1

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على خير خلقه أجمعين محمد و آله الطاهرين

كتاب الصوم

[فوائد]

و هنا فوائد ينبغي التنبيه عليها قبل الشروع في المقصود

الأولى [تعريف الصوم]

- الصوم لغة الإمساك، قال في القاموس: صام صوما و صياما و اصطام: أمسك عن الطعام و الشراب و الكلام و النكاح و السير. و قال في المصباح المنير: قيل هو مطلق الإمساك في اللغة ثم استعمل في الشرع في إمساك مخصوص، و قال أبو عبيدة كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم، قال خيل صيام و خيل غير صائمة- تحت العجاج و اخرى تعلك اللجما. أى قيام بلا اعتلاف. انتهى. و قال ابن دريد: كل شيء سكنت حركته فقد صام يصوم صوما. و في الآية الشريفة حكاية عن مريم (عليها السلام) «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً» (1) أى صمتا. و كلماتهم متفقة على انه حقيقة في الإمساك و ان كان عن كل شيء بنسبته، و اما في الشرع فإنه عبارة عن إمساك مخصوص يأتي بيانه.

الثانية [أقسام الصوم]

- قال العلامة في المنتهى: ان الصوم ينقسم الى واجب و ندب و مكروه و محظور، فالواجب ستة: صوم شهر رمضان و الكفارات و دم

____________

(1) سورة مريم الآية 28.

3

المتعة و النذر و ما في معناه من اليمين و العهد و الاعتكاف على بعض الوجوه و قضاء الواجب، و الندب جميع أيام السنة إلا العيدين و أيام التشريق لمن كان بمنى، و المؤكد منه أربعة عشر: صوم ثلاثة أيام في كل شهر و أيام البيض و الغدير و مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مبعثه و دحو الأرض و عرفة لمن لا يضعفه عن الدعاء و عاشوراء على جهة الحزن و المباهلة و كل خميس و كل جمعة و أول ذي الحجة و رجب و شعبان، و المكروه أربعة: صوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء أو شك في الهلال و النافلة سفرا عدا ثلاثة أيام الحاجة بالمدينة و الضيف نافلة بغير اذن مضيفه و كذا الولد من غير اذن الوالد و الصوم ندبا لمن دعي إلى طعام، و المحظور تسعة: صوم العيدين و أيام التشريق لمن كان بمنى و يوم الشك بنية الفرض و صوم نذر المعصية و صوم الصمت و صوم الوصال و صوم المرأة و العبد ندبا من غير اذن الزوج و المالك و صوم الواجب سفرا عدا ما استثنى. انتهى.

و روى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه مسندا في الأول و مرسلا في الثاني عن الزهري عن على بن الحسين (عليهما السلام) (1) قال: «قال لي يوما يا زهري من أين جئت؟ فقلت من المسجد. قال فيم كنتم؟ قلت تذاكرنا أمر الصوم فاجمع رأيي و رأى أصحابي على انه ليس من الصوم شيء واجب إلا صوم شهر رمضان. فقال: يا زهري ليس كما قلتم الصوم على أربعين وجها.

و في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: «اعلم ان الصوم على أربعين وجها» و نحن نسوق الحديث بالروايتين و نشير الى مواضع الزيادة و النقصان من أحدهما متى اتفق- فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب شهر رمضان و عشرة أوجه منها صيامهن حرام و أربعة عشر وجها منها صاحبها بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر و صوم الاذن على ثلاثة أوجه و صوم التأديب و صوم الإباحة و صوم السفر و المرض.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من بقية الصوم الواجب.

(2) ص 23.

4

ففي حديث الفقه بعد ذلك «اما الصوم الواجب» و في حديث الزهري «قلت جعلت فداك فسرهن لي» قال: اما الواجب فصيام شهر رمضان و صيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار لقول الله تعالى وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا. الى قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ (1) و صيام شهرين متتابعين في من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا، و صيام شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق واجب لقول الله تعالى وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلىٰ أَهْلِهِ. إلى قوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّٰهِ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً (2). و في كتاب الفقه اقتصر على قوله «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ» و صوم ثلاثة أيام في كفارة اليمين واجب لمن لم يجد الإطعام قال الله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ (3) كل ذلك متتابع و ليس بمتفرق، و صيام أذى حلق الرأس واجب قال الله تبارك و تعالى (4) أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (5) فصاحبها فيها بالخيار فان صام صام ثلاثة أيام، و صوم دم المتعة واجب لمن لم يجد الهدى قال الله تبارك و تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (6) الى قوله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ (7) و صوم جزاء الصيد واجب قال الله تبارك و تعالى وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً (8) الى قوله

____________

(1) سورة المجادلة الآية 5 و 6.

(2) سورة النساء الآية 95.

(3) سورة المائدة الآية 92.

(4) «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ.» هكذا في كتب الحديث.

(5) سورة البقرة الآية 193.

(6) «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ.» هكذا في كتب الحديث.

(7) سورة البقرة الآية 193.

(8) في كتب الحديث هكذا «وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً».

5

أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (1)، ففي حديث الزهري هنا «أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري؟ قال قلت لا أدرى فقال يقوم الصيد قيمة عدل ثم تفض تلك القيمة على البر ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما» و في كتاب الفقه الرضوي «و اروى عن العالم (عليه السلام) انه قال: أ تدرون كيف يكون عدل ذلك صياما؟

فقيل له لا. فقال يقوم الصيد قيمة ثم يشترى بتلك القيمة البر ثم يكال ذلك البر أصواعا فيصوم لكل نصف صاع يوما» و صوم النذر واجب و صوم الاعتكاف واجب. و اما الصوم الحرام فصوم يوم الفطر و يوم الأضحى و ثلاثة أيام التشريق و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه: أمرنا أن نصومه من شعبان (2) و نهينا عنه ان ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس. ففي كتاب الفقه «فان لم يكن صام من شعبان شيئا ينوي به ليلة الشك أنه صائم من شعبان» و في حديث الزهري «فقلت له جعلت فداك فان لم يكن صام من شعبان شيئا كيف يصنع؟ قال ينوي ليلة الشك أنه صائم من شعبان فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه و ان كان من شعبان لم يضره» ففي حديث الزهري هنا «فقلت و كيف يجزئ صوم تطوع عن فريضة؟ فقال لو أن رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوعا و هو لا يعلم انه من شهر رمضان ثم علم بعد ذلك لأجزأ عنه لأن الفرض إنما وقع على اليوم بعينه» و في كتاب الفقه. و لو ان رجلا صام شهرا تطوعا في بلد الكفر فلما ان عرف كان شهر رمضان و هو لا يدرى و لا يعلم انه من شهر رمضان و صام بأنه من غيره ثم علم بعد ذلك أجزأ عنه من رمضان لأن الفرض إنما وقع على الشهر بعينه» و صوم الوصال حرام و صوم الصمت حرام و صوم نذر المعصية حرام و صوم الدهر حرام. و اما الصوم الذي صاحبه فيه بالخيار فصوم يوم الجمعة و الخميس و الاثنين و صوم أيام البيض و صوم ستة أيام من شوال بعد الفطر بيوم. و في

____________

(1) سورة المائدة الآية 97.

(2) في كتب الحديث هكذا: «مع صيام شعبان».

6

حديث الزهري هنا «و صوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان و صوم عرفة و صوم يوم عاشوراء» و لعل هذين اليومين سقط ذكرهما غلطا من النساخ (1) فان الكتاب غير خال من الغلط. فكل ذلك صاحبه فيه بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر. و اما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها و العبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحب البيت (2) قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم. و اما صوم التأديب فإنه يؤمر (3) الصبي إذا بلغ سبع سنين بالصوم تأديبا و ليس ذلك بفرض. و زاد في كتاب الفقه هنا «و ان لم يقدر إلا نصف النهار يفطر إذا غلبه العطش» و كذلك من أفطر لعلة من أول النهار ثم قوى بقية يومه أمر بالإمساك عن الطعام بقية يومه تأديبا و ليس بفرض، و كذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض. و زاد في رواية الزهري «و كذلك الحائض إذا طهرت أمسكت بقية يومها» و اما صوم الإباحة فمن أكل أو شرب ناسيا أو قاء من غير تعمد فقد أباح الله له ذلك و أجزأ عنه صومه. و اما صوم السفر و المرض فإن العامة قد اختلفت في ذلك فقال قوم يصوم و قال آخرون لا يصوم و قال قوم ان شاء صام و ان شاء أفطر (4) و اما نحن فنقول يفطر في الحالين جميعا فان صام في السفر أو في حال المرض

____________

(1) في الفقه الرضوي المطبوع هكذا: «و صوم ستة أيام من شوال بعد الفطر بيوم و يوم عرفة و يوم عاشوراء و كل ذلك.

(2) هكذا في الفقه، و في كتب الحديث الناقلة لحديث الزهري «إلا بإذن صاحبه».

(3) هكذا في الفقيه ج 2 ص 48، و في الفروع ج 1 ص 186 و التهذيب ج 1 ص 430 «يؤخذ الصبي» و في الجميع «إذا راهق» بدل «إذا بلغ سبع سنين» نعم ذلك في الفقه الرضوي.

(4) المغني ج 3 ص 149 و المحلى ج 6 ص 247 و نيل الأوطار ج 4 ص 237 و بداية المجتهد ج 1 ص 285 و لم أقف ما في حضرني من كتب العامة على وجوب الصوم في المرض نعم في الفقه على المذاهب الأربعة قسم العبادات ص 456 عن الشافعية لا يجوز الفطر للصحيح الذي يظن بالصوم حصول المرض. إلا ان هذا يرجع الى اعتبار المرض بالفعل.

7

فعليه القضاء فان الله تعالى يقول فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (1) فهذا تفسير الصيام».

انتهى.

أقول: و سيأتي تحقيق القول في كل من هذه الأشياء المعدودة هنا في محله ان شاء الله تعالى.

قال المحدث الكاشاني في كتاب الوافي بعد نقل حديث الزهري: بيان- محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري راوي هذا الحديث و ان كان خصيصا بعلي بن الحسين (عليهما السلام) و كان له ميل و محبة إلا انه لما كان من العامة و فقهائهم أجمل (عليه السلام) معه في الكلام و لم يذكر له صيام السنة و لا صيام الترغيب لعدم اشتهار خصوصهما بين العامة، و ما زعمته العامة من صيام الترغيب و السنة سماه (عليه السلام) بالذي فيه الخيار لصاحبه تنبيها له على عدم الترغيب فيه فان أكثره من ما ترك صيامه أولى و لصيام بعضه شرائط كما يأتي في الأخبار إنشاء الله تعالى (2) قوله (عليه السلام): «أن ينفرد الرجل بصيامه» اضافة الى الفاعل و انفراده به عبارة عن افراده عن سائر أيام شعبان بالصيام فإنه مظنة لاعتقاده وجوبه و كونه من شهر رمضان، أو المراد انفراده من بين جمهور الناس بصيامه من شهر رمضان مع عدم ثبوت كونه منه، يدل على هذا حديث الزهري الآتي في باب صيام يوم الشك في هذا المعنى فإنه نص فيه و هو بعينه هذا الحديث إلا انه أورده بابين من هذا، و يأتي تمام تحقيق هذا المقام في ذلك الباب مع معنى قوله (عليه السلام): «و أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان» ان شاء الله تعالى. انتهى.

أقول: و الظاهر ان الرضا (عليه السلام) جرى على ذلك في الكتاب المذكور تقية.

الثالثة [فضل الصوم]

- لا ريب ان الصوم من أفضل الطاعات و أشرف العبادات إذا وقع على الوجه المأمور به، و لو لم يكن فيه إلا الارتقاء من حضيض حظوظ النفس

____________

(1) سورة البقرة الآية 181.

(2) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

8

البهيمية إلى ذروة النشبة بالملائكة الروحانية لكفى به فضلا و منقبة، و قد استفاضت الأخبار بفضله:

فروى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية».

و بهذا المضمون أخبار عديدة (2).

و روى عمرو بن جميع (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في حديث طويل: الصيام جنة من النار».

و روى حفص بن غياث (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ان شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا. فقلت له فقول الله عز و جل:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (5)؟ قال إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضل به هذه الأمة و جعل صيامه فرضا على رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على أمته».

و روى في الفقيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) مرسلا و في الكافي مسندا (6) قال:

«أوحى الله الى موسى (عليه السلام) ما يمنعك من مناجاتي؟ فقال يا رب أجلك عن المناجاة لخلوف فم الصائم. فأوحى الله إليه يا موسى لخلوف فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك».

و روى في الفقيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره و فرحة عند لقاء ربه».

و روى فيه عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (8) قال: «قال الله الصوم لي و أنا أجزي به».

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 1 من مقدمة العبادات.

(3) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 1 من أحكام شهر رمضان.

(5) سورة البقرة الآية 180.

(6) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(7) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(8) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

9

و روى في الكافي عن الكناني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان الله تبارك و تعالى يقول الصوم لي و أنا أجزي عليه».

و روى الصدوق في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «نوم الصائم عبادة و صمته تسبيح و عمله متقبل و دعاؤه مستجاب».

و روى في الكافي مسندا و الفقيه مرسلا (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من صام لله يوما في شدة الحر فأصابه ظمأ وكل الله به الف ملك يمسحون وجهه و يبشرونه حتى إذا أفطر قال الله تعالى: ما أطيب ريحك و روحك ملائكتي اشهدوا انى قد غفرت له».

و روى في الفقيه (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من صائم يحضر قوما يطعمون إلا سبحت له أعضاؤه و كانت صلاة الملائكة عليه و كانت صلاتهم استغفارا».

الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن ذكرها المقام.

الرابعة [الإشكال في حديثي الكناني و الفقيه و الجواب عنه]

- قد أورد ههنا سؤال مشهور على حديثي الكناني و الفقيه المتقدمين المتضمنين للحديث القدسي و قوله عز و جل: «الصوم لي و أما أجزي عليه» بان كل الأعمال الصالحة لله فما وجه تخصيص انه له تبارك و تعالى؟

و أجيب بوجوه: الأول- انه اختص بترك الشهوات و الملاذ في الفرج و البطن و ذلك أمر عظيم يوجب التشريف. و عورض بالجهاد فان فيه ترك الحياة فضلا عن الشهوات، و بالحج فان فيه الإحرام و محظوراته كثيرة.

الثاني- ان الصوم يوجب صفاء العقل و الفكر بواسطة ضعف القوى الشهوانية بسبب الجوع و لذلك

قال (عليه السلام) (5) «لا تدخل الحكمة جوفا مليء طعاما».

و صفاء العقل و الفكر يوجبان حصول المعارف الربانية التي هي أشرف أحوال النفس الإنسانية.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 3 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 9 من آداب الصائم.

(5) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

10

ورد بأن سائر العبادات إذا واظب عليها المكلف أورثت ذلك خصوصا الجهاد، قال الله تعالى «وَ الَّذِينَ جٰاهَدُوا فِينٰا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنٰا» (1) و قال الله تعالى «اتَّقُوا اللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ» (2).

الثالث- ان الصوم أمر خفي لا يمكن الاطلاع عليه فلذلك شرف بخلاف الصلاة و الحج و الجهاد و غيرها من الأعمال. و عورض بان الايمان و الإخلاص و أفعال القلوب خفية مع ان الحديث متناول لها، و يمكن دفعه بتخصيص الأعمال بأفعال الجوارح لأنه المتبادر من اللفظ.

و قال بعض المحققين هب ان كل واحد من هذه الأجوبة مدخول بما ذكر فلم لا يكون مجموعها هو الفارق فان هذه الأمور لا تجتمع في غير الصوم. و هو جيد.

الخامسة- في علة فرض الصوم

، روى الصدوق في الصحيح عن هشام بن الحكم (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن علة الصيام فقال إنما فرض الله الصيام ليستوي به الغنى و الفقير و ذلك ان الغنى لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئا قدر عليه فأراد الله أن يسوى بين خلقه و أن يذيق الغنى مس الجوع و الألم ليرق على الضعيف و يرحم الجائع».

و رواه في كتاب العلل عن هشام ابن الحكم (4) و زاد «ثم سألت أبا الحسن (عليه السلام) فأجابني بمثل جواب أبيه».

و بإسناده عن صفوان بن يحيى عن موسى بن بكر عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) (5) قال: «لكل شيء زكاة و زكاة الأجسام الصيام».

و بإسناده عن محمد بن سنان عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) في ما كتب اليه من جواب مسائله (6) «علة الصوم لعرفان مس الجوع و العطش ليكون ذليلا مستكينا مأجورا محتسبا صابرا، و يكون ذلك دليلا له على شدائد الآخرة مع ما فيه من الانكسار له عن الشهوات واعظاً له في العاجل دليلا على الآجل ليعلم شدة مبلغ ذلك من أهل

____________

(1) سورة العنكبوت الآية 70.

(2) سورة الحديد الآية 29.

(3) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(5) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(6) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

11

الفقر و المسكنة في الدنيا و الآخرة».

و بإسناده عن حمزة بن محمد (1) «انه كتب الى ابى محمد (عليه السلام) لم فرض الله الصوم؟ فورد في الجواب ليجد الغنى مس الجوع فيمن على الفقير» و رواه الكليني مثله (2) إلا انه قال: «ليجد الغنى مضض الجوع فيحنو على الفقير».

و روى في الفقيه عن الحسن بن على بن ابى طالب (عليه السلام) (3) قال: «جاء نفر من اليهود الى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فسأله أعلمهم عن مسائل فكان في ما سأله انه قال له لأي شيء فرض الله عز و جل الصوم على أمتك بالنهار ثلاثين يوما و فرض الله على الأمم أكثر من ذلك؟ فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ان آدم (عليه السلام) لما أكل من الشجرة بقي في بطنه ثلاثين يوما ففرض الله على ذريته ثلاثين يوما الجوع و العطش و الذي يأكلونه بالليل تفضل من الله عليهم و كذلك كان على آدم ففرض الله ذلك على أمتي. ثم تلا هذه الآية «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ» (4) قال اليهودي صدقت يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) فما جزاء من صامها؟ فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من مؤمن يصوم شهر رمضان احتسابا إلا أوجب الله له سبع خصال:

أولاها يذوب الحرام في جسده، و الثانية يقرب من رحمة الله، و الثالثة يكون قد كفر خطيئة أبيه آدم، و الرابعة يهون الله عليه سكرات الموت، و الخامسة أمان من الجوع و العطش يوم القيامة، و السادسة يعطيه الله براءة من النار، و السابعة يطعمه الله من طيبات الجنة. قال صدقت يا محمد (صلى اللّٰه عليه و آله)».

السادسة- في آداب الصائم

، روى الكليني في الحسن عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا صمت فليصم سمعك و بصرك و شعرك و جلدك. و عدد

____________

(1) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 1 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 1 من أحكام شهر رمضان.

(4) سورة البقرة الآية 180 و 181.

(5) الوسائل الباب 11 من آداب الصائم.

12

أشياء غير هذا. و قال لا يكون يوم صومك كيوم فطرك».

و عن جراح المدائني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده. ثم قال: قالت مريم «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً» (2) أى صمتا فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم و غضوا أبصاركم و لا تنازعوا و لا تحاسدوا.

قال: و سمع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) امرأة تسب جارية لها و هي صائمة فدعا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بطعام فقال لها كلى فقالت إني صائمة فقال كيف تكونين صائمة و قد سببت جاريتك؟ ان الصوم ليس من الطعام و الشراب. قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صمت فليصم سمعك و بصرك من الحرام و القبيح و دع المراء و أذى الخادم و ليكن عليك وقار الصائم و لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك».

و عن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لجابر بن عبد الله الأنصاري يا جابر هذا شهر رمضان من صام نهاره و قام وردا من ليله و عف بطنه و فرجه و كف لسانه خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر. فقال جابر يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما أحسن هذا الحديث فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يا جابر ما أشد هذه الشروط».

و عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (4) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من عبد صائم يشتم فيقول انى صائم سلام عليك لا أشتمك كما تشتمني إلا قال الرب تبارك و تعالى استجار عبدي بالصوم من شر عبدي قد أجرته من النار».

و في كتاب الفقه الرضوي (5): و اعلم رحمك الله ان الصوم حجاب ضربه الله

____________

(1) الوسائل الباب 11 من آداب الصائم.

(2) سورة مريم الآية 28.

(3) الوسائل الباب 11 من آداب الصائم. و الرواية عن ابى جعفر (ع).

(4) الفروع ج 1 ص 187 و في الوسائل الباب 12 من آداب الصائم.

(5) ص 23.

13

عز و جل على الألسن و الأسماع و الأبصار و سائر الجوارح حتى يستر به من النار و قد جعل الله على كل جارحة حقا للصائم فمن أدى حقها كان صائما و من ترك شيئا منها نقص من فضل صومه بحسب ما ترك منها.

السابعة [معنى رمضان]

- قد اختلف في رمضان فقيل انه علم للشهر كرجب و شعبان و منع من الصرف للعلمية و الألف و النون، و قيل انه اسم من أسماء الله تعالى، و على هذا فمعنى شهر رمضان شهر الله.

و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن هشام بن سالم في الصحيح عن سعد عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «كنا عنده ثمانية رجال فذكرنا رمضان فقال لا تقولوا هذا رمضان و لا ذهب رمضان و لا جاء رمضان فان رمضان اسم من أسماء الله عز و جل لا يجيء و لا يذهب و إنما يجيء و يذهب الزائل و لكن قولوا شَهْرُ رَمَضٰانَ فان الشهر مضاف الى الاسم و الاسم اسم الله عز و جل و هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن جعله مثلا وعيدا».

و رواه الصدوق بإسناده عن البزنطي عن هشام بن سالم عن سعد الخفاف (2) و رواه سعد بن عبد الله في كتاب بصائر الدرجات عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن ابى نصر عن هشام بن سالم عن سعد بن طريف مثله (3).

و روى في الكافي أيضا عن غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تقولوا رمضان و لكن قولوا شهر رمضان فإنكم لا تدرون ما رمضان».

و رواه الصدوق في الفقيه عن غياث مثله (5) و كذا رواه في كتاب معاني الأخبار و الذي قبله أيضا (6).

و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: قال بعض العلماء يكره أن يقال جاء رمضان و شبهه إذا أريد به الشهر و ليس معه قرينة تدل عليه و إنما يقال جاء شهر رمضان، و استدل بحديث (7)

«لا تقولوا رمضان فان رمضان اسم من أسماء الله تعالى

____________

(1) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(6) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(7) سنن البيهقي ج 4 ص 201 و 202.

14

و لكن قولوا شهر رمضان».

و هذا الحديث ضعفه البيهقي و ضعفه ظاهر لأنه لم ينقل عن أحد من العلماء ان رمضان من أسماء الله تعالى فلا يعمل به. و الظاهر جوازه من غير كراهة كما ذهب إليه البخاري و جماعة من المحققين لأنه لم يصح في الكراهة شيء و قد ثبت في الأحاديث الصحيحة ما يدل على الجواز مطلقا

كقوله (1) «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفدت الشياطين».

و قال القاضي عياض: و في قوله: «إذا جاء رمضان» دليل على جواز استعماله من غير لفظ شهر خلافا لمن كرهه من العلماء. انتهى.

و فيه دلالة على ان الحديث بذلك مروي من طرقهم أيضا و لكن بعضهم حكم بضعفه. و كيف كان فهو مرغوب عنه بعد ورود الأخبار عندنا بذلك.

و ما ورد في بعض أخبارنا أيضا من ذكره مجردا عن الشهر محمول على الجواز و هو لا ينافي الكراهة.

و يؤيد ما قلناه ما نقله في كتاب مجمع البحرين عن الأزهري قال: العرب تذكر الشهور كلها مجردة من لفظ شهر إلا شهري ربيع و رمضان.

قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في كتاب نكت الإرشاد: فائدة- نهى عن التلفظ برمضان بل يقال شهر رمضان في أحاديث من أجودها

ما أسنده بعض الأفاضل إلى الكاظم عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «لا تقولوا رمضان فإنكم لا تدرون ما رمضان فمن قاله فليتصدق و ليصم كفارة لقوله و لكن قولوا كما قال الله عز و جل شَهْرُ رَمَضٰانَ» (3).

انتهى.

أقول: ما نقله (قدس سره) من الخبر قد نقله السيد السعيد ذو المقامات

____________

(1) سنن البيهقي ج 4 ص 202 و اللفظ فيه و في المصباح «إذا جاء» و لذا أوردناه كذلك و ان كان الوارد في رواية «إذا دخل» كما ذكر ذلك في المجموع ج 6 ص 248.

(2) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(3) سورة البقرة الآية 182.

15

و الكرامات رضى الدين بن طاوس في كتاب الإقبال عن كتاب الجعفريات و هي ألف حديث بإسناد واحد الى مولانا موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) (1) و الظاهر ان الكفارة فيه محمولة على الاستحباب و تغليظ الكراهة لما ثبت في كثير من الأخبار من وروده مجردا عن لفظ شهر.

ثم انه على تقدير ما هو المشهور من انه اسم للشهر فقد اختلفوا في اشتقاقه فعن الخليل (رحمه الله) انه من الرمض بسكون الميم و هو مطر يأتي وقت الخريف يطهر وجه الأرض من الغبار، سمى الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار. و قيل من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس، قال الزمخشري في الكشاف: رمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء. سمى بذلك اما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقا لأنه كان ينتقهم أى يزعجهم لشدته عليهم أو لأن الذنوب ترمض فيه أى تحترق. و قيل انهم لما تقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان البحث في هذا الكتاب يقع في مقاصد ثلاثة:

المقصد الأول- في بيان الصوم و ما يتحقق به و ما يفسده و من يصح منه و الكفارة المترتبة على الإفساد:

و فيه مطالب

المطلب الأول- في النية

و الكلام فيها يقع في مواضع

الأول [وجوب النية]

- لا ريب في وجوبها إذ لا عمل إلا بنية، و الأمر فيها عندنا سهل كما قدمناه في كتاب الطهارة، و الكلام في كونها شرطا أو شطرا لا ثمرة فيه لأن القدر المطلوب هو اعتبار النية في الصوم بحيث يبطل بتركها عمدا أو سهوا و هو ثابت على كل من التقديرين. و لم يقم لنا دليل على اعتبار ما ذكروه فيها من القيود في هذا المقام و لا غيره زائدا على القربة له عز و جل للآيات و الروايات الصريحة في توقف صحة العبادة على ذلك (2).

____________

(1) الوسائل الباب 19 من أحكام شهر رمضان.

(2) اما الآيات فكقوله تعالى في سورة البينة الآية 5 «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» و قوله تعالى في سورة الزمر الآية 17 «قُلِ اللّٰهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي» و اما الروايات فكالروايات الدالة على توقف العمل على النية و قد أوردها في الوسائل في الباب 5 من مقدمة العبادات و في أبواب متفرقة منها الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

16

[مواضع الخلاف]

و قد وقع الخلاف هنا في مواضع ثلاثة

أحدها [هل يعتبر في صوم شهر رمضان نية كونه منه؟]

- انه هل يكفي في شهر رمضان نية أنه يصوم غدا متقربا من غير اعتبار نية التعيين بكونه من شهر رمضان أم لا بد من نية التعيين؟ قولان أولهما منقول عن الشيخ و به صرح جملة من الأصحاب:

منهم- المحقق و العلامة في جملة من كتبه، و نقل عن بعض الأصحاب الثاني.

احتج المحقق على ما اختاره بان المراد من نية التعيين وقوع الفعل بها على أحد وجهيه فإذا لم يكن للفعل إلا وجه واحد استغنى عن نية التعيين كرد الوديعة و تسليم الأمانات، قال و يمكن أن يحتج عليه بقوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (1) فإذا حصل مع نية التقرب فقد حصل الامتثال و كان ما زاد منفيا.

و اعترض عليه بما حاصله ان امتثال الأمر فرع تعقل المأمور أن الآمر أمره بذلك الفعل فإذا لم يعتقد ان الصوم غدا من ما أمر الشارع بالإتيان به فيه لم يكن ممتثلا للتكليف بالصوم غدا، و نحن لا نعني بالتعيين سوى هذا إذ به يتعين كونه من رمضان.

أقول: و عندي في هذا الخلاف- و البحث الذي أطالوا به الكلام من ما ذكرنا و ما أعرضنا عن نقله في هذا المقام من أصله- نظر فإنهم إن أرادوا بهذه النية التي اختلفوا في اشتراط التعيين فيها و عدمه ما هو عبارة عن التصوير الفكري- و الحديث النفسي الذي يترجمه قول الصائم «أصوم غدا من شهر رمضان قربة الى الله» كما ذكروه في الصلاة و الطهارة و نحوهما من التصوير المشتمل على القيود التي ذكروها- فهذا ليس هو النية كما حققناه في كتاب الطهارة بما لا مزيد عليه، و ان أريد بالنية هو المعنى الذي حققناه ثمة و أوضحناه- من أنه القصد البسيط الذي لا يكاد

____________

(1) سورة البقرة الآية 182.

17

ينفك عنه عاقل عند ارادة الفعل و انه أمر جبلي لو كلف الله بعدمه لكان تكليفا بما لا يطاق- فهذا الكلام لا معنى له، و ذلك لأن التكليف بصيام شهر رمضان من الضروريات الدينية، و حينئذ فكل مكلف دخل عليه هذا الشهر و بادر الى صيامه قربة الى الله تعالى فان تعين كونه من شهر رمضان أمر لا يتصور انفكاكه عنه و لا خلوه منه حتى يصح أن يكون مطرحا للخلاف بأنه لو صام مع عدم تعيين كونه من شهر رمضان هل يصح صومه أم لا من ما يؤذن بأنه يمكن الإتيان بالصيام مع عدم اعتقاد كونه من شهر رمضان. نعم يمكن فرض ذلك نادرا ممن عرض له السهو عن كونه في شهر رمضان و هو خارج عن محل المسألة و غير صالح لمطرح الخلاف.

و

ثانيها [هل يشترط في نية صوم النذر المعين قصد التعيين؟]

- انهم اختلفوا أيضا في انه هل يشترط في نية صوم النذر المعين قصد التعيين أم لا؟ فنقل عن المرتضى و ابن إدريس الثاني و قواه العلامة في المنتهى و اعتمده في المدارك، و قيل بالأول و هو منقول عن الشيخ و جماعة و اختاره في المختلف.

حجة القول الثاني انه زمان تعين بالنذر للصوم فكان كشهر رمضان، و اختلافهما بأصالة التعين و عرضيته لا يقتضي اختلافهما في هذا الحكم.

و احتج في المختلف على القول الأول بأنه زمان لم يعينه الشارع في الأصل للصوم فافتقر الى التعيين كالنذر المطلق. و بان الأصل وجوب التعيين إذ الأفعال إنما تقع على الوجوه المقصودة، ترك ذلك في شهر رمضان لأنه زمان لا يقع فيه غيره فيبقى الباقي على الأصالة.

ورد الأول بأنه مصادرة على المطلوب و إلحاقه بالنذر المطلق قياس مع الفارق و الثاني بمنع أصالة الوجوب، و لأن الوجه الذي لأجله ترك العمل بالأصل الذي ذكره في صوم شهر رمضان آت في النذر المعين، فإنه ان أريد بعدم وقوع غيره فيه استحالته عقلا كان منفيا فيهما و ان أريد امتناعه شرعا كان ثابتا فيهما.

أقول: لا يخفى أيضا ان هذا الخلاف انما يجرى في النية التي هي عبارة عن ذلك التصوير الفكري و الحديث النفسي الذي أشرنا اليه و بينا أنه ليس هو النية

18

حقيقة، و اما النية بالمعنى الذي حققناه فإنه لا معنى لهذا الكلام بالكلية، فإن من نذر صوما معينا ثم قصد الإتيان بذلك فإنه لا ريب في حصول التعيين عنده، بل لو أراد الصوم على الوجه المذكور من غير التعيين لم يتيسر له و لهذا عد في تكليف ما لا يطاق من حيث انه جبلي لا يمكن الانفكاك عنه مع القصد المذكور إلا أن يكون ساهيا أو ذاهلا و هو خارج عن محل البحث.

و

ثالثها [هل يعتبر في الصوم قصد الوجه؟]

- انه هل يعتبر نية الوجه من الوجوب أو الندب؟ قولان و ظاهر جماعة ممن قال باعتبار نية الوجه سقوطه هنا من حيث عدم إمكان وقوع شهر رمضان بنية الندب للمكلف به فلا يحتاج الى التمييز عنه. إلا أن يقال بوجوب إيقاع الفعل بوجهه من وجوب أو ندب كما ذكره المتكلمون فيحب ذلك و ان لم يكن مميزا.

قال في المسالك بعد ذكر ذلك: و لا ريب ان اضافة الوجوب إلى القربة أحوط و ضم التعيين إليهما أفضل و التعرض للأداء مع ذلك أكمل. انتهى. و فيه نظر و تحقيق البحث في المسألة قد مر مستوفى في كتاب الطهارة.

هذا في ما كان متعينا و اما غيره كالقضاء و النذر المطلق و الكفارة و النافلة فقد صرحوا بأنه لا بد من التعيين لوقوعه على وجوه متعددة فافتقر إلى نية التعيين ليتميز المنوي عن غيره. قال في المعتبر: و على ذلك فتوى الأصحاب.

أقول: ما ذكروه هنا متجه لا إشكال فيه لأن الفعل الواحد الواقع على أنحاء متعددة لا ينصرف إلى أحدها إلا بقصده و نيته و لكن يكفي في ذلك تعينه بأول القصد إلى إيقاعه و لا يحتاج بعده الى تصوير و لا حديث في النفس كما هو النية المشهورة بينهم.

الثاني [وقت النية]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه لا بد من إيقاع النية ليلا في أوله أو آخره، و بعبارة أخرى لا بد من حصولها عند أول جزء من الصوم أو تبييتها، لأن الإخلال بكل من الأمرين يقتضي مضى جزء من الصوم بغير نية

19

فيفسد لفوات شرطه و الصوم لا يتبعض. و لو نسيها ليلا جددها ما بينه و بين الزوال فلو زالت الشمس زال محلها.

و قال ابن أبى عقيل: يجب على من كان صومه فرضا عند آل الرسول (عليهم السلام) أن يقدم النية في اعتقاد صومه ذلك من الليل. و هو ظاهر في وجوب تبييتها، و يمكن حمله على تعذر المقارنة بها فان الطلوع لا يعلم إلا بعد وقوعه فتقع النية بعده و هو يستلزم فوات جزء من النهار بغير نية.

و قال ابن الجنيد: و يستحب للصائم فرضا و غير فرض أن يبيت الصيام من الليل لما يريد به، و جائز أن يبتدئ بالنية و قد بقي بعض النهار و يحتسب به من واجب إذا لم يكن أحدث ما ينقض الصيام، و لو جعله تطوعا كان أحوط.

و ظاهره جواز تجديد النية في الفرض و غيره بعد الزوال مع الذكر و النسيان، و حمل كلامه على ان مراده بالفرض غير المعين و إلا فهو باطل.

و قال المرتضى (رضي الله عنه): و وقت النية في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر الى قبل زوال الشمس. فان كان مراده بالامتداد الى وقت الزوال ما هو أعم من وقت الاختيار و الاضطرار ليخص الامتداد الى الزوال بالناسي و نحوه فهو صحيح و إلا فهو مشكل. و ظاهر الدليل الذي نقله عنه في المختلف هو ان مراده الامتداد و لو للمختار حسبما سيأتي في قضاء شهر رمضان، و حينئذ فيكون كلامه مخالفا لما عليه الأصحاب في المسألة.

و اما ان الناسي للنية ليلا يجددها ما بينه و بين الزوال فقال المحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة و المنتهى انه موضع وفاق بين الأصحاب.

و استدلوا عليه

بما روى (1) «ان ليلة الشك أصبح الناس فجاء أعرابي إلى النبي.

____________

(1) لم أقف حتى في كتب الحديث للعامة على حديث بهذا اللفظ و المضمون و قد نقل البيهقي في السنن ج 4 ص 211 و 212 عدة أحاديث في هذا الموضوع: أولها عن عكرمة عن ابن عباس و هو يتضمن شهادة الأعرابي الواحد و في آخره

قال (ص) «يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا».

و الثاني أيضا عن عكرمة عن ابن عباس و قد تضمن مجيء الأعرابي ليلة هلال رمضان و في آخره: فنادى ان صوموا. و الثالث

عن عكرمة «أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا و لا يصوموا فجاء أعرابي من الحرة فشهد انه رأى الهلال فاتى به النبي (ص). الى ان قال فأمر (ص) بلالا فنادى في الناس أن يقوموا و ان يصوموا».

ثم قال البيهقي: قال أبو داود: و رواه جماعة عن سماك عن عكرمة مرسلا و لم يذكر القيام أحد إلا حماد بن سلمة. ثم نقل من كتاب المستدرك لأبي عبد الله الحافظ نفس الحديث بطريق ينتهي إلى حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس. و الرابع يتضمن رؤية ابن عمر الهلال و اخباره رسول الله (ص) و انه صام و أمر الناس بصيامه.

و الخامس يتضمن رؤية الهلال بعد رسول الله (ص) و السادس عن فاطمة بنت الحسين يتضمن الشهادة عند على (ع). هذه أحاديث الباب. و لم يتعرض للحديث في كتبهم الفقهية في مقام التعرض لوجوب الإمساك و عدمه في يوم الشك لو ظهر انه من شهر رمضان نهارا و الحديث المنقول في المتن من المعتبر يشبه ان يكون هو الحديث الثالث الذي نقلناه من غير طريق حماد بن سلمة إلا ان الحديث من غير هذا الطريق مشعر أيضا بأن دعوى الرؤية كانت في الليل إذ لم يشتمل على النداء بان من لم يأكل فليصم و من أكل فليمسك. فالحديث المذكور بهذا المضمون لا وجود له في ما حضرني من كتب الحديث و الفقه للعامة كما لا وجود له في كتب الحديث للخاصة. نعم النداء بالنحو المذكور فيه وارد في صوم عاشوراء بطريق العامة و قد نقل الأحاديث في هذا الموضوع في السنن ج 4 ص 288 باب (من زعم ان صوم عاشوراء كان واجبا ثم نسخ وجوبه) و في أحدها «انه (ص) أمر رجلا من أسلم ان اذن في الناس ان من أكل فليصم بقية يومه و من لم يكن أكل فليصم فان اليوم يوم عاشوراء» و في آخر: انه (ص) أرسل صبيحة عاشوراء الى قرى الأنصار التي حول المدينة ان من كان أصبح صائما فليتم صومه و من كان أصبح مفطرا فليصم بقية يومه. و كيف كان فلا يخفى ان الأحاديث الثلاثة الأول التي نقلناها من السنن في موضوع الشهادة بهلال شهر رمضان تضمنت سؤال النبي (ص) من الشاهد الشهادة بالتوحيد و النبوة و اجابة الشاهد بالإثبات.

20

(صلى اللّٰه عليه و آله) فشهد برؤية الهلال فأمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مناديا ينادى من لم يأكل فليصم و من أكل فليمسك».

قال في المنتهى فإذا جاز مع العذر و هو الجهل بالهلال جاز مع النسيان

21

قال في المدارك: و يمكن أن يستدل عليه بفحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال، و أصالة عدم اعتبار تبييت النية مع النسيان.

و ربما استدل على ذلك أيضا

بحديث (1) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان».

فإن إيجاب القضاء يقتضي عدم رفع النسيان.

أقول: لم أقف في هذا المقام على نص من الأخبار و هذه الأدلة كلها لا تخلو من شوب الاشكال الموجب لعدم الاعتماد عليها في تأسيس حكم شرعي، أما الرواية المذكورة فالظاهر انها من طريق الجمهور فانى لم أقف عليها في شيء من الأصول، و مع هذا فهي مختصة بالجاهل و المساواة ممنوعة، على انها لا تقتضي تحديد الحكم بالزوال كما هو المدعى بل هي أعم و هم لا يقولون به. و اما الاستدلال بفحوى ما ذكر فهو متوقف على ثبوت العلة و أولويتها في الفرع و هو ممنوع، على ان الدليل المشار اليه إنما ورد في المسافر و اما المريض فلم يرد فيه نص بذلك كما سيأتي بيانه في محله و انما ذكر الأصحاب ذلك و استدلوا عليه ببعض الأدلة الاعتبارية. و اما أصالة عدم اعتبار تبييت النية ففيه ان الأصل يرتفع بما دل على اعتبار النية في صحة العبادة كلا أو بعضا. و اما حديث «رفع عن أمتي» فالظاهر ان المراد منه رفع المؤاخذة و العقاب و لا دلالة فيه على عدم القضاء. و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال إذا عرفت ذلك فاعلم ان ما تقدم انما هو بالنسبة إلى الواجب المعين و اما الواجب الغير المعين كالقضاء و النذر المطلق فقد قطع الأصحاب بأن وقت النية فيه يستمر من الليل الى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهارا.

و يدل عليه أخبار كثيرة: منها-

ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن ابن الحجاج عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) «في الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار

____________

(1) الوسائل الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة و الباب 56 من جهاد النفس.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

22

في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان و لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: نعم ليصمه و ليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«من أصبح و هو يريد الصيام ثم يدا له أن يفطر فله أن يفطر ما بينه و بين نصف النهار ثم يقضى ذلك اليوم، فان بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (2) قال: «سألته عن الرجل يقضى رمضان إله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال إذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء رمضان فلا يفطر و يتم صومه.

قال: و سألته عن الرجل يبدو له بعد ما يصبح و يرتفع النهار أن يصوم ذلك اليوم و يقضيه من رمضان و ان لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال نعم يصومه و يعتد به إذا لم يحدث شيئا».

و عن هشام بن سالم في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له الرجل يصبح و لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأى في الصوم؟ فقال ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل يصبح و هو يريد الصيام ثم يبدو له فيفطر؟ قال هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار. قلت هل يقضيه إذا أفطر؟ قال نعم لأنها حسنة أراد أن يعملها فليتمها قلت: فان رجلا أراد ان يصوم ارتفاع النهار أ يصوم؟ قال نعم».

و روى الشيخ في القوى عن صالح بن عبد الله عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (5) قال:

«قلت له: رجل جعل لله عليه صيام شهر فيصبح و هو ينوي الصوم ثم يبدو له

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 405 و في الوسائل الباب 4 و 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) التهذيب ج 1 ص 405 و في الوسائل الباب 4 و 2 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(5) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

23

فيفطر و يصبح و هو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم؟ فقال هذا كله جائز».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الموثق و الصحيح (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل يصبح و لم يطعم و لم يشرب و لم ينو صوما و كان عليه يوم من شهر رمضان إله أن يصوم ذلك اليوم و قد ذهب عامة النهار؟ قال نعم له أن يصوم و يعتد به من شهر رمضان».

و عن احمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح عن من ذكره عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له الرجل يكون عليه القضاء من شهر رمضان و يصبح فلا يأكل إلى العصر أ يجوز أن يجعله قضاء من شهر رمضان؟ قال نعم».

و عن ابن بكير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى من النهار ما مضى؟ قال يصوم ان شاء و هو بالخيار الى نصف النهار».

و في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان يريد أن يقضيها متى يريد ان ينوي الصيام؟ قال هو بالخيار الى أن تزول الشمس فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم و ان كان نوى الإفطار فليفطر. سئل فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال لا».

[تنبيهات]

و تنقيح الكلام في المقام يتوقف على رسم مسائل

الأولى [منتهى وقت النية في القضاء و النذر المطلق]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان منتهى وقت النية في القضاء و النذر المطلق هو زوال الشمس فبعد زوالها يفوت الوقت، و ظاهر كلام ابن الجنيد المتقدم استمرار وقت النية ما بقي من النهار شيء، و اختاره الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و يدل على القول المشهور موثقة عمار و رواية عبد الله بن بكير، و يدل على

____________

(1) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 20 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

24

قول ابن الجنيد ظاهر موثقة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحته فان المتبادر من عامة النهار أي أكثره، و مرسلة أحمد بن محمد بن أبي نصر.

و أجاب العلامة في المختلف عن الرواية الأولى باحتمال أن يكون قد نوى قبل الزوال و يصدق عليه انه ذهب عامة النهار على سبيل المجاز. و عن الثانية بالطعن بالإرسال و باحتمال أن يكون قد نوى صوما مطلقا مع نسيان القضاء فحاز صرفه اليه.

ورد الأول بأن المتبادر من ذهاب عامة النهار ذهاب أكثره و هو لا يحصل بما قبل الزوال. و الثاني بأنه ليس في شيء من الروايات دلالة على الاحتمال الذي ذكره فلا يمكن المصير اليه.

و المحقق في المعتبر استدل للمشهور بان الصوم الواجب يجب أن يؤتى به من أول النهار أو بنية تقوم مقام الإتيان به من أوله،

و قد روى «ان من صام قبل الزوال حسب له يومه».

ثم نقل رواية هشام بن سالم المتقدمة، قال و أيد ذلك بما رواه عمار الساباطي. ثم ساق موثقة عمار المذكورة.

و أنت خبير بأن صحيحة هشام المشار إليها لا دلالة فيها صريحا بل و لا ظاهرا على ما ذكره بل الظاهر أن المراد منها إنما هو صوم النافلة لأن قوله في آخرها «و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» لا ينطبق على الواجب و انما يمكن تطبيقه على النافلة بمعنى ان الفضل الكامل في صيامها يحصل بالنية قبل الزوال و اما بعده فلا يثاب عليه إلا بمقدار ما بقي من النهار. نعم موثقة عمار ظاهرة في ما ذهب اليه. و الظاهر ان بناء استدلال المحقق بصحيحة هشام المذكورة على حمل قوله:

«و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» على بطلان الصيام فإنه إذا لم يحسب له صيام اليوم كملا كان باطلا، و حساب هذا الجزء الباقي بمعنى اثابته عليه لا يستلزم صحة صيام اليوم كملا. و بالجملة فالمسألة محل إشكال.

الثانية [منتهى وقت النية في الصوم المستحب]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يمتد وقت نية

25

النافلة أيضا الى الزوال، و نقل عن المرتضى و الشيخ و جماعة من الأصحاب امتداده الى الغروب، قال الشيخ (رحمه الله) و تحقيق ذلك أن يبقى بعد النية من الزمان ما يمكن صومه إلا أن يكون انتهاء النية مع انتهاء النهار. و اليه مال الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و استدل العلامة على القول المشهور في المختلف بأنه (عليه السلام)

«نفى العمل بغير نية» (1).

و مضى جزء من النهار بغير نية يستلزم نفى حكمه، ترك العمل به في صورة ما إذا نوى قبل الزوال لمعنى يختص به و هو صيرورة عامة النهار منويا فيبقى الباقي على الأصل. و لأنه عبادة مندوبة فيكون وقت نيتها وقت نية فرضها كالصلاة، و يؤيده ما رواه هشام بن سالم في الصحيح. ثم ساق الرواية كما قدمناها. ثم قال:

و ترك الاستفصال عقيب إكمال السؤال يدل على تعميم المقال. انتهى.

و يدل على القول الثاني

موثقة أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة؟ قال هو بالخيار ما بينه و بين العصر، و ان مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم و لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم ان شاء».

و يدل على ذلك إطلاق

صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يدخل إلى أهله فيقول عندكم شيء؟ و إلا صمت فان كان عندهم شيء أتوه به و إلا صام».

و صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قال على (عليه السلام) إذا لم يفرض الرجل على نفسه صياما ثم ذكر الصيام قبل أن يطعم طعاما أو يشرب

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 3 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته، و الراوي هشام بن سالم.

(4) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

26

شرابا و لم يفطر فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر».

و من ذلك يعلم قوة هذا القول و ضعف ما استدل به في المختلف للقول المشهور

الثالثة [هل يشترط في النية الاستمرار على حكمه؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا يشترط في النية من الليل الاستمرار على حكم الصوم بل يجوز أن ينوي ليلا و يفعل بعدها ما ينافي الصوم الى قبل الفجر، و لا فرق في ذلك بين الجماع و غيره، و تردد في البيان في الجماع و ما يوجب الغسل من أنه مؤثر في صيرورة المكلف غير قابل للصوم فيزيل حكم النية، و من حصول شروط الصحة و زوال المانع بالغسل. و ضعف الوجه الأول من وجهي الترديد ظاهر فإنه مجرد دعوى خالية من الدليل.

الرابعة- لو أخل بالنية ليلا عمدا

في الواجب المعين فسد صومه لفوات الشرط و وجب القضاء، و هل تجب الكفارة؟ قيل نعم و حكاه الشهيد في البيان عن بعض مشايخه نظرا الى ان فوات الشرط و الركن أشد من فوات متعلق الإمساك.

و قيل لا و به قطع في المنتهى لأصالة البراءة السالمة من المعارض. و هو جيد.

الخامسة- لو جدد النية في أثناء النهار

فهل يحكم له بالصوم الشرعي المثاب عليه من وقت النية أو من ابتداء النهار أو يفرق بين ما إذا وقعت النية بعد الزوال فيكون كالثاني و قبله فيكون كالأول؟ أوجه يدل على الأخير منها قوله في صحيحة هشام بن سالم المتقدمة (1) «ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى» و يدل على الأول منها قوله

في صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة أيضا (2) «فان بدا له أن يصوم بعد ما ارتفع النهار فليصم فإنه يحسب له من الساعة التي نوى فيها».

اللهم إلا أن يحمل ارتفاع النهار على وقت الزوال ليصير ما بعده ما بعد الزوال، إلا انه بعيد إذ المتبادر من ارتفاع النهار انما هو وقت الضحى. و يمكن الجمع بين الخبرين بان الحساب الاستحقاقي إنما هو من وقت النية التي هي شرط في صحة العمل إذ لا عمل إلا بالنية غاية الأمر انها إذا وقعت قبل الظهر حسب

____________

(1) ص 22.

(2) ص 22.

27

له ما تقدم عليها تفضلا.

الثالث [هل تكفي نية واحدة لشهر رمضان؟]

- المشهور بين الأصحاب المتأخرين انه لا بد في كل يوم من شهر رمضان من نية، و نقل عن الشيخين و المرتضى و ابى الصلاح و سلار (رضى الله عنهم) ان شهر رمضان يكفى فيه نية واحدة من أوله.

قال المرتضى (رضى الله عنه) في الانتصار بعد الاحتجاج بالإجماع من الطائفة: ان النية تؤثر في الشهر كله لأن حرمته حرمة واحدة كما أثرت في اليوم الواحد لما وقعت في ابتدائه.

و قال (قدس سره) في المسائل الرسية على ما نقله عنه العلامة في المختلف:

تغني النية الواحدة في ابتداء شهر رمضان عن تجديدها في كل ليلة و هو المذهب الصحيح الذي عليه إجماع الإمامية و لا خلاف بينهم فيه و لا رووا خلافه. ثم اعترض نفسه بأنه كيف تؤثر النية في جميع الشهر و هي متقدمة في أول ليلة منه؟

و أجاب بأنها تؤثر في الشهر كله كما تؤثر في اليوم كله و ان وقعت في ابتداء ليلته، و لو شرطت مقارنة النية للصوم لما جاز ذلك مع الإجماع على جوازه، و لو اشترط في تروك الأفعال في زمان الصوم مقارنة النية لها لوجب تجديد النية في كل حال من زمان كل يوم من شهر رمضان لأنه في هذه الأحوال كلها تارك لما يوجب كونه مفطرا، و قد علمنا ان استمرار النية طول النهار غير واجب و ان النية قبل طلوع الفجر كافية مؤثرة في كون تروكه المستمرة طول النهار صوما، فكذا القول في النية الواحدة إذا فرضنا انها لجميع شهر رمضان انها مؤثرة شرعا في صيام جميع أيامه و ان تقدمت. انتهى.

و أورد على ما ذكره منع ان حرمته حرمة واحدة بمعنى كون المجموع عبادة واحدة بل صوم كل يوم أمر مستقل بنفسه غير متعلق بغيره و لهذا تتعدد الكفارات بتعدد المفطر. و منع ثبوت الإجماع.

و رد المحقق كلام المرتضى أيضا بأنه قياس محض لا يتمشى على أصولنا، قال

28

لكن علم الهدى ادعى على ذلك الإجماع و كذلك الشيخ أبو جعفر، و الأولى تجديد النية لكل يوم في ليلته لأنا لا نعلم ما ادعياه من الإجماع.

قال في الذخيرة بعد البحث في المقام: نعم لقائل أن يقول تحصيل العلم بالبراءة من التكليف الثابت يقتضي وجوب تجديد النية بناء على ما ذكرنا سابقا من عدم ثبوت كون النية شرطا خارجا و عدم ثبوت كون الصوم حقيقة شرعية في نفس الإمساك من غير اعتبار استجماع الشرائط المؤثرة في الصحة. إلا ان بهذا الوجه لا يثبت وجوب القضاء عند الإخلال بالتجديد. و كيف ما كان فلا ريب في أولوية التجديد.

و قال العلامة: ان قلنا بالاكتفاء بالنية الواحدة فإن الأولى تجديدها بلا خلاف.

و استشكل هذا الحكم شيخنا الشهيد الثاني بناء على ان القائل بالاكتفاء بنية واحدة للشهر يجعله عبادة واحدة كما صرح به في دليله و من شأن العبادة الواحدة المشتملة على النية الواحدة ان لا يجوز تفريق النية على أجزائها كما هو المعلوم من حالها و حينئذ يشكل أولوية تعدد النية بتعدد الأيام لاستلزامه تفريق النية على اجزاء العبادة الواحدة التي تفتقر إلى النية الواحدة، قال و الطريق المخرج من الاشكال الجمع بين نية المجموع و بين النية لكل يوم. انتهى. و اعترض عليه بما لا مزيد طائل في إيراده بعد ما ستقف عليه ان شاء الله تعالى من التحقيق الرشيق.

ثم انهم قد صرحوا أيضا بأنه لو فاتته النية في أول الشهر لعذر أو غيره هل يكتفى بالنية في ثاني ليلة أو ثالث ليلة للباقي من الشهر؟ تردد فيه العلامة في المنتهى و استوجه الشهيد في البيان عدم الاكتفاء بذلك.

أقول- و بالله الهداية و التوفيق الى سواء الطريق- أنه لا بد من الكلام هنا في تحقيق النية زيادة على ما قدمناه في كتاب الطهارة ليكون أنموذجا لك في كل مقام و يتضح به ما في كلام هؤلاء الأعلام و ان كانوا هم القدوة و المعتمد في النقض و الإبرام:

29

فنقول: ينبغي ان يعلم انه لا ريب ان أفعال العقلاء كلها من عبادات و غيرها لا تصدر إلا بعد تصور الدواعي الباعثة على الإتيان بها و هي المشار إليها في كلامهم بالعلل الغائية، مثلا يتصور الإنسان ان الإتيان بهذا الفعل يترتب عليه النفع الفلاني فإذا تصورت النفس هذا الغرض انبعث منها شوق الى جذبه و تحصيله، فقد يتزايد هذا الشوق و يتأكد و يسمى بالإرادة، فإذا انضم إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء إلى إيقاع ذلك الفعل و إيراده و تحركت الى إصداره و إيجاده لأجل غرضها الذي تصورته أولا، فانبعاث النفس و توجهها و قصدها الى ما فيه غرضها هو النية، نعم قد يحصل بسبب تكرر الفعل و الاعتياد عليه نوع ذهول عن تلك العلة الغائية الحاملة على الفعل إلا ان النفس بأدنى توجه و التفات تستحضر ذلك كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكررة منا.

و حينئذ فليست النية بالنسبة إلى الصلاة و الطهارة و الصيام و نحو ذلك من العبادات إلا كغيرها من سائر أفعال المكلف من قيامه و قعوده و أكله و شربه و نكاحه و نومه و مغداه و مجيئه و نحو ذلك، و لا ريب ان كل غافل غير ذاهل لا يصدر عنه فعل من هذه الأفعال و نحوها إلا بنية و قصد، مع انه لا يتوقف شيء من ذلك على هذه النية التي ذكروها و الاختلافات التي سطروها.

و لا فرق بين ما ذكرنا من هذه الأفعال و بين العبادات إلا قصد القربة لله سبحانه في العبادات، و هذا لا يوجب ما ذكروه في أمثال هذا المقام.

و حينئذ فإذا كان المكلف عالما بوجوب الصوم عليه و انه عبارة عن الإمساك عن تلك الأمور المذكورة لله سبحانه كما هو الآن ضروري لعامة الناس فإنه برؤية هلال الشهر المذكور يوطن نفسه على ذلك و يكف عن هذه الأشياء في كل يوم من طلوع الفجر الى غروب الشمس و متى فعل ذلك فان صومه صحيح شرعي، و هذا هو الذي جرى عليه السلف زمن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) و ما بعدهم، فإنه متى دخل عليهم الشهر اجتنبوا ما حرم الله عليهم في نهاره و كفوا عنه قاصدين

30

بذلك التقرب اليه سبحانه مراعين حرمته زيادة على غيره من الشهور و لم يقع التكليف من الشارع بأزيد من هذا.

و انى لأعلم علما لا يخالجه الظن ان جميع هذه الأبحاث و المقالات و التدقيقات التي ذكروها لم تخطر بخاطر أحد من الصحابة زمنه (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا زمن أحد من الأئمة (عليهم السلام) مع انه لا ريب في صحة صومهم، على انها من ما لم يقم عليها دليل شرعي.

و الأنسب بقواعد الشريعة المحمدية و سعتها الواضحة الجلية هو جعل ذلك من قبيل ما ورد من السكوت عن ما سكت الله عنه و إبهام ما أبهمه:

فروى الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) في كتاب المجالس بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان الله تعالى حد لكم حدودا فلا تعتدوها و فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلا تنتهكوها و عفا لكم عن أشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تتكلفوها».

و روى في كتاب عوالي اللئالي عن إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: أبهموا ما أبهم الله».

و روى الصدوق في الفقيه (3) من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال:

«ان الله حد حدودا فلا تعتدوها و فرض فرائض فلا تنقصوها و سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسيانا فلا تتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها. الحديث».

و من أراد مزيد تحقيق لما ذكرناه من هذا الكلام فليرجع الى شرحنا على كتاب مدارك الأحكام و ما قدمناه في كتاب الطهارة من هذا الكتاب.

____________

(1) البحار ج 2 ص 263 رقم 11 الطبع الحديث.

(2) البحار ج 2 الباب 33 من كتاب العلم.

(3) باب (نوادر الحدود) و في الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

31

و بذلك يظهر ان جميع ما ذكروه من الأبحاث في النية في كتاب الصيام و كتاب الصلاة و كتاب الطهارة و نحوها من ما لا أثر يترتب عليه و لا حاجة تلجئ اليه بل هو من باب

«اسكتوا عن ما سكت الله عنه» (1).

و كلامهم في جميع هذه المواضع كلها يدور على النية التي اصطلحوا عليها و هي الكلام النفسي و التصوير الفكري الذي قدمنا ذكره و قد عرفت انه ليس هو النية حقيقة.

الرابع [هل يقع في شهر رمضان صوم غيره؟]

- انه لا يقع في شهر رمضان صوم غير الصوم الواجب فيه بالأصالة فلو نوى غيره واجبا كان أو ندبا فإنه لا يقع، و هل يجزئ عن شهر رمضان أم لا؟

و الخلاف هنا وقع في موضعين

أحدهما- انه هل يقع في شهر رمضان صوم غيره أم لا؟

المشهور الثاني.

فعلى هذا لو أراد المسافر صومه ندبا بناء على جواز الصوم المندوب في السفر أو واجبا بالنذر كما إذا قيده بالحضر و السفر لم يكن له ذلك:

أما أولا- فلأن العبادات توقيفية متلقاة من الشارع فيتوقف جواز ذلك على النقل و ليس فليس فيكون فعله بدعة محرمة.

و اما ثانيا-

فلما رواه الشيخ عن الحسن بن بسام الجمال عن رجل (2) قال:

«كنت مع أبى عبد الله (عليه السلام) في ما بين مكة و المدينة في شعبان و هو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر قلت له جعلت فداك أمس كان من شعبان و أنت صائم و اليوم من شهر رمضان و أنت مفطر؟ فقال: ان ذلك تطوع و لنا أن نفعل ما شئنا و هذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا».

و ما رواه عن إسماعيل بن سهل عن رجل (3) قال: «خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شهر شعبان و كان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان و هو

____________

(1) أورده بهذا اللفظ القضاعي في الشهاب في حرف الالف.

(2) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

32

في السفر فأفطر فقيل له تصوم شعبان و تفطر شهر رمضان؟ فقال نعم شعبان الي أن شئت صمت و ان شئت لا و شهر رمضان عزم من الله على الإفطار».

و نقل عن الشيخ في المبسوط انه جوز التطوع بالصوم من المسافر في شهر رمضان، و هو ضعيف لما عرفت من انتفاء التوقيف مع انه عبادة تتوقف على ذلك و إلا لم تكن مشروعة، و لأن الرواية التي اعتمد عليها في جواز صيام النافلة في السفر قد تضمنت لعدم وقوعه في شهر رمضان.

الموضع الثاني- انه مع نية غيره هل يجزئ عن شهر رمضان متى كان حاضرا أم لا؟

قولان اختار أولهما جمع من الأصحاب: منهم- الشيخ و المحقق و المرتضى (رضى الله عنهم) و ثانيهما جماعة من الأصحاب: منهم- ابن إدريس و العلامة، و اليه جنح في المدارك.

و الظاهر انه لا خلاف في الاجزاء مع الجهل بالشهر كما اعترف به الأصحاب في صيام يوم الشك بنية الندب و اجزائه عن شهر رمضان مع تبين كونه منه، إنما الخلاف مع العلم.

حجة الأول- كما استدل به في المعتبر- ان النية المشروطة حاصلة في نية القربة و ما زاد لغو لا عبرة به فكان الصوم حاصلا بشرطه فيجزئ عنه.

و أورد عليه بأنه يشكل بان من هذا شأنه لم ينو المطلق لينصرف الى رمضان و انما هو نوى صوما معينا فما نواه لم يقع و غيره ليس بمنوي فيفسد لانتفاء شرطه.

حجة الثاني كما ذكره العلامة في المختلف التنافي بين نية صوم رمضان و نية غيره، و بأنه منهي عن نية غيره و النهى مفسد، و بان مطابقة النية للمنوي واجبة.

و أجيب: اما عن الأول فبأن التنافي مسلم لكن لم لا يجوز أن يكفي في صحة صيام رمضان نية الإمساك مع التقرب و لا يعتبر فيها نية خصوصية كونه صوم رمضان؟ لا بد لنفي ذلك من دليل.

أقول: فيه ان الذي علم من الاخبار و هو الموافق للقواعد الشرعية من قولهم

33

(عليهم السلام) (1)

«لكل امرئ ما نوى».

و

«لا عمل إلا بنية» (2).

و نحوهما و الذي جرى عليه السلف من زمن التكليف الى الآن هو نية الصيام المخصوص بهذا الشهر، فهذا هو الذي علم صحته و إثبات صحة ما عداه يحتاج الى دليل لأن العبادات توقيفية و الذي علم من الأدلة هو ما ذكرناه، فلا بد لإثبات ما ذكره من دليل إذ مقتضى الأصول عدمه لا انه لا بد لنفيه من دليل كما ادعاه.

و اما عن الثاني فبان النهى متعلق بخصوصية نية كونه غير صوم رمضان و هي أمر خارجة عن حقيقة العبادة فلا يستلزم النهى عنها بطلان الصوم.

أقول: يمكن أن يكون مراد المستدل بما ذكره إنما هو انه لما كان منهيا عن هذه النية فالنهي عنها موجب لفسادها و حينئذ فتبقى العبادة التي أتى بها خالية من النية. و قوله- ان النية خارجة عن حقيقة العبادة فلا يستلزم النهى عنها بطلان الصوم- مردود بما اتفقوا عليه من أن النية لا تخرج عن كونها شرطا أو شطرا من العبادة، و على أى منهما فالنهي عنها يوجب البطلان لما قرروه من أن النهى عن العبادة أو شرطها أو جزئها موجب لفسادها.

و اما عن الثالث فبان وجوب مطابقة النية بجميع أجزائها و خصوصياتها للمنوي غير مسلم، و ان أراد المطابقة في الجملة فهي حاصلة في موضع البحث.

أقول: يلزم بمقتضى ما ذكره من الاكتفاء بهذه المطابقة الجملية في هذا المقام صحة صلاة الظهر لو نوى بها العصر و بالعكس لاشتراكهما في كونهما صلاة كما اشترك صوم رمضان و صوم ما نواه من غيره في كونهما صوما و لا أظنه يلتزمه.

و بالجملة فإن ما ذكره من هذه المناقشات ليس فيه مزيد فائدة.

و كيف كان فالمسألة لخلوها من النص لا تخلو من اشكال و إثبات الأحكام الشرعية بمجرد هذه التعليلات مجازفة محضة و الاحتياط لا يخفى.

الخامس [صوم يوم الشك بنية كونه من شهر رمضان]

- لو نوى الوجوب بكونه من شهر رمضان في يوم الشك و هو آخر

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

34

يوم من شعبان فالمشهور انه يكون فاسدا و لا يجزئ عن أحدهما، لا عن شهر رمضان و ان ظهر كونه منه لوقوعه في شهر شعبان ظاهرا و الأحكام الشرعية إنما بنيت على الظاهر، و لا عن شعبان لعدم نيته، فما نواه غير واقع بحسب الظاهر الذي هو مناط التكليف و ما هو واقع غير منوي، و على ذلك تدل الأخبار الآتية.

و الى هذا القول ذهب الشيخ و المرتضى و الصدوقان و أبو الصلاح و سلار و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و الفاضلان و غيرهم و هو المعتمد، و ذهب ابن ابى عقيل و ابن الجنيد إلى انه يجزئه عن شهر رمضان و اليه ذهب الشيخ في الخلاف.

و استدل على القول الأول

بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «في الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان؟ فقال (عليه السلام) عليه قضاؤه و ان كان كذلك».

و الاستدلال بهذا الخبر مبنى على تعلق قوله «من رمضان» بقوله «يصوم» بمعنى انه لا يجوز صيام يوم الشك على انه من شهر رمضان فلو صامه و ظهر كونه من شهر رمضان لم يجزئ عنه و وجب قضاؤه، و اما لو علق بقوله «يشك» فلا دلالة فيه و يحمل الأمر فيه بالقضاء على التقية لاتفاق العامة على عدم الاجزاء عن شهر رمضان لو ظهر كونه منه (2).

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(2) في نيل الأوطار بعد ذكر أحاديث المنتقى بعنوان باب (ما جاء في يوم الغيم و الشك) ج 4 ص 201 قال ص 204: و قد استدل بهذه الأحاديث على المنع من صوم يوم الشك، قال النووي و به قال مالك و الشافعي و الجمهور. و حكى الحافظ في الفتح عن مالك و ابى حنيفة انه لا يجوز صومه عن فرض رمضان و يجوز عن ما سوى ذلك. قال ابن الجوزي في التحقيق: و لا حمد في هذه المسألة و هي ما إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال: أحدها- يجب صومه على انه من رمضان.

و ثانيها- لا يجوز فرضا و لا نقلا مطلقا بل قضاء و كفارة و نذرا و نفلا يوافق عادة.

و ثالثها- المرجع إلى رأى الامام في الصوم و الفطر. و ذهب جماعة من الصحابة إلى صومه. و عد قسما منهم ثم قال و جماعة من التابعين. الى أن قال: و قال جماعة من أهل البيت باستحبابه و قد ادعى المؤيد بالله انه أجمع على استحباب صومه أهل البيت. و في المجموع ج 6 ص 403 و 408 ذكر مذاهب العلماء في صوم يوم الشك بعد ان ذكر ص 399 ان الشافعية لا يجوز عندهم صوم يوم الشك عن رمضان، و في المغني ج 3 ص 89 و المحلى ج 7 ص 23 و بدائع الصنائع ج 2 ص 78 ذكر الاختلاف فيه ايضا.

35

و مثله في ذلك

ما رواه الشيخ في التهذيب عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه قال في يوم الشك: من صامه قضاه و ان كان كذلك. يعنى من صامه على انه من شهر رمضان بغير رؤية قضاه و ان كان يوما من شهر رمضان لأن السنة جاءت في صيامه على انه من شعبان و من خالفها كان عليه القضاء».

و قوله: «يعنى من صامه. الى آخره» يحتمل أن يكون من كلام الشيخ في التهذيب و يحتمل أن يكون من كلام أحد الرواة تقييدا لإطلاق الخبر.

و الاحتمال الذي قدمناه في الخبر الأول قائم أيضا هنا و به صرح الشيخ في الاستبصار أيضا.

و الأظهر الاستدلال على ذلك

بما رواه الكليني في الكافي في الموثق عن سماعة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صام يوما و هو لا يدرى أ من شهر رمضان هو أم من غيره فجاء قوم فشهدوا انه كان من شهر رمضان فقال بعض الناس عندنا لا يعتد به فقال بلى فقلت انهم قالوا صمت و أنت لا تدري أ من شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال بلى. فاعتد به فإنما هو شيء وفقك الله له إنما يصام يوم الشك من شعبان و لا يصومه من شهر رمضان لأنه قد نهى ان ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك و إنما ينوي من الليلة أنه يصوم من شعبان فان كان من شهر رمضان أجزأ عنه بتفضل الله تعالى و بما قد وسع على عباده و لو لا ذلك لهلك الناس».

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

36

و الظاهر ان معنى قوله «لأنه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك» يعنى بصيامه من شهر رمضان مع عدم ثبوته و كون الناس إنما يعدونه من شعبان.

و الظاهر ان معنى قوله «و لو لا ذلك لهلك الناس» أي لو لا التكليف بالظاهر دون الواقع و نفس الأمر، إذ في وقوع التكليف بذلك لزوم تكليف ما لا يطاق و هو موجب لما ذكره، فالتكليف إنما وقع بصيامه من شعبان بناء على ظاهر الحال و ان كان في الواقع انه من شهر رمضان و الاجزاء بعد ذلك إنما هو بتفضل منه سبحانه.

و يدل ايضا على ما ذكرناه من القول المشهور ما تقدم في أول الكتاب من حديث الزهري

و حديث كتاب الفقه الرضوي و قولهما (عليهما السلام) (1) «و صوم يوم الشك أمرنا به و نهينا عنه: أمرنا أن نصومه من شعبان و نهينا عنه ان ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس.

الى آخر ما تقدم» و قوله:

«و نهينا أن ينفرد الرجل بصيامه» يعنى ما قدمنا ذكره من أن المراد صيامه من شهر رمضان.

و الشيخ في التهذيب (2) قد روى عن الزهري قال: «سمعت على بن الحسين (عليه السلام) يقول يوم الشك أمرنا بصيامه و نهينا عنه: أمرنا أن يصومه الإنسان على انه من شعبان و نهينا عن ان يصومه على انه من شهر رمضان و هو لم ير الهلال».

و هو ظاهر الدلالة في المراد.

____________

(1) ص 5 س 8.

(2) ج 4 ص 164 و 183 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته. و السند فيه يختلف عن سند الحديث الذي يرويه ص 296 و قد تقدم ص 3 فان ذلك يرويه عن الكليني و هذا يرويه بسند آخر مستقل.

37

و استدل السيد السند (قدس سره) في المدارك للقول المشهور أيضا بأن إيقاع المكلف الصوم في الزمان المحكوم بكونه من شعبان على انه من شهر رمضان يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه فيكون حراما لا محالة كالصلاة بغير طهارة فلا يتحقق به الامتثال. و هو جيد.

و اما ما أجاب به الفاضل الخراساني في الذخيرة عن ذلك- من أن غاية ما يستفاد من هذا الدليل تحريم نية كونه من رمضان و لا يلزم من ذلك فساد العبادة لأن النهي متعلق بأمر خارج عن العبادة- ففيه ما قدمنا ذكره قريبا من أن النية لا تخلو من أن تكون شرطا أو شطرا من العبادة، و على أى منهما فتوجه النهي إليها موجب لبطلان العبادة إذ لا خلاف بينهم في ما أعلم في أن توجه النهي إلى العبادة أو جزئها أو شرطها موجب لبطلانها و لم نقف للقول الثاني على دليل إلا ما نقل عن الشيخ في الخلاف من انه احتج على ذلك بإجماع الفرقة و اخبارهم على انه من صام يوم الشك أجزأ عن شهر رمضان و لم يفرقوا. و أورد عليه بان الفرق في النص و كلام الأصحاب متحقق كما تقدم.

قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: و لا يخفى ان نية الوجوب مع الشك إنما يتصور من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة أما العالم بانتفائه شرعا فلا يتصور منه ملاحظة الوجوب إلا على سبيل التصور و هو غير النية فإنها إنما تتحقق مع الاعتقاد كما هو واضح. انتهى.

أقول: لا يخفى أن تخصيص محل الخلاف بما فرضه هنا من الجاهل الذي يعتقد الوجوب لشبهة موجب للقدح في استدلاله الذي قدمنا نقله عنه من أن إيقاع المكلف الصوم في الزمان المحكوم بكونه من شعبان على انه من شهر رمضان يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، فان للقائل أن يقول ان هذا الكلام انما يتوجه الى العالم إذ الجاهل من حيث الشبهة التي فرضها لا يكون الزمان عنده محكوما

38

بكونه من شهر شعبان فلا يتضمن إدخال ما ليس من الشرع فيه، و كون ذلك واقعا كذلك لا مدخل له في المقام إذ الكلام بالنظر الى ظاهر اعتقاد المكلف.

و بالجملة فإن الدليل المذكور لا يتم مع فرض المسألة كما ذكره و مع بطلان هذا الدليل الذي هو معتمدة في المسألة يصير اختياره للقول المشهور عاريا عن الدليل، لأنه قد استدل بعد هذا الدليل بصحيحة محمد بن مسلم و قد قدمنا ما يرد عليها ثم استدل بموثقة سماعة و رواية الزهري و هما باصطلاحه من الضعيف الذي لا يقوم حجة و لا يثبت دليلا كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان بعض الأخبار المتعلقة بهذه المسألة زيادة على ما ذكرنا لا تخلو من الإجمال و قيام الاحتمال:

و منها-

صحيحة معاوية بن وهب أو حسنته (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان فيكون كذلك؟ فقال هو شيء وفق له».

فان قوله: «من شهر رمضان» يحتمل تعلقه ب «يصوم» يعنى يصوم يوم الشك بنية كونه من شهر رمضان، و حينئذ فقوله (عليه السلام) «هو شيء وفق له» دليل على القول الثاني، و على هذا الاحتمال اعتمد في الذخيرة و جعل الخبر المذكور معارضا لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بناء على استدلال الأصحاب بها. و يحتمل تعلقه ب «يشك فيه» و حينئذ فيكون الخبر موافقا لما ذكره الأصحاب و دلت عليه الأخبار من استحباب صوم يوم الشك بنية كونه من شعبان و انه يجزئ عن شهر رمضان. و الظاهر هو رجحان هذا الاحتمال لأن جملة الأحاديث المشتملة على انه يوم وفق له إنما وردت في صيامه بنية كونه من شعبان كما تقدم في موثقة سماعة و مثلها غيرها من ما سيأتي ان شاء الله تعالى. و به يظهر بطلان الاحتمال الأول الذي عول عليه في الذخيرة.

____________

(1) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

39

و منها-

رواية سماعة (1) قال: «سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان لا يدرى أ هو من شعبان أو من رمضان فصامه من شهر رمضان؟ قال هو يوم وفق له و لا قضاء عليه».

و هذه الرواية رواها الشيخ في التهذيب (2) نقلا عن الكافي هكذا و هي بظاهرها دالة على القول الثاني و مؤيدة للاحتمال الأول في صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة، إلا أن الرواية في الكافي (3) هكذا: «فصامه فكان من شهر رمضان» و بذلك يظهر حصول الغلط في الخبر و نقصان «فكان» من رواية الشيخ كما هو معلوم من طريقته في الكتاب المذكور و ما جرى له فيه من التحريف و التغيير و الزيادة و النقصان في متون الأخبار و أسانيدها، و بذلك تكون الرواية موافقة لما عليه الأصحاب و الاخبار.

و بما حققناه في المقام يظهر قوة القول المشهور و انه المؤيد المنصور و ان ما ذكره في الذخيرة من الاستشكال في المسألة بناء على ما قدمنا نقله عنه لا يخلو من القصور.

السادس [صوم يوم الشك بنية الندب]

- الظاهر انه لا خلاف في انه لو صام يوم الشك بنية الندب ثم ظهر كونه من شهر رمضان فإنه يجزئ عنه و لا يجب عليه قضاؤه.

و يدل على ذلك الأخبار المتكاثرة و منها ما تقدم من موثقة سماعة و روايته الثانية بناء على رواية صاحب الكافي.

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن سعيد الأعرج (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى صمت اليوم الذي يشك فيه فكان من شهر رمضان أ فاقضيه؟

قال لا هو يوم وفقت له».

____________

(1) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(2) ج 1 ص 403.

(3) الفروع ج 1 ص 185.

(4) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

40

و عن محمد بن حكيم (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه فان الناس يزعمون ان من صامه بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال كذبوا ان كان من شهر رمضان فهو يوم وفق له و ان كان من غيره فهو بمنزلة ما مضى من الأيام».

و عن بشير النبال عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن صوم يوم الشك فقال صمه فإن يك من شعبان كان تطوعا و ان يك من شهر رمضان فيوم وفقت له».

و عن الكاهلي في الحسن (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان قال لأن أصوم يوما من شعبان أحب الى من أن أفطر يوما من شهر رمضان».

و معناه ان صيام هذا اليوم من شعبان أحب الى من أن أفطر فيظهر كونه من شهر رمضان فيكون بمنزلة من أفطر في شهر رمضان و وجب عليه القضاء.

و روى شيخنا المفيد (قدس سره) في المقنعة (4) قال: و روى أبو الصلت عبد السلام بن صالح قال حدثني على بن موسى الرضا عن أبيه عن جده (عليهم السلام) انه قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من صام يوم الشك فرارا بدينه فكأنما صام الف يوم من أيام الآخرة غرا زهرا لا يشاكان أيام الدنيا».

قال (5) و روى أبو خالد عن زيد بن على بن الحسين عن آبائه عن على بن أبى طالب (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صوموا سر الله. قالوا يا رسول الله و ما سر الله؟ قال يوم الشك».

و اما ما دل بظاهره على خلاف ما دلت عليه هذه الاخبار من تحريم صوم يوم الشك- مثل

ما رواه الشيخ في التهذيب عن قتيبة الأعشى (6) قال: «قال

____________

(1) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 5 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(6) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته و الباب 1 من الصوم المحرم و المكروه.

41

أبو عبد الله (عليه السلام) نهى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صوم ستة أيام: العيدين و أيام التشريق و اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان».

و ما رواه فيه عن عبد الكريم بن عمرو (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم؟ فقال لا تصم في السفر و لا العيدين و لا أيام التشريق و لا اليوم الذي يشك فيه».

و رواه في الفقيه عن عبد الكريم أيضا (2).

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الفضيل (3) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اليوم الذي يشك فيه لا يدرى أ هو من شهر رمضان أو من شعبان؟

فقال: شهر رمضان شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من الزيادة و النقصان فصوموا للرؤية و أفطروا للرؤية و لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يوم و ذكر الحديث»-.

فقد حمله الشيخ على صومه بنية شهر رمضان و استدل بحديث الزهري المتقدم، و الأقرب عندي حمل النهى عن صومه على التقية لما أشارت إليه جملة من الأخبار المتقدمة من الرد على العامة في ما ذهبوا اليه من تحريم صومه (4).

تنبيهات

الأول [المراد بيوم الشك]

- ينبغي أن يعلم ان المراد بيوم الشك في هذه الأخبار ليس هو مطلق الثلاثين من شعبان بل المراد به إنما هو في ما إذا حصل الاختلاف في رؤية هلال شعبان على وجه لم تثبت الرؤية فإن اليوم الثلاثين بناء على دعوى الرؤية قبل ذلك يكون أول شهر رمضان و على دعوى العدم يكون من شهر شعبان، أو حصل الاختلاف في رؤية هلال شهر رمضان كذلك فإنه على تقدير دعوى الرؤية يكون

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(4) ارجع الى التعليقة 2 ص 34.

42

من شهر رمضان و على تقدير عدمها يكون من شهر شعبان، و كذا في صورة ما إذا علم هلال شعبان لكن اتفق حصول غيم مانع من الرؤية ليلة الثلاثين، فإنه في جميع هذه الصور يكون يوم شك، و هذا هو الذي وردت الاخبار باستحباب صومه و انه ان ظهر من شهر رمضان فهو يوم وفق له. و اما لو كان هلال شعبان معلوما يقينا و لم يدع أحد الرؤية ليلة الثلاثين منه و لم تكن في السماء علة مانعة من الرؤية فإن هذا اليوم من شعبان قطعا و ليس هو بيوم شك.

و يدل على ذلك من الاخبار

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب بسنديهما عن هارون بن خارجة (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) عد شعبان تسعة و عشرين يوما فان كانت متغيمة فأصبح صائما و ان كانت صاحية و تبصرته و لم تر شيئا فأصبح مفطرا».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الربيع بن ولاد عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا رأيت هلال شعبان فعد تسعة و عشرين يوما فإن أصبحت فلم تره فلا تصم و ان تغيمت فصم».

و هما ظاهران في أن أمره (عليه السلام) بالصوم مع الغيم إنما هو من حيث كونه يوم الشك الذي ورد فيه ما تقدم من انه يوم وفق له و اما مع الصحو فليس هو كذلك.

و يدل على ذلك ايضا

ما رواه الشيخ في التهذيب عن معمر بن خلاد عن أبى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «كنت جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما فأتوه بمائدة فقال ادن. و كان ذلك بعد العصر قلت له جعلت فداك صمت اليوم.

فقال لي و لم؟ قلت جاء عن أبى عبد الله (عليه السلام) في اليوم الذي يشك فيه انه قال يوم وفق له فقال أ ليس تدرون إنما ذلك إذا كان لا يعلم أ هو من شعبان أم من شهر رمضان فصامه الرجل فكان من شهر رمضان فكان يوما وفق له؟ فاما و ليس علة و لا شبهة

____________

(1) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 5 و 4 من وجوب الصوم و نيته.

43

فلا. فقلت أفطر الآن؟ فقال لا. فقلت و كذلك في النوافل ليس لي أن أفطر بعد الظهر؟ قال نعم».

و الظاهر ان ما دل عليه الخبران الأولان صريحا و الثالث ظاهرا من عدم صوم يوم الثلاثين مع عدم العلة و الشبهة هو مستند الشيخ المفيد (قدس سره) في ما نقل عنه من كراهية صوم هذا اليوم مع الصحو كما نقله عنه في البيان حيث قال: و لا يكره صوم يوم الشك بنية شعبان و ان كانت الموانع من الرؤية منتفية، و قال المفيد يكره مع الصحو إلا لمن كان صائما قبله. انتهى.

و ما نقل هنا عن الشيخ المفيد (قدس سره) لعله من غير المقنعة لأن كلامه في المقنعة صريح في الاستحباب مطلقا كما لا يخفى على من راجعه.

ثم لا يخفى عليك ان ظاهر كلام جملة من أصحابنا ان يوم الشك عندهم هو يوم الثلاثين مطلقا كما لا يخفى على من راجع عباراتهم و منها عبارة البيان المنقولة هنا.

و فيه ما عرفت من دلالة الأخبار التي قدمناها على ان يوم الثلاثين من شعبان مع عدم العلة في السماء و عدم الاختلاف في الرؤية ليس بيوم شك و لا يستحب صومه من حيث كونه يوم شك.

و ربما سبق الى بعض الأوهام من هذه الأخبار التي قدمناها دالة على عدم استحباب صوم هذا اليوم مع عدم العلة هو تحريم صيامه نظرا الى ظاهر النهي في بعضها. و هو توهم ضعيف لما دل على استحباب الصوم مطلقا (1) و صوم شعبان بخصوصه كلا أو بعضا (2) و ما دل عليه آخر رواية معمر بن خلاد من النهى عن الإفطار و الحال ذلك و قول الراوي «و كذلك في النوافل» يعنى غير هذا المؤذن بكونه من النوافل.

و أبعد من ذلك ما نقل ايضا عن بعض القاصرين من تحريم الإفطار يوم الشك

____________

(1) الوسائل الباب 1 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

44

مطلقا فرضا و نفلا كما نقله بعض الأفاضل.

الثاني [الاكتفاء بنية الندب في كل صوم واجب]

- الحق الشهيدان بشهر رمضان في الاكتفاء بنية الندب متى ظهر كونه من شهر رمضان كل واجب معين فعل بنية الندب مع عدم العلم، و نفى عنه البأس جملة ممن تأخر عنهما: منهم- السيد السند في المدارك و المحدث الكاشاني في المفاتيح و الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و عندي فيه توقف لأن الإلحاق المذكور لا يخرج عن القياس إذ مورد الدليل شهر رمضان خاصة و اشتراك الصوم المعين مع شهر رمضان في التعين و كون الزمان لا يصلح لغيره لا يوجب تعدى الحكم المذكور.

و بالجملة فالأحكام الشرعية مقصورة عندنا على الأدلة الواضحة خصوصا أو عموما و اما تعديها بمجرد المشاركة و المناسبة و نحو ذلك فهو لا يطابق الأصول الواردة عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم).

و صرح الشهيد في الدروس- بعد حكمه بتأدي رمضان بنية النفل مع عدم علمه- بتأدية و كذا تأدى كل معين بنية الفرض من غيره ايضا بطريق أولى، و نفى عنه البعد في المدارك. و فيه ما عرفت.

الثالث [الترديد في نية الصوم في يوم الشك]

- لو ردد في نيته بان نوى ان كان غدا من شهر رمضان فهو صائم فرضا و ان كان من شعبان فهو صائم نفلا فللشيخ في ذلك قولان: أحدهما- الإجزاء ذكره في المبسوط و الخلاف، و الثاني العدم ذكره في باقي كتبه، و بالأول قال ابن حمزة و ابن ابى عقيل و العلامة في المختلف و هو ظاهر الدروس و البيان و اليه يميل كلام المحقق الأردبيلي و المحدث الكاشاني، و الى الثاني ذهب المحقق و ابن إدريس و العلامة في الإرشاد و اختاره في المدارك و نسبه الى أكثر المتأخرين.

حجة القول الأول انه نوى الواقع فوجب أن يجزئه، و انه نوى العبادة على وجهها فوجب أن يخرج من العهدة، أما المقدمة الأولى فلأن الصوم ان كان من شهر رمضان كان واجبا و ان كان من شعبان كان مندوبا، و اما الثانية فظاهرة. و بان

45

نية القربة كافية و قد نوى القربة.

و أجيب عن الأول و الثاني بالمنع من كون النية مطابقة للواقع و كون العبادة واقعة على وجهها، فان الوجه المعتبر هنا هو الندب خاصة و ان فرض كون ذلك اليوم في الواقع من شهر رمضان، فان الوجوب إنما يتحقق إذا ثبت دخول الشهر لا بدونه و الوجوب في نفس الأمر لا معنى له.

و عن الثالث بأنه لا يلزم من الاكتفاء في صوم شهر رمضان بنية القربة الصحة مع إيقاعه على خلاف الوجه المأمور به بل على الوجه المنهي عنه.

و أجاب عنه في المعتبر أيضا بأن نية التعيين تسقط في ما علم انه من شهر رمضان لا في ما لا يعلم.

حجة القول الثاني ان صوم يوم الشك إنما يقع على وجه الندب ففعله على خلاف ذلك يكون تشريعا فلا يتحقق به الامتثال.

و أورد عليه ان غاية ما يستفاد من ذلك تحريم بعض خصوصيات النية فلا يلزم فساد الصوم. و عندي ان هذا الجواب لا يخلو من نظر.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المسألة ليس فيها نص في ما اعلم يدل على نفى أو إثبات و إثبات الأحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات مع سلامتها من المناقض لا يخلو من مجازفة فكيف و المناقشة فيها قائمة من الطرفين، و بذلك يظهر ان المسألة محل توقف على ان حصول الترديد هنا لا يخلو من اشكال: اما بالنسبة إلى العالم بان هذا اليوم بحسب ظاهر الشرع إنما هو من شعبان- و انه إنما يصام ندبا من شعبان و لا يجوز صيامه من شهر رمضان كما هو المعلوم من الاخبار المتقدمة و عليه كافة الفرقة الناجية إلا الشاذ القائل بجواز صيامه من شهر رمضان- فظاهر لأنه متى علم ان الشارع إنما حكم به من شهر شعبان و انما جوز صيامه بنية شعبان و حرم صيامه بنية شهر رمضان و أعلمه بأنه مع صيامه بنية شعبان يجزئه متى ظهر كونه من شهر رمضان فكيف يردد في نيته و لما ذا يردد فيها و ينوي ما منعه الشارع منه مع كونه

46

يحسب له و ان لم ينوه؟ و اما بالنسبة إلى الجاهل بالحكم الشرعي فهو و ان أمكن إلا ان حججهم و تعليلاتهم المذكورة لا تجتمع عليه فان حجة القول الثاني لا تتم بالنسبة إلى الجاهل كما لا يخفى.

الرابع [لو نوى الندب ثم ظهر أنه من رمضان]

- صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو صام يوم الشك بنية الندب ثم ظهر في أثناء النهار و لو قبل الغروب انه من شهر رمضان وجب ان يجدد نية الوجوب. و هو متجه على تقدير القول بوجوب نية الوجه في شهر رمضان و قد عرفت من ما قدمناه في بحث النية من كتاب الطهارة انه لم يقم دليل على اعتبار نية الوجه في شيء من العبادات لا في هذا المقام و لا غيره و ان القربة كافية. نعم نقل النية إلى التعيين بكونه من شهر رمضان حيث ان النية الأولى انما تعلقت بغيره من ما لا بد منه و ان كان صوم شهر رمضان لا يفتقر الى تعيين لما علم من ان الزمان لا يصلح لغيره، إلا ان هذا من ما يحصل للمكلف بعد العلم بذلك من غير اعتمال و لا تكلف.

السابع [لو لم ينو الصوم ثم ظهر أنه من رمضان]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو أصبح في يوم الشك بنية الإفطار ثم ظهر كونه من شهر رمضان فان لم يتناول شيئا جدد نية الصوم ما بينه و بين الزوال و أجزأه و لو زالت الشمس أمسك و قضاه عند الأكثر.

اما الحكم الأول فالظاهر انه لا خلاف فيه بينهم، و ظاهر المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و التذكرة انه موضع وفاق بين العلماء.

و استدل عليه في المعتبر بما تقدم من حديث الأعرابي المنقول في الموضع الثاني (1) و استدل عليه في المدارك ايضا بما تقدم ثمة من فحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال.

و قد تقدم ما في هذه الأدلة و نحوها من عدم الصلوح لتأسيس الأحكام الشرعية و المسألة لذلك لا تخلو من توقف و العمل بالاحتياط فيها لازم.

____________

(1) ص 19.

47

و اما الحكم الثاني فهو المشهور و قد تقدم في الموضع المشار اليه نقل كلام ابن الجنيد الدال على الاجتزاء بالنية بعد الزوال إذا بقي جزء من النهار.

و لم نقف على دليل لشيء من القولين المذكورين، و الذي تضمن التحديد بالزوال كموثقة عمار المتقدمة و رواية عبد الله بن بكير (1) مورده غير صيام شهر رمضان، و كذا ما دل ظاهره على الامتداد الى ما بعد الزوال إنما ورد في ما عدا شهر رمضان، فالحكم هنا لا يخلو من توقف في الموضعين المذكورين.

نعم ربما أمكن الاستناد في ذلك الى

صحيحة هشام بن سالم المتقدمة ثمة (2) قال: «قلت له الرجل يصبح و لا ينوي الصوم فإذا تعالى النهار حدث له رأى في الصوم؟ فقال ان هو نوى الصوم قبل أن تزول الشمس حسب له يومه و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».

بان تحمل على ما هو أعم من شهر رمضان و ان المعنى في قوله: «و ان نواه بعد الزوال حسب له من الوقت» انه متى نواه بعد الزوال فهو غير مجزئ و ان كان يحسب له ثواب صومه من ذلك الوقت الذي بنى فيه و المراد منه بطلان الصوم و ان أثيب بمقدار هذا الجزء الباقي.

ثم لا يخفى ان وجوب الإمساك بعد العلم بكونه من الشهر بعد الزوال ليس من حيث كونه صوما لحكمهم بإيجاب قضائه و إنما هو لتحريم الأكل و الشرب في الشهر بغير شيء من الأعذار المنصوصة، و كذا وجوب الإمساك عليه لو ظهر كونه من الشهر بعد أن تناول المفطر.

الثامن- لو نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان ثم جدد النية للصوم قبل الزوال

فالمشهور- بل ظاهر كلام جملة منهم الاتفاق عليه- هو عدم الانعقاد، لأن الإخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فوات ذلك الجزء لفوات شرطه و يلزم منه فساد الكل لان الصوم لا يتبعض فيجب قضاؤه، و في وجوب الكفارة بذلك قولان.

____________

(1) ص 23.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

48

و قال المحقق في الشرائع: لو نوى الإفطار في يوم من رمضان ثم جدد قبل الزوال قيل لا ينعقد و عليه القضاء، و لو قيل بانعقاده كان أشبه.

و ربما حكى القول بالانعقاد عن ظاهر كلام الشيخ، قيل: و لعله نظر الى ظاهر ما دلت عليه صحيحة هشام بن سالم المتقدمة في الموضع الثاني (1) باعتبار دلالتها على انه بالنية قبل الزوال يحسب اليوم.

و فيه انا لم نجد أحدا من الأصحاب نقل ذلك عن الشيخ صريحا و لا ظاهرا، و على تقدير صحة النقل فالاستناد إلى الصحيحة المشار إليها لا يخلو من نظر فان ظاهر سياق الخبر يعطي ان ذلك إنما هو بالنسبة إلى النافلة أو الواجب الغير المعين.

و بالجملة فإن المسألة لما كانت عارية عن النص فالحكم فيها مشكل و الاحتياط فيها واجب و هو في جانب القول المشهور فيتعين العمل عليه، و يؤيده أنه الأوفق أيضا بالأصول الشرعية و القواعد المرعية فإن من قام و قعد و ركع و سجد لا بنية الصلاة لم تحسب له صلاة فكذلك من أمسك لا بقصد الصيام بل بقصد الإفطار لا يسمى صياما، و الإخلال بالصيام عمدا لغير عذر في بعض اليوم يقتضي بطلان صيام ذلك اليوم البتة. و بذلك يظهر ضعف توقف صاحب الذخيرة في هذه المسألة و انه من جملة تشكيكاته الركيكة.

و قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك بعد نقل قول المحقق:

«و لو قيل بالانعقاد كان أشبه»: هذا- على القول بالاجتزاء بنية واحدة مع تقدمها أو على القول بجواز تأخير النية الى قبل الزوال اختيارا- متوجه لحصول النية المعتبرة و الحاصل منها إنما ينافي الاستدامة الحكمية لا نفس النية، و شرطية الاستدامة أو توقف صحة الصوم عليها غير معلوم و ان ثبت ذلك في الصلاة، و اما على القول بوجوب إيقاع النية ليلا فأخل بها ثم جددها قبل الزوال ففي الصحة نظر لأن الفائت هنا نفس النية في جزء من النهار و هي شرط في صحة الصوم نفسه فيفسد ذلك الجزء

____________

(1) ص 22 و تقدمت ايضا ص 47.

49

و الصوم لا يتبعض، و حينئذ فيقوى عدم الانعقاد. انتهى.

و اعترض صدر كلامه المؤذن ببيان وجه الصحة لهذا القول سبطه السيد السند في المدارك فقال انه غير جيد، لأن القول الثاني غير متحقق و اللازم على الأول عدم اعتبار تجديد النية مطلقا للاكتفاء بالنية السابقة. ثم قال: و كيف كان فلا ريب في ضعف هذا القول. انتهى. و هو جيد.

التاسع [لو نوى الإفطار في أثناء النهار ثم جدد نية الصوم]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو نوى الإفطار في أثناء النهار بعد أن عقد الصوم ثم جدد نية الصوم بعد نية الإفطار كان صومه صحيحا، ذهب اليه الشيخ و المرتضى و أتباعهما.

و استدلوا على ذلك بان النواقض محصورة و ليست هذه النية من جملتها فمن ادعى كونها ناقضة فعليه الدليل. و بان نية الإفطار إنما تنافي نية الصوم لا حكمها الثابت بالانعقاد الذي لا ينافيه النوم و الغروب إجماعا. و بان النية لا يجب تجديدها في كل أزمنة الصوم إجماعا. فلا تتحقق المنافاة.

و نقل عن ابى الصلاح انه جزم بفساد الصوم بذلك و جعله موجبا للقضاء و الكفارة.

و اختار العلامة في المختلف هذا القول أيضا و لكنه أوجب القضاء دون الكفارة، فاستدل على انتفاء الكفارة بالأصل السالم من المعارض، و على انه مفسد للصوم بأنه عبادة مشروطة بالنية و قد فات شرطها فتبطل. و بان الأصل اعتبار النية في جميع اجزاء العبادة لكن لما كان ذلك منتفيا اعتبر حكمها و هو أن لا يأتي بنية تخالفها و لا ينوي قطعها، فإذا نوى القطع زالت النية حقيقة و حكما، فكان الصوم باطلا لفوات شرطه. و بأنه عمل خلا من النية حقيقة و حكما فلا يكون معتبرا في نظر الشارع. و إذا فسد صوم جزء من النهار فسد صوم ذلك اليوم بالجمعة لأن الصوم لا يتبعض.

و أجاب العلامة في المختلف عن احتجاج الشيخ المتقدم بانا قد بينا الدليل على

50

ان هذه النية مبطلة للصوم من حيث انها مبطلة لشرطه اعنى نية الصوم و مبطل الشرط مبطل للشروط، و لا نسلم حصول الشرط لأن ادامة النية شرط لما تقدم و قد فات و نحن قد بينا كون الدوام شرطا. انتهى.

أقول: لا يخفى أن مرجع الخلاف في هذه المسألة عند التأمل في أدلة القولين المذكورين إلى انه هل يشترط استدامة النية في الصوم حقيقة أو حكما أم لا؟ و مبنى القول المشهور على الثاني و مبنى القول الآخر على الأول، و ظاهر كلام شيخنا الشهيد الثاني المتقدم في سابق هذا الموضع هو عدم الاشتراط.

قال في المدارك: و قد قطع الشيخ و المرتضى و المصنف في المعتبر بعدم اشتراطها ثم قال: و لا بأس به لأنه الأصل و ليس له معارض يعتد به، و مع ذلك فالمسألة محل تردد. انتهى.

و ربما يقال انه يمكن الاستدلال على وجوب الاستدامة

بقوله (عليه السلام) (1) «إنما الأعمال بالنيات».

و فيه انه يمكن أن يقال ان العمل هنا لم يقع إلا بنية فيدخل تحت الخبر، و ليس في الخبر المذكور أزيد من أنه يجب وقوعه عن نية و قصد و هو كذلك و اما انه يجب استمرار ذلك القصد فلا دلالة فيه عليه.

و يمكن الاستدلال على الصحة في موضع البحث بما رواه الشيخ في الصحيح

عن محمد بن مسلم (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ما يضر الصائم ما صنع

____________

(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 2 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم. و قد رواه في التهذيب ج 4 الطبع الحديث عن محمد بن مسلم بطرق ثلاثة: الأول ص 189 عن على بن مهزيار عن ابن ابى عمير، الثاني ص 202 عن الحسين بن سعيد عن ابن ابى عمير، الثالث ص 318 عن محمد ابن على بن محبوب عن يعقوب بن يزيد عن ابن ابى عمير، و في الأولين اللفظ هكذا:

«إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس» نعم في الثاني في التعليقة (1) ان في بعض المخطوطات «أربع» و في الثالث «إذا اجتنب أربع خصال.» كما في الفقيه ج 2 ص 67 و اللفظ في الأولين «لا يضر» و في الثالث «ما يضر» و لا يخفى ان ابن ابى عمير يرويه عن حماد بن عثمان عن محمد بن مسلم و سيأتي التعرض من المصنف (قدس سره) لذلك في المسألة الأولى من مسائل المطلب الثاني.

51

إذا اجتنب اربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس».

إلا انه يمكن تطرق الاحتمال الى تخصيص ذلك بأفعال الجوارح كما يشير اليه قوله «ما صنع» أو كون الحصر إضافيا لا حقيقيا.

و بالجملة فالمسألة لعدم النص لا تخلو من الاشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال و هو في جانب القول الثاني.

بقي هنا شيء و هو ان ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو انه لا بد في صحة الصوم بعد نية الإفطار من تجديد نية الصوم و إلا كان باطلا، بل صرح العلامة بذلك في المنتهى فقال: قد بينا انه لو نوى الإفطار بعد انعقاد الصوم لم يفطر لأنه انعقد شرعا فلا يخرج عنه إلا بدليل شرعي. هذا إذا عاد و نوى الصوم اما لو لم ينو بعد ذلك الصوم فالوجه وجوب القضاء.

و اعترضه في المدارك بعد نقل ذلك عنه بأنه غير جيد لأن المقتضي للفساد عند القائل به العزم على فعل المفطر فان ثبت ذلك وجب الحكم بالبطلان مطلقا و إلا وجب القول بالصحة كذلك كما أطلقه في المعتبر. انتهى.

و هو جيد و به تزيد المسألة إشكالا فإن الحكم بصحة الصوم بعد النية أولا ثم الرجوع عنها إلى نية الإفطار و الاستمرار على هذه النية الى ان ينقضي النهار من ما يكاد يقطع بعدمه.

و الأقرب الى التحقيق في هذا المقام أن يقال ان العبادات لما كانت توقيفية و المعلوم من الشرع و هو الذي عليه جرى السلف من زمنه (صلى اللّٰه عليه و آله) هو وجوب النية في الصوم بل غيره من العبادات و استصحاب تلك النية فعلا أو حكما الى آخر العبادة، فإنه لم يرد و لم ينقل صحته مع العدول عن تلك النية إلى نية تغايرها استمر عليها أو لم يستمر، فالحكم بالصحة في هذه الصورة خارج عن التوقيف المعلوم من

52

الشرع، و حينئذ فقول المستدل- و من ادعى كونها ناقضة فعليه الدليل- مردود بان الدليل على النقض خروجه عن التوقيف الواجب اعتباره في العبادات، فان الحكم بصحتها يتوقف على وقوعها على الوجه الذي علم من صاحب الشريعة و الذي علم منه يقينا هو اعتبار استمرار النية فعلا أو حكما و لم يعلم منه جواز تركها أو العدول عنها الى ما ينافيها، فالمدعى لصحة العبادة على هذا الوجه عليه الدليل. و بذلك يظهر ان الأصح في المسألة ما ذهب إليه في المختلف مع تأيده بالاحتياط كما عرفت.

العاشر [هل يجوز تقديم النية في شهر رمضان؟]

- ذهب الشيخ في النهاية و المبسوط و الخلاف إلى انه يختص شهر رمضان بجواز تقديم نيته عليه فلو سها عن النية وقت دخوله اكتفى بالنية الأولى، و نقله في الخلاف عن الأصحاب و صرح بجواز تقديمها بيوم أو يومين.

قال المحقق في المعتبر بعد أن عزى ذلك الى الشيخ و ذكر انه لم يذكر له مستندا: و لعل ذلك لكون المقارنة غير مشروطة و كما جاز أن يتقدم من أول ليلة الصوم و ان تعقبها النوم و الأكل و الشرب و الجماع جاز ان يتقدم على تلك الليلة بالزمان المقارب كاليومين و الثلاثة. لكن هذه الحجة ضعيفة لأن تقديمها في أول ليلة الصوم مستفاد من

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «من لم يبيت نية الصوم من الليل فلا صيام له».

و لأن إيقاعها قبل الفجر بحيث يكون طلوعه عند إكمال النية عسر فينتفى، و ليس كذلك التقديم بالأيام و لأن الليلة متصلة باليوم اتصال اجزاء النهار بخلاف الأيام. انتهى.

أقول: قد نقل العلامة في المختلف عن الشيخ انه احتج بمضمون ما ذكره في المعتبر ثم رده بنحو ما ذكره في المعتبر ايضا.

قال السيد السند في المدارك بعد أن استجود كلام المعتبر: و الأصح عدم

____________

(1) سنن البيهقي ج 4 ص 202 عن حفصة عن النبي (ص) «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» و ارجع في اختلاف لفظ الحديث باختلاف طرفه إلى المغني ج 3 ص 91 ايضا.

53

الاكتفاء بالعزم المتقدم لان من شرط النية المقارنة للمنوي، خرج من ذلك تقديم نية الصوم من الليل بالنص و الإجماع فيبقى الباقي. انتهى.

ثم ان الشيخ (رحمه الله) صرح في النهاية و المبسوط بان العزم السابق إنما يجزئ مع السهو عن تجديد النية عند دخول الشهر، بل قال الشهيد في البيان: و لو ذكر عند دخول الشهر لم يجزئ العزم السابق قولا واحدا. و لا ريب ان هذا التفصيل من ما يوجب ضعف القول المذكور بناء على أصولهم و قواعدهم، فإن المقارنة ان كانت معتبرة كما هو المشهور في كلامهم و الدائر على ألسنة أقلامهم لم يمكن الاعتماد على العزم السابق مطلقا سها عن النية أو لم يسه و ان لم تكن معتبرة وجب الاكتفاء بالعزم السابق مطلقا.

و أنت خبير بان كلامهم هنا كله يدور على النية بالمعنى الذي قدمنا نقله عنهم الذي هو عبارة عن الحديث النفسي و التصوير الفكري الذي يقارن به الفعل بحيث يكون الفعل على آخره من غير فصل و زمان، و قد عرفت ان النية ليست هذه فإن الأمر فيها أهون من ما ذكروه، و هذا البحث من أوله الى آخره كسائر ابحاثهم المتقدمة ساقط على المعنى الذي حققناه آنفا.

الحادي عشر [هل عبادة الصبي شرعية أو تمرينية؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان نية الصبي المميز صحيحة و صومه شرعي و كذا جملة عباداته شرعية، بمعنى انها مستندة الى أمر الشارع فيستحق عليها الثواب لا تمرينية، ذهب اليه الشيخ و جمع: منهم- المحقق و غيره لإطلاق الأمر، و لأن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء، بمعنى ان الظاهر من حال الآمر كونه مريدا لذلك الشيء.

و قال العلامة في المختلف بعد أن نقل القول المذكور عن الشيخ: و عندي في ذلك اشكال و الأقرب انه على سبيل التمرين، و اما انه تكليف مندوب إليه فالأقرب المنع، لنا- ان التكليف مشروط بالبلوغ و مع انتفاء الشرط ينتفي المشروط. انتهى و يمكن تطرق القدح إليه بأن اعتبار هذا الشرط على إطلاقه محل نظر، فان

54

العقل لا يأبى توجيه الخطاب الى المميز و العلوم من الشرع ان التكليف المتوقف على البلوغ إنما هو التكليف بالوجوب و التحريم لحديث رفع القلم (1) و نحوه اما التكليف المندوب فلا مانع منه عقلا و لا شرعا.

و يعضد ما قلناه ما ورد في الأخبار من جواز عتق الصبي ابن عشر سنين و صدقته و وصيته:

ففي رواية زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق و تصدق و أوصى على حد معروف و حق فهو جائز».

و في رواية عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته».

و بمضمون ذلك في الوصية أخبار عديدة (4).

و في موثقة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و صدقته و وصيته و ان لم يحتلم».

و في رواية أبي بصير (6) «فإذا كان ابن سبع سنين فاوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته».

و منها- الأخبار الدالة على جواز إمامته

كموثقة غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «لا بأس بالغلام الذي لم يبلغ الحلم ان يؤم القوم و ان يؤذن».

و نحوها رواية طلحة بن زيد (8) و بمضمونهما عمل الشيخ و جمع من الأصحاب

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات، و سنن البيهقي ج 8 ص 264.

(2) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

(3) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

(4) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

(5) التهذيب ج 2 ص 385 و في الوسائل الباب 15 من الوقوف و الصدقات و فيه «جميل بن دراج عن أحدهما ع» و في التهذيب «جميل عن محمد بن مسلم عن أحدهما ع».

(6) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

(7) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

(8) الوسائل الباب 14 من صلاة الجماعة.

55

و من الظاهر ان اذن الشارع له في الصدقة و الوقف و العتق و الإمامة موجب لترتب الثواب عليها فتكون شرعية و يدخل بها تحت الأوامر المطلقة بالعتق و الصدقة و الإمامة و نحوها فيكون داخلا تحت الخطاب مستحقا للأجر و الثواب.

و أصحابنا (رضوان الله عليهم) كما قدمنا النقل عنهم إنما استندوا إلى أمر الشارع للولي بتكليف الصبي بالعبادة و ان الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء و ما ذكرناه من الاخبار أوضح في الاستدلال و أبعد من تطرق الاحتمال و النزاع في هذا المجال.

و بالجملة فالخطاب بإطلاقه في جميع أبواب العبادات شامل له و الفهم الذي هو شرط التكليف حاصل كما هو المفروض و من ادعى زيادة على ذلك فعليه الدليل، و تخرج الأخبار التي ذكرناها شاهدة على ذلك.

و يتفرع على الخلاف المذكور وصف العبادة الصادرة منه بالصحة و عدمها، فان قلنا انها شرعية جاز وصفها بالصحة لأنها عبارة عن موافقة الأمر، و ان قلنا انها تمرينية لم توصف بصحة و لا فساد.

و قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في كتاب المسالك- بعد قول المصنف:

نية الصبي المميز صحيحة و صومه شرعي- ما صورته: اما صحة نيته و صومه فلا اشكال فيه لأنها من باب خطاب الوضع و هو غير متوقف على التكليف، و اما كون صومه شرعيا ففيه نظر لاختصاص خطاب الشرع بالمكلفين، و الأصح أنه تمريني لا شرعي. انتهى.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بأنه غير جيد، قال: لأن الصحة و البطلان اللذين هما موافقة الأمر و مخالفته لا يحتاج الى توقيف من الشارع بل يعرف بمجرد العقل ككونه مؤديا للصلاة و تاركا لها، فلا يكون من حكم الشرع في شيء بل هو عقلي مجرد كما صرح به ابن الحاجب و غيره. انتهى.

أقول: مرجع كلام السيد السند الى منع كون الصحة و البطلان من باب

56

خطاب الوضع و هو الذي صرح به ابن الحاجب في المختصر و شارحة في الشرح، و هو ظاهر العلامة في النهاية لما ذكره هنا من انه بعد ورود أمر الشارع بالفعل فكون الفعل موافقا للأمر أو مخالفا و كون ما فعل تمام الواجب حتى يكون مسقطا للقضاء و عدمه لا يحتاج الى توقيف من الشارع بل يعرف بمجرد العقل، فهو ككونه مؤديا للصلاة و تاركا لها سواء بسواء، فلا يكون حصوله في نفسه و لا حكمنا به من حكم الشرع في شيء بل هو عقلي مجرد، و هذا بخلاف الأحكام الوضعية التي هي عبارة عن الشرط و السبب و المانع الذي يكون حصوله في نفسه و الحكم به موقوفا على الشرع.

و أنت خبير بان من رجع الى الأخبار التي قدمناها لا يخفى عليه ضعف ما ذهب اليه شيخنا المذكور و كل من تقدمه و تأخر عنه و قال بأن عبادة الصبي تمرينية و ليست بشرعية. و اما قول شيخنا المشار إليه في منع كون صومه شرعيا- لاختصاص خطاب الشرع بالمكلفين- فقد عرفت جوابه.

المطلب الثاني في ما يمسك عنه الصائم

و فيه مسائل

[المسألة] الأولى [وجوب الإمساك عن كل مأكول و مشروب]

- يجب الإمساك عن كل مأكول و مشروب معتادا كان أو غير معتاد:

اما المعتاد فلا خلاف فيه بين الأصحاب و يدل عليه مضافا الى الإجماع الآية (1) و الاخبار (2).

و لا خلاف أيضا في كون فعله موجبا للقضاء و الكفارة، و يدل عليه مضافا الى الإجماع الأخبار الآتية الدالة على وجوب الكفارة بالإفطار به (3).

____________

(1) و هي قوله تعالى في سورة البقرة الآية 184 وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ.

(2) الوسائل الباب 1 و 9 و 23 و 25 و 37 الى 51 من ما يمسك عنه الصائم و غير ذلك.

(3) الوسائل الباب 8 و 9 و 10 و 11 و 22 من ما يمسك عنه الصائم.

57

و اما غير المعتاد كالتراب و الحجر و الفحم و الخزف و الحصى و ماء الشجر و الفواكه و ماء الورد و نحوها فالمشهور بين الأصحاب انه كذلك، و نقل في المختلف عن السيد المرتضى و ابن الجنيد انه ينقص الصوم و لا يبطله، و نقل السيد (رضى الله عنه) عن بعض أصحابنا انه يوجب القضاء خاصة.

حجة القول المشهور ان ما دل على تحريم الأكل و الشرب يتناول المعتاد و غيره و ان الصوم إمساك عن ما يصل الى الجوف و تناول هذه الأشياء ينافي الإمساك.

حجة القول الآخر ان تحريم الأكل و الشرب إنما ينصرف الى المعتاد فيبقى الباقي على أصل الإباحة.

و أجيب عنه بمنع الانصراف الى المعتاد و دعوى العموم بالنسبة إلى المعتاد و غيره.

و عندي ان هذا الجواب لا يخلو من نظر لما صرحوا به في غير موضع من أن الأحكام المودعة في الاخبار إنما تنصرف الى الافراد المتكررة الشائعة دون الأفراد النادرة فشمول الأخبار لغير المعتاد غير واضح.

و يؤيده

ما رواه الشيخ عن مسعدة بن صدقة عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم قال ليس عليه قضاء انه ليس بطعام».

و نقل عن السيد (رضى الله عنه) في المسائل الناصرية ما يدل على خلاف كلامه المتقدم حيث قال: لا خلاف في ما يصل الى جوف الصائم من جهة فمه إذا اعتمد انه يفطره مثل الحصاة و الخرزة و ما لا يؤكل و لا يشرب و انما خالف في ذلك الحسن بن صالح و قال انه لا يفطر و روى نحوه عن أبي طلحة (2) و الإجماع متقدم

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 313 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 39 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) المغني ج 3 ص 103.

58

و متأخر عن هذا الخلاف فسقط حكمه. انتهى.

[الأخبار الواردة في المقام]

و لا بأس بإيراد جملة من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة العاضدة للآية الشريفة و هي قوله عز و جل وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (1).

و منها-

صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء».

هكذا روى الحديث في الفقيه و موضع من التهذيب، و في موضعين آخرين منه بسندين آخرين أيضا (3) بلفظ «ثلاث خصال».

قيل: و لعل الوجه في هذه النسخة- ان صحت- انه عطف الارتماس على الثلاث و أخرجه منها لأنه من ما يضر و لا يبطل، أو جعل الطعام و الشراب خصلة واحدة لاشتراكهما في إدخال شيء في الجوف و لهذا لم يذكر الحقنة بالمائع مع إيجابه القضاء، و الإخراج في حكم الإدخال و لهذا عدل عن الأكل و الشرب الى الطعام و الشراب ليشمل القيء الاختياري أيضا. انتهى.

و الظاهر انه تكلف مستغنى عنه فإنه لا يخفى على من أحاط خبرا بطريقة الشيخ في الكتاب و ما وقع له من التغيير و التبديل و الزيادة و النقصان في المتون و الأسانيد ان ما ذكره من نسخة «ثلاث» انما هو سهو من قلمه و ان النسخة الصحيحة هي «أربع» و قوله- «انه اخرج الارتماس منها لانه يضر و لا يبطل» بناء على ما هو أحد الأقوال في المسألة- ممنوع بما سنوضحه ان شاء الله تعالى في المسألة المذكورة، نعم ينبغي أن يقال انه إنما اقتصر على هذه الأربعة مع ان غيرها كما

____________

(1) سورة البقرة الآية 184.

(2) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) ارجع الى التعليقة 2 ص 50.

59

سيأتي ان شاء الله تعالى من المضرات بالصيام من حيث انها هي المعتادة المتداولة المتكررة دون غيرها من القيء و الحقنة المختصة بالمرضي و الكذب على الله و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و نحوها.

و منها-

رواية أبي بصير (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) الصيام من الطعام و الشراب، و الإنسان ينبغي له أن يحفظ لسانه من اللغو و الباطل في رمضان و غيره».

و منها-

ما رواه المرتضى في رسالة المحكم و المتشابه بإسناده عن على (عليه السلام) (2) قال: «و اما حدود الصوم فأربعة حدود: أولها اجتناب الأكل و الشرب و الثاني اجتناب النكاح و الثالث اجتناب القيء متعمدا. و الرابع اجتناب الاغتماس في الماء و ما يتصل بها و ما يجرى مجراها».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عندي و الحسن على المشهور بإبراهيم بن هاشم عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (4) فقال بياض النهار من سواد الليل. قال: و كان بلال يؤذن للنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و ابن أم مكتوم و كان أعمى يؤذن بليل و يؤذن بلال حين يطلع الفجر فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام و الشراب فقد أصبحتم».

و ما رواه فيه في الصحيح عن ابى بصير (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت متى يحرم الطعام و الشراب على الصائم و تحل الصلاة صلاة الفجر؟ فقال إذا اعترض الفجر و كان كالقبطية البيضاء فثم يحرم الطعام و يحل الصيام و تحل الصلاة».

الى غير ذلك من الأخبار الآتية في تضاعيف الأحكام.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه ينبغي أن يعلم ان ما ذكرنا من بطلان الصوم بالأكل

____________

(1) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 42 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) سورة البقرة الآية 184.

(5) الوسائل الباب 42 من ما يمسك عنه الصائم.

60

و الشرب يحب تقييده بالعالم العامد و كذا كل ما يأتي من مفسدات الصوم فإنه لا ريب و لا خلاف في فساد الصوم بذلك و انه موجب للقضاء و الكفارة.

[لو لم يكن التناول من عمد]

اما لو لم يكن كذلك بان كان جاهلا أو ناسيا أو مكرها فتحقيق الكلام فيه يقع في مواضع ثلاثة:

أحدها- أن يكون جاهلا

و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) فساد صومه كالعالم، و فان ابن إدريس: لو جامع أو أفطر جاهلا بالتحريم فلا يجب عليه شيء. و نحوه نقل عن الشيخ في موضع من التهذيب. و إطلاق كلامهما يقتضي سقوط القضاء و الكفارة، و احتمله في المنتهى إلحاقا للجاهل بالناسي.

و قال المحقق في المعتبر: و الذي يقوى عندي فساد صومه و وجوب القضاء دون الكفارة.

قال في المدارك بعد نقله عنه: و الى هذا القول ذهب أكثر المتأخرين و هو المعتمد، لنا على الحكم الأول إطلاق الأمر بالقضاء عند عروض أحد الأسباب المقتضية لفساد الأداء فإنه يتناول العالم و الجاهل. و لنا على سقوط الكفارة التمسك بمقتضى الأصل

و ما رواه الشيخ عن زرارة و ابى بصير (1) قالا: «سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان أو أتى أهله و هو محرم و هو لا يرى إلا ان ذلك حلال له؟ قال ليس عليه شيء».

(لا يقال) الأصل يرتفع بالروايات المتضمنة لترتب الكفارة على الإفطار المتناولة بإطلاقها للعالم و الجاهل كما اعترفتم به في وجوب القضاء، و الرواية قاصرة من حيث السند فلا تنهض حجة في إثبات هذا الحكم (لأنا نقول) لا دلالة في شيء من الروايات التي وصلت إلينا من هذا الباب على تعلق الكفارة بالجاهل إذ الحكم وقع فيها معلقا على تعمد الإفطار و هو انما يتحقق مع العلم بكون ذلك الفعل مفسدا للصوم، فان من أتى بالمفطر جاهلا كونه كذلك لا يصدق عليه انه تعمد الإفطار و ان صدق عليه انه متعمد لذلك الفعل،

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم و الباب 2 من كفارات الاستمتاع.

61

بل رواية ابن سنان (1) التي هي الأصل في هذا الباب إنما تضمنت تعلق الكفارة بمن أفطر في شهر رمضان متعمدا من غير عذر، و الجهل بالحكم من أقوى الأعذار كما يدل عليه

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتضمنة لحكم تزويج المرأة في عدتها (2) حيث قال فيها «قلت فبأي الجهالتين أعذر جهالته ان ذلك محرم عليه أم جهالته انها في عدة؟ فقال احدى الجهالتين أهون من الأخرى: الجهالة بأن الله حرم ذلك عليه، و ذلك انه لا يقدر على الاحتياط معها. فقلت فهو في الأخرى معذور؟ قال نعم».

و اما الرواية فهي و ان كانت لا تبلغ مرتبة الصحيح لكنها معتبرة الإسناد إذ ليس في طريقها من قد يتوقف في شأنه سوى على بن الحسن بن فضال، و قال النجاشي انه كان فقيه أصحابنا بالكوفة و وجههم و ثقتهم و عارفهم بالحديث و المسموع قوله فيه سمع منه شيئا كثيرا و لم يعثر له على زلة فيه و لا ما يشينه و قل ما يروى عن ضعيف. و يمكن أن يستدل على هذا القول ايضا

بقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عبد الصمد بن بشير الواردة في من ليس قميصا في حال الإحرام (3) «أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه».

و غير ذلك من العمومات المتضمنة لعذر الجاهل.

انتهى كلامه زيد إكرامه.

و فيه نظر من وجوه: الأول- ان ما استدل به على وجوب القضاء- من إطلاق الأمر بالقضاء عند عروض أحد الأسباب المقتضية لفساد الأداء فإنه يتناول العالم و الجاهل- فيه أولا- انه لا يخفى ان جملة من الروايات المتضمنة للأمر بالقضاء قد اشتملت على قيد التعمد و ان كان جملة أخرى مطلقة أيضا، و هو قد اعترف بان التعمد إنما يتحقق مع العلم بكون ذلك الفعل مفسدا للصوم و المفطر جاهلا لا يصدق

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم و ستأتي ص 63.

(2) الوسائل الباب 17 من ما يحرم بالمصاهرة و نحوها.

(3) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

62

عليه انه تعمد الإفطار فلا يجب عليه القضاء كما لا يجب عليه الكفارة بالتقريب الذي ذكره، و سيأتي لك نقل جملة من الأخبار التي تفصح عن صحة ما قلناه.

و ثانيا- انه مع تسليم صحة ما ذكره من إطلاق الأمر من غير تقييد بالتعمد فتناول الأمر للجاهل ممنوع فانا لا نسلم تناول الأمر للجاهل لا في هذا الموضع و لا غيره إلا ما خرج بدليل خاص لما صرحوا به في جاهل الأصل من امتناع تكليف الغافل، و هو (قدس سره) قد صرح بذلك في كتاب الصلاة في مبحث المكان و اللباس حيث رجح صحة صلاة الجاهل بحكم الغصب كالجاهل بأصله، فإنه قال في مبحث المكان- بعد نقل الاتفاق على صحة صلاة الجاهل بالغصب معللا له بان البطلان تابع للنهى و هو انما يتوجه الى العالم- ما لفظه: اما الجاهل بالحكم فقد قطع الأصحاب بأنه غير معذور و قوى بعض مشايخنا المحققين إلحاقه بجاهل الغصب لعين ما ذكر و لا يخلو من قوة. و قال في مبحث اللباس- بعد أن ذكر عدم بطلان صلاة جاهل الغصب- ما لفظه: و لا يبعد اشتراط العلم بالحكم ايضا لامتناع تكليف الغافل فلا يتوجه إليه النهي المقتضي للفساد. بل صرح بذلك قبل هذا المقام في مسألة الارتماس أيضا حيث نقل عن جده (قدس سره) ان المرتمس ناسيا يرتفع حدثه لعدم توجه النهي اليه و ان الجاهل عامة، ثم قال (قدس سره) و ما ذكره (قدس سره) في حكم الناسي جيد لكن الأظهر مساواة الجاهل له لاشتراكهما في عدم توجه النهي إليهما. و حينئذ فكيف يدعى هنا ان الأمر بالقضاء يتناول العالم و الجاهل مع فصله بينهما في هذه المواضع؟.

و ثالثا- ان الرواية التي استند إليها في سقوط الكفارة دالة بعمومها على سقوط القضاء ايضا كما هو ظاهر، مع تأيدها بالروايات المستفيضة الدالة على معذورية الجاهل كما تقدم في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب (1) و منها الروايتان المذكورتان هنا، و حينئذ فمع تسليم ما منعناه أو لا نقول انه معارض بما دلت عليه

____________

(1) ج 1 ص 78.

63

هذه الروايات، و النسبة بين المتعارضين العموم من وجه، و ترجيح العمل بأحدهما على الآخر لا يخلو من اشكال فلا يتم ما ذكره.

الثاني- قوله في الجواب عن الإيراد الذي أورده على نفسه- انه لا دلالة في شيء من الروايات التي وصلت إلينا من هذا الباب على تعلق الكفارة بالجاهل إذ الحكم وقع فيها معلقا على تعمد الإفطار. الى آخره- فان فيه انه لا ريب انه و ان ورد التقييد بالتعمد في جملة من الاخبار إلا ان جملة من الاخبار قد وردت مطلقة خالية من قيد التعمد.

و بالجملة فإن الأخبار الواردة في هذا الباب بالنسبة إلى وجوب القضاء و الكفارة جملة منها قد اشتملت على قيد تعمد الإفطار فيهما أو أحدهما و جملة قد أطلق فيها الحكم كذلك، و ظاهر كلام الأصحاب حمل مطلقها على مقيدها في الموضعين و به يزول الإشكال من البين.

و لا بأس بإيراد بعض منها في المقام ليتبين به ما في كلام هؤلاء الأعلام:

فمنها

موثقة عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا؟ قال يتصدق بعشرين صاعا و يقضى مكانه».

و صحيحته أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا؟ قال عليه خمسة عشر صاعا لكل مسكين مد بمد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أفضل».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) «في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر؟ قال يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا فان لم يقدر تصدق بما يطيق».

و رواية أحمد بن محمد بن أبى نصر عن المشرقي عن ابى الحسن (عليه السلام) (4) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

64

«سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة؟ فكتب (عليه السلام) من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة و يصوم يوما بدل يوم».

و موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا فقال عليه عتق رقبة و إطعام ستين مسكينا و صيام شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم، و اين له مثل ذلك اليوم؟».

و جعل الشيخ الواو في هذا الخبر بمعنى «أو» تارة و خصه اخرى بمن أتى أهله في حال يحرم الوطء فيها كالحيض أو الظهار قبل الكفارة كما دل عليه بعض الاخبار إلا ان صاحب الوسائل نقل هذا الخبر من نوادر أحمد بن محمد بن عيسى بلفظ «أو» عوض الواو في المواضع المذكورة.

فهذه جملة من الاخبار المشتملة على قيد التعمد في كل من القضاء و الكفارة و به يظهر لك ما في صدر كلام صاحب المدارك من دعواه إطلاق الأمر بالقضاء الشامل للجاهل مع اعترافه بان تعمد الجاهل ليس بعمد لأنه إنما يتحقق مع العلم بكون ذلك الفعل مفسدا للصوم كما تقدم.

و منها-

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع».

و ما رواه في الفقيه عن محمد بن النعمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال كفارته جريبان من طعام و هو عشرون صاعا».

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

65

و موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال عليه إطعام ستين مسكينا أو يعتق رقبة».

و رواية عبد السلام بن صالح الهروي (2) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قد روى عن آبائك (عليهم السلام) في من جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، و روى عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال بهما جميعا: متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة و صيام شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكينا و قضاء ذلك اليوم، و ان كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة و قضاء ذلك اليوم، و ان كان ناسيا فلا شيء عليه».

الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع في الموضعين.

و بذلك يظهر لك ان الاخبار بالنسبة إلى القضاء كالأخبار الواردة بالكفارة في التقييد في بعض منها بالتعمد و الإطلاق في آخر و وجوب حمل مطلقها على مقيدها، و به يظهر لك ما في كلامه من الفرق بين المقامين.

الثالث- قوله في الاعتذار عن مخالفة اصطلاحه في العمل برواية زرارة و ابى بصير المذكورة- بأنه ليس في طريقها من قد يتوقف في شأنه إلا على بن الحسن ابن فضال و قال النجاشي. إلى آخر ما ذكره- فان هذا من جملة المواضع التي كررنا الإشارة إليها في شرحنا على الكتاب من ما حصل له فيه من المخالفة و الاضطراب، فإنه مع عدم الموثق من قسم الضعيف و طعنه فيه و رميه بذلك متى احتاج الى العمل به تستر بهذه الأعذار الواهية، و قد مر له في كتاب الصلاة ما يدل

____________

(1) الوسائل الباب 4 و 8 من ما يمسك عنه الصائم. و ليس فيها «أو يعتق رقبة» و اللفظ هكذا: «قال عليه إطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين» راجع التهذيب ج 4 ص 320 الطبع الحديث و الوافي باب (تعمد الإفطار في شهر رمضان من غير عذر).

(2) الوسائل الباب 10 من ما يمسك عنه الصائم.

66

على الطعن في على بن الحسن المذكور في غير مقام و رد روايته و لكنه هنا حيث احتاج الى العمل بها اعتذر بما ذكره. و العجب انه في المقالة المتقدمة على هذه المقالة بلا فصل (1) نقل رواية عن على بن الحسن المذكور عن أبيه ثم أجاب عنها بان على بن الحسن و أباه فطحيان فلا يمكن التعويل على روايتهما، و ليس بين الكلامين إلا أسطر قليلة، مع انه قد تقدم منه في كتاب الصلاة- في مسألة ما لو أهوى المأموم إلى الركوع و السجود قبل الامام- انه استدل برواية منقولة عن الحسن بن على بن فضال ثم قال: و هذه الرواية لا تقصر عن الصحيح إذ ليس في رجالها من قد يتوقف في شأنه إلا الحسن بن على بن فضال و قد قال الشيخ انه كان جليل القدر عظيم المنزلة زاهدا ورعا ثقة في رواياته و كان خصيصا بالرضا (عليه السلام) و اثنى عليه النجاشي و قال انه كان فطحيا ثم رجع الى الحق (رضي الله عنه) انتهى. فانظر- رحمك الله- الى هذا الكلام و ما فيه من اختلال النظام الذي يبعد من مثله من العلماء الاعلام و ذوي النقض و الإبرام و لكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح أوجب لهم الوقوع في مضيق الإلزام في غير مقام.

و بما ذكرنا من التحقيق في المسألة يظهر ان أظهر الأقوال في المسألة ما نقل عن ابن إدريس استنادا إلى الأدلة الدالة على معذورية الجاهل بالأحكام الشرعية على التفصيل الذي ذكرناه في المقدمة الخامسة من مقدمات الكتاب (2).

و

ثانيها- أن يكون ناسيا لكونه صائما

، و الظاهر انه لا خلاف نصا و فتوى في صحة صومه و انه لا يجب عليه قضاء و لا كفارة:

و من الاخبار في ذلك

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن رجل نسي فأكل و شرب ثم ذكر؟ قال لا يفطر إنما هو شيء رزقه الله فليتم صومه».

____________

(1) في مسألة الحقنة بالجامد.

(2) ج 1 ص 78.

(3) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم.

67

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول من صام فنسي فأكل و شرب فلا يفطر من أجل أنه نسي فإنما هو رزق رزقه الله فليتم صومه».

و ما رواه الصدوق في الموثق عن عمار بن موسى (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى و هو صائم فيجامع أهله؟ قال يغتسل و لا شيء عليه».

و ما رواه في الكافي عن داود بن سرحان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل ينسى فيأكل في شهر رمضان؟ قال يتم صومه فإنما هو شيء أطعمه الله إياه».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صام يوما نافلة فأكل و شرب ناسيا؟ قال يتم يومه ذلك و ليس عليه شيء».

و قد تقدم في رواية عبد السلام بن صالح الهروي نحو ذلك (5).

و إطلاق الاخبار و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الصوم الواجب و المندوب و لا في الواجب بين المعين و غيره.

و أنت خبير بان مورد هذه الروايات و ان كان الأكل و الشرب و الجماع خاصة إلا ان الأصحاب قاطعون بعموم الحكم في جميع مفسدات الصيام الآتية ان شاء الله تعالى، و الظاهر ان وجهه هو عدم توجه النهي إلى الناسي كما صرحوا به في بعض المواضع و هو كذلك. و يمكن الاستدلال على العموم بما

في رواية عبد السلام بن صالح (6) من التعبير بقوله «أفطر على حرام أو أفطر على حلال».

بحمل الإفطار على ما يوجب الإفطار، إلا ان مقابلته بالجماع ربما عين انصرافه إلى الأكل و الشرب خاصة. و بالجملة فالظاهر انه لا إشكال في عموم الحكم لما ذكرنا كما عليه الأصحاب في هذا الباب.

و

ثالثها- أن يكون مكرها على الإفطار

، إما بان يوجر في حلقه و يوضع في

____________

(1) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) ص 65.

(6) ص 65.

68

فيه بغير اختياره و لا اشكال و لا خلاف في انه لا يفطر به- قيل و في معناه من بلغ به الإكراه حدا رفع قصده- أو بان يتوعد على ترك الإفطار بما يكون مضرا به في نفسه أو من يجرى مجراه بحسب حاله مع قدرة المتوعد على فعل ما توعد به و شهادة القرائن بأنه يفعله به لو لم يفطر. و نقل عن الشيخ (قدس سره) في المبسوط انه مفسد لصومه.

و استدل على القول المشهور بالأصل السالم من المعارض،

و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه».

و المراد رفع حكمها و من جملته القضاء و سقوط الكفارة.

و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد- بعد قول المصنف: و الإكراه على الإفطار غير مفسد- ما صورته: دليله واضح و هو عدم التكليف عقلا و نقلا مثل

«و عن ما استكرهوا» (2).

و يؤيده ما يدل على وجوب الكفارة على المكره زوجته دونها سواء قلنا عليه كفارتها أيضا أم لا. الى أن قال: و يدل عليه ما يدل على جواز الأكل للتقية. ثم نقل جملة من الأحاديث الدالة على إفطار الصادق (عليه السلام) تقية مع أبى العباس (3).

قالوا: و في معنى الإكراه الإفطار في يوم يجب صومه للتقية و التناول قبل الغروب لأجل ذلك.

احتج الشيخ على ما نقل عنه بأنه مع التوعد مختار للفعل فيصدق عليه انه فعل المفطر اختيارا فوجب عليه القضاء.

و الى هذا القول مال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال بعد نقل الخلاف في المسألة: و أصحهما وجوب القضاء و ان ساغ له الفعل لصدق تناول المفطر عليه باختياره. ثم قال مجيبا عن الخبر المتقدم: و قد تقرر في الأصول ان المراد

____________

(1) الوسائل الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة و الباب 56 من جهاد النفس.

(2) الوسائل الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة و الباب 56 من جهاد النفس.

(3) الوسائل الباب 57 من ما يمسك عنه الصائم.

69

برفع الخطأ و قسيميه في الحديث رفع المؤاخذة عليها لا رفع جميع أحكامها. و مثله الإفطار في يوم يجب صومه للتقية.

أقول: و المسألة لا تخلو من الاشكال لعدم النص الكاشف عن حكمها و تدافع التعليلات فيها و ان كان ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني هنا لا يخلو من قوة، فإن مجرد تسويغ الشارع الإفطار لدفع الضرر لا ينافي القضاء و إنما ينافي التأثيم و لا ريب في عدمه.

و من ما يؤيد ذلك انهم جعلوا الإفطار للتقية في معنى الإفطار للإكراه فإنهما في الحقيقة من باب واحد و مرجعهما إلى أمر واحد و هو الإفطار لدفع الضرر.

مع انه قد ورد في بعض الاخبار الواردة في جواز الإفطار للتقية ذكر القضاء و هو

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن رفاعة عن رجل عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «دخلت على أبى العباس بالحيرة فقال يا أبا عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت ذاك الى الامام ان صمت صمنا و ان أفطرت أفطرنا فقال يا غلام على بالمائدة فأكلت معه و أنا أعلم و الله انه يوم من شهر رمضان فكان إفطاري يوما و قضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي و لا يعبد الله».

و منه يعلم وجوب القضاء في محل الخلاف.

و الأحوط عندي وجوب القضاء في صورة الوجوب أيضا حيث ان المسألة خالية من النص و ان كان ظاهرهم الاتفاق على صحة الصوم و عدم وجوب القضاء، و هو الظاهر أيضا لأنه لا يصدق عليه انه تناول المفطر. و قريب منه أيضا بلوغ الإكراه به الى وجه يرتفع القصد إلا ان الأحوط لخلو المسألة من النص هو القضاء و بالجملة فالقدر المعلوم ثبوته في صورتي الإكراه بأي معنى كان و التقية هو عدم المؤاخذة بذلك و اما وجوب القضاء فليس على نفيه دليل.

(فان قيل) ان وجوبه يحتاج الى دليل لا نفيه (قلت) لا ريب ان

____________

(1) الوسائل الباب 57 من ما يمسك عنه الصائم.

70

الأخبار المتضمنة لوجوب القضاء بالإفطار اختيارا قد اشتملت على شيئين:

أحدهما- ثبوت الإثم و الذنب الموجب للمؤاخذة و هو الذي أمر بالكفارة لدفعه في جملة من المواضع، و ثانيهما- قضاء ذلك اليوم، و المعلوم المقطوع به من أخبار تسويغ الإفطار للإكراه و التقية هو ارتفاع الإثم خاصة كما أشرنا إليه إذ لا يجوز أن يسوغ له الشارع الإفطار ثم يعاقبه عليه، و حينئذ فيبقى ما دل على القضاء على حاله بلا معارض يوجب إخراجه عن ما هو عليه و يخرج مرسل رفاعة شاهدا على ذلك.

ثم ان الظاهر من كلام الأصحاب- و به صرح جملة منهم- انه يكفى في جواز الإفطار ظن الضرر بالترك، و ربما ظهر من عبارة الدروس ان ذلك إنما يسوغ عند خوف التلف.

و لعله (قدس سره) اعتمد على اخبار الصادق (عليه السلام) مع أبى العباس حيث تضمنت ان إفطاره (عليه السلام) لخوف التلف و القتل، و منها الخبر المتقدم.

و منها أيضا

ما رواه في الكافي في الصحيح عن داود بن الحصين عن رجل من أصحابه عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه قال و هو بالحيرة في زمان أبى العباس انى دخلت عليه و قد شك الناس في الصوم و هو و الله من شهر رمضان فسلمت عليه فقال يا أبا عبد الله (عليه السلام) أ صمت اليوم؟ فقلت لا. و المائدة بين يديه فقال فادن فكل قال فدنوت فأكلت. قال و قلت: الصوم معك و الفطر معك؟ فقال الرجل لأبي عبد الله (عليه السلام) تفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال أى و الله أفطر يوما من شهر رمضان أحب الى من أن يضرب عنقي».

و الظاهر الاكتفاء بمجرد خوف الضرر كما هو المعلوم من الاخبار في جملة من موارد التقية

و لقوله (عليه السلام) في حسنة زرارة (2) «التقية في كل ضرورة و صاحبها

____________

(1) الوسائل الباب 57 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 25 من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر.

71

أعلم بها حين تنزل به».

و في حسنة الفضلاء (1) «التقية في كل شيء يضطر اليه ابن آدم فقد أحله الله».

و لا دلالة في خبري الصادق (عليه السلام) المتقدمين بالتخصيص بما فيهما ثم ان شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال بعد ذكر الكلام الذي قدمنا نقله عنه: و حيث ساغ الإفطار للإكراه و التقية يجب الاقتصار على ما تندفع به الحاجة فلو زاد عليه كفر، و مثله ما لو تأدت بالأكل فشرب معه و بالعكس.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بأنه يمكن المناقشة في وجوب الكفارة بالزائد بناء على ما ذهب اليه من كون التناول على وجه الإكراه مفسدا للصوم، لأن الكفارة تختص بما يحصل به الفطر و يفسد به الصوم و ما حصل به الفطر هنا كان مباحا فلا تتعلق به الكفارة و ما زاد عليه لم يستند اليه الفساد فلا تتعلق به الكفارة و ان كان محرما. انتهى.

أقول: فيه ان الظاهر من إيجاب الشارع الكفارة في جملة مواردها إنما هو لتكفير الذنب المترتب على موجبها فهي حينئذ لمحو الذنب و تكفيره، و حينئذ فالكفارة إنما تتحقق في موضع يحصل فيه الإثم و الذنب، فقول السيد (قدس سره) ان الكفارة تختص بما يحصل به الفطر و يفسد به الصوم ليس في محله، فان كثيرا من المواضع الآتية قد حكم فيها الشارع بفساد الصوم و إيجاب القضاء مع انه لم يوجب بها كفارة، و حينئذ فإذا كانت الكفارة في الصوم و غيره دائرة مدار ما أوجب الذنب و الحال ان التناول زيادة على ما تندفع به الضرورة موجب لذلك كان الحكم بالكفارة لا يخلو من قوة.

[مسائل]

و يلحق بهذه المسألة من ما ينتظم في سلك نظامها و ينخرط في سمط نقضها و إبرامها مسائل.

الأولى- من أكل ناسيا فظن فساد صومه فأفطر عامدا

بطل صومه و عليه

____________

(1) الوسائل الباب 25 من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر.

72

القضاء عند الأصحاب، و في وجوب الكفارة عليه قولان.

أقول: و هذه المسألة من جزئيات المسألة المتقدمة في جاهل حكم الإفطار و قد تقدم ذكر الخلاف فيها و تحقيق القول فيها.

الثانية [إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق عمدا]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في إيصال الغبار الى الحلق فذهب جمع: منهم- الشيخ في أكثر كتبه الى أن إيصال الغبار الغليظ الى الحلق متعمدا موجب للقضاء و الكفارة، و اليه مال من أفاضل متأخري المتأخرين المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في كتاب الوسائل، و ذهب جمع: منهم- ابن إدريس و الشيخ المفيد على ما نقل عنه و أبو الصلاح و غيرهم- و الظاهر انه المشهور- الى وجوب القضاء خاصة متى كان متعمدا، و ذهب جمع من متأخري المتأخرين الى عدم الإفساد و عدم وجوب شيء من قضاء أو كفارة، و هو الأقرب.

و استدل على القول الأول

بما رواه الشيخ في التهذيب عن سليمان بن حفص المروزي (1) قال: «سمعته يقول إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمدا أو شم رائحة غليظة أو كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين فان ذلك مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح».

أقول: لا يخفى انه يمكن تطرق الطعن الى هذه الرواية من وجوه: أحدها- جهالة السائل و المسؤول فلعل المسؤول غير امام، و جهالة المسؤول كما في الإضمار و نحوه إنما يتسامح بها مع معرفة السائل و الوثوق به من كونه لا يعتمد في أمور دينه و أحكامه على غير الامام كما صرح به أصحابنا (رضوان الله عليهم) في قبول المضمرات و المرسلات اما إذا كان مجهولا بالمرة كهذا الراوي فلا.

و ثانيها- المعارضة

بموثقة عمرو بن سعيد عن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه؟ قال جائز لا بأس به.

قال: و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال لا بأس».

____________

(1) الوسائل الباب 22 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 22 من ما يمسك عنه الصائم.

73

و الجمع بين هذا الخبر و بين الأول- بحمل الأول على الغبار الغليظ و الثاني على ما ليس كذلك كما ذكره صاحب الوسائل مع كونه لا دليل عليه- مردود بان الغبار نوع من المتناولات فان كان مفسدا للصوم فلا فرق بين قليله و كثيره و إلا فلا وجه للإفساد به.

و ثالثها-

صحيحة محمد بن مسلم الدالة على انه لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس (1).

و موثقة مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (2) «ان عليا (عليه السلام) سئل عن الذباب يدخل حلق الصائم؟ قال ليس عليه قضاء لأنه ليس بطعام».

و رابعها- ان الخبر المذكور قد دل على وجوب الكفارة بمجرد المضمضة و الاستنشاق و لا قائل به و الاخبار ترده:

ففي صحيحة حماد عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الصائم يستنشق و يتمضمض؟ قال نعم و لكن لا يبالغ».

و في رواية زيد الشحام عن أبى عبد الله (عليه السلام) (4) «في الصائم يتمضمض؟

قال لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات».

قال الشيخ في التهذيب بعد نقل الرواية:

و قد روى مرة واحدة (5).

و ما أجاب به في الوسائل من حمل الخبر على تعمد إيصال الماء الى الحلق مردود أولا- بأن تعمد ابتلاع الماء الموجب للقضاء و الكفارة بلا خلاف لا ترتب له على خصوصية المضمضة و الاستنشاق ليرتبه عليه هنا بل في أي حال فعل ذلك فإنه يجب عليه القضاء و الكفارة بلا اشكال.

و ثانيا- ان تقديره تعمد إيصال الماء الى الحلق في الخبر اما ان يستند فيه الى

____________

(1) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم ارجع الى التعليقة 2 ص 50.

(2) الوسائل الباب 39 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 31 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 31 من ما يمسك عنه الصائم.

74

قوله «متعمدا» أى متعمدا إيصال الماء الى الحلق، و فيه ان هذا يكون من قبيل الألغاز الخارج عن الحقيقة و المجاز فان «متعمدا» في الخبر قيد في المضمضة و الاستنشاق حيث انه حال من الصائم الذي هو فاعل «يتمضمض و يستنشق» فصرفه الى ما ذكره يكون من قبيل ما ذكرناه و هو مناف لحكمة التعليم و الافهام بل مخل بمعنى الكلام و موجب لانحلال الزمام و اختلال النظام، و اما ان يقدره في الكلام من خارج من غير أن يكون في ألفاظ الخبر دلالة عليه و لا اشارة اليه، و حينئذ يلغو ذكر «متعمدا» في الخبر و يصير ذكره بغير فائدة، لأنه يصير حاصل المعنى حينئذ إذا تمضمض الصائم أو استنشق و قصد إيصال الماء الى الحلق فعليه الكفارة، إذ الفرض ان هذا القائل قائل بجواز المضمضة و الاستنشاق بقول مطلق و انما يمنع منهما إذا قصد بهما إيصال الماء الى الحلق، فحاصل معنى الخبر على ما يقول به هو ما ذكرناه و حينئذ فذكره (عليه السلام) «متعمدا» في الخبر يكون لغوا لا فائدة فيه و لا أظنه يلتزمه. و بالجملة فما ذكره في الجواب لا أعرف له وجها من وجوه الصواب.

و غاية ما تدل عليه الاخبار هو انه ربما سبق الماء الى حلق الصائم لا عن تعمد، و انه إذا كان كذلك في وضوء النافلة فعليه القضاء خاصة و اما في وضوء الفريضة فلا شيء عليه:

ففي صحيحة حماد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل حلقه الماء؟ فقال ان كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شيء و ان كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء».

و مثلها موثقة سماعة (2).

و بذلك يظهر لك ان الخبر من ما لا يصلح للاعتماد عليه و لا الاستناد في حكم مخالف للأصل اليه، و به يظهر قوة القول الأخير.

____________

(1) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم، و هي تفصل بين المضمضة من عطش و المضمضة في الوضوء.

75

و اما القول بوجوب القضاء خاصة فلا أعرف له وجها و المفهوم من كلام ابن إدريس ان الحجة فيه إنما هو الإجماع، و لا ريب ان الاحتياط يقتضي العمل عليه.

و ألحق من المتأخرين بالغبار الدخان الغليظ الذي يحصل منه اجزاء تتعدى الى الحلق كبخار القدر و نحوه، و أنكره بعض و هو الحق لما عرفت من حال الملحق به و عدم الدليل عليه، و لما تقدم في موثقة عمرو بن سعيد (1) من نفى البأس عنه.

الثالثة [مص الخاتم- و مضغ الطعام و زق الطائر و ذوق المرق]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا بأس بمص الخاتم و مضغ الطعام للصبي و زق الطائر و ذوق المرق.

و هو كذلك للأخبار الدالة على ذلك، و منها

ما رواه ثقة الإسلام الكليني في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يعطش في شهر رمضان؟ قال لا بأس بأن يمض الخاتم».

و ما رواه في الكافي أيضا عن يونس بن يعقوب (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الخاتم في فم الصائم ليس به بأس فأما النواة فلا».

و ما رواه الصدوق عن منصور بن حازم (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يجعل النواة في فيه و هو صائم؟ قال لا. قلت فيجعل الخاتم؟ فقال نعم».

و الظاهر ان المراد بالنواة في الخبرين المذكورين النواة التي عليها أثر التمر كما لا يخفى.

و ما رواه الكليني في الصحيح عندي و الحسن على المشهور عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) «انه سئل عن المرأة الصائمة تطبخ القدر فتذوق المرق تنظر اليه؟ فقال لا بأس. و سئل عن المرأة يكون لها الصبي و هي صائمة فتمضغ

____________

(1) ص 72.

(2) الوسائل الباب 40 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 40 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 40 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 37 و 38 من ما يمسك عنه الصائم.

76

له الخبز و تطعمه؟ قال لا بأس به و الطير ان كان لها».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حماد بن عيسى (1) قال: «سأل ابن أبى يعفور أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا أسمع عن الصائم يصب الدواء في اذنه؟

قال نعم و يذوق المرق و يزق الفرخ».

و ما رواه أيضا في الموثق عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بأن يذوق الرجل الصائم القدر».

و ما رواه الكليني عن الحسين بن زياد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس للطباخ و الطباخة أن يذوق المرق و هو صائم».

و ما رواه عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «ان فاطمة (عليها السلام) كانت تمضغ للحسن ثم للحسين (عليهما السلام) و هي صائمة في شهر رمضان».

و ما رواه الشيخ معلقا عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الصائم يذوق الشراب و الطعام يجد طعمه في حلقه؟ قال لا يفعل قلت: فان فعل فما عليه؟ قال لا شيء عليه و لا يعود».

و اما ما رواه الكليني و الشيخ عن سعيد الأعرج في الصحيح (6)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يذوق الشيء و لا يبلعه؟ قال لا»-.

فقد حمله جملة من الأصحاب على الكراهة. و احتمل بعضهم ان قوله (عليه السلام) «لا» يعنى لا يبلعه، قال: و هو غير بعيد.

و قال الشيخ: هذه الرواية محمولة على من لا يكون به حاجة الى ذلك و الرخصة إنما وردت في ذلك لصاحبة الصبي أو الطباخ الذي يخاف على فساد طعامه أو من

____________

(1) الوسائل الباب 37 من ما يمسك عنه الصائم، و الراوي حماد بن عثمان.

(2) الوسائل الباب 37 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 37 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 38 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 37 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 37 من ما يمسك عنه الصائم.

77

عنده طائر ان لم يزقه يهلك فاما من هو مستغن عن جميع ذلك فلا يجوز له ان يذوق الطعام.

ورده بعض أفاضل متأخري المتأخرين بالبعد، قال: إذ لا دلالة في الاخبار المتقدمة على ما ذكره من التقييد. و هو كذلك.

و لو مضغ الصائم شيئا فسبق منه شيء إلى الحلق بغير اختياره فقد صرح جمع بأن الأصح ان صومه لا يفسد بذلك للاذن فيه و عدم تعمد الازدراد. و قال في المنتهى: لو أدخل في فمه شيئا فابتلعه سهوا فان كان لغرض صحيح فلا قضاء عليه و إلا وجب القضاء.

و يمكن الاستدلال للقول الأول

بصحيحة أبي ولاد الحناط (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أقبل بنتا لي صغيرة و أنا صائم فيدخل في جوفي من ريقها شيء؟

قال فقال لي لا بأس ليس عليك شيء».

فان الظاهر ان المراد من الخبر هو سبق الريق الى جوفه من غير تعمد و اما مع التعمد فالظاهر انه لا خلاف في البطلان على اشكال يأتي الكلام فيه.

بقي الكلام في مضغ العلك إذا تغير الريق بطعمه و لم تنفصل منه اجزاء فابتلع الصائم الريق المتغير، و قد اختلف فيه كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) فحرمه الشيخ في النهاية حيث قال لا يجوز للصائم مضغ العلك، و هو ظاهر ابن الجنيد حيث قال لو استجلب الريق بطعام فوصل الى جوفه أفطر و كان عليه القضاء، و في بعض الحديث فصيام شهرين متتابعين كالأكل. و قال الشيخ في المبسوط بالكراهة فإنه قال يكره استجلاب الريق بماله طعم و جرى مجرى العلك كالكندر و ما أشبهه، و ليس ذلك بمفطر في بعض الروايات و في بعضها انه يفطر و هو الاحتياط. و الى هذا القول مال أكثر المتأخرين.

و الذي وقفت عليه من الأخبار في ذلك

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح

____________

(1) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

78

عندي و الحسن على المشهور عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت الصائم يمضغ العلك؟ قال لا».

و ما رواه أيضا (قدس سره) عن محمد بن مسلم (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) يا محمد إياك أن تمضغ علكا فانى مضغت اليوم علكا و أنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن الصائم يمضغ العلك؟ قال نعم ان شاء».

و الذي يظهر من ضم هذه الأخبار بعضها الى بعض هو القول بالجواز على كراهة مؤكدة، فإن الظاهر من رواية محمد بن مسلم انه (عليه السلام) إنما مضغ العلك و هو صائم مع علمه بما فيه من تغير طعم الفم به لجواز ذلك لكنه بعد مضغه رأى زيادة تغير الريق به على المظنون فنهى عنه تنزها.

و الشيخ في التهذيب بعد نقله رواية أبي بصير قال: هذا الخبر غير معمول عليه.

مع انه أفتى بمضمونه في المبسوط.

و نقل في المختلف عن الشيخ انه استدل على التحريم بان وجود الطعم في الريق دليل على تخلل شيء من اجزاء ذي الطعم فيه لاستحالة انتقال الاعراض فكان ابتلاعه مفطرا. ثم أجاب بالمنع من التخلل بل الريق ينفعل بكيفية ذي الطعم و هو جيد لما علم من انفعال الماء و الهواء بالروائح الذكية و النتنة بالمجاورة، و قد نقل العلامة في المنتهى و التذكرة ان من لطخ باطن قدميه بالحنظل وجد طعمه و لا يفطر إجماعا.

أقول: لو أن الشيخ استدل بصحيحة الحلبي المتقدمة لكان أظهر إلا انها كما عرفت لا بد من تأويلها جمعا بين الاخبار.

الرابعة [ابتلاع بقايا الغذاء المتخلفة بين الأسنان]

- قال العلامة في المنتهى: بقايا الغذاء المتخلفة بين أسنانه إذا ابتلعها

____________

(1) الوسائل الباب 36 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 36 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 36 من ما يمسك عنه الصائم.

79

نهارا فسد صومه سواء أخرجها من فمه أو لم يخرجها. و قد صرح المحقق في الشرائع هنا بوجوب القضاء و الكفارة و هو المشهور على ما صرح به بعض الأصحاب، و الظاهر انه لصدق تناول المفطر عمدا فساوى ما لو ازدرده من خارج و نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف انه صرح بوجوب القضاء و لم يتعرض للكفارة.

قال في المدارك: و يمكن المناقشة في فساد الصوم بذلك لعدم تسميته أكلا

و لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء من الطعام أ يفطره ذلك؟ قال لا. قلت فان ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال لا يفطر ذلك».

هذا كله في ما لو ابتلعه عمدا و اما لو كان سهوا فقد صرح بعضهم بأنه لا شيء عليه، و فصل بعض بين من قصر في التخليل فأوجب عليه القضاء لتفريطه و تعرضه للإفطار- و اليه مال شيخنا الشهيد الثاني- و من لم يقصر فلا شيء عليه.

و ما ذكره في المدارك لا يخلو من قرب و ان كان الأحوط القضاء، و اما ما جنح إليه في المسالك فلا يخلو من ضعف.

الخامسة [ابتلاع الريق الذي في الفم]

- الظاهر انه لا إشكال و لا خلاف في جواز ابتلاع الريق الذي في الفم للأصل و عدم الدليل المخرج عنه، اما إذا أخرجه من فمه ثم رجعه و ابتلعه فقالوا انه مفطر بل ربما يمكن انه تجب به كفارة الإفطار على المحرم لأن ظاهرهم القول بتحريم ما يخرج من الفم، حتى ان بعض الفضلاء المعاصرين ادعى إجماع الأصحاب على تحريم ابتلاع فضلات الإنسان من ريقه و عرقه و دموعه و نحوها و ادعى اتفاق الاخبار على ذلك، و قد كتب- في جواب سائل سأله عن العرق المتساقط في مرق اللحم و نحوه- ما صورته: فاما تحريم الإنسان و كل شيء منه أكلا و شربا فلا أعلم أحدا من المتقدمين و المتأخرين خالف في ذلك و مناطيق

____________

(1) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

80

الأخبار مصرحة بذلك، و لا أعلم أحدا استثنى من ذلك العرق المختلط بالمرق على ان المستثنى عليه البيان و إقامة البرهان، و نحن باقون على عموم الحكم حتى يثبت المزيل و الله الهادي إلى سواء السبيل. و سيأتيك ان شاء الله بيان ما في هذا الكلام من انحلال الزمام و اختلال النظام و ان كان خارجا عن المقام.

ثم ان ممن صرح بما قدمنا نقله عنهم من إبطال الصوم بابتلاع الريق بعد إخراجه من الفم شيخنا العلامة أجزل الله تعالى إكرامه في المنتهى حيث قال:

لو ترك في فمه حصاة أو درهما فأخرجه و عليه لمعة من الريق ثم أعاده فيه فالوجه الإفطار قل أو كثر لابتلاعه البلل الذي على ذلك الجسم، و قال بعض الجمهور لا يفطر ان كان قليلا (1). و قال (قدس سره) ايضا لو أخرجه من فيه الى طرف ثوبه أو بعض أصابعه ثم ابتلعه أفطر.

و لا اعرف لما ذكره (قدس سره) دليلا على الإفطار بذلك إلا ان كان ما يدعونه من تحريم فضلة الإنسان و انه بعد الخروج من الفم يكون فضلة فيتعلق به الحكم دون ما إذا كان في الفم و إلا فالفرق بين ابتلاعه و هو في الفم و بعد خروجه منه غير ظاهر، مع ان ما يدعونه من تحريم فضلة الإنسان لا دليل عليه بل الدليل كما ستعرف ان شاء الله تعالى قائم على خلافه.

قال مولانا المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد- بعد ان نقل عنهم انهم حكموا بكونه مفطرا إذا خرج من الفم ثم ابتلعه- ما صورته: كأنه للصدق لأنه يقال أكل ريقه. و يمكن إيجاب كفارة الإفطار بالمحرم لأنهم يقولون انه إذا خرج من الفم يحرم أكله و ما نعرف دليلهم. ثم قال (قدس سره) بعد نقل كلام المنتهى الأول: الظاهر عدم الإفطار للأصل و عدم صدق الأدلة، و لهذا مع قولهم بالتحريم جوزوا الأكل بالقاشوقة بإدخالها في الفم و كذا أكل الفواكه بعد العض مع بقاء الرطوبة في موضع العض و كذا في الشربة، نعم لو كان عليه

____________

(1) المغني ج 3 ص 106 و 107.

81

الريق باقيا ظاهرا كثيرا بحيث يصدق عليه أكل الريق يمكن ذلك لا مجرد البلة. انتهى. و ظاهر كلامه (قدس سره) المناقشة من حيث عدم صدق الأكل على بلع البلة فيكون مرجعه الى ما نقله العلامة عن بعض الجمهور.

و أنت خبير بأنه ان كان المستند هو ما أشار إليه المحقق المذكور من صدق الأكل فإنه لا فرق في ذلك بين ما كان باقيا في الفم أو بعد الإخراج منه مع انهم متفقون على جواز ابتلاع ما كان في الفم. و لو قيل بمنع صدق الأكل على ما كان في الفم عارضناه بتحريم ابتلاع ما يخرجه بلسانه من بين أسنانه من بقية الغذاء فإنهم قائلون بأنه موجب للإفطار لصدق الأكل، إلا أن يجعل وجه الفرق بين الريق الذي في الفم و الذي أخرج منه لزوم المشقة و الحرج في ما كان في الفم لو لم يجز ابتلاعه و ان صدق عليه الأكل لأنه لو انقطع عنه جف حلقه و ضرره ظاهر.

و بالجملة فالظاهر عندي ان وجه الفرق الموجب عندهم لجواز ابتلاعه ما دام في الفم و الإفطار به بعد الخروج من الفم إنما هو لما قدمنا ذكره من تحريم فضلة الإنسان من نفسه أو غيره و الريق إنما يصدق عليه فضلة بعد انفصاله من الفم و خروجه.

لا يقال: انه يلزم على ما ذكرتم من وجه الفرق عدم فساد الصوم حيث انه ليس بأكل و لا شرب و ان حرم.

لأنا نقول: لا يلزم من عدم كونه مأكولا صحة الصوم فإنهم صرحوا ببطلان الصوم بالغبار و الدخان الغليظ مع انه ليس بمأكول و نحوهما غيرهما فيجوز أن يكون هذا من قبيله عندهم.

و بذلك يظهر لك ما في مناقشة المحقق الأردبيلي (قدس سره) للعلامة (قدس سره) في عبارته الاولى من عدم التحريم في البلة لعدم صدق الأكل، فإن الظاهر ان كلام العلامة إنما ابتنى على ما ذكرناه من تحريم فضلة الإنسان و لا ريب انه مع ثبوت التحريم فلا فرق بين قليلها و كثيرها، نعم ما أورده عليهم من تجويز الأكل

82

بالقاشوقة و الفاكهة و الشربة وارد عليهم و مناف لكلامهم المدعى في التحريم و حينئذ فيرجع الكلام معهم إلى إثبات دعوى تحريم فضلة الإنسان.

قال المحقق المشار إليه أيضا بعد الكلام في ريق الإنسان نفسه: و اما ريق غيره فقالوا أيضا انه حرام و ما اعرف دليلهم و ما رأيت دليل تحريم فضلات الحيوان أقول- و بالله عز و جل الثقة لكل مأمول- ان الذي ظهر لي من الأخبار التي عثرت عليها من ما يتعلق بهذه المسألة هو حل ما ادعوا تحريمه، و ها أنا أسوق لك جملة ما وقفت عليه من الاخبار لتنظر فيها بعين التأمل و الاعتبار:

فمنها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن الحسن بن زياد الصيقل (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول مرت امرأة بذية برسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو يأكل و هو جالس على الحضيض فقالت يا محمد إنك لتأكل أكل العبد.

الى أن قال (عليه السلام) قالت فناولني لقمة من طعامك فناولها فقالت لا و الله إلا الذي في فيك فاخرج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) اللقمة من فيه فناولها فأكلتها. قال أبو عبد الله (عليه السلام) فما أصابها بذاء حتى فارقت الدنيا».

و ما رواه في الكتاب المذكور (2) في باب الإشارة و النص على ابى جعفر الثاني (عليه السلام) في حديث طويل يتضمن طعن اخوة الرضا (عليه السلام) و عمومته في الجواد (عليه السلام) بعد ولادته حيث انه كان حائل اللون و طلب القافة ليلحقوه بأبيه، قال على بن جعفر راوي الحديث: «فقمت فمصصت ريق ابى جعفر (عليه السلام) ثم قلت له: أشهد أنك إمامي عند الله. الحديث» و فعل على بن جعفر (رضي الله عنه) ذلك بمحضر الرضا (عليه السلام) و تقريره له و عدم إنكاره عليه أظهر ظاهر في الجواز.

و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابى ولاد الحناط (3) قال: «قلت

____________

(1) الوسائل الباب 8 من آداب المائدة.

(2) الأصول ج 1 ص 322 الطبع الحديث.

(3) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

83

لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أقبل بنتا لي صغيرة و أنا صائم فيدخل في جوفي من ريقها شيء؟ قال: فقال لي: لا بأس ليس عليك شيء».

و روى أيضا في الكتاب المذكور في الموثق عن أبى بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الصائم يقبل امرأته؟ قال: نعم و يعطيها لسانه تمصه».

و روى فيه أيضا عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل الصائم إله أن يمص لسان المرأة أو تفعل المرأة ذلك؟ قال: لا بأس».

و روى السيد السعيد رضى الدين بن طاوس (قدس سره) في كتاب الملهوف على قتلي الطفوف (3) عن الصادق (عليه السلام) «ان زين العابدين (عليه السلام) بكى على أبيه أربعين سنة صائما نهاره قائما ليله فإذا كان وقت إفطاره أتاه غلامه بطعامه و شرابه فيقول:

قتل أبو عبد الله (عليه السلام) جائعا قتل أبو عبد الله (عليه السلام) عطشان فلا يزال يبكي حتى يبل طعامه بدموعه و يمزج شرابه بدموعه فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز و جل».

و لعل المتتبع للاخبار يقف على أمثالها أيضا.

و بذلك يظهر لك ما في حكمهم بتحريم فضلات الإنسان من الخروج عن مقتضى هذه الاخبار الواضحة البيان.

نعم يبقى الكلام في ما دلت عليه الأخبار الثلاثة من عدم إبطال الصوم بابتلاع ريق الغير، فان ظاهر الأصحاب الإبطال بذلك مع ظهور الروايات في خلافه، إذ من المعلوم وصول ريق الغير الى فم الصائم بالمص، و أظهر منه قوله في صحيحة أبي ولاد «فيدخل في جوفي من ريقها شيء».

و اما ما أجابوا به عن روايتي أبي بصير و على بن جعفر- من أن المص لا يستلزم الابتلاع، و عن صحيحة أبي ولاد من عدم الصراحة في تعمد الابتلاع فجاز ان يبلع شيئا من ريقها من غير شعور و تعمد- فلا يخفى ما فيه من البعد عن

____________

(1) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) ص 87 طبع المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف، و هو نقل بالمعنى.

84

ظاهر الأخبار المذكورة. على انه لو كان ما ذكروه في تأويل صحيحة أبي ولاد من الحمل على عدم التعمد صحيحا للزم الإبطال أيضا فإنه متى كان وصول الريق الى جوفه مبطلا فلا فرق فيه بين تعمده و لا وصوله من غير تعمد، كما صرحوا به من أنه لو وضع في فمه شيئا من المفطرات عبثا و لعبا فابتلعه بغير اختيار فإنه يبطل صومه، و سيأتيك في مسألة المضمضة عبثا ما يدل على ذلك.

و بالجملة فإن الأخبار المذكورة مع اتفاقها على الحكم المذكور لا معارض لها من الأخبار، و الى ما ذكرنا يميل كلام المحقق الأردبيلي أيضا في هذا المقام.

السادسة [ابتلاع النخامة]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ابتلاع النخامة على أقوال ثلاثة، إلا انه يجب أو لا بيان المعنى المراد من النخامة هنا: ظاهر كلام المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد أن النخامة مختصة بما يخرج من الصدر دون ما ينزل من الدماغ حيث ذكرا النخامة ثم عطفا عليها ما استرسل من الدماغ، و أطلق جماعة من الأصحاب النخامة عليهما، قال الفيومي في المصباح: النخاعة بالضم ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء المعجمة هكذا قيده ابن الأثير، و قال المطرزي النخاعة هي النخامة، و هكذا قال في العباب، و زاد المطرزي: و هي ما يخرج من الخيشوم عند التنخع، و كأنه مأخوذ من قولهم تنخع السحاب إذا قاء ما فيه من المطر لأن القيء لا يكون إلا من الباطن، و تنخع رمى بنخاعته. انتهى. و قال في مادة نخم: النخامة هي النخاعة وزنا و معنى و تقدم. و قال في القاموس: و النخاعة بالضم النخامة أو ما يخرج من الصدر أو ما يخرج من الخيشوم. و قال ابن الأثير في النهاية: النخامة البزقة التي تخرج من أقصى الحلق و من مخرج الخاء المعجمة.

و كلام الأصحاب هنا قد اختلف بما يرجع الى أقوال ثلاثة: أحدها- جواز ابتلاع ما يخرج من الصدر ما لم ينفصل عن الفم و المنع من ابتلاع ما يسترسل من الدماغ و ان لم يصل الى الفم عمدا اما لو استرسل و تعدى الى الحلق فلا بأس. و هو ظاهر عبارتي الشرائع و الإرشاد.

85

و ثانيها- جواز ابتلاعهما ما لم يصلا الى الفم و المنع منه متى وصلا اليه، ذهب اليه الشهيدان.

و ثالثها- جواز اجتلاب النخامة من الصدر و الرأس و ابتلاعهما ما لم ينفصلا عن فضاء الفم كالريق، و اليه ذهب الفاضلان في المعتبر و المنتهى و اختاره في المدارك.

و الذي وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار

رواية غياث بن إبراهيم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته».

و كل من هؤلاء على اختلافهم قد استندوا إلى الرواية.

و زاد في المدارك في الاستدلال على ما اختاره من القول الثالث، قال: لنا- ان ذلك لا يسمى أكلا و لا شربا فكان سائغا تمسكا بمقتضى الأصل السالم من المعارض. و لنا أيضا ان النخامة مساوية للريق في عدم الوصول من خارج فوجب مساواتها له في الحكم.

و استدل عليه في المعتبر أيضا بان ذلك لا ينفك عنه الصائم إلا نادرا فوجب العفو عنه لعموم البلوى به.

أقول: و يمكن تأييده أيضا

بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء أ يفطره ذلك؟ قال لا. قلت فان ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال لا يفطر ذلك».

و القلس على ما ذكره ابن إدريس في السرائر من أحد الأقوال فيه و هو الذي اختاره انه خروج الطعام و الشراب الى الفم من البطن أعاده صاحبه أو ألقاه، نقل ذلك عن اليزيدي. ثم قال: و هذا أقوى من ما قاله الجوهري. لأنه قد نقل عن الجوهري قبل ذلك ان القلس بفتح القاف و اللام و السين غير المعجمة ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه و ليس بقيء فإن عاد فهو القيء.

____________

(1) الوسائل الباب 39 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

86

و حينئذ فإذا كان القلس الذي هو عبارة عن الطعام و الشراب لا يكون ازدراده مبطلا بعد خروجه الى فضاء الفم فكيف النخامة؟ إلا ان المفهوم من كلامهم كما صرح به في المعتبر ان القلس متى اشتمل على شيء من الغذاء فإنه يفطر بابتلاعه، و هو تقييد لإطلاق الخبر بغير دليل.

نعم يبقى الكلام في دلالة خبر غياث على الفضلة المسترسلة من الدماغ و صدق النخامة عليها، فان ظاهر كلام أهل اللغة المذكور إنما ينطبق على الصاعد من الصدر كما لا يخفى على المتأمل فيه، و حينئذ فتكون الرواية مؤيدة للقول الأول و يبقى حكم ما ينزل من الدماغ خارجا عنها. إلا انه يمكن الاستدلال عليه بما ذكره في المدارك و ما ذكرناه من صحيحة عبد الله بن سنان، و يعضد ذلك أصالة صحة الصيام حتى يقوم الدليل على الابطال.

و كيف كان فالظاهر قوة القول الثالث و الاحتياط لا يخفى.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد البحث في المسألة: إذا تقرر ذلك فان ابتلع النخامة حيث تحرم فان كان من خارج الفم وجبت الكفارات الثلاث لتحريم تناولها حينئذ على غير الصائم، و كذا لو تناول نخامة غيره أو ريقه و ان كان أحد الزوجين. و ما ورد من تجويز الامتصاص (1) لا يستلزم الازدراد. و لو كان التناول من الفم حيث يحرم ففي وجوب الثلاث أو الواحدة نظر، منشأه الشك في تحريم ذلك على غير الصائم، و المتيقن هو وجوب الواحدة. انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من تحريم التناول من خارج الفم و وجوب الكفارات الثلاث على الصائم مبنى على ما قدمنا نقله عنهم من تحريم فضلات الإنسان، و قد عرفت ما فيه. و ما ذكره من التأويل في حديثي امتصاص الصائم لسان غيره (2) بعيد، و كأنه غفل عن صحيحة أبي ولاد (3) الصريحة في دخول ريق

____________

(1) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ص 82 و 83.

(3) ص 82 و 83.

87

ابنته الى جوفه فلم يجب عنها بشيء.

و اما ما ذكره- من احتمال وجوب الكفارات الثلاث بناء على تحريم التناول من الفم كما هو القول الأول بناء على تحريم اردراد ذلك على غير الصائم- فهو مدفوع بالأصل

و بما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من تنخع في المسجد ثم ردها في جوفه لم تمر بداء في جوفه إلا أبرأته».

السابعة [دخول الماء في حلق الصائم بالمضمضة]

- لو تمضمض فدخل الماء حلقه فإن أدخله عمدا فلا خلاف و لا إشكال في وجوب القضاء و الكفارة، و ان سبقه لا عن تعمد فقد صرح الأصحاب بأنه ان كان ذلك في المضمضة للصلاة أو للتداوي فلا شيء عليه و ان كان للتبرد أو العبث فعليه القضاء خاصة، و نقل عن الشيخ في التهذيب انه قال: المتمضمض و المستنشق قد بينا حكمهما انه إذا كان للصلاة فلا شيء عليه من ما يدخل حلقه و ان كان لغير الصلاة فدخل حلقه فعليه القضاء و الكفارة. و نقل عن طائفة من الأصحاب الميل إلى انه إن توضأ لنافلة أفطر و ان كان لفريضة فلا.

أقول: و إيجاب الشيخ الكفارة هنا لرواية سليمان بن حفص المروزي المتقدمة في صدر المسألة الثانية (2) و قد عرفت ما فيها، و ظاهرها ترتب الكفارة على مجرد المضمضة و الاستنشاق و ان لم يسبق منهما شيء إلى حلقه فلا يوافق مدعاه.

و قال العلامة في المنتهى: اما لو تمضمض فدخل الماء الى حلقه فان تعمد ابتلاع الماء وجب عليه القضاء و الكفارة، و لو تمضمض للصلاة فلا قضاء عليه و لا كفارة، و ان كان للتبرد أو العبث وجب عليه القضاء خاصة و هو قول علمائنا.

الى أن قال: لنا- انه إذا توضأ للصلاة فعل فعلا مشروعا فلا يترتب عليه عقوبة لعدم التفريط شرعا، و لأنه وصل الى حلقه من غير قصد فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه، اما إذا كان متبردا أو عابثا فلأنه فرط بتعريض الصوم للإفساد

____________

(1) الوسائل الباب 20 من أحكام المساجد.

(2) ص 72.

88

فلزمته العقوبة للتفريط، و لأنه وصل بفعل منهي عنه فأشبه التعمد، و لا كفارة لأنه غير قاصد للإفساد و الهتك. انتهى.

أقول: ما يظهر منه- من تحريم المضمضة للتبرد و العبث حيث انه استدل على وجوب القضاء بالتحريم- لا اعرف له وجها و لا عليه دليلا مع انه في الإرشاد جعل العبث في قرن المضمضة للصلاة و التداوي و خص القضاء بالمضمضة للتبرد.

ثم انه لا يخفى ما في تعليلاته لوجوب القضاء في الأخيرين و عدمه في الأول من الوهن و عدم الصلوح لابتناء الأحكام الشرعية عليها و ان كانوا يزعمونها عللا عقلية، فإن الأحكام إنما تبنى على النصوص الواضحة من الكتاب أو السنة لا على أمثال هذه التخريجات.

قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) بعد ان نقل عن العلامة وجوب القضاء في صورتي التبرد و العبث: و الذي يقتضيه الأصول عدم القضاء حينئذ و عدم التحريم و لعله (قدس سره) أراد انه من حيث سبقه الى حلقه من غير اختيار فهو معذور كالناسي. إلا أن هذا لا يطرد له فان روايات المسألة قد صرح جملة منها بالقضاء في الصورة المذكورة بل في صورة وضوء النافلة (1) و قد ورد في ناسي النجاسة في الصلاة انه يعيد عقوبة لنسيانه و عدم تحفظه (2).

أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل الماء في حلقه؟ قال ان كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه قضاء و ان كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء».

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 324 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 42 من النجاسات.

(3) التهذيب ج 4 ص 324 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

89

و ما رواه الكليني و الشيخ عن يونس (1) قال: «الصائم في شهر رمضان يستاك متى شاء، و ان تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فلا شيء عليه و قد تم صومه، و ان تمضمض في غير وقت فريضة فدخل الماء حلقه فعليه الإعادة، و الأفضل للصائم أن لا يتمضمض».

و ما رواه الشيخ و الصدوق عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألته عن رجل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه؟ قال عليه قضاؤه، و ان كان في وضوء فلا بأس».

و ما رواه الكليني في الحسن أو الصحيح عن حماد عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الصائم يتمضمض و يستنشق؟ قال نعم و لكن لا يبالغ».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء و هو صائم؟ قال ليس عليه شيء إذا لم يتعمد ذلك. قلت فان تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء؟ قال ليس عليه شيء قلت تمضمض الثالثة؟ قال فقال قد أساء و ليس عليه شيء و لا قضاء».

و ما رواه الكليني عن زيد- و هو زيد الشحام كما ذكره في التهذيب- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) «في الصائم يتمضمض؟ قال لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات».

و منها- رواية سليمان بن حفص المروزي المتقدمة في المسألة الثانية (6) و بها احتج من أوجب الكفارة.

أقول: و ما دلت عليه صحيحة الحلبي من عدم القضاء لو كان في وضوء الفريضة هو مستند الأصحاب في ما قدمنا نقله عنهم، و مثلها رواية يونس و قوله: «و ان

____________

(1) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 23 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 31 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) ص 72.

90

تمضمض في وقت فريضة» أي لأجل فريضة و هو من ما لا خلاف و لا اشكال فيه. و ما دلت عليه من القضاء في وضوء صلاة النافلة يدل بمفهوم الأولوية على وجوب القضاء في التبرد و العبث. و قوله في رواية يونس «و ان تمضمض في غير وقت فريضة» أي لغير فريضة و هو أعم من أن يكون لنافلة أو عبثا أو تبردا، فهو صالح للدلالة على ما ذكره الأصحاب من وجوب القضاء في العبث و التبرد، و أصرح منه في ذلك ما دلت عليه موثقة سماعة، و ما دلت عليه الموثقة المذكورة من قوله «و ان كان في وضوء فلا بأس» ينبغي حمل الوضوء هنا على وضوء الفريضة جمعا بينها و بين صحيحة الحلبي.

بقي الكلام في موثقة عمار فإنها بظاهرها و إطلاقها منافية للاخبار و كلام الأصحاب، و الواجب حملها على وضوء الفريضة جمعا بينها و بين الاخبار المذكورة.

تنبيهات

الأول [عدم القضاء في الوضوء]

- لا يخفى ان المفهوم من كلام الأصحاب هو عدم القضاء في الوضوء مطلقا لفريضة كان أو نافلة و لا سيما ما سمعت من تعليل صاحب المنتهى المتقدم بأنه فعل فعلا مشروعا، مع ان صحيحة الحلبي صريحة في القضاء إذا كان في وضوء النافلة و نحوها عموم رواية يونس كما أشرنا إليه آنفا، و الجمع بين كلامهم (رضوان الله عليهم) و الاخبار لا يخلو من اشكال.

الثاني [دخول الماء في الحلق بالاستنشاق]

- قد أضاف الاستنشاق الى المضمضة هنا جملة من الأصحاب، و ظاهر العلامة في المنتهى التردد في ذلك حيث قال: حكم الاستنشاق حكم المضمضة في ذلك على تردد لعدم النص فيه و نحن لا نقول بالقياس.

و أنت خبير بما فيه فان مقتضى التردد في جميع المواضع هو تعارض الأدلة لا عدم الدليل، و هو هنا إنما أورد ما يدل على العدم من عدم النص و بطلان القياس على المضمضة، و حينئذ فما وجه التردد؟ بل الواجب الجزم بالعدم لا التردد

91

قال في المدارك: و لا يلحق بالمضمضة الاستنشاق في هذا الحكم قطعا فلا يجب بما سبق منه قضاء و لا كفارة، بل لو قيل ان تعمد إدخال الماء من الأنف غير مفسد للصوم لم يكن بعيدا. انتهى. و هو جيد.

الثالث [جواز المضمضة للصائم]

- ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز المضمضة للصائم و غيره، بل قال في المنتهى: و لو تمضمض لم يفطر بلا خلاف بين العلماء سواء كان في الطهارة أو غيرها. و قد عرفت من ما قدمنا من عبارته المنقولة من المنتهى ما يشعر بالتحريم لغير الوضوء و مثله ما صرح به الشيخ في الاستبصار فإنه- بعد أن نقل رواية زيد الشحام الدالة على انه لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات- قال قال محمد بن الحسن: هذا الخبر مختص بالمضمضة إذا كانت لأجل الصلاة فاما للتبرد فإنه لا يجوز على حال، يدل على ذلك ما رواه محمد بن يعقوب. ثم أورد رواية يونس المتقدمة، مع ان هذه الرواية كما ترى لا تدل على ما ذكره و إنما تضمنت ان الأفضل للصائم أن لا يتمضمض و أين هذا من التحريم؟ و كيف كان فالأظهر حمل رواية الشحام المذكورة على الاستحباب، و يعضدها قوله في رواية يونس «و الأفضل» يعني في غير وضوء الفريضة و النافلة، لأن ما دل من الأخبار على استحباب المضمضة في الوضوء مطلقا أظهر من هذه الرواية فتحمل على الوضوء للتبرد.

الرابع [دخول الماء من المضمضة للتداوي و نحوه]

- ظاهر جملة من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك و غيره إلحاق دخول الماء من المضمضة للتداوي أو لإزالة النجاسة بالمضمضة التي في الوضوء الواجب و انه لا يوجب القضاء، و زاد في التذكرة المضمضة من أكل الطعام.

و الجميع لا يخلو من شوب الإشكال لدلالة صحيحة الحلبي على وجوب القضاء في وضوء النافلة ففي هذه الأشياء ينبغي أن يكون بطريق أولى، و لدخول هذه الأمور في عموم قوله

في رواية يونس «و ان تمضمض في غير وقت فريضة فعليه الإعادة».

و المفهوم من كلامهم تعليل ذلك بأنه متى كان الوضع في الفم لغرض صحيح فإنه

92

مأذون في الفعل و متى كان مأذونا في الفعل و لم يتعمد الابتلاع فلا شيء عليه. و فيه ما عرفت من ظواهر الأخبار المشار إليها و ان غاية الاذن في الفعل عدم التأثيم بذلك لا رفع القضاء أيضا. و قد تلخص من ما حققناه في المقام ان سقوط القضاء إنما هو في ما إذا سبق الماء الى حلقه من الوضوء الواجب و اما ما عداه فالواجب القضاء.

الخامس [القضاء يجب في الواجب المعين فقط]

- ينبغي أن يعلم ان وجوب القضاء في بعض افراد هذه المسألة أو مع الكفارة إنما هو في ما إذا كان في واجب معين، لأن ما ليس بمعين متى فسد صومه وجب الإتيان ببدله و لا يسمى ذلك قضاء، لأن القضاء عندهم اسم لفعل مثل المقضي بعد خروج وقته و غير المتعين وقته متسع.

الثامنة [فعل المفطر قبل مراعاة الفجر تعمدا]

- من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر متعمدا- بمعنى انه استصحب بقاء الليل ففعل المفطر و لم يراجع الفجر مع إمكان ذلك فصادف فعله النهار- فإنه يجب عليه القضاء دون الكفارة متى كان ذلك في صوم الواجب المعين و إلا بطل و استأنف يوما آخر غيره.

اما سقوط الكفارة فللأصل و عدم الدليل على ما يخرج عنه، و يعضده اباحة الفعل كما ذكروه من أنه لا خلاف في جواز فعل المفطر مع الظن الحاصل من استصحاب بقاء الليل مع الشك في طلوع الفجر فينتفي المقتضي للتكفير.

و اما وجوب القضاء فللأخبار، و منها- ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1)

و رواه الكليني أيضا في الصحيح عندي الحسن على المشهور عنه عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل تسحر ثم خرج من بيته و قد طلع الفجر و تبين؟ قال يتم صومه ذلك ثم ليقضه، و ان تسحر في غير شهر رمضان بعد الفجر أفطر. ثم قال: ان أبى كان ليلة يصلى و أنا آكل فانصرف فقال اما جعفر فقد أكل و شرب بعد الفجر فأمرني فأفطرت ذلك اليوم في غير شهر رمضان».

____________

(1) الوسائل الباب 44 و 45 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 44 و 45 من ما يمسك عنه الصائم.

93

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الموثق عن سماعة بن مهران (1) قال: «سألته عن رجل أكل و شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان؟ فقال ان كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم عاد فرأى الفجر فليتم صومه و لا اعادة عليه. و ان كان قام فأكل و شرب ثم نظر الى الفجر فرأى انه قد طلع فليتم صومه و يقضى يوما آخر لأنه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة».

و ما رواه الكليني عن إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) يكون على اليوم و اليومان من شهر رمضان فأتسحر مصبحا أفطر ذلك اليوم و اقضى مكان ذلك يوما آخر أو أتم على صوم ذلك اليوم و اقضى يوما آخر؟ فقال لا بل تفطر ذلك اليوم لأنك أكلت مصبحا و تقضى يوما آخر».

و ما رواه ايضا عن على بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل شرب بعد ما طلع الفجر و هو لا يعلم في شهر رمضان؟ قال يصوم يومه ذلك و يقضى يوما آخر، و ان كان قضاء لرمضان في شوال أو غيره فشرب بعد الفجر فليفطر يومه ذلك و يقضى».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن إبراهيم بن مهزيار (4) قال: «كتب الخليل ابن هاشم الى ابى الحسن (عليه السلام): رجل سمع الوطء و النداء في شهر رمضان فظن ان النداء للسحور فجامع و خرج فإذا الصبح قد أسفر؟ فكتب بخطه (عليه السلام): يقضى ذلك اليوم ان شاء الله تعالى».

فوائد

الأولى [هل يتقيد وجوب القضاء بصورة القدرة على المراعاة؟]

- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) تقييد الحكم المذكور بصورة القدرة على المراعاة فينتفي عند عدمها وجوب القضاء، فلو ترك المراعاة لعجزه عنها و تناول فصادف النهار فإنه لا يجب عليه القضاء للأصل و اختصاص

____________

(1) الوسائل الباب 44 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 45 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 45 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 44 من ما يمسك عنه الصائم.

94

روايات القضاء بالقادر على المراعاة فيبقى ما عداه على حكم الأصل. و هو جيد إلا ان الاحتياط في القضاء.

الثانية [انتفاء القضاء مع المراعاة]

- المستفاد من كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) انتفاء القضاء إذا تناول المفطر بعد المراعاة و ان ظهر كون تناوله بعد الصبح، و عليه تدل موثقة سماعة المتقدمة.

و مثلها

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) آمر الجارية لتنظر الى الفجر فتقول لم يطلع بعد فآكل ثم انظر فأجده قد كان طلع حين نظرت؟ قال اقضه اما انك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شيء».

و مثله رواه الكليني عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن (2)

الثالثة [تناول المفطر بعد طلوع الفجر في غير شهر رمضان]

- قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و اعلم ايضا ان مقتضى صحيحة الحلبي المذكورة ان من تناول المفطر في غير شهر رمضان بعد طلوع الفجر أفسد صومه سواء كان الصوم واجبا أو مندوبا و سواء تناول المفطر بعد المراعاة أم قبلها. و بذلك صرح المصنف و غيره، و يدل عليه أيضا ما رواه الكليني. ثم نقل موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة ثم أردفها برواية على بن أبي حمزة المتقدمة أيضا.

أقول: في شمول الروايات المذكورة للإطلاق الثاني نظر: أما رواية الحلبي فإن صدرها ظاهر في عدم المراعاة لأن وجوب القضاء في شهر رمضان انما يترتب على عدم المراعاة كما عرفت في سابق هذه الفائدة، و الكلام في عجزها جار على هذا الوجه أيضا، فيكون الأمر بالإفطار في غير شهر رمضان إنما هو في صورة عدم المراعاة. و مثله الكلام في رواية على بن أبي حمزة فإن صدرها متضمن لوجوب القضاء في صوم شهر رمضان و هو لا يكون إلا مع عدم المراعاة، و عليه يبنى عجزها لأن المسألة واحدة و انما وقع الترديد في كون ذلك الصوم من شهر رمضان أو من قضائه. و اما موثقة إسحاق بن عمار فظاهر سياقها ايضا هو الإفطار مع عدم

____________

(1) الوسائل الباب 46 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 46 من ما يمسك عنه الصائم.

95

المراعاة أيضا فلو قيل بصحة الصوم مع المراعاة كما في شهر رمضان لم يكن بعيدا.

الرابعة [عدم الخصوصية لشهر رمضان في فعل المفطر]

- استظهر السيد السند في المدارك إلحاق الواجب المعين بصوم شهر رمضان في الحكم المذكور، و الظاهر انه للاشتراك في التعين، و نفى عنه البعد صاحب الذخيرة، و هو مشكل لعدم الدليل و عدم جواز بناء الأحكام على المشابهة و المشاركة. اللّهمّ إلا أن يقال انه من باب تنقيح المناط، و هو متوقف على عدم الخصوصية لشهر رمضان بذلك و عدم العلم بالخصوصية لا يدل على العدم.

الخامسة [فعل المفطر بعد الصبح للإخبار بعدمه]

- لو أفطر إخلادا إلى خبر الغير بعدم طلوع الفجر مع القدرة على المراعاة ثم تبين انه بعد الصبح فلا خلاف و لا إشكال في وجوب القضاء و هو معلوم من ما تقدم، و عليه تدل صريحا صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة و مثلها صحيحته الثانية (1) و إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق في المخبر بين الواحد و المتعدد.

و نقل عن المحقق الشيخ على انه استقرب سقوط القضاء لو كان المخبر عدلين لان اخبار العدلين حجة شرعية، و نفى عنه البأس شيخنا الشهيد الثاني، قال: و الخبر لا ينافيه لأنه فرض فيه كون المخبر واحدا. و اليه جنح سبطه السيد السند في المدارك أيضا.

قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل ذلك عن المحقق المذكور: و هو حسن، لا لما ذكره لعدم وضوح مستند حجية البينة مطلقا بحيث يشمل محل البحث بل للأصل و عدم شمول ما هو مستند القضاء لهذا الموضع، فان بعضها مختص بإخبار الجارية و المتبادر من الباقي غير صورة اخبار الغير، بل إثبات القضاء في صورة اخبار العدل الواحد أيضا محل اشكال. انتهى.

و فيه انه لا يخلو اما ان يكون اخبار العدلين هنا حجة شرعية فيكون عدم القضاء إنما هو لذلك و يكون بمنزلة ما لو راعى بنفسه، أو لا يكون حجة بل يكون في حكم العدم و حينئذ فيرجع الى استصحاب الليل كما تقدم فيجب القضاء البتة،

____________

(1) ص 94.

96

و بالجملة فإنه متى الغى حجية اخبار العدلين فكيف يتمسك بالأصل و عدم وجود الدليل على القضاء في صورة اخبار العدلين أو العدل و الحال ان أخبارهما عنده ليس بحجة بل هو في حكم العدم؟ و لا شك انه متى الغى أخبارهما رجع أكله إلى استصحاب الليل و قد ثبت وجوب القضاء بذلك.

و الأصح ما ذكره المحقق المذكور و من تبعه من الاعتماد على اخبار العدلين بل العدل الواحد أيضا، فإن المستفاد من الأخبار الاعتماد على خبر العدل الثقة في الأمور المطلوب فيها العلم فليكن هذا منها.

و من الاخبار المذكورة

ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألته عن رجل كانت له عندي دنانير و كان مريضا فقال لي ان حدث بي حدث فأعط فلانا عشرين دينارا و أعط أخي بقية الدنانير. فمات و لم أشهد موته فأتاني رجل مسلم صادق فقال لي انه أمرني أن أقول لك: انظر الدنانير التي أمرتك أن تدفعها الى أخي فتصدق منها بعشرة دنانير اقسمها في المسلمين. و لم يعلم أخوه ان عندي شيئا؟ فقال ارى ان تصدق منها بعشرة دنانير كما قال».

و فيه دلالة على ثبوت الوصية بقول الثقة.

و ما رواه الشيخ في التهذيب بسند فيه العبيدي- و الصدوق بسنده الى ابن أبى عمير عن هشام بن سالم- عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال (عليه السلام) فيه «ان الوكيل إذا وكل ثم قام عن المجلس فأمره ماض ابدا و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه بالعزل عن الوكالة».

و الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد صرحوا في هذا الموضع بأنه لا ينعزل إلا مع العلم و حينئذ فالخبر مؤذن بان اخبار الثقة مفيد للعلم.

و نحو ذلك ايضا ما ورد في الاخبار من جواز وطء الأمة بغير استبراء إذا

____________

(1) الوسائل الباب 97 من الوصايا، و الرواية عن ابى عبد الله (ع).

(2) الوسائل الباب 2 من الوكالة.

97

كان البائع عدلا مأمونا و أخبر بالاستبراء (1) و الاخبار الدالة على الاعتماد في الأوقات المشترط فيها العلم عندهم على أذان الثقة (2) و نحو ذلك من ما هو متكرر في جملة من الأحكام التي لا تحضرني الآن على الخاطر، و به يعلم افادة قول الثقة العلم فيكون الكلام في ما نحن فيه من ذلك القبيل.

السادسة- لو أخبره مخبر بطلوع الفجر فظن كذبه و أكل ثم ظهر صدقه

مع القدرة على المراعاة فقد قطع الأصحاب بوجوب القضاء ايضا دون الكفارة، اما عدم وجوب الكفارة فلما تقدم، و وجوب القضاء معلوم من ما سبق من حيث بنائه على استصحاب الليل.

و يدل على خصوص المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل خرج في شهر رمضان و أصحابه يتسحرون في بيت فنظر الى الفجر فناداهم فكف بعضهم و ظن بعضهم انه يسخر فأكل؟ قال يتم صومه و يقضى».

و نحوه

ما في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث قال: و لو ان قوما مجتمعين سألوا أحدهم أن يخرج و ينظر هل طلع الفجر؟ ثم قال قد طلع الفجر. فظن بعضهم انه يمزح فأكل و شرب كان عليه قضاء ذلك اليوم.

و استقرب العلامة في المنتهى و الشهيدان وجوب القضاء و الكفارة لو كان المخبر عدلين للحكم بقولهما شرعا فيكون كتعمد الإفطار بعد طلوع الفجر.

أقول: و لا يبعد ايضا القول بذلك في خبر العدل لما عرفت من الاخبار التي قدمناها و ان كان المشهور بين أصحابنا عدمه.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من بيع الحيوان.

(2) الوسائل الباب 3 من الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل الباب 47 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) مستدرك الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

98

السابعة [لو أفطر للإخبار بدخول الليل ثم بان فساد الخبر]

- لو أفطر تقليدا ان الليل دخل ثم تبين فساد الخبر فقد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بوجوب القضاء عليه خاصة.

قال السيد السند في المدارك بعد ذكر ذلك: هذا الإطلاق مشكل لأن المفطر ان كان ممن لا يسوغ له التقليد فينبغي ان يكون عليه القضاء و الكفارة، و ان كان ممن يسوغ له ذلك اتجه الحكم بسقوطهما لاستناد فعله إلى اذن الشارع على هذا.

التقدير. إلا أن يقال ان ذلك لا يقضى سقوط القضاء كما في تناول المفطر قبل مراعاة الفجر. و هو جيد لو ثبت دليل الوجوب هنا كما ثبت هناك. انتهى.

و هو جيد.

و ما اعترضه به الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث قال بعد نقله: و فيه تأمل فإن مقتضى كون المفطر ممن لا يسوغ له التقليد ترتب الإثم على الإفطار لا القضاء و الكفارة، و لا يبعد ان يقال ان حصل الظن باخبار المخبر اتجه سقوط القضاء و الكفارة لصحيحة زرارة المذكورة في المسألة الآتية (1) و لا يبعد انتفاء الإثم أيضا و إلا فالظاهر ترتب الإثم لقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (2) فان مقتضاها وجوب تحصيل العلم أو الظن بالامتثال و هو منتف في الفرض المذكور، و اما وجوب القضاء ففيه تأمل لعدم دليل دال عليه و عدم الاستلزام بين حصول الإثم و وجوب القضاء. انتهى- فعندي فيه نظر و ذلك فان المعلوم من الاخبار و كلام الأصحاب ان وقت الغروب الموجب للصلاة و الإفطار لا بد فيه من العلم و اليقين بملاحظة السبب الموجب للغروب الذي هو سقوط القرص أو زوال الحمرة، فلو صلى المكلف قبل ذلك أو أفطر الصائم مع تمكنه من المراعاة و ظهر كون ذلك قبل دخول الوقت وجب عليه إعادة الصلاة و وجب عليه القضاء و الكفارة في إفطاره لإفطاره نهارا

____________

(1) تأتى ص 102.

(2) سورة البقرة الآية 184.

99

مع إمكان المراعاة، فيدخل تحت الأخبار الدالة على ان من أفطر عامدا وجب عليه القضاء و الكفارة، و منها

صحيحة ابن سنان (1) «في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر؟ قال يعتق نسمة أو يصوم شهرين. الحديث».

و نحوه غيره. نعم لو كان في السماء علة من غيم و نحوه تمنع من معرفة الوقت فإنه يرجع الى الظن لتعذر العلم حينئذ، و حينئذ فهذا المفطر بمجرد اخبار الغير مع تمكنه من المراعاة و ان حصل له ظن باخبار الغير متى ظهر كون إفطاره نهارا يجب عليه القضاء و الكفارة، لما عرفت من أن الشارع قد حرم الإفطار في الآية الشريفة (2) حتى يدخل الليل يقينا أو ظنا مع تعذر اليقين.

و مبنى كلام هذا الفاضل على الاكتفاء بالظن مطلقا، و هو غلط محض فان البناء على الظن في جواز الصلاة و الإفطار إنما هو مع تعذر حصول العلم لغيم و نحوه فيبني على الظن لا انه يكفى الظن مطلقا و لو باخبار الغير مع التمكن من المراعاة. و صحيحة زرارة التي استند إليها و توهم منها هذا الوهم سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيق القول في معناها بما يظهر منه فساد توهمه.

و اعلم ان إطلاق كلام أكثر الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين كون المخبر فاسقا أو عدلا و لا بين كونه واحدا أو متعددا.

و قطع المحقق الشيخ على بأنه لو شهد بالغروب عدلان ثم بان كذبهما فلا شيء على المفطر و ان كان ممن لا يجوز له التقليد لأن شهادتهما حجة شرعية.

و استشكله في المدارك بانتفاء ما يدل على جواز التعويل على البينة على وجه العموم خصوصا في موضع يجب فيه تحصيل اليقين.

و قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل كلام المدارك: و هو حسن إلا ان جعل محل البحث من ما يجب فيه تحصيل اليقين محل تأمل لما ذكرنا من دلالة

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) و هي قوله تعالى في سورة البقرة الآية 184: «. ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ».

100

صحيحة زرارة على جواز الاكتفاء بالظن، و حينئذ فالظاهر جواز التعويل على شهادة العدلين إلا إذا لم يحصل الظن بشهادتهما. انتهى.

أقول: كلامه هنا مبنى على ما قدمنا نقله عنه و هو باطل بما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى.

ثم أقول: لا يخفى ان كلام المحقق الشيخ على لا يخلو من قوة لتأيده بالأخبار التي قدمناها دالة على الاكتفاء بقول العدل الواحد في مقام العلم، بل لو قيل بالاكتفاء بالواحد لكان قويا لما عرفت.

الثامنة [لو أفطر بظن الغروب ثم بان فساد الظن]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز الإفطار عند ظن الغروب إذا لم يكن للظان طريق الى العلم.

ثم ان القائلين بالجواز هنا قد اختلفوا في وجوب القضاء و عدمه إذا انكشف فساد الظن المذكور، فنقل عن الشيخ في جملة من كتبه و ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه و جمع من الأصحاب القول بعدم الوجوب و هو اختيار السيد السند في المدارك و غيره من متأخري المتأخرين، و عن الشيخ المفيد و المرتضى و ابى الصلاح القول بالوجوب و هو اختيار المحقق في المعتبر و قواه العلامة في المنتهى و تردد في المختلف، و قال ابن إدريس: و من ظن ان الشمس قد غابت لعارض يعرض في السماء من ظلمة أو قتام و لم يغلب على ظنه ذلك ثم تبين الشمس بعد ذلك فالواجب عليه القضاء دون الكفارة، و ان كان مع ظنه غلبة قوية فلا شيء عليه من قضاء و لا كفارة لأن ذلك فرضه لان الدليل قد فقد فصار تكليفه في عبادته غلبة ظنه فإن أفطر لا عن امارة و لا ظن فيجب عليه القضاء و الكفارة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة روايات: منها ما رواه الكليني و الشيخ- بسند فيه محمد بن عيسى عن يونس عن ابى بصير و سماعة

و في سند آخر عن سماعة- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب اسود عند

____________

(1) الوسائل الباب 50 من ما يمسك عنه الصائم.

101

غروب الشمس فرأوا أنه الليل فأفطر بعضهم ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس؟

فقال على الذي أفطر صيام ذلك اليوم ان الله عز و جل يقول ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (1) فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنه أكل متعمدا».

و بهذا الخبر استدل من قال بوجوب القضاء في المسألة.

و منها-

ما رواه الشيخ و ابن بابويه عن زرارة في الصحيح (2) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام) وقت المغرب إذا غاب القرص فإن رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك و تكف عن الطعام ان كنت أصبت منه شيئا».

و هي ظاهرة الدلالة على القول الأول.

و يمكن ان تكون هذه الرواية هي التي أشار إليها الفاضل الخراساني في ما تقدم من كلامه و استند الى دلالتها على البناء على الظن.

و أنت خبير بان قوله (عليه السلام) «إذا غاب القرص» إما ان يحمل على غيبوبته عن النظر بالمشاهدة اليه، و هذا لا يصح ترتب الرؤية عليه بعد ذلك فلا يمكن حمل الخبر عليه، و اما أن يحمل على مجرد احتمال الغيبوبة و ظنها مع عدم الحائل في السماء و عدم المشاهدة بالكلية، و هو مع كونه لا قائل به فالأخبار ترده لأن اخبار وقت المغرب متفقة على كون الغروب المترتب عليه جواز الصلاة و الإفطار إنما هو عبارة عن غيبوبة القرص عند النظر اليه كما هو أحد القولين أو زوال الحمرة المشرقية كما هو القول الآخر، و حينئذ فمجرد ظن ذلك من غير مشاهدة و لا علة في السماء مانعة من المشاهدة لا يجوز العمل عليه اتفاقا نصا و فتوى، و اما ان يحمل على حصول المانع من المشاهدة لغيم و نحوه كما هو صريح الأخبار الباقية، و به يتم معنى الخبر المذكور و ينتظم مع الأخبار الآتية و يتبين فساد ما توهمه الفاضل المتقدم ذكره.

____________

(1) سورة البقرة الآية 184.

(2) الوسائل الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم.

102

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن وقت إفطار الصائم قال حين تبدو ثلاثة أنجم. و قال لرجل ظن أن الشمس قد غابت فأفطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك قال: ليس عليه قضاء».

و يحتمل- و لعله الأقرب- ان هذه الرواية هي التي أشار إليها الفاضل المتقدم ذكره حيث عبر فيها بلفظ الظن.

و فيه انه يجب حملها على الظن المستند الى العذر المانع من تحصيل العلم بدخول الوقت لا مطلقا لما ذكرناه من التقريب في الرواية الاولى.

و يؤكد ذلك

ما رواه في الكافي عن ابن ابى عمير عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «وقت سقوط القرص و وجوب الإفطار من الصيام ان تقوم بحذاء القبلة و تتفقد الحمرة التي ترتفع من المشرق فإذا جازت قمة الرأس إلى ناحية المغرب فقد وجب الإفطار و سقط القرص».

و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«يحل لك الإفطار إذا بدت لك ثلاثة أنجم و هي تطلع مع غروب الشمس».

ألا ترى انه (عليه السلام) جعل وقت الإفطار و جوازه مترتبا على النظر الى زوال الحمرة في الأول و ظهور الأنجم الثلاثة المقارنة لغروب الشمس في الثاني الراجع ذلك في المعنى الى زوال الحمرة أيضا، و هذا مبنى على عدم المانع في السماء من غيم و نحوه، فكيف يجوز البناء على الظن مطلقا و ان لم يكن مانع كما توهمه من الخبر المذكور؟ و قد تقدم في اخبار أوقات الصلوات ما هو صريح في انه مع عدم العذر لا بد في الحكم بدخول الوقت من العلم بغيبوبة القرص أو زوال الحمرة.

و بالجملة فإن كلام هذا الفاضل مجرد توهم و غفلة نشأت عن عدم مراجعة الاخبار و التأمل فيها.

____________

(1) الوسائل الباب 52 و 51 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 52 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 52 من ما يمسك عنه الصائم.

103

و منها-

رواية أبي الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل صام ثم ظن ان الشمس قد غابت و في السماء غيم فأفطر ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب؟ فقال قد تم صومه و لا يقضيه».

و رواية زيد الشحام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل صائم ظن ان الليل قد كان و ان الشمس غابت و قد كان في السماء سحاب فأفطر ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس لم تغب؟ فقال تم صومه و لا يقضيه».

و جملة هذه الاخبار ما عدا الرواية الأولى ظاهرة الدلالة على القول بعدم وجوب القضاء في المسألة، و من قال بوجوب القضاء رد صحيحة زرارة الأولى بعدم الصراحة في المدعى و باقي الأخبار بالطعن في السند، و من قال بالعدم رد الرواية الأولى بضعف السند.

و منهم من جمع بين الأخبار بحمل الرواية الدالة على وجوب القضاء على الشك و تساوى الاعتقاد، قال الشيخ في الاستبصار بعد ذكر الرواية المذكورة (3) الوجه في هذه الرواية انه متى شك في دخول الليل عند العارض و تساوت ظنونه و لم يكن لأحدهما مزية على الآخر لم يجز له أن يفطر حتى يتيقن دخول الليل أو يغلب على ظنه، و متى أفطر و الأمر على ما وصفناه وجب عليه القضاء حسب ما تضمنه هذا الخبر. انتهى.

و يشكل أولا- بأن ظاهر قوله في الرواية «فرأوا انه الليل» هو حصول الظن بدخول الليل كما هو المتبادر من هذا اللفظ.

و ثانيا- بان الظاهر ان من أفطر في هذه الصورة فعليه مع القضاء الكفارة أيضا لأنه متى كان عالما بعدم جواز الإفطار في الصورة المذكورة و أفطر فقد وجبت عليه الكفارة لإقدامه على الإفطار في نهار شهر رمضان عدوانا. إلا أن يقال ان إيجاب

____________

(1) الوسائل الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 51 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) ج 2 ص 116.

104

القضاء في الخبر لا ينافي إيجاب الكفارة أيضا، و يؤيده قوله في الخبر «لأنه أكل متعمدا» و قد صرح ابن إدريس في ما قدمنا من كلامه بوجوب القضاء و الكفارة في الصورة المذكورة.

و منهم من جمع بين الأخبار بالتنزيل على مراتب الظن و جعل بعضها غالبا على بعض، فأوجب القضاء بحصول الظن و حمل عليه الخبر الأول و نفاه مع غلبة الظن و حمل عليه الأحاديث الأخر، و هو صريح كلام ابن إدريس المتقدم و تبعه فيه المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في الوسائل.

و هو ضعيف كما صرح به جملة ممن تأخر عنه، قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل ذلك عنه: و يشكل بعدم انضباط مراتب الظن حتى يجعل بعضها غالبا و بعضها غير ذلك بل الظن كله غالب، و بان الحكم في النصوص معلق على مطلق الظن في الحالين.

أقول: و الأظهر عندي العمل بالأخبار الدالة على عدم الوجوب و حمل الرواية الدالة على الوجوب على التقية. فإن القول بالوجوب مذهب الجمهور (1) كما نقله في المنتهى، و نقل من أخبارهم الدالة عليه

ما رواه حنظلة (2) قال: «كنا في شهر رمضان و في

____________

(1) المغني ج 3 ص 136.

(2) سنن البيهقي ج 4 ص 217 و قد رواه عنه بطريقين و اللفظ في أحدهما هكذا:

كنا عند عمر فاتى بجفنة في شهر رمضان فقال المؤذن الشمس طالعة فقال اغنى الله عنا شرك انا لم نرسلك راعيا للشمس انما أرسلناك داعيا إلى الصلاة. يا هؤلاء من كان منكم أفطر فقضاء يوم يسير و إلا فليتم صومه. و في الآخر قريب من ذلك و فيه قال عمر «من كان أفطر فليصم يوما مكانه» و ليس فيهما ان الظن بغياب الشمس لوجود السحاب. نعم ورد ذلك في رواية خالد بن أسلم عن عمر و فيها انه قال «الخطب يسير و قد اجتهدنا» و قد حمله الشافعي و مالك على ارادة القضاء، و ورد أيضا في رواية بشر بن قيس عمر و فيها قال عمر «لا نبالي و الله نقضي يوما مكانه» و ورد أيضا في رواية زيد بن وهب و فيها قال عمر «و الله لا نقضيه و ما تجانفنا لإثم» كل ذلك في سنن البيهقي ج 4 ص 217.

105

السماء سحاب فظننا ان الشمس غابت فأفطر بعضنا فأمر عمر من كان أفطر ان يصوم مكانه».

و اما ما استدل به في المنتهى على هذا القول حيث اختاره- من انه تناول ما ينافي الصوم عمدا- فهو لا يخلو من المصادرة لأن الخصم ينكر كون ذلك ينافي الصوم، و هو محل النزاع كما لا يخفى فان الخصم يدعى ان الشارع كما جوز له الصلاة بالبناء على ظن دخول الوقت مع تعذر العلم كما مر في كتاب الصلاة كذلك جوز له الإفطار بناء على ذلك، و حينئذ فما تناوله- في حالة جوز الشارع الأكل فيها و كونه بحسب الواقع ليس كذلك لظهور كونه قد تناول نهارا- غير ضائر لأن الأحكام الشرعية إنما تبنى على الظاهر في نظر المكلف لا الواقع، و بالجملة فإنه لما ثبت بالروايات المذكورة هنا و المتقدمة في كتاب الصلاة انه يجوز البناء على الظن في صورة عدم إمكان العلم و المكلف هنا قد بنى على ذلك فلا يتعقبه نقض لأنه لم يخالف أمر الشارع بوجه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان جملة من المتأخرين- كالمحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد و غيره من مختصراته و غيرهما في غيرها- قد عبروا في هذه المسألة في تعداد ما يجب به القضاء خاصة دون الكفارة بهذه العبارة، قالوا: و الإفطار للظلمة الموهمة دخول الليل فلو غلب على ظنه لم يفطر. و شراح كتبهم قد اضطربوا في تصحيح هذه العبارة و بيان المعنى المراد من الوهم فيها بما لا مزيد فائدة في التطويل بالبحث عنه هنا بعد عدم وجود ما يدل عليه في الاخبار، فإن الأخبار الواردة في المسألة هي ما قدمناه و موردها كلها الظن خاصة و ليس في شيء منها ما يدل على حكم الإفطار في صورة الوهم أو الشك ليحتاج إلى التفصي عنه و البحث عن المراد منه. و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك ايضا فقال: و اما الإفطار مع الشك أو الوهم فليس فيه نص في ما علمنا و لا ادعاه مدع.

بقي هنا شيء ينبغي التنبيه عليه و هو ان السيد السند (قدس سره) هنا في

106

المدارك- بعد أن نقل عبارة المصنف في المسألة و هي ما قدمنا ذكره- قال ما صورته: الكلام في هذه المسألة يتوقف على بيان مقدمة و هي انه لا خلاف بين علمائنا ظاهرا في جواز الإفطار عند ظن الغروب إذا لم يكن للظان طريق الى العلم و إنما اختلفوا في وجوب القضاء و عدمه إذا انكشف فساد الظن. ثم نقل الخلاف في المسألة و بعض الأخبار المتعلقة بها. و العجب كل العجب منه (قدس سره) في هذا المكان- و ان كان لا عجب فان المعصوم من عصمه الله تعالى من السهو و النسيان- انه (قدس سره) في كتاب الصلاة- بعد أن ذكر ان من لا طريق له الى العلم يجوز له الاجتهاد في الوقت بمعنى التعويل على الأمارات المفيدة للظن و لا يكلف الصبر حتى يتيقن- قال: و هو أحد القولين في المسألة و أشهرهما بل قيل انه إجماع، و قال ابن الجنيد: ليس للشاك في يوم الغيم و لا غيره أن يصلى إلا عند يقينه بالوقت، و صلاته في آخر الوقت مع اليقين خير من صلاته مع الشك. ثم استدل للقول المشهور برواية أبي الصباح الكناني التي ذكرها في هذه المسألة و ردها بضعف السند، و نقل صحيحة زرارة و هي الأولى من صحيحتيه المتقدمتين و طعن في دلالتها بحمل قوله فيها «و مضى صومك» يعنى بالمضي الفساد. ثم قال: و بالجملة فالمسألة محل تردد و قول ابن الجنيد لا يخلو من قوة.

فانظر أيدك الله الى هذا السهو الظاهر من مثل هذا الحبر الماهر حيث انه في كتاب الصلاة ينقل عن ابن الجنيد عدم جواز البناء على الظن في مقام الاشتباه و وجوب الأخذ باليقين و يختاره و يطعن في الروايات الدالة على خلافه، و في هذه المسألة يدعى الإجماع على عدمه و يختاره.

المسألة الثانية [حكم الجماع و الإنزال و البقاء على الحدث الأكبر]

[الجماع في القبل]

يجب الإمساك عن الجماع في القبل إجماعا نصا و فتوى أنزل أو لم ينزل فان فعل وجب عليه القضاء و الكفارة.

و استدل على ذلك بقوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ

107

وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ. الآية (1) و المستفاد منها بناء على كون الغاية غاية للمجموع تحريم الجماع بعد التبين، و يضم اليه عدم القائل بالفصل حتى يتم الاستدلال على الإفساد المقتضي للقضاء و الكفارة. كذا قالوا في تقرير الاستدلال بالآية.

أقول: من ما يدل على كون الغاية في الآية للجميع

ما رواه الثقة الجليل على ابن إبراهيم في التفسير (2) قال: حدثني أبي رفعه قال: قال الصادق (عليه السلام) كان النكاح و الأكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم بمعنى كل من صلى العشاء و نام و لم يفطر ثم انتبه حرم عليه الإفطار و كان النكاح حراما بالليل و النهار في شهر رمضان، و كان رجل من أصحاب النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يقال له خوات بن جبير أخو عبد الله ابن جبير و كان شيخا كبيرا ضعيفا و كان صائما، فأبطأت عليه أهله بالطعام فنام قبل أن يفطر فلما انتبه قال لأهله قد حرم على الأكل في هذه الليلة، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فرق له، و كان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان، فانزل الله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ. و ساق الآية في التفسير الى قوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (3) قال فأحل الله تبارك و تعالى النكاح بالليل في شهر رمضان و الأكل بعد النوم الى طلوع الفجر بقوله تعالى حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (4).

و روى السيد المرتضى (رضي الله عنه) في رسالة المحكم و المتشابه عن تفسير النعماني بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) نحوه (5).

أقول: قد دلت الآية بمعونة تفسيرها بالخبرين المذكورين على التحريم.

و اما وجوب القضاء و الكفارة فيرجع فيه الى الاخبار، و يدل عليه من الأخبار

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

____________

(1) سورة البقرة الآية 184.

(2) الوسائل الباب 43 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) سورة البقرة الآية 184.

(4) سورة البقرة الآية 184.

(5) الوسائل الباب 43 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

108

الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع».

و صحيحة حفص بن سوقة عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل؟ قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان».

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل يعبث بامرأته و هو محرم من غير جماع أو يفعل ذلك في شهر رمضان؟ فقال عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع».

و صحيحة محمد بن مسلم (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء».

و نحوها أخبار تأتي في الأحكام الآتية في توابع هذه المسألة.

[الجماع في الدبر]

و اما الجماع في الدبر فان كان مع الانزال فظاهرهم الاتفاق على انه كالأول، و يدل عليه الأخبار المتقدمة من حيث دلالتها على وجوب الكفارة بالإنزال الحاصل بالملاعبة و العبث بأهله.

و اما مع عدم الانزال فالمعروف من مذهب الأصحاب انه كذلك ايضا حتى نقل الشيخ في الخلاف إجماع الفرقة عليه ايضا، و قال في المبسوط بعد أن حكم بوجوب الكفارة في الجماع مطلقا: و قد روى ان الوطء في الدبر لا يوجب نقض الصوم إلا إذا أنزل معه و ان المفعول به لا ينقض صومه بحال (4) و الأحوط الأول. و ربما أشعر كلامه هذا بنوع تردد في الحكم.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم. ارجع الى التعليقة 2 ص 50.

(4) راجع الاخبار ص 110.

109

احتجوا على الحكم المذكور بإطلاق النهي عن المباشرة في الآية الكريمة (1) و هي لغة عبارة عن إلصاق البشرة بالبشرة و هي ظاهر الجلد، خرج منه المباشرة بما عدا الوطء في القبل و الدبر لعدم الدليل على التحريم فيه بل دلالة الأدلة على الجواز فيبقى الباقي، و متى ثبت التحريم كان مفسدا للصوم بالإجماع المركب فيثبت القضاء و الكفارة. و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الوهن و الاختلال.

و التحقيق أن يقال: ان المباشرة و ان كانت لغة ما ذكر إلا ان المراد في الآية إنما هو الجماع و الجماع و ان صدق على الوطء في الدبر إلا ان الفرد المتكرر الذي ينصرف إليه الإطلاق إنما هو الجماع في القبل و صدقه في المقام على الوطء في الدبر محل اشكال. و أشكل من ذلك الاستناد إلى الإجماع المركب في تتمة الاستدلال بالآية.

و بالجملة فإني لا أعرف لذلك دليلا بالنسبة إلى التحريم و الى إيجاب القضاء و الكفارة إلا اتفاقهم على الحكم المذكور و لعله كاف مع عدم وجود دليل يناقضه سيما مع موافقته للاحتياط.

و أيد بعضهم الاستدلال بالآية بالأخبار التي قدمناها (2) من حيث صدق الجماع فيها على الوطء في الدبر.

و فيه ما عرفت من ان الفرد الشائع المتكثر المأمور به في الاخبار انما هو الجماع في القبل و اما الآخر فهو مع كونه منهيا عنه نادر الوقوع و الإطلاق انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتكثرة.

و لعل منشأ تردد الشيخ في المبسوط في هذه المسألة هو عدم الدليل الصريح على الحكم المذكور مع

ما رواه في الصحيح عن احمد بن محمد عن بعض الكوفيين

____________

(1) و هي قوله تعالى في سورة البقرة الآية 84: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا مٰا كَتَبَ اللّٰهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ.».

(2) ص 107.

110

يرفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يأتي المرأة في دبرها و هي صائمة؟ قال لا ينقض صومها و ليس عليها غسل».

و عن على بن الحكم في الصحيح عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل».

إلا انه قال في التهذيب بعد نقل رواية على بن الحكم: هذا خبر غير معمول عليه و هو مقطوع الإسناد.

أقول: العجب منه انه في باب غسل الجنابة في هذه المسألة اختار عدم وجوب الغسل على الموطوءة في الدبر و استدل بهذه الرواية و كذا التي قبلها و في هذه المسألة ردها بأنها غير معمول عليها و انها مقطوعة الاسناد، و من الظاهر ان كلا من الغسل و نقض الصوم تابع لحصول الجنابة بذلك.

و جملة من المتأخرين قد ردوا هاتين الروايتين بضعف الاسناد بناء على هذا الاصطلاح و اما من لا يرى العمل به فيتحتم عليه القول بمضمونهما لعدم المعارض من الاخبار لهما سوى اتفاق الأصحاب.

و بالجملة فالمسألة عندي لذلك محل اشكال و الاحتياط فيها لازم على كل حال و هو في جانب العمل بما عليه الأصحاب. و الله العالم بحقيقة الحق و الصواب.

و اما الوطء في دبر الغلام و الدابة فاما مع الإنزال فإنه لا خلاف و لا إشكال في فساد الصوم و وجوب القضاء و الكفارة من حيث الانزال لما تقدم.

و اما مع عدمه فقد اختلف كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك فقال الشيخ في الخلاف: إذا أدخل ذكره في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء و الكفارة، و ادعى الإجماع عليه. ثم قال: و إذا أتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء و الكفارة، فإن أولج و لم ينزل فليس لأصحابنا فيه نص لكن مقتضى المذهب ان عليه القضاء لأنه لا خلاف فيه، اما الكفارة فلا تلزمه لأن الأصل براءة الذمة.

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الجنابة.

(2) الوسائل الباب 12 من الجنابة.

111

قال ابن إدريس: لما وقفت على كلامه كثر تعجبي و الذي دفع به الكفارة يدفع القضاء مع قوله «لا نص لأصحابنا فيه» و إذا لم يكن فيه نص مع قولهم (1)

«اسكتوا عن ما سكت الله عنه».

فقد كلفه القضاء بغير دليل، و اى مذهب لنا يقتضي وجوب القضاء؟ بل أصول المذهب تقتضي نفيه و هي براءة الذمة و الخبر المجمع عليه. أقول: ما ذكره ابن إدريس جيد لا غبار عليه.

و قال في المبسوط: يجب القضاء و الكفارة بالجماع في الفرج أنزل أو لم ينزل سواء كان قبلا أو دبرا فرج امرأة أو غلام أو ميتة أو بهيمة و على كل حال على الظاهر من المذهب. و قد روى ان الوطء في الدبر لا يوجب نقض الصوم.

الى آخر ما قدمناه من عبارته.

و قد بينا سابقا ان الظاهر من قوله: «و قد روى. الى آخره» هو الإشارة إلى الروايتين المتقدمتين من حيث دلالتهما على عدم نقض الصوم و موردهما كما عرفت دبر المرأة، فيصير محل التردد في عبارته التي قدمناها مخصوصا بدبر المرأة من حيث هاتين الروايتين، و حينئذ فيبقى ما عدا دبر المرأة من دبر الغلام و البهيمة و الميتة خاليا من التردد و موجبا عنده للقضاء و الكفارة. و بهذا التقريب يكون فيه منافاة بينه و بين كلامه في المبسوط من انه مع عدم الإنزال فإنما يجب القضاء خاصة.

و ظاهر جملة من المتأخرين: منهم- المحقق في المعتبر و الشرائع و العلامة في جملة من كتبه ان إفساد الصوم و إيجاب القضاء و الكفارة تابع لإيجاب الغسل.

قال في المختلف: و الأقرب ان إفساد الصوم و إيجاب القضاء و الكفارة تابع لإيجاب الغسل و كل موضع قلنا بوجوب الغسل فيه وجبت الأحكام الثلاثة فيه ايضا و إلا فلا.

____________

(1) الشهاب في الحكم و الآداب لمحمد بن سلامة القضاعي حرف الالف عن النبي (ص) و يستفاد من الاخبار الواردة بهذا المضمون المتقدمة ص 30.

112

و هذا الكلام منه (قدس سره) مبنى على ما اختاره في باب الغسل من إيجاب الغسل بذلك.

ثم قال هنا في الاستدلال على هذه المسألة: لنا- ان الغسل معلول للجنابة و هي علة للأحكام المذكورة فإذا حصل المعلول دل على وجود العلة فيلزم وجود المعلول الآخر.

أقول: فيه ان مرجع هذا الاستدلال الى ثبوت وجوب الغسل بالجماع في دبر الغلام و البهيمة، و قد قدمنا في باب غسل الجنابة تحقيق الكلام في المسألة و انا لم نقف على دليل سوى ما يدعونه من الإجماع. و فيه ما عرفت في مقدمات الكتاب و لا سيما في موضع النزاع.

مع ان ما يدعيه هنا ايضا من ان الجنابة علة في فساد الصوم من ما اعترضه فيه بعض محققي متأخري المتأخرين بأنه ليس في الأخبار ما يدل على ذلك صريحا لكن يلوح من بعضها ذلك.

أقول: لعله أشار بالأخبار التي يلوح منها ذلك الى

رواية حفص بن سوقة المتقدمة في باب غسل الجنابة عن من أخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) حيث سأله عن الرجل يأتي المرأة من خلفها؟ قال هو أحد المأتيين فيه الغسل.

و هو من ما يدل على وجوب الغسل بالوطء في دبر المرأة إلا انه أخص من المدعى.

و بالجملة فذيل الكلام واسع في المقام و ليس عندي هنا دليل يعتمد عليه في أحد الجانبين سوى الاحتياط في البين المأمور بالوقوف عليه في مقام الشك و الارتياب. و الله العالم بحقيقة الحق و الصواب.

و يجب ان يلحق بالجماع في هذا المقام ما يتفرع على الجنابة من الأحكام المتعلقة بالصيام، و البحث عن ذلك ينتظم في مطلبين:

المطلب الأول- في البقاء على الجنابة عامدا حتى يطلع الفجر

، و المشهور بين

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الجنابة.

113

الأصحاب (رضوان الله عليهم) بطلان الصيام بذلك و وجوب القضاء و الكفارة، ذهب اليه الشيخان و على بن بابويه و ابن الجنيد و السيد المرتضى و سلار و أبو الصلاح و ابن إدريس و هو قول جمهور المتأخرين. و نقل ابن إدريس إجماع الفرقة على انه يفسد الصوم ثم قال و لا يعتد بالشاذ الذي يخالف ذلك و نسبه في المنتهى و التذكرة إلى علمائنا.

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين

أحدهما- في بطلان الصيام بذلك و عدمه

، و المشهور هو البطلان كما عرفت.

و نقل عن ابن بابويه القول بصحة الصيام حيث

انه قال في كتاب المقنع (1):

«سأل حماد بن عيسى أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل و أخر الغسل الى أن طلع الفجر فقال كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يجامع نساءه من أول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر، و لا أقول كما يقول هؤلاء الأقشاب يقضي يوما مكانه (2)».

و من عادته في الكتاب المذكور الإفتاء بمتون الأخبار التي ينقلها فيه.

إلا أن ظاهر كلام المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد قول الصدوق بذلك صريحا حيث أسند إليه القول بعدم وجوب شيء و انه لا يجب الإمساك عنه بل يجوز البقاء على الجنابة عمدا حتى يصبح ثم يغتسل للصلاة فيصح الصوم و الصلاة. إلا أن يكون هذا النقل بناء على فهمه ذلك من إفتائه بالرواية المذكورة و ان اللازم منها ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من ما يمسك عنه الصائم و السائل حماد بن عثمان كما فيه و في المقنع ص 16.

(2) في بدائع الصنائع ج 2 ص 92 و نيل الأوطار ج 4 ص 225 ان الجمهور ذهبوا الى عدم بطلان الصوم بالإصباح جنبا و إنما ذهب الى وجوب القضاء بعضهم كأبي هريرة و عروة بن الزبير و طاوس و الحسن البصري و سالم بن عبد الله و عطاء و الحسن ابن صالح بن حي كما يحكى.

114

و السيد السند في المدارك قد نسب هذا القول في كتاب الطهارة إلى شيخه المعاصر، و هو إشارة إلى المحقق المذكور كما وقع منه في غير موضع من هذا الشرح و قد صرح في بعض المواضع منها في حواشيه على الكتاب بأنه المراد.

إلا أن الذي يظهر من بحث المحقق المشار إليه في هذه المسألة في كتاب شرح الإرشاد هو الاستشكال في المسألة، فإنه أطال الكلام فيها بنقل الخلاف و الاخبار و مع ذلك يشير الى الاستشكال و ان كان يظهر من كلامه نوع ترجيح لما نقله عن الصدوق.

نعم قد وقفت على كلام للمولى المحقق العماد مير محمد باقر الداماد (قدس سره) في رسالة الرضاع صريح في اختيار هذا القول.

و كيف كان فالواجب التشاغل بذكر أدلة الطرفين و بيان ما هو الراجح في البين:

فنقول: من ما استدلوا به على القول المشهور

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يجنب من أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان؟ قال ليس عليه شيء. قلت فإنه استيقظ ثم نام حتى أصبح؟ قال فليقض ذلك اليوم عقوبة».

و يستفاد من هذا الخبر تحريم النوم بعد التيقظ.

و منها-

صحيحة عبد الله بن ابى يعفور (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الرجل يجنب في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح؟ قال يتم صومه و يقضى يوما آخر، و ان لم يستيقظ حتى يصبح أتم يومه و جاز له».

و منها-

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال يتم صومه و يقضى ذلك اليوم إلا أن يستيقظ قبل أن يطلع الفجر فان انتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا يقضى يومه».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 15 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 15 من ما يمسك عنه الصائم.

115

و صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه قال في رجل احتلم أول الليل أو أصاب من أهله ثم نام متعمدا في شهر رمضان حتى أصبح؟ قال يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان و يستغفر ربه».

و صحيحة أحمد بن محمد- و هو ابن ابى نصر- عن أبى الحسن (عليه السلام) (2) قال «سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا؟ قال يتم ذلك اليوم و عليه قضاؤه».

و صحيحة الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل أجنب في رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج رمضان؟ قال عليه قضاء الصلاة و الصيام».

و رواية إبراهيم بن ميمون المروية في الفقيه (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى أن يغتسل حتى يمضى لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان؟ قال عليه قضاء الصلاة و الصوم».

قال: و روى في خبر آخر (5) ان من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه أن يغتسل و يقضى صلاته و صومه إلا ان يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضى صلاته و صيامه الى ذلك اليوم و لا يقضى ما بعد ذلك.

و رواية إبراهيم بن ميمون ايضا (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب في شهر رمضان فينسى ذلك جميعه حتى يخرج شهر رمضان؟ قال يقضى الصلاة و الصوم».

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 15 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 30 ممن يصح منه الصوم. راجع التهذيب ج 4 ص 322.

(4) الوسائل الباب 17 من ما يمسك عنه الصائم و 30 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 30 ممن يصح منه الصوم. راجع التهذيب ج 4 ص 322.

(6) التهذيب ج 4 ص 332 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 17 من ما يمسك عنه الصائم و الباب 30 ممن يصح منه الصوم.

116

و موثقة سماعة (1) قال: «سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتى يدركه الفجر؟ فقال عليه أن يتم صومه و يقضى يوما آخر. فقلت إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضى رمضان؟ قال فليأكل يومه ذلك و ليقض فإنه لا يشبه رمضان شيء من الشهور».

أقول: و هذه الاخبار ما بين مطلق في وجوب القضاء و ما بين مقيد بالتعمد فيجب حمل مطلقها على مقيدها جمعا و بذلك يتم الاستدلال بها كملا على المدعى.

و اما اخبار النسيان فإنها مطلقة في ما إذا كان النسيان بعد النوم متعمدا أو غير متعمد أو قبل ذلك و حينئذ فتقبل التقييد بما ذكرناه. و اما صدر صحيحة معاوية بن عمار و عجز صحيحة عبد الله بن ابى يعفور فسيأتي الكلام عليهما ان شاء الله تعالى.

و الظاهر ان المراد من آخر موثقة سماعة ان شهر رمضان و ان فسد صوم بعض أيامه و وجب قضاؤه إلا أنه لا يجوز إفطاره، و اما غيره من قضائه و نحوه فإنه يجوز إفطاره و لا يجب عليه الإمساك كما في أيام الشهر.

و اما ما ذكره بعضهم- من أن معناه ان قضاء شهر رمضان ملحق بأدائه في هذا الحكم و ذلك لحرمة هذا الشهر بمعنى ان الإبطال بذلك مختص بشهر رمضان و قضائه ففرع عليه حينئذ ان له صوم النافلة و ان أصبح جنبا بل النذر المعين ايضا من غير احتياج الى القضاء- فالظاهر انه بعيد.

و منها-

موثقة أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح؟ قال يعتق رقبة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا. قال و قال انه خليق أن لا أراه يدركه ابدا».

قال المحقق في المعتبر بعد نقل هذه الرواية: و بهذا أخذ علماؤنا إلا شاذا.

و رواية سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) (3) قال: «إذا أجنب

____________

(1) الوسائل الباب 19 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 16 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 16 من ما يمسك عنه الصائم.

117

الرجل في شهر رمضان بليل و لا يغتسل حتى يصبح فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم و لا يدرك فضل يومه».

و رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه (1) قال: «سألته عن احتلام الصائم قال فقال إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فليس له أن ينام حتى يغتسل، و من أجنب ليلا في شهر رمضان فلا ينام إلى ساعة حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا و قضاء ذلك اليوم، و يتم صيامه، و لن يدركه أبدا».

و ربما أشعر هذا الخبر ايضا بتحريم النومة الثانية.

و اما ما استدلوا به على القول الآخر فقوله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ (2) و قوله تعالى فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ. الى قوله حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ. الآية (3).

و التقريب في الأولى أنها تقتضي جواز الرفث في كل جزء من اجزاء الليل و ان كان الجزء الأخير منه. و في الثانية أنها تقتضي جواز المباشرة في الجزء الأخير من الليل و هو يقتضي عدم تحريم البقاء على الجنابة إلى الصبح، و بعبارة أخرى وجوب تقديم الغسل على طلوع الفجر يقتضي تحريم الرفث و المباشرة في الجزء الأخير من الليل و هو خلاف ما دل عليه إطلاق الآية.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان في أول الليل فاخر الغسل حتى طلع الفجر؟ قال يتم صومه و لا قضاء عليه».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عنه (5) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال لا بأس».

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ما يمسك عنه الصائم. راجع التهذيب ج 4 ص 212 و 321 من الطبع الحديث.

(2) سورة البقرة الآية 84.

(3) سورة البقرة الآية 84.

(4) الوسائل الباب 13 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 13 من ما يمسك عنه الصائم.

118

و ما رواه الشيخ عن حبيب الخثعمي في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يصلى صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمدا حتى يطلع الفجر».

و رواية سليمان بن أبي زينبة (2) قال: «كتبت الى أبى الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) اسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أول الليل فاخر الغسل حتى طلع الفجر؟ فكتب الى بخطه (عليه السلام)- أعرفه- مع مصادف: يغتسل من جنابته و يتم صومه و لا شيء عليه».

و رواية إسماعيل بن عيسى (3) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام حتى يصبح أي شيء عليه؟ قال لا يضره هذا و لا يفطر فان ابى (عليه السلام) قال قالت عائشة ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أصبح جنبا من جماع غير احتلام (4) قال لا يفطر و لا يبالي. و رجل أصابته جنابة فبقي نائما حتى يصبح أي شيء يجب عليه؟ قال لا شيء عليه يغتسل. و رجل أصابته جنابة في آخر الليل فقام ليغتسل و لم يصب ماء فذهب يطلبه أو بعث من يأتيه بالماء فعسر عليه حتى أصبح كيف يصنع؟ قال يغتسل إذا جاءه ثم يصلى».

و رواية سعد بن إسماعيل بن عيسى عن أبيه (5) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمدا حتى أصبح أي شيء عليه؟ قال لا يضره هذا و لا يفطر و لا يبالي فان أبى (عليه السلام) قال قالت عائشة ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أصبح جنبا من جماع غير احتلام» (6).

____________

(1) الوسائل الباب 16 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 13 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) التهذيب ج 4 ص 210 و الاستبصار ج 2 ص 85 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 13 و 14 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) سنن البيهقي ج 4 ص 213 و 214.

(5) التهذيب ج 4 ص 23 و الاستبصار ج 2 ص 88 و في الوافي باب (الصائم يصبح جنبا أو يحتلم نهارا).

(6) سنن البيهقي ج 4 ص 213 و 214.

119

و صحيحة أبي سعيد القماط (1)- و هو خالد بن سعيد ثقة و في الذخيرة انه غير موثق في كتب الرجال و لا ممدوح و هو سهو منه (قدس سره)- «انه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن من أجنب في أول الليل في شهر رمضان فنام حتى أصبح؟ قال لا شيء عليه و ذلك ان جنابته كانت في وقت حلال».

و منها- رواية حماد بن عيسى المتقدمة نقلا عن المقنع في أول البحث (2).

و أجيب عن هذه الأدلة: اما عن الآية فبان إطلاقها مخصص بالروايات المتقدمة.

و اما عن صحيحة العيص فبالحمل على ان التأخير لم يكن عن عمد أو بالحمل على التقية لموافقتها لمذهب جمهور العامة (3). و اما عن صحيحته الثانية فبعدم دلالتها على جواز التأخير الى الفجر بل مقتضاها جواز النومة الأولى و نحن لا ننكر ذلك لكن نقيده بما إذا كانت مع نية الغسل.

و أما عن صحيحة الخثعمي فبالحمل على التقية (4) لأن في ظاهرها اشعارا بمداومة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على هذا الفعل و إكثاره منه و مداومته على الفعل المكروه بعيد.

و اما عن رواية سليمان بن حفص فبما تقدم عن صحيحة العيص الأولى. و اما عن روايتي إسماعيل بن عيسى فبالحمل على التقية (5) و شاهده موجود في الخبرين. و اما عن صحيحة أبي سعيد فبالحمل على النوم مع نية الغسل أو الحمل على التقية (6).

و اما عن رواية حماد بن عيسى فبالحمل على التقية (7) و نسبة القول بالقضاء الذي استفاضت به الأخبار المتقدمة إلى الأقشاب لمزيد التأكيد في التقية.

أقول: و من ما يوضح ذلك بأوضح بيان ان الرواية دلت على انه (صلى اللّٰه عليه و آله)

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 74 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 13 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ص 113.

(3) بدائع الصنائع ج 2 ص 92 و المغني ج 3 ص 109 و نيل الأوطار ج 4 ص 225.

(4) بدائع الصنائع ج 2 ص 92 و المغني ج 3 ص 109 و نيل الأوطار ج 4 ص 225.

(5) بدائع الصنائع ج 2 ص 92 و المغني ج 3 ص 109 و نيل الأوطار ج 4 ص 225.

(6) بدائع الصنائع ج 2 ص 92 و المغني ج 3 ص 109 و نيل الأوطار ج 4 ص 225.

(7) بدائع الصنائع ج 2 ص 92 و المغني ج 3 ص 109 و نيل الأوطار ج 4 ص 225.

120

يجنب من أول الليل و يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر مع وجوب صلاة الليل عليه اتفاقا نصا و فتوى.

و بالجملة فإن ما كان من هذه الروايات صريحا في تعمد التأخير لا وجه له إلا الحمل على التقية التي هي في الاختلاف في جملة الأحكام أصل كل بلية.

و

ثانيهما- في أن الواجب على تقدير فساد الصوم هل هو القضاء و الكفارة أو القضاء خاصة؟

قولان المشهور الأول استنادا في القضاء الى الروايات المتقدمة في أدلة القول المشهور في المسألة المتقدمة (1) و في الكفارة إلى الروايات الثلاث الأخيرة منها.

و نقل في المختلف عن ابن ابى عقيل القول بوجوب القضاء خاصة، و نقله في المدارك عن المرتضى ايضا، و الظاهر انه غفلة فإن المنقول عنه كما في المختلف و غيره إنما هو القول المشهور حتى انه نقل عنه في المختلف انه قال في الانتصار: من ما انفردت به الإمامية إيجابهم على من أجنب في ليالي شهر رمضان و تعمد البقاء الى الصباح من غير اغتسال القضاء و الكفارة، و منهم من أوجب القضاء دون الكفارة. و مراده ان الإمامية انفردت بإيجاب الأمرين أو أحدهما، و هو إشارة إلى مذهب العامة من عدم إيجاب شيء بالكلية كما تقدم ذكره (2) فلا يتوهم التناقض في عبارته.

و يدل على القول المذكور الأخبار المتقدمة (3) و لصحة الأخبار المذكورة و ضعف الأخبار الدالة على الكفارة مال في المدارك الى القول المذكور حيث قال بعد نقل روايات الكفارة: و هذه الروايات كلها ضعيفة السند فيشكل التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل و من هنا يظهر رجحان ما ذهب اليه ابن ابى عقيل و المرتضى (رضى الله عنهما) من أن الواجب بذلك القضاء دون الكفارة. انتهى.

و أصحاب هذا الاصطلاح من المتأخرين قد تلقوا هذه الأخبار بالقبول و ان

____________

(1) ص 114.

(2) ص 119.

(3) ص 114.

121

كانت ضعيفة لاعتضادها بعمل الطائفة قديما و حديثا كما هو أحد المرجحات عندهم و شذوذ مذهب ابن أبى عقيل عندهم كما تقدم في عبارة المعتبر و بذلك يظهر ضعف ما اختاره. و روايات وجوب القضاء لا دلالة فيها على عدم وجوب الكفارة حتى تكون صحتها موجبا لطرح أخبار الكفارة و إنما غايتها أن تكون مطلقة في الوجوب و عدمه. و بالجملة فالعمل على القول المشهور. و الله العالم.

[فوائد]

بقي في المقام أبحاث

الأول [هل تعم مفطرية تعمد البقاء على الجنابة صوم غير رمضان؟]

- ظاهر المشهور من كلام الأصحاب هو عموم هذا الحكم لشهر رمضان و غيره من الصوم الواجب و المستحب، حيث انهم عدوا من جملة المفطرات تعمد البقاء على الجنابة، و ظاهر المحقق في المعتبر تخصيصه بشهر رمضان حيث قال:

و لقائل أن يخص هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام. و ظاهر المنتهى التردد في ذلك حيث قال: و هل يختص هذا الحكم برمضان؟ فيه تردد ينشأ من تنصيص الأحاديث على رمضان من غير تعميم و لا قياس يدل عليه، و من تعميم الأصحاب و إدراجه في المفطرات مطلقا.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذا الحكم إنما ورد في شهر رمضان كما عرفت من الأخبار التي تقدمت أو قضائه كما تقدم في موثقة سماعة (1).

و مثلها في ذلك

ما رواه الكليني في الصحيح عن ابن سنان و هو عبد الله (2) قال: «كتب أبي الى أبى عبد الله (عليه السلام) و كان يقضى شهر رمضان و قال انى أصبحت بالغسل و أصابتني جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر؟ فأجابه (عليه السلام): لا تصم هذا اليوم و صم غدا».

و ما رواه الصدوق و الشيخ عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقضى شهر رمضان فيجنب من أول الليل و لا يغتسل

____________

(1) ص 114 الى 117.

(2) الوسائل الباب 19 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 19 من ما يمسك عنه الصائم.

122

حتى يجيء آخر الليل و هو يرى ان الفجر قد طلع؟ قال لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره».

و ما ذكره في الذخيرة- من أن دلالة هذه الأخبار على البطلان و عدم الانعقاد غير واضح- فهو من جملة تشكيكاته الركيكة.

و اما بالنسبة إلى الصوم المستحب فالذي ورد فيه يدل على عدم الابطال بذلك

كما رواه الصدوق في الصحيح عن حبيب الخثعمي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أخبرني عن التطوع و عن هذه الثلاثة الأيام إذا أجنبت من أول الليل فاعلم انى قد أجنبت فأنام متعمدا حتى ينفجر الفجر أصوم أولا أصوم؟ قال صم».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الموثق عن ابن بكير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أ يصوم ذلك اليوم تطوعا؟

فقال أ ليس هو بالخيار بينه و بين نصف النهار. الحديث».

و اما

ما رواه الشيخ عن ابن بكير ايضا عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3)- قال: «سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم أراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى ما مضى من النهار؟ قال يصوم ان شاء و هو بالخيار الى نصف النهار».

- فظاهر إطلاقه هو جواز الصوم مطلقا كذلك لما عرفت سابقا من أن ما عدا الواجب المعين كالواجب المطلق و قضاء شهر رمضان فإن النية فيه الى الزوال. نعم خرج منه قضاء شهر رمضان بما تقدم من الأخبار فبقي ما عداه.

و قال الشهيد في الدروس: و ان كان نفلا ففي رواية ابن بكير (4) صحته و لو علم بالجنابة ليلا، و في رواية كليب إطلاق الصحة إذا اغتسل. و يحمل على المعين أو الندب للنهى عن قضاء الجنب في رواية عبد الله بن سنان. انتهى.

و ما أسنده إلى رواية كليب هو مضمون رواية ابن بكير الثانية، و الرواية التي

____________

(1) الوسائل الباب 20 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 20 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 20 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 20 من ما يمسك عنه الصائم.

123

ذكرها لم أقف عليها في كتب الأخبار بعد الفحص و التتبع (1) و حمله الرواية على ما ذكره يشعر بتجويز ذلك عنده.

و بالجملة فالمسألة في ما عدا ما ذكرناه من صوم شهر رمضان و قضائه و صوم الندب محل اشكال، لعدم الدليل الواضح على ما ادعاه الأصحاب (رضوان الله) عليهم) من العموم و عدم دليل صريح يدل على الحكم فيه سوى ما ذكرنا من إطلاق الخبر المذكور: و ما ذكره في المدارك- من أن المطابق لمقتضى الأصل عدم اعتبار هذا الشرط و الواجب المصير إليه الى أن يثبت المخرج عنه- لا يخلو من مجازفة فإنه لم يقم لنا دليل على اعتبار هذا الأصل الذي يكرر التمسك به في الأحكام في غير مقام بل قد تقدم في مقدمات الكتاب ما هو ظاهر في هدم بنيانه و تزعزع أركانه.

الثاني [هل يبطل الصوم بإخلال الحائض بالغسل قبل الفجر؟]

- قال العلامة في المنتهى: لم أجد لأصحابنا نصا صريحا في حكم الحيض في ذلك يعنى انها إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال و يبطل الصوم لو أخلت به حتى يطلع الفجر؟ الأقرب ذلك لأن حدث الحيض يمنع الصوم فكان أقوى من الجنابة. و تردد في ذلك المحقق في المعتبر و حكم العلامة في النهاية بعدم الوجوب.

أقول: و الأقرب هو ما ذكره في المنتهى و هو المشهور بين الأصحاب، لكن لا لما ذكره من التعليل فإنه ضعيف بل

لما رواه الشيخ في الموثق عن ابى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان طهرت بليل من حيضتها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت عليها قضاء ذلك اليوم».

نعم يبقى الكلام في أنه على تقدير فساد الصوم بذلك هل الواجب القضاء خاصة أو القضاء و الكفارة؟ ظاهر الخبر المذكور وجوب القضاء خاصة و ليس

____________

(1) يمكن ان يكون ذلك تصحيفا من قلم النساخ و ان مراده رواية ابن بكير الأخرى بقرينة اتحاد المضمون و عدم العثور على رواية أخرى في الباب.

(2) الوسائل الباب 21 من ما يمسك عنه الصائم.

124

غيره في المسألة، و هو الذي نص عليه ابن ابى عقيل على ما نقله عنه في المختلف.

ثم استقرب في المختلف ان الحائض كالجنب إذا أخل بالغسل فإن أوجبنا القضاء و الكفارة عليه أو جبناهما عليها و إلا فالقضاء.

ثم استدل على ذلك باشتراك الجميع في كونه مفطرا للصوم لأن كل واحد منهما حدث يرتفع بالغسل فيشترك في الأحكام.

و أنت خبير بما فيه و انه من ما لا يحتاج الى تنبيه، و القول بالكفارة في الجنابة لوجود النصوص على ذلك كما تقدم و اما هنا فالذي دل عليه النص إنما هو القضاء خاصة و القول بالكفارة يتوقف على النص. و ما أبعد ما بين القول بوجوب القضاء و الكفارة كما يومئ اليه كلامه هنا و بين القول بصحة الصوم و لا شيء عليه كما اختاره في النهاية، و لا ريب ان الاعتدال في الوقوف على الوسط.

الثالث- انه هل يجب التيمم للصوم على الجنب و ذات الدم عند تعذر الماء؟

قولان: أحدهما- العدم لاختصاص الأمر بالغسل فيسقط عند تعذره و ينتفي التيمم بالأصل. و ثانيهما- الوجوب و الظاهر انه المشهور لعموم «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا» (1) و لأن حدث الجنابة و الحيض مانع فيستصحب الى أن يثبت المزيل و هو الغسل أو ما يقوم مقامه في الإباحة.

و في التعليلات من الطرفين تأمل. نعم يمكن الاستدلال على وجوب التيمم بالأخبار المتقدمة في باب التيمم

و قولهم (عليهم السلام) في بعضها (2) «ان الله جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».

و في آخر (3) «هو بمنزلة الماء».

و في ثالث (4) «يجزئك عشر سنين».

و نحو ذلك من ما يقتضي وجوب التيمم مع فقد الماء و نيابته عنه عند وجود ما لا يستباح إلا به.

إلا ان ظاهر صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة و رواية إسماعيل بن عيسى السابقة

____________

(1) سورة النساء الآية 47 و المائدة الآية 10.

(2) الوسائل الباب 23 من التيمم. و اللفظ في الرقم (4) «يكفيك».

(3) الوسائل الباب 23 من التيمم. و اللفظ في الرقم (4) «يكفيك».

(4) الوسائل الباب 23 من التيمم. و اللفظ في الرقم (4) «يكفيك».

125

ايضا (1) ربما أشعر بخلاف ذلك حيث قال في الأولى: «فإن انتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع الفجر فلا يقضى يومه» و في الثانية «رجل أصابته جنابة في آخر الليل فقام ليغتسل فلم يصب ماء فذهب يطلبه أو بعث من يأتيه بالماء فعسر عليه حتى أصبح كيف يصنع؟ قال يغتسل إذا جاءه ثم يصلى» فإنه لو كان التيمم هنا واجبا لأمره بالتيمم قبل الفجر و لم يجوز له البقاء على جنابته لانتظار حصول الماء الى بعد الصبح.

و كيف كان فالمسألة عندي غير خالية من الاشكال و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.

الرابع [توقف صوم المستحاضة على الأغسال]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) توقف صوم المستحاضة على الأغسال كتوقف الصلاة عليها فلو أخلت بها وجب قضاء الصوم بل الظاهر انه لا خلاف فيه:

لما رواه الصدوق و الكليني و الشيخ في الصحيح عن على بن مهزيار (2) قال:

«كتبت إليه امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ثم استحاضت فصلت و صامت من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكل صلاتين هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب (عليه السلام) تقضى صومها و لا تقضى صلاتها لأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يأمر فاطمة (عليها السلام) و المؤمنات من نسائه بذلك».

و في هذا الخبر إشكال من حيث تضمن ظاهره الأمر بقضاء الصوم دون الصلاة مع استفاضة الأخبار و الاتفاق على قضاء الصلاة في الصورة المذكورة و العكس كان أولى.

و أجيب عن ذلك بأجوبة بعيدة الانطباق على السياق و لعله لذلك نسب وجوب قضاء الصوم في المعتبر إلى الرواية إيذانا بنوع توقف في الحكم المذكور، و نحوه نقل عن الشيخ في المبسوط أيضا.

____________

(1) ص 114 و 118.

(2) الوسائل الباب 18 من ما يمسك عنه الصائم.

126

و بالجملة فحيث كان الحكم متفقا عليه بين الأصحاب و هو الأوفق بالاحتياط فلا بأس بالمصير اليه.

الخامس [من أجنب ليلا و نام نومة أو ثنتين أو ثلاثا حتى أصبح]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من أجنب و نام ناويا للغسل حتى أصبح فلا قضاء عليه، و لو انتبه ثم نام ثانيا ناويا أيضا حتى أصبح فعليه القضاء خاصة، و لو انتبه ثم نام كذلك حتى أصبح فعليه مع القضاء الكفارة.

أقول: اما الحكم الأول و الثاني فيدل عليهما ما تقدم من صحيحتي معاوية بن عمار و عبد الله بن أبى يعفور المتقدمتين (1) بحمل إطلاقهما على ذلك.

و أما ما دل عليه إطلاق بعض الأخبار المتقدمة ثمة من وجوب القضاء بأول نومة فقد عرفت انه محمول على تعمد البقاء على الجنابة كما صرح به في بعضها و قد أشرنا الى ذلك ثمة.

ثم ان ظاهر بعض الأصحاب تقييد النوم زيادة على نية الغسل بإمكان الانتباه و اعتياده، و بعض الأصحاب صرح بتحريم النومة الثانية و ان عزم على الغسل و اعتاد الانتباه و ان لم يجب عليه مع المخالفة إلا القضاء خاصة، و في بعض الأخبار ما يشير الى التحريم كما قدمنا الإشارة اليه.

و ظاهر المعتبر و المنتهى انسحاب التحريم ايضا الى النومة الأولى و لو مع نية الغسل، حيث قال في المعتبر: و لو أجنب فنام ناويا للغسل حتى أصبح فسد صوم ذلك اليوم و عليه قضاؤه و عليه أكثر علمائنا. مع أنه قال في موضع آخر من الكتاب المذكور: من أجنب و نام ناويا للغسل حتى طلع الفجر فلا شيء عليه لأن نومه سائغ و لا قصد له في بقائه و الكفارة مرتبة على التفريط أو الإثم و ليس أحدهما مفروضا، اما لو انتبه ثم نام ثانيا ناويا للغسل فطلع الفجر فعليه القضاء لأنه فرط في الاغتسال مع القدرة، و لا كذا المرة الأولى لأن في المنع منها تضييقا على المكلف. انتهى.

____________

(1) ص 114.

127

و قال في المنتهى: لو أجنب ثم نام ناويا للغسل حتى يطلع الفجر و لم يستيقظ فمفهوم ما تقدم من الأحاديث يدل على الإفساد و وجوب القضاء لكن قد روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار. ثم نقل الرواية التي أشرنا إليها ثم قال: و هو الصحيح عندي و عمل الأصحاب عليه.

و ما ذكره في المنتهى من دلالة مفهوم الأخبار التي أشار إليها على الإفساد قد عرفت انها يجب تقييدها بما في صريح بعضها من تعمد البقاء على الجنابة الى أن يصبح فلا إشكال فيها.

و اما الحكم الثالث فاستدل عليه الشيخ في التهذيب بالروايات الثلاث التي في آخر روايات القول المشهور المشار اليه آنفا (1).

و أنت خبير بأنه ليس في شيء من هذه الروايات الثلاث ما يدل على التفصيل أو يشير إليه بالكلية و إنما هي ظاهرة في ترتب ذلك على أول نومة إلا انه يجب حملها على من نام متعمدا البقاء على الجنابة كما هو صريح بعضها.

و الأصح ما اختاره المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى من سقوط الكفارة مع تكرر النوم ناويا للغسل و إنما يجب القضاء خاصة.

و في كتاب الفقه الرضوي (2) قال (عليه السلام): و ان أصابتك جنابة في أول الليل فلا بأس ان تنام متعمدا و في نيتك أن تقوم و تغتسل قبل الفجر، فان غلبك النوم حتى تصبح فليس عليك شيء إلا أن تكون انتبهت في بعض الليل ثم نمت و توانيت و لم تغتسل و كسلت فعليك صوم ذلك اليوم و اعادة يوم آخر مكانه، و ان تعمدت النوم الى أن تصبح فعليك قضاء ذلك اليوم و الكفارة و هو صوم شهرين متتابعين أو عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا.

انتهى. و قد كشف (عليه السلام) بهذا الكلام الإجمال الذي في الروايات المتقدمة و أوضحه بأوضح بيان.

السادس [عدم بطلان الصوم بالاحتلام نهارا في شهر رمضان]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما أعلم في أنه

____________

(1) ص 116 و 117.

(2) ص 24.

128

لا يبطل الصيام بالاحتلام نهارا في شهر رمضان و غيره، و قال العلامة في المنتهى:

لو احتلم نهارا في رمضان نائما أو من غير قصد لم يفسد صومه و يجوز له تأخير الغسل و لا نعلم فيه خلافا. انتهى.

أقول: و يدل على ذلك من الاخبار

ما رواه الشيخ في الصحيح الى عبد الله ابن ميمون عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة».

و ما رواه الكليني في الموثق عن ابن بكير في حديث (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحتلم بالنهار في شهر رمضان أ يتم صومه كما هو؟ قال لا بأس».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن العيص بن القاسم (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل أن يغتسل؟ قال لا بأس».

و دلالة هذا الخبر من حيث الإطلاق إذ لا تصريح فيه بالنوم نهارا.

و ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن عمر بن يزيد (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) لأي علة لا يفطر الاحتلام الصائم و النكاح يفطر الصائم؟ قال لأن النكاح فعله و الاحتلام مفعول به».

و رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه المتقدمة (5) قال: «سألته عن احتلام الصائم قال فقال: إذا احتلم نهارا في شهر رمضان فليس له ان ينام حتى يغتسل».

و حمل الأصحاب النهي عن النوم في هذا الخبر على الكراهة، و يؤيده صحيحة العيص المذكورة بالنظر الى دلالتها بإطلاقها على الاحتلام في نهار شهر رمضان.

السابع [جواز الجماع قبل طلوع الفجر لو احتمل سعة الوقت]

- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز الجماع في شهر

____________

(1) الوسائل الباب 35 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 35 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 35 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 35 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) ص 117.

129

رمضان حتى يبقى لطلوع الفجر مقدار إيقاعه و الغسل، فلو تيقن ضيق الوقت عن ذلك و جامع فسد صومه و وجبت عليه الكفارة بناء على ما هو المشهور المنصور كما تقدم تحقيقه من تحريم تعمد البقاء على الجنابة الى أن يصبح، قالوا: و لو فعل ذلك ظانا سعة الوقت فان كان مع المراعاة لم يكن عليه شيء و ان كان لا معها فعليه القضاء و هو ظاهر من ما قدمناه من الأخبار المتقدمة في الإفطار مع المراعاة و عدمها.

المطلب الثاني- في الإنزال بالاستمناء و لمس المرأة

، لا ريب ان الاستمناء في حد ذاته و ان كان محرما إلا انه لا يجب به شيء، و لمس المرأة أجنبية كانت أو محرما لا يجب به شيء، و إنما يبطل الصوم بالإنزال بذلك اما بطلبه كما في الاستمناء و هو طلب الأمناء بفعل غير الجماع أو بالمس و القبلة و الملاعبة مع عدم وثوقه من نفسه بعدم سبق الماء و هو من ما لا خلاف فيه، و كذا لا خلاف في أنه يجب به القضاء و الكفارة، قال المحقق في المعتبر: و يفطر بإنزال الماء بالاستمناء و الملامسة و القبلة اتفاقا. و نحوه في المنتهى و التذكرة.

و الذي يدل على ما ذكرنا من الاخبار

ما رواه الشيخ و الكليني في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع».

و ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن حفص بن سوقة عن من ذكره عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل؟ قال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان».

و ما رواه الشيخ عن سماعة في الموثق (3) قال: «سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال: عليه إطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين».

و ما رواه عن ابى بصير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وضع

____________

(1) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

130

يده على شيء من جسد امرأته فأدفق؟ فقال: كفارته أن يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة».

قال في كتاب الفقه الرضوي (1): «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أما يستحي أحدكم أن لا يصبر يوما الى الليل، انه كان يقال بدو القتال اللطام، و لو ان رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأدفق كان عليه عتق رقبة».

و هذه الرواية أوردها الصدوق في الفقيه (2) بصورتها المذكورة و من الظاهر انه أخذها عن الكتاب المذكور.

و يؤيد ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم و زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «انه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال: انى أخاف عليه فليتنزه عن ذلك إلا أن يثق ان لا يسبقه منيه».

و يستفاد من مجموع هذه الأخبار ان كل شيء يفعله المكلف من ما يكون سببا في خروج المنى متعمدا بذلك إخراجه أم لا مع حصوله به عادة فإنه يكون موجبا لفساد الصوم و إيجاب القضاء و الكفارة، و بذلك يجمع بين هذه الاخبار و بين

ما رواه في المقنع مرسلا عن على (عليه السلام) (4) قال: «لو ان رجلا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن عليه شيء».

بحمل هذا الخبر على من لم يكن قاصدا و لا معتادا لذلك، و لو لا هذا الخبر لأمكن القول بإطلاق تلك الأخبار و هو انه متى فعل شيئا من تلك الأشياء و امنى فسد صومه و وجب عليه القضاء و الكفارة متعمدا لذلك أم لا معتادا أم لا؟

إذا عرفت ذلك فاعلم ان السيد السند في المدارك استدل على فساد الصوم بالاستمناء بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة، ثم انه استدل على فساده

____________

(1) ص 26.

(2) ج 2 ص 70 و في الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

131

بالأمناء عقيب الملامسة بروايتي أبي بصير و حفص بن سوقة المذكورتين (1) و ردهما بضعف السند ثم قال: و الأصح ان ذلك يفسد الصوم إذا تعمد الانزال بذلك. انتهى أقول: فيه أولا- ان الاستدلال بالصحيحة المذكورة على خصوص الاستمناء مبنى على كون «حتى» في الخبر تعليلية، و هو غير متعين و ذلك فإن أهل العربية قد صرحوا بان ل«حتى» الداخلة على المضارع المنصوب ثلاثة معان: أحدها- ان تكون بمعنى «الى» فتكون لانتهاء الغاية نحو قوله عز و جل لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عٰاكِفِينَ حَتّٰى يَرْجِعَ إِلَيْنٰا مُوسىٰ (2) و ثانيها- بمعنى «كي» التعليلية فتكون للتعليل كما في قوله عز و جل:

وَ لٰا يَزٰالُونَ يُقٰاتِلُونَكُمْ حَتّٰى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ (3) و قوله هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لٰا تُنْفِقُوا عَلىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ حَتّٰى يَنْفَضُّوا (4) و منه قولهم «أسلم حتى تدخل الجنة» و الثالث- مرادفة «إلا» في الاستثناء، و استدلال السيد بالخبر مبنى على المعنى الثاني و هو غير متعين بل يحتمل البناء على المعنى الأول و هو الغاية، و المراد انه عبث بأهله الى أن حصل منه المنى، فيكون من قبيل خبري أبي بصير و حفص بن سوقة (5) و بذلك يظهر انه لو خص حكم الإفساد بتعمد الانزال كما جنح إليه أخيرا بناء على ما فهمه من الصحيحة المذكورة فإنه لا دليل عليه ظاهرا من الأخبار.

و ثانيا- ان الخبرين المذكورين و ان كانا- كما ذكره- ضعيفي السند بناء على اصطلاحه إلا ان الحكم بما دلا عليه إجماعي لا خلاف فيه، و لذلك عمل بهما من عداه من أصحاب هذا الاصطلاح، و هو ايضا قد صرح في غير مقام من شرحه هذا بقبول الأخبار الضعيفة المجبورة باتفاق الأصحاب على القول بمضامينها، و لكنه (عطر الله مرقده) ليس له قاعدة يقف عليها و لا ضابطة يعتمد عليها.

تفريع [إذا نظر الصائم إلى امرأة فأمنى]

اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في من نظر الى امرأة فأمنى فقال

____________

(1) ص 129.

(2) سورة طه الآية 94.

(3) سورة البقرة الآية 215.

(4) سورة المنافقين الآية 8.

(5) ص 129.

132

الشيخ في الخلاف انه يأثم و لا قضاء عليه و لا كفارة، و قال في المبسوط: من نظر الى من لا يحل له النظر إليه بشهوة فأمنى فعليه القضاء، و ان كان نظره الى من يحل فأمنى لم يكن عليه شيء. قال في المختلف: و هو اختيار الشيخ المفيد.

و قال سلار: من نظر الى من يحرم عليه فأمنى فعليه القضاء.

و نقل في المختلف عن ابن ابى عقيل ان من أنزل بالنظر الى امرأته من غير أن يقبلها أو يفضي إليها بشيء منه الى جسدها أو تفضي اليه لم يكن عليه شيء.

و عن ابن إدريس انه قال: و ان أمنى لنظر لم يكن عليه شيء و لا يعود الى ذلك، و قد ذهب بعض أصحابنا إلى انه ان نظر الى من يحرم عليه النظر إليه فأمنى كان عليه القضاء دون الكفارة، قال: و الصحيح انه لا قضاء عليه لانه لا دليل على ذلك.

و قال في المختلف: و الأقرب انه ان قصد الإنزال فأنزل وجب عليه القضاء و الكفارة مطلقا سواء كان النظر الى من يحرم عليه أولا، و ان لم يقصد الانزال فانزل لتكرر النظر من غير قصد بل كرر النظر فسبقه الماء وجب القضاء خاصة.

ثم قال: لنا على الأول انه وجد منه الهتك و هو إنزال الماء متعمدا فوجب عليه القضاء و الكفارة كالعابث بأهله و المجامع. و على الثاني انه وجد منه مقدمة الإفساد و لم يقصده و كان عليه القضاء كالمتمضمض للتبرد إذا وصل الماء حلقه.

ثم نقل عن الشيخ انه احتج بالإجماع و بعدم دليل على كون النظر مفطرا و الأصل براءة الذمة.

ثم أجاب بمنع الإجماع، قال: و قد بينا الدليل على إيجاب القضاء، و البراءة معارضة بالاحتياط. انتهى.

و قال في المدارك: و الأصح ان النظر غير مفسد إلا إذا كان من عادته الأمناء بذلك و فعله عامدا قاصدا به الى حصول الانزال، و كذا القول في التخيل لو ترتب عليه الانزال. انتهى. و كلامه هنا مبنى على ما تقدم منه في تلك المسألة من تخصيصه الإفساد بتعمد الإنزال بذلك الفعل.

133

أقول: و المسألة غير منصوصة على الخصوص إلا انه لا يبعد القول بالإفساد بذلك بما إذا علم من عادته الإنزال بذلك سواء قصد تعمد الإنزال بذلك أم لا جريا على ظواهر الأخبار المتقدمة في ما دلت عليه من الإفساد بما كان من الأفعال موجبا لذلك.

نعم

روى الشيخ في التهذيب (1) عن ابى بصير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كلم امرأته في شهر رمضان و هو صائم فأمنى؟ فقال: لا بأس».

و الظاهر حمله على ما تقدم في خبر المقنع.

و بالجملة فالاحتياط في أمثال هذه المواضع من ما لا ينبغي تركه.

المسألة الثالثة [حكم ارتماس الصائم في الماء]

- يجب الإمساك عن الارتماس على الأشهر الأظهر، و للأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة اختلاف زائد فذهب جملة من الأصحاب:

منهم- الشيخان و السيد المرتضى في الانتصار و الشيخ في النهاية و الجمل و الاقتصاد و ابن البراج إلى أنه موجب للقضاء و الكفارة، قال العلامة في المختلف و رواه ابن بابويه في كتابه. و نسبه في المبسوط إلى أظهر الروايات، ثم قال و في أصحابنا من قال انه لا يفطر. و قال في الاستبصار: و لست اعرف حديثا في إيجاب القضاء و الكفارة أو إيجاب أحدهما على من ارتمس في الماء. و نقل عن أبى الصلاح انه يوجب القضاء خاصة، و ذهب الشيخ في الاستبصار إلى انه محرم لا يوجب قضاء و لا كفارة، و اختاره المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و المختلف و السيد السند في المدارك، و نقل في المختلف عن على بن بابويه انه عده من المفطرات، و ذهب ابن إدريس إلى أنه ينقص الصوم و لا يبطله و نقله عن السيد المرتضى، و نقله في المختلف عن ابن أبى عقيل أيضا.

و قد تلخص من ذلك ان الأقوال في المسألة أربعة: أحدها- القول بإبطال الصوم و وجوب القضاء و الكفارة، و ثانيها- القول بالتحريم خاصة مع صحة

____________

(1) ج 4 ص 273 و في الوافي باب (مس النساء و قبلتهن).

134

الصوم، و ثالثها- القول بالجواز على كراهة، و رابعها- القول بوجوب القضاء خاصة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الصائم يستنقع في الماء و لا يرمس رأسه».

و في الصحيح عن حريز عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يرمس الصائم و لا المحرم رأسه في الماء».

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «الصائم يستنقع في الماء و يصب على رأسه و يتبرد بالثوب و ينضح بالمروحة و ينضح البوريا تحته و لا يغمس رأسه في الماء».

و في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:

لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب اربع خصال: الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء».

و رواية عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «يكره للصائم ان يرتمس في الماء».

و رواية إسحاق بن عمار (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا عليه قضاء ذلك اليوم؟ قال ليس عليه قضاء و لا يعود».

و رواية حنان بن سدير (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: لا بأس و لكن لا ينغمس فيه. الحديث».

و رواية مثنى الحناط و الحسن الصيقل (8) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

____________

(1) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 1 من ما يمسك عنه الصائم. ارجع الى التعليقة 2 ص 50.

(5) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 6 من ما يمسك عنه الصائم.

(7) الفروع ج 1 ص 192 و في الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(8) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

135

الصائم يرتمس في الماء؟ قال: لا و لا المحرم».

و ما رواه الصدوق في كتاب الخصال (1) قال: «حدثنا محمد بن الحسن (رضى الله عنه) قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار عن احمد بن ابى عبد الله البرقي عن أبيه محمد بن خالد بإسناده رفعه الى أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «خمسة أشياء تفطر الصائم:

الأكل و الشرب و الجماع و الارتماس في الماء و الكذب على الله و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على الأئمة (عليهم السلام)».

و في كتاب الفقه الرضوي (2): و ادنى ما يتم به فرض الصوم العزيمة و هي النية و ترك الكذب على الله و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم ترك الأكل و الشرب و النكاح و الارتماس في الماء و استدعاء القذف، فإذا تم هذه الشروط على ما وصفناه كان مؤديا لفرض الصوم مقبولا منه بمنة الله.

و قال في موضع آخر (3) أيضا: و اتق في صومك خمسة أشياء تفطرك:

الأكل و الشرب و الجماع و الارتماس في الماء و الكذب على الله و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على الأئمة (عليهم السلام).

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لم ينقل الأصحاب دليلا لمن قال بوجوب القضاء و الكفارة و انما نقلوا القول بذلك عن من قدمنا ذكره مجردا.

و اما القول بالتحريم فاستدلوا عليه بالروايات الدالة على النهى عنه و المنع منه للصائم، فإن غاية النهى تحريم الفعل المذكور و لا يوجب فساد الصوم لأن النهي هنا عن أمر خارج عن العبادة.

و استدلوا على نفي القضاء و الكفارة برواية إسحاق بن عمار المذكورة (4) و اما رواية عبد الله بن سنان (5) التي هي دليل السيد المرتضى و من معه ممن ذهب الى الجواز على كراهة فقد أجيب عنها بحمل الكراهة فيها على التحريم كما ذكره في المدارك،

____________

(1) الوسائل الباب 2 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ص 23.

(3) ص 24.

(4) ص 134.

(5) ص 134.

136

قال: فان كثيرا ما تستعمل بمعنى التحريم بل ربما ظهر من بعض الروايات كونها حقيقة فيه.

و اما القول بوجوب القضاء خاصة فلا اعرف له دليلا واضحا، و ذكر شيخنا الشهيد في شرح نكت الإرشاد ان مستنده مفهوم

حديث (1) «لا يضر الصائم».

ثم أجاب عنه بأنه يكفي في الإضرار فعل الحرام.

أقول: و الذي يقرب عندي من هذه الأقوال هو القول الأول:

لنا- النهى عنه في أكثر هذه الأخبار و الظاهر ان النهى إنما هو من حيث ما يترتب عليه من بطلان الصوم إذ لا يعقل للنهى علة سوى ذلك.

و اما ما ذكره في المعتبر و استحسنه في المدارك- من أنه يمكن أن يكون الوجه في التحريم الاحتياط في الصوم، فان المرتمس في الأغلب لا ينفك أن يصل الماء الى جوفه فيحرم و ان لم يجب به قضاء و لا كفارة إلا مع اليقين بابتلاعه ما يوجب المفطر. انتهى- فلا يخفى ما فيه من التكلف و البعد، فان هذا التوجيه إنما يصلح للكراهة لا للتحريم، على ان ما ذكره من دعوى أغلبية وصول الماء الى جوف المرتمس ممنوع و ما دل عليه حديث الخصال و حديث كتاب الفقه الرضوي من التصريح بإبطاله الصيام و عده في قرن ما يوجب القضاء و الكفارة إجماعا من الأكل و الشرب و الجماع، و حينئذ فيكون مثلها.

و هو أيضا ظاهر مفهوم صحيحة محمد بن مسلم (2) الدالة على انه لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال، فان مفهومه الشرطي الذي هو حجة عند المحققين و عليه دلت الأخبار ايضا انه لو لم يجتنب ضره، و إضراره إنما هو من حيث الصوم لأن التعليق على الوصف يشعر بالعلية.

و الى ما ذكرنا لمح في المدارك فقال- بعد ما استدل على ما اختاره من مجرد

____________

(1) ص 134.

(2) ص 134.

137

التحريم بما أشرنا إليه آنفا و نقل كلام الشيخ في الاستبصار المتقدم من انه لم يجد حديثا في إيجاب القضاء و الكفارة. الى آخره- ما صورته: و هو كذلك نعم في رواية ابن مسلم (1) اشعار بمساواته للأكل و الشرب و النساء لكنها غير صريحة. انتهى و قال شيخنا الشهيد في كتاب شرح نكت الإرشاد- بعد أن نقل القول بالكفارة و انهم لم ينقلوا عليه دليلا معتمدا- ما صورته: و يمكن الاحتجاج بعطفه على ما يوجب الكفارة في صحيح محمد بن مسلم المتقدم (2).

أقول: لا يخفى ان إجمال هذه الرواية قد أوضح في رواية الخصال و رواية كتاب الفقه الرضوي (3).

و اما ما دلت عليه رواية إسحاق بن عمار من عدم القضاء فالأقرب عندي فيها هو الحمل على التقية، فإن العامة في هذه المسألة على ما نقله في المعتبر و المنتهى على قولين: فالجمهور منهم على الجواز بلا كراهة و القول الآخر الجواز على كراهة (4) و ظاهر هذا الخبر مؤذن بالجواز.

و بالجملة فإنه مع قطع النظر عن روايتي الخصال و كتاب الفقه الرضوي (5) فالقول بما ذهب اليه المحقق و من انتفاه من مجرد التحريم ظاهر، و لكنهم معذورون حيث لم يقفوا على الروايتين المذكورتين، و اما مع وجود هاتين الروايتين و ضمهما الى تلك الروايات فإنه لا مجال لإنكار القول بوجوب القضاء و الكفارة إلا بالطعن في سند هاتين الروايتين بناء على هذا الاصطلاح المحدث و هو عندنا غير ملتفت اليه و لا معول عليه. و كتاب الفقه و ان لم يكن مشهورا بينهم إلا انك قد عرفت من ما قدمنا في كتاب الصلاة و ما بعده من هذه الكتب انه معتمد عند الصدوقين كما أوضحناه سابقا رأى العين.

و تمام الكلام في هذه المسألة يتوقف على بيان أمور

الأول [ما يتحقق به الارتماس في المقام]

- قد ذكر

____________

(1) ص 134.

(2) ص 134.

(3) ص 135.

(4) المغني ج 3 ص 109 و المجموع ج 6 ص 347.

(5) ص 135.

138

جمع من الأصحاب ان المراد بالارتماس هنا غمس الرأس في الماء أعم من أن يكون مع البدن أو وحده و ان كان البدن خارجا من الماء، و وجهه ظاهر من ما تقدم في الأخبار حيث ان جملة منها تضمنت المنع من غمس الرأس في الماء و هو ظاهر في أن النهى إنما تعلق برمس الرأس خاصة كيف اتفق.

و الظاهر ان الرقبة غير داخلة فيه بل المراد منه ما فوق الرقبة، و دخولها في اخبار الغسل لا يستلزم دخولها هنا لأنها عضو منفصل عن الرأس، و إنما دخلت في الرأس في أخبار الغسل من حيث تثليث الأعضاء فيه بالرأس و الجانب الأيمن و الجانب الأيسر و هي غير داخلة في أحد الجانبين اتفاقا فتدخل في الرأس، و لهذا ان بعضهم كما تقدم في باب الغسل توقف في دخولها فيه أيضا و الحق دخولها كما أوضحناه ثمة.

ثم ان بعض الأصحاب اشترط في غمس الرأس الدفعة العرفية فلو غمسه على التعاقب لم يتعلق به التحريم، و هو مبنى على ما ذكروه في الغسل الارتماسي من اشتراط الدفعة العرفية، و قد بينا في باب غسل الجنابة من كتاب الطهارة ضعفه و انه مجرد و هم نشأ من قولهم (عليهم السلام) في اخبار الغسل الارتماسي «ارتماسة واحدة» فحملوا ذلك على الدفعة و أبطلوا الغسل بما إذا لم يكن كذلك، و الأمر ليس كما ذكروه كما بيناه ثمة. و به يظهر ان ما فرعوا عليه في هذا الموضع لا وجه له و لا دليل عليه.

و حيث قد عرفت ان الرأس هو ما فوق الرقبة فيحب قصر الحكم عليه.

و اما ما ذكره في المدارك- بعد أن فسر الرأس بما ذكرنا من انه لا يبعد تعلق التحريم بغمس المنافذ كلها دفعة و ان كانت منابت الشعر خارجة عن الماء- فهو في غاية البعد لعدم صدق غمس الرأس و الارتماس المعلق عليه الحكم في الاخبار و كلام الأصحاب.

و كأنه بنى على ان النهى عن الارتماس إنما هو من حيث خوف دخول الماء في شيء من هذه المنافذ فحكم بصدق الارتماس بمجرد غمسها في الماء.

139

و فيه أولا- ان هذه علة مستنبطة إذ لا وجود لها في شيء من الأخبار.

و ثانيا- انه مع فرض وجودها فان علل الشرع ليست عللا حقيقية يدور المعلول معها وجودا و عدما بل هي معرفات لبيان وجه الحكمة أو المناسبة أو نحو ذلك.

الثاني [عدم الفرق بين صوم الفريضة و النافلة]

- إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي ان لا فرق في هذا الحكم بين صوم الفريضة و النافلة. ثم انه ان قلنا بأنه مفسد للصوم كما اخترناه فإنه يجوز فعله في صوم النافلة كغيره من المفطرات، و ان قلنا بأنه محرم كما هو أحد الأقوال فقد ذكروا انه يحتمل التحريم في صوم النافلة كالتكفير في صلاة النافلة و يحتمل الإباحة اما لقصور أخبار التحريم عن افادة العموم أو لأنه إذا جاز تناول المفطر جاز ما هو مظنة له بطريق أولى.

أقول: لا يخفى ما في تعليل احتمال الإباحة بالوجه الأول من الضعف، لأن الكلام من أوله مبنى على ان إطلاق النصوص يقتضي دخول الصوم المندوب.

نعم التعليل الثاني متجه بناء على كلامهم، و حيث ان الظاهر عندنا هو الإفساد به فيجوز فعله في الصوم المندوب حينئذ و لا اشكال.

الثالث [فائدة تحريم الارتماس حال الصوم]

- قد ذكر شيخنا الشهيد الثاني ان فائدة التحريم تظهر في ما لو ارتمس في غسل مشروع فإنه يقع فاسدا للنهى عن بعض أجزائه المقتضي للفساد في العبادة.

قال سبطه السيد السند في المدارك: و هو جيد ان وقع الغسل في حال الأخذ في الارتماس أو الاستقرار في الماء لاستحالة اجتماع الواجب و الحرام في الشيء الواحد، أما لو وقع في حال الأخذ في رفع الرأس من الماء فإنه يجب الحكم بصحته لان ذلك واجب محض لم يتعلق به نهى أصلا فينتفي المقتضي للفساد. انتهى.

أقول: يمكن المناقشة في ما ذكره شيخنا المشار إليه بأن المعلوم من القاعدة المشهورة و هو ان النهى إذا توجه إلى العبادة أو جزئها أو شرطها يكون مبطلا لها إنما هو ما إذا توجه لها من حيث هي لا من حيث أمر خارج عنها كما حققنا ذلك بما

140

لا مزيد عليه في كتاب الصلاة في مسألة الصلاة في المكان و الثوب المغصوبين، و الأمر هنا كما هو هناك فإن النهي هنا عن الارتماس إنما توجه للصائم من حيث الصوم اغتسل أو لم يغتسل و لم يتوجه للمغتسل ليكون الغسل منهيا عن بعض أجزائه كما أن النهى في تلك المسألة إنما توجه من حيث المنع من التصرف في المغصوب بغير اذن مالكه صلى فيه أو لم يصل. و بالجملة فالكلام في المسألتين من باب واحد.

ثم انه بناء على الإغماض عن ما ذكرناه فكلام السيد (قدس سره) هنا لا يخلو من شيء فان الظاهر من كلامه ان الوجه في الفساد إنما هو لزوم اجتماع الواجب و الحرام في الشيء الواحد و هو مستحيل، و هو إنما يتحقق في ما إذا وقعت نية الغسل في حال الأخذ في الارتماس، فإنه مأمور به و واجب لكونه غسل جنابة مثلا و منهي عنه من حيث النهى عن غمس الرأس فيبطل حينئذ، اما لو وقعت نية الغسل بعد الدخول تحت الماء في حال الأخذ في رفع الرأس من الماء فإنه يجب الحكم بصحته لانتهاء النهى الموجب للتحريم حينئذ باعتبار حصول الارتماس أولا فيبقى الوجوب من غير معارض.

و فيه أولا- ان ما ذكره أخيرا بعينه جار في حال الاستقرار في الماء إذا نوى الغسل و حرك بدنه على وجه يحصل به الجريان عليه مع انه حكم بالبطلان فيه و جعله من قبيل الغسل حال الأخذ في الارتماس.

و ثانيا- ان الظاهر ان الارتماس المحرم إنما هو عبارة عن الأمر الكلي الحاصل بأول دفعة فما زاد بعين ما قالوه في القيام الركني الذي هو عبارة عن ما يركع عنه المصلى طال أو قصر و كذا الوقوف بعرفات و نحو ذلك، و حينئذ فيتوجه صدق النهى عن الارتماس في الصورة الأخيرة و يصير من قبيل الصورة الاولى.

و ثالثا- ان ثبوت الغسل الارتماسي على الكيفية التي ذكرها من كونه في حال الأخذ في رفع الرأس من الماء من ما يمكن تطرق المناقشة إليه كما ذكره الفاضل الخراساني في كتاب الذخيرة، حيث قال بعد نقل كلامه: و هو حسن ان كان

141

الغسل يتحقق بإخراج البدن من الماء، لكن لي في ذلك تأمل لأن المتبادر من الغسل المأمور به في الاخبار غير ذلك، و بالجملة لا يحصل اليقين بامتثال التكليف بهذا الفعل. انتهى.

الرابع [صحة غسل المرتمس ناسيا]

- ذكر شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) ايضا ان المرتمس ناسيا يرتفع حدثه لعدم توجه النهي اليه، و ان الجاهل عامد.

قال سبطه في المدارك: و ما ذكره (قدس سره) في حكم الناسي جيد، لكن الأظهر مساواة الجاهل له في ذلك لاشتراكهما في عدم توجه النهي إليهما و ان أثم الجاهل بتقصيره في التعلم على بعض الوجوه كما بيناه مرارا.

أقول: و ما ذكره (قدس سره) من معذورية الجاهل جيد لكنه لم يقف عليه في جميع الأحكام، و قد تقدم الكلام معه في المسألة الأولى في حكم المفطر جاهلا حيث صرح ثمة بخلاف ما ذكره هنا.

المسألة الرابعة- في بقية ما يجب الإمساك عنه و بيان الخلاف فيه

و هي ثلاثة

الأول- الكذب على الله أو رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) أو الأئمة (عليهم السلام)

و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك مع اتفاقهم على عدم الإفساد بغيره من أنواع الكذب، فنقل عن الشيخين و المرتضى في الانتصار و أبى الصلاح و ابن البراج انه يفسد الصوم و يوجب القضاء و الكفارة. و عن المرتضى في الجمل و ابن إدريس و هو المشهور بين المتأخرين عدم فساد الصوم به و ان حرم، و نقل في المختلف عن على بن بابويه انه عده في المفطرات.

احتج القائلون بعدم الإفساد كما نقله في المدارك بالأصل و الحصر المستفاد من صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1).

و فيه ان الأصل يجب الخروج عنه بالدليل الآتي، و صحيحة محمد بن مسلم المذكورة لا يمكن حملها على الحصر الحقيقي لخروج جملة من المضرات بالصوم عن ذلك

____________

(1) ص 134.

142

فالاستناد إليها لا يخلو من مجازفة.

و يدل على القول الأول الاخبار: و منها-

ما رواه الشيخ عن منصور بن يونس عن أبى بصير (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الكذبة تنقض الوضوء و تفطر الصائم. قال قلت هلكنا. قال ليس حيث تذهب انما ذلك الكذب على الله و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على الأئمة (عليهم السلام)».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن رجل كذب في شهر رمضان؟ فقال قد أفطر و عليه قضاؤه و هو صائم يقضي صومه و وضوءه إذا تعمد».

و رواه الكليني (3) و الصدوق في معاني الاخبار (4).

و ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة أيضا (5) قال: «سألته عن رجل كذب في رمضان فقال قد أفطر و عليه قضاؤه. فقلت ما كذبته؟ فقال يكذب على الله و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و ما رواه الصدوق عن منصور بن يونس عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «ان الكذب على الله و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على الأئمة (عليهم السلام) يفطر الصائم».

و ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «من كذب على الله و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو صائم نقض صومه و وضوءه إذا تعمد».

و منها- ما قدمناه في المسألة السابقة من روايتي الخصال و كتاب الفقه

____________

(1) الوسائل الباب 2 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 2 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) هذا الحديث لم يروه الكليني و انما روى في الفروع ج 1 ص 187 حديث ابى بصير المتقدم.

(4) هذا الحديث لم يروه في معاني الاخبار و انما روى فيه ص 165 حديث ابى بصير المتقدم.

(5) الوسائل الباب 2 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 2 من ما يمسك عنه الصائم.

(7) الوسائل الباب 2 من ما يمسك عنه الصائم.

143

الرضوي (1) الدالتين على ان ذلك يفطر الصائم.

و الظاهر ان ما نقله في المختلف في مسألة الارتماس و في هذه المسألة عن على ابن بابويه انه عد ذلك من المفطرات إنما هو حيث نقل عبارة كتاب الفقه المذكورة في رسالته جريا على ما عرفته في غير مقام من ما قدمناه، و لكن العلامة لم ينقل صورة عبارته و انما نقل بهذا العنوان الذي ذكرناه.

و كيف كان فطرح هذه الاخبار- من غير معارض سوى الأصل الذي ذكروه و الحصر الذي في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة مع ما عرفت فيه- لا يخلو من جرأة و لكنهم (رضوان الله عليهم) لم يستوفوا روايات المسألة، و الذي نقله في المدارك منها رواية أبي بصير الأولى و رواية سماعة الأولى ثم ردهما بضعف السند و انهما متضمنان لما أجمع العلماء على خلافه و هو نقض الوضوء بذلك و هذا من ما يضعف الخبر.

أقول: و الطعن بضعف السند عندنا غير مسموع و لا معمول عليه، و اما الطعن بتضمنهما ما أجمع العلماء على خلافه فقد صرح هو و غيره من المحققين بان طرح بعض الخبر لمعارض أقوى لا يستلزم طرح ما لا معارض له و انه يصير من قبيل العام المخصوص.

نعم يمكن أن يقال: ان ما دل على وجوب الكفارة بالإفطار متعمدا المتبادر من الإفطار فيه إنما هو الإفساد بالأكل و الشرب كما ذكره السيد السند في المدارك فيجب الحمل عليه خاصة لأن اللفظ إنما يحمل على حقيقته. و هو جيد ان ثبت ما ادعاه من ان المعنى الحقيقي للفظ الإفطار هو ما ذكره.

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الاحتياط في العمل بالقول الأول.

الثاني- الحقنة

و قد اختلف الأصحاب فيها على أقوال: فقال الشيخ المفيد

____________

(1) ص 135.

144

انها تفسد الصوم و أطلق و قال على بن بابويه لا يجوز للصائم أن يحتقن و أطلق.

و قال السيد المرتضى في الجمل: و قد ألحق قوم من أصحابنا بما ذكرناه من وجوب القضاء و الكفارة. الى أن قال: و الحقنة. و لم يفصل ايضا. ثم قال: و قال قوم ان ذلك ينقص الصوم و ان لم يبطله و هو الأشبه. و قالوا في اعتماد الحقنة و ما يتيقن وصوله الى الجوف من السعوط و في اعتماد القيء و بلع الحصى انه يوجب القضاء من غير كفارة. و قال في المسائل الناصرية: فأما الحقنة فلم يختلف في أنها تفطر. و للشيخ أقوال: قال في النهاية يكره الحقنة بالجامدات و يحرم بالمائعات. و لم يوجب بها قضاء و لا كفارة. و كذا في الاستبصار. و أوجب في الجمل و الاقتصاد القضاء بالمائعات خاصة و كره الجامدات، و كذا في المبسوط، و هو قول ابن البراج، و قال في الخلاف و الحقنة بالمائعات تفطر. و لم يذكر ابن أبى عقيل الحقنة بالمائعات و لا بالجامدات من المفطرات. و قال أبو الصلاح الحقنة يجب بها القضاء و لم يفصل. و قال ابن الجنيد يستحب له الامتناع من الحقنة لأنها تصل الى الجوف. و قال ابن إدريس تحرم الحقنة بالمائعات و لا يجب بها قضاء و لا كفارة و تكره بالجامدات. كذا نقله العلامة في المختلف، ثم اختار فيه انها مفطرة مطلقا و يجب بها القضاء خاصة.

و استوجه المحقق في المعتبر تحريم الحقنة بالمائع و الجامد دون الإفساد، و اختاره في المدارك.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة منه

ما رواه الكليني في الصحيح عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل و المرأة هل يصلح لهما ان يستدخلا الدواء و هما صائمان؟ قال لا بأس».

و رواه الشيخ أيضا بإسناده عن على بن جعفر (2) و رواه الحميري في قرب الاسناد عنه أيضا مثله (3).

و ما رواه الشيخ و الصدوق عن احمد بن محمد بن ابى نصر في الصحيح عن

____________

(1) الوسائل الباب 5 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 5 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 5 من ما يمسك عنه الصائم.

145

أبي الحسن (عليه السلام) (1) «انه سأله عن الرجل يحتقن تكون به العلة في شهر رمضان؟

فقال: الصائم لا يجوز له أن يحتقن».

و ما رواه الشيخ عن على بن الحسن عن أبيه في الموثق (2) قال: «كتبت الى أبى الحسن (عليه السلام) ما تقول في التلطف من الأشياف يستدخله الإنسان و هو صائم؟ فكتب: لا بأس بالجامد».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): «و لا يجوز للصائم أن يقطر في اذنه شيئا و لا يسعط و لا يحتقن».

و الظاهر ان عبارة على بن بابويه مأخوذة من هنا، و الظاهر انه إنما اقتصر على الحقنة لكون البحث فيها في كلامه.

هذا ما وقفت عليه من الأخبار في المسألة، و الظاهر في وجه الجمع بينها هو حمل إطلاق صحيحة على بن جعفر على موثقة الحسن بن على بن فضال، و منه يعلم نفى البأس عن الحقنة بالجامد و انه غير مضر بالصوم، و حمل صحيحة البزنطي على الحقنة بالمائع و انه غير جائز، و كذا كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه، و على هذا تجتمع الأخبار.

و ما ذكره في المدارك حيث اختار تحريم الحقنة مطلقا- من رد موثقة الحسن بن على بن فضال بان على بن الحسن و أباه فطحيان فلا يمكن التعويل على روايتهما- فهو مردود بما قدمنا نقله عنه من قبولها حيث يحتاج إليها و مدحه لهما و اطرائه عليهما بما هو مذكور في كتب الرجال في شأنهما من المدح الزائد الذي اعتمد عليه ثمة.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في المقام من الاحتمالات الركيكة

____________

(1) الوسائل الباب 5 من ما يمسك عنه الصائم و رواه الكليني بسند فيه سهل بن زياد.

(2) الوسائل الباب 5 من ما يمسك عنه الصائم و في التهذيب ج 4 ص 204 من الطبع الحديث «التلطف بالأشياف».

(3) ص 16.

146

و التشكيكات الضعيفة فلا ينبغي الالتفات اليه، مع انهما قد وافقا على ما ذكرناه حيث قال في المدارك و اقتفاه الفاضل المذكور فيه: نعم يمكن ترجيح هذا القول- و أشار به الى جواز الحقنة بالجامد- بان المتبادر من الاحتقان ما كان بالمائع فينبغي الحمل عليه و يبقى الاحتقان بالجامد على الإباحة. انتهى.

نعم يبقى الكلام في انه لو احتقن بالمائع مع دلالة الخبر على عدم جوازه فهل يكون موجبا للقضاء أو مجرد الإثم خاصة، إذ غاية مفاد عدم الجواز التحريم و ترتب القضاء عليه يحتاج الى دليل؟ اشكال و الاحتياط يقتضي القضاء.

فوائد

الأولى [صب الدواء في الإحليل]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو صب الدواء في إحليله فوصل الى جوفه، فذهب في المبسوط إلى انه يفطر و استقربه العلامة في المختلف، و الأكثر على عدم الإفطار و به صرح في الخلاف.

و احتج العلامة على الإفطار بأنه قد أوصل إلى جوفه مفطرا بأحد المسكين فإن المثانة تنفذ الى الجوف فكان موجبا للإفطار كما في الحقنة. و الظاهر ضعفه لأن الأصل صحة الصوم و إبطاله يتوقف على دليل واضح.

الثانية [تقطير الدواء في الأذن]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تقطير الدواء في الاذن و المشهور انه غير مفطر، و ذهب أبو الصلاح إلى أنه مفطر.

و الأظهر الأول

لما رواه الكليني عن حماد بن عثمان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الصائم يشتكي أذنه يصب فيها الدواء؟ قال لا بأس به».

و ما رواه في الصحيح أو الحسن على المشهور عن حماد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يصب في اذنه الدهن؟ قال: لا بأس به».

و ما رواه في الموثق عن ليث المرادي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 24 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 24 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 24 من ما يمسك عنه الصائم.

147

عن الصائم يحتجم و يصب في اذنه الدهن؟ قال لا بأس به إلا السعوط فإنه يكره».

و روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصب في اذنه الدهن؟ قال: إذا لم يدخل حلقه فلا بأس».

و الجمع بين هذه الرواية و ما تقدمها يقتضي الكراهة مع الوصول الى الحلق و لو كانت صريحة في التحريم لحملناها على التقية لأن القول بان ذلك مفطر مذهب الشافعي و أبى حنيفة و مالك و احمد (2) كما نقله في المنتهى محتجين بأنه أوصل إلى جوفه مع ذكره للصوم مختارا فأفطر كالأكل. و العلامة أجاب عن ذلك في الكتاب المذكور بأنه قد تقدم مرارا انه ليس كل واصل الى جوفه مفطرا. انتهى. و هو جيد

الثالثة [حكم الطعنة الواصلة إلى الجوف]

- قال الشيخ في المبسوط: لو طعنه غيره طعنة وصلت الى جوفه لم يفطر و ان أمره هو بذلك ففعل به أو فعل هو بنفسه أفطر.

و استقر به العلامة في المختلف و قال: لنا- انه أوصل إلى جوفه الجامد فكان كالازدراد فوجب القضاء و الأصل براءة الذمة من الكفارة. و لا يخفى ما فيه من الوهن.

الثالث- تعمد القيء

و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكمه فالأكثر على انه موجب للقضاء خاصة، و قال ابن إدريس انه لا يوجب قضاء و لا كفارة إلا انه محرم، و عن السيد المرتضى انه حكى عن بعض علمائنا قولا بأنه يوجب القضاء و الكفارة، و عن بعضهم انه ينقص الصوم و لا يبطله، قال و هو الأشبه.

____________

(1) الوسائل الباب 24 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) المغني ج 3 ص 105 و بدائع الصنائع ج 2 ص 93 و بداية المجتهد ج 1 ص 280 و 281 و قال في المجموع ج 6 ص 314: لو قطر في اذنه ماء أو دهنا أو غيرهما فوصل الى الدماغ فوجهان: أصحهما يفطر و به قطع المصنف و الجمهور.

148

و الأظهر هو ما عليه الأكثر، و يدل عليه من الأخبار

ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا تقيأ الصائم فعليه قضاء ذلك اليوم فان ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه».

و ما رواه عن الحلبي- بإسنادين صحيحين و في أحدهما إبراهيم بن هاشم المعدود حديثه في الحسن على المشهور- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا تقيأ الصائم فقد أفطر و ان ذرعه من غير أن يتقيأ فليتم صومه».

و ما رواه الشيخ عن عبد الله بن بكير في الموثق عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من تقيأ متعمدا و هو صائم قضى يوما مكانه».

و ما رواه عن سماعة في الموثق (4) قال: «سألته عن القيء في رمضان قال ان كان شيء يبدره فلا بأس و ان كان شيء يكره نفسه عليه أفطر و عليه القضاء».

و روى الصدوق عن سماعة في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) نحوا منه.

و في الموثق إلى مسعدة بن صدقة و هو عامي عن أبى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (6) انه قال: «من تقيأ متعمدا و هو صائم فقد أفطر و عليه الإعادة فإن شاء الله عذبه و ان شاء غفر له. و قال: من تقيأ و هو صائم فعليه القضاء».

و ربما قيل بان مقتضى صحيحة الحلبي و رواية مسعدة ان القيء مفطر و من تعمد الإفطار لزمته الكفارة على ما دلت عليه الأخبار الكثيرة.

و أجيب بأن المتبادر من الإفطار إنما هو إفساد الصوم بالأكل و الشرب فيجب الحمل عليه خاصة، لأن اللفظ إنما يحمل على حقيقته. و قد تقدم ما فيه.

و الحق ان اشتمال هذه الأخبار على تعددها على القضاء خاصة من غير تعرض لذكر الكفارة مع ان المقام مقام البيان من ما يفيد نفى الكفارة في المسألة.

احتج ابن إدريس و المرتضى بأصالة البراءة من وجوب القضاء، و بان الصوم إمساك عن ما يصل الى الجوف لا عن ما ينفصل منه.

____________

(1) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم.

149

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح الى عبد الله بن ميمون عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء و الاحتلام و الحجامة».

و أجيب عن الأول بأن الأصل يرتفع بما ذكرنا من الأدلة. و عن الثاني بأنه اجتهاد في مقابلة النص فلا يكون مسموعا. و عن الرواية بالحمل على غير العامد جمعا. و هو جيد.

و اما ما ذكره صاحب الذخيرة في هذا المقام- من الاحتمالات حتى انه ذكر ان المسألة عنده محل اشكال- فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة و خيالاته السخيفة، بل المسألة بحمد الله ظاهرة الدليل على القول المشهور بما لا يداخله القصور و لا الفتور.

و هو إنما يصول في هذا الموضع و نحوه بصحيحة محمد بن مسلم (2) الدالة على حصر المبطل للصيام في الأربعة المذكورة فيها الدالة على نفي الابطال و القضاء في هذه المسألة و نحوها.

و ليت شعري ما يقول في جملة من المواضع المتقدمة التي اتفقت فيها الأخبار و كلمة الأصحاب على الإفساد، فإن خصصها بها فللقائل أن يخصصها أيضا بأخبار هذه المسألة و نحوها، و إلا فليقتصر في مبطلات الصوم على الأربعة المذكورة فيها.

و المشهور انه لو ذرعه أى سبقه بغير اختياره فلا شيء فيه، و ظاهر كلام المدارك الاتفاق عليه.

و نقل في المختلف عن ابن الجنيد ان القيء يوجب القضاء خاصة إذا تعمد فان ذرعه لم يكن عليه شيء إلا أن يكون القيء من محرم فيكون فيه إذا ذرع القضاء و إذا استكره القضاء و الكفارة. و يدفعه ما تقدم من الأخبار.

المسألة الخامسة- في ما يستحب الإمساك عنه

و هو أمور

الأول- النساء

____________

(1) الوسائل الباب 29 من ما يمسك عنه الصائم. و أبو عبد الله (ع) برؤية عن أبيه (ع) و قد تقدم ص 128.

(2) ص 134.

150

تقبيلا و لمسا و ملاعبة، كذا أطلقه أكثر الأصحاب.

و خصه جماعة منهم- كالمحقق في المعتبر و العلامة في التذكرة، و اليه مال في المدارك و الذخيرة- بمن يحرك ذلك شهوته.

و هو الظاهر من الأخبار و منها-

ما رواه الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن رجل يمس من المرأة شيئا أ يفسد ذلك صومه أو ينقضه؟ فقال ان ذلك يكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المنى».

و ما رواه عن منصور بن حازم في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الصائم يقبل الجارية و المرأة؟ فقال اما الشيخ الكبير مثلي و مثلك فلا بأس و اما الشاب الشبق فلا لأنه لا يؤمن و القبلة إحدى الشهوتين. قلت فما ترى في مثلي تكون له الجارية فيلاعبها؟ فقال لي انك لشبق يا أبا حازم كيف طعمك؟

قلت ان شبعت أضرني و ان جعت أضعفني. قال كذلك أنا. فكيف أنت و النساء؟

قلت و لا شيء. قال و لكني يا أبا حازم ما أشاء شيئا أن يكون ذلك منى إلا فعلت».

و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم و زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) (3) «انه سئل هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان؟ فقال انى أخاف عليه فليتنزه عن ذلك إلا ان يثق أن لا يسبقه منيه».

و ما رواه في الفقيه (4) قال: «سأل سماعة أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان؟ فقال ما لم يخف على نفسه فلا بأس».

الى غير ذلك من الاخبار و في جملة من الأخبار ما يدل على الرخصة في ذلك مثل

ما رواه في الفقيه مرسلا (5) قال: «سئل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الرجل يقبل امرأته و هو صائم؟ قال هل هي إلا ريحانة يشمها».

و ما رواه في التهذيب عن ابى بصير (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

____________

(1) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الفروع ج 1 ص 191 و في الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

151

الرجل يضع يده على جسد امرأته و هو صائم؟ فقال: لا بأس و ان أمذى فلا يفطر».

و ما رواه أيضا عن ابى بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الصائم يقبل امرأته؟ قال نعم و يعطيها لسانه تمصه».

و ما رواه عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل الصائم إله أن يمص لسان المرأة أو تفعل المرأة ذلك؟ قال لا بأس».

و الجمع بين هذه الأخبار و بين ما تقدمها ممكن بحمل هذه على ما إذا وثق بنفسه كما تقدمت الإشارة إليه في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم فلا كراهة حينئذ، و اما بالحمل على أصل الجواز و ان كره ذلك مطلقا كما هو ظاهر الأكثر أو بالنسبة الى من لا يثق بنفسه كما هو ظاهر الاخبار المتقدمة.

و في بعض الأخبار ما يدل على المنع مطلقا و لعله الحجة لظاهر قول الأكثر مثل

ما رواه عبد الله بن جعفر في كتاب قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له أن يقبل أو يلمس و هو يقضى شهر رمضان؟ قال لا».

و مثله

روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن المرأة هل يحل لها ان تعتنق الرجل في شهر رمضان و هي صائمة فتقبل بعض جسده من غير شهوة؟ قال لا بأس.

قال: و سألته عن الرجل هل يصلح له و هو صائم في رمضان أن يقلب الجارية فيضرب على بطنها و فخذها و عجزها؟ قال ان لم يفعل ذلك بشهوة فلا بأس به و اما بشهوة فلا يصلح».

و يمكن الجمع بينها و بين ما تقدم بحمل الأخبار المتقدمة على تأكد الكراهة و ان كان أصل الكراهة يحصل بدون ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 34 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 33 من ما يمسك عنه الصائم.

152

و اما

ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن رفاعة (1)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لامس جارية في شهر رمضان فأمذى؟ قال ان كان حراما فليستغفر الله استغفار من لا يعود أبدا و يصوم يوما مكان يوم» و زاد في التهذيب (2) «و ان كان من حلال فليستغفر الله و لا يعود و يصوم يوما مكان يوم».

-

فقد نسبه الشيخ في التهذيبين الى الشذوذ و مخالفته لفتوى أصحابنا كلهم ثم الى وهم الراوي ثم حمله على الاستحباب. و لا يخفى ما في الوجهين الأخيرين و الوجه إرجاعه إلى قائله فهو أعلم بما قال.

الثاني- الاكتحال بما فيه مسك أو يصل الى الحلق

، و الروايات في هذه المسألة مختلفة:

فمنها- ما يدل على الترخص مطلقا مثل

ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن محمد ابن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «في الصائم يكتحل؟ قال: لا بأس به ليس بطعام و لا شراب».

و رواه الكليني في الحسن على المشهور و الصحيح على المختار عن سليم الفراء عن غير واحد عن أبى جعفر (عليه السلام) مثله (4).

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الحميد بن أبى العلاء عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) قال «لا بأس بالكحل للصائم».

و ما رواه عن ابن أبى يعفور (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الكحل

____________

(1) الوسائل الباب 55 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ج 2 ص 272 و 320 من الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 55 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم. و يظهر منه ان الشيخ يرويه من غير طريق الكليني أيضا كما يظهر ذلك ايضا من الاستبصار ج 2 ص 89.

(4) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

153

للصائم؟ فقال: لا بأس به انه ليس بطعام يؤكل».

و ما رواه عن الحسين بن ابى غندر (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اكتحل بكحل فيه مسك و أنا صائم؟ فقال: لا بأس به».

و ما رواه عن غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «لا بأس بالكحل للصائم و كره السعوط».

و رواية عبد الله بن ميمون عن أبى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (3) في حديث «انه كان لا يرى بأسا بالكحل للصائم».

و منها- ما يدل على المنع مطلقا مثل

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (4) «انه سئل عن الرجل يكتحل و هو صائم؟ فقال: لا انى أتخوف عليه أن يدخل رأسه».

و ما رواه عن الحسن بن على (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصائم إذا اشتكى عينه يكتحل بالذرور و ما أشبهه أم لا يسوغ له ذلك؟ فقال لا يكتحل».

و ما رواه الكليني عن سعد بن سعد الأشعري في الصحيح عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن من يصيبه الرمد في شهر رمضان هل يذر عينه بالنهار و هو صائم؟ قال يذرها إذا أفطر و لا يذرها و هو صائم».

و منها- ما يدل على التفصيل: مثل

ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (7) «انه سئل عن المرأة تكتحل و هي صائمة؟ فقال:

إذا لم يكن كحلا تجد له طعما في حلقها فلا بأس».

و ما رواه الكليني و الشيخ عن سماعة في الموثق (8) قال: «سألته عن الكحل

____________

(1) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 7 و 25 من ما يمسك عنه الصائم. و في الباب 7 انهى الرواية الى على (ع) و في التهذيب ج 4 ص 214 كما هنا و الباب 25.

(3) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(7) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(8) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم. و الشيخ يرويه عن الكليني.

154

للصائم؟ فقال: إذا كان كحلا ليس فيه مسك و ليس له طعم في الحلق فليس به بأس».

و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) كان لا يرى بأسا بالكحل للصائم إذا لم يجد طعمه».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): و لا بأس بالكحل إذا لم يكن ممسكا، و قد روى فيه رخصة فإنه يخرج على عكدة لسانه.

و نقل ابن إدريس في كتاب السرائر هذه العبارة عن على بن بابويه في رسالته فقال: و قال ابن بابويه في سألته: و لا بأس بالكحل ما لم يكن ممسكا، و قد روى فيه رخصة لأنه يخرج على عكدة لسانه.

أقول: يمكن الجمع بين هذه الأخبار بالحكم بالقسم الثالث على القسمين الأولين فتحمل أخبار الرخصة مطلقا على ما إذا لم يجد له طعما في الحلق و لم يكن ممسكا و يكون ذلك جائزا من غير كراهة و اخبار المنع على ما إذا كان كذلك فيكون مكروها.

و جمع بعضهم بينها بحمل أخبار الترخص على الجواز المطلق و حمل أخبار المنع على الكراهة و حمل اخبار التفصيل على شدة الكراهة.

و الظاهر ان ما ذكرناه أقرب لأن الجمع بين الأخبار بحمل مطلقها على مقيدها هو الشائع الذائع و تكون اخبار التفصيل سندا لهذا الجمع.

و إنما حملنا ذلك على الكراهة مع كون ظاهر النهى فيها التحريم لما علل به (عليه السلام) نفى البأس في بعض الاخبار الأولة من أنه ليس بطعام و لا شراب.

الثالث- السعوط

و قد قيده جملة من الأصحاب بما لا يتعدى الى الحلق.

و قد اختلف كلام الأصحاب فيه فقال الشيخ في الخلاف و النهاية و الجمل و الاقتصاد:

____________

(1) الوسائل الباب 25 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ص 26.

155

و السعوط مكروه. و أطلق و فصل في المبسوط فقال انه مكروه سواء بلغ الدماغ أو لم يبلغ إلا ما ينزل الى الحلق فإنه يفطر و يوجب القضاء. و قال ابن الجنيد و الصدوق في المقنع لا بأس به. و قال في كتاب من لا يحضره الفقيه: و لا يجوز للصائم ان يستعط. و أوجب المفيد و سلار فيه القضاء و الكفارة. و قال السيد المرتضى:

و قد ألحق قوم من أصحابنا بما ذكرناه في وجوب القضاء و الكفارة. الى أن قال:

و السعوط، و قال قوم انه ينقص الصوم و ان لم يبطله و هو الأشبه. و اختار ابن إدريس انه لا يوجب قضاء و لا كفارة، و قال أبو الصلاح و ابن البراج انه يوجب القضاء خاصة.

كذا نقله العلامة في المختلف ثم قال: و الأقرب عندي انه إذا وصل الى الحلق متعمدا وجب القضاء و الكفارة و إلا فلا، ثم استدل على ذلك فقال: لنا- انه أوصل إلى حلقه المفطر متعمدا فكان عليه القضاء و الكفارة كما لو أوصل إلى حلقه لقمة، و لو لم يوصل لم يكن عليه شيء لأن الصوم عبادة شرعية انعقدت على الوجه المأمور به شرعا فلا تبطل إلا بحكم شرعي و لم يثبت.

أقول: والدي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة رواية غياث بن إبراهيم المتقدمة قريبا (1) و قوله فيها: «و كره السعوط».

و رواية ليث المرادي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يحتجم و يصب في اذنه الدهن؟ قال: لا بأس إلا السعوط فإنه يكره».

و رواية كتاب الفقه الرضوي المتقدمة في المسألة الرابعة (3) و قوله فيها:

«لا يجوز للصائم أن يقطر في اذنه شيئا و لا يسعط».

____________

(1) ص 153.

(2) الوسائل الباب 24 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) ص 145.

156

و ظاهر هذه الأخبار- ان حملنا الكراهة على المعنى المشهور و كذا عدم الجواز في عبارة كتاب الفقه الرضوي على ذلك- هو الكراهة مطلقا وصل الى الحلق أم لم يصل.

و ما ذكره في المختلف تعليلا لإيجاب القضاء و الكفارة- بأنه أوصل إلى حلقه المفطر متعمدا، و كذا ظاهر كلام من قيد الكراهة بما لا يتعدى الى الحلق الدال بمفهومه على المنع من المتعدي- فيه انه لم يقم دليل على كون مطلق الإيصال للحلق مفسدا، كيف و ظاهر كلامهم في مسألة الكحل الحكم بالكراهة في ما يجد له طعما في حلقه دون الإفساد، و الحكم في المسألتين من باب واحد.

و ان حملنا الكراهة على معنى التحريم- كما هو أحد معنييها في الأخبار فإنها بهذا المعنى شائعة ذائعة في الأخبار و يؤيده ظاهر عبارة كتاب الفقه- أشكل الأمر و كان ذلك مؤيدا لمن قال ببطلان الصوم في المسألة و بالجملة فالمسألة غير واضحة الدليل كما لا يخفى.

الرابع- السواك بالرطب

نص عليه الشيخ و الحسن بن أبى عقيل على ما نقله في الدروس، و المشهور بين الأصحاب الجواز من غير كراهة.

و يدل على الأول

ما رواه الشيخ عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«لا يستاك الصائم بعود رطب».

و ما رواه عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يستاك الصائم أي النهار شاء و لا يستاك بسواك رطب».

و في الصحيح أو الحسن على المشهور عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن الصائم أ يستاك بالماء؟ قال: لا بأس به و لا يستاك بسواك رطب».

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (4) «انه كره للصائم

____________

(1) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

157

أن يستاك بسواك رطب. و قال: لا يضر أن يبل سواكه بالماء ثم ينفضه حتى لا يبقى فيه شيء».

و في الموثق عن عمار بن موسى عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الصائم ينزع ضرسه؟ قال: لا و لا يدمي فاه و لا يستاك بعود رطب».

و من ما يدل على الجواز

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ يستاك الصائم بالماء و بالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال:

لا بأس به».

و ما رواه عن موسى بن أبى الحسن الرازي عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «سأله بعض جلسائه عن السواك في شهر رمضان قال: جائز. فقال بعضهم ان السواك تدخل رطوبته في الجوف. فقال ما تقول في السواك الرطب تدخل رطوبته في الحلق؟ فقال الماء للمضمضة أرطب من السواك بالرطب. فان قال قائل لا بد من الماء للمضمضة من أجل السنة فلا بد من السواك من أجل السنة التي جاء بها جبرئيل إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روى في كتاب قرب الاسناد بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «قال على (عليه السلام): لا بأس بأن يستاك الصائم بالسواك الرطب في أول النهار و آخره. فقيل لعلى (عليه السلام) في رطوبة السواك فقال المضمضة بالماء أرطب منه. فقال على (عليه السلام) فان قال قائل لا بد من المضمضة لسنة الوضوء قبل له فإنه لا بد من السواك للسنة التي جاء بها جبرئيل (عليه السلام)».

أقول: لا يخفى ما في هذه الأخبار من الإشعار بأن مجرد وصول الطعم الى الحلق من أي الأجسام كان فإنه غير مضر بالصوم، و فيه تأييد لما ذكرناه في مسألة السعوط من أن وصول طعمه إلى الحلق غير مضر و لا مفسد للصيام.

هذا. و اما ما يدل على جواز السواك بقول مطلق فهو كثير لا حاجة الى التطويل بنقله.

____________

(1) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 28 من ما يمسك عنه الصائم.

158

الخامس- الحجامة مع خوف الضعف

، و يدل على ذلك جملة من الاخبار:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن سعيد الأعرج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصائم يحتجم؟ فقال لا بأس إلا أن يتخوف على نفسه الضعف».

و في الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصائم أ يحتجم؟ فقال إني أتخوف عليه اما يتخوف على نفسه؟ قلت ما ذا يتخوف عليه؟ قال الغشيان أو تثور به مرة. قلت: أ رأيت ان قوى على ذلك و لم يخش شيئا؟

قال نعم ان شاء».

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«لا بأس بأن يحتجم الصائم إلا في رمضان فإني أكره أن يغرر بنفسه إلا أن لا يخاف على نفسه، و انا إذا أردنا الحجامة في شهر رمضان احتجمنا ليلا».

الى غير ذلك من الأخبار التي على هذا النحو.

و الأصحاب قد عبروا في هذه المسألة بإخراج الدم المضعف و كأن التعدية الى غير الحجامة من باب تنقيح المناط نظرا الى ظاهر التعليل، فإنه يقتضي تعدية الحكم الى غيرها من ما سواها في المعنى.

و في حكمه أيضا دخول الحمام إذا خيف منه الضعف

لما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) (4) «انه سئل عن الرجل يدخل الحمام و هو صائم؟ فقال: لا بأس ما لم يخش ضعفا».

السادس- الريحان

و هو لغة كل نبت طيب الريح خصوصا النرجس، و كراهة شم الرياحين من ما ظاهرهم الاتفاق عليه، قال في المنتهى: و هو قول علمائنا أجمع.

و يدل عليه من الأخبار

ما رواه الشيخ عن الحسن بن راشد عن ابى عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 26 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 26 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 26 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 27 من ما يمسك عنه الصائم.

159

(عليه السلام) (1) قال: «الصائم لا يشم الريحان».

و عن الحسن الصيقل عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول؟ فقال: لا و لا يشم الريحان».

و في رواية أخرى للحسن بن راشد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قلت: «الصائم يشم الريحان؟ قال: لا لأنه لذة و يكره له ان يتلذذ».

و قال الصدوق في الفقيه (4): «و كان الصادق (عليه السلام) إذا صام لا يشم الريحان فسئل عن ذلك فقال انى أكره أن أخلط صومي بلذة».

و رواه في كتاب العلل مسندا (5).

و روى الصدوق مرسلا (6) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) عن المحرم يشم الريحان؟ قال لا. قيل و الصائم؟ قال لا. قيل يشم الصائم الغالية و الدخنة؟ قال نعم. قيل كيف حل له أن يشم الطيب و لا يشم الريحان؟ قال: لان الطيب سنة و الريحان بدعة للصائم».

و اما ما يدل على تأكد ذلك في النرجس

رواية محمد بن الفيض (7) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) ينهى عن النرجس للصائم فقلت: جعلت فداك لم ذلك؟ فقال:

انه ريحان الأعاجم».

قال في

الكافي (8) بعد نقل هذه الرواية: و أخبرني بعض أصحابنا ان الأعاجم كانت تشمه إذا صاموا و قال انه يمسك الجوع.

و ذكر الشيخ المفيد ان ملوك العجم كان لهم يوم معين يصومونه و يكثرون فيه شم النرجس فنهوا (عليهم السلام) عن ذلك خلافا لهم.

و الحق العلامة في المنتهى بالنرجس المسك لشدة رائحته،

و لما رواه الشيخ عن غياث عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (9) قال: «ان عليا (عليه السلام) كره المسك

____________

(1) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(7) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(8) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(9) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم. و الشيخ يرويه عن الكليني.

160

أن يتطيب به الصائم».

و اما ما يدل على الجواز فأخبار عديدة: منها-

ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن ابن الحجاج في الصحيح (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصائم يشم الريحان أم لا ترى ذلك له؟ فقال: لا بأس به».

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصائم يشم الريحان و الطيب؟ قال لا بأس به».

قال

في الكافي (3) و روى انه لا يشم الريحان لأنه يكره له أن يتلذذ به.

و ما رواه الشيخ عن سعد بن سعد (4) قال: «كتب رجل الى ابى الحسن (عليه السلام) هل يشم الصائم الريحان يتلذذ به؟ فقال (عليه السلام): لا بأس به».

و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «الصائم يدهن بالطيب و يشم الريحان».

و الظاهر انه لا خلاف نصا و فتوى في استحباب الطيب للصائم عدا المسك لما تقدم.

و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن الحسن بن راشد (6) قال: «كان أبو عبد الله (عليه السلام) إذا صام يتطيب بالطيب و يقول الطيب تحفة الصائم».

و رواه الصدوق عن الحسن بن راشد مثله (7).

و روى الصدوق مرسلا (8) قال: «قال الصادق (عليه السلام) من تطيب بطيب أول النهار و هو صائم لم يكد يفقد عقله».

و رواه في كتاب ثواب الأعمال مسندا (9).

و الظاهر ان المراد من قوله (عليه السلام) «لم يكد يفقد عقله» انه لقوة دماغه لا يسفه على أحد للضعف الحاصل من الصوم.

____________

(1) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(6) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(7) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(8) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(9) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

161

و روى في الخصال عن الحسن بن على (عليه السلام) (1) قال: «تحفة الصائم أن يدهن لحيته و يجمر ثوبه و تحفة المرأة الصائمة أن تمشط رأسه و تجمر ثوبها و كان أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) إذا صام يتطيب و يقول: الطيب تحفة الصائم».

و نحوه ما تقدم في الاخبار المتقدمة.

السابع- بل الثوب على الجسد

، و يدل عليه

رواية الحسن بن راشد (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الحائض تقضى الصلاة؟ قال لا. قلت تقضى الصوم؟

قال نعم قلت من أين جاء هذا؟ قال ان أول من قاس إبليس. قلت: فالصائم يستنقع في الماء؟ قال نعم. قلت فيبل ثوبا على جسده؟ قال لا. قلت من أين جاء هذا؟

فقال من ذاك».

و عن الحسن الصيقل عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الصائم يلبس الثوب المبلول؟ فقال: لا».

و عن عبد الله بن سنان (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

لا تلزق ثوبك الى جسدك و هو رطب و أنت صائم حتى تعصره».

و من ما يدل على ان ذلك على جهة الكراهة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «الصائم يستنقع في الماء و يصب على رأسه و يتبرد بالثوب و ينضح المروحة و ينضح البوريا تحته و لا يغمس رأسه في الماء».

الثامن- جلوس المرأة في الماء

، و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن حنان بن سدير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الصائم يستنقع في الماء فقال

____________

(1) الوسائل الباب 32 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم.

(5) التهذيب ج 4 ص 26 و في الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم. و تراجع الاستدراكات.

(6) التهذيب ج 4 ص 263 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم. و اللفظ «سألت أبا عبد الله (ع).» و الشيخ يرويه عن الكليني.

162

لا بأس و لكن لا ينغمس فيه، و المرأة لا تستنقع في الماء لأنها تحمل الماء بفرجها».

قال في المعتبر: و حنان المذكور واقفي لكن روايته حسنة مشهورة فتحمل على الكراهة كما اختاره الشيخان.

و قال أبو الصلاح: إذا جلست المرأة في الماء الى وسطها لزمها القضاء. و نقل عن ابن البراج انه أوجب الكفارة أيضا بذلك. و هما ضعيفان.

و ألحق الشهيد في اللمعة بالمرأة الخنثى و الخصى الممسوح لمساواتهما لها في العلة.

و فيه تأمل.

التاسع- الشعر

و لم يذكره أكثر الأصحاب في مكروهات الصيام، و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: تكره رواية الشعر للصائم و المحرم و في الحرم و في يوم الجمعة و ان يروى بالليل. قال قلت: و ان كان شعر حق؟ قال و ان كان شعر حق».

و بالإسناد عن حماد بن عثمان و غيره عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«لا ينشد الشعر بالليل و لا ينشد الشعر في شهر رمضان بليل و لا نهار. فقال له إسماعيل: يا أبتاه فإنه فينا قال و ان كان فينا».

و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن حماد مثله (3) و رواه الصدوق مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (4).

أقول: لا يخفى أن بإزاء هذين الخبرين من الأخبار ما هو ظاهر في المدافعة و المناقضة بالنسبة الى ما كان شعر حق من ما كان متضمنا لحكمة أو وعظ أو مدح أهل البيت (عليهم السلام) أو رثائهم، و لهذا ان أصحابنا (رضوان الله عليهم) قد خصوا الكراهة بالنسبة إلى كراهة إنشاد الشعر في المسجد أو يوم الجمعة أو نحو ذلك من الأزمنة الشريفة و البقاع المنيفة بما كان من الإشعار الدنيوية الخارجة عن ما ذكرناه، و ممن صرح بذلك شيخنا الشهيد في الذكرى و الشهيد الثاني في جملة من شروحه و المحقق الشيخ على و السيد السند في المدارك.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 13 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 13 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 13 من آداب الصائم.

163

و من الأخبار الظاهرة في ما ذكرناه

صحيحة على بن يقطين (1) «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن إنشاد الشعر في الطواف فقال: ما كان من الشعر لا بأس به فلا بأس به».

و مورد الخبر كما ترى في الطواف مع تصريح الخبر الأول بمنع المحرم منه و في الحرم.

و ما رواه الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (2) في الصحيح عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من قال فينا بيت شعر بنى الله له بيتا في الجنة».

و روى فيه أيضا (3) بسنده فيه عنه (عليه السلام) قال: «ما قال فينا قائل بيتا من الشعر حتى يؤيد بروح القدس».

و روى فيه أيضا (4) عن الحسن بن الجهم قال: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «ما قال فينا مؤمن شعرا يمدحنا به إلا بنى الله تبارك و تعالى له مدينة في الجنة أوسع من الدنيا سبع مرات يزوره فيها كل ملك مقرب و نبي مرسل».

و نحوها ما ورد في مراثي الحسين (عليه السلام) (5).

و هي كما ترى دالة على ان ذلك من أفضل الطاعات و أشرف العبادات.

و قد روى الصدوق أيضا في كتاب إكمال الدين و إتمام النعمة (6) قال: حدثنا أبي (رحمه الله) قال: حدثنا سعد بن عبد الله عن احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن ابن محبوب عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) قال «بينا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ذات يوم بفناء الكعبة يوم افتتح مكة إذ أقبل إليه وفد فسلموا عليه فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من القوم؟ قالوا وفد بكر بن وائل. قال فهل

____________

(1) الوسائل الباب 54 من الطواف، و هو نقل بالمضمون.

(2) ج 1 ص 7.

(3) ج 1 ص 7.

(4) ج 1 ص 7.

(5) البحار ج 10 ص 166 و سفينة البحار ج 1 ص 509.

(6) ص 99 و 100.

164

عندكم علم من خبر قس بن ساعدة الأيادي؟ قالوا بلى يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال فما فعل؟ قالوا مات. ثم ساق الحديث الى ان قال: ثم قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) رحم الله قسا يحشر يوم القيامة أمة واحدة، ثم قال: هل فيكم أحد يحسن من شعره شيئا؟

قال بعضهم سمعته يقول:

في الأولين الذاهبين * * * من القرون لنا بصائر

لما رأيت مواردا * * * للموت ليس لها مصادر

و رأيت قومي نحوها * * * تمضى الأصاغر و الأكابر

لا يرجع الماضي الى * * * و لا من الباقين غابر

أيقنت انى لا محالة * * * حيث صار القوم صائر

. الحديث.

فانظر الى هذا الخبر فإنه مع صحته صريح في جواز إنشاد شعر هذا الحكيم بين يديه (صلى اللّٰه عليه و آله) في المسجد الحرام و أمره (صلى اللّٰه عليه و آله) بذلك.

و روى أمين الإسلام الشيخ أبو على الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي في كتاب الآداب الدينية للخزانة المعينية (1) عن خلف بن حماد قال: «قلت للرضا (عليه السلام) ان أصحابنا يروون عن آبائك (عليهم السلام) ان الشعر ليلة الجمعة و يوم الجمعة و في شهر رمضان و في الليل مكروه و قد هممت أن أرثي أبا الحسن (عليه السلام) و هذا شهر رمضان فقال إرث أبا الحسن (عليه السلام) في ليالي الجمع و في شهر رمضان و في سائر الأيام فإن الله عز و جل يكافئك على ذلك».

و بالجملة فالظاهر هو تخصيص الكراهة في جميع ما ورد فيه كراهة إنشاد الشعر من زمان شريف أو مكان منيف بما ذكرناه آنفا، و لا يبعد عندي حمل المبالغة في الخبرين المتقدمين على التقية.

العاشر- في جمل من المنهيات التي وردت بها الأخبار

و ان لم يذكرها أصحابنا (رضوان الله عليهم) في هذا المقام، و قد تقدم جملة منها في الفائدة

____________

(1) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

165

السادسة من الفوائد المذكورة في صدر الكتاب:

و منها ايضا- الجدال و الجهل و الحلف

لما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل ابن يسار عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا صام أحدكم الثلاثة الأيام في الشهر فلا يجادلن أحدا و لا يجهل و لا يسرع الى الايمان و الحلف بالله و ان جهل عليه أحد فليتحمل».

و رواه الكليني و الصدوق مثله (2).

المطلب الثالث- في من يصح منه و من لا يصح

و فيه مسائل

الأولى [صحته من المكلف المسلم غير المتضرر به الطاهر من الحيض و النفاس]

- إنما يجب الصيام لو كان واجبا و يصح مطلقا من المكلف المسلم غير المتضرر به الطاهر من الحيض و النفاس،

[حكم الصبي و المجنون]

فلا يجب و لا يصح من الصبي و لا المجنون و لا المغمى عليه و لا الكافر و لا الحائض و لا النفساء و لا المريض.

اما انه لا يجب و لا يصح من الصبي و لا المجنون فهو من ما لا خلاف فيه نصا و فتوى، لأن التكليف يسقط مع عدم العقل، و قد نقل عن العلامة و غيره ان الجنون إذا عرض في أثناء النهار لحظة واحدة أبطل صوم ذلك اليوم، و نقل عن الشيخ انه ساوى بينه و بين الإغماء في الصحة مع سبق النية، قال في المدارك: و لا يخلو من قرب. و المسألة غير منصوصة و الاحتياط في الوقوف على الأول.

[الإسلام شرط الوجوب أو الصحة؟]

و اما انه لا يجب على الكافر فهو الظاهر عند جملة من محدثي متأخري المتأخرين و هو الظاهر عندي، خلافا للمشهور من أن الكافر مخاطب بالفروع و ان لم تصح منه إلا بالإسلام، و مرجعه الى أن الإسلام عندهم شرط في الصحة لا في الوجوب.

و المفهوم من الاخبار كما قدمنا تحقيقه في باب غسل الجنابة انه شرط في الوجوب.

و من الأخبار الدالة على اشتراط الإسلام

ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح

____________

(1) الوسائل الباب 12 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 12 من آداب الصائم.

166

عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه؟ قال ليس عليه إلا ما أسلم فيه».

و زاد في الفقيه (2) «و ليس عليه أن يقضى ما قد مضى منه».

و ما رواه في الكافي عن مسعدة بن صدقة عن أبى عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (3) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول في رجل أسلم في نصف شهر رمضان انه ليس عليه إلا ما يستقبل».

و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح من بعضهم عن العيص بن القاسم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيام هل عليهم أن يقضوا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال ليس عليهم قضاء و لا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر».

و اما

ما رواه الشيخ في التهذيب عن الحلبي (5)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلم بعد ما دخل في شهر رمضان أياما؟ فقال ليقض ما فاته».

-

فقد حمله الشيخ على ما إذا فاته بعد الإسلام لعارض من مرض أو جهل بالوجوب أو غير ذلك، و حمله بعضهم على الاستحباب.

و كما دلت هذه الأخبار على سقوط الأداء دلت على سقوط القضاء ايضا. نعم ذهب الشيخ (قدس سره) في المبسوط على ما نقل عنه إلى انه متى أسلم قبل الزوال يصوم و ان تركه قضاه وجوبا، و قواه المحقق في المعتبر لإطلاق الأمر بالصوم و بقاء وقت النية على وجه يسرى حكمها إلى أول النهار كالمريض و المسافر. و ظاهر

____________

(1) الوسائل الباب 22 من أحكام شهر رمضان، و الراوي في الفروع و التهذيب هو الحلبي و في الفقيه ج 2 ص 80 هكذا: «سئل الصادق ع» و قال في الوسائل: «و رواه الصدوق مرسلا» و يمكن أن يكون وصف الطريق بالصحة في رواية الصدوق بلحاظ ان نسبة السؤال و الجواب اليه (ع) يكشف عن وصوله اليه بطريق صحيح.

(2) الوسائل الباب 22 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 22 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 22 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 22 من أحكام شهر رمضان.

167

صحيحة العيص المتقدمة يرده حيث قيد القضاء بالإسلام قبل الفجر.

[هل الإغماء مخل بصحة الصوم]

و اما انه لا يصح من المغمى عليه فهو المشهور بين الأصحاب لتصريحهم بأنه يفسد بحصول الإغماء في جزء من اجزاء النهار كالجنون، و قال الشيخ المفيد في المقنعة: فإن استهل الشهر عليه و هو يعقل فنوى صيامه و عزم عليه ثم أغمي عليه و قد صام شيئا منه أو لم يصم ثم أفاق بعد ذلك فلا قضاء عليه لأنه في حكم الصائم بالنية و العزيمة على أداء الفرض. و نحوه قال الشيخ في الخلاف.

احتج العلامة في المنتهى على ما اختاره من القول المشهور بأنه بزوال عقله يسقط التكليف عنه وجوبا و ندبا فلا يصح منه الصوم مع سقوطه، و بان كل ما أفسد الصوم إذا وجد في جميعه أفسده إذا وجد في بعضه كالجنون و الحيض، و بان سقوط القضاء يستلزم سقوط الأداء في الصوم و الأول ثابت على ما يأتي فيتحقق الثاني.

و لا يخفى ما في هذه الأدلة من الوهن و عدم الصلوح لابتناء الأحكام الشرعية لو كانت صحيحة فكيف و وجوه الطعن عليها متجهة.

اما الأول فبالمنع من الملازمة فإن النائم غير مكلف قطعا مع ان صومه لا يفسد بذلك إجماعا.

و اما الثاني فبالمنع من كون الإغماء في جميع النهار مفسدا للصوم مع سبق النية بل ذلك محل النزاع فكيف يجعل دليلا؟

و اما الثالث فبان سقوط القضاء يجامع صحة الأداء و فساده كما ان وجوبه يجامع وجوب الأداء و عدمه، لأنه فرض مستأنف منفك عن الأداء فيتوقف على الدليل و ينتفي بانتفائه، و حينئذ فلا يكون في سقوط القضاء دلالة على سقوط الأداء.

و الحق انه مع قيام الأدلة كما سيأتي ان شاء الله تعالى في المقام على سقوط القضاء عن المغمى عليه مطلقا فالنزاع في صحة صومه هنا و بطلانه مع تقديم النية لا ثمرة

168

فيه إلا باعتبار ترتب الثواب عليه عند الله تعالى و عدمه، فان قلنا بأن الإغماء لا يبطله في صورة تقديم النية كان مستحقا للثواب عليه و ان قلنا بالإبطال فلا ثواب و حينئذ فليس في النزاع هنا كثير فائدة. و الله سبحانه العالم بصحته أو بطلانه يعامله بما علم من ذلك.

قيل: و الحق ان الصوم ان كان عبارة عن مجرد الإمساك عن الأمور المخصوصة مع النية كما هو المستفاد من العمومات وجب الحكم بصحة صوم المغمى عليه إذا سبقت منه النية كما اختاره الشيخان، و ان اعتبر مع ذلك وقوعه بجميع اجزائه على وجه الوجوب أو الندب بحيث يكون كل جزء من أجزائه موصوفا بذلك اتجه القول بفساد ذلك الجزء الواقع في حال الإغماء، لأنه لا يوصف بوجوب و لا ندب و يلزم من فساده فساد الكل لأن الصوم لا يتبعض. إلا ان ذلك منفي بالأصل و منقوض بالنائم فإنه غير مكلف قطعا مع ان صومه لا يفسد بذلك إجماعا. كذا ذكره السيد السند في المدارك أقول: لقائل أن يختار الشق الأخير و هو أن يعتبر مع ذلك وقوعه بجميع أجزائه على وجه الوجوب أو الندب لكن لا مطلقا بل مع الإمكان فلا ينافيه حصول الغفلة أو النسيان عن ذلك و لا الإغماء و لا النوم و يصير حكم الإغماء كهذه الأشياء المذكورة، و حينئذ فيمكن الحكم بالصحة في موضع البحث. و سيأتي في كلامه (قدس سره) في مسألة النوم ما يؤيد ما قلناه هنا.

[عدم وجوبه على الحائض و النفساء و عدم صحته منهما]

و اما انه لا يجب على الحائض و النفساء و لا يصح منهما سواء حصل العذر قبل الغروب أو انقطع بعد الفجر فهو موضع وفاق بين الأصحاب كما ذكروه.

و يدل عليه روايات: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم البجليّ عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة طمثت في شهر رمضان قبل ان تغيب الشمس؟ قال: تفطر حين تطمث».

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 393 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 25 ممن يصح منه الصوم.

169

و في الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة أصبحت صائمة فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت أ تفطر؟ قال نعم و ان كان وقت المغرب فلتفطر. قال: و سألته عن امرأة رأت الطهر في أول النهار في شهر رمضان فتغتسل و لم تطعم كيف تصنع في ذلك اليوم؟ قال: تفطر ذلك اليوم فإنما إفطارها من الدم».

و ما رواه ابن بابويه عن أبى الصباح الكناني عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «في امرأة أصبحت صائمة فلما ارتفع النهار أو كان العشاء حاضت انفطر؟ قال:

نعم و ان كان قبل المغرب فلتفطر. و عن امرأة ترى الطهر في أول النهار من شهر رمضان و لم تغتسل و لم تطعم شيئا كيف تصنع بذلك اليوم؟ قال: إنما فطرها من الدم».

و في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة تلد بعد العصر أ تتم ذلك اليوم أم تفطر؟ فقال: تفطر ثم تقضى ذلك اليوم».

[عدم صحته من المريض مع تضرره به]

و اما انه لا يصح من المريض مع التضرر به فهو من ما لا خلاف فيه نصا و فتوى في ما أعلم، و يتحقق الضرر الموجب للإفطار بزيادة المرض بسبب الصوم أو بطوء البرء أو حصول المشقة التي لا يتحمل مثلها عادة أو حدوث مرض آخر و المرجع في ذلك كله الى الظن الغالب سواء استند إلى امارة أو تجربة أو قول عارف و ان لم يكن عدلا.

و يدل على وجوب الإفطار في هذه المسألة قوله عز و جل: «وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً. الآية» (4).

و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن حريز عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم و الشيخ برؤية عن الكليني.

(2) الفقيه ج 2 ص 94 و في الوسائل الباب 25 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 26 ممن يصح منه الصوم.

(4) سورة البقرة الآية 182.

(5) الوسائل الباب 19 و 20 ممن يصح منه الصوم.

170

«الصائم إذا خاف على عينيه من الرمد أفطر.

و قال: كل ما أضربه الصوم فالإفطار له واجب».

و في الصحيح عن بكر بن محمد الأزدي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سأله ابى و أنا أسمع عن حد المرض الذي يترك الإنسان فيه الصوم؟ قال: إذا لم يستطع أن يتسحر».

و في الموثق عن ابن بكير عن زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر فيه الرجل و يدع الصلاة من قيام؟ فقال: بل الإنسان على نفسه بصيرة (3) هو أعلم بما يطيقه».

و في الموثق عن سماعة (4) قال: «سألته ما حد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الإفطار كما يجب عليه في السفر «مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ»؟ قال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر و ان وجد قوة فليصمه كان المرض ما كان».

و في الصحيح عن جميل بن دراج عن الوليد بن صبيح (5) قال: «حممت بالمدينة في شهر رمضان فبعث الي أبو عبد الله (عليه السلام) بقصعة فيها خل و زيت و قال:

أفطر وصل و أنت قاعد».

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن سليمان بن عمرو عن أبى عبد الله (عليه السلام) (6)

____________

(1) الوسائل الباب 20 ممن يصح منه الصوم.

(2) الفقيه ج 2 ص 83 و في الوسائل الباب 20 ممن يصح منه الصوم.

(3) قال الله تعالى في سورة القيامة الآية 15 بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ.

(4) الوسائل الباب 20 ممن يصح منه الصوم. و الرواية للكليني في الفروع ج 1 ص 195 و يرويها الشيخ عنه في التهذيب ج 4 ص 256 من الطبع الحديث.

(5) الوسائل الباب 18 ممن يصح منه الصوم.

(6) الوسائل الباب 19 ممن يصح منه الصوم.

171

قال: «اشتكت أم سلمة عينها في شهر رمضان فأمرها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أن تفطر و قال عشاء الليل لعينك ردى».

و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: و قال (عليه السلام): «كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب».

و اما ما رواه الشيخ في التهذيب عن عقبة بن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2)- «في رجل صام شهر رمضان و هو مريض؟ قال يتم صومه و لا يعيد».

- فحمله في التهذيب على مرض لا يضر معه الصوم غير بالغ الى حد وجوب الإفطار.

تفريعان

الأول [هل يباح الإفطار للصحيح الذي يخشى المرض بالصيام؟]

- قال العلامة في المنتهى: الصحيح الذي يخشى المرض بالصيام هل يباح له الإفطار؟ فيه تردد ينشأ من وجوب الصوم بالعموم و سلامته عن معارضة المرض، و من كون المريض إنما أبيح له الفطر لأجل الضرر به و هو حاصل هنا لأن الخوف من تجدد المرض في معنى الخوف من زيادته و تطاوله. انتهى.

و يمكن ترجيح الوجه الثاني بعموم قوله عز و جل وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (3) و بقوله يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (4) و قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز المتقدمة

و رواية الفقيه (5) «كل ما أضر به الصوم فالإفطار له واجب».

و يؤيده أيضا ان أصل المرض مع عدم بلوغه حد الإضرار لا يكون مبيحا

____________

(1) الوسائل الباب 20 ممن يصح منه الصوم. و هو عين ما تقدم في ذيل صحيح حريز و ليس حديثا غيره.

(2) الوسائل الباب 22 ممن يصح منه الصوم.

(3) سورة الحج الآية 78.

(4) سورة البقرة الآية 182.

(5) ظاهره (قدس سره) ان هذا اللفظ أورده الصدوق في الفقيه بطريقين مع ان الأمر ليس كذلك فان ما ذكره في ذيل صحيحة حريز هو الذي ذكره بنحو الإرسال كما تقدم.

172

للإفطار و إنما يبيح الإفطار خوف التضرر بزيادته أو نحوها من ما قدمناه، فاصل المرض و الصحيح الذي ليس بمريض بالكلية أمر واحد، و بالجملة فإن أصل المرض لا مدخل له حتى يتجه ما ذكره من وجوب الصوم بالعموم و سلامته من معارضة المرض، فإن الذي أوجب الإفطار إنما هو المتجدد بالصيام فهذا هو المعارض و هو هنا حاصل.

الثاني- لو صح من مرضه قبل الزوال و لم يتناول شيئا

وجب عليه الصوم و ان كان بعد الزوال أو كان تناول شيئا استحب له الإمساك تأديبا على المشهور، و نقل عن الشيخ المفيد الوجوب أيضا و ان وجب عليه القضاء.

اما وجوب الصوم في الصورة الأولى فاستدل عليه العلامة في المنتهى و التذكرة و قبله المحقق في المعتبر بأنه قبل الزوال يتمكن من أداء الواجب على وجه تؤثر النية في ابتدائه فوجب. و لا يخفى ما في هذا الاستدلال من الوهن و الاختلال و قال في المدارك: و يدل عليه فحوى ما دل على ثبوت ذلك في المسافر فان المريض أعذر منه. و فيه ما عرفت في ما تقدم في بحث النية.

و بالجملة فحيث كانت المسألة عارية من النص في هذا المجال فهي لا تخلو من الاشكال.

و اما عدم الوجوب في الصورة الثانية فاما في صورة التناول فلا اشكال فيه لبطلان الصوم بذلك، و اما في صورة ما بعد الزوال فعللوه بفوات وقت النية، و هو محل إشكال أيضا فإنه قد تقدم النقل عن ابن الجنيد القول بجواز تجديد النية و لو بعد الزوال، و عليه تدل ظواهر جملة من الأخبار المتقدمة ثمة.

و بالجملة فإن المسألة في كل من الطرفين غير خالية من شوب الاشكال.

احتج الشيخ المفيد على ما نقل عنه من وجوب الإمساك و ان أفطر بأنه وقت يجب فيه الإمساك على غير المريض و التقدير برؤه فيه.

و أجاب عنه في المختلف بأنه إنما يجب الإمساك على الصحيح لوجوب صوم

173

ابتدأ به اما على تقدير عدمه فلا.

الثانية [صحة صوم النائم إذا سبقت منه النية]

- الظاهر انه لا خلاف في أن النائم إذا سبقت منه النية و ان استمر نومه في جميع النهار فان صومه صحيح لتحقق الصوم الذي هو عبارة عن الإمساك عن تعمد المفطر مع النية.

و يدل عليه الأخبار الكثيرة و منها-

ما رواه الكليني بسنده عن الحسن بن صدقة (1) قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام) قيلوا فان الله يطعم الصائم و يسقيه في منامه».

و رواه الصدوق مرسلا (2) و في ثواب الأعمال مسندا (3).

و روى الشيخ المفيد في المقنعة (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نوم الصائم عبادة و نفسه تسبيح».

قال: و قال الصادق (عليه السلام) (5) «الصائم في عبادة و ان كان نائما على فراشه ما لم يغتب مسلما».

و رواه الشيخ مرسلا (6) و رواهما الصدوق (7) و قال ابن إدريس ان النائم غير مكلف بالصوم و ليس صومه شرعيا. و غلطه العلامة في المختلف قال: لأنه بحكم الصائم و لا تسقط عنه التكاليف بنومه لزوال عذره سريعا. انتهى.

قيل: و مراد ابن إدريس ان الإمساك في حال النوم لا يوصف بوجوب و لا ندب و لا يوصف بالصحة لكنه بحكم الصحيح في استحقاق الثواب عليه للإجماع

____________

(1) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم، و هو يرويه عن الصادق (ع) عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) راجع المقنعة ص 49 و رواه الكليني في الفروع ج 1 ص 180 و الشيخ في التهذيب ج 4 ص 190.

(5) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم، و هو كسابقه يرويه عن الصادق «ع» عن رسول الله «ص».

(6) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم، و قد رواه و ما قبله كما تقدم عن الكليني راجع الفروع ج 1 ص 180 و التهذيب ج 4 ص 190.

(7) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم.

174

القطعي على ان النوم لا يبطل الصوم.

أقول: فيه أولا- انه لا يخفى بعد انطباق كلام ابن إدريس على هذا المذكور و ثانيا- ان ما ادعاه من أن صوم النائم لا يوصف بالصحة و إنما هو بحكم الصحيح مبنى على تعريفهم الصوم بما ذكروه من أنه الإمساك عن تعمد الإفطار مع النية، و هذا التعريف مجرد اصطلاح منهم (رضوان الله عليهم) و لا أثر له في النصوص، و من الجائز بناء على هذا التعريف أيضا اختصاص ذلك بغير الغافل و الساهي و النائم و المغمى عليه و نحوهم و هذا التعريف خرج بناء على الغالب المتكثر فلا منافاة.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك انه لا يعرف خلافا ممن يعتد به من العامة (1) و الخاصة في أن النوم غير مبطل للصوم و لا مانع منه، و لانه لو أبطله لحرم النوم على الصائم اختيارا حيث يجب المضي فيه و هو خلاف الإجماع و النصوص الدالة على إباحته بل المجازاة عليه في الآخرة

كما روى ان نوم الصائم عبادة و نفسه تسبيح (2).

و نقل عن ابن إدريس ان النائم غير مكلف بالصوم و ليس صومه شرعيا و قد عرفت فساده. ثم قال (فان قيل) النائم غير مكلف لانه غافل

و لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) «رفع القلم عن ثلاثة.».

و عد منهم النائم حتى يستيقظ، و قد أطبق المحققون في الأصول على استحالة تكليفه و ذلك يقتضي عدم وقوع الجزء الحاصل وقت النوم شرعيا لأنه غير مكلف به، و يلحقه باقي النهار لأن الصوم لا يقبل التجزئة في اليوم الواحد، و هذا يؤيد ما ذكره ابن إدريس بل يقتضي عدم جواز النوم اختيارا على الوجه المذكور (قلنا) تكليف النائم و الغافل و غيرهما ممن يفقد شروط التكليف قد ينظر فيه من حيث الابتداء بمعنى توجه الخطاب الى المكلف بالفعل و أمره بإيقاعه على الوجه المأمور به بعد الخطاب، و قد ينظر فيه من حيث

____________

(1) راجع المغني ج 3 ص 98 و المجموع ج 6 ص 345.

(2) ص 173.

(3) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات و سنن البيهقي ج 8 ص 264.

175

الاستدامة بمعنى انه لو شرع في الفعل قبل النوم و الغفلة و غيرهما ثم عرض له ذلك في الأثناء، و القسم الأول لا إشكال في امتناع التكليف به عند المانع من تكليف ما لا يطاق من غير فرق بين أنواع الغفلة، و هذا هو المعنى الذي أطلق الأكثر من الأصوليين و غيرهم امتناعه كما يرشد الى ذلك دليلهم عليه و ان أطلقوا الكلام فيه، لأنهم احتجوا عليه بان الإتيان بالفعل المعين لغرض امتثال الأمر يقتضي العلم به المستلزم للعلم بتوجه الأمر و نحوه، فان هذا الدليل غير قائم في أثناء العبادة في كثير من الموارد إجماعا إذ لا تتوقف صحتها على توجه الذهن إليها فضلا عن إيقاعها على الوجه المطلوب كما سنبينه. و اما الثاني فالعارض قد يكون مخرجا عن أهلية الخطاب و التهيؤ له أصلا كالجنون و الإغماء على أصح القولين و هذا يمنع استدامة التكليف كما يمنع ابتداءه، و قد لا يخرج عن ذلك كالنوم و السهو و النسيان مع بقاء التعقل، و هذه المعاني و ان منعت من ابتداء التكليف بالفعل لكن لا تمنع من استدامته إذا وقع على وجهه. انتهى.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بأنه غير جيد فان كلام الأصوليين مطلق في امتناع تكليف الغافل، و كذا الدليل الذي عولت عليه الإمامية في امتناع ذلك من كونه قبيحا عقلا لجريانه مجرى تكليف البهائم و الجمادات صريح في سقوط التكاليف كلها عنه و كذا حديث رفع القلم. و بالجملة فالمستفاد من الأدلة العقلية و النقلية عدم تكليف الغافل بوجه و انه لا فرق بين المجنون و المغمى عليه و النائم في ذلك، لاشتراك الجميع في تحقق الغفلة المقتضية لقبح التكليف معها سواء في ذلك الابتداء و الاستدامة. على ان اللازم من كون النائم مكلفا بالاستدامة كونه آثما بالإخلال بها و هو باطل ضرورة. و كيف كان فلا ضرورة الى ما ارتكبه الشارح (قدس سره) من التكلف في هذا المقام بعد ثبوت عدم منافاة النوم للصوم بالنص و الإجماع. انتهى.

أقول: الظاهر ان ما ذكره (قدس سره) في الإيراد على جده (طاب ثراه)

176

لا يخلو من شيء، و ذلك فان مبنى كلام جده بالنسبة إلى القسم الثاني و هو عروض هذه الأشياء في الاستدامة على الفرق بين ما يبطل به الصيام- من الجنون و السكر و نحوهما الإغماء على ما اختاره من حيث انها مزيلة للعقل كما صرح به جده في صدر كلامه في الكتاب المذكور، و كل ما كان مزيلا للعقل عندهم فهو مخرج عن أهلية التكليف و مبطل للعبادة- و بين ما لا يبطل به من النوم و السهو و النسيان فإنها غير مزيلة للعقل و إنما تغطى الحواس الظاهرة و تعطلها و تبطل التمييز و العقل معها باق على حاله، فهذه ان عرضت في الابتداء فلا إشكال عنده كما ذكره في حصول العذر بها لامتناع التكليف بالفعل من حيث الغفلة و الخطاب لا يتوجه الى الغافل لامتناع تكليفه لأنه من باب تكليف ما لا يطاق و هو منفي عقلا و نقلا، و ان عرضت بعد أن انعقد الفعل و صح فلا وجه لبطلان الفعل إذ الإبطال في الصورة السابقة إنما هو من حيث زوال العقل و الحال ان العقل هنا موجود، و ليس هنا إلا توهم وجوب الاستدامة و الاستدامة الفعلية منفية إجماعا بل الحكمية في الصوم على ما صرح به السيد و جده في ما تقدم، فلا موجب لبطلان الصوم بعد الحكم بصحته أولا.

و اما ما ذكروه من ما قدمنا نقله عنهم قريبا- من أنه يجب نية الوجوب أو الندب في كل جزء جزء من نهار الصوم، و هنا يمتنع تكليفه بذلك من حيث الغفلة لامتناع تكليف الغافل فيبطل هذا الجزء من اليوم و يبطل بذلك بقية اليوم لأن الصوم لا يتبعض- فلم يقم عليه دليل، و حينئذ فيكون صومه حال النوم و النسيان بعد انعقاده بالنية السابقة صحيحا و القول ببطلانه يتوقف على الدليل و ليس فليس.

الثالثة [استحباب تمرين الصبي على الصوم و مبدأه]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه يستحب تمرين الصبي على الصوم قبل البلوغ، قال الشيخ في النهاية: و يستحب ان يؤخذ الصبيان بالصيام إذا أطاقوه و بلغوا تسع سنين و ان لم يكن واجبا عليهم و لم يتعرض لما قبل التسع و ظاهره ان مبدأ الأمر لهم بذلك كمال التسع، و نقل عنه في المختلف انه قال في المبسوط ان مبدأ ذلك بعد تمام سبع سنين، و عن الشيخ المفيد انه يؤخذ بالصيام

177

إذا بلغ الحلم أو قدر على صيام ثلاثة أيام متتابعات قبل أن يبلغ الحلم، بذلك جاءت الآثار. و قال ابن الجنيد يستحب أن يعود الصبيان و ان لم يبلغوا الصيام و يؤخذوا إذا أطاقوا صيام ثلاثة أيام تباعا. و عن ابني بابويه يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه فإن أطاق إلى الظهر أو بعده صام الى ذلك الوقت و إذا غلب عليه الجوع و العطش أفطر، و إذا صام ثلاثة أيام ولاء أخذ بصوم الشهر كله.

و استقرب في المختلف ما ذهب إليه في المبسوط.

أقول: و الظاهر ان السبب في اختلاف هذه الأقوال هو اختلاف الأخبار الواردة في هذه المسألة:

و منها-

صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بنى سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم ما كان الى نصف النهار أو أكثر من ذلك أو أقل فإذا غلبهم العطش و الغرث أفطروا حتى يتعودوا الصوم و يطيقوه، فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء تسع سنين بما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش أفطروا».

أقول: و الغرث بالغين المعجمة و الراء المهملة و الثاء المثلثة: الجوع.

و روى هذا الخبر في الفقيه أيضا مرسلا عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2).

و روى فيه أيضا مرسلا (3) قال: «قال الصادق (عليه السلام) الصبي يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه فإن أطاق إلى الظهر أو بعده صام الى ذلك الوقت فإذا غلب عليه الجوع و العطش أفطر».

____________

(1) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم. و اللفظ فيه مطابق لما ورد في الوافي باب (صيام الصبيان و متى يؤخذون به و فيه هكذا: «إذا كانوا في سبع سنين» و حيث ان الوارد في غيره من كتب الحديث «بنى سبع» أوردناه كذلك.

(2) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم.

178

و روى في الكافي و التهذيب عن السكوني عن أبى عبد الله عن أبيه عن على (عليهم السلام) (1) قال: «الصبي إذا أطاق أن يصوم ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان».

و روى في الكافي و الفقيه في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألته عن الصبي متى يصوم؟ قال: إذا قوى على الصيام».

و روى في التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) «انه سئل عن الصبي متى يصوم؟ قال: إذا أطاقه».

و روى الثلاثة في كتبهم الثلاثة في الصحيح عن معاوية بن وهب (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في كم يؤخذ الصبي بالصيام؟ قال: ما بينه و بين خمس عشرة و أربع عشرة سنة فان هو صام قبل ذلك فدعه، و لقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته».

قال في الفقيه: و هذه الأخبار كلها متفقة المعاني يؤخذ الصبي بالصيام إذا بلغ تسع سنين إلى أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة و الى الاحتلام، و كذلك المرأة إلى الحيض. و وجوب الصيام عليهما بعد الاحتلام و الحيض و ما قبل ذلك تأديب. انتهى.

أقول: و لعل من جعل التمرين بعد السبع أخذ بصدر صحيحة الحلبي و من ناطه بالتسع أخذ بعجزها مع المرسلة المنقولة عن الفقيه، و لعله الأظهر لكثرة الأخبار به زيادة على ما نقلناه، و لدلالة صحيحة الحلبي على ان الأمر بعد السبع إنما هو لأولادهم (عليهم السلام) و الذي أمروا به شيعتهم إنما هو بعد التسع، و من

____________

(1) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم، و قد رواه في الفروع ج 1 ص 197 عن ابى عبد الله «ع» و في التهذيب ج 4 ص 281 الطبع الحديث عن ابى عبد الله عن أبيه عن على «ع» و ص 326 عن ابى عبد الله عن أبيه «ع» و في الفقيه ج 2 ص 76 عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق «ع» و اللفظ هنا مطابق لما ورد ص 281 من التهذيب.

(2) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 29 ممن يصح منه الصوم.

179

قيد بصيام ثلاثة أيام متتابعة أخذ برواية السكوني.

و اما ما نقله في المختلف عن ابني بابويه فهو عين عبارة

كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (1): و اعلم ان الغلام يؤخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيقه فإن أطاق إلى الظهر أو بعده صام الى ذلك الوقت، فان غلب عليه الجوع و العطش أفطر، و إذا صام ثلاثة أيام ولاء يأخذه بصيام الشهر كله.

انتهى.

و اما ما ذكره المحقق في الشرائع- من انه يمرن الصبي و الصبية على الصوم قبل البلوغ و يشدد عليهما لسبع مع الطاقة- فلم نقف له على دليل و الروايات كما عرفت منها ما دل على السبع أو التسع أو القدرة على ثلاثة أيام متواليات أو الإطاقة و القوة على الصيام، و الذي يتلخص من الجمع بينها و ضم بعضها الى بعض هو ان مراتب الأطفال في القوة و الضعف و الإطاقة و عدمها متفاوتة و بلوغ التسع أعلى المراتب بمعنى إمكان ذلك و تيسره من الجميع، و اما ما قبلها فالمراتب فيه متفاوتة فبعض يكلف قبل السبع لاطاقته ذلك و بعض بوصولها و بعض بعدها و هكذا.

و ما صرحت به رواية السكوني من الوجوب فهو محمول على تأكد الاستحباب للإجماع نصا و فتوى على اناطة الوجوب الشرعي بالبلوغ، و من المحتمل قريبا حمل الخبر المذكور على التقية فإنه منقول عن أحمد محتجا

بما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) قال: «إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام شهر رمضان».

ثم لا يخفى ان مورد الأخبار المتقدمة إنما هو الصبي خاصة و الأصحاب قد

____________

(1) ص 25.

(2) الإنصاف ج 3 ص 281، و قال ابن قدامة الحنبلي في المغني ج 3 ص 154 بعد ان ذكر عدم الوجوب حتى يبلغ: و ذهب بعض أصحابنا إلى إيجابه على الغلام المطيق له إذا بلغ عشرا لما روى. ثم نقل الرواية المذكورة في المتن و قال بعد ذلك: و المذهب الأول و استدل لذلك بحديث رفع القلم. و ارجع الى نيل الأوطار ج 4 ص 211.

180

عمموا الحكم في الصبي و الصبية فذكروهما معا، و عللوه بأن المقتضي في الصبي موجود في الصبية. و لا يخلو من توقف إذ من الجائز اختصاص الحكم بالصبي خاصة كما لا يخفى.

و اما البحث في كون صوم الصبي هنا شرعيا يستحق عليه الثواب أو تمرينيا فقد تقدم الكلام فيه في الموضع العاشر (1) من المطلب الأول.

[إذا نوى الصبي الصوم ثم بلغ في الأثناء]

بقي هنا شيء و هو انه نقل في المختلف عن الشيخ في الخلاف انه قال: الصبي إذا نوى الصوم ثم بلغ في الأثناء وجب عليه الإمساك. و نقل عنه انه قال في كتاب الصلاة منه: إذا دخل في الصوم ثم بلغ أمسك بقية النهار تأديبا و ليس عليه قضاء. ثم قال في المختلف: و الوجه هو الثاني و هو اختيار ابن الجنيد و ابن إدريس، لنا- ان الصوم عبادة لا تقبل التجزئة و هو في أول النهار لم يكن مكلفا به فلا يقع التكليف به في باقيه.

احتج بأنه بالغ مكلف يصح منه الصوم و قد انعقد صومه شرعا في أول النهار فيجب عليه إتمامه. و الجواب المنع من شرعية صومه و انعقاده. انتهى.

أقول: قد صرح جملة من الأصحاب بان من فروع الخلاف في صوم الصبي بأنه تمريني أو شرعي الاتصاف بالصحة و البطلان فيتصف على الثاني دون الأول، و ترتب الثواب و عدمه فيترتب على الثاني دون الأول، و الاجتزاء به لو بلغ في أثناء النهار فإنه ينوي الوجوب و يصح صومه على الثاني دون الأول.

و الظاهر ان الشيخ في كتاب صوم الخلاف إنما صرح بوجوب الإمساك بناء على كون الصوم عنده شرعيا و العلامة لما كان مذهبه في المختلف انه تمريني ادعى منافاة أول اليوم لآخره و ادعى انه في الأول غير مكلف فلا يقع التكليف به في باقيه. و فيه نظر قد أوضحناه في ما تقدم في الموضع المشار اليه آنفا، مع انه في المنتهى اختار كون صومه صحيحا شرعيا فقال: و لا خلاف بين أهل العلم في شرعية ذلك. الى أن قال: فكان صومه ثابتا في نظر الشرع، و إذا ثبت ذلك فان صومه

____________

(1) ص 53 الموضع الحادي عشر.

181

صحيح شرعي و نيته صحيحة و ينوي الندب لأنه الوجه الذي يقع عليه فعله فلا ينوي غيره. ثم نقل عن أبي حنيفة انه ليس بشرعي و إنما هو إمساك عن المفطرات للتأديب (1) قال: و فيه قوة.

و بالجملة فالأحوط في صورة البلوغ في أثناء اليوم لو كان صائما انه يتمه وجوبا و كذا في الصلاة ثم يأتي بهما بعد ذلك أيضا أداء أو قضاء.

الرابعة [تحديد البلوغ]

- البلوغ الذي يترتب عليه التكليف وجوبا بالصوم و غيره إنما يعلم بإنبات الشعر الخشن على العانة أو خروج المنى كيف كان يقظة أو نوما بجماع أو غير جماع- و هذا من ما يشترك فيه الذكور و الإناث- و الحيض أو الحبل بالنسبة الى النساء، إلا ان هذين في الحقيقة إنما هما دليلان على سبق البلوغ و حصوله، و قيل في الإنبات انه كذلك أيضا، و قيل انه بنفسه دليل على البلوغ كالمني- و السن و بلوغ التسع بمعنى كمالها في الأنثى على المشهور، و نقل عن الشيخ في كتاب الصوم من المبسوط بلوغ العشر مع انه في كتاب الحجر من الكتاب المذكور وافق المشهور، و كذا نقل القول بالعشر عن ابن حمزة، و الخمس عشرة كذلك في الذكر على المشهور، و عن ابن الجنيد بلوغ أربع عشرة سنة كما نقله عنه في المختلف و نقل عنه في المهذب انه من ثلاثة عشر إلى أربعة عشر. و في المدارك انه لا خلاف في تحقق البلوغ بإكمال الخمس عشرة و إنما الخلاف في ما دونه فقيل بالاكتفاء ببلوغ أربع عشرة سنة، و قيل بالاكتفاء بإتمام ثلاثة عشرة سنة و الدخول في الرابعة عشرة.

و حيث كان ما عدا التحديد بالسن من ما وقع عليه الاتفاق فلا ضرورة في التطويل بذكر رواياته مع وجود ذلك في الأخبار التي نذكرها.

[روايات تحديد البلوغ بالسن]

و اما ما ورد بالتحديد بالسن فمنها-

ما رواه في الكافي عن حمزة بن حمران

____________

(1) لم أقف عليه في ما حضرني من كتبهم، و في البحر الرائق لابن نحيم الحنفي ج 2 ص 277: و اما البلوغ فليس من شرط الصحة لصحته من الصبي العاقل و لهذا يثاب عليه.

كذا في البدائع.

182

عن حمران (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامة و تقام عليه و يؤخذ بها؟ فقال: إذا خرج عنه اليتم و أدرك. قلت فلذلك حد يعرف به؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك أقيمت عليه الحدود التامة و أخذ بها و أخذت له. قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة و تؤخذ بها و تؤخذ لها؟ قال: ان الجارية ليست مثل الغلام ان الجارية إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع إليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع و أقيمت عليها الحدود التامة و أخذ لها و بها. قال: و الغلام لا يجوز أمره في الشراء و البيع و لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك».

و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر (2) نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن حمزة بن حمران عن ابى جعفر (عليه السلام) بغير واسطة حمران.

و عن يزيد الكناسي عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم و زوجت و أقيمت عليها الحدود التامة عليها و لها».

و الاخبار ببلوغ الجارية بالتسع كثيرة لا حاجة الى التطويل بنقلها، و اما القول بالعشر فلم أقف له على دليل و ان وجد فهو شاذ مأول.

و في الحسن على المشهور و الصحيح عندي عن سليمان بن خالد عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث «في غلام صغير لم يدرك ابن عشر سنين زنى بامرأة محصنة؟ قال: لا ترجم لأن الذي زنى بها ليس بمدرك و لو كان مدركا رجمت».

و صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة (5) المتضمنة لأنه يؤخذ الصبي بالصيام ما بينه و بين خمس عشرة سنة و اربع عشرة سنة.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات.

(2) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات.

(3) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات.

(4) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات و الباب 9 من حد الزنا.

(5) ص 178.

183

و رواية أبي حمزة الثمالي عن الباقر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: جعلت فداك في كم تجري الأحكام على الصبيان؟ قال: في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة.

قلت: فان لم يحتلم فيها؟ قال: و ان لم يحتلم فيها فإن الأحكام تجري عليه».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا بلغ الغلام أشده ثلاث عشرة سنة و دخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم و كتبت عليه السيئات و كتبت له الحسنات و جاز له كل شيء إلا أن يكون ضعيفا أو سفيها».

و الظاهر انه بظاهر هذين الخبرين أخذ ابن الجنيد، و في المختلف نقل حديث الثمالي حجة لابن الجنيد و طعن فيه بضعف السند.

و روى في الكافي و الفقيه عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة و كتبت عليه السيئة و عوقب، و إذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك و ذلك انها تحيض لتسع سنين».

و روى في التهذيب في الموثق عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سأله أبى و أنا حاضر عن قول الله تعالى حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ (5) قال: الاحتلام قال فقال يحتلم في ست عشرة و سبع عشرة سنة و نحوها. فقال إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة و نحوها؟ فقال لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات و كتبت عليه السيئات و جاز أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا. فقال و ما السفيه؟

قال: الذي يشترى الدرهم بأضعافه. قال: و ما الضعيف؟ قال الأبله».

و روى في الكافي و التهذيب عن عيسى بن زيد عن أبى عبد الله (عليه السلام) (6) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 45 من الوصايا.

(2) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

(3) الوسائل الباب 44 من الوصايا. و لم تنقل الرواية عن الفقيه نعم وردت في التهذيب أيضا ج 9 ص 184.

(4) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

(5) سورة الأحقاف الآية 15.

(6) الوسائل الباب 44 من الوصايا.

184

«قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يثغر الصبي لسبع سنين و يؤمر بالصلاة لتسع و يفرق بينهم في المضاجع لعشر و يحتلم لأربع عشرة و ينتهى طوله لإحدى و عشرين و ينتهى عقله لثمان و عشرين إلا التجارب».

و روى في التهذيب في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ فقال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة فإذا احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم، و الجارية مثل ذلك إذا أتى لها ثلاث عشرة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم».

أقول: لا يخفى ما بين هذه الأخبار من التدافع في تعيين البلوغ بالسن بالنسبة إلى الغلام.

و قد وردت أيضا أخبار في باب الوصايات و العتق دالة على صحة وصية ابن عشر سنين و عتقه و صدقته مع رشده و تمييزه (2).

و جعلها صاحب المفاتيح دالة على البلوغ بالنسبة الى هذه الأشياء و جعل البلوغ مراتب باعتبار التكليفات.

و الظاهر بعده فإنه ليس في شيء منها ما يشير الى حصول البلوغ بذلك فضلا عن التصريح به و لا صرح بذلك أحد من أصحابنا، و الظاهر منها إنما هو إرادة بيان رفع الحجر عنه في أمور خاصة متى كان مميزا و ان لم يكن بالغا.

و أكثر الأخبار التي ذكرناها دال على البلوغ بكمال ثلاث عشرة و الدخول في الرابعة عشرة، و هي دالة على ما ذهب اليه ابن الجنيد.

و يمكن ان يحمل الاختلاف في هذه الأخبار على اختلاف الناس في الفهم و الذكاء و قوة العقل و قوة البدن، و لذا ردد

في رواية الثمالي «في ثلاث عشرة أو أربع عشرة».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات.

(2) الوسائل الباب 15 من الوقوف و الباب 44 من الوصايا و الباب 56 من العتق.

185

و في صحيحة معاوية بن وهب «خمس عشرة و اربع عشرة».

و لذا تراها أيضا اختلفت في الاحتلام، فظاهر موثقة عبد الله بن سنان ان الاحتلام في ست عشرة و سبع عشرة و نحوهما، و ظاهر رواية عيسى بن زيد انه يحتلم لأربع عشرة، و ظاهر موثقة عمار انه يحتلم قبل ثلاث عشرة، إلا انه لا يبعد أن يكون هذا من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات و الغرائب كما يفهم منها أيضا من أن بلوغ الجارية إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة مع استفاضة الأخبار و اتفاق العلماء على انها تبلغ بتسع سنين أو عشر.

و لا يبعد عندي في الجمع بين الأخبار المذكورة حمل ما دل على البلوغ بخمس عشرة على الحدود و المعاملات كما هو مقتضى سياق رواية حمران و حمل ما دل على ما دون ذلك على العبادات، و يحتمل خروج بعضها مخرج التقية إلا انه لا يحضرني الآن مذهب العامة (1) في هذه المسألة. و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال.

ثم انه لا يخفى ان ظاهر عبارات الأصحاب و ظاهر الاخبار أيضا ان بلوغ الخمس عشرة موجب للبلوغ أعم من أن يكون بالدخول فيها أو بإتمامها، إلا ان شيخنا الشهيد الثاني في المسالك قال: و يعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة و التاسعة في الأنثى فلا يكفى الطعن فيها عملا بالاستصحاب و فتوى الأصحاب، و لأن الداخل في السنة الأخيرة لا يسمى ابن خمس عشرة سنة لغة و لا عرفا. و الاكتفاء بالطعن فيها وجه للشافعية (2) انتهى.

الخامسة [عدم صحة المسافر الذي يلزمه التقصير]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) عدم صحة الصوم الواجب من المسافر الذي يلزمه التقصير إلا في ما يأتي استثناؤه، و حكى المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف عن الشيخ المفيد قولا بجواز صوم ما عدا شهر رمضان

____________

(1) في المحلى ج؟ ص 88 و 90 و المغني ج 4 ص 460 تحديد البلوغ في الذكر و الأنثى بالخمس عشرة سنة الى التسع عشرة باختلاف الأقوال.

(2) لم أقف عليه في ما حضرني من كتبهم و في المحلى ج 1 ص 90 و المهذب ج 1 ص 330 و الفقه على المذاهب ج 2 ص 352 انه بإكمال خمس عشرة سنة عند الشافعي و الشافعية.

186

من الواجبات في السفر، و الظاهر انه في غير المقنعة فإن مذهبه فيها مطابق للقول المشهور. و نقل عن على بن بابويه انه جوز صوم جزاء الصيد في السفر.

و يدل على القول المشهور و هو المعتمد المنصور الأخبار المستفيضة

كصحيحة صفوان بن يحيى عن أبى الحسن (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم؟ فقال: ليس من البر الصيام في السفر».

و العبرة بعموم الجواب لا بخصوص السؤال.

و صحيحة عمار بن مروان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سمعته يقول من سافر قصر و أفطر إلا أن يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله أو رسولا لمن يعصى الله عز و جل أو في طلب شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم مسلمين».

و رواية أبان بن تغلب عن أبى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) خيار أمتي الذين إذا سافروا أفطروا و قصروا و إذا أحسنوا استبشروا و إذا أساءوا استغفروا».

و موثقة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «انه قال في من ظاهر في شعبان فلم يجد ما يعتق: ينتظر حتى يصوم رمضان ثم يصوم شهرين متتابعين. و ان ظاهر و هو مسافر أفطر حتى يقدم».

و موثقة زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الظهار من الحرة

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 217 و 218 و في الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر.

(3) الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 4 من بقية الصوم الواجب.

(5) لم أقف على رواية لزرارة بهذا المضمون و انما الوارد بهذا المضمون ثلاث روايات لمحمد بن مسلم: إحداها- رواها في الفروع ج 2 ص 117 عن محمد بن مسلم عن أحدهما (ع) و رواها في التهذيب ج 8 ص 17 عن الكليني و هي تشتمل على عدة اسئلة و فيها السؤال عن الظهار على الحرة و الأمة ثم عن الظهار في شعبان لو لم يجد ما يعتق ثم بيان حكم الظهار في السفر. ثانيها- رواها الشيخ في التهذيب ج 8 ص 322 عن محمد ابن مسلم عن أحدهما «ع» و هي تشتمل على حكم الظهار في شعبان لو لم يجد ما يعتق ثم حكم الظهار في السفر. ثالثها- رواها الشيخ في التهذيب ج 4 ص 232 عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله «ع» و هي تشتمل على السؤال عن الظهار على الحرة و الأمة ثم الظهار في شعبان لو لم يجد ما يعتق ثم الظهار في السفر. و بذلك يظهر لك أن ما نسبه الى زرارة هو جزء من موثقة محمد بن مسلم المتقدمة بلحاظ كونه عن أبى عبد الله «ع» راجع الوافي باب (كفارة الظهار ما هي؟) و الوسائل الباب 9 ممن يصح منه الصوم و الباب 4 من بقية الصوم الواجب و الباب 11 من الظهار و الباب 4 و 5 من الكفارات.

187

و الأمة؟ قال نعم و ان ظاهر و هو مسافر أفطر حتى يقدم و ان صام فأصاب ما لا يملك فليقض الذي ابتدأ فيه».

و موثقته الأخرى (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ان أمي كانت جعلت عليها نذرا ان رد الله عليها بعض ولدها من شيء كانت تخاف عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه ما بقيت، فخرجت معنا مسافرة إلى مكة فأشكل علينا لمكان النذر أ تصوم أم تفطر؟ فقال لا تصوم وضع الله عز و جل عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها. قلت فما ترى إذا هي رجعت الى المنزل أ تقضيه؟ قال لا، قلت أ فتترك ذلك؟ قال: لا لأني أخاف ان ترى في الذي نذرت فيه ما تكره».

و الظاهر ان المراد من قوله (عليه السلام) «و تصوم هي ما جعلت على نفسها» يعنى من صوم مستحب تعتاده، ففيه إشارة إلى جواز الصوم المستحب في السفر كما يأتي بيانه. و قوله: «أ فتترك ذلك» يعنى تنقض أصل النذر و تترك صيامه بعد رجوعها الى المنزل.

و موثقة عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول لله على أن أصوم شهرا أو أكثر من ذلك أو أقل فعرض له أمر لا بد له من أن يسافر أ يصوم و هو مسافر؟ قال إذا سافر فليفطر لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

188

كان أو غيره و الصوم في السفر معصية».

و رواية على بن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل جعل على نفسه صوم شهر بالكوفة و شهر بالمدينة و شهر بمكة من بلاء ابتلى به فقضى له انه صام بالكوفة شهرا و دخل المدينة فصام بها ثمانية عشر يوما و لم يقم عليه الجمال؟ فقال: يصوم ما بقي عليه إذا انتهى الى بلده».

و رواية عقبة بن خالد عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل مرض في شهر رمضان فلما بريء أراد الحج كيف يصنع بقضاء الصوم؟ قال: إذا رجع فليقضه».

و رواية سماعة (3) قال: «سألته عن الصيام في السفر فقال: لا صيام في السفر قد صام أناس على عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فسماهم العصاة فلا صيام في السفر إلا الثلاثة الأيام التي قال الله عز و جل في الحج (4)».

و رواية محمد بن حكيم (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لو ان رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه».

و صحيحة زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «لم يكن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يصوم في السفر في شهر رمضان و لا غيره و كان يوم بدر في شهر رمضان و كان الفتح في شهر رمضان».

و رواية عبد الكريم بن عمرو (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم (عليه السلام)؟ فقال: صم و لا تصم في السفر و لا العيدين

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 8 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 11 ممن يصح منه الصوم.

(4) و هو قوله تعالى في سورة البقرة الآية 193 فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ.

(5) الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(6) الوسائل الباب 11 ممن يصح منه الصوم.

(7) الوسائل الباب 11 من بقية الصوم الواجب، و الراوي كرام و يروى عنه ابن ابى عمير.

189

و لا أيام التشريق و لا اليوم الذي تشك فيه من شهر رمضان».

أقول: لعل النهى عن صوم اليوم الذي يشك فيه بنية النذر محمول على الكراهة بل الأفضل صومه من شعبان ليكون مجزئا عن شهر رمضان متى ظهر كونه منه بخلاف ما إذا صامه بنية النذر فإنه يحتاج إلى قضائه لو ظهر كونه من شهر رمضان.

و رواية القاسم بن ابى القاسم الصيقل (1) قال: «كتبت اليه يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيدي؟ فكتب اليه: قد وضع الله عنك الصيام في هذه الأيام كلها و تصوم يوما بدل يوم ان شاء الله تعالى».

و في معناها

صحيحة على بن مهزيار (2) قال: «كتب بندار مولى إدريس:

يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟

فكتب (عليه السلام) و قرأته: لا تتركه إلا من علة و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن تكون نويت ذلك. الحديث».

و صحيحة على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان و هو مسافر يقضي إذا أقام في المكان؟ قال: لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و إنما قيدنا في صدر المسألة عدم جواز الصوم بالمسافر الذي يلزمه التقصير لأن من ليس كذلك فحكمه حكم المقيم مثل كثير السفر و العاصي بسفره و من نوى اقامة عشرة أيام في غير بلده أو مر بمنزل قد استوطنه أو مضى عليه ثلاثون يوما مترددا، فإنه لا ريب في صحة الصوم من هؤلاء جميعا كما يجب عليهم إتمام الصلاة و لا خلاف فيه نصا و فتوى.

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 8 ممن يصح منه الصوم.

190

و في صحيحة معاوية بن وهب عن الصادق (عليه السلام) (1) «هما- يعنى التقصير و الإفطار- واحد: إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت».

و الكلام في ذلك قد تقدم مفصلا في كتاب الصلاة.

[ما يستثني من المنع من الصوم في السفر]

و قد استثنى الأصحاب من المنع من صوم الواجب في السفر مواضع:

أحدها- صوم ثلاثة أيام بدل الهدي

لإطلاق قوله عز و جل «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» (2).

و خصوص

صحيحة رفاعة بن موسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) الواردة في صوم هذه الأيام (3) حيث قال فيها: «يصوم و هو مسافر؟ قال نعم أ ليس هو يوم عرفة مسافرا إنا أهل بيت نقول ذلك لقول الله عز و جل فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» (4).

و موثقة الحسن بن الجهم (5) قال: «سألته عن رجل فاته صوم الثلاثة الأيام في الحج قال: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج ما لم يكن عمدا تاركا فإنه يصوم بمكة ما لم يخرج منها فان ابى جماله أن يقيم عليه فليصم في الطريق».

الى غير ذلك من الروايات الآتية ان شاء الله في محلها من كتاب الحج.

و نقل عن ابن ابى عقيل المنع من ذلك في السفر.

و

ثانيها- صوم ثمانية عشر يوما لمن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا

و عجز عن الفداء و هو بدنة:

لما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن ضريس عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: عليه بدنة

____________

(1) الوسائل الباب 15 من صلاة المسافر و الباب 4 ممن يصح منه الصوم.

(2) سورة البقرة الآية 193.

(3) الوسائل الباب 46 من أبواب الذبح من كتاب الحج.

(4) سورة البقرة الآية 193.

(5) الوسائل الباب 11 ممن يصح منه الصوم.

(6) الوسائل الباب 23 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.

191

ينحرها يوم النحر فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في اهله».

و

ثالثها- من نذر يوما معينا و شرط في نذره أن يصوم سفرا و حضرا

، و قد ذهب الشيخان و أتباعهما إلى أنه يصوم كذلك.

و استدل على ذلك

بصحيحة على بن مهزيار المتقدمة (1) و قوله فيها: «و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن تكون نويت ذلك».

و يشكل ذلك بما دلت عليه من صحة صوم النذر في المرض إذا نوى ذلك مع انه لا قائل به و الأخبار المتقدمة في عدم جواز صوم المريض صريحة في رده.

و الظاهر انه من أجل ذلك توقف المحقق في المعتبر فقال: و لمكان ضعف هذه الرواية جعلناه قولا مشهورا.

و اعترضه السيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة و غيرهما بأن الرواية صحيحة و الإضمار الذي فيها غير ضائر و كذا جهالة الكاتب، قال في الذخيرة بعد ذكر ذلك: و ما أدري لأي سبب ضعفها المحقق؟

أقول: لا يخفى ان هذا الاصطلاح الذي نوعوا عليه الأخبار إنما وقع بعد عصر المحقق في زمن العلامة (رضوان الله عليه) أو شيخه أحمد بن طاوس و ان كان قد تحدثوا به في زمانه كما يشير اليه كلامه في المعتبر إلا ان مراد المحقق كثيرا- كما يفهم من عباراته من وصف الضعيف السند بأنه حسن و الصحيح السند بأنه ضعيف- إنما هو باعتبار المتن جريا على الاصطلاح القديم كما لا يخفى على من تأمل كلامه، و قد أشرنا في مواضع من ما تقدم الى ذلك، و هذه الرواية لما دلت على جواز صوم النذر في السفر إذا نوى ذلك في نذره- مع استفاضة الأخبار بالنهي عنه في السفر مطلقا كما سيأتي ان شاء الله تعالى، و دلت على جواز صوم المريض كذلك مع الاتفاق نصا و فتوى على عدم جوازه- صار ذلك سببا في ضعفها و ردها و التوقف فيها، إلا ان الحكم اتفاقي عندهم و لا مخالف فيه ظاهرا إلا ما يظهر من كلام المحقق (قدس سره).

____________

(1) ص 189.

192

و نقل العلامة في المختلف عن على بن بابويه في رسالته و ابنه في مقنعه انهما استثنيا الصوم في كفارة صيد المحرم و صوم كفارة الإحلال من الإحرام، قال و هو إشارة إلى بدل الهدى قال و ان كان به أذى من رأسه (1) و صوم الاعتكاف.

ثم نقل عنهما في مسألة الخلاف في صوم التطوع في السفر انهما قالا: لا يصوم في السفر تطوعا و لا فرضا و استثنى من التطوع صوم ثلاثة أيام للحاجة في مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و صوم الاعتكاف في المساجد الأربعة.

و أنت خبير بان ما نقله عن ابني بابويه هنا فهو مأخوذ من

كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (2) و لا يصوم في السفر شيئا من صوم الفرض و لا السنة و لا تطوع إلا الصوم الذي ذكرناه في أول الباب من صوم كفارة صيد الحرم و صوم كفارة الإحلال في الإحرام ان كان به أذى من رأسه و صوم ثلاثة أيام لطلب الحاجة عند قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو يوم الأربعاء و الخميس و الجمعة و صوم الاعتكاف في المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و مسجد المدائن.

انتهى.

و منه يعلم ان مستند الحكم المذكور عندهما إنما هو الكتاب المشار اليه و ان من توهم عدم المستند لهما فهو ليس في محله.

و نقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) انه استثنى من الصوم الواجب الممنوع في السفر مطلق الصوم المنذور إذا علق بوقت معين فاتفق في السفر.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى؟ قال: يصومه أبدا في السفر و الحضر».

و الرواية مع ضعفها معارضة بما هو أصح و أصرح منها من ما دل على عدم الجواز في السفر عموما و خصوصا كما تقدم، و من الثاني موثقة زرارة المتقدمة

____________

(1) سورة البقرة الآية 193 فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ.

(2) ص 26.

(3) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

193

و رواية الصيقل و صحيحة على بن مهزيار المتقدمات (1) و الشيخ حمل هذه الرواية على من نذر يوما و شرط على نفسه أن يصومه في السفر و الحضر و استدل على ذلك بصحيحة على بن مهزيار المتقدمة (2).

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و الأحوط أن لا يتعرض لإيقاع النذر على هذا الوجه.

السادسة- لو نذر يوما معينا فاتفق أحد العيدين أو أيام التشريق في منى

لم يصح صومه.

و هل يجب عليه قضاؤه أم لا؟ قولان أولهما للشيخ في النهاية و موضع من المبسوط و ابن حمزة و نقل عن الصدوق ايضا، و الثاني للشيخ أيضا في موضع آخر من المبسوط و اختاره ابن البراج و أبو الصلاح و ابن إدريس و المحقق في الشرائع و العلامة في المختلف، و ظاهر الشهيد في الدروس التوقف في ذلك حيث قال بعد ذكر تحريم صوم هذه الأيام: و لو وافقت نذره لم يصمها و في صيام بدلها قولان أحوطهما الوجوب.

و يدل على وجوب القضاء ما تقدم في سابق هذه المسألة من رواية الصيقل (3)

و صحيحة على بن مهزيار (4) قال: «كتبت اليه يا سيدي رجل نذر ان يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام التشريق أو سفرا أو مرضا هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه أو كيف يصنع يا سيدي؟

فكتب (عليه السلام) اليه: قد وضع الله الصيام في هذه الأيام كلها و يصوم يوما بدل يوم ان شاء الله تعالى».

و هذه الرواية قد رواها السيد السند في المدارك بطريق صحيح عن محمد بن يعقوب و زاد فيها بعد قوله «أو أضحى» «أو يوم جمعة» ثم طعن فيها باشتمالها على

____________

(1) ص 187 و 189.

(2) ص 187 و 189.

(3) ص 187 و 189.

(4) الوسائل الباب 10 من كتاب النذر و العهد. و المكتوب اليه هو أبو الحسن (ع).

194

ما أجمع الأصحاب على خلافه من مساواة يوم الجمعة ليومي العيدين في تحريم الصوم.

و هذه الزيادة إنما هي في رواية التهذيب (1) لا في رواية الكافي (2) مع ان الشيخ في التهذيب (3) أيضا قد روى هذا المتن بعينه عن القاسم بن ابى القاسم الصيقل عنه (عليه السلام) بغير هذه الزيادة كما قدمناه (4) و الظاهر ان هذه الزيادة انما هي سهو من قلم الشيخ أو النساخ. و اما الرواية الأولى فردها بضعف السند من حيث جهالة الكاتب و المكتوب اليه. ثم نقل عن فخر المحققين بأنه أجاب عن الروايتين بالحمل على الاستحباب لأن القضاء لو كان واجبا لم يعلقه بالمشيئة بلفظ «ان» لان «أن» تختص بالمحتمل لا المتحقق. ثم رده بأنه ضعيف إذ من المعلوم ان هذا التعليق للتبرك لا للشك مع ان المندوب مساو للواجب في مشيئة الله تعالى. ثم قال: و المسألة محل تردد و لا ريب ان القضاء أولى و أحوط.

و العلامة في المختلف بعد أن اختار عدم وجوب القضاء كما قدمنا نقله عنه- قال: لنا- انه نذر صوم زمان لا ينعقد صومه فلا ينعقد نذره كما لو نذر صوم الليل و لم يعلم به. و لأن صوم العيد حرام فلا يقع قربة فلا يصح نذره و وجوب القضاء تابع للأداء. ثم نقل عن الشيخ انه احتج على وجوب القضاء برواية القاسم ابن أبى القاسم الصيقل ثم ساق الرواية. و استدل له أيضا بأنه نذر صوما على وجه الطاعة ظاهرا و لم يسلم له الزمان فكان عليه القضاء لانعقاد نذره كالمسافر. ثم أجاب عن الرواية بأنه لا يحضرني الآن حال رواتها و مع ذلك فهي مرسلة و لا تدل على المطلوب لاحتمال أن يكون الأمر بالقضاء متوجها الى المريض و المسافر أو يكون للاستحباب و لا نزاع فيه. ثم قال: و نمنع كون النذر منعقدا لأنه تناول ما لا يصح صومه و كان كما لو نذر الليل جاهلا به، و الفرق بينه و بين المسافر ظاهر لأن العيد زمان لا يقع فيه الصوم البتة و زمان السفر يصح فيه الصوم منه مع التقييد

____________

(1) ج 8 ص 305.

(2) ج 2 ص 373.

(3) ج 4 ص 234.

(4) ص 189.

195

بالسفر و من غيره من المقيمين فلهذا وجب قضاؤه لأن إفطاره ليس باعتبار عدم قبول الزمان إيقاع الصوم فيه بل للإرفاق بالمسافر. انتهى.

أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة سيما في مقابلة الاخبار خصوصا مع صحة السند في بعضها.

و قال في المنتهى: لو نذر صوم يوم بعينه فظهر انه العيد أفطر إجماعا، و هل يجب عليه قضاؤه أم لا؟ فيه تردد أقربه عدم الوجوب، لنا- انه زمان لا يصح صومه فلا يتعلق النذر به و لا أثر للجهالة لأنه لا يخرج بذلك عن كونه عيدا، و إذا لم يجب الأداء سقط القضاء: اما أولا- فلأنه إنما يجب بأمر جديد و لم يوجد. و اما ثانيا- فلأنه يتبع وجوب الأداء و المتبوع منتف فيكون منتفيا. انتهى.

و الجواب الحق ان أصل النذر لم يتعلق بالعيد و ان اتفق كونه كذلك واقعا و المبطل إنما هو الأول فإن الأحكام الشرعية إنما تبنى على الظاهر لا الواقع، فقوله- انه لا أثر للجهالة لأنه لا يخرج بذلك عن كونه عيدا- ممنوع أشد المنع لما ذكرناه و غاية ما يلزم من ذلك عدم جواز الصوم بعد اتفاق كونه يوم عيد و هو لا نزاع فيه إذا الكلام إنما هو في وجوب القضاء. و قوله- فلأنه إنما يجب بأمر جديد- صحيح و الأمر موجود في الروايتين المتقدمتين. و اما قوله- انه يتبع وجوب الأداء- فهو مناف لما ذكره أولا من قوله انه لا يجب إلا بأمر جديد. و هو من مثله (قدس سره) بعيد فان القول بتوقف القضاء على أمر جديد و لا تعلق له بالأداء مقابل للقول بكون القضاء تابعا للأداء بمعنى انه متى انتفى الأداء انتفى القضاء. اللّهمّ إلا أن يكون مراده هنا سقوط القضاء على كلا القولين.

قال شيخنا الشهيد الثاني في كتاب النذر من المسالك بعد أن أورد صحيحة على بن مهزيار حجة للشيخ و من تبعه و استدل لهم أيضا بأن اليوم المعين من الأسبوع كيوم الاثنين مثلا قد يتفق فيه العيد و قد لا يتفق فيتناوله النذر. الى أن قال:

و أجيب عن الرواية بحملها على الاستحباب لأنه لو كان واجبا لم يعلقه بالمشيئة

196

بلفظ «ان» لان «أن» مختص بالمحتمل لا بالمتحقق. ثم قال: و فيه نظر لأن من جملة المسؤول عنه ما يجب قضاؤه قطعا و هو أيام السفر و المرض و المشيئة كثيرا ما تقع في كلامهم (صلوات الله عليهم) للتبرك. و هو اللائق بمقام الجواب عن الحكم الشرعي. انتهى. و هو مؤيد لما ذكرناه و ظاهر في ما اخترناه.

و كيف كان فإنه مع وجود الروايتين المذكورتين و صراحتهما في وجوب القضاء سيما مع صحة إحداهما و عدم وجود المعارض فلا مجال للخروج عن ما دلتا عليه نعم يبقى الإشكال في انهما قد دلتا على وجوب القضاء مع اتفاق السفر في ذلك اليوم.

و مثلهما في ذلك

ما رواه في الكافي عن ابن جندب (1) قال: «سأل عباد بن ميمون و انا حاضر عن رجل جعل على نفسه نذر صوم و أراد الخروج في الحج فقال ابن جندب سمعت من رواه عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه سأله عن رجل جعل على نفسه صوم يوم يصومه فحضرته نية في زيارة أبى عبد الله (عليه السلام) قال: يخرج و لا يصوم في الطريق فإذا رجع قضى ذلك».

و روى هذه الرواية في التهذيب عن ابن جندب (2) قال: «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) ميمون و أنا حاضر. الى آخره.

و ظاهر كلام العلامة في المختلف انه لا نزاع في وجوب القضاء هنا، و به صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في كتاب النذر كما سمعته من عبارته المتقدمة، و مثله سبطه السيد السند في شرح النافع حيث صرح في شرح قول المصنف (قدس سره)- لو نذر يوما معينا فاتفق السفر أفطر و قضاه و كذا لو مرض أو حاضت المرأة أو نفست- بما صورته بعد كلام في المقام: و اما وجوب القضاء فمقطوع به في كلام الأصحاب و لم نقف على مستند سوى ما رواه الكليني. ثم ذكر رواية على ابن مهزيار (3) بطريق فيه محمد بن جعفر الرزاز ثم طعن فيها به حيث انه غير

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم. ارجع الى لاستدراكات.

(2) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم. ارجع الى لاستدراكات.

(3) ص 193.

197

موثق و طعن في متنها بما تقدم عنه في كتاب الصوم.

و بالجملة فإن الظاهر هو العمل بالروايتين المتقدمتين في وجوب القضاء في المواضع التي اشتملتا عليها من كون ذلك العيدين أو السفر أو المرض، و الأصحاب إنما اختلفوا في ما لو اتفق في العيدين و ظاهرهم الاتفاق على وجوب القضاء في السفر و المرض و هو في المرض من ما لا اشكال فيه حيث لم يرد لهما معارض في ذلك و انما الإشكال في السفر لما تقدم في موثقة زرارة الثانية من ما هو صريح في عدم وجوب القضاء.

و مثلها أيضا

ما رواه الكليني و الشيخ عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن أبى عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (1) «في الرجل يجعل على نفسه أياما معدودة مسماة في كل شهر ثم يسافر فتمر به الشهور: انه لا يصوم في السفر و لا يقضيها إذا شهد».

و لعل الترجيح للروايتين المتقدمتين لاعتضادهما بعمل الأصحاب مع إمكان التأويل في هذين الخبرين.

السابعة [صيام التطوع في السفر]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في صيام التطوع في السفر فقال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) لا يجوز ذلك إلا ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو في مشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام) قال (2) و قد روى حديث في جواز التطوع في السفر بالصيام (3) و جاءت أخبار بكراهة ذلك و انه

ليس من البر الصيام في السفر (4).

و هي أكثر و عليها العمل عند فقهاء العصابة، فمن أخذ بالحديث لم يأثم إذا أخذ به من جهة الاتباع و من عمل على أكثر الروايات و اعتمد على المشهور منها في اجتناب الصوم في السفر على وجه سوى ما عددناه كان أولى بالحق.

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

(3) سيأتي ص 199.

(4) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

198

و قال الشيخ: يكره صيام النوافل في السفر على كل حال و قد وردت رواية في جواز ذلك (1) فمن عمل بها لم يكن مأثوما إلا ان الأحوط ما قدمناه.

و قال السيد المرتضى (رضي الله عنه) في الجمل: قد اختلفت الرواية في كراهة صوم التطوع في السفر و جوازه. و لم يتعرض فيه لفتوى.

و قال ابنا بابويه: لا يصوم في السفر تطوعا و لا فرضا، و استثنى من التطوع صوم ثلاثة أيام للحاجة في مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و صوم الاعتكاف في المساجد الأربعة و قال سلار: و لا يصوم المسافر تطوعا و لا فرضا إلا ثلاثة أيام بدل المتعة و صوم يوم النذر إذا علقه بوقت الحضر و السفر و صوم ثلاثة أيام للحاجة، و قد روى جواز صوم التطوع في السفر (2).

و قال ابن حمزة: صيام النفل في السفر ضربان: مستحب و هو ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و جائز و هو ما عدا ذلك، و روى كراهة صوم النافلة في السفر (3) و الأول أثبت.

و هذه الأقوال كما ترى دائرة بين الجواز من غير كراهة و هو قول ابن حمزة و بين الجواز على الكراهة و هو المشهور و بين التحريم إلا ما استثنى و هو قول الصدوقين.

و الى القول بالتحريم يميل كلام السيد السند في المدارك حيث قال بعد نقل جملة من الأقوال في المسألة ما لفظه: و الأصح المنع من التطوع مطلقا إلا ثلاثة أيام للحاجة عند قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله). ثم أورد جملة من الأخبار الصحاح المتقدمة الدالة على ذلك بإطلاقها مثل صحيحة صفوان بن يحيى و صحيحة عمار بن مروان و صحيحة زرارة (4)

و صحيحة أحمد بن محمد (5) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الصيام

____________

(1) ستأتي ص 199.

(2) ستأتي ص 199.

(3) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

(4) ص 186 و 188.

(5) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

199

بمكة و المدينة و نحن في سفر؟ فقال فريضة؟ فقلت لا و لكنه تطوع كما يتطوع بالصلاة. فقال تقول اليوم و غدا؟ قلت نعم. فقال: لا تصم».

ثم قال: قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد أن أورد هذه الروايات: و لو خلينا و ظاهر هذه الأخبار لقلنا ان صوم التطوع في السفر محظور كما ان صوم الفريضة محظور غير انه قد ورد فيه من الرخصة ما نقلنا عن الحظر إلى الكراهة. ثم أورد في ذلك روايتين أحدهما بطريق فيه عدة من الضعفاء و المجاهيل

عن إسماعيل بن سهل عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المدينة في أيام بقين من شعبان و كان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان و هو في السفر فأفطر فقيل له أ تصوم شعبان و تفطر شهر رمضان؟ فقال نعم شعبان الي ان شئت صمته و ان شئت لا و شهر رمضان عزم من الله عز و جل على الإفطار».

و الثانية رواها بطريق ضعيف جدا

عن الحسن بن بسام الجمال عن رجل (2) قال: «كنت مع ابى عبد الله (عليه السلام) في ما بين مكة و المدينة في شعبان و هو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر فقلت له جعلت فداك أمس كان من شعبان و أنت صائم و اليوم من شهر رمضان و أنت مفطر؟ فقال ان ذلك تطوع و لنا أن نفعل ما شئنا و هذا فرض و ليس لنا ان نفعل إلا ما أمرنا».

ثم قال: و لا يخفى ان الخروج عن مقتضى الأخبار الصحيحة المستفيضة بهاتين الروايتين الضعيفتين غير جيد.

أقول: لا يخفى ان كلامه هذا إنما يتجه بناء على ثبوت هذا الاصطلاح المحدث و صحته و اما من لا يرى العمل به كاصحابنا المتقدمين و جملة من المتأخرين فلا معنى له لأنهم يحكمون بصحة الأخبار كملا و الضعف عندهم ليس باعتبار الأسانيد و إنما هو باعتبار متون الأخبار و مضامينها متى خالفت السنة المستفيضة أو القواعد المقررة أو القرآن أو نحو ذلك من الوجوه التي قرروها، و لهذا ترى الشيخين و غيرهما من المتقدمين تفادوا من طرح هذه الأخبار بحمل تلك الاخبار على الكراهة و هو

____________

(1) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

200

المشهور أيضا بين المتأخرين، على أن ما دل على الجواز ليس منحصرا في هذين الخبرين بل هو ظاهر

موثقة زرارة المتقدمة (1) لقوله (عليه السلام): «لا تصوم وضع الله عز و جل عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها».

فإنه منعها عن صوم النذر الذي هو حق الله عز و جل و رخص لها في صيام المستحب و هو ما جعلته على نفسها

و روى الشيخ في الصحيح عن سليمان الجعفري (2) قال: «سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول كان ابى (عليه السلام) يصوم يوم عرفة في اليوم الحار في الموقف و يأمر بظل مرتفع فيضرب له فيغتسل من ما يبلغ منه من الحر».

و من الاخبار الصريحة في المنع من الصوم المستحب

موثقة عمار المتقدمة (3) لقوله (عليه السلام) فيها «إذا سافر فليفطر لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره و الصوم في السفر معصية».

و نحوها صحيحة زرارة المتقدمة (4).

و نقل الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب مجمع البيان (5) قال روى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لم يكن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يصوم في السفر تطوعا و لا فريضة.

بقي الكلام في أن الجمع بين هذه الأخبار بحمل اخبار التحريم على الكراهة كما ذكروه مشكل بما قدمنا ذكره في غير موضع من أن حمل اللفظ الدال على التحريم على الكراهة و إخراجه عن حقيقته مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة و وجود المعارض من الأخبار ليس قرينة على ذلك. و أيضا فإن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بالدليل الواضح و اختلاف الاخبار ليس بدليل على ذلك. و لعل اخبار الجواز إنما خرجت مخرج التقية كما هو الغالب في اختلاف الأخبار، فإن ذلك هو المناسب لمذهب العامة (6) حيث ان أخبار المنع معتضدة بعمل الطائفة قديما و حديثا مع

____________

(1) ص 187.

(2) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(3) ص 187.

(4) ص 188.

(5) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم.

(6) لتجويزهم الصوم الواجب في السفر، ارجع الى المغني ج 3 ص 149.

201

صحتها و صراحتها و بعدها عن مذهب العامة، و هو من ما يؤذن بكون ذلك مذهب أهل البيت (عليهم السلام). و كيف كان فطريق الاحتياط واضح.

[الصوم للحاجة في السفر بالمدينة]

و اما ما يدل على استثناء صوم ثلاثة أيام للحاجة بالمدينة فهو

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان كان لك مقام بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء، و تصلى ليلة الأربعاء عند أسطوانة أبي لبابة و هي أسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من السماء و تقعد عندها يوم الأربعاء، ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها من ما يلي مقام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ليلتك و يومك، و تصوم يوم الخميس، ثم تأتي الأسطوانة التي تلي مقام النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مصلاه ليلة الجمعة فتصلي عندها ليلتك و يومك، و تصوم يوم الجمعة، و ان استطعت ان لا تتكلم بشيء في هذه الأيام إلا ما لا بد لك منه و لا تخرج من المسجد إلا لحاجة و لا تنام في ليل و لا نهار فافعل فان ذلك من ما يعد فيه الفضل، ثم احمد الله في يوم الجمعة و أثن عليه و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و سل حاجتك، و ليكن في ما تقول «اللهم ما كانت لي إليك من حاجة شرعت أنا في طلبها و التماسها أو لم أشرع سألتكها أو لم أسألكها فإني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة (صلى اللّٰه عليه و آله) في قضاء حوائجي صغيرها و كبيرها» فإنك حرى ان تقضى حاجتك ان شاء الله تعالى».

الثامنة [الصيام الذي يحتاج إلى الإذن]

- قد ورد في الأخبار- و به صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم)- المنع من صيام التطوع للزوجة إلا بإذن زوجها و العبد إلا بإذن سيده و الولد إلا بإذن والده و الضيف إلا بإذن مضيفه، و هل ذلك على وجه التحريم في الجميع أو الكراهة في بعض و التحريم في بعض؟ قولان، و ورد أيضا كراهة الصوم لمن دعي إلى طعام.

و تفصيل ذلك يقع في مواضع خمسة:

الأول- في حكم الضيف

و المشهور هو الكراهة و هو مذهب العلامة في المنتهى و جملة من كتبه و المحقق في الشرائع، و زاد فيها ان الأظهر انه لا ينعقد مع النهى. و ذهب في المعتبر و النافع إلى انه غير

____________

(1) الوسائل الباب 12 ممن يصح منه الصوم و الباب 11 من المزار.

202

صحيح، و الى ذلك ذهب العلامة في الإرشاد.

و من الأخبار الواردة في ذلك رواية الزهري

و رواية كتاب الفقه الرضوي المتقدم نقلهما في أول الكتاب (1) و قولهما (عليهما السلام) فيهما: «و اما صوم الإذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها و العبد لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و الضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحب البيت، فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم».

و في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) المروية في آخر كتاب الفقيه (2) «و لا يصوم الضيف تطوعا إلا بإذن صاحبه».

و منها-

رواية هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه، و من طاعة المرأة لزوجها أن لا تصوم تطوعا إلا باذنه و امره، و من صلاح العبد و طاعته و نصحه لمولاه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و أمره، و من بر الولد بابويه أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن أبويه و أمرهما، و إلا كان الضيف جاهلا و كانت المرأة عاصية و كان العبد فاسقا عاصيا و كان الولد عاقا».

و منها- ما رواه في الكافي بسنده عن الفضيل بن يسار- و

رواه في الفقيه عن الفضيل بن يسار و طريقه إليه قوي- عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، و لا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملوا الشيء فيفسد عليهم، و لا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذن الضيف لئلا يحتشمهم فيشتهي الطعام فيتركه لهم».

احتج من قال بالكراهة بأن غاية ما تدل عليه رواية هشام هو ان الضيف

____________

(1) ص 6.

(2) الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

(3) الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

(4) الوسائل الباب 9 من الصوم المحرم و المكروه.

203

متى صام كان جاهلا و الجهل يتحقق بفعل المكروه فلا يدل على التحريم. و اما رواية الفضيل فغاية ما تدل عليه انه لا ينبغي له الصوم إلا بإذنهم و لفظ «لا ينبغي» ظاهر في الكراهة.

و نقل في المدارك عن المحقق في المعتبر انه استدل على التحريم برواية الزهري ثم رده بضعف الرواية، قال: و هذه الرواية ضعيفة السند جدا فلا تنهض حجة في إثبات التحريم.

أقول: و الحق ان روايتي الزهري و كتاب الفقه الرضوي ظاهرتا الدلالة في التحريم، و لفظ «لا ينبغي» في رواية الفضيل و ان كان ظاهرا في الكراهة بالنظر الى عرف الناس إلا ان هذا اللفظ في الاخبار من ما تكاثر استعماله في التحريم على وجه لا يكاد يحيط به العد، و قد حققنا في غير موضع من زبرنا انه من الألفاظ المشتركة في الاخبار بين التحريم و الكراهة بالمعنى العرفي و انه لا يحمل على أحدهما إلا مع القرينة. و اما نسبة الضيف الى الجهل بصيامه بغير اذن فهو محتمل للأمرين و بالجملة فالقول بالتحريم لا يخلو من ظهور و هو ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي كما يفهم من عنوانه الباب، حيث قال: «باب من لا يجوز له صيام التطوع» ثم نقل اخبار الضيف في جملة أخبار الباب إلا انه في المفاتيح صرح بالكراهة فعده في ما يكره من الصيام، و هو منه غريب.

الثاني- في حكم الولد

و المشهور الكراهة و به صرح في المفاتيح ايضا مع نقله اخبار الولد في الباب الذي عنونه في الوافي بما عرفت، و ذهب المحقق في النافع الى عدم الصحة و هو مذهب العلامة في الإرشاد و استقر به الشهيد في الدروس، و هو المختار في المسألة لتصريح رواية هشام بعقوقه لو وقع بغير إذنهما و العقوق محرم بلا خلاف و لا إشكال.

و جملة من متأخري المتأخرين إنما صاروا إلى الكراهة مع اعترافهم بدلالة الرواية المذكورة على التحريم من جهة الطعن في سندها بناء على هذا الاصطلاح

204

مع انها مروية في الكافي (1) و الفقيه (2) و قد رواها في الفقيه عن نشيط بن صالح عن هشام بن الحكم، قال في الذخيرة: و طريقه إليه في المشيخة غير مذكور و كأنه من كتابه فيكون صحيحا. انتهى.

و صريح الخبر المذكور التوقف على اذن الوالدين فيجب العمل بما دل عليه لعدم المعارض في البين.

و هذا الخبر أيضا

رواه الصدوق في العلل (3) عن أبيه عن احمد بن إدريس عن محمد بن احمد عن احمد بن هلال عن مروك بن عبيد عن نشيط بن صالح عن هشام كما تقدم، و فيه: «و من بر الولد ان لا يصوم تطوعا و لا يحج تطوعا و لا يصلى تطوعا إلا بإذن أبويه و أمرهما. ثم ساق الخبر الى أن قال: و كان الولد عاقا قاطعا للرحم».

إلا ان الصدوق قال بعد نقله: قال محمد بن على مؤلف هذا الكتاب جاء هذا الخبر هكذا: «و لكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحج تطوعا كان أو فريضة و لا في ترك الصلاة و لا في ترك الصوم تطوعا كان أو فريضة و لا في شيء من ترك الطاعات» و ظاهره حمل ذلك على الكراهة دون التحريم كما هو المشهور.

الثالث- في حكم العبد

و الظاهر انه لا خلاف في توقف صحة صومه على اذن سيده كما نقله في المنتهى، قال: لأنه مملوك له لا يصح له التصرف في نفسه و لا يملك منافعه. ثم قال: و لا فرق بين كون المولى حاضرا أو غائبا.

و قد تقدم ما يدل على ذلك في حديثي الزهري و كتاب الفقه الرضوي (4) و كذا رواية هشام.

و روى الصدوق في الفقيه (5) في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام): «يا على لا تصوم المرأة تطوعا إلا بإذن زوجها و لا يصوم العبد تطوعا إلا بإذن مولاه و لا يصوم الضيف تطوعا إلا بإذن صاحبه».

____________

(1) الفروع ج 1 ص 204.

(2) ج 2 ص 99.

(3) الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

(4) ص 6.

(5) الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

205

و العجب من صاحب الوسائل انه عنوان الباب الذي أورد فيه هذه الأخبار بالكراهة فقال: (باب كراهة صوم العبد و الولد تطوعا بغير اذن السيد و الوالدين) (1) مع ما عرفت من عدم الخلاف في التحريم هنا و دلالة الأخبار عليه و هو من جملة غفلاته التي وقعت له في هذا الكتاب.

الرابع- الزوجة

و الظاهر انه لا خلاف في توقف صحة صومها على اذن الزوج كما نقله في المعتبر فقال انه موضع وفاق.

و يدل عليه الأخبار المتقدمة

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ليس للمرأة أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها».

و رواية القاسم بن عروة عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

قال «لا يصلح للمرأة أن تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «جاءت امرأة إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالت يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما حق الزوج على المرأة؟ فقال: أن تطيعه و لا تعصيه و لا تصدق من بيته إلا باذنه و لا تصوم تطوعا إلا بإذنه. الحديث».

إلا أنه

قد روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن المرأة إلها أن تخرج بغير اذن زوجها؟ قال لا. قال: و سألته عن المرأة إلها أن تصوم بغير اذن زوجها؟ قال: لا بأس».

و ظاهرها كما ترى جواز الصوم ندبا بغير اذنه، و لعله محمول على الصوم الواجب جمعا بينه و بين ما دل من الأخبار المذكورة على النهى.

و صاحب الوسائل قد اختار هنا الكراهة أيضا و الظاهر انه جعلها وجه

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) الوسائل الباب 8 من الصوم المحرم و المكروه.

(3) الوسائل الباب 8 من الصوم المحرم و المكروه.

(4) الوسائل الباب 8 من الصوم المحرم و المكروه.

(5) الوسائل الباب 79 من مقدمات النكاح و الباب 8 من الصوم المحرم و المكروه.

206

جمع بين رواية على بن جعفر المذكورة و بين الأخبار المتقدمة، و قد عرفت غير مرة ما في هذا الجمع بين الأخبار و ان كان بالغا بينهم في الاشتهار الى حد لا يقبل عندهم الإنكار إلا انه من قبيل «رب مشهور لا أصل له و رب متأصل ليس بمشهور» و الوجه في الجمع إنما هو ما ذكرناه من حمل الرواية على الصوم الواجب فان الروايات المتقدمة صريحة أو كالصريحة في التحريم، و يؤيده أيضا ما صرح به الأصحاب من ان منافع الاستمتاع بالزوجة مملوكة للزوج فلا يجوز لها أن تعرض نفسها للتصرف بما يمنعه.

و إطلاق النصوص و كلام الأصحاب يقتضي انه لا فرق في الزوجة بين الدائم و لا المتمتع بها و لا في الزوج بين الحاضر و الغائب، و نقلوا عن الشافعي اشتراط حضوره (1) و ردوه بإطلاق النصوص.

الخامس- المدعو الى الطعام

و الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في استحباب إفطاره و ان الأفضل له عدم الاعلام بصومه.

و يدل على ذلك

ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج عنه- يعني أبا عبد الله (عليه السلام)- (2) انه قال: «من دخل على أخيه و هو صائم فأفطر عنده و لم يعلمه بصومه فيمن عليه كتب الله له صوم سنة».

قال الصدوق (قدس سره) قال مصنف هذا الكتاب: هذا في السنة و التطوع جميعا.

و عن داود الرقى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لإفطارك في منزل أخيك المؤمن أفضل من صيامك سبعين ضعفا أو تسعين ضعفا».

____________

(1) المجموع ج 6 ص 392.

(2) الفقيه ج 2 ص 51 و في الوسائل الباب 8 من آداب الصائم.

(3) الفقيه ج 2 ص 51 و في الوسائل الباب 8 من آداب الصائم، و رواه في الفروع ج 1 ص 204.

207

و عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إفطارك لأخيك المؤمن أفضل من صيامك تطوعا».

و عن نجم بن حطيم عن أبى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «من نوى الصوم ثم دخل على أخيه فسأله أن يفطر عنده فليفطر و ليدخل عليه السرور فإنه يحتسب له بذلك اليوم عشرة أيام و هو قول الله عز و جل مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا (3)».

و عن جميل بن دراج (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من دخل على أخيه و هو صائم فأفطر عنده و لم يعلمه بصومه فيمن عليه كتب الله له صوم سنة».

و عن صالح بن عقبة (5) قال: «دخلت على جميل بن دراج و بين يديه خوان عليه غسانية يأكل منها فقال ادن فكل فقلت انى صائم فتركني حتى إذا أكلها فلم يبق منها إلا اليسير فعزم على إلا أفطرت فقلت له ألا كان هذا قبل الساعة فقال أردت بذلك أدبك. ثم قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيما رجل مؤمن دخل على أخيه و هو صائم فسأله الأكل فلم يخبره بصيامه فيمن عليه بإفطاره كتب الله (جل ثناؤه) له بذلك اليوم صيام سنة».

و عن على بن حديد (6) قال: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) أدخل على قوم و هم يأكلون و قد صليت العصر و أنا صائم فيقولون أفطر؟ فقال أفطر فإنه أفضل».

و المستفاد من هذه الأخبار تعليق الاستحباب على الدعوة الى طعام، و اما ما اشتهر في هذه الأوقات سيما في بلاد العجم من تعمد تفطير الصائم بشيء يدفع إليه

____________

(1) الوسائل الباب 8 من آداب الصائم عن الفروع ج 1 ص 204.

(2) الوسائل الباب 8 من آداب الصائم عن الفروع ج 1 ص 204.

(3) سورة الانعام الآية 162.

(4) الفروع ج 1 ص 204 و في الوسائل الباب 8 من آداب الصائم رقم 4.

(5) الفروع ج 1 ص 204 و في الوسائل الباب 8 من آداب الصائم رقم 5.

(6) الوسائل الباب 8 من آداب الصائم رقم 7، و على بن حديد يرويه عن عبد الله بن جندب و المروي عنه أبو الحسن الماضي (ع).

208

من تمرة أو يسير من الحلواء أو نحو ذلك لأجل تحصيل الثواب بذلك فليس بداخل تحت هذه الاخبار و لا هو من ما يترتب عليه الثواب المذكور فيها كما لا يخفى.

التاسعة [التطوع بالصوم ممن عليه قضاء شهر رمضان]

- الظاهر انه لا خلاف في ان من عليه قضاء من شهر رمضان فلا يجوز له التطوع بشيء من الصيام حتى يؤدى ما بذمته من القضاء إلا ما يفهم من كلام السيد المرتضى في أجوبة المسائل الرسية حيث قال: و يجوز لمن عليه صيام من شهر رمضان ان يصوم نذرا عليه أو يصوم كفارة لزمته، و لو صام نفلا أيضا لجاز و ان كان مكروها. كذا نقله عنه في المختلف في كتاب الصلاة، و نقل عنه في كتاب الصوم انه احتج على ما ذكره من جواز صوم النافلة بالأصل الدال على الإباحة ثم رده بأنه معارض بالاخبار. و بالجملة فإن ما ذكره شاذ نادر لا عبرة به.

و يدل على ما ذكرناه

ما رواه الكليني في الصحيح عندي و الحسن على المشهور عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أ يتطوع؟ فقال: لا حتى يقضى ما عليه من شهر رمضان».

و ما رواه فيه بسنده عن أبى الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه من شهر رمضان أيام أ يتطوع؟ فقال: لا حتى يقضى ما عليه من شهر رمضان».

قال في الفقيه (3): وردت الاخبار و الآثار عن الأئمة (عليهم السلام) انه لا يجوز ان يتطوع الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض، و ممن روى ذلك الحلبي و أبو الصباح الكناني عن ابى عبد الله (عليه السلام).

و قال في المقنع: و اعلم انه لا يجوز أن يتطوع الرجل و عليه شيء من الفرض، كذلك وجدته في كل الأحاديث. انتهى.

أقول: و يدل على ذلك

صحيحة زرارة المتقدمة في باب الأوقات من كتاب

____________

(1) الوسائل الباب 28 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 28 من أحكام شهر رمضان.

(3) ج 2 ص 87 و في الوسائل الباب 28 من أحكام شهر رمضان.

209

الصلاة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن ركعتي الفجر؟ قال قبل الفجر. ثم ساق الخبر الى أن قال (عليه السلام): أ تريد أن تقايس لو كان عليك من شهر رمضان أ كنت تتطوع؟ إذا دخل عليك وقت الفريضة فابدأ بالفريضة».

و بالجملة فالحكم في الصوم اتفاقي نصا و فتوى إلا ما عرفت من خلاف المرتضى (رضي الله عنه) و إنما الخلاف في الصلاة كما تقدم. و الله العالم.

المطلب الرابع في الكفارة

و فيه مسائل:

الأولى [ما تجب فيه الكفارة من الصوم]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه تجب الكفارة في صوم شهر رمضان و قضائه بعد الزوال و النذر المعين و صوم الاعتكاف إذا وجب، و ما عدا ذلك مثل صوم الكفارات و النذر الغير المعين و الصوم المندوب فلا تجب الكفارة فيه بالإفساد.

و الحكم الثاني اتفاقي كما يظهر من المنتهى، و قد نص العلامة و غيره على جواز الإفطار قبل الزوال و بعده، و ربما قيل بتحريم الإفساد في كل واجب لعموم النهى عن إبطال العمل (2) و هو ضعيف.

و انما الخلاف في الأول حيث ان المنقول عن ابن أبى عقيل انه قال: من جامع أو أكل أو شرب في قضاء شهر رمضان أو صوم كفارة أو نذر فقد أثم و عليه القضاء و لا كفارة. و ظاهر هذا الإطلاق عدم وجوب الكفارة في قضاء شهر رمضان قبل الزوال و بعده و كذا في النذر مطلقا كان أو معينا، و نقل الشهيد في الدروس عنه انه لا كفارة في غير رمضان ثم قال: و هو شاذ.

و به يظهر ان ما ذكره في المدارك في مسألة وجوب الكفارة في النذر

____________

(1) الوسائل الباب 50 من مواقيت الصلاة و الباب 28 من أحكام شهر رمضان.

(2) في قوله تعالى في سورة محمد الآية 36 وَ لٰا تُبْطِلُوا أَعْمٰالَكُمْ.

210

المعين- حيث قال: و اما وجوب الكفارة فلا خلاف فيه بين الأصحاب و إنما الخلاف في قدرها- غفلة عن الاطلاع على القول المذكور.

[وجوب الكفارة في صوم شهر رمضان]

أقول: اما وجوب الكفارة في صوم شهر رمضان فهو من ما وقع عليه الاتفاق نصا و فتوى و ان وقع الخلاف في بعض الجزئيات و إلا فاصل الحكم لا خلاف فيه، و قد تقدم من الأخبار في تضاعيف المباحث السابقة و سيأتي في اللاحقة أيضا ما يدل عليه.

و يدل على ذلك من الأخبار زيادة على ما تقدم و يأتي

ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر؟ قال يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا فان لم يقدر تصدق بما يطيق».

و ما رواه الكليني عن جميل بن دراج بإسنادين أحدهما حسن على المشهور صحيح على الأصح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فقال ان رجلا أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال هلكت يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال و ما لك؟ فقال النار يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال و ما لك؟ قال وقعت على أهلي. قال تصدق و استغفر. فقال الرجل فوالذي عظم حقك ما تركت في البيت شيئا لا قليلا و لا كثيرا. قال فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا فقال له رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) خذ هذا التمر فتصدق به فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) على من أتصدق به و قد أخبرتك انه ليس في بيتي قليل و لا كثير؟ قال فخذه و أطعمه عيالك و استغفر الله».

الى غير ذلك من الأخبار التي لا حاجة الى التطويل بنقلها بعد ما عرفت.

[وجوب الكفارة في صوم النذر]

و اما وجوب الكفارة في صوم النذر فيدل عليه روايات: منها-

ما رواه

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم. و رواه الشيخ بسند آخر أيضا.

(2) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم. و يرويه الشيخ عنه ايضا.

211

الشيخ في الصحيح عن على بن مهزيار (1) قال: «كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي نذرت أن أصوم كل يوم سبت فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفارة؟ فكتب (عليه السلام) و قرأته: لا تتركه إلا من علة و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن تكون نويت ذلك، فان كنت أفطرت فيه من غير علة فتصدق بعدد كل يوم على سبعة مساكين نسأل الله التوفيق لما يحب و يرضى».

هذا على ما هو المشهور المنصور بالأدلة الواضحة، و قد عرفت من ما تقدم نقله عن ابن ابى عقيل انه لا كفارة عنده إلا في شهر رمضان و هو ضعيف مردود بالأخبار المتكاثرة. و اما كونها كفارة يمين أو كفارة شهر رمضان فسيأتي الكلام فيه محررا في كتاب النذر ان شاء الله تعالى.

[هل تجب الكفارة في صوم الاعتكاف؟]

و اما في صيام الاعتكاف فهو المشهور ايضا و ظاهر كلام ابن ابى عقيل المتقدم السقوط هنا.

و يدل على المشهور أخبار عديدة: منها-

ما رواه الكليني و الشيخ عنه في الموثق عن سماعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله؟

قال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان».

و عن زرارة (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المعتكف يجامع أهله؟

فقال: إذا فعل فعليه ما على المظاهر».

و عن عبد الأعلى بن أعين (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وطأ امرأته و هو معتكف ليلا في شهر رمضان؟ قال عليه الكفارة. قال: قلت فإن وطأها نهارا؟ قال عليه كفارتان».

قيل: و لعل حجة ابن ابى عقيل

ما رواه حماد في الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5)

____________

(1) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف و رواهما في الفقيه ج 2 ص 122 و 123 أيضا.

(3) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف و رواهما في الفقيه ج 2 ص 122 و 123 أيضا.

(4) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف عن التهذيب و الفقيه.

(5) الوسائل الباب 5 من الاعتكاف، و حماد يرويه عن الحلبي.

212

قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبة من شعر و شمر المئزر و طوى فراشه. فقال بعضهم: و اعتزل النساء. فقال أبو عبد الله (عليه السلام) اما اعتزال النساء فلا».

و حملها الشيخ على ان المراد محادثتهن و مجالستهن دون الجماع لا غير. و هو جيد.

[هل تجب الكفارة في قضاء شهر رمضان؟]

و اما قضاء شهر رمضان فقد عرفت الخلاف فيه أيضا.

و يدل على القول المشهور بالنسبة إلى قضاء شهر رمضان

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه عن بريد العجلي عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) «في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان؟ قال ان كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شيء عليه إلا يوما مكان يوم، و ان كان أتى أهله بعد زوال الشمس فان عليه أن يتصدق على عشرة مساكين فان لم يقدر عليه صام يوما مكان يوم و صام ثلاثة أيام كفارة لما صنع».

قال في الفقيه (2): و روى أنه ان أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه و ان أفطر بعد الزوال فعليه الكفارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان.

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن هشام بن سالم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل وقع على أهله و هو يقضى شهر رمضان؟ فقال ان كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه يصوم يوما بدل يوم، و ان فعل بعد العصر صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فاتى النساء؟ قال عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان لان ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان».

و ما رواه عن حفص بن سوقة عن من ذكره عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) «في

____________

(1) الوسائل الباب 29 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 29 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 29 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 29 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

213

الرجل يلاعب أهله أو جاريته و هو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل؟

فقال: عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (1) «إذا قضيت صوم شهر رمضان أو النذر كنت بالخيار في الإفطار إلى زوال الشمس فإن أفطرت بعد الزوال فعليك كفارة مثل من أفطر يوما من شهر رمضان. و قد روى ان عليه إذا أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من طعام فان لم يقدر عليه صام يوما بدل يوم و صام ثلاثة أيام كفارة لما فعل».

و بهذه العبارة عبر ابنا بابويه في الرسالة و المقنع كما نقله في المختلف.

و هل الحكم مختص بقضاء شهر رمضان عن نفسه أو يشمل ما كان عن غيره؟

إشكال ينشأ من إطلاق الأخبار فيمكن القول بالعموم و من ان المتبادر منها ما كان عن نفسه فيختص به. و لم أقف على من تعرض للتنبيه على ذلك من الأصحاب.

احتج ابن ابى عقيل على ما نقل عنه

بما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان و يريد أن يقضيها متى يريد أن ينوي الصيام؟ قال: هو بالخيار الى أن تزول الشمس فإذا زالت الشمس فان كان نوى الصوم فليصم و ان كان نوى الإفطار فليفطر. سئل فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس؟ قال لا.

سئل فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: قد أساء و ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه».

و أجاب عنه في المدارك بضعف السند باشتماله على جماعة من الفطحية. و فيه ما عرفت مرارا من ان هذا الجواب لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم و لا على من يعمل بالأخبار الموثقة من أصحاب هذا الاصطلاح.

____________

(1) ص 26.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الصوم و نيته و الباب 29 من أحكام شهر رمضان.

214

و أجاب عنه الشيخ في الاستبصار بان الوجه في قوله: «ليس عليه شيء» ان نحمله على انه ليس عليه شيء من العقاب لأن من أفطر في هذا اليوم لا يستحق العقاب و ان أفطر بعد الزوال و ان لزمته الكفارة حسب ما قدمناه. و لا يخفى ما فيه من البعد سيما مع اعترافه بجواز الإفطار بعد الزوال فيبعد مجامعة الكفارة له.

و أجاب عنه المحدث الكاشاني في الوافي بأنه خبر شاذ لا يصلح لمعارضة تلك الأخبار المتفق عليها.

و الأظهر عندي حمل الخبر المذكور على التقية لما صرح به العلامة (قدس سره) في المنتهى من اطباق الجمهور على سقوط الكفارة في ما عدا رمضان إلا قتادة (1).

قال (قدس سره): فرق علماؤنا بين الإفطار في قضاء رمضان أول النهار و بعد الزوال فأوجبوا الكفارة في الثاني دون الأول، و الجمهور لم يفرقوا بينهما بل قالوا بسقوط الكفارة في البابين إلا قتادة فإنه أوجبها فيهما معا، و ابن ابى عقيل من علمائنا اختار مذهب الجمهور في سقوط الكفارة. انتهى.

أقول: و مقتضى إطلاق عبارة ابن ابى عقيل التي قدمناها- و كذا نقل الشهيد في الدروس عنه انه لا كفارة في غير رمضان- هو موافقة الجمهور في سقوط الكفارات من جميع افراد الصوم عدا شهر رمضان كما حكاه في المنتهى عنهم، حيث قال: و أطبق الجمهور كافة على سقوط الكفارة في ما عدا رمضان.

و اما ما جنح اليه صاحب الذخيرة- من اختيار مذهب ابن ابى عقيل عملا بموثقة عمار و حمل الروايات الأربع المتقدمة الدالة على وجوب الكفارة على الاستحباب- فهو من جملة تشكيكاته التي لا ينبغي أن يصغى إليها و لا يعرج عليها بعد ما عرفت.

و تنقيح الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور

الأول [تحديد الكفارة بالزوال]

- لا يخفى ان كلمة

____________

(1) المغني ج 3 ص 125 و المجموع ج 6 ص 345.

215

الأصحاب القائلين بوجوب الكفارة متفقة على التحديد بالزوال كما تقدم، و هو صريح رواية بريد العجلي و رواية كتاب الفقه الرضوي، و إجمال روايتي زرارة و حفص بن سوقة المتقدمتين محمول على ذلك. و اما ما دل عليه صحيح هشام بن سالم من التحديد بصلاة العصر فيجب تأويله بما يرجع به الى تلك الاخبار و إلا فطرحه أو حمله على التقية، لأن الأخبار قد تكاثرت- كما ستأتي في المقام ان شاء الله تعالى- بان الزوال هو الحد في جواز الإفطار و عدمه فيجب أن يكون هو الحد في وجوب الكفارة و عدمه.

و قال الشيخ في الاستبصار بعد ذكر خبري بريد و هشام انه لا تنافي بين الخبرين لأنه إذا كان وقت الصلاتين عند الزوال إلا ان الظهر قبل العصر على ما بيناه في ما تقدم جاز ان يعبر عن ما قبل الزوال بأنه قبل العصر لقرب ما بين الوقتين و يعبر عن ما بعد الزوال بأنه بعد العصر لمثل ذلك. و رده جملة من متأخري المتأخرين بالبعد و هو و ان كان كذلك إلا انه أولى من الطرح رأسا فإن العمل عليه بعد ما عرفت غير ممكن.

ثم ان الشيخ أيضا جوز حمل خبر العصر على الوجوب و خبر الزوال على الاستحباب، و هو غير جيد و ان استقربه في الذخيرة لاستفاضة الأخبار بالتحديد بالزوال في تحريم الإفطار و هو وقت تعلق الكفارة البتة، و لا معنى لكونه يحرم عليه الإفطار بعد الزوال و لا تجب عليه الكفارة إلا بعد العصر كما هو ظاهر لكل ذي فهم.

و ليس ببعيد تطرق التحريف الى هذا الخبر من قلم الشيخ بتبديل الظهر بالعصر كما لا يخفى على من له انس بطريقته و ما وقع له في الاخبار متونا و إسنادا من التبديل و التحريف و الزيادة و النقصان.

و بالجملة فالعمل على القول المشهور المؤيد بالأخبار المذكورة.

الثاني [ما هي كفارة قضاء شهر رمضان؟]

- اختلف أصحابنا (رضوان الله عليهم) في كفارة قضاء شهر رمضان فالمشهور بينهم أنها إطعام عشرة مساكين فان لم يتمكن صام ثلاثة أيام، و نقل في

216

المختلف عن ابني بابويه في الرسالة و المقنع ان عليه مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان، و قد روى ان عليه إذا أفطر. إلى آخر ما تقدم من عبارة كتاب الفقه الرضوي و الظاهر انه اقتطع من العبارة موضع الحاجة و لم ينقل عبارة الرسالة من أولها. و نقل في المختلف عن ابن إدريس انه قال بالقول المشهور و قال في موضع آخر انها كفارة يمين و نقله أيضا عن ابن البراج، و عن ابى الصلاح انها صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين.

و يدل على القول المشهور ما تقدم من رواية بريد العجلي و صحيحة هشام (1) و على قول ابني بابويه موثقة زرارة و رواية حفص بن سوقة (2) و ان كان معتمدهما إنما هو على كتاب الفقه الذي نقلا عبارته كما هي قاعدتهم في غير مقام من ما أوضحنا بيانه. و اما القولان الآخران فلم أقف لهما على دليل.

بقي الكلام في الجمع بين الاخبار المذكورة و الشيخ بعد ذكر خبر زرارة حمله على الشذوذ أولا ثم على من أفطر مستخفا بالفرض متهاونا به فيغلظ عليه و يعاقب بذلك. ورده جملة من متأخري المتأخرين بالبعد و هو كذلك. و اما الخبر الثاني فذكره في موضع آخر و لم يتعرض له. و جملة من متأخري المتأخرين حملوهما على الاستحباب، و فيه ما عرفت في غير مقام. و المسألة عندي محل توقف و الاحتياط لا يخفى.

الثالث [هل يجوز الإفطار قبل الزوال في قضاء شهر رمضان؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز الإفطار قبل الزوال حتى ان المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى لم ينقلا في ذلك خلافا، و نقل في المختلف عن ابى الصلاح ان كلامه يشعر بتحريمه. و قال ابن ابى عقيل: و من أصبح صائما لقضاء ما كان عليه من رمضان و قد نوى الصوم من الليل فأراد أن يفطر في بعض النهار لم يكن له ذلك. و هو ظاهر في ما نقل عن ابى الصلاح أيضا.

و يدل على القول المشهور و هو المختار جملة من الأخبار: و منها- رواية بريد العجلي المتقدمة (3).

____________

(1) ص 212.

(2) ص 212.

(3) ص 212.

217

و منها-

صحيحة جميل بن دراج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه قال في الذي يقضى شهر رمضان انه بالخيار الى زوال الشمس و ان كان تطوعا فإنه إلى الليل بالخيار».

و موثقة أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تقضى شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار؟ فقال: لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال».

أقول: و لفظ «لا ينبغي» و ان استعمل في الاخبار بمعنى الكراهة تارة و التحريم أخرى إلا انه هنا بالمعنى الثاني للأخبار المتقدمة.

و رواية سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في قوله: الصائم بالخيار الى زوال الشمس قال: ذلك في الفريضة فاما النافلة فله أن يفطر أي ساعة شاء الى غروب الشمس».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل متى ما شئت و صوم قضاء الفريضة لك أن تفطر الى زوال الشمس فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر».

و رواية إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «الذي يقضى شهر رمضان هو بالخيار في الإفطار ما بينه و بين أن تزول الشمس و في التطوع ما بينه و بين أن تغيب الشمس».

و لعل حجة المانعين

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (6) قال: «سألته عن الرجل يقضى رمضان إله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: إذا كان نوى ذلك من الليل و كان من قضاء رمضان فلا يفطر و يتم صومه. الحديث».

و أجيب عنه بالحمل على الاستحباب، و هو غير بعيد لورود مثل ذلك في الصوم المستحب و الواجب اولى.

و قد تقدم

في رواية معمر بن خلاد عن ابى الحسن (عليه السلام) (7) قال: «كنت

____________

(1) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(2) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(3) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(4) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(5) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(6) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

(7) الوسائل الباب 4 من وجوب الصوم و نيته.

218

جالسا عنده آخر يوم من شعبان فلم أره صائما قلت جعلت فداك صمت اليوم؟ فقال لي و لم. الى أن قال: فقلت أفطر الآن؟ فقال: لا. فقلت: و كذلك في النوافل ليس لي ان أفطر بعد الظهر؟ قال نعم».

المسألة الثانية [ما هي كفارة صوم شهر رمضان؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في كفارة شهر رمضان فالمشهور التخيير بين الأنواع الثلاثة: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، ذهب اليه الشيخان و المرتضى و ابن الجنيد و أبو الصلاح و سلار و ابن البراج و ابن إدريس و غيرهم، و اختاره السيد السند في المدارك. و قال ابن ابى عقيل على ما نقله عنه في المختلف: الكفارة عتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. قال: و هذا يدل على الترتيب. و قال الشيخ في الخلاف ان فيه روايتين الترتيب و التخيير. و لم يرجح إحداهما. و في المبسوط اختار التخيير ثم قال: و قد روى انها مرتبة. و ذهب الصدوق في من لا يحضره الفقيه الى التفصيل و هو وجوب الثلاث ان أفطر على محرم و وجوب الواحدة في الإفطار على محلل، و هو قول الشيخ في كتابي الأخبار، و اختاره العلامة في القواعد و الإرشاد و ابنه فخر المحققين في الإيضاح و نقله عن ابن حمزة أيضا.

و يدل على القول الأول ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام). و قد تقدم في المسألة الأولى (1).

و ما رواه في التهذيب عن ابى بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق؟ فقال: كفارته ان يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا أو يعتق رقبة».

و روى في الوسائل نقلا من نوادر احمد بن محمد بن عيسى عن عثمان بن

____________

(1) ص 210.

(2) الوسائل الباب 4 من ما يمسك عنه الصائم.

219

عيسى عن سماعة (1) قال: «سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمدا؟ قال:

عليه عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صوم شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم و من اين له مثل ذلك اليوم؟».

قال: و رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى.

و يدل على ذلك أيضا ما تقدم (2) في المسألة الأولى من حسنة جميل بن دراج الدالة على أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)- لذلك الرجل الذي شكى إليه انه أتى أهله في شهر رمضان- بالصدقة.

و نحوها

صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا؟ قال: عليه خمسة عشر صاعا لكل مسكين مد».

و التقريب في هذين الخبرين دلالتهما على الاجتزاء بالصدقة مطلقا و لو كانت الكفارة مرتبة كما يدعى لكان مقام البيان يقتضي ذكرهما و ان الصيرورة إلى الصدقة لتعذرهما.

و في كتاب الفقه الرضوي (4): و من جامع في شهر رمضان أو أفطر فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد من طعام، و عليه قضاء ذلك اليوم و انى له بمثله؟.

احتج القائلون بالترتيب

بما رواه الصدوق في الفقيه عن عبد المؤمن بن القاسم الأنصاري عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) «ان رجلا أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال: هلكت و أهلكت. فقال: و ما أهلكك؟ قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان و أنا صائم فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): أعتق رقبة. قال: لا أجد؟ قال: فصم شهرين متتابعين. قال:

لا أطيق؟ قال: تصدق على ستين مسكينا. قال: لا أجد؟ فاتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بعذق

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ص 210.

(3) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) ص 25.

(5) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

220

في مكتل فيه خمسة عشر صاعا من تمر فقال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): خذها فتصدق بها فقال و الذي بعثك بالحق نبيا ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا. فقال: خذه فكله أنت و أهلك فإنه كفارة لك».

و أجاب عنه في المدارك أولا- بالطعن في السند بجهالة الراوي فلا يعارض الأخبار السليمة.

و ثانيا- بأن أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بالشيء بعد الشيء ليس صريحا في الترتيب و لو كان كذلك لوجب تنزيله على الاستحباب فتكون جامعين بين العمل بالروايتين و ليس كذلك لو أوجبنا الترتيب بل يلزم منه سقوط خبر التخيير.

أقول: و هذا الجواب من حيث عدم الصراحة في الدلالة على القول المذكور جيد إلا انه

قد روى على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: عليه القضاء و عتق رقبة فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فإطعام ستين مسكينا فان لم يجد فليستغفر الله».

و هذا الخبر كما ترى صحيح صريح في القول المذكور، و صاحب الوسائل بعد نقله حمله على الاستحباب و الأفضلية، و قد عرفت ما في هذا الحمل من الاشكال كما أوضحناه في غير موضع من ما تقدم.

و الأظهر عندي حمل هذه الرواية لصراحتها على التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية، و لو كانت الرواية الأولى صريحة في القول المذكور لوجب حملها على ذلك أيضا بأن تكون التقية في النقل فإن العامة قد رووا الحديث المذكور كذلك (2) فيكون حكاية لما رووه، إلا ان الخبر غير صريح كما عرفت.

و وجه الحمل على التقية ما نقله في المنتهى من أن الترتيب مذهب أبي حنيفة

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) سنن البيهقي ج 4 ص 221.

221

و الثوري و الشافعي و الأوزاعي (1) قال: و به قال ابن ابى عقيل من علمائنا.

قال في المنتهى: احتج الجمهور

بما رواه أبو هريرة (2) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال للواقع على أهله: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال لا. قال: هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟».

فدل على انها للترتيب.

ثم أجاب (قدس سره) عنها بأن أمره بشيء بعد آخر لا يدل على الترتيب إذ ليس بصريح فيه. الى آخر ما قدمناه من الجواب المنقول عن المدارك.

و بذلك يظهر لك ان الأظهر في الجمع بين هذه الأخبار هو حمل ما دل على الترتيب على التقية كما ذكرنا.

احتج من ذهب الى التفصيل

بما رواه الصدوق في الفقيه عن عبد السلام بن صالح الهروي (3) قال «قلت للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قد روى عن آبائك في من جامع في شهر رمضان أو أفطر فيه ثلاث كفارات، و روى عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ؟ قال بهما جميعا: متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة و صيام شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكينا و قضاء ذلك اليوم، و ان كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة واحدة و قضاء ذلك اليوم، و ان كان ناسيا فلا شيء عليه».

و ربما طعن بعضهم في سند الرواية و هو عندنا غير معول عليه، مع انه بناء على اصطلاحهم يمكن الجواب عنه بان عبد الواحد بن محمد بن عبدوس من مشايخ الصدوق و قد أكثر الرواية عنه في كتبه، و على بن محمد بن قتيبة من مشايخ الكشي و قد أكثر النقل عنه في كتابه، فهما من مشايخ الإجازة المتفق بينهم على عدم احتياجهم الى التوثيق، و اما حمدان بن سليمان فهو ثقة في كتب الرجال لا خلاف

____________

(1) المغني ج 3 ص 127 و 128.

(2) المغني ج 3 ص 127 و 128.

(3) الوسائل الباب 10 من ما يمسك عنه الصائم.

222

فيه، و اما عبد السلام بن صالح فقد وثقه النجاشي و قال انه صحيح الحديث، و اما ما ذكره الشيخ في كتاب الرجال من انه عامي فالظاهر انه وهم منه (قدس سره) و قد أورد الكشي روايات تدل على انه من فضلاء الشيعة الإمامية و هو المختار عند جملة من أصحاب هذا الاصطلاح، فلا طعن في الرواية عند التحقيق.

على انه من ما يعضد هذه الرواية ما صرح به في الفقيه حيث قال: و اما الخبر الذي روى- في من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا ان عليه ثلاث كفارات- فإني افتى به في من أفطر بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه لوجود ذلك في روايات ابى الحسين الأسدي (رضي الله عنه) في ما ورد عليه من الشيخ ابى جعفر محمد بن عثمان العمرى. انتهى. و الظاهر كما استظهره جملة من أصحابنا اتصال ذلك بصاحب الأمر (عليه السلام) فإن الأسدي كان من الوكلاء الذين ترد عليهم التوقيعات كما ذكره الشيخ في كتاب الغيبة و الميرزا محمد في كتاب الرجال، و حينئذ فهذا الكلام في قوة خبر مرسل.

و بالجملة فالحق انه لا مجال للتوقف في ما دلت عليه هذه الرواية من التفصيل و بها يخصص إطلاق الأخبار المتقدمة.

و اما ما ذكره في المعتبر- حيث قال بعد أن أورد رواية عبد السلام: ان هذه الرواية لم بظهر العمل بها بين الأصحاب ظهورا يوجب العمل بها و ربما حملناها على الاستحباب ليكون آكد في الزجر- فلا يخفى ما فيه.

و على ما ذكرنا من التفصيل و ان الإفطار على محرم موجب للجمع يجب ان يحمل

ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة (1) قال: «سألته عن رجل أتى أهله في رمضان متعمدا؟ قال عليه عتق رقبة و إطعام ستين مسكينا و صيام شهرين متتابعين و قضاء ذلك اليوم، و اين له مثل ذلك اليوم؟».

و الشيخ (رضي الله عنه) قد أولها بوجهين: أحدهما ما ذكرناه و ثانيهما حمل

____________

(1) الوسائل الباب 10 من ما يمسك عنه الصائم.

223

الواو على التخيير دون الجمع كما في قوله تعالى فَانْكِحُوا مٰا طٰابَ لَكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ مَثْنىٰ وَ ثُلٰاثَ وَ رُبٰاعَ (1) أقول: و الظاهر ان الأول أظهر.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه هنا على أمور:

الأول [ما يعطى لكل فقير]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الذي يعطى لكل فقير مد، و نقل عن الشيخ في المبسوط و الخلاف الإطعام لكل مسكين مدان.

و يدل على المشهور جملة من الاخبار: منها- صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله المتقدمة في هذه المسألة (2).

و موثقة سماعة (3) قال: «سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال: عليه إطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين».

و صحيحة عيص بن القاسم (4) قال: «سألته عن من لم يصم الثلاثة الأيام و هو يشتد عليه الصيام هل فيه فداء؟ قال: مد من طعام في كل يوم».

احتج الشيخ على ما نقله في المختلف بأنه أحوط، و بان المدين بدل عن اليوم في كفارة صيد الإحرام. ثم أجاب في المختلف عن الأول بأنه معارض بالبراءة، و عن الثاني بأنه معارض بما تقدم من الأخبار من ان المد بدل عن اليوم.

الثاني [المقدار الواجب في الإطعام في الكفارة]

- قد تقدم في صحيحة عبد الرحمن بن ابى عبد الله ان الواجب في الإطعام خمسة عشر صاعا لكل مسكين مد و مثلها حديث الأنصاري المتقدم، و هو المعمول عليه بين الأصحاب لأن الصاع أربعة أمداد و قسمة الخمسة عشر لكل مسكين مد يقتضي بسطها على ستين مسكينا و هو المأمور به في الأخبار المستفيضة.

إلا انه قد تقدم

في صحيحة جميل بن دراج المتقدمة في المسألة الأولى (5) في حكاية الرجل المجامع الذي أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «فدخل رجل من الناس بمكتل

____________

(1) سورة النساء الآية 4.

(2) ص 219.

(3) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) التهذيب ج 4 ص 313 عن الكليني و في الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

(5) ص 210.

224

من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا».

و مثله

ما رواه في الفقيه عن إدريس بن هلال عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن رجل أتى أهله في شهر رمضان؟ قال: عليه عشرون صاعا من تمر فبذلك أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الرجل الذي أتاه فسأله عن ذلك».

و ما رواه في الفقيه أيضا عن محمد بن النعمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان؟ فقال: كفارته جريبان من طعام و هو عشرون صاعا».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا؟

قال: يتصدق بعشرين صاعا و يقضى مكانه».

و لا ريب في منافاة هذه الاخبار للخبرين المتقدمين اللذين عليهما عمل الأصحاب و العلامة في المنتهى نقل من هذه الأخبار خبر جميل بن دراج و خبر محمد بن النعمان، و حمل الأول على انه فقير فإذا كفر بعشرة أصوع خرج عن العهدة لأنه فقير غير متمكن من الصيام و إلا أمره (عليه السلام) به.

و ظاهره ان صاحب هذه القضية التي في رواية جميل غير الذي في رواية الأنصاري، و الذي يظهر من الفقيه انها قضية واحدة حيث انه- بعد نقل رواية الأنصاري المشتملة على ان المكتل فيه خمسة عشر صاعا (4) قال:

و في رواية جميل ابن دراج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) ان المكتل الذي أتى به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان فيه عشرون صاعا من تمر.

و على هذا يعظم الاشكال.

و حمل الثاني على صغر الصاع. و أنت خبير بما فيه من البعد سيما مع اعتضاد هذا الخبر بخبر إدريس و موثقة عبد الرحمن.

____________

(5) 210.

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(4) ص 219 و 220.

225

و كيف كان فالظاهر انه لا خروج عن ما عليه الأصحاب لاعتضاده بالأخبار الدالة على التصدق على ستين مسكينا و ان الصدقة بمد و ان الصاع أربعة أمداد.

إلا انه يبقى الإشكال في الجواب عن هذه الاخبار و يمكن حملها على التقية و ان لم يعلم به قائل من العامة كما قدمناه في مقدمات الكتاب. و يحتمل و لعله الأقرب الحمل على اختلاف الصاع و ان الخمسة عشر صارت في وقته (عليه السلام) بعشرين صاعا باعتبار اختلاف الأوقات زيادة و نقيصة.

الثالث [من عجز عن الخصال الثلاث في الكفارة]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو عجز عن الخصال الثلاث، فقيل انه يصوم ثمانية عشر يوما و هو منقول عن الشيخ المفيد و المرتضى و ابن إدريس، و قيل انه يتصدق بما يطيق و هو منقول عن الصدوق في المقنع و ابن الجنيد.

و قال في المنتهى: و لو عجز عن الأصناف الثلاثة صام ثمانية عشر يوما فان لم يقدر تصدق بما وجد أو صام ما استطاع فان لم يتمكن استغفر الله تعالى و لا شيء عليه ذهب إليه علماؤنا. ثم نقل اختلاف الجمهور و بحث معهم في المسألة (1) و في المختلف استقرب التخيير بين صوم ثمانية عشر يوما و التصدق بما يطيق.

و يدل على الأول

ما رواه الشيخ عن ابى بصير و سماعة بن مهران (2) قالا:

«سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام و لم يقدر على العتق و لم يقدر على الصدقة؟ قال: فليصم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام».

و ما رواه الشيخ عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين.

الى آخر الحديث المتقدم.

و يدل على الثاني

صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في المسألة الأولى حيث

____________

(1) المنتهى ج 2 ص 575 و المغني ج 3 ص 132.

(2) التهذيب ج 4 ص 207 و 208.

(3) الوسائل الباب 9 من بقية الصوم الواجب.

226

قال (عليه السلام) بعد التخيير بين الخصال الثلاث: «فان لم يقدر تصدق بما يطيق».

و صحيحته الأخرى الحسنة على المشهور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكينا؟ قال: يتصدق بقدر ما يطبق».

و الجمع بين الاخبار بالتخيير كما رجحه في المختلف متعين و به جمع الشهيد في الدروس و به قطع شيخنا الشهيد الثاني.

و جملة من المتصلبين في هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح كصاحب المدارك و صاحب الذخيرة اطرحوا الروايتين الدالتين على صوم الثمانية عشر لضعف السند و اختاروا ما دلت عليه اخبار التصدق بما يطيق محتجين بان الجمع بين الأخبار إنما يكون بعد التكافؤ في السند.

و ظاهر عبائر جملة من الأصحاب ان هذا الحكم اعنى الانتقال الى صوم ثمانية عشر يوما حكم من وجب عليه شهران متتابعان مطلقا بكفارة أو نذر أو ما في معناه و ما لو وجبا في كفارة تعيينا أو تخييرا. و في استفادة هذا التعميم من الخبرين المذكورين إشكال فإن ظاهرهما إنما هو الكفارة المشتملة على الخصال الثلاث.

ثم انهم قد اختلفوا في اشتراط التتابع و عدمه في صوم الثمانية عشر (2).

الرابع [من عجز عن التكفير]

- الظاهر انه لا خلاف في أن من عجز عن الصوم أصلا فإنه يجزئه الاستغفار و التوبة و هو كفارته، و هو مقطوع به في كلام الأصحاب.

و يدل عليه جملة من الأخبار: منها-

ما رواه الشيخ عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ورد في هامش الطبعة القديمة: هذه العبارة هكذا وقعت في النسخ و يحتمل سقوط تتمة الكلام إذ من البعيد في عادة المصنف الاكتفاء بذكر الخلاف فقط. و الله العالم.

(3) الوسائل الباب 6 من الكفارات.

227

أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك من ما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار».

و عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن شيء من كفارة اليمين.

الى أن قال: قلت فان عجز عن ذلك؟ قال: فليستغفر الله».

و قد تقدم (2) في حديث المجامع الذي اتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ما يدل على ذلك أيضا.

بقي الكلام في ما لو قدر على التكفير بعد الاستغفار و ظاهر النصوص المذكورة عدم الوجوب حيث أن بعضها صريح في ان الاستغفار كفارة له، و قال في الدروس: و لو قدر بعد الاستغفار فإشكال إذ لا تجب الكفارة على الفور.

و فيه ما عرفت.

الخامس [هل يعتبر الإيمان في الرقبة في جميع موارد التكفير؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط الايمان في الرقبة في هذا الموضع و غيره من افراد الكفارات التي يجب فيها عتق رقبة، و نقل في المختلف عن السيد المرتضى و ابن إدريس التصريح بالأيمان في خصوص هذا الموضع.

و الآية أعني قوله عز و جل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (3) و ان كان موردها قتل الخطأ إلا انهم حملوا عليها سائر الكفارات حملا للمطلق على المقيد و ان اختلف السبب،

و لما في رواية سيف بن عميرة «أ يجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا؟ قال: لا» (4).

و قيل بعدم اشتراطه إلا في قتل الخطأ الذي هو مورد الآية، و هو منقول عن ابن الجنيد و الشيخ في المبسوط و الخلاف.

و يدل على خصوص ما نحن فيه

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر البزنطي الذي نقل في شأنه انه ممن أجمعت العصابة على تصحيح

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الكفارات.

(2) ص 210.

(3) سورة النساء الآية 95.

(4) الوسائل الباب 17 من العتق.

228

ما يصح عنه عن المشرقي عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياما متعمدا ما عليه من الكفارة؟ فكتب (عليه السلام): من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا فعليه عتق رقبة مؤمنة و يصوم يوما بدل يوم».

و القول الثاني- في غير كفارة شهر رمضان لما عرفت من الخبر- لا يخلو من قوة. و سيجيء تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى.

السادس [عدم إجزاء القيمة في خصال الكفارة]

- الظاهر من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على انه لا تجزئ القيمة في شيء من خصال الكفارة لاشتغال الذمة بها، و الانتقال إلى القيمة يحتاج الى دليل و ليس فليس

السابع [التبرع بالكفارة عن الحي]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو تبرع أحد بالكفارة عن الحي، فقيل انه يجزئ ذلك عنه صوما كان أو غيره و هو قول الشيخ في المبسوط و اختاره العلامة في المختلف، و قيل انه يجزئ ما عدا الصوم و اما الصوم فإنه يراعى فيه الوفاة و هو مذهب المحقق في الشرائع، و قيل بالمنع مطلقا و اختاره جماعة من الأصحاب: منهم- السيد السند في المدارك، و هو الأقرب لعدم النص الدال عليه و تعلق التكليف بالحي و توجه الخطاب اليه فلا يحصل الامتثال بفعل غيره.

احتج العلامة في المختلف على ما ذهب اليه من القول الأول بأنه دين يقضى عن المديون فوجب ان تبرأ ذمته كما لو كان لأجنبي بل هنا أولى لأن حق الله تعالى مبنى على التخفيف.

و هو من حيث الاعتبار جيد إلا ان الظاهر ان التكفير من جملة العبادات التي من شأنها عدم قبول النيابة عن الحي إلا ما استثنى.

و بالجملة فالأحكام الشرعية يجب أن تكون دائرة مدار النصوص الظاهرة

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

229

و الأدلة الباهرة و ما ذكره من التعليل يصلح توجيها للنص لو وجد لا أن يكون دليلا مستقلا.

و اما ما يظهر من الوسائل من الاجزاء- حيث ذكر في باب (1) ان من أفطر يوما من شهر رمضان عمدا وجب عليه مع القضاء كفارة مخيرة. الى ان قال: و ان تبرع أحد بالتكفير عنه أجزأه. ثم أورد في الباب خبر المجامع الذي أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) المشتمل على انه (صلى اللّٰه عليه و آله) أتى بمكتل فيه خمسة عشر صاعا في أحد الخبرين (2) أو عشرون كما في الخبر الآخر (3) فأعطاه ذلك الرجل و قال له تصدق به- ففيه ان محل الخلاف في المسألة من تبرع بالكفارة صدقة كان أو غيرها عن الحي لا من أعطاه شيئا و ملكه إياه و امره بالتصدق عنه كما هو مورد الخبرين و هذا من جملة غفلاته (طاب ثراه).

و اما التبرع عن الميت فالمشهور جوازه و هو ظاهر الأخبار الكثيرة المتقدمة في كتاب الصلاة (4) المتضمنة لانتفاعه بما يلحقه من الطاعات:

كرواية حماد بن عثمان (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الصلاة و الصوم و الصدقة و الحج و العمرة و كل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت يكون في ضيق فيوسع عليه و يقال هذا بعمل ابنك فلان و بعمل أخيك فلان، أخوه في الدين».

و رواية محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «يقضى عن الميت الصوم و الحج و العتق و فعله الحسن».

الى غير ذلك من الاخبار المتقدمة.

المسألة الثالثة [هل تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في اليوم الواحد؟]

- الظاهر انه لا خلاف نصا و فتوى في أن الكفارة تتكرر بتكرر الموجب إذا كان في يومين.

إنما الخلاف في تكررها بتكرر الموجب في اليوم الوحد فقال الشيخ في

____________

(1) الوسائل الباب 8 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) ص 219.

(3) ص 210.

(4) ج 11 ص 32.

(5) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.

(6) الوسائل الباب 2 من قضاء الصلوات.

230

المبسوط انه ليس لأصحابنا فيه نص و الذي يقتضيه مذهبنا انه لا تتكرر الكفارة، و اختاره ابن حمزة و جماعة: منهم- المحقق في كتبه الثلاثة، و قال المرتضى بتكررها بتكرر الوطء، و قال ابن الجنيد ان كفر عن الأول كفر ثانيا و إلا كفر كفارة واحدة عنهما. و قال العلامة في المختلف الأقرب عندي انه ان تغاير جنس المفطر تعددت الكفارة و إلا فلا. و رجح المحقق الشيخ على في حاشية الشرائع تكرر الكفارة بتكرر السبب مطلقا.

و قال في المسالك بعد نقل عبارة المصنف: لا ريب في تكررها مع اختلاف الأيام مطلقا و اما في اليوم الواحد فالأصح تكررها بتكرر الجماع. و مع تخلل التكفير و مع اختلاف نوع الموجب، اما مع اتفاقه فقال في الدروس لا تتكرر قطعا و في المهذب إجماعا، و اختار المحقق الشيخ على تكررها مطلقا و هو الأصح ان لم يكن قد سبق الإجماع على خلافه. و الأكل و الشرب مختلفان و يتعددان بتعدد الازدراد و الجماع بالعود بعد النزع. انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الصدوق (قدس) في كتاب عيون اخبار الرضا و كتاب الخصال بسنده الى الفتح ابن يزيد الجرجاني (1) «انه كتب الى أبى الحسن (عليه السلام) يسأله عن رجل واقع امرأة في شهر رمضان من حلال أو حرام في يوم عشر مرات؟ قال: عليه عشر كفارات لكل مرة كفارة فإن أكل أو شرب فكفارة يوم واحد».

و نقل العلامة في المختلف عن ابن ابى عقيل قال: ذكر أبو الحسن ذكريا بن يحيى صاحب كتاب شمس المذهب عنهم (عليهم السلام) (2) ان الرجل إذا جامع في شهر رمضان عامدا فعليه القضاء و الكفارة فإن عاود إلى المجامعة في يومه ذلك مرة أخرى فعليه في كل مرة كفارة.

و قال في المختلف في أثناء البحث في هذه المسألة: و يؤيده ما روى عن

____________

(1) الوسائل الباب 11 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 11 من ما يمسك عنه الصائم.

231

الرضا (عليه السلام) ان الكفارة تتكرر بتكرر الوطء. و يمكن أن يكون هذا إشارة إلى الرواية التي قدمناها أو الى رواية أخرى غيرها.

و بالجملة فإن الظاهر عندي هو الوقوف على ما دلت عليه رواية الفتح المذكورة إذ لا معارض لها في المسألة و لم يتعرض أحد من أصحابنا لنقلها و هي ظاهرة في ما نقل عن السيد المرتضى (رضي الله عنه).

و ما ذكره أصحاب هذه الأقوال من التعليلات لما ذهبوا اليه لا يمكن الرجوع اليه و لا التعويل عليه و لو لا وجود ما ذكرناه لكانت المسألة محل توقف و اشكال لعدم النص الذي هو العمدة في الاستدلال.

و قد أطال العلامة في المختلف في الاستدلال على ما ذهب اليه بما لا مزيد فائدة في التعرض الى نقله و الكلام عليه بعد ما عرفت.

بقي الإشكال في ان ظاهر هذين الخبرين ان الواجب بالتعدد في الجماع كفارة واحدة و ان كان الجماع لأجنبية مع انه قد تقدم في سابق هذه المسألة ان الأصح في هذه الصورة ثلاث كفارات للتوقيع المتقدم و رواية الهروي، و التنافي ظاهر.

و لا يحضرني الآن وجه جمع بين هذه الأخبار إلا أن يخص كل من هذه الأخبار المتنافية بمورده، فتحمل أخبار التعدد إذا جامع حراما على الجماع مرة واحدة و هذان الخبران على تعدد الجماع كما هو موردهما فإنه ليس عليه إلا كفارة واحدة، و لعله لمناسبة التخفيف عنه لانه متى جامع عشر مرات حراما و قلنا بان الواجب في الحرام ثلاث كفارات كان الواجب ثلاثين كفارة و هو في غاية العسر و الحرج، فلعله لذلك لم يجب عليه إلا كفارة واحدة. و الله العالم بحقائق الأمور.

المسألة الرابعة [لو سقط فرض الصوم بعد فعل موجب الكفارة]

- لو فعل ما تجب به الكفارة ثم سقط فرض الصوم بسفر أو حيض أو شبهه فهل تسقط الكفارة أم لا؟ قولان ثانيهما للشيخ في الخلاف و أكثر الأصحاب و ادعى عليه في الخلاف إجماع الفرقة.

و استدل عليه بأنه أفسد صوما واجبا من رمضان فاستقرت عليه الكفارة

232

كما لو لم يطرأ العذر. و بأنه أوجد المقتضى و هو الهنك و الإفساد بالسبب الموجب للكفارة فثبت الأثر، و المعارض و هو العذر المسقط لفرض الصوم لا يصلح للمانعية عملا بالأصل.

و القول الأول حكاه المحقق و غيره و اختاره العلامة في جملة من كتبه.

و استدل عليه بان هذا اليوم غير واجب صومه عليه في علم الله تعالى و قد انكشف لنا ذلك بتجدد العذر فلا تجب فيه الكفارة كما لو انكشف أنه من شوال بالبينة.

أقول: يمكن تطرق الطعن الى هذا الاستدلال بأن الأحكام الشرعية و التكاليف الواردة من الشارع إنما بنيت على الظاهر لا على نفس الأمر و الواقع، فان الحلال و الحرام و الطاهر و النجس ليس إلا عبارة عن ما كان كذلك في نظر المكلف لا عن ما كان واقعا

لقولهم (عليهم السلام) (1): «كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه».

و قولهم (2) «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر».

و نحو ذلك. و به يظهر قوة ما ذكره الشيخ (قدس سره).

و اما القياس على انكشاف كونه من شوال فهو قياس مع الفارق لأنه بعد انكشاف كونه من شوال لا يصدق عليه انه أفطر يوما من شهر رمضان فلا تجب عليه كفارة، و اما في ما نحن فيه فلا خلاف في انه أفطر يوما من شهر رمضان لغير عذر و ان طرأ العذر بعد ذلك فتتناوله الأخبار الدالة على وجوب الكفارة على من كان كذلك.

و بالجملة فإن الأخبار الدالة على وجوب الكفارة على من أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا شاملة بإطلاقها لهذه الصورة و تجدد العذر لا يصلح لاسقاطها

____________

(1) الوسائل الباب 4 من ما يكتسب به و الباب 64 من الأطعمة المحرمة و الباب 61 من الأطعمة المباحة باختلاف في اللفظ.

(2) الوسائل الباب 37 من النجاسات و اللفظ «كل شيء نظيف.».

233

بعد ثبوتها، و قول ذلك القائل- انه غير واجب صومه في علم الله تعالى- مدفوع بان الوجوب ليس مبنيا على علم الله تعالى الذي هو عبارة عن الواقع و نفس الأمر كما عرفت.

و ذكر العلامة و من تأخر عنه ان مبنى المسألة على قاعدة أصولية و هي ان المكلف إذا علم فوات شرط الفعل هل يجوز أن يكلف به أم يمتنع؟ فعلى الأول تجب الكفارة و على الثاني تسقط.

قال في المدارك بعد نقل ذلك: و عندي في هذا البناء نظر إذ لا منافاة بين الحكم بامتناع التكليف بالفعل مع علم الآمر بانتفاء الشرط كما هو الظاهر و بين الحكم بثبوت الكفارة هنا لتحقق الإفطار في صوم واجب بحسب الظاهر كما هو واضح.

و مرجعه الى عدم اندراج ما نحن فيه تحت القاعدة المذكورة لجواز ان يكون وجوب الكفارة مبنيا على وجوب الصيام بحسب الظاهر و ان قلنا انه يمتنع التكليف في الصورة المذكورة.

و فرق بعضهم بين ما لو كان المسقط باختياره كالسفر غير الضروري أو بغير اختياره كالحيض و السفر الضروري فأسقط الكفارة بالثاني دون الأول.

قال في المدارك: و يظهر من العلامة في مطولاته الثلاثة و الشارح (قدس سره) ان سقوط الكفارة في هذه الصورة- يعني صورة ظهور كونه من شوال- لا خلاف فيه، فإنهما استدلا على سقوط الكفارة مع سقوط الفرض بسقوطها إذا انكشف كون ذلك اليوم من شوال بالبينة، و مقتضى ذلك كون السقوط هنا مسلما عند الجميع. انتهى.

و اعترضه بعض مشايخنا المتأخرين بأن هذا غير ظاهر بل الظاهر خلافه فان الشهيد الثاني نقل في سقوط الكفارة بالسفر أقوالا ثلاثة: الأول- سقوط الكفارة بالسفر مطلقا إذا كان موجبا للقصر لتبين عدم وجوب الصوم، الثاني- عدم السقوط بذلك مطلقا لصدق فعل موجب الكفارة في صوم واجب، الثالث-

234

الفرق بين السفر الضروري و غيره، فظهر ان محل الخلاف أعم من ما ذكره السيد (قدس سره). انتهى.

أقول: الظاهر ان ما نقله شيخنا المذكور عن الشهيد الثاني مأخوذ من كتاب تمهيد القواعد فإنه غير موجود في كتاب المسالك و لا في كتاب الروضة.

و كيف كان فالظاهر انه لو كان المكلف إنما فعل ذلك لأجل إسقاط الكفارة بعد أن وجبت عليه فإنه لا يدخل في محل الخلاف و إلا لزم إسقاط الكفارة عن كل مفطر باختياره ثم السفر لإسقاط الكفارة.

و يدل على ذلك

صحيحة زرارة و محمد بن مسلم الحسنة على المشهور المتقدمة في كتاب الزكاة في حديث طويل (1) قالا: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) أيما رجل كان له مال و حال عليه الحول فإنه يزكيه. قلت فان وهبه قبل حله بشهر أو بيوم؟

قال ليس عليه شيء أبدا. قال و قال زرارة عنه: انه قال انما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوما في إقامته ثم خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك إبطال الكفارة التي وجبت عليه. و قال انه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة و لكنه لو كان وهبا قبل ذلك لجاز و لم يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثم أفطر».

المسألة الخامسة [من أكره زوجته على الجماع في نهار شهر رمضان]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) من غير خلاف يعرف بان من أكره زوجته على الجماع في نهار شهر رمضان و هما صائمان فإن عليه كفارتين و لا كفارة عليها، و نقل المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى الإجماع على ذلك.

و المستند فيه

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن المفضل بن عمر عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي صائمة؟ فقال: ان كان استكرهها فعليه كفارتان، و ان كانت طاوعته فعليه كفارة و عليها كفارة، و ان

____________

(1) الوسائل الباب 12 من زكاة الذهب و الفضة.

(2) الوسائل الباب 12 من ما يمسك عنه الصائم.

235

كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد، و ان كانت طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا».

و رواها الصدوق في الفقيه عن المفضل أيضا (1) و قال بعد نقلها: قال مصنف هذا الكتاب (قدس سره) لم أجد ذلك في شيء من الأصول و انما تفرد بروايته على بن إبراهيم بن هاشم.

و روى هذه الرواية أيضا الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (2).

قال المحقق في المعتبر بعد نقل الرواية المذكورة: و إبراهيم بن إسحاق هذا ضعيف متهم و المفضل بن عمر ضعيف جدا كما ذكره النجاشي. و قال ابن بابويه:

لم يرو هذه الرواية غير المفضل. فإذا الرواية في غاية الضعف لكن علماءنا ادعوا على ذلك إجماع الإمامية و مع ظهور القول بها و نسبة الفتوى إلى الأئمة (عليهم السلام) يجب العمل بها، و يعلم نسبة الفتوى إلى الأئمة (عليهم السلام) باشتهارها بين ناقلي مذهبهم كما يعلم أقوال أرباب المذاهب بنقل اتباع مذهبهم و ان استندت في الأصل إلى الآحاد من الضعفاء و المجاهيل. انتهى.

قال في المدارك بعد نقل هذا الكلام: و هو جيد لو علم استناد الفتوى بذلك إلى الأئمة (عليهم السلام) كما علم بعض أقوال أرباب المذاهب بنقل اتباعهم لكنه غير معلوم و إنما يتفق حصول هذا العلم في آحاد المسائل كما يعلم بالوجدان. انتهى.

و على منواله نسج صاحب الذخيرة فقال بعد نقل كلام المحقق المذكور: و في ثبوت ما نقل إسناده إلى الأئمة (عليهم السلام) تأمل، و ثبوت الإسناد في خصوص بعض المسائل بنقل الأصحاب من ما لا ريب فيه لكن في كون هذه المسألة من ذلك القبيل توقفا.

أقول: لا يخفى ان مراد المحقق (قدس سره) من هذا الكلام هو ان الأصحاب قد ادعوا الإجماع على هذا الحكم، و من الظاهر ان شهرة الفتوى بينهم بهذا

____________

(1) الوسائل الباب 12 من ما يمسك عنه الصائم.

(2) الوسائل الباب 12 من ما يمسك عنه الصائم.

236

الحكم و عدم ظهور المخالف فيه موجب للعلم بكون ذلك مذهب الأئمة (عليهم السلام) الذي يفتون به، لانه متى علم ان اعتماد الشيعة في الأحكام إنما هو على ما ورد عنهم (عليهم السلام)- و انهم لا يفتون في الأحكام بآرائهم و لا يستندون في شيء منها الى عقولهم و لا يعتمدون على أحد غير أئمتهم (عليهم السلام) و انهم في العدالة و التقوى على حد يمنعهم من الافتراء و الكذب على أئمتهم (عليهم السلام)- فاللازم من ذلك هو حصول العلم العادي البتة بكون هذا الحكم الذي أجمعوا عليه مذهب أئمتهم (عليهم السلام) و ان الفتوى المستندة إليهم به صحيحة و ان كان نقلتها من المجاهيل و الضعفاء كما يحصل العلم العادي من مقلدي أبي حنيفة و اتباعه بكون ما يتعاطونه و ينقلونه بينهم هو مذهب أبي حنيفة و هكذا. و لكن هذا الكلام لما كان فيه نوع طعن على هذا الاصطلاح المحدث الذي اعتمده السيد السند و أمثاله من المتصلبين فيه أنكر (قدس سره) و من تبعه استناد الفتوى بذلك إلى الأئمة (عليهم السلام).

و نقل عن ظاهر ابن ابى عقيل انه أوجب على الزوج مع الإكراه كفارة واحدة كما في حال المطاوعة.

قال في المدارك: و هو غير بعيد خصوصا على ما ذهب إليه الأكثر من عدم فساد صوم المرأة بذلك فينتفي المقتضي للتكفير.

أقول: لا يخفى ان نفيه البعد عن هذا القول مبنى على إطراحه الخبر المتقدم لضعفه باصطلاحه الذي يعتمده.

و اما اعتضاده بما ذهب إليه الأكثر- من عدم فساد صوم المرأة بذلك- ففيه انه لا منافاة بين تعدد الكفارة على الزوج متى أكرهها و بين الحكم بصحة صومها لأن تحمله كفارتها إنما ترتب على إكراهها على هذا الفعل لا على بطلان صومها.

و نظيره ما سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج من انه متى جامع زوجته و هما محرمان بالحج فان طاوعته لزمها ما لزمه من فساد الحج و وجوب إتمامه و الحج من قابل و البدنة، و ان أكرهها فان حجها صحيح مع تعدد الكفارة عليه.

237

و قد صرح هو نفسه ثمة بذلك فقال بعد قول المصنف- و لو أكرهها كان حجها ماضيا- ما لفظه: لا ريب في صحة حج المرأة مع الإكراه للأصل و لان المكره أعذر من الجاهل، و يدل على تعدد الكفارة عليه مع الإكراه

قوله (عليه السلام) في رواية على بن أبي حمزة (1) «ان كان استكرهها فعليه بدنتان».

انتهى.

أقول: و مثل

رواية على بن أبي حمزة صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه: «ان كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه و ان كان استكرهها فعليه بدنتان».

و بذلك يظهر لك ان تعدد الكفارة على المكره لا يترتب على فساد حج المرأة أو صومها حتى انه يجعل حكم الأصحاب هنا بصحة صوم المرأة مستندا للكفارة الواحدة.

فوائد

الاولى [عدم فرق بين الدائمة و المستمتع بها]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المستمتع بها عملا بإطلاق النص، و هو كذلك.

الثانية [الجماع بالنائمة]

- الحق الشيخ بالمكرهة النائمة، قال في المعتبر: و نحن نساعده على المكرهة وقوفا على ما ادعاه من إجماع الإمامية، أما النائمة فلا لأن في الإكراه نوعا من تهجم ليس موجودا في النائمة، و لأن ذلك ثبت على خلاف الأصل فلا يلزم من ثبوت الحكم هناك لوجود الدلالة ثبوته هنا مع عدمها. انتهى. و هو جيد.

الثالثة [من أكره أجنبية على الجماع]

- لو أكره أجنبية فهل يتحمل عنها أم لا؟ قولان قرب الأول منهما العلامة في القواعد، و اختار الثاني منهما العلامة في المنتهى و ابن إدريس و المحقق.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

(2) الوسائل الباب 7 من كفارات الاستمتاع.

238

و اختاره في المدارك لاختصاص النص الوارد بالتحمل بالوطء المحلل فينتفي في غيره بل في غير الزوجة.

و استند القائل الأول الى ان الزنى أغلظ حكما فيكون أولى بالمؤاخذة و التكفير نوع منها.

و رد بأن الكفارة لتكفير الذنب و رفع عقابها فربما لا تناسب الذنب الشديد لعدم تأثيرها في تخفيفه لشدته كما في تكرر قتل الصيد عمدا فإنه لا كفارة فيه مع ثبوت الكفارة في الخطأ.

و وجه الشيخ فخر الدين في الإيضاح تقريب أبيه (قدس سرهما) في القواعد بعموم النص و غير الرواية (1) فبدل لفظ «امرأته» في الخبر «بامرأة» بحذف الضمير و كأنه (سهو منه) (قدس سره) لأن الموجود في كتب الأخبار (2) و كذا في كتب الفروع إثبات الضمير كما نقلناه.

الرابعة [لو وطأ المجنون زوجته]

- قالوا: لو وطأ المجنون زوجته و هي صائمة فإن طاوعته لزمتها الكفارة و ان أكرهها سقطت الكفارة عنهما، اما عنه فلعدم التكليف و اما عنها فللاكراه.

و لو اكره المسافر زوجته قيل وجبت الكفارة عليه هنا عنها لا عنه، و احتمل العلامة في القواعد السقوط مطلقا لكونه مباحا له غير مفطر لها.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و ربما لاح من هذا التعليل اباحة الإكراه على هذا الوجه، و كأن وجهه انتفاء المقتضى للتحريم و هو فساد الصوم إذ المفروض ان صومها لا يفسد بذلك. أقول: قد عرفت ما فيه.

ثم قال: و الأصح التحريم لأصالة عدم جواز إجبار المسلم على غير الحق الواجب عليه.

____________

(1) و هي رواية سليمان بن خالد الواردة في الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 1 ص 268 و الوافي باب (غشيان النساء للمحرم) من كتاب الحج و الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

239

المسألة السادسة [عقوبة من أفطر عامدا في شهر رمضان]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان من أفطر عامدا في شهر رمضان فان كان مستحلا غير معتقد لتحريم ذلك الفعل فهو مرتد ان كان ممن بلغه أحكام الإسلام و قواعد الحلال و الحرام، و ان لم يكن كذلك بل كان معترفا بتحريمه فإنه يعزر فان عاد عزر فان عاد قتل في الثالثة على المشهور أو عزر فان عاد قتل في الرابعة على القول الآخر.

و مستند الأول

ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن بريد العجلي (1) قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل شهد عليه شهود أنه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيام؟ قال: يسئل هل عليك في إفطارك في شهر رمضان اثم؟ فان قال لا فان على الامام ان يقتله و ان قال نعم فان على الامام أن ينهكه ضربا».

و ان ادعى الشبهة قبل منه، و على ذلك تحمل

رواية زرارة و ابى بصير (2) قالا: «سألنا أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان أو أتى أهله و هو محرم و هو لا يرى إلا أن ذلك حلال له؟ قال: ليس عليه شيء».

و مستند الثاني

ما رواه الشيخ و الصدوق عن سماعة في الموثق (3) قال: «سألته عن رجل أخذ في شهر رمضان و قد أفطر ثلاث مرات و قد رفع الى الامام ثلاث مرات؟ قال: فليقتل في الثالثة».

و ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) (4) قال: «أصحاب الكبائر كلها إذا أقيم عليهم الحد مرتين قتلوا في الثالثة».

و مستند الثالث ما رواه الشيخ (قدس سره) عنهم (عليهم السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 9 من ما يمسك عنه الصائم.

(3) الوسائل الباب 2 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 5 من مقدمات الحدود.

240

مرسلا (1) ان أصحاب الكبائر يقتلون في الرابعة.

و سيأتي ان شاء الله تعالى في المقصد الثاني تتمة الكلام في ما يتعلق بالكفارات

المقصد الثاني في أقسام الصوم

و هو واجب و مندوب و مكروه و حرام، فالكلام في هذا المقصد يقع في مطالب:

المطلب الأول- في الواجب

و هو ستة: شهر رمضان و قضاؤه و الكفارات و دم المتعة و النذر و ما في معناه و الاعتكاف على وجه فالكلام هنا يقع في فصول:

الفصل الأول- في شهر رمضان

و هو واجب بالكتاب و السنة و إجماع المسلمين و وجوبه من ضروريات الدين على جامع الشرائط المتقدمة.

[طرق ثبوت شهر رمضان]

و يعلم بأمور

أحدها- رؤية الهلال

سواء انفرد برؤيته أو شاركه غيره.

قال العلامة في التذكرة: و يلزم صوم رمضان من رأى الهلال و ان كان واحدا انفرد برؤيته سواء كان عدلا أو غير عدل شهد عند الحاكم أو لم يشهد قبلت شهادته أو ردت، ذهب إليه علماؤنا أجمع و هو قول أكثر العامة، و عند بعضهم ان المنفرد لا يصوم (2).

أقول: و يدل على الحكم المذكور بعد قوله عز و جل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (3) جملة من الأخبار:

____________

(1) لم أقف في كتب الحديث على هذا المرسل في مظانه. نعم في التهذيب ج 10 ص 62 قال في ضمن كلام له: لأنا قد بينا ان أصحاب الكبائر يقتلون في الثالثة أو الرابعة.

ثم ذكر حديث يونس. و يمكن أن يكون الترديد بلحاظ ما ورد في الزنى من قتله في الرابعة كما تقدم ذلك فيه ص 37. و قال في الاستبصار ج 4 ص 225 فإنه إذا صار كذلك ثلاث دفعات قتل في الرابعة. و يمكن أن يكون نظر الفقهاء الى كلامه المذكور.

(2) المغني ج 3 ص 156.

(3) سورة البقرة الآية 182.

241

منها-

ما رواه الكليني في الصحيح و الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الأهلة؟ فقال: هي اهلة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فأفطر. قلت: أ رأيت ان كان الشهر تسعة و عشرين يوما اقضى ذلك اليوم؟

فقال: لا إلا ان تشهد لك بينة عدول فان شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابى الصباح و الحلبي جميعا عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن الأهلة؟ فقال: هي اهلة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فأفطر».

و في الصحيح عن المفضل و عن زيد الشحام جميعا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن الأهلة فقال: هي اهلة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فأفطر».

و ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن على بن جعفر (4) «انه سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن الرجل يرى الهلال في شهر رمضان وحده لا يبصره غيره إله أن يصوم؟ قال: إذا لم يشك فيه فليصم و إلا فليصم مع الناس».

و

ثانيها- عد ثلاثين يوما من شعبان لو لم ير

، و هو مجمع عليه بين العلماء من الطرفين بل قيل انه من ضروريات الدين.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابى خالد الواسطي (5) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان رقم 1 و اللفظ ينتهى بقوله: «و إذا رأيته فأفطر» نعم في رواية الحلبي الواردة في الباب 3 و 5 من أحكام شهر رمضان رقم 18 و 17 عن التهذيب اللفظ المذكور كله، و كذا في رواية أبي الصباح و الحلبي و رواية المفضل و الشحام الآتيتين عن التهذيب.

(2) الوسائل الباب 3 و 5 من أحكام شهر رمضان رقم 7 و 9.

(3) الوسائل الباب 3 و 5 من أحكام شهر رمضان رقم 3 و 4.

(4) الوسائل الباب 4 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 16 و 3 من أحكام شهر رمضان رقم 1 و 17.

242

«أتينا أبا جعفر (عليه السلام) في يوم يشك فيه من رمضان فإذا مائدته موضوعة و هو يأكل و نحن نريد أن نسأله فقال: ادنوا الغداء إذا كان مثل هذا اليوم و لم تجئكم فيه بينة رؤية الهلال فلا تصوموا. ثم قال: حدثني أبى على بن الحسين عن على (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لما ثقل في مرضه قال أيها الناس ان السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. قال ثم قال بيده: فذاك رجب مفرد و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم ثلاثة متواليات، ألا و هذا الشهر المفروض رمضان فصوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته فإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين و صوموا الواحد و ثلاثين. الحديث».

و لا اختصاص لهذا الحكم بهلال شهر رمضان بل كل شهر اشتبهت رؤية هلاله يجب أن يعد ما قبله ثلاثين يوما.

و من الأخبار زيادة على ما قدمنا

قول أبى جعفر (عليه السلام) في صحيحة محمد بن قيس (1) «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: و ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (2) «و إذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين».

بقي الكلام لو غمت شهور السنة كلها أو أكثرها، قيل انه يعد كل شهر منها ثلاثين، و هو منقول عن الشيخ في المبسوط و جماعة و اختاره المحقق في الشرائع، و قيل ينقص منها لقضاء العادة بالنقيصة، و هذا القول مجهول القائل مع جهالة قدر النقص ايضا، و قيل بالعمل في ذلك برواية الخمسة الآتية في الموضع السادس (3) و اختاره العلامة في جملة من كتبه، و ذكر في المختلف انه إنما اعتمد في ذلك على العادة لا على الرواية. و قيل عليه انه مشكل ايضا لعدم اطراد العادة بالنقيصة على هذا الوجه. و المسألة محل توقف لعدم الدليل الواضح فيها.

هذا في ما ذكرناه من ما لو غمت شهور السنة كلها أو أكثرها، أما الشهران

____________

(1) الوسائل الباب 5 و 8 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 5 و 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) من مواضع التنبيه الخامس من التنبيهات الآتية.

243

و الثلاثة فقد قطع جملة من الأصحاب بعدها ثلاثين لامتناع الحكم بدخول الشهر بمجرد الاحتمال، و عليه تدل ظواهر الأخبار المتقدمة.

و

ثالثها- الشياع

بان يرى رؤية شائعة، قال المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى انه لا خلاف فيه بين العلماء. و استدل عليه في المنتهى بأنه نوع تواتر يفيد العلم. و نحوه قال في التذكرة، ثم قال: و لو لم يحصل العلم بل حصل ظن غالب بالرؤية فالأقوى التعويل عليه كالشاهدين، فان الظن بشهادتهما حاصل مع الشياع.

و نحوه ذكر شيخنا الشهيد الثاني و غيره.

و نقل في المدارك عن جده (قدس سره) في موضع من الشرح اعتبار زيادة الظن الحاصل من ذلك على ما يحصل منه بقول العدلين لتتحقق الأولوية المعتبرة في مفهوم الموافقة. ثم قال بعد نقل ذلك: و يشكل بان ذلك يتوقف على كون الحكم بقبول شهادة العدلين معللا بإفادتهما الظن ليتعدى الى ما يحصل به ذلك و تحقق الأولوية المذكورة، و ليس في النص ما يدل على هذا التعليل و انما هو مستنبط فلا عبرة به، مع ان اللازم من اعتباره الاكتفاء بالظن الحاصل من القرائن إذا ساوى الظن الحاصل من شهادة العدلين أو كان أقوى و هو باطل إجماعا ثم قال: و الأصح اعتبار العلم كما اختاره العلامة في المنتهى و صرح به المصنف في كتاب الشهادات من هذا الكتاب لانتفاء ما يدل على اعتبار الشياع بدون ذلك، و على هذا فينبغي القطع بجريانه في جميع الموارد. و حيث كان المعتبر ما أفاد العلم فلا ينحصر المخبرون في عدد و لا يفرق في ذلك بين خبر المسلم و الكافر و الصغير و الكبير و الأنثى و الذكر كما قرر في حكم التواتر. انتهى.

أقول: ظاهر كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) في هذا المقام بل صريح بعضهم انهم لم يقفوا على دليل لهذا الحكم من الاخبار، و انا قد وقع لي تحقيق نفيس في هذه المسألة في أجوبة مسائل بعض الأعلام أحببت إيراده في المقام و ان طال به زمان الكلام لما اشتمل عليه من التحقيق الكاشف لنقاب الإبهام و إزاحة ما عرض

244

فيها من الشكوك و الأوهام، و هذه صورته:

ظاهر كلام أصحابنا (رضوان الله عليهم) عدم الوقوف على نص يدل على ذلك حيث لم يوردوا له دليلا من الاخبار و إنما بنوا الحكم فيه على نوع من الاعتبار بل صرح المحدث الكاشاني في المفاتيح بعدم النص في ذلك، و حينئذ فإن حصل به العلم و اليقين و أثمر القطع دون التخمين فالظاهر انه لا إشكال في اعتباره و العمل بمقتضاه بل ربما يدعى استفادته بهذا المعنى من الاخبار، مثل الأخبار الدالة على ان الصوم للرؤية و الفطر للرؤية (1) بأن يكون المعنى فيها ان كلا من الصوم و الفطر مترتب على العلم بالرؤية أعم من أن يكون برؤية المكلف نفسه أو بالشياع الموجب للعلم.

و يمكن أن يستدل على اعتبار الشياع من الاخبار

بما رواه الشيخ في التهذيب عن سماعة (2) «انه سأله عن اليوم في شهر رمضان يختلف فيه؟ فقال: إذا اجتمع أهل المصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة إنسان».

إذ الظاهر ان ذكر الخمسمائة إنما هو على جهة التمثيل و الكناية عن الكثرة الموجبة للعلم، إذ لا ضرورة لهذا العدد مع وجود العدلين فيهم و لا خصوصية له مع عدمهما.

و ما رواه أيضا في الكتاب المذكور بسنده عن عبد الحميد الأزدي (3) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس؟ فقال: إذا كان كذلك فصم بصيامهم و أفطر بفطرهم».

و ما رواه فيه عن ابى عبد الجارود (4) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول صم حين يصوم الناس و أفطر حين يفطر الناس فان الله عز و جل جعل الأهلة مواقيت (5).

____________

(1) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 12 من أحكام شهر رمضان. و الرواية للصدوق في الفقيه ج 2 ص 77 لا الشيخ.

(3) الوسائل الباب 12 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 12 من أحكام شهر رمضان.

(5) في قوله تعالى في سورة البقرة الآية 186 «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ.».

245

و ما رواه فيه ايضا عن ابى الجارود (1) قال: «شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى فلما دخلت على ابى جعفر (عليه السلام) كان بعض أصحابنا يضحى فقال:

الفطر يوم يفطر الناس و الأضحى يوم يضحى الناس و الصوم يوم يصوم الناس».

و هذه الاخبار كما ترى ظاهرة الدلالة بل صريحة المقالة على وجوب الصوم و الإفطار متى شاعت الرؤية بين الناس و اشتهرت بحيث صاموا و أفطروا من غير نظر الى أن يكون فيهم عدلان أم لا، لان الحكم فيها إنما علق على الكثرة و الاتفاق على ذلك.

قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد نقل رواية عبد الحميد: يريد (عليه السلام) بذلك ان صومهم إنما يكون بالرؤية فإذا لم يستفض الخبر عندهم برؤية الهلال لم يصوموا على ما جرت به العادة في بلاد الإسلام. انتهى. و هو مؤيد لما قلناه و ظاهر في ما ادعيناه.

و من ما يمكن أن يستدل به في المقام و ان لم يتنبه له أحد من علمائنا الأعلام

صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا بالتظني و لكن بالرؤية، و الرؤية ليس ان يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا فينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة و ألف».

فإن الظاهر ان المعنى فيها- و الله سبحانه و أولياؤه أعلم- انه متى كان الهلال بحيث كل من نظر اليه رآه من غير علة هناك مانعة من ضعف بصر أو غيم أو نحوهما- و اشتهر و شاع ذلك على هذه الكيفية بحيث لم يقل قائل خال من العذر انى نظرت اليه فلم أره- فإنه يجب على سائر الناس ممن لم ينظروا العمل بمقتضى ذلك مع حصول العلم باخبار أولئك، لأن مساق الخبر بالنسبة الى من لم ينظر و هل

____________

(1) الوسائل الباب 57 من ما يمسك عنه الصائم. و اللفظ «سألت أبا جعفر (ع) انا.».

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

246

يجب عليه العمل بمقتضى تلك الرؤية أم لا؟ و إلا فلا خلاف و لا إشكال في العمل بمقتضى الرؤية على الرائي نفسه.

و موثقة عبد الله بن بكير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صم للرؤية و أفطر للرؤية، و ليس رؤية الهلال أن يجيء الرجل و الرجلان فيقولان رأينا إنما الرؤية أن يقول القائل رأيت فيقول القوم صدق».

و رواية أبي العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية، و ليس الرؤية أن يراه واحد و لا اثنان و لا خمسون».

و صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، و ليس رؤية الهلال ان يقوم عدة فيقول واحد قد رأيته و يقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه الف، و لا يجوز في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر».

و من هذه الاخبار يظهر صحة ما ذكرناه في معنى الصوم للرؤية و الفطر للرؤية من أن المراد العلم بالرؤية دون وقوع الرؤية من ذلك الرائي بخصوصه، فان قوله (عليه السلام) «و ليس الرؤية. الى آخره» صريح في ذلك.

و حاصل المعنى في هذه الاخبار انه (عليه السلام) جعل مناط الصوم و الفطر العلم بالرؤية، ثم فسر معنى الرؤية التي هي مناط ذلك بأنها ليست عبارة عن أن يدعيها بعض و يخالفه آخر بل هي عبارة عن ان يخبر بها كل من تعمد النظر من غير مانع هناك و لا علة لا من جهة السماء و لا من جهة الناظر فإنه متى كان كذلك وجب على العالم بها العمل بمقتضاها، و لو كان المراد من قوله: «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية» انما هو بالنسبة إلى الرائي نفسه بمعنى انه يجب على كل من رأى الهلال الصوم أو

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

247

الفطر لكان لا معنى لبقية الكلام في هذه الاخبار و لا لتفسير الرؤية بما ذكر فيها لأن حكم الرائي لا يتوقف على غيره كما لا يخفى.

و بالجملة فمساق هذه الأخبار و أمثالها إنما هو بالنسبة إلى بيان الرؤية التي يترتب على العلم بها ممن لم ينظر و ير العمل بمقتضاها.

و يؤيد ذلك انه لم يرد في اخبار هذا الباب على كثرتها و انتشارها ما يدل على وجوب الرؤية على كل فرد فرد من أفراد المكلفين مع وجوب ما يترتب على ذلك من صيام و إفطار المأخوذ فيهما البناء على العلم و اليقين.

بقي في المقام إشكالان: أحدهما ان هذه الاخبار- من حيث دلالتها على عدم الاكتفاء في الرؤية بالاثنين و الثلاثة بل لا بد أن تكون على تلك الكيفية المتقدمة- ربما نافى بظاهره ما دل على الاكتفاء في ثبوت الهلال بشهادة العدلين من الأخبار المستفيضة.

و الجواب عن ذلك من وجهين: أولهما- ان تحمل هذه الأخبار على عدم وجود العدلين في جملة أولئك الناظرين فلا بد حينئذ من الكثرة الموجبة للعلم.

الثاني- و لعله الأقرب- أن تحمل هذه الأخبار على ان الغرض منها بيان ثبوت الرؤية بالشياع و تفسير معنى الرؤية التي يثبت بها الشياع من غير ملاحظة لوجود العدلين و عدمه، بمعنى انه متى شاعت الرؤية على هذه الكيفية بين الناس على وجه أفاد السامع بها العلم وجب العمل بمقتضاها على نهج ما تقدم في الاخبار السالفة الدالة على امره (عليه السلام) بالصيام و الإفطار بصيام الناس و إفطارهم، لان اتفاقهم على الصيام أو الإفطار مؤذن بالاتفاق على الرؤية كلا أو بعضا، فيجب العمل بمقتضى رؤيتهم من غير ملاحظة لوجود العدلين فيهم و عدمه، إذ متى رئي الهلال في بلد من غير علة هناك فإنه لا يختص برؤيته ناظر دون ناظر، لأن الفرض عدم العلة و المانع من جهة السماء و من جهة الناظر فلا يختص ذلك بالعدلين و لا يتوقف عليهما و لا يحتاج إليهما.

248

و اما اخبار العدلين فيمكن حملها على الرؤية التي لم تقع على هذا الوجه كما إذا لم ير في البلد بالكلية لمانع أو لغير مانع أو رئي فيها و لكن ثمة مانع من رؤية الجميع لوجود غيم و اتفق وجود فرجة شاهده فيها عدلان مثلا فإنه يحكم بشهادتهما كما دلت عليه الاخبار.

و يمكن حملها- و لعله الأظهر- على التخصيص بان يكونا من خارج البلد كما دلت عليه صحيحة الخزاز (1) فإنه متى لم ير في البلد على الوجه الذي ذكرناه من الشياع و الانتشار أعم من أن يكون لعلة أو لعدم النظر اليه أو نحو ذلك فمتى شهد على الرؤية عدلان من الخارج أو حصل الشياع بالرؤية في بلاد اخرى قريبة وجب العمل بمقتضى ذلك.

و العلة في أظهرية هذا الوجه كما ذكرنا ان الاخبار المتضمنة لذكر العدلين لا دلالة في شيء منها على كونهما من البلد بل شطر من تلك الاخبار مطلق مثل

قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2) «لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».

و نحوها من الاخبار الكثيرة (3) و شطر منها ظاهر الدلالة بل صريحها في المدعى مثل صحيحة الخزاز المتقدمة (4) و مثل الأخبار المستفيضة الدالة على وجوب القضاء بشهادة العدلين (5) فإن إفطار ما يجب صومه حتى لزم من ذلك وجوب القضاء بشهادتهما دليل على انهما ليسا من البلد كما لا يخفى، و على هذا يحمل مطلق اخبار العدلين على مقيدها و يختص الحكم بالعدلين في ذلك من خارج البلد. و لا ينافي ذلك ما في الاحتمال الأول من فرض رؤية العدلين في البلد مع الغيم إذا حصلت فرجة رأياه فيها، فإن الأحكام الشرعية التي هي بمنزلة القواعد الكلية إنما تبنى على الغالب و الأكثر دون الفروض النادرة كما لا يخفى على من غاص في لجج الاخبار و التقط من خبايا تلك الأسرار.

____________

(1) ص 246.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(4) ص 246.

(5) الوسائل الباب 3 و 5 و 11 من أحكام شهر رمضان.

249

الإشكال الثاني- ما تضمنته صحيحة الخزاز من إيجاب الخمسين مع عدم العلة في السماء.

و الجواب عن ذلك يقع من وجهين. أحدهما- ان ما دل على خلاف هذا الخبر أكثر عددا و أقوى سندا و أوضح دلالة، و حينئذ فقضية الترجيح عند التعارض هو المصير الى ذلك دون ما دلت عليه هذه الصحيحة.

و لا يرد ان رد هذا الحكم منها يستلزم ردها كملا فلا تصلح للاستدلال بها و الاعتماد عليها في المقام.

لأنا نقول: قد صرح غير واحد من علمائنا الفحول (رضوان الله عليهم) بان رد بعض الخبر لمعارض أقوى لا يستلزم رد ما لا معارض له منه بل هو من قبيل العام المخصوص في ذلك.

الثاني- ارتكاب جادة التأويل فيها بالحمل على بيان العدد الذي يحصل به الشياع غالبا و يكون كناية عن الكثرة التي يحصل بها العلم و اليقين من غير خصوصية في ذلك لخصوص الخمسين.

هذا. و لم أر من تنبه للاستدلال بهذه الاخبار على هذه المسألة من علمائنا الأبرار (رضوان الله عليهم) و لا من كشف عنها نقاب الإبهام في المقام و لا من جمع بينها و بين اخبار العدلين على وجه يزول به التنافي في البين.

ثم انه لا يخفى ان من اكتفى من أصحابنا (رضوان الله عليهم) في معنى الشياع بمجرد الظن- إلحاقا له بالظن الحاصل من شهادة العدلين، أو اعتبر الزيادة في هذا الظن على ما يحصل بقول العدلين لتتحقق الأولوية المعتبرة في مفهوم الموافقة كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره)- فظني انه لا يخلو من نظر: أما أولا- فلعدم الدليل على كون اعتبار شهادة العدلين و الاعتماد عليها إنما هو لإفادتها الظن حتى يمكن القول بانسحاب الحكم منها الى ما يحصل به الظن أو يحتاج الى اعتبار زيادة في هذا الظن ليتحقق بذلك مفهوم

250

الأولوية، و لهذا لا يكفى الظن الحاصل بالقرائن إذا كان مساويا للظن الحاصل بشهادتهما أو أقوى منه.

و التحقيق في ذلك ما نقله في المعالم عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) حيث قال: وجوب الحكم على القاضي بعد شهادة العدلين ليس من حيث انها توجب الظن بل من حيث ان الشارع جعلها سببا لوجوب الحكم على القاضي كما جعل دخول الوقت سببا لوجوب الصلاة. انتهى.

و قال بعض الأفاضل بعد نقل ذلك عن المرتضى: الحق ما افاده علم الهدى لان كثيرا ما لا يحصل الظن بشهادتهما لمعارضة قرينة حالية مع وجوب الحكم على القاضي حينئذ. انتهى.

و اما ثانيا- فللأخبار الدالة في المقام على انه لا يكفى البناء على الظن في الرؤية بل لا بد من اليقين:

فمن ذلك

صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) حيث قال فيها: «و ليس بالرأي و لا بالتظني».

و صحيحة الخزاز المتقدمة (2) حيث قال فيها: «شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني».

و موثقة إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه قال: في كتاب على (عليه السلام) صم لرؤيته و أفطر لرؤيته و إياك و الشك و الظن، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين».

و رواية على بن محمد القاساني (4) قال: «كتبت اليه و أنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان هل يصام أم لا؟ فكتب (عليه السلام): اليقين لا يدخل فيه الشك صم للرؤية و أفطر للرؤية».

الى غير ذلك من الأخبار.

____________

(1) ص 245.

(2) ص 246.

(3) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان.

251

و ربما يقال: انه إذا كان الأمر مبنيا في الرؤية على اليقين من رؤية الإنسان نفسه أو حصول الشياع المفيد للعلم فمن المعلوم ان هذا لا يحصل من شهادة العدلين سواء قلنا ان اعتبارها لإفادتها الظن أو لكونها سببا في الحكم.

لأنا نقول: يمكن أن يقال ان شهادة العدلين إنما يصار إليها مع تعذر الرؤية القطعية المشار إليها في تلك الأخبار، فهي غير داخلة في ما دلت عليه تلك الاخبار و يشير الى ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة الخزاز المتقدمة (1): «و إذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين. الحديث».

و مثلها

رواية حبيب الخزاعي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) و فيها «و انما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه».

و مطلق الأخبار في ذلك يحمل عليهما.

و يمكن أن يقال أيضا في المقام- و ان كان خلاف ما هو المشهور في كلام علمائنا الاعلام إلا انه معتضد باخبار أهل الذكر (عليهم السلام)- ان شهادة العدلين تفيد العلم أيضا، فإن العلم لا يتقيد بحد و لا ينحصر في مقدار معين بل هو من ما يقبل الشدة و الضعف كما أوضحنا ذلك في محل أليق، فقد يحصل العلم في بعض المقامات من اخبار الأطفال فضلا عن كمل الرجال.

و ان أبيت ذلك لكونه غير مشهور و نفرت منه لكونه في كتب القوم غير مذكور فلنا أن نقول ان الشارع قد أجرى شهادة العدلين مجرى ما يفيد العلم و القطع بل اجرى خبر العدل الواحد مجرى ذلك كما يستفاد من جملة من الاخبار:

منها-

صحيحة هشام بن الحكم الواردة في عدم انعزال الوكيل قبل العلم بالعزل (3) قال (عليه السلام): «و الوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافه العزل».

فانظر الى جعله خبر الثقة قرينا للمشافهة و في سياقها المؤذن بإفادته العلم كما

____________

(1) ص 246.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) تقدمت ص 96 و الراوي هشام بن سالم.

252

ذكرنا أو تنزيله منزلته إن أبيت عن الأول، على ان المفهوم من كلام الأصحاب و من الاخبار انه لا ينعزل الوكيل إلا بالعلم بالعزل، فلو لا ان خبر الثقة عندهم (عليهم السلام) مفيد للعلم لما حكم بالانعزال به.

و منها-

رواية سماعة (1) قال: «سألته عن رجل تزوج جارية أو تمتع بها فحدثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال ان هذه امرأتي و ليست لي بينة؟ فقال: ان كان ثقة فلا يقربها و ان كان غير ثقة فلا يقبل منه».

و نحوها أيضا رواية إسحاق بن عمار الواردة في الدنانير (2) و غيرها من ما قدمنا ذكره أيضا قريبا.

و

رابعها- شهادة العدلين

و قد اختلف في ذلك كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) فذهب جملة من الأصحاب: منهم- الشيخ المفيد و المرتضى و المحقق و العلامة و ابن إدريس و أكثر الأصحاب إلى انه يثبت بشهادة عدلين ذكرين مطلقا سواء كان صحوا أو غيما و سواء كان من داخل البلد أو خارجه، و قيل بقبول شهادة الواحد في أوله و انه يجب الصوم بها و هو قول سلار.

و عن الشيخ في المبسوط انه ان كان في السماء علة و شهد عدلان من البلد أو خارجه برؤيته وجب الصوم و ان لم يكن هنالك علة لم تقبل إلا شهادة القسامة خمسون رجلا من البلد أو خارجه.

و قال في النهاية: فإن كان في السماء علة و لم يره جميع أهل البلد و رآه خمسون نفسا وجب الصوم، و لا يجب الصوم إذا رآه واحد و اثنان بل يلزم فرضه لمن رآه حسب و ليس على غيره شيء، و متى كان في السماء علة و لم يروا في البلد الهلال و رآه خارج البلد شاهدان وجب أيضا الصوم، و ان لم يكن في السماء علة و طلب فلم ير لم يجب الصوم إلا أن يشهد خمسون نفسا من خارج البلد أنهم رأوه. و نقله في

____________

(1) الوسائل الباب 23 من عقد النكاح.

(2) تقدمت ص 96.

253

المختلف أيضا عن ابن البراج.

و قال الصدوق في المقنع: و اعلم انه لا يجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة و يجوز شهادة رجلين عدلين إذا كانا من خارج البلد أو كان بالمصر علة.

و قال أبو الصلاح: يقوم مقام الرؤية شهادة رجلين عدلين في الغيم و غيره من العوارض و في الصحو و انتفائها أخبار خمسين رجلا.

أقول: و منشأ اختلاف هذه الأقوال من اختلاف ظواهر الاخبار في هذه المسألة:

و منها-

صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «ان عليا (عليه السلام) كان يقول:

لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».

و صحيحة منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «صم لرؤية الهلال و أفطر لرؤيته فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه».

و صحيحة زيد الشحام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن الأهلة فقال هي أهلة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فأفطر. فقلت أ رأيت ان كان الشهر تسعة و عشرين يوما اقضى ذلك اليوم؟ فقال: لا إلا أن تشهد لك بينة عدول فان شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».

و صحيحة عبيد الله بن على الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال على (عليه السلام) لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».

و بمضمون هذه الرواية روايات عديدة متفقة الدلالة على انه لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال و لا يجوز إلا شهادة رجلين عدلين. و هذه الأخبار هي مستند

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان و هي صحيحة المفضل و الشحام المتقدمة ص 241.

(4) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

254

أصحاب القول الأول.

و منها-

صحيحة إبراهيم بن عثمان الخزاز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«قلت له: كم يجزئ في رؤية الهلال؟ فقال: ان شهر رمضان فريضة من فرائض الله فلا تؤدوا بالتظني، و ليس رؤية الهلال أن يقوم عدة فيقول واحد رأيته و يقول الآخرون لم نره، إذا رآه واحد رآه مائة و إذا رآه مائة رآه الف، و لا يجوز في رؤية الهلال إذا لم يكن في السماء علة أقل من شهادة خمسين، و إذا كانت في السماء علة قبلت شهادة رجلين يدخلان و يخرجان من مصر».

و رواية حبيب الخزاعي (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تجوز الشهادة في رؤية الهلال دون خمسين رجلا عدد القسامة و انما تجوز شهادة رجلين إذا كانا من خارج المصر و كان بالمصر علة فأخبرا أنهما رأياه و أخبرا عن قوم صاموا للرؤية».

و هاتان الروايتان هما حجتا الشيخ و ابن بابويه و ابى الصلاح و نحوهم ممن اعتبر هذا العدد في الصحو.

و أجاب عنهما المحقق في المعتبر بان اشتراط الخمسين لم يوجد في حكم سوى قسامة الدم ثم لا يفيد اليقين بل قوة الظن و هي تحصل بشهادة العدلين. ثم قال:

و بالجملة فإنه مخالف لما عليه عمل المسلمين كافة فكان ساقطا. انتهى.

و أجاب عنهما في المنتهى بالمنع من صحة السند. و أجاب عنهما في المختلف بالحمل على عدم عدالة الشهود و حصول التهمة في أخبارهم.

قال في المدارك- و هو ممن اختار القول المشهور بعد نقل ذلك عنه- و هو غير بعيد.

أقول: لا يخفى ما في هذه الأجوبة من المجازفة الناشئة عن ضيق الخناق في المقام.

ثم أقول- و بالله التوفيق في الهداية إلى سواء الطريق- الذي يظهر لي في الجمع

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

255

بين هذه الاخبار هو ان ما استدل به على القول المشهور من الاكتفاء في ثبوت الهلال بالعدلين مطلقا غير خال من الإجمال و قبول الاحتمال و ليس بنص بل و لا ظاهر في ما ذكروه، فإن غاية ما تدل عليه هذه الأخبار ثبوت الهلال بالشاهدين في الجملة و هو من ما لا نزاع فيه.

و تفصيل هذه الجملة هو ان المستفاد من الأخبار الكثيرة التي قدمنا شطرا منها في المسألة السابقة هو انه متى كانت السماء صاحية خالية من العلة و توجه الناس الى النظر الى الهلال و كان ثمة هلال فإنه لا يختص بنظره واحد من عشرة و لا عشرة من مائة بل إذا رآه واحد رآه ألف لأن المفروض سلامة الرائي من العلة و المرئي، و هذا هو المراد من

قولهم (عليهم السلام) في تلك الأخبار (1) «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية و ليس الرؤية أن يراه واحد و لا عشرة و لا خمسون».

و ظاهر هذه الأخبار انه لا بد أن تبلغ الرؤية إلى حد الشياع الموجب للعلم فلا يكتفى فيها بالظن المنهي عنه في تلك الأخبار المستفيضة التي قدمنا بعضها في المسألة السابقة، و شهادة العدلين غاية ما تفيده عندهم هو الظن و الظن هنا من ما قد منعت منه الأخبار للتمكن من العلم و اليقين كما هو المفروض، و حينئذ فلا بد هنا من ما يفيد العلم، و قد دل ظاهر خبري الخزاز و حبيب المتقدمين (2) على ان أقل ما يحصل به خمسون، فذكر الخمسين هنا إنما خرج مخرج التمثيل و المبالغة في من يحصل بخبرهم العلم، و سياق صحيحة الخزاز (3) ظاهر في ما ذكرناه من هذا التوجيه حيث انه لما سأله السائل كم يجزئ في رؤية الهلال؟ أجابه بأن شهر رمضان فريضة واجبة يقينا فلا تؤدى إلا بالعلم و اليقين لا بالظن، و ليس الرؤية الموجبة للعلم و اليقين أن يقوم عدة فيقول واحد رأيته و يقول آخرون لم نره- لأن المفروض زوال العلة من الرائي و المرئي و هو المبنى عليه ذكر الرواية- بل إذا رآه واحد رآه الف، و حينئذ فلا يجوز في الرؤية المترتب عليها العلم و اليقين أقل من خمسين. هذا مضمون سياق

____________

(1) ص 245 و 246.

(2) ص 254.

(3) ص 254.

256

الخبر المذكور و هو صحيح صريح عار عن النقص و القصور و اما إذا كان في السماء علة مانعة من الرؤية فإنه يتعذر العلم و اليقين في هذه الحال فيكتفى بالشاهدين.

بقي ان الخبرين المذكورين صرحا بكون الشاهدين من خارج البلد، و الظاهر ان ذلك خرج مخرج الغالب من حيث عدم إمكان الرؤية في البلد إذ لو رآه عدلان لرآه من يزيد على ذلك و أمكن حصول العلم، و احتمال ان تحصل فرجة يراه فيها عدلان خاصة نادر، فمن أجل ذلك اعتبر العدلان من خارج، و الاخبار السابقة التي استند إليها الأصحاب منها ما هو مطلق يمكن أن يقيد بهذين الخبرين مثل

قوله (عليه السلام) (1) «لا أجيز في الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».

و الحصر هنا إضافي بالنسبة الى عدم جواز شهادة النساء و يكون مخصوصا بالعلة المانعة من الرؤية الشائعة. و اما اخبار القضاء فهي ظاهرة في كون الشاهدين من خارج البلد كما ذكرناه في المسألة السابقة.

و بالجملة فإن ظاهر كلام الأصحاب ان محل النزاع هو انه هل يكتفى بالعدلين في ثبوت الهلال أم لا؟ و ليس الأمر كذلك إنما محل النزاع في انه متى كانت السماء خالية من العلة المانعة للرؤية و توجه الناس الى رؤيته فهل يكفى العدلان خاصة كما يدعيه أصحاب القول المشهور أو لا بد من الرؤية اليقينية التي هي عبارة عن رؤية المكلف نفسه أو حصول الشياع الموجب للعلم؟ و الروايات قد استفاضت بأنه لا بد من الرؤية اليقينية الموجبة للعلم لمن لم يره فإنه في صورة عدم العلة المانعة من الرؤية في جانب الرائي و المرئي لا يختص به واحد أو مائة من الف بل كل من نظر رأى.

و هذا هو الذي انصبت عليه الروايات، و منها

صحيحة محمد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فأفطروا، و ليس بالرأي و لا بالتظني و لكن بالرؤية، و الرؤية ليس أن يقوم عشرة فينظروا فيقول واحد هو ذا و ينظر تسعة فلا يرونه، إذا رآه واحد رآه عشرة و الف.

و إذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين».

____________

(1) و هو صحيح الحلبي المتقدم ص 253.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

257

و زاد حماد في روايته (1) «و ليس أن يقول رجل هو ذا هو، لا أعلم إلا قال و لا خمسون».

و في رواية أبي العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية، و ليس الرؤية أن يراه واحد و لا اثنان و لا خمسون».

الى غير ذلك من ما هو بهذا المعنى.

و حينئذ فإذا كانت الاخبار قد فسرت الرؤية في هذه الصورة بهذا المعنى و منعت من العمل على الظن و شهادة العدلين إنما تفيد عندهم الظن فكيف يكتفى بها هنا؟

و اما ما ذهب اليه سلار من الاكتفاء بالواحد فاحتج له في المختلف

بما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين، و ان لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام الى الليل، و ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا».

و أجاب عنه العلامة في جملة من كتبه بان لفظ العدل يصح إطلاقه على الواحد فما زاد لانه مصدر يصدق على القليل و الكثير، تقول رجل عدل و رجلان عدل و رجال عدل.

أقول: لا يخفى ان الشيخ قد روى هذه الرواية تارة بما نقلناه (4) و رواها بسند آخر و فيها مكان «أو شهد عليه عدل» «و اشهدوا عليه عدولا» هكذا في التهذيب (5)

و في الاستبصار (6) هكذا «إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو يشهد عليه

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

(4) التهذيب ج 4 ص 158.

(5) ج 4 ص 177 و في التعليقة 2 في هذه الطبعة هكذا: «نسخة في المخطوطات:

أو شهد عليه عدل».

(6) ج 2 ص 64 و فيه «أو تشهد عليه بينة عدول من المسلمين» و في ص 73 «أو يشهد عليه عدل من المسلمين».

258

بينة عدل من المسلمين».

و على هذا الاضطراب يسقط التعلق بالخبر المذكور سيما مع معارضته بالأخبار المستفيضة بالشاهدين عموما و خصوصا.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه هنا على أمور:

الأول [هل يجب على المكلف العمل في الصوم و الفطر بحكم الحاكم الشرعي؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- العلامة و غيره بأنه لا يعتبر في ثبوت الهلال بالشاهدين في الصوم و الفطر حكم الحاكم بل لو رآه عدلان و لم يشهدا عند الحاكم وجب على من سمع شهادتهما و عرف عدالتهما الصوم أو الفطر.

و هو كذلك

لقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة منصور بن حازم (1) «فان شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه».

و في صحيحة الحلبي (2) و قد قال له: «أ رأيت ان كان الشهر تسعة و عشرين يوما اقضى ذلك اليوم؟ قال: لا إلا ان يشهد لك بينة عدول فان شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».

أقول: و الظاهر ان هذا الحكم لا ريب فيه و لا اشكال، و إنما الإشكال في انه هل يجب على المكلف العمل بحكم الحاكم الشرعي متى ثبت ذلك عنده و حكم به أم لا بد من سماعه بنفسه من الشاهدين؟

ظاهر الأصحاب الأول بل زاد بعضهم كما سيأتي في المقام ان شاء الله تعالى الاكتفاء برؤية الحاكم الشرعي.

و يظهر من بعض أفاضل متأخري المتأخرين العدم و انه لا بد من سماعه من الشاهدين، قال انه لا يجب على المكلف العمل بما ثبت عند الحاكم الشرعي هنا بل ان حصل الثبوت عنده وجب عليه العمل بمقتضى ذلك و إلا فلا، لأن الأدلة الدالة على الفطر أو الصيام من الاخبار إما رؤية المكلف نفسه أو ثبوتها بالشياع أو

____________

(1) الوسائل الباب 3 و 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

259

السماع من رجلين عدلين أو مضى ثلاثين يوما من شعبان أو شهر رمضان و اما ثبوت دليل خامس و هو حكم الحاكم فلم نجد له ما يعتمد عليه و يركن اليه.

و ظاهر كلامه اجراء البحث في غير مسألة الرؤية أيضا حيث قال بعد كلام في المقام: فلو ثبت عند الحاكم غصبية الماء فلا دليل على انه يجب على المكلف الاجتناب عنه و عدم التطهير به، قال و كذا لو حكم بأنه دخل الوقت في زمان معين فلا حجة على انه يصح للمكلف إيقاع الصلاة فيه و ان لم يلاحظه أو لاحظه و استقر ظنه بعدم الدخول، و لهذا نظائر كثيرة لا تخفى على البصير المتتبع. انتهى.

و الظاهر ان مستند من قال بوجوب العمل بحكم الحاكم في هذا المقام و نحوه هو الأخبار الدالة بعمومها أو إطلاقها على وجوب الرجوع الى ما يحكم به الفقيه النائب عنهم (عليهم السلام):

مثل

قول الصادق (عليه السلام) في مقبولة عمر بن حنظلة (1) «فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما استخف بحكم الله و علينا رد و الراد علينا الراد على الله عز و جل».

و قول صاحب الزمان (عجل اللّٰه فرجه) في توقيع إسحاق بن يعقوب (2) «و اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة الله».

و أمثال ذلك من ما يدل على وجوب الرجوع الى نوابهم (عليهم السلام) و خصوص

صحيح محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الإمام بالإفطار. الحديث».

و يعضده أيضا الأخبار المطلقة بشهادة العدلين في الرؤية.

و أنت خبير بأن للمناقشة في ذلك مجالا: أما المقبولة المذكورة و نحوها فان المتبادر منها بقرينة السياق و المقام إنما هو الرجوع في ما يتعلق بالدعاوي و القضاء بين الخصوم أو الفتوى في الأحكام الشرعية، و هو من ما لا نزاع فيه لاختصاص

____________

(1) الوسائل الباب 11 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(2) الوسائل الباب 11 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

(3) الوسائل الباب 6 من أحكام شهر رمضان.

260

الحاكم به إجماعا نصا و فتوى.

و اما صحيحة محمد بن قيس فالظاهر من لفظ الامام فيها إنما هو إمام الأصل أو ما هو الأعم منه و من أئمة الجور و خلفاء العامة المتولين لأمور المسلمين، فإن الإمام إنما يحتمل انصرافه الى من عدا من ذكرناه في مثل إمامة الجمعة و الجماعة حيث اشترط بالإمام، و اما في مثل هذا المقام فلا مجال لاحتمال غير من ذكرناه بحيث يدخل فيه الفقيه. نعم للقائل أن يقول إذا ثبت ذلك لإمام الأصل ثبت لنائبه لحق النيابة. إلا انه لا يخلو ايضا من شوب الإشكال لعدم الوقوف على دليل لهذه الكلية و ظهور أفراد كثيرة يختص بها الامام دون نائبه.

و اما باقي الأخبار الواردة في المسألة فهي و ان كانت مطلقة إلا انه يمكن حملها على ما ذكرناه من الاخبار المقيدة التي تقدم بعضها في صدر المسألة.

و بالجملة فالمسألة عندي موضع توقف و اشكال لعدم الدليل الواضح في وجوب الأخذ بحكم الحاكم بحيث يشمل موضع النزاع.

ثم أنت خبير أيضا بان ما ذكروه من العموم انه لو ثبت عند الحاكم بالبينة نجاسة الماء و حرمة اللحم و لم يثبت عند المكلف لعدم سماعه من البينة مثلا فان تنجيس الأول و تحريم الثاني بالنسبة إليه بناء على وجوب الأخذ عليه بحكم الحاكم ينافي الأخبار الدالة على ان

«كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» (1).

و

«كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعلم الحرام بعينه فتدعه» (2).

حيث انهم لم يجعلوا من طرق العلم في القاعدتين المذكورتين حكم الحاكم بذلك و إنما ذكروا اخبار المالك و شهادة الشاهدين و على ذلك تدل الاخبار أيضا (3) و ظاهر كلامهم هو شهادتهما

____________

(1) الوسائل الباب 37 من النجاسات و اللفظ «كل شيء نظيف».

(2) الوسائل الباب 4 من ما يكتسب به و الباب 64 من الأطعمة المحرمة و الباب 61 من الأطعمة المباحة باختلاف في اللفظ.

(3) الوسائل الباب 6 من ما يكتسب به و الباب 61 من الأطعمة المباحة. و ارجع الى ج 5 ص 252.

261

عند المكلف و سماعه منهما، و لهذا ان بعضهم اكتفى هنا بقول العدل الواحد كما حققناه في صدر كتاب الدرر النجفية.

و من ما يدل على ان المدار إنما هو على سماع المكلف من الشاهدين

قول الصادق (عليه السلام) في بعض اخبار الجبن (1) «كل شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك ان فيه ميتة».

و بالجملة فإن غاية ما يستفاد من الاخبار بالنسبة إلى الحاكم الشرعي هو اختصاص الفتوى في الأحكام الشرعية و القضاء بين الخصوم به و كذا ما يتعلق بالحقوق الإلهية، و جملة من الأخبار كما عرفت قد دلت على انه يكفى في ثبوت ما نحن فيه سماع المكلف من الشاهدين من غير توقف على حكم الحاكم، و حينئذ فلا يكون ذلك من ما يختص بالحاكم مثل الأشياء المتقدمة، فوجوب رجوع المكلف الى حكم الحاكم في ما نحن فيه يحتاج الى دليل و مجرد نيابته عنهم (عليهم السلام) قد عرفت ما فيه.

نعم ربما يشكل بما إذا كان المكلف جاهلا لا يعرف معنى العدالة ليحصل ثبوت الحكم عنده بشهادة العدلين كما يشير اليه كلام السيد السند في المدارك.

إلا ان فيه ان الظاهر ان هذا ليس بعذر شرعي يسوغ له وجوب الرجوع الى حكم الحاكم لاستناده الى تقصيره بالبقاء على جهله و عدم تحصيل العلم الذي استفاضت الأخبار بوجوبه عليه (2) على ان هذا الإيراد لا يختص بهذا المقام بل يجري في الطلاق المشترط بالعدلين و صلاة الجماعة و نحو ذلك.

الثاني- هل يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة؟

قيل لا و به قطع العلامة في التذكرة على ما نقل عنه و أسنده إلى علمائنا، و استدل عليه بأصالة البراءة و اختصاص ورود القبول بالأموال و بحقوق الآدميين و قيل نعم و به جزم شيخنا الشهيد الثاني

____________

(1) الوسائل الباب 61 من الأطعمة المباحة.

(2) الوسائل الباب 4 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضى به.

262

من غير نقل خلاف أخذا بالعموم و انتفاء ما يصلح للتخصيص، و التفاتا الى ان الشهادة حق لازم الأداء فيجوز الشهادة عليه كسائر الحقوق. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه، و لا بأس به.

أقول: لا يخفى ان ما عدا الأخذ بالعموم من التعليل الأخير لا يخلو من نظر، و ما ذكره من العموم جيد. و ما ذكره العلامة (رحمه الله) من اختصاص ورود القبول بالأموال و حقوق الآدميين ممنوع، فإن الأخبار الواردة في الشهادة على الشهادة (1) مطلقة ليس في شيء منها تقييد بما ادعاه، نعم ذلك في كلام الأصحاب حيث انهم إنما أوردوا هذه الأخبار في المقامين المذكورين في كلامه.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث اختار مذهب العلامة هنا فقال بعد نقل قول العلامة أولا ثم قول الشهيد الثاني: و لعل الترجيح للأول للأصل السالم عن المعارض فان المتبادر من النصوص شهادة الأصل. انتهى- أقول: الظاهر ان مراد شيخنا المشار اليه بالعموم إنما هو عموم أخبار الشهادة على الشهادة و شمولها للشهادة على الهلال و نحوها لا عموم أخبار شهادة العدلين في رؤية الهلال (2) كما يظهر من كلامه، فان الظاهر ان شيخنا المذكور لا ينازع هنا في كون المراد بالعدلين هنا شاهدي الأصل، كيف و شهود الفرع تزيد على هذا العدد فكيف يظن به ما توهمه؟ و إنما أراد الاخبار الدالة على قبول الشهادة على الشهادة كما ذكرناه- ثم انه قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لو استند الشاهدان الى الشياع المفيد للعلم وجب القبول.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال في من صام تسعة و عشرين قال: «ان كانت له بينة عادلة على أهل

____________

(1) الوسائل الباب 4 من كتاب الشهادات.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

263

مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما».

الثالث- هل يكفى قول الحاكم الشرعي في ثبوت الهلال؟

وجهان:

أحدهما- و هو خيرة الشهيد في الدروس- نعم، حيث قال: و هل يكفى قول الحاكم وحده في ثبوت الهلال؟ الأقرب نعم.

و علله السيد السند في المدارك بعموم ما دل على ان للحاكم أن يحكم بعلمه و لأنه لو قامت البينة عنده فحكم بذلك وجب الرجوع الى حكمه كغيره من الأحكام و العلم أقوى من البينة. و لان المرجع في الاكتفاء بشهادة العدلين و ما تتحقق به العدالة إلى قوله فيكون مقبولا.

و يحتمل العدم لإطلاق

قوله (عليه السلام) (1): «لا أجيز في رؤية الهلال إلا شهادة رجلين عدلين».

و الفاضل الخراساني- حيث اختار في الذخيرة ما ذهب إليه في الدروس- جمد على التعليل الأول و لم يذكر ما يدل على احتمال العدم. و أنت خبير بما فيه بعد الإحاطة بما قدمنا تحقيقه.

و كلام السيد السند هنا ظاهر في ما أسلفنا نقله عنهم من حكمهم بوجوب الأخذ بما يحكم به الحاكم كائنا ما كان، و لم يتوقف إلا في الاعتماد على قول الحاكم إذا كان هو الرائي فاحتمل عدم العمل بقوله نظرا إلى إطلاق الخبر الذي نقله، و بمضمونه أيضا أخبار أخر (2).

الرابع [هل يختلف حكم البلاد المتباعدة في الهلال؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب- بل الظاهر انه المشهور- بان حكم البلاد المتقاربة كبغداد و الكوفة واحد فإذا رئي الهلال في أحدهما وجب الصوم على ساكنيهما، اما لو كانت متباعدة كبغداد و خراسان و العراق و الحجاز فان لكل بلد حكم نفسها. و هذا الفرق عندهم مبنى على كرؤية الأرض.

قال المحقق الشيخ فخر الدين في شرح القواعد: و مبنى هذه المسألة على ان

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 11 من أحكام شهر رمضان.

264

الأرض هل هي كرؤية أو مسطحة؟ و الأقرب الأول لأن الكواكب تطلع في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية و كذا في الغروب، و كل بلد غربي بعد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن غروب الشرقي ساعة واحدة، و إنما عرفنا ذلك بإرصاد الكسوفات القمرية حيث ابتدأت في ساعات أقل من ساعات بلدنا في المساكن الغربية و أكثر من ساعات بلدنا في المساكن الشرقية، فعرفنا ان غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا و غروبها في المساكن الغربية بعد غروبها في بلدنا، و لو كانت الأرض مسطحة لكان الطلوع و الغروب في جميع المواضع في وقت واحد. و لأن السائر على خط من خطوط نصف النهار الى الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع الشمالي و انخفاض الجنوبي و بالعكس. انتهى.

و نقل العلامة في التذكرة عن بعض علمائنا قولا بان حكم البلاد كلها واحد فمتى رئي الهلال في بلد و حكم بأنه أول الشهر كان ذلك الحكم ماضيا في جميع أقطار الأرض سواء تباعدت البلاد أو تقاربت اختلفت مطالعها أم لا.

و يظهر من العلامة في المنتهى الميل الى هذا القول حيث قال: إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعدت البلاد أو تقاربت.

و قال الشيخ (قدس سره) ان كانت البلاد متقاربة لا تختلف في المطالع كبغداد و البصرة كان حكمها واحدا و ان تباعدت كبغداد و مصر كان لكل بلد حكم نفسه.

ان كان بينهما هذه المسافة (1) لنا- انه يوم من شهر رمضان في بعض البلاد للرؤية و في الباقي بالشهادة فيجب صومه لقوله تعالى «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (2).

و لأن البينة العادلة شهدت بالهلال فيجب الصوم كما لو تقاربت البلاد. و لانه شهد برؤيته من يقبل قوله فيجب القضاء لو فات،

لما رواه الشيخ عن ابن مسكان و الحلبي جميعا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال فيها: «إلا أن يشهد لك بينة عدول فان شهدوا

____________

(1) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

(2) سورة البقرة الآية 182.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

265

أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».

و في رواية منصور بن حازم عنه (عليه السلام) (1) «فان شهد عندك شاهدان مرضيان بأنهما رأياه فاقضه».

و في الحسن عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن اليوم الذي يقضى من شهر رمضان فقال لا تقضه إلا أن يشهد شاهدان عدلان من جميع أهل الصلاة متى كان رأس الشهر. و قال لا تصم ذلك اليوم الذي يقضى إلا أن يقضي أهل الأمصار فإن فعلوا فصمه».

علق (عليه السلام) وجوب القضاء بشهادة العدلين من جميع المسلمين و هو نص في التعميم قربا و بعدا، ثم عقبه بمساواته لغيره من أهل الأمصار و لم يعتبر (عليه السلام) القرب في ذلك،

و في حديث عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «فان شهد أهل بلد آخر فاقضه».

و لم يعتبر القرب أيضا،

و في الصحيح عن هشام ابن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال في من صام تسعة و عشرين قال: «ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤية الهلال قضى يوما».

علق (عليه السلام) قضاء اليوم على الشهادة على مصر و هو نكرة شائعة تتناول الجميع على البدل فلا تخصيص في الصلاحية لبعض الأمصار إلا بدليل. و الأحاديث كثيرة بوجوب القضاء إذا شهدت البينة بالرؤية و لم يعتبروا قرب البلاد و بعدها. ثم نقل رواية عامية (5) دليلا للقول الآخر الى ان قال: و لو قالوا- ان البلاد المتباعدة تختلف عروضها فجاز أن يرى الهلال في بعضها دون بعض لكروية الأرض- قلنا ان المعمورة منها قدر يسير و هو الربع و لا اعتداد به عند السماء. و بالجملة ان علم طلوعه

____________

(1) الوسائل الباب 3 و 11 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 12 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 12 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(5) و هي رواية كريب المتضمنة لرؤية هلال شهر رمضان في الشام ليلة الجمعة و في المدينة ليلة السبت، و ان ابن عباس لم يعتبر رؤيته في الشام استنادا إلى أمر رسول الله (ص) سنن البيهقي ج 4 ص 251.

266

في بعض الأصقاع و عدم طلوعه في بعضها المتباعد عنه لكروية الأرض لم يتساو حكماهما اما بدون ذلك فالتساوي هو الحق. انتهى.

أقول: و ما ذكره (قدس سره) هو الحق المعتضد بالأخبار الصريحة الصحيحة التي نقل بعضها.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة من الأجوبة هنا عن كلامه فهو من جملة تشكيكاته الركيكة و احتمالاته الواهية.

و اما قوله أخيرا- و بالجملة. الى آخره- فالظاهر انه اشارة إلى منع ما ادعوه من الطلوع في بعض و عدم الطلوع في بعض للتباعد و انه غير واقع، لما ذكره أولا من ان المعمور من الأرض قدر يسير لا اعتداد به بالنسبة إلى سعة السماء، و انه لو فرض حصول العلم بذلك فالحكم عدم التساوي، فلا منافاة فيه لأول كلامه كما استدركوه عليه.

و ملخصه انا نقول بوجوب الصوم أو القضاء مع الفوات متى ثبتت الرؤية في بلد آخر قريبا أو بعيدا، و ما ادعوه من الطلوع في بعض و عدم الطلوع في آخر بناء على ما ذكروه من الكروية ممنوع.

أقول: و من ما يبطل القول بالكروية (1) انهم جعلوا من فروع ذلك أن يكون يوم واحد خميسا عند قوم و جمعة عند آخرين و سبتا عند قوم و هكذا و هذا من ما ترده الأخبار المستفيضة في جملة من المواضع، فان المستفاد منها على وجه لا يزاحمه الريب و الشك ان كل يوم من أيام الأسبوع و كل شهر من شهور السنة أزمنة معينة معلومة نفس أمرية، كالأخبار الدالة على فضل يوم الجمعة و ما يعمل فيه و احترامه و انه سيد الأيام و سيد الأعياد و ان من مات فيه كان شهيدا و نحو ذلك (2) و ما ورد

____________

(1) ارجع الى التعليقة 4 ص 267.

(2) الوسائل الباب 6 الى 12 من الأغسال المسنونة و الباب 30 الى 57 من صلاة الجمعة و آدابها.

267

في أيام الأعياد من الأعمال و الفضل، و ما ورد في يوم الغدير و نحوه من الأيام الشريفة (1) و ما ورد في شهر رمضان من الفضل و الأعمال و الاحترام و نحو ذلك (2) فان ذلك كله ظاهر في انها عبارة عن أزمان معينة نفس أمرية و اللازم على ما ادعوه من الكروية انها اعتبارية باعتبار قوم دون آخرين، و مثل الأخبار الواردة في زوال الشمس و ما يعمل بالشمس في وصولها إلى دائرة نصف النهار و ما ورد في ذلك من الأعمال (3) فإنه بمقتضى الكروية يكون ذلك من طلوع الشمس الى غروبها لا اختصاص به بزمان معين لأن دائرة نصف النهار بالنسبة الى كل قوم غيرها بالنسبة إلى آخرين.

و بالجملة فبطلان هذا القول بالنظر الى الأدلة السمعية و الاخبار النبوية أظهر من ان يخفى (4) و ما رتبوه عليه في هذه المسألة من هذا القبيل، و عسى ان ساعد التوفيق ان أكتب رسالة شافية مشتملة على الأخبار الصحيحة الصريحة في دفع هذا القول ان شاء الله تعالى.

و بذلك يظهر ان ما فرعوه على اختلاف الحكم في هذه المسألة ليس في محله،

____________

(1) تجد ذلك كله في الوسائل في أبواب الأغسال المسنونة و أبواب صلاة العيد و أبواب بقية الصلوات المندوبة و أبواب الصوم المندوب و أبواب المزار من كتاب الحج.

(2) الوسائل أبواب الأغسال المسنونة و أبواب نافلة شهر رمضان و أبواب أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 12 من مواقيت الصلاة.

(4) ان كرؤية الأرض أصبحت في عصرنا هذا من الأمور الواضحة البديهية التي ليس للنقاش فيها أى مجال، و الذي يوضح ذلك أولا- اختلاف البلدان الشرقية و الغربية في الليل و النهار ففي الوقت الذي يكون النهار في الشرق يكون الليل في الغرب كما أصبح ذلك واضحا من طريق الآلات الحديثة. و ثانيا- ان السائر من آية نقطة من نقاط الأرض بنحو الاستقامة إلى الشرق لا بد أن ينتهي إليها من طرف الغرب و بالعكس هذا و ليس في الآيات و الاخبار ما ينافي ذلك بل فيها ما يدل على ذلك، راجع البيان لآية الله الخوئي ج 1 ص 55.

268

حيث ان جمعا منهم قالوا انه يتفرع على اختلاف الحكم بالتباعد ان المكلف بالصوم لو رأى الهلال في بلد و سافر الى بلد آخر يخالفه في حكمه انتقل حكمه إليه، فلو رأى الهلال في بلد ليلة الجمعة مثلا ثم سافر الى بلدة بعيدة شرقية قد رئي فيها ليلة السبت أو بالعكس صام في الأول أحدا و ثلاثين و يفطر في الثاني على ثمانية و عشرين و لو أصبح معيدا ثم انتقل ليومه و وصل قبل الزوال أمسك بالبينة و أجزأه، و لو وصل بعد الزوال أمسك مع القضاء، و لو أصبح صائما للرؤية ثم انتقل احتمل جواز الإفطار لانتقال الحكم و عدمه لتحقق الرؤية و سبق التكليف بالصوم، فانا نمنع وقوع هذه الفروض.

قال في الدروس بعد ذكر ذلك: و لو روعي الاحتياط في هذه الفروض كان أولى.

و قال في المسالك: و الأولى مراعاة الاحتياط في هذه الفروض لعدم النص و إنما هي أمور اجتهادية قد فرعها العلماء على هذه المسألة مختلفين فيها. انتهى.

أقول: بل الأظهر بناء على ما ذكروه من إمكان وقوع ذلك هو وجوب الاحتياط لا استحبابه كما يظهر من كلامهم.

ثم ان ممن وافقنا على ما ذكرناه و اختار في هذه المسألة ما اخترناه المحدث الكاشاني في الوافي حيث قال بعد نقل جملة من الاخبار الدالة على القضاء بشهادة أهل بلد اخرى: إنما قال (عليه السلام) فان شهد أهل بلد آخر فاقضه لأنه إذا رآه واحد في البلد رآه الف كما مر. و الظاهر انه لا فرق بين ان يكون ذلك البلد المشهود برؤيته فيه من البلاد القريبة من هذا البلد أو البعيدة منه، لأن بناء التكليف على الرؤية لا على جواز الرؤية، و لعدم انضباط القرب و البعد لجمهور الناس، و لإطلاق اللفظ فما اشتهر بين متأخري أصحابنا- من الفرق ثم اختلافهم في تفسير القرب و البعد بالاجتهاد- لا وجه له. انتهى.

الخامس [ما قيل باعتباره في ثبوت الهلال و رده]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا اعتبار

269

بالجدول و لا بالعدد و لا بغيبوبة الهلال بعد الشفق و لا برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال و لا بتطوقه و لا بعد خمسة أيام من أول الهلال من السنة الماضية.

و الكلام في تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع

الأول- في الجدول

و هو حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر و اجتماعه بالشمس، و لا ريب في عدم اعتباره لاستفاضة الروايات بان الطريق الى ثبوت دخول الشهر اما الرؤية أو مضى ثلاثين يوما من الشهر المتقدم. و أيضا فإن أكثر أحكام التنجيم مبنية على قواعد كلية مستفادة من الحدس التي تخطئ أكثر من ما تصيب.

و حكى الشيخ في الخلاف عن شاذ منا العمل بالجدول، و نقله في المنتهى عن بعض الجمهور (1) تمسكا بقوله تعالى وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (2) و بان الكواكب و المنازل يرجع إليها في القبلة و الأوقات و هي أمور شرعية فكذا هنا.

و الجواب ان الاهتداء بالنجم يتحقق بمعرفة الطرق و مسالك البلدان و تعرف الأوقات، و الذي يرجع إليه في الوقت و القبلة مشاهدة النجم لا ظنون أهل التنجيم الكاذبة في كثير من الأوقات، قال في التذكرة: و قد شدد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) النهى عن سماع كلام المنجم حتى

قال (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) من صدق كاهنا أو منجما فهو كافر بما أنزل الله على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله).

أقول: و من ما يستأنس به لذلك

ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن الحسن الصفار عن محمد بن عيسى (4) قال: «كتب إليه أبو عمرو أخبرني يا مولاي انه ربما أشكل علينا هلال شهر رمضان فلا نراه و نرى السماء ليست فيها علة فيفطر الناس و نفطر معهم، و يقول قوم من الحساب قبلنا انه يرى في تلك الليلة بعينها في بمصر و إفريقية و الأندلس فهل يجوز يا مولاي ما قال الحساب في هذا الباب حتى

____________

(1) المجموع ج 6 ص 279.

(2) سورة النحل الآية 17.

(3) الوسائل الباب 15 من أحكام شهر رمضان و الباب 24 من ما يكتسب به.

(4) الوسائل الباب 15 من أحكام شهر رمضان.

270

يختلف الفرض على أهل الأمصار فيكون صومهم خلاف صومنا و فطرهم بخلاف فطرنا؟ فوقع (عليه السلام) لا تصومن الشك أفطر لرؤيته و صم لرؤيته».

قال في الوافي بعد ذكر هذا الخبر: بيان- يعنى لا تدخل في الشك بقول الحساب و اعمل على يقينك المستفاد من الرؤية، و هذا لا ينافي وجوب القضاء لو ثبتت الرؤية في بلد آخر بشهود عدول، و انما لم يجبه (عليه السلام) عن سؤاله عن جواز اختلاف الفرض على أهل الأمصار صريحا لأنه قد فهم ذلك من ما أجابه ضمنا، و ذلك فإنه فهم من كلامه (عليه السلام) ان اختلاف الفرض ان كان لاختلاف الرؤية فجائز و ان كان لجواز الرؤية بالحساب فغير جائز، و لا فرق في ذلك بين البلاد المتقاربة و المتباعدة كما قلناه. انتهى. و أشار بقوله كما قلناه الى ما قدمنا نقله عنه.

الثاني- في العدد

و هو عبارة عن عد شعبان ناقصا أبدا و شهر رمضان تاما أبدا، و ما ذكرناه من عدم الاعتبار به هو المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) و ذهب الصدوق في الفقيه الى العمل بذلك، و ربما نقل عن الشيخ المفيد في بعض كتبه.

قال في الفقيه- بعد أن نقل فيه روايتي حذيفة بن منصور الآتيتين الدالتين على ان شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص و الله أبدا- ما صورته: قال مصنف هذا الكتاب من خالف هذه الأخبار و ذهب الى الأخبار الموافقة للعامة في ضدها اتقى كما يتقي العامة و لا يكلم إلا بالتقية (1) كائنا من كان إلا أن يكون مسترشدا فيرشد و يبين له، فإن البدعة إنما تماث و تبطل بترك ذكرها و لا قوة إلا بالله. انتهى.

و قال المحقق في المعتبر: و لا بالعدد فان قوما من الحشوية يزعمون ان شهور السنة قسمان ثلاثون يوما و تسعة و عشرون يوما فرمضان لا ينقص أبدا و شعبان لا يتم أبدا محتجين بأخبار منسوبة الى أهل البيت (عليهم السلام) يصادمها عمل

____________

(1) لما سيأتي ص 272 في بعض الروايات من رواية العامة ان رسول الله (ص) صام تسعة و عشرين أكثر من ما صام ثلاثين، و تكذيب ذلك في تلك الروايات.

271

المسلمين في الأقطار بالرؤية و روايات صريحة لا يتطرق إليها الاحتمال فلا ضرورة إلى ذكرها. انتهى.

أقول: و لا بد في المقام من ذكر اخبار الطرفين و بيان ما هو الحق في البين:

فنقول من الأخبار الدالة على القول المشهور

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه قال في شهر رمضان هو شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من النقصان».

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا كانت علة فأتم شعبان ثلاثين».

و في الصحيح عن عبد الله الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل عن الأهلة فقال هي أهلة الشهور فإذا رأيت الهلال فصم و إذا رأيته فأفطر. قال قلت: أ رأيت ان كان الشهر تسعة و عشرين يوما اقضى ذلك اليوم؟ فقال: لا إلا ان يشهد بذلك بينة عدول فان شهدوا أنهم رأوا الهلال قبل ذلك فاقض ذلك اليوم».

و بهذا المضمون أخبار عديدة.

و ما رواه في التهذيب عن هارون بن حمزة الغنوي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سمعته يقول إذا صمت لرؤية الهلال و أفطرت لرؤيته فقد أكملت صيام شهر رمضان».

و رواه بهذا الاسناد في موضع آخر (5) بدون لفظة «رمضان» و زاد «و ان لم تصم إلا تسعة و عشرين يوما فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: الشهر هكذا و هكذا و هكذا، و أشار بيده الى عشرة و عشرة و تسعة».

و ما رواه في التهذيب عن صبار مولى ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن الرجل يصوم تسعة و عشرين يوما و يفطر للرؤية و يصوم للرؤية أ يقضى يوما؟

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 3 و 5 من أحكام شهر رمضان رقم 18 و 17.

(4) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان.

(6) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

272

قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول لا إلا أن يجيء شاهدان عدلان فيشهدا أنهما رأياه قبل ذلك بليلة فيقضي يوما».

و ما رواه في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه قال في من صام تسعة و عشرين قال: ان كانت له بينة عادلة على أهل مصر انهم صاموا ثلاثين على رؤيته قضى يوما».

و ما رواه فيه عن أبى خالد الواسطي (2) قال: «أتينا أبا جعفر (عليه السلام) في يوم يشك فيه من رمضان. ثم ساق الخبر الى أن قال: ثم قال حدثني ابى على بن الحسين عن على (عليهم السلام) ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لما ثقل في مرضه قال أيها الناس ان السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم. قال: ثم قال بيده فذاك رجب مفرد و ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم ثلاثة متواليات، ألا و هذا الشهر المفروض رمضان فصوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته فإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما و صوموا الواحد و ثلاثين. و قال بيده الواحد و اثنان و ثلاثة واحد و اثنان و ثلاثة و يزوي إبهامه. ثم قال أيها الناس شهر كذا و شهر كذا. و قال على (عليه السلام) صمنا مع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) تسعة و عشرين و لم نقضه و رآه تاما. و قال على (عليه السلام) قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من الحق في رمضان يوما من غيره متعمدا فليس بمؤمن بالله و لا بي».

و ما رواه في التهذيب عن جابر عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول ما أدرى ما صمت ثلاثين أكثر أو ما صمت تسعة و عشرين يوما ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال شهر كذا و شهر كذا و شهر كذا يعقد بيده تسعة و عشرين يوما».

الى غير ذلك من الأخبار الدالة على هذا القول، و يبلغ ما أعرضنا عن نقله

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(2) التهذيب ج 4 ص 161 و في الوسائل الباب 16 و 3 و 5 من أحكام شهر رمضان رقم 1 و 17 و 16.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

273

من الاخبار اختصارا برواية الشيخ في التهذيب ما يقرب من اثنى عشر خبرا.

و قال في الفقه الرضوي (1): و شهر رمضان ثلاثون يوما و تسعة و عشرون يوما يصيبه ما يصيب الشهور من التمام و النقصان، و الفرض فيه تام أبدا لا ينقص كما روى، و معنى ذلك الفريضة فيه الواجبة قد تمت، و هو شهر قد يكون ثلاثين يوما و تسعة و عشرين يوما.

و اما ما يدل على القول الآخر فهو

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه عن حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«شهر رمضان ثلاثون يوما لا ينقص و الله أبدا».

و ما رواه في التهذيب عن حذيفة بن منصور عن معاذ بن كثير (3) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صام تسعة و عشرين أكثر من ما صام ثلاثين؟ (4) فقال: كذبوا ما صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) منذ بعثه الله الى أن قبضه أقل من ثلاثين يوما و لا نقص شهر رمضان منذ خلق الله السماوات من ثلاثين يوما و ليلة».

و ما رواه في التهذيب عن حذيفة عن معاذ بن كثير (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يروون ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صام تسعة و عشرين يوما؟ (6) قال فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام). لا و الله ما نقص شهر رمضان منذ خلق الله السماوات و الأرض من ثلاثين يوما و ثلاثين ليلة».

و ما رواه في التهذيب بهذا الاسناد (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يروون عندنا ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صام هكذا و هكذا و هكذا- و حكى بيده يطبق احدى يديه على الأخرى عشرا و عشرا و تسعا- أكثر من ما صام هكذا و هكذا و هكذا يعنى عشرا و عشرا و عشرا؟ (8) قال فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما صام

____________

(1) ص 24.

(2) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(4) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

(5) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(6) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

(7) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(8) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

274

رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أقل من ثلاثين يوما و ما نقص شهر رمضان من ثلاثين يوما منذ خلق الله السماوات و الأرض».

و ما رواه في التهذيب عن حذيفة بن منصور (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا و الله لا و الله ما نقص شهر رمضان و لا ينقص أبدا من ثلاثين يوما و ثلاثين ليلة. فقلت لحذيفة لعله قال لك ثلاثين ليلة و ثلاثين يوما كما يقول الناس الليل ليل النهار؟ فقال لي حذيفة: هكذا سمعت».

و ما رواه في التهذيب عن محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الناس يقولون ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صام تسعة و عشرين يوما أكثر من ما صام ثلاثين يوما؟ (3) فقال: كذبوا ما صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا تاما و ذلك قول الله تعالى وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ (4) فشهر رمضان ثلاثون يوما و شوال تسعة و عشرون يوما و ذو القعدة ثلاثون يوما لا ينقص أبدا، لأن الله تعالى يقول:

وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً (5) و ذو الحجة تسعة و عشرون يوما، ثم الشهور على مثل ذلك شهر تام و شهر ناقص، و شعبان لا يتم أبدا».

و ما رواه في التهذيب و الفقيه عن محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «قلت له ان الناس يروون ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما صام من شهر رمضان تسعة و عشرين يوما أكثر من ما صام ثلاثين؟ (7) فقال: كذبوا ما صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا تاما و لا تكون الفرائض ناقصة، ان الله تعالى خلق السنة ثلاثمائة و ستين يوما و خلق السماوات و الأرض في ستة أيام فحجزها من ثلاثمائة و ستين يوما فالسنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما، و شهر رمضان ثلاثون

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(3) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

(4) سورة البقرة الآية 182.

(5) سورة الأعراف الآية 139.

(6) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(7) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

275

يوما. و ساق الحديث الى آخره».

و ما رواه في الكافي عن العدة عن سهل عن محمد بن إسماعيل عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان الله عز و جل خلق الدنيا في ستة أيام ثم اختزلها عن أيام السنة و السنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما، شعبان لا يتم أبدا و شهر رمضان لا ينقص و الله أبدا و لا تكون فريضة ناقصة ان الله تعالى يقول:

وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ (2) و شوال تسعة و عشرون يوما و ذو القعدة ثلاثون يوما، يقول الله عز و جل وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً (3) و ذو الحجة تسعة و عشرون يوما و المحرم ثلاثون يوما ثم الشهور بعد ذلك شهر تام و شهر ناقص».

و ما رواه في التهذيب عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام) (4) «في قوله تعالى:

وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ؟ قال: صوم ثلاثين يوما».

و ما رواه في الفقيه (5) قال «سأل أبو بصير أبا عبد الله عن قول الله تعالى:

وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ (6) قال: ثلاثون يوما».

و ما رواه في الفقيه عن ياسر الخادم (7) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) هل يكون شهر رمضان تسعة و عشرين يوما؟ فقال: ان شهر رمضان لا ينقص من ثلاثين يوما أبدا».

أقول: قد ذكر أصحابنا (رضوان الله عليهم) في الجواب عن بعض هذه الأخبار- حيث لم يأتوا عليها كملا في مقام الاستدلال- أجوبة لا تشفي العليل و لا تبرد الغليل.

و لم أقف لأحد منهم على كلام شاف أحسن من ما ذكره المحدث الكاشاني

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(2) سورة البقرة الآية 182.

(3) سورة الأعراف الآية 139.

(4) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(6) سورة البقرة الآية 182.

(7) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

276

في الوافي ذيل هذه الأخبار و انا أنقله بالتمام و ان طال به زمام الكلام لما فيه من مزيد الفائدة في المقام:

قال (قدس سره) بعد نقل كلام صاحب الفقيه الذي قدمنا نقله: قال في التهذيبين ما ملخصه: ان هذه الأخبار لا يجوز العمل بها من وجوه: منها- ان متنها لا يوجد في شيء من الأصول المصنفة و انما هو موجود في الشواذ من الاخبار و منها- ان كتاب حذيفة بن منصور عرى منها و الكتاب معروف مشهور و لو كان الحديث صحيحا عنه لضمنه كتابه. و منها- انها مختلفة الألفاظ مضطربة المعاني لروايتها تارة عن أبى عبد الله (عليه السلام) بلا واسطة و اخرى بواسطة و اخرى يفتي الراوي بها من قبل نفسه فلا يسندها الى أحد. و منها- أنها لو سلمت من ذلك كله لكانت اخبار آحاد لا توجب علما و لا عملا، و اخبار الآحاد لا يجوز الاعتراض بها على ظاهر القرآن و الأخبار المتواترة. و منها- تضمنها من التعليل ما يكشف عن انها لم تثبت عن إمام هدى، و ذلك كالتعليل بوعد موسى (عليه السلام) فان اتفاق تمام ذي القعدة في أيام موسى (عليه السلام) لا يوجب تمامه في مستقبل الأوقات و لا دلالة على انه لم يزل كذلك في ما مضى، مع انه ورد في جواز نقصانه حديث ابن وهب (1) المتضمن انه أكثر نقصانا من سائر الشهور كما يأتي، و كالتعليل باختزال الستة الأيام من السنة فإنه لا يمنع من اتفاق النقصان في شهرين و ثلاثة على التوالي، و كالتعليل بكون الفرائض لا تكون ناقصة فإن نقصان الشهر عن ثلاثين لا يوجب النقصان في فرض العمل فيه، فان الله لم يتعبدنا بفعل الأيام و إنما تعبدنا بالفعل في الأيام، و قد أجمع المسلمون على ان المطلقة في أول الشهر إذا اعتدت بثلاثة أشهر ناقص بعضها أنها مؤدية لفرض الله من العدة على الكمال دون النقصان، و كذا الناذر لله صيام شهر يلي قدومه من سفره فاتفق أن يكون ذلك الشهر ناقصا، و كذا التعليل بإكمال العدة فإن نقصان الشهر لا يوجب نقصان العدة في الفرض، مع انه

____________

(1) ص 278.

277

إنما ورد في علة وجوب قضاء المريض و المسافر ما فاتهما في شهر رمضان حيث يقول الله سبحانه فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ (1) فأخبر سبحانه انه فرض عليهما القضاء لتكمل بذلك عدة شهر صيامهم كائنة ما كانت. ثم أول تلك الأخبار بتأويلات لا تخلو من بعد مع اختصاص بعضها ببعض الحديث كتأويله «ما صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أقل من ثلاثين يوما» بأنه تكذيب للراوي من العامة عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انه صام تسعة و عشرين أكثر من ما صام ثلاثين (2) و اخبار عن ما اتفق له من التمام على الدوام، فان هذا لا يجري في تتمة الكلام من قوله «و لا نقص شهر رمضان منذ خلق الله السماوات من ثلاثين يوما و ليلة» و كتأويله «شهر رمضان لا ينقص أبدا» بأنه لا يكون أبدا ناقصا بل قد يكون حينا تاما و حينا ناقصا فإنه لا يجري في سائر ألفاظ هذا الخبر، و كتأويل «لم يصم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أقل من ثلاثين يوما» بأنه لم يصم أقل منه على أغلب أحواله كما ادعاه المخالفون و لا نقص شهر رمضان أى لم يكن نقصانه أكثر من تمامه كما زعموه، فإنه أيضا مع بعده لا يجري في غير هذا اللفظ من ما تضمن هذا المعنى. و بالجملة فالمسألة من ما تعارض فيه الاخبار لامتناع الجمع بينها إلا بتعسف شديد، فالصواب أن يقال فيها روايتان: إحداهما موافقة لقاعدة أهل الحساب و هي معتبرة إلا انها انما تعتبر إذا تغيمت السماء و تعذرت الرؤية- كما يأتي في باب العلامة عند تعذر الرؤية بيانه- لا مطلقا و مخالفة للعامة على ما قاله في الفقيه، و ذلك من ما يوجب رجحانها إلا انها غير مطابقة للظواهر و العمومات القرآنية، و مع ذلك فهي متضمنة لتعليلات عليلة تنبو عنها العقول السليمة و الطباع المستقيمة و يبعد صدورها عن أئمة الهدى (عليهم السلام) بل هي من ما يستشم منه رائحة الوضع، و الأخرى موافقة للعامة (3) كما

____________

(1) سورة البقرة الآية 182.

(2) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

(3) سنن البيهقي ج 4 ص 250.

278

قاله و ذلك من ما يوجب ردها إلا انها مطابقة للظواهر و العمومات القرآنية، و مع ذلك فهي أكثر رواة و أوثق رجالا و أسد مقالا و أشبه بكلام أئمة الهدى (عليهم السلام) و ربما يشعر بعضها بذهاب بعض المخالفين الى ما يخالفها، و الخبر الآتي آنفا كالصريح في ذلك. و فائدة الاختلاف إنما تظهر في صيام يوم الشك و قضائه مع الفوات، و قد مضى تحقيق ذلك في اخبار الباب الذي تقدم هذا الباب و فيه بلاغ و كفاية لرفع هذا الاختلاف و العلم عند الله.

ثم روى عن التهذيب بسنده الى ابن وهب (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) ان الشهر الذي يقال انه لا ينقص ذو القعدة ليس في شهور السنة أكثر نقصانا منه».

و هذا الخبر هو الذي أشار إليه بقوله: و ربما يشعر بعضها. الى آخره. انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: و الذي أقوله في هذا المقام- و يقرب عندي و ان لم يتنبه له أحد من علمائنا الأعلام- هو انه لا ريب في اختلاف روايات الطرفين و تقابلها في البين و دلالة كل منها على ما استدل به من ذينك القولين، و ما ذكروه من تكلف جمعها على القول المشهور تكلف سحيق سخيف بعيد ظاهر القصور، و ان الأظهر من ذينك القولين هو القول المشهور لرجحان اخباره بما ذكره المحدث المشار اليه آنفا، و يزيده اعتضادها بإجماع الفرقة الناجية سلفا و خلفا على القول بمضمونها و هو مؤذن بكون ذلك هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) و قول الصدوق نادر و ان سجل عليه بما ذكره.

و اما اخبار القول الآخر فأظهر الوجوه فيها هو الحمل على التقية لكن لا بالمعنى المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) لصراحتها في الرد على المخالفين و ان ما دلت عليه خلاف ما هم عليه و انما التقية المرادة هنا هي ما قدمنا ذكره في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب (2) من إيقاعهم الاختلاف في الأحكام

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أحكام شهر رمضان.

(2) ج 1 ص 4 و 5.

279

الشرعية تقية و ان لم يكن ثمة قائل من العامة، و الأمر ههنا كذلك، و حيث انه قد استفاض عنهم القول بكون شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور و اشتهر ذلك عنهم (عليهم السلام) و ان كان ذلك مذهب العامة أيضا شددوا بإنكاره في هذه الأخبار لأجل إيقاع الاختلاف بتكذيب العامة و الحلف على انه ليس كذلك، و الاستدلال بتلك الأدلة الاقناعية ليتقوى عند الشيعة السامعين لذلك ضعف النقل الأول و القول المشتهر عنهم في تلك الأخبار، فيحصل الاختلاف بين الشيعة و يتأكد ذلك ليترتب ما ذكروه في تلك الأخبار المتقدمة ثمة عليه من

قولهم (عليهم السلام) (1) «لو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا و لكان أقل لبقائنا و بقائكم».

و نحو ذلك من ما تقدم تحقيقه مستوفى مبرهنا في المقدمة الأولى.

هذا. و مظهر الخلاف في هذه المسألة إنما هو في صورة تعذر الرؤية كما تقدم في كلام المحدث الكاشاني، و ذلك فان الصدوق مع تصلبه و مبالغته في العمل باخبار الحساب قد صرح بوجوب الصيام للرؤية و عقد لذلك بابا فقال (2) باب «الصوم للرؤية و الفطر للرؤية» و أورد فيه من الأخبار ما يدل بعضه على الرؤية المستندة إلى الشياع و بعضه على الرؤية المستندة إلى شهادة العدلين، و حينئذ فلم يبق مظهر للخلاف إلا في الصورة المذكورة، فعلى هذا لو غم الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان فعلى تقدير العمل بقاعدة الحساب يجب أن يصام هذا اليوم بنية شهر رمضان لان شعبان عندهم بهذه القاعدة تسعة و عشرون يوما فيكون هذا اليوم أول شهر رمضان، و على القول المشهور يجب أن يحكم به من شعبان و لا يجوز صيامه من شهر رمضان كما تقدمت الأخبار به الدالة على المنع من صيام يوم الشك بنية شهر رمضان فتكون هذه الاخبار عاضدة لاخبار القول المشهور في هذه المسألة، و به يظهر قوة القول المذكور و انه المؤيد المنصور و ضعف ما عارضه و انه بمحل من القصور.

____________

(1) في حديث زرارة في أصول الكافي ج 1 ص 65 و قد تقدم ج 1 ص 5.

(2) ج 2 ص 76 الطبع الحديث.

280

إلا ان العجب هنا من الصدوق في الفقيه فإنه وافق الأصحاب في هذه المسألة أيضا فقال باستحباب صومه بنية انه من شعبان و انه يجزئ عن شهر رمضان لو ظهر انه منه و حرم صومه بنية كونه من شهر رمضان كما لا يخفى على من راجع كتابه، و حينئذ فما أدرى ما مظهر الخلاف عنده في القول بهذه الأخبار التي ذهب الى العمل بها؟ فإنه مع الرؤية يوجب العمل بها و مع عدم الرؤية لحصول المانع يمنع من الصيام بنية شهر رمضان، ففي أي موضع يتحقق الحكم عنده بكون شعبان لا يكون إلا ناقصا و رمضان لا يكون إلا تاما؟ اللّهمّ إلا أن يدعى ان الرؤية لا تحصل على وجه يكون شعبان ثلاثين يوما و شهر رمضان تسعة و عشرين يوما، و هو مع كونه خلاف ظاهر اخبار الرؤية مردود بالضرورة و العيان كما هو المشاهد في جملة الأزمان في جميع البلدان.

(لا يقال): انه يمكن ذلك بالنسبة إلى آخر الشهر (لأنا نقول): لا ريب و لا خلاف في انه متى علم أول الشهر بأحد العلامات المتقدمة فلا بد من إكمال الثلاثين إلا ان تحصل الرؤية قبل ذلك بأحد الطريقين المتقدمين من الشياع و الشاهدين نعم تبقى هنا صورة نادرة الوقوع لعلها هي المظهر لهذا الخلاف و هو أن تغم الأهلة الثلاثة من شعبان و شهر رمضان و شوال. و الله العالم.

الثالث- في غيبوبة الهلال بعد الشفق

، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا عبرة به.

و قال الصدوق في كتاب المقنع: و اعلم ان الهلال إذا غاب قبل الشفق فهو لليلة و إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين و ان رئي فيه ظل الرأس فهو لثلاث ليال.

و الظاهر ان مستنده في ذلك

ما رواه في الفقيه (1) عن حماد بن عيسى عن إسماعيل بن الحر عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة و إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين».

و رواه الكليني بسنده عن الصلت الخزاز عن

____________

(1) ج 2 ص 78 و في الوسائل الباب 9 من أحكام شهر رمضان.

281

أبى عبد الله (عليه السلام) مثله (1).

و يحتمل- و لعله الأقرب- انه إنما أخذ ذلك

من كتاب الفقه الرضوي حيث قال فيه (2): و قد ذكرنا صوم يوم الشك في أول الباب و نفسره ثانية لتزداد به بصيرة و يقينا: و إذا شككت في يوم لا تعلم انه من شهر رمضان أو من شعبان فصم من شعبان فان كان منه لم يضرك و ان كان من شهر رمضان جاز لك في شهر رمضان، و إلا فانظر أى يوم صمت عام الماضي و عد منه خمسة أيام و صم اليوم الخامس.

و قد روى إذا غاب الهلال قبل الشفق فهو لليلة و إذا غاب بعد الشفق فهو لليلتين و إذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث ليال.

انتهى.

و عن محمد بن مرازم عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا تطوق الهلال فهو لليلتين و إذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث ليال».

و قد أجاب الشيخ عن هذه الأخبار بحملها على ما إذا كانت السماء متغيمة و تكون فيها علة مانعة من الرؤية- فيعتبر حينئذ في الليلة المستقبلة الغيبوبة و التطوق و رؤية الظل و نحوها- دون أن تكون مصحية، كما ان الشاهدين من خارج البلد انما يعتبران مع العلة دون الصحو. انتهى ملخصا.

أقول: هذا الجواب على إطلاقه مشكل: أما أولا- فلما استفاض من الأخبار الدالة على تحريم صوم يوم الشك بنية انه من شهر رمضان (4) و انه لا يقضى إلا مع قيام البينة بالرؤية فيه (5) فلو فرض انه في تلك الليلة التي بعد ليلة الشك كان متطوقا أو لم يغب إلا بعد الشفق فالحكم بوجوب قضاء اليوم السابق بناء على هاتين الروايتين ينافي ما دل على المنع من القضاء إلا مع قيام البينة بالرؤية و هو روايات

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أحكام شهر رمضان.

(2) ص 25.

(3) الوسائل الباب 9 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته و الباب 16 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 3 و 5 و 11 من أحكام شهر رمضان.

282

عديدة مستفيضة فيها الصحيح و غيره و قد تقدم شطر وافر منها (1).

و ثانيا- ما ورد من الاخبار الدالة على انه في الصورة المذكورة يعد شعبان ثلاثين يوما و يصوم الحادي و الثلاثين كائنا ما كان:

مثل

رواية أبي خالد الواسطي و قد تقدمت (2) و فيها «فإذا خفي الشهر فأتموا العدة شعبان ثلاثين يوما و صوموا الواحد و ثلاثين. الحديث».

و موثقة إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال «في كتاب على (عليه السلام) صم لرؤيته و أفطر لرؤيته و إياك و الشك و الظن، فإن خفي عليكم فأتموا الشهر الأول ثلاثين».

و ثالثا- انه ان كانت هذه الأشياء المذكورة موجبة لكون الهلال لليلة الثانية أو الثالثة فينبغي أن يكون مطلقا فلا معنى لتخصيصه ذلك بما إذا كانت السماء متغيمة و إلا فلا معنى لاعتبارها بالكلية.

و رابعا- خصوص

ما رواه الشيخ بسند معتبر عن ابى علي بن راشد (4) قال:

«كتب الى أبو الحسن العسكري (عليه السلام) كتابا و أرخه يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شعبان و ذلك في سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين و كان يوم الأربعاء يوم شك و صام أهل بغداد يوم الخميس و أخبروني أنهم رأوا الهلال ليلة الخميس و لم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل، قال فاعتقدت ان الصوم يوم الخميس و ان الشهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء، قال فكتب الى: زادك الله توفيقا فقد صمت بصيامنا. قال ثم لقيته بعد ذلك فسألته عن ما كتبت به اليه فقال لي: أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس و لا تصمه إلا للرؤية».

و رواه في الوافي (5) بلفظ «و ان الشك كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء»

____________

(1) راجع ص 264 الى 272.

(2) ص 241 و 272.

(3) الوسائل الباب 3 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 9 من أحكام شهر رمضان.

(5) باب صيام يوم الشك.

283

عوض «و ان الشهر» و هو الظاهر، و كأن ذلك اجتهاد منه (قدس سره) فان الخبر في التهذيب (1) انما هو بلفظ الشهر و التحريف من الشيخ في أمثال ذلك غير بعيد، فان المعنى إنما يستقيم على ما ذكره في الوافي دون نسخة الشهر كما لا يخفى.

و التقريب في هذا الخبر انه و ان كان ما كتبه الى الامام (عليه السلام) غير مصرح به في الخبر إلا ان ظاهر السياق يدل على انه كتب اليه بما ذكره هنا من وقوع الشك في بغداد يوم الأربعاء. إلى آخر ما هو مذكور في الخبر من حكاية تلك الحال.

ثم انه مع قطع النظر عن معلومية ما كتب اليه و ان المسؤول عنه ما هو فان أخباره في صدر الخبر بكونه (عليه السلام) كتب اليه كتابا أرخه بذلك التأريخ المشعر بكون يوم الأربعاء من شهر شعبان المؤذن بكون أول شهر رمضان هو يوم الخميس- و كذا جوابه (عليه السلام) «صمت بصيامنا» و كان صيامه (عليه السلام) إنما هو يوم الخميس كما يدل عليه قوله (عليه السلام) «أو لم أكتب إليك إنما صمت الخميس؟» مع اخبار أبى على بن راشد ان الهلال ليلة الخميس لم يغب إلا بعد الشفق بزمان طويل- ظاهر الدلالة في أن مغيب الهلال بعد الشفق لا يستلزم أن يكون لليلتين كما ادعوه بل يجوز أن يكون في أول ليلة أيضا كذلك.

و بذلك يظهر ما في كلام الفاضل الخراساني في الذخيرة من قوله بعد نقل رواية أبى على بن راشد دليلا للقول المشهور: و لا دلالة في هذا الخبر يظهر ذلك بالتأمل التام. انتهى. فهو من جملة تشكيكاته الركيكة.

و يظهر منه الميل الى هذا القول حيث قال: و ظاهر بعض المتأخرين العمل بمدلول الخبرين و لا بأس به.

و كأنه غفل عن معارضة هذين الخبرين بالأخبار المستفيضة التي أشرنا إليها آنفا إذ لا ريب في رجحانها على الخبرين المذكورين.

و اما

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عيص بن القاسم (2)- «انه سأل

____________

(1) ج 4 ص 167.

(2) الوسائل الباب 12 من أحكام شهر رمضان.

284

أبا عبد الله (عليه السلام) عن الهلال إذا رآه القوم جميعا فاتفقوا على انه لليلتين أ يجوز ذلك؟ قال نعم».

فهو خبر شاذ لا يعارض ما قدمناه من الأخبار المستفيضة الدالة على ان الاعتبار بالرؤية أو الشاهدين و انه لا اعتبار بالظن و غاية ما يفيده اتفاق القوم هنا هو الظن بذلك. و الله العالم.

الرابع- في رؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال

، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا اعتبار بذلك.

و نقل عن المرتضى في بعض مسائله انه قال: إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية. و نقله في المختلف عن السيد (رضي الله عنه) في المسائل الناصرية حيث قال الناصر: إذا رئي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية. فقال السيد: هذا صحيح و هو مذهبنا. و ربما أشعرت هذه العبارة بدعواه الإجماع عليه.

و اليه مال المحدث الكاشاني في الوافي و المفاتيح و الفاضل الخراساني في الذخيرة، و قال العلامة في المختلف ان الأقرب اعتبار ذلك في الصوم دون الفطر.

و تردد المحقق في النافع و المعتبر.

و ظاهر المحقق الشيخ حسن في المنتقى الميل الى هذا القول أيضا حيث قال- بعد إيراد حسنة حماد بن عثمان الآتية بطريق الكافي (1)- ما صورته: و روى الشيخ هذا الخبر معلقا عن محمد بن يعقوب و أورد في معناه خبرا آخر من الموثق يرويه بإسناده عن سعد بن عبد الله. ثم ساق السند الى عبيد بن زرارة و عبد الله بن بكير و أورد متنه كما يأتي (2) ثم قال: و لطريق هذا الخبر اعتبار ظاهر و مزية واضحة و موافقة الحديث الحسن له تزيده اعتبارا و قد حملهما الشيخ على معنى بعيد. انتهى.

و ظاهر صاحب المدارك التردد في المسألة فإنه- بعد أن ذكر في صدر المسألة ان المعتمد هو القول المشهور ثم ساق الروايات الدالة على القول المشهور ثم أورد

____________

(1) ص 285.

(2) ص 285.

285

حسنة حماد و موثقة عبيد بن زرارة و ابن بكير الآتيتين- قال: و المسألة قوية الإشكال فإن الروايتين المتضمنتين لاعتبار ذلك معتبرتا الإسناد. الى أن قال:

و من ثم تردد المصنف في النافع و المعتبر و هو في محله. انتهى.

و يظهر ذلك ايضا من المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد حيث قال بعد تطويل البحث و الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام: فتأمل و احفظ فإن المسألة من المشكلات.

و يظهر من الصدوق ايضا القول به حيث قال في باب ما يجب على الناس إذا صح عندهم بالرؤية يوم الفطر بعد ما أصبحوا صائمين (1)- بعد نقل حديث مرسل (2) يحتمل أن تكون هذه العبارة من جملته و يحتمل أن تكون من كلامه (قدس سره)- ما صورته: و إذا رئي هلال شوال بالنهار قبل الزوال فذلك اليوم من شوال و إذا رئي بعد الزوال فذلك من شهر رمضان.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الكليني في الحسن على المشهور الصحيح على المختار عن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا رأوا الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية و إذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة و ابن بكير (4) قالا: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا رئي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال و إذا رئي بعد الزوال فذلك اليوم من شهر رمضان».

و بهذين الخبرين أخذ من قال بالقول الثاني.

و منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب و الصدوق في من لا يحضره الفقيه في

____________

(1) ج 2 ص 109.

(2) الوسائل الباب 6 من أحكام شهر رمضان رقم 2.

(3) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

286

الصحيح عن محمد بن قيس عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عليه عدل من المسلمين، و ان لم تروا الهلال إلا من وسط النهار أو آخره فأتموا الصيام الى الليل، و ان غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن هلال رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان؟ فقال لا تصمه إلا أن تراه فان شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه، و إذا رأيته وسط النهار فأتم صومه الى الليل».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن جراح المدائني (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من رأى هلال شوال بنهار في شهر رمضان فليتم صيامه».

و ما رواه العياشي في تفسيره عن القاسم بن سليمان عن جراح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال الله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ (5) يعنى صوم رمضان، فمن رأى الهلال بالنهار فليتم صيامه».

و ما رواه الشيخ ايضا عن محمد بن عيسى (6) قال: «كتبت اليه: جعلت فداك ربما غم علينا هلال شهر رمضان فنرى من الغد الهلال قبل الزوال و ربما رأيناه بعد الزوال فترى ان نفطر قبل الزوال إذا رأيناه أم لا؟ و كيف تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام) تتم الى الليل فإنه ان كان تاما رئي قبل الزوال».

و روى هذا الخبر في الاستبصار (7) «ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان».

____________

(1) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان. أرجع في لفظ الحديث الى ص 257.

(2) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان و اللفظ «سألت أبا عبد الله ع».

(3) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

(5) سورة البقرة الآية 184، و اللفظ «ثم أتموا.» فالتغيير اما ان يكون من النساخ أو للنقل بالمعنى.

(6) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

(7) ج 2 ص 73.

287

و هو أوضح، و الظاهر ان ما وقع في التهذيب سهو من قلم الشيخ كما سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيقه.

و بهذه الأخبار أخذ من قال بالقول المشهور.

و أجاب العلامة في المنتهى عن الخبرين الأولين- بعد الطعن في سند الثاني بأن فيه ابن فضال و هو ضعيف- بأنهما لا يصلحان لمعارضة الأحاديث الكثيرة الدالة على انحصار الطريق في الرؤية و مضى ثلاثين لا غير (1).

أقول: ليس في شيء من تلك الأخبار ما يدل على الانحصار كما ذكره (قدس سره) ليكون منافيا للخبرين المذكورين كما لا يخفى على من راجعها.

و الحق ان الخبرين المذكورين صريحا الدلالة على القول المذكور و انما يبقى الكلام في ما عارضهما من الأخبار المذكورة بعدهما:

فاما صحيحة محمد بن قيس فموردها هلال شهر شوال كما هو ظاهر السياق حيث أمر (عليه السلام) بالإفطار برؤيته تلك الليلة أو شهادة عدول من المسلمين على الرؤية و اما إذا رأوه من وسط النهار أو آخره فإنهم يتمون صيام ذلك اليوم يعنى من شهر رمضان و الظاهر من لفظ «وسط النهار» هو الوسط المجازي لا الحقيقي الذي هو عبارة عن وقوع الشمس على دائرة نصف النهار، و الوسط بالمعنى المذكور شامل لما قبل الزوال بيسير و ما بعده بيسير.

و كيف كان فالأمر بإتمام الصوم ظاهر في الدلالة على المعنى المشهور و يؤيده التسوية بين وسط النهار و آخره في الحكم المذكور مع قول الخصم بأنه بعد الزوال لليلة المستقبلة.

و اما ما حمل عليه الخبر في الوافي- من ان المراد بوسط النهار ما بعد الزوال- فلا يخفى بعده. و أبعد منه ما تكلفه في الذخيرة من حمل الهلال على هلال شهر رمضان، ثم ذكر معنى متعسفا متكلفا لا اعرف له وجه استقامة، بل كلامه في

____________

(1) الوسائل الباب 3 و 5 من أحكام شهر رمضان.

288

هذا البحث كله غث لا يعجبني النظر اليه و لا العروج عليه.

ثم قال (عليه السلام) (1) «و ان غم عليكم هلال شوال فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا».

و اما موثقة إسحاق بن عمار فهي صريحة في كون المسؤول عنه هلال شهر رمضان و انه لا يرى في تسع و عشرين من شعبان يعنى بعد تسع و عشرين منه و هي ليلة الثلاثين منه لغيم و نحوه فلا يرى الهلال، و هذا هو يوم الشك الذي تقدم تحقيق القول فيه، فأمره (عليه السلام) بان لا تصمه- يعنى بنية شهر رمضان- إلا مع رؤية الهلال، فإذا افطرته فان شهد أهل بلد آخر فاقضه، و إذا صمته- يعنى بنية شعبان- و رأيت الهلال وسط النهار فأتم صومه الى الليل.

و الأمر بإتمام الصوم هنا محتمل لأمرين: اما أن يكون على جهة الاستحباب كما تأوله به الشيخ (قدس سره) و مرجعه الى ان الرؤية في النهار لا عبرة بها فأتم صومك و انما العبرة برؤيته أول الليل. و يحتمل ما ذكره المحدث الكاشاني بناء على ما اختاره من القول المتقدم ان المراد بوسط النهار يعنى به قبل الزوال، قال: و معنى إتمام صومه الى الليل انه ان كان لم يفطر بعد نوى الصوم من شهر رمضان و اعتد به و ان كان قد أفطر أمسك بقية اليوم ثم قضاه. انتهى. و مرجعه إلى انه يحكم بكونه من شهر رمضان لرؤية الهلال قبل الزوال لأن ذلك موجب لكونه لليلة الماضية كما دل عليه الخبران الأولان.

و الاحتمالان متعارضان إلا انه يبقى على تقدير كلام المحدث المذكور سؤال الفرق بين وسط النهار في هذا الخبر و في خبر محمد بن قيس حيث حمله ثمة على ما بعد الزوال و حمله هنا على ما قبل الزوال.

و اما خبر جراح المدائني فهو ظاهر في القول المشهور لدلالته على ان الرؤية في النهار في أي جزء منه غير معتبرة، فالواجب في ما إذا كان ذلك في اليوم الآخر

____________

(1) في صحيحة محمد بن قيس المتقدمة ص 286، و ليس فيها لفظ «هلال شوال» إلا ان يكون مراده (قدس سره) النقل بالمعنى.

289

من شهر رمضان أن يتم صيامه من شهر رمضان.

و اما ما تأوله به في الوافي- من حمل النهار على ما بعد الزوال حملا للمطلق على المقيد- فهو جيد لو انحصرت المخالفة فيه، بل الظاهر ان مفاد هذا الخبر هو مفاد صحيحة محمد بن قيس الدالة على ان وسط النهار و آخره سواء بالنسبة إلى وجوب إتمام الصيام في اليوم الآخر من شهر رمضان و عدم الاعتداد بالرؤية النهارية.

و اما خبر جراح المنقول عن العياشي فهو في الدلالة على المشهور أظهر من سابقه و عن قبول الاحتمال المذكور أبعد، لأنه ورد في تفسير الآية الدالة بغير خلاف على وجوب الإتمام إلى الليل مطلقا فيجب ان يكون الإطلاق في الخبر ايضا كذلك.

و اما رواية محمد بن عيسى فإنه على تقدير رواية التهذيب (1) فان معناها غير مستقيم كما لا يخفى على ذي الطبع القويم، لأنه إذا كان السؤال عن هلال شهر رمضان و انه ربما خفي بغيم و نحوه فكيف يرتب عليه الإفطار من الغد بالرؤية قبل الزوال و عدم ذلك؟

بل الحق ان الخبر إنما يتمشى الكلام فيه على تقدير رواية الاستبصار (2) و هو ظاهر في القول المشهور على تقدير هذه الرواية.

و بذلك اعترف المحدث الكاشاني في الوافي أيضا فقال- بعد نقل الخبر المذكور برواية التهذيب- ما صورته: بيان- هكذا وجدنا الحديث في نسخ التهذيب (3) و في الاستبصار «ربما غم علينا الهلال في شهر رمضان» و هو الصواب لأنه على نسخة التهذيب لا يستقيم المعنى إلا بتكلف، إلا انه على نسخة الاستبصار (4) ينافي سائر الأخبار التي وردت في هذا الباب، لأنه على ذلك يكون المراد بالهلال هلال شوال و معنى «يتم الى الليل» يتم الصيام الى الليل، و قوله (عليه السلام): «ان كان تاما رئي قبل الزوال» معناه ان كان الشهر الماضي ثلاثين يوما رئي هلال الشهر المستقبل قبل

____________

(1) ج 4 ص 177.

(2) ج 2 ص 73.

(3) ج 4 ص 177.

(4) ج 2 ص 73.

290

الزوال في اليوم الثلاثين. انتهى.

و بالجملة فالمسألة لما ذكرناه محل تردد و اشكال، و لا يبعد عندي خروج أخبار أحد الطرفين مخرج التقية، إلا ان العامة هنا على قولين أيضا و القول المشهور بينهم هو المشهور بين أصحابنا، نقله في المنتهى عن الشافعي و مالك و ابى حنيفة، و عن أحمد فيه روايتان، و نقل القول الآخر عن الثوري و ابى يوسف (1).

الخامس- في التطوق

و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا عبرة به، و نقل عن ظاهر الصدوق اعتبار ذلك حيث أورد في كتابه رواية محمد ابن مرازم المتقدمة في الموضع الثالث (2) الدالة على انه إذا تطوق الهلال فهو لليلتين، بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه.

و ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة الميل الى ذلك حيث قال بعد ان نقل عن الصدوق ما ذكرناه: و يدل على اعتبار ذلك الخبر المذكور و هو صحيح، و نسبته الى ما يعارضه نسبة المقيد الى المطلق فمقتضى القواعد العمل بمقتضاه، فاندفع ما قال المصنف في المنتهى بعد إيراد الخبر المذكور: و هذه الرواية لا تعارض ما تلوناه من الأحاديث. انتهى.

و فيه ان المعارض لا ينحصر في ما ذكره من الأخبار المطلقة الدالة على وجوب الصوم بالرؤية أو الشاهدين أو مضى ثلاثين يوما، بل المعارض هنا إنما هي الأخبار الدالة على انه مع إفطاره اليوم المشكوك فيه لا يقضيه إلا مع قيام البينة بالرؤية (3) و بمقتضى اعتبار التطوق انه متى أفطر يوم الشك و رئي في الليلة الثانية متطوقا فإنه يجب القضاء بمقتضى هذه الرواية، مع ان الروايات الصحاح الصراح قد استفاضت بأنه لا يقضى إلا إذا قامت البينة بالرؤية و إلا فلا، و لا ريب في

____________

(1) المغني ج 3 ص 168.

(2) ص 281.

(3) الوسائل الباب 3 و 5 و 11 من أحكام شهر رمضان.

291

ضعف هذه الرواية عن معارضة تلك الأخبار المشار إليها.

السادس- في عد خمسة أيام من أول الهلال من السنة الماضية

فيجب صيام يوم الخامس منها، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا اعتبار بذلك بل الظاهر انه لا خلاف فيه حيث انه لم ينقل القائل بخلاف ما ذكرنا.

نعم ورد في الاخبار ما يدل على ذلك و هو

ما رواه الكليني و الشيخ (طيب الله مرقديهما) عن عمران الزعفراني (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان السماء تطبق علينا بالعراق اليومين و الثلاثة فأي يوم نصوم؟ قال. انظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية و صم يوم الخامس».

و عن عمران الزعفراني أيضا (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انا نمكث في الشتاء اليوم و اليومين لا نرى شمسا و لا نجما فأي يوم نصوم؟ قال: انظر اليوم الذي صمت من السنة الماضية و عد خمسة أيام و صم اليوم الخامس».

و حملهما الشيخ على ان السماء إذا كانت متغيمة فعلى الإنسان أن يصوم اليوم الخامس احتياطا فان اتفق انه يكون من شهر رمضان فقد أجزأ عنه و ان كان من شعبان كتب له من النوافل، قال: و ليس في الخبر انه يصوم يوم الخامس على انه من شهر رمضان، و إذا لم يكن هذا في ظاهره و احتمل ما قلناه سقطت المعارضة به و لم يناف ما ذكرناه من العمل على الأهلة. و قال ان راوي هاتين الروايتين عمران الزعفراني و هو مجهول و في اسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصون بروايته.

أقول: و من ما وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة زيادة على الخبرين ما قدمنا نقله عن كتاب الفقه الرضوي في الموضع الثالث (3).

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أحكام شهر رمضان، و الشيخ يرويه عن الكليني.

(2) الفروع ج 1 ص 184 و 185 و في الوسائل الباب 10 من أحكام شهر رمضان.

(3) ص 281.

292

و ما رواه في الكافي في الصحيح الى صفوان بن يحيى عن محمد بن عثمان الخدري عن بعض مشايخه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أول».

و ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال (عليه السلام) إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعد في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام و صم اليوم الخامس».

و ما رواه ابن طاوس في كتاب الإقبال (3) نقلا من كتاب الحلال و الحرام لإسحاق بن إبراهيم بن محمد الثقفي عن احمد بن عمران بن ابى ليلى عن عاصم بن حميد عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «عدوا اليوم الذي تصومون فيه و ثلاثة أيام بعده و صوموا يوم الخامس فإنكم لن تخطئوا».

و عن احمد عن غياث- أظنه ابن أعين- عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) مثله (4).

و كيف كان فإعراض الأصحاب قديما و حديثا عن الفتوى بمضمون هذه الاخبار أظهر ظاهر في طرحها.

و أنت خبير بان أخبار هذه المواضع الستة التي ذكرناها لا تخلو من تعارض و تناقض بعضها مع بعض، لان العمل على بعض منها ربما ينافيه العمل على البعض الآخر، فالأظهر هو طرح الجميع كما حققناه و الرجوع الى الأخبار المستفيضة بالرؤية أو شهادة العدلين أو عد ثلاثين يوما من شعبان (5) كما عليه كافة العلماء الأعيان. و الله العالم.

السابع [كيف يصنع من لا يعلم الشهر؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان من لا يعلم الشهر كالأسير في يد المشركين و المحبوس يتوخى و ينظر ما غلب على ظنه فيصومه و يجزئه

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 10 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 10 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 10 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 3 و 5 و 11 من أحكام شهر رمضان.

293

مع استمرار الاشتباه، و ان علم اتفاقه في شهر رمضان أو تأخر ما صامه عن شهر رمضان أجزأه أيضا و ان ظهر تقدمه لم يجزئه. و هذه الأحكام كلها اجماعية على ما نقله العلامة في التذكرة و المنتهى.

و الأصل في هذه المسألة

ما رواه الشيخ بسند فيه توقف و الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له رجل أسرته الروم و لم يصم شهر رمضان و لم يدر أى شهر هو؟ قال يصوم شهرا يتوخاه و يحسب فان كان الشهر الذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزئه و ان كان بعد شهر رمضان أجزأه».

و ما رواه الشيخ المفيد في المقنعة عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (2) «انه سئل عن رجل أسرته الروم فحبس و لم ير أحدا يسأله فاشتبهت عليه أمور الشهور كيف يصنع في صوم شهر رمضان؟ فقال: يتحرى شهرا فيصومه يعنى يصوم ثلاثين يوما ثم يحفظ ذلك فمتى خرج أو تمكن من السؤال لأحد نظر، فان كان الذي صامه كان قبل شهر رمضان لم يجزئ عنه، و ان كان هو هو فقد وفق له، و ان كان بعده أجزأه».

ثم ان باقي أحكام شهر رمضان تعلم من ما تقدم و من ما يأتي ان شاء الله تعالى

الفصل الثاني في صوم القضاء

و فيه مسائل

[المسألة] الأولى [سقوط القضاء عن أصناف]

- قد تقدم في المطلب الثالث من المقصد الأول (3) سقوط التكليف عن الصغير و المجنون و الكافر و الحائض و النفساء و المريض المتضرر به و المغمى عليه و المسافر، إلا ان من هؤلاء من يسقط عنه الأداء و القضاء معا و منهم من يسقط عنه الأداء خاصة و هو الحائض و النفساء و المريض و المسافر.

فاما ما يدل على سقوط الأمرين عن الصغير و المجنون

فحديث رفع القلم عن

____________

(1) الوسائل الباب 7 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 7 من أحكام شهر رمضان.

(3) ص 165.

294

الصبي حتى يبلغ و المجنون حتى يفيق (1).

و هو اتفاقي نصا و فتوى.

و اما ما يدل على سقوطهما عن الكافر فقد تقدم في المطلب المشار اليه نقل الأخبار الدالة عليه.

و اما ما يدل على سقوط القضاء عن المخالف الذي هو عندنا من الكفار فيدل عليه الاخبار المستفيضة:

منها-

صحيحة الفضلاء عنهما (عليهما السلام) (2) «في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية و المرجئة و العثمانية و القدرية ثم يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه أ يعيد كل صلاة صلاها أو صوم أو زكاة أو حج أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة لا بد أن يؤديها لأنه وضع الزكاة في غير موضعها و انما موضعها أهل الولاية».

و بمضمونه أخبار عديدة.

و المفهوم من الأخبار ان سقوط القضاء عنه بعد الإيمان و الإقرار بالولاية ليس من حيث صحة إعماله كما يفهم من كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) لتصريح الأخبار المستفيضة ببطلانها لاشتراط صحتها بالولاية و انما هو تفضل من الله عز و جل لدخوله في هذا الدين.

و من ما يدل على ما قلناه بأوضح دلالة

صحيحة محمد بن مسلم (3) و هي طويلة حيث قال في آخرها: «و كذلك و الله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا امام له من الله ظاهر عادل أصبح ضالا تائها و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق، و اعلم يا محمد ان أئمة الجور و اتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا و أضلوا فأعمالهم التي يعملونها

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات و سنن البيهقي ج 8 ص 264.

(2) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة.

(3) أصول الكافي ج 1 ص 183 و في الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

295

كَرَمٰادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عٰاصِفٍ لٰا يَقْدِرُونَ مِمّٰا كَسَبُوا عَلىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ الضَّلٰالُ الْبَعِيدُ» (1).

و صحيحة أبي حمزة الثمالي (2) قال: «قال لنا على بن الحسين (عليهما السلام):

أى البقاع أفضل؟ فقلنا: الله و رسوله و ابن رسوله أعلم. فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن و المقام و لو ان رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله بغير ولايتنا لم ينتفع بذلك شيئا».

و عن الصادق (عليه السلام) (3) «سواء على الناصب صلى أم زنى».

و قد نظمه شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني (قدس سره) فقال:

خلع النواصب ربقة الإيمان * * * فصلاتهم و زناؤهم سيان

قد جاء ذا في واضح الآثار عن * * * آل النبي الصفوة الأعيان

و ظاهر الاخبار ان ثواب تلك الأعمال الباطلة من صلاة و صيام و نحوهما يكتب لهم بعد الايمان.

و من الاخبار في ذلك

صحيحة ابن أذينة (4) قال: «كتب الى أبو عبد الله (عليه السلام) ان كل عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثم من الله عليه و عرفه هذا الأمر فإنه يؤجر عليه و يكتب له إلا الزكاة. الحديث».

اما لو ترك تلك العبادة بالكلية أو أتى بها باطلة في مذهبه فالظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في وجوب القضاء هنا استنادا الى عموم ما دل على وجوب القضاء في تلك العبادة من صلاة أو صيام أو حج، و هو كذلك فان التارك لها مع كونه مكلفا بها و مخاطبا باق تحت العهدة حتى يأتي بها، و غاية ما يستفاد من تلك الأخبار الدالة على عدم وجوب القضاء هو عدم وجوب قضاء ما أتوا به صحيحا

____________

(1) اقتباس من قوله تعالى في سورة إبراهيم الآية 22.

(2) الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

(3) روضة الكافي ص 160 و اللفظ «لا يبالي الناصب صلى أم زنى».

(4) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات و الباب 3 من المستحقين للزكاة.

296

على مذهبهم من حيث بطلانه بترك الولاية لا ما لم يأتوا به بالكلية أو أتوا به باطلا الذي هو في حكمه، و هؤلاء عندنا مكلفون بالأحكام و ان كانت لا تقبل منهم إلا بالإيمان و الولاية، و حينئذ فمتى أتوا بها صحيحة على مذهبهم و لم يبق إلا شرط قبولها فبعد حصول الشرط يتفضل الله عز و جل عليهم بالقبول بخلاف ما لو لم يأتوا بها بالكلية و كذا ما في حكمه فإنهم باقون تحت عهدة الخطاب فيجب القضاء البتة و اما ما يدل على وجوب القضاء على الحائض و النفساء زيادة على الاتفاق على ذلك فهو

ما رواه الشيخ في الحسن عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) انه قال:

«الحائض ليس عليها أن تقضى الصلاة و عليها ان تقضى صوم شهر رمضان».

و في الحسن الى الحسن بن راشد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الحائض تقضى الصلاة؟ قال لا. قلت تقضى الصوم؟ قال نعم. قلت من اين جاء هذا؟

قال: ان أول من قاس إبليس».

و اما ما يدل على القضاء على المريض فالأخبار المستفيضة (3) و ستأتي ان شاء الله تعالى.

و اما المغمى عليه فإنه لا ريب في سقوط الصوم عنه لخروجه بذلك عن أهلية التكليف و إنما الخلاف في صحة صومه مع سبق النية، و قد تقدم الكلام فيه في المطلب الثالث من المقصد الأول (4) و انما يبقى الكلام هنا في وجوب القضاء عليه بعد الإفاقة فالمشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا قضاء عليه، و قيل عليه القضاء ما لم ينو قبل الإغماء، و هذا القول منقول عن الشيخين و المرتضى (رضوان الله عليهم).

و الأظهر هو القول الأول للأخبار المستفيضة و منها-

صحيحة أيوب بن

____________

(1) الوسائل الباب 41 من أبواب الحيض.

(2) الوسائل الباب 41 من أبواب الحيض.

(3) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(4) ص 167.

297

نوح (1) قال: «كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) اسأله عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته أم لا؟ فكتب: لا يقضى الصوم و لا يقضي الصلاة».

و صحيحة على بن مهزيار (2) قال: «سألته عن المغمى عليه يوما أو أكثر هل يقضى ما فاته من الصلاة أم لا؟ فكتب: لا يقضى الصوم و لا يقضي الصلاة».

الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و لم نقف للقول الآخر على دليل إلا ما ذكره في المختلف حيث احتج عليه بأنه مريض فيلزمه القضاء تمسكا بعموم الآية (3) و اخبار وردت بقضاء الصلاة (4) و انه لا قائل بالفرق.

و أنت خبير بما فيه بعد ما عرفت: أما أولا- فبالمنع من تسميته مريضا، سلمنا لكن لا نسلم وجوب القضاء على المريض مطلقا، و السند ما تقدم من الأخبار.

و اما الروايات المتضمنة لقضاء الصلاة فهي- مع كونها مختلفة تحتاج أولا إلى الجمع بينها ليتم الاستدلال بها- مختصة بالصلاة، و إلحاق الصوم بها قياس، و عدم القائل بالفرق لا يدل على عدم الفرق، هذا مع ضعفها عن معارضة ما دل على العدم من الاخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة.

و اما المسافر فسيجيء الكلام فيه في المقصد الثالث ان شاء الله تعالى.

المسألة الثانية [قضاء المرتد صوم زمان ردته]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان المرتد فطريا كان أو مليا يقضى زمان ردته استنادا الى عموم الأدلة الدالة على وجوب قضاء الفوائت من الصيام و الصلاة الشاملة للمرتد و غيره. و لا ريب انه الأحوط لتطرق المناقشة الى ما ادعوه من العموم لما صرحوا به في غير موضع من ان الأحكام المودعة في الأخبار انما تحمل على الافراد الشائعة الكثيرة التي يتبادر إليها الإطلاق دون الفروض النادرة و لا إشكال في كون هذا المفروض من الافراد النادرة.

____________

(1) الوسائل الباب 24 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 24 ممن يصح منه الصوم.

(3) و هو قوله تعالى في سورة البقرة الآية 182 وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ.

(4) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات.

298

ثم انه ربما أشكل القول بذلك في المرتد عن فطرة بناء على عدم قبول توبته لوجوب قتله و قسمة أمواله و بينونة زوجته، و الحق هو التفصيل في ذلك و القول بوجوب قبولها باطنا و عدم قبولها ظاهرا، و انه يجمع بين الأخبار الدالة على وجوب التكاليف الشرعية عليه من صلاة و صيام و حج و نحوها و بين ما دل على وجوب قتله و قسمة أمواله و بينونة زوجته (1).

نعم اختلف الأصحاب هنا في ما لو عقد الصوم مسلما ثم ارتد ثم عاد بقية يومه، فذهب المحقق في المعتبر و قبله الشيخ و ابن إدريس و جماعة إلى انه لا يفسد و قطع العلامة في جملة من كتبه و الشهيد في الدروس بالفساد، لأن الإسلام شرط و قد فات فيفوت مشروطه، و يلزم من فساد الجزء فساد الكل لان الصوم عبادة واحدة فلا يقبل التجزؤ. و قال في المدارك انه لا يخلو من قوة. و المسألة عندي محل توقف لعدم الوقوف على نص فيها.

المسألة الثالثة [من نسي غسل الجنابة في رمضان حتى مر عليه كله أو بعضه]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في من نسي غسل الجنابة في شهر رمضان حتى مر عليه الشهر كله أو أيام منه فهل يجب عليه قضاء صوم ما مضى من ذلك أم لا؟ مع اتفاقهم على وجوب قضاء الصلاة لمكان الحدث:

فالمشهور الوجوب

لما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل أجنب في شهر رمضان فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان؟ قال عليه أن يقضى الصلاة و الصيام».

و ما رواه الصدوق في الصحيح إلى إبراهيم بن ميمون (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى أن يغتسل حتى

____________

(1) الوسائل الباب 1 من حد المرتد.

(2) الوسائل الباب 39 من الجنابة و الباب 30 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 17 من ما يمسك عنه الصائم و 30 ممن يصح منه الصوم. و اللفظ هكذا: «. أو يخرج شهر رمضان؟ قال عليه قضاء الصلاة و الصوم».

299

يمضى لذلك جمعة أو يخرج الشهر ما عليه؟ قال يقضى الصلاة و الصيام».

قال ابن بابويه (قدس سره) بعد نقل الخبر:

و في خبر آخر (1) ان من جامع في أول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان ان عليه أن يغتسل و يقضى صلاته و صومه إلا أن يكون قد اغتسل للجمعة فإنه يقضى صلاته و صيامه الى ذلك اليوم و لا يقضى ما بعد ذلك.

و قال ابن إدريس لا يجب قضاء الصوم، لأن الأصل براءة الذمة، و لان الصوم ليس من شرطه الطهارة في الرجال إلا إذا تركها الإنسان متعمدا من غير اضطرار و هذا لم يتعمد تركها. انتهى.

و هو جيد على أصوله الغير الاصيلة و قواعده الضعيفة العليلة. و وافقه المحقق في الشرائع و النافع و نازعه في المعتبر.

و ربما ظهر من كلام الصدوق في الفقيه قول ثالث في المسألة و لا بأس به إلا أن فيه نوع اشكال من حيث عدم نية الغسل المنسي، و القول بتداخل الأغسال كما هو الأظهر عندي إنما هو عبارة عن الاكتفاء بغسل واحد مع نية جملة من الأغسال لا مع عدم النية و القصد بالكلية، و تحقيق الكلام في ذلك قد أودعناه في شرحنا على المدارك، و قد تقدم في بحث نية الوضوء في كتاب الطهارة ما فيه مزيد تحقيق للمسألة أيضا.

و كيف كان فالعمل على القول المشهور. و الله العالم.

المسألة الرابعة [من فاته الصوم لمرض أو دم و مات قبل البرء أو الطهر]

- من فاته شهر رمضان أو بعضه لمرض أو دم فان مات قبل البرء و الطهر لم يقض عنه إجماعا نصا و فتوى.

و من الاخبار الدالة على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن رجل أدركه شهر رمضان و هو مريض

____________

(1) الوسائل الباب 30 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

300

فتوفي قبل أن يبرأ؟ قال: ليس عليه شيء و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضى».

و ما رواه أيضا في التهذيب عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المريض في شهر رمضان فلا يصح حتى يموت؟ قال: لا يقضى عنه و الحائض تموت في شهر رمضان؟ فقال: لا يقضى عنها».

و ما رواه في الموثق عن سماعة بن مهران (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل دخل عليه شهر رمضان و هو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر شوال؟ قال: لا صيام عليه و لا قضاء عنه. قلت: فامرأة نفساء دخل عليها شهر رمضان و لم تقدر على الصوم فماتت في شهر رمضان أو في شوال؟

فقال: لا يقضى عنها».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابى مريم الأنصاري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه شيء، و ان صح ثم مرض ثم مات و كان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد، و ان لم يكن له مال صام عنه وليه».

و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن أبي حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: اما الطمث و المرض فلا و اما السفر فنعم».

الى غير ذلك من الأخبار.

و قد ذكر جمع من الأصحاب انه يستحب القضاء عنه و أسنده في المنتهى الى الأصحاب مؤذنا بدعوى الاتفاق عليه.

و استدل عليه بأنه طاعة فعلت عن الميت فوصل اليه ثوابها.

و أورد عليه انه ليس الكلام في جواز التطوع بالصوم و إهداء ثوابه الى

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

301

الميت بل في قضاء الفائت عنه، و الحكم بشرعيته يتوقف على الدليل لأن الوظائف الشرعية إنما تستفاد من النقل و لم يرد النقل بذلك، بل مقتضى الأخبار المتقدمة عدم مشروعية القضاء.

و يدل على ذلك بأوضح دلالة

ما رواه الكليني في الصحيح أو الموثق عن أبى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال هل برئت من مرضها؟ قلت لا ماتت فيه. قال لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها. قلت فإني اشتهى أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك؟ قال كيف تقضى عنها شيئا لم يجعله الله عليها؟ فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم».

هذا بالنسبة إلى الفوات بغير السفر و اما ما يفوت بالسفر فالظاهر وجوب القضاء بمجرد الفوات و ان لم يتمكن من القضاء، و سيأتي تحقيق المسألة قريبا.

المسألة الخامسة- لو استمر مرضه من أول رمضان الى رمضان آخر

فالمشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) سقوط قضاء الأول و انه يكفر عن كل يوم منه بمد، و حكى الفاضلان في المعتبر و المنتهى عن أبى جعفر بن بابويه إيجاب القضاء دون الصدقة، و حكاه في المختلف ايضا عن ابن ابى عقيل و ابى الصلاح و ابن إدريس، و قواه في المنتهى و التحرير، و حكى عن ابن الجنيد انه احتاط بالجمع بين القضاء و الصدقة و قال انه مروي، حكاه عنه في الدروس.

و المعتمد هو القول الأول

لما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان و يخرج عنه و هو مريض فلا يصح حتى يدركه شهر رمضان آخر؟ قال: يتصدق عن الأول و يصوم الثاني، فإن كان صح في ما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

302

و تصدق عن الأول».

و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن بإبراهيم بن هاشم عن زرارة مثله (1).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدرك رمضانا آخر و هو مريض فليتصدق بمد لكل يوم، فأما أنا فإني صمت و تصدقت».

و ما رواه الكليني في الحسن بإبراهيم على المشهور الذي هو عندي من الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) (3) قال:

«سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر؟ فقالا: ان كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه قضاؤه، و ان كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه و تصدق عن الأول لكل يوم مدا على مسكين و ليس عليه قضاؤه».

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل تتابع عليه رمضانان لم يصح فيهما ثم صح بعد ذلك كيف يصنع؟ قال: يصوم الأخير و يتصدق عن الأول بصدقة لكل يوم مد من طعام لكل مسكين».

و ما رواه عنه عن أخيه (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل مرض في شهر رمضان فلم يزل مريضا حتى أدركه شهر رمضان آخر فبرئ فيه كيف يصنع؟ قال:

يصوم الذي يبرأ فيه و يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام».

و ما رواه العياشي في تفسيره (6) عن سماعة عن ابى بصير قال: «سألته عن رجل مرض من رمضان الى رمضان قابل و لم يصح بينهما و لم يطق الصوم؟ قال:

يتصدق مكان كل يوم أفطر على مسكين بمد من طعام و ان لم يكن حنطة فمد من تمر

____________

(1) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(6) ج 1 ص 79 و في الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان. و لم يذكر في السند إلا أبا بصير.

303

و هو قول الله تعالى فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ (1) فان استطاع أن يصوم الرمضان الذي استقبل و إلا فليتربص الى رمضان قابل فيقضيه، فان لم يصح حتى رمضان قابل فليتصدق كما تصدق مكان كل يوم أفطر مدا مدا، فان صح في ما بين الرمضانين فتوانى أن يقضيه حتى جاء الرمضان الآخر فان عليه الصوم و الصدقة جميعا يقضى الصوم و يتصدق من أجل انه ضيع ذلك الصيام».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): «و إذا مرض الرجل و فاته صوم شهر رمضان كله و لم يصمه الى أن يدخل عليه شهر رمضان من قابل فعليه أن يصوم هذا الذي قد دخل عليه و يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، و ليس عليه القضاء إلا أن يكون قد صح في ما بين الرمضانين فإذا كان كذلك و لم يصم فعليه أن يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام و يصوم الثاني فإذا صام الثاني قضى الأول بعده، فان فاته شهر رمضان حتى دخل الشهر الثالث و هو مريض فعليه أن يصوم الذي دخله و يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام و يقضى الثاني».

و رواية أبي الصباح الآتية في ثاني هذه المسألة و رواية أبي بصير الآتية أيضا احتج العلامة في المنتهى على ما ذهب اليه من وجوب القضاء بعموم الآية الدالة على وجوب قضاء أيام المرض (3) و ان الأحاديث المستدل بها على سقوط القضاء المروية من طريق الآحاد لا تعارض الآية.

و رد بأنه مخالف لما قرره في الأصول من أن عموم الكتاب يخص بخبر الواحد.

أقول: و بذلك صرح في المختلف حيث انه اختار القول المشهور و احتج للقول المخالف بعموم قوله تعالى وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (4)

____________

(1) سورة البقرة الآية 181.

(2) ص 25.

(3) سورة البقرة الآية 182.

(4) سورة البقرة الآية 182.

304

ثم قال: و الجواب العموم قد يخص باخبار الآحاد خصوصا إذا استفاضت و اشتهرت و اعتضدت بعمل أكثر الأصحاب.

و احتجوا أيضا بأن العبادة لا تسقط بفوات وقتها كالقرض و الدين.

و بما رواه سماعة (1) قال: «سألته عن رجل أدركه رمضان و عليه رمضان قبل ذلك و لم يصمه؟ فقال: يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان عليه بمد من طعام و ليصم هذا الذي أدرك فإذا أفطر فليصم رمضان الذي كان عليه، فانى كنت مريضا فمر على ثلاث رمضانات لم أصح فيهن ثم أدركت رمضانا فتصدقت بدل كل يوم من ما مضى بمدين من طعام ثم عافاني الله فصمتهن».

و أجيب عن الأول بأن وقت الأداء قد فات على ما بيناه و القضاء في العبادة انما يجب بأمر جديد على ما حقق في أصول الفقه بخلاف الدين فإنه لا وقت له.

و عن الرواية أولا- بأنه لم يذكر فيها استمرار المرض في ما بين الرمضانين.

و ثانيا- بالحمل على الاستحباب و يؤيده صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2).

أقول: و لعل هذه الرواية هي التي أشار إليها ابن الجنيد في ما تقدم من النقل عنه بان الجمع بين القضاء و الكفارة مروي.

و كيف كان فالقول المعتمد هو الأول لما عرفت من الأخبار و ما يأتي.

أقول: و من الأخبار الصريحة في الدلالة على القول المشهور ورد هذا القول

ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل و عيون الأخبار بسنده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «إذا مرض الرجل أو سافر في شهر رمضان فلم يخرج من سفره أو لم يفق من مرضه حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للأول و سقط القضاء، و إذا أفاق بينهما أو أقام و لم يقضه وجب عليه القضاء و الفداء، لأن ذلك الصوم إنما وجب عليه في تلك السنة في هذا الشهر،

____________

(1) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(2) ص 302.

(3) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

305

فاما الذي لم يفق فإنه لما مر عليه السنة كلها و قد غلب الله عليه و لم يجعل له السبيل إلى أدائها سقط عنه، و كذلك كل ما غلب الله عليه مثل المغمى الذي يغمى عليه في يوم و ليلة، فلا يجب عليه قضاء الصلاة، كما قال الصادق (عليه السلام) «كل ما غلب الله على العبد فهو أعذر له» لأنه دخل الشهر و هو مريض فلم يجب عليه الصوم في شهره و لا في سنته للمرض الذي كان فيه، و وجب عليه الفداء لأنه بمنزلة من وجب عليه الصوم فلم يستطع أداءه فوجب عليه الفداء، كما قال الله تعالى فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ. فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (1) و كما قال فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (2) فأقام الصدقة مقام الصيام إذا عسر عليه (فان قال) فان لم يستطع إذ ذاك فهو الآن يستطيع (قيل) لأنه لما دخل عليه شهر رمضان آخر وجب عليه الفداء للماضي، لأنه كان بمنزلة من وجب عليه صوم في كفارة فلم يستطعه فوجب عليه الفداء و إذا وجب عليه الفداء سقط الصوم و الصوم ساقط و الفداء لازم، فإن أفاق في ما بينهما و لم يصمه وجب عليه الفداء لتضييعه الصوم لاستطاعته».

[فوائد]

و يلحق بهذه المسألة فوائد

الأولى [وقت القضاء في استمرار المرض إلى رمضان آخر]

- المستفاد من الأخبار الدالة على سقوط القضاء مع استمرار المرض الى رمضان آخر مع الاخبار الأخر ان وقت القضاء الموظف له شرعا هو ما بين الرمضانين، فان صح في ما بينهما و امكنه القضاء وجب عليه في هذه المدة، و لو أخل به و الحال هذه لزمه مع القضاء الكفارة، اما القضاء فبالدليل الدال على وجوب القضاء هنا، و اما الكفارة فعقوبة لإخلاله بالواجب الذي هو الإتيان به في تلك المدة. و لو لم يصح في ما بينهما فلا قضاء عليه بعد ذلك لان الوقت المعين للقضاء قد فات بالعذر الموجب لعدم توجه الخطاب الشرعي إليه فيه و القضاء بعده و الحال هذه يحتاج الى دليل و ليس فليس.

و بالجملة فالحكم في هذا القضاء كالحكم في أصل الأداء، فإن أصل الأداء هنا و في

____________

(1) سورة المجادلة الآية 6.

(2) سورة البقرة الآية 193.

306

غيره لما كان فواته لا يستلزم القضاء إلا بدليل جديد كما هو أظهر القولين في المسألة فكذلك قضاؤه المعين في هذا الوقت، فان مجرد فوات ذلك الوقت لا يستلزم القضاء مرة أخرى إلا بأمر جديد، و قد قام الدليل في صورة الترك عمدا مع التمكن فوجب و وجبت الكفارة معه عقوبة، و اما في صورة استمرار العذر فلم يقم دليل على ذلك فوجب الحكم بعدمه.

و بما ذكرنا صرح جملة من أصحابنا (رضوان الله عليهم): منهم- العلامة في المختلف حيث قال في الاستدلال على ما اختاره من القول المشهور: لنا- ان العذر قد استوعب وقت الأداء و القضاء فوجب ان يسقط عنه القضاء، اما استيعاب وقت الأداء فظاهر، و اما استيعاب وقت القضاء فلان وقته ما بين الرمضانين إذ لا يجوز التأخير عنه. الى آخر كلامه زيد في مقامه.

و قال الشهيد في الدروس: لا يجوز تأخير قضاء رمضان عن عام الفوات اختيارا و تجب المبادرة.

أقول: و على هذا فلو تمكن من القضاء و أخل به ثم عرض له سفر لا يتمكن معه من القضاء في ذلك الوقت المعين، فان كان سفرا مباحا أو مستحبا فلا إشكال في وجوب تقديم قضاء الصيام عليه و عدم مشروعية السفر و الحال هذه، و ان كان واجبا كالحج الواجب و نحوه فإشكال ينشأ من تعارض الواجبين و لا سيما حجة الإسلام، و ترجيح أحدهما على الآخر يحتاج الى دليل و ان كان مقتضى قواعد الأصحاب تقديم ما سبق سبب وجوبه كما صرحوا به في جملة من المواضع.

الثانية [مذهب الشيخين في المقام]

- اعلم ان العلامة في التحرير قال بعد ان قوى ما ذهب اليه ابن بابويه من وجوب القضاء دون التكفير: و نقل عن الشيخين القول بوجوب التكفير دون القضاء، و على قول الشيخين لو صام و لم يكفر فالوجه الاجزاء. و هو يؤذن بكون مذهب الشيخين هو التخيير بين القضاء و التكفير و الأمر ليس كذلك لان

307

صريح كلامهما و الأدلة التي تقدمت من ما استدلوا به إنما هو تعين التكفير دون القضاء.

الثالثة [مقدار الصدقة عن كل يوم]

- الأشهر الأظهر أن الصدقة المذكورة عن كل يوم بمد، لما تقدم في صحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة محمد بن مسلم و نحوهما من الأخبار المتقدمة (1).

و قال الشيخ في النهاية: يتصدق عن كل يوم بمدين من طعام فان لم يمكنه فبمد، و به قال ابن البراج و ابن حمزة على ما نقله في المختلف.

و لم نقف له على مستند يعتمد عليه، و يمكن أن يكون مستنده

رواية سماعة (2) و قوله (عليه السلام): «فتصدقت بدل كل يوم من ما مضى بمدين من طعام.

الحديث».

و الظاهر ان تصدقه وقع على سبيل الأفضل كما ان قضاءه كذلك حيث انك قد عرفت من الأخبار المتقدمة انه لا قضاء مع استمرار المرض، و يؤيده ان صدر الرواية إنما اشتمل على الأمر بالمد خاصة.

الرابعة [من فاته الصوم بغير المرض ثم حصل له المرض]

- هل يتعدى هذا الحكم- اعنى سقوط القضاء و لزوم الكفارة على المشهور أو وجوب القضاء على القول الآخر- الى من فاته الصوم بغير المرض ثم حصل له المرض المستمر أم لا؟

قيل نعم و هو ظاهر اختيار الشيخ في الخلاف، و يمكن أن يكون مستنده

صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (3) لقوله (عليه السلام) فيها: «من أفطر شيئا من رمضان في عذر ثم أدركه رمضان آخر و هو مريض فليتصدق. الحديث».

فان العذر يتناول المرض و غيره.

و قيل لا و به قطع العلامة في المختلف تمسكا بعموم ما دل على وجوب القضاء السالم من معارضة النصوص المسقطة لاختصاصها بالمرض.

و أجاب عن صحيحة ابن سنان بأنها لا تنهض حجة في معارضة عموم الأدلة

____________

(1) ص 302.

(2) ص 304.

(3) ص 302 و اللفظ «ثم أدرك رمضانا آخر».

308

على وجوب القضاء، لان قوله (عليه السلام): «من أفطر شيئا من رمضان في عذر» و ان كان مطلقا إلا ان قوله (عليه السلام): «ثم أدركه رمضان آخر (1) و هو مريض» يشعر بان هذا هو العذر.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من وجه و ان كان القول بالتسوية أوجه. انتهى.

أقول: لا يخفى ان رواية الفضل بن شاذان المنقولة من كتابي العلل و عيون الأخبار عن الرضا (عليه السلام) (2) صريحة في السفر و ان حكمه حكم المرض فلا مجال للتوقف في ذلك. و به يظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ في الخلاف.

الخامسة [لو كان الفوات بالمرض و المانع من القضاء غيره]

- قال في المدارك: لو كان الفوات بالمرض و المانع من القضاء غيره كالسفر الضروري فهل يتعدى اليه هذا الحكم أم لا؟ الأصح العدم لاختصاص النقل بما إذا كان المانع من القضاء استمرار المرض. و أولى بوجوب القضاء ما لو كان الفوات بغير المرض. انتهى.

أقول: قد عرفت ان رواية العلل و العيون ظاهرة بل صريحة في أن السفر كالمرض في وجوب الكفارة خاصة مع استمرار السفر و وجوب القضاء و الكفارة مع الإقامة و ترك القضاء. و لكن العذر له واضح حيث لم يقف على الرواية المذكورة.

السادسة [استحباب القضاء لمن استمر بالمرض]

- قد صرح في المنتهى بأنه يستحب لمن استمر به المرض القضاء عند من قال بسقوطه لأنه طاعة فات وقتها فندب إلى قضائها. ثم أورد صحيحة عبد الله ابن سنان المتقدمة (3) و رواية سماعة المتقدمة أيضا (4) و هو كذلك.

السابعة [حكم ما زاد على رمضانين]

- قد صرح الشيخ و غيره بان حكم ما زاد على الرمضانين حكم الرمضانين في ما تقدم، و نقل في الدروس عن ظاهر ابن بابويه ان الرمضان الثاني يقضى بعد الثالث و ان استمر المرض.

____________

(1) اللفظ كما تقدم «ثم أدرك رمضانا آخر».

(2) ص 304.

(3) ص 302.

(4) ص 304.

309

أقول: قال العلامة في المختلف بعد أن نقل عن الشيخ و ابن الجنيد ان حكم ما زاد على رمضانين حكم الرمضانين: و قال ابن بابويه في رسالته إذا مرض الرجل و فاته صوم شهر رمضان كله و لم يصمه الى أن يدخل عليه شهر رمضان قابل فعليه أن يصوم هذا الذي قد دخل و يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام، و ليس عليه القضاء إلا أن يكون صح في ما بين الرمضانين، فان كان كذلك و لم يصم فعليه ان يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام و يصوم الثاني فإذا صام الثاني قضى الأول بعده، فان فاته شهرا رمضان حتى يدخل الثالث من مرضه فعليه أن يصوم الذي دخل و يتصدق عن الأول لكل يوم بمد من طعام و يقضى الثاني.

أقول: لا يخفى ان هذه العبارة عين عبارة كتاب الفقه الرضوي التي قدمناها ثم قال العلامة في المختلف: و هذا الكلام كما يحتمل استمرار المرض فيه من الرمضان الأول الى الثالث يحتمل برؤه في ما بين الثاني و الثالث، فحينئذ ان حمل على الثاني فلا مخالف فيه كما ذهب اليه شيخنا أبو جعفر و شيخنا أبو على بن الجنيد، و ان حمل على الأول صارت المسألة خلافية، و ابن إدريس حمله على الأول ثم جعله دليلا على ان الواجب القضاء دون التصدق، و ليس فيه دلالة على مطلوبه و لو كان لتوجه المنع الى هذا الكلام كما يتوجه الى كلامه. انتهى.

أقول: و الصدوق في الفقيه بعد أن نقل صحيحة زرارة المتقدمة قال: و من فاته شهر رمضان حتى يدخل الثالث من مرضه. الى آخر ما تقدم في عبارة أبيه المأخوذة من الكتاب المذكور.

و يدل على الأول الرواية التي قدمنا نقلها عن تفسير العياشي (1).

الثامنة [مستحق الصدقة في المقام]

- ذكر الشهيد في الدروس و من تأخر عنه ان مستحق هذه الصدقة مستحق الزكاة لحاجته، و أنت خبير بأن جملة من الروايات المتقدمة (2) قد عينت اختصاصها بالمساكين، و قد عرفت في كتاب الزكاة ان المسكين أسوأ حالا من

____________

(1) ص 302.

(2) ص 302.

310

الفقير كما دلت عليه الاخبار المذكورة ثمة (1) و حينئذ فمغايرته للفقير ظاهرة.

و الأصحاب قد نقلوا الإجماع على جواز إعطاء كل منهما حيثما يذكر أحدهما مع قولهم بالمغايرة بينهما، و الظاهر ان إجماعهم سلفا و خلفا على هذا الحكم يكون قرينة على التجوز في حمل أحدهما على الآخر حيثما يذكر.

المسألة السادسة [من برئ بين رمضانين و ترك القضاء إلى الثاني]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو برئ بين الرمضانين و ترك القضاء الى الرمضان الثاني فإن كان تركه عن تهاون قضى الأول و كفر و ان لم يكن عن تهاون قضى بغير كفارة.

و قد وقع الخلاف هنا في موضعين: أحدهما- ما نقل عن ابن إدريس من انه أوجب القضاء دون الكفارة مطلقا.

و يدل على المشهور ما تقدم في سابق هذه المسألة (2) من صحيحة زرارة و صحيحة محمد بن مسلم و رواية أبي بصير المنقولة من تفسير العياشي و رواية الفضل ابن شاذان المنقولة عن كتابي العلل و العيون و رواية كتاب الفقه الرضوي.

و رواية أبي الصباح الكناني (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل؟ فقال: ان كان صح في ما بين ذلك ثم لم يقضه حتى أدركه رمضان قابل فان عليه أن يصوم و ان يطعم عن كل يوم مسكينا، و ان كان مريضا في ما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام ان صح فان تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مدا» (4).

و رواية أبي بصير الآتية في المقام (5).

احتج ابن إدريس بأصالة البراءة و بان أحدا من علمائنا لم يذكر هذه المسألة

____________

(1) ج 12 ص 155.

(2) ص 301 الى 303.

(3) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان، و اللفظ موافق للتهذيب ج 4 ص 251.

(4) في التهذيب ج 4 ص 251 «فان تتابع المرض عليه فعليه ان يطعم كل يوم مسكينا».

(5) ص 314.

311

سوى الشيخين أو من قلد كتبهما أو تعلق باخبار الآحاد التي ليست بحجة عند أهل البيت (عليهم السلام).

و بما رواه سعد بن سعد عن رجل عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل يكون مريضا في شهر رمضان ثم يصح بعد ذلك فيؤخر القضاء سنة أو أقل من ذلك أو أكثر ما عليه في ذلك؟ قال: أحب له تعجيل الصيام فان كان أخره فليس عليه شيء».

و أجاب عنه العلامة في المختلف بأن البراءة إنما يصار إليها مع عدم دليل الثبوت و شغل الذمة و قد بينا الأدلة، و عدم ذكر أحد من أصحابنا غير الشيخين لهذه المسألة ليس حجة على العدم، مع ان الشيخين هما القيمان بالمذهب فكيف يدعى ذلك؟ و ابنا بابويه (قدس سرهما) قد سبقا الشيخين بذكر وجوب الصدقة مطلقا و لم يفصلا إلى التواني و غيره و كذا ابن ابى عقيل و هو أسبق من الشيخين، و هؤلاء عمدة المذهب. و أجاب عن الحديث باستضعاف السند و الحمل على التأخير مع العزم. انتهى. و هو جيد.

و بالغ المحقق أيضا في الرد عليه فقال: و لا عبرة بخلاف بعض المتأخرين في عدم إيجاب الكفارة هنا فإنه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإمامية في ما علمت. ثم نقل رواية زرارة و رواية محمد بن مسلم و رواية أبي الصباح الكناني و قال: ان هؤلاء فضلاء السلف من الإمامية و ليس لروايتهم معارض إلا ما يحتمل رده الى ما ذكرناه فالراد لذلك متكلف ما لا ضرورة إليه. انتهى.

و ثانيهما- ما نقله في المختلف عن ابني بابويه من انهما لم يفصلا هذا التفصيل بل قالا متى صح في ما بينهما و لم يقض وجب القضاء و الصدقة، قال: و هو اختيار ابن ابى عقيل.

و نقله في المدارك عن المحقق في المعتبر و الشهيدين، قال (قدس سره)- بعد

____________

(1) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

312

قول المصنف: و ان برئ بينهما و أخره عازما على القضاء و لا كفارة عليه، و ان تركه تهاونا قضى و كفر عن كل يوم من السالف بمد من طعام- ما صورته:

يلوح من هذه العبارة ان المراد بالمتهاون غير العازم على القضاء فيكون غير المتهاون العازم على القضاء و ان أخره لغير عذر، و العرف يأباه و الأخبار لا تساعد عليه و الأصح ما أطلقه الصدوقان و اختاره المصنف في المعتبر و الشهيدان من وجوب القضاء و الفدية على من برئ من مرضه و أخر القضاء توانيا من غير عذر حتى دخل رمضان الثاني سواء عزم على القضاء أم لا،

لقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة المتقدمة (1) «فإن كان صح في ما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا و تصدق عن الأول».

و في رواية أبي الصباح الكناني (2) «ان كان صح في ما بين ذلك ثم لم يقضه حتى أدركه رمضان قابل فان عليه أن يصوم و ان يطعم لكل يوم مسكينا».

و في حسنة محمد بن مسلم (3) «ان كان برئ ثم توانى قبل أن يدركه الرمضان الآخر صام الذي أدركه و تصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه قضاؤه».

و بهذه الرواية استدل العلامة في المختلف على القول بالفرق بين العازم على القضاء و غيره، و هي لا تدل على ذلك بوجه بل مقتضى جعل دوام المرض فيها قسيما للتواني ان المراد بالمتواني التارك للقضاء مع القدرة عليه كما دل عليه إطلاق صحيحة زرارة المتقدمة (4) و غيرها. انتهى.

و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد ذكر العبارة المتقدمة: هذا التفصيل هو المشهور خصوصا بين المتأخرين، و فسروا التهاون بعدم العزم على القضاء سواء عزم على الترك أم لم يعزم على واحد من الأمرين، و غير المتهاون هو الذي عزم على القضاء في حال السعة و أخر اعتمادا عليها فلما ضاق الوقت عرض له المانع كالحيض و المرض و السفر الضروري. و في استفادة هذا التفصيل من

____________

(1) ص 301.

(2) ص 310.

(3) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

(4) ص 301.

313

النصوص نظر، و الذي ذهب اليه الصدوقان و قواه في الدروس و دلت عليه الاخبار الصحيحة كخبر زرارة و محمد بن مسلم و غيرهما وجوب القضاء مع الفدية على من قدر على القضاء فلم يقض حتى دخل رمضان الثاني سواء عزم على القضاء أم لا، و هذا هو الأقوى. انتهى.

أقول: و قد علم بذلك ان القائلين بعدم التفصيل وفاقا للصدوقين الشهيدان و السيد السند في المدارك و مثله الفاضل الخراساني في الذخيرة و هو ظاهر المعتبر.

ثم أقول: لا ريب ان ما نقلوه عن الصدوقين هو ظاهر العبارة التي قدمنا نقلها عنهما المأخوذة من كتاب الفقه.

و اما ما ذكروه من ان ظاهر صحيحة زرارة المذكورة ذلك فهو من ما لا ريب فيه ايضا، و كذلك غيرها من ما قدمنا ذكره في سابق هذه المسألة.

إلا انه لا يخفى انه

قد روى الشيخ في التهذيب عن ابى الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل؟ فقال: ان كان صح في ما بين ذلك ثم لم يقضه حتى أدركه رمضان قابل فان عليه أن يصوم و ان يطعم عن كل يوم مسكينا، و ان كان مريضا في ما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام ان صح، فان تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه ان يطعم لكل يوم مدا».

قال المحدث الكاشاني في الوافي: قوله «فان كان مريضا في ما بين ذلك» لعل المراد به حدوث مرضه بعد ما مضى ما يمكنه القضاء فيه من الوقت مع عزمه عليه أى كان مريضا في ما بين عزمه على القضاء و بين شهر رمضان فليس عليه إلا الصيام يعنى دون التصدق، و ذلك لاستقرار القضاء في ذمته و عدم تقصيره في فواته لسعة الوقت، فقوله «ان صح» إشارة الى ما قلناه من تمكنه من القضاء في ما مضى.

____________

(1) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان. و اللفظ موافق للتهذيب ج 1 ص 251 و في آخره هكذا «فان تتابع المرض عليه فعليه ان يطعم كل يوم مسكينا».

314

و قوله «فان تتابع المرض عليه» في مقابلة ذلك يعنى و ان لم يتمكن أولا من القضاء.

و الحاصل ان ههنا ثلاثة احتمالات و لكل حكم غير حكم الآخر: أحدها- عدم تمكنه من الصيام أصلا حتى أدركه الشهر من قابل، و حكمه التصدق خاصة دون القضاء. و الثاني- تمكنه منه و تهاونه به الى أن يفوت، و حكمه القضاء و التصدق معا. و الثالث- تمكنه منه و عزمه عليه مع سعة الوقت من غير تهاون حتى أدركه مرض آخر حال بينه و بين القضاء حتى أدركه الشهر من قابل، و حكمه القضاء خاصة دون التصدق. و هذا الخبر مشتمل على الأحكام الثلاثة جميعا و كذا الذي يتلوه بخلاف سائر أخبار هذا الباب حيث اقتصر فيها على بعض دون بعض. انتهى.

و بذلك يظهر لك ما في استدلال صاحب المدارك بخبر ابى الصباح الكناني المذكور حيث أورد بعضه و سكت عن باقيه الذي هو موضع الاشكال منه.

و أشار في الوافي بالخبر الذي يتلوه الى

ما رواه الشيخ عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا مرض الرجل من رمضان الى رمضان ثم صح فإنما عليه لكل يوم أفطر فدية طعام و هو مد لكل مسكين. قال: و كذلك أيضا في كفارة اليمين و كفارة الظهار مدا مدا. و ان صح في ما بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضى الصيام، فان تهاون به و قد صح فعليه الصدقة و الصيام جميعا لكل يوم مد إذا فرغ من ذلك الرمضان».

أقول: ما ذكره (قدس سره) في رواية أبي الصباح الكناني لا يخلو من قرب و اما رواية أبي بصير التي أشار إليها فظني انها قاصرة عن ما ادعاه، فان موضع الدلالة على ما ذكره منها قوله «و ان صح في ما بين الرمضانين فإنما عليه أن يقضى الصيام» بحمل القضاء على كونه بعد الرمضان الثاني، و من المحتمل قريبا- بل الظاهر أنه الأقرب- ان المراد إنما هو قضاؤه في وقت الصحة بين الرمضانين، و حاصل معنى الرواية حينئذ انه ان استمر به المرض الى الرمضان الآخر فإنما عليه الفدية عن

____________

(1) الوسائل الباب 25 من أحكام شهر رمضان.

315

الشهر الأول، و ان صح بينهما فإنما عليه القضاء خاصة في وقت الصحة من غير فدية لعدم تفريطه، و ان ترك القضاء في وقت صحته و تهاون به و الحال انه قد صح فعليه القضاء و الفدية.

و كيف كان فالخروج عن ظواهر تلك الأخبار التي قدمناها بل صريحها- من وجوب القضاء و الفدية متى أمكن الصيام و أخل به حتى دخل الشهر الثاني سواء كان مع العزم عليه أولا بمثل هذه الرواية أعني رواية أبي الصباح بناء على ما ذكره المحدث المذكور- مشكل لأنها لا تبلغ في الصراحة بل الظهور الى حد يمكن به تقييد تلك الاخبار. و به يظهر ان الأظهر هو ما ذكره الصدوقان و اختاره الجماعة المتقدم ذكرهم، و يؤيده أنه الأوفق بالاحتياط.

ثم اعلم ان ظاهر كلام الأصحاب القائلين بالتفصيل مختلف في معنى التهاون المقتضى لاجتماع الكفارة مع القضاء، فظاهر كلام المحقق في الشرائع كما تقدم في عبارته و مثله العلامة في القواعد و هو مقتضى كلام المختلف انه عبارة عن عدم العزم على الصوم اما لو عزم عليه لم يكن متهاونا و ان لم يحصل العذر المقتضي للتأخير، و الذي صرح به في الدروس ان المقتضى لوجوب الكفارة عدم العزم على الصوم أو العزم على العدم أو الإفطار عند تضيق وقت القضاء اما إذا عزم على الفعل في سعة الوقت مع القدرة ثم حصل العذر عند ضيقه لم تجب الكفارة بل الواجب القضاء حسب. و في فهم ذلك بأي المعنيين كان من الاخبار تأمل و غاية ما دل عليه بعضها كحسنة محمد بن مسلم و مثلها رواية أبي بصير المتقدم نقلها عن تفسير العياشي التعبير عن ترك القضاء مع الصحة بين الرمضانين بالتواني، و التواني و ان كان لغة بمعنى ترك الشيء لعدم الاهتمام به كما هو مدلول رواية أبي بصير المذكورة هنا إلا ان الظاهر كما تقدم في كلام السيد السند ان المراد به مطلق الترك، و يعضده انه لو كان هذا المفهوم مرادا لذكر حكمه في شيء من تلك الروايات، و ما تقدم في بعض الأخبار من تعليل وجوب الكفارة بالتضييع فإنه شامل لما نحن فيه حيث انه صح

316

و لم يصم فقد ثبت التضييع و ان كان بانيا على سعة الوقت ثم تجدد المانع وقت الضيق. و الله العالم.

[فوائد]

و في المقام فوائد

الأولى [هل يستحب الموالاة في قضاء شهر رمضان أو التفريق؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب الموالاة في القضاء، و قيل باستحباب التفريق حكاه ابن إدريس في سرائره عن بعض الأصحاب، و يظهر من كلام الشيخ المفيد (قدس سره) الميل اليه حيث قال بعد أن حكم بالتخيير بين التتابع و التفريق:

و قد روى عن الصادق (عليه السلام) (1) انه قال: «إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، و كذلك إذا كان عليه خمسة أيام و ما زاد، فان كان عليه عشرة أيام أو أكثر من ذلك تابع بين الثمانية الأيام ان شاء ثم فرق الباقي».

و الوجه في ذلك كله انه ان تابع بين الصيام في القضاء لم يكن فرق بين الشهر في صومه و بين القضاء فأوجبت السنة الفصل بين الأيام بالإفطار ليقع الفرق بين الأمرين كما وصفناه. انتهى.

و الذي يدل على الأول

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا كان على الرجل شيء من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الشهور شاء أياما متتابعة، فان لم يستطع فليقضه كيف شاء و ليحصل الأيام فإن فرق فحسن و ان تابع فحسن قال قلت: أ رأيت ان بقي عليه شيء من صوم رمضان أ يقضيه في ذي الحجة؟ قال: نعم».

و في الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فان قضاه متتابعا فهو أفضل و ان قضاه متفرقا فحسن».

و روى الصدوق في كتاب الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين (4) قال: «و الفائت من شهر رمضان

____________

(1) سيأتي استظهاراته موثق عمار الآتي ص 317.

(2) التهذيب ج 4 ص 274 و في الوسائل الباب 26 و 27 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 26 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 26 من أحكام شهر رمضان.

317

ان قضاه متفرقا جاز و ان قضاه متتابعا كان أفضل».

و هذه الاخبار كما ترى صريحة في المدعى.

و الظاهر ان ما ذكره في المقنعة و أسنده إلى الصادق (عليه السلام) هو

ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال: ان كان عليه يومان فليفطر بينهما يوما و ان كان عليه خمسة فليفطر بينها أياما، و ليس له أن يصوم أكثر من ستة أيام متوالية، و ان كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوما».

و رواه الشيخ أيضا بسند آخر مثله (2) إلا انه قال: «فان كان عليه خمسة أيام فليفطر بينها يومين و ان كان عليه شهر فليفطر بينها أياما، و ليس له أن يصوم أكثر من ثمانية أيام يعني متوالية.» و ذكر بقية الحديث.

و الشيخ (قدس سره) حمل هذا الخبر على التخيير و نفى وجوب التتابع و ان كان أفضل، و لا يخفى ان قوله (عليه السلام) في الخبر «و ليس له أن يصوم. الى آخره» من ما يدافع ذلك.

و من ما يؤيد الأخبار المتقدمة في جواز التفريق مطلقا

صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أ يقضيها متفرقة؟ قال: لا بأس بتفرقة قضاء شهر رمضان إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار و كفارة الدم و كفارة اليمين».

و نحوها غيرها ايضا و كيف كان فان هذا الخبر لا يعارض الأخبار المذكورة سيما مع غرابة ما اشتمل عليه كما هو في كثير من اخبار عمار، و اعتضاد تلك الأخبار بموافقة ظاهر الكتاب العزيز.

____________

(1) الوسائل الباب 26 من أحكام شهر رمضان عن التهذيب ج 4 ص 275.

(2) الوسائل الباب 26 من أحكام شهر رمضان عن التهذيب ج 4 ص 328 و 329.

(3) التهذيب ج 4 ص 274 و في الوسائل الباب 26 من أحكام شهر رمضان.

318

الثانية [وجوب القضاء فوري أم لا؟]

- المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو وجوب القضاء على التراخي لا على الفور، و نقل عن ابى الصلاح انه قال يلزم من يتعين عليه فرض القضاء لشيء من شهر رمضان ان يبادر به في أول أحوال الإمكان.

و يظهر من هذه العبارة القول بوجوب الفورية، و هو مردود بالأخبار كصحيحتي الحلبي و ابن سنان المتقدمتين (1).

و أظهر منهما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كن نساء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا كان عليهن صيام أخرن ذلك الى شعبان كراهة ان يمنعن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حاجته فإذا كان شعبان صمن و صام. الحديث».

الثالثة [هل يجب الترتيب في قضاء الصوم؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم- العلامة في التذكرة و غيره بأنه لا يجب الترتيب في قضاء الصوم بأن ينوي الأول فالأول.

نعم يستحب ذلك.

و استشكله الشهيد في الدروس فقال: و هل يستحب نية الأول فالأول؟

اشكال.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و ربما كان منشأ الاشكال من تساوى الأيام في التعلق بالذمة مع انتفاء النص على تقديم بعضها على بعض، و من سبق الأول في الذمة فكان أولى بالمبادرة. ثم قال: و لا يخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي الإشكال إلا أن الأمر في ذلك هين.

أقول: و الأظهر أن يقال ان هذا من باب

«اسكتوا عن ما سكت الله عنه» (3).

و هل يعتبر الترتيب بين افراد الواجب كالقضاء و الكفارة و نحوهما؟ ظاهر المشهور العدم، و نقل عن ابن ابى عقيل انه قال: لا يجوز صوم عن نذر أو كفارة لمن

____________

(1) ص 316.

(2) الوسائل الباب 27 من أحكام شهر رمضان و الباب 28 من الصوم المندوب.

(3) الشهاب في الحكم و الآداب حرف الالف، و ارجع الى الصفحة 30.

319

عليه قضاء عن شهر رمضان حتى يقضيه. و لم نقف له على مستند.

الرابعة [إتيان من عليه القضاء صوما واجبا غير القضاء]

- قد تقدم في آخر المطلب الثالث من المقصد الأول (1) انه لا يجوز التطوع بالصيام لمن في ذمته قضاء شهر رمضان و انه لا خلاف فيه بين الأصحاب إلا ما تقدم نقله عن المرتضى (رضي الله عنه).

بقي الكلام هنا في انه هل يجوز لمن في ذمته واجب غير القضاء من نذر أو كفارة أو نحوهما أم لا؟ ظاهر الأكثر الثاني و نقل عن المرتضى (رضي الله عنه) الجواز و اليه مال السيد السند في المدارك محتجا بالتمسك بمقتضى الأصل، و هو كذلك فانا لم نقف له على دليل يدل على المنع إلا في ما إذا كان ذلك الواجب قضاء شهر رمضان كما دلت عليه الاخبار التي قدمناها ثمة. و هو ظاهر الكليني و الصدوق أيضا حيث ذكرا الحكم المذكور و لم يوردا إلا خبري الحلبي و الكناني الواردين في قضاء شهر رمضان (2).

قال في المدارك: و الظاهر ان المنع من التطوع مع اشتغال الذمة بالصوم الواجب عند من قال به إنما يتحقق حيث يمكن فعله فلو كان بحيث لا يمكن كصوم شعبان ندبا لمن عليه كفارة كبيرة جاز صومه كما نبه عليه في الدروس. انتهى.

المسألة السابعة [من مات و قد فاته شهر رمضان أو بعضه بالمرض]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو مات المريض و قد فاته الشهر أو بعضه بمرض فإن برئ بعد فواته و تمكن من القضاء و لم يقضه وجب على وليه القضاء عنه ان لم يوص به، ذهب اليه الشيخان و ابنا بابويه و السيد المرتضى و ابن الجنيد و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس.

و قد وقع الخلاف هنا في مواضع

الأول- ما نقل عن ابن ابى عقيل من أن الواجب هنا إنما هو الصدقة عنه عن كل يوم بمد من طعام

. قال (قدس سره): و قد روى عنهم (عليهم السلام) في بعض الأحاديث ان من مات و عليه قضاء من شهر رمضان صام عنه أقرب الناس اليه من أوليائه

____________

(1) ص 208.

(2) ص 316 و 313.

320

كما يقضى عنه، و كذلك من مات و عليه صلاة قد فاتته و زكاة قد لزمته و حج قد وجب عليه قضاه عنه وليه، بذلك كله جاء نص الاخبار بالتوقيف عن آل الرسول (عليهم السلام). الى أن قال: و قد روى ان من مات و عليه صوم من شهر رمضان تصدق عنه عن كل يوم بمد من طعام. و بهذا تواترت الاخبار عنهم (عليهم السلام) و القول الأول مطرح لأنه شاذ. انتهى.

أقول: و يدل على القول المشهور و هو المؤيد المنصور الأخبار الكثيرة:

و منها-

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن رجل أدركه رمضان و هو مريض فتوفي قبل أن يبرأ؟ قال: ليس عليه شيء و لكن يقضى عن الذي يبرأ ثم يموت قبل أن يقضى».

و موثقة ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يموت في شهر رمضان؟ قال: ليس على وليه أن يقضى عنه. الى أن قال: فان مرض فلم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليه أن يقضى عنه لانه قد صح فلم يقض و وجب عليه».

و موثقة أبي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر في رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: يقضيه أفضل أهل بيته».

و ما رواه في الفقيه مرسلا (4) قال: و قد روى عن الصادق (عليه السلام) انه قال:

«إذا مات الرجل و عليه صوم شهر رمضان فليقض عنه من شاء من أهله».

و صحيحة حفص بن البختري و حسنة حماد و مكاتبة الصفار الآتيات في المقام الى غير ذلك من الاخبار.

احتج العلامة في المختلف لابن ابى عقيل

بصحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان ثم لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه شيء، و ان صح ثم مرض ثم مات و كان له مال تصدق

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

321

عنه مكان كل يوم بمد. و ان لم يكن له مال صام عنه وليه».

كذا في روايتي الكليني و الصدوق لهذا الخبر

و في رواية الشيخ له في التهذيب (1) «و ان لم يكن له مال تصدق عنه وليه».

أقول: و مثل هذه الرواية أيضا

ما رواه في الفقيه (2) في الصحيح عن محمد ابن إسماعيل بن بزيع عن ابى جعفر الثاني (عليه السلام) قال: «قلت له رجل مات و عليه صوم يصام عنه أو يتصدق؟ قال: يتصدق عنه فإنه أفضل».

و أجاب في المختلف عن الرواية الأولى بالحمل على ما إذا لم يكن له ولى من الأولاد الذكور.

أقول: و هذا الحمل بعيد في الرواية المذكورة لأنه قد صرح فيها بأنه ان لم يكن له مال صام عنه وليه. و هو أيضا بعيد في الرواية الثانية التي ذكرناها.

و الأظهر عندي هو حمل الروايتين على التقية حيث ان العلامة في المنتهى قد نسب هذا القول الى جمهور الجمهور، قال بعد نقل القول بالقضاء عن الشافعي في القديم و أبى ثور: و قال الشافعي في الجديد و يطعم عنه عن كل يوم مدا و به قال أبو حنيفة و مالك و الثوري (3). و بالجملة فالأظهر هو القول المشهور لما عرفت.

الثاني [هل يجب قضاء الصوم الفائت من الميت على الولي مطلقا؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو وجوب القضاء على الولي مطلقا، و عليه يدل إطلاق الاخبار المتقدمة و الآتية في الموضع الثالث.

و نقل عن المرتضى (رضي الله عنه) انه اعتبر في وجوب القضاء على الولي ان لا يخلف الميت ما يتصدق به عنه عن كل يوم بمد، و يدل على ما ذهب إليه صحيحة أبي مريم المذكورة بناء على روايتي الكليني و الصدوق.

____________

(1) ج 4 ص 248 و في الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) ج 3 ص 236 و الوافي باب من مات و عليه صيام.

(3) المغني ج 3 ص 142 و 143، و المجموع ج 6 ص 367، و بدائع الصنائع ج 2 ص 103.

322

قال في المدارك بعد نقل الرواية المذكورة بطريق الشيخين المذكورين ثم رواية الشيخ في التهذيب: و بمضمون هذه الرواية أفتى ابن ابى عقيل و ادعى فيه تواتر الاخبار، و المسألة قوية الإشكال لاختلاف متن الرواية و ان كان الظاهر ترجيح ما في الكافي و من لا يحضره الفقيه كما يعرفه من يقف على حقيقة هذه الكتب. انتهى.

و فيه إشارة إلى الطعن على الشيخ و ما وقع له في التهذيب من ما أشرنا إليه آنفا في غير موضع.

و يظهر منه الميل الى هذه الرواية بناء على رواية الشيخين المتقدمين لصحة سندها. و فيه ما عرفت من ان الأمر بالصدقة إنما خرج مخرج التقية (1) و بذلك يظهر ان الأصح ما هو المشهور بين الأصحاب من وجوب القضاء مطلقا عملا بإطلاق الروايات المتقدمة.

الثالث [من هو الولي الذي يجب عليه القضاء؟]

- المشهور سيما في كلام المتأخرين ان الولي الذي يجب عليه القضاء هو الولد الأكبر، قال في المختلف: ظاهر كلام الشيخ ان الولي هو أكبر أولاده الذكور خاصة فإن فقد فالصدقة. قال في المبسوط: و الولي هو أكبر أولاده الذكور، فان كانوا جماعة في سن واحد وجب القضاء بالحصص أو يقوم به بعض فيسقط عن الباقين، و ان كانوا اناثا لم يلزمهن القضاء و كان الواجب الفدية.

و قال الشيخ المفيد: فان لم يكن له ولد من الرجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله و أولاهم به و ان لم يكن إلا من النساء.

و قال في الدروس بعد نقل ذلك عن الشيخ المفيد: و هو ظاهر القدماء و الاخبار و المختار.

و قال في المختلف بعد نقل ذلك عن الشيخ المفيد: و في هذا الكلام حكمان:

____________

(1) ارجع الى الصفحة 321 و التعليقة 3 فيها.

323

الأول- ان الولاية لا تختص بالأولاد. الثاني- ان مع فقد الرجال يكون الولي هو الأكبر من النساء.

و قال ابن الجنيد: و اولى الناس بالقضاء عن الميت أكبر ولده الذكور و أقرب أوليائه اليه ان لم يكن له ولد.

و قال على بن بابويه: من مات و عليه صوم شهر رمضان فعلى وليه ان يقضى عنه، فان كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال، فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء. و كذا قال ابنه أبو جعفر في المقنع.

قال في المختلف بعد نقل ذلك: و هذه الأقوال مناسبة لقول المفيد.

و قال ابن البراج: على ولده الأكبر من الذكور أن يقضى عنه ما فاته من ذلك الصوم و من الصلاة أيضا، فان لم يكن له ذكر فالأولى به من النساء. و هو يوافق الحكم الثاني من حكمي المفيد.

و اختار في المختلف مذهب الشيخ الذي هو المشهور كما أشرنا اليه، و قال في الاحتجاج عليه: لنا- الأصل براءة الذمة، خالفناه في الولد الأكبر للنقل و الإجماع عليه و لاختصاصه بالحباء من التركة فيبقى الباقي على أصل الدليل. ثم نقل رواية حماد بن عثمان الآتية (1).

و احتج في المعتبر على ما ذهب اليه من مذهب الشيخ أيضا بأن الأصل براءة ذمة الوارث إلا ما حصل الاتفاق عليه.

أقول: لا يخفى ما في هذه الأدلة من النظر الظاهر لكل ناظر:

فاما ما ذكره في المختلف من النقل فهو غير مختص بالولد فضلا عن الذكور بل عن الأكبر منهم كما سيظهر لك في المقام ان شاء الله تعالى. و الاختصاص بالحباء غير مقتض لما ذكره لجواز ان تكون العلة في إيجاب القضاء غير ذلك. و رواية حماد غير دالة على ما ادعاه كما ستعرف ان شاء الله تعالى. و الإجماع المدعى ان ثبت فهو غير دال على التخصيص إلا أن يقولوا بإطراح الأخبار الآتية من البين و هم لا يقولونه.

____________

(1) ص 324.

324

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال: يقضى عنه أولى الناس بميراثه. قلت: ان كان أولى الناس به امرأة؟ فقال: لا إلا الرجال».

و ما رواه أيضا في الحسن عن حماد بن عثمان عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يموت و عليه دين من شهر رمضان من يقضى عنه؟

قال: أولى الناس به. قلت: فان كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا إلا الرجال».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن الصفار (3) قال: كتبت الى الأخير (عليه السلام) و في الفقيه (4) قال: كتب محمد بن الحسن الصفار الى ابى محمد الحسن بن على (عليه السلام) «في رجل مات و عليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام و له وليان هل يجوز لهما ان يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين و خمسة أيام الآخر؟ فوقع (عليه السلام): يقضى عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء ان شاء الله».

قال في الفقيه: و هذا التوقيع عندي مع توقيعاته الى الصفار بخطه (عليه السلام).

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عبد الله بن بكير عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) «في الرجل يموت في شهر رمضان؟ قال: ليس على وليه أن يقضى عنه. الى أن قال: فان مرض و لم يصم شهر رمضان ثم صح بعد ذلك فلم يقضه ثم مرض فمات فعلى وليه أن يقضى عنه لانه قد صح فلم يقض و وجب عليه».

و ما رواه ايضا بسنده الى محمد بن ابى عمير عن رجاله عن الصادق (عليه السلام) (6):

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(4) ج 2 ص 98 و في الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(6) لم أقف على هذه الرواية في كتب الحديث عن الشيخ و انما نقلها الشهيد في الذكرى عن كتاب غياث سلطان الورى منسوبة إلى الشيخ في المبحث السادس من المطلب الثالث في توابع أحكام الميت، و قد نقلها في الوسائل في الباب 12 من قضاء الصلوات عن غياث سلطان الورى عن الشيخ، و تقدم نقلها كذلك ج 11 ص 33.

325

«الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال: يقضيه أولى الناس به».

و قد تقدم في الموضع الأول (1) نقل رواية أبي بصير الدالة على انه يقضى عنه أفضل أهل بيته، و مرسلة الفقيه الدالة على انه يقضى عنه من شاء من أهله.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2) «و إذا مات الرجل و عليه من صوم شهر رمضان فعلى وليه أن يقضى عنه و كذلك إذا فاته في السفر، إلا أن يكون مات في مرضه من قبل ان يصح فلا قضاء عليه. و إذا كان للميت وليان فعلى أكبرهما من الرجال أن يقضى عنه فان لم يكن له ولى من الرجال قضى عنه وليه من النساء».

و هذه عين عبارتي الصدوقين المتقدمتين لكنهما اختصراها و في الفقيه ذكرها بطولها.

و هذه الأخبار- كما ترى- كلها إنما دلت على اناطة القضاء بالولي الذي هو عبارة عن أولى الناس بميراثه كما فسره به في صحيحة حفص بن البختري، و لا اختصاص لذلك بالولد الأكبر بل و لا بالولد بقول مطلق بل إنما هو عبارة عن الأولى بالميراث كائنا من كان.

و العجب من صاحب الوسائل حيث تبع المشهور من تخصيص القضاء بأكبر الأولاد الذكور كما عنون به الباب (3) ثم أورد مكاتبة الصفار و بدل «ولييه» به «ولديه» في قوله في التوقيع «يقضى عنه أكبر ولييه عشرة أيام ولاء» فكتب «ولديه» و لا أدرى أ هذا من غلط النسخة التي عندي أو ان هذا منشأ وهم المصنف فيكون الغلط منه، و نسخ الحديث كلها متفقة على لفظ «ولييه» (4).

و بذلك يظهر لك انه لا مستند لما اشتهر بينهم من التخصيص بالولد الأكبر و بالجملة فإن الظاهر من الأخبار هو ان الولي هنا هو الولي في أحكام الميت و هو الأولى بالميراث، و ليس في الأقوال المتقدمة ما ينطبق على القول بهذه الروايات التي ذكرناها إلا قول الصدوقين و يقرب منه قول ابن الجنيد، و الى هذا القول مال

____________

(1) ص 320.

(2) ص 25.

(3) 23 من أحكام شهر رمضان.

(4) و في نسخ الوسائل كذلك.

326

السيد السند في المدارك، و هو الحق الحقيق بالاتباع و ان كان قليل الاتباع.

فوائد

الأولى [لو لم يكن ولي إلا من النساء فلا قضاء]

- قد دلت صحيحة حفص بن البختري و كذا مرسلة حماد المتقدمتان (1) على انه لو لم يكن ولي إلا من النساء فإنه لا قضاء، و صرحت عبارة كتاب الفقه الرضوي (2) بوجوب قضاء الولي من النساء، و بمدلول الروايتين صرح الشيخ و غيره فاسقطوا القضاء عن الولي من النساء، و بمدلول الرواية الأخرى صرح الصدوقان و الشيخ المفيد و ابن البراج، و الظاهر ان مستندهم إنما هو عبارة الكتاب أو فتوى الصدوقين بذلك المستند الى الكتاب المذكور. و الجمع بين الأخبار هنا لا يخلو من اشكال.

الثانية [من يقضي عن الميت؟]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في وجوب القضاء على الولي عند من عين القضاء دون الصدقة، و على ذلك تدل الأخبار المتقدمة.

و اما ما تقدم في رواية أبي بصير- من انه يقضى عنه أفضل أهل بيته،

و مرسلة الفقيه: يقضى عنه من شاء من أهله (3).

و في رواية لعمار تقدمت في كتاب الصلاة (4) انه يقضى الصلاة و الصوم رجل عارف- فيجب ارتكاب التأويل فيها بالحمل على التبرع بذلك لعدم الولي أو صغره أو نحو ذلك.

الثالثة [اشتراط بلوغ الولي]

- هل يشترط في تعلق الوجوب بالولي بلوغه حين يموت مورثه أم يراعى الوجوب ببلوغه فيتعلق به حينئذ؟ قولان و لم نقف على نص في المقام.

الرابعة [لو كان للميت وليان أو أولياء]

- قد صرح جملة من الأصحاب بأنه لو كان للميت وليان أو أولياء متساوون في السن تساووا في القضاء.

و استدل عليه بعموم الأمر بالقضاء

و بقوله (عليه السلام) في صحيحة حفص (5) «يقضى عنه أولى الناس بميراثه».

و نحوها من ما تقدم، فان ذلك شامل بإطلاقه

____________

(1) ص 324.

(2) ص 325.

(3) ص 320.

(4) ج 11 ص 33 و في الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.

(5) ص 324.

327

المتحد و المتعدد، و إذا وجب القضاء عليهم تساووا فيه لامتناع الترجيح بلا مرجح.

و قال ابن البراج يقرع بينهم.

و قال ابن إدريس انه لا قضاء لأن التكليف بذلك يتعلق بالولد الأكبر و ليس هنا ولد أكبر.

و ضعفه ظاهر فإنه مع تسليم ما ذكره من اختصاص الوجوب بالولد الأكبر إنما هو لو كان ثمة ولد أكبر لا مطلقا.

و لم أقف على نص واضح في المقام إلا ان القول المشهور لا يخلو من قرب نظرا إلى إطلاق الاخبار المشار إليها. و لعل حجة من ذهب الى القرعة عموم ما دل على انها لكل أمر مشكل (1).

ثم ان جملة منهم قد صرحوا بوجوب القضاء على الجميع و ان اتحد الزمان بمعنى انه لا يشترط الترتيب في قضاء الصوم و ان صرحوا باشتراطه في قضاء الصلاة و قالوا بناء على ذلك ان يوم الكسر واجب على الكفاية و ان تبرع به أحد سقط.

الخامسة [لو تبرع بعض بالقضاء سقط]

- قد أطلق جملة من الأصحاب انه لو تبرع بعض بالقضاء سقط.

و حمل على تبرع بعض الأولياء المتساوين في السن بقضاء الصيام عن البعض الآخر فإنه يسقط الفرض بفعل ذلك البعض المتبرع.

قال شيخنا الشهيد الثاني: و وجه السقوط حصول المقتضى و هو براءة ذمة الميت من الصوم.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و يتوجه عليه ان الوجوب تعلق بالولي و سقوطه بفعل غيره يحتاج الى دليل، و من ثم ذهب ابن إدريس و العلامة في المنتهى الى عدم الاجتزاء بفعل المتبرع و ان وقع باذن من تعلق به الوجوب لأصالة عدم سقوط الفرض عن المكلف بفعل غيره. و قوته ظاهرة. انتهى.

السادسة [لو لم يكن إلا النساء لم يلزمهن القضاء]

- قد تقدم في كلام الشيخ انه لو لم يكن إلا النساء لم يلزمهن القضاء

____________

(1) الوسائل الباب 13 من كيفية الحكم و اللفظ

«كل مجهول ففيه القرعة» ..

328

و كان الواجب الفدية، و بذلك صرح من تبعه أيضا، و هو مبنى على ما هو المشهور بينهم من عدم وجوب القضاء على الأنثى و ان انحصرت الولاية فيها.

و اما ما ذكره من التصدق فلم نقف له على مستند و انما استدل له برواية أبي مريم الأنصاري (1) و قد عرفت من ما قدمنا سابقا ان هذه الرواية إنما خرجت مخرج التقية (2) و مع الإغماض عن ذلك فان مقتضى الرواية على ما في الكافي و الفقيه هو وجوب الصوم على الولي إذا لم يخلف الميت ما يتصدق به عنه و على رواية التهذيب وجوب التصدق على الولي أيضا، و شيء منهما لا ينطبق على ما ذكره هنا لانه هنا إنما أوجب الفدية مع تعذر الولي و الولي على كل من الوجهين الأولين موجود.

السابعة [هل يقضى ما تركه الميت عمدا]

- حكى الشهيد في الذكرى عن المحقق (قدس سره) انه قال في مسائله البغدادية المنسوبة إلى سؤال جمال الدين بن حاتم المشغري: الذي ظهر لي ان الولد يلزم قضاء ما فات الميت من صيام و صلاة لعذر كالسفر و المرض و الحيض لا ما تركه عمدا مع قدرته عليه. ثم قال الشهيد: و قد كان شيخنا عميد الدين ينصر هذا القول، و لا بأس به فان الروايات تحمل على الغالب من الترك و هو انما يكون على هذا الوجه. انتهى.

و اليه مال جملة من متأخري المتأخرين كالسيد السند في المدارك و الفاضل الخراساني في الذخيرة، و هو جيد.

و يمكن تأييده أيضا بأن روايات وجوب القضاء منها ما صرح فيه بالسبب الموجب للترك من الأعذار التي هي الحيض أو المرض أو السفر و منها ما هو مطلق و مقتضى القاعدة حمل مطلقها على مقيدها في ذلك.

الرابع [هل يقضى عن المرأة؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب القضاء عن

____________

(1) ص 320.

(2) ارجع الى الصفحة 321 و التعليقة 3 فيها.

329

المرأة، فعن الشيخ في النهاية قال: و المرأة حكمها ما ذكرناه في أن ما يفوتها من الصيام بمرض أو طمث لا يجب على أحد القضاء عنها إلا أن يكون قد تمكنت من الصيام فلم تقضه فإنه يجب القضاء عنها. و يجب ايضا القضاء عنها ما يفوتها بالسفر حسبما قدمناه في حكم الرجال. و الى هذا القول مال جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في المنتهى و المختلف، و تردد المحقق في الشرائع.

و قال ابن إدريس: الصحيح من المذهب و الأقوال ان إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرجال يحتاج الى دليل و انما إجماعنا منعقد على ان الوالد يتحمل ولده الأكبر ما فرط فيه من الصيام و يصير ذلك تكليفا للولد، و ليس هذا مذهبا لأحد من أصحابنا و انما أورده الشيخ إيرادا لا اعتقادا.

قال في المختلف بعد نقل ذلك عن ابن إدريس و الاستدلال على ما ذهب اليه الشيخ بموثقة محمد بن مسلم و موثقة أبي بصير في المرأة التي أوصته أن يصوم عنها (1) ما صورته: و قول ابن إدريس- «الإجماع على الوالد»- ليس حجة إذ دلالة دليل على حكم ليس دليلا على انتفاء ذلك الحكم في صورة أخرى. قوله «و ليس هذا مذهبا لأحد من أصحابنا» جهل منه و أي أحد أعظم من الشيخ (قدس سره) خصوصا مع اعتضاد قوله بالروايات و الأدلة العقلية. على ان جماعة قالوا بذلك كابن البراج.

و نسبة قول الشيخ إلى أنه إيراد لا اعتقاد غلط منه و ما يدريه بذلك، مع انه لم يقتصر على قوله بذلك في النهاية بل و في المبسوط ايضا. انتهى.

أقول: و الأصح ما ذهب اليه الشيخ (رضوان الله عليه) و يدل عليه ما يأتي في المسألة الآتية من روايتي أبي حمزة و محمد بن مسلم (2).

الخامس [وجوب القضاء على الولي مشروط باستقرار الصوم في ذمة الميت]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان وجوب القضاء على الولي في غير ما فات بالسفر مشروط بتمكن المكلف من القضاء و تفريطه حتى استقر في ذمته.

و على ذلك يدل جملة من الأخبار المتقدمة، و يعضدها أيضا

ما رواه الشيخ

____________

(1) ص 330.

(2) ص 330.

330

في الموثق عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال هل برئت من مرضها؟

قلت لا ماتت فيه. قال لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها. قلت فإني أشتهى أن أقضي عنها و قد أوصتني بذلك؟ قال كيف تقضى عنها شيئا لم يجعله الله عليها؟

فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم».

اما في السفر فظاهر الأكثر ايضا انه كذلك، فلو لم يتمكن من القضاء لم يجب القضاء عنه، و نقله في المهذب عن الشيخ في النهاية و المحقق و العلامة، لدخوله تحت قسم المعذورين لعدم التمكن فيسقط عنه لاستحالة التكليف بما لا يطاق.

و به صرح شيخنا الشهيد في اللمعة حيث قال: و في القضاء عن المسافر خلاف أقربه مراعاة تمكنه من المقام و القضاء. و به صرح شيخنا الشهيد الثاني في الشرح حيث قال بعد ذكر العبارة المذكورة: و لو بالإقامة في أثناء السفر كالمريض، و قيل يقضى عنه مطلقا لإطلاق النص و تمكنه من الأداء بخلاف المريض.

و هو ممنوع لجواز كونه ضروريا كالسفر الواجب فالتفصيل أجود. انتهى و نحوه كلامه في المسالك أيضا.

أقول: و الظاهر عندي هو القول بالوجوب مطلقا و ان لم يتمكن من الإقامة و لم يمض عليه زمان يمكن فيه القضاء للأخبار الظاهرة الدلالة في ذلك:

و منها-

ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن أبي حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل خروج شهر رمضان هل يقضى عنها؟ قال: اما الطمث و المرض فلا، و اما السفر فنعم».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن محمد بن مسلم عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) «في امرأة مرضت في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج رمضان هل يقضى عنها؟ قال: اما الطمث و المرض فلا، و اما السفر فنعم».

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

331

و ما رواه في الموثق عن أبى بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل سافر في رمضان فأدركه الموت قبل أن يقضيه؟ قال: يقضيه أفضل أهل بيته».

و عن منصور بن حازم عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يسافر في شهر رمضان فيموت؟ قال: يقضى عنه. و ان امرأة حاضت في رمضان فماتت لم يقض عنها. و المريض في رمضان و لم يصح حتى مات لا يقضى عنه».

و أنت خبير بما في هذه الأخبار من الصراحة في الدلالة، و الظاهر ان من ذهب من أصحابنا إلى المشهور لم يقف على هذه الاخبار كملا، و لذلك ان شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد ان نقل عبارة المصنف- و هي قوله: و لا يقضي الولي إلا ما تمكن الميت من قضائه فأهمله إلا ما يفوت بالسفر فإنه يقضى و لو مات مسافرا على رواية- قال: هي رواية منصور بن حازم. ثم ساق الرواية ثم قال بعد ما اختار القول المشهور: و الرواية مع عدم صحة سندها يمكن حملها على الاستحباب أو الوجوب لكون السفر معصية و ان بعد و لا يخفى ما فيه بعد ما عرفت.

و بالجملة فإن ظواهر الأخبار المذكورة هو وجوب القضاء عن المسافر مطلقا و تقييدها بالتمكن من القضاء مع كونه لا دليل عليه ينافيه ظاهر روايتي أبي حمزة و محمد بن مسلم المشتملتين على السفر و الطمث و المرض و انه يقضى ما فات بالسفر خاصة دون ما فات بذينك الآخرين، و ليس ذلك إلا مع عدم التمكن من القضاء إذ لا خلاف في انه مع التمكن يجب القضاء في الطمث و المرض.

و الظاهر ان بناء الحكم المذكور في الفرق بين الفائت بالسفر و غيره انما هو من حيث ان عذر المرض و الطمث من جهة الله (عز و جل) و هو أعذر لعبده كما ورد في جملة من اخبار الإغماء (3) و غيرها، و عذر السفر من قبل المكلف و يمكنه تركه و الإتيان بالأداء فوجب القضاء عنه لذلك.

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 3 من قضاء الصلوات و الباب 24 ممن يصح منه الصوم.

332

و ما استشكله شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) من انه ربما يكون السفر ضروريا أو واجبا فالظاهر انه لا وجه له، فان بناء الأحكام على الافراد الغالبة المتكررة، و العلل الشرعية لا يجب اطرادها بل يكفى وجودها في أكثر الأفراد كما لا يخفى.

السادس [المريض إذا كان وجب عليه صيام شهرين متتابعين ثم مات]

- قال الشيخ في النهاية: المريض إذا كان قد وجب عليه صيام شهرين متتابعين ثم مات تصدق عنه عن شهر و قضى عنه وليه شهرا آخر. و كذا قال ابن البراج على ما نقله في المختلف، و بذلك قال أكثر المتأخرين.

و يدل على هذا القول

ما رواه الشيخ عن الوشاء بطريق فيه سهل بن زياد عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول إذا مات رجل و عليه صيام شهرين متتابعين من علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الأول و يقضى الثاني».

قال في المسالك: لا فرق في الشهرين اللذين على الميت بين كونهما واجبين عليه على التعيين كالمنذورين و كفارة الظهار مع قدرته على الصوم في حال الحياة و عجزه عن العتق أو على التخيير ككفارة رمضان على تقدير اختيار الولي الصوم، فان التخيير ينتقل اليه كما كان للميت. و هذا الحكم تخفيف على الولي بالصدقة عن أحد الشهرين من مال الميت مع ان النصوص تقتضي وجوب قضاء الجميع عليه، و مستند هذا الحكم المستثنى من صور القضاء رواية الوشاء. ثم ساق الخبر كما نقلناه.

و استشكل ذلك جملة من متأخري المتأخرين من حيث ضعف سند الرواية أولا، و من دلالة الأخبار المستفيضة على وجوب القضاء على الولي كما قدمنا نقل كثير منها (2) و لأن صوم هذين الشهرين لا يخلو اما أن يكون متعينا على الميت أو مخيرا فيه، فان كان الأول فمقتضى الاخبار المشار إليها هو وجوب الكل على الولي، و ان كان الثاني فالأمر فيه مشكل، حيث ان ظاهر الخبر المذكور غير المخير فيه.

____________

(1) الوسائل الباب 24 من أحكام شهر رمضان.

(2) ص 320 و 324.

333

و قال الشيخ أيضا في المبسوط و الجمل و الاقتصاد على ما نقله في المختلف: كل صوم كان واجبا عليه بأحد الأسباب الموجبة له فمتى مات و كان متمكنا منه فلم يصمه فإنه يتصدق عنه أو يصوم عنه وليه. و هو يرجع الى ما ذكره في النهاية أيضا.

و فيه ما عرفت من دلالة الأخبار المستفيضة على وجوب القضاء خاصة مضافا الى ما ذكره.

و من هنا ذهب ابن إدريس و العلامة في المختلف الى وجوب القضاء خاصة، و هو أيضا ظاهر الشيخ المفيد حيث قال: يجب على وليه أن يقضى عنه كل صيام فرط فيه من نذر أو كفارة أو قضاء رمضان.

أقول: و المسألة غير خالية من شوب الإشكال، فإن الخروج عن مقتضى تلك الأخبار المستفيضة بهذا الخبر مع احتماله للتقية- فإن القول بالتصدق مذهب أكثر العامة (1) و ان لم ينقل في خصوص هذه الصورة- مشكل، و الأظهر الوقوف على ما دلت عليه تلك الاخبار المشار إليها و هو الأوفق بالاحتياط المطلوب في جميع المقامات.

فان قيل: ان جملة الأخبار المتقدمة إنما وردت في قضاء شهر رمضان فلا تتعدى الى غيره، لأنه قياس مع الفارق فان شهر رمضان آكد من غيره و كذا قضاؤه.

لأنا نقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو المصرح به في الأصول و الدائر في كلامهم في غير مقام، إذ المفهوم من اجوبتهم (عليهم السلام) في تلك الاخبار إنما هو ترتب القضاء على استقرار الأداء في الذمة كائنا ما كان سيما صحيحة حفص بن البختري (2) فإن السؤال فيها عن الصوم بقول مطلق، و رواية

أبي بصير المتقدمة (3) في حكاية المرأة التي أوصته أن يصوم عنها و قوله (عليه السلام)

____________

(1) ارجع الى الصفحة 321 و التعليقة 3 فيها.

(2) ص 324.

(3) ص 330.

334

«لا يقضى عنها فان الله لم يجعله عليها».

فإنه علل عدم القضاء بعدم وجوب الأداء عليها المؤذن بثبوته مع ثبوته، و قوله (عليه السلام) في موثقة ابن بكير المتقدمة في الموضع الثالث (1) «لأنه قد صح فلم يقض و وجب عليه» و هو مشعر بوجوب القضاء من حيث ان الأداء كان واجبا عليه، الى غير ذلك من الاخبار المتقدمة، و ما نحن فيه كذلك عملا بالعلة المذكورة. و الله العالم.

الفصل الثالث في صوم الكفارات

و تنحل إلى أقسام أربعة

[القسم] الأول- ما يجب فيه الصوم مع غيره

، و هي كفارة قتل المؤمن عمدا فإنه تجب فيها الخصال الثلاث للأخبار المستفيضة:

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان و ابن بكير جميعا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمدا هل له توبة؟ فقال: ان كان قتله لإيمانه فلا توبة له و ان كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فان توبته أن يقاد منه، و ان لم يكن علم به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم فان عفوا عنه فلم يقتلوه أعطاهم الدية و أعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا.».

و مثلها كفارة من أفطر شهر رمضان على محرم عند من قال بذلك كما تقدم تحقيقه و انه الأظهر لما قدمنا من الأدلة.

القسم الثاني- ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره

و هي ستة:

أحدها- كفارة قتل الخطأ

قال الله تعالى وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً. إلى

____________

(1) ص 324.

(2) الوسائل الباب 28 من الكفارات و الباب 9 من القصاص في النفس.

335

قوله فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ (1) و في معناها أخبار كثيرة (2).

و

ثانيها- الظهار

قال الله تعالى وَ الَّذِينَ يُظٰاهِرُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمٰا قٰالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. إلى قوله. فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّٰا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعٰامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً (3).

و

ثالثها- قضاء شهر رمضان

بناء على المشهور من أنها إطعام عشرة مساكين فان لم يتمكن صام ثلاثة أيام، و قيل انها كفارة شهر رمضان، و قد تقدم الكلام في ذلك.

و

رابعها- كفارة اليمين

قال الله عز و جل لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ ذٰلِكَ كَفّٰارَةُ أَيْمٰانِكُمْ إِذٰا حَلَفْتُمْ (4).

و

خامسها- كفارة الإفاضة من عرفات عامدا قبل الغروب

فان عليه بدنة و مع العجز صيام ثمانية عشر يوما.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن يونس في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال:

«سألته عن من أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشمس؟ قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما».

و

سادسها- كفارة الصيد

الذي هو عبارة عن النعامة و البقرة الوحشية و الظبي و ما ألحق بها على تردد، و يأتي تحقيق القول فيه ان شاء الله تعالى في كتاب الحج.

و الحق بذلك كفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده و كفارة خدش المرأة وجهها و نتفها شعر رأسها:

____________

(1) سورة النساء الآية 95.

(2) الوسائل الباب 10 من الكفارات و الباب 11 و 38 من القصاص في النفس.

(3) سورة المجادلة الآية 6.

(4) سورة المائدة الآية 92.

(5) الوسائل الباب 23 من إحرام الحج. و الراوي ضريس. و الشيخ يرويه عن الكليني.

336

لرواية خالد بن سدير عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «و إذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته كفارة حنث يمين، و لا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك، و إذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، و في خدش الوجه إذا أدمت و في النتف كفارة حنث يمين».

قيل: و وجه الإلحاق ضعف الرواية المذكورة بالراوي المذكور فقد قال الصدوق ان كتابه موضوع. و قال ابن إدريس باستحبابها، و سيأتي تحقيق الكلام ان شاء الله تعالى في ذلك في كتاب الكفارات.

القسم الثالث- ما يكون الصوم فيه مخيرا بينه و بين غيره

و هو خمسة:

منها-

كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان عامدا

، و قد تقدم الكلام فيها.

و منها-

كفارة النذر

بناء على المشهور من انها كفارة كبرى مخيرة، و الأصح انها كفارة يمين، و سيأتي تحقيق القول في ذلك في كتاب النذر ان شاء الله تعالى.

و منها-

كفارة العهد

بناء على المشهور من انها كفارة كبرى مخيرة و هو الأصح و قيل انها كفارة يمين، و سيأتي تحقيق البحث في ذلك في محله.

و منها-

كفارة الاعتكاف الواجب

بناء على ما هو المشهور من انها كفارة كبرى مخيرة، و قيل انها مرتبة، و سيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتكاف ان شاء الله تعالى.

و منها-

كفارة حلق الرأس في الإحرام

و هي منصوصة في القرآن المجيد، قال الله تعالى وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (2) و لفظ «أو» صريح في التخيير، و سيأتي تحقيق ذلك في كتاب الحج ان شاء الله تعالى.

____________

(1) الوسائل الباب 31 من الكفارات.

(2) سورة البقرة الآية 193.

337

و الحق بذلك كفارة جز المرأة رأسها في المصاب لرواية خالد بن سدير المتقدمة

القسم الرابع- ما يجب مرتبا على غيره مخيرا بينه و بين غيره

و هو كفارة الواطئ أمته المحرمة باذنه، و سيأتي ان شاء الله تعالى في كتاب الحج ان هذه الكفارة بدنة أو بقرة أو شاة فإن عجز عن الأولين فشاة أو صيام ثلاثة أيام، فالصيام فيها مرتب على غيره و هو البدنة و البقرة مخير بينه و بين غيره و هو الشاة.

و إنما اجملنا الكلام في هذه المسائل و لم نتعرض لتحقيق البحث فيها بنقل الأدلة و تحقيق الكلام فيها لان الغرض هنا إنما هو استيفاء أقسام الصوم و سيجيء تحقيق كل مسألة ان شاء الله تعالى في محلها اللائق بها.

بقي الكلام هنا في مقامات

المقام الأول [ما يجب فيه التتابع من الصوم و ما لا يجب]

- قد صرح جملة من الأصحاب بل الظاهر انه المشهور ان كل الصوم يلزم فيه التتابع إلا أربعة: صوم النذر المجرد عن التتابع و ما في معناه من يمين و عهد، و صوم القضاء عن رمضان أو غيره، و صوم جزاء الصيد، و السبعة في بدل الهدى.

و قد نقل الخلاف في كل من هذه الأربعة، اما الأول فحكى الشهيد في الدروس عن ظاهر الشاميين وجوب المتابعة في النذر المطلق، و الظاهر هو المشهور لحصول الوفاء بالنذر بدون التتابع و عدم الدليل على ما ذكروه.

و اما الثاني فقد استقرب الشهيد في الدروس وجوب التتابع في قضاء النذر المشروط فيه التتابع. ورد بأنه لا دليل عليه. و هو كذلك. و وجوب التتابع في أصل النذر باعتبار الشرط لا يستلزم وجوبه في قضائه.

و اما الثالث فنقل عن المفيد و سلار و المرتضى أنهم أوجبوا المتابعة في صيام الستين يوما بدل النعامة.

و اما الرابع فنقل عن ابن ابى عقيل و ابى الصلاح أنهما أوجبا المتابعة في صيام السبعة بدل الهدى.

338

قال في المدارك بعد ذكر ذلك: و الأصح عدم وجوب المتابعة في جميع ذلك عملا بالإطلاق.

و فيه انه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي في الحسن الى الحسين بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «السبعة الأيام و الثلاثة الأيام في الحج لا تفرق انما هي بمنزلة الثلاثة الأيام في اليمين».

و هو ظاهر في وجوب المتابعة في السبعة كما ذكره الفاضلان المذكوران.

و مثله

ما رواه في التهذيب عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج و السبعة أ يصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال يصوم الثلاثة لا يفرق بينها و السبعة لا يفرق بينها و لا يجمع السبعة و الثلاثة جميعا».

نعم في بعض الاخبار ما يدل على التفريق.

و سيجيء الكلام في جميع هذه المسائل في مواضعها منقحا ان شاء الله تعالى.

و يندرج في كلية ما يجب فيه التتابع صوم رمضان و الاعتكاف و كفارة رمضان و كفارة قضائه و كفارة خلف النذر و ما في معناه و كفارة الظهار و القتل و كفارة حلق الرأس في حال الإحرام و صوم الثلاثة الأيام في بدل الهدى و صوم الثمانية عشر بدل البدنة و بدل الشهرين عند العجز عنهما.

قال في المدارك: و يمكن المناقشة في وجوب المتابعة في صيام كفارة قضاء رمضان و حلق الرأس و صوم الثمانية عشر في الموضعين، لإطلاق الأمر بالصوم في جميع هذه الموارد فيحصل الامتثال مع التتابع و بدونه. انتهى.

و هو جيد إلا بالنسبة إلى كفارة قضاء شهر رمضان، لما تقدم في صدر المطلب الرابع من المقصد الأول (3) من الأخبار الدالة على انها كفارة شهر رمضان، و كفارة شهر رمضان من ما لا خلاف في وجوب التتابع في الشهرين فيها نعم يمكن ذلك بالنسبة إلى القول الآخر و هو صوم ثلاثة أيام حيث انه لم يصرح

____________

(1) الوسائل الباب 10 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 10 من بقية الصوم الواجب.

(3) ص 212.

339

فيها بالتتابع، إلا ان الأصحاب ذكروا انها كفارة يمين و كفارة اليمين من ما يجب التتابع فيها، فان تم ما ذكروه لزم الإشكال في ما ذكره هنا و إلا فلا. و اما على القول الأول فالإشكال لازم البتة، إلا ان الظاهر ان كلامه (قدس سره) مبنى على ما هو المشهور من أنها إطعام عشرة مساكين إن أمكن و إلا فصيام ثلاثة أيام و هذه الثلاثة لا دليل على وجوب التتابع فيها. و اما القول بأنها كفارة شهر رمضان فهو و ان قال به الصدوقان و دل عليه بعض الأخبار المتقدمة في المطلب المتقدم إلا انه مطرح بينهم و غير معمول عليه و لا على اخباره كما تقدم تحقيق ذلك في المطلب المذكور و أضعف منه غيره من القولين الآخرين في المسألة كما تقدم ثمة.

المقام الثاني [لو أفطر في ما يجب فيه نية التتابع لعذر فهل يبنى مطلقا؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان كل ما يشترط فيه التتابع من افراد الصوم إذا أفطر في أثنائه لعذر بنى بعد زواله.

و إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق في هذا الحكم بين صوم الشهرين و صوم الثمانية عشر في الموضعين المتقدمين و صوم الثلاثة.

و فيه انه قد جزم جماعة: منهم- المحقق و العلامة في القواعد و الشهيدان في الدروس و المسالك بوجوب الاستئناف مع الإخلال بالمتابعة في كل ثلاثة لعذر كان أو لا لعذر إلا ثلاثة الهدي لمن صام يومين و كان الثالث العيد فإنه يبنى على اليومين الأولين بعد انقضاء أيام التشريق.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهم: و هو جيد بل الأجود اختصاص البناء مع الإخلال بالتتابع للعذر بصيام الشهرين المتتابعين و الاستئناف في غيره، اما الاستئناف في ما عدا صيام الشهرين فلأن الإخلال بالمتابعة يقتضي عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه فيبقى المكلف تحت العهدة الى أن يتحقق الامتثال.

أقول: لا يخفى ان مقتضى كلامه هنا هو وجوب المتابعة في الثمانية عشر حيث انه قد صرح بها في صدر الكلام و انها داخلة تحت إطلاق كلامهم و انه لو حصل العذر الموجب لانقطاع المتابعة وجب عليه الإعادة من رأس، مع انه قد صرح

340

سابقا في ما قدمنا نقله عنه في المقام الأول بأنه لا تجب المتابعة فيها عنده بل يحصل الامتثال مع التتابع و عدمه، اللهم إلا ان يحمل كلامه هنا على طريق المماشاة مع الأصحاب و انه على تقدير ثبوت وجوب التتابع فيها في ما ذكروه فاللازم هو الوجوب و ان حصل العذر المانع من ذلك فإنه يجب الإعادة من رأس بعد زواله.

ثم قال (قدس سره): و اما البناء في صيام الشهرين فيدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا و مرض؟ قال: يبنى عليه الله حبسه. قلت امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت و أفطرت أيام حيضها؟ قال: تقضيها.

قلت فإنها قضتها ثم يئست من المحيض؟ قال لا تعيدها أجزأها ذلك».

و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) نحو ذلك،

و عن سليمان بن خالد (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فصام خمسة و عشرين يوما ثم مرض فإذا برئ أ يبنى على صومه أم يعيد صومه كله؟ قال: يبنى على ما كان صام. ثم قال: هذا من ما غلب الله عليه و ليس على ما غلب الله عز و جل عليه شيء».

انتهى.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (4): و متى وجب على الإنسان صوم شهرين متتابعين فصام شهرا و صام من الشهر الثاني أياما ثم أفطر فعليه ان يبنى عليه فلا بأس، و ان صام شهرا أو أقل منه و لم يصم من الشهر الثاني شيئا فعليه ان يعيد صومه إلا ان يكون قد أفطر لمرض فله أن يبنى على ما صام لأن الله حبسه.

أقول: لا يخفى ان ظاهر التعليل في هذه الروايات يقتضي وجوب البناء في كل ما ثبت فيه وجوب التتابع إذا كان العذر من جهته (عز و جل)، و خصوص السؤال في هذه الأخبار لا يوجب التخصيص إذ العبرة بعموم الجواب و العلة

____________

(1) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(3) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(4) ص 26.

341

المذكورة، فإن

قوله (عليه السلام): «هذا من ما غلب الله عليه و ليس على ما غلب الله عليه شيء».

في قوة صغرى و كبرى من مقدمتي الشكل الأول، فكأنه قيل: الإفطار في هذه الصورة من ما غلب الله عليه و كل ما غلب الله عليه فليس عليه شيء، ينتج ان الإفطار في هذه الصورة ليس عليه شيء من الإعادة. و به يظهر ان كل موضع ثبت فيه وجوب المتابعة فليس عليه الإعادة إذا كان العذر من جهة الله عز و جل.

و على هذا يجب تخصيص اخبار وجوب المتابعة في الثلاثة بهذه الأخبار فلا تجب الإعادة فيها بالعذر الحاصل من جهته عز و جل.

و حينئذ فما ذكره أولئك الفضلاء (رضوان الله عليهم) من وجوب الاستئناف في كل ثلاثة لعذر كان أو لغير عذر مشكل، و قصر الحكم كما ذكره السيد السند على الشهرين أشكل.

و الذي وقفت عليه من الأخبار زيادة على ما نقله (قدس سره)

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح الى على بن احمد بن أشيم (1) قال: «كتب الحسين الى الرضا (عليه السلام) جعلت فداك رجل نذر أن يصوم أياما معلومة فصام بعضها ثم اعتل فأفطر أ يبتدئ في صومه أم يحتسب بما مضى؟ فكتب اليه يحتسب بما مضى».

و هو كما ترى مؤيد لما ذكرناه من وجوب البناء في الصوم المتتابع و ان كان غير الشهرين.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن امرأة تجعل لله عليها صوم شهرين متتابعين فتحيض؟ قال: تصوم ما حاضت فهو يجزئها».

و ما رواه في الكافي في الحسن عن رفاعة بن موسى (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تنذر عليها صوم شهرين متتابعين؟ قال: تصوم و تستأنف أيامها التي قعدت حتى تتم الشهرين. قلت: أ رأيت ان يئست من المحيض أ تقضيه؟

قال: لا تقضى يجزئها الأول».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(3) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

342

ثم قال (قدس سره): و يستفاد من التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام): «الله حبسه» و قوله: «و هذا من ما غلب الله عليه» عدم الفرق بين أن يكون العذر مرضا أو سفرا ضروريا أو حيضا أو إغماء أو غير ذلك.

أقول: جعل السفر الضروري من قبيل ما غلب الله عليه محل نظر، فان الظاهر من هذا اللفظ ان المراد به ما كان من فعل الله تعالى به بحيث انه ليس للعبد في إيقاعه صنع و لا مدخل بالكلية و انه من ما فعله الله تعالى به من غير اختيار منه، و السفر و ان كان ضروريا ليس كذلك كما هو ظاهر.

ثم قال (قدس سره) لا يقال:

قد روى الشيخ في الصحيح عن جميل و محمد ابن حمران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل الحر يلزمه صوم شهرين متتابعين في ظهار فيصوم شهرا ثم يمرض؟ قال يستقبل فان زاد على الشهر الآخر يوما أو يومين بنى على ما بقي».

و عن ابى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان كان على الرجل صيام شهرين متتابعين فأفطر أو مرض في الشهر الأول فإن عليه أن يعيد الصيام، و ان صام الشهر الأول و صام من الشهر الثاني شيئا فإنما عليه أن يقضى».

لأنا نجيب عنهما بالحمل على الاستحباب جمعا بين الأدلة، و تأولهما الشيخ في الاستبصار أيضا بالحمل على المرض الذي لا يكون مانعا من الصوم و هو بعيد. انتهى.

أقول: لا ريب في بعد حمل الشيخ كما ذكره، و أبعد منه الحمل على الاستحباب كما هي القاعدة الجارية في كلامه و كلام غيره لما عرفت في غير موضع من ما سبق.

و الأظهر عندي إنما هو الحمل على التقية التي هي السبب التام في اختلاف الأخبار و ان لم يعلم القائل بذلك من العامة كما تقدم تحقيقه في المقدمة الأولى من مقدمات الكتاب. على ان العلامة في المنتهى بعد نقل إجماع علمائنا على الحكم المذكور نقل

____________

(1) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب رقم (6).

343

عن الشافعي في أحد قوليه الفرق بين الحيض و المرض فأوجب الإعادة بالمرض و البناء على ما مضى بالحيض (1) و مورد هذين الخبرين المرض.

و بالجملة فإن المفهوم من جملة من الأخبار ان منشأ الاختلاف في أخبارنا إنما هو التقية فالحمل عليها متعين في المقام، لاتفاق علمائنا قديما و حديثا على القول بالأخبار المتقدمة و هو مؤذن بكونه مذهبهم (عليهم السلام) فتكون التقية في الاخبار الأخر ثم انه على تقدير البناء على العذر فهل تجب المبادرة الى ذلك بعد زوال العذر بلا فصل؟ قيل نعم لأنه بتعمد الإفطار بعد زوال العذر يصير مخلا بالتتابع اختيارا. و قطع الشهيد في الدروس بعدم الوجوب. و المسألة لا تخلو من تردد لعدم النص فيها و ان كان القول الأول لا يخلو من قرب و الاحتياط يقتضي العمل به، و لو ثبت لأمكن حمل صحيحة جميل و محمد بن حمران و رواية أبي بصير عليه بان يحمل اعادة الصيام فيهما على ما إذا أفطر بعد زوال العذر عامدا.

قال في المدارك: و لو نسي النية في بعض أيام الشهر حتى فات محلها فسد صوم ذلك اليوم، و هل ينقطع التتابع بذلك؟ قيل نعم لأن فساد الصوم يقتضي عدم تحقق التتابع، و قيل لا لحديث رفع القلم (2) و ظاهر التعليل المستفاد من

قوله (عليه السلام) (3) «الله حبسه».

و قوله (عليه السلام) «ليس على ما غلب الله عليه شيء».

و به قطع الشارح (قدس سره) و لا يخلو من قوة.

أقول: فيه ان ظاهر حديث رفع القلم انما هو بالنسبة الى عدم المؤاخذة و ترتب العقاب على ذلك لا صحة العبادة، و ظاهر التعليل المذكور في الخبرين لا يشمل مثل هذا كما أشرنا إليه آنفا، فان النسيان إنما هو من الشيطان كما يدل عليه قوله عز و جل «فَأَنْسٰاهُ الشَّيْطٰانُ ذِكْرَ رَبِّهِ» (4) و قوله:

____________

(1) المهذب ج 2 ص 117.

(2) في المدارك هكذا: لحديث «رفع». و رواه في الوسائل في الباب 56 من جهاد النفس.

(3) ص 340.

(4) سورة يوسف الآية 43.

344

«وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ. الآية» (1) و قوله «وَ مٰا أَنْسٰانِيهُ إِلَّا الشَّيْطٰانُ» (2) لا من الله عز و جل. و يؤيده ما هو المشهور من وجوب القضاء على ناسي النجاسة كما تكاثرت به الاخبار الصريحة. و به يظهر ان ما اختاره لا يخلو من ضعف.

المقام الثالث [لو أفطر في ما يجب فيه التتابع لا لعذر]

- الظاهر انه لا خلاف في انه لو أفطر في ما يجب عليه التتابع فيه لا لعذر فإنه يجب عليه الإعادة من رأس.

[المواضع المستثناة من الإعادة]

و استثنى من ذلك مواضع ثلاثة

الأول- من وجب عليه صوم شهرين متتابعين فصام منهما شهرا و من الثاني يوما

فإنه يبنى على ما تقدم، و قال العلامة في التذكرة و ابنه في الشرح انه قول علمائنا.

و يدل عليه جملة من الأخبار: منها- صحيحة جميل و محمد بن حمران و رواية أبي بصير المتقدمتان (3).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «صيام كفارة اليمين في الظهار شهران متتابعان، و التتابع أن يصوم شهرا و يصوم من الآخر أياما أو شيئا منه فان عرض له شيء يفطر منه أفطر ثم قضى ما بقي عليه، و ان صام شهرا ثم عرض له شيء فأفطر قبل أن يصوم من الآخر شيئا فلم يتابع فليعد الصوم كله.

و قال: صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين متتابعات و لا يفصل بينهن».

و في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبى عبد الله (عليه السلام) (5) انه قال: «في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان؟ قال: يصوم شهر رمضان و يستأنف الصوم، فان صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته».

____________

(1) سورة الانعام الآية 68.

(2) سورة الكهف الآية 63.

(3) ص 342.

(4) التهذيب ج 4 ص 283 و في الوسائل الباب 3 و 10 من بقية الصوم الواجب.

(5) الوسائل الباب 4 من بقية الصوم الواجب.

345

و موثقة سماعة بن مهران (1) قال: «سألته عن الرجل يكون عليه صوم شهرين متتابعين أ يفرق بين الأيام؟ فقال: إذا صام أكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس، و ان كان أقل من شهر أو شهرا فعليه أن يعيد الصيام».

و ما رواه الصدوق عن أبي أيوب في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل كان عليه صوم شهرين متتابعين في ظهار فصام ذا القعدة و دخل عليه ذو الحجة؟ قال: يصوم ذا الحجة كله إلا أيام التشريق ثم يقضيها في أول يوم من المحرم حتى يتم له ثلاثة أيام فيكون قد صام شهرين متتابعين. قال: و لا ينبغي له أن يقرب أهله حتى يقضى ثلاثة أيام التشريق التي لم يصمها. و لا بأس ان صام شهرا ثم صام من الشهر الذي يليه أياما ثم عرضت له علة أن يقطعه ثم يقضى بعد تمام الشهرين».

نعم اختلف الأصحاب في أنه بعد البناء على ما تقدم في الصورة المذكورة لحصول التتابع بذلك هل يجوز له التفريق اختيارا و ان كان قد حصل ما تحقق به التتابع؟ فالمشهور الجواز للأصل و ظاهر قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي «و التتابع ان يصوم شهرا و يصوم من الآخر أياما أو شيئا منه» و قوله في صحيحة منصور «و ان صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيته» و قوله في موثقة سماعة «إذا صام أكثر من شهر فوصله ثم عرض له أمر فأفطر فلا بأس».

و نقل عن الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) انه قال: لو تعمد الإفطار بعد ان صام من الشهر الثاني شيئا فقد أخطأ و ان جاز له الإتمام. و بذلك صرح السيد المرتضى، و صرح أبو الصلاح و ابن إدريس بالإثم.

و احتج ابن إدريس بأن التتابع أن يصوم الشهرين كملا و لم يحصل فتحقق الإثم، و لا استبعاد في الاجزاء مع الإثم.

و أجيب بالمنع من ان التتابع انما يحصل بإكمالهما. و هو كذلك لما صرحت به

____________

(1) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 3 من بقية الصوم الواجب.

346

صحيحة الحلبي من أن التتابع الواجب إنما هو عبارة عن ان يصوم شهرا و من الآخر شيئا، و هو ظاهر الروايتين الأخيرتين. و بالجملة فالقول المشهور هو المعتمد.

الثاني- من وجب عليه صوم شهر متتابع بنذر و نحوه فصام خمسة عشر يوما ثم أفطر

فإنه يصومه و يبنى على ما تقدم و ان كان قبل ذلك استأنف.

و المستند في هذا التفصيل

ما رواه الشيخ عن موسى بن بكر عن الفضيل بن يسار عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قال في رجل جعل على نفسه صوم شهر فصام خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر؟ فقال: جائز له ان يقضى ما بقي عليه، و ان كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا تاما».

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن موسى بن بكر عن الفضيل عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر؟ فقال: ان كان صام خمسة عشر يوما فله ان يقضى ما بقي و ان كان صام أقل من خمسة عشر يوما لم يجزئه حتى يصوم شهرا تاما».

و لا أعلم في ذلك خلافا بين الأصحاب إلا ما يظهر من السيد السند في المدارك قال فيه بعد نقل الخبرين المذكورين: و ضعف الروايتين يمنع من العمل بهما.

و على نحوه حذا الفاضل الخراساني في الذخيرة.

أقول: لا ريب ان الخبرين المذكورين و ان كانا ضعيفين بهذا الاصطلاح المحدث إلا انهما مجبوران باتفاق الأصحاب على العمل بمضمونهما فإنه لا راد لهما و لا مخالف في هذا الحكم غيرهما، مع انهما في غير موضع من كتابيهما قد وافقا الأصحاب في هذه القاعدة كما لا يخفى على من تتبع كتابيهما، و قد نبهنا على مواضع من ذلك في شرحنا على المدارك، و لكنهما ليس لهما قاعدة يقفان عليها كما أشبعنا الكلام عليه في غير موضع من شرحنا المشار اليه.

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 285 و في الوسائل الباب 5 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 5 من بقية الصوم الواجب.

347

و ألحق الشيخ في المبسوط و الجمل بشهر النذر في هذا الحكم من وجب عليه شهر في كفارة قتل الخطأ و الظهار لكونه مملوكا، و اختاره في المختلف و منعه ابن إدريس، و أكثر الأصحاب لم يتعرضوا في هذه المسألة إلا لحكم النذر خاصة، و تردد فيه المحقق للمشاركة في المعنى.

و احتج العلامة باندراجه تحت الجعل في قوله: «جعل عليه» قال: فان العبد إذا ظاهر فقد جعل عليه صوم شهر. و أجاب عن ما ذكره ابن إدريس- من ان حمله على النذر قياس باطل لا يجوز العمل به- بالمنع من كون ذلك قياسا، قال بل هو من باب الأولى.

و أنت خبير بما في كلامه (قدس سره) من الضعف الذي لا يخفى على الناظر و الأظهر الوقوف على مورد النص. و ما أبعد ما بين من رد النصوص المذكورة و بين من قاس عليها مع انه هو المقرر لهذا الاصطلاح.

الثالث- من صام ثلاثة أيام بدل الهدى يوم التروية و عرفة ثم أفطر يوم النحر

فإنه يجوز له أن يبنى بعد انقضاء أيام التشريق، و الروايات هنا مختلفة، و سيجيء تحقيق القول في ذلك في محله من كتاب الحج ان شاء الله تعالى.

و باقي أفراد الصوم الواجب من النذر و نحوه و الاعتكاف تأتي في أبوابها ان شاء الله تعالى.

المطلب الثاني في الصوم المندوب

لا ريب و لا خلاف في استحباب الصوم في جميع أيام السنة إلا ما استثنى، و قد تقدم في صدر الكتاب من الأخبار ما يدل عليه.

و الكلام هنا إنما هو في ما يختص وقتا بعينه و ذلك في مواضع: منها-

[صوم ثلاثة أيام من كل شهر]

و هو أوكدها- صوم ثلاثة أيام من كل شهر و هي أول خميس منه و آخر خميس و أول أربعاء من العشر الثانية.

فمن الأخبار الواردة بذلك

ما رواه الصدوق في الصحيح عن حماد بن عثمان

348

عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حتى قيل ما يفطر ثم أفطر حتى قبل ما يصوم، ثم صام صوم داود (عليه السلام) يوما و يوما لا، ثم قبض (صلى اللّٰه عليه و آله) على صيام ثلاثة أيام في الشهر، و قال يعدلن صوم الدهر و يذهبن بوحر الصدر- و قال حماد الوحر الوسوسة- قال حماد فقلت و أي الأيام هي؟ قال أول خميس في الشهر و أول أربعاء بعد العشر منه و آخر خميس فيه. فقلت و كيف صارت هذه الأيام التي تصام؟ فقال لأن من قبلنا من الأمم كانوا إذا نزل على أحدهم العذاب نزل في هذه الأيام فصام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) هذه الأيام لأنها الأيام المخوفة».

و ما رواه الكليني عن محمد بن مسلم في الصحيح أو الحسن على المشهور عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أول ما بعث يصوم حتى يقال ما يفطر و يفطر حتى يقال ما يصوم، ثم ترك ذلك و صام يوما و أفطر يوما و هو صوم داود (عليه السلام) ثم ترك ذلك و صام الثلاثة الأيام الغر، ثم ترك ذلك و فرقها في كل عشرة يوما: خميسين بينهما أربعاء، فقبض (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو يعمل ذلك».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) ان قال: يا على أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها عنى. ثم قال اللّهمّ أعنه. و ذكر جملة من الخصال الى أن قال: و السادسة الأخذ بسنتي في صلاتي و صومي و صدقتي، أما الصلاة فالخمسون ركعة و اما الصيام فثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أوله و الأربعاء في وسطه و الخميس في آخره، و اما الصدقة فجهدك حتى تقول قد أسرفت و لم تسرف».

و روى الصدوق عن الحسن بن محبوب في الصحيح عن جميل بن صالح عن محمد بن مروان (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يصوم حتى يقال لا يفطر و يفطر حتى يقال لا يصوم، ثم صام يوما و أفطر يوما، ثم

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 4 من جهاد النفس.

(4) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

349

صام الاثنين و الخميس، ثم آل من ذلك الى صيام ثلاثة أيام في الشهر: الخميس في أول الشهر و أربعاء في وسط الشهر و خميس في آخر الشهر. و كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول ذلك صوم الدهر. و قد كان ابى (عليه السلام) يقول ما من أحد أبغض الى الله (عز و جل) من رجل يقال له كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يفعل كذا و كذا فيقول لا يعذبني الله على ان أجتهد في الصلاة و الصوم، كأنه يرى ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ترك شيئا من الفضل عجزا عنه».

و روى الصدوق عن زرارة في الموثق (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) بم جرت السنة من الصوم؟ فقال: ثلاثة أيام من كل شهر: الخميس في العشر الأول و الأربعاء في العشر الأوسط و الخميس في العشر الأخير. قال قلت هذا جميع ما جرت به السنة في الصوم؟ قال: نعم».

و رواه الكليني عن زرارة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما جرت به السنة في التطوع من الصوم. الى آخره».

و هو أوضح، و على الأول فالمراد ما جرت به السنة المؤكدة».

و روى الشيخ بإسناده عن أبى بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم السنة فقال صيام ثلاثة أيام من كل شهر: الخميس و الأربعاء و الخميس، يذهب ببلابل القلب و وحر الصدر الخميس و الأربعاء و الخميس، و ان شاء الاثنين و الأربعاء و الخميس، و ان شاء صام في كل عشرة أيام يوما فان ذلك ثلاثون حسنة، و ان أحب أن يزيد على ذلك فليزد».

و روى في الكافي في الصحيح- و مثله في الفقيه- عن عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (4) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) سئل عن صوم خميسين بينهما أربعاء فقال: اما الخميس فيوم تعرض فيه الأعمال و اما الأربعاء فيوم خلقت فيه النار، و اما الصوم فجنة».

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

350

و روى عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (1) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال دخلت الجنة فوجدت أكثر أهلها البله. يعني بالبله المتغافل عن الشر العاقل في الخير الذين يصومون ثلاثة أيام من كل شهر».

و رواه الصدوق في معاني الاخبار عن أبيه عن عبد الله بن جعفر الحميري مثله (2) إلا انه قال: «قلت ما البله؟ قال: العاقل في الخير الغافل عن الشر الذي يصوم في كل شهر ثلاثة أيام».

و روى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3) انه قال: «عرضت على أعمال أمتي فوجدت في أكثرها خللا و نقصانا فجعلت مع كل فريضة مثليها نافلة ليكون من أتى بذلك قد حصلت له الفريضة، لأن الله تعالى يستحي أن يعمل له العبد عملا فلا يقبل منه الثلث، ففرض الله الصلاة في كل يوم و ليلة سبع عشرة ركعة و سن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أربعا و ثلاثين ركعة، و فرض الله صيام شهر رمضان في كل سنة و سن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صيام ستين يوما في السنة ليكمل فرض الصوم، فجعل في كل شهر ثلاثة أيام خميسا في العشر الأول منه و هو أول خميس في العشر و أربعاء في العشر الأوسط منه و هو أقرب الى النصف من الشهر و ربما كان النصف بعينه و آخر خميس في الشهر».

الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن نقلها المقام

تنبيهات

الأول [الأقوال في تعيين الأيام الثلاثة من الشهر]

- ما ذكرناه من صوم الثلاثة المذكورة هو المشهور فتوى و رواية، و نقل عن الشيخ التخيير بين صوم أربعاء بين خميسين أو خميس بين أربعائين، و عن ابن أبى عقيل تخصيص الأربعاء بالأخيرة من العشر الأوسط مع موافقته في الخميسين، و عن ابن الجنيد انه يصوم شهرا أربعاء بين خميسين و الآخر خميسا بين أربعائين.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

351

و يدل على ما ذهب اليه ابن الجنيد

رواية أبي بصير (1) قال: «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر؟ فقال: في كل عشرة أيام يوم خميس و أربعاء و خميس و الشهر الذي يليه أربعاء و خميس و أربعاء».

و ظاهر هذه الرواية دال على ما ذهب اليه ابن الجنيد و الشيخ حملها على التخيير في كل شهر استنادا الى

ما رواه عن إبراهيم بن إسماعيل بن داود (2) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الصيام فقال ثلاثة أيام في الشهر: الأربعاء و الخميس و الجمعة. فقلت ان أصحابنا يصومون أربعاء بين خميسين؟ فقال لا بأس بذلك، و لا بأس بخميس بين أربعائين».

و من أجل هذا نسب اليه القول المتقدم.

و كيف كان فالفضل المؤكد إنما هو في الصورة المشهورة التي استفاضت بها الأخبار و كان عليها عمل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) في حياته الى أن مات و الأئمة (عليهم السلام) من بعده و ان جاز العمل بما دل عليه الخبران المذكوران، بل ظاهر رواية أبي بصير الأخرى المتقدمة انه يجزئ الإتيان في كل عشرة بيوم كائنا ما كان

الثاني [قضاء الأيام الثلاثة عند تأخيرها]

- ان من أخرها استحب له قضاؤها كما صرح به بعض الأصحاب.

و يدل عليه

ما رواه الكليني عن عبد الله بن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يصوم صوما قد وقته على نفسه أو يصوم من أشهر الحرم فيمر به الشهر و الشهران لا يقضيه؟ فقال: لا يصوم في السفر و لا يقضي شيئا من صوم التطوع إلا الثلاثة الأيام التي كان يصومها من كل شهر، و لا يجعلها بمنزلة الواجب إلا انى أحب لك أن تدوم على العمل الصالح. قال: و صاحب الحرم الذي كان يصومها يجزئه أن يصوم مكان كل شهر من أشهر الحرم ثلاثة أيام».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن داود بن فرقد عن أبيه (4) قال «كتب حفص

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 8 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 10 ممن يصح منه الصوم.

(4) التهذيب ج 4 ص 239 و في الوسائل الباب 21 ممن يصح منه الصوم و الباب 10 من الصوم المندوب. و اللفظ الذي أورده هو لفظ النوادر.

352

الأعور إلي سل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثلاث مسائل فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ما هي؟

قال: من ترك صيام ثلاثة أيام في كل شهر؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) من مرض أو كبر أو عطش؟ قال ما سمى شيئا. فقال ان كان من مرض فإذا برئ فليقضه و ان كان من كبر أو عطش فبدل كل يوم مد».

و روى هذه الرواية أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن فضالة عن داود بن فرقد مثله (1).

و ما رواه الكليني في الموثق عن عمار بن موسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن الرجل يكون عليه من الثلاثة أيام الشهر هل يصلح أن يؤخرها أو يصومها في آخر الشهر؟ قال: لا بأس. فقلت يصومها متوالية أو يفرق بينها؟ فقال:

ما أحب، ان شاء متوالية و ان شاء فرق بينها».

و نحوها روايات على بن جعفر الثلاث عن أخيه موسى (عليه السلام) (3).

قال السيد السند في المدارك: و لو كان الفوات لمرض أو سفر لم يستحب قضاؤها

لما رواه الكليني في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر هل فيه قضاء على المسافر؟ قال لا».

و إذا سقط القضاء عن المسافر سقط عن المريض بطريق أولى لأنه أعذر.

أقول: لا يخفى ما في هذا التعليل العليل من الوهن و عدم الصلوح لبناء الأحكام الشرعية عليه لو لم يرد ما ينافيه، كيف و رواية داود بن فرقد المتقدم نقلها عن الشيخ و عن كتاب النوادر صريحة في القضاء. نعم الرواية المذكورة ظاهرة في سقوط القضاء عن المسافر.

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب، و فيه كما في الفقه الرضوي ص 62 «عن داود بن فرقد عن أخيه».

(2) الوسائل الباب 9 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 9 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 21 ممن يصح منه الصوم.

353

و نحوها

ما رواه الكليني عن المرزبان بن عمران (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام) أريد السفر فأصوم لشهري الذي أسافر فيه؟ قال: لا. قلت فإذا قدمت أقضيه؟ قال: لا، كما لا تصوم كذلك لا تقضى».

إلا انه ربما ظهر من رواية عبد الله ابن سنان المتقدمة القضاء.

و أظهر منها

ما رواه الكليني عن عذافر (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أصوم هذه الثلاثة الأيام في الشهر فربما سافرت و ربما أصابتني علة فيجب على قضاؤها؟

قال فقال لي: إنما يجب الفرض فاما غير الفرض فأنت فيه بالخيار. قلت بالخيار في السفر و المرض؟ قال فقال: المرض قد وضعه الله (عز و جل) عنك و السفر ان شئت فاقضه و ان لم تقضه فلا جناح عليك».

و صاحب المدارك قد نقل هذه الرواية و طعن فيها بضعف السند.

و الجمع بين الاخبار يقتضي القول بالقضاء و ان لم يتأكد ذلك كغيره من الترك لا لعذر، و ربما لاح من هذه الرواية أيضا سقوط القضاء عن المريض و ينبغي حملها على ما ذكر ايضا.

الثالث [تأخير صوم الأيام الثلاثة من الشهر من الصيف إلى الشتاء]

- قد ذكر جملة من الأصحاب انه يجوز تأخيرها اختيارا من الصيف الى الشتاء و يكون مؤديا للسنة متى أتى بها كذلك.

و يدل عليه

ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن الحسن ابن أبي حمزة (3) قال: «قلت لأبي جعفر أو لأبي عبد الله (عليهما السلام) انى قد اشتد على صيام ثلاثة أيام في كل شهر أؤخره في الصيف الى الشتاء فإني أجده أهون على؟ فقال: نعم فاحفظها».

و ما رواه الكليني عن الحسين بن أبي حمزة في الصحيح (4) قال: «قلت

____________

(1) الوسائل الباب 21 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 21 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 9 من الصوم المندوب. ارجع الى الاستدراكات.

(4) الوسائل الباب 9 من الصوم المندوب. و في كتب الحديث الحسين بن أبي حمزة عن أبي حمزة.

354

لأبي جعفر (عليه السلام) صوم ثلاثة أيام من كل شهر أؤخره إلى الشتاء ثم أصومها؟ قال:

لا بأس بذلك».

الرابع [التصدق عن الأيام الثلاثة من الشهر عند العجز عن صومها]

- ان من عجز عن الإتيان بها استحب له أن يتصدق عن كل يوم بدرهم أو بمد.

و يدل عليه

ما رواه الكليني في الصحيح عن عيص بن القاسم (1) قال «سألته عن من لم يصم الثلاثة الأيام من كل شهر و هو يشتد عليه الصيام هل فيه فداء؟

قال: مد من طعام في كل يوم».

و عن عقبة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) جعلت فداك انى قد كبرت و ضعفت عن الصيام فكيف اصنع بهذه الثلاثة الأيام في كل شهر؟ فقال يا عقبة تصدق بدرهم عن كل يوم؟ قال قلت درهم واحد؟ قال لعلها كثرت عندك و أنت تستقل الدرهم. قال قلت ان نعم الله على لسابغة. فقال يا عقبة لإطعام مسلم خير من صيام شهر».

و روى الكليني عن عمر بن يزيد (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الصوم يشتد على؟ فقال لي لدرهم تصدق به أفضل من صيام يوم. ثم قال: و ما أحب أن تدعه».

و عن صفوان بن يحيى في الصحيح عن يزيد بن خليفة (4) قال «شكوت الى ابى عبد الله (عليه السلام) فقلت إني أصدع إذا صمت هذه الثلاثة الأيام و يشق على؟ قال فاصنع كما أصنع فإني إذا سافرت تصدقت عن كل يوم بمد من قوت أهلي الذي أقوتهم به».

و روى في الخصال عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث (5) قال «فمن لم يقدر عليها لضعف فصدقة درهم أفضل له من صيام يوم».

و روى في المقنعة مرسلا (6) قال «سئل (عليه السلام) عن رجل يشتد عليه ان يصوم في كل شهر ثلاثة أيام كيف يصنع حتى لا يفوته ثواب ذلك؟ فقال:

____________

(1) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

(6) الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب.

355

يتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين».

و قد تقدم في حديث داود بن فرقد عن أبيه (1) ما يدل على انه إذا كان الترك لمرض قضاه بعد البرء و ان كان لكبر أو عطش فبدل كل يوم مد.

و يستفاد من أكثر هذه الاخبار ان الفدية في ما إذا عجز عن الصوم أو شق عليه، و ليس فيها ما يخالف ذلك إلا قوله (عليه السلام) في حديث يزيد بن خليفة «فإني إذا سافرت تصدقت» و لعل الحكم في السفر التخيير بين القضاء كما تقدم و الصدقة كما في هذا الخبر و في غيره من افراد العجز و المشقة هو الصدقة.

الخامس [تقديم صوم الأيام الثلاثة من الشهر عند إرادة السفر فيه]

- قال السيد السند في المدارك: قال على بن بابويه (قدس سره) في رسالته الى ولده: إذا أردت سفرا و أردت ان تقدم من صوم السنة شيئا فصم ثلاثة أيام للشهر الذي تريد الخروج فيه. و لم نقف له في ذلك على مستند بل قد روى الكليني ما ينافيه فإنه قد روى عن المرزبان بن عمران. ثم نقل الرواية و قد تقدمت في التنبيه الثاني (2).

أقول: اما مستند الشيخ على بن بابويه في ما نقل عنه فليس إلا كتاب الفقه الرضوي كما هي عادته الجارية في ما عرفت في غير موضع من ما تقدم و يأتي ان شاء الله مثله من أخذه عبارات الكتاب المذكور و الإفتاء بها، و المتأخرون حيث لم يصل إليهم الكتاب و لم يصل لهم في الأخبار ما يدل على ما ذكره ربما طعنوا عليه بعدم المستند كما في هذا الموضع و غيره.

قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (3): فإن أردت سفرا و أردت أن تقدم من السنة شيئا فصم ثلاثة أيام للشهر الذي تريد الخروج فيه.

و هو عين العبارة المنقولة و اما ما ذكره من منافاة الرواية لهذا الكلام فيمكن الجواب عنه بحمل النهي في الرواية المذكورة على النهى عن الصيام في السفر لا عن تقديمه، و هذا الكلام صريح في الرخصة في التقديم فلا منافاة، و لعله كما رخص في القضاء رخص في التقديم.

و الله العالم.

____________

(1) ص 351 و 352.

(2) ص 353.

(3) ص 25.

356

السادس [خميسين يتفقان في آخر الشهر]

-

روى الصدوق في الفقيه مرسلا (1) قال: روى انه سئل العالم (عليه السلام) عن خميسين يتفقان في آخر الشهر؟ فقال: صم الأول فلعلك لا تلحق الثاني.

قال في الوافي: الآخر في نفسه أفضل و الأول يصير بهذه النية أفضل فافضلية كل منهما من جهة غير جهة الآخر. انتهى.

أقول: و يمكن أن يكون الخبر محمولا على ما إذا كان الخميس الثاني يوم الثلاثين من الشهر فيجوز أن يكون ناقصا فيكون الخميس أول الشهر الذي بعد هذا الشهر فإنه لا يلحقه، و اليه يشير قوله: «فلعلك لا تلحق الثاني» و اما حمل عدم لحوق الثاني على الموت قبله فالظاهر بعده.

و روى فيه أيضا عن الفضيل بن يسار في القوى عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا صام أحدكم الثلاثة الأيام من الشهر فلا يجادلن أحدا و لا يجهل و لا يسرع الى الحلف و الايمان بالله و ان جهل عليه أحد فليحتمل».

و منها-

صوم أيام البيض

كما ذكره جملة من أصحابنا بل ظاهر العلامة في المنتهى انه مذهب العلماء كافة.

قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: و لم أقف فيه على رواية من طرق الأصحاب سوى

ما رواه الصدوق في كتاب العلل (3) بإسناده الى ابن مسعود قال:

«سمعت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول ان آدم لما عصى ربه (عز و جل) ناداه مناد من لدن العرش يا آدم اخرج من جواري فإنه لا يجاورني أحد عصاني، فبكى و بكت الملائكة فبعث الله (عز و جل) جبرئيل فأهبطه إلى الأرض مسودا، فلما رأته الملائكة ضجت و بكت و انتحبت و قالت يا رب خلقا خلقته و نفخت فيه من روحك و أسجدت له ملائكتك بذنب واحد حولت بياضه سوادا، فناداه مناد من السماء

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 12 من آداب الصائم.

(3) ص 133 و في الوسائل الباب 12 من الصوم المندوب.

357

صم لربك فصام فوافق يوم ثلاثة عشر من الشهر فذهب ثلث السواد، ثم نودي يوم الرابع عشر ان صم لربك اليوم فصام فذهب ثلثا السواد، ثم نودي يوم خمسة عشر بالصيام فصام فأصبح و قد ذهب السواد كله، فسميت أيام البيض للذي رد الله (عز و جل) فيه على آدم بياضه. ثم نادى مناد من السماء يا آدم هذه الثلاثة الأيام جعلتها لك و لولدك فمن صامها في كل شهر فكأنما صام الدهر».

ثم قال الصدوق (قدس سره) بعد ان أورد هذا الخبر: قال مصنف هذا الكتاب هذا الخبر صحيح و لكن الله تبارك و تعالى فوض الى نبيه محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) أمر دينه فقال عز و جل مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1) فسن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مكان أيام البيض خميسا في أول الشهر و أربعاء في وسط الشهر و خميسا في آخر الشهر و ذلك صوم السنة من صامها كان كمن صام الدهر لقول الله عز و جل مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا (2) و إنما ذكرت الحديث لما فيه من ذكر العلة و ليعلم السبب في ذلك لان الناس أكثرهم يقولون ان أيام البيض إنما سميت بيضا لأن لياليها مقمرة من أولها إلى آخرها (3) انتهى كلامه زيد مقامه.

و مقتضاه ان صوم هذه الأيام كان أولا فنسخ بصوم الخميسين بينهما أربعاء، و هو الظاهر من

قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته المتقدمة (4) بعد ان ذكر صومه (صلى اللّٰه عليه و آله) صوم داود (عليه السلام) «ثم ترك ذلك و صام الثلاثة الأيام الغر ثم ترك ذلك و فرقها في كل عشرة يوما. الحديث».

فان المراد بالأيام الغر هي أيام هذه الليالي، و وصفها بذلك باعتبار لياليها لأن اليوم يطلق على ما يشمل النهار و الليل.

و أنت خبير بان ما ذكره شيخنا الصدوق من ان هذا الخبر صحيح مع كونه

____________

(1) سورة الحشر الآية 8.

(2) سورة الأنعام الآية 162.

(3) المغني ج 3 ص 178.

(4) ص 348.

358

من طريق العامة (1) و رواته كلهم منهم لا اعرف له وجها، و ما تضمنه من العلة خلاف ما عليه أصحابنا قاطبة كما لا يخفى على من راجع كلامهم فإنهم إنما عللوا كونها بيضا بهذا الوجه الذي رده، و هو ظاهر صحيحة محمد بن مسلم المذكورة كما ذكرنا فان وصفها بكونها غرا إنما يكون باعتبار لياليها لا باعتبار هذه العلة التي في هذا الخبر، و هذه العلة التي تضمنها هذا الخبر مصرح بها في كلام العامة خاصة (2) لكون خبرها من طرقهم. و بالجملة فإن إيراده (قدس سره) لهذا الخبر و حكمه بصحته لأجل هذه العلة لا يخلو من مجازفة.

هذا. و قد استدل جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في المنتهى بحديث الزهري المتقدم في أول الكتاب (3) و سيأتي ما في ذلك.

نعم

روى الحميري في كتاب قرب الاسناد على ما نقله في الوسائل عن الحسن ابن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان عليا (عليه السلام) كان ينعت صيام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الدهر كله ما شاء الله ثم ترك ذلك و صام صيام داود (عليه السلام) يوما لله و يوما له ما شاء الله ثم ترك ذلك فصام الاثنين و الخميس ما شاء الله ثم ترك ذلك و صام البيض ثلاثة أيام من كل شهر فلم يزل ذلك صيامه حتى قبضه الله اليه».

و نقل في الوسائل عن على بن موسى بن طاوس في الدروع الواقية نقلا من

____________

(1) لم أقف على الحديث بلفظة في كتبهم نعم في عمدة القارئ ج 4 ص 322 «روى عن ابن عباس قال انما سمى بأيام البيض لان آدم لما اهبط الى الأرض أحرقته الشمس فاسود فأوحى الله اليه ان صم أيام البيض فصام أول يوم فابيض ثلث جسده فلما صام اليوم الثاني أبيض ثلثا جسده فلما صام اليوم الثالث أبيض جسده كله و لم نجده في مسند ابن مسعود في مسند احمد و لا في سنن البيهقي و لا في كنز العمال.

(2) في المغني ج 3 ص 178 في وجه تسميتها بأيام البيض قال و قيل ان الله تاب على آدم فيها و بيض صحيفته. ذكره أبو الحسن التميمي.

(3) ص 3 الى 7.

(4) الوسائل الباب 12 من الصوم المندوب.

359

كتاب تحفة المؤمن تأليف عبد الرحمن بن محمد بن على الحلواني عن على بن ابى طالب (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أتاني جبرئيل فقال قل لعلى صم من كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم تصومه عشرة آلاف سنة و بالثاني ثلاثون ألف سنة و بالثالث مائة ألف سنة. قلت يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الى ذلك خاصة أم للناس عامة؟ فقال يعطيك الله ذلك و لمن عمل مثل ذلك. فقلت ما هي يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)؟ قال. الأيام البيض من كل شهر و هي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر».

قال ابن طاوس (2) و وجدت في تأريخ نيسابور في ترجمة الحسن بن محمد ابن جعفر بإسناده الى الحسن بن على بن أبى طالب (عليه السلام) قال «سئل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صوم أيام البيض فقال: صيام مقبول غير مردود».

و ظاهر المحدث المذكور في كتابه الحكم بالاستحباب في هذه الأيام تبعا للقول المشهور حيث قال- بعد نقل كلام الصدوق المتقدم- ما صورته: أقول لا منافاة بين استحباب هذه الثلاثة و تلك الثلاثة و كان مراده بيان تأكد الاستحباب. انتهى أقول: التحقيق عندي في هذا المقام هو حمل هذه الاخبار على التقية (3) أما حديث قرب الاسناد فإن راويه عامي (4) و الخبر ظاهر في انه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان هذا صيامه حتى قبضه الله عليه بعد تلك الأفراد المتقدمة مع ان الروايات مستفيضة- ما ذكرنا منها و ما لم نذكر- في أن صيامه الذي قبضه الله عليه إنما هو صيام خميسين بينهما أربعاء. و تأويل صاحب الوسائل بالحمل على جمعهما ضعيف، لان ظاهر

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 12 من الصوم المندوب.

(3) المغني ج 3 ص 177.

(4) راجع رجال النجاشي و الخلاصة. و في رجال الكشي ص 247 انه من العامة الذين لهم ميل إلى الأئمة (ع) و في ميزان الاعتدال للذهبى ج 1 ص 254 عن جماعة انه ضعيف كذاب متروك الحديث.

360

هذا الخبر ان صيام السنة الذي استقر عليه (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد تلك الصيامات إنما هو هذا خاصة أعنى صوم أيام البيض، مع ان صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) دلت على انه بعد ان صامها مدة من الزمان ترك ذلك و فرقها في كل عشرة يوما. الى أن قال «فقبض (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو يعمل ذلك» فكيف يتم ما ذكره؟ و اما الرواية الثانية فإن صاحب هذا الكتاب غير معروف فلعله من العامة و هو الأقرب و هو مجهول و حديثه مثله. و الحديث الثالث كذلك بل أظهر.

و اما استناده في الوسائل أيضا الى حديث الزهري تبعا لما نقلناه عن العلامة في المنتهى ففيه ان صريح كلام الامام (عليه السلام) إنما هو عد الأفراد التي خير فيها بين الصوم و عدمه، حيث قال (عليه السلام) (2) بعد ان ذكر أولا ان أربعة عشر وجها صاحبها بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر:

و اما الصوم الذي صاحبه بالخيار فصوم يوم الجمعة و الخميس و الاثنين و صوم أيام البيض و صوم ستة أيام من شوال بعد شهر رمضان. الحديث.

و الوجه في ذلك هو ما قدمنا نقله عن المحدث الكاشاني من ان هذه الأيام لما كانت من ما يستحب فيها الصيام عند العامة و انه صيام الترغيب و السنة عندهم ذكره (عليه السلام) و عبر عنه بالتخيير بين صومه و عدمه ردا عليهم في ما زعموا من استحباب صومها، و لم يذكر (عليه السلام) في هذا الخبر شيئا من صيام السنة و الترغيب الذي نحن بصدد الكلام عليه (3) لكونه من خصوصيات مذهبهم (عليهم السلام) الذي لا يفضونه إلا الى شيعتهم.

و العلامة في المنتهى إنما استدل بروايات العامة (4) ثم قال: و من طريق

____________

(1) ص 348.

(2) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

(3) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

(4) و هي حديث ابى ذر و حديث الأعرابي و حديث ملحان القيسي، راجع سنن البيهقي ج 4 ص 294 و المغني ج 3 ص 177.

361

الأصحاب. ثم أشار الى رواية الزهري.

و بالجملة فإن هذا الفرد و ان اتفقوا عليه إلا انه لا دليل عليه بل الأدلة ترده.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور في كلام الأصحاب ان أيام البيض هي اليوم الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر، و نقل في المختلف عن ابن أبى عقيل أنه الأيام الثلاثة المتقدمة.

قال في المختلف: صيام أيام البيض مستحب إجماعا و المشهور في تفسيرها الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر من كل شهر، سميت بيضا بأسماء لياليها من حيث ان القمر يطلع مع غروب الشمس و يغرب مع طلوعها، قاله الشيخان و السيد المرتضى و أكثر علمائنا، و قال ابن ابى عقيل: فأما السنة من الصيام فصوم شعبان و صيام البيض و هي ثلاثة أيام في كل شهر متفرقة أربعاء بين خميسين الخميس الأول من العشر الأول و الأربعاء الأخير من العشر الأوسط و خميس من العشر الأخير. لنا ان العلة ما ذكرناها و لا تتم إلا في الأيام المذكورة. انتهى كلامه و الله العالم.

و منها-

صوم الغدير

و العيد الكبير و قد تكاثرت الاخبار بذلك:

و منها-

ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه عن الحسن بن راشد عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له جعلت فداك هل للمسلمين عيد غير العيدين؟

قال نعم يا حسن أعظمهما و أشرفهما. قلت و أى يوم هو؟ قال هو يوم نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) علما للناس. قلت جعلت فداك و ما ينبغي لنا أن نصنع فيه؟

قال تصومه يا حسن و تكثر الصلاة على محمد و آله (صلى اللّٰه عليه و آله) و تبرأ الى الله ممن ظلمهم حقهم، فإن الأنبياء (عليهم السلام) كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيدا. قال قلت فما لمن صامه؟ قال صيام ستين شهرا. و لا تدع صيام يوم سبع و عشرين من رجب فإنه اليوم الذي نزلت فيه النبوة على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و ثوابه مثل ستين شهرا لكم».

____________

(1) الوسائل الباب 14 و 15 من الصوم المندوب.

362

و روى في الكافي عن عبد الرحمن بن سالم عن أبيه (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال: نعم أعظمها حرمة. قلت و أى عيد هو جعلت فداك؟ قال اليوم الذي نصب فيه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال من كنت مولاه فعلى مولاه. قلت أى يوم هو؟ قال و ما تصنع باليوم ان السنة تدور و لكنه يوم ثمانية عشر من ذي الحجة. فقلت و ما ينبغي لنا أن نفعل في ذلك اليوم؟ فقال تذكرون الله تعالى فيه بالصيام و العبادة و الذكر لمحمد و آل محمد فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أوصى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتخذ ذلك اليوم عيدا و كذلك كانت الأنبياء تفعل كانوا يوصون أوصياءهم بذلك فيتخذونه عيدا».

قوله (عليه السلام)-: «و ما تصنع باليوم» في جواب سؤال الراوي عن أى يوم هو- يعطي انه (عليه السلام) فهم من سؤاله أن مراده السؤال عن كونه أى يوم من أيام الأسبوع فأجابه (عليه السلام) بما ذكره من أن أيام الأسبوع تدور و لا تبقى على زمان توافق ذلك الزمان بل المعتبر تعيينه بالأشهر.

و روى الشيخ في التهذيب عن على بن الحسين العبدي (2) قال: «سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا لو عاش انسان ثم صام ما عمرت الدنيا لكان له ثواب ذلك، و صيامه يعدل عند الله (عز و جل) في كل عام مائة حجة و مائة عمرة مبرورات متقبلات و هو عيد الله الأكبر.

الحديث».

الى غير ذلك من الأخبار المتواترة.

و منها-

صوم يوم المبعث

و هو اليوم السابع و العشرون من رجب.

و يدل عليه جملة من الأخبار: منها- رواية الحسن بن راشد المتقدمة.

و ما رواه الصدوق عن الحسن بن بكار الصيقل عن أبى الحسن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «بعث الله محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) لثلاث ليال مضين من رجب و صوم ذلك اليوم

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 14 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 15 من الصوم المندوب.

363

كصوم سبعين عاما».

قال سعد (1) كان مشايخنا يقولون ان ذلك غلط من الكاتب و انه لثلاث بقين من رجب. الى غير ذلك من الأخبار الكثيرة.

و منها-

صوم يوم النصف من رجب

أيضا.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في المصباح عن الريان بن الصلت (2) قال: «صام أبو جعفر الثاني (عليه السلام) لما كان ببغداد صام يوم النصف من رجب و يوم السابع و العشرين منه و صام معه جميع حشمه. الحديث».

و منها-

صوم يوم دحو الأرض

و هو اليوم الخامس و العشرون من ذي القعدة و يدل عليه

ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن راشد (3) قال: «كنت مع أبى و أنا غلام فتعشينا عند الرضا (عليه السلام) ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة فقال له ليلة خمس و عشرين من ذي القعدة ولد فيها إبراهيم (عليه السلام) و ولد فيها عيسى بن مريم (عليه السلام) و فيها دحيت الأرض من تحت الكعبة فمن صام ذلك اليوم كان كمن صام ستين شهرا».

الى غير ذلك من الاخبار.

قال في المدارك: و مقتضى ذلك عد الشهور قبل الدحو و استشكله جدي (قدس سره) في فوائد القواعد بما علم من انه تعالى خلق السماوات و الأرض و ما بينهما في ستة أيام، و ان المراد من اليوم دوران الشمس في فلكها دورة واحدة و هو يقتضي عدم خلق السماوات قبل ذلك (4) فلا يتم عد الأشهر في تلك المدة. ثم قال:

و يمكن دفعه بان الكتاب العزيز ناطق بتأخر الدحو عن خلق السماوات و الأرض و الليل و النهار، حيث قال عز و جل أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمٰاءُ بَنٰاهٰا رَفَعَ سَمْكَهٰا فَسَوّٰاهٰا وَ أَغْطَشَ لَيْلَهٰا وَ أَخْرَجَ ضُحٰاهٰا وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذٰلِكَ دَحٰاهٰا (5) و على هذا فيمكن تحقق الأهلة و عد الأيام قبل ذلك. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 15 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 16 من الصوم المندوب، و الراوي الحسن بن على الوشاء.

(4) ارجع الى الاستدراكات.

(5) سورة النازعات الآية 28 و 29 و 30 و 31.

364

و منها-

صوم أول يوم من ذي الحجة و صوم يوم التروية

بل صيام التسعة:

فروى ثقة الإسلام في الكافي عن سهل بن زياد عن بعض أصحابنا عن أبى الحسن الأول (عليه السلام) في حديث (1) قال: «و في أول يوم من ذي الحجة ولد إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرا».

و روى الشيخ في كتاب المصباح مرسلا عن أبى الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: «من صام أول يوم من العشر عشر ذي الحجة كتب الله له صوم ثمانين شهرا».

و روى الصدوق مثله (3) و زاد «فان صام التسع كتب الله له صوم الدهر».

و رواه في كتاب ثواب الأعمال مثله (4).

قال (5): و قال الصادق (عليه السلام) «صوم يوم التروية كفارة سنة و يوم عرفة كفارة سنتين».

و قال في الكتاب المذكور (6) و روى ان في أول يوم من ذي الحجة ولد إبراهيم خليل الرحمن (على نبينا و آله و (عليه السلام) فمن صام ذلك اليوم كان كفارة ستين سنة، و في تسع من ذي الحجة أنزلت توبة داود (على نبينا و آله و (عليه السلام) فمن صام ذلك اليوم كان كفارة تسعين سنة:.

و منها-

صوم اليوم التاسع من ذي الحجة

و هو يوم عرفة بشرط تحقق الهلال و عدم الشك فيه لئلا يكون يوم العيد و ان لا يضعفه عن الدعاء.

فروى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (7) قال:

«سألته عن صوم يوم عرفة فقال من قوى عليه فحسن ان لم يمنعك من الدعاء فإنه يوم دعاء و مسألة فصمه، و ان خشيت ان تضعف عن ذلك فلا تصمه».

و روى بسنده عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبى جعفر (عليه السلام) (8) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 18 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 18 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 18 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 18 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 18 من الصوم المندوب.

(6) الوسائل الباب 18 من الصوم المندوب.

(7) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(8) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

365

«سألته عن صوم يوم عرفة فقلت جعلت فداك انهم يزعمون انه يعدل صوم سنة (1) فقال كان أبى لا يصومه. فقلت و لم ذاك؟ قال ان يوم عرفة يوم دعاء و مسألة و أتخوف أن يضعفني عن الدعاء و اكره أن أصومه، و أتخوف أن يكون يوم عرفة يوم أضحى و ليس بيوم صوم».

و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «انه سئل عن صوم يوم عرفة فقال أنا أصومه اليوم و هو يوم دعاء و مسألة».

و روى في الموثق عن محمد بن مسلم (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يصم يوم عرفة منذ نزل صيام شهر رمضان».

و رواه الشيخ في الموثق عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) مثله (4).

و روى الصدوق في الفقيه بإسناده عن يعقوب بن شعيب (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم يوم عرفة فقال ان شئت صمت و ان شئت لم تصم».

قال (6) و ذكر ان رجلا أتى الحسن و الحسين (عليهما السلام) فوجد أحدهما صائما و الآخر مفطرا فسألهما فقالا ان صمت فحسن و ان لم تصم فجائز.

و روى الصدوق بإسناده عن عبد الله بن المغيرة عن سالم عن أبى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «اوصى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الى على (عليه السلام) وحده و اوصى على الى الحسن و الحسين (عليهما السلام) جميعا و كان الحسن امامه، فدخل رجل يوم عرفة على الحسن (عليه السلام) و هو يتغدى و الحسين (عليه السلام) صائم ثم جاء بعد ما قبض الحسن (عليه السلام) فدخل على الحسين (عليه السلام) يوم عرفة و هو يتغدى و على بن الحسين (عليه السلام) صائم، فقال له الرجل انى دخلت على الحسن (عليه السلام) و هو يتغدى و أنت صائم ثم دخلت عليك و أنت مفطر و على بن الحسين (عليه السلام) صائم؟ فقال ان الحسن (عليه السلام) كان إماما فأفطر لئلا يتخذ

____________

(1) المغني ج 3 ص 174 و 175 انه كفارة سنتين.

(2) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(6) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(7) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

366

صومه سنة و ليتأسى به الناس فلما ان قبض كنت أنا الإمام فأردت أن لا يتخذ صومي سنة فيتأسى الناس بي».

و روى في الكافي عن زرارة عن أبى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) (1) قالا: «لا تصم في يوم عاشوراء و لا عرفة بمكة و لا في المدينة و لا في وطنك و لا في مصر من الأمصار».

و الذي يقرب عندي من التأمل في هذه الاخبار بعين الفكر و الاعتبار أنها إلى الدلالة على عدم الاستحباب كما في سائر الأيام المذكورة في المقام أقرب و ان كان الصيام في حد ذاته مستحبا مطلقا.

و يدل على ذلك أولا- الخبران الدالان على ان الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد نزول شهر رمضان لم يصمها مع ما علم من ملازمته (صلى اللّٰه عليه و آله) على صيام السنة.

و ثانيا- قول الحسين (عليه السلام) في حديث سالم المذكور: ان الحسن (عليه السلام) في وقت إمامته و كذلك هو (عليه السلام) إنما لم يصوما لئلا يتخذ الناس صومه سنة و ليتأسى الناس بهما في ترك صومه، فإنه ظاهر كما ترى في عدم الاستحباب على الوجه المذكور.

و اما ما ذكره في الوسائل- من أن المقصود دفع توهم الناس وجوب صوم يوم عرفة لا استحبابه- فبعيد عن ظاهر الخبر كما لا يخفى على المتأمل فيه.

و ثالثا- ما صرح به (عليه السلام) في حديث يعقوب بن شعيب من التخيير بين الصوم و عدمه، و من الظاهر منافاته للترغيب المذكور في هذه الأيام المعدودة في المقام.

و السؤال ليس عن وجوبه حتى يحمل الكلام على دفع الوجوب بل السؤال عن استحبابه على وجه الترغيب كغيره من الأيام المعدودة.

و رابعا- النهى المؤكد في رواية زرارة الأخيرة.

و الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث قالوا باستحبابه جمعوا بين روايات النهى و روايات الاستحباب بحمل أخبار النهى على ما إذا لزم منه الضعف عن الدعاء

____________

(1) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

367

أو خوف الوقوع في صيام العيد استنادا الى الخبرين الأولين، و في دلالتهما على ذلك تأمل سيما الخبر الثاني.

و بالجملة فإن عده في حديث الزهري المتقدم (1) في الأيام التي يتخير بين صومها و عدمه بالتقريب الذي قدمنا بيانه يدل على ان استحباب صومه على جهة الترغيب إنما هو عند العامة (2) كما في تلك الأفراد المعدودة معه، و ما دل من الأخبار هنا صريحا على كون صيامه يعدل سنة أو نحو ذلك فيجوز خروجه مخرج التقية، و اليه يشير قول سدير لأبي جعفر (عليه السلام): «انهم يزعمون انه يعدل صوم سنة» يعني العامة فأجاب (عليه السلام) بأن أبى كان لا يصومه. بمعنى انه لو كان كما يدعونه لكان أبى أولى بالمحافظة على صيامه لما علم من تهالكه (عليه السلام) على الوظائف المؤكدة. ثم ان الراوي لما سأله عن الوجه في عدم صيامه أجابه بهذا الوجه الإقناعي من انه يتخوف أن يضعفه عن الدعاء أو يتخوف انه ربما يكون يوم عيد.

و هذا الجواب وقع عن عدم صومه مطلقا، فهو من قبيل العلل الشرعية التي لا يشترط اطرادها و لا دوران المعلول مدارها بل يكفى وجودها في الجملة و لو في مادة لا بمعنى انه ان أضعفه عن الدعاء لم يصمه و ان لم يضعفه استحب له، و كذلك بالنسبة إلى الهلال. و بالجملة فالأقرب عندي هو ان صومه ليس إلا مثل غيره من الأيام لا مثل هذه الأيام المرغب فيها.

و منها-

صوم مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)

و هو اليوم السابع عشر من ربيع الأول على المشهور، و قال الكليني انه اليوم الثاني عشر منه و هو مذهب الجمهور (3) و نقل في

____________

(1) ص 6.

(2) المغني ج 3 ص 174 و 175 و قد استثنى ص 176 منه صومه لمن كان بعرفة ليتقوى على الدعاء.

(3) في مرآة العقول ج 1 ص 349: اتفقت الإمامية إلا من شذ منهم ان ولادته (ص) في سابع عشر ربيع الأول. و ذهب أكثر المخالفين إلى انها في الثاني عشر منه و اختاره المصنف اما اختيارا أو تقية و الأخير أظهر. راجع الإمتاع للمقريزى ج 1 ص 3 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 1 ص 26 و السيرة الحلبية ج 1 ص 67 و تاريخ الطبري ج 2 ص 125.

368

المدارك عن جده في فوائد القواعد الميل اليه.

ثم قال في المدارك: و ليس في الباب رواية تصلح لإثبات أحد القولين.

ثم قال: و يدل على استحباب صوم السابع عشر من شهر ربيع الأول و السابع و العشرين من رجب

ما رواه الشيخ بسند مشتمل على عدة من الضعفاء و المجاهيل عن إسحاق بن عبد الله العلوي العريضي عن ابى الحسن الثالث (عليه السلام) (1) «انه قال له يا أبا إسحاق جئت تسألني عن الأيام التي يصام فيهن و هي أربعة: أولهن يوم السابع و العشرين من رجب يوم بعث الله محمدا (صلى اللّٰه عليه و آله) إلى خلقه رحمة للعالمين، و يوم مولده و هو السابع عشر من شهر ربيع الأول، و يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة فيه دحيت الكعبة، و يوم الغدير فيه أقام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أخاه عليا (عليه السلام) علما للناس و اماما من بعده».

أقول: و هذا الحديث و ان ضعف سنده بهذا الاصطلاح المحدث إلا انه صحيح بالاصطلاح القديم لإجماع الطائفة على العمل به قديما و حديثا و هو جابر لضعف الخبر بتصريح أرباب هذا الاصطلاح فإنه لا راد له بل الكل قائل به».

و رواه الراوندي سعيد بن هبة الله في كتاب الخرائج و الجرائح عن إسحاق بن عبد الله العلوي العريضي (2) قال: ركب أبى و عمومتي الى أبى الحسن (عليه السلام) و قد اختلفوا في الأيام التي تصام في السنة و هو مقيم في قرية قبل سيره إلى سر من رأى فقال لهم جئتم تسألوني عن الأيام التي تصام في السنة فقالوا ما جئناك إلا لهذا فقال.

ثم ساق الخبر على نحو ما تقدم.

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 305 و في الوسائل الباب 14 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 19 من الصوم المندوب.

369

و يؤيد هذا الخبر

ما ذكره الشيخ في المصباح (1) قال: روى عنهم (عليهم السلام) انهم قالوا: من صام يوم سابع عشر من شهر ربيع الأول كتب الله له صيام سنة.

و قال شيخنا المفيد (قدس سره) في كتاب مسار الشيعة (2): في اليوم السابع عشر من ربيع الأول كان مولد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و لم يزل الصالحون من آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) على قديم الأوقات يعظمونه و يعرفون حقه و يرعون حرمته و يتطوعون بصيامه.

قال: و قد روى عن أئمة الهدى (عليهم السلام) انهم قالوا: من صام يوم السابع عشر من شهر ربيع الأول- و هو مولد سيدنا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)- كتب الله له صيام سنة.

و قال في المقنعة (3) قد ورد الخبر عن الصادقين (عليهم السلام) بفضل صيام أربعة أيام في السنة. الى ان قال: يوم السابع عشر من ربيع الأول.

ثم ساق الكلام و ذكر ثواب صوم كل يوم من تلك الأيام. و ظاهر عبارته تكاثر الأخبار عنده بذلك.

و قال محمد بن على بن الفتال الفارسي في كتاب روضة الواعظين (4): روى ان يوم السابع عشر من ربيع الأول هو يوم مولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فمن صامه كتب الله له صيام ستين سنة.

و بذلك يظهر ان ما ذكره من المناقشة في سند الخبر المتقدم من المناقشات الواهية.

و اما ما يدل على ان مولده (صلى اللّٰه عليه و آله) الثاني عشر من الشهر المذكور فلم أقف عليه في أخبارنا و لعل ما ورد بذلك انما هو من طرق العامة حيث ان هذا هو المختار عندهم (5)

و منها-

صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن

، كذا قيده جملة من الأصحاب

____________

(1) الوسائل الباب 19 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 19 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 19 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 19 من الصوم المندوب.

(5) ارجع الى الصفحة 367.

370

و كأنهم جعلوا ذلك وجه جمع بين الأخبار الواردة في صومه أمرا و نهيا (1).

و بهذا جمع الشيخ بين الاخبار في الاستبصار فقال: ان من صام يوم عاشوراء على طريق الحزن بمصاب آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و الجزع لما حل بعترته (صلى اللّٰه عليه و آله) فقد أصاب و من صامه على ما يعتقده مخالفونا من الفضل في صومه و التبرك به و الاعتقاد ببركته و سعادته (2) فقد أثم و أخطأ.

و نقل هذا الجمع عن شيخه المفيد (قدس سره) قال في المدارك بعد ذكر ذلك: و هو جيد. أقول: بل الظاهر بعده لما سيظهر لك ان شاء الله تعالى بعد نقل الأخبار الواردة في هذا المقام:

فاما ما يدل على استحباب صومه فمنها-

ما رواه في التهذيب عن ابى همام عن أبى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «صام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يوم عاشوراء».

____________

(1) الوسائل الباب 20 و 21 من الصوم المندوب.

(2) لم نقف في اخبار العامة على ما يرجح الصوم يوم عاشوراء للتبرك و السعادة إلا على حديث ابى موسى في صحيح مسلم باب (صوم يوم عاشوراء) و فيه ان أهل خيبر كانوا يصومون يوم عاشوراء و يتخذونه عيدا و يلبسون فيه نساءهم الحلي فقال رسول الله (ص) فصوموه أنتم. و للأحاديث الواردة في صومه المشتملة على الإباضية و المرجئة و الضعفاء افتى فقهاء أهل السنة باستحباب صومه، قال العيني في عمدة القارئ ج 5 ص 347 اتفق العلماء على ان صوم يوم عاشوراء سنة و ليس بواجب. نعم اختلق أعداء أهل البيت (ع) أحاديث في استحباب التوسعة على العيال يوم عاشوراء و الاغتسال و الخضاب و الاكتحال، و فيها يقول ابن كثير الحنبلي كان النواصب من أهل الشام يعاكسون الشيعة فيتطيبون و يغتسلون و يطبخون الحبوب و يلبسون أفخر الثياب و يتخذون ذلك اليوم عيدا يظهرون فيه السرور عنادا للروافض و قد رد هذه الأحاديث السيوطي في اللئالي المصنوعة ج 2 ص 108 الى 113 و الذهبي في الميزان ج 1 ص 116 و ابن حجر في مجمع الزوائد ج 3 ص 189 و في الصواعق المحرقة ص 109.

(3) الوسائل الباب 20 من الصوم المندوب.

371

و ما رواه عن عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «صيام يوم عاشوراء كفارة سنة».

و ما رواه الشيخ عن مسعدة بن صدقة عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (2) «ان عليا (صلوات الله و سلامه عليه و آله) قال: صوموا العاشوراء التاسع و العاشر فإنه يكفر ذنوب سنة».

و ما رواه عن كثير النواء عن أبى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «لزقت السفينة يوم عاشوراء على الجودي فأمر نوح (عليه السلام) من معه من الجن و الإنس أن يصوموا ذلك اليوم. و قال أبو جعفر (عليه السلام) أ تدرون ما هذا اليوم؟ هذا اليوم الذي تاب الله فيه على آدم و حواء (عليهما السلام) و هذا اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل فأغرق فرعون و من معه، و هذا اليوم الذي غلب فيه موسى (عليه السلام) فرعون، و هذا اليوم الذي ولد فيه إبراهيم (عليه السلام)، و هذا اليوم الذي تاب الله فيه على قوم يونس (عليه السلام) و هذا اليوم الذي ولد فيه عيسى بن مريم (عليه السلام) و هذا اليوم الذي يقوم فيه القائم (عليه السلام)».

و اما ما يدل على عدم جواز صومه،

فمنه ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة بن أعين و محمد بن مسلم جميعا (4) «أنهما سألا أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال: كان صومه قبل شهر رمضان فلما نزل شهر رمضان ترك (5)».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن عبد الملك (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم تاسوعاء و عاشوراء من شهر المحرم فقال تاسوعاء يوم حوصر فيه الحسين (عليه السلام) و أصحابه (رضوان الله عليهم)

____________

(1) الوسائل الباب 20 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 20 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 20 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

(5) سنن البيهقي ج 4 ص 288.

(6) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

372

بكربلاء و اجتمع عليه خيل أهل الشام و أناخوا عليه و فرح ابن مرجانة و عمر بن سعد بتوافر الخيل و كثرتها و استضعفوا فيه الحسين و أصحابه (كرم الله وجوههم) و أيقنوا أن لا يأتي الحسين (عليه السلام) ناصر و لا يمده أهل العراق، بأبي المستضعف الغريب. ثم قال: و اما يوم عاشوراء فيوم أصيب فيه الحسين (عليه السلام) صريعا بين أصحابه و أصحابه صرعى حوله، أ فصوم يكون في ذلك اليوم؟ كلا و رب البيت الحرام ما هو يوم صوم و ما هو إلا يوم حزن و مصيبة دخلت على أهل السماء و أهل الأرض و جميع المؤمنين و يوم فرح و سرور لابن مرجانة و آل زياد و أهل الشام (غضب الله عليهم و على ذرياتهم) و ذلك يوم بكت عليه جميع بقاع الأرض خلا بقعة الشام، فمن صامه أو تبرك به حشره الله مع آل زياد ممسوخ القلب مسخوطا عليه، و من ادخر فيه الى منزله ذخيرة أعقبه الله تعالى نفاقا في قلبه الى يوم يلقاه و انتزع البركة عنه و عن أهل بيته و ولده و شاركه الشيطان في جميع ذلك».

و ما رواه فيه عن محمد بن عيسى بن عبيد عن جعفر بن عيسى أخيه (1) قال:

«سألت الرضا (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء و ما يقول الناس فيه فقال عن صوم ابن مرجانة تسألني ذلك يوم صامه الأدعياء من آل زياد لقتل الحسين (عليه السلام) و هو يوم يتشاءم به آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و يتشاءم به أهل الإسلام و اليوم الذي يتشاءم به أهل الإسلام لا يصام و لا يتبرك به، و يوم الاثنين يوم نحس قبض الله فيه نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) و ما أصيب آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا في يوم الاثنين فتشاءمنا به و تبرك به عدونا، و يوم عاشوراء قتل فيه الحسين (عليه السلام) و تبرك به ابن مرجانة و تشاءم به آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) فمن صامهما أو تبرك بهما لقي الله تبارك و تعالى ممسوخ القلب و كان محشره مع الذين سنوا صومهما و التبرك بهما».

و ما رواه فيه عن زيد النرسي (2) قال: «سمعت عبيد بن زرارة يسأل

____________

(1) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

373

أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال: من صامه كان حظه من صيام ذلك اليوم حظ ابن مرجانة و آل زياد. قال قلت: و ما كان حظهم من ذلك اليوم؟ قال: النار، أعاذنا الله من النار و من عمل يقرب من النار».

و ما رواه عن نجية بن الحارث العطار (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن صوم يوم عاشوراء فقال صوم متروك بنزول شهر رمضان (2) و المتروك بدعة قال نجية فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) من بعد أبيه (عليه السلام) عن ذلك فأجابني بمثل جواب أبيه، ثم قال اما انه صوم يوم ما نزل به كتاب و لا جرت به سنة إلا سنة آل زياد بقتل الحسين بن على (عليهما السلام)».

و ما رواه عن زرارة عن أبى جعفر و أبى عبد الله (عليهما السلام) (3) قالا: لا تصم في يوم عاشوراء و لا عرفة بمكة. الحديث و قد تقدم في صوم عرفة.

و ما رواه الصدوق في كتاب المجالس عن الحسين بن أبى غندر عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن صوم يوم عرفة فقال عيد من أعياد المسلمين و يوم دعاء و مسألة. قلت فصوم يوم عاشوراء؟ قال ذلك يوم قتل فيه الحسين (عليه السلام) فان كنت شامتا فصم. ثم قال ان آل أمية نذروا نذرا ان قتل الحسين (عليه السلام) أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا و يفرحون أولادهم فصارت في آل أبى سفيان سنة الى اليوم فلذلك يصومونه و يدخلون على عيالاتهم و أهاليهم الفرح ذلك اليوم. ثم قال: ان الصوم لا يكون للمصيبة و لا يكون إلا شكرا للسلامة و ان الحسين (عليه السلام) أصيب يوم عاشوراء فان كنت في من أصيب به فلا تصم و ان كنت شامتا ممن سره سلامة بنى أمية فصم شكرا لله تعالى».

و ما رواه في كتاب المجالس أيضا بإسناده إلى جبلة المكية (5) قال: «سمعت

____________

(1) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

(2) سنن البيهقي ج 4 ص 288.

(3) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 21 من الصوم المندوب، و الرواية في مجالس الشيخ لا مجالس الصدوق.

(5) الوافي باب صيام يوم عاشوراء و الاثنين.

374

ميثم التمار يقول و الله لتقتلن هذه الأمة ابن نبيها في المحرم لعشر مضين منه و ليتخذن أعداء الله ذلك اليوم يوم بركة، و ان ذلك لكائن قد سبق في علم الله (تعالى ذكره) اعلم ذلك بعهد عهده الي مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) و لقد أخبرني أنه يبكي عليه كل شيء حتى الوحوش في الفلوات و الحيتان في البحار و الطير في جو السماء و تبكي عليه الشمس و القمر و النجوم و السماء و الأرض و مؤمنو الإنس و الجن و جميع ملائكة السماوات و رضوان و مالك و حملة العرش، و تمطر السماء دما و رمادا. ثم قال وجبت لعنة الله على قتلة الحسين (عليه السلام) كما وجبت على المشركين الذين يجعلون مع الله إلها آخر و كما وجبت على اليهود و النصارى و المجوس. قالت جبلة فقلت له يا ميثم و كيف يتخذ الناس ذلك اليوم الذي يقتل فيه الحسين بن على (عليهما السلام) يوم بركة؟ فبكى ميثم (رحمه الله) ثم قال سيزعمون بحديث يضعونه انه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم (عليه السلام) و إنما تاب الله على آدم في ذي الحجة، و يزعمون انه اليوم الذي قبل الله فيه توبة داود (عليه السلام) و إنما قبل الله توبته في ذي الحجة، و يزعمون انه اليوم الذي أخرج الله فيه يونس (عليه السلام) من بطن الحوت و إنما أخرجه الله من بطن الحوت في ذي القعدة و يزعمون انه اليوم الذي استوت فيه سفينة نوح (عليه السلام) على الجودي و إنما استوت على الجودي يوم الثامن عشر من ذي الحجة، و يزعمون انه اليوم الذي فلق الله فيه البحر لبني إسرائيل و إنما كان ذلك في ربيع الأول. ثم قال ميثم يا جبلة اعلمي ان الحسين بن على (عليهما السلام) سيد الشهداء يوم القيامة و لأصحابه على سائر الشهداء درجة، يا جبلة إذا نظرت الى الشمس حمراء كأنها دم عبيط فاعلمي ان سيدك الحسين (عليه السلام) قد قتل. قالت جبلة فخرجت ذات يوم فرأيت الشمس على الحيطان كأنها الملاحف المعصفرة فصحت حينئذ و بكيت و قلت قد و الله قتل الحسين (عليه السلام)».

أقول: و ميثم التمار (رضي الله عنه) كان من حواري أمير المؤمنين (عليه السلام) و خواصه كما هو مصرح به في الاخبار و كلام علمائنا الأبرار فقوله (رضى الله عنه) مقتبس من قوله (عليه السلام).

375

ثم أقول: لا يخفى عليك ما في دلالة هذه الاخبار من الظهور و الصراحة في تحريم صوم هذا اليوم مطلقا و ان صومه إنما كان في صدر الإسلام ثم نسخ بنزول صوم شهر رمضان (1) و على هذا يحمل خبر صوم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2).

و اما خبر القداح و خبر مسعدة بن صدقة الدال كل منهما على ان صومه كفارة سنة و الأمر بصومه كما في ثانيهما فسبيلهما الحمل على التقية (3) لا على ما ذكروه من استحباب صومه على سبيل الحزن و الجزع، كيف و خبر الحسين بن ابى غندر عن أبيه (4) ظاهر في أن الصوم لا يكون للمصيبة و انما يكون شكرا للسلامة، مع دلالة الأخبار الباقية على النهى الصريح عن صومه مطلقا سيما خبر نجية و قولهما (عليهما السلام) فيه انه متروك بصيام شهر رمضان و المتروك بدعة. و بالجملة فتحريم صيامه مطلقا من هذه الاخبار أظهر ظاهر.

و اما خبر كثير النواء- مع كون راويه المذكور بتريا عاميا (5) قد وردت فيه الذموم الكثيرة مثل

قول الصادق (عليه السلام) (6) «اللهم إني إليك من كثير النوا برئ في الدنيا و الآخرة».

و قوله أيضا (7) «ان الحكم بن عتيبة و سلمة و كثير النواء و أبا المقدام و التمار- يعنى سالما- أضلوا كثيرا ممن ضل من هؤلاء و انهم ممن قال الله تعالى:

وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مٰا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» (8).

- معارض بخبر ميثم المذكور.

____________

(1) سنن البيهقي ج 4 ص 288.

(2) ص 370.

(3) المغني ج 3 ص 174.

(4) ص 373.

(5) فرق الشيعة للنوبختى ص 13 و التبصير للاسفراينى ص 33 و رجال الشيخ الطوسي و رجال البرقي.

(6) رجال الكشي ص 208 الطبع الحديث في النجف الأشرف.

(7) رجال الكشي ص 208 الطبع الحديث في النجف الأشرف و الرواية عن ابى جعفر (ع).

(8) سورة البقرة الآية 8.

376

و بالجملة فإن دلالة هذه الأخبار على التحريم مطلقا أظهر ظاهر و لكن العذر لأصحابنا في ما ذكروه من حيث عدم تتبع الأخبار كملا و التأمل فيها.

نعم

قد روى الشيخ (رضي الله عنه) في كتاب مصباح المتهجد (1) عن عبد الله ابن سنان عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «دخلت عليه يوم عاشوراء فألفيته كاسف اللون ظاهر الحزن و دموعه تنحدر من عينيه كاللؤلؤ المتساقط، فقلت يا ابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مم بكاؤك لا ابكى الله عينيك؟ فقال لي أو في غفلة أنت أ ما علمت ان الحسين ابن على (عليهما السلام) أصيب في مثل هذا اليوم؟ فقلت يا سيدي فما قولك في صومه؟ فقال لي صمه من غير تبييت و أفطره من غير تشميت و لا تجعله يوم صوم كملا و ليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلت الهيجاء عن آل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و انكشفت الملحمة عنهم. الحديث».

و هذه الرواية هي التي ينبغي العمل عليها و هي دالة على مجرد الإمساك إلى الوقت المذكور. و المفهوم من كلام شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك حمل كلام الأصحاب باستحباب صوم يوم عاشوراء على وجه الحزن هو صومه على هذا الوجه المذكور في هذه الرواية. و هو بعيد فان كلامهم صريح أو كالصريح في أن مرادهم صيام اليوم كملا كما في جملة أفراد الصيام. و الله العالم.

و منها-

صوم أول يوم من المحرم بل الشهر كملا:

روى الصدوق (عطر الله مرقده) مرسلا (2) قال: «روى ان في أول يوم من المحرم دعا زكريا ربه (عز و جل) فمن صام ذلك اليوم استجاب الله له كما استجاب لزكريا (عليه السلام)».

و روى في كتاب المجالس و عيون الاخبار في الصحيح عن الريان بن شبيب (3) قال «دخلت على الرضا (عليه السلام) في أول يوم من المحرم فقال لي يا ابن شبيب أ صائم أنت؟

____________

(1) ص 547 و في الوسائل الباب 20 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

377

فقلت لا فقال ان هذا اليوم هو اليوم الذي دعا فيه زكريا ربه فقال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعٰاءِ (1) فاستجاب الله له و أمر الملائكة فنادت زكريا وَ هُوَ قٰائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرٰابِ: أَنَّ اللّٰهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيىٰ (2) فمن صام هذا اليوم ثم دعا الله (عز و جل) استجاب الله له كما استجاب لزكريا (عليه السلام)».

و روى الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة (3) عن النعمان بن سعد عن على (عليه السلام) انه قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لرجل ان كنت صائما بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه شهر تاب الله (عز و جل) فيه على قوم و يتوب الله فيه على آخرين».

و روى ابن طاوس (طاب ثراه) في كتاب الإقبال (4) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال «من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما».

قال (5) و روى من طرقهم (عليهم السلام) «ان من صام يوما من المحرم محتسبا جعل الله تعالى بينه و بين جهنم جنة كما بين السماء و الأرض».

و بإسناده عن الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب حدائق الرياض (6) عن الصادق (عليه السلام) قال: «من أمكنه صوم المحرم فإنه يعصم صائمة من كل سيئة».

و عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (7) «ان أفضل الصلاة بعد الصلاة الفريضة الصلاة في جوف الليل، و ان أفضل الصوم من بعد شهر رمضان صوم شهر الله الذي يدعونه المحرم».

و منها-

صيام الخميس و الجمعة و السبت

، روى الشيخ المفيد في المقنعة (8) عن راشد بن محمد عن أنس قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من صام من شهر حرام الخميس و الجمعة و السبت كتب الله له عبادة تسعمائة سنة».

و في رواية أسامة بن زيد (9) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصوم الاثنين و الخميس فسئل عن ذلك فقال ان اعمال الناس تعرض يوم الاثنين و الخميس».

____________

(1) سورة آل عمران الآية 34.

(2) سورة آل عمران الآية 35.

(3) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(6) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(7) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(8) الوسائل الباب 25 من الصوم المندوب.

(9) سنن البيهقي ج 4 ص 293.

378

و رواية ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «رأيته صائما يوم الجمعة فقلت له جعلت فداك ان الناس يزعمون انه يوم عيد (2)؟ فقال: كلا انه يوم خفض و دعة».

و روى الصدوق في الفقيه في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل يريد أن يعمل شيئا من الخير مثل الصدقة و الصوم و نحو هذا؟ قال: يستحب أن يكون ذلك يوم الجمعة فإن العمل يوم الجمعة يضاعف».

و روى في كتاب عيون الاخبار بسنده عن الرضا (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من صام يوم الجمعة صبرا و احتسابا أعطى ثواب صيام عشرة أيام غر زهر لا تشأ كل أيام الدنيا».

و رواه الطبرسي في صحيفة الرضا (عليه السلام) (5).

و روى الصدوق عن دارم بن قبيصة عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (6) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا تفردوا الجمعة بصوم».

و روى الشيخ بسنده عن أبي هريرة عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (7) قال:

«لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا قبله أو بعده».

قال الشيخ: هذا الخبر طريقه رجال العامة (8) لا يعمل به. و قال ان المعمول عليه هو رواية ابن سنان. يعني الرواية المتقدمة (9).

أقول: قال العلامة في المختلف قال ابن الجنيد لا يستحب افراد يوم الجمعة بصيام فان تلا به ما قبله أو استفتح به ما بعده جاز. و المشهور الاستحباب مطلقا لنا- ان الصوم عبادة في نفسه و قد روى زيادة ثواب الطاعة يوم الجمعة و ان الحسنات تتضاعف فيه، و ما رواه ابن سنان في الصحيح. ثم نقلها كما قدمناه ثم قال احتج ابن

____________

(1) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

(2) عمدة القارئ ج 5 ص 333.

(3) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

(6) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

(7) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب رقم 6.

(8) المغني ج 3 ص 165.

(9) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

379

الجنيد

بما رواه عبد الملك بن عمير (1) قال: «سمعت رجلا من بنى الحارث بن كعب قال: سمعت أبا هريرة يقول ليس أنا أنهى عن صوم يوم الجمعة و لكن سمعت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا قبله أو بعده».

و الجواب ما ذكره الشيخ ان طريقه رجال العامة لا يعمل به بل الأول هو المعمول به. ثم قال (قدس سره) مسألة: قال ابن الجنيد و صوم الاثنين و الخميس منسوخ و صوم يوم السبت منهي عنه عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و لم يثبت عندي شيء من ذلك و لم يذكر المشهورون من علمائنا ذلك. نعم روى جعفر بن عيسى عن الرضا (عليه السلام).

ثم ساق الرواية كما قدمناها في صيام عاشوراء (2) ثم قال: فان صح هذا السند كان صوم يوم الاثنين مكروها و إلا فلا.

أقول: و الذي يقرب عندي أن صيام هذه الثلاثة الأيام أعنى الجمعة و الخميس و الاثنين و ان جاز من حيث استحباب الصوم مطلقا إلا انه ليس من قبيل صيام الترغيب الذي نحن في صدد عد أفراده، فإن رواية الزهري مع رواية كتاب الفقه الرضوي المتقدمتين في أول الكتاب (3) قد عد فيهما هذه الأيام الثلاثة من قبيل ما يتخير بين صومه و تركه، و هو مؤذن- كما قدمنا بيانه سابقا- بعدم الاستحباب فيها على الوجه المذكور في صيام الترغيب.

و يؤيده ما تقدم في رواية محمد بن مروان (4) المنقولة في صيام ثلاثة أيام السنة انه كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يصوم الاثنين و الخميس أولا ثم تحول عنه الى صيام الثلاثة المذكورة. و هو مشعر بنسخها.

و ما تقدم (5) في رواية جعفر بن عيسى أخي محمد بن عيسى بن عبيد من الدلالة على كراهة صوم الاثنين.

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 315 و في الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب، و هي نفس الرواية رقم 7 ص 378.

(2) ص 372.

(3) ص 5.

(4) ص 348.

(5) ص 372.

380

و ما ورد في صحيحة على بن مهزيار (1) الواردة في من نذر أن يصوم يوما دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو يوم جمعة أو أيام التشريق أو سفر أو مرض؟ فكتب (عليه السلام) في جوابه «قد وضع الله الصيام في هذه الأيام كلها».

و ما رواه في الخصال عن عقبة بن بشير الأزدي (2) قال: «جئت الى أبى جعفر (عليه السلام) يوم الاثنين فقال كل. فقلت انى صائم. فقال و كيف صمت؟ قال قلت لأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ولد فيه. فقال: اما ما ولد فيه فلا يعلمون و اما ما قبض فيه فنعم. ثم قال: فلا تصم و لا تسافر فيه».

و يمكن استثناء يوم الجمعة من هذه الثلاثة لصحة ما ورد في صيامه و رجحانه على ما عارضه. و الله العالم.

و منها-

صوم يوم المباهلة

و هو الرابع و العشرون من شهر ذي الحجة، و لم أقف فيه على نص.

و علله العلامة في المنتهى بأنه يوم شريف قد أظهر الله فيه نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) على خصمه و حصل فيه من التنبيه على قرب على (عليه السلام) من ربه و اختصاصه به و عظم منزلته و ثبوت ولايته و استجابة الدعاء به ما لم يحصل لغيره، و ذلك من أعظم الكرامات الموجبة لاخبار الله تعالى ان نفسه نفس رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فيستحب صومه شكرا لهذه النعم الجسيمة.

و منها-

صوم يوم النيروز

لما رواه الشيخ في المصباح عن المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (3) قال: «إذا كان يوم النيروز فاغتسل و البس أنظف ثيابك و تطيب بأطيب طيبك و تكون ذلك اليوم صائما. الحديث».

____________

(1) الوسائل الباب 10 من كتاب النذر و العهد و فيه «يوما من الجمعة دائما».

(2) الوسائل الباب 22 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 24 من الصوم المندوب.

381

و منها-

صوم شهر رجب كلا أو بعضا

، روى الشيخ و الصدوق (قدس سرهما) عن ابان بن عثمان قال: حدثنا كثير بياع النوى عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«ان نوحا ركب في السفينة أول يوم من رجب فأمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم و قال من صام ذلك اليوم تباعدت عنه النار مسيرة سنة، و من صام سبعة أيام منه أغلقت عنه أبواب النيران السبعة، و من صام ثمانية أيام فتحت له أبواب الجنان الثمانية، و من صام عشرة أيام منه أعطي مسألته، و من صام خمسة و عشرين يوما منه قيل له استأنف العمل فقد غفر لك، و من زاد زاده الله».

و قال الصدوق (2) «قال أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): رجب نهر في الجنة أشد بياضا من اللبن و احلى من العسل فمن صام يوما من رجب سقاه الله من ذلك النهر».

و روى الصدوق في كتاب المجالس (3) عن سلام الخثعمي عن ابى جعفر محمد ابن على الباقر (عليه السلام) قال: «من صام من رجب يوما واحدا من أوله أو وسطه أو آخره أوجب الله له الجنة و جعله معنا في درجتنا يوم القيامة، و من صام يومين من رجب قيل له استأنف العمل فقد غفر لك ما مضى، و من صام ثلاثة أيام قيل له قد غفر لك ما مضى و ما بقي فاشفع لمن شئت من مذنبي إخوانك و أهل معرفتك، و من صام سبعة أيام من رجب أغلقت عنه أبواب النيران السبعة، و من صام ثمانية أيام من رجب فتحت له أبواب الجنة الثمانية فيدخلها من أيها شاء».

و روى الشيخ المفيد في كتاب مسار الشيعة (4) قال: «روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه كان يصوم رجبا كله و يقول رجب شهري و شعبان شهر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و شهر رمضان شهر الله عز و جل».

الى غير ذلك من الأخبار التي يضيق عن نقلها المقام.

____________

(1) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب رقم 1 و 2.

(2) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب.

382

و منها-

صوم شعبان كلا أو بعضا

، روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) هل صام أحد من آبائك شعبان قط؟ قال: صامه خير آبائي رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روى فيه في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كن نساء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا كان عليهن صيام أخرن ذلك الى شعبان كراهة ان يمنعن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حاجته فإذا كان شعبان صمن و صام معهن، و كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول شعبان شهري».

و روى فيه ايضا عن عنبسة العابد (3) قال: «قبض النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على صوم شعبان و رمضان و ثلاثة أيام في كل شهر. أول خميس و أوسط أربعاء و آخر خميس و كان أبو جعفر و أبو عبد الله (عليهما السلام) يصومان ذلك».

و روى فيه أيضا في الصحيح عن الفضيل بن يسار (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول. و ذكر حديثا الى أن قال: و فرض الله تعالى في السنة صوم شهر رمضان و سن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صوم شعبان و ثلاثة أيام في كل شهر مثلي الفريضة فأجاز الله (عز و جل) له ذلك».

و روى ايضا بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من صام شعبان كان له طهرا من كل زلة و وصمة و بادرة. قال أبو حمزة قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ما الوصمة؟ قال اليمين في المعصية و النذر في المعصية. قلت فما البادرة؟ قال اليمين عند الغضب و التوبة منها الندم عليها».

و روى في الفقيه عن عبد الله بن مرحوم الأزدي (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من صام أول يوم من شعبان وجبت له الجنة البتة، و من صام يومين نظر الله إليه في كل يوم و ليلة في دار الدنيا و دام نظره إليه في الجنة، و من صام ثلاثة أيام زار الله في عرشه من جنته في كل يوم».

____________

(1) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

(6) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

383

و روى الشيخ المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة (1) عن محمد بن سنان عن زيد الشحام قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) هل صام أحد من آبائك شعبان؟ فقال نعم كان آبائي يصومونه و أنا أصومه و آمر شيعتي بصومه، فمن صام منكم شعبان حتى يصله بشهر رمضان كان حقا على الله ان يعطيه جنتين و يناديه ملك من بطنان العرش عند إفطاره كل ليلة يا فلان طبت و طابت لك الجنة و كفى بك انك سررت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد موته».

قال الكليني (2): و جاء في صوم شعبان انه سئل (عليه السلام) عنه فقال: ما صامه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و لا أحد من آبائي.

و حمله (قدس سره) على نفى الفرض و الوجوب و انهم ما صاموا على ذلك الوجه بل على الاستحباب، قال: و ذلك ان قوما قالوا ان صومه فرض مثل صيام شهر رمضان و ان من أفطر يوما من شعبان وجبت عليه الكفارة.

و قال الشيخ (قدس سره) (3) بعد ان أورد جملة من الأخبار المتضمنة للترغيب في صوم شعبان ما صورته: فأما الأخبار التي وردت في النهي عن صوم شعبان و انه ما صامه أحد من الأئمة (عليهم السلام) فالمراد بها انه لم يصمه أحد من الأئمة (عليهم السلام) على ان صومه يجرى مجرى شهر رمضان في الفرض و الوجوب لان قوما قالوا ان صومه فريضة و كان أبو الخطاب (لعنه الله) و أصحابه يذهبون اليه و يقولون ان من أفطر يوما منه لزمه من الكفارة ما يلزم من أفطر يوما من شهر رمضان فورد عنهم (عليهم السلام) الإنكار لذلك و انه لم يصمه أحد منهم على هذا الوجه. انتهى.

و روى في الكافي مسندا عن أبى الصباح الكناني و من لا يحضره الفقيه مرسلا عن

____________

(1) الوسائل الباب 29 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 28 من الصوم المندوب.

(3) التهذيب ج 4 ص 309.

384

ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «صوم شعبان و شهر رمضان متتابعين توبة من الله و الله».

قال في الوافي: التوبة من العبد ان يتوب الى الله تعالى و التوبة من الله أن يقيم من العبد عبادة مقام توبته فيطهره بها من ذنوبه.

و روى في من لا يحضره الفقيه عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) (2) قال:

«كان أبى يفصل ما بين شعبان و شهر رمضان بيوم و كان على بن الحسين (عليه السلام) يصل ما بينهما و يقول: صوم شهرين متتابعين توبة من الله».

قال (قدس سره): و قد صامه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و وصله بشهر رمضان و صامه و فصل بينهما، و لم يصمه كله في جميع سنيه إلا ان أكثر صيامه كان فيه.

قال في الوافي بعد نقل ذلك: هذا من ما يدل على ان صيام شعبان ليس من صيام السنة و إنما هو من صيام الترغيب. انتهى.

أقول: الظاهر من أكثر الأخبار انه كان يحافظ على صيامه كملا و كذا الثلاثة المتقدمة ليكون ذلك مع صوم شهر رمضان صوم الدهر، و كذا أصحابه مثل سلمان و ابى ذر و نحوهما كما وردت به الأخبار التي وصلت إلينا، و هو اعرف بما ذكره

و روى في الكافي و الفقيه عن عمرو بن خالد عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يصوم شعبان و شهر رمضان يصلهما و ينهى الناس أن يصلوهما و كان يقول (صلى اللّٰه عليه و آله) هما شهرا الله تعالى و هما كفارة لما قبلهما و لما بعدهما من الذنوب».

و روى في الفقيه مرسلا قال قال الصادق (عليه السلام) (4): «من صام ثلاثة أيام من آخر شعبان و وصلها بشهر رمضان كتب الله له صوم شهرين متتابعين».

و روى في الكافي عن محمد بن سليمان عن أبيه (5) قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الرجل يصوم شعبان و شهر رمضان؟ قال هما الشهران اللذان قال الله تعالى شَهْرَيْنِ مُتَتٰابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللّٰهِ (6) قلت: فلا يفصل بينهما؟ قال إذا أفطر من

____________

(1) الوسائل الباب 29 من الصوم المندوب.

(2) الوسائل الباب 29 من الصوم المندوب.

(3) الوسائل الباب 29 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 29 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 29 من الصوم المندوب.

(6) سورة النساء الآية 95.

385

الليل فهو فصل، و انما قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا وصال في صيام. يعنى لا يصوم الرجل يومين متواليين من غير إفطار، و قد يستحب للعبد ان لا يدع السحور».

أقول: ظاهر هذه الأخبار الاختلاف في أفضلية الفصل و الوصل و لكن أكثرها ظاهر في استحباب الوصل، و ذكر الشيخ ان الأخبار التي تضمنت الفصل بين شهر شعبان و شهر رمضان فالمراد بها النهى عن الوصال الذي بينا في ما مضى انه محرم، و استدل على هذا التأويل برواية محمد بن سليمان عن أبيه المذكورة.

و فيه ان الرواية الدالة على الفصل و هي رواية المفضل بن عمر صريحة في كون الباقر (عليه السلام) كان يفصل بينهما بيوم يفطر فيه لا بمعنى ما ذكره من أن المراد الفصل الذي هو عدم الوصل المحرم، و مثلها كلام الصدوق المأخوذ من النصوص البتة و قوله فيه «و صامه و فصل بينهما و لم يصمه كله في جميع سنيه» فإنه ظاهر في إفطار يوم أو أيام من آخره يتحقق بها الفصل.

و اما رواية محمد بن سليمان المذكورة فالظاهر ان السائل فهم من التتابع الذي ذكره (عليه السلام) لزوم الوصل من غير إفطار و كان قد سمع النهى عن الوصال فأشكل الأمر عليه، فاستفهم عن ذلك فأجابه بالفرق بين الأمرين و ان التتابع في هذين الشهرين يحصل مع الفصل بينهما بالإفطار ليلا و ليس هو من قبيل قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) «لا وصال في صيام» المنهي عنه الذي هو عبارة عن أن يصوم يومين من غير إفطار.

بقي الكلام في ما دلت عليه رواية عمرو بن خالد من انه (صلى اللّٰه عليه و آله) كان يصل الشهرين و ينهى الناس أن يصلوهما، و الصدوق بعد ذكر هذه الرواية حمل النهي في قوله:

«و ينهى الناس أن يصلوهما» على الإنكار و الحكاية دون الاخبار، يعنى من شاء وصل و من شاء فصل، و استدل عليه بخبر المفضل.

و قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل ذلك عنه ما لفظه: أقول بل الأولى أن يجعل الوصل هنا بمعنى ترك الإفطار إلى السحر حتى يصير صوم وصال

386

ليكون موافقا

لما رواه في الفقيه (1) ايضا: انه نهى (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الوصال في الصيام و كان يواصل. الحديث.

كما يأتي في الباب الآتي و لخبر سليمان الآتي في هذا الباب.

و ما ذكره بعيد عن سياق الكلام و ما بعده جدا، مع ان ذلك ليس من ما يتعجب منه و يستنكر إذا كان له (صلى اللّٰه عليه و آله) خصائص ليست لأمته كما يدل عليه الخبر الآتي و غيره من الأخبار. انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) و ان كان محتملا إلا أن حمل الخبر عليه لا يخلو من بعد، لأن أحاديث هذا الباب قد تضمن جملة منها الأمر بالوصل و الندب اليه و ليس هو إلا عبارة عن عدم الفصل بإفطار آخر الشهر فإخراج هذا الخبر من بينها بالحمل على ما ذكره من حيث تضمنه نهى الناس عن الوصل بعيد. و الظاهر ان كلام الصدوق هنا في تأويل الخبر أقرب.

و قد عد الأصحاب جملة من الأيام التي يستحب صومها لما فيها من المزايا الشريفة، و حيث لم نجد لها دليلا من الاخبار لم نتعرض لذكرها.

[صوم ستة أيام من شوال بعد يوم الفطر]

و ذكر بعضهم ايضا استحباب صوم ستة أيام من شوال بعد يوم الفطر و لم أقف له على دليل، و قد تقدم في روايتي الزهري و الفقه الرضوي (2) انه من الافراد المخير بين صومها و تركه و هو مؤذن بعدم الاستحباب كما بينا آنفا.

و العلامة في المنتهى استدل على ذلك

بخبر من طريق الجمهور عن أبي أيوب (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من صام شهر رمضان و اتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر».

ثم قال: و من طريق الخاصة ما رواه الشيخ في حديث الزهري عن على بن الحسين (عليه السلام) في وجوه الصيام (4).

و أنت خبير بما فيه بعد الإحاطة بما ذكرناه، مع انه

قد روى الشيخ بسنده

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) ص 5.

(3) سنن البيهقي ج 4 ص 292.

(4) الوسائل الباب 5 من الصوم المندوب.

387

عن زياد بن أبى الحلال (1) قال: «قال لنا أبو عبد الله (عليه السلام) لا صيام بعد الأضحى ثلاثة أيام و لا بعد الفطر ثلاثة أيام إنها أيام أكل و شرب».

و مثله

روى في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اليومين اللذين بعد الفطر أ يصامان أم لا؟ فقال: اكره لك أن تصومهما».

و روى الشيخ في الموثق عن حريز عنهم (عليهم السلام) (3) قال: «إذا أفطرت من رمضان فلا تصومن بعد الفطر تطوعا إلا بعد ثلاث يمضين».

و بذلك يظهر ان الحكم في هذه الأيام هو الكراهة- ان لم نقل بالتحريم- لا الاستحباب.

المطلب الثالث في المنهي عنه تحريما أو كراهة

فالكلام في مقامين

[المقام] الأول- الصيام المحرم

و هو افراد

أحدها و ثانيها- صوم العيدين و أيام التشريق

، قال في المعتبر و التذكرة: و عليه إجماع علماء الإسلام.

و الروايات بذلك متظافرة منها-

ما رواه في الكافي في الموثق عن سماعة (4) قال: «سألته عن صيام يوم الفطر؟ فقال لا ينبغي صيامه و لا صيام أيام التشريق».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن قتيبة الأعشى (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) نهى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صوم ستة أيام: العيدين و أيام التشريق و اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) الوسائل الباب 3 من الصوم المحرم و المكروه. و في الفروع ج 1 ص 203 «سألت أبا الحسن ع».

(3) الوسائل الباب 3 من الصوم المحرم و المكروه.

(4) الوسائل الباب 1 من الصوم المحرم و المكروه.

(5) الوسائل الباب 1 من الصوم المحرم و المكروه.

388

و ما رواه في الفقيه و التهذيب عن عبد الكريم بن عمرو (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم (عجل اللّٰه فرجه)؟

فقال: لا تصم في السفر و لا العيدين و لا أيام التشريق و لا اليوم يشك فيه».

و استثنى الشيخ من تحريم صوم العيدين و أيام التشريق حكم القاتل في أشهر الحرم فإنه يجب عليه صوم شهرين من أشهر الحرم و ان دخل فيها العيد و أيام التشريق:

لما رواه عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل قتل رجلا خطأ في الشهر الحرام؟ قال: تغلظ عليه الدية و عليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين من أشهر الحرم. قلت فإنه يدخل في هذا شيء؟ فقال و ما هو؟ قلت يوم العيد و أيام التشريق. قال يصوم فإنه حق لزمه».

و المشهور بين الأصحاب هو عموم التحريم، قال الشيخ بعد إيراد هذا الخبر انه ليس بمناف لما تضمنه الخبر الأول من تحريم صوم العيدين لان التحريم إنما وقع على من يصومهما مختارا مبتدئا فاما إذا لزمه شهران متتابعان على حسب ما تضمنه الخبر فيلزمه صوم هذه الأيام لا دخالة نفسه في ذلك.

و رد العلامة في التذكرة هذا الخبر بان في طريقه سهل بن زياد و مع ذلك فهو مخالف للإجماع. و قال في المختلف انه قاصر عن افادة المطلوب إذ ليس فيه انه يصوم العيد و إنما أمره بصوم أشهر الحرم و ليس في ذلك دلالة على صوم العيد و أيام التشريق يجوز صومها في غير منى.

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الصوم و نيته. و قد تقدمت هذه الرواية ص 188 باللفظ الذي يرويها به في الفروع ج 1 ص 201 عن كرام، و قد ذكرت في التعليقة 7 هناك ان الراوي كرام و يروى عنه ابن ابى عمير حيث ان رواية عبد الكريم بن عمرو المروية في التهذيب ج 4 ص 183 و الفقيه ج 2 ص 79 انما هي باللفظ المذكور هنا.

(2) الوسائل الباب 8 من بقية الصوم الواجب، و الرواية للكليني في الفروع ج 1 ص 201 و الشيخ يرويها عنه في التهذيب ج 4 ص 297. و فيه «تغلظ عليه العقوبة».

389

و لا يخفى ما فيه مع انه

قد روى في الحسن بإبراهيم بن هاشم على المشهور الصحيح على المختار عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) رجل قتل رجلا في الحرم؟ قال عليه دية و ثلث و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم و يعتق رقبة و يطعم ستين مسكينا. قال قلت يدخل في هذا شيء؟ قال و ما يدخل؟

قلت العيدان و أيام التشريق. قال يصوم فإنه حق لزمه».

قال المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى- و نعم ما قال- بعد أن نقل هذه الرواية و أشار الى الرواية السابقة ما لفظه: و أورده الشيخ في الكتابين مصرحا بالاعتماد عليه في إثبات هذا الحكم، و أنكره جماعة من الأصحاب استضعافا لطريق الخبر عن النهوض لتخصيص عموم ما دل على المنع من صوم هذه الأيام. و للنظر في ذلك مجال فان دليل المنع هنا منحصر في الإجماع و الاخبار، و ظاهر ان مصير الشيخ الى العمل بحديث التخصيص يبعد احتمال النظر في العموم إلى الإجماع، و اما الاخبار فما هي بمقام إباء لقوة دلالة أو طريق عن قبول هذا التخصيص، على ان الشيخ روى صوم هذه الأيام في كتاب الديات من طريقين: أحدهما من واضح الصحيح و الآخر مشهوري (2) و الصدوق أورد المشهوري في كتاب من لا يحضره الفقيه ايضا (3) فالعجب من قصور تتبع الجماعة حتى حسبوا انحصار المأخذ في الخبر الضعيف. انتهى.

و بذلك يظهر لك ما في كلام السيد السند في المدارك حيث انه بعد أن أورد حسنة زرارة المذكورة قال: و هذه الرواية و ان كانت معتبرة الإسناد إلا ان الخروج بها عن مقتضى الأخبار الصحيحة المتضمنة لتحريم صوم هذه الأيام مشكل، و كيف كان فالمعتمد التحريم مطلقا. انتهى.

أقول: فيه ان الأخبار الواردة بتحريم صوم العيدين ليس فيها ما هو صحيح باصطلاحه كما لا يخفى على من راجعها، و مع تسليم ذلك فالتخصيص باب معمول

____________

(1) الوسائل الباب 8 من بقية الصوم الواجب.

(2) الوسائل الباب 3 من ديات النفس.

(3) الوسائل الباب 3 من ديات النفس.

390

عليه عندهم في غير موضع فأي مانع من تخصيص تلك الأخبار- و ان كانت صحيحة- بهذه الاخبار. و بالجملة فالأصح هو العمل بما دل عليه الخبران المذكوران.

و ينبغي أن يعلم ان تحريم صيام أيام التشريق إنما هو لمن كان بمنى كما يدل عليه

ما رواه في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صيام أيام التشريق قال إنما نهى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن صيامها بمنى فاما بغيرها فلا بأس».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار ايضا (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صيام أيام التشريق فقال اما بالأمصار فلا بأس و اما بمنى فلا».

و الظاهر انه من ما لا خلاف فيه و ان كان بعضهم أطلق فمراده التقييد كما صرح به العلامة في المختلف، نعم في جملة من العبارات التقييد بمن كان ناسكا، و الاخبار خالية من هذا القيد و لعل من قيد بذلك بنى على ما هو الغالب و حمل الروايات على ذلك. و هو جيد.

و قال الشهيد في الدروس:

روى إسحاق بن عمار ايضا عن الصادق (عليه السلام) صيام أيام التشريق بدلا عن الهدى (3).

ثم استقرب المنع. و سيأتي تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى.

و منها-

صوم يوم الثلاثين من شعبان و هو يوم الشك بنية الفرض

و قد تقدم تحقيق الكلام فيه، و على ذلك تحمل الأخبار المتقدمة في تحريم صوم العيدين.

و منها-

صوم الصمت

و هو أن ينوي الصوم ساكتا، و قد أجمع الأصحاب على تحريمه لانه غير مشروع في الملة المحمدية فيكون بدعة.

و لما تقدم في أول الكتاب

من حديث الزهري و كتاب الفقه الرضوي (4) من قولهما: «و صوم الوصال حرام و صوم الصمت حرام».

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) الوسائل الباب 2 من الصوم المحرم و المكروه.

(3) الوسائل الباب 51 من أبواب الذبح.

(4) ص 5.

391

و ما رواه في الفقيه (1) في الصحيح عن زرارة قال: «سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم الدهر فقال لم يزل مكروها.

و قال لا وصال في صيام و لا صمت يوما الى الليل».

و روى في الفقيه بسنده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) المذكورة في آخر الكتاب (2) قال:

«و لا صمت يوما الى الليل. الى أن قال: و صوم الصمت حرام».

و المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذا الصوم يقع فاسدا لمكان النهى.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهم: و يحتمل الصحة لصدق الامتثال بالإمساك عن المفطرات مع النية و توجه النهي إلى الصمت المنوي و نيته و هو خارج عن حقيقة العبادة.

أقول: لا يخفى ان جملة من هذه الاخبار قد صرحت بان صوم الصمت حرام، و مرجعه الى تحريم الإمساك على هذا الوجه، فكيف يحتمل الصحة لصدق الامتثال كما ذكره؟ و النهى ليس متوجها الى الصمت المنوي كما ذكره بل متوجه الى الصوم المقترن بالصمت، فان المراد بقوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة «و لا صمت يوما الى الليل» ليس هو النهى عن الصمت مطلقا و انما المراد الصيام صامتا و إلا لم يكن لا يراد هذا الخبر في باب الصوم وجه. و مع الإغماض عن ذلك فانا نقول ان النهى و ان كان متوجها الى أمر خارج عن الصيام لكن هذا الأمر مأخوذ في النية التي هي شرط في الصحة و ليس الصوم مقصودا إلا بهذا القيد المحرم، و حينئذ فلا يمكن قصد القربة به مع كونه منهيا عنه و متى بطلت النية التي هي شرط أو شطر بطل المشروط و الكل.

____________

(1) ج 2 ص 112 و في الوسائل الباب 7 و 4 و 5 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) الوسائل الباب 5 من الصوم المحرم و المكروه.

392

و منها-

صوم الوصال

، و الظاهر انه لا خلاف بينهم في تحريمه.

و عليه يدل ما تقدم من خبري الزهري و كتاب الفقه و ما تقدم من صحيحة زرارة.

و ما رواه في الفقيه (1) بإسناده إلى منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «لا وصال في صيام و لا صمت يوما الى الليل».

و ما رواه في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) (2) المتقدمة قال: «لا وصال في صيام. الى أن قال: و صوم الوصال حرام».

قال الصدوق (رضي الله عنه) (3) «و نهى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) عن الوصال في الصيام و كان يواصل فقيل له في ذلك؟ فقال انى لست كأحدكم إني أظل عند ربي فيطعمني و يسقيني».

قال: و قال الصادق (عليه السلام) (4) «الوصال الذي نهى عنه ان يجعل الرجل عشاءه سحوره».

أقول: لا اشكال و لا خلاف في تحريم صوم الوصال و انما الخلاف و الاشكال في معناه و انه عبارة عن ما ذا؟ و قد دل الخبر المنقول عن الصادق (عليه السلام) على انه عبارة عن ان يجعل الرجل عشاءه سحوره».

و على ذلك دل

ما رواه الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «الوصال في الصيام أن يجعل عشاءه سحوره».

و في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال «المواصل في الصيام يصوم يوما و ليلة و يفطر في السحر».

و بمضمون هذه الروايات افتى الشيخ في النهاية و أكثر الأصحاب.

و عن الشيخ في الاقتصاد و ابن إدريس انه عبارة عن ان يصوم يومين بليلة

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

(3) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

(4) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

(5) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

(6) الوسائل الباب 4 من الصوم المحرم و المكروه.

393

بينهما و عليه تدل رواية محمد بن سليمان عن أبيه المتقدمة في صوم شعبان (1) و جعل في المعتبر هذا هو الاولى.

قال في المدارك: و كأن وجهه الاقتصار في ما خالف الأصل على موضع الوفاق. ثم قال: لكن الرواية بذلك ضعيفة جدا فكان المصير إلى الأول متعينا لصحة مستنده.

أقول: و لعل الوجه الجمع بين الأخبار هنا بتفسير الوصال بكل من الأمرين و انه محرم بكل منهما. و الظاهر انه انما يتحقق الوصال بكل من الأمرين المذكورين بنية الصوم كذلك لا بوقوعه كيف اتفق، لان العبادات صحة و بطلانا و ثوابا و عقابا و تحليلا و تحريما دائرة مدار النيات و القصود، فلو أخر عشاءه الى وقت السحور لا بهذا القصد أو ترك الأكل يومين بليلة بينهما لا كذلك فالظاهر عدم دخوله في الوصال و ان كان الأولى ترك ذلك لما يستفاد من ظاهر الأخبار بان الوصال عبارة عن مجرد التأخير.

قال في المدارك في هذه المسألة: و الكلام في بطلان الصوم هنا كما سبق في صوم الصمت.

أقول: قد عرفت ان الأظهر ثمة هو البطلان كما عليه الأصحاب من غير خلاف يعرف إلا منه و من تبعه فكذا هنا ايضا بالتقريب المتقدم.

و منها-

صوم نذر المعصية

و هو أن ينذر الصوم ان تمكن من المعصية و يقصد بذلك الشكر على تيسرها لا الزجر عنها.

و لا ريب في عدم انعقاد هذا النذر و تحريم الصوم على هذا الوجه لأنه لا بد فيه من القربة و لا يصح إلا بها و هذا من ما لا يمكن التقرب به.

و لما تقدم (2)

في حديثي الزهري و كتاب الفقه الرضوي من قولهما (عليهما السلام): «و صوم نذر المعصية حرام».

____________

(1) ص 384.

(2) ص 5.

394

و ما في حديث وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) المروي في آخر الفقيه (1) حيث قال: «و صوم نذر المعصية حرام».

و قد تقدم

في حديث الثمالي في صوم شعبان (2) «من صام شعبان كان له طهرا من كل زلة و وصمة. قلت و ما الوصمة؟ قال اليمين في المعصية و النذر في المعصية».

و منها-

صوم الواجب في السفر إلا ما استثنى

، و قد تقدم تحقيق ذلك (3).

و منها-

الصوم في المرض ان تضرر به

، و

صوم المرأة بغير اذن زوجها

، و

صوم العبد بغير اذن سيده

، و قد تقدم الكلام فيه (4).

و منها-

صوم الدهر

، و يدل عليه ما تقدم

في حديثي الزهري و الفقه الرضوي (5) حيث قالا: «و صوم الدهر حرام».

و ما رواه الصدوق في الصحيح (6) قال: «سأل زرارة أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم الدهر فقال: لم يزل مكروها».

و ما رواه في الفقيه في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) (7) قال: «و صوم الدهر حرام».

و ما رواه في الكافي عن زرارة (8) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صوم الدهر فقال: لم نزل نكرهه».

و ما رواه في الموثق عن سماعة (9) قال: «سألته عن صوم الدهر فكرهه و قال: لا بأس أن يصوم يوما و يفطر يوما».

و ظاهر الأصحاب ان التحريم الوارد في هذه الأخبار إنما هو من حيث اشتمال السنة على صوم محرم و هو صوم يومي العيدين، و اما صومه بدون هذه الأيام

____________

(1) الوسائل الباب 6 من الصوم المحرم و المكروه.

(2) ص 382.

(3) ص 185.

(4) ص 169 و 204 و 205.

(5) الوسائل الباب 7 من الصوم المحرم و المكروه.

(6) الوسائل الباب 7 من الصوم المحرم و المكروه.

(7) الوسائل الباب 7 من الصوم المحرم و المكروه.

(8) الوسائل الباب 7 من الصوم المحرم و المكروه.

(9) الوسائل الباب 7 من الصوم المحرم و المكروه.

395

المحرمة فليس بمحرم بل مكروه.

أقول: لا يخفى ان ظاهر الأخبار المذكورة ان التحريم إنما نشأ من حيث كونه صوم الدهر كما يشير اليه قوله في موثقة سماعة بعد أن كرهه «لا بأس ان يصوم يوما و يفطر يوما» و لا ريب في أن الكراهة في هذه الأخبار إنما هي بمعنى التحريم فلو كان منشأ التحريم انما هو صوم يومي العيدين كما ذكروا لكان ينبغي أن يقول:

«لا بأس ان أفطر العيدين» كما لا يخفى. إلا انى لم أقف على من قال بالتحريم مع إفطار يومي العيدين. و كيف كان فلا ريب ان الأحوط اجتنابه.

المقام الثاني- الصيام المكروه

و هو أيضا افراد: منها-

ما تقدم

من صوم الضيف بدون اذن مضيفه و الولد بغير اذن والده و المدعو الى طعام، و قد تقدم (1) نقل الخلاف في ذلك و تحقيق القول في ذلك كما هو حقه.

و منها-

الصيام المستحب في السفر

و قد تقدم (2) بيان القول فيه.

قالوا: و من ذلك

صوم عرفة لمن يضعفه عن الدعاء

لقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم (3) «و ان خشيت أن تضعف عن ذلك فلا تصمه».

أو مع الشك في الهلال كما يدل عليه قوله (عليه السلام)

في رواية سدير (4) «و أكره أن أصومه و أتخوف أن يكون يوم عرفة يوم اضحى و ليس بيوم صوم».

و قد تقدم (5) تحقيق الكلام في المقام بما لا يحوم حوله النقض و الإبرام.

و من ذلك

صوم ثلاثة أيام بعد يوم الفطر

و ان كان جملة من الأصحاب صرحوا باستحباب صوم ستة أيام بعد عيد الفطر، إلا ان المفهوم من الأخبار الكراهة و قد تقدم (6) نقل الدليل على ذلك.

____________

(1) ص 201 الى 207.

(2) ص 197.

(3) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(4) الوسائل الباب 23 من الصوم المندوب.

(5) ص 364.

(6) ص 386.

396

المقصد الثالث في اللواحق

و فيه مسائل

[المسألة] الأولى [اشتراط الإقامة و حكم الصوم جهلا أو نسيانا في السفر و المرض]

- لا خلاف نصا و فتوى في انه يشترط في صوم شهر رمضان الإقامة فلا يصح صومه في سفر يجب فيه التقصير.

و يدل عليه من الأخبار

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في الرجل يشيع أخاه مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة؟ قال ان كان في شهر رمضان فليفطر. قلت أيهما أفضل يصوم أو يشيعه؟

قال يشيعه ان الله (عز و جل) قد وضعه عنه».

و في الصحيح عن عيص بن القاسم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافرا أفطر. و قال ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان و معه الناس و فيهم المشاة فلما انتهى الى كراع الغميم دعا بقدح من ماء في ما بين الظهر و العصر فشربه و أفطر ثم أفطر الناس معه و تم ناس على صومهم فسماهم العصاة، و انما يؤخذ بآخر أمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روى الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سمى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قوما صاموا حين أفطر و قصر عصاة و قال هم العصاة إلى يوم القيامة.

و انا لنعرف أبناءهم و أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا».

و عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في قول الله عز و جل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (5) قال ما أبينها، من شهد فليصمه و من سافر فلا يصمه».

و ما رواه الكليني في الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن أبى عبد الله

____________

(1) الفروع ج 1 ص 198 و في الوسائل الباب 10 من صلاة المسافر.

(2) الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(5) سورة البقرة الآية 182.

397

(عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان الله (عز و جل) تصدق على مرضى أمتي و مسافريهم بالتقصير و الإفطار، أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة ان ترد عليه؟».

الى غير ذلك من الاخبار.

و حينئذ فلو صام عالما بالحكم كان صيامه باطلا و لم يجزئه بل يجب عليه القضاء لعدم الامتثال، و عليه تدل صحيحة الحلبي الآتية، و هو ظاهر.

و لو كان جاهلا أجزأه اتفاقا، و يدل عليه

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن عيص بن القاسم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه».

و عن الحلبي- في الحسن على المشهور و الصحيح على الأظهر- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له رجل صام في السفر؟ فقال ان كان بلغه ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن ذلك فعليه القضاء و ان لم يكن بلغه فلا شيء عليه».

و رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عنه (عليه السلام) مثله (4).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن رجل صام شهر رمضان في السفر فقال ان كان لم يبلغه ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نهى عن ذلك فليس عليه القضاء و قد أجزأ عنه الصوم».

و هل يلحق الناسي بالجاهل هنا؟ قولان: أحدهما- نعم لاشتراكهما في العذر و ثانيهما- لا قصرا لما خالف الأصل على موضع النص. و هو الأصح.

و لو صام المريض الذي لا يشرع له الصيام جاهلا فقيل بوجوب الإعادة عليه لانه اتى بخلاف ما هو فرضه، و الحاقه بالمسافر قياس لا نقول به.

____________

(1) الوسائل الباب 1 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم.

(3) الفروع ج 1 ص 198 و في الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم.

(4) الفقيه ج 2 ص 93 و في الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 2 ممن يصح منه الصوم.

398

أقول: هذا القول انما يتجه على ما هو المشهور من عدم معذورية الجاهل إلا في الموضعين المشهورين و اما من قال بالمعذورية من حيث الجهل كما هو مستفاد من الأخبار المتكاثرة فالأظهر صحة صومه، و ليس الاستناد هنا إلى الحاقه بالمسافر الجاهل في هذه المسألة بل الى تلك الأخبار المستفيضة كما بسطنا الكلام فيه في مقدمات الكتاب.

المسألة الثانية [من قدم بلده أو بلدا يعزم على الإقامة فيه]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان من قدم بلده أو بلدا يعزم على الإقامة فيه قبل الزوال و لم يتناول شيئا فإنه يجب عليه الصوم و يجزئه، و ان تناول قبل ذلك أو قدم بعد الزوال و ان لم يتناول استحب له الإمساك و وجب عليه القضاء.

اما الحكم الأول فيدل عليه جملة من الاخبار: منها-

موثقة أبي بصير (1) قال: «سألته عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان؟ فقال: ان قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم».

و رواية أحمد بن محمد (2) قال «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان و لم يطعم شيئا قبل الزوال؟ قال يصوم».

و رواية يونس (3) قال و قال: «في المسافر يدخل أهله و هو جنب قبل الزوال و لم يكن أكل فعليه أن يتم صومه و لا قضاء عليه. يعني إذا كانت جنابته من احتلام».

و الظاهر ان قوله «يعنى» من كلام يونس.

و رواه في الفقيه عن يونس بن عبد الرحمن عن موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) انه قال: في المسافر.

الحديث مثله.

و موثقة سماعة (5) قال: «سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟. الى

____________

(1) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم، و آخره هكذا «فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به».

(2) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

399

أن قال: ان قدم بعد زوال الشمس أفطر و لا يأكل ظاهرا و ان قدم من سفره قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ان شاء».

إلا انه

قد روى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفره في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار؟ قال: إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر».

و عن رفاعة بن موسى في الحسن (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم في شهر رمضان من سفر فيرى انه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار؟ فقال: إذا طلع الفجر و هو خارج و لم يدخل أهله فهو بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر».

و ظاهر هذين الخبرين ان المدار في وجوب الصوم و عدمه في هذه الصورة على دخول البلد قبل الگفجر و عدمه فان دخل قبل الفجر وجب عليه الصوم و ان دخل بعد الفجر كان بالخيار بين الصوم و عدمه.

و أصرح منهما في ذلك

صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر و هو يريد الإقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم و ان دخل بعد طلوع الفجر فلا صيام عليه و ان شاء صام».

و لم أقف على قائل بذلك بل ظاهر أصحابنا الاتفاق على ما قدمنا ذكره من الاعتبار في الوجوب و عدمه بالزوال لا بطلوع الفجر، و ظاهر ما نقله في المنتهى عن العامة أيضا ذلك (4).

و جملة من أصحابنا قد نقلوا الخبرين الأولين و حملوهما على التخيير خارج البلد

____________

(1) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 6 ممن يصح منه الصوم.

(4) نقل في المغني ج 3 ص 100 عن احمد قولين في جواز الإفطار في اليوم الذي يسافر فيه من دون تفصيل بين الزوال و عدمه.

400

بمعنى ان من علم انه يصل البلد قبل الظهر فهو بالخيار ان شاء أفطر قبل الدخول و ان شاء أمسك حتى يدخل فيجب عليه الصيام. و هو جيد. و احتمال التخيير الى بعد الدخول و ان أمكن نظرا إلى الإطلاق إلا انه يجب العمل على ما ذكروه جمعا بين هذين الخبرين و بين ما تقدم من الاخبار. إلا ان اعتبار هذا المعنى بعيد في الرواية الثالثة فإنها كالصريحة في التخيير بعد الدخول، و يمكن ارتكاب التأويل فيها ايضا و ان بعد بحمل قوله «و ان دخل بعد طلوع الفجر» على معنى «و ان أراد الدخول» مثل قوله عز و جل إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ (1) أي إذا أردتم القيام، و قوله سبحانه فَإِذٰا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ (2).

و كيف كان فلا يخفى ان الترجيح ثابت للأخبار الأولة من وجوه: أحدها- كونها نصا في المطلوب و ما قابلها ممكن الحمل عليها بما ذكرناه و ان تفاوت في بعضها قربا و بعدا. و ثانيها- اعتضادها بعمل الطائفة بل عمل جميع العلماء من الطرفين كما أشرنا اليه. و ثالثها- انه مع العمل بالأخبار الأولة يمكن حمل هذه الأخبار عليها و مع العمل بهذه الأخبار يلزم طرح الأخبار الأولة مع صراحتها، و العمل بالدليلين مهما أمكن أولى من طرح أحدهما. و رابعها- انها أوفق بالاحتياط الذي هو أحد المرجحات الشرعية عند اختلاف الاخبار فيجب المصير الى العمل بها.

ثم انه ينبغي أن يعلم ان المراد بالقدوم المبنى عليه الحكم المذكور هو تجاوز محل الترخص داخلا على القول المشهور و دخول المنزل على القول الآخر و هو الأشهر من الروايات.

و اما الحكم الثاني فيدل عليه جملة من الاخبار: منها-

موثقة سماعة (3) قال:

«سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل؟ قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا و لا يواقع في شهر رمضان ان كان له أهل».

____________

(1) سورة المائدة الآية 9.

(2) سورة النحل الآية 101.

(3) الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

401

و رواية يونس (1) قال قال: «في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان و قد أكل قبل دخوله؟ قال: يكف عن الأكل بقية يومه و عليه القضاء. الحديث».

و ما تقدم

في حديثي الزهري و الفقه الرضوي (2) حيث قالا (عليهما السلام) «و اما صوم التأديب. الى أن قالا. و كذلك المسافر إذا أكل أول النهار ثم قدم أهله أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض».

و هذه الأخبار و ان اختصت بمن أكل قبل دخوله و لم يذكر فيها حكم من دخل بعد الزوال و لم يتناول إلا انه مفهوم منها بطريق الأولوية، لأنه قد علم بالأخبار المتقدمة ان من دخل بعد الزوال فهو مفطر يجب عليه القضاء فإذا استحب له الإمساك تشبها بالصائمين لمن أكل فمن لم يأكل أولى بذلك البتة، و هذه الاخبار خرجت مخرج الغالب في أن المفطر لا يبقى بلا أكل الى ما بعد الزوال غالبا.

و اما ما ورد

في موثقة محمد بن مسلم (3)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفره بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من الحيض أ يواقعها؟ قال: لا بأس به».

- فهو غير مناف لاستحباب الإمساك.

المسألة الثالثة [متى يفطر المسافر؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الوقت الموجب للقصر على المسافر، فقال الشيخ المفيد: ان خرج من منزله قبل الزوال وجب عليه الإفطار و القصر في الصلاة و ان خرج بعد الزوال وجب عليه الإتمام في الصيام و القصر في الصلاة. و هو اختيار ابن الجنيد و اليه ذهب العلامة في المختلف و به صرح أيضا في كتاب المنتهى.

و قال في المقنع: و إذا سافر قبل الزوال فليقصر و إذا خرج بعد الزوال فليصم، و روى ان من خرج بعد الزوال فليقصر و ليقض ذلك اليوم، و هو

____________

(1) الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

(2) ص 6 و في الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

402

راجع الى كلام الشيخ المفيد.

و قال الشيخ في النهاية: إذا خرج الى السفر بعد طلوع الفجر أى وقت كان من النهار و كان قد بيت نيته من الليل للسفر وجب عليه الإفطار، و ان لم يكن قد بيت نيته من الليل ثم خرج بعد طلوع الفجر كان عليه إتمام ذلك اليوم و ليس عليه قضاؤه، و ان خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه الإفطار على كل حال و كان عليه القضاء، و متى بيت نية السفر من الليل و لم يتفق له الخروج إلا بعد الزوال كان عليه أن يمسك بقية النهار و كان عليه القضاء. و الى ذلك مال ابن البراج.

و المستفاد من كلام النهاية ان المعتبر في جواز الإفطار تبييت نية السفر و الخروج قبل الزوال و انه مع تبييت النية و الخروج بعد الزوال يجب عليه الإمساك و القضاء.

و ذهب المرتضى و قبله على بن بابويه في رسالته و ابن ابى عقيل و ابن إدريس الى أن شرائط قصر الصلاة و الصوم واحد فمن سافر في جزء من اجزاء النهار و ان كان يسيرا لزمه الإفطار كما يلزمه تقصير الصلاة، قال ابن بابويه في رسالته على ما نقله في المختلف: إذا خرجت في سفر و عليك بقية يوم فأفطر. و قال المرتضى:

شروط السفر التي توجب الإفطار و لا يجوز معها صوم شهر رمضان في المسافة و الصفة و غير ذلك هي الشروط التي ذكرناها في كتاب الصلاة الموجبة لقصرها.

و نحوه عبارة ابن ابى عقيل و ابن إدريس.

فتلخص ان في المسألة أقوالا ثلاثة: أحدها- الاعتبار بالزوال فان خرج قبله وجب الإفطار و ان كان بعده وجب الصيام. و ثانيها- الاعتبار بتبييت النية و عدمه. و ثالثها- انه كالصلاة فيجب الإفطار في أي جزء خرج من النهار.

و السبب في اختلاف هذه الأقوال هو اختلاف الاخبار في المسألة و ها أنا اذكر جميعها لتحصيل الإحاطة:

403

فمنها-

صحيحة الحلبي عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر و هو صائم؟ فقال: ان خرج قبل أن ينتصف النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم و ان خرج بعد الزوال فليتم يومه».

و موثقة عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام، و إذا خرج قبل الزوال أفطر».

و حسنة عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: ان خرج قبل الزوال فليفطر و ان خرج بعد الزوال فليصم. قال و يعرف ذلك بقول على (عليه السلام): أصوم و أفطر حتى إذا زالت الشمس عزم علي. يعنى الصيام».

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم و يعتد به من شهر رمضان».

و هذه الاخبار كما ترى صريحة في مذهب الشيخ المفيد و من تبعه و ان كانت الأخيرة إنما دلت بمنطوقها على بعض المدعى إلا انها تدل بالمفهوم على البعض الآخر.

و منها-

رواية عبد الأعلى مولى آل سام (5) «في الرجل يريد السفر في شهر رمضان؟ قال يفطر و ان خرج قبل ان تغيب الشمس بقليل».

و ما رواه في المقنع مرسلا (6) قال: «و روى ان من خرج بعد الزوال فليفطر و ليقض ذلك اليوم».

و ما في الفقه الرضوي (7) حيث قال (عليه السلام): فإذا قدمت من السفر و عليك بقية يوم فأمسك من الطعام و الشراب الى الليل، فان خرجت في سفر و عليك بقية يوم فأفطر، و كل من وجب عليه التقصير في السفر فعليه الإفطار و كل من وجب عليه التمام في الصلاة فعليه الصيام، متى ما أتم صام و متى ما قصر أفطر.

انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(6) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(7) ص 25.

404

و هذه الأخبار صريحة في مذهب الشيخ على بن بابويه و من تبعه و لا سيما عبارة كتاب الفقه لتكرر هذا الحكم في كلامه، و منه أخذ الشيخ على بن بابويه عبارته في الرسالة على عادته المتكررة كما نبهت عليه في غير مقام.

و يؤيد هذه الاخبار ظاهر الآية و هي قوله عز و جل وَ مَنْ كٰانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (1) لصدقه على من خرج و لو قبل المغرب بشيء يسير.

و يؤيده أيضا

قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن وهب (2) «إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت».

و قوله (عليه السلام) في موثقة سماعة (3) في حديث «و ليس يفترق التقصير و الإفطار فمن قصر فليفطر».

و ما رواه الفضل بن الحسن الطبرسي في مجمع البيان مرسلا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من سافر قصر و أفطر إلا أن يكون رجلا سفره الى صيد أو في معصية الله».

و روى هذه الرواية أيضا المشايخ الثلاثة كما هنا و زيادة (5).

و منها-

رواية على بن يقطين عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) (6) «في الرجل يسافر في شهر رمضان أ يفطر في منزله؟ قال: إذا حدث نفسه في الليل بالسفر أفطر إذا خرج من منزله و ان لم يحدث نفسه من الليل ثم بدا له في السفر من يومه أتم صومه».

و رواية أبي بصير (7) قال: «إذا خرجت بعد طلوع الفجر و لم تنو السفر من الليل فأتم الصوم و اعتد به من شهر رمضان».

و رواية أبي بصير أيضا (8) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول إذا أردت السفر في شهر رمضان فنويت الخروج من الليل فان خرجت قبل الفجر أو

____________

(1) سورة البقرة الآية 182.

(2) الوسائل الباب 4 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 4 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 4 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 8 من صلاة المسافر.

(6) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(7) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(8) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

405

بعده فأنت مفطر و عليك قضاء ذلك اليوم».

و رواية سليمان بن جعفر الجعفري (1) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل ينوي السفر في شهر رمضان فيخرج من أهله بعد ما يصبح؟ قال إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم إلا أن يدلج دلجة».

و صحيحة صفوان عن الرضا (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و لو انه خرج من منزله يريد النهروان ذاهبا و جائيا لكان عليه أن ينوي من الليل سفرا و الإفطار، فإن هو أصبح و لم ينو السفر فبدا له من بعد ان أصبح في السفر قصر و لم يفطر يومه ذلك».

و بهذه الأخبار أخذ الشيخ و أفتى في النهاية و مثله في التهذيب حيث قال:

و متى خرج الإنسان إلى السفر بعد ما أصبح فإن كان قد نوى السفر من الليل لزمه الإفطار و ان لم يكن نواه من الليل وجب عليه صوم ذلك اليوم، و ان خرج قبل طلوع الفجر وجب عليه أيضا الإفطار و ان لم يكن قد نوى السفر من الليل. ثم قال بعد نقل حسنة الحلبي و صحيحة محمد بن مسلم الدالتين على مذهب الشيخ المفيد: الوجه في هذين الخبرين و ما يجرى مجراهما انه إذا خرج قبل الزوال وجب عليه الإفطار ان كان قد نوى من الليل السفر و إذا خرج بعد الزوال فإنه يستحب له أن يتم صومه ذلك فإن أفطر فليس عليه شيء، و ان لم يكن قد نوى السفر من الليل فلا يجوز له الإفطار على وجه. و حاصل جوابه عن الروايات المذكورة تقييد وجوب الإفطار فيها بالخروج قبل الزوال بتبييت النية ليلا و حمل الوجوب بالخروج بعد الزوال على الاستحباب.

و منها-

موثقة رفاعة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح؟ قال: يتم صومه ذلك».

و موثقة سماعة (4) قال: «سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر؟ قال:

إذا طلع الفجر و لم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم، و ان خرج من أهله قبل طلوع

____________

(1) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

406

الفجر فليفطر و لا صيام عليه».

و روايته ايضا (1) قال «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أراد السفر في رمضان فطلع الفجر و هو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم و إذا سافر لا ينبغي أن يفطر ذلك اليوم وحده، و ليس يفترق التقصير و الإفطار فمن قصر فليفطر».

و هذه الروايات الثلاث يمكن حملها على مذهب الشيخ لقوله بوجوب الصوم على من لم يبيت نية السفر بحمل إطلاقها على عدم تبييت نية السفر.

إلا انه ينافيها في ذلك

صحيحة رفاعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد السفر في رمضان؟ قال: إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام و ان شاء أفطر».

هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة و لا يخفى ما هي عليه من التدافع و التنافي، و السيد السند في المدارك اعتمد على مذهب الشيخ المفيد لصحة رواياته باصطلاحهم لانه (قدس سره) كما عرفت يدور مدار صحة الأسانيد. ثم انه لما كانت صحيحة رفاعة دالة على التخيير مطلقا قال: و لو قيل بالتخيير مطلقا كما هو ظاهر الرواية لم يكن بعيدا و بذلك يحصل الجمع بين الأخبار.

و بالجملة فإن من يقتصر في العمل على الأخبار الصحيحة فلا ريب في ترجيح مذهب الشيخ المفيد عنده و اما من يحكم بصحة الأخبار كملا فالجمع بينها عنده لا يخلو من الإشكال.

إلا انه يمكن أن يقال بتوفيق الملك المتعال ان ما دل على مذهب الشيخ في النهاية من الاخبار التي أوردناها لا يبعد حملها على التقية التي هي في اختلاف الأحكام أصل كل بلية، و ذلك ان العلامة في المنتهى بعد أن نقل خلاف علمائنا (رضوان الله عليهم) في المسألة قال ما صورته: اما الجمهور فقد قال الشافعي إذا نوى المقيم الصوم قبل الفجر ثم خرج بعد الفجر مسافرا لم يفطر يومه، و به قال أبو حنيفة

____________

(1) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 5 ممن يصح منه الصوم.

407

و مالك و الأوزاعي و أبو ثور و اختاره النخعي و مكحول و الزهري (1) انتهى. و هذا الكلام ظاهر في اشتراط تبييت نية الصوم في وجوب الإفطار كما هو قول الشيخ و إيجاب الصوم على من لم يكن كذلك و انما كان في نيته صوم ذلك اليوم فإنه إذا أصبح بهذه النية وجب عليه الصوم و ان سافر و هذا هو الذي صرح به الشيخ كما تقدم نقله عنه. ثم نقل في المختلف (2) عن الشافعي انه احتج بان الصوم عبادة تختلف بالسفر و الحضر فإذا اجتمع فيها السفر و الحضر غلب حكم الحضر (3) انتهى. و هو يشير إلى انه مع نية الصيام ليلا و الإصباح على تلك النية غالب على حصول السفر بعد ذلك فيجب عليه الصيام و ان سافر بخلاف ما إذا نوى السفر ليلا و أصبح بهذه النية فإنه في حكم المسافر.

و بالجملة فالحمل على التقية في هذه الأخبار ظاهر و ان لم يتعرض إليه أحد في ما أعلم لاعراضهم (رضوان الله عليهم) عن الترجيح بين الاخبار بالقواعد المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) كما عرفته في غير موضع من ما تقدم.

بقي الكلام في أدلة القولين الآخرين و الظاهر هو ترجيح أدلة شيخنا المفيد لصحتها كما عرفت و صراحتها، و اما أدلة قول الشيخ على بن بابويه و من تبعه فهو ما بين عام و خاص، اما العام فيمكن تقييده و تخصيصه بهذه الأدلة، و اما الخاص فهو لا يبلغ قوة في معارضة تلك الأخبار لما عرفت من صحتها و صراحتها و كثرتها الموجب لترجيحها.

و كيف كان فالاحتياط من ما لا ينبغي تركه في أمثال هذه المقامات و هو هنا يحصل بتبييت النية ثم الخروج قبل الزوال فإنه يجب الإفطار على جميع الأقوال و عليه تجتمع الأخبار الواردة في هذا المجال. و الله العالم.

المسألة الرابعة [من كان عاصيا في سفره]

- قال ابن أبى عقيل على ما نقل عنه في المختلف: ان خرج متنزها أو متلذذا أو في شيء من أبواب المعاصي يصوم و ليس له أن يفطر و عليه القضاء

____________

(1) المغني ج 3 ص 100.

(2) الصحيح (المنتهى).

(3) المغني ج 3 ص 100.

408

إذا رجع الى الحضر، لان صومه في السفر ليس بصوم و إنما أمر بالإمساك عن الإفطار لئلا يكون مفطرا في شهر رمضان في غير الوجه الذي أباح الله (عز و جل) له الإفطار فيه كما ان المفطر في يوم من شهر رمضان عامدا قد أفسد صومه و عليه أن يتم صومه ذلك الى الليل لئلا يكون مفطرا في غير الوجه الذي أمر الله (عز و جل) فيه بالإفطار. و نحوه قال ابن الجنيد و هو غريب.

قال في المختلف: و المشهور انه يجب عليه الصوم إذا كان سفره معصية و لا يجب عليه القضاء. ثم استدل بالأمر بالصوم و قد امتثل فيخرج عن العهدة و ان القضاء إنما يجب بأمر جديد. و هو جيد.

ثم انه نقل عن ابن الجنيد في مقام آخر انه قال: و لا استحب لمن دخل عليه شهر رمضان و هو مقيم أن يخرج الى سفر إلا أن يكون لفرض حج أو عمرة أو ما يتقرب به الى الله (عز و جل) أو منفعة نفسه و ماله لا في تكاثر و تفاخر فان خرج في ذلك أو في معصية الله (عز و جل) لم يفطر في سفره و كان عليه مع صيامه فيه القضاء.

ثم قال في المختلف: و قد بينا ان المشهور وجوب الصيام في المعصية و عدم وجوب القضاء، و اما الخروج للتنزه و التلذذ فان كان مباحا وجب الإفطار و القضاء و إلا وجب الصوم دون القضاء، لنا الأصل إباحة السفر في المباح فيجب القصر في الصوم. ثم نقل عنهما الاحتجاج برواية أبي بصير الدالة على المنع من السفر في شهر رمضان و ستأتي في المسألة الآتية (1) و أجاب عنها بعد الطعن في السند بالحمل على الاستحباب.

المسألة الخامسة [السفر في شهر رمضان]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز السفر في شهر رمضان و ان كان على كراهة الى أن يمضى من الشهر ثلاثة و عشرون يوما، و نقل عن ابى الصلاح انه قال إذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا.

____________

(1) ص 411.

409

و المعتمد القول المشهور للأخبار الكثيرة، إلا ان ظاهرها الاختلاف في الأفضلية في بعض المواضع و ان السفر في بعضها أفضل من الصيام فإطلاق القول بأفضلية الصيام و كراهة السفر من ما لا وجه له.

فمن الأخبار المشار إليها

ما رواه الصدوق في الصحيح عن العلاء عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان و هو مقيم و قد مضى منه أيام؟ فقال: لا بأس بأن يسافر و يفطر و لا يصوم».

قال ابن بابويه: و قد روى ذلك ابان بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) (2). و طريقه الى ابان في المشيخة صحيح فيكون الخبر صحيحا.

و ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) «في الرجل يشيع أخاه مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة؟ قال: ان كان في شهر رمضان فليفطر. قلت أيما أفضل يصوم أو يشيعه؟ قال: يشيعه ان الله (عز و جل) قد وضعه عنه».

و روى الصدوق مرسلا نحوا منه (4).

و ما رواه الصدوق عن الوشاء عن حماد بن عثمان في الحسن (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل من أصحابي قد جاءني خبره من الأعوص و ذلك في شهر رمضان أتلقاه و أفطر؟ قال نعم. قلت أتلقاه و أفطر أو أقيم و أصوم؟ قال تلقاه و أفطر».

و ما رواه الكليني في الموثق عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال: «قلت الرجل يشيع أخاه في شهر رمضان اليوم و اليومين؟ قال يفطر و يقضى. قيل له فذلك أفضل أو يقيم و لا يشيعه؟ قال يشيعه و يفطر فان ذلك حق عليه».

____________

(1) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(3) الفروع ج 1 ص 198 و في الوسائل الباب 10 من صلاة المسافر.

(4) الوسائل الباب 10 من صلاة المسافر.

(5) الوسائل الباب 10 من صلاة المسافر.

(6) الوسائل الباب 10 من صلاة المسافر.

410

و ما رواه في المقنع مرسلا (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشيع أخاه مسيرة يومين أو ثلاثة؟ فقال ان كان في شهر رمضان فليفطر. قلت أيهما أفضل يصوم أو يشيعه؟ قال يشيعه ان الله قد وضع عنه الصوم إذا شيعه».

و قد ورد بإزاء هذه الأخبار ما يدل على أفضلية الإقامة: و منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان و هو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان ان يسافر؟ فسكت فسألته غير مرة فقال يقيم أفضل إلا أن تكون له حاجة لا بد له من الخروج فيها أو يتخوف على ماله».

و ما رواه الشيخ عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له جعلت فداك يدخل على شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نية زيارة قبر أبى عبد الله (عليه السلام) فأزوره و أفطر ذاهبا و جائيا أو أقيم حتى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟ فقال أقم حتى تفطر. قلت له جعلت فداك فهو أفضل؟ قال نعم اما تقرأ في كتاب الله عز و جل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (4)».

و ما رواه أيضا في التهذيب عن محمد بن الفضل البغدادي (5) قال: «كتبت الى أبى الحسن العسكري (عليه السلام) جعلت فداك يدخل شهر رمضان على الرجل فيقع بقلبه زيارة الحسين (عليه السلام) و زيارة أبيك ببغداد فيقيم في منزله حتى يخرج عنه شهر رمضان ثم يزورهم أو يخرج في شهر رمضان و يفطر؟ فكتب (عليه السلام): لشهر رمضان من الفضل و الأجر ما ليس لغيره من الشهور فإذا دخل فهو المأثور».

و روى ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجل و مكاتباتهم

____________

(1) الوسائل الباب 10 من صلاة المسافر و الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(4) سورة البقرة الآية 182.

(5) الوسائل الباب 91 من أبواب المزار.

411

الى مولانا أبى الحسن على بن محمد (عليهما السلام) من مسائل داود الصرمي (1) قال:

«سألته عن زيارة الحسين و زيارة آبائه (عليهم السلام) في شهر رمضان نزورهم؟

فقال: لرمضان من الفضل و عظيم الأجر ما ليس لغيره فإذا دخل فهو المأثور و الصيام فيه أفضل من قضائه، و إذا حضر فهو مأثور ينبغي أن يكون مأثورا».

و ما رواه الشيخ عن الحسين بن المختار في القوى عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال «لا تخرج في رمضان إلا للحج أو العمرة أو مال تخاف عليه الفوت أو لزرع يحين حصاده».

و ما رواه المشايخ الثلاثة عن ابى بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخروج إذا دخل شهر رمضان فقال لا إلا في ما أخبرك به: خروج إلى مكة أو غزو في سبيل الله أو مال تخاف هلاكه أو أخ تريد وداعه، و انه ليس أخا من الأب و الام».

و في التهذيب و الفقيه (4) «أو أخ تخاف هلاكه».

و يمكن أن يكون هذا الخبر هو مستند ابى الصلاح في ما تقدم نقله عنه من القول بالتحريم إلا انه لم يستثن ما استثناه (عليه السلام) في الخبر المذكور.

و ما رواه الشيخ عن على بن أسباط عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا دخل شهر رمضان فلله فيه شرط قال الله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (6) فليس للرجل إذا دخل شهر رمضان ان يخرج إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف هلاكه، و ليس له أن يخرج في إتلاف مال أخيه، فإذا مضت ليلة ثلاث و عشرين فليخرج حيث شاء».

و هذا الخبر هو المستند في ما تقدم من انتفاء الكراهة بعد ليلة ثلاث و عشرين كما ذكروه.

____________

(1) الوسائل الباب 91 من أبواب المزار.

(2) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 3 ممن يصح منه الصوم.

(6) سورة البقرة الآية 182.

412

و الذي يتلخص من مجموع هذه الأخبار و ضم بعضها الى بعض هو جواز السفر على كراهة إلا في المواضع المستثناة. إلا أن في عدم استثناء زيارة الحسين (عليه السلام) كما دل عليه خبر أبى بصير و خبر محمد بن الفضل و خبر السرائر إشكالا، إذ لا تقصر عن بعض هذه المستثنيات ان لم تزد عليها. و لا يبعد حمل الأخبار المذكورة على التقية.

و العجب من جمود صاحب الوسائل على العمل بخبري محمد بن الفضل و السرائر حيث لم يذكر غيرهما مع معلومية رجحان زيارة الحسين (عليه السلام) على استحباب التشييع الذي تكاثرت به الاخبار المتقدمة من ما لا يخفى على العارف. و الله العالم.

المسألة السادسة [هل يفترق قصر الصوم عن قصر الصلاة؟]

- قد تقدم في المسألة الثالثة من الاخبار ما يدل على التلازم بين قصر الصوم و الصلاة مثل قوله (عليه السلام) في

صحيحة معاوية بن وهب (1) «هما واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت».

و نحوها من الأخبار المتقدمة و بذلك صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف إلا من الشيخ في النهاية و المبسوط حيث نقل عنه ان من سافر لصيد التجارة قصر صومه و أتم صلاته، قال في المعتبر:

و نحن نطالبه بدلالة الفرق و نقول ان كان مباحا قصر فيهما و إلا أتم فيهما.

أقول: ما ذكره الشيخ (قدس سره) من الحكم المذكور و ان لم يصل إلينا دليله في الأخبار الواردة في الكتب المشهورة إلا انه مذكور

في الفقه الرضوي في كتاب الصلاة حيث قال (عليه السلام) (2) «و إذا كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة و القصر في الصوم».

إلا انه (عليه السلام) في كتاب الصوم نسب ذلك الى الرواية حيث قال (3) و الذي يلزمه التمام للصلاة و الصوم في السفر المكاري و البريد و الراعي و الملاح لانه عملهم، و صاحب الصيد ان كان صيده بطرا فعليه التمام في

____________

(1) الوسائل الباب 4 ممن يصح منه الصوم.

(2) ص 16.

(3) ص 25.

413

الصلاة و الصوم و ان كان صيده للتجارة فعليه التمام في الصلاة و الصوم، و روى ان عليه الإفطار في الصوم، و إذا كان صيده من ما يعود به على عياله فعليه التقصير في الصلاة و الصوم لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله. انتهى.

و أنت خبير بأن أصحابنا (رضوان الله عليهم) قد أعادوا الكلام بالنسبة الى ما ذكروه في كتاب الصلاة من الأحكام الموجبة للتقصير على المسافر في الصلاة في كتاب الصوم مثل اشتراط المسافة و بيان مقدارها و بيان محل الترخص و أحكام كثير السفر و نحو ذلك، و نحن لم نتعرض لذلك في الكتاب اعتمادا على ما تقدم في كتاب الصلاة.

المسألة السابعة [مقاربة النساء في نهار شهر رمضان لمن ساغ له الإفطار]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم الجماع لمن ساغ له الإفطار في نهار شهر رمضان فالمشهور بين الأصحاب هو الجواز على كراهة و ذهب الشيخ (قدس سره) الى التحريم.

و يدل على الأول

صحيحة عمر بن يزيد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان إله أن يصيب من النساء؟ قال: نعم».

و رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي (2) قال: «سألت أبا الحسن- يعنى موسى (عليه السلام)- عن الرجل يجامع أهله في السفر و هو في شهر رمضان قال لا بأس به».

و صحيحة على بن الحكم (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يجامع أهله في السفر في شهر رمضان؟ فقال: لا بأس به».

و رواية محمد بن سهل عن أبيه (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و هو مسافر؟ فقال: لا بأس».

و رواية محمد بن مسلم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقدم من سفر بعد العصر في شهر رمضان فيصيب امرأته حين طهرت من

____________

(1) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(5) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

414

الحيض أ يواقعها؟ قال: لا بأس به».

و موثقة داود بن الحصين (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية أ يقع عليها؟ قال نعم».

و رواية أبي العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يسافر و معه جارية في شهر رمضان هل يقع عليها؟ قال: نعم».

و يدل على

ما ذهب اليه الشيخ صحيحة ابن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسافر في شهر رمضان و معه جارية له فله ان يصيب منها بالنهار؟ فقال سبحان الله اما يعرف حرمة شهر رمضان؟ ان له في الليل سبحا طويلا (4) قلت أ ليس له أن يأكل و يشرب؟ فقال ان الله تعالى قد رخص للمسافر في الإفطار و التقصير رحمة و تخفيفا لموضع التعب و النصب و وعث السفر و لم يرخص له في مجامعة النساء في السفر بالنهار في شهر رمضان، و أوجب عليه قضاء الصيام و لم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة إذا آب من سفره. ثم قال: و السنة لا تقاس و انى إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت و ما أشرب كل الري».

و رواية عبد الله بن سنان (5) قال: «سألته عن الرجل يأتي جاريته في شهر رمضان بالنهار في السفر؟ فقال: اما عرف هذا حق شهر رمضان؟ ان له في الليل سبحا طويلا (6)».

و رواية محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «إذا سافر الرجل في شهر رمضان فلا يقرب النساء بالنهار في شهر رمضان فان ذلك محرم عليه».

و جمع الشيخ بين الاخبار بحمل ما تضمن الاذن في الوطء على من غلبته الشهوة و لم يتمكن من الصبر عليها و يخاف على نفسه الدخول في محظور فاما من يقدر على الصبر فليس له ذلك. ثم قال: ان حديث عمر بن يزيد و نحوه ليس فيه تعرض

____________

(1) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(4) اقتباس من قوله تعالى في سورة المزمل الآية 8 إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا.

(5) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

(6) اقتباس من قوله تعالى في سورة المزمل الآية 8 إِنَّ لَكَ فِي النَّهٰارِ سَبْحاً طَوِيلًا.

(7) الوسائل الباب 13 ممن يصح منه الصوم.

415

لذكر النهار فيحمل على ارادة الليل. ورد المتأخرون كلامه بالبعد.

و الأصحاب قد جمعوا بين الأخبار بحمل أدلة الشيخ على الكراهة المغلظة:

قال في الكافي: الفضل عندي أن يوقر الرجل شهر رمضان و يمسك عن النساء في السفر بالنهار إلا أن يكون يغلبه الشبق و يخاف على نفسه، و قد رخص له أن يأتي الحلال كما رخص للمسافر الذي لا يجد الماء إذا غلبه الشبق أن يأتي الحلال، قال:

و يؤجر في ذلك كما انه إذا أتى الحرام اثم. و قال في الفقيه: النهى عن الجماع للمقصر في السفر انما هو نهى كراهة لا نهى تحريم. قال في الوافي: و يشبه أن يكون الحكم بالجواز ورد مورد التقية و الاحتياط هنا من ما لا ينبغي تركه. انتهى.

أقول: قد عرفت بما قدمنا في غير موضع ما في الجمع بين الاخبار بالحمل على الكراهة و الاستحباب و ان اشتهر ذلك و صار قاعدة كلية بين الأصحاب، و لا سيما صحيحة ابن سنان المذكورة و رواية محمد بن مسلم فإنهما صريحتان في التحريم خصوصا صحيحة ابن سنان من نسبته (عليه السلام) حمل الجماع على الأكل و الشرب على القياس و قوله (عليه السلام): «ان السنة لا تقاس» بمعنى ان تحليل الأكل و الشرب لا يستلزم تحليل الجماع كما ان الشارع أوجب على المسافر قضاء الصوم و لم يوجب عليه قضاء تمام الصلاة مع اشتراكهما في الفوات بالسفر.

و الأظهر عندي حمل هذه الأخبار التي استدل بها الشيخ على التقية، و العامة و ان كانوا هنا على قولين ايضا فمذهب الشافعي كما نقله في المنتهى موافق للقول المشهور و مذهب احمد موافق لمذهب الشيخ (1) إلا انه لما كان أصحابنا (رضوان الله عليهم) متقدموهم و متأخروهم عدا الشيخ على القول بالجواز عملا بالأخبار المتقدمة فإن ذلك يوجب العلم أو الظن المتاخم له بان ذلك هو مذهب الأئمة (عليهم السلام) فان مذهبهم إنما يعلم بنقل شيعتهم و اتباعهم كما ان مذهب كل امام من أئمة الضلال إنما يعلم بنقل اتباعه و تدينهم به. و اما ما ذكره في الوافي من اختيار حمل أخبار الجواز

____________

(1) المغني ج 3 ص 101 و 102 و 134.

416

على التقية فالظاهر بعده لما عرفت. و كيف كان فالاحتياط من ما ينبغي المحافظة عليه.

و قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) أيضا بأنه يكره التملي لمن ساغ له الإفطار في شهر رمضان و استدلوا عليه بان فيه تشبها بالصائمين و امتناعا من الملاذ طاعة لله تعالى. و الاولى الاستدلال عليه بما تقدم في

صحيحة ابن سنان من قوله (عليه السلام): «انى إذا سافرت في شهر رمضان ما آكل إلا القوت».

و في رواية الفقيه (1) «كل القوت و ما أشرب كل الري».

و الله العالم

المسألة الثامنة [مواضع استحباب الإمساك تأدبا]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يستحب الإمساك تأديبا و ان لم يكن ذلك صياما في مواطن: المسافر إذا قدم أهله أو بلدا يعزم الإقامة فيها بعد الزوال أو قبله و قد أفطر، و المريض إذا برئ بعد الزوال، و الحائض و النفساء إذا طهرتا في أثناء النهار، و كذا الكافر إذا أسلم و الصبي إذا بلغ و المجنون و المغمى عليه إذا أفاقا.

و يدل على بعض ذلك ما تقدم

في حديثي الزهري و كتاب الفقه المذكور في صدر الكتاب (2) حيث قالا (عليهما السلام): «و اما صوم التأديب فإنه يؤمر الصبي إذا بلغ سبع سنين بالصوم تأديبا و ليس بفرض، و كذلك من أفطر لعلة أول النهار ثم قوى بقية يومه أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض، و كذلك المسافر إذا أكل من أول النهار ثم قدم أهله بقية يومه أمر بالإمساك تأديبا و ليس بفرض، و كذلك الحائض إذا طهرت أمسكت بقية يومها».

و في موثقة سماعة (3) قال سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس و قد أكل؟ قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا و لا يواقع في شهر رمضان ان كان له أهل».

و في رواية محمد بن عيسى عن يونس (4) قال قال «في المسافر الذي يدخل أهله في

____________

(1) ج 2 ص 93.

(2) ص 6 و في الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

(3) الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

(4) الوسائل الباب 7 ممن يصح منه الصوم.

417

شهر رمضان و قد أكل قبل دخوله؟ قال: يكف عن الأكل بقية يومه و عليه القضاء».

الى غير ذلك من الأخبار الواردة في المقام.

المسألة التاسعة [حكم الشيخ و الشيخة في الصوم]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم الشيخ و الشيخة إذا عجزا عن الصيام أو أطاقاه بمشقة شديدة، فقيل بأنهما يفطران و يتصدقان عن كل يوم بمد من طعام، ذهب اليه الشيخ و جماعة من الأصحاب و به صرح العلامة في المنتهى و المحقق في المعتبر و اختاره السيد السند في المدارك، لكنه في النهاية أوجب مدين فان عجز فمد. و قيل بأنهما إذا عجزا عن الصوم فلا كفارة كما انه لا يجب عليهما الصيام فكذا لا تجب الكفارة و ان أطاقاه بمشقة وجبت الكفارة و سقط الصيام، ذهب اليه الشيخ المفيد و السيد المرتضى و نسبه في المنتهى الى أكثر علمائنا و هو مختار العلامة في المختلف و الشهيد الثاني. و مرجع الخلاف الى وجوب الكفارة في صورة العجز و عدمه لاتفاق الجميع على الوجوب في صورة المشقة الشديدة.

و استدل على القول الأول

بما رواه الكليني و الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الشيخ الكبير و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان، و يتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام، و لا قضاء عليهما».

و رواية عبد الملك بن عتبة الهاشمي (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الشيخ الكبير و العجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان؟ قال:

تصدق عن كل يوم بمد من حنطة».

و هذه الرواية وصفها في المدارك بالصحة تبعا للعلامة في المختلف و هو غفلة منهما فان عبد الملك المذكور مهمل في الرجال لم ينص أحد على توثيقه و لا مدحه و انما الثقة عبد الملك بن عتبة النخعي.

____________

(1) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(2) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

418

و صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل كبير يضعف عن صوم شهر رمضان؟ فقال: يتصدق بما يجزئ عنه طعام مسكين لكل يوم».

قال في المدارك بعد نقل هذه الاخبار: و لم نقف للمفيد و اتباعه على رواية تدل على ما ذكروه من التفصيل، و قد اعترف بذلك الشيخ في التهذيب فقال بعد أن أورد عبارة المفيد: هذا الذي فصل به بين من يطيق الصيام بمشقة و بين من لا يطيقه أصلا لم أجد به حديثا مفصلا و الأحاديث كلها على انه متى عجزا كفرا عنه. و الذي حمله على هذا التفصيل هو انه ذهب الى ان الكفارة فرع على وجوب الصوم، و من ضعف عن الصيام ضعفا لا يقدر عليه جملة فإنه يسقط عنه وجوبه جملة لانه لا يحسن تكليفه بالصيام و حاله هذه و قد قال الله تعالى:

لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (2) قال: و هذا ليس بصحيح لان وجوب الكفارة ليس بمبنى على وجوب الصوم، إذ لا يمتنع أن يقول الله عز و جل: متى لم تطيقوا الصوم صارت مصلحتكم في الكفارة و سقط وجوب الصوم عنكم. و ليس لأحدهما تعلق بالآخر.

قال في المدارك: هذا كلامه (قدس سره) و هو جيد لكن ما وجه به كلام المفيد لا وجه له فان التكليف بالصيام كما يسقط مع العجز عنه لإناطة التكليف بالوسع كذا يسقط مع المشقة الشديدة لأن العسر غير مراد لله تعالى. و أيضا فإنه لا خلاف في جواز الإفطار مع المشقة الشديدة و إنما الكلام في وجوب التكفير معه كما هو واضح. انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من الاستدلال على كلام الشيخ جيد لكن قوله أخيرا- إنما الكلام في وجوب التكفير مع جواز الإفطار في صورة المشقة الشديدة- ليس بجيد فإنه لا كلام هنا و لا خلاف في وجوب الكفارة في هذه

____________

(1) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(2) سورة البقرة الآية 287.

419

الصورة إنما الكلام و الخلاف في صورة العجز كما أشرنا إليه في صدر الكلام.

ثم نقل (قدس سره) عن العلامة في المختلف انه استدل على هذا التفصيل بقول الله تعالى وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ (1) فإنه يدل بمفهومه على سقوط الفدية عن الذين لا يطيقونه. و بأصالة البراءة من وجوب التكفير مع العجز و منع دلالة الروايات على الوجوب: اما رواية محمد بن مسلم فلاقتضائها نفى الحرج عنهما على الإفطار و نفى الحرج يفهم منه ثبوت التكليف و انما يتم مع القدرة، و اما روايتا الحلبي و عبد الملك الهاشمي فلأن موردهما من ضعف عن الصوم و الضعف لا يستلزم العجز.

ثم قال (قدس سره): و يتوجه عليه ان الآية الشريفة غير محمولة على ظاهرها بل اما منسوخة كما هو قول بعض المفسرين (2) أو محمولة على ان المراد «و على الذين كان يطيقونه ثم عجزوا عنه» كما هو مروي في أخبارنا (3) و اما الروايات فهي بإطلاقها متناولة للحالين فان الضعف عن الصوم يتحقق بالعجز عنه و بالمشقة اللازمة منه و كذا نفى الحرج يتحقق مع الوصفين، و بالجملة فالأحاديث مطلقة فيجب حملها على إطلاقها. انتهى.

أقول: تحقيق الكلام في المقام يرجع الى تحقيق معنى الآية أولا ثم بيان الكلام في الأخبار المذكورة:

اما الآية فما ذكره فيها من النسخ مبنى على ما قاله بعضهم من انه كان القادر على الصيام الذي لا عذر له في تركه مخيرا بين الصيام و بين الفدية لكل يوم نصف صاع و قيل مد، و كان ذلك في صدر الإسلام حين فرض عليهم الصيام و لم يتعودا فرخص لهم في الإفطار و الفدية، ثم نسخ ذلك بقوله عز و جل:

____________

(1) سورة البقرة الآية 181.

(2) ارجع الى البيان لآية الله الخوئي ج 1 ص 207.

(3) ص 420 رقم 3.

420

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ (1). و هذا مع عدم الدليل عليه في أخبارنا مردود بظواهر الأخبار الواردة في تفسير الآية المذكورة كما ستقف عليه في المقام ان شاء الله تعالى.

و اما المعنى الآخر الذي ذكره فهو و ان ورد

في موثقة ابن بكير على رواية الفقيه و ابن فضال عن بعض أصحابنا على رواية الكافي (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في قول الله عز و جل وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ؟ (4) قال: الذين كانوا يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد».

إلا انه

قد روى ثقة الإسلام و الشيخ في كتابيهما في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) «في قول الله عز و جل وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ (6)؟ قال: الشيخ الكبير و الذي يأخذه العطاش. الحديث».

و روى العياشي في تفسيره (7) عن سماعة عن ابى بصير قال: «سألته عن قول الله عز و جل وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ (8)؟ قال: هو الشيخ الكبير الذي لا يستطيع و المريض».

و روى (9) عن رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) «في قول الله عز و جل وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ (10)؟ قال: المرأة تخاف على ولدها و الشيخ الكبير».

و هذه الاخبار- كما ترى- قد فسرت «الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» في الآية بالشيخ الكبير و المريض و المرضع التي تخاف على ولدها فله اللبن من الصيام، و هي أرجح سندا و عددا و دلالة من الرواية التي اعتمدها.

و يؤيد العمل بظاهر هذه الأخبار أيضا أولا- انه مع الحمل على المعنى الذي دلت عليه تلك الرواية يستلزم الحذف و التقدير في الآية كما دل عليه الخبر المذكور و الأصل عدمه و اما على ما نقلناه من الأخبار فلا.

و ثانيا- انه يلزم فصل ما ظاهره الوصل في الآية و هو قوله عز و جل:

____________

(1) سورة البقرة الآية 182.

(2) السند فيه: ابن فضال عن ابن بكير عن بعض أصحابنا.

(3) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(4) سورة البقرة الآية 181.

(5) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(6) سورة البقرة الآية 181.

(7) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(8) سورة البقرة الآية 181.

(9) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(10) سورة البقرة الآية 181.

421

وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (1) بان يكون كلاما مستأنفا ليس له ربط بما تقدمه أى ان صومكم خير عظيم لكم و ظاهر الآية انه مرتبط بما تقدمه.

و تفصيل هذه الجملة هو انه لا يخفى ان المعلوم من الأدلة العقلية و النقلية أنه (عز و جل) لا يكلف نفسا إلا وسعها و الوسع لغة دون الطاقة كما صرح به في مجمع البيان و غيره.

و في التوحيد (2) عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل قال: «ما أمر الناس إلا بدون سعتهم و كل شيء أمر الناس بأخذه فهم متسعون له و ما لا يتسعون له فهو موضوع عنهم و لكن الناس لا خير فيهم».

و في كتاب الاعتقادات للصدوق (3) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما كلف الله العباد إلا دون ما يطيقون».

و حينئذ فلا تكلف نفس بما هو على قدر طاقتها أى ما يشق عليها تحمله عادة و يعسر عليها، فالآية دلت على ان الذين يطيقون الصوم كالشيخ و الشيخة و ذي العطاش- يعنى من يكون الصوم على قدر طاقتهم و يكونون معه على مشقة و عسر- لم يكلفهم الله تعالى حتما بل خيرهم بينه و بين الفدية توسعة لهم ثم جعل الصوم خيرا لهم من الفدية في الأجر و الثواب إذا اختاروه كما قال في مجمع البيان: قوله «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» يعنى من الإفطار و الفدية.

و بما أوضحناه يظهر ان المراد من الآية هو ان من أمكنه الصوم بمشقة فإنه قد جوز له الإفطار و الفدية و لا تعرض فيها للعاجز عنه بالكلية إلا ان كان كما ذكره في المختلف من الدلالة بالمفهوم.

و اما الاخبار التي ادعى دلالتها على ذلك بإطلاقها فالظاهر ان المنساق منها

____________

(1) سورة البقرة الآية 181.

(2) باب الاستطاعة ص 358 و فيه «ما أمر العباد».

(3) باب الاعتقاد في التكليف.

422

الى الذهن إنما هو خلاف ما ادعاه إذ المنساق من قوله: «يضعف عن صوم شهر رمضان» في رواية عبد الملك و صحيحة الحلبي انما هو حصول المشقة بذلك مع إمكان تحمله لا العجز، و الحرج المنفي في صحيحة محمد بن مسلم هو إمكان الفعل مع المشقة كما في قوله تعالى وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1) أى مشقة و عسر.

و قد وافقنا في المقام الفاضل الخراساني مع اقتفائه أثره غالبا فقال هنا مشيرا اليه: و استدل بعض الأصحاب على القول بوجوب الكفارة بصحيحة محمد بن مسلم و الحلبي و رواية عبد الملك. و فيه نظر لان المتبادر من هذه الروايات غير العاجز بالكلية كما لا يخفى على المتأمل فيها، على ان قوله: «فان لم يقدرا» في الخبر الأول يحتمل أن يكون المراد به إن لم يقدرا على الصوم أصلا، و على هذا المعنى يوافق قول المفيد و من تبعه. انتهى. ثم نقل كلام المختلف و اعترضه بما قدمنا نقله عن صاحب المدارك و اقتفى أثره فيه كما هي عادته و قد عرفت ما فيه. و بالجملة فإن كلام العلامة في المختلف كما قدمنا لا يخلو من قوة.

و قد ظهر من ما حققناه ان مورد الآية و الاخبار إنما هو بالنسبة الى من يمكنه الصوم بمشقة فإنه يفطر و يفدى و هذا هو المتفق عليه، و يبقى وجوب الفدية على العاجز بالكلية عاريا عن الدليل و به يتأيد قول الشيخ المفيد.

و لم أر من تنبه لما قلناه في معنى الآية إلا المحدث الكاشاني في الصافي و المفاتيح و لا يخفى انه إذا لم يترجح هذا المعنى الذي ذكرناه فلا أقل أن يكون مساويا في الاحتمال لما ذكره و به يسقط الاستدلال بالأخبار المذكورة. و بذلك صرح في المختلف فقال: و مع قبول الروايات للتأويل يسقط الاستدلال بها فان الدليل متى تطرق اليه الاحتمال سقطت دلالته. انتهى.

إلا انه

قد روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن إبراهيم بن أبي

____________

(1) سورة الحج الآية 78.

423

زياد الكرخي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل شيخ لا يستطيع القيام الى الخلاء لضعفه و لا يمكنه الركوع و السجود؟ فقال ليومئ برأسه إيماء. الى أن قال:

قلت فالصيام؟ قال إذا كان في ذلك الحد فقد وضع الله عنه فان كانت له مقدرة فصدقة مد من طعام بدل كل يوم أحب الى و ان لم يكن له يسار ذلك فلا شيء عليه».

و هو ظاهر الدلالة على القول المشهور إلا أن تحمل الصدقة في الخبر على الاستحباب بقرينة قوله (عليه السلام) «أحب الى» و فيه ما فيه.

و كيف كان فالاحتياط العمل على القول المشهور.

فوائد

الأولى

-

روى الثقة الجليل على بن إبراهيم القمي في تفسيره (2) بسنده عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية المتقدمة «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ» قال من مرض في شهر رمضان فأفطر ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر فعليه ان يقضى و يتصدق لكل يوم بمد من طعام.

و هذا تفسير ثالث للآية المذكورة. و قد تقدم تحقيق الكلام في ما دل عليه هذا الخبر.

الثانية

- قد روى الشيخ صحيحة محمد بن مسلم الاولى بلفظ «مدين من طعام» و حمله في الاستبصار على الاستحباب، و قال في التهذيب ان هذا الخبر ليس بمضاد للأحاديث التي تضمنت مدا من طعام أو إطعام مسكين لان هذا الحكم يختلف بحسب اختلاف أحوال المكلفين فمن أطاق إطعام مدين يلزمه ذلك و من لم يطق إلا إطعام مد فعليه ذلك و من لم يقدر على شيء منه فليس عليه شيء حسبما قدمناه.

و الأظهر وجوب المد مطلقا كما هو المشهور و مع عدم الإمكان فلا شيء عليه.

الثالثة

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) وجوب القضاء عند

____________

(1) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

(2) سورة البقرة الآية 181 ص 56.

424

التمكن منه، و نقل عن الشيخ على بن الحسين بن بابويه عدم الوجوب، و سيأتي نقل عبارته قريبا.

و يدل على ما ذهب اليه ما تقدم

في صحيحة محمد بن مسلم التي في صدر المسألة (1) برواية الشيخين المذكورين من قوله (عليه السلام): «و لا قضاء عليهما».

و على ذلك ايضا يدل كلامه (عليه السلام)

في الفقه الرضوي (2) حيث قال (عليه السلام): و إذا لم يتهيأ للشيخ أو الشاب المعلول أو المرأة الحامل أن يصوم من العطش أو الجوع أو تخاف المرأة أن يضر بولدها فعليهم جميعا الإفطار، و يتصدق كل واحد عن كل يوم بمد من طعام و ليس عليه القضاء.

انتهى.

و هذه العبارة هي مستند الشيخ على بن بابويه إذ هي نفس عبارته الآتية و ان كانت الرواية المتقدمة دالة ايضا على ذلك.

قال في المدارك: و مقتضى العبارة وجوب القضاء عليهما مع التمكن كما في ذي العطاش و هو مشكل لإطلاق الرواية المتضمنة للسقوط. انتهى.

أقول: العجب منه (قدس سره) انه قدم صحيحة محمد بن مسلم المشتملة على نفى القضاء عنهما و غفل عن الاستدلال بها و إنما استند إلى إطلاق الروايات بالسقوط و الرواية صحيحة صريحة في ما يريده. و أعجب من ذلك انه في مسألة ذي العطاش استند إليها في سقوط القضاء ورد على الأصحاب في إيجاب القضاء عليه و هو بعد العبارة الأولى بأربعة أسطر.

الرابعة

-

روى الشيخ في التهذيب بسنده عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له الشيخ الكبير لا يقدر أن يصوم؟ فقال يصوم عنه بعض ولده. قلت فان لم يكن له ولد؟ قال فادنى قرابته. قلت فان لم يكن له قرابة؟

قال يتصدق بمد في كل يوم فان لم يكن عنده شيء فليس عليه».

____________

(1) ص 417.

(2) ص 25.

(3) الوسائل الباب 15 ممن يصح منه الصوم.

425

و حمل في الاستبصار صوم الولد و القرابة على الاستحباب و بذلك صرح في المنتهى، و لو لا إعراض الأصحاب عن العمل بالرواية و اتفاقهم على العمل بتلك الأخبار لأمكن القول بتقييد الأخبار المتقدمة بها.

المسألة العاشرة [حكم ذي العطاش في الصوم]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في حكم ذي العطاش- و هو بالضم داء لا يروى صاحبه- فقيل بأنه يجب عليه الإفطار إذا شق عليه الصيام و يجب عليه التكفير و القضاء مع البرء، و اختاره المحقق في المعتبر و الشرائع.

اما وجوب الإفطار فظاهر لان التكليف منوط بالوسع كما عرفت لقوله عز و جل لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1).

و اما وجوب الصدقة

فلقوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة في صدر المسألة السابقة (2) «يتصدق كل واحد منهما- يعنى الشيخ الكبير و الذي به العطاش- عن كل يوم بمد من طعام».

و اما وجوب القضاء فاستدل عليه في المعتبر بأنه مرض و قد زال فيقضى كغيره من الأمراض. أقول: و يؤيده ظاهر الآية فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (3) الا أن إطلاق صحيحة محمد بن مسلم المشار إليها ينافي ذلك لقوله (عليه السلام): «و لا قضاء عليهما».

و قيل انه ان كان مرجو الزوال يجب على صاحبه القضاء بعد البرء و لا كفارة و ان كان من ما لا يرجى زواله وجبت الكفارة خاصة دون القضاء. اختاره العلامة في جملة من كتبه.

قال في المختلف: ذو العطاش الذي يرجى برؤه و يتوقع زواله يفطر و يقضى مع البرء، و هل تجب الكفارة؟ قال الشيخ: نعم، و به قال سلار و ابن البراج و ابن حمزة، و قال المفيد و السيد المرتضى و ابن إدريس لا تجب و هو الأقرب، لنا-

____________

(1) سورة البقرة الآية 287.

(2) ص 417 و اللفظ مطابق للفقيه ج 2 ص 84.

(3) سورة البقرة الآية 182.

426

الأصل براءة الذمة، و لانه مريض فلا تجب عليه كفارة مع القضاء كغيره. الى ان قال: و لو كان العطاش من ما لا يرجى برؤه قال الشيخ يفطر و لا قضاء عليه و تجب الكفارة، و به قال ابن بابويه و السيد المرتضى و ابن الجنيد و المفيد و ابن إدريس و ابن البراج، و قال سلار لا تجب الكفارة. انتهى.

و منه يعلم ان ما قدمنا نقله عن العلامة في جملة من كتبه هو مذهب الشيخ المفيد و السيد المرتضى و ابن إدريس و ان ما نقل عن الشيخ في كلا الشقين هو مذهب المحقق الذي قدمنا نقله عنه، و محل الاختلاف بين القولين في وجوب الكفارة مع البرء فأثبتها الشيخ و المحقق و من معهما و نفاها العلامة و من تبعه.

و قيل انه متى كان غير مرجو الزوال فلا كفارة و لا قضاء و لو حصل البرء على خلاف الغالب، اختاره المحقق الشيخ على، و هو ظاهر المنقول عن سلار.

و إطلاق الخبر المتقدم مدافع لكل من القولين المذكورين فإنه دال على وجوب التكفير مطلقا أعم من أن يرجى برؤه أم لا و نفى القضاء مطلقا أعم من أن يرجى برؤه أم لا، و لا ريب ان الوقوف على ظاهر الخبر هو الأظهر و الاحتياط لا يخفى.

و هل يجب على ذي العطاش الاقتصار من الشرب على ما تندفع به الضرورة أم يجوز له التملي من الشرب و غيره؟

قيل بالأول

لرواية عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «في الرجل يصيبه العطش حتى يخاف على نفسه؟ قال: يشرب بقدر ما يمسك رمقه و لا يشرب حتى يروى».

و قيل بالثاني و هو خيرة الأكثر لإطلاق

صحيحة محمد بن مسلم (2) و قوله (عليه السلام): «الشيخ الكبير و الذي به العطاش يفطران».

و يمكن ترجيح الثاني بأن مورد الرواية الأولى غير مورد الرواية الثانية.

و كيف كان فالاحتياط في الوقوف على القول الأول.

____________

(1) الوسائل الباب 16 ممن يصح منه الصوم.

(2) ص 417 و هو نقل بالمعنى.

427

و اما

ما رواه الشيخ عن المفضل بن عمر (1)- قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان لنا فتيانا و شبانا لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش؟ قال: فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم و ما يحذرون».

- فالظاهر حمله على الصغار الصائمين تمرينا فهو خارج عن محل البحث و ان ذكره المحدثون في ضمن اخبار هذه المسألة. و الله العالم.

المسألة الحادية عشرة [حكم الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن في الصوم]

- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو التفصيل بالنسبة إلى الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن بأنهما إن خافا على أنفسهما أفطرتا و عليهما القضاء و لا كفارة كالمريض و كل من خاف على نفسه، و ان خافا على الولد أفطرا و قضيا و كفرا.

قال العلامة في المنتهى: مسألة- الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا و عليهما القضاء، و هو قول فقهاء الإسلام و لا كفارة عليهما.

الى أن قال: مسألة- و لو خافتا على الولد من الصوم فلهما الإفطار أيضا و هو قول علماء الإسلام. و يجب عليهما القضاء إجماعا إلا من سلار من علمائنا، و يجب عليهما الصدقة عن كل يوم بمد من طعام، ذهب إليه علماؤنا.

و قال شيخنا الشهيد في الدروس: و تجب الفدية على الحامل المقرب و المرضعة القليلة اللبن إذا خافتا على الولد مع القضاء. ثم قال في الفروع: الثاني- لو خافت المرأة على نفسها دون ولدها ففي وجوب الفدية وجهان و الرواية مطلقة و لكن الأصحاب قيدوا بالولد.

و قال المحقق الشيخ على بن عبد العالي في حواشي الإرشاد عند قول المصنف:

الحامل المقرب و المرضعة القليلة اللبن و ذو العطاش الذي يرجو زواله يفطرون و يقضون مع الصدقة. فكتب المحقق المذكور في الحاشية: أما الحامل المقرب و هي التي قرب زمان وضع حملها و المرضعة القليلة اللبن فإنهما يفطران و يقضيان مع الصدقة عن كل يوم بمد إذا خافتا على الولد فقط اما إذا خافتا على أنفسهما فإنهما يفطران

____________

(1) التهذيب ج 4 ص 240 و في الوسائل الباب 16 ممن يصح منه الصوم. و في اللفظ تغيير لا يخل.

428

و يقضيان و لا كفارة كالمريض و كل من خاف على نفسه. انتهى.

و ظاهر المحقق في الشرائع- و هو صريحة في المعتبر- انهما يفطران و يقضيان و يفديان مطلقا و هو ظاهر عبارة الإرشاد المتقدمة.

و بذلك يظهر لك ما في اعتراض صاحب المدارك هنا على جده (قدس سره) حيث قال- بعد قول المصنف: الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن يجوز لهما الإفطار في رمضان و تقضيان مع الصدقة عن كل يوم بمد من طعام- ما لفظه:

إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين أن تخاف الحامل و المرضع على أنفسهما و على الولد، و بهذا التعميم صرح المصنف في المعتبر و استدل عليه

بما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان لأنهما لا تطيقان الصوم، و عليهما أن تتصدق كل واحدة منهما في كل يوم تفطران فيه بمد من طعام، و عليهما قضاء كل يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد».

ثم نقل عن الشافعي قولا بأنهما إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا و قضيتا و لا كفارة (2) ثم قال: و ما ذكره الشافعي لا وجه له مع وجود الأحاديث المطلقة و هو كذلك. و من العجب ان الشارح (قدس سره) جعل هذا التفصيل هو المشهور مع انا لم نقف على مصرح به سوى فخر الدين و بعض من تأخر عنه. الى آخره:

فان فيه ما عرفت من أن ما ذكره جده صحيح لا تعجب منه كما سمعت من كلام من قدمنا ذكره منهم و هو ظاهر لمن تتبع كلامهم في المقام.

نعم عبائر المتقدمين كالشيخ المفيد في المقنعة و الشيخ في المبسوط و ابن إدريس في السرائر إنما صرحت بالخوف على الولد خاصة فأوجبوا الإفطار و القضاء و الفدية في ذلك و اما الخوف على أنفسهما فلم يذكروا حكمه، و كأنهم حملوا الرواية المذكورة

____________

(1) الوسائل الباب 17 ممن يصح منه الصوم.

(2) المغني ج 3 ص 139.

429

على ذلك و جعلوا حكم الخوف على أنفسهما من قبيل سائر الأمراض كما صرحت به عبائر جملة من المتأخرين و قد تقدم فاستندوا في حكمه الى عموم اخبار المرض مطلقا من وجوب الإفطار و القضاء خاصة.

و يدل على خصوص ذلك

ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر (1) نقلا من كتاب مسائل الرجال رواية أحمد بن محمد الجوهري و عبد الله بن جعفر الحميري عن على بن مهزيار قال: «كتبت إليه- يعنى على بن محمد (عليه السلام)- اسأله عن امرأة ترضع ولدها و غير ولدها في شهر رمضان فيشتد عليها الصوم و هي ترضع حتى يغشى عليها و لا تقدر على الصيام أ ترضع و تفطر و تقضى صيامها إذا أمكنها أو تدع الرضاع و تصوم؟ فان كانت ممن لا يمكنها اتخاذ من يرضع ولدها فكيف تصنع؟

فكتب: ان كانت ممن يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها و أتمت صيامها و ان كان ذلك لا يمكنها أفطرت و أرضعت ولدها و قضت صيامها متى ما أمكنها».

و بالجملة فإن الصحيحة المتقدمة و ان كانت مطلقة إلا انه يمكن تقييد إطلاقها بهذه الرواية لأنها ظاهرة في أن الخوف على نفس المرأة لا على الولد و هي إنما تضمنت القضاء خاصة فتخص تلك الصحيحة بالخوف على الولد. و لا ينافيه قوله (عليه السلام) فيها «لأنهما لا تطيقان الصوم» حيث انه ظاهر في ان الخوف على أنفسهما لإمكان الحمل على المجاز باعتبار تضرر الولد به.

[فوائد]

الأولى

- قد نقل العلامة في المختلف عن الشيخ على بن الحسين بن بابويه انه قال في الرسالة: و إذا لم يتهيأ للشيخ أو الشاب أو المرأة الحامل ان تصوم من العطش أو الجوع أو تخاف المرأة ان يضر بولدها فعليهم جميعا الإفطار و تصدق عن كل يوم بمد من طعام و ليس عليه القضاء.

ثم قال (قدس سره) بعد نقل ذلك: و هذا الكلام يشعر بسقوط القضاء

____________

(1) الوسائل الباب 17 ممن يصح منه الصوم.

430

في حق الحامل و المرضع و المشهور بين علمائنا وجوب القضاء عليهما. ثم استدل ببعض الأدلة التخريجية ثم بصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1).

ثم قال: احتج بأن الأصل براءة الذمة من القضاء، و لان القضاء انما يجب بأمر جديد، و لأنهما أفطرتا بالعذر فاشبهتا الشيخ الفاني. و الجواب أصالة البراءة انما تعتبر مع عدم دليل يخالفها و القضاء يجب بالآية (2) و الحديث (3) و عمل الأصحاب. و الفرق بينهما و بين الشيخ ظاهر فان الشيخ عاجز عن الأداء و القضاء فلو أوجبنا عليه القضاء لوجب عليه الأداء. انتهى.

أقول: الظاهر ان هذا الاحتجاج الذي نقله إنما هو تكلف منه (قدس سره) حيث لم يجد دليلا من الأخبار الواصلة اليه، و الحجة الحقيقية للشيخ المشار اليه إنما هو كتاب الفقه الرضوي فإن هذه العبارة عين عبارة الفقه الرضوي التي قدمناها في الفائدة الثالثة من المسألة التاسعة (4) و هذه عادته كما نبهنا عليه في غير موضع من ما تقدم من أنه يأخذ عبارة الكتاب و يفتي بها، و ربما كان الحكم فيها غريبا كما في هذا الموضع فيطعنون عليه بعدم الدليل أو يزيفون له دليلا كما هنا، و كل ذلك ناشئ من عدم اطلاعهم على هذا الكتاب و انه معتمد الشيخ المذكور في جميع الأبواب.

الثانية

- قال في الدروس: لو قام غير الام مقامها روعي صلاح الطفل فان تم بالأجنبية فالأقرب عدم جواز الإفطار، هذا مع التبرع أو تساوى الأجرتين و لو طلبت الأجنبية زيادة لم يجب تسليمه إليها و جاز الإفطار.

أقول: اما ما اختاره من عدم جواز الإفطار في ما لو تم صلاح الطفل بالأجنبية فهو صريح

صحيحة على بن مهزيار المتقدمة (5) لقوله (عليه السلام): «ان كانت ممن

____________

(1) ص 428.

(2) و هو قوله تعالى في سورة البقرة الآية 182 فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ.

(3) الوسائل الباب 17 ممن يصح منه الصوم.

(4) ص 424.

(5) ص 429.

431

يمكنها اتخاذ ظئر استرضعت لولدها و أتمت صيامها».

و اما تقييد ذلك بالتبرع أو تساوى الأجرتين- فلو طلبت الأجنبية زيادة لم يجب تسليمه إليها و جاز الإفطار- فهو خلاف ظاهر الخبر المذكور لانه (عليه السلام) ناط ذلك بالمكنة فمتى أمكنها اتخاذ الظئر- بأجرة أو بغير اجرة زادت الأجرة على اجرة المثل أم لا- وجب عليها اتخاذ الظئر و وجب عليها الصيام.

الثالثة

- قال في الدروس: هذه الفدية من مالها و ان كانت ذات بعل، و مثله صرح في المدارك، و الوجه فيه ظاهر

صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها «و عليهما ان تتصدق كل واحدة منهما».

و لان هذه الفدية ترتبت على إفطارهما فتكون لازمة لهما.

الرابعة

- قال في المدارك: و اعلم ان إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في المرضع بين الام و غيرها و لا بين المتبرعة و المستأجرة. و هو كذلك

خاتمة الكتاب [نوادر ما تقدم فيه من الأبواب]

و هي تشتمل على نوادر ما تقدم فيه من الأبواب

روى في الكافي عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا أهل هلال شهر رمضان استقبل القبلة و رفع يديه فقال: اللهم أهله علينا بالأمن و الايمان و السلامة و الإسلام و العافية المجللة و الرزق الواسع و دفع الأسقام اللهم ارزقنا صيامه و قيامه و تلاوة القرآن فيه، اللهم سلمه لنا و تسلمه منا و سلمنا فيه».

و في خبر آخر (3) «استقبل القبلة و كبر ثم قال: اللهم أهله علينا بيمن و ايمان و سلامة و إسلام و هدى و مغفرة و عافية مجللة و رزق واسع انك على كل شيء قدير».

____________

(1) ص 428.

(2) الوسائل الباب 20 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 20 من أحكام شهر رمضان.

432

و عن الصادق (عليه السلام) (1) «إذا رأيت هلال شهر رمضان فلا تشر اليه و استقبل القبلة و ارفع يديك الى الله تعالى و تخاطب الهلال و تقول: ربى و ربك الله رب العالمين اللهم أهله علينا بالأمن و الايمان و السلامة و الإسلام و المسارعة الى ما تحب و ترضى اللهم بارك لنا في شهرنا هذا و ارزقنا خيره و عونه و اصرف عنا ضره و شره و بلاءه و فتنته».

و عن ابن ابى عقيل انه أوجب قراءة هذا الدعاء وقت رؤية هلال شهر رمضان و هو هذا: الحمد لله الذي خلقني و خلقك و قدر منازلك و جعلك مواقيت للناس، اللهم أهله علينا إهلالا مباركا، اللهم ادخله علينا بالسلامة و الإسلام و اليقين و الايمان و البر و التقوى و التوفيق لما تحب و ترضى».

و روى ثقة الإسلام بسنده عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من كتم صومه قال الله (عز و جل) لملائكته عبدي استجار من عذابي فأجيروه. و وكل الله (عز و جل) ملائكته بالدعاء للصائمين و لم يأمرهم بالدعاء لأحد إلا استجاب لهم فيه».

و روى عن عبيد بن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «الرجل يكون صائما فيقال له أ صائم أنت؟ فقال: لا، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هذا كذب».

أقول: يستفاد من هذين الخبرين استحباب كتمان الصيام إلا إذا سئل فلا يجوز له الكذب.

و روى عن الحسن بن صدقة (4) قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام) قيلوا فان الله يطعم الصائم و يسقيه في منامه».

____________

(1) مستدرك الوسائل الباب 13 من أحكام شهر رمضان و الإقبال ص 251 عن الصدوق في الفقيه عن الصادق (ع) و لكن في الفقيه ج 2 ص 62 نسبه الى أبيه في رسالته و لم نجده فيه مرويا عن الصادق (ع).

(2) الوسائل الباب 1 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 1 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 2 من آداب الصائم.

433

و روى في الكافي و التهذيب في الموثق عن سماعة (1) قال: «سألته عن السحور لمن أراد الصوم؟ فقال: اما في شهر رمضان فان الفضل في السحور و لو بشربة من ماء و اما في التطوع فمن أحب ان يتسحر فليفعل و من لم يفعل فلا بأس».

و روى في الكافي عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن السحور لمن أراد الصوم أ واجب هو عليه؟ فقال: لا بأس بان لا يتسحر إن شاء و اما في شهر رمضان فإنه أفضل أن يتسحر نحب أن لا يترك في شهر رمضان».

و روى في التهذيب عن عمرو بن جميع عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) تسحروا و لو بجرع الماء ألا صلوات الله على المتسحرين».

و روى في الفقيه مرسلا عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)- و التهذيب مسندا عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (4)- قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) تعاونوا بأكل السحور على صيام النهار و بالنوم عند القيلولة على قيام الليل».

و روى في الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (5) قال: «ان الله و ملائكته يصلون على المستغفرين و المتسحرين بالأسحار فليتسحر أحدكم و لو بشربة من ماء».

و روى في التهذيب عن حفص بن البختري عن أبى عبد الله (عليه السلام) (6) «أفضل سحوركم السويق و التمر».

و روى ثقة الإسلام و الصدوق في الصحيح و الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «سئل عن الإفطار قبل الصلاة أو بعدها؟ قال: ان كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم و ان كان غير ذلك فليصل و ليفطر».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 4 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 4 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 4 من آداب الصائم.

(5) الوسائل الباب 4 من آداب الصائم.

(6) الوسائل الباب 5 من آداب الصائم.

(7) الوسائل الباب 7 من آداب الصائم.

434

و روى في التهذيب في الموثق عن زرارة و فضيل عن أبى جعفر (عليه السلام) (1) «في رمضان تصلى ثم تفطر إلا أن تكون مع قوم ينتظرون الإفطار فإن كنت معهم فلا تخالف عليهم و أفطر ثم صل و إلا فابدأ بالصلاة. قلت و لم ذلك؟ قال لانه قد حضرك فرضان: الإفطار و الصلاة فابدأ بأفضلهما و أفضلهما الصلاة. ثم قال تصلى الفرض و أنت صائم فتكتب صلاتك تلك فتختم بالصوم أحب الى».

أقول: لعل المعنى في قوله «فتكتب صلاتك. الى آخره» انه تكتب صلاتك مختومة بالصوم بمعنى أنه تكتب صلاة الصائمين.

و روى الشيخ المفيد في المقنعة (2) عن الفضيل بن يسار و زرارة بن أعين جميعا عن أبى جعفر (عليه السلام) انه قال: «تقدم الصلاة على الإفطار إلا أن تكون مع قوم يبتدئون بالإفطار فلا تخالف عليهم و أفطر معهم و إلا فابدأ بالصلاة فإنها أفضل من الإفطار، و تكتب صلاتك و أنت صائم أحب الى».

قال (3) و روى أيضا في ذلك أنك إذا كنت تتمكن من الصلاة و تعقلها و تأتى بها على حدودها قبل أن تفطر فالأفضل أن تصلى قبل الإفطار، و ان كنت ممن تنازعك نفسك للإفطار و تشغلك شهوتك عن الصلاة فابدأ بالإفطار ليذهب عنك وسواس النفس اللوامة غير ان ذلك مشروط بان لا تشتغل بالإفطار قبل الصلاة الى أن يخرج وقت الصلاة.

أقول: يعنى وقت فضيلتها. و الظاهر ان المراد بالصلاة المأمور بتقديمها في هذه الأخبار هي صلاة المغرب وحدها محافظة على وقت فضيلتها لضيقه فيكفي في تأدية السنة تقديمها خاصة.

و روى في الكافي عن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (4) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمنا و على رزقك أفطرنا فتقبله

____________

(1) الوسائل الباب 7 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 7 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 7 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 6 من آداب الصائم.

435

منا، ذهب الظماء و ابتلت العروق و بقي الأجر».

و روى فيه عن أبى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يقول في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار الى آخره: الحمد لله الذي أعاننا فصمنا و رزقنا فأفطرنا اللهم تقبل منا و أعنا عليه و سلمنا فيه و تسلمه منا في يسر منك و عافية، الحمد لله الذي قضى عنا يوما من شهر رمضان».

و روى في التهذيب عن عبد الله بن ميمون القداح عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «جاء قنبر مولى على (عليه السلام) بفطره اليه قال فجاء بجراب فيه سويق عليه خاتم، قال فقال له رجل يا أمير المؤمنين ان هذا لهو البخل تختم على طعامك. قال فضحك على (عليه السلام) قال ثم قال أو غير ذلك؟ لا أحب أن يدخل بطني شيء لا أعرف سبيله. قال ثم كسر الخاتم فاخرج سويقا فجعل منه في قدح فأعطاه إياه فأخذ القدح فلما أراد أن يشرب قال: بسم الله اللّهمّ لك صمنا و على رزقك أفطرنا فتقبل منا انك أنت السميع العليم».

أقول: المراد بالفطر ما يفطر عليه. و قوله (عليه السلام) «أو غير ذلك» يعنى غير البخل، و كأنه استفهام لذلك القائل بمعنى هل عندك غير ما قلت من الحمل على البخل؟ ثم بين له السبب في ما يفعله من ختم طعامه لئلا يضع عياله فيه شيئا لا يعلم به.

و روى ابن طاوس في كتاب الإقبال (3) عن مولانا زين العابدين (عليه السلام) انه قال: «من قرأ إنا أنزلناه. عند فطوره و عند سحوره كان في ما بينهما كالمتشحط بدمه في سبيل الله».

و روى فيه (4) عن محمد بن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان عن موسى ابن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) «ان لكل صائم عند فطره دعوة مستجابة فإذا كان أول لقمة فقل: بسم الله يا واسع المغفرة اغفر لي-.

قال (5): و في رواية

____________

(1) الوسائل الباب 6 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 6 و 10 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 6 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 6 من آداب الصائم.

(5) الوسائل الباب 6 من آداب الصائم.

436

أخرى: بسم الله الرحمن الرحيم يا واسع المغفرة اغفر لي- فإنه من قالها عند إفطاره غفر له».

و روى في الكافي بسنده عن ابن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أول ما يفطر عليه في زمن الرطب الرطب و في زمن التمر التمر».

و روى فيه عن السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال:

«كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا صام فلم يجد الحلو أفطر على الماء».

و روى فيه عن ابن ابى عمير عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا أفطر الرجل على الماء الفاتر نقى كبده و غسل الذنوب من القلب و قوى البصر و الحدق».

و ينبغي حمل إطلاق هذا الخبر على سابقه في الإفطار على الماء مطلقا كما هو صريح الخبر الآتي.

و روى فيه عن عبد الله بن مسكان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا أفطر بدأ بحلواء يفطر عليها فان لم يجد فسكرة أو تمرات فإذا أعوز ذلك كله فماء فاتر، و كان يقول ينقى المعدة و الكبد و يطيب النكهة و الفم و يقوى الأضراس و يقوى الحدق و يجلو الناظر و يغسل الذنوب غسلا و يسكن العروق الهائجة و المرة الغالبة و يقطع البلغم و يطفئ الحرارة عن المعدة و يذهب بالصداع».

و رواه في المقنعة مرسلا (5) إلا انه لم يذكر السكر و التمرات.

و روى في الكافي أيضا بسنده عن سلمة السمان عن أبى عبد الله (عليه السلام) (6) قال «إذا رأى الصائم قوما يأكلون أو رجلا يأكل سبحت كل شعرة منه».

و روى الصدوق مرسلا (7) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما من صائم

____________

(1) الوسائل الباب 10 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 10 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 10 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 10 من آداب الصائم.

(5) الوسائل الباب 10 من آداب الصائم.

(6) الوسائل الباب 9 من آداب الصائم.

(7) الوسائل الباب 9 من آداب الصائم.

437

يحضر قوما يطعمون إلا سبحت له أعضاؤه و كانت صلاة الملائكة عليه و كانت صلاتهم استغفارا».

و روى في كتاب ثواب الأعمال مسندا عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «دخل سدير على ابى في شهر رمضان فقال يا سدير هل تدري أي الليالي هذه؟ فقال نعم فداك أبى هذه ليالي شهر رمضان فما ذاك؟ فقال له أ تقدر على ان تعتق كل ليلة من هذه الليالي عشر رقبات من ولد إسماعيل؟ فقال له سدير بأبي أنت و أمي لا يبلغ مالي ذلك. فما زال ينقص حتى بلغ رقبة واحدة في كل ذلك يقول لا أقدر عليه. فقال له أ فما تقدر أن تفطر في كل ليلة رجلا مسلما؟ فقال له بلى و عشرة فقال له ابى فذاك الذي أردت يا سدير ان إفطارك أخاك المسلم يعدل عتق رقبة من ولد إسماعيل».

و روى الشيخ المفيد في المقنعة (2) عن الصادق (عليه السلام) مرسلا قال: «فطرك لأخيك و إدخالك السرور عليه أعظم اجرا من صيامك».

قال (3) و قال الباقر (عليه السلام) «أيما مؤمن فطر مؤمنا ليلة من شهر رمضان كتب الله له بذلك مثل أجر من أعتق نسمة».

قال (4) «و من فطره شهر رمضان كله كتب الله له بذلك أجر من أعتق ثلاثين نسمة مؤمنة و كان له بذلك عند الله دعوة مستجابة».

و رواه البرقي في المحاسن عن ابن محبوب عن هشام بن سالم عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) مثله (5) و كذا الصدوق في ثواب الأعمال (6).

و روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن ابى الورد عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث (7) قال: «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال و من فطر فيه- يعني في شهر رمضان- مؤمنا صائما كان له بذلك عند الله عتق رقبة و مغفرة لذنوبه في ما مضى. قيل يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ليس كلنا يقدر على ان يفطر صائما؟ فقال ان الله كريم يعطى هذا الثواب لمن

____________

(1) ارجع الى الاستدراكات في آخر الكتاب.

(2) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(4) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(5) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(6) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(7) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

438

لا يقدر إلا على مذقة من لبن يفطر بها صائما أو شربة من ماء عذب أو تمرات لا يقدر على أكثر من ذلك».

أقول: يستفاد من هذا الخبر ان المراد بالتفطير الذي ذكر في الاخبار المتقدمة و نحوها ما يترتب عليه من الثواب ليس هو مجرد إعطاء الصائم ما يفطر عليه كما هو مشهور الآن بين العامة و انما المراد به الأكل عنده كما هو الجاري في سنة الضيافة إلا ان يعجز عن ذلك، و ان كرم الله واسع يرتب له ذلك على ما تسع قدرته و لو شربة ماء.

و يؤيد ما ذكرناه

ما رواه البرقي في المحاسن بسنده عن مالك بن أعين عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «لأن أفطر رجلا مؤمنا في بيتي أحب الى من ان أعتق كذا و كذا نسمة من ولد إسماعيل».

و روى ثقة الإسلام و الصدوق و غيرهما عن حمزة بن حمران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كان على بن الحسين (عليه السلام) إذا كان اليوم الذي يصوم فيه أمر بشاة فتذبح و تقطع أعضاؤه و تطبخ فإذا كان عند المساء أكب على القدور حتى يجد ريح المرق و هو صائم ثم يقول: هاتوا القصاع اغرفوا لآل فلان اغرفوا لآل فلان. ثم يؤتى بخبز و تمر فيكون ذلك عشاؤه».

[الأخبار الواردة في شأن ليلة القدر]

و روى في الكافي و في الفقيه بسنديهما عن حمران (3) «انه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ (4)؟ قال هي ليلة القدر و هي في كل سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر و لم ينزل القرآن إلا في ليلة القدر. قال الله تعالى فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (5)؟ قال يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك

____________

(1) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(2) الوسائل الباب 3 من آداب الصائم.

(3) الوسائل الباب 31 من أحكام شهر رمضان.

(4) سورة الدخان الآية 3.

(5) سورة الدخان الآية 4.

439

السنة إلى مثلها من قابل من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو مولود أو أجل أو رزق، فما قدر في تلك الليلة و قضى فهو المحتوم و لله تعالى فيه المشيئة. قال قلت لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (1) أي شيء عنى بذلك؟ فقال: العمل الصالح فيها من الصلاة و الزكاة و أنواع الخير خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر و لو لا ما يضاعف الله تبارك و تعالى للمؤمنين ما بلغوا و لكن الله يضاعف لهم الحسنات».

و روى الشيخان المذكوران أيضا في كتابيهما (2) مسندا في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «أرى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)- و في الفقيه أرى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)- في منامه بنى أمية يصعدون منبره من بعده يضلون الناس عن الصراط القهقرى فأصبح كئيبا حزينا قال فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما لي أراك كئيبا حزينا؟ فقال: يا جبرئيل إني رأيت بني أمية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقرى. فقال و الذي بعثك بالحق نبيا ان هذا لشيء ما اطلعت عليه. ثم عرج الى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها قال: أفرأيت ان متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (3) و انزل عليه: انا أنزلناه في ليلة القدر و ما أدريك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر (4) جعل الله تعالى ليلة القدر لنبيه (صلى اللّٰه عليه و آله) خيرا من الف شهر ملك بنى أمية».

و رؤيا أيضا في كتابيهما عن يعقوب (5) قال: «سمعت رجلا يسأل أبا عبد الله

____________

(1) سورة القدر الآية 4.

(2) الفروع ج 1 ص 207 و الفقيه ج 2 ص 101 و في الوسائل الباب 31 من أحكام شهر رمضان.

(3) سورة الشعراء الآية 206 و 207 و 208.

(4) سورة القدر الآية 4.

(5) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

440

(عليه السلام) عن ليلة القدر فقال أخبرني عن ليلة القدر كانت أو تكون في كل عام؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن».

و رؤيا أيضا بسنديهما عن رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: ليلة القدر هي أول السنة و هي آخرها (2) و ذلك لأن بإقبال تلك الليلة يتحقق الأمران معا.

و رؤيا أيضا بسنديهما عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن علامة ليلة القدر فقال: علامتها أن يطيب ريحها و ان كانت في برد دفئت و ان كانت في حر بردت و طابت. قال: و سئل عن ليلة القدر فقال تنزل فيها الملائكة و الكتبة إلى السماء الدنيا فيكتبون ما يكون في أمر السنة و ما يصيب العباد و أمر عنده موقوف له فيه المشيئة فيقدم منه ما يشاء و يؤخر منه ما يشاء و يمحو و يثبت و عنده أم الكتاب».

و روى في الكافي بسنده عن أبي حمزة الثمالي (4) قال: «كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) فقال له أبو بصير جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى؟

فقال في احدى و عشرين أو ثلاث و عشرين. قال فان لم أقو على كلتيهما. فقال ما أيسر ليلتين في ما تطلب. قال قلت فربما رأينا الهلال عندنا و جاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من أرض أخرى؟ فقال ما أيسر أربع ليال تطلبها فيها. قلت جعلت فداك ان سليمان بن خالد روى ان في تسع عشرة يكتب وفد الحاج؟ فقال (عليه السلام) يا أبا محمد وفد الحاج يكتب في ليلة القدر و المنايا و البلايا و الأرزاق و ما يكون الى مثلها في قابل فاطلبها في ليلة احدى و عشرين و ثلاث و عشرين و صل في كل واحدة منهما مائة ركعة

____________

(1) الوسائل الباب 31 من أحكام شهر رمضان.

(2) هذا آخر الحديث و ما بعده جاء في النسخ متصلا به و قد أورده في الوافي بعنوان البيان فيجوز إيراده هنا كذلك و قد سقط من العبارة شيء.

(3) الوسائل الباب 31 من أحكام شهر رمضان.

(4) الفروع ج 1 ص 206 و في الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

441

و أحيهما إن استطعت الى النور و اغتسل فيهما. قال قلت فان لم اقدر على ذلك و انا قائم؟ قال فصل و أنت جالس. قلت فان لم أستطع؟ قال فعلى فراشك».

و زاد في الفقيه (1) قلت فان لم أستطع؟ فقال- ثم اشتركوا في الرواية- لا عليك أن تكتحل أول الليل بشيء من النوم، ان أبواب السماء تفتح في شهر رمضان و تصفد الشياطين و تقبل أعمال المؤمنين. نعم الشهر رمضان كان يسمى في عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) المرزوق.

و روى في الفقيه عن محمد بن حمران عن سفيان بن السمط (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الليالي التي يرجى فيها من شهر رمضان؟ فقال تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين. قلت فإن أخذت إنسانا الفترة أو علة ما المعتمد عليه من ذلك؟ فقال ثلاث و عشرين».

و روى في الكافي بسنده عن الفضيل بن يسار (3) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا كانت ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين أخذ في الدعاء حتى يزول الليل فإذا زال الليل صلى».

و روى ثقة الإسلام في كتابه بسنده عن حسان بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن ليلة القدر فقال: التمسها في ليلة احدى و عشرين أو ليلة ثلاث و عشرين».

و رواه الصدوق في الخصال بسنده مثله (5) ثم قال: اتفق مشايخنا على انها ليلة ثلاث و عشرين.

و روى في التهذيب في الموثق عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (6) قال:

«سألته عن ليلة القدر فقال هي ليلة احدى و عشرين أو ثلاث و عشرين. قلت أ ليس إنما هي ليلة؟ فقال بلى. قلت فأخبرني بها قال و ما عليك ان تفعل خيرا في ليلتين».

____________

(1) ج 2 ص 102 و 103.

(2) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(5) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(6) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

442

و روى بإسناده عن حماد بن عيسى عن محمد بن يوسف عن أبيه (1) قال:

«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان الجهى أتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان لي إبلا و غنما و غلمة فأحب أن تأمرني بليلة أدخل فيها فأشهد الصلاة و ذلك في شهر رمضان فدعاه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فساره في اذنه فكان الجهني إذا كان ليلة ثلاث و عشرين دخل بإبله و غنمه و اهله إلى المدينة».

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب موسى بن بكر الواسطي عن حمران (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ليلة القدر فقال هي ليلة ثلاث أو أربع. قلت أفرد لي إحداهما فقال و ما عليك أن تعمل في الليلتين و هي إحداهما».

و عن زرارة عن عبد الواحد الأنصاري (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ليلة القدر فقال إني أخبرك بها لا أعمى عليك هي ليلة أول السبع و قد كانت تلتبس عليه ليلة أربع و عشرين».

و روى في الكافي عن إسحاق بن عمار (4) قال: «سمعته يقول و ناس يسألونه يقولون الأرزاق تقسم ليلة النصف من شعبان؟ قال فقال لا و الله ما ذلك إلا في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين، فان في تسع عشرة يلتقي الجمعان و في ليلة احدى و عشرين يفرق كل أمر حكيم و في ليلة ثلاث و عشرين يمضى ما أراد الله (عز و جل) من ذلك و هي ليلة القدر التي قال الله تعالى خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (5) قال قلت ما معنى قوله يلتقي الجمعان؟ قال يجمع الله فيها ما أراد من تقديمه و تأخيره و إرادته و قضائه. قال قلت فما معنى يمضيه في ثلاث و عشرين؟

قال انه يفرقه في ليلة احدى و عشرين و يكون له فيه البداء، فإذا كان ليلة ثلاث و عشرين قال انه يفرقه في ليلة احدى و عشرين و يكون له فيه البداء، فإذا كان ليلة ثلاث و عشرين أمضاه فيكون من المحتوم الذي لا يبدو له فيه».

____________

(1) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(5) سورة القدر الآية 4.

443

و روى العياشي عن حماد بن عيسى عن حسان بن ابى على (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ليلة القدر فقال اطلبها في تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين».

و روى الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) سئل عن ليلة القدر فقام خطيبا فقال بعد الثناء على الله (عز و جل):

اما بعد فإنكم سألتموني عن ليلة القدر و لم أطوها عنكم لأني لم أكن عالما بها، اعلموا أيها الناس انه من ورد عليه شهر رمضان و هو صحيح سوى فصام نهاره و قام وردا من ليله و واظب على صلاته و هجر الى جمعته و غدا الى عيده فقد أدرك ليلة القدر و فاز بجائزة الرب (عز و جل) و قال أبو عبد الله (عليه السلام) فازوا و الله بجوائز ليست كجوائز العباد».

[تنبيهات]

أقول: في هذه الاخبار المتعلقة بليلة القدر فوائد شريفة ينبغي التنبيه عليها:

الاولى [السبب في إخفاء ليلة القدر]

- لا يخفى ان هذا الخبر الأخير قد اشتمل على إخفاء ليلة القدر بالكلية و عدم الاعلام بها مع السؤال عنها، و جملة من الأخبار المتقدمة قد اشتملت على إخفائها في ليلتين أو ثلاث، و جملة قد صرحت بها.

و لعل الوجه في ذلك ان السبب في إخفائها بالمرة ليستوعب الشهر كله بالأعمال الصالحة، و هذا هو الأنسب بسائر الناس فإنهم متى علموها على الخصوص فلربما رغبوا عن العمل في غيرها إيثارا لها بذلك. و اما من عرف حرمة الشهر و وفاة اعماله فهؤلاء الخواص و قد أخفيت لهم في ليلتين أو ثلاث ليوفوا هذه الليالي الشريفة أعمالها لان بعضها و ان لم يكن ليلة القدر إلا انه من القريب من مرتبتها.

و اما من بينت له بالخصوص فهم خواص الخواص الذين يعلم منهم القيام باعمال تلك الليالي الشريفة و إن علموا انها ليست بليلة القدر، و اليه يشير مسارة الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) الجهني في اذنه. و لا ينافي ذلك حديث زرارة المتقدم و عدم اعلام الباقر

____________

(1) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان. ارجع الى الاستدراكات.

(2) الوسائل الباب 18 من أحكام شهر رمضان.

444

(عليه السلام) له بها و امره بالعمل في تلك الليلتين مع انه من خواص الخواص لانه يمكن حمله على ان ذلك وقع من حيث الحاضرين وقت السؤال.

الثانية [معنى عدم ليلة القدر في الألف شهر]

- ما تضمنه الحديث الأول (1)- من ان العمل في ليلة القدر خير من الف شهر ليس فيها ليلة القدر- فالمراد بهذه الالف شهر هي ملك بنى أمية كما دل عليه الخبر الذي بعده، و بذلك صرح

الصادق (عليه السلام) في الحديث المروي عنه في صدر الصحيفة السجادية (2) حيث قال فيه: «و انزل الله في ذلك إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تملكها بنو أمية ليس فيها ليلة القدر».

بقي الكلام في معنى عدم ليلة القدر في هذه الالف شهر هل هو بمعنى رفعها منها بالكلية كما هو ظاهر الاخبار الدالة على تنزل الملائكة فيها على الامام (عليه السلام) من كل سنة بما يتجدد من الحوادث و القضايا (4) و اليه يشير

خبر يعقوب المتقدم (5) و قوله (عليه السلام): «لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن»؟.

اشكال من دلالة الاخبار على هذا المعنى الأخير، و من انه متى كان التفضيل على ما عدا ليلة القدر فإنه لا وجه لخصوصية هذه الالف شهر التي يملكها بنو أمية بذلك كما هو ظاهر إطلاق الخبر الأول متى قطع النظر عن تأيده بما قدمناه.

و مثله

ما رواه في الكافي (6) عن الحسن بن العباس بن الحريش عن ابى جعفر الثاني (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) كان على بن الحسين (عليه السلام) يقول «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» (7) صدق الله (عز و جل) أنزل الله القرآن في ليلة القدر

____________

(1) ص 438 و 439.

(2) ص 13 طبع النجف الأشرف.

(3) سورة القدر الآية 2 و 3 و 4.

(4) أصول الكافي ج 1 ص 242 الى 253.

(5) ص 439 و 440.

(6) الأصول ج 1 ص 248 رقم 4.

(7) سورة القدر الآية 2 و 3 و 4.

445

«وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا لَيْلَةُ الْقَدْرِ» قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا أدرى. قال الله (عز و جل) «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» ليس فيها ليلة القدر.

و مثله

ما رواه فيه عن المسمعي (1) و من جملته «و فيه ليلة العمل فيها خير من العمل في ألف شهر».

و بمضمونها أخبار أخر.

و على هذا المعنى اعتمد المفسرون كأمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان و غيره، قال في مجمع البيان: ثم فسر سبحانه تعظيمه و حرمته فقال «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» ليس فيه ليلة القدر و صيامه. ثم نقل ذلك عن مقاتل و قتادة. ثم نقل عن عطاء عن ابن عباس معنى آخر يتضمن ان المفضل عليه الف شهر كان رجل من بنى إسرائيل يحمل السلاح فيها على عاتقه في سبيل الله فتمنى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ذلك في أمته فأنزل الله تعالى «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» الذي حمل الاسرائيلى فيها السلاح في سبيل الله (2).

و من ما يؤيد التقييد الذي أشرنا إليه زيادة على أشرنا إليه من الروايات

ما رواه في روضة الكافي (3) في حديث عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «و انزل الله (جل ذكره) إنا أنزلناه في ليلة القدر و ما ادراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر للقوم. الحديث».

و مثله

في الاحتجاج (4) عن الحسن بن على (عليهما السلام) في حديث طويل مع معاوية ذكر فيه رؤيا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و ان الله تعالى أنزل عليه في كتابه «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» ثم قال (عليه السلام): فاشهد لكم و اشهد عليكم ما سلطانكم بعد على (عليه السلام) إلا الالف شهر التي أجلها الله (عز و جل) في كتابه.

و اما كون مدة ملك بنى أمية ألف شهر فبيانه ان المستفاد من كتب السير

____________

(1) الوسائل الباب 18 من أحكام شهر رمضان.

(2) سنن البيهقي ج 4 ص 306.

(3) ص 222 و 223.

(4) ص 154.

446

و الاخبار ان أول انفراد بنى أمية بالأمر بعد ما صالح الحسن (عليه السلام) معاوية و هو سنة أربعين من الهجرة و كان انقضاء دولتهم على يد ابى مسلم الخراساني سنة اثنين و ثلاثين و مائة من الهجرة فكانت مدة دولتهم اثنين و تسعين سنة، رفع منها مدة خلافة عبد الله بن الزبير و هي ثمان سنين و ثمانية أشهر بقي ثلاث و ثمانون سنة و أربعة أشهر بلا زيادة و لا نقصان و هي ألف شهر (1).

الثالثة [أقوال العامة في تعيين ليلة القدر]

- اختلفت أقوال العامة في تعيين ليلة القدر بل في بقائها فذهب بعضهم إلى أنها رفعت بعد موت الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و هو قول شذوذ منهم و المشهور بقاؤها، إلا أن القائلين ببقائها اختلفوا في تعيينها، فقال بعضهم انها مشتبهة في السنة كما ذهب إليه أبو حنيفة، و منهم من قال في شعبان و الأكثر على انها في شهر رمضان، و ذهب بعضهم إلى أنها أول ليلة منه، و قيل في ليلة سبع عشرة منه عن الحسن البصري، و الصحيح عندهم انها في العشر الأواخر و هو مذهب الشافعي،

و روى مرفوعا (2) «التمسوها في العشر الأواخر».

ثم اختلفوا في أنها آية ليلة من العشر فقيل انها ليلة احدى و عشرين و هو مذهب ابى سعيد الخدري و اختاره الشافعي، و قيل هي ليلة ثلاث و عشرين منه عن عبد الله بن عمر، و قيل ليلة سبع و عشرين عن ابى بن كعب، و قيل انها ليلة تسع و عشرين (3) و لكل من هذه الأقوال رواية يعتمدها (4).

____________

(1) ذكر ذلك السيوطي في الخصائص الكبرى ج 2 ص 118 طبع حيدرآباد، و ابن دحلان في السيرة النبوية على هامش السيرة الحلبية ج 1 ص 231 و الحلبي في السيرة الحلبية ج 1 ص 421 في فصل الإسراء.

(2) سنن البيهقي ج 4 ص 307 و 308.

(3) ذكر في عمدة القارئ ج 5 ص 362 الأقوال كلها إلا انه نسب إلى الشيعة القول بأنها رفعت، و اخبارهم و كلماتهم تنادي بأنها لم ترفع و لا سيما خبر يعقوب المتقدم ص 439.

(4) سنن البيهقي ج 4 ص 307 الى 313.

447

قال بعض الأصحاب: و لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في انحصارها في هذه الليالي الثلاث: ليلة تسع عشرة و ليلة احدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين إلا من الشيخ في التبيان فإنه نقل الإجماع على انها في فرادى العشر الأواخر.

أقول: الظاهر من كلام العلامة في المنتهى كونها في العشر الأواخر من غير تعيين، فإنه قال أولا- بعد نقل جملة من أقوال العامة- ما صورته: إذا ثبت هذا فإنه يستحب طلبها في جميع ليالي شهر رمضان و في العشر الأواخر آكد و في ليالي الوتر منه أوكد. ثم نقل جملة من كلامهم و نقل جملة من الاخبار التي قدمنا نقلها من ما دل على الانحصار في ثلاث أو اثنتين أو انها ليلة الجهني، و قال بعد ذلك

فرع

- لو نذر ان يعتق عبده بعد مضى ليلة القدر فان كان قاله قبل العشر صح النذر و وجب عليه العتق بعد انسلاخ الشهر لانه يتفق حصولها إذا مضت الليلة الأخيرة، و ان كان قاله و قد مضى ليلة من العشر لم يتعلق النذر بتلك السنة لأنه لا يتحقق وجودها بعد النذر فيقع في السنة الثانية إذا مضى جميع العشر. انتهى.

و هو مؤذن بتوقفه في التعيين و جزمه بأنها في العشر الأخيرة و قد عرفت من ما قدمنا نقله عن الصدوق ان المشهور هو كونها ليلة ثلاث و عشرين و هو الظاهر من الاخبار كما قدمنا ذكره.

قال أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (قدس سره) في كتاب مجمع البيان: و الفائدة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في العبادة و يحيوا جميع ليالي شهر رمضان طمعا في إدراكها كما ان الله سبحانه أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس و اسمه الأعظم في الأسماء و ساعة الإجابة في ساعات الجمعة. انتهى.

الرابعة [معنى ليلة القدر]

- اختلف العلماء في معنى هذه التسمية، فقيل سميت ليلة القدر لأنها الليلة التي يحكم الله فيها و يقضى بما يكون في السنة بأجمعها من كل أمر و هي الليلة

448

المباركة في قوله تعالى «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ» (1) لأن الله تعالى ينزل فيها الخير و البركة و المغفرة، و في الخبر عن ابن عباس (2) انه قال: «تقضى القضايا في ليلة النصف من شعبان ثم يسلمها إلى أربابها في ليلة القدر». و قيل ليلة القدر أي ليلة الشرف و الخطر و عظم الشأن من قولهم رجل له قدر عند الناس أي منزله و شرف و منه «وَ مٰا قَدَرُوا اللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ» (3) اى ما عظموه حق عظمته. و قيل سميت ليلة القدر لانه انزل فيها كتاب ذو قدر الى رسول ذي قدر لأجل أمة ذات قدر على يدي ملك ذي قدر. و قيل سميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة من قوله تعالى «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ» (4) و هو منقول عن الخليل بن أحمد.

أقول: و الظاهر ان أظهر هذه الأقوال هو الأول و هو المناسب لتفضيلها على الف شهر.

الخامسة [معنى إنزال القرآن في ليلة القدر]

- اختلف العلماء في معنى «انزل القرآن في ليلة القدر» مع انه انما انزل على الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) نجوما مدة حياته، فقيل إنه أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة في اللوح المحفوظ الى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم كان ينزله جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) نجوما و كان من أوله الى آخره ثلاث و عشرون سنة. و قيل معناه انا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر. و قيل أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة و هم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا و كان ينزل ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبرئيل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في السنة كلها الى مثلها من القابل، و قيل ان معناه انا أنزلنا القرآن في شأن ليلة القدر و هو قوله تعالى «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» (5)

____________

(1) سورة الدخان الآية 3.

(2) قال الالوسى في روح المعاني ج 25 ص 113 في قوله تعالى «فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ» في سورة الدخان: روى عن ابن عباس: تقضى الأقضية كلها في ليلة النصف من شعبان و تسلم إلى أربابها ليلة السابع و العشرين من شهر رمضان.

(3) سورة الانعام و الزمر الآية 92 و 68.

(4) سورة الطلاق الآية 8.

(5) سورة القدر الآية 4.

449

و ذهب المحدث الكاشاني في أصول الوافي الى ان معنى إنزاله في ليلة القدر إنزال بيانه بتفصيل مجمله و تأويل متشابهه و تقييد مطلقه و تفريق محكمه من متشابهه، قال: و بالجملة تتميم إنزاله بحيث يكون هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان. انتهى أقول: و الظاهر هو القول الأول و يدل عليه

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن حفص بن غياث عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن قول الله تعالى شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ (2) و إنما أنزل القرآن في عشرين سنة بين أوله و آخره؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام) نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان الى البيت المعمور ثم أنزل في طول عشرين سنة. ثم قال قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان و أنزلت التوراة لست مضين من شهر رمضان و انزل الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر رمضان و انزل الزبور لثمان عشرة خلون من شهر رمضان و أنزل القرآن في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان».

أقول: في هذا الخبر دلالة على ان ليلة القدر هي ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان لاخباره (صلى اللّٰه عليه و آله) بإنزال القرآن فيها.

بقي انه

قد روى في التهذيب في باب فضل شهر رمضان من كتاب الصيام خبرا في أول الباب (3) فيه «انه نزل القرآن في أول ليلة من شهر رمضان فاستقبل الشهر بالقرآن».

ثم روى في آخر الباب حديثا عن أبى بصير (4) يتضمن إنزال الكتب المذكورة في هذا الخبر و إنزال القرآن في ليلة القدر.

و لا يخفى مدافعة الخبر الأول من هذين الخبرين لما دل على النزول ليلة القدر

____________

(1) الأصول ج 2 ص 628.

(2) سورة البقرة الآية 182.

(3) و هو حديث عمرو الشامي الذي أورده في الوسائل الباب 18 من أحكام شهر رمضان.

(4) الوسائل الباب 18 من أحكام شهر رمضان رقم 16.

450

و بعضهم جمع بين الخبرين بحمل النزول في ليلة القدر يعني إلى الأرض و الخبر الآخر على نزوله الى السماء. و يدفعه صدر الخبر المذكور من ان نزوله إلى الأرض كان نجوما في عشرين سنة. و الأقرب في الجمع بينهما حمل النزول في أول ليلة من شهر رمضان على أول النزول و ان كان الأكثر إنما نزل في ليلة القدر. و اما ما نقلناه عن المحدث الكاشاني فاستند فيه الى حديث إلياس المذكور في كتاب الحجة (1) و في الدلالة نظر.

السادسة [ما تضمنه حديث حمران من دخول المشيئة في المحتوم]

- ما تضمنه الخبر الأول (2)- من قوله (عليه السلام): فهو المحتوم و لله فيه المشيئة- لا يخلو من اشكال و لعله سقط من البين شيء، لأن المحتوم لا تدخله المشيئة كما دلت عليه الأخبار و منها قوله (عليه السلام) في خبر محمد بن مسلم المتقدم (3) «و أمر عنده موقوف له فيه المشيئة» و أظهر منه ما تقدم (4) في آخر رواية إسحاق بن عمار.

و يؤيده ما ورد في الاخبار (5) من ان العلم المخزون عنده هو الذي يكون فيه البداء و له فيه المشيئة بالتقديم و التأخير و الزيادة و النقصان و نحو ذلك و ما اطلع عليه ملائكته و رسله فإنه محتوم لا يداخله البداء، و لا ريب ان ما تكتبه الملائكة في هذه الليلة و تنزل به الى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام القائم بعده من أحوال تلك السنة و ما يتجدد فيها إنما هو من الثاني فكيف تكون فيه المشيئة كما دل عليه الخبر المذكور.

و من الأخبار المشار إليها

ما رواه في الكافي (6) عن الفضيل بن يسار في الصحيح قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول العلم علمان: فعلم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه و علم علمه ملائكته و رسله، فما علمه ملائكته و رسله فإنه سيكون لا يكذب نفسه و لا ملائكته و لا رسله، و علم عنده مخزون يقدم منه

____________

(1) باب الاضطرار إلى الحجة ج 2 ص 8 و قد ذكر التوجيه ص 11.

(2) و هو حديث حمران المتقدم ص 438.

(3) ص 440.

(4) ص 442.

(5) الأصول ج 1 كتاب التوحيد باب البداء.

(6) الأصول ج 1 كتاب التوحيد باب البداء.

451

ما يشاء و يؤخر منه ما يشاء و يثبت ما يشاء».

و مثله غيره.

السابعة [ما تضمنه الحديث من أنه في ليلة تسع عشرة يلتقي الجمعان]

- ما تضمنه حديث

إسحاق بن عمار المتقدم (1) من قوله: «قال في ليلة تسع عشرة يلتقي الجمعان. الى آخره».

لعل المعنى فيه- و الله تعالى و أولياؤه اعلم بباطنه و خافية- ان في ليلة تسع عشرة يجمع بين طرفي كل حكم بالإيقاع و اللاايقاع و في ليلة احدى و عشرين يفرق بينهما بالمشيئة لأحدهما دون الآخر لكن لا على جهة الحتم بل على وجه يدخله البداء و في ليلة ثلاث و عشرين يمضى ذلك حتما على وجه لا يدخله البداء.

و في معنى هذا الخبر و ان كان بألفاظ أخر

ما رواه في الكافي في الموثق عن زرارة (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) التقدير في ليلة تسع عشرة و الإبرام في ليلة احدى و عشرين و الإمضاء في ليلة ثلاث و عشرين».

و ما رواه فيه عن ربيع المسلي و زياد بن ابى الحلال ذكراه عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام)- و رواه في الفقيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3)- قال: «في ليلة تسع عشرة من شهر رمضان التقدير و في ليلة احدى و عشرين القضاء و في ليلة ثلاث و عشرين إبرام ما يكون في السنة إلى مثلها، و لله تبارك و تعالى أن يفعل ما يشاء في خلقه».

فالتقدير المذكور في هذين الخبرين عبارة عن استحضاره بكميته و كيفيته مع عدم الترجيح بين ما في الوجود و العدم و هي المرتبة الأولى المشار إليها في الخبر المتقدم بالتقاء الجمعين، و المرتبة الثانية التي تقع في ليلة احدى و عشرين ترجيح أحد الطرفين و هي المعبر عنها في أول هذين الخبرين بالإبرام و في ثانيهما بالقضاء، و إطلاق الإبرام هنا وقع تجوزا باعتبار الترجيح، و المرتبة الثالثة في ليلة ثلاث و عشرين و هي الإمضاء و الإبرام الحقيقي الذي لا يدخله البداء.

____________

(1) ص 442.

(2) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 32 من أحكام شهر رمضان.

452

و المفهوم من الأخبار ان هذه المراتب في أفعاله (عز و جل) مطلقا و انه لا يكون فعل إلا بها و ربما زيد عليها أيضا:

ففي الكافي (1) عن على بن إبراهيم الهاشمي قال: «سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام) يقول: لا يكون شيء إلا ما شاء الله و أراد و قدر و قضى. قلت ما معنى شاء؟ قال ابتداء الفعل. قلت ما معنى أراد؟ قال الثبوت عليه. قلت ما معنى قدر؟ قال تقدير الشيء من طوله و عرضه. قلت ما معنى قضى؟ قال إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له».

و لتحقيق القول في ذلك محل آخر.

و روى الشيخ و الصدوق عن الحسن بن على بن فضال (2) قال: «كتبت الى أبى الحسن الرضا (عليه السلام) اسأله عن قوم عندنا يصلون و لا يصومون شهر رمضان و ربما احتجت إليهم يحصدون لي فإذا دعوتهم الى الحصاد لم يجيبوني حتى أطعمهم و هم يجدون من يطعمهم فيذهبون اليه و يدعوني و أنا أضيق من إطعامهم في شهر رمضان؟

فكتب (عليه السلام) بخطه أعرفه: أطعمهم».

و روى في الكافي عن عمر بن يزيد (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان المغيرية يزعمون ان هذا اليوم لهذا الليلة المستقبلة؟ فقال كذبوا هذا اليوم لليلة الماضية، ان أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا قد دخل الشهر الحرام».

أقول: بطن نخلة موضع بين مكة و الطائف، و المغيرية اتباع المغيرة بن سعيد العجلي و قد تكاثرت الاخبار بذمة و انه كان من الكاذبين على ابى جعفر (عليه السلام) (4)

____________

(1) الأصول ج 1 ص 150 باب المشيئة و الإرادة، و قوله: «قلت ما معنى أراد؟

قال الثبوت عليه» ليس فيه و انما هو في الوافي ج 1 ص 114 باب أسباب الفعل من أبواب معرفة مخلوقاته و أفعاله من كتاب العقل و العلم و التوحيد.

(2) الوسائل الباب 36 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 8 من أحكام شهر رمضان.

(4) ارجع الى الاستدراكات.

453

و روى انه كان يدعو الى محمد بن عبد الله بن الحسن و لقبه الأبتر و هو زيدي و اليه تنسب البترية الذين هم أحد فرق الزيدية.

و روى ثقة الإسلام في الكافي مسندا عن ابى عبد الله عن أبيه عن جده (عليهم السلام) ان عليا (عليه السلام)- و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (1) «ان عليا (عليه السلام)- قال يستحب للرجل أن يأتي أهله أول ليلة من شهر رمضان لقول الله (عز و جل) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيٰامِ الرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ» (2) و زاد في الكافي (3):

«و الرفث الجماع».

قال في الوافي: إنما قال يستحب و ليس في الآية أزيد من الحل لان الله سبحانه أحب ان يؤخذ برخصه.

و روى احمد بن محمد بن احمد بن عيسى في نوادره عن فضالة عن إسماعيل بن ابى زياد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله). ثم ساق الخبر الى أن قال: و سمى شعبان شهر الشفاعة لأن رسولكم يشفع لكل من يصلى عليه فيه، و سمى شهر رجب الأصب لأن الرحمة تصب على أمتي فيه صبا. و يقال الأصم لأنه نهى فيه عن قتال المشركين و هو من الشهور الحرام».

و روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج (5) عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في مكاتباته لصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه) «انه كتب اليه ان قبلنا مشايخ و عجائز يصومون رجبا منذ ثلاثين سنة و أكثر و يصلون شعبان بشهر رمضان

____________

(1) الوسائل الباب 30 من أحكام شهر رمضان. و في الفروع ج 1 ص 213 «حدثني ابى عن جدي عن آبائه».

(2) سورة البقرة الآية 184.

(3) الفروع ج 1 ص 213 و فيه هكذا «و الرفث المجامعة».

(4) الوسائل الباب 30 من الصوم المندوب.

(5) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب.

454

و روى لهم بعض أصحابنا ان صومه معصية؟ فأجاب: قال الفقيه يصوم منه أياما إلى خمسة عشرة يوما ثم يفطر إلا ان يصومه عن الثلاثة الأيام الفائتة للحديث: ان نعم شهر للقضاء رجب».

أقول: يشم من هذا الخبر رائحة التقية و لعل في عدوله (عليه السلام) عن الجواب من نفسه الى النقل عن الفقيه إيماء الى ذلك، و العلامة قد نقل القول بكراهة صوم شهر رجب كله عن احمد (1) و نقل عنه انه احتج بما رواه خرشة بن الحر قال:

«رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتى يضعوها في الطعام و يقول كلوا فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية» و عن ابن عمر «انه كان إذا رأى الناس و ما يعدون لرجب كرهه و قال صوموا منه و أفطروا» «و دخل أبو بكر على أهله و عندهم سلال جدد و كيزان فقال ما هذا؟ فقالوا رجب نصومه. قال أ جعلتم رجبا رمضان فأكفأ السلال و كسر الكيزان» (2).

قال العلامة في المنتهى بعد نقل ذلك عن احمد و نقل جملة من الاخبار الدالة على استحباب صيامه: و نقل احمد عن عمر انه إنما كان تعظمه الجاهلية يقتضي عدم العرفان بفضل هذا الشهر الشريف في الشريعة المحمدية، و كذا أمر ابن عمر و ابى بكر بترك صومه يدل على قلة معرفتهما بفضل هذا الشهر، و بالجملة لا اعتداد بفعل هؤلاء مع ما نقلناه عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته.

أقول: بل الظاهر ان الوجه في منع القوم إنما هو ما سمعوه من ان هذا الشهر شهر على (عليه السلام) كما ورد في بعض أخبارنا و انه مأمور بصومه لذلك (3) كما

ان شعبان شهر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و شهر رمضان شهر الله تعالى (4).

فيكون (عليه السلام) قرينا لهما في هذا

____________

(1) المغني ج 3 ص 166.

(2) المغني ج 3 ص 167 و المروي عنه فيه «أبو بكرة» لا «أبو بكر» كما في المتن.

(3) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب رقم 16 و الباب 28 منه رقم 13.

(4) الوسائل الباب 26 من الصوم المندوب رقم 16 و الباب 28 منه رقم 10 و 12 و 18 و 23 و 24.

455

الموضع كما في غيره فحملتهم العداوة الجبلية على المنع من صومه حسدا و بغضا، إذ يبعد كل البعد عدم سماعهم من الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) ما ورد في فضله مع صومه (صلى اللّٰه عليه و آله) كلا أو بعضا.

ثم أقول: لا يخفى انه متى كانت الاخبار قد وردت من هذين الخليفتين اللذين هما معتمدا أهل السنة في دينهما زيادة على الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) كما يعلم من تصلبهم على القيام ببدعهم في الدين فان هذا القول لا يختص بأحمد من بينهم إلا انه لم ينقل.

و الله العالم.

كتاب الاعتكاف

و هو لغة الاحتباس و الإقامة على شيء بالمكان، قال الجوهري عكفه أى حبسه و وقفه يعكفه و يعكفه عكفا، و منه قوله تعالى «وَ الْهَدْيَ مَعْكُوفاً» (1) و منه الاعتكاف في المسجد و هو الاحتباس، و عكف على الشيء يعكف و يعكف عكوفا أي أقبل عليه مواظبا قال الله تعالى «يَعْكُفُونَ عَلىٰ أَصْنٰامٍ لَهُمْ» (2) و عكفوا حول الشيء أي استداروا. و نحوه في القاموس. و في النهاية الاعتكاف و العكوف هو الإقامة على الشيء بالمكان. و نقل في الشرع الى معنى أخص من ذلك و هو ما يأتي الكلام فيه ان شاء الله تعالى. و عرفه الأصحاب بتعريفات لا يكاد يسلم أكثرها من الإيراد كما هو مذكور في كلامهم و لا ثمرة في التعرض لذلك.

و مشروعيته ثابتة بالكتاب و السنة و الإجماع، اما الأول فقوله (عز و جل) طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (3) و قوله عز شأنه:

وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ (4).

و اما الثاني فالأخبار المستفيضة و منها

ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي

____________

(1) سورة الفتح الآية 26.

(2) سورة الأعراف الآية 135.

(3) سورة البقرة الآية 120 و ارجع الى الاستدراكات.

(4) سورة البقرة الآية 184.

456

عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «لا اعتكاف إلا بصوم في المسجد الجامع.

قال و كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا كان العشر الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبة من شعر و شمر المئزر و طوى فراشه. فقال بعضهم: و اعتزل النساء. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): اما اعتزال النساء فلا».

قال الصدوق (رحمه الله) بعد إيراد هذا الخبر: المراد من نفيه (عليه السلام) لاعتزال النساء انه لم يمنعهن من خدمته و الجلوس معه و اما المجامعة فإنه امتنع منها، قال و معلوم من قوله: «طوى فراشه» ترك المجامعة.

و روى هذا الخبر الكليني في الصحيح أو الحسن على المشهور (2) من قوله «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله). الى آخره».

و روى في الكافي أيضا في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«كانت بدر في شهر رمضان فلم يعتكف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فلما ان كان من قابل اعتكف عشرين: عشرا لعامه و عشرا قضاء لما فاته».

و روى في الكافي أيضا عن ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«اعتكف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في شهر رمضان في العشر الاولى ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر ثم لم يزل يعتكف في العشر الأواخر».

الى غير ذلك من الأخبار.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام في هذا المقام يقع في فصلين:

الفصل الأول- في شرائط الاعتكاف

و هي أمور:

الأول- الصوم

فلا يصح إلا في زمان يصح فيه الصوم ممن يصح منه الصوم،

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 119 و 120 و في الوسائل الباب 3 و 1 و 5 من الاعتكاف.

(2) الوسائل الباب 5 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 1 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 1 من الاعتكاف.

457

فلا يصح الاعتكاف في العيدين و لا يصح من الحائض و النفساء. و هذا الشرط مجمع عليه نصا و فتوى.

و من الاخبار الدالة على ذلك ما تقدم

في صحيحة الحلبي برواية الصدوق من قوله (عليه السلام) «لا اعتكاف إلا بصوم في المسجد الجامع».

و ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا اعتكاف إلا بصوم».

و ما رواه في الكافي أيضا عن ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا اعتكاف إلا بصوم».

و ما رواه ايضا عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث (3) قال: «و من اعتكف صام».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث (4) قال فيه «و تصوم ما دمت معتكفا».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن عبيد بن زرارة (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا يكون الاعتكاف إلا بصوم».

الى غير ذلك من الاخبار.

و إطلاق هذه الاخبار و غيرها يقتضي الاكتفاء بالصيام كيف اتفق بمعنى انه لا يشترط في الصيام ان يكون لأجل الاعتكاف، و بذلك صرح المحقق في المعتبر ايضا و غيره في غيره فقالوا بأنه لا يعتبر إيقاع الصوم لأجل الاعتكاف بل يكفى وقوعه في أي صوم اتفق واجبا كان أو ندبا رمضان كان أو غيره، قال في المعتبر:

و عليه فتوى الأصحاب.

قال العلامة في التذكرة بعد ان ذكر نحو ذلك: فلو نذر اعتكاف ثلاثة أيام مثلا وجب الصوم بالنذر لان ما لا يتم الواجب إلا به يكون واجبا.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو مشكل على إطلاقه لأن المنذور المطلق

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الاعتكاف.

(2) الوسائل الباب 2 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 2 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 2 من الاعتكاف: ارجع الى الاستدراكات.

(5) الوسائل الباب 2 من الاعتكاف.

458

يصح إيقاعه في صوم شهر رمضان أو واجب غيره فلا يكون نذر الاعتكاف مقتضيا لوجوب الصوم، كما ان من نذر الصلاة فاتفق كونه متطهرا في الوقت الذي تعلق به النذر لم يفتقر إلى طهارة مستأنفة، نعم لو كان الوقت معينا و لم يكن صومه واجبا اتجه وجوب صومه لكن لا يتعين صومه للنذر ايضا فلو نذر المعتكف صياما و صام تلك الأيام عن النذر أجزأ. انتهى.

أقول: الظاهر ان مراد العلامة انه لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام مثلا و أراد الوفاء بنذره و لم يكن عليه صيام واجب فان الصيام يجب للاعتكاف بالنذر المذكور و العبارة خرجت مخرج التوسع بناء على ما هو الغالب.

ثم نقل عنه في المدارك ايضا انه قال في التذكرة أيضا: و كذا لو نذر اعتكافا و أطلق فاعتكف في أيام أراد صومها مستحبا جاز. ثم اعترض عليه بان هذا الكلام بظاهره مناف لما ذكره أولا من ان نذر الاعتكاف يقتضي وجوب الصوم.

و هو كذلك.

ثم نقل عن جده (قدس سرهما) انه جزم بالمنع من جعل صوم الاعتكاف المنذور مندوبا للتنافي بين وجوب المضي على الاعتكاف الواجب و جواز قطع الصوم المندوب. ثم قال: و هو جيد ان ثبت وجوب المضي في الاعتكاف الواجب و ان كان مطلقا لكنه غير واضح كما ستقف عليه، اما بدون ذلك فيتجه جواز إيقاع المنذور المطلق في الصوم المستحب، اما المعين فلا ريب في امتناع وقوعه كذلك لما ذكره الشارح من التنافي بين وجوب المضي فيه و جواز قطع الصوم. انتهى.

أقول: و سيأتي ما به يتضح تحقيق المسألة ان شاء الله تعالى.

الثاني- اللبث ثلاثة أيام فصاعدا

لا أقل، و هذا الشرط ايضا من ما لا خلاف فيه نصا و فتوى، قال العلامة في التذكرة انه قول علمائنا أجمع. و قال المحقق في المعتبر: قد أجمع علماؤنا على انه لا يجوز أقل من ثلاثة أيام

459

بليلتين و أطبق الجمهور على خلاف ذلك (1).

و يدل على ذلك من الاخبار

ما رواه في الكافي (2) عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام.

و من اعتكف صام.

و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف ان يشترط كما يشترط الذي يحرم».

و ما رواه الشيخ في التهذيب (3) عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) «إذا اعتكف العبد فليصم.

و قال لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام. الحديث».

و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح في بعض و الموثق في آخر عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط فله ان يخرج و يفسخ الاعتكاف و ان أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له أن يخرج و يفسخ اعتكافه حتى تمضى ثلاثة أيام».

و ما رواه المشايخ الثلاثة أيضا في الصحيح و الموثق عن ابى عبيدة الحذاء عن ابى جعفر (عليه السلام) (5) قال: «و من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيام أخر و ان شاء خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر».

و ما رواه الكليني عن داود بن سرحان (6) قال «بدأني أبو عبد الله (عليه السلام) من غير ان أسأله فقال الاعتكاف ثلاثة أيام يعني السنة ان شاء الله تعالى».

بقي الكلام هنا في مواضع

الأول [هل تدخل الليلة الأولى في مدة الاعتكاف؟]

- لا خلاف في دخول ليلتي اليوم الثاني و الثالث في الاعتكاف في الثلاثة الأيام لا من حيث الدخول في لفظ الأيام بل بدليل من خارج.

____________

(1) المغني ج 3 ص 186 و 189 و 213 و 214 و 216.

(2) الفروع ج 1 ص 212 و في الوسائل الباب 4 و 2 و 9 من الاعتكاف.

(3) ج 4 ص 289 و في الوسائل الباب 2 و 4 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

(5) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

(6) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

460

و انما الخلاف في دخول الليلة الأولى فقيل بعدم دخولها و به صرح المحقق في المعتبر حيث قال في مقام الرد على ابى حنيفة (1): و لا تدخل الليالي بل ليلتان من كل ثلاث لما قررناه من الأصل، و حجته ضعيفة لأن دخول الأيام في الليالي و بالعكس لا يستفاد من مجرد اللفظ بل بالقرائن و إلا فاليوم حقيقة في ما بين الفجر الى غروب الشمس و الليلة ما عدا ذلك، و استعمال أحدهما في مسماه منضما لا يعلم بمجرد اللفظ. انتهى. و به صرح الشهيد في الدروس.

و قيل بدخولها و هو منقول عن العلامة و اليه جنح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك حيث قال: لا خلاف عندنا في ان أقل الاعتكاف ثلاثة أيام إنما الكلام في مسمى هذه الأيام هل هو النهار لانه المعروف منها عند الإطلاق لغة و استعمالا حتى في القرآن الكريم لقوله تعالى سَخَّرَهٰا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيٰالٍ وَ ثَمٰانِيَةَ أَيّٰامٍ حُسُوماً (2) أم المركب منه و من الليل لاستعماله شرعا فيهما أيضا في بعض الموارد، و لدخوله في اليومين الأخيرين؟ فعلى الأول فمبدأ الثلاثة طلوع الفجر و على الثاني الغروب و النصوص مطلقة و كذا كثير من عبارات الأصحاب، و اختار المصنف في المعتبر و الشهيد في الدروس الأول و رجح العلامة و جماعة الثاني و هو أولى، و أكمل منه ان يجمع بين النية عند الغروب و قبل الفجر. انتهى.

و السيد السند في المدارك حيث اختار الأول قال بعد نقل كلام جده و استدلاله: و هو استدلال ضعيف فان الاستعمال أعم من الحقيقة و دخول الليل في اليومين الأخيرين انما استفيد من دليل من خارج، و كيف كان فالترجيح للقول الأول لما عرفت.

و نقل في المدارك عن بعض الأصحاب انه احتمل دخول الليلة المستقبلة في مسمى اليوم، قال: و على هذا فلا تنتهي الأيام الثلاثة إلا بانتهاء الليلة الرابعة.

ثم قال: و هو بعيد جدا بل مقطوع بفساده.

____________

(1) المغني ج 3 ص 213.

(2) سورة الحاقة الآية 8.

461

أقول: و يرده صريحا ما تقدم قريبا في آخر نوادر كتاب الصيام (1) من حديث عمر بن يزيد المشتمل على نسبة هذا القول للمغيرية و تكذيب الصادق (عليه السلام) لهم في ذلك.

الثاني [لو نذر اعتكافا مطلقا]

- انهم قد فرعوا على هذا الشرط انه لو نذر اعتكافا مطلقا انصرف الى ثلاثة أيام لأنها أقل ما يمكن جعله اعتكافا، و مبدأها طلوع الفجر أو غروب الشمس بناء على القولين المتقدمين. و يعتبر كون الأيام تامة فلا يجزئ الملفق من الأول و الرابع لان نصف اليومين لا يصدق عليهما انهما يوم.

و من ما يتفرع على ذلك ايضا انه لو وجب عليه قضاء يوم من اعتكاف اعتكف ثلاثة ليصح. و كذا لو نذر اعتكاف أربعة أيام فاعتكف ثلاثة ثم قطع أو نذر اعتكاف يوم و لم يقيده بعدم الزائد. و يتخير في جميع هذه المواضع بين تقديم الزائد و تأخيره و توسيطه.

إلا ان جملة من المتأخرين ذكروا ان الزائد على الواجب أصالة ان تأخر عن الواجب لم يقع إلا واجبا و ان تقدم جاز ان ينوي به الوجوب من باب مقدمة الواجب و الندب لعدم تعين الزمان له.

و ربما أشكل ذلك بما إذا كان الواجب يوما واحدا فان اعتكاف اليومين بنية الندب يوجب الثالث فلا يكون مجزئا عن ما في ذمته.

و فيه انه لا منافاة بين كونه واجبا سابقا و عروض الوجوب له من جهة أخرى، و هل هو إلا من قبيل نذر الواجب على القول به.

الثالث- لو ابتدأ بالاعتكاف في مدة لا تسلم فيها الثلاثة

كأن يبتدئ قبل العيد بيوم أو بيومين لم يصح اعتكافه لأن أقله ثلاثة أيام و هو مشروط بالصوم و العيد لا يجوز صومه فيبطل اعتكافه البتة من غير اشكال و لا خلاف، نعم يمكن ذلك بناء على جواز صوم العيد في كفارة القاتل في الأشهر الحرم بناء على القول بذلك كما تقدم ذكره في كتاب الصيام في المطلب الثالث من مطالب المقصد الثاني

____________

(1) ص 452.

462

من الكتاب المذكور (1).

الرابع- لو نذر الاعتكاف عشرين يوما أو عشرة أيام

مثلا فان اشترط التتابع لفظا أو كان التتابع حاصلا معنى- و المراد بالتتابع لفظا أن يكون مدلولا عليه بلفظ التتابع أو ما أدى مؤداه، و التتابع معنى ما كان مدلولا عليه بالالتزام كنذر اعتكاف شهر رجب الذي لا يتحقق الإتيان به إلا بالتتابع فان الشهر اسم مركب من الأيام المعدودة- فلا ريب في وجوب التتابع، و ان انتفى الأمران فالمشهور جواز التتابع و التفريق لتحقق الامتثال بكل منهما، لكن ليس له ان ينقص عن ثلاثة أيام لأنها أقل مدة يسوغ الاعتكاف فيها. و استقرب العلامة في التذكرة و المنتهى عدم تعين ذلك و جوز له اعتكاف يوم عن النذر و ضم يومين مندوبين اليه أو واجبين بغير النذر كما لو نذر ان يعتكف يوما و سكت عن الزائد، و هو جيد.

الخامس [لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون لياليها]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون لياليها لم يصح، لأن الليالي إذا لم تدخل في الاعتكاف يحصل الخروج منه بدخول الليل فيجوز له فعل ما ينافيه فينقطع اعتكاف ذلك اليوم عن ما قبله و يصير منفردا، و يلزم من ذلك صحة اعتكاف أقل من ثلاثة أيام، و هو معلوم البطلان كما عرفت من الاخبار الدالة على ان أقله ثلاثة أيام.

بلا لياليهن. مع انه قال في هذا الكتاب: لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام و ليلتين. إلا أن يحمل على التقييد بالمتابعة.

و قال في المبسوط: ان نذر أياما بعينها لم يدخل فيها لياليها إلا أن يقول العشر الأواخر و ما يجرى مجراه فيلزمه حينئذ الليالي لان الاسم يقع عليه. ثم قال في

____________

(1) ص 388.

463

موضع آخر منه: و لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام وجب عليه ان يدخل فيه قبل طلوع الفجر من أول يومه الى بعد الغروب من ذلك اليوم و كذلك اليوم الثاني و الثالث، هذا ان أطلقه و ان شرط التتابع لزمه الثلاثة الأيام بينها ليلتان.

قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و المعتمد دخول الليالي، لنا ان الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام و مفهوم ذلك دخول الليالي. انتهى.

أقول: كأن الشيخ (رحمه الله) بنى على ان اليوم انما هو عبارة عن ما بعد طلوع الفجر الى غروب الشمس و الثلاثة الأيام المذكورة في الاخبار عبارة عن ذلك فالليل مع عدم قيد التتابع غير داخل فيها. و فيه ان الحكم على الثلاثة بكونها أقل ما يقع فيه الاعتكاف و لا يصح في أقل منها ظاهر في إدخال الليلتين بالتقريب المتقدم، و يعضده الأخبار الدالة على وجوب الكفارة على من جامع ليلا و هو معتكف (1) كما سيأتي ان شاء الله تعالى، و تقييدها بالمتابعة لا دليل عليه و لا داعي إليه.

الثالث- المكان [و هل يتعين بعض المساجد للاعتكاف]

و لا بد أن يكون مسجدا اتفاقا و انما اختلفوا في تعيينه فقال الشيخ و المرتضى انه لا يصح الاعتكاف إلا في أربعة مساجد: المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و مسجد البصرة، و به قال أبو جعفر بن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه و سلار و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس.

و قال على بن بابويه: لا يجوز الاعتكاف إلا في المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و مسجد المدائن، و العلة في ذلك انه لا يعتكف إلا في مسجد جمع فيه امام عدل و قد جمع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بمكة و جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه المواضع، و قد روى في مسجد البصرة رواية.

و قال ابن إدريس في السرائر: و قد ذهب بعض أصحابنا و هو ابن بابويه الى ان أحد الأربعة مسجد المدائن و جعل مسجد البصرة رواية، و يحسن في هذا الموضع

____________

(1) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

464

قول: «اقلب تصب» لان الأظهر بين الطائفة ما قلناه أولا فإن كانت قد رويت لمسجد المدائن رواية فهي من أخبار الآحاد.

قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه- و نعم ما قال- و هذا تهجم في القول على مثل هذا الشيخ و تهكم بكلامه، و لا يليق بمن له أدنى فطانة مخاطبة مثل هذا الشيخ الأعظم السابق في الفضل الجامع بين العلم و العمل الذي راسله الامام و دعا له بما طلب منه (1) بمثل هذا الكلام.

ثم نقل عن ابنه ابى جعفر في المقنع انه قال: و لا يجوز الاعتكاف إلا في خمسة مساجد: في المسجد الحرام و مسجد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و مسجد المدائن و مسجد البصرة، و علل بان الاعتكاف إنما يكون في مسجد جمع فيه امام عدل و النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) جمع بمكة و المدينة و جمع أمير المؤمنين (عليه السلام) في الثلاثة الباقية.

و قال المفيد: لا يكون الاعتكاف إلا في المسجد الأعظم، و قد روى انه لا يكون إلا في مسجد جمع فيه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أو وصى نبي. ثم عد المسجد الحرام و مسجد المدينة و مسجد الكوفة و مسجد البصرة.

و قال ابن ابى عقيل (2) الاعتكاف عند آل الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) لا يكون إلا في المساجد و أفضل الاعتكاف في المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و سائر الأمصار مساجد الجماعات.

أقول: و الظاهر ان مرجع القول الأول و الثاني المنقول عن على بن بابويه إلى أمر واحد و هو أن يكون مسجدا قد جمع فيه نبي أو وصي نبي أعم من أن يكون جماعة أو جمعة و ان كان قد صرح الشيخ في المبسوط و المرتضى في الانتصار بان

____________

(1) رجال النجاشي في ترجمة الشيخ الصدوق و غيبة الشيخ الطوسي ص 201 طبع تبريز و إكمال الدين ص 276.

(2) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

465

المعتبر في ذلك صلاة الجمعة و انه لا يكفى مطلق الجماعة، و نقله في المختلف عن الشيخ المفيد ايضا و ابن حمزة و ابن إدريس، و ظاهر ابني بابويه الاكتفاء بمطلق الجماعة.

و قال في المختلف: و لا أرى لهذا الخلاف فائدة إلا أن يثبت زيادة مسجد صلى فيه بعض الأئمة (عليهم السلام) جماعة لا جمعة. و قال ابنه في الشرح ان فائدة الخلاف تظهر في مسجد المدائن فإن المروي ان الحسن (عليه السلام) صلى فيه جماعة لا جمعة.

أقول: قد تقدم في عبارة الشيخ على بن بابويه ان مسجد المدائن قد جمع فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو المذكور في الفقه الرضوي (1) و الى هذا القول ذهب في المنتهى و المختلف و نسبه في المنتهى الى المشهور بين علمائنا.

و اما ما ذهب اليه الشيخ المفيد (قدس سره) فالظاهر ان مراده بالمسجد الأعظم يعني جامع البلد، و اليه ذهب المحقق في كتبه و أكثر المتأخرين، و ظاهر جملة من الأصحاب حمل عبارة ابن أبى عقيل على ذلك و هو بعيد عن ظاهرها و ان ظاهرها مطلق المسجد.

و اما الاخبار الواردة في هذا الباب فمنها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عمر بن يزيد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما تقول في الاعتكاف ببغداد في بعض مساجدها؟ فقال: لا يعتكف إلا في مسجد جماعة قد صلى فيه امام عدل جماعة و لا بأس بأن يعتكف في مسجد الكوفة و البصرة و مسجد المدينة و مسجد مكة».

و رواه الشيخان ثقة الإسلام و شيخ الطائفة بسند غير نقى (3).

و قال في الفقيه (4): و قد روى في مسجد المدائن.

و ما رواه المشايخ الثلاثة أيضا في الصحيح في بعضها عن داود بن سرحان عن

____________

(1) ص 26.

(2) الفقيه ج 2 ص 120 و في الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

466

ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) أو مسجد جامع».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سئل عن الاعتكاف فقال: لا يصلح الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) أو مسجد الكوفة أو مسجد جماعة. و تصوم ما دمت معتكفا».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن الكناني عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن الاعتكاف في شهر رمضان قال ان عليا (عليه السلام) كان يقول لا أرى الاعتكاف إلا في المسجد الحرام أو في مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) أو في مسجد جامع».

و ما رواه عن على بن عمران الرازي عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (4) قال: «المعتكف يعتكف في المسجد الجامع».

و ما رواه أيضا عن يحيى بن العلاء الرازي عن ابى عبد الله (5) قال:

«لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد جماعة».

و ما تقدم في صدر الكتاب

في صحيحة الحلبي برواية الصدوق (6) من قوله (عليه السلام): «لا اعتكاف إلا بصوم في المسجد الجامع».

و ما رواه الشيخ في القوى عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) في حديث (7) قال: «لا يصلح العكوف في غيرها- يعني مكة- إلا ان يكون في مسجد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أو في مسجد من مساجد الجماعة».

و ما رواه أيضا عن على بن غراب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (8) قال: «المعتكف

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

(2) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف، و في التهذيب ج 4 ص 291 هكذا «سئل عن الاعتكاف في رمضان في العشر.».

(4) التهذيب ج 4 ص 290 و في الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

(5) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف. ارجع فيهما الى الاستدراكات.

(6) ص 455 و 456.

(7) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف.

(8) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف. ارجع فيهما الى الاستدراكات.

467

يعتكف في المسجد الجامع».

و نقل في المختلف عن ابن الجنيد (1) انه روى عن ابن سعيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) جوازه في كل مسجد صلى فيه امام عدل صلاة جمعة و في المسجد الذي يصلى فيه الجمعة بإمام و خطبة.

و في هذا الحديث دلالة على ما ذكره الشيخ و المرتضى و نحوهما ممن قدمنا ذكره من ان الاعتبار بصلاة الجمعة و انه لا يكفى مطلق الجماعة.

و قال في الفقه الرضوي (2): و صوم الاعتكاف في المسجد الحرام و مسجد الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) و مسجد الكوفة و مسجد المدائن، و لا يجوز الاعتكاف في غير هؤلاء المساجد الأربعة، و العلة في ذلك انه لا يعتكف إلا في مسجد جمع فيه امام عدل، و جمع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بمكة و المدينة و أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الثلاثة المساجد، و قد روى في مسجد البصرة.

انتهى.

و من هذه العبارة أخذ الشيخ على بن بابويه عبارة الرسالة المتقدمة كما هي قاعدته التي أشرنا إليها في غير موضع من ما تقدم، و إليها يرجع كلام ابنه في المقنع أيضا كما لا يخفى.

أقول: ليس في هذه الاخبار ما يمكن أن يستدل للقولين المتقدمين إلا عبارة كتاب الفقه الرضوي و صحيحة عمر بن يزيد التي هي أول الأخبار المنقولة هنا.

و ما تأولها به بعضهم من حمل الامام العدل على معنى العادل فيشمل إمام الجماعة لا يخفى بعده سيما مع قوله بعد هذا الكلام: «و لا بأس بأن يعتكف. الى آخره» فان الظاهر ان تخصيص هذه المساجد بالذكر قرينة على ارادة المعصوم حيث انها من ما صلى فيها المعصوم (عليه السلام). و من ذلك يظهر قوة القول الأخير و هو الاكتفاء بالمسجد الجامع. بقي الكلام في ما يحمل عليه الخبران المذكوران.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من الاعتكاف. و اللفظ فيه هكذا: صلى فيه امام عدل صلاة جماعة.

(2) ص 26.

468

و العلامة في المختلف و المنتهى حيث اختار الأول استدل له بصحيحة عمر بن يزيد المذكورة.

و أجيب عن ذلك بحملها على عدم اختصاص الامام العدل بالمعصوم بل المراد ما هو أعم، و انه مع تسليم الاختصاص محمول على ضرب من الكراهة جمعا.

و في الجوابين ما لا يخفى كما نبهت عليه.

و اما عبارة كتاب الفقه الرضوي فلم يطلعوا عليها.

و العلامة في المنتهى قد أجاب عن الاخبار التي استدل بها على القول الثاني بضعف السند أولا و تقييد إطلاقها بالصحيحة المتقدمة، قال بعد نقل جملة منها:

هذه أحاديث مطلقة و ما قلناه مقيد فيحمل عليه جمعا بين الأدلة. و فيه من البعد ما لا يخفى فان عد مسجد الجماعة مع جملة من هذه المساجد في جملة من الاخبار المتقدمة لا يلائم ذلك كما هو ظاهر.

و الأظهر عندي ان روايات كل من الطرفين ظاهرة في كل من القولين و ان اخبار أحد الطرفين إنما خرج مخرج التقية، و الظاهر انها في اخبار القول بالمسجد الجامع و ذلك فان مذهب الشافعي انه يصح في كل مسجد كما هو ظاهر عبارة ابن ابى عقيل و به قال مالك ايضا، و قال احمد لا يجوز إلا في مسجد يجمع فيه و به قال أبو حنيفة (1) و هو قول الشيخ المفيد و من تبعه، و اما القول بالمساجد الأربعة المتقدمة فلم يسند الى أحد منهم (2) و بذلك يظهر قوة القول الأول. و الله العالم.

و لا فرق في اعتبار هذه الشرائط بين الرجل و المرأة اتفاقا.

و يدل عليه

قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (3): «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج

____________

(1) عمدة القارئ ج 5 ص 373 و المجموع ج 6 ص 483 و المهذب ج 1 ص 190 و بدائع الصنائع ج 2 ص 113.

(2) في المغني ج 3 ص 188 و 189 حكى عن حذيفة أن الاعتكاف لا يصح إلا في أحد المساجد الثلاثة: المسجد الحرام و المسجد الأقصى و مسجد رسول الله (ص).

(3) الوسائل الباب 7 من الاعتكاف.

469

من المسجد. الى ان قال: و اعتكاف المرأة مثل ذلك».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة داود بن سرحان (1): «و لا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد الجامع إلا لحاجة لا بد منها ثم لا يجلس حتى يرجع، و المرأة مثل ذلك».

الرابع- اذن من له الولاية

كالمولى لعبده و الزوج لزوجته، اما العبد فلان خدمته مستحقة للمولى، و اما الزوجة فلان الاستمتاع بها حق الزوج.

و الظاهر انه لا خلاف فيه و لا اشكال و ان لم يرد بخصوصه نص في هذا المجال، إنما الكلام في اذن الوالد لولده و المضيف لضيفه و الحق في ذلك كما ذكره في المسالك انه ان وقع الاعتكاف في صوم مندوب بنى على ما تقدم في كتاب الصوم من توقف صومهما على الاذن و عدمه و ان وقع في غيره كصوم شهر رمضان مثلا فالأظهر عدم الاشتراط لعدم الدليل.

و أطلق الشهيد في الدروس اشتراط إذن الأب فقال في ضمن تعداد الشروط:

و يشترط الإسلام. الى أن قال: و اذن الزوج و المولى و الوالد. الى أن قال:

و الأقرب ان الأجير و الضيف يستأذنان في الاعتكاف. و هو على إطلاقه مشكل لما عرفت من عدم الدليل في المسألة و إنما صرنا إليه في الصوم المندوب من حيث الصوم بناء على اشتراط الاذن فيه لا من حيث خصوصية الاعتكاف. و اما ما ذكره من الأجير فالحكم فيه كما تقدم في العبد حيث ان منافعه مستحقة للمستأجر.

و قد صرح جملة من الأصحاب تفريعا على هذه المسألة بأن المملوك إذا هاياه مولاه جاز له الاعتكاف في أيامه و ان لم يأذن له مولاه، و انه لو أعتق في أثناء الاعتكاف لم يلزمه المضي فيه إلا ان يكون شرع فيه باذن المولى فيلزمه المضي.

و أورد على الأول بأنه على إطلاقه ممنوع بل إنما يجوز له الاعتكاف في أيامه

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الاعتكاف.

470

إذا كانت المهاياة تفي بأقل مدة الاعتكاف و لم يضعفه عن الخدمة في نوبة المولى و لم يكن الاعتكاف في صوم مندوب ان منعنا المبعض من الصوم بغير اذن المولى و إلا لم يجز إلا بالإذن كما هو واضح. و على الثاني انه انما يتم عند هذا القائل مع وجوب الاعتكاف بنذر أو شبهه أو بعد مضى يومين لا مطلقا.

الخامس- استدامة اللبث في المسجد

فلو خرج بغير الأسباب المبيحة بطل اعتكافه، و هو إجماع منهم كما صرح به غير واحد منهم.

و يدل عليه الأخبار: و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ليس للمعتكف ان يخرج من المسجد إلا الى الجمعة أو جنازة أو غائط».

و ما رواه ثقة الإسلام في الحسن على المشهور و الصحيح على الأصح و ابن بابويه في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا ينبغي للمعتكف ان يخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها ثم لا يجلس حتى يرجع و لا يخرج في شيء إلا لجنازة أو يعود مريضا و لا يجلس حتى يرجع. قال و اعتكاف المرأة مثل ذلك».

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن داود بن سرحان في الصحيح بطريق الثاني (3) قال: «كنت بالمدينة في شهر رمضان فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى أريد ان اعتكف فما ذا أقول و ما ذا أفرض على نفسي؟ فقال: لا تخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها و لا تقعد تحت الظلال حتى تعود الى مجلسك».

و ما تقدم من رواية داود بن سرحان الأخرى.

و يستفاد من هذه الأخبار أمور

أحدها [المراد بالخروج]

- ان الظاهر منها هو ان المراد بالخروج منها هو الخروج بجميع بدنه لا بعضو من أعضائه، و به قطع المحقق في المعتبر من غير نقل خلاف، قال: لأن المنافي للاعتكاف خروجه لا خروج بعضه. و جزم في المسالك بتحقق الخروج من المسجد بخروج جزء من بدن المعتكف و هو بعيد جدا.

____________

(1) الوسائل الباب 7 من الاعتكاف.

(2) الوسائل الباب 7 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 7 من الاعتكاف.

471

و

ثانيها [عدم البطلان بالخروج مع الإكراه]

- ان المتبادر من الخروج المنهي عنه فيها هو الخروج من نفسه اختيارا فلو اخرج منها مكرها فالظاهر انه غير مبطل إلا ان يطول الزمان على وجه يخرج عن كونه معتكفا.

و بذلك فصل العلامة (قدس سره) في التذكرة فقال ان الاعتكاف إنما يبطل بمطلق الخروج المحرم إذا وقع اختيارا اما إذا خرج كرها فإنه لا يبطل إلا مع طول الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و لا بأس به تمسكا بمقتضى الأصل و حديث رفع القلم (1) و التفاتا الى عدم توجه النهي الى هذا الفعل.

و جملة من الأصحاب قد صرحوا بان الخروج مبطل طوعا خرج أو كرها.

و استدل عليه في المعتبر بان الاعتكاف لبث في المسجد فيكون الخروج منافيا له.

و فيه ما عرفت من ان المنافي له إنما هو الخروج الاختياري كما هو ظاهر الأخبار المذكورة و اما الإخراج منها كرها فلا دليل على إبطاله، و ليس كل مناف للبث موجبا للإبطال لعدم الدليل عليه بل قيام الدليل على خلافه في المواضع المشار إليها في الأخبار المتقدمة.

و

ثالثها- انه هل يتحقق الخروج بالصعود الى سطح المسجد من داخله؟

قيل نعم و به قطع في الدروس لعدم دخوله في مسماه، و قيل لا و به قطع في المنتهى من غير نقل خلاف، قال لانه من جملته. و استحسنه في المدارك. و نقله في المنتهى عن الفقهاء الأربعة و انه يجوز ان يبيت فيه (2).

و المسألة لا تخلو من اشكال ينشأ من حيث انه مسجد ايضا فلهذا حرم على الجنب اللبث فيه، و من ان المتبادر هو ما جرت به العادة و عمل الناس من المكان الأسفل منه و الأحكام الشرعية إنما تبنى على الافراد الغالبة.

____________

(1) في المدارك: حديث «رفع» و قد أورده في الوسائل الباب 56 من جهاد النفس.

(2) المغني ج 3 ص 197.

472

و

رابعها [عدم البطلان بالخروج سهوا]

- ان ظاهر النهي في الأخبار المتقدمة إنما يتوجه الى الخروج عمدا فلو خرج ساهيا لم يبطل اعتكافه، و بذلك أطلق الأكثر، و استدلوا عليه بالأصل و حديث رفع (1) و قيده بعضهم بما إذا لم يطل زمن الخروج بحيث يخرج عن كونه معتكفا و إلا لبطل و ان انتفى الإثم. و يجب العود عند الذكر فلو أخر اختيارا بطل

و

خامسها- انه بعد الخروج للحاجة لا يجوز له الجلوس تحت الظلال

كما تضمنته صحيحة الحلبي المتقدمة و صحيحة داود بن سرحان (2) و الاولى و ان كانت مطلقة إلا أن الثانية مقيدة فيحكم بها على الأولى، و بذلك صرح الشيخ في المبسوط فخصص التحريم بالجلوس تحت الظلال، و كذا المفيد و سلار و المحقق في المعتبر و عليه أكثر المتأخرين.

و جملة من الأصحاب كالشيخ في أكثر كتبه و المرتضى و ابى الصلاح و ابن إدريس و المحقق في الشرائع و العلامة في بعض كتبه زادوا المشي تحت الظلال، و لم نقف على مستنده و بذلك اعترف جملة من أصحابنا المتأخرين.

و

سادسها [موارد المستثناة من الخروج]

- انه قد اشتملت هذه الأخبار على انه لا يجوز الخروج إلا للأمور الضرورية.

و عد منها في الاخبار المذكورة

قضاء الحاجة من بول أو غائط

، و على ذلك دلت صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (3).

و لا اشكال و لا خلاف في ذلك إلا ان الأصحاب ذكروا انه يجب أن يتحرى أقرب الطرق الى موضع قضاء الحاجة.

و قال في المنتهى: لو كان الى جانب المسجد سقاية خرج إليها إلا ان يجد بها غضاضة بأن يكون من أهل الاحتشام فيجد المشقة بدخولها لأجل الناس فعندي ههنا يجوز أن يعدل عنها إلى منزله و ان كان أبعد. ثم قال: و لو بذل له صديق منزله

____________

(1) الوسائل الباب 56 من جهاد النفس.

(2) ص 470.

(3) ص 470.

473

و هو قريب من المسجد لقضاء حاجته لم يلزمه الإجابة لما فيه من المشقة بالاحتشام بل يمضي إلى منزله. و ظاهر جماعة ممن نقل ذلك عنه تلقيه بالقبول.

و عندي فيه اشكال و انه تقييد لإطلاق النص بغير دليل. و ما ذكروه من التعليل ليس من ما يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.

و منها-

شهادة الجنازة

كما تضمنته صحيحة الحلبي و صحيحة عبد الله بن سنان (1) و المراد حضورها لتشييعها و الصلاة عليها أعم من ان يكون ذلك متعينا عليه أم لا لإطلاق النص.

و منها-

عيادة المريض

كما تضمنته صحيحة الحلبي (2) أيضا.

و منها-

الجمعة

لو كانت تقام في غير ذلك المسجد.

و قد ذكر الأصحاب أيضا جملة زائدة على ما ذكر بناء على ان ما ذكر انما خرج مخرج التمثيل:

منها-

إقامة الشهادة

و قيده بعض الأصحاب بما إذا تعينت عليه و لم يمكن أداؤها بدون الخروج.

و قال في المنتهى: يجوز الخروج لها تعين عليه التحمل و الأداء أو لم يتعين عليه أحدهما إذا دعي إليها لأنها من ما لا بد منه فصار ضروريا كقضاء الحاجة، و إذا دعي إليها مع عدم التعيين تجب الإجابة. انتهى. و فيه اشكال و الأول أحوط.

و منها-

الغسل لو احتلم

فلا يجوز الخروج للغسل المندوب. و في معنى غسل الجنابة غسل المرأة للاستحاضة.

و لو أمكن الغسل في المسجد بحيث لا تتعدى النجاسة الى المسجد أو آلاته فقد أطلق جماعة المنع لمنافاته لاحترام المسجد. و احتمل في المدارك الجواز كما في الوضوء و الغسل المندوب.

____________

(1) ص 470.

(2) ص 470.

474

و منها-

تحصيل المأكول و المشروب

إذا لم يكن من يأتيه بهما، و لا إشكال في الجواز لذلك.

و جوز العلامة في التذكرة و الشهيد الثاني في المسالك الخروج للأكل أيضا إذا كان في فعله في المسجد غضاضة عليه بخلاف الشرب إذ لا غضاضة فيه و لا يعد تركه من المروة. قال في المدارك: و هو غير بعيد.

أقول: بل الظاهر انه بعيد كما أشرنا إليه آنفا فان جميع ما ذكروه من الغضاضة في هذه الأمور مبنى على منافاتها المروة التي اعتبروها في تعريف العدالة كما أشير إليه في هذا الكلام، و قد ثبت في الاخبار عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) جملة من الأشياء التي جعلوها موجبة للغضاضة و منافية للمروة،

و قد روى عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) انه كان يركب الحمار العاري و يردف عليا (عليه السلام) خلفه و انه كان يحلب الشاة و انه كان يأكل ماشيا إلى الصلاة في المسجد و نحو ذلك.

و منها-

السعي في حاجة المؤمن

، و يدل عليه

ما رواه ابن بابويه في الفقيه عن ميمون بن مهران (2) قال: «كنت جالسا عند الحسن بن على (عليه السلام) فأتاه رجل فقال له يا ابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان فلانا له على مال و يريد ان يحبسني فقال و الله ما عندي مال فأقضي عنك. قال فكلمه قال فلبس (عليه السلام) نعله فقلت له يا ابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أنسيت اعتكافك؟ فقال له لم أنس و لكني سمعت ابى يحدث عن جدي رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) انه قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنما عبد الله (عز و جل) تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله».

و منها-

تشييع المؤمن

، ذكره جملة من الأصحاب و لم أقف له على دليل و الأحوط تركه.

[زيارة الوالدين]

و منها- ما ذكره في المنتهى قال: و يجوز أن يخرج لزيارة الوالدين لأنه طاعة

____________

(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 16 ج 10 من الحدائق. و ارجع الى الاستدراكات.

(2) الوسائل الباب 7 من الاعتكاف.

475

فلا يكون الاعتكاف مانعا منها. انتهى. و فيه توقف. و الله العالم.

فروع

الأول- لا يجوز الصلاة خارج المسجد لمن خرج لضرورة إلا بمكة إلا مع ضيق الوقت.

و يدل عليه

ما رواه الكليني و ابن بابويه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول المعتكف بمكة يصلى في أي بيوتها شاء سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها. الى أن قال: و لا يصلى المعتكف في بيت غير المسجد الذي اعتكف فيه إلا بمكة فإنه يعتكف بمكة حيث شاء لأنها كلها حرم الله. الحديث».

قال الشيخ: «قوله (عليه السلام) يعتكف بمكة حيث شاء» انما يريد به يصلى صلاة الاعتكاف. و استشهد بسياق الكلام و بالأحاديث السابقة.

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المعتكف بمكة يصلى في أي بيوتها شاء و المعتكف بغيرها لا يصلى إلا في المسجد الذي سماه».

و ما رواه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف رقم 3 و هي رواية الشيخ في التهذيب ج 4 ص 293 و اما رواية الكليني و الصدوق فهي إلى قوله «أو في بيوتها» كما في الوسائل الباب 8 من الاعتكاف رقم 1.

(2) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 8 من الاعتكاف رقم 1، و هذه الرواية مكررة حسب عبارة المصنف (قدس سره) إلا ان يكون مقصوده من الرواية المتقدمة رواية الشيخ و النسبة إلى الكليني و ابن بابويه من سبق القلم أو اشتباه النساخ كما يشهد به قوله «قال الشيخ.» بعد تمام الرواية.

476

«المعتكف بمكة يصلى في أي بيوتها شاء سواء عليه صلى في المسجد أو في بيوتها».

و استثنى من المنع الخروج لصلاة الجمعة إذا أقيمت في غير مسجده الذي اعتكف فيه.

الثاني [إذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها]

- نقل في المنتهى عن الشيخ (قدس سره) انه إذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها فخرجت و اعتدت في بيتها استقبلت الاعتكاف. ثم نقل عنه انه قال:

و بالجملة فللمرأة الخروج إذا طلقت للعدة في بيتها و يجب عليها ذلك. و لم ينقل فيه خلافا إلا من العامة حيث ذهب جمع منهم الى وجوب المضي في الاعتكاف حتى تفرغ منه ثم ترجع الى بيت زوجها لتعتد فيه (1) ثم رده بظاهر الآية و هي قوله تعالى:

لٰا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لٰا يَخْرُجْنَ (2). الى أن قال: و اما استئناف الاعتكاف فإنه يصح له على تقدير أن يكون الاعتكاف واجبا و لم يشترط الرجوع.

و فصل في المسالك فقال- بعد نقل عبارة المصنف الدالة على وجوب الخروج الى منزلها لتعين الاعتداد عليها فيه- ما صورته: هذا يتم مع كون الاعتكاف مندوبا أو واجبا غير معين أو مع شرط الحل عند العارض و لو كان معينا من غير شرط فالأقوى اعتدادها في المسجد زمن الاعتكاف فان دين الله أحق ان يقضى (3).

قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو حسن.

أقول: للتوقف في ما ذكره (قدس سره) مجال لعدم الدليل على ذلك فإنه قد تعارض هنا واجبان: اللبث في المسجد من حيث التعيين و عدم الشرط، و الاعتداد

____________

(1) المغني ج 3 ص 207.

(2) سورة الطلاق الآية 2.

(3) في مسند احمد ج 1 ص 227 عن ابن عباس ان امرأة قالت يا رسول الله (ص) انه كان على أمي صوم شهر فماتت أ فأصومه عنها؟ قال: لو كان على أمك دين ا كنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: فدين الله عز و جل أحق ان يقضى. و نحوه ص 258 منه.

و لا يخفى ان حديث الخثعمية المتقدم ج 11 ص 39 و استدركناه برقم 1 انما كان في الحج.

477

في البيت من حيث الأدلة الدالة على وجوب ذلك، و ترجيح أحد الطرفين على الآخر يحتاج الى دليل و ليس فليس.

الثالث [لو أخرج السلطان المعتكف من المسجد]

- صرح في المنتهى بأنه لو أخرجه السلطان فان كان ظالما مثل ان يطالبه بما ليس عليه لم يبطل اعتكافه و إذا عاد بنى لحديث رفع القلم (1) و ان أخرجه بحق مثل اقامة حد و استيفاء دين بطل اعتكافه و استأنف.

أقول: يجب تقييد الحكم الأول بما إذا لم يطل الزمان بحيث يخرج عن كونه معتكفا كما ذكره في غير هذه الصورة، و يجب تقييد الحكم الثاني بما إذا كان واجبا كما استدركه على الشيخ في سابق هذه المسألة.

الرابع- إذا حاضت المرأة

خرجت من المسجد الى بيتها و هكذا المريض.

ثم ان كان الاعتكاف واجبا وجب الرجوع لقضائه و إعادته و إلا فلا، و أطلق بعض الأصحاب العود في الاعتكاف و الظاهر التفصيل.

و يدل على ذلك من الأخبار

ما رواه الصدوق في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا مرض المعتكف أو طمثت المرأة المعتكفة فإنه يأتي بيته ثم يعيد إذا برئ و يصوم».

و رواه الكليني (3) ثم قال: و في رواية أخرى عنه (عليه السلام) ليس على المريض ذلك.

و بإسناده عن ابن محبوب عن أبي أيوب عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) «في المعتكفة إذا طمثت؟ قال: ترجع الى بيتها فإذا طهرت رجعت فقضت ما عليها».

و إطلاق هذين الخبرين محمول على ما قدمناه لما يأتي من الأدلة الدالة على

____________

(1) عبارة المنتهى ج 2 ص 636 لم تنقل بلفظها تماما و قد أسقط بعضها و المراد بحديث رفع القلم هو حديث الرفع المعروف كما هو نص عبارة المنتهى و قد أورده في الوسائل الباب 56 من جهاد النفس.

(2) الوسائل الباب 11 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 11 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 11 من الاعتكاف.

478

عدم وجوب الاعتكاف بمجرد الشروع و انما يجب بالنذر أو مضى يومين فيجب الثالث (1).

و ينبغي ان يعلم ان المقضي في هذه المسألة و في سابقتها هو جميع زمان الاعتكاف متى كان واجبا و لم يمض منه ثلاثة أيام و إلا فالمتروك خاصة، نعم لو كان المتروك ثالث المندوب وجب قضاؤه بإضافة يومين إليه لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة.

و تردد في المنتهى من حيث عموم الحديث الدال على الاستئناف و من حيث حصول العارض المقتضي للضرورة فكان كالخروج للحاجة. ثم قال: و الأقرب عدم الاستئناف.

الخامس [لو نذر اعتكاف أيام معينة متتابعة و خرج قبل إكمالها]

- قد صرح الشيخ في المبسوط و جملة ممن تأخر عنه بأنه لو نذر اعتكاف أيام معينة كالعشر الأواخر من شهر رمضان مثلا أو نحوها من ما يكون متتابعا معنى أو قيده بالتتابع لفظا ثم خرج قبل إكمالها فإنه يبطل الجميع و يجب الاستئناف.

و استدل له في المختلف بفوات المتابعة المشروطة ثم قال: و لقائل أن يقول لا يجب الاستئناف و ان وجب عليه الإتمام متتابعا و كفارة خلف النذر، لأن الأيام التي اعتكفها متتابعة وقعت على الوجه المأمور به فيخرج بها عن العهدة و لا يجب عليه استينافها لأن غيرها لم يتناوله النذر، بخلاف ما إذا أطلق النذر و شرط التتابع فإنه هنا يجب عليه الاستئناف لأنه أخل بصفة النذر فوجب عليه استئنافه من رأس بخلاف صورة النزاع، و الفرق بينهما تعين الزمان هناك و إطلاقه هنا فكل صوم متتابع في أي زمان كان مع الإطلاق يصح أن يجعله المنذور اما مع التعيين فلا يمكنه البدلية.

و قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو جيد. ثم قال: لا يخفى ان عدم الاستئناف إنما يتجه إذا كان ما اتى به ثلاثة فصاعدا و هو واضح.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

479

أقول: و الظاهر انه الى ذلك يشير قول العلامة: «لأن الأيام التي اعتكفها متتابعة وقعت على الوجه المأمور به» يعنى وقع اعتكافا صحيحا و ما دون الثلاثة ليس كذلك.

الفصل الثاني- في جملة من الأحكام

و في هذا الفصل مسائل:

المسألة الأولى [هل يجب الاعتكاف المنذور بالشروع فيه؟]

- قد يجب الاعتكاف بالنذر و شبهه و يجب بالشروع فيه على المشهور بين الأصحاب بخلاف المندوب كما يأتي ذكر الخلاف فيه و ان الأظهر وجوبه بعد اليومين المتقدمين.

و ظاهر المدارك التفصيل بين ما كان معينا فيجب بالشروع فيه و مطلقا فلا يجب إلا بمضي يومين كما في المندوب، قال: لكن الظاهر من قول المصنف- ان الأول و هو ما وجب بنذر و شبهه يجب بالشروع- انه يجب المضي فيه بمجرد الشروع. و هو جيد مع تعين الزمان اما مع إطلاقه فمشكل، و لو قيل بمساواته للمندوب في عدم وجوب المضي فيه قبل مضى اليومين لم يكن بعيدا. انتهى.

و الظاهر ان منشأ ذلك الإطلاق في النذر المقتضى للتوسعة فيكون كالمندوب لا يجب إلا بمضي اليومين.

المسألة الثانية [هل يجب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في وجوب الاعتكاف المندوب بالدخول فيه و عدمه على أقوال:

أحدها- انه يجب بالدخول فيه كالحج و هو قول الشيخ في المبسوط و ابى الصلاح الحلبي، قال في المبسوط: و متى شرط المعتكف على ربه انه متى عرض له عارض رجع فيه كان له الرجوع فيه اى وقت شاء ما لم يمض به يومان فان مضى به يومان وجب عليه إتمام الثالث، و ان لم يشترط وجب عليه بالدخول فيه تمام ثلاثة أيام، لأن الاعتكاف لا يكون أقل من ثلاثة أيام.

و ثانيها- انه لا يجب بل يجوز له الابطال و الفسخ متى شاء، نقله في التذكرة عن المرتضى و ابن إدريس و اختاره العلامة في المختلف و المنتهى، و قال المحقق في

480

المعتبر انه الأشبه بالمذهب.

و ثالثها- وجوب اليوم الثالث بعد مضى يومين، نقله في التذكرة عن ابن الجنيد و ابن البراج و ظاهر الشيخ في النهاية و اختاره المحقق في الشرائع و جمع من المتأخرين و متأخريهم: منهم- السيد السند في المدارك.

و رابعها- موافقة مذهب السيد مع الشرط و مذهب الشيخ في النهاية مع عدمه نقله في المختلف عن ابن حمزة، قال و قال ابن حمزة ان شرط و عرض له ذلك جاز له الخروج على كل حال و ان لم يشترط و قد صام يوما فكذلك و ان صام يومين لم يجز له الخروج حتى يتم.

أقول: اما القول الأول فلم نقف له على دليل و بذلك اعترف في المعتبر فقال:

اما القائلون بوجوبه بالدخول فيه فلم نقف لهم على مستند. ثم قال: و يمكن ان يستدل الشيخ على وجوبه بالشروع بإطلاق وجوب الكفارة على المعتكف، و قد روى ذلك من طرق (1) ثم قال: و الجواب عنه ان هذه مطلقة فلا عموم لها و تصدق بالجزء و الكل فيكفي في العمل بها تحققها في بعض الصور فلا تكون حجة في الوجوب. انتهى.

قال في المدارك بعد نقله: و هو جيد مع انا لو سلمنا عمومها لم يلزم من ذلك الوجوب لاختصاصها بجماع المعتكف كما ستقف عليه، و لا امتناع في وجوب الكفارة بذلك في الاعتكاف المستحب. انتهى.

أقول: فيه ان الكفارة على ما عهد من الشرع إنما تجب في مقام الوجوب المستلزم مخالفته للعقوبة فتكون الكفارة لدفع تلك العقوبة، و هذا لا يعقل في المستحب الذي لا يترتب على تركه عقوبة و انما غاية ذلك عدم الثواب عليه فكيف يمكن القول بوجوب الكفارة في الاعتكاف المستحب؟ و بالجملة فإن إطلاق الخبر بوجوب الكفارة لما كان مخالفا للأصول المقررة و الضوابط المعتبرة فلا بد من

____________

(1) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

481

تأويله بالحمل على الاعتكاف الواجب كما صرح به المحقق و غيره.

أقول: و يمكن ايضا ان يستند الشيخ في ذلك الى إطلاق روايتي عبد الرحمن ابن الحجاج و ابى بصير المتقدمتين (1) من حيث دلالتهما على وجوب القضاء على الحائض بعد الطهر و المريض بعد البرء، فان هذا الإطلاق إنما يتجه بناء على الوجوب بمجرد الشروع، إلا ان قضية الجمع بينهما و بين صحيحتي محمد بن مسلم (2) و أبى عبيدة (3) الآتيتين تخصيص هذا الإطلاق بالصحيحتين المذكورتين.

و اما القول الثاني فاستدل عليه في المختلف بأصالة عدم الوجوب و براءة الذمة و بأنها عبادة مندوبة فلا تجب بالشروع فيها كغيرها من التطوعات. و فارقت الحج لورود الأمر فيه دون صورة النزاع، و لان اليوم الأول و الثاني متساويان فلو اقتضى الثاني وجوب الإتمام لاقتضاه الأول.

و فيه ان ما ذكره يتجه في الرد على القول الأول حيث لا دليل عليه دون القول الثالث لان الدليل عليه موجود، و حينئذ فما ذكره من الاستدلال بالأصل مردود بأن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل و سيأتي ان شاء الله تعالى. و باقي ما استدل به لا معنى له في مقابلة النص الصحيح الصريح في ذلك.

و اما القول الثالث فيدل عليه

ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط فله أن يخرج و يفسخ الاعتكاف، و ان أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له أن يفسخ اعتكافه حتى تمضى ثلاثة أيام».

و ما رواه في الصحيح عن ابى عبيدة عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث (5) قال «من اعتكف ثلاثة أيام فهو يوم الرابع بالخيار ان شاء زاد ثلاثة أيام أخر و ان شاء

____________

(1) ص 477.

(2) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

(5) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

482

خرج من المسجد، فإن أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر».

و أجاب العلامة عن هذين الخبرين بالطعن في السند بان فيه على بن الحسن بن فضال ثم حملهما على الاستحباب.

و فيه ان ما ذكره من الطعن مبنى على رواية الشيخ في التهذيب (1) و اما على رواية الكافي (2) فهما في أعلى مراتب الصحة. و به يظهر ان هذا القول أقوى الأقوال المذكورة في المسألة.

و اما القول الرابع فالظاهر رجوعه الى القول الثالث و لهذا لم يعده أصحابنا قولا في المسألة لما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في مسألة الاشتراط.

و اما ما ذكره في الذخيرة- حيث رجح القول الثاني فقال بعد نقل الصحيحتين المتقدمتين: و دلالتهما على الوجوب غير واضحة لجواز ان يكون المراد شدة تأكد الاستحباب. ثم قال بعد نقل حجة القول الثاني بأنه عبادة مندوبة فلا يجب بالشروع كالصلاة المندوبة: و لعل غرضه ان الأصل في العبادات المندوبة ان لا تجب إلا بدليل و لا دليل على الوجوب في ما نحن فيه فيكون مندوبا. و هذا القول لا يخلو من قوة- فهو من جملة تشكيكاته الواهية و ذلك فإنه ان أريد بوضوح الدلالة في الخبرين المذكورين عدم قبول الاحتمال بالكلية و ان بعد فهو ممنوع إذ على تقدير هذا لا تقوم حجة على مطلب من المطالب، لان مفاهيم الألفاظ لا تنبو عن قبول الاحتمالات و الحمل على المجازات فلا لفظ إلا و هو قابل للاحتمال، و حينئذ فلا حجة إلا و للمنازع فيها مجال و بذلك ينسد باب الاستدلال، فكيف له بإثبات أدلة الإمامة على المخالفين و أدلة النبوة و التوحيد على الكفار و المشركين؟

____________

(1) ج 4 ص 288 و 289.

(2) ج 1 ص 212.

483

بل التحقيق الذي عليه المحققون انه ينظر الى ما يتسارع الى الذهن من اللفظ و ما يتبادر الى الفهم منه و ما عضدته قرائن المقام فيؤخذ به و عليه يبنى الاستدلال و لا يلتفت الى ما يعارضه من الاحتمال.

و ما اشتهر في كلامهم و دار على السنة أقلامهم- من قولهم: إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال- فكلام شعري و تمويه جدلي لما عرفت.

نعم متى حصل المعارض الراجح يمكن الرجوع الى التأويل لضرورة الجمع بين الدليلين، و اى ظاهر في التحريم أظهر من قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى (1)

«فليس له ان يفسخ اعتكافه حتى تمضى ثلاثة أيام»

و قوله في الثانية (2)

«فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام أخر».

و ليت شعري إذا كانت الأوامر الواردة في الاخبار لا تدل على الوجوب و النواهي لا تدل على التحريم كما تكرر منه في كتابه و أمثال هذه العبارات لا تدل على وجوب و لا تحريم فلأي شيء أخرجت هذه الاخبار، و هل هذا الكلام إلا موجب لرفع التكليف بالكلية و إبطال الشريعة، إذ لا وجوب عنده و لا تحريم في حكم من الأحكام الشرعية لطعنه في الأخبار بعدم الدلالة على ذلك في جميع الموارد و اللازم منه ما ذكرناه نعوذ بالله من زيغ الافهام و طغيان الأقلام.

المسألة الثالثة [يستحب للمعتكف أن يشترط الخروج من الاعتكاف عند العارض]

- قد اتفقت كلمة الأصحاب و الأخبار على انه يستحب للمعتكف أن يشترط على ربه في الاعتكاف انه إذا عرض له عارض أن يخرج من الاعتكاف.

و من الأخبار في ذلك

ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا اعتكف العبد فليصم،.

و قال: لا يكون اعتكاف أقل من ثلاثة أيام،.

و اشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك أن يحلك من اعتكافك عند عارض ان عرض لك من علة تنزل بك من أمر الله».

____________

(1) ص 481 و 482.

(2) ص 481 و 482.

(3) التهذيب ج 4 ص 289 و في الوسائل الباب 2 و 4 و 9 من الاعتكاف. ارجع الى الاستدراكات.

484

و ما رواه الكليني و الصدوق في القوى عن ابى بصير عن ابى عبد الله (1) قال: «لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة أيام، و من اعتكف صام، و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف ان يشترط كما يشترط الذي يحرم».

و ما رواه الكليني و الصدوق في الصحيح عن ابى ولاد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة بإذن زوجها فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد الى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال: ان كانت خرجت من المسجد قبل أن تمضى ثلاثة أيام و لم يكن اشترطت في اعتكافها فان عليها ما على المظاهر».

و ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا اعتكف يوما و لم يكن اشترط فله أن يخرج و يفسخ الاعتكاف، و ان أقام يومين و لم يكن اشترط فليس له ان يفسخ اعتكافه حتى تمضى ثلاثة أيام».

أقول: و الكلام في هذه الأخبار يقع في مواضع:

الأول [محل اشتراط الخروج من الاعتكاف]

- ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية عمر بن يزيد- «و اشترط على ربك في اعتكافك» و قوله في رواية أبي بصير «و ينبغي للمعتكف إذا اعتكف ان يشترط» و قوله في صحيحة أبي ولاد «و لم يكن اشترطت في اعتكافها»- ان محل هذا الاشتراط وقت الدخول في الاعتكاف و نيته أعم من أن يكون متبرعا به أو منذورا.

إلا ان المفهوم من كلام جملة من الأصحاب كالعلامة في المنتهى و المحقق في المعتبر و الشهيد في الدروس ان محل هذا الشرط في الاعتكاف المنذور إنما هو النذر دون الاعتكاف.

____________

(1) الفروع ج 1 ص 212 و الفقيه ج 2 ص 121 و في الوسائل الباب 4 و 2 و 9 من الاعتكاف.

(2) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 4 من الاعتكاف.

485

قال في المنتهى: تفريع- الاشتراط إنما يصح في عقد النذر اما إذا أطلقه من الاشتراط على ربه فلا يصح له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف. و قال في المعتبر:

اما إذا أطلقه من الاشتراط على ربه فلا يصح له الاشتراط عند إيقاع الاعتكاف و انما يصح في ما يبدأ به من الاعتكاف لا غير. و نحوه في الدروس و غيره.

و هو مشكل لان المستند في هذا الاشتراط إنما هو الاخبار المذكورة و هي كما عرفت انما دلت على ان محله الاعتكاف و الاعتكاف على وجه النذر لم يرد به خبر بالكلية فضلا عن خبر يدل على إيقاع هذا الشرط فيه و انما أخذوا أحكامه من هذه الأخبار المطلقة في الاعتكاف.

و لم أر من تنبه لذلك إلا السيد في المدارك حيث قال بعد نقل ذلك عنهم:

و لم أقف على رواية تدل على ما ذكروه من مشروعية اشتراط ذلك في عقد النذر و إنما يستفاد من النصوص ان محل ذلك نية الاعتكاف مطلقا، و لو قيل بجواز اشتراطه في نية الاعتكاف المنذور إذا كان مطلقا لم يكن بعيدا خصوصا على ما أشرنا إليه سابقا من مساواته للمندوب في عدم وجوب المضي فيه إلا بمضي يومين.

و لو قلنا ان اشتراط الخروج إنما يسوغ عند العارض و فسرناه بالأمر الضروري جاز اشتراطه في المنذور المعين ايضا. انتهى.

أقول: كأن مبنى ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه متى لم يذكر الشرط في النذر فإنه يجب الاعتكاف بالنذر البتة، و لا أثر لهذا الشرط بعد وجوبه بل يجب الإتيان به كيف كان إلا ان يحصل العذر الضروري المانع من إتمامه و هو مجوز للخروج منه و ان لم يشترط بلا خلاف و لا اشكال، و اما اشتراط الخروج اقتراحا كما هو أحد القولين فإنه لا يجرى هنا لوجوب الاعتكاف بالنذر فلا يجوز الخروج منه بلا عذر شرعي.

ثم انه على تقدير حصول الشرط في المندوب فمقتضى ما قدمناه من عبارة الشيخ في المبسوط في أول المسألة الثانية انه يرجع ما لم يمض يومان و هو مبنى على

486

وجوب الاعتكاف عنده بمجرد الشروع كما تقدم. و احتج على عدم الرجوع بعد مضى يومين بان الشرط إنما يؤثر في ما يوجبه الإنسان على نفسه و الثالث واجب بأصل الشرع و سببه مضى اليومين. و على المشهور و هو قوله في النهاية انه يرجع و لو بعد مضى يومين عملا بمقتضى الشرط.

الثاني [هل يتقيد اشتراط الخروج من الاعتكاف بالعارض؟]

- المستفاد

من رواية عمر بن يزيد (1)- و قوله (عليه السلام): «و اشترط على ربك في اعتكافك كما تشترط في إحرامك».

و مثلها رواية أبي بصير- هو تقييد ذلك بالعارض كما في الحج فلا يجوز اشتراط ذلك اقتراحا بان يقول: و لي الرجوع إذا شئت.

و المفهوم من عبائر كثير من الأصحاب هو جواز اشتراط الخروج مطلقا، قال المحقق في الشرائع: و لو شرط في حال فعله (2) الرجوع إذا شاء كان له ذلك أى وقت شاء. و به قطع في الدروس فقال- بعد أن ذكر انه يستحب أن يشترط في اعتكافه الرجوع مع العارض كالمحرم فيرجع عند العارض و ان مضى يومان على الأقرب وفاقا للنهاية- و لو شرط الرجوع متى شاء اتبع و لم يتقيد بالعارض.

و ظاهر جملة من الأصحاب عدم جواز ذلك و تخصيص الجواز باشتراط الرجوع مع العارض كما ذكرناه، قال العلامة في التذكرة: إنما يصح اشتراط الرجوع مع العارض فلو شرط الجماع في اعتكافه أو الفرجة أو التنزه أو البيع أو الشراء للتجارة أو التكسب بالصناعة في المسجد لم يجز. و بذلك قطع في المسالك.

و هذا هو الظاهر من الأخبار كما عرفت. و اما ما ذكروه من جواز اشتراط الرجوع مطلقا فلا أعرف له دليلا.

الثالث [الاستدلال لوجوب الاعتكاف المندوب بالشروع بصحيحة أبي ولاد]

- ما تضمنته

صحيحة أبي ولاد (3) من قوله (عليه السلام): «ان كانت خرجت من المسجد قبل أن تمضى ثلاثة أيام. إلى آخر الخبر».

يمكن أن يستدل به للشيخ في ما ذهب اليه من الوجوب بالشروع في المندوب، فان ترتب الكفارة مع عدم

____________

(1) ص 483.

(2) في الشرائع «و لو شرط في حال نذره».

(3) ص 484.

487

الاشتراط على الخروج قبل مضى الثلاثة ظاهر في ذلك لصدقه بمضي يوم أو في اليوم الثاني، فلو لم يكن واجبا لما ظهر لترتب الكفارة وجه.

و يمكن ان يجاب بتخصيصه بما تقدم من الخبرين الدالين على جواز الخروج في اليومين فيحمل على الخروج في الثالث، أو يقال ان معنى قوله: «قبل ان تمضى ثلاثة أيام» يعني قبل إتمام الثالث، أو يحمل على ان اعتكافها كان واجبا مطلقا.

الرابع [هل يتقيد اشتراط الخروج من الاعتكاف بالعذر من جهته تعالى؟]

- ظاهر ما تقدم من الاخبار الدالة على انه يشترط في اعتكافه كما يشترط في إحرامه هو ان يقول: «ان تحلني حيث حبستني» و مقتضى ذلك ان هذا الشرط إنما هو بالنسبة إلى الأعذار المانعة من الإتمام من جهته (عز و جل) و يؤيد ذلك قوله (عليه السلام) في رواية عمر بن يزيد «عند عارض ان عرض لك من علة تنزل بك من أمر الله تعالى» و ظاهر صحيحة أبي ولاد و كذا صحيحة محمد بن مسلم ما هو أعم من ذلك، اما صحيحة أبي ولاد فإنها قد دلت على سقوط الكفارة عن المرأة في تلك الحال مع الاشتراط مع ان حضور الزوج ليس من الأعذار التي من جهته (عز و جل) حتى يسوغ الخروج بها من الاعتكاف، و اما صحيحة محمد بن مسلم فإنها تدل بمفهومها على ان للمعتكف ان يفسخ الاعتكاف بعد اليومين مع الاشتراط لا بدونه، و ظاهر ذلك انه يسوغ له الخروج بمجرد الشرط و ان لم يكن بعذر ضروري، و المنافاة بين هذين الخبرين و الخبرين الأولين ظاهرة و لعل من جوز شرط الرجوع متى شاء انما استند الى ظاهر هذين الخبرين. و الجمع بين الأخبار هنا لا يخلو من اشكال.

و اما ما ذكره في المدارك- من أن المراد بالعارض هنا ما هو أعم من العارض المشترط في الحج باعتبار كون ذلك لا بد ان يكون من الأعذار المانعة من الإتمام و هنا يكفى مسمى العارض كحضور الزوج من السفر- ففيه أولا- ما قدمناه من ان المستفاد من خبري عمر بن يزيد و ابى بصير المشتملين على تشبيه هذا الشرط بشرط المحرم- و شرط المحرم هو ان يحله حيث

488

حبسه المؤيد بقوله في آخر رواية عمر بن يزيد «من علة تنزل بك من أمر الله»- انه لا يكفى مجرد العارض.

و ثانيا- ان رواية محمد بن مسلم (1) قد دلت على جواز الخروج بمجرد الشرط و ان لم يكن ثم عارض بل ليس إلا مجرد فسخ الاعتكاف و الخروج منه.

على ان مجرد حضور الزوج ليس بعارض يجوز أن يترتب عليه الخروج بل لو أرادت الخروج لأمر إرادته فإن ظاهر الخبر الجواز و حضور الزوج انما جرى مجرى التمثيل فلا خصوصية له، و بالجملة فظاهر الخبر ترتب جواز الخروج على الشرط لأي غرض كان.

الخامس [فائدة شرط الخروج من الاعتكاف]

- لا يخفى ان فائدة هذا الشرط تدور مدار الشرط المذكور، فان كان شرطا في جواز الرجوع عند العارض أو متى شاء كما هو أحد الأقوال المتقدمة فإنه يجوز له الرجوع و ان مضى اليومان في المندوب أو كان واجبا بالنذر و شبهه، و ان خصصنا الشرط بالعذر الذي يكون من جهته (عز و جل) كالمرض و الحيض و الخوف و نحو ذلك فإنه يسوغ له الخروج ايضا.

لكن لا يخفى انه في هذه الصورة يسوغ له الخروج و ان لم يشترط فلا يظهر لهذا الشرط ثمرة و لا يترتب عليه أثر، إلا أن يقال بأن فائدة هذا الشرط مجرد التعبد و ترتب الثواب عليه كما هو أحد الاحتمالات في شرطه في الإحرام.

و قد ذكر بعض الأصحاب ان فائدته على هذا القول سقوط القضاء لو رجع من الاعتكاف في الواجب المعين، اما الواجب المطلق اعنى ما لم يعين في وقت ففي وجوب الإتيان به بعد ذلك قولان فعن المعتبر و الدروس و المسالك وجوب الإتيان به.

قال الشيخ في النهاية: متى شرط جاز له الرجوع فيه أى وقت شاء فان لم يشترط لم يكن له الرجوع فيه إلا أن يكون أقل من يومين فان مضى عليه يومان وجب

____________

(1) ص 481.

489

عليه إتمام ثلاثة أيام. و قد تقدم في صدر المسألة الثانية انه قال: إذا شرط المعتكف على ربه انه ان عرض له عارض رجع فيه فله الرجوع اى وقت شاء ما لم يمض له يومان فان مضى له يومان وجب عليه إتمام الثالث. الى آخره.

و القول الأول هو المطابق لصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة (1).

[أقسام الاعتكاف المنذور]

و فصل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و قبله المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى في الاعتكاف المنذور تفصيلا ينتهي إلى ثمانية أقسام:

قال في المسالك: ثم الاعتكاف المنذور ينقسم باعتبار الشرط و عدمه إلى ثمانية أقسام، لأنه اما ان يكون معينا بزمان أولا، و على التقديرين اما ان يشترط فيه التتابع لفظا أو لا، و على التقادير الأربعة اما ان يشترط على ربه الرجوع ان عرض له عارض أو لا، فالأقسام ثمانية، و قد عرفت حكم الأربعة التي لم يشترط فيها و اما مع الشرط فله الرجوع مع العارض. ثم ان كان الزمان معينا لم يجب قضاء ما فات في زمن العارض سواء اشترط التتابع أم لا، و ان كان مطلقا و لم يشترط التتابع ففي وجوب قضاء ما فات أو الجميع ان نقص ما فعله من ثلاثة قولان أجودهما القضاء وفاقا للمصنف في المعتبر، و لو شرط التتابع فالوجهان. انتهى.

أقول: ان أردت تفصيل الكلام في هذه الوجوه الثمانية على وجه أظهر فنقول: اما الأربع التي أشار إليها بأنه تقدم حكمها و هي الخالية عن ذكر الاشتراط على ربه فأحدها- ان يعين و يشترط التتابع و لا يشترط على ربه، و الحكم فيها ما تقدم في الفرع الخامس من فروع الشرط الخامس من الخلاف في إعادة الجميع أو البناء على ما فعل ان كان ثلاثة فصاعدا. الثانية- أن يعين و لا يشترط التتابع و لا يشترط على ربه، و الحكم فيها انه بعد عروض العارض يخرج و يبنى على ما فعل بعد زوال العارض و يأتي بالباقي ان كان ما فعله ثلاثة فصاعدا و إلا أعاد الجميع.

الثالثة- ان يطلق و يشترط التتابع و لا يشترط على ربه، و الحكم فيها القضاء متتابعا

____________

(1) ص 459 و 481 و 484.

490

بعد زوال العارض كما تقدم في الفرع المشار اليه آنفا عن العلامة في المختلف و به صرح المحقق في المعتبر ايضا، و استشكله العلامة في التذكرة على ما نقله في المهذب بأنه بالشروع فيه صار واجبا فيكون كالمعين فيبني على ما مضى منه كما تقدم في المعين.

و الظاهر ضعفه. الرابعة- أن يطلق و لا يشترط التتابع و لا يشترط على ربه، و الحكم فيها انه يخرج للعارض المذكور و يستأنف بعد زواله ان لم يكن حصل له ثلاثة أيام و إلا أتم ما بقي. الخامسة- ان يعين و يشترط التتابع و يشترط على ربه، و الحكم فيها انه يخرج و لا يجب عليه الإتمام للعارض المذكور و لا القضاء لعدم الدليل عليه. السادسة- أن يعين و لا يشترط التتابع و يشترط على ربه، و الحكم فيها كما في سابقتها. السابعة- ان يطلق و يشترط التتابع و يشترط على ربه، و الحكم فيها انه بعد زوال العارض يرجع و يستأنف إلا ان يكون قد أتى بثلاثة أيام فيأتي بما بقي. الثامنة- أن يطلق و لا يشترط التتابع و يشترط على ربه، و الحكم فيها كما في سابقتها. و قد تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ما يؤذن بالخلاف في هذه الصورة و سابقتها و اليه أشرنا قبل ذلك، و المسألة محل تردد ينشأ من حيث ان مقتضى الشرط السقوط و من حيث اتساع الوقت لكون النذر مطلقا و انه من حيث ذلك فكل زمان صالح لإيقاع النذر فيه.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه هنا على أمور ثلاثة:

الأول [اشتراط التتابع]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان اشتراط التتابع انما هو في النذر ليكون لازما لا في الاعتكاف على قياس ما تقدم نقله عنهم من الشرط في الاعتكاف ان يحله حيث حبسه فإنهم أوجبوه في صيغة النذر.

الثاني [وجوب الكفارة بالخروج]

- ما تقدم من البحث كله في ما لو خرج لعارض و هو المانع من إتمام الاعتكاف كالمرض و نحوه و لو كان لا لذلك وجبت الكفارة في جميع الصور المذكورة.

491

الثالث- وجوب التتابع بعد زوال العارض

متى نذره متتابعا إنما يجب لو وقع في الوقت المنذور كأن ينذر شهرا متتابعا فيحصل العارض في أثنائه ثم يزول و قد بقي منه بقية، اما لو كان بعد خروج الشهر فإنه لا يجب التتابع لأنه إنما وجب بالنذر في أصل الفعل و أدائه لا في قضائه.

المسألة الرابعة [الأمور المحرمة على المعتكف]

- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يحرم على المعتكف أمور:

منها-

مباشرة النساء جماعا و لمسا و تقبيلا

بشهوة في الأخيرين فلو لم يكونا عن شهوة لم يحرم ذلك.

و استندوا في ذلك الى عموم قوله تعالى وَ لٰا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عٰاكِفُونَ فِي الْمَسٰاجِدِ (1) فإنه يتناول الجميع.

و يظهر من كلام الشيخ في التهذيب تخصيص التحريم بالجماع دون الفردين الأخيرين، و الظاهر انه لا خلاف في فساد الاعتكاف بالجماع، و في فساده بالأخيرين قولان نقل أولهما في المختلف عن ابن الجنيد و الشيخ في المبسوط، و زاد ابن الجنيد النظر الى محرم بشهوة، و اختار في المختلف عدم الإفساد. و نقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط الاحتجاج على ذلك بالنهي في الآية عن المباشرة، قال: و هو عام في كل مباشرة أنزل أولا و النهى يدل على فساد المنهي عنه (2).

أقول: و المسألة عندي بالنسبة إلى إبطال الاعتكاف بالمباشرة و التقبيل بشهوة محل توقف اما التحريم فلا ريب فيه لظاهر الآية.

و اما تحريم الجماع و الإفساد به فيدل عليه

ما رواه في الكافي في الموثق عن الحسن بن الجهم عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المعتكف يأتي أهله؟

____________

(1) سورة البقرة الآية 184.

(2) لا يخفى ان القول المنقول في المختلف عن الشيخ و الاحتجاج عليه انما نسبه فيه الى الخلاف، راجع المختلف ج 2 ص 83 من كتاب الصوم.

(3) الوسائل الباب 5 من الاعتكاف.

492

فقال: لا يأتي امرأته ليلا و لا نهارا و هو معتكف».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المعتكف يجامع؟ قال: إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر».

و رواه الكليني و الشيخ مثله (2).

و ما رواه في الموثق عن سماعة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن معتكف واقع أهله؟ قال: هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان».

قال الصدوق (4): و قد روى انه ان جامع بالليل فعليه كفارة واحدة و ان جامع بالنهار فعليه كفارتان.

و بإسناده عن محمد بن سنان عن عبد الأعلى بن أعين (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وطأ امرأته و هو معتكف ليلا في شهر رمضان؟ قال: عليه الكفارة. قال: قلت فإن وطأها نهارا؟ قال عليه كفارتان».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال:

«سألته عن معتكف واقع أهله؟ قال: عليه ما على الذي أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا».

و قد تقدمت (7) صحيحة أبي ولاد الواردة في خروج المرأة التي بلغها قدوم زوجها و تهيأت لزوجها حتى واقعها و ان عليها من الكفارة ما على المظاهر ان خرجت قبل ان تنقضي أيامها و لم يكن قد اشترطت.

و منها-

شم الطيب

على المشهور و خالف فيه الشيخ في المبسوط فحكم بعدم تحريمه و الأظهر القول المشهور

لما رواه الكليني في الصحيح عن ابى عبيدة عن ابى جعفر (عليه السلام) (8) قال: «المعتكف لا يشم الطيب و لا يتلذذ بالريحان و لا يماري و لا يشترى و لا يبيع».

____________

(1) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(2) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(3) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(4) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(5) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(6) الوسائل الباب 6 من الاعتكاف.

(7) ص 484.

(8) الوسائل الباب 10 من الاعتكاف.

493

و منها-

البيع و الشراء

، و يدل عليه صحيحة ابى عبيدة المتقدمة.

و القول بالتحريم من ما لا خلاف فيه و إنما الخلاف في فساد الاعتكاف بذلك فقال الشيخ في المبسوط: لا يفسد الاعتكاف جدال و لا خصومة و لا سباب و لا بيع و لا شراء و ان كان لا يجوز له فعل ذلك اجمع.

و قال ابن إدريس: الأولى عندي ان جميع ما يفعله المعتكف من القبائح و يتشاغل به من المعاصي و السيئات يفسد اعتكافه و اما ما يضطر اليه من أمور الدنيا من الأفعال المباحات فلا يفسد به اعتكافه، لأن حقيقة الاعتكاف في عرف الشرع هو اللبث للعبادة و المعتكف اللابث للعبادة إذا فعل قبائح و مباحات لا حاجة إليها فما لبث للعبادة. و ظاهر هذا الكلام بطلان الاعتكاف بفعل جميع المباحات التي لا حاجة إليها.

و اعترضه العلامة في المختلف فقال: و نحن نطالبه بوجه ما قاله، و احتجاجه أضعف من ان يكون شبهة فضلا عن كونه حجة، فان الاعتكاف لو شرط فيه دوام العبادة بطل حالة النوم و السكوت و إهمال العبادة و ليس كذلك بالإجماع.

و قال في المنتهى: كل ما يقتضي الاشتغال بالأمور الدنيوية من أصناف المعايش ينبغي القول بالمنع منه عملا بمفهوم النهى عن البيع و الشراء.

و اعترضه في المدارك بأنه غير جيد لأن النهي عن البيع و الشراء لا يقتضي النهي عن ما ذكره بمنطوق و لا بمفهوم، نعم ربما دل عليه بالعلة المستنبطة و هي غير معتبرة عندنا.

ثم قال في المنتهى: الوجه تحريم الصنائع المشغلة عن العبادة كالخياطة و شبهها إلا ما لا بد منه.

و ما أورده عليه في المدارك جار هنا أيضا إذ لا دليل على ما ذكره (قدس سره) في المقامين. و ما أبعد ما بين كلامه هنا و كلامه في المختلف على ابن إدريس كما لا يخفى.

494

و كيف كان فالظاهر انه يجب ان يستثني من البيع و الشراء ما تدعو الحاجة إليه كشراء ما يضطر اليه من المأكول و الملبوس و بيع ما يكون وصلة الى شراء ذلك.

و منها-

المماراة

و عليه تدل صحيحة ابى عبيدة المتقدمة (1).

قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك: المراء لغة الجدال و المماراة المجادلة، و المراد به هنا المجادلة على أمر دنيوي أو ديني لمجرد إثبات الغلبة أو الفضيلة كما يتفق لكثير من المتسمين بالعلم، و هذا النوع محرم في غير الاعتكاف و قد ورد التأكيد في تحريمه في النصوص (2). و إدخاله في محرمات الاعتكاف اما بسبب عموم مفهومه أو لزيادة تحريمه في هذه العبادة كما ورد في تحريم الكذب على الله و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في الصيام، و على القول بفساد الاعتكاف بكل ما حرم فيه تتضح فائدته. و لو كان الغرض من الجدال في المسألة العلمية مجرد إظهار الحق ورد الخصم عن الخطأ كان من أفضل الطاعات. و المائز بين ما يحرم منه و ما يحب أو يستحب النية فليحترز المكلف من تحويل الشيء من كونه واجبا الى جعله من كبائر القبائح. انتهى.

و هو حسن إلا ان في تنظيره بتحريم الكذب على الله و رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) في الصيام نظرا بناء على ان المستفاد من الاخبار و ان اعرض عن القول به جمهور الأصحاب هو إبطال الصيام بذلك كما مر بيانه. نعم ما ذكره يتجه بناء على قولهم بمجرد التحريم دون الابطال.

هذا ما اطلعت عليه من المحرمات التي دلت عليها الاخبار.

[فوائد]

و في المقام فوائد

الأولى [هل تحرم عليه محرمات الإحرام؟]

- نقل العلامة في المختلف عن الشيخ في الجمل و ابن البراج و ابن حمزة انه يجب على المعتكف تجنب ما يجب على المحرم تجنبه، و المشهور العدم، و نسبه

____________

(1) ص 492.

(2) سفينة البحار ج 2 ص 532.

495

في المبسوط بعد ان أفتى بالقول المشهور إلى الرواية.

و قال في التذكرة ان الشيخ لا يريد بذلك العموم لانه لا يحرم على المعتكف لبس المخيط إجماعا و لا ازالة الشعر و لا أكل الصيد و لا عقد النكاح. انتهى.

و هو جيد.

و كيف كان فلا ريب في ضعف هذا القول لعدم الدليل عليه و ما ادعاه من الرواية فلم تصل إلينا و هو أعلم.

الثانية [تحريم هذه الأشياء مطلق]

- يجب ان يعلم انه لا فرق في تحريم هذه الأشياء بين الليل و النهار إذ منشأ التحريم هو الاعتكاف و هو ثابت ليلا و نهارا.

و هل تختص هذه المحرمات بالاعتكاف الواجب أو تتناول المندوب أيضا؟

إطلاق النصوص و كلام الأصحاب يقتضي الثاني. و قد تقدم نظيره في التكفير في صلاة النافلة و الارتماس في الصوم المندوب.

الثالثة [جواز النظر في المعاش و الخوض في المباح]

- قد صرح الأصحاب بأنه يجوز له النظر في معاشه و الخوض في المباح، و ينبغي الاقتصار من ذلك على ما يضطر اليه و الاشتغال بما هو وظيفة المعتكف من العبادات كالصلاة و الذكر و قراءة القرآن.

قال في المنتهى: يستحب له دراسة العلم و المناظرة فيه و تعلمه و تعليمه في الاعتكاف بل هو أفضل من الصلاة المندوبة. انتهى.

الرابعة [هل تجب الكفارة بفعل المفطر؟]

- لا ريب في أن كل ما أفسد الصوم فإنه يفسد به الاعتكاف لان الصوم شرط فيه فيبطل ببطلان شرطه.

و اما وجوب الكفارة بفعل المفطر في الاعتكاف الواجب فهو مذهب جملة من أصحابنا: منهم- الشيخ المفيد و المرتضى (رحمهما الله) تعالى).

قال في المعتبر: فان كانا أرادا الاعتكاف المنذور المختص بزمان معين كان حسنا و ان أرادا الإطلاق فلا اعرف المستند. و هو كذلك.

و الشيخ و أكثر المتأخرين على اختصاص الكفارة بالجماع دون ما عداه من

496

المفطرات فان فسد به الصوم (1) و وجب به القضاء خاصة متى كان واجبا. و قد تقدم ما يدل على وجوب الكفارة بالجماع في ما قدمناه من الأخبار و اما غير الجماع فلم نقف له على دليل.

الخامسة [مورد الكفارة على المعتكف المجامع]

- إطلاق الأخبار المتقدمة بوجوب الكفارة على المعتكف إذا جامع شامل للواجب و الندب و المطلق من الواجب المنذور و المعين، و بمضمونها افتى الشيخان (قدس سرهما).

قال في المعتبر: و لو خصا ذلك باليوم الثالث أو بالاعتكاف اللازم كان أليق بمذهبهما، لأنا بينا ان الشيخ ذكر في النهاية و الخلاف ان للمعتكف الرجوع في اليومين الأولين من اعتكافه و انه إذا اعتكفهما وجب الثالث، و إذا كان له الرجوع لم يكن لإيجاب الكفارة مع جواز الرجوع وجه. لكن يصح هذا على كلام الشيخ في المبسوط فإنه يرى وجوب الاعتكاف بالدخول فيه.

قال في المدارك بعد نقله: و ما ذكره (قدس سره) غير بعيد لان المطلق لا عموم له فيكفي في العمل به إجراؤه في الواجب. انتهى.

و هو جيد إلا انه مناف لما قدمنا نقله عنه في المسألة الثانية من قوله «و لا امتناع في وجوب الكفارة بذلك في الاعتكاف المستحب» فان هذا الكلام مؤذن بموافقة الشيخين في ما أطلقاه تبعا لإطلاق الأخبار و الخروج عن ما ذكره المحقق (قدس سره) هنا كما لا يخفى.

و ربما قيل باختصاص الكفارة بالواجب المعين.

و بالجملة ففي المسألة أقوال ثلاثة: العموم للواجب و المندوب و التخصيص بالواجب أو بالمعين منه خاصة.

السادسة [كفارة الجماع في الاعتكاف]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان كفارة الجماع في الاعتكاف مخيرة لموثقتي سماعة المتقدمتين (2) و قيل بكونها مرتبة ككفارة الظهار و نقله

____________

(1) هكذا ورد في النسخ و الظاهر هكذا «فان فسد به الصوم وجب به القضاء خاصة».

(2) ص 492.

497

في المختلف عن ظاهر ابن بابويه، و اليه مال في المدارك لصحة مستنده و هو ما تقدم من صحيحة زرارة (1) و صحيحة أبي ولاد (2).

و جمع بعض بين الاخبار بحمل الصحيحتين المذكورتين على الأفضلية و الاستحباب كما هي قاعدتهم في جميع الأبواب.

و حمل العلامة في المنتهى الصحيحتين المذكورتين- حيث اختار القول المشهور- على ان المراد التشبيه في المقدار دون الكيفية. و بعده ظاهر.

السابعة [هل يفرق في كفارة الجماع في الاعتكاف بين الليل و النهار؟]

- قال السيد المرتضى: إذا جامع المعتكف نهارا كان عليه كفارتان و إذا جامع ليلا كان عليه كفارة واحدة. و أطلق القول في ذلك، و المشهور بين الأصحاب ان وجوب الكفارتين بالجماع نهارا مخصوص بشهر رمضان لا غير فتكون إحداهما للاعتكاف و الأخرى للشهر المذكور، و على ذلك دلت رواية عبد الأعلى بن أعين المتقدمة (3) و اما وجوبهما نهارا في غير شهر رمضان كما يفهم من إطلاق السيد (قدس سره) فلا وجه له.

و استقرب الشهيد (قدس سره) في الدروس هذا الإطلاق، قال: لأن في النهار صوما و اعتكافا. و رد بان مطلق الصوم لا يترتب على إفساده الكفارة كما هو واضح.

قال في التذكرة: و الظاهر ان مراده- يعنى مراد السيد (رضي الله عنه)- رمضان.

و هو غير بعيد فإنهم كثيرا ما يتوسعون في التعبير بناء على ظهور الحكم و معلوميته، و هذه الدقة في العبارات و القيود للاحترازات انما وقعت في كلام المتأخرين و بالجملة فإن الجماع في غير شهر رمضان انما يوجب كفارة واحدة ليلا أو نهارا من حيث الاعتكاف.

و ينبغي ان يعلم انه في معنى نهار شهر رمضان في وجوب الكفارتين نهار صوم قضائه و كذا نهار صوم النذر المعين فان كلا منهما موجب للكفارة في حد ذاته كما في شهر رمضان فتتعدد في الاعتكاف.

____________

(1) ص 492.

(2) ص 484.

(3) ص 492.

498

الثامنة [كفارة الإكراه على الجماع في الاعتكاف]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه على المطاوعة المعتكفة الكفارة مثل ما تقدم على الزوج للاشتراك بينهما في الأحكام.

اما لو أكرهها في شهر رمضان فقيل يلزمه أربع كفارات نهارا و كفارتان ليلا و هو قول الشيخ في المبسوط و المرتضى و ابن الجنيد و ابن إدريس و ابن البراج و ابن حمزة و اختاره في المختلف، و قيل تلزمه كفارتان و هو اختيار جماعة: منهم- المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى.

احتج العلامة في المختلف قال: لنا- انه فعل موجب الكفارة على اثنين فتتضاعف على المكره لصدور الفعل عنه أجمع في الحقيقة، لأنه عبادة توجب الكفارة بفعل الوطء على الزوجين فتتضاعف على الزوج بالإكراه كرمضان.

و لا يخفى ما في هذا الاستدلال و لهذا قال في المعتبر بعد نقل القول الأول عن المرتضى (رضي الله عنه): و هذا ليس بصواب إذ لا مستند له. و جعله كالإكراه في صوم رمضان قياس. و تضعيف الكفارتين بالاعتكاف ضعيف أيضا، لأن إيجاب الكفارتين على المكره امرأته في شهر رمضان و ان لم يكن معتكفا ثبت على خلاف مقتضى الدليل لأن المكرهة لم تفطر فلا كفارة عليها، كما لو ضرب انسان غيره حتى أفطر بأكل أو شرب لم يجب على المكره كفارة عن المكره و إذا كان ثبوت الكفارتين في رمضان ثبت على خلاف الأصل فلا يتعدى الحكم، مع ان ثبوت ذلك الحكم في رمضان مستنده رواية المفضل بن عمر (1) و هو مطعون فيه ضعيف جدا و لم يرد من غير طريقه لكن رأينا جماعة من الأصحاب قائلين به فقويت الرواية بذلك، فلا يتعدى الحكم عن موضع النص. انتهى. و هو جيد.

التاسعة [من مات في الاعتكاف]

- قال الشيخ في المبسوط: من مات قبل انقضاء مدة اعتكافه في أصحابنا من يقول يقضى عنه وليه أو يخرج من ماله الى من ينوب عنه قدر كفايته لعموم

____________

(1) ارجع الى الصفحة 234.

499

ما روى (1) ان من مات و عليه صوم واجب وجب على وليه أن يقضى عنه أو يتصدق عنه.

و قال المحقق في الشرائع: و من مات قبل انقضاء اعتكافه الواجب قيل يجب على الولي القيام به و قيل يستأجر من يقوم به. و الأول أشبه.

و ظاهره اختيار القول بالوجوب على الولي مع انه اعترض على الشيخ في المعتبر فقال بعد نقل ذلك عنه: و ما ذكره إنما يدل على وجوب قضاء الصوم اما الاعتكاف فلا. و يعضده ما سبق من ان الصوم لا يجب لأجل الاعتكاف لجواز إيقاعه في صوم واجب قبل ذلك كرمضان أو النذر، و حينئذ فلا يكون وجوب الاعتكاف مقتضيا لوجوب الصوم ليجب على الولي القيام به.

و بذلك يظهر الجواب عن ما احتج به في المختلف للقول المذكور- حيث قال:

حجة الآخرين انه قد ورد ورودا مشهورا وجوب القضاء عن الميت و لا يمكن الإتيان بمثل هذا الصوم إلا بمثل هيئته و هو هيئة الاعتكاف فكان الاعتكاف واجبا. انتهى- فإنه متى ثبت ان الصوم غير واجب للاعتكاف كما أشرنا إليه فلا وجه لهذا الكلام.

و بالجملة فالوجه ان يقال ان الحكم بوجوب شيء موقوف على الدليل الواضح و أمثال هذه التعليلات لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية. و الله العالم.

هذا آخر الكلام في الجزء الرابع (2) من كتاب الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، وفق الله تعالى لإتمامه و الفوز بسعادة ختامه، و يتلوه ان شاء الله تعالى كتاب الحج.

و قد وقع الفراغ (3) من هذا الجزء بتاريخ اليوم التاسع عشر شهر جمادى

____________

(1) ارجع الى الصفحة 320 و 321 و الصفحة 332 و 333.

(2) هذا على تقسيمه (قدس سره) و على تقسيمنا فهو آخر الجزء الثالث عشر.

(3) من هنا الى الآخر منقول من النسخة الخطية.

500

الثاني من السنة السابعة و السبعين بعد المائة و الالف من الهجرة النبوية (على مهاجرها و آله أفضل الصلاة و السلام و التحية) في الأرض المقدسة كربلاء المعلى في جوار سيد الشهداء و خامس أهل العباء (عليه و على آبائه و أبنائه أفضل صلوات ذي العلى) و اسأل الله تعالى ببركة جوارهم أن يكون عنده و عندهم بمحل من القبول في إنجاح السؤل و بلوغ المأمول.

و كتب مولفه تراب اقدام العلماء العاملين و خادم الفضلاء الصالحين الفقير الى الله الكريم يوسف بن احمد بن إبراهيم البحراني، عاملهم الله تعالى بإحسانه و أفاض عليهم من رواشح جوده و امتنانه، حامدا مصليا مسلما مستغفرا آمين آمين آمين بمحمد و آله أجمعين.

501

الاستدراكات

نستدرك هنا ما فاتنا التنبيه عليه في محله و الترتيب بحسب أرقام الصفحات (1) وعدنا في الصفحة 7 بالرجوع الى الاستدراكات فنقول: أورد في الوافي الصوم المندوب بعنوان صيام السنة و صيام الترغيب، و لم يرد هذان العنوانان في الوسائل كما لم أجدهما في ما حضرني من كتب العامة. و ما ذكره- من ان ما زعمه العامة من صيام الترغيب و السنة هو الذي سماه (عليه السلام) بالذي فيه الخيار- فهو متوجه في صوم يوم الجمعة و الخميس و الاثنين و صوم أيام البيض و الستة الأيام من شوال و صوم يوم عاشوراء كما في سنن البيهقي ج 4 ص 292 و 294 و 295 و المجموع ج 6 ص 382 و 384 و 385. إلا انهم يقيدون استحباب صوم يوم عرفة بان لا يكون في عرفة كما في المغني ج 2 ص 176 و يحكمون بكراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم كما في سنن البيهقي ج 4 ص 301 و المغني ج 3 ص 165. و قد أورد في الوسائل جميع ما أورده في الوافي بعنوان صيام السنة و الترغيب في ضمن الصوم المندوب، فأورد صيام السنة في الباب 7 و 8 و 9 منه و صيام الترغيب في الباب 14 و 15 و 16 و 17 و 18 و 26 و 28 و 29 منه.

(2) وعدنا في الصفحة 9 بالرجوع في مصدر حديث «لا تدخل الحكمة جوفا مليء طعاما» الى الاستدراكات فنقول: لم نقف على الحديث بهذا اللفظ إلا في كتاب غوالي اللئالي في المسلك الثالث من مسالك الباب الأول منه في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه في أحاديث رواها الشهيد و رواها صاحب الكتاب عنه.

و قد وجدت النسخة الخطية من الكتاب في مكتبة مقبرة المرحوم آية الله الأصفهاني في الصحن الشريف في النجف الأشرف. و قد أورد المصنف (قدس سره) الحديث في ضمن البحث عن مفاد الحديث المذكور هنا في كشكوله ج 1 ص 336 و 337 من الطبع الحديث في النجف الأشرف.

502

(3) جاء في الصفحة 19 ان حديث الأعرابي لم أقف عليه حتى في كتب الحديث للعامة، و قد عثرت عليه بعد ذلك في المبسوط للسرخسى ج 3 ص 62 باللفظ المذكور عن عكرمة عن ابن عباس، إلا انى لم أقف عليه في كتب أحاديثهم مرويا باللفظ المذكور عن عكرمة و لا عن غيره.

(4) جاء في التعليقة 1 ص 31 «الشهاب الثاقب» و الصحيح «الشهاب» مجردا (5) جاء حديث عبد الله بن ميمون في الصفحة 128 هكذا: «عن ابى عبد الله» كما في الوسائل في الباب المذكور في التعليقة، إلا انه في التهذيب ج 4 ص 260- و الوافي باب الحجامة و دخول الحمام من نواقض الصيام و في الباب 25 و 26 و 29 من ما يمسك عنه الصائم من الوسائل- ورد هكذا: «عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام)» و في الاستبصار ج 2 ص 90 انه ورد كذلك في بعض النسخ.

(6) جاء ص 139 س 21 «أقول: يمكن» و في المطبوعة القديمة «أقول:

و يمكن» و قد أسقطنا الواو تبعا للخطية.

(7) جاء ص 140 س 2 «و الأمر هنا كما هو هناك فإن النهي هنا عن الارتماس» و في المطبوعة القديمة «كما هناك فإن النهي عن الارتماس» و قد أضفنا الكلمتين تبعا للخطية.

(8) ورد ص 140 س 10 «من حيث النهى عن غمس الرأس» و في المطبوعة القديمة «من حيث انه منهي عن غمس الرأس» و قد غيرنا العبارة تبعا للخطية.

و كذا أبدلنا كلمة «الانتفاء» في المطبوعة القديمة بكلمة «الانتهاء» في السطر 12 تبعا للخطية.

(9) ورد ص 141 س 11 «حيث صرح ثمة بخلاف ما ذكره هنا» و في المطبوعة القديمة هكذا: «حيث صرح به ثمة» و قد أسقطنا كلمة «به» تبعا للخطية لزيادتها.

(10) ورد ص 157 في رواية الرازي رقم (3) «فان قال قائل.» جزء

503

من الرواية كما في النسخ و الوسائل، و في الوافي (باب السواك و ادماء الفم) لم ينقله.

و ظاهر التهذيب ج 4 ص 263 انه جزء من الرواية.

(11) ورد ص 161 في رواية عبد الله بن سنان «لا تلزق ثوبك الى جسدك و هو رطب» و في نسخ الحدائق «لا تلبس ثوبك و هو رطب» و قد غيرنا العبارة الى ما ذكرنا تبعا للفروع ج 1 ص 192 و الوافي (باب الارتماس و بل الثوب على الجسد) و الوسائل.

(12) جاء ص 161 حديث محمد بن مسلم عن الشيخ باللفظ المذكور هناك و هو اللفظ الوارد في رواية الكليني في الفروع ج 1 ص 192، و اما اللفظ الوارد في التهذيب ج 4 ص 262 فهو هكذا: «يستاك الصائم أي النهار شاء و لا يستاك بعود رطب و يستنقع في الماء.» و روايته عن ابى عبد الله (عليه السلام) و اما رواية الكافي فهي عن ابى جعفر (عليه السلام).

(13) جاء حديث حنان ص 161 باللفظ المذكور هناك تبعا للتهذيب ج 4 ص 263 و الوسائل، و لذا غير عن ما جاء في نسخ الحدائق.

(14) وعدنا ص 164 بالرجوع في مصدر حديث خلف بن حماد الى الاستدراكات، و قد وقفنا عليه في الوسائل في الباب 105 من أبواب المزار.

(15) ورد ص 169 حديث الحلبي مطابقا للتهذيب ج 4 ص 311، و كذا حديث الكناني طبقناه على الفقيه ج 2 ص 94.

(16) ورد ص 183 في رواية الثمالي «في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة» و كذا ص 184 س 21، و في الوسائل و التهذيب ج 2 ص 94 الطبع القديم العطف بالواو لا بنحو الترديد.

(17) ورد ص 184 س 21 «و قوة البدن» تبعا للخطية.

(18) ورد ص 188 «و رواية عبد الكريم بن عمرو» و جاء في التعليقة 7 ان الراوي كرام و يروى عنه ابن ابى عمير. و نقول هنا ان الكليني في الفروع ج 1

504

ص 201 يرويها عن ابن ابى عمير عن كرام و الشيخ في التهذيب ج 4 ص 183 عن عبد الكريم بن عمرو، و في ص 233 عن الكليني عن كرام، و الصدوق في الفقيه ج 3 ص 79 عن عبد الكريم بن عمرو. و الفرق بين رواية الكليني و بين رواية الشيخ و الصدوق ان في رواية الكليني كلمة «من شهر رمضان» في آخر الرواية دون رواية الشيخ و الصدوق، و قد نسبها ص 188 الى عبد الكريم بن عمرو و ذكر الإضافة في آخرها. و نقلها عن الفقيه و التهذيب عن عبد الكريم بن عمرو من دون زيادة الكافي ص 388.

(19) جاء ص 189 في رواية الصيقل: «كتبت اليه» كما في الوسائل و الاستبصار ج 2 ص 101، و في التهذيب ج 4 ص 234 و الوافي باب نذر الصيام و باب كفارة النذر من أبواب النذور و الايمان «كتب اليه». و قد سقط لفظ «اليوم» هنا في الطبع و الصحيح «فوافق ذلك اليوم يوم.».

(20) جاء ص 193 في رواية على بن مهزيار «كتبت اليه» كما في الوسائل إلا ان في الفروع ج 2 ص 373 و التهذيب ج 8 ص 305 «و كتب اليه» و في الوافي باب نذر الصيام و باب كفارة النذر من أبواب النذور و الايمان «انه كتب اليه».

(21) جاء ص 196 حديث ابن جندب عن الكافي و اللفظ فيه يوافق ما جاء في الوافي (باب نذر الصيام من أبواب النذور و الايمان) و هو يختلف عن ما جاء في الفروع ج 2 ص 373 و ما جاء في التهذيب ج 8 ص 306 و هو رواية الشيخ الحديث عن الكليني.

(22) جاء ص 196 في حديث ابن جندب عن التهذيب «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) ميمون» و هو يوافق ما جاء في الوافي (باب نذر الصيام من أبواب النذور و الايمان) و في التهذيب ج 4 ص 333 «سأله عباد بن ميمون» و في الوسائل:

«سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عباد بن ميمون» و اللفظ في كل منها يختلف عنه في الآخرين (23) جاء ص 224 في رواية إدريس بن هلال: «فبذلك» كما في الوسائل

505

و في الفقيه ج 2 ص 72 «بذلك».

(24) جاء ص 224 حديث البصري مسندا الى ابى عبد الله (عليه السلام) كما في الوافي (باب من تعمد الإفطار في شهر رمضان من غير عذر) الا انه جاء في الفروع ج 1 ص 191 و الوسائل مضمرا.

(25) جاء ص 227 في رواية زرارة «قلت فان عجز عن ذلك» كما في نسخ الحدائق، و في الفروع ج 2 ص 372 و التهذيب ج 8 ص 298 و الوافي (باب كفارة اليمين من أبواب النذور و الايمان) و الوسائل هكذا «قلت انه عجز عن ذلك».

(26) جاء ص 245 في رواية أبي الجارود «كان بعض أصحابنا» كما في نسخ الحدائق، و في التهذيب ج 4 ص 317 و الوسائل «و كان.».

(27) جاء ص 245 في كلام الشيخ «في بلاد الإسلام» كما في النسخ، و في التهذيب ج 4 ص 164 «في باب الإسلام».

(28) جاء ص 264 في كلام العلامة في المنتهى س 14 «أو تقاربت.»

و قد أسقط من عبارته هنا قوله «و به قال احمد و الليث بن سعد و بعض أصحاب الشافعي» و جاء س 16 «لكل بلد حكم نفسه.» و قد أسقط هنا قوله «و هو القول الأخر للشافعي. و اعترض بعض الشافعية في التباعد مسافة التقصير و هو ثمانية و أربعون ميلا فاعتبر لكل بلد حكم نفسه ان كان بينهما هذه المسافة» و بهذا ينسجم قوله «ان كان بينهما.» مع ما قبله (29) جاء ص 269 س 4 «من سير القمر» و في نسخ الحدائق «من تسيير القمر» و قد جعلناه كذلك للاستحسان و الاعتبار.

(30) أوردنا سند رواية الإقبال ص 292 س 8 كما في الإقبال ص 15 و الوسائل، الا ان الوارد فيهما هكذا: إسحاق بن إبراهيم الثقفي الثقة.

(31) جاء ص 293 في رواية عبد الرحمن «و لم يصم» و هو موافق لما جاء في التهذيب ج 4 ص 310، و في الفقيه ج 2 ص 78 «و لم يصح له».

506

(32) أوردنا صحيحة أبي حمزة ص 295 على طبق لفظ الوسائل فجاء فيها بعض التغيير عن ما جاء في نسخ الحدائق.

(33) جاء ص 300 في صحيحة أبي مريم «فليس عليه شيء» كما في النسخ و الوافي باب من مات و فاته صيام عن الفقيه، و في الفقيه ج 2 ص 98 «فليس عليه قضاء» (34) غيرنا بعض اللفظ عن النسخ في صحيحة محمد بن مسلم ص 302 تبعا لكتب الحديث.

(35) جاء ص 303 س 9 في عبارة الفقه الرضوي «إلا أن يكون قد صح في ما بين الرمضانين» و في الفقه الرضوي هكذا: «في ما بين شهرين رمضانين» و كذا في المستدرك الباب 17 من أحكام شهر رمضان. و كذا س 11 هكذا: «فان فاته شهر رمضان» و فيهما «فان فاته شهرين رمضانين».

(36) جاء ص 304 في رواية العلل و العيون «أو لم يفق من مرضه» كما في النسخ، و في الوسائل «أو لم يقو».

(37) جاء ص 353 في رواية الحسن بن أبي حمزة «قلت لأبي جعفر أو لأبي عبد الله (ع) انى قد اشتد على صيام ثلاثة أيام في كل شهر أؤخره.»

و الوارد في الفقيه ج 2 ص 51 و الوسائل «قلت لأبي جعفر أو لأبي عبد الله (ع) صوم ثلاثة أيام في الشهر أؤخره.» و قد ورد اللفظ المتقدم في رواية إبراهيم ابن المثنى الواردة في الفقيه ص 50 و في الوسائل الباب 11 من الصوم المندوب رقم 5 و لم يوردها المصنف (قدس سره).

(38) وعدنا ص 360 بالرجوع الى الاستدراكات في صيام السنة و الترغيب و قد تقدم بيان ذلك في الاستدراكات (1).

(39) جاء ص 363 س 16 «يقتضي عدم خلق السماوات» و في المدارك المطبوعة «يقتضي خلق السماوات» و يمكن سقوط كلمة «عدم» من الناسخ.

(40) جاء ص 404 س 4 «و يؤيد هذه الاخبار ظاهر الآية» و حذفت

507

كلمة «ايضا» تبعا للنسخة الخطية.

(41) ورد ص 423 ذكر صحيحة محمد بن مسلم التي يرويها الشيخ بلفظ «مدين من طعام» و غفلنا عن تخريجها و هي في الوسائل في الباب 15 ممن يصح منه الصوم رقم 2.

(42) وردت ص 437 رواية السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن ثواب الأعمال و هي مروية في الفروع ج 1 ص 181 و الفقيه ج 2 ص 85 و التهذيب ج 4 ص 201 عن مسعدة عن ابى عبد الله عن أبيه (ع) و لم نقف على نقلها عن ثواب الأعمال عن السكوني. راجع الوسائل الباب 3 من آداب الصائم رقم 3.

(43) ورد ص 439 «و رؤيا أيضا في كتابيهما عن يعقوب» يريد الكليني و الصدوق، مع ان الصدوق رواها في الفقيه ج 2 ص 101 مرسلا.

(44) جاء ص 440 س 23 في تخريج حديث أبي حمزة الباب 31 و الصحيح 32 (45) جاء ص 443 س 1 «حسان ابى على» و الصحيح «حسان بن ابى على» (46) وعدنا في التعليقة (4) ص 452 بالرجوع الى الاستدراكات في حال المغيرة بن سعيد فنقول اما انه من الكاذبين على ابى جعفر (عليه السلام) فقد روى الكشي ذلك في كتابه ص 194 طبع النجف الأشرف و اما انه كان يدعو الى محمد بن عبد الله ابن الحسن فذكره العلامة في الخلاصة طبع النجف الأشرف ص 261 و باقي ما ذكره (قدس سره) لم نقف على مصدره.

(47) جاء ص 455 س 18 «طهرا.» و في النسخ «و طهر» فغير الى ذلك تصحيحا.

(48) جاء ص 456 «و روى في الكافي أيضا في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام)» كما في النسخ، و حيث ان عادته (قدس سره) ذكر الراوي فيجوز ان يكون عدم ذكر الراوي هنا و هو الحلبي لسقوطه من قلم النساخ.

(49) ورد ص 457 صحيح الحلبي برواية الصدوق كما في الوسائل الباب 2

508

من الاعتكاف رقم 1 و لم نجده في الفقيه في مظانه نعم رواه الكليني في الفروع ج 1 ص 212.

(50) جاء ص 466 في الرواية (5) «يحيى بن العلاء» و في التهذيب ج 4 ص 290 و الاستبصار ج 2 ص 127 و الوافي باب الاعتكاف و الوسائل «يحيى بن ابى العلاء».

(51) وردت الرواية (4) ص 466 عن على بن عمران و الرواية (8) عن على بن غراب كما في النسخ و الوسائل، إلا ان الوارد في التهذيب ج 4 ص 290 هي الرواية عن على بن عمران فقط و في الاستبصار ج 2 ص 127 إبداله بعلي بن غراب (52) جاء ص 474 س 10 «و يردف عليا (عليه السلام) خلفه» و قد علقنا بالرجوع إلى التعليقة 2 ص 16 ج 10 و الذي أورده (قدس سره) هناك «و يردف خلفه» (53) جاء ص 476 س 21 «انه كان على أمي» و في مسند احمد «انه كان على أمها».

(54) جاء ص 483 في رواية عمر بن يزيد «ان يحلك من اعتكافك» كما في النسخ و الوسائل، و في التهذيب ج 4 ص 289 و الوافي باب الاعتكاف «ان ذلك في اعتكافك».

(55) جاء ص 489 س 1 كلام الشيخ في المبسوط و لفظه يوافق ما نقله في المنتهى، و قد نقله ايضا ص 479 س 18 و هو يوافق ما في المبسوط.

توجيه

يرجى تصحيح ما جاء ج 10 ص 140 التعليقة 1 هكذا: راجع الوسائل الباب 49 من الجماعة.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الثالث عشر


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org