد بن مسلم على مجرد سماعه و ان دخل في الصلاة بعد ذلك حال الركوع لا توقف الدخول في الصلاة على كونه قبل تكبير الامام للركوع كما زعمه ذلك القائل، و حينئذ فتحمل الأخبار الأولة الدالة على إدراك الصلاة بإدراك الركوع على سماع تكبيرة الركوع قبل الدخول في الصلاة، و على هذا فلو لم يسمع تكبيرة الركوع امتنع دخوله في حال الركوع. و لا يخفى ما فيه من البعد.
126
و ما استند اليه من الأخبار التي أحالها على الباب المذكور لا اشعار فيها بشيء مما ادعاه، فان منها صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد اللّٰه المتقدمة (1) و مدلولها هو دخول المأموم و الامام راكع و خاف من المشي إليه رفع رأسه من الركوع فإنه يكبر في محله ثم يلحق بالصف، و ليس فيها كما ترى اشارة فضلا عن التصريح بسماع تكبيرة الركوع بل هي بالدلالة على العدم أنسب و الى ذلك أقرب حيث دلت على انه دخل و الامام راكع و ذلك بعد تكبير الركوع البتة، فظاهره انه لم يشهد تكبير الركوع كما لا يخفى.
و من اخبار الباب المذكور بالنسبة الى هذه المسألة
ما رواه في التهذيب و الفقيه عن إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أدخل المسجد و قد ركع الامام فاركع بركوعه و أنا وحدي و اسجد فإذا رفعت رأسي أي شيء أصنع؟
فقال قم فاذهب إليهم فإن كانوا قياما فقم معهم و ان كانوا جلوسا فاجلس معهم».
و التقريب فيها كما في سابقتها.
و منها-
ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «انه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف أن تفوته الركعة؟ فقال يركع قبل أن يبلغ القوم و يمشى و هو راكع حتى يبلغهم».
و هي كما ترى مجملة محتملة للأمرين.
و بالجملة فإن هذه الأخبار التي زعم الاستناد إليها في هذا الجمع قد دلت على ما دلت عليه روايات القول المشهور، و أنت خبير بان ظهور التدافع بين هذه الروايات و روايات محمد بن مسلم أمر ظاهر و التأويلات التي نقلناها عنهم قد عرفت ما فيها فلم يبق إلا الترجيح بينها و الظاهر كونه في جانب اخبار القول المشهور لكثرتها، و من جملة طرق الترجيح المروية في مقبولة عمر بن حنظلة (4) الترجيح بالشهرة يعنى
____________
(1) ص 122.
(2) الوسائل الباب 46 من الجماعة.
(3) الوسائل الباب 46 من الجماعة.
(4) الواردة في الوسائل في الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
127
في الرواية لقوله (عليه السلام) «خذ بما اشتهر بين أصحابك و دع الشاذ النادر» و هي في جانب تلك الأخبار لتعدد رواتها و انحصار أخبار القول المقابل في محمد بن مسلم و يونس الشيباني، و حينئذ فالواجب بمقتضى هذه القاعدة الشريفة هو العمل على تلك الأخبار و ارجاء هذه الأخبار الى قائلها. و اللّٰه العالم.
فرعان
(الأول) [المعتبر في إدراك ركوع الإمام]
- اعلم انه قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان المعتبر على تقدير القول المشهور في إدراك الركعة حال الركوع هو اجتماعهما في قوس الراكع بحيث يكبر و يركع و يجتمع في ذلك الحد، و عليه تدل صحيحة سليمان بن خالد و صحيحة الحلبي المتقدمتان (1).
و هل يقدح فيه شروع الإمام في الرفع مع عدم تجاوز ذلك الحد؟ وجهان للأول ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة
الحلبي المتقدمة (2) «إذا أدركت الامام و قد ركع فكبرت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة».
و نحوها صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة (3) أيضا حيث أنه علق الحكم على رفع الرأس، و للثاني حمل الرفع في الخبرين على كماله أو على ما يخرجه عن حده لان ما دونه في حد العدم. و ظاهر السيد السند في المدارك استظهار الأول.
و اشترط العلامة في التذكرة ذكر المأموم قبل رفع الامام، هكذا نقله عنه في المدارك ثم قال: و لم نقف على مأخذه. و الذي نقله عنه جده في الروض انما هو اشتراط ادراك ذكر الركوع ثم قال: و لا شاهد له. و كتاب التذكرة لا يحضرني الآن لاحقق منه الحال (4).
____________
(1) ص 122.
(2) ص 122.
(3) ص 122.
(4) قال في الفرع الرابع من فروع المسألة الثانية من مسائل البحث الرابع من مباحث صلاة الجمعة: لو كبر للإحرام و الامام راكع ثم رفع الامام قبل ركوعه أو بعده قبل الذكر فقد فاتته تلك الركعة.
128
ثم ان مما يدل على ما ذكره في التذكرة بناء على ما نقله في الروض
ما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عجل اللّٰه تعالى فرجه) (1) «انه كتب إليه يسأله عن الرجل يلحق الامام و هو راكع فيركع معه و يحتسب بتلك الركعة فإن بعض أصحابنا قال ان لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتد بتلك الركعة؟ فأجاب (عليه السلام) إذا لحق مع الامام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتد بتلك الركعة و ان لم يسمع تكبيرة الركوع».
و نحوها رواية أخرى لا يحضرني الآن محلها (2).
(الثاني) [لو شك بعد الركوع في أن الإمام كان راكعا]
- لو كبر و ركع ثم شك هل كان الامام راكعا أو رافعا لم تكن له جمعة و وجب عليه صلاة الظهر ان كان ذلك في الركعة الثانية و إلا فجمعة ان كان في الركعة الأولى، و الوجه فيه أن الشرط إدراك الإمام راكعا و لم يحصل لمكان الشك و لتعارض أصلي عدم الإدراك و عدم الرفع فيتساقطان و يبقى المكلف تحت عهدة التكليف و ليس إلا الظهر لفوات الجمعة. و اللّٰه العالم.
(المقصد الخامس)- في وحدة الجمعة و تنقيح صور وقوع الجمعتين
بمعنى أن لا تكون هناك جمعة اخرى دون ثلاثة أميال و هو إجماعي بين أصحابنا (رضوان اللّٰه عليهم) خلافا لمخالفيهم حيث لم يعتبروا ذلك (3) و به تظافرت اخبارهم (عليهم السلام):
____________
(1) الوسائل الباب 45 من الجماعة.
(2) لم نعثر عليها بعد الفحص في مظانها.
(3) في بدائع الصنائع ج 1 ص 160 اختلفوا في تعددها في المصر الواحد فعن محمد لا بأس بإقامتها في موضعين أو ثلاثة، و روى محمد عن أبي حنيفة انه يجوز الجمع في موضعين أو أكثر من ذلك، و في رواية عن ابي يوسف لا يجوز إلا إذا كان بين الموضعين نهر عظيم كدجلة ليكون بمنزلة المصرين و كان بأمر بقطع الجسر يوم الجمعة لينقطع الوصل و في رواية يجوز في موضعين إذا كان المصر عظيما و لا يجوز في ثلاثة و اما ان كان بينهما نهر صغير فلا يجوز فإن أدوها في موضعين فالجمعة لمن سبق منهما و على الآخرين ان يعيدوا الظهر و مع الشك لا تجوز صلاتهم. أقول: و في أيام المعز البويهي كانت تقام الجمعة في جامع
الخليفة و جامع السلطان و جامع براثا و جامع الحنابلة في بغداد.
129
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال يعني لا تكون جمعة إلا في ما بينه و بين ثلاثة أميال و ليس تكون جمعة إلا بخطبة، قال فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال فلا بأس ان يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الموثق عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء و لا يكون بين الجماعتين أقل من ثلاثة أميال».
و قد صرح بعض الأصحاب بأنه يعتبر الفرسخ من المسجد ان صليت فيه و إلا فمن نهاية المصلين. و يشكل الحكم في ما لو لم يبلغ النصاب بين بعض المأمومين و بين الجمعة الأخرى ممن كان زائدا على العدد المشترط في وجوب الجمعة، فهل يختص البطلان بهم لاستجماع صلاة من عداهم لشرائط الصحة و اختصاص فوات الشرط المذكور بهم أو تبطل صلاة الجميع لانتفاء الشرط المعتبر في صحة الجماعتين بناء على أن المجموع جماعة واحدة؟ وجهان، استقرب في المدارك الأول و في الذخيرة الثاني، و المسألة محل تردد و ان كان ما اختاره في المدارك لا يخلو من قوة.
و لو اتفق وقوع جمعتين في مسافة فرسخ فههنا صور
الاولى- ان تسبق إحداهما و لو بتكبيرة الإحرام
و لا ريب في صحة السابقة و بطلان اللاحقة لاستجماع الاولى لشرائط الصحة بسبقها و اختلال اللاحقة بفوات الشرط المذكور، قال في التذكرة ان ذلك- أي صحة السابقة و بطلان اللاحقة- مذهب علمائنا اجمع. و حينئذ فيجب على اللاحقة الإعادة ظهرا ان لم تدرك الجمعة مع الفرقة الأولى أو التباعد بما يصح به التعدد.
و اعتبر شيخنا الشهيد الثاني في صحة صلاة الاولى عدم العلم بصلاة الأخرى و إلا لم تصح صلاة كل منهما، قال: و يشترط ايضا عدم علم كل من الفريقين بصلاة
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجمعة.
130
الأخرى و إلا لم يصح كل منهما للنهى عن الانفراد بالصلاة عن الأخرى المقتضي للفساد و اعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك عنه: و لمانع أن يمنع تعلق النهي بالسابقة مع العلم بالسبق، اما مع احتمال السبق و عدمه فيتجه ما ذكره لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان. انتهى. و هو جيد.
و يعضده ان النهى إنما وقع عن التعدد في مسافة الفرسخ و هو لا يحصل بالنسبة إلى السابقة لأنها حال وقوعها لم تقارنها جمعة في ذلك الوقت ليصح إطلاق التعدد عليها و انما حصل ذلك بعد انعقادها على الصحة و إنما يتجه التعدد بالنسبة إلى اللاحقة، نعم يجب ان يعتبر في السابقة العلم بالسبق كما هو المفروض أو الظن مع تعذره بان يعلم أو يظن انتفاء جمعة أخرى مقارنة لها أو سابقة عليها إذ مع تساوى احتمال السبق و عدمه لا يحصل العلم بامتثال التكليف، و هذا هو الذي يتجه فيه كلام شيخنا المتقدم ذكره لعدم جزم كل منهما بالنية لكون صلاته في معرض البطلان و هل يفرق في الحكم ببطلان اللاحقة بين علمهم بسبق الأولى و عدمه؟
ظاهر عبارات الأصحاب العموم، و يشكل باستحالة توجه النهي إلى الغافل و الأحكام الشرعية لم تجعل منوطة بالواقع و نفس الأمر و انما نيطت صحة و بطلانا و تحليلا و تحريما و نحو ذلك بعلم المكلف، فإذا كان المكلف حال إقامة الجمعة لا يعلم سبق جمعة عليه و ان كان كذلك واقعا فكيف يحكم ببطلان جمعته؟ على ان شرطية الوحدة على هذا الوجه غير معلوم.
(الثانية)- ان تقترنا
و قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بالبطلان فيهما لامتناع الحكم بصحتهما من حيث الإخلال بالشرط المذكور و لا أولوية لإحداهما فيكون البطلان ثابتا لهما. و ثبوت الأولوية لإحداهما بناء على المشهور بين المتأخرين من اعتبار الاذن أو الفقيه يتحقق بكون أحدهما مأذونا له أو فقيها دون الآخر، و اما على ما اخترناه- كما عليه أكثر المتقدمين و جملة من متأخري المتأخرين من عدم اعتبار شيء من ذلك- فلا وجه لما ذكر من الأولوية. و بالجملة
131
فإنه لا ريب و لا خلاف في الحكم ببطلانهما في الصورة المذكورة و حينئذ فتجب عليهما الجمعة مجتمعين أو متفرقين بالمسافة المذكورة ان بقي وقتها و إلا أعادا ظهرا.
قالوا: و يتحقق الاقتران بتكبيرة الإحرام من الإمامين دون غيرها من الأفعال لأن بها يحصل الدخول في الصلاة و التحريم بها. و هو جيد.
و اما ما ذكره في الذخيرة- بعد ان نقل ذلك عن علمائنا و أكثر العامة (1) من ان الروايات التي هي الأصل في هذا الحكم غير ناهضة بإثبات هذا التحديد فاذن التعويل على الإجماع ان ثبت- ففيه ان الأمر و ان كان كما ذكره لكن من الظاهر ان انعقاد الجمعة انما يتحقق بتكبيرة الإحرام و الروايات قد دلت بمفهومها على النهى عن جمعتين في فرسخ فبضم تلك المقدمة التي قدمناها الى مفهوم الأخبار المذكورة ينتج ان النهى انما يتوجه إلى اللاحقة ان حصل السبق بها كما في الصورة الأولى و إليهما ان حصل الاتفاق فيها دفعة واحدة، فالاقتران و السبق انما يتحقق بها فان اتفقا فيها دفعة واحدة تحقق الاقتران و ان تقدم أحدهما بها حصل السبق.
نعم هنا أقوال أخر للعامة في اعتبار السبق و الاقتران فبعضهم ناط ذلك بالخطبتين لقيامهما مقام ركعتين و بعضهم ناط ذلك بالفراغ فان تساويا فيه بطلتا و ان تقدمت إحداهما بالسلام صحت و بطلت الأخيرة (2) و بالجملة فما ذكره الأصحاب في المقام جيد لا تعتريه شبهة الإبهام.
قال في الذخيرة: و إطلاق كلام الأصحاب و صريح بعضهم يقتضي عدم الفرق بين ما إذا علم كل فريق بالإحرام أم لا مع حصول العلم بالاقتران بعد الفراغ.
و يشكل بأن الإتيان بالمأمور به ثابت لكل من الفريقين لاستحالة تكليف الغافل و عدم ثبوت شرطية الوحدة على هذا الوجه. انتهى. و هو جيد و قد تقدم في آخر الصورة المتقدمة ما يؤكده.
و قال شيخنا في الروض بعد أن ذكر ان الاقتران يتحقق بتكبيرة الإحرام
____________
(1) الوجيز للغزالى ج 1 ص 27.
(2) الوجيز للغزالى ج 1 ص 27.
132
ما لفظه: و يتحقق ذلك بشهادة عدلين و يتصور ذلك بكونهما غير مخاطبين بالجمعة و هما في مكان يسمعان التكبيرتين. أقول: لا يخفى ندرة هذا الفرض بل ربما يدعى عدم إمكان وقوعه و به يشكل ابتناء حكم شرعي عليه.
(الثالثة)- الاشتباه
و له صورتان
الاولى- أن تكون الجمعة السابقة متحققة لكن حصل الاشتباه فيها
سواء علم حصول جمعة سابقة متعينة و اشتبهت بان عرض له النسيان بعد العلم بالتعيين أو علم حصول جمعة سابقة في الجملة و لم تتعين، و الوجه في وجوب الإعادة في الصورتين المذكورتين وجود الشك في حصول شرائط الصحة و هو موجب لبقاء المكلف تحت عهدة التكليف حتى يتحقق الامتثال و اختلف الأصحاب هنا في انه هل الواجب على الفرقتين صلاة الظهر أو الجمعة؟ فالأكثر على الأول، قالوا للعلم بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة اخرى عقيبها إلا انه حيث لم تكن متعينة في إحدى الفرقتين وجبت الظهر عليهما لعدم حصول البراءة بدون ذلك.
و ذهب الشيخ في المبسوط إلى أنهم يصلون جمعة مع اتساع الوقت و الظهر مع تضيقه، و علله بعض الأصحاب بأن الحكم بوجوب الإعادة عليهما يقتضي عدم كون الصلاة الواقعة منهما مقبولة في نظر الشارع.
قال في المدارك: و هذا متجه لأن الأمر بصلاة الجمعة عام و سقوطها بهذه الصلاة التي ليست مبرئة للذمة غير معلوم.
و توضيحه ان الذمة مشغولة بالجمعة بيقين إذ هي فرض المكلف فلا تبرأ الذمة منها إلا بيقين الإتيان بها، قولهم- ان العلم حصل بوقوع جمعة صحيحة فلا تشرع جمعة اخرى- مسلم لو علمت و علم موضعها في أي الفريقين و اما مع جهل موضعها فلا. و بما ذكرناه يظهر قوة قول الشيخ (قدس سره).
و على المشهور فلو تباعد الفريقان بالنصاب فان خرج أحدهما عن المصر و أعادوا جميعا الجمعة لم تصح لإمكان كون من تأخرت جمعته هم المتخلفون في المصر فلا تسوغ فيه
133
جمعة اخرى، اما لو خرجوا عنه جميعا و تباعدوا بالنصاب مع سعة الوقت تعين عليهم فعل الجمعة قطعا.
الثانية- ان لا تكون الجمعة السابقة متحققة لحصول الاشتباه بالسبق و الاقتران
، و اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم هذه الصورة أيضا فذهب الشيخ في المبسوط و من تبعه الى وجوب الإعادة جمعة مع بقاء الوقت لعين ما تقدم في سابق هذه الصورة.
و ذهب العلامة في جملة من كتبه الى وجوب الجمع بين الفرضين لأن الواقع ان كان الاقتران فالفرض الجمعة و ان كان السبق فالظهر فلا يحصل يقين البراءة بدونهما و يمكن خدشه بان ما ادعاه من أن السبق من حيث هو- يعني بالنسبة إلى الواقع- يقتضي وجوب الظهر ممنوع و إنما يقتضي ذلك مع العلم به فإن الأحكام الشرعية كما عرفت إنما تبنى على علم المكلف لا على نفس الأمر و الواقع، و حينئذ فلو سبقت إحداهما مع جهل موضعها لم يسقط عنه وجوب الجمعة لما عرفت آنفا.
و احتمل العلامة في التذكرة وجوب الظهر خاصة لأن الظاهر صحة إحداهما لندور الاقتران جدا فكان جاريا مجرى المعدوم، و للشك في شرط صحة الجمعة و هو عدم سبق اخرى و هو يقتضي الشك في المشروط. و فيه انا لا نسلم ان شرط صحة الجمعة عدم سبق اخرى بل يكفي في الصحة عدم العلم بسبق اخرى. و بما ذكرنا يظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ هنا أيضا و ان كان الاحتياط في ما ذكره من الجمع بين الفرضين. و الله العالم.
(المقصد السادس)- في الوقت
، اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وقت الجمعة أولا و آخرا، فاما الأول فالأظهر الأشهر أنه زوال الشمس، و قال الشيخ في الخلاف: و في أصحابنا من أجاز الفرض عند قيام الشمس، قال و اختاره علم الهدى. قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عن الشيخ (قدس سره) و لعل شيخنا سمعه من المرتضى (قدس سره) مشافهة فإن الموجود في مصنفات السيد موافق للمشهور من
134
عدم جواز إيقاعها قبل تحقق الزوال. أقول: و يدل على القول المشهور الأخبار المستفيضة الآتية ان شاء الله تعالى.
و اما الآخر فالمشهور بين المتأخرين أنه يمتد الى ان يصير ظل كل شيء مثله بل قال العلامة في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع. و قال أبو الصلاح إذا مضى مقدار الأذان و الخطبة و ركعتي الفريضة فقد فاتت و لزم أداؤها ظهرا. و قال الشيخ في المبسوط ان بقي من وقت الظهر قدر خطبتين و ركعتين خفيفتين صحت الجمعة.
و قال ابن إدريس يمتد وقتها بامتداد وقت الظهر، و اختاره الشهيد في الدروس و البيان. و قال الجعفي وقتها ساعة من النهار.
و أنت خبير بما في جل هذه الأقوال من الانحراف عن جادة الاعتدال، أما القول المشهور فانا لم نقف له على دليل و بذلك اعترف في الذكرى فقال: انا لم نقف لهم على حجة إلا ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يصلى في هذا الوقت، قال و لا دلالة فيه لان الوقت الذي كان يصلى فيه ينقص عن هذا المقدار غالبا و لم يقل أحد بالتوقيت بذلك الناقص. و اما قول ابن إدريس فأظهر ضعفا لما فيه من اطراح الأخبار الصحاح الصراح الآتية ان شاء الله تعالى. و اما عبارة الشيخ في المبسوط فهي غير خالية من الإجمال و تعدد الاحتمال، فإنه ان أراد بوقت الفريضة هو الوقت الاختياري لها بناء على مذهبه أو الفضيلة بناء على قول الأكثر فهو يرجع الى القول المشهور، و ان أراد الوقت الذي هو أعم فهو يرجع الى قول ابن إدريس و كيف كان فالواجب أولا نقل الأخبار المتعلقة بالمقام و بيان ما يظهر منها على وجه يكشف عن المسألة نقاب الإبهام:
فنقول: من الأخبار المذكورة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال:
«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان من الأمور أمورا مضيقة و أمورا موسعة و ان الوقت وقتان و الصلاة مما فيه السعة فربما عجل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ربما أخر إلا
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
135
صلاة الجمعة فإن صلاة الجمعة من الأمور المضيقة (1) إنما لها وقت واحد حين تزول و وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيام».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «وقت صلاة الجمعة عند الزوال و وقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظهر في غير يوم الجمعة و يستحب التبكير بها».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: «لا صلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة».
و عن ذريح في الصحيح (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) صل الجمعة بأذان هؤلاء فإنهم أشد شيء مواظبة على الوقت».
و عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت الشمس فصل الفريضة».
و ما رواه الصدوق عن عبيد الله الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) انه قال: «وقت الجمعة زوال الشمس و وقت صلاة الظهر في السفر زوال الشمس و وقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو من وقت الظهر في غير يوم الجمعة».
و عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (7) قال: «وقت صلاة الجمعة
____________
(1) اللفظ المذكور مطابق لما في الوافي باب (وقت صلاة الجمعة و عصرها) و في التهذيب ج 1 ص 249 و الوسائل هكذا «من الأمر المضيق».
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة. و الراوي في بعض النسخ (ابن مسكان) راجع التهذيب الطبع الحديث ج 3 ص 13.
(3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 3 من الأذان و الإقامة.
(5) قرب الاسناد ص 98 و في الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(7) لم نقف في كتب الحديث على رواية لزرارة بهذا اللفظ و قد أوردها السبزواري في الذخيرة في هذه المسألة في أول مبحث صلاة الجمعة. و في المقام صحيحة لربعى و موثقة لسماعة وردت في فروع الكافي ج 1 ص 117 و التهذيب ج 1 ص 248 و في الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة رقم 8 و 14 باللفظ الآتي: «وقت الظهر يوم الجمعة حين تزول الشمس» و لم يذكرها المصنف (قدس سره) في روايات المسألة فيمكن ان يكون قد حصل تصحيف في السند و تغيير في المتن فجاءت الرواية المذكورة باللفظ المذكور في المتن منسوبة إلى زرارة كما في الذخيرة. و لا يخفى ان الرواية المذكورة قد رويت في الكافي مسندة الى ابى عبد الله (ع) من طريقين و في التهذيب موقوفة على سماعة من طريقين ايضا. و في الباب روايات أخر دالة على المطلوب لم ينقلها راجع الوافي باب (وقت صلاة الجمعة و عصرها) و الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة رقم 2 و 4 و 7 و 9 و 21 و سينقل (قدس سره) الرواية رقم 9.
136
يوم الجمعة ساعة تزول الشمس».
و ما رواه الشيخ عن عبد الله بن عجلان (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين و إذا استيقنت الزوال فصل الفريضة».
و ما رواه الكليني عن ابن ابى عمير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة فقال نزل بها جبرئيل مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. قال قلت إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اما انا إذا زالت الشمس لم أبدأ بشيء قبل المكتوبة».
قال القاسم (3) و كان ابن بكير يصلى الركعتين و هو شاك في الزوال فإذا استيقن الزوال بدأ بالمكتوبة في يوم الجمعة.
و عن ابن سنان (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأوا بالمكتوبة».
و عن الفضيل بن يسار في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال «ان من الأشياء أشياء موسعة و أشياء مضيقة فالصلاة مما وسع فيها تقدم مرة و تؤخر أخرى و الجمعة مما ضيق فيها فان وقتها يوم الجمعة ساعة تزول و وقت العصر فيها وقت الظهر في غيرها».
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(2) الفروع ج 1 ص 117 و في الوسائل في الباب 8 من صلاة الجمعة.
(3) و هو الراوي عن ابن ابى عمير.
(4) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
137
و ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت صلاة الجمعة يوم الجمعة ساعة تزول الشمس و وقتها في السفر و الحضر واحد و هو من المضيق و صلاة العصر يوم الجمعة في وقت الأولى في سائر الأيام».
و روى فيه ايضا (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) أول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس الى ان تمضى ساعة فحافظ عليها. الخبر».
و عن سفيان بن السمط (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت صلاة العصر يوم الجمعة فقال في مثل وقت الظهر في غير يوم الجمعة».
و قال في الفقه الرضوي (4): «وقت الجمعة زوال الشمس و وقت الظهر في السفر زوال الشمس و وقت العصر يوم الجمعة في الحضر نحو وقت الظهر في غير يوم الجمعة».
و روى الشيخ في كتاب المتهجد عن محمد بن مسلم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الجمعة قال وقتها إذا زالت الشمس فصل الركعتين قبل الفريضة فإن أبطأت حتى يدخل الوقت هنيئة فابدأ بالفريضة و دع الركعتين حتى تصليهما بعد الفريضة».
و عن إسماعيل بن عبد الخالق (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وقت الصلاة فقال جعل الله لكل صلاة وقتين إلا الجمعة في السفر و الحضر فإنه قال وقتها إذا زالت الشمس و هي في ما سوى الجمعة لكل صلاة وقتان. الحديث».
و عن حريز عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (7) قال: «أول وقت الجمعة ساعة تزول الشمس الى أن تمضى ساعة فحافظ عليها فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال لا يسأل الله عبد فيها خيرا إلا أعطاه الله».
و عن حريز (8) قال: «سمعته يقول اما انا إذا زالت الشمس يوم الجمعة
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 9 من صلاة الجمعة.
(4) ص 11.
(5) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(7) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(8) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
138
بدأت بالفريضة و أخرت الركعتين إذا لم أكن صليتهما».
و أنت خبير بان هذه الأخبار على كثرتها و استفاضتها قد اشتركت في الدلالة على ان أول وقت الجمعة التي هي عبارة عن الخطبتين و الركعتين كما تقدم تحقيقه هو الزوال و انه يجب المبادرة إليها فيه حتى ان الركعتين لا تزاحمها بل تقدم في وقت الشك في الزوال و متى تحقق بدئ بالواجب، و ان وقتها مضيق بهذا الوقت يعنى يجب الشروع فيها بعد تحقق الزوال بالإتيان بالأذان ثم الخطبتين ثم الركعتين حتى يفرغ لا اتساع فيه كغيرها من الصلوات التي تقبل التأخير عن الأول، و هي صريحة في بطلان قولي الأكثر و ابن إدريس فإن وقت صلاة العصر في ذلك اليوم هو وقت الظهر في سائر الأيام يعني بالنسبة إلى التطوع، و قد تكاثرت الأخبار و عليه بنيت هذه الأخبار بان وقت الظهر في سائر الأيام بعد القدمين و ان اختزال القدمين من أول الظهر لمكان النافلة كما تقدم تحقيق جميع ذلك في مبحث الأوقات.
و أنت إذا ضممت هذه الأمور بعضها الى بعض ظهر لك ان وقت الجمعة من أول الزوال الى مضى قدمين و متى خرج هذا المقدار خرج وقتها و وجب الإتيان بها ظهرا، و من هنا ثبت التضييق فيها و عدم الامتداد. و لا ينافي ذلك خبر الساعة فإنها تطلق عرفا على الزمان القليل و هو المراد هنا لا الساعة النجومية أو الساعات التي ينقسم إليها النهار.
و ظني ان كلام ابى الصلاح و الجعفي يرجعان الى معنى واحد و هو ما دلت عليه هذه الأخبار بالتقريب الذي أوضحناه، و ان ما أوردوه على ابى الصلاح في هذا المقام لا ورود له عليه.
و اما ما ذكره المحقق- من أنه لو صح ما ذكره لما جاز التأخير عن الزوال بالنفس الواحد،
و بان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يخطب في الظل الأول فيقول جبرئيل:
«يا محمد (صلى الله عليه و آله) قد زالت الشمس فانزل و صل».
و هو دليل على جواز تأخير الصلاة عن الزوال بقدر قول جبرئيل (عليه السلام) و نزوله و دعائه امام الصلاة و لو كان مضيقا لما
139
جاز ذلك- فضعفه أظهر من أن يحتاج الى بيان، لان عبارته في المقام إنما خرجت مخرج التجوز و التوسع لا أن مراده الحصر الحقيقي في ما ذكره بحيث يخل به النفس أو قول جبرئيل، و مثله في كلام البلغاء و الفصحاء و كلام الأئمة (عليهم السلام) أكثر من أن يحصى.
نعم قال في الذخيرة- في رد كلام ابى الصلاح بعد رد كلام المحقق بالضعف- ما لفظه: نعم يمكن دفعه بالأخبار الدالة على جواز ركعتي الزوال بعد دخول وقت الفريضة.
و فيه ان أكثر الأخبار الواردة في ذلك- و منها ما نقلناه هنا كرواية على بن جعفر و رواية عبد الله بن عجلان و رواية ابن ابى عمير و رواية محمد بن مسلم و رواية حريز- قد صرحت بتأخير الركعتين متى تيقن الزوال، مضافا الى الأخبار الدالة على توقيت الجمعة بالزوال و ان وقتها مضيق فيه، و كذلك الأخبار الدالة على انه لا تطوع وقت الفريضة، و حينئذ فما دل على جواز الركعتين بعد الزوال لا بد من ارتكاب التأويل فيه، و يمكن حملها على الرخصة في بعض الأوقات فلا ينافي توقيت الجمعة بالزوال كما في سائر الرخص لا ان ذلك يكون وقتا للركعتين دائما بحيث يجوز مزاحمة الفريضة بهما.
و مما يدل على ما قلناه ايضا من عدم مزاحمتهما للفريضة زيادة على ما قدمناه من الأخبار
ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الأذان أو بعده؟ فقال قبل الأذان».
و عن حسين بن عثمان عن ابن ابى عمير في الصحيح (2) قال: «حدثني انه سأله عن الركعتين اللتين عند الزوال يوم الجمعة قال فقال اما انا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة».
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
140
و بما حققناه في المقام و كشفنا عنه نقاب الإبهام يظهر لك ضعف ما ذكره في المدارك و مثله في الذخيرة من أن المسألة قوية الإشكال فإنه لا إشكال بحمد الله الملك المتعال بالنظر الى ما سردناه من الأخبار و أوضحناه من البيان الظاهر لاولى الألباب و الأفكار.
بقي الكلام هنا في مواضع
[الموضع] الأول [لو خرج وقت الجمعة و قد تلبس بها]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- الشيخ و جماعة انه لو خرج الوقت و قد تلبس بها و لو بالتكبير فإنه يجب إتمامها جمعة، و احتجوا عليه بان الوجوب متحقق باستكمال الشرائط فيجب إتمامها.
و أورد عليه بان من جملة الشرائط الوقت فما لم يتحقق التكليف بالفعل فان التكليف بالفعل يستدعي زمانا يسعه. و الظاهر انه لما ذكر اعتبر الشهيد و من تأخر عنه إدراك ركعة من الوقت
لقوله (عليه السلام) (1) «من أدرك من الوقت ركعة فكأنما أدرك الوقت».
قال السيد السند في المدارك- بعد قول المصنف (قدس سره) و لو خرج الوقت و هو فيها أتمها جمعة اماما كان أو مأموما- إطلاق العبارة يقتضي وجوب إكمالها بمجرد التلبس بها في الوقت و لو بالتكبير و به صرح الشيخ و جماعة، و احتج عليه في المعتبر بان الوجوب يتحقق باستكمال الشرائط فيجب إتمامها. و يتوجه عليه ان التكليف بفعل موقت يستدعي زمانا يسعه لامتناع التكليف بالمحال و لا يشرع
____________
(1) لم نقف على الرواية بهذا اللفظ و انما المروي
من طريق العامة عنه (ص) هكذا: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة».
و في خصوص العصر ايضا، و قد ورد في خصوص الصبح ايضا من الطريقين، راجع الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة و الحدائق ج 6 ص 275 و 277
و صحيح مسلم ج 2 ص 102 باب (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) و فيه في بعض الطرق «من أدرك ركعة من الصلاة مع الامام فقد أدرك الصلاة».
و في مجالس ابن الشيخ الطوسي عن أبي هريرة قال «قال رسول الله (ص): إذا جئتم إلى الصلاة و نحن في السجود فاسجدوا و لا تعدوها شيئا و من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة».
راجع الوسائل الباب 41 من الجماعة.
141
فعله في خارجه إلا ان يثبت من الشارع شرعية فعله في خارج الوقت، و من ثم اعتبر العلامة و من تأخر عنه إدراك الركعة في الوقت كاليومية لعموم
قوله (عليه السلام) «من أدرك من الوقت ركعة فكمن أدرك الوقت كله».
و هو أولى. انتهى. و حذا حذوه في الذخيرة و اختار ما اختاره.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره (قدس سره) و ان تبعه من تبعه فيه منظور فيه من وجهين: أحدهما- قوله «و يتوجه عليه ان التكليف بفعل موقت. الى آخره» فإنه ينبغي ان يعلم ان هنا مقامين: (الأول) أن يدخل في الصلاة بانيا على امتداد الوقت و سعته ثم يظهر في الأثناء عدم ذلك. و (الثاني) ان يعلم قبل الدخول في الصلاة عدم سعة الوقت فهل يجب عليه الدخول فيها و الحال هذه أم لا؟ و الظاهر من كلام المصنف (قدس سره) في هذه المقالة انما هو الأول فإنه قد صرح بالثاني في المقالة الآتية بعد ذلك ان شاء الله تعالى، و اعتراض الشارح عليه انما يتوجه بناء على الثاني و ذلك فإنه متى دخل في الصلاة بناء على سعة الوقت و استكمال شرائط الوجوب بحسب نظره كان دخوله مشروعا غاية الأمر أنه انكشف بعد ذلك ضيق الوقت عن إتمامها، و هذا لا يصلح للمانعية عن وجوب الإتمام كما في غير هذا الموضع و منه ما لو دخل في صلاة الكسوف و صلى بعضا ثم انجلى الكسوف فإن صحيحة زرارة (1) قد صرحت بوجوب إتمام الصلاة و ان كان المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو قصر الوقت عنها سقطت لاستحالة التكليف بشيء يقصر وقته عنه، و الجمع بين كلامهم و بين الرواية لا يحصل إلا بالفرق بين الابتداء و الاستدامة بمعنى انه لا تكليف بذلك قبل الشروع في الفعل اما لو شرع بناء على سعة الوقت و امتداده ثم ظهر ضيقه عن الإتيان بالصلاة فإنه يجب الإتمام كما دلت عليه الصحيحة المذكورة فكذا في ما نحن فيه و حينئذ فيجب الإتمام. و قوله في الجواب- ان التكليف بفعل موقت يستدعي زمانا يسعه. الى آخره- انما يتجه
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف و الآيات رقم 6.
142
في ما لو علم ضيق الوقت قبل الدخول فان التكليف بالدخول و الحال كذلك يستلزم ما ذكره، اما لو لم يعلم بل دخل بانيا على السعة فإنه لا يتوجه عليه هذا الجواب للفرق عندهم بين أصل الدخول و بين الاستدامة كما تقدم التصريح به في مسألة العدد في ما لو انفض العدد بعد الدخول و لم يبق إلا واحد مثلا فإنهم أوجبوا عليه الإتمام جمعة.
و ثانيهما- قوله: «لعموم قوله من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله» فإنه ربما يتسارع الى الفهم ان هذا الخبر من جملة أخبارنا المروية في كتب الأخبار فيجوز الاستناد إليه في إثبات الأحكام الشرعية كما اختاره هنا بقوله بعد ذكر الخبر المذكور «و هو أولى» مع انا قد قدمنا في مبحث الأوقات ان الظاهر ان هذا الخبر إنما هو من طريق المخالفين، و اليه يشير أيضا كلام السيد المذكور في شرح قول المصنف في مبحث الأوقات «و لو زال المانع فإن أدرك الطهارة و ركعة من الفريضة لزمه أداؤها» حيث انه نقل هذا الخبر مرسلا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم آخر عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) ايضا (1) ثم قال و من طريق الأصحاب ثم نقل رواية الأصبغ بن نباتة و موثقة عمار الساباطي (2) الدالتين على أن من أدرك من الغداة ركعة قبل طلوع الشمس فقد أدرك الغداة، و قد تقدم منا (3) تحقيق الكلام في هذا المقام و البحث مع الأصحاب في تعميم الحكم مع اختصاص الأخبار المروية من طريقنا بصلاة الصبح نعم ظاهرهم دعوى الإجماع على ما ذكروه من العموم، و به يظهر أن المسألة هنا لا تخلو من الإشكال لعدم النص المعتمد عليه في هذا المجال. و اللّٰه سبحانه و أولياؤه أعلم بحقيقة الحال.
[الموضع] الثاني [لو تيقن أو ظن أن الوقت لا يسع الجمعة]
- لو تيقن أو غلب على ظنه قبل الدخول ان الوقت لا يسع للجمعة وجبت صلاة الظهر، صرح به جملة من الأصحاب: منهم المحقق في
____________
(1) ج 6 ص 275.
(2) الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة.
(3) ج 6 ص 275.
143
الشرائع و هو ما أشرنا إليه آنفا من أن المصنف صرح بالثاني في المقالة الآتية.
و السيد السند هنا بناء على اعتراضه على العبارة المتقدمة قال هنا ايضا بعد ذكره عبارة المصنف المذكورة: هذا بظاهره مناف لما سبق من أن من تلبس بالجمعة في الوقت يجب عليه إتمامها فإنه يقتضي بإطلاقه جواز الشروع فيها مع ضيق الوقت و أجيب عنه بان الشروع فيها انما يشرع إذا ظن ادراك جميعها. الى أن قال:
و من ثم ذهب جمع من الأصحاب إلى وجوب الدخول في الصلاة متى علم انه يدرك ركعة بعد الخطبتين لعموم «من أدرك.» بل صرح العلامة في النهاية بوجوب الدخول في الصلاة مع ادراك الخطبتين و تكبيرة الإحرام خاصة و هو بعيد. انتهى أقول: قد قدمنا لك ان مراد المصنف بالعبارة الأولى انما هو من دخل في الصلاة بناء على سعة الوقت يقينا أو ظنا، و هذه العبارة صريحها كما ترى انما هو من علم أو ظن قبل الدخول ضيق الوقت عن الجمعة فإنه تجب عليه الصلاة ظهرا، فموضوع تلك المسألة غير موضوع هذه المسألة، و يشير الى ذلك كلامه في المعتبر الذي ذكره الشارح في المسألة المتقدمة، و صورته بتمامه هكذا: قال الشيخ إذا انعقدت الجمعة فخرج وقتها و لم يتم أتمها جمعة و به قال مالك، و قال الشافعي بقاء الوقت شرط فإذا خرج أتمها ظهرا، و قال أبو حنيفة تبطل (1) لنا- ان الوجوب تحقق باستكمال الشرائط فيجب إتمامها. انتهى. فان هذا الخلاف انما يترتب على من تبين له ضيق الوقت بعد الدخول بناء على ما سعته لا من علم بضيقه أولا ثم دخل و الحال هذه، فدعوى الشارح منافاة هذا الكلام لما سبق- و ان إطلاق عبارته الاولى يقتضي جواز الشروع فيه مع يقينه ضيق الوقت- ليس في محله. و كيف كان فحمل كلامه على ما يندفع به التنافي في عبارتيه أولى و أظهر سيما مع كونه وجها واضحا صحيحا.
بقي الكلام في ما ذكره المصنف في هذه المقالة- من انه لو تيقن أو ظن عدم سعة الوقت فإنه لا يشرع له الجمعة بل يجب أن يصلى ظهرا، و ما أورده
____________
(1) المغني ج 2 ص 318 و المدونة ج 2 ص 149.
144
الشارح عليه في ما طوينا ذكره من ان قوله (عليه السلام) «من أدرك ركعة من الوقت» يعم الجميع. الى آخر الكلام- فان فيه (أولا)- ان ظاهر كلام الشارح في المقالة السابقة يعطي منع الدخول مع تيقن سعة الوقت أو ظنها و هو الذي رد به الخبر المذكور هنا حيث قال ثمة:
و يشكل بان الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل. الى آخره، فإنه ظاهر في عدم جواز الدخول و ان تيقن بقاء ركعة بل لا بد من وقت يسع الجميع كما هو ظاهر كلام الشافعي المتقدم.
و ثانيا- ما أشرنا إليه آنفا من ان هذا الخبر لم يثبت وروده من طريقنا (1) فلا يمكن الاعتماد عليه في هذا المحل و لا غيره و ان كثر تناقله في كلامهم و تداوله على رؤوس أقلامهم، و به يظهر لك ما في هذا الكلام من تكرار هذا الخبر و ما يتفرع عليه من الأحكام و ما ذكره من التعارض في المقام بالنقض و الإبرام، فإنه بناء على ما عرفت نفخ في غير ضرام. و به يتبين ان من ذهب الى وجوب الدخول في الصلاة متى علم إدراك ركعة من الوقت ان استند الى هذا الخبر فقد عرفت ما فيه، و ان استند إلى الإجماع كما تقدم نقله عنهم في باب الأوقات فقد عرفت ايضا ما في باطنه و خافية.
[الموضع] الثالث [أصالة بقاء الوقت في عبارة المدارك]
- قال المحقق في الشرائع: و لو تيقن ان الوقت يتسع للخطبة و ركعتين خفيفتين وجبت الجمعة. قال السيد السند بعد نقل العبارة المذكورة: الضابط في ذلك تيقن اتساع الوقت للمقدار الواجب من الخطبتين و الصلاة دون المسنون منهما. قيل و كذا تجب الجمعة مع ظن اتساع الوقت أو الشك في السعة و عدمها لأصالة بقاء الوقت. و يشكل بان الواجب الموقت يعتبر وقوعه في الوقت فمع الشك فيه لا يحصل يقين البراءة بالفعل، و الاستصحاب هنا انما يفيد ظن البقاء و هو غير كاف في ذلك. انتهى.
____________
(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 140.
145
أقول: العجب منه (قدس سره) و تناقض كلامه في هذا المقام و اضطرابه على وجه لا يمكن الإصلاح فيه و الالتئام. فإن مقتضى كلامه هنا كما سمعت انه لا يشرع الدخول في الصلاة إلا مع تيقن سعة الوقت للخطبة و الصلاة و ان كانتا مخففتين و جعل ذلك ضابطا كليا و قانونا جليا، مع انه صرح في شرح قول المصنف «و لو خرج الوقت و هو فيها أتمها جمعة» بالاكتفاء بإدراك ركعة كما قدمنا نقله عنه عملا بخبر «من أدرك من الوقت ركعة» و مثله أيضا في شرح قول المصنف «و ان تيقن أو غلب على ظنه ان الوقت لا يتسع لذلك» فإنه قال في ما طوينا ذكره من كلامه:
و أجيب عنه بان الشروع فيها انما يشرع إذا ظن إدراك جميعها لأنها لا يشرع فيها القضاء و انما وجب الإكمال مع التلبس بها في الوقت للنهى عن إبطال العمل.
و أورد عليه ان قوله (عليه السلام) «من أدرك من الوقت ركعة» يعم الجميع. و أجيب بأن هذا الحديث مقيد بقيد يستفاد من خارج و هو كون الوقت صالحا للفعل للقطع بان ما لا يصلح للفعل يمتنع وقوعه فيه. و فيه نظر فإنه ان أريد بصلاحية الوقت للفعل إمكان إيقاعه فيه فهو متحقق هنا و ان أريد غير ذلك فلا دليل عليه و من ثم ذهب جمع من الأصحاب. إلى آخر ما تقدم في الموضع الثاني. و فيه- كما ترى- خروج عن ذلك الضابط الكلي الذي قرره سابقا من انه لا بد من تيقن اتساع الوقت للمقدار الواجب في صحة الدخول و انه لا يكفى الظن حيث انه هنا بعد أن أجاب عن الخبر بتقييده بهذا الضابط تنظر في ذلك و اكتفى بمجرد إمكان اتساعه. و بالجملة فإن اضطراب كلامه في هذه المقالات الثلاث لا يخفى على المتأمل. و اما ما علل به هنا وجوب الإكمال مع التلبس بها في الوقت من النهى عن إبطال العمل فهو ضعيف و الحق كما قدمناه و هو انه لا يشرع الدخول فيها إلا مع تيقن سعة الوقت أو ظنه.
ثم انه لو ظهر الضيق بعد الدخول و الحال هذه فوجوب الإتمام عليه انما هو من حيث ان اشتراط السعة إنما هو في الابتداء لا في الاستدامة، فمتى دخل بناء على السعة وجب الإتمام و ان كان خارج الوقت لعين ما تقدم في اشتراط العدد و ما قدمناه من مسألة صلاة الكسوف و نحو ذلك.
146
هذا هو التحقيق في المقام و هو الذي يرجع اليه كلام المحقق و غيره من الاعلام فعليه اعتمد و دع عنك فضول الكلام. و اللّٰه سبحانه و أولياؤه أعلم بحقائق الأحكام.
[الموضع] الرابع- لو كان ممن تجب عليه الجمعة فصلى الظهر
و الحال هذه فالواجب عليه السعي إلى الجمعة فإن أدركها و إلا أعاد ظهره و لم يجزئه ما صنع أولا، لأنه في تلك الحال قد اتى بغير ما هو الواجب عليه و المخاطب به فلا تبرأ ذمته بل يبقى تحت عهدة التكليف الى ان يأتي بالجمعة إن أمكن و إلا فالظهر لتعينها بعد فوات الجمعة. و لا فرق في ذلك بين العمد و النسيان و لا بين ان يظهر في نفس الأمر عدم الوجوب أم لا.
نعم لو صلى الظهر ناسيا و ظهر عدم التمكن من الجمعة فإشكال و ظاهر المدارك و الذخيرة إمكان القول بالاجزاء و الصحة.
و لو لم تكن شرائط الجمعة مجتمعة لكن يرجو اجتماعها قبل خروجه فهل يجوز له تعجيل الظهر و الاجتزاء بها و ان أقيمت الجمعة بعد ذلك أم يجب الصبر الى ان يظهر الحال؟ وجهان و استجود في المدارك الثاني، قال: لان الواجب بالأصل هو الجمعة و انما يشرع فعل الظهر إذا علم عدم التمكن من الجمعة في الوقت. و نحوه في الذخيرة أيضا.
و لقائل أن يقول ان هذا التعليل ربما أمكن قلبه فيكون بالدلالة على الأول انسب، و ذلك لان أصالة الجمعة إنما يتم مع اجتماع شرائطها و الحال انها حينئذ غير مجتمعة و مشروعية الظهر ظاهرة لأنه مخاطب بها في ذلك الوقت فلو أوقعها فيه صحت لذلك و انتظار التمكن و عدمه الى آخر الوقت لا دليل عليه إذ لعله يخترمه الموت في تلك الحال فيكون قد ضيع فرضا واجبا عليه. و اللّٰه العالم.
(المطلب الثالث)- في من تجب عليه الجمعة
و يراعى فيه شروط تسعة، و الأصل في هذه الشروط الأخبار المتكاثرة عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام):
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن ابى بصير و محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «ان اللّٰه عز و جل فرض في كل سبعة أيام خمسا
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
147
و ثلاثين صلاة: منها- صلاة واجبة على كل مسلم ان يشهدها إلا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصبي».
و ما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انه قال:
«انما فرض اللّٰه على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة: منها- صلاة واحدة فرضها اللّٰه في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة: عن الصغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين».
و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن (2) و
رواه ايضا الشيخ الفقيه أبو محمد جعفر بن احمد ابن على القمي في كتاب العروس بإسناده عن زرارة (3) و قال بعد نقله:
و روى مكان «المجنون» «الأعرج».
و منها-
ما رواه الشيخ عن منصور عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) في حديث قال:
«الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبي».
و منها-
ما في بعض خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) المروية في الفقيه (5) و في المتهجد (6) و فيها «الجمعة واجبة على كل مؤمن إلا على الصبي و المريض و المجنون و الشيخ الكبير و الأعمى و المسافر و المرأة و العبد المملوك و من كان على رأس فرسخين».
أقول: و قد ظهر من هذه الاخبار باعتبار ضم بعضها الى بعض ان الشروط المعتبرة في التكليف بالجمعة تسعة و ضم إليها أيضا المطر لما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى فتكون عشرة:
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
(5) ج 1 ص 276 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
(6) ص 268 و في مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة. و اللفظ فيه هكذا «الجمعة واجبة على كل مؤمن إلا الصبي و المرأة و العبد و المريض» و قد أورد تمام الخطبة في المستدرك عن المصباح في الباب 19 من صلاة الجمعة.
148
[ما يعتبر به في وجوب الجمعة و عدمه]
أولها و ثانيها- البلوغ و العقل
و يجمعهما التكليف، و لا ريب في اشتراطه في هذه الصلاة و غيرها اتفاقا نصا و فتوى فلا تجب على المجنون و الصبي و ان كان مميزا نعم تصح من المميز تمرينا و تجزئه عن الظهر. و لو أفاق المجنون في وقت الصلاة خوطب بها خطابا مراعى ببقاء الإفاقة إلى آخر الصلاة.
و
ثالثها- الذكورة
و هي مما ادعى عليها الإجماع حتى من العامة أيضا (1) و على ذلك تدل الأخبار المتقدمة، و يخرج بقيد الذكورة المرأة و الخنثى.
و يمكن المناقشة في السقوط عن الخنثى لانتفاء ما يدل على اشتراط الذكورة و انما الموجود في الأخبار المتقدمة استثناء المرأة ممن تجب عليه الجمعة، و الخنثى لا يصدق عليها انها امرأة و من ثم وقع الخلاف فيها، فقيل بالسقوط عنها للشك في سبب الوجوب و اختاره الشهيد، و قيل بالوجوب عليها لعموم الأوامر خرج من ذلك المرأة بالأخبار المتقدمة فتبقى الخنثى تحت عموم الأوامر. و قربه الشهيد الثاني و ربما أورد عليه بان دخول الخنثى في المستثنى منه مشكوك فيه بمعنى انه غير معلوم شمول عموم الأوامر لها.
و يمكن توجيهه بأن إطلاق الأخبار و عمومها انما ينصرف الى الأفراد المتكررة الوقوع الشائعة فإنها هي المتبادر الى الذهن من الإطلاق و الخنثى فرد نادر بل غايته مجرد الفرض.
و بالجملة فظاهر الأخبار المذكورة حيث خص السقوط بالمرأة و هي غير داخلة تحت هذا اللفظ هو الوجوب عليها إلا انه بالنظر الى ما ذكرنا من التقريب في عدم دخولها أيضا في المستثنى منه يقرب السقوط عنها، و به يظهر ان المسألة غير خالية من شوب الإشكال.
و
رابعها- الحرية
فلا تجب على العبد باتفاق الأصحاب نقله جملة منهم كالمحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى، و لا فرق في ذلك بين القن
____________
(1) المغني ج 2 ص 327 و البداية ج 1 ص 143 و البدائع ج 1 ص 262.
149
و المدبر و المكاتب الذي لم يؤد شيئا لصدق المملوك على جميع هذه الأفراد.
و إنما الخلاف و الإشكال في المبعض إذا هاياه مولاه و اتفقت الجمعة في نوبته فالمشهور سقوط الوجوب عنه و ذهب الشيخ في المبسوط الى وجوبها عليه.
و هذا الخلاف راجع الى ما تقدم في الخنثى فإن الأخبار هنا إنما دلت على استثناء العبد و المملوك ممن تجب عليه الجمعة و هذا العنوان لا يصدق على المبعض و حينئذ فلا تسقط عنه الجمعة لدخوله تحت عموم الخطاب و عدم المسقط في هذا الباب، و اشتراط الحرية غير معلوم من الأخبار ليقال بعدم حصول الشرط المذكور فيه فيسقط عنه، و به يظهر قوة مذهب الشيخ في المبسوط و لذلك استحسنه في المدارك و كذا في الذخيرة، و هو كذلك لما عرفت.
و هل تجب الجمعة على المملوك لو أمره مولاه؟ فيه إشكال ينشأ من إطلاق الأخبار بالسقوط، و من ان الظاهر ان الوجه في السقوط انما هو رعاية لحق مولاه فمتى أمره زال المانع.
و
خامسها- الحضر
فلا تجب الجمعة على المسافر اتفاقا، نقله الفاضلان و الشهيد و المشهور ان المراد به السفر الشرعي الموجب للقصر و على هذا فتجب الجمعة على ناوي الإقامة عشرا و المقيم في بلد ثلاثين يوما، و نقل في المنتهى الإجماع عليه. و كذا تجب على كثير السفر و العاصي به كما صرح به الشهيد في الذكرى و غيره في غيره و قال في المنتهى: لم أقف على قول لعلمائنا باشتراط الطاعة في السفر لسقوط الجمعة ثم قرب الاشتراط، قال بعض مشايخنا: و المسألة لا تخلو من الإشكال و ان كان ما قربه قريبا.
و من حصل في أحد مواضع التخيير فالظاهر عدم وجوب الجمعة عليه كما استظهره جملة من مشايخنا لعموم أدلة المسافر و شمولها له و ان جاز له الإتمام بدليل من خارج، و نقل عن العلامة في التذكرة القول بالوجوب، و قيل بالتخيير بين الفعل و تركه و هو اختيار الشهيد في الدروس.
150
و
سادسها و سابعها- السلامة من العمى و المرض
و نقل الفاضلان و غيرهما عليه اتفاق الأصحاب مضافا الى ما دل على ذلك من الاخبار المتقدمة، و لا ينافيه سقوط الأعمى من اخبار الخمسة لإمكان دخوله في المريض المذكور فيها، على ان غاية ما تدل عليه هو الإطلاق بالنسبة إلى الوجوب عليه و عدمه و هو مقيد بالأخبار الأخر من قبيل حمل المطلق على المقيد.
و إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في العمى و المريض بين ما يشق معهما الحضور و عدمه، و بهذا التعميم صرح العلامة في التذكرة على ما نقل عنه، و اعتبر شيخنا الشهيد الثاني فيهما تعذر الحضور أو المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة أو خوف زيادة المرض. و هو تقييد للنص بغير دليل.
و اعلم ان الشيخ قد عد في جملة من كتبه العرج ايضا و جعله من جملة الأعذار المانعة من السعي إلى الجمعة و كذا العلامة في بعض كتبه حتى انه قال في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع لأنه معذور بالعرج لحصول المشقة في حقه و لانه مريض فسقطت عنه. و لا يخفى ما في التعليلين المذكورين من الوهن. و قيده في التذكرة بالعرج البالغ حد الإقعاد و نقل إجماع الأصحاب عليه.
و لم يذكره المفيد و لا المرتضى في جملة الأعذار إلا ان المرتضى في المصباح- على ما نقله عنه في المعتبر و الذكرى- قال: و قد روى ان العرج عذر.
قال في المعتبر: فان كان يريد به المقعد فهو أعذر من المريض و الكبير لانه ممنوع من السعى فلا يتناوله الأمر بالسعي و ان لم يرد ذلك فهو في حيز المنع.
أقول: هذا الكلام من المحقق لا يخلو من غرابة فان المرتضى (قدس سره) انما نسب ذلك الى الرواية فتفصيله هذا و جعله ما عدا المقعد في حيز المنع ان قصد به الرد على المرتضى فهو ليس في محله لان المرتضى لم يذكر ذلك فتوى منه، و ان قصد الرد على الرواية فهو يرجع الى الرد على الامام و هو كما ترى. نعم لو طعن في الخبر بالإرسال و عدم ثبوته لكان في محله.
151
و يعضد ما ذكره المرتضى (قدس سره) من الرواية ما تقدم نقله من كتاب العروس من الرواية المرسلة أيضا (1).
و الظاهر- كما اختاره في التذكرة و الذكرى- هو وجوب الحضور عليه مع الإمكان لعموم أدلة الوجوب و عدم وجود ما يصلح للتخصيص سوى هاتين المرسلتين و الظاهر انهما لا يبلغان قوة في تخصيص الأدلة الدالة على شمول الوجوب لهذا الفرد سيما مع كونه الأوفق بالاحتياط.
و
ثامنها- الكبر و الشيخوخة
و الظاهر ان المراد من يشق عليه الحضور من جهة كبر السن و بلوغه حد الشيخوخة، قال في المنتهى: و لا تجب على الشيخ الكبير و هو مذهب علمائنا. و قيده في القواعد بالبالغ حد العجز أو المشقة الشديدة، و نحوه في الروض ايضا. و بعض الأصحاب عبر هنا بالهم كما في الشرائع و هو بكسر الهاء الشيخ الفاني، و بعضهم عبر بالكبير المزمن كما في الإرشاد، قال في الروض بحيث يعجز عن السعي إليها أو تحصل له مشقة لا تتحمل عادة. و الكل تقييد للنص من غير دليل فان النصوص مطلقة مترتبة على صدق الكبر كما في صحيحة زرارة (2) أو بإضافة الشيخوخة كما في رواية الخطبة.
و
تاسعها- المطر
قال في التذكرة انه لا خلاف فيه بين جملة العلماء. و يدل عليه
صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد اللّٰه عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان تترك الجمعة في المطر».
و الحق العلامة و من تأخر عنه بالمطر الوحل و الحر و البرد الشديدين إذا خاف الضرر معها، و لا بأس به تفصيا من لزوم الحرج المنفي بالآية و الرواية (4) و اما ما لم يخف معه الضرر فيشكل الحاقه بالمطر لعدم صدقه عليهما.
____________
(1) ص 147.
(2) ص 147.
(3) الوسائل الباب 23 من صلاة الجمعة. و اللفظ في كتب الحديث «تدع» بدل «تترك».
(4) ج 1 ص 151.
152
و الحق به في الروض احتراق الخبز و فساد الطعام و غيره، قال في المدارك و ينبغي تقييده بالمضر فوته. و عندي فيه نظر و بالجملة فالظاهر عدم الترك إلا بما ورد به النص من تلك الأعذار إلا مع خوف الضرر الشديد و لا سيما للإمام.
و قال في المعتبر: قال علم الهدى و روى ان من يخاف على نفسه ظلما أو ماله فهو معذور و كذا من كان متشاغلا بجهاز ميت أو تعليل والد و من يجرى مجراه من ذوي الحرمات الأكيدة يسعه التأخر.
و
عاشرها- عدم البعد بأكثر من فرسخين
، و قد اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في تحديد البعد المقتضى لسقوط السعي إلى الجمعة، فالمشهور ان حده ان يكون أزيد من فرسخين و اليه ذهب الشيخان و السيد المرتضى و أبو الصلاح و سلار و ابن إدريس و الفاضلان. و قال الشيخ أبو جعفر ابن بابويه في المقنع: وضعها اللّٰه تعالى عن تسعة. الى ان قال و من كان على رأس فرسخين. و رواه في من لا يحضره الفقيه (1) و ذكره في كتاب الأمالي في وصف دين الإمامية، و هو قول ابن حمزة، و هو ظاهر في السقوط عن من كان على رأس فرسخين فلا تجب إلا على من نقص عن الفرسخين، و الأول صريح في الوجوب على من كان على رأس فرسخين و انما تسقط بالزيادة عنهما فتدافع القولين ظاهر.
و قال ابن ابى عقيل: و من كان خارجا من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعد ما يصلى الغداة فيدرك الجمعة مع الإمام فإتيان الجمعة عليه فرض و ان لم يدركها إذا غدا إليها بعد صلاة الغداة فلا جمعة عليه.
و قال ابن الجنيد: و وجوب السعي إليها على من سمع النداء بها أو كان يصل الى منزله إذا راح منها قبل خروج نهار يومه. و هو يناسب قول ابن ابى عقيل.
و يدل على الأول
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن محمد بن
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
153
مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «تجب الجمعة على من كان منها على رأس فرسخين».
و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم ايضا (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجمعة فقال تجب على كل من كان منها على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شيء».
و روى هذه الرواية في المعتبر (3) و الذكرى عن محمد بن مسلم و حريز عن الصادق (عليه السلام).
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (4) انه قال: «تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين إذا كان الامام عدلا».
و يدل على الثاني ما تقدم في صحيحة زرارة و رواية خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) حيث جعل فيها من كان على رأس فرسخين من الأعذار الموجبة لسقوطها.
و يدل على القولين الأخيرين
صحيحة زرارة (6) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الجمعة واجبة على من إذا صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة، و كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) انما يصلى العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) رجعوا الى رحالهم قبل الليل و ذلك سنة الى يوم القيامة».
و أجاب عن هذه الرواية في الذكرى بالحمل على الفرسخين جمعا. و أجاب الشيخ عنها بالحمل على الاستحباب. و اليه مال في المدارك و تبعه جملة ممن تأخر عنه بقي الكلام في التعارض بين اخبار القولين المتقدمين، و جملة من الأصحاب قد ذكروا للجمع بينها وجهين (أحدهما) ان يكون المراد بمن كان على رأس فرسخين في اخبار السقوط يعني أزيد من فرسخين فأطلق رأس فرسخين على ما فيه زيادة يسيرة، قيل: و يؤيده ان الغالب حصول العلم بكون المسافة فرسخين عند العلم بكونها أزيد من غير انفكاك بينهما فان العلم بمقدار الفرسخين من غير زيادة نادر جدا. و (ثانيهما) حمل الوجوب في ما دل على الوجوب في الفرسخين على الاستحباب
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة.
(3) ص 245 و في الذكرى التنبيه العاشر من تنبيهات الأمر الرابع من الشرط الثالث.
(4) مستدرك الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة.
(5) ص 147.
(6) الوسائل الباب 4 من صلاة الجمعة.
154
المؤكد. قيل و يرجع الأول كثرة الأخبار و الشهرة و عموم الآية.
أقول: لا يخفى ان هذا الخلاف قليل الجدوى فان محل الخلاف هو الحصول على رأس فرسخين بلا زيادة و لا نقصان و لا ريب انه نادر جدا. و الاحتياط ظاهر.
و تمام تحقيق الكلام في هذا المطلب يتوقف على بسطه في مقامين:
المقام الأول [هل تجزئ الجمعة من المكلف الذكر الذي لا تجب عليه؟]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بان من لا تلزمه الجمعة من المكلفين الذكور إذا حضر موضع الجمعة جاز له فعلها تبعا و أجزأته عن الظهر، و احترزوا بالمكلفين عن الصبي و المجنون فإنها لا تجب عليهما و لا تنعقد بهما لعدم التكليف في حقهما، و بالذكر عن المرأة فلا تجب عليها ايضا و ان حضرت و انما الكلام هنا في ما عدا ذلك.
و ظاهر كلامهم الإجماع على الحكم المذكور، قال في المنتهى: لا خلاف في ان العبد و المسافر إذا صليا الجمعة اجزأتهما عن الظهر. و حكى نحو ذلك في البعيد، و قال في المريض: لو حضر وجبت عليه و انعقدت به و هو قول أكثر أهل العلم. و قال في الأعرج: لو حضر وجبت عليه و انعقدت به بلا خلاف.
و عنه أيضا في التذكرة انه قال لو حضر المريض و المحبوس بعذر المطر و الخوف وجبت عليهم و انعقدت بهم إجماعا. و قال في النهاية من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها و صلاها انعقدت جمعة و أجزأته. و علله بتعليل ضعيف.
و يدل على الحكم المذكور
ما رواه الشيخ عن حفص بن غياث (1) قال:
«سمعت بعض مواليهم يسأل ابن ابى ليلى عن الجمعة هل تجب على المرأة و العبد و المسافر؟ فقال ابن ابى ليلى لا تجب الجمعة على واحد منهم و لا الخائف. فقال الرجل فما تقول ان حضر واحد منهم الجمعة مع الامام فصلاها معه هل تجزئه تلك الصلاة عن ظهر يومه؟ فقال نعم. فقال له الرجل و كيف يجزئ ما لم يفرضه اللّٰه عليه عما فرضه اللّٰه عليه و قد قلت ان الجمعة لا تجب عليه و من لم تجب الجمعة عليه فالفرض عليه
____________
(1) التهذيب ج 1 ص 251 و في الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة.
155
أن يصلى أربعا، و يلزمك فيه معنى ان اللّٰه فرض عليه أربعا فكيف أجزأ عنه ركعتان؟ مع ما يلزمك أن من دخل في ما لم يفرضه اللّٰه عليه لم يجزئ عنه مما فرض اللّٰه عليه؟ فما كان عند ابن ابى ليلى فيها جواب و طلب اليه أن يفسرها له فأبى ثم سألته انا عن ذلك ففسرها لي فقال: الجواب عن ذلك ان اللّٰه عز و جل فرض على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخص للمرأة و المسافر و العبد ان لا يأتوها فلما حضروها سقطت الرخصة و لزمهم الفرض الأول فمن أجل ذلك أجزأ عنهم.
فقلت عن من هذا؟ فقال عن مولانا ابى عبد اللّٰه (عليه السلام)».
و هذه الرواية كما ترى صريحة في دخول المرأة في الحكم المذكور خلافا لما هو المتكرر في كلامهم و المشهور كما سيأتي تحقيقه.
و نحوها أيضا
صحيحة أبي همام عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا صلت المرأة في المسجد مع الامام يوم الجمعة ركعتين فقد نقصت صلاتها و ان صلت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصل في بيتها أربعا أفضل».
و التقريب فيها ان نقص الصلاة بالصاد المهملة يقتضي إجزاءها في الجملة و كذا قوله «لتصل في بيتها أفضل» نعم لو كانت بالضاد المعجمة انتفت دلالتها على الإجزاء بل دلت على نقيضه.
و ربما أشكل ذلك نظرا الى ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من سقوط الجمعة عن هؤلاء المعدودين و بها خصت الآية و عموم الأخبار الدالة على وجوب الجمعة عليهم لو لا هذه الأخبار، فالقول بعود الوجوب عليهم بعد الحضور يحتاج الى دليل قاطع، و الرواية الأولى من هاتين الروايتين ضعيفة السند بالراوي و المنقول عنه فلا تقوم حجة في تخصيص الأخبار المذكورة الدالة على السقوط، و الثانية و ان كانت صحيحة إلا انها أخص من المدعى، و من ثم استشكل في المدارك و مثله الفاضل الخراساني في المسألة. نعم لو ثبت الإجماع المدعى في المقام تم البحث إلا
____________
(1) الوسائل الباب 22 من صلاة الجمعة.
156
انك قد عرفت ما في دعوى هذه الإجماعات من المجازفات.
لكن قد ورد ما يعضد هذين الخبرين بالنسبة إلى المسافر ايضا
كما رواه الصدوق في كتاب الأمالي في المجلس الثالث بسنده عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «أيما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها و حبا لها أعطاه اللّٰه أجر مائة جمعة للمقيم».
و رواه في كتاب ثواب الأعمال في الموثق عن سماعة عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) مثله (2) و فيه تأييد ظاهر للقول بالوجوب و ان كان أخص من المدعى ايضا.
و الاحتياط يقتضي اما عدم حضور هؤلاء موضع الجمعة أو الجمع بين الفرضين احتياطا ان حضروا.
المقام الثاني [هل تنعقد الجمعة بالمرأة و العبد و المسافر؟]
- الظاهر انه لا خلاف بينهم في انعقاد الجمعة بما عدا المرأة و العبد و المسافر اما هؤلاء أو واحد منهم لو كان من جملة العدد الذي هو شرط الوجوب و هو السبعة أو الخمسة فهل تنعقد الجمعة به و يحصل شرط الوجوب أم لا؟
أما المرأة فالظاهر انه لا خلاف في عدم انعقاد الجمعة بها و انما الخلاف في الوجوب عليها لو حضرت و عدمه.
و الذي يدل على الحكم الأول مضافا الى الإجماع المذكور الأخبار،
ففي صحيحة زرارة أو حسنته (3) «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقل من خمسة رهط».
و الرهط- على ما في الصحاح- ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة
و في صحيحة منصور (4) «يجمع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة لا أقل».
و القوم- على ما ذكره في الصحاح- الرجال دون النساء.
و قوله (عليه السلام) في ثالثة (5) «جمعوا إذا كانوا خمسة نفر».
قال في الصحاح:
____________
(1) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و قوله «خمسة لا أقل» نقل بالمعنى كما يظهر بالرجوع الى ص 73.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة رقم 6.
157
النفر بالتحريك عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة.
و هذه الأخبار كما ترى بالنظر الى ما نقلناه من كلام أهل اللغة متطابقة الدلالة على ان العدد المشترط في الجمعة لا بد أن يكونوا من الرجال.
و أما الكلام بالنسبة إلى الحكم الثاني فظاهر الشيخين في المقنعة و النهاية هو الوجوب على المرأة لو حضرت، قال في المقنعة: و هؤلاء الذين وضع اللّٰه عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها و ان يصلوها كغيرهم و يلزمهم استماع الخطبة و صلاة ركعتين، و متى لم يحضروها لم تجب عليهم و كان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في سائر الأيام. و مقتضاه كما ترى وجوبها على الجميع مع الحضور من غير استثناء. و استدل عليه الشيخ في التهذيب برواية حفص المتقدمة، و نحوه في النهاية. و به صرح ابن إدريس فقال بوجوبها على المرأة عند الحضور غير انها لا تحسب من العدد، و تدل عليه رواية حفص المتقدمة.
و قال في المبسوط: أقسام الناس في الجمعة خمسة: من تجب عليه و تنعقد به و هو الذكر الحر البالغ العاقل الصحيح السليم من العمى و العرج و الشيخوخة التي لا حراك معها الحاضر و من بحكمه، و من لا تجب عليه و لا تنعقد به و هو الصبي و المجنون و العبد و المسافر و المرأة لكن يجوز لهم فعلها إلا المجنون، و من تنعقد به و لا تجب عليه و هو المريض و الأعمى و الأعرج و من كان على رأس أكثر من فرسخين، و من تجب عليه و لا تنعقد به و هو الكافر لانه مخاطب بالفروع عندنا. و الظاهر- كما ذكره بعض الأصحاب- ان مراده بنفي الوجوب في موضع جواز الفعل نفى الوجوب العيني لأن الجمعة لا تقع مندوبة إجماعا.
و قطع المحقق في المعتبر بعدم الوجوب على المرأة حيث قال: ان وجوب الجمعة عليها مخالف لما عليه اتفاق فقهاء الأمصار. و طعن في رواية حفص المتقدمة بضعف حفص و جهالة المروي عنه. و ظاهره عدم جواز الفعل ايضا.
قال في المدارك: و هو متجه لولا رواية أبي همام المتقدمة. ثم قال (قدس سره)
158
و الحق ان الوجوب العيني منتف قطعا بالنسبة الى كل من سقط عنه الحضور و اما الوجوب التخييري فهو تابع لجواز الفعل فمتى ثبت الجواز ثبت الوجوب و متى انتفى انتفى. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ظاهر كلمة الأصحاب و كذا ظاهر رواية حفص المتقدمة انما هو الوجوب العيني بعد الحضور لان ظاهر الجميع هو ان الساقط عن هؤلاء انما هو السعى فمتى تكلفوه و حضروا صار الوجوب عينيا و تعين عليهم الصلاة جمعة، و هذا الوجوب التخييري الذي اختاره لا اعرف له وجها، نعم يبقى الكلام في الافراد المختلف فيها و هو أمر آخر.
و مما ذكرنا ظهر أن حكم المرأة عدم انعقاد الجمعة بها و ان وجبت عليها بالحضور كما ذكره الشيخان و ابن إدريس.
و يعضد ذلك
ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين و صلاة الجمعة ما على الرجال؟ قال نعم».
و الظاهر حمله على الحضور في موضع الجمعة جمعا بينه و بين الأخبار الدالة على السقوط عنها.
و أنت خبير بان هذه الرواية مع ضمها إلى روايتي حفص و ابى همام المتقدمتين لا تقصر عن تخصيص تلك الأخبار الدالة على السقوط، و تؤيدها رواية المجالس المتقدمة و ان كانت بخصوص المسافر.
و اما العبد و المسافر لو حضرا فقال الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر و ابن إدريس انها تنعقد بهما لأن ما دل على اعتبار العدد مطلق فيتناولهما كما يتناول غيرهما.
و هو جيد إلا انه لا يتم في ما إذا كان العدد منحصرا في المسافرين و ان زعمه شيخنا الشهيد لما سيأتي بيانه ان شاء اللّٰه تعالى في المقام.
و ذهب جمع من الأصحاب: منهم- الشيخ في المبسوط كما تقدم في عبارته و ابن
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة.
159
حمزة و العلامة في بعض كتبه إلى انها لا تنعقد بهما، لأنهما ليسا من أهل فرض الجمعة كالصبي، و لأن الجمعة انما تصح من المسافر تبعا لغيره فكيف يكون متبوعا؟
و لانه لو جاز ذلك لجاز انعقادها بالمسافرين و ان لم يكن معهم حاضر.
و أجيب بأن الفرق بينهما و بين الصبي عدم التكليف في الصبي دون المسافر و العبد، و بمنع التبعية للحاضر، و الالتزام بانعقادها بجماعة المسافرين.
و فيه نظر كما أشرنا إليه. نعم يمكن منع الملازمة بجواز ذلك مع المنع من انعقادها بجماعة المسافرين و هذا هو المفهوم من الاخبار. و اما ما ذكره في الذكرى- من ان الظاهر ان الاتفاق واقع على صحتها بجماعة المسافرين و اجزائها عن الظهر- فان ظاهر الأخبار منعه لاستفاضتها بان المسافر فرضه في السفر انما هو الظهر دون الجمعة:
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قال لنا صلوا في السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة».
و عنه في الصحيح ايضا (2) قال: «سألته عن صلاة الجمعة في السفر قال تصنعون كما تصنعون في الظهر و لا يجهر الامام فيها بالقراءة و انما يجهر إذا كانت خطبة».
و عن جميل في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر قال تصنعون كما تصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر و لا يجهر الإمام إنما يجهر إذا كانت خطبة».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن ربعي بن عبد اللّٰه و فضيل عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) انه قال: «ليس في السفر جمعة و لا فطر و لا اضحى».
و رواه البرقي في المحاسن بسنده عن العلاء بن الفضيل عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) و رواه بسند آخر عن ربعي
____________
(1) الوسائل الباب 73 من القراءة في الصلاة.
(2) الوسائل الباب 73 من القراءة في الصلاة.
(3) الوسائل الباب 73 من القراءة في الصلاة.
(4) الوسائل الباب 19 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
160
عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1).
الى غير ذلك من الأخبار الصريحة في أن فرض المسافر انما هو الظهر، و حينئذ فما ادعاه من انعقادها بالمسافرين مردود بهذه الأخبار. نعم لما دل خبر حفص على انه مع حضور المسافر لموضع الجمعة المنعقدة بالحاضرين تجب عليه صلاة الجمعة و كذا خبر كتاب المجالس وجب القول بالصحة في الموضع المذكور سواء كان الحاضر إماما أو مأموما فإنه تجب عليه الصلاة كذلك و تنعقد به على القول بذلك كما هو الأظهر.
و مما ذكرنا ظهر الوجوب على المرأة و العبد و المسافر لو حضروا و هو مورد رواية حفص المتقدمة، فيكون الاجزاء في غيرهم بطريق أولى لأنه متى ثبت ذلك في محل الخلاف ففي ما لم يحصل فيه خلاف سيما مع ادعاء العلامة في ما قدمنا نقله عنه الإجماع على الصحة و الاجزاء عن الظهر بطريق أولى. و قد اشتمل النص المذكور على تعليل حكمة الوجوب بما يوجب اطراده في الباقين.
ثم انه مما يدل على بطلان ما نقله في الذكرى من الاتفاق على الانعقاد بجماعة المسافرين ما صرح به الشيخ في المبسوط حيث قال: و المسافر يجوز ان يصلى الجمعة بالمقيمين و ان لم يكن واجبا عليه إلا انه لا يصح منه ذلك إلا إذا اتى بالخطبتين و يكون العدد قد تم بغيره. حيث انه اشترط في صحة صلاته مع كونه مسافرا ان يتم العدد بغيره من الحاضرين. و بالجملة فإن كلام شيخنا المذكور المشار اليه هنا لا يخلو من غفلة. و اللّٰه العالم.
(المطلب الرابع) في اللواحق
و الكلام فيه ينتظم في مسائل
[المسألة] (الأولى) [حرمة السفر يوم الجمعة بعد الزوال قبل الصلاة]
الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في تحريم السفر يوم الجمعة بعد الزوال و قبل الصلاة، و نقل الإجماع على ذلك جماعة: منهم- العلامة في المنتهى و التذكرة و اليه ذهب أكثر العامة (2).
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة.
(2) المغني ج 2 ص 362.
161
و استدل عليه في التذكرة
بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة لا يصحب في سفره و لا يعان على حاجته».
قال: و الوعيد لا يترتب على المباح.
أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار ما وقع لهم (عليهم السلام) من التأكيد في المكروهات بما يكاد يلحقها بالمحرمات و في المستحبات بما يكاد يدخلها في حيز الواجبات، هذا مع تسليم ثبوت الخبر المذكور.
ثم انهم استدلوا على ذلك أيضا بأن ذمته مشغولة بالفرض و السفر مستلزم للإخلال به فلا يكون سائغا.
و فيه ان صحة هذا الدليل مبنية على ان الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص و هو مما لم يقم عليه دليل بل الأدلة على خلافه واضحة السبيل كما أوضحناه في بعض المباحث المتقدمة.
و أورد عليه ايضا انه على هذا التقدير يلزم من تحريم السفر عدم تحريمه و كل ما أدى وجوده الى عدمه فهو باطل، أما الملازمة فلانه لا مقتضى لتحريم السفر إلا استلزامه لفوات الجمعة كما هو المفروض، و متى حرم السفر لم تسقط الجمعة كما تقدم فلا يحرم السفر لانتفاء المقتضى، و اما بطلان اللازم فظاهر. كذا ذكره في المدارك.
و فيه ان هذا الإيراد مختص بصورة إمكان الجمعة في الطريق كما ذكره جده في كتاب الروض لا تحريم السفر مطلقا كما ذكره حيث قال في الروض: و لا فرق في التحريم بين أن يكون بين يديه جمعة اخرى يمكن إدراكها في الوقت و عدمه لإطلاق النهي مع احتمال عدم التحريم في الأول لحصول الغرض. و يضعف بان السفر ان ساغ أوجب القصر فتسقط الجمعة حينئذ فيؤدي إلى سقوطها فيحرم فلا تسقط عنه فيؤدى التحريم الى عدمه و هو دور. انتهى.
____________
(1) المغني ج 1 ص 362.
162
و بالجملة فإن كلام السيد (قدس سره) و إيراده ما ذكره على تحريم السفر مطلقا خلاف ما صرح به غيره كما سمعت من كلام جده، فإنهم إنما أوردوا ذلك على من جوز السفر إذا كان بين يدي المسافر جمعة يدركها قبل فوات الوقت كما هو ظاهر سوق الكلام المذكور.
هذا و قد أجاب الفاضل الخراساني في الذخيرة عن الإيراد المذكور بانا لا نسلم ان علة حرمة السفر استلزام السفر للفوات و لا ان علتها حصول الفوات في الواقع أو على تقدير السفر بل علة حرمة السفر استلزام جوازه لجواز تفويت الواجب و جواز تفويت الواجب منتف فيكون ملزومه و هو جواز السفر منتفيا فحرمة السفر ليست مستلزمة لانتفاء العلة المقتضية لحرمته. انتهى.
و كلامه هذا متجه على تقدير ما اختاره في مسألة استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص من القول بذلك، اما على ما اخترناه و هو اختيار جملة من المحققين: منهم- شيخنا الشهيد الثاني و سبطه صاحب المدارك و غيرهما فلا وجه له و بالجملة فإن المسألة خالية من النص الصريح في ذلك و الركون الى التعليلات العقلية قد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم.
نعم يمكن الاستدلال على ذلك بفحوى قوله تعالى «وَ ذَرُوا الْبَيْعَ» (1) و التقريب ان الظاهر ان النهى عن البيع انما وقع لمنافاته السعي إلى الجمعة كما يشعر به التعليل المستفاد من قوله سبحانه «ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ» (2) فيكون السفر المنافي كذلك ايضا.
و يعضد ذلك
ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابى بصير عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح و أنت في البلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد».
و إذا حرم السفر الموجب لتفويت صلاة العيد
____________
(1) سورة الجمعة الآية 9.
(2) سورة الجمعة الآية 9.
(3) الوسائل الباب 37 من صلاة العيد.
163
حرم السفر الموجب لتفويت صلاة الجمعة بطريق اولى.
و يؤكده أيضا
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه للحارث الهمداني على ما نقله الرضى (قدس سره) في كتاب نهج البلاغة (1) «لا تسافر في يوم الجمعة حتى تشهد الصلاة إلا ناضلا في سبيل اللّٰه أو في أمر تعذر به».
و أصل المناضلة المراماة يقال ناضله إذا راماه (2) و المراد هنا الجهاد و الحرب في سبيل اللّٰه.
و ما رواه الكفعمي في كتاب المصباح (3) عن الرضا (عليه السلام) قال: «ما يؤمن من سافر يوم الجمعة قبل الصلاة ان لا يحفظه اللّٰه تعالى في سفره و لا يخلفه في أهله و لا يرزقه من فضله».
و ما رواه في الفقيه و الخصال عن السري عن ابى الحسن على بن محمد (عليهما السلام) (4) قال: «يكره السفر و السعى في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به».
بحمل الكراهة فيها على التحريم كما هو شائع في الأخبار بقرينة خبري المصباح و نهج البلاغة، و الإطلاق في يوم الجمعة محمول على ما بعد الزوال مع احتمال العموم ايضا و ان كان المشهور الكراهة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي في اليوم.
و مما يزيد ذلك تأكيدا ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في رسالة إكمال الجمعة كما نقله عنه
في كتاب البحار (5) قال: و عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) «من سافر يوم الجمعة دعا
____________
(1) ج 3 ص 143 مطبعة الاستقامة و بهامشه شرح محمد عبده.
(2) قال المجلسي في البحار ج 18 الصلاة ص 726 بعد نقل الخبر: بيان- فاصلا أى شاخصا قال تعالى «وَ لَمّٰا فَصَلَتِ الْعِيرُ» فضبطه بالفاء و الصاد المهملة كما في نهج البلاغة ج 3 ص 143 المطبوع بمطبعة الاستقامة حيث ضبط كذلك و قال المعلق في الهامش:
أي خارجا ذاهبا.
(3) ص 184.
(4) الوسائل الباب 52 من صلاة الجمعة.
(5) ج 18 الصلاة ص 731 و في المستدرك في الباب 44 من صلاة الجمعة إلى قوله:
«و لا تقضى له حاجة».
164
عليه ملكاه ان لا يصاحب في سفره و لا تقضى له حاجة».
قال: و جاء رجل الى سعيد بن المسيب يوم الجمعة يودعه فقال لا تعجل حتى تصلى فقال اذن تفوتني أصحابي ثم عجل فكان سعيد يسأل عنه حتى قدم قوم فأخبروه أن رجله انكسرت فقال سعيد انى كنت لأظن أن يصيبه ذلك. و روى ان صيادا كان يخرج في يوم الجمعة لا يمنعه مكان الجمعة من الخروج فخسف به و ببغلته فخرج الناس و قد ذهبت بغلته في الأرض فلم يبق منها إلا أذناها و ذنبها. و روى ان قوما خرجوا في سفر حين حضرت الجمعة فاضطرم عليهم خباؤهم نارا من غير نار يرونها. انتهى ما ذكره في الرسالة المذكورة.
و بالجملة فإجماع الأصحاب قديما و حديثا على الحكم المذكور- حيث لم ينقل فيه مخالف مع تأيده بما ذكرناه من هذه الأخبار و اعتضاده بالاحتياط في الدين- دليل قوى متين كما لا يخفى على الحاذق المكين، فلا ضرورة الى ما ذكروه من تلك التعليلات العليلة مع ما عرفت فيها من المناقضات و المعارضات. و اللّٰه العالم.
[تنبيهات]
بقي في المقام فوائد يجب التنبيه عليها
(الاولى) [هل يترخص المسافر الذي يفوت بسفره الاشتغال بالواجب؟]
قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و متى سافر بعد الوجوب كان عاصيا فلا يترخص حتى تفوت الجمعة فيبتدئ السفر من موضع تحقق الفوات، قاله الأصحاب و هو يقتضي عدم ترخص المسافر الذي يفوت بسفره الاشتغال بالواجب من تعلم و نحوه أو يحصل في حال الإقامة أكثر من حالة السفر لاستلزامه ترك الواجب المضيق فهو اولى من الجمعة خصوصا مع سعة وقتها و رجاء حصول جمعة أخرى أو لا معه و استلزامه الحرج، و كون أكثر المكلفين لا ينفكون عن وجوب التعلم فيلزم عدم تقصيرهم و فوات أغراضهم التي يتم بها نظام النوع غير ضائر و الاستبعاد غير مسموع، و لان الكلام في السفر الاختياري الذي لا يتعارض فيه وجوبان. انتهى.
و اعترضه المحقق الأردبيلي على ما نقل عنه تلميذه السيد السند في المدارك قال: و اعترضه شيخنا المحقق بان هذا كله مبنى على ان الأمر بالشيء يستلزم النهى عن
165
ضده الخاص و هو لا يقول به بل يقول ببطلانه. ثم أجاب عن هذا الاقتضاء مع تسليم تلك المقدمة بمنع منافاة السفر غالبا للتعلم إذ التعلم في السفر متيسر غالبا بل ربما كان أيسر من الحضر، و بأنه ليس في الكتاب و السنة ما يدل على وجوب التعلم على الوجه الذي اعتبره المتأخرون بل المستفاد منهما خلاف ذلك كما يرشد اليه تيمم عمار (1) و طهارة أهل قبا (2) و نحو ذلك، ثم أطال الكلام في ذلك و قوى عدم الوجوب و الاكتفاء في الاعتقادات الكلامية بإصابة الحق كيف اتفق و ان لم يكن عن دليل. ثم قال في المدارك بعد نقله: و هو قوى متين.
و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عنهما، و هو عند التأمل لا يوافق القواعد الصحيحة العدلية على ما أظن.
أقول: اما ما اعترض به المحقق المذكور- من ان كلام شيخنا المتقدم ذكره مبنى على تلك القاعدة و هو لا يقول بها- فيمكن الجواب عنه بان هذا الكلام منه إنما
____________
(1) الوسائل الباب 11 من التيمم رقم 2 و 4 و 5 و 8 و 9.
(2) في الدر المنثور للسيوطي ج 3 ص 278 في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة الآية 109 «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجٰالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» ذكر تسعة عشر حديثا- عن أبي هريرة و ابن عباس و مجمع بن يعقوب بن مجمع و عويم بن ساعدة الأنصاري و عبد اللّٰه بن سلام و الشعبي و ابى امامة و عبد اللّٰه بن الحارث بن نوفل و عطاء و خزيمة بن ثابت و ابى أيوب الأنصاري و ابن عمر و سهل الأنصاري و قتادة- ان الطهور في هذه الآية الغسل بالماء من البول و الغائط، و نص الحديث
ان رسول اللّٰه (ص) قال لأهل قبا ان اللّٰه قد اثنى عليكم خيرا- و ذكر الآية- فما هذا الطهور؟ فقالوا انا نغسل بالماء مخرج البول و الغائط.
و في رواية أبي أيوب و جابر بن عبد اللّٰه و انس بن مالك قالوا له نتوضأ للصلاة و نغتسل من الجنابة. قال فهل مع ذلك غيره؟ قالوا لا غير ان أحدنا إذا خرج الى الغائط أحب أن يستنجى بالماء قال (ص) هو ذاك فعليكموه.
و ذكر الشيخ الطوسي في التبيان ج 1 ص 858 طبع إيران الرواية عن النبي (ص) و زاد عليه في مجمع البيان انه مروي عن السيدين الباقر و الصادق (عليهما السلام).
166
وقع إلزاما للأصحاب القائلين بذلك مع قولهم بهذه القاعدة فلا يرد عليه ما أورده.
و اما قوله في جواب منع السفر عن التعلم- بان التعلم في السفر متيسر غالبا بل ربما كان أيسر- ففيه انه ان أراد تيسره في السفر بل ربما كان أيسر حال الاشتغال بالسفر و السير و السري في الطريق فهو ممنوع كما هو ظاهر، و ان أراد بعد الوصول و الاستقرار في البلدة التي قصدها فهو كما ذكره إلا ان مراد شيخنا المذكور انما هو الأول فلا يرد عليه ايضا ما أورده. و اما قوله- انه ليس في الكتاب و السنة. إلى آخر ما ذكره مما يدل على الاكتفاء بإصابة الحق كيف اتفق- فهو جيد. و قول الفاضل الخراساني من انه عند التأمل لا يوافق القواعد الصحيحة العدلية مردود بما حققناه في مقدمة الأوقات من هذا الكتاب في مسألة ما لو صلى جاهلا بالوقت فانا نقلنا كلامه في المسألة المذكورة و ما أورده على المحقق المذكور مما يوضح ما ذكره هنا من هذا الإجمال و بينا ما فيه من الضعف و الاختلال.
و بالجملة فإن ثبوت العصيان بالسفر المذكور الموجب لعدم الترخص انما يتم بناء على ثبوت القاعدة المذكورة و الحق عندي عدم ثبوتها كما تقدم تحقيقه في بعض مباحث هذا الكتاب. و اللّٰه العالم.
(الثانية) [هل يجوز السفر لو كان بين يديه جمعة أخرى؟]
لو كان بين يدي المسافر جمعة اخرى يعلم إدراكها في محل الترخص فهل يكون السفر سائغا أم لا؟ قد تقدم في كلام شيخنا الشهيد في الروض ما يدل على العدم لقوله: لا فرق في التحريم بين ان يكون بين يديه جمعة اخرى يمكن إدراكها في الوقت و عدمه. و نحوه كلامه في المسالك ايضا، و اختاره سبطه السيد السند في المدارك. و نقل عن المحقق الشيخ على في شرح القواعد القول بالجواز، قال لحصول الغرض و هو فعل الجمعة بناء على ان السفر الطارئ على الوجوب لا يسقطه كما يجب الإتمام في الظهر على من خرج بعد الزوال. قال في المدارك: و يضعف بإطلاق الأخبار المتضمنة لسقوط الجمعة عن المسافر و بطلان القياس مع ان الحق تعين القصر في صورة الخروج بعد الزوال كما سيجيء بيانه ان شاء اللّٰه تعالى. انتهى
167
أقول: قد عرفت ان شيخنا الشهيد في الروض و مثله في المسالك أيضا إنما استند في تحريم السفر في هذه الصورة الى ما ذكره من لزوم توقف وجود الشيء على عدمه و ان عبر عنه بالدور تجوزا، فان السفر ان ساغ أوجب القصر فتسقط الجمعة حينئذ لعدم وجوبها على المسافر، و حاصل كلام المحقق الشيخ على يرجع الى منع هذه المقدمة أعني قوله «إذا وجب القصر سقطت الجمعة» بتخصيص السقوط بما إذا لم يكن السفر طارئا على الوجوب اما لو كان السفر طارئا على الوجوب فلا كما في المثال الذي نظر به.
و أما ما أجاب به في المدارك- من الاستناد إلى إطلاق الأخبار بسقوط الجمعة عن المسافر- فيمكن الجواب عنه بأن الإطلاق انما ينصرف الى الافراد المتكررة المتكثرة الشائعة و هو السفر قبل حصول الوجوب دون هذا الفرد النادر الوقوع و أما ما طعن به من بطلان القياس فالظاهر ان المحقق المذكور إنما قصد بذلك التنظير لدفع الاستبعاد. و اما قوله- ان الحق تعين القصر في صورة الخروج بعد الزوال- ففيه انه و ان كان ذلك هو الذي اختاره لكن الرواية الدالة عليه لا تخلو من العلة كما سيأتي توضيحه ان شاء اللّٰه تعالى في محله مع شهرة القول بما ذكره المحقق المذكور و تأيده بظواهر كثير من الأخبار كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى بيان ذلك.
و الى القول بالجواز كما ذهب اليه المحقق المذكور ذهب الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا و نقله عن بعض الأصحاب غير المحقق المذكور آنفا قال لنا- ان مقتضى التحريم تفويت الجمعة و هو غير لازم في صورة التمكن إذ لا مانع من اقامة الجمعة في السفر (فان قلت) فعلى هذا يلزم أن تكون الجمعة في السفر واجبة عليه مع انه خلاف النصوص (قلت) التخصيص لازم في النصوص الدالة على عدم وجوب الجمعة على المسافر بان تخص بمسافر لم يتوجه اليه التكليف قبل السفر، بيان ذلك ان ههنا حكمين عامين (أحدهما) ان كل حاضر تجب عليه صلاة الجمعة. و (ثانيهما) ان كل مسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة، و المكلف قبل إنشاء السفر داخل في موضوع
168
الحكم الأول و مقتضاه إيجاب الجمعة عليه سواء أوقعه في حال الحضور أو في حال السفر إذ لا تقييد بشيء منهما فإذا تركها في حال الحضور ثم سافر وجب عليه الإتيان بها في هذه الحالة، فالحكم الأول بعمومه اقتضى وجوب الجمعة عليه في حال السفر على أن يكون القيد قيدا للوجوب، و مقتضى عموم الحكم الثاني عدم الوجوب عليه في الصورة المذكورة، فلا بد من إبقاء أحدهما على العموم و التخصيص في الآخر، و الترجيح للتعميم الأول للإجماع على وجوب الجمعة على الحاضر مطلقا من غير أن يكون مشروطا بعدم صدق السفر عليه لاحقا. انتهى.
أقول: ملخص كلامه قد رجع الى ما ادعاه من الإجماع على التعميم الأول مع أنه معارض بالإجماع أيضا على التعميم الثاني كما عرفت مما قدمنا نقله عن الفاضلين و الشهيد من دعوى الإجماع على اشتراط الحضر و انها لا تجب على المسافر، و هو أعم من أن يدخل عليه وقت الوجوب في الحضر أم لا، بل قد اعترف هو بذلك في صدر هذا الكلام حيث قال: و لو كان بين يدي المسافر جمعة اخرى يعلم إدراكها في محل الترخص جاز سفره كما ذهب اليه بعض الأصحاب و اختاره المدقق الشيخ على، و ذهب جماعة إلى عموم التحريم في الصورتين، و الإجماع المنقول سابقا يعم الجميع. ثم قال: لنا. الى آخر ما قدمنا نقله. و بذلك يظهر لك ان ما أطال به الكلام تطويل بغير طائل و كلام لا يرجع الى حاصل.
و يبقى ما ذكره من تعارض العمومين المذكورين كتعارض الإجماعين المنقولين و الأظهر في الجواب انما هو ما قدمنا ذكره من منع شمول إطلاق الأخبار الدالة على سقوط الجمعة عن المسافر لهذا الفرد.
و كيف كان فالمسألة لخلوها عن النص الواضح لا تخلو من الإشكال و الاحتياط فيها واجب على كل حال. و اللّٰه العالم.
(الثالثة) [هل يجب على المسافر في صوب الجمعة حضورها؟]
لو كان بعيدا عن الجمعة بفرسخين فما دون فخرج مسافرا في صوب الجمعة، فقيل يجب عليه الحضور عينا و ان صار في محل الترخص، لأنه لولاه
169
لحرم عليه السفر، و لأن من هذا شأنه يجب عليه السعى قبل الزوال فيكون سبب الوجوب سابقا على السفر كما في الإتمام لو خرج بعد الزوال.
و احتمل الشهيد في الذكرى عدم كون هذا المقدار محسوبا من المسافة لوجوب قطعه على كل تقدير و يجرى مجرى الملك في أثناء المسافة. ثم قال: و يلزم من هذا خروج قطعة من السفر عن اسمه بغير موجب مشهور.
قال في المدارك بعد نقله عنه ذلك: و يضعف بان وجوب قطعه على كل تقدير لا يخرجه عن كونه جزء من المسافة المقصودة. ثم قال: و لو قيل باختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال و ان وجوب السعي إلى الجمعة قبله للبعيد انما يثبت مع عدم إنشاء المكلف سفرا مسقطا للوجوب لم يكن بعيدا من الصواب. انتهى.
و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و الظاهر عندي ان إنشاء السفر إذا كان قبل زمان تعلق وجوب السعى و هو زمان لا يدرك الجمعة ان أخر السعي سقطت الجمعة و إلا وجبت عليه و ان صدق عليه اسم المسافر، و وجهه يعلم مما حققناه سابقا. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ظاهر القول الأول هو انه متى سافر قبل الزوال وجب عليه حضور الجمعة لما ذكره من التعليلين و هو راجع الى المسألة السابقة حتى بالغ في الذكرى في نفى السفر عنه ما دام في هذه المسافة.
و ظاهر ما ذكره في المدارك اختصاص تحريم السفر بما بعد الزوال كما هو المفروض في أصل المسألة و اما قبله فلا. و أجاب عن التعليلين المذكورين في القول الأول بالمنع في هذه الصورة و تخصيص ذلك بما إذا لم ينشئ المكلف سفرا مسقطا للوجوب دون ما نحن فيه من إنشاء السفر المسقط. و فيه ان عموم الأدلة و الروايات الواردة في وجوب الحضور على من كان على رأس فرسخين فما دون شامل لموضع البحث فإنها أعم من ذلك كما اعترف به في المسألة المتقدمة.
و ظاهر كلام الذخيرة انه ان أنشأ السفر قبل زمان تعلق وجوب السعي
170
بالذمة و هو الزمان الذي يدرك فيه الجمعة بحيث لو أخر عنه فاتت فإنه يسقط عنه وجوب حضورها و ان وقع في ذلك الزمان وجب عليه الحضور. و وجهه بالنسبة إلى الأول انه حال إنشاء السفر غير مكلف و لا مخاطب بالجمعة فيكون سفره مشروعا كما لو سافر قبل الزوال في المسألة المتقدمة. و وجهه بالنسبة الى الثاني ما قدمنا نقله عنه من انه لا مانع من اقامة الجمعة في السفر لانه قد تعلق به الخطاب فيجب عليه إقامتها و ليس ثمة مانع إلا السفر و هو لا يمنع من ذلك بالتقريب الذي قدمه، و قد عرفت ما فيه.
و بالجملة فإن المسألة لما كانت عارية من النص كثرت فيها الاحتمالات، و قد عرفت مما ذكرنا في غير موضع مما تقدم عدم صلوح أمثال هذه التعليلات لتأسيس الأحكام الشرعية، فالوقوف على جادة الاحتياط في أمثال هذه المقامات عندنا من الواجبات. و اللّٰه العالم.
(الرابعة) [هل يزول التحريم لو كان السفر واجبا؟]
قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه لو كان السفر واجبا كالحج و الغزو أو مضطرا اليه انتفى التحريم، قال في الروض: و انما يحرم مع الاختيار و عدم وجوبه فلو كان مضطرا اليه بحيث يؤدى تركه الى فوات الغرض أو التخلف عن الرفقة التي لا يستغنى عنها أو كان سفر حج أو غزو يفوت الغرض منهما مع التأخر فلا يحرم. و على هذا المنوال كلام جملة منهم.
و يدل عليه ما قدمنا نقله (1)
عن كتاب نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه للحارث الهمداني «لا تسافر يوم الجمعة حتى تشهد الصلاة إلا ناضلا (2) في سبيل اللّٰه أو في أمر تعذر به».
و اما ما ذكره في الذخيرة هنا- حيث قال: لو كان السفر واجبا كالحج و الغزو مع التضيق أو مضطرا اليه ارتفع التحريم على اشكال في السفر الواجب. انتهى- فلعل الوجه في هذا الإشكال الذي ذكره هو تعارض الواجبين من السفر و الجمعة
____________
(1) ص 163.
(2) ارجع الى التعليقة 2 ص 163.
171
فتقديم وجوب السفر على وجوب الجمعة يحتاج الى دليل.
(الخامسة) [حكم السفر يوم الجمعة بعد طلوع الفجر]
قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه يكره السفر يوم الجمعة بعد طلوع الفجر، و الظاهر انه مجمع عليه بينهم بل و أكثر العامة على ذلك أيضا (1) كما نقل عن التذكرة، و ذكر فيها انه لا يكره ليلة الجمعة إجماعا.
و يدل عليه مضافا الى الاتفاق المذكور ما قدمنا نقله (2)
من خبر السري المنقول في الفقيه و الخصال عن الهادي (عليه السلام) قال: «يكره السفر و السعى في الحوائج يوم الجمعة بكرة من أجل الصلاة فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به».
مع احتمال حمل الكراهة فيه على التحريم كما قدمنا ذكره.
و لم أقف على من استدل على الحكم المذكور بهذا الخبر و انما استندوا فيه الى إطلاق الخبر النبوي الذي قدمنا نقله عن التذكرة (3) و نبهنا على ان الظاهر انه عامي و هو
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «من سافر من دار إقامته يوم الجمعة دعت عليه الملائكة. إلخ».
مع ان هذا الخبر الذي ذكرناه أوضح دلالة و سندا.
و احتمل المحدث الكاشاني في المفاتيح التحريم في هذا المقام و هو ظاهر إطلاق ما قدمناه من رواية مصباح الكفعمي عن الرضا (عليه السلام) و خبر الحارث الهمداني (4) و احتمال حمل الكراهة على التحريم في الخبر المتقدم، و تعضده الرواية التي قدمنا نقلها عن رسالة شيخنا الشهيد الثاني و ان كان الظاهر انها من طرق العامة. و علل الحكم المذكور في المفاتيح قال: لأنه مأمور بالسعي إلى الجمعة من فرسخين فكيف يسعى عنها.
و بذلك يظهر ان ما احتمله (طاب ثراه) قريب لا استبعاد فيه إلا من حيث مخالفة
____________
(1) في شرح الزرقانى على مختصر ابى الضياء في فقه مالك ج 2 ص 64 «يكره السفر يومها لمن تلزمه بعد الفجر و جاز قبله و حرم بالزوال قبل النداء» و نقل الشوكانى في نيل الأوطار ج 3 ص 195 عن مالك و احمد و الشافعي في القديم و الأوزاعي جواز السفر من طلوع الفجر الى الزوال، و حكاه ابن قدامة عن أكثر أهل العلم.
(2) ص 163.
(3) ص 161.
(4) ص 163.
172
الشهرة و إلا فظواهر الكتاب ما ذكرناه من الأدلة تقتضيه. و اللّٰه العالم.
المسألة الثانية [حرمة البيع بعد النداء]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في تحريم البيع بعد النداء للصلاة يوم الجمعة بل نقل الإجماع عليه في المنتهى و التذكرة و يدل عليه قوله عز و جل «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ» (1) فان مفاده الأمر بترك البيع بعد النداء فيكون حراما.
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «و روى انه كان بالمدينة إذا أذن المؤذن يوم الجمعة نادى مناد «حرم البيع حرم البيع» لقوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. الآية».
و الظاهر ان المراد بالبيع في الآية ما هو أعم منه و من الشراء لإطلاقه شرعا عليه، و بذلك صرح جملة من الأصحاب.
و انما الخلاف و الإشكال في هذا المقام في مواضع
[الموضع] الأول [مبدأ حرمة البيع]
- المفهوم من كلام جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في المنتهى و الشيخ في الخلاف اناطة التحريم بالأذان و ان تأخر عن الزوال أخذا بظاهر الآية فالبيع بعد الزوال و قبل الأذان غير محرم، قال في المنتهى: و إذا صعد الخطيب المنبر ثم أذن المؤذن حرم البيع و هو مذهب علماء الأمصار. الى ان قال: و لا يحرم بزوال الشمس ذهب إليه علماؤنا أجمع بل يكون مكروها. و نسبه الى جملة التابعين و أكثر أهل العلم (3)
____________
(1) سورة الجمعة الآية 9.
(2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجمعة.
(3) في المغني ج 2 ص 297 «النداء الذي كان على عهد رسول اللّٰه (ص) هو النداء عقيب جلوس الامام على المنبر فتعلق الحكم به دون غيره، و لا فرق بين أن يكون ذلك قبل الزوال أو بعده» و في عمدة القارئ ج 3 ص 282 قال صاحب الهداية: المعتبر في وجوب السعى و حرمة البيع هو الأذان الأصلي الذي كان على عهد رسول اللّٰه (ص) بين يدي المنبر، و في فتاوى العتابي هو المختار و به قال الشافعي و احمد و أكثر فقهاء الأمصار.
173
و نسب الى مالك و أحمد تحريم البيع بعد الزوال (1). و ظاهره كما ترى دعوى الإجماع على الحكم المذكور مع انه في الإرشاد علق الحكم على الزوال.
و قال في الخلاف: يحرم البيع إذا جلس الامام على المنبر بعد الأذان و يكره بعد الزوال قبل الأذان. انتهى.
أقول: و الأقرب عندي ما ذكره شيخنا في الروض من اناطة ذلك بالزوال فان الظاهر ان التعليق في الآية على الأذان إنما خرج مخرج الغالب المتكرر من وقوع الأذان متى تحقق الزوال.
قال (قدس سره) بعد ذكر عبارة المصنف الدالة على تعليق الحكم على الزوال: و انما علقه المصنف على الزوال لأنه السبب الموجب للصلاة، و النداء اعلام بدخول الوقت فالعبرة به فلو اتفق تأخير الأذان عن أول الوقت نادرا لم يؤثر في التحريم السابق لوجود العلة و وجوب السعى المترتب على دخول الوقت و ان كان في الآية مترتبا على الأذان، إذ لو فرض عدم الأذان لم يسقط وجوب
____________
(1) في المغني ج 2 ص 297 «حكى القاضي رواية عن احمد ان البيع يحرم بزوال الشمس و ان لم يجلس الامام على المنبر» و حكاه في عمدة القارئ ج 3 ص 272 عن الضحاك و الحسن و عطاء، و في المدونة ج 1 ص 143 «قال أبو القاسم قال مالك إذا قعد الامام يوم الجمعة على المنبر فاذن المؤذن فعند ذلك يكره البيع و الشراء و ان اشترى رجل أو باع في تلك الساعة فسخ ذلك البيع» و في ص 144 «قال مالك إذا أذن المؤذن و قعد الامام على المنبر منع الناس من البيع و الشراء» و في كفاية الطالب الرباني لرسالة القيرواني في مذهب مالك ج 1 ص 282 «يحرم حين الأذان بين يدي الإمام البيع بين اثنين تلزمهما الجمعة أو أحدهما فإن وقع فسخ» و في تفسير القرطبي ج 18 ص 108 «في وقت تحريم البيع قولان: الأول- من بعد الزوال الى الفراغ منها قاله الضحاك و الحسن و عطاء. الثاني- من وقت أذان الخطبة إلى وقت الصلاة قاله الشافعي، و مذهب مالك أن يترك البيع إذا نودي للصلاة و يفسخ عنده ما وقع من البيع في ذلك الوقت» فالقول المذكور لم ينسب الى مالك بل نسب اليه القول المشهور.
174
السعي فإن المندوب لا يكون شرطا للواجب، و أكثر الأصحاب علقوا التحريم على الأذان لظاهر الآية بل صرح بعضهم بالكراهة بعد الزوال قبل الأذان و هو أوضح دلالة و ان كان ما هنا أجود. انتهى. و هو جيد.
و يميل إليه أيضا كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث قال: و الظاهر ان النداء كناية عن دخول الوقت فلو لم يناد يحرم ايضا و يجب السعى، فقول المصنف «بعد الزوال» إشارة إلى تفسير الآية أحسن من كلام غيره «بعد النداء» إذ دليل التحريم ظاهر الآية فإنه إذا كان ترك البيع واجبا كما يدل عليه «و ذروا البيع» يكون الفعل حراما لأن الأمر بالسعي للفور لترتبه على «إذا». إلى آخر كلامه زيد في مقامه و بذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال: ثم لا يخفى ان المذكور في عبارات الأصحاب تحريم البيع بعد الأذان حتى ان المصنف في المنتهى و النهاية نقل إجماع الأصحاب على عدم تحريم البيع قبل النداء و لو كان بعد الزوال. ثم نقل ما قدمنا نقله عن المنتهى الى أن قال فما اختاره في هذا الكتاب من إناطة التحريم بالزوال و اختاره الشارح الفاضل محل تأمل. انتهى، فان فيه انه لا مجال للتأمل هنا إلا ان كان باعتبار مخالفة الإجماع المنقول و فيه ما قد عرفت و لا سيما ما شرحناه آنفا من أحوال هذه الإجماعات و به صرح هو أيضا في كتابه في غير موضع، إلا أن مقتضى النظر في الأدلة و تحقيق ما هو الحق المستفاد منها إنما هو في ما ذكره هذان الفاضلان المحققان كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في ما ذكراه فإنه جيد متين و جوهر ثمين كما لا يخفى على الحاذق المكين.
[الموضع] الثاني [هل يلحق غير البيع به في الحرمة؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في غير البيع من العقود و الإيقاعات كالصلح و الإجارة و النكاح و الطلاق و نحوها، فألحقها العلامة (قدس سره) و جماعة بالبيع للمشاركة في العلة المومأ إليها في قوله سبحانه تعالى «ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ» (1) و إنما خص البيع بالذكر لان فعله كان أكثريا لأنهم كانوا يهبطون إلى
____________
(1) سورة الجمعة الآية 9.
175
المدينة من سائر القرى لأجل البيع و الشراء. و أيضا فإن ظاهر الآية يقتضي وجوب السعى بعد النداء على الفور لا من جهة الأمر لعدم دلالته على الفورية كما تقرر في الأصول بل من جهة ان الأمر بترك البيع و السعى إلى الصلاة قرينة إرادة المسارعة فيكون كل ما نافاها كذلك.
أقول: و يعضد ذلك رواية السري المتقدمة (1) و ان كانت بلفظ الكراهة إلا انك قد عرفت ان حملها على التحريم غير بعيد و قد دلت على كراهة السعى في الحوائج الذي هو أعم من العقود أيضا كما ذهب اليه بعضهم في المقام.
و قال المحقق في المعتبر: و هل يحرم غير البيع من العقود؟ الأشبه في المذهب لا خلافا لطائفة من الجمهور (2) لاختصاص النهى بالبيع فلا يتعدى الى غيره و استشكله العلامة في جملة من كتبه نظرا إلى العلة المومأ إليها في الآية كما قدمنا ذكره و من ثم مال في جملة من كتبه إلى الإلحاق بالبيع، و ظاهره في المدارك الميل الى ذلك، و الظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين.
و قال في الذكرى: و لو حملنا البيع على المعاوضة المطلقة الذي هو معناه الأصلي كان مستفادا من الآية تحريم غيره. و يمكن تعليل التحريم بان الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده و لا ريب ان السعى مأمور به فيتحقق النهى عن كل ما ينافيه من بيع و غيره و هذا أولى، و على هذا يحرم غير العقود من الشواغل عن السعى. انتهى و أورد عليه أما بالنسبة إلى الأول فإن حمل البيع على مطلق المعاوضة على الأعيان و المنافع خلاف المعنى الشرعي و العرفي. و على الثاني انه خلاف ما ذهب إليه في مواضع من كتابه من أن الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده الخاص.
أقول: و الحق في المقام أن يقال ان المسألة لما كانت خالية من النص الصريح كان الاحتياط فيها واجبا و هو في جانب القول بالتحريم و يخرج ما ذكرناه من الوجوه
____________
(1) ص 163.
(2) المغني ج 2 ص 298 و عمدة القارئ ج 3 ص 282.
176
المتقدمة الدالة على التحريم شاهدا. و اللّٰه العالم.
[الموضع] الثالث- لو كان أحد المتعاقدين ممن لا يجب عليه السعي
ففي التحريم عليه خلاف فذهب جمع من المتأخرين إلى التحريم و آخرون الى الجواز بالنسبة اليه و ان حرم بالنسبة إلى الآخر، و الى الثاني ذهب المحقق وفاقا للشيخ حيث انه كرهه.
حجة الأولين أنه معاونة على الحرام و قد نهى سبحانه عنها بقوله:
«وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ» (1).
و قال في الذكرى: لو كان أحد المتبايعين ممن لا يخاطب بالسعي كان سائغا بالنظر اليه حراما بالنظر الى من يجب عليه السعى، و قال الشيخ: يكره للأول لأنه اعانة على الفعل المحرم. و قال الفاضل التعليل يقتضي التحريم لقوله تعالى «وَ لٰا تَعٰاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوٰانِ» (2) ثم قوى التحريم عليه ايضا و هو قوى. انتهى.
أقول: و الكلام في هذه المسألة كما في سابقتها فإنها عارية عن النص و الاحتياط فيها مطلوب لما عرفت.
الرابع [هل تستلزم الحرمة في المقام الفساد؟]
- لو أوقع البيع في الحال المنهي عنه فهل ينعقد البيع و ان أثم أو يبطل؟ قولان مبنيان على ان النهى في غير العبادات هل يقتضي الفساد أم لا؟
فذهب العلامة و جملة من الأصحاب- و الظاهر انه المشهور بين المتأخرين- إلى انعقاده بناء على ما تقرر عندهم في الأصول من أن النهى في غير العبادات لا يقتضي الفساد و نقله الشيخ عن بعض الأصحاب، و ذهب جمع من الأصحاب: منهم- الشيخ في المبسوط و الخلاف و ابن الجنيد الى عدم الانعقاد بناء على ان النهى مفسد مطلقا.
أقول: و التحقيق عندي في هذا المقام كما أودعناه في جملة من زبرنا سابقا على هذا الكتاب هو أن يقال لا يخفى ان القاعدة التي بنوا عليها الكلام في المقام من ان النهى في غير العبادات لا يقتضي الفساد و ان اشتهرت و تكررت في كلامهم و تداولتها رؤوس أقلامهم إلا انا نرى كثيرا من عقود المعاملات قد حكموا ببطلانها
____________
(1) سورة المائدة الآية 3.
(2) سورة المائدة الآية 3.
177
من حيث النهى الوارد عنها في الروايات، و من تتبع كتاب البيع و كتاب النكاح عثر على كثير منها و ذلك كبيع الخمر و الخنزير و العذرة و بيع الغرر و نحو ذلك، و العقد على أخت الزوجة و ابنتها و أمها و نحو ذلك، و ما ذكروه من القاعدة المشار إليها اصطلاح أصولي لا تساعد عليه الأخبار بحيث يكون أصلا كليا و قاعدة مطردة بل المفهوم منها كون الأمر كذلك في بعض و بخلافه في آخر كما أشرنا اليه.
و يخطر بالبال في الجمع بين الأخبار المتصادمة في هذا المجال ان يقال ان النهى الواقع في الأخبار ان كان باعتبار عدم قابلية المعقود عليه للدخول تحت مقتضى العقد فإنه يبطل العقد رأسا كالأشياء التي ذكرناها، فان الظاهر ان النهى عنها إنما وقع من حيث عدم قابليتها للانتقال الى ما أريد نقلها اليه. و ان كان لا كذلك بل باعتبار أمر خارج من زمان أو مكان أو قيد خارج أو نحو ذلك مما لا مدخل له في أصل العوضين فالحكم فيه ما ذكروه من صحة العقد و ان حصل الإثم باعتبار مخالفة النهى، و منه البيع وقت النداء فإن النهي عنه وقع من حيث الزمان فيقال بصحة البيع حينئذ لعدم تعلق النهى بذات شيء من العوضين باعتبار عدم قابليته للعوضية و إنما وقع باعتبار أمر خارج عن ذلك و ان أثم باعتبار إيقاعه في ذلك الزمان المنهي عن الإيقاع فيه.
و يؤيد هذا التفصيل بعد أن هجر بالفكر الكليل و الذهن العليل ما وقفت عليه في كلام شيخنا الشهيد الثاني (أعلى اللّٰه مرتبته و نور تربته) في كتاب المسالك في مسألة العقد على بنت الأخ أو الأخت و إدخالهما على العمة و الخالة و اختيارهما في فسخه حيث انه قال: قيل في المسألة المذكورة ببطلان العقد. و قيل بالصحة و ان للعمة و الخالة الخيار في فسخه و عدمه. و قد استدل القائل بالبطلان بالنهي عنه و رده في المسالك بأن النهي لا يدل على الفساد في المعاملات. ثم قال بعد ذلك:
(فان قيل) النهي في المعاملات و ان لم يدل على الفساد بنفسه لكنه إذا دل على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فهو دال على الفساد من هذه الجهة كالنهي عن
178
نكاح الأخت و كالنهي عن بيع الغرر، و النهى في محل النزاع من هذا القبيل (قلنا) لا نسلم دلالته هنا على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فإنها عند الخصم صالحة له و لهذا صلحت مع الاذن بخلاف الأخت و بيع الغرر فإنهما لا يصلحان أصلا، و صلاحية الأخت على بعض الوجوه كما لو فارق الأخت لا يقدح لأنها حينئذ ليست أخت الزوجة بخلاف بنت الأخت و نحوها فإنها صالحة للزوجية مع كونها بنت أخت الزوجة، و الاخبار قد دلت على النهى عن تزويجها و قد عرفت انه لا يدل على الفساد، فصار النهى عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض كالبيع وقت النداء لا لذاته، و العارض هو عدم رضا الكبيرة فإذا لحقه الرضا زال النهى. انتهى و قد ظهر منه ما ذكرناه من التفصيل باعتبار رجوع النهي تارة إلى المعقود عليه من حيث عدم صلاحيته للدخول تحت مقتضى العقد فيكون العقد لذلك فاسدا و تارة من حيث أمر خارج فلا يلزم الفساد، و منه ما نحن فيه من مسألة البيع بعد النداء و مسألة بنت الأخ و الأخت كما اختاره (قدس سره) فإن النهى إنما وقع باعتبار أمر خارج و هو الزمان في الأول و عدم رضا العمة و الخالة في الثاني، و حينئذ فيكون العقد صحيحا في الأول و ان أثم و في الثاني صحيحا مراعى بالرضا و عدمه. و اللّٰه العالم.
(المسألة الثالثة) [هل يحرم الأذان الثاني يوم الجمعة لكونه بدعة؟]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأن الأذان الثاني يوم الجمعة بدعة.
و قد وقع الخلاف هنا في موضعين: الأول- في انه هل يكون حراما لكونه بدعة أو مكروها؟ فقال الشيخ في المبسوط انه مكروه و تبعه المحقق في المعتبر، و ذهب ابن إدريس إلى الأول و هو المشهور بين المتأخرين.
احتج القائلون بالتحريم بان الاتفاق واقع على ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يفعله و لا أمر بفعله و هو عبادة يتوقف فعلها على المشروعية و إذا لم يشرع كان بدعة كالأذان
179
للنافلة، و روى ان أول من فعله عثمان (1) و نقل عن الشافعي أنه قال ما فعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أبو بكر و عمر أحب الى (2) و قيل ان أول من فعله معاوية (3).
و احتجوا أيضا
برواية حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة».
و سمى ثالثا بالنسبة إلى الأذان و الإقامة الموظفين.
قال في المعتبر: الأذان الثاني بدعة و بعض أصحابنا يسميه الثالث لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) شرع للصلاة أذانا و اقامة فالزيادة ثالث على ترتيب الاتفاق، و سميناه ثانيا لانه يقع عقيب الأذان الأول و ما بعده يكون اقامة و التفاوت لفظي، فمن قال بأنه بدعة احتج برواية حفص بن غياث، ثم ذكر الرواية ثم قال لكن حفص المذكور ضعيف و تكرار الأذان غير محرم لأنه ذكر يتضمن التعظيم للرب لكن من حيث لم يفعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لم يأمر به كان أحق بوصف الكراهية و به قال الشيخ في المبسوط. و قيل أول
____________
(1) في البخاري باب الأذان يوم الجمعة عن السائب بن يزيد «كان النداء يوم الجمعة اوله إذا جلس الامام على المنبر على عهد النبي (ص) و ابى بكر و عمر فلما كان عثمان و كثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء» و في عمدة القارئ ج 3 ص 290 عن سليمان بن موسى أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان و عن ابن عمر الأذان الأول بدعة و عن الزهري أول من أحدث الأذان الأول عثمان يؤذن لأهل السوق و عن معاذ بن عمر لما كانت خلافة عمر و كثر المسلمون أمر مؤذنين أن يؤذنا للناس بالجمعة خارجا عن المسجد حتى يسمع الناس الأذان و أمر أن يؤذن بين يديه كما كان يفعل المؤذن بين يدي رسول اللّٰه (ص) و بين يدي أبي بكر ثم قال عمر أما الأذان الأول فنحن ابتدعناه لكثرة المسلمين فهو سنة من رسول اللّٰه (ص) ماضية. و قيل أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج و بالبصرة زياد، و انما سمى ثالثا باعتبار عدد الإقامة لأنها اعلام مثله.
(2) في الأم للشافعي ج 1 ص 173 «الأمر الذي على عهد رسول اللّٰه «ص» أحب الى».
(3) الأم للشافعي ج 1 ص 173.
(4) الوسائل الباب 49 من صلاة الجمعة.
180
من فعل ذلك عثمان، و قال عطاء أول من فعله معاوية (1) قال الشافعي: ما فعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أبو بكر و عمر أحب الى (2) انتهى كلامه زيد مقامه.
و أنت خبير بما فيه من الوهن الذي لا يخفى على الفطن النبيه فان مجرد كون الأذان ذكرا يتضمن التعظيم لا يوجب المشروعية فإن الصلاة أيضا كذلك مع انه لو صلى انسان فريضة أو نافلة زائدة على الموظف شرعا بقصد انها مستحبة أو واجبة في هذا الزمان أو المكان أو على كيفية مخصوصة لم يرد بها الشرع فإنه لا خلاف في البدعية و التشريع و انه فعل محرما، و لهذا خرجت الروايات بتحريم صلاة الضحى (3) مع انها عبادة تتضمن التعظيم لكن لما اقترنت بقصد التوظيف في هذا الوقت مع عدم ثبوته شرعا حصلت البدعية و التحريم فيها، و حينئذ فهذا الأذان الثاني كذلك، و عدم فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أمره به مما يوجب التحريم كما قدمنا ذكره لا الكراهة، و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا غير موجه كما عرفت.
و اما رده رواية حفص بضعف الراوي فقال في الذكرى بأنه لا حاجة الى الطعن في السند مع قبول الرواية للتأويل و تلقى الأصحاب لها بالقبول، بل الحق ان لفظ البدعة غير صريح في التحريم فان المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم تجدد بعده و هو ينقسم الى محرم و مكروه. انتهى.
و فيه ان الظاهر المتبادر من لفظ البدعة سيما بالنسبة إلى العبادات إنما هو المحرم،
و لما رواه الشيخ عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل عن الصادقين (عليهما السلام) (4) «ان كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار».
و بالجملة فالأظهر كما عرفت هو التحريم، و اما رواية حفص فإنه يحتمل حمل الثالث فيها على الأذان الواقع للعصر كما ذكره بعض أفاضل متأخري المتأخرين.
____________
(1) الأم للشافعي ج 1 ص 173.
(2) الأم للشافعي ج 1 ص 173.
(3) الوسائل الباب 31 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(4) الوسائل الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان.
181
الثاني- في تفسير الأذان الثاني فقيل هو ما وقع ثانيا بالزمان بعد أذان آخر واقع في الوقت من مؤذن واحد أو قاصد كونه ثانيا سواء كان بين يدي الخطيب أو على المنارة أو غيرهما.
و قيل ما وقع ثانيا بالزمان و القصد لان الواقع أولا هو المأمور به و المحكوم بصحته فيكون التحريم متوجها الى الثاني.
و قيل انه ما لم يكن بين يدي الخطيب لأنه الثاني باعتبار الأحداث سواء وقع أولا أو ثانيا بالزمان:
لما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال:
«كان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا خرج الى الجمعة قعد على المنبر حتى يفرغ المؤذنون».
و رد بضعف سند الرواية و معارضتها
بحسنة محمد بن مسلم أو صحيحته (2) قال: «سألته عن الجمعة فقال أذان و اقامة يخرج الامام بعد الأذان فيصعد المنبر.
الحديث».
و هو صريح في استحباب الأذان قبل صعود الامام المنبر فيكون المحدث غيره.
و قال ابن إدريس الأذان الثاني ما يفعل بعد نزول الامام مضافا الى الأذان الذي عند الزوال. و هو غريب فإنه لم يقل أحد و لا ورد خبر بالأذان بعد نزول الإمام أقول: قال شيخنا أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان في تفسير قوله تعالى «إِذٰا نُودِيَ.» (3) أي إذا اذن لصلاة الجمعة و ذلك إذا جلس الامام على المنبر يوم الجمعة، و ذلك لانه لم يكن على عهد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نداء سواه، قال السائب بن يزيد كان لرسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) مؤذن واحد بلال فكان إذا جلس على المنبر اذن على باب المسجد فإذا نزل أقام للصلاة ثم كان أبو بكر و عمر كذلك حتى إذا كان
____________
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 6 و 25 من صلاة الجمعة.
(3) سورة الجمعة الآية 9.
182
عثمان و كثر الناس و تباعدت المنازل زاد أذانا فأمر بالتأذين الأول على سطح دار له بالسوق يقال لها الزوراء و كان يؤذن له عليها فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه (1) انتهى.
و فيه دلالة على ان المراد بالثاني هو ما لم يكن بين يدي الخطيب بعد صعوده المنبر لانه هو المسنون الموظف فما عداه تقدم أو تأخر يكون بدعة كما هو القول الثالث من الأقوال المتقدمة.
و اما الإيراد عليه بمضمرة محمد بن مسلم و ان رواية القداح ضعيفة ففيه ان اشتهار الحكم بين الخاصة و العامة (2) بمضمون الرواية المذكورة جابر لضعفها بناء على القول بهذا الاصطلاح المحدث. و أما مضمرة محمد بن مسلم فتحمل على الرخصة. و اللّٰه العالم.
(المسألة الرابعة) إذا لم يكن إمام الجمعة ممن يصح الاقتداء به
تخير المكلف متى ألجأته التقية و الضرورة إلى الصلاة معه بين الصلاة قبل الفريضة ثم يصلى معه نافلة و بين أن يصلى معه ثم يتمها بركعتين بعد فراغه و في الأفضل منهما تردد.
و مما يدل على الأول من الأخبار
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) كيف تصنع يوم الجمعة؟ قال كيف تصنع أنت؟ قلت أصلي في منزلي ثم اخرج فأصلي معهم. قال كذلك أصنع انا».
و عن عبد اللّٰه بن سنان في الصحيح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «ما من
____________
(1) البخاري باب الأذان يوم الجمعة و باب التأذين عند الخطبة و الام للشافعي ج 1 ص 173 و سنن أبى داود ج 1 ص 285 و سنن النسائي ج 1 ص 207 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 348 و سنن البيهقي ج 1 ص 192 و فيها هكذا «فثبت الأمر على ذلك» و في بعضها «فثبت حتى الساعة» و ربما كان «فلم يعب ذلك عليه» نقلا بالمضمون.
(2) ارجع الى التعليقة 3 ص 110.
(3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة عن الصدوق.
183
عبد يصلى في الوقت و يفرغ ثم يأتيهم و يصلى معهم و هو على وضوء إلا كتب اللّٰه له خمسا و عشرين درجة».
و مما يدل على الثاني
ما رواه في الكافي عن حمران بن أعين (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك انا نصلي مع هؤلاء يوم الجمعة و هم يصلون في الوقت فكيف نصنع؟ فقال صلوا معهم. فخرج حمران إلى زرارة فقال له قد أمرنا أن نصلي معهم بصلاتهم فقال زرارة ما يكون هذا إلا بتأويل. فقال له حمران قم حتى تسمع منه قال فدخلنا عليه فقال له زرارة جعلت فداك ان حمران زعم أنك أمرتنا أن نصلي معهم فأنكرت ذلك؟ فقال لنا: كان على بن الحسين (عليهما السلام) يصلى معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فأضاف إليهما ركعتين».
و ما رواه في التهذيب في الحسن أو الموثق عن زرارة عن حمران (2) قال:
«قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان في كتاب على (عليه السلام) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم، قال زرارة قلت له هذا ما لا يكون، اتقاك، عدو اللّٰه اقتدى به؟ قال حمران كيف اتقاني و انا لم أسأله هو الذي ابتدأني و قال في كتاب على (عليه السلام) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم كيف يكون في هذا منه تقية؟ قال قلت قد اتقاك و هذا مما لا يجوز حتى قضى انا اجتمعنا عند ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) فقال له حمران أصلحك اللّٰه حدثت هذا الحديث الذي حدثني به ان في كتاب على (عليه السلام) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم فقال هذا ما لا يكون، عدو اللّٰه فاسق لا ينبغي لنا ان نقتدي به و لا نصلي معه.
فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) في كتاب على (عليه السلام) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم و لا تقومن من مقعدك حتى تصلى ركعتين أخريين. قلت فأكون قد صليت أربعا لنفسي لم أقتدي به؟ فقال نعم. فسكت و سكت صاحبي و رضينا».
و في الصحيح أو الحسن عن زرارة (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان
____________
(1) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(2) التهذيب ج 1 ص 253 و في الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
184
أناسا رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه صلى أربع ركعات بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم؟ فقال يا زرارة ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى خلف فاسق فلما سلم و انصرف قام أمير المؤمنين (عليه السلام) فصلى أربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم فقال له رجل الى جنبه يا أبا الحسن صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن بتسليم فقال إنهن أربع ركعات مشبهات فسكت، فواللّٰه ما عقل ما قال له».
و هذا الخبر يدل على وجه ثالث و هو الإتيان بالفرض بعد الصلاة معهم نافلة.
هذا، و ظاهر خبري حمران المذكورين الإشارة إلى صحة القاعدة المشهورة في كلام الأصحاب من حمل المطلق على المقيد و تقييده به، حيث انه أخبره أولا بما يدل على جواز الصلاة معهم مطلقا و ظاهره صحة الاقتداء بهم كما توهمه حمران ثم بعد المراجعة أخبرهم بالمخصص و هو انه لا يقوم من مقامه حتى يضيف إليها ركعتين أخريين، فدل على اختصاص جواز الصلاة معهم بهذا الوجه.
و نحو هذين الخبرين في ذلك
ما رواه في الكافي و التهذيب عن الحسن بن الجهم (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات. الى ان قال: قلت ما تقول في الصبي لامه ان تحلل؟ قال نعم ان كان لها ما ترضيه أو تعطيه. قلت فان لم يكن لها؟ قال فلا. قلت فقد سمعتك تقول انه يجوز تحليلها؟ فقال إنما أعني بذلك إذا كان لها».
و نحو ذلك في الاخبار كثير يقف عليه المتتبع. و اللّٰه العالم.
(المسألة الخامسة) في آداب الجمعة و ما يستحب في يومها
، و منها-
الغسل
في هذا اليوم و قد تقدم الكلام فيه في كتاب الطهارة في باب الأغسال منقحا موضحا.
و منها-
التنفل في هذا اليوم
و قد اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) هنا لاختلاف الأخبار في مواضع:
[الموضع] الأول- في عدد النوافل
فالمشهور انها عشرون ركعة، و قال ابن الجنيد انها اثنتان و عشرون ركعة، و قال الصدوقان زيادة الأربع الركعات للتفريق فان قدمت
____________
(1) الوسائل الباب 4 من الضمان.
185
النوافل و أخرتها فهي ست عشرة ركعة.
و الواجب نقل الأخبار المتعلقة بذلك ليعلم بذلك مستند هذه الأقوال، فمنها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن التطوع في يوم الجمعة قال إذا أردت أن تتطوع في يوم الجمعة في غير سفر صليت ست ركعات ارتفاع النهار و ست ركعات قبل نصف النهار و ركعتين إذا زالت الشمس قبل الجمعة و ست ركعات بعد الجمعة».
و عن أحمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح عن محمد بن عبد اللّٰه (2) قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن التطوع يوم الجمعة فقال ست ركعات في صدر النهار و ست ركعات قبل الزوال و ركعتان إذا زالت و ست ركعات بعد الجمعة، فذلك عشرون ركعة سوى الفريضة».
و رواه في الاستبصار (3) عن ابن ابى نصر قال: «سألت أبا الحسن. الحديث».
و احتمال سقوط محمد بن عبد اللّٰه من هذا السند قائم كما ان احتمال زيادته في ذلك السند قائم أيضا إلا أن الأمر في ذلك هين عندنا بل عند جملة من أهل هذا الاصطلاح حيث أن الطريق الى ابن أبى نصر صحيح مع كونه ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و موافقة هذا الخبر لصحيح يعقوب المتقدم.
و ما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابى نصر (4) قال: «قال أبو الحسن.
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(2) التهذيب ج 1 ص 323 و في الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(3) ج 1 ص 410 الطبع الحديث و فيه «إذا زالت الشمس».
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
و رواه الشيخ في التهذيب ج 1 ص 248 عن الكليني هكذا: «الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار و ركعتان إذا زالت الشمس ثم صل الفريضة ثم صل بعدها ست ركعات».
و في الاستبصار ج 1 ص 409 الطبع الحديث رواه هكذا: «الصلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات صدر النهار و ست ركعات عند ارتفاعه و ركعتان إذا زالت الشمس ثم تصلي الفريضة ثم صل بعدها ست ركعات» ....
186
(عليه السلام) صلاة النافلة يوم الجمعة ست ركعات بكرة و ست ركعات صدر النهار و ركعتان إذا زالت الشمس ثم صل الفريضة و صل بعدها ست ركعات».
و في الفقيه (1) نسب مضمون هذا الحديث إلى رسالة أبيه اليه، و زاد: و في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى «و ركعتين بعد العصر».
و عن مراد بن خارجة (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اما أنا فإذا كان يوم الجمعة و كانت الشمس من المشرق بمقدارها من المغرب في وقت صلاة العصر صليت ست ركعات فإذا انتفخ النهار صليت ستا فإذا زاغت أو زالت صليت ركعتين ثم صليت الظهر ثم صليت بعدها ستا».
أقول: النفخ كناية عن ارتفاع النهار يعنى وقت الضحى، يقال انتفخ النهار إذا علا.
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز (3) قال:
«قال أبو بصير قال أبو جعفر (عليه السلام) ان قدرت يوم الجمعة أن تصلى عشرين ركعة فافعل ستا بعد طلوع الشمس و ستا قبل الزوال إذا تعالت الشمس- و افصل بين كل ركعتين من نوافلك بالتسليم- و ركعتين قبل الزوال و ست ركعات بعد الجمعة».
و روى الشيخ في كتاب المجالس بسنده عن زريق عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال «كان أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ربما يقدم عشرين ركعة يوم الجمعة في صدر النهار فإذا كان عند زوال الشمس اذن و جلس جلسة ثم أقام و صلى الظهر و كان لا يرى صلاة عند الزوال إلا الفريضة و لا يقدم صلاة بين يدي الفريضة إذا زالت الشمس و كان يقول هي أول صلاة فرضها اللّٰه تعالى على العباد صلاة الظهر يوم الجمعة مع الزوال.
____________
(1) ج 1 ص 267 و 268.
(2) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة. و في التهذيب ج 1 ص 248 رواه عنه هكذا «ارتفع» بدل «انتفخ». و في الاستبصار ج 1 ص 410 الطبع الحديث و الفروع ج 1 ص 119 (فإذا زاغت الشمس أو زالت).
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة.
187
و قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) لكل صلاة أول و آخر لعلة يشغل سوى صلاة الجمعة و صلاة المغرب و صلاة الفجر و صلاة العيدين فإنه لا يقدم بين يدي ذلك نافلة. قال و ربما كان يصلى يوم الجمعة ست ركعات إذا ارتفع النهار و بعد ذلك ست ركعات أخر و كان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذن و صلى ركعتين فما يفرغ إلا مع الزوال ثم يقيم للصلاة فيصلي الظهر و يصلى بعد الظهر أربع ركعات ثم يؤذن و يصلى ركعتين ثم يقيم و يصلى العصر».
أقول: ما اشتمل عليه هذا الخبر من تقديم الأذان على الزوال و صلاة ركعتين غريب مخالف للاخبار و كلام الأصحاب و كذا الأذان للعصر في يوم الجمعة.
و روى الصدوق في كتاب العلل عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «انما زيد في صلاة السنة يوم الجمعة أربع ركعات تعظيما لذلك اليوم و تفرقة بينه و بين سائر الأيام».
أقول: هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على العشرين كما هو القول المشهور.
و اما ما يدل على انها ست عشرة فمنها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان ابن خالد (2) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) النافلة يوم الجمعة؟ قال ست ركعات قبل زوال الشمس و ركعتان عند زوالها، و القراءة في الأولى بالجمعة و في الثانية بالمنافقين و بعد الفريضة ثمان ركعات».
و عن سعيد الأعرج في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن صلاة النافلة يوم الجمعة فقال ست عشرة ركعة قبل العصر ثم قال و كان على (عليه السلام) يقول ما زاد فهو خير. و قال ان شاء رجل أن يجعل منها ست ركعات في صدر النهار و ست ركعات نصف النهار و يصلى الظهر و يصلى معها أربعة ثم يصلى العصر».
و أما ما يدل على انها اثنتان و عشرون ركعة فهو
ما رواه الشيخ في الصحيح
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
188
عن سعد بن سعد الأشعري عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الصلاة يوم الجمعة كم ركعة هي قبل الزوال؟ قال ست ركعات بكرة و ست بعد ذلك اثنتا عشرة ركعة، و ست ركعات بعد ذلك، ثماني عشرة ركعة، و ركعتان بعد الزوال، فهذه عشرون ركعة، و ركعتان بعد العصر، فهذه اثنتان و عشرون ركعة».
قال في المعتبر: و هذه الرواية انفردت بزيادة ركعتين و هي نادرة. و قد تقدم كلام الفقيه نقلا عن نوادر احمد بن محمد بن عيسى بزيادة ركعتين بعد العصر زيادة على العشرين المذكورة في حديثه و هو مؤيد لهذه الرواية.
و اما ما يدل على ما ذكره الصدوقان من التفصيل المتقدم نقله عنهما من أنه مع التفريق يصلى عشرين و مع الجمع في وقت واحد يصلى ست عشرة ركعة فهو مأخوذ
مما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) حيث قال: لا تصل يوم الجمعة بعد الزوال غير الفرضين و النوافل قبلهما أو بعدهما. و في نوافل يوم الجمعة زيادة أربع ركعات يتمها عشرين ركعة يجوز تقديمها في صدر النهار و تأخيرها الى بعد صلاة العصر. فان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات و إذا انبسطت ست ركعات و قبل المكتوبة ركعتين و بعد المكتوبة ست ركعات فافعل، فان صليت نوافلك كلها يوم الجمعة قبل الزوال أو أخرتها الى بعد المكتوبة أجزأك و هي ست عشرة ركعة، و تأخيرها أفضل من تقديمها، و إذا زالت الشمس يوم الجمعة فلا تصل إلا المكتوبة.
بقي الكلام في الجمع بين هذه الأخبار المنقولة في المقام على وجه يحصل به الالتئام و الانتظام، و الظاهر انه ليس إلا التخيير و حمل الزائد على الأقل على الفضل و الاستحباب كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في صحيحة سعيد الأعرج بعد ذكر الست عشرة ركعة «كان على (عليه السلام) يقول ما زاد فهو خير».
[الموضع] الثاني- في وقت النوافل المذكورة
فذهب الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(2) ص 11 و 12.
189
و المصباح و الشيخ المفيد في المقنعة و تبعهما جملة من المتأخرين إلى استحباب تقديم نوافل الجمعة كلها على الفريضة بان يصلى ستا عند انبساط الشمس و ستا عند ارتفاعها و ستا قبل الزوال و ركعتين بعد الزوال، و قال المفيد حين تزول تستظهر بهما في تحقق الزوال، و الظاهر من كلام السيد و ابن ابى عقيل و ابن الجنيد استحباب ست منها بين الظهرين، و نقل عن الصدوق استحباب تأخير الجميع و ليس في كلامه ما يشير اليه كما ستطلع عليه ان شاء اللّٰه تعالى.
و لا بأس بنقل جملة من عبارات الأصحاب في الباب ليزول به الشك عن ما نقلناه و الارتياب فنقول:
قال السيد المرتضى (قدس سره): يصلى عند انبساط الشمس ست ركعات فإذا انتفخ النهار و ارتفعت الشمس صلى ستا فإذا زالت الشمس صلى ركعتين فإذا صلى الظهر صلى بعدها ستا.
و قال الشيخ في النهاية: و تقدم نوافل الجمعة كلها قبل الزوال، هذا هو الأفضل في يوم الجمعة خاصة، و ان صلى ست ركعات عند انبساط الشمس و ست ركعات عند ارتفاعها و ركعتين عند الزوال و ست ركعات بين الظهر و العصر لم يكن ايضا به بأس، و ان أخر جميع النوافل الى بعد العصر جاز له ذلك إلا ان الأفضل ما قدمناه و متى زالت الشمس و لم يكن قد صلى من نوافله شيئا أخرها الى بعد العصر. و قال في الخلاف: يستحب يوم الجمعة تقديم نوافل الظهر قبل الزوال.
و قال في المبسوط: تقديم النوافل يوم الجمعة خاصة قبل الزوال أفضل و في غيرها من الأيام لا يجوز، و يستحب أن يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس و ست ركعات عند ارتفاعها و ست ركعات إذا قرب من الزوال و ركعتين عند الزوال و ان فصل بين الفرضين بست ركعات على ما ورد به بعض الروايات (1) كان أيضا جائزا، و ان أخر جميع النوافل الى بعد العصر جاز ايضا غير ان الأفضل ما قلناه.
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
190
و قال الشيخ المفيد: و صل ست ركعات عند انبساط الشمس و ستا عند ارتفاعها و ستا قبل الزوال و ركعتين حين تزول تستظهر بهما في تحقق الزوال.
ثم قال في موضع آخر: وقت النوافل للجمعة في يوم الجمعة قبل الصلاة و لا بأس بتأخيرها الى بعد العصر.
و قال ابن ابي عقيل: و إذا تعالت الشمس صلى ما بينها و بين الزوال أربع عشرة ركعة فإذا زالت الشمس فلا صلاة إلا الفريضة ثم يتنفل بعدها بست ركعات ثم يصلى العصر، كذلك فعله رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) فان خاف الإمام إذا تنفل أن يتأخر العصر عن وقت الظهر في سائر الأيام صلى العصر بعد الفراغ من الجمعة ثم يتنفل بعدها بست ركعات، هكذا روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) انه ربما كان يجمع بين صلاة الجمعة و العصر و يصلى يوم الجمعة بعد طلوع الشمس و بعد العصر.
و قال أبو الصلاح: يستحب لكل مسلم تقديم دخول المسجد لصلاة النوافل بعد الغسل و يلزم من حضره قبل الزوال ان يقدم النوافل عدا ركعتي الزوال فإذا زالت الشمس صلاهما.
و قال ابن الجنيد: الذي يستحب عند أهل البيت (عليهم السلام) من نوافل الجمعة ست ركعات ضحوة النهار و ست ركعات ما بين ذلك و بين انتصاف النهار و ركعتا الزوال و بعد الفريضة ثمان ركعات منها ركعتان نافلة العصر.
و قال ابن البراج: يصلى ست ركعات عند انبساط الشمس و ستا عند ارتفاعها و ستا قبل الزوال و ركعتين حين تزول الشمس استظهارا للزوال.
و قال الشيخ على بن بابويه: فان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات و إذا انبسطت ست ركعات و قبل المكتوبة ركعتين و بعد المكتوبة ست ركعات فافعل، فان قدمت نوافلك كلها في يوم الجمعة قبل الزوال أو أخرتها الى بعد المكتوبة فهي ست عشرة ركعة و تأخيرها أفضل من تقديمها. أقول: و هذه
____________
(1) لم نقف في الأخبار بعد الفحص في مظانها على ما يدل على هذه النسبة.
(2) لم نقف في الأخبار بعد الفحص في مظانها على ما يدل على هذه النسبة.
191
عين عبارة الفقه الرضوي التي قدمناها.
و قال ابنه في المقنع: ان استطعت أن تصلى يوم الجمعة إذا طلعت الشمس ست ركعات و إذا انبسطت ست ركعات و قبل المكتوبة ركعتين و بعد المكتوبة ست ركعات فافعل، و ان قدمت نوافلك كلها يوم الجمعة قبل الزوال أو أخرتها الى بعد المكتوبة فهي ست عشرة ركعة، و تأخيرها أفضل من تقديمها في رواية زرارة بن أعين، و
في رواية أبي بصير (1) تقديمها أفضل من تأخيرها.
و هو كما ترى يرجع الى ما قدمناه من عبارة كتاب الفقه الرضوي أيضا إلا انه (عليه السلام) حكم في الكتاب بكون التأخير أفضل من التقديم و في عبارة المقنع نسب أفضلية التأخير إلى رواية زرارة و أفضلية التقديم إلى رواية أبي بصير. و هاتان الروايتان و ان لم تصلا إلينا و لكن كفى بنقله لهما لأنه هو الصدوق في ما يقول.
و مما يدل على أفضلية التأخير
ما رواه الشيخ عن عقبة بن مصعب (2) قال:
«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) فقلت أيما أفضل أقدم ركعات يوم الجمعة أو أصليها بعد الفريضة؟ فقال لا بل تصليها بعد الفريضة».
و عن سليمان بن خالد (3) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أقدم يوم الجمعة شيئا من الركعات؟ قال نعم ست ركعات. قلت فأيهما أفضل أقدم الركعات يوم الجمعة أم أصليها بعد الفريضة؟ قال تصليها بعد الفريضة أفضل».
و مما يدل على أفضلية التقديم زيادة على رواية أبي بصير التي أشار إليها في المقنع رواية زريق المتقدم نقلها عن كتاب مجالس الشيخ (4).
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين (5) قال: «سألت أبا الحسن
____________
(1) نقل في الوسائل هذه العبارة من المقنع في الباب 13 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 13 من صلاة الجمعة.
(4) ص 186.
(5) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
192
(عليه السلام) عن النافلة التي تصلى يوم الجمعة قبل الجمعة أفضل أو بعدها؟ قال قبل الصلاة».
و الشيخ قد جمع بين هذه الأخبار بناء على ما ذهب اليه من أفضلية التقديم بحمل الخبرين الأولين على ما إذا أدركه الوقت و لم يصلها بعد، و علل الأفضلية في خبر على بن يقطين بأنه لا يأمن أن يخترم فيفوته ثواب النافلة. و هو جيد، و يعضده استحباب الجمع بين الفرضين يوم الجمعة و عدم الفصل بالنافلة و كذا الأخبار الدالة على ان وقت العصر يوم الجمعة وقت الظهر في سائر الأيام (1).
[الموضع] الثالث- في وقت ركعتي الزوال
هل هو حال الزوال كما تدل عليه التسمية أم لا بل يكون قبله أو بعده؟ قولان ظاهر ما قدمناه من كلام السيد المرتضى و كلام الشيخ في النهاية و المبسوط و كلام ابن الجنيد و ابى الصلاح هو الأول، و ظاهر كلام ابن ابى عقيل الثاني، و ظاهر كلام الشيخ المفيد و ابن البراج الأول أيضا مع احتمال الحمل على الثاني بأن تكون صلاة الركعتين في موضع الشك في الزوال و عدم تحققه.
و مما يدل على الأول من الروايات المتقدمة في المقام صحيحة يعقوب بن يقطين و رواية محمد بن عبد اللّٰه و رواية أحمد بن محمد بن ابى نصر و مراد بن خارجة و صحيحة سليمان بن خالد و صحيحة سعد بن سعد الأشعري.
و اما ما يدل على الثاني منها فرواية أبي بصير المنقولة من كتاب السرائر و رواية زريق المنقولة عن كتاب مجالس الشيخ و كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و منها-
صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال:
____________
(1) الوسائل الباب 8 و 9 من صلاة الجمعة.
(2) تقدمت هذه الرواية ص 135 و لم يصفها بالصحة كما لم يصفها بذلك السبزواري في الذخيرة عند ما تعرض لها في وقت صلاة الجمعة في أول مبحث صلاة الجمعة و كذلك صاحب المدارك، و قد تقدم في التعليقة 5 ص 135 تخريجها من قرب الاسناد حيث لم نجدها في الوافي في مظانها و قد نقلها في الوسائل في الباب 11 من صلاة الجمعة من السرائر و قرب الاسناد و لم نقف على نقلها من التهذيب كما هو ظاهره (قدس سره) في ما يأتي و كما هو ظاهر صاحب الذخيرة حيث عدها في سياق روايات الشيخ.
193
«سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده؟ قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت الشمس فصل الفريضة».
و ما رواه الشيخ عن عبد اللّٰه بن عجلان (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) إذا كنت شاكا في الزوال فصل الركعتين و إذا استيقنت الزوال فصل الفريضة».
و ما رواه الكليني عن ابن ابى عمير (2) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الصلاة يوم الجمعة فقال نزل بها جبرئيل (عليه السلام) مضيقة إذا زالت الشمس فصلها. قال قلت إذا زالت الشمس صليت ركعتين ثم صليتها قال فقال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) اما أنا إذا زالت الشمس لم أبدأ بشيء قبل المكتوبة».
قال القاسم: و كان ابن بكير يصلى الركعتين و هو شاك في الزوال فإذا استيقن الزوال بدأ بالمكتوبة في يوم الجمعة.
و عن ابن سنان (3) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) إذا زالت الشمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة».
و منها- ما رواه الشيخ في المتهجد عن محمد بن مسلم و ما رواه فيه عن حريز (4) و ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر (5) غير الرواية المتقدمة، و ما رواه عن ابن ابى عمير في الصحيح (6) غير روايته المتقدمة، و الكل قد تقدم في المقصد السادس في الوقت من مقاصد المطلب الثاني.
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة و في التهذيب ج 1 ص 248 و الاستبصار ج 1 ص 412 عبد الرحمن بدل عبد اللّٰه.
(2) الفروع ج 1 ص 117 و في الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 8 من صلاة الجمعة.
(4) ص 137.
(5) تقدمت ص 139 و ظاهر كلامه ان الرواية المتقدمة من روايات التهذيب و يدل عليه نقلها في ما يأتي من قرب الاسناد و قد تقدم في التعليقة 2 ص 192 بيان خلاف ذلك.
(6) تقدم ص 139.
194
و منها-
ما رواه في كتاب قرب الاسناد (1) عن عبد اللّٰه بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن الزوال يوم الجمعة ما حده؟
قال إذا قامت الشمس صل الركعتين فإذا زالت فصل الفريضة و إذا زالت الشمس قبل ان تصلى الركعتين فلا تصلهما و ابدأ بالفريضة و اقض الركعتين بعد الفريضة. قال:
و سألته عن ركعتي الزوال يوم الجمعة قبل الأذان أو بعده؟ قال قبل الأذان».
و ما رواه في مستطرفات السرائر نقلا من جامع البزنطي عن عبد الكريم بن عمرو عن سليمان بن خالد عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «قلت له أيما أفضل أقدم الركعتين يوم الجمعة أو أصليهما بعد الفريضة؟ قال تصليهما بعد الفريضة».
و ذكر ايضا عن رجل عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الركعتين اللتين قبل الزوال يوم الجمعة قال اما انا فإذا زالت الشمس بدأت بالفريضة».
و يؤيد هذه الأخبار وجوه (أحدها) صراحتها في المدعى كما لا يخفى على من أمعن النظر في مضامينها بخلاف تلك الأخبار فإنه من المحتمل قريبا حمل قولهم «و ركعتين إذا زالت» أى قارب زوالها و هو وقت قيامها أو الشك في الزوال فان باب المجاز واسع. و (ثانيها) الأخبار المتكاثرة بأن وقت الجمعة ساعة تزول و انه مضيق و (ثالثها) الأخبار الدالة على المنع من النافلة بعد دخول وقت الفريضة و هي مستفيضة صحيحة صريحة كما قدمناها في بحث الأوقات (لا يقال) انه يجوز تخصيصها بهذه الأخبار الدالة على جواز هاتين الركعتين بعد الزوال (لأنا نقول) التخصيص بها انما يتم لو سلمت من المعارض و لا سيما مع ترجحه عليها بما ذكرنا.
و (رابعها) انه الأوفق بالاحتياط في الدين.
و بالجملة فالأقرب عندي هو القول الثاني لما عرفت. و اللّٰه العالم.
و منها-
المباكرة الى المسجد
للإمام و غيره
لما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح
____________
(1) ص 98 و في الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجمعة.
195
عن عبد اللّٰه بن سنان (1) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) فضل اللّٰه يوم الجمعة على غيره من الأيام و ان الجنان لتزخرف و تزين يوم الجمعة لمن أتاها و انكم تتسابقون إلى الجنة على قدر سبقكم إلى الجمعة و ان أبواب السماء لتفتح لصعود اعمال العباد».
و عن جابر (2) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) يبكر الى المسجد يوم الجمعة حين تكون الشمس قدر رمح فإذا كان شهر رمضان يكون قبل ذلك، و كان يقول ان لجمع شهر رمضان على جمع سائر الشهور فضلا كفضل شهر رمضان على سائر الشهور».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا كان يوم الجمعة نزل الملائكة المقربون معهم قراطيس من فضة و أقلام من ذهب فيجلسون على أبواب المساجد على كراسي من نور فيكتبون الناس على منازلهم الأول و الثاني حتى يخرج الإمام فإذا خرج الامام طووا صحفهم، و لا يهبطون في شيء من الأيام إلا في يوم الجمعة يعني الملائكة المقربين».
و نحوه روى في الفقيه عن ابى جعفر (عليه السلام) مرسلا (4).
و ما رواه الصدوق في كتاب الأمالي بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (5) انه قال: «إذا كان يوم الجمعة خرج إحلاف الشياطين يزينون أسواقهم و معهم الرايات و تقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الناس على منازلهم حتى يخرج الامام، فمن دنا الى الامام و أنصت و استمع و لم يلغ كان له كفلان من الأجر، و من تباعد عنه فاستمع و أنصت و لم يلغ كان له كفل من الأجر، و من دنا من الامام و لغى و لم يستمع كان عليه كفلان من الوزر، و من قال لصاحبه «صه» فقد تكلم و من
____________
(1) الوسائل الباب 42 من صلاة الجمعة. و الشيخ يرويه عن الكليني.
(2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة. و نقل فيه ان الشيخ رواه عن الكليني.
(4) الوسائل الباب 27 من صلاة الجمعة إلى قوله «طووا صحفهم».
(5) الوافي باب التبكير إلى الجمعة فإنه بعد نقل اخبار من الباب قال: «بيان- الاخبار في فضل الجمعة أكثر من ان تحصى» ثم ذكر عدة اخبار من الأمالي منها هذا الخبر.
196
تكلم فلا جمعة له. ثم قال على (عليه السلام) هكذا سمعت نبيكم (صلى اللّٰه عليه و آله)».
و عن جابر بن يزيد عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له قول اللّٰه تعالى:
«فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ؟ قال قال: اعملوا و عجلوا فإنه يوم مضيق على المسلمين فيه و ثواب اعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم و الحسنة و السيئة تضاعف فيه. قال و قال أبو جعفر (عليه السلام) و اللّٰه لقد بلغني ان أصحاب النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كانوا يتجهزون للجمعة يوم الخميس لانه يوم مضيق على المسلمين».
الى غير ذلك من الأخبار.
و منها- التطيب و لبس أفخر الثياب و تسريح اللحية و قلم الأظفار و أخذ الشارب و الخروج على سكينة و وقار و الدعاء حال الخروج إلى الجمعة و كثرة الصلاة على محمد و آله (صلوات اللّٰه عليهم) في ذلك اليوم:
روى ثقة الإسلام في الكافي عن هشام بن الحكم (2) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ليتزين أحدكم يوم الجمعة: يغتسل و يتطيب و يسرح لحيته و يلبس أنظف ثيابه و ليتهيأ للجمعة و ليكن عليه في ذلك اليوم السكينة و الوقار و ليحسن عبادة ربه و ليفعل الخير ما استطاع فان اللّٰه يطلع على الأرض ليضاعف الحسنات».
و عن زرارة في الصحيح أو الحسن (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة و شم الطيب و البس صالح ثيابك و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال فإذا زالت فقم و عليك السكينة و الوقار».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4): و عليكم بالسنن يوم الجمعة و هي سبعة: إتيان النساء و غسل الرأس و اللحية بالخطمي و أخذ الشارب و تقليم الأظفار و تغيير الثياب و مس الطيب، فمن أتى بواحدة من هذه السنن نابت عنهن و هي الغسل و أفضل أوقاته قبل الزوال.
و قد قدمنا جملة من الأخبار المتعلقة بالغسل يوم الجمعة في فصل الأغسال من
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجمعة. و الرواية عن الكليني و الشيخ.
(2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجمعة.
(3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجمعة.
(4) ص 11.
197
كتاب الطهارة (1) و جملة من الأخبار في استحباب التطيب و أخذ الشارب و تقليم الأظفار و النورة في آخر كتاب الطهارة (2).
و روى الشيخ في التهذيب (3) عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:
«ادع في العيدين و يوم الجمعة إذا تهيأت للخروج بهذا الدعاء: اللهم من تهيأ و تعبأ و أعد و استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده و طلب نائله و جوائزه و فواضله و نوافله فإليك يا سيدي وفادتي و تهيئتي و تعبئتي و إعدادي و استعدادي رجاء رفدك و جوائزك و نوافلك فلا تخيب اليوم رجائي يا من لا يخيب عليه سائل و لا ينقصه نائل، فإني لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته و لا شفاعة مخلوق رجوته و لكن أتيتك مقرا بالظلم و الاسائة لا حجة لي و لا عذر فأسألك يا رب أن تعطيني مسألتي و تقلبني برغبتي و لا تردني مجبوها و لا خائبا يا عظيم يا عظيم يا عظيم أرجوك للعظيم أسألك يا عظيم ان تغفر لي العظيم لا إله إلا أنت اللهم صل على محمد و آل محمد و ارزقني خير هذا اليوم الذي شرفته و عظمته و تغسلني فيه من جميع ذنوبي و خطاياي و زدني من فضلك انك أنت الوهاب».
و روى في الكافي عن عمر بن يزيد (4) قال: «قال لي أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) يا عمر انه إذا كان ليلة الجمعة نزل من السماء ملائكة بعدد الذر في أيديهم أقلام الذهب و قراطيس الفضة لا يكتبون إلى ليلة السبت إلا الصلاة على محمد و آل محمد فأكثر منها. و قال يا عمر ان من السنة ان تصلى على محمد و أهل بيته في كل جمعة ألف مرة و في سائر الأيام مائة مرة».
و روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عنه (عليه السلام) (5) قال:
«إذا كانت عشية الخميس ليلة الجمعة نزلت ملائكة من السماء معها أقلام الذهب و صحف
____________
(1) ج 4 ص 217.
(2) ج 5 ص 540 الى 576.
(3) ج 3 ص 142 الطبع الحديث و في الوافي باب التبكير إلى الجمعة.
(4) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة.
198
الفضة لا يكتبون عشية الخميس و ليلة الجمعة و يوم الجمعة الى ان تغيب الشمس إلا الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».
و روى في الكافي عن عبد اللّٰه بن ميمون القداح عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) أكثروا من الصلاة على في الليلة الغراء و اليوم الأزهر ليلة الجمعة و يوم الجمعة. فسئل إلى كم الكثير؟ فقال الى مائة و ما زادت فهو أفضل».
و عن المفضل عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ما من شيء يعبد اللّٰه به يوم الجمعة أحب الى من الصلاة على محمد و آل محمد».
و عن سهل رفعه (3) قال قال: «إذا صليت يوم الجمعة فقل: اللهم صل على محمد و آل محمد الأوصياء المرضيين بأفضل صلواتك و بارك عليهم بأفضل بركاتك و السلام عليه و عليهم و رحمة اللّٰه و بركاته. فإنه من قالها في دبر العصر كتب اللّٰه له مائة ألف حسنة و محا عنه مائة ألف سيئة و قضى له بها مائة ألف حاجة و رفع له بها مائة ألف درجة».
و جملة من الأصحاب قد ذكروا في مستحبات يوم الجمعة حلق الرأس. و أنكر جمع ممن تأخر عنهم الوقوف فيه على اثر، و علله المحقق في المعتبر بأنه يوم اجتماع الناس فيجتنب ما ينفر.
أقول: و يمكن الاستدلال على ذلك
بما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (4) قال: «انى لأحلق في كل جمعة في ما بين الطلية إلى الطلية».
و التقريب فيه ان المتبادر من الحلق هو حلق الرأس، و الحمل على حلق العانة بعيد لأن المستفاد من الأخبار انهم كانوا يطلونها بالنورة سيما مع ملازمتهم على النورة بعد ثلاثة أيام
____________
(1) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 43 من صلاة الجمعة.
(3) الفروع ج 1 ص 119 و في الوسائل الباب 48 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 60 من آداب الحمام.
199
و نحوها كما تقدم في الاستطابة من آخر كتاب الطهارة (1) فتكون العانة داخلة في الطلية المذكورة في الخبر. و اللّٰه العالم.
الفصل الثاني في صلاة العيدين
و هما اليومان المعلومان واحدهما عيد و ياؤه منقلبة عن «واو» لأنه مأخوذ من العود إما لكثرة عوائد اللّٰه تعالى فيه على عباده و اما لعود السرور و الرحمة بعوده، و الجمع أعياد على غير القياس لان حق الجمع رد الشيء إلى أصله، قيل و انما فعلوا ذلك للزوم الياء في مفردة أو للفرق بين جمعه و جمع عود الخشب.
و تفصيل الكلام في هذا المقام يقع في بحوث
[البحث] الأول- في وجوبها و ما يتبعه
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [وجوب صلاة العيدين]
- أجمع الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) على وجوبها كما نقله جماعة:
منهم- المحقق و العلامة في جملة من كتبه، و الأصل في ذلك مضافا الى الإجماع المذكور الكتاب و السنة، قال اللّٰه عز و جل «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى» (2) فقد ذكر جمع من المفسرين في معنى هذه الآية ان المراد بالزكاة زكاة الفطرة و الصلاة صلاة العيد.
و يدل عليه من الاخبار
ما رواه في الفقيه مرسلا (3) قال: «و سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى؟ قال من أخرج الفطرة. فقيل له وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى؟ قال خرج الى الجبانة فصلى».
و روى حماد بن عيسى عن حريز عن ابى بصير و زرارة (4) قالا: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) ان من تمام الصوم إعطاء الزكاة يعني الفطرة كما ان الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من تمام الصلاة لأنه من صام و لم يؤد الزكاة فلا صوم له إذا تركها متعمدا و لا
____________
(1) ج 5 ص 540.
(2) سورة الأعلى الآية 14 و 15.
(3) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 1 من زكاة الفطرة.
200
صلاة له إذا ترك الصلاة على النبي و آله (صلوات اللّٰه عليهم) ان اللّٰه عز و جل قد بدأ بها قبل الصلاة فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى».
و في تفسير على بن إبراهيم (1) «قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى؟ قال زكاة الفطرة إذا أخرجها قبل صلاة العيد، و ذكر اسم ربه فصلى؟ قال صلاة الفطر و الأضحى».
و استدل جملة من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك على ذلك بقوله عز و جل «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» (2) قال قيل هي صلاة العيد و نحر البدن للأضحية. و قال في المعتبر قال أكثر المفسرين المراد صلاة العيد و ظاهر الأمر الوجوب. و بنحو ما ذكره في المدارك صرح في الذكرى أيضا.
أقول: لم أقف في الأخبار على تفسير الآية بهذا المعنى و انما الذي ورد فيها التفسير بمطلق الصلاة و المراد بالنحر رفع اليدين حال التكبير حذاء الوجه، و قد تقدمت الأخبار بذلك في المسألة الثالثة من الفصل الثاني في تكبيرة الإحرام من كتاب الصلاة (3).
و اما السنة فمنها
انه قد روى الصدوق و الشيخ (عطر اللّٰه مرقديهما) في الصحيح عن جميل (4) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن التكبير في العيدين قال سبع و خمس. و قال صلاة العيدين فريضة. قال و سألته ما يقرأ فيهما؟ قال «و الشمس و ضحاها» و «هل أتاك حديث الغاشية» و أشباههما».
و عن جميل في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (5) انه قال: «صلاة العيدين فريضة و صلاة الكسوف فريضة».
____________
(1) ص 721.
(2) سورة الكوثر الآية 2.
(3) ج 8 ص 43.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد، و اللفظ من أوله الى آخره للشيخ و لم يرو الصدوق منه إلا قوله «صلاة العيدين فريضة» كما سيأتي في الرواية الأخرى فإنها للصدوق.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و من صلاة الكسوف.
201
و روى الشيخ في التهذيب عن أبي أسامة عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال:
«صلاة العيدين فريضة و صلاة الكسوف فريضة».
قال في الفقيه بعد نقل صحيحة جميل الثانية: يعني انهما من صغار الفرائض و صغار الفرائض سنن
لرواية حريز عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«صلاة العيدين مع الإمام سنة».
و مراده بهذا الجمع بين الخبرين بأنه لا منافاة بين كونها سنة و بين كونها فريضة. و فيه ما سيأتي ذكره ان شاء اللّٰه تعالى. و الشيخ في التهذيبين قد فسر السنة بما علم وجوبه بالسنة لئلا ينافي كونها فريضة يعنى واجبة.
و في كل من الجمعين نظر، أما ما ذكره الصدوق فانا لا نعرف له مستندا لان الفرض ان أريد به ما وجب بالكتاب و يقابله إطلاق السنة بمعنى ما وجب بالسنة فإنه لا فرق بين كبار الفرائض و لا صغارها في المعنى المذكور، و إطلاق السنة على صغار الفرائض دون كبارها مع كون السنة بمعنى ما ثبت وجوبه بالسنة لا معنى له ههنا لان هذه الفريضة مما ثبت وجوبها بالكتاب كما عرفت من الأخبار المتقدمة بتفسير قوله تعالى «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى» (3) فلا معنى لوجوبها بالسنة.
و أظهر منه بطلانا حمل السنة على المتبادر منها و هو المستحب.
و اما كلام الشيخ فيدفعه دلالة الآية بمعونة الأخبار الواردة بتفسيرها بصلاة العيدين، و حينئذ فتكون الفريضة في خبر جميل بمعنى ما ثبت وجوبه بالكتاب لا بمعنى الواجب المقابل بالسنة بمعنى المستحب.
و الظاهر في الجمع بين الخبرين المذكورين- كما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي- انما هو حمل الفريضة في الخبر المذكور على معنى ما ثبت وجوبه بالكتاب و السنة، و في خبر حريز عن زرارة إنما أريد بها ان السنة في فرض هذه الصلاة ان
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
(3) سورة الأعلى الآية 14 و 15.
202
تكون مع الامام فمن صلاها بدون الامام معتقدا وجوبها فقد خالف السنة كما تدل عليه الأخبار الآتية من انه لا صلاة إلا مع إمام يعنى واجبة.
إلا أن لقائل أن يقول ان ما استدل به من الآيتين المتقدمتين لا دلالة فيهما على الوجوب نصا بل و لا ظاهرا، اما الثانية فلعدم ورود نص فيها بما ذكروه كما عرفت و اما الأولى فإن غاية ما تدل عليه هو مدح المزكى و المصلى بأنه قد أفلح و هذا لا ظهور له في الوجوب و ان أفهمه إفهاما ضعيفا، و حينئذ فيكون المراد بالفرض في الأخبار المتقدمة انما هو بمعنى الواجب كما هو أحد اطلاقيه، و يؤيده اضافة صلاة الكسوف و انها فريضة في صحيحة جميل الثانية و رواية أبي أسامة مع انها غير مذكورة في القرآن.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1): ان الصلاة في العيدين واجبة. الى ان قال: و ان صلاة العيدين مع الإمام مفروضة و لا تكون إلا بإمام و خطبة. الى ان قال ايضا: و صلاة العيدين فريضة واجبة مثل صلاة يوم الجمعة إلا على خمسة.
الى آخر ما سيأتي من نقل تتمة العبارة المذكورة ان شاء اللّٰه تعالى.
(المسألة الثانية) [ما يشترط في وجوب صلاة العيد]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم)- بل نقل جملة منهم الإجماع عليه- انه يشترط في صلاة العيد ما يشترط في الجمعة من الشروط المتقدمة و قد تقدم أنها خمسة، إلا ان الخلاف هنا قد وقع في الخطبتين كما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى ذكره في المقام:
أحدها عندهم- السلطان العادل أو من نصبه
، و ظاهر العلامة في المنتهى دعوى الإجماع على هذا الشرط.
و احتج عليه
بصحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ليس في الفطر و الأضحى أذان و لا اقامة. الى ان قال: و من لم يصل مع إمام في جماعة فلا صلاة له و لا قضاء عليه».
____________
(1) ص 12.
(2) الوسائل الباب 2 و 7 من صلاة العيد.
203
و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن الصلاة يوم الفطر و الأضحى فقال ليس صلاة إلا مع امام».
و رواية معمر بن يحيى عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «لا صلاة يوم الفطر و الأضحى إلا مع إمام».
أقول: و من الأخبار بهذا المعنى
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «من لم يصل مع إمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له و لا قضاء عليه».
و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «لا صلاة يوم الفطر و الأضحى إلا مع امام عادل».
و عن سماعة في الموثق عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) (5) «لا صلاة في العيدين إلا مع امام و ان صليت وحدك فلا بأس».
و نحوه كلام المحقق و تبعهما جماعة ممن تأخر عنهما.
إلا ان جملة من متأخري المتأخرين الذين جرت عادتهم بدقة النظر في الأحكام و التأمل التام في أخبارهم (عليهم السلام) قد طعنوا في هذا الشرط فمنهم من استشكله و صارت المسألة عنده في قالب الإشكال، و منهم من خالفهم و جزم بمنع ما ذكروه.
و منشأ ذلك عند الأولين هو احتمال حمل الإمام في الأخبار المذكورة على ما هو أعم من إمام الأصل و امام الجماعة، و الى هذا ذهب المحدث الكاشاني في الوافي و المفاتيح فإنه جعل هذه الأخبار متشابهة باعتبار احتمال ارادة المعصوم منها و ليست محكمة في أحد المعنيين، و عند الآخرين هو ان الظاهر منها انما هو إمام الجماعة خاصة.
قال في المدارك بعد نقل الاستدلال عن العلامة بما قدمناه من الاخبار:
و عندي في هذا الاستدلال نظر إذ الظاهر ان المراد بالإمام هنا إمام الجماعة لا إمام
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
204
الأصل كما يظهر من تنكير الامام و لفظ الجماعة
و قوله (عليه السلام) (1) في صحيحة ابن سنان «من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل و ليتطيب بما وجد و ليصل وحده كما يصلى في الجماعة».
و في موثقة سماعة (2) «لا صلاة في العيدين إلا مع امام و ان صليت وحدك فلا بأس».
قال جدي (قدس سره) في روض الجنان: و لا مدخل للفقيه حال الغيبة في وجوبها في ظاهر الأصحاب و ان كان ما في الجمعة من الدليل قد يتمشى هنا إلا انه يحتاج إلى القائل، و لعل السر في عدم وجوبها حال الغيبة مطلقا بخلاف الجمعة ان الواجب الثابت في الجمعة انما هو التخييري كما مر أما العيني فهو منتف بالإجماع و التخييري في العيد غير متصور إذ ليس معها فرد آخر يتخير بينها و بينه فلو وجبت لوجبت عينا و هو خلاف الإجماع. قلت: الظاهر انه أراد بالدليل ما ذكره في الجمعة من ان الفقيه منصوب من قبله عموما فكان كالنائب الخاص و قد بينا ضعفه في ما سبق. و اما ما ذكره من السر فكلام ظاهري إذ لا منافاة بين كون الوجوب في الجمعة تخييريا و في العيد عينيا إذا اقتضته الأدلة. و بالجملة فتخصيص الأدلة الدالة على الوجوب بمثل هذه الروايات لا يخلو من اشكال، و ما ادعوه من الإجماع فغير صالح للتخصيص ايضا لما بيناه غير مرة من ان الإجماع انما يكون حجة مع العلم القطعي بدخول قول الإمام في أقوال المجمعين و هو غير متحقق هنا، و مع ذلك فالخروج من كلام الأصحاب مشكل و اتباعهم بغير دليل أشكل. انتهى.
و قال في الذخيرة بعد ذكر نحو ما ذكره في المدارك أولا: و يؤيد الوجوب ما دل على وجوب التأسي بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في ما علم كونه صدر عنه على جهة الوجوب و ان كان لنا فيه نوع تأمل إذ الأمر ههنا كذلك فان وجوبها عليه (صلى اللّٰه عليه و آله) ثابت بإجماع الأصحاب، مع ان التمسك بأصل عدم الوجوب في ما ثبت وجوبه عليه (صلى اللّٰه عليه و آله) محل إشكال، فإذن القول بعدم الوجوب في غاية الاشكال و الاجتراء على الحكم بالوجوب
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
205
مع عدم ظهور مصرح به من الأصحاب لا يخلو من اشكال. و طريق الاحتياط واضح و قال شيخنا المجلسي في كتاب البحار- بعد نقل كلام الفاضلين بالاشتراط و استدلالهما بالإجماع و بعض الأخبار المتقدمة- ما لفظه: و فيه نظر إذ الظاهر ان المراد بالإمام في هذه الأخبار إمام الجماعة لا إمام الأصل كما يشعر به تنكير الامام و لفظة الجماعة في بعض الأخبار و مقابلة «ان صليت وحدك» مما يعين هذا.
و قوله «لا صلاة» يحتمل «كاملة» كما هو الشائع في هذه العبارة،
و في صحيحة عبد اللّٰه ابن سنان عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل و ليتطيب بما وجد و ليصل وحده كما يصلى في الجماعة».
و يؤيد الوجوب ما دل على وجوب التأسي بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في ما علم صدوره عنه على وجه الوجوب و الأمر هنا كذلك قطعا. و بالجملة ترك هذه الفريضة بمحض الشهرة بين الأصحاب جرأة عظيمة مع انه لا ريب في رجحانه، و نية الوجوب لا دليل عليها و لعل القربة كافية في جميع العبادات كما عرفت سابقا. انتهى.
أقول: معظم الإشكال عند هؤلاء بعد إجمال هذه الاخبار هو عدم تصريح أحد ممن ذهب الى الوجوب العيني في الجمعة زمان الغيبة بالوجوب العيني هنا، و أنت خبير بان مقتضى حكمهم في العيدين بأنها جارية على نحو صلاة الجمعة في شروط الوجوب هو تبعية صلاة العيدين لصلاة الجمعة كيف كانت، فان هذا الكلام قد صرح به الجميع ممن حكم بالوجوب التخييري في الجمعة زمان الغيبة أو التحريم أو الوجوب العيني، و حينئذ فاللازم من ذلك ان كل من اشترط في الجمعة شرطا من حضور إمام الأصل أو نائبه أو انعقادها بإمام الجماعة أو وجوبها عينا به فإنه يجريه في صلاة العيدين، و به يظهر ان كل من قال بالوجوب العيني زمان الغيبة في الجمعة فهو قائل به في العيدين ايضا.
قال شيخنا المفيد في المقنعة في باب صلاة العيدين: و هذه الصلاة فرض
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
206
لازم لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الإمام سنة على الانفراد عند عدم حضور الامام.
و هو كما ترى صريح في ما قلناه واضح في ما ادعيناه فإنه حكم بأن صلاة العيدين فرض عيني لكل من لزمته الجمعة، و قد عرفت مذهبه في الجمعة و شرطها عنده انما هو إمام الجماعة و هي واجبة عينية عنده باجتماع شرائطها المتقدمة التي من جملتها إمام الجماعة، و مقتضى ذلك وجوب صلاة العيدين عينا متى حصلت تلك الشروط و قوله هنا «على شرط حضور الإمام. الى آخره» أراد به بيان التفرقة بين الجمعة و العيدين بحصول الاستحباب في هذه دون تلك فجعل مدار الوجوب و الاستحباب على حضور الامام و عدم حضوره فمتى صلى مع الإمام فهي واجبة عينا و متى تعذر الصلاة معه فهي مستحبة فرادى بخلاف الجمعة فإنه مع عدم الامام تسقط بالكلية. و المراد بالإمام في كلامه هو إمام الجماعة الذي تقدم تصريحه به في صلاة الجمعة.
و اما ما ذهب اليه بعض من الاستحباب جماعة فهو باطل كما سيجيء بيانه ان شاء اللّٰه تعالى بل هي اما واجبة عينا ان وجد الامام و كملت باقي الشروط و إلا صليت فرادى استحبابا. و جميع ما ذكرنا بحمد اللّٰه سبحانه ظاهر لا خفاء عليه.
و اما توهم حمل الأخبار المتقدمة على إمام الأصل فقد عرفت ما فيه من كلام مشايخنا المذكورين (رضوان اللّٰه عليهم) فإنه جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و يؤيد ما ذكرناه من عدم اشتراط إمام الأصل في هذه الصلاة ما نقله في كتاب البحار (1) عن الصدوق في كتاب ثواب الأعمال حيث انه نقل فيه خبرا عن سلمان الفارسي (رضى اللّٰه عنه) عن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) في ثواب صلاة أربع ركعات على كيفية مخصوصة بعد صلاة العيد، ثم قال (قدس سره) هذا لمن كان امامه مخالفا لمذهبه فيصلي معه تقية ثم يصلى هذه الأربع ركعات للعيد فاما من كان
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 861 و العبارة فيها تلخيص و نقل بالمضمون.
207
امامه موافقا لمذهبه و ان لم يكن مفروض الطاعة لم يكن له ان يصلى بعد ذلك حتى تزول الشمس. انتهى.
و هو صريح كما ترى في ان مذهبه (قدس سره) صحة الصلاة بإمام الجماعة و عدم اشتراط إمام الأصل، و به يظهر لك ما في دعوى الإجماع على اشتراط هذه الصلاة بإمام الأصل مع تصريح هذا العمدة الذي هو من أهل الصدر الأول الذين عليهم المعول بجوازها مع إمام الجماعة كما سمعت. و اما احتمال الحمل على صلاة مستحبة فغير جيد لما سنبين ان شاء اللّٰه تعالى من انه لا مستند له و لا دليل عليه و ان ذكره جلهم.
و بالجملة فإن عدم ذكر قدماء أصحابنا للوجوب العيني في هذه الصلاة انما هو باعتبار احالتهم لاحكام هذه الصلاة على صلاة الجمعة فكل ما حكموا به في صلاة الجمعة فهو آت في هذه الصلاة، فلا يتوهم من سكوتهم عن التصريح به هنا نفيه عن هذه الصلاة و ان قالوا به في الجمعة فهو غلط محض كما أوضحناه لك في عبارة المقنعة.
و مما يؤيد ذلك الأخبار الآتية ان شاء اللّٰه تعالى الدالة على تعليم الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم كيفية الصلاة و آدابها و أحكامها و ما يتعلق بالإمام فيها فان جميع ذلك قرينة واضحة على انها يتأتى من أصحابهم أن يصلوها بغير المعصوم إذ مع الاختصاص بالمعصوم لا يظهر لهذا التعليم كثير فائدة كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
و
ثانيها- العدد
و قد أجمع الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) على اعتباره هنا، و يدل عليه
صحيحة الحلبي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) انه قال: «في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة أو سبعة فإنهم يجمعون الصلاة كما يصنعون يوم الجمعة».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) انه قال: «في صلاة العيدين إذا كان القوم خمسة فصاعدا مع إمام في مصر فعليهم ان
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجمعة و 39 من صلاة العيد.
(2) مستدرك الوسائل الباب 31 من صلاة العيد.
208
يجمعوا للجمعة و العيدين».
و نقل عن ابن ابى عقيل أنه ذهب الى اشتراط السبعة هنا مع انه اكتفى في الجمعة بخمسة. و رده بعض الأصحاب بعدم المستند.
أقول: الظاهر من كلام ابن أبى عقيل وصول المستند اليه بذلك و ان لم يصل إلينا حيث قال- على ما نقله عنه في المختلف- و لا عيد مع الامام و لا مع أمرية في الأمصار بأقل من سبعة من المؤمنين فصاعدا و لا جمعة بأقل من خمسة، و لو كان الى القياس سبيل لكانا جميعا سواء و لكنه تعبد من الخالق سبحانه. و هو كما ترى ظاهر في وصول المستند اليه،
و
ثالثها- الجماعة
و قد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ذلك (1).
و
رابعها- الوحدة
قال في المدارك و ظاهر الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) اشتراطها حيث أطلقوا مساواتها للجمعة في الشرائط، و نقل عن الحلبيين التصريح بذلك محتجين بأنه لم ينقل عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انه صلى في زمانه عيدان في بلد كما لم ينقل انه صليت جمعتان،
و بما رواه محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«قال الناس لأمير المؤمنين (عليه السلام) ألا تخلف رجلا يصلى في العيدين؟ قال لا أخالف السنة».
و هما لا يدلان على المنع و من ثم توقف العلامة في التذكرة و النهاية في اشتراط ذلك و هو في محله. انتهى.
أقول: الظاهر ان مرجع التعليل المنقول عن الحلبيين الى أن العبادات لما كانت توقيفية من الشارع وجوبا و ندبا و تعددا و اتحادا و كمية و كيفية و نحو ذلك فالواجب الوقوف على ما علم منهم (صلوات اللّٰه عليهم) بقول أو عمل، و غاية ما يفهم من الاخبار هو جواز صلاة واحدة في المصر و توابعه الى امتداد مسافة الفرسخ فثبوت الثانية و مشروعيتها في هذه المسافة يتوقف على الدليل. و هذا الكلام موجه صحيح دال على المدعى بأوضح دلالة كما لا يخفى و به يقيد إطلاق الأخبار
____________
(1) ص 202 و 203.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
209
الدالة على الوجوب فلا يمكن الاستناد إليها في المقام.
و اما الرواية فلا إشكال في أن ظاهرها هو انه لما كان (عليه السلام) يصحر بصلاة العيدين كما هو السنة فيها قالوا له أن يخلف في المصر من يصلى العيدين بمن تخلف من الضعفة و العجزة عن الخروج فأجاب بأني لا أخالف السنة، و المراد بالسنة يعنى وحدة الصلاة في الفرسخ فإنه واجب بالسنة النبوية، و إطلاق السنة على ما وجب بالسنة شائع في الأخبار كما قدمنا ذكره في مسألة غسل الجمعة من كتاب الطهارة، لا ان المراد بالسنة المستحب كما ربما يتوهم، و على هذا المعنى بنى الاستدلال بالرواية و هو معنى واضح لا غبار عليه.
و بنحو هذه الرواية
روى في كتاب دعائم الإسلام عن على (عليه السلام) (1) انه «قيل له يا أمير المؤمنين (عليه السلام) لو أمرت من يصلى بضعفاء الناس يوم العيد في المسجد؟
قال أكره أن أستن سنة لم يستنها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله)».
و روى شيخنا المجلسي في كتاب البحار (2) نقلا من كتاب عاصم بن حميد عن محمد ابن مسلم قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول قال الناس لعلى (عليه السلام) ألا تخلف رجلا يصلى بضعفة الناس في العيدين؟ قال فقال لا أخالف السنة».
و نحوه بهذا المضمون روى في المحاسن عن رفاعة (3) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام). الحديث».
و مما يؤيد ذلك ما تقدم (4)
في صحيحة زرارة من ان «من لم يصل مع إمام في جماعة فلا صلاة له و لا قضاء عليه».
و نحوه في صحيحته الأخرى (5) و هو شامل بإطلاقه لما لو لم يكن ثمة إمام أو كان و لكن فاتته الصلاة معه. و معنى «لا صلاة له» يعنى وجوبا و إلا فالاستحباب لا ريب فيه نصا و فتوى،
ففي الصحيح لابن سنان (6)
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 14 من صلاة العيد.
(2) ج 18 الصلاة ص 863.
(3) البحار ج 18 الصلاة 86.
(4) ص 202.
(5) ص 203.
(6) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
210
«من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل و ليتطيب بما وجد و ليصل وحده».
و نحوه غيره مما سيأتي ان شاء اللّٰه تعالى.
و التقريب في هذه الأخبار انه لو شرعت الصلاة مرة أخرى في البلد لما حسن هذا الإطلاق في هذه الأخبار بان يقال «لا صلاة له و لا قضاء عليه» أو يقال:
«فليصل وحده» لإمكان الاجتماع على جماعة أخرى كما لا يخفى.
و أما ما ذكره الشهيد و من تأخر عنه- من أن هذا الشرط انما يعتبر مع وجوب الصلاتين فلو كانتا مندوبتين أو إحداهما لم يمنع التعدد- ففيه انه لم يقم لنا دليل على استحباب الجماعة في العيدين كما سيأتي تحقيقه ان شاء اللّٰه تعالى في مسألة على حدة و الى ذلك أشار في المدارك ايضا حيث قال بعد نقل ذلك عن الشهيد: و ليس في النصوص دلالة على شيء من ذلك. انتهى.
و قال في الذكرى: مذهب الشيخ في الخلاف و مختار صاحب المعتبر ان الامام لا يجوز له أن يخلف من يصلى بضعفة الناس في البلد. ثم أورد صحيحة ابن مسلم (1) ثم قال و نقل في الخلاف عن العامة «ان عليا (عليه السلام) (2) خلف من يصلى بالضعفة» و أهل البيت (عليهم السلام) أعرف. انتهى.
و
خامسها- الخطبتان
و قد اختلف فيهما كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) فقال الشيخ في المبسوط في باب صلاة العيدين: و شرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد و الخطبة و غير ذلك. و هو ظاهر في قوله بشرطيتهما في العيدين، و به قال ابن إدريس و العلامة في المنتهى حيث قال: و الخطبتان واجبتان كوجوبهما في الجمعة و لا نعرف خلافا بين المسلمين في كونهما بعد الصلاة إلا من بنى أمية (3) ثم ذكر ايضا انه لا يجب حضورهما و لا استماعهما بغير خلاف. و نحو ذلك ذكر في التذكرة أيضا.
____________
(1) ص 208.
(2) المغني ج 2 ص 373.
(3) المغني ج 2 ص 384.
211
و قال المحقق في المعتبر: و الخطبتان مستحبتان فيهما بعد الصلاة و لا يجب حضورهما و لا استماعهما اما استحبابهما فعليه الإجماع.
و قال الشهيد في الذكرى: المشهور بين الأصحاب في ظاهر كلامهم استحباب الخطبتين في صلاة العيدين و صرح به في المعتبر و أوجبهما ابن إدريس و الفاضل و الروايات مطلقة. و نقل بعض الأخبار الدالة على الخطبة ثم قال و العمل بالوجوب أحوط نعم ليستا شرطا في صحة الصلاة بخلاف الجمعة.
و قال السيد في المدارك- في شرح قول المصنف: و هي واجبة مع وجود الإمام. الى آخره- ان الشيخ صرح في المبسوط باشتراطهما في هذه الصلاة فقال شرائطها شرائط الجمعة سواء في العدد و الخطبة و غير ذلك. ثم ذكر انه الظاهر من عبارة الشرائع حيث أطلق مساواتها للجمعة في الشرائط. ثم ذكر ان العلامة جزم في جملة من كتبه بعدم اعتبار هذا الشرط هنا. ثم قال و هو كذلك تمسكا بالأصل و التفاتا الى كونهما متأخرتين عن الصلاة و لا يجب استماعهما إجماعا فلا تكونان شرطا فيها.
و قال في موضع آخر- في شرح قول المصنف: الثالثة الخطبتان في العيد بعد الصلاة و تقديمهما بدعة- و لم يتعرض المصنف في هذا الكتاب لبيان حال الخطبتين من حيث الوجوب و الاستحباب و نقل عنه في المعتبر انه جزم بالاستحباب و ادعى عليه الإجماع، و قال العلامة في جملة من كتبه بالوجوب، و احتج عليه في التذكرة بورود الأمر بهما و هو حقيقة في الوجوب. و كأنه أراد بالأمر ما يستفاد من الجملة الخبرية فإنا لم نقف في ذلك على أمر صريح. و المسألة محل تردد و كيف كان فيجب القطع بسقوطهما حال الانفراد للأصل السالم من المعارض.
و قال أيضا- في شرح قول المصنف: و لا يجب استماعهما بل يستحب- هذا الحكم مجمع عليه بين المسلمين حكاه في التذكرة و المنتهى مع تصريحه في الكتابين بوجوب الخطبتين و هو دليل قوى على الاستحباب
و روى العامة عن عبد اللّٰه بن
212
السائب (1) قال: «شهدت مع رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) العيد فلما قضى الصلاة قال انا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس و من أحب أن يذهب فليذهب».
و الى القول بالاستحباب مال الفاضل الخراساني في الذخيرة و المحدث الكاشاني في المفاتيح.
و الأظهر عندي هو القول بالوجوب، و يدل عليه قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الذي قد ظهر لك في غير موضع مما قدمنا و سيجيء أمثاله اعتماد الصدوقين سيما الأول عليه و افتاؤهما بعبائر الكتاب كما كشفنا عنه النقاب في غير باب من الأبواب
حيث قال (عليه السلام) (2) «فإن صلاة العيدين مع الإمام فريضة و لا تكون إلا بإمام و خطبة».
و مما يعضد ذلك و يؤيده بأوضح تأييد
ما رواه الصدوق في كتاب العلل و العيون من علل الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «انما جعلت الخطبة يوم الجمعة قبل الصلاة و جعلت في العيدين بعد الصلاة لأن الجمعة أمر دائم يكون في الشهر مرارا و في السنة كثيرا فإذا كثر على الناس ملوا و تركوه و تفرقوا عنه و العيد إنما هو في السنة مرتان و الزحام فيه أكثر و الناس فيه أرغب و ان تفرق بعض الناس بقي عامتهم».
و التقريب فيه انه لو كان ما يدعونه من الاستحباب حقا لكان هو الأولى بأن يذكر علة للفرق في الخبر بان يقال إنما أخرت لان استماعها غير واجب حيث انها مستحبة فمن شاء جلس لاستماعها و من شاء انصرف، و ظاهر الخبر انما هو وجوبها في الصلاتين و ان اختلفتا بالتقدم و التأخر للعلة المذكورة في الخبر. و يؤيده توقف يقين
____________
(1) نيل الأوطار ج 3 ص 376 عن النسائي و ابن ماجة و ابى داود و نقله في الوسائل في الباب 30 من صلاة العيد من مجالس ابن الشيخ عن عبد اللّٰه بن السائب باختلاف في اللفظ.
(2) ص 12.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
213
البراءة عليه لانه المعهود من فعلهم و المأثور من أوامرهم (عليهم السلام).
و ذكر الخطبتين في بيان كيفية الصلاة أيضا ظاهر في ذلك إذ قضية الذكر في بيان كيفية الواجب الوجوب في جميع ما اشتملت عليه الكيفية و خروج بعض الأفراد التي قام الدليل من خارج على استحبابها لا يقتضي خروج ما لم يقم عليه دليل.
هذا، و ما ذكره في المدارك هنا لا يخلو من نوع تشويش و اضطراب بل النظر الظاهر في ما أيد به ذلك من عدم وجوب استماعهما بل الاستحباب.
أما الأول فلان مقتضى كلامه الأول هو اختيار الاستحباب صريحا و ظاهر الثاني بل صريحه التردد و التوقف في المسألة. و ايضا ظاهر كلامه الأول ان العلامة في جملة من كتبه جزم بالاستحباب و ظاهر كلامه الثاني خلافه و انه جزم بالوجوب ثم أورد دليله، و مقتضى الدليل الذي نقله لازم له حيث انه صرح في مواضع من كتابه بأنه لا فرق في دلالة الأمر على الوجوب بين كونه بلفظ الأمر أو بالجملة الخبرية، و حينئذ فالظاهر ان منشأ التردد عنده هو معارضة دعوى الإجماع الذي ذكره في المعتبر مع ما عرفت من طعنه في هذه الإجماعات.
و اما الثاني- و هو ما ذكره في كلامه الثالث من أن تصريح العلامة في الكتابين بالإجماع على عدم وجوب استماع الخطبتين دليل قوى على الاستحباب- ففيه أن خطبة الجمعة مع الاتفاق على وجوبها و انها شرط في صحة الصلاة قد وقع الخلاف في وجوب استماعها فممن ذهب الى عدم وجوب استماعها الشيخ في المبسوط و المحقق في المعتبر مع قولهما بوجوبها و شرطيتها في صحة الصلاة و تردد في الشرائع، و لم نره في تلك المسألة بعد أن نقل قولهما المذكور رد عليهما بأنه يلزم منه المناقضة لأن القول بالوجوب يستلزم القول بوجوب الاستماع و عدم وجوب الاستماع يستلزم الاستحباب كما ذكره هنا. و بالجملة فإنه كما ان أصل وجوب الخطبة متوقف على الدليل كذلك وجوب الاستماع يتوقف عليه و لا ملازمة بينهما؛ و ما علل به وجوب الاستماع في خطبة الجمعة في مقام الرد على صاحب المعتبر من انتفاء فائدة الخطبة بدون الاستماع فهي علة مستنبطة ترجع الى مجرد الاستبعاد، و مع فرض
214
وجودها في نص فإنه يمكن الجواب عنها بان علل الشرع ليست عللا حقيقية يجب اطرادها كالعلل العقلية التي يدور المعلول مدارها وجودا و عدما و انما هي معرفات و موضحات لنوع مناسبة أو بيان حكمة أو نحو ذلك كما لا يخفى على من أحاط خبرا بالعلل المذكورة في اخبار علل الشرائع و الأحكام.
و اما ما ذكره في كلامه الثالث من الخبر العامي للتأييد به- و لعله من حيث ان الشيخ نقله في كتاب المجالس (1)- فضعفه أظهر من أن يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي به.
و بالجملة فإن مقتضى ظواهر الأخبار كما ذكره في التذكرة و اعترف به في المدارك هو الوجوب مع اعتضاده بما ذكرناه من خبري كتاب الفقه و العلل و العيون، و ليس في الأخبار ما يدل على الاستحباب و لا ما يشير اليه إلا ما ربما يتوهم من كونهما بعد الصلاة و هو محض خيال قاصر.
و اما دعوى عدم اشتراطهما في صحة الصلاة- و كذا دعوى ما يلازمه و يقتضيه من عدم وجوب حضورهما و استماعهما- فلم نقف له على دليل أزيد من دعوى الإجماع، مع ما عرفت من دلالة ظاهر كلام الشيخ في المبسوط بل ظاهر كل من أطلق الحكم بكون شرائط العيد شرائط الجمعة من غير تعرض لعدم وجوب ما ذكروه على خلاف هذا الإجماع.
قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين بعد ذكر نحو ما ذكرناه: انا لا نعرف لهم دليلا سوى الإجماع المسبوق بخلاف الشيخ صريحا بل سائر أرباب النصوص ايضا حيث لم يتعرضوا لاستثناء هذا من شرائط الجمعة لا صريحا و لا ضمنا سوى خبر عامي ضعيف السند نقله الشيخ أولا من كتب المخالفين في مجالسه (2) مع انه لم يعمل به على ما يظهر من كلامه ثم اشتهر بين من بعده فاستدلوا به من غير وجدان شاهد من روايات أهل البيت (عليهم السلام) و لا مؤيد، إذ لو كان
____________
(1) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد.
215
لنقلوه قطعا مع خلو الكتب عنه اليوم ايضا، و الخبر ما رواه من طريق العامة عن عطاء عن عبد اللّٰه بن السائب ثم ساق الخبر كما قدمنا نقله من المدارك. ثم قال:
و الذي يظهر من فحوى كلام أصحابنا ان أصل مناط حكمهم في جميع ما ذكروا من نفى الاشتراط و عدم وجوب الحضور و الاستماع بل أصل استحباب الخطبتين هذا الخبر فان عليه مبنى الإجماع الذي ذكروه. انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو جيد متين كما لا يخفى على الحاذق المكين.
المسألة الثالثة [استحباب صلاة العيد]
- قد اشتهر في كلام متأخري الأصحاب انه مع اختلال شرائط الوجوب أو بعضها فإنه يستحب أن تصلى جماعة و فرادى، قال في المعتبر: و تستحب مع عدم الشرائط أو بعضها جماعة و فرادى في السفر و الحضر و تصلى كما تصلى في الجماعة. و قال القطب الراوندي من أصحابنا من ينكر الجماعة في صلاة العيد سنة بلا خطبتين لكن جمهور الإمامية يصلون هاتين الصلاتين جماعة و عملهم حجة.
أقول: و تصريح المحقق و من تأخر عنه بذلك معلوم من كتبهم و عليه العامة أيضا فإنهم بين قائل بتعين الاستحباب جماعة و قائل بالتخيير بين الجماعة و الانفراد و هو قول أكثرهم (1).
و قال الشيخ المفيد بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه من انها فرض لجميع من لزمته الجمعة على شرط حضور الإمام سنة على الانفراد مع عدم حضور الامام: و من فاتته صلاة العيد جماعة صلاها وحده كما يصلى في الجماعة ندبا مستحبا.
و قال الشيخ في المبسوط: متى تأخر عن الحضور لعارض صلاها في المنزل منفردا سنة و فضيلة. ثم قال: و من لا تجب عليه صلاة العيد من المسافر و العبد
____________
(1) المذكور في المعتبر و التذكرة و المنتهى نسبة هذا القول إلى الشافعي و احمد في إحدى الروايتين و في الأخرى لا تصلى إلا في جماعة و هو قول أبي حنيفة، و أضاف في المنتهى الحسن البصري إلى الشافعي و احمد. راجع المهذب ج 1 ص 120 و الإنصاف ج 2 ص 426 و عمدة القارئ ج 3 ص 399 و البحر الرائق ج 2 ص 175.
216
و غيرهما يجوز لهما إقامتها منفردين سنة.
و قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: هما سنة تصلى على الانفراد عند فقد الإمام أو اختلال بعض الشرائط.
و أنت خبير بان ظاهر عبارة الشيخ المفيد و الشيخ في المبسوط و المرتضى هنا هو استحباب الصلاة منفردا بعد فوات الصلاة الواجبة و لم يتعرضوا للاستحباب جماعة.
و قال أبو الصلاح: فان اختل شرط من شرائط العيد سقط فرض الصلاة و قبح الجمع فيها مع الاختلال و كان كل مكلف مندوبا الى هذه الصلاة في منزله و الإصحار بها أفضل.
و قال ابن إدريس: معنى قول أصحابنا «على الانفراد» ليس المراد بذلك أن يصلى كل واحد منهم منفردا بل الجماعة أيضا عند انفرادها من دون الشرائط مسنونة مستحبة، قال و يشتبه على بعض المتفقهة هذا الموضع بان يقول على الانفراد أراد مستحبة إذا صلاها كل واحد وحده قال لان الجمع في صلاة النوافل لا يجوز و إذا عدمت الشرائط صارت نافلة فلا يجوز الاجتماع فيها، قال محمد بن إدريس و هذا قلة بصيرة من قائله بل مقصود أصحابنا على الانفراد ما ذكرناه من انفرادها عن الشرائط.
و قال العلامة في المختلف و نعم ما قال: و تأويل ابن إدريس بعيد مع انه روى النهى
عمار بن موسى عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) قال: «قلت له هل يؤم الرجل بأهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت؟ قال لا يؤم بهن و لا يخرجن».
و لو كانت الجماعة مستحبة لاستحبت هنا إذ المستحب في حق الرجل مستحب في حق المرأة إلا ما خرج بالدليل، إلا ان فعل الأصحاب في زماننا الجمع فيها. ثم نقل ملخص كلام الراوندي الذي قدمناه بتمامه.
و قال الشهيد في الذكرى: و تفارق الجمعة عند الأصحاب بأنها مع عدم الشرائط تصلى سنة جماعة و هو أفضل و فرادى، و كذلك يصليها من لم تجب عليه من المسافر
____________
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
217
و العبد و المرأة ندبا ان لم يقم في البلد فرضها مع الامام. ثم نقل كلام السيد المرتضى و ابى الصلاح و ابن إدريس و الراوندي. ثم قال و نص عليه الشيخ في الحائريات. ثم قال و قد روى عمار عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: و ربما يفهم منه نفى الجماعة فيها و كذلك
في رواية سماعة عنه (عليه السلام) (1) قال: «لا صلاة في العيدين إلا مع الإمام فإن صليت وحدك فلا بأس».
و قد يجاب عن رواية عمار بنفي تأكيد الجماعة بالنساء، و عن الثانية ان المراد بها إذا كانت فريضة لا تكون إلا مع الامام كما قاله في التهذيب،
و قد روى عبد اللّٰه بن المغيرة (2) قال: «حدثني بعض أصحابنا قال سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن صلاة الفطر و الأضحى فقال صلهما ركعتين في جماعة و غير جماعة».
و ظاهر هذا عموم الجماعة. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ظاهر مرسل عبد اللّٰه بن المغيرة المذكور انما هو بيان ان صلاة العيد ركعتان صليت وجوبا في الجماعة أو ندبا بغير جماعة. و فيه اشارة للرد على من قال بالأربع ركعات متى فاتت الصلاة مع الامام. و ان لم يكن ما ذكرناه هو الأظهر فلا أقل من أن يكون مساويا لما ذكره و به يسقط الاستدلال بالخبر المذكور.
ثم أقول: لا يخفى ان الأخبار قد تكاثرت بالصلاة منفردا مع عدم الإمام بالكلية أو عدم إدراك الصلاة معه و لم نقف في الأخبار على ما يقتضي توظيف الجماعة في هذه الصورة بل ظاهر خبر عمار المتقدم كما عرفت هو التصريح بالمنع منها و أما ما يدل على استحباب الصلاة وحده مع عدم الجماعة فمن ذلك موثقة سماعة المتقدمة (3) و
صحيحة عبد اللّٰه بن سنان (4) قال: «من لم يشهد جماعة الناس في العيدين فليغتسل و ليتطيب بما وجد و ليصل في بيته وحده كما يصلى في الجماعة».
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد.
218
و موثقة الحلبي (1) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل لا يخرج في يوم الفطر و الأضحى أ عليه صلاة وحده؟ قال نعم».
و عن سماعة في الموثق عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «قلت له متى يذبح؟
قال إذا انصرف الامام. قلت فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام فأصلي بهم جماعة؟
فقال إذا استقلت الشمس. و قال لا بأس أن تصلى وحدك و لا صلاة إلا مع امام».
و مرسلة عبد اللّٰه بن المغيرة المتقدمة، و قد عرفت ان المراد بقوله فيها «في جماعة» انما هو حال الوجوب و حينئذ يكون غير الجماعة عبارة عن الانفراد و هو المستحب
و صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال: «مرض ابى يوم الأضحى فصلى في بيته ركعتين ثم ضحى».
و احتمل في الوافي في هذا الخبر الوجوب مع اختصاص الحكم بالإمام و أيده
بما رواه الشيخ عن الحلبي (4) قال: «سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الامام لا يخرج يوم الفطر و الأضحى أ عليه صلاة وحده؟ قال نعم».
و احتمل الاستحباب مع عموم الحكم كما تقدم في الأخبار المذكورة.
و ظني ان ما ذكره من الاحتمال الأول بعيد، و توهم الوجوب من قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي «أ عليه» معارض بما تقدم
في موثقة الحلبي (5) من قوله «الرجل لا يخرج في يوم الفطر و الأضحى أ عليه صلاة وحده؟ قال نعم».
و حينئذ فالمراد بقوله «عليه» في كلتا الروايتين انما هو مطلق الثبوت الشامل للوجوب و الاستحباب، على ان وجه الخصوصية هنا غير ظاهر، و حينئذ فالرواية منتظمة مع ما ذكرناه من الأخبار.
و لا ينافي ذلك
ما في رواية هارون بن حمزة الغنوي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) من قوله: «فقلت أ رأيت ان كان مريضا لا يستطيع ان يخرج أ يصلى في بيته؟ قال لا».
و في رواية محمد بن قيس عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) قال: «إنما الصلاة
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. و الظاهر ان الرقم (4) عين الرقم (1) و لفظ «الإمام» في الوافي.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. و الظاهر ان الرقم (4) عين الرقم (1) و لفظ «الإمام» في الوافي.
(4) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. و الظاهر ان الرقم (4) عين الرقم (1) و لفظ «الإمام» في الوافي.
(5) الوسائل الباب 3 من صلاة العيد. و الظاهر ان الرقم (4) عين الرقم (1) و لفظ «الإمام» في الوافي.
(6) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(7) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
219
يوم العيد على من خرج الى الجبانة و من لم يخرج فليس عليه صلاة».
و في صحيحة زرارة (1) حيث قال (عليه السلام) «و من لم يصل مع إمام في جماعة فلا صلاة له و لا قضاء عليه».
فان الوجه فيها الحمل على نفى الوجوب جمعا بين الاخبار.
و في هذه الأخبار رد على ما نقل عن الصدوق في المقنع حيث قال: و لا يصلين الا مع الإمام جماعة. و ابن ابى عقيل حيث قال: من فاتته الصلاة مع الامام لم يصلها وحده. و لعلهما قد استندا الى ما ذكرناه من هذه الروايات الأخيرة. إلا انه يمكن تأويل كلامهما بما أولنا به الأخبار المذكورة إذ من البعيد عدم اطلاعهما على الأخبار الدالة على الانفراد مع كثرتها و تعددها و أبعد منه الاطلاع عليها و طرحها من البين.
إذا عرفت ذلك فاعلم انا لم نقف لما ذكره الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من الاستحباب جماعة مع اختلال بعض شروط الوجوب على دليل.
و غاية ما استدل به في الذكرى كما تقدم مرسلة عبد اللّٰه بن المغيرة و قد عرفت الجواب عنها، مع معارضتها- لو سلمت من الاحتمال الذي ذكرناه- بموثقة عمار المتقدمة (2) و ان تأولها بالبعيد و الاحتمال الغير السديد.
و غاية ما تعلق به الراوندي هو عمل جمهور الإمامية و صلاتهم لها جماعة استحبابا حال الغيبة. و لا يخفى ما فيه إذ رب مشهور لا أصل له و رب متأصل ليس بمشهور، سيما مع ورود الأخبار المتقدمة الدالة على التقييد بالوحدة و الانفراد في الإتيان بها مع اختلال شرط الوجوب، مع عدم وجود المعارض الصريح بل وجود المؤيد الفصيح كما عرفت من موثقة عمار، فكيف يمكن التعلق بعملهم و فعلهم في مقابلة هذه الأخبار و خصوصا مع موافقة ما يفعلونه للعامة كما تقدمت الإشارة اليه (3) و أما إيقاع القدماء لها كذلك ان ثبت فلعله بناء على الوجوب كما هو ظاهر ما تقدم من عدم الدليل على اشتراط إمام الأصل في وجوبها فتوهم من اشترطه
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(2) ص 216.
(3) ص 215.
220
ان فعلهم لها على جهة الاستحباب. و سيأتي ما يؤيده.
و بالجملة فالظاهر هو انحصار الاستحباب في الانفراد كما هو مفاد الأخبار المتقدمة مع كونه خلاف جميع العامة.
و كيف كان فالاستحباب جماعة إنما يتجه على ما هو المشهور من اشتراط وجوب العيدين وجوبا عينيا بإمام الأصل، و لا ريب ان هذا الشرط مختل زمان الغيبة و لهذا نقل القطب الراوندي و العلامة في المختلف- على ما قدمنا نقله عنهما- ان عمل الأصحاب على الصلاة جماعة استحبابا زمان الغيبة، إلا انك قد عرفت انه لا مستند له.
و اما على ما هو الظاهر من كلام جملة من محققي متأخري المتأخرين- و هو الظاهر ايضا ممن قال بالوجوب العيني حال الغيبة من المتقدمين حيث انهم يجعلون شرائط الجمعة ثابتة لصلاة العيد من أن صلاة العيد زمن الغيبة كصلاة الجمعة واجبة عينا و الامام المشترط فيها انما هو إمام الجماعة- فيشكل التعدد جماعة فيها في مسافة الفرسخ كما عليه علماء زماننا الآن فإنهم يصلون جماعات عديدة في البلد الواحد مع ترجيحهم هذا القول الذي أشرنا اليه و قولهم باشتراط الوحدة فيها كما في الجمعة، لأنه متى صليت في مسافة الفرسخ بناء على ما ذكرنا امتنعت الصلاة ثانيا لعين ما تقرر في صلاة الجمعة من عدم مشروعية الجمعة الثانية في المسافة المذكورة.
و ربما كان مستندهم في جواز التعدد في الصورة المذكورة ما تقدم نقله عن شيخنا الشهيد من أن شرط الوحدة في فرسخ انما يعتبر مع وجوب الصلاتين فلو كانتا مندوبتين أو إحداهما لم يمتنع التعدد.
و فيه ان كلام شيخنا المذكور مبنى على اشتراط المعصوم في الوجوب العيني فهي الآن عنده مستحبة فلا يشترط فيها هذا الشرط إذ هو مخصوص بالواجبة، و أما من ثبت عنده الوجوب زمن الغيبة عملا بإطلاق الأخبار المتقدمة الدالة على الوجوب من غير ما يصلح لتقييدها بوجود إمام الأصل كما يدعونه و قد حصل باقي الشروط فان الوجوب يكون عينيا عنده فلا بد من اعتبار الوحدة فيها كما في الجمعة
221
التي قد حملوها عليها، على ان ما ادعاه الشهيد من مشروعية الجماعة و ان كانت مستحبة محل المنع كما عرفت.
و بالجملة فإن ما يفعله علماء زماننا كما حكيناه عنهم مما لا اعرف له وجه صحة على كل من القولين، اما على القول المشهور- من اشتراط الوجوب العيني بوجود إمام الأصل فتكون في زمن الغيبة مستحبة- ففيه أنه مع تسليم ذلك فإن غاية ما دلت عليه الأخبار هو استحبابها فرادى لا جماعة كما تقدم تحقيقه، سيما مع دلالة الأخبار المتكاثرة على عدم مشروعية الجماعة في صلاة النافلة إلا في مواضع مخصوصة و ليس هذا منها، و اما على القول المختار- من وجوبها حال الغيبة عينا و انعقادها بإمام الجماعة حسبما مر في الجمعة- فإنها باستكمال الشروط من وجود الامام و إمكان الخطبة و العدد و الجماعة و الكون في فرسخ تكون واجبة عينا فمتى أقيمت وجب على كل من في مسافة الفرسخ السعي إليها و الحضور فيها و كيف يتجه صلاتها ثانيا ندبا بناء على الحال المذكورة. ثم لو فرضنا تخلف بعض عن الحضور لعذر أو لغير عذر فغاية ما دلت عليه الأخبار انه يصليها منفردا.
و بالجملة فالحكم فيها كما في الجمعة إلا انها تزيد هنا باستحباب الصلاة فرادى مع عدم إدراك الجماعة أو تعذر حضورها، و أما الصلاة جماعة فكما انه تحرم الجمعة الثانية بعد إقامتها أولا كذلك تحرم صلاة العيد ثانيا جماعة بعد الإتيان بها أولا، و لهذا انا نعجل الصلاة بها حال طلوع الشمس ليتوجه البطلان الى من صلى بعدنا. و اللّٰه العالم
المسألة الرابعة [سقوط صلاة العيد عن كل من تسقط عنه الجمعة]
- ظاهر الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) الاتفاق على سقوط صلاة العيدين عن كل من تسقط عنه صلاة الجمعة، قال في التذكرة انما تجب صلاة العيد على من تجب عليه الجمعة عند علمائنا أجمع. و قال في المنتهى لا نعرف فيه خلافا.
قال في المدارك: و يدل عليه أصالة براءة الذمة من وجوب هذه الصلاة على من لا تجب عليه الجمعة السالمة عن ما يصلح للمعارضة لانتفاء ما يدل على العموم في من تجب عليه.
222
و فيه نظر ظاهر و كيف لا و الأخبار التي قدمناها في المسألة الأولى ظاهرة الدلالة في العموم فإنه لا ريب ان الخطاب فيها راجع الى جميع المكلفين فان
قولهم (عليهم السلام) (1): «صلاة العيدين فريضة و صلاة الكسوف فريضة».
يعنى على كل مكلف إلا ما خرج بدليل وارد عنهم (عليهم السلام) و إلا لزم مثله في صلاة الكسوف التي قرنها بها مع ان هذا القائل لا يلتزمه، و حينئذ فالواجب الوقوف على ما دل الدليل على خروجه من هذا العموم و يبقى ما عداه داخلا تحت خطاب التكليف.
و الذي وقفت عليه في الأخبار من الافراد المستثناة عن الدخول منها
المسافر
لصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «إنما صلاة العيدين على المقيم و لا صلاة إلا بإمام».
و صحيحة ربعي و الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ليس في السفر جمعة و لا فطر و لا اضحى».
و ما رواه البرقي في كتاب المحاسن بسنده عن العلاء بن الفضيل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ليس في السفر جمعة و لا أضحى و لا فطر».
قال و رواه ابى عن خلف بن حماد عن ربعي عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (5).
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن على (عليه السلام) (6) انه قال: «ليس على المسافر جمعة و لا عيد».
أقول: دلالة هذه الروايات على السقوط عن المسافر واضحة مضافا الى الإجماع المتقدم نقله.
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة رقم 29.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة الجمعة رقم 29.
(6) مستدرك الوسائل الباب 5 من صلاة العيد.
223
و أما
ما رواه في التهذيب و الفقيه عن سعد بن سعد عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المسافر إلى مكة و غيرها هل عليه صلاة العيدين الفطر و الأضحى؟ قال نعم إلا بمنى يوم النحر».
فقد حمله الشيخ على الاستحباب، و الأظهر- كما ذكره في الوافي- ان يقيد الاستحباب بما إذا شهد المسافر بلدة يصلى فيها العيد فإنه يستحب له حضوره كما في الجمعة لا انه ينشئ صلاة العيد في سفره.
و نحو هذه الرواية أيضا
موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن صلاة العيد قال في الأمصار كلها إلا في يوم الأضحى بمنى فإنه ليس يومئذ صلاة و لا تكبير».
و أنت خبير بان هذه الرواية ليست نصا في عدم السقوط عن المسافر بل ربما كان استثناء الأضحى بمنى مشعرا بالسقوط عن المسافر فتكون منطبقة على الأخبار المتقدمة.
و منها-
النساء
لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «انما رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء العواتق في الخروج في العيدين للتعرض للرزق».
و عن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له هل يؤم الرجل بأهله في صلاة العيدين في السطح أو بيت؟ فقال لا يؤم بهن و لا يخرجن و ليس على النساء خروج. و قال أقلوا لهن من الهيئة حتى لا يسألن الخروج».
و ما رواه في كتاب معاني الأخبار عن محمد بن شريح (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن خروج النساء في العيدين فقال لا إلا العجوز عليها منقلاها يعنى الخفين».
و دلالة هذه الروايات ايضا على السقوط عن النساء واضحة مضافا الى الإجماع المتقدم.
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
224
إلا ان بإزاء هذه الأخبار ما يدل بظاهره على وجوب الخروج عليهن مثل
ما رواه في قرب الاسناد (1) عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن النساء هل عليهن صلاة العيدين و التكبير؟ قال نعم قال و سألته عن النساء هل عليهن من صلاة العيدين و الجمعة ما على الرجال؟ قال نعم. قال و سألته عن النساء هل عليهن من التطيب و التزين في الجمعة و العيدين ما على الرجال؟ قال نعم».
و ما رواه في كتاب الذكرى (2) قال روى ابن ابى عمير في الصحيح عن جماعة منهم حماد بن عثمان و هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «لا بأس بأن تخرج النساء في العيدين للتعرض للرزق».
و من الذكرى ايضا (3) قال روى إبراهيم بن محمد الثقفي في كتابه بإسناده الى على (عليه السلام) قال: «لا تحبسوا النساء عن الخروج في العيدين فهو عليهن واجب».
و حملها الأصحاب على الاستحباب، و المشهور استحباب صلاة العيد لكل من سقطت عنه إلا الشواب و ذوات الهيئة من النساء فإنه يكره لهن الخروج إليها.
قال في الذكرى: قال الشيخ لا بأس بخروج العجائز و من لا هيئة لهن من النساء في صلاة الأعياد ليشهدن الصلاة و لا يجوز ذلك لذوات الهيئات منهن و الجمال. و في هذا الكلام أمران (أحدهما) ان ظاهره عدم الوجوب عليهن و لعله لما رواه ابن ابى عمير في الصحيح عن جماعة ثم ساق الرواية كما تقدمت. ثم قال إلا انه لم يخص فيها العجائز و قد روى عبد الله بن سنان قال: انما رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم ساق الخبر كما قدمناه (4) ثم قال و العواتق الجواري حين يدركن. و لكنه معارض بما رواه أبو إسحاق إبراهيم الثقفي في كتابه بإسناده الى على (عليه السلام) ثم ذكره كما تقدم ثم قال و لأن الأدلة عامة للنساء (الأمر الثاني) ان الشيخ منع خروج ذوات الهيئات
____________
(1) ص 100 و في الوسائل الباب 18 من صلاة الجمعة و 28 من صلاة العيد و الثالث في الباب 47 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 28 من صلاة العيد.
(4) ص 223.
225
و الجمال و الحديث دال على جوازه للتعرض للرزق اللهم إلا ان يريد به المحصنات أو المملكات كما هو ظاهر كلام ابن الجنيد حيث قال: و تخرج إليها النساء العواتق و العجائز و نقله الثقفي عن نوح بن دراج من قدماء علمائنا. انتهى كلامه في الذكرى ملخصا.
و منها-
المريض
لما رواه الشيخ و الصدوق في الحسن بل الصحيح عن هارون ابن حمزة الغنوي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الخروج يوم الفطر و الأضحى إلى الجبانة حسن لمن استطاع الخروج إليها. فقلت أ رأيت ان كان مريضا لا يستطيع أن يخرج أ يصلى في بيته؟ قال لا».
و قد تقدم ان المراد بقوله «لا» نفى الوجوب لما عرفت سابقا من استحبابها فرادى بالنصوص المتقدمة.
و منها-
العبد
و يدل عليه و على الافراد المتقدمة أيضا
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) «و صلاة العيدين فريضة واجبة مثل صلاة الجمعة إلا على خمسة:
المريض و المرأة و المملوك و الصبي و المسافر».
هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على الاستثناء في هذه الصلاة و بموجبه يبقى ما عدا هؤلاء المذكورين داخلين تحت خطاب التكليف إلا ان يقال باستثنائها بالأدلة العامة كالأعمى و الكبير السن لحصول الحرج و المشقة في السعي عليهما.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد صرح الأصحاب باستحباب الصلاة لهؤلاء فرادى و جماعة بناء على ما يدعونه من مشروعية الجماعة استحبابا في هذه الصلاة، و يدل عليه فرادى بالنسبة إلى المسافر و المرأة ما تقدم من الأخبار المحمولة على الاستحباب و على المريض صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (3) في حكاية الصادق عن أبيه (عليهما السلام) انه مرض يوم الأضحى فصلى في بيته ركعتين ثم ضحى.
قال في المدارك: و قد حكم الأصحاب باستحبابها ايضا لمن لا تجب عليه الجمعة كالمسافر و العبد و المرأة، و هو حسن و ان أمكن المناقشة فيه بعدم الظفر بما يدل عليه بالخصوص. نعم روى سعد بن سعد الأشعري في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) ثم ساق الرواية
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
(2) ص 12.
(3) ص 218.
226
كما تقدم في المقام ثم قال: و هي محمولة على الاستحباب جمعا بينها و بين
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «إنما صلاة العيدين على المقيم».
انتهى كلامه زيد مقامه.
و العجب منه (قدس سره) انه مع اعترافه بعدم الظفر بما يدل عليه بالخصوص كيف حكم باستحسان ما ذكره الأصحاب و ان كان بغير دليل مع مناقشاته للأصحاب في ما قامت الأدلة عليه بزعم انها ضعيفة باصطلاحه و ان كانت مجبورة بالشهرة بينهم فكيف يوافقهم هنا من غير دليل بالكلية؟ و ربما أوهم قوله: «ما يدل عليه بالخصوص» على وجود دليل بطريق العموم و ليس كذلك.
و بالجملة فإن الذي وقفنا عليه من أخبار المسألة هو ما ذكرناه إلا ان ثبوت الاستحباب بها في المقام عندي لا يخلو من الإشكال لما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم من أن الاستحباب حكم شرعي يتوقف على الدليل الواضح، و مجرد اختلاف الأخبار ليس بدليل إذ مبنى القول بالاستحباب هنا على الجمع بين الأخبار و إلا فلو خلينا و أدلة الثبوت لكانت دالة على الوجوب إلا ان ضرورة الجمع بينها و بين الأخبار الدالة على السقوط أوجب حملها على الاستحباب. و أيضا فإن إخراج ما ظاهره الوجوب عن حقيقته يحتاج إلى القرينة و اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز. و محل الإشكال في روايات النساء حيث أن ظاهر جملة منها الوجوب عليهن و إلا فروايات المسافر لا إشكال فيها متى حملنا صحيحة سعد بن سعد على ما قدمنا ذكره من أن المراد بها صلاة المسافر مع من يصليها من الحاضرين دون أن ينشئ صلاة وحده أو جماعة مسافرين. و أما رواية سماعة فقد عرفت انها غير ظاهرة الدلالة. و يمكن حمل ما دل على الوجوب في النساء على العجائز منهن فلا ينحصر الجمع في الاستحباب كما ادعوه. و الله العالم.
المسألة الخامسة [وقت صلاة العيد]
- أجمع الأصحاب (رضوان الله عليهم)- كما حكاه العلامة في التذكرة و النهاية- على ان وقت صلاة العيدين ما بين طلوع الشمس الى الزوال.
____________
(1) ص 221.
227
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و مستنده
حسنة زرارة (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) ليس في الفطر و الأضحى أذان و لا إقامة إذ انهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا».
و موثقة سماعة (2) قال: «سألته عن الغدو الى المصلى في الفطر و الأضحى فقال بعد طلوع الشمس».
ثم نقل عن الشيخ في المبسوط ان وقتها إذا طلعت الشمس و ارتفعت و انبسطت. ثم قال: و هو أحوط. و مقتضى الروايتين ان وقت الخروج الى المصلى بعد طلوع الشمس، و قال المفيد انه يخرج قبل طلوعها فإذا طلعت صبر هنيئة ثم صلى. انتهى.
أقول: لا يخفى ان المدعى في كلامهم هو امتداد الوقت من طلوع الشمس الى الزوال و الخبران المذكوران اللذان جعلهما مستندا لهذه الدعوى انما يدلان على التوقيت بطلوع الشمس بمعنى انه إذا طلعت الشمس خرجوا إلى الصلاة و لا دلالة فيهما على ما يدعونه من الامتداد الى الزوال فهما غير منطبقين على المدعى بتمامه.
و مما يدل ايضا على ما دل عليه الخبران المذكوران
ما رواه السيد العابد الزاهد المجاهد رضى الدين على بن طاوس (قدس سره) في كتاب الإقبال (3) بإسناده إلى يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسكان عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
«كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يخرج بعد طلوع الشمس».
و روى فيه (4) بسنده الى محمد بن هارون بن موسى بإسناده إلى زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «لا تخرج من بيتك إلا بعد طلوع الشمس».
و في حديث خروج الرضا (عليه السلام) الى صلاة العيد بتكليف المأمون المروي
في كتابي الكافي و عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (5) «فلما طلعت الشمس قام فاغتسل و تعمم».
ثم ساق الخبر في كيفية خروجه (عليه السلام).
____________
(1) الوسائل الباب 29 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 29 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 18 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 18 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 19 من صلاة العيد.
228
و لم أقف في الأخبار بعد التتبع التام على ما يدل على الامتداد الى الزوال كما ذكروه و لا اعرف لهم مستندا غير الإجماع الذي ادعوه مع ظهور الخلاف من ظاهر عبارتي الشيخين المنقولتين.
و العجب من السيد السند (طاب ثراه) انه مع مناقشاته الأصحاب و عدوله عن ما عليه اتفاقهم في جملة من الأحكام كما لا يخفى على من له أنس بكتابه مع قيام الأدلة على ما يدعونه بمناقشاته في أسانيد أدلتهم و الجمود هنا على ما ذكروه من غير دليل.
و أعجب منه استدلاله لهم بهذين الخبرين و الحال كما عرفت.
نعم ربما يشير الى ما ذكروه من الامتداد
صحيحة محمد بن قيس الدالة على قضاء صلاة العيد في الغد مع ثبوت الرؤية بعد الزوال (1) لقوله فيها «إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الإمام بالإفطار في ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال الشمس فان شهدا بعد زوال الشمس أمر الإمام بإفطار ذلك اليوم و أخر الصلاة الى الغد».
قال في الوافي: هكذا وجد في النسخ و الظاهر سقوط «و صلى بهم» بعد قوله «في ذلك اليوم» أولا و يجوز انه قد اكتفى عنه بالظهور. انتهى.
أقول: أنت خبير بأنه مع تسليم صحة ما ذكروه فغاية ما يدل عليه الخبر ثبوت الامتداد في هذه الصورة و لعله مقصور عليها من حيث الضرورة و عدم إمكان الصلاة في ذلك الوقت المذكور في الأخبار لفواته فلا يثبت به الحكم كليا و إلا فمن المحتمل قريبا في الخبر المذكور ان جملة «و أخر الصلاة الى الغد» مستأنفة لا معطوفة على الجملة الجزائية، و حاصل الكلام انه أمر بالإفطار مع ثبوت الرؤية قبل الزوال أو بعد الزوال و على كل منهما أخر الصلاة الى الغد لفوات وقتها.
و يؤيده إطلاق الخبر الذي معه و هو
مرفوعة محمد بن احمد (2) قال: «إذا
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صلاة العيد. و تتمة الرواية هكذا «فصلى بهم».
(2) الوسائل الباب 9 من صلاة العيد.
229
أصبح الناس صياما و لم يروا الهلال و جاء قوم عدول يشهدون على الرؤية فليفطروا و ليخرجوا من الغد أول النهار الى عيدهم».
فإنه كما ترى مطلق في كون ثبوت الرؤية قبل الزوال أو بعده.
قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر أيضا: يعني إذا شهدوا بعد فوات الوقت.
و مراده يعنى بعد الزوال الذي هو آخر الوقت بقرينة كلامه الأول.
و لا يخفى عليك ان صحة هذه التأويلات التي ذكرها في ذيل كل من هذين الخبرين موقوفة على قيام الدليل على ما ادعوه من الامتداد الى الزوال و قد عرفت انه لا دليل عليه، و حينئذ فلا ثمرة لهذه التأويلات و إخراج الأخبار عن ظاهرها من غير معارض.
و يعضد ما ذكرناه
ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن على (عليه السلام) (1) «في القوم لا يرون الهلال فيصبحون صياما حتى يمضى وقت صلاة العيد من أول النهار فيشهد شهود عدول أنهم رأوه من ليلتهم الماضية؟ قال يفطرون و يخرجون من غد فيصلون صلاة العيد في أول النهار».
فإنها كما ترى ظاهرة الدلالة في أن وقت صلاة العيد أول النهار و هو بعد طلوع الشمس كما صرحت به الأخبار المتقدمة، و ان الشهود إذا كانوا انما شهدوا بعد مضى ذلك الوقت أفطر الناس و أخروا صلاة العيد الى الغد و بالجملة فإنه لا يظهر لما ذكروه (رضوان الله عليهم) دليل غير الإجماع الذي ادعوه، و طرح هذه الأخبار التي قدمناها مع صحة بعضها و صراحة الجميع في مقابلة هذا الإجماع مما لا يتجشمه ذو دين سيما مع ظهور القدح في إجماعاتهم كما تقدم في صلاة الجمعة و في هذا الإجماع بخصوصه بمخالفة الشيخين المذكورين كما أشرنا اليه. و حمل تلك الأخبار على معنى تتفق به مع الإجماع المذكور غير ظاهر.
و أنت خبير بان البحث في هذه المسألة نظير ما تقدم في وقت صلاة الجمعة حيث ان أكثر الأصحاب على الامتداد فيه الى المثل و منهم من زاد على ذلك و جعله
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة العيد.
230
ممتدا بامتداد وقت الظهر و منهم من خصه بساعة الزوال، و هذا هو المؤيد بالأخبار كما قدمنا بيانه و شيدنا أركانه.
و ظاهر صاحب المدارك في تلك المسألة الميل الى ما دلت عليه تلك الأخبار المخالفة للقول المشهور و هنا الميل الى القول المشهور مع عدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه، و سؤال الفرق متجه. و الله العالم.
المسألة السادسة [قضاء صلاة العيد]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في قضاء صلاة العيد و عدمه لو زالت الشمس و لم تصل بالكلية و كذا لو صليت و لكن فات ذلك بعض المكلفين، ثم على تقدير القول بالقضاء في الصورة الثانية فهل تقضى ركعتين أم أربعا؟
و الكلام هنا يقع في مقامين
[المقام] (الأول) في القضاء و عدمه لو لم تصل بالكلية
قال في المختلف: لو لم تثبت رؤية الهلال إلا بعد الزوال أفطر و سقطت الصلاة فرضا و نفلا، و قال ابن الجنيد ان تحققت الرؤية بعد الزوال أفطروا و غدوا الى العيد، لنا ان الوقت قد فات و الأصل عدم القضاء فإنه انما يجب بأمر متجدد و لم يثبت بل قد ورد ان من فاتته مع الامام فلا قضاء عليه (1) و لان شرطها شرط الجمعة و من شرائط الجمعة بقاء الوقت فكذا ما سواها. احتج القائلون بالقضاء بما ورد من
أن من فاتته صلاة فريضة فليقضها كما فاتته (2).
و الجواب المراد بذلك الصلاة اليومية لظهورها عند الإطلاق. انتهى.
و قال الشهيد في الذكرى: لو ثبت الرؤية من الغد فان كان قبل الزوال صليت العيد و ان كان بعده سقطت إلا على القول بالقضاء. و قال ابن الجنيد ان تحققت الرؤية بعد الزوال أفطروا و غدوا الى العيد
لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) انه قال: «فطركم يوم تفطرون و أضحاكم يوم تضحون و عرفتكم يوم تعرفون».
و روى (4) «ان ركبا
____________
(1) ص 203.
(2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات.
(3) كنز العمال ج 4 ص 302 و المهذب للشيرازي ج 1 ص 121.
(4) سنن البيهقي ج 4 ص 249.
231
شهدوا عنده (صلى الله عليه و آله) أنهم رأوا الهلال فأمرهم أن يفطروا و إذا أصبحوا أن يغدوا الى مصلاهم».
و هذه الأخبار لم تثبت من طرقنا. انتهى. و على هذا النهج كلام غيرهم من المتأخرين بل ظاهر العلامة في المنتهى كون ذلك متفقا عليه عندنا.
أقول: العجب منهم (رضوان الله عليهم) في ما ذكروه في هذا المقام مع وجود الأدلة على القضاء في الصورة المذكورة و هو ما قدمناه في سابق هذه المسألة من صحيحة محمد بن قيس و مرفوعة محمد بن احمد و رواية كتاب الدعائم، و ظاهر الكليني و الصدوق ايضا القول بذلك حيث انه في الكافي (1) قال: «باب ما يجب على الناس إذا صح عندهم بالرؤية يوم الفطر بعد ما أصبحوا صائمين» ثم أورد الخبرين المتقدمين. و أما الصدوق فإنه قال أيضا (2): باب ما يجب على الناس الى آخر ما ذكره الكليني ثم أورد رواية محمد بن قيس ثم قال و في خبر ثم أورد مرفوعة محمد بن أحمد المذكورة مؤيدا ذلك بما قدمه في صدر كتابه.
[المقام] (الثاني)- في القضاء لو لم تدرك الصلاة مع الجماعة
، و قد اضطرب كلامهم في هذا المقام و المشهور عدم القضاء.
قال في المدارك بعد قول المصنف «و لو فاتت لم تقض» ما صورته: إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الصلاة بين كونها فرضا أو نفلا و في الفوات بين أن يكون عمدا أو نسيانا، و بهذا التعميم صرح في التذكرة و قال ان سقوط القضاء مذهب أكثر الأصحاب. و قال الشيخ في التهذيب من فاتته الصلاة يوم العيد لا يجب عليه القضاء و يجوز أن يصلى ان شاء ركعتين و ان شاء أربعا من غير أن يقصد بها القضاء و قال ابن إدريس يستحب قضاؤها. و قال ابن حمزة إذا فاتت لا يلزم قضاؤها إلا إذا وصل في حال الخطبة و جلس مستمعا لها. و قال ابن الجنيد من فاتته و لحق الخطبتين صلاها أربعا مفصولات يعنى بتسليمتين. و نحوه قال على بن بابويه إلا انه قال يصليها بتسليمة. و الأصح السقوط مطلقا. ثم استدل على ذلك بان القضاء
____________
(1) الفروع ج 1 ص 210.
(2) الفقيه ج 2 ص 109.
232
فرض مستأنف فيتوقف على الدلالة و لا دلالة، و بصحيحة زرارة (1) الدالة على ان من لم يصل مع الإمام في جماعة يوم العيد فلا صلاة له و لا قضاء عليه. ثم نقل عن القائلين بأنها أربع الاحتجاج
برواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «من فاتته صلاة العيد فليصل أربعا».
ثم أجاب بالطعن في السند و بمنع الدلالة فإن الأربع لا يتعين كونها قضاء. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلامهم هنا من الإجمال بل الاختلال و ذلك انك قد عرفت في سابق هذه المسألة أنهم أجمعوا على ان وقت صلاة العيد ممتد الى الزوال و حينئذ فالقضاء الذي هو عبارة عن فعل العبادة في خارج وقتها لا يصدق إلا على ما كان بعد الزوال مع ان ظاهر كلامهم و اختلافهم هنا يعطي ان المراد بالقضاء انما هو ما بعد فوات الجماعة كما يعطيه مذهب ابن حمزة و ابن الجنيد و ابن بابويه من فرضهم المسألة في من لحق الخطبة و استمع لها فإنه يصلى بعدها ركعتين أو أربعا على الخلاف، و هذا لا يسمى قضاء و انما يرجع الى ما قدمناه من ان من لم يدرك الجماعة أو كان له عذر عن حضورها فإنه يستحب له أن يصلى صلاة العيد ركعتين، و هذا هو الذي دلت عليه الأخبار المتقدمة و اتفقت عليه كلمات الأصحاب، و انما وقع الخلاف و الإشكال في كون ذلك الاستحباب مخصوصا بالفرادى أو يشمل الجماعة أيضا، و حينئذ فذكر هذه المسألة هنا و نقل هذه الأقوال مما لا وجه له و لا معنى بالكلية إذ القضاء كما يدعونه غير متجه كما عرفت.
(فان قيل) يمكن حمل القضاء في كلامهم هنا على مجرد الإتيان بها فالقضاء بمعنى الفعل كما في قوله سبحانه و تعالى «فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ» (3).
(قلنا) الحمل على هذا المعنى ينافيه مقابلة هذه الأقوال بسقوط القضاء الذي
____________
(1) ص 703.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة العيد. و السند هكذا «عن أبيه عن على قال».
(3) سورة الجمعة الآية 9.
233
هو المشهور، إذ ليس المراد بالقضاء هنا إلا الإتيان بها خارج الوقت كما عرفت من احتجاج صاحب المدارك، مع ان المشهور استحباب الإتيان بها مع اختلال الشرائط فرادى و جماعة كما تقدم، فلو كان مرادهم بالقضاء انما هو مجرد الفعل لكان معنى القول المشهور بأنه لا قضاء يعنى لا تفعل بعد ذلك مع ان المشهور هو فعلها كما عرفت.
و بالجملة فإن كلامهم هنا لا يخلو من تشويش و إجمال كما أوضحناه بحمد الملك المتعال.
نعم هذا الخلاف انما يتجه على ما اخترناه و صرحنا به آنفا من أن وقت صلاة العيد هو طلوع الشمس الى أن يأتي بها جماعة فلو فات هذا الوقت و انقضت صلاة الجماعة فيه صدق القضاء لخروج الوقت الذي ذكرناه، و هذا هو الذي دلت عليه صحيحة زرارة المذكورة (1) فإطلاق القضاء فيها مؤيد لما اخترناه من تخصيص الوقت بما قلناه، ففيها تأييد ظاهر لما ذكرناه من الوقت و ان خالف المشهور فان ذلك هو مقتضى الأدلة كما عرفت و هذا الخبر من جملتها.
بقي الكلام هنا في أشياء: أحدها- ان ظاهر كلام المدارك عدم وجود دليل لابن حمزة في ما نقله عنه من تخصيصه وجوب القضاء بما إذا وصل حال الخطبة و جلس مستمعا، حيث ذكر الدليل للقول المشهور و لمذهب ابن الجنيد و ابن بابويه و لم يتعرض لدليل ابن حمزة، و قد استدل له في المختلف
برواية زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال قال: «إذا أدركت الامام على الخطبة تجلس حتى يفرغ من خطبته ثم تقوم فتصلي. الحديث».
و هي ظاهرة الدلالة على القول المذكور.
و ثانيها- في ما دل على الصلاة أربع ركعات و المروي في كتب الأخبار المشهورة هو ما قدمناه من رواية أبي البختري و نحوها
في كتاب دعائم الإسلام حيث روى فيه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) «انه سئل عن الرجل لا يشهد العيد
____________
(1) ص 219.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة العيد. و الرواية كما في المختلف ايضا هكذا قال: «قلت أدركت الامام على الخطبة؟ قال تجلس حتى يفرغ من خطبته ثم تقوم فتصلي».
(3) مستدرك الوسائل الباب 2 و 3 من صلاة العيد.
234
هل عليه ان يصلى في بيته؟ قال نعم و لا صلاة إلا مع امام عدل، و من لم يشهد من رجل أو امرأة صلى أربع ركعات ركعتين للعيد و ركعتين للخطبة، و كذلك من لم يشهد العيد من أهل البوادي يصلون لأنفسهم أربعا».
و الأظهر عندي حمل ما دل على الأربع على التقية لما ذكره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين من ان جمعا من العامة ذهبوا الى ذلك مع اختلافهم أيضا في انها تقضى بسلام واحد أو سلامين، و رووا عن ابن مسعود مضمون هذا الخبر (1) بل رووا عن على (عليه السلام) ذلك في حديث هذه صورته (2)
____________
(1) في البداية لابن رشد ج 1 ص 201 «اختلفوا في من تفوته صلاة العيد مع الامام فقال قوم يصلى أربعا قال به احمد، و قال قوم يقضيها على صفة صلاة الامام و به قال الشافعي و أبو ثور، و قال قوم بل ركعتين لا يجهر فيهما و لا يكبر تكبيرة العيد، و قال قوم ان صلى الإمام في المصلى صلى ركعتين و ان صلى في غير المصلى صلى اربع ركعات، و قال قوم لا قضاء عليه و به قال مالك و أصحابه» و في المغني ج 2 ص 390 «من فاتته صلاة العيد فلا قضاء عليه لأنها فرض كفاية و قام بها من حصلت به الكفاية فإن أحب قضاءها فهو مخير ان شاء صلاها أربعا اما بسلام واحد و إما بسلامين، روى هذا عن ابن مسعود و هو قول الثوري- ثم ذكر
رواية هزيل بن شرجيل انه قيل لعلى (عليه السلام) «لو أمرت رجلا يصلى بضعفة الناس هونا في المسجد الأكبر قال ان أمرت رجلا يصلى بهم أمرت أن يصلى بهم أربعا».
و روى انه استخلف أبا مسعود فصلى بهم في المسجد- و قال أحمد أنها قضاء صلاة عيد فكان أربعا كالجمعة. و ان شاء صلى ركعتين كصلاة التطوع و هذا قول الأوزاعي، و ان شاء صلاها على صفة صلاة العيد بتكبير، نقل ذلك عن احمد و اختاره الجوزجاني و هو قول النخعي و مالك و الشافعي و ابى ثور و ابن المنذر» و في الإنصاف في الفقه الحنبلي ج 2 ص 433 ذكر ان أشهر الروايات عن أحمد قضاؤها على صفة صلاة العيد، ثم ذكر رواية عنه انه يقضيها أربعا بلا تكبير بسلام واحد و رواية أخرى قضاؤها أربعا بلا تكبير بسلام أو سلامين.
(2) المغني ج 2 ص 372 قال: و روينا عن على انه قيل له. و لم ينسبه الى مصدر من مصادر الحديث.
235
«قيل لعلى (عليه السلام) قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس و عميانهم فلو صليت بهم في المسجد فقال أخالف السنة اذن و لكن نخرج الى المصلى و استخلف من يصلى بهم في المسجد أربعا».
و قد عرفت مما قدمناه (1) من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) إنكار استخلافه (عليه السلام) ردا لهذا الخبر.
و ثالثها- ان الروايات المتقدمة في المقام الأول صريحة كما عرفت في وجوب القضاء لو فات وقت الصلاة، و صحيحة زرارة المذكورة في هذا المقام صريحة في العدم و الذي يظهر لي من الجمع بينهما هو حمل الروايات الأولة على فوات الصلاة من أصلها بحيث لم تصل بالكلية فإنه يجب القضاء على عامة المكلفين بها أداء من الامام و المأمومين كما هو موردها، و الصحيحة المذكورة على الإتيان بالصلاة و فواتها بالنسبة الى بعض المكلفين كما هو موردها أيضا، فيحمل كل منهما على مورده.
و رابعها- انه مع وجوب القضاء كما دلت عليه الأخبار الأولة فما السبب في التأخير إلى الغد و لم لا يقع في ذلك اليوم بعينه؟ فان القضاء لا يختص بوقت بل ربما تعين ساعة الذكر كما تقدم في قضاء اليومية، و لعل الوجه في ذلك هو تحصيل مثل الوقت الموظف الذي هو عبارة عن أول النهار من اليوم الثاني كما صرحت به تلك الأخبار. و بالجملة فإنه بعد ورود الأخبار عنهم (عليهم السلام) بذلك يجب القول بها و لا يجب علينا طلب العلة و هو مرجوع إليهم (عليهم السلام).
و ظاهر كلام شيخنا المجلسي في البحار كونها في الصورة المذكورة أداء، قال و ظاهر الروايات كونها أداء. أقول و على هذا يزول الاشكال. ثم نقل عن العامة انهم اختلفوا في ذلك فذهب بعضهم إلى انه يأتي بها في الغد قضاء و بعضهم أداء و بعضهم نفوها مطلقا (2) ثم قال و لعل الأحوط إذا فعلها ان لا ينوي الأداء و لا
____________
(1) ص 208 و 209.
(2) عمدة القارئ ج 3 ص 299 و نيل الأوطار ج 3 ص 163 و الإنصاف ج 2 ص 420 و 426.
236
القضاء. انتهى. و الله العالم.
(المسألة السابعة) لو اتفق العيد و الجمعة
فقد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، فقال الشيخ في جملة من كتبه أنه يتخير من صلى العيد في حضور الجمعة و عدمه، و نحوه قال الشيخ المفيد في المقنعة و رواه ابن بابويه في كتابه، و اختاره ابن إدريس، و اليه ذهب أكثر المتأخرين بل نسبه العلامة في المنتهى الى من عدا ابى الصلاح و في الذكرى الى الأكثر، و نقل عن ابن الجنيد في ظاهر كلامه اختصاص الترخيص بمن كان قاصي المنزل، و اختاره العلامة في بعض كتبه.
و قال أبو الصلاح قد وردت الرواية إذا اجتمع عيد و جمعة ان المكلف مخير في حضور أيهما شاء، و الظاهر في المسألة وجوب عقد الصلاتين و حضورهما على من خوطب بذلك. و قريب منه كلام ابن البراج و ابن زهرة.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة
ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن الحلبي (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفطر و الأضحى إذا اجتمعا يوم الجمعة قال اجتمعا في زمان على (عليه السلام) فقال من شاء أن يأتي الجمعة فليأت و من قعد فلا يضره و ليصل الظهر. و خطب على (عليه السلام) خطبتين جمع فيهما خطبة العيد و خطبة الجمعة».
و ما رواه في الكافي عن سلمة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فخطب الناس فقال هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل و من لم يفعل فان له رخصة يعنى من كان متنحيا».
و ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (3) «ان على بن ابى طالب (عليه السلام) كان يقول إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام ان يقول للناس في خطبته الاولى انه قد اجتمع لكم
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 15 من صلاة العيد.
237
عيدان فأنا أصليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فأحب أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له».
و ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن على (عليه السلام) (1) «انه اجتمع في خلافته عيدان في يوم واحد جمعة و عيد فصلى بالناس صلاة العيد ثم قال قد أذنت لمن كان مكانه قاصيا- يعنى من أهل البوادي- أن ينصرف ثم صلى الجمعة بالناس في المسجد».
و اختار في المدارك القول الأول و استدل عليه بصحيحة الحلبي المذكورة ثم نقل احتجاج ابن الجنيد برواية إسحاق بن عمار و نحوها رواية سلمة، ثم قال و الجواب بعد تسليم السند منع الدلالة على اختصاص الرخصة بالنائي فإن استحباب اذن الامام في الخطبة للنائي في عدم الحضور لا يقتضي وجوب الحضور على غيره.
ثم قال احتج القائلون بوجوب الصلاتين بان دليل الحضور فيهما قطعي و خبر الواحد المتضمن لسقوط الجمعة و الحال هذه انما يفيد الظن فلا يعارض القطع. و أجاب عنه في الذكرى بان الخبر المتلقى بالقبول المعمول عليه عند معظم الأصحاب في قوة المتواتر فيلحق بالقطعي، و بان نفى الحرج و العسر يدل على ذلك ايضا فيكون الخبر معتضدا بالكتاب العزيز. هذا كلامه (قدس سره) و فيه بحث طويل ليس هذا محله. انتهى. أقول و منه يعلم أدلة الأقوال في المقام و ما يتعلق بها من النقض و الإبرام و التحقيق عندي في هذه المسألة ان يقال لا ريب ان من يرى العمل بهذا الاصطلاح فإن الأظهر من هذه الأقوال عنده هو القول الأول للصحيحة المذكورة و ضعف ما عارضها من الروايات المذكورة، و أما ما عارضها من الأدلة الدالة على وجوب الجمعة كتابا و سنة فالظاهر انها تخصص بها كما وقع لهم في غير موضع من تخصيص عموم أدلة الكتاب و السنة بالخبر الصحيح، و أما من لا يرى العمل به بل يحكم بصحة جميع الأخبار الواردة و لكن يحكم بإلحاقه بالصحيح لشهرته بين الأصحاب و تلقيه بالقبول كما سمعت من كلام الذكرى فإنه يجب ان يكون الأظهر عنده
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
238
هو ما ذكره ابن الجنيد.
و توضيحه ان صحيحة الحلبي و ان دلت بإطلاقها على السقوط عن كل من حضر العيد من أهل المصر و غيرهم من أهل القرى إلا ان الروايات الأخر قد خصت الرخصة بالنائي من أهل القرى، فيجب حمل إطلاق الصحيحة المذكورة على ما فصلته هذه الروايات حمل المطلق على المقيد كما هو القاعدة المسلمة بينهم. و أما قوله في المدارك- في منع دلالة الروايتين المذكورتين في كلامه: ان اذن الإمام للنائي في عدم الحضور لا يقتضي وجوب الحضور على غيره- فهو مغالطة لأن أحدا لا يدعى ذلك و انما الوجه في ذلك هو ان الأدلة من الكتاب و السنة قد دلت على وجوب الجمعة فسقوطها يحتاج الى دليل، و الروايات هنا مع صحتها كما هو المفروض قد دل بعضها على السقوط مطلقا و بعضها على تخصيص السقوط بالنائي، و مقتضى الجمع حمل مطلقها على مقيدها و بها حينئذ يخص عموم الكتاب و السنة، و اللازم من ذلك هو ما قلناه من تخصيص الرخصة بالنائي خاصة.
و بذلك يظهر لك ضعف قول من ذهب الى السقوط مطلقا كما هو القول الأول لما فيه من اطراح هذه الأخبار مع إمكان الجمع بينها و بين الصحيحة المذكورة بما ذكرناه، و ضعف قول من ذهب الى الوجوب مطلقا كما هو قول ابى الصلاح و من معه لما ذكرنا من تخصيص تلك الأدلة بهذه الأخبار بعد جمعها على ذلك الوجه الواضح المنار و أما ما ذكره في الذكرى- من ان البعد و القرب من الأمور الإضافية فيصدق القاصي على من بعد بأدنى بعد فيدخل الجميع إلا من كان مجاورا للمسجد، و جعل هذا وجه جمع بين الأخبار و من ثم قال بالقول الأول مع ما ذكره من الاعتماد على روايتي إسحاق و سلمة- فبعده أظهر من أن يخفى، إذ المتبادر عرفا من القاصي هنا انما هو من كان خارجا عن المصر و هم أصحاب القرى الخارجة كما صرح به صاحب كتاب الدعائم، و هذا هو المعنى الذي فهمه عامة الأصحاب لأنه هو المتبادر المنساق الى الفهم في هذا الباب، و قد اعترف هو نفسه بذلك ايضا فقال بعد ذكر
239
ما قدمنا نقله عنه: و ربما صار بعض الى تفسير القاصي بأهل القرى دون أهل البلد لأنه المتعارف. انتهى. و تخصيصه بالبعض المؤذن بوجود بعض آخر قائل بما ذهب اليه لا وجه له فان من أمعن النظر في كلام الأصحاب لا يخفى عليه ان ما ذكره (قدس سره) مخصوص به.
ثم على تقدير القول المشهور من تخيير الجميع المؤذن بسقوط الوجوب عنهم فهل يجب الحضور على الإمام أم لا؟ قطع جمع من الأصحاب: منهم- المرتضى في المصباح على ما نقل عنه بوجوب الحضور عليه فان اجتمع معه العدد صلى الجمعة و إلا سقطت و صلى الظهر.
قال في المدارك و ربما ظهر من الشيخ في الخلاف تخيير الإمام أيضا و لا بأس به. انتهى.
أقول: لا يخفى ثبوت البأس في ما نفى عنه البأس (أما أولا) فللأدلة العامة في وجوب الحضور للجمعة و هي قطعية لا معارض لها هنا.
و (اما ثانيا) فلقوله (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمار (1)
«فأنا أصليهما جميعا».
و
قوله (عليه السلام) في خبر سلمة «ان يجمع معنا».
و في خبر الدعائم (2) «قد أذنت لمن كان مكانه قاصيا».
و بالجملة فإن المفهوم من هذه الأخبار ان التخيير إنما هو للمأمومين كما تشعر به الصحيحة المذكورة أو لخصوص القاصي كما تشعر به الروايات الأخر.
قال في الذكرى: تنبيه- ظاهر كلام الشيخ في الخلاف تخيير الإمام أيضا و صرح المرتضى بوجوب الحضور عليه و هو الأقرب لوجود المقتضى مع عدم المنافي، و لما مر في خبر إسحاق «و انا أصليهما جميعا» انتهى. و هو جيد.
و نقل في الذخيرة القول بالوجوب على الامام عن ابى الصلاح و ابن البراج و المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى و هو الحق في المسألة.
____________
(1) ص 236.
(2) ص 237.
240
ثم انهم صرحوا بأنه يستحب للإمام الاعلام بذلك في الخطبة تأسيا بأمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و هو جيد. و هو العالم.
البحث الثاني- في الكيفية
و كيفيتها أن يكبر تكبيرة الإحرام و يقرأ الحمد و سورة ثم يكبر بعد القراءة على الأظهر ثم يقنت بالمرسوم حتى يكبر خمسا ثم يكبر و يركع فإذا سجد السجدتين قام و قرأ الحمد و سورة ثم يكبر أربعا و يقنت بعد كل تكبيرة ثم يكبر خامسة للركوع و يركع، فيكون الزائد على المعتاد تسع تكبيرات خمس في الاولى و اربع في الثانية.
و الأصل في هذه الكيفية الأخبار الواردة عن أهل العصمة (عليهم السلام) و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألته عن صلاة العيدين فقال ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء و ليس فيهما أذان و لا اقامة، يكبر فيهما اثنتي عشرة تكبيرة: يبدأ فيكبر و يفتتح الصلاة ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثم يقرأ «و الشمس و ضحاها» ثم يكبر خمس تكبيرات ثم يكبر و يركع فيكون يركع بالسابعة ثم يسجد سجدتين ثم يقوم فيقرأ فاتحة الكتاب و «هل أتاك حديث الغاشية» ثم يكبر أربع تكبيرات و يسجد سجدتين و يتشهد و يسلم. قال: و كذلك صنع رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الخطبة بعد الصلاة و انما أحدث الخطبة قبل الصلاة عثمان. الحديث».
و منها-
ما رواه عن على بن أبي حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في صلاة العيدين قال يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا و يقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر السابعة و يركع بها، ثم يسجد ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا و يقنت بين كل تكبيرتين ثم يكبر و يركع بها».
و منها-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4)
____________
(1) كما دلت عليه صحيحة الحلبي و رواية سلمة المتقدمتان ص 236.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
241
قال: «التكبير في الفطر و الأضحى اثنتا عشرة تكبيرة: يكبر في الأولى واحدة ثم يقرأ ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات و السابعة يركع بها، ثم يقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعا و الخامسة يركع بها. الحديث».
و عن يعقوب بن يقطين في الصحيح (1) قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن التكبير في العيدين أقبل القراءة أو بعدها؟ و كم عدد التكبير في الاولى و في الثانية و الدعاء بينهما و هل فيهما قنوت أم لا؟ فقال تكبير العيدين للصلاة قبل الخطبة يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ و يكبر خمسا و يدعو بينهما ثم يكبر اخرى و يركع بها فذلك سبع تكبيرات بالتي افتتح بها، ثم يكبر في الثانية خمسا:
يقوم فيقرأ ثم يكبر أربعا و يدعو بينهن ثم يكبر التكبيرة الخامسة».
و عن إسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «في صلاة العيدين قال يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ أم الكتاب و سورة ثم يكبر خمسا يقنت بينهن ثم يكبر واحدة و يركع بها، ثم يقوم فيقرأ أم القرآن و سورة، يقرأ في الأولى «سبح اسم ربك الأعلى» و في الثانية «و الشمس و ضحاها» ثم يكبر أربعا و يقنت بينهن ثم يركع بالخامسة».
و عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير في الفطر و الأضحى فقال ابدأ فكبر تكبيرة ثم تقرأ ثم تكبر بعد القراءة خمس تكبيرات ثم تركع بالسابعة، ثم تقوم فتقرأ ثم تكبر أربع تكبيرات ثم تركع بالخامسة».
و عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن الصلاة يوم الفطر فقال ركعتين بغير أذان و لا اقامة، و ينبغي للإمام أن يصلى قبل الخطبة، و التكبير في الركعة الأولى يكبر ستا ثم يقرأ ثم يكبر السابعة ثم يركع بها فتلك سبع تكبيرات، ثم يقوم في الثانية فيقرأ فإذا فرغ من القراءة كبر أربعا ثم يكبر الخامسة و يركع بها. الحديث».
الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
242
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد وقع الخلاف هنا في مواضع
[الموضع] (الأول) في التكبيرات الزائدة
و هي التكبيرات التسع هل هي واجبة أو مستحبة؟ فالذي عليه الأكثر- و منهم السيد المرتضى و ابن الجنيد و أبو الصلاح و ابن إدريس- الوجوب و قال الشيخ المفيد في المقنعة: من أخل بالتكبيرات التسع لم يكن مأثوما إلا انه يكون تاركا سنة و مهملا فضيلة. و هو صريح في الاستحباب.
و استدل له
الشيخ في التهذيب بصحيحة زرارة (1) قال: «ان عبد الملك بن أعين سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة في العيدين فقال الصلاة فيهما سواء: يكبر الإمام تكبيرة الصلاة قائما كما يصنع في الفريضة ثم يزيد في الركعة الأولى ثلاث تكبيرات و في الأخرى ثلاثا سوى تكبيرة الصلاة و الركوع و السجود، و ان شاء ثلاثا و خمسا و ان شاء خمسا و سبعا بعد ان يلحق ذلك الى وتر».
قال الشيخ: ألا ترى انه جوز الاقتصار على الثلاث تكبيرات و على الخمس تكبيرات و هذا يدل على ان الإخلال بها لا يضر الصلاة.
و الى هذا القول مال جملة من المتأخرين: منهم- المحقق في المعتبر و غيره.
و أجاب في الاستبصار عن هذه الرواية و ما في معناها بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب كثير من العامة (2) قال و لسنا نعمل به و إجماع الفرقة المحقة على ما قدمناه.
و استدل في المدارك للقول المشهور- حيث اختاره و جعله الأصح- بالتأسي و ظاهر الأمر.
و أنت خبير بان استدلاله بالتأسي هنا لا وجه له و ان وقع منه مثله في غير موضع كما وقع منه رد ذلك أيضا في غير موضع، و هذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه كما تقدمت الإشارة إليه في مواضع من الكتاب. و التأسي انما يمكن الاستدلال به على الوجوب في ما علم وجوبه على المعصوم (عليه السلام) لا مطلقا كما
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(2) نيل الأوطار ج 3 ص 253 و البحر الرائق ج 2 ص 160.
243
صرحوا به في الأصول. نعم الاستدلال بظاهر الأمر جيد.
ثم ان مما يؤيد ما ذكره الشيخ من صحيحة زرارة
ما رواه عن هارون بن حمزة الغنوي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التكبير في الفطر و الأضحى قال خمس و اربع فلا يضرك إذا انصرفت على وتر».
قوله «خمس و اربع» يعني خمس في الأولى و أربع في الثانية من غير إضافة تكبيرة الإحرام و لا تكبيرة الركوع.
و قوله «فلا يضرك إذا انصرفت على وتر» يعنى ان السنة في التكبيرات هو ما ذكرنا من التسع على الوجه المذكور إلا انه لا يضرك الاقتصار على ما دون ذلك مع كون إتمام التكبير على وتر فيهما معا كما في الخبر، أو في كل واحدة كما في صحيحة زرارة المذكورة.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد أن ذكر أولا كيفية الصلاة على نحو ما قدمناه في الأخبار: و روى ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى بالناس صلاة العيد فكبر في الركعة الأولى بثلاث تكبيرات و في الثانية بخمس تكبيرات و قرأ فيهما «سبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية» و روى انه كبر في الأولى بسبع و كبر في الثانية بخمس و ركع بالخامسة، و قنت بين كل تكبيرتين.
و كيف كان فالأقرب هو القول المشهور مع تأيده بالاحتياط و توقف الخروج عن عهدة التكليف على الإتيان بذلك و تعين حمل ما خالفه على التقية (3) كما صرح به في الاستبصار. و الله العالم.
[الموضع] الثاني [محل التكبيرات الزائدة في صلاة العيد]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في التكبير في الركعتين هل هو بعد القراءة فيهما معا أو في الثانية خاصة و أما الأولى فقبلها أو يفرق في الثانية فتجعل واحدة قبل القراءة و الباقي بعدها؟ على أقوال، و المشهور الأول و نقله في المدارك عن معظم الأصحاب، قال: و منهم- الشيخ و المرتضى و ابن بابويه و ابن
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(2) ص 12.
(3) التعليقة 2 ص 242.
244
ابى عقيل و ابن حمزة و ابن إدريس، و قال ابن الجنيد التكبير في الأولى قبل القراءة و في الثانية بعدها، و قال الشيخ المفيد يكبر للقيام إلى الثانية قبل القراءة ثم يكبر بعد القراءة ثلاثا و يقنت ثلاثا. و هذا القول نقله في المختلف عن السيد المرتضى و الشيخ المفيد و ابى الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة.
قال (قدس سره) في الكتاب المذكور: مسألة- قال الشيخ يبدأ بعد تكبيرة الإحرام بالقراءة ثم يكبر التكبيرات للقنوت في الركعة الاولى و في الثانية يكبر ايضا بعد القراءة، و هو قول السيد المرتضى و ابن ابى عقيل و ابن حمزة و ابن إدريس و ابن بابويه و المفيد و ابى الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة، إلا ان السيد المرتضى قال: فإذا نهض إلى الثانية كبر و قرأ ثم كبر الباقي بعد القراءة. و كذا قال المفيد و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة. و الظاهر ان مرادهم بالتكبير السابق على القراءة في الركعة الثانية هو تكبيرة القيام إليها. ثم نقل مذهب ابن الجنيد.
أقول: و ظاهره انه قول مشهور بين المتقدمين فاقتصاره في المدارك على نقل ذلك عن الشيخ المفيد خاصة غفلة منه عن ملاحظة ما في المختلف بل عده ابن بابويه و المرتضى من جملة القائلين بالقول المشهور مع ان الأمر ليس كذلك، أما المرتضى فلما عرفت من عبارة المختلف و اما ابن بابويه فلما ذكره في الفقيه حيث قال: يبدأ الإمام فيكبر واحدة ثم يقرأ الحمد و «سبح اسم ربك الأعلى» ثم يكبر خمسا يقنت بين كل تكبيرتين ثم يركع بالسابعة و يسجد سجدتين فإذا نهض إلى الثانية كبر و قرأ الحمد و «الشمس و ضحاها» ثم كبر تمام أربع تكبيرات مع تكبيرة القيام ثم يركع بالخامسة.
بقي الكلام في مستند هذا القول حيث انه خلاف ما صرحت به أخبار المسألة مما تقدم و سيأتي ان شاء الله تعالى، و عدم وصول المستند إلينا لا يدل على العدم فإن هؤلاء الأجلاء لا يقولون بذلك إلا مع وصول النص إليهم إلا أنا غير مكلفين به مع عدم وصوله إلينا. و اما مستند القول المشهور فهو ما قدمناه من الأخبار.
245
و اما ما ذهب اليه ابن الجنيد فيدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «التكبير في العيدين في الأولى سبع قبل القراءة و في الأخيرة خمس بعد القراءة».
و عن إسماعيل بن سعد الأشعري في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن التكبير في العيدين قال التكبير في الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة و في الأخيرة خمس تكبيرات بعد القراءة».
و عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله و حماد عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في صلاة العيدين قال تصل القراءة بالقراءة، و قال تبدأ بالتكبير في الاولى ثم تقرأ ثم تركع بالسابعة».
و عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن الصلاة يوم الفطر فقال ركعتين بغير أذان و لا اقامة. الخبر».
و قد تقدم في صدر البحث.
و منها-
ما رواه الصدوق في الفقيه عن ابى الصباح الكناني (5) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير في العيدين فقال اثنتا عشرة سبع في الاولى و خمس في الأخيرة، فإذا قمت في الصلاة فكبر واحدة و تقول اشهد ان لا إله إلا الله. ثم ساق التكبيرات و الأدعية بعدها الى أن قال و تقرأ الحمد و «سبح اسم ربك الأعلى» و تكبر السابعة و تركع و تسجد و تقوم و تقرأ الحمد و «الشمس و ضحاها» و تقول الله أكبر اشهد أن لا إله إلا الله.» ثم ساق التكبيرات و أدعيتها.
و أجاب الشيخ في التهذيبين عن هذه الروايات بأنها موافقة لمذهب بعض العامة (6) قال في المعتبر بعد نقل ذلك عنه: و ليس هذا التأويل بحسن فان ابن بابويه ذكر ذلك في كتابه بعد أن ذكر في خطبته انه لا يودعه إلا ما هو حجة، قال
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(6) نيل الأوطار ج 3 ص 253.
246
و الأولى ان يقال فيه روايتان أشهرهما بين الأصحاب ما اختاره الشيخ. قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو حسن.
أقول- و بالله سبحانه التوفيق الى هدايته سواء الطريق- ما ذكره هذان الفاضلان محل نظر عندي من وجوه:
الأول- انه لا يخفى على من تأمل كتاب من لا يحضره الفقيه و نظره و لاحظه بعين التدبر و التفكر انه لم يبق مصنفه على هذه القاعدة التي ذكرها في صدر كتابه (1) أو انه أراد بها معنى غير ما يتسارع اليه فهم الناظر فيها، حيث انه أورد في الكتاب جملا من الأخبار الظاهرة التناقض من غير تعرض للجمع بينها و جملا من الاخبار الشاذة النادرة الظاهرة في الموافقة للعامة و جملا من الاخبار المخالفة لما عليه كافة علماء الفرقة سلفا و خلفا، مثل خبر الوضوء و الغسل بماء الورد (2) و خبر نقض الطهارة بمجرد مس الذكر (3) و خبر طهارة جلد الميتة (4) و أمثال ذلك مما مر بنا حال قراءة
____________
(1) ج 1 ص 6.
(2) الوسائل الباب 3 من الماء المضاف عن الكليني و رواها الشيخ في التهذيب ج 1 ص 62 عن الكليني و كذا في الاستبصار ج 1 ص 14 و الصدوق لم يورد ذلك في الفقيه بنحو الرواية و انما ذكره ج 1 ص 6 بنحو الفتوى. هذا على تقدير ان تكون العبارة- كما نقلها المصنف (قدس سره) ج 1 ص 394- هكذا «و لا بأس بالوضوء و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد» و اما على تقدير أن تكون العبارة- كما هي في الفقيه- هكذا «و لا بأس بالوضوء منه و الغسل من الجنابة و الاستياك بماء الورد» فلا دلالة لها على جواز الوضوء و الغسل بماء الورد أصلا و انما تتعرض للاستياك بماء الورد فقط إذ هي واردة عقيب خبر بلوغ الماء القلتين و انه لا ينجسه شيء فهي ناظرة إلى جواز الوضوء و الغسل من الماء البالغ قلتين و ضمير «منه» راجع إليه.
(3) الوسائل الباب 9 من نواقض الوضوء عن الشيخ و لم يورده في الفقيه بنحو الرواية و انما ذكره ج 1 ص 39 بنحو الفتوى.
(4) الوسائل الباب 34 من النجاسات.
247
بعض الأخوان في الكتاب علينا. و بالجملة فإنا قد صار الأمر عندنا في عبارته المذكورة بناء على ما وقفنا عليه في كتابه مما لا شك في عدم العمل بها على ظاهرها كما يقف عليه المتتبع البصير و لا ينبئك مثل خبير.
الثاني- ان ما ذكروه- من حجية ما ذكره ابن بابويه في كتابه بناء على ما قدمه في صدره- لا نراهم يقفون عليه دائما و لا يجعلونه كليا و انما يدورون فيه مدار أغراضهم و مقاصدهم، فتارة يحتجون بما في الكتاب بناء على القاعدة المذكورة في صدره و تارة يرمون اخباره بضعف السند إذا لم تكن صحيحة باصطلاحهم و يغمضون النظر عن هذه القاعدة و يلغون ما فيها من الفائدة كما لا يخفى على من تتبع كتاب المدارك في غير مقام. و مقتضى الوقوف على هذه القاعدة هو الجواب عن اخباره بغير ضعف السند كما لا يخفى.
الثالث- ان مرجع كلام هذا القائل إلى التخيير، و فيه انه لا يخفى ان التخيير حكم شرعي يتوقف على ثبوت الدليل الواضح كغيره من الأحكام الشرعية، و مجرد اختلاف الأخبار لا يصلح لان يكون دليلا على ذلك و إلا لكان ذلك قاعدة كلية في مواضع اختلاف الأخبار و لا أظن هذا القائل يلتزمه، و الاخبار المذكورة عارية عن الإشارة فضلا عن الدلالة الظاهرة على ما ادعاه.
الرابع- ان الأئمة (عليهم السلام) قد قرروا لنا قواعد لاختلاف الأخبار و أمروا بالرجوع إليها في الترجيح بينها و الأخذ بالراجح في هذا المضمار و منها العرض على مذهب العامة و الأخذ بخلافه (1).
و العامة و ان كانوا في هذه المسألة مختلفين أيضا إلا ان جملة منهم- كما نقله في المنتهى- على التقديم مطلقا و جملة منهم على التقديم على القراءة في الاولى و التأخير في الثانية كما هو مذهب ابن الجنيد، و نقل الأول في المنتهى عن الشافعي قال: و هو المروي عن أبي هريرة و الفقهاء السبعة و عمر بن عبد العزيز و الزهري و مالك و الليث
____________
(1) الوسائل الباب من 9 صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
248
و احمد في إحدى الروايتين، و نقل الثاني عن أحمد في الرواية الأخرى و ابن مسعود و حذيفة و ابى موسى و الحسن و ابن سيرين و الثوري، قال و به قال أصحاب الرأي (1) و منه يظهر ان اخبار القول المشهور سالمة من تطرق احتمال التقية بالكلية حيث لا قائل منهم بالتأخير في الركعتين معا و هذه الأخبار موافقة لأهل القول الثاني الذين من جملتهم أبو حنيفة و اتباعه و هم المشار إليهم بأصحاب الرأي، و لا ريب ان مذهب أبي حنيفة في عصره كان في غاية القوة و الشيوع كما لا يخفى على من لاحظ السير و الأخبار فيتعين حملها على التقية.
و لكن بعض المتصلفين من أصحاب هذا الاصطلاح كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم يتهافتون على صحة الأسانيد فإذا كان الخبر صحيحا باصطلاحهم جمدوا عليه و ان كان مضمونه مخالفا للقواعد الشرعية و مشتملا على العلل الظاهرة غير الخفية، و متى كان الخبر ضعيفا باصطلاحهم أعرضوا عنه و ان اعتضد بموافقة الأصول و الكتاب و الشهرة بين الأصحاب إلا ان تلجئهم الحاجة إليه فيغمضون عن ذلك.
و مما يعضد ما ذكرناه اتفاق الأصحاب على العمل بمضمون ما قدمناه من الأخبار و الإعراض عن هذه الأخبار قديما و حديثا سوى ابن الجنيد الذي قد طعنوا عليه بموافقته للعامة في جملة فتاواه بل عمله بالقياس الذي هو من أصول العامة. و بالجملة فالحق هو القول المشهور.
و قد وافقنا في هذا المقام الفاضل الخراساني في الذخيرة مع اقتفائه أثر صاحب المدارك في جل الأحكام و الجمود على أقواله و أدلته و تشييدها، فقال بعد نقل الجمع بين الأخبار بحمل اخبار ابن الجنيد على التقية: و هو حسن. و قال بعد نقل كلام المعتبر الذي استحسنه صاحب المدارك: و فيه تأمل لا يخفى على المتدبر.
و بالجملة فالجمع بما ذكره الشيخ (قدس سره) بين الأخبار جيد لا يعتريه عند
____________
(1) نيل الأوطار ج 3 ص 253.
249
الإنصاف شبهة الإنكار. و الله العالم.
[الموضع] الثالث [القنوت بعد التكبيرات هل هو واجب؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في القنوت بعد التكبيرات السبع هل هو واجب أو مستحب؟ فالأكثر على الأول و هو الذي عليه المعول و نص المرتضى كما ذكره في الذكرى على انه مما انفرد به الإمامية، و قال الشيخ في الخلاف انه مستحب لأن الأصل براءة الذمة من الوجوب.
و ظاهر صاحب المدارك الميل الى ذلك فإنه بعد ان احتج للقول الأول بروايتي يعقوب بن يقطين و إسماعيل بن جابر (1) نقل عن الشيخ في الخلاف القول بالاستحباب و الاحتجاج عليه بأصالة براءة الذمة من الوجوب. قال و جوابه ان الأصل يصار الى خلافه لدليل و قد بيناه. ثم قال: و قد يقال ان هاتين الروايتين لا تنهضان حجة في إثبات حكم مخالف للأصل خصوصا مع معارضتهما بعدة أخبار واردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت.
و أنت خبير بما فيه كما لا يخفى على الفطن النبيه (أما أولا) فلأنه قد حكم بصحة رواية يعقوب بن يقطين في صدر هذه المقالة في الاستدلال على بيان الكيفية و الأمر كذلك و ان ذكرها هنا عارية عن وصف الصحة، و حينئذ فتمسكه بالأصل في مقابلة الخبر الصحيح الصريح الذي هو دليل شرعي عنده خروج عن قاعدته في هذا الكتاب بل القاعدة المتفق عليها بين الأصحاب.
و (أما ثانيا) فان الفصل بالقنوت و الأمر به هنا ليس منحصرا في هاتين الروايتين بل هو موجود في جملة من الأخبار:
ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن الكلام الذي يتكلم به في ما بين التكبيرتين في العيدين فقال ما شئت من الكلام الحسن».
____________
(1) ص 241.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
250
و في رواية على بن أبي حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال في الركعة الاولى:
«ثم يكبر خمسا و يقنت بين كل تكبيرتين. الى ان قال في الثانية: ثم يكبر أربعا فيقنت بين كل تكبيرتين».
و في رواية بشر بن سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربي. الى آخره».
و في رواية محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء.».
و في رواية جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: اشهد ان لا إله إلا الله. الى آخره».
و في موثقة سماعة (5) «و ينبغي ان يتضرع بين كل تكبيرتين و يدعو الله».
و لفظ «ينبغي» في الأخبار كما قدمنا بيانه مشترك بين الوجوب و الاستحباب.
و في رواية الكناني (6) «فكبر واحدة و تقول أشهد ان لا إله إلا الله. الى آخره».
ثم ساق التكبيرات و الأدعية على أثرها.
و في كتاب الفقه الرضوي (7) «تكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات و في الثانية خمس تكبيرات تقنت بين كل تكبيرتين، و القنوت أن تقول. الى آخره».
و (أما ثالثا) فان ما ذكره- من المعارضة بعدة من الأخبار الواردة في مقام البيان خالية من ذكر القنوت- مردود بان غايتها ان تكون مطلقة بالنسبة إلى الإتيان بالقنوت و عدمه لا انها دالة على نفيه، و مقتضى الجمع بينها و بين ما ذكرنا من الأخبار هو حمل إطلاقها على هذه الأخبار المقيدة كما هو مقتضى القاعدة المطردة على انه يمكن ان يقال- بل هو الظاهر لا على طريق الاحتمال- ان كون المقام في تلك الأخبار مقام البيان انما هو بالنسبة إلى التكبيرات كما و كيفا لاختلاف الأخبار
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(6) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(7) ص 12.
251
كما عرفت آنفا- في ذلك و كون بعضها انما خرج مخرج التقية كما قدمنا ذكره في روايات ابن الجنيد الدالة على ان التكبير في الأولى قبل القراءة (1) و كما تقدم نقله (2) عن الشيخ في الاستبصار في الجواب عن رواية عبد الملك بن أعين الدالة في التكبير على التخيير «ان شاء ثلاثا و خمسا و ان شاء خمسا و سبعا بعد ان يلحق ذلك الى وتر» و نحوها مما قدمنا ذكره، و حينئذ فإذا كان الاختلاف في التكبير على هذا الوجه يكون الغرض من هذه الأخبار البيان بالنسبة إلى الوجه المذكور لا بالنسبة إلى كيفية الصلاة، و يعضد ذلك ان هذه الروايات التي زعم ورودها في مقام البيان انما تضمنت التكبير خاصة دون غيره مما يتعلق بكيفية الصلاة.
و من ذلك يظهر لك ان الظاهر هو القول المشهور من الوجوب في القنوت لوقوع الأمر به في جملة من هذه الأخبار و ان كان بالجملة الفعلية، و يعضده توقف يقين البراءة عليه.
و بذلك يتبين لك ايضا ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث انه تبع صاحب المدارك في الاستناد الى مقام البيان في تلك الأخبار الخالية من ذكر القنوت كما هي عادته غالبا. و الله العالم.
[الموضع] الرابع [أفضل السور في صلاة العيد]
- أجمع الأصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوب قراءة سورة بعد الحمد و انه لا يتعين في ذلك سورة مخصوصة قاله في التذكرة، و انما اختلفوا في الأفضل، فنقل عن الشيخ في الخلاف و المفيد و السيد المرتضى و ابى الصلاح و ابن البراج و ابن زهرة انه الشمس في الاولى و الغاشية في الثانية، و قال الشيخ في المبسوط و النهاية انه يقرأ في الأولى الأعلى و في الثانية الشمس، و هو قول ابن بابويه في المقنع و من لا يحضره الفقيه.
و قال في الذكرى: يجب قراءة الحمد و سورة معها كسائر الفرائض، و لا خلاف في عدم تعين سورة و انما الخلاف في الأفضل، فذهب جماعة إلى انه يقرأ
____________
(1) ص 245.
(2) ص 242.
252
الأعلى في الاولى و الشمس في الثانية، و قال آخرون الشمس في الاولى و الغاشية في الثانية، و هذان القولان مشهوران، و قال على بن بابويه يقرأ في الأولى الغاشية و في الثانية الأعلى، و قال ابن ابى عقيل يقرأ في الأولى الغاشية و في الثانية و الشمس.
و قال في المدارك بعد ذكر القول الأول: و عليه دلت
صحيحة جميل (1) لانه قال: «و سألته ما يقرأ فيهما؟ قال و الشمس و ضحاها و هل أتاك حديث الغاشية و أشباههما».
ثم نقل القول الثاني و ذكر انه رواه إسماعيل بن جابر عن الباقر (عليه السلام) (2) ثم رد الرواية بضعف السند و قال: و العمل على الأول لصحة مستنده. انتهى.
أقول: لا يخفى ان هذه الصحيحة التي نقلها دليلا للقول الأول و اختاره لأجلها لا دلالة فيها على ذلك إذ لا اشعار فيها فضلا عن التصريح أو الظهور بما ذكره هؤلاء المشار إليهم، فان المدعى في كلامهم هو أفضلية الشمس في الاولى و الغاشية في الثانية، و غاية ما تدل عليه هذه الرواية هو انه يقرأ في صلاة العيدين هاتين السورتين و أشباههما في الطول من غير تعرض لافضلية هاتين السورتين على غيرهما و لا تعرض لوظيفة الركعة الاولى و الثانية من هذه السور، و انما الدليل على هذا القول ما رواه في الكافي بطريق فيه محمد بن عيسى عن يونس عن معاوية ابن عمار و قد تقدمت في صدر البحث (3) و هذه الرواية هي الرواية الصريحة في هذا القول و هي التي اعتمد عليها القائلون به، و الظاهر انه انما عدل عنها لضعف سندها و لم ير في هذا الباب رواية صحيحة السند إلا هذه الرواية فالتجأ إلى الاستدلال بها على القول المذكور، و هي عن الدلالة بمعزل لما عرفت من انها لا خصوصية فيها لهاتين السورتين بل هما و ما شابههما و من الظاهر دخول سورة الأعلى و نحوها في ذلك المشابه، و لا تعرض فيها لبيان وظيفة كل ركعة و المدعى ذلك و هو محل الخلاف إذ لا خلاف و لا نزاع في اجزاء هذه السور كيف اتفق انما الخلاف في بيان الفضيلة في التوظيف و تخصيص كل ركعة بسورة فكيف تصلح هذه الرواية للمدعى و الحال
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
(2) ص 241.
(3) ص 240.
253
كما عرفت؟ و لكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح أوجب لهم الوقوع في أمثال ما قلناه من المجازفات التي تتطرق إليها المناقشات، و الواجب بمقتضى العمل باصطلاحه هو ضرب الصفح عن الكلام في هذه المسألة و ترجيح شيء من القولين لان اخبار القولين كلها ضعيفة باصطلاحه، و هذا أحد مفاسد هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح.
و كيف كان فالذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذا المقام ما عرفته من رواية معاوية بن عمار (1) و فيها و الشمس و ضحاها في الأولى و الغاشية في الثانية، و رواية إسماعيل بن جابر (2) و فيها سبح اسم ربك الأعلى في الركعة الأولى و في الثانية و الشمس و ضحاها، و الأولى دليل القول الأول و الثانية دليل القول الثاني كما عرفت، و رواية أبي الصباح الكناني المتقدم نقلها عن الفقيه (3) و فيها سبح اسم ربك الأعلى في الركعة الأولى و الشمس و ضحاها في الركعة الثانية و هي موافقة لرواية إسماعيل بن جابر فتكون دليلا للقول الثاني.
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4): و اقرأ في الركعة الأولى هل أتاك حديث الغاشية و في الثانية و الشمس و ضحاها أو سبح اسم ربك الأعلى. الى ان قال و روى ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى بالناس صلاة العيد فكبر في الأولى بثلاث تكبيرات و في الثانية بخمس تكبيرات و قرأ فيهما بسبح اسم ربك الأعلى و هل أتاك حديث الغاشية.
و في صحيحة جميل المذكورة آنفا ان الذي يقرأ فيهما الشمس و ضحاها و هل أتاك حديث الغاشية و أشباههما.
و أنت خبير بأنه من المحتمل قريبا ان تعيين بعض هذه السور في الركعة الاولى و الثانية انما وقع على جهة التمثيل لا الاختصاص على جهة الأفضلية كما ادعوه فإنه لا قرينة في شيء من هذه الأخبار تؤنس بهذه الأفضلية و لا إشعار بالكلية و انما غاية ما تدل عليه انه يقرأ فيها سورة كذا، و يعضد ذلك إطلاق صحيحة جميل و إطلاق
____________
(1) ص 240.
(2) ص 241.
(3) ص 245.
(4) ص 12.
254
ما نقله في كتاب الفقه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و يشير اليه قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه و في الثانية و الشمس و ضحاها أو سبح اسم ربك الأعلى. و من كلامه (عليه السلام) في الفقه يعلم مستند الشيخ على بن بابويه و ابن ابى عقيل في ما تقدم نقله عنهما حيث انهما اتفقا على الغاشية في الاولى و اختلفا في الثانية فأحدهما ذكر سورة الشمس و الأخر سورة الأعلى، و الرواية المذكورة قد دلت على التخيير في الثانية بين هاتين السورتين. و الله العالم.
[الموضع] الخامس [ما يقال في قنوت صلاة العيد]
- المشهور انه لا يتعين في القنوت لفظ مخصوص للأصل،
و ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال «سألته عن الكلام الذي يتكلم به في ما بين التكبيرتين في العيدين فقال ما شئت من الكلام الحسن».
و يعضده اختلاف الروايات في القنوت المرسوم عنهم (عليهم السلام).
و ربما ظهر من عبارة الشيخ ابى الصلاح قصر الوجوب بما ورد عنهم (عليهم السلام) فإنه قال: فيلزمه أن يقنت بين كل تكبيرتين فيقول: اللهم أهل الكبرياء و العظمة. الى آخره. قال في الذكرى فإن أراد به الوجوب تخييرا و الأفضلية فحق و ان أراد به الوجوب عينا فممنوع. و هو جيد.
أقول: و من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في القنوت في هذه الصلاة
ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن عيسى بن ابى منصور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «تقول بين كل تكبيرتين في صلاة العيدين: اللهم أهل الكبرياء و العظمة، و أهل الجود و الجبروت و أهل العفو و الرحمة و أهل التقوى و المغفرة أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا و لمحمد (صلى الله عليه و آله) ذخرا و مزيدا أن تصلى على محمد و آل محمد كأفضل ما صليت على عبد من عبادك و صل على ملائكتك و رسلك و اغفر للمؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون و أعوذ بك من شر ما عاذ بك
____________
(1) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
255
منه عبادك المرسلون».
و عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا كبر في العيدين قال بين كل تكبيرتين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله) عبده و رسوله اللهم أهل الكبرياء.» و ذكر الدعاء المتقدم الى آخره.
و عن بشر بن سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «تقول في دعاء العيدين بين كل تكبيرتين: الله ربي أبدا و الإسلام ديني أبدا و محمد نبيي أبدا و القرآن كتابي أبدا و الكعبة قبلتي أبدا و على وليي أبدا و الأوصياء أئمتي أبدا- و تسميهم الى آخرهم- و لا أحد إلا الله».
و ما رواه في التهذيب و الفقيه عن محمد بن الفضيل عن ابى الصباح الكناني (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير في العيدين فقال اثنتي عشرة سبع في الاولى و خمس في الأخيرة فإذا قمت في الصلاة فكبر واحدة و تقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله) عبده و رسوله اللّهمّ أنت أهل الكبرياء و العظمة و أهل الجود و الجبروت و القدرة و السلطان و العزة أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا و لمحمد (صلى الله عليه و آله) ذخرا و مزيدا أن تصلى على محمد و آل محمد و ان تصلى على ملائكتك المقربين و أنبيائك المرسلين و ان تغفر لنا و لجميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك المرسلون و أعوذ بك من شر ما عاذ منه عبادك المخلصون، الله أكبر أول كل شيء و آخره و بديع كل شيء و منتهاه و عالم كل شيء و معاده و مصير كل شيء و مرده و مدبر الأمور و باعث من في القبور قابل الأعمال مبدئ الخفيات معلن السرائر، الله أكبر عظيم الملكوت شديد الجبروت حي لا يموت دائم لا يزول إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، الله أكبر خشعت لك الأصوات و عنت لك الوجوه و حارت دونك الأبصار وكلت الألسن عن عظمتك
____________
(1) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 26 من صلاة العيد.
256
و النواصي كلها بيدك و مقادير الأمور كلها إليك لا يقضى فيها غيرك و لا يتم منها شيء دونك، الله أكبر أحاط بكل شيء حفظك و قهر كل شيء عزك و نفذ كل شيء أمرك و قام كل شيء بك و تواضع كل شيء لعظمتك و ذلك كل شيء لعزتك و استسلم كل شيء لقدرتك و خضع كل شيء لملكك الله أكبر، و تقرأ الحمد و سبح اسم ربك الأعلى و تكبر السابعة و تركع و تسجد و تقوم و تقرأ الحمد و الشمس و ضحاها و تقول الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله) عبده و رسوله، اللهم أنت أهل الكبرياء و العظمة. تتمه كله كما قلت أول التكبير يكون هذا القول في كل تكبيرة حتى تتم خمس تكبيرات».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) «تقنت بين كل تكبيرتين و القنوت ان تقول: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا (صلى الله عليه و آله) عبده و رسوله اللّهمّ أنت أهل الكبرياء و العظمة و أهل الجود و الجبروت و أهل العفو و المغفرة و أهل التقوى و الرحمة أسألك في هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا و لمحمد (صلى الله عليه و آله) ذخرا و مزيدا أن تصلى على محمد و آل محمد و أسألك بهذا اليوم الذي شرفته و كرمته و عظمته و فضلته بمحمد (صلى الله عليه و آله) أن تغفر لي و لجميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات إنك مجيب الدعوات يا ارحم الراحمين».
و قال الشيخ في المتهجد (2) في القنوت: ثم يرفع يديه بالتكبير فإذا كبر قال اللهم أهل الكبرياء و العظمة و أهل الجود و الجبروت و أهل العفو و الرحمة و أهل التقوى و المغفرة أسألك بحق هذا اليوم الذي جعلته للمسلمين عيدا و لمحمد (صلى الله عليه و آله) ذخرا و مزيدا ان تصلى على محمد و آل محمد و ان تدخلني في كل خير أدخلت فيه محمدا و آل محمد و ان تخرجني من كل سوء أخرجت منه محمدا و آل محمد صلواتك عليه و عليهم اللهم إني أسألك خير ما سألك عبادك الصالحون و أعوذ بك مما استعاذ منه عبادك الصالحون.
____________
(1) ص 12.
(2) ص 454 و في آخره «عبادك المخلصون».
257
قال شيخنا المجلسي في البحار: و اما ما ذكره الشيخ في المصباح فلم أره في رواية و الظاهر انه مأخوذ من رواية معتبرة عنده اختاره فيه إذ لا سبيل الى الاجتهاد في مثل ذلك. انتهى.
أقول: و يعضده ما ذكره السيد الزاهد العابد رضى الدين بن طاوس (عطر الله مرقده) في كتاب الإقبال حيث قال: و اعلم أنا وقفنا على عدة روايات في صفات صلاة العيد بإسنادنا الى ابن أبي قرة و الى ابى جعفر بن بابويه و الى ابى جعفر الطوسي و ها نحن نذكر رواية واحدة، ثم ذكر رواية المتهجد كما ذكرنا من القنوت و غيره مما لم نذكره.
[فوائد]
بقي الكلام هنا في فوائد تتعلق بالمقام و بها يتم ما يتعلق به من الأحكام:
الأولى [عدد القنوت في صلاة العيد]
- لا يخفى ان ظاهر الروايات المتقدمة ان القنوتات في الركعة الأولى انما هي أربعة و في الثانية انما هي ثلاثة لنصها على ان القنوت بين التكبيرات و قضية البينة انه لا قنوت بعد التكبير الخامس في الركعة الأولى و لا بعد الرابع في الركعة الثانية، و بذلك عبر الشيخ في النهاية و المبسوط و الصدوق في الفقيه و غيرهما، و المعروف من كلام جل الأصحاب ان القنوت بعدد التكبيرات و انه بعد كل تكبير قنوت فتكون القنوتات في الأولى خمسة و في الثانية أربعة، و قد تقدم في كلام الشيخ المفيد و من تبعه ان التكبيرات في الركعة الثانية بعد القراءة ثلاث و معها ثلاثة قنوتات.
و يمكن حمل البينية في الأخبار على الأغلب بمعنى انه لما كان أكثر القنوتات واقعا بين التكبيرات- إذ لا يتخلف عن ذلك إلا القنوت الذي بعد التكبيرة الخامسة في الركعة الأولى و الذي بعد الرابعة في الركعة الثانية- صح إطلاق البينية على الجميع تجوزا و باب المجاز واسع.
و على ذلك يحمل كلام من عبر بهذه العبارة من الأصحاب، قال في المدارك بعد قول المصنف «ثم يكبر أربعا و يقنت بينها أربعا» ما لفظه: و اعلم ان في قول المصنف- ثم يكبر أربعا و يقنت بينها أربعا- تجوزا لأنه إذا كانت التكبيرات أربعا لم يتحقق
258
كون القنوت بينها أربعا بل ثلاثا و كان الأظهر أن يقول بعد كل تكبيرة. ثم ذكر ان المستفاد من الروايات سقوط القنوت بعد الخامسة و الرابعة. إلا انه يمكن خدشه بان الحمل على خلاف الظاهر لا يصار اليه إلا مع المعارض و لا معارض هنا من الأخبار و المعارضة انما هي في كلام الأصحاب.
و ربما يستعان على ما ذكرنا من الحمل المذكور برواية الكناني المتقدمة (1) المشتملة على خمسة قنوتات بعد خمس تكبيرات في الركعة الاولى و أربعة في الثانية و ان كانت الرواية قد اشتملت على تقديم التكبيرات و القنوتات على القراءة كما تقدم، و اشتملت على تكبير سادس بعد التكبيرات الخمس و أدعيتها و الجميع خلاف ما عليه جل الأصحاب و الاخبار إلا ان ذلك أمر خارج عن ما نحن فيه.
و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الإشكال و الأحوط هو الإتيان بالقنوت الخامس و الرابع من غير ان يعتقد به الوجوب.
الثانية [هل يستحب التوجه بالتكبيرات السبع في صلاة العيد]
- قال في الذكرى: يستحب التوجه بالتكبيرات المستحب تقديمها في اليومية و دعواتها سواء قلنا بان تكبير العيد قبل القراءة أو بعدها، و ربما خطر لبعضهم سقوط دعاء التوجه ان قلنا بتقديم التكبير، و لا ارى له وجها لعدم المنافاة بين التوجه و القنوت بعده. انتهى.
أقول: ما ذكره هنا من استحباب التكبيرات المستحبة للتوجه في اليومية في هذه الصلاة زيادة على التكبيرات الموظفة فيها لم أقف عليه في كلام غيره من الأصحاب بل ظاهر كلامهم و كذا ظاهر الاخبار الواردة في بيان الكيفية- كما قدمنا شطرا منها- انما هو انه يكبر تكبيرة الإحرام ثم يقرأ ثم يأتي بالتكبيرات الموظفة كما هو أحد القولين أو يأتي بعد تكبيرة الإحرام بالتكبيرات الموظفة لهذه الصلاة مقدمة على القراءة ثم يقرأ بعدها كما هو القول الآخر،
ففي رواية معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث (2) «يبدأ فيكبر و يفتتح الصلاة ثم يقرأ فاتحة الكتاب.».
____________
(1) ص 255.
(2) ص 240.
259
و في رواية على بن أبي حمزة «يكبر ثم يقرأ ثم يكبر خمسا».
و في رواية أبي بصير «يكبر في الأولى واحدة ثم يقرأ ثم يكبر بعد القراءة خمس تكبيرات».
و في صحيحة يعقوب بن يقطين «يكبر تكبيرة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ و يكبر خمسا».
و في رواية إسماعيل الجعفي «يكبر واحدة يفتتح بها الصلاة ثم يقرأ أم الكتاب و سورة ثم يكبر خمسا».
و على هذا النهج جملة روايات المسألة كما لا يخفى على من راجعها، و هذه الروايات المذكورة كلها قد تقدمت في صدر البحث (1) و نحوها الروايات الواردة بتقديم التكبيرات على القراءة و هي متفقة في عدم ذكر هذه التكبيرات التي ادعى استحبابها في هذه الصلاة. نعم قد تقدم في الفصل الثاني في تكبيرة الإحرام من الباب الثاني في الصلوات اليومية (2) ان من جملة الأقوال في استحباب هذه التكبيرات هو استحبابها في الفرائض مطلقا و كذا في النوافل مطلقا و لعله هنا بنى على ذلك و نحن قد أوضحنا المسألة في المقام المشار إليه و بينا ان الاخبار الواردة بهذه التكبيرات و ان كانت مطلقة إلا ان إطلاقها محمول على الفريضة اليومية لأنها المتبادرة من الإطلاق، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك مستوفى.
و كيف كان فمن الظاهر بل الصريح في عدم استحباب هذه التكبيرات في هذه الصلاة
ما رواه الصدوق في كتابي العلل و العيون عن عبد الواحد بن عبدوس عن على بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (3) في العلل التي رواها عنه (عليه السلام) قال في الخبر: «فان قال فلم جعل سبع في الاولى و خمس في الأخيرة و لم يسو بينهما؟ قيل لأن السنة في صلاة الفريضة ان يستفتح بسبع تكبيرات فلذلك بدئ هنا بسبع تكبيرات و جعل في الثانية خمس تكبيرات لان التحريم من التكبير في اليوم و الليلة خمس تكبيرات و ليكون التكبير في الركعتين جميعا وترا وترا. الحديث».
و هو ظاهر كما ترى في ان هذه السبع الموظفة في هذه الصلاة
____________
(1) ص 240 و 241.
(2) ج 8 ص 52.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة العيد.
260
انما جعلت سبعا في الركعة الأولى عوضا عن السبع الافتتاحية التي في الصلوات اليومية و قضية ذلك عدم الإتيان بتلك السباع الافتتاحية الموظفة في اليومية، و إلا لزم الجمع بين العوض و المعوض عنه، فكيف يجمع بينهما كما ذكره (قدس سره) و المراد بالفريضة في هذا الخبر الصلاة اليومية، و فيه اشعار بما قدمنا ذكره من ان إطلاق تلك الأخبار الدالة على استحباب التكبيرات الافتتاحية محمول على الصلوات اليومية. و الله العالم.
الثالثة- يستحب رفع اليدين في كل تكبيرة
كما في تكبيرات الصلاة اليومية و به صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم).
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في التهذيب عن يونس (1) قال: «سألته عن تكبير العيدين أ يرفع يده مع كل تكبيرة أم يجزئه أن يرفع في أول تكبيرة؟ فقال يرفع مع كل تكبيرة».
الرابعة [لو نسي التكبيرات أو بعضها]
- قال في المدارك: لو نسي التكبيرات أو بعضها حتى ركع مضى في صلاته و لا شيء عليه لأنها ليست أركانا و لعموم
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2) «لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».
و هل تقضى بعد الصلاة؟ أثبته الشيخ
لقوله (عليه السلام) في صحيحة ابن سنان (3) «إذا نسيت شيئا من الصلاة ركوعا أو سجودا أو تكبيرا ثم ذكرت فاصنع الذي فاتك سهوا».
و نفاه المصنف في المعتبر و من تأخر عنه لانه ذكر تجاوز محله فيسقط للأصل السالم من المعارض. انتهى. و ظاهره التوقف في المسألة حيث اقتصر على نقل القولين و ما استدل به كل منهما في البين و لم يرجح شيئا منهما.
و قال في الذكرى: لو نسي التكبيرات أو بعضها حتى يركع مضى في صلاته
____________
(1) الوسائل الباب 30 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 29 من القراءة في الصلاة.
(3) الوسائل الباب 12 من الركوع و 23 و 26 من الخلل.
261
و لا شيء عليه إذ ليست أركانا، و هل تقضى بعد الصلاة؟ أثبته الشيخ و لعله لما سبق من الرواية في باب السهو المتضمنة لقضاء الفائت من الصلاة بعدها، و نفاه في المعتبر و تبعه الفاضل لانه ذكر تجاوز محله فيسقط بالنافي السليم من المعارض.
و كأنه عنى بالنافي دلالة الأصل على عدم القضاء و ان الفائت لا يجب قضاؤه و عنى بالمعارض الأمر الجديد الدال على القضاء فإنه منفي، و للشيخ أن يبدى وجود المعارض و هي الرواية المشار إليها. انتهى.
أقول: و منه يعلم ان ذكر صاحب المدارك صحيحة ابن سنان دليلا للشيخ انما هو منه (قدس سره) لا ان الشيخ استدل بها كما يوهمه ظاهر كلامه، و منه يعلم ايضا ان توقفه في المسألة كما حكيناه عنه لا وجه له بعد استدلاله بالصحيحة المذكورة و الواجب عليه حينئذ أن يجيب عن كلام المحقق الذي نقله عنه- من سقوط القضاء بالأصل السالم من المعارض- بان المعارض موجود و هو هذه الصحيحة كما هو ظاهر كلام الذكرى.
هذا، و يمكن أن يقال ان المحقق انما نفى وجوب القضاء هنا بنا على ما يختاره في هذه التكبيرات من الاستحباب كما تقدم نقله عنه في الموضع الأول و ان كان تعليله ربما أشعر بان ذلك بناء على القول بالوجوب.
و أما صحيحة ابن سنان التي استدلوا بها هنا للشيخ فقد تقدم الكلام عليها و على أمثالها مما دل على ذلك أيضا في المسألة الخامسة من المطلب الثاني في السهو من كتاب الصلاة (1) فإن جميع الأخبار المشار إليها قد اشتركت في الدلالة على قضاء ما نسبه من الأفعال كائنا ما كان و ان كان ركنا، و لم يقل به أحد منهم و انما أوجبوا قضاء أشياء معينة كالتشهد و السجدة الواحدة و القنوت بالأدلة الخاصة المتعلقة بذلك و أبطلوا الصلاة بنسيان الركن كالركوع و السجدتين، و بالجملة فإنها على إطلاقها غير معمول عليها فلا يمكن الاستناد إليها، و من ذلك يعلم قوة ما ذهب اليه المحقق و غيره
____________
(1) ج 9 ص 141.
262
من عدم وجوب القضاء لعدم الدليل الواضح على ذلك مضافا الى أصالة العدم. و الله العالم و هل تجب سجدتا السهو لنسيان التكبير هنا كلا أو بعضا؟ صرح ابن الجنيد بذلك فقال على ما نقله عنه في المختلف: و لو نسي بعض التكبير رجع فتممه ما لم يركع و ان تجاوز الركوع و أيقن بالترك سجد سجدتي السهو. انتهى. و جعله في الذكرى احتمالا فقال: و يحتمل ايضا وجوب سجدتي السهو بناء على تناول أدلة الوجوب في اليومية لهذه الصورة و هو قول ابن الجنيد. انتهى.
الخامسة [لو نسي التكبير حتى قرأ]
- لو قلنا بتقديم التكبير على القراءة في الأولى كما هو أحد القولين فنسي التكبير حتى قرأ قال في المعتبر: لم يعد اليه لفوات محله. و قال في الذكرى و ليس ببعيد وجوب استدراكه أو ندبه على اختلاف القولين لانه محل في الجملة و لهذا كان التكبير في الثانية واقعا فيه، و لان الروايات المتضمنة لتأخره عن القراءة في الركعتين أقل أحوالها أن يقتضي استدراكه إذا نسي. و في التذكرة أوجب استدراكه و توقف في إعادة القراءة من حيث عدم وقوعها في محلها و صدق القراءة. قال في الذكرى و الأولى إعادتها، ثم قال و لو ذكر في أثنائها قطعها و اتى به ثم استأنف القراءة، و لا يقضى التكبير عندنا في الركوع لما فيه من تغيير هيئة الصلاة و إذا قلنا بقضاء التكبير أو استدراكه فالقنوت تابع. و الظاهر وجوب الاستقبال فيهما لأنهما جزءان مما يجب فيه الاستقبال و كذا يعتبر بقية شرائط الصلاة. انتهى كلامه زيد مقامه.
السادسة- لو أدرك بعض التكبيرات مع الامام
دخل معه فإذا ركع الإمام فإن أمكنه الإتيان به و بالقنوت مخففا و اللحوق بالإمام في الركوع فلا اشكال، و إلا فإن قلنا بالاستحباب في التكبير و القنوت فإنه يركع مع الإمام حينئذ إذ لا يجوز له ترك المتابعة الواجبة لأجل أمر مندوب، و ان قلنا بالوجوب فيهما كما هو المختار فعلى قول الشيخ بالقضاء في ما تقدم فإنه يتابع هنا و يقضى بعد الفراغ، و اما مع عدم العمل بهذا القول فإنه يحتمل المنع من الاقتداء في هذه الصورة أعني إذا علم
263
عدم اللحوق به، فلو اقتدى و لما يعلم و لم يمكنه الجمع بين المتابعة و بين التكبير فإنه ينوي الانفراد. و يحتمل جواز الاقتداء و يسقط القنوت و يأتي بالتكبير ولاء.
و يشكل بأن الأصل عدم سقوط فرض المكلف بفعل غيره إلا في ما دل عليه الدليل.
و العلامة مع قوله بوجوبهما أسقطه مع عدم إمكان الإتيان به و لم يوجب قضاءه بعد التسليم حتى لو أدرك الإمام راكعا كبر و دخل معه و اجتزأ بالركعة عنده و لا يجب القضاء.
و فيه ما عرفت، و يعضده ايضا ان المتابعة و إن كانت واجبة إلا ان وجوبها ليس جزء من الصلاة من حيث هي صلاة بخلاف التكبير و القنوت فإنهما واجبان و من جملة اجزاء الصلاة الواجبة لأن كلامنا مبنى على القول بالوجوب فكيف تصح الصلاة مع فوات بعض واجباتها عمدا؟ و سقوطه بفعل الغير قد عرفت انه متوقف على الدليل. و المسألة لا تخلو من شوب الإشكال لعدم الدليل الواضح في هذا المجال. و الله العالم.
السابعة [ما يتحمله الإمام في صلاة العيد]
- قال في الذكرى: لا يتحمل الامام هذا التكبير و لا القنوت و إنما يتحمل القراءة، و يحتمل تحمل الدعاء و يكفى عن دعاء المأمومين، و هذا لم أقف فيه على نص و لو قلنا بالتحمل فيه فدعا المأموم فلا بأس سواء كان بدعاء الإمام أو غيره. و عدم تحمل الامام القنوت في اليومية يدل بطريق اولى على عدم تحمله هنا. انتهى.
أقول: قد عرفت آنفا ان سقوط الواجب عن المكلف بفعل غيره يتوقف على الدليل و هو قد اعترف بعدم الوقوف هنا على نص، فما ذكره من احتمال تحمل الامام القنوت بعيد جدا سيما مع ما ذكره من الأولوية في آخر كلامه.
الثامنة [لو شك في عدد التكبير و القنوت]
- قال في الذكرى ايضا: لو شك في عدده بنى على الأقل لأنه المتيقن، و في انسحاب الخلاف في الشك في الأولتين المبطل للصلاة هنا احتمال ان قيل بوجوبه، و لو تذكر بعد فعله انه كان قد كبر لم يضر لعدم ركنيته. و كذا الشك. في القنوت. انتهى.
264
و هو جيد إلا ان ما ذكره من الاحتمال في انسحاب الخلاف في الشك في الأولتين المبطل للصلاة هنا محل نظر، لما قدمنا تحقيقه من أن الشك المبطل في الأولتين انما هو الشك في أعداد الركعات لا في سائر الواجبات، و حينئذ فلا وجه لهذا الاحتمال في المقام. و الله العالم.
البحث الثالث- في سنن هذه الصلاة و ما يلحق بها
، فمنها
الإصحار بها إلا في مكة المعظمة
و عليه إجماع علمائنا و أكثر العامة (1).
و مستنده التأسي به (صلى الله عليه و آله) فإنه كان يصحر بها،
لما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يخرج حتى ينظر الى آفاق السماء و قال لا يصلين يومئذ على بساط و لا بارية».
و ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى رفعه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«السنة على أهل الأمصار أن يبرزوا من أمصارهم في العيدين إلا أهل مكة فإنهم يصلون في المسجد الحرام».
و رواه في الفقيه عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) مثله (4).
و ما رواه في الكافي عن ليث المرادي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قيل لرسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم فطر أو يوم اضحى لو صليت في مسجدك؟ فقال إني لأحب أن أبرز إلى آفاق السماء».
____________
(1) الامام للشافعي ج 1 ص 207 و المغني ج 2 ص 372 و عمدة القارئ ج 3 ص 370 و الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 313. و في البحر الرائق ج 2 ص 159 عن التجنيس «الصحيح عند عامة المشايخ السنة في صلاة العيد الخروج إلى الجبانة و ان كان يسعهم المسجد الجامع» و لم يستثن مكة.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد. و في النسخ هكذا «عن حفص بن غياث عن أبيه عن جعفر عن أبيه» و حيث ان كلمة «عن أبيه» الاولى زائدة حذفناها و اللفظ في الفقيه ج 1 ص 321 هكذا «و روى حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه».
(5) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
265
و ما رواه في الفقيه عن ابن رئاب عن ابى بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا ينبغي أن تصلى صلاة العيدين في مسجد مسقف و لا في بيت انما تصلى في الصحراء أو في مكان بارز».
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن الفضيل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «اتى ابى بالخمرة يوم الفطر فأمر بردها ثم قال: هذا يوم كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يجب ان ينظر فيه الى آفاق السماء و يضع جهته على الأرض».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (3) «انه كان إذا خرج يوم الفطر و الأضحى ابى أن يؤتى بطنفسة يصلى عليها يقول هذا يوم كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يخرج فيه حتى يبرز لآفاق السماء ثم يضع جبهته على الأرض».
و روى في كتاب الإقبال (4) قال: روى محمد بن أبي قرة في كتابه بإسناده إلى سليمان بن حفص عن الرجل (عليه السلام) قال: «الصلاة يوم الفطر بحيث لا يكون على المصلى سقف إلا السماء».
و ألحق ابن الجنيد بمسجد مكة شرفها الله تعالى مسجد المدينة. و صحيحة معاوية ابن عمار و كذا رواية ليث المرادي (5) و صحيحة الحلبي (6) صريحة في رده.
و لو كان هناك عذر من مطر أو خوف أو وحل أو نحوها فلا بأس بصلاتها في المسجد دفعا للمشقة اللازمة من الخروج.
و منها-
السجود على الأرض دون غيرها مما يصح السجود عليه
إظهارا لمزيد التذلل فيها، و عليه يدل ما تقدم من صحيحة الحلبي (7) و صحيحة الفضيل (8).
و يظهر من صحيحة معاوية بن عمار (9) استحباب الصلاة على الأرض بحيث لا يكون تحته بساط و لا بارية و لا نحوهما بل يكون مباشرا للأرض في قيامه و جلوسه
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(5) ص 264.
(6) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(7) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(8) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(9) ص 264.
266
و نحوها
ما رواه في الكافي عن معاوية عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث «انه سأله عن صلاة العيدين فقال ركعتان. الى ان قال: و يخرج الى البر حيث ينظر الى آفاق السماء و لا يصلى على حصير و لا يسجد عليه و قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يخرج الى البقيع فيصلي بالناس».
و ما رواه في كتاب الإقبال عن محمد بن الحسن بن الوليد بإسناده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يخرج حتى ينظر الى آفاق السماء، و قال لا تصلين يومئذ على بارية أو بساط. يعني في صلاة العيدين».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (3) «و إذا أردت الصلاة فابرز تحت السماء و قم على الأرض و لا تقم على غيرها. الى آخره».
و قل من نبه على هذا الحكم من أصحابنا (رضوان الله عليهم).
و منها-
ان يقول المؤذن عوض الأذان و الإقامة [الصلاة (ثلاثا)]
- فإنه لا أذان و لا إقامة لغير الخمس- الصلاة (ثلاثا).
و يدل على ذلك
ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن إسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له أ رأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان و اقامة؟ قال ليس فيهما أذان و لا اقامة و لكن ينادى الصلاة (ثلاث مرات) و ليس فيهما منبر، المنبر لا يحرك من موضعه و لكن يصنع للإمام شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل».
و الأخبار بأنه ليس فيها أذان و لا إقامة كثيرة قد تقدم جملة منها.
قال في الذكرى: لا أذان لصلاة العيد بل يقول المؤذن الصلاة (ثلاثا) و يجوز رفعها بإضمار خبر أو مبتدأ و نصبها بإضمار «احضروا أو ائتوا» و قال ابن ابى عقيل يقول «الصلاة جامعة». و لم نقف على مستنده.
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
(3) صلاة البحار ص 862.
(4) الفقيه ج 1 ص 322 و في الوسائل الباب 7 و 33 من صلاة العيد.
267
و ظاهر الأصحاب كما ذكره في الذكرى ان النداء بذلك ليعلم الناس بالخروج الى المصلى، لأنه اجرى مجرى الأذان الذي يحصل به الأعلام بالوقت، و مقتضى ذلك أن يكون قبل القيام للصلاة بل في أول الخروج إليها، و لا ينافي ذلك ما ورد
في صحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) (1) من قوله «ليس فيهما أذان و لا إقامة أذانهما طلوع الشمس فإذا طلعت خرجوا».
لجواز الجمع بينهما بحصول ذلك بكل من الأمرين استظهارا، و تعدد العلل الشرعية لمعلول واحد كثير في الأخبار كما لا يخفى على من جاس خلال الديار حتى قال الصدوق في بعض تلك المواضع ان هذا مما يزيد تأكيدا و تقوية. و يحتمل ايضا حمل خبر زرارة على من كان عالما بان وقتها الذي يخرج فيه طلوع الشمس يعنى عالما بالوقت الشرعي لها و خبر إسماعيل بن جابر على من ليس كذلك ليحصل له العلم بالخروج لها.
و نقل عن ابى الصلاح ان محله بعد القيام إلى الصلاة فإذا قال المؤذن ذلك كبر الإمام تكبيرة الإحرام و دخل بهم في الصلاة، و الى هذا مال بعض محققي متأخري المتأخرين.
و منها-
الخروج بعد الغسل متطيبا لابسا أحسن أثوابه متعمما
شتاء كان أو قيظا.
أما الغسل فلما تقدم من الأخبار في باب الأغسال من كتاب الطهارة، و من ذلك
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى يصلى قال ان كان في وقت فعليه ان يغتسل و يعيد الصلاة فان مضى الوقت فقد جازت صلاته».
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد. و اللفظ- كما في الفروع ج 1 ص 128 و التهذيب ج 1 ص 289- هكذا «ليس في يوم الفطر و الأضحى أذان و لا إقامة أذانهما طلوع الشمس إذا طلعت خرجوا.».
(2) الوسائل الباب 16 من الأغسال المسنونة.
268
و من ذلك
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من لم يشهد جماعة الناس يوم العيدين فليغتسل و ليتطيب بما وجد و ليصل وحده كما يصلى في الجماعة، و قال خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ (2) قال العيدان و الجمعة».
و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) في قوله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ «أى خذوا ثيابكم التي تتزينون بها للصلاة في الجمعات و الأعياد».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (4) «و إذا أصبحت يوم الفطر اغتسل و تطيب، و تمشط و البس أنظف ثيابك و أطعم شيئا قبل أن تخرج إلى الجبانة فإذا أردت الصلاة فابرز تحت السماء و قم على الأرض و لا تقم على غيرها و أكثر من ذكر الله تعالى».
و منها-
[كيفية خروج الإمام]
خروج الامام ماشيا حافيا مشمرا ثيابه داعيا بالمأثور عليه السكينة و الوقار معتما شاتيا كان أو قائظا ببرد أو حلة.
و يدل على هذه الأحكام
حديث خروج الرضا (عليه السلام) (5) الى صلاة العيد بأمر المأمون له (عليه السلام) و هو مشتمل على سنن عديدة و هو مروي في الكافي و غيره من كتب الصدوق و فيه «لما حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا (عليه السلام) يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلى. الى أن قال فقال يا أمير المؤمنين ان أعفيتني من ذلك فهو أحب الى و ان لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال المأمون اخرج كيف شئت، و أمر المأمون القواد و الناس أن يركبوا (6) الى باب ابى الحسن (عليه السلام) قال فحدثني ياسر الخادم انه قعد الناس لأبي الحسن (عليه السلام) في الطرقات و السطوح الرجال و النساء و الصبيان و اجتمع القواد و الجند على باب ابى الحسن
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة العيد.
(2) سورة الأعراف الآية 29.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة العيد.
(4) صلاة البحار ص 862.
(5) الأصول ج 1 ص 489 و في الوسائل الباب 19 من صلاة العيد.
(6) «يبكروا» خ ل.
269
(عليه السلام) فلما طلعت الشمس قام فاغتسل و تعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه و تشمر ثم قال لجميع مواليه افعلوا مثل ما فعلت ثم أخذ بيده عكازا ثم خرج و نحن بين يديه و هو حاف قد شمر سراويله الى نصف الساق و عليه ثياب مشمرة فلما مشى و مشينا بين يديه رفع رأسه الى السماء و كبر أربع تكبيرات فخيل إلينا ان السماء و الحيطان تجاوبه، و القواد و الناس على الباب قد تهيئوا و لبسوا السلاح و تزينوا بأحسن زينة، فلما طلعنا عليهم بهذه الصورة و طلع الرضا (عليه السلام) وقف على الباب وقفة ثم قال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد لله على ما أبلانا. نرفع بها أصواتنا، قال ياسر فتزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج و الصياح لما نظروا الى ابى الحسن (عليه السلام) و سقط القواد عن دوابهم و رموا بخفافهم لما رأوا أبا الحسن (عليه السلام) حافيا و كان يمشى و يقف في كل عشر خطوات و يكبر ثلاث تكبيرات، قال ياسر فتخيل إلينا ان السماء و الأرض و الجبال تجاوبه و صارت مرو ضجة واحدة من البكاء، و بلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين يا أمير المؤمنين ان بلغ الرضا (عليه السلام) المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس و الرأي أن تسأله أن يرجع فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع فدعا أبو الحسن (عليه السلام) بخفه فلبسه و ركب و رجع».
و في هذا الخبر الشريف جملة من الفوائد: منها- ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عليا (عليه السلام) كانا يخرجان بهذه الكيفية.
و منها- استحباب التشمير للثياب و السراويل لكل من الإمام و المأموم و المشي حافيا للكل ايضا و التعمم على النحو المذكور، و هذا هو السنة في التعمم لا ما اشتهر من التحنك كما قدمنا تحقيقه في بحث اللباس من كتاب الصلاة (1) و منها- أن تكون العمامة بيضاء من القطن.
____________
(1) ج 7 ص 127 و 128.
270
و منها- مشى الامام و بيده عكاز و قد روى نحوه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله):
روى في الفقيه عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال «كانت لرسول الله (صلى الله عليه و آله) عنزة في أسفلها عكاز يتوكأ عليها و يخرجها في العيدين يصلى إليها».
و في صحيحة محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث في أحوال النبي (صلى الله عليه و آله) الى ان قال: و كان له عنزة يتكىء عليها و يخرجها في العيدين فيخطب بها.
و الظاهر الاختصاص بالإمام فقط و ظاهر الخبرين استحباب العنزة مطلقا.
و منها-
الاشتغال بالتكبير و الدعاء في طريقه
مما ذكر هنا و غيره مما تقدم و يأتي ان شاء الله تعالى، و منها الوقوف حال التكبير.
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) انه قال: «و ينبغي لمن خرج الى العيد أن يلبس أحسن ثيابه و يتطيب بأحسن طيبه و قال عز و جل «يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» (4) قال ذلك في العيدين و الجمعة، قال و ينبغي للإمام أن يلبس يوم العيد بردا و إن يعتم شاتيا كان أو صائفا.
و عن على (عليه السلام) انه كان يمشي في خمس مواطن حافيا و يعلق نعليه بيده اليسرى و كان يقول انها مواطن لله تعالى و أحب أن أكون فيها حافيا: يوم الفطر و يوم النحر و يوم الجمعة و إذا عاد مريضا و إذا شهد جنازة».
انتهى ما نقلناه من كتاب الدعائم.
و في صحيحة محمد بن مسلم (5) «لا بد من العمامة و البرد يوم الأضحى و الفطر فأما الجمعة فإنها تجزئ بغير عمامة و برد».
و في صحيحة الحلبي (6) «قلت تجوز صلاة العيدين بغير عمامة؟ قال نعم و العمامة
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(3) مستدرك الوسائل الباب 11 و 8 و 15 من صلاة العيد.
(4) سورة الأعراف الآية 29.
(5) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(6) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
271
أحب الى».
و ظاهره العموم للإمام و المأموم.
و في صحيحة معاوية (1) «و ينبغي للإمام أن يلبس يوم العيدين بردا و يعتم شاتيا كان أو قائظا».
و في تفسير العياشي بسنده عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في قول الله تعالى خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ؟ قال الأردية في العيدين و الجمعة».
و في صحيحة عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يعتم في العيدين شاتيا كان أو قائظا و يلبس درعه و كذلك ينبغي للإمام، و يجهر بالقراءة كما يجهر في الجمعة».
و في صحيحة أبي بصير (4) «ينبغي للإمام أن يلبس حلة و يعتم».
و لعل المراد بالحلة هنا الرداء حيث ان الحلة المشهورة لا تكون إلا من الحرير كما صرحوا به.
و منها-
الذهاب الى المصلى من طريق و العود منه من آخر
، بل الظاهر من الأخبار الاستحباب مطلقا:
روى الصدوق في الفقيه عن السكوني (5) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان إذا خرج الى العيدين لم يرجع في الطريق الذي بدأ فيه يأخذ في طريق غيره».
و روى في الكافي عن موسى بن عمر بن بزيع (6) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) ان الناس رووا ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره فهكذا كان؟ قال فقال. نعم فانا أفعله كثيرا ثم قال: أما انه أرزق لك.
و روى ابن طاوس في كتاب الإقبال بإسناده عن ابى محمد هارون بن موسى التلعكبري بإسناده عن الرضا (عليه السلام) (7) قال «قلت له يا سيدي انا نروى عن النبي
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(2) مستدرك الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 36 من صلاة العيد.
(6) الوسائل الباب 36 من صلاة العيد.
(7) ص 283 و في الوسائل الباب 36 من صلاة العيد.
272
(صلى الله عليه و آله) انه كان إذا أخذ في طريق لم يرجع فيه و أخذ في غيره، فقال هكذا كان نبي الله (صلى الله عليه و آله) يفعل و هكذا أفعل انا و هكذا كان أبي يفعل و هكذا فافعل فإنه أرزق لك؟ و كان النبي (صلى الله عليه و آله) يقول هذا ارزق للعباد».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (1) «انه كان إذا انصرف من المصلى يوم العيد لم ينصرف على الطريق الذي خرج عليه».
و منها-
أن يطعم قبل خروجه يوم الفطر و بعد رجوعه في يوم الأضحى
و الأفضل في الأول أن يكون إفطاره على حلو و المروي التمر، و في الإفطار على التربة الحسينية كلام، و الأفضل في الثاني الأكل من أضحيته.
فههنا مقامات
[المقام] «الأول» في الفرق بين العيدين
بالإفطار في الأول قبل الخروج و في الثاني بعد الرجوع.
و يدل عليه
صحيحة حريز عن زرارة المروية في الفقيه عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «لا تخرج يوم الفطر حتى تطعم شيئا و لا تأكل يوم الأضحى إلا من هديك و أضحيتك إن قويت عليه و ان لم تقو فمعذور.
قال و قال أبو جعفر (عليه السلام) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يأكل يوم الأضحى شيئا حتى يأكل من أضحيته و لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم و يؤدى الفطرة. قال و كذلك نفعل نحن».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «اطعم يوم الفطر قبل ان تخرج الى المصلى».
و روى فيه و في الفقيه عن جراح المدائني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: اطعم يوم الفطر قبل أن تصلى و لا تطعم يوم الأضحى حتى ينصرف الامام».
و روى في الفقيه مرسلا (5) قال «كان على (عليه السلام) يأكل يوم الفطر قبل ان يغدو
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 29 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
273
الى المصلى و لا يأكل يوم الأضحى حتى يذبح».
و روى في التهذيب في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«الأكل قبل الخروج يوم العيد و ان لم تأكل فلا بأس».
أقول: يعنى عيد الفطر كما تقدم في الأخبار.
المقام الثاني- في ما يستحب الإفطار عليه في الفطر
، فروى الشيخان في الكافي و الفقيه عن على بن محمد النوفلي (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) انى أفطرت يوم الفطر على طين و تمر؟ فقال لي جمعت بركة و سنة».
و قال في كتاب الإقبال: روى ابن أبي قرة بإسناده عن الرجل (عليه السلام) (3) قال:
«كل تمرات يوم الفطر فان حضرك قوم من المؤمنين فأطعمهم مثل ذلك».
و في كتاب الفقه الرضوي (4) «و الذي يستحب الإفطار عليه يوم الفطر الزبيب و التمر، و اروى عن العالم (عليه السلام) الإفطار على السكر، و روى أفضل ما يفطر عليه طين قبر الحسين (عليه السلام)».
قال في المدارك: و يستحب يوم الفطر الإفطار على الحلو
لما روى (5) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يأكل قبل خروجه تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو أكثر».
و لا يجوز الإفطار على التربة الحسينية إلا بقصد الاستشفاء لمن كان به علة كغيره من الأيام. انتهى.
و قال في الذكرى: قال كثير من الأصحاب يستحب الإفطار يوم الفطر على الحلو
لما روى (6) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يأكل قبل خروجه في الفطر تمرات ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل أو أكثر».
و لو أفطر على التربة الحسينية (على مشرفها الصلاة و السلام) لعلة به فحسن و إلا فالأقرب التحريم، و الأفضل الإفطار على الحلاوة و أفضلها
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 13 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 13 من صلاة العيد.
(4) ص 25.
(5) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294.
(6) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294.
274
السكر، و روى تربة الحسين (عليه السلام) و الأول أظهر لشذوذ الرواية و تحريم الطين على الإطلاق إلا ما خرج بالدليل من التربة للاستشفاء. انتهى.
أقول: اما ما ذكروه من الإفطار على الحلو بقول مطلق فلم أقف فيه على خبر و الذي وقفت عليه ما قدمت من الأخبار الدالة على التمر و زاد في كتاب الفقه الزبيب، و اما السكر فقد ذكره الشهيد كما عرفت، و لعله استند فيه الى رسالة على بن الحسين ابن بابويه الذي قد عرفت انه يفتي فيها غالبا بعبارات هذا الكتاب، و لعله كان في الرسالة المذكورة أو انه ذكره أحد من المتقدمين فذكره الشهيد كذلك، و كيف كان فالمستند فيه هو هذا الكتاب و به يظهر ما في اعتراض بعض متأخري المتأخرين على الشهيد بعدم وجود المستند فيه. و لعل من عبر بالحلو بقول مطلق حمل ما ذكر من التمر و نحوه هنا على التمثيل. و اما الرواية التي نقلوها عن النبي (صلى الله عليه و آله) فالظاهر انها من طريق العامة التجأوا الى الاستدلال بها حيث لم تحضرهم هذه الروايات التي ذكرناها فانى بعد التتبع لم أقف عليها في كتب أخبارنا، و أيضا فإن بعض محققي متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم) أسندها إلى العامة (1).
المقام الثالث- في الكلام على التربة الحسينية
(على مشرفها أفضل الصلاة و التحية) و الظاهر اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على جواز الأكل منها لقصد الاستشفاء و عليه تدل جملة من الأخبار، انما الخلاف في الأكل للتبرك فظاهر جملة من الأخبار المنع إلا انه روى الجواز في العيد كما عرفت من رواية النوفلي المتقدمة و رواية كتاب الفقه (2) و روى في إفطار يوم عاشوراء ايضا.
قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: و اما الأكل بمحض التبرك فالظاهر عدم الجواز للتصريح به في بعض الأخبار و عموم بعضها، لكن ورد في بعض الأخبار جواز إفطار العيد به و إفطار يوم عاشوراء ايضا و جوزه فيهما بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لا يخلو من قوة، و الاحتياط في الترك إلا
____________
(1) مستدرك الحاكم ج 1 ص 294.
(2) ص 273.
275
أن يكون به مرض يقصد الاستشفاء.
و قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) بعد ذكر المسألة: و لا بد أن يكون بقصد الاستشفاء و إلا فيحرم و لم يحصل له الشفاء كما في رواية أبي يحيى (1) و يدل عليه غيرها ايضا، و قد نقل اكله يوم عاشوراء بعد العصر و كذا الإفطار به في يوم العيد و لم تثبت صحته فلا يؤكل إلا للشفاء.
و ظاهر كلامه (قدس سره) رد خبري الجواز في هذين الموضعين لضعف السند بناء على هذا الاصطلاح حيث انه (قدس سره) من القائلين به و العاكفين عليه، و ظاهر كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) القول بمضمون الخبرين و الظاهر انه لكونهما خاصين و تلك الأخبار مطلقة فالعمل بهما مقدم كما هو القاعدة، و كلامه (قدس سره) مبنى على إلغاء هذا الاصطلاح كما هو المعروف من طريقته.
و الظاهر ان الرواية المشار إليها في الجواز يوم عاشوراء هو ما ذكره الشيخ في المتهجد (2) قال: و يستحب صوم هذا العشر فإذا كان يوم عاشوراء أمسك عن الطعام و الشراب الى بعد العصر ثم يتناول شيئا يسيرا من التربة. و لم يذكر شيخنا المجلسي في كتاب البحار دليلا سواها في هذا الحكم.
و من الأخبار الواردة في المسألة
ما رواه في كتاب كامل الزيارات (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «قلت له ما تقول في طين قبر الحسين (عليه السلام)؟
قال يحرم على الناس أكل لحومهم و يحل لهم أكل لحومنا و لكن الشيء اليسير منه مثل الحمصة».
و ظاهر الخبر الجواز بهذا المقدار و ان لم يكن بقصد الاستشفاء.
و منها-
ما رواه فيه ايضا بسنده عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «كل طين حرام على بنى آدم ما خلا طين قبر ابى عبد الله (عليه
____________
(1) ص 276.
(2) ص 538.
(3) ص 285 و 286 و في الوسائل الباب 74 من المزار عن الشيخ عن ابن قولويه.
(4) الوسائل الباب 59 من الأطعمة المحرمة.
276
السلام) من أكله من وجع شفاه الله».
و ظاهره يشير الى الجواز بقصد الشفاء إلا انه غير صريح بل و لا ظاهر في المنع من غيره.
و منها-
ما رواه في كتاب دعوات الراوندي عن سدير عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال «من أكل من طين قبر الحسين (عليه السلام) غير مستشف به فكأنما أكل من لحومنا».
و هو صريح في التحريم إلا بقصد الاستشفاء و يمكن تقييده بالأخبار المتقدمة.
و منها-
ما رواه في كتاب العلل (2) عن أبي يحيى الواسطي عن رجل قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) الطين حرام أكله كلحم الخنزير و من أكله ثم مات فيه لم أصل عليه إلا طين القبر، فمن أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء».
و رواه الكليني في الكافي (3)
و ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات (4) عن الكليني و فيهما «حرام أكله. إلى قوله إلا طين القبر فان فيه شفاء من كل داء و من أكله بشهوة لم يكن فيه شفاء».
و ليس فيه دلالة صريحة بل و لا ظاهرة على التحريم بقصد التبرك كما هو محل الخلاف.
و الظاهر ان جملة «فإن فيه شفاء من كل داء» سقطت من قلم صاحب العلل أو من بعض الرواة حيث انها الأنسب بسياق الخبر و رواية الشيخين المذكورين لها و هذه هي الرواية التي أشار إليها المحقق الأردبيلي (نور الله مرقده) و ادعى دلالتها على التحريم إلا بقصد الاستشفاء و الحال فيها كما ترى.
و بالجملة فالأخبار المدعى دلالتها على التحريم مطلقا و ان كان للتبرك لا بقصد الشفاء لا صراحة فيها و لا ظاهرية بذلك كما عرفت إلا رواية سدير و قد عرفت قيام الاحتمال بتقييدها، و روايتا النوفلي و كتاب الفقه الرضوي صريحتان
____________
(1) البحار ج 14 ص 323.
(2) ص 179 و في الوسائل الباب 59 من الأطعمة المحرمة.
(3) الفروع ج 2 ص 156 و في الوسائل الباب 59 من الأطعمة المحرمة.
(4) ص 286 و في الوسائل الباب 59 من الأطعمة المحرمة.
277
في الجواز للتبرك و رواية المصباح في يوم عاشوراء. و قضية الجمع بين أخبار المسألة تقييد ما يدعى دلالته على التحريم بإطلاقه و قصر الحكم بالتحريم على ما عدا المواضع الثلاثة المذكورة في ما قدمناه من الأخبار. و الاحتياط لا يخفى. و الله العالم
و منها-
التكبير في الفطر عقيب أربع صلوات
أولها المغرب و آخرها صلاة العيد، و ضم الصدوق الى هذه الصلوات الأربع صلاة الظهرين، و ضم ابن الجنيد النوافل ايضا، و في الأضحى عقيب خمس عشرة صلاة أولها ظهر يوم النحر لمن كان بمنى و في الأمصار عقيب عشر صلوات أولها ما تقدم.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع
(الأول) [هل التكبير عقيب الصلوات في الفطر واجب؟]
اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب هذا التكبير و استحبابه في عيد الفطر فنقل عن المرتضى (رضى الله عنه) القول بالوجوب و المشهور الاستحباب.
و يدل على ما ذهب اليه المرتضى من الوجوب في الفطر الآية أعني قوله عز و جل «وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ» (1).
و روى الصدوق (قدس سره) في كتاب الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) في حديث شرائع الدين قال: «و التكبير في العيدين واجب أما في الفطر ففي خمس صلوات يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر من يوم الفطر، و هو ان يقال: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أبلانا. لقوله عز و جل وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ. الحديث».
و التقريب فيه انه قد فسر (عليه السلام) الآية بهذا التكبير الواقع في الفطر، و الأوامر القرآنية للوجوب إجماعا إلا ما قام الدليل على خلافه، و يعضده تصريح الخبر بالوجوب أيضا.
____________
(1) سورة البقرة الآية 181.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
278
و نحوه
ما رواه الصدوق في كتاب عيون الأخبار عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (1) «انه كتب الى المأمون: و التكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات و يبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر».
و رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول مرسلا (2).
و قال في المدارك- بعد نقل القول بالاستحباب عن أكثر الأصحاب و الوجوب عن المرتضى- ما لفظه: و الذي وقفت عليه في هذه المسألة
رواية سعيد النقاش (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) اما ان في الفطر تكبيرا و لكنه مسنون. قال قلت و اين هو؟ قال في ليلة الفطر في المغرب و العشاء الآخرة و في صلاة الفجر و صلاة العيد ثم يقطع. قال قلت كيف أقول؟ قال تقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا. و هو قول الله سبحانه وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ» (4).
و هي صريحة في الاستحباب و ينبغي العمل بها في كيفية التكبير و محله و ان ضعف سندها لأنها الأصل في هذا الحكم. انتهى.
و لا يخفى عليك ما فيه (أما أولا) فلما ادعاه من أن الذي وقف عليه انما هو هذه الرواية و انها الأصل في هذا الحكم مع ما عرفت مما قدمناه من الروايتين في هذه المسألة.
و من رواياتها ايضا
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «تكبر ليلة الفطر و صبيحة الفطر كما تكبر في العشر».
أقول: الظاهر ان المراد بالعشر يعنى عشر صلوات في الأمصار في الأضحى و المراد استحباب التكبير أو وجوبه في هذا الموضع كما في ذلك الموضع، و لا يلزم منه اتحاد الكيفية.
و (اما ثانيا) فان ما ذكره- من ان هذه الرواية هي الأصل في هذا الحكم
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(4) البقرة الآية 181.
(5) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
279
و انه ينبغي العمل بها و ان ضعف سندها- إنما ألجأه إليه ضيق الخناق في هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح، و ذلك فان الخبر الضعيف عنده ليس بدليل شرعي و من عادته و قاعدته رد الأخبار الضعيفة في كتابه، و بموجب ذلك انه لا يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية و لا يجوز بناؤها عليه، و من قاعدته تقديم العمل بالبراءة الأصلية على الأخبار الضعيفة، فكيف خرج عن قاعدته هنا و احتج بهذه الحجة الواهية التي هي لبيت العنكبوت- و انه لأوهن البيوت- مضاهية؟ على انك قد عرفت وجود الأخبار في الحكم المذكور غير هذه الرواية كرواية معاوية بن عمار، فإنها قد تضمنت الأمر بالتكبير و ان لم تدل على كيفيته، و رواية الأعمش و ان اشتملت على كيفيته إلا ان في رواية الأعمش زيادة على ما نقله في رواية النقاش في آخر التكبير «و الحمد لله على ما أبلانا» و هذه الزيادة أيضا موجودة في رواية النقاش بنقل الصدوق لها في الفقيه (1) و أما على نقل الشيخ في التهذيب (2) و هو الذي أخذ منه فهو كما نقله هنا. و بالجملة فهو معذور في ما ذكره حيث لم يعط التأمل حقه في تتبع الأخبار و الوقوف عليها في مظانها و ان لم يكن معذورا حقيقة لما ذكرناه.
و كيف كان فان ظاهر رواية النقاش هو الاستحباب، إذ الظاهر من قوله «مسنون» انما هو المستحب لا ما ثبت وجوبه بالسنة كما يدل عليه السياق، و على ذلك تحمل الآية المذكورة في الخبر، لأنه لو أريد بها الوجوب لكان حق العبارة في الخبر ان يقال انه مفروض أى واجب بالكتاب، و يؤيد ذلك ما يأتي في صحيحة على بن جعفر (3) و أما لفظ الوجوب في الخبرين المتقدمين ففيه ما عرفت مما قدمناه في غير موضع من مباحث الكتاب من ان هذا اللفظ من الألفاظ المتشابهة، فإنه و ان كان في اصطلاح أرباب الأصول بمعنى ما يترتب العقاب على تركه لكنه في الأخبار أعم
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(2) ج 1 ص 290 عن الكليني.
(3) ص 281.
280
من ذلك كما لا يخفى على من تدبر الأخبار و جاس خلال الديار.
الثاني- في وجوبه أو استحبابه في عيد الأضحى
، و المشهور الاستحباب ايضا و نقل عن المرتضى و ابن الجنيد و الشيخ في الاستبصار الوجوب.
قال في المدارك بعد ذكر المصنف تكبير الأضحى: المشهور بين الأصحاب ان ذلك على سبيل الاستحباب ايضا، و قال المرتضى و ابن الجنيد و الشيخ في الاستبصار بالوجوب
لما رواه محمد بن مسلم في الحسن (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ (2) قال التكبير في أيام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث، و في الأمصار عشر صلوات فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار».
انتهى. ثم نقل الاختلاف في الكيفية.
أقول: ظاهر كلامه (زيد في مقامه)- حيث ذكر ان المشهور هو الاستحباب و لم ينقل عليه دليلا ثم نقل القول بالوجوب و أورد له دليلا الحسنة المذكورة ثم تجاوز عن المقام الى نقل الاختلاف في الكيفية، و لم يرجح شيئا من القولين و لم يتكلم بشيء في البين- هو التوقف في الحكم بل ربما أشعر بالميل الى الوجوب حيث نقل ما يدل عليه و لم يطعن فيه بشيء كما هي عادته إذا لم يرتض القول بالخبر، مع عدم تعرضه لنقل دليل مقابله.
و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمسألة الحسنة التي ذكرها، و لا يخفى ان وصفه لها بالحسن انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي قد عرفت اضطراب كلامه فيه ما بين ان يرد روايته بالضعف و ما بين ان يصفها بالحسن كما هنا و ما بين أن يصفها
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. و فيه كما في الفروع ج 1 ص 306 «فإذا نفر بعد الاولى» و في التهذيب ج 1 ص 523 عن الكليني و الوافي باب التكبير في أيام التشريق من الحج كما هنا.
(2) سورة البقرة الآية 199.
281
بالصحة كما أشرنا إليه في الأبحاث المتقدمة.
و منها-
موثقة عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «التكبير واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة أيام التشريق».
و منها-
صحيحة على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن التكبير أيام التشريق أ واجب هو؟ قال يستحب و ان نسي فلا شيء عليه. الحديث».
و منها-
صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في قول الله عز و جل وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ (4) قال هي أيام التشريق كانوا إذا أقاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم كان ابى يفعل كذا و كذا فقال الله عز و جل فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ- كَذِكْرِكُمْ آبٰاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً (5) قال و التكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام».
و جملة من الأخبار انما تضمن السؤال عنه أو بيان كيفيته من غير اشعار بوجوب أو استحباب.
و أنت خبير بأنه و ان كان ظاهر ما عدا صحيحة على بن جعفر من هذه الأخبار هو الوجوب إلا ان ظاهر الصحيحة المذكورة بل صريحها هو الاستحباب لانه لا مجال للتأويل هنا في لفظ الاستحباب فيها فيجب حمل ما عداها من الأخبار عليها، و كذلك الآية المذكورة في حسنة محمد بن مسلم و صحيحة منصور.
و مما يؤيد القول بالاستحباب
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (6) قال: «سألته عن التكبير بعد كل صلاة فقال كم شئت انه ليس شيء
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 21 و 23 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(4) سورة البقرة الآية 199.
(5) سورة البقرة الآية 196 «فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ.».
(6) الوسائل الباب 24 من صلاة العيد.
282
موقت. يعني في الكلام».
و ظاهر هذه الرواية العموم لكل من تكبير الفطر و الأضحى و أظهر منه قوله في هذا الحديث على ما نقله في مستطرفات السرائر من جامع البزنطي بسند صحيح ايضا (1) عوض هذه العبارة قال: «كم شئت انه ليس بمفروض» و يشعر به ايضا
قوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدمة (2) «واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة».
مع دلالة رواية داود بن فرقد (3) على انه ليس في النافلة تكبير. و الله العالم.
الثالث- في كيفيته
و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال ابن ابى عقيل ان كيفيته: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد لله ما أولانا. و لم يذكر تكبير الفطر.
و قال ابن الجنيد في كيفية تكبير الفطر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد على ما هدانا. و في الأضحى الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام و الحمد لله على ما أولانا.
و روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4) عن على (عليه السلام) انه كان يقول في دبر كل صلاة في عيد الأضحى: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد.
و لم يذكر تكبير الفطر.
و في المقنع (5) في صفة تكبير الأضحى: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد و الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أولانا و الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام.
____________
(1) الوسائل الباب 24 من صلاة العيد.
(2) ص 281.
(3) ص 288.
(4) ج 1 ص 308 و في الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(5) مستدرك الوسائل الباب 17 من صلاة العيد.
283
و قال الشيخ المفيد في تكبير الفطر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و الحمد لله على ما هدانا و له الشكر على ما أولانا. و في الأضحى الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و الحمد لله على ما رزقنا من بهيمة الانعام.
و قال الشيخ في النهاية في صفة تكبير الفطر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الحمد لله على ما هدانا و له الشكر على ما أولانا. و في الأضحى كذلك إلا انه يزيد فيه «و رزقنا من بهيمة الانعام» و كذلك في المبسوط.
و قال في الخلاف: صفة التكبير ان يقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد. و لم يفصل بين العيدين.
هذا ما وقفت عليه من الأقوال المنقولة في المختلف، و أقوال من تأخر عنه أيضا مختلفة في ذلك كما لا يخفى على من راجعها.
و اما الاخبار الواردة في ذلك فاما بالنسبة إلى عيد الفطر فالذي وقفت عليه ما تقدم في رواية الأعمش المنقولة من كتاب الخصال و رواية سعيد النقاش (1).
و الذي في الأولى: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أبلانا.
و الذي في الثانية برواية الصدوق (2) مثل هذه الرواية، و أما برواية الكليني و الشيخ عنه (3) فإنهما أسقطا قوله في آخر الرواية: «و الحمد لله على ما أبلانا» كما أشرنا إليه آنفا.
و روى في كتاب الإقبال (4) قال: روينا بإسنادنا الى ابى محمد هارون بن موسى التلعكبري بإسناده إلى معاوية بن عمار قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ان في الفطر تكبيرا. قلت متى؟ قال في المغرب ليلة الفطر و العشاء و صلاة الفجر و صلاة العيد ثم ينقطع و هو قول الله تعالى وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ (5) و التكبير
____________
(1) ص 277 و 278.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(4) ص 271.
(5) سورة البقرة الآية 181.
284
ان يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد على ما هدانا.
أقول: و هذه كيفية أخرى أيضا. و العمل بالصورة التي اتفقت عليها رواية الأعمش و رواية النقاش بناء على نقل الصدوق لها هو الأحوط و ان كان القول بالتخيير بين ما ورد هو الوجه في الجمع بين الأخبار.
و أنت خبير بان ما قدمنا نقله عن ابن الجنيد و الشيخ المفيد و كذلك الشيخ في النهاية و المبسوط من صورة تكبير الفطر مع اختلافه لا ينطبق شيء منه على ما دل عليه الخبران المذكوران، و حمله على وصول اخبار لهم مما ذكره كل منهم مع عدم وصول شيء منها لنا و ان أمكن لكنه بعيد، و أبعد منه أن يكون ما قاله كل منهم عن اجتهاد في المسألة إذ لا مسرح للاجتهاد في مثل ذلك.
و اما بالنسبة إلى عيد الأضحى فالأخبار فيه أشد اختلافا و أبعد ائتلافا، قال في المدارك: و اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في كيفية التكبير في الأضحى و الأجود العمل
بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «و التكبير ان يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد لله على ما أبلانا».
انتهى.
أقول: لا أعرف لهذه الاجودية وجها إلا من حيث صحة سند هذه الرواية باصطلاحه، و قد عرفت ان صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (2) قد تضمنت التكبير في الأضحى بوجه آخر،
و في صحيحة زرارة أو حسنته بإبراهيم بن هاشم الذي قدمنا قريبا عنه عد حديثه في الحسن عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «يقول فيه: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام».
و هذه أيضا كيفية ثالثة.
و بذلك يظهر لك انه لا وجه لهذه إلا جودية و ترجيح تلك الرواية لأجلها
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(2) ص 281.
(3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
285
إلا من حيث غفلته وقت التصنيف عن هاتين الروايتين كما يشعر به قوله في رواية النقاش «انه لم يقف في تلك المسألة إلا عليها» مع وجود الأخبار التي ذكرناها ثمة.
ثم ان في صحيحة على بن جعفر المروية في كتابه و هي مروية
في كتاب قرب الاسناد (1) عن أخيه (عليه السلام) قال: «تقول الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام».
و هذه الكيفية مطابقة لما ورد في صحيحة زرارة أو حسنته المتقدمة (2).
و في رواية الأعمش المنقولة من كتاب الخصال التي قدمنا ذكرها في تكبير الفطر (3) قال في آخرها. «و بالأضحى في الأمصار في دبر عشر صلوات. الى ان قال و يزاد في هذا التكبير: و الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الانعام».
و هذه أيضا كيفية رابعة و ما يأتي نقله من كتاب الفقه الرضوي و هي كيفية خامسة أيضا. و العمل بكل ما ورد حسن ان شاء الله تعالى.
فائدة
قد تقدم في كلام ابن الجنيد ذكر التكبير في صدر التكبير المسنون في الأضحى ثلاث مرات و الموجود في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) و كذا في الاخبار انما هو مرتان، و أخبار المسألة على كثرتها و تعددها في الكتب الأربعة و غيرها لم تشتمل إلا على المرتين، قال المحقق في الشرائع بعد قوله الله أكبر مرتين: و في الثالثة تردد. و الظاهر انه اشارة الى ما نقلناه عن ابن الجنيد كما تقدم تصريحه به في عبارته المتقدمة. و كيف كان فإنه لا وجه لهذا التردد بمجرد وجود القائل بذلك مع عدم وجود ما يدل عليه من الاخبار، اللهم إلا أن يكون وصل اليه دليل لم يصل إلينا و هو بعيد.
الرابع [ورود التكبير بعد الظهر و العصر في الفطر]
- ما تقدم نقله عن الصدوق من زيادة فريضتين على الأربع المشهورة
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(2) ص 284.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
286
قد صرح به في المقنع حيث قال بأنه عقيب ست صلوات اخيرتها صلاة العصر يوم الفطر. و الأصحاب لم يذكروا له مستندا بل صرح الشهيد في الذكرى بعدم وقوفه على مأخذه.
قال بعض الأصحاب بعد نقل ذلك من الذكرى: الظاهر ان مأخذه ما أشار إليه في الفقيه عند نقل رواية سعيد (1) حيث قال: و في غير رواية سعيد و في الظهر و العصر أقول: بل الظاهر ان مأخذه انما هو كتاب الفقه الرضوي الذي قد عرفت في غير مقام مما تقدم اعتماده و كذا أبوه في الرسالة على أخذ عبارات هذا الكتاب و الإفتاء بها.
قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (2) «و كبر بعد المغرب و العشاء الآخرة و الغداة و صلاة العيد و الظهر و العصر كما تكبر أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر على ما هدانا و الحمد لله على ما أولانا و أبلانا و الحمد لله بكرة و أصيلا».
و قد تقدم (3) في رواية الأعمش المنقولة من الخصال انه في خمس صلوات يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة الفطر إلى صلاة العصر. و الظاهر ان مراده بالخمس مع لزوم كونها ستا يعنى من اليومية فلا ينافي كونها ستا مع صلاة العيد.
و يشير الى هذا القول ايضا
ما رواه في عيون الأخبار في حديث عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (4) في كتابه إلى المأمون «و التكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات و يبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر».
و إجمال هذه الرواية يعلم من رواية الخصال.
و يدل على هذا القول ايضا ما رواه العياشي في تفسيره عن سعيد، و الظاهر انه النقاش المتقدم حيث نقل عنه تلك الرواية المتقدمة في تفسيره (5) ثم قال
و عن
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(2) ص 25.
(3) ص 277.
(4) الوسائل الباب 20 من صلاة العيد.
(5) مستدرك الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.
287
سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان في الفطر تكبيرا. قال قلت ما تكبير إلا في يوم النحر؟ قال فيه تكبير و لكنه مسنون: في المغرب و العشاء و الفجر و الظهر و العصر و ركعتي العيد».
و بذلك يظهر لك ما في كلام من رد على الصدوق هنا بعدم وجود المستند، لعدم إعطاء التأمل حقه في تتبع الأخبار.
و لم أقف على من تعرض للجواب عن هذه الأخبار حيث ان الأكثر كما عرفت لم يطلعوا عليها بالكلية، و غاية ما أجاب به بعض محققي متأخري المتأخرين بعد أن ذكر رواية الأعمش المنقولة في الخصال ان قال: و لا يخفى ان الاستناد الى ما هو المنجبر بعمل الأصحاب و المروي في الكتب الأربعة أولى. و لا يخفى ما فيه سيما بعد ما عرفت من تعدد الرواية بذلك.
و اما ما ذكره ابن الجنيد من ضم النوافل فإن العلامة في المختلف نقل عنه القول بالوجوب عقيب الفرائض المذكورة و الاستحباب عقيب النوافل، و نقل عنه انه احتج بأنه تكبير مستحب و ذكر مندوب اليه فيكون مشروعا، ثم أجاب عنه بما حاصله انا نسلم ان التكبير مستحب لكن من حيث انه تكبير اما من حيث انه تكبير العيد فمنع مشروعيته.
و ظاهره في المنتهى إنكار القول المذكور و نسبه للشافعي (2) و نقل استدلاله عليه بما نقله في المختلف عن ابن الجنيد ثم رده بمثل ما رده في المختلف.
أقول: لا يخفى ان جملة من الروايات قد صرحت بالاستحباب بعد النوافل مثل
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.
(2) في المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 122 «و هل يكبر خلف النوافل؟ فيه طريقان، من أصحابنا من قال يكبر قولا واحدا لأنها صلاة راتبة فأشبهت الفرائض، و منهم من قال لا يكبر لان النفل تابع للفرض و التابع لا يكون له تبع» و في الأم ج 1 ص 214 «و يكبر خلف النوافل و خلف الفرائض و على كل حال» و في المغني ج 2 ص 395 «و قال الشافعي يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة منفردا صلاها أو في جماعة».
288
ما
في صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن النوافل أيام التشريق هل فيها تكبير؟ قال نعم و ان نسي فلا بأس».
و في موثقة عمار المتقدمة في الموضع الثاني (2) «واجب في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة أيام التشريق».
و في رواية حفص بن غياث بإسناده الى على (عليه السلام) الآتية قريبا ان شاء الله تعالى (3) «و على من صلى تطوعا».
إلا ان
في صحيحة داود بن فرقد (4)- قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) التكبير في كل فريضة و ليس في النافلة تكبير أيام التشريق».
- ما يدل على نفى ذلك.
و الجمع بين هذه الصحيحة و الروايات المتقدمة لا يخلو من اشكال إلا ان يحمل هذه الصحيحة على نفى الوجوب و الأخبار المتقدمة على تأكيد الاستحباب إلا ان ذلك لا يوافق مراد الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث أن التكبير عندهم بعد الفريضة أو النافلة انما هو على جهة الاستحباب و بموجبه يكون النفي في الصحيحة المذكورة متوجها الى نفى التوظيف مطلقا و ان كان ما ذكرناه من الجمع موافقا لما نقله في المختلف عن ابن الجنيد. و جملة من أصحابنا نقلوا الأخبار المذكورة مع ما هي عليه من التعارض و لم يتعرضوا لوجه الجمع بينها.
و بالجملة فالظاهر من الأخبار هو ما ذكره ابن الجنيد من الاستحباب عقيب النافلة، و حينئذ يحمل النفي في صحيحة داود بن فرقد على نفى تأكد الاستحباب مثل الفريضة. و أما على القول المشهور من تخصيص الاستحباب بالفريضة فيشكل الجمع بين أخبار المسألة كما عرفت.
هذا، و الظاهر الاستحباب في هذا التكبير للرجال و النساء و المصلي جماعة
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة العيد عن كتاب على بن جعفر.
(2) ص 281.
(3) ص 289.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة العيد.
289
أو منفردا، قال في الذكرى: هذا التكبير مستحب للمنفرد و الجامع و الحاضر و المسافر و البلدي و القروي و الذكر و الأنثى و الحر و العبد للعموم. انتهى.
و هو كذلك.
و من الأخبار المتعلقة بذلك
ما رواه الشيخ في التهذيب عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «قال على (عليه السلام) على الرجال و النساء أن يكبروا أيام التشريق في دبر الصلوات و على من صلى وحده و على من صلى تطوعا».
و عن على بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن النساء هل عليهن التكبير أيام التشريق؟ قال نعم و لا يجهرن.
قال: و سألته عن الرجل يصلى وحده أيام التشريق هل عليه تكبير؟ قال نعم و ان نسي فلا بأس.
قال: و سألته عن التكبير أيام التشريق هل يرفع فيه اليدين أم لا؟ قال يرفع يده شيئا أو يحركها».
و روى هذا الخبر بكماله الحميري في قرب الإسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في الصحيح مثله (3).
و لو نسيه حتى قام من موضعه سقط الإتيان به
لما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل ينسى أن يكبر أيام التشريق قال ان نسي حتى قام من موضعه فليس عليه شيء».
الخامس [الصلوات التي يكبر بعدها في الأضحى]
- المعروف من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) بحيث لم يظهر فيه مخالف ان أول التكبير في الأضحى ظهر يوم النحر الى تمام خمس عشرة صلاة و هو غداة اليوم الثالث عشر لمن كان بمنى ناسكا أو غير ناسك، و عشر صلوات اخيرتها غداة اليوم الثاني عشر لمن كان من أهل الأمصار أو نفر اليوم الثاني عشر من منى.
____________
(1) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد عن كتاب على بن جعفر و السؤال الأول نقله من التهذيب أيضا في نفس الباب رقم (1).
(3) الوسائل الباب 22 من صلاة العيد.
(4) التهذيب ج 1 ص 523 و في الوسائل الباب 23 من صلاة العيد.
290
قال بعض محققي متأخري المتأخرين: هذا مما تفردنا به ايضا و لم يقل به أحد من العامة، فإن أحدا منهم لم يفرق بين من بمنى و من بغيرها (1) و مع هذا أوله عند أكثرهم من صلاة الفجر يوم عرفة و آخره عند الشافعي و جماعة العصر من آخر أيام التشريق، و عند أبي حنيفة و جمع منهم العصر من يوم النحر، و في قول آخر للشافعي يكبر من المغرب ليلة النحر الى الصبح من آخر أيام التشريق، و قال جمع منهم من الظهر يوم النحر الى الظهر من يوم النفر، و لهم أقوال أخر شاذة (2) انتهى.
و بالجملة فإن المتفق عليه عندنا هو تحديد الوقت أولا و آخرا بما قدمنا ذكره إلا ان بعض الأخبار الواردة في المسألة ربما ظهر منه المنافاة فلا بأس ببسط أخبار المسألة الواردة في ذلك عنهم (عليهم السلام) ما كان موافقا أو مخالفا ليحصل به الوقوف على ما تضمنته من الأحكام فلا نحتاج إلى إعادته في كتاب الحج و ان كان هو الأنسب بالمقام فنقول:
من الأخبار الواردة في ذلك
ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) التكبير أيام التشريق في دبر الصلوات؟ فقال التكبير بمنى في دبر خمس عشرة صلاة و في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات، و أول التكبير في دبر صلاة الظهر يوم النحر يقول فيه: الله أكبر.
إلى آخر ما تقدم في الموضع الثالث.
ثم قال (عليه السلام) و انما جعل في سائر الأمصار في دبر عشر صلوات لأنه إذا نفر الناس في النفر الأول أمسك أهل
____________
(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 383 «حكى ابن المنذر عن ابن عيينة و استحسنه احمد ان أهل منى يبدأون من ظهر يوم النحر و أهل الأمصار من صبح يوم عرفة و اليه مال أبو ثور».
(2) المغني ج 2 ص 393 و فتح الباري ج 2 ص 316 و عمدة القارئ ج 3 ص 383.
(3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. و الرواية عن ابى جعفر (عليه السلام) كما في الفروع ج 1 ص 306 و التهذيب ج 1 باب الرجوع الى منى و الوافي باب التكبير في العيدين، إلا انها في الوسائل عن ابى عبد الله (عليه السلام).
291
الأمصار عن التكبير و كبر أهل منى ما داموا بمنى الى النفر الأخير».
و ما رواه ثقة الإسلام (عطر الله مرقده) في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل:
وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ (2) قال التكبير في أيام التشريق من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث و في الأمصار عشر صلوات، فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار و من أقام بمنى فصلى بها الظهر و العصر فليكبر».
و هذه الرواية قد دلت على انه من أقام بمنى في اليوم الثالث عشر و صلى بها الظهر و العصر فليكبر، و فيه زيادة فريضتين هي الظهر و العصر على الخمس عشرة المحدودة
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «التكبير أيام التشريق من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر أيام التشريق ان أنت أقمت بمنى و ان أنت خرجت فليس عليك التكبير، و التكبير ان يقول الله أكبر. الحديث».
و قد تقدم في الموضع الثالث في كلام صاحب المدارك.
و هذه الرواية بهذه الصورة في الكافي (4) و الظاهر ان لفظ «الظهر» الأخير تحريف الفجر كما هو الموجود في التهذيب (5) و لهذا ان صاحب الوافي إنما نقلها (6) برواية التهذيب، و عليه فلا إشكال في الخبر المذكور.
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد. و قوله «فإذا نفر الناس النفر الأول» مطابق لرواية التهذيب ج 1 ص 523 عن الكليني، و في الفروع ج 1 ص 306 «فإذا نفر بعد الأولى».
(2) سورة البقرة الآية 199.
(3) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(4) الموجود في الكافي ج 1 ص 306 هكذا «الى صلاة العصر من آخر أيام التشريق» و كذا في الوسائل.
(5) ج 1 ص 523.
(6) في باب التكبير أيام التشريق من أفعال العمرة و الحج.
292
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن غيلان (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن التكبير في أيام الحج من أى يوم يبتدئ به و في أي يوم يقطعه؟ و هو بمنى و سائر الأمصار سواء أو بمنى أكثر؟ فقال التكبير بمنى يوم النحر عقيب صلاة الظهر إلى صلاة الغداة من يوم النفر فإن أقام الظهر كبر و ان أقام العصر كبر و ان أقام المغرب لم يكبر، و التكبير بالأمصار يوم عرفة صلاة الغداة إلى النفر الأول صلاة الظهر و هو وسط أيام التشريق».
و هذه الرواية فيها من الإشكال مثل ما تقدم في صحيحة محمد بن مسلم من زيادة فريضتين.
قال بعض المحققين من متأخري المتأخرين في الجواب عن الخبرين المذكورين:
يحتمل أن يكون المرادان من نفر في النفر الأول من غير أن يصلى الظهرين بمنى فاخيرتها الفجر، و ان أقام الى أن صلاهما فليكبر بعدهما ايضا و لا سيما إذا كان مراده البيتوتة الأخيرة. و يحتمل أن يكون هذا في النفر الأخير أي من لم ينفر في الأخير إلى صلاة الظهرين فليكبر بعدهما ايضا إما تقية لكونه مذهب جمع منهم و اما لاستحبابه بالنسبة الى هذا واقعا. انتهى.
أقول: و الظاهر هو الحمل على التقية كما أشار إليه (قدس سره) فإنه لا وجه لهذه المخالفة مع اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الحكم المذكور سلفا و خلفا كما تقدمت الإشارة إليه المعتضد بالأخبار الكثيرة إلا التقية و يؤيده التتمة التي في رواية غيلان «و التكبير بالأمصار يوم عرفة. الى آخره» فإنه موافق لمذهب جمع من العامة (2) و لهذا ان الشيخ (قدس سره) قال في الجواب عن هذا الخبر انه موافق للعامة و لسنا نعمل به.
السادس [هل يختص التكبير بأعقاب الصلوات؟]
- قال بعض المحققين من مشايخنا من متأخري المتأخرين: و اعلم ان
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة العيد.
(2) ارجع الى التعليقة 1 ص 290.
293
ظاهر
ما رواه الصدوق عن على (عليه السلام) «انه كان إذا صلى كل صلاة يبدأ بهذا التكبير».
أى مقدما على سائر التعقيب (1) و كذا يظهر من ما مر من تكبير على (عليه السلام) في أول خطبته (2) و كذا من ما نقل من حكاية الرضا (عليه السلام) من انه حين ما خرج من بيته نادى بالتكبير و كلما مشى عشر خطوات وقف فنادى بالتكبير (3) و كذا يظهر من غيرهما ايضا عدم اختصاص هذا التكبير بتعقيب الصلاة بل الظاهر استحبابه في ذينك الوقتين ايضا و لا سيما وقت الذهاب الى المصلى. انتهى.
و لا يخفى ما فيه فإنه و ان أمكن احتماله إلا ان ظواهر الأخبار تعطي ان التكبير الذي وقع الاختلاف في كيفيته نصا و فتوى انما هو التكبير المخصوص بأعقاب الصلوات، و قد تقدم ان من جملة أحكامه انه متى نسيه حتى قام من مكانه فلا قضاء عليه، و لو كان التكبير المذكور انما هو الموقت كما زعمه (قدس سره) لما حسن نفى القضاء مع بقاء الوقت، و مثله نفى البأس عن من نسي و قد صلى وحده كما تقدم في صحيحة على بن جعفر (4) فإنه لو كان الاستحباب لهذا الوقت لما حسن نفى البأس عن من نسيه دبر الصلاة الى غير ذلك من المؤيدات لما ذكرناه كما لا يخفى على المتأمل. و جميع ما عده من المواضع المشتملة على تكبيرهم (عليهم السلام) فالظاهر أنها وظائف أخر و مستحبات على حدة كما لا يخفى، خصوصا مع عدم انطباق التكبير في هذه المواضع التي ذكرها على شيء من الكيفيات الواردة في الأخبار المتضمنة لكيفية ذلك التكبير المخصوص و تفسيره ما في الآية الشريفة بهذه الكيفية الواردة عقيب الصلوات. و الله العالم.
و منها-
كراهة التنفل قبلها و بعدها الى الزوال
إلا بمسجد النبي (صلى الله عليه و آله) فإنه يصلى فيه ركعتين قبل خروجه الى المصلى.
و الأصل في ذلك الأخبار المتكاثرة و قد مر طرف منها، و منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «صلاة العيدين مع
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 328.
(2) الفقيه ج 1 ص 328.
(3) ص 268.
(4) ص 289.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
294
الإمام سنة و ليس قبلها و لا بعدها صلاة ذلك اليوم الى الزوال».
و في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «صلاة العيدين ركعتان بلا أذان و لا اقامة ليس قبلهما و لا بعدهما شيء».
و في صحيحة حريز المروية في التهذيب عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«لا تقض وتر ليلتك ان كان فاتك حتى تصلى الزوال في يوم العيدين».
و في الفقيه رواها عن حريز عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (3).
و روى الشيخ في التهذيب عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «صلاة العيدين مع الإمام سنة و ليس قبلها و لا بعدها صلاة ذلك اليوم الى الزوال فان فاتك الوتر في ليلتك قضيته بعد الزوال».
و مطلق هذه الأخبار يحمل على مقيدها.
و روى الشيخان ثقة الإسلام و الصدوق (عطر الله مرقديهما) في الكافي و الفقيه عن محمد بن الفضل الهاشمي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ركعتان من السنة ليس تصليان في موضع إلا بالمدينة قال تصلى في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) في العيد قبل أن يخرج الى المصلى ليس ذلك إلا بالمدينة لأن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فعله».
و قد وقع الخلاف هنا في مواضع (أحدها) ان المشهور كما عرفت هو الكراهة و نقل في الذكرى عن ابن زهرة و ابن حمزة انهما قالا لا يجوز التنفل قبلها و لا بعدها.
و ظاهرهما التحريم كما ترى. و قال أبو الصلاح لا يجوز التطوع و لا القضاء قبل صلاة العيد و لا بعدها حتى تزول الشمس. و ظاهره كما ترى التحريم ايضا، و ربما أشعر بتحريم قضاء الفريضة أيضا إلا ان يحمل على قضاء النافلة كما دل عليه الخبران المتقدمان.
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد، و السند مطابق للوافي باب آداب العيدين، و في التهذيب ج 1 ص 214 و الوسائل عن حريز عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام).
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
(5) الوسائل الباب 7 من صلاة العيد.
295
و قال في المختلف بعد نقل العبارة المذكورة: و هذه عبارة ردية فإنها توهم المنع من قضاء الفرائض إذ قضاء النوافل داخل تحت التطوع، فان قصد بالتطوع ابتداء النوافل و بالقضاء ما يختص بقضاء النوافل فهو حق في الكراهة، و ان قصد المنع من قضاء الفرائض فليس كذلك و تصير المسألة خلافية. ثم احتج على وجوب القضاء في الفرائض بعموم الأمر بالقضاء و قوله (عليه السلام) (1) «من فاتته صلاة فريضة فوقتها حين يذكرها» ثم قال فان احتج
بما رواه زرارة في الحسن عن الباقر (عليه السلام) (2) «و ليس قبلها و لا بعدها صلاة».
أجبنا بأن المراد بذلك النوافل جمعا بين الأدلة، و ما أظنه يريد سوى ما قصدناه. انتهى. و هو جيد.
و ثانيها- قد عرفت استثناء الركعتين في مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) من الكراهة حيث انهما تستحبان فيه قبل الخروج، و هو المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) و نقل في المختلف و الذكرى عن الصدوق في المقنع و الشيخ في الخلاف إطلاق الكراهة و عدم الاستثناء، و نقل في الذكرى استنادهما الى حسنة زرارة المتقدمة و رده بأن إطلاق الرواية المذكورة محمول على الروايات المقيدة الدالة على استثناء الركعتين في مسجد النبي (صلى الله عليه و آله). و هو كذلك.
و ثالثها- انه نقل في المختلف و الذكرى عن ابن الجنيد انه قال: و لا يستحب التنفل قبل الصلاة و لا بعدها للمصلي في موضع التعبد، فان كان الاجتياز بمكان شريف كمسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) فلا أحب إخلاءه من ركعتين قبل الصلاة و بعدها، و قد روى عن ابى عبد الله (عليه السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يفعل ذلك في البدأة و الرجعة في مسجده» انتهى.
و أنت خبير بان كلامه هذا يشعر بالمخالفة في مقامين (أحدهما)- في إلحاق
____________
(1) هذا المضمون يستفاد مما ورد من الأحاديث في الوسائل في الباب 63 من مواقيت الصلاة و 1 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد.
296
المسجد الحرام و كل مكان شريف بمسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و قد عرفت ان الاستثناء نصا و فتوى مقصور على مسجد النبي (صلى الله عليه و آله). و (ثانيهما)- استحباب الركعتين بعد الرجوع، و الموجود في النص و عليه اتفقت كلمة الأصحاب انما هو قبل الخروج.
و نقل عنه في المختلف انه احتج بمساواة المسجد الحرام لمسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) في أكثر الأحكام فيساويه في هذا الحكم، و الابتداء كالرجوع فيتساويان. ثم أجاب عنه بالمنع من التساوي في المقامين للحديث. و أشار بالحديث الى ما قدمه من رواية محمد بن الفضل الهاشمي التي ذكرناها.
أقول: الظاهر ان ما ذكره من مستند ابن الجنيد انما هو من كلامه كما هي قاعدته في الكتاب المذكور غالبا، و الذي يقرب عندي ان مستنده بالنسبة إلى الإلحاق انما هو شرف المكان كما يشير اليه قوله «الاجتياز بمكان شريف» و فيه ان هذه العلة مستنبطة فالعمل بها قياس محض، و بالنسبة إلى استحباب الركعتين بعد انما هو الخبر الذي نقله عن ابى عبد الله (عليه السلام) من أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يفعل في البدأة و الرجعة في مسجده، و حينئذ فإن ثبت الخبر المذكور فلا اعتراض عليه في ذلك و يبقى محل الإيراد على كلامه بالنسبة إلى الأول.
و رابعها- ما ذكره في الذكرى عن الفاضلين من جواز صلاة التحية إذا صليت في مسجد لعموم الأمر بالتحية، ثم أجاب عنه بان الخصوص مقدم على العموم.
أقول: التحقيق ان هنا عمومين قد تعارضا و هو صلاة التحية فإن ظاهر النصوص استحبابها مطلقا في يوم العيد و غيره، و كراهية الصلاة يوم العيد قبل صلاة العيد و بعدها أعم من أن تصلى في مسجد أو غيره، فقول شيخنا المذكور ان الخصوص مقدم على العموم لا أعرف له وجها، فإنه كما يحتمل العمل بعموم الأمر بالتحية الشامل ليوم العيد و غيره و تقييد الكراهة في العيدين بما عدا صلاة التحية كما ذكره الفاضلان يمكن ايضا العمل بعموم ما دل على كراهية التنفل يوم العيد الشامل لصلاة التحية و غيرها و تخصيص عموم صلاة التحية بغير يوم العيد. و بالجملة تخصيص
297
أحد العامين بالآخر يحتاج الى دليل من خارج و إلا فالاحتمال قائم من الطرفين كما عرفت.
و خامسها-
ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب ثواب الأعمال عن محمد بن إبراهيم عن عثمان بن محمد و ابى يعقوب القزاز معا عن محمد بن يوسف عن محمد بن شعيب عن عاصم بن عبد الله عن إسماعيل بن ابى زياد عن سليمان التيمي عن ابى عثمان النهدي عن سلمان (رضى الله عنه) (1) قال «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من صلى اربع ركعات يوم الفطر بعد صلاة الإمام يقرأ في أولاهن «سبح اسم ربك الأعلى» فكأنما قرأ جميع الكتب كل كتاب أنزله الله تعالى، و في الركعة الثانية «و الشمس و ضحاها» فله من الثواب ما طلعت عليه الشمس، و في الثالثة «و الضحى» فله من الثواب كمن أشبع جميع المساكين و دهنهم و نظفهم، و في الرابعة «قل هو الله أحد» ثلاثين مرة غفر الله له ذنوب خمسين سنة مستقبلة و خمسين سنة مستدبرة».
و هذا الخبر كما ترى مخالف لما تكاثرت به الاخبار و اجتمعت عليه كلمة جل الأصحاب (رضوان الله عليهم) من عدم الصلاة في هذا الوقت، و لهذا قال الصدوق (قدس سره) في الكتاب المذكور بعد نقله ما صورته: أقول- و بالله التوفيق- ان هذا الثواب هو لمن كان امامه مخالفا لمذهبه فيصلي معه تقية ثم يصلى هذه الأربع ركعات للعيد و لا يعتد بما صلى خلف مخالفه، فاما من كان امامه يوم العيد اماما من الله تعالى عز و جل واجب الطاعة على العباد فصلى خلفه صلاة العيد لم يكن له ان يصلى بعد ذلك صلاة حتى تزول الشمس، و كذا من كان امامه موافقا لمذهبه و ان لم يكن مفروض الطاعة و صلى معه العيد لم يكن له ان يصلى بعد ذلك صلاة حتى تزول الشمس. انتهى.
و أنت خبير بما فيه من البعد عن سياق الخبر المذكور سيما مع ما قدمناه من أن استحباب الإتيان بها مع اختلال الشرائط انما هو بالإتيان بركعتين كما تصلى في
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة العيد. و فيه «شبيب» بدل «شعيب».
298
الجماعة لا بأربع كما دل عليه الخبر المذكور و ان كان قد قيل بالأربع أيضا و دل عليه بعض الأخبار الضعيفة التي قدمنا ان الأظهر حملها على التقية، و لو صح سند الخبر المذكور لأمكن تخصيص تلك الأخبار به إلا انه لضعفه و شذوذه و ندوره لا يمكن التعلق به، و لا اعرف جوابا عنه إلا الإرجاء فيه الى قائله لو ثبت عنه (صلى الله عليه و آله) إلا ان الظاهر ان الخبر عامي و رجاله انما هم من العامة و حينئذ فلا حاجة الى تكلف الجواب عنه.
و اما ما ذكره الصدوق من الجواب عنه فبعيد إلا ان مذهبه في القضاء مع اختلال الشروط هو الصلاة أربعا كما ذكره في الهداية، و من أجل ذلك حمل الأربع المذكورة هنا على انها صلاة العيد المقضية بعد فوات شرطها. و الله العالم.
و منها- كراهة نقل المنبر من المسجد بل يعمل له شبه المنبر من طين، و نقل عليه في الذكرى الإجماع.
و يدل عليه
ما رواه الصدوق عن إسماعيل بن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أ رأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان و اقامة؟ قال ليس فيهما أذان و لا اقامة و لكن ينادى: الصلاة «ثلاث مرات» و ليس فيهما منبر، المنبر لا يحرك من موضعه و لكن يصنع للإمام شيء شبه المنبر من طين فيقوم عليه فيخطب الناس ثم ينزل».
و منها-
كراهة الخروج بالسلاح
، قال في الذكرى: لمنافاته الخضوع و الاستكانة، و لو خاف عدوا لم يكره
لما روى عن السكوني عن الصادق عن الباقر (عليهما السلام) (2) انه قال: «نهى النبي (صلى الله عليه و آله) ان يخرج السلاح في العيدين إلا أن يكون عدو ظاهر».
و منها-
كراهة السفر بعد الفجر من يوم العيد
، و تردد المحقق في الشرائع في
____________
(1) الوسائل الباب 7 و 33 من صلاة العيد.
(2) الوسائل الباب 16 من صلاة العيد.
299
التحريم ثم قال الأشبه الجواز.
قال في المدارك: منشأ التردد أصالة الجواز السالمة عن معارضة الإخلال بالواجب،
و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (1) «إذا أردت الشخوص في يوم عيد فانفجر الصبح و أنت بالبلد فلا تخرج حتى تشهد ذلك العيد».
قال في الذكرى: و لما لم يثبت الوجوب حمل، النهى عن السفر على الكراهة. و يشكل بعدم المنافاة بين الأمرين حتى يتوجه الحمل لكن الراوي و هو أبو بصير مشترك بين الثقة و الضعيف فلا يصح التعلق بروايته و الخروج بها عن مقتضى الأصل. انتهى ما ذكره في المدارك.
أقول: لا إشكال في أن ظاهر النهي في الرواية المذكورة هو التحريم، و جواب صاحب الذكرى- بأنه لما لم يدخل وقت الصلاة و لم يتحقق وجوبها و الخطاب بها يحمل النهى على الكراهة- فيه ما ذكره السيد (قدس سره) من ان التحريم لا يتوقف على دخول وقتها إذ لا منافاة بين التحريم و بين عدم وجوبها إذ يجوز ان يكون التحريم لأمر آخر.
و جواب صاحب المدارك بضعف الرواية مردود بأن الراوي عن ابى بصير هنا عاصم بن حميد، و قد تقرر في كلامهم انه متى كان الراوي عن ابى بصير عاصم بن حميد أو عبد الله بن مسكان فهو ليث المرادي الثقة الجليل القدر، و الراوي هنا عنه عاصم بن حميد فتكون الرواية صحيحة، و لهذا ان صاحب الذخيرة وصفها بالصحة و لكن أجاب عنها بعدم انتهاض الدلالة على التحريم خصوصا إذا لم يكن القول بذلك مشهورا بين الأصحاب. و لا يخفى ما فيه إذ لا أعرف لهذا الجواب وجها إلا من حيث ما تكرر في كلامه- كما نبهنا عليه في غير مقام- من أن الأوامر و النواهي عنده في الأخبار لا تدل على الوجوب و التحريم إلا باعتبار اعتضادها بالشهرة بين الأصحاب. و قد أوضحنا ما فيه من الوهن و البطلان في غير مقام مما تقدم.
____________
(1) الوسائل الباب 27 من صلاة العيد.
300
و بالجملة فإنه لا خلاف كما ذكره في التذكرة في جواز السفر قبل الفجر، و لا خلاف ايضا بينهم في ما أعلم في التحريم بعد طلوع الشمس، و البحث هنا يجرى على حسب ما تقدم في تحريم السفر بعد الزوال يوم الجمعة على من وجبت عليه الجمعة و انما الإشكال في ما بعد الفجر و قبل طلوع الشمس، و قد عرفت الكلام في ذلك و الاحتياط لا يخفى.
الفصل الثالث في صلاة الآيات
و الكلام فيها يقع في بيان سببها و كيفيتها و أحكامها فههنا بحوث ثلاثة:
[البحث] الأول- في السبب
و فيه مسائل
[المسألة] (الأولى) [أسباب وجوب صلاة الآيات]
أجمع علماؤنا (رضوان الله عليهم) على وجوب الصلاة بكسوف الشمس و خسوف القمر، حكاه الفاضلان في المعتبر و المنتهى، و أضاف في التذكرة الزلزلة فادعى دخولها تحت الإجماع المذكور، و نقل المحدث الكاشاني في المفاتيح انه قيل باستحبابها في الزلزلة، و لم نقف على قائل بذلك بل صريح عبارة التذكرة كما ذكرنا دعوى الإجماع على وجوب الصلاة لها، و قريب منه عبارة المحقق في المعتبر حيث نسبه الى الأصحاب، نعم ذكر في المختلف ان أبا الصلاح لم يتعرض لغير الكسوفين، و قال في الذكرى ان ابن الجنيد لم يصرح بالوجوب هنا و لكن ظاهر كلامه ذلك حيث قال: تلزم الصلاة عند كل مخوف سماوي و كذا ابن زهرة. و لعل المحدث المذكور بنى على ذلك.
و من الأخبار الدالة على وجوب هذه الصلاة
ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صلاة العيدين فريضة و صلاة الكسوف فريضة».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة العيد و 1 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 4 و 1 من صلاة الكسوف.
301
«وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف. الى ان قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام) هي فريضة».
و روى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (1) قال: «و روى عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) انه قال صلاة الكسوف فريضة».
و روى الشيخ عن محمد بن حمران في حديث صلاة الكسوف (2) قال:
«و قال أبو عبد الله (عليه السلام) هي فريضة».
و بإسناده عن أبي أسامة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «صلاة الكسوف فريضة».
و بإسناده عن جميل بن دراج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «صلاة الكسوف فريضة».
و روى في الكافي عن على بن عبد الله (5) قال: «سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول انه لما قبض إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه و آله) جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة فإنه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس انكسفت الشمس لفقد ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) فصعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) المنبر فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: يا ايها الناس ان الشمس و القمر آيتان من آيات الله تعالى يجريان بأمره مطيعان له لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ثم نزل فصلى بالناس صلاة الكسوف».
و روى الصدوق عن سليمان الديلمي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «إذا أراد الله ان يزلزل الأرض أمر الملك ان يحرك عروقها فتحرك بأهلها. قلت فإذا كان ذلك فما اصنع؟ قال صل صلاة الكسوف».
و نحو ذلك ما سيأتي قريبا ان شاء الله تعالى في صحيحة الرهط.
و اما غير هذه الأسباب الثلاثة المتقدمة فإن المشهور هو الوجوب لجميع الأخاويف السماوية و به قال الشيخ في الخلاف و المفيد و المرتضى و ابن الجنيد و ابن
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف.
(6) الفقيه ج 1 ص 343 و العلل ص 186 و في الوسائل الباب 2 و 13 من صلاة الكسوف.
302
ابي عقيل و ابنا بابويه و سلار و ابن البراج و ابن إدريس و جمهور المتأخرين، و نقل الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه.
و قال الشيخ في النهاية: صلاة الكسوف و الزلازل و الرياح المخوفة و الظلمة الشديدة فرض واجب لا يجوز تركها على حال. و نحوه قال في المبسوط. و قال في كتاب الجمل: صلاة الكسوف فريضة في أربعة مواضع: عند كسوف الشمس و خسوف القمر و الزلازل و الرياح السوداء المظلمة. و نحوه قال ابن حمزة. و قد تقدم النقل عن ابى الصلاح انه لم يتعرض لغير الكسوفين.
و قال المحقق في الشرائع بعد ذكر كسوف الشمس و خسوف القمر و الزلزلة:
و هل تجب لما عدا ذلك من ريح مظلمة و غيرها من أخاويف السماء؟ قيل نعم و هو المروي، و قيل لا بل تستحب، و قيل تجب للريح المخوفة و الظلمة الشديدة حسب. انتهى.
و قال في المعتبر بعد ذكر الكسوفين و الزلزلة: و هل تصلى لأخاويف السماء كالظلمة الشديدة و الصيحة و الرياح؟ قال الشيخ في الخلاف نعم و به قال علم الهدى و ابن الجنيد و المفيد و سلار، و اقتصر الشيخ على الرياح الشديدة و الظلم الشديدة.
و قال في الذكرى بعد ذكر الكسوفين و الاستدلال عليهما بالإجماع و الأخبار:
و اما باقي الآيات فلها صور تجب الصلاة أيضا للزلزلة نص عليه الأصحاب، و ابن الجنيد لم يصرح به و لكن ظاهر كلامه ذلك حيث قال تلزم الصلاة عند كل مخوف سماوي و كذا ابن زهرة، و أما أبو الصلاح فلم يتعرض لغير الكسوفين، لنا فتوى الأصحاب و صحاح الأخبار كرواية عمر بن أذينة عن رهط ثم ساق الرواية كما ستأتي (1) ان شاء الله تعالى، الى ان قال: (الثانية)- الرجفة و قد تضمنته الرواية و صرح به ابن ابى عقيل و هو ظاهر الأصحاب أجمعين (الثالثة)- الرياح المخوفة و منهم من قال الرياح العظيمة، و قال المرتضى الرياح العواصف، و أطلق المفيد الرياح
____________
(1) في أول البحث الثاني في الكيفية.
303
(الرابعة)- الظلمة الشديدة ذكره الشيخ و ابن البراج و ابن إدريس. (الخامسة) الحمرة الشديدة ذكرها الشيخ في الخلاف. (السادسة)- باقي الآيات المخوفة ذكره الشيخ و المرتضى في ظاهر كلامه، و صرح ابن ابى عقيل بجميع الآيات و ابن الجنيد على ما نقلناه عنه و ابن البراج و ابن إدريس و هو ظاهر المفيد، و دليل الوجوب في جميع ما قلناه- مع فتوى المعتبرين من الأصحاب- ما رواه زرارة و محمد بن مسلم. ثم ساق الرواية كما سنذكره ان شاء الله تعالى (1).
أقول: و من هذه العبارات التي نقلناها يظهر ان ما نقله في الشرائع من القول بالاستحباب في ما عدا الكسوفين و الزلزلة- من الريح المظلمة و الأخاويف السماوية أو تخصيص الوجوب بالريح المخوفة و الظلمة الشديدة و ان ما عداها يستحب الصلاة فيه- انما نشأ من حيث عدم عد هذه الأشياء في ما تجب له الصلاة كما وقع للشيخ في النهاية حيث اقتصر على عد الكسوفين و الزلزلة و الريح المخوفة و الظلمة الشديدة، و هو الذي أشار إليه في عبارته في الشرائع بقوله: و قيل تجب للريح المخوفة و الظلمة الشديدة حسب. يعني زيادة على الكسوفين و الزلزلة. و اليه أشار في المعتبر بقوله: و اقتصر الشيخ على الرياح الشديدة. و كما وقع لأبي الصلاح من حيث الاقتصار على الكسوفين و لم يتعرض لغيرهما.
و أنت خبير بان مجرد ذكر بعض الأسباب و عدم ذكر غيرها لا يستلزم القول بالانحصار لا سيما مع التصريح الذي وقع منه في الخلاف مقرونا بدعوى الإجماع كما عرفت، فانا لم نجد قولا صريحا بالاستحباب و لا مصرحا بالانحصار اللازم منه ذلك بل و لا مستندا لشيء مما هنا لك، فالقول بالاستحباب في تلك المواضع بمجرد ذلك لا يخلو من مسامحة.
و مما ذكرنا يظهر أن ما ذكره المحدث الكاشاني في المفاتيح- تبعا لظاهر عبارة الشرائع مما يوهم الناظر وجود القول بالاستحباب صريحا- مما لا ينبغي.
____________
(1) ص 304.
304
و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم (1) قالا: «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) أ رأيت هذه الرياح و الظلم التي تكون هل يصلى لها؟ فقال كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله (2) «انه سأل الصادق (عليه السلام) عن الريح و الظلمة تكون في السماء و الكسوف؟ فقال الصادق (عليه السلام) صلاتهما سواء».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عمر بن أذينة عن رهط عن كليهما (عليهما السلام) و منهم من رواه عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «ان صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات. الخبر».
كما سيأتي ان شاء الله تعالى تمامه قريبا (4) الى أن قال في آخر الخبر: و الرهط الذين رووه الفضيل و زرارة و بريد و محمد بن مسلم.
و عن محمد بن مسلم و بريد بن معاوية في الصحيح عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (5) قالا: «إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة».
و في كتاب الفقه الرضوي (6) «و إذا هبت ريح صفراء أو سوداء أو حمراء فصل لها صلاة الكسوف، و كذلك إذا زلزلت الأرض فصل صلاة الكسوف».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (7) قال: «يصلى في الرجفة و الزلزلة و الريح العظيمة و الظلمة و الآية تحدث و ما كان
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(4) في أول البحث الثاني في الكيفية.
(5) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.
(6) ص 12.
(7) مستدرك الوسائل الباب 2 من صلاة العيد.
305
مثل ذلك كما يصلى في صلاة كسوف الشمس و القمر سواء».
و قال في الذخيرة: و الأمر و ان لم يكن واضح الدلالة على الوجوب في أخبارنا إلا ان عمل الأصحاب و فهمهم مما يعيننا على الحكم به.
أقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم ما في مثل هذا الكلام الواهي الذي هو لبيت العنكبوت- و انه لأوهن البيوت- مضاهى، فإنه مؤذن بأن اعتماده في الأحكام الشرعية إنما هو على تقليد الأصحاب حيث ان الأدلة قاصرة عنده عن إثبات الأحكام في جميع الأبواب، و حينئذ فلا معنى لمناقشاته لهم في جملة من المواضع و رده عليهم كما لا يخفى على من راجع الكتاب.
و الظاهر ان المراد بالأخاويف يعنى ما يحصل منه الخوف لعامة الناس، قال في المدارك: و لو كسف بعض الكواكب أو كسف بعض الكواكب لأحد النيرين كما يقال ان الزهرة رؤيت في جرم الشمس كاسفة لها فقد استقرب العلامة في التذكرة و الشهيد في البيان عدم وجوب الصلاة بذلك، لان الموجب لها الآية المخوفة لعامة الناس و أغلبهم لا يشعرون بذلك، و احتمل في الذكرى الوجوب لأنها من الأخاويف و الأجود إناطة الوجوب بما يحصل منه الخوف كما تضمنته الرواية. انتهى. و هو جيد، و أشار بالرواية إلى صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (1).
المسألة الثانية [أول وقت الصلاة في الكسوفين و آخرها]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أن أول وقت هذه الصلاة في الكسوفين هو ابتداؤه بل قال في المنتهى انه قول علماء الإسلام.
و مستنده من الأخبار
قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة جميل المتقدمة (2) «وقت صلاة الكسوف في الساعة التي تنكسف عند طلوع الشمس و عند غروبها.
الحديث كما تقدم».
و يدل عليه جملة من الأخبار الدالة على تعليق الوجوب على حصول الانكساف
____________
(1) ص 304.
(2) ص 300 و 301.
306
مثل قولهما (عليهما السلام) في صحيحة
محمد بن مسلم و بريد (1) «إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها».
و قول ابى عبد الله (عليه السلام) في صحيحة أبي بصير (2) «إذا انكسف القمر و الشمس فافزعوا الى مساجدكم».
و قوله (عليه السلام) في رواية ابن ابى يعفور (3) «إذا انكسفت الشمس و القمر فانكسف كلها فإنه ينبغي للناس أن يفزعوا الى امام يصلى بهم».
و نحوها غيرها.
و انما الخلاف في آخره و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) الأخذ في الانجلاء، و اليه ذهب الشيخان و ابن حمزة و ابن إدريس و المحقق في النافع و العلامة في جملة من كتبه.
و ذهب المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى الى ان آخره تمام الانجلاء، و اختاره الشهيد و السيد في المدارك و نقل ايضا عن ظاهر المرتضى و ابن ابى عقيل و سلار و هو الظاهر من الأخبار فإنه و ان لم يرد التصريح فيها بالتحديد أولا و آخرا إلا ان مقتضى ما قدمنا ذكره من تعليق الوجوب في الأخبار على وجود الكسوف انه ممتد بامتداده و ثابت بثبوته. و دعوى كونه يفوت الوجوب بمجرد الأخذ في الانجلاء تخصيص للأخبار المذكورة من غير مخصص فيستمر الى تمام الانجلاء.
و يعضده
ما رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال قال: «ان صليت الكسوف الى أن يذهب الكسوف عن الشمس و القمر و تطول في صلاتك فان ذلك أفضل و ان أجبت أن تصلى فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز».
و التقريب فيه انه دل على التخيير بين أن يطول في صلاته بقدر مدة الكسوف و يفرغ بانجلائه كملا و هو أفضل و بين ان يفرغ قبل الانجلاء، و قضية جعل الغاية
____________
(1) ص 304.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.
(4) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.
307
الذهاب الذي هو عبارة عن الانجلاء التام هو كون ما قبله وقتا للصلاة الذي من جملته الأخذ في الانجلاء و ما بعده الى ان ينجلي بتمامه.
و يزيده تأييدا أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد».
و لو خرج الوقت بالأخذ في الانجلاء كما ادعوه لما استحبت الإعادة كما هو المشهور كما انها لا تستحب بعد تمام الانجلاء أو وجبت كما هو القول الآخر، و هو في غاية الوضوح و الظهور.
و لم أقف للقول الآخر على دليل غير مجرد الشهرة، و جملة من المتأخرين تكلفوا له الاستدلال
بما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ذكروا عنده انكساف الشمس و ما يلقى الناس من شدته فقال إذا انجلى منه شيء فقد انجلى».
قال في المعتبر: فان احتج الشيخ بما رواه حماد. ثم ساق الرواية المذكورة الى أن قال: فلا حجة في ذلك لاحتمال ان يكون أراد تساوى الحالين في زوال الشدة لا بيان الوقت. انتهى.
قالوا: و تظهر الفائدة في نية القضاء أو الأداء لو شرع في الانجلاء، و كذا في ضرب زمان التكليف الذي يسع الصلاة و في إدراك ركعة.
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الكسوف. و الرواية في التهذيب ج 3 ص 291 الطبع الحديث هكذا «ذكرنا انكساف القمر و ما يلقى الناس من شدته قال فقال أبو عبد الله «(عليه السلام)» إذا انجلى منه شيء فقد انجلى» و في الفقيه ج 1 ص 347 هكذا «ذكروا عنده انكساف القمر و ما يلقى الناس من شدته فقال «(عليه السلام)» إذا انجلى منه شيء فقد انجلى» راجع الوافي أيضا باب فرض صلاة الكسوف.
308
فرع [لو غاب القرص قبل الانجلاء]
قالوا: لو غابت الشمس أو القمر بعد الكسوف و قبل الانجلاء وجبت الصلاة أداء الى أن يتحقق الانجلاء، و كذا لو سترها غيم أو طلعت الشمس على القمر، صرح بذلك جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و هو كذلك عملا بإطلاق الأمر و عدم العلم بانقضاء الوقت المقتضى لفوات الأداء. و علله في الذكرى بالعمل بالاستصحاب، و الظاهر ان مرجعه الى ما ذكرنا من استصحاب عموم الدليل الى أن يقوم الرافع.
و قال في الذكرى: و لو اتفق اخبار رصديين عدلين بمدة المكث أمكن العود إليهما، و لو أخبرا بالكسوف في وقت مترقب فالأقرب أنهما و من أخبراه بمثابة العالم، و كذا لو اتفق العلم بخبر الواحد للقرائن. و قال في المدارك بعد نقله عنه:
و لا ريب في الوجوب حيث يحصل العلم للسامع أو يستند اخبار العدلين إليه.
المسألة الثالثة [هل الكسوف و غيره من الآيات من قبيل الأوقات أو الأسباب؟]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو لم يتسع وقت الكسوف للصلاة و لو أخف صلاة لم تجب الصلاة لاستحالة التكليف بعبادة موقتة في وقت لا يسعها. كذا قال في المدارك و تبعه غيره في ذلك.
و مقتضى ذلك ان المكلف لو اتفق شروعه في الصلاة في ابتداء الوقت فتبين ضيقه عنها وجب القطع لانكشاف عدم الوجوب.
و عندي في كل من الحكمين إشكال، أما الأول ففيه (أولا) ان ما ذكروه من القاعدة التي بنوا عليها في هذا الموضع و غيره مما لم يقم عليه دليل شرعي و ان كانت هذه القاعدة عندهم من الأدلة العقلية التي يوجبون تقديمها على الأدلة السمعية إلا ان الأمر عندنا بالعكس، و بالجملة فالاعتماد على هذه القواعد الأصولية سيما مع معارضة الأخبار لها كما سيظهر لك في هذا المقام مما لا معول عليه عندنا.
و (ثانيا)- انه ان تم ما ذكروه فإنه انما يتم في التكليف بالموقت، و كون ما ذكروه غير الزلزلة لا سيما ما سوى الكسوفين من قبيل الوقت لتلك الصلاة ممنوع، لاحتمال
309
كون ما سوى الكسوفين بل هما ايضا من قبيل السبب كالزلزلة عندهم فتكون الصلاة حينئذ واجبة و ان قصر الوقت.
و بالجملة فالظاهر هو الرجوع الى ما يستفاد من الأخبار الواردة في المقام من هذا المكان و غيره من الأحكام، و لعل ظاهر الأخبار حيث وردت بوجوب الصلاة بالكسوف على الإطلاق من غير تقييد بقصر المدة و طولها مشعر بكون الكسوف سببا للإيجاب لا وقتا، و غيره بالطريق الاولى لا سيما مع اشتراكها معه في إطلاق اخبارها ايضا.
و من تأمل في مضامين الأخبار التي قدمناها لا يخفى عليه قوة ما ذكرناه، مثل
قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم و بريد (1) «إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها. الحديث».
و نحوها غيرها مما علق فيه وجوب الصلاة على مجرد حصول تلك الآية من غير تقييد فيها بقصر و لا طول.
و الى ما اخترناه من عدم التوقيت في سائر الآيات غير الكسوفين مال الشهيد في الدروس بل جزم به و اختاره العلامة في جملة من كتبه نظرا إلى إطلاق الأمر.
و تردد المحقق في المعتبر هنا و الظاهر ان وجهه ما ذكر من القاعدة المذكورة و من إطلاق الأخبار المذكورة في المقام.
و يميل الى ما اخترناه كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة حيث قال: و الظاهر ان الأدلة غير دالة على التوقيت بل ظاهرها سببية الكسوف لإيجاب الصلاة. انتهى و أما ما ربما يدل على التوقيت و اليه استند القائل بذلك- من قوله (عليه السلام) في صحيحة
زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة (2): «كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل له صلاة الكسوف حتى يسكن».
بناء على ان «حتى» هنا إما أن تكون لانتهاء الغاية أو للتعليل، و على الأول يثبت التوقيت صريحا و على الثاني يلزم التوقيت ايضا لاستلزام انتفاء العلة انتفاء المعلول-
____________
(1) ص 304.
(2) ص 304.
310
فيمكن الجواب عنه بان محل النزاع هو التوقيت الذي يقتضي السقوط بقصر الوقت لا ما يقتضي لزوم الإطالة و التكرار إذا طال و الفرق بين الأمرين ظاهر للناظر المنصف.
و بذلك يظهر ما في كلامه في المدارك حيث قال- بعد ذكر الخلاف في الرياح و الأخاويف و انه هل يترتب وجوبها على سعة الآية للصلاة أم لا، و نقل القول بالثاني عن الشهيد في الدروس و العلامة في جملة من كتبه كما قدمنا ذكره- ما لفظه: و الأصح الأول لقوله (عليه السلام): «كل أخاويف السماء.» الى آخر ما قدمناه من الرواية و بيان وجه الدلالة، و قد عرفت ما فيه.
و بالجملة فإن ما ذكرناه من إطلاق الأوامر بذلك ظاهر لا ينكر و به يتم الاستدلال على الوجه الأظهر. و الرواية المذكورة قاصرة عن إفادة الدلالة على ما ادعوه لما بيناه في معناها. و الله العالم.
و اما الثاني فإنه لا يخفى انه
قد روى زرارة و محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث يأتي بكماله ان شاء الله تعالى في المقام الآتي (1) قال:
«فان انجلى قبل أن تفرغ من صلاتك فأتم ما بقي».
و هذا كما ترى ظاهر في رد ما ذكروه من هذا التفريع، و بذلك صرح العلامة في المنتهى ايضا حسبما دلت عليه الصحيحة المذكورة.
و يعضده ايضا
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «و ان انجلى و أنت في الصلاة فخفف».
و على هذا فيمكن الفرق بين ما إذا تبين ضيق الوقت قبل الشروع في الصلاة و بين ما إذا دخل بانيا على اتساعه و تبين الضيق في الأثناء و يخص كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) بالأول بل الظاهر انه هو مرادهم، و حينئذ فلا منافاة في الصحيحة المذكورة لما صرحوا به لان موردها تبين ذلك في الأثناء. و بالجملة فإنه
____________
(1) البحث الثاني في الكيفية و في الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(2) ص 12.
311
يفرق بين الابتداء و الاستدامة فسعة الوقت انما تكون شرطا في الابتداء لا في الاستدامة، و قد مر نظائره في فصل صلاة الجمعة.
و بما ذكرنا يظهر عدم صحة هذا التفريع الذي ذكره السيد السند و ان تبعه فيه غيره كما هي عادتهم غالبا.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في المعتبر: الخامس- لو ضاق وقت الكسوف عن إدراك ركعة لم تجب، و في وجوبها مع قصور الوقت عن أخف صلاة تردد.
و نحوه في المنتهى حيث قال: الخامس- لو تضيق وقت الكسوف حتى لا يدرك ركعة لم تجب، و لو أدركها فالوجه الوجوب لأن إدراك الركعة بمنزلة إدراك الصلاة.
ثم قال: السادس- لو قصر الوقت عن أقل صلاة يمكن لم تجب على اشكال.
أقول: لا يخفى ان ما ذكراه (عطر الله مرقديهما) من التردد كما في عبارة المعتبر و الاشكال كما في عبارة المنتهى فان الظاهر ان وجهه هو ما أشرنا إليه آنفا من أن هذه الآيات من كسوف و غيره هل هي من قبيل الأوقات فيعتبر فيها ما يعتبر في الوقت من سعته لإيقاع الفريضة أم من قبيل الأسباب فيكفي وجوده في الجملة؟
و قد عرفت ان مقتضى القاعدة المتقدمة بناء على الأول عدم الوجوب و مقتضى إطلاق الأخبار بناء على الثاني الوجوب، فلحصول التعارض بين القاعدة المذكورة و إطلاق الأخبار حصل التردد و الإشكال. إلا ان قولهما بوجوبها بإدراك ركعة و عدمه مع عدم إدراكها إنما يتجه على القول بالتوقيت و صريح كلامهما في المقام التردد و التوقف في ذلك كما أوضحناه، و الجمع بين هذين الكلامين لا يخلو من غفلة.
على ان ما ذكراه من التعليق على إدراك ركعة استنادا الى ما اشتهر بينهم من
قوله (صلى الله عليه و آله) «من أدرك ركعة فقد أدرك الوقت».
مع الإغماض عن المناقشة في صحته و ثبوته كما تقدم الكلام فيه (1) انما ينصرف إلى الصلاة اليومية كما هو مورد الخبر المذكور، و انسحابه الى غيرها لا يخلو من الإشكال. و الله العالم.
____________
(1) ص 14 و 142.
312
المسألة الرابعة [الخلاف في وقت الصلاة الناشي من الزلزلة]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان وقت الزلزلة مدة العمر و انه يصليها أداء و ان سكنت و هو قول المعظم منهم، و حكى الشهيد في البيان قولا بأنها تصلى بعد سكونها بنية القضاء.
و للأول إطلاق الأمر الخالي من التقييد الدال على ان مجرد حصولها سبب لوجوب الفعل من غير أن يكون موقتا بزمانها. و بذلك يظهر ما في شك العلامة في ذلك على ما نقله عنه في الذكرى حيث قال: و شك فيه الفاضل لمنافاته للقواعد الأصولية من امتناع التكليف بفعل في زمان لا يسعه. فان هذا الشك انما يتجه لو قلنا بأن الزلزلة وقت للصلاة و اما على تقدير جعلها سببا كما هو الظاهر من كلامهم فلا وجه له.
قال في المدارك: و ألحق العلامة في التذكرة بالزلزلة الصيحة ثم قال: و بالجملة كل آية يقصر وقتها عن العبادة يكون وقتها دائما اما ما ينقص عن فعلها وقتا دون وقت فان وقتها مدة الفعل فان قصر لم تصل.
ثم أورد عليه بأنه يشكل بأنه لا يلزم من عدم قصور زمان الآية عن مقدار الصلاة كونها موقتة بل الحق ان التوقيت انما يثبت إذا ورد التصريح بتحديد زمان الفعل و بدونه يكون وقته العمر. انتهى. و هو جيد.
و به يظهر ان كلماتهم في هذه المسألة لا تخلو من نوع غفلة أو تساهل، و منه ما قدمنا نقله عنهم من قولهم ان وقت الزلزلة العمر و يصليها أداء و ان سكنت، فان مقتضى كون وقتها العمر ان الزلزلة انما هي من قبيل الأسباب فمتى حصلت طالت أو قصرت وجب الإتيان بها و اشتغلت الذمة بها الى ان يأتي بها لا تقدير لها بوقت و لا تحديد لها بحد، و مقتضى قولهم يصليها أداء و ان سكنت انها من قبيل الأوقات لأن الأداء و القضاء انما يطلقان في مقام التوقيت فمتى اتى بالفريضة في الوقت سمى أداء و في خارجه قضاء، فصدر العبارة و عجزها لا يخلو من مدافعة.
و أجاب المحقق الشيخ على (قدس سره) عن ذلك في بعض حواشيه بما يحقق
313
ما ذكرناه من المقال بل يزيد في الإشكال، فقال: و انما كانت هذه الصلاة أداء لأن الإجماع واقع على كون هذه الصلاة موقتة و التوقيت يوجب نية الأداء، و لما كان وقتها لا يسعها و امتنع فعلها فيه وجب المصير الى كون ما بعده صالحا لإيقاعها فيه حذرا من التكليف بالمحال و بقي حكم الأداء مستصحبا لانتفاء الناقل عنه، و روعي فيها الفورية من حيث ان فعلها خارج وقت السبب انما كان بحسب الضرورة فاقتصر في التأخير على قدرها. و في ذلك جمع بين القواعد المتضادة و هي توقيت هذه الصلاة مع قصر وقتها و اعتبار سعة الوقت لفعل العبادة. انتهى.
و ليت شعري بأي دليل ثبت التوقيت في هذه الصلاة و أى خبر دل عليه؟ بل إطلاق الأخبار كما عرفت على خلافه، فإنه مؤذن بالسببية و ان الزلزلة من قبيل الأسباب لهذه الصلاة كما عرفت مما قدمناه، و أعجب من ذلك دعواه الإجماع على التوقيت مع اتفاقهم على انها تمتد بامتداد العمر.
و الاعتذار بما ذكره من هذا الكلام المنحل الزمام لا يسمن و لا يغني من جوع، فان ظاهره ان الغرض من ارتكاب هذا التكلف هو الجمع بين القواعد المتضادة، و قد عرفت انه لا مستند لهذه القواعد إلا مجرد اصطلاحهم على ذلك في الأصول التي بنوا عليها و دونوها، فان ما ذكره من قاعدة توقيت هذه الصلاة مع قصر وقتها لا دليل عليه بل الدليل واضح في خلافه كما أشرنا إليه آنفا، إذ ظاهر إطلاق الاخبار انما هو السببية دون التوقيت. و ما ذكره من قاعدة اعتبار سعة الوقت بناء على ما ذكروه من امتناع التكليف في زمان لا يسعه فقد عرفت ايضا انه لا دليل عليه.
و نظير هذه القاعدة مسألة من استطاع الحج ثم بادر في عام الاستطاعة و مات في الطريق، فان المشهور بينهم سقوط القضاء لعدم استقرار الحج في ذمته و ظهور كون هذا الزمان الذي بادر فيه الى ان مات لا يسع الحج و لا يصح وقوع التكليف فيه لذلك، فهو راجع الى هذه المسألة، مع ان ظواهر الأخبار- و به قال الشيخان
314
و غيرهما- هو وجوب القضاء، و هم انما منعوا القضاء استنادا الى هذه القاعدة العقلية مع ان النصوص على خلافها واضحة جلية، و هو مؤيد لما ذكرناه من عدم جواز الاعتماد على هذه القواعد الأصولية و انما المدار على النصوص المعصومية و السنة النبوية و ان كان المشهور بينهم تقديم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية كما نقلناه في مقدمات الكتاب. و الله الهادي إلى جادة الصواب.
و قال الشهيد في الذكرى: و حكم الأصحاب بأن الزلزلة تصلى أداء طول العمر لا بمعنى التوسعة فإن الظاهر كون الأمر هنا على الفور بل على معنى نية الأداء و ان أخل بالفورية لعذر أو غيره. انتهى.
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و ما ذكره أحوط و ان أمكن المناقشة فيه بانتفاء ما يدل على الفورية هنا على الخصوص، و الأمر المطلق لا يقتضي الفورية كما بيناه مرارا. انتهى.
أقول: و التحقيق ان النزاع في كونها تصلى بنية الأداء أو القضاء لا ثمرة فيه لعدم قيام دليل على ذلك كما سلف مرارا في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة و غيره، و أما الفورية فالأمر فيها على ما ذكره السيد السند (قدس سره) و الله العالم.
المسألة الخامسة- لو لم يعلم بالآية المخوفة إلا بعد انقضائها
لم يجب القضاء إلا في الكسوف إذا احترق القرص كله، و أما مع العلم فان ترك عامدا أو ناسيا وجب القضاء، فههنا مقامات ثلاثة:
المقام الأول- ان لا يعلم بتلك الآية المخوفة التي هي غير الكسوف إلا بعد انقضائها و خروج وقتها
، و الظاهر انه لا خلاف في سقوط القضاء.
قال في المدارك بعد ذكر الحكم المذكور: و هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، ثم قال و يدل عليه ما أسلفناه مرارا من ان القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليل و بدونه يكون منفيا بالأصل، و تشهد له الروايات المتضمنة لسقوط
315
القضاء في الكسوف إذا لم يستوعب الاحتراق (1) مع انه أقوى للإجماع على انه موجب للصلاة و استفاضة النصوص به. انتهى.
أقول: ما ذكره من الدليل الأول جيد، و اما الاستشهاد بالروايات التي ذكرها بالتقريب المذكور فلا يخفى ما فيه كما قدمناه في غير مقام من ان بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات عليل.
و احتمل شيخنا الشهيد الثاني في الروض وجوب القضاء هنا لوجود السبب و عموم قوله (عليه السلام) (2) «من فاتته فريضة.».
قال في المدارك: و هو ضعيف لان السبب انما وجد في الأداء خاصة و قد سقط بفوات محله، و الفريضة لا عموم فيها بحيث يتناول موضع النزاع بل المتبادر منها اليومية أقول: قد عرفت مما قدمنا تحقيقه ان الظاهر من إطلاق الأخبار بالنسبة إلى جملة الآيات حتى الكسوفين انما هو السببية دون التوقيت و ان كلامهم هنا و التعبير بالأداء و القضاء مشعر بالتوقيت، فمن المحتمل قريبا ان يكون مراد شيخنا الشهيد الثاني بالقضاء هنا مجرد الفعل و ان هذه الآيات من قبيل الأسباب لا الأوقات كما يشير اليه قوله «لوجود السبب» و حاصل كلامه انه متى وجد السبب ثبت الفعل لعين ما ذكروه في الزلزلة. و بالجملة فإنه على تقدير القول بأنها أسباب كما هو ظاهر إطلاق الأخبار فإنه تجب الصلاة مطلقا من غير تقييد بوقت لوجود السبب، إلا ان دليله الثاني ربما نافر ما قلناه. و كيف كان فما ذكرناه جيد بالنظر الى الأخبار و اما بالنظر الى كلامهم و هو الذي بنى الإيراد عليه في المدارك فالأمر فيه كما ذكره. و أما منع العموم في الفريضة و دعوى تبادر اليومية فلا يخلو من الإشكال.
و قال في المدارك في شرح قول المصنف و في غير الكسوف لا يجب القضاء:
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(2) هذا مضمون ما دل على وجوب القضاء و قد ورد في الوسائل في الباب 1 و 2 و 6 من قضاء الصلوات.
316
و اعلم انه ليس في العبارة دلالة على حكم صلاة الزلزلة إذا لم يعلم المكلف بحصولها حتى انقضت، و قد صرح العلامة في التذكرة بسقوطها فقال: أما جاهل غير الكسوف مثل الزلزلة و الرياح و الظلمة الشديدة فالوجه سقوطها عنه عملا بالأصل السالم من المعارض. و هو غير بعيد و ان كان الإتيان بالصلاة هنا أحوط. انتهى.
أقول: ما ذكره- من انه ليس في العبارة دلالة على حكم صلاة الزلزلة- فيه ان إطلاق العبارة و قوله «غير الكسوف» شامل للزلزلة كغيرها، و العبارة ظاهرة بالنظر الى ما قلناه في سقوط القضاء مع الجهل بالزلزلة، و لا فرق بين هذه العبارة و ما نقله عن العلامة في التذكرة إلا باعتبار الإتيان بالأمثلة لهذا الإطلاق في عبارة العلامة و عدم الإتيان بها في هذه العبارة، بل عبارة العلامة و تمثيله بهذه الأشياء قرينة ظاهرة في العموم كما ادعيناه، إذ لو لم تكن العبارة بمقتضى إطلاقها عامة لما صح التمثيل.
و في الذخيرة اعترض كلام التذكرة هنا فقال: و فيه نظر لأن المعارض موجود و هو عموم ما دل على وجوب الصلاة للزلزلة من غير توقيت و لا تقييد بالعلم المقارن لحصولها، و لهذا قال في النهاية: و يحتمل في الزلزلة قويا الإتيان بها لان وقتها العمر. انتهى كلامه.
أقول: فيه ان ما ذكره من هذه المعارضة في الزلزلة جار أيضا في غيرها، فإن أدلة الآيات و الأخبار الواردة بها كذلك مطلقة غير مقيدة بوقت و لا بالعلم المقارن لحصولها مثل قولهما (عليهما السلام)
في صحيحة محمد بن مسلم و بريد (1) «إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة».
و ما تقدم من عبارة كتاب الفقه الرضوي و غيرها مما هو مطلق كما ذكرناه، فالواجب عليه حينئذ القول بوجوب القضاء في جميع الآيات بالتقريب الذي ذكره.
و بالجملة فإن كلماتهم في هذه المقامات لا تخلو من التشويش و الاضطراب
____________
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.
317
و التحقيق كما عرفته انه ان قلنا بالتوقيت و ان هذه الآيات من قبيل الأوقات اتجه ما ذكروه هنا من سقوط القضاء مطلقا في الزلزلة و غيرها، إلا أن تستثنى الزلزلة من ذلك بناء على ظاهر اتفاقهم على الخروج من قاعدة التوقيت فيها كما عرفت، و ان قلنا فيها بالسببية كما هو ظاهر إطلاق الأخبار فالواجب هو الصلاة متى حصلت الآية و لفظ الأداء و القضاء في كلامهم هنا لا معنى له بناء على ذلك، لكن توجه الخطاب الى الجاهل بعد العلم لا يخلو من اشكال. و الله العالم.
المقام الثاني- ان لا يعلم بالكسوف حتى خرج الوقت و زال السبب
، و الحكم فيه انه ان لم يستوعب الاحتراق فالحكم فيه كما تقدم من عدم القضاء و ان احترق القرص كله وجب القضاء.
قال في المدارك: هذا قول معظم الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل قال في التذكرة انه مذهب الأصحاب عدا المفيد (قدس سره) انتهى.
أقول: تخصيص الخلاف بالشيخ المفيد مؤذن بعدم المخالف سواه و الحال ان الخلاف في ذلك منقول عن جمع من مشاهير المتقدمين: منهم- الشيخ على ابن بابويه في الرسالة و ابنه في المقنع و السيد المرتضى في الجمل و أجوبة المسائل المصرية و أبو الصلاح.
قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة: إذا احترق القرص كله و لم تكن علمت به حتى أصبحت صليت صلاة الكسوف جماعة، و ان احترق بعضه و لم تعلم به حتى أصبحت صليت القضاء فرادى. قال في المدارك: و لم نقف لهذا التفصيل على مستند. انتهى.
و قال الشيخ على بن بابويه (نور الله ضريحه) على ما نقله عنه في الذكرى بعد نقل كلام الشيخ المفيد المذكور: إذا انكسفت الشمس أو القمر و لم تعلم فعليك ان تصليها إذا علمت به، و ان تركتها متعمدا حتى تصبح فاغتسل و صلها، و ان لم يحترق كله فاقضها و لا تغتسل. ثم قال في الذكرى: و كذا قال ابنه في المقنع. ثم قال
318
(قدس سره) و ظاهر هؤلاء وجوب القضاء على الجاهل و ان لم يحترق جميع القرص و لعله لرواية لم نقف عليها. و مثل ذلك نقل في المختلف عن المرتضى و ابى الصلاح و تحقيق الكلام هنا يقع في موضعين
[الموضع] الأول [هل يجب القضاء على الجاهل]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) عدم وجوب القضاء على الجاهل بالكسوف إلا مع الاحتراق فإنه يجب، و ذهب هؤلاء الفضلاء الى القضاء مع عدم احتراق القرص كله، و قد اعترضهم جملة ممن تأخر عنهم بعدم الوقوف على دليله بل دلالة الأخبار على خلافه و فيه ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من الدليل على القول المذكور.
و الذي يدل على ما هو المشهور من وجوب القضاء مع الاحتراق كملا و عدمه مع عدمه
ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا انكسفت الشمس كلها و احترقت و لم تعلم و علمت بعد ذلك فعليك القضاء و ان لم يحترق كلها فليس عليك قضاء».
قال في الكافي (2) بعد نقل هذه الرواية: و في رواية أخرى «إذا علم بالكسوف و نسي ان يصلى فعليه القضاء و ان لم يعلم به فلا قضاء عليه هذا إذا لم يحترق كله».
و ما رواه ابن بابويه عن محمد بن مسلم و الفضيل بن يسار في الصحيح (3) «انهما قالا قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) أ يقضى صلاة الكسوف من إذا أصبح فعلم و إذا أمسى فعلم؟ قال ان كان القرصان احترقا كلهما قضيت و ان كان انما احترق بعضهما فليس عليك قضاؤه».
و ما رواه الشيخ عن حريز (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا انكسف القمر و لم تعلم به حتى أصبحت ثم بلغك فان كان احترق كله فعليك القضاء و ان لم يكن احترق كله فلا قضاء عليك».
و اما
ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (5)- قال «انكسفت الشمس و انا في الحمام فعلمت بعد ما خرجت فلم اقض».
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(5) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
319
و عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الكسوف تقضى إذا فأتتنا؟ قال ليس فيها قضاء، و قد كان في أيدينا انها تقضى».
و عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في الصحيح (2) قال: «سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال إذا فاتتك فليس عليك قضاء».
و رواها على بن جعفر في كتاب المسائل و الحميري في قرب الاسناد عنه عن أخيه (عليه السلام) (3) و ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن الرضا (عليه السلام) (4).
و ما رواه الشيخ عن حريز عن من أخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل فكسل ان يصلى فليغتسل من غد و ليقض الصلاة و ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه إلا القضاء بغير غسل»-.
فهي محمولة على ما تقدم من التفصيل في الروايات المتقدمة، فاما الثلاث الأول فهي محمولة على عدم استيعاب الاحتراق القرص و الرابعة على الاستيعاب.
و اما ما يدل على القول الآخر فهو ما وقفت عليه في كتاب الفقه الرضوي و لا يخفى ان عبارة الشيخ على بن بابويه التي ذكرها في الذكرى كما قدمنا ذكره و مثله العلامة في المختلف عين عبارة الفقه الرضوي، و به يظهر ان دليله في المسألة انما هو الكتاب المذكور على ما عرفت سابقا في غير مقام و ستعرف أمثاله ان شاء الله تعالى في جملة من الأحكام.
إلا ان كلامه (عليه السلام) في الكتاب في هذا المقام غير خال من الإشكال، و ذلك فإنه (عليه السلام) صرح قبل هذه العبارة بيسير بما يدل على عدم القضاء في الصورة المذكورة و هذه العبارة التي نقلوها عن الشيخ على بن بابويه قبلها كلام يمكن ارتباطها به و به تنتفي دلالتها على ما ذكروه.
و ها أنا أسوق لك عبارة الكتاب المتعلقة بالمقام
قال (عليه السلام) (6): و ان علمت
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(5) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(6) ص 12.
320
بالكسوف فلم يتيسر لك الصلاة فاقض متى شئت، و ان أنت لم تعلم بالكسوف في وقته ثم علمت بعد ذلك فلا شيء عليك و لا قضاء. ثم ذكر (عليه السلام) كلاما آخر أجنبيا لا تعلق له بالمسألة الى ان قال: و إذا احترق القرص كله فاغتسل، و ان انكسفت الشمس أو القمر و لم تعلم به فعليك ان تصليها إذا علمت، فان تركتها متعمدا حتى تصبح فاغتسل و صل، و ان لم يحترق القرص فاقضها و لا تغتسل.
انتهى.
و صدر كلامه (عليه السلام) كما ترى ظاهر في عدم القضاء مع عدم العلم، و هو و ان كان مطلقا بالنسبة إلى الاحتراق و عدمه إلا انه يجب حمله على عدم الاحتراق بقرينة العبارة الأخيرة، و الظاهر ان معنى العبارة الثانية هو انه متى احترق القرص كله فعليه الغسل و انه مع الانكساف في صورة الاحتراق و عدم العلم عليه القضاء متى علم، و ان علم و تركها حينئذ متعمدا مع الاحتراق حتى يصبح اغتسل و صلى، و ان تركها عمدا و الحال انه لم يحترق القرص فعليه القضاء بغير غسل، و حينئذ فقوله:
«و ان لم يحترق القرص» راجع الى الترك عمدا يعنى ان الترك عمدا موجب للقضاء لكن مع الاحتراق يضم اليه الغسل و مع عدم الاحتراق لا يضم اليه.
و على هذا فلا منافاة في العبارة لما تقدم من كلامه (عليه السلام) و لا دلالة فيها على ما نقلوه عن ابن بابويه، لان صدر العبارة التي نقلوها مبنى على قوله (عليه السلام) قبل ذلك «و إذا احترق القرص كله فاغتسل» و هم لم ينقلوا عن ابن بابويه هذه الجملة المتقدمة و من حذفها نشأ الإشكال، و لو اعتبر انقطاع العبارة عن هذه الجملة المتقدمة كما هو ظاهر نقلهم للزم المنافاة و المناقضة في كلامه (عليه السلام) لان صدر هذا الكلام الذي نقلوه يدل بظاهره على وجوب القضاء مع عدم العلم احترق أم لم يحترق، و الكلام الأول الذي نقلناه يدل على عدم وجوب القضاء في صورة الجهل احترق أو لم يحترق، و الجمع بين الكلامين لا يتم إلا بما ذكرناه من ارتباط هذه الجملة بالعبارة التي نقلوها.
و لا أدرى ان حذف هذه الجملة وقع من الشيخ المذكور أو ممن نقل عنه حيث اقتطع هذه العبارة من كلامه بناء على ظن استقلالها و تمامها كما يتراءى في بادئ النظر
321
و رسالة الشيخ المذكور غير موجودة الآن، إلا ان الأقرب ان ذلك انما وقع ممن نقل كلامه حيث ان عبارات رسالته عين عبارات الكتاب غالبا في كل مقام. و بما ذكرنا يتأكد كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم الوقوف على مستند هذا القول. و الله العالم.
الموضع الثاني [الفرق بين الاحتراق الكامل و عدمه]
- ان ما نقل عن الشيخ المفيد (قدس سره)- من التفصيل مع عدم العلم بين احتراق القرص فيصلي جماعة و عدم الاحتراق فيصلي فرادى- الظاهر انه مبنى على وجوب القضاء على الجاهل، و حينئذ فيرجع الى مذهب ابني بابويه المنقول عنهما في الذكرى و المختلف من انه إذا احترق القرص كله صلى في جماعة و ان احترق بعضه صلاها فرادى.
و استدل لهم في المختلف
برواية ابن ابى يعفور عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«إذا انكسفت الشمس و القمر فانكسف كلها فإنه ينبغي للناس ان يفزعوا الى امام يصلى بهم و أيهما كسف بعضه فإنه يجزئ الرجل أن يصلى وحده».
و ستأتي تتمة الكلام في هذه المسألة في استحباب الجماعة في هذه الفريضة.
و الظاهر ان الشيخ المفيد (قدس سره) و كلامه في القضاء انما بنى على ما بنى عليه ابنا بابويه و ان كان كلامهما في الأداء من الرواية المذكورة أو غيرها لا من حيث خصوصية الجاهل في الصورة المذكورة، و مرجع الجميع الى ان صلاة الكسوف مع وجوبها أداء أو قضاء تصلى جماعة في صورة الاحتراق و الاستيعاب و فرادى مع عدم ذلك.
المقام الثالث- ان يعلم الآية الموجبة للصلاة و يترك الصلاة عامدا أو ناسيا
و المشهور وجوب القضاء عليه، و قال الشيخ في النهاية و المبسوط لا يقضي الناسي ما لم يستوعب الاحتراق و هو اختيار ابن حمزة و ابن البراج، و نقل عن ظاهر المرتضى في المصباح عدم وجوب القضاء ما لم يستوعب و ان تعمد الترك، و عن
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.
322
ابن إدريس إيجاب القضاء مع احتراق القرص و عدمه عند احتراق البعض، و هو يرجع الى قول السيد.
احتج الأولون بوجوه: منها- الأخبار الدالة على قضاء ما فات من الصلوات من غير استفصال.
و من هذه الأخبار
قول ابى جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (1) «أربع صلوات يصليها الرجل في كل ساعة: صلاة فاتتك متى ذكرتها أديتها. الحديث».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة أخرى لزرارة (2) «و قد سأله عن رجل صلى بغير طهور أو نسي صلاة أو نام عنها: يقضيها إذا ذكرها».
و اعترض هذه الروايات في المدارك بأنه لا عموم لها على وجه يتناول صورة النزاع، قال و لهذا لم يحتج بها الأصحاب (رضوان الله عليهم) على وجوب القضاء مع انتفاء العلم بالسبب. و مرجع كلامه الى ما ذكرناه في غير موضع مما تقدم من ان إطلاق الأخبار انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتكررة دون الأفراد النادرة الوقوع سيما إذا لم يكن العموم مستندا إلى الأداة الموضوعة له.
و منها- مرسلة حريز و قد تقدمت في سابق هذا المقام (3)
و موثقة عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «و ان أعلمك أحد و أنت نائم فعلمت ثم غلبتك عينك فلم تصل فعليك قضاؤها».
و رد في المدارك الأولى بأنها قاصرة بالإرسال و إطباق الأكثر على ترك العمل بظاهرها، و اما رواية عمار فباشتمالها على جماعة من الفطحية. ثم قال و من ذلك يظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ من عدم وجوب القضاء على الناسي إذا لم يستوعب الاحتراق بل رجحان ما ذهب اليه المرتضى (قدس سره) من عدم وجوب القضاء
____________
(1) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 1 و 2 من قضاء الصلوات.
(3) ص 319.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
323
مطلقا إلا مع الاستيعاب، و يدل عليه مضافا الى الأصل ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر «انه سأل أخاه موسى (عليه السلام). الخبر» و قد تقدم في سابق هذا المقام (1) ثم قال بعدها: دلت الرواية على سقوط قضاء صلاة الكسوف مع الفوات مطلقا خرج من ذلك ما إذا استوعب الاحتراق فإنه يجب القضاء بالنصوص الصحيحة فيبقى الباقي مندرجا في الإطلاق. انتهى.
أقول: لما كان نظر السيد السند (قدس سره) في الاستدلال مقصورا على صحاح الأخبار اختار هنا مذهب السيد المرتضى (رضى الله عنه) لدلالة ظاهر صحيحة على بن جعفر المذكورة عليه.
و مثلها
ما رواه البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) على ما نقله ابن إدريس في مستطرفات السرائر (2) قال: «سألته عن صلاة الكسوف هل على من تركها قضاء؟ قال إذا فاتتك فليس عليك قضاء».
و يدل على هذا القول أيضا
رواية الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الكسوف تقضى إذا فأتتنا؟ قال ليس فيها قضاء، و قد كان في أيدينا انها تقضى».
و ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) «انه سئل عن الكسوف و الرجل نائم و لم يدر به أو اشتغل عن الصلاة في وقته هل عليه أن يقضيها؟ قال لا قضاء في ذلك و انما الصلاة في وقته فإذا انجلى لم تكن صلاة».
و مما يدل على القول المشهور موثقة عمار الساباطي المذكورة (5) و ما
في كتاب الفقه الرضوي (6) من قوله (عليه السلام) «و ان علمت بالكسوف فلم يتيسر لك الصلاة
____________
(1) ص 319.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(4) مستدرك الوسائل الباب 9 من صلاة الكسوف.
(5) ص 322.
(6) ص 12.
324
فاقض متى شئت» و قال أيضا: «إذا احترق القرص كله فاغتسل.
الى آخر ما تقدم» (1) فإنه واضح الدلالة في وجوب القضاء في الصورة المذكورة.
و أما الاستدلال للقول المشهور بمرسلة حريز (2) كما ذكره جملة من الأصحاب فظني بعده، إذ الأقرب حمل هذه الرواية على صورة الاحتراق الموجب للقضاء مطلقا علم أو لم يعلم و انه مع العلم و التفريط يضم الغسل الى القضاء و مع عدم العلم يقضى بلا غسل.
و أنت خبير بان من يحكم بصحة الأخبار كملا و لا يلتفت الى هذا الاصطلاح فالواجب عنده الجمع بين هذه الأخبار، و ذلك بتقييد إطلاق الأخبار الدالة على نفى القضاء بصورة عدم العلم مع عدم الاستيعاب فإنه لا قضاء في هذه الصورة كما دريت من الأخبار المتقدمة المفصلة» و بالجملة فإن رواية عمار و رواية كتاب الفقه مفصلة و تلك الروايات مجملة و المفصل يحكم على المجمل، و لعل في عدوله (عليه السلام) في صحيحتي على بن جعفر و البزنطي المتقدمتين عن لفظ الراوي في سؤاله إلى التعبير بلفظ الفوات اشعارا بما ذكرنا.
و أما الجمع بين الأخبار- بحمل ما دل على القضاء على الاستحباب و إبقاء تلك الأخبار على إطلاقها كما احتمله بعض فضلاء الأصحاب- ففيه (أولا) ان مقتضى القاعدة المشهورة انما هو ما قلناه من حمل المطلق على المقيد و المجمل على المفصل، و الى هذه القاعدة تشير جملة من الأخبار ايضا و بها صرح الصدوق في كتاب الاعتقادات.
و (ثانيا)- ما قدمناه في غير مقام من أن هذه القاعدة و ان اشتهرت بينهم و عكف عليها أولهم و آخرهم إلا انه لا مستند لها من سنة و لا كتاب بل ظواهر الأدلة ردها و إبطالها، فإن الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز الموجبة لإخراج اللفظ عن حقيقته.
____________
(1) ص 319 و 320.
(2) ص 319.
325
و مما يؤيد القول المشهور هو انه قد علم اشتغال الذمة بيقين العلم بالسبب و إهمال المكلف، و من هنا استدل الأصحاب بالأخبار العامة في وجوب القضاء، و يقين البراءة لا يحصل إلا بالقضاء. و الله العالم.
البحث الثاني- في الكيفية
و هي ان يحرم ثم يقرأ الحمد و سورة ثم يركع ثم يرفع رأسه و يقوم و يقرأ الحمد و سورة ثم يركع، يفعل هكذا خمس مرات، ثم يسجد بعد القيام من الركوع الخامس سجدتين ثم يقوم فيصلي الركعة الثانية كذلك و يتشهد و يسلم، و يجوز أن يقرأ بعد الحمد بعض سورة فيقوم من الركوع و يتم تلك السورة بغير قراءة الحمد، و ان شاء وزع السورة على الركعات أو بعضها.
و المستند في هذه الكيفية جملة من النصوص: منها-
ما رواه الشيخ عن عمر بن أذينة عن رهط في الصحيح عن الباقر و الصادق، و منهم من رواه عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «ان صلاة كسوف الشمس و القمر و الرجفة و الزلزلة عشر ركعات و اربع سجدات صلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الناس خلفه في كسوف الشمس ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها، و رووا أن الصلاة في هذه الآيات كلها سواء و أشدها و أطولها كسوف الشمس: تبدأ فتكبر بافتتاح الصلاة ثم تقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الثانية ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الثالثة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الرابعة ثم ترفع رأسك من الركوع فتقرأ أم الكتاب و سورة ثم تركع الخامسة فإذا رفعت رأسك قلت «سمع الله لمن حمده» ثم تخر ساجدا فتسجد سجدتين، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الأولى. قال قلت و ان هو قرأ سورة واحدة في الخمس ركعات ففرقها بينها؟ قال أجزأه أم القرآن في أول مرة، و ان قرأ خمس سور فمع كل سورة أم الكتاب. و القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع إذا فرغت من القراءة ثم تقنت
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
326
في الرابعة مثل ذلك ثم في السادسة ثم في الثامنة ثم في العاشرة».
و الرهط الذين رووه الفضيل و زرارة و بريد بن معاوية و محمد بن مسلم.
و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم (1) قالا:
«سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن صلاة الكسوف كم هي ركعة و كيف نصليها؟ فقال هي عشر ركعات و اربع سجدات: تفتتح الصلاة بتكبيرة و تركع بتكبيرة و ترفع رأسك بتكبيرة إلا في الخامسة التي تسجد فيها و تقول «سمع الله لمن حمده» و تقنت في كل ركعتين قبل الركوع و تطيل القنوت و الركوع على قدر القراءة و الركوع و السجود فان فرغت قبل أن ينجلي فاقعد و ادع الله حتى ينجلي، فإن انجلى قبل أن تفرغ من صلاتك فأتم ما بقي، و تجهر بالقراءة. قال قلت كيف القراءة فيها؟ فقال ان قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب و ان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت و لا تقرأ فاتحة الكتاب. قال و كان يستحب ان يقرأ فيها الكهف و الحجر إلا أن يكون اماما يشق على من خلفه. و ان استطعت أن تكون صلاتك بارزا لا يجنك بيت فافعل. و صلاة كسوف الشمس أطول من صلاة كسوف القمر و هما سواء في القراءة و الركوع و السجود».
و منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح (2) قال: «سأل الحلبي أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الكسوف كسوف الشمس و القمر قال عشر ركعات و اربع سجدات:
تركع خمسا ثم تسجد في الخامسة ثم تركع خمسا ثم تسجد في العاشرة، و ان شئت قرأت سورة في كل ركعة و ان شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة، فإذا قرأت سورة في كل ركعة فاقرأ فاتحة الكتاب، و ان قرأت نصف سورة أجزأك أن لا تقرأ فاتحة الكتاب إلا في أول ركعة حتى تستأنف أخرى، و لا تقل «سمع الله لمن حمده» في رفع رأسك من الركوع إلا في الركعة التي تريد أن تسجد فيها».
قال في
الفقيه (3) و روى عمر بن أذينة ان القنوت في الركعة الثانية قبل الركوع
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
327
ثم في الرابعة ثم في السادسة ثم في الثامنة ثم في العاشرة. ثم قال (1) و ان لم تقنت إلا في الخامسة و العاشرة فهو جائز لورود الخبر به.
و ما رواه الشيخ عن ابى بصير (2) قال: «سألته عن صلاة الكسوف فقال عشر ركعات و اربع سجدات: تقرأ في كل ركعة منها مثل ياسين و النور و يكون ركوعك مثل قراءتك و سجودك مثل ركوعك. قلت فمن لم يحسن ياسين و أشباهها؟ قال فليقرأ ستين آية في كل ركعة فإذا رفع رأسه من الركوع فلا يقرأ بفاتحة الكتاب.
قال فإن أغفلها أو كان نائما فليقضها».
و منها-
ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (3) قال: «اعلم يرحمك الله ان صلاة الكسوف عشر ركعات بأربع سجدات: تفتتح الصلاة بتكبيرة واحدة ثم تقرأ الفاتحة و سورا طوالا و طول في القراءة و الركوع و السجود ما قدرت فإذا فرغت من القراءة ركعت ثم رفعت رأسك بتكبير و لا تقول «سمع الله لمن حمده» تفعل ذلك خمس مرات ثم تسجد سجدتين، ثم تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الركعة الأولى، و لا تقرأ سورة الحمد إلا إذا انقضت السورة فإذا بدأت بالسورة بدأت بالحمد، و تقنت بين كل ركعتين و تقول في القنوت: ان الله يسجد له من في السماوات و من في الأرض و الشمس و القمر و النجوم و الشجر و الدواب و كثير من الناس و كثير حق عليه العذاب اللّهمّ صل على محمد و آل محمد اللهم لا تعذبنا بعذابك و لا تسخط بسخطك علينا و لا تهلكنا بغضبك و لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا و اعف عنا و اغفر لنا و اصرف عنا البلاء يا ذا المن و الطول. و لا تقول «سمع الله لمن حمده» إلا في الركعة التي تريد أن تسجد فيها. و تطول الصلاة حتى ينجلي، و ان انجلى و أنت في الصلاة فخفف، و ان صليت و بعد لم ينجل فعليك الإعادة أو الدعاء و الثناء على الله و أنت مستقبل القبلة».
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(3) ص 12.
328
و منها-
ما رواه في كتاب دعائم الإسلام (1) قال: و عن جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: «صلاة الكسوف في الشمس و القمر و عند الآيات واحدة و هي عشر ركعات و اربع سجدات: يفتتح الصلاة بتكبيرة الإحرام و يقرأ بفاتحة الكتاب و سورة طويلة و يجهر فيها بالقراءة ثم يركع و يلبث راكعا مثل ما قرأ ثم يرفع رأسه و يقول عند رفعه «الله أكبر» ثم يقرأ كذلك فاتحة الكتاب و سورة طويلة ثم كبر و ركع الثانية (2) فأقام راكعا مثل ما قرأ ثم رفع رأسه و قال الله أكبر ثم قرأ بفاتحة الكتاب و سورة طويلة ثم كبر و ركع الثالثة فأقام راكعا مثل ما قرأ ثم رفع رأسه و قال «الله أكبر» ثم قرأ بفاتحة الكتاب و سورة طويلة فإذا فرغ منها قنت ثم كبر و ركع الرابعة فأقام راكعا مثل ما قرأ ثم رفع رأسه و قال الله أكبر ثم قرأ فاتحة الكتاب و سورة طويلة فإذا فرغ منها كبر و ركع الخامسة فأقام مثل ما قرأ فإذا رفع رأسه منها قال: «سمع الله لمن حمده» ثم يكبر و يسجد فيقيم ساجدا مثل ما ركع ثم يرفع رأسه فيكبر و يجلس شيئا بين السجدتين يدعو ثم يكبر و يسجد سجدة ثانية يقيم فيها ساجدا مثل ما أقام في الأولى، ثم ينهض قائما و يصلى اخرى على نحو الأولى يركع فيها خمس ركعات و يسجد سجدتين و يتشهد تشهدا طويلا، و القنوت بعد كل ركعتين كما ذكرنا في الثانية و الرابعة و السادسة و الثامنة و العاشرة و لا يقول:
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الكسوف.
(2) كتب في هامش الطبعة القديمة في هذا الموضع هكذا: «كذا في بعض النسخ و في بعضها «الثالثة» بدل «الثانية» و كذا وجدنا الرواية في البحار و لم يحضرني كتاب دعائم الإسلام حتى أراجعه لكن الظاهر انه سقط بعد لفظ «الثانية» بيان القيام بعد الركوع الثاني و الركوع الثالث و الله العالم» أقول: العبارة في البحار ج 18 الصلاة ص 908 كما ذكر المعلق و هكذا هي أيضا في مستدرك الوسائل و لكنها في دعائم الإسلام ج 1 ص 240 طبعة مصر تامة و قد جرينا في هذه الطبعة على ذلك، إلا ان بين المستدرك و كتاب الدعائم المطبوع بمصر اختلافا في بعض ألفاظ هذا الحديث في غير المورد الساقط من المستدرك و قد أوردناها على طبق المستدرك إلا في ما نرى خلافه مناسبا.
329
«سمع الله لمن حمده».
إلا في الركعتين اللتين يسجد عنهما و ما سوى ذلك يكبر كما ذكرنا. فهذا معنى قول ابى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) في صلاة الكسوف في روايات شتى عنه (عليه السلام) حذفنا ذكرها اختصارا. و ان قرأ في صلاة الكسوف بطوال المفصل و رتل القرآن فذلك أحسن و ان قرأ بغير ذلك فليس فيه توقيت و لا يجزئ غيره،
و قد روينا عن على (عليه السلام) (1) انه قرأ في الكسوف سورة المثاني و سورة الكهف و سورة الروم و سورة ياسين و سورة و الشمس و ضحاها.
و روينا عن على (عليه السلام) (2) انه صلى صلاة الكسوف فانصرف قبل ان ينجلي فجلس في مصلاه يدعو و يذكر الله و جلس الناس كذلك يدعون و يذكرون حتى انجلت».
و اما
ما رواه الشيخ في التهذيب عن أبي البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام)- (3) «ان عليا (عليه السلام) صلى في كسوف الشمس ركعتين في أربع سجدات و اربع ركعات: قام فقرأ ثم ركع ثم رفع رأسه فقرأ ثم ركع ثم قام فدعا مثل ركعته ثم سجد سجدتين ثم قام ففعل مثل ما فعل في الأولى في قراءته و قيامه و ركوعه و سجوده».
و عن يونس بن يعقوب (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) انكسف القمر فخرج ابى و خرجت معه الى المسجد الحرام فصلى ثماني ركعات كما يصلى ركعة و سجدتين»-.
فقد حملهما الشيخ على التقية قال لموافقتهما لمذهب بعض العامة (5).
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.
(2) مستدرك الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(4) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(5) في عمدة القارئ ج 3 ص 468 أول باب الكسوف «عند الليث بن سعد و مالك و الشافعي و احمد و ابى ثور صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان و سجودان فتكون الجملة اربع ركوعات و اربع سجدات في ركعتين. و عند طاوس و حبيب بن ابى ثابت و عبد الملك بن جريح ركعتان في كل ركعة اربع ركوعات و سجدتان فتكون الجملة ثمان ركوعات و اربع سجدات و يحكى هذا عن على و ابن عباس. و عند قتادة و عطاء بن ابى رباح و إسحاق و ابن المنذر ركعتان في كل ركعة ثلاث ركوعات و سجدتان فتكون الجملة ست ركوعات و اربع سجدات. و عند سعيد بن جبير و إسحاق بن راهويه في رواية و محمد بن جرير الطبري و بعض الشافعية لا توقيت فيها بل يطيل ابدا و يسجد الى ان تنجلي الشمس. و عند إبراهيم النخعي و سفيان الثوري و ابى حنيفة و ابى يوسف و محمد ركعتان في كل ركعة ركوع واحد و سجدتان كسائر صلاة التطوع. و يروى عن أبي حنيفة ان شاءوا صلوها ركعتين و ان شاءوا أربعا، و في البدائع و ان شاءوا أكثر من ذلك. و عند الظاهرية ان كسفت الشمس ما بين طلوعها إلى صلاة الظهر صلاها ركعتين و ما بين الظهر الى الغروب صلاها أربعا و في خسوف القمر ان كان بعد صلاة المغرب الى العشاء الآخرة صلى ثلاث ركعات كالمغرب و ان كان بعد العتمة إلى الصبح صلى أربعا» و في سنن البيهقي ج 3 ص 321 نقل رواية عائشة المتضمنة ان رسول الله (ص) صلى ركعتين جملتها اربع ركوعات و اربع سجدات و في ص 315 نقل رواية جابر المتضمنة انه (ص) صلى ركعتين جملتها ست ركوعات و اربع سجدات و في ص 329 نقل رواية أبي بن كعب المتضمنة انه (ص) صلى ركعتين في كل ركعة خمس ركوعات و سجدتان. ثم نقل عن الحسن البصري ان عليا (ع) صلى في كسوف الشمس خمس ركعات و اربع سجدات. و في ص 330 نقل رواية حنش بن ربيعة المتضمنة ان عليا (ع) صلى ركعتين في ثمان ركوعات و اربع سجدات.
330
و روى الشيخ في التهذيب عن روح بن عبد الرحيم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الكسوف تصلى جماعة؟ قال جماعة و غير جماعة».
و عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا انكسفت الشمس و القمر فانكسف كلها فإنه ينبغي للناس ان يفزعوا الى امام يصلى بهم و أيهما كسف بعضه فإنه يجزئ الرجل ان يصلى وحده. الحديث».
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن القراءة في صلاة الكسوف قال تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب. قال و إذا ختمت سورة و بدأت بأخرى فاقرأ فاتحة الكتاب و ان قرأت سورة في ركعتين أو ثلاث فلا تقرأ فاتحة الكتاب حتى تختم السورة
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
331
و لا تقل «سمع الله لمن حمده» في شيء من ركوعك إلا الركعة التي تسجد فيها».
و عن على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) مثله (1) و نحوه في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (2).
أقول: الكلام في هذه الأخبار و ما اشتملت عليه من الأحكام يقع في مواضع:
[الموضع] الأول [تفريق السورة على القيامات و وجوب الفاتحة عند تمام السورة]
- المستفاد من هذه الأخبار التخيير بين قراءة سورة كاملة بعد الحمد في كل قيام و بين تفريق سورتين على العشر بان يكون في كل خمس سورة و ان كان الأول أفضل و ان يفرق سورتين على الخمس. و كيف كان فإنه متى أتم السورة وجب قراءة الحمد، و هذا هو المشهور بين الأصحاب.
و قال ابن إدريس انه يستحب له قراءة الحمد في الصورة المذكورة محتجا بان الركعات كركعة واحدة.
و اعترضه المحقق في المعتبر بأنه خلاف فتوى الأصحاب و المنقول عن أهل البيت (عليهم السلام). و هو جيد.
و قال الشهيد في الذكرى (3): فان احتج ابن إدريس
برواية عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام)- قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فصلى ركعتين قام في الأولى فقرأ سورة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه فقرأ سورة ثم ركع، فعل ذلك خمس مرات قبل أن يسجد ثم سجد سجدتين، ثم قام في الثانية ففعل مثل ذلك، فكان له عشر ركعات و اربع سجدات».
و التوفيق بينها و بين باقي الروايات بالحمل على استحباب قراءة الفاتحة مع الإكمال- فالجواب ان تلك الروايات أكثر و أشهر و عمل الأصحاب بمضمونها فتحمل هذه الرواية على ان الراوي ترك ذكر الحمد للعلم به لتوافق تلك الروايات الأخرى. انتهى. و هو جيد.
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الكسوف.
(3) في النظر الثاني من صلاة الآيات في الإشارة إلى المدارك.
332
أقول: لم أقف على هذه الرواية إلا في كتاب الذكرى فإنه لم ينقلها صاحب الوافي الجامع لأخبار الكتب الأربعة و لا صاحب الوسائل مع جمعه لما زاد عنها و لا شيخنا المجلسي في البحار مع تصديه فيه لنقل جملة الأخبار، و الظاهر انه غفل عنها و إلا لنقلها عن الذكرى كما هو مقتضى قاعدته من التصدي لنقل جميع الأخبار و ان كانت من كتب الفروع.
و يظهر من إطلاق صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة (1) جواز التفريق بان يبعض سورة واحدة في إحدى الركعتين و يقرأ في الأخرى خمسا و الجمع في الركعة الواحدة بين الإتمام و التبعيض بان يتم سورة مثلا في القيام الأول و يبعض سورة في الأربعة الباقية، و على ذلك تدل صحيحة البزنطي المنقولة في مستطرفات السرائر و نحوها صحيحة على بن جعفر المتقدمتان (2) ايضا. و بالجملة فالذي يظهر من الأخبار هو جواز التبعيض في القيامات الخمسة أو بعضها مع الإتمام في بعض و انه يتخير في ذلك و ان كان الأفضل قراءة خمس سور في كل ركعة.
و أما ما ذكره في المدارك- من قوله: و لا ريب ان الاحتياط يقتضي الاقتصار على قراءة خمس سور في كل ركعة أو تفريق سورة على الخمس- فالظاهر انه بنى على ما احتمله الشهيد في الذكرى هنا حيث قال: و يحتمل ان ينحصر المجزئ في سورة واحدة أو خمس سور لأنها ان كانت ركعة وجبت الواحدة و ان كانت خمسا فالخمس فيمكن استناد ذلك الى تجويز الأمرين و ليس بين ذينك واسطة. انتهى.
أقول: أنت خبير بأنه لا وجه له بعد ما عرفت من دلالة صحيحة البزنطي و على بن جعفر (3) على جواز التفريق في ركعتين أو في ثلاث، إلا انه يمكن الاعتذار عنهما بعدم وقوفهما على الخبرين المذكورين، على ان إطلاق غيرهما من الأخبار المتقدمة ظاهر في ذلك ايضا سيما
قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي «و ان شئت قرأت
____________
(1) ص 326.
(2) ص 330.
(3) ص 331.
333
سورة في كل ركعة و ان شئت قرأت نصف سورة في كل ركعة. الحديث».
و قد تقدم (1).
و ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) وجوب إتمام سورة في الخمس لصيرورتها بمنزلة ركعة فتجب الحمد و سورة.
بقي الكلام في ما لو جمع في ركعة بين الإتمام و التبعيض فأتم في القيام الأول مثلا و بعض في البواقي فهل يجوز أن يسجد قبل إتمام السورة؟ فيه وجهان، قال في الذخيرة: و لعل الأقرب الجواز.
أقول: يمكن توجيه الأقربية بإطلاق الأخبار المتقدمة الدالة على جواز التبعيض أعم من أن يتم السورة في ركعة واحدة أم لا.
و قال العلامة: الأقرب انه يجوز أن يقرأ في الخمس سورة و بعض أخرى فإذا قام في الثانية فالأقرب وجوب الابتداء بالحمد لانه قيام من سجود فوجب فيه الفاتحة قال: و يحتمل ضعيفا أن يقرأ من الموضع الذي انتهى اليه أولا من غير أن يقرأ الفاتحة لكن يجب أن يقرأ الحمد في الثانية بحيث لا يجوز الاكتفاء بالحمد مرة في الركعتين. انتهى.
أقول: و يمكن ترجيح ما استضعفه بقوله (عليه السلام) في صحيحة
زرارة و محمد بن مسلم (2) «و ان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت و لا تقرأ فاتحة الكتاب».
و قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «و لا تقرأ سورة الحمد إلا إذا انقضت السورة».
و قوله (عليه السلام) في صحيحتي البزنطي و
على بن جعفر (4) «فلا تقرأ فاتحة الكتاب حتى تختم السورة».
فإن الجميع كما ترى ظاهر في انه ما لم يتم السورة التي بعضها فلا يقرأ فاتحة الكتاب و انه يجب القراءة من موضع القطع، و الأخبار المذكورة بعمومها شاملة لموضع المسألة.
و ذكر الشهيدان (طاب ثراهما) انه متى ركع عن بعض سورة تخير في القيام
____________
(1) ص 326.
(2) ص 326.
(3) ص 327.
(4) ص 330 و 331.
334
بعده بين القراءة من موضع القطع و بين القراءة من أى موضع شاء من السورة متقدما أو متأخرا و بين رفضها و قراءة غيرها.
و احتمل في الذكرى امرا رابعا و هو ان له اعادة البعض الذي قرأه من السورة بعينه، قال فحينئذ هل يجب قراءة الحمد؟ يحتمل ذلك لابتدائه بسورة و يحتمل عدمه لأن قراءة بعضها مجزئ فقراءة جميعها أولى، هذا ان قرأ جميعها و ان قرأ بعضها فأشد إشكالا.
قال في المدارك بعد نقل ذلك: أقول ان في أكثر هذه الصور إشكالا، فإن مقتضى قوله (عليه السلام) «فان نقصت من السورة شيئا فاقرأ من حيث نقصت» تعين القراءة من موضع القطع فلا يكون العدول الى غيره من السورة و القراءة من غيرها جائزا. انتهى.
و هو جيد لما عرفت من الأخبار. و اللّٰه العالم.
[الموضع] الثاني [الوظيفة عند الفراغ من الصلاة قبل الانجلاء]
- قد تضمنت صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (1) الأمر بالجلوس و الدعاء حتى ينجلي الكسوف متى فرغ من الصلاة و لم ينجل، و عبارة كتاب الفقه (2) الإعادة أو الدعاء في الصورة المذكورة، و رواية كتاب دعائم الإسلام (3) الجلوس و الدعاء
و قد روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: «قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) صلاة الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد».
و المستفاد من هذه الأخبار بعد ضم بعضها الى بعض هو وجوب الجلوس و الدعاء أو الإعادة حتى ينجلي مخيرا بينهما و هو صريح عبارة كتاب الفقه.
و المشهور بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في هذا المقام انه يستحب له الإعادة متى فرغ و لم ينجل، و نقل عن ظاهر المرتضى و ابى الصلاح و سلار وجوب الإعادة، و عن ابن إدريس انه منع الإعادة وجوبا و استحبابا.
قال في المدارك: لنا على الاستحباب ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية ابن عمار. ثم ساق الرواية المذكورة الى ان قال: و لنا على انتفاء الوجوب
قوله (عليه السلام)
____________
(1) ص 326.
(2) ص 327.
(3) ص 328.
(4) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.
335
في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (1) «و ان فرغت قبل أن ينجلي فاقعد و ادع اللّٰه حتى ينجلي».
و قد يقال ان الجمع بين الروايات يقتضي القول بوجوب الإعادة و الدعاء تخييرا إلا انى لا اعلم به قائلا. انتهى. و تبعه في الذخيرة في هذا المقام.
و أنت خبير بان ظاهر كلام الصدوق في الفقيه هو القول بالوجوب فيهما تخييرا حيث قال: و إذا فرغ الرجل من صلاة الكسوف و لم تكن انجلت فليعد الصلاة و ان شاء قعد و مجد اللّٰه تعالى حتى ينجلي. انتهى.
ثم انه لا يخفى عليك ما في استدلاله بصحيحة معاوية بن عمار على الاستحباب و ان كان قد جرى على هذه الطريقة في غير باب، فإن الرواية قد تضمنت الأمر بالإعادة و هو حقيقة في الوجوب كما صرح به في غير موضع من هذا الكتاب فكيف تكون دالة على الاستحباب؟ و كان الأولى في التعبير ان يجعل مستند الاستحباب الجمع بين الروايتين المذكورتين.
و زاد في الذخيرة بعد اختيار الاستحباب كما ذكره في المدارك التأييد
بموثقة عمار الساباطي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «ان صليت الكسوف الى ان يذهب الكسوف عن الشمس و القمر و تطول في صلاتك فان ذلك أفضل، و ان أحببت أن تصلى فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو جائز».
و أنت خبير بأن غاية ما تدل عليه الرواية هو إطلاق جواز الفراغ قبل الانجلاء، و لا ينافيه وجوب الإعادة أو الجلوس حتى يحصل تمام الانجلاء حسبما دلت عليه الأخبار المتقدمة.
و بالجملة فعبارة كتاب الفقه صريحة في الوجوب تخييرا و الظاهر انها مستند الصدوق كما عرفت في غير مقام، و رواية كتاب الدعائم المروية عن على (عليه السلام) ايضا ظاهرة في وجوب الجلوس، و الصحيحتان الآخرتان (3) لا وجه للجمع بينهما إلا بما
____________
(1) ص 326.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة الكسوف.
(3) ص 334.
336
ذكرناه من الوجوب تخييرا، فرد هذه الروايات- على ما هي عليه من الصحة و الصراحة في بعض و الظاهرية في آخر بهذه الرواية مع قبولها التأويل بما ذكرناه- مما لا يلتزمه محصل. و اللّٰه العالم.
[الموضع] الثالث [تطويل الصلاة بقدر الكسوف]
- ما ذكره (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (1) من قوله «و تطول الصلاة حتى ينجلي».
مما يصلح لان يكون مستندا للأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) حيث صرحوا بان من جملة مستحبات هذه الصلاة ان يطول بقدر الكسوف و هم قد استدلوا على ذلك بموثقة عمار المتقدمة (2) و يمكن الاستدلال عليه ايضا بقوله (عليه السلام) في صحيحة الرهط المتقدمة (3) في حكاية صلاته (صلى اللّٰه عليه و آله) «ففرغ حين فرغ و قد انجلى كسوفها».
و قيل ان الاستدلال بهذا الخبر لا يخلو من شوب التأمل لجواز ان يكون ذلك من باب الاتفاق. و فيه ان الظاهر من نقله (عليه السلام) ذلك انما هو العمل بما تضمنه النقل إذ لا معنى لنقل الأمور الاتفاقية مع عدم ترتب شيء عليها من الأحكام الشرعية، و يمكن استناد ذلك الى علمه (صلى اللّٰه عليه و آله) بوقت تمام الانجلاء فأطال الصلاة على حسب علمه و فرغ بتمام الانجلاء.
بقي هنا شيء و هو ان الحكم باستحباب الإطالة على الوجه المذكور لا يتم إلا مع العلم بذلك أو الظن الحاصل باخبار رصدي أما بدونه فلا، و حينئذ فلا يبعد ان يكون التخفيف في الصلاة أولى وجبت الإعادة أو الجلوس لو فرغ قبل الانجلاء على أحد القولين أو استحبت على القول المشهور حذرا من خروج الوقت قبل الإتمام. كذا قيل و هو مبنى على انه مع خروج الوقت قبل الإتمام يجب القطع و قد بينا سابقا ضعفه و ان الواجب هو الإتمام في الصورة المذكورة. و اللّٰه العالم.
[الموضع] الرابع [استحباب تطويل صلاة الآيات إلا إذا شق على المأمومين]
- ظاهر
قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (4) «و كان يستحب ان يقرأ فيها الكهف و الحجر إلا أن يكون اماما يشق على من خلفه».
استحباب التطويل في الصلاة بقراءة السور الطوال إلا في الجماعة إذا كان يشق ذلك
____________
(1) ص 327.
(2) ص 335.
(3) ص 325.
(4) ص 326.
337
على من خلفه، و بكل من الحكمين صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم).
أما الأول فيدل عليه مضافا الى هذا الخبر ما تقدم من كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه و رواية كتاب دعائم الإسلام و رواية أبي بصير المتقدم ذلك كله (1) و قد دلت رواية أبي بصير المذكورة ايضا على استحباب التطويل في ركوعه مثل قراءته و سجوده مثل ركوعه، و اليه يشير ايضا قوله (عليه السلام)
في كتاب الفقه «و طول في القراءة و الركوع و السجود ما قدرت».
و نحوه في رواية كتاب الدعائم. و ينبغي تقييد ذلك بسعة الوقت كما صرح به بعضهم ايضا.
و أما الثاني فيدل عليه مضافا الى الرواية المذكورة أخبار صلاة الجماعة فإنها استفاضت بالأمر بالتخفيف و الإسراع رعاية لحال المأمومين فإن فيهم الضعيف و صاحب الحاجة و نحوهما (2).
إلا انه
قد روى الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: «انكسفت الشمس على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فصلى بهم حتى كان الرجل ينظر الى الرجل قد ابتلت قدمه من عرقه».
و روى الشيخ في التهذيب بسنده عن القداح عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال: «انكسفت الشمس في زمن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فصلى بالناس ركعتين و طول حتى غشي على بعض القوم ممن كان وراءه من طول القيام».
و ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل العمل بهذين الخبرين حيث قال: باب استحباب اطالة الكسوف بقدره حتى للإمام (5) ثم أورد الخبرين المذكورين و لم يجب عن صحيحة زرارة و محمد بن مسلم بشيء بل لم ينقل منها الموضع المتعلق بهذا الحكم في كتابه بالكلية و انما ذكر منها ما يتعلق بكيفية الصلاة في باب كيفية صلاة الكسوف (6) و هو غفلة منه (طاب ثراه).
____________
(1) ص 327 و 318.
(2) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 9 من صلاة الكسوف.
(4) الوسائل الباب 9 من صلاة الكسوف.
(5) الوسائل الباب 9 من صلاة الكسوف.
(6) ذكرها هناك بتمامها.
338
و بالجملة فالجمع بين الروايات هنا لا يخلو من اشكال سيما مع اعتضاد صحيحة زرارة و محمد بن مسلم باخبار الجماعة المستفيضة بالأمر بالتخفيف و عدم الإطالة رعاية لحال المأمومين، إلا أن يقال باختصاص ذلك بهما (صلوات اللّٰه عليهما) في هذه الصلاة بخصوصها لأجل بسطها على مقدار زمان الكسوف. و فيه ما فيه. و اللّٰه العالم
[الموضع] الخامس [مستحبات صلاة الكسوف]
- انه يستفاد من الأخبار المتقدمة استحباب التكبير عند الرفع من كل ركوع إلا الخامس و العاشر فإنه يقول «سمع اللّٰه لمن حمده» و هذا التكبير من خصوصيات هذه الصلاة، و انه يقنت خمس قنوتات، و الجميع مما لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم).
إلا ان الشهيد في البيان قال انه يجزئ القنوت على الخامس و العاشر و أقله على العاشر. قال في المدارك و لم نقف على مأخذه.
أقول: ان كان مراده انه لم يقف على مأخذه و لو بالنسبة إلى الخامس و العاشر ففيه ما قدمنا نقله عن الصدوق من قوله «و ان لم تقنت إلا في الخامسة و العاشرة فهو جائز لورود الخبر به» و ان أراد من حيث الاكتفاء بالعاشر خاصة فهو كذلك و لعله لمجرد اعتبار كون هذه الصلاة في الحقيقة ركعتين فالقنوت انما هو في الثانية.
و من مستحبات هذه الصلاة أيضا الجهر بالقراءة، قال في المنتهى انه مذهب علمائنا و أكثر العامة (1) و قد تقدم ذلك في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (2)
____________
(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 501 حكى الترمذي عن مالك و الشافعي و احمد و إسحاق الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، و في شرح مسلم للنووي مذهبنا و مذهب مالك و ابى حنيفة و الليث بن سعد و جمهور الفقهاء انه يسر في كسوف الشمس و يجهر في خسوف القمر. و قال أبو يوسف و محمد بن الحسن و احمد و إسحاق يجهر فيهما. و حكى الرافعي عن الصيدلاني مثله عند أبي حنيفة. و قال محمد بن جرير الطبري الجهر و الأسرار سواء قال العيني و ما حكاه النووي عن مالك هو المشهور عنه، و قال ابن العربي روى المصريون عنه انه يسر و روى المدنيون عنه انه يجهر و الجهر عندي أولى.
(2) ص 316.
339
و من مستحباتها ايضا أن يكون بارزا تحت السماء لما في الصحيحة المشار إليها من قوله (عليه السلام)
«فان استطعت أن تكون صلاتك بارزا لا يجنك بيت فافعل».
إلا ان جملة من الأخبار قد دلت على الفزع الى المساجد كما
في صحيح ابى بصير (1) قال: «انكسف القمر و أنا عند ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) في شهر رمضان فوثب و قال انه كان يقال إذا انكسف القمر و الشمس فافزعوا الى مساجدكم».
و في كتاب المجالس بإسناده عن محمد بن عمارة عن أبيه عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «ان الزلازل و الكسوفين و الرياح الهائلة من علامات الساعة فإذا رأيتم شيئا من ذلك فتذكروا قيام الساعة و أفزعوا الى مساجدكم».
و يمكن الجمع بان الفزع الى المساجد لا يستلزم الصلاة تحت سقوف المساجد بل يمكن أن يصلى على سطوح المساجد و في فضائها البارز من غير سقف، هذا إذا كانت مسقفة كما هو الآن صار معمولا و اما على ما هو السنة في المساجد من جعلها مكشوفة فلا اشكال.
و ينبغي أن يعلم ان جملة هذه الأحكام و ان كان موردها صلاة الكسوف إلا ان المفهوم من الأخبار ان صلاة الكسوف هي الصلاة في سائر الآيات فجميع الأحكام المترتبة على صلاة الكسوف تترتب على الصلاة لغير الكسوف من الآيات إلا التطويل فان ظاهر الأخبار اختصاصه بالكسوفين كما مر.
و مما يدل على ان صلاة الآيات هي صلاة الكسوف
صحيحة زرارة و محمد بن مسلم (3) قالا «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) أ رأيت هذه الرياح و الظلم التي تكون هل يصلى لها؟ فقال كل أخاويف السماء من ظلمة أو ريح أو فزع فصل لها صلاة الكسوف حتى تسكن».
و روى في كتاب الدعائم عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) انه قال:
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.
(4) مستدرك الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.
340
«يصلى في الرجفة و الزلزلة و الريح العظيمة و الظلمة و الآية تحدث و ما كان مثل ذلك كما يصلى في صلاة كسوف الشمس و القمر سواء».
و من مستحبات هذه الصلاة أيضا الجماعة، قال في التذكرة انه قول علمائنا اجمع و يدل عليه ما تقدم (1)
في صحيحة الرهط من قوله (عليه السلام) «صلاها رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و الناس خلفه».
و ما تقدم (2) في الموضع الرابع من خبري الصدوق و القداح في صلاة رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و على (عليه السلام) بالناس و قد غشي على بعض القوم و ابتلت اقدامهم من العرق.
و قد تقدمت (3) رواية روح بن عبد الرحيم الدالة على انها تصلى جماعة و غير جماعة.
و نحوها
رواية محمد بن يحيى الساباطي عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن صلاة الكسوف تصلى جماعة أو فرادى؟ قال اى ذلك شئت».
و قد دلت رواية ابن ابى يعفور المتقدمة (5) على تأكد استحباب الجماعة مع الاحتراق.
و قال الصدوقان: إذا احترق القرص كله فصلها في جماعة و ان احترق بعضه فصلها فرادى. و يمكن حمل كلامهما على ما حملت عليه رواية ابن ابى يعفور من تأكد الجماعة مع الاحتراق و عدمه مع العدم.
قال في الذكرى: انهما ان أرادا نفى تأكد الاستحباب مع احتراق البعض فمرحبا بالوفاق، و ان أرادا نفى استحباب الجماعة و ترجيح الفرادى طولبا بدليل المنع و صرح الشهيد في البيان بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل في هذه الصلاة و بالعكس كاليومية. قال في المدارك و مثله في الذخيرة: و هو حسن.
____________
(1) ص 325.
(2) ص 347.
(3) ص 330.
(4) الوسائل الباب 12 من صلاة الكسوف.
(5) ص 330.
341
أقول: الظاهر ان مرادهم اجراء حكم اليومية في ما لو صليت فرادى فإنه يستحب إعادتها جماعة لو وجدت الجماعة إماما كان أو مأموما في هذه الصلاة، فإنها هي الصورة التي يمكن فيها اقتداء المفترض بالمتنفل و بالعكس.
و أنت خبير بأنه مع قطع النظر عن القاعدة المشهورة في كلامهم- من ان إطلاق الأخبار انما ينصرف الى الافراد المتكثرة المتكررة دون النادرة، و صلاة الآيات بالنسبة إلى الصلاة اليومية من هذا القبيل- فإن لقائل أن يقول ان جملة من اخبار تلك المسألة ظاهرة في اليومية بخصوصها مثل
صحيحة سليمان بن خالد (1) قال:
«سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد و افتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلى إذ أذن المؤذن و أقام الصلاة قال فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام.
الحديث».
و في جملة من تلك الأخبار «تقام الصلاة» و «أقيمت الصلاة» و الإقامة انما تكون في اليومية. و بالجملة فسياق أكثر تلك الأخبار ظاهر في اليومية و حمل ما أطلق على الباقي ممكن، و به يظهر ان دعوى شمولها لهذه الصلاة لا يخلو من اشكال.
تفريع لو أدرك المأموم الإمام قبل الركوع الأول أو في أثنائه
أدرك الركعة بغير إشكال.
إنما الإشكال في ما لو لم يدركه حتى رفع رأسه من الركوع الأول، و الذي صرح به جمع من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر و العلامة في جملة من كتبه و الشهيد في الذكرى هو فوات تلك الركعة المشتملة على الركوعات الخمسة فلا يجوز له الدخول فيها بل يصبر الى ان يسجد و يقوم و يدخل معه في أول قيامه، و الوجه في ذلك هو لزوم أحد محذورين مع الدخول بعد فوات الركوع الأول، و هو إما تخلف المأموم عن الامام ان تدارك الركوع بعد سجود الامام و اما تحمل الامام الركوع ان رفض الركوع و سجد بسجود الإمام.
____________
(1) الوسائل الباب 56 من صلاة الجماعة. و هي أجنبية عن المورد.
342
و نقل عن العلامة انه احتمل في التذكرة جواز الدخول معه في هذه الحالة فإذا سجد الامام لم يسجد هو بل ينتظر الإمام الى أن يقوم فإذا ركع الإمام أول الثانية ركع معه عن ركعات الأولى فإذا انتهى الى الخامس بالنسبة إليه سجد ثم لحق بالإمام و يتم الركعات قبل سجود الثانية.
قال في المدارك: و يشكل بان فيه تخلف المأموم عن الإمام في ركن و هو السجدتان من غير ضرورة و لا دليل على جوازه.
أقول: لا يخفى على من تأمل كلامهم ما وقع لهم فيه من النقض و الإبرام و ما هو عليه من الاختلاف و التناقض الظاهر لذوي الأفهام.
و التحقيق ان الكلام في هذه المسألة و جواز الدخول في الصورة المفروضة و عدمه مبنى على مسألة أخرى و هو انه هل يجوز للمأموم التخلف عن الامام لغير عذر بركن أو ركنين أم لا يجوز ذلك؟ و الذي صرح به جملة منهم في باب صلاة الجماعة هو الجواز.
و ممن صرح بذلك الشهيد في الذكرى حيث قال: و لا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن و لا أكثر عندنا، و في التذكرة توقف في بطلان القدوة بالتأخير بركن، و المروي بقاء القدوة
رواه عبد الرحمن عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) في من لم يركع ساهيا حتى انحط الامام للسجود انه يركع و يلحق به.
انتهى و مثل ذلك كلامه في الدروس. و ظاهر قوله «عندنا» مؤذن بدعوى الاتفاق على الحكم المذكور.
و قال المحقق الشيخ على في رسالته الجعفرية: و لو تخلف المأموم بركن أو أكثر لم تنقطع القدوة. و قال الشارح الجواد- في شرح الرسالة المذكورة تعليلا للحكم المذكور- ما لفظه: لثبوتها و ان زوالها بعد ذلك يحتاج الى دليل و الأصل عدمه و لرواية عبد الرحمن. ثم ساق الرواية المذكورة ثم نقل التوقف عن العلامة في التذكرة و استبعده بناء على ما ذكره من الدليل.
____________
(1) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.
343
و أنت خبير بأنه يأتي على ما ذكره هؤلاء ان المأموم يجوز له الدخول في صلاة الكسوف بعد مضى ركوع بل ركوعين أو أكثر ثم يتابع الامام حتى إذا سجد الإمام أتم ما بقي عليه من الركوعات و ان فاتته المتابعة في السجود ثم يلتحق به في الركعة الثانية بعد السجود، و كذا يفعل في الركعة الثانية إذا فاته شيء من ركوعاتها.
و السيد السند في المدارك لما كان مذهبه عدم جواز التخلف عن الامام بركن منع هنا من الدخول فيها في الصورة المذكورة إلا انه انما علل ذلك بعدم الدليل على جواز التخلف، و للخصم ان يقابله بأن الأصل الجواز و عدم الإبطال بالتخلف حتى يقوم دليل على خلافه كما سمعت من كلام الشارح الجواد في شرح الرسالة.
و الأظهر عندي في المسألة المفرع عليها هو وجوب المتابعة و عدم جواز التخلف بركن لغير عذر فضلا عن الأكثر.
(أما أولا)- فلان الرواية التي استندوا إليها موردها العذر و هو سهو المأموم و هذا غير محل النزاع، فالاستناد إليها في عموم الحكم لا يخلو من مجازفة.
و (اما ثانيا)- فإن صحيحة زرارة- (1) الواردة في حكم المسبوق و انه يقرأ في كل ركعة مما أدرك بأم الكتاب و سورة فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب، و صحيحة معاوية بن وهب (2) في من أدرك الإمام في آخر صلاته و هي أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ هل يقضى القراءة في آخر صلاته؟ قال نعم- تمنع ما ذكروه فإنهما ظاهرتان في وجوب المتابعة و عدم جواز التخلف عن الركوع و ان كان للاشتغال بواجب كالقراءة المفروضة فيهما، فان الاجتزاء بأم الكتاب كما تضمنته الرواية الأولى و عدم إمهال الإمام كما تضمنته الثانية انما هو لخوف رفع الإمام رأسه من الركوع قبل إتمام القراءة و الدخول معه في الركوع، و الثانية قد تضمنت انه يترك القراءة بالكلية و يقضيها في آخر الصلاة محافظة على ادراك الركوع معه، و حينئذ فإذا امتنع التخلف و ان كان لأجل الاشتغال بواجب
____________
(1) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
344
فكيف يجوز ذلك مطلقا كما ادعوه؟ و بذلك يظهر ان ما ذكروه لا يخلو من غفلة عن إعطاء التأمل حقه في ملاحظة الأدلة.
و (أما ثالثا) فان شيخنا الشهيد قد خالف قوله و ناقض نفسه في ما قدمنا نقله عنه مما ظاهره دعوى الإجماع عليه كما أشرنا إليه آنفا في باب الجماعة بما ذكره هنا في صلاة الآيات، حيث صرح بالمنع من الدخول تبعا للفاضلين كما قدمنا ذكره في الصورة المفروضة حذرا من لزوم التخلف عن الامام بركن أو أكثر، فقال بعد ذكر صورة المسألة ما ملخصه: فان قلنا بالمتابعة فالأصح عدم سلامة الاقتداء لاستلزامه محذورين اما التخلف عن الإمام أو تحمل الامام الركوع، لأنه ان اتى بما بقي عليه قبل أن يسجد مع الامام لزم المحذور الأول، و ان رفض الركوعات و سجد بسجود الامام لزم الثاني. الى ان قال (فان قيل) لم لا يأتي المأموم بما بقي عليه ثم يسجد ثم يلحق الإمام في ما بقي من الركوعات؟ و ليس في هذا الا تخلف عن الامام لعارض و هو غير قادح في الاقتداء لما سيأتي (قلنا) ان من قال ان التخلف عن الامام يقدح فيه فوات الركن فعلى مذهبه لا يتم هذا و من اغتفر ذلك فإنما يكون عند الضرورة كالمزاحمة و لا ضرورة هنا فحينئذ يستأنف المأموم النية. إلى آخر كلامه فانظر الى صراحته في المخالفة لما قدمنا نقله عنه من كلامه في باب الجماعة الدال على جواز التخلف بركن أو أكثر و ان كان لا لعذر، و قوله هنا ان التخلف بركن منحصر في قولين اما الجواز مع الضرورة أو البطلان.
و أشار بالمزاحمة الى
ما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن (1) «في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الإمام ألجأه الناس الى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على أن يركع و لا أن يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أ يركع ثم يسجد ثم
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. و اللفظ في الفقيه ج 1 ص 270 هكذا «أ يركع ثم يسجد و يلحق بالصف و قد قام القوم أم كيف يصنع؟ فقال يركع و يسجد ثم يقوم في الصف و لا بأس بذلك».
345
يقوم في الصف؟ قال لا بأس».
و هذه كما ترى مثل صحيحته المتقدمة في ان موردها العذر و بما أوضحناه في المقام و كشفنا عنه نقاب الإبهام بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعلام ظهر انه لا يجوز الدخول مع الامام بعد فوات شيء من الركوعات في الركعة الأولى خوفا من الوقوع في المحذور المذكور بل يصبر الى أن يسجد و يقوم للركعة الثانية. و لو أدركه كذلك في الثانية لم يدخل معه و عدل الى الانفراد. و اللّٰه العالم.
البحث الثالث- في الأحكام و ما يتبعها في المقام
، أقول: قد قدمنا أكثر الأحكام في البحثين المتقدمين و بقي الكلام في ما يتعلق بهذه الصلاة في مواضع:
[الموضع] الأول [إذا حصل الكسوف في وقت فريضة و اتسع الوقتان]
- قد صرح الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) بأنه إذا حصل الكسوف في وقت فريضة حاضرة، فان تضيق وقت إحداهما تعينت للأداء إجماعا ثم يصلى بعدها ما اتسع وقتها، و ان تضيقا معا قدمت الحاضرة، قالوا لأنها أهم في نظر الشارع، و قال في الذكرى انه لا خلاف فيه، و ان اتسع الوقتان فالمشهور انه مخير في الإتيان بأيهما شاء.
و قال في من لا يحضره الفقيه: لا يجوز ان يصليها في وقت فريضة حتى يصلى الفريضة، و إذا كان في صلاة الكسوف و دخل عليه وقت الفريضة فليقطعها و ليصل الفريضة ثم يبنى على ما فعل من صلاة الكسوف. انتهى.
و هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية حيث قال: ان بدأ بصلاة الكسوف و دخل عليه وقت الفريضة قطعها و صلى الفريضة ثم رجع و تمم صلاته. و مثله في المبسوط إلا انه قال فيه باستئناف صلاة الكسوف، كذا نقله في المختلف، و نقل هذا القول فيه عن ابني بابويه و ابن البراج.
و اختار في المدارك القول المشهور قال: لنا انهما واجبان اجتمعا و وقتهما موسع فيتخير المكلف بينهما. و لنا ايضا ان فيه جمعا بين ما تضمن الأمر بتقديم
346
الفريضة الحاضرة
كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة فقال ابدأ بالفريضة».
و بين ما تضمن الأمر بتقديم الكسوف
كصحيحة محمد بن مسلم و بريد بن معاوية عن ابى جعفر و ابى عبد اللّٰه (عليهما السلام) (2) قالا: «إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات صليتها ما لم تتخوف ان يذهب وقت الفريضة فإن تخوفت فابدأ بالفريضة و اقطع ما كنت فيه من صلاة الكسوف فإذا فرغت من الفريضة فارجع الى حيث كنت قطعت و احتسب بما مضى».
انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما قدمناه من عبارة الصدوق في من لا يحضره الفقيه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي و ان كان بأدنى تغيير في اللفظ
حيث قال (عليه السلام) (3) «و لا تصلها في وقت الفريضة حتى تصلى الفريضة فإذا كنت فيها و دخل عليك وقت الفريضة فاقطعها و صل الفريضة ثم ابن على ما صليت من صلاة الكسوف».
و من ذلك يعلم ان مستند الصدوق و كذا أبوه في الرسالة انما هو الكتاب المذكور على ما عرفت سابقا و ستعرف أمثاله لاحقا ان شاء اللّٰه تعالى.
و من اخبار المسألة زيادة على ما ذكرنا قوله في صحيحة محمد بن مسلم المتقدم نقلها عن صاحب المدارك تتمة لما ذكره منها: «فقيل له في وقت صلاة الليل فقال صل صلاة الكسوف قبل صلاة الليل».
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن صلاة الكسوف قبل أن تغيب الشمس و نخشى فوت الفريضة فقال اقطعوها و صلوا الفريضة و عودوا الى صلاتكم».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (5) قال: «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) جعلت فداك ربما ابتلينا بالكسوف بعد المغرب قبل العشاء الآخرة فإن صلينا الكسوف
____________
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.
(3) ص 12.
(4) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.
(5) الوسائل الباب 5 من صلاة الكسوف.
347
خشينا ان تفوتنا الفريضة؟ فقال إذا خشيت ذلك فاقطع صلاتك و اقض فريضتك ثم عد فيها. قلت فإذا كان الكسوف آخر الليل فصلينا صلاة الكسوف فأتتنا صلاة الليل فبأيتهما نبدأ؟ فقال صل صلاة الكسوف و اقض صلاة الليل حين تصبح».
و قال في كتاب دعائم الإسلام: و عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) انه قال: «في من وقف في صلاة الكسوف حتى دخل عليه وقت الصلاة؟ قال يؤخرها و يمضى في صلاة الكسوف حتى يصير الى آخر الوقت فان خاف فوت الوقت قطعها و صلى الفريضة. و كذلك إذا انكسفت الشمس أو انكسف القمر في وقت صلاة الفريضة بدأ بصلاة الفريضة قبل صلاة الكسوف».
أقول: و يستنبط من هذه الأخبار أحكام: منها- انه لا يخفى ان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم الأولى هو وجوب تقديم الفريضة في حال سعة الوقت، و كذا ظاهر كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي حيث نهى أولا عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة و أوجب قطعها متى دخل عليه وقت الفريضة و هو فيها و ان يصلى الفريضة أولا و هو عين مذهب الصدوق كما علمت، و ظاهر صحيحة محمد بن مسلم و بريد بن معاوية هو تقديم صلاة الكسوف في حال سعة الوقتين الى ان يتضيق وقت الحاضرة.
و العجب ان الصدوق قد نقل هذه الصحيحة في كتابه ثم عقبها بهذه الفتوى و وجه التدافع بينهما ظاهر، و لم يجب عن الرواية المذكورة بشيء مع ظهورها في خلاف ما افتى به.
و لهذا ان صاحب المدارك اعترضه في هذا المقام فقال بعد نقل كلامه:
و مقتضاه جواز القطع بل وجوبه إذا دخل وقت الفريضة و هو بعيد جدا، فإن الرواية التي أوردها في كتابه في هذا المعنى عن بريد و محمد بن مسلم صريحة في الأمر بصلاة الكسوف ما لم يتخوف ان يذهب وقت الفريضة، و إذا جاز ابتداء صلاة
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 4 من صلاة الكسوف.
348
الكسوف و الحال هذه فلا وجه لوجوب قطعها بدخول الوقت بل و لا لجوازه.
أقول: قد عرفت ان مستند الصدوق (قدس سره) في هذه الفتوى انما هو كتاب الفقه الرضوي، نعم جمعه في كتابه بين هذه الفتوى و هذه الرواية مع ما عرفت لا يخلو من مدافعة لما قرره في صدر كتابه من القاعدة.
و يخطر بالبال العليل و الفكر الكليل في الجمع بين هذه الأخبار على وجه تندفع به هذه المناقضة عن الصدوق (قدس سره) و يزول به التنافي بين اخبار المقام ان يقال لا ريب في دلالة صحيحة محمد بن مسلم و عبارة كتاب الفقه الرضوي على ما ذهب اليه الصدوق من وجوب تقديم الحاضرة في حال السعة، و اما صحيحة محمد بن مسلم الأخيرة و صحيحة أبي أيوب فظاهرهما انه مع خوف فوات فضيلة أول الوقت يقطع صلاة الكسوف لو شرع فيها و يبدأ بالفريضة، و هو ظاهر في تأييد ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم الأولى و عبارة كتاب الفقه الرضوي.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد إيراد هذين الخبرين الأخيرين أعني خبري محمد بن مسلم و ابى أيوب: و لعل الجماعة يتمسكون بهاتين الروايتين على التقديم مع السعة و على القطع مع دخول الوقت و البناء، و هما صحيحتان إلا ان دلالتهما على ذلك غير صريحة. انتهى.
أقول: بل متمسك الجماعة خصوصا الصدوقين (قدس سرهما) انما هو عبارة كتاب الفقه الصريحة بل هي عين عبارة الصدوقين كما عرفت.
و كيف كان فان كلا منهما مؤذن بما ذكرنا من التأييد و ان لم تكونا صريحتين في الحكم المذكور إلا ان رواية محمد بن مسلم الأولى و عبارة كتاب الفقه صريحتان في ذلك، و حينئذ فلم يبق في المقام إلا صحيحة محمد بن مسلم و بريد لانحصار المخالفة ظاهرا فيها، و تطبيقها على هذه الأخبار ممكن بحمل وقت الفريضة فيها على وقت الفضيلة كما صرحت به صحيحته الثانية و صحيحة أبي أيوب جمعا بين الأخبار، و وجهه ما قدمنا بيانه و شيدنا أركانه و بنيانه في مبحث الأوقات من إطلاق الوقت
349
في كثير من الأخبار على وقت الفضيلة خاصة لا ما يشمل وقت الإجزاء.
و بالجملة فإن عبارة كتاب الفقه الرضوي قد صرحت بالنهي عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة حتى يصلى الفريضة و النهى حقيقة في التحريم، و صحيحة محمد بن مسلم الأولى قد صرحت بالأمر بالبدأة بالفريضة في الصورة المذكورة و الأمر حقيقة في الوجوب، و أيد ذلك الصحيحتان الأخريان لدلالتهما على قطع صلاة الكسوف محافظة على تحصيل فضيلة أول الوقت بلفظ الأمر الظاهر في الوجوب، فحمل هذه الصحيحة الباقية على ما ذكرنا لتجتمع به مع باقي أخبار المسألة على معنى واحد ليس ببعيد بل هو أقرب قريب، و الاستبعاد في ذلك ان حصل فإنما هو من حيث الالف بالمشهورات و إلا فما ذكرنا في مقام الجمع بين الأخبار شائع ذائع في كلامهم. و به يظهر قوة ما ذهب اليه الصدوق و من حذا حذوه في المقام و تزول عنه غشاوة الإشكال و الإبهام.
و منها- ان ما تضمنته صحيحة محمد بن مسلم الأولى من الأمر بتقديم صلاة الكسوف على صلاة الليل فهو مما لا خلاف فيه، قال في المنتهى انه قول علمائنا أجمع. و يدل عليه زيادة على هذه الصحيحة صحيحته الأخرى مع بريد بن معاوية المتقدمة أيضا. و في معنى صلاة الليل غيرها من النوافل المرتبة.
قال في الذكرى: لو كانت صلاة الليل منذورة فكالفريضة الحاضرة في التفصيل السالف، و هل ينسحب فيها قول البناء و كذا في كل صلاة منذورة تزاحم صلاة الكسوف؟ الظاهر لا اقتصارا على موضع النص مع المخالفة للأصل. انتهى.
أقول: لا يخفى ان لفظ الفريضة في أخبار الكسوف المتقدمة انما ينصرف إلى اليومية إذ هي المتبادرة من الإطلاق لا كل واجب، و حينئذ فكون صلاة الليل المنذورة أو غيرها من الصلوات المنذورة كالفريضة الحاضرة محل اشكال كما لا يخفى لعدم الدليل في المقام زيادة على الأخبار المذكورة التي قد عرفت اختصاصها باليومية و منها- انه مع القطع و الرجوع الى صلاة الفريضة فهل يبنى على ما قطع
350
و يتم ما مضى من صلاة الكسوف أو يعيد صلاة الكسوف من رأس؟ قولان المشهور الأول و عليه تدل الأخبار المتقدمة كصحيحة محمد بن مسلم و بريد و صحيحة محمد بن مسلم الثانية و صحيحة أبي أيوب و عبارة كتاب الفقه الرضوي (1).
و ذهب الشيخ في المبسوط الى ان من قطع صلاة الكسوف لخوف فوات الفريضة وجب عليه استئنافها من رأس، و اختاره في الذكرى قال لأن البناء بعد تخلل الصلاة الأجنبية لم يعهد من الشارع تجويزه في غير هذا الموضع. و الاعتذار- بان الفعل الكثير مغتفر هنا لعدم منافاته للصلاة- بعيد فانا لم نبطلها بالفعل الكثير بل بحكم الشارع بالإبطال و الشروع في الحاضرة فإذا فرع منها فقد اتى بما يخل بنظم صلاة الكسوف فيجب إعادتها من رأس تحصيلا ليقين البراءة. انتهى.
و ظاهر المحقق في المعتبر التردد في ذلك، و هو اجتهاد محض في مقابلة النصوص و هو غير جيد سيما منهما على الخصوص.
و فيه زيادة على ما قلناه انه قد تقدم في المسألة الثالثة من المطلب الثاني في السهو من كتاب الصلاة (2) رواية عبد اللّٰه بن جعفر الحميري عن الناحية المقدسة الصاحبية على صاحبها أفضل الصلاة و السلام و التحية «انه سأله عن رجل صلى الظهر و دخل في صلاة العصر فلما ان صلى من صلاته العصر ركعتين استيقن انه صلى الظهر ركعتين كيف يصنع؟ فأجاب (عليه السلام) ان كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاتين أعاد الصلاتين، و ان لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخيرتين تتمة لصلاة الظهر و صلى العصر بعد ذلك» و قد قدمنا في المسألة المذكورة ان جمعا من الأصحاب ذهبوا الى القول بمضمون الخبر المذكور و منهم الشهيد و كذلك الشهيد الثاني (عطر اللّٰه مرقديهما).
و أنت خبير بان ما أورده في هذا المقام جار في العمل بمضمون هذا الخبر بل العمل بمضمون هذا الخبر أشكل و الأمر فيه أشد و أعضل، فإن القطع و البناء في
____________
(1) ص 346.
(2) ج 9 ص 122.
351
صلاة الكسوف في الصورة المذكورة مستند الى الأخبار الصحيحة الصريحة السالمة عن المعارض، و العمل بهذا الخبر- مع استلزامه لتخلل الركعتين المشتملتين على عدة من الأركان المتفق على إبطالها الصلاة عمدا و سهوا من النية و تكبيرة الإحرام و الركوع و السجود- معارض بالأخبار الكثيرة الدالة على ان الحكم في مثل ذلك انما هو النقل الى الظهر بأن ينوي بالركعتين الأوليين الظهر و يتم الركعتين الباقيتين بهذه النية ثم يصلى العصر، و لم يعهد من الشارع اغتفار زيادة هذه الأركان المتعددة في أثناء الصلاة الواحدة.
و بالجملة فإنه لا مستمسك لما ذكره إلا مجرد الاستبعاد و هو مردود بهذه الرواية التي ذهب هو نفسه الى القول بمضمونها، و لا فرق بين الصورتين إلا ان الشارع حكم في تلك الصورة بالإبطال ثم العود و في هذه الصورة الإبطال أيضا متحقق في ما اتى به من الظهر ركعتين إذ لا خلاف و لا إشكال في بطلانهما، مع انه (عليه السلام) جوز إتمامها بما بقي عليه من ركعتي العصر التي ذكر النقصان في أثنائها، فمرجع الصورتين إلى أمر واحد كما لا يخفى. و اللّٰه العالم.
و منها- ان ما دلت عليه رواية كتاب الدعائم- من ان من وقف في صلاة الكسوف حتى دخل عليه وقت صلاة فإنه يتم صلاة الكسوف أولا الى ان يضيق وقت الفريضة- و ان وافق كلام جمهور الأصحاب و صحيحة محمد بن مسلم و بريد المتقدمة إلا انه خلاف ظاهر باقي أخبار المسألة، و التأويل الذي ذكرناه في صحيحة محمد بن مسلم و بريد بعيد في هذه الرواية، و كيف كان فهي لا تبلغ قوة في معارضة ما ذكرناه من الأخبار مع ما عرفت آنفا من عدم صلوح اخبار هذا الكتاب لتأسيس الأحكام و ان صلحت للتأييد.
الموضع الثاني [لو اشتغل بالحاضرة مع ضيق وقتها فانجلى الكسوف]
- قال في المعتبر: لو اشتغل بالحاضرة مع ضيق وقتها فانجلى الكسوف و لم يحصل تفريط فالأشبه انه لا قضاء لعدم استقرار الوجوب. انتهى أقول: الظاهر ان مراده انه لو وقع تأخير الفريضة إلى آخر وقتها و اتفق
352
الكسوف في ذلك الوقت و انجلى مدة اشتغاله بالفريضة، فإن كان تأخير الفريضة إلى آخر وقتها لم ينشأ من تفريط و اعمال في تأخيرها بل كان ذلك لعذر شرعي من حيض أو إغماء أو جنون أو نحو ذلك من الأعذار فلا قضاء لصلاة الكسوف لعدم استقرار الوجوب، و ان كان عن تفريط فالأشبه القضاء لاستناد الفوات الى تفريطه بتأخير الفريضة إلى آخر وقتها.
و فيه أنه يمكن ان يقال ان التأخير الى ذلك الوقت كان مباحا له ثم تعين عليه بسبب التضيق و لزم من ذلك الفوات، فهو في هذه الحال غير متمكن من فعل الكسوف فلا يجب الأداء لعدم التمكن و لا القضاء لعدم الاستقرار، لأنه لم يمض عليه بعد وقوع الكسوف زمان يمكن الأداء فيه ليحصل به استقرار الوجوب.
و تؤيده الأخبار المتقدمة الدالة على انه بعد زوال السبب فلا قضاء مثل
رواية الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن صلاة الكسوف تقضى إذا فأتتنا؟ قال ليس فيها قضاء».
و نحوها صحيحة البزنطي المنقولة في السرائر و رواية كتاب دعائم الإسلام المتقدم جميعه في المقام الثالث من المسألة الخامسة من البحث الأول (2) و نحوها صحيحة على بن جعفر المتقدمة في المقام الثاني (3).
إلا انه قد تقدم حمل هذه الروايات على صورة الجهل بالكسوف و عدم استيعاب الاحتراق جمعا بينها و بين ما دل على الأمر بالقضاء.
و كيف كان فالقضاء هو الأحوط سيما مع ما قدمناه من حمل الأخبار على السببية دون التوقيت.
[الموضع] الثالث [لو اجتمعت صلاة الآيات و صلاة العيد]
- قال في الذكرى: لو جامعت صلاة العيد بان تجب بسبب الآيات المطلقة أو بالكسوفين نظرا الى قدرة اللّٰه تعالى و ان لم يكن معتادا، على انه قد اشتهر ان الشمس كسفت يوم عاشوراء لما قتل الحسين (عليه السلام) كسفة بدت الكواكب نصف
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الكسوف.
(2) ص 323.
(3) ص 319.
353
النهار فيها، رواه البيهقي و غيره (1) و قد قدمنا (2) ان الشمس كسفت يوم مات إبراهيم ابن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و روى الزبير بن بكار في كتاب الأنساب أنه توفي في العاشر من شهر ربيع الأول (3) و روى الأصحاب ان من علامات المهدى (عليه السلام) كسوف الشمس في النصف الأول من شهر رمضان (4) فحينئذ إذا اجتمع الكسوف و العيد فان كانت صلاة العيد نافلة قدم الكسوف و ان كانت فريضة فكما مر من التفصيل في الفرائض، نعم تقدم على خطبة العيدين ان قلنا باستحبابها كما هو المشهور. انتهى
[الموضع] الرابع
- قال في الذكرى ايضا: هل يشترط في وجوب صلاة الكسوف اتساع الوقت لجميعها أم يكفي ركعة بسجدتيها أم يكفي مسمى الركوع لأنه يسمى ركعة لغة و شرعا في هذه الصلاة أم لا؟ احتمالات، من تغليب السبب فلا يشترط شيء من ذلك فتكون كالزلزلة. إلا ان هذا الاحتمال مرفوض بين الأصحاب، و من إجرائها مجرى اليومية فتعتبر الركعة، و من خروج اليومية بالنص فلا يتعدى الى غيرها. انتهى أقول: لا يخفى ان الاحتمال الأخير و ان كان مرفوضا بين الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) إلا انه هو الظاهر من إطلاق أخبار الباب كما تقدم نبذة من الكلام فيه في المسألة الثالثة من البحث الأول (5).
[الموضع] الخامس [لو اجتمعت آيتان فصاعدا في وقت واحد]
- قال في الذكرى ايضا: لو اجتمعت آيتان فصاعدا في وقت واحد كالكسوف و الزلزلة و الريح المظلمة فإن اتسع الوقت للجميع تخير في التقديم، و يمكن وجوب تقديم الكسوف على الآيات لشك بعض الأصحاب في وجوبها،
____________
(1) في مجمع الزوائد ج 9 ص 197 «لما قتل الحسين بن على (ع) انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار و ظننا انها هي».
(2) تقدم ص 301.
(3) في عمدة القارئ ج 3 ص 472 «كانت وفاة إبراهيم (ع) يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الأول سنة 10 و دفن بالبقيع» و في المواهب اللدنية كما في شرحها للزرقانى ج 3 ص 212 نحوه.
(4) البحار ج 13 ص 161 و 162.
(5) ص 308.
354
و تقديم الزلزلة على الباقي لأن دليل وجوبها أقوى. و لو اتسع لصلاتين فصاعدا و كانت الصلوات أكثر مما يتسع له احتمل قويا هنا تقديم الكسوف ثم الزلزلة ثم يتخير في باقي الآيات، و لا يقضى ما لا يتسع له إلا على احتمال عدم اشتراط سعة الوقت للصلاة في الآيات. و لو وسع واحدة لا غير فالأقرب تقديم الكسوف للإجماع عليه، و في وجوب صلاة الزلزلة هنا أداء و قضاء وجهان، و على قول الأصحاب بأن اتساع الوقت ليس بشرط يصليها من بعد قطعا. و كذا الكلام في باقي الآيات. انتهى.
فائدة بها التمام و الختام [منشأ الآيات]
قال في من لا يحضره الفقيه في العلل التي ذكرها الفضل بن شاذان النيسابوري عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «انما جعلت للكسوف صلاة لأنه من آيات اللّٰه تعالى لا يدرى أ لرحمة ظهرت أم لعذاب؟ فأحب النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان تفزع أمته إلى خالقها و راحمها عند ذلك ليصرف عنهم شرها و يقيهم مكروهها كما صرف عن قوم يونس (عليه السلام) حين تضرعوا الى اللّٰه عز و جل، و انما جعلت عشر ركعات لأن أصل الصلاة التي نزل فرضها من السماء أولا في اليوم و الليلة انما هي عشر ركعات فجمعت تلك الركعات ههنا، و انما جعل فيها السجود لانه لا تكون صلاة فيها ركوع إلا و فيها سجود و لان يختموا صلاتهم ايضا بالسجود و الخضوع، و انما جعلت أربع سجدات لان كل صلاة نقص سجودها من اربع سجدات لا تكون صلاة، لأن أقل الفرض من السجود في الصلاة لا يكون إلا أربع سجدات، و انما لم يجعل بدل الركوع سجود لأن الصلاة قائما أفضل من الصلاة قاعدا، و لأن القائم يرى الكسوف و الأعلى و الساجد لا يرى، و انما غيرت عن أصل الصلاة التي افترضها اللّٰه لأنها تصلى لعلة تغير أمر من الأمور و هو الكسوف فلما تغيرت العلة تغير المعلول».
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 342 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الكسوف.
355
و روى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه و الشيخ على بن إبراهيم في تفسيره (1) بأسانيدهم عن على بن الحسين (عليه السلام) قال: «ان من الأوقات التي قدرها اللّٰه للناس مما يحتاجون اليه البحر الذي خلقه اللّٰه بين السماء و الأرض، قال و ان اللّٰه قد قدر فيها مجاري الشمس و القمر و النجوم و الكواكب و قدر ذلك كله على الفلك ثم وكل بالفلك ملكا معه سبعون الف ملك فهم يديرون الفلك فإذا أداروه دارت الشمس و القمر و النجوم و الكواكب معه فنزلت في منازلها التي قدرها اللّٰه تعالى فيها ليومها و ليلتها، فإذا كثرت ذنوب العباد و أراد اللّٰه ان يستعتبهم بآية من آياته أمر الملك الموكل بالفلك أن يزيل الفلك الذي عليه مجاري الشمس و القمر و النجوم و الكواكب فيأمر الملك أولئك السبعين الف ملك أن يزيلوه عن مجاريه فيزيلونه فتصير الشمس في ذلك البحر الذي يجري في الفلك، قال فيطمس ضوؤها و يتغير لونها، فإذا أراد اللّٰه أن يعظم الآية طمس الشمس في البحر على ما يحب اللّٰه ان يخوف خلقه بالآية قال و ذلك عند انكساف الشمس، قال و كذلك يفعل بالقمر، قال فإذا أراد اللّٰه ان يجليها أو يردها الى مجراها أمر الملك الموكل بالفلك ان يرد الفلك الى مجراه فيرد الفلك فترجع الشمس الى مجراها، قال فتخرج من الماء و هي كدرة، قال و القمر مثل ذلك، قال ثم قال على بن الحسين (عليه السلام) اما انه لا يفزع لهما و لا يرهب بهاتين الآيتين إلا من كان من شيعتنا، فإذا كان كذلك فافزعوا الى اللّٰه تعالى ثم ارجعوا اليه».
و لصاحب الوافي هنا كلام بعد ذكر هذا الخبر في كتاب الروضة يجرى على مذاقه و مذاق أمثاله من أراده فليراجعه.
و للّٰه در شيخنا المجلسي (قدس سره) حيث أشار إليه معرضا عنه بقوله في كتاب البحار: و ربما يأول البحر بكل الأرض و القمر و الأحوط في أمثاله ترك
____________
(1) الروضة ص 83 و الفقيه ج 1 ص 340 و فيه «الآيات» بدل «الأوقات» و في الروضة «الأقوات» و في الوسائل الباب 1 رقم 4 من صلاة الكسوف.
356
الخوض فيها و عدم إنكارها ورد علمها إليهم (عليهم السلام) كما ورد ذلك في اخبار كثيرة. انتهى.
و قال الصدوق في الفقيه بعد نقل خبر على بن الحسين (عليه السلام): ان الذي يخبر به المنجمون من الكسوف فيتفق كما يذكرونه ليس من هذا الكسوف في شيء و انما يجب الفزع الى المساجد و الصلاة عند رؤيته لأنه مثله في المنظر و شبيه له في المشاهدة كما ان الكسوف الواقع مما ذكره سيد العابدين (عليه السلام) انما وجب الفزع فيه الى المساجد و الصلاة لأنه آية تشبه آيات الساعة، و كذلك الزلازل و الرياح و الظلم و هي آيات تشبه آيات الساعة فأمرنا بتذكر القيامة عند مشاهدتها و الرجوع الى اللّٰه تعالى ذكره. انتهى.
قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل ذلك عنه: و ما ذكره متين إذا رئي وقوع الكسوفين غير الوقت الذي يمكن وقوعهما عند المنجمين كالكسوف و الخسوف في يوم شهادة الحسين (عليه السلام) و ليلته، و ما روى انه يقع عند ظهور القائم (عليه السلام) من الكسوفين في غير أوانهما (1) و يحتمل ايضا أن يتفق عند ما يخبره المنجمون ما ورد في الخبر.
و نحوه قول والده (طاب ثراه) في حاشيته على الفقيه حيث قال: يحتمل ان يكون غيره كما يقع في بعض الأوقات على خلاف قول المنجمين و شاهدناه مرارا.
و يحتمل أن يكون ما ذكره (عليه السلام) هو ما ذكره المنجمون، و لا استبعاد في أن يقدر اللّٰه حركتهما بحيث تصير الشمس تجتمع مع القمر محاذاة و القمر مع الأرض و يحصل الكسوف و الخسوف ليخاف العباد و يرجعوا الى ربهم و يتذكروا بها آيات الساعة كما قال اللّٰه تعالى «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ» (2) انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من مشاهدة الكسوف و الخسوف مرارا على خلاف قول المنجمين لا يخلو من غرابة فإنه لم ينقل مثل ذلك إلا في مقام
____________
(1) ارجع الى التعليقة 1 و 4 ص 353.
(2) سورة التكوير الآية 2 و 3.
357
المعاجز الغريبة كشهادة الحسين (عليه السلام) (1) و قيام القائم (عليه السلام) (2) و نحوهما كما وقع في كلام ابنه و تقدم في كلام الشهيد في الذكرى. و اللّٰه العالم.
و روى في الكافي عن عبد الصمد بن بشير عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) قال «ان الحوت الذي يحمل الأرض أسر في نفسه انه انما يحمل الأرض بقوته فأرسل اللّٰه اليه حوتا أصغر من شبر و أكبر من فتر (4) فدخل في خياشيمه فصعق فمكث بذلك أربعين يوما ثم ان اللّٰه تعالى رؤف به و رحمه و خرج، فإذا أراد اللّٰه تعالى بأرض زلزلة بعث ذلك الحوت الى ذلك الحوت فإذا رآه اضطرب فتزلزلت الأرض».
و روى في الفقيه (5) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام) ان اللّٰه خلق الأرض فأمر الحوت فحملتها فقالت حملتها بقوتي فبعث اللّٰه إليها حوتا قدر فتر فدخلت في منخرها فاضطربت أربعين صباحا، فإذا أراد اللّٰه تعالى ان يزلزل أرضا تراءت لها تلك الحوتة الصغيرة فتزلزلت الأرض خوفا».
و روى الصدوق في الفقيه (6) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام) ان ذا القرنين لما انتهى الى السد جاوزه فدخل في الظلمات فإذا بملك قائم على جبل طوله خمسمائة ذراع فقال له الملك يا ذا القرنين أما كان خلفك مسلك؟ فقال له ذو القرنين من أنت؟ فقال أنا ملك من ملائكة الرحمن موكل بهذا الجبل و ليس من جبل خلقه اللّٰه تعالى إلا و له عرق متصل بهذا الجبل فإذا أراد اللّٰه عز و جل ان يزلزل مدينة أوحى إلي فزلزلتها».
و رواه الشيخ في التهذيب عن جميل عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (7) قال: «سألته
____________
(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 353.
(2) ارجع الى التعليقة 4 ص 353.
(3) الروضة ص 255.
(4) الفتر سعة ما بين السبابة و الإبهام إذا فتحتهما.
(5) ج 1 ص 342 و فيه «فرقا» بدل «خوفا».
(6) ج 1 ص 342.
(7) ج 3 ص 290 الطبع الحديث.
358
عن الزلزلة قال أخبرني ابى عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله). الحديث».
و روى في الفقيه (1) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام) ان اللّٰه تبارك و تعالى أمر الحوت بحمل الأرض و كل بلد من البلدان على فلس من فلوسه فإذا أراد اللّٰه تعالى ان يزلزل أرضا أمر الحوت ان يحرك ذلك الفلس فيحركه و لو رفع الفلس لانقلبت الأرض بإذن اللّٰه تعالى».
و روى فيه (2) قال: «و سأل سليمان الديلمي أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الزلزلة ما هي؟ فقال آية. فقال و ما سببها؟ قال ان اللّٰه تعالى وكل بعروق الأرض ملكا فإذا أراد اللّٰه أن يزلزل أرضا أوحى الى ذلك الملك ان حرك عرق كذا و كذا قال فيحرك ذلك الملك عرق تلك الأرض التي أمر اللّٰه تعالى فتتحرك بأهلها. قال قلت فإذا كان ذلك فما اصنع؟ قال صل صلاة الكسوف فإذا فرغت خررت للّٰه ساجدا و تقول في سجودك: يا من يمسك السماوات و الأرض أن تزولا و لئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده انه كان حليما غفورا يا من يمسك السماء ان تقع على الأرض إلا بإذنه أمسك عنا السوء انك على شيء قدير».
قال في الفقيه (3) بعد نقل هذه الأخبار: و الزلزلة تكون من هذه الوجوه الثلاثة و ليست هذه الأخبار مختلفة.
و قال شيخنا المجلسي في البحار بعد نقل جملة من هذه الأخبار: يمكن الجمع بين هذه الأخبار باجتماع تلك العلل عند الزلزلة أو بأنها تكون على هذه الوجوه مرة لعلة و مرة أخرى لأخرى كما ذكره في الفقيه. و يمكن أن يكون ترائي الحوت للزلزلة الشاملة لجميع الأرض و رفع الفلس للزلزلة الشديدة الخاصة ببعض البلاد و تحريك العرق للخاصة الغير الشديدة.
____________
(1) ج 1 ص 343.
(2) ج 1 ص 343 و في الوسائل الباب 2 من صلاة الكسوف.
(3) ج 1 ص 343.
359
و قال والده (طاب ثراه) في شرحه على الفقيه: اعلم ان الصدوق ذكر طرق هذه الأخبار و فيها جهالة و إرسال و لما كانت مختلفة ظاهرا جمع بينها بأن الزلزلة تكون لهذه الأسباب حتى لا تكون بينها منافاة. و يمكن الجمع بينها على تقدير صحتها بوجه آخر بان تكون عروق البلدان بيد الملك الذي على جبل قاف المحيط بجميع الأرض و يكون كل بلد على فلس من فلوس الحوت الحامل لها بقدرة اللّٰه تعالى و إذا أراد اللّٰه تعالى أن يزلزل أرضا أمر الملك أن يحرك عرق تلك الأرض و أمر الحوتة الصغيرة إن تتراءى للحوت الكبير حتى يفزع لها فيحرك الفلس الذي وقعت عليه الأرض التي أراد اللّٰه زلزلتها. انتهى.
و روى في الفقيه (1) عن على بن مهزيار قال: «كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام) و شكوت إليه كثرة الزلازل في الأهواز و قلت ترى لي التحويل عنها؟ فكتب لا تتحولوا عنها و صوموا الأربعاء و الخميس و الجمعة و اغتسلوا و طهروا ثيابكم و ابرزوا يوم الجمعة و ادعوا اللّٰه تعالى فإنه يرفع عنكم. قال ففعلنا فسكنت الزلازل».
الفصل الرابع في صلاة الأموات
و البحث في من يصلى عليه و من يصلى و الكيفية و الأحكام المتعلقة بالمقام، و حينئذ فتحقيق الكلام في هذا الفصل يتوقف على بسطه في مطالب أربعة:
المطلب الأول- في من يصلى عليه
و فيه مسائل
[المسألة] (الأولى) [هل يشترط إيمان الميت في وجوب الصلاة عليه؟]
لا خلاف في وجوب الصلاة على المؤمن و هو المسلم المعتقد لامامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) كما انه لا خلاف و لا إشكال في عدم الوجوب بل عدم الجواز إلا للتقية على الخوارج و النواصب و الغلاة و الزيدية و نحوها ممن يعتقد خلاف ما علم من الدين ضرورة.
____________
(1) ج 1 ص 343 و في الوسائل الباب 13 من صلاة الكسوف.
360
و انما الخلاف في غير ما ذكرنا من المخالفين الذين قد اشتهر بين متأخري أصحابنا الحكم بإسلامهم، فقال الشيخ في جملة من كتبه و ابن الجنيد و المحقق و أكثر المتأخرين بالوجوب.
و قال الشيخ المفيد (قدس سره): و لا يجوز لأحد من أهل الايمان أن يغسل مخالفا للحق في الولاية و لا يصلى عليه إلا ان تدعو ضرورة الى ذلك من جهة التقية.
و ظاهر الشيخ في التهذيب موافقته في ذلك حيث انه احتج له بان المخالف لأهل البيت كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا ما خرج بالدليل، و إذا كان غسل الكافر لا يجوز فيجب أن يكون غسل المخالف ايضا غير جائز. و أما الصلاة عليه فتكون على حد ما كان يصلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) على المنافقين.
و الى هذا القول ذهب أبو الصلاح و ابن إدريس و سلار، و هو الحق الظاهر بل الصريح من الأخبار لاستفاضتها و تكاثرها بكفر المخالف و نصبه و شركه و حل ماله و دمه كما بسطنا عليه الكلام بما لا يحوم حوله شبهة النقض و الإبرام في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب و ما يترتب عليه من المطالب.
و القول بالكفر هو المشهور بين الأصحاب من علمائنا المتقدمين (رضوان اللّٰه عليهم أجمعين) كما نقله الشيخ ابن نوبخت من متقدمي أصحابنا في كتابه فص الياقوت حيث قال: دافعوا النص كفرة عند جمهور أصحابنا، و من أصحابنا من يحكم بفسقهم. الى آخره. و قال العلامة في شرحه على الكتاب المذكور المسمى بأنوار الملكوت: اما دافعوا النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى كفرهم لان النص معلوم بالتواتر من دين محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) فيكون ضروريا أى معلوما من دينه (صلى اللّٰه عليه و آله) بالضرورة فجاحده يكون كافرا كمن يجحد وجوب الصلاة و صوم رمضان. ثم نقل الأقوال الأخر. و بذلك صرح في باب الزكاة من كتاب المنتهى و هو ظاهر الكليني في الكافي و المرتضى و اختاره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين
361
و لا بأس بذكر جملة من الأخبار الدالة على ما ادعيناه من الكفر و النصب و الشرك و حل المال و الدم ليعلم ان ما ذهب إليه المتأخرون- من الحكم بإسلامهم حتى فرعوا عليه هنا وجوب الصلاة عليهم و نحوه من أحكام الإسلام- نفخ في غير ضرام و غفلة عن النظر بعين التحقيق في أخبارهم (عليهم السلام).
فمن ذلك
ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر (1) في ما استطرفه من كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم لمولانا ابى الحسن الهادي (عليه السلام) في جملة مسائل محمد ابن على بن عيسى قال: «كتبت إليه أسأله عن الناصب هل أحتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاده بإمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب».
و معنى الخبر هو انه لما استفاضت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بكفر الناصب و شركه و نجاسته و حل ماله و دمه كتب إليه يسأله عن معنى الناصب و مظهر النصب بما يعرف حتى تترتب عليه الأحكام المذكورة و انه هل يحتاج إلى شيء زائد على مجرد تقديم الجبت و الطاغوت و اعتقاده إمامتهما؟ فرجع الجواب ان مظهر النصب و العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) هو مجرد التقديم و القول بإمامة الأولين. و هو ظاهر الدلالة في الرد على ما اشتهر بين متأخري أصحابنا من جعلهم الناصب أخص من المخالف. نعم يجب أن يستثني من عموم هذا الخبر المستضعف الذي دلت الأخبار على إسلامه و وجوب إجراء أحكام الإسلام عليه في دار الدنيا و انه في الآخرة من المرجأين لأمر اللّٰه تعالى.
و منها-
ما رواه الصدوق في كتاب العلل (2) بسنده عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: «ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام) لأنك لا تجد رجلا يقول انا أبغض محمدا و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و لكن الناصب من نصب لكم
____________
(1) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس و 68 من القصاص في النفس.
(2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس و 68 من القصاص في النفس.
362
و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا».
و منها-
ما رواه في كتاب معاني الأخبار بسند معتبر عن المعلى بن خنيس (1) قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت (عليهم السلام) لأنك لا تجد أحدا يقول أنا أبغض محمدا و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و تتبرؤون من أعدائنا».
و حاصل معنى الخبرين انه لا ينحصر الناصب في من أظهر بغضنا بلسانه و جاهر بعداوتنا لأنه لو كان كذلك لم يوجد ناصب بالكلية لأنك لا تجد أحدا يتظاهر بعداوتنا و يعلن ببغضنا و انما الناصب لنا و العدو هو من أبغضكم و هو يعلم انكم من شيعتنا تتولونا و تتبرؤون من أعدائنا، و على هذا فالنصب و العداوة للشيعة من حيث التشيع مظهر للنصب لهم (عليهم السلام).
و يدل على ذلك بأوضح دلالة
ما رواه الصدوق في كتاب الأمالي (2) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «من سره أن يعلم أ محب لنا أم مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض لنا و ان كان يبغض وليا لنا فليس بمحب لنا. الحديث».
و نحوه أخبار عديدة.
و من هذه الأخبار يعلم ان مظهر النصب و العداوة لهم (عليهم السلام) منحصر في أمرين: تقديم الجبت و الطاغوت و إظهار العداوة للشيعة.
و قد وافقنا في هذا المقام من متأخري علمائنا الأعلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض في باب السؤر حيث قال- بعد قول المصنف و سؤر الكافر و الناصب- ما هذا لفظه: و الناصب من نصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) أو لأحدهم و أظهر البغضاء لهم صريحا أو لزوما ككراهة ذكرهم و نشر فضائلهم و الاعراض عن مناقبهم من حيث انها مناقبهم و العداوة لمحبيهم من حيث محبتهم، و روى الصدوق ابن بابويه عن عبد اللّٰه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) ثم ساق الخبر الأول ثم قال و في بعض الأخبار
____________
(1) الوسائل الباب 68 من القصاص في النفس.
(2) ارجع الى الاستدراكات.
363
ان كل من قدم الجبت و الطاغوت فهو ناصب. و اختاره بعض الأصحاب إذ لا عداوة أكثر ممن قدم المنحط عن مراتب الكمال و فضل المنخرط في سلك الأغبياء و الجهال على من تسنم أوج الجلال حتى شك في انه اللّٰه المتعال. انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو الحق الذي لا تعتريه شبهة و لا اشكال و ان خالفه في مواضع من كلامه في أمثال هذا المجال.
و منها-
ما رواه في الكافي عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال «ان اللّٰه تعالى نصب عليا (عليه السلام) علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا و من جهله كان ضالا».
و بهذا المضمون أخبار عديدة في الكتاب المذكور و غيره.
و نحوه
ما رواه في الكافي أيضا عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «أهل الشام شر من أهل الروم و أهل المدينة شر من أهل مكة و أهل مكة يكفرون باللّٰه جهرة».
و عنه (عليه السلام) (3) «ان أهل مكة ليكفرون باللّٰه جهرة و ان أهل المدينة أخبث من أهل مكة أخبث منهم سبعين ضعفا».
و عن ابى مسروق (4) قال: «سألني أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن أهل البصرة فقلت مرجئة و قدرية و حرورية. فقال لعن اللّٰه تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد اللّٰه على شيء».
الى غير ذلك من الأخبار.
و قد ساعدتها على ذلك جملة من الآيات القرآنية و ما ورد في تفسيرها عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بتفسير الكفر فيها بإنكار ولاية على (عليه السلام) رواها في الكافي (5).
و منها-
ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الموثق عن عبد اللّٰه بن ابى يعفور عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (6) في حديث قال فيه بعد ان ذكر اليهودي و النصراني
____________
(1) الأصول ج 1 ص 437 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 6 من حد المرتد.
(2) الأصول ج 2 ص 409 الطبع الحديث.
(3) الأصول ج 2 ص 410 الطبع الحديث.
(4) الأصول ج 2 ص 409 الطبع الحديث.
(5) باب فيه نكت و نتف من التنزيل في الولاية من كتاب الحجة.
(6) الوسائل الباب 11 من الماء المضاف.
364
و المجوسي قال: «و الناصب لنا أهل البيت و هو شرهم ان اللّٰه لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و ان الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه».
و في معناه أخبار عديدة تقدمت في باب النجاسات من كتاب الطهارة (1).
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (2) قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس».
و ما رواه عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (3) في حديث قال:
«و لولا انا نخاف عليكم ان يقتل رجل منكم برجل منهم- و رجل منكم خير من الف رجل منهم و مائة ألف منهم- لأمرناكم بالقتل لهم و لكن ذلك الى الامام».
و روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلي (4) قال:
«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مؤمن قتل ناصبا معروفا بالنصب على دينه غضبا للّٰه و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) أ يقتل به؟ قال أما هؤلاء فيقتلونه به و لو رفع الى امام عادل ظاهر لم يقتله. قلت فيطل دمه؟ قال لا و لكن ان كان له ورثة فعلى الامام أن يعطيهم الدية من بيت المال لأن قاتله انما قتله غضبا للّٰه و لإمام المسلمين».
و في معناه غيره و من أراد استقصاء الوقوف على جملة هذه الأخبار و ما يتعلق بها من البحث و النقض و الإبرام فليرجع الى كتابنا الشهاب الثاقب المتقدم ذكره فإنه شاف واف بالمراد عار عن تطرق وصمة النقض و الإيراد. و اللّٰه الهادي إلى الرشاد.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان من أوجب الصلاة على هؤلاء بناء على الحكم بإسلامهم احتج على ذلك
بما رواه الشيخ عن طلحة بن زيد عن ابى عبد اللّٰه عن أبيه (عليهما السلام) (5) قال: «صل على من مات من أهل القبلة و حسابه على اللّٰه».
____________
(1) ج 5 ص 187.
(2) الوسائل الباب 2 من ما يجب فيه الخمس.
(3) الوسائل الباب 95 من ما يكتسب به.
(4) الوسائل الباب 68 من القصاص في النفس، و يرجع فيه الى الاستدراكات.
(5) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.
365
و ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: «قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) صلوا على المرجوم من أمتي و على القاتل نفسه من أمتي لا تدعوا أحدا من أمتي بلا صلاة».
و الجواب عن ذلك- مع الإغماض عن ضعفهما و عدم قيامهما بالمعارضة لا يسر يسير مما قدمناه من الأخبار مما ذكرناه و ما لم نذكره- ان هذا المستدل لا يقول بهما على إطلاقهما لشمولهما للفرق التي قدمنا سابقا الاتفاق على كفرها فلا بد من تخصيصهما بغيرهم، و ليس تخصيصهما بما ذكروه من الأدلة الدالة على كفر تلك الفرق أولى من تخصيصهما بما قدمنا ذكر بعضه من الأخبار الدالة على نصب المخالف و كفره و شركه و نحو ذلك، و احتمال الخروج مخرج التقية فيهما ظاهر لا ينكر إلا ممن صد عن قبول الحق في ما ذكرناه من الاخبار و استكبر.
قال في المدارك في هذا المقام- بعد نقل القول المشهور و الاستدلال له بالروايتين المذكورتين ثم نقل قول الشيخ المفيد و من تبعه- ما لفظه: و هو غير بعيد لأن الإجماع إنما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن، و الروايات التي استدل بها على العموم لا تخلو من ضعف في سند أو قصور في دلالة، و الواجب التمسك بمقتضى الأصل الى ان يقوم على الوجوب دليل يعتد به. انتهى.
أقول: قد سبق له نظير هذا الكلام المنحل الزمام في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة حيث قال بعد نقل كلام الشيخ المفيد المنقول هنا: و المسألة قوية الإشكال و ان كان الأظهر عدم وجوب تغسيل غير المؤمن. انتهى.
و فيه (أولا) ان مقتضى الحكم بإسلامهم كما هو مذهبه في المسألة تبعا لجده و المحقق قبله و أمثالهم هو ترتب أحكام الإسلام و إجراؤها عليهم مما يتعلق بالحياة و الممات، فكما يجوز الحكم بمناكحتهم و موارثتهم و طهارتهم و حقن دمائهم و أموالهم بل عدالتهم كما عرفت مما تقدم في مسألة العدالة من باب صلاة الجمعة المترتب جميع ذلك على الإسلام، فكذا يجب الحكم بغسلهم و الصلاة عليهم فان جميع ذلك من
____________
(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.
366
توابع الإسلام و أحكامه المترتبة عليه، و توقفه هنا على الدليل بخصوص هذين الحكمين لا معنى له، لان تلك الأحكام التي أجروها عليهم في حال الحياة إنما أجروها تبعا للإسلام و تفريعا عليه لا لخصوص أدلة دلت عليها بالنسبة إلى المخالف و ان زعموا ورود ذلك في بعض هذه الأشياء المعدودة، و الذي دلت عليه هذه الأدلة الواردة عنهم (عليهم السلام) انما هو خلاف ما يدعونه من تلك الأحكام.
و (ثانيا)- ان الأصحاب في هذه المسألة على قولين (أحدهما) القول بالكفر و عدم جواز تغسيلهم و الصلاة عليهم، و (ثانيهما) القول بالإسلام و وجوب الحكمين المذكورين، و القول بالإسلام و عدم جواز الحكمين المذكورين خرق للإجماع المركب، و قد عرفت انه في غير موضع من كتابه يراعى الإجماع و يتشبث به و ان خالف نفسه في مواضع أخر. و ظاهر قوله هنا- ان الإجماع إنما انعقد على وجوب الصلاة على المؤمن- هو الاعتماد على الإجماع فكيف يخرج عنه بإحداث القول بإسلامهم بل عدالتهم مع عدم جواز تغسيلهم و الصلاة عليهم؟
و بالجملة فالبناء لما كان على غير أساس تطرق اليه الانتقاض و الانطماس فان كفرهم من المشهورات في أخبارهم (عليهم السلام) بل و ربما يدعى انه من ضروريات مذهبهم كما لا يخفى على من اطلع على ما أوردناه في كتابنا المشار اليه آنفا من الأخبار و جاس خلال الديار. و اللّٰه الهادي لمن يشاء.
بقي الكلام في ما دل عليه خبر السكوني (1) من حيث تضمنه الصلاة على القاتل نفسه مع ما ورد في جملة من الأخبار انه من أهل النار (2) و يمكن أن يقال انه بقتل نفسه لا يخرج عن الإسلام بل غايته أن يكون من أهل الكبائر المستحقين للنار ايضا، و قد دل
صحيح هشام بن سالم المروي في الفقيه (3) على ان شارب
____________
(1) ص 365.
(2) الوسائل الباب 5 من القصاص في النفس.
(3) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة. و رواه في التهذيب ج 1 ص 345.
367
الخمر و الزاني و السارق يصلى عليهم إذا ماتوا.
و بالجملة من حيث عدم الخروج عن الإيمان تدركهم الشفاعة و يكونون بذلك من أهل الجنة كما دل عليه
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي».
هذا مع عدم حصول التوبة و إلا فيسقط البحث. و اللّٰه العالم.
المسألة الثانية [الحد الذي تجب فيه الصلاة على الطفل]
- اختلف الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) في الحد الذي يجب فيه الصلاة على الطفل، فالأشهر الأظهر هو بلوغ ست سنين، ذهب اليه الشيخ و ابن البراج و ابن حمزة و ابن زهرة و سلار و المتأخرون و نقل المرتضى فيه الإجماع و كذا العلامة في المنتهى، و قال الشيخ المفيد في المقنعة لا يصلى على الصبي حتى يعقل الصلاة. و نحوه قال الجعفي و الصدوق في المقنع، و الظاهر ان هذا القول يرجع الى الأول. و قال ابن الجنيد تجب على المستهل يعنى من رفع صوته بالبكاء. و قال ابن ابى عقيل لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ.
و يدل على القول الأول و هو المختار
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن زرارة (2) قال: «مات ابن لأبي جعفر (عليه السلام) فأخبر بموته فأمر به فغسل و كفن و مشى معه و صلى عليه و طرحت خمرة فقام عليها ثم قام على قبره حتى فرغ منه ثم انصرف و انصرفت معه حتى انى لأمشي معه فقال اما انه لم يكن يصلى على مثل هذا- و كان ابن ثلاث سنين- كان على (عليه السلام) يأمر به فيدفن و لا يصلى عليه و لكن الناس صنعوا شيئا (3) فنحن نصنع مثله. قال قلت فمتى تجب عليه الصلاة؟ فقال
____________
(1) الوسائل الباب 47 من جهاد النفس.
(2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة.
(3) في المغني ج 2 ص 522 «السقط و هو الولد تضعه المرأة ميتا أو لغير تمام فاما ان خرج حيا و استهل فإنه يغسل و يصلى عليه بغير خلاف، و قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على ان الطفل إذا عرفت حياته و استهل يصلى عليه و ان لم يستهل قال أحمد إذا اتى له أربعة أشهر غسل و صلى عليه و هذا قول سعيد بن المسيب و ابن سيرين و إسحاق، و صلى ابن عمر على ابن لابنته ولد ميتا، و قال الحسن و إبراهيم و الحكم و حماد و مالك و الأوزاعي و أصحاب الرأي لا يصلى عليه حتى يستهل، و للشافعي قولان كالمذهبين. و اما من لم يأت له أربعة أشهر فإنه لا يغسل و لا يصلى عليه و يلف في خرقة و يدفن و لا نعلم فيه خلافا إلا عن ابن سيرين فإنه قال يصلى عليه إذا علم انه نفخ فيه الروح، و حديث الصادق المصدق يدل على انه لا ينفخ فيه إلا بعد أربعة أشهر و قبل ذلك لا يكون نسمة» و نحو ذلك في البدائع ج 1 ص 302 و المهذب ج 1 ص 34 و بداية المجتهد ج 1 ص 22 و المدونة ج 1 ص 162.
368
إذا عقل الصلاة و كان ابن ست سنين. الحديث».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبيد اللّٰه الحلبي و ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلى عليه؟ فقال إذا عقل الصلاة. قلت متى تجب الصلاة عليه؟ قال إذا كان ابن ست سنين و الصيام إذا أطاقه».
قلت: و المراد بالوجوب هنا ليس المعنى الشرعي بل مجرد الثبوت فإن صلاة الصبي مستحبة تمرينا، و المعنى انه متى يعقل الصلاة بحيث يؤمر بها تمرينا؟ فقال إذا كان ابن ست سنين.
و الذي يكشف عن هذا المعنى
ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «في الصبي متى يصلى عليه؟ قال إذا عقل الصلاة.
قلت متى يعقل الصلاة و تجب عليه؟ قال لست سنين».
أقول: و من هذه الروايات علم صحة ما حملنا عليه كلام الشيخ المفيد من رجوعه الى القول المشهور خلافا لمن زعم المغايرة فعده في مقابلة القول المشهور و عده قولا برأسه.
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (3) قال: «صلى أبو جعفر (عليه السلام) على ابن له له صبي صغير له ثلاث سنين ثم قال لولا ان الناس يقولون ان بنى هاشم لا يصلون على
____________
(1) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 3 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(3) الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.
369
الصغار من أولادهم ما صليت عليه».
قال (1): «و سئل (عليه السلام) متى تجب الصلاة عليه؟ قال إذا عقل الصلاة و كان ابن ست سنين».
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصبي أ يصلى عليه إذا مات و هو ابن خمس سنين؟ قال إذا عقل الصلاة صلى عليه».
أقول: قد عرفت من الأخبار السابقة ما يكشف إجمال هذا الخبر فإنها قد فسرت من يعقل الصلاة بأنه من كان ابن ست سنين.
و قال الرضا في كتاب الفقه (3) «و اعلم ان الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة».
و يدل على ما ذهب اليه ابن الجنيد
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد اللّٰه بن سنان عن ابى عبد اللّٰه (عليه السلام) (4) قال: «لا يصلى على المنفوس و هو المولود الذي لم يستهل و لم يصح و لم يورث من الدية و لا من غيرها، و إذا استهل فصل عليه و ورثه».
و عن على بن يقطين في الصحيح (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) لكم يصلى على الصبي إذا بلغ من السنين و الشهور؟ قال يصلى عليه على كل حال إلا ان يسقط لغير تمام».
و عن احمد بن محمد عن رجل عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) (6) قال: قلت لكم يصلى على الصبي؟. الحديث.
مثله.
و عن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (7) قال: «يورث للصبي و يصلى عليه إذا سقط من بطن امه فاستهل صارخا و إذا لم يستهل صارخا لم يورث و لم يصل عليه».
____________
(1) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 13 من صلاة الجنازة.
(3) ص 19.
(4) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
(6) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
(7) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
370
و أجاب الشيخ و من تبعه من الأصحاب عن هذه الأخبار بالحمل على الاستحباب أو التقية (1).
و في الأول ما عرفت في غير مقام، مع انه لا وجه للحمل على ذلك بعد
قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة السابقة صدر الأخبار «اما انه لم يكن يصلى على مثل هذا و ان عليا (عليه السلام) كان يأمر به فيدفن و لا يصلى عليه».
و يدل على ذلك ايضا
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة (2) قال: «رأيت ابنا لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حياة أبي جعفر (عليه السلام) يقال له عبد اللّٰه فطيم قد درج فقلت له يا غلام من ذا الذي إلى جنبك؟ لمولى لهم فقال هذا مولاي فقال له المولى يمازحه لست لك بمولى. فقال ذلك شر لك. فطعن في جنان الغلام (3) فمات فاخرج في سفط الى البقيع، فخرج أبو جعفر (عليه السلام) و عليه جبة خز صفراء و عمامة خز صفراء و مطرف خز اصفر فانطلق يمشي إلى البقيع و هو معتمد على و الناس يعزونه على ابن ابنه فلما انتهى الى البقيع تقدم أبو جعفر (عليه السلام) فصلى عليه و كبر عليه أربعا ثم أمر به فدفن، ثم أخذ بيدي فتنحى بي ثم قال انه لم يكن يصلى على الأطفال انما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمر بهم فيدفنون من وراء و لا يصلى عليهم و انما صليت عليه من أجل أهل المدينة كراهية أن يقولوا لا يصلون على أطفالهم» (4).
و العجب انه مع صراحة الخبرين في التقية و عدم مجال للحمل على هذا الاستحباب
____________
(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 367.
(2) الفروع ج 1 ص 56 و في الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.
(3) كذا في التهذيب ج 1 ص 311 و الوافي ج 13 ص 75، و في فروع الكافي ج 1 ص 56 و الاستبصار ج 1 ص 479 الطبع الحديث هكذا «فطعن في جنازة الغلام» و في هامش الكافي المطبوع بايران هكذا: قوله «فمات» تفسير لقوله «فطعن في جنازة الغلام» و العرب تقول طعن فلان في جنازته و رمى في جنازته إذا مات (المغرب).
(4) ارجع الى التعليقة 3 ص 367.
371
يحتملونه هنا جريا على قاعدتهم في جميع الأبواب و حرصا عليه مع ما عرفت انه لا دليل عليه من سنة و لا كتاب.
و يزيد ذلك تأكيدا
ما رواه في الكافي عن على بن عبد اللّٰه (1) قال: «سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول لما قبض إبراهيم ابن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جرت فيه ثلاث سنن، أما واحدة فإنه لما مات انكسفت الشمس فقال الناس انكسفت الشمس لفقد ابن رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) فصعد رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) المنبر فحمد اللّٰه و اثنى عليه ثم قال يا ايها الناس ان الشمس و القمر آيتان من آيات اللّٰه يجريان بأمره مطيعان لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلوا ثم نزل عن المنبر فصلى بالناس صلاة الكسوف فلما سلم قال يا على قم فجهز ابني فقام على (عليه السلام) فغسل إبراهيم و حنطه و كفنه ثم خرج به و مضى رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) حتى انتهى به الى قبره فقال الناس ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) نسي أن يصلى على إبراهيم لما دخله من الجزع عليه فانتصب قائما ثم قال يا ايها الناس أتاني جبرئيل بما قلتم زعمتم انى نسيت أن أصلي على ابني لما دخلني من الجزع ألا و انه ليس كما ظننتم و لكن اللطيف الخبير فرض عليكم خمس صلوات و جعل لموتاكم من كل صلاة تكبيرة و أمرني أن لا أصلي إلا على من صلى. الحديث».
قال في المدارك- بعد إيراد أخبار ابن الجنيد و صحيحة زرارة الواردة في موت ابن ابى جعفر (عليه السلام) و رواية موت إبراهيم- و المسألة محل إشكال إلا ان المقام مقام استحباب و الأمر فيه هين.
أقول: قد عرفت انه لا إشكال بحمد الملك المتعال بعد ما عرفت من حمل اخبار ابن الجنيد على التقية و وضوح صحيحتي زرارة في ذلك، و قد عرفت ان من القواعد المأثورة التي استفاضت بها الأخبار عرض الأخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافه، و حينئذ فأي اشكال يبقى في هذا المجال؟ و الظاهر ان منشأ هذا الإشكال عنده انما هو من حيث صحة مستند ابن الجنيد في ما ذهب اليه
____________
(1) الفروع ج 1 ص 57 و في الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.
372
و هو بناء على شدة تمسكه بهذا الاصطلاح المحدث يحوم حول الأسانيد و يدور مدارها صحة و ضعفا و لا ينظر الى متن الخبر و مخالفته القواعد الشرعية و السنة المحمدية أم لا؟ و أما قوله- إلا ان المقام مقام استحباب و الأمر فيه هين- فإنه ليس في محله لان الاستحباب انما صاروا اليه جمعا بين الأخبار بزعمهم و إلا فمذهب ابن الجنيد انما هو القول بالوجوب و اخباره ظاهرة في الوجوب و هي صحيحة صريحة فكيف يكون المقام مقام استحباب و الأمر فيه هين؟ على انه لا منافاة بين صحة الخبر عنهم (عليهم السلام) و خروجه مخرج التقية حتى يحصل الإشكال عنده، فإنهم إنما وضعوا هذا الاصطلاح للتحرز من العمل بالأخبار المكذوبة بزعمهم، و متى ثبت كون سندها صحيحا علم انها صدق، و حينئذ فصحة الأخبار انما تنافي كونها مكذوبة لا كونها خرجت مخرج التقية. و بالجملة فكلامه (قدس سره) هنا لا اعرف له وجه استقامة.
و الذي يدل على ما ذهب اليه ابن ابى عقيل على ما نقل عنه ان الصلاة استغفار للميت و دعاء له و من لم يبلغ لا حاجة له الى ذلك.
و ما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن المولود ما لم يجر عليه القلم هل يصلى عليه؟ قال لا إنما الصلاة على الرجل و المرأة إذا جرى عليهما القلم».
قال في المدارك: و أجيب عن الأول بالمنع من كون الصلاة لأجل الدعاء للميت أو لحاجته إلى الشفاعة لوجوبها على النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و نحن محتاجون الى شفاعتهم. و عن الرواية بالطعن في السند باشتماله على جماعة من الفطحية و لا تنهض حجة في معارضة الأخبار الصحيحة، قال في الذكرى: و يمكن أن يراد بجري القلم مطلق الخطاب الشرعي و التمرين خطاب شرعي. انتهى.
أقول: و مما يدل على هذا القول زيادة على الموثقة المذكورة
ما رواه في
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة الجنازة.
373
الكافي عن هشام (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يكلمونا و يردون علينا قولنا انه لا يصلى على الطفل لأنه لم يصل، فيقولون لا يصلى إلا على من صلى؟
فنقول نعم. فيقولون أ رأيتم لو أن رجلا نصرانيا أو يهوديا أسلم ثم مات من ساعته فما الجواب فيه؟ فقال قولوا لهم أ رأيتم لو أن هذا الذي أسلم الساعة افترى على انسان ما كان يجب عليه في فريته؟ فإنهم سيقولون يجب عليه الحد فإذا قالوا هذا قيل لهم فلو ان هذا الصبي الذي لم يصل افترى على انسان هل كان يجب عليه الحد؟ فإنهم سيقولون لا فيقال لهم صدقتم انما يجب أن يصلى على من وجبت عليه الصلاة و الحدود و لا يصلى على من لم تجب عليه الصلاة و لا الحدود».
و ظاهر الخبر المذكور شهرة الحكم بما تضمنه يومئذ حتى عند المخالفين حيث أن ظاهره انهم كانوا يطعنون على الشيعة بذلك.
و جمع المحدث الكاشاني في الوافي بين هذين الخبرين و بين اخبار القول المشهور بحمل تلك الأخبار على الاستحباب، قال في الكتاب المذكور بعد ذكر هذا الخبر:
لا منافاة بين هذا الخبر و الذي قبله لأن الأول محمول على جواز الصلاة و استحبابها على من عقلها و الثاني على من حتمها و وجوبها على من أدرك، فمتى تستحب الصلاة للصبي تستحب عليه و متى تجب تجب عليه و متى لا يعقلها لا تجب عليه و لا تستحب. انتهى.
و لا يخفى بعده إلا ان الظاهر انه لا مندوحة عنه في هذا المقام حيث ان هذين الخبرين كالصريحين في التخصيص بالبلوغ.
و أما حمل موثقة عمار على بلوغ ست سنين- و ان المراد بجري القلم يعنى جريه بالتكليف التمريني كما نقله في المدارك عن الذكرى و عليه جمد في المختلف و تبعهما صاحب الوسائل- فظني بعده بل عدم صحته، لانه (عليه السلام) عبر بالحصر في الرجل و المرأة و انه لا يصلى عليهما إلا إذا جرى عليهما القلم، و لا يخفى ان المفهوم من تتبع الأخبار و عليه يساعد العرف ان الرجل و المرأة لا يطلقان إلا على البالغ، و على
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة الجنازة.
374
هذا فقوله «إذا جرى عليهما القلم» بعد ذكر الرجل و المرأة إما احترازا عن المجنون بعد البلوغ حيث انه مرفوع عنه القلم أو يكون في مقام البدل من الرجل و المرأة.
و بالجملة فإن من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فلا ريب و لا اشكال عنده في ترجيح القول المشهور و اما من لا يعمل عليه فالحكم لا يخلو عنده من الاشكال و الاحتياط فيه مطلوب على كل حال.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه
قد روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله ابن بكير عن قدامة بن زائد (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على ابنه إبراهيم فكبر عليه خمسا».
و لا يخفى ما فيه من المدافعة للأخبار المتقدمة الدالة على القول المشهور و لا سيما رواية على بن عبد الله (2) الواردة في موت إبراهيم صريحة في انه (صلى الله عليه و آله) لم يصل عليه.
و حمل هذه الرواية على التقية كما حملنا عليها روايات ابن الجنيد غير ممكن هنا لعدم جواز التقية في حقه (صلى الله عليه و آله) مع منافاة التكبير خمسا لذلك، و الحمل على التقية في النقل و ان أمكن لكن ذكر التكبير خمسا في الخبر ينافر ذلك.
و اما ما ذكره في الوسائل من الاحتمالات في الجمع بين الخبرين المذكورين- من انه يحتمل في الخبر الأول نفى الوجوب و يحتمل النسخ و انه (صلى الله عليه و آله) صلى بعد قولهم أو لعله صلى عليه غيره بأمره و لم يصل عليه هو فيصدق النفي حقيقة و الإثبات مجازا عقليا- فلا يخفى ما فيه لان الخبرين تصادما في وقوع الصلاة و عدمها لا في الأمر حتى يحتمل نفى الوجوب و النسخ.
و بالجملة فوجه الجمع عندي غير ظاهر و الأول منهما هو المعتضد بالأخبار الكثيرة مضافا الى اتفاق جمهور الأصحاب على القول بها، و انما يبقى الإشكال في هذا الخبر الأخير و هو مردود إلى قائله و هو أعلم بما قال. و الله العالم.
(المسألة الثالثة) [ما هي الوظيفة لو وجد بعض الميت؟]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو
____________
(1) الوسائل الباب 5 و 14 من صلاة الجنازة.
(2) ص 371.
375
وجد بعض الميت فان كان فيه الصدر أو وجد الصدر وحده غسل و كفن و صلى عليه و دفن، ذكره الشيخ و جملة من الأصحاب بل صرح العلامة في جملة من كتبه بان صدر الميت كالميت في جميع أحكامه و أطلق.
و الأخبار في هذه المسألة مع كثرتها لا تخلو من التنافر و الاضطراب:
و منها
ما رواه الشيخ و الصدوق عن الفضل بن عثمان الأعور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة و وسطه و صدره و يداه في قبيلة و الباقي منه في قبيلة؟ فقال ديته على من وجد في قبيلته صدره و يداه و الصلاة عليه».
قوله «و وسطه الى قوله في قبيلة» ليس في التهذيب و الظاهر انه سقط سهوا من قلمه كما لا يخفى على من له أدنى انس بطريقته في الكتاب المذكور.
و بهذا الخبر و الخبر الآتي بنقل المحقق في المعتبر عن جامع البزنطي استدل العلامة على ما ذكره من أن صدر الميت كالميت في جميع أحكامه، مع انهما لم يشتملا على أزيد من الصلاة فلا دلالة فيهما على وجوب الغسل و التكفين، إلا ان يدعى استلزام الصلاة لوجوب الغسل و التكفين. قال في المدارك: و هو ممنوع.
و منها-
ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) «انه سأله عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال يغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن».
و زاد في الكافي و التهذيب (3) «و إذا كان الميت نصفين صلى على النصف الذي فيه القلب».
و مثلها مع الزيادة رواية القلانسي عن ابى جعفر (عليه السلام) مثله (4).
و ظاهر هذين الخبرين بالنسبة إلى مجموع العظام هو المساواة للميت إلا في الحنوط و هو ظاهر لفوات محله، و اما بالنسبة إلى النصف الذي فيه القلب على رواية الشيخين المذكورين و كذا رواية القلانسي ان الصدر ليس كالميت في ما يدعونه من جميع الأحكام، لأنهما (عليهما السلام) أوجبا في العظام الخالية من اللحم- حيث
____________
(1) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. و الحديث (1) في الوسائل و الفقيه ج 1 ص 104 عن الصادق عن أبيه (عليه السلام).
(2) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. و الحديث (1) في الوسائل و الفقيه ج 1 ص 104 عن الصادق عن أبيه (عليه السلام).
(3) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. و الحديث (1) في الوسائل و الفقيه ج 1 ص 104 عن الصادق عن أبيه (عليه السلام).
(4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. و الحديث (1) في الوسائل و الفقيه ج 1 ص 104 عن الصادق عن أبيه (عليه السلام).
376
انها مجموع بدن الميت كما تفيده اضافة الجمع- الأحكام الأربعة المذكورة. و اما الصدر فلم يتعرض فيه إلا الى الصلاة، و الدفن و ان لم يذكر إلا انه معلوم من الأخبار الأخر.
و منها-
حسنة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا قتل قتيل فلم يوجد إلا لحم بلا عظم لم يصل عليه و ان وجد عظم بلا لحم صلى عليه».
و ظاهرها انه يصلى على العظم مجردا مطلقا و لا قائل به و من أجل ذلك حملت على الاستحباب و الأظهر عندي هو حمل هذه الرواية على سابقتها بمعنى انه ان وجد من هذا القتيل بعد قتله جميع لحمه إلا انه لا عظم فيه فإنه لا يصلى عليه، و ان وجدت عظامه كملا خالية من اللحم صلى عليها، و به تنطبق على الرواية المتقدمة، و لا استبعاد في ذلك إلا من حيث إطلاق العظم على المجموع و مثله في باب التجوز الواسع كثير.
و منها-
رواية عبد الله بن الحسين عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا وسط الرجل نصفين صلى على الذي فيه القلب».
هكذا في رواية الكليني.
و في الفقيه (3) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا وسط الرجل بنصفين صلى على النصف الذي فيه القلب و ان لم يوجد منه إلا الرأس لم يصل عليه».
و هذه الزيادة قد رواها في الكافي مرسلا (4) بعد نقل حسنة محمد بن مسلم فقال: «و روى انه لا يصلى على الرأس إذا أفرد من الجسد».
و هذه الرواية مثل روايتي الفضل الأعور و على بن جعفر المتقدمتين في الدلالة على وجوب الصلاة على الصدر أو ما فيه الصدر من غير تعرض فيه لغير الصلاة.
و منها-
رواية محمد بن خالد عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا
____________
(1) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(2) الفروع ج 1 ص 58 و في الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(3) ج 1 ص 104 و في الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة. و السند هكذا: «عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام).
377
و جد الرجل قتيلا فان وجد له عضو تام صلى عليه و دفن و ان لم يوجد له عضو تام لم يصل عليه و دفن».
و هذه الرواية نقلها في الكافي مسنده كما ذكرنا، و روى في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) مثله (1).
و هذه الرواية بالنظر الى ظاهرها لم يقل بها أحد إلا الصدوق بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه. و ربما حمل العضو هنا على ما فيه القلب، و بعده ظاهر و بعض القائلين بالقول المشهور اطرح هذا الخبر و بعض حمله على الاستحباب و هو الأحوط.
و منها-
رواية إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) وجد قطعا من ميت فجمعت ثم صلى عليها ثم دفنت».
و رواها الصدوق و الشيخ، و يمكن تقييد إطلاقها بوجود العضو الذي فيه القلب في جملة تلك القطع.
و منها-
ما رواه في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (3) «انه سئل عن رجل قتل و وجد أعضاؤه متفرقة كيف يصلى عليه؟ قال يصلى على الذي فيه قلبه».
و يمكن الاستدلال بهذا الخبر للقول المشهور من وجوب الصلاة على الصدر لانه محل القلب فيكون هو العضو الذي فيه القلب، و منه يظهر التأييد لما احتملناه في سابق هذا الخبر.
و منها-
رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا تصل على عضو رجل من رجل أو يد أو رأس منفردا فإذا كان البدن فصل عليه و ان كان ناقصا من الرأس و اليد و الرجل».
و وجوب الصلاة على البدن و ان لم تكن معه هذه الأعضاء ظاهر بعد ما عرفت من تصريح الأخبار بوجوب الصلاة على ما فيه القلب. و اما النهي عن الصلاة على
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 104 و في الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(4) التهذيب ج 1 ص 345 و في الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
378
تلك الأعضاء منفردة فهو المعروف بين الأصحاب إلا انه ينافيه ما تقدم من رواية محمد بن خالد (1) و ما يأتي من رواية ابن المغيرة (2).
و منها-
ما رواه المحقق في المعتبر نقلا من جامع البزنطي عن احمد بن محمد بن عيسى عن بعض أصحابه رفعه (3) قال: «المقتول إذا قطع أعضاؤه يصلى على العضو الذي فيه القلب».
و هذا الخبر ظاهر في القول المشهور لان العضو الذي فيه القلب هو الصدر أعم من أن يكون معه أعضاء أخر من رأس و يد و نحو ذلك أم لا، و منه يعلم- و كذا من مرسلة عبد الله بن الحسين المتقدم نقلها عن صاحب الكافي و مثلها مرسلة الفقيه- ان ذكر اليد في رواية الفضل بن عثمان الأعور مع كونها في كلام السائل لا توجب تقييدا بأنه لا بد في الصلاة على الصدر من كون اليد معه كما توهمه صاحب المعتبر و غيره.
و منها-
ما رواه في الكتاب المذكور ايضا عن ابن المغيرة (4) قال: «بلغني عن ابى جعفر (عليه السلام) انه يصلى على كل عضو رجلا كان أو يدا أو الرأس جزء فما زاد، فإذا نقص عن رأس أو يد أو رجل لم يصل عليه».
و هذا الخبر مما يوافق ظاهر رواية محمد بن خالد المتقدم من الصلاة على العضو التام، قال الذكرى بعد نقلهما: و هذان الخبران مطرحان مع إرسالهما. و قد قدمنا ان حملهما على الاستحباب طريق الاحتياط، إلا ان رواية طلحة بن زيد المتقدمة قد دلت على النهى عن الصلاة على هذه الأعضاء الثلاثة، و ايدها بالنسبة إلى الرأس رواية الصدوق و مرسلة الكافي المتقدمتان في انه لو لم يوجد إلا الرأس فلا يصلى عليه، و به يشكل الحكم بالاستحباب إذ أقل مراتب النهي الكراهة و هي لا تجامع الاستحباب، و اما مجرد الجواز فلا وجه له في العبادات.
____________
(1) ص 376 و 377.
(2) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 38 من صلاة الجنازة.
379
و قد تلخص مما ذكرنا ذيل هذه الأخبار ان الواجب الصلاة على العظام كملا كما تضمنته صحيحة على بن جعفر و كذا على النصف الذي فيه القلب، و القول بوجوب الصلاة على الصدر كما هو المشهور ليس ببعيد ايضا كما أشرنا إليه آنفا. و اما الرأس و اليد و الرجل كل منها على حدة فقد عرفت تصادم الأخبار فيها على وجه لا يمكن الجمع بينها. و الله العالم.
فروع
الأول [يشترط في الصلاة على العضو موت صاحبه]
- قال في الذكرى: إذا صلى على الصدر أو قلنا بالصلاة على العضو التام فالشرط فيه موت صاحبه إجماعا، و هل ينوي الصلاة عليه خاصة أو على الجملة؟ قضية المذهب الصلاة عليه خاصة إذ لا صلاة على الغائب، فلو وجد الباقي وجبت الصلاة على ما لم يصل عليه. انتهى.
الثاني [لو اشتبه المسلم بالكافر]
- قال في الذكرى ايضا: لو اشتبه المسلم بالكافر فالأقرب الصلاة على الجميع بنية الصلاة على المسلمين لتوقف الواجب عليه،
و روى حماد بن يحيى عن الصادق (عليه السلام) (1) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) في يوم بدر أمر بمواراة كميش الذكر اى صغيره و قال انه لا يكون إلا في كرام الناس».
و أورده الشيخ في الخلاف (2) و المبسوط عن على (عليه السلام) فحينئذ يمكن العمل به في الصلاة في كل مشتبه لعدم تعقل معنى في اختصاص الشهيد. و في المبسوط أورد الرواية في اشتباه قتلي المسلمين بالمشركين و بنى عليها الصلاة ثم قوى ما قلناه أولا و احتاط بان يصلى على كل واحد واحد بشرط إسلامه قال في المعتبر: و لو قيل بمواراة الجميع ترجيحا لجانب حرمة المسلم كان صوابا.
و هذا فيه طرح للرواية لضعفها و الصلاة على الجميع حينئذ بطريق الأولى.
الثالث [هل يصلى على ولد الزنا]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة على ولد الزنا تفريعا على الخلاف في إسلامه و كفره، فكل من حكم بالإسلام كالشيخ و اتباعه- و هو المشهور بين المتأخرين- أوجبوا الصلاة عليه، و نقل الشيخ فيه في الخلاف
____________
(1) الوسائل الباب 39 من الدفن.
(2) ص 109.
380
الإجماع، و احتجوا
بقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «صلوا على من قال لا إله إلا الله».
و برواية طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام) المتقدمة في المسألة الأولى (2).
و منع ابن إدريس من الصلاة عليه و احتج بأنه كافر بالإجماع. و رده في المختلف بأنه أي إجماع حصل على كفر ولد الزنا بل أى دليل دل على ذلك؟
قال في الذكرى بعد نقل قول الشيخ في الخلاف و دعواه الإجماع: و يشكل قبل بلوغه إذ لا إلحاق له بأحد الأبوين، و يمكن تبعية الإسلام هنا للغة كالتحريم، و يؤيد الإسلام تبعية الفطرة.
أقول: و نحن قد أشبعنا الكلام في مسألة ابن الزنا في الفصل السابع من المقصد الأول في النجاسات من كتاب الطهارة (3) و ذكرنا ان جملة من الأصحاب كالمرتضى و الصدوق قالوا بكفره، و قضية القول بالكفر المنع من الصلاة كما صرح
____________
(1)
في كنز العمال ج 8 ص 83 عن حلية الأولياء و الطبراني عن ابن عمر عنه (صلى الله عليه و آله) «صلوا على من قال لا إله إلا الله».
و رواه في مجمع الزوائد ج 2 ص 67 عن الطبراني في الكبير ثم قال فيه محمد بن الفضل بن عطية و هو كذاب. و في سنن البيهقي ج 4 ص 19 «قال الشيخ قد روى في الصلاة على كل بر و فاجر و الصلاة على من قال لا إله إلا الله أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف»
و في نيل الأوطار ج 3 ص 139 حديث «صلوا خلف من قال لا إله إلا الله و صلوا على من قال لا إله إلا الله».
أخرجه الدارقطني و في إسناده عثمان بن عبد الرحمن كذبه يحيى بن معين و رواه ايضا من وجه آخر عنه و في إسناده خالد بن إسماعيل و هو متروك و رواه ايضا من وجه آخر عنه و في إسناده أبو الوليد المخزومي و قد خفي حاله على الضياء المقدسي و تابعه أبو البختري وهب بن وهب و هو كذاب. و رواه ايضا و الطبراني من طريق مجاهد عن ابن عمر و فيه محمد بن الفضل و هو متروك و له طريق آخر عند ابن عمر و فيه عثمان بن عبد الله بن العاص و قد رماه ابن عدي بالوضع. انتهى و هذا الحديث استدل به ابن قدامة في المغني ج 2 ص 559 في الصلاة على سائر المسلمين من أهل الكبائر و المرجوم في الزنا و غيره. و نحوه في بداية المجتهد ج 1 ص 219 و المحلى ج 5 ص 171.
(2) ص 364.
(3) ج 5 ص 190.
381
به ابن إدريس، إلا انى لم أقف على مذهبهم في هذه المسألة.
و قد حققنا ثمة ان المستفاد من الأخبار الواردة فيه ان له حالة غير حالتي الايمان و الكفر الحقيقيين» لأنه بالنسبة إلى أحكامه في الدنيا- من الحكم بنجاسته و كون ديته دية اليهود و النصارى و عدم قبول شهادته و عدم جواز إمامته في الصلاة كما دلت على جميع ذلك الأخبار- لا يمكن الحكم بإيمانه لأن سلب هذه الأحكام عنه لا يجامع الإيمان، و لا يمكن الحكم بكفره بالنظر الى أنه متدين بظاهر الإيمان كما هو المفروض، و من ذلك يعلم أن الحكم بوجوب الصلاة عليه لا يخلو من الإشكال لعدم الوقوف على خبر نفيا أو إثباتا في ذلك يتضح به الحال.
الرابع [حكم اللقيط]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يلحق بالمسلم الواجب الصلاة عليه الطفل البالغ ست سنين، و لا خلاف و لا اشكال فيه إذا كان متولدا من مسلم كما تقدم الكلام فيه.
فاما إذا كان لقيطا في دار الإسلام أو دار الكفر و فيها مسلم يمكن تولده منه ذكرا كان الملحق بالمسلم أو أنثى حرا كان أو عبدا فظاهر كلام الأصحاب انه كذلك ايضا تغليبا للإسلام، بل صرح جملة منهم بإلحاق الطفل المسبي المتولد من كافر بالسابي إذا كان مسلما فيتبعه في الطهارة و الحكم بالإسلام، و مقتضاه وجوب الصلاة عليه ايضا و قد قدمنا في آخر المسألة الثالثة من المسائل الملحقة بالفصل السابع في الكافر من المقصد الأول في النجاسات من كتاب الطهارة ضعف ما ذهبوا اليه من الحكم بالطهارة و الإسلام بالنسبة إلى المسبي و لحوقه بالسابي.
و أما حكم اللقيط في دار الإسلام أو دار الحرب و فيها من يمكن تولده منه من المسلمين فلا يحضرني الآن دليل من الأخبار يدل عليه، و الشهيدان في الذكرى و الروض انما عللاه بتغليب الإسلام، و أنت خبير بما في هذا التعليل العليل من عدم الصلاح لتأسيس الأحكام. و الله العالم.
المطلب الثاني- في من يصلي
و الكلام فيه يقع أيضا في مسائل
[المسألة] الأولى [أولى الناس بالميت]
- لا خلاف
382
بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما أعلم في أن أولى الناس بالميت يعنى الأحق بالقيام بأحكامه من غسل و صلاة و نحوهما أولاهم بميراثه يعنى ان من يرث من الأقرباء أولى ممن لا يرث بالكلية، و أما تقديم بعض الورثة على بعض فسيأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى.
قال في المدارك: و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب و ظاهرهم انه مجمع عليه، و استدلوا عليه بقوله تعالى «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» (1)
و ما رواه الكليني عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب».
و عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب».
و في الجميع نظر أما الآية الشريفة فلانتفاء العموم فيها على وجه يتناول موضع النزاع. و اما الروايتان فضعيفتا السند بالإرسال و اشتمال سند الثانية على سهل بن زياد و هو عامي، و مع ذلك فليس فيها تصريح بان المراد الأولوية في الميراث، مع ان مقتضى ما ذكروه من تقديم بعض الوراث على بعض كالأب على الابن و ان كان أقل نصيبا منه كون المراد بالأولى ذلك البعض لا مطلق الوارث. و لو قيل ان المراد بالأولى هنا أمس الناس بالميت رحما و أشدهم به علاقة من غير اعتبار لجانب الميراث لم يكن بعيدا. انتهى.
أقول: فيه (أولا) انه قد تقدم منه نظير هذا الكلام في مسألة غسل الميت في كتاب الطهارة و قد قدمنا ثمة (4) تحقيق الكلام في المقام و بينا ضعف ما توهمه و ان تبعه فيه جملة من الأعلام، و ملخصه ان المراد بالأولى في جميع أحكام الميت من غسل و صلاة و تلقين و قضاء عبادات و نحوها انما هو الولي المالك للتصرف و التدبير كولي الطفل و ليس المراد به الجري على صيغة التفضيل كما توهمه، و اما
____________
(1) سورة الأنفال الآية 76.
(2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة.
(4) ج 3 ص 378.
383
كون الولي المشار اليه هو من كان اولى بالميراث فقد دلت عليه صحيحة حفص التي قدمناها ثمة (1) و من أراد تحقيق الحال في صحة ما ذكرنا من المقال فليرجع الى الموضع المشار اليه من كتاب الطهارة.
ثم ان من قبيل الروايتين المذكورتين
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) «و يصلى عليه أولى الناس به».
و ثانيا- ان ما ذكره من عدم العموم في الآية على وجه يتناول موضع النزاع ممنوع لو كان المراد من الآية العموم كما توهمه إلا ان الأمر ليس كذلك بل الذي دلت عليه اخبار أهل البيت (عليهم السلام)- الذي نزل ذلك القرآن فيه فهم أعرف الناس بباطنه و خافية- ان مورد الآية انما هو بالنسبة إلى الميراث بمعنى ان من كان أقرب الى الميت في النسب فهو أولى بميراثه، و قد عرفت مما قدمناه سابقا من التحقيق و أشرنا إليه هنا ان ولى الميت المالك للتصرف في أموره هو الاولى بميراثه فتكون الآية بمعونة الأخبار الدالة على ما ذكرناه دالة ايضا على الأولوية في الأحكام المذكورة و ان كان بطريق الاشعار و الفحوى، لأنها قد دلت على ان الأقرب من أولى الأرحام هو الأولى بالميراث و كل من كان أولى بالميراث فهو الأولى بالميت في جميع أحكامه بالأخبار المشار إليها.
و أما الأخبار الواردة في معنى الآية فمنها-
ما رواه في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (3) قال «كان على (صلوات الله عليه) إذا مات مولى له و ترك ذا قرابة لم يأخذ من ميراثه شيئا و يقول وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» (4).
و ما رواه فيه عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال:
«قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في خالة جاءت تخاصم في مولى رجل فقرأ هذه الآية وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ» (6).
____________
(1) ج 3 ص 378.
(2) ص 20.
(3) الوسائل الباب 1 من ميراث ولاء العتق.
(4) سورة الأنفال الآية 76.
(5) الوسائل الباب 1 من ميراث ولاء العتق.
(6) سورة الأنفال الآية 76.
384
و في تفسير العياشي عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «الخال و الخالة يرثون إذا لم يكن معهم أحد غيرهم ان الله يقول «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ» (2) إذا التقت القرابات فالسابق أحق بالميراث من قرابته».
و المراد بالسابق يعنى الأقرب اليه.
و روى فيه عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «في قول الله عز و جل وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ (4) ان بعضهم أولى بالميراث من بعض لأن أقربهم إليه رحما أولى به».
و في تفسير الثقة الجليل على بن إبراهيم بن هاشم (5) ان هذه الآية نسخت قوله تعالى وَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمٰانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» (6).
و بمثل ذلك صرح شيخنا أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان (7) و نقله عن ابن عباس و الحسن و جماعة من المفسرين، و قال: قالوا صار ذلك نسخا لما قبله من التوارث بالمعاقدة و الهجرة و غير ذلك من الأسباب فقد كانوا يتوارثون بالمؤاخاة و ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان آخى بين المهاجرين و الأنصار. انتهى.
و مما يزيد ذلك إيضاحا و تأكيدا ان ثبوت الميراث بالقرابة و هم غير أصحاب الفروض انما استندوا فيه الى هذه الآية بإجماع الأصحاب و الأخبار التي ذكرنا بعضها في أصل المسألة.
و يمكن ان يقال ان المراد بالآية انما هو العموم و ورود هذا الفرد في هذه الأخبار لا يقتضي قصر الحكم عليه إذ لا دلالة في شيء منها على ذلك و انما غايتها الدلالة على دخول هذا الفرد تحت هذه الآية.
____________
(1) الوسائل الباب 5 من ميراث الأعمام و الأخوال.
(2) سورة الأنفال الآية 76.
(3) الوسائل الباب 8 من باب موجبات الإرث.
(4) سورة الأنفال الآية 76.
(5) تفسير الصافي عنه ص 121.
(6) سورة النساء الآية 37.
(7) ج 3- 4 ص 563.
385
و يؤيد ما قلناه ورود بعض الأخبار في استدلال على (عليه السلام) على استحقاق الإمامة وراثة من إبراهيم (على نبينا و آله و (عليه السلام) في مقام الرد على معاوية كما نقلناه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد.
و مما يزيد ما ذكرناه في أصل المسألة تأييدا و على منارة تشييدا
ما رواه في الكافي في الصحيح عن بريد الكناسي عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ابنك اولى بك من ابن ابنك و ابن ابنك أولى بك من أخيك. قال و أخوك لأبيك و أمك أولى بك من أخيك لأبيك. قال و أخوك لأبيك أولى بك من أخيك لأمك. قال و ابن أخيك لأبيك و أمك أولى بك من ابن أخيك لأبيك. قال و ابن أخيك من أبيك أولى بك من عمك. قال و عمك أخو أبيك من أبيه و امه أولى بك من عمك أخي أبيك من أبيه قال و عمك أخو أبيك لأبيه أولى بك من عمك أخي أبيك لأمه. قال و ابن عمك أخي أبيك من أبيه و امه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأبيه. قال و ابن عمك أخي أبيك من أبيه أولى بك من ابن عمك أخي أبيك لأمه».
فإن الأولوية في الخبر كما ترى دائرة مدار الإرث فمن كان الوارث فهو الأولى من غير الوارث.
و فيه دلالة ايضا على ان الأكثر إرثا أولى من الأقل كما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم).
و (ثالثا) ان ما طعن به على الخبرين المذكورين لا يقوم حجة على المتقدمين ممن لا أصل لهذا الاصطلاح عندهم و لا على من لا يقول به من المتأخرين بل و لا على من قال به منهم ايضا حيث ان ضعفهما مجبور بالاتفاق الذي قد حكاه في ما قدمناه من كلامه، على انه قد وافقهم في مواضع عديدة مما تقدم في العمل بالأخبار الضعيفة المجبورة باتفاق الأصحاب كما نبهنا عليه ثمة، بل تبعهم في بعض المواضع
____________
(1) الوسائل الباب 1 من موجبات الإرث و الباب 13 من ميراث الاخوة و الأجداد و 4 من ميراث الأعمام و الأخوال، و يرجع في ضبط اسم الراوي إلى ج 1 ص 82.
386
مع اعترافه بعدم الدليل لهم و قال انه لا خروج عن ما عليه الأصحاب، و لكنه (رضوان الله عليه) ليس له قاعدة يقف عليها و لا قاعدة يرجع إليها.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و اعلم ان ظاهر الأصحاب ان اذن الولي إنما تتوقف عليها الجماعة لا أصل الصلاة لوجوبها على الكفاية فلا تناط برأي أحد من المكلفين فلو صلوا فرادى بغير إذن أجزأ.
و قال في المدارك بعد نقل ذلك: و قد يقال انه لا منافاة بين كون الوجوب كفائيا و بين إناطته برأي بعض المكلفين على معنى انه ان قام به سقط الفرض عن غيره، و كذا ان اذن لغيره و قام به ذلك الغير، و إلا سقط اعتباره و انعقدت الصلاة جماعة و فرادى بغير اذنه، و مع ذلك فلا بأس بالمصير الى ما ذكره قصرا لما خالف الأصل على موضع الوفاق ان تم و حملا للصلاة في
قوله (عليه السلام) (1) «يصلى على الجنازة أولى الناس بها».
على الجماعة لأنه المتبادر. انتهى.
أقول: حيث قد اشتهر في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف أن أحكام الميت واجبة كفائية على كافة المسلمين ممن علم بالموت و ظاهر الخبرين المتقدمين اعنى بهما مرسلة ابن ابى عمير و البزنطي (2) اختصاص ولاية الصلاة بالولي حصل هذا الإشكال في المقام و احتيج إلى التفصي في الجواب عن ذلك، و ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض الجمع بين الأخبار بتخصيص أخبار الولي و من يأمره بالإمامة خاصة لا أصل الصلاة، و ظاهر كلام السيد السند هو تخصيص للوجوب كفاية بالولي بمعنى انه يجب على الولي أو من يأمره القيام بذلك، فان قام به سقط الفرض عن الغير و إلا سقط اعتبار الولي و وجب على الكافة صلاة كان أو غيرها.
و أنت خبير بأن منشأ الإشكال كما عرفت من دعوى كون أحكام الميت واجبة كفائية على جميع من علم بذلك، و هذه الدعوى لم نجد لها مستندا في الأخبار كما
____________
(1) ص 382.
(2) ص 382.
387
قدمنا ذكره و أوسعنا نشره في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة سوى ما يظهر من كلامه من الاتفاق على هذا الحكم حتى من متأخري المتأخرين الذين عادتهم المناقشة في طلب الدليل، فإنه لم يناقش أحد منهم في هذا الحكم بل تلقوه بالقبول و التسليم، و المفهوم من الاخبار الواردة في أحكام الأموات هو توجه الخطاب إلى الولي من غسل و صلاة و تكفين و تلقين و نحوها، و لو كان الأمر على ما ذكروه من الوجوب كفائيا على كافة المسلمين فكيف تخرج الاخبار في هذه الأحكام بما ذكرناه؟ و هم لما نظروا الى هذين الخبرين في مسألة الصلاة الدالين على اختصاص الولي بها أوردوا هذا الإشكال و أجابوا عنه بما عرفت، و الحال ان الأمر ليس مختصا بالصلاة كما لا يخفى على المتتبع بل هو عام لجملة أحكام الميت و حينئذ فقول شيخنا الشهيد الثاني في الجواب هنا بما ذكره و ان تم بالنسبة إلى الصلاة إلا انه لا يحسم مادة الإشكال بالنسبة إلى غيرها من الأحكام التي ورد الخطاب فيها للولي خاصة، و ما ذكره السيد السند جيد لو قام الدليل على الوجوب الكفائي الذي يدعونه.
نعم يمكن أن يقال بالوجوب على سائر المسلمين كفاية مع تعذر الولي أو إخلاله بالقيام بذلك كما تدل عليه أخبار العراة الذين مروا بميت قذفه البحر الى الساحل فإنهم أمروا بالصلاة عليه و دفنه (1) و نحوها ما تقدم
في صحيحة على بن جعفر في أكيل السبع تبقى عظامه (2) قال: «يغسل و يكفن و يصلى عليه و يدفن».
فإنها تدل بإطلاقها على ذلك،
و قوله (صلى الله عليه و آله) (3) «لا تدعوا أحدا من أمتي بغير صلاة».
و قول الباقر (عليه السلام) (4) «صل على من مات من أهل القبلة و حسابه على الله تعالى».
ثم انه مع وجود الولي فإن كان متصفا بشرائط الإمامة جاز له التقدم و الاستنابة و إلا تعين عليه الاستنابة و ليس لأحد أن يتقدم بدون إذنه.
بقي هنا شيء و هو ان ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط العدالة في إمام
____________
(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة.
(2) ص 375.
(3) في رواية السكوني ص 365.
(4) في رواية طلحة ص 364.
388
هذه الصلاة كالصلاة اليومية و غيرها من الصلوات، و يظهر من العلامة في المنتهى الاتفاق على ذلك.
و قال في الذخيرة: و لولا ذلك- يعنى دعوى الاتفاق- لكان للمنازعة فيه مجال لعموم النص و عدم كونها صلاة حقيقة فلا يعتبر فيها ما يعتبر في الصلاة الحقيقية كما يستفاد من بعض الاخبار السابقة. انتهى.
أقول: و ما ذكره لا يخلو من قرب لما تكرر في الاخبار من
قولهم (عليهم السلام) (1) «انما هو تكبير و تسبيح كما تسبح في بيتك من غير طهر».
و نحو ذلك مضافا الى عدم ما يدل على ما ذكروه في شيء من اخبار هذه الصلاة، و كأنهم نظروا الى مجرد صدق الصلاة عليها.
المسألة الثانية [مراتب أولياء الميت]
- قد صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الأب أولى من الابن، و الوالد أولى من الجد و الأخ و العم، و الأخ من الأب و الام أولى ممن يتقرب بأحدهما.
و الأول متفق عليه كما نقله في المدارك، و استدل عليه بان الأب أشفق على الميت من الابن و ارق عليه فيكون دعاؤه أقرب الى الإجابة. و رد بان ذلك انما يصلح توجيها للنص لا دليلا برأسه. و علل الثاني بما تقدم من الأولوية في الميراث و نقل عن ابن الجنيد انه جعل الجد هنا أولى من الأب و الابن محتجا بان منصب الإمامة أليق بالأب من الولد و الجد أب الأب فكان أولى من الأب.
و رده في المختلف بأن الأولى بالميراث أولى لعموم الآية (2).
قال في المدارك بعد نقل كلام المختلف: و قد عرفت ما فيه. و على ما احتملناه من معنى الأولوية يقرب ما ذكره ابن الجنيد.
أقول: قد عرفت مما قدمناه صحة الاستدلال بالآية على ما ذكره الأصحاب
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
(2) «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» سورة الأنفال الآية 76.
389
(رضوان الله عليهم) بمعونة الأخبار المتقدمة، و قد عرفت ان ما احتمله في معنى الاولى ساقط لا اعتماد عليه، و ان ما ذكره الأصحاب من أن الولي هو الأولى بالميراث هو الظاهر من الاخبار. على ان ما احتمله لا ينطبق على مذهب ابن الجنيد لانه فسر الأولى- كما تقدم- بمن كان أمس الناس بالميت رحما و أشدهم به علاقة، و لا ريب ان أبا الميت أشد به علاقة و أمس به رحما.
و علل تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب خاصة بأنه لا يرث معه و اما على الأخ من الام فعلله في المنتهى بأنه أكثر نصيبا في الميراث، و بان الأم لا ولاية لها في الصلاة فمن يتقرب بها أولى.
أقول: و الوجه هو التعليل الأول كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في المقام و الثاني و ان قال في المدارك انه لا بأس به فالبأس فيه أظهر من أن يخفى على ذوي الأفهام، فإن ما ذكره من الأولوية لا وجه له مع عدم صحة بناء الأحكام الشرعية على أمثال هذه التعليلات العليلة.
و نقل في المعتبر عن الشيخ في المبسوط انه قال: الأب أولى الأقارب ثم الولد ثم ولد الولد ثم الجد من قبل الأب ثم الأخ من قبل الأب و الام ثم الأخ من قبل الأب ثم الأخ من قبل الام ثم العم ثم الخال ثم ابن العم ثم ابن الخال، ثم قال و بالجملة من كان أولى بميراثه كان أولى بالصلاة عليه.
قال في المدارك: و مقتضى ذلك ان ترتب الأولياء على هذا الوجه لأولوية الإرث و هو مشكل فإنه ان أراد بالأولوية ان من يرث أولى ممن لا يرث لم يلزم منه أولوية بعض الورثة على بعض كالأب على الابن و الجد على الأخ و العم على الخال، و ان أراد بها كثرة النصيب انتقض بالأب فإنه أولى من الابن مع انه أقل نصيبا منه، و كذا الجد فإنه أولى من الأخ مع تساويهما في الاستحقاق. إلا ان يقال ان التخلف في هاتين الصورتين لعارض و هو قوة جانب الأب و الجد باختصاصهما بزيادة الحنو و الشفقة و حصول النسل منهما، لكن في ذلك خروج
390
عن اعتبار الإرث. و لو حمل الاولى هنا على المعنى الذي ذكرناه وجب الرجوع في تحقيق الأولوية إلى العرف و سقط جانب الإرث مطلقا. انتهى كلامه (زيد مقامه).
أقول: لا يخفى على من تأمل في ما حققناه في المقام مما دلت عليه اخبارهم (عليهم السلام) و لا سيما صحيحة بريد الكناسي (1) ان ولى الميت هو الاولى بميراثه بمعنى من يرث دون من لا يرث.
و يستفاد من صحيحة بريد المذكورة انه مع تعدد الوارث فمن كان أكثر نصيبا فهو الولي كما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) و به صرح في المنتهى في ما قدمنا نقله عنه، و أشرنا إلى انه هو الوجه في ما علل به الحكم المتقدم لهذه الصحيحة الصريحة في ذلك.
و اما مع تساوى الورثة في الميراث فالمفهوم من
صحيحة محمد بن الحسن الصفار المروية بطرق المشايخ الثلاثة (2)- قال: «كتبت الى ابى محمد الحسن (عليه السلام) رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام و له وليان هل يجوز لهما ان يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين و خمسة أيام الآخر؟ فوقع (عليه السلام): يقضى عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء ان شاء الله تعالى».
و نحوه
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) «و إذا كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجلين أن يقضى عنه فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء».
- ان الولي شرعا هو الأكبر.
كما انه مع تعددهم ذكورة و أنوثة فالولاية للذكر دون الأنثى كما تشعر به
صحيحة حفص الواردة في القضاء ايضا (4) لقوله فيها: «قلت ان كان أولى الناس به امرأة
____________
(1) ص 385.
(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان. و في الفروع ج 1 ص 197 و التهذيب ج 1 ص 421 كما في الوسائل أيضا هكذا «كتبت الى الأخير (عليه السلام)» نعم في الفقيه ج 2 ص 98 التصريح بالاسم المبارك.
(3) ص 25.
(4) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
391
فقال لا إلا الرجال».
فإنها شاملة بإطلاقها لما لو اختصت بالولاية أو شاركها رجل، و التقريب فيها ان ولى الميت المخاطب بوجوب القضاء عنه هو الذي جعل إليه أحكام الميت من غسل و تكفين و تلقين و صلاة و نحوها كما تقدم تحقيقه.
بقي الإشكال في ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) من صورة اجتماع الأب و الابن فإنهم جزموا بأن الولاية للأب إلا انهم لم يأتوا عليه بدليل سوى ما عرفت من ذلك التخريج العليل، و هو كما ترى مخالف لمقتضى القاعدة المستفادة من الصحيحة المتقدمة (1) من حيث انه يفهم منها ان الأكثر نصيبا من الوارث هو الولي للميت و بموجبه تكون الولاية للولد دون الأب. و بالجملة فإنه لا مستند لهذا الحكم مع مخالفته لظاهر الصحيحة المذكورة إلا مجرد كلام الأصحاب و فيه ما لا يخفى على ذوي الأفهام و الألباب. و يعضد ما ذكرناه تصريح النص بسقوط ولاية الأب مع الزوج و عليه الأصحاب من غير خلاف يعرف، فيمكن أن يكون مع الولد كذلك. و الله العالم.
المسألة الثالثة [في أن الزوج أولى بزوجته و المناقشة في ذلك]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الزوج أولى بزوجته من جميع قراباتها، قال في الذكرى لا أعرف فيه مخالفا من الأصحاب. و قال في المدارك: هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب.
أقول: و الذي يدل عليه من الاخبار
ما رواه المشايخ الثلاثة في الكتب الثلاثة عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له المرأة تموت من أحق الناس بالصلاة عليها؟ قال زوجها. قلت الزوج أحق من الأب و الولد و الأخ؟
قال نعم و يغسلها».
و يعضد هذه الرواية
ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال «الزوج أحق بامرأته حتى يضعها في قبرها».
و اعترض في المدارك هنا بان الرواية ضعيفة السند لاشتراك راويها و هو
____________
(1) ص 385.
(2) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة.
392
أبو بصير بين الثقة و الضعيف، بل الظاهر انه الضعيف الضرير بقرينة أن الراوي عنه قائده و هو على بن أبي حمزة البطائني، و قال النجاشي انه كان أحد عمد الواقفية، و في الطريق القاسم بن محمد و هو واقفي أيضا، قال
و روى الشيخ في الصحيح عن حفص ابن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في المرأة تموت و معها أخوها و زوجها أيهما يصلى عليها؟ فقال أخوها أحق بالصلاة عليها».
و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة على المرأة الزوج أحق بها أو الأخ؟ قال الأخ».
ثم أجاب عنهما بالحمل على التقية (3) و هو يتوقف على وجود المعارض. انتهى أقول: لا يخفى ان المعارض عند الشيخ و أمثاله من المتقدمين ممن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح موجود، و كذا عند من يعمل به بالنظر الى جبر الخبر باتفاق الأصحاب على العمل بمضمونه، و لا سيما ان الرواية قد رواها المشايخ الثلاثة بأسانيد عديدة، و هو من أقوى المرجحات لصحتها و ثبوتها و لا سيما صاحب الفقيه بناء على ما قدمه في صدر كتابه من القاعدة التي قد احتج بها السيد المذكور في جملة من المواضع لجبر الخبر الضعيف الذي يتمسك به، و ما تضمنته الرواية متفق عليه بين الأصحاب سلفا و خلفا كما يشير اليه كلامه المتقدم نقله، و لكنه لما رأى صحة سند رواية حفص المذكورة جمد عليها كما هي عادته من دورانه مدار صحة السند و ان اشتمل المتن على خلل و علل، و قد تقدم منه في مسألة غسل الميت من كتاب الطهارة المناقشة في ذلك ايضا استنادا إلى الصحيحة المذكورة بعد أن أورد دليلا للقول المشهور رواية إسحاق بن عمار المتقدمة ثم نقل عن المعتبر ان مضمون الرواية متفق عليه. ثم قال: قلت ان كانت المسألة إجماعية فلا بحث و إلا أمكن المناقشة فيها بضعف السند. و نحن قد قدمنا في غير مقام ان هذه المناقشات الواهية لا تقوم حجة على المتقدمين لعدم الدليل على هذا الاصطلاح، و اما المتأخرون فضعف هذه الاخبار عندهم مجبور بالاتفاق على القول بمضمونها، و الحكم بما دلت
____________
(1) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 24 من صلاة الجنازة.
(3) ارجع الى التعليقة 1 ص 393.
393
عليه الصحيحة التي جمد عليها معمول عليه عند العامة (1) و قد تقرر في القاعدة المنصوصة عن أهل البيت (عليهم السلام) عرض الأخبار على مذهبهم و الأخذ بخلافه (2) و مقتضاه حمل الصحيحة المذكورة على التقية كما ذكره الشيخ.
و كيف كان فإطلاق الأخبار التي هي مستند الحكم المذكور دال على انه لا فرق بين الدائم و المستمتع بها و لا بين الحرة و المملوكة، فعلى هذا يكون الزوج أولى من سيد المملوكة لو كانت لغيره.
و لا يلحق بالزوج الزوجة في هذا الحكم لعدم النص، و ذهب بعض الأصحاب إلى مساواتها للزوج لشمول اسم الزوج لها لغة كما قال الله تعالى «وَ أَصْلَحْنٰا لَهُ زَوْجَهُ» (3) و يضعف بان ذلك انما يتم مع إطلاق ولاية الزوج لا مع التصريح بأنه أحق بامرأته كما تضمنه الخبران اللذان هما مستند الحكم المذكور (4).
المسألة الرابعة [الإمام الأصل أولى من الولي]
- لو حضر إمام الأصل فإنه أولى من الولي كائنا من كان لقيامه مقام النبي (صلى الله عليه و آله) الذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم (5).
و قوله (صلى الله عليه و آله) (6) في خطبة الغدير «أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى
____________
(1) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 481 «عند الحنفية و الحنابلة الزوج يتأخر في الصلاة على الميت عن ذوي الأرحام، و عند الشافعية يتقدم الأولى فالأولى في الميراث و عند المالكية بعد ان ذكر الترتيب في من يصلى عليه من السلطان و غيره قال لا حق لزوج الميت في التقدم» و في المغني ج 2 ص 483 «اما زوج المرأة و عصبتها فظاهر كلام الخرقي تقديم العصبات و هو أكثر الروايات عن احمد و هو قول سعيد بن المسيب و الزهري و بكير ابن الاشبح و مذهب أبي حنيفة و مالك و الشافعي إلا أن أبا حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها، و روى عن احمد تقديم زوج المرأة على العصبات لأن أبا بكر صلى على امرأته و لم يستأذن إخوتها».
(2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضى به.
(3) سورة الأنبياء الآية 9.
(4) ص 391.
(5) لقوله تعالى في سورة الأحزاب الآية 6 «النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ».
(6) الغدير لآية الله الأميني ج 1 ص 11 و ص 294 الى 313.
394
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال من كنت مولاه فعلى مولاه».
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن طلحة بن زيد عن الصادق (عليه السلام) (1) قال:
«إذا حضر الإمام الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر سلطان من سلطان الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها ان قدمه ولى الميت و إلا فهو غاصب».
فان الظاهر ان المراد بالسلطان هنا هو الامام المعصوم لان سلطنته من جهة الله تعالى على عباده سلطنة حقيقية.
و ظاهر إطلاق الخبر الأول عدم التوقف على اذن الولي، و هو ظاهر ابى الصلاح حيث قال: الإمام أولى فإن تعذر حضوره و اذنه فولي الميت. إلا ان ظاهر الخبر الثاني التوقف على الاذن فان لم يأذن له الولي فإنه يكون غاصبا لحق الامام (عليه السلام) و هذا هو المنقول عن الشيخ في المبسوط استنادا الى الخبر المذكور و به صرح العلامة في المنتهى.
و ظاهر الشهيد في الذكرى العمل على الخبر الأول و تأول الخبر الثاني بالحمل على غير إمام الأصل، قال لان تنكيره مشعر بالكثرة و فيه اشعار باستحباب تقديم الولي إياه. انتهى.
و الظاهر بعده فان نسبة السلطنة إلى كونها من الله عز و جل لا تتبادر إلا الى امام الأصل، و الأخبار المتقدمة قد عرفت صراحتها مع كثرتها و استفاضتها في أن الاولى بالميت هو الأولى بميراثه من غير تقييد إلا ان قضية أولويته (عليه السلام) مطلقا بالناس من أنفسهم تمنع من توقف تقديمه على الاذن. و بذلك يظهر ان المسألة لا تخلو من شوب الإشكال.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في الروض عدم التوقف على اذن الولي في الصورة
____________
(1) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجنازة.
395
المذكورة كما اختاره في الذكرى.
و كيف كان فالكلام في هذه المسألة تكلف مستغنى عنه الآن الى ان يظهر صاحب الزمان (عجل الله فرجه).
و نقل عن ابن الجنيد ان الأولى الإمام ثم خلفاؤه ثم إمام القبيلة كباقي الصلوات أقول: و في هذا إسقاط لولاية الولي المنصوص عليه إلا ان يخص بفقده أو طفوليته و عدم لياقته للصلاة و الاذن فيها.
المسألة الخامسة [هل يجب تقديم الهاشمي لو حضر الصلاة على الميت؟]
- قال الشيخ المفيد: إذا حضر الصلاة رجل من بنى هاشم كان اولى بالتقديم للصلاة عليه بتقديم وليه له، و يجب على الولي تقديمه و ان لم يقدمه لم يجز له التقدم.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: فإن أراد المفيد (قدس سره) بالرجل الذي أشار إليه إمام الأصل فهو حق و إلا فهو ممنوع بل الأولى للولي التقديم اما الوجوب فلا، لنا عموم الآية (1) انتهى.
و قال في الذكرى: قال ابن بابويه و الشيخان و الجعفي و اتباعهم الهاشمي أولى و بالغ المفيد (قدس سره) فأوجب تقديمه، و ربما حمل كلامه على إمام الأصل و هو بعيد لانه قال: «و ان حضر رجل من فضلاء بنى هاشم» و هو صريح في كل واحد من فضلائهم، و لم أقف على مستنده، و الصدوق عزاه إلى أبيه في رسالته، و لم يذكر في التهذيب عليه دليلا،
و في المعتبر احتج بما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «قدموا قريشا و لا تقدموها».
____________
(1) «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ» سورة الأنفال الآية 76.
(2)
في الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 85 عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه و آله) «قدموا قريشا و لا تقدموها و تعلموا منها و لا تعلموها».
و فيه عن عبد الله بن السائب «قدموا قريشا و لا تقدموها و تعلموا من قريش و لا تعلموها، و لو لا ان تبطر قريش لاخبرتها ما لخيارها عند الله تعالى».
و فيه عن على (عليه السلام) «قدموا قريشا و لا تقدموها و لولا ان تبطر قريش لاخبرتها بما لها عند الله تعالى».
قال المناوى في شرح الجامع الصغير ج 4 ص 512 استدل بهذه الأحاديث على تقديم قول الشافعي على غيره و رده عياض بان المراد منها الخلافة و قد قدم النبي (صلى الله عليه و آله) ابن حذيفة في الصلاة و خلفه قريش.
396
و لم نستثبته في رواياتنا مع انه أعم من المدعى. انتهى.
أقول: قال الصدوق في الفقيه: و قال ابى في رسالته الى: اعلم يا بنى ان أولى الناس بالصلاة على الميت من يقدمه ولى الميت، فان كان في القوم رجل من بنى هاشم فهو أحق بالصلاة عليه إذا قدمه ولى الميت فان تقدم من غير أن يقدمه ولى الميت فهو غاصب. انتهى.
و هذه العبارة عين عبارة كتاب الفقه الرضوي بتغيير ما
حيث قال (عليه السلام) (1) و اعلم ان أولى الناس بالصلاة على الميت الولي أو من قدمه الولي، فإن كان في القوم رجل من بنى هاشم فهو أحق بالصلاة عليه إذا قدمه الولي فإن تقدم من غير ان يقدمه الولي فهو غاصب.
انتهى.
و من ذلك علم ان مستند الشيخ على بن بابويه في ما ذكره في الرسالة و الشيخ المفيد في ما تقدم نقله عنه انما هو هذا الكتاب كما أشرنا إليه في غير مقام، إلا ان الكتاب المذكور حيث لم يصل الى المتأخرين أنكروا الوقوف على المستند.
و لعل السبب في عدم اشتهار هذا الكتاب و وصوله الى الشيخ الطوسي (قدس سره) و من كان في عصره هو ان نسخة الكتاب في الصدر الأول لعلها كانت عزيزة الوجود و لم تصل إلا الى الشيخ على بن بابويه و ابنه الصدوق، و لما كان كل منهما قد أخذ عبائر الكتاب و افتى بها كما حكيناه في غير موضع مما تقدم و سيأتي في هذا الكتاب و في كتاب الزكاة و الحج و الصوم و نحو ذلك ايضا اخفيا الكتاب فلم ينتشر و لم يشتهر الى هذا العصر الأخير كما ذكره شيخنا غواص بحار الأنوار في مقدمة كتاب البحار و كذا أبوه (قدس سره) كما وجدته بخطه من حكاية أصل الوقوف على الكتاب المذكور، و لذا لم تر لنقل عبائره و الاستدلال بها أثرا في غير كلام الصدوقين و ان وجد قليلا في عبائر الشيخ المفيد (قدس سره) ايضا، و لعله
____________
(1) ص 19.
397
للأخذ عنهما. و الله العالم.
المسألة السادسة [هل تنفذ وصية الميت بصلاة شخص معين عليه؟]
- لو اوصى الميت الى شخص بان يصلى عليه فالمنقول عن ابن الجنيد وجوب تقديمه، قال في المختلف: قال ابن الجنيد الموصى إليه أولى بالصلاة من القرابات. و لم يعتبر علمائنا ذلك، لنا عموم قوله تعالى «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» (1) احتج بعموم قوله «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ» (2) و الجواب الوجوب مختص بالحقوق لقوله «إِنْ تَرَكَ خَيْراً» انتهى.
و نقل عنه في الذكرى الاستدلال باشتهار ذلك بين السلف كوصية الأول بصلاة الثاني و وصية الثاني بصلاة صهيب و وصية عائشة بصلاة أبي هريرة و وصية ابن مسعود بصلاة الزبير و وصية ابن جبير بصلاة انس و وصية أبي شريحة بصلاة زيد ابن أرقم فجاء عمرو بن حريث أمير الكوفة ليتقدم فأعلمه بوصيته فقدم زيدا (3) و لأن إيصاءه إليه لظنه فيه مزية فلا ينبغي منعه منها. ثم قال في الذكرى: و الفاضل (قدس سره) قال الوارث أولى و هو أقرب للآية و الخبر (4) و فعل المذكورين ليس حجة و جاز أن يكون برضاء الوارث و نحن لا نمنعه إذا رضي بل يستحب له إنفاذه مع الأهلية. انتهى.
و هو جيد.
و الأظهر التمسك في ذلك بالأخبار الدالة على اختصاص الصلاة بمن هو الأولى بالميراث كما تقدم تحقيقه في المسألة الاولى، و تخصيصها يحتاج الى دليل واضح. و عموم آية «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ» (5) معارض بعموم «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ» (6).
____________
(1) سورة الأنفال الآية 76 و سورة الأحزاب الآية 6.
(2) سورة البقرة الآية 177.
(3) ذكر ذلك كله في المغني ج 2 ص 48.
(4) اما الآية فقوله تعالى «وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ» في سورة الأنفال الآية 76، و اما الخبر فروايتان ابن ابى عمير و البزنطي المتقدمتان ص 382.
(5) سورة البقرة الآية 177.
(6) سورة الأنفال الآية 76 و سورة الأحزاب الآية 6.
398
و شيخنا الشهيد الثاني في الروض اقتصر على نقل القولين و دليلهما و لم يرجح شيئا في البين.
المسألة السابعة- لو تساوى الأولياء في مرتبة الولاية
قال الشيخ في المبسوط و الخلاف يقدم الأقرأ فالأفقه فالأسن، و تبعه الفاضلان في المعتبر و التذكرة لعموم
قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «يؤمكم أقرؤكم».
و زاد في المبسوط بعد الأسن قال: فان تساووا أقرع بينهم.
و قال فيه ايضا ان الحر أولى من العبد و الذكر أولى من الأنثى إذا كان ممن يعقل الصلاة. و تبعه ابن إدريس. و هو يشعر بان التمييز كاف في الإمامة كما افتى به في المبسوط و الخلاف في جماعة اليومية.
أقول: أما أولوية الذكر على الأنثى فقد صرح به جملة منهم (رضوان الله عليهم) بل قال في المنتهى انه لا خلاف فيه، و حكى بعض المتأخرين قولا باشتراك الورثة في الولاية.
و استدل في المدارك للقول الأول قال و ربما كان مستنده
قوله (عليه السلام) (2) «يصلى على الجنازة أولى الناس بها».
و مع وجود الذكر يصدق كونه أولى فيتعلق به الحكم.
و فيه ان ما ذكره نوع مصادرة فإنه عين الدعوى، فإن أراد باعتبار كون الذكر أكثر ميراثا فهو لا يتم كليا لتخلفه في ما لو انحصرت الولاية في الأخ من قبل الام مع الأخت من قبل الأبوين فإنها أكثر ميراثا و بموجبه تكون الولاية لها دونه. نعم يمكن استفادة ما ذكره من صحيحة حفص بالتقريب الذي ذكرناه فيها كما تقدم في المسألة الثانية (3).
هذا إذا كانت الأنثى في طبقة الذكر كما هو المفروض و ان كانت جملة من عبائر الأصحاب مطلقة في ذلك.
أما لو لم يكن في طبقتها ذكر فالظاهر اختصاصها بالولاية
____________
(1)
في سنن ابى داود ج 1 ص 159 عنه (صلى الله عليه و آله) «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ...
(2) ص 382.
(3) ص 390.
399
لما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت المرأة تؤم النساء؟ قال لا الا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهن في الصف فتكبر و يكبرن».
و رواه الشيخ بسند آخر في الموثق و بسند ثالث في الضعيف (2).
و أما أولوية الحر على العبد و ان كان العبد أقرب فالظاهر انه لا خلاف فيه لانه لا يرث مع الحر، و يعضده انه محجور من التصرف في نفسه فكذا في غيره.
و أما ما ذكروه- من تقديم الاقرأ فالأفقه فالأسن كما قدمناه و هو خيرة الأكثر أو تقديم الأفقه ثم الاقرأ ثم الأسن كما هو خيرة العلامة في القواعد و التحرير و المحقق في الشرائع- فلم نقف له على نص في هذا المقام، و كأنهم بنوا الحكم هنا على ما ذكروه في جماعة اليومية.
قال في الذكرى بعد ذكر نحو ما ذكرنا: و لم نقف لهم على مأخذ ذلك في خصوصية الجنازة، و ظاهرهم إلحاقها بجماعة المكتوبة و هي مرجحة بهذه الأوصاف كلها، و لكن ذكر العبد هنا مشكل لانه لا إرث له فيخرج عن الولاية. و المحقق في الشرائع قدم الأفقه على الأقرأ، و هو متوجه لأن القراءة هنا ساقطة إلا انه خلاف فتوى الأصحاب بتقديم الأقرأ في الجماعة على الإطلاق و خلاف فتواه و فتوى الشيخ في هذه المسألة. انتهى.
و ما علل به توجه تقديم الأفقه على الأقرأ من أن القراءة هنا ساقطة قد أورد عليه بان مرجحات القراءة معتبرة في الدعاء و لو لا ذلك لسقط الترجيح بالقراءة مطلقا، و انتقل جماعة: منهم- الشيخ إلى القرعة بعد التساوي في السن كما تقدم ذكره، و اعتبر بعضهم بعد الأسن الأقدم هجرة ثم الأصبح وجها، لما سيأتي ان شاء الله تعالى في باب الجماعة منقحا موضحا.
المسألة الثامنة [كيفية وقوف المأموم في صلاة الجنازة]
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو كان المؤتم في صلاة الجنازة واحدا وقف خلف الامام و لم يقف الى جنبه كما في جماعة اليومية،
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجنازة و 20 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجنازة و 20 من صلاة الجماعة.
400
و إذا اقتدى النساء بالرجل وقفن خلفه و لو كان فيهن حائض انفردت عن صفهن استحبابا، و لو اجتمع الرجال و النساء وقفن النساء خلف الرجال.
و الذي يدل على الحكم الأول
ما رواه ثقة الإسلام و الصدوق عن اليسع بن عبد الله القمي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يصلى على الجنازة وحده؟
قال نعم. قلت فاثنان يصليان عليها؟ قال نعم و لكن يقوم الآخر خلف الآخر و لا يقوم بجنبه».
و على الحكم الثاني ما سيأتي في باب الجماعة من أن مواقف النساء خلف الرجال و عدم جواز محاذاة المرأة للرجل.
و على الحكم الثالث
ما رواه الشيخ في الحسن عن محمد بن مسلم (2) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تصلي على الجنازة؟ قال نعم و لا تقف معهم و تقف مفردة».
و على الحكم الرابع
ما رواه الكليني عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) خير الصفوف في الصلاة المقدم و خير الصفوف في الجنائز المؤخر. قيل يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم؟ قال صار سترة للنساء».
أقول: ما دلت عليه هذه الرواية بظاهرها- من ان أفضل الصفوف في صلاة الجماعة اليومية الصف الأول و هو الأقرب الى القبلة و في صفوف صلاة الجنائز هو الصف الأخير- هو الذي عليه جملة الأصحاب استنادا الى هذه الرواية.
إلا ان شيخنا المجلسي في كتاب البحار قد استظهر من الخبر معنى آخر و طعن في المعنى المشهور بوجوه ذكرها ثمة.
قال: و الذي يفهم من الرواية و هو الظاهر منها لفظا و معنى ان المراد بالصفوف
____________
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجنازة.
401
في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة و غيرها، و المراد بصفوف الجنائز انما هو الجنائز المختلفة إذا وضعت بين يدي الإمام للصلاة عليها، و ان المراد خير الصفوف في الصلاة الصف المقدم أى ما كان أقرب الى القبلة و خير الصفوف في الجنائز المؤخر أي ما كان أبعد من القبلة و أقرب الى الامام، و لما كان الأشرف في جميع المواضع متعلقا بالرجال صار كل من الحكمين سببا لستره النساء لأن تأخرهن في الصفوف سترة لهن و تأخر جنائزهن لكونه سببا لبعدهن عن الرجال المصلين سترة لهن، فاستقام التعليل في الجزأين و سلم الكلام عن ارتكاب الحذف و المجاز و صار الحكم مطابقا لما دلت عليه الأخبار. و العجب من الأصحاب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال الظاهر و ذهبوا الى ما يحتاج الى تلك التكلفات البعيدة الركيكة، فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين. انتهى. و هو جيد كما لا يخفى على الفطن النبيه.
إلا انه قال (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (1) «و أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير».
و هو كما ترى موافق لما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) و فهموه من خبر السكوني.
و قال الصدوق في الفقيه: و أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير و العلة في ذلك ان النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز
فقال النبي (صلى الله عليه و آله) «أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير».
فتأخرن إلى الصف الأخير فبقي فضله على ما ذكره (عليه السلام). و صدر عبارته كما ترى عين عبارة كتاب الفقه.
و من الظاهر ان العلة التي ذكرها إنما أخذها من نص و صل اليه بذلك لانه من أرباب النصوص الذين لا يعولون إلا عليها بالخصوص دون التخريجات العقلية و حينئذ فتكون هذه رواية ثانية مطابقة لما في كتاب الفقه، و ما ذكره شيخنا المشار اليه و ان تم في رواية السكوني إلا انه لا يتم في هذين الخبرين.
____________
(1) ص 19.
402
و يمكن الجمع بين ما ذكره و ذكرناه بان ما ذكره المتقدمون من هذا الحكم لا ينحصر دليله في الرواية المذكورة، لما عرفت في غير موضع انه كثيرا ما يذكرون الأحكام التي لم تصل أدلتها إلى المتأخرين فيعترضونهم تارة بعدم وجود الدليل- و دليله موجود في هذا الكتاب كما مر بيانه في غير مقام- و ربما يتكلفون لهم الاستدلال بخبر أو دليل عقلي، و من المحتمل ان الأمر هنا من هذا القبيل فإن المتأخرين حيث لم يصل إليهم إلا هذا الخبر استدلوا به ظنا منهم انه الدليل و الحال ان الدليل شيء غيره مما ذكرناه، و الخبر المذكور انما خرج على الوجه الذي ذكره شيخنا المشار اليه. و الله العالم.
المطلب الثالث- في الكيفية
و هي على ما تضمنه كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان يكبر تكبيرة الإحرام ثم يتشهد عقيبها الشهادتين ثم يكبر ثانية ثم يصلى على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم يكبر ثالثة و يدعو للمؤمنين و المؤمنات ثم يكبر رابعة و يدعو للميت ان كان مؤمنا ثم خامسة و ينصرف.
و المستند في هذه الكيفية
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن محمد بن مهاجر عن امه أم سلمة (1) قالت «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى على ميت كبر و تشهد ثم كبر و صلى على الأنبياء و دعا ثم كبر و دعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة و دعا للميت ثم كبر و انصرف، فلما نهاه الله عن الصلاة على المنافقين كبر و تشهد ثم كبر و صلى على النبيين ثم كبر و دعا للمؤمنين ثم كبر الرابعة و انصرف».
و رواه الصدوق في العلل (2) بوجه أبسط و فيه في التكبير الثاني على المؤمن «فصلى على النبي (صلى الله عليه و آله)» عوض قوله في رواية الكافي «على الأنبياء» و مثلها في الصلاة على المنافق.
و في الفقيه (3) نقل متن الخبر قال: و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى على ميت. و ساق الخبر، و فيه في التكبير الثاني في الموضعين «ثم كبر
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة. و في آخر الرواية هكذا «و لم يدع للميت».
(2) ص 109.
(3) ج 1 ص 100.
403
فصلى على النبي (صلى الله عليه و آله)».
و في معنى هذه الرواية
ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسماعيل بن همام عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على جنازة فكبر عليه خمسا و صلى على آخر فكبر عليه أربعا، فأما الذي كبر عليه خمسا فحمد الله و مجده في التكبيرة الاولى و دعا في الثانية للنبي (صلى الله عليه و آله) و دعا في الثالثة للمؤمنين و المؤمنات و دعا في الرابعة للميت و انصرف في الخامسة. و اما الذي كبر عليه أربعا فحمد الله و مجده في التكبيرة الأولى و دعا لنفسه و أهل بيته (صلى الله عليه و آله) في الثانية و دعا للمؤمنين و المؤمنات في الثالثة و انصرف في الرابعة و لم يدع له لأنه كان منافقا».
و تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مواضع
[الموضع] (الأول) [هل يجب الدعاء بين التكبيرات في صلاة الميت؟]
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الدعاء بين التكبيرات، بل قال في الذكرى ان الأصحاب بأجمعهم يذكرون ذلك في كيفية الصلاة كابني بابويه و الجعفي و الشيخين و أتباعهما و ابن إدريس و لم يصرح أحد منهم بندب الأذكار، و المذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب. و ذهب المحقق في الشرائع صريحا و في النافع ظاهرا الى الاستحباب.
و الأظهر الأول لوقوع الأمر به في الأخبار المتكاثرة الآتية في المقام و وقوع ذلك في بيان كيفية الواجب كما
في رواية أبي بصير (2) «انها خمس تكبيرات بينهن أربع صلوات».
و لم نقف لما ذكره المحقق على مستند واضح إلا انه قال السيد السند في المدارك:
و ربما كان مستنده إطلاق الروايات المتضمنة لأن الصلاة على الميت خمس تكبيرات الواردة في مقام البيان الدالة بظاهرها على عدم وجوب ما عدا ذلك. انتهى.
أقول: و من الأخبار المشار إليها
ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة رقم 12.
404
ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «التكبير على الميت خمس تكبيرات».
و في معناها غيرها.
و أنت خبير بأن إطلاق هذه الاخبار يجب تقييده بما أشرنا إليه من تلك الأخبار حملا للمطلق على المقيد كما هي القاعدة المسلمة بينهم. و ما ذكره من كون هذه الأخبار واردة في مقام البيان يمكن أن يجاب عنه بعد الإغماض عما ذكرنا بأنه من الجائز ان المراد انما هو بيان كمية التكبير لوقوع الاختلاف فيه بين الخاصة و العامة (2) لا بيان كيفية الصلاة كما ادعاه. و ظاهر صاحب المدارك حيث نقل الحجة المذكورة للمحقق و لم يطعن فيها بشيء الجمود عليها، و فيه ما عرفت.
[الموضع] الثاني [هل يتعين في الدعاء شيء مخصوص على القول بالوجوب؟]
- انه على تقدير القول بالوجوب فهل يتعين فيها شيء مخصوص أم لا؟
ظاهر المشهور بين المتأخرين الأول، فإنه قد صرح العلامة و من تأخر عنه
____________
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(2) في بدائع الصنائع ج 1 ص 312 «اختلفت الروايات في فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) فروى عنه الخمس و السبع و التسع و أكثر من ذلك إلا ان آخر فعله (صلى الله عليه و آله) كان اربع تكبيرات، و عمر جمع الصحابة حين اختلفوا في عدد التكبير و قال انكم اختلفتم في عدد التكبير و من يأتي بعدكم يكون أشد منكم اختلافا فانظروا آخر صلاة صلاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) على جنازة فخذوا به فوجدوه انه (صلى الله عليه و آله) صلى على امرأة فكبر أربعا فاتفقوا على ذلك فكان هذا دليلا على كون التكبيرات في صلاة الجنازة أربعا» و في شرح صحيح مسلم للنووي على هامش إرشاد الساري ج 4 ص 284 «كان النبي (صلى الله عليه و آله) يكبر أربعا و خمسا و ستا و سبعا و ثمانيا حتى مات النجاشي فكبر عليه أربعا و ثبت على ذلك. و اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات الى تسع، و روى عن على (عليه السلام) انه كان يكبر على أهل بدر ستا و على سائر الصحابة خمسا و على غيرهم أربعا. و انعقد الإجماع بعد ذلك على الأربع، و لا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن ابى ليلى» و في عمدة القارئ ج 4 ص 26 «فرقة تكبر سبعا و فرقة تكبر ثلاثا و قيل ست، و قال القاصي أبو محمد أكثره سبع تكبيرات و أقله ثلاث.
و ذهبت الشيعة و ابن ابى ليلى و زيد بن أرقم إلى الخمس و تبعهم الظاهرية و أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة».
405
بوجوب التشهد في الأولى و الصلاة على النبي و آله في الثانية و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات في الثالثة و الدعاء للميت في الرابعة.
و نقل عن ابن الجنيد انه ليس في الدعاء بين التكبيرات شيء موقت لا يجوز غيره، و الى هذا مال جماعة من متأخري المتأخرين، و هو ظاهر الشهيد في الذكرى ايضا، و هو الأظهر.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم و زرارة في الصحيح (1) «انهما سمعا أبا جعفر (عليه السلام) يقول ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء موقت إلا أن تدعوا بما بدا لك، و أحق الأموات أن يدعى له أن يبدأ بالصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم و زرارة و معمر ابن يحيى و إسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء موقت تدعو بما بدا لك، و أحق الموتى أن يدعى له المؤمن و ان يبدأ بالصلاة على رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و يؤيده
ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنازة أ يصلى عليها على غير وضوء؟ فقال نعم انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل. الحديث».
[الموضع] الثالث [عدم تعين لفظ مخصوص في الأذكار الأربعة]
- انه على تقدير القول المشهور من وجوب الأذكار الأربعة المتقدمة لا يتعين فيها لفظ مخصوص و به صرح كثير من الأصحاب، قال شيخنا الشهيد في الذكرى: و المشهور توزيع الأذكار على ما مر و نقل الشيخ فيه الإجماع، و لا ريب انه كلام الجماعة إلا ابن ابى عقيل و الجعفي فإنهما أوردا الأذكار الأربعة عقيب كل تكبيرة و ان تخالفا في الألفاظ، قال الفاضل و كلاهما جائز. قلت لاشتمال ذلك على الواجب و الزيادة غير منافية مع ورود الروايات بها و ان كان العمل بالمشهور أولى، و ينبغي
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. و الرواية للكليني و الشيخ يرويها عنه.
406
مراعاة هذه الألفاظ تيمنا بما ورد عنهم (عليهم السلام). انتهى.
أقول: و الأخبار الواردة في المسألة مع كثرتها و تعددها لا تجد فيها خبرا يوافق الآخر في تعيين الأذكار و تشخيصها، و لنورد منها جملة في المقام لتحيط خبرا بما اشتملت عليه من الكلام:
فمنها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد و رواه ثقة الإسلام بإسنادين أحدهما من الصحيح أو الحسن عنه (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير على الميت فقال خمس: تقول في أولاهن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له اللهم صل على محمد و آل محمد. ثم تقول: اللهم ان هذا المسجى قدامنا عبدك و ابن عبدك و قد قبضت روحه إليك و قد احتاج الى رحمتك و أنت غنى عن عذابه اللهم انا لا نعلم من ظاهره إلا خيرا و أنت أعلم بسريرته اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و ان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته. ثم تكبر الثانية و تفعل ذلك في كل تكبيرة».
و منها-
ما رواه في الكافي عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «تكبر ثم تشهد ثم تقول انا لله و انا إليه راجعون الحمد لله رب العالمين رب الموت و الحياة صل على محمد و أهل بيته جزى الله عنا محمدا (صلى الله عليه و آله) خير الجزاء بما صنع بأمته و بما بلغ من رسالات ربه. ثم تقول اللهم عبدك و ابن عبدك ابن أمتك ناصيته بيدك خلا من الدنيا و احتاج الى رحمتك و أنت غنى عن عذابه اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت اعلم به منا، اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و تقبل منه و ان كان مسيئا فاغفر له ذنبه و ارحمه و تجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك و ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة، اللهم اسلك بنا و به سبيل الهدى و اهدنا و إياه صراطك المستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تكبر الثانية و تقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات».
و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
407
(عليه السلام) (1) «في الصلاة على الميت؟ قال تكبر ثم تصلى على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم تقول اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمتك لا اعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منى، اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و تقبل منه و ان كان مسيئا فاغفر له ذنبه و افسح له في قبره و اجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه و آله). ثم تكبر الثانية و تقول، اللهم ان كان زكيا فزكه و ان كان خاطئا فاغفر له. ثم تكبر الثالثة و تقول: اللهم لا تحرمنا اجره و لا تفتنا بعده.
ثم تكبر الرابعة و تقول: اللهم اكتبه عندك في عليين و اخلف على عقبه في الغابرين و اجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه و آله). ثم كبر الخامسة و انصرف».
و منها-
ما رواه في الكافي و التهذيب في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن الصلاة على الميت فقال تكبر خمس تكبيرات تقول أول ما تكبر: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله اللهم صل على محمد و آل محمد و على الأئمة الهداة و اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لٰا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، اللهم اغفر لأحيائنا و أمواتنا من المؤمنين و المؤمنات و الف قلوبنا على قلوب أخيارنا و اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدى من تشاء الى صراط المستقيم. فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك تقول: اللهم عبدك ابن عبدك و ابن أمتك أنت أعلم به منى افتقر الى رحمتك و استغنيت عنه اللهم فتجاوز عن سيئاته و زد في إحسانه و اغفر له و ارحمه و نور له في قبره و لقنه حجته و ألحقه بنبيه (صلى الله عليه و آله) و لا تحرمنا اجره و لا تفتنا بعده. تقول هذا حتى تفرغ من خمس تكبيرات».
و زاد في التهذيب (3) «فإذا فرغت سلمت عن يمينك».
قال في الوافي ذيل هذا الخبر: قوله (عليه السلام) «فان قطع عليك التكبيرة الثانية فلا يضرك» كأنه أريد به انك ان كنت مأموما لمخالف فكبر الإمام الثانية قبل فراغك من هذا الدعاء أو بعده و قبل الإتيان بما يأتي فلا يضرك ذلك القطع بل تأتى بتمامه
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
408
أو بما يأتي بعد الثانية بل الثالثة و الرابعة حتى تتم الدعاء. و قوله (عليه السلام) «تقول اللهم» أى تقول هذا بعد ذاك سواء قطع عليك بأحد المعنيين أو لم يقطع، و في التهذيب «فقل» بدل «تقول» و قوله في آخر الحديث «تقول هذا» يعنى تكرر المجموع أو هذا الأخير ما بين كل تكبيرتين. و في التهذيب «حين تفرغ» مكان «حتى تفرغ» و على هذا يكون معناه أن تأتي بالدعاء الأخير بعد الفراغ من الخمس. و فيه بعد و الظاهر انه تصحيف. و التسليم شاذ و لهذا ترك في الكافي ما تضمنه من الأخبار رأسا و لم يورده في هذا الخبر، و حمله في التهذيب على التقية (1) و ينافيه ذكر الخمس في عدد التكبيرات. انتهى.
و منها-
ما رواه في التهذيب عن كليب الأسدي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التكبير على الميت فقال بيده: خمسا. قلت كيف أقول إذا صليت عليه؟
قال تقول: اللهم عبدك احتاج الى رحمتك و أنت غنى عن عذابه اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و ان كان مسيئا فاغفر له».
أقول: الظاهر ان المراد هو الإتيان بهذا الدعاء بين كل تكبيرتين و أما احتمال انه بعد الرابعة بالخصوص بعد الإتيان بما هو الموظف في روايتي أم سلمة و إسماعيل بن همام (3) فالظاهر بعده.
و منها-
ما رواه في التهذيب في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الصلاة على الميت فقال تكبر ثم تقول إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ، إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً،
____________
(1) في المهذب ج 1 ص 133 «في الأم يكبر في الرابعة و يسلم مثل تسليم الصلاة، و هل يسلم تسليمة أو تسليمتين؟ على ما ذكرناه في الصلاة» و في المغني ج 2 ص 491 «يسلم تسليمة واحدة عن يمينه بعد التكبير للرابعة» و في البدائع ج 1 ص 313 «يكبر للرابعة و يسلم تسليمتين».
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
(3) ص 403.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
409
اللهم صل على محمد و آل محمد و بارك على محمد و آل محمد كما صليت و باركت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد و على أئمة المسلمين اللهم صل على محمد و على امام المسلمين، اللهم عبدك فلان و أنت أعلم به اللهم ألحقه بنبيه محمد (صلى الله عليه و آله) و افسح له في قبره و نور له فيه و صعد روحه و لقنه حجته و اجعل ما عندك خيرا له و أرجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا اجره و لا تفتنا بعده، اللهم عفوك عفوك. تقول هذا كله في التكبيرة الأولى ثم تكبر الثانية و تقول: اللهم عبدك فلان اللهم ألحقه بنبيه محمد (صلى الله عليه و آله) و افسح له في قبره و نور له فيه و صعد روحه و لقنه حجته و اجعل ما عندك خيرا له و أرجعه إلى خير مما كان فيه، اللهم عندك نحتسبه فلا تحرمنا أجره و لا تفتنا بعده، اللهم عفوك اللهم عفوك. تقول هذا في الثانية و الثالثة و الرابعة فإذا كبرت الخامسة فقل: اللهم صل على محمد و آل محمد اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات و الف بين قلوبهم و توفني على ملة رسولك (صلى الله عليه و آله) اللهم اغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لٰا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، اللهم عفوك اللهم عفوك. و تسلم».
قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: و ما ذكر من الدعاء بعد الخامسة و التسليم شاذ و كذا في الخبر الآتي كما أشرنا إليه من قبل.
و منها-
ما رواه في التهذيب عن يونس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الصلاة على الجنائز التكبيرة الأولى استفتاح الصلاة و الثانية يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الثالثة الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و على أهل بيته و الثناء على الله تعالى و الرابعة له و الخامسة يسلم و يقف مقدار ما بين التكبيرتين و لا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه».
و منها-
ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2): «و ارفع يديك
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجنازة.
(2) ص 19.
410
بالتكبير الأول و قل: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله و ان الموت حق و الجنة حق و النار حق و البعث حق و ان الساعة آتية لا ريب فيها و ان الله يبعث من في القبور. ثم كبر الثانية و قل: اللهم صل على محمد و آل محمد أفضل ما صليت و باركت و رحمت و ترحمت و سلمت على إبراهيم و آل إبراهيم في العالمين انك حميد مجيد. ثم تكبر الثالثة و تقول: اللهم اغفر لي و لجميع المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات الأحياء منهم و الأموات تابع اللهم بيننا و بينهم في الخيرات انك مجيب الدعوات و ولى الحسنات يا ارحم الراحمين. ثم تكبر الرابعة و تقول: اللهم ان هذا عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك نزل بساحتك و أنت خير منزول به اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا، اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و ان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته و اغفر لنا و له، اللهم احشره مع من يتولاه و يحبه و أبعده ممن يتبرأه و يبغضه، اللهم ألحقه بنبيك و عرف بينه و بينه و ارحمنا إذا توفيتنا يا إله العالمين. ثم تكبر الخامسة و تقول: رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ. و لا تسلم و لا تبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على أيدي الرجال».
و قال (عليه السلام) في موضع آخر (1): إذا أردت أن تصلى على الميت فكبر عليه خمس تكبيرات، يقوم الامام عند وسط الرجل و صدر المرأة، و يرفع اليد بالتكبير الأول و يقنت بين كل تكبيرتين، و القنوت ذكر الله و الشهادتان و الصلاة على محمد و آله و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات، هذا في تكبيرة بغير رفع اليدين و لا التسليم لأن الصلاة على الميت انما هو دعاء و تسبيح و استغفار. و ساق الكلام الى ان قال:
و تقول في التكبيرة الأولى في الصلاة على الميت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمدا عبده و رسوله انا لله و انا إليه راجعون و الحمد لله رب العالمين رب الموت و الحياة و صلى الله على محمد و على أهل بيته و جزى الله محمدا
____________
(1) ص 20.
411
(صلى الله عليه و آله) عنا خير الجزاء بما صنع لأمته و ما بلغ من رسالات ربه. ثم تقول: اللهم عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك ناصيته بيدك تخلى من الدنيا و احتاج الى ما عندك نزل بك و أنت خير منزول به و افتقر الى رحمتك و أنت غنى من عذابه، اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به منا اللهم ان كان محسنا فزد في إحسانه و تقبل منه و ان كان مسيئا فاغفر له ذنبه و ارحمه و تجاوز عنه برحمتك، اللهم ألحقه بنبيك و ثبته بالقول الثابت في الدنيا و الآخرة، اللهم اسلك بنا و به سبيل الهدى و اهدنا و إياه صراطك المستقيم اللهم عفوك عفوك. ثم تكبر الثانية و تقول مثل ما قلت حتى تفرغ من خمس تكبيرات. و قال ليس فيها تسليم. الى آخره.
و قال أيضا في الكتاب المذكور (1): باب آخر في الصلاة على الميت قال: تكبر ثم تصلى على النبي (صلى الله عليه و آله) و أهل بيته، ثم تقول اللهم عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك لا اعلم منه إلا خيرا و أنت أعلم به، اللهم ان كان محسنا فافسح له في قبره و اجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه و آله). ثم تكبر الثانية فقل: اللهم ان كان زاكيا فزكه و ان كان خاطئا فاغفر له. ثم تكبر الثالثة فقل: اللهم لا تحرمنا اجره و لا تفتنا بعده. ثم تكبر الرابعة و قل: اللهم اكتبه عندك في عليين و اخلف على أهله في الغابرين و اجعله من رفقاء محمد (صلى الله عليه و آله). ثم تكبر الخامسة و تنصرف.
أقول: ما ذكره (عليه السلام) في هذا الباب الأخير هو رواية زرارة المتقدم نقلها عن الكافي و هي الثالثة من الروايات المتقدمة، و ما ذكره في سابق هذه الكيفية هو مضمون حسنة الحلبي المتقدم نقلها عن الكافي أيضا و هي الثانية بتغيير يسير، و لعله من قلم النساخ في إحدى النسختين و اما الأولى مما ذكره (عليه السلام) فهو من خصوصيات الكتاب و هي راجعة إلى الرواية المشهورة إلا ان تلك مجملة و هذه مفصلة فتكون مؤيدة لها و عاضدة لما دلت عليه من التوزيع على النحو المخصوص.
و ذكره (عليه السلام) هذه الكيفيات الثلاث مشعر بان الأمر في ذلك موسع و انه ليس فيه
____________
(1) ص 21.
412
تعيين لفظ مخصوص و لا ترتيب مخصوص كما يفهم من الروايات الأخرى التي سردناها ايضا و ان كان الأفضل العمل بالرواية المشهورة المعتضدة بعمل الأصحاب بمضمونها سلفا و خلفا.
و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك هنا حيث قال بعد ان نقل عن المصنف ان أفضل ما يقال في صلاة الجنازة ما رواه محمد بن مهاجر عن امه أم سلمة (1): و كأن وجه الدلالة على أفضلية ما تضمنته الرواية
قوله (عليه السلام): «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى على ميت كبر و تشهد».
فان لفظ «كان» يشعر بالدوام و أقل مراتب مواظبة النبي (صلى الله عليه و آله) على ذلك الرجحان. الى ان قال: و الأولى و الأفضل اعتماد ما تضمنته الروايات المعتبرة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) ثم نقل صحيحة أبي ولاد و حسنة الحلبي و حسنة زرارة.
أقول: لا يخفى ان وجه هذه الأفضلية عنده إنما نشأت من حيث اعتبار أسانيد هذه الأخبار باصطلاحه فان فيها الصحيح و الحسن بخلاف رواية ابن المهاجر المعتضدة برواية إسماعيل بن همام حيث انهما ضعيفتا السند باصطلاحه.
و فيه انهما و ان ضعف سندهما بهذا الاصطلاح إلا ان عمل الطائفة سلفا و خلفا بما اشتملتا عليه هو المرجح لهما، فإنه لم ينقل عن أحد القول بما دلت عليه هذه الأخبار التي نوه بها و ان صح سندها حتى من أصحاب هذا الاصطلاح بل الكل متفقون على القول بمضمون الروايتين المذكورتين، و كم من رواية صحيحة قد اعرض عنها الأصحاب حتى مثل هذا القائل إذا اعوزتهم الحيلة فيها، و منها يعلم انه ليس المدار على الصحة بهذا المعنى المحدث و انما المدار على الصحة بالمعنى القديم المعمول عليه بين جمهور القدماء الذين ليس لهذا الاصطلاح عندهم اثر. على ان هذه الأخبار التي استند إليها غير متفقة على نمط واحد بل هي مختلفة كما عرفت.
و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور و حمل هذه الأخبار على الرخصة و التوسعة كما يشير إليه إيراده (عليه السلام) في كتاب الفقه هذه الكيفيات الثلاث. و الله العالم.
____________
(1) ص 402.
413
[الموضع] الرابع [كيفية الصلاة على المنافق]
- ظاهر خبري أم سلمة و إسماعيل بن همام المتقدمين (1) انه (صلى الله عليه و آله) في صلاته على المنافق انصرف بعد التكبير الرابع و لم يدع له و لا عليه، و على هذا فالمراد بقوله (عليه السلام) في حديث أم سلمة «فلما نهاه الله عن الصلاة على المنافقين» انما هو بمعنى الدعاء لهم لا ان النهى عن أصل الصلاة، لأن الخبرين صريحان في انه (صلى الله عليه و آله) صلى عليهم بعد النهى و انما ترك الدعاء لهم بعد الرابعة خاصة. و بالجملة فظاهر الخبرين المذكورين انه ينصرف بمجرد التكبير الرابع في الصلاة على المنافق كما ينصرف بالخامس في الصلاة على المؤمن.
و ما احتمله بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين- من أن المراد الانصراف بإتمام دعاء الرابعة جمعا بينه و بين ما دل على الدعاء على المنافق كما سيأتي في الأخبار- فلا يخفى بعده و ركاكته بالنظر الى ظاهر سياق الخبرين المذكورين.
و بما ذكرنا صرح شيخنا الشهيد في الذكرى فقال: و الظاهر ان الدعاء على هذا القسم غير واجب لان التكبير عليه اربع و بها يخرج من الصلاة. قال في المدارك: و هو غير جيد فان الدعاء للميت أو عليه لا يتعين وقوعه بعد الرابعة كما بيناه.
أقول: أشار بما بينه الى ما اختاره- كما قدمنا نقله عنه- من العمل بتلك الروايات الصحيح بعضها و الحسن بعضها و طرح روايتي أم سلمة و إسماعيل بن همام.
و فيه ان كلام شيخنا الشهيد مبنى على العمل بهذين الخبرين الذين هما مستند الأصحاب في تفريق الأدعية و توزيعها على التكبيرات كما هو القول المشهور بين كافة الأصحاب سلفا و خلفا. و الأخبار التي أشار إليها لم يقل بها أحد سواه و من تبعه، و لا ريب ان الخبرين المذكورين واضحا الدلالة في ما ذكره الشهيد من الانصراف بمجرد التكبير الرابع و عدم الدعاء مطلقا.
نعم يبقى الكلام في الجمع بين هذين الخبرين و بين الأخبار الدالة على الدعاء على المنافق كما عليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) و قد عرفت بعد ما احتمله بعض
____________
(1) ص 402 و 403.
414
المحققين في الجمع بين هذه الأخبار كما أشرنا إليه آنفا.
و يمكن التوفيق بينها بان يقال لا يخفى ان ما دل على الانصراف بعد الرابعة انما ورد في صلاته (صلى الله عليه و آله) على منافقي زمانه و حكاية صلاته عليهم، و ما ورد في الدعاء عليهم انما ورد في الصلاة على الناصب و المخالفين من أهل السنة و ان عبر عنهم بالمنافقين أيضا في بعض الأخبار.
و ها أنا أسوق ما وقفت عليه من الأخبار في ذلك لتطلع على صحة ما هنالك، فمن ذلك
ما رواه في الكافي عن عامر بن السمط عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «ان رجلا من المنافقين مات فخرج الحسين بن على (عليهما السلام) يمشى معه فلقيه مولى له فقال له الحسين (عليه السلام) أين تذهب يا فلان؟ فقال له مولاه أوفر من جنازة هذا المنافق أن أصلي عليها. فقال له الحسين (عليه السلام) انظر ان تقوم على يميني فما تسمعني أقول فقل مثله. فلما ان كبر عليه وليه قال الحسين (عليه السلام): الله أكبر العن فلانا عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة اللهم أخز عبدك في عبادك و بلادك و أصله حر نارك و أذقه أشد عذابك فإنه كان يتولى أعداءك و يعادي أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك (صلى الله عليه و آله)».
و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا صليت على عدو الله فقل: اللهم ان فلانا لا نعلم منه إلا انه عدو لك و لرسولك (صلى الله عليه و آله) اللهم فاحش قبره نارا و احش جوفه نارا و عجل به الى النار فإنه كان يتولى أعداءك و يعادي أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك اللهم ضيق عليه قبره.
و إذا رفع فقل اللهم لا ترفعه و لا تزكه».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «ان كان جاحدا للحق فقل: اللهم املأ جوفه نارا و قبره نارا و سلط عليه الحياة و العقارب و ذلك قاله أبو جعفر (عليه السلام) لامرأة سوء من بنى أمية صلى عليها ابى، و قال هذه المقالة: و اجعل الشيطان لها قرينا».
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجنازة.
415
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) في تتمة العبارة الأولى مما قدمنا نقله عنه: و إذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة: اللهم أخز عبدك و ابن عبدك هذا اللهم أصله حر نارك اللهم أذقه اليم عذابك و شديد عقوبتك و أورده نارا و املأ جوفه نارا و ضيق عليه لحده فإنه كان معاديا لأوليائك و متواليا لأعدائك. اللهم لا تخفف عنه العذاب و اصبب عليه العذاب صبا. فإذا رفع جنازته فقل اللهم لا ترفعه و لا تزكه».
و هذه ا؟ لروايات كلها كما ترى ظاهرة في المخالف من أهل السنة، و حينئذ فيجب ان يقصر كل من هذه الاخبار و الخبرين المتقدمين على مورده.
و لا ينافي ذلك
ما ورد في حديث عبد الله بن ابى و هو ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال «لما مات عبد الله بن ابى بن سلول حضر.
____________
(1) ص 19.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجنازة و قد ورد مضمون هذا الحديث في روايات العامة.
ففي البخاري باب الكفن في القميص «ان ابنه عبد الله جاء إلى النبي (صلى الله عليه و آله) و طلب منه قميصه و الصلاة عليه و الاستغفار له فأجابه رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى ما أراد فلما قام ليصلي عليه جذبه عمر و قال أ ليس نهاك الله أن تصلى على المنافقين؟ فقال أنا بين خيرتين قال: «استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم فصلى عليه».
و في تفسير ابن كثير ج 2 ص 478 «قال عمر بن الخطاب لما قام النبي (صلى الله عليه و آله) ليصلي عليه تحولت حتى قمت في صدره و قلت أعلى عدو الله القائل يوم كذا و كذا تصلى؟ و رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتبسم حتى إذا أكثرت عليه قال أخر عني يا عمر انى خيرت فاخترت و لو أعلم انى زدت على السبعين يغفر له لفعلت. ثم صلى عليه و مشى معه و قام على قبره حتى فرغ منه. قال عمر فعجبت من جرأتى على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الله و رسوله أعلم».
و في تفسير السراج المنير ج 1 ص 612 للخطيب الشربينى و أسباب النزول للواحدي ص 193 و روح المعاني للالوسى ج 10 ص 154 «لما أكثر عليه عمر بن الخطاب قال له رسول الله «ان قميصي لا يغني عنه من الله شيئا و انى أؤمل ان يدخل في الإسلام بسببه كثير».
فيروى أنه أسلم ألف من الخزرج. و قد أوردوا هذه القصة في تفاسيرهم في تفسير قوله تعالى في سورة التوبة الآية 85 «وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ».
416
النبي (صلى الله عليه و آله) جنازته فقال عمر لرسول الله يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ لم ينهك الله ان تقوم على قبره؟ فسكت فقال يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ لم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له ويلك و ما يدريك ما قلت؟ انى قلت: اللهم احش جوفه نارا و املأ قبره نارا و أصله نارا. قال أبو عبد الله (عليه السلام) فأبدى من رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما كان يكره».
فإنه يمكن تخصيص الخبر به حيث انه كان رأس النفاق (1) على ان الخبر غير ظاهر في كونه (صلى الله عليه و آله) صلى عليه و انما فيه انه حضر جنازته و مجرد الحضور لا يستلزم الصلاة.
و مما يعضد الأول أعني تخصيص الخبر به ما صرح به شيخنا المفيد (عطر الله مرقده)
في كتاب المقنعة (2) حيث قال: روى عن الصادقين (عليهم السلام) انهم قالوا «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلى على المؤمنين و يكبر خمسا و يصلى على أهل النفاق سوى من ورد النهى عن الصلاة عليهم فيكبر أربعا».
فإنه يدل على
____________
(1)
في تفسير الخازن ج 3 ص 108 نقلا عن شرح مسلم للقرطبى «كان ابن أبي رأسا في المنافقين و أعظمهم نفاقا و أشدهم و كان المنافقون كثيرين بلغوا ثلثمائة رجل و مائة و سبعين امرأة و انتهت إليه رئاسة الخزرج فلما ظفر النبي (صلى الله عليه و آله) و انصرف الخزرج اليه حسد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و بالغ في العداوة له و كان ولده عبد الله من خيار الصحابة و أصدقهم إسلاما و أكثرهم عبادة و اشرحهم صدرا بارا بأبيه مع كفره و نفاقه، قال للنبي (صلى الله عليه و آله) انك لتعلم انى أبر الناس بأبي و ان أمرتني لآتيك برأسه فعلت و أخشى ان تأمر أحدا بقتله فلا تدعني نفسي ان انظر الى قاتل ابى فاقتله فأكون قد قتلت مؤمنا بكافر؟ فقال نبي الحنان (صلى الله عليه و آله) لا يتحدث الناس ان محمدا يقتل أصحابه بل أحسن صحبته و بر به و ترفق به ما صحنا».
و في أسد الغابة ج 3 ص 197 «ان الخزرج أجمعوا على ان يتوجوه و يملكوه أمرهم قبل الإسلام فلما جاء (صلى الله عليه و آله) رجعوا عن ذلك فحسد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أخذ به العزة و أضمر النفاق و هو القائل في غزوة بني المصطلق «لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» سورة المنافقين الآية 8.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
417
إن النهى انما هو عن أناس مخصوصين، و لا ريب ان رأس المنافقين الذي نزلت فيه سورة المنافقين هو عبد الله المذكور.
على ان حديث الحسين (عليه السلام) غير صريح و لا ظاهر في كونه صلى عليه الصلاة المعهودة و انما تضمن انه دعا عليه، فان قوله «فلما ان كبر عليه وليه قال الحسين (عليه السلام) الله أكبر اللهم العن فلانا. الى آخره» ظاهر في انه دعا عليه في أول تكبيرة ثم لم يزل يكرر ذلك في كل تكبيرة.
و بالجملة فإنك قد عرفت مما قدمنا ذكره في المطلب الأول ان المخالف لا يصلى عليه إلا ان تلجئ التقية الى ذلك، و حينئذ فمتى صلى عليه فهو مخير بين الدعاء عليه بعد كل تكبيرة- كما هو ظاهر خبر الحسين (عليه السلام) بالتقريب الذي ذكرناه، و عليه يحمل ما بعده ايضا من خبري الحلبي و محمد بن مسلم فإنهما ظاهران في الإطلاق- و بين الدعاء بعد الرابعة كما هو صريح عبارة كتاب الفقه الرضوي. و أما روايتا أم سلمة و إسماعيل بن همام (1) فقد عرفت انهما مخصوصتان بمنافقى أهل زمانه (صلى الله عليه و آله) لأجل تأليف الناس، مع ان الخبرين ليس فيهما دعاء له و لا عليه. و الله العالم.
[الموضع] الخامس [السر في الخلاف بين العامة و الخاصة في تكبيرات صلاة الميت]
-
روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابى بصير (2) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لأي علة تكبر على الميت خمس تكبيرات و يكبر مخالفونا اربع تكبيرات؟ قال لأن الدعائم التي بنى عليها الإسلام خمس: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية لنا أهل البيت، فجعل الله للميت من كل دعامة تكبيرة، و انكم أقررتم بالخمس كلها و أقر مخالفوكم بأربع و أنكروا واحدة، فمن ذلك يكبرون على موتاهم أربع تكبيرات و تكبرون خمسا».
و روى في كتاب عيون الأخبار بسنده عن الحسن بن النضر (3) قال:
«قال الرضا (عليه السلام) ما العلة في التكبير على الميت خمس تكبيرات؟ قلت رووا انها
____________
(1) ص 402 و 403.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
418
اشتقت من خمس صلوات. فقال هذا ظاهر الحديث فاما في وجه آخر فان الله فرض على العباد خمس فرائض: الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية، فجعل للميت من كل فريضة تكبيرة واحدة، فمن قبل الولاية كبر خمسا و من لم يقبل الولاية كبر أربعا، فمن أجل ذلك تكبرون خمسا و من خالفكم يكبر أربعا».
أقول: المعنى في هذين الخبرين ان العلة في فرض الله سبحانه خمس تكبيرات في الصلاة على الميت المؤمن هو فرض هذه الفرائض الخمس عليه في حال الحياة فجعل له بعد الموت من كل فريضة تكبيرة، و لما كانت الشيعة الإمامية ممن وفق في الحياة للقيام بالفرائض الخمس المذكورة كان الواجب عندهم في التكبير على الميت هذا العدد فحصل لهم التوفيق بالفرضين حياة و موتا، و المخالف لما سلب التوفيق للقيام بالفريضة الخامسة و هي الولاية في الحياة سلب التوفيق لتكبيرها بعد الموت، فحصل لهم من الشبهة في الحالين الناشئة عن الخذلان و سلب التوفيق ما أوجب لهم ترك الولاية في الحياة و ترك التكبير بعد الموت.
و لعل الشبهة الموجبة لتركهم التكبير الخامس ما ورد في بعض الأخبار عنه (صلى الله عليه و آله) انه كان يكبر أربعا على بعض الأموات و لم يتفقهوا الى ان ذلك انما هو في ما إذا كان الميت منافقا كما صرحت به أخبار أهل البيت (عليهم السلام) من انه (صلى الله عليه و آله) كان يصلى على بعض خمس تكبيرات و على أناس أربعا و انه إذا كبر اربع تكبيرات اتهم بالنفاق.
و ربما أكد ذلك عندهم إصرار الشيعة على الخمس حيث انهم يتعمدون مخالفتهم و ان اعترفوا بأن السنة النبوية في ما عليه الشيعة، بل قد صرح بهذا الوجه بعض شراح صحيح مسلم على ما نقله بعض أصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث قال نقلا عنه:
انما ترك القول بالتكبيرات الخمس في صلاة الجنازة لأنه صار علما للتشيع. و قال عبد الله المالكي المغربي في كتابه المسمى بفوائد مسلم (1)- كما نقله بعض أصحابنا
____________
(1) لم نعثر على هذين الكتابين و لكنه غير بعيد بعد ما ذكر الغزالي في الوجيز ج 1 ص 47 ان تسنيم القبور أفضل من التسطيح مخالفة لشعار الروافض. و في المهذب ج 1 ص 127 «قال أبو على الطبري في زماننا يسنم القبر لان التسطيح من شعار الرافضة» و يرجع في ذلك الى التعليقة 2 ص 466 ج 8.
419
ايضا- ان زيدا كبر خمسا على جنازة، قال و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يكبرها، و هذا المذهب الآن متروك لانه صار علما على القول بالرفض. و قد أوردنا في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد جملة من مخالفتهم التي من هذا القبيل.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى يجب فيها خمس تكبيرات لخبر زيد بن أرقم أنه كبر على جنازة خمسا و قال كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يكبرها، أورده مسلم (1) و أكثر المسانيد، و لفظ «كان» يشعر بالدوام، و الأربع و ان رويت فالإثبات مقدم على النفي و جاز أن يكون راوي الأربع لم يسمع الخامسة أو نسيها، قال بعض العامة الزيادة ثابتة عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الاختلافات المنقولة في العدد من جملة الاختلاف في المباح و الكل شائع. و في كلام بعض شراح مسلم انما ترك القول بالخمس لانه صار علما للقول بالتشيع و هذا عجيب. انتهى.
هذا، و أما الأخبار الدالة على انه (صلى الله عليه و آله) كان يكبر على المنافقين أربعا فإنه لا منافاة فيها لهذه العلة المذكورة في هذين الخبرين، لان هذه العلة إنما ذكرت بالنسبة الى من دخل في الإسلام و صدق به و دان به من الأنام دون من لم يصدق به من المنافقين في زمنه (صلى الله عليه و آله) و حينئذ فصلاته عليهم أربعا الظاهر انها انما وقعت للتمييز بينهم و بين المؤمنين و إظهار بغضهم و نفاقهم بين العالمين، و المخالفون لخذلانهم و سلب توفيقهم للولاية قد دخلوا في زمرتهم و التحقوا بهم. و الله العالم.
[الموضع] السادس [الواجب في الصلاة على الميت المؤمن خمس تكبيرات]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أن الواجب في الصلاة على الميت المؤمن خمس تكبيرات و به استفاضت الأخبار عنهم (عليهم السلام)
____________
(1) ج 1 ص 352 باب الصلاة على القبر من كتاب الجنائز، و أورده البيهقي في السنن و ابن ماجة و النسائي و أبو داود.
420
و قد مر جملة منها في المباحث المتقدمة و لا سيما الأخبار المتضمنة لعلة الخمس المذكورة و منها-
ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «لما مات آدم فبلغ إلى الصلاة عليه فقال هبة الله لجبرئيل تقدم يا رسول الله فصل على نبي الله فقال جبرئيل ان الله أمرنا بالسجود لأبيك فلسنا نتقدم أبرار ولده و أنت من أبرهم فتقدم فكبر عليه خمسا عدة الصلوات التي فرضها الله على امة محمد (صلى الله عليه و آله) و هي من السنة الجارية في ولده الى يوم القيامة».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «التكبير على الميت خمس تكبيرات».
و عن إسماعيل بن سعد الأشعري في الصحيح عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الصلاة على الميت فقال أما المؤمن فخمس تكبيرات و اما المنافق فأربع، و لا سلام فيها».
و عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «كبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) خمسا».
و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «التكبير على الميت خمس تكبيرات».
و ما رواه في الكافي عن ابى بكر الحضرمي (6) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) يا أبا بكر هل تدري كم الصلاة على الميت؟ قلت لا. قال خمس تكبيرات. فتدري من أين أخذت الخمس؟ قلت لا. قال أخذت الخمس تكبيرات من الخمس صلوات من كل صلاة تكبيرة».
و عن سليمان بن جعفر الجعفري عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال «قال
____________
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(6) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
(7) الوسائل الباب 5 من صلاة الجنازة.
421
رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الله فرض الصلاة خمسا و جعل للميت من كل صلاة تكبيرة».
و ما رواه الشيخ عن قدامة بن زائدة (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على ابنه إبراهيم فكبر عليه خمسا».
الى غير ذلك من الأخبار.
و مقتضى ذلك انه لا يجوز الزيادة على ذلك بقصد انها من الصلاة لأنه تشريع محض. و هل تبطل الصلاة بالزيادة؟ قيل لا لخروجه بالخامسة من الصلاة.
و لا يجوز النقيصة عن ذلك إلا مع إمكان التدارك.
و اما ما يدل على خلاف ذلك- مثل
ما رواه الشيخ عن جابر (2) قال:
«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنازة هل فيه شيء موقت؟ فقال لا كبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) أحد عشر و تسعا و سبعا و خمسا و ستا و أربعا».
-
فقد أجاب الشيخ عنه فقال: ما تضمن هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالإجماع، و يجوز أن يكون (عليه السلام) أخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه و آله) بذلك لانه كان يكبر على جنازة واحدة أو اثنتين فكان يجاء بجنازة اخرى فيبتدئ من حيث انتهى خمس تكبيرات فإذا أضيف الى ما كان كبر زاد على الخمس تكبيرات، و ذلك جائز على ما سنبينه في ما بعد ان شاء الله تعالى. و اما ما يتضمن من الأربع تكبيرات فمحمول على التقية لأنه مذهب المخالفين (3) أو يكون أخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه و آله) مع المخالفين و المتهمين بالإسلام لانه (صلى الله عليه و آله) كذا كان يفعل. انتهى.
و ربما حمله بعض الأصحاب على الاستحباب إذا التمس أهل الميت ذلك و في
____________
(1) الوسائل الباب 5 و 14 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(3) ارجع الى التعليقة 2 ص 404.
422
بعض الأخبار اشارة اليه. و بالجملة فالمفهوم من الأخبار هو وجوب الخمس في الصلاة على المؤمن و أما المنافق و المخالف فالأربع كما تقدم. و الله العالم.
[الموضع] السابع [واجبات صلاة الميت و مندوباتها]
- لا يخفى ان لهذه الصلاة واجبات و مندوبات، و تحقيق الكلام في ذلك يقع في مقامين
[المقام] (الأول) في ما يجب فيها:
و منها-
النية
و هي قصد الفعل طاعة لله، قالوا: و لا يجب فيها التعرض للوجه و لا للأداء و القضاء.
أقول: و الأمر في النية- كما عرفت في المباحث المتقدمة- مفروغ عنه عندنا و نعني بها النية الحقيقية لا هذه النية الافتعالية كما تقدم تحقيقه.
و منها-
وجوب الاستقبال من المصلى
و لا خلاف فيه، و استدلوا على ذلك بأنه هو المنقول عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) فيجب تحصيلا للبراءة اليقينية لعدم ثبوت شرعيتها على وجه آخر.
و مثل هذا التعليل و ان جرت لهم فيه مناقشات في غير هذا الموضع إلا انه في هذا الموضع مسلم الثبوت بين أصحابنا تلك المناقشات.
قال في الذكرى: يجب فيها استقبال المصلي إلحاقا لها بسائر الصلوات.
و لا يخفى ما فيه و كيف كان فيقين البراءة يقتضيه.
نعم انما يجب ذلك مع الإمكان فلو تعذر من المصلى أو الجنازة كالمصلوب الذي يتعذر إنزاله سقط الوجوب.
و روى الكليني في الصحيح الى ابى هاشم الجعفري (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن المصلوب فقال اما علمت ان جدي صلى على عمه؟ قلت أعلم ذلك و لكني لا أفهمه مبينا. قال أبينه لك: ان كان وجه المصلوب إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن و ان كان قفاه إلى القبلة فقم على منكبه الأيسر فإن بين المشرق و المغرب قبلة و ان كان منكبه الأيسر إلى القبلة فقم على منكبه الأيمن و ان كان منكبه الأيمن إلى القبلة
____________
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجنازة.
423
فقم على منكبه الأيسر، و كيف كان منحرفا فلا تزايلن مناكبه و ليكن وجهك الى ما بين المشرق و المغرب و لا تستقبله و لا تستدبره البتة. قال أبو هاشم و قد فهمته ان شاء الله تعالى فهمته و الله».
قال في الذكرى: و هذه الرواية و ان كانت غريبة نادرة كما قال الصدوق و أكثر الأصحاب لم يذكروا مضمونها في كتبهم إلا انه ليس لها معارض و لا راد، و قد قال أبو الصلاح و ابن زهرة يصلى على المصلوب و لا يستقبل وجهه الإمام في التوجه فكأنهما عاملان بها، و كذا صاحب الجامع الشيخ نجيب الدين بن سعيد، و الفاضل في المختلف قال ان عمل بها فلا بأس، و ابن إدريس نقل عن بعض الأصحاب انه صلى عليه و هو على خشبة استقبل بوجهه وجه المصلى عليه و يكون هو مستدبر القبلة، ثم حكم بأن الأظهر إنزاله بعد الثلاثة و الصلاة عليه. قلت هذا النقل لم أظفر به و إنزاله قد يتعذر كما في قضية زيد (عليه السلام). انتهى.
و قال في المختلف بعد ذكر الحكم المذكور: و يحمل الصلب على من وجب عليه قودا و في حق المحارب إذا قتل فإنه يقتل و يصلب بعد ان يؤمر بالغسل و الكفن.
و منها-
القيام مع القدرة
إجماعا و مع العجز يصلى بحسب الإمكان، قال في الذكرى بعد دعوى الإجماع على وجوبه: بل هو الركن الأظهر لأن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و الصحابة صلوا عليها قياما و التأسي واجب خصوصا في الصلاة
لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «صلوا كما رأيتموني أصلي».
و لأن الأصل بعد شغل الذمة عدم البراءة إلا بالقيام فيتعين. انتهى.
و الكلام فيه كما عرفت في الأول لأنه مسلم الصحة بينهم لا راد و لا مناقش فيه.
و في الاكتفاء بصلاة العاجز مع وجود من يمكنه القيام اشكال، من صدق الصلاة الواجبة بالنسبة الى ذلك المصلى، و من نقصها و وجود من يأتي بالصلاة الكاملة. و رجح في المدارك الثاني معللا بأن الأصل عدم السقوط بغير الصلاة الكاملة
____________
(1) مسند احمد ج 5 ص 53.
424
و جعل الأول احتمالا. و ظاهره في الذكرى و كذا الفاضل الخراساني في الذخيرة التوقف، و هو كذلك لعدم الدليل الواضح في المقام.
و منها-
وجوب الستر مع الإمكان
على خلاف فيه، فجزم العلامة (قدس سره) بعدم اعتباره، قال لانه دعاء. و قال في الذكرى: الأقرب وجوب ستر العورة مع الإمكان إلحاقا لها بسائر الصلوات و بحكم التأسي. ثم قال: و قال الفاضل ليس الستر شرطا في صلاة الجنازة لأنها دعاء. ثم أجاب عنه و قال: قلت لا ريب انها تسمى صلاة و ان اشتملت على الدعاء فتدخل تحت عموم الصلاة، و يعارض بوجوب القيام و الاستقبال فيها. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من الوهن و تطرق المناقشة إليه بأن الإطلاق أعم من الحقيقة، و الاستدلال على الوجوب الإلحاق بسائر الصلوات و التأسي مجازفة محضة في الأحكام الشرعية المطلوب فيها الثبوت بالأدلة القطعية دون مجرد التخمينات الظنية و إلا كان قولا على الله بغير علم، و قد استفاضت الآيات و الروايات بالنهي عنه، و من ذلك يظهر لك ان لا مستند لهم في جميع هذه الأحكام أزيد من الاتفاق و الإجماع الذي يدعونه، فان جميع ما ذكروه من هذه التعليلات العليلة و ان جرى الخلف فيها على ما جرى عليه السلف لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و ليس في المقام دليل شرعي يمكن التمسك به سوى الاحتياط فإنه في مواضع الاشتباه واجب كما قدمنا تحقيقه في غير مقام.
قال في الذكرى: و في وجوب ازالة الخبث عنه و عن ثوبه نظر من الأصل و انها دعاء و أخفية الخبث بالنسبة إلى الحدث و من ثم صحت الصلاة مع الخبث لا مع بقاء حكم الحدث، و من إطلاق التسمية بالصلاة التي يشترط فيها ذلك و الاحتياط. و لم أقف في هذا على نص و لا فتوى. انتهى.
أقول: ضعف الوجه الثاني أظهر من أن يحتاج الى بيان، سيما بعد ما عرفت في ما قدمناه مما ظاهرهم الاتفاق عليه في هذا المكان، و يزيده تأييدا ما
في موثقة
425
يونس بن يعقوب (1) «في الصلاة على الجنازة من غير وضوء؟ قال نعم انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تكبر و تسبح في بيتك».
و ما في صحيحة الحلبي الواردة في جواز الصلاة حين تغيب الشمس و حين تطلع (2) قال «انما هو استغفار».
و منها-
وجوب الاستقبال بالميت
بان يوضع رأسه عن يمين المصلى مستلقيا و رجلاه الى يسار المصلى، قال ابن حمزة بحيث لو اضطجع على يمينه لكان بإزاء القبلة و عللوه بالتأسي بالنبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و عدم يقين الخروج من العهدة بدونه.
و الأظهر الاستدلال عليه
بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الإمام فإذا الميت مقلوب رجلاه الى موضع رأسه قال: يسوى و تعاد الصلاة عليه و ان كان قد حمل ما لم يدفن فان دفن فقد مضت الصلاة و لا يصلى عليه و هو مدفون».
و الحكم المذكور مما لا خلاف فيه بينهم، لكن ينبغي أن يعلم ان ذلك انما يعتبر بالنسبة الى غير المأموم و لا بد ايضا من تقييده بصورة الإمكان، فلو تعذر كالمصلوب الذي يتعذر إنزاله سقط كما تقدم (4) في صلاة الصادق (عليه السلام) على عمه زيد مصلوبا.
[إتيان الصلاة بعد الغسل و الكفن مع الإمكان]
و منها- انهم صرحوا بأنه لا يجوز الصلاة عليه إلا بعد تغسيله و تكفينه إلا ان يتعذر الكفن فإنه يجعل في قبره و تستر عورته و يصلى عليه.
و الحكم الأول مما ظاهرهم الاتفاق عليه، قال في المدارك: هذا قول العلماء كافة لأن النبي (صلى الله عليه و آله) هكذا فعل و هكذا الصحابة و التابعون فيكون الإتيان بخلافه تشريعا محرما.
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجنازة.
(4) في حديث ابى هاشم ص 422.
426
و الأظهر في الاستدلال على عدم الجواز في الصورة المذكورة هو وجوب الاحتياط في مقام الاشتباه
«حلال بين و حرام بين و شبهات بين ذلك» (1).
و الحكم الشرعي في الشبهات هو الوقوف عن الفتوى و العمل بالاحتياط في مقام العمل و فعل ذلك الشيء، و حينئذ فالأحوط وجوبا أن لا يصلى عليه إلا بعد الغسل و التكفين و اما الحكم الثاني فيدل عليه
ما رواه الشيخ و الصدوق في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فإذا هم برجل ميت عريان قد لفظه البحر و هم عراة و ليس عليهم إلا إزار كيف يصلون عليه و هو عريان و ليس معهم فضل ثوب يكفنونه به؟
قال يحفر له و يوضع في لحده و يوضع اللبن على عورته فتستر عورته باللبن و بالحجر ثم يصلى عليه ثم يدفن. قلت فلا يصلى عليه إذا دفن. الحديث».
و ما رواه في التهذيب عن محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة (3) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) قوم كسر بهم مركب في بحر فخرجوا يمشون على الشط فإذا هم برجل ميت عريان و القوم ليس عليهم إلا مناديل متزرين بها و ليس عليهم فضل ثوب يوارون الرجل فكيف يصلون عليه و هو عريان؟ فقال إذا لم يقدروا على ثوب يوارون به عورته فليحفروا قبره و يضعوه في لحده و يوارون عورته بلبن أو أحجار أو تراب ثم يصلون عليه ثم يوارونه في قبره. قلت و لا يصلون عليه و هو مدفون بعد ما يدفن؟ قال لا لو جاز ذلك لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه و آله) فلا يصلى على المدفون و لا على العريان».
و مقتضى إطلاق الأمر بالستر عدم إناطته بوجود الناظر.
و ذكر الشهيد في الذكرى انه ان أمكن ستره بثوب صلى عليه قبل الوضع في اللحد و تبعه الشهيد الثاني مصرحا بالوجوب، و الرواية الثانية دالة عليه و ان كان إطلاق
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(2) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 36 من صلاة الجنازة.
427
الأولى يدفعه و الظاهر انه كذلك. قال في المدارك بعد نقل كلام الذكرى: و لا ريب في الجواز نعم يمكن المناقشة في الوجوب.
المقام الثاني في المستحبات:
و منها-
ان يقف الامام عند وسط الرجل و صدر المرأة
على المشهور، و قال الشيخ في الاستبصار انه يقف عند رأس المرأة و صدر الرجل.
و يدل على الأول
ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الله بن المغيرة عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من صلى على امرأة فلا يقوم في وسطها و يكون مما يلي صدرها و إذا صلى على الرجل فليقم في وسطه».
و عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقوم من الرجل بحيال السرة و من النساء أدون من ذلك قبل الصدر».
و يدل على ما ذهب اليه الشيخ
ما رواه هو و قبله الكليني عن موسى بن بكير عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «إذا صليت على المرأة فقم عند رأسها و إذا صليت على الرجل فقم عند صدره».
و الشيخ في التهذيب حمل الصدر في هذا الخبر على الوسط و الرأس على الصدر، قال لأنه يعبر عن الشيء باسم ما يجاوره. و الأظهر الجمع بين الاخبار بالتخيير.
و منها-
استحباب الطهارة
و الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في عدم اشتراط الطهارة من الحديث في الصلاة على الميت، نقل اتفاقهم عليه العلامة في التذكرة.
و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل تفجأه الجنازة و هو على غير طهر؟ قال فليكبر معهم».
و ما رواه الكليني و الشيخ في الموثق و ابن بابويه بإسناد فيه ضعف عن يونس
____________
(1) الوسائل الباب 27 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
428
ابن يعقوب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء؟ فقال نعم انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل كما تسبح و تكبر في بيتك على غير وضوء».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تصلي على الجنازة؟ قال نعم و لا تقف معهم مفردة».
كذا في التهذيب،
و في الكافي (3) «و لا تصف معهم».
و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت تصلي الحائض على الجنازة؟ قال نعم و لا تصف معهم و تقوم مفردة».
و ما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «عن المرأة الطامث إذا حضرت الجنازة؟ قال تتيمم و تصلى عليها و تقوم وحدها بارزة عن الصف».
و عن عبد الله بن المغيرة عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الحائض تصلي على الجنازة؟ فقال نعم. و لا تقف معهم و الجنب يصلى على الجنازة».
و قال (عليه السلام) في الفقه الرضوي (7): و لا بأس ان يصلى الجنب على الجنازة و الرجل على غير وضوء و الحائض إلا ان الحائض تقف ناحية و لا تختلط بالرجال و ان كنت جنبا و تقدمت للصلاة عليها فتيمم أو توضأ و صل عليها، و قد أكره أن يتوضأ إنسان عمدا للجنازة لأنه ليس بالصلاة انما هو التكبير، و الصلاة هي التي فيها الركوع و السجود.
انتهى.
أقول: ما دل عليه جملة من هذه الاخبار من تأخر الحائض يحتمل أن يكون المراد تأخرها و لو عن من تكون بصفها من النساء كما هو ظاهر الأصحاب، قال في
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة.
(6) الوسائل الباب 22 من صلاة الجنازة.
(7) ص 19.
429
التذكرة: و إذا صلوا جماعة ينبغي أن يتقدم الامام و المؤتمون خلفه صفوفا، و ان كان فيهم نساء وقفن آخر الصفوف، و ان كان فيهم حائض انفردت بارزة عنهم و عنهن. و نحوه قال في المنتهى.
و يحتمل أن يكون المراد تأخرها عن صف الرجال فلا اختصاص له بالحائض بل هذا حكم مطلق النساء، و يؤيده لفظ الرجال في عبارة كتاب الفقه الرضوي و تذكير ضمير «معهم» في الروايات المتقدمة، و من ثم قال في الذكرى: و في انفراد الحائض هنا نظر، من خبر محمد بن مسلم فان الضمير يدل على الرجال و إطلاق الانفراد يشمل النساء، و به قطع في المبسوط و تبعه ابن إدريس و المحقق. انتهى.
و الاستدلال بهذه الأخبار على تأخرها عن النساء كما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا يخلو من الإشكال و لم أقف على غيرها في هذا المجال.
و أما ما اشتملت عليه عبارة كتاب الفقه الرضوي من الوضوء للجنب فلم أقف عليه إلا في الكتاب دون غيره من الأخبار و كلام الأصحاب و انما المذكور التيمم للمحدث و ان أمكن الغسل و الوضوء. و اما قوله: «و اكره أن يتوضأ إنسان عمدا للجنازة» فالظاهر ان المراد بقوله «عمدا» يعنى بنية الوجوب إذ لا خلاف في الاستحباب نصا و فتوى. و الله العالم.
و اما ما يدل على الحكم الأول فمنه
ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن صفوان بن يحيى عن عبد الحميد بن سعد (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) الجنازة يخرج بها و لست على وضوء فان ذهبت أتوضأ فاتتني الصلاة أ يجزئنى أن أصلي عليها و انا على غير وضوء؟ قال تكون على طهر أحب الى».
و قد تقدم في باب التيمم جوازه مع وجود الماء في صلاة الجنازة إذا خاف فوت الصلاة محافظة على الطهارة بالممكن.
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
430
و يدل عليه
ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تدركه الجنازة و هو على غير وضوء فان ذهب يتوضأ فاتته الصلاة عليها؟ قال يتيمم و يصلى».
و أطلق الشيخ و جماعة جواز التيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء
لموثقة سماعة (2) قال «سألته عن رجل مرت به جنازة و هو على غير وضوء كيف يصنع؟ قال يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمم».
أقول: يمكن تقييد إطلاقها بما دلت عليه رواية الحلبي المذكورة من خوف فوت الصلاة فلا يحتاج الى الطعن فيها بضعف السند كما ذكره في المدارك.
و منها-
استحباب نزع النعلين حال الصلاة
و هو مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا يعلم فيه مخالف كما ذكره غير واحد منهم.
و الأصل فيه
ما رواه الشيخ عن سيف بن عميرة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال «لا يصلى على الجنازة بحذاء و لا بأس بالخف».
و هو مؤذن بتخصيص النهى بالنعل خاصة كما هو المصرح به في كلام الأصحاب لأن الحذاء هو النعل، قال في النهاية الحذاء بالمد النعل.
و استحب المحقق في المعتبر الحفاء، قال لأنه موضع اتعاظ فناسب التذلل بالحفاء
و لقول النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار».
و قال الصدوق في الفقيه: و قال ابى في رسالته الى «لا تصل على الجنازة بنعل حذو و لا تجعل ميتين على جنازة».
أقول: هذه العبارة عين كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و كذا
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة. و الراوي هو الحلبي.
(2) الوسائل الباب 21 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجنازة.
(4) الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 164.
431
ما ذكره في الفقيه بعدها ايضا حيث قال (عليه السلام): و لا تصل على الجنازة بنعل حذو و لا تجعل ميتين على جنازة واحدة. الى آخره.
قيل أراد (عليه السلام) بالنعل الانتعال و هو لبس النعل، و في الصحاح: نعلت و تنعلت إذا احتذيت. و إضافته إلى الحذو لعله بمعنى الحذاء للتوضيح. و قيل يحتمل أن يكون مرادهم بنعل الحذو و الحذاء غير العربية من النعال الهندية و العجمية الساترة لظهر القدم أو أكثره بغير ساق.
و قال الصدوق في المقنع على ما نقله في الذكرى: و روى انه لا يجوز للرجل أن يصلى على الجنازة بنعل حذو، و كان محمد بن الحسن يقول: كيف تجوز صلاة الفريضة و لا تجوز صلاة الجنازة. و كان يقول لا نعرف النهى عن ذلك إلا من رواية محمد بن موسى الهمداني (1) و كان كذابا، و قال الصدوق: و صدق في ذلك إلا انى لا اعرف عن غيره رخصة و اعرف النهى و ان كان من غير ثقة و لا يرد الخبر بغير خبر معارض. قال في الذكرى بعد نقل ذلك: قلت:
و روى الكليني عن عدة عن سهل ابن زياد عن إسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة ما قلناه (2) و هذا طريق غير طريق الهمداني إلا ان يفرق بين الحذاء و نعل الحذو. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ظاهر كلام الصدوق في عدوله عن مذهب شيخه هنا ان الخبر و ان كان ضعيفا عنده فإنه يعمل به إذا لم يكن معارض أقوى و أما مع وجود المعارض الأقوى فإنه يطرح و لا يجب تحصيل وجه يحمل عليه، و هو خلاف ما عليه ظاهر الأصحاب قديما و حديثا، فان الظاهر من كلامهم- كما دلت عليه الآية و الرواية (3)- ان خبر الفاسق من كذاب و غيره لا يثبت به حكم شرعي فكيف
____________
(1) الرواية المشار إليها لم نقف عليها في كتب الحديث. و العبارة المنقولة عن المقنع لم نجدها في المقنع المطبوع في مظانها.
(2) ص 430.
(3) اما الآية فقوله تعالى في سورة الحجرات الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» و اما الرواية فيمكن أن يستفاد ذلك من ما ورد في الباب 11 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به من الوسائل من الأحاديث الظاهرة في إناطة أخذ الحكم من الراوي بكونه ثقة و مأمونا، و تعضده الأخبار الواردة في عدم قبول شهادة الفاسق في الباب 30 من الشهادات من الوسائل.
432
يتوقف رده على خبر معارض؟ و أعجب من ذلك عدم تنبه شيخنا الشهيد (قدس سره) لما قلناه.
و العجب ايضا من شيخنا الصدوق ان عبارة أبيه في الرسالة اليه المأخوذة كما عرفت من كتاب الفقه الرضوي الذي اعتمد عليه هو و أبوه في جميع أبواب الفقه مما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى قد دلت على النهى عن ذلك فكيف لم يستند الى ذلك و استند إلى رواية الهمداني مع اعترافه بان راويها كذاب. اللهم إلا ان يقال ان عبارة كتاب الفقه لا صراحة فيها في الدلالة على التحريم كما هو ظاهر عبارته في المقنع من قوله «لا يجوز» و الكلام انما هو في التحريم كما تؤذن به هذه العبارة و حينئذ يكون هذا بحثا آخر خارجا عن ظاهر كلام الأصحاب. و الله العالم.
و منها-
استحباب ترتيب الجنائز متى تعددت بالذكورة و الأنوثة و الصغرى و الكبر و الحرية و المملوكية.
و ينبغي أن يعلم أولا انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما نقله في المنتهى في جواز الصلاة الواحدة على الجنائز المتعددة. و استشكل جمع من الأصحاب الصلاة الواحدة في صورة اجتماع الصبي الذي لم يبلغ الست مع غيره ممن تجب الصلاة عليه لاختلاف الوجه، و الحق انه لا اشكال بحمد الملك المتعال كما سيأتي بيانه في المقام ان شاء الله تعالى.
و قد صرح جملة من الأصحاب بأن الأفضل التفريق بان يصلى على كل جنازة على حيالها، قال في الذكرى: و التفريق أفضل و لو كان على كل طائفة لما فيه من تكرار ذكر الله و تخصيص الدعاء الذي هو أبلغ من التعميم، إلا أن يخالف حدوث أمر على الميت فالصلاة الواحدة أولى فيستحب إذا اجتمع الرجل و المرأة محاذاة
433
صدرها لوسطه ليقف الامام موقف الفضيلة و ان يلي الرجل الامام ثم الصبي لست ثم العبد ثم الخنثى ثم المرأة ثم الطفل لدون ست ثم الطفلة، و جعل ابن الجنيد الخصى بين الرجل و الخنثى، و نقل في الخلاف الإجماع على تقديم الصبي الذي تجب عليه الصلاة الى الامام على المرأة، ثم قال: و أطلق الصدوقان تقديم الصبي الى الامام. و في النهاية أطلق تقديم الصبي إلى القبلة. انتهى.
أقول: ما ذكره من تقييد الطفل بكونه لدون ست سنين مبنى على ما قدمنا نقله عنهم مما اشتهر بينهم انه يستحب الصلاة عليه حيث انهم جعلوا ذلك وجه جمع بين أخبار المسألة، و من أجل ذلك استشكل بعضهم- كما قدمنا ذكره- في الصلاة الواحدة في هذه الحال لاختلاف الوجه.
قال في المدارك- بعد قول المصنف و لو كان طفلا جعل وراء المرأة- ما لفظه المراد بالطفل هنا من لا تجب الصلاة عليه كما نص عليه في المعتبر، و استدل على استحباب جعله وراء المرأة بأن الصلاة لا تجب عليه و تجب على المرأة و مراعاة الواجب أولى فتكون مرتبتها أقرب الى الامام. و قال ابنا بابويه يجعل الصبي الى الامام و المرأة إلى القبلة و أسنده المصنف في المعتبر إلى الشافعي (1) و استحسنه
لما رواه الشيخ عن ابن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «توضع النساء مما يلي القبلة و الصبيان دونهن و الرجال دون ذلك».
قال: و هذه الرواية و ان كانت ضعيفة لكنها سليمة من المعارض و لا بأس به. و استشكل جمع من الأصحاب الاجتزاء بالصلاة الواحدة هنا لاختلاف الوجه، و صرح العلامة في التذكرة بعدم
____________
(1) في الأم ج 1 ص 244 «إذا اجتمعت جنائز رجال و نساء و صبيان و خناثى جعل الرجال مما يلي الامام و قدم الى الامام أفضلهم ثم الصبيان يلونهم ثم الخناثى يلونهم ثم النساء خلفهم مما يلي القبلة» و في الوجيز ج 1 ص 46 «إذا اجتمعت الجنائز يقرب من الامام الرجل ثم الصبي ثم الخنثى ثم المرأة».
(2) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
434
جواز جمع الجميع بنية واحدة متحدة الوجه. ثم قال و لو قيل بإجزاء الواحدة المشتملة على الوجهين بالتقسيط أمكن. و هو مشكل لان الفعل الواحد الشخصي لا يتصف بوصفين متنافيين. و قال في الذكرى انه يمكن الاكتفاء بنية الوجوب لزيادة الندب تأكيدا. و هو مشكل أيضا لأن الوجوب مضاد للندب فلا يكون مؤكدا له.
و الحق انه لم يثبت الاجتزاء بالصلاة الواحدة بنص أو إجماع وجب نفيه لأن العبادة كيفية متلقاة من الشارع فيقف إثباتها على النقل، و ان ثبت الاجتزاء بذلك كان الإشكال مندفعا بالنص كما في تداخل الأغسال الواجبة و المستحبة، و على هذا فيكون المراد ان الغرض المطلوب من الصلاة على الطفل يتأدى بالصلاة الواجبة على هذا الوجه كما تتأدى وظيفة غسل الجمعة بإيقاع غسل الجنابة في ذلك اليوم. انتهى.
و انما أطلنا الكلام بنقله بالتمام لتطلع بذلك على كلامهم في المقام و ما وقع لهم من النقض و الإبرام و ان كان نفخا في غير ضرام كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في أخبارهم (عليهم السلام).
و ذلك ان منشأ الشبهة التي أوجبت لهم هذا الاضطراب و الوقوع في هذا الإشكال الذي اختلفت في المخرج عنه كلمة الأصحاب هو الأخبار الدالة على مذهب ابن الجنيد و هو وجوب الصلاة على من استهل و ان لم يبلغ ست سنين، و هم قد جمعوا بينها و بين الأخبار المقيدة للوجوب بست سنين بالحمل على الاستحباب كما هي القاعدة عندهم في جميع الأبواب، و نحن قد أوضحنا في ما تقدم (1) خروجها مخرج التقية بغير شك و لا ارتياب، و الصبيان الذين قد تضمنتهم مرسلة ابن بكير المذكورة انما أريد بهم من تجب الصلاة عليه ممن بلغ ست سنين فصاعدا لا الأطفال الذين لم يبلغوا ذلك. و مع فرض التصريح بالأطفال الذين لم يبلغوا هذا المبلغ فإنه يجب حمل الرواية على التقية لو كان الأمر كذلك كما حملت عليه تلك الأخبار.
و أما ما نقله عن ابن بابويه من قوله: «يجعل الصبي الى الامام و المرأة إلى
____________
(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 367 و ص 370.
435
القبلة» فإنما أراد به الصبي الذي تجب الصلاة عليه لا الطفل الذي هو محل البحث و كيف لا و هو قد روى في الكتاب
صحيحة زرارة و عبيد الله بن على الحلبي (1) الدالة على «ان الصبي تجب عليه الصلاة إذا عقل الصلاة. قلت متى تجب الصلاة عليه؟ قال إذا كان ابن ست سنين.
ثم قال و صلى أبو جعفر (عليه السلام) على ابن له صبي صغير له ثلاث سنين. ثم قال لو لا ان الناس يقولون ان بنى هاشم لا يصلون على الصغار من أولادهم ما صليت عليه» و هذا مضمون صحيحة زرارة التي قدمناها في تلك المسألة (2) و من هنا يعلم ان مذهبه موافق للمشهور في تخصيص الوجوب بمن بلغ ستا و ان نقص عن ذلك انما يصلى عليه تقية، و حينئذ فكيف ينظم عبارته بمجرد تضمنها لفظ الصبي في هذه المسألة المخصوصة و يخصها بمن لم يبلغ هذا المقدار.
و بالجملة فإن نقل الرواية المذكورة و كلام الصدوق المذكور هنا مغالطة أو غفلة ظاهرة.
و بذلك يظهر لك ما في قوله: و أسنده المصنف في المعتبر إلى الشافعي و استحسنه لما رواه. الى آخره. ثم قال و لا بأس به، فان فيه ان قول الشافعي (3) بذلك انما هو لوجوب الصلاة عندهم على الأطفال الذين لم يبلغوا الست (4) كما هو مذهب ابن الجنيد فهو صحيح على مذهبهم و أما عندنا فلا، و الخبر الذي قد استند اليه قد عرفت الوجه فيه، و به يظهر ان نفيه البأس عن ذلك محل البأس بلا شبهة و لا التباس. على انه لم يقم لنا دليل على اعتبار نية الوجه لا في هذا الموضع و لا في غيره، فالإشكال بسبب ذلك كما ذكروه ليس في محله كما لا يخفى على من راجع ما حققناه في بحث النية في كتاب الطهارة.
ثم انه مما يدل على تقديم الرجل الى الامام و تأخير المرأة أخبار عديدة منها
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «سألته عن الرجال
____________
(1) ص 367 و 368.
(2) ص 367 و 368.
(3) ارجع الى التعليقة 1 ص 433.
(4) ارجع الى التعليقة 3 ص 367.
(5) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
436
و النساء كيف يصلى عليهم؟ قال الرجال امام النساء مما يلي الإمام يصف بعضهم على اثر بعض».
و صحيحة زرارة و الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «في الرجل و المرأة كيف يصلى عليهما؟ قال يجعل الرجل و المرأة و يكون الرجل مما يلي الامام».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): فإذا اجتمع جنازة رجل و امرأة و غلام و مملوك فقدم المرأة إلى القبلة و اجعل المملوك بعدها و اجعل الغلام بعد المملوك و الرجل بعد الغلام مما يلي الامام و يقف الامام خلف الرجل في وسطه و يصلى عليهم جميعا صلاة واحدة.
و مما يدل على تقديم الحر على العبد و الكبير على الصغير
رواية طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان إذا صلى على المرأة و الرجل قدم المرأة و أخر الرجل، و إذا صلى على العبد و الحر قدم العبد و أخر الحر، و إذا صلى على الصغير و الكبير قدم الصغير و أخر الكبير».
بحمل التقديم فيها على التقديم إلى القبلة جمعا بينها و بين الأخبار المتقدمة.
و يحتمل أن يكون هذا الخبر على وجه الجواز و التخيير بين الأمرين، و يؤيده
ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (4) قال: «سألته عن الرجل و المرأة يصلى عليهما قال يكون الرجل بين يدي المرأة مما يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل مما يلي يساره و يكون رأسها أيضا مما يلي يسار الامام و رأس الرجل مما يلي يمين الإمام».
فإن هذا الخبر كما ترى ظاهر بل صريح في خلاف الصورة المتقدمة، و لا طريق الى الجمع بينه و بين ما قدمناه من الأخبار إلا بالقول بالتخيير كما هو ظاهر الشيخ في الاستبصار.
و مما يدل على كون الترتيب المذكور على وجه الاستحباب دون الوجوب
صحيحة هشام بن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا بأس بأن يقدم الرجل
____________
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
(2) ص 19.
(3) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
437
و تؤخر المرأة و يؤخر الرجل و تقدم المرأة يعني في الصلاة على الميت».
و يحتمل ما عرفت من التخيير ايضا، و بالأول قال في التهذيب و بالثاني في الاستبصار، و الظاهر انه الأقرب لما عرفت من صحيحة عبيد الله الحلبي المذكورة.
ثم ان إطلاق أكثر الأخبار الواردة في المقام دال على وضع الجنائز مع الاختلاف قدام الإمام بأن تكون في صف واحد إلى جهة القبلة كل ميت بجنب الآخر، إلا انه يقدم من حقه التقديم الى الامام و يؤخر من حقه التأخير على ما تقدم في عبارة الذكرى.
و ظاهر موثقة عمار انه متى تعددت الجنائز جعلت صفا واحدا مثل الدرج بحيث يجعل رأس الثاني عند ألية الأول، و لو كان فيها جنائز النساء جعلت في الصف ايضا و لكن بعد تمام صف الرجال فيجعل رأس المرأة عند ألية الرجل الأخير و هكذا، و ان الامام يقوم وسط الرجال.
و هي
ما رواه في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلى على ميتين أو ثلاثة موتى كيف يصلى عليهم؟ قال (عليه السلام) ان كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو أكثر من ذلك فليصل عليهم صلاة واحدة، يكبر عليهم خمس تكبيرات كما يصلى على ميت واحد و قد صلى عليهم جميعا: يضع ميتا واحدا ثم يجعل الآخر إلى ألية الأول ثم يجعل رأس الثالث إلى ألية الثاني شبه المدرج حتى يفرغ منهم كلهم ما كانوا، فإذا سواهم هكذا قام في الوسط فكبر خمس تكبيرات يفعل كما يفعل إذا صلى على ميت واحد سئل فإن كان الموتى رجالا و نساء؟ قال يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني إلى ألية الأول حتى يفرغ من الرجال كلهم ثم يجعل رأس المرأة إلى ألية الرجل الأخير ثم يجعل رأس المرأة الأخرى إلى ألية المرأة الأولى حتى يفرغ منهم كلهم، فإذا سوى هكذا قام في الوسط وسط الرجال فكبر و صلى عليهم كما يصلى على ميت واحد».
قال في الذكرى: لو اجتمع الرجال صفوا مدرجا يجعل رأس الثاني الى
____________
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
438
ألية الأولى و هكذا ثم يقوم الإمام في الوسط، و لو كان معهم نساء جعل رأس المرأة الأولى الى ألية الرجل الأخير ثم الثانية إلى ألية الأولى و هكذا، ثم يقوم الإمام في وسط الرجال و يصلى عليهم صلاة واحدة، روى ذلك كله عمار عن الصادق (عليه السلام) (1). انتهى.
أقول: رواية عمار قد رواها الكليني في الكافي (2) و الشيخ في التهذيب (3) و هي في الكافي كما نقلناه و ذكره شيخنا المذكور، و أما في التهذيب فان فيه «ثم يجعل رأس المرأة الأخرى إلى رأس المرأة الأولى» و مثله في المنتهى، و الظاهر انه أخذه من التهذيب، و لا يبعد انه سهو من قلم الشيخ فان الموافق لسياق الرواية انما هو ما في الكافي. و ظاهر كلام شيخنا الشهيد في الذكرى تخصيص إطلاق تلك الروايات بهذه الرواية.
و كيف كان فعندي في العمل برواية عمار إشكال، فإنه متى طال الصف و قام الإمام في وسط الرجال فان قرب الإمام إلى الجنازة التي يقوم بحذائها كما هو السنة في الصلاة على الجنازة لزم تأخر ميمنة الصف خلفه و ان بعد على وجه تكون الميمنة قدامه لزم خلاف السنة في الصلاة. و لم أر من تعرض لهذا الإشكال في هذا المجال. و الله العالم.
و منها-
استحباب كثرة المصلين
، قال في الذكرى: يستحب كثرة المصلين لرجاء مجاب الدعوة فيهم و في الأربعين بلاغ،
ففي الصحاح عن النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه».
و روينا عن عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام) (5) «إذا مات المؤمن فحضر جنازته
____________
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجنازة.
(2) الفروع ج 1 ص 48.
(3) ج 1 ص 344.
(4) صحيح مسلم ج 1 ص 351 و سنن البيهقي ج 4 ص 30.
(5) الوسائل الباب 90 من الدفن.
439
أربعون رجلا من المؤمنين فقالوا: اللهم انا لا نعلم منه إلا خيرا و أنت اعلم به منا قال الله تعالى قد أجزت شهادتكم و غفرت له ما علمت مما لا تعلمون» و المائة أبلغ لما في الصحاح عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «ما من ميت يصلى عليه امة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه».
أقول: و مما يدل على ذلك من طريقنا
ما نقله شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار (2) عن كتاب الزهد للحسين بن سعيد عن إبراهيم بن ابى البلاد عن سعد الإسكاف عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «كان في بني إسرائيل عابد فأعجب به داود (عليه السلام) فأوحى الله تعالى اليه لا يعجبك شيء من أمره فإنه مراء، قال فمات الرجل فاتى داود (عليه السلام) فقيل له مات الرجل فقال ادفنوا صاحبكم قال فأنكرت ذلك بنو إسرائيل و قالوا كيف لم يحضره؟ قال فلما غسل قام خمسون رجلا فشهدوا بالله ما يعلمون إلا خيرا فلما صلوا عليه قام خمسون رجلا فشهدوا بالله انهم ما يعلمون إلا خيرا قال فأوحى الله عز و جل الى داود (عليه السلام) ما منعك أن تشهد فلانا؟ قال الذي أطلعتني عليه من امره، قال انه كان كذلك و لكن شهده قوم من الأحبار و الرهبان فشهدوا انهم ما يعلمون إلا خيرا فأجزت شهادتهم عليه و غفرت له مع علمي فيه».
ثم قال شيخنا المذكور في تتمة كلامه المتقدم: و أقل الفضل اثنان
لما في الصحاح عنه (صلى الله عليه و آله) (3) «أيما مؤمن شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة. قلنا و ثلاثة؟ قال و ثلاثة.
قلنا و اثنان؟ قال و اثنان. ثم لم نسأله عن الواحد».
و عنه (صلى الله عليه و آله) من الصحاح (4) «انهم مروا بجنازة فاثنوا عليها خيرا فقال النبي (صلى الله عليه و آله) وجبت ثم مروا بأخرى فاثنوا عليها شرا فقال وجبت فقيل له (صلى الله عليه و آله) ما وجبت؟ فقال هذا اثنيتم عليه خيرا فوجبت له
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 350 و سنن البيهقي ج 4 ص 30.
(2) ج 18 الطهارة ص 280.
(3) صحيح البخاري باب ثناء الناس على الميت كتاب الجنائز.
(4) صحيح مسلم ج 1 ص 351 باب من يثنى عليه خير أو شر.
440
الجنة و هذا اثنيتم عليه شرا فوجبت له النار، المؤمنون شهداء الله في الأرض».
قال الفاضل: و ليكونوا ثلاثة صفوف
لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب».
قلت: الخبر عامي و لكن فضائل الأعمال ربما تثبت بالخبر الضعيف. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في اعتراضه على الفاضل بان الخبر عامي مع ان جل اخباره التي أوردها في المقام عامية، و الاعتذار الذي ذكره مما لا يسمن و لا يغني من جوع كما تقدم تحقيقه. و الله العالم.
و منها-
استحباب رفع اليدين بالتكبيرات كملا
، أما استحباب الرفع في التكبير الأول فهو مجمع عليه كما نقله غير واحد من الأصحاب و انما الخلاف في البواقي و الأظهر انه كذلك، و هو اختيار الفاضلين و ظاهر الشيخ في كتابي الأخبار و اليه يميل كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة، و المشهور العدم و انه غير مستحب و ذهب اليه الشيخ المفيد و المرتضى و الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن إدريس و غيرهم و يدل على الأول
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن العرزمي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «صليت خلف ابى عبد الله (عليه السلام) على جنازة فكبر خمسا يرفع يده في كل تكبيرة».
و عن يونس (3) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) قلت جعلت فداك ان الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الأولى و لا يرفعون في ما بعد ذلك فاقتصر على التكبيرة الأولى كما يفعلون أو ارفع يدي في كل تكبيرة؟ فقال ارفع يدك في كل تكبيرة».
و عن محمد بن عبد الله بن خالد مولى بنى الصيداء (4) «انه صلى خلف جعفر بن محمد (عليه السلام) على جنازة فرآه يرفع يديه في كل تكبيرة».
____________
(1) سنن ابى داود ج 3 ص 202.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة.
441
و يدل على الثاني
ما رواه الشيخ عن غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله عن على (عليهما السلام) (1) «انه كان لا يرفع يده في الجنازة إلا مرة واحدة يعني في التكبير».
و عن إسماعيل بن إسحاق بن ابان الوراق عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «كان أمير المؤمنين على بن ابى طالب (عليه السلام) يرفع يده في أول التكبير على الجنازة ثم لا يعود حتى ينصرف».
و حملهما الشيخ في التهذيبين تارة على الجواز و رفع الوجوب و اخرى على التقية، قال لموافقته لمذهب كثير من العامة (3). أقول: و اليه يشير قوله في رواية يونس: «ان الناس يرفعون أيديهم في التكبير على الميت في التكبيرة الأولى».
و قال المحقق في المعتبر بعد إيراد أخبار الطرفين: ما دل على الزيادة أولى و لأن رفع اليدين مراد الله في أول التكبير و هو دليل الرجحان فيسوغ في الباقي تحصيلا للأرجحية، و لأنه فعل مستحب فجاز ان يفعل مرة و يخل به اخرى فلذلك اختلفت الروايات فيه.
و اعترضه في الذكرى فقال بعد نقل كلامه: قلت رواية النقيصة تدل على نفى الزائد صريحا فهما متعارضان في الإثبات و الثاني مرغوب عنه، و الثالث لا بأس به لولا ان «كان» تشعر بالدوام. ثم قال و لو حملت رواية عدم الرفع على التقية كما قاله الشيخ أمكن لأن بعض العامة يرى ذلك (4) و بالجملة الخروج عن جمهور الأصحاب بخبر الواحد فيه ما فيه. انتهى.
و لا يخفى ما فيه فان ترجيح العمل بالشهرة التي هي عبارة عن الشهرة في
____________
(1) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 10 من صلاة الجنازة.
(3) في المغني ج 2 ص 490 «أجمع أهل العلم على ان المصلى على الجنائز يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها، و كان يرفع عند كل تكبيرة ابن عمر و سالم و عمر بن عبد العزيز و عطاء و قيس بن ابى حازم و الزهري و إسحاق و ابن المنذر و الأوزاعي و الشافعي، و قال مالك و الثوري و أبو حنيفة لا يرفع يده إلا في الأولى لأن كل تكبيرة مقام ركعة و لا ترفع الأيدي في جميع الركعات».
(4) في المغني ج 2 ص 490 «أجمع أهل العلم على ان المصلى على الجنائز يرفع يديه في أول تكبيرة يكبرها، و كان يرفع عند كل تكبيرة ابن عمر و سالم و عمر بن عبد العزيز و عطاء و قيس بن ابى حازم و الزهري و إسحاق و ابن المنذر و الأوزاعي و الشافعي، و قال مالك و الثوري و أبو حنيفة لا يرفع يده إلا في الأولى لأن كل تكبيرة مقام ركعة و لا ترفع الأيدي في جميع الركعات».
442
الفتوى لم يقم عليه دليل، و المرجحات المنصوصة عن أصحاب العصمة (عليهم السلام) و ان تضمنت الترجيح بها لكن المراد انما هو الشهرة في الرواية، و هو في جانب الروايات الدالة على الاستحباب في الجميع لا سيما مع صحة سند الرواية الأولى، مضافا الى الترجيح بالعرض على مذهب العامة و ان كانوا هنا على قولين أيضا إلا ان العدم مذهب أبي حنيفة و مالك و الثوري (1) و لا يخفى قوة مذهب أبي حنيفة و شيوعه في الصدر الأول و الى ذلك تشير رواية يونس كما عرفت. و أيضا فإن من القواعد المنصوصة (2)- و ان كان الأصحاب قد أعرضوا عنها كملا كما نبهنا عليه في غير مقام مما تقدم- انه متى ورد خبر عن أولهم (عليهم السلام) و خبر عن آخرهم فإنه يؤخذ بالأخير، و روايتا العدم قد وردتا عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) و رواية الاستحباب قد وردت عن الرضا (عليه السلام) فيكون الترجيح بمقتضى هذه القاعدة في جانب الاستحباب و الله العالم.
و منها-
استحباب ان لا يبرح من مكانه حتى ترفع الجنازة إماما كان أو مأموما
كما صرح به جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و خصه الشهيد بالإمام تبعا لابن الجنيد، و قال في الروض: و يستحب لكل مصل تأسيا به (عليه السلام) نعم لو فرض صلاة جميع الحاضرين استثنى منهم أقل ما يمكن به رفع الجنازة. و الأقرب القول الأول،
فروى الشيخ عن حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (3) «ان عليا (عليه السلام) كان إذا صلى على جنازة لم يبرح من مصلاه حتى يراها على أيدي الرجال».
و في رواية يونس المتقدمة (4) في الموضع الثالث «و لا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه».
____________
(1) ارجع الى التعليقة (3) و (4) ص 441.
(2) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة الجنازة.
(4) ص 409.
443
و في كتاب الفقه الرضوي (1) بعد ذكر الصلاة: و لا تبرح من مكانك حتى ترى الجنازة على أيدي الرجال.
و منها-
استحباب الدعاء له عقيب الرابعة ان كان مؤمنا و عليه ان كان مخالفا
و بدعاء المستضعف ان كان كذلك و بدعاء المجهول ان كان مجهولا و بدعاء الأطفال ان كان طفلا.
و فسر ابن إدريس المستضعف بمن لا يعرف اختلاف الناس في المذاهب و لا يبغض أهل الحق على اعتقادهم. و عرفه في الذكرى بأنه الذي لا يعرف الحق و لا يعاند فيه و لا يوالي أحدا بعينه. و حكى عن المفيد في الغرية أنه عرفه بأنه الذي يعرف بالولاء و يتوقف عن البراء. و هذه التعريفات متقاربة في المعنى.
و المفهوم من الأخبار ان المستضعف هو من لا يعرف الولاية و لم ينكر،
ففي الخبر (2) «قلت هل يسلم الناس حتى يعرفوا ذلك؟ قال لا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ الذين لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (3) قلت من هو؟ قال أ رأيتم خدمكم و نساءكم ممن لا يعرف. الحديث».
و قد ورد في تفسير الآية المذكورة (4): لا يستطيعون حيلة إلى الكفر فيكفرون و لا يهتدون سبيلا الى الايمان فيؤمنوا. و اما المجهول فالمراد به من جهل دينه و مذهبه.
و اما الأخبار الدالة على ما ذكرنا من هذه الأحكام فاما بالنسبة إلى المستضعف و المجهول
فما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «الصلاة على المستضعف و الذي لا يعرف: الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات يقول:
____________
(1) ص 59.
(2) تفسير البرهان ج 1 ص 406 الطبع الثاني نقلا بالمعنى.
(3) سورة النساء الآية 100. و كلمة «الذين» ليست في الآية.
(4) تفسير البرهان ج 1 ص 406 الطبع الثاني نقلا بالمعنى.
(5) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
444
ربنا اغفر لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذٰابَ الْجَحِيمِ. الى آخر الآيتين» (1).
و المراد بالذي لا يعرف يعنى مذهبه كما سيأتي التصريح به في الخبر الآتي. و الآية الثانية هكذا «رَبَّنٰا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنّٰاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبٰائِهِمْ وَ أَزْوٰاجِهِمْ وَ ذُرِّيّٰاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: «الصلاة على المستضعف و الذي لا يعرف مذهبه: يصلى على النبي (صلى الله عليه و آله) و يدعو للمؤمنين و المؤمنات و يقول: اللهم فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذٰابَ الْجَحِيمِ».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن عمر بن أذينة عن الفضل بن يسار عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا صليت على المؤمن فادع له و اجتهد له في الدعاء و ان كان واقفا مستضعفا فكبر و قل: اللهم اغفر لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذٰابَ الْجَحِيمِ».
و الظاهر ان المراد بقوله «واقفا» أى متحيرا في دينه، و هو يرجع الى المستضعف بالمعنى الذي قدمنا دلالة الآية عليه و تفسيرها به. و اما الحمل على الوقف على أحد الأئمة (عليهم السلام) فبعيد، و أبعد منه ما وقع من تبديل لفظ «واقفا» ب «منافقا» كما وقع في كلام بعض أصحابنا.
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن و في الفقيه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان كان مستضعفا فقل: اللهم اغفر لِلَّذِينَ تٰابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذٰابَ الْجَحِيمِ، و إذا كنت لا تدري ما حاله فقل: اللهم ان كان يحب الخير و أهله فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه، و ان كان المستضعف منك بسبيل فاستغفر له على وجه الشفاعة لا على وجه الولاية».
____________
(1) سورة المؤمن الآية 7 و 8. و الآية الأولى «رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ.».
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
445
قال في الوافي: بيان- «منك بسبيل» أى له عليك حق، و يعني بالولاية ولاية أهل البيت (عليهم السلام) يعنى حق من لا ولاية له عليك لا يوجب أن تدعو له كما تدعوا لأهل الولاية بل يكفى لذلك ان تستغفر له على وجه الشفاعة. انتهى.
و لا يخفى من تكلف و بعد.
و الظاهر- و الله سبحانه و قائله أعلم- ان المراد بقوله «ان كان منك بسبيل» أى قريبا منك في النسب، و المراد بالولاية انما هي الاخوة و الإيمانية فإن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، و المراد انه ان كان قريبا لك في النسب فاستغفر له على وجه الشفاعة و الالتماس لا على جهة الأخوة الإيمانية الموجبة لمزيد الجد و الاجتهاد في الدعاء له كما يشير اليه
قوله في حديث الفضيل المتقدم (1) «إذا صليت على المؤمن فادع له و اجتهد له في الدعاء».
و لعل السر في ذلك هو ان المستضعف لما كان من المرجأين لأمر الله إما يتوب عليه و اما يعذبه كما دلت عليه الأخبار فلا ينبغي الحتم عليه سبحانه و الإلحاح في الدعاء بل ينبغي أن يكون بطريق الالتماس و الشفاعة.
و ما رواه في الكافي عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«تقول: اشهد أن لا إله إلا الله و اشهد ان محمدا (صلى الله عليه و آله) رسول الله اللهم صل على محمد عبدك و رسولك، اللهم صل على محمد و آل محمد و تقبل شفاعته و بيض وجهه و أكثر تبعه اللهم اغفر لي و ارحمني و تب على اللهم اغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم. فان كان مؤمنا دخل فيها و ان كان ليس بمؤمن خرج عنها».
و عن ثابت بن ابى المقدام (3) قال «كنت مع ابى جعفر (عليه السلام) فإذا بجنازة لقوم من جيرته فحضرها و كنت قريبا منه فسمعته يقول: اللهم انك أنت خلقت هذه النفوس و أنت تميتها و أنت تحييها و أنت أعلم بسرائرها و علانيتها منا و مستقرها و مستودعها، اللهم و هذا عبدك و لا أعلم منه سوء و أنت أعلم به و قد جئناك شافعين له
____________
(1) ص 444.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة الجنازة.
446
بعد موته فان كان مستوجبا فشفعنا فيه و احشره مع من كان يتولاه».
قال في الوافي في الحاشية: هذا الخبر أورده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن (1) و الأنسب أن يورد في هذا الباب كما فعلناه لأن الدعاء المذكور من قبيل دعاء المستضعفين و المجهولين كما لا يخفى.
أقول: الظاهر ان مبنى ما ذكره في الكافي من حمل هذا الخبر على المؤمن هو قوله في الخبر «من جيرته» أى جيرانه و يبعد على هذا أن يكون داخلا في المجهول الذي لا يعرف مذهبه و لا دينه، نعم ظاهر الدعاء المذكور انه ليس بمؤمن على اليقين و الظاهر انه من المستضعفين الذين هم أكثر الناس يومئذ كما يفهم من الاخبار، و المراد به كما قدمنا ذكره من لا يعرف و لا ينكر.
و أنت خبير بان المفهوم من هذه الأخبار على كثرتها هو ان الصلاة على هذا الصنف هو مجرد التكبير و قول هذا المذكور في هذه الأخبار و ان اختلفت فيه زيادة و نقصانا لا ما يفهم من كلام الأصحاب من كون ذلك بعد التكبيرة الرابعة كما قدمنا ذكره في صدر هذا الكلام و كذا في ما يأتي من اخبار الصلاة على المخالف فإنها كذلك، و الأخبار المتقدمة في بيان كيفية الصلاة- منها ما اشتمل على توزيع الأذكار بين التكبيرات الخمس و منها ما اشتمل على جمع الأذكار بينها- موردها انما هو المؤمن و لم يتعرض في شيء منها لذكر المخالف و المستضعف و المجهول، نعم في خبر أم سلمة و إسماعيل
____________
(1) هذا الخبر أورده في الكافي ج 1 ص 51 باب الصلاة على المستضعف و على من لا يعرف، و حاشية الوافي ليست على هذا الخبر و انما هي على خبر إسماعيل بن عبد الخالق بن عبد ربه، فان صاحب الوافي قد ذكره آخر باب الصلاة على المستضعف بعد حديث ثابت ابن ابى المقدام، و قد أورده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن و في الوسائل في الباب 2 من صلاة الجنازة رقم 4 و لم يذكره المصنف (قدس سره) هنا. و احتمال سقوطه من قلم النساخ ينفيه ما في المتن في توجيه إيراده في الكافي في باب الصلاة على المؤمن من الاستفادة من لفظ «جيرته» الوارد في حديث ابن ابى المقدام فان هذا اللفظ لا وجود له في حديث إسماعيل.
447
ابن همام (1) نقل صلاة الرسول (صلى الله عليه و آله) على المنافق بتوزيع الأذكار الثلاثة خاصة من غير ذكر دعاء للمنافق أو عليه، و قد تقدم الكلام في ذلك.
و ظاهر كلام الأصحاب الاتفاق على ما قدمنا ذكره في صدر المسألة من أن الأدعية المختصة بهذه الأصناف محلها بعد التكبيرة الرابعة، و في فهمه من الأخبار كما عرفت إشكال إلا ما ربما يظهر من عبارة كتاب الفقه الرضوي الآتية في المقام ان شاء الله تعالى.
و أما بالنسبة إلى الطفل فهو
ما رواه الشيخ عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليهم السلام) (2) «في الصلاة على الطفل انه كان يقول: اللهم اجعله لأبويه و لنا سلفا و فرطا و أجرا».
أقول «الفرط» بفتح الراء هو من يتقدم القوم ليصلح لهم ما يحتاجون اليه مما يتعلق بالمراد،
قال النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «انا فرطكم على الحوض».
قال ابن الأثير: أي متقدمكم اليه، يقال فرط يفرط فهو فارط و فرط إذا تقدم و سبق القوم ليرتاد لهم الماء و يهيئ لهم الدلاء و الأرشية، و منه الدعاء للطفل الميت «اللهم اجعله لنا فرطا» أي أجرا يتقدمنا. انتهى. و من ذلك ما سيأتي في عبارة الفقه ايضا ان شاء الله تعالى.
و اما بالنسبة إلى المخالف فمنها ما تقدم في الموضع الرابع من حديث عامر بن السمط و صحيحة الحلبي و صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (4).
و منها-
ما في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) في الموضع الأول (5) من المواضع الثلاثة التي قدمنا نقلها عنه في الموضع الثالث بعد ذكر الصلاة على المؤمن بالتكبيرات الخمس و الأدعية بينها موزعة «و إذا كان الميت مخالفا فقل في تكبيرك الرابعة اللهم أخز عبدك.
الى آخر ما تقدم في الموضع المذكور، الى أن قال: و اعلم ان
____________
(1) ص 402 و 403.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة الجنازة.
(3) كنز العمال ج 7 ص 221 كتاب القيامة باب الحوض.
(4) ص 414.
(5) ص 415.
448
الطفل لا يصلى عليه حتى يعقل الصلاة فإذا حضرت مع قوم يصلون عليه فقل: اللهم اجعله لأبويه و لنا ذخرا و مزيدا و فرطا و أجرا، و إذا صليت على مستضعف فقل: اللهم اغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم، و إذا لم تعرف مذهبه فقل: اللهم هذه النفس التي أنت أحييتها و أنت أمتها دعوت فاجابتك اللهم و لها ما تولت و احشرها مع من أحبت و أنت أعلم بها».
و ظاهر هذا الكلام محتمل لكون هذه الأدعية بعد الرابعة كما صرح به في المخالف، و يحتمل أن تكون صورة الصلاة هكذا مستقلة كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة و قال (عليه السلام) في الصورة الثالثة (1) من الكيفيات التي ذكرها بعد التكبيرات الأربع و الأدعية بينها المختصة بالصلاة على المؤمن «ثم تكبر الخامسة و تنصرف و إذا كان ناصبا فقل: اللهم انا لا نعلم إلا انه عدو لك و لرسولك اللهم فاحش جوفه نارا و قبره نارا و عجله الى النار فإنه كان يتولى أعداءك و يعادي أولياءك و يبغض أهل بيت نبيك (صلى الله عليه و آله) اللهم ضيق عليه قبره. و إذا رفع فقل: اللهم لا ترفعه و لا تزكه و ان كان مستضعفا فقل: اللهم اغفر للذين تابوا و اتبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم، و إذا لم تدر ما حاله الحق فقل: اللهم ان كان يحب الخير و أهله فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه، و الكلام هنا كما تقدم من ظهور كون الصلاة على هؤلاء بهذا النحو من غير التكبيرات الخمس التي في الصلاة على المؤمن و الاحتياط في ما قاله الأصحاب و الله العالم.
و منها-
استحباب الصلاة في المواضع المعتادة
، ذكره جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و عللوه بأنه ليكون طريقا الى تكثير المصلين لان السامع بموته يقصدها للصلاة عليه فيها فيكون ذلك طريقا الى تكثير المصلين الذي قد قدمنا انه من مستحبات هذه الصلاة أيضا. و لم أقف في ذلك على نص.
نعم وقع الخلاف في الصلاة في المسجد كراهة و عدمها و المشهور الكراهة في جميع المساجد إلا مكة المشرفة.
____________
(1) ص 21.
449
استنادا الى الجمع بين
ما رواه الشيخ عن ابى بكر بن عيسى بن أحمد العلوي (1) قال: «كنت في المسجد و قد جيء بجنازة فأردت أن أصلي عليها فجاء أبو الحسن الأول (عليه السلام) فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتى أخرجني من المسجد ثم قال يا أبا بكر ان الجنائز لا يصلى عليها في المسجد».
و بين
ما رواه في الصحيح عن الفضل بن عبد الملك (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يصلى على الميت في المسجد؟ قال نعم».
و رواه في الفقيه ايضا عن الفضل في الصحيح (3).
و ما رواه عن الفضل بن عبد الملك ايضا (4) قال: «سألته عن الميت هل يصلى عليه في المسجد؟ قال نعم».
و ما رواه ايضا عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) مثله (5).
و اما استثناء مسجد مكة فقد ذكره الشيخ في الخلاف و احتج عليه بإجماع الفرقة عقيب ذكر الكراهة و الاستثناء.
و علله العلامة في المنتهى بأن مكة كلها مسجد فلو كرهت الصلاة في بعض مساجدها لزم التعميم فيها أجمع و هو خلاف الإجماع. و تبعه الشهيد في ذلك.
و أورد عليه بان مسجدية ما خرج عن المسجد الحرام منها ليس على حد المساجد لجواز تلويثه بالنجاسة و اللبث فيه للجنب و نحو ذلك بخلاف المسجد.
و الله العالم.
المطلب الرابع- في الأحكام
، و قد تقدم جملة منها في ما قدمناه من الأبحاث المتقدمة و بقي الكلام هنا في مسائل:
[المسألة] الأولى [تكرار الصلاة على الميت]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تكرار الصلاة على الميت فالمشهور الكراهة، و قال ابن ابى عقيل لا بأس بالصلاة على من صلى عليه مرة
____________
(1) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 30 من صلاة الجنازة.
450
فقد صلى أمير المؤمنين (عليه السلام) على سهل بن حنيف خمس مرات (1).
و قال ابن إدريس تكره جماعة و تجوز فرادى لتكرار الصحابة الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) (2) و قال الشيخ في الخلاف من صلى على جنازة يكره له أن يصلى عليها ثانيا. و هو مشعر باختصاص الكراهة بالمصلي المتحد. و قال الشهيد في الذكرى ظاهرهم اختصاص الكراهة بمن صلى على الميت لما تلوناه عنهم من جواز الصلاة ممن فاتته على القبر أو يريدون بالكراهة قبل الدفن حتى ينتظم الكلام. و احتمل الشيخ في الاستبصار استحباب التكرار من المصلى الواحد و غيره، و للعلامة قول بكراهة تكرار الصلاة إذا خاف على الميت، و له ايضا قول بكراهة التكرار عند الخوف عليه أو مع منافاته التعجيل و قيد شيخنا الشهيد الثاني الكراهة بكون التكرار من المصلى الواحد أو يكون منافيا للتعجيل. هذا ما وفقت عليه من أقوال الأصحاب المتعلقة بهذه المسألة.
و أما الأخبار فهي مختلفة في ذلك و منها نشأ الاختلاف بين الأصحاب في هذا الباب، و ها أنا أسوق ما وقفت عليه منها مذيلا لها بما رزقني الله سبحانه فهمه منها فمنها-
ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابى مريم الأنصاري عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «انه سأله كيف صلى على النبي (صلى الله عليه و آله)؟ قال سجي بثوب و جعل وسط البيت فإذا دخل قوم داروا به و صلوا عليه و دعوا له ثم يخرجون و يدخل آخرون ثم دخل على (عليه السلام) القبر. الحديث».
و ما رواه في الكافي عن ابى مريم الأنصاري عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال:
«قلت له كيف كانت الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)؟ قال لما غسله أمير المؤمنين (عليه السلام) و كفنه سجاه ثم ادخل عليه عشرة فداروا حوله ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (5) فيقول القوم كما يقول حتى صلى عليه أهل المدينة و أهل العوالي».
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(4) الأصول ج 1 ص 450 باب مولد النبي (صلى الله عليه و آله) و وفاته.
(5) سورة الأحزاب الآية 56.
451
و ما رواه في الكافي (1) عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «اتى العباس أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا على ان الناس قد اجتمعوا ان يدفنوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في بقيع المصلى و ان يؤمهم رجل منهم فخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) الى الناس فقال: يا ايها الناس ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) امام حيا و ميتا، و قال انى ادفن في البقعة التي اقبض فيها. ثم قام على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس عشرة عشرة يصلون عليه ثم يخرجون».
و ما رواه في الكتاب المذكور (2) عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال «لما قبض النبي (صلى الله عليه و آله) صلت عليه الملائكة و المهاجرون و الأنصار فوجا فوجا. قال و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول في صحته و سلامته: إنما أنزلت هذه الآية على في الصلاة على بعد قبض الله لي إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (3).
و ما رواه الثقة الجليل احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن سليم بن قيس عن سلمان الفارسي في حديث يصف فيه تغسيل على (عليه السلام) له (صلى الله عليه و آله) (4) قال فيه «فلما غسله و كفنه أدخلني و ادخل أبا ذر و المقداد و فاطمة و حسنا و حسينا (عليهم السلام) فتقدم و صففنا خلفه فصلى عليه ثم أدخل عشرة من المهاجرين و عشرة من الأنصار فيصلون و يخرجون حتى لم يبق أحد من المهاجرين و الأنصار إلا صلى عليه».
و أنت خبير بأنه ربما ظهر من التأمل في هذه الأخبار الواردة في صلاة الناس على النبي (صلى الله عليه و آله) فوجا فوجا انما هو بمعنى الدعاء خاصة و انه لم يصل عليه الصلاة المعهودة إلا على (عليه السلام) مع هؤلاء النفر الذين تضمنهم حديث الاحتجاج، و اليه
____________
(1) الأصول باب مولد النبي (صلى الله عليه و آله) و وفاته و في الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(2) الأصول باب مولد النبي (صلى الله عليه و آله) و وفاته.
(3) سورة الأحزاب الآية 56.
(4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
452
تشير أيضا صحيحة الحلبي أو حسنته (1) و قوله فيها: «ثم قام على (عليه السلام) على الباب فصلى عليه ثم أمر الناس. الى آخره» فان ظاهر
صحيح ابى مريم الأول (2) و قوله فيه «فإذا دخل قوم داروا به و صلوا و دعوا له».
انهم يحيطون به من جميع الجهات و يدعون له و هكذا من يدخل بعدهم. و كذا قوله في حديث الثاني «ثم أدخل عليه عشرة فداروا حوله- يعنى بعد ما صلى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) كما دل عليه خبر الاحتجاج- ثم وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في وسطهم فقال. الحديث» فإنه ظاهر في ان الصلاة كانت بهذه الكيفية كما يدل عليه قوله «فيقول القوم كما يقول» و اليه يشير قوله في حديث جابر «انه سمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول في حال صحته ان هذه الآية نزلت عليه في الصلاة عليه بعد الموت» و لا ريب ان الصلاة في الآية انما هي بمعنى الدعاء.
و لم أقف على من تنبه لهذا الاحتمال الذي ذكرناه إلا الفاضل محمد تقي المجلسي في حواشي التهذيب حيث كتب على حديث ابى مريم الأنصاري الأول منهما ما صورته: يمكن أن يكون المراد طافوا به احتراما له (صلى الله عليه و آله) ثم صلوا عليه بعد أو انهم جعلوه قبلة و توجهوا اليه من كل جانب عند الصلاة عليه. و يحتمل أن يكون المراد بالصلاة هنا الدعاء و كان صلاة الناس عليه هكذا و انما صلى عليه الصلاة المخصوصة أمير المؤمنين (عليه السلام) و خواصه كما دل عليه خبر أورده في كتاب الاحتجاج (3). انتهى.
أقول: و ما احتمله (قدس سره) غير بعيد للتقريب الذي قدمناه في جملة من اخبار الصلاة عليه (صلوات الله و سلامه عليه و على آله الطاهرين) و على هذا يسقط الاستدلال بهذه الأخبار على جواز التكرار.
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله
____________
(3) 451.
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(2) ص 450.
453
(عليه السلام) (1) قال: «كبر أمير المؤمنين (عليه السلام) على سهل بن حنيف و كان بدريا خمس تكبيرات ثم مشى ساعة ثم وضعه و كبر عليه خمسة أخرى فصنع ذلك حتى كبر عليه خمسا و عشرين تكبيرة».
و عن عمرو بن شمر (2) قال: «قلت لجعفر بن محمد (عليهما السلام) جعلت فداك انا نتحدث بالعراق ان عليا (عليه السلام) صلى على سهل بن حنيف فكبر عليه ستا ثم التفت الى من كان خلفه فقال انه كان بدريا؟ قال فقال جعفر (عليه السلام) انه لم يكن كذا و لكنه صلى عليه خمسا ثم رفعه و مشى به ساعة ثم وضعه فكبر عليه خمسا ففعل ذلك خمس مرات حتى كبر عليه خمسا و عشرين تكبيرة».
و عن عقبة (3) قال: «سئل جعفر (عليه السلام) عن التكبير على الجنائز فقال ذاك الى أهل الميت ما شاءوا كبروا. فقيل انهم يكبرون أربعا؟ فقال ذاك إليهم ثم قال أما بلغكم ان رجلا صلى عليه على (عليه السلام) فكبر عليه خمسا حتى صلى عليه خمس صلوات يكبر في كل صلاة خمس تكبيرات؟ قال ثم قال انه بدري عقبي احدى و كان من النقباء الذين اختارهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الاثني عشر نقيبا و كانت له خمس مناقب فصلى عليه لكل منقبة صلاة».
أقول: و المذكور في الخبر في تعداد المناقب انما هو اربع مناقب مع قوله (عليه السلام) ان له خمس مناقب و ان تعداد الصلاة خمسا كان بإزاء المناقب الخمس، و لعل المنقبة الخامسة هو إخلاص الرجل في التشيع و الولاء لأمير المؤمنين و أهل بيته (عليهم السلام) و انه كان من السابقين الذين رجعوا اليه بعد ارتداد الناس.
و اما ما تضمنه الخبر من عدم التحديد في التكبير و ان ذلك الى أهل الميت يكبرون ما شاءوا فترده الأخبار المستفيضة المتقدمة في الموضع التاسع (4) و قد مر نظير هذا الخبر في عدم التوقيت في التكبير، و حمل الجميع على التقية متعين.
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(4) ص 419 و هو الموضع السادس.
454
قال في المنتهى: و هي خمس تكبيرات بينها أربعة أدعية و عليه علماؤنا أجمع و به قال زيد بن أرقم و حذيفة بن اليمان، و قال الشافعي يكبر أربعا و به قال الأوزاعي و الثوري و أبو حنيفة و مالك و داود و أبو ثور، و قال محمد بن سيرين و أبو السقيا جابر بن زيد يكبر ثلاثا، و رواه الجمهور عن ابن عباس، و قال عبد الله بن مسعود يكبر ما كبر الإمام أربعا و خمسا و سبعا و تسعا، و عن احمد روايات إحداها يكبر أربعا و الأخرى يتابع الإمام الى خمس و الأخرى يتابعه الى السبع (1) و بذلك يظهر انه لم يوافق الإمامية في هذه المسألة إلا زيد بن أرقم و حذيفة بن اليمان من الصحابة و أما علماؤهم فكما عرفت من الاختلاف.
و بالجملة فإن كلمة الأصحاب قديما و حديثا متفقة على الخمس في المؤمن و قد عضدها الأخبار المستفيضة المتقدم كثير منها في الموضع المشار اليه و أقوال العامة كما ترى، و حينئذ فلا وجه لما دل على خلاف ما قلناه إلا التقية.
ثم لا يخفى ان خبر عقبة المذكور و ان لم يصرح فيه باسم سهل بن حنيف المذكور لكنه هو المراد قطعا من الخبر المذكور بقرينة الأخبار الأخر.
و منها-
ما رواه في الكافي عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال «كبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) على حمزة سبعين تكبيرة، و كبر على (عليه السلام) عندكم على سهل بن حنيف خمسا و عشرين تكبيرة، قال كبر خمسا كلما أدركه الناس قالوا يا أمير المؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعفه فيكبر عليه خمسا حتى انتهى الى قبره خمس مرات».
و عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) على حمزة سبعين صلاة».
و منها-
قول أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما نقله في كتاب نهج البلاغة (4) «ان قوما استشهدوا في سبيل الله من المهاجرين و لكل فضل حتى إذا استشهد شهيدنا قيل
____________
(1) عمدة القارئ ج 4 ص 26 و 129 و نيل الأوطار ج 4 ص 51 و شرح المهذب ج 5 ص 221.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(4) ج 3 ص 35.
455
سيد الشهداء و خصه رسول الله (صلى الله عليه و آله) بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه».
و نحوه
ما نقله شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار (1) عن كتاب الهداية للحسين بن حمدان الحصيني بسنده عن سيدنا ابى محمد العسكري (عليه السلام) في حديث طويل يتضمن قتل حمزة (عليه السلام) و حزن النبي (صلى الله عليه و آله) له قال فيه: «و امره الله أن يكبر عليه سبعين تكبيرة و يستغفر له ما بين كل تكبيرتين منها فأوحى الله تعالى اليه انى قد فضلت عمك حمزة بسبعين تكبيرة لعظمته عندي و كرامته على. الحديث».
و ما رواه الصدوق في كتاب عيون الأخبار (2) عن الرضا عن آبائه عن الحسين ابن على (عليهم السلام) قال: «رأيت النبي (صلى الله عليه و آله) كبر على حمزة خمس تكبيرات و كبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة سبعون تكبيرة».
و رواه في صحيفة الرضا (عليه السلام) بإسناده الى أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) قال «رأيت النبي (صلى الله عليه و آله) كبر على عمه حمزة خمس تكبيرات و كبر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات فلحق حمزة بسبعين تكبيرة و وضع يده اليمنى على اليسرى».
أقول: و من هذين الخبرين يظهر ان السبعين تكبيرة على حمزة وقعت في صلوات متعددة كل صلاة منها خمس تكبيرات و يعضده الاتفاق كما عرفت، و عليه دلت النصوص المستفيضة ان صلاة الميت لا تزيد على خمس تكبيرات، و حينئذ تكون هذه السبعون عبارة عن أربع عشرة صلاة، و يمكن أن يكون الوجه في ذلك هو انه لما صلى على حمزة بخمس تكبيرات جيء بجماعة بعد جماعة فكان يصلى على كل جماعة بخمس تكبيرات و كان يشركهم في الصلاة و حمزة مع كل جماعة حتى إذا انتهت الصلاة عليهم صارت الصلوات أربع عشرة صلاة و لحق حمزة من الجميع سبعون تكبيرة. إلا ان ظاهر كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب النهج و كذا ظاهر خبر
____________
(1) ج 18 الطهارة ص 285.
(2) ص 210 و في الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
456
الحصيني يدل على وقوع ذلك في صلاة واحدة و ان ذلك فضيلة و مزية اختص بها حمزة (رضى الله عنه) دون غيره، فلا منافاة فيها للأخبار التي وقع الاتفاق عليها من أن صلاة الميت لا تزيد على خمس تكبيرات.
و منها-
ما رواه في التهذيب عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أ رأيت إن فاتتني تكبيرة أو أكثر؟ قال تقضى ما فاتك. قلت استقبل القبلة؟
قال بلى و أنت تتبع الجنازة فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) خرج الى جنازة امرأة من بنى النجار فصلى عليها فوجد الحفرة لم يمكنوا فوضعوا الجنازة فلم يجيء قوم إلا قال لهم صلوا عليها».
و عن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال «الميت يصلى عليه ما لم يوارث بالتراب و ان كان قد صلى عليه».
و عن يونس بن يعقوب في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الجنازة لم أدركها حتى بلغت القبر أصلي عليها؟ قال ان أدركتها قبل ان تدفن فإن شئت فصل عليها».
أقول: هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على جواز التكرار.
و اما الأخبار الدالة على العدم فمنها-
ما رواه الشيخ عن وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على جنازة فلما فرغ جاءه أناس فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم ندرك الصلاة عليها فقال لا يصلى على جنازة مرتين و لكن ادعوا لها».
و عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم فقالوا فأتتنا الصلاة عليها فقال ان الجنازة لا يصلى عليها مرتين ادعوا له و قولوا خيرا».
____________
(1) الوسائل الباب 17 و 6 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
457
و ما رواه في كتاب قرب الإسناد عن الحسين بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى على جنازة فلما فرغ جاء قوم لم يكونوا أدركوها فكلموا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يعيد الصلاة عليها فقال لهم قد قضيت الصلاة عليها و لكن ادعوا لها».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما ورد في الأخبار من التعدد في الصلاة على سهل ابن حنيف فهو محمول على خصوصية الرجل المذكور لما صرحت به رواية عقبة المتقدمة، و به يظهر ضعف ما ذكره في المدارك من تخصيصه استحباب الإعادة بمن لم يصل للتأسي و انتفاء ما ينهض حجة على اختصاص الحكم بذلك الشخص.
و هو غفلة منه عن هذه الرواية حيث انه انما أورد حسنة الحلبي و ما ورد من الاخبار بالنسبة الى حمزة (سلام اللّٰه عليه) فان حملنا السبعين على كونها في صلاة واحدة كما هو الظاهر من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب نهج البلاغة و خبر الحصيني المتقدم لم تكن هذه الأخبار من محل البحث في شيء، لأن الكلام في تعداد الصلاة و تكررها و هذه صلاة واحدة غاية الأمر أنه زيد في تكبيراتها الموظفة لمزية هذا الشخص و إظهار فضله كما صرح به خبر الحصيني، و ان حملنا السبعين على كونها في صلوات متعدد كما هو ظاهر خبر كتاب عيون الأخبار و خبر الصحيفة الرضوية فالظاهر حمل التكرار هنا ايضا على المزية و الفضيلة. و أما اخبار الصلاة على الرسول (صلى الله عليه و آله) فأظهر في الفضيلة و المزية، و ان حملناها على الاحتمال الذي قدمنا ذكره خرجت عن محل البحث.
و بالجملة فإن حمل الأخبار في هذه المواضع الثلاثة على الاختصاص لمزيد الفضيلة مما لا يمكن إنكاره سيما خبر سهل بن حنيف الصريح في ان كل صلاة بإزاء منقبة من مناقبه و حديث حمزة، و حينئذ فلا يمكن الاستناد إليها في عموم الحكم و شموله لجميع الأموات.
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجنازة.
458
بقي الكلام في الأخبار و الجمع بينها و هو ممكن بأحد وجهين: (الأول) حمل الأخبار الدالة على التكرار على ان الصلاة فيها بمعنى الدعاء لا الصلاة المعهودة، و يؤيده ما يأتي ان شاء الله تعالى في مسألة الصلاة على القبر. و (الثاني) حمل الأخبار الدالة على النهى عن التكرار على التقية فإن العلامة في المنتهى نقل القول بالكراهة عن ابن عمر و عائشة و ابى موسى و الأوزاعي و احمد و الشافعي و مالك و ابى حنيفة و أسنده ايضا الى على (عليه السلام) (1) و لعله الأقرب و يعضده ان أكثر روايات النهى من العامة.
و مما ذكرنا يظهر ضعف الأقوال المتقدمة، اما القول بالكراهة مطلقا كما هو المشهور عملا بالأخبار الدالة على النهى فينافيه ظاهر أمر النبي (صلى الله عليه و آله) بالصلاة لمن اتى في رواية جابر (2) و كذلك التزام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصلاة على سهل بن حنيف بالأمر المكروه خمس مرات، و أظهر منه صلاة النبي (صلى الله عليه و آله) على عمه (رضى الله عنه) و مثله صلاة الناس على النبي (صلى الله عليه و آله). و اما ما ذكره ابن إدريس من كراهة الصلاة جماعة فترده اخبار سهل بن حنيف و تكرار أمير المؤمنين (عليه السلام) الصلاة عليه جماعة خمس مرات و كذا أخبار حمزة (سلام اللّٰه عليه) (3) و أما تخصيص الكراهة بالمصلي نفسه كما نقل عن الشيخ في الخلاف فينافيه مورد الأخبار الثلاثة الدالة على النهى، فان موردها من لم يصل. و أما تخصيص الكراهة بما خيف على الميت أو بضم منافاة التعجيل فلم نقف له على مستند، و ربما كان المستند حمل أخبار النهى على ذلك، و أنت خبير بأنه لا إشعار في شيء منها بذلك فضلا عن التصريح
____________
(1) عمدة القارئ ج 4 ص 135 و شرح المهذب ج 5 ص 249 و في المغني ج 2 ص 512 «من صلى مرة فلا يسن له إعادة الصلاة عليها، و إذا صلى على الجنازة مرة لم توضع لأحد يصلى عليها، قال القاضي لا يحسن بعد الصلاة عليه و يبادر بدفنه، و قال ابن عقيل لا ينتظر به أحد، فاما من أدرك الجنازة فمن لم يصل فله ان يصلى عليها فعل ذلك على (عليه السلام) و انس و سلمان بن ربيعة و أبو حمزة و معمر بن سمير» و في المهذب ج 1 ص 134 نحوه.
(2) ص 456.
(3) ص 454 و 455.
459
به أو ظهوره فيه. و بالجملة فالظاهر عندي من اخبار المسألة هو ما ذكرته. و الله العالم.
المسألة الثانية [الصلاة على القبر]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الصلاة على القبر، فقال الشيخان (عطر الله مرقديهما) من لم يدرك الصلاة على الميت صلى على القبر يوما و ليلة فإن زاد على ذلك لم تجز الصلاة عليه، و هو اختيار ابن إدريس و ابن البراج و ابن حمزة و به صرح المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد. و إطلاق كلامهم يقتضي جواز الصلاة عليه و ان كان قد صلى عليه. و لم يقدر ابن ابى عقيل و على بن بابويه لها وقتا بل قالا من لم يدرك الصلاة على الميت صلى على القبر، و قربه الشهيد في البيان، و قال ابن الجنيد يصلى عليه ما لم تتغير صورته، و قال سلار يصلى عليه ثلاثة أيام و جعله الشيخ في الخلاف رواية، و قال في المختلف: و الأقرب عندي انه ان لم يصل على الميت أصلا بل دفن بغير صلاة صلى على قبره و إلا فلا. و حكم المحقق في المعتبر بعدم وجوب الصلاة بعد الدفن مطلقا قال و لا امنع الجواز. و استدل في المعتبر على عدم الوجوب بان المدفون خرج بدفنه من أهل الدنيا فساوى من فني في قبره، و على الجواز بالأخبار الواردة بالإذن في الصلاة على القبر كصحيحة هشام بن سالم، ثم ساق الخبر كما يأتي ان شاء الله تعالى (1) و قال في المدارك: و الأصح ما اختاره المصنف من عدم الوجوب بعد الدفن مطلقا لكن لا يبعد اختصاص الجواز بيوم الدفن. انتهى.
و الى ما ذكره المحقق في المعتبر مال العلامة في المنتهى. هذا ما حضرني من أقوالهم.
و اما الأخبار الواردة في هذه المسألة فمنها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام ابن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس أن يصلى الرجل على الميت بعد ما يدفن».
و ما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن مالك مولى الجهم عن ابى عبد الله (عليه السلام) و الصدوق في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا فاتتك الصلاة على الميت حتى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه و قد دفن».
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
460
و ما رواه الشيخ عن عمرو بن جميع عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر».
و عن محمد بن أسلم عن رجل من أهل الجزيرة (2) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) يصلى على المدفون بعد ما يدفن؟ قال لا لو جاز لأحد لجاز لرسول الله (صلى الله عليه و آله) قال بل لا يصلى على المدفون و لا على العريان».
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال «سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الإمام إذا الميت مقلوب رجلاه الى موضع رأسه؟ قال يسوى و تعاد الصلاة عليه و ان كان قد حمل ما لم يدفن، فان كان قد دفن فقد مضت الصلاة و لا يصلى عليه و هو مدفون».
و قد تقدم (4) في المسألة المتقدمة
في موثقة يونس بن يعقوب «ان أدركتها قبل أن تدفن فإن شئت فصل عليها».
و في موثقة عمار (5) «الميت يصلى عليه ما لم يوار بالتراب و ان كان قد صلى عليه».
و ما رواه في الكافي و التهذيب
في تتمة حديث عمار المتقدم في الموضع السابع من البحث المتقدم (6) قال: «قلت فلا يصلى عليه إذا دفن؟ قال لا لا يصلى على الميت بعد ما يدفن و لا يصلى عليه و هو عريان حتى توارى عورته».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن حريز عن محمد بن مسلم أو زرارة (7) قال: «الصلاة على الميت بعد ما يدفن انما هو الدعاء. قال قلت فالنجاشي لم يصل عليه النبي (صلى الله عليه و آله)؟ فقال لا انما دعا له».
و عن جعفر بن عيسى (8) قال «قدم أبو عبد الله (عليه السلام) مكة فسألني عن عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجنازة.
(4) ص 456.
(5) ص 456.
(6) ص 426.
(7) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
(8) الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
461
ابن أعين فقلت مات. فقال مات؟ أ فتدري موضع قبره؟ قلت نعم. قال فانطلق بنا الى قبره حتى نصلي عليه قلت نعم. فقال لا و لكن نصلي عليه ههنا، فرفع يديه و اجتهد في الدعاء و ترحم عليه».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) «فان لم تلحق الصلاة على الجنازة حتى يدفن الميت فلا بأس بأن تصلى بعد ما دفن».
هذه جملة ما حضرني من اخبار المسألة و هي ظاهرة الإشكال لما بينها من التدافع في هذا المجال، و ما ذهب إليه الأصحاب في وجوه الجمع بينها لا يخلو من الإشكال و الاختلال.
اما ما ذكره الشيخان و من تبعهما فلعدم وجود المستند لما ذكروه من التقدير باليوم و الليلة، و كذا قول سلار إلى ثلاثة أيام و قول ابن الجنيد، فان الجميع خال من الدليل، و قد اعترف بذلك الفاضلان في المعتبر و المنتهى.
و اما ما ذكره العلامة في المختلف- من حمل أخبار المسألة على من دفن بغير صلاة فأوجب الصلاة عليه و حمل اخبار المنع على من صلى عليه- ففيه ان ظاهر موثقة عمار الواردة في الصلاة على المقلوب رأسه الى موضع رجليه (2) يدل على المنع و ان لزم دفنه بغير صلاة، لان من صلى عليه صلاة باطلة كمن لم يصل عليه بالكلية مع المعارضة باحتمال حمل الصلاة في اخبار الجواز على مجرد الدعاء كما تدل عليه مضمرة زرارة و رواية جعفر المذكورتان (3).
و اما ما ذكره بعضهم- من حمل اخبار المنع على الكراهة و حينئذ تجوز الصلاة عليه على كراهة إذا كان الميت قد صلى عليه و إلا فتجب الصلاة عليه عملا بالأخبار العامة الدالة على وجوب الصلاة على الميت مطلقا من غير استثناء (4) و ان المعارض المذكور يضعف عن المعارضة.
____________
(1) ص 19.
(2) ص 460.
(3) ص 460.
(4) الوسائل الباب 37 من صلاة الجنازة.
462
ففيه ما قد عرفت مرارا من أن الأحكام المودعة في الأخبار انما تحمل على الافراد المتكررة الشائعة و هي التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة الشاذة التي ربما لا توجد إلا بطريق الاحتمال.
و أما ما ذكره في المعتبر- و مال إليه في المدارك من عدم الوجوب بعد الدفن و ان جاز ذلك- فليس فيه تعرض لاخبار المنع و لا بيان الوجه فيها مع كونها ظاهرة بل بعضها صريحا في المنع، و حينئذ فقوله بالجواز مع معارضتها باخبار المنع من غير أن يجيب عنها لا وجه له. نعم ربما كان التفاتهم الى ان اخبار المنع ضعيفة السند لا تعارض الصحيحة التي ذكروها، و لعله لهذا الوجه جمد في المدارك على ما ذهب اليه صاحب المعتبر، على ان ما علل به في المعتبر عدم الوجوب في هذا المقام عليل لا يعتمد عليه، و ان كان الأولى التمسك بأصالة العدم حتى يقوم دليل الوجوب، لان أخبار الصلاة المطلقة لا عموم فيها على وجه يشمل محل البحث لما عرفت.
و بالجملة فإن حمل روايات الجواز على مجرد الدعاء غير بعيد لما عرفت من الخبرين المتقدمين. إلا ان المسألة بعد لا تخلو من شوب الإشكال و الاحتياط يقتضي ترك الصلاة على من صلى عليه و الاقتصار على مجرد الدعاء على من لم يصل عليه بل على من صلى عليه ايضا. و الله العالم.
المسألة الثالثة [لو فات المأموم بعض التكبيرات]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو فات المأموم بعض التكبيرات أتم بعد فراغ الامام ولاء، و انه لو سبق الامام ببعض التكبيرات استحب له الإعادة مع الامام، فالكلام هنا يقع في موضعين:
[الموضع] الأول- من فاته بعض التكبيرات مع الامام
، و الحكم فيه كما ذكروه (رضوان الله عليهم).
و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن
463
الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أدرك الرجل التكبيرة و التكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعا».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن عيص بن القاسم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك من الصلاة على الميت تكبيرة قال يتم ما بقي».
و عن خالد بن ماد القلانسي عن رجل عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول في الرجل يدرك مع الإمام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين؟ فقال يتم التكبير و هو يمشى معها فإذا لم يدرك التكبير كبر عند القبر، فان كان أدركهم و قد دفن كبر على القبر».
أقول: ربما أشعر هذا الخبر بجواز الصلاة على الميت بعد الدفن و ان كان قد صلى عليه، إذ الظاهر من قوله «كبر على القبر» يعنى التكبير المعهود في الصلاة و هو كناية عن الصلاة الكاملة كما وقع التعبير به في جملة من الأخبار. و لا مجال لحمل الصلاة هنا على مجرد الدعاء كما ذكرناه في المسألة المتقدمة، فإن هذا الاحتمال انما يجرى لو كان التعبير بلفظ الصلاة التي معناها لغة انما هو الدعاء لا في لفظ التكبير و في الخبر على ما ذكرناه رد على ما ذهب إليه في المختلف من تخصيص الصلاة بعد الدفن بمن لم يصل عليه و اما من صلى عليه فإنه لا يصلى عليه، حيث ان الظاهر ان هؤلاء الذين دفنوه انما يدفنونه بعد الصلاة عليه البتة. و اما احتمال كون التكبير على القبر في الصورة المذكورة ولاء كما في صورة فوات بعض التكبيرات مع الامام فالظاهر بعده.
و عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا أدرك الرجل التكبيرة و التكبيرتين من الصلاة على الميت فليقض ما بقي متتابعا».
و عن زيد الشحام (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة على الجنائز
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. و الحديث «4» عين «1».
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. و الحديث «4» عين «1».
(3) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. و الحديث «4» عين «1».
(4) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. و الحديث «4» عين «1».
(5) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة. و الحديث «4» عين «1».
464
إذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث قال يكبر ما فاته».
و حمل مطلق هذه الأخبار على مقيدها يقتضي الإتيان بالتكبير الفائت ولاء من غير الأذكار الموظفة.
و في كتاب الفقه الرضوي (1) «فإذا فاتك مع الامام بعض التكبير و رفعت الجنازة فكبر عليها تمام الخمس و أنت مستقبل القبلة».
و روى الثقة الجليل على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتاب المسائل عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يدرك تكبيرة أو اثنتين على ميت كيف يصنع؟ قال يتم ما بقي من تكبيره و يبادره دفعة و يخفف».
و أما
ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (3)- «ان عليا (عليه السلام) كان يقول لا يقضى ما سبق من تكبير الجنائز».
و في بعض النسخ «ما بقي»- فقد حمله الشيخ في التهذيبين على القضاء مع الدعاء، قال لأنه انما يقضى متتابعا من دون فصل بالدعاء كما كان يبتدأ به. و قال في الوافي:
و فيه بعد و الاولى ان يحمل على عدم الوجوب. انتهى. أقول: و يؤيده الاتفاق على الوجوب الكفائي و لا ريب انه قد سقط الوجوب حينئذ عن هذا المصلي بصلاة القوم على الجنازة.
و قال في الذكرى بعد ذكر الخبر: و حمله الشيخ على القضاء الخاص و هو القضاء مشفوعا بالدعاء لا القضاء المتتابع. قلت يريد به نفى وجوب الدعاء لحصوله من السابقين و لانه موضع ضرورة لا نفى جوازه لدلالة ما يأتي عليه، بل يمكن وجوبه مع الاختيار لعموم أدلة الوجوب و عموم
قول النبي (صلى الله عليه و آله) (4) «ما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فاقضوا».
____________
(1) ص 19.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 17 من صلاة الجنازة.
(4)
في المغني ج 2 ص 495 قوله (صلى الله عليه و آله) «ما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فأتموا».
و في لفظ «فاقضوا».
465
فحينئذ تحمل رواية إسحاق على غير المتمكن من الدعاء بتعجيل رفعها، و عليه يحمل قول الصادق (عليه السلام) في رواية الحلبي «فليقض ما بقي متتابعا» الى أن قال: بعد ذكر رواية القلانسي: و هذا يشعر بالاشتغال بالدعاء إذ لو والى لم يبلغ الحال الى الدفن. انتهى.
أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) تخصيص التكبير ولاء بصورة عدم التمكن من الأذكار بينها، و نقل ذلك عن العلامة في بعض كتبه بل نسبه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار إلى الأكثر حيث قال: و قال الأكثر ان أمكن الدعاء يأتي بأقل المجزئ و إلا يكبر ولاء من غير دعاء. انتهى. و ربما يشير الى ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة على بن جعفر المتقدم نقلها عن كتابه «و يبادره دفعة و يخفف».
و يشكل بان ظاهر الأخبار المذكورة بالنظر الى حمل مطلقها على مقيدها هو التكبير ولاء أمكن الإتيان بالأذكار قبل وقوع ما ينافي ذلك من البعد و الانحراف عن الميت و القبلة أم لم يمكن، و التخصيص بما ذكروه يحتاج الى دليل واضح.
و ما استند اليه من العموم على وجه يشمل محل البحث ممنوع. و الحديث الذي نقله غير معلوم كونه من طرقنا بل الظاهر انه من الأخبار العامية التي يستسلقونها في أمثال هذه المقامات، و يعضد ذلك ما أشرنا إليه آنفا من ان قضية الوجوب الكفائي سقوط الوجوب في الصورة المذكورة، و به يظهر انه لا شمول لأدلة الوجوب لموضع البحث كما ذكرنا.
و أما دعواه اشعار رواية القلانسي بالاشتغال بالدعاء ففيه ان الظاهر من الرواية بعد التأمل فيها ان التكبير على القبر بعد الدفن انما هو في صورة ما لو لم يدرك التكبير مع الإمام بالكلية كما أوضحناه آنفا، لا أنه أدرك بعضها و قضى البعض الباقي بعد الدفن حتى يدعى انه لو والى لم يبلغ الحال الى الدفن.
و كيف كان فالاحتياط في ما ذكروه (رضوان الله عليهم) و الله العالم.
466
[الموضع] الثاني [لو سبق المأموم ببعض التكبير]
- قال في الذكرى: لو سبق المأموم بتكبيرة فصاعدا متعمدا اثم و أجزأ، و لو كان ناسيا أو ظانا فلا اثم و أعادها معه ليدرك فضيلة الجماعة، و في إعادة العامد تردد من حيث المساواة لليومية في عدم اعادة العامد و لأنها أركان زيادتها كنقصانها و من انها ذكر الله تعالى فلا تبطل الصلاة بتكرره.
و قال في كتاب الروض: و يستحب للمأموم إعادة ما سبق به من التكبير على الامام ظانا أو ناسيا ليدرك فضيلة الجماعة كما يرجع إليه في اليومية لو ركع أو رفع قبله و لا تنقطع بذلك القدوة، و لو كان متعمدا ففي الإعادة إشكال من ان التكبير ركن فزيادته كنقصانه و من كونه ذكر الله تعالى. و لا ريب ان عدم العود هنا أولى. و هو راجع الى ما في الذكرى إلا انه هنا رجح في العامد عدم العود و في الذكرى ظاهره التوقف حيث اقتصر على ذكر الوجهين الموجبين للإشكال.
و قال في المسالك- بعد قول المصنف: إذا سبق المأموم بتكبيرة أو ما زاد استحب له إعادتها مع الامام- ما لفظه: ان سبقه سهوا أو ظنا انه كبر أما لو تعمد استمر متأنيا حتى يلحقه الامام و يأثم في الأخير. أقول. و هذا احتمال ثالث زائد على ما في الذكرى و الروض.
و قال في المدارك- بعد ذكر حكم الساهي و الظان و انهما يعيدان مع الامام و حكم العامد و انه يستمر متأنيا حتى يلحقه الامام كما في المسالك- ما لفظه: و في الحكمين معا اشكال خصوصا الثاني، لأن التكبير الواقع في هذا الموضع على هذا الوجه منهي عنه و النهى في العبادة يقتضي الفساد، بل لو قيل بوجوب الإعادة مع العمد كان جيدا ان لم تبطل الصلاة بذلك. انتهى.
أقول: لا يخفى ان المسألة خالية من النص، و جميع ما ذكر فيها من التعليلات معلول لا يمكن الاعتماد عليه، و استشكال صاحب المدارك في محله، و من ثم ان الفاضل الخراساني في الذخيرة اقتصر على نقل الأقوال. و الله العالم.
المسألة الرابعة [لو حضرت جنازة في الأثناء]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو حضرت
467
جنازة في أثناء الصلاة على اخرى تخير بين قطع الصلاة الأولى و استئناف صلاة واحدة عليهما و بين ان يتم الصلاة على الأولى و يستأنف على الثانية، ذكره الصدوقان و الشيخ و اتباعه و هو المشهور. و قال ابن الجنيد على ما نقل عنه يجوز للإمام جمعهما الى أن يتم على الثانية خمسا و ان شاء ان يومئ الى أهل الأولى ليأخذوها و يتم على الثانية خمسا.
استدل المتأخرون على القول الأول
بما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) «في قوم كبروا على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين و وضعت معها اخرى؟ قال ان شاءوا تركوا الأولى حتى يفرغوا من التكبير على الأخيرة و ان شاءوا رفعوا الأولى و أتموا ما بقي على الأخيرة كل ذلك لا بأس به».
قال في الذكرى: و الرواية قاصرة الدلالة على إفادة المدعى إذ ظاهرها ان ما بقي من تكبير الأولى محسوب للجنازتين فإذا فرغ من تكبير الأولى تخيروا بين تركها بحالها حتى يكملوا التكبير على الأخيرة و بين رفعها من مكانها و الإتمام على الأخيرة، و ليس في هذا دلالة على إبطال الصلاة على الأولى بوجه. هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة.
أقول: ما ذكره (قدس سره) في بيان معنى ظاهر الرواية جيد و قد اقتفاه في ذلك جملة من متأخري المتأخرين.
و التحقيق عندي في هذا المقام و ان غفلت عنه علماؤنا الاعلام ان المتقدمين سيما الصدوقين انما اعتمدوا في هذا الحكم و استندوا إلى عبارة كتاب الفقه الرضوي حيث انه (عليه السلام) قد صرح بذلك و قد عرفت في غير موضع مما قدمناه و ستعرف ان شاء الله تعالى أمثاله في ما يأتي أن كثيرا من الأحكام التي ذكرها المتقدمون و اعترضهم المتأخرون بعدم وجود المستند لها فان مستنداتها قد ظهرت من هذا الكتاب و من جملة ذلك
____________
(1) الوسائل الباب 34 من صلاة الجنازة.
468
هذه المسألة، إلا ان المتأخرين لما نقلوا الحكم المذكور عن كلام المتقدمين و لم يصل إليهم مما يظن دلالته عليه إلا هذه الصحيحة جعلوها دليلا للمتقدمين في ما نقلوه عنهم و اعترضوها بما عرفت.
و الحق ان دليلهم ليس إلا عبارة الكتاب المذكور
حيث قال (عليه السلام) (1) «و ان كنت تصلى على الجنازة و قد جاءت اخرى فصل عليهما صلاة واحدة بخمس تكبيرات و ان شئت استأنف على الثانية».
و الصدوق في الفقيه قد أخذ معنى العبارة المذكورة فقال: و من كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين فوضعت جنازة أخرى معها فان شاء كبر الآن عليهما خمس تكبيرات و ان شاء فرغ من الاولى و استأنف الصلاة على الثانية. انتهى.
نعم صحيحة على بن جعفر المذكورة ظاهرة في مذهب ابن الجنيد و منطبقة عليه فهي دليله و دليل المشهور انما هي العبارة المذكورة.
و ظاهر كلام الشيخ في كتابي الأخبار القول بالتشريك ايضا كما هو مذهب ابن الجنيد حيث انه- بعد ان نقل رواية جابر المتقدمة (2) عن ابى جعفر (عليه السلام) الدالة على التكبير على الميت احدى عشر و تسعا و سبعا و خمسا و ستا و أربعا- قال ما تضمنه هذا الخبر من زيادة التكبير على الخمس مرات متروك بالإجماع و يجوز ان يكون (عليه السلام) أخبر عن فعل النبي (صلى الله عليه و آله) بذلك لأنه كان يكبر على جنازة واحدة أو اثنتين فكان يجاء بأخرى فيبتدئ من حيث انتهى خمس تكبيرات فإذا أضيف الى ما كان كبر زاد على الخمس تكبيرات و ذلك جائز على ما سنبينه في ما بعد ان شاء الله تعالى. انتهى و مما حررناه في المقام يظهر لك ان في المسألة قولين: (أحدهما)- القول بالتشريك كما ذهب اليه ابن الجنيد و هو ظاهر الشيخ كما عرفت، و عليه تدل صحيحة على بن جعفر المذكورة (الثاني)- القول بالتخيير بين القطع و الاستئناف عليهما و الإتمام على الأولى ثم الصلاة على الثانية كما هو القول المشهور، و مستنده ما عرفت
____________
(1) ص 19.
(2) ص 421.
469
من كلامه في كتاب الفقه. و القول بالتخيير بين الأمرين المذكورين في هذين الخبرين جمع بين الدليلين.
ثم انه على تقدير القول بالتشريك فان قلنا بالاكتفاء بمجرد الأذكار و الأدعية كيف اتفق من غير توظيف شرعي فلا اشكال، و ان قلنا بالقول المشهور من التوظيف لكل تكبيرة بوظيفة مخصوصة فإنه يجب الإتيان بعد كل تكبيرة من التكبيرات المشتركة بوظيفة الصلاتين من الأدعية و الأذكار، فلو اتى بالجنازة الثانية بعد تكبيرتين و وقع التشريك في الثالثة دعا بعدها لوظيفة الأولى بدعاء المؤمنين و لوظيفة الثانية بالشهادتين و هكذا.
هذا. و ما ذكره الشهيد في الذكرى في آخر عبارته المتقدمة من قوله «هذا مع تحريم قطع العبادة الواجبة» فقد اعترض عليه في الذخيرة فقال: و اما ما ذكره- من تحريم قطع العبادة الواجبة و وافقه غير واحد من المتأخرين فحكموا بتحريم القطع هنا إلا لضرورة- فغير مسلم إذ عمدة ما يعول عليه في هذا الباب هو الإجماع و هو غير تام في موضع النزاع. و اما الاستناد الى قوله تعالى «وَ لٰا تُبْطِلُوا» (1) فغير تام كما بيناه في المباحث السالفة. انتهى.
أقول: و يعضد ما ذكره (قدس سره) عبارة كتاب الفقه التي هي مستند القول المشهور من جواز القطع كما عرفت، و بالجملة فإن دعواهم تحريم قطع الواجب مطلقا ممنوع لعدم الدليل عليه، نعم قال الدليل عندي على ذلك في الصلاة اليومية فإنه يحرم قطعها كما تقدم تحقيقه في كتاب الصلاة (2) و ما عدا ذلك فلا اعرف له دليلا بل الدليل على خلافه- كما عرفت في هذا المقام- واضح السبيل. و الله العالم.
المسألة الخامسة [لا قراءة في صلاة الميت]
- قد صرح غير واحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا قراءة عندنا في هذه الصلاة و لا تسليم.
و الكلام هنا يقع في مقامين
[المقام] (الأول) بالنسبة إلى القراءة
و الذي يدل على
____________
(1) سورة محمد الآية 35.
(2) ج 9 ص 101.
470
عدمها من الأخبار
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم و زرارة و معمر بن يحيى و إسماعيل الجعفي عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء موقت تدعو بما بدا لك. الحديث».
و قد تقدم.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم و زرارة (2) «أنهما سمعها أبا جعفر (عليه السلام) يقول ليس في الصلاة على الميت قراءة و لا دعاء موقت. الحديث» و قد مر ايضا و يؤيده ما في كثير من الأخبار (3) «انما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل».
و قد ورد بإزاء هذه الأخبار ما ظاهره المعارضة
كما رواه الشيخ عن عبد الله ابن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان عليا (عليه السلام) كان إذا صلى على ميت يقرأ بفاتحة الكتاب و يصلى على النبي (صلى الله عليه و آله)».
و عن على بن سويد عن الرضا (عليه السلام) (5) في ما نعلم قال: «في الصلاة على الجنائز تقرأ في الأولى بأم الكتاب و في الثانية تصلي على النبي (صلى الله عليه و آله). الحديث».
و قد تقدم ايضا (6).
و هذان الخبران محمولان عند الأصحاب على التقية (7) قال الشيخ بعد ذكر خبر على بن سويد: أول ما فيه ان الراوي شاك في كونه الرضا (عليه السلام) و كما يكون شاكا يجوز أن يكون قد وهم في القراءة، و لانه رواه بطريق آخر عن الكاظم (عليه السلام) و اضطراب النقل دليل الضعف، و ان صح حمل على التقية. ثم انه حمل ايضا خبر القداح على التقية (8).
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة.
(3) هذا المضمون لم نقف عليه في غير موثقة يونس بن يعقوب الواردة في الوسائل في الباب 7 و 9 و 17 من صلاة الجنازة، نعم ورد في بعض الاخبار التعبير عن صلاة الميت بأنها شفاعة و ليست بصلاة فيها ركوع و سجود كما في الباب 5 و 8 أو انها دعاء و مسألة كما في الباب 21 أو انها استغفار كما في الباب 20 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة.
(5) الوسائل الباب 7 من صلاة الجنازة.
(6) لم يتقدم.
(7) في المغني ج 2 ص 485 «قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الاولى و به قال الشافعي و إسحاق و روي عن ابن عباس، و قال الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة لا يقرأ فيها شيء من القرآن لان ابن مسعود قال ان النبي (صلى الله عليه و آله) لم يوقت فيها قولا و لا قراءة» و في بداية المجتهد ج 1 ص 215 «قال مالك و أبو حنيفة ليس فيها قراءة انما هو الدعاء».
(8) في المغني ج 2 ص 485 «قراءة الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الاولى و به قال الشافعي و إسحاق و روي عن ابن عباس، و قال الثوري و الأوزاعي و أبو حنيفة لا يقرأ فيها شيء من القرآن لان ابن مسعود قال ان النبي (صلى الله عليه و آله) لم يوقت فيها قولا و لا قراءة» و في بداية المجتهد ج 1 ص 215 «قال مالك و أبو حنيفة ليس فيها قراءة انما هو الدعاء».
471
قال في الذكرى: فروع- قال الشيخ في الخلاف تكره القراءة. و كأنه نظر الى انه تكليف لم يثبت شرعيته. و يمكن ان يقال بعدم الكراهة لأن القرآن في نفسه حسن ما لم يثبت النهى عنه و الأخبار خالية من النهى و غايتها النفي و كذا كلام الأصحاب، لكن الشيخ نقل الإجماع بعد ذلك و قد يفهم منه الإجماع على الكراهية و نحن لم نر أحدا ذكر الكراهة فضلا عن الإجماع عليها. انتهى.
و لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه و ذلك فان البحث ليس في جواز قراءة القرآن من حيث هو قرآن حتى انه يحتج بان القرآن في نفسه حسن، بل محل البحث في انه هل القراءة هنا جزء من الصلاة من واجباتها أو مستحباتها كما هو عند العامة أم لا؟
و الاتفاق من الأصحاب على عدم ذلك كما يفهم من شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروض حيث قال: و لا قراءة فيها واجبة و لا مندوبة إجماعا. و اما قوله- و الأخبار خالية من النهى و غايتها النفي- فإنه مردود بأن إثبات القراءة في هذه الصلاة هو المحتاج الى الدليل لا نفيها حتى يدعى ان الأخبار لا تدل على النهى.
و بالجملة فإن العبادات الشرعية توقيفية من الشارع فبأي كيفية عملت من الشارع يجب الوقوف عليها، و حيث ان إجماع الأصحاب كما عرفت على عدم توظيفها لا وجوبا و لا استحبابا و قد تأيد بالأخبار المتقدمة الدالة على نفيها، فالمعلوم هو عدم دخولها في الكيفية المذكورة. بقي ما دل على ثبوتها من الخبرين المتقدمين فحيث كانا مخالفين لما عليه الأصحاب و الأخبار و كانا موافقين لكثير من العامة تعين حملهما على التقية بغير اشكال.
و العجب من صاحب الذخيرة حيث نقل كلامه و جمد عليه و لم يتعرض لما فيه مما ذكرنا من التنبيه، و السبب في ذلك هو ما قدمنا ذكره في غير موضع من
472
إلغائهم الاعتماد على هذه القواعد المنصوصة عن أئمتهم (عليهم السلام) و اتخذوا لهم قواعد أخر عكفوا عليها في جميع أبواب الفقه. و الله العالم.
[المقام] الثاني- بالنسبة إلى التسليم
و الذي يدل على عدمه في هذه الصلاة من الأخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن سعد الأشعري عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الصلاة على الميت قال اما المؤمن فخمس تكبيرات و اما المنافق فأربع، و لا سلام فيها».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي و زرارة عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا: «ليس في الصلاة على الميت تسليم».
و عن الحلبي (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ليس في الصلاة على الميت تسليم».
و ما رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) (4) في كتابه إلى المأمون قال: «و الصلاة على الجنازة خمس تكبيرات، و ليس في صلاة الجنازة تسليم لان التسليم في صلاة الركوع و السجود و ليس لصلاة الجنازة ركوع و لا سجود».
و في كتاب الفقه الرضوي نحو ذلك في الموضع الأول و الثاني و قد تقدم جميع ذلك في الموضع المشار إليه (5) الى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليه المتتبع و بإزاء هذه الروايات مما يدل على التسليم موثقة عمار المتقدمة في المطلب الثالث في الكيفية و مثلها رواية يونس المتقدمة ثمة أيضا (6) و غيرهما، و الجميع محمول عند أصحابنا على التقية (7).
قال في الذكرى: أجمع الأصحاب على سقوط التسليم فيها، و ظاهرهم عدم مشروعيته فضلا عن استحبابه، قال في الخلاف و ليس فيها تسليم، و احتج عليه
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(2) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(5) ص 410 و 411.
(6) ص 409.
(7) ارجع الى التعليقة 1 ص 473.
473
بإجماع الفرقة، و نقل عن العامة التسليم على اختلافهم في كونه فرضا أو سنة (1) و قال ابن الجنيد: و لا يستحب التسليم فيها فان سلم الإمام فواحدة عن يمينه. و هذا يدل على شرعيته للإمام و عدم استحبابه لغيره أو على جوازه للإمام من غير استحباب بخلاف غيره. و احتج المرتضى بعد الإجماع بأن مبناها على التخفيف و لهذا حذف فيها الركوع و السجود فغير منكر ان يحذف التسليم. و قال ابن ابى عقيل لا تسليم لان التسليم في الصلاة التي فيها الركوع و السجود و لذلك لا تسليم في صلاة الخوف التي ليس فيها ركوع و لا سجود. لنا على عدمه في الجملة إطباق الأصحاب على تركه علما و عملا،
و خبر الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) «ليس في الصلاة على الميت تسليم».
و عن الحلبي بطريق آخر و عن زرارة عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) (3) «ليس في الصلاة على الميت تسليم».
و عن إسماعيل بن سعد الأشعري عن الرضا (عليه السلام) (4) «لا سلام فيها».
و في خبر أم سلمة (5) «ثم كبر و انصرف».
و لم يذكر التسليم، و كذا في أكثر الأخبار، و قد أورد في التهذيب التسليم في أربعة أخبار:
مضمر سماعة (6) «فإذا فرغت سلمت عن يمينك».
و هو يعطى التسليم مطلقا، و خبر
الحسن بن أحمد المنقري عن يونس عن الصادق (عليه السلام) (7) «و الخامسة يسلم و يقف مقدار ما بين التكبيرتين و لا يبرح حتى يحمل السرير من بين يديه».
و خبر عمار عن الصادق (عليه السلام) (8) «سئل عن ميت صلى عليه فلما سلم الإمام فإذا الميت
____________
(1) في المغني ج 2 ص 491 «اختار القاضي ان المستحب تسليمتان و تسليمة واحدة تجزئ و به قال الشافعي و أصحاب الرأي قياسا على سائر الصلوات» و في ص 492 قال:
«الواجب في صلاة الجنازة النية و التكبيرات و القيام و قراءة الفاتحة و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و ادنى دعاء للميت و تسليمة واحدة» و في بداية المجتهد لابن رشد ج 1 ص 216 «الجمهور على ان التسليم واحد و سبب الخلاف في الواحدة و الاثنتين هو اختلافهم في التسليم في الصلاة المكتوبة فمن قال بالواحدة هناك قال به هنا و من قال بالاثنتين قال به هنا».
(2) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 9 من صلاة الجنازة.
(5) ص 402.
(6) ص 407.
(7) ص 409.
(8) ص 425.
474
مقلوب».
و هذان يدلان على تسليم الامام، و الثاني منهما حكاية فعل الإمام إلا انه لم يذكر إنكار المعصوم (عليه السلام) إياه،
و خبر عمار عنه (عليه السلام) (1) قال «سألته عن الصلاة على الميت فقال يكبر. الى قوله عفوك عفوك و تسلم».
و هذا كالأول في إطلاق التسليم. و هي بأسرها ضعيفة الاسناد معارضة للمشهور محمولة على التقية (2) و اما شرعية التسليم استحبابا أو جوازا فالكلام فيه كالقراءة إذ الإجماع المعلوم انما هو على عدم وجوبه و مع التقية لا ريب فيه. انتهى كلامه زيد مقامه.
و انما نقلناه بطوله لجودة محصوله و إحاطته بأطراف الكلام من نقل الأقوال و الأخبار، و مجمل القول فيه- كما قدمنا ذكره في القراءة- ان العبادات مبنية على التوقيف من الشارع، و الأخبار هنا و ان كانت قد تعارضت فيه إلا ان مقتضى القاعدة المأثورة عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) في اختلاف الأخبار و عرضها على مذهب العامة و الأخذ بما خالفه هو نفى التسليم في هذه الصلاة وجوبا و استحبابا، و اما الجواز فإنه لا معنى له هنا لان التسليم عبادة فإن شرعت فهي لا تخرج عن الوجوب أو الاستحباب و إلا فالإتيان بها بقصد كونها جزء من الصلاة مع عدم ثبوت الوجوب و الاستحباب تشريع محض كما نبه عليه في صدر كلامه.
و قال في الروض: و لا تسليم ايضا واجبا و لا مندوبا بإجماع الأصحاب، قال في الذكرى: و ظاهرهم عدم مشروعيته و ما ورد بإثباته من الأخبار محمول على التقية لأنه مذهب العامة (3) مع كونها ضعيفة.
أقول: و بذلك يظهر لك ضعف ما ذهب اليه ابن الجنيد فإنه موافق لأقوال العامة.
المسألة السادسة [جواز إيقاع صلاة الميت في جميع الأوقات]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز إيقاع صلاة الجنازة في جميع الأوقات ما لم تزاحم صلاة فريضة حاضرة، و لا كراهة
____________
(1) ص 408.
(2) ارجع الى التعليقة 1 ص 473.
(3) ارجع الى التعليقة 1 ص 473.
475
ايضا لها و ان كان في الأوقات المكروهة.
قال في المعتبر: يصلى على الجنازة في الأوقات الخمسة المكروهة ما لم يتضيق وقت فريضة حاضرة، و به قال الشافعي و احمد، و قال الأوزاعي تكره في الأوقات الخمسة، و قال أبو حنيفة و مالك لا يجوز عند طلوع الشمس و غروبها و قيامها (1) و قال العلامة في التذكرة: و يصلى على الجنازة في الأوقات الخمسة المكروهة ذهب إليه علماؤنا اجمع. و قال في الذكرى لا كراهة في فعلها في الأوقات الخمسة في أشهر الأخبار لأنها دعاء مجرد و واجبة و ذات سبب.
أقول: أما ما يدل من الأخبار على عدم الكراهة في الأوقات الخمسة المشار إليها مضافا الى ما نقل من الإجماع فمنه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد الله بن على الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس و حين تطلع انما هو استغفار».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «يصلى على الجنازة في كل ساعة انها ليست بصلاة ركوع و لا سجود و انما تكره الصلاة عند طلوع الشمس و عند غروبها التي فيها الخشوع و الركوع و السجود لأنها تغرب بين قرني شيطان و تطلع بين قرني شيطان».
و رواه الشيخ ايضا مثله (4).
____________
(1) في المغني ج 2 ص 554 «قال احمد تكره الصلاة على الميت عند طلوع الشمس و نصف النهار و عند غروب الشمس، و عن ابن عمر و عطاء و النخعي و الأوزاعي و الثوري و إسحاق و أصحاب الرأي جواز الصلاة على الميت في هذه الأوقات الثلاث، و حكى عن احمد جوازها في هذه الأوقات و هو قول للشافعي» و في بداية المجتهد لابن رشد المالكي ج 1 ص 222 «قال قوم لا يصلى على الجنازة في الأوقات الثلاثة وقت المغرب و الطلوع و الزوال، و قال قوم لا يصلى في الغروب و الطلوع فقط، و قال قوم لا يصلى عليها في الأوقات الخمسة التي ورد النهى عن الصلاة فيها و به قال عطاء و النخعي و أبو حنيفة، و قال الشافعي يصلى عليها في كل وقت لأن النهى انما هو خارج عن النوافل لا على السنن».
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
476
و عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل يمنعك شيء من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز؟ قال: لا».
و ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (2) قال: «لا بأس بالصلاة على الجنازة حين تطلع الشمس و حين تغرب و في كل حين انما هو استغفار».
و روى الصدوق في كتاب عيون الأخبار و في كتاب العلل بإسناده عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «فان قال فلم جوزتم الصلاة عليه قبل المغرب و بعد الفجر؟ قيل ان هذه الصلاة انما تجب في وقت الحضور و العلة و ليست هي موقتة كسائر الصلوات و انما هي صلاة تجب في وقت حدوث الحدث و ليس للإنسان فيه اختيار و انما هو حق يؤدى، و جائز أن تؤدى الحقوق في أي وقت كان إذا لم يكن الحق موقتا».
و أما
ما رواه الشيخ في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «يكره الصلاة على الجنائز حين تصفر الشمس و حين تطلع».
فقد حمل الشيخ وجه الكراهة على التقية لموافقة الخبر مذهب العامة (5) و هو جيد لما عرفت.
[لو زاحمت صلاة الميت فريضة حاضرة]
و أما لو زاحمت صلاة الميت فريضة حاضرة فقال في المعتبر انه يتخير ما لم يخف على الميت أو يخفف فوت الحاضرة جمعا بين
رواية جابر عن الباقر (عليه السلام) (6) «و سأله عن الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فقال عجل الميت الى قبره إلا ان تخاف فوت الفريضة».
و رواية هارون بن حمزة عن الصادق (عليه السلام) (7) «إذا دخل وقت المكتوبة فابدأ بها قبل الصلاة على الميت إلا أن يكون مبطونا أو نفساء أو نحو
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة الجنازة.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
(4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجنازة.
(5) التعليقة 1 ص 475.
(6) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.
(7) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.
477
ذلك».
قال و مع التعارض يتعين التخيير.
أقول: و يعضد الرواية الثانية
ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن صلاة الجنائز إذا احمرت الشمس أ تصلح أو لا؟ قال لا صلاة في وقت صلاة. و قال: إذا وجبت الشمس فصل المغرب ثم صل على الجنائز».
و ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي حمل الخبر الأول على وقت الفضيلة فمعنى قوله: إلا ان يخاف ان يفوت وقت الفريضة» أي وقت فضيلتها، و معناه انه يبدأ بالصلاة على الميت إلا أن يخاف فوت وقت الفضيلة و الخبرين الآخرين على ما إذا ضاق وقت الفضيلة فإنه يقدم الحاضرة.
و قال في الذكرى بعد نقل كلام المعتبر: قلت الأقرب استحباب تقديم المكتوبة ما لم يخف على الميت لافضليتها و عموم أحاديث فضيلة أول الوقت.
و قال الشيخ في المبسوط: إذا تضيق وقت فريضة بدأ بالفرض ثم الصلاة على الميت إلا أن يكون الميت يخاف من ظهور حادثة فيه فحينئذ يبدأ بالصلاة عليه. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هذا كلام غير معتمد لان مع تضيق وقت الحاضرة تتعين و لا يجوز الاشتغال بغيرها سواء خيف على الميت أو لا. انتهى. و ظاهر كلام ابن إدريس انه مع تضيق وقت الحاضرة تكون مقدمة على الإطلاق كما جزم به في المختلف.
أقول: من المحتمل قريبا ان مراد الشيخ هنا بتضيق وقت الفريضة يعني وقت فضيلتها، فإن إطلاق الوقت عليه بقول مطلق غير عزيز في الأخبار كما تقدم ذكره في باب الأوقات، و حينئذ فمعناه ما قدمنا نقله سابقا عن المحدث الكاشاني و هو انه تقدم الصلاة على الميت إلا إذا ضاق وقت الفضيلة فإنه تقدم الفريضة الحاضرة إلا ان يخاف على الميت من حادثة فإنه تقدم صلاة الميت، و يكون هذا
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجنازة.
478
من قبيل الأعذار في التأخير عن وقت الاختيار الى الوقت الثاني الذي هو وقت أصحاب الأعذار، و لعل هذا من جملة الأعذار عنده، و حينئذ فلا يرد عليه ما ذكره في المختلف. و الله العالم.
الفصل الخامس في الصلوات المندوبة
و قد تقدم الكلام في الرواتب منها في محلها و بقي ما عداها و هو مما لا حصر له
لقوله (صلى الله عليه و آله) (1) «الصلاة خير موضوع من شاء استقل و من شاء استكثر».
إلا أنا نذكر هنا ما ذكره أصحابنا (رضوان الله عليهم) من مهمات هذه الصلوات جريا على وتيرتهم في ما قعدوا فيه و قاموا و أسامة لسرح اللحظ حيث اساموا، و ذلك يقع في مطالب:
المطلب الأول- في صلاة الاستسقاء
و هو طلب السقيا من الله عز و جل يعنى نزول المطر عند الحاجة اليه.
و قد كان مشروعا في الزمن الأول و الملل السابقة قال الله تعالى «وَ إِذِ اسْتَسْقىٰ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ» (2).
و روى الصدوق (عطر الله مرقده) عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «ان سليمان بن داود (عليه السلام) خرج ذات يوم مع أصحابه يستسقى فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمهما الى السماء و هي تقول: «اللهم انا خلق من خلقك و لا غنى بنا عن رزقك فلا تهلكنا بذنوب بنى آدم. فقال سليمان (عليه السلام) لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم بغيركم».
و هي مستحبة عند غور الأنهار و فتور الأمطار لكون ذلك علامة غضب
____________
(1) الوسائل الباب 42 من أحكام المساجد و المستدرك الباب 10 من أعداد الفرائض.
(2) سورة البقرة الآية 57.
(3) الفقيه ج 1 ص 333 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
479
الله تعالى على عباده
كما رواه الشيخ في التهذيب مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) قال: «إذا غضب الله تعالى على امة ثم لم ينزل بها العذاب غلت أسعارها و قصرت أعمارها و لم تربح تجارها و لم تزك ثمارها و لم تعذب أنهارها و حبس عنها أمطارها و سلط عليها أشرارها».
و عن عبد الرحمن بن كثير عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا فشت أربعة ظهرت أربعة: إذا فشا الزنا ظهرت الزلازل و إذا أمسكت الزكاة هلكت الماشية و إذا جار الحكام في القضاء أمسك القطر من السماء و إذا خفرت الذمة نصر المشركون على المسلمين».
و استحبابها ثابت بالإجماع و النصوص، أما الأول فقد نقله العلامة في التذكرة و المنتهى، قال: اجمع كل من يحفظ عنه العلم على استحباب صلاة الاستسقاء إلا أبا حنيفة فإنه قال ليس له صلاة بل مجرد الدعاء (3).
[الأخبار الواردة في صلاة الاستسقاء]
و ها انا اذكر أولا ما وقفت عليه من الأخبار في المقام ثم أعطف ان شاء الله تعالى الكلام على ما دلت عليه و صرحت به علماؤنا الأعلام:
الأول-
ما رواه في الكافي عن مرة مولى محمد بن خالد (4) قال: «صاح أهل المدينة الى محمد بن خالد في الاستسقاء فقال لي: انطلق الى ابى عبد الله (عليه السلام) فاسأله ما رأيك؟ فإن هؤلاء قد صاحوا إلي فأتيته فقلت له فقال لي قل له فليخرج قلت له متى يخرج جعلت فداك؟ قال يوم الاثنين. قلت كيف يصنع؟ قال يخرج المنبر ثم يخرج يمشى كما يمشى يوم العيدين و بين يديه المؤذنون في أيديهم عنزهم حتى إذا انتهى الى المصلى يصلى بالناس ركعتين بغير أذان و لا اقامة، ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه فيجعل الذي على يمينه على يساره و الذي على يساره على يمينه، ثم يستقبل القبلة فيكبر الله
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستسقاء.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستسقاء.
(3) في المغني ج 2 ص 430 «قال أبو حنيفة لا تسن الصلاة للاستسقاء و لا الخروج لها. الى ان قال: و خالفه أبو يوسف و محمد بن الحسن فوافقا سائر العلماء».
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
480
مائة تكبيرة رافعا بها صوته، ثم يلتفت الى الناس عن يمينه فيسبح الله مائة تسبيحة رافعا بها صوته، ثم يلتفت الى الناس عن يساره فيهلل الله مائة تهليلة رافعا بها صوته، ثم يستقبل الناس فيحمد الله مائة تحميدة، ثم يرفع يديه فيدعو ثم يدعون فإني لأرجو ان لا يخيبوا. قال ففعل فلما رجعنا قالوا هذا من تعليم جعفر» و في رواية يونس (1) «فما رجعنا حتى أهمتنا أنفسنا».
الثاني-
ما رواه في الكتاب المذكور في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن صلاة الاستسقاء فقال مثل صلاة العيدين: يقرأ فيها و يكبر كما يقرأ و يكبر فيها، يخرج الامام و يبرز الى مكان نظيف في سكينة و وقار و خشوع و مسكنة و يبرز معه الناس، فيحمد الله و يمجده و يثنى عليه و يجتهد في الدعاء و يكثر من التسبيح و التهليل و التكبير، و يصلى مثل صلاة العيدين ركعتين في دعاء و مسألة و اجتهاد، فإذا سلم الامام قلب ثوبه و جعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر و الذي على الأيسر على الأيمن فإن النبي (صلى الله عليه و آله) كذلك صنع».
الثالث-
ما رواه عن محمد بن يحيى رفعه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن تحويل النبي (صلى الله عليه و آله) رداءه إذا استسقى فقال علامة بينه و بين أصحابه يحول الجدب خصبا».
و رواه في الفقيه مرسلا (4) و الشيخ في التهذيب مسندا عن ابن محبوب عن على بن السندي عن محمد بن عمرو بن سعيد عن محمد بن يحيى الصيرفي عن محمد بن سفيان عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله (5).
الرابع-
ما ذكره في الكافي (6) قال: و في رواية ابن المغيرة قال «يكبر في صلاة الاستسقاء كما يكبر في العيدين في الأولى سبعا و في الثانية خمسا و يصلى قبل الخطبة و يجهر بالقراءة و يستسقى و هو قاعد».
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة الاستسقاء.
(4) الوسائل الباب 3 من صلاة الاستسقاء.
(5) الوسائل الباب 3 من صلاة الاستسقاء.
(6) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
481
الخامس-
ما رواه في الكافي (1) عن ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
«اتى قوم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا له ان بلادنا قد قحطت و توالت السنون علينا فادع الله يرسل السماء علينا فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمنبر فاخرج و اجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و دعا و أمر الناس ان يؤمنوا. الحديث».
السادس-
ما رواه في التهذيب عن حماد السراج (2) قال: «أرسلني محمد بن خالد الى ابى عبد الله (عليه السلام) أقول له ان الناس قد أكثروا على في الاستسقاء فما رأيك في الخروج غدا؟ فقلت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال لي قل له ليس الاستسقاء هكذا فقل له يخرج فيخطب الناس و يأمرهم بالصيام اليوم و غدا و يخرج بهم اليوم الثالث و هم صيام. قال فأتيت محمدا فأخبرته بمقالة ابى عبد الله (عليه السلام) فجاء فخطب الناس و أمرهم بالصيام كما قال أبو عبد الله (عليه السلام) فلما كان في اليوم الثالث أرسل إليه ما رأيك في الخروج؟».
و في غير هذه الرواية (3) انه (عليه السلام) أمره ان يخرج يوم الاثنين فيستسقي.
السابع-
ما رواه في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن بكير (4) قال «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في الاستسقاء قال يصلى ركعتين و يقلب رداءه الذي على يمينه فيجعله على يساره و الذي على يساره على يمينه و يدعو الله فيستسقي».
الثامن-
ما رواه عن أبي البختري عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (5) انه قال: «مضت السنة انه لا يستسقى إلا بالبراري حيث ينظر الناس الى السماء و لا يستسقى في المساجد إلا بمكة».
و رواه في الفقيه مقطوعا مرسلا (6).
التاسع-
ما رواه عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (7)
____________
(1) الروضة ص 207 و في الوسائل الباب 1 و 9 من صلاة الاستسقاء.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستسقاء.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستسقاء.
(4) الوسائل الباب 3 من صلاة الاستسقاء.
(5) الوسائل الباب 4 من صلاة الاستسقاء. و في التهذيب ج 1 ص 297 و الوسائل «عن أبيه عن على» و في الوافي كما هنا.
(6) ج 1 ص 334.
(7) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستسقاء.
482
«ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى للاستسقاء ركعتين و بدأ بالصلاة قبل الخطبة و كبر سبعا و خمسا و جهر بالقراءة».
العاشر-
ما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلى للاستسقاء ركعتين و يستسقى و هو قاعد. و قال بدأ بالصلاة قبل الخطبة و جهر بالقراءة».
الحادي عشر-
ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة و يكبر في الأولى سبعا و في الأخرى خمسا».
الثاني عشر-
ما رواه في عيون الأخبار عن الحسن بن على العسكري عن الرضا (عليهم السلام) (3) في حديث «ان المطر احتبس فقال له المأمون لو دعوت الله عز و جل فقال الرضا (عليه السلام) نعم. قال: فمتى تفعل ذلك؟ و كان يوم الجمعة، فقال يوم الاثنين فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أتاني البارحة في منامي و معه أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا بنى انتظر يوم الاثنين و ابرز إلى الصحراء و استسق فان الله عز و جل سيسقيهم بك. قال فلما كان يوم الاثنين خرج الى الصحراء و معه الخلائق».
الثالث عشر-
ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (4) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يكبر في العيدين و الاستسقاء في الأولى سبعا و في الثانية خمسا و يصلى قبل الخطبة و يجهر بالقراءة».
الرابع عشر-
ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (5) حيث قال: اعلم يرحمك الله ان صلاة الاستسقاء ركعتان بلا أذان و لا اقامة: يخرج الامام يبرز
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستسقاء.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستسقاء.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
(5) ص 15.
483
الى تحت السماء و يخرج المنبر و المؤذنين امامه فيصلي بالناس ركعتين ثم يسلم و يصعد المنبر، فيقلب رداءه الذي على يمينه على يساره و الذي على يساره على يمينه مرة واحدة، ثم يحول وجهه إلى القبلة فيكبر مائة تكبيرة يرفع بها صوته، ثم يلتفت عن يمينه و يساره الى الناس فيهلل مائة تهليلة رافعا صوته، ثم يرفع يديه الى السماء فيدعو الله و يقول: اللهم صل على محمد و آل محمد، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مجلجلا طبقا مطبقا جللا مونقا راجيا غرقا مغدقا طيبا مباركا هاطلا مهطلا متهاطلا رغدا هنيئا مريئا دائما رويا سريعا عاما مسبلا نافعا غير ضار تحيي به العباد و البلاد و تنبت به الزرع و النبات و تجعل فيه بلاغا للحاضر منا و الباد، اللهم انزل علينا من بركات سمائك ماء طهورا و أنبت لنا من بركات أرضك نباتا مسيغا و تسقيه مما خلقت أنعاما و أناسي كثيرا، اللهم ارحمنا بالمشايخ ركعا و صبيان رضيع و بهائم رتع و شبان خضع. قال و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدعو عند الاستسقاء بهذا الدعاء يقول:
يا مغيثنا و معيننا على ديننا و دنيانا بالذي تنشر علينا من الرزق نزل بنا عظيم لا يقدر على تفريجه غير منزله عجل على العباد فرجه، فقد أشرفت الأبدان على الهلاك فإذا هلكت الأبدان هلك الدين، يا ديان العباد و مقدر أمورهم بمقادير أرزاقهم لا تحل بيننا و بين رزقك و هبنا ما أصبحنا فيه من كرامتك معترفين، قد أصيب من لا ذنب له من خلقك بذنوبنا ارحمنا بمن جعلته أهلا لاستجابة دعائه حين يسألك يا رحيم، لا تحبس عنا ما في السماء و انشر علينا نعمك و عد علينا برحمتك و ابسط علينا كنفك و عد علينا بقبولك و اسقنا الغيث و لا تجعلنا من القانطين و لا تهلكنا بالسنين و لا تؤاخذنا بما فعل المبطلون، و عافنا يا رب من النقمة في الدين و شماتة القوم الكافرين يا ذا النفع و النصر انك ان أجبتنا فبجودك و كرمك و لإتمام ما بنا من نعمائك و ان ترددنا فبلا ذنب منك لنا و لكن بجنايتنا على أنفسنا، فاعف عنا قبل ان تصرفنا و اقلبنا بإنجاح الحاجة يا الله.
انتهى.
هذا مجموع ما حضرني من الأخبار في هذا المقام و الكلام فيها يقع في مواضع:
484
الأول [هل تماثل صلاة الاستسقاء صلاة العيدين في الوقت؟]:
ان ما دل عليه الخبر الثاني من أن كيفية هذه الصلاة مثل كيفية صلاة العيدين في القراءة و التكبيرات و القنوتات مما اتفقت عليه كلمة الأصحاب (رضوان الله عليهم) و حكى الإجماع عليه في المنتهى إلا انهم قالوا يجعل مواضع القنوت الذي في العيدين الدعاء هنا بالرحمة و استعطاف الله عز و جل بإرسال الغيث.
بقي الكلام في انه هل يدخل الوقت في إطلاق المماثلة أو يخص بمجرد الكيفية دون الأمور الخارجة؟ قولان.
و بالأول صرح جملة من الأصحاب: منهم- شيخنا الشهيد الثاني في الروض حيث قال بعد قول المصنف «كالعيد» ما لفظه: في كونها ركعتين بين طلوع الشمس و الزوال يقرأ فيهما ما مر و يكبر فيهما التكبيرات الزائدة و يقنت بعد كل تكبيرة منها. انتهى. و الظاهر انه اقتفى أثر الشهيد في البيان حيث قال: و وقتها وقت العيد.
و نقل في الذكرى عن ظاهر كلام الأصحاب ان وقتها وقت صلاة العيدين، و نقل عن ابن ابى عقيل التصريح بان الخروج في صدر النهار و عن ابى الصلاح عند انبساط الشمس و ابن الجنيد بعد صلاة الفجر، قال: و الشيخان لم يعينا وقتا إلا أنهما حكما بمساواتها للعيد.
و بالثاني صرح الفاضلان بل قال في النهاية و في أي وقت خرج جاز و صلاها إذ لا وقت لها إجماعا. و نحوه قال في التذكرة ثم قال: و الأقرب عندي إيقاعها بعد الزوال لأن ما بعد العصر أشرف، قال في الذكرى: و نقله ابن عبد البر عن جماعة العلماء من العامة. و قال في البيان بعد قوله المتقدم نقله عنه: و ربما قيل بعد الزوال و هو مشهور بين العامة (1).
____________
(1) في المغني ج 2 ص 432 «ليس لصلاة الاستسقاء وقت معين إلا انها لا تفعل في وقت النهى بغير خلاف و الاولى فعلها في وقت العيد. ثم قال و قال ابن عبد البر الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء إلا أبا بكر بن حزم و هذا على سبيل الاختيار، و في بداية المجتهد ج 1 ص 198 «قال جماعة العلماء ان الخروج لها عند الخروج لصلاة العيدين إلا أبا بكر بن محمد بن عمر بن حزم قال الخروج لها عند الزوال».
485
أقول: لا ريب في أن الأخبار المتقدمة مطلقة لا اشارة فيها فضلا عن التصريح الى وقت معين، و استفادة التوقيت من المماثلة للعيدين لا يخلو من بعد لوقوع المخالفة بينهما في مواضع عديدة، و ما ذكره كل من هؤلاء من تعيين وقت مخصوص بان يكون بعد الفجر كما نقل عن ابن الجنيد أو صدر النهار كما نقل عن ابن ابى عقيل أو انبساط الشمس عند ابى الصلاح فلم نقف له على مستند، و بذلك يظهر أرجحية القول الثاني. و أما إيقاعها بعد الزوال فقد عرفت انه مذهب العامة كما ذكره ابن عبد البر من علمائهم. و الله العالم.
الثاني [يوم الخروج إلى الاستسقاء]
- قد دلت الرواية الاولى و الثانية عشرة على استحباب الخروج يوم الاثنين، و به صرح الصدوق و الشيخ و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و غيرهم و الظاهر ان المشهور في كلام المتأخرين التخيير بين يوم الاثنين و يوم الجمعة، بل نقل عن الشيخ المفيد و ابى الصلاح انهما لم يذكرا سوى الجمعة، و عن ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و سلار انهم لم يعينوا يوما، و نقله في الذكرى عن الشيخ المفيد ايضا و لعله في غير المقنعة.
و علل جملة من الأصحاب اضافة الجمعة إلى الاثنين و التخيير بينهما بشرف الجمعة و كونه محلا لإجابة الدعاء،
و قد ورد (1) «ان العبد يسئل الله الحاجة فيؤخر إجابتها إلى يوم الجمعة».
و هو حسن.
و لعل من عين الجمعة خاصة و كذا من لم يعين يوما مع ورود النص بيوم الاثنين نظر الى ما ورد من الأخبار في ذم يوم الاثنين و انه يوم نحس لا تطلب فيه الحوائج و ان بنى أمية تتبرك به و تتشأم به آل محمد (صلى الله عليه و آله) لقتل الحسين (عليه السلام) فيه حتى ورد ان من صامه أو طلب الحوائج فيه متبركا به حشر مع بنى أمية (2) و ان
____________
(1) الوسائل الباب 41 من صلاة الجمعة.
(2) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب و 4 و 6 و 7 من آداب السفر.
486
هذه الأخبار ظاهرة الرجحان على الخبرين المذكورين.
و الحق انه لو لا النص و لا سيما الخبر الثاني عشر المشتمل على أمر النبي (صلى الله عليه و آله) للرضا (عليه السلام) بالخروج فيه لكان ينبغي المنع من الخروج فيه لما عرفت، إلا انه بعد الخبرين المذكورين المعتضدين بفتوى الأصحاب بذلك لا بد من التسليم لإمكان وجود خصوصية فيه لا نعلمها. و الله العالم.
الثالث [الخطبة في الاستسقاء]
- قد تضمنت الرواية السادسة انه يستحب للإمام ان يخطب الناس و يأمرهم في جملة خطبته بالصيام ثلاثة أيام و يكون الثالث هو يوم الخروج، و إطلاق غيرها من الأخبار يكون محمولا عليها، و يمكن حمل هذه الرواية على الفضل و الاستحباب و ان جاز الاستسقاء بدون صيام إلا ان الظاهر من كلام الأصحاب هو الأول.
الرابع [الإصحار به]
- من مستحبات هذه الصلاة ان يصحر بها كما في العيدين و ادعى على ذلك الإجماع جمع منا، و يدل عليه مضافا الى الإجماع المذكور و التأسي بالنبي (صلى الله عليه و آله) الرواية الثامنة و الثانية عشرة صريحا و أكثر الروايات ظاهرا، فان المراد من الخروج فيها سيما مع نقل المنبر و خروج المؤذنين بين يدي الإمام انما هو الى الصحراء، و على ذلك يحمل قوله في الخبر الثاني «إلى مكان نظيف» و في الرابع عشر «يبرز الى تحت السماء».
نعم دلت الرواية الثامنة على استثناء مكة و انه يصلى في مسجدها، و منه يعلم ان أهل مكة يستسقون في مسجدها، قال في المنتهى و هو قول علمائنا أجمع و أكثر أهل العلم. و الحق ابن الجنيد به مسجد المدينة و لم نقف على مستنده، بل ظاهر الخبر الخامس يرده. و جمع من الأصحاب كالمفيد و ابن ابى عقيل لم يستثنوا المسجد الحرام على ما حكاه الشهيد في الذكرى.
الخامس [آداب الخروج له]
- يستحب ان يكونوا حال الخروج حفاة بالسكينة و الوقار كما ذكره الأصحاب، إلا ان الحفاء غير مذكور في الأخبار و انما عللوه بأنه أقرب الى الخشوع
487
و التذلل المطلوب في هذا المقام. و اما الخروج بالسكينة و الوقار فقد دل عليه الخبر الثاني و يشير اليه قوله في الخبر الأول «ثم يخرج يمشى كما يمشى يوم العيدين» مع ما تقدم من استحباب ذلك في الخروج الى العيد.
السادس [إخراج الشيوخ و الأطفال و العجائز و البهائم في الاستسقاء]
- و من المستحبات التي ذكرها الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا مع خلو النصوص منها انهم يخرجون معهم الشيوخ و الأطفال و العجائز و البهائم.
قالوا: لأنه أقرب الى الرحمة و أسرع إلى الإجابة، استنادا الى
ما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) انه قال: «لولا أطفال رضع و شيوخ ركع و بهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا».
و زاد بعضهم انه يفرق بين الأطفال و أمهاتهم ليكثروا من الضجيج و البكاء و يكون سببا لإدراك الرحمة.
أقول: و ربما يؤيد ما ذكروه من إخراج هؤلاء بما تقدم في الخبر الرابع عشر من قوله: «اللهم ارحمنا بالمشايخ ركعا. إلخ».
و ما ورد في الخطب من قوله (عليه السلام) (2) «اللهم ارحم أنين الآنة و حنين الحانة أرحم تحيرها في مراتعها و أنينها في مرابضها».
و يعضده ايضا خبر استسقاء سليمان بن داود (عليه السلام) المتقدم (3) و قول النملة ما قالت، إلا ان الحكم لا يخلو من شوب الإشكال.
قال في المنتهى: و يمنع أهل الذمة و الكفار من الخروج معهم لقوله تعالى «وَ مٰا دُعٰاءُ الْكٰافِرِينَ إِلّٰا فِي ضَلٰالٍ» (4) ثم ذكر ما روى عن الصادق (عليه السلام) (5)
____________
(1) في الجامع الصغير ج 2 ص 132 و السنن الكبرى ج 3 ص 245 عنه (صلى الله عليه و آله) «لولا شباب خشع و بهائم رتع و شيوخ ركع و أطفال رضع لصب عليكم العذاب صبا».
(2) التهذيب ج 3 ص 151 و الفقيه ج 1 ص 335 الطبع الحديث.
(3) ص 478.
(4) سورة الرعد الآية 15.
(5) ص 488.
488
في حكاية دعاء فرعون حين غار ماء النيل. و رجح عدم المنع.
أقول: و مما يؤيد عدم المنع خروج المنافقين مع النبي (صلى الله عليه و آله) فإنهم أكثر الناس أو كثير منهم يومئذ و كذا خروج المخالفين مع الرضا (عليه السلام) كما تضمنه الخبر الثاني عشر فإنهم الأكثر يومئذ بغير شك.
و يعضده ايضا ما ورد في بعض الأخبار (1) من ان الله عز و جل ربما حبس الإجابة عن المؤمن لحب سماع دعائه و تضرعه و الحاحه و يعجل الإجابة للكافر لبغض سماع صوته، على انهم يطلبون ما ضمنه الله لهم من رزقهم و هو سبحانه لا يخلف الميعاد.
و اما خبر فرعون المشار اليه فهو
ما رواه الصدوق عن الصادق (عليه السلام) (2) انه جاء أصحاب فرعون اليه فقالوا غار ماء النيل و فيه هلاكنا فقال انصرفوا اليوم فلما كان من الليل توسط النيل و رفع يديه الى السماء و قال: اللهم انك تعلم انى لا علم انه لا يقدر على أن يجيء بالماء إلا أنت فجئنا به. فأصبح الماء يتدفق.
السابع [قلب الإمام رداءه عند صعود المنبر بعد الصلاة]
- و من المستحبات هنا ايضا ان يقلب الامام رداءه إذا صعد المنبر بعد الصلاة فيجعل الذي على يمينه على يساره و بالعكس، و قد تقدم في الخبر الأول و الثاني و الثالث و السابع و الرابع عشر.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة: و لو جعل مع ذلك أعلاه أسفله و ظاهره باطنه كان حسنا و يترك محمولا حتى ينزع. انتهى. و فيه ما لا يخفى على المتأمل.
و الظاهر من الاخبار ان التحويل انما هو من الامام مرة واحدة بعد الصلاة و صعود المنبر، إلا ان في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا نوع تشويش و اضطراب فان بعضهم ذكر ان هذا التحويل بعد الفراغ من الخطبة.
و لعل هذا القائل نظر الى ظاهر الخبر الثالث و قوله «تحويل النبي (صلى الله عليه و آله) رداءه إذا استسقى» يعني إذا فرغ من الخطبة.
____________
(1) الوسائل الباب 21 من الدعاء.
(2) الفقيه ج 1 ص 334.
489
و فيه- مع كونه من كلام السائل- ان المراد به انما هو إذا أراد الاستسقاء كما يظهر من الأخبار الباقية.
و قال الشيخ المفيد و سلار و ابن البراج: يحول الامام رداءه ثلاث مرات:
بعد الفراغ من الصلاة و بعد الصعود على المنبر و بعد الفراغ من الخطبة.
و فيه ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من أن هذا و ان توهم في بادئ الرأي قبل إعطاء التأمل حقه في الأخبار إلا انه يرجع عند التأمل إلى أمر واحد كما ستقف عليه.
و في المبسوط أثبته للمأموم و في الخلاف خصه بالإمام، و قال في الروض:
و لا فرق في ذلك بين الامام و غيره و من ثم أطلقه المصنف، و للشيخ قول باختصاصه بالإمام و تبعه المحقق في الشرائع، و العلتان توجبان الاشتراك. انتهى.
أقول: و تحقيق المقام اما بالنسبة إلى وقت التحويل فان المستفاد من الاخبار انه بعد الفراغ من الصلاة و صعود الامام المنبر قبل الخطبة.
و من الأخبار الواضحة في ذلك الخبر الأول و قوله (عليه السلام) فيه: «فإذا انتهى الى المصلى صلى بالناس ركعتين بغير أذان و لا اقامة ثم يصعد المنبر فيقلب رداءه. إلخ» و قوله (عليه السلام) في الخبر الرابع عشر «يصلى بالناس ركعتين ثم يسلم و يصعد المنبر فيقلب رداءه».
و اما قوله (عليه السلام) في الخبر الثاني «إذا سلم الامام قلب ثوبه. إلخ» فالمراد منه بعد صعود المنبر و ان كان صعود المنبر غير مذكور في الخبر إلا ان إطلاقه محمول على الخبرين المفصلين المذكورين حمل المطلق على المقيد. و لا يخفى ان الخبر المذكور في حد ذاته لا يخلو من إجمال بالنسبة الى ما فصلته باقي الأخبار.
و اما قوله (عليه السلام) في الحديث السابع «يصلى ركعتين و يقلب رداءه» فالحكم فيه كما ذكرنا في سابقه من تقييد إطلاقه بالخبرين المتقدمين بمعنى انه بعد أن يصلى ركعتين و يصعد المنبر يقلب رداءه.
490
و بالجملة فإن ذكر القلب بعد الصلاة لا ينافي صعود المنبر بعد الصلاة و القلب بعد الصعود إذ البعدية المذكورة صادقة بذلك، و ليس هنا مدة بين الفراغ و صعود المنبر حتى يلزم أن يقال ان المتبادر من البعدية القريبة، فإنها في ما ذكرناه قريبة غير بعيدة كما لا يخفى.
و اما بالنسبة إلى اختصاص الامام بذلك أو شمول الحكم للمأموم فلا يخفى انه بناء على ما ذكرنا من حمل مطلق الأخبار على مقيدها يكون ذلك مختصا بالإمام و إثباته للمأموم يحتاج الى دليل و ليس فليس. و مع العمل بإطلاق هذين الخبرين و عدم تقييدهما بالخبرين الأخيرين يلزم استحباب القلب مرتين: إحداهما بعد الصلاة إماما كان أو مأموما، و ثانيتهما بعد صعود المنبر بالنسبة الى الإمام. إلا ان مقتضى القاعدة المعمول عليها انما هو الأول. و الله العالم.
الثامن [كيفية الذكر من الإمام في الاستسقاء]
- ما دل عليه الخبر الأول- من تكبير الإمام إلى القبلة مائة مرة ثم يسبح عن يمينه مائة تسبيحة و عن يساره يهلل مائة تهليلة ثم يستقبل الناس فيحمد الله مائة تحميدة- و هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و به قال الشيخ و اتباعه.
و قال الشيخ المفيد يكبر إلى القبلة مائة و يسبح الى اليمين مائة و يحمد الى اليسار مائة و يستغفر عند استقبال الناس مائة، و نقل ذلك في المختلف عن ابى الصلاح و سلار و ابن البراج.
و الشيخان قد اتفقا في التكبير و التسبيح و اختلفا بعد ذلك، فالشيخ الطوسي جعل التهليل الى اليسار مائة ثم التحميد عند استقبال الناس مائة كما هو المشهور، و الشيخ المفيد جعل عند الالتفات الى اليسار التحميد و عند استقبال الناس الاستغفار و لم يذكر التهليل بالكلية.
و الصدوق وافق الشيخين في التكبير و التسبيح إلى القبلة و اليمين و خالف الشيخ الطوسي في التهليل و التحميد فعكس فيهما، حيث ان الشيخ جعل التهليل الى اليسار
491
و التحميد عند استقبال الناس و هو جعل التحميد الى اليسار و التهليل عند استقبال الناس.
و أنت خبير بانا لم نقف في هذا المقام إلا على الرواية الأولى و هي صريحة في القول المشهور، و عبارة كتاب الفقه الرضوي، و نسخة الكتاب لا تخلو من الغلط و ما نقلناه هنا صورة ما في النسخة التي تحضرني و الظاهر انها غير خالية من الغلط، و الظاهر ان ما ذهب اليه الصدوق إنما أخذه من الكتاب على النهج الذي عرفته غالبا. و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور.
ثم ان الأصحاب قد ذكروا متابعة المأمومين للإمام في هذه الأذكار و منهم الشيخ المفيد في المقنعة و غيره ممن تأخر عنه، و اما انهم يلتفتون معه الى هذه الجهات كما يلتفت فلم أقف عليه في كلامهم، و ظاهرهم انما هو المتابعة في هذه الأذكار و كذا في رفع الصوت بها، و عن ابن الجنيد انهم يتابعونه في التكبير بدون رفع الصوت، و النص الذي هو مستند هذا الحكم و هو الخبر الأول و كذا الخبر الرابع عشر خال من ذلك بل ظاهره الاختصاص بالإمام.
التاسع [المراد بالاستسقاء و الخطبة في الأخبار]
- ما اشتملت عليه الرواية الأولى- من انه بعد الأذكار المذكورة يرفع يديه فيدعو ثم يدعون- الظاهر انه هو المراد بالاستسقاء في الأخبار و كذا التعبير بالخطبة، فإن المراد انما هو هذا الدعاء و الابتهال و التضرع اليه سبحانه، و لهذا وقع في عبائر الأصحاب (رضوان الله عليهم): ثم يخطب و يبالغ في السؤال. إلا ان خطبة على (عليه السلام) المشهورة في الاستسقاء (1) تدل على استحباب الخطبة بالمعنى المشهور و الظاهر ان كلا من الأمرين جائز، و منه يفهم تقديم الذكر على الخطبة و هو مذهب ابن ابى عقيل و الشيخ و ابن حمزة و هو المشهور بين المتأخرين.
و نسب في الذكرى القول بان الذكر بعد الخطبة إلى المشهور، قال في الكتاب المذكور: و المشهور ان هذا الذكر يكون بعد الخطبتين و قال ابن ابى عقيل و الشيخ و ابن حمزة قبلهما، و في تعليم الصادق (عليه السلام) (2) محمد بن خالد انه يصعد المنبر فيقلب
____________
(1) التهذيب ج 3 ص 151 و الفقيه ج 1 ص 325 الطبع الحديث.
(2) ص 479.
492
رداءه ثم يأتي بالأذكار قال «ثم يرفع يديه و يدعو» و لم يذكر الخطبة بعد ذلك و ظاهره ان هذه الأذكار تفعل على المنبر فكأنها من جملة الخطبة و لو فعل ذلك جاز. انتهى. و في البيان ان كلا الأمرين جائزان.
ثم ان ظاهر الخبر الخامس الاكتفاء بتأمين الناس دون المتابعة في الدعاء كما دل عليه الخبر الأول، و لعل الوجه التخيير جمعا بين الخبرين المذكورين.
و قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الأفضل في الخطبة و الدعاء هو المأثور عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم) و هو كذلك، و قد مر ما اشتمل عليه كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه إلا ان نسخة الكتاب المنقول منه لا تخلو من الغلط.
و قال شيخنا المفيد في المقنعة بعد ذلك الأذكار التي إلى الجهات الأربع: ثم حول وجهه إلى القبلة فدعا و دعا الناس معه فقال: اللهم رب الأرباب و معتق الرقاب و منشئ السحاب و منزل القطر من السماء و محيي الأرض بعد موتها يا فالق الحب و النوى و يا مخرج الزرع و النبات و محيي الأموات و جامع الشتات، اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدقا هنيئا مريئا تنبت به الزرع و تدر به الضرع و تحيي به الأرض بعد موتها و تسقى به مما خلقت أنعاما و أناسي كثيرا.
العاشر [محل الخطبة في الاستسقاء]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو استحباب الخطبة بعد الصلاة بل قال في التذكرة انه قول علمائنا اجمع، و عليه تدل الرواية التاسعة و العاشرة و الرابعة عشرة، و أما ما دلت عليه الرواية الحادية عشرة من كون الخطبة قبل فقد ردها الشيخ في التهذيب بأنها غير معمول عليها، لأن الأخبار تضمنت ان هذه الصلاة كالعيدين و قد بينا ان صلاة العيدين الخطبة بعدها فيجب ان تكون هذه الصلاة جارية مجراها. انتهى. و هو جيد.
قال في المختلف: المشهور ان الامام يصلى ركعتي الاستسقاء ثم يصعد المنبر و يخطب، و قال ابن إدريس في بعض الروايات ان هذه الخطبة تكون قبل الصلاة
493
و قال ابن الجنيد و يصعد الامام المنبر قبل الصلاة و بعدها، ثم قال: لنا- حديث مرة مولى خالد. ثم ساق الحديث (1) ثم ذكر رواية إسحاق بن عمار التي تضمنت تقديم الخطبة على الصلاة وردها بما ذكره الشيخ. ثم قال: و أحسن حديث بلغنا في هذا الباب ما رواه هشام بن الحكم (2) و ساق الخبر، ثم قال و هذا الحديث و ان دل بقوله «مثل صلاة العيدين» على ما قلناه لكن دلالته على ما اختاره ابن الجنيد أقوى. انتهى ملخصا.
أقول: لا ريب انه و ان كان هذا الخبر صحيح السند لكن دلالته على ما ذكره لا تخلو من إجمال و اشكال لعدم التعرض لذكر الخطبة فيه صريحا، و يمكن فهمها من قوله (عليه السلام) «فيحمد الله و يمجده. الى آخره» بناء على ان الخطبة عبارة عن ذلك و ان قدم في اللفظ إلا ان عطف الصلاة عليه بالواو التي هي لمطلق الجمع، و طريق الجمع بينه و بين باقي الأخبار هو حمل هذه الأذكار على الخطبة و جعلها مؤخرة عن الصلاة من قبيل حمل المجمل على المبين و المطلق على المقيد، فلا منافاة في الخبر المذكور و لا دلالة فيه على كون الخطبة قبل الصلاة و لا صعود المنبر قبل الصلاة كما لا يخفى.
هذا. و قد قدمنا ان المراد بالخطبة هنا ما هو أعم من المعنى المشهور فيها أو مجرد الدعاء و التضرع و الابتهال.
و قال في الذكرى: يستحب ان يخطب بالمأثور عن أهل البيت (عليهم السلام) و قد ذكر في التهذيب (3) خطبة بليغة لأمير المؤمنين (عليه السلام) «الحمد لله سابغ النعم.
الى آخرها» و لو خطب بغير ذلك مما يتضمن حمدا و ثناء و وعظا جاز. و الظاهر ان الخطبة الواحدة غير كافية بل يخطب اثنتين تسوية بينها و بين صلاة العيد.
و يستحب المبالغة في التضرع و الإلحاح في الخطبتين و خصوصا الثانية. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما علل به تثنية الخطبتين من التسوية بين هذه الصلاة
____________
(1) تقدم ص 479.
(2) ص 480.
(3) ج 3 ص 151 و في الفقيه ج 1 ص 335 الطبع الحديث.
494
و صلاة العيد لا يخلو من النظر، فإن المشابهة لا تقتضي المساواة من جميع الوجوه سيما مع دلالة جملة من النصوص كما عرفت على الاكتفاء بمجرد الدعاء عن الخطبة المؤذن بأن المراد بالخطبة ذلك.
الحادي عشر [وظائف صلاة الاستسقاء]
- من وظائف هذه الصلاة إخراج المنبر الى الصحراء كما دل عليه الخبر الأول و الخامس و الرابع عشر، و قد صرح المرتضى و جماعة بأنه يخرج و يحمل بين يدي الإمام إلى الصحراء، و نسب ابن إدريس الى بعض أصحابنا انه قال: المنبر لا يخرج بل يستحب أن يكون مثل منبر العيد معمولا من الطين. ثم قال انه الأظهر في الرواية (1) و القول بثبوت هذه الصلاة كصلاة العيد. و هو اجتهاد في مقابلة النصوص اللهم إلا أن يكون لم يطلع على الأخبار المذكورة.
و منها- خروج المؤذنين بين يديه ايضا و في أيديهم عنزهم كما دل عليه الخبر الأول.
الثاني عشر
- ما دل عليه الخبر الأول و الرابع عشر من عدم الأذان و الإقامة مما دل عليه إجماع الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما ذكره الفاضلان في المعتبر و المنتهى بل قال في المنتهى: و عليه إجماع كل من يحفظ عنه العلم.
و صرحوا بأنه يقول المؤذن: الصلاة (ثلاثا) و كأنه مأخوذ من التشبيه بصلاة العيد التي يقال فيها ذلك، فإن أخبار المسألة التي قدمناها خالية من ذلك و لا اعرف غيرها، اللهم إلا أن يكون وصل إليهم ما لم يصل إلينا.
الثالث عشر [الجهر بالقراءة]
- من وظائف هذه الصلاة استحباب الجهر بالقراءة كما دل عليه الخبر الرابع و التاسع و العاشر و الثالث عشر، و به صرح الأصحاب أيضا، و أضافوا الى ذلك الجهر بالقنوت كما في صلاة العيدين، و لا بأس به تحقيقا للمشابهة.
الرابع عشر [الاستسقاء بغير صلاة]
- قال في الذكرى: يجوز الاستسقاء بغير صلاة اما في خطبة
____________
(1) يمكن أن يكون نظره الى حديث هشام ص 480 المتضمن للمماثلة بين الصلاتين.
495
الجمعة و العيدين أو في أعقاب المكتوبات أو يخرج الإمام إلى الصحراء فيدعو و الناس يتابعونه.
أقول: و يدل على ما ذكروه من الفرد الأخير ظاهر الخبر الخامس فإنه لم يشتمل على أزيد من صعود رسول الله (صلى الله عليه و آله) المنبر بعد اجتماع الناس و الاستسقاء بالدعاء و أمر الناس أن يؤمنوا.
الخامس عشر [صلاة الاستسقاء فرادى]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذه الصلاة تصلى جماعة و فرادى و ان كان الجماعة أفضل.
و أنت خبير بان ظواهر جملة الأخبار التي قدمناها و هي أخبار المسألة التي وقفنا عليها متفقة على الجماعة، و لم أقف على خبر ظاهر في جواز صلاتها فرادى كما ذكروه، اللهم إلا ان يكون قاسوها على العيدين لقضية التشبيه. و فيه ما فيه.
السادس عشر [جواز القعود فيها]
- قد تضمن الخبر الرابع انه يستسقى و هو قاعد، و الحديث العاشر ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يستسقى و هو قاعد، مع ان أحدا من الأصحاب لم يعدوا ذلك من مستحبات هذه الصلاة بل ظاهر كلامهم انما هو الوقوف حال الاستسقاء و الدعاء و الخطبتين، و لم اطلع في كلامهم على من تعرض لما دل عليه هذان الخبران من القعود حال الاستسقاء و الكلام فيه نفيا أو إثباتا. و حمل ذلك على العذر في بعض الأوقات ينافيه لفظ «كان» في الحديث العاشر الدال على استمرار ذلك في جميع الأوقات أو أكثرها.
السابع عشر [تكرار الخروج لو تأخرت الإجابة]
- ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يستحب ان يكرر الخروج لو تأخرت الإجابة و ربما ادعى عليه الإجماع، و لم أقف عليه في النصوص إلا انه ربما أمكن الاستناد فيه الى العمومات الدالة على الحث على الدعاء و تكراره و ان الله سبحانه ربما أخر الإجابة لحب سماعه صوت عبده المؤمن فلا ينبغي اليأس و القنوط بعدم الإجابة أول مرة (1) على ان حديث سليمان (عليه السلام) (2) قد دل على تكرار
____________
(1) الوسائل الباب 21 من الدعاء.
(2) 478 و لم يذكر فيه تكرار الخروج.
496
الخروج ثلاث مرات و ان قول النملة ما قالت كما قدمناه انما هو في المرة الثالثة.
فائدة [الدعاء لدفع المطر]
قد ورد الدعاء لدفع المطر مع كثرته و خوف ضرره كما ورد لقلته و حصول الضرر بذلك:
روى في الكافي (1) بسنده عن رزيق ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
«اتى قوم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان بلادنا قد قحطت و توالت السنون علينا فادع الله تعالى يرسل السماء علينا فأمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالمنبر فاخرج و اجتمع الناس فصعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و دعا و أمر الناس ان يؤمنوا، فلم يلبث ان هبط جبرئيل (عليه السلام) قال يا محمد (صلى الله عليه و آله) أخبر الناس ان ربك قد وعدهم ان يمطروا يوم كذا و كذا و ساعة كذا و كذا، فلم يزل الناس ينتظرون ذلك اليوم و تلك الساعة حتى إذا كانت تلك الساعة أهاج الله تعالى ريحا فأثارت سحابا و جللت السماء و أرخت عزاليها فجاء أولئك النفر بأعيانهم إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالوا يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ادع الله لنا أن يكف السماء عنا فانا كدنا أن نغرق فاجتمع الناس و دعا النبي (صلى الله عليه و آله) و أمر الناس أن يؤمنوا على دعائه، فقال له رجل من الناس يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أسمعنا فإن كل ما تقول ليس نسمع فقال قولوا: اللهم حوالينا و لا علينا اللهم صبها في بطون الأودية و في منابت الشجر و حيث يرعى أهل الوبر اللهم اجعلها رحمة و لا تجعلها عذابا».
المطلب الثاني في صلاة التسبيح
[الأخبار الواردة في صلاة جعفر]
و ها نحن نذكر الأخبار المتعلقة بهذا المقام و نذيلها ان شاء الله تعالى بما يفهم منها من الأحكام:
الأول-
ما رواه في الكافي عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قال
____________
(1) الروضة ص 217 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الاستسقاء.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.
497
رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجعفر يا جعفر إلا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك؟ فقال له جعفر (عليه السلام) بلى يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال فظن الناس انه يعطيه ذهبا أو فضة فتشوف الناس لذلك فقال له انى أعطيك شيئا ان أنت صنعته في كل يوم كان خيرا لك من الدنيا و ما فيها و ان صنعته بين يومين غفر لك ما بينهما أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة غفر لك ما بينهما، تصلي أربع ركعات: تبتدئ فتقرأ و تقول إذا فرغت:
سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر. تقول ذلك خمس عشرة مرة بعد القراءة فإذا ركعت قلته عشر مرات فإذا رفعت رأسك من الركوع قلته عشر مرات فإذا سجدت قلته عشر مرات فإذا رفعت رأسك من السجود فقل بين السجدتين عشر مرات فإذا سجدت الثانية فقل عشر مرات فإذا رفعت رأسك من السجدة الثانية قلت عشر مرات و أنت قاعد قبل ان تقوم، فذلك خمس و سبعون تسبيحة في كل ركعة:
ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات: الف و مائتا تسبيحة و تهليلة و تكبيرة و تحميدة.
إن شئت صليتها بالنهار و ان شئت صليتها بالليل».
الثاني-
ما رواه في الفقيه عن أبي حمزة الثمالي- في القوى و قيل في الصحيح كما عده العلامة- عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجعفر بن ابى طالب (عليه السلام) يا جعفر إلا أمنحك ألا أعطيك ألا أحبوك ألا أعلمك صلاة إذا أنت صليتها لو كنت فررت من الزحف و كان عليك مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا غفرت لك؟ قال بلى يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال تصلى أربع ركعات إذا شئت ان شئت كل ليلة و ان شئت كل يوم و ان شئت فمن جمعة الى جمعة و ان شئت فمن شهر الى شهر و ان شئت فمن سنة الى سنة، تفتتح الصلاة ثم تكبر خمس عشرة مرة: تقول الله أكبر و سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله، ثم تقرأ الفاتحة و سورة و تركع و تقولهن في ركوعك عشر مرات ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولهن عشر مرات و تخر ساجدا و تقولهن عشر مرات في سجودك ثم ترفع رأسك من
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.
498
السجود فتقولهن عشر مرات ثم تخر ساجدا فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تنهض فتقولهن خمس عشرة مرة ثم تقرأ الفاتحة و سورة ثم تركع فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولهن عشر مرات ثم تخر ساجدا فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تسجد فتقولهن عشر مرات ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تتشهد و تسلم، ثم تقوم و تصلى ركعتين أخراوين تصنع فيهما مثل ذلك ثم تسلم.
ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) فذلك خمس و سبعون مرة في كل ركعة ثلاثمائة تسبيحة تكون ثلاثمائة مرة في الأربع الركعات: الف و مائتا تسبيحة يضاعفها الله تعالى و يكتب لك بها اثنتي عشرة ألف حسنة، الحسنة منها تكون مثل أحد و أعظم».
الثالث-
ما رواه الشيخ عن صفوان عن بسطام في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال له رجل جعلت فداك أ يلتزم الرجل أخاه؟ فقال نعم ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم افتتح خيبر أتاه الخبر ان جعفرا قد قدم فقال و الله ما أدري بأيهما أنا أشد سرورا بقدوم جعفر أم بفتح خيبر، قال فلم يلبث ان جاء جعفر (عليه السلام) قال فوثب رسول الله (صلى الله عليه و آله) فالتزمه و قبل ما بين عينيه، قال فقال له الرجل: الأربع ركعات التي بلغني ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر جعفرا ان يصليها؟ فقال لما قدم عليه قال له يا جعفر إلا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك؟ قال فتشوف الناس و رأوا أنه يعطيه ذهبا أو فضة، قال بلى يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال صل اربع ركعات متى ما صليتهن غفر الله لك ما بينهن، ان استطعت كل يوم و إلا فكل يومين أو كل جمعة أو كل شهر أو كل سنة فإنه يغفر لك ما بينهما. قال كيف أصليها؟ قال تفتتح الصلاة ثم تقرأ ثم تقول خمس عشرة مرة و أنت قائم: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر. فإذا ركعت قلت ذلك عشرا و إذا رفعت رأسك فعشرا و إذا سجدت فعشرا و إذا رفعت رأسك فعشرا و إذا سجدت الثانية فعشرا و إذا رفعت رأسك فعشرا،
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.
499
فذلك خمس و سبعون تكون ثلاثمائة في أربع ركعات فهن الف و مائتان. و تقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون».
الرابع-
ما في الكافي و التهذيب: و في رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) «يقرأ في الأولى إذا زلزلت و في الثانية و العاديات و في الثالثة إذا جاء نصر الله و في الرابعة بقل هو الله أحد. قلت فما ثوابها؟ قال لو كان عليه مثل رمل عالج ذنوبا غفر له. ثم نظر الى فقال: انما ذلك لك و لأصحابك».
الخامس-
ما رواه في الكافي عن ذريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«تصليها بالليل و تصليها بالنهار و تصليها في السفر بالليل و النهار، فإن شئت فاجعلها من نوافلك».
السادس-
ما في الفقيه (3) قال: و في رواية ابن المغيرة ان الصادق (عليه السلام) قال: «اقرأ في صلاة جعفر بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون».
السابع-
ما رواه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال قال: «صل صلاة جعفر أى وقت شئت من ليل أو نهار، و ان شئت حسبتها من نوافل الليل و ان شئت حسبتها من نوافل النهار تحسب لك من نوافلك و تحسب لك من صلاة جعفر».
الثامن-
ما رواه في التهذيب مسندا عن إبراهيم بن ابى البلاد (5) قال:
«قلت لأبي الحسن (عليه السلام)- و في الفقيه مرسلا (6) عن إبراهيم عن ابى الحسن (عليه السلام) يعنى موسى بن جعفر- أي شيء لمن صلى صلاة جعفر؟ قال لو كان عليه مثل رمل عالج و زبد البحر ذنوبا لغفرها الله له. ثم قال قلت هذه لنا؟ قال فلمن هي إلا لكم خاصة.
قال قلت فأي شيء اقرأ فيها قال و قلت اعترض القرآن؟ قال لا اقرأ فيها إذا زلزلت الأرض و إذا جاء نصر الله و انا أنزلناه في ليلة القدر و قل هو الله أحد».
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة جعفر.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة جعفر.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة جعفر.
(4) الوسائل الباب 5 من صلاة جعفر.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة جعفر.
(6) الوسائل الباب 2 من صلاة جعفر.
500
التاسع-
ما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت له من صلى صلاة جعفر هل يكتب له من الأجر مثل ما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لجعفر؟ قال اى و الله».
و رواه في الفقيه مرسلا (2).
العاشر-
ما رواه في التهذيب في الصحيح عن ذريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان شئت صل صلاة التسبيح بالليل و ان شئت بالنهار و ان شئت في السفر و ان شئت جعلتها من نوافلك و ان شئت جعلتها من قضاء صلاة».
الحادي عشر-
ما رواه في الكافي و التهذيب عن على بن سليمان (4) قال:
«كتبت الى الرجل (عليه السلام) اسأله ما تقول في صلاة التسبيح في المحمل؟ فكتب إذا كنت مسافرا فصل».
الثاني عشر-
ما رواه في التهذيب عن سعد عن عبد الله بن جعفر عن على بن الريان، و في الفقيه عن على بن الريان (5) انه قال: «كتبت الى الماضي الأخير (عليه السلام) اسأله عن رجل صلى صلاة جعفر ركعتين ثم تعجله عن الركعتين الأخيرتين حاجة أو يقطع ذلك بحادث يحدث أ يجوز له أن يتمها إذا فرغ من حاجته و ان قام عن مجلسه أم لا يحتسب بذلك إلا ان يستأنف الصلاة و يصلى الأربع ركعات كلها في مقام واحد؟
فكتب: بلى ان قطعه عن ذلك أمر لا بد منه فليقطع ثم ليرجع فليبن على ما بقي منها ان شاء الله تعالى».
الثالث عشر-
ما رواه في الكافي عن ابان (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من كان مستعجلا يصلى صلاة جعفر مجردة ثم يقضى التسبيح و هو ذاهب في حوائجه».
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.
(3) الوسائل الباب 5 من صلاة جعفر.
(4) الوسائل الباب 5 من صلاة جعفر.
(5) الوسائل الباب 6 من صلاة جعفر.
(6) الوسائل الباب 8 من صلاة جعفر.
501
الرابع عشر-
ما رواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال «إذا كنت مستعجلا فصل صلاة جعفر مجردة ثم اقض التسبيح».
الخامس عشر-
ما رواه في الكافي عن الحسن بن محبوب رفعه (2) قال:
«تقول في آخر سجدة من صلاة جعفر: يا من لبس العز و الوقار يا من تعطف بالمجد و تكرم به يا من لا ينبغي التسبيح إلا له يا من احصى كل شيء علمه يا ذا النعمة و الطول يا ذا المن و الفضل يا ذا القدرة و الكرم أسألك بمعاقد العز من عرشك و بمنتهى الرحمة من كتابك و باسمك الأعظم الأعلى و كلماتك التامات ان تصلى على محمد و آل محمد و ان تفعل بي كذا و كذا».
السادس عشر-
ما رواه الثقة الجليل احمد بن ابى طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج (3) مما ورد عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه) الى محمد بن عبد الله ابن جعفر الحميري في جواب مسائله حيث «سأله عن صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود أو ركوع أو سجود و ذكر في حالة اخرى قد صار فيها من هذه الصلاة هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته؟ التوقيع: إذا سها في حالة عن ذلك ثم ذكر في حالة اخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره».
و رواه الشيخ في كتاب الغيبة بإسناده فيه (4).
السابع عشر-
ما رواه في الكتاب المذكور أيضا عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه) (5) «انه كتب إليه يسأله عن صلاة جعفر بن ابى طالب في أي وقت أفضل ان تصلى فيه؟ و هل فيها قنوت؟ و ان كان كان ففي أي ركعة منها؟ فأجاب أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة ثم في أي
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة جعفر.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة جعفر.
(3) الوسائل الباب 9 من صلاة جعفر.
(4) الوسائل الباب 9 من صلاة جعفر.
(5) الوسائل الباب 4 من صلاة جعفر.
502
الأيام شئت، و أى وقت صليتها من ليل أو نهار فهو جائز. و القنوت فيها مرتان في الثانية قبل الركوع و في الرابعة بعد الركوع. و سألته عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز ان تصلى أم لا؟ فأجاب يجوز ذلك».
الثامن عشر-
ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) قال: عليك بصلاة جعفر بن ابى طالب فان فيها فضلا كثيرا، و قد روى أبو بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه من صلى صلاة جعفر كل يوم لا تكتب عليه السيئات و تكتب له بكل تسبيحة فيها حسنة و ترفع له درجة في الجنة فان لم يطق كل يوم ففي كل جمعة فان لم يطق ففي كل شهر فان لم يطق في كل سنة فإنك إن صليتها محي عنك ذنوبك و لو كانت مثل رمل عالج أو مثل زبد البحر، و صل أى وقت شئت من ليل أو نهار ما لم يكن في وقت فريضة، و ان شئت حسبتها من نوافلك، و ان كنت مستعجلا صليت مجردة ثم قضيت التسبيح. فإذا أردت أن تصلى فافتتح الصلاة بتكبيرة واحدة ثم اقرأ في أولها بفاتحة الكتاب و العاديات و في الثانية إذا زلزلت و في الثالثة إذا جاء نصر الله و في الرابعة قل هو الله أحد و ان شئت كلها بقل هو الله أحد، و ان نسيت التسبيح في ركوعك أو سجودك أو في قيامك فاقض حيث ذكرت على اى حال تكون.
تقول بعد القراءة: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر «خمس عشرة مرة» و تقول في ركوعك عشر مرات و إذا استويت قائما عشر مرات و في سجودك و بين السجدتين عشرا عشرا فإذا رفعت رأسك تقول عشرا قبل أن تنهض فذلك خمس و سبعون مرة، ثم تقوم في الثانية و تصنع مثل ذلك ثم تشهد و تسلم و قد مضى لك ركعتان، ثم تقوم و تصلى ركعتين أخريين على ما وصفت لك، فيكون التسبيح و التهليل و التحميد و التكبير في أربع ركعات ألف مرة و مائتي مرة. و تصلى بها متى شئت و متى ما خف عليك فان في ذلك فضلا كثيرا. فإذا فرغت تدعو بهذا الدعاء. ثم ساق الدعاء.
____________
(1) ص 15.
503
التاسع عشر-
ما رواه الصدوق في كتاب عيون الأخبار عن رجاء بن ابى الضحاك (1) انه حكى في حديث له صلاة الرضا (عليه السلام) و نقل فيه انه كان يصلى في آخر الليل اربع ركعات بصلاة جعفر (عليه السلام) يسلم في كل ركعتين و يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع و بعد التسبيح و يحتسب بها من صلاة الليل. الخبر.
هذا ما حضرني من الروايات المتعلقة بهذه الصلاة.
و الكلام فيها يقع في مواضع
الأول [محل التسبيح حال القيام]
- ان أكثر الأخبار المذكورة في المقام دلت على ان التسبيح حال القيام بعد القراءة و ان صورته «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» و هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ذهب اليه الشيخان و ابن الجنيد و ابن إدريس و ابن ابى عقيل و المتأخرون، و قد دل الخبر الثاني على كونه قبل القراءة و انه الله أكبر إلى آخر ما هو مذكور في الخبر.
و ظاهر الصدوق في الفقيه العمل بالخبر المذكور في الموضعين حيث قال في الكتاب المذكور (2) بعد نقله الخبر المشار اليه: و قد روى ان التسبيح في صلاة جعفر بعد القراءة و ان ترتيب التسبيح «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» فبأي الحديثين أخذ المصلي فهو مصيب و جائز له. انتهى.
و ظاهره الجمع بين الأخبار بالتخيير في الموضعين، و هو جيد إلا ان الأحوط و الأولى العمل بالقول المشهور لتكاثر الأخبار بتأخير التسبيح عن القراءة و انه بالصورة المشهورة دون هذه الصورة التي نقلها في خبر الثمالي.
الثاني [ما يقرأ في صلاة جعفر]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في قراءتها فالمشهور انه يقرأ في الأولى بعد الحمد الزلزلة و في الثانية و العاديات و في الثالثة النصر و في الرابعة التوحيد، و هو اختيار السيد المرتضى و ابن الجنيد و الصدوق و ابى الصلاح و ابن البراج و سلار، و قال ابن بابويه: يقرأ في الاولى و العاديات و في الثانية الزلزلة و في
____________
(1) الوسائل الباب 13 من أعداد الفرائض رقم 24.
(2) ج 1 ص 348 و في الوسائل الباب 1 من صلاة جعفر.
504
الباقيتين كما تقدم، قال و ان شئت صلها كلها بالتوحيد. و قال الصدوق في المقنع بالتوحيد في الجميع، و عن ابن ابى عقيل في الأولى الزلزلة و في الثانية النصر و في الثالثة و العاديات و في الرابعة قل هو الله أحد.
أقول: و الذي يدل على المشهور من الأخبار المتقدمة الخبر الرابع و ما سيأتي ان شاء الله تعالى
في خبر المفضل بن عمر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) في نوافل شهر رمضان و فيه «تقرأ في صلاة جعفر في الركعة الأولى الحمد و إذا زلزلت و في الثانية الحمد و العاديات و في الثالثة الحمد و إذا جاء نصر الله و في الرابعة الحمد و قل هو الله أحد. الحديث».
و الذي يدل على ما ذهب اليه الشيخ على بن الحسين بن بابويه الخبر الثامن عشر كما هي قاعدته المطردة و منه أخذ عبارته في هذا الموضع و غيره.
و اما القولان الباقيان فلم نقف لهما على مستند و الذي وردت به الأخبار هو ما عرفت من القول المشهور و قول على بن بابويه.
و في الخبر الثالث: يقرأ في كل ركعة بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون و نحوه في الخبر السادس، و الظاهر انه على جهة التخيير بين هاتين السورتين أو قراءة إحداهما في موضع و الأخرى في آخر.
و في الخبر الثامن انه يقرأ فيها إذا زلزلت الأرض و إذا جاء نصر الله و انا أنزلناه و قل هو الله أحد، و الظاهر ان المراد الترتيب في هذه السور و ان كان العطف بالواو لا يدل عليه إلا انه كثير الوقوع في الاخبار. و العمل بكل ما روى حسن ان شاء الله تعالى.
الثالث [صلاة جعفر تؤدى بتسليمين]
- قال في الذكرى: و هي بتسليمتين على الأظهر و يظهر من الصدوق في المقنع انه يرى أنها بتسليمة واحدة و هو نادر. انتهى. و تبعه في هذه المقالة جملة ممن تأخر عنه.
أقول: صورة عبارة المقنع على ما نقله في البحار هكذا: تبدأ فتكبر ثم
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
505
تقرأ فإذا فرغت من القراءة فقل «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» خمس عشرة مرة فإذا ركعت قلتها عشرا فإذا رفعت رأسك من الركوع قلتها عشرا فإذا سجدت قلتها عشرا فإذا رفعت رأسك من السجود قلتها عشرا فإذا سجدت قلتها عشرا فإذا رفعت رأسك من السجود الثاني قلتها عشرا و أنت جالس قبل ان تقوم، فذلك خمس و سبعون تسبيحة و تحميدة و تكبيرة و تهليلة في كل ركعة: ثلاثمائة في أربع ركعات فذلك الف و مائتان، و تقرأ فيها قل هو الله أحد و روى: اقرأ في الركعة الأولى من صلاة جعفر الحمد و إذا زلزلت و في الثانية الحمد و العاديات و في الثالثة الحمد و إذا جاء نصر الله و في الرابعة الحمد و قل هو الله أحد. انتهى و أنت خبير بان لا دلالة في هذه العبارة على ما ادعاه من ان الأربع بتسليمة واحدة، إذ الظاهر ان الغرض من سياق هذا الكلام انما هو بيان مواضع التسبيح و قدره كما يشير اليه قوله «فذلك خمس سبعون. الى آخره» و من ثم انه لم يتعرض لذكر الركعة الثانية و لا للتشهد و لا للقنوت، اما لما ذكرناه من أن الغرض من سياق الكلام انما هو ما ذكرناه أو من حيث ظهور ذلك فاكتفى بظهوره عن ذكره.
و يؤيد ما قلناه ان سياق عبارته المذكورة وقعت على نحو عبارة الخبر الأول و الثالث فان السياق في الجميع واحد، فان كانت عبارة المقنع بهذه الكيفية دالة على ما قاله فكذلك عبارة كل من الخبرين المذكورين تدل على ذلك. و بالجملة فإن ما ذكره (قدس سره) و ان تبعه فيه من تبعه لا يخلو من قصور تأمل في العبارة المذكورة.
و بما ذكرنا من عدم ظهور ما ادعاه في الذكرى من هذه العبارة صرح شيخنا المجلسي (قدس سره) في البحار ايضا حيث قال بعد نقل عبارة المقنع التي قدمناها نقلا عنه و ذكر كلام الذكرى- ما صورته: و أقول لا دلالة في عبارة المقنع إلا من حيث انه لم يذكر التسليم و لعله احاله على الظهور كالتشهد و القنوت و غيرهما و العمل على المشهور. انتهى.
إلا ان العلامة في المختلف قال: قال أبو جعفر بن بابويه (قدس سره) في
506
كتاب المقنع: و روى انها بتسليمتين. و هو يشعر انه يقول بأنها بتسليمة واحدة و المشهور الأول. انتهى.
و على هذا فالظاهر ان كلام شيخنا في الذكرى انما ابتنى على هذا الكلام الذي نقله في المختلف إلا ان شيخنا المجلسي كما عرفت انما عزاه إلى العبارة التي نقلها عنه في البحار. و بالجملة فإن كتاب المقنع لا يحضرني الآن ليمكن معرفة صحة أحد النقلين و فساد الآخر في البين.
الرابع [استحباب العشر]
- المشهور انه يستحب العشر بعد السجدة الثانية من الركعة الأولى قبل القيام إلى الثانية و كذا من الركعة الثالثة قبل القيام إلى الرابعة، ذهب اليه الشيخان و المرتضى و ابن بابويه و أبو الصلاح و ابن البراج و سلار و غيرهم.
و قال ابن ابى عقيل: ثم يرفع رأسه من السجود و ينهض قائما و يقول ذلك عشرا ثم يقرأ.
و لم نقف له على دليل لان ما قدمناه من الأخبار ما بين صريح الدلالة و ظاهرها على القول المشهور، ففي الرواية الأولى «فإذا رفعت رأسك من السجدة الثانية قلت عشر مرات و أنت قاعد قبل أن تقوم» و في الرواية الثانية «ثم ترفع رأسك من السجود فتقولهن عشر مرات ثم تنهض فتقولهن خمس عشرة مرة» و هاتان الروايتان صريحتان كما ترى في المدعى، و في الرواية الثالثة «و إذا رفعت رأسك فعشرا فذلك خمس و سبعون» و هي ظاهرة لانه رتب ذلك على رفع الرأس و لم يذكر النهوض، و في الرواية الثامنة عشرة «فإذا رفعت رأسك تقول عشرا قبل أن تنهض» و هي صريحة في المدعى كما ترى. و لعله وصل إليه في ذلك ما لم يصل إلينا حيث انه من قدماء الأصحاب.
الخامس [في صلاة جعفر قنوتان]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز احتسابها من النوافل الراتبة الليلية و النهارية، صرح به الشيخ على بن بابويه و ابن ابى عقيل و غيرهما. و قال ابن الجنيد: و لا أحب احتسابها من شيء من التطوع الموظف
507
عليه و لو فعل و جعلها قضاء للنوافل أجزأه.
و أنت خبير بأن جملة من الأخبار المتقدمة ظاهرة في الدلالة على القول المشهور كالخبر الخامس و السابع و العاشر و الثامن عشر و التاسع عشر، و قد تضمن الخبر العاشر جواز جعلها قضاء للنوافل و هو الذي رخصه ابن الجنيد، و حينئذ فلا وجه لمنع ابن الجنيد من استحبابها من النوافل أداء. و حمله على الغفلة عن هذه الاخبار و عدم اطلاعه عليها بعيد، و على الاطلاع عليها و القول بخلافها أبعد.
و قال في الذكرى: و يظهر من بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز جعلها من الفرائض أيضا إذ ليس فيه تغيير فاحش.
أقول: ربما أشعر نقله (قدس سره) للقول المذكور و عدم تعرضه لرده اختياره القول بجوازه، و اليه يميل كلام بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين، و هو محل اشكال و أى تغيير أفحش مما عليه هذه الصلاة بالنسبة إلى غيرها من الصلوات الخالية من هذه الأذكار.
و بالجملة فإن العبادات توقيفية فإذا كان المرسوم عن صاحب الشرع هو إيقاع الفريضة على النحو الذي وردت عنه (صلى الله عليه و آله) فتغييرها إلى كيفية أخرى- و لو بزيادة أذكار و أدعية و تسبيحات خارجة من الموظف فيها سيما مع كثرته و تفاحشه كما في هذه الصلاة- يتوقف على الدليل.
و يعضد ما قلناه عدم حصول يقين البراءة إلا بما ذكرناه. و يعضده ايضا المقابلة بالنوافل الحاضرة، فإن قوله في الخبر المذكور «و ان شئت جعلتها من نوافلك» أى الحاضرة المؤداة فيكون قوله «و ان شئت جعلتها من قضاء صلاة» يعنى قضاء النوافل و حاصله التخيير بين جعلها من النوافل المؤداة و المقضية. و الله العالم.
السادس [في صلاة جعفر قنوتان]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان فيها قنوتين في الثانية من الركعتين الأوليتين و الثانية من الركعتين الأخيرتين و انه بعد القراءة و قبل الركوع فيهما، و يدل على ذلك صريحا الخبر التاسع عشر مضافا الى
508
الأخبار العامة في قنوت سائر الصلوات (1).
و المستفاد من الخبر السابع عشر ان قنوت الركعتين الأولتين قبل الركوع و قنوت الركعتين و الأخيرتين بعد الركوع، و لم أقف على من تنبه له من الأصحاب، و لعله من حيث عدم رواية الخبر في كتب الحديث الأربعة التي مدار استدلالهم عليها و رجوعهم إليها. و بالجملة فإن الأظهر هو ما دلت عليه الأخبار العامة و خصوص الخبر التاسع عشر، و هذا الخبر مرجوع الى قائله (عليه السلام).
السابع [أحكام ذوي الأعذار في صلاة جعفر]
- قد اشتملت جملة من الأخبار المتقدمة على أحكام عديدة لذوي الأعذار في هذه الصلاة:
أحدها- ما اشتمل عليه الخبر الثالث عشر و الرابع عشر من جواز الصلاة مجردة عن التسبيح إذا أعجلت به حاجة ثم يقضى التسبيح و هو ذاهب.
و ثانيها- ما اشتمل عليه الخبر الثاني عشر من انه لو صلى منها ركعتين ثم أعجلته الحاجة أو أحدث حدثا فإنه يبنى على ما صلى أولا بعد زوال العارض و يتم بالركعتين الباقيتين، و الأحوط ان لا يفرق فيها إلا لعذر وقوفا على ظاهر الخبر و ان كان الظاهر الجواز مطلقا.
و ثالثها- ما دل عليه الخبر السادس عشر من انه إذا سها عن التسبيحات في بعض أحوال هذه الصلاة قضاها في الحال التي يذكرها فيها، فان كان يفوته سهوا في حال القيام ثم يذكره في حال الركوع أو السجود فإنه يقضى ما فاته كلا أو بعضا في تلك الحال.
الثامن [أفضل أوقاتها]
- قد تكرر في الأخبار المتقدمة ان وقتها أى وقت شاء من ليل أو نهار و انها جائزة سفرا و حضرا، إلا ان الخبر السابع عشر قد صرح بأن أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، و يحتمل أن يكون بعده في الفضل جعلها من نوافل الليل كما يشعر به الخبر التاسع عشر من مداومة الرضا (عليه السلام) على جعلها منها كما ينبئ عنه لفظ «كان».
____________
(1) الوسائل الباب 3 من القنوت.
509
فائدة [رواية العامة هذه الصلاة في شأن العباس]
قال في الذكرى: زعم بعض متعصبي العامة ان الخطاب بهذه الصلاة و تعليمها كان العباس عم النبي (صلى الله عليه و آله) و رواه الترمذي (1) و رواية أهل البيت (عليهم السلام) أوفق إذ أهل البيت أعلم بما في البيت، على انه يمكن أن يكون قد خاطبهما بذلك في وقتين و لا استبعاد فيه. انتهى.
أقول- بل الظاهر ان هذا الخبر انما هو من مخترعات الأموية بغضا لعلى (عليه السلام) و من يمت به و لا سيما أخيه المذكور، و نسبوه للعباس ليكون أدخل في العقول و تلقيه بالقبول. و قد ذكرنا في كتاب سلاسل الحديد بحثا رشيقا في اختراعهم الأحاديث الكاذبة في زمان معاوية تقربا اليه. و الله العالم.
المطلب الثالث في نافلة شهر رمضان
و الكلام فيها يقع في مقامين
[المقام] الأول- استحباب هذه النافلة
مذهب أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل نقل عن سلار دعوى الإجماع عليه.
و نقل في المعتبر قال و قال بعض أصحاب الحديث منا لم يشرع في شهر رمضان زيادة نافلة عن غيره، و ذكر بعض الأصحاب ان على بن بابويه و ابن ابى عقيل لم يتعرضا لها بنفي و لا إثبات و ان الصدوق قال لا نافلة فيه زيادة على غيره.
ورد هذا النقل عن الصدوق جمع من محققي متأخري المتأخرين بأن كلامه في الفقيه لا يدل على نفى المشروعية بل الظاهر انه انما ينفي تأكد الاستحباب لصراحته بأنه لا يرى بأسا بالعمل بما ورد فيها من الأخبار، و لهذا قال في المدارك: و الظاهر انه لا خلاف في جواز الفعل و انما الكلام في التوظيف.
أقول: صورة ما ذكره الصدوق في الكتاب المذكور انه قال- في باب
____________
(1) سنن الترمذي مع شرحه لابن العربي ج 2 ص 267. و قد ضعف السيوطي في اللئالئ المصنوعة ج 2 ص 21 أحاديث هذه الحبوة في العباس.
510
الصلاة في شهر رمضان من كتاب الصوم بعد ذكره الأخبار الآتية الدالة على عدم الزيادة في شهر رمضان- ما لفظه: و ممن روى الزيادة في التطوع في شهر رمضان زرعة عن سماعة و هما واقفيان، قال سألته. و ساق الحديث الدال على ذلك (1) ثم قال قال مصنف هذا الكتاب (رحمه الله) إنما أوردت هذا الخبر في هذا الباب مع عدولي عنه و تركي لاستعماله ليعلم الناظر في كتابي هذا كيف يروى و من رواه و ليعلم من اعتقادي فيه انى لا أرى بأسا باستعماله. انتهى. و الظاهر ان مرجعه الى ما ذكروه من عدم تأكد الاستحباب.
و اما قوله في المدارك- انه لا خلاف في جواز الفعل و انما الكلام في التوظيف- فلا يخلو من الإشكال الظاهر، و ذلك لأن الجواز هنا لا معنى له فإنها عبادة فإن ثبت شرعيتها و توظيفها ترتب عليه الاستحباب و إلا كانت محرمة و غير مشروعة، أ لا ترى ان صلاة الضحى لما لم تثبت شرعيتها صرحت الأخبار ببدعيتها و تحريمها (2) و ليست من الأمور المباحة التي تتصف بالجواز.
ثم ان مما يدل على عدم توظيف هذه النافلة
ما رواه الصدوق عن عبد الله بن سنان بسندين صحيحين و رواه الشيخ عنه ايضا بسند صحيح (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في شهر رمضان فقال ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و ركعتان قبل صلاة الفجر، كذلك كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلى و لو كان فضلا لكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) اعمل به و أحق».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي و الشيخ عنه أيضا في الصحيح (4) بتفاوت ما في المتن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في شهر رمضان فقال ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و ركعتا الصبح قبل الفجر، كذلك كان رسول الله
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 31 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(3) الوسائل الباب 9 من نافلة شهر رمضان.
(4) الوسائل الباب 9 من نافلة شهر رمضان.
511
(صلى الله عليه و آله) يصلى و انا كذلك أصلي و لو كان خيرا لم يتركه رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم (1) بإسناد لا يبعد الحاقه بالموثقات قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا صلى العشاء الآخرة آوى الى فراشه لا يصلى شيئا إلا بعد انتصاف الليل لا في شهر رمضان و لا في غيره».
و نقل المحقق في المعتبر (2) الاحتجاج للنافين بما رواه الأصحاب عن محمد ابن مسلم قال: «سمعت إبراهيم بن هشام (3) يقول هذا شهر رمضان فرض الله صيامه و سنن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قيامه. فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) فقال كذب ابن هشام كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلى بالليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و ركعتان قبل الفجر في شهر رمضان و غيره».
و اما الأخبار الدالة على استحباب هذه الصلاة فهي كثيرة جدا تفصيلا و إجمالا.
و من الثاني
ما رواه الشيخ في الموثق- و عده في المنتهى في الصحيح- عن ابى بصير (4) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) أ يزيد الرجل الصلاة في رمضان؟ قال نعم ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد زاد في الرمضان في الصلاة».
و نحوها
صحيحة البقباق و عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام) (5) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يزيد في صلاته في شهر رمضان: إذا صلى العتمة صلى بعدها فيقوم الناس خلفه فيدخل و يدعهم ثم يخرج أيضا فيجيئون و يقومون خلفه فيدخل و يدعهم (مرارا)
____________
(1) الوسائل الباب 9 من نافلة شهر رمضان.
(2) ص 225.
(3) لم يذكره الذهبي في ميزان الاعتدال و ابن حجر في تهذيب التهذيب و البخاري في التاريخ الكبير و ابن ابى حاتم الرازي في الجرح و التعديل. نعم في لسان الميزان ج 1 ص 122 و ميزان الاعتدال ج 1 ص 24 إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني مات سنة 238. فلا ينطبق على المذكور في هذه الرواية.
(4) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان.
(5) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان.
512
قال و قال لا تصل بعد العتمة في غير شهر رمضان».
و بهذا النحو رواية جابر و رواية محمد بن يحيى و رواية ابى خديجة (1).
و من الأول رواية
المفضل بن عمر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «يصلى في شهر رمضان زيادة ألف ركعة. قال قلت و من يقدر على ذلك؟ قال ليس حيث تذهب أ ليس يصلى في شهر رمضان زيادة ألف ركعة: في تسع عشرة منه في كل ليلة عشرين ركعة و في ليلة تسع عشرة منه مائة ركعة و في ليلة احدى و عشرين مائة ركعة و في ليلة ثلاث و عشرين مائة ركعة و يصلى في ثمان ليال منه في العشر الأواخر ثلاثين ركعة؟ فهذه تسعمائة و عشرون ركعة. قال: قلت جعلني الله فداك فرجت عنى لقد كان ضاق بي الأمر فلما ان أتيت لي بالتفسير فرجت عنى فكيف تمام الألف ركعة؟ قال تصلى في كل جمعة في شهر رمضان اربع ركعات لأمير المؤمنين (عليه السلام) و تصلى ركعتين لابنة محمد (صلى الله عليه و آله) و تصلى بعد الركعتين اربع ركعات لجعفر الطيار (عليه السلام) و تصلى في ليلة الجمعة في العشر الأواخر لأمير المؤمنين (عليه السلام) عشرين ركعة و تصلى في عشية الجمعة ليلة السبت عشرين ركعة لابنة محمد (صلى الله عليه و آله). ثم قال اسمع و عه و علم ثقات إخوانك هذه الأربع و الركعتين فإنهما أفضل الصلوات بعد الفرائض. إلى آخرها».
الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن نشرها المقام.
و الشيخ بعد ذكر الأخبار المتقدمة عدا خبر المعتبر قال: فالوجه في هذه الأخبار و ما جرى مجراها انه لم يكن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يصلى صلاة النافلة جماعة في شهر رمضان و لو كان فيه خير لما تركه (صلى الله عليه و آله) و لم يرد انه لا يجوز ان يصلى على الانفراد.
و احتج على هذا التأويل
بما رواه عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل في الصحيح (3) قالوا: «سألناهما عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة؟
____________
(1) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
513
فقالا ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان إذا صلى العشاء الآخرة انصرف الى منزله ثم يخرج من آخر الليل الى المسجد فيقوم فيصلي، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلي كما كان يصلى فاصطف الناس خلفه فهرب منهم الى بيته و تركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: ايها الناس ان الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة و صلاة الضحى بدعة ألا فلا تجمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل و لا تصلوا صلاة الضحى فان ذلك معصية، ألا و ان كل بدعة ضلالة و كل ضلالة سبيلها الى النار. ثم نزل و هو يقول قليل في سنة خير من كثير في بدعة».
ألا ترى انه لما أنكر الصلاة في شهر رمضان أنكر الجماعة فيها و لم ينكر نفس الصلاة و لو كان نفس الصلاة منكرا مبتدعا لأنكره كما أنكر الجماعة فيها.
و رد هذا التأويل جملة من أفاضل متأخري المتأخرين بالبعد و هو كذلك.
و فيه ايضا ان الرواية التي أوردها موردها انما هو الجماعة في صلاة الليل لا في الصلاة التي هي محل البحث حتى يتم قوله «أنكر الجماعة فيها و لم ينكر الصلاة» فإن الصلاة التي اجتمعوا خلفه فيها انما هي صلاة الليل كما هو ظاهر سياق الخبر، و حينئذ فلا حجة في ما أورده كما لا يخفى.
و العلامة في المختلف قد أجاب عن صحيحة عبد الله بن سنان بجواز أن يكون السؤال وقع عن النوافل الراتبة هل تزيد في شهر رمضان أو لا؟ فأجاب (عليه السلام) بعدم الزيادة، فإنه نقل عن ابن الجنيد انه قال: و قد روى عن أهل البيت (عليهم السلام) زيادة في صلاة الليل على ما كان يصليها الإنسان في غيره اربع ركعات تتمة اثنتي عشرة ركعة. و هذا التأويل أيضا لا يخلو من بعد و ان كان أقل من الأول.
و قال المحدث الكاشاني (طاب ثراه) في الوافي بعد نقل اخبار الطرفين:
أقول من حاول أن لا يبعد في التأويل كثيرا و لا يرد أحد الحديثين فالصواب ان يحمل حديث الإثبات على التقية (1) أو حديث النفي على نفى كونها سنة موقوفة
____________
(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 514.
514
موظفة لا ينبغي تركها كالرواتب اليومية بل ان كانت فهي من التطوعات التي من أحبها و قوى عليها فعلها كما يشعر به حديث سماعة و غيره.
و هو و ان كان بعيدا أيضا إلا انه أقل بعدا مما تقدم، وجه البعد أما بالنسبة الى اخبار القول المشهور فان تكاثرها و استفاضتها- بل ربما يدعى تواترها معنى إجمالا و تفصيلا كما لا يخفى على من راجعها- يبعد خروجها كملا مخرج التقية سيما مع اقترانها بفتوى الطائفة قديما و حديثا إلا الشاذ. و أما بالنسبة إلى حمل اخبار القول بنفيها على نفى التأكيد ففيه ان الأخبار قد تصادمت في فعل النبي (صلى الله عليه و آله) لها و عدمه، فهذه الأخبار ظاهرها ان النبي (صلى الله عليه و آله) لم يفعل ذلك مدة حياته و تلك الأخبار قد تكاثرت و تعاضدت بأنه كان يصليها، و لا معنى هنا للجمع بالتأكيد و عدمه بل ليس إلا الترجيح لاخبار أحد الطرفين و رمى الآخر من البين.
و بالجملة فإن المسألة من مشكلات المسائل و اليه يميل كلام صاحب المدارك و ان كان قد يقوى بعد ذلك القول المشهور بما ذكره من الوجوه.
و بعض المحققين من متأخري المتأخرين القائلين بالقول المشهور حمل الأخبار الدالة على نفى هذه النافلة على التقية، قال لأنها موافقة لبعض ما روته العامة كما
في صحيح البخاري (1) «انه قيل لعائشة كيف كانت صلاة رسول الله (صلى الله عليه و آله) في شهر رمضان؟ فقالت ما كان يزيد في شهر رمضان و لا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى اربع ركعات ثم يصلى أربعا ثم يصلى ثلاثا».
قال و لهذا جعل ابن طاوس من جملة محامل هذه الأخبار التقية متأيدا بما تقدم في رواية ابن مطهر من تكذيب الراوي و الدعاء عليه، و ربما يؤيده أيضا ما مر سابقا من حديث جابر، و اما تلك الأخبار فهي مع كثرتها ليست بهذه المثابة لأن العامة انما يقولون بالتراويح و هي عند أكثرهم كما ذكرنا سابقا ستمائة ركعة في كل ليلة عشرون ركعة بعد العشاء و عند مالك في كل ليلة ست و ثلاثون ركعة بعد العشاء ايضا (2) و كلاهما مخالفان لما
____________
(1) ج 1 ص 175 باب القيام بالليل في رمضان و غيره.
(2) المغني ج 2 ص 167 و عمدة القارئ ج 3 ص 598.
515
ذكر في تلك الأخبار، مع ان في مفصلات تلك الأخبار ذكرت أشياء مباينة لمذاهب العامة كما هو واضح على من تأمل فيها فلا يناسب حملها على التقية، و من احتمل ذلك فيها لم يلاحظها حتى ملاحظتها. انتهى.
و أشار برواية ابن مطهر الى
ما رواه الشيخ عن احمد بن محمد بن مطهر (1) قال «كتبت الى ابى محمد (عليه السلام) ان رجلا روى عن ابائك (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما كان يزيد من الصلاة في شهر رمضان على ما كان يصليه في سائر الأيام؟
فوقع كذب فض الله فاه صلى في كل ليلة من شهر رمضان عشرين ركعة إلى عشرين من الشهر. الحديث».
و سيأتي تمامه ان شاء الله تعالى، و قد روى الكليني هذا الخبر ايضا (2) بهذا اللفظ في تكذيب الراوي و متنه أبسط.
إلا ان ما دل عليه هذا الخبر معارض بمثله مما تقدم نقله (3) عن المحقق في المعتبر من تكذيب ابى جعفر (عليه السلام) لمن نقل عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه سن هذه الصلاة ثم ذكر (عليه السلام) انه (صلى الله عليه و آله) انما كان يصلى صلاة الليل خاصة. و بذلك يظهر لك قوة الإشكال الذي أشرنا إليه آنفا.
و أما حديث جابر الذي أشار إليه فهو ما رواه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال له: «ان أصحابنا هؤلاء أبوا أن يزيدوا في صلاتهم في شهر رمضان و قد زاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) في صلاته في شهر رمضان».
أقول: لا يبعد ان حصول المخالفة من أصحابه (عليه السلام) يومئذ انما كان لعدم ثبوت المشروعية عندهم، و يحمل كلامه (عليه السلام) في قوله «و قد زاد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على الخروج مخرج التقية في النقل و إلا فلا معنى لكونهم أصحابه (عليه السلام) مع عدم علمهم بقوله (عليه السلام). و من المحتمل قريبا في خبر احمد بن محمد بن مطهر الحمل على ما ذكرنا من أن تكذيب الراوي و الدعاء عليه انما وقع تقية لإظهار
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) ص 511.
(4) الوسائل الباب 2 من نافلة شهر رمضان.
516
ذلك الرجل ما هو مأمور بإظهار خلافه.
و بالجملة فذيل الكلام واسع في المقام و باب الاحتمال غير منغلق كما لا يخفى على ذوي الأفهام، و الأمر هنا باعتبار تعارض الأخبار متردد بين الاستحباب و التحريم و طريق الاحتياط في مثله الترك لذلك، إلا انه يشكل بشهرة عمل الأصحاب باخبار الاستحباب. و الله العالم.
المقام الثاني- في كيفية هذه الصلاة
و قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) لها صورتين (الأولى)- ان يصلى في عشرين ليلة من الشهر كل ليلة عشرين ركعة ثمان منها بعد المغرب و اثنتا عشرة بعد العشاء الآخرة، هذا هو المشهور بين الأصحاب و خير الشيخ في النهاية بين ذلك و بين جعل اثنتي عشرة ركعة بين العشاءين و ثمان بعد العشاء، و اختاره المحقق في المعتبر.
و يدل على القول المشهور
رواية أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) و فيها «فصل يا أبا محمد زيادة في رمضان فقال كم جعلت فداك؟ فقال في عشرين ليلة تمضى في كل ليلة عشرين ركعة ثماني ركعات قبل العتمة و اثنتي عشرة ركعة بعدها سوى ما كنت تصلى قبل ذلك. الحديث».
و في رواية محمد بن احمد بن مطهر المروية في الكافي عن ابى محمد (عليه السلام) (2) «صل في شهر رمضان في عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة ثماني بعد المغرب و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة».
و في رواية مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله). الى ان قال منذ أول ليلة إلى تمام عشرين ليلة في كل ليلة عشرين ركعة ثماني ركعات منها بعد المغرب و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة. الحديث».
و في رواية أبي بصير الأخرى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «صل في العشرين من شهر رمضان ثمانيا بعد المغرب و اثنتي عشرة ركعة بعد العتمة».
و نحو ذلك في رواية
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(4) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
517
محمد بن سليمان عن عدة من الأصحاب (1) و رواية الحسن بن على عن أبيه (2).
و الذي يدل على عكس ذلك
موثقة سماعة (3) قال: «سألته عن رمضان. الى ان قال: كان يصلى قبل ذلك من هذه العشرين اثنتي عشرة ركعة بين المغرب و العتمة و ثماني ركعات بعد العتمة. الحديث».
و أصحاب القول الثاني قالوا بالتخيير جمعا بين الاخبار الأولة و بين هذه الموثقة و الأظهر العمل بالأخبار الكثيرة لترجحها بالكثرة و قول جمهور الأصحاب بها و احتمال حمل الموثقة المذكورة على وجه آخر غير التخيير. هذا بالنسبة الى ما يفعل في العشرين ليلة.
و اما ما يصلى في العشر الباقية فهي ثلاثون ركعة في كل ليلة و قد اختلف هنا في تقسيم هذه الثلاثين، فالمشهور انه يصلى منها ثمان بعد المغرب و الباقي بعد العشاء الآخرة، صرح به العلامة في المنتهى، و نقل عن ابى الصلاح و ابن البراج انه يصلى اثنتي عشرة ركعة بعد المغرب و الباقي بعد العشاء الآخرة، و خير المحقق بين الصورتين و الذي يدل على الأول و هو المشهور
قول الصادق (عليه السلام) في رواية أبي بصير و هي الأولى من روايتيه المتقدمتين (4) «فإذا دخل العشر الأواخر فصل ثلاثين ركعة في كل ليلة ثماني ركعات قبل العتمة و اثنتين و عشرين ركعة بعدها. الخبر».
و قول ابى جعفر (عليه السلام) في خبر الحسن بن على عن أبيه (5) «و في العشر الأواخر ثماني ركعات بين المغرب و العتمة و اثنتين و عشرين ركعة بعد العتمة».
و قول ابى الحسن (عليه السلام) في رواية محمد بن سليمان عن عدة من أصحابنا (6) «فلما كان في ليلة اثنتين و عشرين زاد في صلاته فصلى ثماني ركعات بعد المغرب و اثنتين و عشرين ركعة بعد العشاء الآخرة».
و أما ما يدل على القول الثاني فمنه
قول ابى محمد (عليه السلام) في رواية محمد بن أحمد
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(4) ص 516.
(5) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(6) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
518
ابن مطهر في الكافي (1) «و صل فيها ثلاثين ركعة اثنتي عشرة بعد المغرب و ثماني عشرة بعد العشاء الآخرة».
و قول ابى عبد الله (عليه السلام) في رواية مسعدة (2) «و يصلى في العشر الأواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة اثنتي عشرة منها بعد المغرب و ثماني عشرة بعد العشاء الآخرة».
و من هنا جمع المحقق بين هذه الأخبار بالتخيير.
و الحاصل مما ذكرناه سبعمائة ركعة. ثم انه يصلى ثلاثمائة ركعة تمام الالف منها مائة ركعة في الليلة التاسعة عشرة و مائة في ليلة احدى و عشرين و مائة في ليلة ثلاث و عشرين. هذه احدى الصورتين المشار إليهما آنفا، و نسب القول بهذه الصورة في الذكرى الى طائفة من أصحابنا و في المنتهى الى أكثر الأصحاب.
و الصورة الثانية نسبها في الذكرى الى أكثر الأصحاب، و على هذه الصورة رتب الشيخ الدعوات المختصة بالركعات في المصباح و هي انه يقتصر في ليالي الافراد على المائة في كل ليلة منها، و على هذا فتبقى عليه ثمانون ركعة وظائف هذه الثلاث على تقدير الصورة الأولى، قالوا و يفرقها على الشهر بهذه الكيفية: يصلى في كل جمعة عشر ركعات أربعا منها بصلاة على (عليه السلام) و ركعتين بصلاة فاطمة (عليها السلام) و أربعا بصلاة جعفر (رضوان الله عليه) و في ليلة آخر جمعة من الشهر يصلى عشرين ركعة بصلاة علي (عليه السلام) و في عشيتها ليلة السبت عشرين بصلاة فاطمة (عليها السلام) و المستند في هذه الصورة رواية المفضل بن عمر المتقدمة (3).
إذا عرفت ذلك فاعلم انا لم نقف في الروايات الواردة في هذا الباب على ما يقتضي هذه الكيفية على التفصيل الذي ذكره الأصحاب لمزيد اختلافها و عدم ائتلافها إلا انه يمكن حصول ذلك من مجموعها باعتبار ضم بعضها الى بعض.
قال الشهيد في الذكرى: و المشهور أنها ألف ركعة زيادة على الراتبة رواه
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) ص 512.
519
جميل بن صالح عن الصادق (عليه السلام) (1) و على بن أبي حمزة أيضا (2) و إسحاق بن عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) و سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) (3).
و ربما أشعر هذا الكلام بأن هؤلاء قد رووا الألف على الوجه الذي ذكره الأصحاب مع ان الأمر ليس كذلك، فإن رواية جميل بن صالح انما تضمنت استحباب الإكثار من الصلاة في شهر رمضان و غيره في اليوم و الليلة و ان عليا (عليه السلام) كان يصلى ألف ركعة في اليوم و الليلة، و رواية على بن أبي حمزة (4) عارية عن زيادة المئات في ليالي الافراد، و رواية إسحاق بن عمار انما تضمنت ذكر المئات خاصة في ليالي الافراد (5) و روايتا ابن مطهر المنقولتان في الكافي و التهذيب (6) تضمنتا إسقاط المائة من ليلة تسع عشرة، و في موثقة لسماعة (7) صلاة مائة ركعة لكل من ليلتي تسع عشرة و ثلاث و عشرين و لم يتعرض لزيادة على ذلك، و رواية مسعدة مثل روايتي ابن مطهر في ذكر جملة النوافل الموظفة كما ذكره الأصحاب إلا أنه أسقط مائة ركعة من ليلة تسع عشرة، و مثل ذلك أيضا موثقة أخرى لسماعة (8) و في رواية لأبي بصير ايضا ذكر العشرين ركعة إلى تمام عشرين يوما من الشهر و مائة ركعة في الليلة التي يرجى فيها ما يرجى و لم يذكر فيها سوى ذلك، و في رواية محمد بن سليمان عن العدة إسقاط وظيفة ليلة تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين من العدد المتقدم ذكره و الاقتصار في كل منها على مائة ركعة، و بموجبه قد نقص من الالف ثمانون ركعة و لم يتعرض لها كما تعرض لها في خبر المفضل المتقدم. و اما رواية المفضل المذكورة (9)
____________
(1) الوسائل الباب 5 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(4) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(5) ان كان المراد من رواية إسحاق رواية محمد بن سليمان عن العدة و منهم إسحاق ابن عمار و سماعة فسيأتي التعرض منه «(قدس سره)» لها بعد أسطر و ان كان غيرها فلم نقف عليها في كتب الحديث.
(6) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(7) الوسائل الباب 1 من نافلة شهر رمضان و ليس فيها تسع عشرة و انما جاء فيها ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين.
(8) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(9) ص 512.
520
فإنها ظاهرة في الصورة الثانية كما قدمنا ذكره إلا انها مجملة في تقسيم العشرين و الثلاثين و قد عرفت الخلاف في الموضعين نصا و فتوى.
هذا مجمل الكلام في روايات المسألة و ما اشتملت عليه، و به يظهر ما ذكرناه من عدم وجود المستند لما ذكره الأصحاب من الكيفية في الصورة الأولى، و اما الثانية فليس في مستندها إلا الإجمال الذي ذكرناه و إلا فالعدد تام كما لا يخفى.
قال السيد الزاهد العابد المجاهد رضى الدين بن طاوس (عطر الله مرقده) في كتاب الإقبال نقلا عن الرسالة الغرية للشيخ المفيد (طيب الله مضجعه) قال يصلى في العشرين ليلة كل ليلة عشرين ركعة ثماني بين العشاءين و اثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة و يصلى في العشر الأواخر كل ليلة ثلاثين ركعة و يضيف الى هذا الترتيب في ليلة تسع عشرة و ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين كل ليلة مائة ركعة و ذلك تمام الألف ركعة، قال: و هي رواية محمد بن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان في ما أسنده عن على بن مهزيار عن مولانا الجواد (عليه السلام) (1). و ظاهر هذا الكلام كما ترى ورود الخبر بهذه الكيفية.
و نحو ذلك
ما ذكره شيخنا المفيد (روح الله تعالى روحه) في كتاب مسار الشيعة (2) قال: أول ليلة من شهر رمضان فيها الابتداء بصلاة نوافل شهر رمضان و هي ألف ركعة من أول الشهر.
الى آخره بترتيب معروف في الأصول عن الصادقين (عليهم السلام). الى آخره.
فوائد
الأولى [محل الوتيرة في شهر رمضان]
- المشهور ان الوتيرة تصلى بعد وظيفة العشاء من تلك النوافل لتكون خاتمة النوافل، و نقل عن سلار أنها مقدمة على الوظيفة المذكورة، و قد تقدم في آخر المسألة الثانية من المقصد الثاني في مواقيت الرواتب من المقدمة الثالثة في المواقيت من كتاب الصلاة (3) نبذة من الكلام في هذا المقام.
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) ج 6 ص 223.
521
و يدل على ما ذكره سلار هنا
قوله (عليه السلام) في رواية محمد بن سليمان عن عدة من أصحابنا (1) «فلما صلى العشاء الآخرة و صلى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد العشاء الآخرة و هو جالس في كل ليلة قام فصلى اثنتي عشرة ركعة.
الى ان قال في الخبر المذكور: فلما اقام بلال لصلاة العشاء الآخرة خرج النبي (صلى الله عليه و آله) فصلى بالناس فلما انفتل صلى الركعتين و هو جالس كما كان يصلى في كل ليلة ثم قام فصلى مائة ركعة».
أقول: و هذا الخبر قد جاء على خلاف ما صرح به الأصحاب (رضوان الله عليهم) من جعل الوتيرة خاتمة صلاته في تلك الليلة كما انه اشتمل على خلاف ما دلت عليه الأخبار الكثيرة- كما قدمنا ذكره في المقدمة الثانية من مقدمات كتاب الصلاة- من انه (صلى الله عليه و آله) ما كان يصلى الوتيرة معللا في بعضها بأنه يعلم انه يعود و لا يموت في تلك الليلة مع دلالة ظاهر هذا الخبر على المداومة عليها. و بالجملة فهو لا يخلو من الإشكال في الموضعين المذكورين. و الله سبحانه و قائله أعلم.
و قال في الذكرى: و أما الوتيرة فالمشهور انها تفعل بعد وظيفة العشاء لتكون خاتمة النوافل، و قال سلار بل الوتيرة مقدمة على الوظيفة و هي في رواية محمد بن سليمان عن الرضا (عليه السلام) و الظاهر ايضا جواز الأمرين. انتهى.
الثانية [الجماعة محرمة في نافلة شهر رمضان]
- لا ريب ان الجماعة في هذه النافلة محرمة عند أصحابنا (رضوان الله عليهم) و قد تكاثرت به اخبارهم (عليهم السلام).
و منها-
ما رواه في التهذيب و الفقيه عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالوا «سألناهما عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا ان النبي (صلى الله عليه و آله). الحديث».
و قد تقدم في المقام الأول (3) إلا ان مورد الخبر كما ذكرناه ثمة انما هو الجماعة في صلاة الليل.
____________
(1) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(3) ص 512.
522
و ما رواه في الكافي (1) عن سليم بن قيس في خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
فيها «قد عملت الولاة قبلي أعمالا خالفوا فيها رسول الله (صلى الله عليه و آله) متعمدين لخلافه ناقضين لعهده مغيرين لسنته و لو حملت الناس على تركها. لتفرق عني جندي حتى أبقى وحدي أو مع قليل من شيعتي. الى ان قال: و الله لقد أمرت الناس إلا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة و أعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معى: يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعا. الحديث».
و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد فقال لما قدم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة أمر الحسن بن على (عليه السلام) ان ينادى في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة. فنادى في الناس الحسن بن على (عليه السلام) بما امره به أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما سمع الناس مقالة الحسن بن على (عليه السلام) صاحوا و اعمراه و اعمراه فلما رجع الحسن الى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له ما هذا الصوت؟ فقال يا أمير المؤمنين الناس يصيحون و اعمراه و اعمراه فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) قل لهم صلوا».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب ابى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (3) قالا «لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة أتاه الناس فقالوا له اجعل لنا اماما يؤمنا في شهر رمضان فقال لا، و نهاهم ان يجتمعوا فيه، فلما أمسوا جعلوا يقولون ابكوا شهر رمضان و أشهر رمضاناه، فاتى الحارث الأعور في أناس فقال يا أمير المؤمنين (عليه السلام) ضج الناس و كرهوا قولك قال فقال عند ذلك دعوهم و ما يريدون ليصل بهم من شاؤوا. ثم قال وَ مَنْ. يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً» (4).
و رواه العياشي
____________
(1) الروضة ص 58 و في الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(4) سورة النساء الآية 115 و فيها شيء من النقل بالمضمون.
523
في تفسيره عن حريز عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) مثله (1).
و ما رواه الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) (2) قال:
«و لا يجوز التراويح في الجماعة».
أقول: و سيأتي تمام الكلام في ذلك في بحث صلاة الجماعة ان شاء الله تعالى.
الثالثة [قضاء نافلة شهر رمضان نهارا]
- قال في الذكرى: لو فات شيء من هذه النوافل ليلا فالظاهر انه يستحب قضاؤها نهارا لعموم قوله تعالى «وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً» (3) و ما ورد في تفسيره مما أسلفناه من قبل، و بذلك افتى ابن الجنيد قال: و كذا لو فاتته الصلاة في ليلة الشك ثم ثبتت الرؤية. انتهى.
و قال في المدارك: قال الشهيد في الذكرى و لو فات شيء من هذه النوافل ليلا فالظاهر انه يستحب قضاؤها نهارا. و هو غير واضح. انتهى.
أقول: لا يخفى ان الشهيد كما نقلناه من عبارته قد استدل على ذلك بعموم الآية و ما ورد في تفسيرها من الأخبار كما قدمه، و لا ريب ان ظاهر الآية دال على ما ذكره و الأخبار الواردة في تفسيرها تساعده.
و منها-
قول الصادق (عليه السلام) في ما رواه في الفقيه (4) «كل ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار قال الله تعالى وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً. يعنى ان يقضى الرجل ما فاته بالليل بالنهار و ما فاته بالنهار بالليل».
و في معنى هذه الرواية غيرها.
و بذلك يظهر لك ما في قوله «و هو غير واضح» و كان الواجب عليه ذكر الجواب عن دليله المذكور ليندفع عنه ما في كلامه من القصور. و الجواب بحمل ذلك على غير هذه النافلة من الصلاة اليومية و النافلة الراتبة يحتاج الى مخصص، فان عموم
____________
(1) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(3) سورة الفرقان الآية 63.
(4) الوسائل الباب 57 من المواقيت.
524
الآية و الخبر المذكور الشامل لموضع البحث.
الرابعة [لا فرق في نافلة شهر رمضان بين الصائم و غيره]
- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا فرق في استحباب هذه الصلاة بين الصائم و غيره عملا بمقتضى العموم، و زاد في الروض التعليل بأنها عبادة زيدت لشرف الزمان فلا تسقط بسقوط الصوم عن المسافر و نحوه. ثم نقل ان في كلام بعض الأصحاب ما يدل على اختصاصه بالصائم، قال في الذخيرة: و هو ظاهر ابى الصلاح.
الخامسة
- ما ذكر في خبر المفضل (1)- في تفريق الثمانين الباقية من الصلاة في كل جمعة عشر ركعات- الظاهر انه مبنى على الغالب من اشتمال الشهر على اربع جمعات، فلو اتفق فيه خمس جمع ففي كيفية بسط الثمانين احتمالات أقربها- كما استظهره في الذخيرة- سقوط العشر في الجمعة الأخيرة لا عطاء كل جمعة حقها.
المطلب الرابع في جملة من الصلوات
الأولى- صلاة الاستخارة
و ينبغي ان يعلم أولا ان الاستخارة هي طلب الخيرة من الله تعالى قاله في القاموس و النهاية و غيرهما. و قال ابن إدريس: الاستخارة في كلام العرب الدعاء، و قال ايضا معنى «استخرت الله» استدعيت إرشادي، قال و كان يونس بن حبيب اللغوي يقول ان معنى «استخرت الله» استفعلت الله الخير أي سألت الله ان يوفقني خير الأشياء التي أقصدها.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المفهوم من الأخبار انها قد جاءت فيها على معان عديدة: منها- ما ورد بمعنى طلب الخيرة من الله تعالى كما قدمنا نقله عن القاموس و النهاية بمعنى أنه يسأل الله في دعائه أن يجعل له الخير و يوفقه في الأمر الذي يريده و على هذا المعنى يحمل
ما رواه في الكافي عن عمرو بن حريث في الصحيح على الأظهر (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) صل ركعتين و استخر الله فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار له البتة».
____________
(1) ص 512.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.
525
و في رواية أخرى عنه (عليه السلام) (1) «من استخار الله راضيا بما صنع الله خار الله له حتما».
و في معناهما أخبار أخر أيضا.
و منها-
ما ورد بمعنى طلب تيسر ما فيه الخيرة كما في حسنة مرازم المروية في الفقيه (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) إذا أراد أحدكم شيئا فليصل ركعتين ثم ليحمد الله و ليثن عليه و يصلى على محمد (صلى الله عليه و آله) و على أهل بيته و يقول: اللهم ان كان هذا الأمر خيرا لي في ديني و دنياي فيسره لي و قدره و ان كان غير ذلك فاصرفه عني. فسألته أي شيء اقرأ فيهما؟ فقال اقرأ فيهما ما شئت و ان شئت قرأت فيهما قل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون. الخبر».
و بمضمونه بتفاوت يسير رواية جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) و هذا المعنى قريب من المعنى الأول بل الظاهر ان مآلهما غالبا الى واحد بحيث تحمل الاخبار الأول على هذا.
و منها- ما ورد بمعنى طلب العزم على ما فيه الخير كما
في موثقة ابن أسباط (4) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) جعلت فداك ما ترى آخذ برا أو بحرا فان طريقنا مخوف شديد الخطر؟ فقال اخرج برا و لا عليك ان تأتي مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و تصلى ركعتين في غير وقت فريضة ثم تستخير الله مائة مرة و مرة ثم تنظر فان عزم الله لك على البحر. الخبر».
و موثقة الحسن بن على بن فضال (5) قال: «سأل الحسن بن الجهم أبا الحسن (عليه السلام) لابن أسباط فقال ما ترى له- و ابن أسباط حاضر و نحن جميعا- يركب البحر أو البر الى مصر؟ و أخبره بخير طريق البر فقال البر، و ايت المسجد في غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين و استخر الله مائة مرة ثم انظر أي شيء يقع في قلبك فاعمل به».
و هذه الثلاثة المعاني تكون بالصلاة و الدعاء و ربما تكون بالدعاء خاصة كما
____________
(1) الوسائل الباب 1 و 7 من صلاة الاستخارة.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.
(3) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة الاستخارة.
526
روى في الفقيه عن معاوية بن ميسرة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ما استخار الله عبد سبعين مرة بهذه الاستخارة إلا رماه الله بالخيرة يقول: يا أبصر الناظرين و يا اسمع السامعين و يا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين و يا أحكم الحاكمين صلى على محمد و أهل بيته و خر لي في كذا و كذا».
و في صحيحة حماد عن ناجية عن الصادق (عليه السلام) (2) انه كان إذا أراد شراء العبد أو الدابة أو الحاجة الخفيفة أو الشيء اليسير استخار الله عز و جل فيه سبع مرات فإذا كان امرا جسيما استخار الله فيه مائة مرة.
إلا انه يحتمل ايضا تقييد هذه الأخبار بما تقدم بان يكون هذا الدعاء مضافا الى الصلاة.
[الاستخارة بالرقاع و نحوها و إنكار ابن إدريس لذلك]
و منها- ما ورد بمعنى طلب تعرف ما فيه الخيرة، و هذا هو المعروف الآن بين الناس، و لكن لا بد هنا من انضمام شيء آخر إلى الصلاة و الدعاء معا أو الدعاء وحده من الرقاع أو البنادق أو فتح المصحف أو أخذ السبحة أو القرعة أو الأخذ من لسان المشاور.
فمن الأخبار الواردة بذلك
ما رواه الكليني و الشيخ عن هارون بن خارجة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) و رواه الشيخ المفيد و ابن طاوس و رواية ابن طاوس بعدة طرق انه قال (عليه السلام) «إذا أردت أمرا فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها: بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة افعل. و في ثلاث منها:
بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل. ثم ضعها تحت مصلاك ثم صل ركعتين فإذا فرغت فاسجد سجدة و قل فيها مائة مرة:
أستخير الله برحمته خيرة في عافية. ثم استو جالسا و قل: اللهم خر لي و اختر لي في جميع أموري في يسر منك و عافية. ثم اضرب بيدك الى الرقاع فشوشها و اخرج
____________
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستخارة.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستخارة.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستخارة.
527
واحدة واحدة فإن خرج ثلاث متواليات «افعل» فافعل الأمر الذي تريده، و ان خرج ثلاث متواليات «لا تفعل» فلا تفعله، و ان خرجت واحدة «افعل» و الأخر «لا تفعل» فاخرج من الرقاع الى خمس فانظر أكثرها فاعمل به و دع السادسة لا تحتاج إليها».
و منها-
ما رواه الكليني و الشيخ عن على بن محمد رفعه عنهم (عليهم السلام) (1) «انه قال لبعض أصحابه و قد سأله عن الأمر يمضي فيه و لا يجد أحدا يشاوره كيف يصنع؟ قال شاور ربك قال فقال له كيف؟ قال انو الحاجة في نفسك ثم اكتب رقعتين في واحدة «لا» و في واحدة «نعم» و اجعلهما في بندقتين من طين ثم صل ركعتين و اجعلهما تحت ذيلك و قل: يا الله انى أشاورك في امرى هذا و أنت خير مستشار و مشير فأشر على بما فيه صلاح و حسن عاقبة. ثم ادخل يدك فان كان فيها «نعم» فافعل و ان كان فيها «لا» فلا تفعل، هكذا شاور ربك».
و قد ذكر السيد الزاهد العابد المجاهد رضى الدين على بن طاوس (عطر الله مرقده) في رسالة الاستخارات أنواعا عديدة في الاستخارة بالرقاع و البنادق و القرعة و أنكرها ابن إدريس تمام الإنكار و قال انها من أضعف أخبار الآحاد و شواذ الاخبار لان رواتها فطحية ملعونون مثل زرعة و سماعة و غيرهما فلا يلتفت الى ما اختصا بروايته، قال: و المحصلون من أصحابنا ما يختارون في كتب الفقه إلا ما اخترناه و لا يذكرون البنادق و الرقاع و القرعة إلا في كتب العبادات دون كتب الفقه، و ذكر ان الشيخين و ابن البراج لم يذكروها في كتبهم الفقهية. و وافقه المحقق هنا فقال: و اما الرقاع و ما يتضمن «افعل و لا تفعل» ففي حيز الشذوذ فلا عبرة بها.
قال في الذكرى: و إنكار ابن إدريس الاستخارة بالرقاع لا مأخذ له مع اشتهارها بين الأصحاب و عدم راد لها سواه و من حذا حذوه كالشيخ نجم الدين، قال و كيف تكون شاذة و قد دونها المحدثون في كتبهم و المصنفون في مصنفاتهم و قد
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الاستخارة. و الشيخ يرويه عن الكليني.
528
صنف السيد العالم العابد صاحب الكرامات الظاهرة و المآثر الباهرة رضي الدين أبو الحسن على بن طاوس الحسيني (قدس سره) كتابا ضخما في الاستخارات و اعتمد فيه على روايات الرقاع و ذكر من آثارها عجائب و غرائب أراه الله تعالى إياه، و قال إذا توالى الأمر في الرقاع فهو خير محض و ان توالى النهى فذلك الأمر شر محض و ان تفرقت كان الخير و الشر موزعا بحسب تفرقها على أزمنة ذلك الأمر بحسب ترتبها. انتهى
[الاستخارة بالعدد]
و من الاستخارات الاستخارة بالعدد،
قال في الذكرى: و لم تكن هذه مشهورة في العصور الماضية قبل زمان السيد الكبير العابد رضى الدين محمد بن محمد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدس الغروي (رضى الله عنه) و قد رويناها عنه و جميع مروياته عن عدة من مشايخنا عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين بن المطهر عن والده (رضى الله عنهما) عن السيد رضى الدين عن صاحب الأمر (عليه الصلاة و السلام) (1) يقرأ الفاتحة عشرا و أقله ثلاث مرات و دونه مرة ثم يقرأ القدر عشرا ثم يقول هذا الدعاء ثلاثا: اللهم إني أستخيرك لعلمك بعاقبة الأمور و أستشيرك لحسن ظني بك في المأمول و المحذور، اللهم ان كان الأمر الفلاني مما قد نيطت بالبركة اعجازه و بواديه و حفت بالكرامة أيامه و لياليه فخر لي اللهم فيه خيرة ترد شموسة ذلولا و تقعض أيامه سرورا، اللهم إما أمر فأئتمر و اما نهى فانتهى، اللهم إني أستخيرك برحمتك خيرة في عافية. ثم يقبض على قطعة من السبحة و يضمر حاجته ان كان عدد تلك القطعة زوجا فهو افعل و ان كان فردا لا تفعل أو بالعكس.
ثم قال في الذكرى و قال ابن طاوس (قدس سره) في كتاب الاستخارات وجدت بخط أخي الصالح الرضي الآوي محمد بن محمد الحسيني ضاعف الله سيادته و شرف خاتمته ما هذا لفظه: عن الصادق (عليه السلام) (2) من أراد أن يستخير الله تعالى فليقرأ الحمد عشر مرات و انا أنزلناه عشر مرات ثم يقول. و ذكر الدعاء إلا انه قال عقيب «و المحذور»: اللهم ان كان امرى هذا قد نيطت. و عقيب «سرورا»: يا الله اما
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة الاستخارة.
(2) الوسائل الباب 8 من صلاة الاستخارة.
529
أمر فآتمر و اما نهى فانتهى، اللهم خير لي برحمتك خيرة في عافية «ثلاث مرات» ثم يأخذ كفا من الحصى أو سبحة.
انتهى.
بيان: قوله في الدعاء المذكور «نيطت» من ناط الشيء بالشيء علقه به و ربطه، و اعجاز الشيء أواخره جمع عجز، و بواديه أوله جمع بادية، و بادئ الرأي أوله، و حفه يحفه إذا إحاطة قال الله عز و جل «حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ» (1) أى مستديرين، و الكرامة مصدر كرم، و «خر لي» بمعنى اجعل لي فيه الخير، و «خيرة» بكسر الخاء المعجمة و سكون الياء اسم مصدر من قولك «خار الله لك كذا» و أما «خيرة» بكسر الخاء و فتح الياء كعنبة فهو اسم من قولك «اختاره الله» كما ورد في زيارته (صلى الله عليه و آله) «السلام عليك يا خيرة الله» و «ترد» أى تغير و تحول و من ثم تعدى الى مفعولين، و «شموس» على وزن فعول كصبور للمبالغة و الماضي شمس بفتح الميم يشمس على مثال كتب يكتب، و شمس الفرس يشمس شماسا بكسر الشين و شموسا بضمها بمعنى حزن و منع ظهره أن يركب، و الذلول خلافه من الذل بالذال المعجمة مكسورة و مضمومة ضد الصعوبة، تقول ذل يذل إلا فهو ذلول، و المعنى فخر لي خيرة تسهل صعبة و تيسر عسيره، و «تقعض» بالقاف و العين المهملة و الضاد المعجمة على وزن يكتب مضارع «قعض» مثال كتب بمعنى عطف، قال في الصحاح قعضت العود عطفته كما تعطف عروش الكرم و الهودج.
أقول: و في هذا الباب استخاره غريبة لم أقف عليها إلا في كلام والدي (قدس سره) قال (طيب الله ثراه و جعل الجنة مثواه) في كتاب السعادات: خيرة مروية عن الامام الناطق جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) «يقرأ الحمد مرة و الإخلاص ثلاثا و يصلى على محمد و آله خمس عشرة مرة ثم يقول: اللهم إني أسألك بحق الحسين و جده و أبيه و امه و أخيه و الأئمة التسعة من ذريته ان تصلى على محمد و آل محمد و ان تجعل لي الخيرة في هذه السبحة و أن تريني ما هو أصلح لي في الدين و الدنيا، اللهم
____________
(1) سورة الزمر الآية 75.
530
ان كان الأصلح في ديني و دنياي و عاجل أمري و آجله فعل ما أنا عازم عليه فأمرني و إلا فانهني انك على كل شيء قدير. ثم يقبض قبضة من السبحة و يعدها «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله» الى آخر القبضة، فإن كان الأخير «سبحان الله» فهو مخير بين الفعل و الترك و ان كان «الحمد لله» فهو أمر و ان كان «لا إله إلا الله» فهو نهى».
ثم قال (قدس سره) أقول: لا يخفى على المتأمل بعين البصيرة ان هذه الاستخارة الشريفة أيضا تضمنت تقسيم الأمر المستخار فيه الى أمر و نهى و مخير و الأكثر في الاستخارات انما تضمنت الأمر و النهى، بل هذه الرواية أيضا تضمنت ما يقتضي الانحصار فيهما لقوله (عليه السلام) «و إلا فانهني» و لم يذكر التخيير في الدعاء و ذكره في آخر الرواية، و الذي ينبغي ان يقال في وجه الجمع ان الأمر و النهى هنا ليس على نحوهما في العبادات من البلوغ الى حد الوجوب و التحريم بل انه لمجرد الإرشاد و الاستصلاح، إذ الغرض من الاستخارة طلب ما هو الأصلح و الأنجح لما في الدخول في الأمور و التهجم عليها من غير استخاره من احتمال تطرق المهالك و عدم الأمن من المعاطب في جميع المسالك، و أقله احتمال حرمان المطلوب و عدم الظفر بالأمر المحبوب كما جاء
في الخبر (1) «من شقاء عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخرنى».
و لانه بعد الاستخارة يكون آمنا من تطرق أسباب الحرمان و سالما من آفات العطب و الخذلان، فكان العمل بالاستخارة أمرا راجحا و طريقا واضحا عند كل من له عقل سليم و ذهن قويم، و حيث كان راجحا بترتب المنافع و اندفاع المكاره و مرجوحا بالعكس من ذلك أو متساوي الطرفين بان يكون الأمر ان الفعل و الترك سواء في ترتب الأمرين كالأمر الذي يتخير فيه الإنسان لا يخلو من الثلاثة الأقسام كما دلت عليه الرواية الشريفة و أما الروايات المنحصرة في الأمر و النهى فالظاهر ان الأمر فيها ما يشمل الراجح و المساوي بأن يراد به القدر الأعم أعني الأمن من الضرر سواء كان فيه مصلحة أو عدم مشقة أو انتفاء المفسدة فقط.
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.
531
و بالجملة ان الأمر الخارج في هذه الاستخارة نص في رجحان الفعل المأمور به و اشتماله على المصلحة و المنفعة، و التخيير فيها بمعنى مساواة الفعل و الترك بلا رجحان لأحدهما على الآخر، و النهى نص في مرجوحية ذلك الأمر و عدم حصول مصلحة فيه و وجود مفسدة و اما الأمر في ذات الوجهين فقد عرفت انه القدر الأعم أعني الأمن من الضرر سواء حصلت فيه مصلحة أم لا، و من ثم يجوز نظرا الى ذلك أخذ خيرة اخرى على مقابل ذلك الأمر المأمور به، فان خرجت أمرا كذلك دل على تساوى الأمرين و التخيير بينهما، و ان خرجت نهيا دل على رجحان ذلك الأمر المأمور به أولا. و أما بالنظر الى هذه الرواية المشتملة على الشقوق الثلاثة فلا ينبغي معاودة الخيرة في مقابل ما خرج مطلقا لاشتمالها على التفصيل القاطع للاحتمال. و الله العالم. انتهى كلامه طيب الله مرقده و أعلى في جوار الأئمة مقعده.
فائدتان
الأولى [استحباب الاستخارة لكل شيء]
- المستفاد من الأخبار استحباب الاستخارة لكل شيء و تأكدها حتى في المستحبات، و ان الأفضل وقوعها في الأوقات الشريفة و الأماكن المنيفة و الرضا بما خرجت به و ان كرهته النفس.
و مما يؤكد هذا
ما رواه ابن طاوس بأسانيد عن الصادق (عليه السلام) (1) قال «كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن. ثم قال ما أبالي إذا استخرت الله على أى جنبي وقعت» و في رواية أخرى «على اى طريق وقعت».
و روى البرقي في المحاسن عن محمد بن مضارب (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من دخل في أمر بغير استخاره ثم ابتلى لم يؤجر».
و رواه ابن طاوس بأسانيد عديدة (3) و فيه دلالة على ذم تارك الاستخارة في الأمور التي يأتي بها.
و روى في المحاسن ايضا عنه (عليه السلام) (4) انه قال «قال الله عز و جل من شقاء
____________
(1) الوسائل الباب 1 و 7 من صلاة الاستخارة.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.
(4) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.
532
عبدي أن يعمل الأعمال فلا يستخيرني».
و روى في المحاسن أيضا بإسناده عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) من أكرم الخلق على الله؟ قال أكثرهم ذكرا لله و أعملهم بطاعته. قلت من أبغض الخلق الى الله؟ قال من يتهم الله. قلت واحد يتهم الله؟ قال نعم من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فسخط بذلك الذي يتهم الله».
و روى الشيخ في التهذيب عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده عن على (عليه السلام) (2) قال: «قال الله عز و جل ان عبدي يستخيرني فأخير له فيغضب».
الثانية [الاستنابة في الاستخارة]
- المفهوم من ظواهر الأخبار الواردة في الاستخارة ان صاحب الحاجة هو المباشر للاستخارة و لم أقف على نص صريح أو ظاهر في الاستنابة فيها إلا ان من عاصرناهم من العلماء كلهم على العمل بالنيابة.
و لم أقف أيضا في كلام أحد من أصحابنا على من تعرض للكلام في ذلك إلا على كلام المحقق الشريف ملا ابى الحسن العاملي المجاور بالنجف الأشرف حيا و ميتا في شرحه على المفاتيح و شيخنا ابى الحسن الشيخ سليمان البحراني في كتاب الفوائد النجفية.
أما الأول منهما فإنه قال في بحث صلاة الاستخارة: ثم لا يخفى ان المستفاد من جميع ما مر ان الاستخارة ينبغي أن تكون ممن يريد الأمر بأن يتصداها هو بنفسه، و لعل ما اشتهر من استنابة الغير على جهة الاستشفاع، و ذلك و ان لم نجد له نصا إلا أن التجربات تدل على صحته.
و أما الثاني منهما فإنه قال: فائدة في جواز النيابة عن الغير في الاستخارة، لم أقف على نص في جواز النيابة و يمكن الاستدلال على ذلك بوجوه، ثم ذكر وجوها عشرة أكثرها عليلة قد اعترف بالطعن فيها و أقربها إلى الاعتبار وجوه أربعة (أحدها)- ما ذكره من قوله: من القواعد ان كل ما يصح مباشرته يصح
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة الاستخارة.
533
التوكيل فيه إلا في مواضع مخصوصة ذكرها العلماء و اختلفوا في أشياء منها و ليس هذا الموضع من تلك المواضع. و (ثانيها)- ما ذكره من أن العلماء في زماننا مطبقون على استعمال ذلك و لم نجد أحدا من مشايخنا الذين عاصرناهم يتوقف فيه و نقلوا عن مشايخهم نحو ذلك. و لعله كاف في مثل ذلك. و (ثالثها)- ان الاستخارة مشاورة لله تعالى كما ورد به النص عن مولانا الصادق (عليه السلام) (1) و لا ريب أن المشاورة تصح النيابة فيها، فان من استشار أحدا فقد يستشير بنفسه و قد يكلف من يستشير له كما في استشارة على بن مهزيار للجواد (عليه السلام) (2) و (رابعها) ان مشاورة المؤمن نوع من أنواع الاستخارة و قد ورد في رواية على بن مهزيار ما هو صريح في النيابة فيها و لا فرق بين هذا النوع و غيره. الى ان قال (قدس سره) فهذه عشرة وجوه و مجموعها يصلح مدركا لمثل هذا الأمر و مسلكا لهذا الشأن و ان تطرق على بعضها المناقشة. و الله العالم. انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: و مما خطر على البال في هذه الحال انه لا ريب ان الاستخارة بأي المعاني المتقدمة ترجع الى الطلب منه سبحانه، و لا ريب انه من المتفق عليه بين ذوي العقول و ساعدت عليه النقول عن آل الرسول (صلى الله عليه و آله) هو أن من طلب حاجة من سلطان عظيم الشأن فإن الأنجح في قضائها و الأرجح في حصولها و إمضائها هو ان يوسط بعض مقربي حضرة ذلك السلطان في التماسها منه بحيث يكون نائبا عن صاحب الحاجة في سؤالها من ذلك السلطان، و النيابة في الاستخارة منه سبحانه من هذا القبيل، و هذا بحمد الله أوضح برهان على ذلك و دليل. و الله العالم.
الثانية- صلاة يوم الغدير
و العيد الكبير و هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام.
____________
(1) الوسائل الباب 4 و 5 من صلاة الاستخارة و تقدم ص 527 حديث على بن محمد.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الاستخارة.
534
رواها الشيخ في التهذيب (1) بسند فيه محمد بن موسى الهمداني- و هو مجروح عند علماء الرجال- عن على بن الحسين العبدي قال: «سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا لو عاش انسان ثم صام ما عمرت الدنيا لكان له ثواب ذلك، و صيامه يعدل عند الله عز و جل في كل عام مائة حجة و مائة عمرة مبرورات متقبلات، و هو عيد الله الأكبر، و ما بعث الله عز و جل نبيا قط إلا و تعيد في هذا اليوم و عرف حرمته، و اسمه في السماء يوم العهد المعهود و في الأرض يوم الميثاق المأخوذ و الجمع المشهود، و من صلى فيه ركعتين- يغتسل عند زوال الشمس من قبل ان تزول مقدار نصف ساعة يسأل الله عز و جل يقرأ في كل ركعة سورة الحمد و عشر مرات قل هو الله أحد و عشر مرات آية الكرسي و عشر مرات إنا أنزلناه- عدلت عند الله عز و جل مائة ألف حجة و مائة ألف عمرة، و ما سأل الله عز و جل حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة و ان فاتتك الركعتان و الدعاء قضيتهما بعد ذلك، و من فطر فيه مؤمنا كان كمن أطعم فئاما و فئاما. فلم يزل يعد الى أن عقد بيده عشرا، ثم قال و تدري كم الفئام؟ قلت لا. قال مائة ألف كل فئام كان له ثواب من أطعم بعددها من النبيين و الصديقين و الشهداء في حرم الله عز و جل و سقاهم في يوم ذي مسغبة، و الدراهم فيه بألف ألف درهم. قال لعلك ترى ان الله عز و جل خلق يوما أعظم حرمة منه لا و الله لا و الله لا و الله. ثم قال و ليكن من قولكم إذا التقيتم أن تقولوا: الحمد لله الذي أكرمنا بهذا اليوم و جعلنا من الموفين بعهده إلينا و ميثاقه الذي واثقنا به من ولاية ولاة امره و القوام بقسطه و لم يجعلنا من الجاحدين و المكذبين بيوم الدين. ثم قال و ليكن من دعائك في دبر هاتين الركعتين ان تقول ربنا اننا سمعنا مناديا. الدعاء الى آخره».
و هو مذكور في المصباح (2).
____________
(1) ج 3 ص 143 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 3 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) ص 521.
535
و يعضد هذا الخبر
ما رواه الشيخ في المصباح (1) و الشيخ المفيد و غيره عن داود بن كثير عن ابى هارون العبدي قال: «دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة فوجدته صائما فقال لي هذا يوم عظيم. الى أن قال فقيل له ما ثواب صوم هذا اليوم؟ قال انه يوم عيد و فرح و سرور و يوم صوم شكرا لله و ان صومه يعدل صوم ستين شهرا من الأشهر الحرم، و من صلى فيه ركعتين أى وقت شاء و أفضله قرب الزوال و هي الساعة التي أقيم فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) بغدير خم علما للناس. فمن صلى في ذلك الوقت ركعتين ثم سجد يشكر الله مائة مرة و دعا بعقب الصلاة اجابه».
و كذا يؤيده
ما رواه ايضا (2) عن زياد بن محمد عنه (عليه السلام) و ذكر الحديث في فضل هذا اليوم الى أن قال (عليه السلام) «ينبغي لكم ان تتقربوا فيه الى الله عز و جل بالبر و الصدقة و الصلاة و صلة الرحم. الخبر».
و كذا
ما رواه فرات بن إبراهيم في تفسيره (3) بإسناده عن فرات بن أحنف عنه (عليه السلام) انه قال في فضل هذا اليوم «انه يوم عبادة و صلاة و شكر لله. الخبر».
و ما رواه ابن طاوس في كتاب الإقبال (4) عن المفضل عنه (عليه السلام) انه قال في فضل هذا اليوم «انه ليوم صيام و قيام و إطعام و صلة الأخوان».
و الظاهر ان ما ذكرناه من هذه الاخبار مع ما اشتهر من التسامح في أدلة السنن صار سببا في اشتهار هذه الصلاة بين قدماء الأصحاب و متأخريهم، و لم يعبأوا بما ذكره الصدوق و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد على ما نقله عنه في باب صوم التطوع حيث انه بعد ان روى ثواب صوم الغدير قال: و اما خبر صلاة يوم غدير خم و الثواب المذكور فيه لمن صامه فان شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (قدس سره) كان لا يصححه و يقول انه من طريق محمد بن موسى الهمداني و كان غير ثقة
____________
(1) ص 513 و في الوسائل الباب 3 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) ص 512 و فيه بدل الصدقة الصوم.
(3) ص 12.
(4) ص 466.
536
و كل ما لم يصححه ذلك الشيخ و لم يحكم بصحته من الأخبار فهو عندنا متروك غير صحيح. و اعترضه المحقق في المعتبر بأنه قد وردت في هذه الصلاة روايات منها رواية داود بن كثير. و فيه انك قد عرفت ان الرواية المذكورة لم تشتمل على هذه الصلاة كما ادعاه و انما دلت على صلاة ركعتين مطلقا، لكن ربما يشير الى ذلك أفضلية قرب الزوال كما تضمنته رواية العبدي مما يعلم هي من المؤيدات كما ذكرناه.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه نقل في المختلف عن ابى الصلاح انه قال في صفة صلاة الغدير: و من وكيد السنة الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه و آله) في يوم الغدير و هو الثامن عشر من ذي الحجة الحرام بالخروج الى ظاهر المصر و عقد الصلاة قبل أن تزول الشمس بنصف ساعة لمن تتكامل له صفات إمامة الجماعة بركعتين، و يقرأ في كل ركعة منهما الحمد و سورة الإخلاص عشرا و سورة القدر عشرا و آية الكرسي عشرا و يقتدى به المؤتمون و إذا سلم دعا بدعاء هذا اليوم و من صلى خلفه. و ليصعد المنبر قبل الصلاة فيخطب خطبة مقصورة على حمد الله و الثناء عليه و الصلاة على محمد و آله الطاهرين و التنبيه على عظم حرمة يومه و ما أوجب الله فيه من امامة أمير المؤمنين (عليه السلام) و الحث على امتثال أمر الله سبحانه و رسوله، و لا يبرح أحد من المأمومين و الامام يخطب فإذا انقضت الخطبة تصافحوا و تهانئوا و تفرقوا. انتهى.
أقول: و هذا الكلام قد دل على جملة من الأحكام منها ما ذكر في كلام علمائنا الأعلام و منها ما لم يذكر في هذا المقام و لا علم من نصوصهم (عليهم السلام) فمنها- القراءة و الظاهر انه لا خلاف في تقديم التوحيد بعد الحمد و انما الخلاف في آية الكرسي و «انا أنزلناه» و تقديم إحداهما على الأخرى، و النص و ان كان العطف فيه بالواو التي هي لمطلق الجمع إلا ان الترتيب الذكرى وقع بتقديم آية الكرسي على «انا أنزلناه» و به صرح ابن إدريس، ثم نقل ان بالعكس أيضا رواية قال على ما نقله عنه في المختلف: يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة و «قل هو الله أحد» عشر مرات و آية الكرسي عشر مرات و «انا أنزلناه» عشر مرات، و روى
537
ان آية الكرسي تكون أخيرا و قبلها «إنا أنزلناه» قال في المختلف: و هذا يدل على ان الواو قصد بها هنا الترتيب. و الشيخ رتب كترتيبه بالواو و كذا سلار.
و أما أبو الصلاح و ابن البراج و كذا الشيخ المفيد فإنهم قالوا يقرأ في كل واحدة منهما الحمد مرة و سورة الإخلاص عشر مرات و «انا أنزلناه» عشر مرات و آية الكرسي عشر مرات. قال في المختلف: فان قصدوا بالواو هنا الترتيب صارت المسألة خلافية و إلا فلا. و كيف كان فالأحوط الإتيان بالترتيب الذي اشتملت عليه الرواية لاحتمال كون الترتيب الذكرى فيه منظورا لحكمة لا نعلمها و ان عبر فيه بالواو فان مثله في كلامهم (عليهم السلام) غير عزيز.
و منها- ذكر الجماعة في هذه الصلاة و الخطبة و الخروج الى الصحراء، و لهذا قال العلامة في المختلف بعد نقل عبارته المذكورة: و لم يصل إلينا حديث يعتمد عليه يتضمن الجماعة فيها و لا الخطبة بل الذي ورد صفة الصلاة و الدعاء بعدها.
أقول: من المحتمل قريبا انه أخذ الخطبة من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) يوم غدير خم فإنه خطب في ذلك اليوم و أمرهم بالتصافح و ان يهنّئ بعضهم بعضا (1) و أخذ الصحراء من كونه (صلى الله عليه و آله) كان ذلك اليوم في الصحراء.
و اما ذكره الصلاة جماعة فلا نعرف له مستندا أصلا بل سيأتي في باب صلاة الجماعة ان شاء الله تعالى ما يظهر منه كونها بدعة محرمة.
و اما ما تشبث به بعض المتأخرين- من الاستدلال على الجماعة في هذه الصلاة بأمره (صلى الله عليه و آله) ان ينادى في الناس «الصلاة جامعة»- ففيه أولا- أن الأخبار الواردة في يوم الغدير خالية من ذكر هذه الصلاة في ذلك الموضع.
____________
(1) لم يذكر في الأحاديث تهنئة بعض المسلمين لبعضهم و انما الموجود فيها تهنئتهم لعلي (عليه السلام) لما أفرد له النبي (صلى الله عليه و آله) خيمة و دخلوا عليه يهنئونه بالولاية و من جملتهم عمر راجع الغدير ج 1 ص 245.
538
و ثانيا- ان النداء بهذه العبارة كان متعارفا في طلب اجتماع الناس و إعلامهم بذلك ليحضروا و ان لم تكن ثمة صلاة كما لا يخفى على من جاس خلال الديار و تصفح الأخبار. و من المحتمل ان مذهب ابى الصلاح القول بجواز الجماعة في غير الفريضة مطلقا فذكرها في هذه الصلاة بناء على ذلك. و الله العالم.
الثالثة- صلاة أول ذي الحجة
كذا ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لا يخفى انه محتمل لأمرين (أحدهما) أن يكون المراد به
ما ذكره الشيخ في المصباح (1) حيث قال: و يستحب فيه- يعني في أول ذي الحجة- صلاة فاطمة (عليها السلام). ثم روى انها اربع ركعات مثل صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) كل ركعة بالحمد مرة و خمسين مرة «قل هو الله أحد».
إلا ان الشيخ نقل قبل كلامه هذا ان ذلك اليوم يوم تزويج فاطمة (عليها السلام) فمن المحتمل قريبا أن نقل الشيخ هذه الصلاة لأجل التناسب لا لرواية تدل عليه، و هذا فهمه الكفعمي حيث قال (2): و في أول يوم من ذي الحجة تزوج على بفاطمة (عليهما السلام) فصل فيه صلاة فاطمة (عليها السلام). و على هذا فلا وجه لذكر هذه الصلاة سيما ان كثيرا منهم عد صلاة فاطمة (عليها السلام) مع هذه الصلاة.
و ثانيهما- أن يكون المراد به ما نقله شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في البحار من ورود بعض الأخبار بصلاة ركعتين في هذا اليوم قبل الزوال بنصف ساعة بكيفية صلاة الغدير. و لعل هذا الاحتمال أوفق بالعد في هذا المقام و ان كان لم يذكر هذه الصلاة أكثر علمائنا الأعلام (رضوان الله عليهم).
الرابعة- صلاة يوم المبعث و صلاة ليلته
، أما صلاة اليوم
فقد رواها ثقة الإسلام في الكافي عن على بن محمد رفعه (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) يوم سبعة
____________
(1) ص 465 و في الوسائل الباب 10 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) ص 659.
(3) الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.
539
و عشرين من رجب نبئ فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) من صلى فيه أى وقت شاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بأم القرآن و سورة ما تيسر فإذا فرغ و سلم جلس مكانه ثم قرأ أم القرآن اربع مرات و المعوذات الثلاث كل واحدة أربع مرات فإذا فرغ و هو في مكانه قال: «لا إله إلا الله و الله أكبر و الحمد لله و سبحان الله و لا حول و لا قوة إلا بالله» اربع مرات ثم يقول: الله الله ربى لا أشرك به شيئا (أربع مرات) ثم يدعو فلا يدعو بشيء إلا استجيب له. الخبر».
و قد روى هذه الرواية الشيخ (1) نقلا من الكافي و الشيخ المفيد في المقنعة و كتاب مسار الشيعة لكن بدون قوله «و المعوذات الثلاث كل واحدة أربع مرات».
و كأنه سقط من القلم، لان
الشيخ روى هذه الصلاة بعينها في المصباح (2) مع ما يقرأ بعدها عن الريان بن الصلت عن ابى جعفر الثاني (عليه السلام) بما هذه صورته قال: «صام أبو جعفر (عليه السلام) لما كان ببغداد يوم النصف من رجب و يوم سبع و عشرين منه و صام معه جميع حشمه و أمرنا أن نصلي هذه الصلاة التي هي اثنتا عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد و سورة فإذا فرغت قرأت الحمد أربعا و «قل هو الله أحد» أربعا و المعوذتين أربعا و قلت: لا إله إلا الله و الله أكبر و سبحان الله و الحمد لله و لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم (أربعا) الله الله ربى لا أشرك به شيئا (أربعا) لا أشرك بربي أحدا (أربعا).
و من هذه الرواية يعلم ان المراد بالمعوذات الثلاث في الرواية المتقدمة هي التوحيد مع المعوذتين.
و اما صلاة ليلة المبعث فهي أيضا اثنتا عشرة ركعة، و الظاهر ان المستند فيها ما ذكره
الشيخ في المصباح (3) في ليلة النصف من رجب حيث روى عن داود بن سرحان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال «تصلى ليلة النصف من رجب اثنتي عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد و سورة فإذا فرغت من الصلاة قرأت بعد ذلك الحمد و المعوذتين و سورة
____________
(1) الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.
(3) الوسائل الباب 5 من بقية الصلوات المندوبة.
540
الإخلاص و آية الكرسي أربع مرات و تقول بعد ذلك: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر (أربع مرات) ثم تقول: الله الله ربى لا أشرك به شيئا ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلى العظيم و تقول في ليلة سبع و عشرين مثله».
قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: و الظاهر ان قوله «و تقول. الى آخره» من تتمة الحديث و ان المراد مجموع الصلاة و الأقوال، و على هذا فهي كصلاة يومه و التفاوت اليسير في الذكر و كذا زيادة آية الكرسي غير مناف في أمثال هذه الأشياء. انتهى. و فيه ان ظاهر هذه العبارة بناء على تسليم كونها من الحديث انما هو قول هذه الأذكار لا نفس الصلاة.
و الأظهر ان المراد بصلاة الليلة المذكورة انما هو
ما رواه الشيخ في المصباح ايضا (1) مرسلا عن ابى جعفر الثاني (عليه السلام) انه قال «ان في رجب لليلة هي خير مما طلعت عليه الشمس و هي ليلة سبع و عشرين من رجب نبئ رسول الله (صلى الله عليه و آله) في صبيحتها و ان للعامل فيها من شيعتنا أجر عمل ستين سنة. قيل له و ما العمل فيها أصلحك الله؟ قال إذا صليت العشاء الآخرة و أخذت مضجعك ثم استيقظت أي ساعة شئت من الليل الى قبل الزوال صليت اثنتي عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد و سورة من خفاف المفصل الى الجحد فإذا سلمت في كل شفع جلست بعد التسليم و قرأت الحمد سبعا و المعوذتين سبعا «و قل هو الله أحد» و «قل يا ايها الكافرون» سبعا سبعا «و انا أنزلناه و آية الكرسي سبعا سبعا، و قل بعقب ذلك الدعاء.».
و ذكر الدعاء.
و روى الشيخ في المصباح ايضا (2) عن صالح بن عقبة عن ابى الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام) انه قال: «صل ليلة سبع و عشرين من رجب أى وقت شئت من الليل اثنتي عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة الحمد و المعوذتين و قل هو الله أحد (أربع مرات) فإذا فرغت قلت و أنت في مكانك اربع مرات: لا إله إلا الله و الله أكبر و الحمد لله
____________
(1) ص 566 و في الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) ص 566 و في الوسائل الباب 9 من بقية الصلوات المندوبة.
541
و سبحان الله و لا حول و لا قوة إلا بالله. ثم ادع بعد ذلك بما شئت».
و العمل بكل من الروايتين حسن ان شاء الله تعالى.
الخامسة- صلاة ليلة النصف من شعبان
، و قد ورد في هذه الليلة صلوات عديدة: منها-
ما رواه الكليني مرفوعا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان فصل اربع ركعات تقرأ في كل ركعة الحمد مرة و «قل هو الله أحد» مائة مرة فإذا فرغت فقل: اللهم إني إليك فقير. الدعاء».
و رواه الشيخ المفيد في كتاب مسار الشيعة مرسلا (2) و رواه الشيخ في التهذيب عن الكليني و في المصباح عن أبي يحيى الصنعاني عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (3) ثم قال و رواه عنهما ثلاثون رجلا ممن يوثق بهم.
و منها-
ما رواه الشيخ في المصباح عن أبي يحيى عن ابى عبد الله و رواه ايضا ابنه في أماليه بإسناد متصل عن أبي يحيى عنه (عليه السلام) (4) قال: «سئل الباقر (عليه السلام) عن فضل ليلة النصف من شعبان، و ذكر فضائل تلك الليلة الى ان قال أبو يحيى فقلت لسيدنا الصادق (عليه السلام) و أي شيء أفضل الأدعية؟ فقال إذا أنت صليت العشاء الآخرة فصل ركعتين تقرأ في الأولى الحمد و سورة الجحد و اقرأ في الركعة الثانية الحمد و سورة التوحيد فإذا أنت سلمت قلت: «سبحان الله» ثلاثا و ثلاثين مرة و «الحمد لله» ثلاثا و ثلاثين مرة و «الله أكبر» أربعا و ثلاثين مرة ثم قل.».
و ذكر الدعاء و هو مذكور في المصباح.
و منها-
ما رواه الشيخ في المصباح ايضا عن عمرو بن ثابت عن محمد بن مروان عن الباقر (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من صلى ليلة النصف من شعبان مائة ركعة و قرأ في كل ركعة الحمد مرة و «قل هو الله أحد» عشر مرات لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له».
و منها-
ما رواه أيضا في المصباح عن محمد بن صدقة العنبري (6) قال حدثنا
____________
(1) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
(3) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
(4) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
(5) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
(6) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
542
موسى بن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «الصلاة ليلة النصف من شعبان اربع ركعات تقرأ في كل ركعة الحمد مرة و قل هو الله أحد مائتين و خمسين مرة ثم تدعو بعد التسليم.».
و ذكر الدعاء (1) ثم روى صلوات آخر من طرق العامة (2) و العمل بكل من هذه الروايات حسن و الجمع أحسن.
السادسة- صلاة الهدية
و هي التي تجعل هدية للمعصومين (عليهم السلام) يعني النبي (صلى الله عليه و آله) و الزهراء و الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين).
و الظاهر ان المراد بها
ما رواه الشيخ في المصباح (3) حيث قال: روى عنهم (عليهم السلام) انه يصلى العبد في يوم الجمعة ثماني ركعات: أربعا يهدى الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أربعا يهدى الى فاطمة الزهراء (عليها السلام) و يوم السبت اربع ركعات تهدى الى أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم كذلك كل يوم الى واحد من الأئمة (عليهم السلام) الى يوم الخميس أربع ركعات تهدى الى جعفر بن محمد (عليهما السلام) ثم في يوم الجمعة أيضا ثماني ركعات أربع ركعات تهدى الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أربع ركعات إلى فاطمة (عليها السلام) ثم يوم السبت أربع ركعات تهدى الى موسى بن جعفر (عليه السلام) ثم كذلك الى يوم الخميس أربع ركعات تهدى الى صاحب الزمان (عليه السلام).
و يحتمل أن يكون مرادهم بها
ما رواه السيد رضى الدين بن طاوس في كتاب جمال الأسبوع (4) قال: حدثنا أبو محمد الصيمري عن احمد بن عبد الله البجليّ بإسناده يرفعه إليهم (عليهم السلام) قال: «من جعل ثواب صلاته لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و الأوصياء من بعده (عليهم السلام) أضعف الله ثواب صلاته أضعافا مضاعفة حتى ينقطع النفس و يقال له قبل أن تخرج روحه من جسده يا فلان هديتك إلينا و ألطافك لنا فهذا يوم مجازاتك و مكافاتك فطب نفسا و قر عينا بما أعد الله لك و هنيئا لك بما صرت اليه. فقلت كيف يهدى صلاته و يقول؟ قال
____________
(1) المصباح ص 582.
(2) الوسائل الباب 8 من بقية الصلوات المندوبة.
(3) الوسائل الباب 44 من بقية الصلوات المندوبة.
(4) الوسائل الباب 44 من بقية الصلوات المندوبة.
543
ينوي ثواب صلاته لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و لو أمكنه أن يزيد على صلاة الخمسين شيئا و لو ركعتين في كل يوم و يهديها الى واحد منهم: يفتتح الصلاة في الركعة الأولى مثل افتتاح صلاة الفريضة بسبع تكبيرات أو ثلاث مرات أو مرة في كل ركعتين و يقول بعد تسبيح الركوع و السجود ثلاث مرات: «صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين» في كل ركعة فإذا تشهد و سلم قال: اللهم أنت السلام و منك السلام. الى آخر الدعاء».
السابعة- صلاة الحاجة
، و صلاة الحاجة كثيرة مذكورة في الكتب الأربعة و غيرها لا سيما مصباحي الشيخ و الكفعمي، و لنذكر منها واحدة مشتملة على صلاة الهدية لرسول الله (صلى الله عليه و آله).
و هي
ما رواه ثقة الإسلام و الصدوق (عطر الله مرقديهما) بسند موثق عن عبد الرحيم القصير (1) و هو مجهول قال: «دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) فقلت له جعلت فداك انى اخترعت دعاء قال دعني من اختراعك إذا نزل بك أمر فافزع الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و صل ركعتين تهديهما الى رسول الله (صلى الله عليه و آله). قلت كيف أصنع؟
قال تغتسل و تصلى ركعتين تستفتح بهما افتتاح الفريضة و تشهد تشهد الفريضة فإذا فرغت من التشهد و سلمت قلت: اللهم أنت السلام و منك السلام و إليك السلام يرجع السلام اللهم صل على محمد و آل محمد و بلغ روح محمد منى السلام و أرواح الأئمة الصادقين سلامي و اردد على منهم السلام و السلام عليهم و رحمة الله و بركاته، اللهم ان هاتين الركعتين هدية منى الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأثبني عليهما ما أملت و رجوت فيك و في رسولك يا ولي المؤمنين. ثم تخر ساجدا و تقول: يا حي يا قيوم يا حي لا يموت يا حي لا إله إلا أنت يا ذا الجلال و الإكرام يا أرحم الراحمين (أربعين مرة) ثم ضع خدك الأيمن فتقولها أربعين مرة ثم ضع خدك الأيسر فتقولها أربعين مرة ثم ترفع رأسك و تمد يدك و تقول ذلك أربعين مرة ثم تردد يدك الى رقبتك
____________
(1) الوسائل الباب 28 من بقية الصلوات المندوبة.
544
و تلوذ بسبابتك و تقول ذلك أربعين مرة ثم خذ لحيتك بيدك اليسرى و ابك أو تباك و قل: يا محمد يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أشكو الى الله و إليك حاجتي و الى أهل بيتك الراشدين حاجتي و بكم أتوجه الى الله في حاجتي. ثم تسجد و تقول: يا الله يا الله- حتى ينقطع نفسك- صل على محمد و آل محمد و افعل بي كذا و كذا. قال أبو عبد الله (عليه السلام) فانا الضامن على الله ان لا يبرح حتى تقضى حاجته».
و قد ورد في اخبار عديدة الاكتفاء بمطلق الصلاة و الدعاء في طلب الحاجة كما
في موثقة الحارث بن المغيرة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أردت حاجة فصل ركعتين و صل على محمد و آل محمد و سل تعطه».
و يظهر من بعضها استحباب أن يكون ذلك في الأماكن المشرفة كما
في صحيحة الحلبي (2) قال: «شكى رجل حاله الى ابى عبد الله (عليه السلام) فأمره أن يأتي مقام رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين القبر و المنبر فيصلي ركعتين. الخبر».
و في رواية أخرى (3) «و ان شئت ففي بيتك».
و في روايات عديدة (4) الأمر بدخول المسجد و الصلاة و الدعاء.
و يظهر من بعضها اشتراط الإقلاع من الذنوب كما
في رواية يونس بن عمار (5) قال «شكوت الى ابى عبد الله (عليه السلام) رجلا كان يؤذيني فقال لي ادع عليه فقلت قد دعوت عليه فقال ليس هكذا و لكن أقلع عن الذنوب و صم و صل و تصدق فإذا كان آخر الليل فأسبغ الوضوء ثم قم فصل ركعتين و ادع. الخبر».
و منه يظهر استحباب كون ذلك في الأوقات الشريفة و بعد الصوم و الصلاة، و يؤيده غيره من الأخبار ايضا.
الثامنة- صلاة الشكر
و هي التي تستحب عند تجدد النعمة و من ذلك لبس الثوب الجديد:
____________
(1) الوسائل الباب 28 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) الوسائل الباب 22 من بقية الصلوات المندوبة.
(3) الوسائل الباب 33 من بقية الصلوات المندوبة.
(4) الوسائل الباب 22 و 28 و 29 من بقية الصلوات المندوبة.
(5) الوسائل الباب 33 من بقية الصلوات المندوبة.
545
روى ثقة الإسلام و الصدوق في الخصال عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا كسا الله المؤمن ثوبا جديدا فليتوضأ و ليصل ركعتين يقرأ فيهما أم الكتاب و آية الكرسي و «قل هو الله أحد» و «انا أنزلناه» ثم ليحمد الله الذي ستر عورته و زينه في الناس، و ليكثر من قول «لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم» فإنه لا يعصى الله فيه و له بكل سلك فيه ملك يقدس له و يستغفر له و يترحم عليه».
و روى الكليني عن هارون بن خارجة الثقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«قال في صلاة الشكر إذا أنعم الله عليك بنعمة فصل ركعتين تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب و «قل هو الله أحد» و تقرأ في الثانية بفاتحة الكتاب و «قل يا ايها الكافرون» و تقول في الركعة الأولى في ركوعك و سجودك: الحمد لله شكرا شكرا و حمدا، و تقول في الركعة الثانية في ركوعك و سجودك: الحمد لله الذي استجاب دعائي و أعطاني مسألتي».
و من الروايات الواردة في الصلاة عند لبس الثوب الجديد ما رواه الصدوق في المجالس و في ثواب الأعمال و ما في أمالي الشيخ (قدس سره) و في كتاب كشف الغمة (3).
التاسعة- صلاة تحية المسجد
و هي
ما رواه الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (4) في حديث المناهي قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا تجعلوا المساجد طرقا حتى تصلوا فيها ركعتين».
و ما رواه في معاني الأخبار و الخصال بإسناده عن ابى ذر (رضى الله عنه) (5)
____________
(1) الوسائل الباب 26 من أحكام الملابس.
(2) الوسائل الباب 35 من بقية الصلوات المندوبة.
(3) الوسائل الباب 26 من أحكام الملابس.
(4) الوسائل الباب 67 من أحكام المساجد.
(5) الوسائل الباب 42 من أحكام المساجد.
546
قال: «دخلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو في المسجد جالس فقال يا أبا ذر ان للمسجد تحية. قلت و ما تحيته؟ قال ركعتان تركعهما. الخبر».
و رواه الشيخ أيضا في كتاب المجالس بإسناده عن ابى ذر (رضى الله عنه) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) (1).
و المشهور ان هذه الصلاة قبل الجلوس استحبابا، و هو الظاهر من فحاوي الاخبار و ان لم تدل عليه صريحا. قالوا و يكفى فيها الفريضة أو نافلة غيرها.
العاشرة- صلاة هدية الميت ليلة الدفن
و هذه الصلاة لم نظفر بها في كتب الأخبار مسندة عن أحد الأئمة الأبرار (صلوات الله عليهم) و انما
رواها الكفعمي في مصباحه (2) من كتاب الموجز لابن فهد و هو نقلها عن النبي (صلى الله عليه و آله).
قال «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لا يأتي على الميت أشد من أول ليلة فارحموا موتاكم بالصدقة فان لم تجدوا فليصل أحدكم ركعتين: يقرأ في الأولى الحمد و آية الكرسي و في الثانية الحمد و القدر عشرا فإذا سلم قال: اللهم صل على محمد و آل محمد و ابعث ثوابهما الى قبر فلان. فإنه تعالى يبعث من ساعته الف ملك الى قبره مع كل ملك ثوب و حلة. الخبر».
قال
و في رواية أخرى (3) «يقرأ بعد الحمد التوحيد مرتين في الأولى و في الثانية بعد الحمد التكاثر عشرا ثم الدعاء المذكور».
ثم نقل الكفعمي عن والده رواية ثالثة (4) مثل الرواية الثانية لكن بزيادة آية الكرسي مرة في الركعة الأولى.
و روى هذه الصلاة السيد رضى الدين بن طاوس في كتاب فلاح السائل عن حذيفة بن اليمان عن النبي (صلى الله عليه و آله) بالرواية الثانية.
و أما ما اشتهر الآن بين الناس من استحباب أربعين رجلا يصلون هذه الصلاة ليلة الدفن فلم أقف له على مستند و لا قول معتمد.
____________
(1) الوسائل الباب 42 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 44 من بقية الصلوات المندوبة.
(3) الوسائل الباب 44 من بقية الصلوات المندوبة.
(4) ارجع الى الاستدراكات رقم (37).
547
و الذي يقرب عندي ان أخبار هذه الصلاة انما هي من روايات العامة (1) و اليه يشير كلام بعض مشايخنا المعاصرين حيث قال: و هذه الصلاة و ان لم يظهر كونها مروية من طريق أهل البيت (عليهم السلام) لكن يعضدها ما ورد من الأخبار الدالة على انتفاع الميت من الأعمال الصالحة بفعل غيره (2) و على التأكيد في ذلك، و هي متفرقة في أبواب الوقوف و الصدقات و الصلاة و الحج و الصوم و الجنائز، ثم ذكر من ذلك
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن يزيد الثقة الجليل (3) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يصلى على الميت؟ قال نعم حتى انه يكون في ضيق فيوسع الله عليه ذلك الضيق ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك».
ثم نقل جملة من الأخبار التي من هذا الباب و ستأتي ان شاء الله تعالى في باب القضاء عن الميت.
أقول: و الحكم عندي لا يخلو من نوع اشكال، فان ما ذكره و ان كان كذلك من حيث الإهداء للميت لكن شرعية هذه الصلاة على هذا الوجه المخصوص من الكيفية و الزمان و كمية العدد المشهور فيها و نحو ذلك لما لم يثبت من طريق أهل البيت (عليهم السلام) فهو لا يخلو من احتمال البدعية و عدم المشروعية، فإن العبادة و ان كانت من حيث كونها عبادة راجحة و مستحبة لكن لو انضم الى ذلك أمر آخر من التخصيص بكيفية مخصوصة أو زمان مخصوص أو نحو ذلك من المشخصات مع عدم ثبوت ذلك شرعا فإنه يكون تشريعا، ألا ترى ان الأخبار قد استفاضت بتحريم صلاة الضحى (4) مع كونها صلاة و الصلاة خير موضوع (5) إلا انه لما انضم الى
____________
(1) لم نقف عليها في كتبهم بعد الفحص حتى ان ابن قدامة في المغني ج 2 ص 567 ذكر ما ينتفع به الميت من دعاء و استغفار و غير ذلك و لم يذكر هذه الصلاة.
(2) الوسائل الباب 28 من الاحتضار.
(3) الوسائل الباب 28 من الاحتضار.
(4) الوسائل الباب 31 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(5) ارجع الى التعليقة 1 ص 478.
548
ذلك تخصيص استحبابها بهذا الوقت المخصوص و العدد المخصوص و نحو ذلك من الخصوصيات مع عدم ثبوت ذلك شرعا حصلت الحرمة و صارت بدعة، و الحكم كذلك في هذه الصلاة مع عدم ثبوت مشروعيتها على هذا الوجه المذكور عن أهل البيت (عليهم السلام) و احتمال كون تلك الأخبار من طرق العامة كما لا يخفى. و الله العالم.
الحادية عشرة- صلاة الاستطعام
أي الصلاة له عند الجوع
رواها الكليني و الشيخ عن شعيب العقرقوفي (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من جاع فليتوضأ و ليصل ركعتين ثم يقول: يا رب انى جائع فأطعمني. فإنه يطعم من ساعته».
الثانية عشرة- صلاة الحبل
بمعنى أن يطلب ان يحبل له
رواها الشيخ و الكليني عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «من أراد أن يحبل له فليصل ركعتين بعد الجمعة يطيل فيهما الركوع و السجود ثم يقول: اللهم إني أسألك بما سألك به زكريا إذ قال رب لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين، اللهم هب لي ذرية طيبة إنك سميع الدعاء اللهم باسمك استحللتها و في أمانتك أخذتها فإن قضيت لي في رحمها ولدا فاجعله غلاما و لا تجعل للشيطان فيه نصيبا و لا شركا».
الى غير ذلك من الصلوات المذكورة في كتب الدعاء كالمصباح للشيخ و مصباح الكفعمي و غيرهما و من أرادها فليرجع إليها، و الاشتغال بغيرها مما هو أهم في المقام اولى من التطويل بذكرها زيادة على ما ذكرنا. و الله العالم.
تم الجزء العاشر من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة و يتلوه الجزء الحادي عشر و الحمد لله أولا و آخرا
____________
(1) الوسائل الباب 25 من بقية الصلوات المندوبة.
(2) الوسائل الباب 38 من بقية الصلوات المندوبة.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء العاشر
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

