1
2
[تتمة كتاب الصلاة]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الرابع في اللواحق
و الكلام يقع في هذا الباب في مقاصد
[المقصد] الأول- في القضاء
و هو إما أن يكون عن الإنسان نفسه أو عن غيره من الأموات، فهنا مطلبان
[المطلب] (الأول)- في قضاء الإنسان عن نفسه ما فاته
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [موارد وجوب القضاء و عدمه]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في عدم قضاء ما فات بصغر أو جنون أو حيض أو نفاس أو كفر أصلي.
و يدل على الأولين مضافا الى الإجماع حديث رفع القلم عن الصبي و المجنون (1) كما ذكره بعض الأصحاب. إلا ان فيه ان غاية ما يدل عليه سقوط الأداء، و يمكن إتمام الاستدلال به بأنه لما دل على سقوط الأداء- و من الظاهر عدم ترتب القضاء على مجرد فوات الأداء بل لا بد له من أمر جديد على الأشهر الأظهر- فلا قضاء حينئذ لعدم الدليل عليه. و قيد شيخنا الشهيد الثاني في الروض الثاني بما إذا لم يكن سبب الجنون من فعله و إلا وجب عليه القضاء كالسكران. انتهى. و على الثالث
____________
(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات، و سنن ابى داود ج 4 ص 141 حد الزنا.
3
و الرابع ما تقدم في كتاب الطهارة.
و على الخامس مضافا الى الإجماع المذكور قوله سبحانه «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا.
الآية» (1) و الخبر و هو
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «الإسلام يجب- أو يهدم- ما قبله».
و تقييد الكفر بالأصلي كما ذكرنا وقع في عبائر أصحابنا أيضا للاحتراز عن العارض كالمرتد و سيأتي حكمه ان شاء الله تعالى في المقام.
[هل يقضى المغمى عليه إذا استوعب إغماؤه؟]
إنما الخلاف في المغمى عليه إذا استوعب الإغماء جميع وقت الصلاة فقد اختلفت فيه كلمة الأصحاب الظاهر اختلاف الأخبار في هذا الباب، فالمشهور انه لا يجب القضاء عليه، و عن بعض الأصحاب انه يقضى آخر أيام إفاقته إن أفاق نهارا أو آخر ليلته إن أفاق ليلا، و قال الصدوق في المقنع (3): اعلم ان المغمى عليه يقضى جميع ما فاته من الصلوات، و روى ليس على المغمى عليه ان يقضى إلا صلاة اليوم الذي أفاق فيه و الليلة التي أفاق فيها، و روى انه يقضى صلاة ثلاثة أيام، و روى انه يقضى الصلاة التي أفاق في وقتها. و هو كما ترى ظاهر في اختياره قضاء جميع ما فاته. و العجب منه (قدس سره) انه بعد أن اختار وجوب القضاء عليه لجميع ما فاته أسند الأقوال الباقية إلى الرواية و لم يتعرض الى سقوط القضاء بالكلية مع انه المشهور و هو الذي تظافرت به الأخبار كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
و الأظهر هو القول المشهور، و يدل عليه من الأخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن أيوب بن نوح (4) قال: «كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضى الصوم و لا يقضي الصلاة».
و عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن المريض
____________
(1) سورة الأنفال الآية 39 «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مٰا قَدْ سَلَفَ».
(2) الخصائص الكبرى ج 1 ص 249 و صحيح مسلم باب الايمان.
(3) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(5) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
4
هل يقضى الصلاة إذا أغمي عليه؟ قال لا إلا الصلاة التي أفاق فيها».
و عن حفص في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يقضى الصلاة التي أفاق فيها».
و عن على بن مهزيار في الصحيح (2) قال: «سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضى الصوم و لا يقضي الصلاة».
و رواه في الفقيه في الصحيح عن على بن مهزيار ايضا (3) و زاد فيه «و كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر».
و عن ابى بصير في الموثق أو الصحيح أو الضعيف- بالنظر الى الخلاف في أبي بصير- عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن المريض يغمى عليه ثم يفيق كيف يقضى صلاته؟ قال يقضى الصلاة التي أدرك وقتها».
و عن أبي أيوب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل أغمي عليه أياما لم يصل ثم أفاق أ يصلى ما فاته؟ قال لا شيء عليه».
و عن معمر بن عمر في الحسن اليه و هو مجهول (6) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المريض يقضي الصلاة إذا أغمي عليه؟ قال لا».
و في الصحيح الى على بن محمد بن سليمان و هو مجهول (7) قال: «كتبت الى الفقيه ابى الحسن العسكري (عليه السلام) اسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب لا يقضى الصوم و لا يقضي الصلاة».
و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (8) قال: «سمعته يقول في المغمى عليه قال ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (9) «في الرجل يغمى عليه الأيام؟ قال لا يعيد شيئا من صلاته».
____________
(1) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(5) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(6) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(7) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(8) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(9) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
5
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«كل ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شيء».
و عن العلاء بن الفضيل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغمى عليه يوما الى الليل ثم يفيق قال ان أفاق قبل غروب الشمس فعليه قضاء يومه هذا، فإن أغمي عليه أياما ذوات عدد فليس عليه ان يقضى إلا آخر أيامه إن أفاق قبل غروب الشمس و إلا فليس عليه قضاء».
و عن ابى بصير في الموثق أو الصحيح أو الضعيف- كما تقدم- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يغمى عليه نهارا ثم يفيق قبل غروب الشمس؟
قال يصلى الظهر و العصر، و من الليل إذا أفاق قبل الصبح قضى صلاة الليل».
و عن عبد الله بن محمد الحجال في الصحيح (4) قال «كتبت اليه جعلت فداك روى عن ابى عبد الله (عليه السلام) في المريض يغمى عليه أياما فقال بعضهم يقضى صلاة يومه الذي أفاق فيه، و قال بعضهم يقضى صلاة ثلاثة أيام و يدع ما سوى ذلك، و قال بعضهم انه لا قضاء عليه؟ فكتب يقضى صلاة اليوم الذي يفيق فيه».
و روى الصدوق «(قدس سره)» في كتاب العيون و العلل في الصحيح عن الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (5) في حديث قال: «و كذلك كل ما غلب الله عليه مثل المغمى عليه يغمى عليه في يوم و ليلة فلا يجب عليه قضاء الصلوات كما قال الصادق (عليه السلام) كل ما غلب الله على العبد فهو أعذر له».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن المريض يغمى عليه أياما ثم يفيق ما عليه من قضاء ما ترك من الصلاة؟ قال يقضى صلاة ذلك اليوم».
____________
(1) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(5) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(6) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات. و فيه و في قرب الاسناد ص 97 «يقضى صلاة اليوم الذي أفاق فيه».
6
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) «قال العالم (عليه السلام) ليس على المريض ان يقضى الصلاة إذا أغمي عليه إلا الصلاة التي أفاق في وقتها».
و روى الصدوق في كتاب الخصال بسنده عن موسى بن بكر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يغمى عليه اليوم و اليومين و الثلاثة و الأربعة و أكثر من ذلك كم يقضى من صلاته؟ فقال ألا أخبرك بما يجمع لك هذا و أشباهه: كل ما غلب الله عز و جل عليه من أمر فالله أعذر لعبده».
و زاد فيه غيره (3) «ان أبا عبد الله (عليه السلام) قال و هذا من الأبواب التي يفتح كل باب منها الف باب».
و روى في بصائر الدرجات عن احمد بن محمد مثله (4).
هذا ما وقفت عليه من الأخبار الدالة على القول المشهور و هي كما ترى مع كثرتها فيه واضحة الظهور.
و أما روايات المسألة الباقية فمنها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن المغمى عليه يوما الى الليل قال يقضى صلاة يوم».
و عن سماعة في الموثق (6) قال: «سألته عن المريض يغمى عليه قال:
إذا جاز عليه ثلاثة أيام فليس عليه قضاء و ان أغمي عليه ثلاثة أيام فعليه قضاء الصلاة فيهن».
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 677.
(2) الوسائل الباب 8 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 8 من قضاء الصلوات.
(4) البحار ج 18 الصلاة ص 677.
(5) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات. و ليس في الوسائل و لا في التهذيب ج 1 ص 238 في هذا الحديث «يوما الى الليل» و انما هو في الوافي باب صلاة المغمى عليه، فقد نقله من التهذيب بطريقين و فيه هذا القول، و الموجود في التهذيب و الوسائل انما هو أحد الطريقين و لم نقف على الطريق الآخر. و لا يخفى ان الشيخ في التهذيب ج 1 ص 421 يروى من طريق حفص الحديث رقم (5) إلا انه لا يشتمل على السؤال و مورد الكلام انما هو حديث حفص المشتمل على السؤال.
(6) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
7
و عن حفص بن البختري في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المغمى عليه يقضى صلاة ثلاثة أيام».
و عن حفص في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يقضى المغمى عليه ما فاته».
و عن حفص في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «يقضى صلاة يوم».
و عن ابى بصير (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل أغمي عليه شهرا أ يقضى شيئا من صلاته؟ قال يقضى منها ثلاثة أيام».
و عن ابى كهمس (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و سئل عن المغمى عليه أ يقضى ما ترك من الصلاة؟ فقال أما انا و ولدي و أهلي فنفعل ذلك».
و في الحسن أو الصحيح عن إبراهيم بن هاشم عن غير واحد عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) «انه سأله عن المغمى عليه شهرا أو أربعين ليلة قال فقال ان شئت أخبرتك بما آمر به نفسي و ولدي ان تقضى كل ما فاتك».
و في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «كل شيء تركته من صلاتك لمرض أغمي عليك فيه فاقضه إذا أفقت».
و في الحسن عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (8) قال: «سألته عن الرجل يغمى عليه ثم يفيق قال يقضى ما فاته يؤذن في الأولى و يقيم في البقية».
و في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (9) «في المغمى عليه قال يقضى كل ما فاته».
و عن رفاعة في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (10) قال: «سألته عن المغمى عليه شهرا ما يقضى من الصلاة؟ قال يقضيها كلها، ان أمر الصلاة شديد».
و روى في الذكرى عن إسماعيل بن جابر (11) قال: «سقطت عن بعيري
____________
(1) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(5) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(6) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(7) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(8) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(9) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(10) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
(11) الوسائل الباب 4 من قضاء الصلوات.
8
فانقلبت على أم رأسي فمكثت سبع عشرة ليلة مغمى على فسألته عن ذلك فقال اقض مع كل صلاة صلاة».
و نقل في الذكرى (1) عن ابن إدريس انه قال: «و روى انه يقضى صلاة شهر» أقول: و هذه الرواية لم تصل إلينا.
و كيف كان فالظاهر- كما ذكره الشيخ و قبله الصدوق في الفقيه و هو المشهور- هو حمل هذه الأخبار على الاستحباب كما يشير اليه خبر ابى كهمس و رواية منصور بن حازم الأولى و ان تفاوتت مراتبه بالجميع أو الشهر أو الثلاثة أو اليوم الواحد فهي مترتبة في الفضل و الاستحباب.
قال في الفقيه (2) و اما الأخبار التي رويت في المغمى عليه- انه يقضى جميع ما فاته و ما روى انه يقضى صلاة شهر و ما روى انه يقضى صلاة ثلاثة أيام- فهي صحيحة و لكنها على الاستحباب لا على الإيجاب و الأصل انه لا قضاء عليه. انتهى.
و العجب ان هذا كلامه في الفقيه مع انه كما تقدم من عبارة المقنع اختار وجوب قضاء جميع ما فاته، و هذا من نوادر الاتفاق له في اختلاف الفتوى في مسألة واحدة و ان كان ذلك كثيرا في كلام المجتهدين من أصحابنا (رضوان الله عليهم)
تنبيهات
الأول [حكم المسلم المحكوم بكفره و المخالف إذا استبصر]
- قد صرح غير واحد من أصحابنا (رضوان الله عليهم)بأنه لا يلحق بالكافر الأصلي من حكم بكفره من منتحلي الإسلام و لا غيرهم من المخالفين، فان الحكم في هؤلاء جميعا هو انهم بعد الاستبصار و الرجوع الى الدين الحق يجب عليهم قضاء ما فاتهم لو أخلوا بشيء من واجباته اما ما كان صحيحا في مذهبهم فلا اعادة عليهم فيه.
اما الأول فلعموم الأدلة الدالة على وجوب قضاء الفائت (3) الشامل لمحل البحث، و خروج الكافر الأصلي بدليل مختص به فيبقى ما عداه داخلا تحت العموم.
____________
(1) ص 135 و في البحار ج 18 الصلاة ص 676.
(2) ج 1 ص 237.
(3) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات.
9
و اما الثاني فللأخبار المستفيضة الدالة على ذلك، و منها ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عنه
في الصحيح أو الحسن عن زرارة و بكير و الفضيل و محمد بن مسلم و بريد العجلي عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (1) «انهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء: الحرورية و المرجئة و العثمانية و القدرية ثم يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه أ يعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة لا بد أن يؤديها لأنه وضع الزكاة في غير موضعها و انما موضعها أهل الولاية».
و منها-
ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن ابن أذينة (2) قال: «كتب الى أبو عبد الله (عليه السلام) ان كل عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثم من الله عليه و عرفه هذا الأمر فإنه يؤجر عليه و يكتب له إلا الزكاة فإنه يعيدها لانه وضعها في غير موضعها و انما موضعها أهل الولاية، و أما الصلاة و الصوم فليس عليه قضاؤهما».
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه «و كل عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثم من الله عليه و عرفه الولاية فإنه يؤجر عليه إلا الزكاة. الى ان قال: و أما الصلاة و الحج و الصيام فليس عليه قضاء».
و منها-
ما رواه الكشي بسنده عن عمار الساباطي (4) قال: «قال سليمان بن خالد لأبي عبد الله (عليه السلام) و انا جالس انى منذ عرفت هذا الأمر أصلي في كل يوم صلاتين اقضى ما فاتنى قبل معرفتي قال لا تفعل فان الحال التي كنت عليها أعظم من ترك ما تركت من الصلاة».
أقول: ظاهر هذا الخبر عدم وجوب قضاء ما تركه حال ضلاله، و هو
____________
(1) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة.
(2) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة.
(3) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة.
(4) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات.
10
خلاف ما صرح به الأصحاب من وجوب قضاء ما تركه كما عرفت.
و شيخنا الشهيد في الذكرى قد نقل هذا الخبر من كتاب الرحمة عن عمار كما ذكرناه ثم قال: و هذا الحديث مع ندوره و ضعف سنده لا ينهض مخصصا للعموم مع قبوله التأويل بأن يكون سليمان يقضى صلاته التي صلاها و سماها فائتة بحسب معتقده الآن، لأنه اعتقد انه بحكم من لم يصل لمخالفتها في بعض الأمور، فيكون معنى قول الامام (عليه السلام) «من ترك.» ما تركت من شرائطها و أفعالها، و حينئذ لا دلالة فيه على عدم قضاء الفائتة حقيقة في الحال الاولى. انتهى.
و استشكل العلامة في التذكرة سقوط القضاء عن من صلى منهم أو صام لاختلال الشرائط و الأركان. و الظاهر بعده لدلالة الأخبار الصحيحة كما ترى على خلافه، و المستفاد من هذه الأخبار ترتب الثواب على تلك الأعمال بعد الدخول في الإيمان و ان كانت باطلة واقعا تفضلا منه سبحانه لرجوعه الى المذهب الحق، و بطلانها سابقا لا ينافي ترتب الثواب عليها أخيرا لأن الثواب هنا انما هو تفضلى لا استحقاقي لتبعيته للصحة و الحال انها غير صحيحة كما عرفت.
قيل: و صحيحة الفضلاء المتقدمة تدل على عدم الفرق في الحكم المذكور بين من يحكم بإسلامه من فرق المخالفين و من يحكم بكفره من أهل القبلة، لأن من جملة من ذكر فيها صريحا الحرورية و هم كفار لأنهم خوارج.
أقول: هذا الخبر و أمثاله إنما خرج بناء على كفر المخالفين و انه لا فرق بينهم و بين الخوارج كما هو مذهب متقدمي الأصحاب و به استفاضت الأخبار كما قدمناه ذكره في كتاب الطهارة، و الحكم بإسلام المخالفين انما وقع في كلام جملة من المتأخرين غفلة عن التعمق في الأخبار و النظر فيها بعين الفكر و الاعتبار، و سيأتي مزيد تحقيق للمسألة ان شاء الله تعالى في كتاب الحج.
الثاني [لو حصل الإغماء بفعل المكلف]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)بأنه لو حصل الإغماء بفعل المكلف كشرب المسكر و شرب المرقد وجب القضاء، أسنده في الذكرى الى
11
الأصحاب، و استدل عليه بأنه مسبب عن فعله. قال في المدارك: و الاعتماد في ذلك على النصوص المتضمنة لوجوب قضاء الفوائت (1) المتناولة بعمومها لهذه الصورة.
و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و اعلم ان ظاهر الأدلة عدم الفرق بين أن يكون الإغماء من غير فعله أم لا، و ذكر الشهيد انه لو أغمي عليه بفعله وجب عليه القضاء و أسنده إلى الأصحاب و الحجة عليه غير واضحة. انتهى. و ظاهره المخالفة في الحكم المذكور و ستعرف ما فيه ان شاء الله تعالى.
قالوا: و لو أكل غذاء لم يعلم بكونه مقتضيا للإغماء فاتفق انه آل إلى الإغماء لم يجب عليه قضاء ما يفوته من الصلاة في حال الإغماء.
قال في المدارك: و الوجه فيه إطلاق النصوص المتضمنة لسقوط القضاء عن المغمى عليه (2) ثم قال: و لو علم بكون الغذاء موجبا للإغماء قيل وجب القضاء كتناول المسكر، و لو شربت المرأة دواء للحيض أو لسقوط الولد فتصير نفساء لم يجب عليها القضاء للعموم و به قطع الشهيدان، و فرقا بين ذلك و بين تناول الغذاء المقتضى للإغماء بأن سقوط القضاء عنهما عزيمة لا رخصة و تخفيف بخلاف المغمى عليه. و في هذا الفرق نظر. انتهى.
أقول و بالله سبحانه الثقة: لا ريب انه في جميع هذه الفروض المذكورة قد تعارض فيها إطلاق الأخبار الدالة على سقوط القضاء عن المغمى عليه بناء على الأشهر الأظهر و إطلاق الأخبار الدالة على وجوب القضاء على من فاتته صلاة فتقييد أحد الإطلاقين بالآخر يحتاج الى مرجح، إلا ان الظاهر من اخبار الإغماء- بالنظر الى ما دل عليه جملة منها من أن سقوط القضاء عن المغمى عليه انما هو من حيث ابتلاء الله سبحانه له بذلك المرض فهو سبحانه أعذر لعبده،
كما في صحيحة حفص بن البختري (3) من قوله «ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر».
و في حسنة عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.
(3) ص 4 و 5 و 6 و الراوي في الثانية «ابن سنان».
12
ابن المغيرة «كل ما غلب الله عليه فليس على صاحبه شيء».
و نحوه في صحيحة على بن مهزيار برواية الفقيه و رواية موسى بن بكر الصريحة في أن هذا أحد القواعد الكلية و الأبواب التي ينفتح منها الف باب- هو أنها أخص من اخبار القضاء، و حينئذ فيجب تقييد إطلاق أخبار القضاء بها في هذا المقام في جميع ما ذكروه من الأفراد التي تعارض فيها الإطلاقان المذكوران، فان الجميع ظاهر كما ترى في أن سقوط القضاء عن المغمى عليه انما هو من حيث كون الإغماء من قبله سبحانه و فعله بعبده، و حينئذ فإلحاق الإغماء الحاصل من قبل المكلف به و ان كان عن جهل ليس بجيد بل حكمه حكم ما لو تعمد ذلك من وجوب القضاء.
و من هذا التعليل الذي قد عرفت انه من القواعد الكلية و الضوابط الإلهية يفهم ايضا وجوب القضاء على الحائض و النفساء إذا كان عروض ذلك من قبلهما بشرب الدواء و ان كان ظاهر الأصحاب خلافه عملا بإطلاق أخبار الحيض كما ذكره السيد المذكور.
هذا، مع انهم صرحوا في غير مقام بأن الأحكام المودعة في الأخبار انما تنصرف و تحمل على الأفراد الشائعة المتكررة فإنها هي التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة الوقوع. و بذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل الخراساني المتقدم في المسألة الأولى و كلام السيد في الثانية جريا على كلام الأصحاب في الباب.
و استثنى جماعة من متأخري الأصحاب من الموجب للقضاء السكر الذي يكون الشارب غير عالم به أو أكره عليه أو اضطر إليه لحاجة. و فيه ما عرفت من ان مدار الحكم في سقوط القضاء عن المغمى عليه هو كون الإغماء من قبله سبحانه، فكل ما كان كذلك فإنه لا قضاء و ما لم يكن كذلك فالواجب القضاء عملا بإطلاق أخبار وجوب القضاء لعدم المخصص لها، مؤيدا ذلك بما ذكرناه من عدم انصراف إطلاق الحكم بسقوط القضاء عن المغمى عليه الى هذه الأفراد النادرة الوقوع. و الله العالم.
الثالث [لو كان النوم على خلاف العادة]
- قال في الذكرى- بعد أن ذكر ان مما يوجب القضاء النوم المستوعب
13
و شرب المرقد- ما لفظه: و لو كان النوم على خلاف العادة فالظاهر التحاقه بالإغماء و قد نبه عليه في المبسوط. انتهى.
أقول: لا يخفى ان الأخبار الواردة بوجوب قضاء النائم لما نام عنه شاملة بإطلاقها لهذا الفرد المذكور فلا أعرف لاستثنائه دليلا معتمدا.
و من الأخبار المشار إليها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل صلى ركعتين بغير طهور أو نسي صلاة لم يصلها أو نام عنها؟ قال يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار».
و في الصحيح عن عبد الله بن مسكان رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«من نام قبل ان يصلى العتمة فلم يستيقظ حتى يمضى نصف الليل فليقض صلاته و ليستغفر الله».
الى غير ذلك من الأخبار.
و يدل على ذلك إطلاق الأخبار الدالة على ان من فاتته فريضة بنوم أو غيره فإنه يجب عليه قضاؤها و هي كثيرة:
و منها-
صحيحة حماد بن عثمان (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاته شيء من الصلوات فذكر عند طلوع الشمس أو عند غروبها؟ قال فليصل حين يذكر».
و صحيحة معاوية بن عمار (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول خمس صلوات لا تترك على حال. الى ان قال في تعداد الخمس المذكورة: و إذا نسيت فصل إذا ذكرت».
و صحيحة زرارة أو حسنته الطويلة الواردة في ترتب الفوائت (5) و غيرها من الأخبار الكثيرة.
____________
(1) الوسائل الباب 1 و 2 من قضاء الصلوات و اللفظ «سئل» و ليس فيه «ركعتين».
(2) الوسائل الباب 17 و 29 من مواقيت الصلاة.
(3) الوسائل الباب 39 من مواقيت الصلاة.
(4) الوسائل الباب 39 من مواقيت الصلاة.
(5) الوسائل الباب 63 من مواقيت الصلاة.
14
و من هنا صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)بوجوب قضاء كل ما فاته عمدا أو سهوا بنوم أو سكر أو شرب مرقد أورده عن الإسلام إلا ما استثنى مما تقدم ذكره. و الله العالم.
المسألة الثانية [حكم تارك الصلاة و هل هو مرتد لو تركه مستحلا]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في أن من ترك الصلاة مستحلا تركها فان كان ممن ولد على فطرة الإسلام فإنه يقتل من غير استتابة. لأنه مرتد لإنكاره ما علم ثبوته من الدين ضرورة، و من حكم المرتد الفطري القتل و ان تاب، إلا ان الاخبار- كما تقدم جملة منها في المقدمة الاولى من مقدمات هذا الكتاب- دلت على الكفر مطلقا من غير قيد الاستحلال، و قد مر تحقيق الكلام في ذلك في الموضع المشار اليه (1) و بينا انه لا مانع من حمل الكفر فيها على المعنى الحقيقي.
قالوا: و في حكم استحلال الصلاة استحلال شرط مجمع عليه كالطهارة أو جزء كالركوع دون المختلف فيه كتعين الفاتحة و وجوب الطمأنينة، و كأنهم بنوا ذلك على الفرق بين ضروري الدين و ضروري المذهب و إلا فتعين الفاتحة و وجوب الطمأنينة لا خلاف فيه عندنا و انما الخلاف فيهما بين العامة و الخاصة. و الفرق المذكور لا يخلو عندي من اشكال لعدم ظهور الدليل عليه.
و كيف كان فهذا الحكم مختص بالرجل دون المرأة فإنها لا تقتل بل تستتاب فإن أبت فإنها تحبس و تضرب أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت.
و ان كان التارك مستحلا مليا بان كان كافرا ثم أسلم استتيب أولا فإن امتنع قتل.
و ان لم يكن مستحلا عزر فان عاد عزر فان عاد ثالثة قتل على قول و قيل انما يقتل في الرابعة، و الخلاف هنا مبنى على الخلاف في أصحاب الكبائر هل يقتلون في الثالثة أو الرابعة؟ و لتحقيق المسألة محل آخر.
____________
(1) ج 6 ص 18.
15
و لا خلاف في ان المرتد فطريا كان أو مليا إذا رجع الى الإسلام فإنه يقضى زمان ردته، و المستند فيه عموم الأخبار الدالة على وجوب قضاء الفوائت (1) خرج ما خرج بالدليل و بقي الباقي.
و هذا الحكم واضح في المرتد الملي و المرأة مطلقا ملية أو فطرية فإنه لا اشكال و لا خلاف في قبول توبتهما متى تابا.
[هل تقبل توبة المرتد الفطري؟]
و انما الخلاف و الإشكال في الرجل المرتد إذا كان فطريا هل تقبل توبته أم لا؟
ففيه أقوال ثلاثة: (الأول)- و هو المشهور على ما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الميراث من المسالك- عدم قبولها مطلقا، قال في الموضع المذكور من الكتاب المشار اليه: و اما عدم قبولها مطلقا فالمشهور ذلك عملا بإطلاق الاخبار (2) و الحق قبولها في ما بينه و بين الله تعالى حذرا من التكليف بما لا يطاق. انتهى.
و بذلك يظهر ما في كلام بعض مشايخنا المعاصرين حيث ادعى ان المشهور هو قبولها باطنا و عدم قبولها ظاهرا (الثاني) قبولها مطلقا باطنا و ظاهرا و هو منقول عن ابن الجنيد (الثالث) قبولها باطنا و عدم قبولها ظاهرا و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني كما سمعت من كلامه و عليه جملة من المتأخرين و هو الظاهر عندي، و به يجمع بين أدلة المسألة و يزول عنها الاختلاف، و حينئذ فتجري عليه الأحكام التي أوجبتها الردة من القتل و بينونة الزوجة و قسمة أمواله على الورثة و تصح عباداته في ما بينه و بين الله سبحانه و تقبل منه لو اتفق ذلك قبل القتل و بعد التوبة.
حجة القول المشهور ظواهر الاخبار مثل
قول ابى جعفر (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم «و قد سأل عن المرتد فقال من رغب عن الإسلام و كفر بما انزل على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد إسلامه فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و يقسم ما ترك على ولده».
____________
(1) الوسائل الباب 1 من حد المرتد.
(2) الوسائل الباب 1 من حد المرتد.
16
و قول ابى عبد الله (عليه السلام) في موثقة عمار الساباطي (1) «كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) نبوته و كذبه فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه و امرأته عدة بائنة منه يوم ارتد فلا تقربه و يقسم ماله على ورثته، و تعتد امرأته المتوفى عنها زوجها، و على الامام ان يقتله و لا يستتيبه».
و نحوهما غيرهما من الاخبار، و ظاهرهما عدم القبول مطلقا لإجرائه مجرى الميت في الأحكام المذكورة.
حجة القول بالقبول باطنا و عدمه ظاهرا كما هو المختار الجمع بين الاخبار المذكورة و بين ما دل على قبول التوبة من الآيات القرآنية و الاخبار النبوية.
و من الآيات قوله عز و جل «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً إِلّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ» (2) و قوله سبحانه «فَمَنْ تٰابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ فَإِنَّ اللّٰهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (3) و مفهوم قوله عز و جل «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ» (4).
و من الأخبار
حسنة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: «من كان مؤمنا فعمل خيرا في إيمانه ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب بعد كفره كتب له و حسب كل شيء كان عمله في إيمانه و لا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره».
الى غير ذلك من الآيات و الروايات.
و كذا ما دل على توجه خطاب التكليف اليه من عموم أدلة التكاليف لكل بالغ عاقل مسلم فيلزم صحة عباداته و قبولها منه المستلزم لقبول التوبة باطنا و إلا لزم
____________
(1) الوسائل الباب 1 من حد المرتد.
(2) سورة الفرقان الآية 68 و 69.
(3) سورة المائدة الآية 42.
(4) سورة البقرة الآية 214.
(5) الوسائل الباب 99 من جهاد النفس.
17
التكليف بما لا يطاق، كما يشير اليه كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم، و هو منفي عقلا و نقلا.
و حينئذ فلو لم يطلع عليه أحد أو لم يقدر على قتله أو تأخر بوجه و قد حصلت منه التوبة فإنه تقبل توبته في ما بينه و بين الله عز و جل و تصح عباداته و معاملاته و يطهر بدنه و يدفن في مقابر المسلمين، لقوله عز و جل زيادة على ما تقدم «إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1) و لا ينافيه اجراء تلك الأحكام التي اشتملت عليها الأخبار المتقدمة، فإن هذا أمر آخر وراء قبول التوبة باطنا.
و أما ما نقل عن ابن الجنيد و هو القول الثالث فلعل وجهه العمل بما دل على قبول التوبة من الآيات و الروايات، إلا ان فيه طرحا للأخبار المتقدمة و الجمع بين الدليلين متى أمكن أولى من طرح أحدهما.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك في هذه المسألة لا يخلو من اضطراب، فإنه قال في كتاب الميراث ما قدمنا ذكره مما يدل على ان المختار عنده هو قبول التوبة باطنا لا ظاهرا و ان المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)هو عدم القبول مطلقا.
و قال في كتاب القضاء: ثم ان قبلت توبته كالمرأة و الملي قضى و ان لم تقبل ظاهرا كالفطرى على المشهور فإن أمهل بما يمكنه القضاء قبل قتله قضى و إلا بقي في ذمته، و الأقوى قبول توبته مطلقا. انتهى.
و هذا الكلام كما ترى ظاهر في اختياره قبول التوبة ظاهرا و باطنا كما هو المنقول عن ابن الجنيد و هو خلاف ما صرح به في كتاب الميراث، و ظاهره ان القبول ظاهرا و عدمه محل خلاف و المشهور هو عدم القبول مع انه ادعى الإجماع في مبحث الارتداد من كتاب الحدود على عدم قبول توبته ظاهرا و قوى قبولها
____________
(1) سورة المائدة الآية 38.
18
باطنا كما حكيناه عنه في كتاب الميراث، ففي الأول نسب عدم القبول ظاهرا الى المشهور مؤذنا بالخلاف فيه، و في الثاني ادعى الإجماع المؤذن بعدم الخلاف.
و يمكن الجواب عن هذا بحمل الإجماع على الشهرة و ان عبر بلفظ الإجماع لما ذكره الشهيد في الذكرى من انهم كثيرا ما يريدون به الشهرة دفعا للتناقض الواقع في كلامهم في دعوى الإجماع على حكم و دعوى الإجماع على خلافه من ذلك المدعى أو غيره، و انما الإشكال في اختياره القول بالقبول باطنا لا ظاهرا كما في كتاب الميراث مع اختياره القبول ظاهرا و باطنا كما في كتاب القضاء. و الله العالم.
المسألة الثالثة [وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)في وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة على أقوال ثلاثة، و قد تقدم تحقيق هذه المسألة مستوفى بحمد الله سبحانه في مبحث الأوقات فلا حاجة الى الإعادة.
المسألة الرابعة [من نسي الفائتة الواحدة من الخمس]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)انه لو نسي تعيين الصلاة الفائتة بأن كانت واحدة مثلا و لا يعلم ايها من الخمس فإنه يصلى ثلاثا ينوي بها المغرب و أربعا مرددة بين الظهر و العصر و العشاء و اثنتين ينوي بهما الصبح، ذهب اليه الشيخان و ابنا بابويه و ابن الجنيد و أكثر المتأخرين، و نقل الشيخ في الخلاف الإجماع عليه (1) و نقل عن ابى الصلاح و ابن حمزة وجوب الخمس.
و يدل على المشهور
ما رواه الشيخ بإسنادين أحدهما من الصحاح و الآخر من الحسان عن على بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال «من نسي من صلاة يومه واحدة و لم يدر أي صلاة هي صلى ركعتين و ثلاثا و أربعا».
و ما رواه أحمد بن ابى عبد الله البرقي في كتاب المحاسن عن على بن مهزيار عن الحسين رفعه (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي صلاة من الصلوات الخمس لا يدرى أيتها هي قال يصلى ثلاثة و أربعة و ركعتين، فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى أربعا، و ان كانت المغرب أو الغداة فقد صلى».
____________
(1) و في الخطية «و هو الأظهر».
(2) الوسائل الباب 11 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 11 من قضاء الصلوات.
19
احتج الفاضلان المذكوران بعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت و لا يعلم إلا بالإتيان بالخمس كملا.
و احتج في المدارك على القول المشهور بما لا يخلو عند التأمل الصادق من القصور، قال بعد ذكر القول المشهور أو لا ثم القول الثاني: و المعتمد الأول، لنا ان الواجب عليه صلاة واحدة لكن لما كانت غير متعينة و الزيادة و النقيصة في الصلاة مبطلة وجب عليه الإتيان بالثلاث لدخول الواجب في أحدها يقينا و الأصل براءة الذمة من الزائد، و يؤيده رواية على بن أسباط. ثم ساق الرواية إلى قوله «أربعا».
أقول: لا يخفى انه لما كانت الرواية المذكورة باصطلاحه ضعيفة السند لفق هذا الدليل و جعله المعتمد و جعل الرواية مؤيدة له. و فيه ان دليله لا يفي بالمطلوب و لا يقوم حجة على الخصم، لان مطرح النزاع في هذه المسألة هو انه هل يكتفى بالرباعية المرددة بين الثلاث الفرائض المذكورة أم يجب الإتيان بكل فريضة منها على حدة حتى يستوفى الخمس؟ فالخصم يوجب الثاني و هو الحق بناء على طرح الرواية من البين لما ذكره ذلك الخصم من التعليل، و جوابه عنه بالمنع لحصوله بالثلاث المرددة مردود بان العبادات توقيفية من الشارع كما و كيفا و أداء و قضاء و وجوبا و ندبا لا مسرح لأمثال هذه التخريجات الغثة فيها، و لم يثبت من الشارع الاكتفاء بذلك بناء على طرح النص المذكور، و يقين براءة الذمة لا يحصل إلا بالإتيان بالثلاث المذكورة على حدة. و يؤيده ان الأصل عدم التداخل، و القول بالتداخل و الاكتفاء بالواحدة من غير دليل شرعي مردود. و بالجملة فإن دليله المذكور لا يخرج عن المصادرة لأن الخصم يمنع الاكتفاء بالأربع المرددة و يوجب الإتيان بالخمس و هو يحتج بالاكتفاء بها و هو عين الدعوى، و من ثم ان صاحب الذخيرة مع اقتفائه له في أكثر الأحكام عدل عنه في هذا المقام و لفق للاستدلال بالخبر وجوها ذكرها لجبر ضعفه، و الكل حاصل عن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح
20
الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح كما نبهت عليه في غير مقام.
فروع
الأول [من نسيها في السفر]
- لو كانت الفائتة في الصورة المذكورة في السفر صلى ثنائية مطلقة إطلاقا رباعيا و مغربا، و خالف ابن إدريس هنا مع موافقته ثمة نظرا الى اختصاص النص بالأول فالتعدية قياس، و زعما منه حصول الإجماع ثمة دون ما هنا.
و أنت خبير بان ظاهر خبر المحاسن و قوله (عليه السلام) فيه «فان كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى أربعا» هو الإشارة الى ان الغرض من التشريك و العلة فيه هو حصول الفريضة الفائتة في ضمن هذه الكيفية. و لا تفاوت فيه بين اشتراك هذا العدد بين ثلاث فرائض أو أربع، و ورود الثلاث في الخبرين المذكورين انما هو باعتبار صلاة الحضر التي هي الغالبة المتكررة، فذكر هذا التفصيل فيها بالثلاث و الأربع و الثنتين انما خرج مخرج التمثيل.
الثاني [حكم الفريضة المترددة من حيث الجهر و الإخفات]
- لو قلنا بالترديد كما هو المشهور و قلنا بوجوب الجهر و الإخفات فهل الحكم في هذه الفريضة المترددة الجهر أو الإخفات؟ إشكال، و الظاهر من كلام جملة من الأصحاب هنا التخيير، و لا يخلو من قرب و إلا لزم الترجيح من غير مرجح.
الثالث- لو تعددت الفائتة المجهولة
قضى كما تقدم مكررا. فلو كان العدد معلوما كأن نسي فريضتين مجهولتين مثلا صلى ثلاثا ثلاثا ان كانتا من صلاة الحضر و ان كانتا من السفر اثنتين اثنتين، و على هذا النحو لو نسي ثلاث فرائض مجهولات، و أما لو لم يكن العدد معلوما قضى على الوجه المذكور حتى يغلب على ظنه الوفاء.
الرابع- لو فاتته فريضة معينة مرات لا يعلم عددها
قالوا يكرر حتى يغلب على ظنه الوفاء، قال في المدارك: و هو مقطوع به في كلام الأصحاب و لم نقف فيه على نص بالخصوص.
و بنحو ذلك صرح جده (قدس سره) في الروض ثم قال: و الظاهر من الجماعة ايضا انه لا نص عليه. ثم قال نعم و رد ذلك في قضاء النوافل الموقتة
فروى
21
مرازم (1) قال: «سأل إسماعيل بن جابر أبا عبد الله (عليه السلام) ان على نوافل كثيرة فقال اقضها. فقلت لا أحصيها؟ قال توخ».
و التوخي التحري و هو طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، قاله الجوهري.
و روى عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (2) «في رجل فاته من النوافل ما لا يدرى ما هو من كثيرته كيف يصنع؟
قال يصلى حتى لا يدرى كم صلى من كثرته فيكون قد قضى بقدر ما عليه».
قال في الذكرى:
و بهذين الحديثين احتج الشيخ على أن من عليه فرائض لا يعلم كميتها يقضى حتى يغلب على ظنه الوفاء من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. و فيه نظر لان كون النوافل أدنى مرتبة يوجب سهولة الخطب فيها و الاكتفاء بالأمر الأسهل فلا يلزم منه تعدية الحكم الى ما هو أقوى و هو الفرائض كما لا يخفى، بل الأمر في ذلك بالعكس فان الاكتفاء بالظن في الفرائض الواجبة الموجبة لشغل الذمة يقتضي الاكتفاء به في النوافل التي ليست بهذه المثابة بالأولى. انتهى.
قال في المدارك: و يمكن الجواب عنه بان الشيخ (قدس سره) انما استدل بالرواية على وجوب القضاء الى أن يغلب على الظن الوفاء لا على الاكتفاء بالظن فإنه يكفي في عدم اعتبار ما زاد عليه عدم تحقق الفوات. نعم يرد على هذا الاستدلال ان قضاء النوافل على هذا الوجه انما هو على وجه الاستحباب فلا يلزم منه وجوب قضاء الفريضة كذلك. انتهى.
و التحقيق أن يقال انه لما كانت المسألة غير منصوصة فالواجب فيها العمل بالاحتياط كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم، و وجهه انه لا ريب ان الذمة مشغولة بالفريضة بيقين و لا تبرأ إلا بيقين الأداء من جميع ذلك، و حيث كانت الفريضة في هذه الصورة المفروضة غير معلومة المقدار لكثرتها فيقين البراءة لا يحصل إلا بالقضاء بما يقابل الكثرة الفائتة، فإن كان الفائت قد بلغ في الكثرة إلى حد لا يدرى ما قدره فينبغي أن يكون القضاء كذلك، و ورد ذلك في النافلة مع
____________
(1) الوسائل الباب 19 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(2) الوسائل الباب 19 من أعداد الفرائض و نوافلها.
22
انها مستحبة، و انما الغرض الحث على الإتيان بالمستحبات على وجه يحصل به يقين القيام بالوظائف الشرعية و السنة المحمدية (صلى اللّٰه عليه و آله) فكيف بالفرائض الواجبة الموجبة لشغل الذمة، فإن تحصيل يقين البراءة فيها أهم و طلب الوجه الموجب للخروج عن المؤاخذة فيها أعظم و أتم. و بالجملة فكلام الشيخ (رضوان الله عليه) لا يخلو من قوة و أبواب المناقشات واسعة المجال لا يسلم من تطرقها مقال.
و نقل عن العلامة (قدس سره) في التذكرة الاكتفاء بقضاء ما تيقن فواته خاصة، قال في المدارك: و هو متجه لأصالة البراءة من التكليف بالقضاء مع عدم تيقن الفوات، و لان الظاهر من حال المسلم انه لا يترك الصلاة، و يؤيده
حسنة زرارة و الفضيل عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «متى استيقنت أو شككت في وقت صلاة انك لم تصلها صليتها، و ان شككت بعد ما خرج وقت الفوات فقد دخل حائل فلا اعادة عليك من شك حتى تستيقن، و ان استيقنت فعليك أن تصليها في أي حال كنت».
انتهى. و هو جيد من حيث الاعتبار إلا ان التحقيق ما قدمنا ذكره
المسألة الخامسة [هل يجب الترتيب بين الفوائت؟]
- لا خلاف بين علماء الفريقين في ترتب الحواضر بعضها على بعض، و أما الفوائت فالمشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم)وجوب الترتيب بينهما إذا علمه بل نقل الفاضلان في المعتبر و المنتهى الإجماع عليه، و حكى الشهيد في الذكرى عن بعض الأصحاب ممن صنف في المضايقة و المواسعة القول بالاستحباب استدلال الأولون
بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته».
و التقريب فيه انه يجب الترتيب في الأداء فكذا في القضاء.
و ما رواه الشيخ عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) في الصحيح (3) قال: «إذا
____________
(1) الوسائل- الباب- 60- من مواقيت الصلاة.
(2) لم نقف على حديث بهذا اللفظ في ما وقفنا عليه من أحاديث الخاصة و العامة و يمكن أن يكون نقلا بالمضمون لما دل على وجوب المماثلة بين القضاء و الأداء.
(3) الوسائل الباب 63 من المواقيت و 1 من قضاء الصلوات و الشيخ يرويه عن الكليني.
23
نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولاهن فأذن لها و أقم ثم صلها ثم صل ما بعدها بإقامة لكل صلاة».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صلى الصلوات و هو جنب اليوم و اليومين و الثلاثة ثم ذكر بعد ذلك؟ قال يتطهر و يؤذن و قيم في أولاهن ثم يصلى و يقيم بعد ذلك في كل صلاة فيصلي بغير أذان حتى يقضى صلاته».
و أجاب في الذخيرة عن الخبر الأول بعدم صحة الرواية و انها غير ثابتة قال و الظاهر انها من طريق العامة، سلمنا لكن اقتضاء التشبيه المماثلة من جميع الجهات بحيث يشمل هذه الأوصاف الاعتبارية غير واضح. ثم أورد على صحيح زرارة بان الأمر في أخبارنا غير واضح الدلالة على الوجوب، الى أن قال: و للتوقف في هذه المسألة طريق و طريق الاحتياط رعاية الترتيب.
أقول: أما ما ذكره في رد الخبر الأول فجيد. و أما ما ذكره في رد الخبر الثاني فقد عرفت ما فيه في غير موضع مما تقدم. و بالجملة فإن الحكم مما لا اشكال فيه.
و اما القول الذي حكاه في الذكرى عن بعض الأصحاب فلم نقف له على دليل. إلا انه قال في الذكرى ان قائله حمل الأخبار و كلام الأصحاب على الاستحباب، ثم قال و هو حمل بعيد مردود بما اشتهر بين الجماعة. ثم قال (فان قيل) هي عبادات مستقلة و الترتيب فيها من توابع الوقت و ضروراته فلا يعتبر في القضاء كالصيام (قلنا) قياس في معارضة النص، و معارض بأنها صلوات و جبت مرتبة فلتقض مرتبة كالأداء.
و الأول من تعليله جيد. و الثاني مبنى على الحديث النبوي المتقدم و قد عرفت ما فيه.
و بالجملة فإن الحكم مما لا إشكال فيه مع العلم بالترتيب و انما الإشكال و الخلاف مع جهله و الأظهر سقوطه و به قطع العلامة في التحرير و ولده في الشرح، و اليه ذهب جمع من المتأخرين: منهم- الشهيدان و هو ظاهر العلامة في القواعد.
____________
(1) الوسائل الباب 1 من قضاء الصلوات.
24
و الوجه فيه ان الروايات المتضمنة لوجوب الترتيب لا تتناول الجاهل نصا و لا ظاهرا فيكون منفيا بالأصل. و استدل عليه في الذكرى بامتناع التكليف بالمحال و استلزام التكرار المحصل له الحرج المنفي (1).
و قيل بوجوب الترتيب لإمكان الامتثال بالتكرار المحصل له، و به صرح العلامة في الإرشاد، و على هذا فيجب على من فاته الظهر و العصر من يومين و جهل السابق أن يصلى ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين ليحصل الترتيب بينهما على تقدير سبق كل منهما. و لو جامعهما مغرب من ثالث صلى الثلاث قبل المغرب و بعدها.
و لو كان معها عشاء صلى السبع قبلها و بعدها. و لو انضم إليها صبح صلى الخمس عشرة قبلها و بعدها.
و الضابط تكريرها على وجه يحصل الترتيب على جميع الاحتمالات و هي اثنان في الأول و ستة في الثاني و أربعة و عشرون في الثالث و مائة و عشرون في الرابع حاصلة من ضرب ما اجتمع سابقا من الاحتمالات في عدد الفرائض المطلوبة، ففي الصورة الأولى من الاحتمالات و هي اثنان ثلاث فرائض، و في الصورة الثانية من الاحتمالات و هي ستة سبع فرائض، و في الصورة الثالثة منها و هي أربعة و عشرون احتمالا خمس عشرة فريضة، و في الرابعة و هي مائة و عشرون احتمالا احدى و ثلاثون فريضة، و على هذا القياس.
و يمكن حصول الترتيب بوجه أخصر و أسهل و هو ان يصلى الفوائت المذكورة بأي ترتيب أراد و يكررها كذلك ناقصة عن عدد ما فاته من الصلاة بواحدة ثم يختم بما بدأ به، فيصلي في الفرض الأول الظهر و العصر ثم الظهر أو بالعكس، و في الثاني الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم يكرر مرة أخرى ثم يصلى الظهر، و في هذين لا فرق بين الضابطين من حيث العدد، و في الثالث يصلى الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم يكررها مرتين ثم يصلى الظهر فيحصل الترتيب بثلاث عشرة فريضة،
____________
(1) ج 1 ص 151.
25
و مقتضى الضابطة السابقة حصول الترتيب بخمس عشرة فريضة. و على هذا القياس في غيرها من الصور.
هذا كله في ترتيب فوائت اليومية بعضها على بعض، و أما الترتيب بين فوائت غير اليومية- مثل صلاة الآيات المتعددة الأسباب بحيث يقدم ما تقدم سببه و هكذا و كذا الترتيب بينها و بين اليومية بأن يكون عليه فوائت من اليومية و فوائت من غيرها- ففي وجوب الترتيب في هاتين الصورتين و عدمه اشكال، حيث لا نص في هذا المقام، و الاحتياط يقتضي الترتيب.
قال في الذكرى: قال بعض المتأخرين بسقوط الترتيب بين اليومية و الفوائت الأخر و كذا بين تلك الفوائت اقتصارا بالوجوب على محل الوفاق، و بعض مشايخ الوزير السعيد مؤيد الدين ابن العلقمي (طاب ثراهما) أوجب الترتيب في الموضعين نظرا الى عموم
«فليقضها كما فاتته» (1).
و جعله الفاضل في التذكرة احتمالا، و لا بأس به. انتهى.
أقول: قد عرفت ما في هذا الحديث الذي استند اليه هذا القائل، مع انه على تقدير صحة الخبر المذكور لا يخلو الاستدلال من المناقشة أيضا.
المسألة السادسة [الاعتبار في القصر و التمام و الجهر و الإخفات بحال الفوت]
- الاعتبار في القصر و التمام و كذا في الجهر و الإخفات بحال الفوات. أما الأول فقال في المدارك: انه مذهب العلماء كافة إلا من شذ. و الظاهر انه أشار به الى ما نقله في الذكرى عن المزني من علماء العامة من القصر اعتبارا بحالة الفعل كالمريض إذا قضى فإنه يعتبر حاله و المتيمم كذلك (2) قال: ورد بسبق
____________
(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 22.
(2) في مختصر المزني على هامش «الام» ج 1 ص 125 «قال الشافعي ان نسي صلاة سفر فذكرها في حضر فعليه ان يصليها صلاة حضر لأن علة القصر هي النية و السفر فإذا ذهبت العلة ذهب القصر، و إذا نسي صلاة حضر فذكرها في سفر فعليه ان يصليها أربعا لأن أصل الفرض أربع فلا يجزئه أقل منها و انما رخص له في القصر ما دام وقت الصلاة قائما و هو مسافر فإذا زال وقتها ذهبت الرخصة» و في المغني ج 2 ص 282 «نص احمد على انه إذا نسي صلاة حضر فذكرها في السفر أو صلاة سفر فذكرها في الحضر صلى في الحالتين صلاة حضر، أما المسألة الأولى فبالإجماع يصلى أربعا. و اما الثانية و هو ما إذا نسي في السفر و ذكر في الحضر فبالاحتياط يصلى أربعا. و الى ذلك ذهب الأوزاعي و داود و الشافعي في أحد قوليه، و قال مالك و الثوري و أصحاب الرأي يصليها صلاة سفر لأنه انما يقضى ما فاته و لم يفته إلا ركعتان».
26
الإجماع. و المريض و المتيمم عاجزان عن القيام و استعمال الماء، و لا تكليف مع العجز و لهذا لو شرع في الصلاة قائما ثم مرض قعد. الى آخر كلامه زيد في إكرامه.
و استدل الأصحاب على الحكم المذكور بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1)
«فليقضها كما فاتته».
و قد تقدم ان الخبر المذكور لم يثبت من طرقنا.
و المروي من طرقنا مما يدل على ذلك
ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة (2) قال: «قلت له رجل فاتته صلاة من صلاة السفر فذكرها في الحضر؟
فقال يقضى ما فاته كما فاته: ان كانت صلاة السفر أداها في الحضر مثلها و ان كانت صلاة الحضر فليقض في السفر صلاة الحضر كما فاتته».
و عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا نسي الرجل صلاة أو صلاها بغير طهور و هو مقيم أو مسافر فذكرها فليقض الذي وجب عليه لا يزيد على ذلك و لا ينقص، و من نسي أربعا فليقض أربعا حين يذكرها مسافرا كان أو مقيما، و من نسي ركعتين صلى ركعتين إذا ذكر مسافرا كان أو مقيما».
و لو حصل الفوات في أماكن التخيير فهل يستحب التخيير في القضاء مطلقا أو بشرط ان يوقعه في تلك الأماكن أو يتعين القصر؟ احتمالات أحوطها الأخير.
و أما الثاني و هو ان يقضى الجهرية و الإخفاتية كما كانت تؤدى ليلا كان
____________
(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 22.
(2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات. و الشيخ يرويه عن الكليني.
(3) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات.
27
أو نهارا فقد نقل الشيخ فيه الإجماع، و يدل عليه عموم قوله في الخبر الأول «يقضى ما فاته كما فاته» و ان كان مورد الخبر العدد الذي هو أحد أفراد هذه القضية الكلية.
بقي الكلام هنا في موضعين: أحدهما- بالنسبة إلى الكيفية التي هي عبارة عن هيئة الصلاة التي تؤدي عليها، و الظاهر ان الاعتبار فيها بحال الفعل لا حال الفوات كصلاة الصحيح و صلاة المريض، فيقضى الصحيح فائتة المرض بالكيفية التي يصليها صحيحا و يقضى المريض فائتة الصحة على الكيفية التي هو عليها جالسا أو قائما أو نحو ذلك و يجب عليه بل و لا يجوز له التأخير الى ان يصح و يأتي بصلاة الصحيح.
و ثانيهما- لو قضى الرجل عن المرأة أو بالعكس مع وجوب الجهر على الرجل و الإخفات على المرأة في القراءة أو جميع أفعال الصلاة بناء على تحريم إسماعها الأجنبي صوتها، و هكذا بالنسبة إلى سنن صلاة المرأة و ما يخصها في القيام و العقود و نحوهما، فهل الاعتبار بالقاضي أو المقضي عنه؟ الظاهر الأول فيقضى الرجل صلاة المرأة كما يقضى عن نفسه، عملا بعموم الخطاب المتعلق به من وجوب الجهر عليه في موضعه و التكاليف الموظفة في قيامه و قعوده و أفعال صلاته أعم من أن يكون ذلك عن نفسه أو غيره، فإن الأخبار الدالة على أحكام صلاة الرجل لا تخصيص فيها بما أوقعه عن نفسه بل هي أعم من ذلك كما لا يخفى و كذا المرأة تقضى صلاة الرجل مثل صلاتها عن نفسها بالتقريب المذكور. و الله العالم.
المسألة السابعة [قضاء النوافل الموقتة]
- يستحب قضاء النوافل الموقتة إجماعا نصا و فتوى و الأخبار بذلك متظافرة:
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام عن عبد الله بن سنان (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل عليه من صلاة النوافل ما لا يدرى ما هو من كثرته كيف يصنع؟ قال فليصل حتى لا يدرى كم صلى من كثرته فيكون قد قضى بقدر علمه. قلت فإنه لا يقدر
____________
(1) الوسائل الباب 18 من أعداد الفرائض و نوافلها.
28
على القضاء من كثرة شغله؟ فقال ان كان شغله في طلب معيشة لا بد منها أو حاجة لأخ مؤمن فلا شيء عليه، و ان كان شغله لدنيا تشاغل بها عن الصلاة فعليه القضاء و إلا لقي الله تعالى مستخفا متهاونا مضيعا لسنة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الحديث.».
و يأتي تمامه ان شاء الله تعالى.
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الحسن عن مرازم (1) قال: «سأل إسماعيل ابن جابر أبا عبد الله (عليه السلام) فقال أصلحك الله ان على نوافل كثيرة فكيف اصنع؟
فقال اقضها. فقال له انها أكثر من ذلك؟ قال اقضها قلت لا أحصيها؟ قال توخ. قال مرازم و كنت مرضت أربعة أشهر لم أتنفل فيها فقلت أصلحك الله و جعلت فداك انى مرضت أربعة أشهر لم أصل فيها نافلة؟ قال ليس عليك قضاء ان المريض ليس كالصحيح كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر فيه».
و قوله (عليه السلام) في هذا الخبر «ليس عليك قضاء» محمول على نفى تأكد الاستحباب
لحسنة محمد بن مسلم (2) قال: «قلت له رجل مرض فترك النافلة؟ فقال يا محمد ليست بفريضة إن قضاها فهو خير يفعله و ان لم يفعل فلا شيء عليه».
ثم انه مع عدم القدرة على القضاء يتصدق لما رواه عبد الله بن سنان في تتمة الخبر المتقدم «قلت فإنه لا يقدر على القضاء فهل يجزئ ان يتصدق؟ فسكت مليا ثم قال فليتصدق بصدقة. قلت فما يتصدق؟ قال بقدر طوله و ادنى ذلك مد لكل مسكين مكان كل صلاة. قلت و كم الصلاة التي يجب فيها مد لكل مسكين؟ فقال لكل ركعتين من صلاة الليل مد و لكل ركعتين من صلاة النهار مد. فقلت لا يقدر؟ فقال مد اذن لكل اربع ركعات. فقلت لا يقدر؟ فقال مد لكل صلاة الليل و مد لصلاة النهار، و الصلاة أفضل و الصلاة أفضل و الصلاة أفضل» و الأصحاب (رضوان الله عليهم)قد ذكروا هنا انه ان عجز يتصدق عن كل ركعتين بمد فإن عجز فعن كل يوم بمد استحبابا. و لا يخفى
____________
(1) الوسائل الباب 19 و 20 من أعداد الفرائض و نوافلها.
(2) الوسائل الباب 20 من أعداد الفرائض و نوافلها.
29
ما فيه من عدم الانطباق على ما تضمنه الخبر. و الله العالم.
المسألة الثامنة [هل يحسن الاحتياط في العبادات مطلقا؟]
- قال في الذكرى: قد اشتهر بين متأخري الأصحاب قولا و فعلا الاحتياط بقضاء صلاة يتخيل اشتمالها على خلل بل جميع العبادات الموهوم فيها ذلك، و ربما تداركوا ما لا يدخل الوهم في صحته و بطلانه في الحياة و بالوصية بعد الوفاة، و لم نظفر بنص في ذلك بالخصوص، و للبحث فيه مجال إذ يمكن ان يقال بشرعيته لوجوه: منها- قوله تعالى «فَاتَّقُوا اللّٰهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (1) و «اتَّقُوا اللّٰهَ حَقَّ تُقٰاتِهِ» (2) «وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ» (3) «وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا» (4) «وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ مٰا آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» (5)
و قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (6) «دع ما يريبك الى ما لا يريبك».
و «انما الأعمال بالنيات» (7).
و «من اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه» (8).
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (9) للمتيمم لما أعاد صلاته لوجود الماء في الوقت «لك الأجر مرتين».
و للذي لم يعد «أصبت السنة»
____________
(1) سورة التغابن الآية 16.
(2) سورة آل عمران الآية 97.
(3) سورة الحج الآية 77.
(4) سورة العنكبوت الآية 69.
(5) سورة المؤمنون الآية 62.
(6) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به عن الشهيد في الذكرى و غيره، و في الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 14.
(7) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.
(8) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به عن الذكرى، و في البخاري كتاب الايمان باب (فضل من استبرأ لدينه).
(9)
في سنن ابى داود ج 1 ص 93 باب (المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى في الوقت) عن ابى سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة و ليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة و الوضوء و لم يعد الآخر ثم أتيا رسول الله (ص) فذكرا ذلك له فقال الذي لم يعد: أصبت السنة و أجزأتك صلاتك.
و قال للذي توضأ و أعاد: لك الأجر مرتين ...
30
و قول الصادق (عليه السلام) في الخبر السالف (1) «انظروا الى عبدي يقضى ما لم افترض عليه».
و قول العبد الصالح (عليه السلام) في مكاتبة عبد الله بن وضاح (2) «أرى لك ان تنتظر حتى تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك».
و ربما يخيل المنع لوجوه: منها قوله تعالى «يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ» (3) «يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ» (4) «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (5) و فتح باب الاحتياط يؤدي اليه،
و قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (6) «بعثت بالحنيفية السمحة».
و روى حمزة بن حمران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) «ما أعاد الصلاة فقيه، يحتال فيها و يدبرها حتى لا يعيدها».
و الأقرب الأول لعموم قوله تعالى «أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهىٰ عَبْداً إِذٰا صَلّٰى» (8)
و قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (9) «الصلاة خير موضوع فمن شاء استقل و من شاء استكثر».
و لان الاحتياط المشروع في الصلاة من هذا القبيل، فان غايته التجويز، و لهذا
قال أبو عبد الله (عليه السلام) (10) «و ان كان صلى أربعا كانت هاتان نافلة».
و لأن إجماع شيعة عصرنا و ما راهقه عليه، فإنهم لا يزالون يوصون بقضاء العبادات مع فعلهم إياها و يعيدون كثيرا منها أداء و قضاء و النهى عن إعادة الصلاة انما هو في الشك الذي يمكن فيه البناء. انتهى.
أقول: لا يخفى ان أكثر ما أطال به (قدس سره) من الأدلة سيما في المقام الأول و الثاني تطويل بغير طائل، و الحق في المقام انه مع تطرق احتمال النقص- كما في أكثر الناس حيث يأتون بالعبادات مع الجهل بالمسائل الشرعية و عدم صحة
____________
(1) الوسائل الباب 57 من مواقيت الصلاة رقم 5 و 15.
(2) الوسائل الباب 16 من مواقيت الصلاة رقم 14.
(3) سورة البقرة الآية 181.
(4) سورة النساء الآية 32.
(5) سورة الحج الآية 77.
(6) الجامع الصغير ج 1 ص 125 و كنز العمال ج 6 ص 111 كما هنا، و في الذكرى «السمحة السهلة» و في تاريخ بغداد ج 7 ص 209 «السمحة أو السهلة».
(7) الوسائل الباب 29 من الخلل في الصلاة.
(8) سورة العلق الآية 9 و 10.
(9) الوسائل الباب 42 من أحكام المساجد و المستدرك الباب 10 من أعداد الفرائض.
(10) الوسائل الباب 11 من الخلل في الصلاة.
31
القراءة و عدم التورع من النجاسات و الشبهات و عدم المحافظة على أفعالها و نحو ذلك- فإنه لا ريب ان القضاء حسن بل أحسن عملا باخبار الاحتياط في الدين، و اما مع يقين الصحة و يقين البراءة فإشكال يأتي التنبيه عليه ان شاء الله تعالى في المطلب الآتي
المسألة التاسعة [قضاء الفرض المختلف باعتبار أول الوقت و آخره]
- من فاته الفرض المختلف باعتبار أول الوقت و آخره كمن دخل عليه الوقت و هو حاضر ثم سافر قبل الصلاة و بالعكس هل يقضى لو فاتته و الحال هذه باعتبار وقت الوجوب و هو الأول أو وقت الفوات و هو الثاني؟ قولان و الأشهر الأظهر الثاني و هو الاعتبار بحال الفوات فيبني على وجوب الأداء في المسألة، فإن كان الواجب فيه التمام مطلقا كما هو أحد الأقوال وجب القضاء تماما و ان كان القصر مطلقا وجب القضاء كذلك و ان كان التفصيل فكذلك، و بالجملة فالمراعى ما وجب عليه أداؤها من قصر أو تمام، فمعنى حال الفوات يعنى الحالة التي فاتت عليها الفريضة و وجب أداؤها عليها. و قيل ان الاعتبار بحال الوجوب و نقل عن السيد المرتضى و ابن الجنيد.
و يدل على المشهور
قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة (1) «يقضي ما فاته كما فاته».
و لا يتحقق الفوات إلا عند خروج الوقت.
و استدل على القول الآخر برواية
زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل دخل وقت الصلاة و هو في السفر فأخر الصلاة حتى قدم فهو يريد ان يصليها إذا قدم إلى أهله فنسي حين قدم إلى أهله أن يصليها حتى ذهب وقتها؟ قال يصليها ركعتين صلاة المسافر لان الوقت دخل و هو مسافر كان ينبغي أن يصليها عند ذلك».
و ردها المتأخرون بضعف الاسناد، و أجاب عنها في المعتبر باحتمال أن يكون دخل مع ضيق الوقت عن أداء الصلاة أربعا فيقضي على وقت إمكان الأداء.
أقول: و يمكن أن يقال لعل هذا الخبر انما خرج بناء على ان فرض هذا الداخل الصلاة أداء بالقصر كما هو أحد الأقوال في المسألة، و حينئذ فالقضاء تابع لذلك فيكون
____________
(1) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 6 من قضاء الصلوات.
32
الخبر موافقا لما هو المشهور من الاعتبار بحال الفوات، و ليس في التعليل المذكور في الرواية منافاة لما ذكرنا، إذ غاية ما يدل عليه ان استقرار الركعتين في ذمته باعتبار دخول الوقت في السفر و هو مما لا إشكال فيه. و كيف كان فالاحتياط مما لا ينبغي تركه. و الله العالم.
المطلب الثاني- في القضاء عن الأموات
، [أخبار العبادة عن الأموات و قضاء ديونه الشاملة للصلاة]
و حيث ان هنا جملة من الاخبار المتعلقة بقضاء الصلاة عن الأموات ذكرها السيد الزاهد العابد رضى الدين أبو القاسم على بن طاوس الحسيني (عطر الله مرقده) في كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى و قصد بها بيان قضاء الصلاة عن الأموات، و قد نقلها جملة من أصحابنا: منهم- شيخنا الشهيد في الذكرى و شيخنا المجلسي في البحار و غيرهما فأحببنا أولا إيرادها ثم إردافها ان شاء الله تعالى بالأبحاث الشافية المتعلقة بالمقام و التحقيقات الوافية الداخلة في سلك هذا النظام:
فنقول: الأول-
ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) «ان الصادق (عليه السلام) سأله عمر بن يزيد أ يصلى عن الميت؟ قال نعم حتى انه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك الضيق ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك عنك».
الثاني-
ما رواه على بن جعفر في مسائله عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: «حدثني أخي موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سألت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الرجل هل يصلح له أن يصلى أو يصوم عن بعض موتاه؟ قال نعم فيصلي ما أحب و يجعل تلك للميت فهو للميت إذا جعل ذلك له».
قيل و لفظ «ما أحب» للعموم و جعلها نفسها للميت دون ثوابها ينفي أن يكون هدية صلاة مندوبة.
الثالث-
من مسائله أيضا عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) «و سأله عن الرجل هل يصلح أن يصلى و يصوم عن بعض أهله بعد موته؟ قال نعم يصلى ما أحب و يجعل ذلك
____________
(1) الوسائل الباب 28 من الاحتضار.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
33
للميت فهو للميت إذا جعله له».
الرابع-
ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي بإسناده الى محمد بن عمر بن يزيد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يصلى عن الميت؟ قال نعم حتى انه ليكون في ضيق فيوسع عليه ذلك ثم يؤتى فيقال له خفف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك».
الخامس-
ما رواه الشيخ بإسناده إلى عمار الساباطي من كتاب أصله المروي عن الصادق (عليه السلام) (2) «و عن الرجل يكون عليه صلاة أو يكون عليه صوم هل يجوز له ان يقضيه رجل غير عارف؟ قال لا يقضيه إلا رجل مسلم عارف».
السادس-
ما رواه الشيخ بإسناده الى محمد بن ابى عمير عن رجاله عن الصادق (عليه السلام) (3) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال يقضيه أولى الناس به».
السابع-
ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب الكليني بإسناده الى محمد بن ابى عمير عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال يقضى عنه أولى الناس به».
الثامن- هذا الحديث بعينه عن حفص بطريق آخر الى كتابه الذي هو من الأصول (5).
التاسع-
ما روى في أصل هشام بن سالم من رجال الصادق و الكاظم (عليهما السلام) و يروى عنه ابن ابى عمير، قال هشام في كتابه: و عنه (عليه السلام) (6) قال:
«قلت يصل الى الميت الدعاء و الصدقة و الصلاة و نحو هذا؟ قال نعم «قلت و يعلم من صنع ذلك به؟ قال نعم» ثم قال يكون مسخوطا عليه فيرضى عنه».
و ظاهره انه من الصلاة الواجبة التي تركها لأنها سبب للسخط.
العاشر-
ما رواه على بن أبي حمزة في أصله و هو من رجال الصادق و الكاظم
____________
(1) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان. و الوارد «اولى الناس بميراثه».
(5) الذكرى ص 74 عن كتاب غياث سلطان الورى.
(6) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
34
(عليهما السلام) (1) قال: «و سألته عن الرجل يحج و يعتمر و يصلى و يصوم و يتصدق عن والديه و ذوي قرابته؟ قال لا بأس به يؤجر في ما يصنع و له أجر آخر بصلته قرابته. قلت و ان كان لا يرى ما أرى و هو ناصب؟ قال يخفف عنه بعض ما هو فيه».
أقول: و هذا ايضا مما ذكره ابن بابويه في كتابه (2).
الحادي عشر-
ما رواه الحسين بن الحسن العلوي الكوكبي في كتاب المنسك بإسناده الى على بن أبي حمزة (3) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) أحج و أصلي و أتصدق عن الأحياء و الأموات من قرابتي و أصحابي؟ قال نعم تصدق عنه و صل عنه و لك أجر آخر بصلتك إياه».
قال ابن طاوس (قدس سره) يحمل في الحي على ما يصح فيه النيابة من الصلوات و يبقى الميت على عمومه.
الثاني عشر-
ما رواه الحسن بن محبوب في كتاب المشيخة عن الصادق (عليه السلام) (4) انه قال: «يدخل على الميت في قبره الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و البر و الدعاء، قال و يكتب أجره للذي يفعله و للميت».
و هذا الحسن بن محبوب يروى عن ستين رجلا من رجال ابى عبد الله (عليه السلام) و روى عن الرضا (عليه السلام) و قد دعا له الرضا و اثنى عليه فقال في ما كتبه (عليه السلام) (5) «ان الله قد أيدك بحكمة و أنطقها على لسانك قد أحسنت و أصبت أصاب الله بك الرشاد و يسرك للخير و وفقك لطاعته».
الثالث عشر-
ما رواه ابن ابى عمير بطريق آخر عن الامام (عليه السلام) (6) «يدخل على الميت في قبره الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و البر و الدعاء، قال و يكتب أجره للذي يفعله و للميت».
الرابع عشر-
ما رواه إسحاق بن عمار (7) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(2) ج 1 ص 117 قال: «و يجوز أن يجعل الحي حجته أو عمرته أو بعض صلاته أو بعض طوافه لبعض أهله.».
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(5) الذكرى ص 74.
(6) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(7) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات. و ما في الكتاب يوافق ما في الذكرى و الوسائل القديمة، و في الوسائل الحديثة «محمد بن إسحاق بن عمار قال سألت أبا عبد الله.».
35
يقول: يدخل على الميت في قبره الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و البر و الدعاء، قال و يكتب أجره للذي يفعله و للميت».
الخامس عشر-
روى ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) (1) «يدخل على الميت في قبره الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و العتق».
السادس عشر-
ما رواه عمر بن محمد بن يزيد (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الصلاة و الصوم و الصدقة و الحج و العمرة و كل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه و يقال ان هذا بعمل ابنك فلان و بعمل أخيك فلان، أخوه في الدين».
قال السيد (رحمه الله) «أخوه في الدين» إيضاح لكل ما يدخل تحت عمومه من الابتداء بالصلاة عن الميت أو بالإجارات.
السابع عشر-
ما رواه على بن يقطين- و كان عظيم القدر عند ابى الحسن موسى (عليه السلام) له كتاب المسائل- عنه (عليه السلام) (3) قال: «و عن الرجل يتصدق عن الميت و يصوم و يعتق و يصلى؟ قال كل ذلك حسن يدخل منفعته على الميت».
الثامن عشر-
ما رواه على بن إسماعيل الميثمي في أصل كتابه قال حدثني كردين (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الصدقة و الحج و الصوم يلحق الميت؟
قال نعم. قال فقال هذا القاضي خلفي و هو لا يرى ذلك. قال قلت و ما أنا و ذا فوالله لو أمرتني أن أضرب عنقه لضربت عنقه. قال فضحك. قال: و سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة على الميت أ تلحق به. قال نعم. قال: و سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت انى لم أتصدق بصدقة منذ ماتت أمي إلا عنها؟ قال نعم. قلت افترى غير ذلك؟ قال نعم نصف عنك و نصف عنها. قلت أ يلحق بها؟ قال نعم».
قال السيد: قوله «الصلاة
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 117 و في الوسائل الباب 28 من الاحتضار.
(2) الذكرى ص 74 عن كتاب غياث سلطان الورى.
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(4) الذكرى ص 74 و في الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
36
على الميت» أي التي كانت على الميت أيام حياته. و لو كانت ندبا كان الذي يلحقه ثوابها دون الصلاة نفسها.
التاسع عشر-
ما رواه حماد بن عثمان في كتابه (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الصلاة و الصوم و الصدقة و الحج و العمرة و كل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه و يقال هذا بعمل ابنك فلان أو بعمل أخيك فلان، أخوه في الدين».
العشرون-
ما رواه عبد الله بن جندب (2) قال: «كتبت الى ابى الحسن (عليه السلام) اسأله عن الرجل يريد أن يجعل أعماله من الصلاة و البر و الخير أثلاثا ثلثا له و ثلثين لأبويه أو يفردهما من أعماله بشيء مما يتطوع به و ان كان أحدهما حيا و الآخر ميتا؟ فكتب الى: أما الميت فحسن جائز و أما الحي فلا إلا البر و الصلة».
قال السيد:
لا يراد بهذه الصلاة المندوبة لأن الظاهر جوازها عن الأحياء في الزيارات و الحج و غيرهما.
الحادي و العشرون- ما رواه محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري (3) انه كتب الى الكاظم مثله و أجابه بمثله.
الثاني و العشرون-
ما رواه ابان بن عثمان عن على بن مسمع (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أمي هلكت و لم أتصدق بصدقة. كما تقدم الى قوله أ فيلحق ذلك بها؟ قال (عليه السلام) نعم. قلت و الحج؟ قال نعم. قلت و الصلاة؟ قال نعم. قال ثم سألت أبا الحسن (عليه السلام) بعد ذلك ايضا عن الصوم فقال نعم».
الثالث و العشرون-
ما رواه الكليني بإسناده الى محمد بن مروان (5) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام) ما يمنع الرجل منكم أن يبر و الدية حيين و ميتين يصلى عنهما و يتصدق عنهما و يحج عنهما و يصوم عنهما فيكون الذي صنع لهما و له مثل ذلك فيزيده الله ببره و صلته خيرا كثيرا».
____________
(1) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(5) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
37
الرابع و العشرون-
عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «الصلاة التي دخل وقتها قبل أن يموت الميت يقضى عنه أولى الناس به».
ثم ذكر (قدس سره) عشرة أحاديث تدل بطريق العموم قال:
الأول-
ما رواه عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و فعاله الحسن».
الثاني-
ما رواه صفوان بن يحيى (3)- و كان من خواص الرضا و الجواد (عليهما السلام) و روى عن أربعين رجلا من أصحاب الصادق (عليه السلام) قال «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و فعاله الحسن».
الثالث-
ما رواه محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و فعاله الحسن».
الرابع-
ما رواه العلاء بن رزين في كتابه (5)- و هو أحد رجال الصادق (عليه السلام)- قال: «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و فعاله الحسن».
الخامس-
ما رواه البزنطي- و كان من رجال الرضا (عليه السلام) (6)- قال «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و فعله الحسن».
السادس-
ما ذكره صاحب الفاخر مما أجمع عليه و صح من قول الأئمة (عليهم السلام) (7) قال: «و يقضى عن الميت أعماله الحسنة كلها».
السابع-
ما رواه ابن بابويه عن الصادق (عليه السلام) (8) قال: «من عمل من المسلمين عن ميت عملا صالحا أضعف الله له اجره و نفع الله به الميت».
الثامن-
ما رواه عمر بن يزيد (9) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من عمل من المؤمنين عن ميت عملا صالحا أضعف الله اجره و ينعم بذلك الميت».
التاسع-
ما رواه العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(5) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(6) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(7) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(8) الوسائل الباب 28 من الاحتضار.
(9) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
38
السلام) (1) قال: «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و فعاله الحسن».
العاشر-
ما رواه حماد بن عثمان في كتابه (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من عمل من المؤمنين عن ميت عملا صالحا أضعف الله اجره و ينعم بذلك الميت».
قال الشهيد: و روى يونس عن العلاء عن عبد الله بن ابى يعفور عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «يقضى عن الميت الحج و الصوم و العتق و الفعل الحسن».
و مما يصلح هنا
ما أورده في التهذيب بإسناده عن عمر بن يزيد (4) قال:
«كان أبو عبد الله (عليه السلام) يصلى عن ولده في كل ليلة ركعتين و عن والديه في كل يوم ركعتين. قلت جعلت فداك كيف صار للولد الليل؟ قال لان الفراش للولد.
قال: و كان يقرأ فيهما القدر و الكوثر».
قال: «فان هذا الحديث يدل على وقوع الصلاة عن الميت من غير الولد كالأب، و هو حجة على من ينفى الوقوع أصلا أو ينفيه إلا من الولد.
قال في الذخيرة: قلت يفهم من هذا الكلام وقوع الخلاف في وقوع الصلاة عن الميت ثم في عدم اختصاصه بقضاء الولد عن الوالد، و سيجيء ما يدل على اتفاق الإمامية على وقوع الصلاة عن الميت و عدم اختصاصه بالولد نقلا عن كلام الشهيد.
و لعل الخلاف الذي يفهم ههنا مخصوص بالعامة أو مستند الى بعض الأصحاب المعاصرين للشهيد أو السيد أو غيرهم ممن لا يرون مخالفته قادحة في الإجماع.
ثم ذكر السيد (قدس سره) ان الصلاة دين و كل دين يقضى عن الميت، أما ان الصلاة تسمى دينا ففيه أربعة أحاديث:
الأول-
ما رواه حماد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) في اخباره عن لقمان (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
(4) الوسائل الباب 28 من الاحتضار. و في التهذيب ج 1 ص 132 و الوسائل.
(5) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
«و كان يقرأ فيهما انا أنزلناه في ليلة القدر و انا أعطيناك الكوثر».
39
«و إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها و استرح منها فإنها دين».
الثاني-
ما ذكره ابن بابويه في باب آداب المسافر (1) «إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها و استرح منها فإنها دين».
الثالث-
ما رواه ابن بابويه في كتاب معاني الأخبار بإسناده الى محمد بن الحنفية في حديث الأذان لما اسرى بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) الى قوله: «ثم قال حي على الصلاة قال الله جل جلاله فرضتها على عبادي و جعلتها لي دينا».
إذا روى بفتح الدال الرابع-
ما رواه حريز بن عبد الله عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قلت له رجل عليه دين من صلاة قام يقضيه فخاف ان يدركه الصبح و لم يصل صلاة ليلته تلك؟ قال يؤخر القضاء و يصلى صلاة ليلته تلك».
و أما قضاء الدين عن الميت
فلقضية الخثعمية (4) لما سألت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله).
____________
(1) الوسائل الباب 52 من آداب السفر. و الحديث عن حماد عن الصادق «ع» نقلا عن لقمان و عليه يتحد الحديثان.
(2) مستدرك الوسائل نوادر ما يتعلق بأبواب الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 61 من المواقيت عن كتاب غياث سلطان الورى.
(4)
المذكور في سنن ابى داود ج 1 ص 286 و غيره من كتب أحاديث العامة اللفظ الآتي أو ما قاربه: عن ابن عباس عن النبي (ص) «جاءته امرأة من خثعم فقالت ان فريضة الله على عباده في الحج أدركت ابى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أ فأحج عنه؟ قال نعم».
و رواه في تيسير الوصول ج 1 ص 331 عن الستة، و رواه في الوسائل عن الشيخ المفيد في المقنعة في الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.
و في سنن البيهقي ج 4 ص 328 بعد أن نقل الحديث كما تقدم بعدة طرق و منها طريق سفيان قال قال سفيان و كان عمرو بن دينار حدثناه أولا عن الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس فقال فيه «أو ينفعه ذلك؟
يا رسول الله «ص»؟ قال نعم كما لو كان على أحدكم دين فقضاه».
ثم قال فلما جاءنا الزهري حدثناه فتفقدته فلم يقل هذا الكلام الذي رواه عنه عمرو. انتهى. و قد نقل ذلك الشيخ في الخلاف ص 156. نعم
في سنن النسائي ج 2 ص 5 عن ابن عباس قال: «قال رجل يا رسول الله «ص» ان ابى مات و لم يحج أ فأحج عنه؟ قال أ رأيت لو كان على أبيك دين أ كنت قاضيه؟ قال نعم. قال فدين الله أحق».
فالحديث المنقول في الكتاب عن السيد باللفظ المتقدم لم نقف عليه في كتب الحديث و يجوز أن يكون قد تداخلت ألفاظ الحديث الثاني بالأول فظهر الحديث بهذه الصورة.
40
فقالت يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان أبى أدركته فريضة الحج شيخا زمنا لا يستطيع أن يحج ان حججت عنه أ ينفعه ذلك؟ فقال لها أ رأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أ كان ينفعه ذلك؟ قالت نعم. قال فدين الله أحق بالقضاء.
قال السيد: و يدل على أن القضاء عن الميت أمر مشروع تعاقد صفوان ابن يحيى و عبد الله بن جندب و على بن النعمان في بيت الله الحرام ان من مات منهم يصلى من بقي صلاته و يصوم عنه و يحج عنه ما دام حيا، فمات صاحباه و بقي صفوان فكان يفي لهما بذلك فيصلي كل يوم و ليلة خمسين و مائة ركعة (1) و هؤلاء من أعيان مشايخ الأصحاب و الرواة عن الأئمة (عليهم السلام).
قال السيد: انك إذا اعتبرت كثيرا من الأحكام الشرعية وجدت الأخبار فيها مختلفة حتى صنفت لأجلها كتب و لم تستوعب الخلاف، و الصلاة عن الأموات قد ورد فيها مجموع أخبار و لم نجد خبرا واحدا يخالفها، و من المعلوم ان هذا المهم في الدين لا يخلو عن شرع بقضاء أو ترك فإذا وجد المقتضى و لم يوجد المانع علم موافقة ذلك للحكمة الإلهية. انتهى كلامه زيد في الخلد إكرامه و مقامه.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان تحقيق الكلام في هذا المقام و تفصيل ما اشتمل عليه جملة هذه الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) و الإحاطة بما فيها من نقض و إبرام يقتضي بسطها في مسائل:
[المسألة] الأولى [هل يشرع قضاء ما لم تشتغل ذمة الميت به؟]
- المستفاد من هذه الأخبار و كذا من كلام علمائنا الأبرار من غير خلاف يعرف جواز الصلاة عن الميت بان يصلى نيابة عنه كما انه يجوز أن يحج نيابة عنه أو انه يصلى لنفسه ثم يجعل ثوابها و أجرها له.
____________
(1) رجال النجاشي ص 140 و فهرست الشيخ ص 83.
41
هذا بالنسبة إلى الصلوات المستحبة و أكثر الأخبار المتقدمة إنما خرجت هذا المخرج، و أما الواجبة فإنه يجوز ايضا أن يصليها نيابة عنه و ان لم يكن ولده و لا وليه، إلا أن الفاضل الخراساني في الذخيرة قال ان الفتوى بذلك لم يكن مشهورا في كتب القدماء و انما اشتهر بين أصحابنا المتأخرين، و المشهور في كتب السابقين قضاء الولي عن الميت حسب. انتهى. و هو جيد.
بقي الإشكال هنا في انه هل ينحسب جواز القضاء في الواجبة الى ما لو لم تكن ذمة الميت مشغولة بالعبادة كالصلاة اليومية بأن يصليها عنه و ان علم فراغ ذمته منها أم لا؟ ظاهر الجماعة ذلك، و عليه جرى من عاصرناه من مشايخنا في بلادنا البحرين حتى ان الرجل منهم يوصى بعقار يصرف حاصله في العبادة و الصلاة اليومية عنه الى يوم القيامة، و شاهدنا جملة من العلماء يعملون بتلك العبادات من غير توقف و لا تناكر، و الظاهر ان عمدة ما استدلوا به على ذلك حكاية صفوان بن يحيى المتقدمة.
و لم اطلع على من توقف في هذا الحكم و ناقش فيه إلا الفاضل المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة فإنه قال- بعد ذكره هذا الفرع المذكور و تقديم جملة الأخبار التي قدمناها- ما صورته: و فيه اشكال نظرا الى ان شرعية العبادات تحتاج الى توقيف الشرع و ليس ههنا أمر دال على ذلك بحيث ينسد به باب التوقف و الإشكال، فإن الأخبار المذكورة غير واضحة الدلالة على العموم، و لو سلم لا يبعد أن يكون المراد بالصلاة فيها الصلاة المشروعة بالنسبة إلى المكلف بناء على أن لفظة الصلاة موضوعة للصحيحة الشرعية لا طبيعة الأركان مطلقا، و إذا كان الأمر كذلك كان محصل النص أن كل صلاة يصح شرعا أن يفعله المكلف فله أن يجعله للميت فلا يستفاد منه الجواز. و أما قضية صفوان فقد ذكرها النجاشي بلفظ «روى» و الشيخ أطلق ذكرها و لم يذكر لها سندا و طريقا، و المسامحة في نقل أمثال هذه الحكايات التي لم يكن الغرض الأصلي من إيرادها تأسيس حكم شرعي شائع غالب،
42
فبهذا الاعتبار يحصل نوع شك في صحة الاستناد الى الأمر المذكور فيحصل الشك في المسألة حتى يفتح الله و يسهل طريق معرفتها. انتهى. و هو جيد، و الى ذلك ايضا يميل كلام شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار.
و الظاهر عندي هو العدم و ان كان ظاهر كلاميهما (طاب ثراهما) انما هو التوقف و الاستشكال لعدم وقوفهم على دليل صريح في ثبوت هذا الحكم و عدمه في هذا المجال، مع انه
قد روى الشيخ في الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟
قال هل برئت من مرضها؟ قلت لا ماتت فيه. قال لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها. قلت فإني اشتهى أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك؟ قال فكيف تقضى شيئا لم يجعله الله عليها».
(فان قيل) ان مورد الرواية مخصوص بالصوم فلا يتعدى الى غيره إلا بدليل (قلنا) موضع الاستدلال في الخبر انما هو قوله (عليه السلام) في الجواب بعد نهيه عن القضاء في الصورة المذكورة المؤذن بالتحريم و تعليله التحريم بان الله لم يجعله عليها المؤذن بأن القضاء كائنا ما كان انما يكون لما ثبت في الذمة و اشتغلت به و كان مخاطبا به من قبله سبحانه، ثم تأكيد ذلك بعد مراجعة السائل بالاستفهام الإنكاري بقوله (عليه السلام) «فكيف تقضى شيئا لم يجعله الله عليها».
و بالجملة فإن هذا الخبر كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة في ان القضاء عن الغير لا يشرع إلا مع استقرار الأداء في ذمته، مضافا الى ما عرفت في كلام الفاضل المتقدم من أن العبادات مبنية على التوقيف ثبوتا و عدما و الثابت هنا بموجب هذا الخبر انما هو العدم. و لم أقف على من تنبه للاستدلال بالخبر المذكور في هذا المقام مع انه كما ترى واضح الدلالة في ما ادعيناه، و لا معارض له في البين إلا حكاية صفوان المذكورة، و من الظاهر قصورها عن المعارضة من جهات عديدة. و الله العالم.
____________
(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
43
المسألة الثانية [هل يجب الترتيب في القضاء عن الميت؟]
- قد تقدم ان الأشهر الأظهر وجوب الترتيب على القاضي عن نفسه مع العلم بالترتيب، أما لو كان القضاء عن الغير فهل يجب ذلك بمعنى انه لا يصح أن يقضى عن الميت اثنان أو ثلاثة مثلا دفعة واحدة بل لا بد أن يكون أحدهم بعد الآخر أو أن يكون القاضي عنه متحدا؟ ظاهر الأصحاب الأول كما في قضاء الإنسان عن نفسه.
و قد وقفت في هذا المقام على كلام جيد للسيد الفاضل المحقق السيد نعمة الله الجزائري (نور الله تعالى تربته) يتضمن القول بعدم الوجوب في شرحه على التهذيب، حيث قال بعد ذكر المسألة: الذي أفتى به أكثر مشايخنا المعاصرين هو وجوب الترتيب، و لهذا أمروا بتوزيع الأوقات و تقسيمها بين المستأجرين حتى لا يصلى اثنان عن الميت في وقت واحد، و الذي لا يزال يختلج بخاطري من البحث عن حقيقة الأخبار هو القول الثاني، و ذلك ان اخبار هذا الباب من
قوله (عليه السلام) (1): «من فاتته فريضة».
و من هذا الخبر الذي نحن بصدد الكلام فيه هو قضاء المكلف ما في ذمته، و ذلك انه يجب عليه تفريغ الذمة من ما تعلق بها أو لا فأولا شيئا بعد شيء لعدم إمكان المبادرة إلى تفريغها من تلك الواجبات كلها دفعة واحدة و إذا لم يمكن هذا وجب ذلك، بخلاف الميت فإنه إذا مات لم تبق له ذمة كذمة الحي و لهذا بطلت الأحكام المنوطة بها كأجل الدين و أكثر الإجارات و أحكام الفلس و نحوها، و حينئذ فقد بقي مشغولا بما فاته من الواجبات، و المبادرة إلى رفعها و رفع عذابها عنه مهما أمكن هو الأولى، لأنه كما ورد في الأخبار يضيق عليه من جهتها فإذا قضيت عنه أسرعت اليه ملائكة الرحمة و وسعوا عليه من جهة قضاء العبادة عنه، فإذا أمكن رفعها عنه دفعة واحدة أو ما هو قريب منها كان هو الأحسن. الى ان قال: على ان الأخبار التي استدلوا بها على القضاء عن الميت عامة شاملة لموضع النزاع.
و بالجملة فالقول بعدم الترتيب هنا لعله الأولى، و قد استدل لهذا القول من بعض
____________
(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 22.
44
المعاصرين إلا انه لم يذكر هذا الكلام بل جعل عدم الدليل دليلا على العدم. انتهى كلام السيد المزبور و هو جيد وجيه.
و يكفينا في القول بذلك ما نقله عن بعض معاصريه من عدم وجود الدليل في الصورة المذكورة على وجوب الترتيب، إذ لا تكليف إلا بعد البيان و لا مؤاخذة إلا بعد اقامة البرهان، فان ما ورد من الأخبار الدالة على وجوب الترتيب (1) مورده قضاء الإنسان عن نفسه كما عرفت، و ما ذكره (قدس سره) علاوة ظاهر الوجاهة، و على هذا جرى من عاصرناه من مشايخنا في بلاد البحرين. و الله العالم.
المسألة الثالثة [الاستئجار للصلاة و الصوم عن الميت]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في ما أعلم في جواز الاستئجار للصلاة و الصوم عن الميت، إلا ان بعض متأخري المتأخرين ممن سيأتي نقل كلامه ناقش في ذلك، و الظاهر ضعفه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
قال السيد الزاهد العابد المجاهد رضى الدين بن طاوس (عطر الله مرقده) في كتاب غياث سلطان الورى لسكان الثرى: و قد حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ ابى جعفر محمد بن الحسين الشوهاني انه كان يجوز الاستئجار عن الميت، و استدل ابن زهرة على وجوب قضاء الولي الصلاة بالإجماع على انها تجري مجرى الصوم و الحج. و قد سبقه ابن الجنيد بهذا الكلام حيث قال: و العليل إذا وجبت عليه الصلاة و أخرها عن وقتها الى ان فاتت قضاها عنه وليه كما يقضى حجة الإسلام و الصيام. قال و كذلك روى أبو يحيى عن إبراهيم بن هشام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) فقد سويا بين الصلاة و بين الحج، و لا ريب في جواز
____________
(1) ص 22 و 23.
(2) لم نقف على رواية بهذا السند في مورد الكلام، و في الذكرى في نسخة «أبو يحيى بن إبراهيم ابن سالم» و يجوز ان يكون تصحيف في العبارة. نعم ورد في رواية صفوان بن يحيى عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (ع) المذكورة في الوسائل في الباب 28 من الاحتضار ما يتعلق بالمورد.
45
الاستئجار على الحج.
و قال شيخنا الشهيد في الذكرى بعد نقل هذا الكلام: الاستئجار على فعل الصلاة الواجبة بعد الوفاة مبنى على مقدمتين (إحداهما) جواز الصلاة عن الميت و هذه اجماعية و الأخبار الصحيحة ناطقة بها كما تلوناه. و (الثانية) ان كلما جازت الصلاة عن الميت جاز الاستئجار عنه، و هذه المقدمة داخلة في عموم الاستئجار على الأعمال المباحة التي يمكن أن تقع للمستأجر، و لا يخالف فيها أحد من الإمامية بل و لا من غيرهم، لان المخالف من العامة إنما منع لزعمه انه لا يمكن وقوعها للمستأجر عنه (1) أما من يقول بإمكان وقوعها له و هم جميع الإمامية فلا يمكنه القول بمنع الاستئجار إلا ان يخرق الإجماع في إحدى المقدمتين، على ان هذا النوع قد انعقد عليه الإجماع من الإمامية الخلف و السلف من عهد المصنف و ما قبله الى زماننا هذا، و قد تقرر أن إجماعهم حجة قطعية (فإن قلت) فهلا اشتهر الاستئجار على ذلك و العمل به عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) كما اشتهر الاستئجار على الحج حتى علم من المذهب ضرورة (قلت) ليس كل واقع يجب اشتهاره و لا كل مشهور يجب الجزم بصحته فرب مشهور لا أصل له و رب متأصل لم يشتهر، إما لعدم الحاجة إليه في بعض الأحيان أو لندور وقوعه، و الأمر في الصلاة كذلك فان
____________
(1) في بدائع الصنائع ج 2 ص 212 ان العبادات البدنية المحضة كالصلاة و الصوم لا تقبل النيابة عن الحي و الميت
لقوله (ص) «لا يصوم أحد عن أحد و لا يصلى أحد عن أحد».
و العبادة المالية المحضة كالزكاة و الصدقات تجوز فيها النيابة لأن الغاية إخراج المال، و البدنية المالية كالحج تجوز النيابة فيه عن الحي العاجز أو الميت و قد وجب عليه لقوله (ص) «حق الله أحق أن يقضى» و في ص 221 قال: «من وجب عليه الحج و مات و لم يوص به أثم و يسقط عنه في أحكام الدنيا لان العبادات تسقط بالموت مالية أو بدنية» و الشافعي في الأم ج 2 ص 98 نفى الخلاف في جواز النيابة عن الميت في الحج، و لم يخالف فيه ابن قدامة في المغني ج 3 ص 234، و للتفصيل يرجع الى المحاضرات تقرير بحث آية الله الخوئي ص 389.
46
سلف الشيعة كانوا على ملازمة الفريضة و النافلة على حد لا يقع من أحد منهم إخلال بها إلا لعذر يعتد به كمرض موت أو غيره، و إذا اتفق فوات فريضة بادروا الى فعلها لأن أكثر قدمائهم على المضايقة المحصنة فلم يفتقروا الى هذه المسألة و اكتفوا بذكر قضاء الولي لما فات الميت من ذلك على طريق الندور، و يعرف هذه الدعاوي من طالع كتب الحديث و الفقه و سيرة السلف معرفة لا يرتاب فيها، فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير و استولى عليهم فتور الهمم حتى آل الحال إلى انه لا يوجد من يقوم بكمال السنن إلا أو حديهم و لا يبادر بقضاء الفائت إلا أقلهم، فاحتاجوا الى استدراك ذلك بعد الموت لظنهم عجز الولي عن القيام به، فوجب رد ذلك الى الأصول المقررة و القواعد الممهدة و في ما ذكرناه كفاية. انتهى. و هو جيد متين.
و اعترضه المولى محمد باقر الخراساني في الذخيرة- بعد أن ذكر سابقا ما قدمنا نقله عنه آنفا من أن الفتوى بذلك لم تكن مشهورة في كتب القدماء- فقال بعد نقل هذا الكلام: قلت ملخص ما ذكره الشهيد ان الحكم بجواز الاستئجار للميت مبنى على الإجماع على ان كل أمر مباح يمكن أن يقع للمستأجر يجوز الاستئجار فيه، و قد نبهت مرارا بأن إثبات الإجماع في زمن الغيبة في غاية الإشكال خصوصا في مثل هذه المسألة التي لم تشتهر في سالف الأعصار و قد خلت منها مصنفات القدماء و العظماء. ثم ان قوله (قدس سره) «على ان هذا النوع قد انعقد عليه الإجماع. الى آخره» يدل على انه زعم انعقاد الإجماع عليه في زمان السيد و ما قاربه، و لا يخفى ان دعوى انعقاد الإجماع بالمعنى المعروف بين الشيعة في مثل تلك الأزمان بين التعسف واضح الجزاف. ثم ما ذكره في تعليل عدم اشتهار هذا الحكم بين السلف لا يخلو عن تكلف، فان ما ذكره من ملازمة الشيعة على مداومة الصلوات و حفظ حدودها و الاستباق و المسارعة إلى قضاء فوائتها على تقدير تمامه انما يجرى في العلماء و أهل التقوى منهم لاعوامهم و أدانيهم و عموم السفلة و الجهلة منهم، و يكفى ذلك داعيا للافتقار الى هذه المسألة و الفتوى بها و اشتهار العمل بها لو كان لها أصل. و بالجملة للنظر
47
في هذه المسألة وجه فتدبر. انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه فإنه عنده ظاهر البطلان غنى عند التأمل عن البيان:
(أما أولا) فلان قوله «قلت ملخص ما ذكره الشهيد. الى قوله الفقهاء و العظماء» مردود (أولا) بأن هذا الإجماع الذي ادعاه الشهيد و ادعى به صحة الاستئجار في كل الأعمال المباحة التي يمكن أن تقع للمستأجر عنه، ان كان المناقشة فيه انما هو بالنسبة إلى الصلاة و الصوم فهذا مما لا معنى له عند المحصل لانه متى سلم تلك القاعدة الكلية فعليه في استثناء ما ذكره الدليل، و ان كان بالنسبة إلى أصل الكلية فالواجب عليه طلب الدليل في كل فرد فرد من افراد الإجارات و ان لا تجوز الإجارة في عمل من الأعمال و لا فعل من الأفعال إلا بنص خاص بذلك الجزئي يدل على جواز الإجارة فيه بخصوصه و إلا فلا و لا أراه يلتزمه، بل لو انفتح هذا الباب لأدى إلى اطراده في جميع أبواب المعاملات من البيوع و المصالحات و السلم و المساقاة و نحو ذلك، فيشترط في كل فرد فرد مما يجرى فيه أحد هذه العقود ورود نص فيه و إلا فلا يجوز أن يدخله البيع و نحوه من تلك المعاملات، إذ العلة واحدة في الجميع و المناقشة تجري في الكل، مع انه لا يرتاب هو و لا غيره في أن المدار في جميع المعاملات انما هو على ما يدخل به ذلك الفرد الذي يراد اجراء تلك المعاملة عليه في جملة أفرادها الشائعة و ينتظم به في جملة جزئياتها الذائعة إلا أن يقوم على المنع دليل من خارج، و هذه قاعدة كلية في جميع المعاملات، فان سلمها و قال بها لزمه اجراء ذلك في محل البحث فإنه أحد أفرادها إلا ان يأتي بدليل على إخراجه، و ان منعها- و لا أراه يتجشمه- فهو محجوج بما ذكرناه و انى له بالمخرج.
و (ثانيا)- ان الشهيد (قدس سره) لم يستند هنا الى مجرد الإجماع و انما استند أولا إلى عموم ما دل على الإجارة في الأعمال المباحة ثم أردفه باتفاق الإمامية لأنه قال: و هذه المقدمة داخلة في عموم الاستئجار على الأعمال المباحة أي عموم
48
أدلة الاستئجار بمعنى أن دليلها عموم الأدلة الدالة على الاستئجار على الأعمال المباحة، ثم قال و لا يخالف فيها أحد من الإمامية. الى آخره، فاستند أولا إلى عموم الأدلة، و ثانيا إلى الإجماع، و هذا هو الواقع و الجاري في جميع المعاملات، فان هذه القواعد كما انها متفق عليها بين الأصحاب منصوصة في جميع أبواب المعاملات من اجارة و غيرها، فالمدعى لإخراج فرد من افراد بعض تلك القواعد عليه اقامة الدليل.
و من الأخبار الدالة على هذه القاعدة بالنسبة إلى الإجارة
ما رواه الحسن بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) (1) في وجوه المعايش قال: و اما تفسير الإجارات فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابته أو ثوبه بوجه الحلال من جهات الإجارات أن يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئا يملكه في ما ينتفع به من وجوه المنافع، أو العمل بنفسه و ولده و مملوكه أو أجيره من غير أن يكون وكيلا للوالي. الى أن قال: و كل من آجر نفسه أو آجر ما يملكه أو يلي أمره من كافر أو مؤمن أو ملك أو سوقه على ما فسرناه مما تجوز الإجارة فيه فحلال محلل فعله و كسبه.
انتهى.
قال بعض المحدثين من أفاضل متأخري المتأخرين بعد نقل هذا الخبر:
أقول فيه دلالة على جواز إجارة الإنسان من يلي أمره من قرابته و ان يؤجر نفسه للعبادات. الى أن قال: و بالجملة المستفاد منها جواز أن يستأجر لكل عمل و ان يؤجر نفسه من كل أحد لكل عمل إلا ما أخرجه الدليل. انتهى.
و أما قوله- ثم ان قوله على ان هذا النوع. الى آخره- فهو في محله إلا انه لا يضر بما قلناه فان المطلوب يتم بما قدمناه و أحكمناه.
و (اما ثانيا) فلان قوله- ثم ما ذكره في تعليل عدم اشتهار هذا الحكم.
الى آخره- سقيم عليل لا يبرد الغليل و كلام شيخنا (قدس سره) هنا حق لا ريب
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الإجارة.
49
فيه و صدق لا شبهة تعتريه، فان ما ذكره (قدس سره) من الاستئجار على الصلاة و الوصية بها انما يترتب على ترك العلماء و أهل التقوى العارفين بوجوب قضائها الخائفين من تبعاتها و جزأيها لو كانوا يتركونها فإنهم يوصون بها، و لكن لما كانوا يحافظون عليها في حال الحياة تمام المحافظة أداء و قضاء واجبا و سنة لم يقع ذلك و لم يشتهر، فاما اعتراضه بالجهلة و السفلة الذين لا يبالون بالصلاة صحيحة كانت أو باطلة في حياتهم أو بعد موتهم فغير وارد، لأنهم لما ذكرنا يتركونها و يتهاونون بها و يموتون على ذلك من غير فحص و لا وصية بقضائها لجهلهم و قلة مبالاتهم بالدين فكيف يكون ذلك حينئذ داعيا الى الافتقار الى هذه المسألة و الفتوى بها و اشتهار العمل بها، على ان مساق كلام شيخنا المشار اليه انما هو بالنسبة إلى شهرة الاستئجار على الصلاة و انه لم لا اشتهر كاشتهار الاستئجار على الحج لا بالنسبة إلى الفتوى بهذه المسألة، و يزيدك تأكيدا لما ذكرنا ثمة كلام شيخنا المذكور و قوله «فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير. الى آخره» مما يدل على ان اشتهار الوصية بالصلاة و الاستئجار عليها في الوقت الأخير انما كان لتهاون العلماء و العارفين بما يعرفون وجوبه عليهم و فتورهم عن القيام بالواجبات فضلا عن السنن الموظفة في ذلك المقام، فالكلام أولا و آخرا انما ترتب على العلماء و العارفين لا ما توهمه من ضم السفلة و الجاهلين.
و بالجملة فكلامه (قدس سره) ليس بموجه يعتمد عليه و كلام شيخنا المذكور أولى و أحرى بالرجوع اليه.
ثم ان ممن ناقش في هذه المسألة و ان كان من جهة أخرى المحدث الكاشاني (طاب ثراه) في كتاب المفاتيح، حيث قال- في آخر الخاتمة التي في الجنائز من الكتاب المذكور بعد أن ذكر انه يصل الى الميت ثواب الصلاة و الصوم و الصدقة و الحج- ما صورته: و أما العبادات الواجبة عليه التي فاتته فما شاب منها المال كالحج يجوز
50
الاستئجار له كما يجوز التبرع به عنه بالنص (1) و الإجماع، و اما البدني المحض كالصلاة و الصيام
ففي النصوص (2) «يقضيها عنه أولى الناس به».
و ظاهرها التعيين عليه، و الأظهر جواز التبرع بهما عنه من غيره ايضا، و هل يجوز الاستئجار لهما؟ المشهور نعم، و فيه تردد لفقد النص فيه و عدم حجية القياس حتى يقاس على الحج أو على التبرع، و عدم ثبوت الإجماع بسيطا و لا مركبا إذ لم يثبت ان كان من قال بجواز العبادة للغير قال بجواز الاستئجار لها، و كيف كان فلا يجب القيام بالعبادات البدنية المحضة له بتبرع و لا استئجار إلا مع الوصية. إلى آخر كلامه.
و قال في كتاب المعايش و المكاسب بعد كلام في المقام: و الذي يظهر لي ان ما يعتبر فيه نية التقرب لا يجوز أخذ الأجرة عليه مطلقا لمنافاته الإخلاص فإن النية كما مضى ما يبعث على الفعل دون ما يخطر بالبال، نعم يجوز فيه الأخذ ان اعطى على وجه الاسترضاء أو الهدية أو الارتزاق من بيت المال و نحو ذلك من غير تشارط، و أما ما لا يعتبر فيه ذلك بل يكون الغرض منه صدور الفعل على أى وجه اتفق فيجوز أخذ الأجرة عليه مع عدم الشرط في ما له صورة العبادة. و أما جواز الاستئجار للحج مع كونه من القسم الأول فلأنه انما يجب بعد الاستئجار و فيه تغليب لجهة المالية، فإنه انما يأخذ المال ليصرفه في الطريق حتى يتمكن من الحج و لا فرق في صرف المال في الطريق بان يصدر من صاحب المال أو نائبه، ثم ان النائب إذا وصل الى مكة و تمكن من الحج امكنه التقرب به كما لو لم يكن أخذ أجرة فهو كالمتطوع أو نقول ان ذلك ايضا على سبيل الاسترضاء للتبرع. أما الصلاة و الصوم فلم يثبت جواز الاستئجار لهما. انتهى.
و فيه نظر من وجوه: الأول- ان ما ذكره في الكلام الأول من التردد في جواز الاستئجار لفقد النص مردود (أولا)- بما عرفت آنفا من أن فقد النص في خصوص
____________
(1) الوسائل أبواب النيابة في الحج و بعض أبواب وجوب الحج و شرائطه.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات و الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
51
الاستئجار للصلاة و الصيام لا يصلح للمانعية، و من ذا الذي اشترط وجود النص في خصوص كل عمل و فعل يراد الاستئجار عليه حتى يشترط هنا، و النصوص العامة كافية كما في غير الإجارة من المعاملات.
و ثانيا- انه
قد روى الصدوق (قدس سره) في الفقيه (1) عن عبد الله بن جبلة عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في رجل يجعل عليه صياما في نذر فلا يقوى؟ قال يعطى من يصوم عنه كل يوم مدين».
و هي صريحة في المطلوب و المراد عارية عن و صمة الإيراد.
و ثالثا- النقض بالحج ايضا كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.
الثاني- ما ذكره في كلامه الثاني- بقوله: و الذي يظهر لي ان ما يعتبر فيه نية التقرب لا يجوز أخذ الأجرة عليه. الى آخره- فان فيه (أولا)- ما ذكرناه في الوجه الأول من ورود النص في الصوم و كذا في الحج، و ما اعتذر به في الحج فسيأتي بيان بطلانه.
و ثانيا- انه متى كان العلة في عدم جواز الاستئجار ذلك فإنه لا يجوز و ان أوصى الميت بذلك، لان الاستئجار متى كان باطلا لبطلان العبادة و الأجير لا يستحق لذلك اجرة فالوصية غير مشروعة فتكون باطلة، مع انه قد استثنى الوصية كما عرفت، هذا خلف.
و ثالثا- ان لقائل أن يقول ان الفعل المستأجر عليه هو الصلاة المتقرب بها الى الله سبحانه فإنها هي المستقرة في ذمة المستأجر عنه، فالأجرة في مقابلة المجموع لا الصلاة خاصة ليحصل منافاة الأجرة للقربة، و الفرق لطيف يحتاج الى مزيد تأمل، و توضيحه ان النية مشتملة على قيود منها كون الفعل خالصا لله سبحانه و منها كونه أداء أو قضاء عن نفسه أو غيره تبرعا أو بأجرة، و كل من هذه القيود الأخيرة غير مناف لقيد الإخلاص، و الأجرة في ما نحن فيه انما وقعت أولا
____________
(1) الوسائل الباب 12 من النذر و العهد عن الفقيه و الكافي.
52
و بالذات بإزاء القصد الثاني أعني النيابة عن زيد مثلا، بمعنى انه استؤجر على النيابة عن زيد في الإتيان بهذه الفريضة للتقرب بها و قيد القربة على حاله و في محله لا تعلق للأجرة به إلا من حيث كونه قيدا للفعل المستأجر عليه، نعم لو اشترط في النيابة عن الغير التقرب زيادة على التقرب المشروط في صحة العبادة اتجه منافاة الأجرة لذلك إلا انه ليس بشرط إجماعا، و بالجملة فإن أصل الصلاة مقصود بها وجهه سبحانه و لكن الحامل عليها و الباعث عليها مع التقرب هو هذا المبلغ الذي قرر له و لذلك نظائر في الشرع توجب رفع الاستبعاد مثل الصلاة لأجل الاستسقاء و صلاة الاستخارة و صلاة الحاجة و صلاة طلب الولد و طلب الرزق و نحو. ذلك مما كان الباعث عليه أحد هذه الأغراض فإن أصل الصلاة مقصود بها وجهه سبحانه و متقرب بها اليه جل شأنه و لكن الحامل عليها هو أحد هذه الأمور المذكورة و نحوها بمعنى انه يأتي بالصلاة الخالصة لوجه الله سبحانه لأجل هذا الغرض الحامل له عليها.
(فان قيل) ان هذا مما قام الدليل على صحته و ورود الخبر به (قلنا) ان الخصم انما تمسك بأن الصلاة بالأجرة مناف للقربة و الإخلاص بها لله سبحانه حيث ان الحامل عليها انما هو الأجرة دون قصد وجهه سبحانه، و بمقتضى تعليله المذكور لا يصح شيء من هذه الصلوات بالكلية فإن الباعث عليها أمور أخر كما عرفت، مع ان الشرع قد ورد بصحتها و ليس الوجه في ذلك إلا ما قلناه من أن هذه الأسباب انما هي أسباب حاملة على الإتيان بالصلاة الخالصة له سبحانه، و مثله يجري في مسألة الإجارة فلا فرق حينئذ.
و بالجملة فإن ورود النص بالصحة في هذه المواضع دليل واضح في بطلان ما توهمه في أمر الاستئجار على الصلاة، و حينئذ فكما يصح أن يكون الحامل على العبادة أحد هذه الأمور يجوز ان يكون الحامل أخذ الأجرة و الانتفاع بها.
الثالث- ما ذكره- بقوله: و أما جواز الاستئجار على الحج مع كونه من القسم الأول. الى آخره- فان فيه (أولا)- انه من الجائز الواقع ان يكون الاستئجار
53
من الميقات أو من مكة و هو مما لا يجرى فيه هذا التخرص الذي ذكره و التمحل الذي اعتبره، فلا يكون ما ذكره كليا مع ان ظاهر النصوص كلية الحكم و هو كاف للخصم في التعلق به فإنه لا ينكر صحته.
و ثانيا- انه يمكن أيضا إجراء ما فرضه في الحج في الصلاة بأن يقبض الأجير الأجرة و يتصرف فيها بعد الاستئجار و لا يأتي بالصلاة إلا بعد نفاد الأجرة إذ الإجارة لا تقتضي الفورية كما هو الأظهر الأشهر، و حينئذ فيمكنه التقرب بها كما لو لم يكن أخذ أجرة فهو كالمتطوع.
و ثالثا- ان قوله- أو نقول ان ذلك على سبيل الاسترضاء للتبرع- مناف لفرض المسألة أولا، فإن المفروض الاستئجار للحج كما صرح به في كلامه فكيف يجعله تبرعا و ان المدفوع من الأجرة على سبيل الاسترضاء. و الفرق بين الأمرين أوضح واضح.
و بالجملة فإنه لو جاز بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التخريجات البعيدة و التمحلات الغير السديدة لا تسع المجال و انفتح باب القيل و القال، و لم يبلغ المجتهدون الذين قد أكثر من التشنيع عليهم في رسائله و مصنفاته الى مثل هذه التخريجات الواهية الباردة و التخرصات البعيدة الشاردة. و الله العالم.
المسألة الرابعة [القاضي و المقضي و المقضي عنه]
- لا يخفى على من تتبع كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)في هذا الباب ما وقع لهم من الاختلاف في القاضي و المقضي و المقضي عنه.
أما الأول فقد صرح الأكثر بأنه الولد الأكبر، قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنهم: و كأنهم جعلوه بإزاء حبوته لأنهم قرنوا بينها و بينه و الأخبار خالية عن التخصيص كما أطلقه ابن الجنيد و ابن زهرة، و لم نجد في اخبار الحبوة ذكر الصلاة نعم ذكرها المصنفون و لا بأس به اقتصارا على المتيقن و ان كان القول بعموم كل ولى ذكر أولى حسبما تضمنته الروايات. انتهى.
أقول: قال ابن الجنيد: و العليل إذا أوجبت عليه صلاة فأخرها عن وقتها
54
الى ان مات قضاها عنه وليه كما يقضى عنه حجة الإسلام و الصيام ببدنه، فان جعل بدل كل ركعتين مدا أجزأه فان لم يقدر فلكل أربع فان لم يقدر فمد لصلاة النهار و مد لصلاة الليل، و الصلاة أفضل. و عن المرتضى نحو ذلك. و ظاهرهما مع التخيير بين القضاء و التصدق التخصيص بما فات عن العليل في مرض موته.
و قال ابن زهرة: و من مات و عليه صلاة وجب على وليه قضاؤها، و ان تصدق عن كل ركعتين بمد أجزأه. إلى آخر ما ذكره ابن الجنيد. و احتج بالإجماع و طريق الاحتياط، و ظاهره التخيير بين القضاء و الصدقة مع عموم الفائت دون التخصيص بفائت مرض الموت.
و الجميع متفقون على الولي بقول مطلق. و قال ابن إدريس بوجوب القضاء على وليه الأكبر من الذكران ما وجب على العليل فأخره عن أوقاته حتى مات و لا يقضى عنه إلا الصلاة الفائتة في حال مرض بموته فحسب، و تبعه في ذلك سبطه نجيب الدين يحيى بن سعيد و الشهيد في اللمعة. و هو صريح في التخصيص بالفائت في مرض الموت و ان القاضي هو الولي و هو الأكبر من الذكران.
و اما الثاني فظاهر الشيخين و ابن ابى عقيل و ابن البراج و ابن حمزة و العلامة في أكثر كتبه انه جميع ما فات الميت و هو ظاهر كلام ابن زهرة المتقدم، و ظاهر ما قدمنا نقله عن ابن الجنيد و المرتضى و ابن إدريس و يحيى بن سعيد و الشهيد في اللمعة هو التخصيص بما فات في مرض الموت، و قال المحقق في كتابيه بقول الشيخين، و قال في المسائل البغدادية المنسوبة إلى سؤال جمال الدين بن حاتم المشغري (قدس سره): الذي ظهر لي ان الولد يلزمه قضاء ما فات الميت من صيام و صلاة لعذر كالمرض و السفر و الحيض لا ما تركه الميت عمدا مع قدرته عليه. قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: و قد كان شيخنا عميد الدين (قدس سره) ينصر هذا القول و لا بأس به، فان الروايات تحمل على الغالب من الترك و هو انما يكون على هذا الوجه أما تعمد ترك الصلاة فإنه نادر، نعم قد يتفق فعلها لا على الوجه المبرئ للذمة
55
و الظاهر انه ملحق بالتعمد للتفريط. انتهى.
و أما الثالث فظاهرهم انه الرجل، قال في الذكرى: لذكرهم إياه في معرض الحبوة. و ظاهر عبارة المحقق الشمول للمرأة.
و التحقيق عندي في هذا المقام أما بالنسبة إلى الأول فهو ولى الميت و هو أولى الناس بميراثه كما صرح به ابن الجنيد و من معه ممن قدمنا ذكره، و بذلك صرح الصدوقان ايضا.
و عليه تدل صحيحة حفص بن البختري و هي السابعة من الروايات المتقدمة و مثلها الرواية السادسة و الرواية الرابعة و العشرون (1).
و نحوها أيضا
مرسلة حماد بن عثمان عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضى عنه؟ قال أولى الناس به قلت فان كان أولى الناس به امرأة؟ قال لا إلا الرجال».
و بذلك يظهر لك ما في كلام جمهور الأصحاب من التخصيص بالولد فإنه خال عن المستند.
و يختص القضاء بالرجال دون النساء كما تضمنه خبر حفص (3) و مرسلة حماد (4) و بأكبر الرجال لو تعددوا
لصحيحة الصفار عن ابى محمد الحسن (عليه السلام) (5) «انه كتب اليه رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام و له وليان هل يجوز لهما ان يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين و خمسة أيام الآخر؟ فوقع (عليه السلام) يقضى عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء إنشاء الله».
قال في الفقيه: و هذا التوقيع عندي مع توقيعاته الى الصفار بخطه (عليه السلام).
و اما بالنسبة الى الثاني فهو كل ما فات الميت لعذر كان أم لا لعذر في مرض الموت أو غيره لا طلاق الأخبار المذكورة من الخبر السادس و السابع، و لا ينافي ذلك الخبر الرابع و العشرون إذ لا دلالة فيه على نفى ما عدا ما ذكر فيه بل غايته أن
____________
(1) ص 33 و 37.
(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
(4) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
(5) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
56
يكون بالنسبة الى ذلك مطلقا و إطلاقه محمول على ما دل عليه الخبران المذكوران من جميع ما فات الميت.
و قال في الذكرى: و رواية عبد الله بن سنان وردت بطريقين و ليس فيها نفى لما عداها، إلا أن يقال قضية الأصل تقتضي عدم القضاء إلا ما وقع الاتفاق عليه، أو أن المتعمد مؤاخذ بذنبه فلا يناسب مؤاخذة الولي به لقوله تعالى «وَ لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ» (1) انتهى.
و فيه ان قضية الأصل يجب الخروج عنها بالدليل و هو خبر حفص و مرسلة ابن ابى عمير فإنهما ظاهران في العموم. و أما التعليل بالمؤاخذة بالذنب فعليل سيما في مقابلة النص، و الآية المذكورة لو عمل على ظاهرها لوجب المنع ايضا من تحمل الولي ما فات الميت لعذر و هو لا يقول به.
و أما بالنسبة الى الثالث فإشكال ينشأ من ورود بعض الأخبار بلفظ الرجل و بعض بلفظ الميت، و الظاهر حمل ذكر الرجل على مجرد التمثيل لاشتراكهما في الأحكام غالبا فيرجح القول بالعموم، و يؤيده ان التخصيص بالرجل في الروايات انما وقع في الأسئلة فلا يقتضي تقييد المطلق الواقع في الروايات الأخر، و يؤكده ايضا انه الأحوط.
ثم انه على تقدير تفسير الولي بالولد الأكبر كما هو الأشهر ينحصر المقضي عنه في الأب سيما على القول بكون المقضي عنه الرجل و كأنهم جعلوه في مقابلة الحبوة كما تقدم في كلام شيخنا الشهيد، أو مع الأم بناء على العموم في المقضي عنه و لا يتعدى الى غيرهما. و لكن تفسير الولي بذلك كما عرفت عار عن الدليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل. و سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الصيام مزيد بحث في هذا المقام محيط بأطراف الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام.
____________
(1) سورة الأنعام الآية 164.
57
فوائد
الأولى [عدم إجزاء الصدقة عن الصلاة]
- قد تقدم في كلام ابن الجنيد و المرتضى و ابن زهرة التخيير بين الصلاة و الصدقة و لم نظفر له بمستند، و الذي ورد من الصدقة انما هو بالنسبة إلى النوافل كما تقدم، قال في المختلف بعد نقل التخيير عن ابن الجنيد و المرتضى: و باقي المشهورين من الأصحاب لم يذكروا الصدقة في الفرائض، ثم قال: لنا انه واجب عليه فلا تجزئ عنه الصدقة كالميت. ثم ذكر بأنهم احتجوا بأنه واجب عليه على سبيل البدل فأجزأت الصدقة عنه كالصوم. ثم أجاب بأنه لولا النص لما صرنا إليه في الصوم. انتهى. و قال في الذكرى: و اما الصدقة عن الصلاة فلم نرها في غير النافلة.
الثانية- هل يشترط كمال الولي حال الوفاة؟
قرب الشهيد في الذكرى ذلك، قال لرفع القلم عن الصبي و المجنون (1) ثم قال: و يمكن إلحاق الأمر به عند البلوغ بناء على انه يحبى و انها تلازم القضاء. أما السفيه و فاسد الرأي فعند الشيخ لا يحبى فيمكن انتفاء القضاء عنه، و وجوبه أقرب أخذا بالعموم. و الشيخ نجم الدين لم يثبت عنده منع السفيه و الفاسد الرأي من الحبوة، فهو أولى بالحكم بوجوب القضاء عليهما. انتهى.
أقول: مبنى هذا الكلام و البحث في هذا المقام على كون الولي الذي يجب قضاؤه عن الميت هو الولد كما هو المشهور، و قد عرفت ما فيه من القصور و ان الولي في هذا الباب الذي يتعلق به الخطاب انما هو الأولى بالميراث، و منه يعلم سقوط هذا الكلام و الدوران مدار الحبوة و عدمها الذي فرعوا عليه الكلام في السفيه و فاسد الرأي. بقي الكلام على ما اخترناه من معنى الولي لو اتفق عدم بلوغه وقت الوفاة، و فيه اشكال لعدم النص الواضح في البين و قيام الاحتمال من الجانبين.
الثالثة [لو لم يجب القضاء على الولي أو لم يكن للميت ولي]
- لو قلنا بعدم قضاء الولي ما تركه الميت عمدا أو كان الميت لا ولى له فإن أوصى الميت بفعلها من ماله وجب إنفاذه، و ان أخل بذلك فظاهر المتأخرين من
____________
(1) ارجع الى التعليقة 1 ص 2.
58
الأصحاب عدم وجوب الإخراج من ماله، و علله في الذكرى قال لعدم تعلق الفرض بغير البدن خالفناه مع وصية الميت لانعقاد الإجماع عليه بقي ما عداه على أصله. انتهى و نقل عن بعض الأصحاب القول بوجوب إخراجها كالحج و صب الأخبار التي لا ولى فيها عليه، و احتج ايضا
بخبر زرارة الطويل الوارد في الزكاة (1) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أباك قال لي من فر بها من الزكاة فعليه أن يؤديها؟ قال صدق ابى عليه أن يؤدى ما وجب عليه و ما لم يجب عليه فلا شيء عليه فيه. ثم قال أ رأيت لو أن رجلا أغمي عليه يوما ثم مات فذهبت صلاته أ كان عليه و قد مات أن يؤديها؟ قلت لا إلا أن يكون أفاق من يومه».
قال: و ظاهره انه يؤديها بعد موته و هو انما يكون بوليه أو ماله فحيث لا ولى يحمل على المال و هو شامل لحالة الإيصاء و عدمه. انتهى.
و ظاهر الشهيد في الذكرى الميل الى ذلك أو التوقف في ما هنالك، حيث انه نقل فيه القول و الاستدلال المذكورين و لم يقدح فيه بشيء، و يعضده انه قال بعد ذكر المسألة المذكورة: لو أوصى بفعلها من ماله فان قلنا بوجوبه لولا الإيصاء كان من الأصل كسائر الواجبات و ان قلنا بعدمه فهو تبرع يخرج من الثلث إلا ان يجيزه الوارث. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ظاهر كلمة الأصحاب عدا من نقل عنه الخلاف هنا هو الاتفاق على ان الصلاة و الصوم و نحوهما من الواجبات البدنية لا يجب إخراجها مع عدم الوصية و مع الوصية فمخرجها الثلث كسائر الوصايا، بخلاف الواجبات المالية كالزكاة و نحوها، و الحج و ان كان مشوبا إلا انه غلب فيه الجهة المالية، و سيأتي مزيد تحقيق لذلك ان شاء الله تعالى في كتاب الحج.
و كيف كان فان ما استند اليه ذلك البعض المنقول عنه القول بوجوب إخراج الصلاة و الصوم عن الميت و ان لم يوص به لا يخلو من المناقشة و ان جمد عليه من
____________
(1) الفروع ج 1 ص 148 و في الوسائل الباب 12 من زكاة الذهب و الفضة.
59
نقل كلامه في المقام كشيخنا الشهيد في الذكرى و الفاضل الخراساني في الذخيرة، و ذلك اما بالنسبة الى الأخبار الغير المشتملة على ذكر الولي فقد عرفت في ما تقدم ان المتبادر من سياق تلك الأخبار انما هو الصلوات المستحبة لا الواجبة، و مع تسليم شمول الواجبة فإنا نقول ان غاية تلك الأخبار أن تكون مطلقة بالنسبة إلى القاضي. و القاعدة تقتضي حمل إطلاقها على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من اناطة القضاء بالولي. و كذا الكلام في رواية زرارة المذكورة.
و من الأخبار الدالة على اناطة القضاء بالولي زيادة على ما تقدم
موثقة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يموت في شهر رمضان؟ قال ليس على وليه ان يقضى عنه. الى ان قال: فان مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليه ان يقضى عنه لأنه قد صح فلم يقض و وجب عليه».
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) «و إذا مات الرجل و عليه من صوم شهر رمضان فعلى وليه أن يقضى عنه. الى ان قال: و إذا كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال أن يقضى عنه، فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء».
و بهذه العبارة ما ذكرناه منها و ما لم نذكره عبر في الفقيه.
و بالجملة فإنك إذا ضمت هذه الأخبار بعضها الى بعض و حملت مطلقها على مقيدها ظهر لك انه لا مستند لهذا القول المذكور من الأخبار و ان قياس الصلاة و الصوم على الحج في التعلق بالمال بعد تعذر البدن قياس مع الفارق، و ذلك فان الحج بدني مشوب بالمال فمن ثم دلت الأخبار بعد تعذر الإتيان به بالبدن على التعلق بالمال، فوجب إخراجه بعد الموت من ماله بل في حال الحياة مع المرض المانع من المباشرة كما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج، و أما الصوم و الصلاة فإنهما
____________
(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.
(2) ص 25.
60
بدنيان محضان لا تعلق لهما بالمال في حال الحياة فمع تعذر الإتيان بهما و الموت بعد استقرارهما في الذمة يتعلق الخطاب بالولي، و مع عدم الولي فلا دليل يدل على تعلقهما بالمال كما ادعاه القائل المذكور بل يسقط حكمهما كما هو ظاهر الأدلة المتقدمة الدالة على انه مع فقد الولي من الرجال فلا يتعلق القضاء بالولي من النساء، و لو كان القضاء يرجع الى المال في الصورة المذكورة لا شير إليه في بعض تلك الأخبار بان يقال بل يجب القضاء عنه من ماله. و بالجملة فعندي ان ما تكلفه هذا الفاضل المذكور من القول و استدل عليه بما ذكر فهو غير خال من القصور. و الله العالم.
الرابعة [الوصية بقضاء غير الولي]
- لو أوصى الميت بقضائها عنه بأجرة من ماله و أسندها الى أحد أوليائه أو الى أجنبي فهل تسقط عن الولي؟ وجهان و استقرب في الذكرى السقوط لوجوب العمل بما رسمه الموصى. و هو غير بعيد، و يؤيده ان المتبادر من الأخبار الدالة على اناطة ذلك بالولي انما هو مع عدم وصية الميت بذلك على وجه من الوجوه، و حينئذ فلا منافاة في هذه الصورة لما دلت عليه الأخبار، و يؤيد ما ذكرناه ما صرح به السيد ابن طاوس (قدس سره) في رسالته التي قدمناه نقل هذه الأخبار المتقدمة منها، حيث قال ما صورته: لو أوصى الميت بالصلاة عنه وجب العمل بوصيته لعموم «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» (1) و لانه لو أوصى ليهودي أو نصراني لوجب إنفاذ وصيته فكيف الصلاة المشروعة. ثم أورد بعض الأخبار الدالة على ذلك.
الخامسة [الترتيب بين فوائت الولي و الميت]
- قال في الذكرى: لا يشترط خلو ذمة الولي من صلاة واجبة لتغاير السبب فيلزمان معا، و الأقرب الترتيب بينهما عملا بظاهر الأخبار و فحاويها، نعم لو فاتته صلاة بعد التحمل أمكن القول بوجوب تقديمها لان زمان قضائها مستثنى كزمان أدائها، و يمكن تقديم المتحمل لسبق سببه. انتهى.
أقول: أما الحكم الأول فجيد، و أما الثاني و هو وجوب الترتيب بين ما في ذمته و بين ما تحمله عن الميت فلا أعرف له دليلا معتمدا بل ظواهر الأخبار و إطلاقها
____________
(1) سورة البقرة الآية 177.
61
انما يقتضي عدم وجوب الترتيب، فإن إطلاقها دال على وجوب قضاء ما لزمه من نفسه و ما لزمه من غيره و أما انه يرتب بينهما فلا يفهم ذلك منها بوجه. و أما الثالث فالظاهر التخيير لعدم الدليل على رجحان واحد من الاحتمالين المذكورين في كلامه.
السادسة [لو مات الولي]
- قال في الذكرى: لو مات هذا الولي فالأقرب أن وليه لا يتحملها لقضية الأصل و الاقتصار على المتيقن سواء تركها عمدا أو لعذر. انتهى.
أقول: من المحتمل قريبا القول بوجوب التحمل لظاهر الأخبار المتقدمة، فإن
قوله في صحيحة حفص (1) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال يقضى عنه أولى الناس به».
شامل لما لو كانت تلك الصلاة التي في ذمته و عليه من فوائت صلاته و مما لزمه تحمله عن غيره، و نحوها مرسلة ابن ابى عمير (2) و نحوها الروايات الدالة على الصوم، فان الجميع ظاهر في العموم لصدق كونه عليه.
السابعة [هل للولي الاستئجار؟]
- قال في الذكرى: الأقرب انه ليس له الاستئجار لمخاطبته بها و الصلاة لا تقبل التحمل عن الحي. و يمكن الجواز لما يأتي ان شاء الله تعالى في الصوم و لان الفرض فعلها عن الميت. فان قلنا بجوازه و تبرع بها متبرع أجزأت أيضا. انتهى أقول: قد تقدم في الرواية الحادية عشرة ما يدل على جواز الحج و الصلاة و الصدقة عن الأحياء و الأموات من القرابة و الأصحاب، و السيد ابن طاوس (قدس سره) تأوله في الحي بما يصح فيه النيابة من الصلوات، و الظاهر ان مراده مثل ركعتي الطواف نيابة و صلاة الزيارة نيابة دون ما عدا ذلك، و هو ظاهر كلمة الأصحاب في هذا الباب.
و يعضده ما في الحديث العشرين حيث «سأله السائل عن الرجل يريد ان يجعل اعماله من الصلاة و البر و الخير أثلاثا له و لأبويه و كان أحدهما حيا و الآخر
____________
(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان، و في الفروع ج 1 ص 196 و الوسائل و الوافي باب (من مات و عليه صيام) «أولى الناس بميراثه»:.
(2) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.
62
ميتا؟ فكتب اليه: أما الميت فحسن جائز و أما الحي فلا إلا البر و الصلة» و هو ظاهر بل صريح في عدم جواز الصلاة عن الحي وجوبا أو استحبابا، لأنه إنما رخص له في الحي بالبر و الصلة دون الصلاة التي هي مذكورة معهما في السؤال، و من ذلك يظهر ان الأقرب عدم صحة الاستئجار من الولي.
و أما ما علل به إمكان الجواز- من حصول ذلك في الصوم و كون الفرض فعلها عن الميت- ففيه ما ذكره السيد السند (قدس سره) في المدارك في مسألة الصوم بعد أن نقل عن جده انه لو تبرع بعض بالقضاء سقط عن الولي، و ان وجه السقوط حصول المقتضى و هو براءة الذمة، حيث قال: و يتوجه عليه ان الوجوب تعلق بالولي و سقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل، و من ثم ذهب ابن إدريس و العلامة في المنتهى الى عدم الاجتزاء بفعل المتبرع و ان وقع باذن من تعلق به الوجوب لأصالة عدم سقوط الفرض عن المكلف بفعل غيره. و قوته ظاهرة. انتهى و هو جيد. و الله العالم بحقائق أحكامه و أولياؤه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
المقصد الثاني في صلاة الجماعة
و فضلها عظيم و ثوابها جسيم و قد ورد فيها عنهم (عليهم السلام) من ضروب التأكيدات ما كاد يلحقها بالواجبات:
[الأخبار في فضل الجماعة]
روى الشيخ عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «هم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بإحراق قوم في منازلهم كانوا يصلون في منازلهم و لا يصلون الجماعة، فأتاه رجل أعمى فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) انى ضرير البصر و ربما اسمع النداء و لا أجد من يقودني إلى الجماعة و الصلاة معك؟ فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) شد من منزلك الى المسجد حبلا و احضر الجماعة».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سمعته
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة.
63
يقول: ان أناسا كانوا على عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ابطأوا عن الصلاة في المسجد فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ليوشك قوم يدعون الصلاة في المسجد ان نأمر بحطب فيوضع على أبوابهم فتوقد عليهم نار فتحرق عليهم بيوتهم».
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لقوم: لتحضرن المسجد أو لأحرقن عليكم منازلكم».
و روى الشيخ بسند معتبر عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث العدالة الطويل المتقدم في باب صلاة الجمعة (2) قال (عليه السلام): «و الساتر لجميع عيوبه- حتى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و غيبته و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس- التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهم و حافظ على مواقيتهن بحضور جماعة المسلمين و ان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم إلا من علة، و ذلك ان الصلاة ستر و كفارة للذنوب و لولا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على أحد بالصلاح. لان من لم يصل فلا صلاح له بين المسلمين لان الحكم جرى فيه من الله و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) بالحرق في جوف بيته، قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا صلاة لمن لا يصلى في المسجد مع المسلمين إلا من علة. و قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا غيبة إلا لمن صلى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين و جبت على المسلمين غيبته و سقطت بينهم عدالته و وجب هجرانه، و إذا رفع الى امام المسلمين أنذره و حذره فان حضر جماعة المسلمين و إلا أحرق عليه بيته.».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) الصلاة في جماعة تفضل على صلاة الفذ بأربع و عشرين درجة».
أقول: الفذ بالفاء و الذال المعجمة: الفرد.
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة.
(2) ج 10 ص 25.
(3) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة. و في التهذيب باب فضل الجماعة «الفرد» نعم في الوافي باب فضل الجماعة كما هنا، و اللفظ في الجميع هكذا «تفضل على كل صلاة.».
64
و عن زرارة في الحسن (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما يروى الناس ان الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الرجل وحده بخمس و عشرين صلاة؟ فقال صدقوا. فقلت الرجلان يكونان جماعة؟ فقال نعم و يقوم الرجل عن يمين الامام».
و في كتاب المجالس عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بخمس و عشرين درجة».
و قال الصدوق: قال ابى (قدس سره) في رسالته الى (3) صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس و عشرين درجة في الجنة.
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (4) «و صلاة واحدة في جماعة بخمس و عشرين صلاة من غير جماعة، و ترفع له في الجنة خمس و عشرون درجة».
و روى في كتاب المجالس في خبر الأعمش (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام) فضل الجماعة على الفرد بأربع و عشرين».
و نحوه في كتاب العيون (6) في ما كتبه الرضا (عليه السلام) للمأمون.
أقول: ما دل من هذه الأخبار على أربع و عشرين درجة فالمراد به بيان الفضل الذي به يحصل الزيادة و ما دل على خمس و عشرين فالمراد به التفضل مع إضافة الأصل.
و عن محمد بن عمارة (7) قال: «أرسلت الى ابى الحسن الرضا (عليه السلام) أسأله عن الرجل يصلى المكتوبة وحده في مسجد الكوفة أفضل أو صلاته في جماعة؟ فقال
____________
(1) الوسائل الباب 1 و 4 من صلاة الجماعة.
(2) لم نقف على رواية المجالس عن النبي «ص» بهذا المضمون، نعم في الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة عن الخصال عن النبي «ص» اللفظ المذكور، و قد نقله في البحار ج 18 الصلاة ص 613 عن الخصال.
(3) الفقيه ج 1 ص 245 و ليس فيه نسبة الى أبيه.
(4) ص 14.
(5) البحار ج 18 الصلاة 613 عن الخصال.
(6) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة.
(7) الوسائل الباب 33 من أحكام المساجد.
65
الصلاة في جماعة أفضل».
قيل: و يستفاد من هذه الرواية ان الصلاة في جماعة أفضل من ألف صلاة، لأن الصلاة في مسجد الكوفة أفضل من ألف صلاة على ما دل عليه بعض الروايات.
أقول: ما ذكره جيد إلا انه
قد روى ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات قال حدثني أبو عبد الرحمن محمد بن احمد بن الحسين العسكري عن الحسن بن على بن مهزيار عن أبيه عن الحسن بن سعيد عن محمد بن سنان (1) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: الصلاة في مسجد الكوفة فردا أفضل من سبعين صلاة في غيره جماعة».
و هو كما ترى ظاهر المنافاة للخبر الأول، و لا يحضرني الآن وجه جمع بينهما.
و روى الشيخ في الصحيح أو الحسن عن زرارة و الفضيل (2) قالا: «قلنا له الصلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال الصلاة فريضة و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها و لكنها سنة من تركها رغبة عنها و عن جماعة المؤمنين من غير علة فلا صلاة له».
و روى الكليني و الشيخ عنه بإسنادين أحدهما من الصحاح أو الحسان عن زرارة (3) قال: «كنت جالسا عند ابى جعفر (عليه السلام) ذات يوم إذ جاءه رجل فدخل عليه فقال له جعلت فداك انى رجل جار مسجد لقومي فإذا انا لم أصل معهم و وقعوا في و قالوا هو كذا و كذا؟ فقال اما لئن قلت ذلك لقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من سمع النداء فلم يجبه من غير علة فلا صلاة له. فخرج الرجل فقال له لا تدع الصلاة معهم و خلف كل امام. فلما خرج قلت له جعلت فداك كبر على قولك لهذا الرجل حين استفتاك فان لم يكونوا مؤمنين؟ قال فضحك (عليه السلام) فقال ما أراك بعد إلا ههنا يا زرارة فأي علة تريد من أنه لا يؤتم به؟ ثم قال يا زرارة أما تراني قلت صلوا في
____________
(1) الوسائل الباب 33 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة.
66
مساجدكم و صلوا مع أئمتكم».
قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: لعله (عليه السلام) اتقى الرجل أن يروى ذلك عنه (عليه السلام) و صرح بالحق مع زرارة.
و روى الصدوق في المجالس و في ثواب الأعمال و البرقي في المحاسن بأسانيدهم عن ميمون القداح عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: «اشترط رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) على جيران المسجد شهود الصلاة و قال لينتهين أقوام لا يشهدون الصلاة أو لآمرن مؤذنا يؤذن ثم يقيم ثم آمر رجلا من أهل بيتي و هو على (عليه السلام) فليحرقن على أقوام بيوتهم بحزم الحطب لأنهم لا يأتون الصلاة».
و روى الشيخ (قدس سره) في كتاب المجالس بسنده عن زريق الخلقاني (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول رفع الى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة ان قوما من جيران المسجد لا يشهدون الصلاة جماعة في المسجد فقال (عليه السلام) ليحضرن معنا صلاتنا جماعة أو ليتحولن عنا و لا يجاورونا و لا نجاورهم».
و بهذا الاسناد عن زريق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) بلغه ان قوما لا يحضرون الصلاة في المسجد فحطب (عليه السلام) فقال ان قوما لا يحضرون الصلاة معنا في مساجدنا فلا يؤاكلونا و لا يشاربونا و لا يشاورونا و لا يناكحونا و لا يأخذوا من فيئنا شيئا أو يحضروا معنا صلاتنا جماعة، و انى لا و شك ان آمر لهم بنار تشعل في دورهم فأحرقها عليهم أو ينتهون، قال فامتنع المسلمون من مؤاكلتهم و مشاربتهم و مناكحتهم حتى حضروا الجماعة مع المسلمين».
و روى شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله مرقده) في شرح الإرشاد عن كتاب الامام و المأموم للشيخ ابى محمد جعفر بن أحمد القمي بإسناده المتصل الى ابى سعيد الخدري (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أتاني جبرئيل مع سبعين الف ملك بعد صلاة الظهر فقال يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) ان ربك يقرئك السلام
____________
(1) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(2) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 2 من أحكام المساجد.
(4) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة.
67
و اهدى إليك هديتين لم يهدهما إلى نبي قبلك. قلت و ما تلك الهديتان؟ قال الوتر ثلاث ركعات و الصلوات الخمس في جماعة. قلت يا جبرئيل و ما لا متى في الجماعة؟
قال يا محمد إذا كانا اثنين كتب الله لكل واحد بكل ركعة مائة و خمسين صلاة، و إذا كانوا ثلاثة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ستمائة صلاة، و إذا كانوا أربعة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفا و مائتي صلاة، و إذا كانوا خمسة كتب الله لكل واحد بكل ركعة ألفين و أربعمائة صلاة، و إذا كانوا ستة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة أربعة آلاف و ثمانمائة صلاة، و إذا كانوا سبعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة آلاف و ستمائة صلاة، و إذا كانوا ثمانية كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة تسعة عشر ألفا و مائتي صلاة، و إذا كانوا تسعة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة ستة و ثلاثين ألفا و أربعمائة صلاة، و إذا كانوا عشرة كتب الله لكل واحد منهم بكل ركعة سبعين ألفا و ألفين و ثمانمائة صلاة، فإذا زادوا على العشرة فلو صارت بحار السماوات و الأرض كلها مدادا و الأشجار أقلاما و الثقلان مع الملائكة كتابا لم يقدروا أن يكتبوا ثواب ركعة واحدة، يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) تكبيرة يدركها المؤمن مع الامام خير له من ستين ألف حجة و عمرة و خير من الدنيا و ما فيها سبعين ألف مرة، و ركعة يصليها المؤمن مع الامام خير من مائة ألف دينار يتصدق بها على المساكين، و سجدة يسجدها المؤمن مع الإمام في جماعة خير له من عتق مائة رقبة».
و روى في جامع الأخبار عن أبي سلمة عن ابى سعيد الخدري مثله (1) الى قوله: «يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) تكبيرة يدركها المؤمن خير له من سبعين حجة و ألف عمرة سوى الفريضة» يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) ركعة يصليها المؤمن مع الامام خير له من ان يتصدق بمائة ألف دينار على المساكين، و سجدة يسجدها خير له من عبادة سنة، و ركعة يركعها المؤمن مع الامام خير له من مائة رقبة يعتقها في سبيل الله، يا محمد
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة.
68
(صلى اللّٰه عليه و آله) من أحب الجماعة أحبه الله و الملائكة أجمعون».
قال شيخنا المجلسي في البحار ذيل هذا الخبر: بناء أكثر المثوبات و زيادتها في زيادة الاعداد على التضعيف إلا الأول و الثامن و التاسع فإن التسعة على هذا الحساب ينبغي أن يكون ثوابها ثمانية و ثلاثين ألفا و أربعمائة و العشرة سبعين ألفا و ستة آلاف و ثمانمائة، و لعله من الرواة أو النساخ. انتهى.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب الروضة: الجماعة مستحبة في الفريضة متأكدة في اليومية حتى ان الصلاة الواحدة منها تعدل خمسا أو سبعا و عشرين مع غير العالم و معه ألفا، و لو وقعت في المسجد تضاعف بمضروب عدده في عددها: ففي الجامع مع غير العالم ألفان و سبعمائة و معه مائة ألف. قال و روى ان ذلك مع اتحاد المأموم فلو تعدد تضاعف في كل واحد بقدر المجموع (1).
و روى الشهيد في النقلية عن الصادق (عليه السلام) (2) «الصلاة خلف العالم بألف ركعة و خلف القرشي بمائة و خلف العربي خمسون و خلف المولى خمس و عشرون».
قال الشهيد الثاني في شرحها: المراد بالقرشي المنسوب الى النضر بن كنانة جد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و السادات الاشراف أجل هذه الطائفة، و العربي المنسوب الى العرب يقابل العجم و هو المنسوب الى غير العرب مطلقا، و المولى يطلق على معان كثيرة و المراد هنا غير العربي بقرينة ما قبله، و كثيرا ما يطلقون المولى على غير العربي و ان كان حر الأصل. انتهى.
و روى زيد النرسي في كتابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان قوما جلسوا عن حضور الجماعة فهم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يشعل النار في دورهم حتى خرجوا
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة، و تتمة العبارة هكذا «بقدر المجموع في سابقة الى العشرة ثم لا يحصيه إلا الله تعالى».
(2) مستدرك الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 2 من صلاة الجماعة.
69
و حضروا الجماعة مع المسلمين».
[توجيه ما ظاهره وجوب الجماعة]
قال شيخنا المجلسي المتقدم ذكره (طيب الله مرقده) في الكتاب المذكور ذيل هذا الخبر: ظاهر هذا الخبر و أمثاله وجوب الجماعة في اليومية و لم ينقل عن أحد من علمائنا القول به، و خالف فيه أكثر العامة (1) فقال بعضهم فرض على الكفاية في الصلوات الخمس، و قال آخرون انها فرض على الأعيان. و قال بعضهم انها شرط في الصلاة تبطل بفواتها، و لذا أول أصحابنا هذه الأخبار فحملوها تارة على الجماعة الواجبة و اخرى على ما إذا تركها استخفافا. و ربما يقال العقوبة الدنيوية لا تنافي الاستحباب كالقتل على ترك الأذان، و لا يخفى ضعفه إذ لا معنى للعقوبة على ما لا يلزم فعله و لا يستحق تاركه الذم و اللوم كما فسر أكثرهم الواجب به.
و القول بأنه كان واجبا في صدر الإسلام فنسخ أو كان مع حضور إمام الأصل واجبا فمع ان أكثر الأخبار لا تساعدهما لم أر قائلا به ايضا. و بالجملة فالاحتياط يقتضي عدم الترك إلا لعذر و ان كان بعض الأخبار يدل على الاستحباب، و كفى بفضلها ان الشيطان لا يمنع من شيء من الطاعات منعها، و طرق لهم في ذلك شبهات من جهة العدالة و نحوها إذ لا يمكنهم إنكارها و نفيها رأسا لأن فضلها من ضروريات الدين، أعاذنا الله و إخواننا المؤمنين من و ساوس الشياطين. انتهى.
أقول: لا يخفى على من أحاط خبرا بالأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في أمثال هذا المضمار انهم كثيرا ما يبالغون في الحث على المندوبات بما يكاد يلحقها بالواجبات و الزجر عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حين المحرمات تأديبا لرعيتهم لئلا يتهاونوا و يتكاسلوا عن القيام بالمستحبات و يتهاونوا بالانهماك في المكروهات، و قد تقدم التصريح باستحبابها في صحيح زرارة و الفضيل أو حسنهما (2)
____________
(1) عمدة القارئ ج 2 ص 685 و فتح القدير ج 1 ص 243 و نيل الأوطار ج 2 ص 131.
(2) ص 65.
70
و به يندفع توهم الوجوب من هذه الأخبار و نحوها. و من المحتمل قريبا حمل هذه الأخبار و نحوها مما ورد دالا على ترتب العذاب على ترك المستحبات على ما إذا كان الترك على جهة الاستخفاف و عدم المبالاة بكمالات الشرع، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في المقدمة الثانية من مقدمات هذا الكتاب.
و مما يؤيد ذلك زيادة على ما قدمناه في الموضع المذكور
ما رواه في الكافي (1) في الحسن عن ميسر عن أبيه عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) خمسة لعنتهم و كل نبي مجاب: الزائد في كتاب الله و التارك لسنتي و المكذب بقدر الله و المستحل من عترتي ما حرم الله و المستأثر بالفيء المستحل له».
و التقريب فيه انه عد التارك لسنته في عداد هؤلاء الذين لا إشكال في كفرهم و جعله ملعونا مثلهم، و لا ريب ان الجماعة أفضل سننه (صلوات الله عليه و آله) و لا بد من حمل الترك فيه على كونه استخفافا و تهاونا، و قد ورد اللعن زجرا في مواضع مثل من سافر وحده أو بات في بيت وحده أو نام على سطح غير محجر (2) و نحو ذلك، و الوجه فيه ما عرفت.
____________
(1) الأصول ج 2 ص 293
و في الخصال أبواب الستة «قال رسول الله (ص) ستة لعنهم الله و كل نبي مجاب. كما في المتن و زاد المتسلط بالجبروت ليذل من أعزه الله و يعز من اذله الله».
و في أبواب السبعة «قال رسول الله (ص) انى لعنت سبعة لعنهم الله و كل نبي مجاب قبلي. فقيل و من هم؟ فقال الزائد في كتاب الله. و زاد و المحرم ما أحل الله».
و رواه بطريقين.
و في كنز العمال ج 8 ص 191 عن عائشة «قال رسول الله (ص) ستة لعنتهم و كل نبي مجاب. كما في الخصال برواية الستة إلا انه أبدل المستأثر بالفيء بالمستحل لحرم الله».
و كذا في مجمع الزوائد ج 7 ص 205 إلا انه لم يذكر السادس.
و في كنز العمال ايضا ج 8 ص 192 عن عمرو بن شعيب «قال رسول الله (ص) سبعة لعنتهم. و زاد على روايته المتقدمة المستأثر بالفيء» ...
(2)
الوسائل الباب 20 من أحكام المساكن و 30 من آداب السفر «لعن رسول الله (ص) ثلاثة: الآكل زاده و حده و النائم في بيت وحده و الراكب في الفلاة وحده».
و فيه النهى عن المبيت على سطح غير محجر كما في البحار ج 16 باب أنواع النوم و سنن ابى داود ج 4 ص 310 و مجمع الزوائد ج 8 ص 99 و لم نقف على ورود اللعن في المبيت على سطح غير محجر.
71
تتمة مهمة [الأخبار في حضور جماعة المخالفين]
قد استفاضت الأخبار بأنه يستحب حضور جماعة المخالفين استحبابا مؤكدا و ها انا مورد في هذا المقام جملة من الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) في ذلك و في ما يتعلق بالصلاة معهم من الأحكام مذيلا لها ان شاء الله تعالى بما يكشف عنها نقاب الإبهام مستمدا منه سبحانه التوفيق لبلوغ المرام فأقول:
الأول-
ما رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه في الصحيح عن زيد الشحام عن الصادق (عليه السلام) (1) قال «يا زيد خالقوا الناس بأخلاقهم صلوا في مساجدهم و عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم، و ان استطعتم ان تكونوا الأئمة و المؤذنين فافعلوا، فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية رحم الله جعفرا ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه و إذا تركتم ذلك قالوا هؤلاء الجعفرية فعل الله بجعفر ما كان اسوأ ما يؤدب أصحابه».
الثاني-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا إسحاق أ تصلى معهم في المسجد؟ قلت نعم. قال صل معهم فإن المصلي معهم في الصف الأول كالشاهر سيفه في سبيل الله».
قال في الوافي: إنما قيد بالصف الأول لأنه أدخل في معرفتهم بإتيانه المسجد و أدل على كونه منهم، و انما شبهه بشاهر سيفه في سبيل الله لدفعه شر العدو.
الثالث-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في الصف الأول».
الرابع-
ما رواه في الفقيه مرسلا (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) إذا صليت
____________
(1) الوسائل الباب 75 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة. و ليس في الرقم (3) لفظ «في الصف الأول» ثانيا.
(3) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة. و ليس في الرقم (3) لفظ «في الصف الأول» ثانيا.
(4) الوسائل الباب 5 من صلاة الجماعة. و ليس في الرقم (3) لفظ «في الصف الأول» ثانيا.
72
معهم غفر لك بعدد من خالفك».
الخامس-
ما رواه فيه عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«ما منكم أحد يصلى صلاة فريضة في وقتها ثم يصلى معهم صلاة تقية و هو متوضئ إلا كتب الله له بها خمسا و عشرين درجة فارغبوا في ذلك. قال (2) و قال له رجل أصلي في أهلي ثم اخرج الى المسجد فيقدموننى؟ فقال تقدم لا عليك و صل بهم».
السادس-
ما رواه فيه ايضا عن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (3) انه قال: «ما من عبد يصلى في الوقت و يفرغ ثم يأتيهم و يصلى معهم و هو على وضوء إلا كتب الله له خمسا و عشرين درجة.
قال (4) و قال له ايضا ان على بابي مسجدا يكون فيه قوم مخالفون معاندون و هم يمسون في الصلاة فأنا أصلي العصر ثم اخرج فأصلي معهم؟
فقال أما ترضى أن تحسب لك بأربع و عشرين صلاة؟».
السابع-
ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحسين بن عبد الله الأرجاني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «من صلى في منزله ثم اتى مسجدا من مساجدهم فصلى معهم خرج بحسناتهم».
الثامن-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن نشيط بن صالح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «قلت له الرجل منا يصلى صلاته في جوف بيته مغلقا عليه بابه ثم يخرج فيصلي مع جيرته تكون صلاته تلك وحده في بيته جماعة؟ فقال الذي يصلى في بيته يضاعف الله له ضعفي أجر الجماعة تكون له خمسون درجة و الذي يصلى مع جيرته يكتب الله له أجر من صلى خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و يدخل معهم في صلاتهم فيخلف عليهم ذنوبه و يخرج بحسناتهم».
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة. و الرواية عن ابى الحسن الأول (ع).
73
التاسع-
ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أدخل المسجد و أجد الإمام قد ركع و قد ركع القوم فلا يمكنني أن أؤذن و أقيم و أكبر؟ فقال لي فإذا كان ذلك فادخل معهم في الركعة و اعتد بها فإنها من أفضل ركعاتك. قال إسحاق فلما سمعت أذان المغرب و انا على بابي قاعد.
قلت للغلام انظر أقيمت الصلاة؟ فجاءني فقال نعم. فقمت مبادرا فدخلت المسجد فوجدت الناس قد ركعوا فركعت مع أول صف أدركت و اعتددت بها ثم صليت بعد الانصراف أربع ركعات ثم انصرفت فإذا خمسة أو ستة من جيراني قد قاموا الى من المخزوميين و الأمويين فاقعدوني ثم قالوا يا أبا هاشم جزاك الله عن نفسك خيرا فقد و الله رأينا خلاف ما ظننا بك و ما قيل فيك. فقلت و أي شيء ذلك؟
قالوا اتبعناك حين قمت إلى الصلاة و نحن نرى انك لا تقتدى بالصلاة معنا و قد وجدناك قد اعتددت بالصلاة معنا و صليت بصلاتنا فرضي الله عنك و جزاك خيرا. قال قلت لهم سبحان الله المثلي يقال هذا؟ قال فعلمت ان أبا عبد الله (عليه السلام) لم يأمرني إلا و هو يخاف على هذا و شبهه».
العاشر-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن سعيد البصري (2) و هو مجهول قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى نازل في بني عدي و مؤذنهم و امامهم و جميع أهل المسجد عثمانية يتبرأون منكم و من شيعتكم و أنا نازل فيهم فما ترى في الصلاة حلف الامام؟ قال صل خلفه. قال و قال و احتسب بما تسمع و لو قدمت البصرة لقد سألك الفضيل بن يسار و أخبرته بما أفتيتك فتأخذ بقول الفضيل و تدع قولي. قال على فقدمت البصرة و أخبرته فضيلا بما قال فقال هو أعلم بما قال لكني قد سمعته و سمعت أباه يقولان لا تعتد بالصلاة خلف الناصب و اقرأ لنفسك كأنك وحدك.
قال فأخذت بقول الفضيل و تركت قول ابى عبد الله (عليه السلام)».
____________
(1) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 10 و 33 من صلاة الجماعة.
74
الحادي عشر-
ما رواه عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت انى ادخل المسجد و قد صليت فأصلي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة؟ قال لا بأس و أما أنا فأصلي معهم و أريهم أني أسجد و ما أسجد».
الثاني عشر-
ما رواه عن ناصح المؤذن (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أصلي في البيت و اخرج إليهم؟ قال اجعلها نافلة و لا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة فإن مفتاح الصلاة التكبير».
الثالث عشر-
ما رواه عن ابى الربيع عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (3) في حديث «انه سئل عن الامام ان لم أكن أثق به أصلي خلفه و أقرأ؟
قال لا صل قبله أو بعده. قيل له أ فأصلي خلفه و اجعلها تطوعا؟ قال فقال لو قبل التطوع لقبلت الفريضة و لكن اجعلها سبحة».
الرابع عشر-
ما رواه في الصحيح و رواه الكليني أيضا عن يعقوب بن يقطين (4) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك تحضر صلاة الظهر فلا نقدر أن تنزل في الوقت حتى ينزلوا و ننزل معهم فنصلي ثم يقومون فيسرعون فنقوم و نصلي العصر و نريهم كأنا نركع ثم ينزلون العصر فيقدمونا فنصلي بهم؟ قال صل بهم لا صلى الله عليهم».
الخامس عشر-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا صليت خلف امام لا تقتدى به فاقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع».
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة الجماعة. و الراوي عمرو بن الربيع و المروي عنه هو جعفر بن محمد (ع).
(4) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
75
السادس عشر-
ما رواه في التهذيب في الصحيح عن على بن يقطين (1) قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يصلى خلف من لا يقتدى بصلاته و الامام يجهر بالقراءة؟ قال اقرأ لنفسك و ان لم تسمع نفسك فلا بأس».
السابع عشر-
ما رواه عن أبي حمزة عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) و رواه في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يجزئك إذا كنت معهم مثل حديث النفس».
الثامن عشر-
ما رواه عن معاوية بن وهب في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يؤم القوم و أنت لا ترضى به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فقال إذا سمعت كتاب الله يتلى فأنصت له. قلت فإنه يشهد على بالشرك؟
قال ان عصى الله فأطع الله. فرددت عليه فأبى أن يرخص لي، قال قلت له أصلي اذن في بيتي ثم أخرج اليه؟ فقال أنت و ذاك، و قال ان عليا (عليه السلام) كان في صلاة الصبح فقرأ ابن الكوا و هو خلفه «وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخٰاسِرِينَ» (4) فأنصت على (عليه السلام) تعظيما للقرآن حتى فرغ من الآية ثم عاد في قراءته ثم أعاد ابن الكوا الآية فأنصت على (عليه السلام) ثم قرأ فأعاد ابن الكوا فأنصت على (عليه السلام) ثم قال «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّٰهِ حَقٌّ وَ لٰا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لٰا يُوقِنُونَ» (5) ثم أتم السورة ثم ركع».
التاسع عشر-
ما رواه عن ابن بكير عن أبيه في الموثق أو الحسن (عليه السلام) (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الناصب يؤمنا ما تقول في الصلاة معه؟ فقال
____________
(1) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة. و الراوي في التهذيب ج 1 ص 256 محمد ابن أبي حمزة.
(3) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة.
(4) سورة الزمر الآية 65.
(5) سورة الروم الآية 60.
(6) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة.
76
إذا جهر فأنصت للقرآن و اسمع ثم اركع و اسجد أنت لنفسك».
العشرون-
ما رواه عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس أن تصلى خلف الناصب و لا تقرأ خلفه في ما يجهر فيه فان قراءته تجزئك إذا سمعتها».
الحادي و العشرون-
ما رواه في الفقيه مرسلا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«اذن خلف من قرأت خلفه».
الثاني و العشرون-
ما رواه في التهذيب عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «قلت له انى ادخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني الى ما ان أؤذن و أقيم و لا اقرأ إلا الحمد حتى يركع أ يجزئنى ذلك؟ قال نعم تجزئك الحمد وحدها».
الثالث و العشرون-
ما رواه عن احمد بن عائذ (4) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) انى أدخل مع هؤلاء في صلاة المغرب فيعجلوني الى ما ان أؤذن و أقيم فلا أقرأ شيئا حتى إذا ركعوا و اركع معهم أ يجزئنى ذلك؟ قال نعم».
الرابع و العشرون-
ما رواه عن ابن أسباط عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله و ابى جعفر (عليهما السلام) (5) «في الرجل يكون خلف الامام لا يقتدى به فيسبقه الإمام بالقراءة؟ قال إذا كان قد قرأ أم الكتاب أجزأه يقطع و يركع».
الخامس و العشرون-
ما رواه عن ابى بصير في الصحيح (6) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) من لا اقتدى به في الصلاة؟ قال افرغ قبل أن يفرغ فإنك في حصار فان فرغ قبلك فاقطع القراءة و اركع معه».
السادس و العشرون-
ما رواه عن محمد بن عذافر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «سألته عن دخولي مع من اقرأ خلفه في الركعة الثانية فيركع عند فراغي
____________
(1) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(4) مستدرك الوسائل الباب 30 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 34 من صلاة الجماعة.
(7) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
77
من قراءة أم الكتاب فقال تقرأ في الأخراوين كي تكون قد قرأت في ركعتين».
السابع و العشرون-
ما رواه في الكافي في الحسن عن زرارة (1) قال:
«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الصلاة خلف المخالفين فقال ما هم عندي إلا بمنزلة الجدر».
الثامن و العشرون-
ما رواه عبد الله بن جعفر في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «كان الحسن و الحسين (عليهما السلام) يقرءان خلف الامام».
التاسع و العشرون-
ما رواه في الكافي عن حمران بن أعين (3) قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) جعلت فداك انا نصلي مع هؤلاء يوم الجمعة و هم يصلون في الوقت فكيف نصنع؟ فقال صلوا معهم. فخرج حمران إلى زرارة فقال له قد أمرنا أن نصلي معهم بصلاتهم فقال زرارة ما يكون هذا إلا بتأويل فقال له حمران قم حتى تسمع منه قال فدخلنا عليه فقال له زرارة جعلت فداك ان حمران زعم أنك أمرتنا أن نصلي معهم فأنكرت ذلك؟ فقال لنا كان على بن الحسين (عليه السلام) يصلى معهم الركعتين فإذا فرغوا قام فأضاف إليهما ركعتين».
الثلاثون-
ما رواه في التهذيب في الحسن عن حمران (4) في حديث قال:
«فقال أبو عبد الله في كتاب على (عليه السلام) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم و لا تقومن من مقعدك حتى تصلى ركعتين أخريين. الحديث».
الحادي و الثلاثون-
ما رواه في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي (5) قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) كيف تصنع يوم الجمعة؟ قال كيف تصنع أنت؟ قلت أصلي في منزلي ثم أخرج فأصلي معهم قال كذلك أصنع أنا».
الثاني و الثلاثون-
ما رواه عن زرارة في الصحيح أو الحسن (6) قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان أناسا رووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه صلى اربع ركعات
____________
(1) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(4) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(5) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(6) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
78
بعد الجمعة لم يفصل بينهن بتسليم؟ فقال يا زرارة ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى خلف امام فاسق فلما سلم و انصرف قام أمير المؤمنين (عليه السلام) فصلى اربع ركعات لم يفصل بينهن بتسليم فقال رجل الى جنبه يا أبا الحسن (عليه السلام) صليت أربع ركعات لم تفصل بينهن بتسليم؟ فقال انها أربع ركعات مشتبهات فسكت فوالله ما عقل ما قال له».
الثالث و الثلاثون-
ما رواه في كتاب المحاسن عن عبد الله بن حبيب بن جندب (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أصلي المغرب مع هؤلاء و أعيدها فأخاف أن يتفقدوني؟ قال إذا صليت الثالثة فمكن في الأرض إليك ثم انهض و تشهد و أنت قائم ثم اركع و اسجد فإنهم يحسبون أنها نافلة».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الأخبار يقع في مواضع:
(الأول) [كيفية الصلاة مع المخالفين و اعتبار عدم المندوحة]
ان المستفاد من جملة هذه الأخبار الدالة على الحث و التأكيد على الصلاة معهم و ما ذكر فيها من الثواب الجزيل هو استحباب الصلاة أو وجوبها معهم على أحد وجهين: (أحدهما) ان يصلى في منزله لنفسه ثم يخرج إلى الصلاة معهم كما دل عليه جملة من هذه الأخبار، و الظاهر انه الأفضل و الأولى لما فيه من الإتيان بالصلاة المستجمعة لشرائط الصحة و الكمال، حيث ان الغالب مع الصلاة معهم لزوم ترك بعض الواجبات أو المستحبات كما صرح به جملة من الأخبار المذكورة.
و (ثانيهما) ان يصلى معهم ابتداء صلاة منفردة يؤذن و يقيم و يقرأ لنفسه مع الإمكان. و الظاهر انه إلى القسمين المذكورين أشار في الحديث الثامن.
ثم انه هل يشترط بالنسبة إلى القسم الثاني عدم وجود المندوحة عن الصلاة معهم أم لا؟ قولان و الى الأول مال في المدارك و بالثاني صرح الشهيدان في الروض و البيان، و للمحقق الشيخ على (قدس سره) تفصيل في المقام قد سبق ذكره مع نقل الخلاف في المسألة في باب الوضوء من كتاب الطهارة في مسألة المسح على الرجلين قال في المدارك: و هل يشترط في التقية عدم المندوحة؟ قيل لا لا طلاق
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة 632.
79
النصل و قيل نعم لانتفاء الضرورة مع وجودها فيزول المقتضى و هو أقرب. انتهى و الظاهر بعده لما عرفت من هذه الأخبار و لا سيما الخبر الأول من الحث على الأمر بمخالطتهم و معاشرتهم و عيادة مرضاهم و تشييع جنائزهم و ان استطاعوا أن يكونوا أئمة لهم و مؤذنين فعلوا، و الغرض من ذلك كله هو تأليف القلوب و اجتماعها لدفع الضرر و الطعن على المذهب و أهله كما سمعت من الحديث التاسع، و أمر الصادق (عليه السلام) بالدخول في تلك الركعة التي قد فاتته القراءة فيها فضلا عن الأذان و الإقامة فإنها أفضل ركعاته، و ما قاله أولئك المخالفون لإسحاق لما رأوه قد اقتدى بهم مع ان الامام (عليه السلام) لم يأمره بشرط المندوحة أو عدمها و لم يأمره بالإعادة بعد ذلك و ان كان في الوقت. و به يظهر ضعف ما فرعوه على الخلاف المتقدم من الإعادة في الوقت و عدمه متى زال موجب التقية كما قدمنا ذكره في الموضع المشار اليه آنفا.
و بالجملة فإن المستفاد من الأخبار على وجه لا يقبل الإنكار عند من تأمل فيها بعين التحقيق و الاعتبار انه يجوز الدخول معهم ابتداء و ان يصلى معهم صلاة منفردة و يتابع في الركوع و السجود سواء كان له مندوحة عن الدخول أو لم تكن و انه يغتفر له ما يلزم فواته من الواجبات إذا لم يمكن الإتيان بها كما تضمنه خبر إسحاق و هو التاسع، و كذا الخبر الثالث و العشرون من فوات القراءة، و خبر ابى بصير و هو الخامس و العشرون من قطع القراءة، و في خبر آخر لأبي بصير ايضا اشتمل على التشهد قائما لمن اضطره الإمام إلى القيام قبل تشهده و نحو ذلك، كل ذلك لتحصيل المحافظة على تأليف القلوب و دفع الطعن على المذهب و امامه و شيعته كما دل عليه الخبر الأول.
و نحوه
ما رواه في المقنع و نقله في كتاب مشكاة الأنوار عن كتاب المحاسن عن عمر بن ابان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول يا معشر
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 646.
80
الشيعة انكم قد نسبتم إلينا كونوا لنا زينا و لا تكونوا شينا كونوا مثل أصحاب على (عليه السلام) في الناس ان كان الرجل منهم ليكون في القبيلة فيكون امامهم و مؤذنهم و صاحب أماناتهم و ودائعهم، عودوا مرضاهم و اشهدوا جنائزهم و صلوا في مساجدهم و لا يسبقوكم الى خير فأنتم و الله أحق منهم به».
و عن عبد الله بن بكير (1) قال: «دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) و معى رجلان فقال أحدهما لأبي عبد الله (عليه السلام) آتى الجمعة؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ائت الجمعة و الجماعة و احضر الجنازة و عد المريض و اقض الحقوق ثم قال أ تخافون ان نضلكم لا و الله لا نضلكم ابدا».
الثاني [هل الصلاة معهم بعد الصلاة لنفسه أولا صلاة حقيقية؟]
- المفهوم من أكثر الأخبار الدالة على الصلاة أولا لنفسه ثم الخروج و الصلاة معهم مأموما أو إماما لهم هو ان تلك الصلاة الثانية تقع نافلة، و قد دل الخبر الخامس و السادس و السابع على مقدار ثواب تلك الصلاة المعادة معهم، و كذا الحديث الثامن على أحد الاحتمالين و قد تقدمت الإشارة إلى الاحتمال الآخر و قد دل الحديث الخامس على اشتراط الوضوء فيها إشارة إلى أنها صلاة حقيقية و ان كانت نفلا، و كذا الحديث السادس أيضا.
إلا ان ظاهر الخبر الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر انه لا ينويها صلاة و لا يكبر فيها تكبيرة الإحرام و انما يأتي بالأذكار من قراءة و ذكر ركوع و سجود و قيام و قعود و نحو ذلك. و هو غريب لم أقف على من نبه عليه و لا من تنبه اليه.
أما الأول منها فإنه تضمن في حكايته (عليه السلام) عن نفسه في الصلاة معهم انه يريهم انه يسجد و هو لا يسجد و عليه يحمل كلام السائل و قوله «فلا احتسب بتلك الصلاة» يعني لا احتسبها صلاة بل مجرد اذكار آتى بها و ان احتمل على بعد أن يكون مراده انى لا احتسبها من الصلاة الواجبة على إلا ان جواب الامام
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 636.
81
و اخباره له عن نفسه بالأول أنسب.
و أما الثاني فإنه (عليه السلام) قال له: «اجعلها نافلة و لا تكبر معهم فتدخل معهم في الصلاة.» و ظاهره الإتيان بمجرد الأذكار و المتابعة و هو المراد بالنافلة.
و أما الثالث فإنه أصرح الجميع حيث قال له السائل: «أصلي خلفه و اجعلها تطوعا» فأجابه بأنه «لو قبل التطوع لقبلت الفريضة و لكن اجعلها سبحة» يعنى تسبيحا و تنزيها و اذكارا من غير نية صلاة و هو المراد بالنافلة في سابقة.
و بالجملة فإن هذه الأخبار ظاهرة في أن الصلاة معهم انما هي عبارة عن المتابعة في القيام و القعود و الأذكار من غير ان ينويها صلاة، بل ظاهر قوله في الثاني «و لا تكبر معهم» أى لا تفتتح الصلاة بالتكبير فإن الذي يأتي به انما هو مجرد اذكار و ليس بصلاة، و كذا نهيه في الخبر الثالث عن الصلاة معهم و انما يصلى قبلهم أو بعدهم مع استفاضة الأخبار بالصلاة معهم.
و لا يحضرني الآن وجه جواب عنها إلا ان يكون هذا قسما ثالثا في الصلاة معهم مضافا الى القسمين المتقدمين في الموضع الأول. و تأويل هذه الأخبار بما ترجع به الى الأخبار الكثيرة المذكورة يحتاج الى مزيد تعسف و تكلف و ربما لا يجري في بعضها بالكلية. و الله العالم.
الثالث [القراءة خلف المخالف]
- قد اختلفت الأخبار المتقدمة في القراءة خلف المخالف فجملة منها دلت على الأمر بذلك و ان سمع قراءته و عليه عمل الأصحاب (رضوان الله عليهم)و هو الأوفق بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، لأنه منفرد يجب عليه الإتيان بما يجب على المنفرد من قراءة و غيرها، و جملة منها دلت على المنع من القراءة خلفه إذا سمعه و الاجتزاء بقراءته، و الظاهر حملها على شدة التقية بحيث لا يتمكن من القراءة و لو خفيا مثل حديث النفس، و على ذلك حمل الشيخ الأخبار المذكورة.
و يحتمل حمل هذه الأخبار على خصوص السائلين لما يعلمونه (صلوات الله عليهم) من لحوق الضرر لهم بترك ذلك كما في أمر إسحاق بن عمار بما أمره به (عليه السلام)
82
في الحديث التاسع لعلمه بما يبتلى به من تلك القضية، و نحوه خبر على بن يقطين و خبر داود بن زربي في الأمر بالوضوء ثلاثا (1) لعلمه (عليه السلام) بما يجرى عليهما مما هو مذكور في خبريهما. و بالجملة فإن العمل على الأخبار الأولى كما عليه كافة الأصحاب، و يؤيده
قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) بعد النهى عن القراءة خلف من يقتدى به «و إذا كان لا يقتدى به فاقرأ خلفه سمعت أم لم تسمع».
الرابع [لو ركع الإمام المخالف قبل إتمام المأموم الفاتحة]
- قد عرفت ان الواجب على هذا المصلى معهم تقية القراءة لانتفاء القدوة و كونه منفردا و هو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب لما ذكرناه، و قد عرفت الوجه في ما دل على خلاف ذلك من عدم القراءة خلفه في الجهرية.
و لا خلاف أيضا في سقوط الجهر في الجهرية و ان قلنا بوجوبه للتقية، و عليه يدل ايضا الخبر السادس عشر و السابع عشر.
و تجزئه الحمد وحدها مع تعذر السورة بلا خلاف و لا إشكال، و عليه يدل الخبر الثاني و العشرون و الرابع و العشرون.
و انما الخلاف لو ركع الامام قبل إتمامه الفاتحة، فقيل انه يقرا في ركوعه و قيل انه تسقط القراءة للضرورة و به قطع الشيخ في التهذيب، قال ان الإنسان إذا لم يلحق القراءة معهم جاز له ترك القراءة و الاعتداد بتلك الصلاة بعد أن يكون قد أدرك الركوع. ثم استدل بالخبر التاسع.
و قال في المدارك بعد نقل ذلك عن الشيخ: و هذه الرواية و ان كانت واضحة المتن لكنها قاصرة من حيث السند، و المسألة محل إشكال و لا ريب ان الإعادة مع عدم التمكن من قراءة الفاتحة طريق الاحتياط. انتهى.
أقول: و يدل على ما قاله الشيخ ايضا الخبر الثالث و العشرون و الخامس و العشرون، و هو صحيح إذ ليس فيه من ربما يتوقف فيه إلا أبو بصير و هو هنا ليث المرادي بقرينة رواية عبد الله بن مسكان عنه، فما ذكره من الاستشكال
____________
(1) الوسائل الباب 42 من الوضوء.
(2) ص 11.
83
في المدارك ليس في محله. و أما القول بأنه يقرأ حال ركوعه فلم أقف على مستنده بل صريح هذه الأخبار انما هو المضي و المتابعة للإمام و اغتفار ترك القراءة في هذا المقام.
الخامس
- ما اشتمل عليه الحديث الثالث و الثلاثون من التشهد حال القيام إذا ألجأته التقية الى ذلك قد ورد مثله في خبر لأبي بصير إلا انه لا يحضرني الآن مكانه و به صرح الصدوق، قال في المنتهى: قال ابن بابويه و ان لم يتمكن من التشهد جالسا قام مع الامام و تشهد قائما.
أقول: و بذلك صرح الرضا (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (1) في ما لو دخل في صلاة المخالف بعد ان صلى بعض صلاته.
و سيأتي الكلام في المسألة ان شاء الله تعالى في المطلب الثالث في الأحكام.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذا المقصد يقع في مطالب ثلاثة
[المطلب] الأول في الجماعة
و فيه مسائل:
المسألة الأولى [موارد وجوب الجماعة و استحبابها و حرمتها]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في ان الجماعة لا تجب أصالة إلا في الجمعة و العيدين مع اجتماع الشرائط المتقدمة فيهما، و تجب بالعارض كالنذر و شبهيه، و في جاهل القراءة مع ضيق الوقت عن التعلم و إمكان الائتمام، و ما عدا ذلك فهي مستحبة، و قد عرفت تأكد استحبابها في اليومية.
و المشهور بين الأصحاب بل ادعى في المنتهى عليه الإجماع هو استحبابها في جميع الفرائض، قال في المنتهى: و هو مذهب علمائنا أجمع. و تنظر فيه بعض فضلاء متأخري المتأخرين، قال: و في استفادة هذا التعميم من الأخبار نظر. و هو في محله و الأحوط الوقوف في ذلك على موارد النصوص.
قالوا: و لا تجوز الجماعة في شيء من النوافل عدا الاستسقاء و العيدين مع اختلال الشرائط. أقول: أما استحبابها في الاستسقاء فقد تقدم الكلام فيه في صلاة
____________
(1) ص 14.
84
الاستسقاء، و اما العيدان فقد تقدم ايضا تحقيق القول في ذلك في صلاة العيد و ان الأمر ليس كما ادعوه (رضوان الله عليهم).
و أما عدم الجواز في غير هذين الموضعين من النوافل فقال في المنتهى انه مذهب علمائنا أجمع، و استدل
بما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم و الفضيل عن الصادقين (عليهما السلام) (1) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال ان الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة».
و عن إسحاق بن عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) و سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال في نافلة شهر رمضان ايها الناس ان هذه الصلاة نافلة و لن يجتمع للنافلة فليصل كل رجل منكم وحده و ليقل ما علمه الله من كتابه و اعلموا ان لا جماعة في نافلة».
و اعترضه في المدارك بان في هذا الاستدلال نظرا لقصور الرواية الأولى عن افادة العموم و ضعف سند الثانية باشتماله على محمد بن سليمان الديلمي و غيره، قال و ربما ظهر من كلام المصنف في ما سيأتي ان في المسألة قولا بجواز الاقتداء في النافلة مطلقا. ثم نقل عن الذكرى ما يقرب من ذلك ثم قال و هذا الكلام يؤذن بأن المنع ليس إجماعيا و قد ورد بالجواز روايات: منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال له: «صل بأهلك في رمضان الفريضة و النافلة فإني افعله».
و في الصحيح عن هشام بن سالم (4) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء فقال تؤمهن في النافلة فأما في المكتوبة فلا».
و نحوه روى ايضا في الصحيح عن الحلبي و سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) و من هنا يظهر ان ما ذهب اليه بعض الأصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيد و ان لم يرد فيها نص على الخصوص. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 7 من نافلة شهر رمضان.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
85
أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه المطلع على ما ورد عنهم (عليه السلام) في هذه المسألة من الأخبار و المتأمل فيها بعين الفكر و الاعتبار:
اما أولا- فلعدم انحصار ما دل على تحريم الجماعة في النافلة في هذه الروايات التي استدل بها العلامة (قدس سره) ليتم له بالطعن فيها القول بالجواز.
و مما يدل على ذلك زيادة على الأخبار المذكورة
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن سليم بن قيس (1) قال: «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) فحمد الله و اثنى عليه ثم صلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلتان اتباع الهوى و طول الأمل. و ساق الخطبة الى ان قال (عليه السلام) و أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة و أعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادي بعض أهل عسكري ممن يقاتل معى يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر.
الى آخرها».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب ابى القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا «لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة أتاه الناس فقالوا له اجعل لنا اماما يؤمنا في رمضان فقال لهم لا و نهاهم ان يجتمعوا فيه فلما أمسوا جعلوا يقولون ابكوا رمضان وا رمضاناه، فاتى الحارث الأعور في أناس فقال يا أمير المؤمنين ضج الناس و كرهوا قولك فقال عند ذلك دعوهم و ما يريدون ليصل بهم من شاءوا ثم قال وَ مَنْ. يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً» (3).
و رواه العياشي في تفسيره عن حريز عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (4).
و ما رواه الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «و لا يجوز التراويح في جماعة».
____________
(1) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(2) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(3) سورة النساء الآية 115 «وَ مَنْ يُشٰاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مٰا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدىٰ وَ يَتَّبِعْ.».
(4) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
(5) الوسائل الباب 10 من نافلة شهر رمضان.
86
و أنت خبير بأنه بعد ورود هذه الأخبار كملا ما ذكرناه و ما ذكره العلامة (قدس سره) لا مجال للمناقشة في الحكم المذكور سيما مع ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى في رواياته من الخلل و القصور.
و اما ثانيا- فلان صحيحة الفضلاء الثلاثة و ان كان موردها انما هو النهى عن الاجتماع في صلاة الليل في شهر رمضان كما قدمنا بيانه في بحث نافلة شهر رمضان إلا ان النهى انما وقع من حيث تحريم الاجتماع في النافلة لا من حيث خصوصية شهر رمضان أو خصوصية الليل كما أفصحت به الروايات الأخر من
قوله (عليه السلام) في صحيحة سليم بن قيس «و أعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة».
و قولهما (عليهما السلام) في حديثي سماعة و إسحاق «ان هذه الصلاة نافلة و لن يجتمع للنافلة».
و قوله (عليه السلام) (1) «و اعلموا ان لا جماعة في نافلة».
و من ذلك يعلم ان إجمال هذا الخبر يحمل على غيره من الأخبار المتقدمة المفصلة حمل المطلق على المقيد و المجمل على المبين و أما ثالثا- فان ما ذكره من الروايات الدالة على الجواز- من صحيحتي عبد الرحمن و هشام- ففيه أولا- انه قد اعترض صحيحة الفضلاء بأنها قاصرة عن افادة العموم إشارة الى ان موردها انما هو النهى عن الجماعة في النافلة في الليل في شهر رمضان فلا تدل على عموم تحريم النافلة مطلقا كما هو محل البحث، و هذا بعينه و أرد عليه في الصحيحتين المذكورتين، فإن الأولى موردها ايضا شهر رمضان و الثانية موردها النساء خاصة فلا دلالة فيها على عموم الجواز، فكيف يدعى بعد ذكرهما العموم و يقول: و من هنا يظهر ان ما ذهب اليه بعض الأصحاب من استحباب الجماعة في صلاة الغدير جيد و ان لم يرد فيها نص و الحال ان دليله كما عرفت أخص من المدعى ما هذا إلا عجب عجيب من هذا المحقق الأريب.
و ثانيا- ان ظاهر صحيحة عبد الرحمن هو أن هذه النافلة المذكورة في الخبر انما
____________
(1) ص 84 و 85.
87
هي نافلة شهر رمضان و إلا لما كان لذكر شهر رمضان معنى في المقام، و قد عرفت استفاضة الأخبار بتحريم الجماعة فيها، و حينئذ فالواجب حمل هذا الخبر على التقية (1) و بذلك يسقط الاستناد إليه بالكلية.
و أما صحيحة هشام فسيأتيك الجواب عنها واضحا مشروحا ان شاء الله تعالى في المطلب الثاني في شرط ذكورية الامام.
و أما رابعا- فان ما ذكره- من انه يفهم من كلام المصنف و الشهيد في الذكرى احتمال وجود المخالف في المسألة ليتم له القول بجواز الجماعة في النافلة و مخالفة الأصحاب في ما ظاهرهم الاتفاق عليه تحاشيا عن مخالفة الإجماع- فلا يخفى ما فيه و كم قد خالف الأصحاب في ما ظاهرهم الاتفاق عليه و ان تحاشا عن ذلك في مواضع أخر كما في هذا الموضع، مع انه قد ذكر في صدر كتابه في مقام طعنه على إجماعاتهم انه قد صنف رسالة في الطعن على هذا الإجماع و انه مما لا يعول عليه في مقام التحقيق و لا يرجع اليه.
هذا. و مما استثنى من تحريم الجماعة في النافلة صلاة الغدير عند ابى الصلاح كما أشار إليه في المدارك و اليه ذهب الشهيد في اللمعة و المحقق الشيخ على على ما نقل عنه و رجحه شيخنا أبو الحسن في رسالته في الصلاة، و نقل عن ابى الصلاح انه نسبه الى الرواية و هو ظاهر كلامه في الكافي. إلا ان الخروج عن ظواهر الأخبار الدالة على التحريم بمثل ذلك لا يخلو عن مجازفة فالتحريم أقوى.
و مما استثنى ايضا إعادة المنفرد صلاته جماعة إماما كان أو مأموما كما سيأتي بيان ذلك في محله.
المسألة الثانية [اشتراط العدد في الجماعة]
- من شرائط الجماعة و ترتب ثوابها و أحكامها العدد و أقله اثنان في غير الجمعة و العيدين يقوم المأموم عن يمين الامام و ان كان امرأة فخلفه، فههنا أحكام ثلاثة:
____________
(1) المهذب ج 1 ص 82 و المغني ج 2 ص 168.
88
[أقل الجماعة اثنان]
أما الحكم الأول أعني كون أقل الجماعة اثنين فيدل عليه
صحيحة زرارة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجلان يكونان جماعة؟ قال نعم و يقوم الرجل عن يمين الامام».
و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه».
قال في المدارك: و يدل عليه
رواية الحسن الصيقل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن أقل ما تكون الجماعة قال رجل و امرأة، و إذا لم يحضر المسجد أحد فالمؤمن وحده جماعة».
و معنى كون المؤمن وحده جماعة انه إذا طلب الجماعة فلم يجدها تكون صلاته على الانفراد مساوية لصلاة الجماعة في الثواب تفضلا من الله تعالى و معاملة له بمقتضى نيته. انتهى.
أقول: رواية الصيقل المذكورة قد رواها الشيخ في التهذيب (4) بما نقله الى قوله «رجل و امرأة»
و رواها الصدوق في الفقيه (5) هكذا: و سأل الحسن الصيقل أبا عبد الله (عليه السلام) عن أقل ما تكون الجماعة قال رجل و امرأة، و إذا لم يحضر المسجد أحد فالمؤمن وحده جماعة لأنه متى اذن و اقام صلى خلفه صفان من الملائكة و متى أقام و لم يؤذن صلى خلفه صف واحد.
انتهى.
و أنت خبير بان الظاهر ان ما زاد على رواية التهذيب فهو من كلام الصدوق الذي يداخل به الأخبار فيقع بسببه الالتباس باحتمال كونه منها، و في التعليل الذي ذكره إيناس بما قلنا، و ظاهر صاحب المدارك ان قوله: «و إذا لم يحضر المسجد أحد. إلخ» من الرواية، و الظاهر انه ليس كذلك بل انما هو من كلام الصدوق لما
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة. و اللفظ هكذا «سألته كم أقل.».
(4) ج 1 ص 253.
(5) ج 1 ص 246.
89
ذكرناه من نقل الشيخ الرواية عارية عن ذلك و إيناس التعليل بما هنالك.
و روى الشيخ في التهذيب عن أبي البختري عن جعفر (عليه السلام) (1) «أن عليا (عليه السلام) قال: الصبي عن يمين الرجل إذا ضبط الصف جماعة، و المريض القاعد عن يمين الصبي جماعة».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الاثنان جماعة.
قال و قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) المؤمن وحده حجة و المؤمن وحده جماعة».
و روى في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن محمد بن يوسف عن أبيه (3) و هو مجهول قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان الجهني اتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يا رسول الله انى أكون في البادية و معي أهلي و ولدي و غلمتي فأؤذن و أقيم و أصلي بهم أ فجماعة نحن؟ فقال نعم. الى أن قال فإن ولدي يتفرقون في الماشية فأبقى أنا و أهلي فأؤذن و أقيم و أصلي بها أ فجماعة نحن؟ فقال نعم. فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان المرأة تذهب في مصلحتها فأبقى أنا وحدي فأؤذن و أقيم أ فجماعة أنا؟ فقال نعم المؤمن وحده جماعة».
و الظاهر في تعليل كونه وحده جماعة هو ما ذكره في الفقيه مما قدمنا نقله عنه. و أما ما علله به في المدارك فالظاهر بعده و ان أمكن احتماله.
[قيام المأموم الواحد عن يمين الإمام واجب أو مستحب]
و أما الحكم الثاني أعني قيام المأموم إذا كان واحدا عن يمين الامام فهو مما لا خلاف في رجحانه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)و ان كان المأموم أكثر من واحد وقفوا خلف الامام.
و استندوا في هذا التفصيل الى
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه».
و بالجملة فإنه لا خلاف في أفضلية قيام الرجل وحده عن يمين الإمام إنما
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
90
الخلاف في وجوبه و استحبابه و المشهور ان ذلك على جهة الفضل و الاستحباب، قال في المنتهى: و هذا الموقف سنة فلو خالف بان وقف الواحد على يسار الإمام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع. و نقل في المختلف عن ابن الجنيد القول بالبطلان مع المخالفة، قال في المدارك و هو ضعيف.
أقول: لا أعرف لما ذكره الأصحاب من الاستحباب هنا مستندا سوى الإجماع الذي ادعاه في المنتهى، و لا اعرف لحكم السيد بضعف قول ابن الجنيد وجها مع عدم الدليل على خلافه و قيام الأدلة و تكاثرها على ما نقلوه عنه، و هم انما استندوا في هذا التفصيل إلى صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بأنه ان كان واحدا قام عن يمين الامام و ان كانوا أكثر قاموا خلفه، و هي ان لم تدل على ما ذهب اليه ابن الجنيد كما هو الظاهر منها فلا تدل على خلافه، و بالجملة فإنها أعم من ذلك فلا دلالة فيها على كون ذلك على جهة الاستحباب بوجه، و جميع ما حضرني من روايات هذه المسألة على كثرتها و تعددها لا إشارة في شيء منها فضلا عن الدلالة إلى الاستحباب بل المتبادر من سياقها و اتفاقها على الحكم المذكور انما هو الوجوب، لان العبادات كمية و كيفية صحة و بطلانا مبنية على التوقيف فما ثبت عن صاحب الشرع وجب الحكم بصحته و ما لم يثبت عنه فلا مساغ للحكم بصحته بمجرد التخرص و الظن، و الذي ثبت عنه كما ستقف عليه ان شاء الله تعالى انما هو ما ذكرناه.
و ها أنا أسوق لك ما وقفت عليه من اخبار المسألة، فمنها صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة و صحيحة زرارة المتقدمة في صدر المسألة و رواية أبي البختري المتقدمة أيضا.
و منها-
ما رواه في الكافي عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد (1) قال:
«ذكر الحسين- يعنى ابن سعيد- انه أمر من يسأله عن رجل صلى الى جانب رجل فقام عن يساره و هو لا يعلم ثم علم و هو في صلاته كيف يصنع؟ قال
____________
(1) الوسائل الباب 24 من صلاة الجماعة.
91
يحوله عن يمينه».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن إبراهيم بن ميمون عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يؤم النساء ليس معهن رجل في الفريضة؟ قال نعم و ان كان معه صبي فليقم الى جانبه».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «انه سئل عن الرجل يؤم الرجلين؟ قال يتقدمهما و لا يقوم بينهما. و عن الرجلين يصليان جماعة؟ قال نعم يجعله عن يمينه».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحسين بن يسار المدائني (3) «أنه سمع من يسأل الرضا (عليه السلام) عن رجل صلى الى جانب رجل فقام عن يساره و هو لا يعلم كيف يصنع ثم علم و هو في الصلاة؟ قال يحوله عن يمينه».
و ما رواه في كتاب العلل بسنده فيه عن احمد بن رباط عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له لأي علة إذا صلى اثنان صار التابع عن يمين المتبوع؟ قال لأنه امامه و طاعة للمتبوع و ان الله جعل أصحاب اليمين المطيعين، فلهذه العلة يقوم عن يمين الامام دون يساره».
و ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسين بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (5) «انه كان يقول المرأة خلف الرجل صف و لا يكون الرجل خلف الرجل صفا انما يكون الرجل الى جنب الرجل عن يمينه».
و ما رواه فيه ايضا عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليهم السلام) (6) قال: «رجلان صف فإذا كانوا ثلاثة تقدم الامام».
و روى الصدوق في كتاب المجالس في الصحيح الى محمد بن عمر
____________
(1) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 24 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
92
الجرجاني (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) أول جماعة كانت ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصلى و أمير المؤمنين على بن ابى طالب (عليه السلام) معه إذ مر أبو طالب و جعفر معه فقال يا بنى صل جناح ابن عمك فلما أحس رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) تقدمهما و انصرف أبو طالب مسرورا. الحديث».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «يؤم الرجلين أحدهما صاحبه يكون عن يمينه فإذا كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه».
أقول: هذا ما حضرني من اخبار المسألة المذكورة و هي كما ترى متطابقة الدلالة متعاضدة المقالة على ان الحكم في الاثنين هو قيام المأموم عن يمين الامام و الحكم في الأكثر التأخر، و قد عرفت ان العبادات مبنية على التوقيف عن صاحب الشريعة، و هذا هو الذي و ورد به الشرع عنهم (عليهم السلام) في كيفية الائتمام في هذه الصورة سيما مع اشتمالها على الأوامر التي هي حقيقة في الوجوب، و الخروج عن ذلك خروج عن المشروع عين ما سيأتي ان شاء الله تعالى في استدلالهم في مسألة عدم جواز تقدم المأموم على الامام، حيث قالوا ثمة: لأن المنقول من فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) إما تقدم الإمام أو تساوى الموقفين فيكون الإتيان بخلافه خروجا عن المشروع. انتهى. و هذا بعينه آت في ما نحن فيه فان المنقول عنهم (عليهم السلام) كما عرفت من هذه الأخبار هو وقوف الواحد عن يمين الامام و تأخر الأكثر، و الخروج عنه من غير دليل و لا نص خروج عن المشروع.
نعم لو كان هنا دليل معارض لهذه الأخبار لتم لهم حملها على الاستحباب جمعا بين الدليلين كما هي قاعدتهم المطردة إلا ان الأمر ليس كذلك.
و غاية ما استدل به العلامة في المختلف للقول المشهور
ما رواه أبو الصباح في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصف وحده فقال
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة.
(2) ص 11.
(3) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
93
لا بأس إنما يبدو واحد بعد واحد».
ثم نقل الاحتجاج لابن الجنيد برواية زرارة المتقدمة و هي صحيحته المتقدمة في صدر المسألة، قال و الأمر للوجوب. ثم قال و الجواب المنع من كونه للوجوب. انتهى.
و أنت خبير بما في كلامه من الوهن و الضعف الظاهر الذي لا يخفى على الخبير الماهر، اما الخبر الذي استدل به فان الظاهر منه انما هو قيام المأموم وحده في صف مع امتلاء الصفوف و عدم وجود مكان له فيها فإنه يقوم وحده
كما ورد في صحيحة سعيد الأعرج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل المسجد ليصلي مع الامام فيجد الصف متضايقا بأهله فيقوم وحده حتى يفرغ الامام من الصلاة أ يجوز ذلك له؟ قال نعم لا بأس».
و في موثقة أخرى لسعيد الأعرج (2) أيضا قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أ يقوم وحده حتى يفرغ من صلاته؟ قال نعم لا بأس يقوم بحذاء الامام».
و ما ذكرناه في معنى الخبر المذكور ان لم يكن متعينا لما ذكرنا من الأخبار فلا أقل أن يكون مساويا لما ذكره في الاحتمال و هو كاف في إبطال الاستدلال. و اما جوابه عن صحيح زرارة بعد اعترافه بان الأمر فيه للوجوب بمنع ذلك فهو تحكم محض كما لا يخفى.
و بالجملة فالقول المذكور في غاية القوة لما عرفت، و لا أعرف لهم وجها في رد هذه الأخبار إلا قصور النظر عن تتبعها و الاطلاع عليها و الجمود على ظواهر المشهورات المزخرفة بالإجماعات.
قال في الذكرى: و تنعقد الجماعة بالصبي المميز لان ابن عباس ائتم بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و كان إذ ذاك غير بالغ (3).
____________
(1) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
(3)
في سنن ابى داود ج 1 ص 166 عن ابن عباس قال: بت في بيت خالتي ميمونة فقام رسول الله «ص» من الليل فأطلق القربة فتوضأ ثم اوكأ القربة ثم قام إلى الصلاة فقمت فتوضأت كما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فأخذني بيمينه فأدارني من وراثه فأقامني عن يمينه فصليت معه ...
94
أقول: الأظهر الاستدلال على ذلك بخبر أبي البختري و إبراهيم بن ميمون المتقدمين، و أما الخبر الذي أشار إليه فالظاهر انه من طريق القوم.
و تنعقد بالمرأة خلف الرجل كما دل عليه خبر كتاب قرب الاسناد المتقدم و غيره ثم انه لا يخفى ان ظاهر الأخبار المتقدمة الدالة على انهما إذا كان اثنين يقوم المأموم عن يمين الامام هو مساواة المأموم للإمام في الموقف، و نقل في المختلف عن ابن إدريس انه لا بد من تقدم الامام عليه بقليل. ثم أجاب عنه بأنه ممنوع لأن الأصل براءة الذمة منه. ثم أورد صحيحة محمد بن مسلم و حسنة زرارة المتقدمتين الدالتين على أنه يقوم عن يمين الامام. ثم استدل بأنه لو كان كذلك بطلت صلاة الاثنين إذا قال كل واحد منهما كنت اماما، قال لأنهما إن أخلا بالتقدم المذكور مع وجوبه بطلت صلاتهما، و يستحيل ان يأتيا به معا، و ان تقدم أحدهما فهو الامام، لكن التالي باطل إجماعا فكذا المقدم. انتهى.
و ظاهر الشهيد (قدس سره) في الذكرى موافقة ابن إدريس هنا حيث قال في بيان سنة الموقف: أحدها- أن يقتدى الرجل بالرجل فيستحب قيامه عن يمينه و يتقدم الامام بيسير. انتهى. و لا ريب في ضعفه لما عرفت.
[تأخر المرأة خلف الرجل في الجماعة]
و أما الحكم الثالث و هو تأخر المرأة خلفه فهو مبنى على ما هو المختار من عدم جواز محاذاة المرأة للرجل في الموقف كما تقدم تحقيقه في مبحث المكان من مقدمات الكتاب، و اما من قال بجواز المحاذاة فالحكم هنا عنده على الاستحباب.
و الذي يدل على تأخرها روايات: منها-
ما رواه الشيخ عن ابى العباس (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤم المرأة في بيته؟ قال نعم تقوم وراءه».
و عن عبد الله بن بكير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يؤم المرأة؟ قال نعم تكون خلفه. و عن المرأة تؤم النساء؟ قال نعم تقوم وسطا
____________
(1) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 19 و 20 من صلاة الجماعة.
95
بينهن و لا تتقدمهن».
و يستحب لها مع التأخر أن تقوم عن يمين الإمام إذا كانت واحدة
لما رواه الصدوق في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الرجل إذا أم المرأة كانت خلفه عن يمينه سجودها مع ركبتيه».
و ما رواه الشيخ عن الفضيل بن يسار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أصلي المكتوبة بأم على؟ قال نعم تكون عن يمينك يكون سجودها بحذاء قدميك».
و لو كان المأموم رجلا و امرأة قام الرجل عن يمين الامام و المرأة خلفه
لما رواه عن القاسم بن الوليد (3) قال: «سألته عن الرجل يصلى مع الرجل الواحد معهما النساء؟ قال يقوم الرجل الى جنب الرجل و يتخلفن النساء خلفهما».
و الله العالم.
المسألة الثالثة [اعتبار عدم الحائل المانع من المشاهدة]
- من الشرائط أيضا عند الأصحاب (رضوان الله عليهم)المشاهدة بمعنى أن لا يكون ثمة بين الامام و المأموم أو بين المأمومين بعض مع بعض حائل يمنع المشاهدة، قال في المدارك: هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب.
و الأصل فيه
ما رواه الشيخ في الحسن و الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «ان صلى قوم و بينهم و بين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمام، و أى صف كان أهله يصلون بصلاة امام و بينهم و بين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة، و ان كان بينهم سترة أو جدار
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 62 و 59 من صلاة الجماعة. و مصدر الحديث الفقيه و الكافي و الشيخ يرويه عن الكليني. و قوله «ع» «ينبغي ان تكون الصفوف.» الى قوله «ع» «إذا سجد» رواه في الفقيه قبل قوله «ع» «ان صلى قوم.» و في كلمة «إذا سجد» دون الكافي كما ان قوله «ع» «إنما امرأة.» حديث الفقيه دون الكافي راجع الفروع ج 1 ص 107 و الفقيه ج 1 ص 253.
96
فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب. قال: و هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس و إنما أحدثها الجبارون و ليس لمن صلى خلفها مقتديا بصلاة من فيها صلاة.
قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام) ينبغي أن تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها الى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطى يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان إذا سجد.
قال و قال: أيما امرأة صلت خلف امام و بينها و بينه ما لا يتخطى فليس لها تلك بصلاة. قال قلت: فان جاء انسان يريد أن يصلى كيف يصنع و هي إلى جانب الرجل؟ قال: يدخل بينها و بين الرجل و تنحدر هي شيئا».
و تحقيق الكلام في هذا المقام ان يقال قد عرفت انه لا يجوز الحيلولة بين الامام و المأمومين و لا بين المأمومين بعضهم مع بعض بما يمنع المشاهدة من الحائل فلو لم يمنع المشاهدة كالحائل القصير المانع حالة الجلوس خاصة و الشباك و المانع من الاستطراق دون المشاهدة فلا بأس بالصلاة و الحال هذه، و بذلك صرح معظم الأصحاب و منهم الشيخ في المبسوط على ما نقله في الذخيرة، و خالف في الخلاف فقال من صلى وراء الشبابيك لا تصح صلاته مقتديا بصلاة الإمام الذي يصلى داخلها.
و استدل بصحيحة زرارة، قال في المدارك: و كأن موضع الدلالة فيها النهى عن الصلاة خلف المقاصير فان الغالب فيها أن تكون مشبكة. و أجاب عنه في المختلف بجواز أن تكون المقاصير المشار إليها فيها غير مخرمة. الى أن قال: و لا ريب ان الاحتياط يقتضي المصير الى ما ذكره الشيخ. انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره)- من أن موضع الدلالة في ما استدل به الشيخ من الرواية النهي عن الصلاة خلف المقاصير فان الغالب فيها أن تكون مشبكة- لا يخلو من بعد، فإنه لا يخفى أن ظاهر قوله (عليه السلام): «و هذه المقاصير لم تكن في زمن أحد من الناس» انما وقع تفريعا على قوله: «و ان كان بينهم سترة أو جدار فليس تلك لهم بصلاة» فإنه لما حكم (عليه السلام) ببطلان الصلاة و الحال هذه و كانت تلك
97
المقاصير حائلة و ساترة مع كون الناس يصلون خلفها استدرك (عليه السلام) و بين أن هذه المقاصير التي يصلى خلفها الناس الآن لم تكن في الصدر الأول من زمنه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا ما قاربه و انما هي شيء محدث، و لا يجوز الصلاة خلفها لحصول الستر و الحيلولة بها. هذا هو ظاهر سياق الخبر المذكور و هو الذي فهمه الأصحاب منه كما نقله عن المحقق و مثله العلامة و غيرهما. فقوله (قدس سره) ان الغالب في تلك المقاصير ان تكون مشبكة مع كونه مجرد دعوى مخالف لظاهر النص، و من اين علم ان تلك المقاصير التي كانت في زمانهم (عليهم السلام) كانت مشبكة لو ثبت كونها في زمانه كذلك.
و بالجملة فإن استدلال الشيخ بالخبر المذكور على ما ادعاه ليس له وجه ان ثبت ما نقلوه عنه من انه استدل بخبر زرارة، و من المحتمل قريبا عندي ان هذا الاستدلال انما هو من كلام الأصحاب و ان أسندوه اليه ظنا منهم استناده في ذلك الى الخبر المذكور كما وقع في المختلف في استدلاله للأقوال التي ينقلها فيه و ان أسند ذلك الى صاحب القول، كما لا يخفى على من تأمل ذلك بعين التحقيق.
هذا. و لا يخفى ان صاحب الذخيرة نقل ان الشيخ في المبسوط وافق المشهور في جواز الصلاة خلف الشبابيك و انما خالفهم في الخلاف، و المفهوم من كلام الذكرى ان خلافه انما هو في المبسوط حيث قال: و لو كانت المقصورة مخرمة صحت كالشبابيك، و يظهر من المبسوط و كلام ابى الصلاح عدم الجواز مع حيلولة الشباك لرواية زرارة مع اعتراف الشيخ بجواز الحيلولة بالمقصورة المخرمة و لا فرق بينهما. انتهى.
أقول: لا يخفى على من لاحظ عبارة المبسوط في هذا المقام انها غير خالية من التدافع و التناقض في هذه الأحكام و منه وقع الاشتباه في ما نقل عنه من هذا الكلام، حيث قال: الحائط و ما يجرى مجراه مما يمنع من مشاهدة الصفوف يمنع من صحة الصلاة و الاقتداء بالإمام، و كذلك الشبابيك و المقاصير تمنع من الاقتداء
98
بإمام الصلاة إلا إذا كانت مخرمة لا تمنع من مشاهدة الصفوف. انتهى.
و وجه الإشكال فيها انه لا ريب ان الشبابيك لا تمنع المشاهدة مع انه عدها في ما يمنع من صحة الصلاة و الاقتداء بالإمام و جوز في المقاصير المخرمة، و لا ريب أن المقصورة المخرمة و الشباك بمعنى واحد و لهذا أورد عليه في الذكرى ما ذكره، و صاحب الذخيرة نظر الى آخر العبارة و غفل عن ذكره الشبابيك و انها تمنع.
ثم انه لا يخفى عليك ان ظاهر الشهيد في الذكرى كما قدمناه في عبارته ان الشيخ في المبسوط استند في عدم الجواز مع حيلولة الشباك إلى رواية زرارة مع ان عبارة المبسوط كما حكيناها خالية من ذلك، و هو دليل على ما قدمناه من أن نسبة الاستدلال بالرواية إلى الشيخ انما هو من الأصحاب تكلفا لتحصيل الدليل له، و بذلك يسقط ما ذكره في المدارك من تحمل توجيه الاستدلال له بالخبر المذكور، و نحوه في الذخيرة حيث حذا حذوه في المقام كما هو الغالب عليه في أكثر الأحكام.
تنبيهات
الأول [حكم المصلي بحذاء الباب و من يشاهده من المصلين]
- لو وقف بحذاء باب المسجد و هو مفتوح بحيث يشاهد الواقف حذاء الباب الإمام أو المأمومين الذين في المسجد صحت صلاة المحاذي للباب لمشاهدته لمن في المسجد و صلاة من على يمينه و يساره من الصف لمشاهدتهم ذلك الواقف حذاء الباب، و قد صرح بذلك الشيخ (قدس سره) و جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في المنتهى حيث قال: لو وقف المأموم خارج المسجد بحذاء الباب و هو مفتوح يشاهد المأمومين في المسجد صحت صلاته، و لو صلى قوم عن يمينه و شماله صحت صلاتهم لأنهم يرون من يرى الامام. و لو وقف بين يدي هذا الصف صف آخر عن يمين الباب أو يساره لا يشاهدون من في المسجد لم تصح صلاتهم. انتهى.
و بنحو ذلك صرح في المدارك ايضا.
و توقف في الذخيرة في الحكم الأول فقال- بعد نقل ما ذكره في المنتهى عن جماعة من الأصحاب- ما لفظة: و الحكم الثاني صحيح و أما الحكم الأولى فقد ذكره
99
غير واحد من الأصحاب كالشيخ و من تبعه، و هو متجه ان ثبت الإجماع على ان مشاهدة بعض المأمومين تكفي مطلقا و إلا كان في الحكم المذكور اشكال نظرا الى قوله (عليه السلام) (1) «إلا من كان بحيال الباب» فان ظاهره قصر الصحة على صلاة من كان بحيال الباب. و جعل بعضهم هذا الحصر إضافيا بالنسبة إلى الصف الذي يتقدمه عن يمين الباب و يساره. و فيه عدول عن الظاهر يحتاج الى دليل. انتهى.
أقول: الظاهر أن منشأ الشبهة الحاصلة له هو تخصيص المشاهدة التي هي شرط في صحة القدوة بمشاهدة الإنسان من يكون قدامه دون من على يمينه و يساره و الذي على الباب من المأمومين يشاهد الإمام أو المأمومين الذين في المسجد فتصح صلاته و أما من على يمينه و يساره فإنهم لا يشاهدون قادمهم إلا جدار المسجد فتبطل صلاتهم لفوات شرط المشاهدة، و مشاهدة من على جنبه غير كافية عنده.
و اللازم من هذا أنه لو استطال الصف الأول على وجه لا يرى من في طرفيه الإمام فإنه يلزم بطلان صلاتهم، حيث انهم لا يشاهدون الامام و مشاهدة من على الجنب يمينا و يسارا غير كافية، و لا أظن هذا القائل يلتزمه. و نحو ذلك لو استطال الصف الثاني أو الثالث زيادة على الصفوف المتقدمة و كان الذي يلي قبلة هذه الزيادة جدارا لا أحدا من المأمومين فإنه يلزم بطلان صلاة هذه الزيادة لعدم وجود المأمومين قدامهم و عدم الاكتفاء بمشاهدة من على الجنب. و الظاهر من قوله (عليه السلام) «إلا من كان بحيال الباب» يعنى من الصفوف لا من المأمومين لأن عبارة الخبر هنا كلها منصبة على الصفوف، حيث قال «و أى صف كان أهله يصلون بصلاة امام و بينهم و بين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة و ان كان بينهم ستر أو جدار فليس تلك لهم بصلاة إلا من كان حيال الباب» و هذا الكلام كما ترى مشتمل على شرطين: (أحدهما)- أن لا يكون بين الصفوف من البعد ما لا يتخطى.
و (الثاني) أن لا يكون بينهم ستر و لا جدار كالصف الذي يقوم عن يمين الباب
____________
(1) ص 95 و 96.
100
و يساره، فإنه لا ريب في بطلان صلاتهم لعدم المشاهدة، ثم استثنى الصف الذي يقوم بحيال الباب لحصول الشرط المذكور فيه بمشاهدة من على الباب لمن في المسجد و مشاهدة من على يمين ذلك الرجل و يساره له و هكذا.
و بالجملة فاللازم مما ذكره في هذه الصورة هو بطلان الصلاة في الصورتين المذكورتين اللتين فرضناهما و لا أظنه يلتزمه. و نحوهما ايضا وقوف بعض المأمومين خلف الأساطين بحيث ان الأسطوانة في قبلته فهو لا يرى من قدامه من المأمومين و انما يرى من على يمينه و يساره، و اللازم بمقتضى ما ذهب اليه بطلان صلاته مع ان صحيح الحلبي (1) دل على انه لا بأس بالصفوف بين الأساطين.
و بالجملة فما ذكره (قدس سره) انما هو من قبيل الأوهام البعيدة و التشكيكات الغير السديدة. و الله العالم.
الثاني [جواز الحائل للمرأة]
- الأشهر الأظهر عدم اشتراط هذا الشرط في حق المرأة فيجوز لها الاقتداء مع الحائل، و يدل على ذلك- مضافا الى الأصل و العمومات و عدم ظهور تناول الصحيحة المتقدمة التي هي الأصل في هذا الحكم لهذه الصورة-
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى بالقوم و خلفه دار فيها نساء هل يجوز لهن أن يصلين خلفه؟ قال نعم ان كان الإمام أسفل منهن. قلت فان بينهن و بينه حائطا أو طريقا؟ قال لا بأس».
و قال ابن إدريس في سرائره: و قد وردت رخصة للنساء أن يصلين و بينهن و بين الإمام حائط و الأول أظهر و أصح. و مراده بالأول مساواة النساء للرجال في هذا الشرط، و هو جيد على أصله الغير الأصيل.
الثالث [كفاية مشاهدة من يشاهد الإمام]
- لو لم يشاهد بعض المأمومين الامام و شاهد من يشاهده و لو بوسائط عديدة كفى في صحة القدوة و إلا بطلت صلاة الصفوف الأخيرة مع كثرة الصفوف حيث انهم لا يشاهدون الامام و هو معلوم البطلان، قال في المنتهى: و لا نعرف
____________
(1) ص 101.
(2) الوسائل الباب 60 من صلاة الجماعة.
101
فيه خلافا، و الخبر إنما دل على بطلان القدوة بالحائل و الساتر من جدار و نحوه لا بحيلولة المأمومين بعضهم ببعض. و بالجملة فالأصل و عموم الأدلة يقتضي صحة القدوة في الصورة المذكورة مضافا الى دعوى الاتفاق على ذلك.
الرابع [حيلولة النهر بين الامام و المأموم]
- نقل عن ابى الصلاح و ابن زهرة المنع من حيلولة النهر بين الامام و المأموم، قال في المدارك فإن أرادا به ما لا يمكن تخطيه من ذلك كان جيدا لإطلاق صحيحة زرارة المتقدمة، و ان لم يعتبرا فيه هذا القيد طولبا بالدليل على الإطلاق.
و قال في الذكرى: و منع أبو الصلاح و ابن زهرة من حيلولة النهر لرواية زرارة السالفة و قد بينا حملها على الاستحباب.
أقول: سيأتي ان مذهب هذين الفاضلين هو تفسير البعد الموجب لبطلان القدوة بما لا يتخطى و هو الذي دل عليه الخبر المشار اليه، و سيأتي في معنى الخبر المذكور انه لا بد من تواصل الصفوف بعضها مع بعض و هكذا مع الإمام، بان لا يزيد ما بين موقف الصف الثاني إلى الصف الذي قدامه على مسقط جسد الإنسان حال سجوده و ان هذا هو الحد الذي يتخطى عادة و ما زاد عليه فهو مما لا يتخطى، و لا ريب ان النهر إذا فصل بين الصفوف أو بين الامام و الصف فقد حصلت الزيادة في المسافة المعتبرة و انتهت الى ما لا يتخطى.
و بذلك يظهر ان كلامهما هنا يرجع الى ما ذكروه ثمة كما قدمنا نقله عنهما، و هو جيد عند من عمل بالخبر المذكور كما يشير اليه كلام صاحب المدارك دون من يتأوله كما يشير اليه كلام صاحب الذكرى.
الخامس [الصلاة بين الأساطين]
- تجوز الصلاة بين الأساطين مع المشاهدة و اتصال الصفوف
لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (1) «لا أرى بالصفوف بين الأساطين بأسا».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): نقلا عن العالم (عليه السلام) قال:
«و قال لا أرى بالصفوف بين الأساطين بأسا».
و هو يشتمل ما لو كانت الأساطين
____________
(1) الوسائل الباب 59 من صلاة الجماعة.
(2) ص 11.
102
معترضة بين الصف الواحد أو بين الصفين. و فيه دلالة على أنه لا يضر الوقوف خلف الأسطوانة و ان كان مانعا من رؤية الإمام إذا رأى المأمومين الذين يرون الإمام أو من يراه.
و بما ذكرنا صرح في الذكرى فقال: يجوز الصلاة بين الأساطين مع المشاهدة و اتصال الصفوف لقوله (عليه السلام): «لا أرى بالصفوف بين الأساطين بأسا» و بذلك يظهر ما في كلام العلامة (أجزل الله إكرامه) في المنتهى حيث قال:
و يكره للمأمومين الوقوف بين الأساطين لأنها تقطع صفوفهم، و به قال ابن مسعود و النخعي و حذيفة و ابن عباس، و لم يكره مالك و أصحاب الرأي (1) لعدم الدلالة على المنع. و الجواب
ما رواه الجمهور عن معاوية بن قرة عن أبيه (2) قال: «كنا ننهى ان نصف بين الأساطين على عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و نطرد عنها طردا».
و لما ذكرناه من قطعها للصف. انتهى. و ظاهره انه لا مستند له في ما ذكره إلا هذه الرواية العامية و هذا التعليل العليل و غفل عن ملاحظة النص الواضح في نفى البأس عن ذلك.
السادس [لو صلى في داره خلف امام المسجد و هو يشاهد الصفوف]
- قال في الذكرى: لو صلى في داره خلف امام المسجد و هو يشاهد الصفوف صحت قدوته و أطلق الشيخ ذلك، و الأولى تقييده بعدم البعد المفرط، قال و لو كان باب الدار بحذاء باب المسجد أو باب المسجد عن يمينه أو عن يساره و اتصلت الصفوف من المسجد الى داره صحت صلاتهم، و ان كان قدام هذا الصف في داره صف لم تصح صلاة من كان قدامه، و من صلى خلفهم صحت صلاتهم سواء كان على الأرض أو في غرفة منها لأنهم يشاهدون الصف المتصل بالإمام و الصف الذي قدامه لا يشاهدون الصف المتصل بالإمام، و قد روى (3) «ان أنسا كان يصلى في بيت حميد بن عبد الرحمن بن عوف بصلاة الامام و بينه و بين
____________
(1) المغني ج 2 ص 220.
(2) المغني ج 2 ص 220.
(3) المغني ج 2 ص 209 و فيه هكذا «. في موت حميد بن عبد الرحمن.».
103
المسجد طريق» و فيه أيضا دلالة على أن الشارع ليس بحائل (فإن قلت)
قد روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «من كان بينه و بين الإمام حائل فليس مع الامام».
قلت يحمل على البعد المفرط أو على الكراهة. انتهى ما ذكره في الذكرى.
أقول: هذا الكلام من أوله الى آخره مبنى على ما تقدم نقله عنهم من تفسير البعد الموجب لبطلان القدوة بما قدمنا نقله عن الشيخ في الخلاف و المبسوط و ما ذكره الأكثر من الإحالة إلى العرف، و قد عرفت ما في الجميع و ان الاعتماد في ذلك انما هو على الخبر الصحيح الصريح الدال على التقدير بما لا يتخطى عادة المفسر في الخبر المذكور بما زاد على مسقط جسد الإنسان حال السجود. و اما ما استند اليه في عدم كون الشارع حائلا من الخبر العامي فضعفه أظهر من أن يبين، و تأويله الخبر المروي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) بما ذكره موقوف على وجود المعارض و ليس في المقام ما يعارضه بل الموجود فيها ما يعضده و يقويه و هو صحيحة زرارة المتقدمة.
و بالجملة فإن كلماتهم في هذا المقام لكون البناء على غير أساس وثيق القوام مختلة النظام عديمة الانتظام.
المسألة الرابعة [اعتبار عدم التباعد في الجماعة و حده]
- قال في المدارك: أجمع علماؤنا و أكثر العامة على انه يشترط في الجماعة عدم التباعد بين الامام و المأموم إلا مع اتصال الصفوف، و انما الخلاف في حده فذهب الأكثر الى ان المرجع فيه الى العادة، و قال في الخلاف حده مع عدم اتصال الصفوف ما يمنع من مشاهدته و الاقتداء بأفعاله، و يظهر منه في المبسوط جواز البعد بثلاثمائة ذراع. انتهى.
____________
(1) في المجموع للنووي شرح المهذب للشيرازي ج 4 ص 409 في مسألة حيلولة الطريق «و قال أبو حنيفة لا يصح الحديث رووه مرفوعا «من كان بينه و بين الامام طريق فليس مع الامام» ثم قال: و هذا حديث باطل لا أصل له و انما يروى عن عمر من رواية ليث بن ابى سليم عن تميم و ليث ضعيف و تميم مجهول» و في التذكرة في المسألة الرابعة من الشرط الثالث من شروط الجماعة رواه كما تقدم بلفظ «طريق» و بما تقدم من النووي يظهر ان نسبة الحديث إلى النبي «ص» كما في الذكرى و التذكرة ليست في محلها.
104
أقول: فيه (أولا)- ان الظاهر من كلام العامة- على ما نقله بعض محققي متأخري المتأخرين- خلاف ما ذكره (قدس سره) فإنه نقل ان مذهب الشافعية الفرق في ذلك بين المساجد و غيرها، قال البغوي في التهذيب: فان تباعدت الصفوف أو بعد الصف الأول عن الامام نظر ان كانوا جميعا في مسجد واحد صحت صلاتهم مع الامام، و ان بعدوا و اختلف بهم البناء أو كان بين الامام و المأموم حائل. الى ان قال: و ان كانوا في غير المسجد فان كان بين المأموم و الامام أو بينه و بين الصف الآخر ثلاثمائة ذراع أو أقل صحت. انتهى. و هو صريح في عدم اعتبار الصفوف كما زعمه (قدس سره). و قال في شرح المنهاج:
و اشترطوا ان يجمع الامام و المأموم المسجد و ان بعدت المسافة و حالت الأبنية نافذة أغلق أبوابها أم لا، و قيل لا تصح في الإغلاق. و هو كما ترى ظاهر في انهم لم يشترطوا في المساجد غير ذلك من قرب المسافة أو وجود الصفوف فضلا عن اتصالها لكن لا بد أن يعلم بانتقالات الامام إما برؤية شخصه أو يسمعه أو يبلغه غيره. و مذهب مالك على ما ذكره العثماني في كتابه انه إذا صلى في داره بصلاة الامام و هو في المسجد و كان يسمع التكبير صح الاقتداء إلا في الجمعة فإنها لا تصح إلا في الجامع أو في رحابه إذا كان متصلا به، و قال أبو حنيفة يصح الاقتداء في الجمعة و غيرها، و قال عطاء الاعتبار العلم بصلاة الإمام دون المشاهدة و عدم الحائل و حكى ذلك عن النخعي و الحسن البصري (1) انتهى. و مقتضاه ان أبا حنيفة قائل
____________
(1) في المجموع للنوى الشافعي ج 4 ص 309 «فرع في مسائل: إحداها- يشترط ان لا تطول المسافة بين الامام و المأمومين إذا صلوا في غير المسجد و به قال جماهير العلماء، و قدر الشافعي القرب بثلاثمائة ذراع، و قال عطاء يصح مطلقا و ان طالت المسافة ميلا و أكثر إذا علم صلاته. الثانية- لو حال بينهما طريق صح الاقتداء عندنا و عند مالك و الأكثرين، و قال أبو حنيفة لا يصح. الى آخر ما تقدم في التعليقة (1) ص 103 الثالثة- لو صلى في دار أو نحوها بصلاة الإمام في المسجد و حال بينهما حائل لم يصح عندنا و به قال احمد، و قال مالك تصح إلا في الجمعة، و قال أبو حنيفة تصح مطلقا».
105
بقول مالك حتى في الجمعة، و بذلك يظهر ان ما نسبه الى أكثر العامة من موافقة الأصحاب في ما ذكره ليس في محله و كان ينبغي أن يقول: أجمع أصحابنا خلافا لأكثر العامة بل جميعهم. على ان ما ادعاه من إجماع أصحابنا على ما ذكره يرده ظاهر كلام العلامة في المختلف من قوله: و المشهور المنع من التباعد الكثير، و يستند في ذلك الى العرف.
و (ثانيا) ان ما نسبه الى الشيخ في المبسوط من انه يظهر منه جواز البعد بثلاثمائة ذراع ليس في محله، و هذه عبارته قال في المبسوط: و حد البعد ما جرت العادة بتسميته بعدا، و حد قوم ذلك بثلاثمائة ذراع و قالوا على هذا ان وقف و بينه و بين الإمام ثلاثمائة ذراع ثم وقف آخر و بينه و بين هذا المأموم ثلاثمائة ذراع ثم على هذا الحساب و التقدير بالغا ما بلغوا صحت صلاتهم. قالوا و كذلك إذا اتصلت الصفوف في المسجد ثم اتصلت بالأسواق و الدروب و الدور بعد أن يشاهد بعضهم بعضا و يرى الأولون الإمام صحت صلاة الكل. و هذا قريب على مذهبنا ايضا.
قال العلامة (قدس سره) و مراده بالقوم هنا بعض الجمهور لانه لا قول لعلمائنا في ذلك. انتهى. و هو جيد. و قد عرفت قول بعض الجمهور بذلك من ما نقلناه.
و قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: يمكن أن يشير الى جميع ما تقدم فيكون رضى بالثلاثمائة، و يمكن أن يشير بالقرب الى الفرض الأخير خاصة فلا يكون راجعا الى التقدير بثلاثمائة ذراع و هو الأنسب بقوله: و حد البعد ما جرت العادة بتسميته بعدا. و قال أبو الصلاح و ابن زهرة لا يجوز أن يكون بين الصفين من المسافة ما لا يتخطى.
و الى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخري المتأخرين، و هو الحق الحقيق بالاتباع
لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (1) «ان صلى قوم و بينهم و بين الامام ما لا يتخطى فليس ذلك الامام لهم بإمام، و أى صف كان أهله يصلون بصلاة إمام
____________
(1) ص 95 و 96.
106
و بينهم و بين الصف الذي يتقدمهم قدر ما لا يتخطى فليس تلك لهم بصلاة».
و أجاب عنها في المعتبر بان اشتراط ذلك مستبعد فيحمل على الأفضل.
و أجاب عنها في المختلف باحتمال أن يكون المراد ما لا يتخطى من الحائل لا من المسافة.
ورد بالتصريح في الرواية بعد ذلك بذكر الحائل، مع ان اللازم من حمله على الحائل المنع من الصلاة خلف الشبابيك و الحائل القصير الذي يمنع من الاستطراق دون المشاهدة و هو لا يقول به.
أقول: و يؤيد الرواية المذكورة
ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (1) انه قال: ينبغي للصفوف أن تكون تامة متصلة و يكون بين كل صفين قدر مسقط جسد الإنسان إذا سجد، و أى صف كان أهله يصلون بصلاة الامام و بينهم و بين الصف الذي تقدمهم أزيد من ذلك فليس تلك الصلاة لهم بصلاة.
انتهى.
ثم ان العجب منهم (نور الله مراقدهم) في هذا المقام في ارتكاب هذه التأويلات البعيدة و التمحلات الشديدة من غير موجب لذلك، فان ما ذهبوا اليه من الحوالة على العادة لا دليل عليه غير مجرد تخرصهم و ظنهم، مع ما عرفت في غير مقام من ما تقدم ما في حوالة الأحكام الشرعية على العرف الذي لا انضباط له بالكلية، و هل هو إلا رد إلى جهالة لما يعلم من اختلاف الأقطار و البلدان في هذا العرف فان لكل قطر عرفا على حدة، ثم انه من الذي يدعى الوقوف و الاطلاع على العرف العام لجميع الناس في جميع الأقطار و الأمصار حتى يرتب عليه حكما شرعيا أو أنه يجب الوقوف في الحكم حتى يحصل تتبع العرف أو أنه يكتفى بعرف كل بلد و إقليم على حدة، ما هذه إلا تخرصات ظنية و مجازفات وهمية في أحكامه سبحانه المبنية على القطع و اليقين و العلم «أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» (2) مع ان
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة. و فيه بدل «أزيد» «أقل».
(2) سورة الأعراف الآية 27.
107
الخبر المذكور صحيح صريح خال من المعارض دال على الحكم المذكور بأظهر تأكيد
لقوله (عليه السلام) (1) زيادة على ما قدمنا ذكره «ينبغي أن تكون الصفوف تامة متواصلة بعضها الى بعض لا يكون بين الصفين ما لا يتخطى».
و «ينبغي» هنا بمعنى الوجوب كما استفاض في الأخبار، و عليه صدر الكلام الى أن قال (عليه السلام) أيضا في الخبر «أيما امرأة صلت خلف امام و بينها و بينه ما لا يتخطى فليس لها تلك بصلاة» و هل وقع في حكم من الأحكام ما وقع في هذا الحكم من المبالغة بهذا التأكيد التام؟ ما هذا إلا عجب عجيب من هؤلاء الأعلام تجاوز الله عنا و عنهم في دار المقام.
و بالجملة فالظاهر عندي من النص المذكور هو وجوب مراعاة هذا المقدار بين الامام و المأمومين و كذا ما بين المأمومين بعضهم مع بعض، و ظاهر الخبر المذكور انه لا ينبغي أن يكون بين الصفين زيادة على مسقط جسد الإنسان حال السجود بمعنى أنه يكون سجوده متصلا بعقب رجلي المتقدم فتكون مسافة البعد من موقف المصلى لا من موضع سجوده، و قوله (عليه السلام): «يكون قدر ذلك مسقط جسد الإنسان» أي قدر المسافة التي يحصل بها تواصل الصفوف بعضها الى بعض هذا المقدار. و ما ذكرناه ظاهر من عبارة الخبر المنقول من كتاب الدعائم أتم الظهور.
فرعان
الأول [كيفية إحرام البعيد]
- قال في المدارك: و اعلم انه ينبغي للبعيد من الصفوف أن لا يحرم بالصلاة حتى يحرم قبله من المتقدم من يزول معه التباعد. انتهى. و هو جيد لأنه مع إحرام البعيد بهذا المقدار قبل إحرام من يزول به البعد يصدق وجود ما لا يتخطى فان وجود المأمومين قبل الدخول في الصلاة في حكم العدم و حينئذ تبطل القدوة. و احتمال انهم آن وجودهم مريدين الصلاة و ان لم يحرموا في حكم من أحرم معارض بجواز انصرافهم و تركهم الاقتداء أو عروض مانع منه. إلا ان اعتبار هذا الشرط في غاية الإشكال الآن في حق المأمومين الذين هم في الأغلب
____________
(1) ص 96.
108
الأكثر من الجهال و لكن جهلهم ليس عذرا شرعيا يوجب الخروج عن العمل بأحكام الملك المتعال.
الثاني [حصول البعد بعد الاقتداء]
- لو حصل البعد المذكور بخروج الصفوف المتخللة بين الامام و المأمومين من الصلاة عن الاقتداء لانتهاء صلاتهم أو نية الانفراد، فهل تنفسخ القدوة لحصول البعد حينئذ أم لا؟ و على تقدير الانفساخ هل تعود القدوة بالانتقال الى محل القرب الذي به يزول البعد بناء على جواز تجديد المؤتم بإمام آخر إذا انتهت صلاة الإمام الأول أم لا؟ و لعل الأظهر ان اشتراط عدم البعد انما هو في ابتداء الصلاة خاصة دون استدامتها، كما تقدم نظيره في صلاة الجمعة و العيد من أن اشتراط الجماعة و العدد المشروط فيهما إنما هو في الابتداء فلو انفض العدد بعد الدخول في الصلاة وجب الإتمام جمعة و لو لم يبق إلا الإمام خاصة.
المسألة الخامسة [عدم علو الإمام بما يعتد به]
- من الشرائط أيضا في صحة الجماعة عدم علو الامام بما يعتد به من الابنية و نحوها بل إما أن يكون مساويا للمأموم أو أخفض منه، و لا بأس بذلك في المأموم و يستثني من ذلك العلو في الأرض المنبسطة لو قام الإمام في المكان الأعلى منها.
و الأصل في هذه الأحكام
ما رواه ثقة الإسلام و الصدوق و الشيخ في الموثق عن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصلى بقوم و هم في موضع أسفل من موضعه الذي يصلى فيه؟ فقال ان كان الامام على شبه الدكان أو على موضع أرفع من موضعهم لم تجز صلاتهم، و ان كان أرفع منهم بقدر إصبع أو أكثر أو أقل إذا كان الارتفاع ببطن مسيل، فان كان أرضا مبسوطة و كان في
____________
(1) الوسائل الباب 63 من صلاة الجماعة. و الشيخ يرويه عن الكليني. و قوله «سألته» في رواية الكليني في الفروع ج 1 ص 107 و الشيخ عنه في التهذيب ج 1 ص 261، و في الفقيه ج 1 ص 253 «قال عمار سئل أبو عبد الله ع» و في الفقيه ايضا هكذا «و ان كانت الأرض مبسوطة» و فيه ايضا بعد قوله «منحدر» هكذا «فلا بأس به» و في الفروع و التهذيب «قال لا بأس».
109
موضع منها ارتفاع فقام الإمام في الموضع المرتفع و قام من خلفه أسفل منه و الأرض مبسوطة إلا انهم في موضع منحدر فلا بأس به. و سئل فإن قام الإمام أسفل من موضع من يصلى خلفه؟ قال لا بأس. قال و ان كان رجل فوق بيت أو غير ذلك دكانا كان أو غيره و كان الامام يصلى على الأرض أسفل منه جاز للرجل أن يصلى خلفه و يقتدى بصلاته و ان كان أرفع منه بشيء كثير».
قوله: «إذا كان الارتفاع ببطن مسيل» في الكافي، و في غيره (1) «إذا كان الارتفاع بقدر شبر» و طعن السيد السند في المدارك في هذه الرواية بأنها ضعيفة السند متهافتة المتن قاصرة الدلالة فلا يسوغ التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل، قال و من ثم تردد فيه المصنف (رحمة الله عليه) و ذهب الشيخ في الخلاف إلى كراهة كون الإمام أعلى من المأموم بما يعتد به كالأبنية و هو متجه. انتهى كلامه زيد مقامه.
أقول: و مما ورد في المسألة أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان- و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه- عن محمد بن عبد الله و هو مجهول عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الامام يصلى في موضع و الذين خلفه يصلون في موضع أسفل منه أو يصلى في موضع و الذين خلفه في موضع أرفع منه؟ فقال يكون مكانهم مستويا».
و ما رواه على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتاب المسائل عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يحل له أن يصلى خلف الامام فوق دكان؟ قال إذا كان مع القوم في الصف فلا بأس».
أقول: قضية الجمع بين هذه الأخبار هو المنع من علو الامام كما دلت عليه الموثقة المذكورة، إذ لا معارض لها في البين و طرحها من غير معارض مشكل و جواز علو المأموم كما دل عليه خبر على بن جعفر، و الظاهر انه مما لا خلاف فيه كما يظهر من المنتهى حيث انه أسنده إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و أفضلية
____________
(1) هذا في التهذيب و في الفقيه «بقطع سيل».
(2) الوسائل الباب 63 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 63 من صلاة الجماعة.
110
المساواة بحمل خبر محمد بن عبد الله المذكور على ذلك جمعا بين الأخبار المذكورة.
و حمل العلامة في المختلف كلام الشيخ في الخلاف على أنه انما قصد به التحريم و هو غير بعيد. إلا ان ظاهر كلام المحقق في المعتبر ان الشيخ في الخلاف انما استند في ما ذكره من الكراهة إلى
رواية سهل (1) قال: «رأيت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) على المنبر فكبر و كبر الناس وراءه ثم ركع و هو على المنبر ثم رجع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس فعلت كذا لتأتموا و لتعلموا صلاتي».
ثم أجاب في المعتبر بمنع الرواية (أولا) و بالحمل على علو لا يعتد به كالمرقاة السفلى (ثانيا) و بجواز كونه من خواصه (صلى اللّٰه عليه و آله) (ثالثا) و زاد العلامة فقال: و لانه لم يتم الصلاة على المنبر فان سجوده و جلوسه انما كان على الأرض بخلاف ما وقع فيه الخلاف، أو لأنه (صلى اللّٰه عليه و آله) علمهم الصلاة و لم يعتدوا بها. انتهى.
أقول: ربما أشعر تكلف هذه الأجوبة عن الخبر المذكور بثبوته عندهم إلا ان يحمل على التنزل بعد تسليم صحته و هو الأقرب، فإن الظاهر ان الخبر المذكور ليس من طرقنا و لا من أخبارنا. و كيف كان فالظاهر ان الشيخ إنما ذهب الى الكراهة جمعا بين ما دل عليه هذا الخبر من الجواز كما يعطيه استدلاله به و ما دلت عليه موثقة عمار من المنع فجعل وجه الجمع بينهما حمل خبر عمار على الكراهة، و منه يظهر بعد ما ذكره العلامة في المختلف من حمل الكراهة في عبارته على التحريم.
ثم انه في المختلف نقل عن ابن الجنيد أنه قال لا يكون الإمام أعلى في مقامه بحيث لا يرى المأموم فعله إلا أن يكون المأمومون أضراء، فإن فرض البصراء الاقتداء بالنظر و فرض الأضراء الاقتداء بالسماع إذا صح لهم التوجه. ثم استدل للقول المشهور بالموثقة المتقدمة ثم قال و هو شامل للبصراء و الأضراء.
هذا. و قد استدل في الذكرى للقول المشهور زيادة على الموثقة المذكورة
____________
(1) صحيح مسلم ج 1 ص 205 باب جواز الخطوة و الخطوتين.
111
بما روى (1) «ان عمارا (رضى الله عنه) تقدم للصلاة على دكان و الناس أسفل منه فقدم حذيفة (رضى الله عنه) فأخذ بيده حتى أنزله فلما فرغ من صلاته قال له حذيفة أ لم تسمع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول إذا أم الرجل القوم فلا يقومن في مكان أرفع من مقامهم؟ قال عمار فلذلك اتبعتك حين أخذت على يدي».
قال و روى ايضا (2) «ان حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ عبد الله بن مسعود بقميصه فجذبه فلما فرغ من صلاته قال أ لم تعلم انهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال بلى ذكرت حين جذبتني».
و الظاهر ان هذين الخبرين من روايات العامة أو من الأصول التي وصلت اليه و لم تصل إلينا.
فروع
الأول [مقدار العلو المانع من صحة القدوة]
- اختلف الأصحاب (رضى الله عنهم) في مقدار العلو المانع من صحة القدوة فقيل انه القدر المعتد به و انه لا تقدير له إلا بالعرف، و هو قول الأكثر و منهم الشهيد في الذكرى و العلامة في بعض كتبه، و قيل قدر شبر، و قيل ما لا يتخطى و به صرح العلامة في التذكرة، قال لو كان العلو يسيرا جاز إجماعا و هل يتقدر بشبر أو بما لا يتخطى؟ الأقرب الثاني. و الظاهر انه بنى في ذلك على صحيحة زرارة المتقدمة.
قال في الذكرى: لا تقدير للعلو إلا بالعرف
و في رواية عمار (3) «و لو كان أرفع منهم بقدر إصبع إلى شبر فان كان أرضا مبسوطة و كان في موضع فيه ارتفاع فقام الإمام في المرتفع و قام من خلفه أسفل منه إلا انه في موضع منحدر فلا بأس».
و هي تدل بمفهومها على ان الزائد على شبر ممنوع و أما الشبر فيبني على دخول الغاية في المغني و عدمه. انتهى.
____________
(1) سنن ابى داود باب (الامام يقوم مكانا ارفع من مكان القوم.
(2) سنن ابى داود باب (الامام يقوم مكانا ارفع من مكان القوم.
(3) ص 108 و 109.
112
أقول: و هذا الموضع من ما طعن به على الرواية بأنها متهافتة فإنه لا يخفى ما في عبارة الخبر من القصور عن تأدية هذا المعنى الذي ذكره هنا.
الثاني [لو صلى الإمام على سطح و المأموم على آخر]
- لو وقف الامام على الموضع الأعلى بما يعتد به صحت صلاته و بطلت صلاة المأموم لأنه منهي عن الاقتداء به في هذه الحال، و أما الامام فلا وجه لبطلان صلاته، و النهى عن قيامه في الموضع المذكور انما هو لأجل صحة صلاة المأموم لا لأجل صحة صلاته. و نقل عن بعض العامة القول ببطلان صلاة الإمام أيضا لأنه منهي عن القيام على مكان أعلى من مكان المأمومين (1) و فيه ما عرفت.
الثالث- قال في المدارك: لو صلى الامام على سطح و المأموم على آخر و بينهما طريق صح مع عدم التباعد و علو سطح الامام. انتهى.
أقول: قد عرفت من ما قدمنا ان المستفاد من خبر زرارة و كذا من خبر كتاب الدعائم انه لا بد من اتصال الصفوف بالإمام و الصفوف بعضها ببعض بحيث لا يكون بينهم أزيد من مسقط جسد الإنسان حال سجوده، و حينئذ فالطريق التي بين السطحين متضمنة لزيادة المسافة على القدر المذكور، و به يظهر الإشكال في الحكم بالصحة في الصورة المفروضة إلا أن تعتبر مسافة التقدير بما لا يتخطى من موضع سجود المأموم، و الظاهر أنه ليس كذلك بل المسافة إنما هي من موقفه الى موقف من قدامه فإنه هو الذي به يحصل تواصل الصفوف المأمور به في الخبر، و رواية كتاب الدعائم كما تقدم صريحة في ما ذكرناه.
و ظاهر الأصحاب ان هذا الحكم اعنى تواصل الصفوف على الوجه المذكور
____________
(1) في المغني ج 2 ص 211 «إذا صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد بطلت صلاتهم و هو قول الأوزاعي، لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. و قال القاضي لا تبطل و هو قول أصحاب الرأي، لان عمارا أتم صلاته و لو كانت فاسدة لاستأنفها. ثم قال: و يحتمل أن يتناول النهي الإمام لكونه منهيا عن القيام في مكان أعلى من مقامهم، فعلى هذا الاحتمال تبطل صلاة الجميع عند من أبطل الصلاة بارتكاب النهى».
113
انما هو على سبيل الاستحباب، قال في الذكرى: يستحب تقارب الصفوف فلا يزيد ما بينها على مسقط الجسد إذا سجد، رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) و قدر ايضا بمريض عنز (2) ذكره في المبسوط. انتهى.
أقول: لا ريب ان تصريحهم بالاستحباب هنا مبنى على حملهم الخبر في ما يدل عليه من النهى عن البعد بما لا يتخطى على الاستحباب كما تقدم ذكره و اعتمادهم في تقدير البعد على ما تقدم نقله عنهم من الأقوال، و أما من يجعل البعد الموجب لبطلان القدوة هو ما دل عليه الخبر فلا إشكال عنده في صحة ما ذكرنا، و به يظهر ما في كلام صاحب المدارك حيث انه ممن يقول بما دل عليه الخبر المذكور ظاهرا و ان كان كلامه غير صريح في ذلك مع قوله هنا بصحة الصلاة على السطحين اللذين بينهما طريق فاصلة، فان القول بالصحة هنا لا يجامع ما دل عليه الخبر كما أوضحناه و انما يتم بناء على القول المشهور من تحديد البعد بما تقدم نقله عنهم. و الله العالم.
المسألة السادسة [عدم تقدم المأموم في الموقف على الإمام]
- من الشرائط في صحة القدوة أن لا يتقدم المأموم في الموقف على الامام بمعنى أن يكون أقرب الى القبلة من الامام، قال في المدارك: هذا قول علمائنا أجمع و وافقنا عليه أكثر العامة (3) ثم احتج عليه بان المنقول من فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) إما تقدم الإمام أو تساوى الموقفين فيكون الإتيان بخلافه خروجا عن المشروع، و لأن المأموم مع التقدم يحتاج الى استعلام حال الامام بالالتفات الى ما وراءه و ذلك مبطل. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 62 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 62 من صلاة الجماعة.
(3) في المهذب للشيرازي ج 1 ص 99 «ان تقدم المأموم على الامام ففيه قولان: قال في القديم لا تبطل كما لو وقف خلف الامام وحده. و قال في الجديد تبطل، لانه وقف في موضع ليس بموقف مؤتم بحال فأشبه إذا وقف في موضع نجس» و في المغني ج 2 ص 213 «السنة ان يقف المأمومون خلف الإمام فإن وقفوا قدامه لم تصح و بذا قال أبو حنيفة و الشافعي، و قال مالك و إسحاق تصح».
114
و التعليل الأول جيد لأن مرجعه الى أن العبادات توقيفية فيرجع في كيفيتها صحة و بطلانا الى ما ثبت من الشارع فما ثبت التعبد به حكم بصحته و إلا فلا، إلا انه ينقض عليهم بما قدمنا ذكره في مسألة صلاة المأموم الواحد مع الامام حيث جعلوا موقفه على يمينه من المستحبات و جوزوا كونه خلفه و عن يساره، و الأخبار الواردة في المسألة كلها متفقة على كون المأموم المتحد موقفه عن يمين الامام و الأكثر خلفه، و قضية التعليل المذكور في هذه المسألة جار في تلك المسألة كما عرفت فكيف عدلوا عنه ثمة من غير دليل؟
و كيف كان فظاهر كلامهم انهم لم يقفوا على دليل من الأخبار زائدا على ما ذكروه هنا من هذا الدليل المؤيد باتفاقهم.
و يمكن أن يستدل على ذلك
بصحيحة محمد بن عبد الله الحميري المروية في التهذيب (1) قال: «كتبت الى الفقيه (عليه السلام) اسأله عن الرجل يزور قبور الأئمة (عليهم السلام) هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ و هل يجوز لمن صلى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر و يجعل القبر قبلة و يقوم عند رأسه و رجليه؟ و هل يجوز أن يتقدم القبر و يصلى و يجعله خلفه أم لا؟ فأجاب و قرأت التوقيع و منه نسخت: أما السجود على القبر فلا يجوز في نافلة و لا فريضة و لا زيارة بل يضع خده الأيمن على القبر، و أما الصلاة فإنها خلفه يجعله الامام و لا يجوز أن يصلى بين يديه لأن الإمام لا يتقدم و يصلى عن يمينه و شماله».
و التقريب فيها انه (عليه السلام) جعل القبر الشريف بمنزلة إمام الجماعة في الأحكام المذكورة فكما لا يجوز التقدم على الإمام في الجماعة لا يجوز التقدم في الصلاة على القبر الشريف، و كما يجوز التأخر و المساواة هناك فإنهما يجوزان هنا.
و قد سبقنا الى فهم هذا المعنى من الخبر شيخنا البهائي عطر الله مرقده) في كتاب الحبل المتين حيث قال ما صورته: هذا الخبر يدل على عدم جواز وضع
____________
(1) الوسائل الباب 26 من مكان المصلي.
115
الجبهة على قبر الامام (عليه السلام). الى أن قال: و على عدم جواز التقدم على الضريح المقدس حال الصلاة، لأن قوله (عليه السلام) «يجعله الامام» صريح في جعل القبر بمنزلة الإمام في الصلاة، فكما أنه لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الإمام بأن يكون موقفه أقرب الى القبلة من موقف الامام بل يجب أن يتأخر عنه أو يساويه في الموقف يمينا أو شمالا فكذا هنا، و هذا هو المراد هنا بقوله (عليه السلام) «لا يجوز أن يصلى بين يديه لأن الإمام لا يتقدم و يصلى عن يمينه و شماله» و الحاصل ان المستفاد من الحديث ان كل ما ثبت للمأموم من وجوب التأخر عن الإمام أو المساواة أو تحريم التقدم عليه فهو ثابت للمصلي بالنسبة إلى الضريح المقدس من غير فرق فينبغي لمن صلى عند رأس الإمام أو عند رجليه أن يلاحظ ذلك. انتهى المقصود نقله من كلامه (أفاض الله تعالى عليه رواشح إكرامه) و هو جيد رشيق كما لا يخفى على ذوي التحقيق، و منه يظهر الدليل على الحكم المذكور و ان غفل عنه الجمهور.
بقي الكلام هنا في مواضع
(الأول) [هل يجوز تساوي موقف الإمام و المأموم؟]
- ان ظاهر كلام أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم)أنه يجوز المساواة مع تعدد المأمومين، بل نقل عن العلامة في التذكرة دعوى الإجماع على ذلك و ان الممنوع منه انما هو التقدم على الامام، و نقل عن ابن إدريس هنا انه اعتبر تأخر المأموم و لم يكتف بالتساوي، قال في المدارك: و هو مدفوع بالأصل السالم من المعارض
و صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «الرجلان يؤم أحدهما صاحبه يقوم عن يمينه فان كانوا أكثر من ذلك قاموا خلفه».
و نحوه روى زرارة (2) قال: دلت الروايتان على استحباب وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام أو وجوبه و لو وجب التأخر لذكره إذ المقام مقام البيان. انتهى.
أقول: قد تقدم في المسألة الثانية النقل عن ابن إدريس في صورة اتحاد
____________
(1) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة الجماعة.
116
المأموم أنه أوجب أيضا تقدم الامام بقليل، و ظاهر النقل عنه في هذه المسألة أنه مع التعدد أيضا أوجب تقدم الامام.
و التحقيق في المقام بالنظر الى ما يفهم من أخبارهم (عليهم السلام) التي عليها المدار في النقض و الإبرام ان ما ذكره ابن إدريس في هذه المسألة جيد دون ما ذكره في المسألة المتقدمة، لما عرفت في المسألة المتقدمة من تكاثر الأخبار و استفاضتها بأنه متى كان المأموم متحدا فموقفه عن يمين الامام و المتبادر منه المحاذاة و ان كانوا أكثر فموقفهم خلفه، و قد عرفت من ما قدمنا في المسألة المذكورة تطابق الأخبار على ذلك، و حينئذ فحكمهم بالاستحباب في كل من الموقفين- مع دلالة ظواهر الأخبار على الوجوب من غير معارض سوى مجرد الشهرة بينهم- تحكم محض، و به يظهر قوة ما ذكره ابن إدريس هنا. و ما استدل به عليه في المدارك من الأخبار الدالة على صورة وحدة المأموم ليس في محله إذ هو أخص من المدعى، فان المدعى أنه هل تجوز المساواة تعدد المأموم أو اتحد أم لا؟ و البحث هنا انما هو في هذه المسألة و الروايات إنما دلت على جواز المساواة مع الاتحاد كما قدمناه في تلك المسألة. و أما ما يدل على الجواز مع التعدد فلم يرد في شيء من الأخبار بل الوارد فيها إنما هو وجوب التأخر خلف الامام كما تقدم، فكلام ابن إدريس في صورة تعدد المأموم حق لا ريب فيه.
و بالجملة فالمستفاد من الأخبار كما عرفت هو كون المأموم متى كان رجلا واحدا فموقفه على يمين الامام و متعددا خلفه، و ما ذكروه من جواز خلاف ذلك فلم نقف فيه على دليل، و مقتضى دليلهم الذي قدمنا ذكره في صدر هذه المسألة كما أشرنا إليه هو عدم الجواز كما لا يخفى.
الثاني [ما يعتبر به التساوي بين الإمام و المأموم]
- قال في المدارك: و قد نص الأصحاب على أن المعتبر التساوي بالأعقاب فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم أو رأسه، و لو تقدم بعقبة على الامام لم ينفعه تأخره عنه بأصابعه أو رأسه، و استقرب العلامة في
117
النهاية اعتبار التقدم بالعقب و الأصابع معا، و صرح بأنه لا يقدح في التساوي تقدم رأس المأموم في حالتي الركوع و السجود و مقاديم الركبتين أو الاعجاز في حال التشهد.
و النص خال من ذلك كله. و لو قيل ان المرجع في التقدم المبطل الى العرف كان وجيها قويا. انتهى.
أقول:
روى في كتاب دعائم الإسلام عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) قال: «سووا صفوفكم و حاذوا بين مناكبكم و لا تخالفوا بينها فتختلفوا و يتخللكم الشيطان. الحديث».
و هو ظاهر في ان التساوي في الموقف يحصل بتحاذي المناكب فإذا وقع المنكب بحذاء المنكب فقد حصل التساوي في الموقف و لهذا رتب اعتدال الصفوف و استقامتها على ذلك، و على هذا فلا يحتاج الى ما تكلفوه هنا من ما لم يقم عليه دليل في المقام.
و اما ما اختاره من الحوالة على العرف فقد عرفت في غير مقام من ما تقدم و لا سيما ما تقدم قريبا ما في حوالة الأحكام الشرعية على العرف من المجازفة بل الاختلال مضافا الى عدم وجود الدليل عليه من الآل عليهم صلوات ذي الجلال.
و اما ما ذكره من عدم ورود نص في هذا المقام فهو و ان كان كذلك إلا ان المستفاد من النصوص التي قدمناها في المقدمة السادسة في المكان في مسألة محاذاة الرجل للمرأة جوازا و منعا ما به يعلم التساوي و التقدم، فان المستفاد من تلك الأخبار كما قدمنا تحقيقه في تلك المسألة المذكورة هو تحريم محاذاة المرأة للرجل حال الصلاة و انه لا بد من تقدم الرجل عليها، و انه يحصل التقدم بنحو شبر كما
في صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سأله عن الرجل و المرأة يصليان في بيت واحد فقال إذا كان بينهما قدر شبر صلت بحذائه وحدها و هو وحده لا بأس».
و المراد تقدم الرجل بالشبر،
و في بعض الأخبار «بقدر عظم الذراع» (3).
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 5 من مكان المصلى.
(3) و هو
حديث زرارة المروي في الفقيه ج 1 ص 159 باللفظ الآتي: «إذا كان بينها و بينه قدر ما يتخطى أو قدر عظم ذراع فصاعدا فلا بأس صلت بحذائه وحدها».
و هكذا أورده في الوافي باب صلاة كل من الرجل و المرأة بحذاء الآخر أو قريبا منه) و أورده في الوسائل في الباب 5 من مكان المصلى هكذا: «إذا كان بينها و بينه ما لا يتخطى أو قدر عظم الذراع فصاعدا فلا بأس».
118
و في بعض «قدر ما يتخطى»
و في موثقة عبد الله بن بكير (1) قال: «إذا كان سجودها مع ركوعه فلا بأس».
بمعنى ان موضع سجودها يحاذي ركبتيه،
و في صحيحة لزرارة (2) «لا تصلى المرأة بحيال الرجل إلا ان يكون قدامها و لو بصدره».
و هذه الرواية قريبة من ما ذكره الأصحاب من بناء ذلك على التقدم بالأعقاب، فإنه متى تقدم الرجل بعقبة لزم تقدم صدره إلى القبلة على صدر من يحاذيه ممن كان متأخرا عنه بالمقدار المذكور.
و بالجملة فالمفهوم من هذه الروايات انه متى حصل تقدم الرجل بأحد هذه المقادير زالت المحاذاة و هي و ان كانت متفاوتة لكن التفاوت يسير، و أقل مراتبها التقدم بالصدر و بعده بالشبر، و في معناه سجودها مع ركوعه ثم عظم الذراع ثم بما يتخطى الذي قد عرفت آنفا انه عبارة عن مسقط جسد الإنسان حال السجود. و الله العالم
الثالث [هل يجوز استدارة المأمومين حول الكعبة؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)في جواز استدارة المأمومين حول الكعبة في المسجد الحرام، فقل عن ابن الجنيد القول بجواز ذلك بشرط أن لا يكون المأموم أقرب الى الكعبة من الامام، و به قطع الشهيد في الذكرى محتجا بالإجماع عليه عملا في كل الأعصار السالفة، و نقل عن العلامة في جملة من كتبه منع ذلك، و أوجب وقوف المأموم في الناحية التي فيها الامام بحيث يكون خلفه أو الى جانبه كما في غير المسجد، و احتج عليه في المنتهى بان موقف المأموم خلف الإمام أو الى جانبه و هو انما يحصل في جهة واحدة فصلاة من غايرها باطلة، و بان المأموم مع الاستدارة إذا لم يكن واقفا في جهة الإمام يكون واقفا بين يديه فتبطل صلاته.
____________
(1) الوسائل الباب 6 من مكان المصلي.
(2) الوسائل الباب 6 من مكان المصلي.
119
أقول: لم أقف في هذا المقام على نص عنهم (عليهم السلام) و طريق الاحتياط في ما ذهب إليه العلامة (أجزل الله تعالى إكرامه) و الله العالم.
المسألة السابعة [نية الائتمام بإمام معين]
- من الشرائط في صحة القدوة نية الائتمام بإمام معين، فلو نوى كل منهما الإمامة صحت صلاتهما معا، بخلاف ما لو نوى كل منهما الائتمام بالآخر فإنه يجب الحكم ببطلان صلاتهما معا، و كذا في ما لو شكا في ما أضمراه من الإمامة و الائتمام.
و تفصيل هذا الإجمال يحتاج إلى بسطه في مقامات ثلاثة
[المقام] (الأول) في وجوب نية الائتمام بإمام معين
، أما وجوب نية الائتمام فلأنه بدون ذلك يكون منفردا يجب عليه ما يجب على المنفرد، و هو من ما لا خلاف فيه حتى قال في المنتهى انه قول كل من يحفظ عنه العلم. و أما قصد تعيين الامام فالظاهر ايضا انه من ما لا خلاف فيه.
و استدلوا على ذلك بعدم الدليل على سقوط القراءة بدون ذلك فتكون العمومات الدالة على وجوب القراءة باقية على عمومها بالنسبة اليه. و لا يخفى ما فيه إلا ان الحكم لما كان من ما ظاهرهم الاتفاق عليه مع معلومية ذلك من حال السلف من أصحابنا (رضوان الله عليهم)مضافا الى توقف يقين البراءة عليه و رجوع الاحتياط اليه فيجب العمل به.
و تعيين الامام كما يكون باسمه و صفته يكون أيضا بالإشارة إليه بهذا الحاضر إذا علم استجماعه لشرائط الإمامة.
و لو اقتدى بالحاضر على انه زيد فبان انه عمرو مثلا ففي ترجيح الإشارة على الاسم فيصح الاقتداء أو العكس فيبطل نظر، بمعنى انه لاحظ في حال النية هذا الحاضر مع كونه زيدا فبالنظر الى قيد الحضور و ظهور كونه عمرا يصح من حيث أنه هو الحاضر و بالنظر الى نية كونه زيدا مع ظهور انه ليس هو يبطل، و الحق ان منشأ النظر و التوقف انما هو من حيث عدم النص و الدليل في المسألة، قال في الذكرى:
و نظيره أن يقول المطلق لزوجة اسمها عمرة «هذه زينب طالق» أو يشير البائع إلى
120
حمار فيقول «بعتك هذا الفرس».
و هل يشترط في الإمام نية الإمامة؟ ظاهر الأصحاب العدم، بل قال العلامة لو صلى بنية الانفراد مع علمه بان من خلفه يأتم به صح عند علمائنا، لأن أفعال الإمام مساوية لأفعال المنفرد في الكيفية و الأحكام فلا وجه لاعتبار تمييز أحدهما عن الآخر. و هو جيد.
و ظاهرهم- بل صرح به جملة منهم- ان الثواب لا يترتب على صلاة الإمام إلا مع النية، و لو تحققت القدوة به و هو لا يعلم حتى فرغ من الصلاة فهل يكون الحكم فيه كالحكم في من نوى الانفراد فلا يترتب عليه الثواب أو حكم من نوى الجماعة فيترتب؟ إشكال إلا انه لا يبعد من سعة كرمه سبحانه و فضله و إحسانه جل شأنه امداده بالثواب و إدخاله في سعة تلك الأبواب.
و في وجوب نية الإمامة في الجماعة الواجبة احتمالات، استظهر جملة من أصحابنا العدم، إذ المعتبر فيها تحقق القدوة في نفس الأمر و هي حاصلة، و جزم الشهيدان بالوجوب لوجوب نية الواجب. و فيه بحث تقدم في باب الوضوء من كتاب الطهارة في بحث النية.
المقام الثاني- في ما لو صلى اثنان فقال كل منهما كنت الإمام
فإنه يحكم بصحة صلاتهما، و لو قال كل منهما كنت مأموما بطلت صلاة كل منهما.
و الوجه في الأول ان كلا منهما اتى بجميع الأفعال الواجبة من قراءة و غيرها و لم يخل بشيء من الواجبات فلا وجه لبطلان صلاته، و نية الإمامة لا منافاة فيها لصحة صلاة المنفرد فلا تؤثر بطلانا. و في الثاني انه أخل كل منهما بالقراءة الواجبة فتبطل صلاته.
و الأصل في ذلك مضافا الى ما ذكرناه من ما هو واضح الدلالة على الحكم المذكور
ما رواه الشيخ عن السكوني عن ابى عبد الله عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) عن
121
على (صلوات الله عليه) (1) «انه قال في رجلين اختلفا فقال أحدهما كنت امامك و قال الآخر انا كنت إمامك ان صلاتهما تامة. قال قلت: فان قال كل واحد منهما كنت أئتم بك؟ فقال صلاتهما فاسدة و ليستأنفا».
و رواه الصدوق في الفقيه عن على (عليه السلام) مرسلا (2).
و نقل عن المحقق الشيخ على (قدس سره) انه استشكل في البطلان في الصورة الثانية، قال لان اخبار كل منهما بالائتمام بالآخر يتضمن الإقرار على الغير فلا يقبل كما لو أخبر الإمام بعد الصلاة بفسادها بغير ذلك. و أجيب عنه بأنه غير مسموع في مقابلة النص الدال على البطلان.
قال في المدارك: و هو جيد لو كانت الرواية صالحة لا ثبات هذا الحكم لكنها ضعيفة جدا. أقول: لا ريب انها و ان كانت ضعيفة بهذا الاصطلاح المحدث إلا ان ضعفها مجبور بعمل الأصحاب بها، إذ لا مخالف في الحكم المذكور، و هو (قدس سره) قد جرى على هذه القاعدة في غير موضع من كتابه و ان خالف نفسه في مواضع أخر كما هنا. و بالجملة فإن الخبر معمول عليه بالاصطلاحين فالخروج عن ما دل عليه بهذه التخريجات اجتهاد محض في مقابلة النص.
و اما ما ذكره في المدارك- حيث قال: و يمكن أن يقال ان من شرائط الائتمام أن يظن المأموم قيام الإمام بوظائف الصلاة التي من جملتها القراءة و سبقه بتكبيرة الإحرام، فإن دخل كل منهما في الصلاة على هذا الوجه كان دخولهما مشروعا و اتجه عدم قبول اخبار كل منهما بما ينافي ذلك كما في صورة الإخبار بالحدث، و ان انتفى ذلك تعين الحكم بالبطلان و ان لم يحصل الإخبار، و على هذا الوجه يمكن تنزيل
____________
(1) الوسائل الباب 29 من صلاة الجماعة. و السند فيه و في التهذيب ج 1 ص 261 و الوافي باب (نوادر الجماعة) هكذا «عن ابى عبد الله عن أبيه قال قال أمير المؤمنين.» و الشيخ يرويه عن الكليني. نعم السند في المدارك و الذخيرة كما في المتن.
(2) الوسائل الباب 19 من صلاة الجماعة.
122
الرواية و كلام الأصحاب. انتهى- ففيه ان ما ذكره الشيخ على (قدس سره) لا يخرج عن ما ذكره من الدخول على الوجه الشرعي، إلا ان ما ذكره من اتجاه عدم قبول اخبار كل منهما بما ينافي ذلك ممنوع بالخبر المذكور. و قياسه على صورة الاخبار بالحدث قياس مع الفارق، إذ من الجائز خروج هذا الجزئي بهذا الخبر من تلك القاعدة، و كم وقع أمثال ذلك في القواعد الشرعية و الضوابط المرعية من انه ترد اخبار بقاعدة كلية و يرد في بعض الأخبار في بعض جزئياتها ما يوجب التخصيص و الاستثناء مع اتفاقهم على ذلك من غير تناكر، فما لمانع أن يكون ما نحن فيه من قبيل ذلك؟ و قد اتفقت الروايات و كلمة الأصحاب على ان كل شيء على أصل الطهارة حتى تعلم النجاسة و على عدم نقض اليقين بالشك، مع انهم قد خرجوا عن هاتين القاعدتين في مواضع: منها البلل المشتبه بعد البول قبل الاستبراء فقد حكموا بنجاسته و نقضه الطهارة و هو خروج عن القاعدتين المذكورتين، و نحوه البلل المشتبه بعد الجنابة و قبل البول من الحكم بنجاسته و نقضه للطهارة، و أمثال ذلك مما يقف عليه المتتبع. و بالجملة فالعمل على القول المشهور و عدم الالتفات الى هذه التخريجات و الاستبعادات في مقابلة النصوص.
قال في المدارك: و لا يخفى ان وقوع الاختلاف على هذا الوجه نادر جدا فإنه لا يكاد يتحقق إلا في حال التقية و الائتمام بثالث ظاهرا.
المقام الثالث- في ما لو شكا في ما أضمراه من الإمامة أو الائتمام
، و قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم)بأنه لا تصح صلاتهما في هذه الحال، قالوا: لأن الشك ان كان في أثناء الصلاة لم يمكنهما المضي على الائتمام و هو ظاهر، و لا على الانفراد أو الإمامة لجواز أن يكون كل واحد منهما قد نوى الائتمام بصاحبه فتبطل النية من رأسها و يمتنع العدول لبطلان النية، و ان كان بعد الفراغ لم يحصل منهما اليقين بالإتيان بأفعال الصلاة.
و فصل العلامة في التذكرة فقطع بالبطلان ان عرض الشك في أثناء الصلاة
123
لأنه لا يمكنهما المضي في الصلاة على الانفراد و لا على الاجتماع، و تردد في ما إذا شكا بعد الفراغ من انه شك بعد الانتقال، و من عدم اليقين بالإتيان بأفعال الصلاة.
و فصل الشهيد في الذكرى تفصيلا آخر فقال: يمكن أن يقال ان كان الشك في الأثناء و هو في محل القراءة لم يمض ما فيه إخلال بالصحة نوى الانفراد و صحت الصلاة، لأنه ان كان نوى الإمامة فهي نية الانفراد و ان كان نوى الائتمام فالعدول عنه جائز، و ان كان بعد مضى محل القراءة فإن علم انه قرأ بنية الوجوب أو علم القراءة و لم يعلم بنية الندب انفرد ايضا لحصول الواجب عليه، و ان علم ترك القراءة أو القراءة بنية الندب أمكن البطلان للإخلال بالواجب.
و اعترضه في المدارك بأنه يشكل بما ذكرناه من جواز أن يكون كل منهما قد نوى الائتمام بصاحبه فتبطل الصلاة و يمتنع العدول. انتهى.
أقول: و الحق في المقام ان المسألة المذكورة لما كانت عارية عن النصوص عنهم (عليهم السلام) فالواجب الوقوف فيها على ساحل الاحتياط كما أشرنا إليه في جملة من المواضع و عدم الالتفات الى هذه التخريجات و الاحتمالات سيما مع ما هي عليه من التدافع. و الله العالم.
المسألة الثامنة [أقوال الفقهاء في القراءة خلف الإمام]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)في القراءة خلف الامام على أقوال منتشرة و آراء متعددة حتى قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض انه لم يقف في الفقه على خلاف في مسألة يبلغ ما وقع في هذه المسألة، و ها نحن ننقل أولا ما و صل إلينا من أقوالهم (رضوان الله عليهم)ثم نردفها بما و صل إلينا من الأخبار في المقام مذيلين لها بما يرتفع به ان شاء الله تعالى عنها غشاوة الإبهام من التحقيق الذي لا يخفى على ذوي الأفهام، فنقول مستمدين منه عز و جل التوفيق لأصالة الصواب و العصمة من زلل أقدام الأقلام في هذا الباب و في كل باب:
قال الصدوق (قدس سره) في المقنع: و اعلم ان على القوم في الركعتين الأولتين أن يستمعوا الى قراءة الامام، و إذا كان في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة
124
سبحوا، و عليهم في الركعتين الأخراوين أن يسبحوا.
و قال المرتضى (رضى الله عنه) لا يقرأ المأموم خلف الموثوق به في الأولتين في جميع الصلوات من ذوات الجهر و الإخفات إلا أن تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ كل واحد لنفسه، و هذا أشهر الروايات، و روى أنه لا يقرأ في ما جهر فيه الامام و تلزمه القراءة في ما يخافت فيه الامام، و روى انه بالخيار في ما يخافت فيه. و أما الأخيرتان فالأولى أن يقرأ المأموم أو يسبح فيهما، و روى انه ليس عليه ذلك.
و قال الشيخ في النهاية: إذا تقدم من هو بشرائط الإمامة فلا تقرأن خلفه جهرية أو إخفاتية بل تسبح مع نفسك و تحمد الله، و ان كانت جهرية فأنصت للقراءة، فإن خفي عليك قراءة الامام و قرأت لنفسك، و ان سمعت مثل الهمهمة من قراءة الإمام جاز لك ان لا تقرأ و أنت مخير في القراءة، و يستحب أن تقرأ الحمد وحدها في ما لا يجهر الإمام بالقراءة فيها و ان لم تقرأها فليس عليك شيء.
و قال ابن البراج: و متى أم من يصح تقدمه بغيره في صلاة جهر و قرأ فلا يقرأ المأموم بل يسمع قراءته، و ان كان لا يسمع قراءته كان مخيرا بين القراءة و تركها، و ان كانت صلاة إخفات استحب للمأموم أن يقرأ فاتحة الكتاب وحدها و يجوز أن يسبح الله و يحمده.
و قال أبو الصلاح: و لا يقرأ خلفه في الأولتين من كل صلاة و لا في الغداة إلا أن يكون بحيث لا يسمع قراءته و لا صوته في ما يجهر فيه فيقرأ، و هو في الأخيرتين من الرباعيات و ثالثة المغرب بالخيار بين قراءة الحمد و التسبيح، و القراءة أفضل.
و قال ابن حمزة: فالواجب أربعة أشياء. و عد منها الإنصات لقراءته، ثم قال: و إذا اقتدى بالإمام لم يقرأ في الأولتين، فإن جهر الامام و سمع أنصت و ان خفي عليه قرأ و ان سمع مثل الهمهمة فهو مخير، و ان خافت الامام سبح في نفسه، و في الأخيرتين ان قرأ كان أفضل و ان لم يقرأ جاز و ان سبح كان أفضل من السكوت
125
و قال سلار في قسم المندوب: و لا يقرأ المأموم خلف الامام، و روى ان ترك القراءة في صلاة الجهر خلف الامام واجب فان ثبت و إلا ثبت الأول.
و قال ابن زهرة: و يلزم المؤتم أن يقتدى بالإمام عزما و فعلا فلا يقرأ في الأولتين من كل صلاة و لا في الغداة إلا ان تكون صلاة جهر و هو لا يسمع قراءة الامام، و اما الآخرتان و ثالثة المغرب فحكمه فيها حكم المنفرد.
قال في الذكرى: و هذه العبارة و عبارة أبي الصلاح تعطى وجوب القراءة أو التسبيح على المؤتم في الأخيرتين و كأنهما أخذاه من كلام المرتضى.
و قال ابن إدريس: اختلفت الرواية في القراءة خلف الامام الموثوق به، فروى انه لا قراءة على المأموم في الأولتين في جميع الركعات و الصلوات سواء كانت جهرية أو إخفاتية في أظهر الروايات، و الذي تقتضيه أصول المذهب ان الامام ضامن للقراءة بلا خلاف، و روى انه لا قراءة على المأموم في الأولتين في جميع الصلوات الجهرية و الإخفاتية إلا ان تكون صلاة جهر لم يسمع فيها المأموم قراءة الإمام فيقرأ لنفسه، و روى انه ينصت في ما جهر فيه الإمام بالقراءة و لا يقرأ هو شيئا و يلزمه القراءة في ما خافت فيه، و روى انه بالخيار في ما خافت فيه الإمام فأما الركعتان الأخيرتان فقد روى انه لا قراءة فيهما و لا تسبيح، و روى انه يقرأ فيهما أو يسبح، و الأول أظهر.
و قال المحقق: و تكره القراءة خلف الإمام في الإخفاتية على الأشهر و في الجهر لو سمع و لو همهمة و لو لم يسمع قرأ، و قال: تسقط القراءة عن المأموم و عليه اتفاق العلماء. و نقل عن الشيخين انهما قالا: لا يجوز أن يقرأ المأموم في الجهرية إذا سمع قراءة الامام و لو همهمة. كذا في المعتبر و قال في الشرائع نحوه.
و قال ابن عمه نجيب الدين يحيى بن سعيد: و لا يقرأ المأموم في صلاة جهر بل يصغى لها فان لم يسمع و سمع كالهمهمة أجزأه و جاز أن يقرأ، و ان كان في صلاة إخفات سبح مع نفسه و حمد الله. و ندب الى قراءة الحمد في ما لا يجهر فيه.
126
و قال العلامة في المختلف بعد ذكر جملة من روايات المسألة: و الأقرب في الجمع بين الأخبار استحباب القراءة في الجهرية إذا لم يسمع و لا همهمة لا الوجوب و تحريم القراءة فيها مع السماع لقراءة الامام، و التخيير بين القراءة و التسبيح في الأخيرتين من الإخفاتية.
و قال في التذكرة: لا يجب على المأموم القراءة سواء كانت الصلاة جهرية أو إخفاتية و سواء سمع قراءة الإمام أم لا، و لا يستحب في الجهرية مع السماع عند علمائنا أجمع. ثم نقل عن الشيخين انه لا يجوز القراءة في الجهرية مع السماع و لو همهمة. ثم قال و يحتمل الكراهة، قال و لو لم يسمع القراءة في الجهرية و لو همهمة فالأفضل القراءة، و نقل عن الشيخ استحباب قراءة الحمد خاصة في صلاة السر أقول: و الذي ظهر لي من الأخبار هو تحريم القراءة خلف الإمام في الأولتين جهرية كانت الصلاة أو إخفاتية، إلا إذا كانت صلاة جهرية و لم يسمع المأموم قراءة الامام و لو همهمة فإنه يستحب له القراءة في هذه الحال. و أما في الأخيرتين فقد تقدم تحقيق الكلام فيهما في الفصل الثامن من الباب الثاني في الصلوات اليومية و ما يلحق بها، و أوضحنا ان الحكم فيهما أفضلية التسبيح و انه لا فرق بين المأموم و لا غيره من المنفرد.
[الأخبار في القراءة خلف الإمام]
و الذي وصل الى من اخبار المسألة المذكورة هنا عدة روايات (الأولى)
ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي- و رواه الكليني و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي أيضا- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا صليت خلف إمام تأتم به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أو لم تسمع إلا ان تكون صلاة يجهر فيها بالقراءة و لم تسمع فاقرأ».
و هذه الرواية كما ترى واضحة الدلالة في ما اخترناه صريحة المقالة في ما ادعيناه فإن النهي الذي هو حقيقة في التحريم قد وقع عن القراءة خلف من يأتم به مطلقا
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. و الشيخ يرويه عن الكليني.
127
في جهرية أو إخفاتية و لم يستثن منه إلا الجهرية التي لم يسمع فيها فإنه امره بالقراءة و الأمر هنا محمول على الاستحباب كما يأتي بيانه ان شاء الله تعالى.
الثانية-
ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة خلف الامام اقرأ خلفه؟ فقال أما الصلاة التي لا يجهر فيها بالقراءة فإن ذلك جعل اليه فلا تقرأ خلفه، و أما الصلاة التي يجهر فيها فإنما أمر بالجهر لينصت من خلفه فان سمعت فأنصت و ان لم تسمع فاقرأ».
و التقريب في هذا الخبر كما في سابقه فإنه دال على تحريم القراءة خلفه في الإخفاتية و الجهرية إلا في صورة عدم سماع قراءته في الجهرية فإنه يقرأ استحبابا كما يأتي ان شاء الله تعالى بيانه.
الثالثة-
ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم عن زرارة و محمد ابن مسلم (2) قالا: «قال أبو جعفر (عليه السلام) كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول من قرأ خلف إمام يأتم به فمات بعثت على غير الفطرة».
و هو صريح الدلالة على تحريم القراءة مطلقا إلا انه مخصوص بما عرفت من الأخبار الدالة على الاستحباب مع عدم السماع في الجهرية.
الرابعة-
ما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) انه قال: «و ان كنت خلف امام فلا تقرأن شيئا في الأولتين و أنصت لقراءته، و لا تقرأن شيئا في الأخيرتين فإن الله عز و جل يقول للمؤمنين «وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ- يعني في الفريضة خلف الامام- فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (4) و الأخيرتان تبع للأولتين».
و مورد هذا الخبر الصلاة الجهرية لتعليل التحريم في الأولتين بوجوب
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. و الشيخ يرويه عن الكليني.
(2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(4) سورة الأعراف الآية 203.
128
الإنصات لقراءة الامام، و هو ظاهر في مرجوحية القراءة في الأخيرتين مطلقا خلافا لجمهور الأصحاب كما تقدم تحقيقه.
الخامسة-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «إذا كنت خلف إمام تأتم به فأنصت و سبح في نفسك».
أقول: دل هذا الخبر على وجوب الإنصات في الصلاة الجهرية، و الأمر بالتسبيح سرا و إخفاتا محمول على الاستحباب، و بذلك صرح أيضا جملة من الأصحاب.
السادسة-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن قتيبة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا كنت خلف إمام ترتضي به في صلاة يجهر فيها بالقراءة فلم تسمع قراءته فاقرأ أنت لنفسك و ان كنت تسمع الهمهمة فلا تقرأ».
و التقريب فيه انه دل على المنع من القراءة مع سماع الهمهمة في الجهرية، و فيه رد على الشيخ في المبسوط حيث قال: لو سمع مثل الهمهمة جاز له أن يقرأ.
و قال في المنتهى: و لعله استند الى ما رواه في الحسن عن الحلبي. ثم نقل الرواية الأولى ثم قال: و سماع الهمهمة ليس سماعا للقراءة فربما كان الوجه في ما ذكره هذا الحديث. انتهى. و لم يتعرض للجواب عن ذلك، و قد عرفت ان الخبر المذكور صريح في الرد لما ذكره، و قضية الجمع بينه و بين حسنة الحلبي المذكورة هو حمل قوله في الحسنة المذكورة «و لم يسمع» على ما هو أعم من سماع القراءة نفسها أو سماع الصوت و ان لم يسمع الحروف مفصلة. و يؤيد ذلك موثقة سماعة الآتية في المقام ان شاء الله تعالى. و نظير صحيحة قتيبة المذكورة في ما ذكرناه في الرد على الشيخ ما ذكره
الصدوق في الفقيه (3) حيث قال: و في رواية عبيد بن زرارة «ان سمع الهمهمة فلا يقرأ».
السابعة-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين (4) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يصلى خلف امام يقتدى به في صلاة يجهر فيها
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
129
بالقراءة فلا يسمع القراءة؟ قال لا بأس ان صمت و ان قرأ».
أقول: و من هذا الخبر يعلم ما قدمنا ذكره من حمل الأمر بالقراءة في صورة عدم السماع في الجهرية و لو همهمة على الاستحباب لتخييره هنا بين الصمت و القراءة الثامنة-
ما رواه الشيخ في الموثق عن يونس بن يعقوب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة خلف من ارتضى به اقرأ خلفه؟ قال من رضيت به فلا تقرأ خلفه».
و التقريب فيه ظاهر للنهى الدال على التحريم الشامل للجهرية و الإخفاتية.
نعم يجب ان يستثني منه صورة عدم السماع في الجهرية بالنصوص المتقدمة.
التاسعة-
ما رواه عن سليمان بن خالد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يقرأ الرجل في الأولى و العصر خلف الامام و هو لا يعلم انه يقرأ؟ فقال لا ينبغي له أن يقرأ يكله الى الامام».
أقول: قوله «و هو لا يعلم انه يقرأ» ليس المراد به الشك في قراءة الامام و عدمها لأن فيه طعنا على الإمام بالإخلال بالواجب فلا يجوز الاقتداء به حينئذ، و انما المراد بهذا الكلام الكناية عن عدم سماع قراءته، فكأنه قال و هو لا يسمع انه يقرأ. و كأنه ظن انه انما يترك القراءة في ما إذا جهر الامام لوجوب الإنصات و أما مع الإخفات و عدم السماع فإنه يجوز القراءة. و قوله (عليه السلام) «لا ينبغي» المراد به التحريم كما استفاض مثله في الأخبار بقرينة باقي أخبار المسألة الصريحة في النهي عن القراءة الذي مفاده التحريم. و المراد من إيكال ذلك الى الامام هو الإشارة الى ما ورد في بعض الأخبار من أن الامام ضامن للقراءة (3).
العاشرة-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا كنت خلف الإمام في صلاة لا يجهر فيها بالقراءة حتى يفرغ
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 30 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
130
و كان الرجل مأمونا على القرآن فلا تقرأ خلفه في الأولتين. و قال يجزئك التسبيح في الأخيرتين. فقلت أى شيء تقول أنت؟ قال اقرأ فاتحة الكتاب».
أقول: دل الخبر المذكور على النهى عن القراءة خلف الإمام في الأولتين من الإخفاتية و هو بعض المدعى. و أما معنى باقي الخبر فقد تقدم القول فيه في الفصل الثامن في ما يعمل في الأخيرتين من الباب الثاني.
الحادية عشرة-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امام لا بأس به في جميع أموره عارف غير انه يسمع أبويه الكلام الغليظ الذي يغيظهما اقرأ خلفه؟ قال لا تقرأ خلفه ما لم يكن عاقا قاطعا».
و التقريب فيه النهى عن القراءة خلف الإمام المرضي مطلقا في جهرية أو إخفاتية. و قد تقدم الكلام على هذا الحديث في ما دل عليه من جواز امامة من يسمع أبويه الكلام الغليظ في بحث العدالة من الفصل الأول في صلاة الجمعة من هذا الباب.
الثانية عشرة-
ما رواه أيضا في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن الرجل يؤم الناس فيسمعون صوته و لا يفقهون ما يقول؟ فقال إذا سمع صوته فهو يجزئه و إذا لم يسمع صوته قرأ لنفسه».
دل الخبر المذكور على انه يكتفى في تحريم القراءة بمجرد سماع صوت الامام و هو المشار اليه بالهمهمة في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)و اما قراءته مع عدم السماع فقد تقدم الكلام فيه.
الثالثة عشرة-
ما رواه الصدوق و الشيخ عن بكر بن محمد الأزدي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «انى اكره للمؤمن أن يصلى خلف الإمام في صلاة
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة.
131
لا يجهر فيها بالقراءة فيقوم كأنه حمار. قال قلت جعلت فداك فيصنع ما ذا؟ قال يسبح».
و استحباب التسبيح في هذا المقام قد صرح به الأصحاب أيضا استنادا الى الخبر المذكور.
و يدل عليه ايضا و ان لم يذكره أحد منهم
ما رواه على بن جعفر (رضى الله عنه) في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون خلف الإمام يقتدي به في الظهر و العصر يقرأ خلفه؟ قال لا و لكن يسبح و يحمد ربه و يصلى على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و على أهل بيته».
الرابعة عشرة-
ما رواه الشيخ عن إبراهيم المرافقي و ابى أحمد عمرو بن الربيع البصري عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) «انه سئل عن القراءة خلف الامام فقال إذا كنت خلف امام تتولاه و تثق به فإنه يجزيك قراءته و ان أحببت أن تقرأ فاقرأ في ما يخافت فيه فإذا جهر فأنصت قال الله تعالى وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (3).
أقول: الظاهر ان هذا الخبر هو مستند الشيخ في ما تقدم نقله عنه من كتاب النهاية من قوله: و يستحب ان يقرأ الحمد وحدها في ما لا يجهر الإمام بالقراءة فيها. إلا انه معارض بما هو أصح منه سندا و أكثر عددا و منها الأخبار العامة كالخبر الثالث و الثامن و الحادي عشر و خصوص الخبر الثاني و قد تضمن النهي الذي هو حقيقة في التحريم، و الخبر التاسع و قد عرفت ان «لا ينبغي» محمولة على التحريم بقرينة الأخبار الباقية، و الخبر العاشر و قد تضمن النهي أيضا، و الخبر الثالث عشر و قد تضمن ان المستحب في هذه الصورة انما هو التسبيح دون القراءة و عاضدها في ذلك على وجه أبلغ خبر على بن جعفر حيث نهى عن القراءة و أمر بالتسبيح و التحميد و الصلاة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و بالجملة فإن الخبر المذكور لما عرفت غير
____________
(1) البحار ج 4 الصلاة 151 و في الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة. و في التهذيب ج 1 ص 255 النصري بالنون.
(3) سورة الأعراف الآية 203.
132
معمول عليه عند النظر في الأخبار بعين التحقيق فهو مردود إلى قائله (عليه السلام) إذ لا يحضرني الآن وجه يمكن حمله عليه.
الخامسة عشرة-
ما رواه الشيخ ايضا عن سالم ابى خديجة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت امام قوم فعليك أن تقرأ في الركعتين الأولتين و على الذين خلفك أن يقولوا سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر و هم قيام، فإذا كان في الركعتين الأخيرتين فعلى الذين خلفك ان يقرأوا فاتحة الكتاب و على الامام التسبيح مثل ما يسبح القوم في الركعتين الأخيرتين».
أقول: يمكن حمل الخبر المذكور على ما هو أعم من الجهرية و الإخفاتية، فان استحباب التسبيح للمأموم في حال قراءة الامام و ان كان أكثر الأخبار على كونه في الصلاة الإخفاتية و كذا كلام الأصحاب إلا انه قد تقدم في الخبر الرابع ما يؤذن بذلك في الجهرية أيضا و به صرح جملة من الأصحاب، و يمكن تخصيصه بالإخفاتية لا ظهرية الحكم المذكور فيها.
و كيف كان فالمراد بقوله «فإذا كان في الركعتين الأخيرتين. إلخ» انه إذا كان الائتمام وقع في الركعتين الأخيرتين بمعنى ان المأموم لم يدخل مع الإمام إلا في الركعتين الأخيرتين فعلى من خلفه من المأمومين ان يقرأوا، لما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة من ان حكم المسبوق بالركعتين الأولتين هو وجوب القراءة عليه في أولتيه اللتين هما أخيرتا الامام و على الامام التسبيح فيهما من حيث انهما اخيرتاه و حكم الأخيرتين التسبيح كما يسبح الناس في الركعتين الأخيرتين، لأن التسبيح وظيفتهما مطلقا إماما أو مأموما أو منفردا على جهة الأفضلية كما هو أحد الأقوال في المسألة أو التعيين كما صار اليه بعض أفاضل المتأخرين، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في الفصل الثامن في ما يعمل في الأخيرتين من الباب الثاني في الصلوات اليومية (2).
____________
(1) الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة.
(2) ج 8 ص 388.
133
السادسة عشرة-
ما رواه الشيخ عن الحسين بن بشير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سأله رجل عن القراءة خلف الامام فقال لا ان الامام ضامن للقراءة و ليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه و إنما يضمن القراءة».
أقول: قد دل الخبر المذكور على النهى عن القراءة خلف الامام مطلقا في جهرية أو إخفاتية معللا ذلك بان الامام ضامن للقراءة، و فيه رد ايضا لما دل عليه خبر المرافقي و البصري من استحباب القراءة خلف الإمام في الإخفاتية حسبما دلت عليه الأخبار المتقدمة عموما و خصوصا.
السابعة عشرة-
ما رواه الشيخ عن عبد الرحيم القصير (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول إذا كان الرجل تعرفه يؤم الناس فقرأ القرآن فلا تقرأ و اعتد بقراءته».
و التقريب فيه ما تقدم، و يجب تقييد إطلاقه بما إذا لم يسمع المأموم في الصلاة الجهرية القراءة و لو همهمة فإنه لو قرأ لا بأس للأخبار المتقدمة.
الثامنة عشرة-
ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (3) حيث قال: نقلا عن العالم (عليه السلام) و قال: «إذا صليت خلف امام تقتدى به فلا تقرأ خلفه سمعت قراءته أم لم تسمع إلا أن تكون صلاة يجهر فيها فلم تسمع فاقرأ».
أقول: و هذا الخبر طبق ما ادعيناه و وفق ما اخترناه. هذا ما حضرني من اخبار المسألة.
إذا عرفت ذلك فاعلم انى لا أعرف لما ذهب اليه المحقق و غيره من القول بكراهة القراءة مطلقا وجها يعتمد عليه و لا دليلا يرجع اليه، و غاية ما استدل به في المعتبر على ذلك هو تعليل الجهر بالإنصات في الرواية الثانية حيث انه بعد أن
____________
(1) الوسائل الباب 30 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة الجماعة. و اللفظ الوارد فيه «لا تعرفه» كما في التهذيب ج 1 ص 331 و الوافي باب صفة إمام الجماعة و فيه «بصلاته» بدل «بقراءته».
(3) ص 11.
134
نقل عن الشيخ تحريم القراءة في الجهرية إذا سمع قراءة الامام و لو همهمة قال:
و لعله استند إلى رواية يونس بن يعقوب ثم أورد بعده الخبر الأول ثم قال:
و الأولى أن يكون النهى على الكراهة
لرواية عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1): إنما أمر بالجهر لينصت من خلفه.
الى آخر ما في الرواية الثانية، فانظر الى هذا الدليل العليل إذ لا ريب في أن ظاهر النهي في الخبرين اللذين نقلهما أولا هو التحريم لأنه المعنى الحقيقي للنهى كما هو الأشهر الأظهر، و الخروج عنه الى الحمل على الكراهة مجاز يحتاج إلى قرينة ظاهرة، و دعوى إيذان التعليل بالإنصات بالاستحباب ممنوعة، فإن علل الشرع ليست من قبيل العلل الحقيقية و انما هي معرفات و التعليل هنا إنما وقع بيانا للحكمة و إلا فالعلة الحقيقية إنما هي أمر الشارع فيتحقق الوجوب و نهيه فيتحقق التحريم. هذا مع قطع النظر عن ملاحظة ما ذكرنا من الأخبار الظاهرة العلية المنار الساطعة الأنوار في الدلالة على ما هو المختار.
و قال في الروض- بعد أن نقل عن المصنف كراهة القراءة خلف الإمام المرضي إلا إذا لم يسمع و لو همهمة- ما صورته: أما كراهة القراءة خلفه فلقوله تعالى «وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا» (2)
و قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) «انما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا و إذا قرأ فأنصتوا».
و قول الصادق (عليه السلام) (4):
«من ارتضيت قراءته فلا تقرأ خلفه».
و حمل الأمر على الندب و النهى على الكراهة
____________
(1) ص 127.
(2) سورة الأعراف الآية 203.
(3)
في سنن ابى داود ج 1 ص 164 باب (الامام يصلى من قعود) عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله (ص) انما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا و لا تكبروا حتى يكبر، و إذا ركع فاركعوا و لا تركعوا حتى يركع، و إذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد».
ثم روى هذا الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة أيضا بزيادة قوله في آخره «و إذا قرأ فأنصتوا» ثم قال و هذه الزيادة ليست بمحفوظة و الوهم انما هو من ابى خالد.
(4) لم نقف على اللفظ المذكور و انما الموجود في الرواية الثامنة «من رضيت به فلا تقرأ خلفه».
135
جمعا بينهما و بين ما دل على عدم التحريم
كصحيحة على بن يقطين عن الكاظم (عليه السلام) (1) «في الرجل يصلى خلف من يقتدى به و يجهر بالقراءة فلا يسمع القراءة؟ فقال لا بأس ان صمت و ان قرأ».
انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الاختلال الذي لا يخفى على سائر الناظرين في هذا المقال فضلا عن ذوي الكمال، و ذلك فإن الآية المذكورة و الخبر العامي الذي بعدها صريحان في وجوب الإنصات في الجهرية، و الخبر الذي نقله عن الصادق (عليه السلام) صريح في النهي الذي مفاده التحريم عن القراءة خلف من ارتضى قراءته جهرية كانت الصلاة أو إخفاتية. و خبر على بن يقطين إنما دل على التخيير بين السكوت و القراءة في صورة ما لو كانت الصلاة جهرية و لم يسمع المأموم القراءة و هو أخص من المدعى، و أنت خبير بان محل الخلاف و الإشكال إنما هو في ما عدا هذه الصورة، و حينئذ فأين الدليل على الكراهة في صورة سماع القراءة و لو همهمة في الجهرية و كذا في الصلاة الإخفاتية كما يدعونه؟
ثم انظر الى اقتصاره (رضى الله عنه) على ما نقله من هذه الرواية العامية و هذا الخبر المجمل الذي بعدها و روايات المسألة كما نقلناها مستفيضة عديدة و لم يرجعوا إليها و لم يتأملوا فيها، و من هنا يعلم ان منشأ هذا الاختلاف و كثرة هذا الخلاف انما هو من حيث عدم تتبع الأخبار و التأمل فيها بعين الفكر و الاعتبار و إلا فمن أعطى التأمل فيها حقه فإنه لا يخفى عليه صحة ما ذكرناه و وضوح ما أوضحناه و أعجب من ذلك انهم أدخلوا حكم الأخيرتين للمأموم في هذا الاختلاف و نظموه في سلك هذا الخلاف، و قد أوضحنا ما فيه في الفصل الثامن (2) من فصول الباب الثاني في الصلوات اليومية و ما يلحق بها فليرجع اليه من أحب تحقيق الحال و إزاحة الاشكال. و الله العالم.
____________
(1) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(2) ج 8 ص 388.
136
فروع
الأول- لو كان الامام ممن لا يقتدى به
وجبت القراءة على المأموم لأنه منفرد و حكم المنفرد ذلك، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في التتمة المذكورة في أول هذا المقصد.
الثاني [استحباب التسبيح للمأموم]
- قد ذكر جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم)انه يستحب للمأموم التسبيح حال قراءة الإمام في الإخفاتية و هو جيد، و يدل عليه الخبر الثالث عشر و صحيح على بن جعفر المذكور في ذيله.
و لا يبعد القول باستحباب التسبيح ايضا و لو كانت الصلاة جهرية و أنصت لقراءة الإمام إذا أمكن الجميع بينهما كما يشير اليه الخبر الخامس.
و ربما قيل بأنه ينافي ظاهر الآية من وجوب الإنصات فينبغي حمل الخبر المذكور على التسبيح و الذكر القلبي كما يشير اليه قوله «في نفسك».
و فيه ان الظاهر انه لا منافاة بين الإنصات الذي هو عبارة عن الاستماع و بين الذكر و التسبيح إذا كان خفيا لا يظهر و لا يسمع، إلا ان يقال ان الإنصات عبارة عن السكوت فما لم يحصل السكوت لا يتحقق الإنصات، و فيه ما فيه، مع انه يمكن إطلاق السكوت العرفي على هذه الصورة التي يكون التسبيح و نحوه فيها خفيا لا يسمع و يؤيده انه لم يعهد التكليف بالأذكار من التسبيح و نحوه في القلب خاصة و انما هذا اللفظ خرج مخرج المبالغة في الإخفات، كما عبر في بعض الأخبار عن القراءة الإخفاتية بتحريك اللسان في لهواته (1) و عبر عنه تارة بالصمت (2)
و في مرسلة ابن أبي حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «يجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس».
الثالث [هل يستحب للمأموم الاستعاذة و دعاء الاستفتاح أم لا؟]
- متى قلنا بتحريم القراءة على المأموم فهل يستحب له الاستعاذة و دعاء الاستفتاح أم لا؟ الظاهر بالنسبة إلى الاستعاذة العدم لأنها من مستحبات القراءة
____________
(1) الوسائل الباب 52 من القراءة.
(2) الوسائل الباب 31 من الجماعة.
(3) الوسائل الباب 52 من القراءة.
137
فلا وجه لها هنا. و اما دعاء الاستفتاح و هو دعاء التوجه فالظاهر استحبابه إلا أن يكون وقت قراءة الامام و يشغله ذلك عن السماع.
قال في الذكرى: و هل يستحب له دعاء الاستفتاح اعنى دعاء التوجه؟ الوجه ذلك للعموم، نعم لو كان يشغله الاستفتاح عن السماع أمكن استحباب تركه، و قطع العلامة بأنه لا يستفتح إذا اشتغل به.
الرابع [توجيه دلالة موثق زرارة على القراءة خلف الإمام]
- لو قرأ المأموم في الموضع الذي سوغنا له القراءة فيه و فرغ قبل الامام استحب له أن يبقى آية ليقرأها عند فراغ الامام و يركع بعدها.
و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن زرارة في الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام أكون معه فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ؟ قال فأمسك آية و مجد الله و أثن عليه فإذا فرغ فاقرأ الآية و اركع».
قال في الذكرى: و فيه دليل على استحباب التسبيح و التحميد في الأثناء و دليل على جواز القراءة خلف الإمام.
أقول: قد عرفت من الأخبار المتقدمة و هي مجموع أخبار المسألة انه لا يجوز القراءة للمأموم إلا في صورة واحدة و هي في ما إذا كانت الصلاة جهرية و لم يسمع المأموم و لا همهمة فإنه يستحب له القراءة، و هذا الحديث و ان كان مطلقا إلا انه يجب حمله على ما علم من خارج من جواز القراءة للمأموم و هو إما في الصورة المذكورة أو في صورة الصلاة خلف المخالف، فيكون المراد بالإمام هنا و ان أطلق هو الإمام الذي يجب القراءة خلفه، و لهذا ان المحدث الكاشاني نظم هذا الخبر في اخبار الصلاة خلف من لا يقتدى به،
كما رواه في الكافي و التهذيب عن إسحاق بن عمار في الموثق (2) عن من سأل أبا عبد الله (عليه السلام) قال «أصلي خلف من لا اقتدى به
____________
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة. و اللفظ المذكور للشيخ في التهذيب ج 1 ص 257، و في الكافي ج 1 ص 104 هكذا: «قلت لأبي عبد الله (ع) أكون مع الإمام فأفرغ.» و فيه بدل «فأمسك» «أبق».
(2) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة عن الكافي فقط و النقل عنهما في الوافي و لم نقف عليه في التهذيب.
138
فإذا فرغت من قراءتي و لم يفرغ هو؟ قال فسبح حتى يفرغ».
و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمر بن أبي شعبة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أكون مع الإمام فأفرغ قبل أن يفرغ من قراءته؟ قال فأتم السورة و مجد الله و أثن عليه حتى يفرغ».
و هذا الحديث مطلق مثل موثقة زرارة المذكورة، و بالجملة فالظاهر ان هذه الأخبار الثلاثة إنما خرجت بالنسبة إلى الصلاة خلف المخالفين لأنه هو الغالب المتكرر يومئذ و ان دخل في إطلاق الخبرين المذكورين الصلاة خلف من يقتدى به في الصورة المذكورة. و الله العالم.
المسألة التاسعة [وجوب متابعة المأموم للإمام في الأفعال]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في وجوب متابعة المأموم للإمام في الأفعال حتى قال في المعتبر: و عليه اتفاق العلماء
و لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
و قال في المنتهى: متابعة الإمام واجبة و هو قول أهل العلم
قال (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) «انما جعل الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا و إذا سجد فاسجدوا».
و ظاهر كلامهما (طاب ثراهما) انه لا دليل لهم على هذا الحكم بعد دعوى الإجماع إلا هذا الخبر، و الظاهر انه عامي فإنا لم نقف عليه بعد التتبع في أخبارنا، و الى ذلك أيضا أشار في الذخيرة.
و فسرت المتابعة في كلامهم بأنها عبارة عن عدم تقدم المأموم على الامام و على هذا فتصدق مع المساواة، و لم نجد لهم على هذا التفسير دليلا مع ان المتبادر من اللغة و العرف ان المتابعة انما هي التأخر. و التمسك بأصالة عدم الوجوب و صدق الجماعة عند المقارنة ضعيف لا يصلح لتأسيس حكم شرعي. إلا ان ظاهر كلام الصدوق المنقول هنا يقتضي الصحة في صورة المساواة، حيث قال: ان من المأمومين من لا صلاة له و هو الذي يسبق الإمام في ركوعه و سجوده و رفعه، و منهم من له صلاة واحدة و هو المقارن له في ذلك، و منهم من له اربع و عشرون ركعة و هو الذي
____________
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة.
(2) صحيح مسلم باب ائتمام المأموم بالإمام.
(3) صحيح مسلم باب ائتمام المأموم بالإمام.
139
يتبع الإمام في كل شيء و يركع بعده و يسجد بعده و يرفع منهما بعده. و حيث كان من أرباب النصوص فالظاهر انه لا يقوله إلا مع وصول نص اليه بذلك.
هذا بالنسبة إلى الأفعال و اما الأقوال فاما في تكبيرة الإحرام فتجب المتابعة فيها إجماعا فلو تقدم المأموم بها لم تنعقد صلاته، و لا ريب في الصحة مع تأخره بها عن الامام، و انما الإشكال و الخلاف في المقارنة فقيل بالمنع و به صرح في المدارك و الذخيرة، و علله في الذخيرة بالشك في تحقق الجماعة و الائتمام حينئذ فلا يحصل اليقين بالبراءة من التكليف الثابت، قال و استدل عليه ايضا بقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) «إذا كبر فكبروا» فان الفاء ظاهرة في التعقيب.
و أنت خبير بما في الدليل الثاني من الوهن، و أما الأول فمرجعه الى ان العبادات صحة و بطلانا مبنية على التوقيف و لم يثبت من صاحب الشريعة انعقاد الصلاة جماعة في صورة المقارنة. و هو جيد.
إلا انه
روى الحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يصلى إله أن يكبر قبل الامام؟
قال لا يكبر إلا مع الإمام فإن كبر قبله أعاد التكبير».
فان ظاهرها جواز المقارنة، و قواه شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار للخبر المذكور.
و يخطر بالبال العليل ان الظاهر ان معنى الخبر ليس على ما فهمه شيخنا المشار اليه، و الذي يظهر من قوله «لا يكبر إلا مع الامام» ان المراد به انما هو أنه لا يدخل في الصلاة إلا حين يدخل الإمام في الصلاة أولا، فالمعية ليس المراد بها المعية مع تكبير الامام كما ربما يتوهم بل المعية مع الامام و حصول الإمامة لأنه لو سبق الامام بالتكبير لم تكن هناك امامة، و قوله (عليه السلام) «فان كبر قبله أعاد» لا يدل على انه لو كبر مقارنا له صح، فان تخصيص هذين الفردين بالذكر انما هو من حيث كونهما الشائع
____________
(1) البحار ج 18 الصلاة ص 627 و لم نجده في قرب الاسناد و لا في الوسائل و لا في المستدرك.
140
المتكرر، فإن المقارنة أمر نادر و المتكرر إما التقدم أو التأخر فلا جل ذلك بين الكلام فيهما في الخبر.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من اشتباه و اشكال و الاحتياط عندنا في أمثال ذلك واجب على كل حال.
و أما في غير تكبيرة الإحرام من الأقوال فقولان: الوجوب و اختاره الشهيد في جملة من كتبه، و العدم و اختاره العلامة و جملة ممن تأخر عنه و الظاهر انه المشهور، و اختاره صاحب المدارك و احتج على ذلك بأصالة البراءة من هذا التكليف، و لانه لو وجبت المتابعة فيها لوجب على الامام ان يجهر بها ليتمكن المأموم من متابعته، قال و الثاني منفي بالإجماع فالمقدم مثله. و تكليف المأموم بتأخير الذكر الى أن يعلم وقوعه من الامام بعيد جدا بل ربما كان مفوتا للقدوة. انتهى. و هو جيد.
و كيف كان فينبغي أن يعلم ان وجوب اشتراط المتابعة في الأفعال لا بمعنى أنه تبطل القدوة مع التقدم مطلقا بل الظاهر اختصاص البطلان بما إذا مضى في صلاته كذلك، فلو تقدم ركوعا أو سجودا أو رفعا منهما فالمشهور استمراره أى بقاؤه على حاله حتى يلحقه الامام، و عن الشيخ في المبسوط القول بالبطلان حيث قال: من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته.
و تفصيل الكلام في المقام على ما يستفاد من اخبارهم (عليهم السلام) هو أن يقال: لا ريب ان المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)هو أنه لو تقدم المأموم في الركوع أو السجود أو الرفع منهما، فان كان عامدا استمر بمعنى انه لا يرجع و ان كان ساهيا يرجع.
و مستندهم في ذلك الجميع بين رواية غياث الآتية الدالة على عدم الرجوع بحملها على العامد و بين الروايات الكثيرة الدالة على الرجوع بحملها على الساهي تبعا للشيخ (قدس سره) في ما ذكره من ذلك. و رد بعدم اشعار شيء من روايات
141
المسألة بهذا التفصيل و إمكان حمل ما دل على الرجوع على الاستحباب.
و ظاهر كلام الأصحاب في وجه هذا الحمل هو أنه مع الرجوع حال رفع رأسه عامدا يلزم زيادة الركن عمدا و اما مع السهو فاللازم زيادته سهوا و هو مغتفر.
و فيه انهم قد صرحوا بأن زيادة الركن مبطلة عمدا و سهوا فلا وجه لهذا التفصيل حينئذ و الواجب أولا نقل ما وقفنا عليه من أخبار المسألة ثم الكلام فيها بما وفق الله سبحانه لفهمه منها مستمدين منه تعالى الهداية إلى الصواب في هذا الباب و في جميع الأبواب فنقول:
من الأخبار المذكورة ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة- و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه-
عن غياث بن إبراهيم الثقة البتري (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يرفع رأسه من الركوع قبل الامام أ يعود فيركع إذا أبطأ الامام و يرفع رأسه معه؟ قال لا».
و ما رواه الشيخ في الموثق عن الحسن بن على بن فضال (2) قال: «كتبت الى ابى الحسن الرضا (عليه السلام) في الرجل كان خلف إمام يأتم به فركع قبل أن يركع الامام و هو يظن ان الامام قد ركع فلما رآه لم يركع رفع رأسه ثم أعاد الركوع مع الامام أ يفسد ذلك صلاته أم تجوز له الركعة؟ فكتب يتم صلاته و لا يفسد ما صنع صلاته».
و عن محمد بن على بن فضال عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: قال: « «قلت له اسجد مع الامام و ارفع رأسي قبله أعيد؟ قال أعد و اسجد».
و عن على بن يقطين (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به ثم يرفع رأسه قبل الامام؟ قال يعيد ركوعه معه».
و رواه في الفقيه عن محمد بن سهل الأشعري عن أبيه عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) مثله (5).
____________
(1) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة و رواه الشيخ أيضا في التهذيب ج 1 ص 259 عن محمد بن سهل عن أبيه عن الرضا (ع) و نقله عنه في الوسائل في نفس الباب.
142
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ربعي و الفضيل- و رواه في الفقيه عن الفضيل بن يسار- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قالا: «سألناه عن رجل صلى مع إمام يأتم به فرفع رأسه من السجود قبل ان يرفع الإمام رأسه من السجود؟
قال فليسجد».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يصلى مع امام يقتدى به فركع الامام و سها الرجل و هو خلفه لم يركع حتى رفع الإمام رأسه و انحط للسجود أ يركع ثم يلحق بالإمام و القوم في سجودهم أو كيف يصنع؟ قال يركع ثم ينحط و يتم صلاته معهم و لا شيء عليه».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان أخبار المسألة المذكورة لا تساعد على ما ذكروه من الكلام المنقول عنهم آنفا على إطلاقه، و ينبغي تفصيل ما يستفاد منها في صور:
الأولى- صورة تقدم المأموم في الرفع من الركوع و كذا من السجود
، و الحكم فيه أنه يرجع وجوبا أو استحبابا عامدا كان أو ناسيا، و الوجه في ذلك دلالة صحيحة على بن يقطين و صحيحة ربعي و الفضيل و رواية سهل و موثقة محمد بن على بن فضال على الرجوع، و موردها الرفع من الركوع في بعض و من السجود في بعض، و ظاهرها العموم لحالتي العمد و النسيان، و موثقة غياث الدالة على عدم الرجوع و موردها مورد تلك الأخبار و هي مطلقة ايضا شاملة للعمد و النسيان، و الشيخ و من تبعه كما هو المشهور بين الأصحاب و ان جمعوا بينها و بين تلك الأخبار بحملها على العامد و حمل تلك الأخبار على الناسي إلا انه كما عرفت تحكم محض، و الأظهر أما طرحها لضعفها عن معارضة تلك الأخبار أو حملها على الجواز و حمل تلك الأخبار على الاستحباب، و من ثم حصل الترديد في العبارة المتقدمة بقولنا وجوبا أو استحبابا.
____________
(1) الوسائل الباب 48 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.
143
الثانية- صورة تقدم المأموم في الهوى للركوع و السجود
، و الأظهر التفصيل بين العمد و عدمه، فان تقدمه عمدا فالأحوط الإعادة للصلاة بعد إتمامها كما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)فانا لم نقف في النصوص على ما يدل على ما ذكره الأصحاب من ما قدمنا نقله عنهم من جعل الحكم هنا كالرفع، و مورد الروايات التي ذكرناها في الصورة الأولى انما هو الرفع و هو غير الهوي البتة. و جملة من الأصحاب قد فصلوا في هذه الصورة بأنه ان كان تعمد المأموم الركوع حال قراءة الإمام فالظاهر بطلان الصلاة لوجوب الوقوف عليه و الطمأنينة في تلك الحال، و ان كان بعد القراءة فنقلوا عن الشيخ في المبسوط بطلان الصلاة حيث ذهب الى ان من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته كما قدمنا نقله عنه. و مال جملة منهم الى العدم و ان لزم الإثم خاصة. و رجح بعض أفاضل متأخري المتأخرين البطلان من حيث ان الفعل وقع منهيا عنه فيكون فاسدا غير مبرئ للذمة، و الرجوع اليه ثانيا يستلزم زيادة الركن و الواجب عمدا و هو مبطل للصلاة. و التعليل المذكور و ان كان لا يخلو من المناقشة إلا أن الأحوط ما ذكره لما قدمناه.
الثالثة- صورة تقدم المأموم سهوا أو ظنا منه بهوى الامام
فيرجع في صورة الهوي للركوع لموثقة الحسن بن على بن فضال المذكورة، و موردها الركوع و الأصحاب عمموا الحكم في السجود ايضا، و كأنهم بنوا على عدم ظهور الخصوصية بالركوع فعدوا الحكم الى السجود من باب تنقيح المناط القطعي كما هو المعمول عليه في جملة من الأحكام، و هو غير بعيد إلا ان الأحوط قصر الحكم على مورد الرواية و الاحتياط في الهوى للسجود بالإعادة بعد الإتمام كما ذكروه. و مورد الرواية أيضا و ان كان الظن إلا أن النسيان ايضا يرجع اليه لاشتراك الجميع في عدم التعمد و حصول العذر، و لهذا لم يفرق الأصحاب بينهما هنا و في أكثر الأحكام.
قال في المدارك: و أما الرجوع مع النسيان فيدل عليه ما رواه الشيخ عن سعد عن ابى جعفر عن الحسن بن على بن فضال. ثم ساق الرواية حسبما قدمناه،
144
ثم قال: و هذه الرواية لا تقصر عن الصحيح إذ ليس في رجالها من قد يتوقف في شأنه إلا الحسن بن على بن فضال، و قد قال الشيخ انه كان جليل القدر عظيم المنزلة زاهدا ورعا ثقة في رواياته و كان خصيصا بالرضا (عليه السلام) و اثنى عليه النجاشي و قال انه كان فطحيا ثم رجع الى الحق (رضى الله عنه) انتهى.
أقول: لا يخفى ما في تستره بما ذكره عن الخروج من قاعدة اصطلاحه من الوهن الناشئ عن ضيق الخناق في العمل بهذا الاصطلاح كما قدمنا الإشارة إليه في غير موضع، و قد تقدم له في غير موضع ايضا رد اخبار إبراهيم بن هاشم التي هي في أعلى مراتب الحسن عند أصحاب هذا الاصطلاح بل عدها في الصحيح جملة منهم.
و قد وقع له في كتاب الحج اضطراب في حديث على بن الحسن بن فضال فما بين ان يرده و يطعن عليه إذا لم يوافق اختياره و ما بين أن يقبله إذا وافق مراده، و يتستر بمثل هذا الكلام الذي ذكره علماء الرجال في حقه و مدحه و الثناء عليه، و كذا وقع له في مسمع بن عبد الملك ما بين أن يعد حديثه في الصحيح تارة و في الحسن اخرى و يرده ثالثا و يرميه بالضعف، و مجمل الكلام انه ان كان التوثيق موجبا للعمل بالخبر فإنه يجب العمل بالأخبار الموثقة حيثما كانت و في أي حكم وردت و لا معنى لردها من هذه الجهة، و إلا فلا معنى لهذا الكلام المنحل الزمام و أمثاله من ما جرى له في غير مقام. و هذا المدح لا يختص بهذا الرجل بل قد ذكر علماء الرجال في أمثاله من الواقفية و الفطحية أمثال هذا الكلام كما لا يخفى على من لاحظ كتب الرجال مع انه يرد أحاديثهم غالبا. و نقل رجوعه إلى الحق سيما عند الموت كما هو المروي لا يفيد فائدة. و الله العالم.
فروع
الأول- لو كان الامام ممن لا يقتدى به
فرفع المأموم رأسه من الركوع أو السجود قبله عامدا أو ناسيا استمر على حاله حتى يلحقه الامام و لا يعود اليه كما
145
ذكرنا في الصورة الأولى، لأنه منفرد فيقع رفعه في موضعه و يلزم من رجوعه زيادة ركن في صلاته.
الثاني- لو ترك المأموم الرجوع
بناء على القول بوجوبه عليه إما في صورة النسيان كما هو المشهور أو مطلقا كما هو أحد الاحتمالين في القول الآخر فهل تبطل صلاته أم لا؟ وجهان: أحدهما- نعم لان المتعبد به و المأمور به الرجوع و لم يأت به متعمدا فيبقى تحت عهدة الخطاب. و ثانيهما- لا لأن الرجوع لقضاء حق المتابعة لا لكونه جزء من الصلاة، و لأنه بترك رجوعه يصير في حكم المتعمد الذي عليه الإثم لا غير. و المسألة خالية من النص و الاحتياط لا يخفى.
الثالث [هل تبطل القدوة بالتأخر عن الإمام بقدر ركن؟]
- قال في المنتهى: لو تقدم على الامام بركنين كما لو ركع قبل امامه ثم نهض قبله لم تبطل صلاته و لا ائتمامه بل الحكم ما قدمناه، و قال الشافعي لو تقدم بركنين بطلت صلاته (1) انتهى.
أقول: قد عرفت ان تقدم المأموم في الركوع و السجود عمدا غير منصوص و قد عرفت وجه الإشكال في المسألة، و لكنه (قدس سره) بناء على ما هو المشهور عندهم من اجراء التقدم في الركوع مجرى الرفع منه و كذا في السجود جعل الحكم في ما لو تقدم بركنين مثل الحكم في ما لو تقدم بركن. و فيه انه مع تسليم وجود الدليل في تلك المسألة و الدلالة على جواز التقدم بركن فإلحاق الركنين به قياس مع الفارق.
الرابع- هل تبطل المتابعة و تنفسخ القدوة بالتأخر عن الامام بقدر ركن أم لا؟
ظاهر الشهيد في الذكرى في باب الجماعة العدم، قال (قدس سره): لو سبق الامام بعد انعقاد صلاته أتى بما وجب عليه و التحق بالإمام سواء فعل ذلك عمدا أو سهوا أو لعذر، و قد مر مثله في الجمعة، و لا يتحقق فوات القدوة بفوات ركن و لا أكثر عندنا، و في التذكرة توقف في بطلان القدوة بالتأخر بركن، و المروي
____________
(1) المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 95 و الوجيز للغزالى ج 1 ص 35.
146
بقاء القدوة، رواه عبد الرحمن عن ابى الحسن (عليه السلام) في من لم يركع ساهيا. ثم ذكر مضمون الخبر الذي قدمناه. انتهى.
أقول: لا يخفى ان الدليل أخص من المدعى فلا ينهض حجة على العموم، و كذا ما أشار إليه انه مر مثله في الجمعة، فإنه إشارة إلى
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) «في رجل صلى في جماعة يوم الجمعة فلما ركع الإمام ألجأه الناس الى جدار أو أسطوانة فلم يقدر على أن يركع و لا ان يسجد حتى رفع القوم رؤوسهم أ يركع ثم يسجد ثم يقوم في الصف؟ قال لا بأس».
و موردها كما ترى حال الضرورة و العذر كالرواية المذكورة، و قد تقدم منه (قدس سره) في باب صلاة الآيات ما يناقض هذا الكلام كما قدمنا ذكره ثمة و حققنا المقام بما يرفع عنه غشاوة الإبهام.
و الظاهر عندي من تتبع النصوص في جملة من الموارد هو القول بوجوب المتابعة و عدم التخلف من الامام بركن:
ففي صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يدرك آخر صلاته الامام و هي أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال نعم».
و في صحيحة
زرارة في المسبوق ايضا (3) و ستأتي بكمالها ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة، قال فيها: «قرأ في كل ركعة من ما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجمعة. و اللفظ في الفقيه ج 1 ص 170 و نحوه في التهذيب ج 1 ص 301 هكذا: «ثم يسجد و يلحق بالصف و قد قام القوم أم كيف يصنع؟
فقال يركع و يسجد ثم يقوم في الصف و لا بأس بذلك».
(2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة. و اللفظ هكذا «قال: «سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل.».
(3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
147
و سورة فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب. الحديث».
و التقريب فيهما ان الظاهر من قوله في الأولة «فلا يمهله حتى يقرأ» و من قوله في الثانية «فان لم يدرك السورة» انما هو باعتبار خوف فوت الركوع مع الامام بمعنى انه لو اشتغل بالقراءة تامة فاته الركوع مع الامام، و لو جاز التخلف عنه و لو بركن كما يدعونه لم يكن لهذا الكلام معنى، لانه يتم القراءة كملا و ان لم يلحقه في الركوع لحقه في السجود أو بعد السجود كما يدعونه من عدم فوات القدوة بالإخلال بالمتابعة في ركنين.
و نحو هاتين الروايتين ايضا
قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1): «فإن سبقك الإمام بركعة أو ركعتين فاقرأ في الركعتين الأولتين من صلاتك الحمد و سورة فان لم تلحق السورة أجزأك الحمد».
و في كتاب دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: «إذا سبق أحدكم الإمام بشيء من الصلاة فليجعل ما يدرك مع الإمام أول صلاته و ليقرأ في ما بينه و بين نفسه ان أمهله الامام.».
و روى فيه ايضا عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (3) قال: «إذا أدركت الامام و قد صلى ركعتين فاجعل ما أدركت معه أول صلاتك فاقرأ لنفسك فاتحة الكتاب و سورة أن أمهلك الإمام أو ما أدركت أن تقرأ».
و التقريب فيها ما عرفت. و الله العالم.
المسألة العاشرة [توافق نظم الصلاتين]
- من الشرائط في الجماعة توافق نظم الصلاتين في الأفعال لا في عدد الركعات و مرجعه الى اتحاد النوع، أى أن تكون صلاة الامام و المأموم من نوع واحد، فلو اختلفا نوعا كاليومية و صلاة الآيات أو العيدين أو بالعكس لم يجز الاقتداء. و أما اختلاف الصنف كالمفترض بالمتنفل و بالعكس و المقصر بالمتم
____________
(1) ص 14.
(2) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.
(3) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.
148
و بالعكس فلا مانع منه. و لا يشترط الاتحاد في عدد الركعات على الأشهر الأظهر و خلاف الصدوق (قدس سره) كما سيأتي نقله ان شاء الله تعالى في المقام شاذ.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع
(الأول) [الاقتداء في اليومية بصلاة الكسوف و العيدين و بالعكس]
- احتج شيخنا الشهيد في الذكرى على عدم جواز الاقتداء في اليومية بصلاة الكسوف و بالعكس و نحوه في العيدين
بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به. الخبر».
قال و هو غير حاصل مع الاختلاف.
أقول: قد عرفت آنفا ان هذا الخبر ليس من طريقنا و إنما هو من طريق العامة و ان استسلقوه (رضوان الله عليهم)في أمثال هذه المقامات سيما مع عدم الدليل من أخبار أهل البيت (عليهم السلام).
و الأظهر في الاستدلال على منع ذلك بان العبادة مبنية على التوقيف من صاحب الشريعة كيفية و كمية و صحة و بطلانا و فرادى و جماعة و نحو ذلك، و لم يثبت عنهم (عليهم السلام) فتوى و لا فعلا صحة الاقتداء في موضع البحث فيجب الحكم بالمنع حتى يقوم الدليل عليه.
الثاني [اقتداء المفترض بمثله في فروض الصلاة اليومية]
- المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم)جواز اقتداء المفترض بمثله في فروض الصلاة اليومية و ان اختلف العدد و الكمية، بل قال في المنتهى انه قول علمائنا أجمع.
و نقل عن الصدوق انه قال: لا بأس أن يصلى الرجل الظهر خلف من يصلى العصر و لا يصلى العصر خلف من يصلى الظهر إلا ان يتوهمها العصر فيصلي معه العصر ثم يعلم انها كانت الظهر فتجزئ عنه.
قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: و لا أعلم مأخذه إلا أن يكون نظر الى ان العصر لا تصح إلا بعد الظهر فإذا صلاها خلف من يصلى الظهر فكأنه قد صلى العصر مع الظهر مع انها بعدها. و هو خيال ضعيف لان عصر المصلي مترتبة على ظهر نفسه لا على
____________
(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 134.
149
ظهر امامه. انتهى. و هو جيد.
إلا انه من المحتمل قريبا عدم ثبوت النقل المذكور عنه فانى لم أقف عليه في كتاب الفقيه، و قد عرفت من ما ذكرنا في باب السهو و الشك عدم صحة جملة من الأقوال المنقولة عنه في ذلك الباب و أوضحنا ذلك بإيضاح لا يزاحمه الشك و الارتياب و يؤيده أيضا ما ذكره في الذخيرة قال: و حكى عنه الشارح الفاضل اشتراط اتحاد الكمية مع انه صرح في الفقيه بجواز اقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس. انتهى و ما ذكره أيضا في الذخيرة- من انه صرح في الفقيه بجواز اقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس- لم أقف عليه في الكتاب المذكور بهذا النقل، و انما روى فيه حديث داود بن الحصين (1) المشتمل على جواز ذلك على كراهية، فلعله أراد ما ذكرناه حيث ان ما يرويه من الأخبار ينسب مذهبا اليه.
قال في المدارك: و ربما استدل له
بصحيحة على بن جعفر (2) «انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن امام كان في الظهر فقامت امرأة بحياله تصلى معه و هي تحسب انها العصر هل يفسد ذلك على القوم؟ و ما حال المرأة في صلاتها معهم و قد كانت صلت الظهر؟ قال لا يفسد ذلك على القوم و تعيد المرأة صلاتها».
و هو غير جيد، لان مدلول الرواية مناف لما ذكره الصدوق. الى آخر ما ذكره.
أقول: قد قدمنا في المقدمة السادسة في المكان من مقدمات هذا الكتاب (3) ان الحكم بإعادة المرأة صلاتها انما هو لمحاذاة المرأة للإمام و تقدمها على الرجال مع تحريم ذلك كما أوضحناه ثمة، لا لما ذكره في المدارك من حمل الإعادة على الاستحباب حيث انه يختار القول بكراهة المحاذاة دون التحريم، و قد سبق البحث معه في ذلك في الموضع المشار اليه. و أما قوله ان مدلول الرواية مناف لما ذكره الصدوق فالوجه فيه ان الصدوق قد صرح بالصحة متى ظن المأموم ان تلك الصلاة صلاة العصر و الحال ان الخبر صرح بأن المرأة ظنت كذلك، فمقتضى كلام الصدوق هو الصحة في هذه الصورة لا البطلان
____________
(1) ص 151.
(2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
(3) ج 7 ص 177.
150
كما صرحت به الرواية. و بالجملة فإن بطلان صلاة المرأة إنما استند الى ما ذكرناه.
و كيف كان فالعمل على القول المشهور لعموم أدلة الجماعة، و يدل على جواز صلاة الظهر خلف من يصلى العصر
ما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل امام قوم يصلى العصر و هي لهم الظهر؟
قال أجزأت عنه و أجزأت عنهم».
و روى الشيخ في الصحيح عن سليم الفراء (2) قال: «سألته عن الرجل يكون مؤذن قوم و امامهم يكون في طريق مكة أو غير ذلك فيصلي بهم العصر في وقتها فيدخل الرجل الذي لا يعرف فيرى انها الأولى أ فتجزؤه انها العصر قال لا».
أقول: الظاهر ان المعنى في هذه الرواية ان الرجل نوى الظهر و الحال ان الامام يصلى العصر في وقتها يعنى وقت الفضيلة لها فهل صلاته تكون صحيحة أو انه باعتبار كون الوقت وقتا للعصر تجزئه عن العصر و ان لم ينوها؟ فأجاب (عليه السلام) بأنها لا تجزئ عن العصر لعدم نيتها. و مجرد كون الوقت للعصر لا يمنع من وقوع الظهر فيه
و عن ابى بصير في الموثق (3) قال: «سألته عن رجل صلى مع قوم و هو يرى انها الاولى و كانت العصر؟ قال فليجعلها الأولى و ليصل العصر».
و رواه الكليني عن احمد بن محمد مثله (4) ثم قال: و في حديث آخر «فان علم انهم في صلاة العصر و لم يكن صلى الاولى فلا يدخل معهم».
أقول: حمل في الوسائل هذه الرواية المرسلة على التقية و احتمل حملها على الدخول بنية العصر. و الأول أظهر.
و يدل على اقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس و ان كان على كراهية
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «في المسافر يصلى خلف المقيم؟ قال يصلى ركعتين و يمضى حيث شاء».
و رواه الشيخ في التهذيب في
____________
(1) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
151
الصحيح عن حماد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسافر. الحديث».
و ما رواه في التهذيب عن محمد بن على (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل المسافر إذا دخل في الصلاة مع المقيمين؟ قال فليصل صلاته ثم يسلم و ليجعل الأخيرتين سبحة».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن ابى العباس الفضل بن عبد الملك- و رواه في الفقيه عن الفضل بن عبد الملك- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا يؤم الحضري المسافر و لا المسافر الحضري، فإن ابتلى بشيء من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم، و إذا صلى المسافر خلف قوم حضور فليتم صلاته ركعتين و يسلم، و ان صلى معهم الظهر فليجعل الأولتين الظهر و الأخيرتين العصر».
و رواه في الفقيه عن داود بن الحصين عنه (عليه السلام) (4) مثله الى قوله «و يسلم».
و روى في الفقيه عن العلاء عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا صلى المسافر خلف قوم حضور. الحديث بتمامه».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن النعمان الأحول عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «إذا دخل المسافر مع أقوام حاضرين في صلاتهم فان كانت الأولى فليجعل الفريضة في الركعتين الأولتين و ان كانت العصر فليجعل الأولتين نافلة و الأخيرتين فريضة».
قال في التهذيب: و فقه هذا الحديث انه انما قال: «ان كانت الظهر فليجعل الفريضة في الركعتين الأولتين» لأنه متى فعل ذلك جاز له أن يجعل الركعتين الأخيرتين
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة. و لم ينقل فيه رواية الفضل عن الفقيه كما لم تجدها في الفقيه في مظانها نعم في الوافي باب (ائتمام كل من المسافر و المقيم بالآخر) نقلها عن التهذيب و الفقيه.
(4) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
152
صلاة العصر و إذا كان صلاة العصر انما يجعل الركعتين الأخيرتين صلاته لأنه تكره الصلاة بعد صلاة العصر إلا على جهة القضاء.
و روى الشيخ عن ابى بصير في الصحيح (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يصلى المسافر مع المقيم فان صلى فلينصرف في الركعتين».
و قال في الفقيه (2) و قد روى «انه ان خاف على نفسه من أجل من يصلى معه صلى الركعتين الأخيرتين و جعلهما تطوعا».
أقول: و الوجه فيه ان المخالفين يتمون في السفر.
و عندي في المقام اشكال لم أر من نبه عليه و لا من تنبه اليه، و هو ان ظاهر جملة من هذه الأخبار- و به صرح هنا جملة من علمائنا الأبرار- جواز الائتمام في النافلة هنا لقوله (عليه السلام) في رواية محمد بن على «و ليجعل الأخيرتين سبحة» و في رواية محمد بن النعمان «فليجعل الأولتين نافلة و الأخيرتين فريضة» و قد عرفت دلالة كلام الشيخ على ما تضمنه الخبر المذكور مع ان الأظهر الأشهر كما تقدم تحقيقه انه لا يجوز الجماعة في النافلة إلا ما استثنى و لم يعدوا هذا الموضع من جملة ما خصوه بالاستثناء.
الثالث [اقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس]
- قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض في ما لو صلى المسافر الصلاة الرباعية مع الحاضر انه يسلم إذا فرغ من أفعاله الموافقة لصلاة الإمام قبل الامام، و لو تشهد معه ثم انتظره الى أن يكمل صلاته و يسلم معه كان أفضل. و لو انعكس الفرض تخير الحاضر عند انتهاء الفعل المشترك بين المفارقة في الحال و الصبر حتى يسلم الامام فيقوم إلى الإتمام و هو أفضل. و الأفضل للإمام أن ينتظر بالسلام فراغ المأموم ليسلم به فان علم المأموم بذلك قام بعد تشهد الامام. انتهى. و نحوه صرح الشهيد في الذكرى ايضا. و ما ذكره (طاب ثراه) من الأفضلية في هذه
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
153
المواضع لم أقف فيه على دليل.
الرابع [هل يجب بقاء الإمام المسافر في مجلسه إلى أن يتم المقيم؟]
- المشهور عدم وجوب بقاء الامام المسافر في مجلسه الى أن يتم المأموم المقيم خلافا للمرتضى و ظاهر ابن الجنيد.
قال المرتضى (رضى الله عنه) في الجمل على ما نقله في المختلف: لو دخل المقيم في صلاة مسافر وجب عليه أن لا ينتقل من الصلاة بعد سلامه إلا بعد ان يتم المقيم صلاته. و اقتصر في المختلف على نقل خلاف المرتضى. و اما ما نسبناه الى ظاهر ابن الجنيد فقد نقله شيخنا الشهيد الثاني في الروض.
ثم انه في المختلف اختار الاستحباب و نقله عن الشيخ و ابن إدريس، و احتج بأنه قد صلى فرضه فلا يجب عليه انتظار المأموم كالمأموم المسبوق.
أقول: يمكن أن يكون دليلهما
ما رواه في الكافي عن ابى بصير في الموثق أو الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «أيما رجل أم قوما فعليه أن يقعد بعد التسليم و لا يخرج من ذلك الموضع حتى يتم الذين خلفه الذين سبقوا صلاتهم، ذلك على كل امام واجب إذا علم ان فيهم مسبوقا، فان علم ان ليس فيهم مسبوق بالصلاة فليذهب حيث شاء».
إلا ان مورد الرواية كما ترى انما هو المسبوق و قد ورد ما يدل على جواز القيام بالنسبة اليه و عدم الانتظار كما
رواه الشيخ عن عمار الساباطي في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى بقوم فيدخل قوم في صلاته بعد ما قد صلى ركعة أو أكثر من ذلك فإذا فرغ من صلاته و سلم أ يجوز له و هو إمام أن يقوم من موضعه قبل أن يفرغ من دخل في صلاته؟ قال نعم».
و قال في الروض على اثر الكلام المتقدم نقله عنه هنا و نقل خلاف المرتضى و ابن الجنيد: و ما ذكرناه من التفصيل آت في الصلاتين المختلفتين عددا و صلاة المسبوق و ان لم يختلفا سفرا و حضرا، فإذا اقتدى مصلى الصبح بالظهر فحكمه حكم
____________
(1) الوسائل الباب 2 من التعقيب.
(2) الوسائل الباب 2 من التعقيب.
154
اقتداء المسافر بالحاضر، و مثله اقتداء مصلى المغرب بالعشاء فإنه يجلس بعد الثالثة للتشهد و التسليم و الأفضل له انتظاره به كما مر. و ربما قيل بالمنع هنا لإحداثه تشهدا مانعا من الاقتداء بخلاف مصلى الصبح مع الظهر و المسافر مع الحاضر فإنه يتشهد مع الامام. و يضعف بان ذلك ليس مانعا من الاقتداء و من ثم يتأخر المأموم المسبوق للتشهد مع بقاء القدوة. انتهى.
الخامس [هل يكره ائتمام الحاضر بالمسافر و بالعكس؟]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)كراهة ائتمام الحاضر بالمسافر و كذا بالعكس، ذكره المفيد و المرتضى و الشيخ في الخلاف و أبو الصلاح و ابن إدريس و المحقق في المعتبر و العلامة، و نقل في المختلف عن الشيخ على بن بابويه انه قال: لا يجوز امامة المتم للمقصر و بالعكس. و قال ابنه في المقنع:
لا يجوز أن يصلى المسافر خلف المقيم. و جملة من الأصحاب كالشيخ في المبسوط و النهاية و الجمل لم يعدوا في قسم المكروه ائتمام المسافر بالحاضر، و كذا المحقق في الشرائع حيث اقتصر في عده المكروهات على ائتمام الحاضر بالمسافر، و هو ظاهر سلار ايضا كما نقله في المختلف، و ظاهره في المختلف الميل الى عدم الكراهية في الصورة المذكورة.
و أنت خبير بأنه قد تقدم في موثقة الفضل بن عبد الملك المنع من امامة الحضري بالمسافر و بالعكس، و أكثر الروايات المتقدمة كصحيحة حماد بن عثمان و صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة محمد بن النعمان الأحول دلت على جواز ائتمام المسافر بالحاضر من غير كراهة و كذا رواية محمد بن على، إلا ان غاية ما تدل عليه هو الجواز و ان لم يتعرض فيها لذكر الكراهة، و هو لا ينافي ما دل على الكراهة كالموثقة المذكورة و مثلها صحيحة أبي بصير، فإنها دلت على انه لا يصلى المسافر مع المقيم.
و صاحب المختلف حيث اختار الجواز بلا كراهة رد موثقة الفضل بن عبد الملك بان في طريقها داود بن الحصين و هو واقفي.
و صاحب المدارك حيث اختار الكراهة اعتذر عن الموثقة المذكورة حيث
155
ان مذهبه كما عرفت نظم الموثق في قسم الضعيف فقال: و هذه الرواية معتبرة الإسناد إذ ليس في طريقها مطعون فيه سوى داود بن الحصين، و قد وثقه النجاشي و قال انه كان يصحب أبا العباس الفضل بن عبد الملك و ان له كتابا يرويه عدة من أصحابنا. لكن قال الشيخ و ابن عقدة انه كان واقفيا. و لا يبعد ان يكون الأصل في هذا الطعن من الشيخ كلام ابن عقدة و هو غير ملتفت اليه لنص الشيخ و النجاشي على أنه كان زيديا جاروديا و انه مات على ذلك. انتهى.
أقول: انظر ما يتستر به (قدس سره) في الخروج عن اصطلاحه من هذا الكلام الضعيف و العذر السخيف (أما أولا) فإن ما ذكره من كون الشيخ إنما أخذ الطعن من ابن عقدة و تبعه فيه من غير أن يثبت عنده مع كونه مجرد تخرص غير مسموع، إذ هو موجب للطعن في الشيخ (قدس سره) و القدح فيه من جهة أنه يقدح في الرواة و ينسبهم الى خلاف المذهب الحق من غير أن يكون ذلك معلوما عنده و لا ثابتا لديه بل بمجرد التقليد لغيره و ان كان ممن لا يعتمد عليه، و هو مما لا ينبغي ظنه بالشيخ و لا نسبته اليه.
و (أما ثانيا) فلانا ان لم نقل بترجيح الجرح على التعديل لما ذكروه من اطلاع الجارح على ما لم يطلع عليه المعدل حيث ان بناء العدالة على الظاهر فلا أقل من الجمع بينهما بان يعد الحديث في الموثق الذي هو من قسم الضعيف عنده، و لهذا ان العلامة في الخلاصة بعد نقل القولين المذكورين قال: و الأقوى عندي التوقف في روايته. و المشهور بين أصحاب هذا الاصطلاح هو عد حديثه في الموثق.
و بالجملة فقد عرفت في غير موضع انه (قدس سره) لا رابطة له يرجع إليها و لا ضابطة يعتمد عليها بل كلامه يختلف باختلاف اختياراته و إراداته و ان ناقض بعضه بعضا.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما نقلوه هنا عن الشيخ على بن بابويه من العبارة المتقدمة مجملة غير منسوبة إلى رسالته و لا غيرها، و صورة عبارته في الرسالة لم ينقلها
156
أحد في المقام، و أنت قد عرفت من ما قدمناه في غير مقام ان أكثر عباراته في الرسالة إنما هو من كتاب الفقه الرضوي، و مضمون هذه العبارة و ان كان موجودا في الكتاب المذكور إلا ان بعدها ما يدل على انه ليس المراد بها ما يظهر منها من التحريم بل المراد بعدم الجواز تأكد الكراهة كما دلت عليه موثقة الفضل بن عبد الملك.
حيث قال (عليه السلام) (1): و اعلم ان المقصر لا يجوز له أن يصلى خلف المتم و لا يصلى المتم خلف المقصر، و ان ابتليت مع قوم لا تجد بدا من أن تصلى معهم فصل معهم ركعتين و سلم و امض لحاجتك لو تشاء. الى أن قال: و ان كنت متما صليت خلف المقصر فصل معه ركعتين فإذا سلم فقم و أتمم صلاتك.
انتهى.
و هو كما ترى طبق ما ذكر في موثقة الفضل المذكورة، فإن صدر الكلام دال على التحريم إلا ان آخره من ما يكشف عن كون ذلك على جهة الكراهة المؤكدة.
و يمكن أن يكون ما نقلوه عن الشيخ على بن بابويه بناء على ما ذكرنا من أخذه غالبا من كتاب الفقه أخذوه من صدر العبارة من غير التفات الى آخرها فصار قولا مخالفا لما عليه الأصحاب في المسألة.
السادس [اقتداء المتنفل بالمفترض و بالعكس و بالمتنفل]
- قد عرفت جواز اقتداء المفترض بمثله و ان اختلف الفرضان عددا و كمية، و أما اقتداء المتنفل بالمفترض فكاقتداء الصبي بالبالغ و معيد صلاته جماعة بعد أن صلاها فرادى بمن لم يصل، و اقتداء المفترض بالمتنفل كمبتدئ الصلاة مع امام صلى منفردا و أراد الإعادة جماعة و في الاقتداء بالصبي المميز على مذهب الشيخ و في صلاة بطن النخل من صلوات الخوف كما سيأتي ذكره في محله ان شاء الله تعالى و اقتداء المتنفل بالمتنفل كما في المعادة منهما معا عند بعض، و فيه كلام يأتي ذكره ان شاء الله تعالى عند ذكر المسألة، و كما في جماعة الصبيان و العيد المندوبة عند الأصحاب، و فيه كلام قد تقدم ذكره في باب صلاة العيد، و الاستسقاء و الغدير على قول تقدم ذكره.
____________
(1) ص 16.
157
قال في الذكرى: الظاهر ان هذه الفروض إنما تتأتى في صورة الإعادة فلو صلى مفترض خلف متنفل نافلة مبتدأة أو قضاء لنافلة أو صلى متنفل بالراتبة خلف المفترض أو متنفل براتبة أو غيرها من النوافل فظاهر المتأخرين المنع. انتهى أقول: و بهذه العبارة تعلق في المدارك في ما قدمنا نقله عنه في المسألة الأولى في عدم ثبوت الإجماع على تحريم الجماعة في النافلة.
و أنت خبير بما قدمناه في المسألة المذكورة من الأدلة الدالة على القول المشهور و منه يظهر لك ضعف هذا الكلام و انه لا اعتماد عليه و لا ركون إليه في هذا المقام لما صرحت به اخبارهم (عليهم السلام) من التحريم الظاهر لذوي الأفهام و لكنهم (رضوان الله عليهم)لقصور تتبعهم للاخبار يقعون في مثل هذه الأوهام.
فروع
الأول
- قال العلامة في المنتهى: لو كان الامام حاضرا و المأموم مسافرا استحب للإمام ان يومئ برأسه إلى التسليم ليسلم المأموم ثم يقوم الامام فيتم صلاته و يجوز للمأموم أن يصلى معه فريضة أخرى لحديث الفضل.
الثاني
- قال فيه ايضا: لو كان الامام مسافرا سلم و لا يتبعه المأموم فيه فإذا سلم قام المأموم فأتم صلاته. و يستحب للإمام أن يقدم من يتم الصلاة بهم و ان لم يفعل قدم المأمومون. و هل يجوز أن يصلى الإمام فريضة أخرى و ينوي المأموم الائتمام به في التتمة التي بقيت عليه؟ الذي يلوح من كلام الشيخ في الخلاف الجواز.
الثالث
- هل يكره ائتمام المسافر بالمقيم و عكسه عند تساوى الفرضين أو تختص الكراهة بصورة الاختلاف؟ الذي صرح به المحقق في المعتبر الثاني نظرا الى انتفاء المفارقة المقتضية للكراهة. و هو غير بعيد. و الله العالم.
المسألة الحادية عشرة [آداب الجماعة]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)بأن للجماعة آدابا و مستحبات بعضها يتعلق بالصلاة و بعضها يتعلق بالإمام و بعضها يتعلق بالمأموم، و نحن نذكر في هذه المسألة ما يجرى منها على البال و يمر بالخيال من ما نص عليه كلامهم
158
و جرت به أقلامهم في هذا المجال فنقول:
منها-
انه يستحب للمأموم الواحد إذا كان رجلا أو صبيا الوقوف عن يمين الامام
و الأكثر خلفه، و كذا المرأة و ان كانت واحدة تقوم خلفه، و قد تقدم الكلام في ذلك و حققنا ثمة ما هو الحق الثابت عندنا من الأخبار في المسألة الثانية.
[كيفية صلاة العراة جماعة و كذا النساء]
و منها- انه يستحب ان يقف العراة المؤتمون بالعاري في صف واحد و ان يبرز الامام بركبتيه، و كذا النساء المؤتمون بالمرأة إلا انها لا تبرز عنهم بل يكون الجميع في صف واحد.
و يدل على الأول
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن قوم صلوا جماعة و هم عراة، قال يتقدمهم الامام بركبتيه و يصلى بهم جلوسا و هو جالس».
و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)تعين الجلوس عليهم جميعا مطلقا، و قيل بوجوب القيام مع أمن المطلع و اختاره شيخنا الشهيد الثاني، و الأكثر على انه يجب على الجميع الإيماء، و ادعى عليه ابن إدريس الإجماع، و هو الأظهر لإطلاق الأمر بذلك في جملة من الأخبار الصحيحة الصريحة.
و قال الشيخ في النهاية: يومئ الامام و يركع من خلفه و يسجد، و يشهد له
ما رواه في الموثق عن إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) قوم قطع عليهم الطريق فأخذت ثيابهم فبقوا عراة و حضرت الصلاة كيف يصنعون؟
فقال يتقدمهم امامهم فيجلس و يجلسون خلفه فيومى إيماء بالركوع و السجود و هم يركعون و يسجدون خلفه على وجوههم».
و تحقيق هذه المسألة و ما ورد فيها من الأخبار و الخلاف و الأبحاث المتعلقة بها قد مر مستوفى في المقدمة الخامسة في الساتر من مقدمات هذا الكتاب فمن
____________
(1) الوسائل الباب 51 من لباس المصلي.
(2) الوسائل الباب 51 من لباس المصلى. و الرواية عن ابى عبد الله «ع».
159
أراد الوقوف على ذلك فليرجع الى الموضع المذكور و لا يحتاج إلى إعادته.
و اما ما يدل على الثاني فجملة من الأخبار: منها-
موثقة عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن المرأة تؤم النساء قال نعم تقوم وسطا بينهن و لا تتقدمهن».
و صحيحة هشام بن سالم (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة هل تؤم النساء؟ قال تؤمهن في النافلة فأما في المكتوبة فلا و لا تتقدمهن و لكن تقوم وسطهن».
و صحيحة سليمان بن خالد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء؟ قال إذا كن جميعا أمتهن في النافلة فأما المكتوبة فلا و لا نتقدمهن».
و صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قلت له المرأة تؤم النساء؟
قال لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها تقوم وسطهن معهن في الصف فتكبر و يكبرن».
و رواية الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «تؤم المرأة النساء في الصلاة و تقوم وسطا منهن و يقمن عن يمينها و شمالها تؤمهن في النافلة و لا تؤمهن في المكتوبة».
و اما الكلام و الخلاف في جواز إمامتها مطلقا أولا مطلقا أو التفصيل فسيأتي تحقيق البحث فيه ان شاء الله تعالى قريبا في اشتراط ذكورية الامام.
و منها- انه يستحب اختصاص أهل الفضل بالصف الأول
، قيل: و المراد بهم من له مزية و كمال في علم أو عمل أو عقل. و قد نقل الاتفاق على أصل الحكم المذكور.
و يدل عليه من الأخبار و كذا على أفضلية الصف الأول و ان أفضله ما قرب من الامام
ما رواه المشايخ الثلاثة عطر الله مراقدهم عن جابر عن ابى جعفر
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة. و في آخره «و لكن تقوم وسطا منهن».
(4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
160
(عليه السلام) (1) قال: «ليكن الذين يلون الإمام أولى الأحلام منكم و النهى فان نسي الإمام أو تعايا قوموه، و أفضل الصفوف أولها و أفضل أولها ما دنا من الامام. الحديث،.
و قال الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (2) «و ليكن من يلي الإمام منكم اولى الأحلام و النهى فان نسي الإمام أو تعايا يقومه، و أفضل الصفوف أولها و أفضل أولها ما قرب من الامام».
أقول: و الأحلام جمع حلم بالكسر و هو العقل و منه قوله عز و جل «أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلٰامُهُمْ» (3) و النهى بالضم جميع نهية بالضم ايضا كمدية و مدى: العقل ايضا و تعايا أى لم يهتد لوجه مراده أو عجز عنه و لم يطق أحكامه.
و روى في الفقيه مرسلا (4) قال: «و قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) ان الصلاة في الصف الأول كالجهاد في سبيل الله عز و جل».
و ميمنة الصف أفضل
لما رواه في الكافي عن على بن محمد عن سهيل بن زياد بإسناده (5) قال قال: «فضل ميامن الصفوف على مياسرها كفضل الجماعة على صلاة الفرد».
قال في الذكرى: و ليكن يمين الصف لا فاضل الصف الأول لما روى (6) ان الرحمة تنتقل من الامام إليهم ثم الى يسار الصف ثم إلى الباقي، و الأفضل للأفضل.
فرعان
الأول- لو اقتدى بالإمام أصناف كالأحرار و العبيد و الرجال و النساء و الخناثى و الصبيان
قال الشيخ يقف الأحرار من كل صنف أمام العبيد من ذلك الصنف
____________
(1) الوسائل الباب 7 و 8 من صلاة الجماعة.
(2) ص 14 و فيه بدل «و النهى» «و التقى».
(3) سورة الطور الآية 32.
(4) الوسائل الباب 8 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 8 من صلاة الجماعة.
(6) الذكرى الصورة الخامسة من صور الفرع الرابع من فروع الشرط الرابع من شروط الاقتداء.
161
و الرجال أمام الصبيان و الصبيان أمام الخناثى و الخناثى أمام النساء.
و قال ابن الجنيد: يقوم الرجال أولا ثم الخصيان ثم الخناثى ثم الصبيان ثم النساء و يقدم الأحرار على العبيد و الإماء و الاشراف على غيرهم و العلماء من الاشراف على من لا علم له، و الأحق بقرب الامام من تصح منه النيابة عند احتياج الامام إليها.
قال في الذكرى: و الخلاف بينه و بين الشيخ في تقديم الصبيان على الخناثى فالشيخ نظر الى تحقق الذكورية في الصبيان و نظر ابن الجنيد الى تحقق الوجوب في الخناثى دون الصبيان و هو حسن و اختاره ابن إدريس و الفاضل. انتهى.
أقول: الظاهر انهم بنوا في هذا الترتيب المذكور على مجرد الاعتبار لعدم وجود ما يدل عليه من الأخبار كما يشير اليه كلام الشهيد في وجه اختلاف الشيخ و ابن الجنيد.
الثاني [هل الأفضل وقوف الإمام وسط الصف؟]
- قد صرح جملة: منهم- العلامة و الشهيدان (رضى الله عنهم بأن الأفضل وقوف الإمام في وسط الصف، قال في المنتهى: و يستحب أن يقف الإمام في مقابلة وسط الصف لتتساوى نسبة المأمومين إليه فيمكنهم المتابعة،
و قد روى الجمهور عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) انه قال: «وسطوا الامام و سدوا الخلل».
أقول:
روى ثقة الإسلام في الكافي عن على بن إبراهيم رفعه (2) قال:
«رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يصلى بقوم و هو الى زاوية من بيته بقرب الحائط و كلهم عن يمينه و ليس على يساره أحد».
و هذا الخبر كما ترى ظاهر في خلاف ما ذكروه، و يؤيده أن أفضلية اليمين تقتضي استحباب توسيعها. و لا معارض للخبر المذكور إلا ما ينقلونه من هذا الخبر العامي.
و أما ما ذكره في الذكرى في سنة الموقف في الجماعة- حيث قال: و خامسها
____________
(1) سنن ابى داود ج 1 ص 182 رقم 68 باب مقام الامام من الصف.
(2) الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
162
ان يقتدى الرجال بالرجل، و الأفضل صلاتهم خلفه بأجمعهم و هو منصوص عنهم (عليهم السلام) (1) و كونه في وسط الصف فلو صلى لا في وسطه جاز، و قد روى من فعل بعضهم (عليهم السلام) (2) و لعله للضرورة لأن الإمام لا يترك الأفضل- فهو جيد لو ثبت دليل أفضلية ما ذكروه و إلا فارتكاب التأويل في الخبر من غير معارض عقلي أو نقلي غير معقول و لا مقبول، و هم لم يذكروا دليلا على ما ادعوه و لو اعتباريا سوى ما عرفت من الرواية العامية.
و منها- استحباب إعادة المصلي منفردا صلاته جماعة
إماما كان أو مأموما و لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)بل ادعى عليه الإجماع جمع منهم و عليه يدل جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (3) قال: «كتبت الى ابى الحسن (عليه السلام) انى أحضر المساجد مع جيرتي و غيرهم فيأمرونى بالصلاة بهم و قد صليت قبل أن آتيهم فربما صلى خلفي من يقتدى بصلاتي و المستضعف و الجاهل و اكره أن أتقدم و قد صليت لحال من يصلى بصلاتي ممن سميت لك فأمرني في ذلك بأمرك انتهى اليه و أعمل به ان شاء الله تعالى؟ فكتب صل بهم».
و عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا صليت صلاة و أنت في المسجد و أقيمت الصلاة فإن شئت فاخرج و ان شئت فصل معهم و اجعلها تسبيحا».
و منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل يصلى الصلاة وحده ثم يجد جماعة؟ قال يصلى معهم
____________
(1) ارجع الى الصفحة 89.
(2) تقدم في رواية على بن إبراهيم ص 161.
(3) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
163
و يجعلها الفريضة».
و رواه في الفقيه عن هشام بن سالم عنه (عليه السلام) مثله (1) و زاد في آخره «ان شاء».
قيل: المعنى انه يجعلها تلك الفريضة التي صلاها وحده فان اعادة تلك الفريضة مستحبة، أو المراد أن يجعل هذه الفريضة المطلوبة منه و ما صلاها أو لا نافلة، قال: و في التهذيب حمله على محامل بعيدة من غير ضرورة.
و قال في الفقيه (2) و روى انه يحسب له أفضلهما و أتمهما.
و روى في الكافي عن ابى بصير (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة و قد صليت؟ فقال صل معهم يختار الله أحبهما اليه».
و روى في التهذيب عن عمار الساباطي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصلى الفريضة ثم يجد قوما يصلون جماعة أ يجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟
قال نعم و هو أفضل. قلت فان لم يفعل؟ قال ليس به بأس».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (5) نقلا عن العالم (عليه السلام) «إذا صليت صلاتك و أنت في مسجد و أقيمت الصلاة فإن شئت فصل و ان شئت فاخرج. ثم قال لا تخرج بعد ما أقيمت صل معهم تطوعا و اجعلها تسبيحا».
و الكلام هنا يقع في مواضع
الأول [هل تستحب الإعادة جماعة لمن صلى جماعة؟]
- لا خلاف و لا إشكال في صحة الإعادة و مشروعيتها لمن صلى الفرض أولا منفردا و انما الإشكال و الخلاف في ما لو صلاة جماعة فهل يستحب الإعادة جماعة مرة أخرى؟ الأشهر الأظهر العدم، و حكم الشهيد في الذكرى باستحباب الإعادة للمنفرد و الجامع لعموم الأدلة، قال في المدارك: و هو غير واضح لأن أكثر الروايات مخصوصة بمن صلى وحده و ما ليس بمقيد بذلك فلا عموم فيه، و من هنا يعلم ان الأظهر عدم تراسل الاستحباب، و جوزه الشهيدان. انتهى.
____________
(1) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(5) ص 11.
164
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض بعد قول المصنف «و اعادة المنفرد مع الجماعة»: و لو صلى أولا جماعة ففي استحباب الإعادة جماعة قولان أصحهما الجواز لعموم الأدلة خصوصا مع اشتمال الجماعة الثانية على مرجح، و هل يسترسل الاستحباب؟
منعه المصنف في التذكرة و جوزه في الذكرى، و عموم الأدلة يدل عليه. انتهى.
و ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة الميل الى ما ذكره الشهيدان حيث نفى البعد عن قولهما مستندا الى عدم الاستفصال في صحيحة محمد بن إسماعيل، ثم قال:
و الأحوط الأول لعدم ما يدل عليه صريحا و توقف الصلاة على توقيف الشارع
و قد روى عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) لا تصل صلاة في يوم مرتين.
انتهى.
أقول: الظاهر المتبادر من صحيحة محمد بن إسماعيل المذكورة ان صلاته أولا انما كانت فرادى حيث انه أخبر عن نفسه بأنه يأتي المساجد و قد صلى، فإن قرينة الحال تدل على أنه صلى في بيته قبل مجيء المساجد، و الحمل على كونه صلى في بيته جماعة بعيد عن رسم العادة سيما ان المساجد التي اتى إليها من ما تقام فيها الجماعة من غير تقية كما هو المفروض، و به يظهر سقوط ما ذكره الفاضل المذكور. و كذلك ظاهر
صحيحة الحلبي و قوله فيها «إذا صليت صلاة و أنت في المسجد و أقيمت الصلاة».
فإن ظاهرها انه صلى فرادى و اتفقت الجماعة بعد صلاته كذلك، و الحمل على كونه صلى جماعة و بعد فراغه أقيمت جماعة أخرى في غاية البعد عن رسم العادة و ما هو المتكرر المعروف سيما على القول بتحريم الجماعة ثانية أو كراهتها كما هو المشهور. و بالجملة فإن الأحكام في الأخبار انما تنصرف الى الافراد المتكررة المتعارفة. و أما صحيحة حفص أو حسنته فهي صريحة في كونه صلى وحده، و مثلها صحيحة هشام بن سالم المروية في الفقيه. و اما رواية أبي بصير فالتقريب فيها ما تقدم في صحيحة محمد بن إسماعيل و نحوها رواية عمار. و أما رواية كتاب الفقه الرضوي فالتقريب فيها ما تقدم في صحيحة الحلبي مع احتمال حملها على كون الصلاة أخيرا مع جماعة المخالفين كما قدمنا ذكره سابقا على هذا المقام.
____________
(1) تيسير الوصول ج 2 ص 276.
165
و يمكن ان يقال ايضا ان هذه الأخبار ما بين مطلق و مقيد و القاعدة تقتضي حمل مطلقها على مقيدها، و بذلك يظهر ان الأظهر هو القول المشهور من الاختصاص بالمنفرد، و يؤيده ان العبادات مبنية على التوقيف و لم يثبت يقينا الإعادة بعد الصلاة جماعة. و منه يظهر بطلان التراسل كما ذهبوا اليه تفريعا على ما اختاروه من استحباب اعادة الجامع.
الثاني [هل تستحب الإعادة مع غير المفترض؟]
- قال في المدارك: لو صلى اثنان فرادى ففي استحباب إعادة الصلاة لهما جماعة إذا لم يكن معهما مفترض وجهان، من ان أقصى ما يستفاد من الروايات مشروعية الإعادة إذا اقتدى بمفترض أو اقتدى به مفترض، و من عموم الترغيب في الجماعة. انتهى.
و لا يخفى ضعف ثاني الوجهين المذكورين، فان استحباب الجماعة لا يقتضي استحباب إيقاعها كيف اتفقت بل على الوجه الذي وردت به النصوص، و الكيفية التي ثبتت عنهم (عليهم السلام) استحباب الصلاة بقول مطلق، مع انه لا بد من تقييدها بما ثبت مشروعيته من الكيفية و الكمية و نحوها. و بالجملة فالأظهر هو ما يستفاد من الوجه الأول و هو المستفاد من روايات المسألة.
الثالث [أي الصلاتين هي الفرض؟]
- قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و اولى الصلاتين أو الصلوات هي فرضه فينوي بالباقي الندب لامتثاله المأمور به على وجهه فيخرج من العهدة، و لو نوى الفرض في الجميع جاز لرواية هشام بن سالم. ثم نقل الرواية، ثم قال
و لما روى (1) «ان الله تعالى يختار أحبهما اليه» و روى «أفضلهما و أتمهما».
و نقل في المدارك الوجه الثاني عن الشهيد في الذكرى و الدروس للرواية المذكورة، و رده بأنه بعيد جدا و الرواية لا تدل عليه بوجه.
أقول: قد تقدم ان الرواية محتملة لأن يكون المعنى في قوله: «يصلى معهم و يجعلها الفريضة» انه يجعل الصلاة المعادة جماعة هي الفريضة التي صلاها أولا
____________
(1) ص 163.
166
لا صلاة غيرها من الفرائض و الصلوات و هو وجه وجيه، و الحمل على المعنى الذي فهموه من الخبر و ان كان محتملا إلا ان صيرورة الفريضة بعد إتمامها نافلة و النافلة فريضة غير معهود، فإثباته بمجرد هذا الخبر لا يخلو من الإشكال سيما مع قيام ما ذكرناه من الاحتمال، و عليه حمل صاحب المدارك الخبر المذكور. و رواية «ان الله يختار أحبهما إليه» لا تقتضي نية وجوب كل منهما و اتصافها بأنها فرض، بل المعنى انه لما شرع عز شأنه) الإعادة و أمر بها استحبابا فله سبحانه الاختيار في ما يختاره منهما فيختار ما هو أحب إليه. هذا غاية ما يدل عليه الخبر المذكور و هو لا يقتضي ما ادعاه. و الله العالم.
و منها- القرب من الامام
لما تقدم من رواية جابر و رواية كتاب الفقه الرضوي، و قد عده الشهيد في النفلية من مستحبات الجماعة. و ذكر أفضلية القرب في الخبرين المذكورين من الصف الأول يقتضي (1) أفضلية الأقربية مطلقا.
و منها- اقامة الصفوف و اعتدالها
و يستحب استحبابا مؤكدا و كذا سد الفرج الواقعة في الصفوف.
روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أقيموا صفوفكم فإني أراكم من خلفي كما أراكم من قدامي و من بين يدي و لا تخالفوا فيخالف الله بين قلوبكم».
و روى في التهذيب عنه عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «قال
____________
(1) و في المطبوع القديم «لا يقتضي».
(2) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة. و قد نقلها عن الصدوق بصورة الإرسال عن النبي (ص) إلا ان ظاهر عبارة الفقيه ج 1 ص 250 خلاف ذلك حيث ان العبارة فيه بعد ذكر رواية إمامة الرجل للرجل و الرجلين هكذا «قال و قال رسول الله ص.» و ظاهرها ان الذي حكى قول رسول الله (ص) هو أبو جعفر (ع) و قد نقلها في الوافي باب (اقامة الصفوف) كذلك.
(3) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة. و هي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (ع).
167
رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) سووا بين صفوفكم و حاذوا بين مناكبكم لا يستحوذ عليكم الشيطان».
و روى في كتاب ثواب الأعمال في الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يا أيها الناس أقيموا صفوفكم و امسحوا بمناكبكم لئلا يكون بينكم خلل و لا تخالفوا فيخالف الله بين قلوبكم، ألا و انى أراكم من خلفي».
و روى في كتاب البصائر في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الرجل يكون في المسجد فتكون الصفوف مختلفة فيها الناس فأميل اليه مشيا حتى أقيمه؟ قال نعم لا بأس به ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال يا أيها الناس إني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم».
و من الكتاب المذكور (3) عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له انا نصلي في مسجد لنا فربما كان الصف امامى و فيه انقطاع فامشى اليه بجانبي حتى أقيمه؟ قال نعم ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي، لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم».
و من الكتاب المذكور عن عبد الله الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال أقيموا صفوفكم فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي، و لا تختلفوا فيخالف الله بين قلوبكم».
و من الكتاب المذكور عن ابى عتاب زياد مولى آل دغش عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سمعته يقول أقيموا صفوفكم إذا رأيتم خللا، و لا عليك أن تأخذ ورائك إذا وجدت ضيقا في الصفوف فتتم الصف الذي خلفك أو تمشي منحرفا فتتم الصف الذي قدامك فهو خير. ثم قال ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال أقيموا صفوفكم فانى انظر إليكم من خلفي لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم».
____________
(1) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
(3) ص 419 الطبع الحديث و في البحار ج 18 الصلاة ص 632.
(4) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
168
و منه ايضا عن هارون بن حمزة الغنوي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال أقيموا صفوفكم فانى انظر إليكم من خلفي لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) قال: «سووا صفوفكم و حاذوا بين مناكبكم و لا تخالفوا بينها فتختلفوا و يتخللكم الشيطان تخلل أولاد الحذف».
قال: و الحذف ضرب من الغنم الصغار السود واحدتها حذفة فشبه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) تخلل الشيطان الصفوف إذا وجد فيها خللا بتخلل أولاد تلك الغنم بين كبارها. انتهى.
أقول:
و روى العامة في صحاحهم (3) «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يسوى صفوفنا كما يسوى القداح. و قال أقيموا صفوفكم فإني أراكم من وراء ظهري. و قال سووا صفوفكم فان تسوية الصفوف من تمام الصلاة. و كان يمسح مناكبهم في الصلاة و يقول استووا و لا تختلفوا فتختلف قلوبكم».
قال في النهاية: فيه «سووا صفوفكم و لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» أي إذا تقدم بعضهم على بعض في الصفوف تأثرت قلوبهم و نشأ بينهم الخلف. و منه الحديث الآخر «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم» يريد ان كلا منهم بصرف وجهه عن الآخر يوقع بينهم التباغض، فان إقبال الوجه على الوجه من أثر المودة و الألفة.
و قيل المراد تحويلها الى الإدبار. و قيل تغيير صورها الى صور اخرى.
و أنت خبير بان ظاهر الخبر الأول من أخبار البصائر جواز المشي حال الصلاة لأجل اقامة الصف إذا رآهم مختلفين في الوقوف تقدما و تأخرا، و ينبغي
____________
(1) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 54 من صلاة الجماعة.
(3) سنن ابى داود و صحيح مسلم و صحيح البخاري باب تسوية الصفوف و سنن النسائي باب كم مرة يقول استووا.
169
ان يقيد بغير وقت القراءة لما تقدم في الباب الثاني في أفعال الصلاة من وجوب الطمأنينة على المأموم حال القراءة و ان تحمل عنه الإمام القراءة.
و ظاهر الخبر الثاني من الأخبار المذكورة ان من اقامة الصفوف إتمام الصف لو كان ناقصا، و قوله «فامشى اليه بجانبي» يدل على ان النقصان في جانب اليمين أو اليسار من موقف المصلى و إلا فلو كان محاذيا له في الموقف لم يحتج إلى المشي اليه على جانب. و نحو هذا الخبر خبر ابى عتاب.
و قال في الذكرى: لو وجد فرجة في الصف فله السعي إليها و ان كانت في غير الصف الأخير، و لا كراهة هنا في اختراق الصفوف لأنهم قصروا حيث تركوا تلك الفرجة، نعم لو أمكن الوصول بغير اختراقهم كان أولى.
أقول: و إطلاق الخبرين المذكورين يدل على ما ذكروه لان الصف الواقع إمام أو خلف في الخبرين أعم من أن يكون بغير فاصلة أو بفاصلة صف آخر.
و أظهر من ذلك
ما رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون في صلاته في الصف هل يصلح له ان يتقدم الى الثاني أو الثالث أو يتأخر وراءه في جانب الصف الآخر؟ قال: إذا رأى خللا فلا بأس به».
و ظاهر الحديث المرسل في التهذيب و حديث كتاب ثواب الأعمال و خبر كتاب الدعائم ان اقامة الصفوف و استواءها بالمحاذاة بين المناكب من المأمومين.
و منه يعلم تحديد المساواة في الموقف بين الامام و المأموم مع اتحاد المأموم و التقدم مع التعدد. و قد تقدم في كلام الأصحاب تحديد ذلك بالأعقاب أو مع رؤوس الأصابع، و قد عرفت انه لا مستند له.
و منها- تقارب الصفوف بعضها من بعض
، قال في الذكرى: يستحب تقارب الصفوف فلا يزيد ما بينها على مسقط الجسد إذا سجد، رواه زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) و قدر ايضا بمريض عنز (3) ذكره في المبسوط.
____________
(1) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 62 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 62 من صلاة الجماعة.
170
أقول: قد قدمنا ان ظاهر الخبر المذكور و كذا غيره من ما ورد بهذا المضمون ان التقدير بهذا المقدار على جهة الوجوب و الشرطية لصحة القدوة فلو زاد على ذلك بطلت القدوة، لأن الرواية قد اشتملت على النهى عن التباعد بين الامام و المأموم و بين المأمومين بعضهم مع بعض بما لا يتخطى، و ان نهاية ما يتخطى الذي يجوز التباعد به قدر مسقط جسد الإنسان حال السجود. و الأصحاب لما حملوا الرواية في ما اشتملت عليه من تحديد البعد على الاستحباب- حيث انهم فسروه بما يرجع الى العرف و العادة- فرعوا عليه ما ذكروه هنا من الاستحباب، و من عمل بظاهر الخبر المذكور كما أوضحناه آنفا فإنه يصير هذا الحد بين الصفوف نهاية الجواز فلو زاد على ذلك بطلت القدوة.
و منها- انه يستحب تسبيح المأموم إذا فرغ من قراءته قبل الإمام
في موضع يجوز له القراءة فيه كما في الجهرية إذا لم يسمع و لا همهمة فإنه متى قرأ و فرغ قبل الإمام فإنه يستحب له ان يسبح حتى يفرغ الامام، و له ايضا ان يمسك آية حتى إذا فرغ الإمام قرأها و ركع بعدها:
روى الشيخ في الموثق عن عمر بن أبي شعبة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت له أكون مع الإمام فأفرغ قبل أن يفرغ من قراءته؟ قال فأتم السورة و مجد الله و اثن عليه حتى يفرغ».
و عن زرارة في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام أكون معه فأفرغ من القراءة قبل أن يفرغ؟ قال فأمسك آية و مجد الله و اثن عليه فإذا فرغ فاقرأ الآية و اركع».
و قد ورد نحو ذلك في الصلاة خلف المخالفين إذا فرغ المأموم من قراءته قبل الإمام (3) فإنه يتخير بين الأمرين المذكورين:
روى الكليني في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار عن من سأل أبا عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة.
171
(عليه السلام) (1) قال: «أصلي خلف من لا اقتدى به فإذا فرغت من قراءتي و لم يفرغ هو؟ قال فسبح حتى يفرغ».
و روى البرقي في كتاب المحاسن عن صفوان الجمال (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان عندنا مصلى لا نصلي فيه و أهله نصاب و امامهم مخالف فائتم به؟ قال لا. قلت ان قرأ اقرأ خلفه؟ قال نعم. قلت فان نفدت السورة قبل أن يركع؟ قال سبح و كبر انما هو بمنزلة القنوت و كبر و هلل».
أقول: و بذلك صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)قال في المنتهى: لو فرغ المأموم من القراءة قبل الامام استحب له ان يسبح الى ان يفرغ الامام و يركع معه، و يستحب له أن يبقى آية فإذا ركع الإمام قرأها و ركع معه.
و قال في الذكرى: لو قرأ ففرغ قبله استحب أن يبقى آية ليقرأها عند فراغ الامام ليركع عن قراءة. ثم ذكر رواية زرارة و قال: فيه دليل على استحباب التسبيح و التحميد في الأثناء و دليل على جواز القراءة خلف الامام. ثم قال و كذا يستحب إبقاء آية لو قرأ خلف من لا يقتدى به. انتهى. و الظاهر انه لم يقف على رواية التحميد و التسبيح في الصورتين المذكورتين.
و من ما يدل على التخيير بين الأمرين المذكورين في الصلاة خلف المخالف
قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) بعد ذكر الصلاة خلف المخالف تقية: و اذن لنفسك و أقم و اقرأ فيها لأنه غير مؤتمن به. فإذا فرغت قبله من القراءة أبق آية منها حتى تقرأ وقت ركوعه و إلا فسبح الى أن يركع.
انتهى.
و كذا يستحب للمأموم في الصلاة الإخفاتية و الجهرية، و قد تقدم ذكر ذلك و الدليل عليه في المسألة الثامنة.
و منها- ان الأفضل للإمام ان يصلى بصلاة أضعف من خلفه
و الأخبار به مستفيضة
____________
(1) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 35 من صلاة الجماعة.
(3) ص 14.
172
و منها-
ما رواه الشيخ و الصدوق عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ينبغي للإمام أن تكون صلاته على صلاة أضعف من خلفه».
و ما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام)- و رواه الصدوق مرسلا عن على (عليه السلام) (2)- قال «آخر ما فارقت عليه حبيب قلبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انه قال يا على إذا صليت فصل صلاة أضعف من خلفك. الحديث».
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «صلى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الظهر و العصر فخفف الصلاة في الركعتين الأخيرتين فلما انصرف قال له الناس يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أحدث في الصلاة شيء؟
قال و ما ذاك؟ قالوا خففت في الركعتين الأخيرتين. فقال لهم أما سمعتم صراخ الصبي؟».
و رواه في كتاب عدة الداعي (4) ثم قال: و في حديث آخر «خشيت ان يشتغل به خاطر أبيه».
و قال في كتاب الفقيه (5): كان معاذ يؤم في مسجد على عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و يطيل القراءة و انه مر به رجل فافتتح سورة طويلة فقرأ الرجل لنفسه و صلى ثم ركب راحلته فبلغ ذلك النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فبعث الى معاذ فقال يا معاذ إياك أن تكون فتانا عليك بالشمس و ضحاها و ذواتها.
و في كتاب نهج البلاغة (6) في عهده (عليه السلام) للأشتر (رضى الله عنه) «إذا قمت في صلاتك للناس فلا تكونن منفرا و لا مضيعا فان في الناس من به العلة و له الحاجة و قد سألت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حين وجهنى الى اليمين كيف أصلي بهم؟ فقال صلى بهم كصلاة أضعفهم و كن بالمؤمنين رحيما».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (7): إذا صليت فخفف بهم الصلاة و إذا كنت
____________
(1) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة.
(4) مستدرك الوسائل الباب 53 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 69 من صلاة الجماعة.
(7) ص 14.
173
وحدك فثقل فإنها العبادة.
و قال في الذكرى: يستحب للإمام تخفيف الصلاة و الاقتصار على السور القصار و التسبيح في الركوع و السجود ثلاثا لا أزيد. ثم نقل رواية إسحاق بن عمار المتقدمة. ثم قال: و لو أحس بشغل لبعض المأمومين استحب التخفيف أزيد من ذلك.
ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان في بكاء الصبي.
و بالجملة فالحكم المذكور اتفاقي نصا و فتوى، و استثنى بعض الأصحاب من ذلك ما إذا علم منهم حب التطويل و لا بأس به، لأن الظاهر من الأخبار هو مراعاة حالهم في الاستعجال لأغراضهم و حوائجهم و أمراضهم فإذا أحبوا ذلك فلا منافاة فيه لما دلت عليه النصوص المذكورة.
و منها-
ان الأفضل للإمام أن لا يقوم من مقامه بعد التسليم حتى يتم من خلفه صلاته
، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة.
و من الأخبار الواردة في المسألة زيادة على ما قدمناه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن عبد الخالق (1) قال: «سمعته يقول لا ينبغي للإمام ان يقوم إذا صلى حتى يقضى كل من خلفه ما قد فاته من الصلاة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا ينبغي للإمام أن ينتقل إذا سلم حتى يتم من خلفه الصلاة. الحديث».
و ما رواه في الفقيه عن حفص بن البختري في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ينبغي للإمام ان يجلس حتى يتم من خلفه صلاتهم».
و ما رواه في التهذيب في الموثق عن سماعة (4) قال: «ينبغي للإمام ان يلبث قبل أن يكلم أحدا حتى يرى ان من خلفه قد أتموا الصلاة ثم ينصرف هو».
و عن ابى بكر الحضرمي (5) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صليت بقوم
____________
(1) الوسائل الباب 51 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 2 من التعقيب.
(3) الوسائل الباب 2 من التعقيب.
(4) الوسائل الباب 2 من التعقيب.
(5) الوسائل الباب 2 من التعقيب.
174
فاقعد بعد ما تسليم هنيهة».
و قد تقدم ثمة (1) نقل موثقة عمار الدالة على جواز قيامه من موضعه و انصرافه قبل أن يتم من خلفه.
و من اخبار المسألة قوله (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (2) نقلا عن العالم (عليه السلام) قال: «لا ينبغي للإمام ان ينتقل من صلاته إذا سلم حتى يتم من خلفه الصلاة».
أقول: ربما أشعر ظاهر هذا الخبر و ظاهر موثق سماعة و كذا ظاهر صحيحة الحلبي أو حسنته بأنه يستحب له البقاء بعد التسليم على هيئة الصلاة فلا يتكلم و لا يلتفت حتى يتم من خلفه، و الذي ذكره الأصحاب انما هو ان لا يقوم من محله و ما أشعرت به هذه الأخبار أخص من ذلك.
و منها-
ان الأفضل له ان يسمع من خلفه كل ما يقول من الأذكار
و لا سيما التشهد و لمن خلفه أن لا يسمعوه شيئا.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كل ما يقول و لا ينبغي لمن خلفه ان يسمعه شيئا من ما يقول».
و ربما سبق الى بعض الافهام الفاسدة و الأوهام الشاردة من هذا الخبر وجوب الجهر في الأخيرتين على الامام بتقريب ان لفظ «ينبغي» في الأخبار قد تكاثر وروده بمعنى الوجوب و «لا ينبغي» بمعنى التحريم.
و فيه انه لا ريب ان الأمر كذلك إلا انه قد ورد فيها ايضا بمعنى الاستحباب و الكراهة كما هو ظاهر الاستعمال العرفي، و نحن قد حققنا في غير موضع من ما تقدم ان هذين اللفظين في الأخبار من الألفاظ المتشابهة و انه لا يحمل على أحد المعنيين
____________
(1) ص 153.
(2) ص 10.
(3) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة.
175
في الأخبار إلا بقرينة تؤذن بذلك.
(فان قلت) ان مقتضى كون اللفظ كما ذكرتم- مع تصريحكم بان الحكم في المتشابه هو الاحتياط وجوبا- ترجيح الجهر في الأخيرتين احتياطا وجوبا كما تختارونه و استحبابا كما هو المشهور لدخول هذا الجزئي تحت عموم الخبر، و كذا الكلام بالنسبة إلى المأموم.
فالجواب انه لا ريب في صحة ما ذكرت لو خلينا و ظاهر الخبر المذكور» إلا انه لما كان أصحابنا (رضوان الله عليهم)سلفا و خلفا على الإخفات في هذه المسألة و حمل الخبر المذكور في جميع ما اشتمل عليه من الأحكام على الاستحباب بالنسبة الى الامام و الكراهة بالنسبة إلى المأموم- فإنهم ما بين مصرح بما ذكرنا و ما بين من لم يظهر منه خلاف ذلك- فالواجب تقييد الخبر المذكور بما ذكروه و عدم الخروج عن ما اعتمدوه، و كم في الأخبار من ما هو من هذا القبيل من ما اشتمل على هذا اللفظ مع حمله على الاستحباب بين كافة الأصحاب جيلا بعد جيل، أو لفظ «لا ينبغي» مع حمله على الكراهة اتفاقا أو مع خلاف نادر قليل كما لا يخفى على المتتبع من ذوي التحصيل.
و لا يخفى على المتتبع ايضا ورود ما هو أصرح من هذا الخبر في الوجوب في جملة من الأحكام مع اتفاقهم على العدول عنه من غير خلاف يعرف أو خلاف شاذ في المقام، و كثير من مستحبات الصلاة من هذا القبيل كالتكبير للركوع و السجود و نحوهما من ما قد وردت الأوامر به من غير معارض و مقتضى الأمر الوجوب و الاستغفار في الأخيرتين بعد التسبيح فان مقتضى الأمر الوجوب مع الفتوى منهم من غير خلاف يعرف أو خلاف شاذ على الاستحباب، و التورك في الصلاة كذلك و ليس للأمر به معارض إلا إطلاق بعض الأخبار التي يمكن حمل إطلاقها على الأخبار المقيدة مع انه لا خلاف في الاستحباب، و أمثال ذلك كثير يقف عليها المتتبع، و لا سيما ما اشتمل عليه حديث حماد بن عيسى الوارد في تعليم
176
الصادق (عليه السلام) له الصلاة، و نحوه صحيحة زرارة، و ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي المتقدم جميع ذلك في صدر الباب الثاني في الصلوات اليومية (1) فإن جميع ما اشتملت عليه الأخبار المشار إليها من الأوامر و النواهي لا معارض لها يوجب إخراجها عن حقيقة الأمر و النهى.
فالواجب على هذا القائل هنا بمجرد ورود لفظ مشتبه محتمل للوجوب أن يقول بالوجوب و التحريم في جميع تلك المستحبات و المكروهات باتفاق العلماء، و هذا عين السفسطة، و ما ذاك إلا من حيث تقييد تلك الأخبار بعمل الأصحاب على ذلك الحكم و اتفاقهم عليه.
و لا يخفى على المنصف المتدرب في الفن ان اتفاق الأصحاب على الحكم متقدميهم و متأخريهم من ما يثمر العلم أو الظن المتاخم له بان ذلك هو مذهب الأئمة (صلوات الله عليهم) فان مذهب كل امام من أئمة الهدى أو أئمة الضلال انما يعلم بنقل شيعته و اتباعه. و اما الأخبار فليست كذلك فان فيها ما خرج على خلاف المذهب و فيها المجمل و المتشابه و نحو ذلك من الوجوه المانعة من الجزم بكون ما اشتملت عليه مذهبا، و قد وردت عندنا جملة من الأخبار الصحاح الصراح في جملة من الأحكام لم يلتفت إليها أصحابنا و لم يعملوا بها و اطرحوها كاخبار عدم وجوب الغسل على المرأة بالاحتلام (2) و اخبار السنة و السنتين في الرضاع المحرم (3) و نحو ذلك من ما يقف عليه المتتبع البصير و لا ينبئك مثل خبير.
و حينئذ فإذا جاز الخروج عن مقتضى الأوامر الظاهرة في الوجوب باتفاق الأصحاب على خلاف ذلك فكيف بلفظ محتمل كما هو محل البحث، و من ذا الذي يروم الجزم بوجوب جهر الامام بجميع ما يأتي به من الأذكار و تحريم الجهر على المأموم في جميع ذلك بهذا الخبر المجمل مع مخالفة كافة العلماء له قديما و حديثا و طرحه
____________
(1) ج 8 ص 2 الى 11.
(2) الوسائل الباب 7 من الجنابة.
(3) الوسائل الباب 2 من ما يحرم بالرضاع.
177
بينهم بهذا المعنى الذي توهموه و حملهم له على ما ذكروه (رضوان الله عليهم)من المعنى الذي قدمناه عنهم. هذا مع ما أخذ على المفتي في الأخبار من القول بالعلم و اليقين و النهى عن الظن و التخمين.
و ما توهمه بعض من لم يعض على العلم بضرس قاطع و لم يعط التأمل حقه في جميع المواضع من التفرد بالعمل بالأخبار من غير ملاحظة كلام الأصحاب فهو جهل محض لما أوضحناه و ان صار في هذه الأيام من صار الى ما ذكرناه إلا انه كما عرفت واضح الفساد ناشىء من العصبية و اللداد.
و من ما يوضح لك صحة ما ذكرناه ما اشتهر بينهم الآن من انه ينبغي لطالب العلم ان لا يشتغل إلا بكتب الأخبار و ان كان أميا لم يقرأ شيئا من العلوم بالكلية و صارت كتب الفقهاء بينهم مهجورة مطرحة، و هذه حماقة ظاهرة فإنه لا يخفى على المنصف العارف بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية ان هذه المرتبة و هي الاشتغال بالأخبار و استنباط ما فيها من الأحكام و الأسرار ليست بسهلة التناول لكل من ورامها من الناس و ان زعم ذلك من تلبس الآن بهذا اللباس و انما هي مرتبة الفقيه الجامع الشرائط، و هي مرتبة لم يصلها العلماء إلا بعد أن تشيب نواصيهم في تحصيل العلوم و الاطلاع على كل معلوم منها و مفهوم و أحكام قواعدها و تحصيل ضوابطها، و مع هذا فهم فيها بين قائم و طائح و غريق و سابح، و اين لهؤلاء الجهال من نيل هذه المرتبة العزيزة المنال بمجرد عقولهم الناقصة العيار و توهماتهم الموجبة للعثار، نعوذ بالله سبحانه من زيغ الافهام و زلل الاقدام و الخروج عن النهج القويم و الميل عن الصراط المستقيم و أما ما يدل على تأكد الإسماع في التشهد
فرواية أبي بصير (1) قال: «صليت خلف ابى عبد الله (عليه السلام) فلما كان في آخر تشهده رفع صوته حتى أسمعنا فلما انصرف قلت كذا ينبغي للإمام ان يسمع تشهده من خلفه؟ قال نعم».
و ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله
____________
(1) الوسائل الباب 6 من التشهد.
178
(عليه السلام) (1) قال: «ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه التشهد و لا يسمعونه هم شيئا».
قال في الفقيه (2): يعنى الشهادتين. قال: و يسمعهم ايضا السلام علينا و على عباد الله الصالحين.
و منها-
انه يستحب للإمام إذا أحس بداخل حال ركوعه أن يطيل بقدري ركوعه انتظار للداخلين ثم يرفع.
و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ عن جابر الجعفي (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) انى لؤم قوما فاركع فيدخل الناس و أنا راكع فكم انتظر؟ فقال ما أعجب ما تسأل عنه يا جابر انتظر مثلي ركوعك فان انقطعوا و إلا فارفع رأسك».
و روى في الكافي عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابه عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قلت له انى إمام مسجد الحي فاركع بهم و أسمع خفقان نعالهم و أنا راكع؟ قال اصبر ركوعك و مثل ركوعك فان انقطعوا و إلا فانتصب قائما».
و منها-
أن يقول المأموم عند فراغ الامام من الفاتحة: الحمد لله رب العالمين.
قال العلامة في المنتهى: ذكر ابن بابويه في كتابه انه يستحب للمأمومين إذا فرغ الامام من قراءة الحمد أن يقولوا: الحمد لله رب العالمين. و رواه الحسين بن سعيد في كتابه أيضا (5). انتهى.
أقول: و يدل عليه ايضا
ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن جميل عن
____________
(1) الوسائل الباب 6 من التشهد.
(2) الوسائل الباب 52 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 50 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 50 من صلاة الجماعة.
(5) أورد في الوسائل في الباب 17 من القراءة روايات الحسين بن سعيد و لكنها تتضمن النهى عن قول «آمين» فقط و لم نقف على ما نقله من روايته الأمر بقول «الحمد لله رب العالمين» و قد نقل في البحار ج 18 الصلاة ص 623 عبارة المنتهى كما في المتن و لم يعقبها بشيء.
179
ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت خلف إمام فقرأ الحمد و فرغ من قراءتها فقل أنت: الحمد لله رب العالمين. و لا تقل آمين».
و نحوه روى عن جميل في كتاب مجمع البيان للطبرسي (2).
و منها-
قيام المأمومين إلى الصلاة عند قول المقيم «قد قامت الصلاة»
على المشهور، و استدل عليه بان هذا اللفظ اخبار عن الإقامة فيجب المبادرة للتصديق.
و لا يخفى ما فيه من الوهن فهو بالإعراض عنه حقيق.
و الأظهر الاستناد في ذلك الى
ما رواه الشيخ و الصدوق عن الحناط (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) إذا قال المؤذن «قد قامت الصلاة» أ يقوم القوم على أرجلهم أو يجلسون حتى يجيء إمامهم؟ قال لا بل يقومون على أرجلهم فإن جاء امامهم و إلا فليؤخذ بيد رجل من القوم فيقدم».
و ما رواه الشيخ عن معاوية بن شريح (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال إذا قال المؤذن «قد قامت الصلاة» ينبغي لمن في المسجد أن يقوموا على أرجلهم و يقدموا بعضهم و لا ينتظروا الامام. قال قلت و ان كان الامام هو المؤذن؟ قال و ان كان فلا ينتظرونه و يقدموا بعضهم».
أقول: و الواجب على ذلك القائل المتقدم ذكره بما قدمنا نقله عنه هو القول بوجوب القيام في هذه الصورة، لورود الخبر المذكور من غير معارض بل تأكده بالخبر المتقدم، و القول به سفسطة ظاهرة.
و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف وقت القيام إلى الصلاة عند فراغ المؤذن من كمال الأذان. و لم نقف على دليله.
و حكى العلامة في المختلف عن بعض علمائنا قولا بان وقت القيام إلى الصلاة
____________
(1) الوسائل الباب 17 من القراءة في الصلاة، و الشيخ يرويه عن الكليني.
(2) ج 1 ص 31.
(3) الوسائل الباب 42 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 42 من صلاة الجماعة.
180
عند قوله «حي على الصلاة» لأنه دعاء إليها فاستحب القيام عنده.
و أجيب عنه بالمعارضة بالأذان فإن هذا اللفظ موجود فيه و لا يستحب القيام عنده. و بان هذا اللفظ دعاء إلى الإقبال إلى الصلاة و «قد قامت» صيغة اخبار بمعنى الأمر فالقيام عنده أولى.
و قد مضى بعض المستحبات في الأبحاث السابقة و سيأتي أيضا في المطلب الآتي بعض ذلك من ما سنشير اليه ان شاء الله تعالى.
المسألة الثانية عشرة [مكروهات الجماعة]
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم)جملة من المكروهات في الجماعة أيضا:
منها-
ان يقف المأموم وحده في الصف
إلا أن تمتلئ الصفوف فلا يجد موضعا يدخل فيه فإنه يقف وحده في صف بغير كراهة، و الحكم المذكور مجمع عليه كما نقله في المدارك و قبله العلامة، و نقل عن ابن الجنيد انه منع من ذلك، قال على ما نقل عنه في الذكرى: ان امكنه الدخول في الصف من غير أذية غيره لم يجز قيامه وحده.
و يدل على الحكم الأول
ما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا تكونن في العيكل. قلت و ما العيكل؟ قال أن تصلى خلف الصفوف وحدك، فان لم يمكن الدخول في الصف قام حذاء الإمام أجزأه فإن هو عاند الصف فسد عليه صلاته».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن على (عليه السلام) (2) قال: «قال لي رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يا على لا تقومن في العيكل. قلت و ما العيكل يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ قال ان تصلى خلف الصفوف وحدك».
ثم قال في الكتاب المذكور (3): يعنى- و الله العالم- إذا كان ذلك و هو
____________
(1) الوسائل الباب 58 من صلاة الجماعة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(3) ج 1 ص 188 و اللفظ فيه هكذا: «يعنى- و الله أعلم- إذا وجد موضعا في ما بين يديه من الصفوف فاما إذا لم يجد فلا شيء عليه ان صلى وحده خلف الصفوف.».
181
يجد موضعا في الصفوف فاما إذا لم يجد فلا شيء عليه ان يصلى خلف الصفوف وحده، لأنا
روينا عن ابى عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) (1) «انه سئل عن رجل دخل مع قوم في جماعة فقام وحده ليس معه في الصف غيره و الصف الذي بين يديه متضايق؟ قال إذا كان كذلك و صلى وحده فهو معهم. و قال: قم في الصف ما استطعت فإذا ضاق المكان فتقدم أو تأخر فلا بأس».
و عن على (عليه السلام) (2) انه قال: «إذا جاء الرجل و لم يستطع أن يدخل الصف فليقم حذاء الإمام فإن ذلك يجزئه و لا يعاند الصف».
انتهى.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار: أقول لم أر «العيكل» بهذا المعنى في كتب اللغة، قال في القاموس: اعتكل اعتزل و كمنبر مخيط الراعي. و في بعض النسخ بالثاء المثلثة و هو ايضا كذلك ليس له معنى مناسب، و لا يبعد ان يكون الفسكل بالفاء و السين المهملة و هو بالضم و الكسر الفرس الذي يجيء في الحلبة آخر الخيل، و رجل فسكل كزبرج رذل، و كزنبور و برذون متأخر تابع، ذكره الفيروزآبادي. و قال في النهاية: فيه «ان أسماء بنت عميس قالت لعلى (عليه السلام) ان ثلاثة أنت آخرهم لأخيار. فقال على (عليه السلام) لأولادها فسكلتني أمكم» أى أخرتنى و جعلتني كالفسكل و هو الفرس الذي يجيء في آخر خيل السباق، و كانت قد تزوجت قبله بجعفر ثم بأبي بكر. انتهى كلام شيخنا المشار اليه.
و قال في كتاب مجمع البحرين بعد أن نقل الحديث بهذا اللفظ قال: و في نسخة «الفسكل» ثم فسره بما ذكره في النهاية، و فيه تأييد لما ذكره شيخنا المشار اليه من التحريف في هذه اللفظة.
و من الأخبار الدالة على الحكم المذكور ايضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «اتموا الصفوف إذا وجدتم خللا
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة.
(2) مستدرك الوسائل الباب 45 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 70 من صلاة الجماعة.
182
و لا يضرك أن تتأخر إذا وجدت ضيقا في الصف و تمشي منحرفا حتى تتم الصف».
كذا استدل به بعضهم و في الدلالة غموض، فان مورد الخبر انما هو سد الخلل و الفرج التي تكون في الصف خصوصا في ما إذا كان مكانه ضيقا.
و أما ما يدل على الحكم الثاني فمنه-
ما رواه في الكافي و التهذيب في الموثق عن سعيد الأعرج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي الصلاة فلا يجد في الصف مقاما أ يقوم وحده حتى يفرغ من صلاته؟ قال نعم لا بأس يقوم بحذاء الامام».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن سعيد الأعرج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل المسجد ليصلي مع الامام فيجد الصف متضايقا بأهله فيقوم وحده حتى يفرغ الامام من الصلاة أ يجوز ذلك له؟ فقال نعم لا بأس به».
و عن ابى الصباح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقوم في الصف وحده؟ فقال لا بأس إنما يبدو واحد بعد واحد».
و ما رواه في الفقيه (4) قال: «سأل موسى بن بكر أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يقوم. الحديث» إلا انه قال: «انما يبدو الصف واحدا بعد واحد».
و اما ما تقدم نقله عن ابن الجنيد من منع ذلك فقيل انه احتج برواية السكوني المذكورة،
و بما روى من طريق العامة (5) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أبصر رجلا خلف الصفوف وحده فأمره أن يعيد الصلاة».
و أجيب عن دليليه بعد التنزل عن ضعف السند بأنهما محمولان على الكراهة جمعا بين الأدلة.
بقي هنا شيء لم أر من نبه عليه و لا تنبيه له و هو انه لا يخفى ان الظاهر من قوله (عليه السلام) في جملة من هذه الأخبار «يقوم بحذاء الامام» حال امتلاء الصفوف
____________
(1) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 57 من صلاة الجماعة.
(5) في تيسير الوصول ج 2 ص 255 الفصل الخامس في أحكام المأموم عن وابصة ابن معبد «رأى رسول الله «ص» رجلا يصلى خلف الصف وحده فأمره بإعادة الصلاة».
183
هو انه يقوم وحده في الصف الأخير الذي ليس فيه إلا هو و يكون موقفه محاذيا لموقف الامام. و هذا المعنى قد سمعته من بعض مشايخنا في صغر سني و أظنه الوالد الماجد العلامة (أجزل الله تعالى إكرامه).
و هذا هو المفهوم من رواية سعيد الأعرج المذكورة، لأن السائل سأله «أ يقوم وحده» يعنى خارجا عن الصفوف فيقف في صف وحده فقال: «نعم لا بأس يقوم بحذاء الإمام» فإن قوله (عليه السلام) «نعم» صريح في موافقة السائل في وقوفه وحده ظهر الصفوف لكن أمره ان يكون محاذيا للإمام من خلفه.
و نحو هذه الرواية
قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) «فان دخلت المسجد و وجدت الصف الأول تاما فلا بأس أن تقف في الصف الثاني وحدك أو حيث شئت، و أفضل ذلك قرب الإمام».
فإن المراد انه يكون محاذيا للإمام في موقفه من خلفه و مسامتا له فإنه أقرب المواقف اليه. و على هذا ينبغي أن يحمل إطلاق رواية السكوني.
إلا ان الصدوق عطر الله مرقده) في الفقيه (2) قال: و سألت محمد بن الحسن عن موقف من يدخل بعد من دخل و وقف عن يمين الامام لتضايق الصفوف فقال لا أدرى. و ذكر انه لا يعرف في ذلك أثرا في الحديث. انتهى.
و ربما أشعر ظاهر هذا الكلام بحمل قولهم (عليهم السلام) في تلك الأخبار «قام بحذاء الإمام» أو «يقوم بحذاء الامام» على القيام بجنبه كما في اتحاد المأموم دون ما قلناه.
و لعل الأقرب حمل كلامه على امتلاء الصفوف على وجه لا يوجد في ذلك المكان موقف للمصلي، و يؤيده قول محمد بن الحسن «انه لا يعرف في ذلك أثرا في الحديث» و لو حمل على ما ذكرناه من وجود مكان في الصف الأخير فإن الأخبار
____________
(1) ص 14.
(2) لم نقف على هذه العبارة في الفقيه في مظانها.
184
دلت على انه يقوم في ذلك الصف كما يدل عليه قوله في رواية أبي الصباح المتقدمة «إنما يبدو واحد بعد واحد» و في رواية الفقيه «انما يبدو الصف واحدا بعد واحد» إلا انا لم نقف على ما يدل على القيام بجنب الامام حال تضايق الصفوف كما ذكره، و ليس في الأخبار الواردة في المقام سوى هذا اللفظ اعنى قوله: «يقوم بحذاء الامام» و الظاهر انه فهم منه هذا المعنى الذي ذكره، و هو و ان أوهمه ظاهر اللفظ في بادئ النظر إلا ان الظاهر منه انما هو ما ذكرناه، و هو الذي فهمه الأصحاب أيضا حيث انهم صرحوا بأنه يكره للمأموم القيام وحده في صف إلا ان لا يجد موضعا في الصفوف فيجوز قيامه وحده من غير كراهة.
لكن ظاهر كلامه في المنتهى الموافقة لما ذكره الصدوق، حيث قال: لو دخل المسجد و لم يجد مدخلا في الصف وقف وحده عن يمين الإمام مؤتما لرواية سعيد الأعرج (1) و به قال الشافعي في أحد القولين (2). الى آخره. و هو كما ترى ظاهر في انه فهم من المحاذاة في الرواية المذكورة و نحوها انما هو القيام بجنب الامام.
و ظني بعده لما عرفت من ما شرحناه، و يؤيد ذلك الأخبار الدالة على انه متى كان المأموم أكثر من واحد فان حكمهم التأخر و القيام بحذاء الامام مخصوص بالمأموم المنفرد.
إلا انه لا يخلو من شوب المناقشة بتخصيص هذه الصورة لعموم الحكم المذكور.
و بالجملة فالحكم لا يخلو من شوب الإشكال لما عرفت من الإبهام في ذلك اللفظ و الإجمال و ان كان الأقرب ما ذكرناه كما شرحناه. و الله العالم.
و منها-
التنفل بعد قوله «قد قامت الصلاة»
على المشهور و نقل عن الشيخ
____________
(1) ص 182.
(2) في نيل الأوطار ج 3 ص 198 باب ما جاء في صلاة الرجل فذا «و قد اختلف في من لم يجد فرجة و لا سعة في الصف ما الذي يفعل؟ فحكى عن نصه في البويطى انه يقف منفردا و لا يجذب الى نفسه أحدا. الى ان قال: و قال أكثر أصحاب الشافعي و به قالت الهادوية انه يجذب الى نفسه واحدا» و نحو ذلك في المجموع للنووي ج 4 ص 297.
185
في النهاية و ابن حمزة أنهما منعا ذلك، قال في الذكرى: و قد يحمل على ما لو كانت الجماعة واجبة و كان ذلك يؤدى الى فواتها.
و الأظهر الأول
لما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن عمر بن يزيد (1) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال إذا أخذ المقيم في الإقامة. فقال له ان الناس يختلفون في الإقامة؟ قال المقيم الذي تصلى معه».
و أنت خبير بان ظاهر الخبر ان الوقت المذكور لكراهة النافلة هو شروع المقيم في الإقامة التي هي عبارة عن الفصول السبعة عشرة، و عبارات الأصحاب تضمنت التحديد بقول «قد قامت الصلاة» و لا يخفى ما بينهما من المغايرة.
ثم ان ظاهر الخبر و كلام الأصحاب ان الكراهة إنما هي في ابتداء النافلة متى دخل الوقت المذكور أما لو دخل و هو مشتغل بها فالظاهر انه يتمها بغير كراهة في ذلك.
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى و الحسن بن ظريف و على بن إسماعيل كلهم عن حماد بن عيسى (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول قال ابى خرج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لصلاة الصبح و بلال يقيم و إذا عبد الله بن القشب يصلى ركعتي الفجر فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يا ابن القشب أ تصلى الصبح أربعا؟ قال ذلك له مرتين أو ثلاثا».
و روى فيه عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل ترك ركعتي الفجر حتى دخل المسجد و الامام قد قام في صلاته كيف يصنع؟ قال يدخل في صلاة القوم و يدع الركعتين فإذا ارتفع النهار قضاهما».
____________
(1) الوسائل الباب 44 من الأذان و الإقامة و 35 من مواقيت الصلاة.
(2) الوسائل الباب 44 من الأذان و الإقامة.
(3) الوسائل الباب 44 من الأذان و الإقامة.
186
قال شيخنا المجلسي عطر الله مرقده) في كتاب البحار: الخبر ان يدلان على المنع من التنفل بعد الشروع في الإقامة و بعد إتمامها.
أقول: من المحتمل قريبا عندي ان المنع من ذلك انما هو من حيث أن وقت صلاة ركعتي الفجر- كما قدمنا تحقيقه في موضعه من الأوقات- إنما هو قبل الفجر الثاني و انه لا يجوز تأخيرهما الى بعد الفجر لغير تقية و ان كان خلاف المشهور بين أصحابنا كما أثبتنا ذلك بالأخبار المتقدمة ثمة، و لعله الى ذلك يشير قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في الخبر الأول «أ تصلى الصبح أربعا؟» بمعنى ان الوقت في النافلة قد خرج و اختص بالفريضة و هي ركعتان فصلاتها فيه موجب لكون الفريضة في هذا الوقت أربعا.
و منها-
أن يخص نفسه بالدعاء
لما رواه الشيخ في التهذيب مسندا و الصدوق في الفقيه مرسلا (1) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال من صلى بقوم فاختص نفسه بالدعاء دونهم فقد خانهم».
و الظاهر تخصيص الحكم المذكور بالدعاء الذي يخترعه الامام من نفسه أما لو أراد الدعاء ببعض الأدعية المروية عنهم (عليهم السلام) فالظاهر الإتيان به على الكيفية الواردة تحصيلا لفضيلة الإتيان به على الوجه المنقول. و الله العالم.
المطلب الثاني في الامام
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [إمامة المرأة بمثلها في الفريضة]
- يشترط فيه البلوغ و العقل و الايمان و طهارة المولد و الذكورة ان أم مثله و السلامة من الجذام و البرص و الحد الشرعي و العدالة، و هذه الشروط قد تقدم البحث عنها و ما يتعلق بها من الخلاف و ذكر الأدلة و تحقيق الحال بما يزيل عنها نقاب الإشكال في الفصل الأول في صلاة الجمعة من الباب الثالث فلا حاجة الى الإعادة هنا.
____________
(1) الوسائل الباب 71 من صلاة الجماعة. و لفظ «دونهم» في الفقيه.
187
و انما يبقى الكلام هنا في إمامة المرأة، و قد عرفت اشتراط الذكورة في الإمام إذا أم ذكرانا أو ذكرانا و اناثا، و هو مما لا خلاف فيه و انما الخلاف في إمامة المرأة بمثلها في الفريضة، اما النافلة التي تجوز الجماعة فيها فالظاهر منهم الاتفاق على جواز إمامتها و انما محل الخلاف الفرائض، فالمشهور هو الجواز بل قال في التذكرة انه قول علمائنا أجمع، و ذهب السيد المرتضى الى المنع و هو المنقول عن الجعفي و ابن الجنيد، و نفى عنه البأس في المختلف و اليه مال في المدارك.
و منشأ الخلاف المذكور اختلاف الأخبار في المقام، فالواجب أولا نقل الأخبار المشار إليها ثم الكلام في المسألة بما وفق الله سبحانه لفهمه منها:
فمنها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ قال قدر ما تسمع».
و عن سماعة بن مهران في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء؟ فقال لا بأس به».
و عن عبد الله بن بكير في الموثق- و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه- عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن المرأة تؤم النساء؟ قال نعم تقوم وسطا بينهن و لا تتقدمهن».
و عن على بن يقطين بإسناد فيه محمد بن عيسى اليقطيني- و فيه كلام- عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة و التكبير؟ فقال بقدر ما تسمع».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة؟ قال قدر ما تسمع. قال: و سألته عن النساء هل عليهن الجهر بالقراءة
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 31 من القراءة في الصلاة.
(5) الوسائل الباب 31 من القراءة في الصلاة.
188
في الفريضة؟ قال لا إلا أن تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها».
و هذه الأخبار كلها دالة على الجواز و ظاهرها ان ذلك في الفريضة.
و منها-
ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة هل تؤم النساء؟ قال تؤمهن في النافلة فأما في المكتوبة فلا و لا تتقدمهن و لكن تقوم وسطهن».
و ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عن سليمان بن خالد في الصحيح (2) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تؤم النساء؟ فقال إذا كن جميعا أمتهن في النافلة فأما المكتوبة فلا و لا تتقدمهن و لكن تقوم وسطا منهن».
و ما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قلت له المرأة تؤم النساء؟ قال لا إلا على الميت إذا لم يكن أحد أولى منها تقوم وسطهن معهن في الصف فتكبر و يكبرن».
و ما رواه الشيخ عن الحلبي في القوى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال «تؤم المرأة النساء في الصلاة و تقوم وسطا منهن و يقمن عن يمينها و شمالها، تؤمهن في النافلة و لا تؤمهن في المكتوبة».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المحقق في المعتبر قد أجاب عن روايتي سليمان بن خالد و الحلبي بأنهما نادرتان لا عمل عليهما. و اعتراضه في المدارك بأنه غير جيد لوجود القائل بمضمونهما و موافقتهما لصحيحة هشام المتقدمة مع أن الصدوق أوردها في كتابه، و مقتضى كلامه في أول كتابه الإفتاء بمضمونها. و الشهيد في الذكرى جمع بين الروايات بحمل اخبار المنع على نفى الاستحباب المؤكد لا مطلق الاستحباب. و لا يخفى ما فيه من البعد. و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و الأقرب في الجمع بين الأخبار أن يقال إمامتهن في الفرائض جائزة و لكن الأفضل تركها. و صاحب المدارك حيث كان يدور مدار الأسانيد و يتهافت عليها
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 20 من صلاة الجماعة.
189
جمد على الروايات الأخيرة و طعن في روايتي سماعة و ابن بكير بضعف السند و اختار ما ذهب اليه المرتضى و ابن الجنيد من جواز إمامتهن في النوافل دون الفرائض ثم قال: و يشهد لهذا القول ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام). ثم أورد الرواية المتقدمة الدالة على ان المرأة لا تؤم إلا على الميت أقول: و الذي يخطر بالبال العليل ان ما اشتملت عليه الروايات الأخيرة من التفصيل بين النافلة و المكتوبة فيجوز في الأولى دون الثانية فالمراد بالنافلة و المكتوبة انما هو الجماعة المستحبة و الجماعة الواجبة فيكون كل من النافلة و المكتوبة صفة للجماعة لا للصلاة كما فهموه، و حينئذ فالمراد بالجماعة النافلة اى المستحبة كالصلاة اليومية لاستحباب الجماعة فيها، و المراد بالجماعة الواجبة كالجمعة و العيدين فإنه لا يجوز إمامة المرأة فيها اتفاقا نصا و فتوى، و على هذا تجتمع الأخبار و تكون الأخبار الأخيرة راجعة إلى الأخبار الأولة الدالة على القول المشهور. و الاستدلال بهذه الأخبار على ما ادعوه مبنى على جعل كل من النافلة و المكتوبة صفة للصلاة و هو غير متعين بل كما يجوز الحمل على ذلك يجوز الحمل على جعلها صفة للجماعة أى الجماعة المستحبة و الجماعة الواجبة. و لا ينافي ذلك إطلاق المكتوبة فان المكتوبة بمعنى المفروضة الواجبة كما في قوله عز و جل «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ» (1) أى فرض، و قوله:
«كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذٰا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ» (2) أى فرض، و قوله «إِنَّ الصَّلٰاةَ كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» (3) فان الكتاب هنا مصدر بمعنى المفعول أى مكتوبا يعنى مفروضا. و بالجملة فإن المكتوبة بمعنى المفروضة و هي كما يمكن جعلها صفة للصلاة يمكن أن تكون صفة للجماعة.
و الذي يرجح ما قلناه من الحمل المذكور وجوه: (أحدها)- ان فيه جمعا بين أخبار المسألة لاتفاقها و اجتماعها على ما قلناه من جواز إمامة المرأة في الصلاة اليومية
____________
(1) سورة البقرة الآية 79.
(2) سورة البقرة الآية 176.
(3) سورة النساء الآية 104.
190
و الجمع بين الأخبار على وجه لا يطرح منها شيء أولى من اطراح بعضها كما هو اللازم من ما ذهب اليه المانع من جواز إمامتها في اليومية. و لا ينافي ما قلناه من الأخبار المتقدمة إلا صحيحة زرارة و سيأتي ان شاء الله تعالى وجه الجواب عنها.
و (ثانيها)-
انه قد روى الصدوق في الفقيه (1) قال: قال الحسن بن زياد الصيقل «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) كيف تصلى النساء على الجنائز إذا لم يكن معهن رجل؟ قال يقمن جميعا في صف واحد و لا تتقدمهن امرأة. قيل ففي صلاة مكتوبة أ يؤم بعضهن بعضا؟ قال نعم».
و هو كما ترى صريح في إمامتهن في الصلاة اليومية، و الرواية كما ترى من مرويات الفقيه التي اعترف كما تقدم في كلامه انها تكون من ما يفتي به و يعمل عليه (2) و يعضد هذه الرواية صحيحة على بن جعفر المتقدمة و رواية على بن يقطين. و هو قد اعترف بذلك في صحيحة على بن جعفر حيث انه- بعد أن طعن في روايتي سماعة و عبد الله بن بكير- قال: نعم يمكن الاستدلال عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر. ثم ساق الخبر كما قدمناه. و لا يخفى انه مع العمل بهذه الأخبار الأخيرة بناء على حمل المكتوبة فيها على الصلاة المكتوبة كما يدعونه فان اللازم طرح تلك الأخبار الدالة على الجواز رأسا مع ما عرفت من كثرتها و صحة بعضها و اعتضادها بالشهرة بين الأصحاب بل دعوى الإجماع، و الجمع بين الخبرين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما رأسا.
و ثالثها- ان المستفاد من الأخبار- كما قدمنا تحقيقه في المسألة الأولى من المطلب الأول- هو تحريم الجماعة في النافلة مطلقا إلا ما استثنى كما عليه اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم)و ان كان ظاهر كلام السيد المذكور ثمة اختيار الجواز إلا انا قد أوضحنا بطلانه و هدمنا بنيانه، و حينئذ فمتى حملت هذه الأخبار على ما يدعونه من جواز إمامة المرأة في النافلة دون الفريضة لزم مخالفتها لتلك الأخبار الكثيرة
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجنازة.
(2) تقدم منه «(قدس سره)» ج 9 ص 115 خروجه عن هذه القاعدة في مواضع عديدة.
191
المعتضدة باتفاق الأصحاب الدالة على تحريم الجماعة في النافلة و مخالفتها لهذه الأخبار الدالة هنا على جواز إمامة المرأة في اليومية، مع ما عرفت من شهرة القول بها بين الأصحاب بل ادعى عليه الإجماع، و متى حملنا هذه الاخبار على المعنى الذي ذكرناه فلا تعارض و لا إشكال في البين و به يزول التنافر و الاختلاف من الجانبين و تكون هذه الأخبار الثلاثة التي أوردها موافقة للمشهور في المسألتين، و على تقدير ما ذكره تكون معارضة كما عرفت باخبار الطرفين مع كون عمل الأصحاب كما عرفت انما هو على تلك الأخبار في الموضعين. و من أجل ذلك نسب في المعتبر روايتي سليمان بن خالد و الحلبي إلى الشذوذ و الندرة كما عرفت، و بمثله صرح العلامة في المنتهى ايضا. و هو جيد إلا ان ما حملناها عليه أجود لأن فيه أعمالا للدليلين بحسب الإمكان من غير طرح شيء في البين.
و رابعها- انه متى حملت النافلة هنا على صلاة النافلة كما يدعونه فلا يخلو إما أن يراد بها النافلة التي استثنيت من تحريم الجماعة في النافلة و هو صلاة الاستسقاء و العيدين كما زعموه و انه يجوز إمامة المرأة في هاتين الصلاتين كما يفهم من كلام شيخنا الشهيد الثاني في الروض من الاتفاق عليه، أو يراد بها مطلق النافلة راتبة أو غير راتبة كما يفهم من صاحب المدارك الميل اليه. و الأول أبعد بعيد من اخبار الصلاتين المذكورتين، مضافا الى ما عرفت من عدم ثبوت ذلك في صلاة العيدين. و الثاني من ما يلزم منه تفضيل النساء على الرجال حيث انه يسوغ لهن من الإمامة في الجماعة ما لا يجوز مثله للرجال مع ان المعهود من الشرع خلافه لنقصانهن في جميع الموارد.
و كيف كان كما قيل في أرخاه العنان فإنه و ان لم يكن ما ذكرناه في هذه الأخبار من المعنى المذكور متعينا أو مترجحا لما أوضحناه فلا أقل من أن يكون مساويا لما ذكروه و هو كاف في دفع الاستدلال.
و اما صحيحة زرارة التي نقلها عن الفقيه فالأظهر حملها على التقية و كذا كل ما دل على المنع من امامة المرأة، لأن جل العامة على المنع من إمامتها لكن كراهة
192
عند بعض و تحريما عند آخرين في الفريضة دون النافلة كما هو قول المرتضى، و القول بالجواز في الفريضة كما هو المشهور عندنا قول الشافعي خاصة و احمد في إحدى الروايتين كما نقله في المنتهى، و اما القول بالكراهة فنقله عن عائشة و أم سلمة و عطاء و الثوري و الأوزاعي و إسحاق و ابى ثور و احمد في الرواية الأخرى و ابى حنيفة و مالك، قال و حكى عن نافع و عمر بن عبد العزيز، و اما القول بالتفصيل كما ذهب اليه المرتضى (قدس سره) فنقله عن الشعبي و النخعي و قتادة (1) و من ذلك يظهر لك ان جل العامة على القول بالمنع من إمامتها و ان كان كراهة عند بعض و تحريما عند آخرين، و هو وجه وجيه في الجمع بين أخبار المسألة.
و أنت إذا تأملت بعين الحق و الإنصاف وجدت انه لا سبب للاضطراب في هذه الأخبار و نحوها و الاختلاف إلا التقية التي عمت بها البلية و صارت أعظم سبب في الاختلاف في الأحكام الشرعية، و شهرة الحكم في الصدر الأول بالجواز من أظهر المرجحات لكون ذلك مذهبهم (صلوات الله عليهم) كما تقدمت الإشارة إليه في غير موضع. و الله العالم.
____________
(1) لا يخفى ان عبارة المنتهى ج 1 ص 368 لا ظهور لها في نقل الكراهة عن عائشة و من بعدها و انما ظاهرها نقل الكراهة عن أحمد في روايته الأخرى و ابى حنيفة و مالك و نافع و عمر بن عبد العزيز، و هذه عبارته: يجوز ان تؤم المرأة النساء في الفرض و النفل الذي فيه تسن الجماعة، ذهب إليه أكثر علمائنا و هو مستحب عندنا و به قال الشافعي و احمد في إحدى الروايتين و روى عن عائشة. الى ان قال: و قال أحمد في الرواية الأخرى أنه مكررة و ان فعلن اجزأهن و هو قول أبي حنيفة. إلى آخر ما نقل في الكتاب. و على طبق ما استظهرناه من العبارة جاء النقل في المجموع للنووي الشافعي ج 4 ص 199 و المحلى ج 3 ص 128 فإن الكراهة لم تنفل فيهما عن عائشة و من بعدها الى ابى ثور. و لمعرفة مذهب الشافعي و احمد زيادة على ذلك يرجع الى الأم ج 1 ص 145 و الإنصاف ج 2 ص 212، و نقل في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 305 عن المالكية انه لا يصح ان تكون المرأة اماما لرجال أو نساء لا في فرض و لا في نفل. و كذا نقل في المجموع و المحلى عن مالك المنع مطلقا.
193
المسألة الثانية [اشتراط الذكورة و القيام و القراءة و الإتقان]
- من الشرائط في الإمامة الذكورة و القيام و القراءة و الإتقان ان أم مثله، و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع:
الأول [لا يؤم القاعد و الناقص القائم و الكامل]
- انه لا يؤم القاعد القائم و انما يؤم مثله، و هو قول علمائنا أجمع على ما حكاه العلامة في التذكرة.
و عليه يدل
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى بأصحابه جالسا فلما فرغ قال: لا يؤمن أحدكم بعدي جالسا.
قال و قال: الصادق (عليه السلام) كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) وقع عن فرس فشج شقه الأيمن فصلى بهم جالسا في غرفة أم إبراهيم».
و من غفلات صاحب الوسائل انه تفرد بالقول بالكراهة: فقال في كتاب الوسائل: باب كراهة إمامة الجالس القيام و جواز العكس (2) ثم أورد الرواية الأولى، مع إجماع الأصحاب كما عرفت على التحريم و صراحة الخبر المذكور في ذلك من غير معارض يوجب تأويله.
و استدل جملة من الأصحاب على الحكم المذكور
بما رواه الشيخ عن السكوني عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يؤم المقيد المطلقين و لا صاحب الفالج الأصحاء».
قالوا: و كذا الكلام في جميع المراتب لا يؤم الناقص الكامل فلا يجوز اقتداء الجالس بالمضطجع.
و الاستدلال بهذه الرواية بناء على ما ذيلوها به مبنى على كون العلة في منعه (صلى اللّٰه عليه و آله) من امامة الجالس القائم انما هو من حيث نقصان صلاة الجالس عن صلاة القائم و لا يخفى ان هذه العلة إنما هي مستنبطة إذ لا إشعار في النص بها و إلا لاقتضى ذلك عدم جواز امامة المتيمم بالمتوضئ و المسافر بالحاضر.
و الظاهر انه الى ما ذكرناه يشير كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. و يرويه الشيخ عن الكليني.
194
ما نقلناه عنهم بقوله: هكذا اشتهر بين الأصحاب.
و بالجملة فإن الدليل على الحكم المذكور انما هو الرواية الاولى، و اما إمامة الناقص الكامل بقول مطلق جوازا و تحريما فلم أقف فيه على نص. و أما بالنسبة إلى جزئيات هذه الكلية فهو يدور مدار النصوص وجودا و عدما جوازا و تحريما.
قالوا: و أطلق الشيخ في الخلاف جواز إمامة العاري بالمكتسي. و قال العلامة في التذكرة: ان اقتدى بالعاري مكتس عاجز عن الركوع و السجود جاز لمساواته له في الأفعال. قال في المدارك: و هو يتم إذا قلنا ان المانع من الاقتداء بالعاري عجزه عن الأركان و اما إذا علل بنقصه من حيث الستر فلا. انتهى. و فيه إشارة الى ما قدمناه ذكره عنهم.
و الحق في المسألة المذكورة أن المأموم في هذه الصورة ان كان فرضه شرعا الصلاة جالسا كامامه فلا بأس بائتمامه، لان فرض الامام و فرضه الجلوس فيدخلان تحت الأخبار الدالة على جواز امامة الجالس بالجالس من ذوي الاعذار. و لا يضر هنا نقص صلاة الإمام من حيث كونه عاريا و المأموم مكتس إذ لا دليل على هذه العلة كما عرفت، و ان كان فرضه الإتيان بالأركان من قيام و قعود و ركوع و سجود فالظاهر المنع لخبر الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله).
الثاني [إمامة اللاحن و التمتام و الفأفاء و نحوهم]
- المشهور انه لا يجوز امامة اللاحن في قراءته و لا المبدل حرفا بغيره بالمتقن سواء كان اللحن مغيرا للمعنى كضم تاء «أنعمت» أم لا كفتح دال «الحمد» تمكن من الإصلاح أو لم يتمكن، و أطلق الشيخ كراهة إمامة من يلحق في قراءته، قال في المبسوط يكره امامة من يلحن في قراءته سواء كان في الحمد أو غيرها أحال المعنى أو لم يحل إذا لم يحسن إصلاح لسانه، فان كان يحسن و تعمد اللحن فإنه تبطل صلاته و صلاة من خلفه إذا علموا بذلك. و ظاهر ابن إدريس اختصاص المنع بما يحيل المعنى حيث قال: لا يجوز امامة اللحنة الذي يغير بلحنه معاني القرآن.
و قال العلامة في المختلف: الوجه عندي انه لا يصح أن يكون إماما، اما إذا
195
تعمد فلأن صلاته باطلة لأنه لم يقرأ القرآن كما انزل، و أما إذا لم يتمكن فلأنه بالنسبة إلى الأعراب كالأخرس فكما لا تصح إمامة الأخرس لا تصح امامة من لا يتمكن من الإعراب. ثم قال: احتج بان صلاته صحيحة فجاز أن يكون اماما.
و الجواب المنع من الملازمة كالأخرس. انتهى. و على هذا جرى كلام الأكثر كما عرفت.
و كذا الكلام بالنسبة إلى المبدل حرفا بغيره كالألثغ بالثاء المثلثة و هو الذي يبدل حرفا بغيره، و ربما خص بمن يبدل الراء لاما، و الأرت و هو الذي يجعل اللام تاء، و في حكمه الأليغ بالياء المثناة التحتانية و هو الذي لا يبين الكلام و لا يأتي بالحروف على الصحة، و كذا التمتام و الفأفاء و هو من لا يحسن تأدية التاء و الفاء إلا بترديدهما مرتين فصاعدا، و قيل من لا يحسن تأدية التاء و الفاء أو يبدلهما بغيرهما.
و هؤلاء كلهم ما عدا التمتام و الفأفاء لا تصح إمامتهم عند الأصحاب إلا بأمثالهم أما الفردان المذكوران فقد صرح غير واحد منهم بجواز إمامتهما مطلقا، قالوا لان هذه الزيادة الحاصلة من الترديد زيادة غير مخرجة عن صحة القراءة و كرهه بعض الأصحاب، قال المحقق في المعتبر: اما التمتام و الفأفاء فالائتمام بهما جائز لأنه يكرر الحرف و لا يسقطه. و مقتضى كلامه ان التمتام هو الذي لا يتيسر له النطق بالتاء إلا بعد ترديدها مرتين فصاعدا. و بهذا التفسير و الحكم صرح العلامة في التذكرة و المنتهى لكنه حكم في التذكرة بكر لعة إمامته لمكان هذه الزيادة. و قال في المنتهى:
و لو كان له لثغة خفيفة تمنع من تخليص الحرف و لكن لا يبدله بغيره أمكن أن يقال بجواز إمامته بالقارئ. و نحوه قال في التذكرة و لكنه جزم بالجواز. و قال في الذكرى: اما من به لثغة تمنع من تخليص الحرف و لا تبلغ به تبديله بغيره فجائز إمامته للقارئ و ان كان القارئ أفضل لأن ذلك يعد قرآنا. قال في المدارك:
و يشكل بان من لم يخلص الحرف لم يكن آتيا بالقراءة على الوجه المعتبر فلا تكون
196
قراءته كافية عن قراءة المأموم كالمبدل.
قيل: و هل يجب على اللاحن و المبدل للحرف بغيره مع العجز عن الإصلاح الائتمام بالمتقن ان تمكن منه؟ وجهان من توقف الواجب على ذلك فيكون واجبا، و من أصالة البراءة، و إطلاق
قوله (عليه السلام) (1) في صحيحة زرارة و الفضيل «و ليس الاجتماع بمفروض في الصلوات كلها».
و المسألة بجميع شقوقها لا تخلو من توقف و تأمل لعدم النصوص الواضحة في المقام.
الثالث [لا تؤم المرأة الرجل]
- انه لا خلاف في انه لا يجوز أن تؤم المرأة الرجل، نقل ذلك غير واحد من الأصحاب، و استدلوا عليه
بما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) قال: «لا تؤم المرأة رجلا».
و عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) قال: «أخروهن من حيث أخرهن الله».
قالوا و يؤيده ان المرأة مأمورة بالستر و الحياء و الإمامة للرجال تقتضي خلافه.
و أنت خبير بما في هذا الاستدلال، اما الخبران فالظاهر انهما ليسا من طريقنا إذ لم أقف عليهما في أخبارنا. و أما التعليل الأخير فعليل.
و الأظهر في الاستدلال على ذلك انما هو ما قدمناه في المقدمة السادسة في المكان من الأخبار الدالة على عدم جواز محاذاة المرأة للرجل و لا تقدمها عليه، مضافا الى أن العبادات مبنية على التوقيف و لم يرد عن صاحب الشريعة فعل ذلك
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة الجماعة.
(2) سنن البيهقي ج 3 ص 90.
(3) المغني ج 2 ص 243، و في البحر الرائق ج 1 ص 354 نسب الحديث الى ابن مسعود و الحنفية يذكرونه مرفوعا و ابن همام منع رفعه بل هو موقوف على ابن مسعود.
و في المقاصد الحسنة للسخاوي ص 28 رقم 41 «من الغلط نسبته للصحيحين و لدلائل النبوة للبيهقي و لمسند رزين و لكن في مصنف عبد الرزاق و من طريقه الطبراني من قول ابن مسعود.» و في موضوعات ملا على القارئ ص 19: في الهداية حديث مشهور و قال ابن همام لا يثبت رفعه فضلا عن شهرته، و الصحيح انه موقوف على ابن مسعود.
197
و لا الأمر به. و لكن لما كان المشهور بين متأخري أصحابنا هو كراهة المحاذاة و التقدم دون التحريم التجأوا الى الاستدلال هنا بهذه الأدلة المذكورة.
ثم انه كما لا يجوز أن تؤم الرجل لا يجوز أن تؤم الخنثى ايضا لاحتمال الذكورية و لا خنثى بمثله لاحتمال الأنوثية في الامام و الذكورية في المأموم فلا تحصل المماثلة.
و نقل في الذكرى عن ابن حمزة انه جوز ذلك لتكافؤ الاحتمالين فيهما و الأصل الصحة. قال: و جوابه ان من صور الإمكان تخالفهما في الذكورة و الأنوثة كما قلناه و الأصل وجوب القراءة على المصلى إلا بعد العلم بالسقط.
هذا.
و روى في كتاب دعائم الإسلام (1) عن على (عليه السلام) قال: «لا تؤم المرأة الرجال و لا تؤم الخنثى الرجال و لا الأخرس المتكلمين و لا المسافر المقيمين».
و روى في موضع آخر عنه (عليه السلام) ايضا (2) قال: «لا تؤم المرأة الرجال و تصلى بالنساء و لا تتقدمهن، تقوم وسطا منهن و يصلين بصلاتها».
و الله العالم.
المسألة الثالثة [صاحب الإمارة و المسجد و المنزل أحق بالإمامة]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)بان صاحب الامارة و المسجد و المنزل أحق و أولى بالإمامة في هذه الموارد الثلاثة، و المراد بصاحب الامارة من كانت امارته شرعية بمعنى انه منصوب من قبل المعصوم (عليه السلام) فإنهم (عليهم السلام) في وقت تمكنهم و سلطتهم كانوا يعينون أمراء للبلدان للأمر و النهى و الحكم بين الرعية و الجمعة و الجماعة و نحو ذلك. و المراد بصاحب المسجد يعني الإمام الراتب فيه، و صاحب المنزل ساكنه و ان لم يكن ملكا له. قالوا: و كذا الهاشمي أولى من غيره ممن لم يكن كذلك. و صرح بعضهم بأن إمام الأصل مع حضوره أولى من الجميع.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع
(أحدها)
- ما ذكروه- من أولوية هؤلاء الثلاثة الأول على غيرهم عدا الإمام الأعظم و ان كان ذلك الغير أفضل منهم-
____________
(1) ج 1 ص 183 طبع مصر.
(2) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
198
من ما لا خلاف فيه عندهم، و قد صرح بذلك العلامة في جملة من كتبه، و قال في المنتهى انه لا يعرف فيه خلافا.
و استدلوا عليه بالنسبة الى صاحب الامارة و المنزل بما سيأتي ان شاء الله تعالى
في رواية ابى عبيدة (1) من قوله (عليه السلام): «و لا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله و لا صاحب سلطان في سلطانه».
و أما بالنسبة الى امام المسجد الراتب فعللوه بان المسجد يجرى مجرى منزله، و لان تقدم غير الراتب عليه يورث وحشة و تنافرا فيكون مرجوحا.
أقول: و الأظهر الاستدلال عليه بما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و الظاهر انه هو المستند لما صرح به المتقدمون من هذا الحكم كما عرفت في غير موضع إلا انه لما لم يصل ذلك الى المتأخرين عللوه بما عرفت.
حيث قال (عليه السلام) في موضع من الكتاب (2) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال صاحب الفراش أحق بفراشه و صاحب المسجد أحق بمسجده» و قال في باب صلاة الجماعة «اعلم ان أولى الناس بالتقدم في الجماعة أقرؤهم. الى أن قال: و صاحب المسجد أولى بمسجده».
و قال في كتاب دعائم الإسلام (3) «و عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) انه قال: يؤمكم أكثركم نورا- و النور القرآن- و كل أهل مسجد أحق بالصلاة في مسجدهم إلا أن يكون أمير حضر فإنه أحق بالإمامة من أهل المسجد».
و عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (4) انه قال: «يؤم القوم أقدمهم هجرة. الى أن قال: و صاحب المسجد أحق بمسجده».
و لو اجتمع صاحب الامارة مع صاحب الراتبة أو صاحب المنزل فقد قطع
____________
(1) الوسائل الباب 28 من صلاة الجماعة.
(2) ص 11 و 14.
(3) مستدرك الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة.
(4) مستدرك الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة.
199
الشهيد الثاني بكونه أولى منهما، و لا يخلو من توقف.
بقي الإشكال في انه قد تقدم في روايتي معاوية بن شريح و الحناط المتقدمتين في آخر المسألة الحادية عشرة من مسائل المطلب الأول (1)
«انه إذا قال المؤذن «قد قامت الصلاة» يقوم القوم على أرجلهم و يقدموا بعضهم و لا ينتظروا الامام حتى يجيء»
و من الظاهر أن ذلك هو في المسجد و حينئذ فلو كان امام المسجد أحق لم يسارعوا الى تقديم غيره. اللهم إلا ان يقال ان أحقيته انما هي مع الحضور لا مع الغيبة. و فيه ما لا يخفى فان حقه لا يفوت بمثل هذه المسارعة.
و يؤيد ما قلناه ما صرح به شيخنا الشهيد في الذكرى حيث قال: و لو تأخر الإمام الراتب استحب مراسلته ليحضر أو يستنيب، و لو بعد منزله و خافوا فوت وقت الفضيلة قدموا من يختارونه. الى أن قال: و لو حضر بعد صلاتهم استحب إعادتها معه لما فيه من اتفاق القلوب مع تحصيل الاجتماع مرتين. انتهى. و بنحو ذلك صرح غيره ايضا.
و ما ذكره أخيرا من استحباب الإعادة معه بعد حضوره مبنى على ما قدمناه نقله عنه من استحباب ترامى الجماعة. و فيه ما مر.
على ان الخبرين المذكورين غير خاليين ايضا من الإشكال و ان لم يتنبه له أحد من علمائنا الأبدال، و ذلك فان الظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب ان الأذان و الإقامة في الجماعة انما هما من وظائف صلاة الامام و متعلقاتها و لا تعلق لصلاة المأمومين بشيء منهما، غاية الأمر انه قد يقوم بهما الامام كلا أو بعضا و قد يقوم بهما بعض المأمومين كلا أو بعضها، و حينئذ فما لم يكن الامام حاضرا فلمن يؤذن هذا المؤذن و يقيم المقيم.
و أشكل من ذلك أن في رواية معاوية بن شريح بعد ذكر ما تقدم
«قلت فان كان الامام هو المؤذن؟ قال و ان كان فلا ينتظرونه و يقدموا بعضهم»
و كيف
____________
(1) ص 179.
200
يستقيم هذا و هو الذي قد أذن و أقام و عند قوله: «قد قامت الصلاة» قام الناس على أرجلهم فأين ذهب بعد ذلك حتى ينتظرونه أو لا ينتظرونه.
و بالجملة فجميع ما ذكرنا من وجوه هذه الإشكالات ظاهر لا ريب فيه، و الاعتماد على هذين الخبرين بعد ما عرفت من ثبوت حقيقة الإمام الراتب بالأخبار المتقدمة مضافا الى اتفاق الأصحاب مشكل غاية الإشكال. و الله العالم.
و ثانيها [إمام الأصل أحق]
- ان ما ذكره بعضهم من أنه مع حضور إمام الأصل فإنه أولى بالإمامة من ما لا ريب فيه و لا شبهة تعتريه، لانه صاحب الرئاسة العامة و هو ولي الأمور الأولى بالناس من أنفسهم. و لو منعه مانع فاستتاب فلا ريب أن نائبه هو الأولى لترجحه بتعيين الامام له فإنه لا يستنيب إلا الراجح أو المساوي، و مع رجحانه فالأمر ظاهر و مع التساوي فالمرجح له التعيين، فعلى الأول فيه مرجحان و على الثاني مرجح واحد.
و
ثالثها- لو أذن أحد الثلاثة [لغيره]
المتقدم ذكرهم لغيره كان هو الأولى، قال في المنتهى: لو اذن المستحق من هؤلاء في التقدم لغيره جاز و كان أولى من غيره إذا اجتمع الشرائط، و لا نعرف فيه خلافا لأنه حق له فله نقله الى من شاء.
قال في الذخيرة: و قد جزم الشهيدان بانتفاء كراهة تقدم الغير معللا بأن أولويتهم ليست مستندة الى فضيلة ذاتية بل إلى سياسة أدبية. و استشكل ذلك بأنه اجتهاد في مقابلة النص.
أقول: من المحتمل قريبا ان الأولوية التي دل عليها النص المشار اليه انما هي عبارة عن أحقيته بالصلاة و التقدم من غيره بالنسبة إلى نفسه فلو أراد غيره التقدم عليه كان على خلاف ما ورد به النص لا ان ذلك بالنسبة إلى نائبه، و الظاهر ان بناء كلام الشهيدين على هذا و به يعلم سقوط ما اعترض به عليهما من انه اجتهاد في مقابل النص، إذ لا دلالة في النص على أزيد من ما ذكرناه.
قال في الذكرى: و هل الأفضل لهم الإذن للأكمل منهم أو الأفضل لهم
201
مباشرة الإمامة؟ لم أقف فيه على نص، و ظاهر الأدلة يدل على ان الأفضل لهم المباشرة، فحينئذ لو أذنوا فالأفضل للمأذون له رد الاذن ليستقر الحق على أصله. انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من ان ظاهر الأدلة يدل على ان الأفضل لهم المباشرة دون الاذن لا يخلو من شوب النظر، فان الخطاب هنا انما توجه الى من عداهم بأن الأولى أن لا يتقدموهم في هذه المواضع الثلاثة و يراعوا حقهم فيها و يحترموهم و يوقروهم، و هذا لا ينافي أفضلية إذنهم لمن كان أعلم وافقه و أفضل و اتقى و أورع عملا بالآيات و الأحاديث الآتية الدالة على أولوية صاحب هذه الصفات و حينئذ فالأفضل للناس هو إرجاع أمر الإمامة لهم، و بهذا يحصل امتثال ما دل عليه الخبر المشار إليه فإن تعظيمهم و احترامهم يحصل بمجرد هذا. و الأفضل لهم ان يأذنوا لمن كان بالصفات المذكورة عملا بالآيات و الأخبار المشار إليها فلا منافاة.
و
رابعها [هل يقدم الهاشمي على غيره؟]
- قال الشيخ في المبسوط: إذا حضر رجل من بنى هاشم كان أولى بالتقديم إذا كان ممن يحسن القرآن.
و قال في الذكرى بعد نقل ذلك عنه: و الظاهر انه أراد به على غير الأمير و صاحب المنزل و المسجد مع انه جعل الأشرف بعد الأفقه الذي هو بعد الاقرأ و الظاهر انه الأشرف نسبا، و تبعه ابن البراج في تقديم الهاشمي و قال بعده: و لا يتقدمن أحد على أميره و لا على من هو في منزله أو مسجده، و جعل أبو الصلاح بعد الأفقه القرشي، و ابن زهرة جعل الهاشمي بعد الأفقه، و في النهاية لم يذكر الشرف و كذا المرتضى و ابن الجنيد و على بن بابويه و ابنه و سلار و ابن إدريس و الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد و ابن عمه في المعتبر، و ذكر ذلك في الشرائع و أطلق و كذا الفاضل في المختلف و قال انه المشهور يعنى تقديم الهاشمي، و نحن لم نره مذكورا في الأخبار إلا ما روى مرسلا أو مسندا بطريق غير معلوم من
قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «قدموا قريشا
____________
(1) الجامع الصغير ج 2 ص 85 و يرجع الى التعليقة 2 ص 395 ج 10.
202
و لا تقدموها».
و هو على تقدير تسليمه غير صريح في المدعى، نعم هو مشهور في التقديم في صلاة الجنازة كما سبق من غير رواية تدل عليه. نعم فيه إكرام لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذ تقديمه لأجله نوع إكرام، و إكرام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و تبجيله من ما لا خفاء في أولويته. انتهى كلامه في الذكرى.
و ما ذكره من عدم الوقوف على نص في الهاشمي في هذا المقام جيد و اما في صلاة الجنازة فقد قدمنا (1) وجود النص بذلك في كتاب الفقه الرضوي و أوضحنا ان كلام على بن بابويه الذي تبعه الأصحاب في المقام مأخوذ من عبارة الكتاب المذكور. و الله العالم.
المسألة الرابعة [من يؤم القوم عند التشاح؟]
- قد ذكر جملة من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك انه إذا تشاح الأئمة في الإمامة فاما أن يكره المأمومون إمامة بعضهم و اما أن يختاروا امامة واحد بأسرهم و اما أن يختلفوا في الاختيار:
فان كرهه جميعهم لم يؤمهم
لقوله (عليه السلام) (2) «ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة أحدهم من تقدم قوما و هم له كارهون».
و ان اختار الجميع واحدا فهو أولى لما فيه من اجتماع القلوب و حصول الإقبال بالمطلوب.
و ان اختلفوا فقد أطلق الأكثر المصير الى الترجيح بالمرجحات الآتية، و قال في التذكرة: انه يقدم اختيار الأكثر فإن تساووا طلب الترجيح. قال في الذكرى: و في ذلك تصريح بان ليس للمأمومين أن يقتسموا الأئمة و يصلى كل قوم خلف من يختارونه لما فيه من الاختلاف المثير للإحن. هكذا ذكروا (رضوان الله عليهم).
و استندوا في الترجيح في مقام الاختلاف الى
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن ابى عبيدة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القوم من أصحابنا يجتمعون
____________
(1) ج 10 ص 396 عن الفقه الرضوي ص 19.
(2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة. و فيه «أم قوما».
(3) الوسائل الباب 28 من صلاة الجماعة.
203
فتحضر الصلاة فيقول بعضهم لبعض تقدم يا فلان؟ فقال ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال يتقدم القوم أقرأهم للقرآن فان كانوا في القراءة سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا فان كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة و أفقههم في الدين. و لا يتقدمن أحدكم الرجل في منزله و لا صاحب سلطان في سلطانه».
أقول: و عندي في ما ذكروه (رضوان الله عليهم)من التفصيل في هذا المقام نظر لا يخفى على من تأمل من ذوي الأفهام، فإن ما ذكروه من هذا التفصيل- باتفاق المأمومين و اختلافهم و انه مع تشاح الأئمة في الإمامة يؤخذ باتفاق المأمومين و نحو ذلك من ما هو مذكور- لا أعرف له وجها و لا عليه دليلا إلا مجرد اعتبارات تخريجية لا تصلح مستندا للأحكام الشرعية، و النص المذكور الذي هو المستند في هذا المقام قد دل على ان الأحق بهذا المقام و الأولى بأن يكون الامام هو من كان أقرأ. إلى آخر ما تضمنه الخبر من المراتب، و لا تعلق لذلك باتفاق المأمومين و لا باختلافهم و لا رضاهم و لا كراهتهم و لا تشاح الأئمة و لا عدمه، فلو فرض وجود أئمة متعددين و حصول المشاحة بينهم فلا وجه للترجيح بينهم بالاتفاق على من لم يكن على الصفة المذكورة في الخبر لان فيه ردا للنص المذكور. و أولى بالعدم الترجيح باختيار الأكثر. و لا معنى لتشاح الأئمة مع كون النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قد قرر لهم و دلهم على ان صاحب هذا المقام هو من كان متصفا بتلك الصفة، بل الأولى لهم ان كانوا على الطريقة القويمة و من العاملين بالسنة المستقيمة هو تقديم من كان كذلك عملا بما رسمه لهم، و إلا فقد خالفوا الوظائف الشرعية و رجع تشاحهم الى التكالب على الرئاسة الدنيوية إلا ان يدعى كل واحد منهم انه المتصف بذلك دون غيره و هو خارج عن ما نحن فيه. و اما مسألة كراهة المأمومين الإمام فلا تعلق لها بهذا المقام. و بالجملة فكلامهم هنا لا أعرف له مزيد فائدة.
بقي الكلام هنا في مواضع
(الأول) [الاستدلال لتقدم الأفقه في الإمامة]
- في ما دل عليه الخبر المذكور من هذه المراتب المذكورة.
204
و الذي وقفت عليه زيادة على الخبر المذكور ما صرح به الرضا (عليه السلام)
في كتاب الفقه حيث قال (1): و ان اولى الناس بالتقديم في الجماعة أقرأهم للقرآن و ان كانوا في القرآن سواء فافقههم و ان كانوا في الفقه سواء فاقربهم هجرة و ان كانوا في الهجرة سواء فأسنهم فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجها. و صاحب المسجد أولى بمسجده.
انتهى.
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (2) قال: «يؤم القوم أقدمهم هجرة فان استووا فاقرأهم فان استووا فأفقههم فإن استووا فأكبرهم سنا».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)هو تقديم الاقرأ على الأفقه كما دلت عليه هذه الأخبار، و ذهب جملة من الأصحاب:
منهم- العلامة في المختلف الى العكس، و عليه جملة من أفاضل متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة و المحدث الكاشاني و المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي و غيرهم، و هو الحق الحقيق بالإتباع و ان كان قليل الاتباع للأدلة العقلية و النقلية كتابا و سنة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
قال في المختلف: لنا- ان الأفقه أشرف و اعلم بأركان الصلاة و إمكان تدارك السهو و مراتبه و كيفية الصلاة فيكون أولى بالتقديم، قال الله تعالى «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ» (3).
و ما رواه العرزمي عن أبيه رفع الحديث إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) قال: «من أم قوما و فيهم من هو أعلم منه لم يزل أمرهم إلى سفال الى يوم القيامة».
____________
(1) ص 14.
(2) مستدرك الوسائل الباب 25 من صلاة الجماعة. و في آخره هكذا «و صاحب المسجد أحق بمسجده» كما تقدم ص 198.
(3) سورة الزمر الآية 12.
(4) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة.
205
و لانه يستحب تقديم أهل الفضل و اولى النهي في الصفوف بقرب الامام لينبهوه على الغلط و السهو و لمزية شرفهم على غيرهم. ثم نقل رواية جابر بذلك عن الباقر (عليه السلام) (1) ثم نقل رواية ابى عبيدة (2) و تأولها بتأويل لا يخلو من البعد.
أقول: و من ما يدل على ما اخترناه ما لا خلاف فيه بين الإمامية من قبح تقديم المفضول على الفاضل.
و نقل في الذكرى عن ابن ابى عقيل انه قال: و لا يؤم المفضول الفاضل و لا الأعرابي المهاجر و لا الجاهل العالم. ثم قال في الذكرى: و قول ابن ابى عقيل بمنع امامة المفضول بالفاضل و منع امامة الجاهل بالعالم ان أراد به الكراهة فحسن و ان أراد به التحريم أمكن استناده الى أن ذلك يقبح عقلا، و هو الذي اعتمد عليه محقق الأصوليين في الإمامة الكبرى، و لقول الله تعالى «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (3) و للخبرين المتقدمين في كلام ابن بابويه. انتهى. و ظاهره احتمال التحريم في المسألة احتمالا قويا لمطابقة الدليل العقلي للدليل النقلي كتابا و سنة.
و تقريب الاستدلال بالآية المذكورة انها خرجت مخرج الإنكار على من يحكم بخلاف ذلك الذي هو مقتضى بديهة العقول السليمة كما يشير اليه قوله تعالى:
«فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» (4).
و اما الأخبار الواردة بذلك فمنها
ما رواه في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) امام القوم وافدهم فقدموا أفضلكم».
قال: «و قال على (عليه السلام) (6) ان
____________
(1) ص 159 و 160.
(2) ص 202.
(3) سورة يونس الآية 36.
(4) سورة يونس الآية 36.
(5) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة. و ليس فيه و لا في الفقيه ج 1 ص 247 و لا في الوافي باب (صفة إمام الجماعة و من لا ينبغي إمامته) نسبة الحديث الى على (ع) بل ظاهر الجميع النسبة إلى النبي «ص».
206
سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم».
و رواه في كتاب العلل مسندا عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان سركم. الحديث مثله.
و روى في الفقيه و مثله الشيخ في كتاب الاخبار مرسلا في الأول و مسندا في الثاني (2) قال: قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من أم قوما و فيهم من هو أعلم منه. الحديث.
كما تقدم في كلام صاحب المخگتلف.
و روى في كتاب قرب الاسناد في الموثق عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) قال: «ان أئمتكم وفدكم الى الله فانظروا من توفدون في دينكم و صلاتكم».
و في حسنة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قلت أصلي خلف الأعمى؟
قال نعم إذا كان له من يسدده و كان أفضلهم».
و فيها أيضا (5) «الصلاة خلف العبد؟
قال لا بأس به إذا كان فقيها و لم يكن هناك أفقه منه».
و في موثقة سماعة (6) قال: «سألته عن المملوك يؤم الناس؟ فقال لا إلا ان يكون هو أفقههم و أعلمهم».
و روى الشهيد في الذكرى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (7) قال: «من صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».
____________
(1) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 21 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(7) الوسائل الباب 26 من صلاة الجماعة عن الذكرى. و في البحر الرائق ج 1 ص 349 لو صلى خلف فاسق أو مبتدع ينال فضل الجماعة لكن لا ينال كما ينال خلف تقى ورع
لقوله (ص) «من صلى خلف عالم تقى فكأنما صلى خلف نبي».
قال ابن أمير الحاج لم يجده المخرجون. و في موضوعات ملا على القارئ ص 82 حديث «من صلى خلف تقى فكأنما صلى خلف نبي» لا أصل له. و في المقاصد الحسنة للسخاوى ص 304 حرف القاف عند قوله: «قدموا خياركم» قال: ما وقع في الهداية للحنيفة بلفظ «من صلى خلف عالم تقى فكأنما صلى خلف نبي» لم أقف عليه بهذا اللفظ.
207
و روى الصدوق في كتاب إكمال الدين بسنده فيه عن ابى الحسن الليثي عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) قال: «ان أئمتكم قادتكم الى الله فانظروا بمن تقتدون في دينكم و صلاتكم».
و تؤيده الأخبار العامة مثل
قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2): «ان العلماء ورثة الأنبياء».
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل».
و ما دل من الاخبار على فضل العلماء على من سواهم (4) و قوله عز و جل «إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ» (5) و احتجاج الله عز و جل على الملائكة في تفضيله آدم و جعله خليفة بكونه أعلم منهم (6) و أمثال ذلك كما لا يخفى على الناقد البصير و لا ينبئك مثل خيبر.
و ظاهر إيراد الصدوق هذه الأخبار التي قدمنا نقلها عنه في باب الجماعة هو القول بمضمونها بمقتضى قاعدته في صدر كتابه حيث انه لم ينقل رواية ابى عبيدة المذكورة، إلا انه نقل عن أبيه في رسالته اليه قبل إيراد هذه الأخبار انه قال: اعلم يا بنى ان أولى الناس بالتقدم في جماعة أقرؤهم للقرآن فان كانوا في القراءة سواء فأفقههم فإن كانوا في الفقه سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأسنهم فإن كانوا في السن سواء فأصبحهم وجها. و صاحب المسجد أولى بمسجده. انتهى. و هذه عين عبارة كتاب الفقه التي قدمناها.
و الذي يقرب عندي ان هذه الأخبار الدالة على تقديم الاقرأ إنما خرجت
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 23 من صلاة الجماعة.
(2) أصول الكافي كتاب فضل العلم، و في الوسائل الباب 8 من صفات القاضي.
(3) البحار ج 1 ص 76 و كفاية الطالب للكنجى ص 239. و في المقاصد الحسنة للسخاوى ص 286 أنكره شيخنا- يعنى ابن حجر العسقلاني- و قبله الدميري و الزركشي و قال بعضهم لا يعرف في كتاب معتبر.
(4) أصول الكافي كتاب فضل العلم، و في الوسائل الباب 8 من صفات القاضي.
(5) سورة البقرة الآية 248.
(6) سورة البقرة الآية 28 إلى 32.
208
مخرج التقية فإنه قول جمهور العامة (1) و به تكاثرت أخبارهم.
و منها-
ما رووه عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «يؤمكم اقرأكم لكتاب الله».
و في خبر آخر (3) «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فان كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا».
و ما رووه عن عمرو بن أبي سلمة (4) قال كنت غلاما حافظا قد حفظت قرآنا كثيرا فانطلق ابى وافدا الى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في نفر من قومه فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) «يؤمكم اقرأكم لكتاب الله» فقدموني فكنت أصلي بهم و انا ابن سبع سنين أو ثمان».
____________
(1) في نيل الأوطار ج 3 ص 133 باب (من أحق بالإمامة) قال: حديث «يؤم القوم أقرأهم» فيه حجة لمن قال يقدم في الإمامة الاقرأ على الأفقه، و اليه ذهب الأحنف بن قيس و ابن سيرين و الثوري و أبو حنيفة و احمد و بعض أصحابهما، و قال الشافعي و مالك و أصحابهما و الهادوية الأفقه مقدم على الأقرأ، و قال الشافعي المخاطب الذين كانوا في عصره (ص) كان أقرأهم أفقههم فإنهم كانوا يسلمون كبارا و يتفقهون قبل أن يقرأوا فلا يوجد قارئ إلا و هو متفقة. و قال النووي و ابن سيد الناس: قوله في الحديث «فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة» دليل على تقديم الاقرأ مطلقا. و في عمدة القارئ ج 2 ص 732 قال طائفة الأفقه مقدم على الاقرأ و به قال أبو حنيفة و مالك و الجمهور، و قال أبو يوسف و احمد و إسحاق الأقرأ مقدم و هو قول ابن سيرين و بعض الشافعية، و قال أصحابنا- الحنفية- أولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة أي الفقه إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصلاة و هو قول الجمهور و اليه ذهب عطاء و الأوزاعي و الشافعي و مالك، و قال أبو يوسف اقرأ الناس أولى بالإمامة يعنى أعلمهم بالقراءة و كيفية أداء حروفها و ما يتعلق بها، و هو أحد الوجوه عند الشافعية.
(2) كنز العمال ج 4 ص 125.
(3) كنز العمال ج 4 ص 126.
(4)
في أسد الغابة ج 4 ص 110 في ترجمة عمرو الجرمي قال أممت قومي و انا غلام ابن ست أو سبع سنين.
و في حديث عنه: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله (ص) فقال (ص): «يؤمكم اقرأكم» و كنت أقرأهم.
و في حديث آخر عنه: وفدوا على رسول الله (ص) و أرادوا أن ينصرفوا قالوا يا رسول الله (ص) من يؤمنا؟ قال «أكثركم جمعا للقرآن» أو «أخذا القرآن» فلم يكن أحد من القوم و جمع ما جمعت فقدموني و انا غلام و على شملة فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت امامهم و كنت أصلي على جنائزهم ..
209
و ربما أجيب عن خبر ابى عبيدة بأن المراد بالأقرإ فيه الأفقه، لأن المتعارف كان في زمانه (صلى اللّٰه عليه و آله) انهم إذا تعلموا القرآن تعلموا أحكامه، قال ابن مسعود (1) «كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها و نهيها» و إطلاق القارئ على العالم بأحكام الشريعة غير عزيز في الصدر الأول.
و اعترض عليه بان جعل الأعلم مرتبة بعد الاقرأ صريح في انفكاك القراءة عن العلم بالسنة، و تعلم أحكام القرآن غير كاف في الفقه إذ معظمه يثبت بالسنة، و بان فيه عدولا عن ظاهر اللفظ. و هو جيد.
و ظني ان الوجه في الجواب عن الخبر المذكور و أمثاله انما هو ما ذكرته من الحمل على التقية فإنها هي السبب التام في اختلاف الأحكام الشرعية و ان كانت هذه القاعدة غير معمول عليها بين أصحابنا (رضوان الله عليهم)كما قدمنا ذكره في غير مقام
الثاني [تفسير الأقرأ]
- قد خسر جماعة من الأصحاب الاقرأ بمعنى الأجود قراءة و إتقانا للحروف و أشد إخراجا لها من مخارجها. و زاد بعضهم على الأمور المذكورة الأعرف بالأصول و القواعد المقررة بين القراء. و قيل ان المراد أكثر قرآنا. و نسبه في البيان إلى الرواية.
أقول: و لعله أشار بذلك الى
ما روى (2) من «ان الأعمى يؤم القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قراءة».
و في صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «أنه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قرآنا؟ قال لا بأس».
____________
(1)
في سنن البيهقي ج 3 ص 119 عن عبد الله: كنا إذا تعلمنا من النبي «ص» عشر آيات من القرآن لم نتعلم من العشر التي نزلت بعدها حتى نعلم ما فيه. قيل لشريك من العمل؟ قال نعم ...
(2) الوسائل الباب 21 من صلاة الجماعة. و فيه ايضا «و أفقههم».
(3) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
210
ثم انه على تقدير هذا المعنى فهل المراد يعني أكثرهم قراءة للقرآن- و تؤيده الرواية الأولى من هاتين الروايتين- أو أكثرهم حفظا للقرآن و تؤيده رواية عمرو بن أبي سلمة العامية؟ و قيل الأجود بحسب طلاقة اللسان و حسن الصوت و جودة المنطق.
الثالث [اختلاف الفقهاء في ترتيب المرجحات]
- جعل الشيخ الأفقه بعد الاقرأ و قبل غيره و هو اختيار ابن بابويه في رسالته كما تقدم، و ذهب بعضهم الى تقديم الاقرأ ثم الأقدم هجرة ثم الأسن ثم الأفقه كما هو مورد رواية ابى عبيدة، و بعضهم الى تقديم الأقدم هجرة بعد الاقرأ ثم الأفقه، و قدم الشيخ في المبسوط بعد الأفقه الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن، و قدم السيد المرتضى الأسن بعد الأفقه و لم يذكر الهجرة.
و لا اعرف لهم في هذا الاختلاف وجها يرجع اليه و لا مستندا يعتمد عليه إلا أن يكون مجرد اعتبارات يعتبرها كل منهم في ما ذهب اليه كما هو شأنهم في كثير من الأحكام، و إلا فليس في المسألة من الأخبار المتداولة في كلامهم و المتناقلة على رؤوس أقلامهم إلا خبر ابى عبيدة، نعم خبر كتاب الفقه الذي جرى عليه على بن الحسين بن بابويه قد اشتمل على تقديم الاقرأ أولا ثم الأفقه ثم الأقرب هجرة ثم الأسن ثم الأصبح وجها.
و كيف كان فقد عرفت كلامهم في معنى الاقرأ، و أما الهجرة فالمراد بها السبق من دار الحرب الى دار الإسلام، و قال العلامة في التذكرة المراد سبق الإسلام أو من كان أسبق هجرة من دار الحرب الى دار الإسلام أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته. و نقل في الذكرى عن الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد ان المراد التقدم في العلم قبل الآخر. و قال في الذكرى: و ربما جعلت الهجرة في زماننا سكنى الأمصار لأنها تقابل البادية مسكن الأعراب لأن أهل الأمصار أقرب الى تحصيل شرائط الإمامة و الكمال فيها. انتهى.
أقول: لا يخفى ان المراد من خبر ابى عبيدة انما هو المعنى الأول و هو
211
الأسبق هجرة من دار الحرب الى دار الإسلام فإن هذا هو معنى الهجرة في وقته (صلى اللّٰه عليه و آله) و الخبر مروي عنه (صلى اللّٰه عليه و آله).
بقي الكلام في الترجيح بهذه المرتبة في ما عدا زمانه (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأظهر انه لا يمكن الترجيح بها بل يجب اطراحها من البين لعدم دليل على شيء من هذه المعاني التي ذكروها، و بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التخريجات و التقريبات لا يخلو من مجازفة.
نعم
روى الصدوق (قدس سره) في كتاب معاني الأخبار (1) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: «من ولد في الإسلام فهو عربي و من دخل فيه بعد ما كبر فهو مهاجر و من سبى و عتق فهو مولى».
و فيه اشعار بالمعنى الأول الذي ذكره في التذكرة فيمكن حينئذ الترجيح بهذه المرتبة باعتبار هذا المعنى.
و اما الأسن فالمتبادر منه الأكبر بحسب السن، و في الذكرى و غيره ان المراد علو السن في الإسلام، و كذا نقل عن الشيخ في المبسوط، و هو اعتبار حسن إلا انه خلاف المتبادر من ظاهر اللفظ.
و أما الأصبح وجها فذكره الصدوقان و الشيخان و جماعة، و قال المرتضى و ابن إدريس:
و قد روى (2) إذا تساووا فأصبحهم وجها.
و قال المحقق في المعتبر:
لا أرى لهذا أثرا في الأولوية و لا وجها في شرف الرجال. و علله في المختلف بان في حسن الوجه دلالة على عناية الله به.
____________
(1) هذا مؤلف من حديثين ذكرهما
في معاني الأخبار باب نوادر المعاني ص 405 من الطبع الحديث عن ابى جعفر «ع» «من ولد في الإسلام فهو عربي و من دخل فيه طوعا أفضل ممن دخل فيه كرها، و المولى هو الذي يؤخذ أسيرا من أرضه و يسلم».
و قال أبو جعفر «ع» في حديث آخر «من دخل في الإسلام طوعا فهو مهاجر» ...
(2)
في سنن البيهقي ج 3 ص 121 باب (من قال يؤمهم أحسنهم وجها) عن النبي «ص» قال: «إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أقرأهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فأكبرهم سنا فان كانوا في السن سواء فأحسنهم وجها» ...
212
أقول: قد عرفت ان كتاب الفقه الرضوي صرح بذلك، و الصدوقان إنما أخذا هذا الحكم من الكتاب لأن عبارة على بن الحسين المتقدمة في الرسالة عين عبارة الكتاب من أولها إلى آخرها و منها هذا الموضع، و هذا من جملة المواضع التي قدمنا الإشارة إليها بأنه كثيرا ما يذكر القدماء حكما من الأحكام الشرعية و لا يصل دليله إلى المتأخرين فيعترضونهم بعدم الدليل و هو في هذا الكتاب، و ما نحن فيه من هذا الباب.
و الظاهر انه الى هذا الخبر أشار الصدوق في كتاب العلل حيث قال- بعد نقل خبر ابى عبيدة فيه (1) المتضمن لأنه إذا كانوا في السن سواء فليؤمهم أعلمهم بالسنة- و في حديث آخر: و ان كانوا في السن سواء فأصبحهم وجها. انتهى.
و الظاهر ايضا انه الى هذه الرواية المرسلة هنا في العلل أشار المرتضى و ابن إدريس في ما قدمنا نقله عنهما و قولهما: و قد روى إذا تساووا فأصبحهم وجها.
و من ما يعضد ما ذكره العلامة في المختلف من أن في حسن الوجه دلالة على عناية الله تعالى بذلك الشخص ما في حديث إبراهيم أبي إسحاق الليثي الوارد في طينة المؤمن و طينة الناصب المروي في العلل (2) و غيره حيث قال (عليه السلام) بعد ذكر الطينتين و هما الطيبة و الخبيثة المذكورتان في صدر الخبر: ثم عمد إلى بقية ذلك الطين فمزجه بطينتكم و لو ترك طينتهم على حالها لم تمزج بطينتكم ما عملوا ابدا عملا صالحا و لا أدوا أمانة الى أحد و لا شهدوا الشهادتين و لا صاموا و لا صلوا و لا زكوا و لا حجوا و لا شبهوكم في الصور ايضا، يا إبراهيم ليس شيء أعظم على المؤمن من أن يرى صورة حسنة في عدو من أعداء الله عز و جل و المؤمن لا يعلم ان تلك الصورة من طين المؤمن و مزاجه. انتهى.
____________
(1) ص 202.
(2) هو آخر حديث في العلل و به الختام.
213
و يشير الى ذليك
ما ورد (1) من «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) طلب من الله سبحانه ان ينزل عليه جبرئيل متى أرسل إليه في صورة دحية الكلبي و كان من أجمل الناس صورة».
و بذلك يظهر لك ما في كلام المحقق من الغفلة.
ثم انه لا يخفى أن التقديم في هذه المراتب تقديم فضل و استحباب لا حتم و إيجاب كما صرح به غير واحد: منهم- العلامة في التذكرة، قال: و هذا كله تقديم استحباب لا تقديم اشتراط و إيجاب فلو قدم المفضول جاز و لا نعلم فيه خلافا. انتهى
المسألة الخامسة [في الاستنابة لو عرض للإمام عارض]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في الاستنابة في الأثناء لو عرض للإمام عارض يمنع من إتمام الصلاة فإنه يستنيب من يتم بهم الصلاة و إلا استناب المأمومون، و كذا يستنيب لو كان مقصرا و المأموم متما.
[الأخبار الواردة في المقام]
و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام عدة أخبار: الأول-
ما رواه المشايخ الثلاثة عطر الله مراقدهم في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل أم قوما فصلى بهم ركعة ثم مات؟ قال يقدمون رجلا آخر و يعتدون.
____________
(1) لم بذكر ذلك في طبقات ابن سعد ج 4 ص 249 و سير اعلام النبلاء ج 2 ص 396 و الإصابة ج 1 ص 473 و أسد الغابة ج 2 ص 130 و الاستيعاب في ترجمته و تهذيب تاريخ الشام ج 5 ص 218 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 206 و مجمع الزوائد ج 9 ص 378 و كنز العمال ج 6 ص 173 نعم في جميعها كان دحية جميلا ربما نزل جبرئيل بصورته.
و في تهذيب تاريخ الشام ج 5 ص 220 عن عائشة قالت: رأيت رسول الله (ص) واضعا يده على عرف فرس دحية فسألته عن ذلك قال «ص» ذاك جبرئيل و هو يقرئك السلام فقالت و (عليه السلام) و رحمة الله و بركاته.
هذا أصل الحديث ثم أخذ الشعبي و الزهري و انس و أمثالهم يتحدثون عن نزول جبرئيل بصورة دحية تركيزا لهذا الحديث. و بالنظر الى ما في تاريخ ابن عساكر من الرواية عن ابن عباس ان دحية أسلم في زمن ابى بكر تفسد جميع تلك الأحاديث.
(2) الوسائل الباب 43 من صلاة الجماعة.
214
بالركعة و يطرحون الميت خلفهم و يغتسل من مسه».
الثاني-
ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي المسجد و هم في الصلاة و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر فيعتل الإمام فيأخذ بيده و يكون أدنى القوم اليه فيقدمه؟ فقال يتم صلاة القوم ثم يجلس حتى إذا فرغوا من التشهد أومأ إليهم بيده عن اليمين و الشمال و كان الذي أومأ إليهم بيده التسليم و انقضاء صلاتهم و أتم هو ما كان فاته أو بقي عليه».
الثالث-
ما رواه في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) ما كان من امام تقدم في الصلاة و هو جنب ناسيا و أحدث حدثا أو رعافا أو أذى في بطنه فليجعل ثوبه على أنفه ثم لينصرف و ليأخذ بيد رجل فليصل مكانه ثم ليتوضأ و ليتم ما سبقه به من الصلاة، فإن كان جنبا فليغتسل و ليصل الصلاة كلها».
الرابع-
ما رواه في الكافي و التهذيب عن سلمة أبي حفص عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول لا يقطع الصلاة الرعاف و لا القيء و لا الدم فمن وجد أذى فليأخذ بيد رجل من القوم من الصف فليقدمه يعني إذا كان اماما».
الخامس-
ما رواه في التهذيب عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن رجل أم قوما فاصابه رعاف بعد ما صلى ركعة أو ركعتين فقدم رجلا ممن قد فاته ركعة أو ركعتان: قال يتم بهم الصلاة ثم يقدم رجلا فيسلم بهم و يقوم هو فيتم بقية صلاته».
السادس-
ما رواه في التهذيب عن معاوية بن شريح (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا أحدث الامام و هو في الصلاة لم ينبغ أن يقدم إلا من شهد الإقامة».
____________
(1) الوسائل الباب 40 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 72 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 2 من قواطع الصلاة. و في التهذيب ج 1 ص 228 «عن ابى حفص».
(4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 41 من صلاة الجماعة.
215
السابع-
ما رواه عن سليمان بن خالد في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤم القوم فيحدث و يقدم رجلا قد سبق بركعة كيف يصنع؟ فقال لا يقدم رجلا قد سبق بركعة و لكن يأخذ بيد غيره فيقدمه».
الثامن-
ما رواه في الفقيه عن معاوية بن ميسرة عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: «لا ينبغي للإمام إذا أحدث أن يقدم إلا من أدرك الإقامة.
فإن قدم مسبوقا بركعة
فان عبد الله بن سنان روى عنه (عليه السلام) انه قال إذا أتم صلاته بهم فليومئ إليهم يمينا و شمالا فلينصرفوا ثم ليكمل هو ما فاته من صلاته».
التاسع-
ما رواه في الفقيه ايضا عن جميل بن دراج في الصحيح عنه (عليه السلام) (3) «في رجل أم قوما على غير وضوء فانصرف و قدم رجلا و لم يدر المقدم ما صلى الامام قبله؟ قال يذكره من خلفه».
العاشر-
ما رواه في الكافي و التهذيب عن زرارة (4) قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن إمام أم قوما فذكر انه لم يكن على وضوء فانصرف و أخذ بيد رجل و ادخله و قدمه و لم يعلم الذي قدم ما صلى القوم؟ قال يصلى بهم فإن أخطأ سبح القوم به و بنى على صلاة الذي كان قبله».
الحادي عشر-
ما رواه في الكافي و الفقيه عن زرارة في الصحيح (5) قال:
«قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل دخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة فأحدث امامهم فأخذ بيد ذلك الرجل فقدمه فصلى بهم أ تجزئهم صلاتهم بصلاته و هو لا ينويها صلاة؟ فقال لا ينبغي للرجل ان يدخل مع قوم في صلاتهم و هو لا ينويها صلاة بل ينبغي له أن ينويها صلاة فإن كان قد صلى فان له صلاة أخرى و إلا فلا يدخل
____________
(1) الوسائل الباب 41 من صلاة الجماعة.
(2) الفقيه ج 1 ص 262 و في الوسائل الباب 41 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 40 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 40 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 39 من صلاة الجماعة.
216
معهم، قد تجزئ عن القوم صلاتهم و ان لم ينوها».
الثاني عشر-
ما رواه في التهذيب في الصحيح (1) قال: «سأل على بن جعفر أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن إمام أحدث فانصرف و لم يقدم أحدا ما حال القوم؟
قال لا صلاة لهم إلا بإمام فليتقدم بعضهم فليتم بهم ما بقي منها و قد تمت صلاتهم».
الثالث عشر-
ما رواه في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه ليس على وضوء؟ قال يتم القوم صلاتهم فإنه ليس على الامام ضمان».
الرابع عشر-
ما رواه في الفقيه و التهذيب في الموثق عن ابى العباس البقباق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا يؤم الحضري المسافر و لا المسافر الحضري فإذا ابتلى بشيء من ذلك فأم قوما حاضرين فإذا أتم الركعتين سلم ثم أخذ بيد بعضهم فقدمه فأمهم. الحديث».
الخامس عشر-
ما رواه في كتاب الاحتجاج من سؤالات الحميري للناحية المقدسة (4) قال: «كتب الحميري إلى القائم (عليه السلام) انه روى عن العالم (عليه السلام) انه سئل عن امام قوم صلى بهم بعض صلاتهم و حدثت حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال (عليه السلام) يؤخر و يتقدم بعضهم و يتم صلاتهم و يغتسل من مسه؟ التوقيع ليس على من نحاه إلا غسل اليد و إذا لم يحدث ما يقطع الصلاة تمم صلاته مع القوم. الحديث».
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذه الأخبار يقع في مواضع:
(أحدها) [مواضع الاستنابة]
- المفهوم من هذه الأخبار ان مواضع الاستنابة من الامام أو المأمومين في صور: (الأولى)- موت الامام كما في الخبر الأول و الخبر الخامس عشر
____________
(1) الوسائل الباب 72 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 18 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 3 من غسل المس.
217
(الثانية)- في صورة دخوله في الصلاة على غير طهارة نسيانا كما تضمنه الخبر الثالث و التاسع و العاشر و الثالث عشر (الثالثة)- في صورة ما لو أحدث الإمام في الصلاة، و عليه يدل الخبر الثاني و الثالث و الرابع بحمل الأذى فيه و هو الوجع في البطن على ما لا يتحمل الصبر عليه أو الكناية عن خروج الحدث، و السادس و السابع و الثامن و الحادي عشر و الثاني عشر. (الرابعة)- ما لو اصابه الرعاف و لم يمكن غسله إلا بالمنافي، و عليه يدل الخبر الخامس. (الخامسة)- في ما لو كان الامام مسافرا كما يدل عليه الخبر الرابع عشر، فهذه المواضع الخمسة مورد النصوص في الاستنابة.
و الأصحاب قد ذكروا الإغماء مضافا الى الموت و نقلوا الإجماع عليه، قال في المدارك- بعد قول المصنف: و إذا مات الإمام أو أغمي عليه استنيب من يتم بهم الصلاة- قد أجمع الأصحاب على ان الامام إذا مات أو أغمي عليه يستحب للمأمومين استنابة من يتم بهم الصلاة كما نقله جماعة: منهم- العلامة في التذكرة، و تدل عليه روايات. ثم أورد الخبر الأول خاصة و مورده كما عرفت انما هو الموت.
و الظاهر انهم بنوا على ان الإغماء في تلك الحال في حكم الموت، بل ظاهر كلام جملة منهم عروض المانع للإمام بقول مطلق. و هو جيد من حيث الاعتبار إلا انه بالنسبة الى عدم النص عليه لا يخلو من شوب الإشكال.
و
ثانيها [هل تجب الاستنابة في موردها؟]
- قال في المدارك بعد الاستدلال بالخبر الثاني عشر: و مقتضى الرواية وجوب الاستنابة إلا ان العلامة (قدس سره) في التذكرة نقل إجماع علمائنا على انتفاء الوجوب، و على هذا فيمكن حمل الرواية على ان المنفي فيها الكمال و الفضيلة لا الصحة. و المسألة محل تردد. انتهى.
أقول: الظاهر أنه غفل عن صحيحة زرارة و هي الخبر الثالث عشر فإنه ظاهر في جواز الانفراد مضافا الى دعوى الإجماع في المقام، و حينئذ فيجب حمل صحيحة على بن جعفر على تأكد الاستحباب كما يقوله الأصحاب. و ظاهر جملة من الأصحاب
218
أيضا عدم الوقوف على الصحيحة المذكورة كالعلامة في المنتهى و الفاضل الخراساني في الذخيرة، فإنهم إنما استندوا- في تأويل صحيحة على بن جعفر بحملها على الفضيلة و الاستحباب- الى ما صرحوا به من جواز انفراد المأموم عن الامام مع وجوده فمع عدمه أولى. و سيأتي ما في هذا الدليل عند ذكر المسألة المذكورة. و الأظهر انما هو الاستدلال بصحيحة زرارة المذكورة فإنها ظاهرة في جواز الإتمام منفردين.
و
ثالثها [استنابة المسبوق و من لم يكن من المأمومين]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)بأنه يكره أن يستناب المسبوق سواء كانت الاستنابة من الامام أو المأمومين، و وجه الكراهة الجمع بين ما دل على الجواز كالخبر الثاني و عجز الخبر الثامن، و ما دل على المنع كالخبر السادس و السابع و صدر الخبر الثامن.
و قد صرح الأصحاب هنا بجواز استنابة من لم يكن من المأمومين، قال العلامة في المنتهى: لو استناب من جاء بعد حدث الامام فالوجه الجواز بناء على الأصل و لأنه جاز استنابة التابع فغيره أولى. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذا التعليل العليل و كأنه غفلوا عن الأخبار الواردة من هذا القبيل و هي الرواية التاسعة و العاشرة، فإن ظاهر الخبرين المذكورين ما ذكرناه فان قوله «أخذ بيد رجل و أدخله و قدمه» يدل على أنه ليس من المأمومين و انما أدخله الامام بعد اعتلاله و لهذا انه لم يعلم ما صلى القوم، و ظاهره أنه يصلى من حيث قطع الامام كما يدل عليه قوله في الخبر العاشر «و بنى على صلاة الذي كان قبله» و انه انما يصلى بهم ذلك القدر الناقص خاصة. و هو حكم غريب لم يوجد له في الأحكام نظير، فان هذه الصلاة بالنسبة الى هذا الداخل انما هي عبارة عن مجرد الأذكار و ان اشتملت على ركوع و سجود و إلا فإنها ليست بصلاة حقيقية، إذ المفهوم من الخبرين المذكورين أنه يدخل معهم من حيث اعتل الامام و يخرج معهم من غير أن يزيد شيئا على صلاتهم و انما يؤمهم في ما بقي عليهم كائنا ما كان و لو ركعة واحدة، و من هذا حصل الاستغراب. و احتمال حمل الخبرين المذكورين على استنابة
219
بعض المأمومين من المسبوقين- كما يفهم من نظمهم هذين الخبرين أو أحدهما مع أحاديث المسبوق كما جرى عليه في المدارك و مثله صاحب الوسائل- بعيد بل غير مستقيم، لأن المسبوق الداخل في الصلاة قبل اعتلال الامام عالم بما صلوا و ان دخوله في أي ركعة لانه صلى بصلاتهم و مع عدم علمه فالواجب عليه الإتيان بالترتيب الواجب عليه شرعا، فلا معنى لقوله «فإن أخطأ سبح القوم به» و لا لقوله «بنى على صلاة الذي كان قبله» و لا معنى ايضا لقوله «و أخذ بيد رجل و أدخله» فإن هذا كله إنما يبتنى على رجل خارج من الصلاة لم يدخله الإمام إلا بعد اعتلاله و هو صريح عبارة العلامة المتقدمة، فهو إنما يبتدئ الصلاة من حيث قطع الأول فلو فرضنا ان الأول انصرف عن ركعتين أتم هذا الداخل بالمأمومين الركعتين الأخيرتين خاصة و هكذا. قال في المنتهى ايضا: لو استخلف من لا يدرى كم صلى فالوجه انه يبنى على اليقين فان وافق الحق و إلا سبح القوم به فيرجع إليهم. ثم نقل أقوالا عديدة من العامة، ثم احتج برواية زرارة المتقدمة. و بالجملة فالحكم المذكور في غاية الغرابة و لم أقف على من أفصح عن الكلام فيه و لا تنبيه لما ذكرناه. و الله العالم
و
رابعها [انفراد بعض المأمومين بعد خروج الإمام]
- الظاهر أنه لا فرق بين اعتلال الامام و خروجه أن يقدم هو أو المأمومون من يتم بهم أو يتقدم شخص من المأمومين ممن له أهلية الإمامة من غير استخلاف أو يأتم كل طائفة بإمام أو يأتم بعض و ينفرد بعض.
قال في المنتهى: لو قدم بعض الطوائف اماما و صلى الآخرون منفردين جاز لأن لهم الانفراد مع وجود الامام فمع العدم أولى.
أقول: فيه انه مبنى على مسألة انفراد المأموم من غير عذر كما تقدمت الإشارة إليه في كلامه و سيأتي ما فيه ان شاء الله تعالى.
و الأظهر الاستدلال على ذلك بما ذكرناه من صحيحة زرارة و هي الخبر الثالث عشر الظاهر في جواز صلاتهم فرادى بعد اعتلال الامام مع الأخبار الدالة على جواز الاستنابة بل استحبابها، فإذا كان الأمران جائزين للجميع جاز ذلك
220
بالنسبة إلى البعض في جميع ما ذكرنا من الصور.
و
خامسها [لا فرق بين تقديم الإمام و المأمومين]
- قد دل الخبر الثاني الوارد في استنابة المسبوق و كذا عجز الخبر الثامن على انه بعد تمام صلاة المأمومين يومئ إليهم بيده عن اليمين و الشمال عوض التسليم بهم ثم يتم ما فاته، و دل الخبر الخامس على انه يقدم رجلا منهم يسلم بهم ثم يقوم هو و يتم ما بقي عليه. و الجمع بين الأخبار يقتضي التخيير بين الأمرين.
و قال العلامة في المنتهى: و لو انتظروا حتى يفرغ و يسلم بهم لم استبعد جوازه و قد ثبت جواز ذلك في صلاة الخوف. انتهى.
أقول: ثبوت ذلك في صلاة الخوف لا يستلزم جوازه هنا سيما بعد ورود النص بالحكم في هذه الصلاة بالخصوص كما عرفت. و الله العالم.
و
سادسها [تقديم المسبوقين بعضهم بعد انقضاء صلاة الإمام]
- ان الخبر الرابع عشر قد دل على انه بعد تمام صلاة الإمام يقدم من يتم بالمأمومين صلاتهم، و الظاهر أنه لا فرق بين أن يقدم الإمام أو يقدموا لأنفسهم من يختارونه من المأمومين.
و هل يجرى هذا الحكم في المسبوقين بان يأتم بعضهم ببعض بعد انقضاء صلاة الامام و قيامهم لما بقي عليهم من الصلاة؟ اشكال، قال في المدارك: و متى اقتدى الحاضر بالمسافر في الصلاة المقصورة وجب على المأموم إتمام صلاته بعد تسليم الامام منفردا أو مقتديا بمن صاحبه في الاقتداء كما في صورة الاستخلاف مع عروض المبطل، و ربما ظهر من كلام العلامة في التحرير التوقف في جواز الاقتداء على هذا الوجه، حيث قال: و لو سبق الامام اثنين ففي ائتمام أحدهما بصاحبه بعد تسليم الإمام إشكال. و كيف كان فالظاهر مساواته لحالة الاستخلاف. انتهى.
أقول: ينبغي أن يعلم ان هنا صورتين: (إحداهما) أن يقتدى جماعة من الحاضرين بمسافر، و لا ريب أنه متى أتم المسافر صلاته فإنه يجب على المأمومين الإتيان بما بقي من صلاتهم، و هل يجوز أن يأتم بعضهم ببعض في تلك البقية أم لا؟
221
و (الثانية) انه لو سبق الامام اثنين فصاعدا بمعنى انهم لم يدركوا الإمام إلا بعد فوات ركعة أو ركعتين من صلاته فبعد تسليم الامام و قيامهم لما بقي عليهم هل يأتم بعضهم ببعض أم لا؟ و هذه الصورة الثانية هي مراد العلامة من هذا الكلام و الصورة الأولى هي المفروضة في كلامه «(قدس سره)» و كلام السيد هنا لا يخلو من إجمال فيحتمل انه حمل كلام العلامة هنا على ما فرضه أولا من صورة اقتداء الحاضرين بالمسافر كما يشير اليه قوله بالتوقف في جواز الاقتداء على هذا الوجه يعنى الوجه المتقدم في كلامه أو ما هو أعم من الصورتين المفروضتين و ان كلام العلامة شامل لاقتداء الحاضرين بالمسافر.
و كيف كان فالظاهر ان المسألتين متغايرتان و النص قد دل بالنسبة إلى ائتمام الحاضرين بالمسافر انه بعد تمام صلاة الإمام يقدم بعض المأمومين، فجواز الائتمام هنا من ما لا اشكال فيه سواء قدمه الامام لما عرفت من الخبر الرابع عشر أو المأمومين لعين ما تقدم في صورة موت الامام كالخبر الأول، و في صورة ما لو أحدث و انصرف و لم يقدم أحدا كما في الخبر الثاني عشر، فإن الإمامة لما كانت جائزة و مشروعة لا يفرق بين الآتي بها و المتصدي لها من الامام أو المأمومين أو تقدم بعضهم و اقتداء الباقي من غير تعيين أحد، أما بالنسبة إلى المسبوقين بعد إتمام الإمام صلاته فلم يرد هنا نص على الاستخلاف من الامام أو المأمومين.
و قوله: «و كيف كان فالظاهر مساواته لحال الاستخلاف» ان أراد به بالنسبة إلى ائتمام الحاضرين بالمسافر فقد عرفت انه لا إشكال فيه، و ان أراد بالنسبة إلى الصورة الأخرى و هي الظاهرة من كلام العلامة فلا أعرف لهذه الظاهرة وجها يعتمد عليه، فان العبادات عندنا مبنية على التوقيف كما و كيفا و فرادى و جماعة، و النصوص الواردة بالاستخلاف المستلزم لنقل النية من المأمومية إلى الإمامة و من الائتمام بإمام الى الائتمام بآخر مخصوصة بالصور الخمس التي قدمناها و ليس هذا منها، و إلحاق ما سوى ذلك به قياس لا يوفق أصول المذهب و ان
222
كان بعض الأصحاب قد عدوا ذلك الى صور خالية من النصوص، و الظاهر انه لما ذكرناه استشكل العلامة في صورة المسبوقية و هو في محله.
و بالجملة فإن العدول في الصلاة من نية إلى أخرى- مع ما يترتب على ذلك من تغاير الأحكام كما هو المعلوم من أحكام الإمامة و المأمومية- أمر على خلاف الأصل المستفاد من قواعد الشرع. فالواجب الاقتصار فيه على موارد الرخص، و قد عرفت اختصاص ذلك بالصور الخمس المتقدمة و إلا فههنا صور عديدة قد قدمنا الكلام فيها مستوفى في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة:
منها- ان يعدل من الائتمام بإمام في أثناء الصلاة الى الائتمام بآخر لو حضرت جماعة أخرى في ذلك المكان، و قد نقل القول بالجواز هنا عن العلامة في التذكرة و تبعه المحدث الكاشاني في المفاتيح.
و منها- ما لو صلى مأموما ثم عدل في أثناء الصلاة إلى نية الإمامة ببعض المأمومين أو غيرهم بعد نقل نيته الى الانفراد أو عدمه.
و منها- أن ينقل الامام نيته في الأثناء الى الائتمام ببعض المأمومين و ذلك المأموم ينقل نيته إلى الإمامة.
الى غير ذلك من الصور التي يمكن فرضها، و قد تقدم الكلام فيها و نحوها في الموضع المشار اليه، و الأظهر الأشهر العدم لما عرفت من الخروج عن مواضع النصوص. و الله العالم.
المسألة السادسة [مواضع كراهة الإمامة]
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم)كراهة الإمامة في جملة من المواضع: منها-
المسبوق
و قد تقدم الكلام فيه في سابق هذه المسألة.
و منها-
المجذوم و الأبرص و المحدود و الأعرابي
، و قد تقدم الكلام في هؤلاء الأربعة في بحث صلاة الجمعة.
و منها-
الأغلف
و قد أطلق جملة من الأصحاب كراهة إمامة الأغلف، و منع منه جماعة منهم كالشيخ و المرتضى.
223
و قال في المدارك- بعد أن ذكر المصنف الأغلف في من يكره إمامته- ما صورته: الحكم بكراهة إمامة الأغلف مشكل على إطلاقه لان من أخل بالختان مع التمكن منه يكون فاسقا فلا تصح إمامته، و أطلق الأكثر المنع من إمامته و هو مشكل ايضا.
و قال المحقق في المعتبر: و الوجه ان المنع مشروط بالفسوق و هو التفريط في الاختتان مع التمكن لا مع العجز، و بالجملة ليس الغلفة مانعة باعتبارها ما لم ينضم إليها الفسوق بالإهمال و نطالب المانعين بالعلة، فإن احتجوا-
بما رواه أبو الجوزاء عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليهم السلام) (1) قال: «الأغلف لا يؤم القوم و ان كان أقرأهم لأنه ضيع من السنة أعظمها و لا تقبل له شهادة و لا يصلى عليه إلا أن يكون منع ذلك خوفا على نفسه».
فالجواب من وجهين: (أحدهما)- الطعن في سند الرواية فإنهم بأجمعهم زيدية مجهولو الحال و (الثاني)- أن نسلم الخبر و نقول بموجبه، فإنه تضمن ما يدل على إهمال الاختتان مع وجوبه فلا يكون المنع متعلقا على الغلفة، فإن ادعى مدع الإجماع فذاك يلزم من علمه و نحن لا نعلم ما ادعاه. انتهى. و هو جيد.
ثم ان الظاهر انه مع قدرته على الاختتان و الإخلال به لا يقتضي ذلك بطلان صلاته بل غايته الإثم لعدم توجه النهي إلى شيء من العبادة و انما هو أمر خارج إلا عند من يقول باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و هو قول مرغوب عنه لعدم الدليل عليه بل الدليل على خلافه واضح السبيل. إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في الروض صرح بأنه لا تصح صلاته بدون الاختتان و ان كان منفردا، و لا اعرف له وجها و لا سيما ان مذهب في تلك المسألة الأصولية هو عدم استلزام الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص.
و من ما يدل على النهى عن امامة الأغلف زيادة على الخبر المذكور ما نقله
____________
(1) الوسائل الباب 13 من صلاة الجماعة.
224
في البحار (1) عن كتاب جعفر بن محمد بن شريح عن عبد الله بن طلحة النهدي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يؤم الناس المحدود و ولد الزنا و الأغلف و الأعرابي و المجنون و الأبرص و العبد».
و ما رواه الصدوق في الخصال بسنده فيه عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: «ستة لا ينبغي أن يؤموا الناس: ولد الزنا و المرتد و الأعرابي بعد الهجرة و شارب الخمر و المحدود و الأغلف».
و رواه جعفر بن محمد بن قولويه في كتابه بإسناده إلى الأصبغ مثله (3).
و روى في المقنع مرسلا (4) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) الأغلف لا يؤم القوم. الحديث.
كما تقدم في حديث الزيدية.
و منها-
امامة من يكرهه المأمومون
و قد ورد بذلك جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ثمانية لا يقبل الله لهم صلاة: العبد الآبق حتى يرجع الى مولاه و الناشر عن زوجها و هو عليها ساخط و مانع الزكاة و امام قوم صلى بهم و هم له كارهون. الحديث».
و روى في الكتاب المذكور بسنده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) (6) في حديث المناهي قال: «و نهى أن يؤم الرجل قوما إلا بإذنهم. و قال من أم قوما بإذنهم و هم به راضون فاقتصد بهم في حضوره و أحسن صلاته بقيامه و قراءته و ركوعه و سجوده و قعوده فله مثل أجر القوم و لا ينقص من أجرهم شيء».
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 627.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 13 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة.
225
و روى في كتاب الخصال بسنده عن عبد الملك بن عمير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: أربعة لا تقبل لهم صلاة: الإمام الجائر، و الرجل يؤم القوم و هم له كارهون، و العبد الآبق من مولاه من غير ضرورة، و المرأة تخرج من بيتها بغير إذن زوجها».
و روى الشيخ بسنده عن زكريا صاحب السابري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ثلاثة في الجنة على المسك الأذفر: مؤذن أذن احتسابا، و امام أم قوما و هم به راضون، و مملوك يطيع الله و يطيع مواليه».
و روى في الأمالي بسنده فيه عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ثلاثة لا تقبل لهم صلاة: عبد آبق من مواليه حتى يرجع إليهم فيضع يده في أيديهم، و رجل أم قوما و هم كارهون، و امرأة باتت و زوجها عليها ساخط».
و رواه الكليني في كتاب النكاح (4).
و روى جملة من الأصحاب عن على (عليه السلام) (5) انه قال لرجل أم قوما و هم له كارهون: «انك لخروط».
قال في الروض: انه بفتح الخاء المعجمة و الراء المهملة و الگواو و الطاء المهملة و هو الذي يتهور في الأمور و يركب رأس كل ما يريد بالجهل و قلة المعرفة بالأمور.
قال العلامة في التذكرة: الأقرب انه ان كان ذا دين يكرهه القوم لذلك لم تكره إمامته و الإثم على من كرهه و إلا كرهت. و ظاهر هذا الكلام حمل الأخبار المذكورة على من لم يكن من أهل الإمامة و يحمل الناس على الائتمام به، و حينئذ فهذه الكراهة ترجع الى التحريم إلا مع التقية.
و قال في المنتهى: لا تكره امامة من يكرهه المأمون أو أكثرهم إذا كان
____________
(1) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 27 من صلاة الجماعة.
(4) ج 2 ص 60 و في الوسائل الباب 80 من مقدمات النكاح.
(5) الفائق للزمخشري و نهاية ابن الأثير و لسان العرب و تاج العروس مادة «خرط».
226
بشرائط الإمامة خلافا فالبعض الجمهور (1) لنا قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2): «يؤمكم أقرأكم» و ذلك عام، و لا اعتبار بكراهة المأمومين له إذ الإثم انما يتعلق بمن يكرهه لا به.
انتهى. و هو جيد يرجع الى ما تقدم.
أقول: و يمكن- و لعله الأقرب- ان المراد بالأخبار المذكورة ان المأمومين ليس لهم مزيد اعتقاد فيه و يرجحون غيره عليه و يريدون الائتمام بغيره و هو يحملهم مع ذلك على الائتمام به و يمنعهم من غيره، و حينئذ فالكراهة في محلها و ان صحت الصلاة خلفه. و الله العالم.
و منها-
المتيمم بالمتوضئين
، و الحكم بذلك مشهور بين الأصحاب بل قال العلامة في المنتهى: انا لا نعرف فيه خلافا إلا ما حكى عن محمد بن الحسن الشيباني من المنع من ذلك (3).
و استدل الشيخ على الحكم المذكور في كتابي الأخبار
بما رواه عن عباد بن صهيب (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول «لا يصلى المتيمم بقوم متوضئين».
و عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (5) قال: «لا يؤم صاحب التيمم المتوضئين و لا يؤم صاحب الفالج الأصحاء».
و انما حملتا على الكراهة
لما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن جميل بن دراج (6) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن امام قوم أجنب و ليس معه من الماء ما يكفيه للغسل و معهم ماء يتوضأون به أ يتوضأ بعضهم و يؤمهم؟ قال لا و لكن يتيمم الإمام
____________
(1) في المهذب ج 1 ص 98: يكره ان يصلى الرجل بقوم و أكثرهم له كارهون، و ان كان الذي يكره أقل فلا كراهة. و به قال ابن قدامة في المغني ج 1 ص 363 و قال أحمد إذا كرهه واحد أو اثنان فلا بأس.
(2) ص 208.
(3) في البحر الرائق ج 1 ص 363 ذهب محمد الى فساد اقتداء المتوضئ بالمتيمم و ذهبا (أبو حنيفة و أبو يوسف) إلى الصحة.
(4) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة. و اللفظ للفقيه ج 1 ص 250.
227
و يؤمهم فان الله (عز و جل) جعل الأرض طهورا كما جعل الماء طهورا».
و ما رواه الشيخ عن عبد الله بن بكير في الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب ثم تيمم فأمنا و نحن طهور؟ فقال لا بأس به».
و عن عبد الله بن المغيرة في الحسن عن عبد الله بن بكير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له رجل أم قوما و هو جنب و قد تيمم و هم على طهور: فقال لا بأس».
و عن أبي أسامة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل يجنب و ليس معه ماء و هو امام القوم؟ قال يتيمم و يؤمهم».
و الأقرب عندي في الجمع بين هذه الأخبار حمل الأخبار الأولة على التقية لاتفاق المخالفين إلا الشاذ النادر على الحكم المذكور (4) كما عرفت من كلام العلامة و ان وافقهم أصحابنا (رضوان الله عليهم)في ذلك و جعلوه وجه جمع بين هذه الأخبار إلا أن الأخبار المجوزة لا إشارة فيها الى ذلك فضلا عن التصريح به، و يعضده ان رواة الخبرين الأولين من العامة. و الى ما ذكرناه من العمل بهذه الأخبار الأخيرة يميل كلام صاحب المدارك بناء على قاعدته، حيث نقل صحيحة جميل في المسألة ورد الخبرين الأولين بضعف الاسناد و رجح العمل بالصحيحة المذكورة لضعف المعارض لها و لم ينقل شيئا من الروايات التي أردفناها به. و بالجملة فالأظهر عندي ما ذكرته. و الله العالم.
و منها-
العبد
و قد وقع الخلاف في إمامته، فقال في المبسوط و النهاية: لا يجوز أن يؤم الأحرار و يجوز أن يؤم مواليه إذا كان أقرأهم.
و قال ابن بابويه في المقنع: و لا يؤم العبد إلا أهله لرواية السكوني (5).
و أطلق ابن حمزة ان العبد لا يؤم الحر،
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 17 من صلاة الجماعة.
(4) في المهذب ج 1 ص 97 يجوز للمتوضئ أن يصلى خلف المتيمم لانه اتى عن طهارة يبدل. و في المغني ج 2 ص 225 يصح ائتمام المتوضئ بالمتيمم لا اعلم فيه خلافا لان عمرو ابن العاص صلى بأصحابه متيمما و بلغ النبي (ص) فلم ينكره.
(5) ص 228.
228
و جوز إمامته مطلقا ابن الجنيد و ابن إدريس، و أطلق الشيخ في الخلاف جواز إمامته قال: و في بعض رواياتنا لا يؤم إلا مولاه. و قال أبو الصلاح يكره.
و يدل على جواز إمامته جملة من الأخبار: منها-
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له الصلاة خلف العبد فقال لا بأس به إذا كان فقيها و لم يكن هناك أفقه منه. الحديث».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «انه سئل عن العبد يؤم القوم إذا رضوا به و كان أكثرهم قرآنا؟ قال لا بأس به».
و رواه أيضا في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) و ذكر مثله (3).
و عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن المملوك يؤم الناس فقال لا إلا أن يكون هو أفقههم و أعلمهم».
و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (5) قال: «لا بأس أن يؤم المملوك إذا كان قارئا».
و هذه الأخبار كما ترى كلها ظاهرة في الجواز إذا كان من أهل الإمامة.
إلا انه
روى الشيخ عن النوفلي عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (6) قال «لا يؤم العبد إلا أهله».
و جمع الشيخ بينه و بين الأخبار المتقدمة بحمل هذا الخبر على الاستحباب و تبعه في ذلك جملة من الأصحاب كما هي قاعدتهم في سائر الأبواب.
و أنت خبير بان ظاهر تلك الأخبار على تعددها مؤذن بجواز الإمامة متى كان قارئا أو فقيها من غير إشعار بكراهة بالكلية، و حملها على خلاف ظاهرها بمجرد هذا الخبر مع ضعفه و عدم نهوضه بالمعارضة مشكل، و لعل طرحه و إرجاعه إلى قائله هو الأولى ان لم يكن خرج مخرج التقية. و من ذلك يظهر لك
____________
(1) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 16 من صلاة الجماعة.
229
عدم المستند لما ذكروه من الأقوال المتقدمة فإن هذه أخبار المسألة التي وصلت إلينا. و الله العالم.
و منها-
المقيد بالمطلقين و صاحب الفالج بالأصحاء
، و الظاهر ان امامة المقيد بالمطلقين ترجع إلى امامة القاعد بالقائمين، و قد عرفت آنفا ان الحكم في ذلك هو التحريم، و حينئذ فلا وجه لعده هنا في المكروهات كما ذكره بعضهم إلا ان يكون المقيد يستطيع الصلاة قائما و هو خلاف الظاهر و كذا صاحب الفالج، و بالجملة فإنه متى استلزم نقصان صلاة الإمام بترك شيء من واجباتها فظاهرهم المنع من الاقتداء كما صرحوا به في غير موضع و إلا فالكراهة.
و من الاخبار الواردة هنا
ما رواه في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يؤم المقيد المطلقين و لا صاحب الفالج الأصحاء و لا صاحب التيمم المتوضئين. الحديث».
و رواه الصدوق مرسلا (2).
و عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (3) قال «لا يؤم صاحب الفالج الأصحاء».
و عن صاعد بن مسلم عن الشعبي (4) قال قال على (عليه السلام) في حديث: «لا يؤم المقيد المطلقين».
قال شيخنا المجلسي في البحار: و ظاهر كلام بعض الأصحاب عدم جواز امامة المقيد المطلقين و صاحب الفالج الأصحاء، و المشهور الكراهة إلا مع عدم تمكنهما من الإتيان بأفعال الصلاة. انتهى.
و منها-
امامة المسافر بالحاضر و بالعكس
، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة العاشرة من المطلب المتقدم.
____________
(1) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة إلى قوله «الأصحاء».
(3) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. و الرواية للشيخ في التهذيب ج 1 ص 302.
(4) الوسائل الباب 22 من صلاة الجماعة. و في النسخ «محمد بن مسلم» و قد صححناه.
230
المطلب الثالث في الأحكام
و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [ظهور كفر الإمام أو فسقه أو عدم طهارته بعد الصلاة]
- الأشهر الأظهر أنه لو تبين بعد الصلاة ان الامام كافر أو فاسق أو على غير طهارة لم تبطل صلاة من ائتم به، و نقل عن المرتضى و ابن الجنيد أنهما أوجبا الإعادة على المأموم، كذا نقله عنهما في المدارك و مثله الفاضل الخراساني في الذخيرة. و ظاهره يؤذن بأن المرتضى خالف في كل من المسائل الثلاث اعنى فسق الامام و كفره و حدثه، و الظاهر انه ليس كذلك فان ظاهر العلامة في المنتهى و المختلف ان خلاف السيد انما هو في مسألتي الكفر و الفسق دون الحدث، أما في المنتهى فإنه قال: لو صلى خلف من ظاهره العدالة فبان فاسقا لم يعد و به قال الشيخ و قال السيد المرتضى يعيد. ثم قال: الثاني- لو صلى خلف جنب أو محدث عالما أعاد بغير خلاف و لو كان جاهلا لم يعد، قال السيد المرتضى يلزم الإمام الإعادة دون المأموم. قال: و قد روى ان المأمومين ان علموا في الوقت لزمهم الإعادة. و أما مسألة الحدث فلم يتعرض لذكرها في الكتاب، و هو مؤذن بأنها ليست محل خلاف. و حكى الصدوق في الفقيه عن جماعة من مشايخه انه سمعهم يقولون ليس عليهم إعادة شيء من ما جهر فيه و عليهم اعادة ما صلى بهم من ما لم يجهر فيه، قال: و الحديث المفصل يحكم على المجمل.
و يدل على القول المشهور جملة من الاخبار: منها-
ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عن ابن ابى عمير في الصحيح أو الحسن عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في قوم خرجوا من خراسان أو بعض الجبال و كان يؤمهم رجل فلما صاروا إلى الكوفة علموا أنه يهودي؟ قال لا يعيدون».
و قال الصدوق في الفقيه: و في كتاب زياد بن مروان القندي و في نوادر محمد
____________
(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة. و الشيخ يرويه عن الكليني.
231
ابن ابى عمير ان الصادق (عليه السلام) (1) قال: «في رجل صلى بقوم من حين خرجوا من خراسان حتى قدموا مكة فإذا هو يهودي أو نصراني؟ قال ليس عليهم اعادة».
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يؤم القوم و هو على غير طهر فلا يعلم حتى تنقضي صلاته فقال يعيد و لا يعيد من خلفه و ان أعلمهم انه على غير طهر».
و عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: سألته عن قوم صلى بهم امامهم و هو غير طاهر أ تجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال لا اعادة عليهم تمت صلاتهم و عليه هو الإعادة، و ليس عليه ان يعلمهم هذا عنه موضوع».
و عن عبد الله بن بكير في الموثق به (4) قال: سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمنا في السفر و هو جنب و قد علم و نحن نعلم؟ قال لا بأس».
و عن عبد الله بن ابى يعفور بسند لا يبعد أن يكون موثقا (5) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أم قوما و هو على غير وضوء؟ فقال ليس عليهم اعادة و عليه هو أن يعيد».
و عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) انه قال: «في رجل يصلى بالقوم ثم يعلم انه صلى بهم الى غير القبلة؟ قال ليس عليهم اعادة».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «من صلى بقوم و هو جنب أو على غير وضوء فعليه الإعادة و ليس عليهم أن يعيدوا، و ليس عليه أن يعلمهم و لو كان ذلك عليه لهلك. قال قلت كيف كان يصنع بمن قد خرج الى خراسان و كيف كان يصنع بمن لا يعرف؟ قال هذا عنه موضوع».
و بإسناده عن جميل بن دراج عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (8)
____________
(1) الوسائل الباب 37 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(6) الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.
(7) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(8) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
232
قال: «سألته عن رجل صلى بقوم ركعتين ثم أخبرهم انه ليس على وضوء؟ قال يتم القوم صلاتهم فإنه ليس على الامام ضمان».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أم قوما و هو على غير طهر فأعلمهم بعد ما صلوا؟ فقال يعيد هو و لا يعيدون».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (2) قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يضمن الإمام صلاة الفريضة فإن هؤلاء يزعمون انه يضمن؟ فقال لا يضمن أي شيء يضمن؟ إلا أن يصلى بهم جنبا أو على غير طهر».
و أما
ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن العرزمي عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3)- قال «صلى على (عليه السلام) بالناس على غير طهر و كانت الظهر ثم دخل فخرج مناديه ان أمير المؤمنين (عليه السلام) صلى على غير طهر فأعيدوا و ليبلغ الشاهد الغائب»-.
فأجاب عنه الشيخ في التهذيبين بان هذا خبر شاذ مخالف للاخبار كلها و ما هذا حكمه لا يجوز العمل به، على ان فيه ما يبطله و هو ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أدى فريضة على غير طهر ساهيا غير ذاكر، و قد آمننا من ذلك دلالة عصمته (عليه السلام) انتهى. و هو جيد.
أقول: و من الأخبار الدالة على ما دل عليه هذا الخبر من وجوب الإعادة على المأمومين
ما نقله في كتاب البحار (4) عن نوادر الراوندي بسنده فيه عن موسى بن إسماعيل عن أبيه عن جده موسى بن جعفر عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: «من صلى بالناس و هو جنب أعاد هو و أعاد الناس».
____________
(1) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
(4) ج 18 الصلاة ص 625. و فيه «أعاد هو و الناس صلاتهم».
233
و ما رواه في كتاب دعائم الإسلام عن على (صلوات الله عليه) (1) قال: «صلى عمر بالناس صلاة الفجر فلما قضى الصلاة أقبل عليهم فقال يا أيها الناس ان عمر صلى بكم الغداة و هو جنب. فقال له الناس فما ذا ترى؟ فقال على الإعادة و لا اعادة عليكم.
فقال له على (عليه السلام) بل عليك الإعادة و عليهم ان القوم بإمامهم يركعون و يسجدون فإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المأمومين».
قال شيخنا في البحار بعد نقل خبر الراوندي: و هذا الخبر يمكن حمله على علمهم بكونه جنبا أو على الاستحباب أو على التقية لأنه مذهب الشعبي و ابن سيرين و أصحاب الرأي من العامة (2) و ان كان أكثرهم معنا.
أقول: و أظهر هذه الاحتمالات هو الثالث لان مذهب أبي حنيفة و أصحابه المعبر عنهم بأصحاب الرأي كان له قوة في وقته فحمل ما وافقه على التقية غير بعيد، و التقية هنا من الكاظم (عليه السلام) في نقل ذلك، و على ذلك يحمل ايضا حديث كتاب الدعائم. و بالجملة فإنه لما ثبت اتفاق الطائفة على الحكم المذكور و تكاثر الأخبار الصريحة الصحيحة به كما عرفت من ما تلوناه فلا مندوحة من تأويل هذين الخبرين الضعيفين أو طرحهما بالكلية.
و نقل ان السيد المرتضى احتج- على ما نقل عنه- بأنها صلاة تبين فسادها لاختلال بعض شرائطها فيجب إعادتها، و بأنها صلاة منهي عنها فتكون فاسدة.
و فيه (أولا)- ان هذا الاحتجاج في مقابلة النصوص المتكاثرة كما عرفت غير مسموع. و (ثانيا)- ان تبين الفساد مسلم بالنسبة الى الإمام أما بالنسبة إلى المأمومين فهو محل المنع، لأنه مأمورون بالاقتداء بمن ظاهره الاتصاف بشرط الإمامة أعم من أن يكون ذلك الظاهر مطابقا للواقع أولا، و مقتضى الأمر الاجزاء و الإعادة تحتاج الى دليل. و كذا قوله «انها صلاة منهي عنها» مسلم بالنسبة الى الامام و أما المأموم
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 32 من صلاة الجماعة.
(2) المغني ج 2 ص 99.
234
فلا بل هي مأمور بها لما عرفت.
و أما ما نقله الصدوق عن بعض مشايخه فلم يصل إلينا ما يدل على ما ذكروه من التفصيل، و الظاهر انه لم يصل إليه أيضا و إلا لأفتى بما قالوه و لم يكتف بمجرد نقل ذلك عنهم.
هذا. و لو ظهر ذلك في الأثناء فإنهم يعدلون الى الانفراد بناء على القول المشهور من عدم وجوب الإعادة، و اما على القول بوجوب الإعادة فقيل بأنه يستأنف هنا. قيل و يحتمل الاستئناف على القولين ان قلنا بتحريم المفارقة في أثناء الصلاة، قال في الذكرى: و لو صلى بهم بعض الصلاة ثم علموا حينئذ أتم القوم في رواية جميل و في رواية حماد عن الحلبي (1) «يستقبلون صلاتهم».
أقول: الظاهر هو القول بالعدول الى الانفراد لما عرفت من الأخبار المتكاثرة المتعاضدة الدلالة على صحة الصلاة كملا بعد العلم فكذا بعضها بطريق أولى، و لصحيحة زرارة المتقدمة و هي الثانية من روايتيه المتقدمتين.
و اما ما نقله هنا في الذكرى من رواية حماد عن الحلبي الدالة على الاستقبال فلم أقف عليها في ما حضرني من كتب الأخبار و لا سيما ما جمع الكتب الأربعة و غيرها من الوسائل و البحار. و الله العالم.
المسألة الثانية [لو خاف المأموم عند دخوله رفع الإمام رأسه]
- قد تقدم في باب صلاة الجمعة الكلام في ما به تدرك الركعة و تحتسب من إدراك الإمام راكعا أو انه لا بد من إدراك تكبير الركوع، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك و نقل الأخبار المتعلقة بالمسألة.
بقي الكلام هنا بناء على القول المشهور ثمة من إدراك الركعة بالدخول معه حال ركوعه، فلو دخل المأموم و خاف بالالتحاق بالصف رفع الإمام رأسه من الركوع فإنه يكبر مكانه و يمشي في ركوعه حتى يلتحق بالصف، و لو سجد الإمام
____________
(1) سيأتي منه (قدس سره) بعد أسطر التصريح بعدم الوقوف عليها.
235
قبل التحاقه جاز له السجود في موضعه ثم الالتحاق بالصف إذا قام، قال في المنتهى:
ذهب إليه علماؤنا.
أقول: و يدل على الحكم الأول
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) انه سئل عن الرجل يدخل المسجد فيخاف ان تفوته الركعة؟ فقال يركع قبل أن يبلغ القوم و يمشى و هو راكع حتى يبلغهم».
قال الصدوق في الفقيه (2): و روى انه يمشى في الصلاة يجر رجليه و لا يتخطى.
و على الثاني
ما رواه عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا دخلت المسجد و الامام راكع فظننت انك ان مشيت اليه رفع رأسه قبل أن تدركه فكبر و اركع فإذا رفع رأسه فاسجد مكانك فإذا قام فالحق بالصف و ان جلس فاجلس مكانك فإذا قام فالحق بالصف».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (4) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يوما و قد دخل المسجد الحرام لصلاة العصر فلما كان دون الصفوف ركعوا فركع وحده و سجد السجدتين ثم قام فمضى حتى لحق الصفوف».
أقول: و في ذكر هذا الخبر في عداد أخبار هذه المسألة كما ذكره الأصحاب نظر لان الظاهر ان ائتمامه (عليه السلام) انما كان بمخالف، و قد عرفت أن الصلاة معهم انما هو على جهة الانفراد، فهو (عليه السلام) كان منفردا و الكلام في المأموم الحقيقي، بقي جواز مشيه (عليه السلام) حال الصلاة حتى لحق بالصف و هو محمول على التقية (5).
____________
(1) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة. و الراوي معاوية بن وهب.
(5) في بداية المجتهد ج 1 ص 137 المسألة الخامسة من الفصل الثالث: ذهب مالك و كثير من العلماء الى ان الداخل وراء الإمام إذا خاف فوات الركعة له ان يركع دون الصف ثم يدب راكعا، و كره ذلك الشافعي، و فرق أبو حنيفة بين الواحد فيكره و بين الجماعة فيجوز لهم. و في المغني ج 2 ص 234: ممن رخص في ركوع الرجل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف زيد بن ثابت و فعله ابن مسعود و زيد بن وهب و أبو بكر بن عبد الرحمن و عروة و سعيد بن جبير و ابن جريح و جوزه الزهري و الأوزاعي و مالك و الشافعي إذا كان قريبا من الصف.
236
أقول: و من اخبار المسألة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «قلت له الرجل يتأخر و هو في الصلاة؟ قال لا. قلت فيتقدم؟ قال نعم ماشيا إلى القبلة».
و رواه الكليني مثله (2).
و روى الشيخ عن إسحاق بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ادخل المسجد و قد ركع الامام فاركع بركوعه و انا وحدي و اسجد فإذا رفعت رأسي أي شيء أصنع؟ فقال قم فاذهب إليهم فإن كانوا قياما فقم معهم و ان كانوا جلوسا فاجلس معهم».
و رواه الصدوق بإسناده عن إسحاق بن عمار مثله (4).
و قيد شيخنا الشهيد الثاني المشي حال الصلاة بغير حالة الذكر الواجب، و الظاهر ان منشأه المحافظة على وجوب الطمأنينة في موضعها، إلا ان ظاهر النصوص الإطلاق و لعله يخص هذا الإطلاق بما دلت عليه أدلة وجوب الطمأنينة. و الأقرب تخصيص أدلة وجوب الطمأنينة بهذه الأخبار فإنها أظهر في الدلالة سيما مع عدم ما يدل على ما يدعونه من وجوب الطمأنينة من النصوص.
و قال العلامة في المنتهى: و لو فعل ذلك من غير ضرورة و خوف فوت فالظاهر الجواز خلافا لبعض العامة (5) لأن للمأموم أن يصلى في الصف منفردا و ان يتقدم بين يديه و حينئذ يثبت المطلوب. انتهى.
قال في الذخيرة بعد نقله: و يدل عليه
ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح (6) قال: قلت له: الرجل يتأخر و هو في الصلاة.
الخبر كما ذكرناه.
أقول: ان هنا مسألتين: إحداهما التقدم من صف الى آخر و التأخر أما لسد
____________
(1) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
(5) لم أقف على نفس الفرع و يمكن ان يستفاد من ما في المجموع للنووي ج 4 ص 298 حيث انه بعد حكاية الخلاف في صلاة المنفرد خلف الصف نقل ان المشهور عن احمد و إسحاق صحة إحرامه و ان دخل في الصف قبل الركوع صحت قدوته.
(6) الوسائل الباب 46 من صلاة الجماعة.
237
خلل الصفوف أو لضيق مكان المصلى أو لإتمام الصف، و من الظاهر انه ليس هنا ما يمنع من ذلك إلا من حيث الإخلال بالطمأنينة لو انتقل في وقت تجب فيه الطمأنينة، فالأولى و الأظهر هو جواز الانتقال كما دلت عليه الأخبار لكن في وقت لا يلزم الإخلال بالطمأنينة التي هي أحد واجبات الصلاة و فيه جمع بين الأدلة الثانية- ما لو دخل المصلى المسجد و بينه و بين الصفوف مسافة تزيد على ما لا يتخطى الذي هو كما عرفت من ما يبطل القدوة، فإن الأخبار هنا دلت على انه متى خاف فوت الركعة برفع الإمام رأسه قبل وصولة إلى الصفوف و الالتحاق بها فإنه يكبر مكانه و يركع، و تصير هذه المسافة و البعد المبطلان للقدوة في غير هذه الصورة مغتفرين في هذه الصورة بالنص لضرورة إدراك الركعة، و قد رخص له في الخبر أن يمشى في حال ركوعه و يلتحق بالصف، و فيه دليل على اغتفار وجوب الطمأنينة و انها لا تبطل الصلاة بتركها في هذه الصورة، و هكذا لو سجد الامام قبل التحاقه فإنه يسجد معه و لو جلس للتشهد جلس ايضا معه و ان كانت تلك المسافة المبطلة في غير هذه الصورة موجودة لأنها صارت مغتفرة بهذه النصوص.
و بذلك يظهر لك ما في كلام المنتهى و ان وافقه عليه في الذخيرة من عدم الاستقامة من انه لو فعل ذلك من غير ضرورة و خوف فوت الركعة جاز قياسا على التقدم و التأخير في الصفوف و هي كما عرفت مسألة أخرى، و كيف يجوز ما ذكروه حال الاختيار و المفروض حصول البعد بين المأموم و الصفوف بالقدر الممنوع منه في غير هذه الصورة، اللهم إلا ان يبنى كلامه على عدم حصول البعد الموجب للإخلال بالقدوة الذي ناطوه بالعرف.
و بالجملة فإن كلامه هنا على ما حققناه آنفا في مسألة البعد و تحديده غير وجيه و لا تام. و قياسه مسألة تكبير الداخل للجماعة قبل الالتحاق بالصفوف على مسألة الانتقال من صف الى آخر قياس مع الفارق كما عرفت. و الله العالم.
المسألة الثالثة [هل يجوز للمأموم الانفراد لغير عذر؟]
- المعروف من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)انه لا يجوز
238
للمأموم مفارقة الإمام لغير عذر إلا أن ينوي الانفراد.
و استدل على الأول و هو عدم جواز المفارقة لغير عذر بالتأسي
و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «انما جعل الإمام إماما ليؤتم به».
و فيه ما عرفت مرارا من أن التأسي لا يكون دليلا في وجوب أو تحريم إلا مع معلومية وجهه و إلا فهو أعم من ذلك و الأمر هنا كذلك. و أما الحديث المذكور فقد تقدم الكلام في انه غير ثابت من طرقنا بل الظاهر انه من روايات القوم كما صرح به بعض أصحابنا، مع ما في دلالته من المناقشة.
و الاولى الاستدلال على ذلك بما ذكره بعض محققي متأخري المتأخرين من أن الصلاة عبادة مترتبة على التوقيف عن صاحب الشرع و ليس هنا ما يدل على شرعيتها على هذا الوجه.
و اما المفارقة مع العذر فلا ريب في جوازها كما في المسبوق الذي يجلس للتشهد حال قيام الامام و يتشهد ثم يلتحق به، و كذا من تخلف عنه بركن أو أكثر لعذر من سهو أو ضيق مكان كما تقدم، فإنه يأتي بما سبقه به و يلتحق به و لا يضر تأخره عنه لمكان العذر.
و أما جواز الانفراد بنيته قبل فراغ الامام فهو المشهور في كلامهم بل نقل العلامة في النهاية الإجماع عليه. و قال الشيخ في المبسوط: من فارق الامام لغير عذر بطلت صلاته و ان فارقه لعذر و تمم صحت صلاته. و هو ظاهر في عدم جواز نية الانفراد.
و احتج الأولون بوجوه: منها- ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى بطائفة يوم ذات الرقاع ركعة ثم خرجت من صلاته و أتمت منفردة (2) و منها- ان الجماعة ليست واجبة ابتداء فكذا استدامة. و منها- ان الغرض من الائتمام تحصيل الفضيلة فيكون
____________
(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 134 و ليس فيه كلمة «اماما».
(2) سنن ابى داود ج 2 ص 12 صلاة الخوف.
239
تركه لها مفوتا لها دون الصحة.
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون خلف امام فيطول في التشهد فيأخذه البول أو يخاف على شيء أن يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع؟ قال: يسلم و ينصرف و يدع الامام».
و منها- الأخبار الدالة على جواز التسليم قبل الامام، مضافا الى اتفاق الأصحاب على ذلك حتى من القائلين بوجوب التسليم:
كما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى المعزا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يصلى خلف امام فيسلم قبل الامام؟ فقال ليس بذلك بأس».
و عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل يكون خلف الامام فيطيل الامام التشهد؟ فقال يسلم من خلفه و يمضى في حاجته ان أحب».
و أنت خبير بما في هذه الوجوه من إمكان تطرق المناقشات إليها: أما الأول فهو ظاهر في أن المفارقة انما كانت لعذر و قد عرفت انه ليس بمحل خلاف و لا اشكال. و أما الثاني فإنه لا يلزم من عدم وجوب الجماعة ابتداء عدم وجوبها استدامة. و إلحاق أحدهما بالآخر قياس لا يوافق أصول المذهب. و اما الثالث فإن نية الائتمام كما تفيد الفضيلة كذا تفيد الصحة على هذا الوجه، و من الجائز أن يكون ترك الائتمام ابتداء مفوتا للفضيلة و في الأثناء مفوتا للصحة، و بالجملة فإنه مع الاستمرار على نية الائتمام مقطوع بالصحة بلا إشكال و مع نية الانفراد و حصول المفارقة لا قطع على الصحة، فإفادتها الصحة من ما لا شك و لا إشكال فيه.
و اما الرابع فهو يرجع الى الأول لأن الرواية المذكورة ظاهرة في العذر، و قد عرفت انه من ما لا خلاف فيه و لا اشكال. و اما الخامس فنقول بموجبه و نمنع التعدي عن موضع النص و هو أخص من المدعى فلا يفيد دلالة على المطلوب.
____________
(1) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 64 من صلاة الجماعة.
240
و كيف كان فالمسألة لا تخلو من الإشكال و الاحتياط فيها واجب على كل حال، و هو في ما ذهب اليه الشيخ كما هو الأقرب في هذا المجال.
هذا كله في الجماعة المستحبة أما الواجبة فلا يجوز الانفراد فيها قطعا من غير خلاف.
ثم انه على تقدير القول المشهور من جواز نية الانفراد فقد فرعوا على ذلك فروعا عديدة:
منها- عدوله بعد نية الانفراد الى الائتمام بإمام آخر في أثناء الصلاة، و قد تقدم الكلام في ذلك مستوفى في بحث نية الوضوء من كتاب الطهارة و مرة الإشارة إليه قريبا ايضا.
و ينبغي أن يعلم انه متى جوزنا للمأموم الانفراد فإنه يجب عليه إتمام صلاته منفردا، فان حصلت المفارقة قبل القراءة قرأ لنفسه و ان كان بعد تمامها ركع لنفسه و مضى في صلاته، و انما الكلام في ما لو كان في أثنائها فالظاهر على تقدير القول المذكور انه يقرأ من موضع القطع و المفارقة، و أوجب الشهيد الثاني الابتداء من أول السورة التي حصل القطع في أثنائها، و استوجه الشهيد في الذكرى الاستئناف مطلقا لأنه في محل القراءة و قد نوى الانفراد. و الحكم محل إشكال إلا انك قد عرفت ان أصل القول المتفرع عليه هذا الحكم خال من الاستدلال. و الله العالم.
المسألة الرابعة [هل تجب القراءة على المأموم إذا أدرك الإمام في الأخيرتين؟]
- إذا فاته مع الإمام شيء صلى ما يدركه و جعله أول صلاته و أتم ما بقي عليه، و عليه الأصحاب كافة كما نقله الفاضلان في المعتبر و المنتهى.
و يدل على الحكم المذكور جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال «إذا فاتك شيء مع الامام فاجعل أول صلاتك ما استقبلت منها و لا تجعل أول صلاتك آخرها».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:
____________
(1) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
241
«إذا أدرك الرجل بعض الصلاة و فاته بعض خلف امام يحتسب بالصلاة خلفه جعل أول ما أدرك أول صلاته: ان أدرك من الظهر أو من العصر أو من العشاء ركعتين و فاتته ركعتان قرأ في كل ركعة من ما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب و سورة، فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب، فإذا سلم الامام قام فصلى ركعتين لا يقرأ فيهما، لأن الصلاة انما يقرأ فيها في الأولتين في كل ركعة بأم الكتاب و سورة و في الأخيرتين لا يقرأ فيهما انما هو تسبيح و تكبير و تهليل و دعاء ليس فيهما قراءة، و ان أدرك ركعة قرأ فيها خلف الإمام فإذا سلم الامام قام فقرأ بأم الكتاب و سورة ثم قعد فتشهد ثم قام فصلى ركعتين ليس فيهما قراءة».
و في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك الركعة الثانية من الصلاة مع الامام و هي له الأولى كيف يصنع إذا جلس الامام؟ قال يتجافى و لا يتمكن من القعود فإذا كانت الثالثة للإمام و هي له الثانية فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد ثم يلحق الامام. قال: و سألته عن الرجل الذي يدرك الركعتين الأخيرتين من الصلاة كيف يصنع بالقراءة؟ فقال اقرأ فيهما فإنهما لك الأولتان و لا تجعل أول صلاتك آخرها».
الى غير ذلك من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى في المقام.
قال في المدارك بعد إيراد صحيحتي زرارة و عبد الرحمن المذكورتين ما لفظه:
و مقتضى الروايتين ان المأموم يقرأ خلف الإمام إذا أدركه في الركعتين الأخيرتين و كلام أكثر الأصحاب خال من التعرض لذلك، و قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: الأقرب عندي أن القراءة مستحبة، و نقل عن بعض فقهائنا الوجوب لئلا تخلو الصلاة عن قراءة إذ هو مخير في التسبيح في الأخيرتين. و ليس بشيء، فإن احتج بحديث زرارة و عبد الرحمن حملنا الأمر فيهما على الندب لما ثبت من عدم وجوب القراءة على المأموم. هذا كلامه (قدس سره) و لا يخلو من نظر لأن
____________
(1) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة. و الشيخ يرويه عن الكليني.
242
ما تضمن سقوط القراءة بإطلاقه لا ينافي هذين الخبرين المفصلين لوجوب حمل الإطلاق عليهما و ان كان ما ذكره من الحمل لا يخلو من قرب، لأن النهي في الرواية الأولى عن القراءة في الأخيرتين للكراهة قطعا، و كذا الأمر بالتجافي و عدم التمكن من العقود في الرواية الثانية محمول على الاستحباب، و مع اشتمال الرواية على استعمال الأمر في الندب و النهى في الكراهة يضعف الاستدلال بما وقع فيها من الأوامر على الوجوب أو النواهي على التحريم. مع ان مقتضى الرواية الأولى كون الأمر بالقراءة في النفس و هو لا يدل صريحا على وجوب التلفظ بها. و كيف كان فالروايتان قاصرتان عن إثبات الوجوب. انتهى.
و تبعه في هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا و منهم الفاضل الخراساني متمسكا زيادة على ذلك بما صرح به في غير موضع من ما قدمنا نقله عنه من أن الأوامر و النواهي في أخبارنا لا تدل على الوجوب و التحريم. و فيه ما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
و التحقيق عندي في المقام بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الأعلام (أعلى الله تعالى مقامهم في دار المقام) هو أن يقال لا يخفى أن عبائر جملة من المتقدمين و جل المتأخرين في هذه المسألة مجملة و ان كان الظاهر منها بعد التأمل هو الوجوب، حيث ان بعضهم صرح بأنه يقرأ و بعضهم عبر بلفظ الرواية و هو انه يجعل ما أدرك مع الإمام أول صلاته، ثم ربما أردف ذلك بعضهم بذكر الصحيحتين المذكورتين.
و لم أقف على من صرح بوجوب القراءة من المتقدمين إلا على كلام المرتضى (قدس سره) حيث نقل عنه في المختلف انه قال: لو فاتته ركعتان من الظهر أو العصر أو العشاء وجب أن يقرأ في الأخيرتين بالفاتحة في نفسه فإذا سلم الامام قام فصلى الركعتين الأخيرتين مسبحا فيهما. انتهى.
و هو إيضاح صريح كلام الشيخ ابى الصلاح في كتابه الكافي حيث قال: و إذا سبق بركعة فاولته ثانية الإمام فإذا نهض الإمام إلى الثالثة و هي له ثانية فليقرأ لنفسه
243
الحمد و سورة، و إذا سبق بركعتين صارت أخيرتا الإمام له أولتين فليقرأ لنفسه فيهما كقراءة المنفرد و يجلس بجلوسه، و ان سبقه بثلاث ركعات فرابعة الامام له اولة فليقرأ لنفسه فيها. انتهى.
و الظاهر ان أول من صرح بالاستحباب في هذه المسألة هو العلامة في المنتهى و المختلف و تبعه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد و السيد في المدارك لما ذكره من الوجوه المذكورة في كلامه.
و عندي في ما ذكروه نظر و ليكن محط الكلام و بيان ما فيه من النظر الظاهر لمن تدبر أخبار أهل الذكر (عليهم السلام) على كلام السيد المشار اليه حيث انه من ما استوفى البحث في المقام بما فيه من نقض و إبرام:
فنقول: ان ما ذكره منظور فيه من وجوه: الأول- ان ما ذكره- من انه باشتمال الرواية على بعض الأوامر و النواهي المستحبة و المكروهة يلزم منه انسحاب الحكم إلى جملة ما فيها من الأوامر و النواهي- فإنه ممنوع لما صرحوا به في الأصول من أن الأصل في الأمر الوجوب و في النهي التحريم، و به تمسك السيد المذكور في جملة من المواضع في كتابه، و قد عرفت من ما قدمناه في مقدمات الكتاب دلالة الآيات و الروايات على ذلك ايضا، و حينئذ فالواجب الوقوف على ذلك حتى يقوم دليل على الخروج عنه و الحمل على المعنى المجازي، و خروج بعض الأوامر و النواهي في تلك الرواية مخرج الاستحباب لدليل من خارج يدل على ذلك لا يقتضي انسحابه في ما لا دليل عليه. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لمن نظر بعين الإنصاف و جنح اليه الثاني- انه لو سلم ذلك بالنسبة إلى صحيحة زرارة لو لم يكن لها معاضد يمنع ذلك لكنه غير مسلم بالنسبة إلى صحيحة عبد الرحمن، لأن الأمر بالقراءة فيها وقع معللا منهيا عن خلافه و هو من ما يؤكد الوجوب كما لا يخفى. و أيضا فالأمر بالقراءة فيها واقع في سؤال منفصل على حدة غير السؤال المشتمل على الأمر بالتجافي» و من الجائز بل الواقع اشتمال الرواية على اسئلة متعددة عن أحكام متباينة بل هو شائع
244
ذائع في الأخبار فالانسحاب فيها من ما لا وجه له بالكلية، و يلزم على ما ذكره انجرار هذا الحكم و انسحابه الى قوله: «فليلبث قليلا إذا قام الامام بقدر ما يتشهد» فينبغي بمقتضى ما ذكره أن يحمل اللبث هنا الذي هو عبارة عن الجلوس للتشهد في هذا المقام على الاستحباب مع ان هذه الرواية هي مستند الأصحاب في وجوب لتشهد على المسبوق. على انه ما ذكره من كون الأمر بالتجافي و عدم التمكن محمولا على الاستحباب محل كلام، فان بعض الأصحاب ذهب الى وجوبه استنادا الى هذه الرواية و الى
ما رواه في كتاب معاني الأخبار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا أجلسك الإمام في موضع يجب أن تقوم فيه فتجاف».
و نقل القول بالوجوب شيخنا الشهيد في الذكرى عن ابن بابويه.
الثالث- ان ما طعن به على صحيحة زرارة- من كون الأمر بالقراءة فيها في النفس و هو لا يدل على الوجوب- كلام ظاهري فإن هذه العبارة من ما شاع في الأخبار التعبير بها في مقام الكناية عن الإخفات و المبالغة فيه، حيث انه يكره للمأموم هنا أن يسمع الإمام شيئا من ما يقوم كما دلت عليه الأخبار.
و مثل ذلك ما ورد في الاقتداء بالمخالف مع وجوب القراءة خلفه اتفاقا من
قوله (عليه السلام) (2): «يجزئك إذا كنت معهم من القراءة مثل حديث النفس».
و أبلغ منه ما روى من التعبير عن الإخفات بالصمت الذي هو حقيقة عدم الكلام بالكلية كما
في صحيحة على بن يقطين (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الركعتين اللتين يصمت فيهما الامام أ يقرأ فيهما بالحمد. الخبر».
فان المراد بهما الركعتان من الصلاة الإخفاتية.
و في صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل
____________
(1) الوسائل الباب 6 من السجود.
(2) الوسائل الباب 33 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 31 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 52 من القراءة في الصلاة.
245
يصلح له ان يقرأ في صلاته و يحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه؟ قال: لا بأس ان لا يحرك لسانه يتوهم توهما».
و حمله الشيخ على الصلاة خلف من لا يقتدى به.
و في كتاب قرب الاسناد عن أخيه (عليه السلام) (1) «انه سأله عن الرجل يقرأ في صلاته هل يجزئه أن لا يحرك لسانه و أن يتوهم توهما؟ قال لا بأس».
هذا مع الاتفاق على وجوب القراءة.
و بالجملة فإن باب المجاز واسع و التعبير بهذه العبارة عن المعنى الذي ذكرناه شائع، و عليه يحمل ما تقدم في عبارة السيد (قدس سره) و بذلك يظهر لك ان ما نسبه من القصور الى الروايتين لا أثر له عند التأمل و لا عين.
الرابع- ان الأخبار المتعلقة بهذه المسألة كلها متطابقة الدلالة متعاضدة المقالة على وجوب القراءة في المقام ما بين صريح و ظاهر لجملة ذوي الأفهام، و منها الصحيحتان المتقدمتان فإنهما بما أوضحناه و كشفنا عنه نقاب الإبهام صريحتان واضحتان، و منها ما تقدم في كلامه من صحيحة الحلبي.
و ما رواه في التهذيب عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) (2) قال: «يجعل الرجل ما أدرك مع الإمام أول صلاته. قال جعفر (عليه السلام) و ليس نقول كما يقول الحمقى».
و عن احمد بن النضر عن رجل عن ابى جعفر- و رواه في الفقيه مرسلا عنه- (عليه السلام) (3) قال: «قال لي أي شيء يقول هؤلاء في الرجل إذا فاتته مع الامام ركعتان؟ قلت يقولون يقرأ في الركعتين بالحمد و سورة. فقال هذا يقلب صلاته فيجعل أولها آخرها. قلت: فكيف يصنع؟ قال يقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة».
و التقريب في هذه الروايات و مثله ما وقع
في صحيحة عبد الرحمن من قوله
____________
(1) الوسائل الباب 52 من القراءة في الصلاة.
(2) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
(3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
246
(عليه السلام) «اقرأ فيهما فإنهما لك الأولتان و لا تجعل أول صلاتك آخرها».
هو انه قد ذهب بعض العامة- و نسبه في المعتبر الى ابى حنيفة و اتباعه- الى أن ما يدركه المأموم يجعله آخر صلاته إذا كان مسبوقا محتجا بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «ما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فاقضوا» فان لفظ القضاء يدل على ان ما ينفرد به المصلى بعد تسليم الامام هو ما فاته مع الامام و هو أول صلاته، فعندهم انه يلزم في ما أدركه ما يلزم في الأخيرتين من القراءة أو التسبيح أو السكوت و ما انفرد به يثبت فيه ما يثبت في الأولتين من الحمد و السورة، و هذه الروايات قد وردت في مقام الرد على هذا المذهب و النهى عنه و تضمنت ان ذلك قلب للصلاة كما صرحت به رواية أحمد بن النضر و
صحيحة الحلبي (2) حيث قال:
(عليه السلام) «فاجعل أول صلاتك ما استقبلت منها و لا تجعل أول صلاتك آخرها».
و حينئذ فعدم القلب انما هو بإرجاع كل إلى مقره من جعل الحمد و السورة في أول ما يدركه المأموم و التخيير المتقدم انما هو في ما ينفرد به. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
و منها-
ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركت القراءة الأخيرة قرأت في الثالثة من صلاته و هي ثنتان لك، فان لم تدرك معه إلا ركعة واحدة قرأت فيها و في التي تليها. الحديث».
____________
(1) في بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 1 ص 218 قال محمد: يؤمر من أدرك القوم ركوعا أن يأتي و عليه السكينة و الوقار و لا يعجل في الصلاة حتى يصل الى الصف فما أدرك مع الامام صلى بالسكينة و الوقار و ما فاته قضى، و أصله
قول النبي (ص) «إذا أتيتم الصلاة فأتوها و أنتم تمشون و لا تأتوها و أنتم تسعون عليكم بالسكينة و الوقار، و ما أدركتم فصلوا و ما فاتكم فاقضوا».
و في المهذب ج 1 ص 94 فإن أدرك معه الأخيرة كان ذلك أول صلاته
لما روى عن على (ع) انه قال «ما أدركت فهو أول صلاتك» ...
(2) ص 240.
(3) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
247
و عن عمار بن موسى في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يدرك الامام و هو يصلى اربع ركعات و قد صلى الامام ركعتين؟ قال يفتتح الصلاة و يدخل معه و يقرأ خلفه في الركعتين».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «فإن سبقت بركعة أو ركعتين فاقرأ في الركعتين الأولتين من صلاتك بالحمد و سورة فان لم تلحق السورة أجزأك الحمد».
و قال أيضا في موضع آخر (3) «و إذا فاتك مع الإمام الركعة الأولى التي فيها القراءة فأنصت للإمام في الثانية التي أدركت ثم اقرأ أنت في الثالثة للإمام و هي لك ثنتان».
و روى في كتاب دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (4) انه قال: «إذا سبق أحدكم الإمام بشيء من الصلاة فليجعل ما يدرك مع الإمام أول صلاته و ليقرأ في ما بينه و بين نفسه ان أمهله الإمام فان لم يمكنه قرأ في ما يقضى، و إذا دخل مع الإمام في صلاة العشاء الآخرة و قد سبقه بركعة و أدرك القراءة في الثانية فقام الإمام في الثالثة قرأ المسبوق في نفسه كما كان يقرأ في الثانية و اعتد بها لنفسه انها الثانية».
و روى فيه عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) نحوه (5).
و روى فيه عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (6) انه قال: «إذا أدركت الامام و قد صلى ركعتين فاجعل ما أدركت معه أول صلاتك فاقرأ لنفسك بفاتحة الكتاب و سورة أن أمهلك الإمام أو ما أدركت أن تقرأ و اجعلها أول صلاتك».
فهذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة، و كلها كما قدمنا ذكره قد اشتملت على الأمر بالقراءة، و به يظهر لك ما في كلام الجماعة المتقدمين من البناء في المسألة على مجرد الظن و التخمين. و الحق فيها بحمد الله سبحانه واضح
____________
(1) الوسائل الباب 29 من صلاة الجمعة.
(2) ص 14.
(3) ص 10 و فيه «أجزأك الحمد وحده».
(4) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.
(5) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.
(6) مستدرك الوسائل الباب 38 من صلاة الجماعة.
248
و منارة لمن أعطى التأمل حقه لائح. و الله العالم.
فروع
الأول [لو لم يمهل الإمام المسبوق للقراءة]
- قد عرفت من ما قدمنا من الأخبار وجوب القراءة على المسبوق في أولتيه، فلو اتفق ان الوقت ضاق عن القراءة كملا على وجه يدرك الإمام في الركوع فهل يقرأ و ان فاته ادراك الركوع فيقرأ و يلحقه في السجود أو يترك القراءة و يتابعه في الركوع؟ إشكال ينشأ من وجوب القراءة كما عرفت و من وجوب المتابعة و انفساخ القدوة بالإخلال بها في ركن كما تقدم بيانه في فروع المسألة التاسعة من المطلب الأول، و طريق الاحتياط في المقام مطلوب فينبغي للمكلف قبل دخوله و تكبيره أن يتأمل و ينظر فإن أمكنه الدخول و القراءة و لو بالحمد وحدها قبل رفع الإمام رأسه من الركوع كبر و دخل معه و ان عرف ضيق الوقت عن ذلك صبر حتى يركع الامام فيدخل معه إذ لا قراءة في هذه الحال، و مع فرض دخوله و اتفاق الأمر كما ذكرنا من الإشكال فالأولى له قطع القراءة و متابعة الإمام في الركوع قبل الرفع ثم الإعادة من رأس و ان كان المفهوم من ظواهر جملة من الأخبار تقديم المتابعة و قطع القراءة كما تقدم إيضاحه في الموضع المشار اليه إلا ان الاحتياط بالإعادة من رأس أولى.
الثاني [وظيفة المسبوق في أخيرتيه]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)ان التخيير بين قراءة الحمد و التسبيح ثابت للمسبوق في الركعتين الأخيرتين و ان إختار الامام التسبيح في الركعتين الأخيرتين و لم يقرأ، و يظهر من المنتهى كون ذلك اتفاقيا حيث قال: الذي عليه علماؤنا انه يقرأ في الركعتين اللتين فاتتاه بأم الكتاب خاصة أو يسبح لأنهما آخر صلاته.
و نقل عن بعض الأصحاب القول بوجوب القراءة هنا في ركعة لئلا تخلو الصلاة عن قراءة، و الأظهر الاستدلال على ذلك برواية أحمد بن النضر المتقدمة (1)
____________
(1) ص 245.
249
حيث انه بعد أن منع من قراءة الحمد و السورة في الأخيرتين لاستلزامه قلب الصلاة أمر بقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة.
و من ذلك ايضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدرك آخر صلاة الامام و هي أول صلاة الرجل فلا يمهله حتى يقرأ فيقضي القراءة في آخر صلاته؟ قال نعم».
فان المراد من هذا الخبر كما ذكره في الاستبصار انه يأتي بالقراءة في الأخيرتين التي هي أحد فردي التخيير حيث انه فاتته القراءة في الأولتين، و التعبير بالقضاء وقع مجازا أو بمعنى الفعل كقوله عز و جل «فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ» (2).
و بذلك يظهر ان ما استدل به للقول المشهور- من عموم أدلة التسبيح الشاملة لموضع البحث- مدخول بأنه يمكن تخصيص العموم المذكور بهذه الرواية كما انه خصص أيضا بأخبار ناسي القراءة في الأولتين و ان عليه القراءة في الأخيرتين كما هو أحد القولين حسبما تقدم تحقيق البحث في ذلك في الفصل الثامن من الباب الأول (3) في الصلوات اليومية، فإنا قد رجحنا ثمة وجوب القراءة بالأخبار الدالة على ذلك و ان كان خلاف المشهور فليرجع اليه من أحب تحقيق الحال.
الثالث [متابعة المسبوق للإمام في القنوت و التشهد]
- لو دخل المأموم مع الإمام في الركعة الثانية و قنت الإمام فإنه يستحب للمأموم القنوت معه و ان لم يكن موضع قنوت بالنسبة اليه.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في الرجل يدخل في الركعة الأخيرة من الغداة مع الامام فقنت الإمام أيقنت معه؟ فقال نعم».
و كذا ينبغي المتابعة له في التشهد و ان لم يكن موضع تشهد للمأموم، و يدل عليه
____________
(1) الوسائل الباب 47 من صلاة الجماعة.
(2) سورة الجمعة الآية 10.
(3) الصحيح «الثاني».
(4) الوسائل الباب 17 من القنوت.
250
ما رواه الشيخ في الموثق عن الحسين بن المختار و داود بن الحصين (1) قال «سئل عن رجل فاتته ركعة من المغرب مع الامام و أدرك الثنتين فهي الأولى له و الثانية للقوم يتشهد فيها؟ قال نعم. قلت و الثانية أيضا؟ قال نعم. قلت كلهن؟ قال نعم فإنما هو بركة».
و عن إسحاق بن يزيد (2) قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك يسبقني الإمام بركعة فتكون لي واحدة و له ثنتان أ فأتشهد كلما قعدت؟ قال نعم فإنما التشهد بركة».
و بذلك يظهر ان ما نقله في الذكرى عن ابى الصلاح- من انه يجلس مستوقرا و لا يتشهد، قال: و تبعه ابن زهرة و ابن حمزة- غفلة عن ملاحظة هذه الأخبار و عدم الوقوف عليها.
قيل: و منه يعلم انه قد يوجد خمس تشهدات في الرباعية و أربعة في الثلاثية و ثلاثة في الثنائية. و الظاهر انه سهو من القلم أو من القائل بل أربعة في الرباعية و ثلاثة في الثلاثية و اثنان في الثنائية.
الرابع [متى يتم المسبوق صلاته؟]
- قيل: الأولى القيام إلى إدراك الفائت بعد تسليم الامام و يجوز قبله بعد التشهد على القول باستحباب التسليم، و اما على القول بوجوبه فلا يبعد ايضا ذلك بل يجوز المفارقة بعد رفع الرأس من السجدة أيضا قبل التشهد بناء على القول بعدم وجوب المتابعة في الأقوال، و على تقدير الجواز هل تجب نية الانفراد؟ فيه وجهان و لعل الأقرب العدم. انتهى.
أقول: لا يحضرني الآن خبر في هذه المسألة إلا ما سيأتي قريبا
في موثقة عمار (3) من قوله (عليه السلام) «فإذا سلم الامام قام الرجل فأتم صلاته».
و هي كما ترى ظاهرة في كون القيام بعد التسليم، و باب الاحتمال في المسألة واسع. و الله العالم.
المسألة الخامسة [أحوال المأموم في دخوله مع الإمام]
- لا يخفى ان للمأموم بالنظر الى دخوله مع الإمام في الصلاة
____________
(1) الوسائل الباب 66 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 66 من صلاة الجماعة.
(3) ص 254.
251
أحوالا
أحدها- ان يدركه قبل الركوع
، و لا خلاف في إدراكه الركعة و الاعتداد بها، و عليه تدل الأخبار الكثيرة كما تقدم في صلاة الجمعة.
الثانية- أن يدركه حال الركوع
و الأشهر الأظهر إدراك الركعة و الاعتداد بها، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في فصل صلاة الجمعة و في المسألة الثانية من هذا المطلب، فيكبر تكبيرة للافتتاح و اخرى للركوع و ان خالف فوت الركوع أجزأته تكبيرة الافتتاح، قال في المنتهى: و لو خاف الفوات أجزأته تكبيرة الافتتاح عن تكبيرة الركوع إجماعا.
أقول: و قد تقدم ما يدل على ذلك من الأخبار في الفصل الثاني في تكبيرة الإحرام من فصول الباب الثاني في الصلوات اليومية و قد تقدم ما يتعلق من البحث بذلك
الثالثة- أن يدركه بعد رفع رأسه من الركوع
، و لا خلاف في فوات الركعة بذلك و عدم احتسابها، و كذلك الظاهر انه لا خلاف أيضا في استحباب التكبير و الدخول معه و متابعة الإمام في السجدتين، و انما الخلاف في وجوب استئناف النية و تكبيرة الإحرام بعد القيام من السجود أو الاعتداد بما فعله أولا، فالشيخ على الثاني مستندا الى ان زيادة الركن مغتفرة في متابعة الامام، و الأكثر على الأول لأن زيادة السجدتين تبطل الصلاة، و يظهر من العلامة في المختلف التوقف في هذا الحكم من أصله للنهى عن الدخول في الركعة عند فوات تكبيرها.
الرابعة- ان يدركه و قد سجد سجدة واحدة
، قالوا و حكمه كالسابق.
الخامسة- أن يدركه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة
، و قد قطع المحقق و غيره بأنه يكبر و يجلس معه و يتخير بين الإتيان بالتشهد و عدمه استنادا إلى رواية عمار الآتية، و قال في الذكرى: الحالة الخامسة- أن يدركه بعد السجود فيكبر و يجلس معه جلسة الاستراحة أو جلسة التشهد الأول أو التشهد الأخير، و تجزئ هذه التكبيرة قطعا فان كان قد بقي شيء من صلاة الإمام بنى عليه و إلا نهض بعد تسليم الامام و أتم صلاته. ثم نقل روايتي عمار المتقابلتين في الجلوس بعد التكبيرة و قد جمع بينهما بجواز الأمرين.
252
أقول: و تحقيق الكلام في المقام بما لا يحوم حوله ان شاء الله تعالى نقض و لا إبرام ان المستفاد من اخبار المسألة هو ثبوت التعبد بالدخول مع الإمام في هذه الصور الثلاث الأخيرة و انما البحث و الإشكال و محل الخلاف في وجوب تجديد النية و تكبيرة الإحرام و عدمه.
[الأخبار الواردة في المقام و هل يجب الاستئناف لو دخل مع الإمام بعد الركوع؟]
و ها انا أذكر الأخبار التي وقفت عليها في هذه المسألة مذيلا لكل منها بما رزقني الله سبحانه فهمه منها مستمدا منه تعالى الهداية و التوفيق الى الصواب و العصمة من زلل الإقدام في هذه الأبواب:
فأقول: من الأخبار المذكورة
رواية المعلى بن خنيس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا سبقك الإمام بركعة فأدركته و قد رفع رأسه فاسجد معه و لا تعتد بها».
و ظاهرها كما عرفت هو جواز الدخول و استحبابه و حصول فضيلة الجماعة بذلك لكنها مجملة بالنسبة الى الاستئناف و عدمه بل ربما ظهر منها ان المراد انما هو مجرد المتابعة في السجود لا انه ينوي و يكبر بحيث يدخل في الصلاة، و لعل في قوله «و لا تعتد بها» ما يشير الى ذلك بمعنى انك لا تعد ذلك دخولا في الصلاة و ان احتمل ايضا أن يكون المعنى انك لا تعتد بها بحيث تجعلها ركعة تامة بمجرد ادراك السجود، و حينئذ فيحمل قوله «فأدركته» يعنى كبرت معه و دخلت في الصلاة. و كيف كان فإنها بهذا الإجمال و تعدد الاحتمال تسقط عن درجة الاستدلال و منها-
موثقة عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أدرك الامام و هو جالس بعد الركعتين؟ قال يفتتح الصلاة و لا يقعد مع الامام حتى يقوم».
و ظاهر هذه الرواية انه يكبر تكبيرة الإحرام المعبر عنه بالافتتاح و يدخل في الصلاة مع الامام حال جلوسه في التشهد و لكن لا يجلس معه بعد التكبير و الدخول بل يبقى قائما الى أن يقوم الامام. و هذه الرواية خارجة عن محل البحث لان المفروض ان المأموم لم يأت بشيء زائد من ركن أو واجب و منشأ الإشكال
____________
(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
253
انما هو من ذلك، و حينئذ فالرواية خارجة من البين لعدم الدلالة على شيء من القولين و منها-
رواية معاوية بن شريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا جاء الرجل مبادرا و الامام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع، و من أدرك الامام و هو ساجد كبر و سجد معه و لم يعتد بها، و من أدرك الامام و هو في الركعة الأخيرة فقد أدرك فضل الجماعة، و من أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهد فقد أدرك الجماعة و ليس عليه أذان و لا اقامة، و من أدركه و قد سلم فعليه الأذان و الإقامة».
أقول: يمكن أن يستدل للشيخ بهذا الخبر بان يقال لا يخفى أن الظاهر من قوله «و من أدركه» أي نوى و كبر معه و دخل في الصلاة، و قد دلت على ان من دخل معه و هو ساجد سجد معه و لم يعتد بها و استمر معه في الصلاة و من دخل معه بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة فإنه يمضى في صلاته بعد تسليم الامام، و لو كان ما يدعونه من وجوب إعادة النية و التكبير حقا لوجب ذكره في الكلام إذ المقام مقام البيان و ليس فليس. و بعين ذلك يمكن أن يقال في رواية المعلى المتقدمة فإنها دلت على الدخول معه بعد النية و التكبير المعبر عنهما بقوله «فأدركته» لأن هذا هو ظاهر معنى هذا اللفظ كما عرفت، و لم يتعرض في الخبر لإعادة النية و تكبير الإحرام و مقام البيان يقتضيه لو كان واجبا. و بالجملة فإنه حيث كان ظاهر اللفظ المذكور اعنى قوله «و من أدركه» هو ما ذكرنا من الكناية عن الدخول معه بعد النية و تكبير الإحرام فإنه لا مناص من صحة ما رتبناه عليه من توجيه الاستدلال به للشيخ (قدس سره) و نحوه رواية المعلى بالتقريب المذكور، و لا معنى لحمل هذا اللفظ على معنى الوصول الى الامام في تلك الحال و ان لم يكبر و يدخل معه لانه معنى متهافت لا يقبله الذوق السليم و لا الفهم القويم. إلا ان
الشيخ قد روى هذه الرواية (2) إلى قوله «أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة و الركوع».
خاصة
____________
(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
(2) الوسائل الباب 4 من تكبيرة الإحرام.
254
و ما نقلناه بهذه الكيفية انما هو من رواية صاحب الفقيه (1) و احتمل في الوافي (2) ان تكون هذه الزيادة من كلام صاحب الفقيه، و حينئذ فيسقط الاستدلال بما دلت عليه هذه الزيادة، و صاحب الوسائل قد نقل الجميع (3) بناء على انه من الرواية و لعله الأظهر.
و منها-
رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) و فيها قال: «إذا وجدت الامام ساجدا فاثبت مكانك حتى يرفع رأسه و ان كان قاعدا قعدت و ان كان قائما قمت».
أقول: ظاهر هذه الرواية الدخول معه في الصلاة و انه متى كان الدخول و هو ساجد لم يتابعه في السجود مع دلالة رواية المعلى المتقدمة على السجود معه متى دخل معه بعد رفع رأسه من الركوع. و يشكل الجمع بينهما في ذلك إذ لا فرق بينهما إلا ان هذا الخبر دل على دخوله حال السجود و خبر المعلى دل على دخوله قبل السجود، و هذا الا يصلح للفرق و جواز السجود في ما إذا دخل قبل و عدم الجواز في ما إذا دخل حال السجود. اللهم إلا ان يقال ان رواية المعلى قد دلت على انه لا يعتد بذلك السجود و حينئذ يكون وجوده كعدمه، و ظاهرها انه لا ضرورة في الإتيان به كما هو مذهب الشيخ، و حينئذ يكون وجه الجمع بينهما التخيير بين الإتيان بالسجود و عدمه.
و منها-
موثقة عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل يدرك الامام و هو قاعد يتشهد و ليس خلفه إلا رجل واحد عن يمينه؟ قال لا يتقدم الامام و لا يتأخر الرجل و لكن يقعد الذي يدخل معه خلف الإمام فإذا سلم الامام قام الرجل فأتم صلاته».
أقول: ظاهر الخبر انه بدخوله في هذه الحال يدرك فضيلة الجماعة و ان لم
____________
(1) ج 1 ص 265.
(2) باب الرجل يدرك الإمام في أثناء الصلاة أو بعد انقضاء الاولى.
(3) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
(5) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
255
يدرك من الصلاة شيئا و لم يكن حكمه حكم المأموم حقيقة، و لهذا منع من تقدم الامام و تأخر الرجل الذي الى جنبه لان هذا الداخل ليس مأموما حقيقيا يوجب تعدد المصلى خلف الامام الموجب لتقدم الامام و تأخر المأمومين خلفه كما تقدم.
و كيف كان فظاهر الخبر الدلالة على مذهب الشيخ، لان قوله: «فإذا سلم الامام قام الرجل فأتم صلاته» ظاهر في الدلالة على الاعتداد بالتكبير الأول و ان كان قد زاد واجبا و هو التشهد، و من ثم ان جمعا ممن خالف الشيخ في الصورة الثالثة و الرابعة وافقه هنا كالمحقق و العلامة و غيرهما للموثقة المذكورة كما قدمنا ذكره و صاحب المدارك انما طعن في الرواية المذكورة من حيث السند دون الدلالة، إلا انه لا يخفى ان موثقة عمار المتقدمة دالة على النهى عن القعود مع الإمام في مثل هذه الصورة، إلا ان يقال بالفرق بين التشهد الأول و الثاني فيقال بالمتابعة في الثاني كما دلت عليه هذه الموثقة دون الأول كما دلت عليه الموثقة المتقدمة.
و منها-
ما رواه الصدوق في الفقيه (1) عن عبد الله بن المغيرة قال «كان منصور بن حازم يقول إذا أتيت الامام و هو جالس قد صلى ركعتين فكبر ثم اجلس فإذا قمت فكبر».
و هو ظاهر الدلالة على القول المشهور.
و الرواية و ان كانت غير مسندة الى إمام إلا ان الظاهر من حال القائل المذكور لكونه من أجل ثقات الأصحاب انه لا يقوله إلا عن ثبت و سماع من الامام و يؤيده إيراد الصدوق لها في كتابه.
و حينئذ فتبقى المسألة في قالب الإشكال، و لعل نهيه (عليه السلام) في موثقة عمار الأولى عن الجلوس و التشهد مع الإمام في هذه الصورة انما هو لأجل البقاء على التكبير الأول و عدم الاحتياج إلى إعادة التكبير ثانيا كما في هذه الرواية، على أن في الإبطال بالتشهد مع الإمام إشكالا لدلالة الأخبار المتقدمة قريبا على استحباب
____________
(1) ج 1 ص 26.
256
متابعة المأموم للإمام في التشهد و ان لم يكن موضع تشهد للمأموم فليكن هنا من قبيل ذلك.
و بالجملة فإن هذه الأخبار قد تصادمت و تقابلت في هذه الزيادات التي بعد تكبير الإحرام نفيا و إثباتا كالسجود الذي تقابلت فيه رواية المعلى إثباتا و رواية البصري نفيا، و التشهد الذي قد تقابلت فيه موثقة عمار الأولى نفيا و موثقته الثانية و كذا رواية عبد الله بن المغيرة إثباتا، و ظاهر الروايات المثبتة في كل من الموضعين موافق لكلام الشيخ و ظاهر الروايات النافية في كليهما موافقة للمشهور و حمل أحد الطرفين على الآخر و ان أمكن كما أشرنا إليه آنفا إلا انه لا يخرج المسألة عن قالب الإشكال و مجال الاحتمال، و الاحتياط عندي أن لا يدخل المأموم في حال من هذه الأحوال.
و منها-
صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «قلت له متى يكون يدرك الصلاة مع الامام؟ قال إذا أدرك الامام و هو في السجدة الأخيرة من صلاته».
قال في المدارك: و يستفاد من هذه الرواية عدم جواز الدخول مع الامام بعد رفع رأسه من السجدة الأخيرة، لأن الظاهر ان السؤال انما وقع عن غاية ما تدرك به الجماعة و قد ناطه (عليه السلام) بإدراك السجدة الأخيرة، و ليس في الرواية دلالة على حكم المتابعة إذا لحقه في السجود، و الظاهر ان الاقتصار على الجلوس أولى. انتهى أقول: لا يخفى ان هذه الدلالة إنما هي بالمفهوم الضعيف المعارض بمناطيق جملة من الأخبار، إذ غاية ما تدل عليه الرواية انه إذا أدرك الامام و هو في السجدة الأخيرة فقد أدرك الصلاة معه و مفهومه عدم إدراك الصلاة بعد ذلك، و قد عرفت دلالة موثقة عمار الثانية على إدراك فضيلة الجماعة بالدخول معه في التشهد الأخير، و أصرح منها رواية معاوية بن شريح المتقدمة و قوله فيها «و من أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهد فقد أدرك الجماعة» و نحو ذلك إطلاق
____________
(1) الوسائل الباب 49 من صلاة الجماعة.
257
رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري (1) و حينئذ فوجه الجمع بين هذه الأخبار حمل الصحيحة المذكورة على أعلى المرتبتين، و ذلك فإنه بعد فوات الدخول في الركعة الأخيرة لعدم ادراك ركوعها فهنا مراتب في إدراك فضيلة الجماعة: أولها إدراكه قبل السجود ثانيها إدراكه في السجدة الثانية ثالثها إدراكه في التشهد، و الصحيحة المذكورة لا دلالة فيها على انحصار إدراك الفضيلة في هذه الحال دون ما بعدها إلا بالمفهوم و هو من ما يجب إطراحه في مقابلة المنطوق. و لكن العذر له ظاهر حيث انه يدور مدار الأسانيد صحة و ضعفا، و هذه الرواية صحيحة السند عنده و تلك الأخبار ضعيفة باصطلاحه، فالغني مناطيق تلك الأخبار في مقابلة هذا المفهوم الضعيف و هو تعسف محض. و اما قوله- و ليس في الرواية دلالة على حكم المتابعة إذا لحقه في السجود. الى آخره- ففيه ان قضية الدخول مع الإمام في الصلاة كيف كان و حيث كان هو المتابعة في جميع ما يأتي به في ذلك المكان إلا ان يستثني من ذلك شيء بخصوصه، و لا يحتاج بعد ذلك الى التصريح بالمتابعة في كل فعل حتى انه يحتاج هنا الى ذلك و يكون عدم ذكر المتابعة في السجود دليلا على عدمها. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لمن تأمل في أخبار الجماعة الواردة في المسبوق و غيره أدرك ما يوجب انعقاد الجماعة أم لا كما لا يخفى. و الله العالم.
المسألة السادسة [لو دخل الإمام و المأموم في النافلة]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم)بأنه لو دخل الامام و المأموم في النافلة قطعها و ان كان في الفريضة أتمها نافلة و دخل مع الامام، و لو كان إمام الأصل قطع الفريضة، و لو كان الامام مخالفا لم يقطع فرضه و لم ينقله الى النقل بل يدخل معه.
و توضيح هذه الجملة يقع في مواضع
الأول- لو كان في نافلة فدخل الامام
قالوا فإنه يقطعها إن خشي بإتمامها الفوات و إلا أتمها. قالوا و إنما يقطعها تحصيلا للعبادة التي هي أهم في نظر الشارع فإن الجماعة في نظر الشارع أهم من النافلة، و أما لو لم
____________
(1) ص 254.
258
يخش الفوات فإنه يتمها جمعا بين الوظيفتين و تحصيلا للفضيلتين. و الظاهر ان المراد بالفوات يعنى فوات الركعة، و احتمال فوات الصلاة كما بعيد.
و لم أقف في هذا المقام على نص إلا على
ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1) حيث قال: «و ان كنت في صلاة نافلة و أقيمت الصلاة فاقطعها و صل الفريضة مع الامام».
و الأصحاب (رضوان الله عليهم)لم ينقلوا مستندا لما ذكروه في هذا الموضع سوى ما عرفت من التعليل الاعتباري الذي نقلناه عنهم.
و يمكن أيضا أن يستدل على ذلك بما تقدم في المسألة الثانية عشرة من المطلب الأول (2) من صحيحة عمر بن يزيد الدالة على السؤال عن الرواية التي يروون انه لا ينبغي أن يتطوع في وقت فريضة ما حد هذا الوقت؟ قال إذا أخذ المقيم في الإقامة.
الحديث. و الأصحاب قد استدلوا به على كراهة النافلة بعد قوله «قد قامت الصلاة» و يمكن الاستدلال به هنا بتقريب ان الخبر قد دل على انه إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا ينبغي التطوع، و هو أعم من أن يبتدئ بالتطوع بعد أخذ المقيم في الإقامة أو يحصل الأخذ في الإقامة بعد دخوله في النافلة، فالمراد من النهى عن التطوع في هذا الوقت ابتداء و استدامة.
الثاني- ما لو كان في فريضة
فإنه ينقل نيته الى النفل و يتمها ركعتين على المشهور و كلام العلامة في التذكرة يؤذن بدعوى الإجماع عليه.
و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل المسجد فافتتح الصلاة فبينما هو قائم يصلى إذ أذن المؤذن و أقام الصلاة؟ قال فليصل ركعتين ثم ليستأنف الصلاة مع الامام و لتكن الركعتان تطوعا».
و عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن رجل كان يصلى فخرج الامام
____________
(1) ص 14.
(2) ص 185.
(3) الوسائل الباب 56 من صلاة الجماعة.
(4) الوسائل الباب 56 من صلاة الجماعة.
259
و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ فقال ان كان اماما عدلا فليصل اخرى و ينصرف و يجعلهما تطوعا و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، و ان لم يكن امام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلى ركعة أخرى معه يجلس قدر ما يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد ان محمدا عبده و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله)، ثم ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة ليس شيء من التقية إلا و صاحبها مأجور عليها ان شاء الله تعالى».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) «و ان كنت في فريضتك و أقيمت الصلاة فلا تقطعها و اجعلها نافلة و سلم في ركعتين ثم صل مع الإمام إلا أن يكون الامام ممن لا يقتدى به فلا تقطع صلاتك و لا تجعلها نافلة و لكن اخط الى الصف و صل معه، و إذا صليت أربع ركعات و قام الإمام إلى رابعته فقم معه و تشهد من قيام و سلم من قيام».
و نقل عن ابن إدريس المنع من النقل لأنه في قوة الإبطال. و لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت.
و نقل عن ظاهر الشيخ في المبسوط انه جوز قطع الفريضة من غير احتياج الى النقل إذا خاف الفوت مع النقل. و قواه الشهيد في الذكرى استدراكا لفضل الجماعة الذي هو أعظم من فضل الأذان، و لان العدول الى النفل قطع للفريضة أو مستلزم لجوازه. و استحسنه جملة ممن تأخر عنه: منهم- السيد في المدارك.
و هو كذلك.
و هل المراد بدخول الإمام في الصلاة الذي ينقل لأجله المأموم صلاته الى النفل هو الاشتغال بشيء من واجباتها على ما قاله جماعة أو عند إقامة الصلاة كما ذكره آخرون؟ ظاهر الأخبار الثاني.
ثم ان ظاهر الأخبار المذكورة انه ينوي العدول عن الفريضة التي كان فيها
____________
(1) ص 14.
260
الى النفل و يضيف إليها ركعة أخرى لو كان قد صلى ركعة منها و لو كان قد صلى ركعتين منها عدل بما صلاة إلى النفل و تشهد و سلم، و انما الإشكال في ما لو صلى أزيد من ركعتين حيث انه لا يفهم من النصوص المذكورة الحكم في ذلك إذ الظاهر منها إنما هو ما عدا الصورة المفروضة، و حينئذ فهل يستمر لتحريم قطع الفريضة و خروج هذه الصورة عن مورد النصوص، أو أنه يعدل الى النفل للاشتراك في العلة و هي تحصيل فضيلة الجماعة، أو يهدم الركعة و يسلم أو يقطعها استدراكا لفضيلة الجماعة و عدم دليل على تحريم قطع الفريضة بحيث يشمل محل البحث؟ أوجه استقرب العلامة في التذكرة و النهاية منها الأول و الظاهر انه الأحوط.
الثالث- لو كان الداخل إمام الأصل
قالوا انه يقطع الفريضة و يدخل معه، قاله الشيخ و تبعه جمع من الأصحاب، و عللوه بان له المزية الموجبة لشدة الاهتمام بمتابعته و اللحوق به. و تردد فيه الفاضلان من حيث كمال المزية كما ذكروا، و من عموم النهى عن قطع الصلاة. و في المختلف جزم بعدم قطع الصلاة لقوله تعالى:
«وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» (1) و خبري سليمان بن خالد و سماعة المتقدمين (2) و التحقيق ان الأخبار المتقدمة التي هي العمدة في هذه المسألة عامة لإمام الأصل و غيره و الفرق بمجرد هذا الاعتبار الذي ذكروه لا وجه له.
الرابع- ما لو كان الداخل اماما مخالفا و هو في الفريضة
فقد صرحوا بأنه لا ينقل الفريضة إلى النفل و لا يقطعها بل يدخل معه، و الظاهر انه لا خلاف في ذلك انما الخلاف في ما لو ألجأه الإمام إلى القيام في موضع التشهد فهل يتشهد جالسا ثم يقوم أو يقوم معه و يتشهد قائما؟ ظاهر الشيخ و جماعة الأول و ظاهر الشيخ على بن بابويه الثاني.
قال الشيخ (قدس سره): لو كان الامام ممن لا يقتدى به و قد سبقه المأموم لم يجز له قطع الفريضة بل يدخل معه في صلاته و يتم هو في نفسه فإذا فرغ سلم
____________
(1) سورة محمد الآية 36.
(2) ص 258.
261
و تابعه نفلا، فان وافق حال تشهده حال قيام الأول فليقتصر في تشهده على الشهادتين و الصلاة على النبي و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و يسلم إيماء و يقوم مع الامام. و على هذا تدل موثقة سماعة المتقدمة.
و قال الشيخ على بن بابويه: فإذا صليت أربع ركعات و قام الإمام إلى رابعته فقم معه و تشهد من قيام و سلم من قيام. و على هذا القول يدل كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، بل الظاهر ان الشيخ المزبور إنما أخذ عبارته من الكتاب المذكور كما لا يخفى على من تأمل العبارتين لتطابقهما لفظا و كذلك ما قبل هذه العبارة، فإن العلامة في المختلف في موضع آخر نقلها عن الشيخ المذكور بعين عبارة الكتاب، و هو من قبيل ما عرفت في غير موضع من ما تقدم و ستعرف أمثاله من أخذ الشيخ المزبور عبارات الكتاب المشار اليه و الإفتاء بها.
و كيف كان فطريق الجمع بين الكلامين- و هو يرجع الى الجمع بين الخبرين المذكورين- هو ما ذكره في المختلف من انه ان تمكن المأموم من تخفيف الشهادتين و التسليم و الإتيان بهما جالسا وجب و إلا قام مع الامام و تشهد و سلم قائما لضرورة التقية فإنها تبيح ذلك و أمثاله. و الله العالم.
المسألة السابعة [هل يجوز الاقتداء بمن يعلم نجاسة ثوبه أو بدنه؟]
- قال شيخنا العلامة أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (طيب الله مرقده) في رسالته التي في الصلاة: و في جواز الاقتداء بمن علم نجاسة ثوبه أو بدنه نظر. و استوجه المحقق الشيخ على المنع و بعض المتأخرين الجواز و لا يخلو من قوة. انتهى. و لم ينبه على وجه القوة التي اختارها في حواشي رسالته كما جرى عليه غالبا في حواشيه.
و قال تلميذه المحدث الصالح شيخنا الشيخ عبد الله بن صالح (قدس سره) في شرحه على الرسالة المذكورة بعد قوله «نظر» و بيان وجه النظر ما لفظه: ينشأ من أن الامام غافل فتكون صلاته صحيحة فيكون الاقتداء به صحيحا، و من ان طهارة الثوب و البدن واجب في الصلاة مع العلم و صلاة المأموم متحدة بصلاة الإمام
262
فتكون كأنها في ثوبه أو بدنه. ثم قال (قدس سره) بعد قول المصنف- و استوجه الشيخ على المنع- ما لفظه: لما مر. ثم قال بعد قوله: «و لا يخلو من قوة» ما لفظه:
لما مر و عدم صلاحية المعارض للمعارضة و ان كان الاحتياط لا يخفى. انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلام شيخنا الشارح المذكور و ما ذكره من التعليل العليل الظاهر القصور كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى غاية الظهور.
و من ما يناسب هذا المقام و يدخل في سلك هذا النظام ما وقفت عليه من مسألة مذيلة بالجواب لبعض الأعلام حيث قال السائل ما هذه صورته: لو رأى المأموم في أثناء الصلاة في ثوب الإمام نجاسة غير معفو عنها فهل يجوز له الاقتداء في تلك الحال أم لا؟ و هل يجب عليه إعلامه أم لا؟ و لو لم يجز له الاقتداء فهل يبنى بعد نية الانفراد على ما مضى أم يعيد من رأس؟ فكتب المسؤول ما صورته: الجواب الأولى عدم الائتمام و يجب الاعلام و يجب الانفراد في الأثناء و يبنى على قراءة الإمام. انتهى.
أقول و بالله سبحانه التوفيق لإدراك كل مأمول و نيل كل مسؤول: أما ما ذكره هذا المجيب من وجوب الاعلام في هذه الصورة فقد صرح به العلامة (أجزل الله تعالى إكرامه) في أجوبة مسائل السيد السعيد منها بن سنان المدني (طاب ثراه) مستندا الى كونه من باب الأمر بالمعروف.
و لا يخفى ما فيه (اما أولا)- فلان الأصل عدمه و أدلة الأمر بالمعروف لا تشمله لعدم توجه الخطاب الى الجاهل و الغافل و الناسي كما ذكروه فلا معروف و لا منكر بالنسبة إليهما.
و ثانيا- دلالة الأخبار على خلافه فإن جملة ما وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بجزئيات هذه المسألة ترد ما ذكروه و تبطل ما حروره:
و منها-
صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «ان الباقر (عليه السلام) اغتسل و بقيت لمعة في جسده لم يصبها الماء فقيل له فقال ما كان عليك لو سكت؟».
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الجنابة و 47 من النجاسات.
263
و رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلى؟ فقال لا يؤذنه حتى ينصرف».
و هي صريحة في المطلوب خالية عن جهات العيوب.
و رواية عبد الله بن بكير المروية في كتاب قرب الاسناد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلى فيه و هو لا يصلى فيه؟ فقال لا يعلمه.
قلت فإن أعلمه؟ قال يعيد».
و المستفاد من هذه الأخبار كراهية الأخبار فضلا عن جوازه فكيف الوجوب و له مؤيدات كثيرة من الأخبار.
إذا عرفت ذلك فنقول بالنسبة إلى أصل المسألة و ما وقع فيها من القولين بجواز الاقتداء و المنع ان الظاهر ان القول بالمنع هنا مبنى على مسألة أخرى و هي ان من صلى في النجاسة جاهلا بها فهل تكون صلاته و الحال هذه صحيحة أم لا؟ المشهور الثاني و ان كان غير معاقب و لا مؤاخذ من حيث الجهل، و هو يرجع الى أن تكون صحيحة ظاهرا باطلة واقعا، و الظاهر انه على هذا القول يتجه المنع من الائتمام بمن كان بدنه أو ثوبه نجسا و الانفراد في الأثناء كما ذكره المجيب المتقدم لتبين بطلان الصلاة عند المأموم و ان كانت صحيحة ظاهرا عند الامام لمكان جهله، و حينئذ فيتجه عدم جواز الاقتداء و وجوب الانفراد في الأثناء.
إلا ان الظاهر عندي في هذه المسألة إنما هو القول الأول (أما أولا)- فلما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة من أن الحكم بالطهارة و النجاسة و الحل و الحرمة و نحوها ليس منوطا بالواقع و نفس الأمر و انما ترتب على نظر المكلف و علمه و عدم علمه، فالطاهر شرعا هو ما لا يعلم المكلف بملاقاة النجاسة له و ان لاقته واقعا لا ما لم تلاقه النجاسة واقعا، و يقابله النجس و هو ما علم المكلف بملاقاة النجاسة له لا ما لاقته النجاسة و ان لم يعلم بها، و حينئذ فإذا صلى
____________
(1) الوسائل الباب 47 من النجاسات.
(2) الوسائل الباب 47 من النجاسات.
264
المكلف في ثوب لم يعلم ملاقاة النجاسة له و مثله في بدنه فقد امتثل ما أمره الشارع به و يلزم منه كون صلاته صحيحة موجبة للثواب بغير شك و لا ارتياب.
و (اما ثانيا)- فلما أسلفنا من الأخبار الدالة على المنع من الاخبار بالنجاسة و ان كان في أثناء الصلاة، و لو كان الأمر كما يدعونه من كون وصف النجاسة و الطهارة و نحوهما انما هو باعتبار الواقع و نفس الأمر و ان تلبس المصلي بالنجاسة جاهلا موجب لبطلان صلاته واقعا فكيف يحسن من الامام (عليه السلام) المنع من الإيذان بها و الاخبار في الصلاة كما تضمنته رواية محمد بن مسلم أو قبلها كما في رواية ابن بكير؟ و هل هو بناء على ما ذكروه إلا من باب التقرير له على تلك الصلاة الباطلة و المعاونة على الباطل، و لا ريب في بطلانه.
و (اما ثالثا)- فإنه يلزم على ما ذكروه عدم الجزم بصحة شيء من العبادات إلا نادرا لشيوع تطرق النجاسات سيما من النساء و الأطفال و من لا يحترز عن النجاسة و سريان ذلك في عامة الناس، و قد اعترف بذلك شيخنا الشهيد الثاني في شرح الألفية و ألزم به القول المشهور.
و بما ذكرنا يظهر لك ان الأظهر في أصل المسألة هو القول بجواز الاقتداء و ان علم بالنجاسة في بدن الإمام أو ثوبه و عدم وجوب الانفراد. و من أراد تحقيق المسألة زيادة على ما ذكرناه فليرجع الى كتابنا الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية. و الله العالم.
المقصد الثالث في صلاة الخوف
و هي ثابتة بالكتاب و السنة و الإجماع من علمائنا كملا و جمهور الجمهور (1)
____________
(1) في المغني ج 2 ص 400 صلاة الخوف ثابتة بالكتاب و السنة، و جمهور العلماء متفقون على ان حكمها باق بعد النبي (ص) و قال أبو يوسف انما تختص بالنبي (ص) و ليس بصحيح فان ما ثبت في حقه ثبت في حقنا إلا ان يدل دليل على الاختصاص به.
و نحو ذلك في بدائع الصنائع ج 1 ص 242.
265
قال عز و جل: «وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ. الآية» (1).
و تحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في مسائل
[المسألة] الأولى [هل يجب القصر في صلاة الخوف في الحضر؟]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)في وجوب التقصير في صلاة الخوف إذا وقعت سفرا و انما الخلاف في ما إذا وقعت حضرا، فنقل عن الأكثر و منهم- المرتضى و الشيخ في الخلاف و ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و ابن البراج و ابن إدريس إنهم ذهبوا الى وجوب التقصير سفرا و حضرا جماعة و فرادى، و قال الشيخ في المبسوط انها انما تقصر في الحضر بشرط الجماعة و نسبه الشهيد الى ابن إدريس و ظاهر جماعة من الأصحاب، و حكى المحقق في المعتبر و قبله ابن إدريس في السرائر قولا عن بعض الأصحاب بأنها إنما تقصر في السفر خاصة، و حينئذ ففي المسألة أقوال ثلاثة، و السيد السند في المدارك قد نسب القول الأول الى ابن إدريس و الشهيد في الذكرى نسب اليه القول الثاني، و ظاهر الذي وقفت عليه في السرائر من عبارته في هذه المسألة انما يدل على ما ذكره في المدارك، حيث قال: و اعلم ان الخوف إذا انفرد عن السفر لزم فيه التقصير في الصلاة مثل ما يلزم في السفر إذا انفرد على الصحيح من المذهب، و قال بعض أصحابنا لا قصر إلا في حال السفر و الأول عليه العمل.
و ظاهره فيه الاقتصار على نقل القول الأول و الثالث، و أما الثاني فلم يتعرض له فنقل الشهيد (قدس سره) ذلك عنه لا يخلو من غفلة. و صاحب الذخيرة قد نقل عنه القولين تبعا للقولين و هو غير جيد لما عرفت من ظهور عبارته في ما ذكره في المدارك، و احتمال كون ذلك في غير كتاب السرائر بعيد جدا.
و استدل على القول المشهور بقوله عز و جل «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ» (2) قيل: و التقريب فيها ان الظاهر انه ليس المراد بالضرب سفر التقصر و إلا لم يكن في التقييد بالخوف فائدة.
و بقوله تعالى
____________
(1) سورة النساء الآية 103.
(2) سورة النساء الآية 102.
266
«وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ فَلْتَقُمْ طٰائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَ لْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذٰا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرٰائِكُمْ وَ لْتَأْتِ طٰائِفَةٌ أُخْرىٰ لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ» (1) و هي مطلقة في الاقتصار على الركعتين شاملة بإطلاقها للحضر و السفر
و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:
«قلت له صلاة الخوف و صلاة السفر تقصران جميعا؟ قال نعم، و صلاة الخوف أحق أن تقصر من صلاة السفر الذي لا خوف فيه».
و أورد على ذلك، اما بالنسبة الى الآية الأولى فلان حمل الضرب في الأرض على غير سفر القصر عدول عن الظاهر، مع انه غير نافع فان مجرد الخوف كاف للقصر على قولهم من غير توقف على الضرب في الأرض. و الظاهر ان المراد بالضرب سفر القصر و التقييد بالخوف إما لوجود الخوف في السفر حين نزول الآية أو يكون قد خرج مخرج الأعم الأغلب في أسفارهم فإنهم كانوا يخافون الأعداء في عامتها، و ربما يدعى لزوم الخوف في السفر غالبا. و بالجملة المفهوم انما يعتبر إذا لم يكن للتقييد فائدة أخرى و ههنا ليس كذلك. و يؤيد ما ذكرناه القراءة بترك «ان خفتم» و على قول من يقول ان التقصير في الخوف ليس كالتقصير في السفر كما سيجيء فأثر التقييد واضح، و كذا على القول بان المراد بالقصر في الآية القصر من حدود الصلاة كما يصلى في شدة الخوف.
و أما الثانية فإنها تتمة للآية السابقة، و الظاهر ان معناها «و إذا كنت يا محمد فيهم يعني في أصحابك الضاربين في الأرض الخائفين عدوهم» كما قاله الطبرسي في مجمع البيان، و هو يقتضي اتصالها بما قبلها و سياقها مع شأن نزولها فلا عموم لها، مع انه لا دلالة لها على القصر فرادى.
و اما الرواية فيمكن المناقشة فيها بأنه يجوز أن يكون المراد بالتقصير القصر في حدود الصلاة لا في ركعاتها كما قيل في الآية لكنه بعيد.
____________
(1) سورة النساء الآية 103.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة الخوف و المطاردة و فيه بدل «الذي.» «لأن فيها خوفا».
267
أقول: لا ريب ان ما ذكره من المناقشة في الآيتين المذكورتين لا يخلو من وجه، و أما المناقشة في الرواية فهي ضعيفة واهية لما عرفت في غير مقام من ان الألفاظ إنما تحمل على ما هو المتكرر الشائع من الأفراد دون الفروض النادرة الوقوع، و التقصير في الصلاة عرفا و شرعا انما يتبادر الى نقص الكمية، و حينئذ فالاعتماد في الدلالة هنا على الرواية المذكورة و إطلاقها شامل للحضر و السفر جماعة و فرادى.
و استدل في الذكرى بعد هذه الرواية بما
في حسن محمد بن عذافر عن الصادق (عليه السلام) (1) «إذا جالت الخيل تضطرب بالسيوف أجزأه تكبيرتان».
قال: و هو ظاهر في الانفراد لبعد الجماعة في هذه الحال.
و أما القول بأنها لا تقصر إلا في السفر خاصة فلم أقف له على دليل إلا ما يدل عليه ظاهر كلام الذكرى من الاقتصار على موضع الوفاق و أصالة إتمام الصلاة.
ثم قال في الذكرى: و جوابه انما يقتصر مع عدم الدليل و هو ظاهر الثبوت. انتهى.
و أما القول بأنها تقصر في الحضر بشرط الجماعة فعلله في الذكرى بأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انما قصرها في الجماعة. ثم أجاب عنه بأنه انما كان لوقوع ذلك لا لكونه شرطا إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)ان هذا القصر على حسب قصر المسافر من إرجاع الرباعية إلى ركعتين، و قال ابن الجنيد: فان كانت الحالة الثالثة و هي مصافة الحرب و الموافقة و التعبئة و التهيؤ للمناوشة من غير بداية صلى الإمام بالفرقة الأولى ركعة و سجد سجدتين ثم انصرفوا و سلم القوم بعضهم على بعض في مصافهم،
و قد روى عن ابى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) (2) ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى كذلك بعسفان،.
و روى ذلك عن
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
(2) لم نقف عليه في كتب الحديث.
268
حذيفة بن اليمان و جابر و ابن عباس و غيرهم (1) و قال بعض الرواة و كانت لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ركعتان و لكل طائفة ركعة ركعة.
و قال ابن بابويه (2) سمعت شيخنا محمد بن الحسن يقول: رويت انه سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (3) فقال هذا تقصير ثان و هو أن يرد الرجل ركعتين إلى ركعة.
انتهى.
أقول: لعل ما أشار إليه من الرواية هو
ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في قول الله عز و جل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا؟ قال في الركعتين تنقص منهما واحدة».
و نقل عن ابن الجنيد القول بذلك كما عرفت من عبارته المذكورة.
و يرد هذا القول الأخبار المتكاثرة بكيفية صلاة الخوف كما سيأتي ذكرها ان شاء الله تعالى. و الظاهر حمل الرواية المذكورة على التقية (5).
قال في الذخيرة بعد ذكر هذا القول: و هو المحكي عن جماعة من الصحابة و التابعين في تفسير القصر المذكور في الآية.
و قال في الذكرى: و قال ابن الجنيد بهذا المذهب و ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى كذلك بعسفان برواية الباقر (عليه السلام) (6) و جابر و ابن عباس و حذيفة، و قال بعض الرواة فكانت لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ركعتان و لكل طائفة ركعة ركعة. ثم قال في الذكرى: و هذا القول نادر و الرواية (7) و ان كانت صحيحة إلا أنها معارضة بأشهر منها عملا و نقلا،
____________
(1) سنن ابى داود ج 2 ص 11 عن جابر و ابن عباس و مجاهد و هشام بن عروة عن أبيه و ابى موسى. و في الصفحة 17 ذكر حديث حذيفة في كيفية صلاة الخوف و ليس فيه ذكر الموضع.
(2) الفقيه ج 1 ص 295.
(3) سورة النساء الآية 102.
(4) التهذيب ج 1 ص 338 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الخوف و المطاردة.
(5) ارجع الى التعليقة 1 ص 269.
(6) تقدم عدم الوقوف عليها.
(7) التهذيب ج 1 ص 338 و في الوسائل الباب 1 من صلاة الخوف و المطاردة.
269
ثم أورد بعض الأخبار الدالة على القول المشهور.
و احتمل في الذخيرة حمل الرواية على انه لما كان كل طائفة انما تصلى مع الإمام ركعة فكأن صلاته ردت إليها.
أقول: و من المحتمل قريبا تخصيص الرواية بحال الخوف من إتمام الركعتين بمعنى ان الحال أضيق و الخوف أشد من الحالة الموجبة للركعتين فيقتصر على الركعة، فتكون هذه المرتبة أول مراتب الانتقالات الآتية في هذه الصلاة. و الأظهر هو الحمل على التقية (1).
المسألة الثانية [صلاة ذات الرقاع]
- من صلاة الخوف المذكورة في كلام الأصحاب صلاة ذات الرقاع، و النظر في شروطها و كيفيتها و أحكامها:
[شروط صلاة ذات الرقاع]
أما الشروط فهي على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)أربعة:
أحدها- كون الخصم في غير جهة القبلة
بحيث لا يمكنهم مقابلته و هم يصلون إلا بالانحراف عن القبلة، و على هذا لو كان العدو في جهة القبلة و أمكن أن يصلوا جميعا و يحرس بعضهم بعضا صلوا صلاة عسفان الآتية ان شاء الله تعالى.
و هذا الشرط هنا بناء على المشهور، قال في المدارك: و هو مقطوع به في كلام أكثر الأصحاب، و استدلوا عليه بان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إنما صلاها كذلك فيجب
____________
(1) في عمدة القارئ ج 3 ص 329: اعلم ان الخوف لا يؤثر في نقصان عدد الركعات إلا عند ابن عباس و الحسن البصري و طاوس حيث قالوا إنها ركعة، و روى مسلم من حديث مجاهد عن ابن عباس «ان الله فرض الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا و في السفر ركعتين و في الخوف ركعة» أخرجه الأربعة أيضا، و اليه ذهب عطاء و طاوس و مجاهد و الحكم بن عتيبة و قتادة و إسحاق و الضحاك، و روى مثله عن زيد بن ثابت و ابى هريرة و جابر، قال جابر انما القصر ركعة عند القتال. و قال إسحاق تجزئك عند الشدة ركعة تومئ إيماء فان لم تقدر فكبر تكبيرة حيث كان وجهك. و قال القاضي لا تأثير للخوف في عدد الركعات، و هذا قول أكثر أهل العلم منهم ابن عمر و النخعي و الثوري و مالك و الشافعي و أبو حنيفة و أصحابه، و سائر أهل العلم من علماء الأمصار لا يجيزون ركعة.
270
متابعته. و استوجه العلامة في التذكرة عدم اعتباره لعدم المانع من فعلها بدونه، قال: و فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) وقع اتفاقا لا لأنه كان شرطا. و رجحه الشهيدان.
و
ثانيها- أن يكون الخصم ذا قوة
يخاف هجومه على المسلمين فلو كان ضعيفا بحيث يؤمن منه الهجوم انتفى الخوف المسوغ لهذه الصلاة.
و
ثالثها- أن يكون في المسلمين كثرة
تمكنهم الافتراق طائفتين تقاوم كل فرقة منهم العدو حال صلاة الأخرى.
و
رابعها- عدم احتياجهم إلى زيادة على الفرقتين
، و هذا الاشتراط في الثنائية واضح لتعذر التوزيع بدونه، و أما في الثلاثية فهل يجوز توزيعهم ثلاث فرق و تخصيص كل ركعة بفرقة؟ قولان و اختار الشهيد الجواز، و هو مبنى على جواز الانفراد اختيارا و إلا اتجه المنع.
[كيفية صلاة ذات الرقاع و الأخبار الواردة في المقام]
و أما الكيفية فهي ان يصلى الإمام بالطائفة الأولى ركعة و الثانية تحرسهم واقفه بإزاء العدو ثم يقوم الامام و من خلفه الى الثانية، فينفرد الجماعة الذين خلفه و يقرأون لأنفسهم و يطول الإمام في قراءته بقدر ما يتم الطائفة الذين خلفه و ينصرفون الى موقف أصحابهم، و تجيء الطائفة الأخرى و تدخل مع الامام فيكبرون ثم يركع الامام بهم و يسجد، و تقوم الجماعة فتصلي ركعة أخرى و يطيل الامام تشهده و يتمون فيسلم بهم الامام. و يتخير الإمام في الثلاثية بين ان يصلى بالأولى ركعة و بالثانية ركعتين و بالعكس.
و أما الأحكام فسيأتي ان شاء الله تعالى فيها الكلام.
و الواجب أو لا بسط ما وقفنا عليه من اخبار المسألة ثم الكلام بتوفيق الملك العلام في ما يدخل في حين المقام.
فنقول: منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة الخوف؟ قال يقوم الامام و تجيء طائفة من
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
271
أصحابه فيقومون خلفه و طائفة بإزاء العدو فيصلي بهم الإمام ركعة، ثم يقوم و يقومون معه فيمثل قائما و يصلون هم الركعة الثانية ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم ينصرفون فيقومون في مقام أصحابهم و يجيء الآخرون فيقومون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية، ثم يجلس الامام فيقومون هم فيصلون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم فينصرفون بتسليمة. قال و في المغرب مثل ذلك يقوم الامام و تجيء طائفة فيقومون خلفه ثم يصلى بهم ركعة، ثم يقوم و يقومون فيمثل الإمام قائما فيصلون ركعتين فيتشهدون و يسلم بعضهم على بعض، ثم ينصرفون فيقومون في موقف أصحابهم و يجيء الآخرون و يقومون خلف الإمام فيصلي بهم ركعة يقرأ فيها ثم يجلس فيتشهد ثم يقوم و يقومون معه و يصلى بهم ركعة أخرى، ثم يجلس و يقومون هم فيتمون ركعة أخرى ثم يسلم عليهم».
و منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بأصحابه في غزاة ذات الرقاع ففرق أصحابه فرقتين فأقام فرقة بإزاء العدو و فرقة خلفه فكبر و كبروا فقرأ و أنصتوا فركع و ركعوا فسجد و سجدوا، ثم استمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قائما فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض ثم خرجوا إلى أصحابهم فقاموا بإزاء العدو، و جاء أصحابهم فقاموا خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فكبر و كبروا و قرأ فأنصتوا و ركع فركعوا و سجد و سجدوا ثم جلس رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فتشهد ثم سلم عليهم فقاموا ثم قضوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض، و قد قال الله تعالى لنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) وَ إِذٰا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلٰاةَ. ثم ساق الآية في الفقيه الى قوله كٰانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتٰاباً مَوْقُوتاً» (2) ثم قال فهذه صلاة الخوف التي أمر الله عز و جل بها نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) و قال من صلى المغرب في خوف بالقوم صلى بالطائفة الأولى ركعة و بالطائفة الثانية ركعتين».
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(2) سورة النساء الآية 103 و 104.
272
هذه صورة ما في الفقيه (1) و ظاهر صاحب الوافي (2) ان رواية عبد الرحمن الى قوله «ثم سلم بعضهم على بعض» و ان قوله «و قد قال الله لنبيه. الى آخره» إنما هو من كلام صاحب الفقيه و لهذا لم ينقله، و ظاهر صاحب الوسائل انه من الرواية حيث انه نقله في جملتها. و الكل محتمل. و أما قوله «و قال من صلى المغرب. الى آخره» فالظاهر ان هذه رواية أخرى مرسلة.
و صاحب الكافي (3) روى رواية عبد الرحمن المذكورة كما تقدم الى قوله «فقاموا خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم قال: «فصلى بهم ركعة ثم تشهد و سلم عليهم فقاموا و صلوا لأنفسهم ركعة ثم سلم بعضهم على بعض».
و منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
«صلاة الخوف المغرب يصلى بالأولين ركعة و يقضون ركعتين و يصلى بالآخرين ركعتين و يقضون ركعة».
و منها-
ما رواه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) انه قال:
«إذا كانت صلاة المغرب في الخوف فرقهم فرقتين، فيصلي بفرقة ركعتين ثم جلس بهم ثم أشار إليهم بيده فقام كل انسان منهم فيصلي ركعة ثم سلموا و قاموا مقام أصحابهم و جاءت الطائفة الأخرى فكبروا و دخلوا في الصلاة و قام الامام فصلى بهم ركعة ثم سلم ثم قام كل رجل منهم فصلى ركعة فشفعها بالتي صلى مع الامام ثم قام فصلى ركعة ليس فيها قراءة، فتمت للإمام ثلاث ركعات و للأولين ركعتان في جماعة و للآخرين وحدانا، فصار للأولين التكبير و افتتاح الصلاة و للآخرين التسليم».
و رواه العياشي في تفسيره عن زرارة و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) مثله (6) و بإسناده عن الحسين بن
____________
(1) ج 1 ص 293 و 294.
(2) باب صلاة الخائف في القتال.
(3) باب صلاة الخوف.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(6) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
273
سعيد عن محمد بن ابى عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة و فضيل و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) مثل ذلك (1).
و منها-
ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن صلاة الخوف كيف هي؟ فقال يقوم الإمام فيصلي ببعض أصحابه ركعة و يقوم في الثانية و يقوم أصحابه و يصلون الثانية و يخففون و ينصرفون، و يأتي أصحابهم الباقون فيصلون معه الثانية فإذا قعد في التشهد قاموا فصلوا الثانية لأنفسهم ثم يقعدون فيتشهدون معه ثم يسلم و ينصرفون معه».
و منها-
ما رواه في الكتاب المذكور عنه عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن صلاة المغرب في الخوف؟ قال يقوم الامام ببعض أصحابه فيصلي بهم ركعة ثم يقوم في الثانية و يقومون فيصلون لأنفسهم ركعتين و يخففون و ينصرفون، و يأتي أصحابه الباقون فيصلون معه الثانية ثم يقوم إلى الثالثة فيصلي بهم فتكون للإمام الثالثة و للقوم الثانية ثم يقعدون فيتشهد و يتشهدون معه ثم يقوم أصحابه و الامام قاعد فيصلون الثالثة و يتشهدون معه ثم يسلم و يسلمون».
و رواه على بن جعفر في كتابه و كذا الذي قبله (4).
و منها-
ما رواه العياشي في تفسيره عن ابان بن تغلب عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (5) قال: «صلاة المغرب في الخوف ان يجعل أصحابه طائفتين بإزاء العدو واحدة و الأخرى خلفه فيصلي بهم ثم ينتصب قائما و يصلون هم تمام ركعتين ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم تأتي الطائفة الأخرى خلفه فيصلي بهم ركعتين و يصلون هم ركعة، فيكون للأولين قراءة و للآخرين قراءة».
و منها-
ما رواه فيه ايضا عن زرارة و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: «إذا حضرت الصلاة في الخوف فرقهم الامام فرقتين فرقة مقبلة على عدوهم
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
(6) الوسائل الباب 2 من صلاة الخوف و المطاردة.
274
و فرقة خلفه كما قال الله تعالى، فيكبر بهم ثم يصلى بهم ركعة ثم يقوم بعد ما يرفع رأسه من السجود فيمثل قائما و يقوم الذين صلوا خلفه ركعة فيصلي كل انسان منهم لنفسه ركعة ثم يسلم بعضهم على بعض، ثم يذهبون إلى أصحابهم فيقومون مقامهم و يجيء الآخرون و الامام قائم فيكبرون و يدخلون في الصلاة خلفه فيصلي بهم ركعة ثم يسلم، فيكون للأولين استفتاح الصلاة بالتكبير و للآخرين التسليم من الامام، فإذا سلم الامام قام كل انسان من الطائفة الأخيرة فيصلي لنفسه ركعة واحدة، فتمت للإمام ركعتان و لكل انسان من القوم ركعتان واحدة في جماعة و الأخرى وحدانا. الحديث».
هذه جملة ما وقفت عليه من الأخبار الواردة في المسألة.
و الكلام يقع في هذا المقام في مواضع
الأول- في سبب التسمية بذات الرقاع
كما اشتمل عليه صحيح عبد الرحمن بن ابى عبد الله، قال شيخنا الشهيد في الذكرى:
اختلف في سبب التسمية بذلك، فقيل لان القتال كان في سفح جبل فيه جدد حمر و صفر كالرقاع، و قيل كانت الصحابة حفاة فلفوا على أرجلهم الجلود و الخرق لئلا تحترق. قال صاحب المعجم: و قيل سميت برقاع كانت في ألويتهم، و قيل الرقاع اسم شجرة كانت في موضع الغزوة، قال و فسرها مسلم في الصحيح (1) بأن الصحابة نقبت أرجلهم من المشي فلفوا عليها الخرق، و هي على ثلاثة أميال من المدينة عند بئر أروما. هكذا نقله صاحب معجم البلدان بالألف، قال: و بين الهجرة و بين هذه الغزوة أربع سنين و ثمانية أيام. و قيل مر بذلك الموضع ثمانية حفاة فنقبت أرجلهم و تساقطت أظفارهم فكانوا يلفون عليها الخرق. انتهى كلام شيخنا المشار اليه.
الثاني [انتظار الإمام الثانية بالقراءة أو تطويلها]
- قال في الذكرى: يستحب تطويل الإمام القراءة في انتظار الثانية، و لو انتظرهم بالقراءة ليحضروها كان جائزا فحينئذ يشتغل بذكر الله تعالى الى حين حضورهم، و الأول أجود لأن فيه تخفيفا للصلاة و قراءة كافية لاقتدائهم و ان لم يحضروها كغيرهم من المؤتمين. و إذا انتظرهم لفراغ ما بقي عليهم في تشهده طوله
____________
(1) ج 2 ص 106 كتاب الغزوات غزوة ذات الرقاع.
275
بالأذكار و الدعوات حتى يفرغوا، و لو سكت أيضا فالأقرب جوازه. انتهى.
و هو جيد بالنسبة إلى القراءة لإطلاق الأخبار المذكورة و شمولها لكل من الأمرين مع عدم حصول ما ينافي صحة الصلاة في البين، و أما بالنسبة إلى التشهد فان ظاهر صحيحة الحلبي أنه يجلس الامام بعد إتمام صلاته الى أن يتم المأمون صلاتهم ثم يسلم عليهم و ظاهرها تأخير التسليم خاصة، و هي و ان كانت مطلقة بالنسبة إلى التشهد إلا أن صريح صحيحة عبد الرحمن انه (صلى اللّٰه عليه و آله) تشهد بعد تمام صلاته و سلم عليهم قبل تمام صلاتهم ثم قاموا فأتموا ما بقي عليهم، و كذا ظاهر صحيحة زرارة الثانية ان الامام سلم بعد تمام صلاته ثم قام كل رجل منهم لإتمام صلاته، و هو أيضا ظاهر صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المنقولة من تفسير العياشي. نعم ظاهر رواية قرب الاسناد الأولى ربما يفيد ما ذكره من تطويل الإمام في التشهد الى ان يدركوه فيه، حيث قال فيها: «فإذا قعد في التشهد قاموا فصلوا الثانية لأنفسهم ثم يقعدون فيتشهدون معه ثم يسلم و ينصرفون معه» و كذلك رواية قرب الاسناد الثانية التي في صلاة المغرب فان ظاهرها ذلك أيضا. و لعل الوجه في الجمع بين الأخبار هنا التخيير بين ما دلت عليه من ما فصلناه و أوضحناه، إلا ان صحيحة الحلبي مجملة لا بد من حملها على بعض الروايات المفصلة.
و ظاهر كلامه في الذكرى هو تعين تأخير التشهد الى أن تفرغ الفرقة الثانية إما بان يطول فيه بحيث يدركونه أو يسكت، و بذلك صرح في المختلف نقلا عن الأصحاب فقال: المشهور ان الامام إذا صلى بالثانية الركعة الباقية من الثنائية طول تشهده حتى تتم الثانية و يسلم بهم. ثم نقل عن ابن الجنيد انه قال: إذا كان الامام قد سبقهم بالتسليم لم يبرح من مكانه حتى يسلموا و انصرفوا أجمعين. و قال ابن إدريس في صفة صلاة الخوف بعد دخول الفرقة الثانية و صلاتهم مع الإمام ركعة ثانية: فإذا جلس للتشهد قاموا فصلوا ركعة أخرى و هو جالس ثم جلسوا معه فيسلم بهم ثم انصرفوا بتسليمة، و قد روى انه إذا جلس الإمام للثانية تشهد و سلم ثم قام من خلفه فصلوا
276
الركعة الأخرى فيصلون لأنفسهم. و ما ذكرناه أولا هو الأظهر في المذهب و الصحيح من الأقوال. انتهى. و فيه ما عرفت من أن أكثر الأخبار و صحاحها دالة على التسليم قبل إتمام الفرقة الثانية، و لا دليل على ما ذهبوا اليه إلا ظاهر روايتي قرب الاسناد. و كيف كان فالظاهر كما عرفت هو التخيير بين أن يسلم قبلهم أو ينتظرهم. و الله العالم.
الثالث- هل يجب على الفرقة الأولى نية الانفراد عند مفارقة الإمام أم لا؟
وجهان اختار أولهما الشهيد في الدروس و الثاني في الذكرى.
احتج الأولون بوجوب الانفراد، و وجوب نية كل واجب، و ما تقدم من عدم جواز مفارقة المأموم الإمام بدون نية الانفراد. و أورد على الأول منع وجوب نية كل واجب، و على الوجهين معا أنهما إنما يتمان مع إطلاق نية الاقتداء، اما إذا تعلقت النية بالركعة الأولى خاصة فلا. و احتج الآخرون بالأصل و انقضاء ما تعلق به نية الائتمام.
أقول: و التحقيق بناء على ما عرفت من معنى النية كما حققناه في غير موضع من بحث نية الوضوء و نية الصلاة ان هذا الكلام سؤالا و جوابا لا وجه له و لا أثر يتعلق به، فان من المعلوم ان هذا المصلى مع علمه بأحكام هذه الصلاة و كيفيتها انما تعلق قصد ائتمامه بالركعة الأولى و هو في الثانية منفرد حكمه حكم المنفرد نوى الانفراد أم لم ينوه، كما لو أدرك مع الإمام ركعة ثم قام و أتم بعد فراغ الإمام، فإن الائتمام و أحكامه من وجوب المتابعة و نحوها إنما هو بالنسبة إلى تلك الركعة و إلا فحكمه في الثانية حكم المنفرد و ان كتب له ثواب الجماعة تفضلا من الله تعالى بل لو لم يدرك ركعة. نعم يبقى الكلام في أن المأموم هنا هل يكتب له ثواب الجماعة كملا بمجرد هذه الركعة أو إنما يكتب له بالنسبة الى هذه الركعة خاصة؟ فيه اشكال لعدم تصريح الأخبار بشيء من ذلك، و قد تقدم في اخبار المسبوق ما يدل على إدراك ثواب الجماعة بإدراك الإمام في التشهد الأخير، فلا يبعد من فضل الله سبحانه
277
حصول ثواب الجماعة بالمتابعة في هذه الركعة كما أنه يكتب ثواب الجماعة للفرقة الأخيرة بدخولها مع الإمام في الركعة الثانية لدخولها في اخبار المسبوق الذي قد عرفت انه يكتب له ثواب الجماعة بإدراك التشهد الأخير.
الرابع [هل يبقى اقتداء الثانية في الركعة الثانية حكما؟]
- قال في الذكرى: ظاهر الأصحاب بقاء اقتداء الثانية في الركعة الثانية حكما و ان استقلوا بالقراءة و الأفعال فيحصل لهم ثواب الائتمام و يرجعون الى الامام في السهو، و حينئذ لا ينوون الانفراد عند القيام إلى الثانية، و ابن حمزة في الواسطة و الوسيلة حكم بأن الثانية تنوي الانفراد في الركعة الثانية. و كأنه أخذه من كلام الشيخ في المبسوط حيث قال: و متى سهت الطائفة يعني الثانية. في ما تنفرد به فإذا سلم بهم الامام سجدوا هم لسهوهم سجدتي السهو، و متى سهت في الركعة التي تصلى مع الامام لم يلزمها حكم ذلك السهو و لا يجب عليها شيء، فنفى الشيخ لازم الائتمام و هو وجوب سجدتي السهو و نفى اللازم يستلزم نفى الملزوم. و يدل على المشهور انهم عدوا من جملة مخالفة هذه الصلاة ائتمام القائم بالقاعد و انه
في رواية زرارة الصحيحة (1) ان الباقر (عليه السلام) قال: «فصار للأولين التكبير و افتتاح الصلاة و للآخرين التسليم».
و لا يحصل لهم التسليم إلا ببقاء الائتمام. و للشيخ و ابن حمزة ان يمنعا كون ذلك مستلزما لبقاء الائتمام حقيقة و ان كان مستلزما له في ثواب الائتمام و هما يقولان به، على ان التسليم في الرواية مصرح به ان الامام يوقعه من غير انتظارهم كما يأتي و ذلك مقتضى لانفرادهم حتما و انما قال: «للآخرين التسليم» لأنهم حضروه مع الامام. انتهى.
أقول: و الكلام في هذه المسألة أيضا غير منقح و لا موجه بالنظر الى الأدلة الشرعية، و ذلك فان ما نقله عن ظاهر الأصحاب- من بقاء اقتداء الثانية حكما و ان استقلوا بالقراءة. الى آخره- ان أريد بالنسبة إلى ترتب ثواب الجماعة فهو من ما لا إشكال فيه، و قد عرفت في ما قدمناه ان ثواب الجماعة يدرك في المسبوق
____________
(1) ص 272.
278
بإدراك الإمام في التشهد الأخير فكيف بمن أدرك ركعة تامة، و ان أريد غير ذلك مثل ما نقله عن الشيخ من تحمل الامام السهو عن المأموم و نحو ذلك فهو من ما لا دليل عليه و ان كان في حال مصاحبة الإمام في الصلاة فضلا عن الانفراد، فان الحق ان لكل من الامام و المأموم حكم نفسه في السهو فلو حصل موجب السهو من المأموم حال متابعة الإمام لم يتحمله عنه الامام كما هو الأظهر الأشهر. و أما بالنسبة إلى رجوع الظان الى العالم و كذلك الشاك الى الظان و نحو ذلك من ما تقدم فهذا لا يتم هنا بعد تمام صلاة الامام و قيام المأموم لما بقي عليه، فان الأدلة الدالة على ذلك انما قامت بالنسبة إلى المشتركين في الصلاة لا بعد إتمام الامام و انفراد المأموم. و بالجملة فإن حكم المأموم في هذه الصورة حكم المسبوق الذي قد تقدمت صلاة امامه و قام لإتمام ما بقي عليه فان أوجبوا فيه نية الانفراد فكذا هنا و إلا فلا، و كل ما يترتب من الأحكام في مسألة المسبوق فهو يجرى هنا، و غاية ما تدل عليه الأخبار في مسألة المسبوق هو حصول ثواب الجماعة له و ان انفرد في بقية صلاته سواء أدرك ركعة أو أقل كما تقدم، و كل ما يثبت للمسبوق من الأحكام فهو ثابت هنا لأنه أحد أفراده. و أما ما ذكره من الأدلة للقول المشهور فهي مدخولة سخيفة كما أشار إليه (قدس سره).
و بالجملة فإنه لا دليل في كل من المسألتين على أزيد من ترتب الثواب خاصة، فإن أريد ببقاء الاقتداء ذلك فهو مسلم و ان أريد غيره فهو ممنوع.
و أما ما ذكره ابن حمزة من نية الانفراد فقد تقدم ما فيه، فإنه بعد تمام صلاة الامام و قيام المأموم الى ما بقي عليه منفرد نوى الانفراد أو لم ينوه.
و ما نقله عن الشيخ من التفريع ضعيف فإنه لم يقم لنا دليل على تحمل الامام سهو المأموم حال مصاحبته حتى يفرع ذلك على حال انفراده و بقاء الاقتداء حكما، و الظاهر انه لا خلاف عندنا في انه لو سها المسبوق في ما بقي عليه من صلاته بعد إتمام الإمام فإنه يجب عليه الإتيان بموجب السهو و ان قلنا بتحمل الامام ذلك في حال
279
مصاحبته، و الحكم هنا كذلك فان هذا أحد أفراد المسبوق. و الله العالم.
الخامس [نصيب كل من الفرقتين من صلاة المغرب في الخوف]
- قد اختلفت الروايات في الائتمام في صلاة المغرب ففي بعضها
كصحيحة الحلبي «يصلى بهم الإمام ركعة و ينفردون بركعتين و يصلى بالثانية ركعتين و ينفردون بركعة».
و نحوها مرسلة الفقيه المتقدمة و صحيحة زرارة الأولى و صحيحة على بن جعفر، و في بعضها بالعكس بان يصلى بالأولى ركعتين و بالثانية ركعة كصحيحة زرارة الثانية بطرقها العديدة.
و الظاهر ان وجه الجمع بينها هو التخيير بين الأمرين كما هو ظاهر جملة من الأصحاب أيضا، لكن اختلفوا في الأفضل منهما فقيل ان الأول أفضل لكونه مرويا عن على (عليه السلام) فيترجح للتأسي به، و لانه يستلزم فوز الفرقة الثانية بالقراءة و الزيادة ليوازي فضيلة تكبيرة الافتتاح و التقدم، و لتقارب الفرقتين في إدراك الأركان. و نسب هذا القول إلى الأكثر و اختاره العلامة في التذكرة. و قيل ان الثاني أفضل لئلا تكلف الثانية زيادة جلوس في التشهد و هي مبنية على التخفيف.
أقول: القدر المعلوم من الأخبار من حيث ضرورة الجمع بينها التخيير بين الأمرين المذكورين، و أما الحكم بالأفضلية فلا يظهر من شيء منها، و الركون الى هذه التعليلات العلية مجازفة.
و أما كلمات الأصحاب في هذا المقام فقال الشيخ في المبسوط صلاة المغرب مخيرة بين أن يصلى بالطائفة الأولى ركعة واحدة و الأخرى ثنتين و بين أن يصلى بالأولى ثنتين و بالأخرى واحدة كل ذلك جائز. و لم يرجح أحدهما على الآخر.
و كذا في الجمل، و في النهاية ذكر الأول و لم يتعرض للثاني. و قال في الخلاف:
الأفضل أن يصلى بالأولى ركعة و بالثانية ركعتين، فان صلى بالأولى ثنتين و بالأخرى ركعة واحدة كان أيضا جائزا. و في الاقتصاد قال و الأول أحوط. و أشار به الى الذي جعله في الخلاف الأفضل. و المفيد لم يذكر الثاني في المغرب و لا السيد المرتضى. و قال على بن بابويه: و ان كانت المغرب فصلى بالأولى ركعة و بالثانية
280
ركعتين. و كذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه و سلار و ابن البراج.
و قال ابن ابى عقيل: و يصلى الإمام في المغرب خاصة بالطائفة الأولى ركعة و بالطائفة الأخرى ركعتين حتى يكون لكلتا الطائفتين قراءة، بذلك تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) و قال ابن الجنيد: فان صلى بهم المغرب فالذي اختاره ان يصلى بالطائفة الأولى ركعة واحدة فإذا قام إلى الثانية أتم من معه بركعتين أخراوين.
و قال أبو الصلاح: يصلى بالأولى ركعة أو ثنتين و بالثانية ما بقي. كذا نقله عنهم العلامة في المختلف. ثم انه (قدس سره) اختار التخيير للأخبار التي ذكرناها و الظاهر ان عبارتي ابني بابويه مأخوذتان
من كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1) «و ان كانت صلاة المغرب فصل بالطائفة الأولى ركعة و بالطائفة الثانية ركعتين».
فاختصراها بحذف لفظ الطائفة. و كيف كان فقد عرفت ما هو الظاهر من الأخبار في هذا المكان. و الله العالم.
السادس [هل تقرأ الطائفة الثانية في ثالثة الإمام؟]
- قال المرتضى و ابن الجنيد: إذا صلى بالأولى في المغرب ركعة و أتموا ثم قام الإمام إلى ثالثته و هي الثانية للفرقة الثانية سبح هو و قرأت الطائفة الثانية و قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عن المرتضى: و الصحيح عند أصحابنا المصنفين و الإجماع حاصل عليه انه لا قراءة عليهم.
أقول: و الكلام في هذه المسألة مبنى على ما تقدم في بحث صلاة الجماعة من وجوب القراءة على المسبوق في أخيرتي الامام و أولتي المأموم و عدمه، و قد تقدم تحقيق القول في المسألة و ان القراءة واجبة على المأموم في الصورة المذكورة كما دلت عليه الأخبار المتكاثرة و ان ذهب العلامة في المنتهى و تبعه في المدارك الى الاستحباب و به يظهر ان كلام ابن إدريس ليس بشيء يعتمد عليه و ان الصحيح انما هو المجمع عليه في الأخبار لا في كلام الأصحاب مع خلوه من الدليل بل قيام الدليل على خلافه كما عرفت، على ان ما ادعاه من الإجماع ممنوع كما تقدم تحقيقه في المسألة بل
____________
(1) ص 14.
281
ظاهر كلام جل الأصحاب انما هو الوجوب و ان عبروا عنه بعبارة مجملة و ان لم يفصح بذلك إلا المرتضى (رضى الله عنه) و ابن الجنيد.
السابع [هل تخالف صلاة الخوف صلاة الجماعة؟]
- قد صرح المحقق في الشرائع بأن هذه الصلاة تخالف صلاة الجماعة في ثلاثة أشياء: انفراد المؤتم و توقع الإمام للمأموم حتى يتم و امامة القاعد بالقائم و اعترضه في المدارك، اما بالنسبة إلى الأول فقال: انه لا يخفى ان انفراد المؤتم إنما تحصل به المخالفة على قول الشيخ من المنع من المفارقة في حال الاختيار، اما ان سوغناها مطلقا كما هو المشهور فلا تتحقق المخالفة بذلك لصلاة المختار، اللهم إلا أن يقال بوجوب الانفراد هنا فتحصل المخالفة بذلك. انتهى. و هو جيد.
و أما بالنسبة الى الثاني فقال فيه على أثر الكلام الأول: و كذا الكلام في توقع الإمام المؤتم حتى يتم فإنه جائز مع الاختيار، مع انه غير لازم في هذه الصلاة كما دلت عليه صحيحة عبد الرحمن المتقدمة حيث وقع التصريح فيها بان الامام يتشهد و يسلم على الفرقة الثانية ثم يقومون بعد ذلك و يتمون صلاتهم. انتهى.
أقول: لا يخفى انه يمكن تطرق المناقشة الى هذا الكلام، فان ما ذكره من جواز انتظار الإمام المأموم حتى يتم مع الاختيار لا أعرف عليه دليلا، فان ذلك لا محل له إلا في مسألة المسبوق، و اخبار المسبوق على تعددها دالة على ان الامام متى تمت صلاته سلم و لم ينتظر بسلامه إتمام المأمومين. نعم دلت على ان الأفضل له أن لا يفارق مصلاه حتى يتم المسبوق صلاته. و اما قوله: «على انه غير لازم في هذه الصلاة كما دلت عليه صحيحة عبد الرحمن» فان ظاهرها انه و ان لم يكن لازما إلا انه جائز، و هو الظاهر لما عرفت من ما تقدم في الموضع الثاني من دلالة ظاهر روايتي قرب الاسناد على ما ذكره الأصحاب و ان الظاهر هو القول بالتخيير جمعا بين الأخبار، و هذا يكفي في الفرق متى قلنا بعدم جواز توقع الإمام للمأموم حتى يتم في مسألة المسبوق لعدم الدليل عليه كما عرفت، و هنا يجوز ذلك لما ذكرنا و هو ظاهر في الفرق و بالجملة فإن كلامه هنا لا يخلو من تأمل لما عرفت.
282
و الظاهر انهم لو ذكروا في هذا المقام في وجه الفرق- تمثل الإمام قائما بعد صلاة ركعة بالطائفة الأولى و إتمامها الصلاة ثم المضي إلى موقف أصحابها و إتيان الطائفة الثانية و دخولهم معه- لكان أظهر في الفرق، فإنه لم يعهد في صلاة الجماعة مثله سيما على القول بسكوت الامام عن القراءة حتى تأتي الطائفة الثانية و تدخل معه كما تقدم في كلام الذكرى.
و اما بالنسبة الى الثالث فإنه قال: و اما إمامة القاعد بالقائم فإنما تتحقق إذا قلنا ببقاء اقتداء الفرقة الثانية في الركعة الثانية حكما و ان استقلوا بالقراءة و الأفعال كما صرح به العلامة في المختلف محتجا بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «فصار للأولين التكبير و افتتاح الصلاة و للآخرين التسليم» قال و مع الانفراد لا يحصل لهم ذلك.
و هو احتجاج ضعيف للتصريح في تلك الرواية بعينها بان الامام يوقع السلام و بعد فراغه من التشهد من غير انتظارهم، و على هذا فيكون معنى قوله (عليه السلام) «و للآخرين التسليم» انهم حضروه مع الامام. و الأصح انفراد الفرقة الثانية عند مفارقة الإمام كالأولى كما هو ظاهر الشيخ في المبسوط و صريح ابن حمزة في الوسيلة لقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن المتقدمة «ثم تشهد و سلم عليهم فقاموا فصلوا لأنفسهم ركعة و سلم بعضهم على بعض» و لأنه لا معنى للقدوة مع الاستقلال بالقراءة و الأفعال إلا حصول ثواب الائتمام و سقوط السهو عنهم في الركعة الثانية ان قلنا بسقوطه عن المأموم، و ليس في الأدلة النقلية ما يدل عليه فكان منفيا بالأصل. انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو جيد. و انما نقلناه بطوله لتأييده لما قدمنا ذكره في الموضع الرابع.
الثامن- في جملة من الفروع:
الأول
- نقل عن الشيخ و أكثر الأصحاب انهم صرحوا بوجوب أخذ السلاح في الصلاة استنادا الى قوله عز و جل «وَ لْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَ أَسْلِحَتَهُمْ» (1) و الأمر المطلق للوجوب. و عن ابن الجنيد انه يستحب
____________
(1) سورة النساء الآية 103.
283
أخذ السلاح حملا للأمر على الإرشاد لما في أخذ السلاح من الاستظهار في التحفظ من العدو. أقول: و ما ذكره ابن الجنيد غير بعيد و الظاهر انه لذلك تردد المحقق في النافع و المعتبر. و نقل عن ابن إدريس انه أوجب أخذ السلاح على الطائفتين، و لا بأس به لما فيه من زيادة الاحتراس و المحافظة، إلا ان الحكم بالوجوب لا يخلو من اشكال إلا أن تلجئ الضرورة اليه.
الثاني
- قال الشيخ في المبسوط: يكره أن يكون السلاح ثقيلا لا يتمكن معه من الصلاة و الركوع و السجود كالجوشن الثقيل و المغفر السابغ لأنه يمنع من السجود على الجبهة. و قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و الأقرب أن نقول ان احتاج الى أخذه وجب و لم يكن مكروها و ان لم يحتج اليه حرم أخذه لأنه يمنعه من استيفاء الأفعال الواجبة. انتهى. و هو جيد. و يمكن على بعد حمل الكراهة في كلامه على التحريم.
الثالث
- لا تمنع النجاسة على السلاح من أخذه في الصلاة لما تقدم في مقدمة اللباس من ثبوت العفو عن نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه منفردا و عدم قيام الدليل على طهارة المحمول، و لو تعدت النجاسة الى الثوب وجب تطهيره إن أمكن.
الرابع
- لو ترك أخذ السلاح في مقام وجوبه لم تبطل صلاته لأن أخذه ليس شرطا في الصلاة و لا جزء منها و انما هو واجب منفصل عنها. و لو منع من كمال الأفعال كزيادة الانحناء في الركوع كره أخذه.
الخامس
- قال في الذكرى: يجوز في أثناء الصلاة الضربة و الضربتان و الطعنة و الطعنتان و الثلاث مع تباعدها اختيارا و اضطرارا لأنها ليست فعلا كثيرا و لو احتاج الى الكثير فاتى به لم تبطل و تكون كصلاة الماشي. و كذا يجوز له إمساك عنان فرسه و جذبه اليه كثيرا و قليلا لأنه في محل الحاجة. انتهى.
السادس
- قال في الذكرى: لا فرق في جواز القصر مع الخوف بين الرجال و النساء لحصول المقتضي في الجميع، و ابن الجنيد قال يقصرها كل من يحمل السلاح
284
من الرجال حرا كان أو عبدا دون النساء في الحرب. و لعله لعدم مخاطبتهن بالقتال و الخوف انما يندفع غالبا بالرجال فلا أثر فيه للنساء قصرن أم اتممن. انتهى.
و لا يخلو من تردد و اشكال لعدم النص الواضح في هذا المجال.
السابع
- قال في الكتاب المذكور ايضا: لو عرض الخوف في أثناء صلاة الا من أتمها ركعتين، و لو عجز عن الركوع و السجود أتمها بالإيماء لمكان الضرورة و وجود المقتضى، و لو أمن في أثناء صلاة الخوف أتمها عددا ان كان حاضرا و كيفية سواء كان حاضرا أو مسافرا، و لا فرق بين أن يكون قد استدبر أو لم يستدبر.
و قال الشيخ في المبسوط: لو صلى ركعة مع شدة الخوف ثم أمن نزل و صلى بقية صلاته على الأرض، و ان صلى على الأرض آمنا ركعة فلحقه شدة الخوف كبر و صلى بقية صلاته إيماء ما لم يستدبر القبلة في الحالين فان استدبرها بطلت صلاته، و الأقرب الصحة مع الحاجة الى الاستدبار لانه موضع ضرورة و الشروط معتبرة مع الاختيار. انتهى.
المسألة الثالثة [صلاة بطن النخل و عسفان]
- من صلاة الخوف المذكورة في كلام الأصحاب صلاة بطن النخل، قالوا ورد ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) صلاها بأصحابه (1) قال في المبسوط: روى ذلك الحسن عن أبي بكرة عن فعل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) و صفتها أن يصلى الإمام بالفرقة الأولى مجموع الصلاة و الأخرى تحرسهم ثم يسلم بهم ثم يمضون الى موقف أصحابهم، ثم يصلى بالطائفة الأخرى نفلا له و فرضا لهم. قال في المبسوط: و هذا يدل على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل. و شرطها كون العدو فيه قوة يخاف هجومه
____________
(1) الدر المنثور ج 2 ص 212.
(2) في عمدة القارئ ج 3 ص 342: حديث أبي بكرة افتى به الحسن البصري، و حكى المزني عن الشافعي انه لو صلى في الخوف بطائفة ركعتين ثم سلم و صلى بطائفة ركعتين ثم سلم كان جائزا، قال و هكذا صلى النبي (ص) ببطن نخل، و قال ابن عبد البر روى ان صلاته هكذا كانت يوم ذات الرقاع.
285
و إمكان افتراق المسلمين فرقتين لا أزيد، و كونه في خلاف جهة القبلة.
قال في الذكرى: و يتخير بين هذه الصلاة و ذات الرقاع، و ترجح هذه إذا كان في المسلمين قوة ممانعة بحيث لا تبالي الفرقة الحارسة بطول لبث المصلية، و يختار ذات الرقاع إذا كان الأمر بالعكس.
و منها- صلاة عسفان و قد نقلها الشيخ في المبسوط بهذه العبارة، قال: و متى كان العدو في جهة القبلة و يكونون في مستوي الأرض لا يسترهم شيء و لا يمكنهم أمر يخافون منه و يكون في المسلمين كثرة لا تلزمهم صلاة الخوف و لا صلاة مرشدة الخوف، و ان صلوا كما صلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعسفان جاز، فإنه قام مستقبل القبلة و المشركون أمامه فصف خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صف و صف بعد ذلك الصف صف آخر فركع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و ركعوا جميعا ثم سجد (صلى اللّٰه عليه و آله) و سجد الصف الذين يلونه و قام الآخرون يحرسونه فلما سجد الأولون السجدتين و قاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الذين يلونه الى مقام الآخرين و تقدم الصف الآخر الى مقام الصف الأول ثم ركع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و ركعوا جميعا في حالة واحدة ثم سجد و سجد الصف الذي يليه و قام الآخرون يحرسونه فلما جلس رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الصف الذي يليه سجد الآخرون ثم جلسوا جميعا و سلم بهم جميعا. و صلى (صلى اللّٰه عليه و آله) بهم ايضا هذه الصلاة يوم بنى سليم (1).
أقول
قال في المنتهى: روى أبو عياش الزرقي (2) قال: كنا مع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعسفان و على المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر فقال المشركون لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم في الصلاة فنزلت آية القصر بين الظهر و العصر، فلما حضرت صلاة العصر قام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مستقبل القبلة و المشركون امامه فصف خلف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله). ثم ساق الحديث كما تقدم في عبارة المبسوط.
____________
(1) سنن ابى داود ج 2 ص 11.
(2) سنن ابى داود ج 2 ص 11.
286
ثم قال في المنتهى: و روى جابر بن عبد الله (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) صلى الظهر ببطن النخل: جعل أصحابه طائفتين فصلى بالأولى ركعتين ثم سلم فصلى بالأخرى ركعتين».
قال الشيخ: و لو صلى كما صلى بعسفان جاز.
ثم قال في المنتهى تبعا للمحقق في المعتبر: و نحن نتوقف في هذا لعدم ثبوت النقل عندنا عن أهل البيت (عليهم السلام) بذلك. انتهى. و هو جيد متين.
و أما ما ذكره في الذكرى- جوابا عما ذكراه هنا حيث قال: قلت هذه صلاة مشهورة في النقل فهي كسائر المشهورات الثابتة و ان لم تنقل بأسانيد صحيحة، و قد ذكرها الشيخ مرسلا لها غير مسند و لا محيل على سند فلو لم تصح عنده لم يتعرض لها حتى ينبه على ضعفها فلا تقصر فتواه عن روايته، ثم ليس فيها مخالفة لأفعال الصلاة غير التقدم و التأخر و التخلف بركن، و كل ذلك غير قادح في صحة الصلاة اختيارا فكيف عند الضرورة. انتهى.
فهو كلام مزيف سخيف، فان فيه (أولا) ان ما ذكره يرجع الى تقليد الشيخ في الفتوى بصحة هذه الصلاة و ان لم يقفوا له على دليل، مع انا نراهم لا يقفون على هذه القاعدة في مقام وجود الأدلة للشيخ على فتاويه و إلا لما اتسع الخلاف و انتشرت الأقوال في الأحكام الشرعية على ما هي عليه الآن، إذ لا حكم إلا و قد تعددت فيه أقوالهم و اختلفت فيه آراؤهم و لم يقفوا فيه على فتاوى الشيخ و نحوه من عظماء متقدميهم.
و ثانيا- ما هو معلوم من طريقة الشيخ و تساهله في الفتاوى و دعوى الإجماعات و الاحتجاج بالأخبار العامية، و هذا ظاهر للمطلع على كتبه (قدس سره) و المتدبر لاقواله.
و ثالثا- ان ما ذكره من عدم قدح التأخر بركن في القدوة ممنوع، و قد تقدم الكلام في المسألة مستوفى و قد بينا تناقض كلامه (قدس سره) فيها.
____________
(1) الدر المنثور ج 2 ص 213.
287
و رابعا- ان بلوغ التساهل في العبادات المبنية على التوقيف الى هذا الحد لا يخلو من تشريع و قول على الله سبحانه بغير علم «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرىٰ عَلَى اللّٰهِ كَذِباً» (1) «أَ تَقُولُونَ عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ» (2) و نحوهما من الآيات المعتضدة بالروايات المستفيضة الدالة على النهى عن القول بما لم يثبت عنهم (عليهم السلام) و الأمر بالوقوف و التثبت و الرد إليهم في ما اشتبه منها (3) و بالجملة فان الحق هنا ما ذكره الفاضلان المذكوران. و الله العالم.
المسألة الرابعة- في صلاة شدة الخوف
بمعنى انه ينتهى الحال إلى المسايفة و المعانقة، و الضابط أن لا يتمكنوا من الصلاة على الوجه المتقدم، فإنهم يصلون فرادى كيفما أمكنهم وقوفا أو ركبانا أو مشاة، و يركعون و يسجدون مع الإمكان و إلا فبالإيماء، و يستقبلون القبلة مع الإمكان في جميع الصلاة أو بعضها و لو بتكبيرة الإحرام ان أمكن و إلا سقط ايضا. و هذه الأحكام كلها مجمع عليها بينهم.
و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة و فضيل و محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «في صلاة الخوف عند المطاردة و المناوشة و تلاحم القتال فإنه يصلى كل انسان منهم بالإيماء حيث كان وجهه فإذا كانت المسايفة و المعانقة و تلاحم القتال فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) ليلة صفين و هي ليلة الهرير لم يكن صلى بهم الظهر و العصر و المغرب و العشاء عند وقت كل صلاة إلا بالتكبير و التهليل و التسبيح و التحميد و الدعاء، فكانت تلك صلاتهم و لم يأمرهم بإعادة الصلاة».
و عن عبيد الله بن على الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال:
«صلاة الزحف على الظهر إيماء برأسك و تكبير، و المسايفة تكبير مع إيماء،
____________
(1) سورة هود الآية 21.
(2) سورة الأعراف الآية 27.
(3) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز أن يقضى به.
(4) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
(5) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
288
و المطاردة إيماء يصلى كل رجل على حياله».
و عن زرارة في الصحيح (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) الذي يخاف اللصوص و السبع يصلى صلاة الموافقة إيماء على دابته. قال قلت أ رأيت ان لم يكن المواقف على وضوء كيف يصنع و لا يقدر على النزول؟ قال يتيمم من لبد سرجه أو من معرفة دابته فان فيها غبارا، و يصلى و يجعل السجود أخفض من الركوع، و لا يدور إلى القبلة و لكن أينما دارت دابته غير أنه يستقبل القبلة بأول تكبيرة حين يتوجه».
و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً» (3) كيف يصلى؟ و ما يقول؟ ان خاف من سبع أو لص كيف يصلى؟ قال يكبر و يومئ برأسه إيماء».
و عن ابى بصير في الموثق أو الصحيح (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا التقوا فاقتتلوا فإنما الصلاة حينئذ بالتكبير و إذا كانوا وقوفا فالصلاة إيماء».
ثم انه مع تعذر الإيماء كما تقدم فإنه ينتقل الفرض الى التسبيح بان يقول عوض كل ركعة «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» و ذلك يجزئ عن جميع الأفعال و الأذكار كما صرح به الأصحاب و منهم الفاضلان في المعتبر و المنتهى و الظاهر انه مجمع عليه بينهم كما جزم به في المدارك.
قال في الذكرى: و مع تعذر الإيماء يجزئ عن كل ركعة «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» فعن جميع الصلوات تسبيحتان و عن المغرب ثلاثا.
و قال في المنتهى: لو لم يتمكن من الإيماء حال المسايفة جعل عوض كل ركعة تكبيرة، و صورتها «سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر» و ذلك يجزئ عن القراءة و الركوع و السجود لما تقدم في حديث زرارة و فضيل و محمد بن مسلم.
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
(3) سورة البقرة الآية 240.
(4) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
289
أقول: و يدل على الحكم المذكور ما تقدم في صحيحة الفضلاء من صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) ليلة الهرير، و نحوها رواية أبي بصير المتقدمة.
و يدل على ذلك ايضا
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (1) «في صلاة الزحف؟ قال تكبير و تهليل يقول الله عز و جل فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً» (2).
ثم قال (3)
و في كتاب عبد الله بن المغيرة ان الصادق (عليه السلام) قال: «أقل ما يجزئ في حد المسايفة من التكبير تكبيرتان لكل صلاة إلا المغرب فان لها ثلاثا».
و هذه الرواية قد نقلها الشيخ عن عبد الله بن المغيرة في الصحيح عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) (4).
و ما رواه الشيخ عن محمد بن عذافر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا جالت الخيل تضطرب بالسيوف أجزأته تكبيرتان، فهذا تقصير آخر».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (6): و ان كنت في حرب هي لله رضى و حضرت الصلاة فصل على ما أمكنك على ظهر دابتك و إلا تومئ إيماء أو تكبر و تهلل. و روى انه فات الناس مع على (عليه السلام) يوم صفين صلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء فأمر على (عليه السلام) فكبروا و هللوا و سبحوا، ثم قرأ هذه الآية «فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجٰالًا أَوْ رُكْبٰاناً» فأمرهم على (عليه السلام) فصنعوا ذلك رجالا و ركبانا.
انتهى.
[فروع]
بقي الكلام هنا في أشياء
الأول
- ان المذكور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)ان التسبيح الذي ينتقل إليه في هذه المرتبة يجب أن يكون بهذه الكيفية التي تقدم نقلها عن المنتهى و الذكرى، و الأخبار التي قدمناها و نحوها من اخبار المسألة لا تساعد على ذلك، فإن أوضحها في هذا الحكم صحيحة الفضلاء و ظاهرها الاكتفاء بهذه الأذكار كيف اتفق.
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
(2) سورة البقرة الآية 240.
(3) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
(4) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
(5) الوسائل الباب 4 من صلاة الخوف و المطاردة.
(6) ص 14.
290
و قال في الذكرى: و تجب الصيغة المشار إليها أولا في التسبيح للإجماع على اجزائها، و ظاهر الرواية انه يتخير في الترتيب كيف شاء، و الأجود الأول لتحصيل يقين البراءة. انتهى. و لا ريب ان ما ذكره طريق الاحتياط.
و يمكن تأييد ما ذكرناه بالأخبار الواردة في تسبيح الأخيرتين، فإنها من قبيل صحيحة الفضلاء المذكورة و نحوها في عدم الترتيب مع اتفاق الأصحاب على هذه الكيفية المشهورة.
الثاني
- الأحوط أن يضاف الى التسبيح المذكور الدعاء كما دلت عليه الصحيحة المشار إليها.
الثالث
- انه قد صرح جمع من المتأخرين: منهم- الشهيد في الذكرى و العلامة و غيرهما بأنه لا بد في التسبيحات من النية و تكبيرة الإحرام و التشهد و التسليم و ظواهر أخبار المسألة قاصرة عن افادته، نعم النية التي قد عرفت انها من الأمور الجبلية لا يمكن تخلفها ليحتاج الى اعتبار إيجابها. و ما استندوا إليه في هذا المقام- من عموم الأخبار الواردة بهذه الأشياء- ففيه ان ما نحن فيه خاص و لا ريب في تقديمه على العام و تخصيص العام به. و بما ذكرناه صرح في المدارك، قال: و عندي في وجوب ما عدا النية إشكال لعدم استفادته من الروايات بل ربما كانت ظاهرة في خلافه. انتهى. و هو جيد.
الرابع
- المشهور انه إذا صلى مومئا فأمن أتم صلاته بالركوع و السجود في ما بقي منها و لا يجب عليه الاستئناف مطلقا. و قال الشيخ بذلك بشرط عدم الاستدبار في ما صلاه أولا. و رد بصدق الامتثال في ما اتى به فلا تتعقبه إعادة لأن ما اتى به من الاستدبار مأمور به في تلك الحال و امتثال الأمر يقتضي الإجزاء.
الخامس
- قالوا: لو رأى سوادا فظنه عدوا فقصر و صلى مومئا ثم انكشف بطلان خياله لم يعد. و كذا لو أقبل العدو فصلى مومئا لشدة خوفه ثم ظهران
291
هناك حائلا يمنع العدو. قالوا: و الوجه في ذلك ان الصلاة في الحال المذكور مأمور بها شرعا فتكون مجزئة، نعم لو استند الخوف الى التقصير في الاطلاع و عدم التأمل أو غلبة الوهم من غير تحقيق فالظاهر وجوب الإعادة، و به قطع في الذكرى للتفريط. و هو جيد. و الله العالم.
المسألة الخامسة [هل يفرق بين أسباب الخوف؟]
- المشهور في كلام جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم)ان الخوف بأي نحو كان من عدو أو لص أو سبع أو غرق موجب لهذه الصلاة كمية و كيفية.
قال الشهيد في الذكرى: لا فرق في لباب الخوف بين الخوف من عدو أو لص أو سبع فيجوز قصر الكمية و الكيفية عند وجود سبب الخوف كائنا ما كان.
و قال المحقق في المعتبر: كل أسباب الخوف يجوز معها القصر و الانتقال إلى الإيماء مع الضيق و الاقتصار على التسبيح ان خشي مع الإيماء و ان كان الخوف من لص أو سبع أو غرق، و على ذلك فتوى علمائنا. ثم استدل بقوله تعالى «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» (1) قال: و هو دال بمنطوقه على خوف العدو و بفحواه على ما عداه من المخوفات. ثم قال: و من طريق الأصحاب ما رواه. ثم نقل صحيحة عبد الرحمن ابن ابى عبد الله المتقدمة ثم صحيحة زرارة المتقدمة أيضا الواردة في اللصوص و السبع أقول: و من قبيل هاتين الروايتين اللتين ذكرهما
ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يلقى السبع و قد حضرت الصلاة و لا يستطيع المشي مخافة السبع، فان قام يصلى خاف في ركوعه و سجوده السبع و السبع امامه على غير القبلة، فإن توجه إلى القبلة خاف ان يثب عليه الأسد فكيف يصنع؟ قال فقال يستقبل الأسد و يصلى و يومئ برأسه
____________
(1) سورة النساء الآية 102.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
292
إيماء و هو قائم و ان كان الأسد على غير القبلة».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار عن من حدثه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الذي يخاف السبع أو يخاف عدوا يثب عليه أو يخاف اللصوص يصلى- على دابته إيماء- الفريضة».
و ما رواه في الفقيه عن زرارة في الصحيح (2) قال: «الذي يخاف اللصوص يصلى إيماء على دابته».
و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن الصادق (عليه السلام) (3) في حديث قال: «و من تعرض له سبع و خاف فوت الصلاة استقبل القبلة و صلى صلاته بالإيماء فإن خشي السبع و تعرض له فليدر معه كيف دار و ليصل بالإيماء».
قال في المدارك- بعد نقل ما قدمناه عن المعتبر من كلامه و ما استدل به من الآية و الروايتين ثم صحيحة على بن جعفر- ما لفظه: و هذه الروايات انما تدل على مساواة صلاة خائف الأسد لخائف العدو في الكيفية أما قصر العدد فلا دلالة لها عليه بوجه، و ما ادعاه من دلالة الآية الشريفة عليه بالفحوى غير واضح، و من ثم تردد في ذلك في المنتهى و حكى عن بعض علمائنا قولا بان التقصير في عدد الركعات انما يكون في صلاة الخوف من العدو و خاصة، و المصير اليه متعين الى أن يقوم على قصر العدد دليل يعتد به. انتهى. و هو جيد فإن غاية ما تدل عليه أخبار المسألة ما ذكره من قصر الكيفية دون الكمية.
ثم ان ظاهر هذه الأخبار ان الصلاة هنا تقصر في الكيفية و تصلى بالإيماء مع عدم إمكان الركوع و السجود و هي صلاة الخوف، و ظاهر بعض الأخبار ايضا انه مع تعذر الإيماء ينتقل إلى صلاة شدة الخوف و هي التسبيحات
كما رواه في الفقيه (4) قال: «و قد رخص في صلاة الخوف من السبع إذا خشيه الرجل على نفسه ان
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
(4) ج 1 ص 295 و في الوسائل الباب 3 من صلاة الخوف و المطاردة.
293
يكبر و لا يومي» رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام).
و لفظ الرواية و ان كان بالتكبير إلا ان الظاهر كما فهمه الأصحاب (رضوان الله عليهم)من روايات هذا المقام هو التسبيح كما تقدم مثله في اخبار صلاة شدة الخوف من رواية أبي بصير و صحيحة محمد بن عذافر المصرحة بأن هذا تقصير آخر و رواية عبد الله بن المغيرة المتقدم ذلك كله، و به عبر في المنتهى في عبارته المتقدمة في سابق هذه المسألة من قوله: «جعل عوض كل ركعة تكبيرة و صورتها: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر».
و ظاهر رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله المذكورة هنا هو تأخير الصلاة الى آخر وقتها رجاء لزوال العذر.
و به
صرح الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال: «إذا كنت راكبا و حضرت الصلاة و تخاف أن تنزل من لص أو سبع أو غير ذلك فلتكن صلاتك على ظهر دابتك، و تستقبل القبلة و تومئ إيماء إن أمكنك الوقوف و إلا استقبل القبلة بالافتتاح ثم امض في طريقك الذي تريد حيث توجهت بك راحلتك مشرقا و مغربا، و تومئ للركوع، و السجود اخفض من الركوع، و ليس لك أن تفعل ذلك إلا في آخر الوقت».
و قال في آخر الباب ايضا (2): و إذا تعرض لك سبع و خفت أن تفوت الصلاة فاستقبل القبلة و صل صلاتك بالإيماء فإن خشيت السبع يعرض لك فدر معه كيفما دار و صل بالإيماء كيفما يمكنك.
انتهى.
و لم أقف على من تعرض هنا لذلك من الأصحاب، و هو مؤيد لما سلف نقله عن المرتضى (رضى الله عنه) من وجوب التأخير إلى آخر الوقت على ذوي الأعذار. و الله العالم.
المسألة السادسة [صلاة الموتحل و الغريق]
- قد صرح جملة من الأصحاب- بل الظاهر انه لا خلاف فيه-
____________
(1) ص 14.
(2) ص 14.
294
بان الموتحل و الغريق يصليان بحسب الإمكان فيقصران في الكيفية، و أما الكمية فلا تقصر إلا في سفر أو خوف.
اما الأول فعلل بان ما لا يتعكن منه ليس بواجب، قال في الذخيرة بعد نقل ذلك: و المستفاد من ذلك عدم وجوب استيفاء الأفعال، و اما وجوب الإيماء بدله فيحتاج الى دليل آخر و كأنه إجماعي، و التوصل الى اليقين بالبراءة من التكليف الثابت انما يصحل به. انتهى.
أقول: حاصل كلامه ان مقتضى التعليل المذكور سقوط ما لم يمكن الإتيان به من أفعال الصلاة، و اما انه ينتقل من ذلك الفعل الى بدل آخر فلا دلالة للتعليل عليه إلا من حيث توقف يقين البراءة على ذلك.
و فيه انه لما كان المعهود من الشرع في غير موضع هو أنه مع تعذر الأفعال المعهودة في الصلاة ينتقل منها إلى أشياء جعلها الشارع بدلا عنها مع تعذرها فالواجب هنا الجري على ذلك، و توضيحه ان الصلاة المأمور بها شرعا تقع على أنحاء عديدة و مراتب متفاوتة باعتبار حال المكلف قوة و ضعفا، فكل ما أمكن منها في هذه المراتب أصالة أو بدلا وجب الإتيان به و ما لم يمكن يسقط، و من جملة ذلك الركوع و السجود فإنه مع تعذره ينتقل منه الى الإيماء و القيام ينتقل منه الى القعود ثم الى الاضطجاع على ما تقدم تفصيله في محله، و هكذا «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» (1).
و اما الثاني فعلل بان مقتضى الأصل وجوب الإتمام قام الدليل على وجوب التقصير في الكمية حال السفر و الخوف فوجب استثناؤه و بقي ما بقي و منه محل البحث إلا ان شيخنا الشهيد في الذكرى قال بعد ذكر الحكم المذكور: نعم لو خاف من إتمام الصلاة استيلاء الغرق عليه و رجا عند قصر العدد سلامته و ضاق الوقت فالظاهر انه يقصر العدد أيضا.
____________
(1) سورة القيامة الآية 14.
295
و استحسنه الشهيد الثاني في الروض حيث قال بعد نقله: و هو حسن حيث انه يجوز له الترك فقصر العدد أولى، لكن في سقوط القضاء بذلك نظر لعدم النص على جواز القصر هنا، و وجه السقوط حصول الخوف في الجملة كما مر، و الحاصل ان علية مطلق الخوف توجب تطرق القصر الى كل خائف و وجهه غير واضح إذ لا دليل عليه و الوقوف مع النصوص عليه بالقصر أوضح. انتهى.
قال في المدارك: و ما ذكره (قدس سره) من وجوب القضاء بعيد لانه لا يلائم ما استحسنه من جواز قصر العدد، إذ مقتضاه وجوب الإتيان بالصلاة المقصورة و إذا وجب الأداء سقط القضاء، و مع ذلك فما استدل به على جواز القصر ضعيف جدا إذ لا يلزم من جواز ترك الصلاة للعجز جواز قصرها على هذا الوجه. و بالجملة فاللازم من ما اعترف به من انتفاء دليل القصر مساواة حكم التمكن من الركعتين لحكم التمكن من الركعة الواحدة خاصة في عدم وجوب الإتيان بها منفردة. انتهى. و نسج على منواله صاحب الذخيرة أيضا كما هي قاعدته غالبا.
أقول: ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) هنا لا يخلو من قرب و ان اعترضوا عليه بما ذكروه، فان مرجع كلامه إلى الأخذ بالاحتياط في المسألة حيث انها غير منصوصة و الأدلة فيها من الطرفين متدافعة، لاحتمال دخولها تحت مسألة الخوف فيكون الحكم فيها هو التقصير و احتمال قصر التقصير في صلاة الخوف على موارد النصوص و ليس هذه منها فيجب القضاء تماما بعد زوال العذر. و لا ريب ان هذا هو الأحوط في المقام.
و الظاهر انه لما ذكره في الذكرى عد المحقق في المعتبر الغرق في مسألة الخوف من السبع و اللص التي حكموا فيها بوجوب التقصير كمية و كيفية كما تقدم في عبارته ثم عده في مسألة الموتحل التي قد صرح فيها بعدم قصر الكمية و إلا لزم التدافع بين كلاميه. و الله العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
296
المقصد الرابع في صلاة المسافر
لا خلاف نصا و فتوى في سقوط أخيرتي الرباعية في السفر الجامع للشرائط الآتية، و كذا لا خلاف في سقوط نافلتها إلا الوتيرة فان المشهور سقوطها و الأظهر العدم، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في مقدمات هذا الكتاب.
روى الصدوق (عطر الله مرقده) في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم (1) انهما قالا: «قلنا لأبي جعفر (عليه السلام) ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي و كم هي؟
فقال ان الله عز و جل يقول «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلٰاةِ» (2) فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر.
قالا قلنا إنما قال الله عز و جل فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ» و لم يقل «افعلوا» فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال (عليه السلام) أو ليس قد قال الله عز و جل «إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا» (3) ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض لان الله عز و جل ذكره في كتابه و صنعه نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ و كذلك التقصير شيء صنعه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و ذكره الله في كتابه.
قالا قلنا فمن صلى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال ان كان قد قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد و ان لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه.
و الصلاة كلها في السفر الفريضة ركعتان كل صلاة إلا المغرب فإنها ثلاث ليس فيها تقصير تركها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في السفر و الحضر ثلاث ركعات.
و قد سافر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى ذي خشب و هي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة و عشرون ميلا فقصر و أفطر فصارت سنة.
و قد سمى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قوما صاموا حين أفطر «العصاة» قال فهم العصاة إلى يوم القيامة و انا لنعرف أبناءهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا».
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 278 و في الوسائل الباب 22 و 17 و 1 من صلاة المسافر.
(2) سورة النساء الآية 102.
(3) سورة البقرة الآية 153.
297
و روى الصدوق في كتاب الخصال بسنده عن الأعمش عن الصادق (عليه السلام) (1) في حديث قال: «و من لم يقصر في السفر لم تجز صلاته لانه قد زاد في فرض الله عز و جل».
و روى في كتاب ثواب الأعمال بسنده فيه عن على بن ابى طالب (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) خياركم الذين إذا سافروا قصروا و أفطروا».
و منه
في الصحيح عن محمد بن أحمد الأشعري رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من صلى في سفره أربع ركعات متعمدا فأنا الى الله عز و جل منه بريء».
و في المقنع مرسلا مثله و مثل الخبر السابق (4).
و روى ثقة الإسلام عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا المغرب فان بعدها أربع ركعات. الحديث».
و عن سماعة في الموثق (6) قال: «سألته عن الصلاة في السفر قال ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء إلا انه ينبغي للمسافر أن يصلى بعد المغرب أربع ركعات. الخبر».
و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (7) قال: «سألته عن الصلاة تطوعا في السفر قال لا تصل قبل الركعتين و لا بعدهما شيئا نهارا».
و عن حذيفة بن منصور في الصحيح عن ابى جعفر و ابى عبد الله (عليهما السلام) (8) انهما قالا: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما و لا بعدهما شيء».
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 22 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 22 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 22 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 24 من أعداد الفرائض.
(6) الوسائل الباب 24 من أعداد الفرائض.
(7) الوسائل الباب 21 من أعداد الفرائض.
(8) الوسائل الباب 21 من أعداد الفرائض.
298
و عن أبي يحيى الحناط (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر قال يا بنى لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».
و أما ما ورد في شواذ الأخبار (2)- من قضاء صلاة النهار في السفر بالليل- فحمله الشيخ على محامل بعيدة و الأقرب خروجه مخرج التقية (3).
إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذا المقصد يقع في مطلبين
[المطلب] الأول- في شروط هذه الصلاة
و هي على ما صرح به الأصحاب ستة إلا انها في التحقيق- و به نطقت النصوص- سبعة.
الأول- اعتبار المسافة
و الكلام هنا يقع في مقامين
[المقام] الأول [المسافة التي توجب القصر]:
أجمع العلماء من الخاصة و العامة على ان المسافة شرط في التقصير (4) و انما الخلاف في قدرها، فذهب علماؤنا أجمع (رضوان الله عليهم)الى ان القصر انما يجب في مسيرة يوم تام بريدين ثمانية فراسخ أربعة و عشرون ميلا، حكى إجماعهم على ذلك المحقق في المعتبر و غيره في غيره.
و يدل عليه من الأخبار صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة (5) و ما رواه
____________
(1) الوسائل الباب 21 من أعداد الفرائض.
(2) الوسائل الباب 22 من أعداد الفرائض.
(3) لم نقف على المسألة بعنوانها في كتبهم نعم في المغني ج 2 ص 294 قال أحمد أرجو ان لا يكون بالتطوع في السفر بأس، و روى عن الحسن قال كان أصحاب رسول الله (ص) يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة و بعدها، روى ذلك عن عمر و على و ابن مسعود و جابر و انس و ابن عباس و ابى ذر و جماعة من التابعين كثير، و هو قول مالك و الشافعي و إسحاق و ابى ثور و ابن المنذر، و كان ابن عمر لا يتطوع مع الفريضة قبلها و لا بعدها إلا من جوف الليل و نقل ذلك عن سعيد بن المسيب و سعيد بن جبير و على بن الحسين.
(4) في عمدة القارئ ج 3 ص 531 «اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة.» و الظاهر منه ان اعتبار المسافة اتفاقي.
(5) ص 296.
299
الشيخ في الصحيح عن أبي أيوب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التقصير فقال في بريدين أو بياض يوم».
و عن على بن يقطين في الصحيح (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) الأول عن الرجل يخرج في سفره و هو مسيرة يوم قال يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم و ان كان يدور في عمله».
و عن ابى بصير في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في كم يقصر الرجل؟ قال في بياض يوم أو بريدين».
و عن عبد الله بن يحيى الكاهلي في الحسن (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في التقصير في الصلاة قال بريد في بريد أربعة و عشرون ميلا».
و عن سماعة في الموثق (5) قال: «سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة؟
قال في مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ. الحديث».
و عن عيص بن القاسم في الحسن أو الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال:
«في التقصير حده أربعة و عشرون ميلا».
و روى الصدوق بسند معتبر عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (7) قال «و انما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم. قال: و لو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة و ذلك لأن كل يوم يكون بعد هذا اليوم فإنما هو نظير هذا اليوم فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره».
و أما
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زكريا بن آدم (8)- «انه سأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته و امره جائز فيها يسير في الضياع يومين و ليلتين و ثلاثة أيام و لياليهن؟ فكتب: التقصير في مسيرة يوم و ليلة».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(6) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(7) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(8) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
300
ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يريد السفر في كم يقصر؟
قال في ثلاثة برد».
و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس للمسافر ان يتم في السفر مسيرة يومين».
-
فالظاهر حملها على التقية كما أجاب به الشيخ عن الخبرين الأخيرين حيث قال انهما غير معمول عليهما لموافقتهما العامة. و هكذا ينبغي أن يقال في الخبر الأول.
و لا بأس بالإشارة هنا إلى أقوال العامة في اعتبار المسافة و عدمها و قدرها كما ذكره بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين.
فنقول: اعلم ان بعضا منهم لم يشترط مسافة مخصوصة بل ذهب الى انه متى صدق عليه اسم المسافر فله القصر، و نقل ذلك عن داود و محمد بن لحسن. و المشهور اعتبار المسافة لكن اختلفوا في قدرها فنقلوا عن دحية الكلبي انها فرسخ، و نقل عن بعض قدمائهم انها روحة أي ثمانية فراسخ، و عن آخر انها يوم و ليلة، و عن بعض مسيرة ثلاثة أيام، و نسب هذا الى ابى حنيفة و جماعة (3) و ستأتي هذه الأقوال الثلاثة في مرسلة محمد بن يحيى الخزاز، و من هنا يعلم ان ما دل عليه صحيح زكريا بن آدم المذكور من التقدير بيوم و ليلة موافق لبعض أقوالهم كما عرفت. و عن جمع منهم أنها ثلاثة برد يعني اثنى عشر فرسخا (4) و منه يعلم ان ما تضمنه صحيح البزنطي من تفسيرها بذلك فإنه موافق لهذا القول. و عن جملة منهم الشافعي و مالك كونها مسيرة يومين عبارة عن ستة عشر فرسخا (5) و منه يعلم ان ما اشتملت عليه رواية أبي بصير من تحديدها بيومين فإنها خرجت مخرج هذا القول.
إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في موارد:
أولها [تعريف الفرسخ و الميل و البريد]
- قد عرفت ان المسافة الموجبة للتقصير ثمانية فراسخ، و الفرسخ عندهم ثلاثة
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(3) عمدة القارئ ج 3 ص 531 و المجموع للنووي ج 4 ص 325.
(4) عمدة القارئ ج 3 ص 531 و المجموع للنووي ج 4 ص 325.
(5) عمدة القارئ ج 3 ص 531 و المجموع للنووي ج 4 ص 325.
301
أميال و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعة و عشرون إصبعا و الإصبع سبع شعيرات عرضا و قيل ست و الشعيرة سبع شعرات من شعر البرذون.
اما ان الفرسخ ثلاثة أميال فهو اتفاقي بينهم و عليه تدل الأخبار، و اما ان الميل أربعة آلاف ذراع فهو المشهور في كلامهم من غير خلاف يعرف.
قالوا: و في كلام أهل اللغة دلالة عليه حيث قال في القاموس: الميل قدر مد البصر و منار يبنى للمسافر أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد أو مائة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنا عشر ألفا بذراع المحدثين. انتهى.
و قال احمد بن محمد الفيومي في كتاب المصباح المنير: الميل بالكسر في كلام العرب مقدار مد البصر من الأرض قاله الأزهري، و الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع و عند المحدثين أربعة آلاف ذراع، و الخلاف لفظي فإنهم اتفقوا على ان مقداره ست و تسعون ألف إصبع، و الإصبع سبع (1) شعيرات بطن كل واحدة إلى ظهر الأخرى» و لكن القدماء يقولون الذراع اثنتان و ثلاثون إصبعا و المحدثون يقولون اربع و عشرون إصبعا، فإذا قسم الميل على رأى القدماء كل ذراع اثنين و ثلاثين كان المتحصل ثلاثة آلاف ذراع، و ان قسم على رأى المحدثين أربعا و عشرين كان المتحصل أربعة آلاف ذراع، و الفرسخ عند الكل ثلاثة أميال. انتهى.
أقول: و من هذا الكلام يمكن أن يستنبط وجه جمع بين التقدير المشهور بالأربعة آلاف ذراع و بين ما يأتي في رواية الكليني من ثلاثة آلاف و خمسمائة بأن يكون الاختلاف مبنيا على اختلاف الأذرع.
و قال السيد السند في المدارك: أما الميل فلم نقف في تقديره على رواية من طرق الأصحاب سوى
ما رواه ابن بابويه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (2) انه ألف و خمسمائة ذراع.
و هو متروك. انتهى. و الظاهر انه من هنا قال المحقق في الشرائع
____________
(1) في المصباح ج 2 ص 155 «ست».
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
302
أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعة و عشرون إصبعا تعويلا على المشهور بين الناس، أو مد البصر من الأرض.
أقول:
روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سئل عن حد الأميال التي يجب فيها التقصير فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) جعل حد الأميال من ظل عير الى ظل و عير، و هما جبلان بالمدينة، فإذا طلعت الشمس وقع ظل عير الى ظل وعير و هو الميل الذي وضع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عليه التقصير».
و روى في الكتاب المذكور ايضا عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن يحيى الخزاز عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «بينا نحن جلوس و ابى عند وال لبني أمية على المدينة إذ جاء ابى فجلس فقال كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم في ثلاث و قال قائل منهم في يوم و ليلة و قال قائل منهم روحة فسألني فقلت له ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في كم ذاك؟ قال في بريد. قال و أي شيء البريد؟ قال ما بين ظل عير إلى فيء و عير. قال ثم عبرنا زمانا ثم رأى بنو أمية يعملون اعلاما على الطريق و أنهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر (عليه السلام) فذرعوا ما بين ظل عير إلى فيء و عير ثم جزاؤه على اثنى عشر ميلا فكانت ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع كل ميل فوضعوا الأعلام، فلما ظهر بنو هاشم غيروا أمر بنى أمية غيرة لان الحديث هاشمي فوضعوا الى جنب كل علم علما».
و هذا الخبر كما ترى واضح الدلالة على ان الميل شرعا عبارة عن ثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع، و العجب من غفلة السيد (قدس سره) عنه.
قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل هذا الخبر أو لا ثم نقل حديث الفقيه ثانيا ما صورته: تقدير الميل في هذا الحديث بألف و خمسمائة ذراع ينافي
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
303
تقديره في الحديث السابق بثلاثة آلاف و خمسمائة ذراع مع ان القصة واحدة فقد تطرق السهو الى أحد الحديثين، و الظاهر ان السهو في الثاني لأن الأول أقرب الى ما هو المشهور في تقديره بين الأصحاب و هو الأربعة آلاف ذراع و الى ما قدره به أهل اللغة. إلى آخر كلامه زيد في إكرامه.
أقول:
و الخبر المذكور في الفقيه (1) بهذه الصورة «قال الصادق (عليه السلام) ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير قال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في كم ذلك؟ فقال في بريد. قال و كم البريد؟ قال ما بين ظل عير إلى فيء و عير. فذرعته بنو أمية ثم جزاؤه على اثنى عشر ميلا فكان كل ميل ألفا و خمسمائة ذراع و هو أربعة فراسخ».
ثم انه من ما يؤيد ما ذكره في الوافي من تطرق السهو الى حديث الفقيه ما هو محسوس من البعد ما بين ظل الجبلين، فإنه أزيد من فرسخ و نصف بكثير، على انه لا بعد في مثل هذا السقوط فقد تقدم التنبيه على أمثال ذلك في كثير من المواضع.
و أما تقدير الإصبع بسبع شعيرات و الشعيرة بسبع شعرات فهو مأخوذ من كلام بعض أهل اللغة. إلا ان الظاهر ان أمثال هذه الأمور في الشرع تقريبية لا تتوقف على هذه التدقيقات فان الذراع معروف بين عامة الناس، نعم لا بد من البناء على مستوي الخلقة كما جروا عليه في غير موضع من الأحكام إذ هو الفرد الذي يحمل عليه الإطلاق.
و
ثانيها [ما تعلم به المسافة الموجبة للقصر]
- المستفاد من الأخبار المتقدمة ان المسافة تعلم بأمرين (أحدهما) مسير يوم، و (ثانيهما) الأذرع.
و المراد باليوم على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)يوم الصوم، و يدل عليه ما تقدم في صحيحة أبي أيوب من قوله (عليه السلام) «في بريدين أو بياض يوم» و نحوه قوله في صحيحة أبي بصير أيضا «في بياض يوم أو بريدين» و المراد بالسير فيه ما هو المتعارف الغالب من سير الإبل القطار و سير عامة
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
304
الناس فإنه الذي يحمل عليه الإطلاق مضافا الى ما صرحت به الأخبار:
و منها- ما تقدم في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) من قوله «لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامة و القوافل و الأثقال».
و منها-
قول الصادق (عليه السلام) في حسنة الكاهلي المتقدمة (1) زيادة على ما قدمناه منها «ثم قال ابن ابى كان يقول ان التقصير لم يوضع على البغلة السفواء و الدابة الناجية و انما وضع على سير القطار».
أقول: قال الجوهري يقال بغلة سفواء بالسين المهملة خفيفة سريعة و قال أيضا: الناجية الناقة السريعة ينجو من ركبها.
و في رواية عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «قلت له كم ادنى ما تقصر فيه الصلاة؟ فقال جرت السنة ببياض يوم. فقلت له ان بياض يوم يختلف فيسير الرجل خمسة عشر فرسخا في يوم و يسير الآخر أربعة فراسخ في يوم؟ فقال انه ليس الى ذلك ينظر اما رأيت سير هذه الأثقال بين مكة و المدينة؟ ثم أومأ بيده أربعة و عشرين ميلا يكون ثمانية فراسخ».
و بما دلت عليه هذه الاخبار قد صرح أيضا أصحابنا (رضوان الله عليهم)من غير خلاف يعرف.
و اعتبر الشهيدان اعتدال الوقت و السير و المكان، قال في المدارك: و هو جيد بالنسبة إلى الوقت و السير، اما المكان فيحتمل قويا عدم اعتبار ذلك فيه لإطلاق النص و ان اختلفت كمية المسافة في السهولة و الحزونة. انتهى.
أقول: ما ذكره من الاحتمال لإطلاق النص مع اعترافه باختلاف كمية المسافة في السهولة و الحزونة يجري في الوقت أيضا، فإن النصوص مطلقة شاملة بإطلاقها لجميع الأوقات، فقصير النهار و طويله من ما تختلف به الكمية أيضا، فلا وجه لتسليمه لهما ذلك في الوقت و مناقشته في المكان. و بالجملة فإن غاية ما يستفاد من النصوص هو اعتدال السير كما عرفت و ما عداه فلا، فان حمل إطلاق النصوص على الحد الأوسط
____________
(1) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 1 من صلاة المسافر.
305
بين طرفي الزيادة و النقصان و الإفراط و التفريط ليكون ضابطا كليا لا يختلف بالزيادة و النقصان ففي الجميع و إلا فلا معنى لتسليم ذلك في فرد و المناقشة في الآخر.
و الى ما ذكرنا يشير كلام جده في الروض حيث قال: و لما كان ذلك يختلف باختلاف الأرض و الأزمنة و السير حمل على الوسط في الثلاثة. انتهى. و هو جيد
و
ثالثها [لو اختلف السير و التقدير]
- لا خلاف و لا إشكال في الاكتفاء بالسير كما تكاثرت به الأخبار، و كذا لا إشكال في ما لو اعتبرت المسافة بالتقدير فوافق السير.
إنما الإشكال في ما لو اختلفا فهل يتخير في العمل على أيهما كان و لزوم القصر ببلوغ المسافة بأحدهما أو انه يقدم السير لأنه أضبط أو يقدم التقدير؟ احتمالات استظهر أولها في المدارك، و الظاهر ان وجهه ورود النصوص بكل منهما.
و احتمل في الروض تقديم السيرة، قال: لأن دلالة النص عليه أقوى إذ ليس لاعتبارها بالأذرع على الوجه المذكور نص صريح بل ربما اختلفت فيه الأخبار و كلام الأصحاب، و قد صنف السيد السعيد جمال الدين احمد بن طاوس كتابا مفردا في تقدير الفراسخ و حاصله لا يوافق المشهور، و لأن الأصل الذي اعتمد عليه المصنف و جماعة في تقدير الفرسخ يرجع الى اليوم، لأنه استدل عليه في التذكرة بأن المسافة تعتبر بمسير اليوم للإبل السير العام و هو يناسب ذلك. انتهى.
و يظهر من الذكرى تقديم التقدير و لعله لانه تحقيق و الآخر تقريب.
أقول: لا ريب ان الاعتبار بكل منهما جيد بالنظر الى دلالة النصوص المتقدمة عليهما، إلا ان الإشكال في التقدير من حيث الاختلاف في تفسير الفرسخ كما عرفت من اضطراب كلامهم في الميل، و الرجوع الى الاحتياط بالجمع بين القصر و الإتمام في موضع الاشتباه طريق السلامة. و الله العالم.
و
رابعها [مبدأ التقدير]
- قد صرح غير واحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم)ان مبدأ التقدير من آخر خطة البلد في المعتدل و آخر محلته في المتسع. و لم أقف له على دليل.
و قيل مبدأ التقدير مبدأ سيره بقصد السفر.
306
و
خامسها [لو قصد مسافة في زمان يخرج عن اسم المسافر]
- قال في الذكرى: لو قصد مسافة في زمان يخرج به عن اسم المسافر كالسنة فالأقرب عدم القصر لزوال التسمية. و من هذا الباب لو قارب المسافر بلده فتعمد ترك الدخول اليه للترخص و لبث في قرى تقاربه مدة يخرج بها عن اسم المسافر. و لم أقف في هذين الموضعين على كلام لأصحاب و ظاهر النظر يقتضي عدم الترخص.
قال في المدارك بعد نقل ذلك: هذا كلامه (قدس سره) و يمكن المناقشة في عدم الترخص في الصورة الثانية بأن السفر بعد استمراره الى انتهاء المسافة فإنما ينقطع بأحد القواطع المقررة من نية الإقامة أو التردد ثلاثين يوما أو الوصول الى الوطن و بدونه يجب البقاء على حكم القصر. أما ما ذكروه من عدم الترخص في الصورة الأولى فجيد لان التقصير انما يثبت في السفر الجامع لشرائط القصر فمتى انتفى السفر أو أحد شرائطه قبل انتهاء المسافة انتفى التقصير. انتهى.
أقول: حاصل كلام السيد (قدس سره) يرجع الى منع دخول هذه الصورة المفروضة في كلامه تحت القاعدة التي قدمها في صدر الكلام، حيث انه سلم له ما ذكره في تلك القاعدة و ناقش في الصورة المذكورة بزعم انها ليست من قبيل ما ذكره أولا، لحصول الاستمرار على قصد السفر الى انتهاء المسافة في هذه الصورة فلا ينقطع إلا بأحد القواطع المقررة بخلاف ما قدمه من القاعدة للخروج عن اسم المسافر بهذا القصد الذي قصده.
و أنت خبير بأنه يمكن الجواب بان ما ذكره- من أن السفر بعد استمراره الى انتهاء المسافة فإنما ينقطع بأحد القواطع المذكورة- جيد بالنسبة إلى السفر المتعارف المتكرر، أما بالنسبة الى هذا الفرد النادر- و هو انه بعد قربه من البلد ترك الدخول فيه لقصد بقائه على التقصير و بقي مترددا في تلك القرى على وجه يخرج به عن كونه مسافرا- فان دخوله تحت حكم المسافر الذي ذكره بعيد، فإنه و ان وجب عليه التقصير في مدة سفره إلا انه بعد أن قصد هذا القصد الآخر بتأخره عن الدخول
307
و تردده في تلك القرى على وجه يخرج عن كونه مسافرا فلا يبعد أن يكون حكمه حينئذ هو التمام كما ذكره شيخنا المذكور و يكون هذا من قبيل القواطع الثلاثة المذكورة، و لا فرق بين هذا الفرد المذكور و بين ما ذكره أولا إلا باعتبار ان الأول قصد التطويل في المسافة بزمان يخرج به عن اسم المسافر في أول الأمر و هذا انما تجدد له هذا القصد بعد أن حصلت المسافة و وجب التقصير عليه مدة سفره، فالواجب على الأول التمام من أول الأمر لأن قصده الذي قصده من أول الأمر موجب لخروجه عن اسم المسافر فلا يكون حكمه التقصير، و الواجب على الثاني هو التقصير مدة سفره و أما بعد تجدد هذا القصد الأخير على الوجه المذكور فإنه لخروجه به عن اسم المسافر يزول عنه حكم التقصير و يجب عليه الإتمام. و الظاهر ان بناء كلام شيخنا المذكور (قدس سره) على ما ذكرناه و إلا فهو لا يخفى عليه ان السفر بعد ثبوته لا ينقطع إلا بأحد القواطع الثلاثة المذكورة، و لكن هذا قد خرج عن كونه مسافرا بما قصده و فعله فلا يدخل تحت المسافر المتصف بالسفر المعروف المتكرر الذي وردت فيه الأخبار بأنه لا ينقطع سفره إلا بأحد القواطع. و الله العالم.
و
سادسها [اعتبار المسافة في سفر البحر]
- قال في المنتهى: لو كان مسافرا في البحر كان حكمه حكم المسافر في البر من اعتبار المسافة سواء قطعها في زمان طويل أو قصير، لا نعرف فيه خلافا. انتهى.
و هو كذلك لأن وجوب التقصير ترتب على قصد المسافة التي قد ورد اعتبارها بالتقدير المتقدم ذكره و هي ثمانية فراسخ، و حينئذ فمتى قصد هذه المسافة في بر أو بحر فلا فرق بين ان يقطعها في ساعة أو يوم أو أكثر ما لم يتطاول الزمان على الوجه المتقدم في سابق هذا المورد. و مثل السفر في البحر السفر في البر من البريد الحثيث كما هو معمول الآن في بلاد العجم بحيث يقطع مسير اليوم في ربع نهار أو أقل
و
سابعها [وجوب القصر عند ثبوت المسافة]
- قال في المدارك: انما يجب التقصير مع العلم ببلوغ المسافة بالاعتبار
308
أو الشياع أو شهادة العدلين و مع انتفاء الأمرين يجب الإتمام. و في وجوب الاعتبار مع الشك إشكال منشأه أصالة البراءة و توقف الواجب عليه. و لو سافر مع الجهل ببلوغ المسافة ثم ظهر ان المقصد مسافة وجب التقصير حينئذ و ان قصر الباقي عن مسافة، و لا يجب عليه اعادة ما صلاة تماما قبل ذلك لأنها صلاته المأمور بها فكانت مجزئة. انتهى.
أقول: أما ما ذكره- من توقف وجوب التقصير على العلم ببلوغ المسافة بأحد الوجهين و مع عدمه يجب الإتمام- فهو من ما لا ريب فيه و لا إشكال، لأن العلم ببلوغ المسافة شرط في وجوب التقصير كما عرفت و المشروط عدم عند عدم شرطه. و الحكم المذكور مقطوع به في كلام الأصحاب.
و بذلك يظهر ان ما أطال به في الذخيرة- من الاستدلال على ذلك بما ذكره ثم المناقشة في ذلك- من ما لا طائل تحته، على انها لا تقصر عن التأييد لما ذكرناه، و منها
قول ابى جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1) «لا تنقض اليقين بالشك ابدا».
بناء على ان الحكم الثابت أصالة هو الإتمام و القصر مشكوك فيه مع الجهل ببلوغ المسافة أو الشك فيها للشك في سببه و هو واضح. و ما ذكره- من ان الاستدلال بالخبر المذكور لا يصفو عن المنازعة- لا أعرف له وجها بعد ما عرفت.
و أما ما ذكره في المدارك- من الإشكال في وجوب الاعتبار مع الشك- فهو في محله.
و أما ما ذكره- من انه لو سافر مع الجهل ببلوغ المسافة ثم ظهر ان المقصد مسافة فإنه يجب التقصير حينئذ و ان قصر الباقي عن مسافة- فهو عندي محل اشكال و ان كان قد تقدمه في ذلك الشهيد في الذكرى، لان من جملة الشروط- كما سيأتي ان شاء الله تعالى- قصد المسافة و هو السفر الشرعي و هذا في حال خروجه و الحال هذه لم يحصل له هذا القصد، و لهذا ان فرضه التمام و قد صلى تماما بناء على ذلك فهو
____________
(1) الوسائل الباب 1 من نواقض الوضوء و 37 و 41 و 44 من النجاسات.
309
حاضر غير مسافر، و قصد السفر بعد ظهور كون المقصد مسافة مع نقصان الباقي عن المسافة غير مجد و لا مسوغ للقصر لعدم المسافة في الباقي، و البناء على ما مضى مع عدم نية قصد المسافة فيه مشكل كما عرفت. و ما نحن فيه في الحقيقة مثل طالب الآبق و الحاجة الذي سار مسافة أو أقل من غير قصد المسافة ثم ظهر له ان حاجته في مكان يقصر عن المسافة الشرعية، فإنه لا ريب و لا إشكال في انه يتم في سفره المذكور بعد خروجه و بعد ظهور كون حاجته في محل كذا من ما يقصر عن المسافة، و لا يضم ما تقدم الى هذه المسافة الباقية و يجب عليه التقصير حينئذ بل الواجب عليه هو الإتمام. نعم متى أراد الرجوع فان الواجب عليه التقصير ان بلغ المسافة و هو شيء آخر. و بالجملة فإن ما ذكره هنا غير خال عندي من الاشكال.
ثم ان ظاهره في الذخيرة المناقشة في شهادة العدلين في هذا المقام مدعيا انه لا يعلم نصا يدل على ان شهادة العدلين متبعة كلية.
و فيه انه و ان كان ما ذكره- من عدم وجود نص دال على وجوب العمل بشهادة العدلين في كل أمر- كذلك إلا ان جملة من النصوص المعتبرة كما قدمناه في باب التطهير من النجاسات من كتاب الطهارة قد دلت على العمل بخبر العدل الواحد بل انه مفيد للعلم و ان لم يسم ذلك شهادة، و حينئذ لا ريب في قبول خبر العدلين هنا و لا اشكال
و
ثامنها [لو كان للبلد طريقان أحدهما المسافة]
- قال في الذكرى: لو كان لبلد طريقان أحدهما خاصة مسافة فسلك الأقرب أتم و ان سلك الأبعد لعلة غير الترخص قصر، و ان كان للترخص لا غير فالأقرب التقصير للإباحة، و قال ابن البراج يتم لأنه كاللاهي بصيده. و لو رجع قاصد الأقرب بالأبعد قصر في رجوعه لا غير. و لو رجع قاصد الأبعد بالأقرب قصر في ذهابه و إيابه. انتهى.
أقول: الظاهر ضعف ما ذكره ابن البراج لأن السفر بقصد الترخص غير محرم بل هو مباح، و قياسه على اللاهي بصيده قياس مع الفارق مع ان القياس غير صحيح في مذهبنا، و حينئذ فيجب عليه التقصير.
310
و اما ما ذكره في الذكرى- من ان قاصد الأقرب متى رجع بالأبعد فإنه يتم في ذهابه و يقصر في رجوعه خاصة- فهو مبنى على ما هو المشهور بينهم من عدم ضم الذهاب إلى الإياب إلا في قصد الأربعة. و فيه ما سيأتي ان شاء الله تعالى في موضعه من أنه لا دليل عليه غير مجرد الشهرة بينهم.
و
تاسعها [لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ]
- قال في الذخيرة: لو تردد يوما في ثلاثة فراسخ ذاهبا و جائيا، فإن بلغ في الرجوع الى موضع سماع الأذان و مشاهدة الجدران فالظاهر انه لا خلاف في عدم القصر، و ان لم يبلغ فالمقطوع به في كلام أكثر الأصحاب انه لم يجز القصر و خالف فيه المصنف في التحرير، و استدل على الأول بوجهين: (أحدهما) ان من هذا شأنه ينقطع سفره بالرجوع و ان كان في رجوعه لم ينته الى الحد المذكور و إلا لزم القصر لو تردد في ثمانية فراسخ خمس مرات (1) و بان مقتضى الأصل لزوم الإتمام خرج منه قاصد الثمانية و الأربعة التي لا تكون ملفقة من الذهاب و الإياب لأنه المتبادر من اللفظ فيبقى الباقي على الأصل. و للتأمل في الوجهين طريق. انتهى.
أقول: الظاهر ان ما ذكره من هذا التفصيل و الاستدلال في المقام و ما وقع له فيه من النقض و الإبرام من متفرداته (قدس سره) و تخريجاته، و مقتضى ما صرح به الأصحاب هنا كالعلامة في المنتهى و الشهيد في الذكرى هو ان التردد في ثلاثة فراسخ ذاهبا و جائيا غير موجب للقصر ثلاث مرات و أزيد بلغ محل الترخص أم لم يبلغ لعدم صدق المسافر عليه، و هو التحقيق في المقام الذي لا يعتريه نقض و لا إبرام، لأن وجوب التقصير تابع لصدق السفر مع استكمال شروطه. و مثل هذا لا يسمى مسافرا عرفا و لا شرعا.
قال في المنتهى: لو كانت المسافة ثلاثة فراسخ و تردد فيها ثلاث مرات لم
____________
(1) في الذخيرة في التنبيه السابع من تنبيهات الشرط الأول هكذا: «و لو تردد في فرسخ واحد ثماني مرات».
311
يقصر، لأنه بالعود انقطع سفره، و لعدم الدليل على القصر مع وجود المقتضى لشغل الذمة.
و قال في الذكرى: و لو كان القصد زيادة على الأربعة فكالأربعة، و لو نقص كالثلاثة يتردد فيها ثلاث مرات لم يترخص لخروجه عن اسم المسافر و إلا لزم تقصير المتردد في أقل من ميل و هو باطل. انتهى.
و الجميع كما ترى ظاهر في ما قلناه و اضح في ما نقلناه، و به يظهر ان ما ذكره مجرد توهم و خيال ضعيف، فان ظهور عدم صدق المسافر على مثل هذا لا يمكن إنكاره عرفا و لا شرعا. و الله العالم.
و
عاشرها- لو تعارضت البينتان في المسافة
بالنفي و الإثبات، قال في الذكرى:
الأقرب العمل ببينة الإثبات لأن شهادة النفي غير مسموعة. و قال في المعتبر:
أخذ بالمثبتة و قصر.
قال في المدارك بعد ذكر كلام المعتبر: و هو جيد مع إطلاق البينتين أما لو كان النفي متضمنا للإثبات كدعوى الاعتبار و تبين القصور فالمتجه تقديم بينة النفي لاعتضادها بأصالة التمام.
أقول: لا يخفى ما في الاعتضاد هنا بأصالة التمام من الإشكال لقيام البينة المثبتة للمسافة التي بالنظر إليها يجب التقصير شرعا و الخروج عن هذا الأصل.
و الحق ان المسألة لا تخلو من الإشكال إلا أن يقال بالرجوع الى الترجيح بين البينتين قال في الذكرى: و لا يكفي إخبار الواحد بها، و يحتمل الاكتفاء به إذا كان عدلا جعلا لذلك من باب الرواية لا من باب الشهادة.
أقول: ما ذكره من الاحتمال جيد لما أشرنا إليه قريبا من دلالة الأخبار على قبول قول الثقة و انه مفيد للعلم الشرعي.
ثم قال في الذكرى: فعلى هذا لو سافر اثنان أحدهما يعتقد المسافة و الآخر لا يعتقدها فالظاهر ان لكل منهما أن يقتدى بالآخر لصحة صلاته بالنسبة إليه.
312
و قال في المدارك بعد ذكر التعارض بين البينتين: و يتعلق بكل من البينتين حكم ما يعتقده فيقصر المثبت و يتم النافي، و في جواز اقتداء أحدهما بالآخر وجهان من حكم كل منهما بخطإ الآخر، و من ان كلا من الصلاتين محكوم بصحتها شرعا لإتيان كل منهما بما هو فرضه فينتفى المانع من الاقتداء، و رجح الشهيدان الجواز و هو حسن لكنهما منعا من الاقتداء مع المخالفة في الفروع، و الفرق بين المسألتين مشكل. انتهى.
أقول: قد قدمنا في بحث القبلة من التحقيق في هذا المقام ما يندفع به هذا الإشكال الذي ذكره (قدس سره) و مرجعه الى الفرق بين الأحكام الشرعية و موضوعاتها فيمتنع الاقتداء على الأول دون الثاني.
و أقول هنا: انه لا يخفى ان ما ذكروه من جواز الاقتداء في الصورة المذكورة ان أريد به الاقتداء في مجموع الصلاة- بحيث ان من فرضه منهما التمام يصلى قصرا و بالعكس كما هو الظاهر من كلامهم، و قوله في الذكرى لأنها صحيحة بالنسبة اليه.
و قوله في المدارك ان كلا من الصلاتين محكوم بصحتها شرعا. الى آخره- فالظاهر عدمه لأنها و ان صحت من هذه الجهة التي ذكرها إلا ان هذا مكلف شرعا بالعمل بعلمه و ما أدى اليه اعتقاده، فلو تابع الإمام في صلاته قصرا أو تماما و الحال ان اعتقاده خلاف اعتقاد الامام فقد خالف ما هو تكليفه شرعا و مأمور به من جهته سبحانه فكيف يجزئ عنه، و ان أريد به الاقتداء في ما يتفق معه فيه كاقتداء المسافر بالحاضر و بالعكس فالظاهر انه لا بأس به لما ذكروه من التعليل، و لان هذا من باب موضوعات الأحكام الشرعية التي قد أشرنا إلى انه يجوز الاقتداء فيها مع الاختلاف من حيث ان صلاته صحيحة شرعية، و نحن انما منعنا من الاقتداء في الفرض الأول من حيث مخالفته لما هو مكلف به شرعا لا من حيث حكمنا ببطلان صلاة الامام، و الفرق بحمد الله سبحانه ظاهر. فاشرب بكأس هذا التحقيق الذي هو بان يكتب بالنور على وجنات الحور جدير و حقيق، و لا تكاد تجد مثل
313
هذه التحقيقات في غير كتبنا و زبرنا. و لله سبحانه الحمد و المنة و الله الهادي لمن يشاء.
المقام الثاني [الأقوال في ما إذا كانت المسافة أربعة فصاعدا دون الثمانية]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)في ما لو كانت المسافة أربعة فراسخ فصاعدا الى ما دون الثمانية على أقوال:
أحدها- و هو المشهور سيما بين المتأخرين و به صرح المرتضى و ابن إدريس- انه يجب التقصير إذا أراد الرجوع ليومه و المنع من التقصير ان لم يرد الرجوع ليومه و ثانيها- ما ذهب اليه الصدوق (قدس سره) في الفقيه قال: إذا كان سفره أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب و ان كان سفره أربعة فراسخ و لم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار ان شاء أتم و ان شاء قصر.
و نحوه قال الشيخ المفيد، و نقله الأصحاب عن والد الصدوق ايضا و سلار، و به صرح الشيخ في النهاية إلا انه منع من التقصير في الصوم، فصار هذا قولا ثالثا.
و ما ذهبوا اليه ظاهر في وجوب التقصير مع الرجوع ليومه كما هو المشهور و التخيير في ما لم يرد الرجوع ليومه خلافا للمشهور حيث أوجبوا التمام هنا حتما، فهذا القول يوافق المشهور من جهة و يخالفه من اخرى.
و ينبغي أن يعلم ان مرادهم بقولهم في صورة التخيير «و من لم يرد الرجوع من يومه» انه أعم من أن لم يرد الرجوع بالكلية فالنفي متوجه الى القيد و المقيد، أو أراد الرجوع و لكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجه الى القيد خاصة. و ما ربما يتوهم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض كما لا يخفى على المتأمل.
و ثالثها- ما ذهب إليه في النهاية من ما قدمنا الإشارة اليه.
و رابعها- ما نقله شيخنا الشهيد في الذكرى عن الشيخ في التهذيب و المبسوط و ابن بابويه في كتابه الكبير و قواه من التخيير في قصد الأربعة بشرط الرجوع ليومه قال في الذكرى: و اعلم ان الشيخ في التهذيب ذهب الى التخيير لو قصد أربعة فراسخ و أراد الرجوع ليومه، و كذا في المبسوط و ذكره ابن بابويه في كتابه الكبير، و هو قوي لكثرة الأخبار الصحيحة بالتحديد بأربعة فراسخ فلا أقل من الجواز.
314
أقول: عبارة الشيخ في التهذيب هكذا: ان المسافر إذا أراد الرجوع من يومه فقد وجب عليه التقصير في أربعة فراسخ. ثم قال: ان الذي نقوله في ذلك انه انما يجب التقصير إذا كان مقدار المسافة ثمانية فراسخ و إذا كان أربعة فراسخ كان بالخيار في ذلك ان شاء أتم و ان شاء قصر.
و أنت خبير بان ظاهر هذه العبارة العدول عن القول الأول الموافق للمشهور الى ان مجرد قصد الأربعة موجب للتخيير أراد الرجوع ليومه أم لا، و حينئذ فما نقله عنه هنا من قوله بالتخيير بشرط الرجوع ليومه ان أراد من حيث عموم كلامه و شموله لهذا الفرد فهو مسلم إلا انه بعيد عن ظاهر عبارته، و ان أراد تخصيص عبارته بما ذكره فهو خلاف ظاهر كلام الشيخ كما عرفت.
و اما عبارته في المبسوط فهي أيضا لا تساعد ما ادعاه حيث ان عبارة المبسوط هكذا: حد المسافة التي يجب فيها التقصير ثمانية فراسخ أربعة و عشرون ميلا، فان كانت أربعة فراسخ و أراد الرجوع من يومه وجب ايضا التقصير و ان لم يرد الرجوع من يومه كان مخيرا بين التقصير و الإتمام. و هذه العبارة كما ترى صريحة الانطباق على ما قدمنا نقله عن الصدوق و الشيخ المفيد و هو القول الثاني لا في ما ذكره و ادعاه.
و العجب أن الأصحاب لم يتنبهوا لموافقة الشيخ للصدوق في هذا الكتاب بل خصوا ذلك بالنهاية مع منعه فيها التقصير في الصوم، و هذه العبارة ظاهرة في الانطباق على ذلك القول من جميع جهاته. و أعجب من ذلك نقل شيخنا المشار اليه عن المبسوط ما ادعاه و الحال ان العبارة كما ترى، و لعل النقل عن ابن بابويه في كتابه الكبير من هذا القبيل.
و كيف كان فهو قول مرغوب عنه كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
و خامسها- ما ذهب اليه ابن ابى عقيل (قدس سره) حيث قال: كل سفر كان مبلغه بريدين و هو ثمانية فراسخ أو بريدا ذاهبا و بريدا جائيا و هو أربعة فراسخ في يوم واحد أو ما دون عشرة أيام فعلى من سافر عند آل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) أن يصلى
315
صلاة السفر ركعتين. و الى هذا القول مال جملة من أفاضل متأخري المتأخرين و هو الظاهر عندي من الأخبار كما سيسفر عنه ان شاء الله تعالى صبح التحقيق أى اسفار إلا ان عبارة الشيخ ابن ابى عقيل لا تخلو عن مسامحة أو غفلة، و ذلك فان الحق في هذا المقام أن يقال انه لا ريب أن المسافة الموجبة للتقصير انما هي ثمانية فراسخ لكنها أعم من أن تكون ممتدة في الذهاب خاصة أو ملفقة من الذهاب و الإياب، و حينئذ فمن قصد أربعة فراسخ مريدا للرجوع من غير ان يقطع سفره بإقامة العشرة و لا بالمرور على منزل يقطع سفره و لا مضى ثلاثين يوما مترددا فإنه يجب عليه التقصير و يصدق عليه ان مسافة سفره ثمانية فراسخ لان السفر لا خصوصية له بالذهاب خاصة. و نظيره من قصد ثمانية فراسخ و هي المسافة المتفق على وجوب التقصير فيها ثم اتفق جلوسه على رأس أربعة فراسخ أياما لبعض المطالب و الأغراض، فان جلوسه تلك المدة ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع المذكورة لا يخرجه عن كونه مسافرا و لا كون سفره ثمانية فراسخ. و حينئذ فإن كان ما ذكره ابن ابى عقيل في هذه العبارة من قوله: «أو ما دون عشرة أيام» إنما وقع على وجه التمثيل إشارة إلى انه يقصر ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع التي من جملتها العشرة أيام فهو يرجع الى ما ذكرناه و نسبته الى آل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) في محله، لانه الظاهر من أخبارهم كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، و إلا كان هذا قولا آخر و لا وجه لنسبته إليهم (صلوات الله عليهم) باعتبار التخصيص بالعشرة، إذ يمكن ان يرجع بعد عشرين يوما و لم ينقطع سفره بإقامة العشرة في موضع.
و سادسها- ما ذهب اليه السيد السند (قدس سره) في المدارك من القول بالتخيير بمجرد قصد الأربعة أراد الرجوع أو لم يرد، و نقله عن الشيخ في التهذيب و جده.
قال (قدس سره) بعد البحث في المسألة: و جمع الشيخ في كتابي الأخبار بين هذه الروايات بوجه آخر و هو تنزيل أخبار الثمانية على الوجوب و اخبار
316
الأربعة على الجواز، و حكاه بعض مشايخنا المعاصرين عن جدي (قدس سره) في الفتاوى، و مال إليه في روض الجنان حتى انه استوجه كون القصر أفضل من الإتمام. و لا ريب في قوة هذا القول. و لا ينافي ما ذكرناه من التخيير رواية معاوية بن عمار المتضمنة لنهي أهل مكة عن الإتمام بعرفات (1) لأنا نجيب عنها بالحمل على الكراهة أو على ان النهى عن الإتمام على وجه اللزوم. انتهى.
و سابعها- ما ذهب اليه بعض فضلاء متأخري المتأخرين من وجوب التقصير مع قصد الأربعة مطلقا و نسبه مذهبا لثقة الإسلام الكليني في الكافي حكى ذلك بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين، حيث قال بعد الكلام في المسألة و ذكر أخبار الثمانية: ثم اختلفوا في نصف ذلك أي أربعة فراسخ على أقوال شتى، فمنهم من ظاهر كلامه كالكليني ان الأربعة هي المسافة حيث لم يذكر ما سوى أحاديث الأربعة حتى ان بعض مشايخنا كان يدعى له هذا القول و يقويه استنادا الى عدم وجدان قائل بها من المخالفين (2) و جعل وجه الجمع بين هذه الأخبار و اخبار الثمانية بأن المراد بهذه الأخبار أقل ما يتحقق به تحتم القصر و انه مستلزم للتحتم بالزائد أيضا كما هو ظاهر، فيكون حينئذ تخصيص التعبير بالثمانية في اخبارها لأجل بعض المصالح كمراعاة التقية. انتهى كلام شيخنا المشار اليه. ثم انه (قدس سره) رجح كون اعتقاد الكليني التخيير في قصد الأربعة مطلقا.
أقول: لا يخفى ان حمل أخبار الأربعة على الوجوب- كما ذكره البعض المشار اليه و انه أقل ما يجب فيه التقصير- يدفعه ما اشتملت عليه جملة من أخبار الثمانية الفراسخ و البريدين من أنها أقل مسافة القصر و انه لا يقصر في ما دونها و ان المناط
____________
(1) ص 319 و 320.
(2) في المحلى ج 5 ص 8 عن شعبة قال: سمعت ميسرة بن عمران عن أبيه عن جده انه خرج مع عبد الله بن مسعود و هو رديفه على بغلة له مسيرة أربع فراسخ فصلى الظهر ركعتين و العصر ركعتين.
317
في ذلك بياض يوم أو سير الإبل و نحو ذلك من ما اشتملت عليه الأخبار كما لا يخفى على من راجعها.
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في موضعين
[الموضع] الأول- في نقل أخبار المسألة كملا [و ذكر الأقوال]
فنقول:
اعلم ان الأخبار المتعلقة بهذه المسألة على ثلاثة أقسام: الأول- ما اشتمل على تحديد المسافة بما علم مخالفته لمذهب الإمامية و هو موافقته لمذهب العامة كالأخبار الدالة على التحديد بفرسخ أو ثلاثة أبرد أو يوم و ليلة و نحو ذلك، و قد تقدم شطر منها في صدر المسألة الأولى، و قد أوضحنا ثمة (1) خروجها مخرج التقية فلا حاجة الى ارتكاب التأويل فيها و لا نكلف الجواب عنها بعد ظهور ما قلناه فيها.
الثاني- الأخبار المشتملة على ما عليه اتفاق الإمامية من ثمانية فراسخ أو بريدين أو بياض يوم، و قد مر منها صحيحة زرارة و محمد بن مسلم في صدر المقصد و تقدم في صدر المقام الأول صحيحة أبي أيوب و فيها بريدين أو بياض يوم و صحيحة على بن يقطين و فيها مسيرة يوم، و صحيحة أبي بصير و فيها بياض يوم أو بريدين و حسنة الكاهلي و فيها بريد في بريد أربعة و عشرون ميلا، و موثقة سماعة و فيها مسيرة يوم و ذلك بريدان و هما ثمانية فراسخ، و موثقة عيص بن القاسم أو حسنته و فيها حده أربعة و عشرون ميلا، و رواية الفضل بن شاذان و فيها ثمانية فراسخ مسير يوم، و منها رواية صفوان الآتية ان شاء الله تعالى (2) في الموضع الثاني، و منها موثقة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة في المورد الثاني من موارد المقام المتقدم، الى غير ذلك من الأخبار التي لا ضرورة في التطويل بها مع الاتفاق على العمل بمضمونها.
الثالث- الأخبار المشتملة على التقصير في أربعة فراسخ أو بريد أو نحو ذلك التي هي محل الإشكال في المقام و منفصل سهام النقض و الإبرام.
و هذه الأخبار ايضا على ثلاثة أقسام: أحدها- ما ورد في التحديد
____________
(1) ص 300.
(2) ص 326.
318
بالأربعة على الإطلاق من غير تقييد بالذهاب و الإياب و غير ذلك بحيث يتبادر من ظواهرها التعارض بين إطلاقها و إطلاق أخبار الثمانية:
و منها- مرسلة محمد بن يحيى الخزاز المتقدمة في صدر المسألة الأولى و مرسلة ابن ابى عمير المتقدمة ثمة أيضا.
و صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «التقصير في بريد و البريد أربعة فراسخ».
و صحيحة زيد الشحام (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول يقصر الرجل الصلاة في مسيرة اثنى عشر ميلا».
و صحيحة إسماعيل بن الفضل (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التقصير فقال في أربعة فراسخ».
و رواية أبي الجارود (4) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) في كم التقصير؟
فقال في بريد».
و موثقة ابن بكير (5) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القادسية اخرج إليها أتم أم أقصر؟ قال و كم هي؟ قلت هي التي رأيت. قال قصر».
أقول: قال في المغرب، القادسية موضع بينه و بين الكوفة خمسة عشر ميلا كذا نقله عنه في كتاب البحار، ثم قال: و هي تدل على وجوب التقصير في أربعة فراسخ لعدم القول بالفصل. انتهى.
و منها
صحيحة أبي أيوب (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ادنى ما يقصر فيه المسافر؟ فقال بريد».
و ثانيها- ما ورد بالتحديد بأربعة فراسخ مع التقييد بان ذلك حيث يضم الإياب إلى الذهاب بحيث ان يحصل منهما جميعا ثمانية فراسخ:
و منها-
صحيحة معاوية بن وهب (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أدنى
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(6) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(7) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
319
ما يقصر فيه المسافر؟ قال بريد ذاهبا و بريد جائيا».
و منها-
صحيحة زرارة المروية في الفقيه (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التقصير فقال بريد ذاهبا و بريد جائيا، و كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا أتى ذبابا قصر و ذباب على بريد، و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».
و موثقة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن التقصير فقال في بريد. قال قلت بريد؟ قال انه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».
و رواية سليمان بن حفص المروزي (3) قال: «قال الفقيه (عليه السلام) التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و جائيا. الحديث».
و رواية الفضل بن شاذان المروية في كتاب العلل و العيون عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «انما وجبت الجمعة على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك لأن ما تقصر فيه الصلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا و بريد جائيا و البريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير، و ذلك انه يجيء فرسخين و يذهب فرسخين فذلك أربعة فراسخ و هو نصف طريق المسافر».
و روى الحسن بن على بن شعبة في كتاب تحف العقول عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون (5) قال: «و التقصير في أربعة فراسخ بريد ذاهبا و بريد جائيا اثنى عشر ميلا، و إذا قصرت أفطرت».
و ثالثها- ما ورد كذلك بحيث يدل على ان ذلك على سبيل الحتم و انه مراعى باعتبار ضم الإياب إلى الذهاب بحيث يكون الجميع ثمانية فراسخ، و انه لا حاجة الى أن يكون الذهاب و الإياب في يوم واحد:
و منها-
صحيحة معاوية بن وهب المروية في كتب المشايخ الثلاثة بالأسانيد الصحيحة (6) «انه قال لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات؟
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(6) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. و الراوي معاوية بن عمار.
320
فقال ويلهم أو ويحهم و أى سفر أشد منه لا تتم». و في بعض النسخ «لا تتموا».
و صحيحته الأخرى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا».
و صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا و إذا زاروا و رجعوا الى منازلهم أتموا».
و موثقة معاوية بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في كم أقصر الصلاة؟ فقال في بريد ألا ترى ان أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير».
و رواية إسحاق بن عمار (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في كم التقصير؟
فقال في بريد و يحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقصروا».
و قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة (5) قال الصادق (عليه السلام) «ويل لهؤلاء القوم الذي يتمون بعرفات أما يخافون الله؟ فقيل له و هو سفر؟ فقال و أى سفر أشد منه».
أقول: و ذكر أهل مكة و ان لم يقع في الكلام إلا ان الظاهر بمعونة ما ذكرنا من الأخبار هو كونهم المرادين بهذا الكلام و ان خفي علينا الآن قرينة المقام.
و صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة و هو بمنزلة أهل مكة فإذا خرج الى عرفات وجب عليه التقصير فإذا زار البيت أتم الصلاة و عليه إتمام الصلاة إذا رجع الى من حتى ينفر».
و موثقة إسحاق بن عمار (7) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن أهل مكة إذا
____________
(1) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. و الراوي معاوية بن عمار.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
(6) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر. و اللفظ فيه و في الوافي باب عزم الإقامة في السفر «فإذا خرج الى منى».
(7) الوسائل الباب 6 و 15 من صلاة المسافر.
321
زاروا عليهم إتمام الصلاة؟ قال نعم، و المقيم بمكة إلى شهر بمنزلتهم».
و لعل المراد بقوله (عليه السلام): «و المقيم بمكة. الى آخره» يعنى المتردد فإنه بعد مضى الشهر يلزمه الإتمام.
و منها أيضا صحيحة أبي ولاد الآتية ان شاء الله تعالى في الموضع الثاني (1).
أقول: هذا ما حضرني من اخبار المسألة المذكورة كملا، و أصحابنا (رضوان الله عليهم)لما رأوا ما هي عليه من الاختلاف اختلفت كلمتهم في التفصي عن وجه الجمع بينها لتحصيل الاجتماع بينها و الائتلاف.
فذهب البعض منهم- و هو المشهور بين المتأخرين منهم كما تقدمت الإشارة إليه بعد إبقاء أخبار الثمانية على إطلاقها و شمولها للذهاب فقط أو مع الإياب- إلى حمل أخبار الأربعة على ما إذا أراد المسافر الرجوع ليومه حملا لأخبار القسم الأول منها على أخبار القسم الثاني.
و هو جيد لكن لا دلالة في شيء من اخبار القسم الثاني على التقييد بالرجوع ليومه، فمن اين لهم دليل هذا التقييد؟ و محل البحث معهم هنا، و إلا فإنه لا ريب بمقتضى القاعدة المتفق عليها من حمل المطلق على المقيد في صحة ما ذكروه من تقييد إطلاق أخبار القسم الأول باخبار القسم الثاني، إلا ان غاية ما تدل عليه الأخبار المذكورة هي اعتبار ضم الإياب إلى الذهاب مطلقا أعم من ان يكون في يوم أو أكثر و يدفع ما ذكروه من هذا التقييد صريحا أخبار القسم الثالث و هي اخبار أهل مكة المستفيضة الصحيحة الصريحة في تحتم القصر عليهم مع معلومية كون الرجوع ليس في يومه.
و غاية ما تعلق به بعضهم لإثبات هذه الدعوى هو قوله (عليه السلام) في موثقة محمد ابن مسلم المتقدمة في اخبار القسم الثاني من أخبار الأربعة «إذا ذهب بريدا و رجع بريدا فقد شغل يومه».
و فيه أولا- انه معارض بما هو أكثر عددا و أصح سندا و أصرح دلالة و هي
____________
(1) بل في الشرط الثالث ص 333.
322
اخبار القسم الثالث من أخبار الأربعة، فإنها صريحة الدلالة ناطقة المقالة في تحتم التقصير و وجوبه بقصد الأربعة مع عدم الرجوع في يومه.
و اما ثانيا- فلان هذه العبارة إنما خرجت مخرج التجوز في دفع الاستبعاد الذي توهمه السائل، حيث انه لما كان المعهود عنده و الشائع هو التقصير في مسيرة يوم بريدين تعجب من إفتاء الإمام (عليه السلام) بالبريد الواحد فأجاب (عليه السلام) بان هذا المسافر إلى مسافة البريد متى رجع حصل من ذهابه و إيابه قدر مسير يوم، فلا دلالة على الرجوع من يومه حتى انه لا يتحتم القصر إلا بذلك، و الغرض انما هو بيان ان مسافة الأربعة إنما اعتبرت من حيث الذهاب و الإياب فهي في حكم اليوم و الثمانية الفراسخ و البريدين التي اتفقت الأخبار على وجوب التقصير فيها، كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة و صحيحة معاوية بن وهب «بريد ذاهبا و بريد جائيا» و قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة حكاية عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) «و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».
و بالجملة فإن الرواية المذكورة لا ظهور لها فضلا عن الصراحة في ما ادعوه، و لا بد من حملها على ما ذكرناه لتنتظم به مع اخبار القسم الثالث التي قد عرفت أنها أرجح منها عددا و سندا و دلالة.
قال في المدارك: و أما رواية محمد بن مسلم فإنها و ان كانت مشعرة بذلك إلا انها غير صريحة فيه، بل ربما لاح منها ان التعليل- بكونه إذا ذهب بريدا و رجع بريدا شغل يومه- انما وقع على سبيل التقريب إلى الأفهام كما يشعر به إطلاق التقصير في البريد أولا. انتهى.
و اما ما ذهب اليه الصدوقان و الشيخ المفيد و من تبعهم من القول الثاني من الأقوال المتقدمة فالكلام معهم بالنسبة الى ما ذهبوا اليه من تخصيص وجوب التقصير بالرجوع ليومه، و قد عرفت من ما دفعنا به القول الأول انه لا دليل عليه بل الأدلة الصحيحة الصريحة ترده. و كذلك بالنسبة الى ما ذهبوا اليه من التخيير
323
مع عدم الرجوع ليومه، و كأنهم جعلوا ذلك وجه جمع بين أخبار الأربعة المقيدة كما تقدم و اخبار عرفات حذرا من ما يلزم القول المشهور من طرحها رأسا.
و فيه انه لا إشعار في شيء من اخبار عرفات بما ذهبوا اليه من التخيير بل هي في رده أظهر ظاهر كما لا يخفى على البصير الخبير. و توجيه ذلك بحمل النهى على الكراهة أو عن الإتمام على وجه اللزوم- كما ذهب إليه في المدارك و قبله جده في كتاب روض الجنان مع بعده عن مضامينها كما عرفت- يتوقف على وجود المعارض المحوج الى هذه التكلفات البعيدة و التمحلات الشديدة الناشئة من عدم فهمهم المراد من هذه الأخبار.
و تقريب الاستدلال بالأخبار المشار إليها انه لا يخفى ان جملة منها قد تضمنت النهى عن الإتمام الذي هو حقيقة في التحريم، و جملة تضمنت الأمر بالتقصير الذي هو حقيقة في الوجوب مؤكدا ذلك بقوله «و اى سفر أشد منه» و الدعاء ب «ويلهم أو ويحهم» و التوبيخ لهم بأنهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) المشعر بكونه (صلى اللّٰه عليه و آله) مدة كونه في مكة متى حج فإنه يقصر الموجب لوجوب التأسي، فأي دلالة أظهر من هذه الدلالات و أي مبالغة و تأكيد أبلغ من هذه التأكيدات، مع انهم يكتفون في سائر الأحكام في الحكم بالوجوب و التحريم بمجرد خبر واحد يدل على ذلك، فكيف بهذه الأخبار الصحيحة الصريحة العديدة المشتملة على ما ذكرنا من وجوه المبالغات و التأكيدات، و يقابلونها بمجرد هذه التخريجات و التمحلات و التكلفات من غير معارض يقتضيه سوى عدم إعطائهم التأمل حقه في فهم المراد من الأخبار كما سنظهره لك ان شاء الله تعالى أي إظهار.
و بذلك يظهر لك ما في كلام الشيخ في أحد قوليه و صاحب المدارك و من تبعهما من حمل أخبار الأربعة على الجواز مطلقا أو مع التقييد بعدم الرجوع ليومه كما هو القول الآخر للشيخ و هو الذي نقله عنه في الذكرى.
بقي هنا شيء يجب التنبيه عليه و هو ان ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله
324
عليهم ان الوجه في ما ذهب اليه الصدوقان من القول الثاني من الأقوال المتقدمة في صدر المسألة هو الجمع بين أخبار المسألة كالأقوال الباقية، و الظاهر ان الحال ليس كذلك فان هذا القول المذكور قد صرح به الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي و من الظاهر بناء على ما عرفت في غير موضع من ما تقدم و سيأتي ان شاء الله تعالى أمثاله ان مستندهما في هذا القول انما هو الكتاب المذكور،
حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المشار إليه (1): فإن كان سفرك بريدا واحدا و أردت أن ترجع من يومك قصرت لان ذهابك و مجيئك بريدان. ثم قال بعد هذا الكلام بأسطر: و ان سافرت الى موضع مقدار أربعة فراسخ و لم ترد الرجوع من يومك فأنت بالخيار فإن شئت أتممت و ان شئت قصرت.
انتهى. و هو صريح في القول المذكور إلا ان الظاهر انه لا يبلغ قوة في معارضة ما ذكرنا من الأخبار الصحيحة الصريحة المتعددة المذكورة في القسم الثالث و كذا الأخبار الآتية في المقام الثاني من ما تدل على القول المختار في المسألة، فإن الجميع متى ضم بعضه الى بعض صريح الدلالة واضح المقالة في أن قاصد الأربعة مع ارادة الرجوع يجب عليه التقصير ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع الثلاثة المعلومة و لا تخصيص للوجوب بالرجوع ليومه و لا مجال للتخيير بوجه، فالواجب رد هذا الكلام إلى قائله حسبما أمروا به (صلوات الله عليهم) في أمثال هذا المقام.
و اما ما تقدم نقله عن بعض الأصحاب- من الميل الى حمل أخبار الأربعة على أقل ما يجب فيه التقصير مدعيا انه مذهب الشيخ الكليني عطر الله مرقده) حيث انه اقتصر على نقل أخبار الأربعة خاصة- ففيه أولا- انه لا يخفى ان ما استند اليه من الأخبار المطلقة انما يتم لو لم يكن في الباب إلا هي و اما مع وجود الأخبار المقيدة كاخبار القسم الثاني من اخبار الأربعة فإن مقتضى القاعدة حمل المطلق من الأخبار على المقيد، و به يزول الاستناد إلى إطلاق الأخبار المذكورة، فإنها متى قيدت بالذهاب و الإياب رجعت
____________
(1) ص 16.
325
الى اخبار الثمانية كما تقدم توضيحه.
و ثانيا- ما قدمنا الإشارة إليه من دلالة جملة من تلك الاخبار على ان مسافة الثمانية و بياض يوم أو بريدين أقل ما يجب فيه التقصير، فمن ذلك ما تقدم في صدر المقام الأول من
قوله (عليه السلام) في موثقة العيص بن القاسم أو حسنته «حده أربعة و عشرون ميلا».
و قوله (عليه السلام) في رواية الفضل بن شاذان المتقدمة ثمة أيضا «إنما وجب القصر في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك و لا أكثر لأن ثمانية فراسخ مسيرة يوم. الحديث».
و من ذلك
رواية عبد الرحمن بن الحجاج قال: «قلت له كم ادنى ما يقصر فيه الصلاة؟ قال جرت السنة ببياض يوم. الحديث».
و قد تقدم في المورد الثاني من موارد المقام الأول،
و صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في القسم الثاني من أقسام أخبار الأربعة قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أدنى ما يقصر فيه المسافر؟ قال بريد ذاهبا و بريد جائيا».
و نحو ذلك ما سيأتي ان شاء الله تعالى في رواية إسحاق بن عمار، و هذه الأخبار كلها كما ترى صريحة في ان أقل مسافة التقصير ثمانية فراسخ و هو بياض يوم. و أما ما يدل على ذلك باعتبار الإشعار و ظاهر السياق فكثير من اخبار المسألة.
و بالجملة فالظاهر ان هذا القول من هذا الفاضل المشار اليه انما وقع غفلة عن التدبر في الأخبار و الوقوف على ظاهر تلك الأخبار. و الله العالم.
الموضع الثاني- في بيان ما هو المختار من الأقوال المتقدمة
و ذكر الدليل عليه زيادة على ما ذكرنا من بطلان أدلة ما سواه، و قد عرفت في ما أشرنا إليه سابقا في نقل الأقوال المتقدمة ان المفهوم من أخبارهم (عليهم السلام)- و هو الذي عليه تجتمع في هذا المقام من غير أن تعتريه شائبة النقض و الإبرام- هو أن المسافة الشرعية الموجبة للقصر التي لا يجب في أقل منها هي ثمانية فراسخ إلا انها أعم من أن تكون في الذهاب خاصة أو ملفقة من الذهاب و الإياب، و على الأول دلت أخبار القسم الثاني من أقسام أخبار المسألة، و على الثاني دلت أخبار القسم الثاني
326
من أخبار الأربعة، فإنها ظاهرة الدلالة في أن قاصد الأربعة مع إرادته الرجوع يجب عليه التقصير كقاصد الثمانية الممتدة في انه سفر شرعي لا ينقطع إلا بأحد القواطع الآتية ان شاء الله تعالى، و يؤكدها أخبار القسم الثالث من أخبار الأربعة و هي أخبار عرفات.
و من الأخبار الدالة على ذلك زيادة على ما عرفت
مرسلة صفوان (1) قال:
«سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟ قال لا يقصر و لا يفطر لأنه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ انما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه، و لو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه ان ينوي من الليل سفرا و الإفطار. الحديث».
و هو كما ترى ظاهر في أن قصد الأربعة على وجه الرجوع قصد للثمانية موجب للتقصير، و الرجوع فيه كما ترى مطلق كسائر أخبار القسم الثاني من أقسام أخبار الأربعة، و هو ظاهر في وجوب التقصير عليه في الصورة المذكورة لا مجال لاحتمال التخيير فيه بوجه.
و منها-
ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر لهم فلما انتهوا الى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصروا فلما ان صاروا على رأس فرسخين أو ثلاثة أو أربعة فراسخ تخلف عنهم رجل لا يستقيم لهم السفر إلا بمجيئه إليهم فأقاموا على ذلك أياما لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون هل ينبغي لهم ان يتموا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ فقال ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، و ان كانوا ساروا أقل
____________
(1) الوسائل الباب 4 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
327
من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا فإذا مضوا فليقصروا. ثم قال (عليه السلام) هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت لا أدرى. قال لأن التقصير في بريدين و لا يكون التقصير في أقل من ذلك، فلما كانوا قد ساروا بريدا و أرادوا أن ينصرفوا بريدا كانوا قد ساروا سفر التقصير، و ان كانوا قد ساروا أقل من ذلك لم يكن لهم إلا إتمام الصلاة. قلت أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟ قال بلى انما قصروا في ذلك الموضع لأنهم لم يشكوا في مسيرهم و ان السير سيجد بهم في السفر فلما جاءت العلة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا».
و رواه البرقي في المحاسن مثله (1)
و رواه في الكافي (2) إلى قوله: «فإذا مضوا فليقصروا».
و أما قوله (عليه السلام) «هل تدري. الى آخره» فلم ينقله.
أقول: و التقريب في هذا الخبر يتوقف على بيان مسألة أخرى و هي ان من شروط وجوب القصر كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى استمرار قصد المسافة و عدم العدول عنه الى ان تحصل المسافة، فلو قصد المسافة و سافر ثم رجع عن عزمه أو تردد قبل بلوغ المسافة وجب عليه الإتمام لاختلال الشرط المذكور، أما لو كان بعد بلوغ المسافة فإنه يستمر على التقصير حينئذ على كل حال بلا خلاف و لا اشكال، و هذا الخبر من أدلة هذه المسألة، و حيث كانت الأربعة مع ارادة الرجوع في حكم الثمانية الممتدة كما ذكرناه فرق (عليه السلام) بين ما إذا حصل التردد بعد بلوغ أربعة فراسخ و بين ما إذا حصل قبل ذلك، فأوجب عليه البقاء على التقصير في الأول لأن المسافة قد حصلت، ثم بين (عليه السلام) ذلك في التعليل بأنه بعد بلوغ الأربعة و ان ترددوا إلا ان قصد المسافة و هو البريدان حاصل اما بالمضي على قصدهم الأول ان جاءت الرفقة أو بالرجوع الى البلد الذي هو بريد آخر فتصير المسافة بريدين ملفقة من الذهاب و الإياب، بخلاف ما إذا كانوا على أقل من أربعة فإنه على تقدير الرجوع لم تحصل مسافة التقصير و هي البريدان التي هي أقل ما يقصر فيه، و الخبر
____________
(1) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
328
كما ترى ظاهر الدلالة في المطلوب و المراد عار عن و صمة النقض و الإيراد، و هو ظاهر في رد القول المشهور أتم الظهور حيث ان الرجوع المعتبر انضمامه الى الذهاب غير حاصل في اليوم كما ادعوه، و ظاهر أيضا في رد قول من ادعى التخيير في مجرد قصد الأربعة، حيث انه (عليه السلام) جعل التقصير في البريدين لا أقل من ذلك و ان القصر متحتم على هؤلاء و لازم بعد قطع الأربعة من حيث حصول مسافة الثمانية بانضمام الرجوع لو لم يسافروا فأي مجال للتخيير في المقام.
و منها- صحيحة أبي ولاد الآتية ان شاء الله تعالى قريبا في الشرط الثالث (1) و بالجملة فالمسألة بما شرحناه و أوضحناه واضحة الظهور كالنور على الطور لا يعتريها فتور و لا قصور. و منه يظهر ان خلاف من خالف في هذه المسألة انما نشأ من عدم إعطاء التأمل حقه في الأخبار و التتبع لها و إمعان النظر فيها بعين الاعتبار كما لا يخفى على من لاحظ أحوالهم (رضوان الله عليهم)في كثير من المواضع، و منشأ جميع ذلك الاستعجال في التصنيف و الاقتصار على ما حضر بين أيديهم من نقل من تقدم لمن تأخر في الكتب الاستدلالية. و الله العالم.
الثاني [قصد المسافة]
- من الشروط المتقدمة قصد المسافة، و يتفرع على ذلك سقوط القصر عنه مهما لم يقصد المسافة و لو تمادى به السير الى أن يحصل له مسافات عديدة فضلا عن مسافة واحدة، و هو من ما لا خلاف فيه بينهم (رضوان الله عليهم)كما نقله غير واحد: منهم- السيد السند في المدارك.
و تدل عليه رواية صفوان في المتقدمة قريبا. إلا انه قد وقع لصاحب المدارك في هذا المقام ما ان ينسب فيه الى سهو القلم أولى من أن ينسب إلى زلة القدم، حيث قال في الاستدلال على هذا الشرط بعد الاستدلال بوجه اعتباري:
و ما رواه الشيخ عن صفوان (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل خرج من بغداد يريد
____________
(1) ص 333.
(2) ص 326.
329
أن يلحق رجلا على رأس ميل فلم يزل يتبعه حتى بلغ النهروان؟ فقال لا يقصر و لا يفطر لأنه خرج من منزله و ليس يريد السفر ثمانية فراسخ إنما خرج يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق فتمادى به السير الى الموضع الذي بلغه».
هذه صورة الرواية التي نقلها.
و أنت خبير بأن الرواية كما قدمناها سابقا ظاهرة الدلالة في إبطال ما ذهب اليه من التخيير بقصد الأربعة أتم الظهور، و هو هنا قد أسقط منها موضع الدلالة على ذلك فأسقط قوله بعد ذكر النهروان «و هي أربعة فراسخ من بغداد أ يفطر إذا أراد الرجوع و يقصر؟» و هو عجيب من مثله (قدس سره) إلا أن يكون قدسها في نقل الرواية أو نقلها من نسخة غير معتمدة، و إلا فإسقاط هذه العبارة من البين مع ذكره ما قبلها و ما بعدها من ما يوجب سوء ظن به (قدس سره) و الرواية بتمامها قد تقدمت.
و كيف كان فوجه ما قلناه ان كلامه المتقدم الذي قدمنا نقله عنه في جملة أقوال المسألة ظاهر في حمله أخبار الثمانية على الوجوب و اخبار الأربعة على الجواز الذي هو عبارة عن التخيير بين القصر و الإتمام رجع أم لم يرجع، و هذا الخبر كما قدمنا لك نقله بتمامه صريح في كون المسافة المفروضة هنا أربعة فراسخ، و قد صرح (عليه السلام) بأنه لو خرج من منزله يريد النهروان التي هي أربعة فراسخ ذاهبا و جائيا يعنى تعلق القصد بالذهاب و الإياب لوجب عليه التقصير، حيث انه قصد المسافة و هي ثمانية فراسخ و ان كانت ملفقة، و لا ريب ان الشرط المذكور شرط في وجوب التقصير و تحتمه، فإذا كان الدليل على هذا الشرط انما هو هذه الرواية التي موردها قصد الأربعة خاصة فقد ثبت وجوب التقصير حتما بقصد الأربعة مع ارادة الرجوع و بطل ما اختاره من الجواز، و كان الأليق بمذهبه ان يستدل برواية تدل على هذا الشرط في مسافة الثمانية الممتدة في الذهاب لينجو من هذا الإشكال و ينقطع عنه لسان المقال و انى له به و ليس في الأخبار إلا ما هو من قبيل هذه الرواية.
330
ثم انه لا يخفى ان ما أوردناه على صاحب المدارك هنا لازم لكل من قال بالجواز في قصد الأربعة من الصدوق و الشيخ و غيرهما كما لا يخفى، و حينئذ فالمراد بالمسافة المشروطة بهذا الشرط هي مسافة الثمانية التي هي أعم من الممتدة ذهابا و الملفقة من الذهاب و الإياب. هذا على ما اخترناه و اما على المشهور ففي مسافة الأربعة يجب التقييد بالرجوع ليومه، و حينئذ فلو تمادى به السير الى أن حصل حد المسافة فإنه لا خلاف في وجوب التقصير عليه في الرجوع لحصول القصد إلى المسافة بنية الرجوع الى محله.
[هل يضم الأقل من المسافة من باقي الذهاب إلى الإياب؟]
و هل يضم الى الرجوع ما بقي من الذهاب من ما هو أقل من المسافة لو كان أم لا؟ احتمالات ثلاثة: (أحدها)- عدم الضم فلا يقصر حينئذ إلا عند الشروع في الرجوع دون هذه البقية و ان تمادى به السير في الذهاب لعدم ضم الذهاب إلى الإياب كما هو المشهور. و (ثانيها)- ضمه اليه بشرط أن يبلغ الإياب وحده حد المسافة، كما إذا ذهب ثمانية فراسخ بغير قصد ثم عزم على ذهاب فرسخين آخرين مثلا و الرجوع الى وطنه. و (ثالثها)- الضم ايضا مهما بلغ مجموع الذهاب المقصود و الإياب مسافة و ان لم يبلغ الإياب وحده مسافة، كما إذا ذهب مثلا ستة فراسخ بغير قصد ثم قصد فرسخا و الرجوع الى أهله.
و المعروف ممن ذكر هذه المسألة هو الأول و مستندهم ما أشرنا إليه أولا من ضم الذهاب إلى الإياب، و لكن لم نعثر لهم على دليل عليه من النصوص، و ادعى بعضهم الإجماع عليه و لم اعرف لهم حجة سواء. و استثنوا من ذلك قصد الأربعة مع ارادة الرجوع ليومه حيث انه هو المشهور بينهم، و لكن الروايات دالة على الضم و ان لم يرجع ليومه و لا سيما اخبار عرفات.
قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: و كأنه مأخوذ من كتب العامة غفلة عن تحقيق الحال، فان جلهم يشترطون في مطلق القصر كون
331
الذهاب وحده مسافة مقصودة و ان الإياب لا يحتسب من الذهاب (1). ثم انه رجح (قدس سره) الاحتمال الثاني بل الثالث.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار من ما يناسب هذا المقام ما تقدم في الشرط الأول من أخبار القسم الثاني و القسم الثالث من أقسام أخبار الأربعة، فإنها صريحة في ضم الذهاب إلى الإياب.
و خصوص
ما رواه عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ أو ستة فراسخ فيأتي قرية فينزل فيها ثم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة لا يجوز ذلك ثم ينزل في ذلك المنزل؟ قال لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتم الصلاة».
قال في الوافي: حمله في التهذيبين على من خرج من بيته من غير نية السفر فتمادى به السير الى أن صار مسافرا من غير نية، و انما الاعتبار في التقصير بقصد المسافة لا بقطعها، و استدل عليه بالخبر الآتي و أصاب، و انما لا يكون مسافرا حتى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ لأنه في ذهابه أو لا ليس بمسافر لخلوه عن قصد المسافة المعتبرة و انما يصير مسافرا بنية الإياب إذا بلغ إيابه المسافة المعتبرة فإذا بلغها صار في ذهابه ايضا مسافرا لانضمام ما يقطعه حينئذ إلى مسافة الإياب المنوي المعتبرة. و أما قوله (عليه السلام) «فليتم الصلاة» يعني في مسيره الأول و الثاني حتى يبلغ ثمانية فراسخ فإذا بلغها قصر، و الذي يبين ما قلناه و يوضحه خبر الفطحية الآتي. انتهى.
و ظاهر هذا الكلام يرجع الى اختيار الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، حيث انه اعتبر بلوغ المسافة ثم ضم ما زاد من الذهاب إلى الإياب
____________
(1) لم نقف على من صرح بذلك و الظاهر من عبائرهم ان الإياب لا يحتسب.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة المسافر.
332
فأوجب القصر في ما بقي من الذهاب. و أشار بالخبر الآتي الذي استدل به الشيخ الى خبر صفوان المتقدم (1) و أشار بخبر الفطحية الآتي الى
ما رواه عمار في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في حاجته و هو لا يريد السفر فيمضي في ذلك يتمادى به المضي حتى يمضى به ثمانية فراسخ كيف يصنع في صلاته؟ قال يقصر و لا يتم الصلاة حتى يرجع الى منزله».
قال في الوافي ذيل هذا الخبر ايضا: و ذلك لانه صار حينئذ مسافرا ناويا لقطع المسافة المعتبرة في التقصير و ان لم يكن قصد من الأول ذلك. كذا في التهذيب. انتهى و الظاهر ان وجه الاستدلال بهذا الخبر على ما ذكره هو حكمه (عليه السلام) بالتقصير بعد حصول ثمانية فراسخ أعم من أن يكون ضم إليها شيئا من الذهاب أو رجع بعد تمام الثمانية، و ظاهره في التهذيب ذلك أيضا لإطلاق كلامه كإطلاق الرواية.
و الوجه فيه ما ذكره سابقا من حصول القصد إلى الإياب الذي قد صار مسافة فيضم إليها ما بقي من الذهاب، و على هذا فيدل الخبر المذكور على ضم الذهاب إلى الإياب خلافا لما هو المشهور بينهم من عدم ضم أحدهما إلى الآخر إلا في الصورة المتقدمة.
و أما خبر عمار الأول فما ذكره فيه من التأويل الراجع الى ما دل عليه هذا الخبر لا يخلو من إشكال، لأن ما ذكره مبنى على ان المعنى في جوابه (عليه السلام) ان هذا الذي قطع المسافة على هذا الوجه لا يكون مسافرا حتى يمضى له من خروجه من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فإذا مضت له ثمانية فراسخ كان مسافرا لحصول المسافة المقصودة من الإياب و يضم إليها ما بقي من الذهاب ان كان، و على هذا قوله (عليه السلام) «فليتم الصلاة» يعني قبل بلوغ الثمانية. و من المحتمل ان مراده (عليه السلام) بهذه العبارة أعني قوله «لا يكون مسافرا حتى يسير. الى آخره» انما هو أن ما اتى به من السفر من قرية إلى قرية على الوجه المذكور ليس بسفر شرعي يوجب التقصير
____________
(1) ص 326.
(2) الوسائل الباب 4 من صلاة المسافر.
333
و انما يكون مسافرا حتى يقصد من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، و حيث انه لم يقصد حال خروجه من منزله ذلك فهو ليس بمسافر فليتم الصلاة في هذا السفر الذي على هذه الكيفية بلغ ثمانية فراسخ أو أزيد. إلا انه بالنظر الى ما دل عليه الخبر الثاني من حكمه (عليه السلام) بالتقصير بعد الثمانية التي هي أعم من حصول الذهاب بعدها و عدمه يرجح ما ذكره (قدس سره) فيحمل إطلاق ذلك الخبر على هذا. و الله العالم.
الثالث [استمرار قصد المسافة]
من الشروط المتقدمة استمرار القصد المذكور يعنى أن يكون قصد المسافة مستمرا إلى انتهائها و تمامها، فلو عدل قبل بلوغ ذلك أو تردد في السفر كمنتظر الرفقة و نحوه وجب عليه الإتمام و ان سار مسافة أو أزيد بهذه الكيفية إلا إذا قصد العود في ما يصير به مجموع الذهاب و الإياب مسافة فإنه يقصر.
و يدل على ذلك ما تقدم قريبا من رواية إسحاق بن عمار بالتقريب المذكور ذيلها، و موردها المتردد.
و يدل عليه ايضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخا في الماء فسرت يومي ذلك أقصر الصلاة ثم بدا لي في الليل الرجوع الى الكوفة فلم أدر أصلي في رجوعي بتقصير أم بتمام فكيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال ان كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريدا فكان عليك حين رجعت ان تصلى بالتقصير لأنك كنت مسافرا الى ان تصير الى منزلك.
قال: و ان كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريدا فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تريم من مكانك ذلك، لأنك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتى رجعت فوجب عليك قضاء ما قصرت، و عليك إذا رجعت أن تتم الصلاة حتى تصير الى منزلك».
و مورد هذه الرواية الرجوع عن النية السابقة.
____________
(1) الوسائل الباب 5 من صلاة المسافر.
334
و العجب من جملة من الأصحاب و منهم صاحب المدارك حيث انهم ذكروا هذا الشرط و لم يوردوا عليه دليلا حتى قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عن الأصحاب: و حجتهم عندي غير واضحة. مع ان صحيحة أبي ولاد المذكورة و رواية إسحاق بن عمار المتقدمة أظهر ظاهر في الدلالة على ذلك.
و فيهما دلالة واضحة على بطلان قول من قال بالجواز في قصد الأربعة كصاحب المدارك و من سبقه بالتقريب الذي ذكرناه في معنى رواية صفوان في ذكر الشرط الثاني.
و نزيده بيانا بالنسبة الى هذا الشرط ايضا فنقول انك قد عرفت من كلامه سابقا ان التقصير الواجب المشروط بهذه الشروط الستة التي ذكرها الأصحاب و منها هذا الشرط اعنى استمرار القصد انما هو في قصد الثمانية الفراسخ دون الأربعة لجواز الإتمام عندهم فيها، و حينئذ فمقتضى كلامه انه لو قصد الثمانية ثم رجع عن قصده أو تردد قبل بلوغها و ان كان ما اتى به أربعة فراسخ فما زاد ما لم تبلغ الثمانية فان الواجب عليه الإتمام، مع ان الخبرين المذكورين اللذين هما مستند هذا الشرط ظاهر ان بل صريحان في انه متى حصل العدول عن المسافة التي توجه إليها القصد الأول بعد حصول الأربعة إلى الرجوع الى بلده فالواجب عليه التقصير الى أن يصير الى بلده، و مبناهما على ان المسافة تحصل بالثمانية الملفقة، فهما صريحان في رد هذا القول لاتفاقهم على كون استمرار القصد شرطا في الوجوب مع ان هذه أدلة استمرار الشرط. إلا ان العذر لهم واضح من حيث عدم التدبر في الروايات و الاطلاع عليها، و لكنه عذر غير مسموع و لا يسمن و لا يغني من جوع.
فروع
الأول [هل يعيد المسافر ما صلاه قصرا إذا رجع عن نيته أو تردد؟]
- لو صلى بعد سفره قبل الرجوع عن نيته أو التردد فيها قصرا فهل تجب عليه الإعادة متى رجع أو تردد أم لا؟ المشهور الثاني لأنه صلى صلاة مأمورا بها شرعا و قضية امتثال الأمر الإجزاء.
335
و يدل عليه زيادة على ذلك
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج في سفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلوا و انصرفوا فانصرف بعضهم في حاجة له فلم يقض له الخروج ما يصنع في الصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال تمت صلاته و لا يعيد».
قال في الوافي في ذيل هذا الخبر: يشبه أن يكون قد سقط لفظ «مع القوم» بعد «يخرج» كما هو في الفقيه (2).
و ذهب الشيخ في الاستبصار (3) إلى انه يعيد مع بقاء الوقت، و استدل عليه
بما رواه عن سليمان بن حفص المروزي (4) قال: «قال الفقيه (عليه السلام) التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهبا و بريد جائيا. الى أن قال: و ان كان قصر ثم رجع عن نيته أعاد الصلاة».
و حمل صحيحة زرارة على ما إذا لم يرجع عن نيته بل يكون عازما عليها ليوافق خبره الذي استدل به. كذا نقله عنه في الوافي ثم رده بالبعد، و المنقول عنه انما هو حمل الخبر المذكور على خروج الوقت جمعا بينه و بين رواية المروزي بحملها على بقاء الوقت. و هذا هو المناسب لمذهبه في المسألة فإنه جعل ذلك وجه جمع بين خبريها المذكورين.
قال في المدارك بعد نقل رواية المروزي: و هي ضعيفة بجهالة الراوي و لو صحت لوجب حملها على الاستحباب.
أقول: و يعضد هذه الرواية صحيحة أبي ولاد المتقدمة، و العجب منه (قدس سره) حيث لم يقف عليها في المقام مع تضمنها لجملة من هذه الأحكام.
و قد نقلها بعض من تأخر عنه من مشايخنا المحققين و حملها على الاستحباب ايضا، و لا يخفى ما فيه لما اشتملت عليه الرواية من الصراحة في الحكم المذكور
____________
(1) الوسائل الباب 23 من صلاة المسافر.
(2) ج 1 ص 281.
(3) ج 1 ص 228.
(4) الوسائل الباب 2 من صلاة المسافر.
336
كقوله (عليه السلام) «فان عليك ان تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل ان تريم- أى تبرح- من مكانك».
فإن التأكيد في القضاء فورا بتقديمه على اليومية- كما ينادى به ظاهر الخبر، و هو الذي اخترناه في مسألة القضاء كما تقدم من وجوب الفورية به، مفرعا عليه الوجوب بقوله «وجب عليك»- لا يلائم الاستحباب و ظاهرها ان صحة الصلاة قصرا قبل بلوغ المسافة و قبل الرجوع عن القصد كأنها مراعاة بعدم الرجوع الى ان يبلغ المسافة.
و ربما حملت على ان المقضي هو ما صلاة قصرا في حال الرجوع فقط بقرينة ان السؤال فيها عن حال الرجوع كما أشار إليه الوالد (عطر الله مرقده) في بعض حواشيه.
و فيه ان الظاهر من الخبر ان ذلك حكم كلي بالنسبة إلى الرجوع عن القصد قبل بلوغ البريد و بعده و لا اختصاص له بالسؤال. و يؤيده ما ذكره في المنتقى من أن قوله (عليه السلام) «من قبل ان تريم» ان معناه من قبل أن تنثني عن السفر من المكان الذي بدا فيه الرجوع.
و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال و الاحتياط فيها لازم على كل حال و ان كان ما دلت عليه صحيحة زرارة هو الأوفق بمقتضى القواعد الشرعية، إلا ان هذه الرواية مع ما هي عليه من الصحة و الصراحة منافية لذلك، و لا يحضرني الآن لها محمل تحمل عليه، و بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين احتمل حمل هذه الرواية و رواية المروزي على التقية (1) و الله العالم.
الثاني [المتردد بعد بلوغ المسافة]
- قد عرفت انه متى تردد عزمه قبل بلوغ المسافة فإنه يجب عليه التمام لاختلال شرط التقصير و هو استمرار القصد الى بلوغ المسافة، أما لو كان ذلك
____________
(1) في المغني ج 2 ص 258: إذا خرج يقصد سفرا بعيدا يوجب قصر الصلاة ثم بدا له فرجع كان ما صلاه ماضيا صحيحا و لا يقصر في رجوعه إلا ان تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها.
337
بعد بلوغ المسافة لم يؤثر في الترخص بل الواجب هو القصر لحصول الشرط، فلو تمادى في سفره مترددا و الحال هذه و مضى عليه ثلاثون يوما فهل يكون بمثابة من تردد و هو مقيم في المصر؟ قال في الذكرى: فيه نظر من وجود حقيقة السفر فلا يضر التردد و من اختلال القصد. انتهى. و بالأول صرح الشيخ في النهاية كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في عبارته، و هو مشكل لأن مورد النص التردد في المصر بان يقول أسافر اليوم أو غدا حتى يمضى له ثلاثون يوما، و إلحاق التردد في هذه الصورة بين السفر و عدمه لا يخلو من إشكال كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى
الثالث [من علق سفره على وجدان الرفقة]
- قال في المنتهى: و لو خرج من بلده ان وجد رفقة سافر و إلا رجع أتم ما لم يسر ثمانية فراسخ. و قال الشيخ في النهاية إذا خرج قوم الى السفر و ساروا أربعة فراسخ و قصروا من الصلاة ثم أقاموا ينتظرون رفقة لهم في السفر فعليهم التقصير الى أن يتيسر لهم العزم على المقام فيرجعون الى التمام ما لم يتجاوزا ثلاثين يوما، و ان كان مسيرهم أقل من أربعة فراسخ وجب عليهم الإتمام الى ان يسيروا فإذا ساروا رجعوا الى التقصير. و التحقيق ما قلناه نحن أولا. انتهى كلامه في المنتهى و أنت خبير بما فيه من النظر الظاهر لكل ناظر فان مقتضى كلامه (قدس سره) أو لا انما هو من خرج من بلده معلقا سفره على وجود الرفقة، و هذا غير قاصد للسفر جزما و حكمه هو الإتمام و ان قطع مسافات عديدة بهذه الكيفية، لاختلال شرط وجوب التقصير و هو القصد إلى المسافة. و قوله انه يتم ما لم يسر ثمانية فراسخ لا اعرف له وجها. و مقتضى كلام الشيخ في النهاية انما هو من سافر قاصدا للمسافة جازما بالسفر ثم عرض له بعد ذلك انتظار الرفقة، و هذا متفرع على شرط استمرار القصد كما تقدم. و ما ذكره الشيخ من التقصير هنا جيد كما تقدم
في رواية إسحاق بن عمار من قوله (عليه السلام) «ان كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم أقاموا أم انصرفوا، و ان كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتموا الصلاة ما أقاموا فإذا مضوا فليقصروا».
ثم ذكر (عليه السلام) العلة في ذلك على
338
رواية كتاب العلل و المحاسن.
و بالجملة فإن موضوع كلامه غير موضوع كلام الشيخ، و لعل ذلك لغلط في نسخة الكتاب أو لسوء فهمي في الباب، و لا يبعد ان يكون مراد العلامة- و ان قصرت عنه العبارة المذكورة لغلط فيها و نحوه- انه متى حصل له التردد بانتظار الرفقة قبل بلوغ ثمانية فراسخ بمعنى انه خرج ناويا للسفر قاصدا للمسافة و لكن عرض له ما يوجب عدم استمرار القصد من انتظار الرفقة، فإن كان هذا العارض عرض قبل بلوغ نهاية المسافة التي هي عندهم بناء على المشهور ثمانية فراسخ فان الواجب الإتمام لزوال الشرط المذكور قبل بلوغ المسافة، و ان كان بعد حصول الثمانية التي هي المسافة فالواجب البقاء على التقصير إلا ان ينقطع بأحد القواطع الشرعية. و هو جيد بناء على ما هو المشهور من تخصيص المسافة بالثمانية، و أما على ما اخترناه- من ان الأربعة أيضا باعتبار انضمام الإياب إلى الذهاب مسافة شرعية، و هو مورد الأخبار المتقدمة و عليه بناء كلام الشيخ (قدس سره) هنا إلا انه مخالف لمذهبه في أصل المسألة كما تقدم من قوله بالجواز في الأربعة- فهو محل النظر لما عرفت من أخبار الشرطين المذكورين اعنى شرط القصد و شرط استمراره، فان موردهما انما هو أخبار الأربعة الفراسخ كما تقدم، و هو دليل ظاهر في كونها مسافة القصر حقيقة و ان القصر واجب فيها حتما لوجود شرطي الوجوب. و لكنه (قدس سره) لعدم إمعان النظر في اخبار المسألة بنى على ما هو المشهور من تخصيص المسافة بالثمانية و عدم حصولها بالأربعة الراجعة باعتبار الذهاب و الإياب إلى الثمانية. و الله العالم.
الرابع [انتظار الرفقة لا يوجب العدول]
- لا يخفى ان انتظار الرفقة إنما يكون موجبا للعدول الى التمام إذا كان قبل بلوغ المسافة إذا علق سفره على ذلك، و إلا فلو كان عازما على السفر و ان لم يأتوا فمجرد انتظارهم لا يكون موجبا لعدوله عما هو عليه من وجوب التقصير لأنه جازم بالسفر و شرط استمرار القصد موجود إلا أن يحصل شيء من القواطع الآتية ثم انه لو رجع عن التردد الموجب للتمام الى العزم على السفر فالواجب
339
التقصير ان كان الباقي مسافة ذهابا و إيابا.
و استقرب الشهيد في البيان ضم ما مضى من المسافة، و استظهره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين استنادا الى قوله (عليه السلام) في آخر رواية إسحاق ابن عمار المتقدمة «فإذا مضوا فليقصروا».
أقول: يمكن المناقشة في دلالة العبارة المذكورة بناء على ان المتبادر كما هو الغالب المتكرر في الأسفار هو حصول المسافة بعد موضع التردد، و الإطلاق في الأخبار كما عرفت في غير مقام من ما تقدم انما ينصرف الى ما هو المتكرر الغالب المتكثر الوقوع دون الفروض النادرة.
الخامس [هل يقصر المكره على سير المسافة؟]
- قال في المنتهى: لو اخرج مكرها إلى المسافة كالأسير قصر لانه مسافر سفرا بعيدا غير محرم فأبيح له التقصير كالمختار و المرأة مع الزوج و العبد مع السيد إذا عزما على الرجوع مع زوال اليد عنهما، خلافا للشافعي قال لانه غير ناو للسفر و لا جازم به فان نيته انه متى خلى رجع (1) و الجواب النقض بالعبد و المرأة. انتهى.
و ظاهر كلامه (قدس سره) عدم الخلاف في المسألة إلا من العامة مع انه قال في النهاية: لو عزم العبد على الرجوع متى أعتقه مولاه و الزوجة متى طلقها أو على الرجوع و ان كان على سبيل التحريم كالإباق و النشوز لم يترخصوا لعدم القصد. انتهى.
و ظاهره كما ترى المنافاة لما اختاره في المنتهى و الموافقة لما نقله عن الشافعي في الأسير لأنه لا فرق بين الأسير و لا غيره من هؤلاء المعدودين.
و قال الشهيد في الذكرى: و لو جوز العبد العتق أو الزوجة الطلاق و عزما على الرجوع متى حصل فلا يترخص، قاله الفاضل و هو قريب ان حصلت امارة لذلك و إلا
____________
(1) المغني ج 2 ص 259.
340
فالظاهر البناء على بقاء الاستيلاء و عدم رفعه بالاحتمال البعيد. انتهى. و هو مؤذن بالتفصيل.
و قال في الذخيرة: و العبد و الزوجة و الخادم و الأسير تابعون يقصرون ان علموا جزم المتبوع، و قد صرح جماعة من الأصحاب بأنهم يقصرون و ان قصدوا الرجوع عند زوال اليد عنهم.
و المسألة لخلوها عن النص محل إشكال إلا ان يقصدوا المسافة و يريدوا السفر و لو تبعا. و ما ذكره في المنتهى- في تعليل وجوب التقصير على الأسير لو اخرج مكرها من أنه مسافر سفرا بعيدا غير محرم- لا يخفى ما فيه، فان من الشروط كما عرفت قصد المسافة و هذا غير قاصد كما اعترف به في النهاية. و ما ذكره في الذكرى لا يخلو من قرب، و الاحتياط في المسألة عندي لازم لاشتباه الحكم و عدم وجود النص الرافع للإشكال. و الله العالم.
الرابع [عدم انقطاع السفر بأحد القواطع]
من الشروط المتقدمة أن لا ينقطع سفره بأحد القواطع الثلاثة التي هي إقامة عشرة أيام و المرور بوطنه أو ملك له استوطنه ستة أشهر و مضى ثلاثين يوما مترددا، و الأصحاب (رضوان الله عليهم)لم يذكروا في هذا الشرط إلا نية الإقامة و الوطن أو الملك و أما مضى ثلاثين يوما مترددا فإنما ذكروه في الأحكام، و هو ان وصل بلدا و نوى اقامة العشرة وجب عليه التمام و لو لم ينو العشرة بحيث انه يقول اليوم أخرج أو غدا فإنه يجب عليه التقصير الى أن تمضى ثلاثون يوما، و هذا مدلول الأخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى عند ذكر المسألة. و به يظهر لك صحة ما ذكرنا آنفا من الإشكال في ما ذكره الأصحاب من انه لو تردد في طريقة في السفر الى مضى ثلاثين يوما وجب عليه التمام، مع ان مورد النصوص و ظاهر كلامهم في هذا المقام ان ذلك ليس من القواطع مطلقا و إلا لعدوه في هذا الشرط مع انهم لم يذكروه كما لا يخفى على من راجع كلامهم و انما ذكروه في تلك المسألة المخصوصة، هذا مع دلالة النصوص ايضا على التخصيص بالإقامة في البلد كما
341
سيظهر لك ان شاء الله تعالى، إلا انه لما كان من جملة القواطع في الجملة و لو بخصوص ما ذكرناه حسن عده في هذا المكان كما ذكره أيضا في المفاتيح.
و كيف كان فالكلام هنا يقع في مقامات ثلاثة
[المقام] الأول- في نية الإقامة عشرا و انقطاع السفر بها
، إلا ان انقطاع السفر بها يكون على وجهين (أحدهما)- ان يقصد المسافة و يسافر ثم تعرض له نية الإقامة عشرة فإنه يجب عليه التمام، و على هذا يكون الشرط المذكور شرطا في استمرار القصد بمعنى انه يشترط في استمرار قصد المسافة ان لا يقطعه بنية إقامة عشرة. و هذا هو مدلول الأخبار الآتية. و (ثانيهما)- أن ينوي مسافة لا يعزم على إقامة العشرة في أثنائها فلو نوى مسافة ثمانية فراسخ مثلا لكن في عزمه إقامة عشرة في أثنائها فإن هذا لا يجوز له التقصير بل فرضه التمام من وقت خروجه لانه بنية إقامة العشرة في الأثناء لم يحصل له قصد المسافة، و على هذا فالشرط المذكور شرط في وجوب التقصير، و الحجة في وجوب الإتمام هنا عدم تحقق قصد المسافة كما عرفت، و اما في الأول فالأخبار. و قد صرح غير واحد من الأصحاب بأنه لا فرق في نية المقام الموجبة لقطع السفر بين كون ذلك في بلد أو قرية أو بادية و لا بين العازم على استمرار السفر بعد المقام و غيره.
و من أخبار المسألة المشار إليها
ما رواه في الكافي و التهذيب عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له أ رأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصرا و متى ينبغي له أن يتم؟ قال إذا دخلت أرضا فأيقنت ان لك بها مقاما عشرة أيام فأتم الصلاة، فان لم تدر ما مقامك بها تقول غدا أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك و بين أن يمضي شهر فإذا تم لك شهر فأتم الصلاة و ان أردت أن تخرج من ساعتك».
و عن أبي أيوب الخزاز في الصحيح أو الحسن (2) قال: «سأل محمد بن مسلم
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
342
أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا أسمع عن المسافر ان حدث نفسه بإقامة عشرة أيام؟ قال فليتم الصلاة، و ان لم يدر ما يقيم يوما أو أكثر فليعد ثلاثين يوما ثم ليتم و ان كان أقام يوما أو صلاة واحدة. فقال له محمد بلغني انك قلت خمسا؟ قال قد قلت ذاك. قال الخزاز فقلت انا: جعلت فداك يكون أقل من خمس؟ قال لا».
و عن منصور بن حازم في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيام فأتم الصلاة، فإن تركه رجل جاهلا فليس عليه اعادة».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «إذا دخلت بلدا و أنت تريد المقام عشرة أيام فأتم الصلاة حين تقدم و ان أردت المقام دون العشرة فقصر، و ان أقمت تقول غدا أخرج و بعد غد و لم تجمع على عشرة فقصر ما بينك و بين شهر فإذا تم الشهر فأتم الصلاة. قال قلت ان دخلت بلدا أول يوم من شهر رمضان و لست أريد أن أقيم عشرا؟ قال: قصر و أفطر. قلت: فان مكثت كذلك أقول غدا أو بعد غد فأفطر الشهر كله و اقصر؟ قال نعم هذا واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألته عن المسافر يقدم الأرض فقال ان حدثته نفسه أن يقيم عشرا فليتم و ان قال اليوم أخرج أو غدا أخرج و لا يدرى فليقصر بينه و بين شهر فان مضى شهر فليتم، و لا يتم في أقل من عشرة إلا بمكة و المدينة، و ان أقام بمكة و المدينة خمسا فليتم».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن ابى ولاد الحناط (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيام فأتم الصلاة ثم بدا لي بعد أن لا أقيم بها فما ترى لي أتم أم أقصر؟ فقال ان كنت دخلت
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر، و الرواية للشيخ فقط.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر.
343
المدينة و صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، و ان كنت حين دخلتها على نيتك المقام و لم تصل فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانو المقام عشرا و أتم و ان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك و بين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الأيام في المكان عليه صوم؟ قال لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام و إذا أجمع على مقام عشرة أيام صام و أتم الصلاة. قال: و سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان و هو مسافر يقضي إذا أقام الأيام في المكان؟ قال لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام».
و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الإقامة و هو في الصلاة قال يتم إذا بدت له الإقامة».
و روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن سهل عن أبيه (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يخرج في سفر ثم تبدو له الإقامة و هو في صلاته أ يتم أم يقصر؟ قال يتم إذا بدت له الإقامة».
إذا عرفت ذلك فالكلام يقع هنا في مواضع
الأول [هل يشترط التوالي في عشرة الإقامة؟]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)اشتراط التوالي في هذه العشرة بمعنى انه لا يخرج من ذلك المحل الى محل الترخص، و اما الخروج الى ما دون ذلك فالظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في جوازه، فان المستفاد من الأخبار و كلام علمائنا الأبرار على وجه لا يدخله الشك و الإنكار إلا ممن لم يعض على المسألة بضرس قاطع و لم يعط التأمل حقه في هذه المواضع ان الحدود الشرعية لكل بلد عبارة عن منتهى
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 20 من صلاة المسافر.
344
سماع أذانها و رؤية من وراء جدرانها و هو الذي يحصل به الترخص من جميع أطرافها. و ما اشتهر في هذه الأوقات المتأخرة و الأزمنة المتغيرة- من أن من أقام في بلد أو قرية مثلا فلا يجوز له الخروج من سورها المحيط بها أو عن حدود بنيانها و دورها- فهو ناشىء عن الغفلة و عدم إعطاء النظر حقه من التأمل في الأخبار و كلام الأصحاب كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى من ما نذكره في الباب.
ثم ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) استدلوا على اشتراط التوالي في العشرة بان ذلك هو المتبادر من الأخبار:
قال السيد السند (طيب الله مرقده) في المدارك: و هل يشترط في العشرة التوالي بحيث لا يخرج بينها الى محل الترخص أم لا؟ الأظهر اشتراطه لانه المتبادر من النص و به قطع الشهيد في البيان وجدي (قدس سره) في جملة من كتبه، و قال في بعض فوائده بعد أن صرح باعتبار ذلك: و ما يوجد في بعض القيود- من ان الخروج الى خارج الحدود مع العود الى موضع الإقامة ليومه أو لليلته لا يؤثر في نية الإقامة و ان لم ينو إقامة عشرة أيام مستأنفة- لا حقيقة له و لم نقف عليه مسندا الى أحد من المعتبرين الذين تعتبر فتواهم، فيجب الحكم بإطراحه حتى لو كان ذلك في نيته من أول الإقامة بحيث صاحبت هذه النية نية إقامة العشرة لم يعتد بنية الإقامة و كان باقيا على القصر لعدم الجزم بإقامة العشرة المتوالية فإن الخروج الى ما يوجب الخفاء يقطعها و نيته في ابتدائها يبطلها. انتهى كلامه (قدس سره) و هو جيد. لكن ينبغي الرجوع في صدق الإقامة إلى العرف فلا يقدح فيها الخروج الى بعض البساتين أو المزارع المتصلة بالبلد مع صدق الإقامة فيها عرفا. انتهى كلام السيد المشار إليه أقول: ما نقله عنه من هذا الكلام الذي نسبه الى فوائده قد صرح به في رسالته التي في هذه المسألة المسمى بنتائج الأفكار، و هو ظاهر في بطلان ما توهمه من قدمنا النقل عنه من القول ببطلان الإقامة بالخروج الى خارج سور البلد و نحوه.
و قال المحقق الأردبيلي (نور الله مرقده) في شرح الإرشاد: و هل يشترط
345
في نية الإقامة في بلد ان يكون بحيث لا يخرج الى محل الترخص أو يكفي عدم السفر إلى مسافة أو يحال الى العرف بحيث يقال انه مقيم في هذا البلد فلا يضره السير في البساتين و الأسواق البعيدة عن منزله و غير ذلك؟ قد صرح الشهيد في البيان بالأول.
الى ان قال: الظاهر من الأخبار هو الإطلاق من غير قيد، و لو كان مثل ذلك شرطا لكان الأولى بيانه في الأخبار و إلا يلزم التأخير و الإغراء بالجهل، فيمكن تنزيله على العرف بمعنى انه جعل نفسه في هذه العشرة من المقيمين في البلد بمعنى ان هذا موضعه و مكانه و محله مثل أهله فلا يضره السير في الجملة إلى البساتين و التردد في البلد و حواليه ما لم يصل الى موضع بعيد بحيث يقال انه ليس من المقيمين في البلد، و كذا لو تردد كثيرا أو دائما في المواضع البعيدة في الجملة. و لا يبعد عدم ضرر الخروج الى محل الترخص أحيانا لغرض من الأغراض مع كون المسكن و المنزل في موضع معين لصدق إقامة العشرة عرفا المذكورة في الروايات. انتهى. و هو جيد.
و ظاهر كلامه كما ترى ينجر الى جواز الخروج الى موضع الترخص أحيانا لعدم منافاته لصدق الإقامة عرفا، و اليه يرجع ما قدمنا نقله عن السيد السند من قوله بعد نقل كلام جده «لكن ينبغي الرجوع. الى آخره».
و قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد نقل كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم: و الظاهر ان عدم التوالي في أكثر الأحيان يقدح في صدق المعنى المذكور عرفا و لا يقدح فيه أحيانا، كما إذا خرج يوما أو بعض يوم الى بعض البساتين و المزارع المتقاربة و ان كان في حد الخفاء و لا بأس به. و المسألة مشكلة و هي من مواضع الاحتياط. انتهى.
و اما القول الذي أشار إليه المحقق المذكور- بقوله «أو يكفي عدم السفر إلى مسافة، و هو الذي أشار إليه شيخنا الشهيد الثاني في ما قدمنا من نقل سبطه عنه بقوله «و ما يوجد في بعض القيود من أن الخروج الى خارج الحدود مع العود.
الى آخره»- فهو منقول عن فخر المحققين ابن شيخنا العلامة، قال في رسالته
346
نتائج الأفكار: و في بعض الحواشي المنسوبة الى الامام فخر الدين بن المطهر (قدس سره) عدم قطع نية الخروج الى القرى المتقاربة و المزارع الخارجة عن الحدود لنية الإقامة بل يبقى على التمام سواء قارنت النية الأولى أم تأخرت و سواء نوى بعد الخروج إقامة عشرة مستأنفة أم لا. انتهى.
أقول: و بذلك ظهر ان في المسألة أقوالا ثلاثة (أحدها)- و هو الذي صرح به الشهيدان و الظاهر انه المشهور- جواز التردد في حدود البلد و أطرافها ما لم يصل الى محل الترخص.
و (ثانيها)- الرجوع في ذلك الى العرف كما سمعت من كلام المولى الأردبيلي و تلميذه السيد السند و شيخنا المجلسي (قدس الله أسرارهم) و الظاهر انه الأقرب.
و (ثالثها)- القول بالبقاء على التمام ما لم يقصد المسافة و ان تردد حيث شاء و أراد كما هو المنقول عن فخر المحققين.
و ربما كان مستنده صحيحة أبي ولاد المتقدمة الدالة على انه متى نوى الإقامة فصلى فريضة بالتمام وجب عليه التمام الى أن يقصد المسافة.
إلا ان فيه ان الأمر و ان كان كذلك لكن الكلام في بقاء الإقامة، فإن مقتضى الخبر المذكور ترتب استصحاب التمام الى أن يقصد المسافة على الإقامة مع صلاة فريضة فلا بد من ثبوت الإقامة و بقائها ليجب استصحاب التمام، و الخصم يدعى ان الإقامة في صورة التردد على ما زاد على محل الترخص قد زالت، فان مقتضى الأخبار الدالة على ترتب التمام على نية الإقامة في البلد هو انه لا يخرج من حدودها لما أشرنا إليه في أول الكلام من أن حدود البلد مواضع الترخص من جميع نواحيها فمعنى الإقامة بها يعنى عدم الخروج من حدودها، فوجوب التمام عليه مترتب على عدم خروجه فمتى خرج زالت الإقامة و زال ما يترتب عليها من وجوب الإتمام، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
بقي الكلام في تحديد الخروج الموجب لزوال الإقامة هل هو كما ذكره الشهيدان
347
و من تبعهما أو ما ذكره المحقق الأردبيلي و من تبعه؟ و هذا بحث آخر خارج عن ما نحن فيه مع انا قد أشرنا الى أن الأقرب هو ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سره) و من اقتفاه. و الله العالم.
الثاني [هل يكفي التلفيق في عشرة الإقامة؟]
- لا خلاف و لا إشكال في أن بعض اليوم لا يحسب بيوم كامل و لو كان النقصان يسيرا، إنما الإشكال و الخلاف في أنه هل يضم بعض يوم الدخول الى ما يتمه من آخر العدد فيحصل التلفيق في اليوم العاشر كأن ينوي الإقامة وقت الزوال فيشترط الى ما ينتهى إلى زوال اليوم الحادي عشر أم لا بد من عشرة كاملة غير يومي الدخول و الخروج في الصورة المفروضة؟ وجهان بل قولان صرح بأولهما الشهيد في الذكرى، قال: الأقرب انه لا يشترط عشرة أيام غير يوم الدخول و الخروج لصدق العدد حينئذ. و بذلك صرح الشهيد الثاني في الروض و استظهره شيخنا المجلسي في البحار. و بالثاني صرح السيد السند في المدارك، قال: و في الاجتزاء باليوم الملفق من يومي الدخول و الخروج وجهان أظهرهما العدم لأن نصفي اليومين لا يسمى يوما فلا يتحقق إقامة العشرة التامة بذلك، و قد اعترف الأصحاب بعدم الاكتفاء بالتلفيق في أيام الاعتكاف و أيام العدة و الحكم في الجميع واحد. انتهى.
و استشكل العلامة في النهاية و التذكرة احتسابهما من العدد من حيث انهما من نهاية السفر و بدايته لاشتغاله في الأول بأسباب الإقامة و في الأخير بالسفر و من صدق الإقامة في اليومين. ثم احتمل التلفيق.
أقول: و المسألة لعدم النص القاطع لمادة القيل و القال و تطرق الاحتمال لا تخلو من الإشكال.
و قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: ثم هل يعد من العشرة يوما الدخول و الخروج؟ و هل يعتبر تلفيق بعض يوم ببعض من يوم آخر أم لا؟
و الذي يظهر من إطلاق الأخبار- و عدم ورود تحديد في هذا الأمر مع عموم بلواه و كثرة وروده في الروايات- ان المرجع في ذلك الى العرف كما انه كذلك في سائر
348
الأمور الغير المحدودة في الشرع، و من المعلوم ان في العرف لا ينظر الى نقص بعض شيء من الليل أو النهار كساعة و ساعتين مثلا في احتسابه من التمام فلا يلزم القول بالتلفيق (1) و إخراج يومي الدخول و الخروج من العدد كلية. نعم لو فرض دخوله عند الزوال مثلا و كذا الخروج بعده بقليل فظاهر العرف عدم عده تاما.
و من ما يؤيد جميع ما ذكرناه قوله (عليه السلام) في ما مر من
صحيحة زرارة «من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة».
لظهور ان الحاج يخرج في ذلك اليوم من الزوال. انتهى.
أقول: قد عرفت في ما قدمنا في غير موضع من الكتاب ما في حوالة الأحكام الشرعية على العرف، على ان ما ذكره هنا من نسبة هذه الأمور إلى العرف انما هو باعتبار ما تخلية و إلا فمن أين له الوقوف على استعلام عرف عامة الأقطار و الأمصار و استعلام ما ذكره من هذه الخيالات؟ و بدون ذلك لا يجدى الاستناد الى العرف، على ان قصارى كلامه بالنسبة إلى اليوم الناقص هل يحسب من العدد أم لا؟ فإنه فصل فيه بين النقصان اليسير و الكثير، و أما التلفيق الذي هو محل البحث مع انه قد صرح به في صدر عبارته فلا دلالة لكلامه عليه. و أما الرواية التي أوردها فهي بالدلالة على خلاف ما يدعيه أظهر، فإن الظاهر منها ان العشرة قد حصلت و كملت قبل يوم التروية فوجوب إتمام الصلاة عليه لحصول العشرة الكاملة و يوم التروية خارج عنها، فاستناده الى أن الحاج يخرج في ذلك اليوم من الزوال لا يجدى نفعا في المقام لظهور أنه زائد على العشرة و ليس بداخل فيها، فان قوله (عليه السلام) «من قدم قبل التروية بعشرة أيام» أظهر ظاهر في خروجه عن العشرة كما لا يخفى.
و بالجملة فالمسألة لما كانت عارية من النص كثرت فيها الخيالات و تطرقت إليها الاحتمالات كغيرها من المسائل العارية عن النصوص و الاحتياط فيها من ما لا ينبغي تركه. و الله العالم.
____________
(1) في النسخة الخطية «و لا إخراج».
349
الثالث [القول بكفاية الخمسة في الإقامة و توجيه الرواية الدالة عليه]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا ينقطع السفر بنية أقل من عشرة بل الواجب هو التقصير، و ظاهر المنتهى دعوى الإجماع عليه حيث قال انه قول علمائنا. و يدل عليه صريحا ما تقدم (1)
في صحيحة معاوية بن وهب من قوله (عليه السلام): «و ان أردت المقام دون العشرة فقصر ما بينك و بين شهر. الحديث».
و نقل عن ابن الجنيد انه اكتفى بإقامة خمسة. أقول: ظاهر عبارته المنقولة في المقام انحصار ذلك في الخمسة، حيث قال في كتاب المختصر الأحمدي: لو نوى المسافر عند دخوله البلد أو بعده مقام خمسة أيام فصاعدا أتم. و لم يتعرض لذكر العشرة بوجه.
قال شيخنا الشهيد في الذكرى: اجتزأ ابن الجنيد وحده في إتمام المسافر بنية مقام خمسة أيام و هو مروي في الحسن عن الصادق (عليه السلام) (2) بطريق أبي أيوب و سؤال محمد بن مسلم، و حمله الشيخ على الإقامة بأحد الحرمين أو على استحباب الإتمام. و فيهما نظر لان الحرمين عنده لا يشترط فيهما خمسة و لا غيرها ان كان أقل من خمس فلا إتمام، و اما الاستحباب فالقصر عنده عزيمة فكيف يصير رخصة هنا. انتهى.
و اعترضه المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى فقال: و غير خاف ان مرجع الاستحباب في مثله الى التخيير مع رجحان الفرد المحكوم باستحبابه، فمناقشة الشهيد في الذكرى للشيخ في هذا الحمل- بان القصر عنده عزيمة فكيف يصير رخصة هنا- ليس لها محصل و فيها سد لباب التخيير بين الإتمام و القصر، و الأدلة قائمة على ثبوته في مواضع فلا وجه لافراد هذا الموضع منها بالمناقشة، و لو لا قصور الخبر من جهة السند عن مقاومة ما دل على اعتبار إقامة العشرة لما كان عن القول بالتخيير في الخمسة معدل و ان كان خلاف المعروف بين المتأخرين. انتهى.
____________
(1) ص 342.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
350
و قال السيد السند (طاب ثراه) في المدارك- بعد نقل قول ابن الجنيد و الاستدلال له بحسنة أبي أيوب المتقدمة التي أشار إليها في الذكرى- ما لفظه:
و هي غير دالة على الاكتفاء بنية إقامة الخمسة صريحا لاحتمال عود الإشارة إلى الكلام السابق و هو الإتمام مع إقامة العشرة. و أجاب عنها الشيخ في التهذيب بالحمل على من كان بمكة أو المدينة و هو حمل بعيد. و كيف كان فهذه الرواية لا تبلغ حجة في معارضة الإجماع و الأخبار الكثيرة. انتهى.
أقول و بالله التوفيق لإدراك المأمول: ان ما ذكروه من استبعاد حمل الشيخ حسنة أبي أيوب على مكة و المدينة غير موجه، فان الشيخ قد استدل على ذلك بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في عداد الروايات المذكورة في صدر المقام، و أنت خبير بأنه بعد ورود الخبر الصحيح كما ترى بذلك فحمل إطلاق الخبر المذكور عليه غير بعيد و لا مستنكر من قواعدهم في حمل المطلق على المقيد، فاستبعادهم ذلك ليس في محله.
نعم يبقى الكلام في تخصيص هذا الحكم بهذين البلدين و هو كلام آخر. مع ان الوجه فيه
ما رواه الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب العلل في الصحيح عن معاوية بن وهب (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) مكة و المدينة كسائر البلدان؟
قال نعم. قلت روى عنك بعض أصحابنا انك قلت لهم أتموا بالمدينة لخمس؟ فقال ان أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلذا قلته».
و من ذلك يظهر لك ان الأمر بالإتمام بإقامة الخمسة في هذه الأخبار انما خرج مخرج التقية و يخص ذلك بالبلدين المذكورين لما ذكره من العلة فتكون إقامة الخمسة انما هي لذلك لا مطلقا بحيث تشمل جميع البلدان و جميع الأحوال، و على هذا فلا منافاة في هذه الأخبار لما اتفقت عليه الأخبار و كلمة الأصحاب عدا ابن الجنيد من تخصيص الإتمام بإقامة العشرة في جميع البلدان و جملة الأحوال.
و اما ما ذكره شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده)- من حمل حسنة أبي أيوب
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
351
على التقية بغير المعنى الذي ذكرناه، قال لأن الشافعي و جماعة منهم قائلون بإقامة الأربعة و لا يحسبون يوم الدخول و يوم الخروج فتحصل خمسة ملفقة (1) و سياق الخبر ايضا يدل عليه كما لا يخفى على الخبير. انتهى- فظني بعده لأن الأخبار المتعلقة بهذا الحكم متى ضم بعضها الى بعض فإنها واضحة الدلالة طافحة المقالة في ما ذكرناه من اختصاص الحكم بالبلدين المذكورين، و ان الوجه في التقية هو ما علل به في صحيحة معاوية بن وهب المذكورة، على ان ما ذكره متوقف على ثبوت التلفيق و قد عرفت من ما تقدم انه محل اشكال.
و أما ما ذكره الشيخ ايضا- من الحمل على الاستحباب و ان جنح إليه جملة ممن تأخر عنه من الأصحاب- فقد عرفت من ما قدمناه في غير موضع انه مع كونه لا مستند له من سنة و لا كتاب مدفوع بان الاستحباب حكم شرعي كالوجوب و التحريم يتوقف على الدليل الواضح، و مجرد اختلاف الأخبار لا يستلزم ذلك لجواز أن يكون لذلك وجه آخر من تقية و نحوها.
و ممن ناقش الشيخ في هذا الحمل زيادة على ما ذكره في الذكرى العلامة في المختلف حيث قال- بعد أن نقل عن الشيخ حمل حسنة أبي أيوب على الاستحباب أو لا ثم على مكة و المدينة ثانيا- ما صورته: و الحمل الأول ليس بجيد لأن فرضه التقصير.
و أما ما اعترض به في المنتقى على الشهيد- كما قدمنا نقله من المناقشة و قوله:
«ان في ذلك سدا لباب التخيير. الى آخره» فالظاهر انه ليس في محله، و ذلك فان الظاهر ان مراد الشهيد و كذا العلامة كما سمعت من كلامه في المختلف انما هو ان الشارع قد أوجب على المسافر المستكمل للشروط المعتبرة القصر عزيمة، و هذا المسافر الناوي خمسة من جملة ذلك فيكون القصر عليه عزيمة، و استثناؤه من الضابط المذكور يحتاج الى دليل واضح، و مجرد دلالة هذا الخبر على انقطاع السفر بإقامة خمسة
____________
(1) المهذب ج 1 ص 103 و بدائع الصنائع ج. ص 97.
352
لا يصلح لان يكون مستندا للاستحباب الموجب للتخيير كما يدعيه المحقق المذكور، لعدم انحصار الحمل في ذلك بل يجوز أن يحمل على وجوه أخر من تقية و الحمل على خصوص مكة و المدينة كما هو أحد احتمالي الشيخ ايضا، و حينئذ فكيف يجوز الخروج عن ما هو واجب عزيمة بالأخبار الصحيحة الصريحة المتفق على العمل بها بما هذا سبيله؟ و لا ريب ان الاستدلال على هذا الوجه الذي ذكرناه من ما لا تعتريه شائبة الاختلال و لا يدخله الإشكال. و به يظهر لك ضعف ما أورده المحقق المذكور على شيخنا الشهيد (عطر الله مرقديهما) و ما فيه من القصور.
ثم ان قوله في المنتهى في آخر عبارته «و ان كان خلاف المعروف بين المتأخرين» لا يخلو من نظر لإيذانه بان المتقدمين أو أكثرهم على القول بالتخيير مع انه ليس كذلك لما تقدم من كلام المنتهى المؤذن بالإجماع على وجوب التقصير متى قصرت المدة عن عشرة أيام، و لم يذهب الى اعتبار الخمسة أحد من المتقدمين غير ابن الجنيد حيث أنه جعلها موجبة للإتمام، و الأصحاب سلفا و خلفا على التخصيص بالعشرة و لم ينقل عن أحد اعتبار الخمسة تعيينا أو تخييرا، غاية الأمر ان الشيخ في مقام الجميع بين الأخبار في كتابه جمع هنا بهذا الجمع في أحد احتماليه، و هو لا يستلزم أن يكون مذهبا له سيما مع ذكره على جهة الاحتمال و ذكر غيره معه، على انه لو اعتبرت وجوه الجمع التي يذكرها في كتابيه مذاهب له لم تنحصر مذاهبه في عد و لم تقف على حد.
و اما ما ذكره في المدارك من احتمال عود الإشارة إلى الكلام السابق فبعيد جدا كما ينادى به آخر الرواية و هو قوله: «فقلت انا: جعلت فداك يكون أقل من خمسة. الى آخره، فإنه لولا معلومية حكم الإتمام بالخمسة عند السامع لما حسن هذا السؤال و المراجعة. و أما استبعاده لحمل الشيخ على مكة و المدينة فهو ناشىء عن غفلته عن الرواية الواردة بذلك كما ذكرناه، و أكثر القصور في كلامهم ناشىء عن عدم إعطاء الفحص حقه في تتبع الأدلة و الاطلاع عليها فهو معذور من جهة و غير
353
معذور من اخرى سامحنا الله و إياهم بلطفه و كرمه.
ثم ان ما ذكره في المدارك و كذا في المنتقى- من قصور الرواية من حيث السند مع ان حسنها انما هو بإبراهيم بن هاشم الذي قد عد حديثه في الصحيح جملة من أصحاب هذا الاصطلاح و تلقاه بالقبول جملة علمائنا الفحول، و بذلك صرح هذان الفاضلان أيضا في غير مقام- من ما لا يخفى ما فيه من المجازفة. و الله العالم.
الرابع [ما هو المعتبر في ترخص المقيم دخولا و خروجا]
- قال في المدارك: إذا سبقت نية المقام ببلد عشرة أيام على الوصول إليه ففي انقطاع السفر بما ينقطع بالوصول الى بلده من مشاهدة الجدران و سماع الأذان وجهان، أظهرهما البقاء على التقصير الى ان يصل البلد و ينوي المقام فيها، لأنه الآن مسافر فيتعلق به حكمه الى أن يحصل ما يقتضي الإتمام. و لو خرج من موضع الإقامة إلى مسافة ففي ترخصه بمجرد الخروج أو بخفاء الجدران أو الأذان الوجهان، و المتجه هنا اعتبار الوصول الى محل الترخص، لان
محمد بن مسلم سأل الصادق (عليه السلام) (1) فقال له: «رجل يريد السفر فيخرج متى يقصر؟ فقال إذا توارى من البيوت».
و هو يتناول من خرج من موضع الإقامة كما يتناول من خرج من بلده. انتهى.
أقول: لا يخفى ان المفهوم من أخبار تحديد محل الترخص بسماع الأذان و عدمه و الخفاء عن من وراء البيوت و عدمه- و كذا ما صرح به الأصحاب كما تقدم من أن ناوي الإقامة في بلد لا يضره التردد في نواحيها ما لم يبلغ محل الترخص- هو أن حدود البلد شرعا من جميع نواحيها هي هذه المواضع المذكورة، و ان المتوطن في البلد لو أراد السفر منها وجب عليه الإتمام إلى الحد المذكور الذي هو عبارة عن الخفاء في الأمرين المذكورين، و كذا لو رجع من سفره فإنه يجب عليه التقصير الى الحد المذكور الذي هو عبارة عن سماع الأذان و رؤية من خلف الجدران، و ما ذاك جميعه إلا من حيث انتهاء حدود البلد شرعا الى ذلك الموضع كما عرفت،
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
354
و قضية ذلك ان المقيم بها كالمتوطن فيها. إلا انهم اختلفوا هنا في الداخل إليها من غير أهلها لو قصد نية الإقامة بها قبل الوصول إليها فهل يصير حكمه حكم صاحب البلد فيتم متى سمع الأذان أو رأى من عند جدران البلد أو لا حتى يدخل البلد و ينوي الإقامة بها؟ ظاهر جماعة: منهم- السيد السند و قبله جده في الروض الثاني، و بالأول صرح المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و هو الأظهر لما قدمناه في صدر الكلام.
و اما ما ذكره السيد هنا من الاحتجاج على ما ذهب اليه فيمكن تطرق الاعتراض عليه (اما أولا)- فلان ما علل به أظهرية ما اختاره من قوله «انه الآن مسافر» ممنوع فان الخصم يدعى انه حيث دخل في حدود البلد مع نية الإقامة التي حصلت منه قبل الدخول حاضر، و لا خلاف عندهم في اعتبار هذه الحدود في حال الخروج فكذا في حال الدخول، فاستدلاله بما ذكره لا يخرج عن المصادرة.
و اما ما ذكره جده (قدس سره) في الروض- من أنه من ما يضعف كونها بحكم بلده من كل وجه انه لو رجع فيها عن نية الإقامة قبل الصلاة تماما أو ما في حكمها يرجع الى التقصير و ان أقام فيها أياما و ساوت غيرها من مواضع القرية- ففيه ما ذكره المحقق الأردبيلي عطر الله مرقده) حيث قال: ان حكم موضع الإقامة حكم البلد و ينتهى السفر هنا كما ينتهي في البلد بالوصول الى محل الترخص و يحصل بالخروج عنه من غير فرق و هو ظاهر، و عدم كون حكمه حكم البلد باعتبار أنه لو رجع عن نية الإقامة قبل الصلاة تماما يرجع الى القصر ليس من ما يضعف ذلك كما قاله الشارح، لأن المماثلة إنما حصلت بالنية فمعنى كون حكمه حكم البلد باعتبار انه لو رجع كان حكمه حكم البلد (1) ما دام متصفا بذلك الوصف و هو ظاهر.
انتهى. و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه.
و (اما ثانيا)- فان ما حكم به- من اتجاه اعتبار الوصول الى محل الترخص في ترخصه للخروج دون مجرد الخروج من البلد لرواية محمد بن مسلم باعتبار شمولها
____________
(1) في شرح الإرشاد و النسخ الخطية هكذا «فمعنى كون حكمها حكم البلد ما دام.».
355
للمقيم كصاحب البلد- فهو آت في ما نحن فيه و جار في ما ندعيه، فإن
صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1)- قال: «إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر، و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».
- شاملة بإطلاقها لهذين الفردين في حالتي كل من الدخول و الخروج، فان قوله (عليه السلام): «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» شامل لمن قدم بنية الإقامة و انه متى سمع الأذان وجب عليه التمام.
و توضيحه ان السيد قد صرح في رواية محمد بن مسلم بشمولها للقاطن و الغريب المقيم بالنسبة إلى خفاء الجدران لو أراد الخروج، و يلزمه مثل ذلك في صدر صحيحة عبد الله بن سنان بالنسبة إلى الأذان البتة، و المخاطب في عجزها هو المخاطب في صدرها فإذا فرض الحكم في صدرها بشمول الفردين فيجب ان يكون في عجزها كذلك. و لا يتوهم من قوله «و إذا قدمت من سفرك» الاختصاص بكون القادم من أهل البلد دون القادم الغريب الذي يريد الإقامة فيها، لأن إطلاق القدوم بالنسبة إلى الغريب القادم أراد الإقامة أم لا ليس بممتنع لغة و لا عرفا، بل قد ورد هذا اللفظ كذلك
في صحيحة زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) من قوله: «أ رأيت من قدم بلدة الى متى ينبغي له أن يكون مقصرا؟. الحديث».
و حينئذ فكما ان رواية محمد بن مسلم التي أوردها دلت على مشاركة المقيم لصاحب البلد في وجوب الإتمام الى حال الخروج الى الحد المذكور ثم التقصير، كذلك صحيحة عبد الله بن سنان دلت على اشتراكهما في الحالين بالتقريب المتقدم. و مثل ذلك
صحيحة حماد بن عثمان المروية في كتاب المحاسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا سمع الأذان أتم المسافر».
فإنها شاملة بإطلاقها لكل قادم من سفره الى بلد سواء كانت بلده أو بلدا عزم الإقامة فيها قبل وصولها.
و لو قيل: ان وجه الفرق بين حالة الدخول و الخروج ظاهر من حيث صدق
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
356
الإقامة عليه في الثاني دون الأول، فإنه في حال الدخول مسافر الى ان يدخل البلد كما ذكر سابقا.
قلنا: قد تقدم في أول البحث ان حدود البلد من محل الترخص كما أوضحناه من الأخبار و كلام الأصحاب و لا يختص بالوصول الى البيوت. و ايضا فمتى سلم صدق صدر صحيحة ابن سنان الواردة في الأذان على الفردين باعتبار الخروج حسبما اعترف به في رواية محمد بن مسلم بالنسبة إلى الجدران لزم ذلك في عجزها، لقوله (عليه السلام): «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» و حاصل معنى الخبر حينئذ انه (عليه السلام) قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع الأذان في خروجك من البلد مقيما كنت فيها أو من أهل البلد فأتم و إذا كنت لا تسمع فقصر، و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك من أهل البلد كنت أو ناويا الإقامة بها. فكأنه قال هذا الحكم لا فرق فيه بين الدخول و الخروج للداخل و الخارج. نعم يخرج منه الداخل الغير القاصد للإقامة بالبلد حال دخوله لأنه مسافر و ان تجدد له القصد بعد دخوله و يبقى ما عداه داخلا تحت إطلاق الخبر. و الله العالم.
الخامس [الناوي للإقامة في أماكن متعددة]
- قال في المنتهى: لو عزم على إقامة طويلة في رستاق ينتقل فيه من قرية إلى قرية و لم يعزم على الإقامة في واحدة منها المدة التي يبطل حكم السفر فيها لم يبطل حكم سفره، لانه لم ينو الإقامة في بلد بعينه فكان كالمنتقل في سفره من منزل الى منزل. قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو حسن.
أقول: ظاهره انه ما لم يقصد نية الإقامة في موضع من تلك القرى فإنه يبقى على القصر و ان زاد مقامه في قرية منها على ثلاثين يوما، لانه رتب البقاء على السفر و استصحابه على عدم نية الإقامة، مع انه قد تقدم تصريح جملة من الأصحاب- منهم الشيخ في ما قدمنا من عبارته في النهاية في فروع الشرط الثالث- بأنه بمضي ثلاثين يوما على المسافر إذا توقف في الطريق بعد قطع أربعة فراسخ ينتقل حكمه الى التمام، و مقتضى ذلك انه هنا كذلك. إلا انا قد قدمنا ان ظاهر الأخبار و كلام
357
جملة من الأصحاب كما نبهنا عليه في الشرط الرابع هو اختصاص ذلك بالإقامة في البلد، بمعنى انه إذا دخل بلدا و لم ينو الإقامة بها بل قال اليوم أخرج أو غدا و نحو ذلك فان الواجب عليه استصحاب التقصير الى مضى ثلاثين يوما، و هذا هو الذي دلت عليه الأخبار المتقدمة ثمة. و أما إثبات هذا الحكم في مجرد السفر كما تقدم فرضه في كلام الشيخ فلا أعرف له دليلا واضحا.
فان قيل: ان هذا منقوض عليكم بنية الإقامة عشرة أيام التي هي أحد القواطع في سفر كان أو بلد، كما تقدم تصريح الأصحاب بأنه لا فرق في قطعها السفر بين كونها في بلد أو فلاة من الأرض أو نحو ذلك، مع ان الأخبار التي استندتم إليها في تخصيص الثلاثين بالبلد هي بعينها اخبار الإقامة عشرا و قد اشتملت على الحكمين فيلزم بمقتضى ما ذكرتم انه لا ينقطع سفره بإقامة العشرة إلا في البلد دون الطريق.
قلنا: ليس الأمر كما ظننت فان من جملة الأخبار المتقدمة في الشرط الرابع ما هو ظاهر في قطع نية الإقامة للسفر و لو كان في الطريق مثل صحيحة على بن جعفر و صحيحة على بن يقطين و رواية محمد بن سهل عن أبيه (1) فإن إطلاقها شامل للبلد و الطريق، بل الظاهر منها سيما صحيحة على بن يقطين و رواية محمد بن سهل عن أبيه إنما هو الإقامة في السفر، حيث قال في صحيحة على بن يقطين
«سألته عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الإقامة و هو في الصلاة أ يتم أو يقصر؟ قال يتم»
(2) و نحوها الرواية المذكورة، فإن المتبادر منها كون ذلك في الطريق حيث انه لا اشعار فيهما بالبلد بوجه و ان صدق عنوان السفر على من كان في البلد و لم ينو الإقامة.
ثم انه لو فرض قصد الإقامة في إحدى قرى هذا الرستاق ترتب عليه في خروجه ما تقدم في الموضع الأول من الخلاف في الخروج الى محل الترخص و ما دونه و ما زاد عليه.
السادس [رجوع المقيم بعد إنشاء السفر]
- قال في المدارك: قد عرفت ان نية الإقامة تقطع السفر المتقدم
____________
(1) ص 343.
(2) فيه خلط بين الروايتين راجع ص 343.
358
و على هذا فيفتقر المكلف في عوده الى التقصير بعد الصلاة على التمام الى قصد مسافة جديدة يشرع فيها القصر، و لو رجع الى موضع الإقامة بعد إنشاء السفر و الوصول الى محل الترخص لطلب حاجة أو أخذ شيء لم يتم فيه مع عدم عدوله عن السفر بخلاف ما لو رجع الى بلده لذلك، و لو بدا له العدول عن السفر أتم في الموضعين. انتهى. و هو جيد.
إلا انه بقي هنا شيء لم ينبهوا عليه و لم يتنبهوا اليه و هو غير خال من الإشكال، و ذلك فإنهم قد ذكروا كما نبه عليه هنا انه بنية الإقامة و الصلاة تماما فإنه ينقطع السفر و يجب البقاء على التمام حتى يعزم المسافة، و ظاهرهم الاتفاق عليه و عليه دلت صحيحة أبي ولاد الآتية ان شاء الله تعالى قريبا (1) مع انهم قد صرحوا كما تقدم في كلام السيد السند نقلا عن جده (قدس الله روحيهما) باشتراط التوالي في العشرة بمعنى انه لو خرج في ضمنها الى ما دون المسافة و لو الى محل الترخص قطع إقامته، و مقتضى بطلان الإقامة بطلان الصلاة تماما و الرجوع الى التقصير و ان كان قد صلى تماما بتلك النية أولا، مع ان صحيحة أبي ولاد المعتضدة باتفاق الأصحاب دلت على وجوب البقاء على التمام بعد نية الإقامة و الصلاة تماما الى أن يقصد المسافة و المدافعة بين الحكمين ظاهرة، لأن مقتضى الحكم الأول هو وجوب الإتمام بعد النية و الصلاة تماما الى أن يقصد المسافة و هو أعم من أن يخرج في ضمن العشرة أو لا يخرج، و مقتضى الحكم الثاني الحكم ببطلان الإقامة بالخروج صلى أو لم يصل و يمكن أن يقال في الجواب بتقييد الإطلاق الأول بالحكم الثاني بمعنى انه يشترط في وجوب الإتمام و دوامه شروط ثلاثة: نية الإقامة و الصلاة تماما و عدم الخروج من موضع الإقامة على الوجه المذكور في كلامهم. و يحتمل ايضا أن يسند وجوب الاستمرار على التمام إلى الصلاة لا إلى النية، بمعنى أن يقال ان نية الإقامة قد انتقضت و بطلت في الصورة المذكورة بالخروج عن موضع الإقامة، و وجوب البقاء على التمام انما هو بسبب الصلاة تماما بعد تلك النية، فعلى هذا تصير الصلاة بعد تلك
____________
(1) تقدمت ص 342.
359
النية شرطا في دوام التمام. و هذا الوجه الثاني رأيته في كلام والدي (قدس سره) مجيبا به عن الإشكال المذكور حيث انه (طاب ثراه) تنبه له و أورد هذا الكلام جوابا عنه و هو جيد. إلا ان الذي يظهر من الخلاف في المسألة- و ان من جملة الأقوال فيها هو البقاء على التمام حتى يقصد المسافة، و هو الذي رده شيخنا الشهيد الثاني في ما تقدم من كلامه و أنكر نسبته الى أحد المحققين المعتمدين- هو أن مراد القائل بانقطاع نية الإقامة إنما هو وجوب الرجوع الى التقصير، و إلا لما كان هذا القول مغايرا لما ذكره شيخنا المشار اليه و لما بالغ في رده هذه المبالغة المذكورة كما لا يخفى. و الله العالم.
المقام الثاني- في الملك أو المنزل الذي ينقطع به السفر
، و قد وقع الخلاف هنا في ما ينقطع به السفر من مجرد الملك أو خصوص المنزل، فالمشهور بين المتأخرين الاكتفاء بمجرد الملك و لو نخلة واحدة بشرط الاستيطان في تلك البلدة ستة أشهر، و ذهب آخرون الى اشتراط المنزل.
قال الشيخ في النهاية: و من خرج الى ضيعة و كان له فيها موضع ينزله و يستوطنه وجب عليه التمام و ان لم يكن له فيها مسكن فإنه يجب عليه التقصير.
و هو ظاهر في اعتبار المنزل، و أما بالنسبة إلى الاستيطان فهو مطلق.
و قال ابن البراج في كتاب الكامل: من كانت له قرية فيها موضع يستوطنه و ينزل فيه و خرج إليها و كانت عدة فراسخ سفره على ما قدمناه فعليه التمام، و ان لم يكن له فيها مسكن ينزل به و لا يستوطنه كان له التقصير. و هي كعبارة النهاية.
و قال أبو الصلاح: و ان دخل مصرا له فيه وطن فنزل فيه فعليه التمام و لو صلاة واحدة.
و هذه العبارات كلها مشتركة في التقييد بالمنزل خاصة و عدم تقييد الاستيطان بالستة الأشهر بل هي مطلقة في ذلك.
و قال الشيخ في المبسوط: إذا سافر فمر في طريقه بضيعة أو على مال له أو كانت
360
له أصهار أو زوجة فنزل عليهم و لم ينو المقام عشرة أيام قصر، و قد روى ان عليه التمام، و قد بينا الجمع بينهما و هو ان ما روى انه ان كان منزله أو ضيعته من ما قد استوطنه ستة أشهر فصاعدا أتم و ان لم يكن استوطن ذلك قصر.
هذه جملة من عبائر المتقدمين و أما كلام العلامة و المحقق و من تأخر عنهما فهو على ما حكيناه من الاكتفاء بمجرد الملك بشرط الاستيطان ستة أشهر.
[الأخبار الواردة في المقام]
و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الأخبار الواردة في المسألة فالواجب أولا ذكر الاخبار مذيلة بما يظهر منها ثم عطف الكلام على كلام الأصحاب في المقام:
فأقول و بالله سبحانه الثقة لبلوغ المأمول: الأول- من الأخبار المذكورة
صحيحة إسماعيل بن الفضل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر من أرض إلى أرض و انما ينزل قراه و ضيعته قال إذا نزلت قراك و ضيعتك فأتم الصلاة و إذا كنت في غير أرضك فقصر».
أقول: ظاهر الخبر كما ترى انه يتم بمجرد الوصول إلى الأملاك المذكورة سواء كان له فيها منزل أو لم يكن استوطنها سابقا أم لم يستوطن قصد الإقامة أم لم يقصد.
الثاني-
رواية البزنطي (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يخرج الى ضيعته و يقيم اليوم و اليومين و الثلاثة أ يقصر أو يتم؟ قال يتم الصلاة كلما اتى ضيعة من ضياعه».
و التقريب فيها ما تقدم و هي أظهر في عدم اعتبار نية الإقامة.
و روى هذه الرواية
في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد ابن محمد بن ابى نصر (3) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يخرج إلى الضيعة فيقيم اليوم و اليومين و الثلاثة يتم أم يقصر؟ قال يتم فيها».
و هي صحيحة السند كما ترى.
الثالث-
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
361
الرجل يكون له الضياع بعضها قريب من بعض يخرج فيقيم فيها يتم أو يقصر؟ قال يتم».
أقول: هكذا لفظ الخبر في الكافي (1) و أما في الفقيه و التهذيب (2) فإنه قال: «يطوف» بدل «يقيم» و هو أوضح، و على تقدير نسخة «يقيم» يحتمل اقامة اليوم و اليومين و الثلاثة كما في الخبر السابق و يحتمل إقامة العشرة لكن في مجموع الضياع حتى ينطبق على السؤال، و به يرجع الى الأخبار المتقدمة.
الرابع-
موثقة عمار بن موسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل يخرج في سفر فيمر بقرية له أو دار فينزل فيها؟ قال يتم الصلاة و لو لم يكن له إلا نخلة واحدة و لا يقصر و ليصم إذا حضره الصوم و هو فيها».
و هو ظاهر الدلالة في المعنى المتقدم.
الخامس-
صحيحة عمران بن محمد (4) قال: «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) جعلت فداك ان لي ضيعة على خمسة عشر ميلا خمسة فراسخ ربما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيام أو خمسة أيام أو سبعة أيام فأتم الصلاة أم أقصر؟ فقال قصر في الطريق و أتم في الضيعة».
أقول: لا يخفى ان هذه الأخبار كلها قد اشتركت في الاكتفاء في الإتمام بمجرد الملك و لا سيما موثقة عمار.
و العجب هنا من صاحب المدارك (قدس سره) و ما وقع له من المجازفة في هذا المقام كما هي عادته في كثير من الأحكام، حيث قال- بعد قول المصنف: و الوطن الذي يتم فيه هو كل موضع له فيه ملك قد استوطنه ستة أشهر- ما لفظه: إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الملك بين المنزل و غيره، و بهذا التعميم جزم العلامة و من تأخر عنه حتى صرحوا بالاكتفاء في ذلك بالشجرة الواحدة، و استدلوا عليه بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار. ثم ساق الرواية المذكورة. ثم قال:
و هذه الرواية ضعيفة السند باشتمالها على جماعة من الفطحية، و الأصح اعتبار المنزل خاصة كما هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية. الى آخره.
____________
(1) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر.
362
فان فيه من المجازفة في المقام التي لا تليق من مثله من الاعلام ما لا يخفى على ذوي الأفهام، و ذلك فان الناظر في كلامه القاصر عن تتبع الأخبار لحسن الظن به يظن انه لا مستند لهذا القول إلا هذه الرواية مع ان الروايات كما رأيت به متكاثرة و الأخبار به متظافرة فيها الصحيح باصطلاحه و غيره، و لا ريب ان الواجب في مقام التحقيق هو استقصاء أدلة القول و الجواب عنها متى اختار خلافه و لكن هذه عادته (قدس سره) في غير موضع كما تقدمت الإشارة إليه.
ثم انه لا يخفى ان هذه الأخبار قد اشتركت في كون التمام بمجرد الوصول إلى الأملاك المذكورة من غير تقييد بشيء من نية إقامة أو استيطان ستة أشهر سابقا كما هو ظاهر سياقها.
نعم في حديث عمران بن محمد اشكال من وجه آخر حيث ان ظاهره وجوب التقصير في خمسة فراسخ مع العلم بانقطاع السفر على رأسها، فإن السفر قد انقطع بالوصول إلى الضيعة التي قصدها لإيجابه (عليه السلام) الإتمام فيها، و ربما كان فيه دلالة على مذهب من قال بالتخيير في أربعة فراسخ. إلا انك قد عرفت انه قول مرغوب عنه لدلالة الروايات الصحيحة الصريحة على ضعفه، و الخبر المذكور مشكل لا يحضرني الآن وجه الجواب عنه.
و أما ما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي من حمله على غير التخيير- حيث انه حمل الأخبار الدالة على الإتمام بمجرد وصول الملك على التخيير و جعل هذا جوابا عن الإشكال المذكور- فلا يخفى ما فيه، لان التخيير الذي احتمله في تلك الأخبار انما هو في الملك بعد تحقق السفر سابقا، لأن الأخبار اختلفت في حكم الوصول الى الملك بعد تحقق السفر و انه هل يكون قاطعا للسفر أم لا؟ و الإشكال هنا انما هو في حكمه (عليه السلام) بالتقصير في الطريق مع انقطاع السفر بالوصول الى الملك، و هو هنا ليس بمسافر السفر الموجب للتقصير إلا على قول من يقول بالتخيير في مجرد قصد الأربعة و هو لا يقول به، و حمله على ما لا يقول به غير جيد كما هو ظاهر. و بالجملة
363
فإن كلامه هنا لا يخلو عن نوع غفلة.
السادس-
رواية موسى بن حمزة بن بزيع (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك ان لي ضيعة دون بغداد فاخرج من الكوفة أريد بغداد فأقيم في تلك الضيعة أقصر أم أتم؟ قال ان لم تنو المقام عشرا فقصر».
السابع-
رواية عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من اتى ضيعته ثم لم يرد المقام عشرة أيام قصر و ان أراد المقام عشرة أيام أتم الصلاة».
أقول: و هاتان الروايتان كما ترى صريحتان في انه لا يجوز الإتمام في الضيعة و الملك بمجرد الوصول بل لا بد من قصد إقامة عشرة أيام و بدون ذلك فان الواجب التقصير.
الثامن-
صحيحة على بن يقطين (3) قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام) الرجل يتخذ المنزل فيمر به أ يتم أم يقصر؟ فقال كل منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل و ليس لك أن تتم فيه».
التاسع-
صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في الرجل يسافر فيمر بالمنزل له في الطريق يتم الصلاة أم يقصر؟ قال يقصر انما هو المنزل الذي توطنه».
العاشر-
صحيحة سعد بن ابى خلف (5) قال: «سأل على بن يقطين أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الدار تكون للرجل بمصر أو الضيعة فيمر بها؟ قال ان كان من ما قد سكنه أتم فيه الصلاة و ان كان من ما لم يسكنه فليقصر».
الحادي عشر-
صحيحة على بن يقطين (6) قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام) ان لي ضياعا و منازل بين القرية و القرية الفرسخان و الثلاثة؟ فقال كل منزل من منازلك لا تستوطنه فعليك فيه التقصير».
أقول: قد اتفقت هذه الأخبار الأربعة على ان مجرد وجود المنزل غير
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر. و راوي الحديث «4» عنه «ع» فيه «حماد» كما في الاستبصار ج 1 ص 230.
(4) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر. و راوي الحديث «4» عنه «ع» فيه «حماد» كما في الاستبصار ج 1 ص 230.
(5) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر. و راوي الحديث «4» عنه «ع» فيه «حماد» كما في الاستبصار ج 1 ص 230.
(6) الوسائل الباب 14 من صلاة المسافر. و راوي الحديث «4» عنه «ع» فيه «حماد» كما في الاستبصار ج 1 ص 230.
364
كاف في الإتمام عند المرور به ما لم يستوطنه، و إطلاقها شامل لما لو كان الاستيطان ستة أشهر أو أقل أو أزيد.
الثاني عشر-
صحيحة أخرى لعلي بن يقطين ايضا (1) قال: «سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن رجل يمر ببعض الأمصار و له بالمصر دار و ليس المصر وطنه أ يتم صلاته أم يقصر؟ قال يقصر الصلاة، و الضياع مثل ذلك إذا مر بها».
أقول: ينبغي حمل الدار هنا على ما لم يحصل فيه الاستيطان. و في الخبر أيضا دلالة على ان مجرد المرور بالضياع لا يوجب التمام و لا يقطع السفر، و هو خلاف ما دلت عليه الأخبار الأولة. و يمكن جعله من قبيل الخبرين المتقدمين الدالين على انه لا يقصر في الملك إلا بنية الإقامة عشرا فيه و إلا فالحكم التقصير، و بعين ما يقال فيهما يقال فيه.
الثالث عشر-
صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يقصر في ضيعته؟ قال لا بأس ما لم ينو مقام عشرة أيام إلا أن يكون له فيها منزل يستوطنه. فقلت ما الاستيطان؟ فقال ان يكون له فيها منزل يقيم فيه ستة أشهر فإذا كان كذلك يتم فيها ميت دخلها».
و صدر هذه الصحيحة موافق لما دلت عليه الرواية السادسة و السابعة من وجوب التقصير في الضيعة ما لم ينو مقام عشرة أيام، و عليه يحمل إطلاق صحيحة على بن يقطين الأخيرة كما أشرنا إليه ذيلها. و الجميع كما ترى ظاهر المنافاة لما دلت عليه الأخبار الأولة من وجوب الإتمام بمجرد وصول الملك، و دلت هذه الصحيحة ايضا على انه لا بد في المنزل القاطع للسفر من الاستيطان كما دلت عليه الرواية الثامنة و التاسعة و العاشرة و الحادية عشرة، إلا ان تلك الروايات مطلقة في الاستيطان و هذه قد عينته و قيدته بستة أشهر فصاعدا فلا يكفى ما دونها، و بها قيد الأصحاب إطلاق الروايات المشار إليها.
____________
(1) الوسائل الباب 23 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 23 من صلاة المسافر.
365
[مورد اعتبار الاستيطان ستة أشهر في قاطعية السفر]
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو تقييد أخبار الملك و اخبار المنزل بالاستيطان ستة أشهر في وجوب الإتمام بالوصول إليهما و انقطاع السفر بهما، و الذي ظهر لي من الأخبار بعد التأمل فيها بعين الفكر و الاعتبار هو اختصاص الاستيطان بالمنزل دون مجرد الملك، و ذلك فإن أخبار الضياع و الاملاك إنما اختلفت في أنه هل يجب الإتمام بمجرد الوصول إليها كما دل عليه الخبر الأول و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس لو أنه لا بد من مقام عشرة فيها و بدونه يجب التقصير كما دل عليه الخبر السادس و السابع و صدر الخبر الثالث عشر؟
و أما الاستيطان فإنما ورد في أخبار المنازل خاصة كما عرفت من روايات على بن يقطين و صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، و ليس فيها ما ربما يوهم انسحابه الى الملك إلا الرواية العاشرة، حيث اشتمل السؤال فيها على الدار و الضيعة و أجيب بأنه ان كان من ما قد سكنه أتم فيه الصلاة. و يمكن الجواب بصرف ذلك الى الدار بخصوصها كما هو منطوق ما ذكرناه من أخبار المنزل و لا سيما الرواية الثالثة عشرة فإنها كالصريحة في ما ذكرناه من التفصيل، إذ ظاهرها كما ترى بالنسبة إلى الضياع انه يقصر فيها ما لم يقم عشرة أيام و بالنسبة إلى المنازل انه يقصر فيها ايضا ما لم يستوطنها على الوجه المذكور فيها، و لو كان قيد الاستيطان معتبرا في الضياع كما يدعونه لعطفه على إقامة العشرة و لم يخصه بالمنازل. و يؤيده ان المقام مقام البيان فلو كان الحكم كذلك لأشار إليه في الخبر أو غيره. و يؤيده ان المقام مقام البيان فلو كان الحكم كذلك لا شار إليه في الخبر أو غيره. و يؤكده أيضا النظر الى العرف فان الاستيطان مثل المدة المذكورة انما يكون في المنازل و الدور. و أما ما ذكره الأصحاب من الاكتفاء بالاستيطان في بلد الملك و ان كان في غير منزله فهو كالأصل الذي فرعوه عليه حيث عرفت انه لا مستند له فكذا ما يرجع اليه. و بالجملة فصحيحة ابن بزيع المذكورة ظاهرة الدلالة في ما ذكرناه حيث خص الضياع بوجوب التقصير ما لم ينو مقام عشرة أيام و المنزل بوجوب التقصير ما لم يحصل الاستيطان.
و ظاهر شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه الإفتاء بالصحيحة
366
المذكورة حيث قال بعد ذكر صحيحة إسماعيل بن الفضل و هي الأولى من الأخبار المتقدمة: يعني بذلك إذا أراد المقام في قراه و أرضه عشرة أيام و من لم يرد المقام بها عشرة أيام قصر إلا أن يكون له بها منزل يكون فيه في السنة ستة أشهر فإن كان كذلك أتم متى دخلها، و تصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع. و ساق الخبر.
و أنت خبير بان ما ذكره من تقييد الخبر المذكور بما دل عليه صدر صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع و نحوها روايتا موسى و عبد الله بن سنان و ان أمكن في هذا الخبر الذي نقله و نحوه من الأخبار المطلقة إلا انه لا يمكن في مثل الخبر الثاني الدال على الإقامة اليوم و اليومين و الثلاثة و الخبر الخامس الدال على الإقامة ثلاثة أو خمسة أو سبعة و ظاهر الخبر الثالث بالتقريب الذي ذكرناه في ذيله، و التقييد بالمنزل ايضا لا تقبله تلك الأخبار سيما مع اعتبار الاستيطان المدة المذكورة و خصوصا موثقة عمار الدالة على الاكتفاء بالنخلة، و اللازم من تقييد تلك الأخبار المطلقة بما ذكره من الصحيحة المذكورة و نحوها و ان بعد هو طرح تلك الأخبار المشتملة على الأيام المعدودة فيها لعدم قبولها التقييد، و حينئذ فما ذكره غير حاسم لمادة الإشكال و لا ساد لباب المقال.
و جملة من متأخري المتأخرين كالمحدث الكاشاني في الوافي جمعوا بهذه الصحيحة أعني صحيحة ابن بزيع بين الأخبار بحمل مطلقها على مقيدها بأحد القيدين أعني إقامة العشرة أو الاستيطان، و نقله في الوافي عن الشيخ في التهذيبين و الصدوق في الفقيه.
و فيه ان القيدين اللذين اشتملت عليهما الصحيحة المذكورة انما هما إقامة العشرة أو المنزل الذي يستوطنه بمعنى انه لا يتم في الملك إلا بعد نية إقامة عشرة أو يكون له ثمة منزل يستوطنه لا مجرد الاستيطان و ان كان من غير منزل، و هذا هو المعنى الذي صرح به في الفقيه كما سمعت من عبارته. و بالجملة فإن قيد إقامة العشرة و ان أمكن
367
في بعض الأخبار إلا انه لا يمكن في بعض آخر كما عرفت، و قيد الاستيطان مورده في الأخبار انما هو المنزل كما عرفت ايضا.
فما ذكره كل منهم (رضوان الله عليهم) زاعما انه وجه جمع بين الأخبار ناقص العيار بين الانكسار، و الصحيحة المذكورة لا تنطبق على هذا الوجه و لا تساعده كما عرفت لأنها صريحة في كون الإتمام في الملك و الضيعة لا يكون إلا بإقامة عشرة أيام أو وجود المنزل المستوطن تلك المدة، و ظاهرها ان وجود الملك و عدمه على حد سواء لان هذين القاطعين حيثما حصلا انقطع بهما السفر.
و احتمل المحدث المذكور في الوافي و غيره في غيره حمل ما دل على الإتمام في غير صورتي الإقامة و الاستيطان على التخيير.
و فيه ما لا يخفى فإن الأخبار المذكورة ظاهرة بل صريحة في وجوب الإتمام وجوبا حتميا متعينا و لا قرينة في شيء منها تؤنس بهذا الحمل بالكلية، و وجود المناقض و المعارض لا يستدعي ذلك و لا يكون قرينة على ارتكاب التجوز في تلك الألفاظ بإخراجها عن ظواهرها و حقائقها، إذ يمكن أن يكون التأويل في جانب المعارض لها أو حملها على محمل آخر.
و عندي ان أحد طرفي هذه الأخبار المتعارضة في المقام انما خرج مخرج التقية التي هي الأصل في اختلاف الأخبار في كل حكم و قضية و لكن أشكل تميزها و معرفتها في أي طرف فحصل الالتباس، و قد دلت الأخبار على انهم (عليهم السلام) كانوا يلقون الاختلاف في الأحكام تقية و ان لم يكن ثمة قائل بها من أولئك الأنعام كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب (1).
و بالجملة فالمسألة في غاية الإشكال و للتوقف فيها مجال و اى مجال فالواجب الاحتياط في ما عدا المنزل المستوطن المدة المذكورة اما بإقامة العشرة أو الجمع بين الفرضين.
____________
(1) ج 1 ص 4 المقدمة الاولى.
368
ثم انه بعد وصول الكلام الى هذا المقام وفق الله للوقوف على كلام بعض مشايخنا الكرام من متأخري المتأخرين الاعلام يؤذن بحمل الأخبار المطلقة في وجوب الإتمام بمجرد وصول الملك على التقية، قال لأن عامة العامة على ما نقل عنهم ذهبوا الى ان المسافر إذا ورد في أثناء سفره منزلا له أتم فيه سواء استوطنه أم لا حتى قال بعضهم بالإتمام في منازل أهله و عشيرته و لم يظهر من أحد منهم القول باشتراط دوام الاستيطان (1).
أقول: و من الأخبار التي يجب حملها على التقية بناء على ما ذكره شيخنا المشار إليه
صحيحة البقباق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسافر ينزل على بعض أهله يوما أو ليلة أو ثلاثا قال ما أحب ان يقصر الصلاة».
و قد حملها الشيخ على الاستحباب الذي مرجعه الى التخيير بين القصر و الإتمام و حملها بعض على الاستيطان بشرائطه أو على انه يستحب أن يقيم عشرا. و الظاهر بعد الجميع بل الأظهر هو الحمل على التقية لما عرفت، و على ذلك تحمل جملة تلك الأخبار المتقدمة الدالة على وجوب الإتمام بمجرد وصول الملك، و تعضده الأخبار الدالة على انه لا يجوز الإتمام فيها إلا مع نية إقامة العشرة و إلا فالواجب التقصير، لأنك قد عرفت ان تقييدها بهذه الأخبار كما ذكره الصدوق و ان أمكن في بعض إلا انه لا يمكن في بعض آخر كالأخبار الدالة على وجوب الإتمام مع الجلوس فيها يوما أو يومين أو ثلاثة، و حينئذ فلم يبق إلا حملها جميعا على التقية التي هي في اختلاف الأخبار أصل كل بلية، و هو محمل جيد وجيه كما لا يخفى على الفطن النبيه
____________
(1) في المغني ج 2 ص 290: إذا مر في طريقه على بلد فيه أهل أو مال قال أحمد في موضع يتم و قال في موضع يتم إلا أن يكون مارا و هو قول ابن عباس، و قال الزهري إذا مر بمزرعة له أتم، و قال إذا مر بقرية له فيها أهله أو ماله أتم إذا أراد ان يقيم بها يوما و ليلة، و قال الشافعي و ابن المنذر يقصر ما لم يجمع على إقامة أربعة لأنه مسافر لم يجمع على أربع.
(2) الوسائل الباب 19 من صلاة المسافر.
369
ربه يزول الاختلاف بين هذه الأخبار.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قال في المدارك في هذا المقام- بعد أن نقل عن الأصحاب الاستدلال على قطع السفر بالملك بموثقة عمار ثم ردها بضعف السند كما قدمنا نقله عنه- ما صورته: و الأصح اعتبار المنزل خاصة لإناطة الحكم به في الاخبار الصحيحة، و يدل عليه صريحا ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع. ثم ساق الرواية الثالثة عشرة من الأخبار المتقدمة، ثم قال و بهذه الرواية احتج الأصحاب على انه يعتبر في الملك أن يكون قد استوطنه ستة أشهر فصاعدا، و هي غير دالة على ما ذكروه بل المتبادر منها اعتبار إقامة ستة أشهر في كل سنة. و بهذا المعنى صرح ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه فقال بعد أن أورد قوله (عليه السلام) في صحيحة إسماعيل بن الفضل. الى آخر ما قدمنا نقله عن ابن بابويه.
ثم قال: و المسألة قوية الاشكال، و كيف كان فالظاهر اعتبار دوام الاستيطان كما يعتبر دوام الملك لقوله (عليه السلام) في صحيحة على بن يقطين «كل منزل من منازلك لا تستوطنه.
الى آخره» انتهى ملخصا.
أقول: فيه أولا- زيادة على ما قدمنا من اقتصاره في نقل دليل القول المشهور على موثقة عمار مع وجود الروايات الصحيحة الصريحة غيرها كما عرفت- ان وجه الإشكال في قوله: «و المسألة قوية الإشكال» إنما هو من حيث استدلال الأصحاب بهذه الرواية على الاستيطان ستة أشهر في الجملة و الرواية تدل على دوام الاستيطان في كل سنة، فالإشكال حينئذ عنده من حيث ان القول بما عليه الأصحاب خروج عن ما دل عليه النص و القول بما دل عليه النص خروج عن ما عليه الأصحاب. و أنت خبير بان هذا الإشكال سخيف ضعيف و الإشكال الحقيقي انما هو من حيث ان الاستيطان في الرواية انما وقع قيدا للمنزل كما عرفت، غاية الأمر انه متى كان المنزل المستوطن في الضيعة وجب الإتمام من حيث المنزل، و قد عرفت من روايات على بن يقطين المتعددة تقييد المنزل بالاستيطان في وجوب الإتمام و ان
370
كان وحده، و القيد المعتبر في الملك بناء على الروايات الثلاث الأخيرة إنما هو نية الإقامة، فاستدلالهم بالرواية المذكورة ليس في محله. و أيضا فإنه صرح في صدر كلامه بأن الأصح اعتبار المنزل خاصة دون مجرد الملك و استدل عليه بهذه الرواية، و حينئذ فاعتبار الاستيطان إنما هو في المنزل الذي اختاره كما هو ظاهر الرواية، و حق العبارة بناء على ما ذكرناه انه لما نقل عن الأصحاب انهم احتجوا بهذه الرواية على انه يعتبر في الملك الاستيطان ستة أشهر ان يرده بان اعتبار الاستيطان في الرواية انما هو بالنسبة إلى المنزل خاصة لا الملك، مع ان المتبادر منها اعتبار الاستيطان ستة أشهر في كل سنة و هم قد اكتفوا بالستة و لو في سنة واحدة. هكذا كان حق العبارة بمقتضى ما اختاره في المقام.
و ثانيا- ان قوله: «و كيف كان فالظاهر اعتبار دوام الاستيطان. الى آخره» بعد قوله: «و المسألة قوية الإشكال» من ما لا يخلو من التدافع، لأن قوة الإشكال عنده كما عرفت من حيث الاختلاف بين كلام الأصحاب في ما اكتفوا به من الاستيطان ستة أشهر و لو في سنة و بين الرواية في ما دلت عليه من دوام الاستيطان، و هو مؤذن بتوقفه في المسألة من حيث عدم إمكان مخالفة الأصحاب و عدم إمكان مخالفة الرواية فوقع في الاشكال لذلك، و مقتضى قوله: «و كيف كان. الى آخره» ترجيح العمل بما دلت عليه الرواية من دوام الاستيطان كما أيده بذكر صحيحة على بن يقطين و كلام الشيخ و ابن البراج.
و بالجملة فإن الظاهر من كلامه في هذا المقام ان الخلاف هنا بين الأصحاب وقع في موضعين: (أحدهما) ان- الوطن الذي ينقطع به السفر هل هو مجرد الملك الذي استوطنه كما هو المشهور أو خصوص المنزل المستوطن؟ و هو في هذا الموضع قد حكم بأن الأصح هو القول الثاني مستندا إلى الصحيحة المذكورة. و (ثانيهما)- انه هل يكفي اقامة الستة و لو مرة واحدة في سنة كما هو المشهور أم لا بد من تجدد الإقامة في كل سنة كما هو ظاهر الصدوق و الشيخ في النهاية و ابن البراج؟ و هو قد
371
اختار هنا القول الثاني لقوله «و الظاهر اعتبار دوام الاستيطان».
و حينئذ فقد تلخص ان مذهبه في المسألة هو القول بخصوص المنزل مع اعتبار دوام الاستيطان كل سنة، و على هذا فأي إشكال هنا عنده و ما وجه هذا الاشكال فضلا عن قوته حتى انه يقول «و المسألة قوية الإشكال» و بالجملة فالظاهر ان كلامه هنا لا يخلو من مسامحة ناشئة عن الاستعجال. و الله العالم.
تنبيه [في ذكر بعض الفروع]
قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا المقام جملة من الفروع و الأحكام من ما يتم بها الكلام لا بد من نقلها و ذكرها لما فيها من الإيضاح للمسألة و رفع غشاوة الإبهام:
[هل تكفي إقامة الأشهر الستة دفعة أو لا بد منها كل سنة؟]
فمنها- ان المستفاد من كلام الأكثر هو الاكتفاء بمقام الستة الأشهر و لو دفعة في سنة واحدة فيتم متى وصل بعدها و لو فريضة واحدة، و ظاهر الصدوق- و اليه مال في المدارك كما تقدم ذكره- اعتبار الستة في كل سنة، و المفهوم من كلام الفاضل الخراساني و بعض من تأخر عنه اناطة حصول الاستيطان بالعرف من غير تقييد بمدة:
قال في الذخيرة: و الظاهر ان الوصول الى بلد له فيه منزل استوطنه بحيث يصدق الاستيطان عرفا كاف في الإتمام. انتهى. و نحوه في الكفاية.
و قال بعض من تأخر عنه من مشايخنا المحققين بعد نقل صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع: و خلاصة معناه ان الإتمام بالضياع و ما بحكمها إنما هو في ما يكون محلا لسكناه بحيث يعد عرفا من أوطانه و يصدق عليه عادة انه موضع استيطانه من غير أن يعرضه الترك لذلك في ما بعد بمرتبة تخرجه عن عداد الأوطان و صدق الاستيطان أى بحيث لا يقال انه كان وطنه سابقا فتركه، فإن هذا الاستيطان يتحقق بان يكون له فيه محل نزول و ان لم يكن ملكا له يسكنه دائما ستة أشهر مهما ارتحل منتقلا اليه. انتهى.
372
أقول: قد عرفت أنه لا يخفى ما في احالة الأحكام الشرعية على العرف من الإشكال، فإنا لا نجد لهذا العرف معنى إلا باعتبار ما يتصوره مدعيه في كل مقام و يزعم أن كافة الناس على ما ارتسم في خاطره فيحمل عليه الأحكام، و إلا فتتبع الأقطار و الأمصار و معرفة ما عليه عرف الناس و عادتهم في تلك الأمور التي علقوها على العرف أمر متعذر البتة، هذا مع ما علم يقينا من اختلاف العادات و العرف باختلاف الأقاليم و البلدان. و بالجملة فإناطة الأحكام الشرعية بالعرف مع ما عرفت من كونه لا دليل عليه لا يخلو من الإشكال، و المفهوم من أخبارهم (عليهم السلام) انه مع ورود لفظ مجمل في أخبارهم فإنه يجب الفحص عن معناه المراد به عنهم و مع تعذر الوقوف على ذلك فالواجب الأخذ بالاحتياط و الوقوف على سواء ذلك الصراط.
و يمكن هنا أن يقال ان لفظ الاستيطان و ان كان مجملا في أكثر الأخبار إلا ان صحيحة ابن بزيع قد صرحت بان المراد به إقامة ستة أشهر، و المجمل يحمل على المفصل و المطلق على المقيد فلا اشكال.
و أما ما يفهم من كلام الصدوق و من تبعه في هذا المقام- من وجوب الستة في كل سنة استنادا إلى إفادة المضارع التجدد- ففيه ان الظاهر بمعونة الأخبار الكثيرة الدالة على مطلق الاستيطان انما هو أن المراد بذلك انه لا يكفي في صدق الاستيطان المرة و المرتان بل لا بد من تجدده و استمراره على وجه لا يتركه تركا يخرج به عن الاسم المذكور، و أقل ما يحصل به ذلك من المراتب اقامة الستة مرة واحدة حيث انه لم يعين في تلك الأخبار الكثيرة مدة للتحديد بل جعل المناط هو التحديد الذي يكون سببا لعدم زوال اسم الاستيطان، و في الصحيحة المذكورة أوضحه و عينه بكون أقل ذلك مدة الستة الأشهر. و بذلك يظهر أنه لا دلالة في الرواية على ما توهموه من اعتبار إقامة الستة في كل سنة. و الله العالم.
و منها-
انه لا يشترط في الستة الأشهر التوالي
بل يكفى و لو كانت متفرقة.
و هو جيد، و ذلك فان الحكم بالتمام في الأخبار المتقدمة علق على مطلق الاستيطان
373
المدة المذكورة و هو أعم من أن يكون مع التوالي أو التفريق.
و منها-
انه يشترط أن تكون الصلاة في الستة المذكورة بنية الإقامة
لأنه المتبادر من قوله (عليه السلام) في صحيحة ابن بزيع «منزل يقيم فيه ستة أشهر» و كذا من لفظ الاستيطان و السكنى كما في الأخبار الأخر، و حينئذ فلا يكفي الإتمام المترتب على كثرة السفر و لا على المعصية بالسفر و لا بعد التردد ثلاثين يوما و لا لشرف البقعة. نعم لا تضر مجامعتها له و ان تعددت الأسباب.
و منها-
اشتراط الملك في المنزل و غيره
كما هو ظاهر كلامهم و به صرح الشهيدان قال في الذكرى: و يشترط ملك الرقبة فلا تكفي الإجارة و التملك بالوصية. و نحوه في الروض ايضا.
و ظاهر بعض متأخري المتأخرين المناقشة في الشرط المذكور، قال في الذخيرة: و اشترط الشهيد ملك الرقبة فلا تجزئ الإجارة. و فيه تأمل.
أقول: لا يخفى ان المفهوم من الاخبار المتقدمة بالنسبة إلى الضياع و القرى و نحوها هو اشتراط الملك بغير اشكال و انما محل الإشكال في المنزل، و المفهوم لغة و عرفا انه عبارة عن موضع النزول، قال في القاموس: النزول الحلول و نزل به حل فيه و المنزل موضع النزول. و مثله في كتاب المصباح المنير. و لا ريب ان ذلك أعم من أن يكون ملكا أو مستأجرا أو معارا أو نحو ذلك، و الاستناد الى اللام في المقام باعتبار حملها على التملك لا وجه له لاحتمال حملها على الاختصاص، بل صرح في الروض في مسألة اتخاذ البلد دار اقامة على الدوام بان اللام كما تدل على الملك تدل على الاختصاص بل هي فيه أظهر، و قال بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين: الحق ان الأصل في اللام الاختصاص و مجيئها للتمليك انما هو لأجل كونه من افراد الاختصاص. و بالجملة فإن ما ذكروه في المقام لا يخلو من الاشكال لعدم الدليل الواضح عليه بل ظاهر كلام أهل اللغة كما عرفت خلافه.
و منها-
كون الاستيطان بعد تحقق الملك
بناء على القول المشهور من اشتراط
374
ملك الرقبة أو بعد تحقق أحد الأسباب المبيحة للنزول بناء على القول الآخر، فلو تقدم الاستيطان أو بعضه على ذلك لم يعتد به، و الوجه في ما ذكرنا ان الحكم في الأخبار ترتب على الاستيطان في المنزل الذي له ملكا كان أو عارية أو نحو ذلك و هو ظاهر في أن الاستيطان قبل وجود المنزل المتصف بأحد الوجوه المذكورة من الملكية و نحوها لا يدخل تحت مضمون هذه العبارة.
و منها-
دوام الملك
فلو خرج عنه لم يترتب عليه الحكم المذكور، قال في الذكرى: و يشترط ايضا دوام الملك فلو خرج عن ملكه زال الحكم، لأن الصحابة لما دخلوا مكة قصروا فيها لخروج أملاكهم (1).
أقول: هذا الشرط جيد بالنسبة إلى الملك بناء على ما قدمنا نقله عنهم من اشتراط ملك الرقبة، و اما بناء على القول الآخر فإنه لا بد ايضا من دوام نسبة المنزل إليه بأحد الأسباب المتقدمة، فلو استأجره أو استعاره مدة ثم انقضت المدة و خرج عن النسبة اليه و التعلق به فالظاهر ايضا زوال الحكم المترتب على وجود المنزل الداخل تحت تصرفه، فان ظاهر الأخبار اعتبار دوام السبب المذكور في دوام ما يترتب عليه
و منها-
انه لا يشترط السكنى في الملك
بل يكفى السكنى في البلد أو القرية حيث كان و لا يشترط كونه له صلاحية السكنى.
قال في الروض: و لا يشترط كون السكنى في الملك و لا كونه له صلاحية السكنى لحديث النخلة (2) فيكفي سكنى بلد لا يخرج عن حدوده الشرعية و هي حد الخفاء. انتهى.
أقول: أما عدم اشتراط كون السكنى في الملك فإن أريد به بالنسبة إلى مثل الضياع و النخيل فهو من ما لا ريب في صحته، لان هذه الأشياء ليست محلا للسكنى عرفا فيكفي الجلوس في البلد. إلا انك قد عرفت سابقا انه لا دليل على ما اعتبروه من اشتراط مجرد الملك بالسكنى بل السكنى في الأخبار انما ترتب على
____________
(1) بدائع الصنائع ج 1 ص 103.
(2) و هو الحديث الرابع ص 361.
375
المنزل، و ان أريد به بالنسبة إلى المنازل فهو محل إشكال، لأن الروايات دلت على انه إذا كان له منزل يستوطنه و هي ظاهرة بل صريحة في كون الاستيطان في نفس المنزل، و الحمل على تقدير مضاف أى يستوطن بلده بعيد غاية البعد، فما ذكروه (عطر الله مراقدهم) هنا لا يخلو من و صمة الإشكال.
[هل يترتب حكم الملك على الوطن المتخذ؟]
و منها- انه قد صرح غير واحد منهم (رضوان الله عليهم) بأنه لو اتخذ بلدا دار اقامة على الدوام فان حكمه حكم الملك:
قال في المدارك: و الحق العلامة و من تأخر عنه بالملك اتخاذ البلد دار اقامة على الدوام و لا بأس به الخروج المسافر بالوصول إليها عن كونه مسافرا عرفا.
قال في الذكرى: و هل يشترط هنا الاستيطان الستة الأشهر؟ الأقرب ذلك ليتحقق الاستيطان الشرعي مضافا الى العرف. و هو غير بعيد لأن الاستيطان على هذا الوجه إذا كان معتبرا مع وجود الملك فمع عدمه أولى. انتهى.
أقول: لا يخفى ما وقع للأصحاب (رضوان الله عليهم) قديما و حديثا من الغفلة في هذه المسألة، و ذلك فان ظاهرهم الاتفاق على انحصار قواطع السفر في ثلاثة: (أحدها) إقامة العشرة. و (ثانيها) مضى ثلاثين يوما مترددا. و (ثالثها) وصول بلد له فيها ملك أو منزل قد استوطنه على الخلاف المتقدم، و ظاهرهم دخول بلدته التي تولد فيها و نشأ من زمن أبيه و أجداده في القاطع الثالث، و الحق العلامة و من تبعه بالملك كما هو القول المشهور اتخاذ البلد دار اقامه على الدوام، و رجحه السيد السند كما ذكره. ثم ان من تأخر عن العلامة اختلفوا في انه هل يشترط اعتبار الستة الأشهر المعتبر في الملك في هذا البلد؟ ظاهر الذكرى ذلك و رجحه السيد المذكور لما ذكره، و بمثل ذلك صرح جده في الروض و غيره، و ظاهر الشهيد في البيان التوقف في ذلك حيث قال: و المقيم ببلدة اتخذها وطنا على الدوام يلحق بالملك على الظاهر و في اشتراط الإقامة ستة أشهر أو العشرة الأيام إشكال. انتهى.
و بالجملة فالمشهور هو الأول.
376
و أنت خبير بأنه لا يخفى على من لاحظ الأخبار بعين التأمل و التدبر و الاعتبار ان المفهوم منها على وجه لا يعتريه الشك و لا الإنكار ان القواطع الثلاثة التي أحدها بلد الملك أو المنزل المشترط فيه الاستيطان انما هي في ما إذا خرج الإنسان من بلده مسافرا سفرا يجب فيه التقصير فإنه يستصحب التقصير في سفره الى أن ينقطع إما بإقامة عشرة أيام في بعض المواضع أو مضى ثلاثين يوما مترددا أو يمر في سفره ذلك على ملك له من ضياع أو منزل على الوجه المتقدم في المسألة فإنه ينقطع سفره بأي هذه حصل و يرجع الى التمام، ثم بعد المفارقة يرجع الى التقصير في سفره كما كان أو لا حتى يرجع الى بلده التي خرج منها فيجب عليه الإتمام بالوصول إليها، إلا ان الاخبار هنا قد اختلفت في انه هل يتم إذا رجع الى بلده بعد تجاوزه محل الترخص داخلا أو لا يتم حتى يدخل منزله و أهله؟ و حينئذ فتلك القواطع الثلاثة إنما هي خارج البلد المذكور، و انقطاع السفر بالرجوع الى بلده التي خرج منها ليس له مدخل في تلك القواطع بوجه، و قد تقدمت لك الأخبار المتعلقة بهذا القاطع الثالث الذي هو الملك أو المنزل صريحة في ما قلناه و واضحة في ما ادعيناه فإنها تضمنت انه يمر به في سفره، و منه يعلم ان ذلك انما هو في مدة السفر و ضمنه كما ذكرناه، و عباراتها في هذا المعنى صريح و ظاهر مثل قولهم «سافر من أرض إلى أرض و إنما ينزل قراه و ضيعته» و قولهم «يتخذ المنزل فيمر به» و نحو ذلك من ما تقدم، و كله صريح أو ظاهر في كون تلك الاملاك و الضياع و المنازل إنما هي في الطريق و السفر، و أما بلد الإقامة فلا مدخل لها في هذه الأخبار بوجه و إنما لها أخبار على حدة، و محل الخلاف الذي وقع بينهم من الاكتفاء بالملك مطلقا أو لا بد من المنزل و اعتبار الاستيطان مطلقا أو مقيدا و نحو ذلك كله إنما نشأ من هذه الأخبار التي ذكرناها المتضمنة لكون ذلك في السفر.
و اما أخبار بلد الاستيطان الدالة على انقطاع السفر بالوصول إليها فهي هذه التي نتلوها عليك: فمنها
موثقة إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر، و الرواية عن أبي إبراهيم «ع».
377
«سألته عن الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أ يتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله».
و صحيحة العيص بن القاسم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يزال المسافر مقصرا حتى يدخل بيته».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: و روى عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه قال «إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود اليه».
و موثقة ابن بكير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون بالبصرة و هو من أهل الكوفة له بها دار و منزل فيمر بالكوفة و انما هو مجتاز لا يريد المقام إلا بقدر ما يتجهز يوما أو يومين؟ قال يقيم في جانب المصر و يقصر. قلت: فان دخل اهله؟ قال عليه التمام».
و روى هذه الرواية
الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن على بن رئاب (4) «أنه سمع بعض الواردين يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون بالبصرة و هو من أهل الكوفة و له بالكوفة دار و عيال فيخرج فيمر بالكوفة و يريد مكة ليتجهز منها و ليس من رأيه أن يقيم أكثر من يوم أو يومين؟ قال يقيم في جانب الكوفة و يقصر حتى يفرغ من جهازه و ان هو دخل منزله فليتم الصلاة».
و أنت خبير بان سند الرواية المذكورة صحيح فبملاحظة موافقتها مع الموثقة المذكورة يجعلها في حكم الصحيح ايضا.
و صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا».
و صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «ان أهل مكة إذا خرجوا
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
(6) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
378
حجاجا قصروا و إذا زاروا و رجعوا الى منازلهم أتموا».
و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التقصير قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر، و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».
و ليس في بعض نسخ الحديث أول الحديث الى قوله «فأتم».
هذه جملة ما حضرني من أخبار المسافر إذا رجع الى بلده، و قد دلت كلها ما عدا الأخير على ان سفره انما ينقطع بدخول بيته كما هو أحد القولين في المسألة و أظهرهما، و صحيحة ابن سنان قد دلت على الانقطاع بتجاوز محل الترخص داخلا كما هو أشهرهما، و لا تعرض في شيء منها بوجه من الوجوه لشيء من تلك الشروط التي وقع فيها الخلاف و لا دلالة فيها على اشتراط منزل و لا ملك، و الإضافة في.
هذه الأخبار في قوله «بيته أو منزله» أعم من التمليك و الاختصاص، و لا تعرض فيها لاستيطان ستة أشهر و لا عدمه، و هؤلاء الذين اشتملت هذه الأخبار على السؤال عن أحكامهم و بيان تقصيرهم و إتمامهم لا تخصيص في أحد منهم بكونه ممن قد اتخذها وطنا من زمن آبائه و أجداده أو توطنها أخيرا، نعم لا بد من صدق كونها بلده عرفا كما تشير اليه اخبار أهل مكة، و من ذلك يظهر أن قواطع السفر أربعة بزيادة ما ذكرناه على الثلاثة المتقدمة.
هذا. و أما ما ذكروه من حكم من اتخذ بلدا دار اقامة على الدوام فالأظهر عندي التفصيل فيه بأنه ان كان قد صدق عليه عرفا كونه من أهل البلد المذكور فحكمه ما ذكرناه و دلت عليه هذه الأخبار كأهل البلد القاطنين بها، و ان كان قبل ذلك كأن يكون ذلك في أول أمره بأن نوى الجلوس فيها على الدوام و لكنه بعد لم يدخل تحت اسم أهلها و لم يصدق عليه انه منها فالأظهر فيه الرجوع الى قواعد السفر المنصوصة عن أهل البيت (عليهم السلام) من بقاء حكم السفر عليه حتى ينقطع
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
379
سفره بأحد القواطع الشرعية. و ما ذكروه من التخريجات المتقدم ذكرها لا أعرف عليها دليلا و لا إليها سبيلا. و قوله في المدارك: «الخروج المسافر بالوصول إليها عن كونه مسافرا عرفا» ليس بشيء في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على وجوب التقصير على المسافر إلا أن ينقطع سفره بأحد القواطع الشرعية، و حيث لم يحصل هنا شيء منها فالواجب بمقتضى تلك النصوص استصحاب التقصير كما صرحوا به في من أقام مدة في رستاق، و مجرد نية الإقامة دواما في البلد لا دليل على تأثيرها في قطع حكم السفر، و الإلحاق بالملك مجرد قياس لا يوافق أصول المذهب. و بالجملة فإن التحقيق عندي في المسألة ما ذكرته. و الله العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
المقام الثالث- في مضى ثلاثين يوما مترددا
و لا خلاف بينهم في وجوب الإتمام عليه بعد المدة المذكورة، و قد مضت الأخبار الدالة عليه في صدر المقام الأول، إلا ان في بعضها التحديد بثلاثين يوما و في بعضها بالشهر، و يظهر الفرق في ما إذا كان مبدأ التردد أول الشهر الهلالي فإنه يكتفى به و ان ظهر نقصانه عن الثلاثين بناء على رواية الشهر، و الظاهر انه كذلك ايضا بمقتضى كلام الأصحاب و يشكل حينئذ باعتبار رواية الثلاثين إلا ان تحمل على غير الصورة المذكورة من حصول التردد في أثناء الشهر كما هو الأغلب.
و نقل عن العلامة في التذكرة انه اعتبر الثلاثين و لم يعتبر الشهر الهلالي، قال:
لان لفظ الشهر كالمجمل و لفظ الثلاثين كالمبين. قال في المدارك: و لا بأس به.
و قال في الذخيرة: و في كونهما كالمجمل و المبين تأمل بل الظاهر كون الشهر حقيقة في المعنى المشترك بين المعنيين، و حينئذ فالمتجه أن يقال يحمل على الثلاثين كما يحمل المطلق على المقيد و العام على الخاص. انتهى.
أقول: لا يخفى ان مرجع الكلامين الى البناء على الثلاثين و تقييد الشهر بذلك و هو الأظهر و ان كان ما ذكرناه أو لا في الجمع بين الأخبار لا يخلو من قرب. و الله العالم
380
الخامس [أن يكون السفر سائغا]
من الشروط المتقدمة ان يكون السفر سائغا واجبا كان كالحج أو مستحبا كالزيارة أو مباحا كالتجارة فلا يترخص العاصي بسفره، و هذا الشرط مجمع عليه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما نقله المحقق في المعتبر و العلامة في جملة من كتبه.
و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمار بن مروان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول من سافر قصر و أفطر إلا ان يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله تعالى أو رسولا لمن يعصى الله عز و جل أو في طلب شحناء أو سعاية ضرر على قوم مسلمين».
و ما رواه الشيخ عن عبيد بن زرارة في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يخرج الى الصيد أ يقصر أو يتم؟ قال يتم لانه ليس بمسير حق».
و عن ابى سعيد الخراساني (3) قال: «دخل رجلان على ابى الحسن الرضا (عليه السلام) فسألاه عن التقصير فقال لأحدهما: وجب عليك التقصير لأنك قصدتني. و قال للآخر: وجب عليك التمام لأنك قصدت السلطان».
و عن إسماعيل بن ابى زياد عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «سبعة لا يقصرون الصلاة: الجابي الذي يدور في جبايته و الأمير الذي يدور في امارته و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق و الراعي و البدوي الذي يطلب مواضع القطر و منبت الشجر و الرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا و المحارب الذي يقطع السبيل».
و إتمام الأخيرين لعدم اباحة السفر و أما ما عداهما فيمكن أن يكون لكون السفر عملهم، و يحتمل في الأولين أن يكونا من قبيل الأخيرين أيضا.
____________
(1) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
381
و عن ابن بكير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصيد اليوم و اليومين و الثلاثة أ يقصر الصلاة؟ قال لا إلا أن يشيع الرجل أخاه في الدين فان التصيد مسير باطل لا تقصر الصلاة فيه. و قال يقصر إذا شيع أخاه».
و عن عمران بن محمد بن عمران القمي في الصحيح عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له الرجل يخرج الى الصيد مسيرة يوم أو يومين يقصر أو يتم؟ قال ان خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و يقصر و ان خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة».
و عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن من يخرج من اهله بالصقور و البزاة و الكلاب يتنزه الليلة و الليلتين و الثلاثة هل يقصر من صلاته أم لا يقصر؟ قال انما خرج في لهو لا يقصر.
قلت: الرجل يشيع أخاه اليوم و اليومين في شهر رمضان؟ قال يفطر و يقصر فان ذلك حق عليه».
و عن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في قول الله عز و جل فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ (5) قال: الباغي باغي الصيد و العادي السارق ليس لهما ان يأكلا الميتة إذا اضطرا إليها هي حرام عليهما كما هي على المسلمين و ليس لهما ان يقصرا في الصلاة».
هذا ما حضرني من الأخبار المتعلقة بالمسألة، و تحقيق الكلام في المقام ان يقال: ظاهر الأصحاب- و اليه يشير بعض الاخبار المذكورة كصحيحة عمار بن مروان و موثقة عبيد بن زرارة- ان السفر المحرم الموجب للإتمام أعم من ان يكون محرما في حد ذاته أو باعتبار غايته المترتبة عليه، و من الأول الفار من الزحف و الهارب
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 9 و 10 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر.
(5) سورة البقرة الآية 168 و الأنعام الآية 146.
382
من غريمه مع قدرته على الوفاء. و عدوا من ذلك تارك الجمعة بعد وجوبها عليه، و منه ايضا الآبق عن مولاه و المرأة الناشزة و السالك طريقا يغلب على ظنه فيه العطب و ان كانت الغاية حسنة كأن يكون السفر للحج و الزيارات مثلا، و عد منه كل سفر استلزم ترك واجب و سيأتي ما فيه. و من الثاني المسافر لقطع الطريق أو لقتل رجل مسلم أو لا ضرار بقوم مسلمين أو نحو ذلك، و قد عد في المدارك و مثله صاحب الذخيرة الآبق و الناشز في القسم الثاني.
قال في المدارك: و إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في السفر المحرم بين من كان غاية سفره معصية كقاصد قطع الطريق بسفره و كالعبد و المرأة القاصدين بسفرهما النشوز و الإباق أو كان نفس سفره معصية كالفار من الزحف و الهارب من غريمه مع قدرته على وفاء الحق.
أقول: فيه انه لا يخفى ان معنى السفر الذي غايته معصية ان يكون هناك أمر ان ثابتان في الوجود الخارجي أحدهما مقدم على الآخر و الآخر مترتب عليه، فان الغاية متأخرة في الوجود عن ذي الغاية، مثلا من سافر لقتل رجل في بلد فان السفر يحصل أو لا ثم تلك الغاية المترتبة عليه فالسفر من حيث هو لا يلحقه تحريم و إنما يلحقه التحريم باعتبار ترتب تلك الغاية عليه، و بهذا يظهر ان سفر المرأة القاصدة به النشوز ليس كذلك لان سفرها بهذا العنوان محرم من أصله، و النشوز لا يصلح هنا لان يكون من الغايات المترتبة على السفر بعد وقوعه كما في سائر الأسفار التي غايتها محرمة بل هو حاصل من أول خروجها عن طاعة الزوج، غاية الأمر ان السفر لما كان من حيث هو أعم قيد بهذا القيد، و المراد حينئذ ان من جملة السفر المحرم في حد ذاته سفر المرأة إذا كانت قاصدة به النشوز فان مجرد سفرها ليس بمحرم. و بذلك يظهر ان هذين الفردين انما هما من القسم الأول كما ذكرناه.
و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروض: و إدخال هذه الأفراد يقتضي المنع
383
من ترخص كل تارك للواجب بسفره لاشتراكهما في العلة الموجبة لعدم الترخص، إذ الغاية مباحة فإنه المفروض و إنما عرض العصيان بسبب ترك الواجب، فلا فرق حينئذ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة و نحوها و بين استلزامه ترك غيرها كتعلم العلم الواجب عينا أو كفاية بل الأمر في هذا الوجوب أقوى، و هذا يقتضي عدم الترخص الا لا وحدي الناس، لكن الموجود من النصوص في ذلك لا يدل على إدخال هذا القسم و لا على مطلق العاصي و انما دل على السفر الذي غايته المعصية و قال سبطه السيد السند بعد نقله: و يشكل بأن رواية عمار بن مروان التي هي الأصل في هذا الباب تتناول مطلق العاصي بسفره، و كذا التعليل المستفاد من رواية عبيد بن زرارة، و الإجماع المنقول من جماعة. لكن لا يخفى ان تارك الواجب كالتعلم و نحوه انما يكون عاصيا بنفس الترك لا بالسفر إلا إذا كان مضادا للواجب و قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و الظاهر عدم الاقتضاء كما هو اختياره (قدس سره) مع ان التضاد بين التعلم و السفر غير متحقق في أكثر الأوقات، فما ذكره (قدس سره) حينئذ من ان إدخال هذا القسم يقتضي عدم الترخص إلا لا وحدي الناس غير جيد. انتهى.
أقول: التحقيق في هذا المقام ان يقال: لا يخفى ان المفهوم من الأخبار المتقدمة- و هو صريح روايتي أبي سعيد الخراساني و عمران بن محمد القمي- ان المدار في حرمة السفر و إباحته إنما هو على القصد و النية، و يعضده الأخبار المستفيضة الدالة على
ان الأعمال بالنيات (1).
لا محض استلزام السفر لأمر محرم كترك واجب مثلا مطلقا و ان لم يخطر بباله فضلا عن قصده. و منه يظهر ان عدهم سفر تارك الجمعة من قبيل السفر المحرم ليس في محله بناء على ما ذكروه في تلك المسألة من حيث انه مستلزم لتفويت الواجب، فإنه إنما يتم بناء على ثبوت تلك المقدمة الأصولية من ان الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص. نعم يأتي بناء على ما قدمناه من النصوص
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.
384
في تلك المسألة صحة عده هنا حيث انها دالة على النهى عن السفر. و بالجملة فإن المفهوم من الأخبار المتقدمة كما عرفت هو دوران التحريم مدار النية و القصد بذلك السفر، فان قصد به أمرا محرما كالفرار من الزحف و الهرب من غريمه مع إمكان الوفاء أو النشوز و الإباق أو قصد غاية محرمة مترتبة عليه كالأمثلة المتقدمة ثبت التحريم و وجب الإتمام، و أما لو استلزم ترك واجب و لم يخطر بباله أو خطر بباله و لكن لم يتعلق به القصد فإنه لا يتعلق به التحريم، نعم لو كان هو المقصود من السفر و تعلقت به النية و قد ثبت تحريمه في حد ذاته أو باعتبار غايته فلا إشكال في ما ذكروه من وجوب الإتمام. و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا المتقدم ذكره من عدم ورود ما ذكره و انه لا حاجة في التفصي عنه الى ما ذكره سبطه السيد السند.
و يؤيد ما قلناه ما صرحوا به في هذا المقام من أن المعصية في السفر مانعة ابتداء و استدامة، فلو قصد المعصية ابتداء أتم و لو رجع عنها في أثناء السفر اعتبرت المسافة حينئذ فإن بلغ الباقي مسافة قصر و إلا أتم.
و ظاهرهم الاتفاق هنا على الحكم المذكور حيث ان ذلك ثابت في إنشاء كل سفر و هذا من جملة ذلك، فإنه بعد الرجوع عن المعصية قاصد لإنشاء السفر فلا بد فيه من المسافة.
و اما لو كان سفره مباحا ثم قصد المعصية في الأثناء انقطع ترخصه و وجب عليه التمام ما دام على ذلك القصد، فلو رجع عن ذلك القصد الى قصده الأول أو غيره من القصود المباحة رجع الى التقصير.
و هل يعتبر هنا في رجوعه الى التقصير كون الباقي مسافة؟ قيل نعم و به قطع العلامة في القواعد لبطلان المسافة الأولى بقصد المعصية فافتقر في رجوعه الى التقصير الى قصد مسافة جديدة. و قيل لا و هو ظاهر المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و به قطع في الذكرى، و استدل عليه بان المانع من التقصير انما كان هي المعصية و قد زالت. قال في المدارك: و هو جيد و في بعض الأخبار دلالة عليه.
385
أقول: الظاهر انه أشار بالخبر المذكور الى
ما رواه الشيخ عن بعض أهل العسكر (1) قال: «خرج عن ابى الحسن (عليه السلام) ان صاحب الصيد يقصر ما دام على الجادة فإذا عدل عن الجادة أتم فإذا رجع إليها قصر».
و قال في الفقيه: و لو ان مسافرا ممن يجب عليه التقصير مال عن طريقه الى صيد لوجب عليه التمام لطلب الصيد، فان رجع من صيده الى الطريق فعليه في رجوعه التقصير.
و الظاهر ان كلامه هذا وقع تفسيرا للخبر المذكور، و ظاهره حمل الجادة على المعنى المعروف، و كأنه حمل صاحب الصيد في الخبر على من لم يرد الصيد ابتداء و إنما خرج مسافرا ثم بدا له التصيد فعدل عن طريقه و احتمل بعض الأفاضل حمل الجادة في الخبر على الحق بمعنى الجادة الشرعية و الموافقة لأمر الشارع فإنه يقصر ما دام كذلك و ان عدل عن ذلك أتم.
و وجه الاستدلال بالرواية المذكورة هو الأمر بالتقصير بعد الرجوع الى الجادة و هو أعم من أن يكون الباقي مسافة أو أقل بحيث يحصل منه و من ما تقدم المسافة.
و يمكن الاستدلال ايضا على القول الثاني زيادة على الرواية المذكورة بصحيحة أبي ولاد المتقدمة في الشرط الثالث (2) حيث انه (عليه السلام) أمره بالتقصير بعد رجوعه عن السفر متى كان سار في يومه ذلك بريدا نظرا الى ضم البريد الماضي الى البريد الحاصل في الرجوع و تلفيق المسافة منهما، و به يظهر قوة القول المشهور.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه بقي من اخبار المسألة خبر ان لا يخلو ظاهرهما من الإشكال: أحدهما-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتصيد فقال ان كان يدور حوله فلا يقصر و ان كان يجاوز الوقت فليقصر».
و رواه في الفقيه عن العيص بن القاسم عنه (عليه السلام) مثله (4).
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
(2) ص 333.
(3) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
386
و حمله الشيخ على ما إذا قصد بالصيد القوت. أقول: و ينبغي حمل قوله:
«ان كان يدور حوله» بناء على ما ذكره على انه يدور حول مكانه الذي هو فيه من بلد و نحوها بمعنى انه لا يبلغ محل الترخص فإنه لا يقصر و ان تجاوز الوقت يعنى حد الترخص فليقصر. و هو ظاهر.
و ثانيهما- ما رواه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام)
و رواه في الفقيه عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ليس على صاحب الصيد تقصير ثلاثة أيام و إذا جاوز الثلاثة لزمه».
و الشيخ في التهذيب حمله على الصيد للقوت ايضا، و الصدوق حمله على صيد اللهو و الفضول دون القوت.
و يمكن توجيه ما ذكره الشيخ بأنه في ضمن الثلاثة لا يبلغ مسافة التقصير لأنه يتأنى في طلب الصيد يمينا و شمالا لعدم الصيد و قصد تحصيله، فإن المسافة و ان حصلت بعد الثلاثة إلا انها غير مقصودة من أول الأمر فلا يجب عليه التقصير تلك المدة، و بعد الثلاثة فالغالب انه يرجع الى بلده، و حينئذ يكون قاصدا للمسافة فيجب عليه التقصير لذلك.
و يمكن توجيه ما ذكره الصدوق بأنه في ضمن الثلاثة كان صيده غير مشروع فلا يقصر، و أما بعد الثلاثة فالغالب انه يرجع الى بلده كما ذكرنا أولا و يكون سفره مشروعا يجب فيه التقصير.
و احتمل في الوافي حمل هذا الخبر على التقية أيضا و لعله الأقرب.
[حكم السفر لصيد التجارة]
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في سفر صيد التجارة، فالمشهور بين المتأخرين كونه سفرا شرعيا مباحا بل ربما يكون مستحبا فيجب فيه التقصير في الصلاة و إفطار الصوم كغيره من الأسفار المباحة، و المشهور في كلام المتقدمين التفصيل بين الصوم فيقصر فيه و الصلاة فيتم فيها.
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صلاة المسافر.
387
قال في المدارك بعد أن ذكر انه يجب التقصير إذا كان الصيد لقوته و قوت عياله: و الأصح إلحاق صيد التجارة به كما اختاره المرتضى و جماعة للإباحة بل قد يكون راجحا ايضا. و القول بان من هذا شأنه يقصر صومه و يتم صلاته للشيخ في النهاية و المبسوط و اتباعه، قال في المعتبر: و نحن نطالبه بدلالة الفرق و نقول ان كان مباحا قصر فيهما و ان لم يكن أتم فيهما. و هو جيد. و يدل على ما اخترناه من التسوية بين قصر الصوم و الصلاة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت».
انتهى.
أقول: لا يخفى ان العلامة في المختلف قد نقل هذا القول عن جملة من أجلاء أصحابنا المتقدمين (رضوان الله عليهم): منهم- الشيخ في النهاية و المبسوط و الشيخ المفيد و الشيخ على بن الحسين بن بابويه و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس، قال و قال ابن إدريس: روى أصحابنا بأجمعهم انه يتم الصلاة و يفطر الصوم، و كل سفر أوجب التقصير في الصوم وجب تقصير الصلاة فيه إلا هذه المسألة فحسب للإجماع عليه. و نقل في المختلف عن المبسوط انه قال: و ان كان للتجارة دون الحاجة فروى أصحابنا انه يتم الصلاة و يفطر الصوم. ثم نقل في المختلف عن السيد المرتضى قال و أوجب المرتضى و ابن ابى عقيل و سلار التقصير على من كان سفره طاعة أو مباحا و لم يفصلوا بين الصيد و غيره. انتهى.
و ظاهر كلام ابن إدريس ان القول بذلك كان مشهورا بين المتقدمين ان لم يكن مجمعا عليه كما ادعاه، و ان انفكاك حكم الصلاة هنا عن الصوم مستثنى من القاعدة المتفق عليها نصا و فتوى، و هي ان من أفطر قصر و من قصر أفطر.
و ظاهر كلام المختلف ان السيد المرتضى و ابن ابى عقيل و سلار لم يتعرضوا إلى مسألة الصيد للتجارة بخصوصها و إنما ذكروا وجوب التقصير على من كان سفره طاعة أو مباحا كما هو أصل المسألة التي هي من شروط التقصير.
____________
(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
388
و بذلك يظهر ان قول السيد السند (قدس سره) هنا- و الأصح إلحاق الصيد للتجارة بالصيد لقوت عياله كما اختاره المرتضى و جماعة- ليس من ما ينبغي لأن ظاهر هذه العبارة يعطي أن المرتضى و اتباعه نصوا على ان صيد التجارة كالصيد لقوت عياله و ليس الأمر كذلك كما عرفت.
ثم انه لا يخفى ان ما ذكره أولئك الأجلاء من الخبر الدال على الفرق هنا بين الصوم و الصلاة لم نقف عليه إلا
في كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) في باب صلاة السفر (1): «و إذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة و التقصير في الصوم».
و يمكن أن يكون الجماعة قد تلقوا هذا الحكم من كلام الشيخ على بن الحسين ابن بابويه كما هي عادتهم في جملة من المواضع، و الشيخ المذكور كما عرفت من ما قدمناه في غير مقام انما أخذه من هذا الكتاب. و احتمال الوقوف على خبر بذلك غيره ايضا ممكن إلا انك قد عرفت في غير موضع اختصاص هذا الكتاب بجملة من مستندات الأحكام التي قال بها المتقدمون و لم تصل إلى المتأخرين، و الظاهر ان هذا منها.
إلا انه (عليه السلام) في كتاب الصوم من الكتاب المذكور (2) قال ما هذه صورته:
«و صاحب الصيد إذا كان صيده بطرا فعليه التمام في الصلاة و الصوم، و ان كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة و الصوم و روى ان عليه الإفطار في الصوم، و ان كان صيده من ما يعود على عياله فعليه التقصير في الصلاة و الصوم. الى آخره».
و به يعظم الإشكال و يصير من الداء العضال فإنه يؤذن بكون صيد التجارة غير مشروع، و ربما يشير الى ذلك
قوله (عليه السلام) في مرسلة عمران بن محمد بن عمران القمي المتقدمة في روايات المقام الثاني من الشرط الرابع (3) «ان خرج لقوت عياله فليفطر و ليقصر و ان خرج لطلب الفضول فلا و لا كرامة».
فإن هذا الكلام يؤذن
____________
(1) ص 16.
(2) ص 25.
(3) ص 381.
389
بكون صيد التجارة من الفضول و انه غير مشروع.
هذا.
و في كتاب زيد النرسي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سأله بعض أصحابنا عن طلب الصيد و قال له انى رجل ألهو بطلب الصيد و ضرب الصوالج و ألهو بلعب الشطرنج؟ قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام) أما الصيد فإنه مبتغي باطل و إنما أحل الله الصيد لمن اضطر الى الصيد فليس المضطر الى طلبه سعيه فيه باطلا، و يجب عليه التقصير في الصلاة و الصوم جميعا إذا كان مضطرا إلى أكله، فإن كان ممن يطلبه للتجارة و ليست له حرفة إلا من طلب الصيد فإنه سعيه حق و عليه التمام في الصلاة و الصيام لان ذلك تجارته، فهو بمنزلة صاحب الدور الذي يدور في الأسواق في طلب التجارة أو كالمكاري و الملاح».
و يمكن أن يستنبط من هذا الخبر أن الصيد للتجارة إذا لم يكن على هذا الوجه فهو سفر شرعي يوجب التقصير، و ذلك لانه (عليه السلام) انما أوجب التمام هنا من حيث كونه صار عملا له كالتاجر الذي يدور في الأسواق للتجارة و المكاري و نحوهما من الأسفار المباحة لا من حيث كون سفره معصية، و حينئذ فمع انتفاء كونه عملا له يكون مشروعا موجبا للتقصير، و على هذا ينبغي أن يحمل قوله في صدر الخبر «ان الصيد مبتغي باطل» على صيد اللهو الذي أخبر به السائل عن نفسه، إلا ان قوله (عليه السلام) «إنما أحل الله الصيد لمن اضطر الى الصيد فليس المضطر الى طلبه سعيه فيه باطلا» لا يخلو من منافرة لما ذكره في صيد التجارة.
و بالجملة فالمسألة لما عرفت غير خالية من الإشكال و الداء العضال، و قوة القول المشهور بين المتأخرين ظاهرة فان سفر التجارة في صيد كان أو غيره من الأسفار المباحة الموجبة لوجوب التقصير و الموجب للإتمام انما هو سفر المعصية.
إلا ان ذهاب جملة من فضلاء الأصحاب الى هذا القول- مع نقلهم لورود الأخبار به مضافا الى ما سمعت من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي في الموضعين المتقدمين-
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
390
من ما أوجب الإشكال، و الاحتياط من ما لا ينبغي تركه على كل حال. و الله العالم
السادس [أن لا يكون السفر عمله]
من الشروط المتقدمة ان لا يكون السفر عمله فان من كان السفر عمله يتم في سفره و حضره بلا خلاف يعتد به كالمكاري و الجمال و الملاح و البريد و الاشتقان و الراعي و البدوي و التاجر الذي يدور في تجارته من سوق الى سوق كما تضمنته الأخبار الصحيحة، و ما وقع في أكثر عبائر الأصحاب- من التعبير هنا بكثير السفر أو من كان سفره أكثر من حضره سواء كان من هؤلاء المعدودين أو لا فجعلوا مناط الإتمام سفر الرجل من أهله مرتين أو ثلاثا على الخلاف في ما به تحصل الكثرة من غير إقامة عشرة- ليس من ما ينبغي ان يصغى اليه لعدم الدليل عليه، بل الظاهر من الأخبار كما سنتلوها عليك ان شاء الله تعالى على وجه لا يعتريه الإنكار هو كون ذلك عملا له، فلا بد من صدق الاسم بأحد العنوانات المتقدمة و نحوها.
و من الأخبار المشار إليها ما تقدم من رواية إسماعيل بن ابى زياد في صدر الشرط الخامس.
و منها-
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير و لا على المكاري و الجمال».
و عن هشام بن الحكم بإسنادين أحدهما من الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المكاري و الجمال الذي يختلف و ليس له مقام يتم الصلاة و يصوم شهر رمضان».
و عن زرارة بأسانيد ثلاثة فيها الصحيح و الحسن، و رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح (3) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري و الكرى و الراعي و الاشتقان لأنه عملهم».
قال في الوافي: الكرى كغني: الكثير المشي، و كأنه أريد به الذي يكري نفسه للمشي، و أما الاشتقان فقيل هو أمين البيادر، و قال في الفقيه هو البريد.
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
391
أقول: ما فسر به الكرى من أنه الكثير المشي لم نجده في شيء من كتب اللغة المشهورة (1) و الذي ذكره غيره من الأصحاب في معنى هذه اللفظة هو ان المراد بها المكترى- فعيل بمعنى مفتعل- نظرا الى ما يقتضيه ظاهر العطف من التغاير و أصالة عدم الترادف، و لما نقل ايضا من استعماله في كلا المعنيين، قال ابن إدريس في سرائره: الكرى من الأضداد و نقل عن ابن الأنباري في كتاب الأضداد انه يكون بمعنى المكاري و يكون بمعنى المكترى. انتهى.
و يستفاد من الخبر المذكور ان وجوب الإتمام على هؤلاء من حيث انه عملهم و فيه دلالة على ان كل من كان السفر عمله فإنه يجب عليه الإتمام.
و عن محمد بن جزك في الصحيح (2) قال: «كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) ان لي جمالا و لي قواما عليها و لست أخرج فيها إلا في طريق مكة لرغبتي في الحج أو في الندرة الى بعض المواضع فما يجب على إذا أنا خرجت معهم ان أعمل أ يجب على التقصير في الصلاة و الصيام في السفر أو التمام؟ فوقع (عليه السلام): إذا كنت لا تلزمها و لا تخرج معها في كل سفر إلا الى مكة فعليك تقصير و إفطار».
و عن إسحاق بن عمار (3) قال: «سألته عن الملاحين و الأعراب هل عليهم تقصير؟ قال لا بيوتهم معهم».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن سليمان بن جعفر الجعفري عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «الاعراب لا يقصرون و ذلك ان منازلهم معهم».
و ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن ابى عبد الله (عليهما السلام) (5) قال: «أصحاب السفن يتمون الصلاة في سفنهم».
____________
(1) ذكر في القاموس في مادة (كرى) ان أحد معاني هذه المادة العدو الشديد و ذكر ورودها بهذا المعنى على هيئة فعيل و عليه يتم ما في الوافي نعم لم يذكر صاحب المصباح و لا صاحب المجمع هذا المعنى.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
392
و ما رواه في الخصال في الصحيح عن ابن ابى عمير يرفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «خمسة يتمون في سفر كانوا أو في حضر: المكاري و الكرى و الاشتقان و هو البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم».
و الظاهر ان هذا الخبر مستند الصدوق في ما فسر به الاشتقان من انه البريد كما تقدم نقله عنه، و المذكور في اللغة و كلام الأصحاب إنما هو أمين البيادر يذهب من بيدر الى آخر و لا يقيم في مكان، و قالوا و هو معرب دشتبان أى أمين البيادر.
و أما
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2)- قال: «المكاري و الجمال إذا جد بهما السير فليقصرا».
و عن الفضل بن عبد الملك في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المكارين الذين يختلفون فقال إذا جدوا السير فليقصروا»-.
فقد اختلف كلام الأصحاب في المعنى المراد منهما، فقال الشيخ في التهذيب:
الوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمد بن يعقوب الكليني قال هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلا فيقصر في الطريق و يتم في المنزل، و الذي يكشف عن ذلك
ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد عن عمران بن محمد عن بعض أصحابنا يرفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «المكاري و الجمال إذا جد بهما السير فليقصرا في ما بين المنزلين و يتما في المنزل».
قال في المدارك: و هذه الرواية مع ضعف سندها غير دالة على ما اعتبراه.
و هو جيد لكن لا من حيث ضعف السند بل من حيث انهما فسرا جد السير بان يجعلا المنزلين منزلا و الرواية لا دلالة لها على ذلك بل هي مجملة مثل الروايتين المتقدمتين، نعم قد دلت بالنسبة الى من جد به السير على حكم آخر غير الروايتين المتقدمتين، إذ مقتضى الروايتين الأولتين ان حكمه التقصير مطلقا و مقتضى هذه
____________
(1) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 13 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 13 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 13 من صلاة المسافر.
393
الرواية التقصير في الطريق و الإتمام في المنزل.
و مثل الروايتين الأولتين
ما رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المكارين الذين يختلفون الى النيل هل عليهم إتمام الصلاة؟ قال إذا كان مختلفهم فليصوموا و ليتموا الصلاة إلا ان يجد بهم السير فليقصروا و ليفطروا».
و لا يحضرني وجه جمع بين هذه الأخبار الثلاثة و مرسلة عمران المذكورة.
و قال الشهيد في الذكرى في معنى الخبرين الأولين- و مثلهما كما عرفت رواية على بن جعفر- ان المراد ما إذا أنشأ المكاري و الجمال سفرا غير صنعتهما أى يكون سيرهما متصلا كالحج و الأسفار التي لا يصدق عليها صنعته. و استقر به السيد السند (قدس سره) في المدارك، و قال لا يبعد استفادته من تعليل الإتمام الذي مر في صحيحة زرارة من قوله (عليه السلام) (2) «لأنه عملهم» و احتمل في الذكرى أن يكون المراد ان المكارين يتمون ما داموا يترددون في أقل من المسافة أو في مسافة غير مقصودة و أما إذا قصدوا مسافة قصروا. قال: و لكن هذا لا يختص المكاري و الجمال به بل كل مسافر. و أنت خبير بما فيه من البعد.
و قال العلامة في المختلف: الأقرب عندي حمل الحديثين على انهما إذا أقاما عشرة أيام قصرا. قال في المدارك: و لا يخفى بعد ما قربه. و هو كذلك.
و حملهما شيخنا الشهيد الثاني في الروض على ما إذا قصد المكاري و الجمال المسافة قبل تحقق الكثرة. و هو في البعد كسابقيه بل أبعد.
و الأقرب عندي ما ذكره جملة من أفاضل متأخري المتأخرين- أولهم على الظاهر السيد السند في المدارك و المحقق الشيخ حسن في المنتقى و المحدث الكاشاني و غيرهم- من ان المراد به ما إذا زاد السير على ما هو المتعارف بحيث يشتمل على مشقة شديدة و القول بوجوب التقصير عليه لهذه المشقة الشديدة. قال في المنتقى:
و المتجه هو الوقوف مع ظاهر اللفظ و هو زيادة السير عن القدر المعتاد في أسفارهما
____________
(1) الوسائل الباب 13 من صلاة المسافر.
(2) ص 290.
394
غالبا و الحكمة في هذا التخفيف واضحة. و على هذا فيجب تخصيص اخبار المكارين و نحوهم الدالة على ان فرضهم الإتمام بهذه الأخبار لما ذكر من العلة المذكورة.
و أما
ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار في الموثق على المشهور و الصحيح على الأظهر عندي عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1)- قال: «سألته عن المكارين الذين يكرون الدواب و قلت يختلفون كل أيام كلما جاءهم شيء اختلفوا، فقال عليهم التقصير إذا سافروا».
و ما رواه أيضا في الموثق أو الصحيح على الأظهر عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الذين يكرون الدواب يختلفون كل الأيام أ عليهم التقصير إذا كانوا في سفر؟ قال نعم»-.
فهو محمول على من أنشأ سفرا غير السفر الذي هو عادته و هو ما يختلفون كل الأيام، كالمكاري مثلا لو سافر للحج أو الى أحد البلدان في أمر غير ما هو الذي يتكرر فيه دائما. و قد حملهما الشيخ على محمل بعيد سحيق غير جدير بالذكر و لا حقيق و كيف كان فتحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع
الأول [ما يناط به الإتمام في من يكون السفر عملا له]
- المستفاد من ما قدمناه من الأخبار هو ان المدار في الإتمام على صدق أحد تلك الأمور المعدودة أو صدق كون السفر عادته.
قالوا: و المرجع في ذلك الى العرف لأنه المحكم في مثله. و به قطع العلامة في جملة من كتبه و الشهيد في الذكرى، إلا انه قال ان ذلك انما يحصل غالبا بالسفرة الثالثة التي لم يتخلل قبلها اقامة تلك العشرة. و اعتبر ابن إدريس في تحقق الكثرة ثلاث دفعات، ثم قال ان صاحب الصنعة من المكارين و الملاحين يجب عليهم الإتمام بنفس خروجهم الى السفر لان صنعتهم تقوم مقام تكرر من لا صنعة له ممن سفره أكثر من حضره. و استقرب العلامة في المختلف الإتمام في ذي الصنعة و غيره ممن جعل السفر عادته بالدفعة الثانية.
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
395
و لم نقف لهذه الأقوال على مستند أزيد من ادعاء كل منهم العرف على ما ذكره و الواجب بالنظر الى الأخبار مراعاة صدق الاسم و كون السفر عمله، فإنه هو المستفاد منها و لا دلالة لها على ما ذكروه من اعتبار الكثرة فضلا عن صدقها بالمرتين أو الثلاث. و الله العالم.
الثاني [الضابط في كثرة السفر التي يجب بها الإتمام]
- اعلم ان المفهوم من كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الضابط في حصول الكثرة التي يترتب عليها وجوب الإتمام هو أن يسافر ثلاث مرات بحيث ينقطع سفره بعد الأولى و الثانية إما بالوصول الى بلده أو الى موضع يعزم فيه الإقامة ثم يتجدد له بعد الصلاة تماما عزم السفر، و لا يفصل بين هذه الدفعات الثلاث بإقامة عشرة في بلده مطلقا و في غير بلده مع نية الإقامة، فإنه يجب عليه التمام في الدفعة الثالثة و يبقى الحكم مستمرا الى أن يقيم عشرة على أحد الوجهين المتقدمين.
و الذي نص عليه الشيخ و جملة ممن تبعه في قطع التمام في الأثناء أو بعد تمام الثلاث انما هو إقامة العشرة في بلده، و ألحق المحقق في النافع و العلامة و من تبعهما إقامة العشرة المنوية في غير بلده فلو أقام في غير بلده عشرة ثم أنشأ سفرا قصر فيه، قال في المدارك ان ظاهر الأصحاب الاتفاق على ان اقامة العشرة الأيام في البلد قاطعة لكثرة السفر و موجبة للقصر. و ألحق المحقق في النافع و العلامة و من تأخر عنهما بإقامة العشرة في بلده نية إقامتها في غير بلده ايضا، فلو نواها في غير بلده و أتم فريضة ثم سافر قصر أيضا و ان لم يتم الإقامة. كذا يفهم من صاحب المدارك و من تأخر عنه، إلا ان الظاهر من عبارات غيره ممن تقدمه انما هو أن يقيم عشرة كاملة بالنية لا مجرد النية و الصلاة تماما و ان لم يتم الإقامة كما هو ظاهر كلام من تأخر عنه، و الظاهر ان هذا هو الذي يستفاد من الرواية الآتية أيضا.
و ألحق الشهيد في الدروس و من تبعه العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين يوما أى مضى أربعين يوما في غير بلده مترددا أو عازما على السفر، لتصريحهم بكون
396
ما بعد الثلاثين المذكورة في حكم إقامة العشرة المنوية في وجوب الإتمام و انقطاع السفر، و على هذا فإذا بطل إتمام كثير السفر بها يتوجه القول بلزوم البطلان بهذا أيضا، حتى ان بعضهم قال بكون محض مضى الثلاثين مترددا كذلك بناء على كون نفس هذا المضي بمنزلة نية إقامة العشرة. إلا ان الظاهر من الرواية إنما هو الأول.
ثم ان الشيخ و اتباعه صرحوا أيضا بأنه لو أقام خمسة في بلده قصر نهارا صلاته دون صومه و أتم ليلا.
و توقف في هذا الحكم من أصله جملة من أفاضل متأخري المتأخرين: أو لهم في ما أعلم السيد السند في المدارك و تبعه الفاضل الخراساني و المحدث الكاشاني.
و استند الأصحاب في ما ذكروه من أصل الحكم و هو انقطاع إتمام كثير السفر بإقامة عشرة في بلده
بما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المكاري ان لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم بالليل و عليه صوم شهر رمضان، و ان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام و أكثر قصر في سفره و أفطر».
و أنت خبير بان هذه الرواية مع ضعف سندها- المانع من قيامها بمعارضة الأخبار المتكاثرة الصحيحة الصريحة في وجوب الإتمام، و اشتمالها على ما لا يقول به أحد من الأصحاب من وجوب التقصير بإقامة أقل من خمسة الصادق على اليوم أو اليومين- فهي غير دالة على ما يدعونه (أما أو لا)- فلان موردها المكاري و لهذا احتمل المحقق في المعتبر اختصاص الحكم بالمكاري، و نقله في الشرائع قولا و هو مجهول القائل، و قال بعض شراح النافع اعتذارا عن ما ذكره في الشرائع حيث لم ينقله غيره: و لعل المصنف سمعه من معاصر له في غير كتاب مصنف.
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
397
و (أما ثانيا)- فإنها إنما تضمنت إقامة العشرة في البلد الذي يذهب اليه و المدعى إقامة العشرة في بلده.
و (أما ثالثا)- فان ظاهر الخبر المذكورة انه إذا كان له إرادة الإقامة في البلد الذي يذهب اليه قصر في سفره اليه، و اللازم من ذلك التقصير قبل الإقامة بل بمجرد العزم عليها، و جميع ذلك خارج عن ما يقولون به.
و الصدوق في الفقيه (1) روى هذه الرواية في الصحيح بنحو آخر قال:
«المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم صلاة الليل و عليه صوم شهر رمضان، فان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيام أو أكثر قصر في سفره و أفطر».
و مقتضى هذه الرواية زيادة على ما تقدم اعتبار إقامة العشرة في منزله مضافة إلى العشرة التي في بلد الإقامة. و الظاهر الخبر ترتب القصر على الإقامتين و لا قائل به بل هو أشد إشكالا.
و من ما ورد في المسألة أيضا
رواية يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن حد المكاري الذي يصوم و يتم قال أيما مكار أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام وجب عليه الصيام و التمام ابدا و ان كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيام فعليه التقصير و الإفطار».
و هذه الرواية مع ضعف سندها و ان كانت عارية عن الإشكالات المتقدمة إلا انها تضمنت الرجوع الى التقصير بالإقامة في غير بلده ايضا، و قد عرفت من كلامهم- كما هو المشهور بين المتقدمين- التخصيص ببلده.
و بالجملة فإن الأخبار الصحاح قد استفاضت بوجوب الإتمام على المكاري
____________
(1) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
398
و نحوه من تلك الأفراد المعدودة في الأخبار، و مقتضاها ثبوت الحكم و استمراره ما دام الاسم باقيا و العادة جارية، و الخروج عنها بهذين الخبرين مع ما عرفت من الإشكالات المتقدمة فيهما مشكل، و بمجرد دعوى اتفاق الأصحاب مع خلوه من الدليل أشكل. نعم لو كان هذان الخبران موافقين لكلام الأصحاب و معتضدين باتفاقهم و مجتمعين على أمر واحد لقوي الاعتماد عليهما في تخصيص تلك الأخبار المشار إليها إلا ان الأمر كما عرفت ليس كذلك.
و أما ما ذكره في الذخيرة- من ان العمل بصحيحة ابن سنان على رواية الصدوق غير بعيد، قال: و استوجه ذلك بعض أفاضل المتأخرين و لم يعتبر مخالفة المشهور و قال ان اعتبار مثل هذه الشهرة لا وجه له. انتهى- فظني بعده و لكن قاعدة أصحاب هذا الاصطلاح المحدث هو التهافت على صحة السند و ان كان متن الرواية مخالفا لمقتضى القواعد الشرعية و الأصول المرعية و هو لا يخلو من المجازفة، و كيف يمكن العمل بالخبر المذكور و قد تضمن زيادة على ما قدمناه انه متى أقام خمسة أو أقل قصر في سفره بالنهار و صام شهر رمضان مع ان مقتضى الأخبار المعتمدة ان التقصير ملازم للإفطار متى قصر أفطر و متى أفطر قصر (1) و أشكل من ذلك لزوم هذا الحكم في من أقام أقل من خمسة كما هو صريح الرواية الصادق على اقامة يوم و انه يقصر في سفره و يصوم، و هل يلتزم عارف بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية ذلك؟ فكيف يمكن العمل بالخبر بمجرد صحة سنده مع اشتماله على هذه الأحكام الخارجة عن مقتضى الأصول و القواعد.
و أما ما ذكره الفاضل المتقدم- من ان إيراد الصدوق لها في كتابه مع قرب العهد بما قرره في أوله يقتضي عمله بها و كونها من الأخبار المعمول عليها بين القدماء- فهو مجرد تطويل لا يرجع الى طائل، فإن من تتبع اخبار الفقيه حق التتبع و رأى ما فيه من الأخبار الشاذة النادرة المخالفة لما عليه الأصحاب قديما و حديثا لا يخفى عليه ضعف قوله: ان مجرد نقل الخبر في الكتاب المذكور يقتضي كونه
____________
(1) ص 387.
399
معمولا عليه بين القدماء.
نعم ربما يمكن التمسك برواية يونس لسلامتها من هذه الإشكالات إلا ان تخصيص تلك الأخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة و الخروج عن مقتضاها بهذه الرواية الضعيفة مشكل.
و من ما يؤيد الإشكال أيضا عدم دلالة شيء من الروايات المذكورة على تعيين وقت الرجوع الى التمام بعد التقصير بالإقامة، و اختلاف الأصحاب في كونه بعد الثانية أو الثالثة.
و من ما ذكرنا يظهر لك انه لا دليل على ما ذهب اليه الشهيد في الدروس و من تبعه من إلحاق العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين يوما، فإنه لا إشارة إليها في ما ذكرنا من نصوص المسألة فضلا عن التصريح بها.
الثالث [من أقام في بلدة خمسة أيام بين سفرتيه]
- ما تقدم نقله عن الشيخ و اتباعه- من أن من أقام في بلده خمسة أيام قصر نهارا صلاته دون صومه و أتم ليلا- فقد استندوا فيه الى ما تقدم من رواية عبد الله بن سنان، و المشهور بين الأصحاب سيما المتأخرين وجوب الإتمام في الصورة المذكورة، و صرح به ابن إدريس و من تأخر عنه تمسكا بإطلاق الروايات المتضمنة لأن كثير السفر يجب عليه الإتمام، قالوا خرج عنه من أقام عشرة بالنص و الإجماع فبقي الباقي. و فيه ان هذا الكلام يرجع في الحقيقة إلى الاعتماد هنا على دعوى الإجماع خاصة و انه هو السبب في الاستثناء، لان النص الذي ادعوه ليس إلا هذه الرواية فإن صلحت للاستثناء ففي الموضعين و إلا فلا فيهما، فلا وجه للاستناد إليها في أحدهما دون الآخر. و كيف كان فقد عرفت معارضة هذه الرواية في هذا الحكم بالأخبار الصحيحة الصريحة في ملازمة التقصير للإفطار (1) مضافا الى ما اشتملت عليه من التقصير في أقل من الخمسة أيضا، و به يظهر ضعف القول المذكور.
و كيف كان فملخص الكلام في المسألة ان ما عدا المكاري يجب عليه البقاء على
____________
(1) ص 387.
400
التمام كما اقتضته الروايات المستفيضة المتقدمة، و لا معارض لها إذ مورد هذه الأخبار إنما هو المكاري، و اما المكاري الذي هو محل الإشكال و اختلاف الروايات في هذا المجال فان الواجب عليه الاحتياط بعد إقامة العشرة في منزله أو بلد الإقامة بالجمع بين القصر و الإتمام إلى ثلاث سفرات. و الله العالم.
الرابع [كلام لبعض الأعيان ينتصر به المشهور و نقده]
- انه بعد وصول القلم في الجري في هذا الميدان الى هذا المكان وقفت على كلام لبعض مشايخنا الأعيان يتضمن الانتصار للقول المشهور بين الأصحاب في شرح له على المفاتيح قد ارتكب فيه من التكلفات البعيدة و التعسفات الغير السديدة ما لا يخفى على الناطر الماهر و الخبير الباهر، و لا بأس بإيراد ملخص كلامه و ما اشتمل عليه من نقضه و إبرامه ليظهر لك صحة ما ذكرناه و قوة ما ادعيناه:
قال (قدس سره)- بعد ذكر كلام المصنف و البحث في المسألة على ما ذكره المصنف- ما ملخصه: إذا تبين هذا فاعلم ان أكثر كلام المصنف ههنا مبنى على متابعة صاحب المدارك، فإنه ذكر ما ذكر ههنا و استشكل في المسألة و صار هذا سبب توقف غير واحد ممن تأخر عنه مع نقلهم جميعا كون المسألة مقطوعا بها عند الأصحاب، و الحق بحسب نظري القاصر ان هؤلاء لم يتفطنوا لما فهمه الأصحاب و ان ما فهمه الأصحاب هو الصواب، فاستمع لما نتلو عليك ثم تدبر: اعلم ان الصدوق في الفقيه روى بسند صحيح. ثم نقل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدم نقلها عن الفقيه (1) ثم قال: و رواه الشيخ مرة من كتاب سعد بن عبد الله عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله إلا انه أسقط قوله: «و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيام أو أكثر» و مرة أخرى من كتاب محمد بن احمد بن يحيى بالسند بعينه لكن برواية يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) هكذا. ثم ساق مرسلة يونس كما قدمناه (3) ثم قال: و لا يخفى ان بعد ملاحظة هذه الثلاثة سندا و متنا لا يبقى شك في أنها مضمون حديث واحد وقع فيه بعض اختلاف في العبارة كما
____________
(1) ص 397.
(2) الوسائل الباب 12 من صلاة المسافر.
(3) ص 397.
401
هو دأب الرواة في نقل الروايات، و مروي بسندين أحدهما ما لا كلام في صحته و هو ما في الفقيه. ثم أطال في الاعتذار عن ضعف طريق رواية الشيخ عن عبد الله بن سنان و ضعف مرسلة يونس، الى أن قال: فظهر ان تضعيف السند في غاية الضعف، ثم انه ظاهر أيضا ان اختلاف بعض العبارات بل عدم استقامة مضمون بعضها ظاهرا غير موجب للطرح رأسا، بل مهما أمكن التوجيه لا بد منه و إلا يؤخذ بما هو المشترك بين الجميع و المضبوط المتضح، و لا يخفى ان مضمون الأخير لا عيب فيه و لا شبهة تعتريه سوى عدم التصريح بلزوم كون إقامة العشرة في غير منزله مع النية و ظاهر ان مبنى هذا على اشتهاره و ظهوره، نعم لما كان الواجب تحقق الإقامة عشرا بالتمام كما هو المشهور عبر هنا بالعبارة التي تدل عليه كما هو ظاهر. ثم ان الحق ان هذا المضمون هو المشترك بين الجميع أيضا، إلا ان الظاهر من عبارة الفقيه ان الواو في قوله: «و ينصرف» بمعنى «أو» بل لا بد أن تحمل كذلك، أو نقول بسقوط الألف من قلم النساخ و المراد «أو ينصرف» حتى يستقيم المعنى و يوافق كل مع الآخر، و أما إسقاط قوله: «و ينصرف» في الوسطاني فربما يكون ممن لم يتفطن لحقيقة الحال فظن أنه زائد، مع انه على تقدير فرض عدم كونه من أصل الحديث غير مضر ضرورة إمكان استنباط ما هو مضمونه من قوله (عليه السلام): «و ان كان له مقام. الى آخره» بل من حكم الخمسة أيضا فافهم. و اما الإشكال بما اشتمل عليه الأولان من حكم الخمسة فمع عدم وجوده في الأخير و عدم تنافي تركه العمل بما سواه يمكن توجيهه بان المراد بالتقصير في النهار ترك النوافل أي إذا لم يقم العشرة تماما فمن حيث نفيه من وجوب الإتمام عليه ليس يلزم عليه نوافل النهار بل يكتفى حينئذ بنوافل الليل كما يشعر به التعبير في الفقيه بلفظ صلاة الليل، فلا ينافي الحكم بإتمام الفريضة كما يؤيده الأمر بالصوم ايضا و ما في ابتداء الخبر الأخير، و يحتمل حمل الخمسة على التقية ايضا (1) على انه قد مر انه عمل به بعض الأصحاب أيضا، و بالجملة بعد تبيان ما ذكرناه من حال السند اى مانع من
____________
(1) التعليقة 1 ص 351.
402
العمل بمضمون الخبر الأخير لا سيما مع اعتضاده بعمل الأصحاب لما مر من كون الحكم مقطوعا به عندهم، بل مع وجود شواهد متينة و مؤيدات قوية كصحيحة هشام التي مرت في الشرط الرابع من مفتاح شروط القصر (1) و كرواية السندي (2) التي مثلها و حديث إسحاق بن عمار (3) و غيرهما من ما فيه الأشعار و لو على سبيل الإجمال بأن المقام للمكاري يقطع حكم الإقامة و ان الإتمام على هؤلاء ليس على سبيل الإطلاق، فقد ظهر من هذا كله سقوط ما مر من دعوى المصنف متروكية مضمون صحيحة الفقيه و من ادعائه معارضة الصحاح الواردة في إتمام المكاري من حيث كونها دالة على الإتمام على سبيل الإطلاق من غير ذكر ما يدل على الاشتراط المذكور، مع عدم قابلية مستند الاشتراط للمعارضة بزعمه و وجه السقوط واضح من ما بيناه.
انتهى كلامه (زيد مقامه) و فيه أولا- ان ما ادعاه- من كون رواية يونس مع روايتي الصدوق و الشيخ رواية واحدة و حديثا واحدا وقع فيه بعض اختلاف في العبارة- بعيد غاية البعد كما لا يخفى على الناقد البصير و لا ينبئك مثل خبير، إذ لا يخفى المغايرة سندا و متنا و به يثبت التغاير بين الأخبار المذكورة و التعدد و ان حصل الاشتراك في مادة من حيث المعنى، و الموجب للاتحاد هو الاتفاق سندا و متنا في اللفظ كما لا يخفى، و غرضه من هذه الدعوى سريان الصحة الى ما تضمنته رواية يونس من حيث صحة سند رواية الفقيه كما يشير اليه قوله أخيرا «و بالجملة بعد تبيان ما ذكرناه من حال السند أى مانع من العمل بمضمون الخبر الأخير» و أشار بالخبر الأخير إلى رواية يونس و ببيان حال السند الى ما قدمه من صحة سند رواية الفقيه، و هو من التعسف و التكلف بمكان غير خفي على المتأمل.
و ثانيا- ان ما ذكره- من حمل الواو في صحيحة الفقيه في قوله «و ينصرف» على انها بمعنى «أو» أو سقوط الألف من قلم النساخ- و ان سقط به مع بعده و تكلفه
____________
(1) ص 290 و 291.
(2) الوسائل الباب 11 من صلاة المسافر.
(3) ص 290 و 291.
403
الاشكال الناشئ من ترتب القصر على الإقامتين كما تقدم إلا ان الاشكال الثالث من الإشكالات الموردة على رواية الشيخ باق بحاله، فإن ظاهر العبارة المذكورة و مقتضاها هو ترتب القصر على ارادة المقام في البلد الذي يذهب اليه أو إرادة الإقامة في منزله لا على حصول المقام و تمامه بالفعل و المراد بالاستدلال انما هو الثاني لا الأول، فما تدل عليه الرواية غير مراد بالاتفاق و ما هو المراد لا دلالة لها عليه و لكن هذا من ما لم يتفطن (قدس سره) اليه.
و ثالثا- ان ما ذكره- في الاعتذار عن سقوط قوله «و ينصرف. الى آخره» الذي في صحيحة الفقيه من رواية الشيخ حيث انه موضع الاستدلال و بتركه حصل الاختلال- فهو ايضا من التكلفات البعيدة و التمحلات الشديدة، و لو قامت هذه التكلفات في الروايات انسدت أبواب الاستدلالات، إذ للخصم أن يقدر ما يريد و ما يوافق غرضه و يدعى أمثال هذه الدعاوي في دليل خصمه فيقلب عليه دليله فيدعى نقصان ما يحتاج اليه و زيادة ما يضره و يرد عليه و نحو ذلك كما لا يخفى على المصنف، و من ذلك ايضا قوله: «ضرورة إمكان استنباط ما هو مضمونه من قوله و ان كان له مقام. الى آخره» مشيرا به كما ذكره في حاشية الكتاب الى ان قوله في الخبر «و ان كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام» شامل بإطلاقه للبلد الذي هو وطنه و غيره، فان فيه انه لا يخفى على العارف بأساليب الكلام ان المتبادر من هذه العبارة و المنساق منها إنما هو بلد الإقامة الخارجة عن وطنه و العبارة المطابقة إذا أريد ذلك انما يقال «يرجع اليه» لا «يذهب» و هذا ظاهر لمن نظر بعين الإنصاف و جانب التعصب و الاعتساف.
و رابعا- ان ما ذكره- من الجواب عن الإشكال بما اشتمل عليه الخبران من حكم الخمسة من توجيهه بان المراد بالتقصير في النهار يعنى ترك النوافل النهارية و ان كان يتم الفريضة- فهو مثل تأويلاته المتقدمة التي قد عرفت بما ذكرنا انها متزعزعة منهدمة، و من الذي يعجزه مثل هذه التأويلات الغثة الباردة و التحملات
404
السخيفة الشارة التي قد عرفت انه لو انفتح في أمثالها الباب لانسد باب الاستدلال و علا الباطل الصواب.
و بالجملة فإن ما أطال به هذا الفاضل (قدس سره) حجة للقول المشهور ظاهر القصور واضح الفطور و ان كان بزعمه انه كالنور على الطور في الظهور، نعم ربما لاح من صحيحة
هشام المشار إليها في كلامه (1) و قوله (عليه السلام) فيها «المكاري و الجمال الذي يختلف و ليس له مقام يتم الصلاة و يصوم شهر رمضان».
ما ذكره إلا انها ليست ظاهرة في ذلك بل ربما كان الظاهر منها انما هو بيان ان هؤلاء الذين عادتهم الاختلاف كلما عرض لهم من يكتري دوابهم ليس لهم تأخر عن ذلك و لا توقف عنه- كما يشير اليه قوله في رواية إسحاق بن عمار المتقدمة «كلما جاءهم شيء اختلفوا»- يجب عليهم إتمام الصلاة و الصوم و ان أقاموا عشرة أو أزيد مع عدم وجود من يكتري دوابهم. و لا يخفى على الناظر في ما هو العادة الجارية الآن ان المكاري كثيرا ما يتوقف في وطنه أو البلد الذي يذهب إليه عشرة، و بذلك صرح شيخنا المجلسي في البحار ايضا فقال: و قل مكار لا يقيم في بلده أو البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام. انتهى. و هو جيد و به يعظم الاشكال. و كيف كان فالاحتياط في أمثال هذه المواضع طريق السلامة. و الله العالم.
السابع [خفاء الجدران]
- من الشروط المتقدمة ان يتوارى عن البيوت- بمعنى انه لا يراه أحد ممن كان عند البيوت التي هي آخر خطة البلد- أو يخفى عليه أذان البلد، و المراد كفاية أحدهما في ترخص القصر و الانتقال من الإتمام إلى التقصير.
و الأصل في هذين الشرطين
ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل يريد السفر متى يقصر؟ قال إذا توارى من البيوت».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام) (3) قال: «سألته
____________
(1) ص 390.
(2) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
405
عن التقصير قال إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الأذان فأتم و إذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصر، و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».
و ما رواه البرقي في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا سمع الأذان أتم المسافر».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «و ان كان أكثر من بريد فالتقصير واجب إذا غاب عنك أذان مصرك، و ان كنت في شهر رمضان فخرجت من منزلك قبل طلوع الفجر الى السفر أفطرت إذا غاب عنك أذان مصرك».
و قد تقدم (3) في رواية إسحاق بن عمار المنقولة من كتاب العلل في المقام الثاني في بيان ما هو المختار من الأقوال في مسافة الأربعة الفراسخ قوله فيها «أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه. الى آخره» من ما يؤذن بكون خفاء الأذان موجبا للترخص.
و ما ذكرناه من التخيير في الترخص بين الأمرين المذكورين هو أحد الأقوال في المسألة جمعا بين اخبارها المذكورة، و هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) سيما المتقدمين إلا انهم عبروا هنا بخفاء جدران البلد بمعنى انه لا يجب عليه التقصير حتى يتوارى عنه جدران البلد الذي خرج منه أو يخفى عليه أذانها.
و قيل بخفائهما معا و نقل عن المرتضى و الشيخ في الخلاف و نسبه شيخنا الشهيد الثاني إلى المشهور بين المتأخرين. و قال على بن بابويه: إذا خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود اليه. و اعتبر الشيخ المفيد و سلار الأذان خاصة. و قال ابن إدريس الاعتماد عندي على الأذان المتوسط دون الجدران. و عن الصدوق في المقنع انه اعتبر خفاء الحيطان.
أقول: لا يخفى ان الظاهر من صحيحة محمد بن مسلم المذكورة و قوله فيها:
«إذا توارى من البيوت» انما هو بمعنى إذا بعد المسافر بالضرب في الأرض على وجه
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
(2) ص 16.
(3) ص 326.
406
لا يراه أهل البيوت، و المراد بالتواري عن البيوت أى من أهل البيوت بتقدير مضاف كما في قوله عز و جل «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ.» (1) أى أهل القرية. هذا هو ظاهر اللفظ بغير اشكال و به يقرب مقتضى هذا الخبر و نحوه من خبر خفاء الأذان فإن توارى المسافر عن أهل البلد و خفاء الأذان متقاربان و لا يضر التفاوت اليسر، فان مدار أمثال هذه الأمور في الشرع على التقريب كما هو كذلك عرفا و تبادرا.
و أما ما ذكره الأصحاب- من حمل الخبر على خفاء البيوت عن المسافر حملا لقوله «إذا توارى من البيوت» على معنى توارى البيوت عنه- فمع كونه خلاف ظاهر اللفظ المذكور لا يخفى ما فيه من التفاوت الفاحش بين العلامتين المذكورتين، فإنه بعد أن يخفى عليه سماع الأذان لا يخفى عليه جدران البلد إلا بعد مسافة زائدة كما هو ظاهر لمن تأمل.
و السبب في اختلاف الأقوال هنا هو اختلاف الأفهام في الجمع بين أخبار المسألة، فبعضهم جمع بالتخيير كما ذكرناه إلا انه بناء على القول المشهور لا يخلو من اشكال كما عرفت، و بعض كالمرتضى و الشيخ في الخلاف و من تبعهما جمعوا بين الخبرين بتقييد كل منهما بالآخر، فيلزم ارتكاب التخصيص في كل منهما، و هو بعيد جدا بقرينة الاكتفاء بأحدهما في كل من الخبرين فهو في قوة تأخير البيان عن وقت الحاجة.
و أما من ذهب الى الاعتماد على الأذان المتوسط دون التواري فلعله لتعدد رواياته و كونه أضبط لاعتباره الأذان المتوسط مع اختلاف البيوت و الجدران في سرعة الخفاء و عدمها بحيث يرى بعضها من أزيد من فرسخ، و للتفاوت الفاحش بين خفاء الأذان و الجدران كما أشرنا إليه آنفا. و الحق هو ما ذكرناه من التخيير بناء على المعنى الذي فهمناه من الخبر.
و أما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه فقيل ان وجهه الاعتماد على
ما رواه
____________
(1) سورة يوسف الآية 82.
407
ابنه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) حيث قال: و قد روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «إذا خرجت من منزلك فقصر الى ان تعود اليه».
قال في الذخيرة: و لو صحت كان الجمع بالتخيير قبل الوصول الى حد الخفاء متجها لكن صحتها غير معلوم. انتهى.
أقول: و مثل هذه الرواية
ما رواه الشيخ في الموثق عن على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (2) «في الرجل يسافر في شهر رمضان أ يفطر في منزله؟ قال إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله. الخبر».
و يمكن أن يكون مثلهما ايضا
ما رواه في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل يخرج مسافرا؟ قال يقصر إذا خرج من البيوت».
بحمل البيوت على بيت المسافر، مع إمكان حملها على بيوت البلد، و المراد من الخروج منها التواري المعتبر في الترخص جمعا بينها و بين روايات المسألة و لعله الأقرب.
هذا. و لا يخفى عليك ان ما صرح به الشيخ المشار اليه هنا عن ما ذكره
في كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (4): «و ان خرجت من منزلك فقصر الى أن تعود اليه».
و منه يعلم ان مستنده إنما هو الكتاب المذكور على الطريقة التي عرفتها في غير مقام من ما تقدم و سيأتي ان شاء الله تعالى.
و بذلك يظهر لك قوة ما ذهب اليه الشيخ المذكور لدلالة هذه الروايات المذكورة عليه، و لا وجه للجمع بينها و بين ما دل من الأخبار المتقدمة على اناطة التقصير بمحل الترخص إلا ما ذكره في الذخيرة من التخيير قبل وصول حد الخفاء إلا انه يخدشه لفظ الضرب في آية السفر لترتب التقصير فيها على الضرب في
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.
(3) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
(4) ص 16.
408
الأرض الذي هو عبارة عن السير فيها، و حينئذ فيكون ما دلت عليه هذه الأخبار مخالفا لظاهر الآية، و اخبار الترخص بوصول حد الخفاء منطبقة عليها و موافقة لها فترجح بذلك على هذه الأخبار، و لا يبعد حمل هذه الأخبار على التقية كما احتمله بعض أصحابنا أيضا و لعله الأرجح و ان لم يعلم القائل منهم بذلك (1) و كيف كان فالقول المعتمد في المسألة ما قدمنا ذكره أولا. و الله العالم.
تنبيهات
الأول [تحقيق حد الترخص من جهة البيوت]
- قال في المدارك: و ذكر الشارح ان المعتبر في رؤية الجدار صورته لا شبحه و مقتضى الرواية اعتبار التواري من البيوت، و الظاهر ان معناه وجود الحائل بينه و بينها و ان كان قليلا و انه لا يضر رؤيتها بعد ذلك لصدق التواري أولا و ذكر الشهيدان ان البلد لو كانت في علو مفرط أو وهدة اعتبر فيها الاستواء تقديرا و يحتمل قويا الاكتفاء بالتواري في المنخفض كيف كان لا طلاق الخبر. انتهى.
هكذا في بعض نسخ الكتاب و في بعضها: و مقتضى الرواية التواري من البيوت و الظاهر ان معناه استتاره عنها بحيث لا يرى لمن كان في البلد و ذكر الشهيدان.
الى آخر ما تقدم.
و الظاهر ان النسخة الأولى هي القديمة التي خرجت عنه أولا و الثانية تضمنت العدول عن ما ذكره أولا، و قد وقع له مثل ذلك في مواضع من شرحه هذا كما في مسألة القراءة في صلاة الجمعة، إلا ان قوله بعد ذكر ما نقله عن الشهيدين في العلو
____________
(1) في المغني ج 2 ص 259 عن سليمان بن موسى و عطاء انهما باحا القصر في البلد لمن نوى السفر، و عن الحارث بن أبي ربيعة انه أراد سفرا فصلى في منزله ركعتين و فيهم الأسود بن يزيد و غير واحد من أصحاب عبد الله، ورى عبيد بن جبير قال: كنت مع ابى بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في شهر رمضان فدفع ثم قرب غداءه فلم يجاوز حتى دعا بالسفرة ثم قال اقترب. قلت أ لست ترى البيوت؟ قال أبو بصرة أ ترغب عن سنة رسول الله «ص» فأكل رواه أبو داود.
409
المفرط و الوهدة: «و يحتمل قويا الاكتفاء بالتواري في المنخفض» انما ينطبق على النسخة الأولى التي عدل عنها و هو قد أصلح هذا الموضع و غفل عن ذلك، و بيان ذلك ان الظاهر ان ما اشتملت عليه هذه النسخة الأخيرة يرجع الى ما اخترناه في معنى الرواية و ان المراد منها خفاء المسافر عن أهل البلد لا خفاء البلد عن المسافر، و حينئذ فقوله بعد نقله عن الشهيدين اعتبار الاستواء في البلد بان لا تكون في علو مفرط و لا وهدة: «و يحتمل قويا. الى آخره» إنما يتجه على النسخة القديمة، اللهم إلا أن يريد بعبارته الأخيرة و قوله: «استتاره عنها بحيث لا يرى لمن كان في البلد» هو الاستتار كيف اتفق و لو بوجود الحائل، إلا انه لا يظهر حينئذ لهذا العدول عن العبارة الأولى الى هذه العبارة وجه لرجوع هذه العبارة بهذا المعنى إلى العبارة الأولى كما لا يخفى.
و كيف كان فإنه ينبغي أن يعلم ان المراد من قوله (عليه السلام): «إذا توارى» إنما هو التواري و الخفاء بالضرب في الأرض و السير فيها و البعد عن البلد كما دلت عليه الآية الشريفة لا التواري كيف اتفق كما توهمه، فان قوله عز و جل «وَ إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ» الذي هو شرط التقصير إنما يتحقق بالسير فيها و البعد عن البلد، و هي و ان كانت مجملة في قدر البعد إلا ان النصوص الواردة في تحديد محل الترخص قد أوضحت إجمال الآية و ان المراد الضرب الى هذا المقدار الذي دلت عليه النصوص المشار إليها، و هذا هو المعنى الذي فهمه الأصحاب (رضوان الله عليهم) من الخبر المذكور، و لم يذهب الى هذا الوهم الذي توهمه أحد سواه (قدس سره) و من الظاهر انهم (عليهم السلام) أرادوا بهذه الأخبار وضع قاعدة كلية و بيان ضابطة جلية يترتب عليها حكم التقصير و التمام ذهابا و هو إما خفاء المسافر عن أهل البلد أو خفاء الأذان عليه، و أما وجود الحائل الذي قد يكون و قد لا يكون و قد يبعد و قد يقرب مع عدم الدليل عليه فلا يصلح لأن يكون ضابطا كليا و لا قانونا جليا. و بالجملة فإن ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من مجازفة أو غفلة. و الله العالم.
410
الثاني [هل يفرق بين البلدان الصغار و الكبار في حد الترخص]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا عبرة بأعلام البلد كالمنارة و القلاع و القباب، قالوا: و لا عبرة بسماع الأذان المفرط في العلو كما انه لا عبرة بخفاء الأذان المفرط في الانخفاض. أقول: و الجميع من ما لا بأس به حملا للروايات المتقدمة على ما هو الغالب المعروف.
ثم انهم صرحوا أيضا بان ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من خفاء البيوت و خفاء الأذان المراد به بيوت البلد و أذانه بالنسبة إلى القرية و البلد الصغيرة أو المتوسطة، و أما لو كان البلد كبيرة متسعة- قالوا و هي التي اتسعت خطتها بحيث تخرج عن العادة- فإنهم جعلوا لكل محلة منها حكم نفسها بالنسبة إلى تقدير مسافة الترخص التي هي عبارة عن خفاء الأذان و الجدران عند السفر منها، فقالوا ان الاعتبار في خفاء الأذان و الجدران الموجب للتقصير مبدأه من آخر خطة البلد إلا ان تكون متسعة على الوجه المذكور فالمعتبر جدران آخر المحلة، و كذا أذان مسجد المحلة.
و لم نظفر لهم في هذا الفرق و التفصيل و لا في اعتبار المحلة بدليل يعتمد عليه و لم يصرح أحد منهم بالدليل على ذلك و كأنه أمر مسلم بينهم، بل ربما دلت ظواهر الأخبار المتقدمة على رده نظرا إلى إطلاقها أو عمومها.
و يعضد ذلك أيضا
موثقة غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه الباقر (عليهما السلام) (1) «انه كان يقصر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أول صلاة تحضره».
و التقريب فيها انه لا ريب ان الكوفة كانت من البلدان العظام المتسعة و الخبر دل على انه إنما يقصر الصلاة بعد الخروج منها، و الخروج منها و ان كان بحسب ما يتراءى في بادئ النظر مجملا إلا أنك بمعونة ما عرفت سابقا من أن حدود البلد عبارة عن ما ينتهى إلى محل الترخص فالمراد بالخروج منها حينئذ هو الوصول الى ذلك المكان، و لو كان الحكم كما ذكروه من الاعتبار بالمحلة في البلد المتسعة و الحال ان هذه البلد كذلك
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
411
لما أخر التقصير الى الخروج منها و لما علق الحكم بها بل ينبغي ان يعلقه بالمحلة.
و روى البرقي في المحاسن في الصحيح عن حماد بن عثمان عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المسافر يقصر حتى يدخل المصر».
و التقريب فيه كما تقدم من أن المراد بدخول المصر الوصول إلى أول حدوده و هو تجاوز محل الترخص داخلا، فإنه لما كانت حدود البلد منتهية إلى المكان المشار اليه فبدخولها يصدق دخول المصر كما هو ظاهر، و من الظاهر ان لفظ المصر انما يطلق على البلدان المتسعة دون القرى و البلدان الصغار، و لذا قالوا للكوفة و البصرة المصرين كما وقع في الأخبار و كلام أهل اللغة، و كثيرا ما تراهم في كلامهم سيما في باب صلاة الجمعة يقابلون بين الأمصار و القرى، و لو كان الأمر كما يدعونه من الاعتبار بالمحلة في البلد المتسعة لم يجعل هنا غاية التقصير ما ذكرناه بل غايته باعتبار المحلة و سماع أذانها أو رؤية جدرانها.
على ان اللازم من ما ذكروه هنا انه لو عزم على الإقامة في البلد المتسعة فالواجب مراعاة المحلة، بمعنى ان ما صرحوا به في حكم من أقام عشرة في بلد خاصة- من انه لا يجوز له تجاوز محل الترخص منها و انه متى نوى ذلك في أصل نية الإقامة بطلت نيته- يجري في المحلة، فعلى هذا لا يجوز له الخروج إلى سائر المحاليل الخارجة عن هذا المقدار بالنسبة إلى محلته، و هو مع كونه لم يصرحوا به في تلك المسألة موجب للحرج في منع المسافر المقيم من التردد في البلد لقضاء حوائجه و مطالبه كما هو الغالب الذي عليه كافة الناس، مع انه لم يظهر له أثر و لا خبر في الأخبار سيما مع عموم البلوى به مضافا الى أصالة براءة الذمة منه.
و بالجملة فإن ما صرحوا به هنا من هذا التفصيل لا يخلو من الاشكال كما عرفت. و الله العالم.
الثالث [حد الترخص في الإياب]
- قد عرفت الكلام في حد الترخص حال الذهاب و ما فيه من الخلاف
____________
(1) الوسائل الباب 6 من صلاة المسافر.
412
بين الأصحاب و ما هو المختار في الباب، و قد اختلفوا أيضا في حكم الإياب فظاهر القولين المشهورين المتقدمين- من اعتبار التخيير بين خفاء الأذان و خفاء الجدران كما هو المشهور بين المتقدمين أو اعتبارهما معا كما هو المشهور بين المتأخرين- هو كون ذلك في الذهاب و الإياب، إلا ان المرتضى الذي هو أحد القائلين بالقول المشهور بين المتأخرين ذهب هنا الى ما ذهب اليه الشيخ على بن بابويه و ابن الجنيد من القول بالتقصير الى المنزل، و قد عرفت الاختلاف في الذهاب بين مذهب المرتضى و الشيخ المذكور.
و ذهب المحقق في الشرائع إلى موافقة المتقدمين في الذهاب و هو الاكتفاء بأحد الأمرين و خالفهم في الإياب فذهب الى وجوب التقصير حتى يسمع الأذان و اختاره في المدارك عملا بصحيحة ابن سنان (1).
قال في المدارك بعد نقل عبارة المحقق في ذلك: ما اختاره المصنف (قدس سره) في حكم العود أظهر الأقوال في المسألة لقوله (عليه السلام) في
رواية ابن سنان المتقدمة (2) «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك».
و انما لم يكتف المصنف هنا بأحد الأمرين كما اعتبره في الذهاب لانتفاء الدليل هنا على اعتبار رؤية الجدران.
و الأظهر عندي بالنسبة إلى الذهاب ما تقدم من التخيير عملا بالروايتين المتقدمتين و جمعا بينهما بذلك، و أما في الإياب فهو ما ذهب اليه الشيخ على بن بابويه و من تبعه.
لنا على الأول ما عرفت و على الثاني الأخبار المتكاثرة التي قدمناها في التنبيه الذي في آخر المقام الثاني من مقامات الشرط الرابع (3) فإنها صحيحة متكاثرة متعاضدة الدلالة على ما قلناه.
و الأصحاب (رضوان الله عليهم) لم يذكروا ما قدمنا ذكره كملا و إنما أوردوا بعض ذلك و أجابوا عن ما نقلوه منها.
____________
(1) ص 404 و 405.
(2) ص 404 و 405.
(3) ص 376.
413
فمن ذلك ما أجاب به في الروض حيث قال بعد تصريحه باختيار ما ذهب اليه المصنف من اعتبارهما معا ذهابا و إيابا كما قدمنا نقله عنهم: و خالف هنا جماعة حيث جعلوا نهاية التقصير دخول المنزل استنادا الى اخبار تدل على استمرار التقصير الى دخول المنزل، و لا صراحة فيها بالمدعى فان ما دون الخفاء في حكم المنزل. انتهى.
و هو راجع الى ما أجاب به العلامة في المختلف ايضا حيث قال بعد أن أورد صحيحة العيص و موثقة إسحاق بن عمار: المراد بهما الوصول الى موضع يسمع الأذان و يرى الجدران فان من وصل الى هذا الموضع يخرج عن حكم المسافر فيكون بمنزلة من يصل الى منزله. انتهى.
و فيه ان جملة من اخبار المسألة التي قدمناها قد صرحت بوجوب التقصير بعد دخول البلد و قصرت الإتمام على المنزل:
مثل قوله (عليه السلام)
في موثقة إسحاق بن عمار (1) التي ذكرها «الرجل يكون مسافرا ثم يقدم فيدخل بيوت الكوفة أ يتم الصلاة أم يكون مقصرا حتى يدخل أهله؟ قال بل يكون مقصرا حتى يدخل أهله».
و في صحيحة معاوية بن عمار (2) قال (عليه السلام) «ان أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا».
و نحوها صحيحة الحلبي (3).
و الجميع كما ترى صريح في وجوب التقصير في البلد ما لم يدخل منزله فكيف يتم ما ذكروه من التأويل المذكور.
و صاحب المدارك و مثله الفاضل الخراساني التجأوا في الجمع بين هذه الاخبار و بين عجز صحيحة ابن سنان الى القول بالتخيير بمعنى انه بعد وصوله الى محل الترخص من سماع الأذان الذي هو مورد الرواية المذكورة فإنه يتخير بين القصر
____________
(1) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 7 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 3 من صلاة المسافر.
414
و الإتمام الى أن يدخل منزله.
و فيه ان ظواهر الأخبار المذكورة ظاهرة بل صريحة في وجوب التقصير ما لم يدخل منزله و لا سيما موثقة ابن بكير المتقدمة ثمة، و الأظهر أن يقال ان غاية ما تدل عليه صحيحة ابن سنان المذكورة بمنطوقها هو وجوب التقصير في الرجوع الى أن يسمع الأذان، و مفهومه انه متى سمع الأذان أتم، و المعارضة إنما حصلت بهذا المفهوم، و لا ريب في ضعف معارضة المفهوم للمنطوق سيما إذا تعدد هذا المنطوق في روايات عديدة صريحة صحيحة، فيمكن اطراحها و القول بان الغرض من الرواية إنما تعلق بالمنطوق دون المفهوم و ان المراد ان المسافر يقصر الى هذه الغاية و ان قصر بعدها ايضا. هذا على تقدير رواية الصحيحة المذكورة بحذف صدرها كما تقدمت الإشارة اليه، و أما مع ثبوته فإنها و ان دلت على ما ذكروه لكن لا يبقى وثوق به بعد معارضة الصحاح المذكورة. و ربما حمل عجزها المذكور على التقية لأن مذهب أكثر العامة كما ذهب إليه جملة من أصحابنا هو أن المسافر لا يزال مقصرا الى أن يصل الى الموضع الذي ابتدأ فيه بالقصر فيتم بعده (1) إلا ان بعضهم ايضا احتمل حمل هذه الأخبار على التقية كما يظهر من صاحب الوسائل، و الظاهر ان الأمر بالعكس انسب لما ذكرناه. و كيف كان فالأظهر
____________
(1) في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 432 الى 435: عند الحنفية إذا عاد المسافر الى المكان الذي خرج منه بعد قطع مسافة القصر فإنه لا يتم إلا إذا عاد بالفعل فلا يبطل القصر بمجرد نية العود و لا بالشروع فيه. و عند المالكية إذا سافر من بلد قاصدا قطع مسافة القصر ثم رجع الى بلدته الأصلية فإنه يتم بمجرد دخولها، و في حال رجوعه و سيره ينظر فان كانت مسافة الرجوع مسافة قصر قصر و عند الشافعية إذا رجع الى وطنه بعد ان سافر منه انتهى سفره بمجرد وصوله اليه سواء رجع إليه لحاجة أو لا و يقصر في حال رجوعه حتى يصل. و عند الحنابلة إذا رجع الى وطنه الذي ابتدأ السفر منه أولا فإن كانت المسافة بين وطنه و بين المحل الذي نوى الرجوع اليه قدر مسافة القصر قصر في حال رجوعه.
415
عندي من الأخبار هو ما عرفت.
إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد ظهر من ذكر هذه الشروط السبعة المذكورة هنا ضابطتان كليتان، و هو انه متى كملت هذه الشروط فلا يجوز الإتمام بحال إلا في مواضع قد دلت النصوص و كلام الأصحاب على استثنائها، و منها- جاهل الحكم مع استكماله الشرائط الموجبة للقصر على الأشهر الأظهر، و منها- الناسي و قد خرج الوقت.
و منها- من كان في أحد المواطن الأربعة. و الضابطة الثانية ان كل من لم يستكمل هذه الشروط فالواجب عليه التمام إلا في مواضع مستثناة ايضا، و منها- من قصر جهلا مع فقد الشرائط على الأظهر، و منها- من جد به السير و من أقام عشرة من المكارين، فان مقتضى القاعدة المذكورة وجوب الإتمام عليهم لاختلال بعض الشروط و هو عدم كون السفر عمله إلا ان النصوص و ردت بالتقصير لهم. و جميع هذه المسائل قد مضى بعضها و سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيق القول في ما لم يتقدم له ذكر.
و الله العالم بحقائق أحكامه.
المطلب الثاني في الأحكام
و البحث يقع فيه في مسائل
[المسألة] الأولى [العدول عن نية الإقامة]
- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في أنه لو نوى اقامة عشرة أيام فصاعدا في موضع ثم بدا له الرجوع عن الإقامة فإنه يقصر إلا أن يكون قد صلى فريضة بتمام فإنه يجب عليه الإتمام حينئذ حتى يخرج من موضع الإقامة و يقصد المسافة، قال في المدارك: هذا الحكم ثابت بإجماعنا.
و الأصل في الحكم المذكور
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى ولاد الحناط (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى كنت نويت حين دخلت المدينة ان أقيم بها عشرة أيام فأتم الصلاة ثم بدا لي بعد أن لا أقيم بها فما ترى لي أتم أم قصر؟ فقال
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر.
416
ان كنت دخلت المدينة و صليت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتى تخرج منها، و ان كنت حين دخلتها على نيتك التمام و لم تصل فيها صلاة فريضة بتمام حتى بدا لك أن لا تقيم فأنت في تلك الحال بالخيار ان شئت فانو المقام عشرا و أتم و ان لم تنو المقام عشرا فقصر ما بينك و بين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة.
و لا ينافي ذلك
ما رواه الشيخ و الصدوق عن حمزة بن عبد الله الجعفري (1) قال: «لما نفرت من منى نويت المقام بمكة فأتممت الصلاة حتى جاءني خبر من المنزل فلم أجد بدا من المصير الى المنزل و لم أدر أتم أم أقصر و أبو الحسن (عليه السلام) يومئذ بمكة فأتيته و قصصت عليه القصة فقال ارجع الى التقصير».
فان الوجه فيه ان المراد بالجواب انما هو الأمر بالتقصير بعد السفر و الخروج فهو كناية عن الأمر له بالسفر بمعنى سافر و قصر، إذ الظاهر ان مراد السائل انما هو الاستفهام عن من نوى الإقامة هل يجوز له ابطالها و الخروج و القصر فيه أم لا بد من الإتمام و لو في الطريق الى أن يتم أيام الإقامة؟ كما يتوهمه كثير ممن لم يقف على حكم المسألة فأجابه (عليه السلام) بالأول و حينئذ فلا اشكال.
و تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بسطه في مواضع
الأول [هل يرجع إلى التقصير بمجرد العدول أو يتوقف على قصد المسافة؟]
- الظاهر من إطلاق قوله في صحيحة أبي ولاد المذكورة «حتى بدا لك أن لا تقيم» انه بمجرد العدول عن نية الإقامة قبل الصلاة على التمام سواء كان بقصد المسافة أو التردد في الإقامة و عدمها يلزم الرجوع الى التقصير ما لم ينو إقامة عشرة غير الأولى، و هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب لا نعلم فيه خلافا.
لكن يظهر من كلام الشهيد الثاني (قدس سره) وجود الخلاف في ذلك و ان مجرد العدول عن النية السابقة قبل الصلاة لا يقتضي التقصير ما لم يقصد مسافة، لأنه قال: و يحتمل اشتراط المسافة بعد ذلك لا طلاق النص و الفتوى ان نية الإقامة تقطع السفر فيبطل حكم ما سبق كما لو وصل الى وطنه، و بما قلناه
____________
(1) الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر.
417
افتى الشهيد في البيان. انتهى. و هو كما ترى صريح في ما قلناه.
و رواية أبي ولاد المذكورة مطلقة كما ترى في العدول عن نية الإقامة، و حملها على قصد المسافة- بسبب احتمال ارادة الخروج إلى الكوفة لأن الراوي كوفي كما ذكره (قدس سره) في شرح الإرشاد- بعيد جدا فالمقام لا يخلو عن اشكال. كذا أفاده والدى (عطر الله مرقده) في حواشيه على كتاب الاستبصار و هو جيد وجيه.
و الظاهر ان ما احتمله شيخنا الشهيد الثاني من اشتراط المسافة بعيد و فيه تقييد للنص المذكور من غير دليل، و تخيل ان السائل كوفي فيحتمل حمل الخبر على إرادته الخروج إلى الكوفة خيال بعيد، و لو بنيت الأحكام الشرعية على مثل هذه الخيالات البعيدة و الاحتمالات السخيفة لا تسع المجال و كثر القيل و القال و بطل الاستدلال إذ لا قول إلا و هو قابل للاحتمال و ان بعد كما لا يخفى على ذوي الكمال.
و الاحتجاج بإطلاق النص و الفتوى بأن نية الإقامة تقطع السفر مسلم مع بقائها و استصحابها، و هذا هو الذي دل عليه النص و الفتوى و به يبطل حكم ما سبق كما ذكره، و أما مع العدول عن النية كما هو المفروض فان هذه الدعوى ممنوعة كما لا يخفى على المتأمل المنصف.
قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد إيراد عبارة الفقه الرضوي التي هي في معنى الرواية المذكورة ما لفظه: و ظاهر الأصحاب انه لا يشترط في الرجوع الى التقصير في صورة العدول عن نية الإقامة من غير صلاة كون الباقي مسافة، و قواه الشهيد الثاني (قدس سره) و احتمل الاشتراط، و إطلاق هذه الرواية و غيرها يؤيد المشهور. انتهى.
و بما ذكرناه في المقام يظهر ضعف ما جنح إليه في الذخيرة في هذه المسألة من الميل الى هذا الاحتمال.
الثاني [هل يتم ناوي الإقامة بعد العدول لو صلى الصبح أو المغرب؟]
- لا إشكال في الانقطاع بالصلاة المقصورة إذا صلاها تماما بعد نية الإقامة أما لو صلى غيرها من ما لم يكن مقصورا كالصبح و المغرب بعد النية فهل
418
يكفي في الانقطاع و وجوب استصحاب التمام الى أن يقصد المسافة؟ إشكال و لم أقف على مصرح بذلك من الأصحاب (رضوان الله عليهم) نفيا و إثباتا، و الرواية لا تخلو من الإجمال لأن قوله «بتمام» في الموضعين محتمل لان يكون المراد «صليت فريضة مقصورة بتمام» و حينئذ فلا يثبت الحكم بغير المقصورة إذا أتمها، و يحتمل أن يكون المعنى صليت فريضة بعد قصد التمام في المقصورات، و الظاهر بعده إذ لو كان مجرد صلاة الفريضة مقصورة أو غير مقصورة كافيا بنية التمام لم يكن للإتيان بهذا القيد وجه يعتد به، لأن نية الإقامة قد حصلت بالاستقلال و من شأنها الانتقال من حكم المسافر الى حكم الحاضر بالنسبة إلى الصلاة و الصوم و الشرط معها صلاة فريضة، فلو لم يعتبر في تلك الفريضة أن تكون من الفرائض المقصورات التي هي عبارة عن ركعتين بأن يأتي بها أربعا كما هو ظاهر العبارة بل يكفى مثل الصبح و المغرب لم يكن لضم هذا القيد في الكلام وجه بل يكفى أن يقول «صليت صلاة فريضة» بقول مطلق، لا سيما مع الاتفاق على انه لا يشترط قصد القصر و الإتمام و لا نيتهما في الإتيان بكل من المقصورة و التامة. و يعضد ما قلناه انه قد وقع ما يقرب من هذه العبارة مرادا بها ما قلناه في صحيحة أبي ولاد المتقدمة في الشرط الثالث من شروط التقصير حيث قال (عليه السلام): «فان عليك أن تقضى كل صلاة صليتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام. الخبر».
و بالجملة فالظاهر عندي قصر الحكم على الصلاة المقصورة و ان يأتي بها تماما دون غيرها من ما لم يدخله التقصير. و الله العالم.
الثالث [هل يتم ناوي الإقامة بعد العدول لو صام الصوم الواجب؟]
- قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في إلحاق الصوم الواجب بالصلاة الفريضة في هذا المقام، فقيل بالإلحاق بمجرد الشروع في الصوم الواجب المشروط بالحضر. و هو اختيار العلامة في جملة من كتبه لوجود أثر النية.
و قيل بذلك ايضا لكن يجب تقييده بما إذا زالت الشمس قبل الرجوع عن نية الإقامة، و هو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في الروض.
419
و قيل بعدم الإلحاق و قصر الحكم على الصلاة، و هو اختيار جمع من الأصحاب:
منهم- الشهيد و المحقق الشيخ على و السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة.
و هو الظاهر لان الحكم في النص وقع معلقا على الصلاة و تعديته الى غيرها يحتاج الى دليل شرعي و إلا كان قياسا محضا و هو لا يوافق أصول المذهب. و مقتضى النص المذكور رجوع التقصير بعد العدول عن نية الإقامة التي لم يصل بها أعم من أن يكون صام بتلك النية أو لم يصم زالت الشمس أم لم تزل فيكون الحكم ثابتا في جميع الصور المذكورة.
احتج شيخنا الشهيد الثاني في الروض بأنه لو فرض ان هذا الصائم سافر بعد الزوال فلا يخلو إما ان يجب عليه الإفطار أو إتمام الصوم، لا سبيل إلى الأول للأخبار الصحيحة الشاملة بإطلاقها أو عمومها لهذا الفرد الدالة على وجوب المضي على الصوم:
كصحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الرجل يخرج من بيته و هو يريد السفر و هو صائم؟ قال ان خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم و ان خرج بعد الزوال فليتم يومه».
و صحيحة محمد بن مسلم عنه (عليه السلام) (2) «إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم».
و غيرهما.
فيتعين الثاني و حينئذ فلا يخلو إما أن يحكم بانقطاع نية الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال و قبل الخروج أولا، لا سبيل إلى الأول لاستلزامه وقوع الصوم الواجب سفرا بغير نية الإقامة و هو غير جائز إجماعا إلا ما استثنى من الصوم المنذور على وجه و ما ماثله و ليس هذا منه، فيثبت الآخر و هو عدم انقطاع نية الإقامة بالرجوع عنها بعد الزوال سواء سافر حينئذ بالفعل أم لم يسافر، إذ لا
____________
(1) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.
(2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.
420
مدخل للسفر في صحة الصوم و تحقق الإقامة بل حقه أن يحقق عدمها و قد عرفت عدم تأثيره فيها فإذا لم يسافر بقي على التمام الى أن يخرج إلى المسافة و هو المطلوب.
انتهى ملخصا.
و فيه ما ذكره سبطه السيد السند (قدس سره) في المدارك حيث قال بعد نقل ذلك عنه: و لقائل أن يقول لا نسلم وجوب إتمام الصوم و الحال هذه، و ما أشار إليه (قدس سره) من الروايات المتضمنة لوجوب المضي في الصوم غير صريحة في ذلك بل و لا ظاهرة، إذ المتبادر منها تعلق الحكم بمن سافر من موضع يلزم فيه الإتمام و هو غير متحقق هنا فإنه نفس النزاع، سلمنا وجوب الإتمام لكن لا نسلم اقتضاء ذلك لعدم انقطاع نية الإقامة بالرجوع عنها في هذه الحالة، و استلزام ذلك لوقوع الصوم الواجب سفرا لا محذور فيه لوقوع بعضه في حال الإقامة، و لأنه لا دليل على امتناع ذلك (فان قلت) انه يلزم من وجوب إتمام الصوم إتمام الصلاة لعكس نقيض
قوله (عليه السلام) (1): «إذا قصرت أفطرت».
(قلت) هذا بعد تسليم عمومه مخصوص بمنطوق الرواية المتقدمة المتضمنة للعود الى القصر مع الرجوع عن نية الإقامة قبل إتمام الفريضة. انتهى.
أقول: الظاهر ان الجواب الحق هو ما ذكره أولا من منع وجوب إتمام الصوم و الحال هذه لما ذكره، حيث ان المتبادر من الأخبار المشار إليها الخروج من بلد يجب عليه الإتمام فيها و فرضه فيها التمام كبلد وطنه أو بلد إقامته ثم أنشأ سفرا منها، لأن هذا هو الفرد الغالب المتكثر الذي ينصرف إليه الإطلاق، و قد عرفت في غير موضع من ما تقدم ان إطلاق الأخبار إنما يحمل على الأفراد الشائعة المتكثرة الغالبة فإنها هي التي يتبادر إليها الإطلاق، و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل فلا يدخل تحت الإطلاق، مع انه محل البحث و النزاع و أول المسألة لأنه بنية الإقامة و رجوعه عنها قبل الصلاة تماما لا يمكن الجزم بكونه مقيما فيدخل تحت إطلاق الخبر، و بمجرد سفره على هذه الحال لا يمكن الجزم بدخوله تحت إطلاق
____________
(1) في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة ص 342.
421
الأخبار المشار إليها.
و بالجملة فإن ما ذكره (قدس سره) هنا جيد. و اما ما ذكره بعد تسليم وجوب الإتمام و منع اقتضاء ذلك لعدم انقطاع نية الإقامة بالرجوع عنها في هذه الحالة- من أن استلزام ذلك لوقوع الصوم الواجب سفرا لا محذور فيه لوقوع بعضه حال الإقامة- فالظاهر أنه لا يخلو من خدش و ان تبعه عليه في الذخيرة، فإن الأخبار الدالة على تحريم الصوم في السفر شاملة بإطلاقها و عمومها لما وقع بعضه في حال الإقامة أم لم يقع، فقوله «انه لا دليل على امتناع ذلك» ممنوع فإن الأخبار عامة شاملة لما ذكره و دلالتها على ذلك بعمومها و إطلاقها واضحة فلا معنى لمنعه الدليل على امتناع ذلك، و يخرج ما ذكره- من عكس النقيض في قوله (عليه السلام): «إذا قصرت أفطرت» بمعنى ان عدم جواز الإفطار يقتضي عدم جواز التقصير- شاهدا. و ما تكلفه من الجواب عنه لا يخلو من غموض كما لا يخفى على من راجع كلام صاحب الذخيرة في هذا المقام.
الرابع [ما يناط به وجوب الإتمام بعد العدول عن نية الإقامة؟]
- المفهوم من الخبر المتقدم ان وجوب الإتمام و استصحابه معلق بعد نية الإقامة على أمور ثلاثة:
أحدها- الصلاة
فلو لم يكن صلى ثم رجع عن نية الإقامة عاد الى التقصير سواء كان قد دخل وقت الصلاة أم لم يدخل خرج وقتها و لم يصل عمدا أو سهوا أم لا، لان مناط الحكم الصلاة تماما و لم يحصل، و نقل عن العلامة في التذكرة انه قطع بكون الترك كالصلاة نظرا الى استقرارها في الذمة و تبعه المحقق الشيخ على و استشكل العلامة في النهاية الحكم و كذا الشهيد في الذكرى. و لو كان ترك الصلاة لعذر مسقط للقضاء كالجنون و الإغماء فلا إشكال و لا خلاف في كونه كمن لم يصل.
و
ثانيها- كون الصلاة فريضة
فلو رجع عن نية الإقامة بعد صلاة نافلة فإن كانت من النوافل المشروعة في السفر كنافلة المغرب فلا خلاف في عدم تأثيرها و إلا فقولان أظهرهما عدم التأثير أيضا لما عرفت من تعليق الحكم على الفريضة، و هو
422
مختار جماعة من الأصحاب و منهم الشهيد في الذكرى، و نقل عن العلامة في النهاية انه ذهب الى الاجتزاء بها، و اليه يميل كلام الشهيد الثاني في الروض حيث قال بعد نقل القول الأول عن الذكرى: و يحتمل قويا الاجتزاء بها لأنها من آثار الإقامة، و ما تقدم من الدليل على الاكتفاء بالصوم آت هنا و هو مختار المصنف في النهاية. انتهى. و فيه ما عرفت في إلحاقه الصوم و هو قياس على قياس غير خال من ظلمة الالتباس.
و
ثالثها- كون الصلاة تماما
فلا تأثير الصلاة لقصر، و هل يشترط كون التمام بنية الإقامة أم يكفي مطلق التمام و لو سهوا؟ فيه وجهان، يحتمل الأول لأن ذلك هو أكثر أفراد الإقامة بل هو مقتضى ظاهر الرواية لأن السؤال فيها وقع عن من نوى الإقامة عشرا، و يحتمل الثاني عملا بإطلاق التمام. و الأقرب الأول.
قالوا: و تظهر الفائدة في مواضع: منها- ما لو صلى فرضا تماما ناسيا قبل نية الإقامة سواء خرج الوقت أم لا.
أقول: الظاهر ان الصلاة على هذه الكيفية لا تأثير لها إذا المفهوم من النص المتقدم هو نية الإقامة أو لا ثم الصلاة تماما بعد النية كما يشير اليه
قوله (عليه السلام) (1):
«ان شئت فانو المقام عشرا و أتم و ان لم تنو المقام عشرا فقصر».
حيث رتب الصلاة على النية أولا.
قالوا: و منها- ما لو صلى تماما في أماكن التخيير بعد النية لشرف البقعة، اما لو نوى التمام لأجل الإقامة فلا إشكال في التأثير، و لو ذهل عن الوجه ففي اعتبارها وجهان، من إطلاق الرواية حيث علق الحكم فيها على صلاة الفريضة تماما مع ان الإقامة كانت بالمدينة فقد حصل الشرط. و من ان التمام كان سائغا له بحكم البقعة فلم يؤثر.
أقول: لا يخفى ان النص كما عرفت قد دل على نية الإقامة عشرا ثم الصلاة
____________
(1) في صحيح ابى ولاد المتقدم ص 415.
423
تماما بتلك النية و هو أعم من أن يكون في مواضع التخيير أو غيرها، و حينئذ فلا يجزئ مجرد الإتمام لشرف البقعة، و كون الخبر هنا مورده المدينة و هي من المواضع المذكورة لا وجه له، إذ الظاهر ان كلامه (عليه السلام) بمنزلة القاعدة الكلية في هذا المقام لا اختصاص له ببلد دون بلد و هو قد علق الحكم فيه على نية الإقامة و رتب الصلاة عليها. و بذلك يظهر انه لو أتم جاهلا الوجه فإنه لا عبرة بإتمامه ما لم تحصل نية الإقامة و قصدها ثم الصلاة بتلك النية و القصد كما هو مؤدى الخبر و كلام الأصحاب في الباب.
قالوا: و منها- ما لو نوى الإقامة عشرا في أثناء الصلاة قصرا فأتمها ثم رجع عن الإقامة بعد الفراغ فإنه يحتمل حينئذ الاجتزاء بهذه الصلاة لصدق التمام بعد النية، و لأن الزيادة إنما حصلت بسببها فكانت من آثارها كما مر، و عدمه لان ظاهر الرواية كون جميع الصلاة تماما بعد النية و قبل الرجوع عنها و لم يحصل.
أقول: ظاهر جمع من الأصحاب هنا: منهم- الشيخ الشهيد في الذكرى و شيخنا الشهيد الثاني في الروض و شيخنا المجلسي في البحار هو اختيار الوجه الأول، و هو الأقرب لصدق الصلاة تماما و المؤثر في الحقيقة ليس إلا العدد الزائد عن الركعتين و قد حصل هنا.
و أما ما تعلقوا به للوجه الآخر- من ان ظاهر الرواية كون جميع الصلاة تماما بعد النية- ففيه انه و ان كان كذلك بالنسبة الى هذه الرواية إلا انه قد ورد ايضا ما يدل على وجوب الإتمام بالنية في أثناء الصلاة:
كما
في صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يخرج في السفر ثم يبدو له في الإقامة و هو في الصلاة؟ قال يتم إذا بدت له الإقامة».
و رواية محمد بن سهل عن أبيه (2) قال «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل
____________
(1) الوسائل الباب 20 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 20 من صلاة المسافر.
424
يخرج في سفر ثم تبدو له الإقامة و هو في صلاته أ يتم أم يقصر؟ قال يتم إذا بدت له الإقامة».
و حينئذ فلا فرق في استصحاب التمام و وجوب البقاء عليه بعد النية و الصلاة تماما بين أن تكون النية متقدمة على الصلاة أو في أثنائها كما دل عليه الخبران المذكوران
الخامس [هل يعتبر في البقاء على التمام الإتمام بعد نية الإقامة؟]
- المفهوم من الخبر المذكوران المعتبر في قطع السفر و استصحاب التمام إتمام الصلاة بعد نية الإقامة، فلو شرع في الصلاة بنية الإقامة ثم رجع عن الإقامة في أثنائها لم يكف ذلك في قطع السفر و الخروج عن ما هو عليه و ان كان بعد ركوع الثالثة.
و به صرح في المنتهى حيث قال: لو نوى المقام ثم قام فصلى ثم تغيرت نيته الى السفر في الأثناء قيل يتم و الوجه عندي انه يقصر لان الشرط و هو الصلاة على التمام لم يحصل. و قال الشيخ في المبسوط لو نوى المقام عشرا و دخل في الصلاة بنية التمام ثم عن له الخروج لم يجز له القصر الى ان يخرج مسافرا، و نحوه ابن الجنيد حيث قال: لو كان مسافرا قد دخل في الصلاة بنية القصر ثم نوى الإقامة أتم على ما كان صلاه، و ان كان مقيما فدخل في صلاته بنية الإتمام ثم نوى السفر قبل الفراغ منها لم يكن له القصر. و قال ابن البراج: لو بدا له في المقام و قد صلى منها ركعة أو ركعتين وجب التمام لانه دخلها بنية مقيم. و صريح كلام هؤلاء هو وجوب الإتمام و ان لم يتم الصلاة بل و ان لم يتجاوز فرض القصر.
و فصل العلامة في التذكرة و المختلف بأنه ان كان قد تجاوز في صلاته فرض القصر بان صلى ثلاث ركعات تعين الإتمام و إلا جاز له القصر، قال في الذكرى:
و فصل الفاضل بتجاوز محل القصر فلا يرجع و بعدم تجاوزه فيرجع، لانه مع التجاوز يلزم من الرجوع إبطال العمل المنهي عنه و مع عدم التجاوز صدق انه لم يصل بتمام. انتهى.
425
و تردد المحقق في المسألة نظرا الى افتتاح الصلاة و قد ورد في الخبر (1) انها على ما افتتحت عليه، و الى عدم الإتيان بالشرط حقيقة.
و قال في الذخيرة: و حكى عن المصنف و غيره الاكتفاء بها إذا كان الرجوع بعد ركوع الثالثة و انهم اختلفوا إذا كان الرجوع بعد القيام إلى الثالثة. انتهى.
أقول: الظاهر من كلام من ذهب الى التفصيل ان الحد الذي به يتجاوز محل التقصير هو ركوع الثالثة كما قدمنا نقله عن العلامة في المختلف و التذكرة، و ذلك لان ما قبل الركوع من الواجبات لا يكون موجبا للتجاوز لإمكان جعله من قبيل زيادة الواجب سهوا و انما الاعتبار بالركن المبطل فعله عمدا و سهوا، فما ذكره في الذخيرة من الحكاية المذكورة لم أقف عليه و لا أعرف له وجها.
ثم أقول و بالله التوفيق: انه لا يخفى أن مقتضى الخبر المذكور كما اعترفوا به ان الشرط في وجوب الإتمام و الاستمرار عليه هو الإتيان بعد نية الإقامة بالصلاة التامة كاملة و أن تكون نية الإقامة مستمرة الى أن يفرغ منها، فلو رجع عن نية الإقامة في أثنائها في أي جزء منها تجاوز محل القصر أو لم يتجاوز فالواجب عليه بمقتضى اختلاف الشرط المذكور هو التقصير. و الاعتماد في وجوب الإتمام بمجرد الدخول في الصلاة على خبر «الصلاة على ما افتتحت عليه» لا يخلو من مجازفة لعدم ثبوت الخبر من طريقنا، و مع تسليمه فتناوله لموضع النزاع و عمومه له ممنوع لدلالة الصحيحة المذكورة على وجوب التقصير في الصورة المذكورة، إذ مقتضاها ذلك حيث دلت على ان الشرط في وجوب التمام و استصحابه حصول صلاة كاملة بالتمام و لم تحصل و بفوات الشرط يفوت المشروط فيتعين القصر، و حينئذ فمع
____________
(1) يمكن أن يريد به حديث معاوية بن عمار الوارد في من قام للفريضة فظن أنها نافلة سهوا و بالعكس المروي في الوسائل في الباب 2 من النية من كتاب الصلاة و قد تقدم في ج 2 ص 217 و بمضمونه حديثان آخران، و به يظهر ما في قوله «(قدس سره)» في ما سيأتي «لعدم ثبوت الخبر من طريقنا» و قد تعرض المسألة بمناسبة العدول في ج 2 ص 209.
426
ثبوت الخبر المذكور يجب تخصيصه بما ذكرنا و تستثنى هذه الصورة من عمومه بذلك كما خرجوا عن عمومه في مواضع لا تحصى من الأحكام.
بقي الكلام في ما إذا حصل الرجوع بعد تجاوز محل القصر بان صلى ثلاث ركعات، و الظاهر هنا الإعادة لوقوع الزيادة المبطلة.
و أما ما احتج به القائل بالتفصيل كما ذكره في الذكرى من لزوم إبطال العمل المنهي عنه فعليل، لعدم دليل لهم على هذه الدعوى سوى ما ذكروه من ظاهر الآية (1) الذي قد قدح فيه غير واحد منهم. و مع تسليمه فانا نقول ان مقتضى ما قررنا من الدليل هو الحكم بالإبطال، لأن الواجب في حال الرجوع عن نية الإقامة قبل الإتمام بمقتضى الخبر المذكور هو البقاء على التقصير لعدم حصول شرط الإتمام و حينئذ فلا يكون من قبيل ما ذكروه، فان المتبادر من النهى عن إبطال العمل إنما هو إبطاله من غير سبب شرعي يقتضي الابطال، و ما نحن فيه ليس كذلك كما عرفت حيث ان مقتضى الدليل هنا إبطاله لا ان المكلف يبطله من غير سبب يقتضي الإبطال كما هو ظاهر دليلهم. و الله العالم.
المسألة الثانية [من أتم في مورد القصر]
- لو أتم مع استكمال الشروط المتقدمة فلا يخلو إما أن يكون عامدا أو جاهلا أو ناسيا، و كذا لو كان فرضه التمام فقصر.
فههنا مقامات أربعة
الأول- أن يتم عالما عامدا
و لا خلاف في وجوب الإعادة عليه وقتا و خارجا.
و عليه تدل
صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة في صدر المقصد (2) لقوله (عليه السلام) فيها بعد ان سأله الراويان المذكوران فقالا «قلنا فمن صلى في السفر أربعا أ يعيد أم لا؟ قال ان كان قد قرئت عليه آية التقصير و فسرت له فصلى أربعا أعاد و ان لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه».
____________
(1) «وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ» سورة محمد الآية 33.
(2) ص 296.
427
و يعضدها
صحيحة ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر و ان صامه بجهالة لم يقضه».
و استدل عليه في المدارك ايضا
بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) صليت الظهر أربع ركعات و أنا في سفر؟ قال أعد».
و عندي في الاستدلال على هذا الحكم بهذه الرواية إشكال فإن صدور الإتمام عالما عامدا من مثل الحلبي الذي هو من الثقات الأجلاء المشهورين غير متصور و لا جائز، ثم مع فرض ذلك عنه عمدا كيف يسأل عنه؟ و قرينة السؤال مؤذنة بكون الترك إنما كان نسيانا أو جهلا و الثاني أيضا بعيد بالنسبة اليه، و به يظهر ان الأظهر حمل الخبر على النسيان و إلا فمتى كان عالما بالوجوب و تعمد الإخلال بذلك فأي معنى لهذا السؤال؟ و بالجملة فإن قدر الرجل المذكور أجل من أن يترك الواجب عليه عامدا عالما و إلا لأخل بعدالته و احتاج الى معلومية توبته فكيف يعدون حديثه في الصحيح من غير خلاف؟ فالأظهر كما عرفت حمل الرواية و ان كانت مجملة على كون الإتمام وقع منه نسيانا.
بقي الكلام في دلالة الخبر على الإعادة مطلقا على هذا التقدير و هو مذهب الشيخ كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى في المسألة و يأتي الكلام ان شاء الله تعالى في الجميع بين أخبارها.
قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في الروض- بعد الاستدلال على بطلان الصلاة مع العمد بصحيحة زرارة و محمد بن مسلم- ما صورته: و يعلم من هذا ان الخروج من الصلاة عند من لا يوجب التسليم لا يتحقق بمجرد الفراغ من التشهد بل لا بد معه من نية الخروج أو فعل ما به يحصل كالتسليم و إلا لصحت الصلاة هنا عند من لا يوجب التسليم لوقوع الزيادة خارج الصلاة، و قد تقدم في باب التسليم
____________
(1) الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.
428
الإشارة الى ذلك. انتهى.
أقول: الظاهر من هذا الكلام ان الغرض منه الجواب عن اشكال يرد في هذا المقام على القول بندب التسليم و هو ان الرواية الصحيحة (1) قد دلت على بطلان صلاة من حكمه الركعتان قصرا لو صلاها أربعا متعمدا، و هذا على تقدير القول بوجوب التسليم ظاهر لانه قد زاد في الصلاة ركعتين حيث انه انما يخرج من الصلاة بالتسليم، و أما على القول بكونه مندوبا أو واجبا خارجا كما هو أحد الأقوال في المسألة أيضا فإن اللازم هنا صحة الصلاة لأن الصلاة قد تمت بالتشهد على الركعتين فهاتان الركعتان الأخيرتان وقعتا خارج الصلاة و الصلاة صحيحة مع ان النص و اتفاق الأصحاب على البطلان.
و حاصل جواب شيخنا المشار اليه ان القائل بندب التسليم إنما تتم الصلاة عنده بنية الخروج أو بالتسليم و ان كان مستحبا أو بفعل المنافي، و على هذا فتكون الركعتان الواقعتان بقصد التمام قد وقعتا قبل تمام الصلاة فتبطل الصلاة حينئذ لذلك.
و فيه انه و ان ذكروا ذلك تفصيا عن هذا الإشكال إلا ان ما ذكروه لا دليل عليه. و أيضا فإنه لا يحسم مادة الإشكال بالنسبة إلى القول بكونه واجبا خارجا و ان كان لم يتعرض اليه.
و أجيب أيضا عن الإشكال المذكور بان المبطل هنا قصد عدم الخروج فلا يلزم وجوب قصد الخروج أو الإتيان بالمخرج.
و التحقيق في الجواب انما هو التفصيل في المقام بأنه ان كانت صلاة الأربع الركعات هنا وقعت بقصد ارادة التمام من أول الأمر فالصلاة باطلة، و هذا هو الذي دلت عليه الرواية و وقع الاتفاق عليه لحصول المخالفة، لأن الشارع انما أوجب عليه ركعتين و هو قد قصد الى مخالفته بقصده الأربع من أول الأمر، و ان كان انما قصد الصلاة ركعتين كما هو المأمور به شرعا لكن حصلت الزيادة بعد الفراغ من الصلاة الواجبة فلا بطلان هنا إلا على تقدير القول بوجوب التسليم
____________
(1) ص 426.
429
و اما على تقدير القول باستحبابه أو كونه واجبا خارجا فلا، و مدعى البطلان عليه الدليل و ليس فليس.
المقام الثاني- أن يتم جاهلا
و الأشهر الأظهر الصحة كما دلت عليه
صحيحة زرارة و محمد ابن مسلم المتقدمة (1) لقوله (عليه السلام) «و ان لم يكن قرئت عليه و لم يعلمها فلا اعادة عليه».
و نقل عن ابن الجنيد و ابى الصلاح أنهما أوجبا الإعادة في الوقت، و عن ظاهر ابن ابى عقيل الإعادة مطلقا، و هما ضعيفان مردودان بالخبر المذكور.
و ربما احتج للقول بالإعادة في الوقت
بصحيحة العيص عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل صلى و هو مسافر فأتم الصلاة؟ قال ان كان في وقت فليعد و ان كان الوقت قد مضى فلا».
و فيه انها محمولة على الناسي جمعا بين الأخبار، فإنها و ان دلت بإطلاقها على العامد و الجاهل و الناسي إلا انه قد قام الدليل في الأولين على خلاف ما دلت عليه فوجب تخصيصها بالناسي لعدم المعارض.
و حكى الشهيد في الذكرى ان السيد الرضي سأل أخاه المرتضى (رضى الله عنهما) عن هذه المسألة فقال: الإجماع منعقد على ان من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزئة و الجهل بأعداد الركعات جهل بأحكامها فلا تكون مجزئة؟ و أجاب المرتضى (رضى الله عنه) بجواز تغير الحكم الشرعي بسبب الجهل و ان كان الجاهل غير معذور.
أقول: قد اختلف كلام جملة من الأصحاب في توجيه كلام السيد (رضى الله عنه) فقال في الروض: و حاصل الجواب يرجع الى النص الدال على عذره و القول به متعين. انتهى.
و قيل ان الظاهر من كلام السيد (قدس سره) ان مراده ان الأحكام الشرعية تختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال فيجوز أن يكون حكم الجاهل
____________
(1) ص 296.
(2) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.
430
بالقصر وجوب الإتمام عليه و ان كان مقصرا غير معذور بترك التعلم، و حينئذ فهو آت بالمأمور به في تلك الحال فيكون مجزئا.
و قيل انه يمكن أن يكون مقصوده (قدس سره) انه قد يختلف الحكم من الشارع بالنسبة إلى الجاهل المطلق و الى الجاهل العالم في الجملة كمن عرف أن للصلاة أحكاما تجب معرفتها و لم يعرفها فتصح تلك الصلاة من الأول منهما دون الثاني و ان دعوى الإجماع على الطلاق غير واضح.
و قال في المدارك: و كأن المراد انه يجوز اختلاف الحكم الشرعي بسبب الجهل فيكون الجاهل مكلفا بالتمام و العالم مكلفا بالقصر، و اختلاف الحكم هنا على هذا الوجه لا يقتضي عذر الجاهل. انتهى. و الظاهر أنه يرجع الى القول الثاني من الأقوال المنقولة.
أقول: قد نقل العلامة في كتاب المختلف عن السيد (رضى الله عنه) في أجوبة المسائل الرسية الجواب عن هذه المسألة بوجه أوضح من ما أجاب به أخاه (قدس الله روحيهما) حيث قال له السائل: ما الوجه في ما تفتي به الطائفة من سقوط فرض القضاء عن من صلى من المقصرين صلاة متمم بعد خروج الوقت إذا كان جاهلا بالحكم في ذلك مع علمنا بان الجهل بأعداد الركعات لا يصح معه العلم بتفصيل أحكامها و وجوهها، إذ من البعيد أن يعلم بالتفصيل من جهل الجملة التي هي الأصل، و للإجماع على ان من صلى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزئة و ما لا يجزئ من الصلاة يجب قضاؤه، فكيف تجوز الفتيا بسقوط القضاء عن من صلى صلاة لا تجزئه؟ فأجاب بأن الجهل و ان لم يعذر صاحبه و هو مذموم جاز أن يتغير معه الحكم الشرعي و يكون حكم العالم بخلاف حكم الجاهل. انتهى.
و أنت خبير بان ما أوضحه هنا من الجواب و هو الذي عليه المعمول كاشف عن نقاب الإجمال في الجواب الأول و يرجع الى الاحتمال الثاني من الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، و منه يظهر حينئذ ان مذهب السيد (قدس سره) ان تكليف
431
الجاهل من حيث هو جاهل في جميع الموارد ليس كتكليف العالم و ان الحكم مع الجهل ليس كالحكم مع العلم، و فيه حينئذ رد للإجماع المدعى في المقام. و هو مطابق لما حققناه في المسألة كما تقدم في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب. و لا خصوصية له بالصورة المذكورة كما فهمه شيخنا الشهيد الثاني في ما قدمنا نقله عنه من كلامه في الروض ليوافق ما ذهب اليه هو و غيره في المسألة من عدم معذورية الجاهل إلا في هذا الموضع و مسألة الجهر و الإخفات.
ثم ان ما ذكره العلامة (قدس سره) في المختلف بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه- من أن كلام السيد (رضى الله عنه) يدل بمفهومه على الإعادة في الوقت من حيث ان سؤال السائل تضمن تخصيص سقوط فرض القضاء بخروج الوقت، و هو يدل بمفهومه على الإعادة في الوقت و السيد (قدس سره) لم ينكره- فظني انه بعيد إذ الظاهر ان مطمح نظر السيد (رحمه الله) انما هو الى الجواب عن أصل الإشكال من غير نظر الى الخصوصية المذكورة و صحة ما ذكره السائل أو بطلانه.
و قال في المدارك في هذا المقام: و هل المراد بالجاهل الجاهل بوجوب القصر من أصله أو مطلق الجاهل ليندرج فيه الجاهل ببعض أحكام السفر كمن لا يعلم انقطاع كثرة السفر بإقامة العشرة؟ فيه وجهان منشأهما اختصاص النص المتضمن لعدم الإعادة (1) بالأول، و الاشتراك في العذر المسوغ لذلك و هو الجهل. انتهى.
أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) التوقف هنا و مثله نقل عن العلامة في النهاية.
و أنت خبير بأنه لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه، و ذلك لأن المشهور في كلام الأصحاب من غير أن يداخله الشك و الارتياب هو أن الجاهل بالأحكام الشرعية عندهم غير معذور إلا في مسألتي الجهر و الإخفات و الجهل بوجوب القصر كما هو مورد الصحيحة المتقدمة فإنها هي مستندهم في الاستثناء من القاعدة المذكورة، و أما ما عدا هذين الفردين من مطلق الجاهل بأحكام القصر فهو عندهم غير معذور لدخوله
____________
(1) ص 429.
432
في مطلق الجاهل الذي اتفقوا على عدم معذوريته. و تعليله- احتمال مطلق الجاهل بالقصر بالاشتراك في العذر المسوغ لذلك و هو الجهل- آت في الجهل بالأحكام الشرعية مطلقا من أحكام السفر و غيره صلاة كانت أو غيرها و هم لا يقولون به.
و بالجملة فإن مرادهم بالجاهل هنا إنما هو الفرد الأول من غير اشكال و لا يصح ان يحمل كلامهم على الفرد الثاني.
و كأن منشأ هذا التردد هو ان المسألة التي استثنوها من قاعدة عدم معذورية الجاهل هل هي عبارة عن الجاهل بوجوب القصر من أصله أو مطلق الجاهل بالقصر في كل موضع يجب فيه القصر ككثير السفر متى أقام عشرة و نحوه؟
و فيه ان الظاهر من كلامهم إنما هو الأول الذي هو مورد النص كما لا يخفى، و أما الجاهل في غير هذه الصورة من صور التمام فيرجع الى معذورية جاهل الحكم و عدمها و المشهور العدم، و بالمعذورية هنا صرح المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد. و الله العالم.
المقام الثالث- أن يتم ناسيا
و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب الإعادة في الوقت خاصة، و نقل عن الشيخ على بن بابويه و الشيخ في المبسوط انه يعيد مطلقا، و عن الصدوق في المقنع انه يعيد ان ذكر في يومه و ان مضى اليوم فلا اعادة.
و استدل من قال بالقول المشهور
برواية أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل ينسى فيصلي في السفر اربع ركعات؟ قال ان ذكر في ذلك اليوم فليعد و ان لم يذكر حتى يمضى ذلك اليوم فلا اعادة عليه».
و اعترض في المدارك على الاستدلال بهذه الرواية بعد الطعن في السند بأنها مجملة المتن، لان اليوم ان كان المراد به بياض النهار كان حكم العشاء غير مذكور في الرواية، و ان كان المراد به بياض النهار و الليلة المستقبلة كان ما تضمنه مخالفا للمشهور
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.
433
و أجاب في الذخيرة بأن المراد باليوم بياض النهار و ان حكم العشاء غير مستفاد من الرواية، إنما المستفاد منها حكم الظهرين و ينسحب الحكم في العشاء بمعونة دعوى عدم القائل بالفصل، لكن في إثباته إشكال. انتهى.
أقول: و يحتمل ان اليوم و ان لم يدخل تحته إلا الظهر ان إلا انه خرج مخرج التمثيل و جعل كناية عن خروج الوقت. و الأقرب عندي ان التعبير باليوم في الرواية المذكورة إنما خرج مخرج التجوز عبارة عن الوقت. فكأنه قال ان ذكر في ذلك الوقت فليعد و ان لم يذكر حتى يمضى ذلك الوقت فلا اعادة. و به تنطبق الرواية المذكورة على المدعى، و شيوع التجوز في أمثال ذلك أظهر من أن ينكر.
و به يظهر ان ما ذكره في المقنع راجع الى ما ذكرناه، و ما أطالوا به من الاعتراضات في المقام لا طائل تحته بعد ما عرفت.
و يدل على القول المذكور أيضا صحيحة العيص المتقدمة (1) و التقريب فيها ما عرفت من انها و ان كانت أعم من أن يكون الإتمام عمدا أو جهلا أو نسيانا إلا انك قد عرفت خروج العامد بوجوب الإعادة عليه مطلقا فلا يدخل تحت هذا التفصيل، و خروج الجاهل بقيام الأدلة على عدم وجوب الإعادة عليه مطلقا، فيتحتم حملها على الناسي البتة. و مع الإغماض عن ذلك يكفي في الاستدلال بها هنا مجرد دخول الناسي تحت العموم فتكون دالة عليه بطريق العموم، و بالتقريب الأول تكون دلالتها بطريق الخصوص.
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) «و ان كنت صليت في السفر صلاة تامة فذكرتها و أنت في وقتها فعليك الإعادة، و ان ذكرتها بعد خروج الوقت فلا شيء عليك، و ان أتممتها بجهالة فليس عليك في ما مضى شيء و لا اعادة عليك إلا ان تكون قد سمعت بالحديث».
و التقريب في هذا الكلام هو ظهور تخصيص التفصيل- و ان كانت العبارة
____________
(1) ص 429.
(2) ص 16.
434
مجملة- بصورة النسيان، لأنه ذكر بعد ذلك حكم الجاهل و العامد و انه لا اعادة على الأول بل على الثاني.
و هذه الأخبار إذا ضمت بعضها الى بعض لا يبقى مجال للشك في الحكم المذكور.
و أما ما نقل عن الشيخ على بن بابويه و الشيخ في المبسوط فلم نقف له على مستند، قيل: و لعل مستندهما القطع بتحقق الزيادة مع قصور كل من روايتي العيص و ابى بصير المذكورتين بالطعن الذي تقدم ذكره. و فيه ان هذا الطعن الذي قد عرفت الجواب عنه إنما يجرى على مذاق المتأخرين سيما صحيحة العيص، فان دلالتها على حكم الناسي و انه كما تضمنته من ما لا إشكال فيه إنما الكلام في حملها عليه خاصة و عدم احتمال غيره كما وجهناه و بيناه و به تكون مختصة به، أو شمولها لغيره فعلى كل تقدير فهي دالة عليه.
قال في الذكرى: و يتخرج على القول بان من زاد خامسة في الصلاة و كان قد قعد مقدار التشهد تسلم له الصلاة صحة الصلاة هنا لأن التشهد حائل بين ذلك و بين الزيادة.
و استحسنه الشهيد الثاني في روض الجنان و قال: انه كان ينبغي لمثبت تلك المسألة القول بها هنا و لا يمكن التخلص من ذلك إلا بأحد أمور: إما إلغاء ذلك الحكم كما ذهب إليه أكثر الأصحاب، أو القول باختصاصه بالزيادة على الرابعة كما هو مورد النص فلا يتعدى الى الثلاثية و الثنائية فلا تتحقق المعارضة هنا، أو اختصاصه بزيادة ركعة لا غير كما ورد به النص هناك و لا يتعدى الى الزائد كما عداه بعض الأصحاب، أو القول بان ذلك في غير المسافر جمعا بين الأخبار لكن يبقى فيه سؤال الفرق مع اتحاد المحل. انتهى.
و قال في المدارك بعد نقل كلام جده المذكور: و أقول انه لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما قررناه في تلك المسألة ضعف هذه الطرق كلها و انها غير مخلصة من هذا الإشكال، و الذي يقتضيه النظر ان النسيان و الزيادة ان حصلا بعد الفراغ من
435
التشهد كانت هذه المسألة جزئية من جزئيات من زاد في صلاته ركعة فصاعدا بعد التشهد نسيانا، و قد بينا ان الأصح ان ذلك غير مبطل للصلاة مطلقا لاستحباب التسليم، و ان حصل النسيان قبل ذلك بحيث أوقع الصلاة أو بعضها على وجه التمام اتجه القول بالإعادة في الوقت دون خارجه كما اختاره الأكثر لما تقدم. انتهى.
أقول و بالله التوفيق: انه لا يخفى عليك ان مبنى هذه المسألة التي نحن فيها- و تقسيمها إلى الأقسام الثلاثة من كون الصلاة تماما التي أوقعها المسافر إما عن عمد فتبطل أو جهل فتصح أو نسيان فالتفصيل المتقدم- إنما هو على كون المصلى قد قصد من أول الدخول في الصلاة الى الإتمام، و لهذا حكم بالإبطال مع العمد للوجه الذي بيناه سابقا و جعلناه وجه الفرق بينه و بين ما إذا قصد الزيادة بعد الدخول في الصلاة بنية القصر ثم زاد بعد تمام صلاته المقصورة فحكمنا بصحة الصلاة لذلك و حكم بالصحة مع الجهل للمعذورية، و حينئذ فما ذكره الشهيد (قدس سره) من التخريج- و وافقه عليه في الروض و زعم انه لا مخرج منه إلا بإحدى تلك الوجوه- لا أعرف له وجها للفرق بين هذه المسألة التي نحن فيها و بين تلك المسألة، فإن مبنى تلك المسألة على ان المصلى إنما دخل في الصلاة قاصدا إلى الإتيان بما هو المفروض عليه شرعا من الأربع كما هو مورد نص تلك المسألة أو أقل كما هو قول من ألحق بالرباعية غيرها، غاية الأمر أنه بعد أن أكمل ما هو الواجب عليه عرض له السهو فزاد ركعة، و قد عرفت الخلاف ثمة بأن هذه الزيادة بعد الجلوس بمقدار التشهد و لما يتشهد أو بعد التشهد بالفعل كما اخترناه و حققناه ثمة، فالفرق بين المسألتين ظاهر بالنظر الى مبدإ الدخول في الصلاة كما عرفت، و النسيان الذي بنى عليه التفصيل في هذه المسألة و وردت به الأخبار إنما هو من أول الدخول في الصلاة بأن نسي أن فرضه القصر و صلى تماما بزعم ان فرضه التمام نسيانا، و النسيان الذي في تلك المسألة انما هو بعد الإتيان بما هو فرضه شرعا و أصل القصد انما توجه الى فرض مشروع إلا انه عرض له النسيان بعد تمامه فزاد تلك الركعة فالنسيان انما
436
تعلق بتلك الركعة المزادة، و وجه الفرق ظاهر بين بحمد الله سبحانه، فيتعين الوقوف في كل مسألة منهما على ما حكم به فيها و عدم تداخل المسألتين و لا إلحاق إحداهما بالأخرى، فتخريج هذه المسألة على تلك و إلحاقها بها- حتى انه يتجه على من قال بالصحة في تلك المسألة القول بها هنا كما يشير اليه كلام الشهيدين (روح الله روحيهما) هنا- لا وجه له كما عرفت. هذا هو التحقيق عندي في المقام و الله سبحانه و أولياؤه العالمون بحقائق الأحكام.
المقام الرابع- لو قصر من فرضه التمام
فان كان عالما عامدا فلا ريب في وجوب الإعادة، و لو كان جاهلا فالمشهور وجوب الإعادة لعدم تحقق الامتثال و عدم معذورية الجاهل عندهم إلا في الموضعين المشهورين.
و قد وقع الخلاف في صورة ما لو قصر بعد نية الإقامة الموجبة للتمام جاهلا فظاهر المشهور وجوب الإعادة كما هو في غير هذه الصورة من صور الجهل، و نقل عن الشيخ نجيب الدين في الجامع العدم.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أتيت بلدة فأزمعت المقام عشرة أيام فأتم الصلاة فإن تركه رجل جاهل فليس عليه اعادة».
و القول بها متجه لعدم المعارض بل وجود المؤيد لها من الأخبار الدالة على معذورية الجاهل في مواضع عديدة تقدم تفصيلها في مقدمات الكتاب.
بل يمكن القول بمعذورية الجاهل في هذا المقام مطلقا كما اختاره بعض مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين حيث قال في شرح له على كتاب المفاتيح: ثم ان الظاهر من الأخبار كون الجاهل معذورا في هذا المقام مطلقا أعني في جميع ما يتعلق بالقصر و الإتمام في السفر حتى القصر في مواضع التمام و التمام في بعض مواضع القصر و ان كان عالما بأصل القصر كما هو مفاد ظاهر عبارة المصنف و فتوى نجيب الدين
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.
437
في جامعه، خلافا للمشهور فإنهم خصوا الحكم بالجاهل بوجوب التقصير من أصله.
ثم أطال الكلام في ذلك الى أن قال: فمن الأخبار
ما رواه الشيخ بسند صحيح و الصدوق في الفقيه بأسانيد صحاح كلها عن محمد بن إسحاق الثقة عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة كانت معنا في السفر و كانت تصلى المغرب ركعتين ذاهبة و جائية؟ قال ليس عليها قضاء. أو ليس عليها اعادة».
على اختلاف الروايات. ثم أورد رواية منصور بن حازم المنقولة ثم أيد ذلك بإطلاق صحيحتي
عيص و ليث المرادي عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر و ان صامه بجهالة لم يقضه».
ثم قال: هذا مع عدم وجود المعارض الصريح من الأخبار بالكلية، فلا حاجة الى ارتكاب تكلف حمل صحيحة محمد بن إسحاق على الشذوذ كما فعل الشيخ مع اعتماد الصدوق عليها، و كذا ارتكاب حملها على الاستفهام الإنكاري أو على كون المراد نافلة المغرب و أمثال ذلك من الخيالات الضعيفة. انتهى. و هو جيد لكن الظاهر الرجوع الى التفصيل الذي قدمناه في المقدمة التي في معذورية الجاهل من مقدمات الكتاب.
و بالجملة فإن الجاهل في الصورة التي هي مورد صحيحة منصور المذكورة من ما لا شك في الحكم بمعذوريته للرواية المذكورة.
و أما الناسي للإقامة فقيل بإلحاقه بالجاهل لها و انه لا اعادة عليه و هو خروج عن موضع النص المذكور، و الظاهر هو وجوب الإعادة.
و يدل عليه
ما ذكره الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (3) حيث قال:
«و ان قصرت في قريتك ناسيا ثم ذكرت و أنت في وقتها أو غير وقتها فعليك قضاء ما فاتك منها».
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر. و المسؤول في الاستبصار ج 1 ص 220 «أبو عبد الله «ع» و في الفقيه ج 1 ص 287 «أبو الحسن الرضا «ع».
(2) الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم.
(3) ص 16.
438
و فيه دلالة على ان التقصير نسيانا في موضع يجب الإتمام فيه موجب للإعادة وقتا و خارجا كما هو ظاهر فتوى الأصحاب. و الله العالم.
المسألة الثالثة [حكم صلاة المسافر في المواضع الأربعة]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم صلاة المسافر في المواضع الأربعة المشهورة، فالمشهور التخيير بين القصر و الإتمام مع أفضلية الإتمام، و لم ينقل الخلاف هنا إلا عن الصدوق و المرتضى و ابن الجنيد، اما الصدوق فإنه ذهب كما هو مذهب المخالفين إلى مساواة هذه المواضع الأربعة لغيرها من البلدان التي يتحقق السفر إليها في وجوب التقصير ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع المتقدمة إلا انه جعل الأفضل له نية المقام فيها و الصلاة تماما، و سيأتي نقل كلامه في ذلك ان شاء الله تعالى. و أما المرتضى و ابن الجنيد فظاهر كلاميهما المنع من التقصير في هذه المواضع الأربعة و ألحقا بها في ذلك ايضا المشاهد المشرفة و الضرائح المنورة. و الظاهر عندي من الأقوال هو ما عليه الأكثر من علمائنا الإبدال كما استفاضت به اخبار الآل عليهم صلوات ذي الجلال.
[الأخبار الواردة في المقام]
و ها أنا أذكر ما وصل الى من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة من ما في الكتب المشهورة و غيرها مذيلا لها بما يكشف عن معانيها نقاب الإبهام و يجلو عن مضامينها غشاوة الإبهام لما ذهب إليه أولئك الأعلام بتحقيق شاف لم يسبق اليه سابق و بيان و أف للنصوص المعصومية مطابق و موافق فأقول و بالله سبحانه التوفيق و الإعانة لإدراك المأمول:
الأول- ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عيسى (1) و كذا رواه الصدوق عنه في الخصال (2)
و ابن قولويه في المزار بالإسناد المذكور (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله و حرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) و حرم الحسين بن على (عليه السلام)».
الثاني-
ما رواه في الصحيح عن مسمع عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (4) قال: «كان
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
439
أبى يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما و يقول ان الإتمام فيهما من الأمر المذخور».
الثالث-
عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان من الأمر المذخور الإتمام في الحرمين».
الرابع-
ما رواه في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (2) قال: «من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكة و المدينة و مسجد الكوفة و حائر الحسين (عليه السلام)».
و روى هذه الرواية ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات بسند صحيح عن حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3).
أقول: أنت خبير بما في هذه الاخبار من وضوح الدلالة على القول المشهور و هو المؤيد المنصور، و التقريب فيها أن كون الإتمام فيها من الأمر المذخور و من مخزون علم الله إنما يتجه على القول المذكور من أفضلية التمام بمجرد الوصول إليها من غير توقف على نية الإقامة، و لو خص ذلك بما كان عن نية الإقامة لم تتجه المزية لهذه المواضع على غيرها حتى يدعى انه من مخزون علم الله و انه من الأمر المذخور، فان المسافر حيثما أقام وجب عليه التمام فالإتمام دائر مدار الإقامة في هذه أو غيرها، و من الظاهر ان هذه المزية إنما تتوجه على ترتب الإتمام على مجرد وصولها و دخولها لمزيد مشرفها.
و في الأخبار المذكورة إشارة إلى حمل ما خالف هذه الأخبار على التقية أو الاتقاء، و ان الإتمام في هذه المواضع من الأسرار المختصة بأهل البيت (عليهم السلام) و شيعتهم التابعين لهم و الناسجين على منوالهم، و هو خاص بهم لم يوفق له سواهم من أعدائهم المخالفين، و انه من ما ادخره الله تعالى لهم و صار مخزونا عن غيرهم حيث لم يوفقوا له و لم يطلعهم الله تعالى عليه كما ورد نظيره في الصلاة بعد العصر (4).
و بالجملة فإنها في الدلالة على المراد من ما لا يعتريها و صمة الإيراد، و به يظهر
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 38 من مواقيت الصلاة.
440
لك ما في كلام الصدوق في الفقيه و نحوه في كتاب الخصال من تقييد هذه الأخبار بالإقامة عشرة، و كأنه زعم بذلك الجمع بين أخبار المسألة، و سيأتي بعد تمام نقل الأخبار ان شاء الله تعالى التعرض لكلامه و بيان ما في نقضه و إبرامه.
الخامس-
صحيحة على بن مهزيار (1) قال: «كتبت الى ابى جعفر الثاني (عليه السلام) ان الرواية قد اختلفت عن آبائك (عليهم السلام) في الإتمام و التقصير في الحرمين، فمنها أن يتم الصلاة و لو صلاة واحدة، و منها أن يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام، و لم أزل على الإتمام فيهما الى أن صدرنا في حجنا في عامنا هذا فان فقهاء أصحابنا أشاروا على بالتقصير إذا كنت لا انوى مقام عشرة أيام فصرت الى التقصير، و قد ضقت بذلك حتى أعرف رأيك؟ فكتب الى بخطه (عليه السلام): قد علمت يرحمك الله فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصير و تكثر فيهما الصلاة. فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: انى كتبت إليك بكذا و أجبتني بكذا؟ فقال نعم. فقلت فأي شيء تعني بالحرمين؟ فقال مكة و المدينة».
السادس-
رواية عثمان بن عيسى (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إتمام الصلاة و الصيام في الحرمين؟ فقال أتمها و لو صلاة واحدة».
السابع-
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التمام بمكة و المدينة؟ قال أتم و ان لم تصل فيهما إلا صلاة واحدة».
الثامن-
رواية فائد الحناط المروية في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الصلاة في الحرمين؟ قال أتم و لو مررت به مارا».
أقول: و هذه الأخبار كما ترى ناصة على الإتمام في الحرمين من حيث خصوصية المكان، و لا مجال فيها لاحتمال التقييد بنية الإقامة بوجه كما يدعيه الصدوق (قدس سره) و من قال بمقالته.
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر. و المسؤول في الحديث أبو الحسن «ع».
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
441
و المفهوم من صحيحة على بن مهزيار المذكورة ان الخلاف في هذه المسألة كان في ذلك الوقت ايضا، بل ظاهرها ان التقصير ربما كان أشهر يومئذ حيث نقل عن فقهاء أصحابنا يومئذ انهم أمروه بالتقصير ما لم ينو مقام عشرة أيام.
و يؤيده
ما رواه جعفر بن محمد بن قولويه في كتاب كامل الزيارات (1) عن أبيه عن سعد بن عبد الله قال: «سألت أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد: مكة و المدينة و الكوفة و قبر الحسين (عليه السلام) الأربعة و الذي روى فيها؟ فقال انا اقصر و كان صفوان يقصر و ابن ابى عمير و جميع أصحابنا يقصرون».
و أجاب شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار عن خبر أيوب ابن نوح المذكور بأنه لا ينافي التخيير فإنهم اختاروا هذا الفرد. و عندي في هذا الجواب نظر لانه و ان سلم انه لا ينافي التخيير كما ذكره لكنه ينافي أفضلية الإتمام التي دلت عليها أخبار التمام و رغبت فيها و حثت عليها و صرحت بأنه من المذخور و المخزون في علم الله سبحانه، و من البعيد كل البعيد أن يرغب عنه هؤلاء الأفاضل مع ثبوت هذه الفضيلة بل جميع أصحابنا كما نقله أيوب بن نوح.
و الذي يظهر لي ان هذا الخبر و نحوه من الأخبار الآتية الدالة على التقصير في هذه الأماكن إنما خرجت ناصة على تحتم التقصير و تعينه مع عدم نية الإقامة و انه لا يسوغ الإتمام إلا بنية الإقامة، فما أجاب به أصحاب القول المشهور عن اخبار القصر- من انها لا تنافي بينها و بين أخبار التمام بحملها على اختيار أحد الفردين كما ذكره شيخنا المشار اليه هنا- ليس في محله.
و يرشدك الى ذلك حكاية على بن مهزيار فإنها تعطى ان الاختلاف واقع في تلك الأيام و ان اختلاف الرواية عنهم (عليهم السلام) إنما هو في تعين القصر و تحتمه في هذه المواضع كغيرها من سائر البلدان، إذ لو كان التخيير ثابتا يومئذ مع أرجحية التمام كما هو القول المشهور لما أشار عليه فقهاء أصحابنا يومئذ بالتقصير مع عدم نية الإقامة بل لا أقل ان يقولوا له أنت مخير و لما ضاق ذرعا بذلك
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 18 من صلاة المسافر.
442
لأنه إذا كان الحكم بالتخيير متفقا عليه عندهم و معلوما لديهم و الأخبار عندهم مجتمعة عليه و ان لم تثبت أفضلية التمام فما وجه ضيقه بذلك و كتابته اليه (عليه السلام)؟ بل الحق الصريح الذي لا يحتاج الى تكلف و لا تصحيح هو ما ذكرناه من أن روايات التقصير انما خرجت ناصة على تعين القصر إلا مع نية الإقامة و هو الذي فهمه منها أصحابنا في ذلك الوقت و لذا عكفوا على التقصير، و هو السبب الذي ضاق به على بن مهزيار حيث أنه قد روى له سابقا قبل حجته المشار إليها من الأخبار ما يدل على أفضلية التمام و قد كان يتم لذلك حتى صدر في حجه ذلك، فأشار عليه الأصحاب بالتقصير الموجب لبطلان ما عمل عليه سابقا فضاق بذلك صدرا من حيث رغبته في الإتمام لتحصيل تلك الفضيلة التي وردت في أخبار الإتمام و هؤلاء منعوه من ذلك و افهموه انه غير مشروع إلا مع نية الإقامة فكتب لهذه الحيرة الى الامام (عليه السلام).
و حينئذ فمع تعارض الأخبار على هذا الوجه و عدم إمكان ما ذكروه من الجمع في المقام فلا بد من النظر في ما يترجح به أخبار الطرفين ليصير العمل عليه في البين، و حينئذ فلقائل أن يقول ان صحيحة على بن مهزيار المذكورة قد اشتملت على سؤاله (عليه السلام) عن ذينك القولين و عرض اخبار الطرفين و هو (عليه السلام) قد أمر مع ذلك بالتمام فلا مندوحة عن الحكم بمقتضاها و العمل بفتواها. نعم يبقى الكلام في وجه تحمل عليه أخبار القصر و أظهر الوجوه فيها الحمل على التقية كما تقدمت الإشارة إليه ذيل الأخبار الأربعة المتقدمة في صدر البحث لاختصاص الإتمام في هذه البقاع بمذهب الإمامية، و سيأتي مزيد بسط الكلام في المقام بعد ذكر الأخبار المشار إليها ان شاء الله تعالى.
التاسع-
صحيحة مسمع عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال قال لي: «إذا دخلت مكة فأتم يوم تدخل».
العاشر-
رواية عمر بن رياح (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أقدم مكة
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
443
أتم أو أقصر؟ قال أتم. قلت و أمر على المدينة فأتم الصلاة أو أقصر؟ قال أتم».
أقول: و هذان الخبران ظاهر الدلالة على الإتمام أيضا بمجرد الوصول كما يشير اليه قوله في الرواية الأولى «إذا دخلت مكة فأتم» و من الظاهر ان الدخول للحج و هو أعم من أن يكون يوم الخروج منها للحج أو قبله بما لا يسع مقام عشرة أو يسع، و يشير إليه في الرواية الثانية «أمر على المدينة» بل ربما يدعى كونه كالصريح في عدم الإقامة، إذ المراد بالمرور هو اتخاذها طريقا من غير توقف و لا اقامة فيها و نحوها في ذلك رواية فائد الحناط المتقدمة.
الحادي عشر-
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) ان هشاما روى عنك انك أمرته بالتمام في الحرمين و ذلك من أجل الناس؟
قال لا كنت أنا و من مضى من آبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة و استترنا من الناس».
أقول: هذا الخبر لا يخلو من الإجمال الموجب لتعدد الاحتمال، و أظهر ما ينبغي أن يحمل عليه هو أنه لما كان مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و اتباعهم من تحتم القصر في السفر ما لم ينو مقام عشرة أيام معلوما عند عامة أهل زمانهم فكانوا إذا رأوا أحدا منهم يتم في الحرمين بدون الإقامة سيما مكة التي إنما يحصل القدوم فيها قبل التروية بقليل كانوا إذا أرادوا التمام لتحصيل شرف البقعة استتروا خوفا من التشنيع عليهم بالإتمام الذي هو خلاف مذهبهم لعدم علمهم بأفضلية الإتمام لشرف هذه البقاع، حيث انهم حجب عنهم كما تقدمت الإشارة إليه في الأخبار الأربعة الأولة، فلا جل دفع هذه المفسدة كانوا يستترون بذلك.
الثاني عشر-
رواية إبراهيم بن شيبة (2) قال: «كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام) اسأله عن إتمام الصلاة في الحرمين فكتب الى كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يحب إكثار الصلاة في الحرمين فأكثر فيهما و أتم».
الثالث عشر-
رواية على بن يقطين (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن التقصير بمكة فقال أتم و ليس بواجب إلا انى أحب لك مثل الذي أحب لنفسي».
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
444
الرابع عشر-
رواية سماعة بن مهران رواها شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) نقلا من كتاب عبد الله بن يحيى الكاهلي عن العبد الصالح (عليه السلام) قال قال لي «أتم الصلاة في الحرمين مكة و المدينة».
الخامس عشر-
رواية عمرو بن مرزوق (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصلاة في الحرمين و عند قبر الحسين (عليه السلام) قال أتم الصلاة فيها».
أقول: التقريب في هذه الروايات و أمثالها انه من الظاهر البين الظهور ان وجوب القصر على المسافر مع عدم نية الإقامة و وجوب الإتمام عليه مع نيتها كان أمرا معلوما عند أصحاب الأئمة (عليهم السلام) في تلك الأزمان، بل ربما يدعى انه من ضروريات الدين بين أولئك الأعيان، و ان ذلك حكم عام في جميع البلدان لا اختصاص له بمكان دون مكان، و هو صريح الأدلة الواردة بذلك كما لا يخفى على ذوي الأفهام و الأذهان، و حينئذ فلو كان الإتمام في هذه الاخبار مقيدا بإقامة العشرة كما يدعيه الصدوق و من قال بمقالته لكان لا وجه لتكرار هذه الأسئلة في هذه الأخبار العديدة عن الإتمام أو التقصير في هذه المواضع المخصوصة و لا سيما الحرمين لزيادة التردد لهما على غيرهما لوضوح أمر المسألة كما ذكرنا، فالحق ان هذه الأسئلة ما خرجت من هؤلاء السائلين في خصوصية هذه المواضع إلا من حيث انهم سمعوا ان لها خصوصية زائدة على غيرها و حكما مختصا بها دون ما سواها و هو رجحان الإتمام فيها و ان لم يكن بنية الإقامة خلاف ما يعهدونه من مسألة القصر، و الأئمة (صلوات الله عليهم) قد أجابوا عن هذه الأسئلة تارة بالأمر بالإتمام و تارة بالتخيير و تارة بالتقصير، و بذلك ارداد الإشكال الموجب لكثرة السؤال و السعى في تحقيق الحال و كشف ذلك الداء العضال، و ينبهك على ذلك صحيحة على بن مهزيار المتقدمة و رواية على بن حديد الآتية (3) ان شاء الله تعالى.
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 695.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) ص 448.
445
السادس عشر-
رواية عمران بن حمران (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أقصر في المسجد الحرام أو أتم؟ قال ان قصرت فذاك و ان أتممت فهو خير و زيادة الخير خير».
السابع عشر-
رواية الحسين بن المختار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (2) قال: «قلت له انا إذا دخلنا مكة و المدينة نتم أو نقصر؟ قال ان قصرت فذاك و ان أتممت فهو خير تزداد».
الثامن عشر-
صحيحة على بن يقطين عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) «في الصلاة بمكة؟ قال من شاء أتم و من شاء قصر».
و التقريب في هذه الأخبار ما تقدم في سابقها إلا انه قد وقع الجواب هنا بالتخيير مع أفضلية الإتمام كما عليه جل علمائنا الاعلام، و هذه الأخبار هي مستندهم في ذلك.
فان قيل: ان هذه الأخبار انما دلت على التخيير في الحرمين و أما حرم الحسين (عليه السلام) و الكوفة فلا دلالة فيها عليهما.
قلنا: لا ريب في صحة ما ذكرت إلا ان الظاهر ان مستند التخيير في هذين الموضعين انما هو الجمع بين ما دل على الإتمام و بين ما دل على التقصير من الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى في الملحقات، لان اخبار التمام ظاهرها تعين الإتمام و وجوبه و تلك الاخبار صريحة في جواز التقصير فلا بد في الجمع بينها من حمل اخبار التمام على التخيير مع أفضليته جمعا بين الجميع.
التاسع عشر-
رواية أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سمعته يقول تتم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و حرم الحسين (عليه السلام)».
العشرون-
رواية عبد الحميد خادم إسماعيل بن جعفر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال:
«تتم الصلاة في أربعة مواطن: المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
446
الكوفة و حرم الحسين (عليه السلام).
الحادي و العشرون-
رواية إبراهيم بن ابى البلاد عن رجل من أصحابنا يقال له حسين عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «تتم الصلاة في ثلاثة مواطن: في المسجد الحرام و مسجد الرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و عند قبر الحسين (عليه السلام)».
الثاني و العشرون-
رواية زياد القندي (2) قال «قال أبو الحسن (عليه السلام) يا زياد أحب لك ما أحب لنفسي و اكره لك ما أكره لنفسي أتم الصلاة في الحرمين و بالكوفة و عند قبر الحسين (عليه السلام)».
و التقريب في هذه الأخبار ما تقدم.
الثالث و العشرون-
رواية أبي شبل (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أزور قبر الحسين (عليه السلام)؟ قال نعم زر الطيب و أتم الصلاة فيه. قلت فان بعض أصحابنا يرون التقصير فيه؟ قال انما يفعل ذلك الضعفة».
أقول: قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) في كتاب البحار: اما قوله «انما يفعل ذلك الضعفة» فيحتمل ان يكون المراد به الضعفة في الدين الجاهلين بالأحكام أو من له ضعف لا يمكنه الإتمام أو يشق عليه فيختار الأسهل و ان كان مرجوحا، و الوجه الأخير يؤيد ما اخترناه و هو أظهر، و الأول لا ينافيه إذ يمكن ان يكون الضعف في الدين باعتبار اختيار المرجوح. انتهى.
أقول: و على كل من هذه الاحتمالات لا سيما الأول فهو مناف لما تقدم نقله من كتاب كامل الزيارات عن أيوب بن نوح من اختياره مع من نقل عنه ثمة التقصير، و كذا ما تضمنته صحيحة على بن مهزيار من أمر فقهاء أصحابنا يومئذ على بن مهزيار بذلك، و كأن شيخنا المشار اليه غفل عن ذلك و ما في توجيهه المذكور لهذا الخبر من الإشكال في المقام بمخالفة أولئك الأعلام الذين لا يمكن نسبة هذه الوجوه إليهم كما لا يخفى على ذوي الأفهام، اللهم إلا ان يحمل الخبر المذكور على من علم بالحكم في هذه المسألة و ان الأفضل التمام ثم مع هذا يصلى قصرا فإنه
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
447
لا يكون إلا عن أحد الوجهين المذكورين، و اما أولئك الأجلاء فإنه بسبب ورود اخبار التقصير عليهم و ترجحها لديهم لم يحصل لهم العلم بالحكم المذكور، و من ثم ذهب الصدوق (قدس سره) في المسألة إلى وجوب التقصير ايضا.
الرابع و العشرون-
صحيحة معاوية بن وهب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين و التمام؟ قال لا تتم حتى تجمع على مقام عشرة أيام.
فقلت ان أصحابنا رووا عنك انك أمرتهم بالتمام؟ فقال ان أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلون و يأخذون نعالهم و يخرجون و الناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام».
الخامس و العشرون-
رواية محمد بن إبراهيم الحضيني (2) قال: «استأمرت أبا جعفر (عليه السلام) في الإتمام و التقصير قال إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيام و أتم الصلاة. فقلت له انى أقدم مكة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة؟ قال انو مقام عشرة أيام و أتم الصلاة».
أقول: لا يخلو ظاهر هذا الخبر من الإشكال حيث ان ظاهره الإتمام بمجرد نية العشرة و ان علم انه لا يقيم العشرة.
و أجيب عنه بالتزام ذلك و انه من خصائص هذا المكان كما ذكره الشيخ و من تبعه. و بعده ظاهر.
و الأظهر عندي في الجواب هو انه لما كان الاختلاف في التقصير في هذا المكان يومئذ موجودا كما حققناه آنفا استأمره السائل في ذلك و سأله عن الحكم المذكور فأمره بالإتمام بعد نية الإقامة فرجع السائل و أخبره و انه ربما قدم في مدة لا يمكن فيها الإقامة لضيق الوقت عن الحج، و يظهر من مراجعته ان مراده ان يرخص له في التمام من غير نية إقامة كما وقع في حديث
على بن حديد الآتي (3) من قوله «و كان محبتي أن يأمرني بالإتمام».
فأجابه (عليه السلام) بأن الإتمام لا يكون إلا بعد نية الإقامة
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) ص 448.
448
و حاصله بيان تعليق الإتمام على نية الإقامة لا ان مراده (عليه السلام) الأمر بالإقامة و الإتمام على تلك الحال كما فهموه. و بالجملة فهذه العبارة مثل قوله (عليه السلام) في حديث على بن حديد «لا يكون الإتمام إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام» إلا ان هذه مجملة في ذلك و حملها على ما ذكرناه لا بعد فيه.
السادس و العشرون-
صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الصلاة بمكة و المدينة بتقصير أو إتمام؟ فقال قصر ما لم تعزم على مقام عشرة».
السابع و العشرون-
رواية على بن حديد (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) فقلت ان أصحابنا اختلفوا في الحرمين فبعضهم يقصر و بعضهم يتم و انا ممن يتم، على رواية قد رواها أصحابنا في التمام؟ و ذكرت عبد الله بن جندب و انه كان يتم قال رحم الله ابن جندب. ثم قال لي لا يكون الإتمام إلا ان تجمع على إقامة عشرة أيام وصل النوافل ما شئت. قال ابن حديد و كان محبتي أن يأمرني بالإتمام».
الثامن و العشرون-
صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قدم مكة فأقام على إحرامه؟ قال فليقصر الصلاة ما دام محرما».
التاسع و العشرون-
صحيحة معاوية بن وهب المروية في كتاب العلل (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) مكة و المدينة كسائر البلدان؟ قال نعم. قلت روى عنك بعض أصحابنا انك قلت لهم أتموا بالمدينة لخمس؟ فقال ان أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد عند الصلاة فكرهت ذلك لهم فلهذا قلته».
الثلاثون-
رواية عمار بن موسى المروية في كتاب كامل الزيارات لابن قولويه (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصلاة في الحائر قال ليس الصلاة إلا الفرض بالتقصير و لا تصل النوافل».
____________
(1) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(4) الوسائل الباب 25 من صلاة المسافر.
(5) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر.
449
أقول: هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة، و أنت خبير بان هذه الأخبار السبعة الأخيرة من الأدلة الدالة على ما ذهب اليه الصدوق و من قال بمقالته.
قال (قدس سره) في كتاب الفقيه بعد ذكر الرواية الرابعة ما هذا لفظه:
قال مصنف هذا الكتاب (رحمه الله) يعنى بذلك أن يعزم على مقام عشرة أيام في هذه المواطن حتى يتم، و تصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع. ثم ساق الرواية و هي الخامسة و العشرون (1).
و قال في كتاب الخصال بعد نقل صحيحة حماد بن عيسى و هي الأولى ما لفظه:
يعنى أن ينوي الإنسان في حرمهم (عليهم السلام) مقام عشرة أيام و يتم و لا ينوي دون مقام عشرة أيام فيقصر، و ليس ما يقوله غير أهل الاستبصار بشيء انه يتم في هذه المواضع على كل حال. انتهى.
أقول: قد عرفت من ما حققناه سابقا ان اخبار التقصير انما خرجت ناصة على التقصير كما ذهب اليه (قدس سره) و تأويل الأصحاب لها بما قدمنا نقله عنهم بعيد غاية البعد عن مضامين أكثرها و قرائن أحوالها بل غير مستقيم كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في ما قدمناه.
و انما يبقى الكلام معه في تأويل اخبار التمام بما ذكره، و فيه أولا- انه لا يخفى ان الأخبار التي استند إليها في وجوب التقصير موردها انما هو الحرمان خاصة فالمعارضة إنما وقعت في اخبار الحرمين و مدعاه وجوب التقصير في المواضع الأربعة مع ان اخبار التمام التي وردت في الحرمين الآخرين لا معارض لها، و لم نقف في الأخبار على خبر ناص على التقصير فيهما إلا على خبر عمار و هو الثلاثون من الأخبار المتقدمة بالنسبة إلى الحائر الحسيني، و هو- مع انحصار دلالته في الحائر مع بقاء اخبار الكوفة بلا معارض بالكلية، و اشتماله على خلاف ما صرح به الأصحاب و استفاضت به الأخبار كما سيأتي ان شاء الله تعالى من المنع من صلاة
____________
(1) بل هي السادسة و العشرون.
450
النوافل- مردود بضعفه و ندوره و عدم قيامه بمعارضة تلك الأخبار الصحيحة الصريحة في الإتمام في الحائر الشريف، مضافا الى ما عرفته في روايات عمار من تفرده بالغرائب في اخباره و الشواذ كما طعن عليه في الوافي في غير موضع بذلك.
و كيف كان فالكوفة كما عرفت لا معارض لاخبار التمام فيها بالكلية فبأي جهة يخرج عن أخبار التمام فيها، فان استند الى اخبار القصر المطلقة فهو مردود بان مقتضى القاعدة تقييد إطلاقها بهذه الأخبار فلا يتم الاستناد إليها كما لا يخفى على ذوي الأفكار.
و ثانيا- ان تأويله هذا و ان أمكن في بعض الأخبار المجملة كالخبرين المذكورين في كلامه إلا انه لا يتم في جملة منها كاخبار «يتم و لو صلاة واحدة» (1) و قوله في آخر «و لو مررت به مارا» (2) و نحوهما من ما قدمنا بيانه و شددنا أركانه. و حينئذ فما ذكره (قدس سره) لا يصلح لأن يكون حاسما لمادة الإشكال في جميع أخبار المسألة.
و ثالثا- ما تقدم من التقريب ذيل الرواية الثانية عشرة و الثالثة عشرة و الرابعة عشرة و الخامسة عشرة.
و بالجملة فان الحق الذي لا شك فيه و لا مرية تعتريه ان هذه الأخبار الواردة في هذه المسألة متصادمة لا يمكن حمل بعضها على بعض لا بما ذكره (قدس سره) من تأويل روايات التمام بنية إقامة العشرة و لا ما ذكره الأصحاب من تأويل روايات القصر بكونه أحد فردي المخير.
و توضيحه زيادة على ما تقدم ان المفهوم من صحيحة على بن مهزيار و رواية على بن حديد ان المراد من القصر في ما ورد به من الأخبار انما هو ما كان عزيمة كسائر المواضع إلا مع نية الإقامة، و ان المراد من الإتمام في ما ورد به من الاخبار انما هو ما لم يكن عن نية إقامة، إذ لو كان المراد من اخبار القصر انما هو ما تأولوها به من الحمل على اختيار أحد فردي الواجب المخير- و ان التخيير حكم مشهور في تلك
____________
(1) ص 440.
(2) ص 440.
451
المواضع كما يقولون به و من اخبار التمام التقييد بنية الإقامة كما يقول الصدوق مع ان ذلك حكم عام في جميع الأماكن- لكان لا معنى للخلاف بين أصحابنا الذين في وقتهم (عليهم السلام) حتى ان بعضهم يختار القصر و ينهى عن التمام و بعضها بالعكس، و لما ضاق على بن مهزيار بذلك و لما قال على بن حديد «و كان محبتي أن يأمرني بالإتمام» أما على الأول فلأنه مخير و اختيار أحد فردي الواجب المخير لا يوجب اختلافا و لا ينسب صاحبه إلى المخالفة، مع ان الإتمام أفضل و أرجح فكيف يعدل عنه الى المفضول و المرجوح؟ و أما على الثاني فلان الإتمام بنية الإقامة لا ينافي القصر مع عدم النية المذكورة حتى ينسب من يختار أحدهما الى مخالفة من يختار الآخر، و لكان لا معنى لقول على بن حديد «و كان محبتي أن يأمرني بالإتمام» كما لا يخفى على ذوي البصائر و الافهام.
و حينئذ فلا بد من النظر في المرجحات لأخبار أحد الطرفين ليكون العمل عليه في البين، و الظاهر ان الترجيح في أخبار الإتمام لوجوده:
الأول- صحيحة على بن مهزيار بالتقريب الذي تقدم في ذيلها و هو عرض الاختلاف يومئذ على الامام (عليه السلام) و امره بالإتمام.
فإن قيل: ان رواية على بن حديد قد تضمنت ايضا عرض القولين على الرضا (عليه السلام) و مع ذلك منع من الإتمام إلا مع إقامة عشرة أيام.
قلت: يمكن الجواب عن ذلك بعد الإغماض عن عدم معارضة رواية على بن حديد لصحيحة على بن مهزيار من حيث السند بان يقال انه قد ورد عنهم (عليهم السلام) انه إذا أتى حديث عن أولهم و حديث عن آخرهم أو عن واحد منهم ثم اتى عنه بعد ذلك ما ينافيه انه يؤخذ بالأخير في الموضعين:
روى ذلك ثقة الإسلام في الكافي عن المعلى بن خنيس (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إذا جاء حديث عن أولكم و حديث عن آخركم بأيهما تأخذ؟ فقال
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز أن يقضى به.
452
خذوا به حتى يبلغكم عن الحي فإن بلغكم عن الحي فخذوا بقوله».
و روى في حديث آخر عنه (عليه السلام) (1) «انه قال لبعض أصحابه: أ رأيتك لو حدثتك بحديث العام ثم جئتني من قابل فحدثتك بخلافه بأيهما كنت تأخذ؟ قال قلت كنت آخذ بالأخير. فقال لي رحمك الله».
و يؤيد ذلك ترحم الرضا (عليه السلام) على عبد الله بن جندب في رواية على بن حديد بعد أن نقل عنه انه يتم، و فيه أشعار بكونه على الحق في ذلك و ان الأمر بالتقصير هنا انما هو المصلحة.
الثاني- ان اخبار القصر في هذه المواضع أقرب الى موافقة العامة و اخبار التخيير لا توافقهم، و ذلك لان التخيير هنا من خواص مذهب الشيعة إذ العامة بين معين للقصر مطلقا و بين مخير مطلقا مع أفضلية التقصير (2) مع كون المعلوم عندهم من مذهب الشيعة هو وجوب القصر عزيمة على المسافر، و حينئذ فكل ما ورد من ما يدل على تحتم القصر و عدم جواز التخيير في هذه الأماكن يتعين حمله على التقية لما تقرر عنهم (عليهم السلام) من القواعد التي من جملتها عرض الأخبار في مقام الاختلاف على مذهب العامة و الأخذ بخلافه (3) و روايات التمام في هذه المواضع مخالفة لمذهب العامة فيتحتم الأخذ بها.
الثالث- انه مع العمل باخبار التمام كما اخترناه و اختاره جمهور أصحابنا يمكن حمل أخبار التقصير على التقية كما ذكرنا، و لو عملنا على أخبار القصر لزم طرح أخبار التمام رأسا مع استفاضتها و كثرتها و صحة أكثرها و صراحتها و ذلك لعدم قبولها لما ذكره الصدوق من الحمل المتقدم نقله كما أوضحناه، و في طرحها- مع ما عرفت مضافا الى قول الطائفة بها سلفا و خلفا إلا الشاذ النادر- من الشناعة ما لا يخفى.
____________
(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
(2) المغني ج 2 ص 267 الى 270 و الام ج 1 ص 159 و المهذب ج 1 ص 101 و بدائع الصنائع ج 1 ص 91 و بداية المجتهد ج 1 ص 152.
(3) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.
453
فان قيل: انه يمكن حمل أخبار الإتمام على التقية لقول العامة بالإتمام كما تقدم قلنا: فيه انه و ان قال العامة بالإتمام في مطلق السفر في الجملة و ان كان مرجوحا إلا انه لا يتمشى في أخبار هذه الأماكن:
أما أولا- فلتصريح جملة منها بأن العلة في الإتمام إنما هو تحصيل الثواب بكثرة الصلاة في هذه الأماكن و انه من المخزون و المذخور و نحو ذلك من ما يدل على ان العلة في الإتمام إنما هو شرف هذه البقاع، و لو كانت العلة في الإتمام إنما هي التقية لما كان لخروج هذا الكلام وجه بالكلية.
و أما ثانيا- فلما عرفت آنفا من أن كثرة الأسئلة عن هذه البقاع بأنه هل يصلى فيها تماما أو قصرا- مع معلومية وجوب القصر على المسافر و وجوب التمام على ناوي الإقامة و وجوب العمل بالتقية كيف اقتضته، بل ربما صارت هذه المسائل من ضروريات مذهب أهل البيت (عليهم السلام)- من ما لا وجه له، و أى وجه اشكال و خفاء فيه حتى تكثر فيه السؤالات عنه؟ و أي خصوصية لتعلق هذه الأسئلة بهذه الأماكن و هي كغيرها من ما يجب على المسافر فيه التقصير و الإتمام على ناوي الإقامة و العمل بما اقتضته التقية. و بذلك يظهر ان الأمر بالتمام إنما وقع من حيث شرف هذه البقاع.
و أما ثالثا- فلما عرفت في صحيحة على بن مهزيار من عمله على التمام مدة مديدة لما روى له فيه ثم عدوله الى التقصير لما أفتوه به و وقوعه بسبب ذلك في الضيق و الحيرة حتى كتب الى الامام (عليه السلام)، و أي حيرة و ضيق في الإتمام إذا نوى الإقامة أو اقتضته التقية؟ بل صريح اشارة الفقهاء عليه بالتقصير يومئذ ان إتمامه لم يكن عن نية إقامة و لا تقية كما لا يخفى على أدنى ذي فهم. و نحو ذلك ما تضمنته رواية على بن حديد.
و بالجملة فالحاذق البصير بل من له أدنى روية و فكر يسير لا يخفى عليه ان العلة في الإتمام في هذه الأخبار إنما هو شرف البقعة و الوصول الى محل الزلفى و الرفعة.
فإن قيل: المفهوم من صحيحة معاوية بن وهب و هي الرابعة و العشرون ان
454
الأمر بالإتمام إنما وقع تقية و كذلك صحيحته الأخيرة و هي التاسعة و العشرون.
قلت: لا يخفى ان هاتين الروايتين من جملة الروايات الدالة على وجوب التقصير حتما كما في سائر المواضع، و قد تقدم البحث فيهما في المقام الأول من الشرط الرابع من شروط التقصير (1).
و بيانه زيادة على ما تقدم انه لما أجابه الامام (عليه السلام) في الصحيحة الأولى بأنه لا يتم في الحرمين حتى يجمع على مقام عشرة أيام اعترضه السائل بأن أصحابنا قد رووا عنك انك أمرتهم بالتمام في ذينك الموضعين و ان لم يقيموا عشرة أجاب (عليه السلام) بأني لم آمرهم بالتمام في هذه الصورة من حيث شرف البقعة الموجب للتمام في جملة الأيام و انما أمرتهم بذلك لمصلحة أخرى و هو دفع الضرر عنهم بما كانوا يفعلونه يومئذ، حيث انهم مع عدم إقامة العشرة كانوا يقصرون فيخرجون من المسجد و الناس يستقبلونهم داخلين للصلاة و هذا من ما يوجب الضرر عليهم فأمرتهم بالإتمام و ان لم يقيموا عشرة لدفع ذلك عنهم. و منه يعلم ان الإتمام هنا غير الإتمام المدعى في أصل المسألة لأن هذا خاص بهؤلاء المذكورين لهذه العلة و ذلك الإتمام الذي في أصل المسألة عام.
قال الشيخ (رحمه الله) بعد نقل الخبر الأول من هذين الخبرين و كلام في البين ما لفظه: و يكون قوله (عليه السلام) لمن كان يخرج عند الصلاة من المسجد و لا يصلى مع الناس أمرا على الوجوب و لا يجوز تركه لمن كان هذا سبيله لان فيه دفعا للتقية و إغراء بالنفس و تشنيعا على المذهب. انتهى. و مرجعه الى ان الإتمام المأمور به في أصل المسألة تخييري و انه أفضل الفردين و هذا الإتمام المذكور في هذين الخبرين حتمي لا يجوز تركه لما ذكره (قدس سره).
فان قلت: ان حمل الإتمام على التقية في هذين الخبرين ينافي ما ذكرتم من حمل التقصير على التقية و من جملة ما دل على ذلك صدر الخبرين المذكورين.
____________
(1) ص 350.
455
قلت: لا مانع من أن تكون العلة في التقصير في هذه المواضع هو التقية و انه قد يتبدل الحكم بوجود عارض و أمر آخر كما في هاتين الروايتين من الخروج من المسجد على هذه الحال، و حينئذ فيكون الإتمام هنا مخصوصا بهؤلاء الذين كانوا يفعلون ذلك، و من الظاهر ان التقية هنا أشد لان خروجهم عند دخول المخالفين ربما كان موجبا لهم الخروج عن الدين في اعتقاد أولئك المعاندين فلذا أمرهم (عليه السلام) بالإتمام الذي هو أقل مفسدة، و لا يخفى ان اجوبتهم (عليهم السلام) تدور مدار المصالح التي تقتضيها الحال، فلا إشكال في هذا المجال كما لا يخفى على ذوي الكمال.
ثم ان من جملة من رجح ما رجحناه و اختار ما اخترناه من حمل اخبار القصر في هذه المسألة على التقية جملة من مشايخنا المحققين من متأخري المتأخرين:
منهم- شيخنا المجلسي في البحار و نقله فيه ايضا عن الفاضل العلامة المحقق المولى عبد الله الشوشتري، و اختاره ايضا المحدث الكاشاني في الوافي و الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل، و لكن أحدا منهم لم يعط المسألة حقها من التحقيق كما أوضحناه بحمد الله سبحانه مانح التوفيق، و لا تجد لأمثال هذه التحقيقات ذكرا في غير كتبنا و زبرنا، و لله سبحانه الحمد و المنة بذلك. و الله العالم بحقائق أحكامه و نوابه القائمون بمعالم حلاله و حرامه.
تنبيهات
الأول- في تحقيق المكان الذي يستحب فيه الإتمام
من هذه المواضع الأربعة و الكلام هنا يقع في مواضع ثلاثة:
الأول- في الحرمين الشريفين
، و قد اختلف كلام الأصحاب هنا في انه البلد في كل منهما أو المسجد كذلك أو الحرم؟ المشهور الأول، و ذهب ابن إدريس الى الثاني فحص الحكم بالمسجدين و هو مختار العلامة في المختلف و الشهيدين في اللمعة و شرحها و الروض، و ظاهر كلام الشيخ في التهذيب الثالث حيث قال: و يستحب إتمام الصلاة في الحرمين فان فيه فضلا كثيرا. ثم قال و من حصل بعرفات فلا يجوز
456
له الإتمام على حال. انتهى. و به يظهر ما في كلام بعض مشايخنا المعاصرين من إنكار القول بذلك حيث قال: و لم نظفر على قائل مصرح بالشمول لجميع حرم الله و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فضلا عن غيرهما. و الظاهر انه نشأ من غفلة عن ملاحظة العبارة المذكورة.
و من الظاهر ان الأصل في الخلاف المذكور اختلاف الأخبار الواردة في المقام، فإن جملة من الأخبار المتقدمة منها ما تضمن التعبير عن ذلك بالحرمين كالرواية الأولى و الثانية و الثالثة و الخامسة و السادسة و الثامنة و الحادية عشرة و الثانية عشرة و الرابعة عشرة (1) و الثانية و العشرين و الصحيح منها أربع روايات، و منها ما تضمن التعبير بمكة و المدينة كالرواية الرابعة و السابعة و التاسعة و العاشرة و الثالثة عشرة و السابعة عشرة (2) و الصحيح منها ثلاث روايات، و منها ما تضمن التعبير بالمسجدين كالرواية السادسة عشرة و التاسعة عشرة و العشرين (3) و كلها ضعيفة السند و حينئذ فإن عملنا باخبار الحرمين- و هي أكثر الأخبار كما عرفت و هو ظاهر التهذيب في ما قدمنا من عبارته- كان محل الإتمام فيهما أعم من البلدين.
و ظاهر الأصحاب انهم حملوا الحرمين في تلك الأخبار على البلدين و هو غير بعيد، و يؤيده
ما ورد عن الصادق (عليه السلام) (4) انه قال: «مكة حرم الله و حرم رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و حرم أمير المؤمنين على بن ابى طالب (عليه السلام) و المدينة حرم الله و حرم رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و حرم على بن ابى طالب (عليه السلام) و الكوفة حرم الله و حرم رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و حرم على بن ابى طالب (عليه السلام).
و ما رواه الشيخ في الأمالي بسند موثق عن عاصم بن عبد الواحد و هو مهمل (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: مكة حرم الله و المدينة حرم محمد
____________
(1) و الخامسة عشرة.
(2) و الثامنة عشرة و هي الصحيحة الثالثة.
(3) و الحادية و العشرين.
(4) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد.
(5) البحار ج 21 ص 30.
457
(صلى اللّٰه عليه و آله) و الكوفة حرم على بن ابى طالب (عليه السلام) ان عليا حرم من الكوفة ما حرم إبراهيم من مكة و ما حرم محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) من المدينة».
و يعضد ذلك ايضا قوله في آخر صحيحة على بن مهزيار و هي الرواية الخامسة «أي شيء تعني بالحرمين؟ فقال مكة و المدينة».
و قد أفصح (عليه السلام) هنا بذلك، و به يظهر قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور وقوفا في ما خالف أخبار القصر العامة على القدر المتيقن من هذه الأخبار.
و أما القول بالاقتصار على المسجدين كما ذهب اليه جمع ممن قدمنا ذكره و غيرهم فعللوه بكون الحكم على خلاف الأصل و الخروج عن العهدة بالقصر حاصل إجماعا، إذ غاية الحكم بالإتمام التخيير فالقصر في البلدين مجزئ إجماعا على التقديرين بخلاف الإتمام.
قال العلامة في المختلف بعد اختيار قول ابن إدريس: لنا- ان الأصل وجوب القصر فيصار الى خلافه في موضع الوفاق.
أقول: فيه مع الإغماض عن المناقشة في بعض هذه المقدمات انه ان كان التخصيص بالمسجدين على جهة الأولوية و الاحتياط فلا بأس، و ان كان على جهة الترجيح و الاختيار و الحكم بعدم اجزاء ما خرج عنهما كما هو صريح كلام ابن إدريس فإن اللازم اطراح تلك الأخبار الجمعة المتكاثرة مع كثرتها و صحة جملة منها و صراحتها و الاعتماد عليها في أصل المسألة و ضعف سند ما دل على اعتبار المسجدين باصطلاحهم كما قدمنا ذكره، مع ان قاعدتهم سيما شيخنا الشهيد الثاني و من يحذو حذوه رد الأخبار الموثقة فضلا عن الضعيفة.
و أما ما أجاب به العلامة في المختلف- حيث قال بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه:
احتجوا بما تقدم من الروايات الدالة على الإتمام في الحرمين، و الجواب بالحمل على نفس المسجدين جمعا بين الأدلة- ففيه أولا- مع الإغماض عن المناقشة بعد هذا الإطلاق ان المخالفة غير
458
منحصرة في أخبار الحرمين بل مثلها في أخبار البلدين بلفظ مكة و المدينة، و إطلاق هذين اللفظين على المسجدين أبعد.
و ثانيا- ان صحيحة على بن مهزيار تضمنت سؤال الإمام (عليه السلام) عن الحرمين الذين أمر بالإتمام فيهما فأجاب بمكة و المدينة و لو كان ما يدعونه حقا لأجاب (عليه السلام) بالمسجدين دون البلدين.
و بالجملة فالظاهر ان التخصيص بالمسجدين في تلك الروايات انما خرجت لمزيد الشرف و ان الغالب و المتعارف هو الصلاة في المسجد.
و من ما يؤيد الحمل على البلد زيادة على ما تقدم لكن بالنسبة إلى مكة ما ورد في بعض الأخبار الاعتكاف من أن البلد كلها في حكم المسجد:
مثل
ما في صحيحة عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «المعتكف بمكة يصلى في أي بيوتها شاء سواء عليه في المسجد صلى أو في بيوتها».
و في بعضها (2) «و لا يصلى المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة فإنه يعتكف بمكة حيث شاء لأنها كلها حرم الله».
ثم انه على تقدير قصر الحكم على المسجد فهل المعتبر في المسجد الحرام المسجد القديم الذي كان في زمن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو هذا المسجد الموجود الآن؟ اشكال قد تقدم بيانه في مسألة كراهة النوم في المسجد في المقدمة السادسة في المكان (3).
و أما مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) فالظاهر اختصاص الحكم بما كان في زمنه (صلى اللّٰه عليه و آله) دون ما زيد فيه لأن الحكم بالتمام هنا وقع على خلاف الأصل فيقتصر فيه على القدر المتيقن.
و يعضد ذلك إضافته إليه (صلى اللّٰه عليه و آله) في الاخبار فيخص بما كان في زمانه إذ
____________
(1) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف.
(2) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف، و هو حديث عبد الله بطريق الشيخ.
(3) ج 7 ص 295.
459
لا يضاف اليه ما فعله غيره بعده خصوصا ما أحدثه الثاني من غصب بعض الدور و جعلها في المسجد كما صرحت به الأخبار (1).
و قد ورد في تحديده من الأخبار
صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سألته عن حد مسجد الرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال الأسطوانة التي عند رأس القبر إلى الأسطوانتين من وراء المنبر عن يمين القبلة، و كان من وراء المنبر طريق تمر فيه الشاة و يمر فيه الرجل منحرفا، و كان ساحة المسجد من البلاط الى الصحن».
و نحوها صحيحة أبي بصير المرادي (3).
و
ثانيها- في الكوفة
و قد اختلف أيضا في محل الإتمام هنا هل هو مختص بالمسجد أو يعم البلد؟ فنقل جمع من متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم) عن الشيخ (قدس سره) انه قال: إذا ثبت الحكم في الحرمين من غير اختصاص بالمسجد يكون الحكم كذلك في الكوفة لعدم القائل بالفصل. و نقل الشهيد في الدروس عن المحقق انه حكم في كتاب له في السفر بالتخيير في البلدان الأربعة حتى الحائر، و رجح المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد عموم الإتمام في الكوفة، و صرح جمع من المتأخرين باختصاص الحكم بالمسجد، قال في المعتبر: ينبغي تنزيل حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) على مسجد الكوفة خاصة أخذا بالمتيقن. انتهى.
و ظاهر الشيخ في المبسوط تعدية الحكم إلى الغري أيضا حيث قال: و يستحب الإتمام في أربعة مواطن في السفر: بمكة و المدينة و مسجد الكوفة و الحائر على ساكنه أفضل التحية و السلام و قد روى الإتمام في حرم الله و حرم الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و حرم أمير المؤمنين و حرم الحسين (عليهما السلام) (4) فعلى هذه الرواية يجوز
____________
(1) وفاء الوفاء للسمهودى ج 1 ص 342 إلا انه لم يذكر الغصب بل انه كان بنحو الاشتراء و الاسترضاء.
(2) الوسائل الباب 58 من أحكام المساجد.
(3) الوسائل الباب 58 من أحكام المساجد.
(4) في حديث حماد ص 438.
460
الإتمام خارج مسجد الكوفة و بالنجف. انتهى.
و قال شيخنا المجلسي (عطر الله مرقده) بعد نقل ذلك عنه: و كأنه نظر الى ان حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) ما صار محترما بسببه و احترام الغري به أكثر من غيره. و لا يخلو من وجه و يومئ اليه بعض الأخبار، ثم قال (قدس سره) و الأحوط في غير المسجد القصر. انتهى.
فاما الأخبار الواردة هنا فان بعضها تضمن التعبير بحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) و هي الرواية الأولى و بعضا تضمن التعبير بالكوفة و هي الرواية الثانية و العشرون و بعضا بالمسجد و هي الرواية الرابعة و التاسعة عشرة و العشرون.
و قد طعن بعض المتأخرين في الرواية الواردة بحرم أمير المؤمنين (عليه السلام) بان فيها إجمالا لعدم معلومية الحرم ثمة، ثم نقل عن المعتبر كما أسلفنا تنزيله على المسجد.
و أنت خبير من ما أسلفنا من الروايتين الدالتين على أن الكوفة حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) و نحوهما غيرهما انه لا مجال للطعن بهذا الإجمال لتفسير الحرم في تلك الأخبار بالكوفة.
و حينئذ فيمكن القول بان موضع الإتمام هو البلد و تحمل رواية الحرم على ذلك، و تحمل رواية المسجد على ما ذكرنا سابقا من حيث مزيد الشرف و اعتياد العبادة فيه. و يحتمل التخصيص بالمسجد لكثرة الروايات الواردة به و تخصيص الحرم به كما ذكره في المعتبر. و لعل الأول أقرب و ان كان الثاني أحوط.
ثم انه على تقدير الصلاة في المسجد خصوصا أو احتياطا فهل يختص الحكم بالموجود الآن أو المسجد القديم لما دلت عليه جملة من الأخبار من حصول التغيير فيه عن ما كان عليه سابقا؟ اشكال.
و من الأخبار الدالة على ما قلناه من نقصان هذا المسجد عن المسجد القديم
ما رواه العياشي في تفسيره عن المفضل بن عمر (1) قال «كنت مع ابى عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) مستدرك الوسائل الباب 35 من أحكام المساجد.
461
بالكوفة أيام قدم على ابى العباس فلما انتهينا إلى الكناسة نظر عن يساره ثم قال يا مفضل ههنا صلب عمى زيد (رحمه الله) ثم مضى حتى أتى طاق الرواسين و هو آخر السراجين فنزل فقال لي انزل فإن هذا الموضع كان مسجد الكوفة الأول الذي خطه آدم (عليه السلام) و انا أكره أن أدخله راكبا. فقلت له فمن غيره عن خطته؟ فقال أما أول ذلك فالطوفان في زمن نوح (عليه السلام) ثم غيره أصحاب كسرى و النعمان بن المنذر ثم غيره زياد بن ابى سفيان. فقلت له جعلت فداك و كانت الكوفة و مسجدها في زمن نوح؟ فقال نعم يا مفضل. الحديث».
و ما رواه في الكافي بسنده فيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و انه كان يقوم على باب المسجد ثم يرمى بسهم فيقع في موضع التمارين فيقول ذلك من المسجد و كان يقول قد نقص من أساس المسجد مثل ما نقص في تربيعه».
و ما رواه شيخنا المجلسي (رحمه الله) في كتاب البحار (2) نقلا من كتاب المزار الكبير بسنده فيه الى على (عليه السلام) في حديث يتضمن فضل مسجد الكوفة قال في آخره «و لقد نقص منه اثنا عشر الف ذراع».
و ما رواه في الكتاب المذكور ايضا (3) عن حذيفة في حديث قال فيه «و لقد نقص من ذرعه من الأساس الأول اثنا عشر الف ذراع، و ان البركة منه على اثنى عشر ميلا من أى الجواب جئته».
و ما رواه في الكافي عن وهيب بن حفص عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان القائم إذا قام رد البيت الحرام إلى أساسه و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى أساسه و مسجد الكوفة إلى أساسه. و قال أبو بصير الى موضع التمارين من المسجد».
و حينئذ فعلى تقدير القول بالاقتصار على المسجد هل يكون الحكم في ما خرج عن المسجد الآن من ما علم دخوله في هذه الحدود المذكورة في هذه الروايات
____________
(1) الوسائل الباب 44 من أحكام المساجد، و هو حديث ابى بصير رقم «2».
(2) ج 22 ص 88.
(3) ج 22 ص 88.
(4) الفروع ج 1 ص 313 باب النوادر.
462
حكم هذا المسجد؟ اشكال من دلالة هذه الأخبار على كونه من المسجد، و من احتمال بناء حمل اللفظ الوارد عنهم (عليهم السلام) على المعهود المعروف يومئذ بين كافة الناس، و لو أريد ما زاد على ذلك لكان ينبغي بيان الحال حذرا من الإجمال الحاصل من تأخير البيان.
و يؤيد ذلك جعل البيوت في زمانه (عليه السلام) بجنب المسجد الموجود الآن كما هو الموجود الآن من آثار بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) و من الظاهر ايضا بيوت الناس في ذلك الوقت و الأسواق و نحوها فإنها كلها واقعة في تلك الحدود المستلزم البتة لوقوع النكاح فيها و البول و التغوط و ازالة النجاسات و نحو ذلك من ما يجب اجتنابه في المساجد.
و لم أقف لأحد من أصحابنا (رضوان الله عليهم) على كلام للتفصي عن هذا الإشكال، و قد نقل لي بعض من أثق به من الاخوان حين تشرفت في الأعوام السابقة بذلك المكان ان بعض العلماء المعاصرين المجاورين في النجف الأشرف كان يمنع من ضرب الخلاء في تلك الصحراء من ما يدخل في تلك الحدود، و حكى لي بعض الاخوان أيضا عن بعض علماء ذلك الزمان تخصيص النقصان من المسجد بالجهة التي فيها باب الفيل دون سائر الجهات، قال و هو الذي يلي موضع التمارين.
و كيف كان فالأحوط الاقتصار على هذا المسجد الموجود الآن. و قد تقدم الكلام في هذا المقام أيضا في التذنيب الملحق بالختام الذي في المساجد من آخر المقدمة السادسة في المكان (1) و الله سبحانه العالم.
و
ثالثها- في الحائر المقدس
على مشرفه أفضل التحية و السلام و قد اختلف ايضا فيه كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) و قد تقدم النقل عن المحقق في كتابه المشار اليه آنفا انه جعل البلد محلا للتمام، و المشهور بين أصحابنا الاختصاص بالحائر و أما الروايات الواردة هنا. فمنها ما هو بلفظ الحائر و هي الرواية الرابعة.
____________
(1) ج 7 ص 323 و 324.
463
و منها ما هو بلفظ الحرم و هي الرواية الأولى و التاسعة عشرة و العشرون.
و منها ما هو بلفظ «عند القبر» و هي الرواية الحادية و العشرون و الثانية و العشرون و الثالثة و العشرون.
و نقل عن المحقق في الكتاب المشار اليه آنفا انه استند في ما ذهب اليه هنا من الإتمام في مجموع البلد الى الأخبار الواردة بلفظ حرم الحسين (عليه السلام) قال: و قدر بخمسة فراسخ و أربعة فراسخ و الكل حرم و ان تفاوتت في الفضيلة. انتهى.
و نفى عنه البعد شيخنا المجلسي (رحمه الله) في البحار (1) ثم نقل شطرا من الأخبار الواردة في تقدير الحرم و في بعضها فرسخ في فرسخ من أربع جوانب القبر و في بعض آخر خمسة فراسخ من أربعة جوانبه، و نقل في جلد المزار من البحار (2) رواية تتضمن انه فرسخ من كل جانب، و لكن الكل مشترك في ضعف السند.
ثم انه (قدس سره) قال: و الأحوط إيقاع الصلاة في الحائر و إذا أوقعها في غيره فيختار القصر.
أقول: و الأقرب عندي هو القول المشهور و حمل الحرم في تلك الروايات على الحائر باعتبار انه أخص أفراد الحرم و أشرفها، و تؤيده الروايات الدالة على انه عند القبر، فإن إطلاق العندية على البلد لا يخلو من البعد و أما على الحائر فهو قريب و ان كان المتبادر من ذلك هو ما كان تحت القبة الشريفة خاصة إلا أن إدخال الحائر تحت هذا اللفظ في مقام الجمع بين الأخبار غير بعيد و لا مستنكر مثل إدخال البلد و يؤيده
ما ورد في بعض الأخبار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال «قبر الحسين (عليه السلام) عشرون ذراعا في عشرين ذراعا مكسرا روضة من رياض الجنة منه معراج الملائكة إلى السماء. الحديث».
و أظهر في ذلك تأييدا ان وجوب القصر ثابت على المسافر بيقين و لا يرتفع إلا بدليل ثابت مثله، و ذلك في المشهد الشريف و هو الحائر المقدس ثابت بما ذكرنا
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 703.
(2) البحار ج 22 ص 139 و 141 باب الحائر و فضله.
(3) البحار ج 22 ص 139 و 141 باب الحائر و فضله.
464
من الأدلة لاجتماع صدق الألفاظ الثلاثة عليه، و أما في غيره من أماكن البلد فلا لان المناط حينئذ إنما هو محض احتمال كون المراد بالحرم هنا مطلق حرمه (عليه السلام) و احتمال حمل الحائر على ما وراء سور المشهد و احتمال التجوز في «عنده» بما يشمل البلد، و كل هذه الاحتمالات و لا سيما الأخير في غاية البعد و الخروج عن الظاهر المتبادر، فالخروج عن يقين وجوب القصر بهذه الاحتمالات لا يخلو من مجازفة ظاهرة و أما تحديد الحائر الشريف فقال ابن إدريس انه ما دار سور المشهد و المسجد عليه دون ما دار سور البلد عليه، لان ذلك هو الحائر حقيقة لأن الحائر في لسان العرب الموضع المطئن الذي يحار فيه الماء، و قد ذكر شيخنا الشهيد ان في هذا الموضع حار الماء لما أمر المتوكل (لعنه الله) بإطلاقه على قبر الحسين (عليه السلام) ليعفيه فكان لا يبلغه. انتهى.
و قال شيخنا المجلسي (قدس سره) في كتاب البحار بعد نقل كلام ابن إدريس المذكور: و أقول ذهب بعضهم الى ان الحائر مجموع الصحن المقدس و بعضهم إلى أنه القبة السامية و بعضهم إلى أنه الروضة المقدسة و ما أحاط بها من العمارات المقدسة من الرواق و المقتل و الخزانة و غيرها، و الأظهر عندي انه مجموع الصحن القديم لا ما تجدد منه في الدولة الصفوية (شيد الله اركانهم و الذي ظهر لي من القرائن و سمعته من مشايخ تلك البلاد الشريفة انه لم يتغير الصحن من جهة القبلة و لا من جهة اليمين و لا من جهة الشمال بل إنما زيد من خلاف جهة القبلة، و كل ما انخفض من الصحن و ما دخل فيه من العمارات فهو الصحن القديم و ما ارتفع منه فهو خارج عنه، و لعلهم انما تركوه كذلك ليتمايز القديم من الجديد. و التعليل المنقول عن ابن إدريس (قدس سره) ينطبق على هذا و في شموله لحجرات الصحن من الجهات الثلاثة إشكال. انتهى كلام شيخنا المذكور.
أقول: و قد أخبرني من أثق به من علماء تلك البلد و سكنة ذلك المكان منذ مدة من الزمان لما تشرفت بتقبيل تلك الأعتاب و فاوضته في كلام شيخنا المذكور
465
و نقله التغيير في الصحن في دبر القبلة فقال ان سبب ذلك ان هذا المسجد الجامع الموجود الآن في ظهر القبة السامية لم يكن قبل و انما أحدث في ما يقرب من مائتي سنة و لما أحدثوه أخروا جدار الصحن من تلك الجهة لتتسع مثل باقي جهاته.
ثم ان ما اختاره شيخنا المتقدم ذكره- من تحديد الحائر الشريف و انه عبارة عن الصحن لا خصوص القبة السامية أو هي و ما اتصل بها من العمارات- يدل عليه بعض اخبار الزيارات كما في رواية صفوان الطويلة (1) و نحوها من الأخبار الدالة على سعة ما بين دخول الحائر و وصول القبر بحيث يزيد على الروضة و العمارات المتصلة بها.
التنبيه الثاني [ما نقل من وجوب الإتمام في المواضع الأربعة]
- قد تقدم النقل عن المرتضى و ابن الجنيد (رضى الله عنهما) انهما ذهبا الى وجوب التمام في هذه المواضع الأربعة و ألحقا بها المشاهد المشرفة.
هكذا نقله الأصحاب عنهما.
و الذي وقفت عليه من كلاميهما ما نقله عنهما في المختلف، فنقل عن السيد في الجمل انه قال: لا يقصر في مكة و مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مشاهد الأئمة القائمين مقامه (عليهم السلام). و نقل عن ابن الجنيد انه قال: و المسجد الحرام لا يقصر فيه أحد لأن الله جعله سواء الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ (2).
و هاتان العبارتان قاصرتان عن افادة ما نقل عنهما سيما عبارة ابن الجنيد المختصة بالمسجد الحرام، اللّهمّ إلا أن يكون قد وقفوا لهما على كلام غير هذا، مع ان المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف نقلا عن السيد القول بالقول المشهور، و يمكن حمل النهي في كلاميهما هنا على النهى عن تحتمه ردا على مثل الصدوق القائل بتحتم القصر، فإنهم كثيرا ما يجرون في التعبير على وفق ألفاظ النصوص و ان كانوا يفهمون ان المراد بها خلاف ظاهرها كما هو في كلام الشيخ و الصدوق شائع و كيف كان فهو على ظاهره مطروح غير معمول عليه. و اما تعدية الحكم إلى سائر
____________
(1) البحار ج 22 ص 158.
(2) في قوله تعالى في سورة الحج الآية 25.
466
المشاهد المشرفة فقال في الذكرى: انا لم نقف لهما على مأخذ في ذلك و القياس عندنا باطل
الثالث [التخيير في المواضع الأربعة لا يجري في الصوم]
- ظاهر أصحابنا (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف ان التخيير في هذه المواضع مخصوص بالصلاة دون الصوم لخلو الأخبار الواردة في المسألة من التعرض له، بل اشعار بعض الروايات المتقدمة و هي الرواية السادسة بالعدم، حيث سئل فيها عن إتمام الصلاة و الصيام في الحرمين فأجاب (عليه السلام) عن الصلاة خاصة و اضرب عن الصيام و الظاهر انه لعدم جريان الحكم فيه. و ما ربما يوجد في بعض النسخ بلفظ ضمير التثنية فالظاهر انه غلط من النساخ بل الأظهر ما في أكثر النسخ المعتمدة بضمير الافراد الراجع إلى الصلاة خاصة كما يؤيده قوله (عليه السلام):
«و لو صلاة واحدة».
و من أظهر ما يدل على ذلك
صحيحة أحمد بن محمد بن ابى نصر البزنطي (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصيام بمكة و المدينة و نحن في سفر فقال أ فريضة؟
فقلت لا و لكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة. قال فقال تقول اليوم و غدا؟ فقلت نعم. فقال لا تصم».
و التقريب فيها ان المنع عن التطوع مستلزم للمنع عن الواجب بطريق أولى.
و ما ربما يتوهم من جواز ذلك- استنادا إلى
صحيحة معاوية بن وهب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت دخلت بلدا أول يوم من شهر رمضان و لست أريد أن أقيم عشرا؟ قال قصر و أفطر. قلت فانى مكثت كذلك أقول غدا أو بعد غد فأفطر الشهر كله و اقصر؟ قال نعم هما واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت».
و بهذا المضمون روايات أخر تقتضي جواز الصيام مع الإتمام- فقد أجاب عنه شيخنا المجلسي في البحار بأنه يمكن أن يكون المراد به القصر على الحتم كما هو الغالب. انتهى. و هو جيد لما عرفت في غير مقام من ما تقدم ان
____________
(1) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.
(2) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر.
467
الأحكام المودعة في الأخبار انما تبنى على الافراد المتكررة المتكثرة فإنها هي التي ينصرف إليها الإطلاق و تتبادر الى الفهم.
و يحتمل ايضا تخصيص الخبر المذكور بغير ما نحن فيه كما وقع تخصيصه في مواضع أخر أيضا: منها- ما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الصيام في من سافر بعد الظهر بدون تبيت النية على الخلاف الآتي ان شاء الله تعالى، و حينئذ فلا بد من حمله على ان ذلك من حيث اقتضاء السفر فلا ينافيه ما لو حصل أحيانا التخلف لعارض و من جهة أخرى كما نحن فيه، إذ خروج القصر عن كونه عزيمة في هذه المواطن إنما هو من جهة خصوصية فيها اقتضت ذلك بالأدلة القاطعة. هذا مع ان ما نحن فيه دائر بين كونه الصيام أفضل من الإفطار و بين كونه حراما بخلاف الإفطار فإنه دائر بين كونه واجبا حتميا أو تخييريا، و مقتضى القواعد العقلية و النقلية في ما إذا دار الفعل بين الاستحباب و التحريم هو ترك ذلك الفعل، و أما الإفطار هنا فهو موجب للخروج عن العهدة على كل من التقديرين. و الله العالم.
الرابع [حكم النافلة الساقطة في السفر في الأماكن الأربعة]
- قد صرح جملة من الأصحاب- منهم الشهيد في الذكرى و المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد و الفاضل الخراساني في الذخيرة و شيخنا المجلسي في البحار و المحدث الكاشاني في المفاتيح- بجواز فعل النافلة الساقطة في السفر في هذه الأماكن سواء اختار القصر أو الإتمام للتحريض و الترغيب في كثرة الصلاة فيها كما تقدم في الرواية الخامسة و الرواية الثانية عشرة.
و من ما يدل على ذلك مع اختيار القصر جملة من الأخبار رواها ابن قولويه في كتاب كامل الزيارات: منها-
ما رواه بسنده عن على بن أبي حمزة (1) قال:
«سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن زيارة قبر الحسين (عليه السلام) فقال ما أحب لك تركه. فقلت و ما ترى في الصلاة عنده و أنا مقصر؟ قال صل في المسجد الحرام ما شئت تطوعا و في مسجد الرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما شئت تطوعا و عند قبر الحسين (عليه السلام) فإني أحب ذلك. قال
____________
(1) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر.
468
و سألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين (عليه السلام) و مشاهد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الحرمين تطوعا و نحن نقصر؟ فقال نعم ما قدرت عليه».
و ما رواه في الكتاب المذكور بسنده عن ابن ابى عمير عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التطوع عند قبر الحسين (عليه السلام) و بمكة و المدينة و أنا مقصر؟ قال تطوع عنده و أنت مقصر ما شئت و في المسجد الحرام و في مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و في مشاهد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فإنه خير».
و ما رواه عن إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) أتنفل في الحرمين و عند قبر الحسين (عليه السلام) و انا أقصر؟ قال نعم ما قدرت عليه».
وجه الدلالة انه إذا جاز التنفل مع القصر فمع الإتمام أولى.
أقول: لقائل أن يقول انه لا ريب في صراحة الأخبار الدالة على سقوط النافلة الراتبة النهارية في السفر و هو حكم اتفاقي نصا و فتوى، و هذه الأخبار غاية ما تدل عليه الحث على التطوع و كثرة الصلاة، و هو و ان كان أعم من الراتبة و غيرها لكن عارضها في الراتبة ما عرفت فيجب قصرها على غير الراتبة.
و بالجملة فإن الأحوط ترك الراتبة النهارية مع اختيار القصر لعدم صراحة هذه الأخبار مع غض الطرف عن النظر في أسانيدها في جوازها على التعيين و عدم تبادرها من حاق ألفاظها على اليقين. و دخولها في مطلق التطوع معارض بما دل على سقوطها على الخصوص و التعيين مع قصر فرائضها و وجوب تقديم الخاص في العمل.
نعم مع اختيار الإتمام الظاهر انه لا إشكال في جواز الإتيان بها، و يشير الى ذلك
رواية أبي يحيى الحناط (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر؟ فقال يا بنى لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة».
____________
(1) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 26 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 21 من أعداد الفرائض و نوافلها.
469
و ربما أيد الحمل هنا على غير الراتبة عد مشاهد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من تلك المواضع في استحباب كثرة التطوع في حال السفر مع الصلاة قصرا مع انها ليست داخلة في شيء من المواضع الأربعة.
و بالجملة فدليل سقوطها مع التقصير صحيح صريح متفق عليه فلا يخرج عن مقتضاه إلا بدليل مثله، سيما انا لم نعثر على مصرح بهذا الحكم من المتقدمين.
إلا انه يمكن أن يقال ايضا ان سقوط الراتبة المذكورة انما ثبت مع تعين التقصير و تحتمه و حينئذ فمع عدمه تبقى أدلتها الدالة على استحبابها مطلقا و توظيفها سالمة من المعارض، و حينئذ فيمكن القول بجوازها اعتمادا على تلك الأدلة دون هذه، و الاحتياط لا يخفى. و الله العالم.
الخامس [نية القصر و الإتمام في الصلاة في الأماكن الأربعة]
- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- المحقق في المعتبر و غيره بأنه لا يعتبر في الصلاة الواقعة في هذه الأماكن التعرض لنية القصر و الإتمام، و استحسنه جماعة ممن تأخر عنه: منهم- السيد السند في المدارك و شيخنا المجلسي في البحار و غيرهما في غيرهما، و المفهوم من كلام شيخنا الشهيد في الدروس و البيان وجوب التعرض لذلك في النية، لكن صرح في البيان بأنه لا يخرج بذلك عن التخيير و المشهور خلافه.
و الظاهر ان مرادهم بالتعرض لنية القصر و الإتمام أخذ ذلك في قيود النية المشهور تصويرها في كتبهم بقول المصلى مثلا «أصلي فرض كذا. الى آخره» التي هي عبارة عن الكلام النفسي و التصوير الفكري، و إلا فلا ريب انه لا بد من اعتبار ذلك بل لا يمكن بدونه لضرورة عدم انفكاك أفعال العقلاء عند توجه النفس إلى شيء منها عن القيود المميزة، و لهذا قيل لو كلفنا الله العمل بغير نية لكان تكليفا بما لا يطاق، و هذه هي النية الحقيقية كما تقدم تحقيقه في غير مقام من مباحث النية.
و الظاهر ان مرادهم ايضا بعدم تعيين أحدهما بالنسبة إليه انه لو نوى الإتمام
470
مثلا جاز له الرجوع الى القصر ما لم يتجاوز محل العدول و لا يتعين عليه المضي على الإتمام، و كذا لو نوى القصر جاز له العدول الى التمام ما لم يسلم على الركعتين مستصحبا للنية الأولى، و إلا فلو كان المراد الإتيان بأيهما كيف اتفق كما يفهم من ظاهر العبارة لأشكل ذلك في ما لو دخل بنية الإتمام ثم سلم على الركعتين ساهيا أو دخل بنية القصر ثم صلى الركعتين الأخيرتين ساهيا، فان الحكم بالصحة بناء على انه مخير في الإتيان بهما و قد أتى بأحدهما مشكل، لأن الظاهر ان المكلف و ان كان مخيرا بين الفردين إلا انه باختياره أحدهما و قصده الامتثال به من غير عدول عنه في محل العدول يتعين في حقه و تترتب عليه أحكامه من الابطال بزيادة ما تكون زيادته مبطلة و نقصان ما نقصانه مبطل، و إلا لزم الحكم بالصحة بناء على استحباب التسليم في ما لو صلى بنية التمام ثلاث ركعات ثم سلم على الثالثة ساهيا، فإنه قد أوجد الصلاة المقصورة في ضمن هذه الثلاث ركعات و ان كانت غير مقصودة فتكون مجزئة، بل و لو سلم عامدا أو أحدث و الحال هذه بعد إتمام الركعتين الأخيرتين أو فعل ما يبطلهما بعد ذلك فإنه تكون صلاته صحيحة باعتبار اشتمالها على الصلاة المقصورة في الجملة، و الحكم بالصحة في أمثال ذلك خارج عن مقتضى القواعد و الأصول المقررة.
و بذلك يظهر لك ما في كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث قال: الظاهر انه لو نوى القصر ثم تممها نسيانا أو عمدا مع النقل تصح الصلاة و بالعكس. انتهى.
و الظاهر ان مراده بالعكس ما لو نوى التمام ثم سلم على الركعتين الأولتين ساهيا أو أحدث بعد التشهد أو فعل غيره من المبطلات فإنه تكون صلاته صحيحة.
و مرجع كلامه الى اجزاء الإتيان بأحد الفردين واقعا و ان لم يكن مقصودا و لا مرادا له حال دخوله في الصلاة الى الفراغ منها، و بطلانه أظهر من ان يذكر فان العبادات تابعة للقصود و النيات و لكل من إفرادها أحكام خاصة مبنية على ذلك كما لا يخفى
471
على من تأمل القواعد المستفادة من الأخبار و كلام الأصحاب في هذا الباب. و الله العالم
السادس
- قد أورد بعض الأصحاب إشكالا في هذا المقام و ما شاكله من كل موضع حكم فيه بالتخيير بين واجبين مع أرجحية أحدهما، كالحكم بالتخيير بين التسبيح و الفاتحة في الأخيرتين مع الحكم بأفضلية التسبيح، و التخيير بين الظهر و الجمعة مع أفضلية الجمعة، و الحكم بالتخيير في الاستنجاء بين الماء و الأحجار مع عدم التعدي و أفضلية الماء و نحو ذلك، و قد تقدم الكلام في بيان الاشكال المذكور و الجواب عنه و البحث في ذلك في الفصل الثامن في حكم الأخيرتين من الباب الثاني (1) و في بحث النية في الوضوء من كتاب الطهارة و غيرهما فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.
السابع [حكم فوائت الأمكنة الأربعة]
- قد صرح جملة من متأخري المتأخرين: منهم- المحقق الأردبيلي و الفاضل الخراساني و شيخنا المجلسي بأن الظاهر بقاء التخيير في فوائت هذه الأمكنة فيتخير في قضائها بين الإتمام و القصر و ان وقع القضاء في خارجها لعموم
«من فاتته صلاة فليقضها كما فاتته» (2).
ثم احتملوا تعين القصر احتمالا و جعله بعضهم أحوط اما لو أراد ان يقضى فيها ما فات في خارجها فظاهرهم عدم التخيير للخبر المذكور.
الثامن [هل يتم فيها من عليه فائتة؟]
- قال في المنتهى: من عليه صلاة فائتة هل يستحب له الإتمام في هذه المواطن؟ الأقرب نعم عملا بالعموم، و كان والدى (قدس سره) يمنع من ذلك
لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) «لا صلاة لمن عليه صلاة».
و لان من عليه فريضة لا يجوز له فعل النافلة. انتهى.
و قد نقل هذا القول عن والد العلامة جماعة و ردوه بالضعف، و هو كذلك بناء على ما هو المشهور بين المتأخرين من جواز المواسعة في القضاء، و أما على
____________
(1) ج 8 ص 428.
(2) تقدم في التعليقة 2 ص 22 و التعليقة 1 ص 26 ما يتعلق بالمقام.
(3) مستدرك الوسائل الباب 46 من مواقيت الصلاة.
472
كلام جمهور المتقدمين من القول بالمضايقة كما تقدم تحقيقه في محله فإنه لا يشرع له الإتيان بالحاضرة مطلقا إلا في آخر وقتها في أي مكان كان.
و كيف كان فهذا القول لا يظهر له وجه على كل من القولين، فان ظاهره جواز الصلاة قصرا و انما منع من الركعتين الأخيرتين حيث انهما نافلة و مستحبة و هي غير مشروعة لمن عليه فريضة واجبة. و فيه ان عموم الأخبار الدالة على التخيير دال على الصحة في ما نحن فيه، مع انا نمنع ما ذكره من الاستحباب بل هاتان الركعتان باختيار الإتمام يكون من قبيل الواجب. و بالجملة فالظاهر ان كلامه لا وجه له يعتمد عليه.
التاسع- لو ضاق الوقت إلا عن أربع ركعات
فقيل بوجوب القصر لتقع الصلاتان في الوقت، و استظهره السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة، و قيل يجوز الإتيان بالعصر تماما في الوقت لاختصاصها بمقدار الأربع ركعات من آخر الوقت و قضاء الظهر. و الظاهر ضعفه فان اختصاص هذا المقدار بها إنما يتم لو كانت يتعين الإتيان بها أربعا و ليس كذلك. و قيل يجوز الإتمام في العصر لعموم «من أدرك» (1) يعنى انه يصلى الظهر قصرا أولا ثم يصلى العصر تماما و ان وقع بعضها خارج الوقت لعموم الخبر المذكور. و ضعفه في المدارك بأنه و ان تحقق بذلك إدراك الصلاة إلا انه لا يجوز تعمده اختيارا لاقتضائه تأخير الصلاة عن وقتها المعين لها شرعا. انتهى. و الله العالم.
المسألة الرابعة [لو دخل الوقت في الحضر ثم سافر قبل الصلاة]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو دخل عليه الوقت في الحضر ثم سافر قبل الصلاة حتى تجاوز محل الترخص، فقيل بوجوب الإتمام عليه مطلقا اعتبارا بحال الوجوب، و نقل ذلك عن جمع من الأصحاب:
منهم- ابن ابى عقيل و الصدوق في المقنع و اختاره العلامة في جملة من كتبه و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و نقل في الروض ان القول بالإتمام في هذه المسألة
____________
(1) الوسائل الباب 30 من مواقيت الصلاة.
473
و المسألة الآتية هو المشهور بين المتأخرين، ثم نقل بقية الأقوال التي في المسألتين معا و قال بعد ذلك: و المسألة من أشكل الأبواب. و ظاهره التوقف في الحكم هنا.
و قيل بوجوب التقصير اعتبارا بحال الأداء و نقل عن الشيخ المفيد و ابن إدريس و السيد المرتضى في المصباح و الشيخ على بن الحسين بن بابويه و جمع من الأصحاب: منهم- المحقق و هو اختيار جمع من أفاضل متأخري المتأخرين، و قيل بالتفصيل بين سعة الوقت و عدمها فان وسع التمام وجب و إلا صلى قصرا، و نسب هذا القول الى الشيخ في النهاية و موضع من المبسوط و هو اختيار الصدوق في الفقيه، و قيل بالتخيير و نقل عن الشيخ في الخلاف. هذا ما وقفت عليه من الأقوال في المسألة.
و الأصل في اختلاف هذه الأقوال اختلاف أخبار المسألة و اختلاف الأفهام في المقام، و ها أنا أسوق لك ما وصل الى من روايات المسألة مذيلا لكل منها بما يتعلق به من البحث و الكلام لينجلى بذلك عنها غشاوة الإبهام فأقول:
الأول-
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل من سفره و قد دخل وقت الصلاة و هو في الطريق قال يصلى ركعتين، و ان خرج الى سفره و قد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا».
أقول: و هذا الخبر أقوى ما استدل به العلامة في المختلف على القول الأول إلا انه قابل للتأويل كما ذكره جملة من المتأخرين من إمكان حمل قوله: «الرجل يدخل من سفره» على معنى انه يريد الدخول و حينئذ فصلاة الركعتين انما هي في السفر، و قوله: «و ان خرج الى سفره» اى أراد الخروج الى سفره و قد دخل وقت الصلاة فليصل أربعا يعني في الحضر. و هو قريب لان مثل هذا التجوز شائع في الآيات و الأخبار و منه قوله عز و جل «إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ» (2) و قوله: «فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ.» (3) و نحو ذلك.
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
(2) سورة المائدة الآية 8.
(3) سورة النحل الآية 99.
474
الثاني-
رواية بشير النبال (1) قال: «خرجت مع ابى عبد الله (عليه السلام) حتى أتينا الشجرة فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام) يا نبال قلت لبيك قال انه لم يجب على أحد من أهل هذا العسكر ان يصلى أربعا غيري و غيرك، و ذلك انه قد دخل وقت الصلاة قبل أن نخرج».
أقول: و هذه الرواية ظاهرة الدلالة على القول الأول، و ردها المتأخرون بضعف السند و عدم قوة معارضتها لما يأتي من الأخبار الدالة على التقصير في الصورة المذكورة. و ما ذكره في الوسائل من حملها على انهما صليا في المدينة بعيد جدا كما لا يخفى.
الثالث-
صحيحة إسماعيل بن جابر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يدخل على وقت الصلاة و انا في السفر فلا أصلي حتى أدخل أهلي؟ قال صل و أتم الصلاة قلت فدخل على وقت الصلاة و أنا في أهلي أريد السفر فلا أصلي حتى أخرج؟
فقال فصل و قصر، فان لم تفعل فقد خالفت و الله رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».
أقول: و هذه الرواية صحيحة ظاهرة الدلالة على القول الثاني و هو وجوب التقصير و الاعتبار بحال الأداء في الموضعين مؤكدا ذلك بالقسم على ان خلاف ذلك بأي نوع كان خلاف ما أمر به رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و من ثم قال في المعتبر: و هذه الرواية أشهر و أظهر في العمل.
الرابع-
صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام). الى أن قال قلت الرجل يريد السفر فيخرج حين تزول الشمس؟ فقال إذا خرجت فصل ركعتين».
و التقريب فيها كما في سابقتها.
و أيد هذا القول زيادة على دلالة هاتين الصحيحتين انه في هذا الوقت مسافر فيتناوله ما دل بعمومه أو إطلاقه على وجوب التقصير على المسافر، و يزيده تأييدا أيضا الأخبار الدالة على وجوب التقصير على المسافر إذا بلغ محل الترخص، فان
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
475
إطلاقها شامل لما نحن فيه.
إلا ان هنا شيئا قل من تنبيه له و هو ان من قال بوجوب الإتمام في هذه المسألة يشترط مضى وقت الصلاة كاملة الشرائط في الحضر ليحصل استقرارها في الذمة فيجب الإتيان بها عليه تماما. و ظاهرهم ان محل الخلاف في المسألة مقصور موقوف على هذه الصورة فلو سافر قبل مضى الوقت المشار اليه لم يكن من محل الخلاف في شيء بل الواجب هو التقصير، و لهذا ان بعض الأصحاب احتمل في صحيحتي محمد بن إسماعيل و محمد بن مسلم المذكورتين حمل الأمر بالتقصير على الخروج من البلد بعد دخول الوقت و قبل مضى الوقت المشار اليه و جعل هذا وجه جمع بين اخبار القولين المذكورين، و به يشكل استدلال القائلين بالقول الثاني بهاتين الروايتين.
الخامس-
رواية الوشاء (1) قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول إذا زالت الشمس و أنت في المصر و أنت تريد السفر فأتم فإذا خرجت بعد الزوال قصر العصر».
أقول: هذا الخبر يحتمل حمله على أن يكون الإتمام فيه بعد الخروج فيكون من أدلة القول الأول، و يحتمل أن يكون الإتمام في المصر فلا دلالة فيه. و أما تقصير العصر فهو في السفر البتة لكن إن كان مع صلاة الظهر في المصر فيمكن ان يستدل به ايضا للقول الثاني و هو الاعتبار بحال الأداء و ان كان مع صلاة الظهر في السفر فيشكل ذلك كما لا يخفى، و لعل الأمر بتقصير العصر هنا من ما يعين الحمل على الاحتمال الثاني. و كيف كان فالظاهر انه لا يمكن الاستناد الى هذا الخبر في شيء من أقوال المسألة لما عرفت من تشابهه و إجماله.
السادس-
موثقة عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سئل عن الرجل إذا زالت الشمس و هو في منزله ثم يخرج في سفر؟ قال يبدأ بالزوال فيصليها ثم يصلى الأولى بتقصير ركعتين لأنه خرج من منزله قبل أن تحضر الأولى. و سئل
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 23 من أعداد الفرائض و نوافلها.
476
فان خرج بعد ما حضرت الأولى؟ قال يصلى الأولى أربع ركعات ثم يصلى بعد النوافل ثماني ركعات لأنه خرج من منزله بعد ما حضرت الأولى، فإذا حضرت العصر صلى العصر بتقصير و هي ركعتان لانه خرج في السفر قبل أن تحضر العصر».
أقول: ظاهر هذا الخبر انه مع الخروج بعد مضى وقت النافلة خاصة و هو الذراع يبدأ بالنافلة لدخول وقتها في الحضر و يصلى الظهر بتقصير لعدم دخول وقتها ثمة و انما دخل بعد السفر، و ظاهره ان الوقت الموجب للإتيان بها في السفر تماما انما هو وقت الفضيلة فإذا مضى عليه وقت الفضيلة في الحضر حتى سافر صلى تماما دون وقت النافلة، و المفهوم من كلام الأصحاب في هذا المقام كما تقدمت الإشارة اليه ان الوقت المذكور انما هو من الزوال، بمعنى انه لو زالت الشمس و مضى وقت الصلاة بشروطها بحيث استقرت في الذمة ثم سافر فهل يصلى في السفر تماما أو قصرا؟
القولان المتقدمان، و أما استحباب النافلة في السفر بعد مضى وقتها في الحضر فقد ذكره الأصحاب أيضا لكن الظاهر ان المراد مضى وقت النافلة و الفريضة معا.
ثم ان ظاهر قوله: «و سئل فإن خرج بعد ما حضرت الاولى. الى آخره» انه متى خرج بعد مضى وقت النافلة و الفريضة معا انه يبدأ بالفريضة أولا فيصليها تماما حيث ان وقتها دخل عليه في الحضر، و الأمر بإتمام الفريضة هنا دال على القول الأول و هو اعتبار حال الوجوب فتكون الرواية المذكورة من أدلته. إلا أن الأمر بتأخير النافلة هنا عن الفريضة لا أعرف له وجها وجيها و لعله من التهافت الذي يقع في روايات عمار.
و احتمل في الذخيرة الجمع بين روايات القصر و الإتمام بهذه الموثقة حيث قال:
و يمكن الجمع بوجه آخر و هو أن يقال إذا خرج بعد دخول وقت الفضيلة يتم و ان كان بعد دخول وقت الإجزاء يقصر و على هذا تحمل صحيحة إسماعيل، فالمراد بالوقت في أحد الخبرين وقت الفضيلة و في الآخر وقت الإجزاء، و يشهد لهذا التأويل موثقة
477
عمار المذكورة، لكني لا أعرف أحدا من الأصحاب ذكر هذا التفضيل و المسألة عندي محل اشكال. انتهى.
أقول: بل ظاهر كلامهم كما قدمنا الإشارة اليه انما هو خلافه، حيث انهم جعلوا محل الخلاف في القولين المذكورين انما هو مضى ما يسع الفريضة بشروطها من الزوال في الحضر فإذا مضى هذا الوقت و سافر و لم يصل فهل يصلى في السفر تماما أو قصرا؟ لان المدار على استقرار الفريضة في الذمة في الحضر و عدمه، و لا ريب انه بمضي قدر الأربع الركعات بشروطها من الزوال يستقر الفرض في الذمة اتفاقا سواء كان ممن يصلى النافلة أم لا.
و بالجملة فإن الاعتماد على هذه الرواية- مع ما عرفت من التهافت فيها كما أوضحناه لا يخلو من الإشكال.
السابع-
ما نقله ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب جميل عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) انه قال: «في رجل مسافر نسي الظهر و العصر في السفر حتى دخل أهله؟ قال يصلى أربع ركعات.
و قال لمن نسي الظهر و العصر و هو مقيم حتى يخرج؟ قال يصلى اربع ركعات في سفره. و قال إذا دخل على الرجل وقت الصلاة و هو مقيم ثم سافر صلى تلك الصلاة التي دخل وقتها عليه و هو مقيم أربع ركعات في سفره».
أقول: و هذا الخبر صحيح السند و ظاهره الإتمام في الدخول و الخروج إلا انه لا يخلو من نوع إجمال، و تفصيل ما اشتمل عليه أن يقال انه قد اشتمل على صور ثلاث: (إحداها)- قوله «في رجل مسافر. إلخ» و هو محتمل لأنه قد نسي الظهر و العصر حتى خرج وقتهما و انه يصلى في أهله أربع ركعات قضاء و على هذا يكون خارجا عن ما نحن فيه، و يحتمل و لعله الأقرب أنه نسيهما في السفر مع بقاء الوقت الى دخول أهله و انه يصلى أربعا، و فيه دلالة على ما يأتي في المسألة
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
478
الآتية من القول باعتبار الأداء كما دل عليه صدر صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة.
(الثانية)- قوله «و قال لمن نسي الظهر و العصر. و فيه الاحتمالان المتقدمان، و على تقدير الثاني منهما و هو أن تكون صلاته الأربع في السفر أداء يكون الخبر دالا على القول الأول في هذه المسألة و هو الاعتبار بحال الوجوب (الثالثة)- قوله «و قال إذا دخل على الرجل. إلخ» و الأقرب أنه تعميم بعد تخصيص أو ان الأول على القضاء كما عرفت و هذا على الأداء، و على أيهما كان ففي هذه الصورة دلالة على القول المذكور و هو الاعتبار بحال الوجوب فيكون الخبر المذكور من أدلته.
الثامن-
ما نقله شيخنا المجلسي في كتاب البحار (1) من كتاب محمد بن المثنى الحضرمي انه روى فيه عن جعفر بن محمد بن شريح عن ذريح المحاربي قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إذا خرج الرجل مسافرا و قد دخل وقت الصلاة كم يصلى؟ قال أربعا. قال قلت فان دخل وقت الصلاة و هو في السفر؟ قال يصلى ركعتين قبل أن يدخل أهله و ان دخل المصر فليصل أربعا».
أقول: و صدر هذا الخبر ايضا يدل على القول الأول بظاهره و ان احتمل تأويله بما تقدم في الخبر الأول من حمل الخروج على ارادة الخروج فتكون صلاة الأربع في البلد.
التاسع-
ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال: و ان خرجت من منزلك و قد دخل عليك وقت الصلاة و لم تصل حتى خرجت فعليك التقصير، و ان دخل عليك وقت الصلاة و أنت في السفر و لم تصل حتى تدخل أهلك فعليك التمام.
و ظاهر هذه الرواية يساوق صحيحة إسماعيل بن جابر في الدلالة على الاعتبار بحال الأداء في الموضعين المذكورين، إلا انها ايضا قابلة للاحتمال الذي قدمناه في الصحيحة المشار إليها بأن دخل وقت الصلاة قبل مضى وقت يسع الإتيان بها بشرائطها
____________
(1) ج 18 الصلاة ص 695.
(2) ص 16.
479
هذا ما حضرني من الروايات المتعلقة بكل من القولين و أما باقي أخبار المسألة فتأتي في مطاوي البحث في هذه المسألة و في المسألة الآتية ان شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان هذه الأخبار التي تلوناها انما تصادمت في القول الأول و الثاني، و قد عرفت ما في ترجيح أحد القولين على الآخر من الاشكال لتطرق البحث الى كل من روايات الطرفين و الاحتمال، و به يشكل الترجيح في هذا المجال فالاحتياط فيها لازم عندي على كل حال.
و أما القول الثالث فالظاهر ان مستنده الجمع بين الأخبار كما ذكره الشيخ في كتابي الأخبار، حيث جمع بينها بحمل ما دل على التمام على سعة الوقت و القصر على ضيقه.
و استدل على هذا الجمع
بما رواه عن إسحاق بن عمار في الموثق (1) قال:
«سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول في الرجل يقدم من سفره في وقت الصلاة فقال ان كان لا يخاف فوت الوقت فليتم و ان كان يخاف خروج الوقت فليقصر».
و فيه أولا- ان الجمع بين الأخبار لا ينحصر في ما ذكره لجوازه بوجوه أخر كما تقدم نقل بعضها.
و ثانيا- ما ذكره السيد السند في المدارك حيث قال- بعد نقل ما قدمناه عن الشيخ من الجمع المذكور و استدلاله عليه بالخبر المشار اليه- ما لفظه: و هذه الرواية مع ضعف سندها انما تدل على التفصيل في صورة القدوم من السفر في أثناء الوقت لا في صورة الخروج الى السفر.
و ثالثا- ما سيأتي ان شاء الله تعالى في المسألة الآتية في معنى الموثقة المذكورة و انها ليست على ما فهمه منها و ان لم يهتد اليه (قدس سره) في هذا المقام.
و أما القول الرابع فالظاهر ايضا ان مستنده هو الجمع بين الاخبار، و يرد عليه ما تقدم من عدم انحصار الجمع في الوجه المذكور.
و ما استند اليه في هذا الجمع من
صحيحة منصور بن حازم (2) قال: «سمعت
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
(2) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
480
أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا كان في سفر فدخل عليه وقت الصلاة قبل أن يدخل أهله فسار حتى يدخل أهله فإن شاء قصر و ان شاء أتم و الإتمام أحب الى».
و فيه أولا- ان مورد الرواية انما هو الدخول من السفر فليست من محل البحث في شيء.
و ثانيا- احتمال أن يكون المراد منها انه ان شاء صلى في السفر قصرا و ان شاء صبر حتى يدخل أهله و يصلى تماما و هو الأفضل، و حينئذ ففيها دلالة على ترجيح التأخير إلى دخول المنزل و الصلاة تماما.
و ثالثا- ما ذكره بعض مشايخنا من احتمال الحمل على التقية. لأنه مذهب بعض العامة (1).
و رابعا- عدم قبول بعض الاخبار لهذا الحمل مثل صحيحة إسماعيل بن جابر المشتملة على الحلف بأنه ان لم يفعل ما تضمنته فقد خالف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و قوله (عليه السلام) في رواية النبال «لم يجب» المشعر بوجوب ذلك عليهما، و المتبادر من الوجوب هو الحتمي كما لا يخفى.
و بذلك يظهر لك بقاء المسألة في قالب الاشكال الموجب للاحتياط على كل حال. و الله العالم.
المسألة الخامسة [لو وصل البلد قبل الصلاة بعد دخول الوقت في السفر]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو دخل عليه الوقت في السفر و لم يصل حتى دخل بلده أو بيته، فالمشهور بين المتأخرين انه
____________
(1) لم تجد الفرع في ما وقفنا عليه من كتبهم و الذي حرر في كتبهم السفر بعد دخول الوقت فقال في المغني ج 2 ص 283: إذا سافر بعد دخول وقت الصلاة فيه روايتان: له قصرها و هو قول مالك و الأوزاعي و الشافعي و أصحاب الرأي لانه سافر قبل خروج وقتها فأشبه ما لو سافر قبل وجوبها، و الرواية الثانية ليس له قصرها لأنها وجبت عليه في الحضر فلزمه إتمامها. و يمكن استفادة التخيير في صورة الرجوع الى أهله قبل خروج الوقت من الرواية الأولى عنه بل من الثانية أيضا بناء على ما هو المشهور عنه من التخيير المسافر بين القصر و الإتمام مطلقا كما في المغني ج 2 ص 267.
481
يتم في بلده أو منزله اعتبارا بحال الأداء، و قال في المختلف ذهب اليه المفيد (قدس سره) بناء على أصله من ان الاعتبار بحال الأداء لا حال الوجوب، و هو قول الشيخ على بن بابويه بناء على هذا الأصل و كذا ابن إدريس. انتهى. أقول: و هو الظاهر هنا من الأخبار على وجه لا يعتريه الشك و الإنكار. و قيل بالتفصيل فيتم مع السعة هنا من الأخبار على وجه لا يعتريه الشك و الإنكار. و قيل بالتفصيل فيتم مع السعة و يقصر مع الضيق و هو مذهب الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار، و قيل بالتخيير و نقل عن الشيخ ايضا و ابن الجنيد، و حكى الشهيدان قولا بالتقصير مطلقا.
و الذي يدل على القول الأول و هو الذي عليه المعمول صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة (1) و هي صريحة غير قابلة للتأويل بوجه.
و صحيحة العيص بن القاسم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يدخل عليه وقت الصلاة في السفر ثم يدخل بيته قبل أن يصليها؟ قال يصليها أربعا و قال لا يزال يقصر حتى يدخل بيته».
و هي صريحة كذلك.
و يدل عليه ايضا ما قدمناه في المسألة السابقة من عبارة كتاب الفقه الرضوي أيضا و ما سيأتي من صحيحة محمد بن مسلم.
و استدل على القول الثاني بموثقة عمار المتقدمة (3) و السيد السند في المدارك في المسألة السابقة انما أجاب عنها بضعف السند و عدم دلالتها على ما ادعاه الشيخ في تلك المسألة. و ظاهر كلامه انه لو صح سندها لتم الاستدلال بها هنا.
و أنت خبير بان الطعن بضعف السند لا يقوم حجة على الشيخ و نحوه من المتقدمين ممن لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم كما قدمناه في غير موضع، و الأظهر في الجواب عنها إنما هو ما قدمنا الإشارة إليه من ان المعنى في الموثقة المذكورة ليس ما ذكره بل الظاهر ان المراد منها انما هو أن من دخل عليه وقت الصلاة وقت قدومه من السفر فان كان لا يخاف فوت الوقت بوصوله إلى منزله تركها حتى يدخل و صلاها تماما في بلده أو منزله، و ان كان يخاف فوته بذلك صلى قصرا في السفر قبل دخوله.
____________
(1) ص 474 و 475.
(2) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
(3) ص 474 و 475.
482
و من ما هو ظاهر في هذا المعنى
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الرجل يقدم من الغيبة فيدخل عليه وقت الصلاة؟ فقال ان كان لا يخاف أن يخرج الوقت فليدخل و ليتم و ان كان يخاف أن يخرج الوقت قبل أن يدخل فليصل و ليقصر».
و هذه الرواية كما ترى ظاهرة في ما اخترناه كما تقدمت الإشارة اليه.
و لعل من ذهب الى التقصير هنا نظر الى أن الصلاة قد استقرت في الذمة بهذه الكيفية حال دخول الوقت في السفر. و فيه بعد ما عرفت من النصوص الدالة على التمام انه اجتهاد محض في مقابلة النص، على انه لو فرض دليل يدل على هذا التعليل العليل لأمكن الجواب بأنه و ان استقر وجوب القصر في تلك الحال لكن يجوز أن يكون ذلك مراعى بالوصول و عدمه جمعا بين الدليلين.
و من ما ذكرنا من التحقيق في المقام ظهر قوة ما اخترناه من القول الأول و ان ما عداه من هذه الأقوال لا معتمد عليه و لا معول.
و كيف كان فقد تلخص من الكلام في هاتين المسألتين و هو من دخل عليه الوقت حاضرا ثم سافر و بالعكس ان أقوال الأصحاب فيهما خمسة: (أحدها)- الاعتبار بحال الأداء في الموضعين فيتم في هذه المسألة و يقصر في المسألة الأولى، و هو أقوى الأقوال في هذه المسألة و كذا في المسألة الاولى لو سلمت صحيحة إسماعيل بن جابر و ما في معناها من ذلك الاحتمال، و من ثم اختاره جملة من المحققين في الموضعين حيث لم يخطر لهم هذا الاحتمال بالبال. و (ثانيها)- القول بالتخيير في الموضعين.
و (ثالثها)- القول بالتفصيل بالسعة و الضيق كذلك. و (رابعها)- الاعتبار بحال الوجوب في المسألة الأولى و بحال الأداء في هذه المسألة فيتم في الموضعين و هو مذهب العلامة. و (خامسها)- عكسه فيقصر في المسألتين. و يأتي بناء على ما ذكرناه- من الإشكال في الأولى و التوقف و هو ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا مع
____________
(1) الوسائل الباب 21 من صلاة المسافر.
483
الجزم في هذه المسألة بما قدمنا ذكره- قول سادس.
و أما لو فاتت الفريضة على احدى هاتين الصورتين فهل يقضى باعتبار حال الوجوب أو حال الأداء؟ فقد تقدم البحث فيه في المقصد الأول في القضاء من مقاصد هذا الباب.
المسألة السادسة- لو نوى الإقامة في موضع و صلى تماما ثم خرج الى ما دون المسافة
مع ارادة الرجوع الى موضع الإقامة، و هذه المسألة من مشكلات المسائل و أمهات المقاصد لتعدد الأقوال فيها و الاحتمالات و تصادم التأويلات و التخريجات مع خلو المسألة من الروايات حتى ان شيخنا الشهيد الثاني صنف فيها رسالة مستقلة و نحن نتكلم فيها ههنا بما يقتضيه الحال من التفصيل دون الإجمال.
فنقول: اعلم ان هذه المسألة و ما وقع فيها من الأبحاث و الشقوق و الاحتمالات لم تقع في كلام أحد من المتقدمين و انما وقع البحث فيها بالنحو الذي ذكرناه من المتأخرين، نعم ذكرها الشيخ في المبسوط في فرض مخصوص على سبيل التفريع على مسألة من أقام في بلد و صلى فيه تماما فإنه يجب عليه التمام فيه حتى يقصد المسافة، و هذه المسألة متفق عليها نصا و فتوى، و من عادته كما أشار إليه في خطبة الكتاب المذكور التفريع على النصوص لتكثير الفروع الشرعية لتنبيه المخالفين على ان إبطال القياس لا يوجب قلة فروعنا كما زعموه و شنعوا بذلك على الشيعة و هو (قدس سره) قد فرضها في الخروج من مكة الى عرفة فقال: إذا خرج حاجا إلى مكة و بينه و بينها مسافة تقصر فيها الصلاة و نوى أن يقيم بها عشرا قصر في الطريق فإذا و صل إليها أتم، و ان خرج الى عرفة يريد قضاء نسكه لا يريد المقام عشرة أيام إذا رجع الى مكة كان عليه القصر لانه قد نقض مقامه بسفر بينه و بين بلده يقصر في مثله، و ان كان يريد إذا قضى نسكه مقام عشرة أيام بمكة أتم بمنى و عرفة و مكة حتى يخرج من مكة مسافرا فيقصر. هذه عبارته و هي أول ما ذكر في هذه المسألة ثم تبعه المتأخرون في ذلك و عمموا العبارة و أكثروا فيها الشقوق
484
و التفريعات. و خالفه جماعة في وجوب القصر بالذهاب الى عرفات في الصورة المفروضة و هو عدم الإقامة بعد العود الى محل الإقامة كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى و بذلك يظهر ان المسألة بجميع ما فيها من التفاريع و الشقوق و الأحكام الآتية إنما استخرجها المجتهدون بأنظارهم و كل أفتى بما وصل اليه علمه و فهمه، و هي خالية من النص كما عرفت و من أجل ذلك فللبحث في تفاصيلها مجال، و الجزم بالفتوى في بعض شقوقها غير خلى من شوب الإشكال.
و تفصيل الحال بما يتضح به هذا الإجمال ان يقال ان الخارج من موضع الإقامة بعد نية الإقامة و الصلاة تماما سواء كان في ضمن العشرة أو بعد تمامها لا يخلو أمره من أن يكون مريدا للعود الى موضع الإقامة أم لا، و على الأول فاما أن يكون بعد عوده قاصدا المقام عشرة أيام أم لا، و على الثاني من الثاني فاما أن يكون قاصدا للمفارقة أو ذاهلا أو مترددا، و حينئذ فههنا صور خمس:
الأولى- ان يعزم على المفارقة و عدم العود الى موضع الإقامة
، و ظاهر الأصحاب المتعرضين للبحث في هذه المسألة الاتفاق على التقصير و انما اختلفوا في انه يقصر بمجرد الخروج من البلد و ان لم يتجاوز محل الترخص لصدق السفر عليه و الضرب في الأرض و اختصاص توقفه على مجاوزة محل الترخص بموضع الوفاق و هو بلد المسافر أو يتوقف على محل الترخص و مجاوزة الحدود لصيرورة موضع الإقامة بالنسبة إليه بعد الإقامة و الصلاة تماما في حكم البلد، و كلامهم كما ترى هنا على إطلاقه غير واضح لدلالة صحيحة أبي ولاد (1) على انه متى نوى الإقامة و صلى تماما فإنه لا يقصر حتى يقصد المسافة، و المفروض في المسألة ان المقصود أقل من المسافة فوجوب التقصير لا وجه له و هو أظهر من أن يحتاج الى مزيد بيان.
و ألحق بعض الأصحاب بهذه الصورة ما لو تردد الخارج على الوجه المذكور في العود و عدمه، و ما لو ذهل عن القصد إلى المفارقة أو العود بنية إقامة عشرة أو لا معها، و هو في الإشكال مثل سابقه لعدم تحقق القصد إلى المسافة في الجميع
____________
(1) ص 415.
485
الذي هو شرط العود الى القصر.
الثانية- أن يعزم على العود الى موضع إقامته و الإقامة عشرة مستأنفة
، و هذا من ما لا خلاف و لا إشكال في كونه يتم ذاهبا و آبيا و في موضع قصده، و وجهه ان فرضه التمام سابقا و لم يحصل له ما يوجب الخروج عنه فيجب استصحابه و العمل عليه الى أن يتحقق المخرج.
الثالثة- أن يعزم على العود بدون إقامة عشرة
بل إما مع اقامة ما دونها أو بدون إقامة بالمرة.
و قد عرفت من ما تقدم من كلام الشيخ وجوب القصر في خروجه من موضع الإقامة و يستمر عليه في ذهابه و في مقصده و عوده و محل إقامته و به قال العلامة و جماعة، و قد تقدم تعليل الشيخ لذلك.
و علله جماعة بأنه قد خرج من محل الإقامة و ليس في نيته إقامة أخرى فيعود اليه حكم السفر. و هذا الاستدلال كما ترى يقتضي ضم الرجوع الى ما مضى من الذهاب و يأتي فيه القولان المتقدمات في التقصير بمجرد الخروج من البلد أو اشتراط محل الترخص.
و ذهب الشيخ و جملة من المتأخرين- كالمحقق الشيخ على و الشهيد و الظاهر أنه المشهور و به صرح جملة من متأخري المتأخرين ايضا- الى وجوب التمام في الذهاب و المقصد و القصر في الرجوع.
و احتجوا على الأول بأنه إنما يخرج عن حكم الإقامة و وجوب التمام بالقصد إلى المسافة و هي منتفية في الذهاب، لان المفروض الخروج الى ما دون المسافة. و على الثاني بأنه حال رجوعه قاصد المسافة حيث انه قاصد الى بلده في الجملة إما الآن أو بعد مروره و توقفه في بلد إقامته أياما دون العشرة و البلد الذي كان مقيما فيه ساوى غيره بالنسبة اليه.
و أنت خبير بأن وجوب الإتمام في الذهاب كما أدعوه مبنى على عدم ضم
486
الذهاب إلى الإياب، و إلا فهذا التعليل آت في الذهاب أيضا لزوال حكم الإقامة ببلوغ محل الترخص و تحقق قصد المسافة على الوجه السابق، و حينئذ فإن ثبت ما ادعوه من الإجماع على عدم جواز ضم أحدهما إلى الآخر إلا في قصد الأربعة مع الرجوع ليومه أو لليلته و إلا فالقول الأول أظهر.
ثم أنت خبير بما في ثبوت الأحكام الشرعية بمثل هذه الإجماعات من الإشكال و ان كان ما ذكروه من الأمثلة لهذه المسألة لا يخلو من تأييد إلا أنه لا يقطع مادة الإشكال، و لهذا إن الفاضل الخراساني صاحب الذخيرة و الكفاية رجح وجوب القصر بالخروج عن محل الإقامة كما هو قول العلامة و الشيخ.
و قد اضطرب كلام شيخنا الشهيد (قدس سره) في هذه الصورة في ما إذا عزم على العود الى موضع الإقامة كما من غير قصد إقامة جديدة، فقطع في البيان بعوده الى التقصير بالخروج كما كمذهب الشيخ في المبسوط و العلامة، و ذهب في الدروس الى القصر في العود كما نقلناه عنه، إلا أن عبارته فيه لا تخلو من إشكال، حيث قال في الصورة المذكورة: إن فيه وجهين أقربهما القصر في الذهاب و مقتضى ذلك التمام بالوصول الى المقصد. و ظاهره وجوب القصر في المقصد و إن أقام أياما إذ لا يدخل ذلك في الذهاب الذي أوجب فيه التمام، و هذا يخالف ما ذكره أصحاب هذا القول فإنهم يخصون القصر بوقت الرجوع و أما موضع القصد فإنه تابع للذهاب في وجوب الإتمام فيه.
هذا، و لا يخفى عليك ما في كلامهم في هذه الصورة أيضا من أنه لا يخلو من نوع إجمال حيث رتبوا القصر على عدم قصد الإقامة بقول مطلق، و ينبغي تقييده أيضا بما إذا كان من مبدأ عوده الى منتهى المقصد مسافة لأن وجوب القصر معلق على قصد المسافة.
و قيده شيخنا الشهيد الثاني في رسالته أيضا بما إذا كان بلد الإقامة التي يرجع إليها في سمعت منتهى القصد فالعود إليها مستلزم لقصد ذلك المقصد، أما لو كان
487
مخالفا له فالمتجه التمام بناء على أن المسافة المعتبرة في القصر لا تكون ملفقة من الذهاب و الإياب إلا في قصد الأربعة كما تقدم. و فيه ما عرفت آنفا.
و المشهور في كلام الأصحاب الذين وقفت على كلامهم في هذه الصورة هو ما قدمناه أو لا من القولين.
و يظهر من العلامة (قدس سره) في أجوبة مسائل السيد السعيد مهنا بن سنان المدني اختيار قول ثالث و هو وجوب الإتمام في الذهاب و الإياب و المقصد و بلد الإقامة بعد الرجوع إليها حتى يخرج منها قاصدا للسفر و يصل الى محل الترخص فيجب عليه القصر حينئذ تنزيلا لبلد إقامته منزلة بلد الوطن، فيصير اعتبار قصد المسافة إنما هو من بلد الإقامة لا ما قبله من الذهاب أو الرجوع. و هو من حيث الاعتبار لا يخلو من وجه.
الرابعة- أن يعزم على العود و يتردد في إقامة العشرة و عدمها
، و قد ذكر المحقق الشيخ على أن فيه وجهين: أحدهما- الإتمام مطلقا لانتفاء المقتضى للتقصير و هو عزم المسافة، قال و أصححهما الإتمام في الذهاب و التقصير في العود، لأن حكم الإقامة يزول بمفارقة البلد و إنما يعود إليها بإقامة أخرى و لم تحصل لمنافاته التردد. انتهى.
و فيه أن النص الصحيح في المسألة دل على أنه بنية الإقامة في بلد و الصلاة تماما يجب استصحاب التمام حتى يقصد المسافة و هذا متردد ليس قاصدا للمسافة.
و ما علل به التقصير في العود من أن حكم بلد الإقامة يزول بالمفارقة وارد عليه في صورة الذهاب الذي أوجب فيه التمام فينبغي أن يجب القصر بناء على هذا التعليل.
و لا يمكن الجواب هنا بما تقدم من أن الذهاب لا يضم إلى الإياب في حصول المسافة، لأن وجوبه هنا لم يعلل بقصد المسافة إذ لا قصد للمسافة في الصورة المذكورة و إنما علل بمفارقة بلد الإقامة و مفارقة البلد حاصلة على كلتا الحالتين، و هو إنما صار الى التمام في الذهاب من حيث استصحاب حكم الإقامة السابقة الموجبة للتمام
488
حتى يحصل المقتضى للقصر و هذا بعينه آت في حال العود.
و بالجملة فكلامه (قدس سره) لا أعرف له وجه استقامة يدفع عنه تطرق الإيراد، و ظاهر كلامه جعل هذه الصورة من قبيل الصورة الثالثة في مجيء الوجهين المتقدمين، و الفرق ظاهر فان قصد المسافة في تلك الصورة ظاهر كما عرفت دون هذه، و الأنسب بالقواعد في هذه الصورة هو الوجه الأول الذي ذكره و هو الإتمام مطلقا عملا بظاهر النص المشار اليه. و الله العالم.
الخامسة- الصورة بحالها و ان يكون ذاهلا عن الإقامة و عدمها
بحيث يكون عادم القصد إلى شيء من الأمور المتقدمة، و حكمها ما ذكرنا في سابقتها من الإتمام مطلقا، أو ما لو كان في أول خروجه عزم على وجه من الوجوه و إنما حصل له الذهول أخيرا عمل على ذلك العزم المتقدم.
و حيث قد اتضح لك ما في المسألة من الشقوق و الخلاف و تعليل كل منهم ما ذهب اليه بما ظهر من الدليل لديه مع ما عرفت من خلو المسألة من النصوص على العموم و الخصوص فالواجب الرجوع الى الاحتياط في ما بعد تطبيقه على النص المشار إليه أعني صحيحة أبي ولاد (1) من المواضع التي أشرنا إليها. و الله العالم.
فائدة [جبر المقصورات بالتسبيحات الأربع]
يستحب جبر المقصورات بالتسبيحات الأربع المشهورة في دبرها
لما رواه سليمان بن حفص المروزي (2) قال: «قال الفقيه العسكري (عليه السلام) يجب على المسافر أن يقول في دبر كل صلاة يقصر فيها: سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر (ثلاثين مرة) لتمام الصلاة».
و لفظ الوجوب في الخبر محتمل للمبالغة في الاستحباب أو المعنى اللغوي.
اللّهمّ أجر تقصيرنا بعفوك و إحسانك و عاملنا بجودك و رضوانك. هذا آخر
____________
(1) ص 415.
(2) الوسائل الباب 24 من صلاة المسافر.
489
الكلام في هذا المجلد و هو المجلد الرابع (1) من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة و هو آخر كتاب الصلاة، و يتلوه ان شاء الله تعالى المجلد الخامس في كتاب الزكاة و الصوم بتوفيق الله سبحانه و تعالى و إعانته، و الحمد لله سبحانه على توفيقه للإتمام و الفوز بسعادة الاختتام، و صلى الله على محمد و آله بدور التمام و مصابيح الظلام.
و كتب مؤلفه الحقير الجاني بيمناه الدائرة أعطاه الله كتابه بها في الآخرة الفقير الى ربه الكريم يوسف بن احمد بن إبراهيم البحراني عفى الله تعالى عنه و عن و الدية في الأرض المقدسة كربلاء المعلى بجواز سيد الشهداء (صلى اللّٰه عليه و آله) بتأريخ اليوم السادس و العشرين من شهر ربيع المولود من سنة 1181 حامدا مصليا مستغفرا (2)
____________
(1) هذا بحسب تقسيمه «(قدس سره)» و بحسب تقسيمنا هذا آخر الجزء الحادي عشر و يتلوه الجزء الثاني عشر و الحمد لله أولا و آخرا.
(2) أوردنا الختام و التأريخ على طبق النسخ الخطية.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الحادي عشر
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

