1

2

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و الصلاة على نبيه محمد و عترته الطيبين الطاهرين.

كتاب الحج

و هو يطلق في اللغة على معان كما يستفاد من القاموس، و هي: القصد و الكف و القدوم و الغلبة بالحجة و كثرة الاختلاف و التردد و قصد مكة للنسك، و قال الخليل: الحج كثرة الاختلاف الى من يعظمه، و سمي الحج حجا لان الحاج يأتي قبل الوقوف بعرفة الى البيت ثم يعود اليه لطواف الزيارة ثم ينصرف إلى منى ثم يعود اليه لطواف الوداع.

و الأصحاب (رضوان الله عليهم) قد نقلوه عن المعنى اللغوي إلى قصد البيت لأداء المناسك المخصوصة عنده كما عرفه به الشيخ و من تبعه، أو انه اسم لمجموع المناسك المؤادة في المشاعر المخصوصة. و قد أورد على كل من التعريقين إيرادات ليس للتعرض لها مزيد فائدة.

3

إلا أنه ينبغي ان يعلم ان النقل عن المعنى اللغوي- كما ذكرنا- إنما يتم لو لم يكن ما ذكره في القاموس من انه قصد مكة للنسك معنى لغويا و إلا كان حقيقة لغوية في المعنى المصطلح عليه، و المشهور في كلام أهل اللغة إنما هو انه بمعنى القصد فيكون النقل متجها، و انه على تقدير تعريف الشيخ يكون النقل لمناسبة و على تقدير التعريف الآخر لغير مناسبة.

و كيف كان فالبحث في هذا الكتاب يقع في أبواب أربعة و خاتمة:

الباب الأول في المقدمات

المقدمة الأولى [الأخبار الواردة في الحج]

و فيها فصول:

الفصل الأول [أخبار متفرقة في الحج]

في جملة من الاخبار الدالة على جملة من الفوائد العظام المناسبة للمقام:

منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن ابي حسان عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) و رواه في الفقيه (2) مرسلا عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «لما أراد الله ان يخلق الأرض أمر الرياح فضربن متن الماء حتى صار موجا ثم أزبد فصار زبدا واحدا فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد ثم دحا الأرض من تحته و هو قول الله عز و جل إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً» (3) و زاد في الفقيه (4) «و أول بقعة خلقت من الأرض الكعبة ثم مدت الأرض منها».

و ما رواه في الكافي (5) عن سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال

____________

(1) الوسائل الباب 18 من مقدمات الطواف.

(2) ج 2 ص 156.

(3) سورة آل عمران الآية 96.

(4) ج 2 ص 156.

(5) ج 4 ص 225.

4

«ان قريشا لما هدموا الكعبة وجدوا في قواعده حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته حتى دعوا رجلا فقرأه فإذا فيه: انا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السماوات و الأرض و وضعتها بين هذين الجبلين و حففتها بسبعة أملاك حفا».

و ما رواه في الكافي (1) في الصحيح عن ابي العباس عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «لما ولد إسماعيل حمله إبراهيم (عليه السلام) و امه على حمار و اقبل معه جبرئيل (عليه السلام) حتى وضعه في موضع الحجر و معه شيء من زاد و سقاء فيه شيء من ماء و البيت يومئذ ربوة حمراء من مدر، فقال إبراهيم (عليه السلام) لجبرئيل ههنا أمرت؟ قال نعم و مكة يومئذ سلم و سمر و حول مكة يومئذ ناس من العماليق».

و ما رواه ابن بابويه في كتاب علل الشرائع و الأحكام (2) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ان إبراهيم لما خلف إسماعيل بمكة عطش الصبي و كان في ما بين الصفا و المروة شجر فخرجت امه حتى قامت على الصفا فقالت هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد فمضت حتى انتهت إلى المروة فقالت هل بالوادي من أنيس؟ فلم يجبها أحد ثم رجعت الى الصفا فقالت كذلك حتى صنعت ذلك سبعا فأجرى الله ذلك سنة، فأتاها جبرئيل (عليه السلام) فقال لها من أنت؟

فقالت انا أم ولد إبراهيم (عليه السلام) فقال ابى من وكلكم؟ فقالت اما إذا قلت ذلك فقد قلت له حيث أراد الذهاب يا إبراهيم الى من تكلنا؟ فقال الى الله (عز و جل) فقال جبرئيل (عليه السلام) لقد وكلكم الى كاف. قال و كان الناس يتجنبون المرور بمكة لمكان الماء ففحص الصبي برجله فنبعت زمزم فرجعت من المروة إلى الصبي و قد نبع الماء فأقبلت تجمع التراب حوله مخافة ان يسيح الماء و لو تركته

____________

(1) ج 4 ص 201.

(2) ص 432 و في الوسائل الباب 1 من السعي. و في الكافي ج 4 ص 202.

5

لكان سيحا، قال فلما رأت الطير الماء حلقت عليه، قال فمر ركب من اليمن فلما رأوا الطير حلقت عليه قالوا ما حلقت إلا على ماء فأتوهم فسقوهم من الماء و أطعموهم الركب من الطعام، و اجرى الله (عز و جل) لهم بذلك رزقا فكانت الركب تمر فيطعمونهم من الطعام و يسقونهم من الماء».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحرم و اعلامه فقال ان آدم (عليه السلام) لما هبط على ابي قبيس شكي الى ربه الوحشة و انه لا يسمع ما كان يسمع في الجنة فأنزل الله تعالى عليه ياقوتة حمراء فوضعها في موضع البيت فكان يطوف بها و كان يبلغ ضوؤها موضع الاعلام فعلمت الاعلام على ضوئها فجعله الله حرما».

و ما رواه الكليني في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لما اقبل صاحب الحبشة بالفيل يريد هدم الكعبة مروا بابل لعبد المطلب فاستاقوها فتوجه عبد المطلب الى صاحبهم يسأله رد ابله عليه فاستأذن عليه فاذن له و قيل له ان هذا الشريف قريش أو عظيم قريش و هو رجل له عقل و مروة فأكرمه و أدناه ثم قال لترجمانه سله ما حاجتك؟ فقال له ان أصحابك مروا بإبل لي فاستاقوها و أردت ان تردها على. قال فتعجب من سؤاله إياه رد الإبل و قال هذا الذي زعمتم انه عظيم قريش و ذكرتم عقله يدع أن يسألني ان انصرف عن بيته الذي يعبده اما لو سألني ان انصرف عن هدمه لانصرفت له عنه، فأخبره الترجمان بمقالة الملك فقال له عبد المطلب ان لذلك البيت ربا يمنعه و انما سألتك رد إبلي لحاجتي إليها فأمر بردها عليه و مضى عبد المطلب حتى لقي الفيل على طرف الحرم

____________

(1) الوسائل الباب 13 من مقدمات الطواف.

(2) الوسائل الباب 18 من مقدمات الطواف.

6

فقال له يا محمود فحرك رأسه فقال له أ تدري لما جيء بك؟ فقال برأسه: لا.

فقال جاءوا بك لتهدم بيت ربك فتفعل؟ فقال برأسه لا فانصرف عنه عبد المطلب و جاءوا بالفيل ليدخل الحرم فلما انتهى الى طرف الحرم امتنع من الدخول فضربوه فامتنع من الدخول فصرفوه فأسرع فأداروا به نواحي الحرم كلها كل ذلك يمتنع عليهم فلم يدخل، و بعث الله عليهم الطير كالخطاطيف في مناقيرها حجر كالعدسة و نحوها فكانت تحاذي برأس الرجل ثم ترسلها علي رأسه فتخرج من دبره حتى لم يبق منهم أحد إلا رجل هرب فجعل يحدث الناس بما رأى إذا طلع عليه طائر منها فرفع رأسه فقال هذا الطائر منها و جاء الطير حتى حاذى برأسه ثم ألقاها عليه فخرجت من دبره فمات».

و منها-

ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان قريشا في الجاهلية هدموا البيت فلما أرادوا بناءه حيل بينهم و بينه و القى في روعهم الرعب حتى قال قائل منهم: ليأت كل رجل منكم بأطيب ماله و لا تأتوا بمال اكتسبتموه من قطيعة رحم أو حرام ففعلوا فخلى بينهم و بين بنائه فبنوه حتى انتهوا الى موضع الحجر الأسود فتشاجروا فيه أيهم يضع الحجر الأسود في موضعه حتى كاد ان يكون بينهم شر فحكموا أول من يدخل من باب المسجد فدخل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فلما أتاهم أمر بثوب فبسط ثم وضع الحجر في وسطه ثم أخذت القبائل بجوانب الثوب فرفعوه ثم تناوله (صلى اللّٰه عليه و آله) فوضعه في موضعه فخصه الله تعالى به».

أقول: و تفصيل مجمل هذا الخبر

ما ذكره الكليني (قدس سره) و نقله عن على بن إبراهيم و غيره بأسانيد مختلفة رفعوه (2) قال: إنما هدمت قريش الكعبة

____________

(1) الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

(2) الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

7

لان السيل كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها فانصدعت و سرق من الكعبة غزال من ذهب رجلاه من جوهر و كان حائطها قصيرا و كان ذلك قبل مبعث النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بثلاثين سنة، فأرادت قريش ان يهدموا الكعبة و يبنوها و يزيدوا في عرضها ثم أشفقوا من ذلك و خافوا ان وضعوا فيها المعادل ان تنزل عليهم عقوبة، فقال الوليد بن المغيرة دعوني ابدأ فان كان لله رضى لم يصبني شيء و ان كان غير ذلك كففت فصعد على الكعبة و حرك منها حجرا فخرجت عليه حية و انكسفت الشمس فلما رأوا ذلك بكوا و تضرعوا و قالوا: اللهم انا لا نريد إلا الصلاح فغابت عنهم الحية فهدموه و نحوا حجارته حوله حتى بلغوا القواعد التي وضعها إبراهيم (عليه السلام) فلما أرادوا أن يزيدوا في عرضه و حركوا القواعد التي وضعها إبراهيم (عليه السلام) أصابتهم زلزلة شديدة و ظلمة فكفوا عنه. و كان بنيان إبراهيم (عليه السلام) الطول ثلاثون ذراعا و العرض اثنان و عشرون ذراعا و السمك تسعة أذرع فقالت قريش نزيد في سمكها فبنوها فلما بلغ البنيان الى موضع الحجر الأسود تشاجرت قريش في وضعه فقال كل قبيلة: نحن اولى به و نحن نضعه، فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة فطلع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالوا هذا الأمين قد جاء فحكموه فبسط رداءه- و قال بعضهم كساء طاروني كان له- و وضع الحجر فيه ثم قال: يأتي من كل ربع من قريش رجل فكانوا عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس و الأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى و أبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم و قيس بن عدي من بني سهم فرفعوه و وضعه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في موضعه، و قد كان بعث ملك الروم بسفينة فيها سقوف و آلات و خشب و قوم من الفعلة إلى الحبشة ليبنى له هناك بيعة فطرحتها الريح الى ساحل الشريعة فنطحت فبلغ قريشا خبرها فخرجوا الى الساحل فوجدوا ما يصلح للكعبة من خشب و زينة و غير ذلك فابتاعوه و صاروا به الى مكة فوافق ذرع ذلك الخشب البناء ما خلا

8

الحجر فلما بنوها كسوها الوصائد و هي الأردية.

و ما رواه الشيخان المذكوران في الصحيح عن البزنطي عن داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ساهم قريشا في بناء البيت فصار لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من باب الكعبة إلى النصف ما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود» (2).

قالا: و في رواية اخرى «كان لبني هاشم من الحجر الأسود إلى الركن الشامي».

و ما رواه في الكافي عن ابان بن تغلب (3) قال: «لما هدم الحجاج الكعبة فرق الناس ترابها فلما صاروا إلى بنائها فأرادوا أن يبنوها خرجت عليهم حية فمنعت الناس البناء حتى هربوا فاتوا الحجاج فأخبروه فخاف ان يكون قد منع بناءها فصعد المنبر ثم نشد الناس و قال: رحم الله عبدا عنده من ما ابتلينا به علم لما أخبرنا به. قال فقام اليه شيخ فقال ان يكون عند أحد علم فعند رجل رأيته جاء إلى الكعبة فأخذ مقدارها ثم مضى. فقال الحجاج من هو؟ قال علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: معدن ذلك. فبعث الى علي بن الحسين (عليه السلام) فأتاه فأخبره بما كان من منع الله إياه من البناء فقال له علي بن الحسين (عليه السلام) يا حجاج عمدت الى بناء إبراهيم و إسماعيل فألقيته في الطريق و انتهبته كأنك ترى انه تراث لك اصعد المنبر فأنشد الناس ان لا يبقى أحد منهم أخذ منه شيئا إلا رده. قال ففعل فنشد الناس ان لا يبقى منهم أحد عنده شيء إلا رده قال فردوه فلما رأى جمع التراب اتى علي بن الحسين (عليه السلام) فوضع الأساس فأمرهم أن يحفروا، قال فتغيبت عنهم الحية و حفروا حتى انتهوا الى موضع القواعد قال لهم علي بن الحسين (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

(2) الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

(3) الوسائل الباب 12 من مقدمات الطواف.

9

تنحوا فتنحوا فدنا منها فغطاها بثوبه ثم بكى ثم غطاها بالتراب بيد نفسه ثم دعا الفعلة فقال ضعوا بناءكم، قال فوضعوا البناء فلما ارتفعت حيطانها أمر بالتراب فألقي في جوفه فلذلك صار البيت مرتفعا يصعد اليه بالدرج».

قال في الفقيه (1) «روي ان الحجاج لما فرغ من بناء الكعبة سأل علي ابن الحسين (عليه السلام) ان يضع الحجر في موضعه فأخذه و وضعه في موضعه».

و قال في الفقيه (2) بعد ذكر أصحاب الفيل: و انما لم يجر على الحجاج ما جرى على تبع و أصحاب الفيل لان قصد الحجاج لم يكن الى هدم الكعبة إنما كان قصده الى ابن الزبير و كان ضدا للحق- و في بعض النسخ ضدا لصاحب الحق يعني الإمام (عليه السلام) و هو أظهر- فلما استجار بالكعبة أراد الله ان يبين للناس انه لم يجره فأمهل من هدمها عليه. انتهى.

و ما رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كانت الكعبة على عهد إبراهيم (عليه السلام) تسعة أذرع و كان لها بابان فبناها عبد الله بن الزبير فرفعها ثمانية عشر ذراعا فهدمها الحجاج و بناها سبعة و عشرين ذراعا».

و ما رواه في الفقيه (4) مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان طول الكعبة تسعة أذرع و لم يكن لها سقف فسقفها قريش ثمانية عشر ذراعا ثم كسرها الحجاج على ابن الزبير فبناها و جعلها سبعة و عشرين ذراعا».

____________

(1) الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

(2) ج 2 ص 162.

(3) الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

(4) ج 2 ص 160 و في الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.

10

و ما رواه في الكافي (1) و الفقيه (2)- في الصحيح في الثاني و الموثق في الأول- عن زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قد أدركت الحسين (عليه السلام)؟ قال: نعم اذكر و انا معه في المسجد الحرام و قد دخل فيه السيل و الناس يقومون على المقام يخرج الخارج فيقول قد ذهب به السيل و يخرج منه الخارج و يقول هو مكانه. قال فقال لي يا فلان ما صنع هؤلاء؟ فقلت أصلحك الله تعالى يخافون ان يكون السيل قد ذهب بالمقام فقال ناد ان الله تعالى قد جعله علما لم يكن ليذهب به فاستقروا. و كان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم (عليه السلام) عند جدار البيت فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم فلما فتح النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مكة رده الى الموضع الذي وضعه إبراهيم (عليه السلام) فلم يزل هناك الى ان ولي عمر بن الخطاب فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟ فقال رجل انا قد كنت أخذت مقداره بنسع (3) فهو عندي، فقال ائتني به فأتاه به فقاسه ثم رده الى ذلك المكان».

و قال في الفقيه (4): روي انه قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) و لأبي جعفر الباقر (عليه السلام) اربع سنين.

و منها-

ما رواه في الكافي (5) بسنده عن بكير قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) لأي علة وضع الله الحجر في الركن الذي هو فيه و لم يوضع في غيره؟ و لأي علة يقبل؟ و لأي علة اخرج من الجنة؟ و لأي علة وضع ميثاق

____________

(1) ج 4 ص 223.

(2) ج 2 ص 158.

(3) في المنجد: انه سير أو حبل عريض طويل تشد به الرحال.

(4) ج 2 ص 158.

(5) ج 4 ص 184 و في الوسائل الباب 13 من الطواف و الباب 4 من السعي.

11

العباد و العهد فيه و لم يوضع في غيره و كيف السبب في ذلك؟ تخبرني جعلني الله فداك فإن تفكري فيه لعجب. قال فقال سألت و أعضلت في المسألة و استقصيت فافهم الجواب و فرغ قلبك و أصغ بسمعك أخبرك ان شاء الله تعالى، ان الله تبارك و تعالى وضع الحجر الأسود و هي جوهرة أخرجت من الجنة إلى آدم (عليه السلام) فوضعت في ذلك الركن لعلة الميثاق، و ذلك انه لما أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم حين أخذ الله تعالى عليهم الميثاق في ذلك المكان (1) و في ذلك المكان تراءى لهم، و من ذلك المكان يهبط الطير على القائم (عليه السلام) فأول من يبايعه ذلك الطير و هو و الله جبرئيل (عليه السلام) و الى ذلك المقام يسند القائم (عليه السلام) ظهره و هو الحجة و الدليل على القائم (عليه السلام) و هو الشاهد لمن وافى ذلك المكان و الشاهد على من ادى اليه الميثاق و العهد الذي أخذ الله (عز و جل) على العباد. و اما القبلة و الالتماس فلعلة العهد تجديدا لذلك العهد و الميثاق و تجديدا للبيعة و ليؤدوا إليه العهد الذي أخذ الله تعالى عليهم في الميثاق فيأتوه في كل سنة و و يؤدوا إليه ذلك العهد و الامانة اللذين أخذا عليهم، ألا ترى انك تقول أمانتي أديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، و و الله ما يؤدي ذلك أحد غير شيعتنا و لا حفظ ذلك العهد و الميثاق أحد غير شيعتنا، و انهم ليأتوه فيعرفهم و يصدقهم و يأتيه غيرهم فينكرهم و يكذبهم، و ذلك انه لم يحفظ ذلك غيركم فلكم و الله يشهد و عليهم و الله يشهد بالخفر و الجحود و الكفر و هو الحجة البالغة من الله عليهم يوم القيامة، يجيء و له لسان ناطق و عينان في صورته الاولى يعرفه الخلق و لا ينكره، يشهد لمن وافاه و جدد العهد و الميثاق عنده بحفظ العهد و الميثاق و أداء الامانة، و يشهد على كل من أنكر و جحد و نسي

____________

(1) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الأعراف الآية 172: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ. الآية».

12

الميثاق بالكفر و الإنكار. فاما علة ما أخرجه الله تعالى من الجنة فهل تدري ما كان الحجر؟ قلت لا. قال كان ملكا عظيما من عظماء الملائكة عند الله تعالى فلما أخذ الله من الملائكة الميثاق كان أول من آمن به و أقر ذلك الملك فاتخذه الله تعالى أمينا على جميع خلقه و ألقمه الميثاق و أودعه عنده و استعبد الخلق ان يجددوا عنده في كل سنة الإقرار بالميثاق و العهد الذي أخذ الله تعالى عليهم، ثم جعله الله مع آدم (عليه السلام) في الجنة يذكره الميثاق و يجدد عنده الإقرار في كل سنة، فلما عصى آدم (عليه السلام) و اخرج من الجنة أنساه الله العهد و الميثاق الذي أخذ الله عليه و على ولده لمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) و لوصيه و جعله تائها حيران، فلما تاب على آدم (عليه السلام) حول ذلك الملك في صورة درة بيضاء فرماه من الجنة إلى آدم (عليه السلام) و هو بأرض الهند، فلما نظر إليه انس اليه و هو لا يعرفه بأكثر من أنه جوهرة، فانطقه الله تعالى فقال له يا آدم أ تعرفني؟ قال لا. قال أجل استحوذ عليك الشيطان فأنساك ذكر ربك. ثم تحول الى صورته التي كان مع آدم (عليه السلام) في الجنة فقال لآدم اين العهد و الميثاق؟ فوثب اليه آدم (عليه السلام) و ذكر الميثاق و بكى و خضع له و قبله و جدد الإقرار بالعهد و الميثاق، ثم حوله الله (عز و جل) إلى جوهرة الحجر درة بيضاء صافية تضيء فحمله آدم (عليه السلام) على عاتقه إجلالا له و تعظيما فكان إذا أعيا حمله عنه جبرئيل حتى وافى به مكة فما زال يأنس به بمكة و يجدد الإقرار له كل يوم و ليلة. ثم ان الله تبارك و تعالى لما بني الكعبة وضع الحجر في ذلك المكان لانه تبارك و تعالى حين أخذ الميثاق من ولد آدم أخذه في ذلك المكان و في ذلك المكان ألقم الملك الميثاق و لذلك وضع في ذلك الركن، و نحى آدم (عليه السلام) من مكان البيت الى الصفا و حواء إلى المروة و وضع الحجر في ذلك الركن، فلما نظر آدم (عليه السلام) من الصفا و قد وضع الحجر في ذلك الركن كبر الله (عز و جل) و هلله و مجده و لذلك جرت السنة بالتكبير

13

و استقبال الركن الذي فيه الحجر من الصفا، فان الله أودعه الميثاق و العهد دون غيره من الملائكة، لأن الله (عز و جل) لما أخذ الميثاق له بالربوبية و لمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) بالرسالة و النبوة و لعلي (عليه السلام) بالوصية اصطكت فرائص الملائكة فأول من أسرع إلى الإقرار ذلك الملك، و لم يكن فيهم أشد حبا لمحمد و آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) منه فلذلك اختاره الله تعالى من بينهم و ألقمه الميثاق، و هو يجيء يوم القيامة و له لسان ناطق و عين ناظرة يشهد لكل من وافاه الى ذلك المكان و حفظ الميثاق».

و منها-

ما رواه ابن بابويه (1) في الصحيح عن سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «انما سمي البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق و أعتق الحرم معه و كف عنه الماء».

و ما رواه أيضا (2) في الصحيح عن الفضيل عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «انما سميت مكة بكة لأنه يبك بها الرجال و النساء، و المرأة تصلي بين يديك و عن يمينك و عن شمالك و معك، و لا بأس بذلك و إنما يكره في سائر البلدان».

و ما رواه (3) في الصحيح عن حريز بن عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان الحجر الأسود أشد بياضا من اللبن فلو لا ما مسه من أرجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا و بريء بإذن الله تعالى».

و ما رواه الكليني في الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لما أفاض آدم (عليه السلام) من منى تلقته الملائكة فقالوا

____________

(1) العلل ص 399 الطبع الحديث في النجف الأشرف.

(2) العلل ص 397 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 5 من مكان المصلي.

(3) العلل ص 427 الطبع الحديث و في الوسائل الباب 13 من الطواف عن الفقيه.

(4) الوسائل الباب 1 و 38 من وجوب الحج و شرائطه.

14

يا آدم بر حجك اما انا قد حججنا هذا البيت قبل ان تحجه بألفي عام».

و ما رواه ابن بابويه (1) في الصحيح عن عبد الله بن سنان «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (2) قال: من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن من سخط الله (عز و جل) و ما دخل في الحرم من الطير و الوحش كان آمنا من ان يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم».

و ما رواه الكليني في الحسن عن ابن سنان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ (4) ما هذه الآيات البينات؟ قال مقام إبراهيم حيث قام على الحجر فأثرت فيه قدماه و الحجر الأسود و منزل إسماعيل».

و ما رواه في الفقيه عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان آدم (عليه السلام) هو الذي بنى البيت و وضع أساسه و أول من كساه الشعر و أول من حج اليه ثم كساه تبع بعد آدم (عليه السلام) الأنطاع ثم كساه إبراهيم (عليه السلام) الخصف، و أول من كساه الثياب سليمان بن داود (عليه السلام) كساه القباطي».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 163 و في الوسائل الباب 88 من تروك الإحرام.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

(3) الوسائل الباب 18 من مقدمات الطواف.

(4) سورة آل عمران الآية 96 و 97.

(5) الوسائل الباب 10 من مقدمات الطواف.

15

الفصل الثاني في جملة من الأخبار الدالة على فضل الحج و ما فيه من الثواب:

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن سعد الإسكاف- و رواه في التهذيب ايضا بسنده عنه (1)- قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول ان الحاج إذا أخذ في جهازه لم يخط خطوة في شيء من جهازه إلا كتب الله له عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات و رفع له عشر درجات حتى يفرغ من جهازه متى ما فرغ، فإذا استقلت به راحلته لم تضع خفا و لم ترفعه إلا كتب الله (عز و جل) له مثل ذلك حتى يقضي نسكه فإذا قضى نسكه غفر الله له ذنوبه، و كان ذا الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول أربعة أشهر يكتب الله له الحسنات و لا يكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجبة فإذا مضت الأربعة الأشهر خلط بالناس».

و في رواية التهذيب (2) هكذا: «غفر الله له ذنوبه بقية ذي الحجة و المحرم و صفر و شهر ربيع الأول فإذا مضت. الى آخره».

و لعل المراد ب«موجبة» على رواية الكافي يعني بما يوجب النار من الكبائر، و على هذا فتكون السيئات التي لا تكتب مخصوصة بالصغائر، و على ما ذكرنا يدل الخبر الآتي صريحا:

و منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (3) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لقيه

____________

(1) الوسائل الباب 38 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) ج 5 ص 19.

(3) الوسائل الباب 42 من وجوب الحج و شرائطه.

16

أعرابي فقال له يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) انى خرجت أريد الحج ففاتني و انا رجل مميل فمرني أن أصنع في مالي ما أبلغ به مثل أجر الحاج. قال فالتفت اليه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال له انظر الى ابى قبيس فلو ان أبا قبيس لك ذهبة حمراء أنفقته في سبيل الله ما بلغت به ما يبلغ الحاج. ثم قال ان الحاج إذا أخذ في جهازه لم يرفع شيئا و لم يضعه إلا كتب الله (عز و جل) له عشر حسنات و محا عنه عشر سيئات و رفع له عشر درجات، فإذا ركب بعيره لم يرفع خفا و لم يضعه إلا كتب الله له مثل ذلك، فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه، فإذا سعى بين الصفا و المروة خرج من ذنوبه، فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه، فإذا وقف بالمشعر الحرام خرج من ذنوبه، فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه، قال فعدد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كذا و كذا موقفا إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه. ثم قال انى لك ان تبلغ ما يبلغ الحاج. قال أبو عبد الله (عليه السلام) و لا تكتب عليه الذنوب أربعة أشهر و تكتب له الحسنات إلا ان يأتي بكبيرة».

قال في الوافي بعد نقل الخبر: للذنوب أنواع مختلفة في التأثير و التكدير و مراتب متفاوتة في الصغر و الكبر فلعله بكل فعل و موقف يخرج من نوع أو مرتبة منها الى ان يطهر منها جميعا، و في الحديث: ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا الوقوف بعرفة. انتهى.

أقول: و من المحتمل قريبا- بل لعله أقرب مما ذكره (قدس سره)- ان الغرض من ذلك هو بيان فضل هذه المواقف و ان كل موقف منها مكفر للذنوب كملا بمعنى انه لو كان ذا ذنوب لكفرت به لا حصول التكفير بالفعل لتحصل المنافاة بينها و يحتاج الى الجمع بما ذكره، و هذا مبني على الموازنة في الأعمال و التكفير و حينئذ فإذا كان ثواب الموقف الأول كفر جميع ذنوبه و أسقطها بقي له ثواب المواقف التي بعده سالمة من المقابلة بالذنوب فتكتب له كملا. و الله العالم.

17

و منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمد بن قيس (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) و هو يحدث الناس بمكة فقال ان رجلا من الأنصار جاء إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) يسأله فقال له رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان شئت فاسأل و ان شئت أخبرتك عن ما جئت تسألني عنه. فقال أخبرني يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال جئت تسألني مالك في حجتك و عمرتك؟ فان لك إذا توجهت الى سبيل الحج ثم ركبت راحلتك ثم قلت بسم الله و الحمد لله ثم مضت راحلتك لم تضع خفا و لم ترفع خفا إلا كتب الله لك حسنة و محا عنك سيئة، فإذا أحرمت و لبيت كان لك بكل تلبية لبيتها عشر حسنات و محي عنك عشر سيئات، فإذا طفت بالبيت الحرام أسبوعا كان لك بذلك عند الله (عز و جل) عهد و ذخر يستحي أن يعذبك بعده أبدا، فإذا صليت الركعتين خلف المقام كان لك بهما ألفا حجة متقبلة، فإذا سعيت بين الصفا و المروة كل لك مثل أجر من حج ماشيا من بلده و مثل أجر من أعتق سبعين رقبة مؤمنة، فإذا وقفت بعرفات الى غروب الشمس فان كان عليك من الذنوب مثل رمل عالج أو بعدد نجوم السماء أو قطر المطر يغفرها الله تعالى لك، فإذا رميت الجمار كان لك بكل حصاة عشر حسنات تكتب لك فيما يستقبل من عمرك، فإذا حلقت رأسك كان لك بكل شعرة حسنة تكتب لك فيما يستقبل من عمرك، فإذا ذبحت هديك أو نحرت بدنتك كان لك بكل قطرة من دمها حسنة تكتب لك فيما يستقبل من عمرك، فإذا زرت البيت و طفت به أسبوعا و صليت الركعتين خلف المقام ضرب ملك على كتفيك ثم قال لك: قد غفر الله لك ما مضى و فيما يستقبل ما بينك و بين مائة و عشرين يوما».

و ما رواه في الكافي عن خالد القلانسي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 1- من وجوب الحج و شرائطه.

18

«قال علي بن الحسين (عليه السلام) حجوا و اعتمروا تصح أبدانكم و تتسع أرزاقكم و تكفون مؤنات عيالاتكم. و قال: الحاج مغفور له و موجوب له الجنة و مستأنف له العمل و محفوظ في أهله و ماله».

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) اني قد وطنت نفسي على لزوم الحج كل عام بنفسي أو برجل من أهل بيتي بمالي. فقال: و قد عزمت على ذلك؟ قال قلت نعم. قال ان فعلت فأيقن بكثرة المال و البنين أو أبشر بكثرة المال».

و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام) الحجاج يصدرون على ثلاثة أصناف: صنف يعتق من النار و صنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته امه، و صنف يحفظ في اهله و ماله فذلك ادنى ما يرجع به الحاج».

و ما رواه في الكافي عن جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الحاج ثلاثة: فأفضلهم نصيبا رجل غفر له ذنبه ما تقدم منه و ما تأخر و وقاه الله عذاب القبر، و اما الذي يليه فرجل غفر له ذنبه ما تقدم منه و يستأنف العمل في ما بقي من عمره، و اما الذي يليه فرجل حفظ في اهله و ماله».

و ما رواه في الكتاب المذكور في الصحيح عن العلاء عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان ادنى ما يرجع به الحاج الذي لا يقبل منه ان يحفظ في اهله و ماله. قال قلت بأي شيء يحفظ فيهم؟ قال: لا يحدث فيهم إلا ما كان يحدث فيهم و هو مقيم معهم».

____________

(1) الوسائل الباب 46 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 38 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 38 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 38 من وجوب الحج و شرائطه.

19

و ما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال الصادق (عليه السلام) لما حج موسى (عليه السلام) نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال له موسى يا جبرئيل ما لمن حج هذا البيت بلا نية صادقة و لا نفقة طيبة؟ قال لا ادري حتى ارجع الى ربي (عز و جل) فلما رجع قال الله (عز و جل) يا جبرئيل ما قال لك موسى (عليه السلام)؟- و هو اعلم بما قال- قال يا رب قال لي ما لمن حج هذا البيت بلا نية صادقة و لا نفقة طيبة؟ قال الله (عز و جل) ارجع اليه و قل له أهب له حقي و ارضي عنه خلقي. فقال يا جبرئيل ما لمن حج هذا البيت بنية صادقة و نفقة طيبة؟ قال فرجع الى الله (عز و جل) فأوحى الله تعالى اليه قل له اجعله في الرفيق الأعلى مع النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا».

الى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عن نقلها المقام.

الفصل الثالث في ما يدل على فرض الحج و العمرة و عقاب تاركهما:

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن ابن أذينة (2) قال: «كتبت الى ابى عبد الله (عليه السلام) بمسائل بعضها مع ابن بكير و بعضها مع ابى العباس فجاء الجواب بإملائه: سألت عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) يعني به الحج و العمرة جميعا لأنهما مفروضان. و سألته عن قول الله (عز و جل) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (4) قال: يعني بتمامهما أداءهما و اتقاء ما يتقي

____________

(1) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 1 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) سورة آل عمران الآية 97.

(4) سورة البقرة الآية 195.

20

المحرم فيهما. و سألته عن قول الله (عز و جل) الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (1) ما يعني بالحج الأكبر؟ فقال: الحج الأكبر الوقوف بعرفة و رمي الجمار، و الحج الأصغر العمرة».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الحج على الغني و الفقير؟ فقال: الحج على الناس جميعا كبارهم و صغارهم فمن كان له عذر عذره الله».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «ان الله (عز و جل) فرض الحج على أهل الجدة في كل عام و ذلك قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (4) قال قلت: فمن لم يحج منا فقد كفر؟ قال: لا و لكن من قال ليس هذا هكذا فقد كفر».

أقول: الظاهر ان المعنى في قوله: «و لكن. الى آخره» ان التارك له لا عن اعتقاد حل تركه ليس بكافر و انما الكافر من لم يعتقد وجوبه، فمعنى «وَ مَنْ كَفَرَ» من لم يعتقد فرضه أو لم يبال بتركه فان عدم المبالاة يرجع الى عدم اعتقاد فرضه، و كان السؤال و الجواب مبنيان على الكفر بالمعنى الحقيقي و المشهور ان الكفر في أمثال هذا المقام ليس المراد به الكفر الحقيقي و انما المراد به كفر الترك، فان تارك الواجبات التي هي من كبائر الطاعات كالصلاة و الزكاة و الحج ينسب الى الكفر و ان لم يكن معتقدا حل الترك الذي به يصير كافرا كفرا حقيقيا بل يطلق على الترك بقول مطلق كما في قوله (عز و جل):

____________

(1) سورة التوبة الآية 3.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 2 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) سورة آل عمران الآية 97.

21

إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً (1).

و منها-

ما رواه في الكافي عن حذيفة بن منصور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان الله تعالى فرض الحج و العمرة على أهل الجدة في كل عام».

و ما رواه فيه ايضا عن ابى جرير القمي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«الحج فرض على أهل الجدة في كل عام».

و ما رواه الصدوق في كتاب العلل عن عبد الله بن الحسين الميثمي رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان في كتاب الله (عز و جل) في ما انزل الله:

وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ في كل عام مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (5).

و حمل هذه الاخبار الشيخ في كتابيه على ان المراد بكل عام يعني على البدل و زاد في الاستبصار الحمل على الاستحباب، و الأظهر الحمل على تأكيد الاستحباب كما صرح به جملة من الأصحاب.

إلا ان ظاهر الصدوق في كتاب العلل العمل بها على ظاهرها حيث انه روى فيه (6) في علل الفضل بن شاذان المروية عن الرضا (عليه السلام) و كذا في علل محمد بن سنان المروية عنه (عليه السلام) في علة فرض الحج مرة واحدة: لأن الله تعالى وضع الفرائض على ادنى القوم قوة، فمن تلك الفرائض الحج المفروض واحد ثم رغب أهل القوة على قدر طاقتهم.

قال الصدوق بعد نقل ذلك (7): جاء هذا الحديث هكذا و الذي اعتمده

____________

(1) سورة الإنسان الآية 3.

(2) الوسائل الباب 2 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 2 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 2 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) سورة آل عمران الآية 97.

(6) ص 273 و 405 و في الوسائل الباب 3 من وجوب الحج و شرائطه.

(7) الوسائل الباب 3 من وجوب الحج و شرائطه.

22

و افتى به ان الحج على أهل الجدة في كل عام فريضة. ثم استدل بالأحاديث المذكورة و احتمل بعض الأصحاب ان يكون المراد بالوجوب في هذه الاخبار الوجوب الكفائي على أهل الجدة من المسلمين في كل عام، و تؤيده الأخبار الدالة على انه لو اجتمع الناس على ترك الحج لوجوب على الامام ان يجبرهم و لاستحقوا العذاب (1) و سيأتي بعضها في المقام.

و منها-

ما رواه في الكافي عن ذريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«من مات و لم يحج حجة الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا».

و ما رواه الشيخ في التهذيب (3) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال الله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (4) قال هذه لمن كان عنده مال و صحة، و ان كان سوفه للتجارة فلا يسعه فان مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام إذا هو يجد ما يحج به، و ان كان دعاه قوم ان يحجوه فاستحيا فلم يفعله فإنه لا يسعه إلا الخروج و لو على حمار أجدع أبتر. و عن قول الله (عز و جل) وَ مَنْ كَفَرَ (5) قال يعني من ترك».

أقول: تفسيره هنا الكفر بالترك مؤيد لما قلناه آنفا.

و ما رواه في الكافي عن ابى بصير (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل):

____________

(1) الوسائل الباب 4 و 5 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 7 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) ج 5 ص 18 و في الوسائل الباب 6 و 7 و 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) سورة آل عمران الآية 97.

(5) سورة آل عمران الآية 97.

(6) الوسائل الباب 6 من وجوب الحج و شرائطه.

23

وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا (1) فقال: ذلك الذي يسوف نفسه الحج يعني حجة الإسلام حتى يأتيه الموت».

و ما رواه ايضا عن ابى بصير (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

من مات و هو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال الله (عز و جل) وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ أَعْمىٰ (3) قال قلت سبحان الله أعمى؟ قال: نعم ان الله (عز و جل) أعماه عن طريق الحق».

و في صحيحة معاوية بن عمار (4) مثله إلا انه قال: «أعماه الله عن طريق الجنة» (5).

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «لو عطل الناس الحج لوجب على الامام ان يجبرهم على الحج ان شاءوا و ان أبوا فإن هذا البيت إنما وضع للحج».

و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن حفص بن البختري و هشام ابن سالم و معاوية بن عمار و غيرهم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال:

«لو ان الناس تركوا الحج لكان على الوالي ان يجبرهم على ذلك و على المقام عنده، و لو تركوا زيارة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لكان على الوالي ان يجبرهم على ذلك

____________

(1) سورة بني إسرائيل الآية 72.

(2) الوسائل الباب 6 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) سورة طه الآية 124.

(4) الوسائل الباب 6 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) التهذيب ج 5 ص 18 و في الوافي باب فرض الحج و العمرة. و قد نقله في الوسائل الباب 6 من وجوب الحج و شرائطه عن تفسير القمي.

(6) الوسائل الباب 5 من وجوب الحج و شرائطه.

(7) الوسائل الباب 5 من وجوب الحج و شرائطه.

24

و على المقام عنده، فان لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين».

و ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ (قدس سرهما) عن ذريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من مضت له خمس سنين فلم يفد الى ربه و هو موسر انه لمحروم».

و بهذا المضمون روايات ثلاث (2).

و ما رواه في الكافي عن حسين الأحمسي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لو ترك الناس الحج لما نوظروا العذاب. أو قال: انزل عليهم العذاب».

و المراد لما أهملوا من العذاب من النظرة بمعنى الإهمال.

و ما رواه فيه عن سدير (4) قال: «ذكرت لأبي جعفر (عليه السلام) البيت فقال لو عطلوه سنة واحدة لم يناظروا».

و رواه في الفقيه مثله (5)

و قال:

في خبر آخر (6) «لينزل عليهم العذاب».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (7): «في قول الله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (8) ما السبيل؟ قال ان يكون له ما يحج به.

قال قلت من عرض عليه ما يحج به فاستحيا من ذلك أ هو ممن يستطيع اليه سبيلا؟ قال نعم ما شأنه يستحي و لو يحج على حمار أجدع أبتر، فإن كان يطيق ان يمشى بعضا و يركب بعضا فليحج».

____________

(1) الوسائل الباب 49 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 49 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 4 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 4 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 4 من وجوب الحج و شرائطه.

(6) الوسائل الباب 4 من وجوب الحج و شرائطه.

(7) الوسائل الباب 8 و 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(8) سورة آل عمران الآية 97.

25

المقدمة الثانية في السفر و آدابه و ما يستحب فيه

و فيه فصول:

فصل [ما ينبغي السفر له من الغايات]

روى الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه عن عمرو بن ابى المقدام عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال «في حكمة آل داود (ع) ان على العاقل ان لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم».

و روى في الفقيه في وصية النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلى (عليه السلام) بإسناده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن أبيه جميعا عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) قال: «يا علي لا ينبغي للعاقل ان يكون ظاعنا إلا في ثلاث: مرمة لمعاش أو تزود لمعاد أو لذة في غير محرم. الى ان قال: يا علي سر سنتين بر والديك، سر سنة صل رحمك، سر ميلا عد مريضا، سر ميلين شيع جنازة، سر ثلاثة أميال أجب دعوة، سر أربعة أميال زر أخا في الله، سر خمسة أميال أجب الملهوف، سر ستة أميال انصر المظلوم، و عليك بالاستغفار».

و روى فيه أيضا بإسناده إلى السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) سافروا تصحوا و جاهدوا تغنموا و حجوا تستغنوا».

____________

(1) الوسائل الباب 1 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 1 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 2 من آداب السفر.

26

فصل في ما يستحب لاختيار السفر من أيام الأسبوع

و منها-

السبت

لما رواه الصدوق (عطر الله مرقده) في كتاب الخصال بسنده عن حفص بن غياث عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من كان مسافرا فليسافر يوم السبت فلو ان حجرا زال عن جبل يوم السبت لرده الله تعالى الى مكانه،.

و من تعذرت عليه الحوائج فليلتمس طلبها يوم الثلاثاء فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام)».

و ما رواه في كتاب العيون بأسانيد ثلاثة عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها و خميسها».

و ما رواه في كتاب المكارم (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:

«لا تخرج يوم الجمعة في حاجة فإذا كان يوم السبت و طلعت الشمس فاخرج في حاجتك».

و ما رواه في الخصال في الصحيح عن أبي أيوب الخزاز (4) قال: «سألت

____________

(1) الوسائل الباب 3 و 4 من آداب السفر عن الفقيه و الخصال و غيرهما.

(2) مستدرك الوسائل الباب 3 من آداب السفر، و في الوسائل الباب 7 من آداب السفر عن الخصال، و نقله عن العيون بلفظ «بورك لأمتي.» و في الباب 3 منه عن الفقيه عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مرسلا.

(3) ص 276 و نقله في الوسائل الباب 3 من آداب السفر عن الفقيه.

(4) الوسائل الباب 3 من آداب السفر عن الفقيه و الخصال.

27

أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (1) قال:

الصلاة يوم الجمعة و الانتشار يوم السبت».

و مثله

في كتاب المحاسن عنه (عليه السلام) (2) و زاد فيه: «السبت لنا و الأحد لبني أمية».

و منها-

يوم الثلاثاء

لما تقدم في حديث حفص بن غياث.

و مثله-

ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره (3) قال: «قال الصادق (عليه السلام) اطلبوا الحوائج يوم الثلاثاء فإنه اليوم الذي ألان الله فيه الحديد لداود (عليه السلام)».

و ما رواه الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح عن علي بن جعفر (4) قال:

«جاء رجل الى أخي موسى بن جعفر (عليه السلام) فقال له جعلت فداك اني أريد الخروج فادع لي فقال و متى تخرج؟ قال يوم الاثنين. فقال له و لم تخرج يوم الاثنين؟

قال اطلب فيه البركة لأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ولد يوم الاثنين (5) فقال كذبوا ولد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يوم الجمعة، و ما من يوم أعظم شؤما من يوم الاثنين يوم مات فيه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و انقطع فيه وحي السماء و ظلمنا فيه حقنا، ألا أدلك على يوم سهل ألان الله لداود (عليه السلام) فيه الحديد؟ فقال الرجل بلى جعلت فداك. فقال اخرج يوم الثلاثاء».

____________

(1) سورة الجمعة الآية 10.

(2) الوسائل الباب 3 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

(5) تاريخ الطبري ج 2 ص 203 الطبع الأول و الإمتاع للمقريزي ج 1 ص 3 و أسد الغابة ج 1 ص 14 و البداية لابن كثير ج 1 ص 260 و سائر كتب التاريخ، و صحيح مسلم و سنن البيهقي باب صوم الاثنين.

28

و ما رواه البرقي في كتاب المحاسن عن عثمان بن عيسى عن أبي أيوب الخزاز (1) قال: «أردنا أن نخرج فجئنا نسلم على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال كأنكم طلبتم بركة يوم الاثنين، فقلنا نعم قال و اي يوم أعظم شؤما من يوم الاثنين يوم فقدنا فيه نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله) و ارتفع فيه الوحي عنا لا تخرجوا و اخرجوا يوم الثلاثاء».

و رواه في الفقيه بإسناده عن الخزاز مثله (2) و في الكافي مثله (3).

و منها-

يوم الخميس

لما تقدم في حديث العيون عن الرضا (عليه السلام)

و ما رواه البرقي في كتاب المحاسن عن محمد بن ابى الكرام (4) قال:

«تهيأت للخروج الى العراق فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) لا سلم عليه و أودعه فقال اين تريد؟ قلت أريد الخروج الى العراق فقال لي في هذا اليوم؟- و كان يوم الاثنين- فقلت ان هذا اليوم يقول الناس انه يوم مبارك فيه ولد النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (5) فقال و الله ما يعلمون اي يوم ولد فيه النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) انه ليوم مشوم فيه قبض النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و انقطع الوحي و لكن أحب لك ان تخرج يوم الخميس و هو اليوم الذي كان يخرج فيه إذا غزا».

و ما رواه في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (6) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يسافر يوم الاثنين و الخميس و يعقد فيهما الألوية».

و منه أيضا بالإسناد المذكور (7) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يوم الخميس يوم يحبه الله و رسوله، و فيه ألان الله الحديد لداود (عليه السلام)».

و قال (8): «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) اللهم بارك لأمتي في بكورها و اجعله يوم الخميس».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 7 من آداب السفر.

(5) التعليقة 5 ص 27.

(6) الوسائل الباب 7 من آداب السفر.

(7) الوسائل الباب 7 من آداب السفر.

(8) الوسائل الباب 7 من آداب السفر.

29

أقول: قد تقدم ان اليوم الذي لأن الله فيه الحديد إنما هو يوم الثلاثاء و يمكن حمل هذا الخبر على التقية (1) لأن رواته من العامة، أو يقال انه وقع فيهما. و الأول أقرب.

و ما رواه في كتاب العيون بأسانيد ثلاثة عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (2) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يسافر يوم الخميس و يقول فيه ترفع الأعمال الى الله (عز و جل) و تعقد فيه الألوية».

و ما في صحيفة الرضا عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يسافر يوم الاثنين و الخميس و يقول فيهما ترفع الأعمال الى الله (عز و جل) و تعقد فيهما الألوية».

و إذا عرفت ذلك فاعلم ان الاخبار قد اختلفت في يوم الاثنين و أكثرها من ما ذكرناه و ما لم نذكره يدل على المنع من السفر فيه، و الظاهر حمل ما دل على الأمر بالسفر فيه على التقية (4) و يفهم من بعض الاخبار جواز السفر فيه لمن قرأ في صبحه سورة «هل اتى»

كما رواه الشيخ أبو على الحسن ابن الشيخ الطوسي في كتاب المجالس بسنده عن علي بن عمر العطار (5) قال: «دخلت على ابى الحسن

____________

(1) لم أقف على هذا المضمون في ما حضرني من كتبهم في كتاب الصوم، و الذي يروونه في صوم الاثنين و الخميس انه تعرض الأعمال فيهما أو انه يغفر الله فيهما لكل مسلم كما في الترغيب و الترهيب للمنذري ج 2 ص 36.

(2) الوسائل الباب 7 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 7 من آداب السفر رقم 10 و راجع التعليقة رقم 10 هناك.

(4) راجع الحديث (4) ص 27 و التعليقة (5) هناك و الحديث (4) ص 28.

(5) الوسائل الباب 4 من آداب السفر.

30

العسكري (عليه السلام) يوم الثلاثاء فقال لم أرك أمس؟ قلت كرهت الخروج في يوم الاثنين. قال يا علي من أحب ان يقيه الله شر يوم الاثنين فليقرأ في أول ركعة من صلاة الغداة «هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ (1) ثم قرأ أبو الحسن (عليه السلام) فَوَقٰاهُمُ اللّٰهُ شَرَّ ذٰلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقّٰاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً» (2).

و اما يوم الجمعة فقد ورد النهي عن السفر فيه و وردت الرخصة بعد الصلاة و في ليلته.

و من ما يدل على النهي عن الخروج فيه حديث المكارم المتقدم و قريب منه صحيحة أبي أيوب الخزاز (3).

و اما ما دل على الرخصة بعد الصلاة فهو

ما رواه الصدوق في كتاب الخصال في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (4) قال: «يكره السفر و السعي في الحوائج يوم الجمعة يكره من أجل الصلاة، فاما بعد الصلاة فجائز يتبرك به».

و اما ما يدل على الخروج ليلة الجمعة فهو

ما رواه في كتاب المحاسن عن إبراهيم بن يحيى المدائني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا بأس بالخروج في السفر ليلة الجمعة».

و اما الأربعاء فقد وردت الاخبار (6) بشؤمه و لا سيما أربعاء آخر الشهر.

____________

(1) و هي سورة الإنسان.

(2) سورة الإنسان الآية 11.

(3) ص 26.

(4) الوسائل الباب 7 من آداب السفر و الباب 43 من صلاة الجمعة.

(5) الوسائل الباب 7 من آداب السفر عن المحاسن و الفقيه.

(6) الوسائل الباب 5 من آداب السفر.

31

قال الصدوق (قدس سره) (1) من اضطر الى الخروج في سفر يوم الأربعاء أو تبيغ به الدم في يوم الأربعاء فجائز له ان يسافر أو يحتجم فيه و لا يكون شؤما عليه لا سيما إذا فعل خلافا على أهل الطيرة، و من استغنى عن الخروج فيه أو عن إخراج الدم فالأولى ان يتوقى و لا يسافر فيه و لا يحتجم.

فصل [الأيام المنحوسة من الشهر للسفر]

و ينبغي ان يتقى السفر في الأيام المنحوسة من الشهر:

روى في كتاب المكارم (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «اتق الخروج الى السفر في اليوم الثالث من الشهر و الرابع منه و الحادي و العشرين منه و الخامس و العشرين منه فإنها أيام منحوسة» «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يكره ان يسافر الرجل أو يتزوج و القمر في المحاق» (3).

و منها- السبعة المشهورة و هي اليوم الثالث و الخامس و الثالث عشر و السادس عشر و الحادي و العشرون و الرابع و العشرون و الخامس و العشرون.

و قد نظمها بعضهم فقال:

توق من الأيام سبعا كواملا * * * فلا تتخذ فيهن عرسا و لا سفر

و لبسك للثوب الجديد فضمه * * * و نكحك للنسوان فالحذر الحذر

(4)

____________

(1) الخصال ج 2 ص 30.

(2) ص 276.

(3) المكارم ص 277.

(4) هذا البيت ليس في البحار ج 14 ص 198 و في ما وقفنا عليه من النسخة الخطية بعد البيت الأول هكذا:

و لا تحفرن بئرا و لا دار تشترى * * * و لا تقرب السلطان فالحذر الحذر

و لبسك للثوب الجديد فخله * * * و نكحك للنسوان و الغرس للشجر

ثلاثا و خمسا ثم ثالث عشرها * * * و من بعدها يا صاح فالسادس العشر

و حادي و العشرين حاذر شرها * * * و رابع و العشرين و الخمس في الأثر

و كل أربعاء لا تعود فإنها * * * كأيام عاد لا تبقى و لا تذر

رويناه عن بحر العلوم بهمة * * * علي ابن عم المصطفى سيد البشر

.

32

ثلاثا و خمسا ثم ثالث عشرها * * * و سادس عشر هكذا جاء في الخبر

و واحد و العشرون قد شاع ذكره * * * و رابع و العشرون و الخمس في الأثر

فتوقها مهما استطعت فإنها * * * كأيام عاد لا تبقى و لا تذر

رويناه عن بحر العلوم بهمة * * * علي ابن عم المصطفى سيد البشر

أقول: و قد نظمها بعضهم بما هو أخصر من ذلك فقال:

محبك يرعى هوان فهل * * * تعود ليال بضد الأمل

فمنقوطها نحس كله * * * و مهملها فعليه العمل

أقول: لا بأس بالإشارة إلى الأخبار الواردة في الأيام النحسة من الشهر إجمالا على ما نقله شيخنا المجلسي (عطر الله تعالى مرقده) في كتاب البحار (1) و الكتب التي نقلها منها هي كتاب الدروع الواقية للسيد رضي الدين ابن طاوس (2) و كتاب مكارم الأخلاق (3) للشيخ ابي نصر الحسن بن الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي و ربما نسب الى الشيخ ابي على ابن الشيخ الطوسي و هو غلط كما نبه عليه شيخنا المجلسي في مقدمة البحار، و كتاب زوائد الفوائد (4)

____________

(1) ذكر كل ما أورده هنا في المجلد الرابع عشر من ص 198 الى ص 206.

(2) أورد في الوسائل الباب 27 من آداب السفر كل ما نقل منه في هذا الكتاب من ما يتعلق بالمقام.

(3) أورد في الوسائل الباب 27 من آداب السفر كل ما نقل منه في هذا الكتاب من ما يتعلق بالمقام.

(4) أورد في مستدرك الوسائل الباب 21 من آداب السفر كل ما نقل منه في هذا الكتاب من ما يتعلق بالمقام.

33

و نسبه في كتاب البحار الى ابن السيد رضي الدين علي بن طاوس و قال انه لم يعرف اسمه، و نحن نقتصر هنا من النقل من هذه الكتب على ما يختص بما نحن فيه و ما يناسب من ذلك و من أراد الزيادة فليرجع الى كتاب البحار:

اليوم الأول- الدروع الواقية: اليوم الأول من الشهر عن الصادق (عليه السلام) يوم مبارك لطلب الحوائج و طلب العلم و التزويج و السفر و البيع و الشراء.

المكارم: عن الصادق (عليه السلام) سعد يصلح لطلب الحوائج و البيع و الشراء و البيع و الزراعة و السفر.

زوائد الفوائد: عن الصادق (عليه السلام) هو يوم مبارك محمود سعيد يصلح لطلب الحوائج و البيع و الشراء.

اليوم الثاني- الدروع: عن الصادق (عليه السلام) يصلح للتزويج و السفر و طلب الحوائج.

المكارم: عنه (عليه السلام) يصلح للسفر و طلب الحوائج.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم محمود يصلح للتزويج و التحويل و الشراء و البيع و طلب الحوائج.

اليوم الثالث- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم نحس مستمر فاتق فيه البيع و الشراء و طلب الحوائج و المعاملة.

المكارم: عنه (عليه السلام) رديء لا يصلح لشيء جملة.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم نحس فيه قتل قابيل هابيل لا تسافر فيه و لا تعمل عملا و لا تلق فيه أحدا.

اليوم الرابع- الدروع: عنه (عليه السلام) يوم صالح للزرع و الصيد و البناء و يكره فيه السفر فمن سافر فيه خيف عليه القتل و السلب أو بلاء يصيبه.

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم صالح للتزويج و يكره السفر فيه.

34

الزوائد: عنه (عليه السلام) هو يوم متوسط صالح لقضاء الحوائج، و لا تسافر فيه فإنه مكروه.

اليوم الخامس- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم نحس مستمر فلا تعمل فيه عملا و لا تخرج من منزلك.

المكارم: عنه (عليه السلام) رديء نحس.

الزوائد: هو يوم نحس و هو يوم نكد عسير لا خير فيه فاستعذ بالله من شره.

اليوم السادس- الدروع: عنه (عليه السلام) يوم صالح للتزويج، و من سافر فيه في بر أو بحر رجع الى أهله بما يحبه.

المكارم: عنه (عليه السلام) مبارك يصلح للتزويج و طلب الحوائج.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح يصلح للحوائج و السفر و البيع و الشراء.

اليوم السابع- الدروع: عنه (عليه السلام) يوم صالح لجميع الأمور.

المكارم: عنه (عليه السلام) مبارك مختار يصلح لكل ما يراد و يسعى فيه.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم سعيد مبارك فيه ركب نوح (عليه السلام) السفينة فاركب البحر و سافر في البر، و اعمل ما شئت فإنه يوم عظيم البركة محمود لطلب الحوائج و السعي فيها.

اليوم الثامن- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لكل حاجة من بيع أو شراء، و يكره فيه ركوب البحر و السفر في البر.

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم صالح لكل حاجة سوى السفر فإنه يكره فيه الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح للشراء و البيع، و لا تعرض للسفر فإنه يكره فيه سفر البر و البحر.

اليوم التاسع- الدروع: عنه (عليه السلام) يوم خفيف صالح لكل أمر تريده فابدأ فيه بالعمل، و من سافر فيه رزق مالا و رأى خيرا.

المكارم: عنه (عليه السلام) مبارك يصلح لكل ما يريده الإنسان، و من سافر فيه

35

رزق مالا و يرى في سفره كل خير.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح محمود مبارك يصلح للحوائج و جميع الأعمال. و في رواية أخرى: من سافر فيه رزق و لقي خيرا.

اليوم العاشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه ولد فيه نوح (عليه السلام) يصلح للبيع و الشراء و السفر.

المكارم: عنه (عليه السلام) صالح لكل حاجة سوى الدخول على السلطان و هو جيد للشراء و البيع.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم محمود رفع الله فيه إدريس (عليه السلام) مكانا عليا. و في رواية أخرى: يصلح للبيع و الشراء.

الحادي عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه صالح لابتداء العمل و البيع و الشراء و السفر.

المكارم: عنه (عليه السلام) يصلح للشراء و البيع و لجميع الحوائج و للسفر ما خلا الدخول على السلطان.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح للشراء و البيع و المعاملة و القرض.

الثاني عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح للتزويج و فتح الحوانيت و ركوب البحر.

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم صالح مبارك فاطلبوا فيه حوائجكم و اسعوا لها فإنها تقضى.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم مبارك فيه قضى موسى (عليه السلام) الأجل، و هو يوم التزويج و البيع و الشراء.

الثالث عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم نحس فاتق فيه المنازعة و الحكومة و كل أمر. و في رواية أخرى: يوم نحس لا تطلب فيه حاجة.

36

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم نحس فاتق فيه جميع الأعمال.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم نحس مذموم في كل حال فاستعذ بالله من شره.

الرابع عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لكل شيء، و هو جيد لطلب العلم و البيع و الشراء و السفر و ركوب البحر.

المكارم: عنه (عليه السلام) جيد للحوائج و لكل عمل.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح لما تريد من قضاء الحوائج و طلب العلم. و في رواية أخرى: و يصلح للبيع و الشراء و ركوب البحر.

الخامس عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لكل الأمور إلا من أراد ان يستقرض أو يقرض.

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم صالح لكل حاجة تريدها فاطلبوا فيه حوائجكم فإنها تقضى.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح لكل عمل و حاجة فاعمل ما بدا لك فإنه يوم سعيد.

السادس عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم نحس لا يصلح لشيء سوى الابنية، و من سافر فيه هلك.

المكارم: عنه (عليه السلام) رديء مذموم لكل شيء.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم نحس رديء مذموم لا خير فيه فلا تسافر فيه و لا تطلب حاجة، و توق ما استطعت و تعوذ بالله من شره.

السابع عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم متوسط، و احذر فيه المنازعة و هو يوم ثقيل فلا تلتمس فيه حاجة. و في رواية اخرى: انه يوم صالح.

المكارم: عنه (عليه السلام) صالح مختار فاطلبوا فيه ما شئتم و تزوجوا و بيعوا و اشتروا و ازرعوا.

37

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح مختار محمود لكل عمل و حاجة فاطلب فيه الحوائج و اشتر و بع. و في رواية أخرى: متوسط تحذر فيه المنازعة و القرض الثامن عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم سعيد صالح لكل شيء من بيع و شراء أو زرع أو سفر.

المكارم: عنه (عليه السلام) مختار صالح للسفر و طلب الحوائج.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم مختار للسفر و التزويج و لطلب الحوائج.

التاسع عشر- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم سعيد، و هو صالح للسفر و المعاش و الحوائج.

المكارم: عنه (عليه السلام) مختار صالح لكل عمل.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم مختار مبارك صالح لكل عمل تريد.

و في رواية أخرى: يصلح للسفر و المعاش و طلب العلم.

العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم متوسط صالح للسفر و قضاء الحوائج.

المكارم: عنه (عليه السلام) جيد مختار للحوائج و السفر.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم جيد صالح مسعود مبارك لما يؤتى. و في رواية أخرى: يوم متوسط يصلح للسفر و الحوائج.

الحادي و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم نحس رديء فلا تطلب فيه حاجة، و من سافر فيه خيف عليه.

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم نحس مستمر.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم نحس مذموم فاحذره و لا تطلب فيه حاجة و لا تعمل عملا و اقعد في منزلك و استعذ بالله من شره.

الثاني و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لقضاء الحوائج

38

و البيع و الشراء، و المريض فيه يبرأ سريعا، و المسافر فيه يرجع معافى.

المكارم: عنه (عليه السلام) مختار صالح للشراء و البيع و السفر و الصدقة الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم سعيد مبارك مختار لكل ما تريد من الأعمال فاعمل ما شئت فإنه مبارك.

الثالث و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لطلب الحوائج و التجارة و التزويج، و من سافر فيه غنم و أصاب خيرا.

المكارم: عنه (عليه السلام) مختار جيد خاصة للتزويج و التجارات كلها.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم سعيد مبارك لكل ما تريد: للسفر و التحويل من مكان الى مكان، و هو جيد للحوائج.

الرابع و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم رديء نحس فيه ولد فرعون فلا تطلب فيه امرا من الأمور.

المكارم: عنه (عليه السلام) يوم مشوم.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم نحس مستمر مكروه لكل حال و عمل فاحذره و لا تعمل فيه عملا و لا تلق أحدا و اقعد في منزلك و استعذ بالله من شره.

الخامس و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم نحس رديء فاحفظ نفسك فيه و لا تطلب فيه حاجة فإنه يوم شديد البلاء.

المكارم: عنه (عليه السلام) رديء مذموم يحذر فيه من كل شيء.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم نحس مكروه ثقيل نكد فلا تطلب فيه حاجة و لا تسافر فيه و اقعد في منزلك و استعذ بالله من شره.

السادس و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح للسفر و لكل أمر يراد إلا التزويج.

39

المكارم: عنه (عليه السلام) صالح لكل حاجة سوى التزويج و السفر، و عليكم بالصدقة فيه.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صالح متوسط للشراء و البيع و السفر و قضاء الحوائج السابع و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لكل أمر.

المكارم: عنه (عليه السلام) جيد مختار للحوائج و كل ما يراد.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم صاف مبارك من النحوس صالح للحوائج إلى السلطان و الى الاخوان و السفر الى البلدان فالق فيه من شئت و سافر الى حيث أردت.

الثامن و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لكل أمر.

المكارم: عنه (عليه السلام) ممزوج.

الزوائد: يوم مبارك سعيد.

التاسع و العشرون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم صالح لكل أمر و من سافر فيه أصاب مالا جزيلا.

المكارم: عنه (عليه السلام) مختار جيد لكل حاجة.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم مبارك سعيد قريب الأمر يصلح للحوائج و التصرف فيها. و في رواية أخرى: المسافر فيه يصيب مالا كثيرا.

اليوم الثلاثون- الدروع: عنه (عليه السلام) انه يوم جيد للبيع و الشراء و التزويج. و في رواية أخرى: يوم سعيد مبارك يصلح لكل حاجة تلتمس.

المكارم: عنه (عليه السلام) مختار جيد لكل شيء و لكل حاجة.

الزوائد: عنه (عليه السلام) يوم مبارك ميمون مسعود مفلح منجح مفرح فاعمل فيه ما شئت و الق من أردت و خذ و أعط و سافر و انتقل و بع و اشتر فإنه صالح لكل ما تريد موافق لكل ما يعمل.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الذي صرح به شيخنا المجلسي (قدس سره) في

40

كتاب البحار هو ان هذه الأيام المعدودة إنما هي من شهور العربية حيث قال:

باب سعادة أيام الشهور العربية و نحوستها. ثم نقل الأخبار المذكورة. و ظاهر المحدث الكاشاني في رسالة تقويم المحسنين انها من الشهور الفارسية. و الظاهر هو الأول لعدم التصريح في الاخبار بكونها من الفارسية فالحمل على ذلك خلاف ظاهر ما هو المعروف من قاعدتهم (عليهم السلام) من بناء خطاباتهم على العربية.

ثم ان المحدث المشار اليه نقل في رسالته المذكورة انه روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ان في السنة أربعة و عشرين يوما نحسات في كل شهر منها يومان:

ففي المحرم الحادي عشر و الرابع عشر، و في صفر الأول منه و العشرون و في ربيع الأول العاشر و العشرون، و في ربيع الثاني الأول و الحادي عشر، و في جمادى الاولى العاشر و الحادي عشر، و في جمادى الثانية الأول و الحادي عشر، و في رجب الحادي عشر و الثالث عشر، و في شعبان الرابع و العشرون و في شهر رمضان الثالث و العشرون، و في شوال السادس و الثامن، و في ذي القعدة السادس و العاشر، و في ذي الحجة الثامن و العشرون.

و نقل أيضا في الرسالة المذكورة عن الصادق (عليه السلام) ان في السنة اثنى عشر يوما من اجتنبها نجا و من وقع فيها هوى فاحفظوها، و في كل شهر منها يوم ففي المحرم الثاني و العشرون، و في صفر العاشر، و في ربيع الأول الرابع، و في ربيع الثاني الثامن و العشرون، و في جمادى الاولى الثامن و العشرون، و في جمادى الثانية الثاني عشر، و في رجب الثاني عشر، و في شعبان السادس و العشرون، و في رمضان الرابع و العشرون، و في شوال الثاني، و في ذي القعدة الثامن و العشرون، و في ذي الحجة الثامن.

أقول: و قد نظم بعضهم هذه الأيام في بيت بإزاء كل شهر ما يخصه من العدد فقال:

41

بك حب جاحك كح بي * * * بي كودك ءاكح هج

و قال ايضا بعضهم في ذلك:

محرم ثاني عشرية اجتنب * * * و اجتنب العاشر من شهر صفر

و من ربيع رابعا و ثامن * * * عشري أخيه و جمادى في الأثر

و من جمادى و كذا من رجب * * * كلاهما فاجتنب الثاني عشر

و السادس العشرين من شعبان مع * * * رابع عشري رمضان الأغر

و ثانيا من شهر شوال و من * * * ذي القعدة الثامن و العشرين ذر

و ثامنا من شهر ذي الحجة لا * * * يشكر بالأعمال فيها من شكر

فصل [كراهة السفر و القمر في العقرب]

و يكره السفر و القمر في العقرب

لما رواه الصدوق بإسناده عن محمد بن حمران عن أبيه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من سافر أو تزوج و القمر في العقرب لم ير الحسنى».

و رواه الكليني عن محمد بن حمران عن أبيه عنه (عليه السلام) مثله (2) و رواه البرقي في المحاسن مثله (3).

فصل [استحباب الوصية عند السفر]

و يستحب الوصية عند ارادة السفر

لما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من ركب راحلة فليوص».

____________

(1) الوسائل الباب 11 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 11 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 11 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 13 من آداب السفر.

42

و رواه الشيخ مسندا و الصدوق مرسلا (1) إلا انه قال «من ركب زاملة».

قال الصدوق و الشيخ (رحمهما الله) تعالى): ليس هذا نهيا عن ركوب الزاملة بل ترغيب في الوصية لما لم يؤمن من الخطر.

و يستحب الغسل للسفر و الدعاء على

ما رواه السيد الزاهد العابد رضي الدين ابن طاوس في كتاب الأمان من إخطار الاسفار و الأزمان (2) و هو ان يقول: بسم الله و بالله و لا حول و لا قوة إلا بالله و على ملة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الصادقين عن الله (صلوات الله عليهم أجمعين)، اللهم طهر به قلبي و اشرح به صدري و نور به قبري، اللهم اجعله لي نورا و طهورا و حرزا و شفاء من كل داء و آفة و عاهة و سوء و من ما أخاف و احذر، و طهر قلبي و جوارحي و عظامي و دمي و شعري و بشري و مخي و عصبي و ما الأرض مني، اللهم اجعله لي شاهدا يوم حاجتي و فقري و فاقتي.

إليك يا رب العالمين انك على كل شيء قدير.

فصل [استحباب توديع العيال عند السفر]

و يستحب ايضا توديع العيال بان يصلي ركعتين و يدعو بعدهما:

روى الكليني في الكافي بسنده عن السكوني عن ابي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ما استخلف رجل على أهله بخلافة أفضل من ركعتين يركعهما إذا أراد الخروج الى سفر يقول: اللهم إني أستودعك نفسي و أهلي و مالي و ذريتي و دنياي و آخرتي و أمانتي و خاتمة عملي. إلا أعطاه الله (عز و جل) ما سأل».

و رواه الصدوق (قدس سره) مرسلا (4).

____________

(1) الوسائل الباب 13 من آداب السفر.

(2) ص 20 و في الوسائل الباب 13 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 18 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 18 من آداب السفر.

43

و روى في الكافي أيضا بسنده الى بريد بن معاوية العجلي (1) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) إذا أراد سفرا جمع عياله في بيت ثم قال: اللهم إني أستودعك الغداة نفسي و مالي و أهلي و ولدي الشاهد منا و الغائب اللهم احفظنا و احفظ علينا اللهم اجعلنا في جوارك اللهم لا تسلبنا نعمتك و لا تغير ما بنا من عافيتك و فضلك».

و رواه البرقي في المحاسن مثله (2).

و روى السيد رضي الدين ابن طاوس في كتاب الأمان (3) عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: «ما استخلف العبد في أهله من خليفة إذا هو شد ثياب سفره خيرا من اربع ركعات يصليهن في بيته، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و قل هو الله أحد، يقول اللهم إني أتقرب إليك بهن فاجعلهن خليفتي في أهلي و مالي».

و روى ايضا (4) انه يقرأ في الركعتين في الأولى بالحمد و قل هو الله أحد و في الثانية بعد الحمد إنا أنزلناه في ليلة القدر.

فصل [استحباب الصدقة عند السفر]

و يستحب امام التوجه الصدقة و في جملة من الاخبار أنها دافعة لشر الأيام النحسة التي نهى عن السفر فيها متى اضطر الى السفر فيها:

كصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): تصدق و اخرج أي يوم شئت».

و صحيحة حماد بن عثمان (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أ يكره السفر

____________

(1) الوسائل الباب 18 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 18 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 18 من آداب السفر.

(4) الأمان ص 27.

(5) الوسائل الباب 15 من آداب السفر.

(6) الوسائل الباب 15 من آداب السفر.

44

في شيء من الأيام المكروهة مثل الأربعاء و غيره؟ فقال: افتتح سفرك بالصدقة و اخرج إذا بدا لك، و اقرأ آية الكرسي و احتجم إذا بدا لك».

و صحيحة ابن ابى عمير (1) قال: «كنت انظر في النجوم و أعرفها و اعرف الطالع فيدخلني من ذلك شيء فشكوت ذلك الى ابى الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) فقال إذا وقع في نفسك شيء فتصدق على أول مسكين ثم امض فإن الله تعالى يدفع عنك».

و رواية محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا أراد الخروج الى بعض أمواله اشترى السلامة من الله (عز و جل) بما تيسر له و يكون ذلك إذا وضع رجله في الركاب».

و رواية عبد الله بن سليمان عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «كان ابى إذا خرج يوم الأربعاء من آخر الشهر و في يوم يكرهه الناس من محاق أو غيره تصدق بصدقة ثم خرج».

و يستحب ان يقال عند الصدقة (4): اللهم اني اشتريت بهذه الصدقة سلامتي و سلامة سفري و ما معي اللهم احفظني و احفظ ما معي و سلمني و سلم ما معي و بلغني و بلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل.

فصل [استحباب اتخاذ العصا في السفر]

و يستحب ان يصحب معه في سفره عصا من اللوز المر:

روى الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): «من خرج في سفر و معه عصا

____________

(1) الوسائل الباب 15 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 15 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 15 من آداب السفر.

(4) الأمان ص 25.

(5) الوسائل الباب 16 من آداب السفر.

45

لوز مر و تلا هذه الآية وَ لَمّٰا تَوَجَّهَ تِلْقٰاءَ مَدْيَنَ قٰالَ عَسىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوٰاءَ السَّبِيلِ. الى قوله وَ اللّٰهُ عَلىٰ مٰا نَقُولُ وَكِيلٌ (1) آمنه الله تعالى من كل سبع ضار و من كل لص عاد و من كل ذات حمة حتى يرجع الى اهله و منزله و كان معه سبعة و سبعون من المعقبات يستغفرون له حتى يرجع و يضعها».

قال (2) و قال (عليه السلام): من أراد ان تطوى له الأرض فليتخذ النقد من العصا.

و النقد عصا لوز مر.

و رواه في كتاب

ثواب الأعمال (3) مسندا و زاد فيه قال: «و قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) انه ينفي الفقر و لا يجاوره شيطان» (4).

قال (5) و قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): مرض آدم (عليه السلام) مرضا شديدا و اصابته وحشة فشكي ذلك الى جبرئيل (عليه السلام) فقال: اقطع واحدة منه و ضمها الى صدرك ففعل ذلك فاذهب عنه الوحشة.

بل روى استحباب صحبتها في الحضر ايضا كما يظهر من حديث مرض آدم (عليه السلام) و حديث ان صحبتها تنفي الفقر و لا يجاوره شيطان.

و يؤيده

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (6) على ما رواه في الفقيه: «تعصوا فإنها من سنن إخواني النبيين و كانت بنو إسرائيل الصغار و الكبار يمشون على العصا حتى لا يختالوا في مشيهم».

____________

(1) سورة القصص الآية 22 الى 28.

(2) الوسائل الباب 16 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 16 من آداب السفر.

(4) هذه الزيادة رواها أيضا في الفقيه ج 2 ص 176 و نقلها في الوسائل الباب 17 من آداب السفر. إلا ان ظاهرها عدم الاختصاص بالسفر.

(5) الوسائل الباب 16 من آداب السفر.

(6) الوسائل الباب 17 من آداب السفر.

46

فصل [التحنك عند السفر]

و يستحب التحنك ايضا

لما روي عن الكاظم (عليه السلام) (1) قال: «انا ضامن لمن خرج يريد سفرا معتما تحت حنكه ثلاثا: ان لا يصيبه السرق و الغرق و الحرق».

و عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «من خرج في سفر فلم يدر العمامة تحت حنكه فاصابه ألم لا دواء له فلا يلومن إلا نفسه».

و في الفقيه (3) قال الصادق (عليه السلام): «ضمنت لمن خرج من بيته معتما ان يرجع اليه سالما».

و روى الكليني (قدس سره) عن علي بن الحكم رفعه الى ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من خرج من منزله معتما تحت حنكه يريد سفرا لم يصبه في سفره سرق و لا حرق و لا مكروه».

و في خبر آخر عن الرضا (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لو ان رجلا خرج من منزله يوم السبت معتما بعمامة بيضاء قد حنكها تحت حنكه ثم اتى إلى جبل ليزيله عن مكانه لازاله عن مكانه».

فصل [الدعاء عند السفر]

في ما يفعله المسافر على باب داره إذا توجه الى السفر:

روى ثقة الإسلام في الكافي بسنده عن صباح الحذاء عن ابى الحسن

____________

(1) الوسائل الباب 59 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 26 من لباس المصلي.

(3) الوسائل الباب 26 من لباس المصلي.

(4) الوسائل الباب 26 من لباس المصلي.

(5) الوسائل الباب 59 من آداب السفر.

47

(عليه السلام) (1) قال: «لو كان الرجل منكم إذا أراد سفرا قام على باب داره تلقاء وجهه الذي يتوجه له فقرأ الحمد امامه و عن يمينه و عن شماله و المعوذتين امامه و عن يمينه و عن شماله، و قل هو الله أحد امامه و عن يمينه و عن شماله، و آية الكرسي امامه و عن يمينه و عن شماله ثم قال: «اللهم احفظني و احفظ ما معي و سلمني و سلم ما معي و بلغني و بلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل» لحفظه الله و حفظ ما معه و بلغه و بلغ ما معه و سلمه و سلم ما معه، اما رأيت الرجل يحفظ و لا يحفظ ما معه و يسلم و لا يسلم ما معه و يبلغ و لا يبلغ ما معه».

و روى في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا خرجت من منزلك فقل: بسم الله توكلت على الله لا حول و لا قوة إلا بالله اللهم إني أسألك خير ما خرجت له و أعوذ بك من شر ما خرجت له، اللهم أوسع علي من فضلك و أتمم علي نعمتك و استعملني في طاعتك و اجعل رغبتي في ما عندك و توفني على ملتك و ملة رسولك (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روى فيه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا خرجت من بيتك تريد الحج و العمرة ان شاء الله تعالى فادع دعاء الفرج و هو: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و رب العرش العظيم و الحمد لله رب العالمين. ثم قل: اللهم كن لي جارا من كل جبار عنيد و من كل شيطان رجيم. ثم قل: بسم الله دخلت و بسم الله خرجت و في سبيل الله، اللهم إني أقدم بين يدي نسياني و عجلتي بسم الله و ما شاء الله في سفري هذا ذكرته أو نسيته، اللهم أنت المستعان على الأمور كلها و أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل،

____________

(1) الوسائل الباب 19 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 19 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 19 من آداب السفر.

48

اللهم هون علينا سفرنا و اطو لنا الأرض و سيرنا فيها بطاعتك و طاعة رسولك (صلى اللّٰه عليه و آله) اللهم أصلح لنا ظهرنا و بارك لنا في ما رزقتنا و قنا عذاب النار، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر في الأهل و المال و الولد، اللهم أنت عضدي و ناصري بك أحل و بك أسير، اللهم إني أسألك في سفري هذا السرور و العمل لما يرضيك عني، اللهم اقطع عني بعده و مشقته و اصحبني فيه و اخلفني في أهلي بخير و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم اللهم انى عبدك و هذا حملانك و الوجه وجهك و السفر إليك و قد اطلعت على ما لم يطلع عليه أحد غيرك فاجعل سفري هذا كفارة لما قبله من ذنوبي و كن عونا لي عليه و اكفني وعثه و مشقته و لقني من القول و العمل رضاك فإنما أنا عبدك و بك و لك. الحديث».

و روى الصدوق بإسناده عن علي بن أسباط عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال قال لي: «إذا خرجت من منزلك في سفر أو حضر فقل: «بسم الله آمنت بالله توكلت على الله ما شاء الله لا حول و لا قوة إلا بالله» (2) فتلقاه الشياطين فتضرب الملائكة وجوهها و تقول ما سبيلكم عليه و قد سمى الله و آمن به و توكل على الله و قال: ما شاء الله لا حول و لا قوة إلا بالله».

و روى ايضا بإسناده عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«من قال حين يخرج من باب داره- أعوذ بالله من ما عاذت منه ملائكة الله من شر هذا اليوم و من شر الشياطين و من شر نصب من لأولياء الله و من شر الجن و الإنس

____________

(1) الوسائل الباب 19 من آداب السفر.

(2) قال في الوافي بعد نقل الخبر في باب (القول عند الخروج) من كتاب الحج و العمرة: فتلقاه اي تلقى من قال هذا القول. و في الكلام التفات أو حذف و تقدير فان من قال ذلك تلقاه. انتهى.

(3) الوسائل الباب 19 من آداب السفر.

49

و من شر السباع و الهوام و من شر ركوب المحارم كلها، أجير نفسي بالله من كل شر- غفر الله له و تاب عليه و كفاه المهم و حجزه عن السوء و عصمه من الشر».

فصل في ما يقوله عند الركوب

روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: «فإذا جعلت رجلك في الركاب فقل: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله و الله أكبر. فإذا استويت على راحلتك و استوى بك محملك فقل: الحمد لله الذي هدانا للإسلام و علمنا القرآن و من علينا بمحمد (صلى اللّٰه عليه و آله) سبحان الله «سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنّٰا إِلىٰ رَبِّنٰا لَمُنْقَلِبُونَ» (2) و الحمد لله رب العالمين اللهم أنت الحامل على الظهر و المستعان على الأمر، اللهم بلغنا بلاغا يبلغ الى خير بلاغا يبلغ الى رضوانك و مغفرتك، اللهم لا طير إلا طيرك و لا خير إلا خيرك و لا حافظ غيرك».

و روى فيه عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): إذا ركب الرجل الدابة فسمى ردفه ملك يحفظه حتى ينزل، و ان ركب و لم يسم ردفه شيطان فيقول له تغن فان قال لا أحسن قال له تمن فلا يتمنى حتى ينزل. و قال: من قال إذا ركب الدابة-: بسم الله و لا حول و لا قوة إلا بالله

____________

(1) الوسائل الباب 20 من آداب السفر. و هو تتمة الحديث.

(2) الزخرف الآية 13 و 14.

(3) الوسائل الباب 20 من آداب السفر.

50

«الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لٰا أَنْ هَدٰانَا اللّٰهُ. الآية» (1) سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ (2)- حفظت له نفسه و دابته حتى ينزل».

و روى الصدوق (رحمه الله تعالى) في الفقيه بإسناده عن الأصبغ بن نباتة (3) قال: «أمسكت لأمير المؤمنين (عليه السلام) الركاب و هو يريد ان يركب فرفع رأسه ثم تبسم فقلت: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) رأيتك رفعت رأسك و تبسمت؟ فقال: نعم يا أصبغ أمسكت لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كما أمسكت لي فرفع رأسه و تبسم فسألته كما سألتني و سأخبرك كما أخبرني: أمسكت لرسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الشهباء فرفع رأسه الى السماء و تبسم فقلت: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) رفعت رأسك إلى السماء و تبسمت؟

فقال: يا علي (عليه السلام) انه ليس من أحد يركب الدابة فيذكر ما أنعم الله به عليه ثم يقرأ آية السخرة (4) ثم يقول: «استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم و أتوب إليه، اللهم اغفر لي ذنوبي انه لا يغفر الذنوب إلا أنت» إلا قال السيد الكريم يا ملائكتي عبدي يعلم انه لا يغفر الذنوب غيري اشهدوا اني قد غفرت له ذنوبه».

و قال الصدوق (قدس سره) (5): و كان الصادق (عليه السلام) إذا وضع رجله في الركاب يقول سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ (6) و يسبح الله (سبعا) و يحمد الله (سبعا) و يهلل الله (سبعا).

و روى الشيخ أبو علي في كتاب المجالس بسنده عن علي بن ربيعة الأسدي (7) قال: «ركب علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم

____________

(1) سورة الأعراف الآية 43.

(2) سورة الزخرف الآية 13.

(3) الوسائل الباب 20 من آداب السفر.

(4) سورة الزخرف الآية 13.

(5) الوسائل الباب 20 من آداب السفر.

(6) سورة الزخرف الآية 13.

(7) الوسائل الباب 20 من آداب السفر.

51

الله. فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله الذي أكرمنا و حملنا في البر و البحر و رزقنا من الطيبات و فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا «سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لَهُ مُقْرِنِينَ» (1) ثم سبح الله تعالى (ثلاثا) و حمد الله تعالى (ثلاثا) ثم قال: رب اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. ثم قال: كذا فعل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و انا رديفه».

و روى الطبرسي في كتاب مكارم الأخلاق عن زين العابدين (عليه السلام) (2) قال: «لو حج رجل ماشيا و قرأ «إنا أنزلناه» ما وجد ألم المشي. و قال: ما قرأ أحد «إنا أنزلناه» حين يركب دابته إلا نزل منها سالما مغفورا له، و لقارئها أثقل على الدواب من الحديد» قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): «لو كان شيء يسبق القدر لقلت قارئ «إنا أنزلناه» حين يسافر أو يخرج من منزله سيرجع».

فصل في ما يستحب صحبته من الزاد في السفر

و لا سيما سفر الحج:

روى الصدوق (عطر الله مرقده) مرسلا (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): من شرف الرجل ان يطيب زاده إذا خرج في سفر».

و رواه في الكافي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) مثله (4).

و روى في الفقيه (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام) قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله):

____________

(1) سورة الزخرف الآية 13.

(2) الوسائل الباب 24 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 42 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 42 من آداب السفر.

(5) الوسائل الباب 40 من آداب السفر.

52

إذا سافرتم فاتخذوا سفرة و تنوقوا فيها».

أقول: السفرة لغة: طعام المسافر كما ذكره في القاموس، و منه سميت السفرة، و المراد بالتنوق المبالغة في تجويده و حسنه.

و روى في الفقيه (1) قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا سافر إلى مكة إلى الحج أو العمرة تزود من أطيب الزاد من اللوز و السكر و السويق المحمص و المحلى».

و المحمص يعني المشوي على النار، و المحلى الذي يجعل فيه الحلو.

و روى الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): ما من نفقة أحب الى الله (عز و جل) من نفقة قصد، و يبغض الإسراف إلا في حج أو عمرة».

و رواه في كتاب المحاسن مثله (3).

قال بعض المحدثين: لعل المراد بالإسراف الزيادة في التوسع لا ما يوجب إتلافا

و روى مرسلا (4) قال: «قال الصادق (عليه السلام) في حديث: ان من المروة في السفر كثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك».

نعم روى كراهة ذلك في سفر زيارة الحسين (عليه السلام):

فروى في الفقيه (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام) لبعض أصحابه: تأتون قبر ابي عبد الله (عليه السلام)؟ فقال له نعم. قال تتخذون لذلك سفرة؟ قال نعم. قال اما لو أتيتم قبور آبائكم و أمهاتكم لم تفعلوا ذلك. قال قلت فأي شيء نأكل؟ قال الخبز باللبن».

قال (6) و في خبر آخر: «قال الصادق (عليه السلام): بلغني ان قوما إذا زاروا

____________

(1) الوسائل الباب 42 من آداب السفر.

(2) الوسائل الباب 35 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 35 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 42 من آداب السفر.

(5) ج 2 ص 184 و في الوسائل الباب 77 من المزار.

(6) الوسائل الباب 41 من آداب السفر.

53

الحسين (عليه السلام) حملوا معهم السفرة فيها الجداء و الأخبصة و أشباهه، لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا معهم هذا».

أقول: الجداء جمع جدي و هو الذكر من أولاد المعز إذا بلغ ستة أشهر.

أقول: لا يبعد ان يقال ان الظاهر ان خطابهم (عليهم السلام) في هذه الاخبار إنما هو لأهل العراق، و حينئذ فيكون الحكم مختصا بمن كان مثل أهل الحلة و بغداد و المشهد و نحوها من البلدان القريبة فإنه يكره لهم التنوق في الزاد و حمل الأخبصة و اتخاذ اللحوم و نحو ذلك و انهم يقتصرون على الخبز و اللبن، و اما أصحاب البلدان البعيدة من أصفهان و خراسان و ما بينهما و نحوهما فيشكل ذلك، و لم اسمع عن أحد من علمائنا من أصحاب هذه البلدان انه كره ذلك و استعمل الخبز و اللبن خاصة، و الظاهر هو بقاء حكمهم على حكم السفر المطلق سيما ان قصد سفرهم ليس لخصوص زيارة الحسين (عليه السلام) التي هي مورد هذه الاخبار بل لقصد زيارة أئمة العراق (عليهم السلام) كملا، فالظاهر ان الخطاب في هذه الاخبار لا يتوجه إليهم.

فصل [استحباب اتخاذ الرفيق في السفر]

و يستحب اتخاذ الرفقة في السفر و تكره الوحدة:

روى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه مسندا في الأول مرسلا في الثاني عن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): الرفيق ثم الطريق».

____________

(1) الوسائل الباب 30 من آداب السفر. و اللفظ: «الرفيق ثم السفر» كما في الخطية. و ما في المتن يوافق رواية المحاسن كما في الوسائل في نفس الباب.

54

و روى في الفقيه عن السندي عن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): إلا أنبئكم بشر الناس؟ قالوا بلى يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: من سافر وحده و منع رفده و ضرب عبده».

و روى الشيخان المتقدمان في كتابيهما مسندا في الكافي مرسلا في الفقيه عن ابي الحسن موسى بن جعفر عن أبيه عن جده (عليهم السلام) في وصية رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) (2): «لا تخرج في سفر وحدك فان الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد، يا علي ان الرجل إذا سافر وحده فهو غاو و الاثنان غاويان و الثلاثة نفر» و روى بعضهم: «سفر».

و روى في الفقيه عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابي الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: «لعن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثلاثة: الآكل زاده وحده و النائم في بيت وحده و الراكب في الفلاة وحده».

و روى فيه عن ابى خديجة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «البائت في البيت وحده شيطان و الاثنان لمة و الثلاثة أنس».

قيل: اللمعة بالضم و التشديد الصاحب أو الأصحاب في السفر، قال في النهاية:

و منه الحديث: «لا تسافروا حتى تصيبوا لمة».

اي رفقة.

و روى الشيخان المتقدمان في كتابيهما (5) عن إسماعيل بن جابر قال:

____________

(1) الوسائل الباب 30 من آداب السفر.

(2) الروضة ص 303 و الفقيه ج 2 ص 181 و في الوسائل الباب 30 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 30 من آداب السفر.

(4) الوسائل الباب 20 من أحكام المساكن.

(5) الروضة 302 و الفقيه ج 2 ص 182، و في الوسائل الباب 30 من آداب السفر.

55

«كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) بمكة إذ جاءه رجل من المدينة فقال له: من صحبت؟

فقال: ما صحبت أحدا. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اما لو كنت تقدمت إليك لأحسنت أدبك. ثم قال: واحد شيطان و اثنان شيطانان و ثلاثة صحب و أربعة رفقاء».

قيل: يعني ان الانفراد و الذهاب في الأرض على سبيل الوحدة فعل الشيطان أو شيء يحمله عليه الشيطان، و كذلك الاثنان.

و روى في الفقيه (1) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): أحب الصحابة الى الله (عز و جل) أربعة، و ما زاد قوم على سبعة إذا كثر لغطهم».

قيل: اللغط بالغين المعجمة و الطاء المهملة محركة: أصوات مبهمة لا تفهم.

أقول: و الظاهر ان المراد من الخبر انما هو اللغو الذي لا يترتب عليه فائدة، و هو قريب من المعنى الأصلي باعتبار عدم ترتب الفائدة عليه.

و روى في الفقيه (2) عن سليمان بن جعفر الجعفري عن ابى الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «من خرج وحده في سفر فليقل: ما شاء الله لا حول و لا قوة إلا بالله اللهم آنس وحشتي و اعني على وحدتي واد غيبتي».

فصل [استحباب توديع المسافر و تشييعه و إعانته]

و يستحب توديع المسافر و تشييعه و إعانته:

قال في الفقيه (3): «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا ودع المؤمنين قال: زودكم الله التقوى و وجهكم الى كل خير و قضى لكم كل حاجة و سلم لكم دينكم و دنياكم

____________

(1) الوسائل الباب 34 من آداب السفر.

(2) ج 2 ص 181 و في الوسائل الباب 25 من آداب السفر.

(3) الوسائل الباب 29 من آداب السفر.

56

وردكم سالمين الى سالمين».

قال (1) و في خبر آخر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إذا ودع مسافرا أخذ بيده ثم قال: أحسن الله لك الصحابة و أكمل لك المعونة و سهل لك الحزونة و قرب لك البعيد و كفاك المهم و حفظ لك دينك و أمانتك و خواتيم عملك و وجهك لكل خير، عليك بتقوى الله، و استودع الله نفسك، سر على بركة الله عز و جل».

و قال في الفقيه (2): لما شيع أمير المؤمنين (عليه السلام) أبا ذر (رحمة الله عليه) و شيعه الحسن و الحسين (عليهما السلام) و عقيل بن ابى طالب و عبد الله بن جعفر و عمار بن ياسر قال أمير المؤمنين (عليه السلام): و دعوا أخاكم فإنه لا بد للشاخص أن يمضي و للمشيع من ان يرجع. فتكلم كل رجل منهم على حياله. الحديث.

و روى في الفقيه (3) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): من أعان مؤمنا مسافرا نفس الله عنه ثلاثا و سبعين كربة، و اجاره في الدنيا و الآخرة من الغم و الهم، و نفس عنه كربه العظيم يوم يغص الناس بأنفاسهم».

و روى في الفقيه (4) قال: «قال الباقر (عليه السلام): من خلف حاجا في أهله بخير كان له كاجره حتى كأنه يستلم الأحجار».

____________

(1) الوسائل الباب 29 من آداب السفر.

(2) ج 2 ص 180 و في الوسائل الباب 28 من آداب السفر.

(3) ج 2 ص 192 و في الوسائل الباب 46 من آداب السفر.

(4) ج 2 ص 146 و 147 في ذيل الحديث 96، و في الوافي باب توديع المسافر و إعانته من كتاب الحج.

57

فصل في ما ينبغي للمسافر حال سفره من الأخلاق

روى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه عن صفوان الجمال عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان ابى يقول: ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: خلق يخالق به من صحبه، و حلم يملك به غضبه، و ورع يحجزه عن محارم الله عز و جل».

و روى في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «ما يعبأ من يسلك هذا الطريق إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، و حلم يملك به غضبه، و حسن الصحابة لمن صحبه».

و روى في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): وطن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت في حسن خلقك، و كف لسانك و اكظم غيظك و أقل لغوك و تفرش عفوك و تسخر نفسك».

و روى الشيخان المتقدمان بسنديهما عن حماد بن عيسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال لقمان لابنه: يا بني إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك و أمورهم، و أكثر التبسم في وجوههم، و كن كريما على زادك بينهم و إذا دعوك فأجبهم، و إذا استعانوا بك فأعنهم. و استعمل طول الصمت و كثرة الصلاة و سخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد. و إذا استشهدوك على

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أحكام العشرة.

(2) الوسائل الباب 2 من أحكام العشرة.

(3) الوسائل الباب 2 من أحكام العشرة.

(4) الروضة ص 348 و الفقيه ج 2 ص 194، و في الوسائل الباب 52 من آداب السفر.

58

الحق فاشهد لهم. و اجهد رأيك لهم إذا استشاروك، ثم لا تعزم حتى تثبت و تنظر و لا تجب في مشورة حتى تقوم فيها و تقعد و تنام و تأكل و تصلي و أنت مستعمل فكرتك و حكمتك في مشورتك، فان من لم يمحض النصيحة لمن استشاره سلبه الله رأيه و نزع عنه الامانة. و إذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، و إذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم، و إذا تصدقوا و أعطوا قرضا فأعط معهم. و اسمع لمن هو أكبر منك سنا. و إذا أمروك بأمر و سألوك شيئا فقل «نعم» و لا تقل «لا» فان «لا» عي و لؤم. و إذا تحيرتم في الطريق فانزلوا، و إذا شككتم في القصد فقفوا و تآمروا. و إذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم و لا تسترشدوه، فان الشخص الواحد في الفلاة مريب لعله يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الذي حيركم، و احذروا الشخصين أيضا إلا ان تروا ما لا أرى، فإن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه، و الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء صلها و استرح منها فإنها دين. و صل في جماعة و لو على رأس زج. و لا تنامن على دابتك فان ذلك سريع في دبرها، و ليس ذلك من فعل الحكماء، إلا ان تكون في محمل يمكنك التمدد لاسترخاء المفاصل.

و إذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك و ابدأ بعلفها قبل نفسك فإنها نفسك. و إذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لونا و ألينها تربة و أكثرها عشبا، فإذا نزلت فصل ركعتين قبل ان تجلس. و إذا أردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الأرض. و إذا ارتحلت فصل ركعتين ثم ودع الأرض التي حللت بها و سلم عليها و على أهلها فإن لكل بقعة أهلا من الملائكة. و ان استطعت ان لا تأكل طعاما حتى تبدأ فتصدق منه فافعل. و عليك بقراءة كتاب الله (عز و جل) ما دمت راكبا، و عليك بالتسبيح ما دمت عاملا عملا، و عليك بالدعاء ما دمت خاليا. و إياك و السير من أول الليل و سر في آخره. و إياك و رفع الصوت في مسيرك».

59

أقول: و ما يتعلق بالسفر من الأحكام كثير من أراد الزيادة على ما ذكرناه فليطلبه من مظانه و في ما ذكرناه كفاية ان شاء الله تعالى.

المقدمة الثالثة في الشرائط

و حيث كان الحج من ما ينقسم باعتبار من يقع منه- الى حجة الإسلام و ما يجب بالنذر و شبهه و ما يقع على جهة النيابة، و لكل منها شرائط و أحكام- فالكلام في هذه المقدمة يقع في مقاصد ثلاثة:

المقصد الأول في حج الإسلام

[شرائط وجوبه]

و شرائط وجوبه- على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)- خمسة:

الأول- كمال العقل

فلا يجب على الصبي و لا على المجنون و هو قول كافة العلماء، و يدل عليه

حديث: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ و عن المجنون حتى يفيق» (1).

و لو حجا أو حج عنهما لم يجزئهما بعد الكمال، و هو من ما لا خلاف فيه ايضا كما نقله العلامة في المنتهى.

و يدل عليه أخبار كثيرة: منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن صفوان عن إسحاق بن عمار (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت».

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات، و سنن البيهقي ج 8 ص 264.

(2) الوسائل الباب 12 من وجوب الحج و شرائطه.

60

(عليه السلام) (1) قال: «و لو ان غلاما حج عشر حجج ثم احتلم كان عليه فريضة الإسلام».

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن شهاب (2) قال: «سألته عن ابن عشر سنين يحج؟ قال: عليه حجة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت».

بقي الكلام هنا في مسائل:

الاولى- لو دخل الصبي أو المجنون في الحج تطوعا ثم كمل في أثناء الحج

فان كان في أثناء الوقوف بالمشعر (3) أتم تطوعا و لم يجزئه عن حجة الإسلام قولا واحدا كما نقله في التذكرة.

قالوا: لأن الأصل عدم اجزاء المندوب عن الواجب. و فيه ما فيه. بل لعدم الدليل على ذلك، و الأصل بقاؤه تحت عهدة التكليف متى حصلت الاستطاعة حتى يقوم الدليل على الاسقاط.

و ان كان قبل الوقوف بالمشعر فالمشهور انه يدرك الحج بذلك و يجزئه عن حجة الإسلام، و ذكره الشيخ و أكثر الأصحاب، و نقل فيه العلامة في التذكرة الإجماع.

و استدل عليه بالروايات الآتية في العبد الدالة على اجزاء حجه إذا أدرك المشعر معتقا (4).

و استدل عليه أيضا في المنتهى- بعد التردد- بأنه زمان يصح إنشاء الحج فيه

____________

(1) الوسائل الباب 13 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 12 من وجوب الحج و شرائطه. و لم نجده في الفقيه.

(3) في النسخة الخطية هكذا: «فان كان بعد الوقوف بالمشعر أتم تطوعا.».

(4) الوسائل الباب 17 من وجوب الحج و شرائطه.

61

فكان مجزئا أن يجدد فيه نية الوجوب.

و أورد على الأول انه قياس مع الفارق. و على الثاني بأن جواز إنشاء الحج في ذلك الزمان على بعض الوجوه بنص خاص لا يقتضي إلحاق غيره به، خصوصا مع مصادمته بمقتضى الأصل من عدم اجزاء المندوب عن الواجب.

و لعله لذلك تردد المحقق في المعتبر و الشرائع في الحكم المذكور، و هو في محله.

و بالجملة فإني لم أقف لهم على دليل في المسألة إلا ما يدعى من الإجماع، و عليه اعتمد شيخنا الشهيد الثاني في المسالك فقال- بعد ان نقل عن التذكرة دعوى الإجماع و عن المنتهى انه توقف و عن التحرير انه تنظر في ذلك- ما صورته: و المعتمد الاجزاء تعويلا على الإجماع المنقول و عدم العلم بالمخالف على وجه يقدح فيه. انتهى. و فيه انه قد طعن في مسالكه في هذا الإجماع في غير موضع كما سنشير اليه ان شاء الله تعالى. و حينئذ فالظاهر هو عدم الاجزاء

[فروع]

ثم انه على تقدير القول بالاجزاء فههنا فروع:

الأول

(1)- انه قد ذكر الشهيد في الدروس انهما يجددان نية الوجوب.

و هل المراد به انه ينوي بباقي الأفعال الوجوب حينئذ لوجود المقتضى له، أو للوقوف الذي حصل الكمال في أثنائه، أو يكون المراد به تجديد نية الإحرام على وجه الوجوب لانه مستمر الى ان يأتي بالمحلل فتكون النية في أثنائه واجبة لما بقي منه؟ احتمالات أظهرها الأول. إلا ان الأمر عندنا في النية سهل كما قدمنا بيانه في غير موضع.

الثاني

- هل يعتبر على تقدير القول المذكور كون الصبي و المجنون مستطيعين

____________

(1) أوردنا عدد الفروع بالحروف تبعا للنسخة الخطية.

62

قبل ذلك من حيث الزاد و الراحلة؟ قيل: نعم، و به قطع الشهيدان، لان البلوغ و العقل أحد الشرائط الموجبة كما ان الاستطاعة كذلك فوجود أحدهما دون الآخر غير كاف في الوجوب. و قيل: لا، و هو ظاهر المشهور كما نقله في المدارك حيث لم يتعرضوا لاشتراط ذلك، تمسكا بالإطلاق. و هو الأظهر لما سيأتي ان شاء الله تعالى تحقيقه في معنى الاستطاعة، و انها عبارة عن ما ذا؟ و يعضده ايضا النصوص الصحيحة المتضمنة للاجزاء في العبد إذا أدرك المشعر معتقا (1) مع تعذر الاستطاعة السابقة في حقه و لا سيما عند من قال بإحالة ملكه.

الثالث

- انه على تقدير القول باعتبار الاستطاعة كما ذهب اليه الشهيدان فظاهرهما اشتراط حصول الاستطاعة في البلد، و ظاهر السيد السند (قدس سره) في كتاب المدارك بناء على القول المذكور الاكتفاء بحصولها في الميقات قال: بل لا يبعد الاكتفاء بحصولها من حين التكليف. و هو جيد لو قيل بذلك.

الرابع

- انه على تقدير القول بالاجزاء فهل يفرق في الحكم المذكور بين حج التمتع و بين الحجين الآخرين؟ حيث ان عمرة هذين الحجين متأخرة فتقع بعد ذلك بنية الوجوب، اما في التمتع فيقوى الاشكال كما ذكره في المسالك:

قال: لوقوع جميع عمرته مندوبة مضافة الى بعض أفعال الحج ايضا فيبعد اجزاؤها عن الواجب مع عدم النص عليه. الى ان قال: و الفتوى مطلقة و كذلك الإجماع المنقول، فينبغي استصحابهما في الجميع. و مال إليه في الدروس حيث قال: و يعتد بالعمرة المتقدمة لو كان الحج تمتعا في ظاهر الفتوى.

و قوى شارح ترددات الكتاب العدم. انتهى.

و الى ما نقله هنا عن شارح ترددات الكتاب- من القول بالاختصاص

____________

(1) الوسائل الباب 17 من وجوب الحج و شرائطه.

63

بالقارن و المفرد- مال السيد السند في المدارك استبعادا لإجزاء العمرة الواقعة بتمامها على وجه الندب عن الواجب، قال: و لا بأس به قصرا لما خالف الأصل على موضع الوفاق ان تم و إلا اتجه عدم الاجزاء مطلقا. انتهى.

أقول: لا ريب انه على ما اخترناه من عدم الاجزاء لعدم الدليل على ذلك فلا اثر لهذه الاحتمالات و لا ورود لهذه الإشكالات، و اما على القول المذكور فالحكم محل اشكال، لعدم النص، و عدم صحة بناء الأحكام على هذه التعليلات التي يتعاطونها في كلامهم و يتداولونها على رؤوس أقلامهم.

الثانية [حج الصبي]

(1)- الصبي إذا كان مميزا صح إحرامه إذا كان باذن وليه و إلا أحرم به الولي، و كذا المجنون، بمعنى جعلهما محرمين سواء كان هو محلا أو محرما.

و من الاخبار في ذلك

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «إذا حج الرجل بابنه و هو صغير فإنه يأمره ان يلبي و يفرض الحج، فان لم يحسن ان يلبي لبوا عنه، و يطاف به و يصلى عنه. قلت: ليس لهم ما يذبحون؟ قال: يذبح عن الصغار و يصوم الكبار.

و يتقى عليهم ما يتقى على المحرم من الثياب و الطيب. فان قتل صيدا فعلى أبيه».

و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو الى بطن مر ثم يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، يطاف بهم و يسعى بهم و يرمى عنهم. و من

____________

(1) هذه هي المسألة الثانية، و قد أوردنا العبارة هنا على طبق النسخة الخطية.

(2) الوسائل الباب 17 من أقسام الحج.

(3) التهذيب ج 5 ص 409 و في الوسائل الباب 17 من أقسام الحج.

64

لم يجد منهم هديا فليصم عنه وليه».

و في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- و كنا تلك السنة مجاورين و أردنا الإحرام يوم التروية- فقلت: ان معنا مولودا صبيا؟ فقال: مروا امه فلتلق حميدة فلتسألها كيف تفعل بصبيانها؟ قال فأتتها فسألتها فقالت لها: إذا كان يوم التروية فجردوه و غسلوه كما يجرد المحرم ثم أحرموا عنه ثم قفوا به في المواقف، فإذا كان يوم النحر فارموا عنه و احلقوا رأسه ثم زوروا به البيت ثم مروا الخادم ان يطوف به البيت و بين الصفا و المروة».

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «انظروا من كان معكم من الصبيان. الحديث الأول إلى قوله: فليصم عنه وليه،.

و زاد: و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يضع السكين في يد الصبي ثم يقبض على يده الرجل فيذبح».

و يستفاد من هذه الاخبار ان الولي يأمر الصبي بالتلبية و نحوها من الأفعال كالطواف و الرمي و الذبح و نحو ذلك، فان لم يحسن ناب عنه الولي أو من يأمره، و يلبسه ثوبي الإحرام و يجنبه ما يجب اجتنابه على المحرم. و الجميع من ما لا خلاف فيه. و اما الصلاة فإنه يصلي عنه كما تضمنته صحيحة زرارة، و احتمل في الدروس أمره بالإتيان بصورة الصلاة أيضا كالطواف. و هو ضعيف و ان نفى عنه البأس السيد في المدارك. و إذا طاف به فالأحوط أن يكونا متطهرين، و اكتفى الشهيد في الدروس بطهارة الولي.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 410 و في الوسائل الباب 17 من أقسام الحج.

(2) هذه الصحيحة مع الزيادة هي رواية الكافي و الفقيه و المتقدمة هي رواية التهذيب، و قد أورد الزيادة في الوسائل عن الفقيه في الباب 17 من أقسام الحج برقم 4 و عن الكافي في الباب 36 من الذبح برقم 2.

65

و هذه الروايات و نحوها و ان اختصت بالصبيان إلا ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) لم يفرقوا في هذه الأحكام بين الصبي و الصبية. و هو جيد، فإن أكثر الأحكام في جميع أبواب الفقه إنما خرجت في الرجال مع انه لا خلاف في إجرائها في النساء و لا اشكال.

و ألحق الأصحاب المجنون، و استدل عليه في المنتهى بأنه ليس اخفض حالا من الصبي. و هو ضعيف فإنه لا يخرج عن القياس، مع انه قياس مع الفارق.

فائدة [هل يتوقف حج الولد المندوب على إذن الأبوين؟]

اختلف الأصحاب في توقف الحج المندوب من الولد البالغ على إذن الأب أو الأبوين و عدمه، فنقل عن الشيخ انه أطلق عدم استئذانهما و هو ظاهر اختيار الشهيد في الدروس، و اعتبر العلامة في القواعد إذن الأب خاصة، و قوى شيخنا الشهيد الثاني في المسالك توقفه على إذنهما، و فصل في الروضة فقال: ان عدم اعتبار إذنهما حسن إذا لم يكن الحج مستلزما للسفر المشتمل على الخطر و إلا فالاشتراط أحسن.

و ما في المدارك- بعد اعترافه بعدم الوقوف على نص في خصوص هذه المسألة- إلى القول الأول فقال: و مقتضى الأصل عدم الاشتراط و الواجب المصير إليه الى ان يثبت المخرج عنه. انتهى.

و قال في الذخيرة بعد نقل هذه الأقوال: و لا أعلم في هذه المسألة نصا متعلقا بها على الخصوص فالإشكال فيها ثابت. انتهى.

66

أقول:

روى الصدوق (طاب ثراه) في كتاب العلل (1) عن أبيه عن احمد بن إدريس عن محمد بن احمد عن احمد بن هلال عن مروك بن عبيد عن نشيط بن صالح عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): من فقه الضيف ان لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه. و من طاعة المرأة لزوجها ان لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها. و من صلاح العبد و طاعته و نصحه لمولاه ان لا يصوم تطوعا إلا بإذن مولاه و امره. و من بر الولد ان لا يصوم تطوعا و لا يحج تطوعا و لا يصلي تطوعا إلا بإذن أبويه و أمرهما. و إلا كان الضيف جاهلا، و كانت المرأة عاصية، و كان العبد فاسقا عاصيا، و كان الولد عاقا قاطعا للرحم».

و هي- كما ترى- صريحة الدلالة على توقف الحج على إذن الأبوين معا.

إلا ان شيخنا الصدوق بعد نقلها قال في الكتاب المذكور ما صورته:

قال محمد بن علي مؤلف هذا الكتاب: جاء هذا الخبر هكذا، و لكن ليس للوالدين على الولد طاعة في ترك الحج تطوعا كان أو فريضة، و لا في ترك الصلاة، و لا في ترك الصوم تطوعا كان أو فريضة، و لا في شيء من ترك الطاعات. انتهى.

و هذا الخبر قد رواه الصدوق في الفقيه (2) و الكليني في الكافي (3) في كتاب الصوم خاليا من ذكر الحج و الصلاة كما قدمناه في كتاب الصوم.

و شيخنا الصدوق قد رد الخبر- كما ترى- و لم ينقل له معارضا، مع ان ما تضمنه مؤيد بجملة من الأخبار الدالة على وجوب طاعتهما على الولد و ان كان في الخروج من اهله و ماله:

____________

(1) ص 385 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه. و بين ألفاظ الحديث في المتن و في العلل بعض الفروق البسيطة.

(2) ج 2 ص 99، و في الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

(3) ج 4 ص 151، و في الوسائل الباب 10 من الصوم المحرم و المكروه.

67

روى في الكافي بسنده فيه عن محمد بن مروان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رجلا اتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أوصني. فقال: لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ شيئا و ان حرقت بالنار و عذبت إلا و قلبك مطمئن بالايمان. و والديك فأطعهما و برهما حيين كانا أو ميتين، و ان أمراك ان تخرج من أهلك و مالك فافعل، فان ذلك من الايمان».

و روى فيه (2) ايضا بسنده عن جابر عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «اتى رجل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) اني راغب في الجهاد و نشيط؟

فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): فجاهد في سبيل الله، فإنك ان تقتل تكن حيا عند الله ترزق، و ان تمت فقد وقع أجرك على الله، و ان رجعت رجعت من الذنوب كما ولدت. فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): ان لي والدين كبيرين يزعمان أنهما يأنسان بي و يكرهان خروجي؟ فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): فقر مع والديك فوالذي نفسي بيده لأنسهما بك يوما و ليلة خير من جهاد سنة».

و روى فيه ايضا عن جابر (3) قال: «اتى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) رجل فقال:

انى رجل شاب نشيط و أحب الجهاد و لي والدة تكره ذلك؟ فقال له النبي (صلى اللّٰه عليه و آله):

ارجع فكن مع والدتك فوالذي بعثني بالحق لأنسها بك ليلة خير من جهادك في سبيل الله سنة».

و في حديث (4) في معنى قوله (عز و جل) وَ قُلْ لَهُمٰا قَوْلًا كَرِيماً (5)

____________

(1) الوسائل الباب 92 من أحكام الأولاد.

(2) ج 2 ص 160 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 2 من جهاد العدو.

(3) الوسائل الباب 2 من جهاد العدو.

(4) الوسائل الباب 92 من أحكام الأولاد. و هو حديث ابي ولاد الحناط.

(5) سورة بني إسرائيل الآية 23.

68

قال: ان ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما. فذلك منك قول كريم. قال «وَ اخْفِضْ لَهُمٰا جَنٰاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» (1)؟ قال: لا تملأ عينيك من النظر إليهما إلا برحمة و رقة، و لا ترفع صوتك فوق أصواتهما و لا يدك فوق أيديهما، و لا تقدم قدامهما.

الى غير ذلك من الاخبار الدالة على مزيد الحث على برهما و الانقياد لأمرهما و هي- كما ترى- ظاهرة في تأييد الخبر المذكور فالخروج عنه و ترك العمل به من غير معارض مشكل.

الثالثة [الولي في حج الصبي]

- قد صرح جمع من الأصحاب بأن الولي هنا من له ولاية المال كالأب و الجد للأب و الوصي.

و الأولان من ما ادعى في التذكرة عليهما الإجماع فقال: انه قول علمائنا اجمع.

قال (2) و اما ولاية الوصي فمقطوع به في كلام الأصحاب، و استدل عليه بان له ولاية المال على الطفل فكان له ولاية الاذن في الحج. قال في المدارك: و هو حسن، و في النصوص بإطلاقها دلالة عليه.

أقول: و عندي فيه توقف إذ المتبادر من الولي في هذا المقام انما هو الأب و الجد له، و مجرد كون الوصي له ولاية المال لا يلزم انسحابه في ولاية البدن، لان الحج يستلزم التصرف في المال و البدن.

و ربما يظهر من كلامهم ثبوت الولاية في هذا المقام للحاكم ايضا بالنظر الى

____________

(1) سورة بني إسرائيل الآية 24.

(2) هكذا وردت العبارة في النسخة المطبوعة و الخطية، و يحتمل ان تكون كلمة «قال» زيادة من قلم النساخ. كما يحتمل سقوط كلمة «في المدارك» من القلم، لأن العبارة المذكورة من قوله «و اما» الى قوله «في الحج» عين عبارة المدارك.

69

ان له ولاية المال، قال في المدارك: و نقل عن الشيخ (قدس سره) في بعض كتبه التصريح بذلك. ثم قال: و لا بأس به لأنه كالوصي. انتهى.

و فيه ما عرفت، بل هو أبعد من الدخول في هذا المقام. و لا ريب ان الاحتياط يقتضي الاقتصار على الأولين.

و اختلف الأصحاب في ثبوت الولاية للأم في هذا المقام، و المشهور ذلك و اليه ذهب الشيخ و أكثر الأصحاب.

و استدلوا عليه

بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول: مر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) برويثة (2) و هو حاج فقامت إليه امرأة و معها صبي لها فقالت: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أ يحج عن مثل هذا؟ قال: نعم و لك اجره».

و التقريب فيه انه لا يثبت لها الأجر إلا من حيث صحة الحج به و ان جميع ما فعلته به أو عنه من أفعال الحج موافق للشرع.

و يعضدها ايضا ظاهر صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (3).

و قال ابن إدريس: لا ولاية لها في ذلك لانتفاء ولايتها في المال و النكاح فتنتفي هنا. و نقل عن فخر المحققين انه قواه. و هما محجوبان بالخبر المذكور. إلا ان ابن إدريس بناء على أصله الغير الأصيل لا يتوجه عليه ذلك.

الرابعة [هل تجب على الولي النفقة الزائدة في حج الصبي؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يلزم الولي متى حج بالصبي نفقته الزائدة على نفقة الحضر، بمعنى انه يغرم ما يحتاج اليه من حيث السفر من نفسه لا من مال الطفل، كاجرة الدابة و آلات السفر و نحو ذلك، لانه غرم ادخله على نفسه بسبب إخراجه الصبي و السفر به فلزمه التسبيب. و لأن

____________

(1) الوسائل الباب 20 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) موضع بين الحرمين.

(3) ص 64.

70

الولي تلزمه كفارة الصيد كما تضمنته صحيحة زرارة المتقدمة (1) في المسألة الثانية فالنفقة أولى.

و أ حلق الأكثر بالنفقة الزائدة الفدية التي تلزم المكلف في حالتي العمد و الخطأ و هي كفارة الصيد، و جزم في التذكرة بلزومها للصبي لوجوبها بجنايته فكان كما لو أتلف مال غيره. قال في المدارك: و تدفعه صحيحة زرارة (2).

أقول: لا يخفى ان إطلاق الحكم بما ذكروه هنا- و لا سيما على ما قدمنا نقله عنهم من عموم الولي للوصي و الحاكم الشرعي- لا يخلو من الإشكال، لأنه متى توقف حفظ الصبي و كفالته و تربيته على السفر به و كانت مصلحته في ذلك فلا معنى لهذا التعليل في وجوب النفقة على الولي، بل ينبغي ان يكون كل ما يغرمه في السفر من الأشياء المذكورة من مال الطفل ان كان له مال و إلا فهو من مال الولي تبعا لوجوب النفقة عليه في الحضر و القيام بما يحتاج اليه. و هذا بالنسبة إلى الولي الجبري، و اما الوصي و الحاكم الشرعي فقد عرفت انه لا دليل على عموم تصرفهما في الصبي بحيث يسافرون به من بلد الى بلد اخرى و انما قصارى ولايتهم على ما يتعلق بماله، فحينئذ لو سافروا به و الحال كذلك فينبغي ان يغرموا جميع ما يتعلق به، و ان ثبت ان لهم التصرف على وجه العموم و اقتضت المصلحة ذلك فالذي ينبغي ان يكون جميع ما يغرمونه من مال الطفل.

و بالجملة فإن المسألة لخلوها من النص الواضح لا تخلو من الاشكال، و كلامهم هنا على إطلاقه لا يخلو من شوب الاختلال.

ثم انهم ايضا اختلفوا في ما يختلف حكم عمده و سهوه في البالغ كالوطء و اللبس إذا تعمده الصبي:

فنقل عن الشيخ (رحمه الله) انه قال: الظاهر انه تتعلق به الكفارة على

____________

(1) ص 63.

(2) ص 63.

71

وليه. و ان قلنا لا يتعلق به شيء- لما روى عنهم (عليهم السلام) (1): ان «عمد الصبي و خطأه واحد» و الخطأ في هذه الأشياء لا يتعلق به كفارة من البالغين- كان قويا.

قال في المدارك: و هو جيد لو ثبت اتحاد عمد الصبي و خطأه على وجه العموم، لكنه غير واضح، لان ذلك إنما ثبت في الديات خاصة. انتهى و هو جيد و قيل بالوجوب تمسكا بالإطلاق، و نظرا الى ان الولي يجب عليه منع الصبي عن هذه المحظورات، و لو كان عمده خطأ لما وجب عليه المنع لأن الخطأ لا يتعلق به حكم و لا يجب المنع منه.

قال في المدارك بعد نقل ذلك: و المسألة محل تردد، و ان كان الأقرب عدم الوجوب اقتصارا في ما خالف الأصل على موضع النص و هو الصيد.

و نقل عن الشيخ انه يتفرع على الوجهين ما لو وطأ قبل أحد الموقفين متعمدا، فان قلنا ان عمده و خطأه سواء لم يتعلق به فساد الحج، و ان قلنا ان عمده عمد فسد حجه و لزمه القضاء. ثم قال: و الأقوى الأول، لأن إيجاب القضاء يتوجه الى المكلف و هو ليس بمكلف.

أقول: و المسألة لا تخلو من اشكال لعدم النص في المقام، فانا لم نقف في ذلك إلا على صحيحة زرارة المتقدمة (2) الدالة على الصيد و انه تجب كفارته على الأب. و الاحتياط واضح.

و

الثاني [الحرية]

من الشروط المتقدمة- الحرية، فلا يجب على المملوك و ان اذن له سيده، و لو اذن له صح إلا انه لا يجزئه عن حج الإسلام لو أعتق.

____________

(1) الوسائل الباب 36 من قصاص النفس، و الباب 11 من العاقلة.

(2) ص 63.

72

اما انه لا يجب عليه و ان اذن له سيده فقال في المعتبر: ان عليه إجماع العلماء.

و يدل عليه

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي بسندين أحدهما صحيح عن ابن محبوب عن الفضل بن يونس- و هو ثقة واقفي- عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «ليس على المملوك حج و لا عمرة حتى يعتق».

و استدل في المدارك على ذلك

برواية آدم بن علي عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «ليس على المملوك حج و لا عمرة حتى يعتق».

و هو سهو من قلمه (قدس سره) فان هذا المتن إنما هو في رواية الفضل التي ذكرناها، و اما رواية آدم بن علي فهي

ما رواه الشيخ عنه عن ابى الحسن (عليه السلام) (3) قال: «ليس على المملوك حج و لا جهاد و لا يسافر إلا بإذن مالكه».

و هي أيضا دالة على الحكم المذكور.

و اما انه إذا حج باذن مولاه فإنه يصح حجه و لكن لا يجزئه عن حجة الإسلام لو أعتق فقال في المنتهى: انه قول كل من يحفظ عنه العلم.

و تدل عليه الاخبار المتكاثرة، و منها-

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4) قال: «المملوك إذا حج ثم أعتق فإن عليه اعادة الحج».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان المملوك

____________

(1) الوسائل الباب 15 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 15 من وجوب الحج و شرائطه. و متنها كما ذكره المصنف (قدس سره).

(3) الوسائل الباب 15 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه رقم (1) و هي رواية الصدوق في الفقيه ج 2 ص 264.

73

ان حج و هو مملوك أجزأه إذا مات قبل ان يعتق، و ان أعتق فعليه الحج».

و صحيحته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المملوك إذا حج و هو مملوك ثم مات قبل ان يعتق أجزأه ذلك الحج، فإن أعتق أعاد الحج».

و رواية مسمع بن عبد الملك عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لو ان عبدا حج عشر حجج ثم أعتق كانت عليه حجة الإسلام إذا استطاع الى ذلك سبيلا».

و رواية إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن أم الولد تكون للرجل و يكون قد أحجها أ يجزئ ذلك عنها من حجة الإسلام؟

قال: لا. قلت: لها أجر في حجها؟ قال: نعم».

و مثلها رواية شهاب (4).

و روى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن المملوك الموسر اذن له مولاه في الحج هل له أجر؟ قال: نعم، فإن أعتق أعاد الحج».

و اما

ما رواه الشيخ عن حكم بن حكيم الصيرفي (6)- قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيما عبد حج به مواليه فقد أدرك حجة الإسلام».

-

فقد حمله الشيخ و غيره على من أدرك الموقفين معتقا. و الظاهر بعده، بل الأقرب

____________

(1) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه رقم (4) و هي رواية الشيخ في التهذيب ج 5 ص 4.

(2) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه. و اللفظ هكذا: هل عليه ان يذبح و هل له أجر؟.

(6) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه. و اللفظ: «فقد قضى حجة الإسلام».

74

حمله على ادراك ثواب حجة الإسلام ما دام مملوكا.

و اليه يشير

قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان الأولى: «أجزأه إذا مات قبل ان يعتق».

اي أجزأه عن حجة الإسلام، بمعنى انه يكتب له ثواب حجة الإسلام. و مثله في صحيحته الثانية.

و أصرح من ذلك في هذا المعنى

ما رواه في الفقيه عن ابان بن الحكم (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الصبي إذا حج به فقد قضى حجة الإسلام حتى يكبر، و العبد إذا حج به فقد قضى حجة الإسلام حتى يعتق».

و تنقيح الكلام في هذا المقام يتوقف على رسم مسائل:

(الاولى) [لو أدرك العبد المشعر معتقا أجزأه عن حجة الإسلام]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو أدرك العبد الموقفين أو الثاني منهما معتقا أجزأه عن حجة الإسلام، حكاه العلامة في المنتهى.

و عليه تدل الاخبار، و منها

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): مملوك أعتق يوم عرفة؟ قال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج».

و عن شهاب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له؟ قال: يجزئ عن العبد حجة الإسلام، و يكتب لسيده أجران:

ثواب العتق و ثواب الحج».

و روايته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «في رجل أعتق عشية عرفة عبدا له أ يجزئ عن العبد حجة الإسلام؟ قال: نعم».

____________

(1) الوسائل الباب 16 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 17 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 17 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 17 من وجوب الحج و شرائطه.

75

و ما رواه المحقق في المعتبر عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في مملوك أعتق يوم عرفة؟ قال: إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج و ان فاته الموقفان فقد فاته الحج، و يتم حجه و يستأنف حجة الإسلام في ما بعد».

الثانية [إذن السيد لعبده في الحج و رجوعه عن إذنه]

- لو اذن السيد لعبده في الحج لم يجب عليه، لكن لو تلبس به بعد الاذن وجب كغيره من افراد الحج المندوب.

و هل يجوز للسيد الرجوع في الاذن بعد التلبس؟ ظاهر الأصحاب العدم و إنما يجوز له قبل التلبس اما بعده فحيث تعلق الوجوب بالعبد فليس له ذلك.

بقي الكلام في انه لو رجع قبل التلبس و لكن لم يعلم العبد إلا بعده، فقيل بأنه يجب الاستمرار، لدخوله دخولا مشروعا، فكان رجوع المولى كرجوع الموكل قبل التصرف و لم يعلم الوكيل، و قال الشيخ انه يصح إحرامه و للسيد ان يحلله.

قال في المدارك: و ضعفه ظاهر، لأن صحة الإحرام إنما هو لبطلان رجوع المولى فكان كما لو لم يرجع، و الإحرام ليس من العبادات الجائزة و إنما يجوز الخروج منه في مواضع مخصوصة و لم يثبت ان هذا منها.

أقول: و المسألة و ان كانت خالية من النص على الخصوص إلا ان ما ذكره السيد السند (قدس سره) في المدارك هو الأوفق بالأصول الشرعية و القواعد المرعية.

(الثالثة) [إذا جنى العبد في إحرامه فالفداء عليه أو على السيد؟]

- اختلف الأصحاب في ما لو جنى العبد في إحرامه بما يلزمه به الدم كاللباس و الطيب و حلق الشعر و قتل الصيد، فقال الشيخ (قدس سره) في

____________

(1) الوسائل الباب 17 من وجوب الحج و شرائطه.

76

المبسوط: يلزم العبد لانه فعل ذلك بدون اذن مولاه، و يسقط الدم الى الصوم لانه عاجز ففرضه الصيام، و لسيده منعه منه لأنه فعل موجبه بدون اذن مولاه.

و نقل عن الشيخ المفيد: على السيد الفداء في الصيد.

و قال المحقق في المعتبر بعد نقل كلام الشيخ المذكور: و ليس ما ذكره الشيخ بجيد، لانه و ان جنى بغير اذنه فان جنايته من توابع اذنه في الحج فتلزمه جنايته. ثم استدل على ذلك

بما رواه حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«المملوك كلما أصاب الصيد و هو محرم في إحرامه فهو على السيد إذا اذن له في الإحرام».

أقول: و هذه الرواية

قد رواها الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح بسنده الى حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل ما أصاب العبد المحرم في إحرامه فهو على السيد إذا اذن له في الإحرام».

و رواها الشيخ في التهذيب (3) في الصحيح ايضا عن حريز،

و الكليني (4) في الحسن على المشهور عنه ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «كل ما أصاب العبد و هو محرم في إحرامه. الحديث».

و رواه في الاستبصار (5) قال: «المملوك كلما أصاب الصيد و هو محرم في إحرامه».

و هو مطابق لما نقله في المعتبر. و الظاهر ان الشيخ المفيد إنما خص الصيد بالذكر اعتمادا على هذه الرواية.

و ظاهر الشيخ في التهذيب القول بما ذكره في المعتبر حيث انه- بعد ان

____________

(1) الوسائل الباب 56 من كفارات الصيد و توابعها.

(2) ج 2 ص 264، و في الوسائل الباب 56 من كفارات الصيد و توابعها.

(3) ج 5 ص 382.

(4) الكافي ج 4 ص 304.

(5) ج 2 ص 216.

77

نقل صحيحة حريز المذكورة بالمتن المتقدم- قال: و لا يعارض هذا الحديث

ما رواه سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسن عن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن ابن ابي نجران (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن عبد أصاب صيدا و هو محرم هل على مولاه شيء من الفداء؟ فقال: لا شيء على مولاه».

لأن هذا الخبر ليس فيه انه كان قد اذن له في الإحرام أو لم يأذن له، و إذا لم يكن ذلك في ظاهره حملناه على من أحرم من غير اذن مولاه، فلا يلزمه حينئذ شيء على ما تضمنه الخبر. و هذا القول منه رجوع عن ما تقدم عنه في المبسوط.

و اعترضه المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى بأنه يرد عليه ان اذن المولى شرط في صحة الإحرام فمع عدمه لا ينعقد و لا يترتب عليه الحكم. و قول السائل:

«و هو محرم» يدل- بمعونة تقريره عليه في الجواب- على كونه متحققا واقعا.

ثم أجاب بإمكان الحمل على ارادة الخصوص و العموم في الاذن، فمتى اذن السيد لعبده في الإحرام بخصوصه كان ما يصيبه فيه على السيد، و إذا كان العبد مأذونا على العموم بحيث يفعل ما يشاء من غير تعرض في الاذن لخصوص الإحرام لم يكن على السيد شيء. قال: و لا بعد في هذا الحمل، فان في الخبر الأول إشعارا به حيث علق الحكم فيه بالإذن في الإحرام و لم يطلق الاذن، و ذلك قرينة إرادة الخصوص. انتهى.

و استوجه العلامة في المنتهى سقوط الدم و لزوم الصوم إلا ان يأذن له السيد في الجناية فيلزمه الفداء.

و ربما حملت الصحيحة الأولى على الاستحباب و الثانية على نفي الوجوب.

أقول: لا يخفى ما في هذه المحامل من البعد مع تدافعها، و المسألة

____________

(1) الوسائل الباب 56 من كفارات الصيد و توابعها.

78

لا تخلو من شوب التردد و الاشكال.

(الرابعة) [الحكم عند إفساد العبد حجة المأذون فيه]

- إذا أفسد العبد حجة المأذون فيه وجب عليه إتمامه ثم القضاء و البدنة كما في الحر، للأدلة الدالة بعمومها أو إطلاقها على ذلك (1) و تناولها العبد كالحر كما سيأتي ان شاء الله تعالى في مسألة إفساد الحج، و حينئذ فتترتب عليه أحكامه.

بقي انه هل يجب على السيد تمكينه من القضاء أم لا؟ قيل بالأول، لأن اذنه في الحج اذن في مقتضياته، و من جملتها القضاء لما أفسده. و قيل بالثاني لأنه إنما اذن له في الحج لا في إفساده، و الإفساد ليس من لوازم الحج ليلزم من الاذن في الحج الاذن فيه، بل الأمر إنما هو على العكس، لانه من منافياته، لأن المأذون فيه أمر موجب للثواب و الإفساد أمر موجب للعقاب.

قيل: و ربما بنى الوجهان على ان القضاء هل هو الفرض و الفاسد عقوبة أم بالعكس؟ فعلى الثاني لا يجب التمكين لعدم تناول الاذن له، و على الأول يجب لأن الإذن بمقتضى الإفساد انصرفت الى القضاء و قد لزم بالشروع فلزمه التمكين.

و استشكله في المدارك بأن الإذن لم يتناول الحج ثانيا و ان قلنا انه الفرض، لأنها إنما تعلقت بالأول خاصة. ثم قال: و المسألة محل تردد و ان كان القول بعدم وجوب التمكين لا يخلو من قوة. انتهى.

أقول: و أنت خبير بأنه يمكن ان يستدل للقول الأول بظاهر صحيحة حريز المتقدمة (2) في سابق هذه المسألة، و ذلك انها قد دلت على ان كل

____________

(1) الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(2) ص 76.

79

ما أصاب العبد المحرم في إحرامه فهو على سيده إذا اذن له، سواء جعل العبد فاعلا أو مفعولا، و لا ريب ان القضاء من ما اصابه و لزمه كما لزمه وجوب البدنة فان الواجب بالإفساد البدنة و القضاء، فكما تجب على السيد بمقتضى الخبر المذكور البدنة كذا يجب عليه القضاء، غاية الأمر ان كيفية الوجوب في الموضعين مختلفة، فإن السيد لا يجب عليه الحج قضاء بل الواجب عليه التمكين.

إلا ان الرواية المذكورة- كما عرفت- معارضة بتلك الأخرى، و قد عرفت ما في المقام من الاشكال.

و كيف كان فالمسألة هنا ايضا لخلوها من الدليل الواضح محل توقف.

ثم انه لو أعتقه المولى في الحج الفاسد، فان كان قبل الوقوف بالمشعر أتم حجه و قضى في القابل و أجزأه عن حجة الإسلام كما في الحر، سواء قلنا ان الإكمال عقوبة و ان حجة الإسلام هي الثانية أم قلنا بالعكس، و ان كان بعد فوات الموقفين كان عليه إتمام الحج و القضاء، و لا يجزئه عن حجة الإسلام بل تجب عليه مع الاستطاعة.

قالوا: و يجب تقديمها على حجة القضاء، للنص و الإجماع على فوريتها، فلو بدأ بالقضاء قال الشيخ: انعقد عن حجة الإسلام و كان القضاء في ذمته، و ان قلنا لا يجزئ عن واحدة منهما كان قويا. هذا كلامه (قدس سره) و هو متجه بناء على القول بان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده الخاص، و إلا فالمتجه صحة القضاء و ان أثم بتأخير حجة الإسلام.

(الخامسة) [بيع العبد في إحرامه]

- قالوا: لو أحرم العبد باذن مولاه ثم باعه صح البيع إجماعا، لأن الإحرام لا يمنع التسليم فلا يمنع صحة البيع. ثم ان كان المشتري عالما بذلك فلا خيار و إلا ثبت الخيار على الفور إلا مع قصر الزمان بحيث لا يفوته شيء من المنافع.

80

(السادسة) [لا فرق بين أنواع العبد]

- قالوا: لا فرق في المملوك بين القن و المكاتب المطلق الذي لم يؤد و المشروط و أم الولد و المبعض. نعم لو تهيأ المبعض مع المولى و وسعت نوبته الحج و انتفى الخطر و الضرر كان له الحج ندبا بغير اذن السيد، كما يجوز له غيره من الأعمال.

(الثالث) [الاستطاعة]

من الشروط المتقدمة- الاستطاعة إجماعا نصا و فتوى، و فسرها الأصحاب بالزاد و الراحلة في من يفتقر الى قطع المسافة.

قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: اتفق علماؤنا على ان الزاد و الراحلة شرطان في الوجوب، فمن فقدهما أو أحدهما مع بعد مسافته لم يجب عليه الحج و ان تمكن من المشي، و به قال الحسن و مجاهد و سعيد بن جبير و الشافعي و أبو حنيفة (1).

قالوا: و يدل على اعتبارهما- مضافا الى عدم تحقق الاستطاعة عرفا بدونهما غالبا-

صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي (2) قال: «سأل حفص الكناسي أبا عبد الله (عليه السلام) و انا عنده عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلي سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج، أو قال: ممن كان له مال. فقال له حفص الكناسي: فإذا كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فلم يحج فهو ممن يستطيع الحج؟ قال: نعم».

____________

(1) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 219 و بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 2 ص 122.

(2) الوسائل الباب 8 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) سورة آل عمران الآية 97.

81

ثم انه في المنتهى صرح بأنه إنما يشترطان في حق المحتاج إليهما لبعد المسافة اما القريب فيكفيه اليسير من الأجرة بنسبة حاجته، و المكي لا يعتبر في حقه وجود الراحلة إذا لم يكن محتاجا إليها. ثم قال في فروع المسألة: الثالث- لو فقدهما و تمكن من الحج ماشيا فقد بينا انه لا يجب عليه الحج، فلو حج ماشيا لم يجزئه عن حجة الإسلام عندنا و وجب عليه الإعادة مع استكمال الشرائط، ذهب إليه علماؤنا و به قال الجمهور (1). انتهى.

و قال المحقق في المعتبر: الشرط الرابع و الخامس- الزاد و الراحلة و هما شرط لمن يحتاج إليهما لبعد مسافته. الى ان قال: و من ليس له راحلة و لا زاد أو ليس له أحدهما لا يجب عليه الحج، و به قال الشافعي و أبو حنيفة و احمد، و قال مالك من قدر على المشي وجب عليه (2) لنا- ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فسر السبيل بالزاد و الراحلة (3) و لانه (صلى اللّٰه عليه و آله) سئل ما يوجب الحج؟ فقال: الزاد و الراحلة (4) فيقف الوجوب عليه. و لو حج ماشيا لم يجزئه عن حجة الإسلام، و قال الباقون يجزئه (5) لنا- ان الوجوب لم يتحقق لأنه مشروط بالاستطاعة فمع عدمها يكون مؤديا ما لم يجب عليه فلا يجزئه عن ما يجب عليه في ما بعد، و ينبه على ذلك روايات عن أهل البيت (عليهم السلام): منها-

رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «لو ان رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة، فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج».

انتهى.

____________

(1) عبارة المنتهى ج 2 ص 652 هكذا: و قال الجمهور يجزئه. انتهى.

و في المغني ج 3 ص 221. و المهذب ج 1 ص 197 كذلك.

(2) بداية المجتهد ج 1 ص 293.

(3) بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ص 84.

(4) صحيح الترمذي باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد و الراحلة.

(5) ارجع إلى التعليقة (1).

(6) الوسائل الباب 21 من وجوب الحج و شرائطه.

82

أقول: و على هذه المقالة اتفقت كلمتهم (رضوان الله عليهم) كما سمعته من كلام العلامة، و مقتضى ذلك- كما صرحوا به- انه لا يجزئ الحج ماشيا مع الإمكان لو لم يملك الراحلة و عندي فيه اشكال، حيث ان الآية قد دلت على ان شرط الوجوب الاستطاعة، و الاستطاعة لغة و عرفا القدرة، و تخصيصها بالزاد و الراحلة يحتاج الى دليل واضح.

و الروايات في المسألة متصادمة تحتاج الى الجمع على وجه يزول به الاختلاف بينها:

فمن ما يدل على ما ذكره الأصحاب من تفسير الاستطاعة بالزاد و الراحلة صحيحة الخثعمي المتقدمة.

و ما رواه في الكافي بسنده عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سأله رجل من أهل القدر فقال: يا ابن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أخبرني عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) أ ليس قد جعل الله لهم الاستطاعة؟ فقال: ويحك إنما يعني بالاستطاعة الزاد و الراحلة و ليس استطاعة البدن. الحديث».

و ما رواه الصدوق في كتاب عيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون (3) قال: «و حج البيت فريضة على من استطاع اليه سبيلا، و السبيل الزاد و الراحلة مع الصحة».

و ما رواه في كتاب التوحيد في الصحيح أو الحسن على المشهور عن هشام ابن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في قول الله (عز و جل):

____________

(1) الوسائل الباب 8 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

(3) الوسائل الباب 8 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 8 من وجوب الحج و شرائطه.

83

وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1): ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة.

و ما رواه في كتاب الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين (2) قال: «و حج البيت واجب على مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و هو الزاد و الراحلة مع صحة البدن. الحديث».

و سيأتي بتمامه ان شاء الله تعالى و من ما يدل على ما دل عليه ظاهر الآية جملة من الأخبار ايضا:

منها-

صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه دين أ عليه ان يحج؟ قال: نعم ان حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين، و لقد كان أكثر من حج مع النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) مشاة، و لقد مر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بكراع الغميم (4) فشكوا اليه الجهد و العناء فقال: شدوا أزركم و استبطنوا. ففعلوا ذلك فذهب عنهم».

و رواية أبي بصير (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (6)؟ قال: يخرج و يمشي ان لم يكن عنده. قلت: لا يقدر على المشي؟ قال: يمشي و يركب.

قلت: لا يقدر على ذلك- أعني المشي؟- قال: يخدم القوم و يخرج معهم».

و حملها الشيخ على الاستحباب المؤكد، و قد عرفت في غير موضع من ما تقدم ما في الجمع بين الاخبار بالحمل على الاستحباب و ان اشتهر ذلك بين الأصحاب.

____________

(1) سورة آل عمران الآية 97.

(2) الوسائل الباب 9 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 11 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) موضع بين مكة و المدينة.

(5) الوسائل الباب 11 من وجوب الحج و شرائطه.

(6) سورة آل عمران الآية 97.

84

و منها-

صحيحة محمد بن مسلم (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2)؟ قال: يكون له ما يحج به.

قلت: فان عرض عليه الحج فاستحى؟ قال: هو ممن يستطيع الحج، و لم يستحي؟ و لو على حمار أجدع أبتر، قال: فان كان يستطيع ان يمشي بعضا و يركب بعضا فليفعل».

و صحيحة الحلبي أو حسنته على المشهور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) في قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (4) ما السبيل؟

قال: ان يكون له ما يحج به.

قال: قلت: من عرض عليه ما يحج به فاستحى من ذلك أ هو ممن يستطيع اليه سبيلا؟ قال: نعم ما شأنه أن يستحي و لو يحج على حمار أجدع أبتر، فإن كان يطيق ان يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج».

و التقريب في هاتين الصحيحتين انه (عليه السلام) فسر الاستطاعة بأن يكون له ما يحج به و هو أعم من الزاد و الراحلة، و مرجعه الى ما يحصل به القدرة و التمكن من الحج، و يؤيده

قوله (عليه السلام) في آخر الروايتين المذكورتين: «و ان كان يستطيع ان يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج».

و من الظاهر البين ان هذا لا يلائم التخصيص بالزاد و الراحلة.

و مقتضى هذه الاخبار انه لو أمكنه المشي فحج ماشيا أو الركوب بعضا و المشي بعضا ادى به حج الإسلام، مع تصريحهم بعدم الاجزاء لعدم حصول شرط الاستطاعة الذي هو الزاد و الراحلة.

و لم أقف لهم على جواب شاف عن هذه الاخبار. هذا. و من المحتمل

____________

(1) الوسائل الباب 8 و 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

(3) الوسائل الباب 8 و 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) سورة آل عمران الآية 97.

85

قريبا خروج الأخبار المتقدمة مخرج التقية فإن ذلك مذهب الجمهور (1) كما قدمنا نقله عن المعتبر و المنتهى. و من ذلك يظهر ان هذه الاخبار ترجح بمطابقة ظاهر الآية و مخالفة الجمهور، و هذان الطريقان من أظهر طرق الترجيح المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار. و لا اعرف لذلك معارضا سوى ما يدعونه من الإجماع على ما ذكروه.

و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الإشكال، فإن الخروج عن ما ظاهرهم الإجماع عليه مشكل و موافقتهم مع ما عرفت أشكل.

و اما ما استند اليه المحقق (رضي الله عنه) من رواية أبي بصير فسيجيء- ان شاء الله تعالى- تحقيق القول فيها.

[مسائل]

و في هذا المقام مسائل:

الأولى [هل تعتبر نفقة العود في الوحيد الذي لا أهل له؟]

- قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: الخامس- لو كان وحيدا اعتبر نفقة لذهابه و عودته، و للشافعي في اعتبار نفقة العود هنا وجهان: اعتبارها للمشقة الحاصلة بالمقام في غير وطنه و هو الذي اخترناه، و الثاني عدمه لتساوي البلاد بالنسبة اليه (2). و الأول أصح. انتهى.

و ظاهره اعتبار نفقة الإياب و ان كان وحيدا ليس له أهل و لا عشيرة يأوي إليها. و على هذا النحو إطلاق كلام جملة من الأصحاب. و علله بعضهم بما علله به الشافعي هنا في أحد قوليه من المشقة الحاصلة بالمقام في غير وطنه.

____________

(1) تقدم في التعليقة (1 (ص) 81) ان مذهب الجمهور هو الاجزاء.

(2) المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 197.

86

و ظاهر السيد السند في المدارك- و مثله الفاضل الخراساني في الذخيرة- المناقشة في ذلك بان الحجة المذكورة مقصورة على صورة المشقة، فعند عدمها- كما إذا كان وحيدا غير متعلق ببعض البلاد دون بعض أو كان له وطن لا يريد العود اليه- و لم يبعد عدم اعتبار العود في حقه، نظرا الى عموم الآية و الأخبار، فلا تعتبر نفقة العود في حقه حينئذ.

أقول: و المسألة لا تخلو من توقف، فإنه و ان كان الظاهر من إطلاق الآية و الاخبار هو حصول ما يوجب الوصول من الزاد و الراحلة، إلا ان الإطلاق إنما يحمل على الافراد الغالبة المتكثرة، و لا ريب ان الغالب على الناس في جميع الأدوار و الأمصار أنهم متى سافروا لغرض من الأغراض رجعوا بعد قضائه إلى أوطانهم أو غيرها لأغراض تتجدد، سواء كان لهم أهل و عشيرة أم لا أو مسكن أم لا، و حينئذ فمجرد كونه وحيدا لا عشيرة له و لا أهل لا يوجب خروجه من هذا الحكم، بان يجب عليه الحج بمجرد حصول نفقة الذهاب خاصة و كذا راحلة الذهاب خاصة، و يكلف الإقامة بمكة ان لم يكن عليه مشقة. نعم لو كان في نيته و قصده من خروجه هو التوطن في تلك البلاد فما ذكروه من عدم اعتبار نفقة الإياب متجه و إلا فلا جريا على ما هو الغالب الشائع المتكرر. و قد صرح غير واحد منهم بأن الأحكام المودعة في الاخبار إنما تحمل على ما هو المتكرر الشائع الغالب الوقوع. على ان ما ذكروه لو تم لم يختص بالوحيد الذي لا أهل له و لا عشيرة و لا مسكن بل يشمل ذلك من له عشيرة و مسكن، فان مجرد وجود هذه الأشياء لا يكون موجبا لتخصيص إطلاق الأدلة المشار إليها. نعم لو كان له عيال يجب الإنفاق عليهم أو أبوان أو أحدهما لا يرضون بانقطاعه عنهما فإنه من حيث قيام الأدلة على وجوب هذه الأشياء يجب ان يخص بها إطلاق الأدلة المذكورة و اما غيرها فلا دليل عليه، مع انهم لا يقولون بذلك في غير الوحيد من صاحب المسكن

87

و من له عشيرة و أهل.

و بالجملة فإن الظاهر هو القول المشهور و ان هذه المناقشة لا مجال لها في هذا المقام.

الثانية [هل يكفي في الاستطاعة حصولها حيثما اتفق؟]

- الظاهر انه يكفي في الاستطاعة حصولها حيثما اتفق، فلو كان المكلف في غير بلده و حصلت له الاستطاعة على وجه يسافر للحج و يرجع الى بلده وجب عليه، و لا يشترط حصولها من البلد.

و حينئذ فما ذكره شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره)- من ان من اقام في غير بلده إنما يجب عليه الحج إذا كان مستطيعا من بلده، إلا ان تكون إقامته في الثانية على وجه الدوام أو مع انتقال الفرض كالمجاور بمكة بعد السنتين- من ما لم نقف له على دليل.

بل ظاهر

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار- (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يمر مجتازا يريد اليمن أو غيرها من البلدان و طريقه بمكة فيدرك الناس و هم يخرجون الى الحج فيخرج معهم الى المشاهد أ يجزئه ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: نعم».

- ينافي ما ذكره.

و يؤيده عموم النصوص و صدق الاستطاعة بذلك.

الثالثة [هل يجب الحج إذا زادت قيمة الزاد و الراحلة عن ثمن المثل؟]

- المشهور في كلام الأصحاب انه لو لم يكن له زاد و لا راحلة لكنه واجد للثمن فإنه يجب عليه شراؤهما و ان زاد عن ثمن المثل، و قيل انه متى زادت قيمة الزاد و الراحلة عن ثمن المثل لم يجب الحج، و نقله في المدارك- و كذا الفاضل الخراساني- عن الشيخ في المبسوط.

أقول: لا ريب ان الشيخ في المبسوط و ان صرح بذلك لكنه إنما صرح به

____________

(1) الوسائل الباب 22 من وجوب الحج و شرائطه.

88

بالنسبة إلى الزاد خاصة دون الراحلة و لكن حيث كان ذلك لازما له في الراحلة أيضا ألزموه به فنقلوا خلافه فيهما.

قال في المبسوط: و اما الزاد فهو عبارة عن المأكول و المشروب، فالمأكول هو الزاد فان لم يجده بحال أو وجده بثمن يضر به و هو ان يكون في الرخص بأكثر من ثمن مثله و في الغلاء مثل ذلك لم يجب عليه، و هكذا حكم المشروب. و اما المكان الذي يعتبر وجوده فيه فإنه يختلف، اما الزاد ان وجده في أقرب البلدان الى البر فهو واجد، و كذلك ان لم يجده إلا في بلده فيجب عليه حمله معه ما يكفيه لطول طريقه إذا كان معه ما يحمل عليه. و اما الماء فان كان يجده في كل منزل أو في كل منزلين فهو واجد، و ان لم يجده إلا في أقرب البلدان الى البر أو في بلده فهو غير واجد.

و المعتبر في جميع ذلك العادة فما جرت العادة بحمل مثله وجب حمله و ما لم تجر سقط وجوب حمله. و اما علف البهائم و مشروبها فهو كما للرجل سواء ان وجده في كل منزل أو منزلين لزمه و ان لم يجد إلا في أقرب البلاد الى البر أو في بلده سقط الفرض لاعتبار العادة. و هذا كله إذا كانت المسافة بعيدة. الى آخر كلامه زيد في مقامه.

و المفهوم من هذا الكلام ظاهرا ان حكمه بسقوط الحج مع زيادة قيمة الزاد إنما هو من حيث التضرر بالزيادة. و ربما يفهم ايضا من سياق الكلام الى آخره التعليل بالرجوع إلى العادة، و ان إطلاق الشراء إنما ينصرف إلى القيمة المعتادة.

و الأول منهما هو الذي فهمه العلامة في المختلف، حيث قال بعد نقل صدر العبارة: و هذا التفسير يشعر بأنه إذا زاد الثمن عن ثمن المثل في المأكول و المشروب لا يجب شراؤهما، و الوجه وجوب ذلك مع القدرة، لنا- انه مستطيع فوجب عليه الحج. احتج بأنه قد زاد الثمن عن ثمن المثل فلا يجب لاشتماله على الضرر. و الجواب المنع من الضرر مع القدرة. انتهى.

89

و الثاني منهما ذكره شيخنا الشهيد في نكت الإرشاد فقال- بعد نقل القول بذلك عنه في الزاد و ان ذلك لازم له في الراحلة- ما لفظه: لانه احتج بأن إطلاق الشراء ينصرف الى المعتاد كالتوكيل في الشراء حتى قال: لا يجب حمل الماء من بلده و لا من أقرب مكان الى البر بل ان كان في كل منزل أو منزلين وجب الحج و إلا فلا، و كذا علف الدواب، حوالة على العرف، و لان الحج يسقط لو خاف على المال التلف فلا يناسبه إضاعته هنا. و رد بما مر في شراء الماء من وجوب الثواب هنا على الله تعالى الذي هو أعظم من العوض الواجب على الآدمي. ثم قال: و يمكن انه ان كثر الثمن كثرة فاحشة بحيث يستوعب المال العظيم قرب قول الشيخ للإضرار المنفي (1) و إلا فهو بعيد لصدق الاستطاعة التي هي مناط الوجوب. انتهى.

و الأصح ما عليه جمهور الأصحاب من وجوب الشراء و ان زاد عن ثمن المثل، إلا ان يبلغ الى الحال التي أشار إليها شيخنا المتقدم ذكره في آخر كلامه فإشكال. و بمثل ذلك صرح العلامة في التذكرة فقال- على ما نقله عنه في الذخيرة-:

و ان كانت القيمة تجحف بماله لم يلزمه شراؤه و ان تمكن، على اشكال.

و سيجيء ان شاء الله تعالى ما فيه مزيد بيان لهذا المقام.

و أنت خبير بان ما نقلناه عن المبسوط بالنسبة الى عدم وجوب حمل الماء و علف الدواب هو عين ما نقلوه عن العلامة (قدس سره) في التذكرة و المنتهى، كما قدمنا ذكره في المسألة الاولى، مع انهم لم ينقلوا الخلاف ثمة إلا عن العلامة، و كلام المبسوط- كما ترى- أصرح من كلام العلامة في ذلك.

____________

(1) و هو

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار».

و قد أورده في الوسائل في الباب 5 من الشفعة، و الباب 12 من احياء الموات.

90

الرابعة [هل يجب الحج على الواجد للمال و هو مدين؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو كان له مال و عليه دين فإنه لا يجب عليه الحج، إلا ان يزيد على دينه ما يحصل به الاستطاعة.

و إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين ان يكون الدين حالا أو مؤجلا.

و بهذا التعميم صرح في المنتهى فقال: لو كان له مال و عليه دين بقدره لم يجب عليه الحج سواء كان الدين حالا أو مؤجلا، لأنه غير مستطيع مع الحلول و الضرر متوجه عليه مع التأجيل، فسقط فرض الحج. انتهى.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و لمانع ان يمنع توجبه الضرر في بعض الموارد، كما إذا كان مؤجلا أو حالا غير مطالب به و كان للمديون وجه للوفاء بعد الحج، و متى انتفى الضرر و حصل التمكن من الحج تحققت الاستطاعة المقتضية للوجوب.

أقول: يمكن ان يقال عليه ان مراد العلامة (رضوان الله عليه) ان في صورة الحلول فالواجب أداء الدين، و عدم المطالبة به في ذلك الوقت لا يوجب حصول الاستطاعة به و الفرض انه لا مال له سواه، لجواز رجوعه عليه بعد ذلك و مطالبته و قد فات من يده، و المتبادر من مال الاستطاعة ما يكون لصاحبه التصرف فيه بلا معارض في ذلك. و اما في صورة التأجيل فمع فرض انه لا مال له لا معنى لقوله في الإيراد: «و كان للمديون وجه للوفاء بعد الحج» فإنه خلاف المفروض في كلام العلامة.

و بالجملة فإنه لا اعتماد على هذه التعليلات إبراما أو نقضا بل الواجب الرجوع الى النصوص.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل عليه دين أ عليه

____________

(1) الوسائل الباب 11 من وجوب الحج و شرائطه.

91

أن يحج؟ قال: نعم ان حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين».

و ما رواه عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله البصري (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الحج واجب على الرجل و ان كان عليه دين».

و ظاهر الخبرين المذكورين وجوب الحج عليه و ان كان عليه دين مستوعب للاستطاعة، و هو على إطلاقه لا يخلو من الإشكال، فإنه متى كان حالا مطالبا به لا يجوز صرفه في الحج إجماعا.

و الذي يقرب من الرواية الأولى بقرينة التعليل ان المراد ان حج الإسلام- بناء على ما قدمناه في معنى الاستطاعة- يجب و لو بالمشي لمن أطاقه، فمجرد وجود الدين لا يكون مانعا منه في جميع الحالات و ان منع في بعض الأوقات.

و بالجملة فإنه يجب تقييد الخبرين المذكورين بما إذا لم تحصل المطالبة بالدين اما بان يكون حالا و لكن صاحبه يسمح بتأخيره أو يكون مؤجلا.

و في المقام أيضا أخبار أخر عديدة إلا انها غير ظاهرة في حج الإسلام، و الظاهر- كما استظهره جملة من الأصحاب- حملها على الحج المندوب إلا انها ايضا لا تخلو من معارض:

و منها-

ما رواه الشيخ عن موسى بن بكر الواسطي (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يستقرض و يحج؟ فقال: ان كان خلف ظهره ما ان حدث به حدث ادى عنه فلا بأس».

و رواه الكليني أيضا عن موسى بن بكر

____________

(1) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) التهذيب ج 5 ص 442، و في الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

92

قريبا منه (1) و كذا الصدوق (2).

و ما رواه المشايخ الثلاثة عن عبد الملك بن عتبة (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل عليه دين يستقرض و يحج؟ قال: ان كان له وجه في مال فلا بأس».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن غير واحد (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني رجل ذو دين أ فأتدين و أحج؟ فقال:

نعم هو اقضى للدين».

و عن محمد بن ابي عمير في الصحيح عن عقبة (5) قال: «جاءني سدير الصيرفي فقال: ان أبا عبد الله (عليه السلام) يقرأ عليك السلام و يقول لك: ما لك لا تحج؟ استقرض و حج».

و ما رواه الكليني في الحسن عن معاوية بن وهب عن غير واحد (6) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يكون على الدين فتقع في يدي الدراهم فان وزعتها بينهم لم يبق شيء، أ فأحج بها أو أوزعها بين الغرام؟ فقال: تحج بها، و ادع الله (عز و جل) ان يقضي عنك دينك».

و عن يعقوب بن شعيب (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يحج بدين و قد حج حجة الإسلام؟ قال: نعم ان الله سيقضي عنه ان شاء الله».

و رواه الصدوق عن يعقوب في الحسن (8).

____________

(1) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه رقم 7 و 9.

(2) الفقيه ج 2 ص 267، و في الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(6) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(7) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

(8) الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه.

93

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسن بن زياد العطار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يكون علي الدين فتقع في يدي الدراهم فان وزعتها بينهم لم يبق شيء، أ فأحج بها أو أوزعها بين الغرماء؟ قال: حج بها و ادع الله ان يقضي عنك دينك».

و روى عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (2) انه «سأله رجل فقال: اني رجل ذو دين فأتدين و أحج؟ قال: نعم هو اقضى للدين».

و الشيخ (قدس سره) بعد ان ذكر بعض هذه الأخبار حملها على ما إذا كان له وجه يقضي به دينه مستندا الى الخبرين الأولين. و الظاهر بعده، و لعل الأقرب في الجمع هو الحمل على تفاوت درجات الناس في قوة التوكل و عدمها.

الخامسة [ما يستثني من مال الاستطاعة]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على انه يستثني من مال الاستطاعة دار سكناه و خادمه و ثياب بدنه.

قال في المنتهى: و عليه اتفاق العلماء، لان ذلك مما تمس الحاجة اليه و تدعو إليه الضرورة فلا يكلف بيعه. و نحوه في المعتبر و التذكرة.

و قال في المسالك: لا خلاف في استثناء هذه الأربعة كما ذكره العلامة في التذكرة و ان كانت النصوص غير مصرحة بها. و زاد في التذكرة استثناء فرس الركوب.

و ظاهر عبارة الشرائع تخصيص الثياب المستثناة بثياب الخدمة دون ثياب

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 268، و في الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه رقم 10.

(2) الفقيه ج 2 ص 267، و في الوسائل الباب 50 من وجوب الحج و شرائطه رقم (1).

94

التجمل، و في كلام الأكثر مطلق الثياب.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك استثناء حلي المرأة المعتاد لها بحسب حالها و زمانها و مكانها و ان ذلك في حكم الثياب.

و جزم شيخنا المشار إليه بان من لم يكن له هذه المستثنيات يستثني له أثمانها.

و ألحق بعض الأصحاب كتب العلم مع عدم الغنى عنها، و لو كان للكتاب نسختان بيع الزائد.

و نقل ايضا استثناء أثاث البيت من بساط و فراش و آنية و نحو ذلك.

أقول: ان مقتضى الآية و الأخبار الكثيرة هو وجوب الحج على كل من استطاع، بمعنى: قدر على الإتيان به، و استثناء هذه الأشياء أو بعضها يحتاج الى دليل متى حصلت الاستطاعة بها. نعم قام الدليل العام على نفي الحرج في الدين (1) و عدم تحمل الضرر (2) و سهولة الحنيفية (3) و التوسعة في التكليف (4) فيجب بمقتضى ذلك الاقتصار من هذه الأشياء على ما يلزم من التكليف بصرفها و فقدها ذلك عينا أو قيمة.

____________

(1) ارجع الى الحدائق ج 1 ص 151.

(2) الوسائل الباب 50 من الشفعة و الباب 12 من احياء الموات، و الحدائق ج 1 ص 153.

(3) الوسائل الباب 48 من مقدمات النكاح و آدابه، و الجامع الصغير للسيوطي ج 1 ص 125 باب الباء، و المقاصد الحسنة للسخاوي ص 109 حرف الهمزة رقم 214 و تاريخ بغداد للخطيب ج 7 ص 209.

(4) ارجع الى الحدائق ج 1 ص 43، و الشهاب في الحكم و الآداب حرف الالف: «الناس في سعة ما لم يعلموا».

95

و قال السيد السند في المدارك بعد الكلام في المسألة- و نعم ما قال-:

و بالجملة فمقتضى الآية الشريفة و الأخبار المستفيضة وجوب الحج على كل من تمكن من تحصيل الزاد و الراحلة، بل قد عرفت ان مقتضى كثير من الاخبار الوجوب على من أطاق المشي، فيجب الاقتصار في تخصيصها أو تقييدها على قدر الضرورة.

السادسة [هل يجب حمل الزاد من البلد إذا لم يوجد في كل منزل؟]

- قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: المعتبر في القوت و المشروب تمكنه من تحصيلهما اما بالشراء في المنازل أو بالقدرة على حملهما من بلده أو غيره. و قال العلامة في التذكرة و المنتهى: ان الزاد إذا لم يجده في كل منزل وجب حمله، بخلاف الماء و علف البهائم فإنهما إذا فقدا من الموضع المعتاد لهما لم يجب حملهما من بلده و لا من أقرب البلدان إلى مكة كأطراف الشام، و يسقط إذا توقف على ذلك. و هو مشكل. و المتجه عدم الفرق في وجوب حمل الجميع مع الإمكان و سقوطه مع المشقة الشديدة. انتهى.

أقول: الظاهر من كلام العلامة في الكتابين المذكورين هو الفرق بين الزاد و بين الماء، و مثله علف الدواب، فيجب حمل الأول دون الأخيرين باعتبار عدم المشقة في الأول و وجود المشقة في الأخيرين، فهو راجع في الحقيقة الى ما استوجهه (قدس سره) بقوله: «و المتجه. الى آخره».

و ها أنا أسوق كلامه (قدس سره) في الكتابين: اما في التذكرة فإنه قال: و ان كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله، و ان لم يجده كذلك لزمه حمله. و اما الماء و علف البهائم فإن كان يوجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة فلا كلام، و ان لم يوجد لم يلزمه حمله من بلده و لا من أقرب البلدان إلى مكة كأطراف الشام و نحوها، لما فيه من عظم المشقة و عدم جريان

96

العادة به، و لا يتمكن من حمل الماء لدوابه في جميع الطريق، و الطعام بخلاف ذلك. انتهى.

و هو- كما ترى- صريح في ان عدم وجوب حمل الماء له و لدوابه و كذا العلف إنما هو من حيث لزوم المشقة العظيمة. و هو كذلك، فإنه متى كان الطريق- مثلا- عشرين يوما أو شهرا أو نحو ذلك و الحال انه ليس فيها ماء فحمل الماء له و لدوابه في تلك المدة في غاية الإشكال كما هو ظاهر، و مثله علف الدواب.

و اما في المنتهى فإنه ذكر هذه المسألة في موضعين: أحدهما صريح في ما ذكره هنا، و ثانيهما ظاهر في ذلك، قال في الكتاب المذكور: الرابع- الزاد الذي تشترط القدرة عليه هو ما يحتاج اليه من مأكول و مشروب و كسوة، فإن كان يجد الزاد في كل منزل لم يلزمه حمله، و ان لم يجده كذلك لزمه حمله.

و اما الماء و علف البهائم فإن كان يوجد في المنازل التي ينزلها على حسب العادة لم يجب حملهما، و إلا وجب مع المكنة و مع عدمها يسقط الفرض. انتهى و هو- كما ترى- موافق لما استوجهه.

و قال في موضع آخر: قد بينا ان الزاد من شرط وجوب الحج، فإذا كانت سنة جدب لا يقدر فيها على الزاد في البلدان التي جرت العادة بحمل الزاد منها كبغداد و البصرة لم يجب الحج، و ان كان يقدر عليه في البلدان التي جرت العادة بحمل الزاد منها لم يعتبر وجوده في المراحل التي بين ذلك، لان الزاد من ما جرت العادة بحمله و هو ممكن و تقل الحاجة اليه. و اما الماء فان كان موجودا في المواضع التي جرت العادة بكونه فيها- كعبد (1) و علبية (2) و غيرهما- وجب

____________

(1) في القاموس: العبد: عين ببلاد طي.

(2) في مراصد الاطلاع ج 2 ص 956: علبية بكسر اوله و سكون ثانيه على وزن فعلية: مويهة بالدآث. و كذا في القاموس: و الدآث- كما في مراصد الاطلاع ج 2 ص 503- موضع بتهامة. هذا. و ما ورد في الطبعة الاولى من الحدائق- و كذا في المنتهى- الظاهر انه تحريف من النساخ.

97

الحج مع باقي الشرائط، و ان كان لا يوجد في مواضعه لم يجب الحج و ان وجد في البلدان التي يوجد فيها الزاد، و الفرق بينهما قلة الحاجة في الزاد و كثرتها في الماء، و حصول المشقة بحمل الماء دون الزاد. انتهى.

و هو ظاهر- كما ترى- في ان عدم وجوب حمل الماء و سقوط الحج بذلك إنما هو من حيث المشقة في حمله بخلاف الزاد. و هو متجه فان الزاد يكفيه منه قليل لا يحتاج الى مزيد مؤنة في حمله، بخلاف الماء له و لدوابه فإنه يحتاج اليه كثيرا لشربه و طهارته و ازالة نجاساته و سقي دوابه و نحو ذلك، فالمشقة في حمله من مثل بغداد و البصرة إلى مكة ظاهر لا خفاء فيه.

نعم ظاهر كلام الشيخ في المبسوط الذي قدمنا نقله في المسألة الثالثة- حيث ناط وجوب الحمل و عدمه بالعادة دون المشقة- المنافاة لما ذكروه، و لهذا ان شيخنا الشهيد في الدروس إنما أسند الخلاف في المسألة إلى الشيخ دون العلامة، قال: و يجب حمل الزاد و العلف و لو كان طويل الطريق، و لم يوجب الشيخ حمل الماء زيادة عن مناهله المعتادة.

بقي الكلام في صدر عبارة العلامة الأخيرة فإنه لا يخلو من مناقشة، فإن ظاهرها انه إذا لم يقدر على تحصيل الزاد من البلد من حيث الجدب سقط الحج.

و ظاهره ان ذلك أعم من ان يمكن وجوده في الطريق أم لا، بل يجب تقييده بعدم وجوده في الطريق و إلا لوجب شراؤه.

السابعة [يشترط في الراحلة أن تكون مناسبة لحاله]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يشترط في الراحلة أن تكون مناسبة لحاله في القوة و الضعف، فمن كان يمكنه الركوب

98

على القتب لا يعتبر في حقه أزيد من ذلك، و من شق عليه ذلك بحيث يحتاج الى محمل توقف حصول الاستطاعة عليه، و هكذا لو شق عليه المحمل و احتاج الى الكنيسة.

قال العلامة في التذكرة: و يعتبر راحلة مثله، فان كان يستمسك على الراحلة من غير محمل و لا يلحقه ضرر و لا مشقة شديدة فلا يعتبر في حقه إلا وجدان الراحلة لحصول الاستطاعة معها، و ان كان لا يستمسك على الراحلة بدون المحمل أو يجد مشقة عظيمة اعتبر مع وجود الراحلة وجود المحمل، و لو كان يجد مشقة عظيمة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة. و لا فرق بين الرجل و المرأة في ذلك. انتهى. و على هذا النحو كلامهم و ان تفاوت إجمالا و تفصيلا.

و السيد السند في المدارك و تبعه الفاضل الخراساني في الذخيرة قد نسبا إلى العلامة في التذكرة الخلاف في هذه المسألة، فنقلا عنه ان المراد بكون الراحلة مناسبة لحاله ان المراد المناسبة باعتبار الشرف و العزة، فيعتبر في استطاعته المحمل أو الكنيسة عند علو منصبه. ثم رداه بالأخبار الدالة على الحج على حمار أجدع أبتر (1) و اعتضدا بما ذكره الشهيد في الدروس حيث قال: و المعتبر في الراحلة ما يناسبه و لو محملا إذا عجز عن القتب، و لا يكفي علو منصبه في اعتبار المحمل و الكنيسة، فإن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) حجوا على الزوامل.

و العجب منهما في هذه الغفلة و عبارة التذكرة- كما تلوناها عليك- صريحة في كون المراد بمناسبة حاله إنما هو في القوة و الضعف لا في الشرف و الضعة، فينبغي التأمل في ذلك و عدم الاعتماد على مثل هذه النقول و لو من مثل هؤلاء الفحول، فان المعصوم من عصمه الله، و الجواد قد يكبو، و السيف قد ينبو.

____________

(1) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

99

ثم انه لا يخفى ان في حكم الزاد و الراحلة ما يحتاج اليه من الخدم واحدا أو أكثر، و ما يحتاج اليه من الفراش و أوعية الماء من القرب و غيرها، و نحو ذلك.

الثامنة [تحقق الاستطاعة بالبذل]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) الإجماع على انه لو بذل له باذل الزاد و الراحلة و نفقة له و لعياله وجب عليه الحج و كان بذلك مستطيعا.

و تدل عليه جملة من الاخبار المتقدمة في صدر البحث مثل صحيحة محمد بن مسلم و حسنة الحلبي أو صحيحته (1).

و موثقة أبي بصير أو صحيحته (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

من عرض عليه الحج و لو على حمار أجدع مقطوع الذنب فأبى فهو مستطيع للحج».

و صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل لم يكن له مال فحج به رجل من إخوانه هل يجزئ ذلك عنه من حجة الإسلام أم هي ناقصة؟ قال: بل هي حجة تامة».

و بهذا الاسناد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال: «و ان كان دعاه قوم ان يحجوه فاستحى فلم يفعل فإنه لا يسعه إلا الخروج و لو على حمار أجدع أبتر».

و روى شيخنا المفيد في المقنعة مرسلا (5) قال: «قال (عليه السلام): من عرضت عليه نفقة الحج فاستحى فهو ممن ترك الحج مستطيعا اليه السبيل».

و روى البرقي في المحاسن في الصحيح عن ابي بصير (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل كان له مال فذهب ثم عرض عليه الحج فاستحى؟ فقال:

من عرض عليه الحج فاستحى و لو على حمار أجدع مقطوع الذنب فهو ممن يستطيع الحج».

____________

(1) ص 84.

(2) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(6) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

100

و إطلاق هذه الروايات يقتضي عدم الفرق بين ان يكون البذل على وجه التمليك أم لا، و لا بين ان يكون واجبا بنذر أو شبهه أم لا، و لا بين ان يكون الباذل موثوقا به أم لا، و لا بين بذل عين الزاد و الراحلة أو أثمانهما.

و نقل عن ابن إدريس انه اعتبر في وجوب الحج بالبذل تمليك المبذول، و نقله في الدروس عن العلامة أيضا. و فرق العلامة في التذكرة- و مثله شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- بين العين و الثمن فحكما بالاستطاعة ببذل الأول دون الثاني. و اشترط في الدروس التمليك أو الوثوق به، و نقل عن جمع من الأصحاب اشتراط التمليك أو الوجوب بنذر أو شبهه.

و قال العلامة في التذكرة: هل يجب على الباذل بالبذل الشيء المبذول أم لا؟ فان قلنا بالوجوب أمكن وجوب الحج على المبذول له، لكن في إيجاب المبذول بالبذل اشكال أقربه عدم الوجوب، و ان قلنا بعدم وجوبه ففي إيجاب الحج اشكال أقربه العدم، لما فيه من تعليق الواجب بغير الواجب. انتهى.

أقول: لا يخفى ان هذا الكلام مخالف لما صرح (قدس سره) به في صدر المسألة حيث قال: مسألة: لو لم يكن له زاد و راحلة أو كان و لا مؤنة لسفره أو لعياله و بذل له باذل الزاد و الراحلة و مؤنته ذاهبا و عائدا و مؤنة عياله مدة غيبته وجب عليه الحج عند علمائنا سواء كان الباذل قريبا أو بعيدا، لانه مستطيع للحج، و لان الباقر و الصادق (عليهما السلام) (1) سئلا عن من عرض عليه الحج فاستحى من ذلك أ هو ممن يستطيع الى ذلك سبيلا؟ قالا: نعم.

و هو ظاهر- كما ترى- في حكمه بالوجوب بمجرد البذل و دعواه الإجماع عليه،

____________

(1) هذا مضمون الأخبار الواردة في الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

101

و حينئذ فالظاهر ان هذا الكلام عدول عن ما ذكره أولا.

و كيف كان فجميع ما ذكروه هنا تقييد للنص من غير دليل، و تخيل بطلان تعلق الواجب بغير الواجب- كما ذكره في التذكرة- مدفوع بان يقال انه يشترط في استمرار الوجوب استمرار البذل، فان من شرائط الوجوب استمرار الاستطاعة و الاستطاعة هنا إنما هي البذل. نعم لا يبعد- كما ذكر في المدارك- اعتبار الوثوق بالباذل، لما في التكليف بالحج بمجرد البذل مع عدم الوثوق بالباذل من التعرض للخطر على النفس المستلزم للحرج العظيم و المشقة الزائدة فكان منفيا. و الظاهر ان الإطلاق في الأخبار بالنسبة الى هذا القيد الذي ذكرناه إنما وقع بناء على ما هو المعروف المعهود يومئذ من وفاء الناس بذلك فلا يقاس على مثل أزماننا هذه.

بقي هنا شيء و هو ان السيد السند (قدس سره) قال: و اعتبر في التذكرة وجوب البذل بنذر و شبهه حذرا من استلزام تعليق الواجب بغير الواجب. ثم رده بأنه ضعيف. و ما ذكره ليس في التذكرة منه عين و لا اثر و إنما الذي فيها هو ما قدمنا نقله عنه أولا، و لعله أراد ان اللازم من العبارة المتقدمة ذلك.

[تنبيهات]

ثم انه ينبغي التنبيه هنا على أمور:

الأول [هل يفرق بين بذل العين و بذل الثمن في تحقق الاستطاعة؟]

- قال السيد السند في المدارك: إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين بذل عين الزاد و الراحلة و أثمانهما، و به صرح في التذكرة و اعتبر الشارح (قدس سره) بذل عين الزاد و الراحلة، قال: فلو بذل أثمانهما لم يجب القبول. الى آخر كلامه الآتي ذكره ان شاء الله تعالى.

أقول: اما ما ذكره من إطلاق النص فصحيح كما أشرنا إليه آنفا، و اما ما ذكره من إطلاق كلام الأصحاب فلم أقف عليه في كلام أحد منهم إلا في عبارة الشيخ في المبسوط حيث قال: إذا بذل له الاستطاعة قدر ما يكفيه ذاهبا و جائيا

102

و يخلف لمن تجب عليه نفقته لزمه فرض الحج لأنه مستطيع. فان قوله: «إذا بذل له الاستطاعة» صادق بإطلاقه على بذل العين أو الثمن. و نحو ذلك في النهاية و اما غيره فهم ما بين مصرح بخصوص بذل الزاد و الراحلة و لم يتعرض لحكم الثمن- كالمحقق في المعتبر و الشرائع و العلامة في المنتهى و الإرشاد- و من لم يتعرض لحكم البذل مطلقا كالعلامة في القواعد- و من ذكرهما معا و فرق بينهما كالعلامة في التذكرة و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.

و اما ما نقله عن العلامة في التذكرة- من انه صرح بعدم الفرق بين الزاد و الراحلة و بين أثمانهما في حصول الاستطاعة ببذل العين و الثمن- فهو عجب عجيب، كيف؟ و هذه صورة عبارة العلامة في الكتاب المذكور، فإنه قال أولا:

مسألة: لو لم يكن له زاد و راحلة. إلى آخر العبارة التي قدمناها آنفا. ثم قال: فروع: الأول- لو بذل له مال يتمكن به من الحج و يكفيه في مؤنته و مؤنة عياله لم يجب عليه القبول. لاشتماله على المنة. و لأن في قبول المال و تملكه إيجاب سبب يلزم به الفرض و هو القبول، و ربما حدثت عليه حقوق كانت ساقطة فيلزمه صرف المال إليها من وجوب نفقة و قضاء دين. و لان تحصيل شرط الوجوب غير واجب كما في تحصيل مال الزكاة. انتهى. و هو صريح- كما ترى- في الفرق بين بذل العين- كما ذكره في صدر المسألة من انه يجب عليه الحج- و بين بذل الثمن فلا يجب عليه القبول، كما ذكره في الفروع المذكور نعم قال في الفرع الرابع: قال ابن إدريس من علمائنا: ان من يعرض عليه بعض إخوانه ما يحتاج اليه من مؤنة الطريق يجب عليه الحج بشرط ان يملكه ما يبذل له و يعرض عليه لا وعدا بالقول دون الفعل. و التحقيق ان نقول: ان البحث هنا في أمرين: الأول- هل يجب على الباذل. الى آخر ما قدمناه من العبارة المذكورة. ثم قال: الثاني- هل بين بذل المال و بذل الزاد و الراحلة

103

و مؤنته و مؤنة عياله فرق أم لا؟ الأقرب عدم الفرق لعدم جريان العادة بالمسامحة في بذل الزاد و الراحلة و المؤن بغير منة كالمال. انتهى.

و هو- كما ترى- ظاهر في ان المراد انما هو عدم الفرق بينهما في انه لا تحصل الاستطاعة بهما، لانه ذكر في الفرع الأول- كما نقلناه- عدم وجوب قبول المال إذا بذل له لاشتماله على المنة. إلى آخر ما تقدم، و هنا قد ألحق به عين الزاد و الراحلة لو بذل له و جعل حكمه حكم المال في عدم وجوب قبوله، لاشتماله على المنة لأنه لم تجر العادة بالمسامحة به. و السيد (قدس سره) قد توهم العكس في وجوب القبول في الموضعين و حصول الاستطاعة، و هي غفلة فاحشة.

و بالجملة فإن مرجع كلام العلامة هنا إلى موافقة ابن إدريس في انه لا يكفي مجرد البذل- للعين كان أو للثمن- بل لا بد من التمليك. و فيه رجوع عن ما يدل عليه أول كلامه في المسألة كما أشرنا إليه آنفا. و الظاهر ان شيخنا الشهيد في الدروس إنما نسب اليه القول بما ذهب اليه ابن إدريس من كلامه هنا و إلا فكلامه في سائر كتبه خال من ذلك.

بقي الكلام في ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني- و قبله العلامة في التذكرة- من دعوى حصول الفرق بين بذل عين الزاد و الراحلة و بذل أثمانهما في وجوب الحج، و حصول الاستطاعة على الأول دون الثاني، فإن إطلاق النصوص المتقدمة شامل للأمرين. و تعليلهما المنع في الثاني- باعتبار اشتماله على المنة، و انه موقوف على القبول و هو شرط للواجب المشروط فلا يجب تحصيله- وارد عليهما في بذل العين ايضا.

و بالجملة فالنصوص المتقدمة- كما عرفت- شاملة بإطلاقها لعين الزاد و الراحلة و أثمانهما، فإن عمل بها على إطلاقها ففي الموضعين، و إلا فلا فيهما.

و ظاهرها انه بمجرد بذل ما يحج به و عرض ذلك عليه يكون مستطيعا،

104

و متى تحققت الاستطاعة بذلك كان الحج واجبا مطلقا، لأن كونه واجبا مشروطا إنما هو بالنسبة إلى الاستطاعة، فمتى لم تتحقق الاستطاعة لم يجب تحصيلها، لان شرط الواجب المشروط لا يجب تحصيله، و متى تحققت الاستطاعة صار الوجوب مطلقا فيجب تحصيل ما يتوقف عليه من المقدمات، و منها في ما نحن فيه قبول ذلك لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. و هذا بحمد الله واضح لا سترة عليه.

الثاني [هل يفرق بين البذل و التمليك في وجوب القبول؟]

- الظاهر انه لا فرق بين بذل الزاد و الراحلة و بين هبتهما في حصول الاستطاعة، لإطلاق النصوص المتقدمة. و ظاهر كلام جملة من الأصحاب- بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين- و هو الفرق، معللين عدم وجوب قبول الهبة بأن فيه تحصيلا لشرط الوجوب و هو غير لازم، و لاشتماله على المنة. و قد عرفت آنفا ما في التعليلين من الوهن و القصور، و لهذا ان الشهيد في الدروس- بعد ان ذكر انه لا يجب قبول هبتهما جريا على ما هو المشهور بينهم- تنظر في الفرق بين الهبة و البذل، و وجه النظر ظاهر بما قدمناه.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد قول المصنف-: و لو وهب له مال لم يجب قبوله- ما لفظه: لان قبول الهبة نوع من الاكتساب و هو غير واجب للحج، لان وجوبه مشروط بالاستطاعة، فلا يجب تحصيل شرطه بخلاف الواجب المطلق. و من هنا ظهر الفرق بين البذل و الهبة، فإن البذل يكفي فيه نفس الإيقاع في حصول القدرة و التمكن فيجب بمجرده. انتهى.

أقول: لا يخفى ان

قولهم (عليهم السلام) (1)- في ما تقدم من الاخبار:

«من عرض عليه الحج أو من عرض عليه ما يحج به فهو مستطيع».

- صادق على من وهب له مال، فإنه متى قال له: «وهبتك هذا المال للحج» فقد صدق عليه

____________

(1) الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

105

انه عرضه عليه كما في قوله: «خذ هذا المال و حج به» و حينئذ فتثبت الاستطاعة بمجرد الهبة، و إذا ثبتت الاستطاعة بمجرد ذلك كان الحج واجبا مطلقا، و وجب عليه القبول من حيث توقف الواجب عليه، فان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فيصير القبول من جملة مقدمات الواجب. و حصول الاستطاعة بالهبة لا يتوقف على القبول ليكون الحج قبل القبول واجبا مشروطا و لا يجب تحصيل شرطه، بل الحج بمجرد العرض عليه- بقوله: «وهبتك» أو قوله: «خذ هذا المال»- قد صار واجبا مطلقا لحصول الاستطاعة بمجرد ذلك. اللهم إلا أن يناقش في ان قول القائل: «وهبتك هذا المال للحج» لا يصدق عليه انه عرض عليه.

و هو في غاية البعد، قال في القاموس: «عرض الشيء له أظهره له، و عليه أراه إياه» و حينئذ فمعنى: «عرض عليه ما يحج به» لغة: أراه ما يحج به. و العبارة في الاخبار خرجت مخرج التجوز باعتبار اخباره و اعلامه بذلك. و من ذلك يعلم صدق العبارة المذكورة على الهبة كالبذل بغير هبة.

و لم أر من خرج عن كلام الأصحاب في هذا المقام و ألحق الهبة بمجرد البذل سوى السيد السند في المدارك، و اقتفاه الفاضل الخراساني في الذخيرة، و قبلهما المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و هو الحق الحقيق بالاتباع و ان كان قليل الاتباع.

الثالث [لا يشترط في الوجوب بالبذل عدم الدين أو ملك ما يوفيه به]

- قال في المسالك: و لا يشترط في الوجوب بالبذل عدم الدين أو ملك ما يوفيه به بل يجب الحج و ان بقي الدين. أقول: و هو كذلك لإطلاق النصوص.

ثم قال: نعم لو بذل له ما تكمل به الاستطاعة اشترط في ماله الوفاء بالدين و كذا لو وهبه مالا مطلقا، و لو شرط عليه الحج به فكالمبذول.

الرابع [هل يجب على المبذول له إعادة الحج بعد اليسار؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يجب على

106

المبذول له اعادة الحج بعد اليسار، و ذهب الشيخ في الاستبصار إلى وجوب الإعادة.

و يدل على الأول صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1) في صدر المسألة.

احتج الشيخ

بما رواه الكليني في الموثق عن الفضل بن عبد الملك (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لم يكن له مال فحج به أناس من أصحابه أ قضى حجة الإسلام؟ قال: نعم، فإن أيسر بعد ذلك فعليه ان يحج. قلت:

هل تكون حجته تلك تامة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله؟ قال: نعم قضى عنه حجة الإسلام و تكون تامة و ليست بناقصة، و ان أيسر فليحج».

و لا يخفى ان هذا الخبر بالدلالة على خلاف ما يدعيه انسب، فإنه صريح في كونه قضى حجة الإسلام، و حينئذ فالأمر بالحج ثانيا محمول على الاستحباب و بذلك صرح في التهذيب فقال بعد حمل الرواية على الاستحباب: يدل على ما ذكرنا من الاستحباب انه إذا قضى حجة الإسلام فليس بعد ذلك إلا الندب و الاستحباب.

و بذلك يظهر لك ما في قوله في الاستبصار: و اما قوله في الخبر الأول:

«و يكون قد قضى حجة الإسلام» المعنى فيه: الحجة التي ندب إليها في حال إعساره فإن ذلك يعبر عنها بحجة الإسلام من حيث كانت أول الحجة. انتهى. و هو في الضعف أظهر من ان يحتاج الى بيان.

و بما ذكرنا يجاب ايضا

عن رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3)

____________

(1) ص 99.

(2) التهذيب ج 5 ص 7 و في الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 21 و 23 من وجوب الحج و شرائطه.

107

قال: «لو ان رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة، فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج.

و كذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج و ان كان قد حج».

و يؤكد الاستحباب في هذا الخبر اضافة الناصب، فإن الأخبار تكاثرت بأنه لا اعادة على الناصب بعد إيمانه في شيء من عباداته التي عملها حال نصبه إلا الزكاة (1) أقول: و من ما يوضح ذلك بأوضح وجه دلالة الأخبار المتقدمة على حصول الاستطاعة الشرعية بالبذل و انه يجب عليه الحج بذلك، و هي حجة الإسلام البتة، و ليس بعدها إلا الاستحباب.

التاسعة [هل يتقدم الحج على النكاح عند الشوق و الدوران بينهما؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو كان ذا مال تحصل به الاستطاعة فنازعته نفسه الى النكاح لم يجز صرفه في النكاح و ان شق عليه و حصل له العنت بل الواجب صرفه في الحج، لان الحج مع الاستطاعة واجب و النكاح مندوب، و المندوب لا يعارض الواجب.

و قال العلامة في التذكرة: لو احتاج الى النكاح و خاف على نفسه العنت قدم الحج، لانه واجب و النكاح تطوع، و يلزمه الصبر. و بنحو ذلك صرح المحقق في الشرائع و العلامة في الإرشاد، فإنهما صرحا بوجوب تقديم الحج و ان شق عليه ترك النكاح.

و صرح العلامة في المنتهى بتقدم النكاح لو خاف من تركه المشقة العظيمة لحصول الضرر. و نحوه الشهيد في الدروس ايضا. و لا يبعد تقييد كلام الموجبين لتقديم الحج بذلك ايضا، و ان صرحوا بوجوب تقديمه و ان حصلت المشقة بترك

____________

(1) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات، و الباب 3 من المستحقين للزكاة، و الباب 23 من وجوب الحج و شرائطه.

108

النكاح، بحمل ذلك على مشقة لا يترتب عليها الضرر.

و لم أقف في المسألة على خبر على الخصوص، إلا ان ما ذكرناه من ما يستفاد من القواعد الشرعية.

العاشرة [لو آجر شخص نفسه بما تحصل به الاستطاعة وجب عليه الحج؟]

- لو طلب من فاقد الاستطاعة ان يؤجر نفسه للمساعدة في السفر بما تحصل به الاستطاعة لم يجب عليه القبول، لما تقرر من ان تحصيل شرط الوجوب ليس بواجب. نعم لو آجر نفسه بمال تحصل به الاستطاعة- أو ببعضه إذا كان مالكا للباقي- وجب عليه الحج، لحصول الاستطاعة التي هي شرط الوجوب.

و أورد هنا اشكال و هو ان الوصول إلى مكة و المشاعر قد صار واجبا على الأجير بالإجارة فكيف يكون مجزئا عن حجة الإسلام؟ و ما الفرق بينه و بين ناذر الحج في سنة معينة إذا استطاع في تلك السنة لحجة الإسلام؟ حيث حكموا بعدم تداخل الحجتين.

و أجيب بأن الحج الذي هو عبارة عن مجموع الأفعال المخصوصة لم تتعلق به الإجارة و انما تعلقت بالسفر خاصة، و هو غير داخل في أفعال الحج و انما الغرض منه مجرد انتقال البدن الى تلك الأمكنة ليقع الفعل، حتى لو تحققت الاستطاعة فانتقل ساهيا أو مكرها أو على وجه محرم ثم اتى بتلك الأفعال صح الحج، و لا يعتبر وقوعه لأجل الحج قطعا، و هذا بخلاف نذر الحج في السنة المعينة، فإن الحج نفسه يصير واجبا بالنذر فلا يكون مجزئا عن حج الإسلام لاختلاف السببين، مع احتمال التداخل. و سيجيء تحقيق المسألة في محلها ان شاء الله تعالى.

الحادية عشرة [هل يجب على الرجل أن يحج من مال ابنه إذا لم يكن ذا مال؟]

- اختلف الأصحاب في ما لو لم يكن الرجل مستطيعا و كان

109

له ولد ذو مال، فهل يجب على الأب الأخذ من مال ابنه ما يحج به و يحج أم لا؟ قولان:

قال الشيخ في النهاية: و من لم يملك الاستطاعة و كان له ولد له مال وجب عليه ان يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به على الاقتصاد و يحج. و به قال ابن البراج. و قال في المبسوط و الخلاف: روى أصحابنا إذا كان له ولد له مال وجب عليه ان يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به و يجب عليه إعطاؤه. ثم قال في الخلاف: و لم يرو أصحابنا في ذلك خلاف هذه الرواية فدل على إجماعهم عليها.

و قال الشيخ المفيد في المقنعة: و ان كان الرجل لا مال له و لولده مال فإنه يأخذ من مال ولده ما يحج به من غير إسراف و تقتير.

و استدل له

الشيخ في التهذيب (1) بما رواه في الصحيح عن سعيد بن يسار قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير؟ قال:

نعم يحج منه حجة الإسلام. قلت: و ينفق منه؟ قال: نعم. ثم قال: ان الولد لوالده، ان رجلا اختصم هو و والده إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقضى ان المال و الولد للوالد».

و نقل عن ابن إدريس انه منع من ذلك، قال: لان مال الولد ليس مالا للوالد. و تبعه من تأخر عنه. و أجاب العلامة في المختلف عن الرواية بالحمل على الاستدانة بعد تحقق الاستطاعة، أو على من وجب عليه الحج أولا و استقر في ذمته و فرط فيه ثم تمكن من الاقتراض من مال الولد فإنه يلزمه ذلك.

و اعترضه في المدارك بان هذا الحمل بعيد جدا، لمنافاته لما تضمنته الرواية من قضاء النبي (صلى اللّٰه عليه و آله). ثم قال: و كيف كان فالأصح ما ذهب إليه المتأخرون،

____________

(1) ج 5 ص 15 و في الوسائل الباب 36 من وجوب الحج و شرائطه.

110

لأن هذه الرواية لا تبلغ حجة في إثبات هذا الحكم المخالف للأدلة القطعية. انتهى و الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد ان ذكر جواب العلامة عن الرواية استبعده، ثم قال: و العدول عن ظاهر الرواية الصحيحة لا يخلو من اشكال. انتهى.

أقول: لا يخفى ان الروايات قد اختلفت في جواز أخذ الوالد من مال ابنه بغير اذنه، و كذا وطء جاريته بغير اذنه، و هذه الرواية إنما خرجت ذلك المخرج الذي خرجت عليه روايات الجواز، و الكلام فيها يترتب على الكلام في تلك الروايات، و الأصحاب (رضوان الله عليهم) اقتصروا على الكلام في هذه الرواية استدلالا و جوابا، و التحقيق ان هذه الرواية لا خصوصية لها بالبحث عنها بل الواجب هو النظر في جملة روايات المسألة و الجمع بينها.

و ها انا انقل ما وقفت عليه من الأخبار في ذلك و أبين ما ظهر لي من الوجه فيها:

فمنها-

ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل لابنه مال فيحتاج إليه الأب؟ قال:

يأكل منه. فاما الأم فلا تأكل منه إلا قرضا على نفسها».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لرجل: أنت و مالك لأبيك. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أحب له ان يأخذ من مال ابنه إلا ما احتاج اليه من ما لا بد منه، ان الله (عز و جل) لٰا يُحِبُّ الْفَسٰادَ».

و ما رواه الكليني عن ابن ابي يعفور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في

____________

(1) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(2) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(3) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

111

الرجل يكون لولده مال فأحب أن يأخذ منه؟ قال: فليأخذ. و ان كانت امه حية فما أحب ان تأخذ منه شيئا إلا قرضا على نفسها».

و ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) في الصحيح في التهذيب و الفقيه عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه؟ قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف. و قال: في كتاب علي (عليه السلام):

ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه، و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء. و له ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها. و ذكر ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك».

أقول: و صورة رواية الفقيه (2) لهذا الخبر من قوله: «عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: في كتاب علي (عليه السلام). الى قوله: وقع عليها» و ما زاد أولا و آخرا من الكتابين الآخرين.

و ما رواه في التهذيب عن الحسين بن علوان عن زيد بن على عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (3) قال: «اتى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) رجل فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان ابي عمد إلى مملوك لي فأعتقه كهيئة المضرة لي؟ فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله):

أنت و مالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانته «يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ. وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشٰاءُ عَقِيماً» (4) جازت عتاقة أبيك، يتناول

____________

(1) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به، و في التهذيب ج 6 ص 343 عن ابي عبد الله (عليه السلام) كما في الوسائل عنه.

(2) ج 3 ص 286. و في الوسائل الباب 40 من نكاح العبيد و الإماء.

(3) الوسائل الباب 67 من العتق.

(4) سورة الشورى الآية 49 و 50.

112

والدك من مالك و بدنك، و ليس لك ان تتناول من ماله و لا من بدنه شيئا إلا باذنه».

و ما رواه الصدوق في كتابي العيون و العلل بسنده فيهما عن محمد بن سنان (1): «ان الرضا (عليه السلام) كتب إليه في ما كتب من جواب مسائله: و علة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه و ليس ذلك للولد، لان الوالد موهوب للوالد في قوله (عز و جل) يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ (2) مع انه المأخوذ بمؤنته صغيرا و كبيرا، و المنسوب اليه و المدعو له، لقوله عز و جل ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ (3) و لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): أنت و مالك لأبيك. و ليس للوالدة مثل ذلك، لا تأخذ شيئا من ماله إلا بإذنه أو بإذن الأب، لأن الوالد مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ المرأة بنفقة ولدها».

و ما رواه الثقة الجليل على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الرجل تكون لولده الجارية أ يطأها؟ قال: ان أحب. و ان كان لولده مال و أحب ان يأخذ منه فليأخذ. و ان كانت الأم حية فلا أحب أن تأخذ منه شيئا إلا قرضا».

فهذه الأخبار كلها- كما ترى على تكاثرها و صحة أسانيد بعضها- ظاهرة في موافقة الخبر المتقدم. و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك و قوله:

«لان هذه الرواية لا تبلغ حجة. الى آخره» فإنها متى اعتضدت بهذه الأخبار الدالة على ما دلت عليه كانت معها في أعلى مراتب الحجية.

إلا ان ظاهر كلمة الأصحاب الاتفاق على عدم القول بها، و قد تأولوها بحمل أخذ الوالد على جهة النفقة، و الاخبار المذكورة تنبو عن ذلك، فإنها قد

____________

(1) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(2) سورة الشورى الآية 49.

(3) سورة الأحزاب الآية 4.

(4) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

113

اشتملت على منع الام من الأخذ من ماله إلا قرضا، و الابن إلا بإذن الأب. و هذا من ما يدافع الحمل المذكور، لاشتراك الجميع في وجوب الإنفاق على الغنى منهم، فيجوز للام الأخذ نفقة، و الابن الأخذ نفقة، بلا خلاف و لا اشكال.

و من الاخبار المدافعة لهذه الأخبار ما تقدم

في صحيحة الثمالي (1) من قول ابي جعفر (عليه السلام): «ما أحب له ان يأخذ من مال ابنه. الى آخره».

فإنه ظاهر في العدم إلا مع الضرورة.

و منها-

ما رواه في الكافي و الفقيه عن الحسين بن ابي العلاء (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر اليه. قال: فقلت له: فقول رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له: أنت و مالك لأبيك؟ فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) هذا ابي و قد ظلمني ميراثي من أمي. فأخبره الأب انه قد أنفقه عليه و على نفسه. فقال (صلى اللّٰه عليه و آله): أنت و مالك لأبيك. و لم يكن عند الرجل شيء، أو كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يحبس الأب للابن».

و هذا الخبر و ان كان سنده ضعيفا في الكتابين المذكورين، إلا ان الصدوق رواه أيضا في كتاب معاني الاخبار (3) عن أبيه عن احمد بن إدريس قال:

حدثنا محمد بن احمد عن محمد بن عيسى عن علي بن الحكم عن الحسين بن ابي العلاء.

و هو ظاهر الصحة إلى الحسين، و حسن به.

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح الى ابن سنان (4) قال: «سألته- يعني أبا عبد الله (عليه السلام)- ما ذا يحل للوالد من مال ولده؟ قال: اما إذا أنفق

____________

(1) ص 110.

(2) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(3) ص 155 الطبع الحديث، و في الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(4) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

114

عليه ولده بأحسن النفقة فليس له ان يأخذ من ماله شيئا. فإن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له ان يطأها إلا ان يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه.

قال: و يعلن ذلك. قال: و سألته عن الوالد أ يرزأ من مال ولده شيئا؟

قال: نعم، و لا يرزأ الولد من مال والده شيئا إلا بإذنه. فإن كان للرجل ولد صغار لهم جارية فأحب أن يفتضها فليقومها على نفسه قيمة ثم ليصنع بها ما شاء، ان شاء وطئ و ان شاء باع».

قوله: «يرزأ من مال ولده» اي يصيب منه و ينتفع به مع بقاء عينه.

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الموثق عن علي بن جعفر عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: لا، إلا ان يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف. و لا يصلح للولد ان يأخذ من مال والده شيئا إلا بإذن والده».

و رواه الحميري في قرب الاسناد (2) إلا ان فيه: قال: «لا إلا بإذنه، أو يضطر فيأكل بالمعروف، أو يستقرض منه حتى يعطيه إذا أيسر».

و في موثقة إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «و ان كانت له جارية فأراد أن ينكحها قومها على نفسه، و يعلن ذلك».

أقول: و بهذه الأخبار أخذ الأصحاب و عليها عملهم، و لم يحصل الخلاف بينهم إلا في مسألة الحج كما عرفت.

و أنت خبير بان المخالف في هذه المسألة لا معنى لقوله بذلك في خصوص الحج، بل اللازم عليه اما العمل بهذه الأخبار الدالة على الجواز مطلقا أو تركها

____________

(1) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(2) الوسائل الباب 78 من ما يكتسب به.

(3) الوسائل الباب 79 من ما يكتسب به.

115

جميعا، لأن رواية الحج من جملة هذه الروايات و ليس لها خصوصية بالحج، بل ذكر الحج فيها انما خرج مخرج التمثيل كخبر الجارية و خبر العتق (1) و مرجع الجميع الى جواز تصرف الوالد في مال ولده كتصرفه في مال نفسه.

بقي الكلام في الجمع بين هذه الاخبار، فإنك قد عرفت ان ما جمع به الأصحاب بينها- من حمل أخذ الأب على كونه على جهة النفقة- غير تام. و الذي يقرب عندي- باعتبار اتفاق الطائفة المحقة قديما و حديثا على عدم العمل بأخبار إنما خرجت مخرج التقية، و لا سيما ما دل عليه خبر الحسين بن علوان من مزيد التأكيد في هذا الحكم، فان رجال هذا الخبر كلهم من العامة، و مستندهم في ذلك يدور على الخبر النبوي (2) و قد كثر الاحتجاج به في هذه الاخبار على هذا الحكم. مع ان حسنة الحسين بن ابي العلاء صريحة في تأويله و انه لا حجة فيه على ذلك. و يشير الى ذلك أيضا صحيحة الثمالي (3) فإنه (عليه السلام) بعد ان نقل الحديث النبوي الدال على الحكم المذكور اضرب عنه تنبيها و اشارة الى عدم صحته و إلا فكيف ينقله و يفتي بخلافه؟ و بذلك يظهر قوة القول المشهور في المقامين. و الله العالم.

الثانية عشرة [عدم سقوط حج الإسلام بالحج النيابي]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان من كان غير مستطيع للحج ثم استؤجر للحج عن غيره فإن حجه ذلك لا يسقط

____________

(1) ص 111 و 112.

(2) و هو

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «أنت و مالك لأبيك».

المتقدم، و رواه ابن ماجة في سننه ج 2 ص 44 باب (ما للرجل من مال ولده) و أبو داود في سننه ج 3 ص 289 رقم 3530.

(3) ص 110.

116

عنه حجة الإسلام بعد الاستطاعة.

و يدل على ما قالوه

خبر آدم بن علي عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«من حج عن انسان و لم يكن له مال يحج به أجزأت عنه حتى يرزقه الله تعالى ما يحج به و يجب عليه الحج».

و استدل بعضهم على ذلك بروايتي الفضل بن عبد الملك و ابي بصير المتقدمتين (2) في الفرع الرابع من المسألة الثامنة، و الظاهر انهما ليستا من أدلة هذه المسألة في شيء، و إنما موردهما من بذل له مال يحج به كما هو موضوع تلك المسألة. نعم ربما أمكن احتمال ذلك في رواية أبي بصير بالنظر الى قوله فيها: «أحجه رجل» فإنه يحتمل أنه أعطاه مالا يحج به عن نفسه، و يحتمل انه انابه عنه في الحج.

و قد ورد هنا جملة من الاخبار دالة بظاهرها على الاجزاء عن حجة الإسلام و ان استطاع بعده:

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حج عن غيره، أ يجزئه ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: نعم».

و صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «في رجل ليس له مال حج عن رجل أو أحجه غيره ثم أصاب مالا، هل عليه الحج؟ قال:

يجزئ عنهما».

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:

«حج الصرورة يجزئ عنه و عن من حج عنه».

____________

(1) الوسائل الباب 21 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) ص 106.

(3) الوسائل الباب 21 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 21 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 21 من وجوب الحج و شرائطه.

117

و رواية عمرو بن الياس (1) قال: «حج بي ابي و انا صرورة، و ماتت أمي و هي صرورة، فقلت لأبي: انى أجعل حجتي عن أمي. قال: كيف يكون هذا و أنت صرورة، و أمك صرورة؟ قال: فدخل ابي على ابى عبد الله (عليه السلام) و انا معه، فقال: أصلحك الله تعالى، انى حججت بابني هذا و هو صرورة و ماتت امه و هي صرورة، فزعم انه يجعل حجته عن امه؟ فقال: أحسن، هي عن امه أفضل، و هي له حجة».

و قد ورد بإزاء هذا الخبر

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن مهزيار عن بكر بن صالح (2) قال: «كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام): ان ابني معي و قد امرته ان يحج عن أمي، أ يجزئ عنهما حجة الإسلام؟ فكتب: لا.

و كان ابنه صرورة و كانت امه صرورة».

و حمله الشيخ على ما إذا كان للابن مال. و هو مؤذن بقوله بالاجزاء لو لم يكن له مال. و أنت خبير بأنه لو لا صحيحة جميل المذكورة لأمكن حمل هذه الأخبار على ما دلت عليه رواية آدم بن علي من حمل الاجزاء على الاجزاء الى اليسار، إلا ان صحيحة جميل صريحة في الاجزاء و لو استطاع بعد ذلك.

و أجاب المحقق الشيخ حسن عنها في المنتقى بالطعن في متنها، قال بعد نقل الخبر المذكور: و ربما تطرق اليه الشك لقصور متنه حيث تضمن السؤال أمرين و الجواب إنما ينتظم مع أحدهما، فإن قوله: «يجزئ عنهما» يناسب مسألة الحج عن الغير، و اما حكم من أحجه غيره فيبقى مسكوتا عنه، مع ان اصابة المال

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 8، و في الوسائل الباب 21 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 6 من النيابة في الحج.

118

إنما ذكرت معه، و ذلك مظنة الريب أو عدم الضبط في حكاية الجواب، فيشكل الالتفات إليه في حكم مخالف لما عليه الأصحاب. انتهى.

أقول: لقائل أن يقول: ان المسؤول عنه و ان كان رجلا واحدا حج عن غيره أو أحجه رجل ثم أصاب بعد الحج- على أحد الوجهين- مالا، إلا انه يرجع في المعنى الى فردين: رجل حج عن غيره، و رجل أحجه غيره، و على هذا بنى الجواب، فأجاب (عليه السلام) بان من حج عن غيره فأصاب مالا، و من أحجه غيره ثم أصاب مالا؛ فان حج كل منهما مجزئ عنهما و لا يجب عليهما الإعادة بعد حصول المال. و هذا الوجه- بحمد الله تعالى- واضح الظهور لا يعتريه القصور و على هذا تبقى المسألة في قالب الاشكال.

و السيد السند في المدارك- بعد نقل صحيحة معاوية بن عمار الاولى ثم صحيحة جميل- قال: و أجاب الشيخ في الاستبصار عن الرواية الأولى بالحمل على ان المراد بحجة الإسلام الحجة المندوب إليها في حال الإعسار دون التي تجب في حال اليسار. و هو تأويل بعيد، مع انه لا يجري في الرواية الثانية. إلا انه لا خروج عن ما عليه الأصحاب. انتهى.

و فيه انه قد خالف الأصحاب في غير موضع من شرحه هذا، و ان لم يبلغ الدليل الذي في خلافهم الى ما بلغت اليه هذه الاخبار، كما نبهنا عليه في غير موضع من شرحنا على هذا الكتاب.

و الفاضل الخراساني- بعد البحث في المسألة و نقل كلام الشيخ حسن المتقدم- قال: و المسألة عندي محل اشكال. و هو كذلك لما عرفت.

و لو لا ما يظهر من اتفاق الأصحاب قديما و حديثا على الحكم المذكور لكان القول بما دلت عليه هذه الاخبار في غاية القوة. و الله العالم.

119

المسألة الثالثة عشرة [الحج بالمال الحرام]

(1)- قال الشيخ في النهاية: من غصب غيره مالا لا يجوز ان يحج به، فان حج به لم يجزئ عن حجة الإسلام.

و قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عنه و كلام في البين: فاما الحج بهذا المال فان كانت حجة الإسلام لم تجب عليه قبل ذلك و لا استقرت في ذمته ثم حج بهذا المال الحرام و وجد بعد ذلك القدرة على الحج بالمال الحلال و حصلت له شرائط وجوب الحج، فان حجته الاولى بالمال الحرام لم تجزئه و الواجب عليه الحج ثانيا، و ان كان قد وجب عليه و استقر في ذمته قبل غصب المال ثم حج بذلك المال فالحجة مجزية عنه، لانه قد حصل بالمواضع و فعل أفعال الحج بنفسه، إلا الهدى ان كان اشتراه بعين المال المغصوب فلا يجزئه عن هديه الواجب عليه، و وجب عليه شراء هدي أو الصوم بدلا منه، إلا انه لا يفسد حجة لأن الهدي ليس بركن. انتهى.

و قال العلامة في المختلف بعد نقل القولين المذكورين و كلام في البين: و اما الحج فمراد الشيخ انه حج حجة الإسلام بذلك المال من غير ان يسبق وجوبها عملا بالأصل، و لو كان قد سبق الوجوب احتمل عدم الإجزاء أيضا، لأنه لا يجوز له أداء المناسك قبل دفع المال الى مالكه، فالزمان الذي صرفه في الحج قد كان يجب فيه صرف المال الى ربه، فيكون الحج حينئذ باطلا إذا لم يمكن الجمع بين الحج و دفع المال. انتهى.

أقول: ظاهر كلام العلامة (رحمه الله) موافقة ابن إدريس في ما ذكره من التفصيل و لذا حمل كلام الشيخ على ذلك، و اما ما ذكره من الاحتمال لو سبق

____________

(1) هذه المسألة شطب عليها في النسخة المطبوعة، و هي موجودة في بعض النسخ الخطية بالترتيب الذي أوردناه.

120

الوجوب فهو مبني على مذهبه (قدس سره) من القول بان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص. و قد أوضحنا في غير موضع من ما تقدم ضعف العمل بهذه القاعدة.

و الوجه في ما ذكروه من التفصيل، اما صحة الحج مع تقدم استقراره في الذمة، فلما تقدم في كلام ابن إدريس، و اما عدم الصحة مع عدم ذلك فالظاهر انه من حيث عدم حصول الاستطاعة للحج، فهو ليس بمستطيع له و لا مخاطب به فيكون من قبيل تكلف الحج من غير ان يجب عليه، و قد تقدم عنهم أنه غير مجزئ عن حجة الإسلام بل تجب عليه الإعادة متى حصلت له الاستطاعة.

و قد أوضحنا في صدر البحث ما ظهر لنا من الآية و الأخبار في هذا المقام، و بمقتضي ما حققنا ثمة انه لا فرق بين الصورتين في الاجزاء.

إلا ان ظواهر الأخبار الواردة في هذا المقام هو بطلان الحج بالمال الحرام مطلقا:

و منها-

ما رواه في الفقيه مرسلا (1) قال: روى عن الأئمة (عليهم السلام) انهم قالوا: «من حج بمال حرام نودي عند التلبية: لا لبيك عبدي و لا سعديك».

و ما رواه في كتاب الخصال عن ابان- و الظاهر انه ابن عثمان الأحمر- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «اربع لا يجزن في أربع: الخيانة و الغلول و السرقة و الربا: لا يجزن في حج و لا عمرة و لا جهاد و لا صدقة».

و رواه في الفقيه عن ابان بن عثمان مثله (3).

و ما رواه في كتاب المجالس في الصحيح عن محمد بن مسلم و منهال القصاب

____________

(1) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

121

جميعا عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «من أصاب مالا من اربع لم يقبل في أربع:

من أصاب مالا من غلول أو رباء أو خيانة أو سرقة، لم يقبل منه في زكاة و لا صدقة و لا حج و لا عمرة».

و ما رواه في كتاب عقاب الأعمال (2) بسنده عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) انه قال في آخر خطبة خطبها: «من اكتسب مالا حراما لم يقبل الله منه صدقة و لا عتقا و لا حجا و لا اعتمارا، و كتب الله له بعدد اجزاء ذلك أو زارا، و ما بقي منه بعد موته كان زاده الى النار».

و ما رواه فيه ايضا بسند صحيح الى حديد المدائني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «صونوا دينكم بالورع، و قووه بالتقية و الاستغناء بالله عن طلب الحوائج من السلطان، و اعلموا أنه أيما مؤمن خضع لصاحب سلطان أو لمن يخالفه على دينه طلبا لما في يده، خمله الله و مقته عليه و وكله الله إليه، فإن هو غلب على شيء من دنياه و صار في يده منه شيء، نزع الله البركة منه و لم يأجره على شيء ينفقه في حج و لا عمرة و لا عتق».

و ما رواه البرقي في المحاسن عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4):

«ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) حمل جهازه على راحلته و قال: هذه حجة لا رياء فيها و لا سمعة.

ثم قال: من تجهز و في جهازه علم حرام لم يقبل الله منه الحج».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الموثق عن زرعة (5) قال: «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجل من أهل الجبال عن رجل أصاب مالا من اعمال السلطان فهو يتصدق منه و يصل قرابته و يحج ليغفر له ما اكتسب، و هو يقول:

____________

(1) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

122

إِنَّ الْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئٰاتِ (1). قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان الخطيئة لا تكفر الخطيئة و لكن الحسنة تحط الخطيئة. الحديث».

و اما

ما رواه في الفقيه مرسلا (2)- قال: «و قال الصادق (عليه السلام): لما حج موسى (عليه السلام) نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) فقال له موسى: يا جبرئيل ما لمن حج هذا البيت بلا نية صادقة و لا نفقة طيبة؟ فقال: لا أدرى حتى ارجع الى ربي.

الحديث».

و قد تقدم في المقدمة الاولى من المقدمات المذكورة في صدر هذا الكتاب (3) و فيه:

«ان الله سبحانه قال لمن حج كذلك: أهب له حقي و ارضي عليه خلقي».

- فيجب حمله على ما لو كان المال حلالا ظاهرا و كان في نفس الأمر حراما أو انه من ما فيه شبهة كجوائز السلطان و نحوها، جمعا بين الاخبار المذكورة.

و يمكن بناء على الفرق بين الصحة و القبول- كما عليه جملة من الأصحاب- ان يقال بصحة الحج كما صرح به الأصحاب هنا، و ان كان غير مقبول كما هو ظاهر الأخبار المذكورة. إلا ان الذي حققناه في غير موضع من زبرنا ان الأظهر عدم الفرق بينهما. و يمكن بناء على هذا حمل الأخبار المذكورة على عدم القبول الكامل، كما ورد عدم قبول الصلاة في مواضع، و انه ربما يقبل منها نصفها أو ثلثها أو نحو ذلك (4) فإنه محمول على القبول الكامل، بناء على ما هو المشهور بين الأصحاب من اتحاد الصحة و القبول.

و بالجملة فإن المسألة غير خالية من شوب الاشكال. و الله سبحانه و أولياؤه العالمون بحقيقة الحال.

____________

(1) سورة هود الآية 114.

(2) الوسائل الباب 52 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) ص 19.

(4) ج 6 ص 10.

123

الرابع [وجدان مؤنة من تجب عليه نفقته و الرجوع إلى كفاية]

من الشروط المتقدمة- ان يكون له ما يمون عياله الواجبي النفقة عليه من مأكول و ملبوس و نحو ذلك، قالوا: لانه حق سابق على وجوب الحج فيكون مقدما عليه.

و يدل على ذلك

رواية أبي الربيع الشامي (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) فقال:

ما يقول الناس؟ قال: فقيل له: الزاد و الراحلة (3) قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

قد سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن هذا فقال: هلك الناس إذا، لئن كان من كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس ينطلق اليه فيسلبهم إياه لقد هلكوا.

فقيل له: فما السبيل؟ فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض و يبقى بعضا يقوت به عياله، أ ليس قد فرض الله الزكاة فلم يجعلها إلا على من يملك مائتي درهم».

و يؤيد ذلك

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) «في رجل مات و لم يحج حجة الإسلام، و لم يترك إلا قدر نفقة الحج، و له ورثة؟

____________

(1) الكافي ج 4 ص 267، و التهذيب ج 5 ص 2، و الفقيه ج 2 ص 258 و في الوسائل الباب 9 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

(3) المغني ج 3 ص 219، و بداية المجتهد ج 1 ص 293، و بدائع الصنائع ج 2 ص 122.

(4) الكافي ج 4 ص 305، و التهذيب ج 5 ص 405، إلا ان اللفظ فيهما يختلف عن ما أورده و يتفق مع ما أورده في الفقيه ج 2 ص 270 عن هارون بن حمزة الغنوي. و قد أورده في الوسائل عنه و عن الكافي و التهذيب في الباب 14 من وجوب الحج و شرائطه.

124

قال: هم أحق بميراثه، ان شاءوا أكلوا و ان شاءوا حجوا عنه».

و الحكم اتفاقي لا خلاف فيه.

و انما الخلاف في انه هل يشترط في الوجوب الرجوع الى كفاية من مال أو صناعة أو حرفة أم لا؟ ذهب الأكثر- و منهم المرتضى و ابن ابي عقيل و ابن الجنيد و ابن إدريس و جملة من المتأخرين- الى الثاني، و ذهب الشيخان إلى الأول و نسبه المرتضى (رضي الله عنه) الى كثير من أصحابنا، و به قال أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة، على ما نقله في المختلف، قال: و رواه أبو جعفر ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه.

و هو ظاهر شيخنا علي بن سليمان البحراني (قدس سره) في حاشيته على كتاب المختصر، حيث قال: مقتضى قوله تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1) اشتراط الرجوع الى عمل أو ضيعة أو صناعة أو حرفة لمن ليس له سبيل في المعيشة غير ما ذكر عادة. الى ان قال: اما لو كان بيت مال يعطى منه، أو كان ممن تتيسر له الزكاة و العطايا عادة ممن لم يتحرج من ذلك، فلا يشترط في حقه. انتهى و ادعى ابن إدريس رجوع الشيخ عن القول المذكور في الاستبصار و الخلاف، و رده العلامة في المختلف، و نقل كلام الشيخ في الكتابين المذكورين.

و لا ريب ان ما ذكره الشيخ لا يتضمن الرجوع كما توهمه ابن إدريس.

و يدل على القول المشهور عموم قوله (عز و جل) مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) و هذا مستطيع.

و لو قيل: ان مقتضى عموم الآية أيضا حصول الاستطاعة بالزاد و الراحلة

____________

(1) سورة الحج الآية 78.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

125

و ان لم يجد النفقة إلى عياله مدة غيبته.

قلنا: نعم الأمر كذلك و لكن قام الدليل- كما تقدم- على وجوب ذلك فيخص به عموم الآية، و اما هنا فلم يقم دليل على ذلك كما سيتضح لك ان شاء الله تعالى.

و تدل عليه ايضا الروايات المتقدمة في الشرط الثالث، مثل صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي (1) المشتملة على ان كل من كان صحيحا في بدنه مخلى سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج، و حسنة الحلبي المشتملة على ان من عرض عليه ما يحج به فاستحى من ذلك فهو ممن يستطيع الحج (2) و نحوهما من ما تقدم.

احتج الشيخ- على ما نقله في المختلف- بأصالة البراءة، و الإجماع، و رواية أبي الربيع الشامي المتقدمة (3).

و رد بأن أصالة البراءة إنما يصار إليها إذا لم يدل على خلافها دليل.

و الإجماع غير ثابت. و الخبر غير دال على ما ادعاه، بل ظاهره إنما هو الدلالة على نفقة عياله مدة ذهابه و إيابه لا الرجوع الى كفاية.

نعم قد روى هذه الرواية

الشيخ المفيد في المقنعة (4) بزيادة ربما توهم ما ذهبا إليه، فإنه روى الرواية هكذا: «قد قيل لأبي جعفر (عليه السلام) ذلك فقال:

هلك الناس، إذا كان من له زاد و راحلة لا يملك غيرهما و مقدار ذلك ما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس فقد وجب عليه ان يحج بذلك ثم يرجع فيسأل الناس بكفه، لقد هلك الناس اذن. فقيل له: فما السبيل؟ قال: السعة في المال و هو ان يكون معه ما يحج ببعضه و يبقى البعض يقوت به نفسه و عياله».

____________

(1) ص 80 و 129.

(2) ص 84.

(3) ص 123.

(4) ص 60، و في الوسائل الباب 9 من وجوب الحج و شرائطه.

126

و أجيب عنها بعدم الدلالة على ما ادعياه من اشتراط الرجوع الى تلك الأشياء المعدودة التي فسروا بها الرجوع الى كفاية، فإن غاية ما تدل عليه اعتبار بقاء شيء من المال حتى لا يكون بعد رجوعه يحتاج إلى سؤال الناس، و به يصدق قوله: «يبقى البعض يقوت به نفسه و عياله» فيحمل ذلك على قوت السنة له و لهم. و هذا لا يستلزم ما ذكراه (نور الله تعالى مرقديهما).

و بذلك ايضا يجاب

عن ما نقله الصدوق في الخصال (1) عن الأعمش عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) في حديث طويل قال فيه: «و حج البيت واجب على من استطاع اليه سبيلا، و هو الزاد و الراحلة مع صحة البدن، و ان يكون للإنسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع اليه بعد حجه».

فان اشتراط بقاء شيء الى بعد رجوعه يكفي فيه مؤنة بعض السنة أو مؤنة السنة، و لا يستلزم ما ذكراه.

و بالجملة فإن الخروج عن ظاهر الآية و الروايات العديدة الصحيحة الصريحة بمثل هذين الخبرين المجملين مشكل.

الخامس [إمكان السفر]

من الشروط- إمكان السفر، و هو يشتمل على الصحة، و تخلية السرب، و الاستمساك على الراحلة، و سعة الوقت لقطع المسافة.

و حينئذ فالكلام هنا يقع في مقامات ثلاثة

[المقام] الأول [هل تجب الاستنابة عند الاستطاعة و عروض المانع؟]

- لا خلاف نصا و فتوى في ان المريض الذي يتضرر بالركوب على القتب أو في المحمل ان وسعته الاستطاعة لا يجب عليه الحج.

و يدل على ذلك- مضافا الى ما دل على نفي المشقة و الحرج في التكليف آية و رواية (2)-

صحيحة ذريح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من مات و لم

____________

(1) الوسائل الباب 9 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) راجع الحدائق ج 1 ص 151.

(3) الوسائل الباب 7 من وجوب الحج و شرائطه.

127

يحج حجة الإسلام- لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق به الحج أو سلطان يمنعه- فليمت يهوديا أو نصرانيا».

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال الله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2)؟ قال: هذه لمن كان عنده مال و صحة. الحديث».

و صحيحة هشام بن الحكم (3) و فيها: «و من كان صحيحا في بدنه، مخلى سربه، له زاد و راحلة».

و اما المريض مرضا لا يتضرر بالسفر فإنه كالصحيح في الوجوب عليه، و لو احتاج في سفره الى الدواء فهو كالزاد.

و كذا يسقط التكليف مع عدم الاستمساك على الراحلة كالمعضوب و مقطوع اليدين و الرجلين غالبا، لعين ما تقدم من الأدلة.

بقي الكلام في انه هل تجب الاستنابة متى حصلت الاستطاعة و عرض المانع من مرض و نحوه من الأعذار أم لا؟ قولان، أولهما للشيخ و ابي الصلاح و ابن البراج و ابن الجنيد و غيرهم، و الثاني لابن إدريس، و اختاره العلامة في المختلف.

و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة روايات:

منها-

صحيحة الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان كان موسرا

____________

(1) الوسائل الباب 6 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

(3) الوسائل الباب 8 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

128

حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره الله تعالى فيه، فان عليه ان يحج عنه من ماله صرورة لا مال له».

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول: لو ان رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج، فليجهز رجلا من ماله ثم ليبعثه مكانه».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أمر شيخا كبيرا لم يحج قط و لم يطق الحج لكبره ان يجهز رجلا يحج عنه».

و رواية علي بن أبي حمزة (3) قال: «سألته عن رجل مسلم حال بينه و بين الحج مرض أو أمر يعذره الله تعالى فيه. فقال: عليه ان يحج من ماله صرورة لا مال له».

و رواية عبد الله بن ميمون القداح عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (4) «ان عليا (عليه السلام) قال لرجل كبير لم يحج قط: إن شئت ان تجهز رجلا ثم ابعثه ان يحج عنك».

و رواية سلمة أبي حفص عن ابى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (5) «ان رجلا اتى عليا (عليه السلام) و لم يحج قط فقال: انى كنت رجلا كثير المال و فرطت في الحج حتى كبرت سني؟ قال: فتستطيع الحج؟ قال: لا. فقال علي (عليه السلام): ان شئت فجهز رجلا ثم ابعثه يحج عنك».

و روى الشيخ المفيد في المقنعة عن الفضل بن عباس (6) قال: «أنت

____________

(1) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) التهذيب ج 5 ص 460، و في الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

(6) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

129

امرأة من خثعم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقالت: ان ابى أدركته فريضة الحج و هو شيخ كبير لا يستطيع ان يلبث على دابته؟ فقال لها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله):

فحجي عن أبيك».

و هذه الروايات- كما ترى- كلها ظاهرة الدلالة على القول المشهور فيكون هو المعتمد المنصور. و من ذلك يظهر ان هذا الشرط إنما هو شرط في وجوب الحج البدني لا الوجوب المالي، لوجوبه بهذه الأخبار مع عدم التمكن من الحج بنفسه.

احتج العلامة (قدس سره) في المختلف بأصالة البراءة، و بان الاستطاعة شرط و هي مفقودة، فيسقط الوجوب قضية للشرط.

و بصحيحة محمد بن يحيى الخثعمي (1) قال: «سأل حفص الكناسي أبا عبد الله (عليه السلام) و انا عنده عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) ما يعنى بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه، مخلي سربه، له زاد و راحلة، فهو ممن يستطيع الحج».

قال: دل بمفهومه على ان فاقد الصحة ليس بمستطيع.

و أجيب عن ذلك بان الأصل يرتفع بالدليل و قد تقدم. و الاستطاعة شرط في وجوب الحج مباشرة.

و ظاهر إطلاق هذه الاخبار هو وجوب الاستنابة مطلقا سواء كان المرض و العذر مرجو الزوال أم لا، و ظاهر الأصحاب الاتفاق- كما نقله في المنتهى- على انه لو رجا البرء لم تجب الاستنابة. فيختص وجوب الاستنابة عندهم بالمرض

____________

(1) الوسائل الباب 8 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة آل عمران الآية 97.

130

الغير المرجو الزوال، و اما ما كان مرجو الزوال فقالوا فيه بالاستحباب.

قال في المدارك: و إنما تجب الاستنابة مع اليأس من البرء، فلو رجا البرء لم تجب عليه الاستنابة إجماعا- قاله في المنتهى- تمسكا بمقتضى الأصل السالم من معارضة الأخبار المتقدمة، إذ المتبادر منها تعلق الوجوب بمن حصل له اليأس من زوال المانع. و التفاتا إلى انه لو وجبت الاستنابة مع المرض مطلقا لم يتحقق اعتبار التمكن من المسير في حق أحد من المكلفين. إلا ان يقال: ان اعتبار ذلك إنما هو في الوجوب البدني خاصة. انتهى.

أقول: لا يخفى ان إطلاق أكثر الأخبار المتقدمة ظاهر في مطلق المرض مأيوسا من برئه أم لا، فان

قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي-: «ان كان موسرا حال بينه و بين الحج مرض أو أمر يعذره الله فيه».

- شامل لما هو أعم من ما ذكروه، و مثلها رواية علي بن أبي حمزة، و أظهر منها

صحيحة محمد بن مسلم من قوله (عليه السلام): «لو ان رجلا أراد الحج فعرض له مرض. الحديث».

نعم الأخبار المتضمنة للشيخ الكبير ظاهرة في ما ذكروه، إلا انها لا دلالة فيها على الاختصاص بما ادعوه. و خصوص السؤال لا يخصص الجواب.

و بذلك يظهر لك ما في قوله في المدارك من ان المتبادر من الاخبار المذكورة تعلق الوجوب بمن حصل له اليأس من زوال المانع، فادعى لذلك سلامة الأصل من المعارض. و فيه ما عرفت، فإن الأخبار التي أشرنا إليها ظاهرة في العموم فيجب الخروج عن ما ادعوه من الأصل بها. على انه لا مانع من العمل بهذه الاخبار على إطلاقها مع وجوب الإعادة مع البرء، كما صرحوا به بالنسبة الى غير المرجو الزوال.

131

و بالجملة فإني لا اعرف لهم حجة واضحة على التخصيص سوى الإجماع المدعى في المقام.

و لعله لما ذكرنا ذهب في الدروس الى وجوب الاستنابة مطلقا، و ان وجبت الفورية بالنسبة إلى المأيوس من البرء و العدم بالنسبة إلى مرجو الزوال، فان ظاهر كلامه مشعر بذلك، حيث قال بعد ذكر المعضوب: و الأقرب ان وجوب الاستنابة فوري إن يئس من البرء و إلا استحب الفور. و في حكم المعضوب المريض و الهرم و الممنوع بعدو، سواء كان قد استقر عليه الوجوب أم لا، خلافا لابن إدريس. فإن ظاهر كلامه ظاهر في ما قلناه، و كذلك فهمه الأصحاب.

قال في المسالك: و إنما تجب الاستنابة مع اليأس من البرء، و معه فالوجوب فوري كأصل الحج، و متى لم يحصل اليأس لم يجب و ان استحب، و يظهر من الدروس وجوب الاستنابة على التقديرين و ان لم تجب الفورية مع عدم اليأس. انتهى.

و قول الشهيد (رحمه الله)- عندي هنا لا يخلو من قوة و ان نسبه في المدارك الى الضعف، لدلالة ظاهر الاخبار المتقدمة عليه، مع تأيد ذلك بالاحتياط المطلوب في الدين.

على ان ما ادعوه من الاستحباب لا اعرف له دليلا في المقام، إذ ليس في المسألة سوى ما قدمناه من الاخبار، و هي عندهم محمولة على العذر الغير المرجو الزوال، و قد صرحوا بأن النيابة فيها على جهة الوجوب. و من ذلك يعلم انه لا دليل لهذا الاستحباب و ان نقلوه عن الشيخ (رحمه الله تعالى) و تبعوه فيه، كما هي قاعدتهم غالبا.

[فوائد]

بقي الكلام هنا في فوائد تتعلق بالمقام

الأولى [إذا تقدمت الاستطاعة على العذر وجبت الاستنابة]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على انه لو تقدمت الاستطاعة على حصول العذر وجبت الاستنابة قولا واحدا، و قد صرح بذلك جملة منهم، و يدل عليه

132

صريحا و رواية سلمة أبي حفص المتقدمة (1).

و لا ينافي ذلك قوله (عليه السلام): «ان شئت فجهز رجلا» فإنه ليس المراد هنا التخيير له بين التجهيز و عدمه، بل هذه العبارة- كثيرا ما يرمى بها في أمثال هذه المقامات- المراد منها الوجوب، كما وقعت أيضا في رواية القداح المتقدمة (2) و كأن المراد منها: ان شئت أداء ما وجب عليك و خلاص ذمتك.

و بذلك يظهر ما في كلام صاحب الذخيرة حيث انه توهم من هذه الكلمة التخيير و عدم الوجوب، فقال بعد نقل الخبر المشار اليه: و فيه اشعار بعدم الوجوب. فإنه لا يخفى على من أحاط خبرا بالأخبار انه كثيرا ما يؤتى بهذه الكلمة في مقام الوجوب، و يؤيد ذلك استدلال الأصحاب بهذين الخبرين المذكورين على الوجوب في المسألة، و ما ذاك إلا من حيث فهمهم من هذه الكلمة الحمل على غير المعنى المتبادر منها.

و بالجملة فموضع الخلاف في المسألة عندهم ما إذا عرض المانع قبل استقرار الوجوب.

الثانية [هل تجب الاستنابة ثانيا بعد حصول اليأس؟]

- حيث ان الأصحاب صرحوا باستحباب الاستنابة لمن يرجو زوال العذر، فرعوا عليه انه لو حصل اليأس بعد رجاء البرء و قد استناب أولا، فإنه تجب عليه الاستنابة ثانيا مع بقاء الاستطاعة.

قال العلامة في التذكرة- بعد ان صرح في صدر المسألة بأن المريض إذا كان مرضه يرجى زواله و نحوه غيره من ذوي الأعذار يستحب له الاستنابة- ما لفظه: فلو استناب من يرجو القدرة على الحج بنفسه ثم صار مأيوسا من برئه فعليه ان يحج عن نفسه مرة أخرى، لأنه استناب في حال لا تجوز

____________

(1) ص 128.

(2) ص 128.

133

الاستنابة فيها فأشبه الصحيح. قال الشيخ (قدس سره): و لان تلك الحجة كانت عن ماله و هذه عن بدنه. انتهى.

أقول: فيه انه قد صرح باستحباب الاستنابة في صدر المسألة، فكيف يتم هنا قوله: «انه استناب في حال لا تجوز»؟ بل كان الأظهر في التعبير ان يقال: «في حال لا تجب» لان المستحب لا يكفى عن الواجب كما في الصحيح الذي حج استحبابا.

و اما ما نقله عن الشيخ من التعليل فقد نقله عنه سابقا. و كذا صرح به في المنتهى بالنسبة الى من حصل له البرء بعد ان استناب في حال المرض، و هو الأوفق بلفظ العبارة المذكورة.

و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا لا يخلو من مسامحة نشأت من الاستعجال و كيف كان فههنا أحوال ثلاثة: أحدها- ان يبرأ من ذلك المرض، و لا خلاف و لا إشكال في وجوب الإعادة و الحج بنفسه. الثانية- ان يموت، و لا خلاف و لا إشكال أيضا عندهم- كما صرحوا به- في انه لا شيء عليه، استناب أو لم يستنب. الثالثة- ان يصير مرضه الى ما لا يرجى برؤه، و ظاهرهم- كما عرفت- وجوب الاستنابة عليه ثانيا لما تقدم من التعليل. و يأتي على ما قدمنا ذكره- من ان ظاهر الأخبار وجوب الاستنابة مطلقا- انه لو استناب أولا فقد ادى الواجب و لا يجب ثانيا. و مثل ذلك يأتي في حالة الموت فإنه إذا استناب أولا فلا شيء عليه و إلا وجب القضاء عنه. و اما على ما ذكروه من الاستحباب فلا شيء مطلقا.

الثالثة [هل يجب الحج بعد الاستنابة و زوال العذر؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان الممنوع لعذر لا يرجى زواله لو استناب، فان استمر المانع حتى مات فلا قضاء، و ان زال ذلك

134

المانع وجب الحج عليه بنفسه مع بقاء الاستطاعة، و لا خلاف بينهم في شيء من ذلك في ما اعلم.

و نقل عن الشيخ في تعليل الحكم الثاني بان ما فعله كان واجبا في ماله و هذا يلزمه في نفسه. قيل: و مرجعه الى الاستدلال بإطلاق الأمر بالحج المتناول لجميع المكلفين ممن لم يحج، و من استناب في الحج لا يصدق عليه انه حج حقيقة فيتناوله الإطلاق.

و لا يخفى ما فيه من الإشكال، فإن دخول هذا الفرد تحت إطلاق الأمر بعد تكليف الشارع له بالحج في تلك الحال لا يخلو من غموض، و ان كان الاحتياط في ما ذكروه.

و نقل عن بعض الأصحاب انه احتمل عدم الوجوب كما لو لم يبرأ، للأصل و لأنه أدى حج الإسلام بأمر الشارع فلا يلزمه حج ثان، كما لو حج بنفسه.

قال في المدارك بعد نقله: و هذا الاحتمال غير بعيد، إلا ان الأول أقرب تمسكا بإطلاق الأمر. انتهى.

أقول: قد عرفت ما في التمسك بإطلاق الأمر من البعد، سيما مع ما عرفت في غير موضع- و به صرحوا (رضوان الله تعالى عليهم)- من ان الإطلاق إنما ينصرف الى الافراد الغالبة الشائعة المتكررة دون الفروض النادرة الوقوع.

و بالجملة فهذا الاحتمال جيد إلا ان المسألة لما كانت عارية عن النص الصريح فالاحتياط فيها لازم، و هو في جانب القول الذي عليه الأصحاب.

و متى وجب عليه الحج بعد البرء كما ذكروه فان مات قبل ان يأتي به وجب قضاؤه كغيره.

الرابعة [هل يجب الحج بعد الاستنابة و زوال العذر؟]

- قالوا: لو لم يجد الممنوع مالا لم تجب عليه الاستنابة قطعا.

و كذا لو وجد المال و لم يجد من يستأجره فإنه يسقط الى العام المقبل. و لو

135

وجد من يستأجره بأكثر من اجرة المثل وجب مع المكنة. و لو لم يكن له مال و وجد من يعطيه المال لأداء الحج لم يجب عليه قبوله، لأن الاستنابة انما تجب على الموسر على ما تضمنته الأخبار المتقدمة. و لا يقاس على الصحيح إذا بذل له الزاد و الراحلة حيث وجب عليه الحج بذلك، لاختصاصه بالنص و بطلان القياس. و هو جيد موافق للقواعد الشرعية.

الخامسة [هل تجب الاستنابة في غير حج الإسلام؟]

- قال في الدروس: و لو وجب عليه الحج بإفساد أو نذر فهو كحجة الإسلام بل أقوى. و كتب في الحاشية في بيان وجه القوة، قال: لان سبب الحج هنا المكلف و لما امتنع فعله بنفسه صرف الى ماله، بخلاف حجة الإسلام فإن سببها من الله. انتهى.

أقول: ما ذكره في الدروس قد نقله في التذكرة عن الشيخ (قدس سره) حيث قال: قال الشيخ: المعضوب إذا وجب عليه حجة بالنذر أو بإفساد حجه وجب عليه ان يحج غيره عن نفسه، و ان بريء في ما بعد وجب عليه الإعادة. ثم قال: و فيه نظر.

و في المنتهى قال: و عندي في ذلك تردد. و الظاهر ان وجه النظر و التردد هو ان مورد نصوص الاستنابة حجة الإسلام، و التعدي إلى غيرها قياس محض.

و اما ما ذكره في الدروس فلا يخفى ما فيه، فان العبادات توقيفية لا بد في ثبوتها من النصوص، و هذه التعليلات العليلة لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية و لهذا قال السيد في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو غير واضح في النذر، بل و لا الإفساد ايضا ان قلنا ان الثانية عقوبة، لأن الحكم بوجوب الاستنابة على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على مورد النص و هو حج الإسلام، و النذر و الإفساد إنما اقتضيا وجوب الحج مباشرة و قد سقط بالتعذر. انتهى. و هو جيد.

السادسة [هل يعم وجوب الاستنابة المانع الخلقي؟]

- ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة و مثلها رواية علي بن أبي حمزة

136

تناول المانع الموجب للاستنابة لما لو كان خلقيا أو عارضا، و ان كان أكثر أخبار المسألة إنما تضمن ذكر العارض خاصة، و على هذا فلو كان لا يستمسك خلقة فإنه تجب عليه الاستنابة.

و ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة العموم ايضا بل صرح العلامة في المنتهى بذلك فقال: و لو كان المرض لا يرجى برؤه- أو كان العذر لا يزول كالإقعاد و ضعف البدن خلقة و غير ذلك من الأعذار اللازمة أو كبر السن و ما أشبهه- قال الشيخ: وجب عليه ان يحج عنه رجلا، لما تقدم من الأحاديث. الى آخره.

و ظاهر المحقق في الشرائع الخلاف في ذلك، حيث اختار ان من لا يستمسك خلقة يسقط الفرض عن نفسه و ماله.

و الظاهر ان الحامل للمحقق (قدس سره) هنا على هذا القول هو انهم قد اتفقوا- كما عرفت في الفائدة الأولى- على انه لو تقدمت الاستطاعة على حصول العذر وجبت الاستنابة قولا واحدا، و ان محل الخلاف إنما هو إذا عرض المانع قبل استقرار الوجوب، و ظاهر أكثر النصوص إنما دل على من عرض له العجز، لفرضها في شيخ كبير أو من عرض له المرض، و لهذا لم يذكر في المعتبر إلا ما دل على ذلك دون ما دل بظاهره على الخلقي منه، كرواية الحلبي و رواية على بن أبي حمزة، فالعجز الأصلي بعيد عن الدخول تحت تلك الروايات، لإمكان حمل تلك النصوص على ما لو سبق الوجوب على العجز، بخلاف العاجز الأصلي فإنه لا يتصور فيه سبق الاستقرار.

و بالجملة فإن التفصيل الذي ذكروه- من انه ان تقدمت الاستطاعة وجبت الاستنابة قولا واحدا، و إلا فهو محل الخلاف- إنما يجري في المانع العارضي الذي هو مورد تلك الاخبار، و اما الخلقي فيكون خارجا عنها، و متى كان

137

خارجا عنها فإنه يبقى على حكم الأصل من عدم الوجوب، لعدم الدليل بناء على انه ليس سوى تلك الأخبار. و قد عرفت ما فيه.

و شيخنا الشهيد الثاني في المسالك لما اختار القول المشهور احتج على ذلك بعدم العلم بالقائل بالفرق بين الخلقي و العارضي. ثم ذكر رواية على بن أبي حمزة.

و اعترضه سبطه في المدارك فقال بعد نقل ذلك: و هو احتجاج ضعيف فإن إحداث القول في المسألة لا يتوقف على وجود القائل إذا لم ينعقد الإجماع على خلافه، كما بيناه مرارا. و الرواية لا تنهض حجة لأن راويها علي بن أبي حمزة و قال النجاشي: انه كان أحد عمد الواقفية. انتهى. و هو جيد بناء على أصولهم المشتركة بين المورد و المورد عليه.

السابعة [هل يجزئ الحج من المعذور عن حج الإسلام؟]

- المستفاد من ظاهر عبائرهم انه لو تكلف الممنوع بأحد الأعذار المتقدمة الحج لم يجزئه عن حجة الإسلام، لعدم تحقق الاستطاعة التي هي شرط الوجوب، فكان كما لو تكلفه الفقير.

و بذلك صرح في التذكرة حيث قال بعد ذكر الشرائط المشار إليها آنفا:

هذه الشرائط التي ذكرناها منها ما هو شرط في الصحة و الوجوب و هو العقل، لعدم الوجوب على المجنون و عدم الصحة منه، و منها ما هو شرط في الصحة دون الوجوب و هو الإسلام. الى ان قال: و منها ما هو شرط في الوجوب دون الصحة و هو البلوغ و الحرية و الاستطاعة و إمكان السير، لأن الصبي و المملوك و من ليس معه زاد و لا راحلة و ليس بمخلى السرب و لا يمكنه المسير، لو تكلفوا الحج لصح منهم و ان لم يكن واجبا عليهم، و لا يجزئهم عن حجة الإسلام. انتهى.

و ظاهر الشهيد في الدروس الفرق هنا بين الفقير و غيره، حيث قال- بعد ان ذكر انه لو حج فاقد الشرائط لم يجزئه- ما لفظه: و عندي لو تكلف المريض و المعضوب و الممنوع بالعدو و ضيق الوقت أجزأ، إلا ان ذلك من باب تحصيل

138

الشرط، فإنه لا يجب و لو حصله وجب و أجزأ. نعم لو ادى ذلك الى إضرار بالنفس يحرم إنزاله و قارن بعض المناسك احتمل عدم الاجزاء.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و في الفرق نظر. و المتجه انه ان حصلت الاستطاعة الشرعية قبل التلبس بالإحرام ثبت الوجوب و الاجزاء، لما بيناه من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد، و ان حصل التلبس قبل تحقق الاستطاعة انتفى الأمران معا، سواء كان عدم الاستطاعة بعدم القدرة على تحصيل الزاد و الراحلة أو بالمرض المقتضى لسقوط الحج أو بخوف الطريق أو غير ذلك، لان ما فعله لم يكن واجبا فلا يجزئ عن الواجب، كما لا يجزئ فعل الواجب الموقت قبل دخول وقته. انتهى.

أقول: لا يخفى ان شيخنا الشهيد قد أشار في كلامه الى وجه الفرق بقوله: «إلا ان ذلك من باب تحصيل الشرط. الى آخره» و توضيحه ان شرطية إمكان السير التي هي عبارة عن الصحة و تخلية السرب و نحوهما كشرطية الزاد و الراحلة فلا يجب الحج بدون حصول ذلك، و لا يجب تحصيل شيء من ذلك، لما تقدم من عدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط، لكن لو تكلف المكلف تحصيله و حصله وجب عليه الحج، كما صرحوا به في الزاد و الراحلة من انهما لا يجب عليه تحصيلهما اما لو تكلفهما فحصلهما وجب الحج، فكذلك شرط إمكان السير فإنه لا يجب عليه تحصيله فلو تكلفه و خاطر بنفسه و حصلت له السلامة و تمكن من الحج وجب عليه و أجزأه. و هو جيد.

ثم استثنى من ذلك ما لو ادى الى إضرار بالنفس و قارن بعض المناسك، على احتمال، كما لو كان في أثناء الإحرام فتحمل المريض أو مدافع العدو بما لا يجوز تحمله كما لو غلب على ظنه العطب، فان ذلك يبنى على قاعدة اجتماع الأمر و النهي في شيء واحد، اما لو لم يكن كذلك فالاجزاء ثابت و ان تحمل

139

تلك المشاق التي لا يجب عليه تحملها.

و إنما ذكر ذلك احتمالا و لم يجزم به، لإمكان ان يقال: ان النهي هنا انما هو عن وصف خارج عن النسك، فلا يلزم اتحاد متعلق الأمر و النهي الذي هو محل الاشكال.

و حينئذ فقول السيد (قدس سره)- بعد تنظره في الفرق: «و المتجه انه ان حصلت الاستطاعة الشرعية. الى آخره»- خروج عن محل البحث، فان محل البحث انما هو بالنسبة إلى وجوب الحج على هذا البعيد من بلده و هذه الشروط انما بنيت على ذلك، و كلمات الأصحاب و الاخبار قد اتفقت على ان وجوب الحج عليه مشروط بهذه الشروط التي نحن في البحث عنها، و منها الزاد و الراحلة و السلامة من المرض و الأمن في الطريق من العدو و نحوها، و قد صرح الأصحاب- كما عرفت من كلام التذكرة- بأنه لو تكلف الحج و خاطر بنفسه و تحمل المشقة التي لم يكلف بها، فإنه و ان صح حجة إلا انه لا يجزئه عن حج الإسلام، من حيث عدم حصول شرط الوجوب، بعين ما قالوه في المتسكع الذي لا يملك زادا و لا راحلة. و شيخنا الشهيد يقول بصحة الحج و اجزائه و يجعله من قبيل تكلف تحصيل الزاد و الراحلة الغير الواجبين عليه لا من قبيل المتسكع الغير المالك لهما.

بل ظاهر كلامه في المدارك يرجع الى ما ذكره شيخنا الشهيد (قدس سره) فإنه متى كان اعتبار الاستطاعة انما هو من الميقات فعلى هذا لو تحمل المشقة و ارتكب الخطر الذي لم يكلف به بل نهى عنه حتى وصل الميقات، فإنه يجب عليه الحج و يجزئ عنه، مع ان الأصحاب لا يقولون بذلك كما عرفت من كلام التذكرة، و هو ظاهر كلام غيره ايضا، لما صرحوا به في الزاد و الراحلة اللذين هما من جملة الشرائط.

140

و ما ذكره من عدم اعتبار الاستطاعة من البلد فإنما هو في صورة ما لو اتفق له الوصول الى الميقات بأي نحو كان، فإنه لا يشترط في حقه ملك الزاد و الراحلة في بلده كما ذكره الأصحاب، لا بمعنى ان من كان بعيدا لا يمكنه المسير إلا بهذه الشروط المذكورة فإن استطاعته انما تحصل باعتبار الميقات، فإنه باطل قطعا، بل الاستطاعة في هذه الصورة مشترطة من البلد، فان استطاع بحصول هذه الشرائط الخمسة المعدودة وجب عليه الحج و المسير اليه و إلا فلا. نعم يحصل الشك هنا في ان المتكلف للحج بالمشقة الموضوعة عنه في عدم إمكان المسير، هل هو من قبيل المتسكع الذي لم يملك زادا و لا راحلة فلا يجزئ عنه، كما هو المفهوم من كلام الأصحاب، أو من قبيل تكلف تحصيل الزاد و الراحلة و ان لم يجب عليه تحصيلهما، فحجة يكون صحيحا مجزئا عن حجة الإسلام، كما هو ظاهر شيخنا الشهيد؟ اشكال.

المقام الثاني [عدم وجوب الحج عند عدم أمن الطريق]

- لا خلاف- نصا و فتوى- في ان أمن الطريق من الخوف على النفس و البضع و المال شرط في وجوب الحج، فلو خاف على نفسه من سبع أو لص أو عدو لم يلزمه الحج في ذلك العام. و لهذا جاز التحلل من الإحرام بمثل ذلك، كما يأتي- ان شاء الله تعالى- في باب الإحصار و الصد. و قد تقدم في الاخبار ما يدل على هذا الحكم كما في صحيحة محمد بن يحيى الخثعمي المتقدمة (1) و غيرها و الكلام في المقام يقع في مواضع

الأول [هل يجب بذل المال لدفع العدو في طريق الحج؟]

- لو كان في الطريق عدو لا يندفع الا بالمال فهل يسقط الحج و ان أمكن تحمله أم يجب بذل المال مع المكنة؟

قولان: أولهما للشيخ و جماعة، و ثانيهما للمحقق و العلامة و من تأخر عنهما.

و نقل عن الشيخ الاحتجاج على ذلك بوجوه: منها- ان تخلية السرب شرط في الوجوب، و هو هنا منتف فينتفي المشروط.

____________

(1) ص 80 و 129.

141

و منها- ان المأخوذ على هذا الوجه ظلم فلا ينبغي الإعانة عليه، لتحريم الإعانة على الإثم.

و منها- ان من خاف من أخذ المال قهرا لا يجب عليه الحج و ان قل المال، و هذا في معناه.

و الجواب عن الأول بمنع توقف الحج على تخلية السرب بهذا المعنى، بل القدر المعلوم من ظاهر الأخبار اشتراط تخليته بحيث يتمكن من المسير بوجه لا يفضي الى شدة و مشقة شديدة عادة، و هو حاصل هنا إذ المفروض اندفاع العدو بالمال المقدور عليه، و بعد تحقق الشرط يصير الوجوب مطلقا فتجب مقدماته كلها.

و عن الثاني انا لا نسلم ان المدفوع على هذا الوجه يصدق عليه الإعانة على الإثم، إذ لم يقصد بذلك سوى التوصل إلى الطاعة و التخلص من العدو.

و لانتقاضه بدفع المال الى الظالم لاستنقاذ المسلم من الهلكة. و لو تم ذلك لاستلزم القول بتحريم الأسفار إلى التجارات و جملة الطاعات في كثير من الأعصار و الأمصار، و الجلوس في الأسواق، و الصناعات، و الزراعات، و نحوها من ما جرت عادة حكام الجور بأخذ شيء من المال على ذلك بدون استحقاق شرعي كالعشار و نحوه، و اللازم باطل اتفاقا نصا و فتوى، فالملزوم مثله.

و عن الثالث بمنع سقوط الحج (أولا) لعدم الدليل عليه. و منع المساواة (ثانيا) لوجود الفرق بين الأمرين، فإن بذل المال بالاختيار على هذا الوجه ليس فيه غضاضة و لا مشقة على النفس، بخلاف أخذه قهرا فان فيه غضاضة زائدة على أهل المروة.

و ربما فرق بينهما بان الثابت في بذل المال اختيارا الثواب الدائم و في الأخذ قهرا العوض المنقطع. و فيه ان هذا لا يطرد كليا، فان ترك المال للص

142

و تعريضه له طلبا للتوصل الى فعل الواجب يقتضي الثواب ايضا.

و بذلك يظهر ان الأظهر ما عليه جمهور أصحابنا المتأخرين من وجوب دفع المال مع المكنة.

و لو بذل المال باذل فكشف العدو فلا إشكال في الوجوب لتحقق الاستطاعة، اما لو دفع المال اليه ليدفعه الى العدو فظاهر الأصحاب انه لا يجب عليه القبول، لان فيه تحصيلا لشرط الواجب المشروط، و قد تقرر ان تحصيل شرط الواجب المشروط غير واجب.

و استشكله في المدارك بان الشرط التمكن من الحج و هو حاصل بمجرد البذل.

و بان قوله (عليه السلام)- (1)-: «من عرض عليه ما يحج به فاستحى فهو ممن يستطيع الحج»- يتناول من عرض عليه ذلك، قال: فلو قيل بوجوب القبول و الدفع لم يكن بعيدا. انتهى. و هو جيد.

الثاني- طريق البحر كطريق البر

فيعتبر فيه ما يعتبر في طريق البر من ظن السلامة، فلو استويا في ذلك تخير أيهما شاء، و ان اختص أحدهما بظن السلامة دون الآخر تعين السفر فيه، و لو تساويا في رجحان العطب و ظن عدم السلامة سقط الحج في ذلك العام. و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و مثله سبطه في المدارك الاكتفاء بمجرد عدم ترجيح العطب.

و بما قدمنا صرح المحقق في المعتبر و الشرائع فقال: طريق البحر كطريق البر يجب مع غلبة ظن السلامة. و بنحو ذلك عبر العلامة في المنتهى، و هو ظاهر كلام جملة من الأصحاب، حيث انهم يشترطون أمن الطريق، و مرجعه الى ظن الأمن. و ظاهر النص يساعده، فان مرجع تخلية السرب المذكور في الاخبار

____________

(1) هذا مضمون ما ورد في الوسائل الباب 10 من وجوب الحج و شرائطه.

143

إلى ظن ذلك، و إلا فلو علم أو ظن عدم التخلية فإنه لا يجب عليه الحج. و يظهر الخلاف في صورة الاشتباه و تساوى الأمرين، فيجب الحج على القول الثاني دون الأول.

قالوا: و إنما يسقط الحج مع الخوف إذا حصل في ابتداء السير أو في أثنائه و كان الرجوع غير مخوف، اما لو تساويا مع المقام في الخوف، احتمل ترجيح الذهاب لحصول المرجح فيه بالحج، و السقوط كما لو حصل ابتداء لفقد الشرط. قال السيد (قدس سره) في المدارك بعد ذكر ذلك: و لعل الأول أقرب.

الثالث [ما يشترط في حج المرأة]

- لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في ان المرأة كالرجل متى خافت على النفس أو البضع سقط الفرض عنها. و لو احتاجت الى محرم و تعذر سقط الفرض ايضا، لعدم حصول الاستطاعة بدونه.

و ليس هو شرطا في وجوب الحج عليها مع الاستغناء عنه، اتفاقا نصا و فتوى و من الاخبار في ذلك

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن صفوان الجمال (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قد عرفتني بعملي، تأتيني المرأة أعرفها بإسلامها و حبها إياكم و ولايتها لكم ليس لها محرم؟ قال: إذا جاءت المرأة المسلمة فاحملها، فإن المؤمن محرم المؤمنة. ثم تلا هذه الآية وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ (2)».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن سليمان بن خالد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «في المرأة تريد الحج ليس معها محرم هل يصلح لها الحج؟

____________

(1) الوسائل الباب 58 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) سورة التوبة الآية 71.

(3) الوسائل الباب 58 من وجوب الحج و شرائطه.

144

فقال: نعم إذا كانت مأمونة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تحج بغير ولي؟ فقال: لا بأس تخرج مع قوم ثقات».

و عن معاوية بن عمار بالسند المتقدم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تحج بغير ولي؟ قال: لا بأس، و ان كان لها زوج أو أخ أو ابن أخ فأبوا أن يحجوا بها و ليس لهم سعة فلا ينبغي لها ان تقعد، و لا ينبغي لهم ان يمنعوها».

و المراد هنا ب«لا ينبغي» أي لا يجوز، كما هو شائع في الاخبار الى غير ذلك من الاخبار.

ثم انه لو توقف حجها على المحرم اعتبر في استطاعتها ملك الزاد و الراحلة لها و لمحرمها إذا أجابها الى ذلك، و لا تجب عليه الإجابة عندنا (3).

و المراد بالمحرم هنا الزوج و من يحرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع أو مصاهرة.

____________

(1) الوسائل الباب 58 من وجوب الحج و شرائطه. إلا انا لم نجده في التهذيب، نعم رواه في الكافي ج 4 ص 282، و الفقيه ج 2 ص 268، و في الوافي باب (حج المرأة بدون اذن زوجها أو ذي محرم) نقله منهما فقط.

(2) الوسائل الباب 58 من وجوب الحج و شرائطه عن التهذيب ج 5 ص 401، و الكافي ج 4 ص 282. و ما أورده (قدس سره) موافق لما في الوسائل عن التهذيب في اللفظ، إلا انه يختلف قليلا عن لفظ التهذيب كما انه يختلف عن لفظ الكافي.

(3) قال في المغني ج 3 ص 240: و هل يلزمه إجابتها الى ذلك؟ فيه روايتان نص عليهما، و الصحيح انه لا يلزمه الحج معها، لان فيه مشقة. و في بدائع الصنائع ج 2 ص 123: فان امتنع الزوج أو المحرم عن الخروج لا يجبران.

145

و لو طلب الأجرة و الحال هذه وجب دفعها مع القدرة، لكونها جزء من الاستطاعة.

و ليس لزوجها المنع من ذلك في الواجب، لما تقدم في صحيحة معاوية ابن عمار.

و لما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة لم تحج، و لها زوج و ابى ان يأذن لها في الحج، فغاب زوجها، فهل لها ان تحج؟ فقال: لا طاعة له عليها في حجة الإسلام».

و نحوها

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن وهب (2) و فيها:

«لا طاعة له عليها في حجة الإسلام و لا كرامة، لتحج ان شاءت».

نعم له المنع في المستحب،

لما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المرأة الموسرة قد حجت حجة الإسلام، تقول لزوجها: أحجني من مالي. إله أن يمنعها من ذلك؟ قال: نعم، و يقول لها: حقي عليك أعظم من حقك علي في هذا».

و لو ادعى الزوج الخوف عليها أو عدم أمانتها و أنكرت ذلك، قالوا: عمل بشاهد الحال مع انتفاء البينة، و مع فقدهما يقدم قولها.

و في اعتبار اليمين وجهان، من أصالة عدم سلطنته عليها في ذلك، و من انها لو اعترفت لنفعه اعترافها. و قرب الشهيد في الدروس انتفاء اليمين، قال في

____________

(1) الوسائل الباب 59 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 59 من وجوب الحج و شرائطه. و الرواية للشيخ في التهذيب ج 5 ص 474، و لم يروها الصدوق، و روى نحوها في الكافي ج 4 ص 282 عن علي بن أبي حمزة، كما في الوسائل في نفس الباب.

(3) الوسائل الباب 59 من وجوب الحج و شرائطه.

146

المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو أقرب.

و هل يملك الزوج و الحال هذه منعها باطنا؟ قيل: نعم، لانه محق عند نفسه. و اختاره في المسالك. و قيل: لا، لتوجه الوجوب إليها و مخاطبتها بالسفر شرعا لظنها السلامة. و قربه في المدارك.

أقول: لا إشكال في العمل بالبينة ان وجدت، و كذا العمل بشاهد الحال، و تقديم قولها مع فقدهما، لتوجه الخطاب إليها و ظنها السلامة و هي أعرف بحال نفسها، و ارتفاع سلطنة الزوج عنها. و من هنا يظهر عدم توجه اليمين إليها.

و اما ما احتج به على توجه اليمين عليها- من انها لو اعترفت لنفعه اعترافها- فتقريره انه لو اعترفت بالخوف على البضع لنفع هذا الاعتراف الزوج، و كل ما لو اعترف به المنكر نفع المدعى تجب اليمين على عدمه على تقدير الإنكار.

هكذا قالوا. و فيه منع الكلية و ان ذلك إنما هو في الحقوق المالية لا في مطلق الدعاوي.

و يؤيد أيضا وجه عدم اليمين عليها انه لا يدعي عليها هنا حقا حتى تتوجه اليمين عليها، و مورد نصوص اليمين إنما هو ذلك.

و اما الخلاف في انه هل له منعها باطنا أم لا؟ فالظاهر هو ما اختاره في المدارك لما تقدم.

و المعتدة عدة رجعية في حكم الزوجة، لأن للزوج الرجوع في طلاقها و الاستمتاع بها و الحج يمنعه من ذلك، و حينئذ فيجري فيها التفصيل المتقدم في الزوجة.

147

و يدل على ذلك

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المطلقة تحج في عدتها؟ قال: ان كانت صرورة حجت في عدتها، و ان كانت قد حجت فلا تحج حتى تقضى عدتها».

و اما

ما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2)- قال: «لا تحج المطلقة في عدتها».

- فهو محمول على الحج المندوب إلا بإذن الزوج.

و اما المعتدة عدة بائنة فإنها في حكم الأجنبية، فتحج ندبا متى شاءت بغير خلاف في ما اعلم، و لم أقف على رواية في ذلك، إلا ان الظاهر انه لا إشكال في الحكم المذكور، لانقطاع سلطنته عليها و انقطاع العصمة بينهما و صيرورته أجنبيا منها، فيكون كسائر الأجانب.

و قد ورد في جواز الحج في عدة الوفاة روايات:

منها-

موثقة داود بن الحصين عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المتوفى عنها زوجها؟ قال: تحج و ان كانت في عدتها».

و موثقة زرارة (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة التي يتوفى عنها زوجها أ تحج؟ فقال: نعم».

المقام الثالث [اعتبار سعة الوقت في وجوب الحج]

- لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في اشتراط

____________

(1) الوسائل الباب 60 من وجوب الحج و شرائطه. و الرواية للشيخ في التهذيب ج 5 ص 402، و لم يروها الصدوق.

(2) الوسائل الباب 60 من وجوب الحج و شرائطه. و الرواية للشيخ في التهذيب ج 5 ص 401.

(3) الوسائل الباب 61 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 61 من وجوب الحج و شرائطه.

148

سعة الوقت في الوجوب، و هو ان يتسع لتحصيل الشروط و الخروج و لحوق المناسك فلو حصلت الشرائط و قد ضاق الوقت عن لحوق المناسك- بحيث لو شرع في المسير إلى مكة بالسير المعتاد الذي لا ضرر فيه و لا مشقة لم يصل الى مكة و لم يدرك فيها المناسك- سقط الحج في ذلك العام و كان الوجوب مراعى ببقاء الاستطاعة إلى العام القابل.

تنبيه هل الاختتان شرط في صحة الحج؟

ظاهر بعض الأصحاب ذلك، قال الشيخ المفيد على ما نقله في المختلف: و من أسلم فأراد الحج فلا يجوز له ذلك حتى يختتن.

و قال أبو الصلاح على ما نقله عنه في الكتاب المذكور: صحة الحج موقوفة على ثبوت الإسلام، و العلم بتفصيل أحكام الحج و شروطه، و تأديته لوجهه الذي شرع له مخلصا لربه، مع كون مؤدية مطهرا بالختانة. ثم بين الاشتراط.

الى ان قال: و كون الحاج أغلف لا يصح حجه بإجماع آل محمد (صلى اللّٰه عليه و آله).

و قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و في هذا الكلام إشكال، فإن المروي انه لا يجوز ان يطوف الرجل و هو غير مختتن (1) فإن أخذه من هذه الرواية من حيث ان بطلان طوافه يستلزم بطلان حجه أمكن، لكن كلامه يوهم بطلان حجه مطلقا، و نحن نمنع ذلك، فإنه لو لم يتمكن من التطهير صح حجه و طوافه، فقوله على الإطلاق ليس بجيد. مع ان ابن إدريس قال:

لا يجوز للرجل ان يطوف بالبيت و هو غير مختتن، على ما روى أصحابنا في الاخبار. و هو يعطي توقفه في ذلك. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف، و الباب 39 من الطواف.

149

أقول:

قد روى المشايخ الثلاثة في الصحيح عن إبراهيم بن ميمون- و هو غير موثق- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل يسلم فيريد ان يختتن و قد حضر الحج، أ يحج أم يختتن؟ قال: لا يحج حتى يختتن».

و هي صريحة في ما تقدم نقله عن الشيخ المفيد و ابي الصلاح من عدم صحة الحج بدون الاختتان و ان ضاق وقت الحج، و الظاهر ان شيخنا العلامة لم يقف عليها و ظن انحصار الدليل في روايات المنع من الطواف بدون الاختتان و مثل هذه الرواية

ما رواه في قرب الاسناد عن محمد بن عبد الحميد و عبد الصمد بن محمد جميعا عن حنان بن سدير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نصراني أسلم و حضر الحج و لم يكن اختتن، أ يحج قبل ان يختتن؟

قال: لا و لكن يبدأ بالسنة».

[مسائل]

و ينبغي ان يلحق بما تقدم من أبحاث هذا المقصد مسائل:

[المسألة] الاولى [من مات بعد الإحرام و دخول الحرم]

- لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في ما أعلم في ان من مات بعد الإحرام و دخول الحرم برئت ذمته.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن بريد العجلي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل خرج حاجا و معه جمل له و نفقة و زاد فمات في الطريق؟ قال: ان كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأت عنه

____________

(1) الكافي ج 4 ص 281، و التهذيب ج 5 ص 125 و 469، و الفقيه ج 2 ص 251، و في الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.

(2) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.

(3) الكافي ج 4 ص 276، و التهذيب ج 5 ص 407، و الفقيه ج 2 ص 269، و في الوسائل الباب 26 من وجوب الحج و شرائطه. و المروي عنه في الكافي و الفقيه أبو جعفر (عليه السلام).

150

حجة الإسلام، و ان كان مات و هو صرورة قبل ان يحرم جعل جملة و زاده و نفقته في حجة الإسلام، فإن فضل من ذلك شيء فهو للوراثة ان لم يكن عليه دين. قلت: أ رأيت ان كانت الحجة تطوعا ثم مات في الطريق قبل ان يحرم لمن يكون جمله و نفقته و ما معه؟ قال: يكون جميع ما معه و ما ترك للورثة، إلا ان يكون عليه دين فيقضى عنه، أو يكون أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن اوصى له و يجعل ذلك من ثلثه».

و في الصحيح عن ضريس عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) «في رجل خرج حاجا حجة الإسلام فمات في الطريق؟ فقال: ان مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، و ان كان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الإسلام».

و صحيحة زرارة الآتية ان شاء الله تعالى في المحصور عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال فيها: «قلت: فان مات و هو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة؟ قال:

يحج عنه ان كانت حجة الإسلام و يعتمر، و إنما هو شيء عليه».

و روى الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة مرسلا (3) قال: قال الصادق (عليه السلام): من خرج حاجا فمات في الطريق، فان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، و ان مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج، و ليقض عنه وليه.

و إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في ذلك بين ان يقع التلبس بإحرام الحج أو العمرة، و لا بين ان يموت في الحل أو الحرم، محرما أو محلا كما لو مات بين الإحرامين.

____________

(1) الوسائل الباب 26 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 26 من وجوب الحج و شرائطه، و الباب 3 من الإحصار و الصد.

(3) الوسائل الباب 26 من وجوب الحج و شرائطه.

151

اما لو مات بعد الإحرام و قبل دخول الحرم فالمشهور بين الأصحاب وجوب القضاء عنه، و نقل عن الشيخ في الخلاف و ابن إدريس الاجتزاء به لمجرد الإحرام. و لا اعرف لهذا القول دليلا.

قال في المختلف: احتج بان القصد التلبس و قد حصل بالإحرام. ثم أجاب عنه بالمنع، قال: بل المطلوب قصد البيت الحرام و إنما يحصل بالدخول في الحرم.

و قال في المدارك: و ربما أشعر به مفهوم

قوله (عليه السلام) في صحيحة بريد (1):

«و ان كان مات و هو صرورة قبل ان يحرم جعل جمله و زاده و نفقته في حجة الإسلام».

لكنه معارض بمنطوق

قوله (عليه السلام) (2): «و ان كان مات دون الحرم فليقض عنه وليه حجة الإسلام».

انتهى.

أقول: و تعارضه أيضا صحيحة زرارة المذكورة و المرسلة المنقولة من المقنعة.

و اما ما احتمله في الذخيرة- من الجمع بين المفهوم المذكور و بين منطوق صحيحة ضريس بالحمل على استحباب القضاء في الصورة المذكورة، حتى انه حمل الأمر بالحج عنه في صحيحة زرارة على الاستحباب ايضا- فبعيد لا يلتفت اليه و هو من جملة تخريجاته البيعدة. و الظاهر انه مبنى على ما يذهب اليه من عدم صراحة الأوامر في الاخبار في الوجوب. و هو توهم ساقط.

و بالجملة فإن الأصح هو القول المشهور، لان الواجب هو الحج الذي هو عبارة عن جميع تلك المناسك، فلا يخرج المكلف عن العهدة إلا بالإتيان به كذلك، قام الدليل على خروج هذه الصورة المتفق عليها بين الأصحاب للأخبار المذكورة، بقي ما عداها على حكم الأصل.

و العجب من ابن إدريس في اجتزائه بالإحرام هنا خاصة، فإن القول

____________

(1) ص 149 و 150.

(2) في صحيح ضريس ص 150.

152

بالاجتزاء بالإحرام و دخول الحرم انما ثبت من طريق الآحاد فهو غير جار على أصوله، فكيف ما لم يرد به دليل بالكلية، و لم يقل به إلا الشيخ خاصة في الخلاف دون غيره من كتبه.

[المسألة] الثانية [من استقر الحج في ذمته و لم يحج]

- لا خلاف بين الأصحاب في ان من استقر الحج في ذمته فإنه يجب القضاء عنه لو مات و لم يحج.

و الاخبار بذلك متكاثرة، و منها-

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و يترك مالا؟ قال: عليه ان يحج من ماله رجلا صرورة لا مال له».

و صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات و لم يحج حجة الإسلام، يحج عنه؟ قال: نعم».

و صحيحة رفاعة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص بها، أ يقضى عنه؟ قال: نعم».

و موثقة سماعة بن مهران (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص بها، و هو موسر؟ فقال: يحج عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك».

الى غير ذلك من الاخبار التي من هذا القبيل.

و إنما وقع الخلاف في هذه المسألة في مقامين

الأول- ما به يتحقق الاستقرار

، فالأكثر على انه يتحقق بمضي زمان يمكن فيه الإتيان بجميع أفعال الحج مستجمعا للشرائط.

قال العلامة في التذكرة: استقرار الحج في الذمة يحصل بالإهمال بعد حصول الشرائط بأسرها و مضى زمان جميع أفعال الحج، و يحتمل مضى زمان يتمكن فيه من الإحرام و دخول الحرم.

____________

(1) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

153

و أطلق المحقق في المعتبر و الشرائع القول بتحققها بالإهمال مع تحقق الشرائط.

و اعترضه في المسالك بأنه لا بد من تقييد الإهمال بكونه واقعا في جميع المدة التي يمكن فيها استيفاء جميع أفعال الحج بأقل الواجب فلم يفعل. و ظاهر كلام الأكثر اعتبار مضى زمان يسع جميع الأفعال و ان لم يكن ركنا كالمبيت بمنى و الرمي.

قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك: و يمكن اعتبار زمان يمكن فيه تأدي الأركان خاصة، و هو مضى جزء من يوم النحر يمكن فيه الطوافان و السعي. و اختاره في التذكرة و المهذب. و لو قلنا باستحباب أفعال منى المتأخرة لم يعتبر قطعا. انتهى.

أقول: قد نقل هذا القول عن التذكرة أيضا سبطه في المدارك و مثله الفاضل الخراساني في الذخيرة، و الظاهر انه و هم من شيخنا المذكور و تبعه عليه من تبعه من غير مراجعة الكتاب المشار إليه، فإن الموجود فيه ما حكيناه أولا من ما هو موافق للقول المشهور. نعم هو ظاهر المهذب.

قال السيد السند في المدارك: و ما وقفت عليه في هذه المسألة من الاخبار خال من لفظ الاستقرار فضلا عن ما يتحقق به، و إنما اعتبر الأصحاب ذلك بناء على ان وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء، و إنما يتحقق وجوبه بمضي زمان يمكن فيه الحج مستجمعا للشرائط. و يشكل بما بيناه مرارا من ان وجوب القضاء ليس تابعا لوجوب الأداء. و بان المستفاد من كثير من الاخبار ترتب القضاء على عدم الإتيان بالأداء مع توجه الخطاب به ظاهرا، كما في صحيحتي بريد و ضريس المتقدمتين (1) انتهى.

أقول:

قد روى ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في كتابيه في الموثق عن ابي بصير (2) قال: «سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال

____________

(1) ص 149 و 150.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

154

فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: هل برئت من مرضها؟ قلت: لا، ماتت فيه. فقال: لا تقض عنها فان الله لم يجعله عليها. قلت: فإني اشتهي ان أقضي عنها و قد أوصتني بذلك؟ قال: كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله تعالى عليها؟. الحديث».

و المستفاد من هذا الخبر انه لا يجب القضاء إلا مع استقرار الأداء و اشتغال الذمة به. و فيه تأييد لما ذكره الأصحاب هنا من عدم وجوب قضاء الحج إذا لم يمض زمان يمكن فيه الحج مستجمعا للشرائط.

و لا يلزم منه كون القضاء تابعا لوجوب الأداء، بمعنى انه غير متوقف على أمر جديد، كما ذكره (قدس سره) لان مجرد الأمر بالأداء لا يستلزم الأمر بالقضاء.

بل الوجه فيه إنما هو متى ورد الأمر بالقضاء- كالاحاديث المتقدمة في وجوب قضاء الحج، و الأحاديث الواردة في وجوب قضاء الصلاة، و هكذا في قضاء الصوم- يجب ان يعتبر فيها حال فوات الأداء، فإن فات على وجه استقر في الذمة و اشتغلت به وجب قضاؤه و إلا فلا، فان هذه المرأة لما فاتها الصوم و لكن على وجه لم يستقر في ذمتها لم يوجب (عليه السلام) القضاء عنها. و هكذا من فاتته الصلاة بإغماء أو جنون. و بعين ذلك يقال في الحج، فإنه إذا فات على وجه لم تشتغل الذمة به فإنه لا يجب قضاؤه، و لا ريب ان من بادر الى الحج في عام الاستطاعة ثم مات قبل الإحرام أو ذهبت استطاعته أو نحو ذلك، فإنه لم تشتغل ذمته بالحج و إلا للزم مثل ذلك في من مات في بلده قبل الخروج أيضا في أشهر الحج في عام الاستطاعة.

و ما ذكره- من ان المستفاد من الاخبار ترتب القضاء بمجرد توجه

155

الخطاب كالروايتين المذكورتين- ففيه انه عين النزاع في المسألة، و لهذا ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) تأولوهما، و قد عرفت معارضة رواية أبي بصير لهما في ذلك. اللهم إلا ان يدعى اشتغال الذمة بالحج في تلك الحال ليدخل تحت موثقة أبي بصير. و لا أظنه يلتزمه.

و بالجملة فإن القضاء عندنا مرتب على اشتغال الذمة بالأداء، فمتى لم تشتغل ذمته به لم يجب قضاؤه، لقوله (عليه السلام) في هذا الخبر: «لا تقض عنها فان الله لم يجعله عليها» و قوله ثانيا: «كيف تقضي عنها شيئا لم يجعله الله عليها؟» و هو صريح في ان القضاء لا يكون إلا عن شيء استقر في الذمة.

و حينئذ فيجب تخصيص إطلاق الأخبار المتقدمة- و كذا خبري بريد و ضريس- بهذا الخبر.

ثم قال في المدارك: و قد قطع الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان من حصل له الشرائط فتخلف عن الرفقة ثم مات قبل حج الناس لا يجب القضاء عنه، لتبين عدم استقرار الحج في ذمته بظهور عدم الاستطاعة. و هو جيد ان ثبت ان وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء.

أقول: هذا موضع شك حيث ان ترك الحج لم يقع بعذر شرعي، فيمكن ان يكون بتعمده التأخير مع وجوب ذلك عليه يستقر الحج في ذمته و ان لم يمض الزمان الذي تقع فيه المناسك، كما لو أفطر عمدا في شهر رمضان ثم سافر لإسقاط الكفارة و رفع الإثم، فإنه لا يوجب رفع الإثم و لا سقوط الكفارة.

و بالجملة فقياس هذه المسألة على مسائل حصول العذر الشرعي- كالموت و فوات الاستطاعة بمجرد الاشتراك في انه ظهر بذلك عدم الاستطاعة واقعا- قياس مع الفارق. و المسألة خالية من النص بجميع شقوقها فيجب الاحتياط فيها

الثاني [هل يسقط قضاء الحج بالموت قبل الاستقرار؟]

- قد قطع المتأخرون بسقوط القضاء إذا لم تكن الحجة مستقرة في

156

ذمته، كما إذا كان خروجه في عام الاستطاعة. و أطلق المفيد في المقنعة و الشيخ في جملة من كتبه وجوب القضاء إذا مات قبل دخول الحرم.

و لم أقف على من قال بهذا القول من المتأخرين سوى المحدث الشيخ علي ابن سليمان البحراني (نور الله تعالى مرقده) فإنه قال في حاشيته على النافع:

و لا يحتاج في الاستقرار الذي يجب معه القضاء الى مضى زمان يمكن إتيان أفعال الحج فيه كامل الشروط كما اعتبره بعضهم، أو قدر ما يحرم فيه و يدخل الحرم كما اعتبره بعض أصحابنا، بناء منهم على ان القضاء فرع الأداء. و نحن لا نقول به بل القضاء واجب على حده. و الروايات ليس فيها أكثر من وجوبه على من مات و لم يحج حج الإسلام. هذا إذا تيسر الحج للرفقة تلك السنة، اما إذا لم يتيسر لهم بل صدهم العدو أو ضاق الوقت ففات الحج فيحتمل ما قلناه أيضا، لأنه مات و هو مخاطب بحج ظاهر. و لدخوله في إطلاق الروايات.

و يحتمل عدم الاستقرار، لظهور ان هذه السنة لم تكن سنة حج. و الأول لا يخلو من قوة، و الذي قطع به الأصحاب الثاني. و الله اعلم. انتهى كلامه (زيد إكرامه).

أقول: و هو جيد لولا ورود موثقة أبي بصير التي قدمنا ذكرها في المقام الأول (1) بالتقريب الذي ذكرناه ذيلها.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عن الشيخين (طاب ثراهما): و لعلهما نظرا إلى إطلاق الأمر بالقضاء في الروايتين المتقدمتين. و أجيب عنهما بالحمل على من استقر الحج في ذمته، لان من خرج في عام الاستطاعة ثم مات في الطريق تبين بموته عدم وجوب الحج عليه، و متى انتفى وجوب الأداء انتفى القضاء.

____________

(1) ص 153.

157

و هو غير بعيد و ان كان الإطلاق متجها ايضا، لما بيناه مرارا من ان القضاء قد يجب مع سقوط الأداء، لأنه فرض مستأنف فيتوقف على الدلالة خاصة. انتهى.

أقول: ظاهر كلامه هنا التردد في المسألة المذكورة، مع انه في الكلام الذي قدمنا نقله عنه في المقام الأول استشكل في كلام الأصحاب، و قولهم: ان وجوب القضاء تابع لوجوب الأداء. و رده بما ذكره من ان وجوب القضاء ليس تابعا لوجوب الأداء.

و بالجملة فالتحقيق عندي في المسألة هو ما قدمنا بيانه.

المسألة الثالثة [هل تجب إعادة الحج على المرتد إذا تاب و المخالف إذا استبصر؟]

- المشهور بين الأصحاب انه لو حج المسلم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام لم تجب عليه الإعادة. و كذا المخالف إذا استبصر لا تجب عليه الإعادة.

و قد وقع الخلاف هنا في الموضعين، اما في المرتد فنقل عن الشيخ القول بوجوب الإعادة بعد التردد في المسألة، مستندا الى ان ارتداده يدل على ان إسلامه أولا لم يكن إسلاما فلا يصح حجه.

قال في المعتبر بعد نقل ذلك عنه: و ما ذكره (رحمه الله) بناء على قاعدة باطلة قد بينا فسادها في الأصول.

و يدفعه صريحا قوله (عز و جل) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا (1) حيث اثبت الكفر بعد الايمان.

و ربما استدل على وجوب الإعادة أيضا بقوله تعالى وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ (2).

و رد بأن الإحباط مشروط بالموافاة على الكفر، كما يدل عليه قوله (عز

____________

(1) سورة النساء الآية 137.

(2) سورة المائدة الآية 5.

158

و جل) وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كٰافِرٌ فَأُولٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمٰالُهُمْ (1).

و بالجملة فإنه قد اتى بالحج على الوجه المأمور به فيكون مجزئا، و القول بالإبطال و الإعادة يحتاج الى دليل، و ليس فليس.

و يزيد ذلك بيانا

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن محمد ابن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انه قال: «من كان مؤمنا فعمل خيرا في إيمانه ثم أصابته فتنة فكفر ثم تاب بعد كفره، كتب له و حوسب بكل شيء كان عمله في إيمانه، و لا يبطله الكفر إذا تاب بعد كفره».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«من كان مؤمنا فحج و عمل في إيمانه ثم اصابته في إيمانه فتنة فكفر ثم تاب و آمن؟ قال: يحسب له كل عمل صالح عمله في إيمانه و لا يبطل منه شيء».

ثم ان الشيخ في المبسوط فرع على ما ذكره مسألة أخرى أيضا، فقال:

و ان أحرم ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام جاز ان يبنى عليه، إلا على ما استخرجناه في المسألة المتقدمة في قضاء الحج. و أشار بذلك الى ما قدمه من ان ارتداده كاشف عن عدم الإسلام و ان إسلامه ليس إسلاما. و الذي عليه الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو صحة الإحرام هنا.

ثم انه (قدس سره) أورد على نفسه انه يلزم على هذا القول ان المرتد لا يلزمه قضاء العبادات التي فاتته في حال الارتداد، لأنا إذا لم نحكم بإسلامه يكون كفره أصليا، و الكافر الأصلي لا يلزمه قضاء ما فاته في الكفر.

____________

(1) سورة البقرة الآية 216.

(2) الوسائل الباب 99 من جهاد النفس.

(3) الوسائل الباب 30 من مقدمة العبادات.

159

أقول: جزاه الله (تعالى) عن المنازع له في هذه المسألة أفضل الأجر و الثواب حيث كفاه مؤنة الجواب في هذا الباب.

و اما في المخالف فنقل عن ابن الجنيد و ابن البراج انهما حكما بوجوب الإعادة و ان لم يخل بشيء، و المشهور عند أصحابنا عدم الإعادة إلا ان يخل بركن من أركان الحج.

و الروايات بذلك متظافرة، و منها-

صحيحة بريد بن معاوية العجلي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حج و هو لا يعرف هذا الأمر ثم من الله (تعالى) عليه بمعرفته و الدينونة به، عليه حجة الإسلام أو قد قضى فريضته؟

فقال: قد قضى فريضته و لو حج لكان أحب الي. قال: و سألته عن رجل حج و هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متدين ثم من الله عليه فعرف هذا الأمر، يقضى حجة الإسلام؟ فقال: يقضي أحب الي. و قال: كل عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثم من الله عليه و عرفه الولاية فإنه يؤجر عليه، إلا الزكاة فإنه يعيدها. لانه وضعها في غير مواضعها، لأنها لأهل الولاية.

و اما الصلاة و الحج و الصيام فليس عليه قضاء».

و صحيحة الفضلاء- أو حسنتهم على المشهور- عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (2) انهما قالا «في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء: الحرورية و المرجئة و العثمانية و القدرية، ثم يتوب و يعرف هذا الأمر و يحسن رأيه، أ يعيد كل صلاة صلاها أو صوم صامه أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال: ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة لا بد أن يؤديها. الحديث».

____________

(1) الوسائل الباب 23 من وجوب الحج و شرائطه، و الباب 31 من مقدمة العبادات، و الباب 3 من المستحقين للزكاة.

(2) الوسائل الباب 3 من المستحقين للزكاة.

160

و صحيحة ابن أذينة أو حسنته (1) قال: «كتبت الي أبو عبد الله (عليه السلام):

ان كل عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثم من الله عليه و عرفه هذا الأمر فإنه يؤجر عليه و يكتب له إلا الزكاة. الحديث».

و صحيحة الأخرى أو حسنته (2) قال: «كتبت الى ابي عبد الله (عليه السلام) اسأله عن رجل حج و لا يدري و لا يعرف هذا الأمر ثم من الله عليه بمعرفته و الدينونة به، أ عليه حجة الإسلام أو قد قضى فريضة الله؟ قال: قد قضى فريضة الله و الحج أحب الي. و عن رجل و هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متدين ثم من الله عليه فعرف هذا الأمر، أ يقضى عنه حجة الإسلام، أو عليه ان يحج من قابل؟ قال: يحج أحب الي».

هكذا رواه ثقة الإسلام في الكافي (3) و رواه الصدوق (4) الى قوله: «و الحج أحب الي».

و رواية ابي عبد الله الخراساني عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام) (5):

قال: «قلت له: اني حججت و انا مخالف، و حججت حجتي هذه و قد من الله (تعالى) على بمعرفتكم و علمت ان الذي كنت فيه كان باطلا، فما ترى في حجتي؟

قال: اجعل هذه حجة الإسلام و تلك نافلة».

و وجه استثناء الزكاة في هذه الاخبار ان الزكاة حق مالي للفقراء، و مثلها

____________

(1) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات، و الباب 3 من المستحقين للزكاة.

(2) التهذيب ج 5 ص 10، و في الوسائل الباب 23 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) ج 4 ص 275.

(4) في الفقيه ج 2 ص 263.

(5) الوسائل الباب 23 من وجوب الحج و شرائطه.

161

الخمس، فلا يحصل العفو به، بخلاف غيرهما من العبادات فإنه حق لله (عز و جل) و قد تفضل الله به عليهم لما دانوا بالولاية.

قيل: و ربما كان مستند ابن الجنيد و ابن البراج الأخبار الدالة على بطلان عبادة المخالف (1) كما سيأتي بعض منها في المقام ان شاء الله تعالى.

و ما رواه الشيخ عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لو ان رجلا معسرا أحجه رجل كانت له حجة، فان أيسر بعد ذلك كان عليه الحج.

و كذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج و ان كان قد حج».

أقول: و مثلها

رواية علي بن مهزيار (3) قال: «كتب إبراهيم بن محمد ابن عمران الهمداني الى ابي جعفر (عليه السلام): اني حججت و انا مخالف و كنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة إلى الحج؟ قال: فكتب إليه: أعد حجك».

و الجواب عن ذلك ظاهر من الاخبار المتقدمة، اما الاخبار الدالة على بطلان عبادة المخالف فهي مسلمة، و لكن هذه الأخبار قد دلت على تفضل الله (تعالى) عليه بقبول ذلك كالصلاة و الصيام، لدخوله في الايمان. و اما الروايتان المذكورتان فإنك قد عرفت تكرر الأمر بالإعادة في تلك الاخبار و انه الأحب إليهم (عليهم السلام) حتى انه (عليه السلام) في الرواية الأخيرة أمر بأن يجعل الأخيرة حجة الإسلام و الأولى نافلة، تأكيدا لاستحبابها و الحث عليها.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه في هذه المسألة على أمور:

الأول [هل يعتبر في عدم إعادة المخالف عدم الإخلال بالركن؟]

- قال السيد السند (قدس سره) في المدارك: اعتبر الشيخ و أكثر

____________

(1) الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

(2) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات، و الباب 21 و 23 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 31 من مقدمة العبادات، و الباب 23 من وجوب الحج و شرائطه.

162

الأصحاب في عدم اعادة المخالف الحج ان لا يكون قد أخل بركن منه، و النصوص خالية من هذا القيد، و نص المصنف في المعتبر- و العلامة في المنتهى و الشهيد في الدروس- على ان المراد بالركن ما يعتقده أهل الحق ركنا لا ما يعتقده الضال تدينا، مع انهم صرحوا في قضاء الصلاة بأن المخالف يسقط عنه قضاء ما صلاه صحيحا عنده و ان كان فاسدا عندنا. و في الجمع بين الحكمين اشكال.

و لو فسر الركن بما كان ركنا عندهم كان أقرب الى الصواب، لان مقتضى النصوص ان من حج من أهل الخلاف لا تجب عليه الإعادة، و من اتى منهم بحج فاسد عندهم كان كمن لم يأت بالحج. و من هنا يظهر انه لا فرق في الاجزاء بين ان يوافق فعله النوع الواجب عندنا كالتمتع و قسيميه أولا. انتهى. و هو جيد.

إلا ان مقتضى صدر كلامه ان تقييد الشيخ و أكثر الأصحاب- عدم الإعادة بان لا يكون قد أخل بركن- ليس في محله، بل الأظهر العمل بإطلاق الاخبار و هو عدم الإعادة و ان أخل بركن. و هو باطل كما صرح به في آخر كلامه من ان من اتى بحج فاسد عندهم كان كمن لم يأت بالحج. و حينئذ فلا بد من تقييد الأخبار المذكورة كما ذكره الشيخ و الأكثر. نعم ما نقله عن المعتبر و المنتهى و الدروس- من ان المراد بالركن ما يعتقده أهل الحق ركنا- ليس بجيد لما ذكره، و إطلاق الاخبار المذكورة أعم منه.

الثاني [هل يفرق في حكم المخالف بين من حكم بكفره و غيره؟]

- قال (قدس سره): إطلاق العبارة و غيرها يقتضي عدم الفرق في المخالف بين من حكم بكفره- كالناصب- و غيره. و هو كذلك، و قد وقع التصريح في صحيحة بريد (1) بعدم اعادة الناصب، و في صحيحة الفضلاء (2) بعدم إعادة الحرورية، و هم كفار لأنهم خوارج. انتهى.

أقول: لما كان الناصب عند متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم) عبارة عن من أظهر العداوة لأهل البيت (عليهم السلام) و هو محكوم بكفره

____________

(1) ص 159.

(2) ص 159.

163

عندهم- فهو أخص من مطلق المخالف، و المخالف الغير الناصب عندهم من المسلمين المحكوم بإجراء أحكام الإسلام عليهم- أشار (قدس سره) الى ان الاخبار الواردة بعدم الإعادة شاملة للفردين المذكورين، و ان المراد بالناصب في رواية بريد هو هذا الفرد المذكور.

أقول: و التحقيق المستفاد من اخبار أهل البيت (عليهم السلام)- كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في كتاب الشهاب الثاقب- ان جميع المخالفين العارفين بالإمامة و المنكرين القول بها كلهم نصاب و كفار و مشركون ليس لهم في الإسلام و لا في أحكامه حظ و لا نصيب، و إنما المسلم منهم هو الغير العارف بالإمامة، و هم في الصدر الأول من زمان الأئمة (عليهم السلام) أكثر كثير، و يعبر عنهم في الاخبار بأهل الضلال و غير العارف و المستضعف. و من الاخبار الواردة بهذا الفرد توهم متأخرو أصحابنا الحكم بإسلام المخالف الغير المعلن بالعداوة. و الحكم بعدم الإعادة هنا شامل لهذين الفردين، و الى الفرد الأول يشير في صحيحة بريد السؤال الأول و هو قوله: «رجل حج و هو لا يعرف هذا الأمر» و الى الفرد الثاني السؤال الثاني و هو قوله: «قال: و سألته عن رجل و هو في بعض هذه الأصناف. الى آخره» و مثلها صحيحة ابن أذينة الثانية برواية الكليني (1) و من أحب الوقوف على صحة ما ذكرناه فليرجع الى كتابنا المذكور.

و يأتي على ما ذكروه خلو الاخبار عن المخالف الغير الناصب، لأنها- كما قدمناها- إنما اشتملت على فردين: الناصب و من لا يعرف، و المراد بمن لا يعرف إنما هو المعبر عنه بالمستضعف في الاخبار و أهل الضلال، و هو غير مراد في كلامهم، و حينئذ فلو حمل الناصب على المخالف المظهر للعداوة- كما يدعونه- للزم ما ذكرناه.

و بالجملة فإن المستفاد من الأخبار- كما أوضحناه في الكتاب المتقدم- ان

____________

(1) ص 160.

164

الناس في زمانهم (عليهم السلام) ثلاثة أقسام: مؤمن و هو من أقر بالإمامة، و ناصب كافر و هو من أنكرها، و من لم يعرف و لم ينكر و هم أكثر الناس في ذلك الزمان، و يعبر عنه بالمستضعف و الضال.

الثالث [الأخبار الدالة على بطلان أعمال المخالفين]

- الظاهر- كما استظهره في المدارك- ان الحكم بعدم وجوب الإعادة في الروايات المتقدمة إنما وقع تفضلا من الله تعالى، لقيام الأخبار الصحيحة الصريحة على بطلان اعمال المخالفين و ان كانت مستكملة لشرائط الصحة واقعا فضلا عن شرائط مذهبهم.

و من الاخبار في ذلك

صحيحة أبي حمزة (1) قال: «قال لنا على بن الحسين (عليه السلام): اي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله و رسوله و ابن رسوله اعلم فقال لنا: ان أفضل البقاع ما بين الركن و المقام، و لو ان رجلا عمر ما عمر نوح (عليه السلام) في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يصوم النهار و يقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله (تعالى) بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا».

و صحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كل من دان الله (عز و جل) بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من الله فسعيه غير مقبول، و هو ضال متحير، و الله شانئ لأعماله، و مثله كمثل شاة ضلت عن راعيها و قطيعها فهجمت ذاهبة و جائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها فحنت إليها و اغترت بها فباتت معها في مربضها، فلما ان ساق الراعي قطيعة أنكرت راعيها و قطيعها، فهجمت متحيرة تطلب راعيها و قطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها فحنت إليها و اغترت بها، فصاح بها الراعي الحقي

____________

(1) الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

(2) الكافي ج 1 ص 183، و في الوسائل الباب 29 من مقدمة العبادات.

165

براعيك و قطيعك فإنك تائهة متحيرة عن راعيك و قطيعك، فهجمت ذعرة متحيرة تائهة لا راعي لها يرشدها الى مرعاها أو يردها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها. و كذلك- و الله يا محمد- من أصبح من هذه الأمة لا امام له من الله (تعالى) ظاهر عادل أصبح ضالا تائها، و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق. و اعلم يا محمد ان أئمة الجور و اتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا و أضلوا، فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون من ما كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد (1)».

و رواية أبي إسحاق الليثي المروية في أمالي الشيخ و في كتاب العلل عن الباقر (عليه السلام) (2) و فيها: «قد سألتني عن المؤمنين من شيعة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) و عن زهاد الناصبة و عبادهم. من ههنا قال الله (عز و جل) وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً (3) و من هنا قال الله (عز و جل) عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ، تَصْلىٰ نٰاراً حٰامِيَةً، تُسْقىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (4) ثم ساق الكلام الى ان قال

____________

(1) اقتباس من الآية 18 في سورة إبراهيم: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمٰالُهُمْ كَرَمٰادٍ.».

(2) لم أجده في أمالي الشيخ، و أورده في العلل ص 606 الطبع الحديث، إلا ان اللفظ يوافق ما أورده في البحار كتاب الايمان و الكفر ج 1 ص 28 من الطبع القديم و ج 67 ص 102 الى 108 من الطبع الحديث، حيث قال: وجدت في بعض الكتب مرويا. ثم أورد الحديث بتمامه، ثم قال: بيان- قد مر هذا الخبر نقلا من العلل مع اختلاف ما و زيادة و نقص.

(3) سورة الفرقان الآية 23.

(4) سورة الغاشية الآية 3 و 4 و 5.

166

(عليه السلام): قال الله (تعالى) إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (1) ما رضى الله ان يشبههم بالحمير و البقر و الكلاب و الدواب حتى زادهم فقال «بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» يا إبراهيم قال الله (عز و جل) في أعدائنا الناصبة وَ قَدِمْنٰا إِلىٰ مٰا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنٰاهُ هَبٰاءً مَنْثُوراً (2) و قال (عز و جل) يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (3) و قال (عز و جل) يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلىٰ شَيْءٍ أَلٰا إِنَّهُمْ هُمُ الْكٰاذِبُونَ (4) و قال (عز و جل) أَعْمٰالُهُمْ كَسَرٰابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مٰاءً حَتّٰى إِذٰا جٰاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً (5). الحديث» و هو صريح في ان جميع المخالفين نصاب كفار مبغضون لأهل البيت (عليهم السلام).

و روى في الكافي عن الصادق (عليه السلام) (6) قال: «لا يبالي الناصب صلى أم زنى».

و روى النجاشي في كتاب الرجال (7) في ترجمة محمد بن الحسن بن شمون بسنده اليه قال: ورد داود الرقي البصرة بعقب اجتياز ابي الحسن موسى (عليه السلام) في سنة تسع و سبعين و مائة فصار بي أبي اليه و سأله عنهما فقال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: سواء على الناصب صلى أم زنى.

و قد نظم ذلك جملة من أصحابنا: منهم- شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان ابن عبد الله البحراني (قدس الله تعالى سره) فقال:

خلع النواصب ربقة الإيمان * * * فصلاتهم و زناؤهم سيان

قد جاء ذا في واضح الآثار عن * * * آل النبي الصفوة الأعيان

____________

(1) سورة الفرقان الآية 44.

(2) سورة الفرقان الآية 23.

(3) سورة الكهف الآية 104.

(4) سورة المجادلة الآية 18.

(5) سورة النور الآية 39.

(6) الروضة ص 160.

(7) ص 258 و 259 طبع مطبعة المصطفوي.

167

و قال الخليفة الناصر العباسي (1):

قسما ببكة و الحطيم و زمزم * * * و الراقصات و سعيهن إلى منى

بغض الوصي علامة مكتوبة * * * كتبت على جبهات أولاد الزنى

من لم يوال في البرية حيدرا * * * سيان عند الله صلى أو زنى

الى غير ذلك من الاخبار التي يطول بنقلها الكلام.

و بذلك يظهر ضعف ما ذكره العلامة في المختلف على ما نقله عنه في المدارك حيث قال: و قال العلامة في المختلف: ان سقوط الإعادة إنما هو لتحقق الامتثال بالفعل المتقدم، إذ المفروض عدم الإخلال بركن منه، و الايمان ليس شرطا في صحة العبادة. ثم اعترض عليه بأنه فاسد، و رده بالأخبار التي قدمناها.

____________

(1) نسب الأبيات- في النصائح الكافية ص 99 طبع النجف- اليه بنحو القطع كما في المتن، و في أعيان الشيعة ج 8 ص 33 و الكنى و الألقاب ج 3 ص 202 هكذا: و من ما ينسب الى الناصر. الى آخره. و ذكر ابن شهرآشوب في المناقب ج 3 ص 11 البيتين الأخيرين بتغيير يسير و لم ينسبهما الى أحد.

و من المعلوم ان ابن شهرآشوب كان من معاصري الناصر فإنه توفي سنة 588 و قد بويع للناصر سنه 575 و دامت خلافته سبعا و أربعين سنة و توفي 622. و قد نسب إليه- في النصائح الكافية عقيب هذه الأبيات- الأبيات التالية:

لو ان عبدا اتى بالصالحات غدا * * * و ود كل نبي مرسل و ولي

و عاش ما عاش آلافا مؤلفة * * * خلوا من الذنب معصوما من الزلل

و قام ما قام قواما بلا كسل * * * و صام ما صام صواما بلا ملل

و طار في الجو لا يأوي إلى حلل * * * و غاص في البحر لا يخشى من البلل

فليس ذلك يوم البعث ينفعه * * * إلا بحب أمير المؤمنين علي

.

168

أقول: لم أقف على هذه العبارة التي نقلها في المدارك في المختلف في هذه المسألة، نعم- بعد ان نقل احتجاج ابن الجنيد و ابن البراج بان الايمان شرط العبادة و لم يحصل-: أجاب عن ذلك بالمنع من كون الايمان شرطا في العبادة. فلعل السيد نظر الى ما يلزم من هذه العبارة و هو ما ذكره.

و فيه بعد و يحتمل ان يكون في موضع آخر غير موضع المسألة.

و كيف كان فينبغي ان يعلم ان القول بصحة اعمال المخالفين ليس مختصا بالعلامة في هذا الكتاب، كما ربما يوهمه ظاهر تخصيص النقل عنه بذلك. بل هذا القول هو المشهور بين المتأخرين، كما صرح به الشهيد في الدروس حيث قال:

و اختلف في اشتراط الايمان في الصحة و المشهور عدم اشتراطه.

و يرد عليه- زيادة على ما ذكرنا- ان الواجب عليهم ان يحكموا بدخول المخالفين الجنة، لأنهم متفقون على وجوب الجزاء على الله (تعالى) كما دلت عليه ظواهر الآيات القرآنية، و حينئذ فمتى كانت أعمالهم صحيحة وجب الجزاء عليها في الآخرة، فيلزم دخولهم الجنة. مع ان جملة منهم صرحوا بان الحكم بإسلامهم إنما هو باعتبار إجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا من الطهارة و المناكحة و الموارثة و حقن المال و الدم، و اما في الآخرة فإنهم من المخلدين في النار.

و بالجملة فإن كلامهم في هذا المقام لا يخلو عن مجازفة ناشئة عن عدم تتبع الأدلة و التأمل فيها كما هو حقها.

الرابع [هل يجزئ حج المحق بحج غيره؟]

- قال شيخنا الشهيد (قدس سره) في الدروس: و لو حج المحق حج غيره ففي الإجزاء تردد، من التفريط، و امتناع تكليف الغافل. مع مساواته المخالف في الشبهة.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: أقول: لا يخفى ضعف الوجه

169

الثاني من وجهي التردد، لأن إيجاب الإعادة بعد العلم لا يستلزم تكليف الغافل.

و الحاقه بالمخالف قياس مع الفارق. و الأصح اختصاص الحكم بالمخالف، و اعتبار استجماع الشرائط المعتبرة في غيره، لعدم تحقق الامتثال بدونه. انتهى.

أقول: لا يخفى ان مراد شيخنا المذكور (قدس سره) من هذا الكلام إنما هو بالنسبة إلى أصل الحج الواقع من المكلف، بان يكون من أهل الحق و قد حج حج المخالفين جاهلا بحج الشيعة و كيفيته، فهل يحكم ببطلانه بناء على عدم معذورية الجاهل، لتفريطه بالإخلال بعدم تعلم الأحكام الشرعية، أو يحكم بصحته بناء على انه غافل و يمتنع تكليف الغافل، لأن الأوامر و النواهي الشرعية إنما تتوجه الى العالم؟ و مرجع ذلك الى معذورية الجاهل- كما وقع الحكم به في جملة من أحكام الحج- و عدمها. و حينئذ فقول السيد (قدس سره)- انه لا يخفى ضعف الوجه الثاني. ثم ذكر في بيان ضعفه: ان إيجاب الإعادة بعد العلم لا يستلزم تكليف الغافل- خروج عن محل المسألة، إذ الكلام إنما هو بالنسبة إلى أصل الحج لا الإعادة، و لا ريب انه متى كان الفعل صحيحا- بناء على معذورية الجاهل كما ذكره شيخنا المذكور- فإنه لا إعادة البتة.

نعم يبقى الكلام في انه لو كان حج المخالفين مستلزما لترك شيء من الأركان عند أهل الحق- و هذا المحق قد حج حجهم و ترك بعض الأركان، و الحال انه لا عذر في ترك الركن، كما هو ظاهر الأصحاب من الحكم ببطلان الحج بترك بعض أركانه عمدا و جهلا- فالحكم بالصحة مشكل.

و كيف كان فتفريع هذه المسألة على ما نحن فيه- بناء على ما عرفت من بطلان عبادة المخالف، و ان عدم الإعادة عليه بعد دخوله في الايمان إنما هو تفضل من الله (عز و جل) لا لصحة عبادته، و ان المحق يجب عليه الإتيان بالعبادة على وجهها فمتى أخل بذلك عمدا وجب عليه الإعادة- ليس في محله.

170

نعم يفرق بين ما يعذر فيه و بين ما لا يعذر فيه.

و اما ما أشار إليه شيخنا المتقدم في آخر كلامه- من مساواته للمخالف في الشبهة، إشارة إلى الوجه في صحة إعمال المخالفين كما قدمنا نقله عنه، و بيانا للعذر لهم في الخروج عن الدين المبين، و بذلك ايضا صرح المحدث الكاشاني في المفاتيح في مسألة العدالة تبعا لشيخنا الشهيد الثاني في المسالك- فقد أشبعنا الكلام في رده و إبطاله في باب صلاة الجمعة من شرحنا على كتاب المدارك.

و ليت شعري إذا كانت الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية قد اتفقت على وجوب الرجوع الى أهل البيت (عليهم السلام) و أخذ الأحكام منهم- و لا سيما

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «اني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي.

-

و في بعض طرق هذا الخبر (2) خليفتين- لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».

و قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (3): «أهل بيتي كسفينة نوح (عليه السلام) من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق».

و هما مرويان من طريق الجمهور بطرق عديدة و قد اعترف جملة من علمائهم بمضمونهما، كما أوضحنا ذلك في سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد، و حديث الغدير المروي متواترا من طرق القوم (4) و أمثال ذلك- فأي شبهة بعد هذه الاخبار و أمثالها؟

____________

(1) ارجع الى كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 43 الى 52 فإنه ذكر الحديث بألفاظه و مصادره.

(2) ارجع الى كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 43 الى 52 فإنه ذكر الحديث بألفاظه و مصادره.

(3) ارجع الى كتاب فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 2 ص 56 الى 58 فإنه ذكر الحديث بألفاظه و مصادره.

(4) ارجع الى كتاب الغدير ج 1 ص 14 الى 151 و ص 294 الى 313 الطبعة الثانية.

171

و لكن القوم إنما قابلوا بالعناد و تمسكوا بالعصبية و اللداد، كما يوضحه تصريح جملة من أساطين علمائهم- منهم الغزالي و الزمخشري و غيرهما- بمخالفتهم السنن النبوية لكون الشيعة يعملون بها، كمسألة تسنيم القبور- قال الغزالي (1):

«ان السنة هو التسطيح و لكن عدلنا عنه الى التسنيم مراغمة للرافضة»- و التختم باليمين، و اضافة آل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) إليه في الصلاة عليه (صلى الله عليه و عليهم) و التكبير على الجنازة، و نحو ذلك من ما أوضحناه في كتابنا المشار اليه، فإذا كان هذا اعتراف علمائهم فأي شبهة لهم في الخروج عن الدين حتى يعتذر به أصحابنا عنهم و بالجملة فإن كلامهم في هذا المقام وقع غفلة عن تدبر الاخبار و النظر فيها بعين الاعتبار، كما أوضحناه في شرحنا على المدارك في البحث مع المحدث الكاشاني.

المسألة الرابعة [اختلاف الأخبار في أفضلية المشي على الركوب]

- قد اختلفت الاخبار في أفضلية المشي على الركوب و بالعكس.

فمن ما يدل على الأول

صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ما عبد الله (تعالى) بشيء أشد من المشي و لا أفضل».

و صحيحة الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فضل المشي فقال:

____________

(1) الوجيز ج 1 ص 47 باختلاف في اللفظ، و مثله في كتاب رحمة الأمة على هامش الميزان للشعراني ج 1 ص 88، و قد قدمنا كلامهم في ذلك في التعليقة (1) ص 124 ج 4 من الحدائق. و قد ذكر الحجة المقرم في مقتل الحسين (عليه السلام) ص 443 من الطبعة الثانية الموارد التي صرح القوم بمخالفة السنة فيها لأنها أصبحت شعارا للرافضة.

(2) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 52 من الصدقة، و الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

172

ان الحسن بن علي (عليهما السلام) قاسم ربه ثلاث مرات، حتى نعلا و نعلا و ثوبا و ثوبا و دينارا و دينارا، و حج عشرين حجة ماشيا على قدميه».

و عن محمد بن إسماعيل بن رجاء الزبيدي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«ما عبد الله بشيء أفضل من المشي».

و قال في الفقيه (2): روى انه ما تقرب العبد الى الله (عز و جل) بشيء أحب إليه من المشي إلى بيته الحرام على المتقدمين، و ان الحجة الواحدة تعدل سبعين حجة. الحديث.

و روى في ثواب الأعمال (3) بسنده عن الربيع بن محمد المسلي عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ما عبد الله بشيء مثل الصمت و المشي إلى بيته».

و مثله في الخصال (4) عن ابي الربيع الشامي عنه (عليه السلام).

و روى في الكافي عن أبي أسامة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «خرج الحسن بن علي (عليهما السلام) الى مكة سنة ماشيا فورمت قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبت لسكن عنك هذا الورم. فقال: كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنه يستقبلك اسود و معه دهن فاشتر منه و لا تماكسه. الحديث».

و فيه: انه وجد الأسود و اشترى منه.

و روى البرقي في المحاسن (6) عن ابي المنكدر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال ابن عباس: ما ندمت على شيء صنعت ندمي على ان لم أحج ماشيا، لأني سمعت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول: من حج بيت الله ماشيا كتب الله له سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم. قيل: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و ما حسنات الحرم؟

____________

(1) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

(6) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

173

قال: الحسنة بألف ألف حسنة. و قال: فضل المشاة في الحج كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم. و كان الحسين بن علي (عليهما السلام) يمشي إلى الحج و دابته تقاد وراءه.

و اما ما يدل على الثاني

فصحيحة رفاعة و ابن بكير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سئل عن الحج ماشيا أفضل أو راكبا؟ قال: بل راكبا، فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حج راكبا».

و روى الكليني عن رفاعة في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مشي الحسن (عليه السلام) من مكة أو من المدينة؟ قال: من مكة. و سألته:

إذا زرت البيت أركب أو أمشي؟ فقال: كان الحسن (عليه السلام) يزور راكبا.

و سألته عن الركوب أفضل أو المشي؟ فقال: الركوب. قلت: الركوب أفضل من المشي؟ فقال: نعم، لان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ركب».

و ظاهر هذا الخبر ان مشي الحسن (عليه السلام) المذكور في الاخبار انما كان من مكة إلى منى و عرفات، فان معنى سؤال السائل: ان مشيه (عليه السلام) هل كان من خروجه من المدينة قاصدا إلى مكة، أو من مكة في قصده الى عرفات و منى؟ فأجاب بان ذلك انما هو من مكة. إلا ان حديث أبي أسامة المتقدم ظاهر المنافاة لذلك، و مثله

موثقة عبد الله بن بكير الآتية (3). و قوله:

«إذا زرت البيت أركب أو أمشي؟».

يعنى: من منى الى مكة لطواف الزيارة.

و روى الشيخ في الموثق أو الحسن عن رفاعة (4) قال: «سأل أبا عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 33 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الكافي ج 4 ص 456، و في الوسائل الباب 33 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) ص 174.

(4) الوسائل الباب 33 من وجوب الحج و شرائطه.

174

(عليه السلام) رجل: الركوب أفضل أم المشي؟ فقال: الركوب أفضل من المشي لأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ركب».

و روى في الكافي في الموثق عن عبد الله بن بكير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نريد ان نخرج إلى مكة مشاة؟ فقال لنا: لا تمشوا و اخرجوا ركبانا. قلت: أصلحك الله (تعالى) انه بلغنا عن الحسن بن علي (صلوات الله عليهما) انه كان يحج ماشيا؟ فقال: كان الحسن بن علي (عليهما السلام) يحج ماشيا و تساق معه المحامل و الرحال».

أقول: ظاهر قول السائل:- «بلغنا عن الحسن بن علي (عليهما السلام)» بعد سؤاله عن الخروج إلى مكة مشاة، و نهيه (عليه السلام) عن المشي- ان مشى الحسن (عليه السلام) كان الى مكة، و مثله رواية أبي أسامة المتقدمة. و الجمع بينهما و بين ظاهر صحيحة رفاعة لا يخلو عن اشكال.

و روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن سيف التمار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا كنا نحج مشاة فبلغنا عنك شيء فما ترى؟ قال: ان الناس ليحجون مشاة و يركبون. قلت: ليس عن هذا أسألك. قال: فعن أي شيء سألت؟ قلت: أيهما أحب إليك ان نصنع؟ قال: تركبون أحب الي، فان ذلك أقوى لكم على الدعاء و العبادة».

و للأصحاب في الجمع بين هذه الاخبار طرق: أحدها- و هو المشهور- ان المشي أفضل ان لم يضعفه عن الدعاء و إلا فالركوب أفضل. و يشهد لهذا الجمع صحيحة سيف المذكورة.

و ثانيها- ان المشي أفضل لمن ساق معه ما إذا أعيا ركبه. ذكره الشيخ

____________

(1) الكافي ج 4 ص 455 و 456، و التهذيب ج 5 ص 12، و في الوسائل الباب 33 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الكافي ج 4 ص 455 و 456، و التهذيب ج 5 ص 12، و في الوسائل الباب 33 من وجوب الحج و شرائطه.

175

في كتابي الاخبار، و استدل عليه بموثقة عبد الله بن بكير المتقدمة.

و ثالثها- ان الركوب أفضل لمن كان الحامل له على المشي توفير المال مع استغنائه عنه، دون ما إذا كان الحامل له على المشي كسر النفس و مشقة العبادة.

و هذا الوجه نقله شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في المدارك عن العالم الرباني الشيخ ميثم البحراني في شرح النهج، قال في المدارك: و هو جيد لان الشح جامع لمساوئ العيوب، كما ورد في الخبر (1) فيكون دفعه اولى من العبادة بالمشي.

و يدل على هذا الوجه

ما رواه ثقة الإسلام (عطر الله تعالى مرقده) عن ابى بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المشي أفضل أو الركوب؟

فقال: إذا كان الرجل موسرا فمشى ليكون أقل لنفقته فالركوب أفضل».

و رابعها- ان الركوب أفضل لمن يضعف بالمشي عن التقدم للعبادة.

احتمله الشيخ في كتابي الاخبار، و اختاره شيخنا الشهيد في الدروس.

و احتج عليه الشيخ

بما رواه عن هشام بن سالم في الحسن أو الموثق (3) قال: «دخلنا على ابى عبد الله (عليه السلام) انا و عنبسة بن مصعب و بضعة عشر رجلا من أصحابنا، فقلنا: جعلنا الله فداك أيهما أفضل المشي أو الركوب؟

فقال: ما عبد الله بشيء أفضل من المشي. فقلنا: أيما أفضل نركب إلى مكة فنعجل فنقيم بها الى ان يقدم الماشي أو نمشي؟ فقال: الركوب أفضل».

____________

(1) نهج البلاغة ج 3 ص 245 مطبعة الاستقامة بمصر في الكلمات القصار «البخيل جامع المساوئ العيوب».

(2) الكافي ج 4 ص 456، و في الوسائل الباب 33 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) التهذيب ج 5 ص 13، و في الوسائل الباب 32 و 33 من وجوب الحج و شرائطه.

176

و سيأتي إتمام الكلام في ذلك- ان شاء الله تعالى- في حج النذر.

المسألة الخامسة [من أين يستأجر للحج عن الميت؟]

- لا خلاف بين الأصحاب في انه إذا استقر الحج في ذمته ثم مات فإنه يقضى عنه من أصل تركته. نقل الإجماع على ذلك العلامة في المنتهى و التذكرة. و قد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ذلك في صدر المسألة الثانية.

انما الخلاف في المكان الذي يجب الاستئجار منه، و المتداول في كتب أكثر الأصحاب ان الخلاف هنا منحصر في قولين:

أحدهما- انه من أقرب الأماكن إلى مكة، و هو الذي عليه الأكثر.

قالوا: و المراد بأقرب الأماكن أقرب المواقيت إلى مكة ان أمكن الاستئجار منه و إلا فمن غيره مراعيا الأقرب فالأقرب، فإن تعذر الاستئجار من أحد المواقيت وجب الاستئجار من أقرب ما يمكن الحج منه الى الميقات.

و ثانيهما- انه من بلده، و هو قول الشيخ في النهاية، و به قال ابن إدريس و المفهوم من عبارة المحقق في الشرائع ان في المسألة قولا ثالثا، و هو التفضيل بين ما إذا وسع المال فمن بلده و إلا فمن حيث يمكن.

و هذا القول و ان لم نظفر به في كلام المتقدمين إلا انه صريح الشهيد في الدروس، حيث قال: يقضى من أصل تركته من منزله، و لو ضاق المال فمن حيث يمكن و لو من الميقات على الأقوى. انتهى.

استدل أصحاب القول المشهور على ذلك بان الواجب قضاء الحج و هو عبارة عن المناسك المخصوصة، و قطع المسافة ليس جزء منه و لا واجبا لذاته، و انما وجب لتوقف الواجب عليه، فإذا انتفى التوقف انتفى الوجوب. على انا لو سلمنا وجوبه لم يلزم من ذلك وجوب قضائه، لأن القضاء إنما يجب بدليل من خارج، و هو انما قام على وجوب قضاء الحج خاصة. كذا في المدارك.

و استدل المحقق في المعتبر على هذا القول أيضا بأن الواجب في الذمة

177

ليس إلا الحج فلا يكون قطع المسافة معتبرا. و بان الميت لو اتفق حضوره بعض المواقيت لا بقصد الحج أجزأه الحج من الميقات، فكذا لو قضى عنه.

و زاد العلامة في المختلف: ان المسافر لو اتفق قربه من الميقات فحصلت له الشرائط وجب عليه ان يحج من ذلك الموضع، و كذا لو استطاع من غير بلده لم يجب عليه قصد بلده و إنشاء الحج منه بلا خلاف، فعلم ان قطع المسافة ليس واجبا هنا، فلا يجب الاستئجار منه.

أقول: و هذه الوجوه بحسب ما يتراءى منها في بادئ الرأي مؤيدة لما ادعوه، إلا ان في صلاحها لتأسيس الأحكام الشرعية و بنائها عليها اشكالا، كما سيظهر لك ان شاء الله (تعالى) فإنه من الجائز ان يكون حكم القضاء عن الميت غير مترتب على هذه الوجوه التي ذكروها، فلا بد فيه من دليل صريح يدل على ما ادعوه.

احتج ابن إدريس- على ما نقلوا عنه- بتواتر الأخبار بذلك. و بان المحجوج عنه كان يجب عليه الحج من بلده و نفقة طريقه، فمع الموت لا تسقط النفقة.

و رده المحقق في المعتبر بالمنع من تواتر الأخبار بذلك، قال: و دعوى المتأخر تواتر الأخبار غلط، فانا لم نقف في ذلك على خبر شاذ فكيف يدعى التواتر؟

و بانا لا نسلم وجوب الحج من البلد، بل لو أفاق المجنون عند بعض المواقيت أو استغنى الفقير وجب ان يحج من موضعه. على انه لم يذهب محصل الى ان الإنسان يجب عليه ان ينشئ حجة من بلده. فدعواه هذه غلط و ما رتبه عليها أشد غلطا. انتهى.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المسألة خالية من النصوص كما سمعت من كلام المحقق، و النصوص الواردة باعتبار الميقات أو البلد أو ما بينهما إنما وردت في الوصية بالحج، مع انها بحسب ظاهرها لا تخلو من تدافع و تعارض. و الأصحاب

178

قد تعلقوا بجملة منها في الدلالة على ما ادعوه في هذه المسألة من تخصيص الوجوب بالميقات، و أجابوا عن ما دل بظاهره على خلاف ذلك. و ظاهرهم ان المسألتين في التحقيق من باب واحد. و هو كذلك. إلا ان في دلالة ما أورده من الاخبار على ما ادعوه منها تأملا.

و ها أنا أسوق إليك جملة ما وقفت عليه من الاخبار المذكورة، مذيلا كلا منها بما ادى اليه فهمي القاصر و ذهني الفاتر، و اسأل الله (عز و جل) العصمة من طغيان القلم و زلة القدم، فأقول:

من الاخبار المشار إليها

صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعطى رجلا حجة يحج بها عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة؟ قال: لا بأس، إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه».

أقول: و هذه الرواية و ان لم تكن من عداد الروايات المشار إليها إلا انها من جملة ما اعتضد به أصحاب القول المشهور فذكرناها أولا لذلك.

و التقريب فيها انها دلت بظاهرها على ان المخالفة في الحج من الكوفة إلى الحج من البصرة غير موجب لفساد الحج، و ما ذاك إلا من حيث ان الغرض من إعطاء الحجة الإتيان بالمناسك المذكورة و ان الطريق لا مدخل لها في الحج.

و فيه ما سيأتي ان شاء الله (تعالى) في مسألة من استؤجر على طريق فحج على غيره من الخلاف في ذلك.

و صاحب المدارك الذي هو ممن اعتضد بهذه الرواية في هذه المسألة، حيث اختار في تلك المسألة عدم صحة الحج كذلك أجاب عن هذه الرواية- حيث ان الشيخين استدلا بها على الجواز- فقال بأنها لا تدل صريحا على جواز المخالفة،

____________

(1) الوسائل الباب 11 من النيابة في الحج.

179

لاحتمال ان يكون قوله: «من الكوفة» صفة ل«رجل» لا صلة ل«يحج». انتهى. و لا يخفى انه بناء على هذا الاحتمال الذي ذكره يبطل تعلقه بها هنا فكيف يحتج بها؟

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن رئاب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اوصى ان يحج عنه حجة الإسلام فلم يبلغ جميع ما ترك إلا خمسين درهما؟ قال: يحج عنه من بعض المواقيت التي وقت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من قرب».

قالوا: و هذه الرواية مؤيدة للقول المشهور باعتبار انه (عليه السلام) أطلق الحج عنه من بعض المواقيت و لم يستفصل عن إمكان الحج بذلك من البلد أو غيره من ما هو أبعد من الميقات، فدل على عدم وجوبه.

و فيه بعد، فإنه من المحتمل قريبا- بل الظاهر انه الأقرب- انه (عليه السلام) إنما أمر من بعض المواقيت لعلمه ان الخمسين بحسب العادة و العرف ليس فيها وفور لما يسع من ما قبل الميقات من نفقة الحج و كراية الدابة تلك المدة كما هو ظاهر.

و ما ذكرناه ان لم يكن أظهر فلا أقل ان يكون مساويا لما ذكروه من الاحتمال، و بذلك يبطل الاستدلال.

و منها-

رواية زكريا بن آدم (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل مات و اوصى بحجة له، أ يجوز ان يحج عنه من غير البلد الذي مات فيه؟ فقال:

ما كان دون الميقات فلا بأس».

أقول: ان ظاهر هذه الرواية انه لا يتعين الحج من البلد، بل الواجب ان يستأجر عنه من قبل الميقات كائنا ما كان بما تسعه الأجرة، و الأظهر حملها على

____________

(1) الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

180

عدم سعة المال للحج من البلد. و مفهومها انه لا يصار الى الميقات مع سعة المال لما زاد على ذلك. و هي بالتقريب المذكور منافية للقول المشهور، و الاعتضاد بها- كما ذكره في المدارك- لا يخلو من القصور.

و منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن ابي سعيد عن من سأل أبا عبد الله (عليه السلام) (1) عن رجل اوصى بعشرين درهما في حجة؟ قال:

يحج بها عنه رجل من حيث يبلغه.

أقول: ظاهر هذا الخبر ان العشرين لو لم تبلغ الحج من أحد المواقيت المشهورة يحج من ما بعد الميقات إلى مكة، كادني الحل و الحديبية و الجعرانة.

و يصير هذا من قبيل من لم يتمكن من وصول الميقات و الخروج إليه، فإنه يحرم من هذه الأماكن و لو من مكة. هذا ما يفهم من الخبر.

و منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن بإبراهيم عن معاوية بن عمار (2) قال: «قلت له: رجل يموت و عليه خمسمائة درهم من الزكاة و عليه حجة الإسلام، و ترك ثلاثمائة درهم، و اوصى بحجة الإسلام و ان يقضى عنه دين الزكاة؟ قال: يحج عنه من أقرب ما يكون و يخرج البقية في الزكاة».

أقول: ظاهر الخبر هنا ان الحج من مكة لأنها أقرب ما يكون بالتقريب الذي ذكرناه.

و منها-

ما رواه في الكافي عن عمر بن يزيد (3) قال: «قال أبو عبد الله

____________

(1) رواه في التهذيب ج 9 ص 229، و في الفقيه ج 2 ص 272، إلا انه عن ابي بصير مضمرا، و رواه في الكافي ج 4 ص 308، و في الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 21 من المستحقين للزكاة.

(3) الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

181

(عليه السلام) في رجل اوصى بحجة فلم تكفه من الكوفة إنها تجزئ حجته من دون الوقت».

و ما رواه فيه ايضا عن عمر بن يزيد (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل اوصى بحجة فلم تكفه؟ قال: فيقدمها حتى يحج دون الوقت».

و ظاهر الخبرين المذكورين ان الرجل اوصى بمال للحج فلم يكف للاستئجار عنه من البلد، كما هو صريح الأول و ظاهر الثاني. و أجاب (عليه السلام) بأنه يستأجر بها من اي موضع يسعه المال بعد البلد. و فيه إيماء إلى انه لو كفى من البلد لوجب و ان لم يعين البلد في الوصية.

و منها-

ما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن محمد بن عبد الله (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يموت فيوصي بالحج، من اين يحج عنه؟ قال: على قدر ماله، ان وسعه ماله فمن منزله و ان لم يسعه ماله من منزله فمن الكوفة، فان لم يسعه من الكوفة فمن المدينة».

أقول: ظاهر الخبر المذكور انه ان كان في مال الموصى سعة الحج من المنزل فهو الواجب أولا، و إلا فيبني على ما يسعه من البلدان المتوسطة. و ظاهر الخبر ان السؤال عن رجل من خراسان. و بهذا التقريب ينطبق على ما قدمناه من الاخبار.

و منها-

صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: «و ان

____________

(1) الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

(3) لم أقف على هذه الصحيحة في الوسائل في مظانها، و لم يذكرها في الوافي باب (الوصية بالحج) من كتاب الوصية. نعم ذكرها صاحب المدارك في نفس المسألة، و هي المسألة الثانية من المسائل الأربع في المقدمة الثانية و نسبها الى الشيخ (قدس سره) و كذا نسبها صاحب الذخيرة إلى الشيخ في نفس المسألة، و من قبلهما العلامة في المنتهى ج 2 ص 871. و لم أجدها في التهذيب في مظانها. إلا ان الشيخ (قدس سره)- بعد ان أورد في التهذيب ج 5 ص 405 من الطبع الحديث صحيح الحلبي المتضمن للوصية بالحج و ان حجة الإسلام تخرج من أصل المال و الحج مستحب يخرج من الثلث، و ان النائب يتعين بتعيين الموصي، و أورده في الوسائل في الباب 25 من وجوب الحج و شرائطه برقم 2- قال: «فإن اوصى ان يحج عنه حجة الإسلام و لم يبلغ ماله ذلك فليحج عنه من بعض المواقيت، و روى ذلك.» ثم ذكر صحيح علي بن رئاب المتقدم. و هذه العبارة بقرينة قوله: «روى ذلك» من كلام الشيخ (قدس سره) لا من لفظ الحديث. و عدم نقل صاحبي الوسائل و الوافي لهذه الصحيحة شاهد قطعي على ذلك.

182

اوصى ان يحج عنه حجة الإسلام و لم يبلغ ماله ذلك فليحج عنه من بعض المواقيت».

و التقريب فيها ما تقدم.

و السيد السند في المدارك لما اعتضد بروايتي علي بن رئاب و زكريا بن آدم المتقدمتين على ما اختاره من القول المشهور- و هو وجوب الحج من الميقات مطلقا، و كان هذان الخبران ظاهري المنافاة لذلك- أجاب عنهما بعد ذكرهما بأنهما إنما تضمنا الحج من البلد مع الوصية، و لعل القرائن الحالية كانت دالة على ارادة الحج من البلد، كما هو الظاهر من الوصية عند الإطلاق في زماننا، فلا يلزم مثله مع انتفاء الوصية. انتهى.

و فيه: ان بعده ظاهر، و ما ذكره تكلف لا ضرورة تلجئ إليه، فإن ما ذكرناه هو المعنى الذي تنطبق جملة أخبار المسألة عليه. و توهم الدلالة على

183

اعتبار الميقات من الخبرين اللذين اعتضد بهما قد بينا ضعفه.

و زاد بعضهم في الجواب عن الخبر المذكور: ان يراد بماله ما عينه اجرة للحج بالوصية، قال: فإنه يتعين الوفاء به مع خروج ما زاد عن أجرته من الميقات من الثلث اتفاقا. و هو أبعد و أبعد.

و بالجملة فإن الظاهر عندي من هذه الروايات- باعتبار ضم بعضها الى بعض و حمل مجملها على مفصلها و مطلقها على مقيدها- هو انه متى اوصى بالحج فإنه ينظر في ماله، فان وسع الحج من بلده و منزله وجب، و إلا فيترتب باعتبار ما يسع المال و لو من مكة. و هذا هو قول شيخنا الشهيد في الدروس. مثلا: لو كان الموصى في بلد خراسان، فان وسع ماله للحج من خراسان وجب، و إلا فينظر في البلدان و الأماكن المتوسطة من خراسان إلى مكة فأيها وسع الحج منه وجب. و على هذا فلا حجة في شيء من هذه الاخبار للقول المشهور، بل هي ظاهرة في خلافه.

نعم يبقى الكلام في ان مورد هذه الروايات الوصية فحمل ما نحن فيه عليها يحتاج الى دليل. إلا ان لقائل أن يقول: انه إذا دلت هذه الاخبار- كما أوضحناه- على ان الواجب مع الوصية هو النظر إلى سعة المال، فان وسع من بلده وجب الحج من البلد و إلا فمن حيث يسع، فينبغي القول بذلك في من لم يوص مع معلومية اشتغال ذمته، لان الواجب الإخراج عنه أوصى أو لم يوص. و لهذا تكلف الأصحاب إرجاع بعض هذه الروايات الى ما ذهبوا اليه و استدلوا بها عليه و ان كان خلاف ما يستفاد منها كما عرفت.

و ان ارتد مزيد تحقيق للمقام بتوفيق الملك العلام و بكرة أهل الذكر (عليهم السلام) فاستمع لما يتلى عليك من الكلام:

فنقول: لا يخفى ان هذه الأخبار بالتقريب الذي ذكرناه فيها دافعة لما ذكروه من الدليل المتقدم على القول المشهور، لان مرجع كلامهم- و ان أكثروا

184

من العبارات- الى ان اخبار القضاء الواردة بقضاء الحج لم تشتمل على الطريق بل على قضاء الحج خاصة، و الحج إنما هو عبارة عن المناسك المخصوصة، و وجوب قطع الطريق على الحي انما هو من حيث عدم تمكنه من الحج إلا بذلك، و متى مات سقط هذا التكليف عنه و وجب الحج خاصة.

و فيه أولا- انه لو كانت الطريق لا مدخل لها في القضاء عنه، و ان الواجب انما هو الحج من الميقات مطلقا، فكيف تخرج هذه الاخبار مصرحة بالترتيب مع الوصية بالقضاء من البلد و إلا فمن حيث وسعه المال كما أوضحناه آنفا؟ لان قاعدتهم هذه جارية في المقامين و كلامهم شامل للمسألتين.

و ثانيا- الأخبار الدالة على وجوب استنابة الممنوع من الحج بمرض أو شيخوخة أو عضب، و انه يجهز رجلا من ماله ليحج عنه (1) و من الظاهر ان التجهيز انما هو من البلد، فإنه لا يقال لمن كان في بغداد- مثلا- ثم أمر رجلا ان يستأجر له رجلا من الميقات انه جهز رجلا يحج عنه، فان التجهيز انما هو ان يعطيه أسباب السفر و ما يتوقف عليه الى ذلك المكان بل و رجوعه. و هو ظاهر الأصحاب أيضا حيث انه لم يطعن أحد في دلالة هذه الاخبار مع انها ظاهرة في ما ذكرناه. و مقتضى ما ذكروه- من الدليل المتقدم الذي اعتمدوا عليه في هذه المسألة- ان الواجب إنما هو الحج من الميقات و الطريق لا مدخل لها. و بعين ذلك نلزمهم في المسألة المذكورة، فإن هذا الممنوع بسبب العذر قد سقط عنه وجوب السعي ببدنه و تعلق الحج بماله، و الحج انما هو عبارة عن المناسك المخصوصة و الطريق لا مدخل لها، فمن اين يجب عليه ان يجهز رجلا من بلده؟

مع ان الاخبار قد دلت على خلاف ذلك. و هو مؤذن ببطلان قاعدتهم التي اعتمدوها.

____________

(1) الوسائل الباب 24 من وجوب الحج و شرائطه.

185

و ثالثا-

ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال (1) رواية عبد الله بن جعفر الحميري و احمد بن محمد الجوهري عن احمد بن محمد عن عدة من أصحابنا قالوا: «قلنا لأبي الحسن- يعني علي بن محمد (عليهما السلام)-: ان رجلا مات في الطريق و اوصى بحجة و ما بقي فهو لك، فاختلف أصحابنا، فقال بعضهم: يحج عنه من الوقت فهو أوفر للشيء ان يبقى عليه.

و قال بعضهم: يحج عنه من حيث مات؟ فقال (عليه السلام): يحج عنه من حيث مات».

و التقريب فيها انه لو كان الطريق لا مدخل له في الحج عن الميت بالتقريب الذي ذكروه لأمر (عليه السلام) بالحج من الميقات و لم يأمر بالحج من الموضع الذي مات فيه و لعل الرجل كان من خراسان- مثلا- فمات بعد خروجه بفرسخين أو ثلاثة، و انه (عليه السلام) أوجب الحج من ذلك الموضع.

فأي دليل في بطلان ما اعتمدوه أظهر من هذه الأدلة؟

(فإن قيل): ان الاخبار قد وردت في هذه المواضع بما ذكرتم فوجب المصير إليها، و لا يلزم من ذلك المصير الى ما ذكرتم في هذه المسألة.

(قلنا): نعم الأمر كما ذكرت و لكن الغرض من إيراد هذه الاخبار انما هو بيان بطلان هذا الدليل الذي اعتمدوه، و فساد هذه القاعدة التي اتفقوا عليها، فإنه لو كان ذلك حكما كليا و ضابطا جليا- كما ظنوه- لم تخرج هذه الاخبار بخلافها مع ان ما تضمنته من جزئياتها، فهو دليل على فسادها.

و رابعا- انا نقول: ان ظاهر الاخبار الدالة على شرطية الاستطاعة في وجوب الحج شمولها بإطلاقها للحي و الميت، بمعنى ان الواجب عليه في حال الحياة الحج متى استطاع الإتيان به بزاد و راحلة و غيرهما من ما يتوقف عليه الحج

____________

(1) الوسائل الباب 2 من النيابة في الحج.

186

أولا و ان قل في بعض الفروض، كما إذا حصلت الاستطاعة في الميقات مثلا، لأن الاستطاعة عندنا- كما حققناه آنفا- عبارة عن القدرة على الإتيان بالحج كيف اتفق من غير مشقة، و كذلك بعد الموت يجب الحج عنه على الوجه الذي استقر في الذمة. و التمسك بإطلاق قولهم (عليهم السلام) في اخبار القضاء: «من مات مستطيعا يقضى عنه الحج» (1) يراد به على الوجه الذي فات عليه. و تشهد بذلك الأخبار التي ذكرناها في الوجوه الثلاثة المتقدمة. على ان اللازم من ما ذكروه- من عدم شرطية الاستطاعة في القضاء عن الميت- انه لو مات مستطيعا للحج من الميقات وجب ان يقضى عنه من الميقات. و هو باطل إجماعا. و قولهم-:

انه لو أفاق المجنون عند الميقات، أو استطاع في ذلك المكان، أو اتفق حضوره الميقات، لم يجب عليه قصد البلد- صحيح، لأنا لا نوجب في القضاء عنه الحج من البلد مطلقا، و انما ترتبه على انه بعد حصول الاستطاعة كائنا ما كان لو مات وجب القضاء عنه من محل الموت، فلو مات أحد من هذه الأفراد المعدودة- اعني المجنون و ما بعده- لم نوجب القضاء عنه إلا من ذلك المكان، كما سمعت من حديث السرائر. و الأخبار الخارجة بالبلد في الوصية- كما قدمناها- انما خرجت مخرج الغالب و الأكثر من حصول ذلك في بلد الاستيطان، فلا ينافي ذلك ما اتفق على غير هذا الوجه.

فعليك بالفكر الدقيق في هذا التحقيق الرشيق، فإنه حقيق ان يكتب بالتبر على الأحداق لا بالحبر على الأوراق، إلا ان الالف بالمشهورات- سيما إذا زخرفت بالإجماعات- شنشنة اخزمية و طريقة لا تخلو من عصبية.

و كيف كان فانا في المسألة من المتوقفين لعدم النص الصريح، و الاحتياط

____________

(1) هذا مضمون ما أورده في الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

187

عندي واجب بنحو ما ذكره شيخنا في الدروس، فان كلامه هو الأظهر لصوقا بالأخبار كما عرفت. و الله العالم بحقائق أحكامه، و حملة شريعته القوامون بمعالم حلاله و حرامه.

[فوائد]

و يجب ان يلحق بهذه المسألة فوائد

الأولى [كيفية إخراج الحج عند ضيق التركة عن الدين و الحج؟]

- قد صرح الأصحاب بأنه انما يقضي الحج من أصل التركة متى استقر في الذمة بشرط ان لا يكون عليه دين و تضيق التركة عن قسمتها على الدين و اجرة المثل.

قال في المدارك بعد ذكر المصنف ذلك: و اما انه مع ضيق التركة يجب قسمتها على الدين و اجرة المثل بالحصص فواضح، لاشتراك الجميع في الثبوت و انتفاء الأولوية. ثم ان قامت حصة الحج من التوزيع أو من جميع التركة مع انتفاء الدين بأجرة الحج فواضح، و لو قصرت عن الحج و العمرة من أقرب المواقيت و وسعت لأحدهما فقد أطلق جمع من الأصحاب وجوبه. و لو تعارضا احتمل التخيير لعدم الأولوية، و تقديم الحج لأنه أهم في نظر الشرع. و يحتمل قويا سقوط الفرض مع القصور عن الحج و العمرة ان كان الفرض التمتع، لدخول العمرة في الحج على ما سيجيء بيانه. و لو قصر نصيب الحج عن أحد الأمرين وجب صرفه في الدين ان كان معه و إلا عاد ميراثا. انتهى.

أقول: لا يخفى انه قد تقدمت (1) صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته دالة على ان من عليه خمسمائة درهم من الزكاة و عليه حجة الإسلام و لم يترك إلا ثلاثمائة درهم، فإنه يقدم الحج أولا من أقرب الأماكن و يصرف الباقي في الزكاة.

و مثلها-

ما رواه الشيخ في التهذيب عنه ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل مات و ترك ثلاثمائة درهم، و عليه من الزكاة سبعمائة درهم، و اوصى ان

____________

(1) ص 180.

(2) الوسائل الباب 42 من الوصايا.

188

يحج عنه؟ قال: يحج عنه من أقرب المواضع و يجعل ما بقي في الزكاة».

و ظاهر الخبرين المذكورين بل صريحهما انه يجب أولا الحج عنه من أقرب الأماكن ثم يصرف الباقي في الزكاة كائنا ما كان، و انه لا تحاص بينهما.

و لا يخفى ما في ذلك من الدلالة على بطلان ما ذكروه من التفصيل.

و بيان ذلك من وجوه: منها- انهم اعتبروا توزيع التركة بالحصص كما في الديون المجتمعة، و جعلوا حصة الحج اجرة المثل، و النص (1) يدل على وجوب البدأة بالحج و انه لا يصرف في الزكاة شيء إلا بعد الحج، فيصرف فيها ما فضل.

و منها- ان ظاهرهم ان اجرة المثل باعتبار الميقات، و النص (2) يدل على انه من أقرب الأماكن، و المراد مكة بالتقريب الذي أوضحناه آنفا.

و منها- ان ظاهر النص (3) تقديم الحج مطلقا تمتعا كان فرضه أو غيره.

و منها- قوله: «ثم ان قامت حصة الحج من التوزيع. الى آخره» فان ظاهر النص (4) انه لا توزيع بل يقدم الحج أولا و يصرف الفاضل في الزكاة.

و من ذلك ايضا يظهر بطلان قوله: «و يحتمل قويا سقوط الفرض مع القصور» و قوله: «لو قصر نصيب الحج عن أحد الأمرين».

و بالجملة فإن جميع هذه الأحكام وقعت تفريعا على وجوب التوزيع بالحصص كما في سائر الديون، و النص (5)، قد دل على وجوب تقديم الحج- كما عرفت- و اختصاص الفاضل بالزكاة.

و لا ريب انهم بنوا في هذه المسألة على مسألة تزاحم الديون و ان الحكم فيها التوزيع بالحصص و الحج دين، و النص (6) ظاهر في إخراج دين الحج من

____________

(1) و هما خبرا معاوية بن عمار المذكوران.

(2) و هما خبرا معاوية بن عمار المذكوران.

(3) و هما خبرا معاوية بن عمار المذكوران.

(4) و هما خبرا معاوية بن عمار المذكوران.

(5) و هما خبرا معاوية بن عمار المذكوران.

(6) و هما خبرا معاوية بن عمار المذكوران.

189

هذه القاعدة التي بنوا عليها.

و هذا من ما يؤيد ما قدمناه في أصل المسألة من انه لا يكفي في إثبات الحكم الشرعي مثل هذه الأدلة، لجواز خروج موضع البحث عنها. و هو مؤيد لما حققناه في غير موضع من توقف الفتوى في المسألة و الحكم على النص الصريح الواضح الدلالة، فإن الناظر في كلامهم هنا في الموضعين لا يكاد يختلجه الريب في صحة ما ذكروه بناء على القاعدتين المذكورتين، و النصوص- كما ترى- في الموضعين على خلاف ذلك.

الثانية [المراد ببلد الميت]

- هل المراد بالبلد على تقدير القول بالاستئجار من البلد بلد موته أو بلد استيطانه، أو بلد يساره التي حصل وجوب الحج عليه فيها؟ أوجه:

اختار في المدارك الأول، حيث قال: الظاهر ان المراد بالبلد الذي يجب الحج منه على القول به محل الموت حيث كان، كما صرح به ابن إدريس و دل عليه دليله. انتهى.

أقول: في استفادة ذلك من دليل ابن إدريس- و هو ما قدمنا نقله عنه- إشكال، لأنه احتج بأنه كان يجب عليه الحج من بلده. و ظاهر ذلك إنما هو بلد استيطانه، و إذ لا يصدق عرفا على من كان من أهل الكوفة فاتفق موته في البصرة ان البصرة بلده و إنما يصدق على الكوفة. بل دعواه (قدس سره): ان ابن إدريس صرح ببلد الموت ايضا غريب، فانا لم نقف عليه في كلامه و لا نقله عنه غيره و من تبع أثره كالفاضل الخراساني و غيره.

و هذه صورة عبارته في كتاب السرائر من أولها إلى آخرها، قال (قدس سره): فان كان متمكنا من الحج و الخروج فلم يخرج و أدركه الموت و كان الحج قد استقر عليه، وجب ان يخرج عنه من صلب ماله ما يحج به من بلده، و ما يبقى بعد ذلك يكون ميراثا، فان لم يخلف إلا قدر ما يحج به من بلده

190

و كانت الحجة قد وجبت عليه قبل ذلك و استقرت، وجب ان يحج به عنه من بلده و قال بعض أصحابنا بل من بعض المواقيت، و لا يلزم الورثة الإجارة من بلده بل من بعض المواقيت. و الصحيح الأول، لأنه كان يجب عليه نفقة الطريق من بلده فلما مات سقط الحج عن بدنه و بقي في ماله بقدر ما كان يجب عليه لو كان حيا من مؤنة الطريق من بلده، فإذا لم يخلف إلا قدر ما يحج به من بعض المواقيت وجب ايضا ان يحج عنه من ذلك الموضع. و ما اخترناه مذهب شيخنا ابي جعفر في نهايته، و به تواترت أخبارنا و رواية أصحابنا. و المقالة الأخرى ذكرها في مبسوطه، و أظنها مذهب المخالفين (1) انتهى.

و هذه العبارة على طولها و تكرار لفظ «بلده» فيها ليس فيها تعرض لذكر بلد الموت، فأين التصريح الذي ذكره (قدس سره)؟ و المتبادر- كما عرفت- من بلده انما هو بلد الاستيطان و الإقامة مدى الزمان لا بلد الموت، كان يموت عابر سبيل في بلد من البلدان. و بذلك يظهر عدم الاعتماد على المنقول و ان كان من أجلاء الفحول.

ثم انه في المدارك لم يذكر لما استظهره دليلا يدل عليه و لا مستندا يرجع اليه.

ثم قال في المدارك على اثر العبارة التي قدمناها عنه: و قال في التذكرة:

و لو كان له موطنا قال الموجبون للاستنابة من البلد: يستناب من أقربهما.

و هو غير واضح، لان دليل الموجبين انما يدل على ما ذكرناه. انتهى.

أقول: أشار بدليل الموجبين الى ما تقدم في صدر عبارته من دعوى كون دليل ابن إدريس الذي هو القائل بهذا القول دل على محل الموت. و قد عرفت ما فيه.

____________

(1) نسبه في المغني ج 3 ص 243 الى الشافعي.

191

بقي الكلام في ما نقله هنا عن التذكرة، فإنه و ان كان كذلك إلا انه لا يخلو من نوع مدافعة لما قدمه في التذكرة في صدر المسألة، حيث قال: مسألة:

و في وجوب الاستئجار من البلد الذي وجب على الميت الحج فيه- اما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه- قولان: أحدهما هذا، و به قال الحسن البصري و إسحاق و مالك في النذر (1) و الثاني انه يجب من أقرب الأماكن إلى مكة و هو الميقات، و به قال الشافعي (2) و هو الأقوى عندي. ثم استدل بنحو ما قدمنا نقله عنهم، و نقل رواية حريز و رواية علي بن رئاب بالتقريب الذي قدمنا نقله عنهم في ذيلها. الى ان قال: احتج الآخرون بأن الحج وجب على الميت من بلده فوجب ان ينوب عنه منه، لان القضاء يكون على وفق الأداء كقضاء الصلاة و الصيام. ثم قال: و نحن نمنع الوجوب من البلد و إنما ثبت اتفاقا، و لهذا لو اتفق له اليسار في الميقات لم يجب عليه الرجوع الى بلده لإنشاء الإحرام منه، فدل على ان قطع المسافة ليس مرادا للشارع. ثم قال: تذنيبات:

لو كان له موطنان قال الموجبون للاستنابة من بلده: يستناب من أقربهما، فإن وجب عليه الحج بخراسان و مات ببغداد، أو وجب عليه ببغداد فمات بخراسان قال احمد يحج عنه من حيث وجب عليه لا من حيث موته (3) و يحتمل ان يحج عنه من أقرب المكانين، لانه لو كان حيا في أقرب المكانين لم يجب عليه من أبعد منه، فكذا نائبه. انتهى.

أقول: لا يخفى ان ظاهر كلامه في صدر المسألة ان الخلاف في المسألة على قولين، أحدهما وجوب الاستئجار من البلد الذي وجب على الميت الحج فيه

____________

(1) نسبه في المغني ج 3 ص 243.

(2) نسبه في المغني ج 3 ص 243.

(3) نسبه في المغني ج 3 ص 243.

192

سواء كان بلده أو غيره من الموضع الذي أيسر فيه، و الثاني من الميقات. و هذا الكلام يشعر بان مراد القائلين بالبلد انما هو بلد الاستطاعة، كما هو أحد الوجوه التي قدمنا نقلها عنهم. و هو ظاهر الحجة التي نقلها عن أصحاب هذا القول.

و حينئذ فقوله في التهذيب الأول-: لو كان له موطنان قال الموجبون للاستنابة من بلده: يستناب من أقربهما- لا ينطبق على القول الأول و إنما ينطبق على القول ببلد الاستيطان مطلقا استطاع فيها أو لا، كما هو أحد الوجوه المتقدمة، لأنه لا معنى لحصول الاستطاعة في بلدين متعددين. و هذا القول لم يذكره و لم يتعرض له كما عرفت من عبارته، فكيف يفرع عليه هذا الفرع؟

و يؤيد ما ذكرناه تمثيله بمن وجب عليه الحج بخراسان فمات ببغداد و بالعكس، فان هذا انما يجري على ما ذكرناه من البلد مطلقا. و ما نقله عن احمد هنا هو الموافق لما نقله آنفا عن الحسن البصري و إسحاق و مالك، و ان خصه بعضهم بالنذر كما أشار اليه.

و كيف كان فظاهر بحثه هنا انما هو مع المخالفين، بل الظاهر ان الاحتمالات الثلاثة في البلد- كما قدمنا نقله عنهم- انما هو عند المخالفين (1) لأن القائلين بالبلد من أصحابنا ظاهر كلامهم انما هو بلد الاستيطان، كما عرفت من كلام ابن إدريس.

الثالثة [هل الخلاف في هذه المسألة على قولين أم ثلاثة؟]

- قال في المدارك: الموجود في ما وقفت عليه من كتب الأصحاب حتى في كلام المصنف في المعتبر ان في المسألة قولين كما نقلناه، و قد جعل

____________

(1) قال في المغني: و يستناب من يحج عنه من حيث وجب عليه، اما من بلده أو من الموضع الذي أحصر فيه. الى ان قال: و قال الشافعي: يستأجر من يحج عنه من الميقات.

193

المصنف هنا الأقوال ثلاثة، و لا يتحقق الفرق بين القولين الأخيرين إلا على تقدير القول بسقوط الحج مع عدم سعة المال للحج من البلد على القول الثاني.

و لا نعرف بذلك قائلا، مع انه مخالف للروايات كلها. انتهى.

أقول: هذا القول و ان لم ينقل صريحا عن أحد من المتقدمين كما ذكره إلا انه صريح شيخنا الشهيد في الدروس، كما عرفت من عبارته التي قدمناها في صدر المسألة.

و التحقيق في ذلك ان يقال: ان أصل مطرح الخلاف في المسألة بين الخاصة و العامة- كما سمعته من كلام التذكرة- إنما هو بالنسبة الى من في ماله سعة الحج من البلد، هل يجب عليه ان يحج عنه من بلده بالتقريب الذي ذكره أصحاب هذا القول كما تقدم، أو انما يجب الحج عنه من الميقات خاصة بالتقريب المتقدم في كلامهم؟ و مقتضى ذلك ان من لم يخلف سعة من المال يحج به من البلد يسقط الحج عنه على تقدير القول بالبلد، كما ذكره (قدس سره) و هو ظاهر المنقول عن العامة القائلين بهذا القول، كما يشعر به كلام التذكرة المتقدم، و الخلاف في هذه المسألة ليس مختصا بالخاصة حتى يدعي انه لم يعرف بذلك قائلا. إلا ان ابن إدريس الذي هو القائل بالبلد من أصحابنا وافق الأصحاب في الاستئجار من الميقات في ما إذا لم يخلف إلا قدر ما يحج به من الميقات، كما تقدم في عبارته.

و اما مع وجود السعة للحج من الأماكن المتوسطة بين البلد و بين الميقات فلم يتعرض له في كلامه بالمرة، و هذا القائل قد تعرض له و أوجب الاستئجار من كل مكان وسعه المال من البلد فصاعدا الى الميقات. و حينئذ فالظاهر تخصيص كلام ابن إدريس، اما بحمل كلامه على ما يرجع به الى القول الثالث، و هذا هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال بعد نقل القولين- الوجوب من الميقات و الثاني من البلد-: «و مراد صاحب هذا القول ان ذلك مع سعة المال و إلا فمن

194

حيث يمكن» و الظاهر بعده عن ظاهر عبارته المتقدمة، و اما بان يحمل المراد من قوله: «لم يخلف إلا قدر ما يحج به من الميقات» على ما إذا لم يخلف من المال ما فيه سعة الحج من البلد تجوزا، فعلى هذا ليس عنده إلا الحج من البلد ان وسعه المال أو الميقات ان لم يسعه، فعلى هذا لو وسع من الأماكن المتوسطة فالحج من الميقات. و أمثال هذا التجوز في عبارات المتقدمين كثير.

و مرجع ذلك الى ما عرفت آنفا من ان محل الخلاف في المسألة إنما هو الاستطاعة من البلد، فالأصحاب الغوا ذلك و أوجبوا من الميقات خاصة، و ابن إدريس أوجب الحج من البلد في الصورة المذكورة و وافق الأصحاب في ما عدا ذلك.

و كيف كان فقول الدروس هو الأوفق بالأخبار التي قدمناها بالتقريب الذي ذكرناه في ذيلها.

و الظاهر ان مراد السيد السند (قدس سره) بقوله: «مع انه مخالف للروايات كلها» إنما هي روايات الوصية، لما عرفت من ان أصل هذه المسألة خالية من الروايات بالكلية.

الرابعة [ما يخرج من الأصل من أجرة الحج الموصى به]

- قال في المدارك: لو اوصى بالحج من البلد، فان قلنا بوجوبه كذلك بدون الوصية كانت اجرة المثل لذلك خارجة من أصل المال، و ان قلنا الواجب الحج من الميقات كان ما زاد على اجرة ذلك محسوبا من الثلث ان أمكن الاستئجار من الميقات، و إلا وجب الإخراج من حيث يمكن و كانت اجرة الجميع خارجة من الأصل، كما هو واضح. انتهى.

أقول: اما ما ذكره من كون الأجرة من الأصل على القول الأول فواضح، و كذا كون ما زاد على اجرة الميقات من الثلث على القول الثاني فهو ظاهر. و اما تقييد ذلك بناء على القول الثاني بإمكان الاستئجار من الميقات- و إلا وجب الإخراج من حيث يمكن و كانت اجرة الجميع من الأصل- فلا اعرف له

195

معنى مستقيما، فإنه متى كان الواجب عليه انما هو الحج من الميقات فالذي يتعلق بالذمة من المال انما هو مثل اجرة هذه المسافة، و هذا لا يتفاوت بين إمكان الاستئجار منه و عدمه، بل فرض الحج هنا من الميقات أو ما أمكن غير ممكن، لأن الوصية تعلقت بالحج من البلد، فالواجب حينئذ هو الاستئجار من البلد و لا يجزئ غيره.

و إنما الكلام في قدر الأجرة التي يجب إخراجها، فعلى هذا القول يجب ان يخرج اجرة الميقات من الأصل و ما زاد عليه من الثلث. و حينئذ فقوله-:

«و إلا فمن حيث أمكن و كانت اجرة الجميع خارجة من الأصل»- لا اعرف له معنى مع فرضه أصل المسألة في من اوصى بالحج من البلد، إذ لا معنى للحج من البلد إلا الاستئجار للسعي منه.

و يشير الى ما ذكرناه ما هو المصرح به في كلام أكثر الأصحاب في فرض هذه المسألة، فإنهم يجعلون ما قابل اجرة المثل من الأصل و الزائد من الثلث.

قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: إذا اوصى بحجة الإسلام و لم يعين المقدار انصرف الى أجرة المثل من جميع المال. ثم استدل على كل من الأمرين الى ان قال: اما لو عين المقدار، فان كان بقدر اجرة المثل فلا بحث يخرج من صلب المال، و ان كان أكثر من اجرة المثل اخرج مقدار اجرة المثل من صلب المال و الزائد من الثلث، لانه ضمن وصيته شيئين أحدهما واجب و الآخر تطوع، فيخرج الواجب من الأصل و التطوع من الثلث، انتهى.

و كلامه (قدس سره) مبني على ما هو المشهور عندهم من الحج من الميقات فلو اوصى للحج من الميقات بما يسع الحج من البلد فإنه يخرج الزائد عن اجرة المثل من الثلث. و هو صحيح بناء على هذا القول. و لم يتعرض لشيء من هذا التفصيل الذي ذكره، و هو آت في ما نحن فيه، فإنه متى اوصى بالحج من البلد فهو

196

في قوة الوصية بمال من البلد، فيجب إنفاذه، و يخرج اجرة ما زاد على الميقات من الثلث، لما ذكره من التعليل.

و بالجملة فإني لا اعرف لكلامه (قدس سره) معنى صحيحا يحمل عليه، و لعله لقصور فهمي العليل و جمود ذهني الكليل.

المقصد الثاني في حج النذر و شبهه و شرائطه

، و فيه مسائل:

[المسألة] الأولى [شروط انعقاد النذر و شبهه]

- لا خلاف في انه يشترط في انعقاد النذر و شبهه- من اليمين و العهد- التكليف، فلا يصح من الصبي و ان كان مراهقا، و لا المجنون المطبق أو في حال الجنون لو كان غير مطبق، لحديث رفع القلم (1) و نحو ذلك السكران و المغمى عليه و الساهي و الغافل.

و لا خلاف أيضا في اشتراط الحرية أو اذن المولى، فلا ينعقد نذر العبد بدون الاذن اتفاقا.

قال في المدارك: و يدل عليه مضافا الى عموم ما دل على الحجر عليه

صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): لا يمين لولد مع والده، و لا لمملوك مع مولاه، و لا لمرأة مع زوجها».

و غير ذلك من الاخبار.

أقول: و من ما ورد بهذا المضمون ايضا

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن عبد الله بن ميمون القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا يمين للولد مع والده، و لا للمرأة مع زوجها، و لا للمملوك مع سيده».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات، و سنن البيهقي ج 8 ص 264.

(2) الوسائل الباب 10 من كتاب الايمان.

(3) الوسائل الباب 10 من كتاب الايمان.

197

و ما رواه في الفقيه (1) عن منصور بن حازم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): لا رضاع بعد فطام. و لا وصال في صيام. و لا يتم بعد احتلام. و لا صمت يوما الى الليل. و لا تعرب بعد الهجرة.

و لا هجرة بعد الفتح. و لا طلاق قبل نكاح. و لا عتق قبل ملك. و لا يمين لولد مع والده، و لا لمملوك مع مولاه، و لا للمرأة مع زوجها. و لا نذر في معصية. و لا يمين في قطيعة».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): و اعلم انه لا يمين في قطيعة رحم. و لا نذكر في معصية الله. و لا يمين لولد مع الوالدين، و لا للمرأة مع زوجها، و لا للمملوك مع مولاه.

أقول: و مورد هذه الاخبار كلها إنما هو اليمين، و ظاهر الأصحاب- كما عرفت من كلام المدارك- الاستدلال بهذه الروايات على حكم النذر ايضا.

و فيه ما لا يخفى.

نعم

قد روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (3): «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا ان يأذن له سيده».

و بذلك يتم الاستدلال على الحكم المذكور.

و ظاهر الأصحاب أيضا الاتفاق على انه لا يصح نذر المرأة إلا بإذن بعلها.

____________

(1) الوسائل الباب 5 من ما يحرم بالرضاع من كتاب النكاح، و الباب 11 من كتاب الايمان.

(2) ص 37.

(3) الوسائل الباب 15 من كتاب النذر و العهد.

198

قال في المدارك بعد ان نقل نحو ذلك: يمكن المناقشة في توقف نذر الزوجة على اذن الزوج، لان الروايات إنما تضمنت توقف اليمين على ذلك و النذر خلاف اليمين.

أقول: فيه ان هذا يرد عليه في نذر العبد أيضا، فإنه لم يعتمد في ذلك إلا على حديث اليمين كما عرفت، و النذر غير اليمين.

و تحقيق البحث في المقام يقتضي بسطا من الكلام تنكشف به غياهب الإبهام و تزول به الشكوك و الأوهام.

فنقول: المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) اشتراط اذن الزوج و المولى في انعقاد نذر الزوجة و المملوك، و ألحق بهما العلامة في بعض كتبه و الشهيد في الدروس الولد و انه يتوقف نذره على إذن الأب أيضا.

و قد صرح جملة من متأخري المتأخرين بأنهم لم يقفوا لهم على نص يدل على ذلك. و ربما علل ذلك بوجود النص في اليمين و انسحاب الحكم في النذر لمشاركته اليمين في بعض الأحكام. و هو ضعيف لا يلتفت إليه، فإنه و ان كان قد ورد في اليمين من النصوص المتقدمة انه لا يمين لأحد من الثلاثة المذكورين إلا بإذن الوالد و الزوج و المولى، إلا ان إلحاق النذر به قياس لا يجري على مذهبنا.

ثم انه لا يخفى ان هذا الإيراد الذي أوردوه على من قال بتوقف نذر الولد على اذن والده وارد عليهم أيضا في توقف نذر الزوجة و المملوك بدون اذن الزوج و السيد، لانه ليس عندهم إلا أحاديث اليمين المتقدمة و لم يوردوا في المقام غيرها، و النذر غير اليمين، فان صح الاستناد الى هذه الاخبار ففي المواضع الثلاثة، فلا معنى لاعتراضهم هنا و إيرادهم بعدم الوقوف على نص بهذا القول، و إلا فلا وجه لحكمهم بذلك في الفردين المتقدمين.

199

و اما ما نقل عن الدروس- من الاستدلال على ما قدمنا نقله عنه بإطلاق اليمين على النذر

في الخبر المروي عن الكاظم (عليه السلام) (1): «لما سئل عن جارية حلف عليها سيدها بيمين ان لا يبيعها فقال: لله على ان لا أبيعها. فقال (عليه السلام):

ف لله بنذرك».

فإن إطلاق اليمين على النذر و ان كان في كلام الراوي إلا ان تقرير الامام (عليه السلام) على ذلك حجة، و متى ثبت ذلك جرى الحكم المذكور في اليمين في باب النذر- فهو ضعيف سخيف، أما أولا- فلما ذكره بعض الأجلاء من ان الظاهر من قوله: «ف لله بنذرك» دون ان يقول «بيمينك» إنما هو الرد عليه في تسمية النذر يمينا لا التقرير. و لو سلم فالتقرير على هذا الإطلاق لا يوجب كونه حقيقة فيه بل هما حقيقتان متمايزتان، لنص أهل اللغة على ان اليمين:

القسم، و النذر وعد بشرط. و حينئذ لا يتم ما ذكروه.

أقول: و من ما يدل على إطلاق اليمين على النذر

ما في موثقة سماعة (2) من قوله (عليه السلام): «انما اليمين الواجبة التي ينبغي لصاحبها ان يفي بها ما جعل لله عليه في الشكر ان هو عافاه من مرضه أو عافاه الله من أمر يخافه أو رد عليه ماله أورده من سفر أو رزقه رزقا، فقال: لله علي كذا و كذا شكرا. فهذا الواجب على صاحبه ينبغي له ان يفي به».

و كان الاولى لشيخنا المشار اليه الاستدلال بهذا الخبر في إطلاق اليمين على النذر.

إلا انه بمجرد هذا الإطلاق- مع معلومية كونهما حقيقتين متمايزتين

____________

(1) و هو خبر الحسن بن على الوارد في الوسائل الباب 17 من كتاب النذر و العهد. و سيأتي منه (قدس سره) ان اللفظ فيه: «ف لله بقولك له».

(2) الوسائل الباب 17 من كتاب النذر و العهد.

200

لغة و شرعا كما عرفت- لا يلزم السحاب حكم أحدهما في الآخر.

و ما أحسن ما قال شيخنا البهائي (قدس سره) في كتاب الأربعين، حيث قال: و أمثال هذه الدلائل الضعيفة لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.

و اما ثانيا- فإن الذي وقفت عليه في التهذيب في موضعين أو ثلاثة (1)- و هو الذي نقله عنه المحدث الكاشاني في الوافي من متن الخبر المذكور- انما هو بهذه العبارة: «ف لله بقولك له» و كذلك نقله شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بهذه العبارة، فما ذكره في الدروس- و ان تبعه عليه شيخنا البهائي في كتاب الأربعين- لا اعرف له سندا، إلا ان يكون سهوا من شيخنا المشار اليه، أو نقل الخبر من موضع آخر.

نعم قد وقفت في حكم نذر المرأة على خبر لم يتعرض له الأصحاب في هذه المسألة، و هو

ما رواه الصدوق في الفقيه (2) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة و لا تدبير و لا هبة و لا نذر في مالها إلا بإذن زوجها، إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة قرابتها».

و ربما تطرق الطعن الى هذا الخبر بان ما تضمنه- من توقف تصرف المرأة في مالها و صرفه في هذه الوجوه المذكورة في الخبر على اذن الزوج- لا قائل به من الأصحاب، مع خروجه عن مقتضى الأدلة المتعلقة بهذه الأبواب.

اللهم إلا ان يقال: ان ترك الخبر لمعارض أقوى لا يستلزم ترك ما لا معارض له، كما صرحوا به في غير المقام و جعلوا ذلك من قبيل العام المخصص. و حينئذ

____________

(1) ج 8 ص 301 و 310.

(2) الوسائل الباب 15 من كتاب النذر و العهد.

201

فيمكن العمل بالرواية بالنسبة إلى المرأة في صورة نذرها بمالها وقوفا على مورد الخبر، و يبقى ما عداه من نذر غيرها و غير العبد- كما تقدم- أو نذرها بغير مالها باقيا على الإطلاق و صحة انعقاد النذر من غير توقف على اذن، عملا بإطلاق الأدلة الواردة في النذور (1).

و بما ذكرناه من التحقيق يعلم الدليل على الحكمين المتقدمين و صحة ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم).

[فوائد]

و تلحق بهذه المسألة فوائد

الأولى [المراد من قولهم لا يمين لولد مع والده]

- هل المراد من قولهم (عليهم السلام) في الاخبار المتقدمة: «لا يمين لولد مع والده. الى آخره» هو بطلان اليمين بدون الإذن، لنفى اليمين على أحد الوجوه الثلاثة المحمول على نفي الصحة، لأنه أقرب المجازات الى نفي الماهية، أو ان الاذن ليس شرطا في الصحة بل النهي مانع منها؟ قولان، المشهور الثاني، و بالأول صرح شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) و الظاهر انه الأقرب.

و تظهر فائدة القولين في ما لو زالت ولاية الثلاثة قبل الحل، كما إذا وقع فراق الزوج أو موت الأب أو عتق العبد، فعلى القول المشهور تنعقد اليمين و اما على ما تقدم عن شيخنا المذكور فتبطل.

الثانية

- حيث ثبت بما ذكرناه وجوب الحج على العبد و المرأة بالنذر مع اذن المولى و الزوج، فلو أتيا به كان صحيحا، و لو نهياهما عنه لم يجب إطاعتهما لوجوب تقديم حق الله (عز و جل) على حقهما.

و نقل عن العلامة في المنتهى انه يجب على المولى اعانة المملوك على أداء الحج بالحمولة إن احتاج إليها، لأنه السبب في شغل ذمته، و رد بان سببيته في شغل الذمة لا يقتضي ذلك.

____________

(1) كقوله تعالى في سورة الحج، الآية 29 وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ.

202

قال في المدارك بعد نقل ذلك: نعم لو قيل بوجوب تمكينه من تحصيل ما يتوقف عليه الحج لتوقف الواجب عليه كان وجها قويا. انتهى.

أقول: فيه ان هذا الدليل الذي ذكره ان صلح لتأسيس حكم شرعي عليه وجب القول به و ان لم يقل به أحد، و الحكم الشرعي تابع للدليل لا للقائل.

على انهم بناء على أصولهم و قواعدهم إنما منعوا من احداث القول في المسألة في مقابلة الإجماع، و لم يدعه أحد منهم في المقام. و ان لم يصلح- و هو الظاهر- فلا يجب تمكينه من تحصيل ما يتوقف عليه الحج، إذ لا يخفى ان المتبادر من وجوب مقدمة الواجب انما هو بالنسبة الى من خوطب بذلك الواجب- مثلا:

متى وجب عليه الحج بحصول الاستطاعة وجب عليه السعي في تحصيل مقدماته من السفر و أسباب السفر و نحو ذلك، و من وجبت عليه الصلاة وجب عليه السعي في ما يتوقف عليها صحتها من الشرائط و نحو ذلك- لا بالنسبة إلى شخص آخر كما في ما نحن فيه، فان الحج هنا انما وجب على العبد بالنذر و التمكين انما هو من السيد، فكيف يجب عليه بناء على وجوب مقدمة الواجب؟ و بالجملة فإن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذي المقدمة، فكل من خوطب بالواجب صريحا خوطب بمقدماته ضمنا، كما ذكرنا من الأمثلة.

و التحقيق انه ان أمكن العبد الإتيان بما نذره وجب عليه الإتيان به و إلا توقع المكنة، و اما خطاب السيد و الإيجاب عليه فلا وجه له و لا دليل عليه و بالجملة فلا اعرف لكلامه (قدس سره) هنا وجه استقامة.

الثالثة

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) من غير خلاف يعرف بأنه لا يشترط في الحج بالنذر و أخويه شرائط حجة الإسلام بل يكفي في وجوبه التمكن منه من غير مشقة شديدة. و هو كذلك، لأن الاستطاعة التي

203

هي المدار في وجوب حج الإسلام إنما وقعت في الآية (1) شرطا لحج الإسلام خاصة فلا يتقيد بها غيره، و يبقى الحج على حكم غيره من النذور التي المدار في وجوب الإتيان بها على القدرة و الإمكان.

المسألة الثانية [هل يجب قضاء الحج المنذور إذا فات بعد استقراره؟]

- إذا نذر الحج فاما ان ينذره مطلقا غير مقيد بسنة أو مقيدا فان نذره مطلقا فالمقطوع به في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز له التأخير الى ان يتضيق وقته بظن الوفاة و ان استحب له المبادرة و التعجيل، فان مضى زمان يمكنه الإتيان به فيه و لم يفعله حتى مات وجب ان يقضى عنه، لانه قد وجب عليه بالنذر و استقر بمضي زمان التمكن. اما لو منعه مانع عن الفورية فإنه يصبر حتى يزول المانع، فان مات قبل زوال المانع لم يجب القضاء عنه، لفوات شرط الوجوب و هو القدرة و التمكن. و ان نذره مقيدا بسنة مخصوصة فأخل مع القدرة وجب القضاء و الكفارة في ما قطع به الأصحاب أيضا و ان منعه مانع من مرض أو عدو لم يجب القضاء، لعدم الاستقرار في الذمة، و تمسكا بأصالة العدم حتى يقوم دليل الوجوب.

قيل: و لا يخفى ان طروء المانع من فعل المنذور في وقته لا يقتضي بطلان النذر، لوقوعه صحيحا ابتداء و ان سقط الواجب بالعجز عنه. و هذا بخلاف نذر غير المقدور ابتداء كالطيران و نحوه، فان النذر يقع فاسدا من أصله كما هو واضح.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الخلاف هنا قد وقع في القضاء في الصورتين المذكورتين هل يجب أم لا؟ المقطوع به في كلام الأصحاب الأول و ظاهر السيد السند في المدارك الثاني.

____________

(1) و هو قوله تعالى في سورة آل عمران، الآية 97 وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.

204

ثم انه على تقدير الوجوب هل هو من الأصل أو من الثلث؟ المشهور الأول و قيل بالثاني.

قال السيد السند في المدارك- بعد قول المصنف (قدس سره): و لو تمكن من أدائه ثم مات قضى عنه من أصل تركته- ما هذا لفظه: و اما وجوب قضائه من أصل التركة إذا مات بعد التمكن من الحج فمقطوع به في كلام أكثر الأصحاب، و استدلوا عليه بأنه واجب مالي ثابت في الذمة فيجب قضاؤه من أصل ماله كحج الإسلام. و هو استدلال ضعيف (أما أولا)- فلان النذر انما اقتضى وجوب الأداء، و القضاء يحتاج إلى أمر جديد كما في حج الإسلام، و بدونه يكون منفيا بالأصل السالم من المعارض. (و اما ثانيا) فلمنع كون الحج واجبا ماليا، لأنه عبارة عن المناسك المخصوصة و ليس بذل المال داخلا في ماهيته و لا من ضرورياته. و توقفه عليه في بعض الصور كتوقف الصلاة عليه في بعض الوجوه، كما إذ احتاج الى شراء الماء أو استئجار المكان أو الساتر و نحو ذلك مع القطع بعدم وجوب قضائها من التركة. و ذهب جمع من الأصحاب إلى وجوب قضاء الحج المنذور من الثلث، و مستنده غير واضح ايضا. و بالجملة فالنذر إنما تعلق بفعل الحج مباشرة و إيجاب قضائه من الأصل أو الثلث يتوقف على الدليل. انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: اما ما ذكره (قدس سره) من ضعف الوجه الأول فيمكن المناقشة فيه بان قوله-: ان النذر إنما اقتضى وجوب الأداء، و القضاء يحتاج إلى أمر جديد- مردود بأنه لا ريب ان النذر قد اقتضى شغل الذمة اليقيني بالمنذور و استقر وجوبه بعد مضي زمان التمكن منه، و الظاهر بقاء الاشتغال و التعلق بالذمة حتى يحصل الإتيان بالفعل من المكلف أو نائبه، و تخرج الأخبار الواردة في حج الإسلام شاهدا على ذلك، فإنه بعد استقرار حج الإسلام في الذمة

205

و اشتغالها به لا يزول ذلك إلا بالإتيان به في الحياة أو بعد الموت.

و قولهم-: ان القضاء يحتاج إلى أمر جديد- الظاهر انه ليس على إطلاقه بل ذلك مخصوص بالواجبات الموقتة، فان توجه الأمر بالإتيان بالفعل في ذلك الوقت لا يتناول ما بعده من ما خرج عنه الذي هو القضاء، بل لا بد في إيجاب القضاء في الصورة المذكورة من أمر على حده، و ما نحن فيه ليس كذلك، فان مقتضى النذر اشتغال الذمة بالمنذور مطلقا، و ليس في الاخبار ما يدل على اختصاص الخطاب حال الحياة ليكون القضاء بعد الموت يحتاج إلى أمر جديد، و إنما إطلاق الاستقرار و اشتغال الذمة اقتضى بقاء ذلك الى ان تحصل البراءة بالإتيان بالفعل.

و اما ما ذكره أخيرا- من ان النذر انما تعلق بفعل الحج مباشرة- فيمكن الجواب عنه أيضا بأن النذر اقتضى هنا شيئين: أحدهما- اشتغال الذمة بذلك الفعل المنذور كما قدمنا، و الآخر- مباشرة الناذر للإتيان بالفعل، و الثاني قد امتنع بالموت فيبقى الأول على حاله حتى يحصل موجب البراءة منه. و هذا الحكم عام في جميع افراد النذور، و لا ريب انه الأوفق بالاحتياط في الدين.

و من ما يؤيد ما قلناه ما سيأتي (1)- ان شاء الله تعالى- من نقل جملة من الروايات الصحيحة في وجوب قضاء حجة النذر في ما إذا نذر ان يحج رجلا (2) و هو كما يحتمل ان يكون المراد يعني: يعطيه ما لا يحج به، كما ذكره السيد في ما سيأتي ان شاء الله تعالى- في مسألة من مات و عليه حجة الإسلام و حجة منذورة- من جوابه عن صحيحة ضريس، كذلك يحتمل ان يكون المراد انما هو ان يمضي بذلك الرجل حتى يوصله المناسك و يأتي بجميع أفعال الحج و هو قائم بمؤنته، بل هذا هو الظاهر من اللفظ، إذ المتبادر من مادة الأفعال هو المباشرة لا السببية،

____________

(1) ص 209.

(2) الوسائل الباب 29 من وجوب الحج و شرائطه.

206

فإذا قلت: «أخرجته أو أدخلته» يعني: توليت إدخاله و إخراجه و باشرت ذلك لا بمعنى: أمرت بذلك من يفعل به. و حينئذ فتكون هذه الأخبار- باعتبار الاحتمال الذي استظهرناه- دالة على وجوب قضاء حجة النذر في الجملة.

بقي الكلام في ان موردها القضاء في من نذر ان يحج رجلا، و هو خارج عن ما نحن فيه من نذر الرجل ان يحج بنفسه. و يمكن ان يقال: انها لما دلت على وجوب قضاء الحج المنذور فقد ثبت بها ان نذر الحج يجب قضاؤه بعد الموت. و به يظهر بطلان قول المانع: ان النذر انما اقتضى وجوب الأداء، و القضاء يحتاج إلى أمر جديد. و كون متعلق ذلك النذر حجه بنفسه أو ان يحج غيره لا مدخل له في تغير الحكم، فان الموجب للقضاء هو النذر و تمكنه من الفعل و تفريطه حتى مات. و الظاهر انه لهذا الوجه استدل الشيخ بصحيحة ضريس في ما يأتي ان شاء الله (تعالى) (1) على مسألة من نذر الحج بنفسه فمات، مع ان موردها من نذر ان يحج غيره.

و ما ذكرناه من التوجيه لا يخلو من قوة، و به تكون الأخبار الآتية قابلة للاستدلال على محل النزاع. و سيأتي تحقيق الكلام زيادة على ما ذكرنا هنا ان شاء الله تعالى.

و اما ما ذكره (قدس سره) من الوجه الثاني- و هو منع كون الحج و أجاب ماليا- فتحقيق الكلام فيه ان يقال: انه لا ريب ان ما ذكروه- من الفرق بين الواجب المالي و الواجب البدني من إخراج الأول من الأصل و الثاني مع الوصية به من الثلث- فلم أقف فيه على مستند من النصوص و ان كان مشهورا في كلامهم و متداولا على رؤوس أقلامهم.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في هذه المسألة: و تعتبر الأجرة من

____________

(1) في المسألة الخامسة من مسائل المقام.

207

أصل التركة كحج الإسلام، لأنه واجب مالي و ان كان مشوبا بالبدني.

و قال أيضا في كتاب الوصايا- بعد قول المصنف: انه لو اوصى بواجب و غيره بدئ بالواجب من الأصل- ما صورته: إنما يخرج الواجب من أصل المال إذا كان واجبا ماليا حتى يكون متعلقا بالمال حال الحياة، سواء كان مالي محضا كالزكاة و الخمس و الكفارات و نذر المال أم ماليا مشوبا بالبدن كالحج، فان جانب المالية متغلب من حيث تعلقه به في الجملة، اما لو كان الواجب بدنيا محضا كالصلاة و الصوم فإنه يخرج من الثلث مطلقا، لانه لا يجب إخراجه عن الميت إلا إذا اوصى به، فيكون حكمه حكم التبرعات الخارجة من الثلث مع الوصية بها و إلا فلا. انتهى.

و على هذه المقالة جرت كلمتهم و بنيت قاعدتهم.

و الذي يستفاد من النصوص بالنسبة إلى الواجب المالي المحض هو ما ذكروه من تعلق بالأصل، كما

في رواية عباد بن صهيب عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل فرط في إخراج زكاته في حياته فلما حضرته الوفاة حسب جميع ما كان فرط فيه من ما لزمه من الزكاة ثم اوصى به ان يخرج ذلك فيدفع الى من تجب له؟ قال:

فقال: جائز يخرج ذلك من جميع المال، انما هو بمنزلة الدين لو كان عليه ليس للورثة شيء حتى يؤدى ما اوصى به من الزكاة. قيل له: فان كان اوصى بحجة الإسلام؟ قال: جائز يحج عنه من جميع المال».

فان ظاهر الخبر المذكور بل صريحه ان جملة الديون المتعلقة بالذمة من الأموال على اختلاف أسبابها تخرج من الأصل.

و اما بالنسبة إلى المالئ المشوب بالبدن كالحج فإشكال، إلا ان ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب انه كالسابق. و المفهوم من الاخبار الآتية التفرقة بين الحج

____________

(1) الوسائل الباب 21 من المستحقين للزكاة، و الباب 40 من الوصايا.

208

الإسلام فمن الأصل و حج النذر فمن الثلث.

و اما بالنسبة إلى الواجب البدني محضا مثل الصوم و الصلاة فإن المستفاد من النصوص انها بعد الموت تتعلق بالولي، كما

في صحيحة حفص بن البختري (1):

«في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال: يقضي عنه اولى الناس بميراثه».

و في مرسلة حماد (2): «اولى الناس به».

و في مرسلة ابن ابي عمير عن الصادق (عليه السلام) (3): «في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام؟ قال: يقضيه اولى الناس به».

و اما انه لو لم يكن له ولي و اوصى الميت بقضائه عنه، فهل تكون مخرجة من الثلث- كما عليه الأصحاب بناء على القاعدة المتقدمة- أو من الأصل؟

لم أقف فيه على نص يدل على شيء من الأمرين، و شيخنا الشهيد الثاني في ما تقدم من كلامه انما علله بما عرفت.

و يمكن ان يستدل على ما ذكره الأصحاب من ان مخرج قضاء حجة النذر من الأصل بما ذكرناه، و حاصله ان الحج- إسلاميا أو نذرا- واجب مالي و ان كان مشوبا بالبدن، و كل ما كان واجبا ماليا فمخرجه من الأصل، فيكون مخرج الحج من الأصل. اما الصغرى فلان الحج و ان كان عبارة عن المناسك المخصوصة لكن الإتيان به متوقف على المال و ان تفاوت قلة و كثرة باعتبار مراتب البعد و القرب، و لهذا انه متى مات بعد استقراره انتقل الحكم الى ماله إجماعا نصا و فتوى، فوجب القضاء عنه من ماله و اما الكبرى فللنصوص المتقدمة الدالة على ان كل ما كان دينا فمخرجه من الأصل (4) و هي مسلمة عند الخصم.

____________

(1) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(2) الوسائل الباب 23 من أحكام شهر رمضان.

(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات عن كتاب غياث سلطان الورى.

(4) ص 207 و أورد ما يدل على ذلك في الوسائل في الباب 28 من الوصايا.

209

و اما ما ذكره من المعارضة بالصلاة فهي مناقشة واهية، فإن ما عدده من الصور في توقف الصلاة على المال أمور نادرة و قد لا تقع بالكلية و ان كان فرضها ممكنا، بخلاف الحج فان توقفه على المال و لا سيما من الآفاقي أمر ضروري اتفاقي، و الأحكام الشرعية إنما تبنى على الافراد المتكثرة الشائعة المتكررة، فوصف الحج بكونه واجبا ماليا باعتبار توقفه على المال صحيح لا ريب فيه، و الصلاة لا توصف بذلك باعتبار هذه الفروض النادرة و انما توصف بكونها واجبا بدنيا كما هو الشائع المتكرر في إيقاعها، و توقفها نادرا على ذلك لا يقدح في كونها واجبا بدنيا.

و بالجملة فإنه لما كان الواجب في حال الحياة- على المكلف بالحج من أهل الآفاق و البلدان الذين هم الفرد الغالب المتكثر بل و غيرهم من حاضري مكة- أمرين: صرف المال و المباشرة بالبدن، و بعد الموت تعذرت المباشرة بقي الوجوب المتعلق بالمال على حاله. و المكلف بالصلاة لما كان الواجب عليه فيها انما هو المباشرة بالبدن، و المال لا مدخل له فيها في حال الحياة، فبعد الموت سقط الخطاب عن ماله و توقف وجوب الإتيان بها على الوصية. إلا أنه سيأتي في المقام ما يظهر منه المنافاة لما قررناه من هذا الكلام.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن مسمع بن عبد الملك (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

كانت لي جارية حبلى فنذرت لله (تعالى) ان ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه؟

فقال: ان رجلا نذر لله في ابن له ان هو أدرك ان يحجه أو يحج عنه، فمات الأب و أدرك الغلام بعد، فاتى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الغلام فسأله عن ذلك، فأمر

____________

(1) الوسائل الباب 16 من كتاب النذر و العهد.

210

رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يحج عنه من ما ترك أبوه».

و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن ابي يعفور (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر لله لان عافى الله ابنه من وجعه ليحجنه الى بيت الله الحرام، فعافى الله الابن و مات الأب؟ فقال: الحجة على الأب يؤديها عنه بعض ولده. قلت: هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه؟ فقال: هي واجبة على الأب من ثلثه، أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه».

قال في الوافي بعد نقل هذه الرواية: إنما كان على الأب لأنه هو الذي أوجب على نفسه. انتهى.

و روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن ضريس الكناسي (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه حجة الإسلام نذر نذرا في شكر ليحجن رجلا إلى مكة، فمات الذي نذر قبل ان يحج حجة الإسلام، و من قبل ان يفي لله بنذره الذي نذر؟ قال: ان كان ترك مالا يحج عنه حجة الإسلام من جميع المال و اخرج من ثلثه ما يحج به رجل لنذره، و قد وفى بالنذر، و ان لم يكن ترك مالا إلا بقدر ما يحج به حجة الإسلام حج عنه بما ترك و يحج عنه وليه حجة النذر، انما هو مثل دين عليه».

و ظاهر هذه الأخبار انه متى نذر ليحجن رجلا ثم مات قبل ان يحجه فإنه يجب القضاء عنه، و ان ذلك من الثلث لا من الأصل. و حينئذ فإن حملنا العبارة

____________

(1) الوسائل الباب 29 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) التهذيب ج 5 ص 406، و الفقيه ج 2 ص 263، و في الوسائل الباب 29 من وجوب الحج. و قد أورد موارد الاختلاف بينهما في اللفظ بعضها على طبق التهذيب و بعضها على طبق الفقيه. و الراوي في التهذيب هو ضريس بن أعين.

211

المذكورة على ان المراد ان يعطي رجلا مالا يحج به، كما تأول به السيد صحيحة ضريس في ما سيأتي ان شاء الله (تعالى) في كلامه، أشكل ذلك بان الواجب على هذا التقدير يكون ماليا محضا، و قد عرفت من كلامهم- بل من ظاهر الاخبار التي قدمناها- ان الواجب المالي مخرجه من الأصل. و بذلك يظهر ان تأويل السيد (رحمه الله) للرواية غير تام. و ان حملناها على ما قدمنا ذكره من تنفيذ ذلك بنفسه- و هو الأظهر كما عرفت- كان ذلك من قبيل الواجب البدني و ان توقف على المال كحج الإسلام، و ينبغي على قياس حج الإسلام بالتقريب الذي قدمنا ذكره- كما عليه ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب- ان يكون مخرجه من الأصل، مع ان هاتين الصحيحتين المذكورتين صريحتان في ان مخرجه من الثلث.

و لعل القول الفصل و المذهب الجزل في جميع الأحكام هو التوقف على ورود النص الصريح أو الظاهر في ذلك الحكم، فان وجد وجب الحكم بمقتضاه و إلا فالتوقف عن الحكم و عدم الاعتماد على هذه التقريبات و القواعد المستنبطة و التخريجات التي لم ترد بها النصوص، و ان أمكن التقريب فيها كما قدمناه سابقا.

و قد سبق نظير ذلك في المسألة الخامسة من المقصد السابق في المسألة قضاء الحج من البلد أو الميقات، و في مسألة تزاحم دين الحج مع غيره من الديون كما أوضحناه ثمة. و حينئذ فالواجب هو الوقوف على ما دلت عليه الاخبار في كل جزئي جزئي ان وجدت و إلا فالتوقف.

و بذلك يظهر ما في كلام المحقق المدقق الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني (نور الله مرقديهما) في كتاب منتقى الجمان، حيث قال بعد نقل صحيحة ضريس و صحيحة ابن ابي يعفور: قلت: لا يخفى ما في هذين الخبرين من المخالفة للأصول المقررة عند الأصحاب، و ليس لهم في تأويلهما كلام يعتد به، و الوجه

212

عندي في ذلك فرض الحكم في ما إذا قصد الناذران يتعاطى تنفيذ الحج المنذور بنفسه فلم يتفق له. و لا ريب ان هذا القصد يفوت بالموت، فلا يتعلق بماله حج واجب بالنذر بل يكون الأمر بإخراج الحج المنذور واردا على وجه الاستحباب للوارث. و كونه من الثلث رعاية لجانبه و احترازا من وقوع الحيف عليه، كما هو الشأن في التصرف المالي الواقع للميت من دون ان يكون مستحقا عليه.

و حج الولي أيضا محمول في الخبر الأول على الاستحباب، و في الثاني تصريح بذلك، و قد جعله الشيخ شاهدا على ارادة التطوع من الأول أيضا. و فيه نظر، لان الحج في الثاني مذكور على وجه التخيير بينه و بين الإخراج من الثلث، و هو يستدعي وجود المال، و في الأول مفروض في حال عدم وجوده.

و قوله: «فإنما هو دين عليه» ينبغي ان يكون راجعا الى حج الإسلام و ان كان حج النذر أقرب إليه، فإن الظاهر كونه تعليلا لتقديم حج الإسلام حيث يكون المتروك بقدره فحسب. و بقي الكلام في قوله: «هي واجبة على الأب من ثلثه» و ارادة الاستحباب المتأكد منه غير بعيدة، و قد بينا في ما سلف ان استعمال الوجوب في هذا المعنى موافق لأصل الوضع، و لم يثبت تقدم معنى العرفي له الآن بحيث يكون موجودا في عصر الأئمة (عليهم السلام) ليقدم على المعنى اللغوي. و ذكرنا ان الشيخ (قدس سره) يكرر القول في ان المتأكد من السنن يعبر عنه بالوجوب، و له في خصوص كتاب الحج كلام في هذا المعنى لا بأس بإيراده و هو مذكور في الكتابين، و هذه صورة ما في التهذيب: قد بينا في غير موضع من هذا الكتاب ان ما الاولى فعله قد يطلق عليه اسم الوجوب و ان لم يكن يستحق بتركه العقاب. و أنت خبير بان اعتراف الشيخ بهذا يأبى تقدم العرف و استقراره في ذلك العصر، فيحتاج إثباته الى حجة و بدونها

213

لا أقل من الشك المنافي للخروج من الأصل. و بما حررناه يعلم ضعف ما اختاره الشيخ هنا من وجوب إخراج الحجة المنذورة من الثلث. هذا كله على تقدير نهوض الحديثين بإثبات الحكم، و إلا استغنى عن تكلف البحث في معناهما و كان التعويل في المسألة على ما تقتضيه الأصول. انتهى كلامه زيد إكرامه.

أقول: لا يخفى ان السبب الموجب لارتكابه (قدس سره) ما ارتكبه من هذه التأويلات البعيدة في هاتين الصحيحتين انما هو المخالفة لما زعمه من القواعد المقررة بين الأصحاب، و ذلك هو انه متى حمل قوله (عليه السلام) في الخبرين: «ليحجنه»:

بمعنى ان يعطى رجلا مالا يحج به، كان ذلك من قبيل الواجب المالي الذي يكون خروجه من الأصل مع ان الخبرين دلا على كون مخرجه من الثلث. و متى حمل على المعنى الذي ذكره من تنفيذ الحج المذكور بنفسه، فالواجب هو إخراجه من الثلث حيث انه واجب بدني، إلا ان إخراج الواجب البدني يتوقف على الوصية بمقتضى قواعدهم مع ان الخبرين دلا على الإخراج و ان لم تكن وصية، فلا علاج انه تأول الخبرين بهذه التأويلات المتعسفة و التخريجات المتكلفة، و بعدها أظهر من ان يخفى على ذي مسكة.

و الحق ان ارتكاب ما ذكره يتوقف على المعارض سيما مع إضافة الصحيحة الثالثة إلى الصحيحتين المذكورتين.

على ان ما ذكره- من انه قصد ان يتعاطى تنفيذ الحج بنفسه، و ان هذا القصد يفوت بعد الموت، فلا يتعلق بماله حج واجب بالنذر- ممنوع، فإنه لا ريب ان قصد هذا تضمن شيئين: أحدهما- مباشرة التنفيذ بنفسه.

و ثانيهما- القيام بما يحتاج اليه الرجل من الزاد و الراحلة مدة الحج، و بالموت إنما فاتت المباشرة، و اما ما تعلق بالمال فيبقى على حاله، فكيف يتم ما ذكره انه لم يتعلق بماله حج واجب؟ و هذا بعينه جار في حج الإسلام، فان الواجب

214

عليه السفر اليه بنفسه و مباشرته و لكن السفر يتوقف على المال، و من أجل ذلك تعلق الحج بالمال بعد الموت.

و ما ذكره من مخالفة قواعد الأصحاب إنما يتم لو كانت تلك القواعد مستندة الى دليل من سنة أو كتاب. و مع تسليم الدليل لها فالتخصيص باب مفتوح في كلامهم، فيجوز خروج هذا الحكم بهذه الأخبار الصحيحة الصريحة في وجوب القضاء، و اي مانع منه؟

و بالجملة فإن حمل القضاء في الاخبار المذكورة على الاستحباب بعيد غاية البعد عن مناطيقها.

و اما حمل قوله (عليه السلام)-: «هي واجبة على الأب من ثلثه» على الاستحباب المؤكد، و سجل عليه بما ذكره- ففيه أولا- انه لو لم يكن منشأ الوجوب إلا من التعبير بلفظ الوجوب في هذا المكان لربما تم ما ذكره، كيف؟ و ظواهر الأخبار الثلاثة كلها متفقة على ذلك، فان قوله (عليه السلام) في صحيحة مسمع: «فأمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يحج عنه من ما ترك أبوه» صريح في الوجوب، فإن أوامره (صلى اللّٰه عليه و آله) كاوامر الله (سبحانه) مراد بها الوجوب إلا مع قيام قرينة عدمه، و لا ريب ان هذا اللفظ عند كل سامع انما يتبادر منه الوجوب، فلو أراد الإمام (عليه السلام) به الاستحباب من غير قرينة في المقام لكان في ذلك تعمية على السائل و إيهام عليه، حيث يجيبه عن حكم مستحب بما هو ظاهر في الوجوب. و قوله في صحيحة ضريس:

«ان كان ترك مالا يحج عنه حجة الإسلام من جميع المال و اخرج من ثلثه ما يحج به رجل لنذره» ظاهر في الوجوب. و قوله في صحيحة ابن ابي يعفور: «الحجة على الأب» ظاهر أيضا في ذلك. و بالجملة ظهور الوجوب من هذه الاخبار أظهر من ان يقابل بالإنكار.

215

و ثانيا- ان ظاهر كلامه هو إنكار استعمال لفظ الوجوب في كلامهم (عليهم السلام) و عرفهم بالمعنى الأصولي و انما المستعمل في عرفهم هو المعنى اللغوي. و هي دعوى عجيبة. و ما أبعد ما بين هذه الدعوى و بين من يدعى حمل الوجوب في كلامهم (عليهم السلام) على المعنى الأصولي كما هو ظاهر المشهور في كلام الأصحاب. و كل من الدعويين وقعا في التفريط و الإفراط.

و الحق في ذلك ما قدمناه من لزوم الأوساط، و هو ان هذا اللفظ من ما استعمل في كلامهم (عليهم السلام) في كل من المعنيين المذكورين. و قد حققنا ايضا ان جملة من الألفاظ جرت هذا المجرى، و انه بسبب الاشتراك و الشيوع في كلامهم كذلك لا يجوز ان يحمل على أحدهما إلا مع القرينة، و القرينة على ما ندعيه هنا من المعنى الأصولي موجودة بما أشرنا إليه من تلك المواضع المذكورة في الروايات.

و ثالثا- ان قوله: «هذا كله على تقدير نهوض الحديثين بإثبات الحكم. الى آخره» فانى لا اعرف له معنى واضحا، فإنه بعد بحثه في متن الخبرين و تأويله لهما لم يبق إلا السند و السند صحيح باصطلاحهم، فكيف لا ينهضان بالحجة من جهة السند؟ و بماذا يطعن به عليهما حتى انه يستغني عن تكلف تأويلهما و البحث في معناهما و يكون المرجع في حكم المسألة الى ما ذكره.

و صاحب الذخيرة قد نقل كلام المحقق المذكور و جمد عليه، و قال بعد نقله:

و هو حسن.

و بالجملة فالواجب الوقوف على ظاهر الاخبار حيثما كان إذا لم تعارض بما هو أرجح منها. و الاحتياط من ما لا ينبغي تركه سيما في أمثال هذه المقامات.

و الله العالم.

المسألة الثالثة [هل يتداخل حج الإسلام و حج النذر عند إطلاقه؟]

- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان ناذر الحج

216

متى كان مستطيعا اما ان ينذره مطلقا بان لا يقصد حج الإسلام و لا غيره، أو ينذره بنية حج الإسلام أو بنية غيره، فالكلام هنا يقع في مواضع ثلاثة:

[الموضع] الأول- ان يطلق النذر

، و قد اختلف الأصحاب في هذه الصورة، فذهب الأكثر- و منهم الشيخ في الخلاف و الجمل و ابن البراج و ابن إدريس و العلامة في جملة من كتبه- الى عدم التداخل، التفاتا الى ان اختلاف السبب يقتضي اختلاف المسبب.

و رد بان هذا الاقتضاء انما هو في الأسباب الحقيقية دون المعرفات الشرعية، و لهذا حكم كل من قال بانعقاد نذر الواجب بالتداخل إذا تعلق النذر بحج الإسلام من غير التفات الى اختلاف الأسباب.

أقول: الظاهر ان مراده ان كون ذلك قاعدة كلية انما هو في الأسباب الحقيقية دون الأسباب الشرعية، فإنها لا يطرد فيها ذلك بل قد تكون كذلك و قد لا تكون، فهي منوطة بالدليل الوارد في كل حكم، فقد يتفق فيه التداخل إذا اقتضاه الدليل و قد يتفق التعدد كذلك.

و قال الشيخ في النهاية: ان نوى حج النذر أجزأه عن حج الإسلام، و ان نوى حج الإسلام لم يجزئ عن النذر.

احتج الشيخ على هذا القول

بما رواه في الصحيح عن رفاعة بن موسى (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله الحرام فمشى هل يجزئه ذلك عن حجة الإسلام؟ قال: نعم. قلت: أ رأيت ان حج عن غيره و لم يكن له مال و قد نذر ان يحج ماشيا، أ يجزئ عنه ذلك من مشيه؟

قال: نعم».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 406 و 407، و في الوسائل الباب 27 من وجوب الحج و شرائطه.

217

و ما رواه الشيخ و الكليني في الحسن أو الصحيح عن رفاعة (1). الحديث الأول إلى قوله: قال: «نعم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله فمشى، أ يجزئه عن حجة الإسلام؟

قال: نعم».

أقول: و التقريب في هذه الروايات ان الظاهر ان المراد من قوله:

«رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله. الى آخره» إنما هو بمعنى نذر الحج ماشيا و الغرض من السؤال ان هذا الحج المنذور بهذه الكيفية بعد الإتيان به هل يكفي عن حجة الإسلام أم لا؟ فأجابوا (عليهم السلام) ب«نعم». و لا معنى للسؤال عن نذر المشي خاصة، إذ لا وجه لترتب السؤال على ذلك، إذ ترتب حج الإسلام على مجرد نذر المشي لا يعقل له وجه حتى يجوز ان يسأل عنه، بل المعنى الصحيح انما هو الأول، و يدل عليه صريح السؤال الثاني في الرواية الاولى.

و هذا المعنى هو الذي فهمه الأصحاب من الرواية ممن استدل بها و من ردها، و لهذا ان العلامة في التذكرة و المختلف انما أجاب عن صحيحة رفاعة

____________

(1) هذا الحديث رواه الشيخ بسند واحد صحيح في التهذيب ج 5 مرتين:

مرة ص 13 و اقتصر فيه على السؤال الأول، و مرة ص 406 و 407 و جمع فيه بين السؤالين. و رواه في الكافي ج 4 ص 277 بسند فيه إبراهيم بن هاشم و جمع فيه بين السؤالين. و أورد الحديث- على نحو ما ذكرناه- في الوسائل في الباب 27 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) التهذيب ج 5 ص 459، و في الوسائل الباب 27 من وجوب الحج و شرائطه.

218

الأولى- حيث لم ينقل سواها- بالحمل على ما إذا قصد بالنذر حجة الإسلام.

و العجب منهم (رضوان الله عليهم) في ارتكاب مثل هذا التأويل البعيد عن ظاهر الخبر مع عدم المعارض سوى تعليلهم العليل الذي قدمنا نقله عنهم، فانى لم أقف لهم على دليل سواه، و قد عرفت ضعفه.

ثم العجب من صاحب الوسائل في اقتفائه القول المشهور و متابعة الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تأويل هذه الاخبار، مع انه لا مستند لهم على أصل الحكم- كما ادعوه- سوى ما عرفت. و هذا من جملة غفلاته و خطراته فإنه لا ريب ان ارتكاب التأويل في الأخبار و إخراجها عن ظاهرها إنما يصار اليه عند المعارض الأقوى في المسألة لا بمجرد الشهرة و ان لم تستند الى دليل. و الحكم بالتداخل على الوجه المذكور في الأخبار ليس فيه مخالفة للأصول و القواعد، بل اخبار تداخل الأغسال (1)- كما عرفت- مؤيدة له، فما الموجب الى رده؟

و أجاب العلامة في المنتهى عن الرواية باحتمال ان يكون النذر إنما تعلق بكيفية الحج لا به نفسه، فيكون النذر انما تعلق بالمشي و هو طاعة هنا، كما يدل عليه

صحيحة عبد الله بن سنان (2) من قوله (عليه السلام): «ما عبد الله بشيء أشد من المشي و لا أفضل».

و فيه ما عرفت. و بذلك يظهر ان الأظهر ما ذكره في النهاية.

قال في المدارك: و يدل على هذا القول ايضا صدق الامتثال بالفعل الواحد، على حد ما قيل في تداخل الاغتسال، فان من اتى بالحج بعد الاستطاعة يصدق عليه انه امتثل الأوامر الواردة بحج الإسلام، و وفى بنذره.

____________

(1) الوسائل الباب 43 من الجنابة.

(2) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

219

أقول: الأظهر أن يجعل هذا الوجه مؤيدا لا دليلا، فإنه قاصر عن الدلالة كما لا يخفى، و الأحكام الشرعية موقوفة على النصوص في كل حكم.

و ورود ذلك في تداخل الأغسال لا يستلزم القول به هنا لو لم يقم عليه بخصوصه دليل بقي الكلام في ان مورد الأخبار المذكورة بالتقريب الذي ذكرناه هو الدلالة على الحكم الأول من الحكمين المنقولين عن النهاية، و اما الحكم الثاني- و هو ما إذا نوى حج الإسلام و انه لا يجزئ عن المنذور- فعلله في المدارك بان الحج انما ينصرف الى النذر بالقصد، بخلاف حج الإسلام فإنه يكفي فيه الإتيان بالحج و لا يعتبر فيه ملاحظة كونه حج الإسلام. انتهى، و لا يخفى ما فيه من عدم الصلوح لتأسيس حكم شرعي و بنائه عليه.

و لعل الأظهر ان يقال: ان العبادات أمور توقيفية يتوقف الحكم فيها على ظهور الأدلة الشرعية و الاخبار النبوية، قام الدليل على التداخل في الصورة الاولى، و كذا دلت صحيحة رفاعة (1) على انه إذا حج عن غيره و قد كان عليه حج النذر ماشيا انه يجزئه عن حج النذر. و هي صريحة في التداخل في هذه الصورة أيضا. و حينئذ فيجب القول بالتداخل في هاتين الصورتين.

و في هذه الرواية ما يشير الى ضعف ما ذكره في المدارك من ان الحج انما ينصرف الى النذر بالقصد، فإنه هنا نوى الحج عن غيره و لم يقصد حج النذر مع انه حكم (عليه السلام) باجزائه عن حج النذر. و بقي الباقي على مقتضى الأصل من التعدد و عدم التداخل.

و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب الذخيرة هنا حيث انه- بعد ان نقل عبارة الشيخ في النهاية الدالة على التفصيل- قال ما صورته: و حكى عن الشيخ ايضا القول بالتداخل من غير تفصيل. و الأقرب التداخل، لحصول امتثال

____________

(1) ص 216.

220

الأمرين بفعل واحد، و عدم دليل دال على لزوم التعدد. انتهى.

أقول: اما ما نقله عن الشيخ من القول بالتداخل مطلقا فلم أقف عليه في كتب الأصحاب. و الظاهر ان ما علل به القول بالتداخل مطلقا- و اختاره لذلك- مأخوذ من كلام المدارك المتقدم و هو قوله: «و يدل على هذا القول.

الى آخره» مع ان صاحب المدارك إنما أراد به بالنسبة إلى الصورة التي اختار الشيخ التداخل فيها، و إلا فظاهر كلامه في الصورة الثانية إنما هو عدم التداخل كما يؤذن به تعليله من اندراج حج الإسلام تحت قصد حج النذر و عدم اندراج حج النذر تحت قصد حج الإسلام لاحتياجه الى القصد.

و كيف كان فما اختاره من القول بالتداخل مطلقا قياسا على الأغسال ضعيف جدا، بل لا يخرج عن القياس. و الاستدلال بحصول الامتثال بفعل واحد مصادرة، فإنه عين الدعوى. و بذلك يظهر ما في قوله: «و عدم دليل دال على لزوم التعدد» فإنه كما لم يوجد ما يدل على لزوم التعدد لم يوجد ايضا ما يدل على التداخل.

و لقائل أن يقول: ان ما ذكره الأصحاب في تعليل التعدد باعتبار تعدد الأسباب جيد لا بأس به، و ذلك لأن استطاعة الحج أوجبت اشتغال الذمة بحج الإسلام، ثم انه لما نذر الحج مطلقا فقد علم ان النذر أوجب حجا زائدا على الحج الواجب أولا، لكن لما قام الدليل الشرعي على التداخل في الصورة المفروضة وجب القول بذلك، و بقي ما عداها على حكم التعدد.

و بالجملة فما ذكره الفاضل المذكور من القول بالتداخل مطلقا بعيد عندي غاية البعد.

الموضع الثاني- ان ينذر حج الإسلام

، و الأشهر الأظهر انعقاد نذره

221

لعموم الأدلة (1) و فائدة النذر زيادة انبعاث النفس على الفعل، و وجوب الكفارة مع التأخير عن الوقت المعين. و لا خلاف هنا في التداخل و الاكتفاء بحج الإسلام عن حج النذر. و لا بد من وجود الاستطاعة في وجوب الحج في الصورة المذكورة، لأنه النذر انما أفاد زيادة التأكيد في الوجوب السابق.

و لو نذر مع عدم وجود الاستطاعة كان الوجوب مراعى بوجود الاستطاعة و لا يجب عليه تحصيلها، لعدم وجوب تحصيل شرط الواجب المشروط كما تقدم و المنذور هنا ليس أمرا زائدا على حج الإسلام، إلا ان ينذر تحصيلها ايضا فيجب.

و لو قيد النذر بسنة معينة فتخلفت الاستطاعة بطل النذر.

الموضع الثالث- ان ينذر حجا غير حج الإسلام

، و قد اتفقوا هنا على عدم التداخل.

و لهم في المسألة تفصيل و صور ملخصها: انه لا يخلو اما ان يكون مستطيعا حال النذر أم لا.

و على الأول فإن كانت حجة النذر مطلقة أو مقيدة بزمان متأخر عن عام الاستطاعة فان الواجب تقديم حجة الإسلام، لفوريتها و اتساع زمان النذر.

و هو ظاهر لا اشكال فيه.

و ان كانت حجة النذر مقيدة بعام الاستطاعة، فإن قصد الحج عن النذر مع بقاء الاستطاعة بطل النذر من أصله، لأنه نذر ما لا يصح فعله. و ان قصد الحج مع فقد الاستطاعة، بمعنى انه يحج للنذر لو زالت الاستطاعة في ذلك العام، قالوا: فالظاهر الانعقاد، فتجب عند زوال الاستطاعة. و ان خلا نذره من القصد بأحد وجهيه، احتمل البطلان- لانه نذر في عام الاستطاعة

____________

(1) كقوله تعالى في سورة الحج، الآية 29 وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ.

222

غير حج الإسلام- و الصحة حملا للنذر على الوجه الصحيح و هو ما إذا فقدت الاستطاعة.

و على الثاني- و هو ما إذا تقدم النذر على الاستطاعة- فالظاهر انه لا إشكال في انعقاد النذر و وجوب الإتيان به مع القدرة و التمكن كسائر أفراد النذور. و لا يشترط فيه حصول الاستطاعة الشرعية التي هي الزاد و الراحلة عندهم، خلافا للدروس فإنه اعتبر في الحجة المنذورة الاستطاعة الشرعية.

و لو حصلت الاستطاعة الشرعية قبل الإتيان بالمنذورة، فإن كان النذر مطلقا أو مقيدا بعام متأخر عن عام الاستطاعة أو بزمان يشمل ذلك العام، فإنه يجب تقديم حجة الإسلام، لفوريتها و اتساع زمان المنذورة، و إلا وجب تقديم حج النذر، قالوا: لعدم تحقق الاستطاعة في ذلك العام، فان المانع الشرعي كالمانع العقلي.

و في هذه الصورة ما يؤيد ما قدمنا ذكره من ان النذر سبب كلي في الوجوب، فان هذا الناذر لما نذر في حال عدم الاستطاعة الحج في السنة الفلانية من السنين القابلة انعقد وجوبها عليه بالنذر، ثم لما تجددت الاستطاعة الشرعية في تلك السنة لم تؤثر في المنع من حج النذر في ذلك العام لانعقاده سابقا، و صار منع النذر هنا من حج الإسلام كسائر الموانع التي تقدمت. و هو أظهر ظاهر في تأثير الأسباب الشرعية و اختلاف مسبباتها باختلافها إلا ما خرج بالدليل و حينئذ فمتى كان الواجب عليه في هذا العام انما هو حج النذر، فان كانت الاستطاعة موجودة فإنه يراعى في وجوب حج الإسلام بقاؤها إلى العام القابل.

و قال الفاضل الخراساني (قدس سره) في الذخيرة: و ان كان النذر مقيدا بالسنة التي حصلت الاستطاعة فيها ففي تقديم الحجة المنذورة أو حج الإسلام وجهان يلتفتان الى عدم تحقق الاستطاعة الشرعية- لأن المانع الشرعي كالمانع العقلي-

223

و الى حصول الاستطاعة المعتبرة في حجة الإسلام مع عدم النذر. و انعقاد النذر فرع الشرعية و الرجحان، و هو غير متحقق. انتهى.

أقول: لا يخفى ما فيه على الفطن النبيه، فان فرض المسألة في كلام الأصحاب على الوجه الذي فصلناه إنما هو في ما إذا نذر و هو غير مستطيع ثم تجددت الاستطاعة بعد ذلك، فمن جملة صورها ما إذا نذر ان يحج في سنة مسماة من السنين المستقبلة و اتفق انه حصلت له الاستطاعة في تلك السنة، فان مقتضى انعقاد النذر سابقا وجوب تقديم حج النذر هنا و ان النذر مانع عن حجة الإسلام. و حينئذ فقوله في تعليل الوجه الثاني: «و الى حصول الاستطاعة المعتبرة في حجة الإسلام. الى آخره» لا وجه له، فان وجود الاستطاعة بعد انعقاد النذر بالحج في هذه السنة و اشتغال الذمة به في حكم العدم. و العجب من قوله: «و انعقاد النذر فرع الشرعية و الرجحان، و هو غير متحقق» فإنه كيف لا يكون النذر منعقدا و الحال انه في وقت النذر عادم الاستطاعة، فأي مانع من انعقاد نذره و شرعيته و رجحانه؟ و بالجملة فإن جميع ما ذكره في الوجه الثاني فهو غير موجه. و الله العالم.

المسألة الرابعة [نذر الحج ماشيا و مبدأ المشي و منتهاه]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان من نذر الحج ماشيا انعقد نذره و وجب عليه الوفاء به، و تدل عليه عمومات المقتضية لانعقاد النذور (1) و هو عبادة راجحة،

و قد ورد في جملة من الأخبار (2): «ما عبد الله بشيء أشد و لا أفضل من المشي إلى بيته».

و قد مضى و سيأتي في تضاعيف المسائل الآتية ما يدل على مشروعيته و انعقاده.

____________

(1) كقوله تعالى في سورة الحج، الآية 29 وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ.

(2) الوسائل الباب 32 من وجوب الحج و شرائطه.

224

و لا ينافي ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي عبيدة الحذاء عن ابي جعفر (عليه السلام) (1): «أنه سئل عن رجل نذر ان يمشى إلى مكة حافيا؟ فقال:

رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) خرج حاجا فنظر الى امرأة تمشي بين الإبل فقال: من هذه؟ فقالوا: أخت عقبة بن عامر، نذرت أن تمشي إلى مكة حافية. فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): يا عقبة انطلق إلى أختك فمرها فلتركب، فان الله غني عن مشيها و حفائها. قال: فركبت».

فإنها محمولة على عدم جواز نذر الحفاء مضافا الى المشي، لما فيه من المشقة الظاهرة. و لا يلزم من ذلك عدم انعقاد نذر المشي.

و قال العلامة في القواعد: لو نذر الحج ماشيا و قلنا المشي أفضل انعقد الوصف و إلا فلا.

و قال ولده في الإيضاح: إذا نذر الحج ماشيا انعقد أصل النذر إجماعا و هل يلزم القيد مع القدرة؟ فيه قولان مبنيان على ان المشي أفضل من الركوب أو الركوب أفضل من المشي.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهما: و هذا غير سديد، فان المنذور و هو الحج على هذا الوجه لا ريب في رجحانه و ان كان غيره أرجح منه، و ذلك كاف في انعقاد نذره، إذ لا يعتبر في المنذور كونه أفضل من جميع ما عداه.

و هو جيد.

ثم قال في المدارك: و اختلف الأصحاب في مبدأ المشي و منتهاه، و الذي يقتضيه الوقوف مع المعنى المستفاد من اللفظ وجوبه من حين الشروع في أفعال الحج و انتهاؤه بآخر أفعاله و هي رمي الجمار، لان «ماشيا» وقع حالا

____________

(1) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه. و اللفظ هكذا: «سألت أبا جعفر (عليه السلام).» و في التهذيب ج 5 ص 13 و 14: «سألت أبا عبد الله».

225

من فاعل «أحج» فيكون وصفا له و انما يصدق حقيقة بتلبسه به.

أقول: ما ذكره جيد لو لم يرد في الأخبار التعبير عن نذر المشي إلا بهذا اللفظ مع انه ليس كذلك، و هذه العبارة إنما وقعت في كلام الأصحاب و قليل من الأخبار.

و المفهوم من الاخبار الكثيرة ان المشي المنذور انما هو من البلد الى البيت فمن ذلك صحيحة ابي عبيدة المتقدمة و قول السائل فيها:

«سئل عن رجل نذر ان يمشي إلى مكة حافيا. الى آخر الخبر».

و منها-

صحيحة رفاعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله (تعالى) حافيا؟ قال: فليمش فإذا تعب فليركب».

و صحيحة

محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن رجل جعل لله عليه مشيا الى بيت الله فلم يستطع؟ قال: يحج راكبا».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة المشتملة على هذه العبارة، و هي ان

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 403 و الفروع ج 2 ص 373، و في الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه رقم (1) عن الأول، و الباب 8 من كتاب النذر و العهد عن الثاني، إلا ان الوارد فيه عن رفاعة و حفص. و اللفظ في المتن يوافق لفظ الفروع.

(2) الوسائل الباب 8 من كتاب النذر و العهد، مضمرا كما في فروع الكافي ج 2 ص 373، إلا انه في التهذيب ج 8 ص 304: «عن الكليني عن أحدهما ع» كما في المتن، و كذا في الوافي باب (سائر النذور من أبواب النذور و الايمان) من الجزء السابع. و لفظ «لله» ليس في الوسائل و لا في الفروع و لا في التهذيب. نعم في الاستبصار ج 4 ص 50 موجود.

226

غاية المشي و نهايته بيت الله (عز و جل) و قد تقدم جملة من الأخبار الدالة على ذلك في المسألة الرابعة من المسائل الملحقة بالشروط.

و بالجملة فإن الظاهر من أكثر الأخبار هو ما ذكرناه، و الظاهر هو الرجوع في ذلك الى نية الناذر.

بقي ان السيد أشار في صدر العبارة إلى الخلاف في منتهاه ايضا و اختار انه رمي الجمار، و لم ينقل القول الآخر و لا الدليل على ما اختاره من القول المذكور، و القول الآخر المنقول في المسألة هو ان آخره طواف النساء، و هو ظاهر شيخنا الشهيد في الدروس، و نسبه في المسالك الى المشهور ثم اختار القول الآخر.

و الظاهر هو ما اختاره السيد السند (قدس سره) و تدل عليه

صحيحة جميل (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا حججت ماشيا و رميت الجمرة فقد انقطع المشي».

و صحيحة إسماعيل بن همام عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الذي عليه المشي في الحج إذا رمى الجمرة زار البيت راكبا و ليس عليه شيء».

و روى هذا الخبر في الفقيه في الصحيح عن إسماعيل بن همام عن ابي الحسن الرضا عن أبيه (عليهما السلام) (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في الذي عليه المشي إذا رمى الجمرة زار البيت راكبا».

و روى في الفقيه عن علي بن أبي حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 35 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 35 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 35 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 35 من وجوب الحج و شرائطه، و الرواية للكليني في الكافي ج 4 ص 456.

227

«سألته متى ينقطع مشي الماشي؟ قال: إذا رمى جمرة العقبة و حلق رأسه فقد انقطع مشيه فليزر راكبا».

[فوائد]

و تنقيح الكلام في المقام يتوقف على رسم فوائد (1):

الاولى- لو اتفق له في طريقه الاحتياج إلى السفينة

فالمشهور في كلامهم من غير خلاف ينقل انه يقوم في السفينة ان اضطر الى العبور فيها.

و المستند في ذلك

رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) (2): «ان عليا (صلوات الله عليه) سئل عن رجل نذر ان يمشي الى البيت فمر في المعبر؟ قال: فليقم في المعبر قائما حتى يجوز».

قال في المدارك نقلا عن المعتبر: و هل هو على الوجوب؟ فيه وجهان أحدهما نعم، لأن المشي يجمع بين القيام و الحركة فإذا فات أحدهما تعين الآخر.

و الأقرب انه على الاستحباب، لان نذر المشي ينصرف الى ما يصلح المشي فيه فيكون موضع العبور مستثنى بالعادة. ثم قال: و ما قربه (رحمه الله) جيد. بل يمكن المناقشة في استحباب القيام ايضا لضعف مستنده. انتهى.

أقول: لا ريب ان الحامل لهم على هذا الكلام انما هو ضعف سند هذه الرواية و ليس في المقام غيرها، و لهذا قال في المدارك بعد نقل كلام المعتبر: بل يمكن المناقشة في الاستحباب ايضا لضعف مستنده. انتهى.

ثم أقول: ان ما حكم به في المعتبر من الاستحباب لا اعرف له وجها بعد طرحه الرواية، لأنه متى اعتمد على ان نذر المشي انما ينصرف الى ما يصلح المشي فيه

____________

(1) أبدلنا كلمة «مسائل» ب«فوائد» تبعا للنسخة الخطية، و يساعده الاعتبار أيضا.

(2) الوسائل الباب 37 من وجوب الحج و شرائطه.

228

عملا بالعادة فتكون مواضع العبور غير داخلة في النذر، و هذا موجب لطرح الرواية الدالة على الأمر بالوقوف الذي هو حقيقة في الوجوب، كما عليه أكثر الأصحاب، و كأنه أراد حملها على الاستحباب تفاديا من طرحها. و فيه ما عرفت في غير مقام من ما تقدم و ان اشتهر ذلك بينهم.

ثم انه لا يخفى ان رواية السكوني المذكورة ظاهرة في كون نذر المشي انما هو في الطريق إلى مكة، لقوله فيها: «نذر ان يمشي الى البيت» و قوله:

«فمر في المعبر» فان هذا انما يكون في الطرق الآتية من الآفاق لا في مكة فإنه ليس فيها شط و لا نهر يحتاج في عبوره إلى سفينة.

الثانية [لو ركب ناذر الحج ماشيا طريقه]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو ركب طريقه وجب عليه القضاء، و مرادهم بالقضاء الإعادة أعم من ان يكون بمعناه المتعارف أم لا، و ذلك انه ان كانت سنة النذر معينة فالقضاء بمعناه المتعارف، و يلزمه مع ذلك كفارة خلف النذر، و ان كانت سنة النذر مطلقة فالقضاء بمعنى الفعل ثانيا و لا كفارة لبقاء الوقت.

قالوا: و انما وجب عليه اعادة الحج ثانيا لإخلاله بالصفة المشروطة و توقف الامتثال على الإتيان بها.

و يستفاد من حكمهم بوجوب الإعادة كون الحج المأتي به فاسدا، و الظاهر ان وجهه من حيث عدم مطابقته للمنذور، فلا يقع عن النذر لعدم المطابقة، و لا عن غيره لانتفاء النية كما هو المفروض.

و احتمل المحقق في المعتبر الصحة و اجزاءه عن المنذور و ان وجبت الكفارة بالإخلال بالمشي، قال: لأن الإخلال بالمشي ليس مؤثرا في الحج و لا هو من صفاته بحيث يبطل بفواته، بل غايته أنه أخل بالمشي المنذور، فان كان مع القدرة وجبت عليه كفارة خلف النذر.

229

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو انما يتوجه إذا كان المنذور الحج و المشي غير مقيد أحدهما بالآخر، و المفهوم من نذر الحج ماشيا خلاف ذلك. انتهى. و هو جيد.

و يؤيده انه لو تم ما ذكره للزم جريانه في جميع النذور المقيدة بزمان أو مكان، كأن يصلي ركعتين في زمان مخصوص أو مكان مخصوص، فإنه تصح الصلاة على غير الوجه المذكور و ان لزمت الكفارة، و هو لا يقول به.

و لم أقف في هذه المسألة على نص يدل على أحكامها المذكورة، إلا ان ما نقلناه عنهم مطابق لمقتضى قواعد النذر مع أوفقيته بالاحتياط.

الثالثة [لو ركب ناذر الحج ماشيا بعض الطريق و مشى بعضه]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو ركب بعضا و مشى بعضا، فقيل: انه ان كان مشروطا بوقت معين وجب عليه القضاء و الكفارة، و إلا وجب عليه الاستئناف ماشيا.

اما الأول فلأنه أخل بالصفة المنذورة فيجب عليه القضاء لتحصيل تلك الصفة، و الكفارة لإخلاله بإيقاع تلك الصفة في الوقت المعين الواجب بالنذر.

و اما الثاني فلان الواجب عليه الحج ماشيا و لم يأت به فيبقى في عهدة التكليف.

و نقل عن الشيخ و جماعة انه تجب عليه الإعادة بأن يمشي ما ركب و يركب ما مشى، لان الواجب عليه قطع المسافة ماشيا و قد حصل مع التلفيق فيخرج عن العهدة. هكذا احتج له في المختلف، ثم أجاب عنه بالمنع من حصوله مع التلفيق، إذ لا يصدق عليه انه قد حج ماشيا.

قال في المدارك بعد نقل هذا الجواب: و هو جيد ان وقع الركوب بعد التلبس بالحج، إذ لا يصدق على من ركب في جزء من الطريق بعد التلبس بالحج انه حج ماشيا، و هذا بخلاف ما إذا وقع الركوب قبل التلبس بالحج مع

230

تعلق النذر بالمشي من البلد، لان الواجب قطع تلك المسافة في حال المشي و ان فعل في أوقات متعددة، و هو يحصل بالتلفيق، إلا ان يكون المقصود قطعها كذلك في عام الحج. انتهى.

أقول: قد عرفت ان المستفاد من الاخبار على وجه لا يكاد يعتريه الإنكار- كما عرفت و ستعرف ان شاء الله تعالى- ان المراد بنذر الحج ماشيا انما هو المشي من البلد قاصدا الى البيت منتهيا الى رمي الجمرة، فالمكلف لما أوجب على نفسه الحج ماشيا مدة طريقه و أيام حجه الى الوقت المذكور تعين عليه، و الإخلال بالمشي كلا أو بعضا موجب لعدم الإتيان بالفعل على الوجه المنذور، فيبقى في عهدة التكليف الى ان يأتي به كذلك قضاء ان كان النذر معينا و أداء ان كان مطلقا. هذا ما تقتضيه قواعد النذر، و المسألة خالية من النص على الخصوص فيجب الوقوف فيها على قواعد النذر المتفق عليها بينهم.

و بذلك يظهر ما في كلام العلامة في المختلف حيث قال- على اثر الكلام الذي قدمنا نقله عنه- ما لفظه: و يحتمل ان يقال بصحة الحج و ان كان الزمان معينا و تجب الكفارة، لأن المشي ليس جزء من الحج و لا صفة من صفاته، فان الحج مع المشي كالحج مع الركوب، فيكون قد امتثل نذر الحج و أخل بنذر المشي، فتجب الكفارة و يصح حجه. انتهى.

و هو راجع الى ما قدمنا نقله عن المعتبر، و قد عرفت انه انما يتم لو كان المنذور هنا شيئين: أحدهما الحج و الثاني المشي، و الظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب ان النذر انما تعلق بالحج مقيدا بالمشي، فالمنذور شيء واحد و عليه فلا يتم ما ذكره.

و بالجملة فإن الاحتياط في أمثال هذه المقامات الخالية من النصوص من ما يجب المحافظة عليه.

231

الرابعة [لو عجز ناذر الحج ماشيا عن المشي]

- لو عجز عن المشي فلا خلاف في جواز الركوب، لان الوجوب يسقط بالعجز، لإناطة التكليف بالوسع و رفع الحرج و المشقة في الدين (1).

و انما الخلاف في وجوب السياق و عدمه، فذهب الشيخ و جمع من الأصحاب إلى الوجوب.

و استدلوا على ذلك

بصحيحة الحلبي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله و عجز عن المشي؟ قال: فليركب و ليسق بدنة، فان ذلك يجزئ عنه إذا عرف الله منه الجهد».

و صحيحة ذريح المحاربي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حلف ليحجن ماشيا، فعجز عن ذلك فلم يطقه؟ قال: فليركب و ليسق الهدي».

و قال الشيخ المفيد (نور الله تعالى مرقده) في المقنعة: و إذا جعل الرجل على نفسه المشي إلى بيت الله فعجز عنه فليركب و لا شيء عليه. و هو ظاهر في عدم وجوب السياق.

و هو اختيار ابن الجنيد على ما نقل عنه، و ابن إدريس على ما ذكره في المختلف، و المحقق.

و استدلوا عليه بأصالة البراءة،

و صحيحة رفاعة بن موسى (4) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله؟ قال:

فليمش. قلت: فإنه تعب؟ قال: فإذا تعب ركب».

و رواية عنبسة بن مصعب (5) قال: «نذرت في ابن لي ان عافاه الله

____________

(1) ارجع الى الحدائق ج 1 ص 151 و 152.

(2) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(5) الوسائل الباب 8 من كتاب النذر و العهد.

232

أن أحج ماشيا، فمشيت حتى بلغت العقبة، فاشتكيت فركبت، ثم وجدت راحة فمشيت، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: اني أحب ان كنت موسرا ان تذبح بقرة. فقلت: معي نفقة و لو شئت ان أذبح لفعلت، و على دين؟ فقال: اني أحب ان كنت موسرا ان تذبح بقرة. فقلت:

أ شيء واجب افعله؟ قال: لا، من جعل لله شيئا فبلغ جهده فليس عليه شيء».

قال في المدارك بعد نقل ذلك: يتوجه عليه ان الرواية الاولى لا تنافي وجوب السياق، لان عدم ذكره لا يعارض ما دل على الوجوب، و الرواية الثانية ضعيفة السند لأن راويها واقفي ناووسي. ثم نقل عن ابن إدريس القول بأنه ان كان النذر مطلقا وجب على الناذر توقع المكنة من الصفة، و ان كان مقيدا بسنة معينة سقط الفرض لعجزه عنه. و هذا قول ثالث في المسألة.

و العلامة في المختلف نقل عن ابن إدريس موافقة الشيخ المفيد، ثم اختار فيه انه ان كان النذر معينا بسنة فعجز عن المشي ركب و لا شيء عليه، و ان كان مطلقا توقع المكنة.

و احتج على الأول بأنه عجز عن الصفة فسقط اعتبارها، للإجماع. الدال على سقوط ما عجز عنه الناذر من غير تفريط. ثم قال: (لا يقال): فيسقط الحج للعجز، كما نقل عن بعض علمائنا ذلك (لأنا نقول): العجز انما حصل عن الصفة لا عن أصل الحج، و النذر تعلق بأمرين، و لا يلزم من سقوط أحد الأمرين سقوط الآخر إذا افترقا في العلة.

أقول: فيه ما تقدم من ان المنذور إنما هو شيء واحد لا شيئان، فعلى هذا فالموافق للعجز هو سقوط الحج من أصله كما نقله في المدارك عن ابن إدريس و صرح به شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.

بقي الكلام في ان ما نقله في المدارك عن ابن إدريس غير موجود في

233

سرائره، و انما الموجود فيه ما قدمنا نقله عن المختلف من موافقة الشيخ المفيد و هذه عبارته في كتاب السرائر: و من نذر ان يحج ماشيا ثم عجز عنه فليركب و لا كفارة عليه و لا يلزمه شيء على الصحيح من المذهب. و هذا مذهب شيخنا المفيد في مقنعته. ثم نقل عبارة الشيخ في النهاية الدالة على وجوب سوق البدنة.

و ظاهره في المدارك انه اعتمد في هذا النقل على غيره، حيث قال بعد نقل ذلك عن ابن إدريس: و قال الشهيد في الشرح: و كأنه نظر الى ان الحج ماشيا مغاير له راكبا. و فيه نظر، لان الحج راكبا و ماشيا واحد و ان اختلفا بصفة واحدة، فإذا نذر الحج ماشيا استلزم نذر الحج المطلق و ان يكون ماشيا، فإذا تعذر أحد الجزئين لا يلزم سقوط الآخر. ثم قال (قدس سره): هذا كلامه (قدس سره) و هو غير جيد، لان المفهوم من نذر الحج ماشيا إيجاب الحج على الوجه المخصوص، بمعنى كون المشي شرطا في الحج، و ذلك لا يستلزم نذر مطلق الحج، كما ان من نذر صلاة في موضع معين لا يكون ناذرا لمطلق الصلاة. انتهى.

و هو جيد. إلا ان هذا الكلام ليس في المسالك ان أريد بالشهيد جده (قدس سره) و بالشرح المسالك، و لا في شرح الشهيد على الإرشاد ان أريد بالشهيد الشهيد الأول و بالشرح الكتاب المذكور. و لا اعرف لهذه العبارة محلا غير ذلك، و لا أدرى كيف هذا النقل و لا من اين حصل؟

و كيف كان فقد ظهر بما شرحناه ان في المسألة أقوالا أربعة: أحدها- وجوب الكفارة مطلقا. و ثانيها- سقوطها مطلقا. و ثالثها- هو التفصيل بكون النذر مطلقا فيتوقع المكنة، و ان كان معينا سقط الفرض. و رابعها- مثل سابقه في صورة الإطلاق، إلا انه يفارقه في صورة التعيين فيقول بوجوب الركوب و لا شيء عليه.

و قال في المدارك بعد نقل ما نقله عن ابن إدريس و كلام الشهيد و كلامه عليه حسبما قدمناه: و المعتمد ما ذهب اليه ابن إدريس ان كان العجز قبل التلبس

234

بالإحرام، و ان كان بعده اتجه القول بوجوب إكماله و سياق البدنة و سقوط الفرض بذلك، عملا بظاهر النصوص المتقدمة. و التفاتا إلى إطلاق الأمر بوجوب إكمال الحج و العمرة مع التلبس بهما، و استلزام إعادتهما المشقة الشديدة. انتهى.

أقول: و هذا قول خامس في المسألة.

ثم أقول: و من الأخبار التي وقفت عليها في هذه المسألة زيادة على ما تقدم

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن رجل جعل لله عليه مشيا الى بيت الله فلم يستطع؟ قال: يحج راكبا».

و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا عن نوادر احمد بن محمد ابن ابي نصر البزنطي عن عنبسة بن مصعب (2) قال: «قلت له- يعني أبا عبد الله (عليه السلام)- اشتكى ابن لي فجعلت لله علي ان هو بريء ان أخرج الى مكة ماشيا.

و خرجت امشي حتى انتهيت إلى العقبة فلم أستطع أن أخطو، فركبت تلك الليلة حتى إذا أصبحت مشيت حتى بلغت، فهل على شيء؟ قال: فقال لي: اذبح فهو أحب الي. قال: قلت له: أي شيء هو الي لازم أم ليس لي بلازم؟ قال:

من جعل لله على نفسه شيئا فبلغ فيه مجهوده فلا شيء عليه و كان الله أعذر لعبده».

و عن ابي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك (4) فقال: من جعل لله على نفسه شيئا فبلغ فيه مجهوده فلا شيء عليه».

و ما رواه احمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «سألته عن رجل جعل عليه مشيا الى بيت الله فلم يستطع؟ قال: يحج راكبا».

____________

(1) ارجع الى التعليقة 2 ص 225.

(2) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) اللفظ في السرائر و الوسائل هكذا: «سئل (عليه السلام) عن ذلك».

(5) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

235

و عن سماعة و حفص (1) قال: «سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نذر ان يمشي إلى بيت الله حافيا؟ قال: فليمش إذا تعب فليركب».

و عن محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) مثل ذلك.

و عن محمد بن مسلم (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل عليه المشي إلى بيت الله فلم يستطع؟ قال: فليحج راكبا».

و عن حريز عن من أخبره عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (4) قال: «إذا حلف الرجل ان لا يركب أو نذر ان لا يركب، فإذا بلغ مجهوده ركب. قال: و كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يحمل المشاة على بدنة».

و أنت خبير بان هذه الاخبار متى ضمت بعضها الى بعض فالذي يتضح منها هو ان العاجز في صورة نذر الحج ماشيا الذي هو- كما عرفت- عبارة عن وجوب المشي فيه من البلد الى رمي الجمرة، متى بلغ مجهوده فان الله (عز و جل) أعذر له، و لكن يستحب له السياق، و انه لا فرق في ذلك بين كون النذر مطلقا أو مقيدا، و لا كون الركوب قبل الحج و لا بعده.

و صاحب المدارك بنى في هذا الكلام على ما قدمه من ان النذر انما تعلق بالمشي حال الاشتغال بالحج. و هو غلط بالنظر الى ما سردناه من الاخبار أولا و آخرا، و لا سيما روايتا عنبسة بن مصعب، فإنهما صريحتان في كون النذر تعلق بالمشي من البلد و ان العجز حصل له في الطريق قبل الوصول إلى مكة. و بذلك يعلم قوة قول شيخنا المفيد و من اقتفاه، و يعلم الجواب عن أدلة الأقوال الأخر.

و يمكن حمل القول بالتفصيل بما تضمنه من القولين على ما إذا وقع العجز في البلد، فإنه ان كان نذره مطلقا توقع المكنة إلى العام القابل، و ان كان

____________

(1) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(2) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

(4) الوسائل الباب 34 من وجوب الحج و شرائطه.

236

معينا بتلك السنة سقط الفرض من أصله أو الصفة بخصوصها و وجب الحج راكبا على القولين. و الاخبار الواردة في المسألة غير منافية لذلك، لان ظاهر أكثرها و صريح بعضها هو ان العذر انما تجدد في الطريق، و بعضها و ان كان مطلقا يجب حمله على المقيد منها. إلا ان ظاهر القائلين بهذا القول ما هو أعم من ما ذكرنا حيث جعلوه مقابلا للقولين الآخرين.

المسألة الخامسة [هل يخرج حج النذر من الأصل أو من الثلث؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)- في ان من مات و عليه حجة الإسلام و اخرى منذورة قد استقرتا في ذمته، بعد الاتفاق على ان مخرج حجة الإسلام من أصل التركة- في ان مخرج حجة النذر هل هو من الأصل أيضا أو من الثلث؟ قولان، أولهما لابن إدريس و عليه أكثر المتأخرين و الثاني للشيخ في النهاية و المبسوط و التهذيب، و نقله في المختلف عن ابن الجنيد قال: و رواه الصدوق في كتابه (1).

أقول: بل الظاهر انه قائل بذلك، فإنه لم يقتصر على مجرد نقل الرواية بل قال أولا: باب الرجل (2) يموت و عليه حجة الإسلام و حجة في نذر عليه. ثم قال: روى الحسن بن محبوب عن على بن رئاب عن ضريس الكناسي.

و ساق الرواية (3) و هو ظاهر في الفتوى بمضمون الرواية. و ظاهر قوله: «و حجة في نذر عليه» ان الحجة الثانية منشأ سببها النذر، أعم من ان يكون نذر أن يحج بنفسه أو يحج غيره، و انه لا فرق بين الأمرين في وجوب القضاء من الثلث كما في الرواية.

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 263.

(2) في الفقيه هكذا: «باب من يموت.».

(3) الوسائل الباب 29 من وجوب الحج و شرائطه، و قد تقدمت ص 210.

237

احتج الأصحاب على ما ذهبوا اليه من وجوب القضاء من الأصل بأنها كحجة الإسلام من جملة الديون التي مخرجها من الأصل.

قال في المدارك: و هو انما يتم بعد قيام الدليل على وجوب قضائها من التركة. و لم نقف في ذلك على رواية سوى رواية ضريس التي أوردها المصنف، و قد بينا في ما سبق ان الحج ليس واجبا ماليا بل هو واجب بدني و ان توقف على المال مع الحاجة إليه كما تتوقف الصلاة عليه كذلك. ثم نقل احتجاج الشيخ برواية ضريس و أورد الرواية، ثم قال: و أجاب عنها في المختلف بالحمل على من نذر في مرض الموت. ثم رده بأنه يتوقف على وجود المعارض. ثم قال:

نعم يمكن المناقشة في هذا الاستدلال بان مورد الرواية خلاف محل النزاع، لان موردها من نذر ان يحج رجلا، اي يبذل له مالا يحج به. و هو خلاف نذر الحج.

و لعل ذلك هو السر في إيراد المصنف الرواية بعد حكاية القولين من دون ان يجعلها مستندا لأحدهما. انتهى.

أقول: قد تقدم البحث مستوفى في المسألة و أوضحنا ما في هذا الكلام، و انما أطلنا الكلام بنقله هنا لأنا قد وعدنا سابقا بنقله و أشرنا سابقا اليه.

ثم أقول: قال الفاضل المحقق محمد تقي المجلسي في شرحه على الفقيه- بعد نقل صحيحة ضريس- ما هذه ترجمته: المشهور بين العلماء ان كل واجب تعلق بالمال و تركه ذو المال حتى مات، فان ترك مالا قضى عنه من أصل ماله، و إلا فلا يجب على الولي قضاؤه، فقضاء الولي محمول على الاستحباب على المشهور.

و يمكن حمل إخراج المنذور من الثلث على انه بسبب اشتغال ذمته بحج واجب فلا يصح نذره لكن يستحب له الوفاء به لتلفظه بصيغة النذر، فلهذا يخرج من الثلث. و أجيب بأنه لا ينعقد النذر إلا مع رجحان متعلقة و أقله الاستحباب، و مع اشتغال الذمة بالواجب لا يجوز له ان يحج مستحبا فلا ينعقد نذره. انتهى.

238

أقول: فيه أولا- ان منع صحة النذر لاشتغال الذمة بالحج الواجب على إطلاقه ممنوع و انما يتم لو نذر الحج في عام الاستطاعة، و اما إذا كان النذر مطلقا فأي مانع؟ و قد تقدم تحقيق ذلك في المسألة الثالثة (1).

و ثانيا- انه متى لم يكن حج النذر واجبا عليه بالنذر، و انما هو مستحب من حيث التلفظ بالصيغة فكيف يسوغ إخراجه من غير الوصية؟ و الحال ان الواجب يتوقف على الوصية فكيف المستحب؟ على ان إثبات الاستحباب بمجرد التلفظ بالصيغة ممنوع، فان الاستحباب حكم شرعي لا بد له من الدليل.

و اما ما ذكره من الجواب فضعيف، لانه مبني على ان مجرد اشتغال الذمة موجب لبطلان النذر.

و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) هنا كلام عليل لا ثمرة له عند ذوي التحصيل. و الله العالم.

المقصد الثالث في حج النيابة و شرائطه

لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه يشترط في التائب شروط:

منها-

كمال العقل

فلا تجوز نيابة المجنون لانغمار عقله بالمرض المانع من النية و القصد. و لو كان ممن يعتريه الجنون أدوارا فلا مانع من نيابته إذا حصل الوثوق بتمكنه من العمل المستأجر عليه و إلا فلا. و مثله الصبي غير المميز.

و في المميز قولان، ظاهر الأكثر المنع.

____________

(1) ص 215.

239

و علله في المعتبر بان حج الصبي انما هو تمريني، و الحكم بصحته بالنسبة الى ما يراد من تمرينه لا لانه يقع مؤثرا في الثواب.

و هو غير جيد، لما قدمنا في كتاب الصوم من ان عبادة الصبي شرعية يستحق عليها الثواب لأنها مرادة للشارع.

نعم الوجه في المنع من نيابته أولا- انما هو عدم الدليل في المقام، لان العبادات بأي كيفية و على اي نحو موقوفة على التوقيف، و لم يرد في المقام نص بجواز نيابته.

و ثانيا- انه لعلمه برفع القلم عنه (1) و عدم مؤاخذته بما يصدر منه فلا يمكن الوثوق باخباره.

و قيل بالجواز، لانه قادر على الاستقلال بالحج. و هو ضعيف لما عرفت.

و نقل في المدارك عن بعض مشايخه المعاصرين- و لعله المولى المحقق الأردبيلي كما يشير اليه كثيرا بذلك- جواز نيابته مع الوثوق باخباره. ثم قال:

و ليس ببعيد من الصواب. انتهى. و فيه توقف.

و منها-

الإسلام

فلا تصح نيابة الكافر، لانه عاجز عن نية القربة التي هي شرط في صحة العمل المستأجر عليه.

قالوا: و كذا هذا الشرط في المنوب عنه، فليس للمسلم ان يحج عن الكافر لقوله (عز و جل) مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كٰانُوا أُولِي قُرْبىٰ (2) و لأنه في الآخرة مستحق للخزي و العقاب لا للأجر و الثواب، و هما من لوازم صحة الفعل.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من مقدمة العبادات، و سنن البيهقي ج 8 ص 264.

(2) سورة التوبة الآية 113.

240

و في اشتراط الايمان في النائب قولان، ظاهر أكثر المتأخرين- حيث حكموا بإسلام المخالفين- صحة نيابتهم فلا يشترط الايمان عندهم.

قال العلامة في التذكرة: أما المخالف فيجوز ان ينوب عن المؤمن و يجزئ عن المنوب إذا لم يخل بركن، لأنها تجزئ عنه و لا تجب عليه الإعادة لو استبصر، فدل ذلك على ان عبادته معتبرة في نظر الشرع يستحق بها الثواب إذا رجع الى الايمان إلا الزكاة، لأنه دفعها الى غير مستحقها. و يدل على ذلك ما رواه بريد بن معاوية العجلي (1). ثم ساق الرواية.

و قيل بالعدم، و هو الحق، و اليه مال في المدارك.

و قد تقدم تحقيق المسألة و دلالة جملة من الاخبار على بطلان عبادة المخالف و ان اتى بها على الوجه المشترط عند أهل الإيمان فضلا عن أهل نحلته، و ان سقوط القضاء عنه بعد الرجوع الى الايمان انما هو تفضل من الله (عز و جل) لا لصحة عبادته كما توهمه (قدس سره).

و منها-

خلو ذمته عن حج واجب عليه

بالأصالة أو بالنذر أو الاستئجار أو الإفساد، فلو وجب عليه الحج بسبب أحد هذه الأمور لم يجز له ان ينوب عن غيره إلا بعد أداء ما في ذمته. كذا صرح به العلامة في التذكرة، و مثله في غيرها.

و الأظهر ان يقال: انه إنما يجب خلو ذمة النائب من الحج الواجب إذا كان مخاطبا في ذلك العام على الفور و حصول التمكن منه، اما لو كان واجبا موسعا أو في عام بعد ذلك- كمن نذره كذلك أو استؤجر له- فإنه لا مانع من صحة نيابته قبله. و كذا لو وجب عليه في ذلك العام و عجز عنه و لو مشيا حيث لا يشترط فيه الاستطاعة، كالمستقر من حج الإسلام، فإنه يجوز له الاستنابة في ذلك

____________

(1) ص 159.

241

العام، لسقوط الوجوب فيه بالعجز و ان كان ثابتا في الذمة. و لكن ينبغي ان يراعى في جواز الاستنابة ضيق الوقت بحيث لا يحتمل تجدد الاستطاعة أو القدرة عادة. و بالجملة فإن المنافاة لا تحصل بمجرد الوجوب كيف اتفق كما هو مقتضى كلامهم، بل بالفورية في ذلك العام، فما لم يكن كذلك فإنه لا مانع يمنع الاستنابة.

و من الاخبار الواردة في المقام

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن سعد بن ابي خلف (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: نعم إذا لم يجد الصورة ما يحج به عن نفسه، فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحج من ماله. الحديث».

و ما رواه في الصحيح أو الحسن على المشهور عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل صرورة مات و لم يحج حجة الإسلام و له مال؟

قال: يحج عنه صرورة لا مال له».

و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن سعيد الأعرج (3): «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصرورة أ يحج عن الميت؟ فقال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به، فان كان له مال فليس له ذلك حيث يحج من ماله. الخبر».

و المراد بالصرورة هو من لم يحج بالمرة.

و هل العدالة شرط في صحة النيابة أم لا؟

ظاهر جملة من المتأخرين اعتبارها في الحج الواجب، لا من حيث الحكم ببطلان عبادة الفاسق، بل من حيث ان الإتيان بالحج انما يعلم بخبره، و الفاسق لا يقبل خبره، للآية (4) و الرواية (5).

____________

(1) الوسائل الباب 5 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 5 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 5 من النيابة في الحج.

(4) و هو قوله تعالى في سورة الحجرات، الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا».

(5) الظاهر ان المراد بها الروايات الواردة في رد شهادته، و قد أوردها في الوسائل في الباب 30 و 32 و 33 و 34 و 41 من كتاب الشهادات.

242

قال في المدارك و اكتفى بعض الأصحاب فيه بكونه ممن يظن صدقه و يحصل الوثوق باخباره و هو حسن. انتهى.

أقول: التحقيق هنا ان يقال: ان الناس على أقسام ثلاثة: ظاهر العدالة و ظاهر الفسق و مجهول الحال، اما الأول فلا ريب في جواز نيابته، و اما الثاني فالظاهر عدم جواز نيابته، لما ذكرناه من ان الحكم بالصحة مبني على خبره، و خبره غير مقبول، للآية (1) و الرواية (2) و اما الثالث فهذا هو الذي ينبغي ان يجعل محل الخلاف، و هذا هو الذي ينبغي ان يحمل عليه كلام بعض الأصحاب الذي نقله و استحسنه، من انه متى كان ممن يظن صدقه و يحصل الوثوق باخباره جازت نيابته.

أقول: و هذا هو الذي جرى عليه من شاهدناه و سمعناه من مشايخنا (رضوان الله عليهم) في الاستئجار للحج في جميع الأعصار و الأمصار.

و بما ذكرناه من التفصيل يظهر لك ما في كلام شيخنا الشهيد في الدروس حيث قال: العدالة شرط في الاستنابة عن الميت و ليست شرطا في صحة النيابة، فلو حج الفاسق عن غيره أجزأ. و في قبول اخباره بذلك تردد أظهره القبول، لظاهر حال المسلم، و من عموم قوله تعالى فَتَبَيَّنُوا (3).

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه- و نعم ما قال- و يتوجه عليه أولا- ان

____________

(1) و هو قوله تعالى في سورة الحجرات، الآية 6 «إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا».

(2) الظاهر ان المراد بها الروايات الواردة في رد شهادته، و قد أوردها في الوسائل في الباب 30 و 32 و 33 و 34 و 41 من كتاب الشهادات.

(3) سورة الحجرات، الآية 6.

243

ما استدل به على القبول من ظاهر حال المسلم لا يعارض الآية الشريفة المتضمنة لوجوب التثبت عند خبر الفاسق. و ثانيا- انه لا وجه للمنع من استنابة الفاسق إلا عدم قبول اخباره، فمتى حكم بقبول اخباره انتفى المانع من جواز الاستنابة.

و ذكر بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من جملة الشروط ايضا قدرة الأجير على العمل و فقهه في الحج. و اكتفى الشهيد في الدروس بحجه مع مرشد عدل.

و من شرائط النيابة في الواجب ايضا موت المنوب عنه أو عجزه كما سبق بيانه. اما الحج المستحب فلا يشترط فيه ذلك إجماعا بل تجوز النيابة عن الحي، و فيه فضل كثير.

قال شيخنا الشهيد في الدروس: و قد أحصي في عام واحد خمسمائة و خمسون رجلا يحجون عن علي بن يقطين صاحب الكاظم (عليه السلام) و أقلهم تسعمائة دينار و أكثرهم عشرة آلاف دينار.

تنبيهات

الأول [هل تجوز النيابة عن غير المؤمن؟]

- قد عرفت في ما تقدم الخلاف في اشتراط الايمان في النائب و ان الأصح ذلك. و كذا وقع الخلاف المذكور في المنوب عنه، و المنقول عن الشيخين و أتباعهما انه لا تجوز النيابة عن غير المؤمن.

قال في المعتبر: و ربما كان التفاتهم الى تكفير من خالف الحق، و لا تصح النيابة عن من اتصف بذلك. و نحن نقول: ليس كل مخالف للحق لا تصح منه العبادة و نطالبهم بالدليل عليه. و نقول: اتفقوا على انه لا يعيد عباداته التي فعلها مع استقامته سوى الزكاة. ثم قرب اختصاص المنع بالناصب خاصة.

أقول: لا يخفى ما في كلام هذا المحقق من الغفلة عن ملاحظة الأخبار الواردة في هذا الباب عن أهل العصمة (عليهم السلام) الدالة على بطلان عبادة

244

المخالفين، كما قدمنا جملة منها في المسألة الثالثة (1) من المسائل الملحقة بالشروط المتقدمة في المقصد الأول.

و اما ما ذكره- من انه ربما كان التفاتهم الى تكفير من خالف الحق- فالأمر كذلك، و هو الحق الظاهر من الاخبار على وجه لا يقبل الإنكار، إلا ممن لم يعط النظر حقه في تتبع الاخبار و الوقوف عليها من مظانها، كما أوضحنا ذلك- بحمد الله (سبحانه) و منه- في كتاب الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب على تفصيل أودعناه الكتاب المشار اليه.

و ما توهمه- من الاتفاق على انه لا يعيد عبادته التي فعلها في حال ضلاله متى دخل في الايمان، من ان ذلك انما هو لصحتها في نفس الأمر- غلط محض و توهم صرف، بل انما ذلك تفضل من الله (عز و جل) عليه، كما تفضل على الكافر المشرك بعد دخوله في الايمان بعدم وجوب إعادة شيء من عباداته.

نعم قد ذكر الشيخان (رضوان الله عليهما) و أتباعهما جواز النيابة عن الأب خاصة متى كان مخالفا،

لصحيحة وهب بن عبد ربه المروية في الكافي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ يحج الرجل عن الناصب؟ فقال: لا. قلت:

فكان ابي؟ قال: ان كان أباك فنعم».

و رواه

الصدوق مثله (3) إلا ان فيه:

«ان كان أباك فحج عنه».

و منع ابن إدريس من جواز النيابة عن الأب أيضا. و مال العلامة في المختلف الى جواز النيابة عن المخالف مطلقا قريبا كان أو بعيدا، و منع من النيابة عن الناصب مطلقا، قال: و نعني بالناصب من يظهر العداوة لأهل البيت (عليهم

____________

(1) ص 164.

(2) الوسائل الباب 20 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 20 من النيابة في الحج.

245

السلام) كالخوارج و من ماثلهم، أبا كان أو غير أب. و تقدم كلام المحقق الدال على ذلك، و نحوه ما قدمنا نقله عن التذكرة. و قال في الدروس: و الأقرب اختصاص المنع بالناصب، و يستثني الأب.

و قال العلامة في المختلف بعد اختياره القول الذي ذكرناه: لنا على الحكم الأول: ان المنوب ممن تصح منه العبادة مباشرة فتصح منه تسبيبا، لان الفعل من ما تدخله النيابة. و لأن عباداته تقع صحيحة، و لهذا لا تجب عليه إعادتها إلا الزكاة مع استقامته، فيصح الحج عنه. و اما الناصب فلأنه لما جحد ما علم ثبوته من الدين ضرورة حكم بكفره، فلا تصح النيابة عنه كما لم تصح مباشرته.

ثم قال: احتج الشيخ بان من خالف الحق كافر فلا تصح النيابة عنه. و بما رواه وهب بن عبد ربه في الصحيح. ثم ساق الرواية. و الجواب عن الأول بالمنع من الصغرى. و عن الرواية بالقول بالموجب، فان الناصب عندنا لا تجوز النيابة عنه. ثم قال: بقي هنا اشكال يرد علينا خاصة حيث سوغنا النيابة عن المخالف مطلقا و منعنا من النيابة عن الناصب مطلقا، فان هذه الرواية فصلت بين الأب و غيره، فنقول: المراد بالناصب ان كان هو المخالف مطلقا ثبت ما قاله الشيخ، و ان كان هو المعلن بالعداوة و الشنآن لم يبق فرق بين الأب و غيره.

و لو قيل بقول الشيخ كان قويا. انتهى.

أقول: إنما أطلنا بنقل كلامه (زيد في مقامه) ليظهروجه بما أبطلنا بهالمحقق. و بالجملة فإن كلامهم فيالمقام نفخ في غير ضرام و المستفاد الأخبار الواردة عن العترة الأطهار- علىلا يقبل الاستتار عنداطلع عليها و نظرها بعين التدبر و الاعتبار- ان المراد بالناصب حيثما أطلق انما هو المخالف العارف بالإمامة و المنكر لها، و ما ذكروه من هذا المعنى للناصب فهو مجرد اختراع منهم لا مستند له و لا دليل عليه، بل الأدلة واضحة في رده

246

و عدم الميل اليه. و من أراد تحقيق ما قلناه فليرجع الى كتابنا المشار اليه آنفا فإنه قد أحاط في هذه المسألة بأطراف الكلام و إبرام النقض و نقض الإبرام بما لم يسبق اليه سابق من علمائنا الاعلام. و الله الهادي لمن يشاء.

الثاني [من عليه حج الإسلام هل يتطوع أو يحج عن الغير؟]

- ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف- كما قدمنا التنبيه عليه- انه من وجب عليه حجة الإسلام فلا يجوز له ان يحج تطوعا و لا عن غيره.

و عللوا المنع من التطوع لمنافاته الواجب الفوري المقدور عليه بالتمكن من التطوع. و اما المنع من الحج عن الغير فيبني على التفصيل المتقدم.

و المقطوع به في كلامهم انه لو خالف و الحال هذه فإنه يحكم بفساد التطوع و الحج عن الغير.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهم: و هو انما يتم إذا ورد فيه نهى بالخصوص، أو قلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، و ربما ظهر

من صحيحة سعد بن ابي خلف (1) خلاف ذلك، فإنه قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل الصرورة يحج عن الميت؟ قال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه، فان كان له ما يحج به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحج من ماله. و هي تجزئ عن الميت ان كان للصرورة مال و ان لم يكن له مال».

و المسألة محل تردد. انتهى.

و قال بعد ذلك- في شرح قول المصنف: و كذا لا يصح حجه تطوعا، و لو تطوع قيل يجزئ عن حجة الإسلام، و هو تحكم- ما صورته: اما المنع من التطوع لمن في ذمته واجب فقد تقدم الكلام فيه. و لا يخفى ان الحكم بفساد التطوع انما يتم إذا ثبت تعلق النهي به نطقا أو التزاما، و القول بوقوع التطوع

____________

(1) الوسائل الباب 5 من النيابة في الحج.

247

عن حج الإسلام للشيخ في المبسوط. و هو مشكل، لان ما فعله قد قصد به خلاف حج الإسلام فكيف ينصرف اليه؟ و نقل عنه في الخلاف انه حكم بصحة التطوع و بقاء حج الإسلام في ذمته. و هو جيد ان لم يثبت تعلق النهي به المقتضى للفساد. انتهى.

و ظاهر كلامه (قدس سره)- كما ترى- في الموضعين صحة حج التطوع و حج النيابة لمن كان مخاطبا بحج الإسلام، حيث انه لم يرد عنده دليل يدل على النهي عن ذلك في حال وجوب حج الإسلام، و الأمر بالحج لا يقتضي النهي عن الأضداد الخاصة عنده، فيقع الحج على كل من الوجهين صحيحا و ان اثم، و ظاهر صحيحة ابن ابى خلف التي ذكرها موهم لما ذكره، حيث ان ظاهر سياق الخبر ان الصرورة لا يحج عن الميت إلا إذا لم يجد ما يحج به عن نفسه، فان وجد ما يحج به فليس يجزئ عنه إلا الحج من ماله. و حجه عن الميت لو فعل مجزئ عن الميت سواء كان له مال أو لم يكن له مال، و ان أثم باعتبار عدم الحج عن نفسه أولا. و ربما دل الخبر بالإشارة الى ان الصرورة لو لم يكن له مال فهي تجزئ عنه و عن الميت كما تقدم في الاخبار المذكورة في المسألة الثانية عشرة (1) من المسائل الملحقة بالشرط الثالث من شروط حج الإسلام.

و مثل هذه الصحيحة

ما رواه الصدوق في الفقيه عن سعيد الأعرج (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصرورة أ يحج عن الميت؟ فقال: نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به، فان كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله. و هو يجزئ عن الميت كان له مال أو لم يكن له مال».

____________

(1) ص 116.

(2) الوسائل الباب 5 من النيابة في الحج.

248

أقول: و الذي يقرب عندي ان ظاهر هذين الخبرين- سيما الثاني- هو النهي عن الحج نيابة حتى يحج عن نفسه، لقوله في رواية سعيد الأعرج- بعد تقييد الجواب عن جواز حج الصرورة عن الميت بما إذا لم يجد الصرورة ما يحج به الدال بمفهومه على عدم الجواز لو وجد ما يحج به: «فان كان له مال فليس له ذلك حتى يحج عن نفسه (1)» و هو تصريح بالمفهوم المتقدم، و صريح في عدم جواز النيابة حتى يحج حجة الإسلام من ماله. و نحو ذلك سياق صدر صحيحة سعد بن ابي خلف المتقدمة، و قوله فيها: «فليس يجزئ عنه حتى يحج من ماله» بمنزلة قوله في الرواية الثانية: «فليس له ذلك» و ان كانت العبارة الثانية واضح في الدلالة على ما ذكرناه، فكأنه أريد بمعنى «فليس يجزئ عنه» اي ليس يجوز له ذلك، و باب التجوز في الكلام واسع. و يعضد ذلك ما تقدم (2)

في صحيحة معاوية بن عمار: «يحج عنه صورة لا مال له».

و مثلها صحيحة أخرى له (3).

و بذلك يظهر ان ما ذكره في المدارك- من انه انما يتم ذلك لو ورد النهي نطقا أو التزاما عن النيابة في الصورة المذكورة- ليس في محله، فإن النهي ظاهر بالتقريب الذي ذكرناه و ليس النهي مخصوصا ب«لا و ليس» و نحوهما، بل قول الشارع: «لا يجوز» أصرح في الدلالة.

بقي الكلام في قوله (عليه السلام) في آخر رواية سعد بن ابي خلف: «و هي تجزئ عن الميت ان كان للصرورة مال و ان لم يكن له مال» و قوله في الثانية:

«و هو يجزئ عن الميت كان له مال أو لم يكن له مال» فإنه ربما أوهم تعلقه بأصل السؤال، بان يكون حاصل المعنى: انه لا تجوز له النيابة إذا كان له مال

____________

(1) اللفظ: «حتى يحج من ماله».

(2) ص 241.

(3) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

249

حتى يحج حجة الإسلام، لكن لو حج عن الميت أجزأ عن الميت و ان أثم بتركه الحج عن نفسه. و فيه انه متى كان صدر الحديث دالا على انه لا تجوز النيابة في الصورة المذكورة، فكيف يحكم بالجواز بعد ذلك؟ و هل هو إلا تناقض ظاهر و تدافع؟ إذ مقتضى عدم الجواز هو البطلان لو وقع لا الصحة.

و بعض مشايخنا المحدثين- بعد ذكر صحيحة سعد و الكلام فيها- أجاب عن قوله في هذه الزيادة في آخر الرواية بتأويلين: الأول- ان الضمير يرجع الى الجزء الأول من الحديث دفعا لنوهم الراوي أن نيابة الصرورة غير جائزة، و الضميرين المجرورين في آخر الحديث الى الميت، يعني سواء كان على الميت حج واجب أو لم يكن و حج عنه ندبا. الثاني- ان المراد دفع توهم من توهم انه إذا لم يكن على أحدهما حجة الإسلام فليس لهما ثواب حجة الإسلام، فدفع هذا التوهم بان كليهما مثابان ثواب حجة الإسلام، فإن استطاع النائب بعد و حج حجة الإسلام كتب الله له ثواب حجة الإسلام ثانيا. و ثواب الاولى تفضلى و الثانية استحقاقي، كما دل على مضمونه الأحاديث الصحيحة. انتهى. و لا يخفى ما فيه.

و الذي يقرب عندي ان هذه الجملة الأخيرة غير متعلقة بالكلام المتقدم لما عرفت من المناقضة، بل هي مبنية على مقدمة مطوية في البين مفهومة من سياق الكلام المتقدم، و هي انه لما منع في صدر الخبر جواز النيابة متى كان صرورة ذا مال جوز له النيابة بعد الحج من ماله سواء كان ذا مال أو لم يكن، فإنه لما قال في الرواية الثانية-: «فإن كان له مال فليس له ذلك حتى يحج من ماله» الدال على عدم جواز النيابة حتى يحج أولا من ماله- قال: «و هو يجزئ عن الميت» يعني متى حج من ماله سواء كان له مال يومئذ أو لم يكن، فإن الأجزاء حاصل على كلا الوجهين. و بعين ذلك نقول في صحيحة سعد. و لا ينافي ذلك التعبير بالصرورة فيها فإنه تجوز باعتبار ما كان عليه. و هذا التقدير في

250

مقام الجمع غير بعيد بل شائع في الأخبار، و ليس هو إلا من تقييد المطلق و تخصيص العام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.

الثالث [لزوم تعيين المنوب عنه قصدا]

- المقطوع به في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه لا بد من تعيين المنوب عنه قصدا في موضع يفتقر إلى النية، لتوقف حقيقة النيابة على ذلك و لا يجب التلفظ باللسان، لخروجه عن معنى النية و ان أعتقده الجهال نية.

و يدل على ذلك

ما رواه الصدوق في الصحيح عن البزنطي (1) قال: «سأل رجل أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن الرجل يحج عن الرجل، يسميه باسمه؟ قال: الله (عز و جل) لا تخفى عليه خافية».

و ما رواه الصدوق و الشيخ عن مثنى بن عبد السلام في القوى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في الرجل يحج عن الإنسان، يذكره في جميع المواطن كلها؟ قال:

ان شاء فعل و ان شاء لم يفعل، الله يعلم انه قد حج عنه، و لكن يذكره عند الأضحية إذا ذبحها».

و قد ورد ايضا ما يدل على استحباب ذكره في المواطن،

لما رواه الكليني و الشيخ عنه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «قلت له: ما الذي يجب على الذي يحج عن الرجل؟ قال: يسميه في المواطن و المواقف».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«سألته عن الرجل يقضي- عن أخيه أو عن أبيه أو رجل من الناس- الحج، هل

____________

(1) الوسائل الباب 16 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 16 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 16 من النيابة في الحج.

(4) الفقيه ج 2 ص 278، و فيه هكذا: «يقول عند إحرامه بعد ما يحرم» و في الوسائل الباب 16 من النيابة في الحج.

251

ينبغي له ان يتكلم بشيء؟ قال: نعم يقول بعد ما يحرم: اللهم ما أصابني في سفري هذا من نصب أو شدة أو بلاء أو شعث فأجرني فلانا فيه و أجرني في قضائي عنه».

و روى في الصحيح أو الحسن على المشهور عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قيل له: أ رأيت الذي يقضي عن أبيه أو امه أو أخيه أو غيرهم، أ يتكلم بشيء؟ قال: نعم يقول عند إحرامه: اللهم ما أصابني من نصب أو شعث أو شدة فأجر فلانا فيه و أجرني في قضائي عنه».

الرابع [هل تحج المرأة الصرورة عن غيرها؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) جواز حج المرأة عن الرجل و عن المرأة، صرورة كانت أو قد حجت. و نقل عن الشيخ في الاستبصار المنع من نيابة المرأة الصرورة عن الرجل. و في النهاية أطلق المنع من نيابة المرأة الصرورة، و هو ظاهر اختياره في التهذيب.

يدل على المشهور

ما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «تحج المرأة عن أختها و عن أخيها. و قال: تحج المرأة عن أبيها».

قال في الوافي بعد ان نقل الحديث بلفظ: «ابنها» بالنون بعد الباء عن الكافي و التهذيب: و نقل عن التهذيبين انه فيهما بالمثناة التحتانية بعد الباء.

و في الحسن عن معاوية بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الرجل يحج عن المرأة و المرأة تحج عن الرجل؟ قال: لا بأس».

____________

(1) الوسائل الباب 16 من النيابة في الحج. و الرواية للكليني في الكافي ج 4 ص 311.

(2) الوسائل الباب 8 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 8 من النيابة في الحج.

252

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن أبي أيوب (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة و قد حجت المرأة فقالت: ان صلح حججت انا عن أخي و كنت أنا أحق بها من غيري؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس ان تحج عن أخيها، و ان كان لها مال فلتحج من مالها فإنه أعظم لأجرها».

و ما رواه الصدوق عن بشير النبال (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

ان والدتي توفيت و لم تحج؟ قال: يحج عنها رجل أو امرأة. قال: قلت:

أيهما أحب إليك؟ قال: رجل أحب الي».

احتج الشيخ على ما نقلوه عنه

بما رواه زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول: يحج الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة و لا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة».

و ما رواه عن مصادف (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): أ تحج المرأة عن الرجل؟ قال: نعم إذا كانت فقيهة مسلمة و كانت قد حجت، رب امرأة خير من رجل».

و أجاب عنهما في المدارك أولا- بالطعن في السند. و ثانيا- بالحمل على الكراهة و استدل على ذلك

برواية سليمان بن جعفر (5) قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجت عن امرأة صرورة؟ قال: لا ينبغي».

قال: و لفظ «لا ينبغي» صريح في الكراهة. انتهى.

أقول: و رواية مصادف هذه

قد روى مثلها الكليني أيضا بسنده فيه

____________

(1) الوسائل الباب 8 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 8 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 9 من النيابة في الحج.

(4) الوسائل الباب 8 من النيابة في الحج.

(5) الوسائل الباب 9 من النيابة في الحج.

253

عن مصادف عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في المرأة تحج عن الرجل الصرورة؟

فقال: ان كانت قد حجت و كانت مسلمة فقيهة، فرب امرأة أفقه من رجل».

و من الاخبار المؤيدة لما ذكره الشيخ ايضا

ما رواه في التهذيب في الموثق عن عبيد بن زرارة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل الصرورة يوصي أن يحج عنه، هل تجزئ عنه امرأة؟ قال: لا، كيف تجزئ امرأة و شهادته شهادتان؟ قال: إنما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة و الرجل عن الرجل و قال:

لا بأس ان يحج الرجل عن المرأة».

أقول: و مرجع كلام الشيخ الى حمل إطلاق الاخبار المتقدمة على هذه الاخبار المتأخرة، و هو ان المرأة إنما تنوب عن غيرها إذا كانت قد حجت، سيما إذا كانت فقيهة عارفة. و لا يخفى انه هو الأوفق بقواعد الجمع بين الاخبار و لكن أصحاب هذا الاصطلاح المحدث- حيث انهم يطرحون الأخبار الضعيفة في المقام إذا لم تبد لهم الحاجة إليها- كان الأوفق باصطلاحهم ما ذكروه، و من يحكم بصحة الأخبار كلا فالوجه عنده ما ذهب اليه الشيخ، و لهذا ان ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي الميل الى ما ذكره الشيخ (قدس سره).

و اما قوله في المدارك-: و لفظ: «لا ينبغي» صريح في الكراهة- فهو مسلم بالنسبة إلى عرف الناس الآن، و اما استعمال هذا اللفظ في الاخبار بمعنى التحريم فأكثر من ان يحصى. و قد نبهنا في ما سبق على ان هذا اللفظ بالنسبة إلى وروده في الاخبار من الألفاظ المتشابهة، لوروده فيها بالمعنى العرفي تارة و بمعنى التحريم اخرى. و مثله لفظ: «ينبغي» في الوجوب أو بمعنى الاولى

____________

(1) الوسائل الباب 8 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 9 من النيابة في الحج.

254

و ظاهر موثقة عبيد بن زرارة هو استعمال لفظ: «ينبغي» فيها في الوجوب، فإنه منع أولا من اجزاء حج المرأة عن الرجل الصرورة، ثم قال: «إنما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة. الى آخره» فان ما تقدم قرينة على ذلك.

و كيف كان فما ذكره الشيخ هو الأوفق بالاحتياط، و لا سيما في باب الحج الذي قد عثرت فيه اقدام جملة من صرورة العلماء فضلا عن غيرهم، فالواجب تقييد نيابة المرأة بكونها قد حجت أولا، سيما مع كونها فقيهة عارفة. و الله العالم.

مسائل

[المسألة] الأولى [موت النائب]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان من استؤجر و مات في الطريق، فإن أحرم و دخل الحرم فقد أجزأت عن من حج عنه و استحق الأجرة كملا، و لو مات قبل ذلك و لو بعد الإحرام لم يجزئ عند الأكثر، قالوا: و يجب على الأجير إعادة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا و آئبا.

و هذا الكلام ينحل إلى المسألتين يجب تحقيق كل منهما على حدة:

[المسألة] الاولى- ان النائب إذا مات بعد الإحرام و دخول الحرم

فقد أجزأت حجته عن من حج عنه بلا خلاف.

و انما الخلاف في ما إذا مات بعد الإحرام و قبل دخول الحرم، فذهب الشيخ في الخلاف و ابن إدريس الى ان حكمه كالأول من غير فرق. و لم نقف لهم على دليل، كما تقدمت الإشارة الى ذلك في المسألة الأولى من المسائل الملحقة بالشروط (1).

و اما ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) فاحتج عليه في المدارك بالإجماع، و برواية بريد و رواية ضريس المتقدمتين (2) في المسألة المشار إليها. ثم قال:

____________

(1) ص 151.

(2) ص 149 و 150.

255

لا يقال: ان الروايتين مختصتان بمن حج عن نفسه فلا يتناولان حج النائب، لأنه إذا ثبت ذلك في حق الحاج ثبت في نائبه، لأن فعله كفعل المنوب عنه. انتهى.

و لا يخفى ما فيه من الوهن، و هل هو إلا مجرد مصادرة؟ مع انه لا يخرج عن القياس.

و يأتي على مقتضى كلامه هنا- من انه يجب ان يكون فعله كفعله- ان الحاج متى استطاع في بلده و وجب عليه الحج من بلده، فإذا مات يجب ان يحج عنه النائب من البلد لان فعله كفعله. و هو لا يقول به بل يوجب الاستئجار من الميقات.

و بالجملة فكلامه هنا في البطلان أوضح من ان يحتاج الى البيان. و الظاهر ان الحامل له على ذلك هو عدم وجود نص صحيح صريح في هذه المسألة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى، فالتجأ الى ما ذكره.

ثم قال بعد الكلام المتقدم: و يدل على حكم النائب صريحا الإجماع المنقول،

و ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجة فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل ان يحج؟ قال: ان مات في الطريق أو بمكة قبل ان يقضي مناسكه فإنه يجزئ عن الأول».

قال: و هي مخصوصة بما إذا حصل الموت بعد الإحرام و دخول الحرم لعدم ثبوت الاكتفاء بما دون ذلك. انتهى.

أقول: لا يخفى انه لا دليل في هذه المسألة سوى الإجماع، لأن الرواية (أولا) من قسم الموثق الذي عادته- كما عرفت- جعله في قسم الضعيف.

و (ثانيا) ما في دلالتها من عدم الوضوح في ما ادعاه، و لهذا أردفها بما ذكره من انها مخصوصة بما إذا حصل الموت بعد الإحرام و دخول الحرم. و هذا المعنى

____________

(1) الوسائل الباب 15 من النيابة في الحج. و اللفظ هكذا: «فيموت قبل ان يحج ثم اعطى الدراهم غيره؟ فقال».

256

انما استفيد هنا من الإجماع، إذ لا دليل من الاخبار غير هذه الرواية، لما عرفت من عدم دلالة صحيحتي بريد و ضريس المتقدمتين.

مع ان ما تضمنته هذه الرواية من الاكتفاء بالموت في الطريق مطلقا معتضد بجملة من الاخبار الواردة في هذا المضمار:

و منها-

ما رواه في الكافي عن الحسين بن عثمان عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل اعطى رجلا ما يحجه فحدث بالرجل حدث؟ فقال: ان كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الأول و إلا فلا».

و ما رواه في التهذيب عن ابن أبي حمزة و الحسين بن يحيى عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل اعطى رجلا مالا يحج عنه فمات؟

قال: ان مات في منزله قبل ان يخرج فلا يجزئ عنه، و ان مات في الطريق فقد أجزأ عنه».

و الشيخ (رحمه الله) قد حمل موثقة إسحاق بن عمار و رواية الحسين بن عثمان على من اصابه حدث بعد دخول الحرم. و هذا المعنى و ان أمكن في موثقة إسحاق بن عمار إلا انه بعيد في رواية الحسين المذكورة، و أبعد منه في الرواية التي بعدها، لمقابلة الموت في الطريق الموجب للاجزاء بالموت في المنزل الموجب لعدم الاجزاء.

و من روايات المسألة

ما رواه في التهذيب مرفوعا عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3): «في رجل حج عن آخر و مات في الطريق؟

____________

(1) الوسائل الباب 15 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 15 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 15 و 35 من النيابة في الحج.

257

قال: قد وقع اجره على الله، و لكن يوصي، فإن قدر على رجل يركب في رحله و يأكل زاده فعل».

أقول: و الذي يقرب عندي في الجمع بين هذه الأخبار هو انه متى مات الأجير بعد الإحرام و دخول الحرم فلا اشكال، و لو مات في الطريق قبل الإحرام فإن أمكن استعادة الأجرة وجب الاستئجار بها ثانيا، و الى ذلك تشير رواية عمار المذكورة، و ان لم يمكن فإنها تجزئ عن الميت، و عليه يحمل الاجزاء بالموت في الطريق في الأخبار المتقدمة.

و هذا الوجه الأخير و ان لم يوافق قواعد الأصحاب إلا انه مدلول جملة من الأخبار:

مثل

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل أخذ من رجل مالا و لم يحج عنه و مات و لم يخلف شيئا؟ قال: ان كان حج الأجير أخذت حجته و دفعت الى صاحب المال، و ان لم يكن حج كتب لصاحب المال ثواب الحج».

و رواه في الفقيه (2) مرسلا مقطوعا.

و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يأخذ الحجة من الرجل فيموت فلا يترك شيئا؟ فقال: أجزأت عن الميت، و ان كان له عند الله حجة أثبتت لصاحبه».

____________

(1) الوسائل الباب 23 من النيابة في الحج.

(2) ج 2 ص 144، و في الوافي باب (من يحج عن غيره فيخالف الشرط أو اجترح شيئا أو مات) و لم ينقله في الوسائل، و لعله لظهوره في كونه من كلام الصدوق (قدس سره).

(3) الوسائل الباب 23 من النيابة في الحج.

258

و روى في التهذيب (1) عن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام): «في رجل أخذ دراهم رجل ليحج عنه فأنفقها فلما حضر أوان الحج لم يقدر الرجل على شيء؟

قال: يحتال و يحج عن صاحبه كما ضمن. سئل: ان لم يقدر؟ قال: ان كانت له عند الله حجة أخذها منه فجعلها للذي أخذ منه الحجة».

و ظاهر إطلاق هذه الاخبار ان الحج فيها أعم من ان يكون حج الإسلام أو غيره، للميت مال بحيث يمكن الاستئجار عنه مرة أخرى أم لا.

و لعل الوجه فيه هو انه لما اوصى الميت بما في ذمته من الحج انتقل الخطاب إلى الوصي، و الوصي لما نفذ الوصية و استأجر فقد قضى ما عليه و بقي الخطاب على المستأجر، و حيث انه لا مال له سقط الاستئجار مرة أخرى.

بقي انه مع التفريط فان كان له حجة عند الله (تعالى) نقلها الى صاحب الدراهم و إلا تفضل الله (تعالى) عليه بكرمه و كتب له ثواب الحج بما بذله من ماله و النية تقوم مقام العمل.

و من ما يعضد ذلك

ما رواه في التهذيب- و في الفقيه مرسلا- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل أعطاه رجل مالا يحج عنه فحج عن نفسه؟ فقال: هي عن صاحب المال».

و رواه في الكافي عن محمد بن يحيى مرفوعا (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام). الحديث».

و لعل الوجه فيه ما عرفت في الأخبار الأولة من ان من أخذ مالا ليحج به

____________

(1) ج 5 ص 461، و في الوسائل الباب 23 من النيابة في الحج.

(2) التهذيب ج 5 ص 461، و في الوسائل الباب 22 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 22 من النيابة في الحج.

259

عن غيره و فرط فيه، فإنه متى كانت له عند الله حجة جعلها لصاحب المال، و هذا من جملة ذلك، فان هذا الحج الذي حج به عن نفسه و لم يكن له مال يحج به مرة أخرى عن المنوب عنه يكتبه الله (تعالى) لصاحب المال.

و لم أقف على من تعرض للكلام في هذه الاخبار من أصحابنا، بل ظاهرهم ردها لمخالفتها لمقتضى قواعدهم، و هو مشكل مع كثرتها و صراحتها، فالظاهر ان الوجه فيها هو ما ذكرناه.

قال السيد السند في المدارك: و متى مات الأجير قبل إكمال العمل المستأجر عليه أو ما يقوم مقامه بطلت الإجارة ان كان المطلوب عمل الأجير بنفسه- كما هو المتعارف في أجير الحج و الصلاة- و رجع الحال الى ما كان عليه، فان كانت الحجة عن ميت تعلق بماله و كلف بها وصيه أو الحاكم أو بعض ثقات المؤمنين، و ان كانت عن حي عاجز تعلق الوجوب به. و لو كانت الإجارة مطلقة بأن كان المطلوب تحصيل العمل المستأجر عليه بنفسه أو بغيره لم تبطل بالموت و وجب على وصيه ان يستأجر من ماله من يحج عن المستأجر من موضع الموت خاصة، إلا ان يكون بعد الإحرام فيجب من الميقات. انتهى.

أقول: و هو جيد على قواعدهم التي بنوا عليها، و لكن ظاهر الأخبار المتقدمة- كما عرفت- يدفعه، و اطراحها مع كثرتها و صراحتها- من غير معارض ظاهر سوى هذه القواعد التي بنوا عليها- مشكل. و هذا من قبيل ما قدمنا لك قريبا من انهم يبنون على أصول مسلمة بينهم و يردون الأخبار في مقابلتها، و الواجب هو العمل بالاخبار و تخصيص تلك القواعد بها لو ثبتت بالنصوص.

و سيأتي قريبا- ان شاء الله تعالى- ما يؤيد ذلك في مسألة من استؤجر على حج الافراد أو القران فعدل الى التمتع، أو استؤجر على طريق فعدل إلى أخرى فإن القول بصحة الفعل مع هذه المخالفة و ورود الاخبار بذلك دليل على ما ذكرناه

260

من ان الواجب هو العمل بالدليل لا بتلك القواعد.

و ما ذكره- من توجه الخطاب في الصورة المفروضة إلى الوصي و هو قد نفذ الوصية أولا- يحتاج الى دليل.

قولكم:- ان التنفيذ المبرئ للذمة مراعى بإتيان الأجير بالعمل فلو لم يأت به لم يخرج الوصي عن عهدة الخطاب.

قلنا: هذه الاخبار قد دلت على انه في هذه الصورة يكتب الله حجة الأجير ان حج سابقا لصاحب المال، و ان لم يكن له حج فان الله (عز و جل) بسعة فضله يكتب له ثواب الحج، و حينئذ فإذا دلت الاخبار على براءة ذمة الميت الأول- و ان ثواب الحج يكتب له و انه قد سقط الخطاب عنه- فلما ذا يجب تكليف الوصي بالاستئجار ثانيا؟

و بالجملة فإن كلامهم مبني اما على عدم الاطلاع على هذه الاخبار أو على طرحها، و الأول عذر ظاهر لهم، و الثاني مشكل لما عرفت.

و كيف كان فان تكليف الوصي و الورثة بعد تنفيذ ما اوصى به الميت يحتاج الى دليل، و ليس فليس.

المسألة الثانية [إذا مات قبل الإحرام و دخول الحرم]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن النائب إذا مات قبل الإحرام و دخول الحرم وجب ان يعاد من الأجرة ما قابل المتخلف من الطريق ذاهبا و عائدا. و قد صرح العلامة و غيره بان النائب إذا مات بعد الإحرام و دخول الحرم استحق جميع الأجرة، لأنه فعل ما أبرأ ذمة المنوب عنه فكان كما لو أكمل الحج.

قال في المدارك بعد نقل ذلك: و كلا الحكمين يحتاج الى التقييد، اما الثاني فلأنه إنما يتم إذا تعلق الاستئجار بالحج المبرئ للذمة، اما لو تعلق بالأفعال المخصوصة لم يتوجه استحقاقه لجميع الأجرة و ان كان ما اتى به مبرئا للذمة، لعدم

261

الإتيان بالفعل المستأجر عليه. و اما الأول فلأنه انما يستقيم إذا تعلق الاستئجار بمجموع الحج مع الذهاب و الإياب، و هو غير متعين، لأن الحج اسم للمناسك المخصوصة و الذهاب و العود خارجان عن حقيقته و ان كان الإتيان به متوقفا على الذهاب، لكن يجوز الاستئجار عليهما و على أحدهما لأنهما عملان محللان مقصودان. انتهى.

أقول: لا ريب ان المسألة هنا عارية عن النصوص و الأصحاب انما بنوا الكلام فيها على قواعد الإجارة، فلهذا استدرك عليهم السيد إطلاقهم في المسألتين المذكورتين بما ذكره، و قبله جده في المسالك. و هو حق بناء على القواعد المذكورة. إلا انك قد عرفت في ما تقدم انه ربما خرجت أحكام لبعض المسائل على خلاف ما تقتضيه تلك القواعد التي يبنون عليها. و لهذا قلنا ان الواجب في كل جزئي جزئي من الأحكام النظر الى الدليل الدال عليه فان وجد و إلا فالتوقف، و الأمر هنا كذلك.

إلا ان ما ذكره (قدس سره) من المناقشة الظاهر انه يمكن خدشه:

أما المناقشة الأولى (1) فإن ما ذكره و ان كان متجها بالنسبة إلى قواعد الإجارة إلا انهم انما عولوا في هذا الحكم على الإجماع و الاتفاق، و قد عرفت ان أصل المسألة لا دليل عليه من الأخبار و ليس إلا الإجماع. و حينئذ فيكون هذا الحكم مستثنى من تلك القواعد بالإجماع المذكور.

قال جده (قدس سره) في المسالك- بعد ان ذكر ان الطريق لا مدخل لها في الاستئجار للحج- ما صورته: و ان كان قد أحرم و دخل الحرم فمقتضى الأصل ان لا يستحق إلا بالنسبة، لكن وردت النصوص باجزاء الحج عن المنوب

____________

(1) و هو الاشكال على الإطلاق في الحكم الثاني.

262

و براءة ذمة الأجير، و اتفق الأصحاب على استحقاقه جميع الأجرة. فهذا الحكم ثبت على خلاف الأصل، فلا مجال للطعن فيه بعد الاتفاق عليه. انتهى.

و اما المناقشة الثانية (1) ففيها أولا- ان كلامه مبني على عدم مدخلية الطريق في الحج مطلقا، و قد عرفت من ما حققناه سابقا و الأخبار التي أوردنا ثمة خلاف ذلك.

و اما ثانيا- فان الظاهر ان الاستئجار على الحج من الآفاق يلاحظ فيه الطريق سواء أدخلها في الإجارة أم لا، لأنه من الظاهر البين لكل ذي عقل و روية انه لا يستأجر رجل من خراسان بأجرة الحج من الميقات و يتكلف الزاد و الراحلة و جميع أسباب الطريق من ماله في هذه المسافة، هذا لا يكون ابدا.

و مجرد كونه يصح الاستئجار من الميقات لا يمكن اعتباره هنا. و بالجملة فالأحكام إنما تبنى على الافراد المتكررة و المتكثرة لا الفروض النادرة.

و الأصحاب انما فرضوا المسألة كما ذكروه بناء على ما ذكرناه، إلا انه ينقدح عليهم الاشكال من وجه آخر، و هو انهم قد صرحوا بان الواجب في الاستئجار عن من مات مشغول الذمة بالحج انما هو من الميقات، و الحكم الشرعي فيه انما هو ذلك لما عرفت من كلامهم. و حينئذ لا يتجه هذا الكلام في الطريق إلا ان يكون الاستئجار وقع عليها مضافة الى الحج، و كلامهم أعم من ذلك.

قال في المدارك بعد الكلام المتقدم: و كيف كان فمتى اتى الأجير ببعض ما استؤجر عليه استحق من الأجرة بتلك النسبة إلى المجموع، و على هذا فان تعلق الاستئجار بالحج خاصة لم يستحق الأجير مع موته قبل الإحرام شيئا من الأجرة، لخروجه عن العمل المستأجر عليه و ان كان من مقدماته، لأن الأجرة انما

____________

(1) و هو الاشكال على الإطلاق في الحكم الأول.

263

توزع على اجزاء العمل المستأجر عليه لا على ما يتوقف عليه من الأفعال الخارجة عنه. و لو مات بعد الإحرام استحق بنسبة ما فعل إلى الجملة. و لو تعلق الاستئجار بقطع المسافة ذاهبا و عائدا و الحج وزعت الأجرة على الجميع و استحق الأجير مع الإتيان بالبعض بنسبة ما عمل. و لو استؤجر على قطع المسافة ذاهبا و الحج وزعت الأجرة عليهما خاصة. و ذلك كله واضح موافق للقواعد المقررة.

انتهى. و هو ملخص من ما ذكره جده (قدس سره) في المسالك.

و فيه انه لا ريب ان مقتضى قواعد الإجارة ذلك، إلا ان الكلام هنا انما هو في ما ادعوه من عدم مدخلية الطريق في الحج، بناء على ما ذكروه من ان الحج انما هو عبارة عن المناسك المخصوصة. إلى آخر ما عرفت من كلامهم، فان النصوص التي قدمناها تدل على مدخليتها، فالاستئجار و ان وقع على الحج خاصة إلا ان الطريق ملحوظة و مراعاة في الإجارة، و لهذا ان الأجير لا يقبل الإجارة إلا إذا بذل له من الأجرة ما يقوم بمؤنة طريقه ذاهبا و عائدا، و على هذا جرت الناس من زمن الأئمة (عليهم السلام) الى يومنا هذا، و حينئذ فلا بد ان يوزع للطريق بنسبة ما مضى منها مطلقا.

و من ما يعضد ما ذكرناه هنا رواية عمار المتقدم نقلها (1) من التهذيب في الرجل الذي حج عن آخر و مات في الطريق، حيث قال (عليه السلام): «فان قدر على رجل يركب في رحله و يأكل زاده فعل» فان ظاهر الخبر- كما ترى- ان الاستئجار وقع على الحج من البلد مع انهم يقولون ان الواجب انما هو من الميقات و ان ما مضى من مؤنة الطريق كان مستحقا للميت، فلم يأمر باستعادته منه بناء على ما يقولونه من انه لا يستحق على الطريق اجرة، و الحديث مطلق شامل

____________

(1) ص 256.

264

بإطلاقه لما لو كان الاستئجار واقعا على الحج مع الطريق أو الحج خاصة ثم ان كلامهم هنا مبني على ان الطريق مقدمة للحج و المقدمة خارجة عن ذي المقدمة، و ان الأجرة انما توزع على اجزاء العمل المستأجر عليه دون مقدماته التي يتوقف عليها.

و للمناقشة فيه مجال، فلم لا يجوز- باعتبار التوقف عليها و انه لا يمكن الإتيان بالفعل إلا بها- ان يجعل لها قسط من الأجرة؟ فنفيه يحتاج الى دليل، و مقتضى الاستئجار على عمل من الأعمال أن تكون الأجرة في مقابلة ما يأتي به المكلف من الأمور و الأفعال التي بها يحصل ذلك الشيء المستأجر عليه- دخلت في حقيقة ذلك اللفظ أو لم تدخل- إذا كان لا يمكن إلا بها.

و من ما يعضد ذلك دخول الطريق ذهابا و إيابا في الاستطاعة و انه لا يجب عليه الحج حتى يكون له ما يقوم بمؤنته ذهابا و إيابا زيادة على أفعال الحج، و ان كان الواجب عليه انما هو الحج الذي هو عبارة عن المناسك المخصوصة، إلا انه لما كان هذا الفعل لا يمكن الوصول اليه إلا بقطع هذه المسافة اعتبر ذلك في الاستطاعة و جعل لها جزء من المال بإزائها، فمجرد كونها مقدمة لا يمنع من ان يجعل لها جزء من الأجرة بحيث انه مع الموت يوزع عليها و على الحج. و الله العالم.

تنبيه [حكم الأجرة في صد الأجير عن الحج]

قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو صد الأجير استعيد من الأجرة ما قابل المتخلف ذاهبا و آئبا، و ربما ظهر من بعض العبارات كعبارة الشرائع انه لو كان الصد بعد الإحرام و دخول الحرم فإن الأجير يستحق جميع الأجرة كما في الموت، إلا ان السيد السند في المدارك و قبله جده في المسالك صرحا بعدم قائل بذلك.

265

قال في المدارك- بعد ان صرح بتوزيع الأجرة على ما اتى به من العمل المستأجر عليه و ما بقي- ما صورته: و لا فرق بين ان يقع الصد قبل الإحرام و دخول الحرم أو بعدهما أو بينهما و ان أشعرت العبارة بخلاف ذلك، لأن عدم الاستعادة مع الموت- لو وقع بعد الإحرام و دخول الحرم- انما ثبت بدليل من خارج فلا وجه لا لحاق غيره به.

و أطلق المحقق في النافع انه مع الصد قبل الإكمال يستعاد من الأجرة بنسبة المتخلف.

و كيف كان فالظاهر أن الاستعادة انما تثبت إذا كانت الإجارة لسنة معينة بأن تكون مقيدة بتلك السنة، اما المطلقة فإنها لا تنفسخ بالصد و يجب على الأجير الإتيان بالحج بعد ذلك.

قال في التذكرة: ان كانت الإجارة في الذمة وجب على الأجير الإتيان بها مرة ثانية، و لم يكن للمستأجر فسخ الإجارة، و كانت الأجرة بكمالها للأجير. و ان كانت معينة فله ان يرجع عليه بالمتخلف. و نسب إطلاق الرجوع بالمتخلف الى الشيخين، يعني من غير تفصيل بين الإجارة المعينة و المطلقة، فيرجع عليه مطلقا.

المسألة الثانية [لزوم الوفاء بالشرط في الحج النيابي]

- مقتضى القواعد المقررة عندهم في باب الإجارة انه متى استؤجر على عمل معين، أو شرط عليه في ذلك العمل شرط غير مخالف للكتاب و السنة، فإنه يجب عليه الإتيان بذلك الفعل المعين و لا يجوز له التجاوز الى غيره و الإتيان بذلك الشرط، و إلا للزم بطلان الإجارة في الموضعين.

و قد وقع الخلاف في هذه المسألة في باب الإجارة للحج في موضعين:

أحدهما- في جواز العدول الى التمتع لمن شرط عليه الافراد أو القران

، فهل يجوز له العدول في الصورة المذكورة، و يصح حجه، و يستحق الأجرة أم لا؟

و ينبغي ان يعلم أولا انه لا ريب أن أنواع الحج ثلاثة: تمتع و قران و افراد

266

و مقتضى قواعد الإجارة انه يعتبر في صحة الإجارة على الحج تعيين النوع الذي يريده المستأجر، لاختلاف الأنواع المذكورة في الكيفية و الأحكام، و ان الأجير متى عين له نوع من هذه الأنواع فلا يكون الآتي بغيره آتيا بما استؤجر عليه.

و ينبغي ان يعلم ايضا ان جواز العدول على القول به انما يكون في الموضع الذي يكون المستأجر مخيرا بين الأنواع الثلاثة، كالمتطوع، و ذي المنزلين المتساويين في الإقامة، و ناذر الحج مطلقا، لان التمتع لا يجزئ مع تعين الافراد فضلا عن ان يكون أفضل منه.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشيخ (رضوان الله عليه) في جملة من كتبه قد صرح بأنه لو استأجره للتمتع فقرن أو أفرد لم يجزئ عنه، و لو استأجره للإفراد فتمتع أجزأه. و في المبسوط: و لو استأجره للقران فتمتع أجزأه.

و قال ابن إدريس: هكذا رواية أصحابنا و فتياهم، و تحقيق ذلك ان من كان فرضه التمتع فحج عنه قارنا أو مفردا فإنه لا يجزئه، و من كان فرضه القران أو الافراد فحج عنه متمتعا فإنه لا يجزئه، إلا ان يكون المستنيب قد حج حجة الإسلام، فحينئذ يصح إطلاق القول و العمل بالرواية. و يدل على هذا التحرير قولهم: «لانه يعدل إلى الأفضل» فلو لم يكن المستنيب قد حج حجة الإسلام بحسب حاله و فرضه و تكليفه لما كان التمتع أفضل. الى آخره. و هو يرجع الى ما ذكرناه أولا، لكنه خص موضع جواز العدول بصورة الاستحباب، و قد عرفت انه يجزئ في الواجب على أحد الوجهين المتقدمين.

و ظاهر صاحب المدارك هنا تضعيف هذا القول و اختيار القول بعدم جواز العدول، قال: لأن الإجارة انما تعلقت بذلك المعين فلا يكون الآتي بغيره آتيا بما استؤجر عليه، سواء كان أفضل من ما استؤجر عليه أم لا، قال: و يؤيده

ما رواه الشيخ (قدس سره) في الحسن عن الحسن بن محبوب عن على- و الظاهر

267

انه ابن رئاب (1)- في رجل اعطى رجلا دراهم يحج بها عنه حجة مفردة؟

قال: ليس له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج، لا يخالف صاحب الدراهم».

ثم نقل رواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (2): «في رجل اعطى رجلا دراهم يحج عنه حجة مفردة، أ يجوز له ان يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم انما خالف الى الفضل».

قال: و هي ضعيفة السند باشتراك الراوي بين الثقة و الضعيف، و بمضمونها افتى الشيخ و جماعة. انتهى.

أقول: و العجب منه (قدس سره) مع تصلبه في هذا الاصطلاح المحدث زيادة على غيره من أرباب هذا الاصطلاح- كما لا يخفى على من راجع كلامه و عرف طريقته في الكتاب- كيف يغض النظر و يبني على المجازفة متى احتاج الى الرواية الضعيفة.

و لا يخفى على المتأمل بعين الإنصاف ان رواية أبي بصير في هذه المسألة أقوى و اثبت من رواية على بن رئاب:

أما أولا- فلان في طريق رواية علي الهيثم بن ابي مسروق النهدي، و المنقول عن النجاشي في وصفه انه قريب الأمر. و عن الكشي عن حمدويه انه قال:

لأبي مسروق ابن يقال له الهيثم، سمعت أصحابي يذكرونهما، كلاهما فاضلان. و هو قد طعن في مواضع من شرحه في رواية النهدي المذكور، و كتب في حواشيه على الخلاصة ما صورته: هذا مدح لا يعتد به حتى يدخله في الحسن.

و اما ثانيا- فلان الرواية مقطوعة غير مسندة الى امام. مع ما في علي

____________

(1) الوسائل الباب 12 من النيابة في الحج.

(2) التهذيب ج 5 ص 415 و 416، و الكافي ج 4 ص 307، و في الوسائل الباب 12 من النيابة في الحج.

268

المروي عنه هذا الحكم من تعدد الاحتمال و ان استظهر كونه ابن رئاب إلا انه غير متعين و لا متيقن، فكيف يعتمدها و يعدها في الحسن مع ما علم من تصلبه في هذا الاصطلاح؟ ما هذه إلا مجازفة ظاهرة.

و اما ثالثا- فإن رواية على هذه لم يروها إلا الشيخ في التهذيب، و رواية أبي بصير قد رواها المشايخ الثلاثة بأسانيدهم الصحيحة الى ابي بصير، و في رواية الصدوق: «انما خالفه الى الفضل و الخير» و هو في إحدى روايتي الشيخ ايضا.

و لا يخفى ان تكررها في الأصول من أقوى المرجحات لها. على ان عد حديث ابي بصير ب«يحيى بن القاسم» في الضعيف- كما هو المشهور بينهم- محل بحث ليس هذا محله، و المستفاد من تتبع الاخبار جلالة الرجل المذكور عند الأئمة (عليهم السلام) و لهذا ان الفاضل الخراساني يعد حديثه في الصحيح حيثما ذكره.

و بالجملة فإن الظاهر هو العمل برواية أبي بصير، و حمل خبر علي- على ما ذكره الشيخ بعد طعنه فيه أولا بالقطع- على ما إذا كان المعطى من سكان الحرم. و جوز في الاستبصار حمله على التخيير ايضا. و يرده قوله (عليه السلام): «ليس له» و مقتضى التعليل في الرواية المذكورة و قوله: «انما خالفه الى الفضل» اختصاص الحكم بما إذا كان المستأجر مخيرا بين الأنواع، كما قدمنا ذكره.

قال في المدارك: و متى جاز العدول استحق الأجير تمام الأجرة، و مع عدمه يقع الفعل عن المنوب عنه و لا يستحق الأجير شيئا. و قد صرح بذلك جماعة: منهم- المصنف في المعتبر فقال: و الذي يناسب مذهبنا ان المستأجر إذا لم يعلم منه التخيير و علم منه ارادة التعيين يكون الأجير متبرعا بفعل ذلك النوع و يكون للمنوب عنه بنية النائب و لا يستحق اجرا، كما لو عمل في ماله عملا بغير إذنه. اما في الحال التي يعلم ان قصد المستأجر تحصيل الأجر لا حجا معينا فإنه يستحق الأجر، لأنه معلوم من قصده فكان كالمنطوق. انتهى.

269

أقول: الاستدلال بكلام المحقق في المعتبر على ما ذكره لا يخلو من نظر، لان الظاهر من صدر العبارة ان استحقاق الأجرة و عدمه يدور مدار جواز العدول و عدمه، فعلى تقدير القول بالجواز- كما هو أحد القولين في المسألة- يستحق الأجير الأجرة كملا، و على تقدير القول الثاني و هو عدم الجواز- بناء على العمل برواية على و طرح رواية أبي بصير- فإنه لا يستحق شيئا لعدم الإتيان بما استؤجر عليه. و الظاهر من كلام المحقق في المعتبر هو حمل رواية أبي بصير على ما إذا علم ان قصد المستأجر انما هو تحصيل الأجر لا حجا معينا و تخصيص إطلاقها بهذا الفرد. و هذا أمر آخر غير محل الخلاف في المسألة الذي بنى عليه استحقاق الأجرة و عدمه. نعم ظاهر كلامه انه في صورة ما إذا علم من حال المستأجر التعيين و عدم التخيير، فان هذه الصورة تكون ملحقة بالقول بعدم جواز العدول في التبرع بالحج الذي أوقعه و عدم استحقاقه الأجرة.

و كيف كان فما ذكره في المعتبر من تخصيص الرواية المذكورة بالصورة التي ذكرها محل نظر بل الظاهر منها الإطلاق، بل هي بالدلالة على الفرد الذي ذكره أولا أشبه، فإنه لا يخفى ان الظاهر من تعيين حج الإفراد للنائب كما تضمنته الرواية هو ارادة التعيين لذلك الفرد و عدم التخيير، مع انه (عليه السلام) حكم بالاجزاء و علله بأنه انما خالفه الى ما فيه الفضل و زيادة الثواب له.

و الحمل على المعنى الثاني- و هو تخصيص الاجزاء بصورة ما إذا علم ان قصد المستأجر تحصيل الأجر لا حجا معينا- لا دليل عليه و لا اشارة اليه في الرواية المذكورة. و الظاهر ان الحامل لهم على حمل الرواية على ما ذكروه هو تطبيقها على قواعد الإجارة. و قد عرفت ما فيه. و الظاهر هو العمل بالخبر على إطلاقه.

و الله العالم.

و

ثانيهما- ما لو شرط عليه الحج على طريق مخصوص، فهل يجوز له المخالفة أم لا؟

أقوال: أحدها- جواز العدول مطلقا، و هو المنقول عن الشيخ و المفيد

270

في المقنعة، و هو ظاهر الصدوق في من لا يحضره الفقيه، و العلامة في الإرشاد و ثانيهما- انه لا يجوز له العدول مع تعلق الغرض بتلك الطريق المعينة. و هو اختيار المحقق في الشرائع، بل الظاهر انه المشهور بين المتأخرين. و ثالثها- انه لا يجوز العدول إلا مع العلم بانتفاء الغرض.

قال في المدارك بعد نقل القول الأول عن الشيخ في جملة من كتبه و المفيد في المقنعة: و الأصح ما ذهب اليه المصنف من عدم جواز العدول مع تعلق الغرض بذلك الطريق المعين، بل الأظهر عدم جواز العدول إلا مع العلم بانتفاء الغرض في ذلك الطريق و انه هو و غيره سواء عند المستأجر، و مع ذلك فالأولى وجوب الوفاء بالشرط مطلقا.

استدل الشيخ على ما ذهب اليه

بما رواه في الصحيح عن حريز بن عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اعطى رجلا حجة يحج عنه من الكوفة فحج عنه من البصرة؟ قال: لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تم حجه».

و روى الصدوق هذه الرواية في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن علي ابن رئاب عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2). الحديث و فيه: «لا بأس إذا قضى جميع مناسكه فقد تم حجه».

و الرواية- كما ترى- صحيحة ظاهرة بل صريحة في ما ادعاه، و لا معارض لها في الباب إلا مخالفة قواعد الإجارة، فلهذا اضطربوا في الجواب عنها.

قال في المدارك بعد نقلها دليلا للشيخ: و هي لا تدل صريحا على جواز المخالفة، لاحتمال ان يكون قوله: «من الكوفة» صفة ل«رجل» لا صلة

____________

(1) الوسائل الباب 11 من النيابة في الحج. و ليست في النسخ جملة «فقد تم حجه».

(2) الفقيه ج 2 ص 261، و في الوسائل الباب 11 من النيابة في الحج.

271

ل«يحج». و لا يخفى ما فيه من التعسف و البعد الذي لا يخفى على المنصف.

و قال في الذخيرة: و الرواية غير مصرحة بالدلالة على مدعاه، لجواز ان يكون قوله: «من الكوفة» متعلقا بقوله: «اعطى» لا بقوله:

«يحج عنه». و هو أشد تعسفا و بعدا. و بذلك اعترف قائله فقال على اثر كلامه المذكور: لكن الأظهر تعلقه به. ثم نقل احتمال صاحب المدارك و اعترف بأنه بعيد.

و قال المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى بعد نقله: ثم ان الحديث محمول على عدم تعلق غرض المعطي بخصوص الطريق و ان التعيين وقع عن مجرد اتفاق. و هو راجع الى ما ذكره المحقق من ما تقدم نقله عنه. ثم زاد احتمالا آخر و هو كون المدفوع اليه على وجه الرزق لا الإجارة.

أقول: حمل الرواية على الوجه الأول الذي ذكره في المنتقى غير بعيد، و به تنطبق على قواعد الإجارة و العمل بها على ظاهرها كما هو ظاهر المشايخ المتقدم ذكرهم. و استثناء هذا الحكم من قواعد الإجارة أيضا ممكن لا بعد فيه و قال في المدارك: و قد قطع المصنف و غيره بصحة الحج مع المخالفة و ان تعلق الغرض بالطريق المعين، لانه بعض العمل المستأجر عليه و قد امتثل بفعله.

و يشكل بأن المستأجر عليه الحج المخصوص و هو الواقع عقيب قطع المسافة المعينة و لم يحصل الإتيان به. نعم لو تعلق الاستئجار بمجموع الأمرين من غير ارتباط لأحدهما بالآخر اتجه ما ذكروه. انتهى.

المسألة الثالثة [هل يجوز لمن استؤجر لحجة أن يؤجر نفسه لأخرى؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه إذا استؤجر لحجة لم يجز له ان يؤجر نفسه لأخرى حتى يأتي بالأولى.

و فصل آخرون بأنه إذا استؤجر الأجير للحج عن غيره فاما ان يعين له السنة أم لا، فمع التعيين لا يصح له ان يؤجر نفسه للحج عن آخر في تلك

272

السنة قطعا، لاستحقاق الأول منافعه في تلك السنة لأجل الحج فلا يجوز صرفها الى غيره. و يجوز ان يستأجر لسنة اخرى غيرها، لعدم المنافاة بين الاجارتين لكن يعتبر في صحة الإجارة الثانية إذا تعلقت بسنة متأخرة عن السنة الأولى كون الحج غير واجب فوري أو تعذر التعجيل.

و الذي وقفت عليه من ما يدل على ذلك

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (1) قال: «أمرت رجلا يسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يأخذ من رجل حجة فلا تكفيه، إله أن يأخذ من رجل اخرى و يتسع بها و تجزئ عنهما جميعا، أو يتركهما جميعا ان لم تكفه إحداهما؟ فذكر انه قال: أحب الي ان تكون خالصة لواحد فان كانت لا تكفيه فلا يأخذها».

و ان كانت الإجارة الأولى مطلقة فقد أطلق جمع: منهم- الشيخ (قدس سره) المنع من استئجاره ثانيا، بل الظاهر انه هو المشهور بناء على القول باقتضاء الإطلاق التعجيل.

قال في المدارك: و ان كانت الإجارة الأولى مطلقة فقد أطلق الشيخ المنع من استئجاره ثانيا، و احتمل المصنف الجواز ان كان الاستئجار لسنة غير الاولى.

و هو حسن، بل يحتمل قويا جواز الاستئجار للسنة الأولى إذا كانت الإجارة الأولى موسعة، اما مع تنصيص المؤجر على ذلك أو على القول بعدم اقتضاء الإطلاق التعجيل. و نقل عن شيخنا الشهيد (قدس سره) في بعض تحقيقاته أنه

____________

(1) الكافي ج 4 ص 309، و الفقيه ج 2 ص 271 و 272، و في الوسائل الباب 19 من النيابة في الحج. و المصدران يختلفان في اللفظ بعض الاختلاف و في الكافي «أو يشركهما» بدل «أو يتركهما».

273

حكم باقتضاء الإطلاق في كل الإجارات التعجيل، فتجب المبادرة بالعمل بحسب الإمكان. و مستنده غير واضح. نعم لو كان المستأجر عليه حج الإسلام أو صرح المستأجر بإرادة الفورية و وقعت الإجارة على هذا الوجه اتجه ما ذكره. انتهى.

أقول: نسبة إطلاق المنع الى الشيخ وحده مع ان ظاهر الأصحاب ذلك لا يخلو من نظر.

قال العلامة في المنتهى- بعد ان نقل عن الشيخ انه إذا أخذ الأجير حجة عن غيره لم يكن له ان يأخذ حجة أخرى حتى يقضي التي أخذها- ما هذا لفظه:

و نحن نقول: ان استأجره الأول لسنة معينة لم يكن له ان يؤجر نفسه لغيره تلك السنة بعينها، و ان استأجره الأول مطلقا، فإن استأجره الثاني للسنة الأولى ففي صحة الإجارة نظر أقربه عدم الجواز، لانه و ان كانت الإجارة الأولى غير معينة بزمان لكن يجب إتيانها في السنة الاولى، فلا يجوز حينئذ صرف العمل فيها الى غيره، و ان استأجره للثانية أو مطلقا جاز. انتهى. و هو ظاهر في اختياره اقتضاء الإطلاق التعجيل.

و قال في الإرشاد في هذا البحث: و الإطلاق يقتضي التعجيل. و في الشرائع في هذا المقام أيضا: فإن أطلق الإجارة اقتضى التعجيل ما لم يشترط الأجل. و على هذا النحو عبارات جملة منهم، و اليه يشير قول المحقق هنا:

«ان كان الاستئجار لسنة غير الأولى» فإنه مثل عبارة المنتهى المذكورة.

و العجب من السيد السند انه استحسن ذلك مع ان آخر كلامه ينادي بأنه يتم ذلك في حجة الإسلام من حيث اشتراط الفورية فيها أو صرح المستأجر بإرادة الفورية و إلا فلا.

و أنت خبير بان ما بنوا عليه المسألة هنا من اقتضاء الإطلاق للتعجيل غير واضح المستند.

274

و قد احتج المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد على صحة هذه الدعوى بان الحج فوري، و ان مطلق الإجارة يقتضي اتصال زمان مدة يستأجر له بزمان العقد، و هذا يقتضي عدم التأخير عن العام الأول. ثم قال: و لعله لا خلاف فيه، انتهى.

و لا يخفى عليك ان دليله الأول مدخول بمنع فورية الحج بجميع أفراده إذ المندوب و المنذور مطلقا لا فورية فيهما. و مع تسليم ذلك فان الاستئجار هنا عن حج الإسلام، و الأخبار الدالة على الفورية انما دلت بالنسبة الى من وجب عليه الحج- فإنه تجب عليه المبادرة به و لا يجوز له التأخير- لا بالنسبة إلى نائبه، و فوريتها على الأول لا تستلزم الفورية على الثاني كما لا يخفى. و دليله الثاني مجرد مصادرة على المطلوب. و دعوى ذلك في مطلق الإجارة لم يقم عليه برهان كما ذكره السيد السند (قدس سره) و قد رد بذلك القول المنقول عن الشهيد، و مثله جده في المسالك. و حينئذ فلم يبق إلا ما يشير اليه آخر كلامه من دعوى الإجماع، و الاعتماد عليه في أمثال هذه المقامات لا يخلو عن مجازفة.

و قال الشهيد في الدروس: و لو أطلق اقتضى التعجيل، فلو خالف الأجير فلا اجرة له، و لو أهمل لعذر فلكل منهما الفسخ في المطلقة في وجه قوي، و لو كان لا لعذر تخير المستأجر خاصة.

و ظاهر هذا الكلام لا يخلو من تدافع، لان ظاهر صدر الكلام انه على تقدير اقتضاء الإطلاق التعجيل، فلو أخر الأجير عن السنة الأولى الى الثانية اختيارا ثم حج في الثانية، فإنه و ان صح حجه و أجزأ عن المنوب- كما صرح به الأصحاب- و اثم بالتأخير فإنه لا يستحق اجرة، مع ان آخر كلامه- باعتبار حكمه بأن الأجير المطلق لو أهمل لغير عذر تخير المستأجر بين الفسخ و الإمضاء- دال على انه يستحق الأجرة في الصورة المذكورة، حيث ان المستأجر رضي بالتأخير و لم يفسخ

275

و بالجملة فإن الظاهر تفريعا على القول المذكور هو صحة حج الأجير و اجزائه عن المنوب و استحقاقه الأجرة و ان اثم بالتأخير، كما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و جنح اليه سبطه السيد السند في المدارك.

و لو انعكس الفرض بان قدم الحج عن السنة المعينة فإشكال ينشأ، من انه زاد خيرا و لم يخالف إلا الى الفضل كما تقدم في رواية أبي بصير (1) و من مخالفة الشرط و إمكان تعلق الغرض بالتأخير، فان مراتب الأغراض لا تنحصر. و قرب في التذكرة الإجزاء مطلقا. و ظاهر المسالك و المدارك اختيار الصحة مع العلم بانتفاء الغرض في التعيين. و المسألة محل توقف لعدم النص.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه لو استأجره اثنان لإيقاع الحج في عام واحد صح السابق منهما دون الآخر، لاستحقاق الأول منافعه في تلك السنة للحج كما قدمنا بيانه. و ان لم يتحقق سابق بان اقترنا في عقد واحد و اشتبه السابق بطلا معا، لامتناع وقوعها عنهما، لأن الحجة الواحدة لا تكون عن اثنين، و لا عن أحدهما لامتناع الترجيح من غير مرجح. هذا في الحج الواجب.

اما المندوب فقد دلت الاخبار على انه يجوز الاشتراك فيه، و إذا جاز ذلك جازت الاستنابة فيه على هذا الوجه. كذا ذكره جمع من الأصحاب. و الأظهر تخصيص جواز الاستنابة في المستحب على وجه التشريك بما إذا أريد إيقاع الفعل عنهما معا ليشتركا في ثوابه، اما لو أريد من النيابة فعل الحج عن كل واحد منهما فهو كالحج الواجب، كما نبه عليه في المسالك.

و من الاخبار الدالة على جواز التشريك في الحج المستحب

صحيحة معاوية ابن عمار أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: أشرك أبوي في حجتي؟

____________

(1) ص 267.

(2) الوسائل الباب 28 من النيابة في الحج.

276

قال: نعم. قلت: أشرك اخوتي في حجتي؟ قال: نعم ان الله (عز و جل) جاعل لك حجا و لهم حجا، و لك أجر لصلتك إياهم».

و عن هشام بن الحكم بإسنادين. أحدهما- صحيح أو حسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في الرجل يشرك أباه و أخاه و قرابته في حجة؟ فقال:

إذا يكتب لك حج مثل حجهم و تزداد اجرا بما وصلت».

و في صحيحة محمد بن إسماعيل عن ابي الحسن (عليه السلام) (2): «كم أشرك في حجتي؟ قال: كم شئت».

و في رواية محمد بن الحسن عن ابي الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لو أشركت ألفا في حجتك لكان لكل واحد حجة من غير ان تنقص حجتك شيئا».

الى غير ذلك من الاخبار.

و قد يتفق ذلك في الواجب ايضا، كما إذا نذر جماعة الاستنابة بالاشتراك في حج يستنيبوا فيه كذلك. و الله العالم.

فائدة [الحديث الظاهر في جواز التشريك في الحج الواجب]

روى الصدوق (عطر الله تعالى مرقده) في الفقيه في الصحيح عن البزنطي عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل أخذ حجة من رجل فقطع عليه الطريق، فأعطاه رجل حجة أخرى، أ يجوز له ذلك؟ فقال: جائز له ذلك محسوب للأول و الآخر، و ما كان يسعه غير الذي فعل إذا وجد من يعطيه الحجة».

قال المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى بعد ذكر الخبر: قلت: هذا الخبر لا يلائم مضمونه ما هو المعروف بين الأصحاب في طريق إخراج الحجة، و هو

____________

(1) الوسائل الباب 28 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 28 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 28 من النيابة في الحج.

(4) الوسائل الباب 19 من النيابة في الحج.

277

دفعها الى من يحج على وجه الاستئجار، و انما يناسب القول بان الدفع يكون على سبيل الرزق، و ليس بمعروف عندنا و انما يحكى عن بعض العامة (1) و أخبارنا خالية من بيان كيفية الدفع رأسا على حسب ما وصل إلينا منها و بلغه تتبعنا. و الظاهر انه لا مانع من الدفع على وجه الرزق، و انما الكلام في صحة وقوعه بطريق الإجارة، لما يتراءى من منافرته للإخلاص في العمل باعتبار لزوم القيام به في مقابلة العوض و كونه مستحقا به، كما هو مقتضى عقد المعاوضة، بخلاف الرزق فإنه بذل أو تمليك مراعى بحصول العمل، و العامل فيه لا يخرج عن التخيير بين القيام به فيسقط عنه الحق للزوم وفاء الدافع بالشرط و بين تركه فيرد المدفوع أو عوضه. و لعل الإجماع منعقد بين الأصحاب على قضية الإجارة فلا يلتفت الى ما ينافيه. و إذا كان الدفع على غير وجه الإجارة سائغا أمكن تنزيل هذا الحديث عليه مع زيادة كون الحجتين تطوعا. و انما جاز أخذ الثانية و الحال هذه لفوات التمكن من الاولى و عدم تعلق الحج بالذمة على وجه يمنع من غيره كما يفرض في صورة الاستئجار. و معنى كونه محسوبا لهما حصول الثواب لكل منهما بما بذلك و نوى. و يستفاد من هذا انه لا يكلف برد شيء على الأول. و الوجه فيه ظاهر، فان ما يدفع على سبيل الرزق غير مضمون على الآخذ إلا مع تعدي شرط الدافع و لم يحصل في الفرض الذي ذكر. و ينبغي ان يعلم انه ليس المراد بقطع الطريق في الحديث منعه من الحج و انما المراد أخذ قطاع الطريق ما معه بحيث تعذر عليه الوصول الى الحج. انتهى.

أقول: لما كان هذا الخبر بحسب ظاهره يدل على جواز نيابة واحد عن شخصين في عام واحد- و قد عرفت في صدر المسألة امتناعه للصحيحة المتقدمة

____________

(1) المغني ج 3 ص 207.

278

المؤيدة بقواعد الإجارة المتفق عليها نصا و فتوى- فلا مندوحة عن سلوك جادة التأويل فيه، و هو حمل الحجتين على الاستحباب، و ان احدى الحجتين لا على وجه الإجارة سواء كانت الأولى أو الثانية، فإن هذا المعطي لا على وجه الإجارة يكتب له ثواب الحج بنيته و إعانته.

و احتمل بعض مشايخنا في الخبر وجوها أخر: منها- ان المعطي الأول انما أعطاه مالا ليحج به عن نفسه لا عن المعطي، و لما ذهب ذلك من يده جاز له ان يستأجر.

و فيه بعد. و منها- انه على تقدير وجوب الحج على المعطيين كليهما و فرض استنابتهما إياه فينبغي حمل الاستئجار الثاني على الحج في سنة أخرى بعدها، و ان الغرض من الاستئجار الثاني التوصل الى قطع الطريق بالمال الثاني ليحج عنهما في سنتين. و الظاهر ايضا بعده، لان ظاهر الخبران تلك الحجة الأولى مجزئة عنهما معا

المسألة الرابعة [حج الودعي عن صاحب الوديعة]

- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو كان عند أحد وديعة لشخص و مات صاحب الوديعة و عليه حجة الإسلام، و علم ان الورثة لا يؤدون، جاز ان يقتطع اجرة الحج فيستأجر به من يحج عنه، لانه خارج عن ملك الورثة.

و السند في ذلك

ما رواه الصدوق و الشيخ (طاب ثراهما) في الصحيح عن بريد العجلي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل استودعني مالا فهلك و ليس لولده شيء و لم يحج حجة الإسلام؟ قال: حج عنه و ما فضل فأعطهم».

و إطلاق الرواية المذكورة يقتضي عدم الفرق بين ان يكون المستودع عالما بعدم أداء الورثة أم لا، متمكنا من الحاكم أيضا أم لا.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من النيابة في الحج. و رواه في الكافي ج 4 ص 306 في الصحيح ايضا.

279

و قد صرح جملة من الأصحاب: منهم- المحقق و العلامة و غيرهما بتقييد جواز الإخراج بعلم المستودع ان الورثة لا يؤدون و إلا وجب استئذانهم، نظرا الى تخيير الورثة في جهات القضاء، لان مقدار اجرة الحج و ان كان خارجا عن ملك الوارث إلا انه مخير في جهات القضاء، و له الحج بنفسه و الاستقلال بالتركة، و الاستئجار بدون اجرة المثل، فيقتصر في منعه من التركة على موضع الوفاق. و أنت خبير بأنه ليس تخصيص الخبر بهذه الأمور المتفق عليها بينهم اولى من تخصيصها به.

و اعتبر في التذكرة مع ذلك من الضرر فلو خاف على نفسه أو ماله لم يجز له ذلك. و هو ظاهر، فان الضرورات تبيح المحظورات.

و اعتبر ايضا عدم التمكن من الحاكم و إثبات الحق عنده و إلا وجب الاستئذان. و هو تقييد للنص بغير دليل.

و حكى الشهيد في اللمعة قولا باعتبار اذن الحاكم مطلقا و استبعده. و علل الشارح وجه البعد بإطلاق النص الوارد بذلك و إفضائه إلى مخالفته حيث يتعذر.

و وجهه ان الأمر في الرواية و ان كان انما وقع لبريد بذلك إلا ان خصوصية السائل غير ملحوظة في الأحكام، فكأنه (عليه السلام) قال: «فليحج عنه من بيده الوديعة» و حينئذ فيكون الخبر مطلقا شاملا لكل من بيده وديعة على الوجه المذكور، تمكن من استئذان الحاكم أم لا. مع ما يلزم زيادة على ذلك من انه لو لم يمكنه إثبات الحق عند الحاكم لزم سقوطه بناء على هذا الشرط و الرواية دالة على وجوب الإخراج.

و اما ما أورده السيد السند في المدارك على جده هنا- حيث نقل عن جده في تعليل البعد الذي ذكره في اللمعة انه قال: وجه البعد إطلاق النص الوارد بذلك. ثم رده بأنه غير جيد، فإن الرواية إنما تضمنت أمر الصادق

280

(عليه السلام) لبريد بالحج عن من له عنده الوديعة، و هو اذن و زيادة- ففيه ان الظاهر من الخبر المذكور بل و سائر الأخبار الواردة في الأحكام انما هو افادة قانون كلي و حكم عام، و هو هنا بيان حكم حج الودعي مطلقا- بريد أو غيره- بالقيود التي تضمنها الخبر، و لو خصت الجوابات الخارجة عنهم (عليهم السلام) بأشخاص السائلين لم يمكن ان يستنبط من اخبارهم حكم عام إلا نادرا.

و بذلك يظهر كون النص مطلقا- و يكون المراد منه ان كل من بيده وديعة لغيره و علم بالحج في ذمته فإنه يحج عنه- لا خاصا بناء على ما توهمه من خصوصية أمر الصادق (عليه السلام) لبريد هنا، فإنها غير ملحوظة و لا مرادة، لما عرفت.

ثم قال في المدارك بعد الكلام السابق، و لا ريب ان استئذان الحاكم مع إمكانه أولى.

أقول: لا ريب في الأولوية بناء على ما ذكره، و اما على ما ذكرناه- من إطلاق الخبر و ان محصل معناه ما أشرنا إليه- فلا اعرف لهذه الأولوية وجها، أمكن إثبات الحق عنده أو لم يمكن، بل العمل بالخبر على إطلاقه هو الوجه، لصحته و صراحته و عدم ما ينافيه.

ثم انه لا يخفى ان مورد الخبر الوديعة و ألحق بها غيرها من الحقوق المالية حتى الغصب و الدين، بمعنى انه لو كان له دين عند شخص أو مال مغصوب عند شخص فإنه يجيب عليهما إخراج الحج على الوجه الوارد في الخبر.

و قوى في المدارك اعتبار استئذان الحاكم في الدين فإنه لا يتعين إلا بقبض المالك أو ما في معناه. و هو محل توقف.

و مقتضى الخبر ان المستودع يحج، و الأصحاب قد ذكروا أنه يستأجر، قال في المدارك- بعد ان اعترف بان مقتضى الرواية ان المستودع يحج- ما لفظه:

281

لكن جواز الاستئجار ربما كان اولى، خصوصا إذا كان الأجير انسب بذلك من الودعي.

و هل الأمر له بالحج- كما في الخبر- رخصة أو للوجوب؟ ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الثاني، حيث صرح بأن إخراج الحج واجب على المستودع لظاهر الأمر، فلو دفعه الى الوارث اختيارا ضمن ان لم يتفق منه الأداء. قال في المدارك: و هو حسن.

أقول: الأحوط الوقوف على ظاهر الخبر، لكن يجب تقييده بما إذا كان صاحب الوديعة له أهلية النيابة.

و هل يتعدي الحكم الى غير حجة الإسلام من الدين و الخمس و الزكاة؟

قيل: نعم، لاشتراك الجميع في المعنى المجوز، و قيل: لا، قصرا للرواية المخالفة للأصل على موردها.

قال في المدارك بعد نقل القولين المذكورين: و الجواز بشرط العلم بامتناع الوارث من الأداء في الجميع حسن ان شاء الله تعالى.

و المسألة عندي محل توقف. و لعل مبني كلام الأصحاب- في الإلحاق بالوديعة كما تقدم، و الإلحاق بالحج هنا- هو ان ذلك من باب تنقيح المناط القطعي، لعدم ظهور خصوصية للوديعة دون غيرها من الدين و المال المغصوب، و عدم ظهور خصوصية للحج دون الدين و الخمس و نحوهما. إلا ان فيه ان عدم ظهور الخصوصية لا يدل على العدم، إذ يجوز ان يكون للحج خصوصية في ذلك ليست لغيره، كما تقدم نظيره في تزاحم دين الحج مع غيره من الديون.

و يمكن ان يرجح ما ذهب إليه الأصحاب

بما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن عيسى بن عبيد عن سليمان بن حفص المروزي (1): «انه كتب الى

____________

(1) الوسائل الباب 20 من كتاب الرهن.

282

ابي الحسن (عليه السلام) في رجل مات و له ورثة، فجاء رجل فادعى عليه مالا و ان عنده رهنا؟ فكتب (عليه السلام): ان كان له على الميت مال و لا بينة له عليه فليأخذ ماله من ما في يده و ليرد الباقي على ورثته، و متى أقر بما عنده أخذ به و طولب بالبينة على دعواه و اوفى حقه بعد اليمين، و متى لم تقم البينة و الورثة ينكرون فله عليهم يمين علم: يحلفون بالله ما يعلمون ان له على ميتهم حقا».

و رواه الصدوق ايضا عن محمد بن عيسى (1).

و التقريب فيه انه جعل حكم الرهن هنا كالوديعة و الدين كالحج في وجوب تقديمه على حق الورثة، اما بشرط عدم إمكان إثبات الحق عند الحاكم الشرعي و للمحقق الشيخ حسن (قدس سره) كلام في المنتقى في هذه الرواية لا بأس بإيراده:

قال (قدس سره): و لبعض متأخري الأصحاب في تحقيق معنى هذا الحديث كلام لا أراه سديدا، لابتنائه على توهم مخالفته للأصول من حيث قبول دعوى المقر بالوديعة ان في ذمة الميت حجة الإسلام، و هو مقتضى لتضييع المال على الوارث بغير بينة، و مآله الى نفوذ إقرار المقر في حق غيره ممن ليس له عليه سبيل، و مخالفته للأصل المعروف في باب الإقرار واضحة. و التحقيق انه ليس الحال هنا على ما يتوهم، فإن الإقرار الذي لا يسمع في حق غير المقر و الدعوى التي لا تقبل بغير البينة إنما يتصوران إذا كان متعلقهما المال المحكوم بملكه لغير المقر و المدعي شرعا و لو بإقرار آخر سابق عليهما منفصل بحسب القوانين العربية عنهما، و اما مع انتفاء ذلك كله- كما في موضع البحث- فإن الإقرار بالوديعة إذا وقع متصلا بذكر اشتغال ذمة الميت المستودع بالحج أو غيره لم يكن إقرارا للوارث مطلقا، بل هو

____________

(1) الوسائل الباب 20 من كتاب الرهن.

283

في الحقيقة اعتراف بمال مستحق للإخراج في الوجه الذي يذكره من حج أو غيره اما بأجمعه و ذلك على تقدير مساواته للحق، أو بعض منه بتقدير الفضلة عنه أو على تقدير التخيير بينه و بين غيره إذا كان للميت مال آخر، الى غير ذلك من الأحكام المقررة في مواضعها. و كيف يعقل ان يكون مثل هذا إقرارا للوارث مع كون الكلام المتصل جملة واحدة لا يتم معناه و لا يتحصل الغرض منه إلا باستيفائه على ما هو محقق في محله. و خلاصة الأمر ان المتجه في نحو هذا الفرض ان يكون المقر به هو ما يتحصل من مجموع هذا الكلام لا ما يقع في ابتدائه بحيث يجعل أوله إقرارا و آخره دعوى. و تمام تنقيح هذا المقام بمباحث الإقرار أليق. إذا تقرر ذلك فاعلم ان المستفاد من الحديث بعد ملاحظة هذا التحقيق وجوب إخراج الحجة من الوديعة حيث لا مال سواها بحسب فرض السائل و كون ما يفضل عنها للوارث. و امره (عليه السلام) بالحج اذن له في تعاطيه بنفسه لا في استنابة غيره، فلا بد في غير صورة السؤال و الجواب من استئذان من له الولاية العامة في مثله إذا لم يكن الودعي ممن له ذلك. و كذا القول في ما لو تضمن الإقرار نوعا آخر من الحق، فإن القدر الذي يحكم به حينئذ انما هو تقديم الحق على الوارث، و اما طريق تنفيذه فيرجع فيه الى القواعد. و لا يقاس على امره (عليه السلام) في الخبر للسائل بالحج فإنه مختص بتلك الصورة الخاصة فلا يتعداها. انتهى كلامه زيد مقامه.

و هو جيد نفيس، إلا ان قوله في آخر الكلام: «و امره (عليه السلام) بالحج اذن له في تعاطيه بنفسه لا في استنابة غيره، فلا بد في غير صورة السؤال و الجواب من استئذان من له الولاية العامة في مثله» فان فيه من الإجمال و سعة دائرة الاحتمال ما ربما أوجب الاختلال، و ذلك انه ليس في المسألة- كما عرفت- إلا هذا الخبر خاصة، و حينئذ فقوله: «ان امره (عليه السلام) بالحج اذن له في تعاطيه بنفسه لا في استنابة غيره» اما ان يحمل على خصوصية السائل و يكون قوله: «فلا بد في غير

284

صورة السؤال و الجواب من استئذان الحاكم» محمولا على ما عدا السائل المخصوص ممن يكون مثله في هذه المسألة. و فيه أولا- ما عرفت آنفا في الكلام على صاحب المدارك حيث ادعى الخصوص و عدم الإطلاق في الخبر. و ثانيا- انه متى خص الخبر بذلك السائل فمورد الخبر مقصور عليه، فقوله-: «لا بد في غير صورة السؤال و الجواب من استئذان الحاكم»- لا وجه له لعدم دخوله تحت الخبر و ليس سواه. و ان أراد بكلامه الأول ما قدمنا بيانه و شددنا أركانه- من ان المراد من الخبر بيان قاعدة كلية لكل من كانت عنده وديعة لغيره مع الشروط المذكورة لا خصوصية السائل- فهو صحيح لكن قوله: «فلا بد في غير صورة السؤال و الجواب. الى آخره» لا معنى له ظاهرا إلا ان يحمل على غير الحج من الدين و الخمس و الزكاة مثلا، بان يكون حكمها حكم الحج في التقديم على الوارث لكن لا بد من استئذان الحاكم. و فيه انه قد صرح بذلك بعد هذا الكلام بقوله: «و كذا القول في ما لو تضمن الإقرار نوعا آخر. الى آخره» و حينئذ فلا يمكن حمل الكلام المذكور عليه. و بالجملة فإن ظاهر الكلام المذكور لا يخلو من القصور، و لعله لقصور ذهني الكليل و فتور فهمي العليل. و الله العالم

المسألة الخامسة [حكم الأجير إذا أفسد حجه المستأجر عليه؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما إذا أفسد الأجير حجة المستأجر عليه، فقال في المبسوط و الخلاف: إذا أحرم الأجير بالحج عن المستأجر ثم أفسد حجه انقلب عن المستأجر اليه و صار محرما بحجة عن نفسه فاسدة فعليه قضاؤها عن نفسه، و الحج باق عليه للمستأجر يلزمه ان يحج عنه في ما بعد ان كانت الحجة في الذمة و لم يكن له فسخ هذه الإجارة، و ان كانت معينة انفسخت الإجارة و كان على المستأجر ان يستأجر من ينوب عنه. و هو اختيار ابن إدريس و العلامة في جملة من كتبه. و هو صريح في وجوب حج ثالث عن المنوب عنه في الإجارة المطلقة و استحقاقه الأجرة، و اما المعينة فإنه تنفسخ

285

الإجارة و تسترد الأجرة.

و استدل العلامة في المنتهى بان من اتى بالحج الفاسد فقد أوقع الحج على غير وجهه المأذون فيه، لأنه انما اذن له في حج صحيح فاتى بفاسد فيقع عن الفاعل، كما لو اذن له في شراء عين بصفة فاشتراها بغير تلك الصفة فإن الشراء يقع له دون الآمر، و إذا ثبت انه ينقلب اليه فنقول: انه قد أفسد حجا وقع منه فلزمه قضاؤه عن نفسه و كان عليه الحج عن المستأجر بعد حجة القضاء، لأنها تجب على الفور. انتهى. و ضعفه أظهر من ان يحتاج الى بيان.

و اختار المحقق في المعتبر و العلامة في المختلف اجزاء القضاء عن المستأجر، لأنها قضاء عن الحجة الفاسدة، و القضاء كما يجزئ الحاج عن نفسه فكذا عن من حج عن غيره. و لأن إتمام الفاسدة إذا كان عقوبة تكون الثانية هي الفرض فلا مقتضى لوجوب حج آخر.

و قال في الدروس: و لو جامع قبل الوقوف أعاد الحج و أجزأ عنهما، سواء كانت الإجارة معينة أو مطلقة على الأقوى. و هو ظاهر في موافقة هذا القول و هو الأقوى.

و يدل عليه من الاخبار

ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل حج عن رجل فاجترح في حجه شيئا يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة؟ قال: هي للأول تامة و على هذا ما اجترح».

و عن إسحاق بن عمار (2) في خبر تقدم صدره (3) قال: قال: «قلت: فان ابتلى بشيء يفسد عليه حجه حتى يصير عليه الحج من قابل، أ يجزئ عن الأول؟ قال:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 461، و في الوسائل الباب 15 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 15 من النيابة في الحج.

(3) ص 255.

286

نعم. قلت: لأن الأجير ضامن للحج؟ قال: نعم».

و ظاهر الخبرين المذكورين ان الحجة الأولى مجزية عن المنوب عنه، و بموجب ذلك يكون الأجير مستحقا للأجرة على هذا القول سواء كانت الإجارة مطلقة أو معينة، و قد عرفت على القول الأول استحقاقه الأجرة متى كانت الإجارة مطلقة، لوجوب الإتيان بالحج عليه، و اما مع التعيين فتنفسخ الإجارة فلا يستحق اجرة.

و بما ذكرناه يتضح ما في بناء المحقق و من تبعه استعادة الأجرة و عدمها على القولين في من حج عن نفسه و أفسد حجه، من انه هل تكون الأولى هي الفرض و تسميتها فاسدة مجاز و الثانية عقوبة أو بالعكس؟ فان قلنا: ان الاولى فرضه و الثانية عقوبة- كما اختاره الشيخ و دلت عليه حسنة زرارة (1) التي هي مستند تلك المسألة- فقد برئت ذمة المستأجر بإتمامه و استحق الأجير الأجرة، و ان قلنا الأولى فاسدة و الإتمام عقوبة و الثانية فرضه كان الجميع لازما للنائب، و تستعاد منه الأجرة ان كانت الأجرة متعلقة بزمان معين، و ذلك فإنه متى كانت حسنة زرارة الواردة في من حج عن نفسه دلت على ان الفريضة هي الأولى، و روايتا إسحاق ابن عمار المختصتان بالنائب دلتا على ان الفرض هي الأولى كما قدمنا ذكره، فان الواجب هو القول بذلك و عدم الالتفات الى القول الآخر، لخلوه من الدليل فلا يصلح لأن يفرع عليه بل و لا يلتفت اليه. و من ذهب الى كون الفرض هي الثانية في من حج عن نفسه إنما بنى على الطعن في حسنة زرارة من حيث الإضمار.

و هو مع قطع النظر عن ضعفه و عدم الإضرار بصحة الرواية أو حسنها لا يجري في النائب، لدلالة الروايتين المتقدمتين الواردتين في خصوص النائب على ان الأولى هي الفرض.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

287

و بالجملة فإن الظاهر هو صحة الحج- مطلقا كان الاستئجار أو مقيدا بالسنة الاولى- و انه قد قضى ما عليه بالحجة الاولى و استحق الأجرة. و ما أطالوا به من الاحتمالات و المناقشات و التفريعات كله تطويل بغير طائل، فإن ما ذكرناه هو مدلول الأخبار التي هي المعتمد في الإيراد و الإصدار. و الله العالم.

المسألة السادسة [التبرع بالحج عن الغير]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لو تبرع انسان بالحج عن غيره بعد موته فإنه يكون مجزئا عنه و تبرأ ذمته به. و ظاهرهم انه لا فرق في ذلك بين ان يختلف الميت ما يحج به عنه أم لا، و لا في المتبرع بين ان يكون وليا أو غيره.

و يدل على ذلك من الاخبار

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن عمار بن عمير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

بلغني عنك انك قلت: لو ان رجلا مات و لم يحج حجة الإسلام فحج عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه؟ فقال: نعم اشهد بها على ابي أنه حدثني ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أتاه رجل فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان ابي مات و لم يحج؟ فقال له رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): حج عنه فان ذلك يجزئ عنه».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن حكم بن حكيم (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انسان هلك و لم يحج و لم يوص بالحج، فأحج عنه بعض اهله رجلا أو امرأة، هل يجزئ ذلك و يكون قضاء عنه، أو يكون الحج لمن حج

____________

(1) الوسائل الباب 31 من وجوب الحج و شرائطه. و رواه في الكافي ج 4 ص 277 في الصحيح عن ابن مسكان عن عامر بن عميرة.

(2) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه. و الظاهر ان الحديث من الصحيح، لأن الكليني يرويه عن ابي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان عن حكم، و كلهم ثقات صحيحو المذهب.

288

و يؤجر من احتج عنه؟ فقال: ان كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعا و أجزأ الذي أحجه».

قال في الوافي ذيل هذا الخبر: و اما إذا كان صرورة فإنما أجزأ عنه الى ان أيسر كما في اخبار أخر أقول: و الأقرب ان لفظ: «غير» هنا وقع مقحما سهوا من بعض الرواة، لتكاثر الروايات بالأمر بحج الصرورة الذي لا مال له.

و ما رواه في الكافي مرفوعا و في الفقيه مضمرا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سئل عن رجل مات و له ابن لم يدر أحج أبوه أم لا؟ قال: يحج عنه فان كان أبوه قد حج كتب لأبيه نافلة و للابن فريضة، و ان كان أبوه لم يحج كتب لأبيه فريضة و للابن نافلة».

أقول: لما كان من يحج عن غيره لله (عز و جل) يتفضل الله عليه بثواب مثل حجة الذي ناب فيه عن غيره، فهذا الذي قد حج عن أبيه في هذا الخبر ان كان أبوه لم يحج حجة الإسلام كانت هذه الحجة سادة مسدها و يكتب له ثواب حجة مستحبة، و إلا كتب له ثواب الفريضة و وقعت عن الأب نافلة.

و استدل على ذلك أيضا

بصحيحة رفاعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يموت و لم يحج حجة الإسلام و لم يوص بها، أ تقضى عنه؟ قال:

نعم».

و مثلها رواية أخرى له ايضا (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يموتان و لم يحجا، أ يقضى عنهما حجة الإسلام؟ قال: نعم».

و الظاهر عندي منهما انما هو القضاء من ماله، كما ورد في جملة من الاخبار

____________

(1) الوسائل الباب 31 من النيابة في الحج. و الظاهر ان يقول: «مرسلا» بدل «مضمرا» و لعله من تحريف النساخ.

(2) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

(3) الوسائل الباب 28 من وجوب الحج و شرائطه.

289

ان من مات و في ذمته حجة الإسلام و لم يوص بها فإنها تخرج من أصل ماله (1) و ان لم يكن ما ذكرناه هو الأقرب فلا أقل من ان يكون مساويا لاحتمال تبرع الأجنبي عنه، فلا يمكن الاستدلال لما ذكرناه من الاحتمال.

و ربما ظهر من تخصيص الاجزاء بالتبرع عن الميت عدم اجزاء التبرع عن الحي. و هو كذلك متى كان متمكنا من الإتيان بالحج، اما مع العجز عنه المسوغ للاستنابة- كما تقدم- فإشكال ينشأ، من انه كالميت، لأن الذمة تبرأ بالعوض فكذا بدونه، و لان الواجب الحج عنه و قد حصل فيمكن الاجزاء، و من ان براءة ذمة المكلف بفعل الغير تتوقف على الدليل و هو منتف هنا فيرجح العدم.

هذا كله في الحج الواجب، و اما في الحج المندوب فيجوز التبرع عن الحي و الميت إجماعا نصا (2) و فتوى.

و من الاخبار في ذلك

صحيحة حماد بن عثمان (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان الصلاة و الصوم و الصدقة و الحج و العمرة و كل عمل صالح ينفع الميت حتى ان الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه و يقال: هذا بعمل ابنك فلان أو بعمل أخيك فلان. أخوه في الدين».

و موثقة إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن

____________

(1) الوسائل الباب 28 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 28 من الاحتضار، و الباب 12 من قضاء الصلوات، و الباب 25 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 12 من قضاء الصلوات.

(4) الوسائل الباب 25 من النيابة في الحج.

290

الرجل يحج فيجعل حجته و عمرته أو بعض طوافه لبعض اهله و هو عنه غائب ببلد آخر، قال: قلت: فينقص ذلك من اجره؟ قال: لا هي له و لصاحبه، و له أجر سوى ذلك بما وصل. قلت: و هو ميت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: نعم حتى يكون مسخوطا عليه فيغفر له أو يكون مضيقا عليه فيوسع عليه. قلت: فيعلم هو في مكانه ان عمل ذلك لحقه؟ قال: نعم. قلت: و ان كان ناصبا ينفعه ذلك؟

قال: نعم يخفف عنه».

و صحيحة موسى بن القاسم البجليّ (1) قال: «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): يا سيدي إني أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان؟ قال: تصوم بها ان شاء الله. قلت: و أرجو ان يكون خروجنا في عشر من شوال، و قد عود الله زيارة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و أهل بيته و زيارتك، فربما حججت عن أبيك، و ربما حججت عن ابي، و ربما حججت عن الرجل من إخواني، و ربما حججت عن نفسي، فكيف اصنع؟ فقال: تمتع. فقلت: اني مقيم بمكة منذ عشر سنين؟

فقال: تمتع».

و رواية صفوان الجمال (2) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه الحارث بن المغيرة، فقال: بأبي أنت و أمي لي ابنة قيمة لي على كل شيء و هي عاتق فاجعل لها حجتي؟ فقال: اما انه يكون لها أجرها و يكون لك مثل ذلك و لا ينقص من أجرها شيء».

أقول: العاتق: البكر الشابة تكون في بيت أبيها.

و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «قال رجل للصادق (عليه السلام): جعلت فداك

____________

(1) الكافي ج 4 ص 314، و في الوسائل الباب 25 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 25 من النيابة في الحج.

(3) الوسائل الباب 29 من النيابة في الحج.

291

انى كنت نويت ان ادخل في حجتي العام أمي أو بعض أهلي فنسيت؟ فقال (عليه السلام): الآن فأشركهما».

و حسنة الحارث بن المغيرة (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) و انا بالمدينة بعد ما رجعت من مكة: إني أردت أن أحج عن ابنتي؟ قال: فاجعل ذلك لها الآن».

و قد ورد أيضا في جملة من الاخبار النيابة في الطواف عن الميت و عن الحي ما لم يكن حاضر مكة إلا مع العذر كالإغماء و البطن و نحوهما.

فمن الأخبار الدالة على جواز النيابة فيه

رواية داود الرقي (2) قال:

«دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) ولي على رجل مال قد خفت تواه فشكوت ذلك اليه، فقال لي إذا صرت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافا وصل ركعتين عنه، و طف عن ابى طالب طوافا و صل عنه ركعتين، و طف عن عبد الله طوافا و صل عنه ركعتين، و طف عن آمنة طوافا و صل عنها ركعتين، و طف عن فاطمة بنت أسد طوافا و صل عنها ركعتين، ثم ادع الله ان يرد عليك مالك. قال:

ففعلت ذلك ثم خرجت من باب الصفاء فإذا غريمي واقف يقول: يا داود حبستني تعال فاقبض مالك».

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال فيه: «فأطوف عن الرجل و المرأة و هم بالكوفة؟ فقال: نعم تقول

____________

(1) الوسائل الباب 29 من النيابة في الحج.

(2) الكافي ج 4 ص 544، و الفقيه ج 2 ص 307، و في الوسائل الباب 51 من الطواف.

(3) الوسائل الباب 18 من النيابة في الحج.

292

حين تفتتح الطواف: اللهم تقبل من فلان، الذي تطوف عنه».

و رواية أبي بصير (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من وصل أباه أو ذا قرابة له فطاف عنه كان له اجره كاملا، و للذي طاف عنه مثل اجره و يفضل هو بصلته إياه بطواف آخر».

و اما ما يدل على عدم النيابة مع الحضور فهو

ما رواه في التهذيب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن من حدثه عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: الرجل يطوف عن الرجل و هما مقيمان بمكة؟ قال: لا و لكن يطوف عن الرجل و هو غائب عن مكة. قلت: و كم مقدار الغيبة؟ قال:

عشرة أميال».

و غاية ما استدل به في المدارك على هذا الحكم- حيث صرح به المصنف في المتن- هو انها عبارة تتعلق بالبدن فلا تصح النيابة فيه مع التمكن. و فيه ما لا يخفى و الظاهر انه لم يقف على الخبر المذكور.

و اما جواز النيابة مع الحضور و العذر فتدل عليه أخبار عديدة:

منها-

صحيحة حبيب الخثعمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«أمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يطاف عن المبطون و الكسير».

و تمام تحقيق المسألة يأتي في محله ان شاء الله تعالى.

المسألة السابعة [الأجير يملك الأجرة بالعقد]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن الأجير

____________

(1) الوسائل الباب 18 من النيابة في الحج، و الباب 51 من الطواف.

(2) الوسائل الباب 18 من النيابة في الحج. و الراوي عبد الرحمن بن ابي نجران.

(3) الوسائل الباب 49 من الطواف.

293

يستحق الأجرة بالعقد و يملكها، لان ذلك مقتضى صحة المعاوضة، فلو كانت عينا فزادت بعد العقد أو نمت فهما للأجير، إلا انه لا يجب تسليمها إلا بعد العمل كما هو المقرر في باب الإجارة، و على هذا فليس للوصي التسليم قبله و لو سلم كان ضامنا، إلا مع الاذن من الموصي المستفاد من نصه على ذلك، أو اطراد العادة لأن ما جرت به العادة يكون كالمنطوق به. و لو توقف عمل الأجير و إتيانه بالفعل على دفع الأجرة اليه و لم يدفعها الوصي فقد استقرب الشهيد في الدروس جواز فسخه، للضرر اللازم من اشتغال الذمة بما استؤجر عليه مع عدم تمكنه منه.

و يحتمل عدمه فينتظر وقت الإمكان، لأن التسلط على فسخ العقد اللازم يتوقف على الدليل، و مثل هذا الضرر لم يثبت كونه مسوغا. نعم لو علم عدم التمكن مطلقا تعين القول بجواز الفسخ.

أقول: ما ذكروه- من انه ليس للوصي التسليم قبل العمل و لو سلم كان ضامنا- لا يخلو عندي هنا من اشكال و ان كان هذا من جملة القواعد المسلمة بينهم في باب الإجارة مطلقا، و ذلك فإنه قد تقدم في المسألة الأولى (1) من مسائل هذا المقصد نقل جملة من الاخبار الدالة على ان من أخذ حجة عن ميت فمات و لم يحج و لم يخلف شيئا، أو لم يمت و لكن أنفقها و حضر أوان الحج و لم يمكنه الحج انه ان كان له حج عند الله أثبته الله للميت و إلا كتب للميت بفضله و كرمه (عز و جل) ثواب الحج. و هذا لا يجامع الحكم بضمان الوصي بتسليم الأجرة.

و يعضد ذلك ايضا

ما رواه في الكافي في الموثق عن عمار بن موسى الساباطي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يأخذ

____________

(1) ص 257.

(2) الوسائل الباب 10 من النيابة في الحج.

294

الدراهم ليحج بها عن رجل، هل يجوز له ان ينفق منها في غير الحج؟ قال: إذا ضمن الحجة فالدراهم له يصنع بها ما أحب و عليه حجة».

و ظاهر هذا الخبر انه متى استقرت الحجة في ذمته بطريق الإجارة و كان ضامنا لها بسبب ذلك استحق الأجرة و جاز تسليمها اليه و صارت ملكه كسائر أمواله من غير ان يتعقب ذلك ضمان على الوصي، و يصير الأجير مطلوبا بالحج خاصة فإن حج فقد برئت ذمته، و إلا فالحكم فيه ما جرى في الاخبار المشار إليها.

و بالجملة فإن الرجوع على الوصي بعد ما عرفت لا يخلو من نظر. إلا ان يقال:

ان عدم الرجوع هنا انما هو بما ذكروه من حيث جريان العادة بدفع الأجرة أولا و هو في حكم المنطوق. و فيه بعد، فان ظاهر الأخبار المشار إليها ان هذا الحكم كلي في المسألة، جرت العادة بما ذكر أو لم تجر.

و كيف كان فقد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا انه يستحب للأجير رد فاضل الأجرة بعد الحج، و للمستأجر إعانته ان نقصت الأجرة عن الوفاء بالحج.

و علل الحكم الأول في المعتبر بأنه مع الإعادة يكون قصده بالنيابة القربة لا العوض.

قال في المدارك: و كأن مراده انه مع قصد الإعادة ابتداء يكون قصده بالنيابة القربة لا العوض. و هو حسن.

أقول: لا يخفى ان ما تأول به عبارة المعتبر بعيد عن ظاهرها و كذا ظاهر غيرها، و الظاهر ان مرادهم ان اعادة الزائد بعد الفراغ من الحج يكون كاشفا عن ان قصده بالإجارة و النيابة القربة لا العوض. و إثبات الاستحباب الذي هو حكم شرعي بمثل هذه التخرصات و التخريجات مشكل.

نعم قال شيخنا المفيد في المقنعة- بعد ان حكم بان الرجل إذا أخذ حجة

295

ففضل منها شيء فهو له و ان عجزت فعليه- ما لفظه: و قد جاءت رواية بأنه ان فضل من ما أخذه فإنه يرده ان كان نفقته واسعة و ان كان قتر على نفسه لم يرده.

و على الأول العمل. انتهى. و هذه الرواية على تقدير صحتها أخص من المدعى.

و علل الحكم الثاني بما في ذلك من المساعدة للمؤمن و الرفق به و التعاون على البر و التقوى. و لا بأس به.

و قد وردت الاخبار بان ما فضل من الأجرة فهو للأجير، و ظاهرها ان ذلك غير مؤثر في صحة الحج و قصد القربة به و ان قصد العوض. و فيه رد لما عللوا به الحكم الأول.

فروى الشيخ في الصحيح عن مسمع (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أعطيت الرجل دراهم يحج بها عني ففضل منها شيء فلم يرده على؟

فقال: هو له لعله ضيق على نفسه في النفقة لحاجته إلى النفقة».

و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن محمد بن عبد الله القمي (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعطى الحجة يحج بها و يوسع على نفسه فيفضل منها، أ يردها عليه؟ قال: لا هي له».

ثم انه لو خالف ما استؤجر عليه فظاهر الأكثر انه لا اجرة له، لانه متبرع بما اتى به. و قيل ان له اجرة المثل، حكاه العلامة في المنتهى عن الشيخ، قال في المدارك: و هو بعيد جدا، قال: بل الظاهر انه (رحمه الله) لا يقول بثبوتها في جميع الموارد، فان من استؤجر على الحج فاعتمر و على الاعتمار فحج لا يعقل استحقاقه بما فعل أجرة لأنه متبرع محض، و انما يتخيل ثبوتها مع المخالفة في وصف من أوصاف العمل الذي تعلقت به الإجارة، كما إذا استؤجر على الحج

____________

(1) الوسائل الباب 10 من النيابة في الحج.

(2) الوسائل الباب 10 من النيابة في الحج.

296

ماشيا فركب، أو على الإحرام من ميقات معين فأحرم من غيره. مع ان المتجه مع صحة الفعل استحقاقه من الأجرة بنسبة ما عمل الى المسمى لا اجرة المثل. الى ان قال: و الأجود ما أطلقه المصنف من سقوط الأجرة مع المخالفة. انتهى.

و هو جيد، إلا انه ينبغي ان يستثني من ذلك ما تقدم من الخلاف في مسألتي الطريق و النوع، كما قدمنا بيانه في المسألة الثانية من مسائل هذا المقصد.

و الله العالم.

المسألة الثامنة [لو أوصى بالحج سنين و قصر ما عين له عن الوفاء به]

- لو اوصى ان يحج عنه سنين متعددة و اوصى لكل سنة منها بمال معين- اما مفصلا كمائة درهم أو مجملا كغلة بستان- فقصر ذلك عن اجرة الحج، فظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف انه يجمع ما زاد على سنة بما تكمل به الأجرة التي يحج بها ثم يحج عنه لسنة، و هكذا.

و استدلوا عليه بان القدر المعين قد انتقل بالوصية عن ملك الورثة و وجب صرفه في ما عينه الموصى بقدر الإمكان، و لا طريق إلى إخراجه إلا بهذا الوجه فيتعين.

أقول: و الأظهر هو الاستدلال بالنصوص، فان الاعتماد على مثل هذه التخريجات سيما مع وجود النص مجازفة ظاهرة، و ان كانت هذه طريقتهم زعما منهم ان هذا دليل عقلي و هو مقدم على النقلي. و فيه ما حققناه في غير موضع من مؤلفاتنا و لا سيما في مقدمات الكتاب.

و استدل في المدارك على ذلك

بما رواه الكليني (رضوان الله عليه) عن إبراهيم بن مهزيار (1) قال: «كتبت الى ابي محمد (عليه السلام): ان مولاك على بن مهزيار اوصى ان يحج عنه من ضيعة صير ربعها لك في كل سنة حجة

____________

(1) الكافي ج 4 ص 310، و في الوسائل الباب 3 من النيابة في الحج.

297

بعشرين دينارا، و انه منذ انقطع طريق البصرة تضاعفت المؤن على الناس فليس يكتفون بعشرين دينارا. و كذلك اوصى عدة من مواليك في حجهم؟ فكتب (عليه السلام): تجعل ثلاث حجج حجتين ان شاء الله تعالى».

و عن إبراهيم (1) قال: «كتب اليه علي بن محمد الحضيني: ان ابن عمي اوصى ان يحج عنه بخمسة عشر دينارا في كل سنة فليس يكفي، فما تأمر في ذلك؟

فكتب (عليه السلام): تجعل حجتين حجة، ان الله (تعالى) عالم بذلك».

ثم قال: و في الروايتين ضعف من حيث السند. اما الوجه الأول فلا بأس به، و ان أمكن المناقشة فيه بان انتقال القدر المعين بالوصية انما يتحقق مع إمكان صرفه فيها، و لهذا وقع الخلاف في انه إذا قصر المال الموصى به عن الحج هل يصرف في وجوه البر أو يعود ميراثا؟ فيمكن اجراء مثل ذلك هنا لتعذر صرف القدر الموصى به في الوصية. و المسألة محل تردد، و ان كان المصير الى ما ذكره الأصحاب لا يخلو من قوة. انتهى.

أقول: فيه أولا- ان الروايتين و ان كانتا ضعيفتين إلا ان الحكم اتفاقي بين الأصحاب كما صرح به في صدر كلامه، حيث قال: و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب. و هو في غير موضع من شرحه قد وافقهم على جبر الخبر الضعيف بالاتفاق على العمل بمضمونه.

و ثانيا- ان الخبرين و ان كانا ضعيفين بناء على نقله لهما من الكافي إلا انهما في من لا يحضره الفقيه (2) صحيحان، فإنه رواهما فيه عن إبراهيم بن مهزيار، و طريقه إليه في المشيخة (3): أبوه عن الحميري عنه. و هو في أعلى مراتب الصحة.

و ثالثا- ان ما ذكره- من انه يمكن المناقشة في الوجه الأول بأن انتقال

____________

(1) الكافي ج 4 ص 310، و في الوسائل الباب 3 من النيابة في الحج.

(2) ج 2 ص 272.

(3) ص 44 ملحق الجزء الرابع.

298

القدر المعين بالوصية انما يتحقق مع إمكان صرفه فيها- و هم محض نشأ من عدم إعطاء التأمل حقه في الأخبار المتعلقة بهذه المسألة، فإن المفهوم منها على وجه لا يعتريه الشك و الإنكار هو ما ذكره جل علمائنا الأبرار (رفع الله أقدارهم في دار القرار) من أنه بالوصية ينتقل عن الموصى و لا يعود الى ورثته، و مع عدم إمكان صرفه في المصرف الموصى به يرجع الى المصرف في أبواب البر، كما سيأتي تحقيق ذلك قريبا عند ذكر المسألة المشار إليها.

و بذلك يظهر لك ما في كلامه (قدس سره) من قوله: «و لهذا وقع الخلاف في انه إذا قصر المال الموصى به. الى آخره» فان هذا الخلاف بعد دلالة النصوص على التصدق- كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى- مساهلة و جزاف، فان الخلاف مع عدم الدليل بل قيام الدليل على العدم انما هو اعتساف و اي اعتساف.

قالوا: و لو اوصى ان يحج عنه، فان لم يعلم منه ارادة التكرار اقتصر على المرة، و ان علم منه ارادة التكرار حج عنه ما دام شيء من ثلثه.

و عللوا الحكم الأول بحصول الامتثال بالمرة. و الثاني بأنه وصية و منفذها الثلث خاصة مع عدم اجازة الوارث.

و الذي وقفت عليه من ما يتعلق بهذه المسألة

ما رواه الشيخ في التهذيب (1) عن محمد بن الحسن الأشعري قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك إني سألت أصحابنا عن ما أريد أن أسألك فلم أجد عندهم جوابا و قد اضطررت إلى مسألتك، و ان سعد بن سعد اوصى الي فاوصى في وصيته: حجوا عني. مبهما و لم يفسر، فكيف اصنع؟ قال: يأتيك جوابي في كتابك. فكتب الي: يحج ما دام له مال يحمله».

____________

(1) ج 9 ص 226، و في الوسائل الباب 4 من النيابة في الحج.

299

و ما رواه أيضا في الكتاب المذكور (1) بسند آخر عن محمد بن الحسين «انه قال لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك قد اضطررت إلى مسألتك. فقال:

هات. فقلت: سعد بن سعد اوصى: حجوا عني. مبهما و لم يسم شيئا، و لا ندري كيف ذلك؟ فقال: يحج عنه ما دام له مال».

و رواه أيضا في موضع آخر (2) بسند غير الأولين عن محمد بن الحسن بن ابي خالد قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اوصى ان يحج عنه (مبهما)؟

فقال: يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء».

و هذه الاخبار متفقة في انه يحج عنه من ثلثه، و هو المشار اليه بماله في الخبرين الأولين، لأن الميت ليس له من ماله إلا الثلث.

و الظاهر من قول السائل: «مبهما» يعني: انه لم يعين المرات. فكأن ارادة التكرار معلومة عند الوصي و انما استشكل في المقدار.

قال في المدارك- بعد ان ذكر وجوب الحج عنه الى ان يستوفى الثلث إذا علم منه ارادة التكرار، ثم أيده بالرواية الثالثة- ما صورته: و لا يخفى ان ذلك انما يتم إذا علم منه ارادة التكرار على هذا الوجه و إلا اكتفى بالمرتين، لتحقق التكرار بذلك، كما يكتفى بالمرة مع الإطلاق.

أقول: لا يبعد ان يقال: ان الظاهر من إطلاق هذه الاخبار انه بمجرد هذا القول المحتمل لأن يراد منه حجة واحدة أو اثنتان أو عشر أو نحو ذلك يجب الحج عنه حتى يفنى ثلثه. و لان يقين البراءة من تنفيذ الوصية لا يحصل إلا بذلك

____________

(1) ج 5 ص 408، و في الوسائل الباب 4 من النيابة في الحج. و ارجع الى الاستدراكات.

(2) ج 5 ص 408، و ج 9 ص 226، و في الوسائل الباب 4 من النيابة في الحج.

300

و هذا هو الأنسب بقول السائل: «مبهما» و حينئذ فلا معنى لقولهم: فان لم يعلم منه ارادة التكرار اقتصر على المرة. بل الأظهر ان يقال: فان علم منه عدم ارادة التكرار اقتصر على المرة. و بالجملة فإن جميع ما ذكروه تقييد للنص المذكور و إطلاقه أعم من ذلك كما عرفت. و الله العالم.

المسألة التاسعة [نقل الأجير النية عن المنوب عنه إلى نفسه]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو عقد الأجير الإحرام عن المنوب عنه ثم نقل النية إلى نفسه، فقيل بوقوعها عن المنوب عنه، و هو منقول عن الشيخ في المبسوط و اختاره المحقق في المعتبر.

قال في المبسوط: إذا أحرم عن من استأجره- سواء كانت في حجة الفرض أو التطوع- ثم نقل الإحرام إلى نفسه لم يصح نقله، و لا فرق بين ان يكون الإحرام بالحج أو بالعمرة، فان مضى على هذه النية وقعت الحجة عن من بدأ بنيته، لأن النقل ما يصح و يستحق الأجرة على من وقعت عنه. انتهى.

و قيل بعدم اجزائها عن واحد منهما، و هو اختيار المحقق في الشرائع و العلامة في جملة من كتبه، و الظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين.

و استدل في المعتبر على القول الأول بان ما فعله وقع عن المستأجر فلا يصح العدول بها بعد إيقاعها. و لأن أفعال الحج استحقت لغيره فلا يصح نقلها و إذا لم يصح النقل فقد تمت الحجة لمن بدأ بالنية له و له الأجرة لقيامه بما شرط عليه.

حجة القول المشهور، اما على عدم الاجزاء عن النائب فلعدم صحة النقل اتفاقا، و اما عن المنوب عنه فلعدم النية عنه في باقي الأفعال حيث انه انما نواها الأجير عن نفسه. و بالجملة فإنهم متفقون على عدم صحة النقل بعد الإحرام عن المستأجر، و انما الإشكال بالنسبة الى هذه الأفعال التي نواها الأجير عن نفسه فإنها لا تصح عنه لعدم صحة النقل فلا تقع عنه، و لا تقع عن المستأجر لأنه لم ينوها

301

عنه، و العبادات تابعة للنيات و القصود.

و من ما يعضد القول الأول هنا ما تقدم (1) من الاخبار في المسألة الاولى من مسائل هذا المقصد الدالة على ان من اعطى رجلا مالا يحج عنه فحج عن نفسه فإنها تقع عن صاحب المال. فإنه متى صح كونها عن صاحب المال بدون نية الإحرام عنه فمعها اولى.

و بذلك صرح شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد فقال: و يمكن ان يحتج للشيخ برواية ابن أبي حمزة عن الصادق (عليه السلام). ثم ساق الرواية كما قدمناه (2) ثم قال (قدس سره): فإذا كان يجزئ عن المنوب لا مع نية الإحرام فلأن يجزئ بنيته اولى.

و رد ذلك في المدارك بضعف الرواية. و فيه انك قد عرفت من ما قدمنا ثمة ان بعض هذه الروايات من مرويات صاحب الفقيه، و هو كثيرا ما يعتضد بها بناء على ما ذكره في ديباجة كتابه.

و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و ان كان قول الشيخ- لما عرفت- لا يخلو من قوة. و الله العالم.

المسألة العاشرة [مخرج المال الموصى به للحج]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو اوصى للحج بقدر معين، فان كان الحج واجبا أخرج أجرة المثل من الأصل، و ما زاد- ان كان في ذلك المقدار زيادة- من الثلث كما هو شأن الوصايا، و ان كان الحج ندبا فالجميع من الثلث.

و ما ذكروه في الواجب، اما في حجة الإسلام فلا اشكال فيه، و اما في غيره من النذر و شبهه فهو مبني على الخلاف المتقدم، و ان كان المشهور عندهم انه كحج الإسلام من الأصل.

____________

(1) ص 258.

(2) ص 258.

302

و من ما يدل على ان حج الإسلام من الأصل و المندوب من الثلث

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل مات و اوصى ان يحج عنه؟ فقال: ان كان صرورة حج عنه من وسط المال و ان كان غير صرورة فمن الثلث».

و ما رواه الصدوق ايضا عن الحارث بياع الأنماط (2): «أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) و سئل عن رجل اوصى بحجة؟ فقال: ان كان صرورة فمن صلب ماله، انما هي دين عليه، فان كان قد حج فمن الثلث».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مات و اوصى ان يحج عنه؟ قال: ان كان صرورة فمن جميع المال، و ان كان تطوعا فمن ثلثه».

و روى نحوه في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) و زاد: «فإن اوصى ان يحج عنه رجل فليحج ذلك الرجل».

____________

(1) الفقيه ج 4 ص 158، و في الوسائل الباب 25 من وجوب الحج و شرائطه، و الباب 41 من الوصايا. و اللفظ هكذا: «سألته عن رجل مات.».

(2) الفقيه ج 2 ص 270، و في الوسائل الباب 25 و 29 من وجوب الحج و شرائطه. و اللفظ في الراوي هكذا: «حارث بياع الأنماط» و في المتن هكذا:

«انه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل» و ما ذكر من اللفظ في الراوي و المتن انما هو في التهذيب ج 9 ص 229.

(3) الوسائل الباب 25 من وجوب الحج و شرائطه، و الباب 41 من الوصايا.

(4) الوسائل الباب 25 من وجوب الحج و شرائطه.

303

و هذه الاخبار و ما جرى مجراها انما دلت على الوصية بالحج من غير الوصية بقدر معين له، و الظاهر ان التعيين يرجع فيه الى أجرة المثل كما فهمه الأصحاب فيكون المخرج من الأصل و الثلث هو اجرة المثل، و حينئذ فيكون الزائد عليها مع التعيين يخرج من الثلث كما تقدم.

و لبعض الأصحاب في المسألة تفصيل حسن لا بأس بذكره قال: من اوصى بالحج، فاما ان يعين الأجير و الأجرة معا أو لا يعينهما أو يعين الأجير دون الأجرة أو بالعكس، ثم اما ان يكون الحج واجبا أو مندوبا، فالصور ثمان:

الاولى- ان يعين الأجير و الأجرة معا و يكون الحج واجبا

، فيجب اتباع ما عينه الموصي، ثم ان كانت الأجرة المعينة مقدار اجرة المثل أو أقل نفذت من الأصل، و ان زادت كانت اجرة المثل من الأصل و الزيادة من الثلث ان لم يجز الورثة. و لو امتنع الموصى له من الحج بطلت للوصية و استؤجر غيره بأقل ما يوجد من يحج به عنه.

أقول: الحكم ببطلان الوصية هنا مطلقا بامتناع الموصى له- حتى انه يصير في حكم ما لو لم يوص بالكلية، فيستأجر غيره بأقل ما يوجد من يحج به عنه- لا اعرف له وجها ظاهرا، لأنه قد أوصى بأمرين الأجير و الأجرة و الحج واجب لا بد من إخراجه، و تعذر الأجير لامتناعه لا يوجب بطلان تعيين الأجرة، إلا ان يعلم ان التعيين انما وقع من حيث خصوصية ذلك الأجير الموصى له و هو هنا غير معلوم. و سيأتي في كلامه ما يشير الى ما ذكرناه.

قال العلامة في المنتهى في هذه الصورة: فإن رضي الموصى له فلا بحث و إلا استؤجر غيره بالمعين ان ساوى اجرة المثل أو كان أقل، و ان زاد فالوجه ان الزيادة للوارث لأنه اوصى بها لشخص معين بشرط الحج و لم يفعل الموصى له فتكون للوارث، و لا شيء للموصى له، لأنه إنما اوصى له بشرط قيامه بالحج. انتهى.

304

و بذلك يظهر ان حكمه بالاستئجار بأقل ما يوجد من يحج بها عنه محل نظر.

ثم قال

الثانية- الصورة بحالها و الحج مندوب

، فيجب إخراج الوصية من الثلث إلا مع الإجازة فتنفذ من الأصل. و لو امتنع الموصى له من الحج فالظاهر سقوطه، لأن الوصية انما تعلقت بذلك المعين فلا تتناول غيره. نعم لو علم تعلق غرض الموصى بالحج مطلقا وجب إخراجه، لأن الوصية على هذا التقدير في قوة شيئين فلا يبطل أحدهما بفوات الآخر.

أقول: هذا من ما يؤيد ما ذكرناه آنفا، لانه متى ثبت ذلك في التعدد الضمني ففي التعدد المصرح به أظهر.

ثم قال

الثالثة- ان يعين الأجير خاصة و الحج واجب

، فيجب استئجاره بأقل اجرة يوجد من يحج بها عنه. و احتمل الشهيد في الدروس وجوب إعطائه أجرة مثله ان اتسع الثلث. و هو حسن، بل لا يبعد وجوب اجابته الى ما طلب مطلقا مع اتساع الثلث تنفيذا للوصية بحسب الإمكان، فيكون الزائد عن الأقل محسوبا من الثلث إلا مع الإجازة. و لو امتنع الموصى له من الحج وجب استئجار غيره بمهما أمكن.

أقول: ما ذكره هنا- من وجوب استئجاره بأقل اجرة يوجد من يحج بها عنه- قد نقله في الدروس عن المبسوط. و نحوه قال العلامة في المنتهى حيث قال: و ان عين الأجير دون الأجرة فقال: أحجوا عني فلانا. و لم يذكر مبلغ الأجرة فإنه يحج عنه بأقل ما يوجد من يحج عنه.

إلا ان الظاهر من عبارة التذكرة هنا هو ان الواجب الاستئجار بأجرة المثل حيث قال: إذا اوصى ان يحج عنه، فاما ان يكون الحج واجبا أو مندوبا، فان كان واجبا فلا يخلو اما ان يعين قدرا أولا، فإن عين فان كان بقدر اجرة المثل أخرجت من الأصل و ان زادت عن اجرة المثل أخرجت أجرة المثل من الأصل و الباقي

305

من الثلث، و ان لم يعين أخرجت أجرة المثل من أصل المال. و هو ظاهر في كون المخرج في هذه الصورة هو اجرة المثل لا أقل اجرة يوجد من يحج بها.

و على هذا فإنما يرجع الى الثلث في ما زاد على اجرة المثل لا ما زاد عن الأقل كما ذكروه.

و ما ذكروه من التخصيص بهذا الأقل لم يوردوا عليه دليلا و لم يذكروا له وجها، و كأنهم لحظوا في ذلك رعاية جانب الوارث، مع ان المستفاد من الأخبار التي قدمناها في الوصية بالحج هو البناء على سعة المال من البلد فنازلا الى الميقات، و هو لا يلائم هذا التقييد بل انما ينطبق على اجرة المثل كما لا يخفى.

على انهم قد صرحوا بأنه إذا اوصى ان يحج عنه و لم يعين الأجرة انصرف ذلك الى أجرة المثل و تخرج من الأصل. و الفرق بين المسألتين غير واضح.

ثم قال

الرابعة- الصورة بحالها و الحج مندوب

، و الكلام فيه كما سبق من احتساب الأجرة كلها من الثلث. فلو امتنع الموصى له من القبول سقطت الوصية، إلا إذا علم تعلق غرض الموصى بالحج مطلقا كما بيناه.

الخامسة- ان يعين الأجرة خاصة و الحج واجب

، فان كانت مساوية لاجرة المثل صرفها الوارث الى من شاء ممن يقوم بالحج، و كذا ان نقصت، و ان كان أزيد كان ما يساوي أجرة المثل من الأصل و الزائد من الثلث.

السادسة- الصورة بحالها و الحج مندوب

، و حكمها معلوم من ما سبق من احتساب الأجرة كلها من الثلث إلا مع الإجازة.

السابعة- ان لا يعين الأجير و لا الأجرة و الحج واجب

، فالحج عنه من أصل المال بأقل ما يجد من يحج به عنه.

أقول: قد عرفت ما في ذلك من الاشكال، و مقتضى إطلاق كلام التذكرة الذي قدمناه هو اجرة المثل.

306

الثامنة- الصورة بحالها و الحج مندوب

، و الأجرة من الثلث إلا مع الإجازة كما تقدم. انتهى.

المسألة الحادية عشرة [حكم ما عين بالوصية للحج و لا يفي به أصلا]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو قصر ما عينه اجرة للحج عن ذلك بحيث لا يرغب فيه أجير أصلا فإنه يصرف في وجوه البر، و قيل يعود ميراثا.

و استدل في المنتهى على القول المشهور- بعد ان قطع به- بان هذا القدر من المال قد خرج عن ملك الورثة بالوصية النافذة، و لا يمكن صرفه في الطاعة التي عينها الموصى، فيصرف الى غيرها من الطاعات لدخولها في الوصية ضمنا.

و اعترضه في المدارك بأنه يتوجه عليه أولا- منع خروجه عن ملك الوارث بالوصية، لأن ذلك انما يتحقق مع إمكان صرفه فيها و المفروض امتناعه، و متى ثبت الامتناع المذكور كشف عن عدم خروجه عن ملك الوارث.

و ثانيا- ان الوصية انما تعلقت بطاعة مخصوصة و قد تعذرت، و غيرها لم يدل عليه لفظ الموصى نطقا و لا فحوى، فلا معنى لوجوب صرف الوصية إليه. الى ان قال: و من هنا يظهر قوة القول بعوده ميراثا.

و فصل المحقق الشيخ علي (قدس سره) في هذه المسألة فقال: ان كان قصوره حصل ابتداء بحيث لم يمكن صرفه في الحج في وقت ما كان ميراثا، و ان كان ممكنا ثم طرأ القصور بعد ذلك لطروء زيادة الأجرة و نحوه فإنه لا يعود ميراثا، لصحة الوصية ابتداء فخرج بالموت عن الوارث، فلا يعود اليه إلا بدليل و لم يثبت، غاية الأمر انه قد تعذر صرفه في الوجه المعين فيصرف في وجوه البر كما في المجهول المالك. و استوجهه الشارح (قدس سره) و لعل الحكم بعوده ميراثا مطلقا أقرب. انتهى.

307

أقول: و القول بالعود ميراثا منقول عن ابن إدريس و الشيخ في أجوبة المسائل الحائريات.

ثم لا يخفى ان كلامهم (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة- و خلافهم فيها و تعليل كل منهم ما اختاره بهذه التعليلات الواهية- انما نشأ عن عدم الوقوف على الاخبار التي وردت في هذه المسألة، و إلا فهي مكشوفة القناع واجبة الاتباع لا يعتريها مناقشة و لا نزاع، و هي متفقة الدلالة على القول المشهور متعاضدة المقالة على ذلك لا يعتريها قصور و لا فتور.

و منها-

ما رواه المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) عن علي بن مزيد صاحب الصابري (1) قال: «اوصى الي رجل بتركته و أمرني أن أحج بها عنه فنظرت في ذلك فإذا شيء يسير لا يكفي للحج. فسألت أبا حنيفة و فقهاء أهل الكوفة، فقالوا: تصدق بها عنه. فلما حججت لقيت عبد الله بن الحسن في الطواف فسألته و قلت له: ان رجلا من مواليكم من أهل الكوفة مات و اوصى بتركته الي و أمرني أن أحج بها عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من قبلنا من الفقهاء فقالوا: تصدق بها. فتصدقت بها، فما تقول؟ فقال لي:

هذا جعفر بن محمد في الحجر فأته و اسأله. قال: فدخلت الحجر فإذا أبو عبد الله (عليه السلام) تحت الميزاب مقبل بوجهه الى البيت يدعو، ثم التفت الي فرآني فقال:

ما حاجتك؟ فقلت: جعلت فداك اني رجل من أهل الكوفة من مواليكم فقال: دع ذا عنك، حاجتك. قلت: رجل مات و اوصى الي بتركته ان أحج بها

____________

(1) الفروع ج 2 ص 239 الطبع القديم، و التهذيب ج 9 ص 228، و الفقيه ج 4 ص 154، و في الوسائل الباب 37 و 87 من الوصايا. و اسم الراوي في الفروع هكذا: «علي بن فرقد صاحب السابري».

308

عنه، فنظرت في ذلك فلم يكف للحج، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا:

تصدق بها. فقال: ما صنعت؟ قلت: تصدقت بها، فقال: ضمنت إلا ان لا يكون يبلغ ان يحج به من مكة، فإن كان لا يبلغ ان يحج به من مكة فليس عليك ضمان، و ان كان يبلغ ان يحج به من مكة فأنت ضامن».

و الشيخ في التهذيب (1) رواه بحذف حكاية لقاء عبد الله بن الحسن هكذا:

«فلما حججت جئت الى ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلني الله فداك مات رجل و اوصى. الحديث» و هو- كما ترى- صريح في المدعى.

و من ما يدل على ان المال بالوصية ينتقل عن الورثة- و انه مع تعذر صرفه في ما اوصى به يجب صرفه في أبواب البر-

ما رواه المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) بأسانيدهم عن محمد بن الريان (2) قال: «كتبت الى ابي الحسن (عليه السلام)- و في الفقيه (3) يعني: علي بن محمد- اسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها، كيف يصنع بالباقي؟ فوقع (عليه السلام): الأبواب الباقية اجعلها في البر».

و من ما ينتظم في سلك هذا النظام و يلج في حيز هذا المقام

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (4) و الشيخ في التهذيب (5) عن ياسين الضرير عن ابي جعفر (عليه السلام) (6) في حديث يتضمن ان رجلا أوصى بألف درهم للكعبة فسأل أبا جعفر

____________

(1) ج 9 ص 228.

(2) الوسائل الباب 61 من الوصايا.

(3) ج 4 ص 162، و اللفظ هكذا: «كتبت إليه- يعني: علي بن محمد (عليهما السلام)- اسأله.».

(4) ج 4 ص 241.

(5) ج 9 ص 212.

(6) الوسائل الباب 22 من مقدمات الطواف.

309

(عليه السلام) فقال: ان الكعبة غنية عن هذا انظر الى من أم هذا البيت فقطع به أو ذهبت نفقته أو ضلت راحلته، و عجز ان يرجع الى أهله، فادفعها إلى هؤلاء».

و هذه الاخبار كلها- كما ترى- متفقة الدلالة واضحة المقالة في انه متى تعذر إنفاذ الوصية في الوجوه الموصى بها فإنها لا ترجع ميراثا كما توهموه، بل يجب صرفها في أبواب البر، و ان دل هذا الخبر الأخير على هذا المصرف الخاص.

و بذلك يظهر لك ما في قول صاحب المدارك بعد جوابه عن كلام العلامة:

و من هنا يظهر قوة القول بعوده ميراثا. و كذا ما في تفصيل الشيخ علي (قدس سره) بل استدلال العلامة (رفع الله مقامهم و مقامه) و لكن العذر لهم ظاهر في عدم الوقوف على هذه الاخبار. و هذا من ما يؤيد ما قدمناه في غير مقام من ان بناء الأحكام على هذه التخريجات- و ان كان ربما يتراءى منه الموافقة للقواعد- غير جيد، بل لا بد من النص القاطع في المسألة و إلا فالوقوف عن الحكم.

و الظاهر ان المتقدمين انما ذكروا هذه المسألة استنادا الى هذه الاخبار و لكن حيث لم تصل للمتأخرين تكلفوا هذه التعليلات العليلة. و الله العالم.

المسألة الثانية عشرة [الحج بالاستئجار و بالارتزاق]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان الحج كما يصح بالاستئجار يصح ايضا بالارتزاق بان يقول: حج عني و أعطيك نفقتك أو أعطيك كذا و كذا. و لو استأجره بالنفقة لم يصح للجهالة. كذا صرح به في التذكرة.

ثم ان الاستئجار ضربان: أحدهما- استئجار عين الشخص بان يقول المؤجر: آجرتك نفسي لا حج عنك أو عن ميتك بنفسي بكذا و كذا. و ثانيهما- إلزام ذمته بالعمل بأن يستأجره ليحصل له الحج اما بنفسه أو بغيره.

و قال العلامة في المنتهى: الإجارة على الحج على ضربين: معينة و في الذمة فالمعينة ان يقول له استأجرتك لتحج عني هكذا بكذا. فههنا يتعين على الأجير

310

فعلها مباشرة و لا يجوز له ان يستنيب غيره، لأن الإجارة وقعت على فعله بنفسه.

و لو قال: على ان تحج عني بنفسك. كان تأكيدا، لأن إضافة الفعل إليه في الصورة الأولى تكفي في ذلك. فلو استأجر النائب غيره لم تنعقد الأجرة. و اما التي في الذمة بأن يستأجره ليحصل له حجة فيقول: استأجرتك لتحصل لي حجة و يكون قصده تحصيل النيابة مطلقا، سواء كانت الحجة الصادرة عنه من الأجير أو من غيره، فان هذا صحيح و يجوز للأجير ان يستنيب فيها، لأنه كالمأذون له في فعل ما استؤجر فيه لغيره، و كان كما لو صرح له بالاستنابة.

أقول: و ينبغي ان يحمل على هذا القسم الثاني

ما رواه الشيخ عن عثمان بن عيسى عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: ما تقول في رجل يعطى الحجة فيدفعها الى غيره؟ قال: لا بأس».

و ما رواه في موضع آخر (2) عن عيثم ابن عيسى.

و بعض الأصحاب حمله على الاذن لفهمه منه الحمل على الصورة الاولى و الأظهر ما ذكرناه. و الله العالم.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 417، و في الوسائل الباب 14 من النيابة في الحج.

و المروي عنه هو الرضا (عليه السلام) و اللفظ هكذا: «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في الرجل.».

(2) التهذيب ج 1 ص 579 الطبع القديم، و في الطبع الحديث ج 5 ص 462 عن «عثمان بن عيسى» ايضا كما هو احدى النسختين في الطبع القديم.

311

المقدمة الرابعة في أقسام الحج

و لا خلاف بين العلماء في أنها ثلاثة: تمتع و قران و افراد، و على ذلك تدل الاخبار:

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد، و قران، و تمتع بالعمرة إلى الحج. و بها أمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الفضل فيها. و لا نأمر الناس إلا بها».

و ما رواه في الكافي و الفقيه عن منصور الصيقل (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الحج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتع، و حاج مقرن سائق الهدي، و حاج مفرد للحج».

و روي الصدوق (رحمه الله) في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير و زرارة بن أعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج و ساق الهدي و رجل أفرد الحج و لم يسق الهدي، و رجل تمتع بالعمرة إلى الحج».

و ينبغي ان يعلم ان حج التمتع انما نزل في حجة الوداع و ان الحج قبل ذلك انما هو حج قران أو افراد لحاضري مكة و البعيد عنها، و تخصيص هذين

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أقسام الحج. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(2) الوسائل الباب 1 من أقسام الحج.

(3) الخصال ج 1 ص 71، و في الوسائل الباب 1 من أقسام الحج.

312

الفردين بحاضري مكة و التمتع بالبعيد- كما دلت عليه الآية (1) و الرواية (2)- انما وقع بعد نزول حج التمتع يومئذ:

روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله عن آبائه (عليهم السلام) (3) قال: «لما فرغ رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من سعيه بين الصفا و المروة أتاه جبرئيل (عليه السلام) عند فراغه من السعي و هو على المروة، فقال: ان الله (تعالى) يأمرك أن تأمر الناس ان يحلوا إلا من ساق الهدي. فأقبل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) على الناس بوجهه، فقال: يا ايها الناس هذا جبرئيل- و أشار بيده الى خلفه- يأمرني عن الله (عز و جل) ان آمر الناس ان يحلوا إلا من ساق الهدي فآمرهم بما أمر الله به. فقام اليه رجل فقال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نخرج إلى منى و رؤسنا تقطر من النساء، و قال آخرون: يأمرنا بشيء و يصنع هو غيره.

فقال: يا ايها الناس لو استقبلت من امري ما استدبرت صنعت كما صنع الناس و لكني سقت الهدي و لا يحل من ساق الهدي حتى يبلغ الهدي محله. فقصر الناس و أحلوا و جعلوها عمرة. فقام إليه سراقة بن مالك بن جشعم المدلجي فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: بل لا بد الى يوم القيامة و شبك بين أصابعه. و انزل الله تعالى في ذلك قرآنا فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (4).

و قد استفاضت الاخبار بان أفضل الثلاثة للبعيد بعد الإتيان بالفرض هو

____________

(1) و هي قوله تعالى في سورة البقرة الآية 196 «ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ».

(2) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

(3) التهذيب ج 5 ص 25، و في الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

(4) سورة البقرة، الآية 196.

313

حج التمتع و ان جاز له القران و الافراد إلا انه خلاف الأفضل، و ربما ورد في بعض الاخبار تعيينه و انه لا يجوز غيره. و هو محمول على الفرض دون النافلة. و من ذلك ما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار.

و من ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة، لأن الله (تعالى) يقول فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2) فليس لأحد إلا ان يتمتع، لان الله (تعالى) انزل ذلك في كتابه و جرت به السنة من رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و هذا الخبر محمول على الفرض.

و ما رواه المشايخ الثلاثة (رضوان الله عليهم) في الصحيح عن إبراهيم بن أيوب الخزاز (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) اي أنواع الحج أفضل؟

فقال: التمتع، و كيف يكون شيء أفضل منه و رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يقول: لو استقبلت من امري ما استدبرت لفعلت مثل ما فعل الناس».

و ما رواه في الكافي عن احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن ابى جعفر الثاني (عليه السلام) (4) قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: المتمتع

____________

(1) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة الآية 195.

(3) الكافي ج 4 ص 291، و التهذيب ج 5 ص 29، و الفقيه ج 2 ص 204 و في الوسائل الباب 3 من أقسام الحج. و اسم الراوي في الكافي «أبو أيوب الخزاز» و في التهذيب «أبو أيوب إبراهيم بن عيسى» و في الفقيه «أبو أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز».

(4) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج.

314

بالعمرة إلى الحج أفضل من المفرد السائق للهدي».

و صحيحة زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المتعة و الله أفضل، و بها نزل القرآن و جرت السنة».

و صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

انى قرنت العام و سقت الهدي؟ فقال: و لم فعلت ذلك؟ التمتع و الله أفضل لا تعودن».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

قيل: و وجه التسمية، اما في الافراد فلانفصاله عن العمرة و عدم ارتباطه بها، و اما القران فلاقتران الإحرام بسياق الهدي، و اما التمتع فهو لغة: التلذذ و الانتفاع، و انما سمي هذا النوع بذلك لما يتخلل بين عمرته و حجه من التحلل المقتضى لجواز الانتفاع و التلذذ بما كان حرمه الإحرام قبله، مع الارتباط بينهما و كونهما كالشيء الواحد، فيكون التمتع الواقع بينهما كأنه حاصل في أثناء الحج أو لأنه يربح ميقاتا، لانه لو أحرم بالحج من ميقات بلده لكان يحتاج بعد فراغه من الحج الى ان يخرج إلى أدنى الحل فيحرم بالعمرة منه، و إذا تمتع استغنى عن الخروج، لانه يحرم بالحج من جوف مكة، قال الله تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (3) و معنى التمتع بها الى الحج الانتفاع بثوابها و التقرب بها الى الله (تعالى) قبل الانتفاع بالحج الى وقت الحج، فيجتمع حينئذ التقربان أو المنتفع بها إذا فرغ منها باستباحة ما كان محرما الى وقت التلبس بالحج، فالباء سببية. و هذان المعنيان ذكرهما الزمخشري في الكشاف و النيشابوري في تفسيره على ما نقله في المدارك.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج.

(3) سورة البقرة الآية 195.

315

و كيف كان فالكلام هنا يقع في مطلبين:

المطلب الأول في حج التمتع

و صورته: ان يحرم من الميقات بالعمرة التمتع بها ثم يدخل مكة فيطوف بالبيت سبعا و يصلي ركعتين بالمقام ثم يسعى بين الصفا و المروة سبعا و يقصر، و متى فعل ذلك أحل، ثم ينشئ إحراما آخر للحج من مكة يوم التروية على الأفضل و إلا فبقدر ما يعلم انه يدرك الموقف بعرفات، ثم يأتي عرفات فيقف بها الى غروب الشمس ثم يفيض الى المشعر و يبيت ليلة العاشر به و يقف به بعد طلوع الفجر ثم يفيض إلى منى فيحلق بها يوم النحر و يذبح هديه و يأكل منه و يرمي جمرة العقبة، ثم يأتي مكة في يومه لطواف الحج و صلاة ركعتيه و السعي بين الصفا و المروة و طواف النساء، ثم يعود إلى منى ليرمي بها ما تخلف من الجمار و ان شاء اقام بمنى حتى يرمي جماره الثلاث يوم الحادي عشر، و مثله يوم الثاني عشر، ثم ينفر بعد الزوال، و ان أقام إلى النفر الثاني جاز.

و تفاصيل هذه المسائل كما هو حقها يأتي- ان شاء الله تعالى- عند ذكرها مفصلة.

[كيفية حج النبي ص]

و ان أحببت الوقوف على صورة حج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في ذلك العام الذي نزل فيه حج التمتع فهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار-

و رواه في الكافي عنه ايضا- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم انزل الله (تعالى) عليه وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (2) فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 454، و الكافي ج 4 ص 245، و في الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) سورة الحج الآية 27.

316

أصواتهم بأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة و أهل العوالي و الاعراب فاجتمعوا لحج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)، و انما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون به فيتبعونه أو يصنع شيئا فيصنعونه، فخرج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في أربع بقين من ذي القعدة فلما انتهى الى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل ثم خرج حتى اتى المسجد الذي عند الشجرة فصلى فيه الظهر و عزم بالحج مفردا، و خرج حتى انتهى الى البيداء عند الميل الأول فصف الناس له سماطين، قلبي بالحج مفردا و ساق الهدي ستا و ستين أو أربعا و ستين حتى انتهى الى مكة في سلخ اربع من ذي الحجة، فطاف بالبيت سبعة أشواط ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم عاد الى الحجر فاستلمه و قد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ (1) فابدأوا بما بدأ الله (تعالى) به. و ان المسلمين كانوا يظنون ان السعي بين الصفا و المروة شيء صنعه المشركون فانزل الله (عز و جل) إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا (2) ثم اتى الصفا فصعد عليه و استقبل الركن اليماني فحمد الله و اثنى عليه و دعا مقدار ما يقرأ سورة البقرة مترسلا ثم انحدر إلى المروة فوقف عليها كما وقف على الصفا ثم انحدر و عاد الى الصفا فوقف عليها ثم انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه، فلما فرغ من سعيه و هو على المروة اقبل على الناس بوجهه فحمد الله (تعالى) و اثنى عليه ثم قال: ان هذا جبرئيل- و أومأ بيده الى خلفه- يأمرني أن آمر من لم يسق هديا ان يحل و لو استقبلت من امري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم و لكني سقت الهدي و لا ينبغي لسائق الهدي ان يحل حتى يبلغ الهدي محله. قال: فقال له رجل من

____________

(1) سورة البقرة الآية 158.

(2) سورة البقرة الآية 158.

317

القوم: لنخرجن حجاجا و شعورنا تقطر؟ فقال له رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): اما انك لن تؤمن بهذا ابدا. فقال له سراقة بن مالك بن جشعم الكناني: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) علمنا ديننا كأننا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟ فقال له رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): بل هو للأبد إلى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه، و قال: دخلت العمرة في الحج هكذا (1) الى يوم القيامة. قال: و قدم على من اليمن على رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): و هو بمكة فدخل (عليه السلام) على فاطمة (عليها السلام) و هي قد أحلت، فوجد ريحا طيبة و وجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال:

ما هذا يا فاطمة؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فخرج علي (عليه السلام) الى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مستفتيا فقال يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): اني رأيت فاطمة قد أحلت و عليها ثياب مصبوغة؟ فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): اني أمرت الناس بذلك فأنت يا على بما أهللت قال: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله). فقال له رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله):

قر على إحرامك مثلي و أنت شريكي في هديي. قال: و نزل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بمكة بالبطحاء هو و أصحابه و لم ينزل الدور، فلما كان يوم التورية عند زوال الشمس أمر الناس ان يغتسلوا و يهلوا بالحج، و هو قول الله (عز و جل) الذي أنزله على نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله): فاتبعوا ملة أبيكم إبراهيم (2) فخرج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أصحابه مهلين بالحج حتى اتى منى فصلى الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخر و الفجر، ثم غدا و الناس معه، و كانت قريش تفيض من المزدلفة و هي جمع و يمنعون الناس ان يفيضوا منها، فاقبل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و قريش ترجو ان تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فانزل الله (عز و جل) عليه:

____________

(1) لفظ «هكذا» في الوافي باب (حج نبينا (صلى اللّٰه عليه و آله).

(2) سورة آل عمران الآية 95 «فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً».

318

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ (1) يعني: إبراهيم و إسماعيل و إسحاق في إفاضتهم منها و من كان بعدهم، فلما رأت قريش أن قبة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قد مضت كأنه دخل في أنفسهم شيء للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى الى نمرة و هي بطن عرنة بحيال الأراك، فضربت قبته و ضرب الناس أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و معه قريش و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين، ثم مضى الى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون الى جانبها فنحاها ففعلوا مثل ذلك، فقال: ايها الناس ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف و لكن هذا كله، و أومأ بيده الى الموقف، فتفرق الناس، و فعل مثل ذلك بالمزدلفة، فوقف الناس حتى وقع القرص قرص الشمس، ثم أفاض و أمر الناس بالدعة حتى انتهى الى المزدلفة- و هو المشعر الحرام- فصلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين ثم اقام حتى صلى فيها الفجر، و عجل ضعفاء بني هاشم بليل، و أمرهم ان لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس، فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى الى منى فرمى جمرة العقبة، و كان الهدي الذي جاء به رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أربعا و ستين، أو ستا و ستين، و جاء علي (عليه السلام) بأربع و ثلاثين، أو ست و ثلاثين فنحر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ستا و ستين، و نحر علي (عليه السلام) أربعا و ثلاثين بدنة، و أمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يؤخذ من كل بدنة منها حذوة من لحم ثم تطرح في برمة ثم تطبخ، فأكل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و علي (عليه السلام) و حسيا من مرقها، و لم يعطيا الجزارين جلودها و لا جلالها و لا قلائدها و تصدق به، و حلق و زار البيت و رجع الى منى و اقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق، ثم رمى

____________

(1) سورة البقرة الآية 198.

319

الجمار و نفر حتى انتهى الى الأبطح، فقالت له عائشة: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا و ارجع بحجة؟ فأقام بالأبطح و بعث معها عبد الرحمن بن ابى بكر الى التنعيم فأهلت بعمرة، ثم جاءت فطافت بالبيت و صلت ركعتين عند مقام إبراهيم و سعت بين الصفا و المروة، ثم أتت النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فارتحل من يومه، و لم يدخل المسجد الحرام و لم يطف بالبيت. و دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين و خرج من أسفل مكة من ذي طوى».

أقول: عندي في هذا الخبر إشكال، لأنه تضمن ان عليا (عليه السلام) لم يعين في إهلاله حجا و لا عمرة، و انما قال: «إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)» فأقره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على ذلك و جعله شريكه في هديه الذي ساقه فكان حجه حينئذ حج قران مثله.

ثم ان الخبر تضمن ان الهدي الذي جاء به رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أربعة و ستون أو ستة و ستون و جاء علي (عليه السلام) بأربعة و ثلاثين أو ستة و ثلاثين. و هذا لا يخلو من نوع مدافعة لما تقدم، لأن عليا (عليه السلام) لم يهل بالقران الذي يقتضي سياق هذه البدن المذكورة و انما قال: «إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)» مع انه قال له: «أنت شريكي في هديي» فكيف يتم ان عليا (عليه السلام) اتى بهذه البدن معه و عقد بها إحرامه.؟

و الصدوق ابن بابويه في الفقيه (1) قد نقل مضمون الخبر و ان لم يسنده بما هو أوضح من هذا النقل و أسلم من هذا الاشكال، حيث انه ذكر بعد قوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «و أنت شريكي في هديي» قال: و كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ساق معه مائة بدنة، فجعل لعلي (عليه السلام) منها أربعا و ثلاثين و لنفسه ستا و ستين و نحرها كلها بيده.

الى ان قال: و كان علي (عليه السلام) يفتخر على الصحابة و يقول: من فيكم مثلي و انا شريك رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في هديه؟ من فيكم مثلي و انا الذي ذبح رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) هديي بيده؟.

انتهى.

____________

(1) ج 2 ص 153، و في الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

320

و من الظاهر ان الصدوق لا يذكره إلا بعد وصول الخبر له به، و ان لم يسنده في الكتاب المذكور. و هذا هو الصواب الذي لا يعتريه الاشكال و الارتياب. و يشير الى بعض ما ذكرناه ما في صحيحة الحلبي أو حسنته المروية في الكافي. (1) و الله العالم.

و تحقيق البحث في هذا المطلب ينتظم في مسائل

[المسألة] الأولى [فرض النائي عن مكة هو التمتع و حد البعد]

- اجمع العلماء (رضوان الله عليهم) على ان فرض من نأى عن مكة هو التمتع لا يجوز لهم غيره إلا مع الضرورة. قاله في التذكرة.

و في المنتهى: قال علماؤنا أجمع: فرض الله على المكلفين- ممن نأى عن المسجد الحرام و ليس من حاضريه- التمتع مع الاختيار لا يجزئهم غيره، و هو مذهب فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) قال: و أطبق الجمهور كافة على جواز النسك بأي الأنواع الثلاثة شاء و انما اختلفوا في الأفضل. ثم نقل اختلافهم في ذلك (2).

قيل: و الأصل في وجوب التمتع على النائي قوله تعالى فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. الى قوله ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (3) و الظاهر عود الإشارة الى جميع ما تقدم. و حكى المحقق في المعتبر عن بعض فضلاء العربية انهم قالوا: تقديره ذلك التمتع. و هو جيد لما نص عليه أهل العربية من ان «ذلك» للبعيد.

و استدل على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (4) في صدر المقدمة و صحيحة الحلبي المتقدمة ثمة (5).

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) المغني ج 3 ص 276.

(3) سورة البقرة الآية 195.

(4) ص 312.

(5) ص 313.

321

و صحيحته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحج، فقال: تمتع. ثم قال: انا إذا وقفنا بين يدي الله (تعالى) قلنا:

يا ربنا أخذنا بكتابك. و قال الناس: رأينا رأينا. و يفعل الله بنا و بهم ما أراد».

و رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من حج فليتمتع، انا لا نعدل بكتاب الله و سنة نبيه (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و روايته (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما نعلم حجا لله غير المتعة، انا إذا لقينا ربنا قلنا: ربنا عملنا بكتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) و يقوم القوم: عملنا برأينا. فيجعلنا الله و إياهم حيث يشاء».

و الظاهر ان التقريب فيها من جهة ان الخطاب فيها مع أهل الآفاق الخارجين عن حاضري مكة، و إلا فإن غاية ما تدل عليه هو أفضلية التمتع أو تعينه، و لا تعرض فيها لذكر النائي و لا غيره، و الأظهر هو الاستدلال بالأخبار الآتية كما سنشير اليه ان شاء الله تعالى.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الأصحاب قد اختلفوا في حد البعد المقتضي لتعين التمتع على البعيد على قولين:

أحدهما- و هو المشهور- انه عبارة عن ثمانية و أربعين ميلا من كل ناحية، ذهب اليه الشيخ في النهاية و التهذيب، و ابنا بابويه و أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم) و ربما ظهر من كلام الشيخ ان البعد انما يتحقق بالزيادة عن الثمانية و الأربعين. و الظاهر ان الأمر في ذلك هين، لأن الحصول على رأس المسافة المذكورة من غير زيادة و لا نقصان نادر.

و ثانيهما- انه عبارة عن اثنى عشر ميلا فما زاد من كل جانب، ذهب إليه

____________

(1) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

322

الشيخ في المبسوط، و ابن إدريس، و المحقق في الشرائع، مع انه رجع عنه في المعتبر و قال: انه قول نادر لا عبرة به. و به قال العلامة في الإرشاد.

و من أصحاب هذا القول من اعتبر هذا التقدير بالنسبة إلى مكة، و منهم من اعتبره بالنسبة الى المسجد الحرام، و هو قول الشيخ في بعض كتبه كما نقله العلامة في التذكرة.

و لم نقف للقائلين بهذا القول على دليل، و قد اعترف بذلك جملة من الأصحاب:

منهم- المحقق في المعتبر و الشهيد في الدروس و غيرهما، و قال في المختلف: و كأن الشيخ نظر الى توزيع الثمانية و الأربعين من الأربع جوانب فكان قسط كل جانب ما ذكرناه. ثم قال: و ليس بجيد. قال في المدارك: لان دخول ذات عرق و عسفان في حاضري مكة ينافي ذلك.

و المعتمد هو القول الأول، و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله (تعالى) في كتابه ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2)؟ قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة كل من كان اهله دون ثمانية و أربعين ميلا، ذات عرق و عسفان، كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية، و كل من كان اهله وراء ذلك فعليه المتعة».

و ذكر في القاموس: ان عسفان كعثمان: موضع على مرحلتين من مكة. و ذات عرق بالبادية ميقات أهل العراق.

و من ما يعضد ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبيد الله الحلبي و سليمان ابن خالد و ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ليس لأهل مكة- و لا لأهل مر، و لا لأهل سرف- متعة، و ذلك لقول الله عز و جل:

____________

(1) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة، الآية 195.

(3) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

323

ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» (1).

و بهذا المضمون رواية سعيد الأعرج (2).

قال في المعتبر: و معلوم ان هذه المواضع أكثر من اثني عشر ميلا. و يؤيده ما ذكره في القاموس: ان بطن «مر» موضع من مكة على مرحلة، و «سرف» ككتف موضع قرب التنعيم.

و روى في الكافي عن ابي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«قلت: لأهل مكة متعة؟ قال: لا، و لا لأهل البستان، و لا لأهل ذات عرق و لا لأهل عسفان و نحوها».

قال في الوافي: البستان بستان ابن عامر قرب مكة مجتمع النخلتين: اليمانية و الشامية.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن قول الله عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (5)؟ قال: ذلك أهل مكة ليس لهم متعة و لا عليهم عمرة، قال: قلت:

فما حد ذلك؟ قال: ثمانية و أربعون ميلا من جميع نواحي مكة دون عسفان و ذات عرق».

و عن علي بن جعفر (6) قال: «قلت لأخي موسى بن جعفر (عليه السلام): لأهل مكة ان يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؟ فقال: لا يصلح ان يتمتعوا لقول الله عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» (7).

أقول و بهذه الأخبار ينبغي ان يستدل على تعين التمتع على النائي و الفردين الآخرين على الحاضر، لا بتلك الأخبار المتقدمة، فإنها مجملة كما عرفت و ان كان ما وقفت عليه في كلام أصحابنا إنما اشتمل على الاستدلال بتلك الأخبار

____________

(1) سورة البقرة، الآية 195.

(2) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(5) سورة البقرة، الآية 195.

(6) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(7) سورة البقرة، الآية 195.

324

بقي الكلام في انه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي في الحسن عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1): «في قول الله عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2)؟ قال: من كان منزله على ثمانية عشر ميلا من بين يديها و ثمانية عشر ميلا من خلفها و ثمانية عشر ميلا عن يمينها و ثمانية عشر ميلا عن يسارها فلا متعة له، مثل «مر» و أشباهه».

قال في المدارك بعد ذكر الخبر المذكور: و يمكن الجمع بينه و بين صحيحة زرارة المتقدمة بالحمل على ان من بعد ثمانية عشر ميلا كان مخيرا بين الافراد و التمتع، و من بعد الثمانية و الأربعين تعين عليه التمتع.

و روى الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ؟ قال: ما دون الأوقات إلى مكة».

و عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «في حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ؟

قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد و ليس لهم متعة».

و هذان الخبران بحسب ظاهرهما لا يخلوان من الإشكال، لأن ما دون الأوقات أعم من ان يكون ثمانية و أربعين ميلا أو أزيد. و لا قائل بذلك. مع ظهور مخالفتهما لصحيحة زرارة المتقدمة و روايته الأخرى. و حينئذ فيجب تقييدهما بعدم الزيادة على الثمانية و أربعين ميلا.

و اما ما ذكره في الذخيرة بعد ذكر الاحتمال الذي ذكرناه- من انه يحتمل الحمل على التقية لموافقته المحكي عن أبي حنيفة- فلا اعرف له وجها، لأن المحكي عن أبي حنيفة- كما نقله في التذكرة، قال: و قال أبو حنيفة: و حاضر و المسجد الحرام

____________

(1) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة، الآية 195.

(3) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

325

أهل المواقيت و الحرم و ما بينهما (1)- مخالف لما دل عليه ظاهر الخبرين المذكورين من تفسير الحاضرين بمن دون المواقيت، المؤذن بخروج أصحاب المواقيت، فكيف يمكن حمل الخبرين على مذهبه؟

نعم يمكن ان يقال: ان أقرب المواقيت إلى مكة- كما ذكره في التذكرة- ذات عرق، و هي مرحلتان من مكة، و المرحلتان- كما سيأتي بيانه ان شاء الله (تعالى)- عبارة عن مسافة يومين. و قال في موضع آخر من التذكرة ايضا: ان قرن المنازل و يلملم و العتيق على مسافة واحدة، بينها و بين مكة ليلتان قاصدتان.

و على هذا فتكون هذه المواقيت من مكة على مسافة ثمانية و أربعين ميلا التي هي الحد الشرعي في ان من كان دونها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام، و إلا فلا.

و توضيح ذلك انهم قد ذكروا في مسافة التقصير انها عبارة عن أربعة و عشرين ميلا، و هو بياض يوم باتفاق الاخبار و الأصحاب، و ثمانية و أربعون ميلا عبارة عن يومين، و إذا ثبت ان هذه المواقيت على مسافة ثمانية و أربعين ميلا فكل من كان دونها إلى مكة فهو من حاضري المسجد الحرام. و به يصح معنى الخبرين من غير اشكال.

و يظهر هذا المعنى ايضا من رواية زرارة، حيث انه جعل فيها الحد لحاضري مكة هو ما دخل في مسافة ثمانية و أربعين ميلا من جميع نواحي مكة، ثم قال: دون عسفان و ذات عرق. فإنه ظاهر في كونهما على مسافة ثمانية و أربعين ميلا من مكة.

إلا انه ينقدح هنا اشكال آخر في المقام، و هو ان ظاهر صحيحة زرارة و رواية أبي بصير ان عسفان و ذات عرق من جملة حاضري مكة، و انهما داخلان

____________

(1) في بدائع الصنائع ج 2 ص 169: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة و أهل الحل الذين منازلهم داخل المواقيت الخمسة.

326

في مسافة الثمانية و الأربعين إلى مكة، مع انه في القاموس صرح بان عسفان على مرحلتين، و العلامة في التذكرة صرح بان ذات عرق على مرحلتين، و صاحب المدارك و غيره نقلوا ذلك، و لم يذكروا معنى المرحلة و انها عبارة عن ما ذا، و الذي وقفت عليه في تفسيرها ما ذكره الفيومي في المصباح، فإنه قال: و المرحلة المسافة التي يقطعها المسافر في نحو يوم، و الجمع مراحل. و ظاهر هذه العبارة كونها عبارة عن مسافة يوم، بان يكون «نحو» في كلامه بمعنى «مثل» كما هو الظاهر. و على هذا فتكون المرحلتان عبارة عن مسافة يومين. و في كتاب شمس العلوم قال: يقال: بينهما مرحلة، اي مسيرة يوم. و هو صريح في ما ذكرناه.

و من هنا ينقدح الاشكال المشار إليه، لأن الثمانية و الأربعين ميلا التي جعلت مناطا للفرق بين حاضري مكة و غيرهم عبارة عن يومين ايضا، لما عرفت من ما صرحوا به في مسافة التقصير من ما قدمنا ذكره آنفا. و بذلك يلزم الإشكال في صحيحة زرارة، و رواية أبي بصير، و كذا كلام الأصحاب الذين صرحوا بان عسفان و ذات عرق من توابع مكة، بمعنى انها داخلة في مسافة الثمانية و الأربعين ميلا، و الحال ان عسفان- كما ذكره في القاموس- على مرحلتين من مكة، و ذات عرق كذلك، كما تقدم في كلام العلامة في التذكرة، و بموجب كون المرحلتين عبارة عن مسافة يومين كما نقلناه عن أهل اللغة- و اليومان عبارة عن ثمانية و أربعين ميلا- يكون الموضعان المذكوران خارجين عن حدود مكة و ملتحقين بالآفاق الموجبة لحج التمتع. و لم أقف على من تنبه لذلك من أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و قد عرفت من ظاهر روايتي حماد بن عثمان و الحلبي ما يؤيد ما ذكره في القاموس و التذكرة من خروج هذين الموضعين عن حدود مكة و عدم الدخول في حاضري المسجد.

و احتمال حمل صحيحة زرارة و رواية أبي بصير على التقية- لما عرفت من ان

327

مذهب أبي حنيفة تفسير حاضري مكة بأهل المواقيت و أهل الحرم و ما بينهما- و ان أمكن إلا ان ظاهر صحيحة زرارة يشعر بان ذات عرق و عسفان داخلان في حدود المسافة المذكورة لا خارجان عنها.

و بالجملة فالمسألة محل توقف و اشكال، و لا مناص للخروج من الإشكال إلا بالطعن في عبارتي القاموس و التذكرة بأن الموضعين المذكورين على مرحلتين، بان يقال: انهما أقل من ذلك وقوفا على الصحيحة المذكورة، أو بان يقال: ان المرحلة ليست عبارة عن ما ذكر في المصباح و كتاب شمس العلوم بل أقل من ذلك. و الكل مشكل. و الله العالم.

المسألة الثانية [من فرضه التمتع يعدل إلى غيره عند الاضطرار]

- لا خلاف و لا إشكال في ان من كان فرضه التمتع فإنه لا يجوز له العدول اختيارا الى غيره و انما يجوز له مع الاضطرار بلا خلاف كضيق الوقت عن الإتيان بأفعال العمرة قبل الوقوف، أو حصول الحيض المانع من الإتيان بطواف العمرة و صلاة ركعتيه.

و من ما يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: «أضمر في نفسك المتعة فإن أدركت متمتعا و إلا كنت حاجا».

و ما رواه في الصحيح عن جميل بن دراج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي الى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر فتخرج الى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة».

قال ابن ابي عمير: كما صنعت عائشة.

و الاخبار في ذلك تأتي ان شاء الله تعالى.

____________

(1) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج، و الباب 21 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

328

نعم انه وقع الخلاف في حد الضيق الموجب للعدول، و كذا وقع الخلاف في الحائض.

و الكلام هنا يقع في مقامين

[المقام] الأول- في تحقيق حد الضيق الموجب للعدول:

فقال الشيخ المفيد (قدس سره): من دخل مكة يوم التروية و طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة فأدرك ذلك قبل مغيب الشمس أدرك المتعة، فإذا غابت الشمس قبل ان يفعل ذلك فلا متعة له، فليقم على إحرامه و يجعلها حجة مفردة و قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه (قدس سره): الحائض إذا طهرت يوم التروية قبل زوال الشمس فقد أدركت متعتها، و ان طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها، فتجعلها حجة مفردة. قيل: و هو منقول عن المفيد ايضا.

و قال الصدوق (قدس سره) في المقنع: فان قدم المتمتع يوم التروية فله ان يتمتع ما بينه و بين الليل، فان قدم ليلة عرفة فليس له ان يجعلها متعة بل يجعلها حجة مفردة، فإن دخل المتمتع مكة فنسي أن يطوف بالبيت و بالصفا و المروة حتى كان ليلة عرفة فقد بطلت متعته و يجعلها حجة مفردة.

و نقل الشهيد في الدروس عن الحلبي من قدماء أصحابنا انه قال: وقت طواف العمرة إلى غروب الشمس يوم التروية للمختار، و للمضطر الى ان يبقى ما يدرك عرفة في آخر وقتها.

و قال الشيخ في النهاية: فإذا دخل مكة يوم عرفة جاز له ان يتحلل ايضا ما بينه و بين زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فقد فاتته العمرة و كانت حجة مفردة.

و الى هذا القول ذهب ابن الجنيد و ابن حمزة و ابن البراج و السيد السند في المدارك و قال ابن إدريس: تبقى المتعة ما لم يفت اضطراري عرفة. و استقرب العلامة في المختلف اعتبار اختياري عرفة، و قواه في الدروس.

329

هذا ما حضرني في المسألة من أقوال أصحابنا (رضوان الله عليهم).

و اما الاخبار فهي مختلفة غاية الاختلاف، فمنها ما يدل على ما ذكره الشيخ في النهاية من فوات المتعة بزوال الشمس من يوم عرفة، و به استدل في المدارك:

كرواية جميل بن دراج عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة، و له الحج الى زوال الشمس من يوم النحر».

قال في المدارك: و هو نص في المطلوب.

و وصفها في المدارك بالصحة تبعا للشهيد في الدروس، مع ان في طريقها محمد ابن عيسى و هو مشترك، و لا قرينة على انه الأشعري. و هو كثيرا ما يرد هذا السند بالاشتراك، لاحتمال العبيدي و حديثه عنده في الضعيف. فوصفه بالصحة هنا سهو ظاهر نشأ من الاستعجال.

و مثل هذه الرواية

ما رواه في الكافي عن العدة عن سهل، رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في متمتع دخل يوم عرفة؟ قال: متعته تامة الى ان يقطع التلبية».

و قطع التلبية هنا كناية عن الزوال من يوم عرفة، لأنه وقت قطع التلبية و كيف كان فالخبران ضعيفان لا يصلحان للاستدلال على قاعدته.

و منها- ما يدل على العدول إذا خاف فوت الموقف، نحو

حسنة الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أهل بالحج و العمرة جميعا، ثم قدم مكة و الناس بعرفات، فخشي ان هو طاف و سعى بين الصفا و المروة أن يفوته الموقف؟ قال: يدع العمرة، فإذا أتم حجه صنع كما صنعت عائشة و لا هدي عليه».

____________

(1) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

330

و ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن يعقوب بن شعيب الميثمي (1) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس للمتمتع ان لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف فوت الموقفين».

قال في الوافي: في بعض النسخ: «ان يحرم من ليلة عرفة» مكان «ان لم يحرم من ليلة التروية».

أقول: الظاهر من الخبرين المذكورين ان المراد بالموقف فيهما الموقف الاختياري، بمعنى انه متى قدم مكة و الناس في عرفات، و خشي انه ان اشتغل بأفعال العمرة- و بينه و بين عرفات أربعة فراسخ- لم يلحق الموقف الاختياري، فإنه يدع العمرة و ينقل حجه الى الافراد و يبادر الى عرفات ليدرك الموقف الاختياري، و الحمل على الاضطراري- كما رجحه في الذخيرة- الظاهر بعده بل عدم استقامته. و لهذا ان صاحب المدارك اعتضد بحسنة الحلبي المذكورة بعد استدلاله برواية جميل.

و من الظاهر ان رواية جميل إنما أريد منها ذلك، فان المراد من قوله: «المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة» انه ان عرف انه يأتي بأفعال العمرة من الصبح على وجه يدرك الناس بعرفات بقي على متعته و أدرك الموقف، و ان عرف انه لا يفرغ منها إلا الى الزوال فإنه ينقل حجه الى الافراد و يمضي الى عرفة و يدرك الموقف.

و بهذا التقريب يرجع كلام الشيخ و الاخبار المذكورة الى ان المدار في ذلك على انه ان عرف ادراك الموقف بقي على ما اعتمر و بقي على متعته، و ان عرف فواته نقل نيته الى الافراد و بادر الى عرفات. و هو ما صرح به العلامة في المختلف و الشهيد في الدروس. و هو صريح عبارة الشيخ الآتي نقلها (2) عن التهذيب.

____________

(1) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(2) ص 337.

331

و على هذا القول يدل

صحيح زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون في يوم عرفة و بينه و بين مكة ثلاثة أميال و هو متمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: يقطع التلبية تلبية المتعة، و يهل بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، و يمضي الى عرفات فيقف مع الناس و يقضي جميع المناسك، و يقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم، و لا شيء عليه».

و هو ظاهر في العدول متى لم يدرك اختياري عرفة، و إلا فإن الاضطراري في الصورة المذكورة يمكن إدراكه.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن سرو (2)- و هو مجهول، إلا ان المحقق الشيخ حسن قال في كتاب المنتقى: محمد بن سرو، و هو ابن جزك، و الغلط وقع في اسم أبيه من الناسخين. و حينئذ فالخبر صحيح، لان محمد بن جزك ثقة- قال: «كتبت الى ابى الحسن الثالث (عليه السلام) ما تقول في رجل متمتع بالعمرة إلى الحج وافى غداة عرفة و خرج الناس من منى الى عرفات، اعمرته قائمة أو قد ذهبت منه؟ الى اي وقت عمرته قائمة إذا كان متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يواف يوم التروية و لا ليلة التروية، فكيف يصنع؟ فوقع (عليه السلام): ساعة يدخل مكة- ان شاء الله تعالى- يطوف و يصلي ركعتين و يسعى و يقصر و يخرج بحجته و يمضي إلى الموقف و يفيض مع الامام».

و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن محمد بن أبي حمزة عن بعض أصحابه عن ابى بصير-

و رواه في الفقيه عن ابى بصير (3)- قال: «قلت

____________

(1) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج. و في الاستبصار ج 2 ص 247 «و يحرم بحجته».

(3) الكافي ج 4 ص 447، و التهذيب ج 5 ص 475، و الفقيه ج 2 ص 242، و في الوسائل الباب 20 من أقسام الحج. و في غير الكافي: «و تلحق الناس بمنى فلتفعل».

332

لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل ان تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة؟ فقال: ان كانت تعلم انها تطهر و تطوف بالبيت و تحل من إحرامها و تلحق الناس فلتفعل».

و هو ظاهر- كما ترى- في اشتراط لحوق الناس في عرفات الذي هو عبارة عن الموقف الاختياري، كما أشار إليه في الخبر الأول بقوله: «و يفيض مع الامام».

و من ما يدخل في سلك نظام هذه الاخبار ايضا

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن محمد بن ميمون (1) قال: «قدم أبو الحسن (عليه السلام) متمتعا ليلة عرفة فطاف و أحل و اتى بعض جواريه، ثم أهل بالحج و خرج».

و منها- ما يدل على ان الاعتبار بإدراك الناس بمنى، بمعنى انه ان امكنه الإتيان بالعمرة و ادراك الناس بمنى أدرك التمتع و إلا فلا.

و من ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المتمتع يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة ما أدرك الناس بمنى».

و في الصحيح عن مرازم بن حكيم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المتمتع يدخل ليلة عرفة مكة، أو المرأة الحائض، متى يكون لهما المتعة؟ قال: ما أدركوا الناس بمنى».

____________

(1) الكافي ج 4 ص 443، و الفقيه ج 2 ص 242، و في الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

333

و في الموثق عن ابن بكير عن بعض أصحابنا (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة متى تكون؟ قال: يتمتع ما ظن انه يدرك الناس بمنى».

و في الصحيح عن هشام و مرازم و شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في الرجل المتمتع يدخل ليلة عرفة فيطوف و يسعى ثم يحل ثم يحرم و يأتي منى؟

قال: لا بأس».

و عن ابي بصير (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة تجيء متمتعة فتطمث قبل ان تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة؟ فقال: ان كانت تعلم انها تطهر و تطوف بالبيت و تحل من إحرامها و تلحق الناس بمنى فلتفعل».

و رواية شعيب العقرقوفي (4) قال: «خرجت انا و حديد فانتهينا الى البستان يوم التروية، فتقدمت على حمار فقدمت مكة، فطفت و سعيت و أحللت من تمتعي، ثم أحرمت بالحج، و قدم حديد من الليل، فكتبت الى ابي الحسن (عليه السلام) أستفتيه في امره؟ فكتب الي: مره يطوف و يسعى و يحل من متعته، و يحرم بالحج و يلحق الناس بمنى، و لا يبيتن بمكة».

و منها- ما يدل على توقيت التمتع بآخر نهار التروية:

و منه-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عيص بن القاسم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر تفوته المتعة؟

____________

(1) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(2) التهذيب ج 5 ص 171، و في الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج. و قد نقل الحديث ص 331 عن المشايخ الثلاثة، و لم يذكر فيه لفظ «بمنى» كما هي رواية الكليني (قدس سره).

(4) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(5) التهذيب ج 5 ص 172، و في الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

334

فقال: لا، له ما بينه و بين غروب الشمس. و قال: قد صنع ذلك رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و ما رواه عن إسحاق بن عبد الله (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المتمتع يدخل مكة يوم التروية؟ فقال: للمتمتع ما بينه و بين الليل».

و ما رواه في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«إذا قدمت مكة يوم التروية و أنت متمتع فلك ما بينك و بين الليل ان تطوف بالبيت و تسعى و تجعلها متعة».

و ما رواه عن عمر بن يزيد ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا قدمت مكة يوم التروية، و قد غربت الشمس فليس لك متعة، امض كما أنت بحجك».

و ما رواه عن زكريا بن عمران (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع إذا دخل يوم عرفة؟ قال: لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة».

و ما رواه عن إسحاق بن عبد الله عن ابي الحسن (عليه السلام) (5) قال: «المتمتع إذا قدم ليلة عرفة فليست له متعة، يجعلها حجة مفردة، إنما المتعة إلى يوم التروية».

و ما رواه عن موسى بن عبد الله (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع يقدم مكة ليلة عرفة؟ قال: لا متعة له، يجعلها حجة مفردة و يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة و يخرج إلى منى، و لا هدى عليه، انما الهدي على المتمتع».

____________

(1) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج. و قد أورد اسم الراوي كما جاء في الاستبصار ج 2 ص 249. و في التهذيب ج 5 ص 173 «زكريا بن آدم».

(5) التهذيب ج 5 ص 173، و في الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(6) التهذيب ج 5 ص 173، و في الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

335

و ما رواه عن علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن الرجل و المرأة يتمتعان بالعمرة إلى الحج، ثم يدخلان مكة يوم عرفة، كيف يصنعان؟ قال: يجعلانها حجة مفردة، و حد المتعة إلى يوم التروية».

و منها- ما يدل على التوقيت بزوال الشمس من يوم التروية،

كصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل ان تحل، متى تذهب متعتها؟ قال:

كان جعفر (عليه السلام) يقول: زوال الشمس من يوم التروية. و كان موسى (عليه السلام) يقول: صلاة الصبح من يوم التروية. فقلت: جعلت فداك عامة مواليك يدخلون يوم التروية و يطوفون و يسعون ثم يحرمون بالحج؟ فقال:

زوال الشمس. فذكرت له رواية عجلان ابي صالح فقال: لا، إذا زالت الشمس ذهبت المتعة. فقلت: فهي على إحرامها أو تجدد إحرامها للحج؟ فقال: لا هي على إحرامها. فقلت فعليها هدي؟ فقال: لا، إلا ان تحب ان تطوع. الحديث».

أقول: و رواية عجلان ابي صالح هي

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن درست عن عجلان ابي صالح (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(3) روى الكليني هذا الحديث في الكافي ج 4 ص 446 بطريقين، و نقل في الوسائل الحديثين في الباب 84 من الطواف برقم 2 و 6. و قوله (عليه السلام): «فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين ثم سعت بين الصفا و المروة» يختص به أحد الطريقين و ينتهي بقوله: «ما خلا فراش زوجها» و الطريق الثاني يفقد الفقرة المتقدمة و يشتمل على تتمة، و هي قول الراوي: و كنت انا و عبيد الله بن صالح. الى آخره. و المصنف (قدس سره) جمع بين ألفاظ الطريقين و نقل الحديث بالصورة المذكورة.

336

متمتعة قدمت مكة فرأت الدم، كيف تصنع؟ قال: تسعى بين الصفا و المروة و تجلس في بيتها، فان طهرت طافت بالبيت، و ان لم تطهر فإذا كان يوم التروية أفاضت عليها الماء و أهلت بالحج و خرجت إلى منى فقضت المناسك كلها، فإذا قدمت مكة طافت بالبيت طوافين ثم سعت بين الصفا و المروة، فإذا فعلت ذلك فقد حل لها كل شيء ما عدا فراش زوجها. قال: و كنت انا و عبيد الله بن صالح سمعنا هذا الحديث في المسجد، فدخل عبيد الله علي ابي الحسن (عليه السلام) فخرج الي فقال: قد سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رواية عجلان فحدثني بنحو ما سمعنا من عجلان».

أقول: ظاهر هذا الحديث- كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى في المقام الثاني- هو البقاء على المتعة من غير عدول، و قضاء طواف العمرة بعد الإتيان بالمناسك

و روى في الكتاب المذكور (1) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج في حديث طويل قال: «أرسلت الى ابى عبد الله (عليه السلام) ان بعض من معنا من صرورة النساء قد اعتللن، فكيف تصنع؟ قال: فلتنظر ما بينها و بين التروية فإن طهرت فلتهل بالحج، و إلا فلا يدخل عليها يوم التروية إلا و هي محرمة».

و روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية؟ قال: تمضي كما هي الى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر، و تخرج الى التنعيم فتحرم و تجعلها عمرة» و زاد في التهذيب (3): قال ابن ابى عمير: «كما صنعت عائشة».

____________

(1) ج 4 ص 300 و 301، و في الوسائل الباب 9 و 21 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(3) ج 5 ص 390.

337

و قد تقدم في رواية علي بن يقطين: «و حد المتعة إلى يوم التروية».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (1): و إذا حاضت المرأة من قبل ان تحرم فعليها أن تحتشي إذا بلغت الميقات و تغتسل و تلبس ثياب إحرامها و تدخل مكة و هي محرمة، و لا تقرب المسجد الحرام، فان طهرت ما بينها و بين يوم التروية قبل الزوال فقد أدركت متعتها، فعليها ان تغتسل و تطوف بالبيت و تسعى بين الصفا و المروة و تقضي ما عليها من المناسك، و ان طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها، فتجعلها حجة مفردة.

و لا يخفى ان عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة إنما أخذت من هذه العبارة، على عادته التي أشرنا إليها في غير موضع من ما تقدم.

و منها- ما يدل على التحديد بسحر عرفة،

كما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الى متى يكون للحاج عمرة؟ قال: الى السحر من ليلة عرفة».

أقول: لا يخفى ما في هذه الاخبار من الاشكال و الداء العضال و التدافع بينها في هذا المجال.

قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب: المتمتع بالعمرة إلى الحج تكون عمرته تامة ما أدرك الموقفين، سواء كان ذلك يوم التروية أو ليلة عرفة أو يوم عرفة الى بعد زوال الشمس، فإذا زالت الشمس من يوم عرفة فقد فاتت المتعة، لأنه لا يمكنه ان يلحق الناس بعرفات و الحال على ما وصفناه. إلا ان مراتب الناس تتفاضل في الفضل و الثواب، فمن أدرك يوم التروية عند زوال الشمس يكون ثوابه

____________

(1) ص 30.

(2) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج.

338

أكثر و متعته أكمل ممن لحق بالليل، و من أدرك بالليل يكون ثوابه دون ذلك و فوق من يلحق يوم عرفة الى بعد الزوال. و الاخبار التي وردت- في ان من لم يدرك يوم التروية فقد فاتته المتعة- المراد بها فوت الكمال الذي يرجوه بلحوقه يوم التروية. و ما تضمنت من قولهم (عليهم السلام): «و يجعلها حجة مفردة» فالإنسان بالخيار في ذلك بين ان يمضي المتعة و بين ان يجعلها حجة مفردة إذا لم يخف فوت الموقفين و كانت حجته غير حجة الإسلام التي لا يجوز فيها الافراد مع الإمكان حسبما بيناه، و انما يتوجه وجوبها و الحتم على ان تجعل حجة مفردة لمن غلب على ظنه انه ان اشتغل بالطواف و السعي و الإحلال ثم الإحرام بالحج يفوته الموقفان. و مهما حملنا هذه الاخبار على ما ذكرناه لم يكن قد دفعنا شيئا منها. انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: و هذا الكلام جيد في حد ذاته إلا ان انطباق الاخبار عليه في غاية الاشكال، و ان كان أصحابنا قد تلقوه بالقبول في هذا المجال، فإن الأخبار الدالة على التوقيت بيوم التروية قد دلت جملة منها على انه بعد انقضاء يوم التروية فلا متعة له بل يجعلها حجة مفردة، فقوله-: ان المراد بفوات المتعة يوم التروية فوات الكمال- لا يلائم الأمر بالعدول الى الافراد الذي هو حقيقة في الوجوب.

و اما قوله في الجواب عن ذلك-: انه محمول على غير حجة الإسلام، و انه مخير في ذلك بين ان يمضي المتعة و بين ان يجعلها حجة مفردة- ففيه أولا- مع عدم ظهور قرينة على الحمل على غير حجة الإسلام، و كذا على التخيير الذي ادعاه- ان ظاهر الأمر بالعدول الى حجة الافراد- بناء على تسليم ما ذكره- يقتضي ان الأفضل هو الافراد ان جاز المضي على التمتع، مع ان الروايات قد استفاضت بأفضلية حج التمتع في مثل هذه الصورة، و عاضدها اتفاق

339

كلمة الأصحاب على ذلك ايضا، فكيف يجعل الأفضل هنا حج الافراد، و تتفق هذه الأخبار على ان الأفضل حج الافراد في صورة الاستحباب كما زعمه؟

و العلامة في المنتهى حمل الأخبار المشار إليها على من خاف فوت الموقفين للجمع بين الروايات.

و لا يخفى ما فيه، فان من جملة الأخبار المشار إليها صحيحة جميل بن دراج المتقدمة، و هي قد اشتملت على القدوم يوم التروية الذي يخرج الناس فيه بالحج، مع انه أمر المرأة بالمضي الى عرفات و ان تجعلها حجة مفردة، و نحوها الأخبار الأخر فإنها ظاهرة في إدراك الموقف الاختياري كما لا يخفى.

و ثانيا- ان صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ظاهرة بل صريحة في حج الإسلام، لقوله فيها: «ان بعض من معنا من صرورة النساء» و المراد بالصرورة انما هو من لم يحج كما عرفت آنفا، فهو ظاهر في كون حج المرأة المذكورة انما هو حج الإسلام، و مع ذلك جعل المناط فيها يوم التروية، فإن طهرت أحلت في يوم التروية و إلا مضت في إحرامها تنقله الى الافراد.

و ثالثا-

قول الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه (1): «و ان طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة».

و هي صريحة في المدعى. و قد عرفت من ما قدمنا في غير موضع ان الكتاب معتمد، و منه أخذ علي بن الحسين بن بابويه عبارته المتقدمة، كما نبهنا عليه مرارا في ما سلف.

و من ما يعضد كلامه في الكتاب المذكور صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع عنه (عليه السلام) (2).

و بالجملة فإن الأخبار المذكورة ظاهرة تمام الظهور في ما قلناه، و لهذا

____________

(1) ص 30.

(2) ص 335.

340

ذهب المشايخ المتقدم ذكرهم الى القول بمضمونها. و تأويل الشيخ (رضوان الله عليه) لها بما ذكره بعيد غاية البعد، لكن أصحابنا المتأخرين حيث رأوا الأخبار بهذا الاختلاف الزائد و لم يهتدوا الى وجه يجمعون به بينها جمدوا على كلام الشيخ المذكور.

و الأظهر عندي في اختلاف هذه الاخبار انما هو الحمل على التقية، على الوجه الذي قدمنا ذكره في المقدمة الاولى من مقدمات الكتاب، من انهم (عليهم السلام) كثيرا ما يلقون الاختلاف بين الشيعة في الأحكام لما يرونه من المصلحة التي تقدمت الإشارة إليها في المقدمة المذكورة و ان لم يكن شيء منها مذهبا للعامة.

و أنت خبير بان روايات التحديد بإدراك منى، و كذا روايات التحديد بآخر نهار التروية، و روايات التحديد بيوم التروية، كلها متقاربة يمكن حمل بعضها على بعض، و المخالفة التامة إنما تحصل بين هذه الاخبار و الاخبار الأولة الدالة على ان المدار في ذلك على ادراك الموقفين. و الجمع بينهما- كما عرفت- مشكل. و يمكن ترجيح الأخبار الأولة بأنها أوفق بقواعد الاخبار و الأصحاب، و الثانية بأنها أكثر عددا.

و ظاهر الفاضل الخراساني في الذخيرة الميل الى ما ذهب اليه الشيخ المفيد و ابن بابويه، حيث قال: و لا يخفى ان مقتضي صحيحة جميل تعين العدول يوم التروية، و مقتضى صحيحة محمد بن إسماعيل توقيت متعتها بزوال الشمس يوم التروية. و الاولى العمل بذلك كما هو محكي عن علي بن بابويه و المفيد، و قد سبق حكايته. انتهى.

و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال. و لعل الترجيح للقول المشهور. و الله العالم

المقام الثاني [حكم الحائض و النفساء إذا ضاق بهما الوقت عن التحلل]

- المشهور بين الأصحاب ان الحائض و النفساء إذا منعهما عذرهما عن التحلل و إنشاء الإحرام بالحج لضيق الوقت فإنهما تبقيان على إحرامهما و تنقلان حجهما الى الافراد.

341

و ظاهر العلامة في المنتهى دعوى الإجماع على ذلك، حيث قال: إذا دخلت المرأة مكة متمتعة طافت و سعت و قصرت ثم أحرمت بالحج كما يفعل الرجل سواء فان حاضت قبل الطواف لم يكن لها ان تطوف بالبيت إجماعا، لأن الطواف صلاة (1) و لأنها ممنوعة من الدخول الى المسجد. و تنتظر الى وقت الوقوف بالموقفين، فان طهرت و تمكنت من الطواف و السعي و التقصير و إنشاء الإحرام بالحج و ادراك عرفة صح لها التمتع، و ان لم تدرك ذلك و ضاف عليها الوقت و استمر بها الحيض الى وقت الوقوف بطلت متعتها و صارت حجتها مفردة، ذهب إليه علماؤنا اجمع.

و نقل في المدارك عن الشهيد في الدروس انه حكى عن علي بن بابويه و ابى الصلاح و ابن الجنيد قولا بأنها مع ضيق الوقت تسعى ثم تحرم بالحج و تقضي طواف العمرة مع طواف الحج.

قال في المدارك بعد نقل القولين المذكورين: و المعتمد الأول، لنا ما رواه الشيخ عن الحسين بن سعيد. ثم أورد صحيحة جميل المتقدمة (2) ثم أردفها بصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع المتقدمة أيضا. و قال بعدها: قال في المنتهى:

و هذا الحديث كما يدل على سقوط وجوب الدم يدل على الاجتزاء بالإحرام الأول. و اما اختلاف الإمامين (عليهما السلام) في فوات المتعة فالضابط فيه ما تقدم من انه إذا أدركت أحد الموقفين صحت متعتها إذا كانت قد طافت و سعت و إلا فلا. و قد تقدم البحث فيه. ثم قال في المدارك: هذا كلامه و هو جيد.

____________

(1) في حديث أبي حمزة في الوسائل الباب 38 من الطواف: «. إلا الطواف فان فيه صلاة» و في سنن الدارمي ج 1 ص 374 عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله):

«الطواف بالبيت صلاة».

(2) ص 336.

342

أقول: لا ريب ان البناء على هذا الضابط موجب لرد هذه الاخبار البتة إذ من المعلوم عند كل ذي سمع و دراية ان الداخل إلى مكة يوم التروية في أوله أو آخره لا يفوته الموقف بعد الإتيان بأفعال العمرة، مع انهم (عليهم السلام) حكموا بفوات المتعة في الصحيحين المذكورين بزوال الشمس من يوم التروية أو من أول صبحه. و هكذا في الروايات المتقدمة. و لكنهم (رضوان الله عليهم) لعدم ظهور الجواب لديهم عن هذه الاخبار يرمون بهذا الكلام الذي لا يخرج عن الجزاف بل ارتكاب التحمل و الاعتساف.

و بالجملة فإن الاستدلال بهاتين الصحيحتين و أمثالهما يتوقف على القول بمضمونهما و هم لا يقولون بذلك، و تأويلهم لا ينطبق عليهما، فكيف يصح منهم الاستدلال بهما؟ نعم يصح الاستدلال بهما في الجملة أعم من ان يكون الاعتبار في العدول بما دلت عليه أو ما دلت عليه الاخبار الأولة.

و يدل على ذلك

ما رواه ابن بابويه في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المرأة تجيىء متمتعة فتطمث قبل ان تطوف بالبيت حتى تخرج الى عرفات؟ فقال: تصير حجة مفردة، و عليها دم أضحيتها».

و اما ما يدل على القول الثاني فروايات: منها- رواية عجلان ابي صالح المتقدمة (2).

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (3) في الصحيح عن العلاء بن صبيح، و عبد الرحمن بن الحجاج، و علي بن رئاب، و عبد الله بن صالح، كلهم

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 240 و في الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.

(2) ص 335 و 336.

(3) ج 4 ص 445، و في الوسائل الباب 84 من الطواف.

343

يروونه عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها و بين التروية، فإن طهرت طافت بالبيت و سعت بين الصفا و المروة، و ان لم تطهر الى يوم التروية اغتسلت و احتشت ثم سمعت بين الصفا و المروة، ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك و زارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها ثم طافت طوافا للحج ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت أسبوعا آخر حل لها فراش زوجها».

و ما رواه في الكافي عن عجلان ايضا (1) «انه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا اعتمرت المرأة ثم اعتلت قبل ان تطوف قدمت السعي و شهدت المناسك، فإذا طهرت و انصرفت من الحج قضت طواف العمرة و طواف الحج و طواف النساء، ثم أحلت من كل شيء».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن يونس بن يعقوب عن رجل (2) «انه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول، و سئل عن امرأة متمتعة طمثت قبل ان تطوف فخرجت مع الناس الى منى. فقال: أو ليس هي على عمرتها و حجتها فلتطف طوافا للعمرة و طوافا للحج».

و هو ظاهر في بقائها على عمرتها و حجتها، و انها تطوف بعد قضاء المناسك و تسعى ايضا، و انما سكت عنه لظهوره و معلوميته.

قال في المدارك بعد نقل صحيحة العلاء بن صبيح و عبد الرحمن بن الحجاج و علي بن رئاب المتقدمة: و الجواب انه بعد تسليم السند و الدلالة يجب الجمع بينها و بين الروايات السابقة المتضمنة للعدول الى الافراد بالتخيير بين الأمرين.

____________

(1) الوسائل الباب 84 من الطواف.

(2) الوسائل الباب 84 من الطواف.

344

أقول: لا أعرف في مناقشته في سند الرواية و دلالتها هنا وجها غير مجرد التسجيل، و هو قد نقل في كتابه السند بهذه الصورة: الكليني عن عدة من أصحابنا عن احمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن ابي عمير عن حفص بن البختري عن الجماعة المتقدم ذكرهم. و ليس في السند من يتوقف في شأنه إلا العلاء بن صبيح و عبد الله بن صالح، و هما مشتركان في النقل مع علي بن رئاب و عبد الرحمن بن الحجاج المتفق على توثيقهما. و اما الدلالة فهي أظهر من ان تنكر.

أقول: و الأظهر في الجمع بين روايات المسألة هو ما دل عليه

ما رواه في الكافي عن ابى بصير (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في المرأة المتمتعة: إذا أحرمت و هي طاهر، ثم حاضت قبل ان تقضي متعتها، سعت و لم تطف حتى تطهر ثم تقضى طوافها و قد تمت عمرتها، و ان هي أحرمت و هي حائض لم تسع و لم تطف حتى تطهر».

و على هذا فتحمل اخبار البقاء على المتعة و قضاء طواف العمرة بعد المناسك على ما إذا أحرمت و هي طاهر. و هذا هو ظاهر الأخبار المشار إليها، كصحيحة الجماعة المتقدمة، حيث قال فيها: «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت» و هو ظاهر في كون إحرامها من الميقات و هي طاهر. و كذا رواية عجلان (2) و قوله فيها: «قدمت مكة فرأت الدم» و هكذا الروايات الباقية. و اما روايات العدول الى الافراد فبعضها ما هو ظاهر في ذلك و بعضها يحتاج إلى تأويل.

و هذا التفصيل الذي تضمنته هذه الرواية هو ظاهر عبارة

كتاب الفقه

____________

(1) الوسائل الباب 84 من الطواف.

(2) ص 335 و 336.

345

الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1) على اثر العبارة التي قدمناها: و ان حاضت بعد ما أحرمت سعت بين الصفا و المروة و فرغت من المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإذا طهرت قضت الطواف بالبيت و هي متمتعة بالعمرة إلى الحج، و عليها ثلاثة أطواف: طواف للمتعة و طواف للحج و طواف للنساء.

أقول: و من هذه العبارة أخذ علي بن الحسين مذهبه المنقول عنه.

و صدر العبارة الذي قدمناه صريح في فرض تقدم الحيض على الإحرام، و الحكم مع ضيق الوقت بالعدول الى حج الافراد. و هذه العبارة صريحة في تقدم الإحرام على الحيض، و ان الحكم بقاء على متعتها و تقديم السعي و قضاء طواف العمرة بعد الإتيان بأفعال الحج.

و الى هذا المعنى أشار

الصدوق في الفقيه (2) حيث قال: و انما لا تسعى الحائض التي حاضت قبل الإحرام بين الصفا و المروة و تقضي المناسك كلها، لأنها لا تقدر ان تقف بعرفة إلا عشية عرفة، و لا بالمشعر إلا يوم النحر، و لا ترمي الجمار إلا بمنى، و هذا إذا طهرت قضته.

انتهى.

و هو (رحمه الله) قد قدم رواية عجلان ابى صالح (3) المتضمنة للأمر بالسعي للمرأة المتمتعة التي دخلت مكة فحاضت، فجعل هذا الكلام في مقابلة ما دلت عليه الرواية. و فيه إشارة إلى التفصيل المذكور.

و لعل مراده (طاب ثراه) انه انما تعدل في صورة تقدم الحيض على الإحرام الى الافراد لأنها لم تدرك شيئا من عمرتها طاهرة، و قد ضاق عليها وقت الحج، و أفعاله مخصوصة بأوقات معينة لا يمكن التقديم فيها و لا التأخير،

____________

(1) ص 30.

(2) ج 2 ص 242.

(3) الفقيه ج 2 ص 239.

346

بخلاف العمرة، فإنه إذا لم يتمكن من الإتيان بها أولا جاز العدول الى الحج و الإتيان بأفعاله المذكورة في أوقاتها المعينة، ثم الإتيان بالعمرة مفردة بعد ذلك. و اما في صورة تقدم الإحرام على الحيض فإنها أدركت إحرام العمرة طاهرة، فجاز لها البناء عليه و البقاء على حجها تمتعا ثم السعي بين الصفا و المروة، و تأخير الطواف و ركعتين الى بعد الفراغ من أفعال الحج و طهرها، ثم تأتي به مع طواف الحج و طواف النساء.

قال شيخنا المولى محمد تقي المجلسي- في شرحه على الفقيه بعد ذكر العبارة المذكورة- ما هذه ترجمته: و الحائض التي حاضت قبل الإحرام انما لا تسعى بين الصفا و المروة لتأتي بجميع المناسك مع حج التمتع، لانه لا تقدر عليه نية عمرة التمتع، لأنها تعلم أن لأفعال الحج أوقاتا مخصوصة لو لم تفعلها في تلك الأوقات لم تصح حجتها، مثل الوقوف بعرفات فإنه لا يصح إلا عشية عرفة، و بالمشعر فلا يصح إلا يوم النحر، و رمى الجمار. و إذا كانت في حال إحرامها حائضا فظنت عدم النقاء الى يوم العاشر لا تقدر أن تنوي عمرة التمتع فيتعين عليها نية حج الإفراد. فاما إذا لم تكن عند الإحرام حائضا تقدر أن تنوي عمرة التمتع، بل يجب عليها لاحتمال عدم طروء الدم، فإذا نؤتها أتمتها و لو حاضت بعد ذلك و لكن لا تطوف، فإذا طهرت طافت طواف العمرة ثم تطوف طواف الحج. الى آخر أفعاله. و هذا وجه في الجمع بين الأخبار الواردة في هذا الباب. و الاختلاف هنا وقع في أمرين: أحدهما- ان الحائض تأتي بالتمتع أو الافراد. الثاني- في إدراك عرفة. و أكثر الفضلاء خلطوا بين الاخبار و جعلوها متفقة غير مختلفة. اما الخلاف في الأمر الأول ففيه ثلاثة أقوال:

الأول- ان الحائض و النفساء إذا دخلتا مكة و اتسع وقتهما صبرتا الى اليوم الثامن بل الى زوال اليوم التاسع، فان طهرتا و اتسع وقتهما للاغتسال و الإتيان بأقل

347

واجب من الطواف و ركعتيه و السعي و تجديد الإحرام للحج و ادراك الوقوف بعرفات تمتعا، و ان فاتهما الحج بالاشتغال بأفعال العمرة بعدم اتساع الوقت أو عدم الرفقة الى عرفات و خوفهما على أنفسهما أو بضعهما نقلتا نيتهما من العمرة إلى الحج و حجتا حج الافراد. و ليس في هاتين الصورتين خلاف يعتد به، انما معظم الخلاف في انهما لو أمكنهما الإتيان بأفعال العمرة و الحج كليهما، بان تأتيا بأفعال العمرة مع عدم النقاء إلا الطواف، و تجددا الإحرام للحج، و تؤخرا طواف العمرة إلى النقاء فتأتيان به مع طواف الزيارة و طواف النساء، هل تتمتعان أو تنتقلان الى الافراد؟ ذهب الى الأول جماعة من القدماء و جمع من المتأخرين، و أكثر الأصحاب أوجبوا النقل الى حج الافراد و تأتى بعد ذلك بعمرة مفردة. و ذهب جمع من الأصحاب إلى القول بالتخيير. و لا يخلو من قوة. و ظني رجحان هذا القول مع أفضلية التمتع. و فيه قول آخر بالتفصيل- كما ذكره الصدوق (رحمه الله)- بأنهما متى كانتا عند الإحرام طاهرتين تمتعا و إلا افردتا. انتهى كلامه. و انما نقلناه بطوله لاشتماله على تحقيق المسألة بجميع أقوالها، و ان كان ما حمل عليه عبارة الصدوق و فسرها به في صدر كلامه لا يخلو من شيء.

تتميم [حكم من تجدد لها العذر في الطواف]

هذا كله في ما لو تجدد العذر قبل الشروع في الطواف، اما لو تجدد في أثنائه فللأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) هنا أقوال: المشهور انها ان طافت أربعة أشواط تامة صحت متعتها و أتت بالسعي و بقية المناسك و قضت بعد طهرها ما بقي من طوافها. و ثانيها- ما ذهب اليه ابن إدريس و اختاره في المدارك من انه لا تصح العمرة إلا بعد إتمام الطواف، قال ابن إدريس: و الذي تقتضيه

348

الأدلة انها إذا جاءها الحيض قبل جميع الطواف فلا متعة لها، و انما ورد بما قاله شيخنا أبو جعفر خبران مرسلان فعمل عليهما، و قد بينا انه لا يعمل باخبار الآحاد و ان كانت مسندة فكيف بالمراسيل. انتهى. و ثالثها- ما ذهب اليه الصدوق في الفقيه من انه تصح متعتها و ان حصل الحيض قبل إكمال الأربعة.

و يدل على القول المشهور

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن مسكان و ثقة الإسلام في الصحيح ايضا عن صفوان عن إسحاق بياع اللؤلؤ- و هو مجهول- عن من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) (1) يقول: «المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط، ثم رأت الدم فمتعتها تامة» و زاد في التهذيب: «و تقضى ما فاتها من الطواف بالبيت و بين الصفا و المروة و تخرج إلى منى قبل ان تطوف الطواف الآخر».

أقول: و لعل المراد بالطواف و الآخر الطواف المقضي.

و ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن أبي إسحاق عن سعيد الأعرج (2) قال:

«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط و هي معتمرة ثم طمثت؟ قال: تتم طوافها فليس عليها غيره، و متعتها تامة، فلها ان تسعى بين الصفا و المروة، و ذلك لأنها زادت على النصف، و قد مضت متعتها و لتستأنف بعد الحج».

و روى في الفقيه عن ابن مسكان عن إبراهيم بن إسحاق (3) عن من

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 393، و الكافي ج 4 ص 449، و في الوسائل الباب 86 من الطواف. و الكليني يرويه عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن إسحاق. و في التهذيب عن صفوان عن ابن مسكان عن أبي إسحاق.

(2) الوسائل الباب 86 من الطواف.

(3) الوسائل الباب 85 من الطواف.

349

سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت. الحديث. و زاد فيه: و ان هي لم تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو الى التنعيم فلتعتمر.

أقول: و من ما يدل على ذلك

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (1) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بين الصفا و المروة فجازت النصف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، و ان هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من اوله».

و ما رواه أيضا في الكتاب المذكور عن احمد بن عمر الحلال عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثم اعتلت؟

قال: إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بالصفا و المروة و جاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت، فإذا هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من اوله».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): و متى حاضت المرأة في الطواف خرجت من المسجد، فان كانت طافت ثلاثة أشواط فعليها ان تعيد، و ان كانت طافت أربعة أقامت على مكانها فإذا طهرت بنت و قضت ما عليها. و لا تجوز على المسجد حتى تتيمم و تخرج منه. و كذلك الرجل إذا أصابه علة و هو في الطواف لم يقدر على إتمامه خرج و أعاد بعد ذلك طوافه ما لم يجز نصفه، فان جاز نصفه

____________

(1) ج 4 ص 448، و في الوسائل الباب 85 من الطواف.

(2) الوسائل الباب 85 من الطواف.

(3) ص 30.

350

فعليه ان يبني على ما طاف.

انتهى.

و قال في المدارك بعد ان نقل روايتي أبي إسحاق صاحب اللؤلؤ و إبراهيم: و في الروايتين قصور من حيث السند بالإرسال و جهالة المرسل. ثم نقل كلام ابن إدريس المتقدم نقله، و قال بعده: و هذا القول لا يخلو من قوة لامتناع إتمام العمرة المقتضي لعدم وقوع التحلل، و يشهد له

صحيحة محمد بن إسماعيل المتقدمة (1) حيث قال فيها: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المرأة تدخل مكة متمتعة فتحيض قبل ان تحل، متى تذهب متعتها؟.».

انتهى.

أقول: قد عرفت ما دل على هذا الحكم عموما و خصوصا من الاخبار المتقدمة، و ما طعن به عليها من ضعف الاسناد بناء على هذا الاصطلاح المحدث فجوابه جبر ضعفها بعمل الأصحاب كافة. و خلاف ابن إدريس- بناء على أصوله الغير الاصيلة و أدلته العليلة- من ما لا يلتفت اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه. و هو قد سلم هذه المقدمة في غير موضع من شرحه هذا و ان خالف نفسه في آخر كما هنا.

و اما ما احتج به- من عدم إتمام العمرة المانع من التحلل- ففيه ان المفهوم من الاخبار المذكورة ان الشارع قد جعل مجاوزة النصف هنا موجبا للتحليل في مقام الضرورة و قائما مقام الإتمام في ذلك. و به يظهر الجواب عن إطلاق الصحيحة التي احتج بها.

و اما ما ذكره الصدوق فإنه قد احتج عليه

بصحيحة محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أطواف أو أقل من ذلك،

____________

(1) ص 335.

(2) الفقيه ج 2 ص 241، و في الوسائل الباب 85 من الطواف.

351

ثم رأت دما؟ قال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت منه و اعتدت بما مضى».

قال في الفقيه بعد نقلها: قال مصنف هذا الكتاب (رضوان الله عليه):

و بهذا الحديث افتى دون الحديث الذي رواه ابن مسكان عن إبراهيم بن إسحاق عن من سأل أبا عبد الله (عليه السلام). ثم ساق الرواية المتقدمة حسبما قدمنا نقله عنه، ثم قال: لان هذا الحديث إسناده منقطع و الحديث الأول رخصة و رحمة، و إسناده متصل. انتهى.

أقول: فيه أولا- ان اسناد هذا الخبر و ان كان منقطعا بناء على ما نقله إلا انه بناء على رواية الشيخ متصل. و (ثانيا)- اعتضاد هذا الخبر بالأخبار المتقدمة، و بالأخبار الكثيرة الآتية- ان شاء الله تعالى- في باب الطواف، من ان طواف الفريضة انما يبنى فيه على ما زاد على النصف بخلاف طواف النافلة فإنه يبنى فيه على الأقل (1) و لهذا حمل الشيخ صحيحة محمد بن مسلم على طواف النافلة. و هو جيد. و بما ذكرناه يظهر قوة القول المشهور. و الله العالم.

المسألة الثالثة [ما يشترط في حج التمتع]

- قد صرح جمع من الأصحاب بأنه يشترط في حج التمتع شروط أربعة

الأول- النية

، إلا انه قد اضطرب كلامهم في المعنى المراد من هذه النية هنا:

قال شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك: قد تكرر ذكر النية هنا في كلامهم و ظاهرهم ان المراد بها نية الحج بجملته. و في وجوبها كذلك نظر.

و يمكن ان يريدوا بها نية الإحرام. و هو حسن إلا انه كالمستغنى عنه، فإنه من جملة الأفعال و كما تجب النية له تجب لغيره، و لم يتعرضوا لها في غيره على الخصوص و لعل للإحرام مزية على غيره باستمراره و كثرة أحكامه و شدة التكليف به. و قد صرح في الدروس بان المراد بها نية الإحرام. و يظهر من سلار في الرسالة ان

____________

(1) الوسائل الباب 40 و 41 و 45 من الطواف.

352

المراد بها نية الخروج. انتهى.

و من غفلات صاحب المدارك انه- بعد ان نقل عن جده انه ذكر عن ظاهر أصحابنا ان المراد بهذه النية نية الحج بجملته- قال: و نقل عن سلار التصريح به. و يمكن ان يكون في النسخة التي عنده من المسالك الحج عوض الخروج، فان المنقول عن سلار قول آخر غير القولين المتقدمين، و هو انه فسر النية بنية الخروج إلى مكة، كما أفصح بنقله عنه الشهيد في الدروس.

و نقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط انه قال: شروط التمتع ستة.

الى ان قال: السادس النية و هي شرط في التمتع، و الأفضل ان تكون مقارنة للإحرام، فإن فاتت جاز تجديدها الى وقت التحلل. ثم قال في المختلف:

و فيه نظر، فإن الأولى إبطال ما لم يقع بنية لفوات الشرط.

و اعتذر عنه في الدروس فقال: و لعله أراد نية التمتع في إحرامه لا مطلق نية الإحرام، و يكون هذا التجديد بناء على جواز نية الإحرام المطلق كما هو مذهب الشيخ، أو على جواز العدول الى التمتع من إحرام الحج و العمرة المفردة.

و هذا يشعر بأن النية المعدودة هي نية النوع المخصوص. انتهى.

و كيف كان فان هذا البحث مفروغ عنه عندنا، لما عرفت في مقدمات الكتاب، فإن النية من الأمور الجبلية في كل فعل يأتي به العاقل المكلف، عبادة كان أو غيرها. و انما ذكرنا هذه الكلمات حكاية لما جرى لهم في المقام.

الثاني- وقوعه في أشهر الحج

، و يدل عليه من الاخبار

صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال في آخره: «و قال: ليس تكون متعة إلا في أشهر الحج».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من أقسام الحج. و الباب 7 من العمرة.

353

و صحيحة زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل؟ فقال: المتعة. فقلت: و ما المتعة؟ فقال: يهل بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت و صلى ركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصر و أحل، فإذا كان يوم التروية أهل بالحج و نسك المناسك، و عليه الهدي. الحديث».

و رواية سعيد الأعرج (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة، و من تمتع في غيره أشهر الحج ثم جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم، انما هي حجة مفردة».

و روى الصدوق في القوي عن سماعة بن مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: «من حج معتمرا في شوال و من نيته ان يعتمر و يرجع الى بلاده فلا بأس بذلك، و ان هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأن أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن اعتمر فيهن و اقام إلى الحج فهي متعة، و من رجل الى بلاده و لم يقم الى الحج فهي عمرة، و ان اعتمر في شهر رمضان أو قبله و اقام إلى الحج فليس بمتمتع و انما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 10 من أقسام الحج، و الباب 1 من الذبح، و تتمة الرواية: «و انما الأضحى على أهل الأمصار» و في الكافي ج 4 ص 487 «حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة» و كذا في الاستبصار ج 2 ص 259. و في التهذيب كما في المتن.

(3) الفقيه ج 2 ص 274، و في الوسائل الباب 10 من أقسام الحج.

354

يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج، فان هو أحب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها».

ثم انه قد اختلف الأصحاب و غيرهم في أشهر الحج، فقال الشيخ في النهاية:

هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة. و به قال ابن الجنيد. و رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) و نقل عن المرتضى و سلار و ابن ابي عقيل (رضوان الله عليهم) انها شوال و ذو القعدة و عشرة من ذي الحجة. و عن الشيخ في الجمل و ابن البراج: و تسعة من ذي الحجة. و عن الشيخ في الخلاف و المبسوط الى طلوع الفجر من يوم النحر. و قال ابن إدريس إلى طلوع الشمس من يوم النحر.

قال العلامة في المنتهى: و ليس يتعلق بهذا الاختلاف حكم. و قال في المختلف: التحقيق ان هذا نزاع لفظي، فإنهم إن أرادوا بأشهر الحج ما يفوت الحج بفواته فليس كمال ذي الحجة من أشهره، لما يأتي من فوات الحج دونه على ما يأتي تحقيقه، و ان أرادوا بها ما يقع فيه أفعال الحج فهي الثلاثة كملا لأن باقي المناسك تقع في كمال ذي الحجة. فقد ظهر ان النزاع لفظي. و قريب منه ما قال في التذكرة و ولده في الإيضاح.

و استحسنه من تأخر عنه. و هو كذلك، إذ لا خلاف في فوات وقت الإنشاء بعدم التمكن من ادراك المشعر قبل زوال الشمس من يوم النحر، كما انه لا خلاف في وقوع بعض أفعال الحج كالطوافين و السعي و الرمي في ذي الحجة بأسره. و بذلك يظهر ان هذا الخلاف لا يترتب عليه حكم، و ان النزاع في

____________

(1) ج 2 ص 277 و 278، و في الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

و فيه رواية ذلك من الكافي و التهذيب ايضا، كما سيأتي قريبا.

355

هذه المسألة يرجع الى تفسير هذا اللفظ الوارد في الآية، و هو قوله عز و جل:

«الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» (1).

و الأظهر بالنظر الى القواعد إطلاقه على الثلاثة التي هي أقل الجمع، و هو يرجع الى القول الأول.

و لما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان الله (تعالى) يقول الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (3) و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة».

و عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) قال: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ: شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، ليس لأحد ان يحرم بالحج في سواهن. الحديث».

و روى الصدوق عن زرارة في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) «في قول الله عز و جل الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ (6) قال: شوال و ذو القعدة و ذو الحجة ليس لأحد ان يحرم بالحج في ما سواهن».

و عن معاوية بن عمار- بإسنادين أحدهما حسن و الآخر قوي- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) «في قول الله عز و جل الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (8) و الفرض: التلبية و الاشعار و التقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج. و لا يفرض الحج إلا في هذه الشهور التي قال الله عز و جل:

«الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة».

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

(3) سورة البقرة، الآية 196.

(4) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

(5) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج. و في بعض النسخ «ابان» بدل «زرارة» راجع الفقيه ج 2 ص 277.

(6) سورة البقرة، الآية 196.

(7) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

(8) سورة البقرة، الآية 196.

356

و استدل على التحديد بطلوع الفجر بقوله تعالى فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (1) و لا يمكن فرضه بعد طلوع الفجر من يوم النحر. و لقوله تعالى فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ (2) و هو سائغ يوم النحر متى تحلل في اوله.

و يؤيده

ما رواه الكليني عن على بن إبراهيم بإسناده (3) قال: «أشهر الحج: شوال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجة».

الثالث- ان يأتي بالحج و العمرة في عام واحد

، و هو من ما لا خلاف فيه بينهم.

و تدل عليه جملة من الاخبار: منها- ما تكاثر نقله من

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (4):

«دخلت العمرة في الحج هكذا. و شبك بين أصابعه».

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن على المشهور عن حماد بن عيسى عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة الى عسفان أو الى الطائف أو الى ذات عرق خرج محرما و دخل ملبيا بالحج، فلا يزال على إحرامه، فإن رجع الى مكة رجع محرما و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس الى منى. الحديث».

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) سورة البقرة، الآية 196.

(3) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 2 رقم 4 و 27 و 33، و الباب 5 رقم 10 من أقسام الحج. و اللفظ المذكور هنا يوافق ما ورد في الحديث 33 بإضافة: «إلى يوم القيامة». و ارجع في تشخيص لفظ الفقرة الواردة في صحيح معاوية بن عمار إلى الصفحة 317 و التعليقة 1.

(5) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

357

و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

من اين افترق المتمتع و المعتمر؟ فقال: ان المتمتع مرتبط بالحج، و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء. و قد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق و الناس يروحون إلى منى».

و عن صفوان في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا دخل المعتمر مكة غير متمتع فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و صلى الركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فليلحق بأهله ان شاء. و قال: إنما أنزلت العمرة المفردة و المتعة لأن المتعة دخلت في الحج و لم تدخل العمرة المفردة في الحج».

و عن ابان عن من أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «المتمتع محتبس لا يخرج من مكة حتى يخرج الى الحج، إلا ان يأبق غلامه أو تضل راحلته، فيخرج محرما، و لا يجاوز إلا على قدر ما لا تفوته عرفة».

و في صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «قلت له: كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي. الى ان قال: و ليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج».

و صحيحته الأخرى عنه (عليه السلام) (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف

____________

(1) الوسائل الباب 7 من العمرة.

(2) الوسائل الباب 5 من العمرة. و صفوان يرويه عن نجية عن ابي جعفر (عليه السلام).

(3) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج، و الباب 22 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 5 و 22 من أقسام الحج. و ارجع الى الاستدراكات.

358

أتمتع؟ فقال: يأتي الوقت فيلبي بالحج، فإذا اتى مكة طاف و سعى و أحل من كل شيء. و هو محتبس ليس له ان يخرج من مكة حتى يحج».

و ما رواه الكليني في الحسن عن معاوية (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انهم يقولون في حجة المتمتع حجته مكية و عمرته عراقية (2)؟ فقال:

كذبوا، أو ليس هو مرتبطا بحجته لا يخرج منها حتى يقضي حجه».

أقول: تحقيق الكلام في معنى هذا الخبر هو انه لما كان المخالفون في ذلك الوقت ينفون حج التمتع- و يقولون بالإفراد و القران خاصة، تبعا لإمامهم الذي حرم حج التمتع- زعموا ان ما يأتي به الشيعة من حج التمتع المشتمل على العمرة و الحج يرجع بالأخرة إلى العمرة المفردة و حج الافراد، فإن العمرة بالإحلال تصير مفردة، و يصير الحج حينئذ بعدها حجا مفردا و ان كانت العمرة فيه متقدمة على الحج. و تسميتهم لها عمرة عراقية لكون شيعة العراق الذين هم من اتباع أهل البيت (عليهم السلام) يومئذ يفعلون ذلك. و حاصل كلامهم ان هذه العمرة و ان تقدمت على الحج فإنما هي مفردة (3) و الحج افراد، و هو معنى قولهم: «حجته مكية» فرد عليهم و كذبهم في ما ادعوه من افراد العمرة بالإحلال بعدها، بان ارتباط العمرة بالحج انما هو من حيث انه لا يجوز للمعتمر بهذه العمرة الخروج من مكة حتى يأتي بالحج.

____________

(1) الكافي ج 4 ص 294، و في الوسائل الباب 4 من أقسام الحج.

(2) في فتح الباري لابن حجر ج 3 ص 278: تفسير الحجة المكية بأنها قليلة الثواب لقلة مشقتها. و حكى عن ابن بطال ان معنى ذلك إنشاء الحج من مكة كما ينشئ أهل مكة منها فيفوت فضل الإحرام من الميقات.

(3) المغني ج 3 ص 276.

359

و ما ربما يقال من ان علماء العامة لا يحرمون حج التمتع فمسلم (1) لكن المعلوم من أقوال عمر و اخبارهم المروية عنه هو التحريم (2) و لكن من تأخر من علمائهم- لشناعة الأمر بمخالفة الكتاب العزيز- خصوا تحريمه بالعدول من الافراد الى التمتع (3) و الاخبار المشار إليها لا تساعده، بل هي ما بين صريح أو ظاهر في التحريم مطلقا، كما حققناه في كتابنا سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد.

الرابع- ان يحرم بالحج من بطن مكة

، و أفضله المسجد، و أفضله المقام أو الحجر. و قد أجمع علماؤنا كافة على ان ميقات حج التمتع مكة. و ستأتي الأخبار الدالة على ذلك عند ذكر المسألة.

و منها-

صحيحة عمرو بن حريث الصيرفي (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من أين أهل بالحج؟ قال: ان شئت من رحلك، و ان شئت من الكعبة و ان شئت من الطريق».

و أفضل مكة المسجد اتفاقا، و أفضل المسجد مقام إبراهيم أو الحجر، كما يدل عليه

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (5): «إذا كان يوم التروية- إن

____________

(1) المغني ج 3 ص 276.

(2) صحيح البخاري باب التمتع على عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)، و عمدة القارئ ج 4 ص 568، و المحلى ج 7 ص 107.

(3) عمدة القارئ ج 4 ص 551، و شرح النووي لصحيح مسلم على هامش إرشاد الساري ج 5 ص 292.

(4) الوسائل الباب 21 من المواقيت.

(5) الوسائل الباب 52 من الإحرام، و الباب 1 من إحرام الحج.

360

شاء الله تعالى- فاغتسل ثم البس ثوبيك، و ادخل المسجد حافيا و عليك السكينة و الوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس، فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، فأحرم بالحج».

و على هذا فلا يجزئ الإحرام بحج التمتع من غير مكة و لو دخل مكة بإحرامه، بل لا بد من استئنافه منها، كما هو المعروف من مذهب الأصحاب، و به قطع في المعتبر من غير نقل خلاف، و أسنده العلامة في التذكرة و المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. و ربما أشعرت عبارة الشرائع بوقوع الخلاف في ذلك، إلا ان شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك نقل عن شارح ترددات الكتاب انه أنكر ذلك، و نقل عن شيخه ان المحقق قد يشير في كتابه إلى خلاف الجمهور، أو الى ما يختاره من غير ان يكون خلافه مذهبا لأحد من الأصحاب، فيظن ان فيه خلافا.

و كيف كان فالخلاف في هذه المسألة ان تحقق فهو ضعيف لا يلتفت إليه لأن الإحرام بحج التمتع من غير مكة خلاف ما دلت عليه الاخبار فيكون فاسدا، إذ مجرد المرور على الميقات لا يكفي ما لم يجدد الإحرام منه، لأنه الإحرام غير منعقد، فيكون مروره من الميقات جاريا مجرى مرور المحل به.

بقي الكلام في ما لو تعذر الاستئناف من مكة، فقد صرح جملة من الأصحاب بأنه يستأنف حيث أمكن و لو بعرفة ان لم يتعمد ذلك، بمعنى انه ان تعمد الإحرام من غير مكة مع إمكان الإحرام منها فإنه يبطل إحرامه، و ان أحرم من غيرها جهلا أو نسيانا فإنه يجب عليه ان يستأنفه حيث أمكن و لو بعرفة.

اما الحكم الأول و هو بطلان الإحرام مع تعمد ذلك فلعدم تحقق الامتثال المقتضى لبقاء المكلف تحت العهدة.

361

و اما الثاني و هو التجديد مع الجهل و النسيان

فلصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر و هو بعرفات، ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك و سنة نبيك. فقد تم إحرامه».

و نقل في المختلف عن الشيخ في المبسوط و الخلاف انه أجزأه إحرامه و صح حجه، و لا دم عليه، سواء أحرم من الحل أو الحرم.

و لو اتفق التجديد بناء على المشهور من الميقات أو المرور على الميقات بعد التجديد في غيره، فهل يسقط عنه دم المتعة أم لا؟ قولان مبنيان على ان دم المتعة نسك كغيره من أفعال الحج فلا يسقط، و هو المشهور بين الأصحاب، أو جبران لما فات في إحرام الحج من وقوعه من غير الميقات حيث انه انما يقع من مكة، فجعل هذا الدم جبرانا لذلك. و هو قول بعض العامة (2) و اليه ذهب الشيخ في المبسوط. و على هذا فيسقط الدم هنا لو أحرم من الميقات أو مر عليه محرما.

قال شيخنا الشهيد في الدروس: و لو تعذر إحرامه من مكة بحجة أحرم من حيث يمكن و لو من عرفة ان لم يتعمد و إلا بطل حجه، و لا يسقط عنه دم التمتع و لو أحرم من ميقات المتعة. و في المبسوط: إذا أحرم المتمتع من مكة و مضى الى الميقات و منه الى عرفات صح و اعتد بالإحرام من الميقات، و لا يلزمه دم. و عنى به دم التمتع. و هو يشعر بأنه لو أنشأ الإحرام من الميقات لا دم

____________

(1) الوسائل الباب 14 و 20 من المواقيت.

(2) المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 201، و نسبه في بدائع الصنائع ج 2 ص 173 الى الشافعي.

362

عليه بطريق الاولى. و هذا بناء على ان دم التمتع جبران لا نسك، و قد قطع في المبسوط بأنه نسك. و لا جماعنا على جواز الأكل منه. و في الخلاف قطع بذلك ايضا، و بعدم سقوط الدم بالإحرام من الميقات. و هو الأصح. انتهى.

أقول: و المراد بالإحرام من الميقات في هذا المقام الإحرام منه اضطرارا للقطع بأن الإحرام منه اختيارا غير جائز، لأن موضوعه الشرعي انما هو مكة كما عرفت.

المسألة الرابعة [تحديد الشهر الذي تجدد العمرة بالرجوع بعده]

- الأشهر الأظهر انه لا يجوز للمتمتع بعد الإتيان بعمرته الخروج من مكة على وجه يفتقر الى استئناف إحرام، بل اما ان يخرج محرما بالحج و اما ان يعود قبل شهر، فان انتفى الأمران جدد عمرة، و هي عمرة التمتع.

و حكى الشهيد في الدروس عن الشيخ في النهاية و جماعة انهم أطلقوا المنع من الخروج من مكة للمتمتع، لارتباط عمرة التمتع بالحج، فلو خرج صارت مفردة. ثم قال: و لعلهم أرادوا الخروج المحوج إلى عمرة أخرى- كما قال في المبسوط- أو الخروج لا بنية العود.

و نقل عن ابن إدريس انه لا يحرم ذلك بل يكره، لأنه لا دليل على حظر الخروج من مكة بعد الإحلال من العمرة. و هو ظاهر العلامة في المنتهى، حيث قال: يكره للمتمتع بالعمرة ان يخرج من مكة قبل ان يقضي مناسكه كلها إلا لضرورة. الى آخره. و بمثل ذلك صرح في التذكرة أيضا.

و من ما يدل على القول الأول الاخبار الكثيرة، و منها-

صحيحة حماد ابن عيسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من دخل مكة متمتعا في أشهر الحج لم يكن له ان يخرج حتى يقضي الحج، فان عرضت له حاجة الى عسفان

____________

(1) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

363

أو الى الطائف أو الى ذات عرق خرج محرما و دخل ملبيا بالحج، فلا يزال على إحرامه، فإن رجع الى مكة رجع محرما و لم يقرب البيت حتى يخرج مع الناس الى منى على إحرامه. و ان شاء كان وجهه ذلك الى منى. قلت: فان جهل فخرج الى المدينة أو الى نحوها بغير إحرام ثم رجع في ابان الحج في أشهر الحج يريد الحج، أ يدخلها محرما أو بغير إحرام؟ فقال: ان رجع في شهره دخل بغير إحرام و ان دخل في غير الشهر دخل محرما. قلت: فأي الإحرامين و المتعتين متعته: الأولى أو الأخيرة؟ قال: الأخيرة هي عمرته، و هي المحتبس بها التي وصلت بحجته».

و في الحسن عن حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل قضى متعته و عرضت له حاجة أراد أن يمضي إليها؟ قال: فقال: فليغتسل للإحرام و ليهل بالحج و ليمض في حاجته، فان لم يقدر على الرجوع الى مكة مضى الى عرفات».

و في الحسن عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتمتع بالعمرة إلى الحج، يريد الخروج إلى الطائف؟ قال: يهل بالحج من مكة، و ما أحب ان يخرج منها إلا محرما، و لا يتجاوز الطائف انها قريبة من مكة».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): فإن أراد المتمتع الخروج من مكة الى بعض المواضع فليس له ذلك، لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه، إلا ان يعلم انه لا يفوته الحج، فان علم و خرج ثم رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلا، و ان رجع في غير ذلك الشهر دخلها محرما.

بقي الكلام في الشهر و تحديده، فقيل: المراد بالشهر من وقت إحلاله من

____________

(1) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

(3) ص 30.

364

الإحرام المتقدم. اختاره شيخنا الشهيد الثاني و جماعة.

قال في المسالك: و لو وقع الإحرام في أثناء الشهر اعتبر بالعدد، و هل المعتبر كون الشهر من حين الإهلال أم من حين الإحلال؟ إشكال، منشأه إطلاق النصوص و احتمالها للأمرين معا. و اعتبار الثاني أقوى. انتهى.

و نقل عن العلامة في القواعد انه استشكل احتساب الشهر من حين الإحرام أو الإحلال.

و قال المحقق في النافع: و لو خرج بعد إحرامه ثم عاد في شهر خروجه أجزأه و ان عاد في غيره أحرم ثانيا.

قال في المدارك بعد نقل العبارة: و مقتضى ذلك عدم اعتبار مضى الشهر من حين الإحرام أو الإحلال بل الاكتفاء في سقوط الإحرام بعوده في شهر خروجه إذا وقع بعد إحرام متقدم. قال: و قريب من ذلك عبارة الشيخ في النهاية، فإنه قال في المتمتع: فان خرج من مكة بغير إحرام ثم عاد، فان كان عوده في الشهر الذي خرج فيه لم يضره ان يدخل مكة بغير إحرام، و ان دخل في غير الشهر الذي خرج فيه دخلها محرما بالعمرة إلى الحج، و تكون عمرته الأخيرة.

و نحوه قال في المقنعة.

و قال العلامة في المنتهى: و لو خرج بغير إحرام ثم عاد، فان كان في الشهر الذي خرج فيه لم يضره ان يدخل بغير إحرام، و ان دخل في غير الشهر الذي خرج فيه دخل محرما بالعمرة إلى الحج، و تكون عمرته الأخيرة هي التي يتمتع بها الى الحج. و نحوه عبارته في التذكرة.

و هذه العبارات كلها متفقة الدلالة على ان المراد بالشهر هو الذي خرج فيه و لا تعرض فيها لكونه من حين الإحرام أو الإحلال بوجه.

نعم لا بد من كون ذلك بعد إحرام متقدم، و على هذا تدل ظواهر

365

الأخبار ايضا، كصحيحة حماد بن عيسى المتقدمة، فإن الظاهر من قوله-: «ان رجع في شهره» بعد قول الراوي: «فإن جهل فخرج الى المدينة»- ان المراد شهر خروجه، و لهذا استدل بها الشيخ في التهذيب للشيخ المفيد على ما ذكره في عبارة المقنعة الدالة على ان الاعتبار بشهر الخروج.

و أظهر منها في ما قلناه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري و ابان بن عثمان عن رجل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في الرجل يخرج في الحاجة من الحرم؟ قال: ان رجع في الشهر الذي خرج فيه دخل بغير إحرام، و ان دخل في غيره دخل بإحرام».

و روى الصدوق في الفقيه (2) مرسلا عن الصادق (عليه السلام) انه قال:

«إذا أراد المتمتع الخروج من مكة الى بعض المواضع فليس له ذلك، لانه مرتبط بالحج حتى يقضيه، إلا ان يعلم انه لا يفوته الحج، فإذا علم و خرج ثم رجع و عاد في الشهر الذي خرج فيه دخل مكة محلا، و ان دخلها في غير ذلك الشهر دخلها محرما».

و هي صريحة في ما ذكرناه. و مثلها عبارة كتاب الفقه الرضوي التي قدمناها.

و هذه الرواية- كما ترى- عين عبارة كتاب الفقه الرضوي التي قدمناها إلا في ألفاظ يسيرة.

و اما

ما رواه الكليني و الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (3)- قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يجيء فيقضي متعته ثم تبدو له الحاجة

____________

(1) الوسائل الباب 51 من الإحرام.

(2) ج 2 ص 238، و في الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

366

فيخرج إلى المدينة أو الى ذات عرق أو الى بعض المعادن؟ قال: يرجع الى مكة بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه، لأن لكل شهر عمرة، و هو مرتهن بالحج. قلت: فإنه دخل في الشهر الذي خرج فيه؟ قال: كان ابي مجاورا ههنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء، فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج و دخل و هو محرم بالحج».

-

فهي لا تخلو من اشكال من وجهين: أحدهما- ان ظاهر التعليل المذكور فيها اعتبار مضى الشهر من حين الإحلال ليتحقق تخلل الشهر بين العمرتين، و هو خلاف ما صرحت به الاخبار المتقدمة من انه ان رجع في شهر خروجه دخل محلا و إلا دخل محرما. و ثانيهما- انها دلت على جواز الإحرام بالحج من غير مكة و هو خلاف ما استفاضت به الاخبار و اتفقت عليه كلمة الأصحاب.

و ظاهر جملة من الأصحاب القول بهذه الرواية هنا مع ما عرفت.

قال في الدروس: و لو رجع في شهره دخلها محلا، فإن أحرم فيه من الميقات بالحج فالمروي عن الصادق (عليه السلام) (1) انه فعله من ذات عرق و كان قد خرج من مكة إليها.

و قال العلامة في التذكرة بعد البحث في المسألة: إذا عرفت هذا فلو خرج من مكة بغير إحرام و عاد في الشهر الذي خرج فيه استحب له ان يدخلها محرما بالحج، و يجوز له ان يدخلها بغير إحرام، على ما تقدم. انتهى.

و لم أر من تنبه لما ذكرناه سوى العلامة في المنتهى، حيث قال: لو خرج من مكة بغير إحرام و عاد في الشهر الذي خرج فيه استحب له ان يدخلها محرما بالحج، و يجوز له ان يدخلها بغير إحرام على ما تقدم، روى الشيخ في الصحيح

____________

(1) في حديث إسحاق بن عمار المتقدم.

367

عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام). ثم ساق الرواية إلى آخرها كما قدمناه. ثم قال: هذا قول الشيخ (رحمه الله) و استدلاله، و فيه إشكال، إذ قد بينا انه لا يجوز إحرام الحج للمتمتع إلا من مكة. انتهى.

و كيف كان فهذه الرواية لا تبلغ قوة في معارضة الأخبار المتقدمة المعتضدة بعمل الأصحاب، سيما مع ما عرفت من الاشكال المذكور، و هي مرجأة إلى قائلها.

و اما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1)-: «في الرجل يخرج الى جدة في الحاجة؟ فقال: يدخل مكة بغير إحرام».

- فحمله الشيخ على من خرج من مكة و عاد في الشهر الذي خرج فيه.

أقول: و على ذلك يحمل ايضا

ما رواه الشيخ في الموثق عن ابن بكير عن غير واحد من أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «انه خرج الى الربذة يشيع أبا جعفر (عليه السلام) ثم دخل مكة حلالا».

فروع

الأول

- الظاهر من كلام الأصحاب ان سقوط الإحرام في من عاد في الشهر المذكور انما هو بالنسبة الى من خرج بعد إحرام، كما صرحت به جملة من عبائرهم، اما من لم يكن كذلك كقاطني مكة- مثلا- فإنه لو خرج منهم أحد إلى خارج الحرم فإنه يجب عليه الإحرام متى أراد الدخول، و صحيحة حماد المتقدمة و كذا رواية كتاب الفقه و مرسلة الصدوق (3) صريحة في من خرج بعد إحرام، اما صحيحة حفص (4) فهي مطلقة، و الظاهر حملها على الروايات المذكورة و تقييد إطلاقها بما دلت

____________

(1) الوسائل الباب 51 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 51 من الإحرام.

(3) ص 362 و 363 و 365.

(4) ص 363.

368

عليه من تقدم الإحرام. و اما صحيحة جميل و مثلها موثقة ابن بكير فيمكن حملها على تلك الاخبار ايضا كما قدمنا، و ان كان إطلاقها من جهتين: من جهة تقدم الإحرام، و من جهة اعتبار الشهر. و يمكن حملها على من لم يتقدم منه إحرام، إلا أنه في موثقة ابن بكير لا يخلو من بعد، إذ من الظاهر ان الصادق (عليه السلام) قد تقدم منه إحرام في دخول مكة. و الحمل على من لم يتقدم منه إحرام إنما يظهر بالنسبة إلى قاطني مكة.

الثاني

- الظاهر من إطلاق الروايات المتقدمة الدالة على انه لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد الإتيان بعمرة التمتع انه متى أكمل العمرة المندوبة وجب عليه الحج. و على ذلك نص الشيخ (قدس سره) و جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و يؤيده

قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «دخلت العمرة في الحج هكذا.

و شبك بين أصابعه».

قيل: و يحتمل عدم الوجوب لأنهما نسكان متغايران. و هو ضعيف. و هذا الاحتمال متجه على قول من يقول بكراهة الخروج، كما قدمنا نقله عن ابن إدريس و العلامة في الكتابين المتقدمين. و الاخبار المذكورة ترده.

الثالث

- قد عرفت ان مقتضى صحيحة حماد المتقدمة ان عمرته هي الثانية و هي المحتبس بها التي وصلت بحجته، و على هذا فالعمرة الاولى صارت عمرة مفردة، و الأشهر الأظهر وجوب طواف النساء فيها، و مقتضى إفرادها هو وجوب ذلك فيها، إلا انى لم أقف على قائل بذلك، قال في الدروس: و في استدراك طواف النساء في الأولى احتمال. و قال في المدارك: و هل تفتقر الاولى الى استدراك طواف النساء؟ وجهان، من ان مقتضى إفرادها ذلك، و من تحقق الخروج من أفعال العمرة سابقا و حل النساء منها بالتقصير فلا يعود التحريم. و لعل الثاني أرجح. انتهى. و المسألة محل توقف. و الله العالم.

____________

(1) ارجع الى الصفحة 356 و التعليقة (4) فيها.

369

المطلب الثاني في حج الإفراد و القران

و فيه مباحث:

[البحث] الأول [صورة حج الإفراد و القران]

- صورة حج الافراد ان يحرم من الميقات أو من حيث يصح له الإحرام منه بالحج، ثم يمضي الى عرفات فيقف بها ثم الى المشعر فيقف به ثم إلى منى فيقضي مناسكه بها، ثم يطوف بالبيت و يصلى ركعتيه، و يسعى بين الصفا و المروة، و يطوف النساء و يصلى ركعتيه.

و عليه عمرة مفردة بعد الحج و الإحلال منه متى كان حج الإسلام و كانت الاستطاعة لهما، فلو كان الحج مندوبا، أو منذورا و لم تدخل في النذر، أو لم يستطع لها و انما استطاع لحج الإسلام خاصة، فلا عمرة كما تدل عليه الاخبار الواردة بكيفية حج الافراد. و قد صرح العلامة و غيره بان من استطاع للحج مفردا دون العمرة وجب عليه الحج دونها ثم يراعى الاستطاعة لها. و صرح شيخنا الشهيد الثاني بوجوب العمرة خاصة لو استطاع لها دون الحج.

و شروطه ثلاثة: النية، و ان يقع في أشهر الحج، و ان يعقد إحرامه من ميقاته أو من دويرة اهله.

و أفعال القارن و شروطه كالمفرد غير انه يتميز عنه بسياق الهدى عند إحرامه و من اخبار المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال في القارن: «لا يكون قران إلا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة و طواف بعد الحج و هو طواف النساء. و اما المفرد للحج فعليه طواف بالبيت

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 41، و في الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

370

و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة، و طواف الزيارة و هو طواف النساء.».

و ما رواه في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«انما نسك الذي يقرن بين الصفا و المروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلا بسياق الهدى، و عليه طواف بالبيت و صلاة ركعتين خلف المقام، و سعى واحد بين الصفا و المروة، و طواف بالبيت بعد الحج. و قال: أيما رجل قرن بين الحج و العمرة فلا يصلح إلا إن يسوق الهدي قد أشعره و قلده. و الاشعار أن يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها. و ان لم يسق الهدي فليجعلها متعة».

قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: «يقرن بين الصفا و المروة» هكذا وجدناه في النسخ التي رأيناها، و يشبه ان يكون و هما من الراوي، إذ لا معنى للقران بين الصفا و المروة. و لعل الصواب: «يقرن بين الحج و العمرة» كما قاله في آخر الحديث، و يكون معناه ان يكون في نيته الإتيان بهما جميعا مقدما للحج، لا بأحدهما مفردا دون الآخر. و ليس المراد ان يجمعهما في نية واحدة و يتمتع بالعمرة إلى الحج، فإنه التمتع و ليس فيه سياق هدي. و في التهذيب فسر القران بينهما في قوله: «أيما رجل قرن بين الحج و العمرة» بأن يشترط في نية الحج ان لم يتم له الحج يجعله عمرة مبتولة، كما يشعر به الحديث الآتي.

و ما رواه في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«القارن الذي يسوق الهدي عليه طوافان بالبيت و سعى واحد بين الصفا و المروة و ينبغي له ان يشترط على ربه ان لم يكن حجة فعمرة».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 42، و في الوسائل الباب 2 و 5 و 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

371

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المفرد للحج عليه طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة، و طواف الزيارة و هو طواف النساء و ليس عليه هدي و لا أضحية».

و قد تقدم ان هذين القسمين فرض حاضري المسجد الحرام، و هم من كان في نواحي مكة في مسافة ثمانية و أربعين ميلا على الأشهر الأظهر.

و هل يجوز لهم العدول في حج الإسلام إلى التمتع؟ أما للضرورة- كخوف الحيض المتأخر عن النفر مع عدم إمكان التأخير الى ان تطهر، أو خوف عدو، أو فوات الرفقة، فلا يمكنها الإتيان بالعمرة المفردة- فالظاهر انه لا خلاف فيه.

و استدل عليه- مضافا الى العمومات- بفحوى ما دل على جواز عدول المتمتع الى حج الافراد مع الضرورة، فإن الضرورة إذا كانت مسوغة للعدول عن الأفضل إلى المفضول فلان تكون مسوغة للعكس اولى.

و اما العدول اختيارا فالأشهر الأظهر عدمه، و للشيخ قول بجواز ذلك محتجا- على ما نقل عنه- بان المتمتع أتى بصورة الافراد و زيادة غير منافية فوجب ان يجزئه.

و رده في المعتبر بانا لا نسلم انه اتى بصورة الافراد، و ذلك لأنه أخل بالإحرام للحج من ميقاته و أوقع مكانه العمرة و ليس مأمورا بها فوجب ان لا يجزئه أقول: و الأظهر في رد هذا القول هو الآية و الاخبار الصحيحة الصريحة، أما الآية فقوله عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2) فإنه يدل بمفهومه على ان الحاضر ليس له ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة، الآية 195.

372

و تعضدها الأخبار الواردة بتفسيرها،

كصحيحة علي بن جعفر (1) قال:

«قلت لأخي موسى بن جعفر (عليه السلام): لأهل مكة ان يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؟

فقال: لا يصلح ان يتمتعوا، لقول الله عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» (2).

الى غير ذلك من الاخبار المتقدمة في المسألة الاولى من مسائل المطلب الأول و ينبغي ان يعلم- كما أشرنا إليه في أول الكلام- ان محل الخلاف انما هو في حج الإسلام، و اما المتطوع بالحج و الناذر له مطلقا فيتخير بين الأنواع الثلاثة و ان كان التمتع أفضل كما تقدم.

البحث الثاني [بما ذا يمتاز القران عن الإفراد؟]

- قد عرفت من ما قدمنا ان القارن كالمفرد لا يتميز عنه إلا بسياق الهدي، و سمى قارنا لسياقه الهدي في إحرامه و انه قرنه به.

و ذهب ابن ابي عقيل الى ان القارن يلزمه قران الحج مع العمرة لا يحل من عمرته حتى يحل من حجه، و لا يجوز قران العمرة مع الحج إلا لمن ساق الهدي و نحوه نقل عن الجعفي.

و حكى في المعتبر عن الشيخ في الخلاف انه قال: إذا أتم المتمتع أفعال عمرته و قصر فقد صار محلا، فان كان ساق هديا لم يجز له التحلل و كان قارنا. ثم قال:

و به قال ابن ابي عقيل. و مقتضى ذلك ان القارن هو المتمتع إذا ساق هديا.

و عبارة ابن ابي عقيل المتقدمة و ان كانت قاصرة عن هذا المعنى لكن ينبغي حملها عليه، لانه لو أريد بقران الحج مع العمرة في كلامه ان يقرن بينهما في إحرام واحد فالظاهر انه لا ريب في بطلانه، إلا ان العلامة في التذكرة نقل عن ابن ابى عقيل ذلك، حيث قال: قد بينا ان القارن هو الذي يسوق عند

____________

(1) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة، الآية 195.

373

إحرامه بالحج هديا، عند علمائنا اجمع إلا ابن ابي عقيل، فإنه جعله عبارة عن من قرن بين الحج و العمرة في إحرام واحد. و هو مذهب العامة بأسرهم (1) انتهى.

و قال شيخنا الشهيد في الدروس- بعد ان ذكر ان سياق الهدي يتميز به القارن عن المفرد على المشهور-: و قال الحسن: القارن من ساق و جمع بين الحج و العمرة فلا يتحلل منها حتى يحل من الحج. فهو عنده بمثابة المتمتع إلا في سوق الهدي و تأخير التحلل و تعدد السعي، فإن القارن عنده يكفيه سعيه الأول عن سعيه في طواف الزيارة. و ظاهره و ظاهر الصدوقين الجمع بين النسكين بنية واحدة.

و صرح ابن الجنيد بأنه يجمع بينهما، فان ساق وجب عليه الطواف و السعي قبل الخروج الى عرفات و لا يتحلل، و ان لم يسق جدد الإحرام بعد الطواف و السعي قبل الخروج الى عرفات و لا يتحلل، و ان لم يسق جدد الإحرام بعد الطواف و لا تحل له النساء و ان قصر. و قال الجعفي: القارن كالمتمتع غير انه لا يحل حتى يأتي بالحج للسياق و في الخلاف: انما يتحلل من أتم أفعال العمرة إذا لم يكن ساق، فان كان قد ساق لم يصح له التمتع و يكون قارنا عندنا. و ظاهره ان المتمتع السائق قارن و حكاه الفاضلان عنه ساكتين عليه. انتهى كلام شيخنا المذكور أفاض الله عليه السرور.

و ظاهر هذا الكلام موافقة جملة من الأصحاب لابن ابي عقيل في هذه المقالة في الجملة و ان اختلفوا في بعض التفاصيل، مع انه لم يتعرض أحد منهم لذكر دليل في المقام.

و كيف كان فهذا القول مرغوب عنه للأخبار المتقدمة في البحث الأول.

احتج ابن ابي عقيل على ما نقل عنه

بما روى (2): «ان عليا (عليه السلام) حيث أنكر

____________

(1) المغني ج 3 ص 276 و 284، و بدائع الصنائع ج 2 ص 167، و المهذب ج 1 ص 200، و بداية المجتهد ج 1 ص 308.

(2) الوسائل الباب 21 من الإحرام.

374

عليه عثمان قرن بين الحج و العمرة فقال: لبيك بحجة و عمرة معا».

و بقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي المتقدمة (1): «أيما رجل قرن بين الحج و العمرة فلا يصلح إلا ان يسوق الهدى. الى آخر الخبر».

و أجاب في المختلف عن الأول بأنه مروي من طرق الجمهور (2) فلا يكون حجة علينا. و عن الثاني بما ذكره الشيخ في التهذيب من ان قوله (عليه السلام): «أيما رجل قرن بين الحج و العمرة» يريد به في تلبية الإحرام، لأنه يحتاج ان يقول ان لم تكن حجة فعمرة، و يكون الفرق بينه و بين المتمتع ان المتمتع يقول هذا القول و ينوي العمرة قبل الحج ثم يحل بعد ذلك و يحرم بالحج فيكون متمتعا، و السائق يقول هذا القول و ينوي الحج فان لم يتم له الحج فيجعله عمرة مبتولة. ثم استدل عليه بصحيحة الفضيل المتقدمة (3).

أقول: لا ريب ان صحيحة الحلبي المذكورة قد صرحت بان نسك القارن بهذا المعنى (4) كنسك المفرد ليس أفضل منه إلا بسياق الهدي، و حينئذ فبأي معنى فسر قوله: «أيما رجل قرن بين الحج و العمرة» فإنه لا ينطبق على مذهب ابن ابي عقيل من وجوب تقديم العمرة على الحج و عدم التحلل منها إلا بالتحلل من الحج، فإنه ليس شيء من هذا في حج الافراد. و بالجملة فإن هذه الرواية كسائر الروايات المتقدمة صريحة الدلالة في ان حج القارن كالمفرد لا يتميز عنه إلا

____________

(1) ص 370.

(2) صحيح البخاري باب (التمتع و القران و الافراد بالحج) و صحيح مسلم باب (جواز التمتع) و تقدم بيان مصدره من طرقنا في التعليقة 2 ص 373 و سيأتي منه (قدس سره) ص 375 انه مروي من طرقنا.

(3) ص 370.

(4) ليس في الخطية كلمة: «بهذا المعنى».

375

بالسياق. ثم لو سلمنا دلالتها على ما ادعى أو فرض وجود دليل ظاهر على ذلك لكان سبيله الحمل على التقية، لما عرفت من عبارة التذكرة ان ذلك مذهب العامة بأسرهم (1).

و قال المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى بعد ذكر الخبر ما صورته: قلت:

كذا صورة متن الحديث في نسخ التهذيب التي رأيناها، و لا يظهر لقوله: «يقرن بين الصفا و المروة» معنى، و لعله اشارة على سبيل التهكم الى ما يراه أهل الخلاف من الجمع في القران بين الحج و العمرة (2) و ان ذلك بمثابة الجمع بين الصفا و المروة في الامتناع، و انما ينعقد له من النسك مثل نسك المفرد، و صيرورته قرانا انما هو بسياق الهدى. و على هذا ينبغي ان ينزل قوله أخيرا: «أيما رجل قرن بين الحج و العمرة فلا يصلح إلا ان يسوق الهدي» يعنى: من أراد القران لم يتحصل له معناه إلا بسياق الهدي، و لا ينعقد له بنية الجمع إلا مثل نسك المفرد، لامتناع اجتماع النسكين، و هو قاصد الى التلبس بالحج أولا كالمفرد فيتم له و يلغو ما سواه.

و بهذا التقريب ينبغي النظر الى الحديث في الاحتجاج لما صار اليه بعض قدمائنا من تفسير القران بنحو ما ذكره العامة. و للشيخ و غيره في تأويله- باعتبار منافاته للأخبار الكثيرة الواردة من طرق الأصحاب بتفسير القران- كلام غير سديد. انتهى.

و اما ما ذكره في المختلف- في الجواب عن أول دليلي ابن ابي عقيل، من ان الحديث من طريق الجمهور- ففيه ان الحديث موجود من طرقنا (3) كما سيأتي ان شاء الله (تعالى) في موضعه، إلا انه لا دلالة فيه على ما ذكره ابن ابي عقيل بوجه

____________

(1) المغني ج 3 ص 276 و 284، و بدائع الصنائع ج 2 ص 167 و المهذب ج 1 ص 200، و بداية المجتهد ج 1 ص 308.

(2) المغني ج 3 ص 276 و 284، و بدائع الصنائع ج 2 ص 167 و المهذب ج 1 ص 200، و بداية المجتهد ج 1 ص 308.

(3) تقدم ذلك في التعليقة (2) ص 373.

376

لان الجمع بينهما في التلبية مندوب إليه في أخبارنا في عمرة التمتع لدخولها في الحج، كما سيأتي (1) بيان ذلك ان شاء الله تعالى.

البحث الثالث [هل يجوز للمفرد و القارن تقديم الطواف؟]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز للمفرد و القارن بعد دخولهما مكة الطواف مستحبا، و احتج عليه في المدارك بأنه مقتضى الأصل و لا معارض له.

أقول: و تدل عليه

حسنة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المفرد للحج، هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال:

نعم ما شاء، و يجدد التلبية بعد الركعتين، و القارن بتلك المنزلة، يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية».

و اما تقديم الطواف الواجب فهو قول الأكثر، و عزاه في المعتبر الى فتوى الأصحاب، و نقل عن ابن إدريس المنع من التقديم محتجا بإجماع علمائنا على وجوب الترتيب. و أجاب عنه العلامة في المنتهى بان الشيخ ادعى الإجماع على جواز التقديم، فكيف يصح له دعوى الإجماع على خلافه؟ قال: و الشيخ اعرف بمواضع الوفاق و الخلاف.

و يدل على القول المشهور الأخبار الكثيرة، و منها-

ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن حماد بن عثمان في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مفرد الحج، أ يعجل طوافه أو يؤخره؟ قال: هو و الله سواء عجله أو أخره».

و عن زرارة في الموثق (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المفرد للحج

____________

(1) في مندوبات الإحرام في استحباب التلفظ بما عزم عليه.

(2) الوسائل الباب 2 و 16 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 14 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 14 من أقسام الحج.

377

يدخل مكة، يقدم طوافه أو يؤخره؟ قال: سواء».

و ما رواه الكليني في الموثق عن زرارة (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مفرد الحج، يقدم طوافه أو يؤخره؟ قال: يقدمه. فقال رجل الى جنبه:

لكن شيخي لم يفعل ذلك، كان إذا قدم اقام بفخ حتى إذا راح الناس الى منى راح معهم. فقلت له: من شيخك؟ قال: علي بن الحسين (عليه السلام). فسألت عن الرجل فإذا هو أخو علي بن الحسين (عليهما السلام) لامه (2)».

و عن إسحاق بن عمار معلقا عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «هما سواء عجل أو أخر».

و روى الكليني في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4)

____________

(1) الوسائل الباب 14 من أقسام الحج. و قوله: «حتى إذا راح الناس الى منى» موافق لما ورد في التهذيب ج 5 ص 45 عن الكليني، كما هو موافق لما رواه في التهذيب ج 5 ص 477 بإسناد آخر، إلا انه في الكافي ج 4 ص 459 هكذا: «حتى إذا رجع الناس الى منى».

(2) قال في الوافي بعد نقل الحديث في باب (ترتيب المناسك و الإقامة على الحائض): بيان- قد ثبت ان أم علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) كانت بكرا حين تزوجها الحسين (صلوات الله عليهما) إلا انه كانت للحسين (عليه السلام) أم ولد قد ربت علي بن الحسين (عليه السلام) و اشتهرت بأنها امه إذ لم يعرف اما غيرها، فتزوجت بعد الحسين (عليه السلام) و ولدت هذا الرجل و اشتهر بأنه أخوه لأمه.

(3) الوسائل الباب 14 من أقسام الحج.

(4) الكافي ج 4 ص 457، و في الوسائل الباب 14 من أقسام الحج.

و الحديث يتضمن اسئلة هذا ثالثها، و اللفظ هكذا: «قلت: المفرد بالحج.».

378

قال: «سألته عن المفرد للحج إذا طاف بالبيت و بالصفا و المروة، أ يعجل طواف النساء؟ فقال: لا، انما طواف النساء بعد ما يأتي منى».

و قد قطع الأصحاب من غير خلاف يعرف بأنه لا يجوز للمتمتع تقديم طواف الحج و السعي اختيارا، و ربما ادعوا عليه الإجماع.

و استدلوا على ذلك

برواية أبي بصير (1) قال: «قلت: رجل كان متمتعا و أهل بالحج؟ قال: لا يطوف بالبيت حتى يأتي عرفات، فان هو طاف قبل ان يأتي منى من غير علة فلا يعتد بذلك الطواف».

و بإزاء هذه الرواية جملة من الروايات الصحيحة الصريحة في جواز التقديم اختيارا:

كصحيحة علي بن يقطين (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل المتمتع يهل بالحج ثم يطوف و يسعى بين الصفا و المروة قبل خروجه إلى منى؟ قال: لا بأس به».

و صحيحة جميل (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع يقدم طوافه و سعيه في الحج؟ فقال: هما سيان قدمت أو أخرت».

____________

(1) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج.

(3) هذه الرواية وردت في التهذيب ج 5 ص 477 عن ابن بكير و جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) و وردت في الفقيه ج 2 ص 244 عن ابن بكير عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) و عن جميل عن ابى عبد الله (عليه السلام) «انهما سألاهما عن المتمتع.» و قد أورد في الوسائل الرواية من التهذيب في الباب 13 من أقسام الحج، و من الفقيه في الباب 64 من الطواف. و قد فصل المصنف (قدس سره) سؤال جميل و أورده مستقلا.

379

و صحيحة حفص بن البختري عن ابى الحسن (عليه السلام) (1): «في تعجيل الطواف قبل الخروج إلى منى؟ فقال: هما سواء أخر ذلك أو قدمه يعني: المتمتع».

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يتمتع ثم يهل بالحج و يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة قبل خروجه إلى منى؟ فقال: لا بأس».

قال في المدارك بعد طعنه في رواية أبي بصير بضعف السند: و أجاب الشيخ عن هذه الروايات بالحمل على حال الضرورة. و هو بعيد، مع انه لا ضرورة إلى ارتكابه لانتفاء ما يصلح للمعارضة. و المتجه جواز التقديم مطلقا ان لم ينعقد الإجماع القطعي على خلافه. انتهى.

و هو حسن جيد على أصوله و قواعده، إلا انه ربما خالف ذلك و خرج عنه في مواضع أخر، لما أوضحناه في شرحنا على الكتاب من عدم وقوفه (قدس سره) على قاعدة له في هذه الأبواب.

و كيف كان فكلامه هذا لا يرد على الشيخ و أمثاله ممن لا يرى العمل على هذا الاصطلاح، كما أوضحناه في غير موضع، لأن الصحة و الضعف عندهم ليست باعتبار الأسانيد و انما هي باعتبار متون الاخبار.

على ان المستفاد من جملة من الاخبار اختصاص ذلك بالمضطر و أصحاب الأعذار (3) فتحمل هذه الاخبار عليها، كما اتفقت عليه كلمة الأصحاب.

____________

(1) الوسائل الباب 64 من الطواف.

(2) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج، و الباب 64 من الطواف.

380

و قال المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى- بعد نقل صحيحة علي بن يقطين- ما صورته: قلت: ذكر الشيخ ان هذا الحديث ورد رخصة للشيخ الكبير و المرأة التي تخاف الحيض. و حاول بذلك الجمع بينه و بين عدة اخبار تضمن بعضها عدم الاعتداد بما يقع من الطواف قبل إتيان منى، و في جملة منها نفى البأس عن التقديم و الاذن فيه للشيخ و من في معناه (1) و طرقها غير نقية، و لولا مصير جمهور الأصحاب إلى منع التقديم مع الاختيار و اقتضاء الاحتياط للدين تركه لكان الوجه في الجمع- ان احتيج اليه- حمل ما تضمن المنع على التقية، لما يحكى من إطباق العامة عليه، و كثرة الأخبار الواردة بالإذن مطلقا. انتهى.

و هو جيد. إلا ان ما ذكره من إطباق العامة على المنع و ان أوهمه ظاهر كلام المعتبر، حيث انه أسند المنع من التقديم اختيارا الى اتفاق العلماء المؤذن باتفاق علماء الخاصة و العامة، كما هو المعهود منه في الكتاب المذكور، إلا ان العلامة في التذكرة أسند المنع اختيارا و الجواز اضطرارا الى ابن عباس و عطاء و مالك و إسحاق و احمد، ثم نقل عن الشافعي أخيرا الجواز مطلقا (2).

و كيف كان فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط فيها لازم على كل حال، و هو في جانب القول الذي عليه الأصحاب.

و في جواز الطواف المندوب للمتمتع قبل الخروج إلى منى قولان أشهرهما المنع،

لحسنة الحلبي (3) قال: «سألته عن الرجل يأتي المسجد الحرام يطوف بالبيت؟

____________

(1) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج، و الباب 64 من الطواف.

(2) المغني ج 3 ص 405.

(3) الكافي ج 4 ص 455، و في التهذيب ج 5 ص 169، و في الوسائل الباب 83 من الطواف. و اللفظ هكذا: «يأتي المسجد الحرام و قد أزمع بالحج.».

381

قال: نعم ما لم يحرم».

و يمكن ان يستدل على ذلك أيضا

بموثقة إسحاق بن عمار (1) قال:

«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يحرم بالحج من مكة ثم يرى البيت خاليا فيطوف به قبل ان يخرج، عليه شيء؟ فقال: لا» بناء على ان قوله (عليه السلام): «لا».

راجع الى الطواف قبل الخروج.

و من المحتمل- بل ربما كان أظهر- انما هو تعلقه بقوله: «عليه شيء» فيكون فيه دلالة على جواز الطواف. و ظاهر إطلاقه شامل للواجب و المندوب، إلا انه يكون في الواجب مخالفا لما تقدم نقله عن الأصحاب، فالاحتمال فيها قائم، و ان كان الأقرب حمل الطواف على الطواف المستحب و انه يجوز ذلك، بناء على رجوع «لا» الى قوله: «عليه شيء».

و تؤيده

رواية عبد الحميد بن سعيد عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحج ثم طاف بالبيت بعد إحرامه و هو لا يرى ان ذلك لا ينبغي، أ ينقض طوافه بالبيت إحرامه؟ فقال: لا و لكن يمضي على إحرامه».

هذا. و اما ما يدل من الاخبار على جواز التقديم مع الضرورة- مضافا الى الاتفاق عليه- فمنه-

ما رواه الشيخ عن إسماعيل بن عبد الخالق (3) قال: «سمعت

____________

(1) الكافي ج 4 ص 457، و الفقيه ج 2 ص 244، و في الوسائل الباب 13 من أقسام الحج رقم 7، و هو جزء من حديث يتضمن فروعا ثلاثة.

(2) الوسائل الباب 83 من الطواف.

(3) التهذيب ج 5 ص 131، و في الوسائل الباب 13 من أقسام الحج.

382

أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس ان يجعل الشيخ الكبير و المريض و المرأة و المعلول طواف الحج قبل ان يخرجوا إلى منى».

و ما رواه عن يحيى الأزرق عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة تمتعت بالعمرة إلى الحج ففرغت من طواف العمرة، و خافت الطمث قبل يوم النحر، أ يصلح لها ان تعجل طوافها طواف الحج قبل ان تأتي منى؟ قال: إذا خافت ان تضطر الى ذلك فعلت».

و المعنى فيها: إذا خافت ان تضطر الى عدم التمكن من الطواف- كما لو لم يقم عليها جمالها و رفقتها- قدمت الطواف.

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن الحلبي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بتعجيل الطواف للشيخ الكبير و المرأة تخاف الحيض قبل ان تخرج إلى منى».

و ما رواه في الموثق عن إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع إذا كان شيخنا كبيرا أو امرأة تخاف الحيض، تعجل طواف الحج قبل ان تأتي منى؟ فقال: نعم من كان هكذا يعجل».

و ما رواه ايضا عن علي بن أبي حمزة (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 398، و في الوسائل الباب 64 و 84 من الطواف، و فيهما «صفوان بن يحيى الأزرق» نعم في الطبع القديم من التهذيب ج 1 ص 561 في نسخة «صفوان عن يحيى الأزرق» و في الوافي أيضا باب (ترتيب المناسك و الإقامة على الحائض) «صفوان عن يحيى الأزرق».

(2) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 13 من أقسام الحج.

(4) الكافي ج 4 ص 457، و التهذيب ج 5 ص 132، و في الوسائل الباب 64 من الطواف.

383

عن رجل يدخل مكة و معه نساء قد أمرهن فتمتعن قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، فخشي على بعضهن الحيض؟ فقال: إذا فرغن من متعتهن و أحللن فلينظر إلى التي يخاف عليها الحيض فيأمرها فتغتسل و تهل بالحج من مكانها ثم تطوف بالبيت و بالصفا و المروة، فإن حدث بها شيء قضت بقية المناسك و هي طامث. فقلت: أ ليس قد بقي طواف النساء؟ قال: بلى. قلت: فهي مرتهنة حتى تفرغ منه؟ قال: نعم. قلت: فلم لا يتركها حتى تقضي مناسكها؟ قال:

يبقى عليها منسك واحد أهون عليها من ان تبقى عليها المناسك كلها مخافة الحدثان.

قلت: ابى الجمال ان يقيم عليها و الرفقة؟ قال: ليس لهم ذلك تستعدي عليهم حتى يقيم عليها حتى تطهر و تقضي مناسكها».

و ربما أشعر هذا الخبر بعدم جواز تقديم طواف النساء و ان كان في مقام الضرورة، مع ان ظاهر فتوى الأصحاب على خلافه، لان ظاهرهم الاتفاق على عدم جواز التقديم اختيارا- و قد تقدم ذلك في موثقة إسحاق بن عمار قريبا- و جواز ذلك مع الضرورة،

لما رواه الشيخ عن الحسن بن علي عن أبيه (1) قال: «سمعت أبا الحسن الأول (عليه السلام) يقول: لا بأس بتعجيل طواف الحج و طواف النساء قبل الحج يوم التروية قبل خروجه إلى منى. و كذلك لا بأس لمن خاف امرا لا يتهيأ له الانصراف إلى مكة ان يطوف و يودع البيت ثم يمر كما هو من منى إذا كان خائفا».

و ظاهر هذا الخبر- كما ترى- انما هو جواز التقديم اختيارا، فهو غير دال على ما ادعوه، بل هو الى الدلالة على خلاف ما ادعوه أقرب. و الظاهر انهم حملوا إطلاق الخبر على العذر و الضرورة جمعا بينه و بين موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 133، و في الوسائل الباب 64 من الطواف.

384

الصريحة في انه لا يجوز تقديمه على الخروج إلى منى.

ثم ان هذا الخبر قد دل على انه مع عدم اقامة الجمال و الرفقة تستعدي عليهم، مع انه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن إبراهيم بن عيسى الخزاز قال: «كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل ليلا فقال: أصلحك الله (تعالى) امرأة معنا حاضت و لم تطف طواف النساء؟

فقال: لقد سئلت عن هذه المسألة اليوم. فقال: أصلحك الله انا زوجها و قد أحببت أن أسمع ذلك منك. فأطرق كأنه يناجي نفسه و هو يقول: لا يقيم عليها جمالها و لا تستطيع ان تتخلف عن أصحابها، تمضى و قد تم حجها».

و في رواية الصدوق في الفقيه (2) مثله بزيادة و نقصان لا يضر بالمعنى، و في آخره: «ثم رفع رأسه و قال: تمضي و قد تم حجها».

و يمكن ان تقيد هذه الرواية بالرواية الأولى.

البحث الرابع [هل يجب تجديد التلبية عند تقديم الطواف و السعي؟]

- قد عرفت من ما تقدم انه يجوز للمفرد و القارن تقديم الطواف الواجب و المستحب، و ان المتمتع يجوز له ذلك مع الضرورة، إلا ان المشهور بين الأصحاب انه لا بد من تجديد التلبية بعد كل طواف لئلا يحل من إحرامه، و قد صرح جمع منهم بفورية الإتيان بها بعد الطواف و صلاته أو السعي. و قيل: انما يحل المفرد دون السائق. و قيل: انما يحل بالنية. قال الشيخ

____________

(1) ج 4 ص 451، و في الوسائل الباب 59 من الطواف. و فيهما هكذا:

«عن أبي أيوب الخزاز» و في الفقيه ج 2 ص 245 هكذا: «عن أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز».

(2) ج 2 ص 245، و فيه هكذا: «ثم رفع رأسه اليه و قال تمضي فقد تم حجها» و في الوسائل الباب 84 من الطواف. و ليس فيه: «ثم رفع رأسه».

385

في النهاية و موضع من المبسوط: ان القارن إذا دخل مكة و أراد الطواف تطوعا فعل إلا انه كلما طاف بالبيت لبى عند فراغه من الطواف ليعقد إحرامه بالتلبية، لأنه لو لم يفعل ذلك دخل في كونه محلا و بطلت حجته و صارت عمرة. و قال في التهذيب:

ان المفرد يحل بترك التلبية دون القارن. و عن الشيخ المفيد و المرتضى ان التلبية بعد الطواف تلزم القارن لا المفرد. و لم يتعرضا للتحلل بترك التلبية و عدمه. و عن ابن إدريس إنكار ذلك كله و ان التحليل انما يحصل بالنية لا بالطواف و السعي، و ليس تجديد التلبية بواجب و لا تركها مؤثرا في انقلاب الحج عمرة. و اليه ذهب المحقق، و العلامة في المختلف و الإرشاد، و الشيخ في موضع من المبسوط و الجمل.

و اما الاخبار المتعلقة بهذه المسألة فمنها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني أريد الجوار بمكة فكيف اصنع؟ قال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها بالحج. فقلت له: كيف أصنع إذا دخلت مكة؟ أقيم بها الى يوم التروية و لا أطوف بالبيت؟ قال: تقيم عشرا لا تأتي الكعبة، ان عشرا لكثير، ان البيت ليس بمهجور، و لكن إذا دخلت فطف بالبيت واسع بين الصفا و المروة. فقلت: أ ليس كل من طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل؟ قال: انك تعقد بالتلبية. ثم قال: كلما طفت طوافا و صليت ركعتين فاعقد بالتلبية».

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 45 و 46، و في الوسائل الباب 16 من أقسام الحج.

و الشيخ يرويه عن الكليني.

(2) الوسائل الباب 16 من أقسام الحج.

386

«سألته عن المفرد للحج، هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال: نعم ما شاء، و يجدد التلبية بعد الركعتين، و القارن بتلك المنزلة، يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية».

قال الشيخ: و فقه هذا الحديث انه قد رخص للقارن و المفرد ان يقدما طواف الزيارة قبل الوقوف بالموقفين، فمتى فعلا ذلك فان لم يجددا التلبية يصيرا محلين و لا يجوز ذلك، فلأجله أمر المفرد و السائق بتجديد التلبية بعد الطواف مع ان السائق لا يحل و ان كان قد طاف، لسياقه الهدي.

و منها-

ما رواه في الفقيه بسنده عن إسحاق بن عمار، و في التهذيب عن إسحاق المذكور عن ابي بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة، ثم يبدو له ان يجعلها عمرة؟

قال: ان كان لبى بعد ما سعى قبل ان يقصر فلا متعة له».

و منها-

ما رواه في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل أفرد الحج فلما دخل مكة طاف بالبيت، ثم اتى أصحابه و هم يقصرون فقصر، ثم ذكر بعد ما قصر انه مفرد للحج؟ فقال: ليس عليه شيء، إذا صلى فليجدد التلبية».

و منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح إلى إبراهيم بن ميمون (3)

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 204، و التهذيب ج 5 ص 90، و في الوسائل الباب 5 و 19 من أقسام الحج. و في كليهما يرويه إسحاق عن ابي بصير. نعم في الوسائل الباب 19 من أقسام الحج نقله من الفقيه عن إسحاق بن عمار قال «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام).».

(2) الوسائل الباب 11 من التقصير.

(3) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

387

قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان أصحابنا مجاورون بمكة و هم يسألوني لو قدمت عليهم: كيف يصنعون؟ قال: قل لهم: إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا الى التنعيم فليحرموا، و ليطوفوا بالبيت و بين الصفا و المروة، ثم يطوفوا فيعقدوا بالتلبية عند كل طواف. الحديث».

و منها-

ما رواه الشيخ و الكليني عن زرارة في الموثق (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت و بالصفا و المروة أحل، أحب أو كره».

و منها-

ما رواه عن يونس بن يعقوب في الموثق عن من أخبره عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «ما طاف بين هذين الحجرين- الصفا و المروة- أحد إلا أحل، إلا سائق الهدي».

و منها-

ما رواه الشيخ و ابن بابويه عن زرارة في الصحيح (3) قال:

«جاء رجل الى ابي جعفر (عليه السلام) و هو خلف المقام، فقال: انى قرنت بين حجة و عمرة؟ فقال له: هل طفت بالبيت؟ فقال: نعم. قال: هل سقت الهدي؟

قال: لا. قال: فأخذ أبو جعفر (عليه السلام) بشعره ثم قال: أحللت و الله».

قال في الوافي: أريد بالأخذ بشعره التقصير، أو تعليمه إياه.

و منها-

ما رواه الكليني عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لبى بالحج مفردا، فقدم مكة و طاف بالبيت و صلى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة؟ قال:

فليحل و ليجعلها متعة، إلا ان يكون ساق الهدي».

____________

(1) الوسائل الباب 5 من أقسام الحج. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(2) الوسائل الباب 5 من أقسام الحج. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 5 و 18 من أقسام الحج. و لم نقف على رواية الشيخ له.

(4) الوسائل الباب 5 من أقسام الحج.

388

و منها-

ما رواه الصدوق عن زرارة في الموثق (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت و بالصفا و المروة أحل، أحب أو كره، إلا من اعتمر في عامه ذلك، أو ساق الهدي و أشعره أو قلده».

و المستفاد من هذه الاخبار حصول التحلل بمجرد الطواف و السعي و ان لم يقصر، و هو خلاف ما عليه الأصحاب و دلت عليه الاخبار من توقف الإحلال على التقصير، و لا يبعد تخصيص هذا الحكم بهذه الصورة فيحصل التحلل هنا بدون تقصير، و يؤيد ذلك أخبار أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في حج الوداع من لم يسق الهدي بالإحلال و ان يجعلها عمرة (2) مع انه لم يشتمل شيء منها على الأمر بالتقصير، و قضية البيان و تعليم الأحكام ذكره لو كان واجبا.

و لم أقف في كلام أحد من الأصحاب على طعن في هذه الاخبار بذلك بل ظاهرهم تلقيها بالقبول على إطلاقها.

و يمكن ان يقال: انه يجب تقييد إطلاقها بالأخبار الدالة على وجوب التقصير و انه لا يتحلل إلا به (3) و لعله الأقرب. و الاحتياط لا يخفى.

و من هذه الاخبار يظهر ضعف قول ابن إدريس و من تبعه، و الجواب عن ما احتج به العلامة في المختلف من انه دخل في الحج دخولا مشروعا فلا يجوز الخروج عنه إلا بدليل.

و بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (4) «إنما الأعمال بالنيات».

فان الدليل

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 203، و في الوسائل الباب 5 من أقسام الحج. و اللفظ موافق لنقل الوافي باب (أصناف الحج و العمرة و أفضلهما) و في الفقيه و الوسائل «و أشعره و قلده».

(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 1 و 3 من التقصير.

(4) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.

389

على المدعى واضح من هذه الاخبار. و توقف العمل على النية هنا لا معنى له بعد اتفاق الاخبار انه بالطواف و السعي أحل أحب أو كره، و إذا كان الشارع قد حكم بالإحلال قهرا و ان كره فأي مجال لاعتبار النية؟ و ليس هذا الكلام إلا مجرد اجتهاد في مقابلة النصوص. و ما نقلوه من الخبر مخصوص بغير موضع النزاع كما لا يخفى.

تنبيهات

الأول [هل ينقلب الحج بالتحلل في المورد إلى العمرة؟]

- قال السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ان نقل بعض هذه الروايات: قال الشهيد في الشرح بعد ان أورد هذه الروايات: و بالجملة فدليل التحلل ظاهر، و الفتوى مشهورة، و المعارض منتف. و هو كذلك، لكن ليس في الروايات دلالة على صيرورة الحجة مع التحلل عمرة، كما ذكره الشيخ و اتباعه.

نعم ورد في روايات العامة التصريح بذلك،

فإنهم رووا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) انه قال: إذا أهل الرجل بالحج ثم قدم مكة و طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل، و هي عمرة.

انتهى.

أقول: ممن صرح بما ذكره الشيخ أيضا جده (قدس سرهما) في المسالك قال:

و لو أخلا بالتلبية صار حجهما عمرة و انقلب تمتعا، كما صرح به جماعة. انتهى.

و ما ذكره- من المناقشة في صيرورة الحج عمرة- قد سبقه فيه شيخه المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد.

____________

(1) الظاهر انه نقل بالمعنى، و المراد ما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في حجة الوداع من انه أمر أصحابه ممن لم يسق الهدي بان يحلوا بالطواف بالبيت و بين الصفا و المروة، و يجعلوا الذي قدموا به عمرة تمتع. راجع المغني ج 3 ص 277 و ص 398. و سنن ابي داود ج 2 ص 154 و ص 160.

390

و فيه انه لا يخفى ان صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته المتقدمة (1)- و هي الثانية من روايتيه المتضمنة للسؤال عن رجل لبى بالحج مفردا، فقدم مكة و طاف بالبيت و صلى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة فقال (عليه السلام): فليحل و ليجعلها متعة- عين ما دل عليه الخبر العامي الذي نقله، غير انه ذكر في الخبر العامي لفظ: «و هي عمرة» و هو يرجع الى قوله في هذا الخبر: «و ليجعلها متعة» فإن حاصل الخبر الأمر له بالإحلال و انه يجعلها عمرة يتمتع بها الى الحج، بمعنى انه يعدل من حج الافراد الى التمتع ان لم يكن ساق الهدي، فقد دل الخبر على انه مع الطواف و السعي و عدم العقد بالتلبية يبطل حجه و يصير ما اتى به من أفعال عمرة التمتع. اللهم إلا ان يكون قد فهم من كلام الشيخ ان مراده بالعمرة هنا يعني: العمرة المفردة، إلا ان كلام الشيخ لا قرينة فيه على التخصيص بذلك. و ايضا فكلامه في التنبيه الثاني من التنبيهات التي ذكرها صريح في ان المراد عمرة التمتع.

و بالجملة فإن ظاهر الخبر المذكور- كما عرفت- هو انه مع عدم العقد بالتلبية فالواجب عليه الإحلال- للأمر بذلك في الخبر الذي هو حقيقة في الوجوب- و العدول الى التمتع. و الوجه في الوجوب ما تقدم من ان المتمتع متى أتى بالعمرة و ان كان في حج مستحب فإنه يجب الإتيان بالحج بعدها، لدخولها في الحج، و الحج من ما يجب بالشروع فيه و ان كان في الأصل مستحبا.

و من ما يؤيد ما ذكرناه الأخبار الواردة في حج الوداع المتضمنة لأمر الله (عز و جل) له (صلى اللّٰه عليه و آله) ان يأمر الناس ممن لم يسق الهدى بالعدول الى التمتع بعد الطواف و السعي (2).

____________

(1) ص 387.

(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

391

و التقريب فيها ان أوامر الله (عز و جل) للوجوب اتفاقا إلا مع قيام قرينة عدمه، و حينئذ فتدل هذه الاخبار بانضمام اخبار هذه المسألة إليها على ان كل من أحرم مفردا و طاف و سعى و لم يسق الهدي و لم يعقد إحرامه بالتلبية، فإنه يصير محلا و يجب عليه ان يجعل ما اتى به عمرة يتمتع بها الى الحج. و هو عين ما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة.

و لا ينافي ذلك الأخبار المتقدمة الدالة على ان كل من طاف بالبيت و سعى أحل أحب أو كره، حيث انها ربما دلت على بطلان الحج خاصة، و اما انقلابه عمرة فلا، لأنا نقول: غاية هذه الاخبار ان تكون مطلقة بالنسبة إلى صيرورة حجه بعد الإحلال عمرة، و مقتضى القاعدة حملها على الاخبار التي ذكرناها و تقييد إطلاقها بها، فلا منافاة.

الثاني [المراد بالنية في قولهم المفرد لا يحل إلا بالنية]

- قال السيد السند (طاب ثراه) في المدارك: الظاهر ان المراد بالنية- في قول المصنف و من قال بمقالته: ان المفرد لا يحل إلا بالنية- نية العدول إلى العمرة، و المعنى ان المفرد لا يتحلل قبل إكمال أفعال الحج إلا بنية العدول إلى العمرة فيتحلل مع العدول بإتمام أفعالها. و على هذا فلا يتحقق التحلل بالنية إلا في موضع يسوغ فيه العدول إلى العمرة. و ذكر المحقق الشيخ علي (قدس سره) في حواشيه ان المراد بالنية نية التحلل بالطواف. ثم قال: ان اعتبار النية لا يكاد يتحقق، لان الطواف منهي عنه إذا قصد به التحلل، فيكون فاسدا، فلا يعتد به في كونه محللا، لعدم صدق الطواف الشرعي حينئذ. و يتوجه عليه ايضا ان اعتبار النية لا دليل عليه أصلا، بل العمل بالروايات المتضمنة للتحلل بترك التلبية يقتضي حصول التحلل بمجرد الترك، و إطراحها يقتضي عدم التحلل بالطواف و ان نوى به التحلل مع انتفاء نية العدول كما هو واضح.

ثم قال (قدس سره): الثاني- حيث قلنا بانقلاب الحج عمرة فيجب الإتيان

392

بأفعالها، قال المحقق الشيخ علي (قدس سره) في حواشي القواعد: و هل يحتاج الى طواف العمرة أم لا؟ وجهان كل منهما مشكل، اما الأول فلأنه لو احتيج اليه لم يكن لهذا الطواف أثر في الإحلال. و هو باطل. و اما الثاني فلان اجزاءه عن طواف العمرة بغير نية أيضا معلوم البطلان. و هذا الاشكال انما يتوجه على المعنى الذي ذكره، اما على ما ذكرناه فلا ورود له. انتهى.

أقول: الظاهر هو ما استظهره (قدس سره) في معنى النية، لأن هذا هو الذي يقع في مقام العدول الذي جوزه الأصحاب و دلت عليه الاخبار، كما سيأتي ذكره ان شاء الله تعالى.

و اما ما نقله عن المحقق الشيخ علي (نور الله تعالى مرقده) فهذه صورة عبارته في شرحه على القواعد، حيث قال بعد نقله القولين و اختياره القول المشهور و طعنه في دليل القول الآخر: على ان اعتبار النية من ما لا يكاد يتحقق، لان الطواف منهي عنه إذا قصد به التحلل، فيكون فاسدا، فلا يعتد به في كونه محللا، لعدم صدق حصول الطواف حينئذ. و الرواية بالفرق بين القارن و المفرد ضعيفة. فالأصح عدم الفرق. لكن على هذا القول لو تركا التلبية فالذي يلزمهما في الرواية و عبارة الشيخ ان حجهما يصير عمرة فينقلب تمتعا. و في رواية أبي بصير (1) ان المفرد إذا نقل حجه الى التمتع فطاف ثم لبى بطلت متعته. و هي مبنية على ان بين الطواف و التلبية منافاة كما ان بين الطواف و الإحرام منافاة، فكما لا يبقى هذا مع الآخر كذا العكس، و كما يصير هناك الحج افرادا كذا يصير في مسألتنا هذه تمتعا. فعلى هذا هل يحتاج الى طواف آخر للعمرة أم لا؟ كل منهما مشكل اما الأول فلأنه لو احتيج اليه لم يكن لهذا الطواف أثر في الإحلال و هو باطل.

____________

(1) الوسائل الباب 5 و 19 من أقسام الحج.

393

و اما الثاني فلان اجزاءه عن طواف العمرة بغير نية أيضا معلوم البطلان. انتهى.

و حاصل كلام المحقق المذكور انه حيث فسر النية التي لا يحل إلا بها بناء على ذلك القول بأنها نية التحلل بالطواف- و أورد عليه بأنه لا يكاد يتحقق على هذا التقدير، لان الطواف منهي عنه إذا قصد به التحلل- حصل له الإشكال في صورة انقلاب حجه الى التمتع في انه هل يحتاج الى طواف آخر أم لا؟ اما في صورة احتياجه الى الطواف فلانه يجب ان لا يكون له أثر في هذا الإحلال- بمعنى انه لا يقع هذا الطواف إلا بعد حصول الإحلال من الإحرام المتقدم- ليكون هذا الطواف ابتداء للعمرة التي يريد التمتع بها، و الحال انه لم يحصل الإحلال بذلك الطواف السابق، لبطلانه متى قصد به التحلل كما ذكره أولا، فلا بد ان يكون لهذا الطواف أثر في ذلك، هذا خلف. و اما في صورة عدم الاحتياج اليه و الاكتفاء بالطواف الأول فإنه يلزم منه الاجزاء عن طواف العمرة من غير نية كونه طواف العمرة، لأنه انما اتى به أولا بنية كونه للحج.

و حاصل كلام السيد (عطر الله تعالى مرقده) هو انه لما قدم ان غاية ما يستفاد من النصوص بطلان ما فعله بترك التلبية و لزوم كونه محلا، و اما انه يصير حجه عمرة فلا لعدم الدليل عليه، فعلى هذا إذا قلنا بانقلاب حجه عمرة فإنه يجب عليه الإتيان بأفعال العمرة.

و الى ما ذكرناه و أوضحناه من التفصيل اشارة السيد في آخر كلامه بقوله: و هذا الاشكال انما يتوجه على المعنى الذي ذكره، اما على ما ذكرناه فلا ورود له.

و أنت خبير بما في الكلامين معا من النظر الظاهر كما لا يخفى على الخبير الماهر، لما قدمنا بيانه من دلالة صحيحة معاوية بن عمار (1) على انقلاب الحج

____________

(1) ص 387.

394

عمرة و انه يتمتع بها الى الحج، و اعتضادها باخبار حج الوداع.

و به يظهر ان ما ذكره المحقق المذكور في صورة عدم الاحتياج الى الطواف- من انه يلزم اجزاؤه عن طواف العمرة بغير نية و انه معلوم البطلان- ليس في محله، فإن أخبار حج الوداع التي أشرنا إليها قد دلت على اجزاء الطواف الأول الذي أوقعه بنية الحج عن الطواف للعمرة، فإنه لم يذكر في شيء من تلك الاخبار انهم أعادوا الطواف بعد أمر الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) لهم بالإحلال من حجهم و جعله عمرة. على ان نظائر هذا الموضع في العبادات غير عزيز، و منه من صام يوم الشك بنية كونه من شعبان ثم ظهر كونه من رمضان، فإنه يجزئ عنه مع ان النية إنما وقعت عن صوم شعبان. و من ذكر في أثناء صلاة لاحقة فوت سابقة، فإنه يعدل إليها و لو قبل التسليم بل بعده. و نحو ذلك من ما أوجب الشارع نقله الى خلاف ما افتتح عليه.

الثالث [هل التلبية مقتضية لعدم التحلل أو أن الإحرام ينعقد بها؟]

- قال السيد السند في المدارك: المستفاد من الروايات المتقدمة توقف البقاء على الإحرام على التلبية بعد ركعتي الطواف، و على هذا فتكون التلبية مقتضية لعدم التحلل، لا ان التحلل يتحقق بالطواف ثم ينعقد الإحرام بالتلبية كما توهمه بعض المتأخرين. و ذكر الشارح ان محل التلبية بعد الطواف و لم نقف له على مستند. انتهى.

أقول: لا يخفى ان المستفاد من الروايات انما هو القول الثاني الذي نسب صاحبه الى التوهم دون ما ذكره (طاب ثراه):

و منها-

حسنة معاوية بن عمار التي قدمها في كلامه و هي الاولى من روايتيه المتقدمتين في كلامنا (1) لقوله فيها: «يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية».

فإنه ظاهر في كونهما قد أحلا بالطواف و لكن يعقدان ما أحلاه بالتلبية.

____________

(1) ص 385 و 386.

395

و كذا قوله

في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج التي قدمها في كلامه ايضا (1) لما قال له السائل: «أ ليس كل من طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل؟ فقال (عليه السلام): انك تعقد بالتلبية».

فإنه في معنى التقرير له على ما ذكره من الإحلال، لكن أخبره بأنك تعقد ذلك بعد الإحلال بالتلبية. ثم قال له:

«كلما طفت طوافا و صليت ركعتين فاعقد بالتلبية» و قضية العقد حصول التحلل قبل ذلك، إذ لا معنى لعقد شيء معقود.

و سيأتي قريبا (2) ان شاء الله (تعالى) في صحيحتي عمر بن أذينة و زرارة ما هو صريح في ما قلناه.

و من ما يعضد ذلك أيضا الأخبار المتقدمة (3) الدالة على انه ما طاف بالبيت و الصفا و المروة أحد إلا أحل أحب أو كره، فإنها صريحة في حصول الإحلال بذلك، اتى بالتلبية أم لم يأت، غاية الأمر أنه إذا اتى بها عقد ما أحله كما دلت عليه الاخبار المتقدمة.

و بمثل ما ذكره في المدارك صرح المحقق المولى الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث قال: و يفهم من قوله: «و لا يفتقر. الى آخره» انه حصل التحلل فلا بد من التلبية لعقد الإحرام، و ذلك غير واضح و ان كان ظاهر الاخبار ذلك كما أشرنا إليه، لأن الظاهر ان المراد انه يحصل التحلل بترك التلبية و هي مانعة عنه، و هو المراد بالعقد بالتلبية و لو كان مجازا، لا انه يحصل إحرام مجدد كما هو الظاهر من كلام الأصحاب، و ليس مرادهم، لانه ليس بإحرام بالحج و لا بالعمرة، لسبق بعض عمل الحج و عدم فعل العمرة، و هو ظاهر مع حصر الإحرام في إحرامهما. و لانه ما ذكر له وقت و لا ميقات. و لانه ما ذكر له نية، بل و ما قال به أحد على

____________

(1) ص 385.

(2) 396 و 397.

(3) ص 387 و 388.

396

الظاهر. مع انه لا بد في العبادات كلها من النية على ما قرروه، و لا نية هنا، لأن النية الأولى قد ارتفعت، فإنها كانت للإحرام و قد أحل و خرج منه. الى آخر كلامه (زيد في إكرامه).

أقول: لا مانع من انه يكون بالطواف قد أحل- كما دلت عليه ظواهر الاخبار- و ان هذه التلبية انما هي لتجديد الإحرام الأول لا لإنشاء إحرام جديد كما توهمه و سجل به، و لا استبعاد في ذلك بعد دلالة النصوص عليه و قول معظم الأصحاب به كما اعترف به، فلا يحتاج الى تجوز في الاخبار و لا تأويل لكلام الأصحاب.

الرابع [ظهور بعض الأحاديث في أن تقديم الطواف يبطل الحج]

- قد عرفت من ما تقدم اتفاق الاخبار و كلمة جمهور الأصحاب على العقد بالتلبية بعد الطواف و السعي و ان الحج صحيح.

إلا انه

روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن عمر بن أذينة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1): «انه قال في هؤلاء الذين يفردون الحج، إذا قدموا مكة و طافوا بالبيت أحلوا، و إذا لبوا أحرموا، فلا يزال يحل و يعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج و لا عمرة».

و ظاهر هذا الحديث بل صريحه هو بطلان الحج بذلك، و ان تلك الأخبار الواردة بذلك انما خرجت مخرج التقية و ان اشتهر الحكم بها بين الأصحاب قال المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقل هذا الخبر: بيان- كانوا يقدمون الطواف و السعي على مناسك منى (2) و ربما يكررون، فحكم ببطلان

____________

(1) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج، و الباب 44 من الإحرام.

(2) في المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 405 قال في إحرام الحج:

و لا يسن ان يطوف بعد إحرامه. قال ابن عباس: لا أرى لأهل مكة ان يطوفوا بعد ان يحرموا بالحج و لا ان يطوفوا بين الصفا و المروة حتى يرجعوا و هذا مذهب عطاء و مالك و إسحاق. و ان طاف بعد إحرامه ثم سعى لم يجزئه عن السعي الواجب. و هو قول مالك. و قال الشافعي: يجزئه. و فعله ابن الزبير، و اجازه القاسم بن محمد و ابن المنذر، لانه سعى في الحج مرة فأجزأه، كما لو سعى بعد رجوعه من منى. ثم استدل لما اختاره من عدم المشروعية بما ورد في حديث حجة الوداع من أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أصحابه ان يهلوا بالحج إذا خرجوا إلى منى. و بحديث عن عائشة. ثم قال: و لو شرع لهم الطواف قبل الخروج لم يتفقوا على تركه.

397

حجهم بذلك، و ذلك لان طواف البيت للحاج و سعيه موجب للإحلال لأنهما آخر الأفعال، فإذا طاف قبل الإتيان بمناسك منى فقد أحل من حجه قبل تمامه، فإذا جدد التلبية فقد أحرم إحراما آخر، فان لم يطف بعد ذلك فقد بقي حجه بلا طواف، فلا حج و لا عمرة له ايضا، لعدم نيته لها و عدم إتمامه إياها، لأنه لم يأت بالتقصير بعد، فقد خرج منها قبل كمالها فبطلت، ثم إذا كرر الطواف و التلبية فقد كرر الحل و العقد. انتهى كلامه.

و قال ايضا بعد نقل كلام الشيخ المتقدم في فقه حسنة معاوية بن عمار:

أقول: قد مضى ان من يفعل ذلك فلا حج له و لا عمرة، فالصواب ان يحمل هذا الحديث على التقية.

أقول: و من ما يؤيد ما ذكره من الحمل على التقية

ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: ما أفضل ما حج الناس؟ فقال: عمرة في رجب و حجة مفردة في عامها.

____________

(1) ج 5 ص 31، و في الوسائل الباب 4 و 5 و 22 من أقسام الحج، و الباب 3 من العمرة. و اللفظ: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام).».

398

فقلت: فما الذي يلي هذا؟ قال: المتعة. قلت: فكيف يتمتع؟ قال: يأتي الوقت فيلبي بالحج، فإذا اتى مكة طاف و سعى و أحل من كل شيء، و هو محتبس و ليس له ان يخرج من مكة حتى يحج. قلت: فما الذي يلي هذا؟ قال القران، و القران ان يسوق الهدي. قلت: فما الذي يلي هذا؟ قال: عمرة مفردة و يذهب حيث شاء، فإن أقام بمكة إلى الحج فعمرته تامة و حجته ناقصة مكية.

قلت: فما الذي يلي هذا؟ قال: ما يفعل الناس اليوم، يفردون الحج، فإذا قدموا مكة و طافوا بالبيت أحلوا، و إذا لبوا أحرموا، فلا يزال يحل و يعقد حتى يخرج إلى منى بلا حج و لا عمرة».

و سياق الخبر- كما ترى- انما هو في ما يفعله العامة، و السؤال انما هو عن أفضل ما هو المعروف بينهم، و هذا الترتيب لا يوافق أخبارنا و لا يجري على مذهبنا و بالجملة فالصحيحان المذكوران صريحان في كون تقديم الطواف و عقده بالتلبية انما هو مذهب العامة (1) و انه موجب لبطلان الحج، لقوله (عليه السلام) فيهما:

«فيخرجون إلى منى بلا حج و لا عمرة».

و أنت خبير بما فيه من الاشكال و الداء العضال، و مقتضاهما حمل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة ان حمل الطواف المقدم فيها على الطواف الواجب- و حسنة معاوية بن عمار المتضمنتين لعقد الإحرام بالتلبية و نحوهما من ما في معناهما- على التقية مع فتوى معظم الأصحاب بذلك، بل الأخبار الدالة على جواز تقديم الطواف للمفرد و القران و قد تقدمت في أول البحث الثالث، فإنه متى كان من طاف

____________

(1) في المغني ج 3 ص 430: و ممن قال يلبي حتى يرمي الجمرة ابن مسعود و ابن عباس و ميمونة. الى ان قال: و روي عن سعد بن ابي وقاص و عائشة:

يقطع التلبية إذا راح الى الموقف. الى آخر كلامه في نقل الأقوال.

399

و سعى أحل و بطل حجه و ان العقد بالتلبية لا يفيد فائدة، فكيف خرجت هذه الاخبار عنهم (عليهم السلام) مصرحة بالجواز، و ان تقديمه و تأخيره سواء في صحة الحج؟ و حملها على التقية كما هو ظاهر الصحيحين المتقدمين مشكل.

و العجب من المحدث الكاشاني أنه ظن انحصار المنافاة في صحيحتي عبد الرحمن و معاوية و لم يتنبه للمنافاة ايضا للأخبار المذكورة حيث انه قال بمضمونها في كتبه، و وجه المنافاة فيها ظاهر، لأن صحيحتي عمر بن أذينة و زرارة صريحتان في حصول الإحلال بالطواف و تؤيدهما الأخبار المتقدمة، و حينئذ فإذا قدم طواف الحج و سعيه كما تضمنته هذه الاخبار، فإن لبى بعده كما يقول الأصحاب لزم ما ذكره (عليه السلام) في الصحيحتين المشار إليهما، و ان لم يلب فكيف يجوز ان يعتد بهما في حجه و الحال انه أحل بعدهما.

على ان المفهوم من الاخبار المتقدمة ان العقد بالتلبية انما هو لبقاء الإحرام الأول على حاله، و لهذا ذهب في المدارك و قبله شيخه الأردبيلي- كما تقدم- الى ان الغرض من التلبية هو البقاء على الإحرام الأول فتكون التلبية مقتضية لعدم التحلل و المفهوم من هاتين الصحيحتين هو انه بالطواف يصير محلا و يخرج عن إحرامه السابق و بالتلبية يعقد إحراما جديدا، و لهذا سجل عليهم انهم يخرجون إلى منى بغير حج و لا عمرة، بالتقريب الذي قدمنا نقله عن المحدث الكاشاني. و هذان الخبران لا ينطبقان إلا على مذهب ابن إدريس المانع من تقديم الطواف كما تقدم.

و بالجملة فالمسألة عندي محل اشكال، عجل الله (تعالى) بالفرج لمن على يديه حل هذه الرتج.

الخامس [يجوز للمفرد عند قدومه إلى مكة العدول إلى التمتع]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان المفرد متى قدم مكة جاز له العدول الى التمتع دون القارن.

400

و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان بن يحيى (1) قال:

«قلت لأبي الحسن على بن موسى (عليه السلام): ان ابن السراج روى عنك أنه سألك عن الرجل يهل بالحج ثم يدخل مكة فطاف بالبيت سبعا و سعى بين الصفا و المروة، فينفسخ ذلك و يجعلها متعة. فقلت له: لا؟ فقال: قد سألني عن ذلك فقلت له: لا، و له ان يحل و يجعلها متعة و آخر عهدي بأبي انه دخل على الفضل ابن الربيع و عليه ثوبان و ساج، فقال له الفضل بن الربيع. يا أبا الحسن لنا بك أسوة، أنت مفرد للحج و انا مفرد للحج. فقال له ابى: لا ما انا مفرد انا متمتع. فقال له الفضل بن الربيع: فلي الآن ان أتمتع و قد طفت بالبيت؟

فقال له ابي: نعم. فذهب بها محمد بن جعفر الى سفيان بن عيينة و أصحابه فقال لهم: ان موسى بن جعفر (عليه السلام) قال للفضل بن الربيع: كذا و كذا، يشنع بها على ابى».

و روى الصدوق عن ابي بصير في الموثق (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة ثم يبدو له ان يجعلها عمرة؟ فقال: ان كان لبى بعد ما سعى قبل ان يقصر فلا متعة له».

و روى الكليني و الشيخ عنه عن إسحاق بن عمار في الموثق (3) قال:

«قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): ان أصحابنا يختلفون في وجهين من الحج، يقول بعضهم:

أحرم بالحج مفردا فإذا طفت بالبيت و سعيت بين الصفا و المروة فأحل و اجعلها عمرة.

و بعضهم يقول: أحرم و انو المتعة بالعمرة إلى الحج. اي هذين أحب إليك؟

قال: انو المتعة».

____________

(1) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 5 و 19 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج، و الباب 21 من الإحرام.

401

و روى الكشي في كتاب الرجال (1) بأسانيد فيها الصحيح و غيره عن عبد الله بن زرارة قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): اقرأ مني على والدك السلام و قل له: إنما أعيبك دفاعا مني عنك، فان الناس و العدو يسارعون الى كل من قربناه و حمدنا مكانه بإدخال الأذى في من نحبه و نقربه. الى ان قال: و عليك بالصلاة الستة و الأربعين، و عليك بالحج ان تهل بالإفراد و تنوي الفسخ، إذا قدمت مكة و طفت و سعيت فسخت ما أهللت به و قلبت الحج عمرة و أحللت إلى يوم التروية، ثم استأنف الإهلال بالحج مفردا إلى منى و اشهد المنافع بعرفات و المزدلفة، فكذلك حج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و هكذا أمر أصحابه ان يفعلوا ان يفسخوا ما أهلوا به و يقلبوا الحج عمرة. الى ان قال: هذا الذي أمرناك به حج التمتع، فالزم ذلك و لا يضيقن صدرك. و الذي أتاك به أبو بصير من صلاة احدى و خمسين، و الإهلال بالتمتع بالعمرة إلى الحج، و ما أمرناه به من ان يهل بالتمتع، فلذلك عندنا معان و تصاريف لذلك ما يسعنا و يسعكم، و لا يخالف شيء من ذلك الحق و لا يضاره. و الحمد لله رب العالمين».

و روى الشيخ في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت

____________

(1) ص 125 و 126، و في الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض من كتاب الصلاة، و الباب 5 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 22 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن موسى بن القاسم عن صفوان بن يحيى عن معاوية بن عمار. راجع التهذيب ج 5 ص 79، فالمسند صحيح و لا وجه ظاهرا للترديد بين الصحيح و الحسن. نعم روى الكليني في الكافي ج 4 ص 298 شطرا من الحديث عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابي عمير عن معاوية بن عمار، و نقله في الوسائل في الباب 5 من أقسام الحج رقم (4) ثم قال بعد الحديث رقم (6): و رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن يعقوب و كذا كل ما قبله.

402

أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لبى بالحج مفردا ثم دخل مكة و طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة؟ قال: فليحل و ليجعلها متعة إلا ان يكون ساق الهدى فلا يستطيع ان يحل حتى يبلغ الهدي محله».

و استدل في المدارك على ذلك أيضا بالأخبار الدالة على أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أصحابه بالعدول بعد الطواف و السعي ممن لم يسق الهدى (1) و ظني ان هذه الاخبار ليست من محل البحث في شيء، و ذلك فان الظاهر من تلك الأخبار ان هذا العدول على سبيل الوجوب، حيث انه نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بوجوب التمتع على أهل الآفاق، و مبدأ النزول كان بعد فراغه من السعي، و نزلت الآية في ذلك المقام بذلك، فأمرهم بجعل ما طافوا و سعوا عمرة- حيث ان جملة من كان معه من أهل الآفاق- و ان يحلوا و يتمتعوا بها الى الحج. فهو ليس من ما نحن فيه من جواز العدول و عدمه في شيء.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المسألة صورا:

إحداها- ان يحرم بالحج مفردا و لا يخطر بباله العدول بالكلية إلا انه بعد ان طاف و سعى عرض له العدول الى التمتع. و هذا يقصر ثم يحل ما لم يلب بعد طوافه و سعيه. و على هذه الصورة تدل موثقة أبي بصير المتقدمة هنا و صحيحة صفوان بن يحيى المتقدمة هنا ايضا. و في حكمه ما لو عرض له العدول بعد دخول مكة قبل الطواف و السعي، فإنه يطوف و يسعى بنية الحج الذي أحرم به ثم يقصر و يحل و يجعلها عمرة.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

403

و ثانيها- ان ينوي العدول في نفسه من أول الإحرام بالحج، و مع ذلك أحرم بالحج و قدم طوافه و سعيه، فإنه يقصر و يحل و يجعلها عمرة، و على ذلك تدل صحيحة عبد الله بن زرارة و أمر الإمام (عليه السلام) أباه زرارة بان يهل بالحج و ينوي الفسخ. و نحوها موثقة إسحاق بن عمار.

و اما ما ذكره في المدارك- حيث قال: و لا يخفى ان العدول انما يتحقق إذا لم يكن ذلك في نية المفرد ابتداء و إلا لم يقع الحج من أصله صحيحا، لعدم تعلق النية بحج الافراد، فلا يتحقق العدول عنه كما هو واضح. انتهى- فليس بشيء بعد تصريح الاخبار بجواز ذلك، لما عرفت من الخبرين المذكورين، و لما سيأتي من الاخبار الدالة على ذلك في موضعها ان شاء الله تعالى (1) و منها-

صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر (2) قال: «قلت لأبي الحسن على بن موسى الرضا (عليه السلام): كيف أصنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال: لب بالحج و انو المتعة، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت و صليت الركعتين خلف المقام و سعيت بين الصفا و المروة و قصرت، فنسختها و جعلتها متعة».

و اما ما تأوله في المدارك- من ان المراد بقوله: «لب بالحج و انو المتعة» يعني: يهل بحج التمتع و ينوي الإتيان بعمرة التمتع قبله- فتعسف ظاهر فان الحج هنا بل حيث يطلق مع عدم القرينة انما يراد به حج الافراد كما لا يخفى على من له أنس بالاخبار، و قوله هنا في آخر الخبر: «فنسختها و جعلتها متعة» ظاهر كالصريح في ما ذكرناه.

و بالجملة فإن ظهور هذا النوع من الاخبار أشهر من ان ينكر، نعم يجب ان يكون مخصوصا بحال التقية كما ذكرنا.

____________

(1) في الفائدة الرابعة من الفوائد الملحقة بنية الإحرام.

(2) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

404

و ثالثها- ان يقصد البقاء على حجه، و حينئذ فيجب عليه الإتيان بالتلبية بعد ركعتي الطواف أو السعي، و على هذه الصورة تدل صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج و صحيحة معاوية بن عمار المتقدمتان (1).

و رابعها- ان يقصد البقاء على حجه و لكنه لم يأت بالتلبية عمدا أو جهلا أو نسيانا، و هذا هو محل الخلاف المتقدم في أصل المسألة، و الأشهر الأظهر انقلاب حجه عمرة يتمتع بها الى الحج، لدلالة الأخبار المتقدمة (2) على حصول الإحلال بذلك أحب أو كره. و دلالة صحيحة معاوية بن عمار بالتقريب الذي قدمناه على صيرورة ما اتى به عمرة.

و كيف كان فينبغي ان يعلم ان جواز العدول للمفرد انما هو في ما إذا لم يتعين عليه الإفراد بأصل الشرع أو بنذر و شبهه، لاستفاضة الاخبار (3)- كما تقدم- بأن أهل مكة و حاضري المسجد الحرام لا يجزئهم التمتع يتوهم عن فرضهم، و عموم ما دل على وجوب الوفاء بالنذر و شبهه (4) و ما ربما يتوهم من العموم في بعض الروايات المتقدمة أو الإطلاق على وجه يتناول المعين و غيره فيجب تخصيصه بما ذكرنا من الأدلة.

و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا الشهيد الثاني من ان تخصيص الحكم بمن لم يتعين عليه الافراد بعيد عن ظاهر النص.

____________

(1) ص 385 و 386.

(2) ص 387 و 388.

(3) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

(4) كقوله تعالى في سورة الحج، الآية 29 وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ.

و قوله تعالى في سورة المائدة الآية 89 لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمٰانَ. و قوله تعالى في سورة النحل الآية 91:

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ.

405

ثم ان شيخنا المشار اليه ذكر ان هذه المتعة التي أنكرها الثاني. و قال في المعتبر: زعم فقهاء الجمهور ان نقل حج الافراد الى التمتع منسوخ (1).

أقول: الظاهر ان ما ذكروه هنا من النسخ- و تبعهم عليه أصحابنا فجعلوا التحريم الذي أحدثه عمر انما هو بالنسبة الى هذه المادة- تستر بالراح و إخماد لضوء المصباح لدفع الشنعة و الافتضاح، فان المفهوم من اخبارهم (2)- كما نقلنا جملة منها في كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن ابي الحديد- ان تحريم عمر انما هو لأصل حج التمتع لا لهذه الصورة، و لكن علماءهم لما رأوا شناعة ذلك لتصريح القرآن العزيز بالمشروعية (3) حاولوا تخصيص تحريمه بهذه الصورة و ادعوا النسخ ليكون دليلا له، مع ان كلمات عمر و تعليلاته للتحريم لا تلائم هذه الدعوى و لا أدلتها و كفاك قوله على المنبر كما استفاض و انتشر و اشتهر (4):

«متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حلالا و انا محرمهما و معاقب عليهما:

متعة الحج و متعة النساء» و لو لا ان البحث في ذلك خارج عن موضوع الكتاب لكنا أوردنا شطرا من تلك الاخبار لتعلم صدق ما قلناه و صحة ما ادعيناه و لكن من أحب ذلك فليرجع الى المجلد الثاني من الكتاب المذكور في الجزء الثاني عشر منه (5).

____________

(1) ارجع الى التعليقة 3 ص 359.

(2) ارجع الى التعليقة 2 ص 359.

(3) بقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 195: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ.».

(4) المحلى لابن حزم ج 7 ص 107، و أحكام القران للجصاص ج 1 ص 342 و 345.

(5) و من أراد استيفاء البحث في هذا الموضوع بنحو يوافق تحقيق المصنف (قدس سره) فليرجع الى كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 276 الى 281 و ص 398 الى 401.

406

البحث الخامس [النوع الواجب على المكي إذا بعد عن أهله]

- لو بعد المكي عن اهله و حج حج الإسلام على ميقات أحرم منه وجوبا و الكلام هنا في موضعين: الأول- في وجوب الإحرام عليه من الميقات، و هذا من ما لا خلاف فيه و لا إشكال، لأنه لا يجوز لقاصد مكة مجاوزة الميقات إلا محرما عدا ما استثني، و قد صار هذا ميقاتا له باعتبار مروره عليه للأخبار الكثيرة:

و منها-

صحيحة صفوان بن يحيى عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) «انه كتب اليه ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقت المواقيت لأهلها و لمن اتى عليها من غير أهلها، و فيها رخصة لمن كانت به علة، فلا يجاوز الميقات إلا من علة».

الثاني- في النوع الذي يحرم به، فالمشهور انه يجوز له التمتع، ذهب اليه الشيخ في جملة من كتبه و المحقق في المعتبر، و العلامة في المنتهى و التذكرة، و غيرهم و نقل عن الحسن بن ابي عقيل عدم جواز التمتع له، لانه لا متعة لأهل مكة لقول الله عز و جل ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ (2) و الاخبار المتقدمة الصريحة في انه ليس لأهل مكة متعة (3) و العلامة في المختلف اقتصر على نقل القولين و لم يرجح شيئا منهما في البين.

احتج الشيخ و من تبعه

بما رواه في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين (4) قالا: «سألنا أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل من أهل مكة خرج الى بعض الأمصار ثم رجع فمر ببعض المواقيت التي وقت

____________

(1) الوسائل الباب 15 من المواقيت.

(2) سورة البقرة، الآية 195.

(3) ص 322 الى 324.

(4) الوسائل الباب 7 من أقسام الحج.

407

رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) له ان يتمتع؟ قال: ما أزعم ان ذلك ليس له، و الإهلال بالحج أحب إلي. و رأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام) و ذلك أول ليلة من شهر رمضان فقال له: جعلت فداك اني قد نويت ان أصوم بالمدينة، قال: تصوم ان شاء الله تعالى. قال له: و أرجو ان يكون خروجي في عشر من شوال. فقال: تخرج ان شاء الله تعالى. فقال له: اني قد نويت ان أحج عنك أو عن أبيك فكيف اصنع؟ فقال له: تمتع. فقال له: ان الله ربما من علي بزيارة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و زيارتك و السلام عليك، و ربما حججت عنك، و ربما حججت عن أبيك، و ربما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي، فكيف اصنع؟ فقال له: تمتع. فرد عليه القول ثلاث مرات يقول: انى مقيم بمكة و أهلي بها، فيقول: تمتع. فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا فقال: انى أريد ان أفرد عمرة هذا الشهر، يعني:

شوال؟ فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: ان أهلي و منزلي بالمدينة و لي بمكة أهل و منزل و بينهما أهل و منازل؟ فقال له: أنت مرتهن بالحج.

فقال له الرجل: ان لي ضياعا حول مكة و أريد ان اخرج حلالا فان كان ابان الحج حججت».

و للمحقق الشيخ حسن (طاب ثراه) في كتاب المنتقى كلام جيد على اثر هذا الحديث لا بأس بإيراده، قال (قدس سره) بعد ذكره: قلت: لا يخفى ان قوله: «و رأيت من سأل أبا جعفر (عليه السلام). الى قوله: و سأله بعد ذلك.»

من كلام موسى بن القاسم، فهو حديث ثان عن ابى جعفر الثاني (عليه السلام) و أورده موسى على اثر حديث ابي الحسن موسى (عليه السلام) و قد تمسك جماعة من الأصحاب- منهم العلامة- بالخبر الأول في الحكم بجواز التمتع للمكي إذا بعد عن اهله ثم رجع و مر ببعض المواقيت، و فهموا من الخبر ارادة التمتع في حج الإسلام و اللازم من ذلك ان يكون الخروج موجبا لانتقال الفرض كالمجاورة، لكنه هنا

408

على وجه التخيير، لقوله (عليه السلام) في الخبر: «و الإهلال بالحج أحب الى» و كلام الشيخ في الاستبصار يعطي ذلك أيضا، فإنه قال: ما يتضمن أول الخبر من حكم من يكون من أهل مكة و قد خرج منها ثم يريد الرجوع إليها و انه يجوز ان يتمتع فان هذا حكم يختص بمن هذه صفته لانه أجراه مجرى من كان من غير الحرم و يجري ذلك مجرى من اقام بمكة من غير أهل الحرم سنتين فان فرضه يصير الافراد و الإقران و ينتقل عنه فرض التمتع. و أضاف العلامة في المنتهى الى الخبر الأول شطرا من الثاني بتلخيص غير سديد و استدل بالمجموع على الحكم. و عندي في ذلك كله نظر للتصريح في حديث ابي جعفر (عليه السلام) ان مورد الحكم هو حج التطوع و الخبر الأول و ان كان مطلقا إلا ان في إيراد الثاني على أثره بصورة ما رأيت إشعارا بأن موسى بن القاسم فهم منهما اتحاد الموضوع، مع معونة دلالة القرينة الحالية على ذلك، فان بقاء المكي بغير حج إلى ان يخرج و يرجع من ما يستبعد عادة. و العجب ان العلامة جرد ما لخصه من الخبر الثاني عن موضع الدلالة على ارادة التطوع. و بما حررناه يظهر انه لا دلالة للحديثين على الجواز في حج الإسلام و انما يدلان عليه في التطوع. و لعل قوله في الأول: «و الإهلال بالحج أحب الي» ناظر إلى مراعاة التقية لئلا ينافي ما وقع من التأكيد في الأمر بالتمتع في الخبر الثاني. انتهى كلامه (زيد مقامه) و هو حسن رشيق قد طبق فيه مفصل التحقيق.

و للمحقق المولى الأردبيلي أيضا هنا تفصيل حسن يجب ان نذكره، قال (عطر الله مرقده) بعد كلام في المقام: و اما انه بأي شيء يحرم و انه بحج التمتع أو غيره ففيه التأمل، و الظاهر انه يفعل ما يجب عليه، فلو كان الحج واجبا عليه قبل ان يخرج من مكة يحرم بالإفراد أو القران بناء على تعينهما عليه، و اما لو لم يكن واجبا عليه فوجب عليه بان صار نائبا فيحتمل انه مثل الأول، لما مر

409

من ما يدل على وجوبهما على أهل مكة و ان التمتع لمن لم يكن اهله حاضريها و الفرض ان أهل هذا من حاضريها. و هو ظاهر. و يحتمل اعتبار المجاورة في غيرها مثل ما اعتبر في مجاورة مكة كما سيجيء. و الظاهر العدم، لعدم النص، و عدم صحة القياس، و جواز التمتع له مطلقا مع اولوية الافراد، لصيرورته بالخروج من غير أهل مكة، و لكون إحرامه من موضع إحرام التمتع، و لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين. ثم ساق الرواية الاولى و ملخص الثانية المروية عن ابي جعفر (عليه السلام) و قال: و لكن يحتمل كونها في غير حجة الإسلام. الى ان قال: فحكم بعض الأصحاب بجواز التمتع له مطلقا محل التأمل.

أقول: ظاهر كلام المحقق الأول هو رد القول المشهور و منع دلالة الرواية عليه، و ظاهر كلام المحقق الثاني هو التوقف.

و كيف كان فينبغي ان يعلم ان هذه الرواية لما هي عليه من الإجمال و تطرق الاحتمال لا تصلح لان تخصص بها الآية (1) و الروايات المتقدمة الدالة جميعه على انه لا يجوز لأهل مكة التمتع (2) فالقول بما عليه ابن ابي عقيل هو المعتمد.

و بذلك يظهر لك ضعف ما ذكره السيد في المدارك، حيث قال بعد نقل مذهب ابن ابي عقيل و الاستدلال له بالآية: و هو جيد لو لا ورود الرواية الصحيحة بالجواز. فان فيه ان الرواية و ان كانت صحيحة كما هو مطمح نظره و مدار فكره إلا انها غير صريحة في حج الإسلام، بل لو ادعى عدم الظهور ايضا لكان متجها، فان بقاء المكي بغير حج الإسلام مدة كونه في مكة أبعد بعيد

____________

(1) و هو قوله تعالى في سورة البقرة، الآية 195 ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ.

(2) الوسائل الباب 6 من أقسام الحج.

410

فكيف تصلح لان تخصص بها الآية و الاخبار الواردة بمعناها.

بقي الكلام في حكمه (عليه السلام) بالتمتع في الخبر الثالث و هو قوله: «فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا. الى آخره» و تأكيده بذلك، و هو يحتمل وجهين: أحدهما- ان يكون الكلام في الحج المندوب و يكون الحكم بالتمتع على سبيل الاستحباب، و ثانيهما- ان يكون الغالب في حال السائل الإقامة بالمدينة فيكون فرضه التمتع، و لعل في قوله: «ان أهلي و منزلي بالمدينة و لي بمكة أهل و منزل» اشعارا بذلك.

و الشيخ أورده في موضع آخر مستقلا معلقا عن موسى بن القاسم، و في المتن زيادة يختلف بها المعنى، قال (1): «أخبرني بعض أصحابنا انه سأل أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال، فقال: اني أريد ان أفرد عمرة هذا الشهر؟

فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: ان المدينة منزلي و مكة منزلي و لي بينهما أهل و بينهما أموال؟ فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: فإن لي ضياعا حول مكة و احتاج الى الخروج إليها؟ فقال: تخرج حلالا و ترجع حلالا الى الحج».

و وجه الاختلاف في المعنى بين الخبرين ان المستفاد من هذا المتن كون السؤال عن افراد العمرة في أشهر الحج للحاجة إلى الخروج قبل وقت الحج، فأجابه (عليه السلام) بالمنع من افراد العمرة و ان ما يريده ممكن متى قصد التمتع بها، و هو ان يخرج بعد عمرة التمتع بغير إحرام و يرجع الى الحج قبل الشهر. و قد تقدمت الأخبار الدالة عليه (2).

بقي الكلام في المنع من افراد العمرة في الصورة المذكورة، فإنه خلاف ما دلت

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 436 و في الوسائل الباب 22 من أقسام الحج.

(2) ص 362 و 363 و 365.

411

عليه جملة من الاخبار، و ان كان قد ورد فيها ايضا ما يوافقه كما سيجيء بيانه ان شاء الله (تعالى) في محله.

و الشيخ في التهذيب حمل هذا الخبر على من أراد افراد العمرة بعد ان دخل فيها بقصد التمتع، و جوز في الاستبصار الحمل على الاستحباب ايضا.

و المستفاد من الخبر الأول ان السؤال عن افراد العمرة في شوال فلما لم يأذن له ذكر احتياجه الى الخروج من مكة، و قال: انه يؤخر الأمر الى ابان الحج فيأتي بهما معا في ذلك الوقت، حذرا عن محذور الامتناع من الخروج مع الحاجة إليه بتقدير تقديم العمرة.

قال بعض أصحابنا: و كأنه وقع في هذا المتن إسقاط أوجب اختلاف لمعنى بين الخبرين.

هذا.

و قد روى ثقة الإسلام في الكافي عن موسى بن القاسم في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): يا سيدي إني أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان. فقال: تصوم بها ان شاء الله تعالى. قلت: و أرجو ان يكون خروجنا في عشر من شوال، و قد عود الله زيارة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و زيارتك، فربما حججت عن أبيك و ربما حججت عن ابي و ربما حججت عن الرجل من إخواني و ربما حججت عن نفسي، فكيف اصنع؟ فقال: تمتع. فقلت: انى مقيم بمكة منذ عشر سنين؟ فقال: تمتع».

و هذا الخبر من ما يدل على أفضلية تمتع المكي الخارج عن بلده في غير حج الإسلام.

البحث السادس [الميقات الذي يحرم منه المقيم بمكة و فرضه التمتع]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من فرضه التمتع إذا أقام بمكة إقامة لا تقتضي تغير فرضه فإنه يجب عليه التمتع

____________

(1) الوسائل الباب 25 من النيابة في الحج، و الباب 4 من أقسام الحج.

412

و انه يخرج الى الميقات مع الإمكان فيحرم منه بعمرة التمتع، فان تعذر خرج الى أدنى الحل، و ان تعذر أحرم من مكة.

أقول: انه قد وقع لي تحقيق سابق في هذه المسألة لسؤال بعض الطلبة عنها، و انا مثبتة هنا لإحاطته بأطراف الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام بما لم يسبق اليه سابق من الاعلام:

و هذه صورته: قد قطع الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان المجاور في مكة (شرفها الله تعالى) مدة لم ينتقل حكمه و فرضه عن حكم الآفاقي لو أراد حج الإسلام، فإنه يجب عليه الخروج الى الميقات و الإحرام بعمرة التمتع منه، فان تعذر خرج الى أدنى الحل، فان تعذر أحرم من مكة. و ظاهر كلامهم ان الحكم إجماعي لم يظهر فيه مخالف.

و هل الميقات الذي يجب الخروج اليه هو ميقات أهل أفقه أو أي ميقات كان؟ قد صرح بعضهم بالأول، و نقل عن المحقق في المعتبر و النافع، و العلامة في المنتهى و التذكرة، و به صرح الشيخ المفيد في المقنعة، و هو ظاهر الشيخ في التهذيب حيث استدل له برواية سماعة الآتية قريبا، و منهم من صرح بالثاني كالشهيد الأول في الدروس، و الثاني في المسالك و الروضة، قال في المسالك: لا يتعين عليه الخروج الى ميقات بلده بل يجوز له الخروج الى اي ميقات. و نحوه كلامه في الروضة. و بعضهم أطلق كالمحقق في الشرائع، و العلامة في القواعد و الإرشاد.

و احتمل السيد السند (قدس سره) في المدارك الاكتفاء بالخروج إلى أدنى الحل مطلقا، و استحسنه في الكفاية، و نقل عن المحقق الأردبيلي انه استظهره ايضا، و نقل بعض فضلاء متأخري المتأخرين انه قول الحلبي.

و حينئذ فقد تلخص ان في المسألة أقوالا ثلاثة: الأول- القول بوجوب الخروج الى ميقات أهل بلده، الثاني- الخروج الى اي ميقات أراد من غير

413

تعيين، الثالث- الاكتفاء بالخروج إلى أدنى الحل.

و استدل للقول الأول

برواية سماعة عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن المجاور أ له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: نعم يخرج الى مهل أرضه فيلبي ان شاء».

أقول: و يمكن الاستدلال عليه بالأخبار الدالة على ان من دخل مكة ناسيا للإحرام أو جاهلا به فإنه يجب عليه الخروج الى ميقات أهل أرضه:

مثل

صحيحة الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم؟ فقال: يرجع الى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فإن خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج».

و صحيحته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم؟ قال: قال ابي (عليه السلام): عليه ان يخرج الى ميقات أهل أرضه فإن خشي ان يفوته الحج أحرم من مكانه، فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم».

و صحيحة معاوية بن عمار (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت، فأرسلت إليهم فسألتهم، فقالوا: ما ندري أ عليك إحرام أم لا و أنت حائض؟ فتركوها حتى دخلت الحرم. قال: ان كان عليها مهلة فلترجع الى الوقت فلتحرم منه، و ان لم يكن عليها وقت فلترجع الى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم.».

____________

(1) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج، و الباب 19 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(4) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

414

وجه التقريب فيها انها قد اشتركت في الدلالة على ان هؤلاء يجب عليهم الرجوع الى ميقات أهل بلادهم، و ما ذاك إلا من حيث ان الواجب على الآفاقي الخروج الى مهل أهل أفقه، و الظاهر ان خصوصية الجهل و النسيان غير معتبرة و ان وقع السؤال عن ذلك.

و يدل على ذلك أيضا الأخبار الدالة على تقسيم المواقيت و تخصيص كل أفق بميقات على حدة (1) فإنه يجب بمقتضى ذلك على أهل كل أرض الإحرام من الميقات المعين لهم و المخصوص بهم، سواء كان بالمرور عليه أو الرجوع اليه، خرج منه من توطن مكة المدة الموجبة لانتقال حكمه و من مر على غير ميقاته و بقي الباقي و اما ما استدل به للقول الثالث و هو الاكتفاء بأدنى الحل- من

صحيحة الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): لأهل مكة ان يتمتعوا؟ فقال: لا ليس لأهل مكة ان يتمتعوا. قال: قلت: فالقاطنون بها؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهرا فان لهم ان يتمتعوا. قلت:

من اين؟ قال: يخرجون من الحرم. قلت: من اين يهلون بالحج؟ فقال:

من مكة نحوا من ما يقول الناس».

و رواية حماد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أهل مكة أ يتمتعون؟

قال: ليس لهم متعة. قلت: فالقاطن بها؟ قال: إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكة. قلت: فان مكث أشهرا؟ قال: يتمتع. قلت:

من اين؟ قال: يخرج من الحرم. قلت: من اين يهل بالحج؟ قال: من

____________

(1) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

(2) التهذيب ج 5 ص 35 و في الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

415

مكة نحو من ما يقول الناس»-.

فيجب حمله على تعذر الرجوع الى الميقات هنا.

و نظيره ايضا ما ورد في الناسي و الجاهل اللذين لا خلاف بينهم في وجوب رجوعهما الى الميقات، كما دلت عليه الاخبار المتقدمة- من انهما يحرمان من موضعهما أو من ادنى الحل:

كما رواه في الكافي بسنده عن الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جهل ان يحرم حتى دخل الحرم، كيف يصنع؟ قال: يخرج من الحرم ثم يهل بالحج».

و ما رواه فيه ايضا عن سورة بن كليب (2) «انه قال لأبي جعفر (عليه السلام):

خرجت معنا امرأة من أهلنا فجهلت الإحرام فلم تحرم حتى دخلنا مكة و نسينا أن نأمرها بذلك؟ قال: فمروها فلتحرم من مكانها من مكة أو من المسجد».

و لا ريب ان إطلاق هذين الخبرين غير معمول عليه عندهم بل يجب تقييده بتعذر الخروج الى الميقات، و حينئذ فيجب ايضا تقييد ذينك الخبرين بما ذكرنا من الاخبار الدالة على وجوب الرجوع الى الميقات.

و اما ما استدل به في المدارك لهذا القول ايضا-

من صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من أراد ان يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو من الحديبية أو ما أشبههما».

-

فلا دلالة فيها، لوجوب حملها على العمرة المفردة كما استفاضت به الاخبار، و قد صرح بذلك هو نفسه، فقال- في شرح قول المصنف (قدس سره): و الحج

____________

(1) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 22 من المواقيت.

416

و العمرة متساويان في ذلك- ما لفظه: و لو أراد المفرد أو القارن الاعتمار بعد الحج لزمهما الخروج إلى أدنى الحل فيحرمان منه ثم يعودان إلى مكة للطواف و السعي و تدل عليه روايات: منها- ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام). ثم ساق الرواية المذكورة إلى آخرها.

و اما ما ربما يتوهم- من إطلاق العمرة فيها و شمولها لعمرة التمتع- فهو توهم ناشىء من قصور التتبع للاخبار و التأمل فيها بعين الفكر و الاعتبار، إذ لا يخفى على من راجعها كملا و قلبها بطن الظهر و ظهر البطن ان الحديبية و التنعيم و الجعرانة و نحوها من المواضع التي في خارج الحرم انما جعلت مواقيت للعمرة المفردة و لحج الافراد من المجاورين، و اما حج التمتع و عمرته فلا تعلق لهما بهذه المواضع بالكلية، و انما هذه شبهة استولت على هؤلاء الأفاضل من هذين الخبرين المتقدمين و ما فيهما من الإجمال في هذا المجال فاحدثوا هذا القول في المسألة أو الاحتمال.

و اما الاستدلال على ذلك

بموثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام)- (1) قال:

«المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج في رجب أو شعبان أو شهر رمضان أو غير ذلك من الشهور إلا أشهر الحج، فإن أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، من دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ثم أراد ان يحرم فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها ثم يأتي بمكة، و لا يقطع التلبية حتى ينظر الى البيت، ثم يطوف بالبيت و يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم يخرج الى الصفا و المروة فيطوف بينهما، ثم يقصر و يحل، ثم يعقد التلبية يوم التروية».

-

فالجواب عنه ما ذكره المحدث الكاشاني في الوافي بعد نقله الرواية، حيث قال: بيان: «ثم أراد ان يحرم» يعني: بعمرة اخرى مفردة، و ذلك لان

____________

(1) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.

417

المعتمر بعمرة التمتع لا بد له ان يخرج الى أحد المواقيت البعيدة كما سبق. انتهى و لا ينافي ذلك كون هذه العمرة في أشهر الحج، لتكاثر الاخبار بجواز العمرة المفردة في أشهر الحج و ان لم يحج (1).

و التحقيق في المقام ان الأصل في هذه المسألة أخبار المواقيت (2) فان المستفاد من جعله (صلى اللّٰه عليه و آله) لكل أناس ميقاتا مخصوصا هو وجوب الإحرام من ذلك الميقات بعينه، فقضية جعله لأهل مكة و من حولهم ميقاتا مخصوصا- و للبعيد الخارج عن ذلك مواقيت مخصوصة، و تقسيم تلك المواقيت على أهل الآفاق و تخصيص أهل كل أفق بما يليهم- هو وجوب الإحرام على أهل كل قطر بما خصهم به و عينه لهم كيف كان و على اي نحو كان إلا ما استثنى، و تخرج الأخبار الدالة على وجوب الرجوع على الناسي و الجاهل و المقيم في مكة دون المدة المعينة (3) شاهدة على ذلك، فان الظاهر ان وجوب الرجوع في الجميع انما هو لما ذكرنا لا من حيث خصوصية الجهل أو النسيان أو الإقامة.

فإن قيل: ان الخصم يدعي أيضا تخصيص هذا العموم بالروايتين المتقدمتين (4) الدالتين على الإحرام من ادنى الحل للمقيم بمكة، كما خصصتموه بالصورتين المذكورتين.

قلنا: انا انما صرنا الى التخصيص بالصورتين المذكورتين لصراحة الأخبار الدالة عليهما، مضافا الى اتفاق الأصحاب على ذلك، و هذا مفقود في الموضع المدعى

____________

(1) الوسائل الباب 7 من العمرة.

(2) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 14 و 19 من المواقيت، و الباب 9 من أقسام الحج.

(4) ص 414.

418

من كلا الوجهين، فاما من جهة قول الأصحاب فظاهر، إذ لا قائل بذلك صريحا لا قديما و لا حديثا غير مجرد الاحتمال الذي ذكره هؤلاء المشار إليهم و جعلوا المسألة من اجله مشكلة و ان استحسنه بعض و استظهره آخر. و اما دلالة الأخبار فقد عرفت ما فيه من جواز الحمل على العذر عن الوصول الى الميقات، بعين ما يقال في الخبرين الواردين في الناسي و الجاهل و انهما يحرمان من ادنى الحل أو محلهما، مع انه لا قائل بالعمل بهما على إطلاقهما بل لا بد من تخصيصهما بالعذر، فكذا في ما نحن فيه.

و بالجملة فالخصم ان سلم دلالة أخبار المواقيت على ما قلناه فلا مندوحة له، اما عن الرجوع الى ما ذكرنا و الموافقة على ما سطرنا، و اما عن القول بجواز الإحرام من ادنى الحل في المقيم و الناسي و الجاهل و ان لم يكن عن عذر، عملا بإطلاق الروايات المذكورة، و لا أراه يقوله، و اما قوله بذلك في المقيم خاصة دون الفردين الآخرين فهو تحكم محض. و ان لم يسلم دلالة أخبار المواقيت على ما ذكرنا من الاختصاص فالبحث معه ثمة، و لا أراه ايضا يتجشمه، إذ لا خلاف في ذلك نصا و فتوى في ما عدا الصورتين المشار إليهما آنفا.

و بما ذكرنا يظهر ان هذا القول ساقط عن درجة الاعتبار مخالف لصحاح الأخبار، و ان أوهمه الخبران المذكوران عند من لم يعط التأمل حقه في المقام، و كفاك انه مخالف لما عليه كافة العلماء الاعلام قديما و حديثا، و ما نقل انه قول الحلبي فغير ثابت.

و من الظاهر ان اتفاق الأصحاب- و لا سيما أصحاب الصدر الأول- من ما يؤذن بكون ذلك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فان مذهب كل إمام إنما يعلم بنقل شيعته و اتباعه، و أقوال أصحاب الصدر الأول و ان لم تصل إلينا سوى عبارة الشيخ المفيد في المقنعة إلا ان من تقدمنا من الأصحاب الذين وصلت إليهم

419

الأقوال ممن تقدمهم و وقعت بأيديهم مصنفاتهم- و لا سيما من تصدى منهم لضبط الأقوال و الخلاف في المسائل- لو اطلعوا على ما خالف هذا القول الذي اتفقت كلمتهم عليه لنقوله، كما هي العادة الجارية و الطريقة المستمرة في نقل الأقوال و التنبيه على الخلاف و الوفاق في كل مسألة.

و اما ما طول به بعض من مال الى هذا الاحتمال ممن قدمنا الإشارة إليه- من نقل أخبار أخر زعم دلالتها عليه- فليس فيه إلا تكثير السواد و إضاعة المداد، و ليس في التعرض لنقله ورده كثير فائدة.

و اما من أطلق من أصحابنا الرجوع الى الميقات فالظاهر ان مراده ميقات أهل تلك البلاد، فإنه المتبادر و اللام فيه للعهد، و لا سيما ان هؤلاء الذين قدمنا نقل الإطلاق عنهم في بعض كتبهم قد صرحوا بالتخصيص في الكتب الأخر، و هي قرينة واضحة في حمل إطلاقهم في تلك الكتب على ما خصصوه في الكتب الأخر.

و ربما استدل لهم بان كل واحد من المواقيت ميقات لمن اتى عليه بالنص الصحيح و الإجماع، و عند وصول المجاور الى الميقات يصدق عليه انه اتى عليه فيكون ميقاتا له بالعموم.

و بما رواه الكليني عن حريز عن من أخبره عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «من دخل مكة بحجة عن غيره ثم أقام سنة فهو مكي، فإذا أراد ان يحج عن نفسه أو أراد ان يعتمر بعد ما انصرف من عرفة فليس له ان يحرم بمكة و لكن يخرج الى الوقت، و كلما حول رجع الى الوقت».

أقول: لا يخفى عليك ما في هذين الدليلين العليلين من الضعف و القصور اما الأول فلان محل البحث في المسألة و مطرح النزاع ان المجاور بمكة

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

420

دون المدة الموجبة لانتقال حكمه متى أراد الإحرام بعمرة التمتع، فهل الواجب عليه الخروج الى مهل أرضه و ميقات بلاده، أو الخروج إلى أدنى الحل، أو الى اي ميقات اتفق؟ فلا بد من قيام الدليل على أحد الثلاثة في تلك الحال، و تعيين الفرض الواجب عليه حتى تجب المبادرة اليه، و مقتضى كلام هذا القائل انه انما يجب عليه الإحرام بعد الوصول الى ذلك الميقات حتى يدخل في العموم الذي زعمه و هذا ليس من محل البحث في شيء. و على اي تقدير فهو غير مجزئ ما لم يقم الدليل قبل الخروج على ان الواجب في تلك الحال هو الخروج الى اي ميقات كان.

و اما ما أجاب به بعض الأفاضل عن ذلك- من ان المتبادر من الإتيان عليه هو المرور به، و هو لا يصدق على الواصل الى أحد المواقيت- فظني انه لا يحسم مادة النزاع، لان ما ذكره و ان كان كذلك إلا ان باب المجاز واسع، و المنع من الصدق على تقدير ذلك ممنوع، بل الحق في الجواب هو ما ذكرناه.

و اما الرواية المذكورة فهي لما عليه من الإجمال بل الاختلاف لا تصلح للاستدلال.

و هذه الرواية قد استدل بها الشيخ في التهذيب (1) للشيخ المفيد في ما ذهب اليه من وجوب الإحرام من ميقات أهل بلاده، فإنه أورد موثقة سماعة المتقدمة و ثنى بهذه الرواية بعدها.

و الحق انه لا دلالة فيها على شيء من هذين القولين بل و لا غيرهما في البين لعدم وضوح معناها، إلا انه يمكن حملها على حج الافراد و عمرته، لانه حكم فيها بان من اقام سنة فهو مكي، ثم قال: «فإذا أراد ان يحج عن نفسه» يعني:

بعد ان حج عن غيره في السنة التي دخل فيها بالحجة عن الغير، و حينئذ يكون

____________

(1) ج 5 ص 60.

421

هذا الحج بعد مضى سنة عليه بمكة، فيجب ان ينتقل حكمه الى حكم أهل مكة فيكون حجه افرادا، و حينئذ فقوله: «و لكن يخرج الى الوقت» يجب ان يحمل على خارج الحرم الذي هو وقت لحج الافراد من المجاورين، كما دل عليه جملة من الاخبار. و على ذلك ايضا يجب حمل قوله: «و كلما حول» أي مضى عليه حول آخر، فإنه يخرج الى ذلك الوقت الذي هو خارج الحرم من الجعرانة و نحوها. و كذا قوله: «أو أراد ان يعتمر» اي عمرة مفردة «بعد ما انصرف من عرفة» اي أكمل حجه، فإنه يخرج الى ذلك الوقت اى خارج الحرم. هذا غاية ما يمكن من التكلف في تصحيح معناها المراد منها، و هو خارج عن محل البحث و موضع المسألة.

نعم يمكن ان يستدل لهذا القول

بما رواه الصدوق في الفقيه في الموثق عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من حج معتمرا في شوال و في نيته ان يعتمر و يرجع الى بلاده فلا بأس بذلك، و ان هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأن أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن اعتمر فيهن و اقام إلى الحج فهي متعة و من رجع الى بلاده و لم يقم الى الحج فهي عمرة، و ان اعتمر في شهر رمضان أو قبله و اقام إلى الحج فليس بمتمتع و انما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بالعمرة إلى الحج، فان هو أحب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها».

و هذا الخبر مع دلالته ظاهرا على هذا القول- حيث خيره في الخروج الى أحد هذين الميقاتين و نحوهما، فان الظاهر ان ذكر هذين الميقاتين انما خرج

____________

(1) الوسائل الباب 10 من أقسام الحج، و الباب 7 من العمرة.

422

مخرج التمثيل- فهو صريح في رد القول بالاكتفاء بأدنى الحل، فإنه جعل ميقات التمتع في الصورة المذكورة هو أحد المواقيت البعيدة المعينة لأهل الآفاق، و ادنى الحل انما هو ميقات مفرد الحج و العمرة المفردة.

و يمكن حمل الخبر المذكور على وجه لا ينافي ما اخترناه من ميقات أهل بلاد ذلك المتمتع، بان يقال: ان الغرض من سوق هذا الكلام انما هو بيان الفرق بين ميقات المجاور المريد لحج الافراد و المجاور المريد لحج التمتع، فكأنه قيل: ان المجاور متى قصد الحج افرادا فميقاته الجعرانة و إذا قصد التمتع فالمواقيت الآفاقية. و هو و ان تضمن نوع إطلاق في الميقات- من حيث ان سوق الكلام ليس لبيان ميقات التمتع و انما هو لغرض آخر كما ذكرنا- غير مضر، فيجب تقييد إطلاقه بما قدمنا من الاخبار.

ثم ان في إيراد الصدوق (قدس سره) هذا الخبر في كتابه (1) دلالة على ان مذهبه موافق لما اخترناه من القول المشهور و المؤيد المنصور، بناء على قاعدته المقررة في صدر كتابه من ان كل ما يرويه في كتابه فهو من ما يفتي به و يعتقد صحته.

لا يقال: ان الخبر قد دل على انه يتجاوز عسفان، و ليس ثمة ميقات من المواقيت المنصوصة.

لأنا نقول: قد ذكرنا آنفا ان هذا الكلام انما خرج مخرج التمثيل في ان المتمتع يخرج الى المواقيت البعيدة دون ادنى الحل، بخلاف المفرد فإنه يخرج إلى أدنى الحل خاصة، و ليس الغرض من الكلام بيان ميقات التمتع، و حاصل الكلام انه يخرج الى ما زاد على هذه المسافة.

و بما قررنا يظهر ان هذا الخبر من أوضح الاخبار في رد هذا القول

____________

(1) ج 2 ص 274.

423

المحدث من هؤلاء الاعلام، الناشئ عن عدم إعطاء التأمل حقه في أخبارهم (عليهم السلام).

و نظير هذا الخبر ايضا

ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عبد الله (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المقيم بمكة- و في نسخة: المعتمر- يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى؟ فقال: يتمتع أحب الى، و ليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين».

ثم ان بعضا ممن مال الى هذا القول المحدث وجه الطعن إلى رواية سماعة المتقدمة في صدر المسألة دليلا للقول المشهور- ظنا منه انحصار الدلالة فيها- من وجوه:

أحدها- ضعف السند بان في الطريق معلى بن محمد و هو ضعيف.

و الجواب عنه (أولا)- ان هذا الإيراد مفروغ منه عندنا، فانا لا نرى الاعتماد على هذا الاصطلاح الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح، كما أوضحنا ذلك في جملة من كتبنا و زبرنا.

و ثانيا- انه من المقرر بين أرباب هذا الاصطلاح هو العمل بالخبر الضعيف متى كان عمل الأصحاب قديما و حديثا على القول بمضمونه، فضعفه مجبور عندهم بشهرة القول به و الاتفاق عليه، و الأمر في ما نحن فيه كذلك. و الأمران اصطلاحيان، و لا معنى للعمل بأحدهما ورد الآخر.

و ثانيها- ان مهل أرضه مجمل فيمكن ان يراد به ادنى الحل ليوافق الأخبار الباقية.

و الجواب عنه ان هذا الكلام من ما يقضى منه العجب العجاب عند من له أدنى مسكة بالعربية من ذوي الألباب، إذ لا ريب ان المراد بالمهل يعني

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج.

424

موضع الإهلال، و هو رفع الصوت بالتلبية الذي محله الميقات، و اضافة المهل إلى الأرض بتقدير مضاف، اي مهل أهل أرضه كما في قوله عز و جل «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (1) و اضافة الأرض إلى ضمير ذلك الشخص يعين كون ذلك الميقات هو الميقات المخصوص بأهل تلك الأرض. و حينئذ فأي إجمال في هذا البيان الواضح البرهان لو لا حب التعصب للمذاهب الغير اللائق بالعلماء الأعيان.

على ان للخصم ان يقلب عليه هذا الطعن في الخبرين المتقدمين اللذين هما عمدة ما استندوا إليه، بأن غاية ما دلا عليه انه بعد ما سأل المسائل: «من اين يتمتعون» بأنهم يخرجون من الحرم، و لا ريب انه لا صراحة فيه و لا ظاهرية بأنهم يحرمون من ادنى الحل كما ادعوه، و مجرد الخروج من الحرم لا يستلزم ذلك إذ من الجائز ان يكون المراد يخرجون من الحرم الى الميقات المعين لهم و هو ميقات أهل بلادهم، و بالجملة فهو مطلق فيمكن تقييده بتلك الأخبار الدالة على وجوب الإحرام من ميقات أهل بلادهم، و لا سيما موثقة سماعة المتقدمة قريبا، حيث تضمنت انه يخرج من مكة حتى يجاوز ذات عرق، و رواية إسحاق ابن عبد الله المتضمنة لمسير ليلة أو ليلتين، فقد بين فيهما غاية الخروج و هذه مطلقة في بيان الغاية، و الواجب بمقتضى القاعدة المسلمة عندهم الحكم بالمقيد على المطلق. و هذا بحمد الله- سبحانه- ظاهر لا سترة عليه.

فالتأويل في جانب اخبار التي اعتمدها أقرب منه في جانب هذا الخبر، و لكن الأمر كما قيل:

و عين الرضا عن كل عيب كليلة * * * و لكن عين السخط تبدي المساويا

و نحن قد تجاوزنا عن هذا الاحتمال سابقا و لم نذكره مع إمكانه و احتماله، مماشاة و مجاراة بأنه مع تسليم ما يدعونه فحمله على ما قدمناه من العذر- كما في

____________

(1) سورة يوسف، الآية 82.

425

ذينك الخبرين الأخيرين- ممكن و جائز، فيجب الحمل عليه جمعا بين الأدلة، و إلا فهذا الاحتمال أقرب قريب كما أوضحناه.

و ثالثها- ان الرواية مقيدة بقوله: «ان شاء» فلا تدل على وجوب الخروج الى مهل أرضه.

و الجواب انه لو تم ما ذكره للزم منه فساد الكلام و اختلال النظام، و هو من ما يجل عنه كلام الامام (عليه السلام) الذي هو امام الكلام، و ذلك فإنه متى جعل قوله: «ان شاء» قيدا للخروج الى مهل أرضه يكون المعنى: ان له ان يتمتع فان شاء ان يخرج الى مهل أرضه خرج و ان لم يشأ فلا، و مفهومه دال على ان له ان يتمتع و ان لم يخرج الى مهل أرضه. و هذا في البطلان أوضح من ان يحتاج الى بيان، للزومه ان له ان يتمتع و لو من موضعه، فإن إطلاق هذا المفهوم يقتضي ذلك. و تقييده بأنه يخرج الى مهل آخر من ما لا إشعار في الكلام به بوجه و لا اشارة فلينظر المنصف انه هل الأولى الحمل على هذا المعنى المتعسف أو ان المراد يتمتع ان شاء ان يتمتع؟ كما هو المعنى الصحيح بل الصريح الذي لا يحتاج الى تكلف و تصحيح.

و لا ريب انه لو جاز فتح هذا الباب في الأخبار- من العدول عن المعاني الظاهرة السالمة عن التقدير و التكلف الى الاحتمالات البعيدة و التكلفات الغير السديدة- لا نسد باب الاستدلال و اتسعت دائرة الخصام و الجدال، إذ لا قول إلا و للقائل فيه مقال، و لا دليل إلا و للمنازع فيه مجال.

و بالجملة فكلام هذا القائل لا وجه له عند الناظر بعين التحقيق و المتأمل في المسألة بعين الفكر الصائب الدقيق. و الله العالم.

البحث السابع [المدة التي ينتقل بها فرض المقيم إلى فرض أهل مكة]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في المدة التي ينتقل بها فرض المقيم بمكة إلى فرض أهل مكة، فالمشهور انه بعد مضي سنتين

426

عليه في البلد المذكورة، و نقله في المختلف عن الشيخ في كتابي الاخبار و اختاره و نقل عنه في النهاية و المبسوط انه قال: من اقام سنة أو سنتين جاز له ان يتمتع فان جاوز ثلاث سنين لم يكن له ذلك. ثم قال: و به قال ابن الجنيد و ابن إدريس أقول: و بهذا القول صرح العلامة في الإرشاد، حيث قال، و ينتقل فرض المقيم ثلاث سنين الى فرض المكي.

و في عبارة الدروس هنا نوع اشكال، فإنه قال: و لو أقام النائي بمكة سنتين انتقل فرضه إليها في الثالثة كما في المبسوط و النهاية، و يظهر من أكثر الروايات انه في الثانية،

و روى محمد بن مسلم (1): «من اقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهل مكة».

و روى حفص بن البختري (2): «انه من اقام أكثر من ستة أشهر لم يتمتع».

انتهى.

و ظاهر صدر كلامه انه بإقامة سنتين ينتقل فرضه في الثالثة، و هذا هو القول المشهور لأقول النهاية و المبسوط كما ذكره، لما عرفت من عبارة العلامة- و هو المنقول في عبارات الأصحاب (رضوان الله عليهم)- من ان الانتقال انما هو بعد إكمال الثالثة. و قوله:- و يظهر من أكثر الروايات انه في الثانية- ظاهر في ان أكثر الروايات انما تدل على السنة خاصة و ان الفرض ينتقل في الثانية.

و هو و ان كان كذلك كما سيظهر لك ان شاء الله (تعالى) إلا انه يلزم على هذا عدم تعرضه لروايات السنتين إلا بحمل صدر العبارة على ذلك، فيكون الغلط في نسبة هذا القول إلى النهاية و المبسوط.

و بالجملة فعبارته هنا لا تخلو من نوع غفلة أو مساهلة، و يقرب عندي ان السهو وقع في الإتيان بلفظ «في» في قوله: «في الثالثة» و انما هو

____________

(1) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.

427

«بعد الثالثة» و كذلك قوله: «و يظهر من أكثر الروايات انه في الثانية» و انما هو «بعد الثانية» فوقوع لفظ «في» عوض لفظ «بعد» في الموضعين سهوا من قلم المصنف (قدس سره) أوجب الاشكال.

و كيف كان فظاهر كلامه التردد و التوقف في المسألة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمسألة

صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «من اقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له. فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أ رأيت ان كان له أهل بالعراق و أهل بمكة؟ قال: فلينظر أيهما الغالب عليه فهو من اهله».

و صحيحة عمر بن يزيد (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج الى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطنا و ليس له ان يتمتع».

و هذان الخبران الصحيحان صريحان- كما ترى- في القول المشهور.

و هنا أخبار أخر قد دلت على الاكتفاء بما دون ذلك:

منها-

صحيحة الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): لأهل مكة ان يتمتعوا؟ فقال: لا ليس لأهل مكة ان يتمتعوا. قال: قلت: فالقاطنون بها؟ قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهرا فان لهم ان يتمتعوا. قلت: من اين؟ قال: يخرجون من الحرم. قلت:

من اين يهلون بالحج؟ فقال: من مكة نحو من ما يقول الناس».

و نحوها رواية حماد، و قد تقدمت مع رواية الحلبي المذكورة في سابق هذا المقام (4).

و منها-

رواية عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سمعته

____________

(1) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

(4) ص 414.

(5) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

428

يقول المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة- يعني: يفرد الحج مع أهل مكة- و ما كان دون السنة فله ان يتمتع».

و رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «من اقام بمكة سنة فهو بمنزلة أهل مكة».

و صحيحة حفص- و هو ابن البختري- عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2): «في المجاور بمكة يخرج إلى أهله ثم يرجع الى مكة، بأي شيء يدخل؟ فقال: ان كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع، و ان كان أقل من ستة أشهر فله ان يتمتع».

و ما رواه في التهذيب عن الحسين بن عثمان و غيره عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من اقام بمكة خمسة أشهر فليس له ان يتمتع».

و صاحب المدارك حيث اقتصر في نقل الروايات المخالفة على الصحاح- كما هي عادته- جمع بين الاخبار بالتخيير بعد السنة و الستة أشهر و التحتم بعد السنتين.

و سائر الأصحاب لم يتعرضوا لنقل هذه الروايات المخالفة سوى ما تقدم من عبارة الدروس.

و لا يحضرني الآن وجه وجيه تحمل عليه هذه الاخبار إلا التقية و ان لم ينقل ذلك عن العامة، لما حققناه في مقدمات الكتاب و أشرنا إليه في مطاوي الأبحاث المتقدمة، و كفى بإعراض الأصحاب قديما و حديثا عنها ضعفا لها.

و اما ما نقل عن الشيخ من الثلاث فلم نقف له على مستند.

هذا كله في حج الإسلام كما صرح به علماؤنا الأعلام.

____________

(1) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.

429

تنبيهات

الأول

- إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في الإقامة الموجبة لانتقال الفرض بين كونها بنية الدوام أو المفارقة، فإن الحكم تعلق في النصوص في بعض على الإقامة و في بعض على المجاورة و في بعض على القطون، و هي حاصلة على جميع التقادير. و ربما قيل: ان الحكم مخصوص بالمجاورة بغير نية الإقامة، اما لو كان بنيتها انتقل فرضه من أول سنة. و إطلاق النص يدفعه.

الثاني

- قال في المدارك: ذكر الشارح و غيره ان انتقال الفرض انما يتحقق إذا تجددت الاستطاعة بعد الإقامة المقتضية للانتقال، فلو كانت سابقة لم ينتقل الفرض و ان طالت المدة، لاستقرار الأول. ثم قال: و في استفادته من الاخبار نظر. و هو جيد، فان المفهوم من الاخبار المتقدمة هو انتقال حكمه من التمتع الى قسيميه بعد السنتين مطلقا، تجددت الاستطاعة أو كانت سابقة.

و لو انعكس الفرض بأن أقام المكي في الآفاق لم ينتقل فرضه بذلك إلا مع نية الدوام و صدق خروجه عن حاضري مكة عرفا. و احتمل بعض الأصحاب الحاقة بالمقيم في مكة في انتقال الفرض بإقامة السنتين. و هو قياس محض.

الثالث- لو كان له منزلان بمكة و غيرها من البلدان البعيدة

، فإن تساوت الإقامة فيهما تخير و إلا أخذ بفرض الأغلب.

و احتجوا على الحكم الأول بأنه مع التساوي لا يكون حكم أحدهما أرجح من الآخر فيتحقق التخيير. و على الثاني بأنه انما لزمه فرض أغلبهما، لأن مع غلبة أحدهما يضعف جانب الآخر فيسقط اعتباره.

و لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من الوهن و عدم الصلوح لتأسيس الأحكام الشرعية.

430

و لم أقف في هذه المسألة إلا على صحيحة زرارة المتقدمة (1) الدالة على ان من له أهل بمكة و أهل بالعراق فإنه ينظر الى ما هو الغالب عليه من الإقامة في أيهما فهو من اهله.

و اما التخيير بالنسبة إلى متساوي الإقامة فالظاهر انه لا اشكال فيه، لانه لا جائز ان يأخذ أحدهما بخصوصه بغير دليل و لا مرجح، و لا يجوز إلغاؤهما معا الموجب لسقوط الفرضين، فلم يبق إلا الأخذ بهما معا على جهة التخيير.

و في الترجيح بالغلبة ما يشير الى ذلك.

ثم ان ظاهر الصحيحة المذكورة اعتبار الأهل لا مجرد المنزل كما هو المفروض في كلامهم و الدائر على ألسنة أقلامهم.

قال في المدارك: يجب تقييد هذا الحكم بما إذا لم تكن إقامته في مكة سنتين متواليتين، فإنه حينئذ يلزمه حكم أهل مكة و ان كانت إقامته في النائي أكثر، لما تقدم من ان اقامة السنتين توجب انتقال حكم النائي الذي ليس له بمكة مسكن أصلا، فمن له مسكن أولى.

أقول: و لقائل أن يقول: ان ههنا عمومين تعارضا: أحدهما- ما دل على ان ذا المنزلين متى غلبت عليه الإقامة في أحدهما وجب عليه الأخذ بفرضه، أعم من ان يكون أقام بمكة سنتين أو لم يقم، فلو فرضنا انه في كل مرة يقيم في المنزل الآفاقي خمس سنين و في المنزل المكي سنتين أو ثلاثا، فإنه يجب عليه فرض الآفاقي بمقتضى الخبر المذكور و ان كان قد أقام بمكة سنتين، و ثانيهما- ما دل على ان المقيم بمكة سنتين ينتقل فرضه الى أهل مكة، أعم من ان يكون له منزل ناء أم لا، زادت إقامته فيه أم لا. و تخصيص أحد العمومين بالآخر يحتاج الى

____________

(1) ص 427.

431

دليل. و ما ادعاه هذا القائل من الأولوية في حيز المنع.

الرابع [موضع إحرام المجاور بمكة]

- المفهوم من الاخبار- و به صرح الأصحاب- ان المجاور بمكة متى انتقل حكمه إليهم أو أراد الحج مستحبا مفردا من مكة و ان كان من أهل الآفاق انه يخرج الى خارج الحرم- مثل الجعرانة و الحديبية و نحوهما- فيهل منه بالحج، و ان الصرورة منهم يهل بالحج من أول الشهر، و هذا الميقات ايضا ميقات لمن أراد الاعتمار عمرة مفردة:

فروى ثقة الإسلام في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني أريد الجوار فكيف اصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها بالحج. الى ان قال: ثم قال: ان سفيان فقيهكم أتاني فقال: ما يحملك على ان تأمر أصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها؟ فقلت له: هو وقت من مواقيت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال: و اي وقت من مواقيت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) هو؟ فقلت: أحرم منها حين قسم غنائم حنين و مرجعه من الطائف. فقال: انما هذا شيء أخذته من عبد الله بن عمر، كان إذا رأى الهلال صاح بالحج. فقلت: أ ليس قد كان عندكم مرضيا؟ قال: بلى، و لكن اما علمت ان أصحاب رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم) إنما أحرموا من المسجد؟ فقلت: إن أولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء و ان هؤلاء قطنوا بمكة فصاروا كأنهم من أهل مكة، و أهل مكة لا متعة لهم، فأحببت أن يخرجوا من مكة الى بعض المواقيت فيشعثوا (2) به أياما. الحديث».

و روى ايضا في الصحيح عن صفوان عن ابي الفضل (3) قال: «كنت

____________

(1) الكافي ج 4 ص 300 و في الوسائل الباب 7 و 9 و 16 و 17 من أقسام الحج.

(2) ارجع الى الاستدراكات.

(3) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

432

مجاورا بمكة فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من الجعرانة، أتاه في ذلك المكان فتوح: فتح الطائف و فتح حنين و الفتح فقلت: متى اخرج؟ قال: ان كنت صرورة فإذا مضي من ذي الحجة يوم، و ان كنت قد حججت قبل ذلك فإذا مضى من الشهر خمس».

و هذان الخبران و انا كانا مجملين في الإقامة الموجبة لانتقال الفرض إلا أنهما محمولان على الاخبار المتقدمة.

و إحرام رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من هذا المكان كان بالعمرة المفردة كما يشير اليه الخبر السابق.

و أصرح منه في ذلك

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) و فيها: «و اعتمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثلاث عمر متفرقات كلها في ذي القعدة:

عمرة أهل فيها من عسفان و هي عمرة الحديبية، و عمرة القضاء أحرم فيها من الجحفة، و عمرة أهل فيها من الجعرانة، و هي بعد ان رجع من الطائف من غزاة حنين».

____________

(1) لم أجد حديثا لعبد الله بن سنان بهذا المضمون، و الذي رواه الصدوق في الفقيه ج 2 ص 275 عن عبد الله بن سنان هو حديث اعتمار المملوك الذي أورده صاحب الوسائل في الباب 7 من العمرة رقم (11) و أورده صاحب الوافي في باب (جواز افراد العمرة في أشهر الحج) ثم قال الصدوق بعد الحديث المذكور: «و اعتمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله).» و ظاهره انه حديث مرسل منه لا يرتبط بحديث عبد الله ابن سنان المتقدم، و قد أورده صاحب الوسائل كذلك في الباب 22 من المواقيت رقم (2) و في الباب 2 من العمرة، حيث قال بعد نقله من الكافي برقم 2:

و رواه الصدوق مرسلا. و أورده أيضا صاحب الوافي في الباب المذكور بعد الحديث المتقدم بما يظهر منه الإرسال.

433

و قوله (عليه السلام): «أتاه في ذلك المكان فتوح» اي رزقه الله (تعالى) تلك الفتوح في ذلك المكان، و هي فتح الطائف لما توجه إليها بعد فتح مكة، و فتح حنين، و الفتح، اي فتح مكة، إشارة إلى الآية إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ وَ الْفَتْحُ وَ رَأَيْتَ النّٰاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّٰهِ أَفْوٰاجاً (1).

و قد تقدم (2) في موثقة سماعة الثانية في سابق هذا البحث ان المجاور ان أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق. الى ان قال: فان هو أحب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها.

و قد تقدم (3)-

في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في صدر المطلب الأول المتضمنة لسياق حجة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)- انه لما قالت له عائشة: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أ ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا و ارجع بحجة؟ أنه أقام بالأبطح و بعث بها عبد الرحمن بن ابي بكر الى التنعيم و أهلت بعمرة. الحديث.

المقدمة الخامسة في المواقيت

و هي جمع ميقات، قال الجوهري: الميقات: الوقت المضروب للفعل، و الموضع، يقال: «هذا ميقات أهل الشام» للموضع الذي يحرمون منه.

و نحوه عبارة القاموس. و ظاهر هذا الكلام ان إطلاقه على المعنيين المذكورين على جهة الحقيقة، و هو خلاف ما صرح به غيره، قال في النهاية الأثيرية: قد تكرر ذكر التوقيت و الميقات في الحديث، و التوقيت و التأقيت أن يجعل للشيء

____________

(1) سورة النصر، الآية 2 و 3.

(2) ص 421.

(3) ص 315 الى 319.

434

وقت يختص به و هو بيان مقدار المدة، يقال: «وقت الشيء يوقته، و وقته يقته» إذا بين حده، ثم اتسع فيه فأطلق على المكان فقيل للموضع ميقات، و هو مفعال منه، و أصله موقات فقلبت الواو ياء لكسرة الميم. و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير ايضا: الوقت مقدار من الزمان مفروض لأمر ما، و كل شيء قدرت له حينا فقد وقته توقيتا، و كذلك ما قدرت له غاية، و الجمع أوقات، و الميقات: الوقت، و الجمع مواقيت، و قد أستعير الوقت للمكان، و منه مواقيت الحج لمواضع الإحرام. انتهى.

و كيف كان فالكلام هنا يقع في مقامين

المقام الأول في أقسامها

، و المشهور في كلام الأصحاب انها ستة كما سيأتي ذكرها في الاخبار، و ذكر الشهيد في الدروس أنها عشرة، فأضاف إلى الستة المشار إليها مكة لحج التمتع، و محاذاة الميقات لمن لم يمر به و حاذاه، و ادنى الحل أو مساواة أقرب المواقيت إلى مكة لمن لم يحاذ ميقاتا، و فخ لإحرام الصبيان. و هذه الأربعة مذكورة في تضاعيف كلام الأصحاب. و ربما كان الوجه في تخصيص هذه الستة بالذكر في كلامهم انها هي الأصل و غيرها ربما يرجع إليها، و ربما لم يبلغ الاعتماد عليه كليا كالاعتماد عليها، و الأمر في ذلك هين.

و من الاخبار الدالة على المواقيت الستة المشار إليها

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من تمام الحج و العمرة ان تحرم من المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا تجاوزها إلا و أنت محرم فإنه وقت لأهل العراق- و لم يكن يومئذ عراق- بطن العقيق من قبل أهل العراق، و وقت لأهل اليمن يلملم، و وقت لأهل الطائف قرن المنازل، و وقت لأهل

____________

(1) الوسائل الباب 1 من المواقيت. و الشيخ يرويه عن الكليني.

435

المغرب الجحفة و هي مهيعة، و وقت لأهل المدينة ذا الحليفة. و من كان منزله خلف هذه المواقيت من ما يلي مكة فوقته منزله».

أقول: في القاموس: و يلملم أو ألملم أو يرمرم: ميقات اليمن جبل على مرحلتين من مكة. و قال فيه ايضا: و قرن المنازل بفتح القاف و سكون الراء: قرية عند الطائف أو اسم الوادي كله. قال: و غلط الجوهري في تحريكه، و في نسبة أويس القرني إليه، لأنه منسوب الى قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد.

و الجحفة بتقديم الجيم كانت مدينة فخربت، سميت بها لإجحاف السيل بها اي ذهابه بها. و سميت مهيعة بفتح الميم و سكون الهاء و فتح الياء المثناة التحتانية، و معناها المكان الواسع، و هي أدنى إلى مكة من ذي الحليفة كما يستفاد من الاخبار. و في القاموس: كانت قرية جامعة على اثنين و ثمانين ميلا من مكة و كانت تسمى مهيعة، فنزل بها بنو عبيد و هم اخوة عاد، و كان إخراجهم العماليق من يثرب فجاءهم سيل جحاف فاجتحفهم فسميت الجحفة.

و ذو الحليفة بالحاء المهملة و الفاء على ستة أميال من المدينة، و قال شيخنا الشهيد الثاني في الروضة انها بضم الحاء و فتح اللام و الفاء بعد الياء بغير فصل تصغير الحلفة بفتح الحاء و اللام واحد الحلفاء و هي النبات المعروف. قاله الجوهري. أو تصغير الحلفة و هي اليمين، لتحالف قوم من العرب به. و هو ماء على ستة أميال من المدينة. انتهى.

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن على المشهور عن الحلبي (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الإحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لا ينبغي لحاج و لا لمعتمر ان يحرم قبلها و لا بعدها: وقت

____________

(1) الوسائل الباب 1 و 11 من المواقيت.

436

لأهل المدينة ذا الحليفة و هو مسجد الشجرة، يصلى فيه و يفرض الحج، و وقت لأهل الشام الجحفة، و وقت لأهل نجد العقيق، و وقت لأهل الطائف قرن المنازل، و وقت لأهل اليمين يلملم. و لا ينبغي لأحد ان يرغب عن مواقيت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)».

قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: النجد ما ارتفع من الأرض و الجمع نجود مثل فليس و فلوس، و بالواحد سمي بلاد معروفة من جزيرة العرب، و أولها من ناحية الحجاز ذات عرق و آخرها سواد العراق، و لهذا قيل ليست من العراق. انتهى (1).

و قال في القاموس: انها اسم لما دون الحجاز من ما يلي العراق، أعلاه تهامة و اليمن و أسفله العراق و الشام، و اوله من جهة الحجاز ذات عرق (2). و هو مؤذن بدخول العراق كما هو ظاهر الخبر.

و منها-

ما رواه أيضا في الصحيح عن أبي أيوب الخزاز (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): حدثني عن العقيق وقت وقته رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أو شيء صنعه الناس؟ فقال: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، و وقت لأهل المغرب الجحفة، و هي عندنا مكتوبة مهيعة، و وقت لأهل اليمن يلملم، و وقت لأهل الطائف قرن المنازل، و وقت لأهل نجد العقيق و ما أنجدت».

قوله: «و ما أنجدت» إشارة إلى وجوب الإحرام من هذا الميقات على من مر به و ان لم يكن من أهل نجد، لان الإنجاد الدخول في أرض نجد التي قد تقدم تحديدها، و تأنيث الضمير باعتبار الأرض المفهومة من السياق.

____________

(1) ارجع الى الاستدراكات.

(2) ارجع الى الاستدراكات.

(3) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

437

و يوضحه

ما رواه في الفقيه عن رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«وقت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) العقيق لأهل نجد، و قال: هو وقت لما أنجدت الأرض و أنتم منهم. و وقت لأهل الشام الجحفة، و يقال لها المهيعة».

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد في الصحيح عن علي بن رئاب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأوقات التي وقتها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) للناس.

فقال: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة و هي الشجرة، و وقت لأهل الشام الجحفة، و وقت لأهل اليمن قرن المنازل، و وقت لأهل نجد العقيق».

و في كتاب الفقه الرضوي (3): فإذا بلغت أحد المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فإنه وقت لأهل العراق العقيق، و اوله المسلخ و وسطه غمرة و آخره ذات عرق. و أوله أفضل، و وقت لأهل الطائف قرن المنازل، و وقت لأهل المدينة ذا الحليفة و هي مسجد الشجرة، و وقت لأهل اليمن يلملم، و وقت لأهل الشام المهيعة و هي الجحفة. و من كان منزله دون هذه المواقيت ما بينها و بين مكة فعليه ان يحرم من منزله. و لا يجوز الإحرام قبل بلوغ الميقات. و لا يجوز تأخيره عن الميقات إلا لعلة أو تقية (4) فإذا كان الرجل عليلا أو اتقى فلا بأس بأن يؤخر الإحرام إلى ذات عرق.

انتهى.

الى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عن نشرها المقام.

و اما الاخبار الدالة على بقية المواقيت فستأتي في أثناء الأبحاث الآتية ان شاء الله تعالى.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

(3) ص 26.

(4) ارجع الى الصفحة 442 و التعليقة 1 فيها.

438

مسائل

الأولى [تحديد ميقات أهل العراق]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان العقيق المتقدم في الاخبار أوله المسلخ و وسطه غمرة و آخره ذات عرق، و ان الأفضل الإحرام من اوله ثم وسطه، و حكى الشهيد في الذكرى عن ظاهر علي بن بابويه و الشيخ في النهاية ان التأخير إلى ذات عرق للتقية (1) أو المرض. و قال العلامة في المختلف: المشهور ان الإحرام من ذات عرق مختارا سائغ، و الأفضل المسلخ، و أدون منه غمرة و كلام الشيخ علي بن بابويه يشعر بأنه لا يجوز التأخير إلى ذات عرق إلا لعلة أو تقية (2).

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام

ما رواه الصدوق في الفقيه مرسلا عن الصادق (عليه السلام) (3) انه قال: «وقت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لأهل العراق العقيق، و اوله المسلخ، و وسطه غمرة، و آخره ذات عرق. و أوله أفضل».

و ما رواه الشيخ عن ابي بصير (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

حد العقيق: اوله المسلخ و آخره ذات عرق».

و هذان الخبران صريحان في كون ذات عرق داخلة في العقيق و انها آخره و مثلهما عبارة الفقه الرضوي المتقدمة.

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «وقت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لأهل المشرق العقيق نحو من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة، و وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، و لأهل نجد

____________

(1) ارجع الى الصفحة 442 و التعليقة (1) فيها.

(2) ارجع الى الصفحة 442 و التعليقة (1) فيها.

(3) الوسائل الباب 2 و 3 من المواقيت.

(4) الوسائل الباب 2 من المواقيت.

(5) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

439

قرن المنازل، و لأهل الشام الجحفة، و لأهل اليمن يلملم».

قال في الوافي: و البعث بالموحدة ثم المهملة ثم المثلثة: أول العقيق، و هو بمعنى الجيش، كأنه بعث الجيش من هناك. و لم نجده في اللغة اسما لموضع، و كذلك ضبطه من يعتمد عليه من أصحابنا، فما يوجد في بعض النسخ على غير ذلك لعله مصحف. انتهى.

أقول: و قد اشتمل هذا الخبر على ان قرن المنازل ميقات أهل نجد، و الموجود في أكثر الاخبار انه ميقات أهل الطائف، و اما ميقات أهل نجد فإنما هو العقيق.

و يمكن الجواب بأن لأهل نجد طريقين: أحدهما يمر بالعقيق و الآخر يمر بقرن المنازل.

و يمكن حمل ذلك على التقية، فإنه موجود في روايات العامة كما نقله في المعتبر انهم رووا عن ابن عمر (1): «انه لما فتح المصران أتوا عمر فقالوا:

يا أمير المؤمنين ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) حد لأهل نجد قرن المنازل و انا إذا أردنا قرن المنازل شق علينا. قال: فانظروا حذوها. فحد لهم ذات عرق».

و هذا الخبر من ما استدل به جملة من العامة على ان ميقات العراق انما ثبت قياسا لا نصا عن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) (2).

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «أول العقيق بريد البعث و هو دون المسلخ بستة

____________

(1) المغني ج 3 ص 233 مطبعة العاصمة، و بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ص 86. و ارجع الى التعليق (1) على كنز العرفان ج 1 ص 277 الى 281.

(2) المغني ج 3 ص 232 و 233 مطبعة العاصمة، و بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ص 86.

(3) الوسائل في الباب 2 من المواقيت.

440

أميال من ما يلي العراق، و بينه و بين غمرة أربعة و عشرون ميلا بريدان».

و ما رواه في الكافي بهذا الاسناد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«آخر العقيق بريد أوطاس. و قال: بريد البعث دون غمرة ببريدين».

و ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال:

«حد العقيق ما بين المسلخ الى عقبة غمرة».

أقول: ظاهر هذه الاخبار بضم بعضها الى بعض هو خروج ذات عرق عن العقيق، فإن صحيحة عمر بن يزيد ظاهرة في ان مسافة العقيق بريدان و انه ما بين بريد البعث إلى غمرة، و صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته ظاهرة في المسافة المذكورة، و كذا الرواية التي بعدها، و رواية أبي بصير صريحة في كون حد العقيق الى عقبة غمرة. و هذا كله ظاهر في خروج ذات عرق كما ذكرنا. إلا ان هذه الروايات قد اشتركت في الدلالة- و ان تفاوتت في ذلك ظهورا و خفاء- على ان المسلخ ليس هو أول العقيق بل اوله بريد البعث، و هو قبل المسلخ بستة أميال من ما يلي العراق، كما صرحت به صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته، مع دلالة الأخبار الثلاثة الأول ان أول العقيق المسلخ، و هو الذي صرح به الأصحاب كما عرفت، و هو ايضا ظاهر صحيحة عمر بن يزيد، لان ظاهرها ان مسافة العقيق بريدان و ان ذلك ما بين بريد البعث إلى غمرة.

و السيد السند في المدارك- بعد ان استدل للقول المشهور برواية أبي بصير الاولى و مرسلة الصدوق، و استدل للقول الآخر بصحيحة عمر بن يزيد و حسنة معاوية بن عمار التي هي عندنا من الصحيح- رد الروايتين الأولتين بضعف السند.

و لا يبعد عندي حمل الخبرين المشار إليهما على التقية و ان اشتهر العمل

____________

(1) الوسائل الباب 2 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 2 من المواقيت.

441

بهما بين الأصحاب (رضوان الله عليهم):

لما رواه الثقة الجليل احمد بن علي بن ابي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري في جملة ما كتبه الى صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه) (1): «انه كتب إليه يسأله عن الرجل يكون مع بعض هؤلاء و يكون متصلا بهم، يحج و يأخذ عن الجادة، و لا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل ان يؤخر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم (2) لما يخاف من الشهرة أم لا يجوز ان يحرم إلا من المسلخ؟ فكتب إليه في الجواب: يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب و يلبي في نفسه فإذا بلغ الى ميقاتهم أظهره».

و رواه الشيخ في كتاب الغيبة بإسناده فيه اليه (3).

و الظاهر ان مستند الشيخ علي بن بابويه في ما نقل عنه انما هو كتاب الفقه الرضوي على عادته التي تقدم ذكرها في غير موضع، فإنه (عليه السلام) في آخر كلامه الذي قدمنا نقله قد صرح بذلك، إلا ان صدر الكلام صريح في ان آخر العقيق ذات عرق. و هو تناقض ظاهر.

و بهذه العبارة التي في آخر كتاب الفقه عبر الصدوق في الفقيه (4) كما نقله في الذخيرة، فقال: و إذا كان الرجل عليلا أو اتقى فلا بأس بأن يؤخر الإحرام إلى ذات عرق.

و يمكن ان يقال في دفع هذا التناقض بين الاخبار، و كذا صدر عبارة كتاب الفقه و عجزها ان ذات عرق و ان كانت من العقيق إلا انها لما كانت

____________

(1) الوسائل الباب 2 من المواقيت.

(2) ارجع الى الصفحة 442 و التعليقة (1) فيها.

(3) الوسائل الباب 2 من المواقيت.

(4) ج 2 ص 199.

442

ميقات العامة (1) و كان الفضل انما هو في ما قبلها فالتأخير إليها و ترك الفضل انما يكون لعذر من علة أو تقية.

و الى ما ذكرناه يشير كلام ابن إدريس في سرائره، حيث قال: و وقت رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لأهل كل صقع و لمن حج على طريقهم ميقاتا، فوقت لأهل العراق العقيق، فمن اي جهاته و بقاعه أحرم ينعقد الإحرام منها، إلا ان له ثلاثة أوقات: أولها المسلخ، يقال بفتح الميم و بكسرها، و هو اوله، و هو أفضلها عند ارتفاع التقية، و أوسطها غمرة، و هي تلي المسلخ في الفضل مع ارتفاع التقية و آخرها ذات عرق، و هي أدونها في الفضل إلا عند التقية و الشناعة و الخوف، فذات عرق هي أفضلها في هذه الحال. و لا يتجاوز ذات عرق إلا محرما على حال. انتهى.

و حينئذ فتحمل الأخبار الدالة على تحديد العقيق إلى غمرة على الأفضل منه، و كذا رواية الاحتجاج. و هذا التأويل و ان كان لا يخلو من شيء إلا انه في مقام الجمع لا بأس به.

بقي الإشكال في تحديد أول العقيق، لما عرفت من الاخبار المتقدمة، فإن بعضها دل على ان أوله المسلخ و بعضها دل على ان أوله بريد البعث الذي هو قيل من ما يلي العراق بستة أميال. و لا يحضرني الآن وجه يمكن جمعها عليه.

ثم اعلم ان صاحب التنقيح ضبط المسلح بالسين و الحاء المهملتين، قال: و هو واحد المسالح و هو المواضع العالية. و نقل شيخنا الشهيد الثاني عن بعض الفقهاء انه ضبطه بالخاء المعجمة من السلخ و هو النزع، لانه تنزع فيه الثياب للإحرام.

____________

(1) المغني ج 3 ص 233 مطبعة العاصمة، و بلوغ المرام لابن حجر العسقلاني ص 86.

443

و مقتضى ذلك تأخر التسمية عن وضعه ميقاتا.

و اما ذات عرق فقيل: انها كانت قرية فخربت. و نقل العلامة عن سعيد ابن جبير (1) انه رأى رجلا يريد ان يحرم بذات عرق فأخذ بيده حتى أخرجه من البيوت و قطع به الوادي فاتى به المقابر فقال: هذه ذات عرق الاولى.

و الظاهر الاكتفاء في معرفة ذلك بسؤال الناس الخبيرين بذلك،

لما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يجزئك إذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس و الاعراب عن ذلك».

الثانية [هل ذو الحليفة هو الموضع المعروف أو المسجد الواقع فيه؟]

- قد عرفت في ما تقدم من الاخبار ان ميقات أهل المدينة من ذي الحليفة، و على ذلك اتفاق كلمة الأصحاب، إلا انهم اختلفوا في ان ذا الحليفة هل هو عبارة عن ذلك الموضع أو عن المسجد الواقع فيه؟ و بالأول صرح الشهيد في اللمعة و الدروس، و اختاره المحقق الشيخ علي، قال: ان جواز الإحرام من الموضع المسمى بذي الحليفة و ان كان خارجا من المسجد لا يكاد يدفع. و بالثاني صرح جملة من الأصحاب: منهم- العلامة في جملة من كتبه و المحقق و غيرهما.

و يدل على الأول إطلاق جملة من الروايات المتقدمة بأن رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة. لكن مقتضى جملة أخرى- كما تقدم ايضا- تفسير ذي الحليفة بمسجد الشجرة. و حينئذ فيجب تقييد إطلاق تلك الاخبار بهذه. و بذلك يظهر ضعف القول الأول.

و قد ذكر الأصحاب انه لو كان المحرم جنبا أو حائضا أحرما به مجتازين،

____________

(1) المنتهى ج 2 ص 671 و المغني ج 3 ص 233 مطبعة العاصمة.

(2) الوسائل الباب 5 من المواقيت.

444

فان تعذر الإحرام بالاجتياز أحرما من خارج.

الثالثة [هل يجوز تأخير الإحرام من الشجرة إلى الجحفة اختيارا؟]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب- كما صرح به غير واحد منهم- في جواز تأخير الإحرام من مسجد الشجرة إلى الجحفة للضرورة، و هي المشقة التي يعسر تحملها. و ربما نقل عن ظاهر الجعفي جواز التأخير اختيارا.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من اين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة؟ فقال: من الجحفة، و لا يجاور الجحفة إلا محرما».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل من أهل المدينة أحرم من الجحفة. فقال: لا بأس».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن إحرام أهل الكوفة و أهل خراسان و ما يليهم، و أهل الشام و مصر، من اين هو؟ قال: اما أهل الكوفة و خراسان و ما يليهم فمن العقيق، و أهل المدينة من ذي الحليفة و الجحفة، و أهل الشام و مصر من الجحفة، و أهل اليمن من يلملم، و أهل السند من البصرة، يعني: من ميقات أهل البصرة».

و ظاهر هذه الاخبار جواز الإحرام اختيارا من الجحفة كما هو المنقول عن ظاهر الجعفي.

و منها-

ما رواه الشيخ عن ابي بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

خصال عابها عليك أهل مكة. قال: و ما هي؟ قلت: قالوا: أحرم من الجحفة و رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أحرم من الشجرة. فقال: الجحفة أحد الوقتين فأخذت بأدناهما و كنت عليلا».

____________

(1) الوسائل الباب 6 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 6 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 1 من المواقيت.

(4) الوسائل الباب 6 من المواقيت.

445

و ما رواه في الكافي في الصحيح الى ابي بكر الحضرمي (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): اني خرجت بأهلي ماشيا فلم أهل حتى أتيت الجحفة و قد كنت شاكيا، فجعل أهل المدينة يسألون عني فيقولون: لقيناه و عليه ثيابه. و هم لا يعلمون، و قد رخص رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لمن كان مريضا أو ضعيفا ان يحرم من الجحفة».

و روى الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن معاوية (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان معي والدتي و هي وجعة؟ قال: قل لها فلتحرم من آخر الوقت، فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم) وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، و لأهل المغرب الجحفة. قال: فأحرمت من الجحفة».

قال: و الظاهر ان المراد بآخر الوقت يعني: الوقت الآخر، فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، كاخلاق ثياب، أو بمعنى الوقت الأخير.

و ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد و كثرة الأيام، يعني:

الإحرام من الشجرة، فأرادوا ان يأخذوا منها الى ذات عرق فيحرموا منها.

فقال: لا- و هو مغضب- من دخل المدينة فليس له ان يحرم إلا من المدينة».

أقول: قوله (عليه السلام): «إلا من المدينة» أي من ميقات أهل المدينة، كقوله عز و جل «وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ» (4).

و بهذه الأخبار أخذ الأصحاب و قيدوا بها الأخبار الأولة، و هي و ان

____________

(1) الوسائل الباب 6 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 6 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 8 من المواقيت.

(4) سورة يوسف، الآية 82.

446

كانت غير صريحة في التخصيص إلا ان الاحتياط يقتضي المصير الى ما ذهبوا اليه.

قال في المدارك بعد نقل بعض اخبار الطرفين: و كيف كان فينبغي القطع بصحة الإحرام من الجحفة و ان حصل الإثم بتأخيره عن ذي الحليفة.

أقول: و بذلك صرح الشهيد في الدروس ايضا. و لا يخلو من اشكال، لأن المتبادر من الروايات الدالة على ان من مر على ميقات غير بلده جاز له الإحرام منه انما هو من لم يمر على ميقات بلده. و حينئذ فمتى قلنا بأن الجحفة ليست ميقاتا للمدني اختيارا و انما ميقاته مسجد ذي الحليفة- و قد مر على ميقاته، مع استفاضة الأخبار بأنه يجب عليه الإحرام منه و لا يجوز تجاوزه إلا محرما، و قد مر به و لم يحرم منه- فانعقاد إحرامه من الجحفة يحتاج الى دليل، لعدم دخوله تحت الأخبار المشار إليها آنفا كما بيناه.

و من ما يؤيد ما ذكرناه

صحيحة الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم؟ فقال: يرجع الى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، و ان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه».

و لا ريب في صدق الخبر المذكور على المدعى و انطباقه عليه.

ثم قال في المدارك ايضا: و انما يتوقف التأخير على الضرورة على القول به مع مروره على ذي الحليفة، فلو عدل ابتداء عن ذلك الطريق جاز و كان الإحرام من الجحفة اختياريا.

و أورد عليه بان كلامه هذا لا ينطبق على شيء من الاخبار المتقدمة، لأن بعضها يقتضي المنع من العدول الاختياري مطلقا و بعضها يقتضي جواز العدول مطلقا، فالتفصيل لا يوافق شيئا من النصوص.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

447

و يمكن الجواب عنه بان كلامه هذا مبني على تخصيص إطلاق أخبار جواز العدول مطلقا- اختيارا أو اضطرارا- بالأخبار الأخر الدالة على عدم جواز التأخير إلا مع الضرورة، كما هو قول الأصحاب (رضوان الله عليهم). و اما الرواية الدالة على المنع من العدول الاختياري مطلقا- و هي رواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة- فقد أجاب عنها بضعف السند أولا، ثم بالحمل على الكراهة جمعا بينها و بين ما دل على جواز العدول مطلقا.

الرابعة [من كان منزله أقرب إلى مكة من المواقيت فميقاته منزله]

- قد صرح أكثر الأصحاب بان من كان منزله أقرب الى مكة من المواقيت فميقاته منزله، قال في المنتهى: انه قول أهل العلم كافة إلا مجاهد (1) و يدل على ذلك الأخبار المتكاثرة: منها- صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في أول البحث (2) و نحوها ما تقدم ايضا من كتاب الفقه الرضوي (3).

و قال الشيخ بعد إيراد صحيحة معاوية بن عمار المذكورة: و في حديث آخر: إذا كان منزله دون الميقات إلى مكة فليحرم من دويرة اهله (4).

و في الحسن عن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله».

و في الصحيح عن عبد الله بن مسكان قال: حدثني أبو سعيد (6) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن من كان منزله دون الجحفة إلى مكة. قال:

يحرم منه».

و عن رباح بن ابي نصر (7) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

____________

(1) المغني ج 3 ص 236 مطبعة العاصمة.

(2) ص 434.

(3) ص 437.

(4) الوسائل الباب 17 من المواقيت. و ارجع الى الاستدراكات.

(5) الوسائل الباب 17 من المواقيت.

(6) الوسائل الباب 17 من المواقيت.

(7) الوسائل الباب 17 من المواقيت.

448

يروون ان عليا (صلوات الله عليه) قال: ان من تمام حجك إحرامك من دويرة أهلك (1) فقال: سبحان الله لو كان كما يقولون لم يتمتع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم) بثيابه إلى الشجرة، و انما معنى دويرة أهله من كان اهله وراء الميقات إلى مكة».

و روى الكليني عن رباح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

انا نروى بالكوفة ان عليا (عليه السلام) قال: ان من تمام الحج و العمرة ان يحرم الرجل من دويرة أهله (3) فهل قال هذا علي (عليه السلام)؟ فقال: قد قال ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) لمن كان منزله خلف المواقيت، و لو كان كما يقولون ما كان يمنع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ان لا يخرج بثيابه إلى الشجرة».

و روى الصدوق عن ابى بصير (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نروى بالكوفة ان عليا (عليه السلام) قال: ان من تمام حجك إحرامك من دويرة أهلك (5) فقال: سبحان الله، لو كان كما يقولون لما تمتع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بثيابه إلى الشجرة».

قال الصدوق (قدس سره) (6): «و سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل منزله خلف الجحفة من اين يحرم؟ قال: من منزله».

و في خبر آخر (7): «من كان منزله دون المواقيت ما بينها و بين مكة فعليه ان يحرم من منزله».

____________

(1) المغني ج 3 ص 239 مطبعة العاصمة.

(2) الوسائل الباب 11 و 17 من المواقيت.

(3) المغني ج 3 ص 239 مطبعة العاصمة.

(4) الوسائل الباب 11 و 17 من المواقيت.

(5) المغني ج 3 ص 239 مطبعة العاصمة.

(6) الوسائل الباب 17 من المواقيت.

(7) الوسائل الباب 17 من المواقيت.

449

و روى الصدوق في معاني الأخبار (1) بإسناده عن عبد الله بن عطاء قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ان الناس يقولون: ان علي بن ابي طالب (عليه السلام) قال: ان أفضل الإحرام ان تحرم من دويرة أهلك (2) قال:

فأنكر ذلك أبو جعفر (عليه السلام) فقال: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كان من أهل المدينة و وقته من ذي الحليفة و انما كان بينهما ستة أميال، و لو كان فضلا لأحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من المدينة، و لكن عليا (عليه السلام) كان يقول: تمتعوا من ثيابكم الى وقتكم».

و هذا الخبر و ان لم يكن من اخبار المسألة إلا أنا ذكرناه في سياق تكذيب خبر أهل الكوفة المفتري عليه (عليه السلام).

قال الفاضل الخراساني في الذخيرة بعد نقل جملة من هذه الاخبار:

و اعلم ان المشهور بين الأصحاب شمول الحكم المذكور لأهل مكة فيكون إحرامهم بالحج من منازلهم، و الاخبار المذكورة غير شاملة لهم، و في حديثين صحيحين ما يخالف ذلك: أحدهما-

ما رواه الكليني عن ابي الفضل سالم الحناط في الصحيح (3) قال: «كنت مجاورا بمكة فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) من الجعرانة، أتاه في ذلك المكان فتوح: فتح الطائف و فتح حنين و الفتح. فقلت: متى اخرج؟

فقال: ان كنت صرورة فإذا مضى من ذي الحجة يوم، و ان كنت حججت قبل ذلك فإذا مضى من الشهر خمس».

و ثانيهما-

ما رواه الكليني عن عبد الرحمن

____________

(1) نوادر المعاني ص 382 و في الوسائل الباب 9 من المواقيت.

(2) المغني ج 3 ص 239 مطبعة العاصمة.

(3) الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

450

ابن الحجاج في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

انى أريد الجوار فكيف اصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها بالحج. ثم ساق الخبر».

و قد تقدم الجميع قريبا في التنبيه الرابع من البحث السابع (2) ثم نقل رواية إبراهيم بن ميمون، و قد تقدمت في البحث الرابع (3).

و أنت خبير بان مورد هذه الروايات انما هو المجاور بمكة، أعم من ان يكون انتقل حكمه إليهم بمضي المدة المعلومة أو لم ينتقل و أراد الحج مستحبا، فإنه يخرج الى المواضع المذكورة، و هذا لا يستلزم ان يكون أهل مكة كذلك و انتقال حكمه الى أهل مكة بعد مضي المدة المعلومة انما هو باعتبار وجوب حج الافراد و القران دون التمتع، و هو لا يستلزم اشتراكهما في ميقات الإحرام، فيجوز ان يكون هذا حكما مختصا بالمجاورين دون أهل البلد.

و يمكن ان يكون بناء كلام الأصحاب في الاستدلال بالأخبار المتقدمة على ان ظواهرها تعطى إلحاق من كان منزله دون الميقات إلى مكة بأهل مكة، فهو يدل على كون أهل مكة كذلك، فان التخصيص بجهة مكة انما هو من حيث كونه من توابعها و إلا فدخوله في الأقربية لا يخلو من الإشكال، لاقتضائها المغايرة بينهما، و بالجملة فإن ما ذكره من الاستدلال بالأخبار المذكورة على ان أهل مكة يخرجون الى المواضع المشار إليها لا تدل عليه الاخبار التي ذكرها بوجه.

و كيف كان فالتحقيق انه لا مستند لهم في هذا الحكم سوى الإجماع على الحكم المذكور، لاتفاق كلمتهم عليه قديما و حديثا من غير نقل الخلاف، كما لا يخفى على من راجع كتبهم و مؤلفاتهم.

____________

(1) الكافي ج 4 ص 300 و في الوسائل الباب 7 و 9 و 16 و 17 من أقسام الحج.

(2) ص 431.

(3) ص 386.

451

ثم انه لا يخفى ان كلام الأصحاب هنا لا يخلو من اختلاف، فان منهم من أطلق القرب كالشهيد في الدروس، و المحقق في الشرائع، و العلامة في الإرشاد و التذكرة، و منهم من أطلق القرب و استدل ببعض الأخبار المتقدمة، و هو ظاهر في كون مراده القرب إلى مكة، و منهم من اعتبر القرب إلى مكة، و منهم من اعتبر القرب الى عرفات، و به صرح الشهيد في اللمعة و نقله في المدارك عن المحقق في المعتبر ايضا، و لم أجده فيه، بل الظاهر من كلامه انما هو القرب إلى مكة فإنه و ان أطلق في صدر كلامه لكنه استدل ببعض الأخبار المتقدمة المصرحة بالقرب إلى مكة. نعم عبارة شيخنا الشهيد في اللمعة صريحة في ذلك، حيث قال:

و يشترط في حج الإفراد النية، و إحرامه به من الميقات أو من دويرة اهله ان كانت أقرب الى عرفات. و الاخبار المتقدمة صريحة في دفعه كما عرفت.

الخامسة [من أين يحرم الحاج على طريق لا يفضي إلى ميقات؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب بان من حج على طريق لا يفضى الى أحد المواقيت المتقدمة فإنه يحرم إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة. و صرح آخرون بأنه يحرم عند محاذاة أحد المواقيت. و هو ظاهر في التخيير بين الإحرام من محاذاة أيها شاء. و ظاهر العلامة في المنتهى اعتبار الميقات الذي هو أقرب الى طريقه. ثم قال: و الاولى ان يكون إحرامه بحذو الأبعد من المواقيت من مكة، و حكم بأنه إذا كان بين ميقاتين متساويين في القرب اليه تخير في الإحرام من أيهما شاء. و نحو ذلك في التذكرة أيضا.

و كيف كان فاعلم اني لم أقف في هذه المسألة إلا على

صحيحة عبد الله بن سنان المشار إليها آنفا عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من اقام بالمدينة شهرا و هو يريد الحج، ثم بدا له ان يخرج في غير طريق أهل المدينة التي يأخذونه

____________

(1) الوسائل الباب 7 من المواقيت.

452

فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء».

و في التهذيب (1) أسقط قوله: «فيكون حذاء الشجرة من البيداء»

و قال في الكافي (2) بعد نقل الرواية: و في رواية: «يحرم من الشجرة ثم يأخذ أي طريق شاء».

و رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من اقام بالمدينة و هو يريد الحج شهرا أو نحوه، ثم بدا له ان يخرج في غير طريق المدينة، فإذا كان حذاء الشجرة و البيداء مسيرة ستة أميال فليحرم منها».

و أنت خبير بان مورد الرواية مسجد الشجرة فحمل سائر المواقيت عليها لا يخلو من الاشكال، سيما مع معارضتها برواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة (4) الدالة على ان من دخل المدينة فليس له ان يحرم إلا من ميقات أهل المدينة، المتأيدة بمرسلة الكليني المذكورة. و كأنهم بنوا على عدم ظهور الخصوصية لهذا الميقات، الذي هو عبارة عن تنقيح المناط. و هو محتمل، إلا ان الاحتياط يقتضي المرور على الميقات و عدم التجاوز عنه على حال.

ثم انهم (رضوان الله عليهم) ذكروا ايضا انه لو سلك طريقا لا يفضى الى محاذاة شيء من المواقيت، فقيل انه يحرم من مساواة أقرب المواقيت إلى مكة، أي من محل يكون بينه و بين مكة بقدر ما بين مكة و بين أقرب المواقيت

____________

(1) ج 5 ص 57.

(2) ج 4 ص 321 و في الوسائل الباب 7 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 7 من المواقيت.

(4) ص 445.

453

إليها، و هو مرحلتان كما تقدم، عبارة عن ثمانية و أربعين ميلا (1). قالوا: لأن هذه المسافة لا يجوز لأحد قطعها إلا محرما من أي جهة دخل و انما الاختلاف في ما زاد عليها. و رد بان ذلك انما ثبت مع المرور على الميقات لا مطلقا. و قيل بأنه يحرم من ادنى الحل، و نقله في المدارك عن العلامة في القواعد و ولده في الشرح، ثم قال: و هو حسن، لأصالة البراءة من وجوب الزائد. و رد بان ثبوت التكليف يقتضي اليقين بتحصيل البراءة. و المسألة عندي محل توقف لعدم النص الكاشف عن حكمها.

فروع

الأول

- قال العلامة في المنتهى: لو لم يعرف حذو الميقات المقارب لطريقة احتاط و أحرم من بعد، بحيث يتيقن انه لم يجاوز الميقات إلا محرما.

و استشكله في المدارك بأنه كما يمتنع تأخير الإحرام عن الميقات كذا يمتنع تقديمه عليه. و تجديد الإحرام في كل موضع يحتمل فيه المحاذاة مشكل، لأنه تكليف شاق لا يمكن إيجابه بغير دليل.

أقول: لا ريب ان ما ذكره من تجديد الإحرام في كل موضع يحتمل المحاذاة جيد لو ثبت أصل الحكم، فان يقين البراءة متوقف عليه، و الاحتياط بالإتيان بما يتوقف عليه يقين البراءة في مقام اشتباه الحكم واجب، كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب. و دعوى المشقة غير مسلم و لا مسموع.

____________

(1) العبارة الواردة هنا مطابقة للنسخة الخطية. و في المطبوعة استظهر الناسخ ان تكون العبارة هكذا: «و هو مرحلتان كما تقدم، و المرحلتان كما تقدم أيضا عبارة عن ثمانية و أربعين ميلا».

454

الثاني

- قال في المنتهى ايضا: لا يلزمه الإحرام حتى يعلم انه قد حاذاه أو يغلب على ظنه ذلك، لان الأصل عدم وجوبه، فلا يجب بالشك.

أقول: لا يخفى ان ظاهر هذا الكلام لا يلائم ما ذهبوا اليه من وجوب الإحرام بظن المحاذاة، لأن أصالة عدم الوجوب كما تنفي الوجوب مع الشك تنفيه مع الظن ايضا.

الثالث

- قال في المدارك: لو أحرم كذلك بالظن ثم تبينت الموافقة أو استمر الاشتباه أجزأ، و لو تبين تقدمه قبل تجاوز محل المحاذاة اعاده، و لو كان بعد التجاوز أو تبين تأخره عن محاذاة الميقات ففي الإعادة وجهان، من المخالفة، و من تعبده بظنه المقتضي للإجزاء. انتهى.

أقول: و هو جيد لو ثبت أصل دليل المسألة، إلا انه لا يلائم ما اختاره سابقا من الإحرام من ادنى الحل، فان هذا انما يتفرع على المحاذاة كما لا يخفى.

ثم لا يخفى ان ما علل به الإعادة في الصورة الأخيرة- من المخالفة- الظاهر ضعفه، لما ذكر من انه متعبد بظنه. و المخالفة واقعا غير معتبرة، إذ التكليف انما هو بما يظهر في نظر المكلف فلا تضر المخالفة الواقعية. إلا ان أصل المسألة- كما عرفت آنفا- خال من الدليل.

الرابع

- المشهور بين الأصحاب ان من حج من البحر يلزمه الإحرام إذا غلب على ظنه محاذاة أقرب المواقيت إلى مكة، و قال ابن إدريس: و ميقات أهل مصر و من صعد البحر جدة. و رده جملة من تأخر عنه بعدم الوقوف له على دليل. نعم ان كانت محاذية لأقرب المواقيت صح الإحرام منها لذلك لا لخصوصيتها. و اما أهل مصر و من سلك طريقهم فميقاتهم الجحفة كما يشير اليه بعض الاخبار السابقة (1) فخلافه غير ملتفت اليه.

____________

(1) ص 444.

455

السادسة [ميقات العمرة بعد الحج]

- قد صرح الأصحاب بأن كل من حج على ميقات لزمه الإحرام منه، بمعنى ان هذه المواقيت المتقدمة لأهلها و لمن يمر بها من غير أهلها مريدا للحج أو العمرة، فلو حج الشامي على طريق المدينة أو العراقي وجب عليه الإحرام من ذي الحليفة. و هذا الحكم مجمع عليه بينهم كما يفهم من المنتهى.

و يدل عليه من الاخبار

ما رواه الكليني في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) في حديث: «انه كتب اليه: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم) وقت المواقيت لأهلها و لمن اتى عليها من غير أهلها، و فيها رخصة لمن كانت به علة، فلا يجاوز الميقات إلا من علة».

و قد تقدم (2)

في رواية إبراهيم بن عبد الحميد: «ان من دخل المدينة فليس له ان يحرم إلا من المدينة».

و لا فرق في وجوب الإحرام من هذه المواقيت المذكورة على الداخل إلى مكة بين ان يكون حاجا أو معتمرا، حج افراد أو قران أو عمرة تمتع أو افراد، أما حج التمتع فميقاته مكة.

و اما العمرة المفردة بعد حجي القران و الافراد فميقاتها ادنى الحل كما تقدم و يدل عليه اخبار: منها-

ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من أراد ان يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبههما».

قال ابن إدريس في السرائر: الحديبية اسم بئر و هو خارج الحرم، يقال:

____________

(1) الوسائل الباب 15 من المواقيت.

(2) ص 445.

(3) الوسائل الباب 22 من المواقيت.

456

الحديبية بالتخفيف و التشديد. و سألت ابن العصار الفوهي فقال: أهل اللغة يقولونها بالتخفيف و أصحاب الحديث يقولونها بالتشديد. و خطه عندي بذلك و كان إمام اللغة ببغداد. انتهى.

و قال بعض الفضلاء بعد ذكر الجعرانة ما صورته: بفتح الجيم و كسر العين و فتح الراء المشددة، هكذا سمعنا من بعض مشايخنا، و الصحيح ما قاله نفطويه في تأريخه، قال: كان الشافعي يقول: الحديبية بالتخفيف و يقول أيضا:

الجعرانة بكسر الجيم و سكون العين. و هو اعلم بهذين الموضعين. و قال ابن إدريس: وجدتهما كذلك بخط من أثق به. و قال ابن دريد في الجمهرة: الجعرانة بكسر الجيم و العين و فتح الراء و تشديدها. انتهى.

و في كتاب مجمع البحرين: و في الحديث: انه نزل الجعرانة. هي بتسكين العين و التخفيف و قد تكسر و تشدد الراء: موضع بين مكة و الطائف على سبعة أميال من مكة، و هي أحد حدود الحرم، و ميقات للإحرام، سميت باسم ريطة بنت سعد و كانت تلقب بالجعرانة، و هي التي أشار إليها بقوله تعالى:

«كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهٰا» (1) و عن ابن المدائني: العراقيون يثقلون الجعرانة و الحديبية، و الحجازيون يخففونهما. انتهى.

و قال فيه ايضا: و قد تكرر في الحديث ذكر الحديبية بالتخفيف عند الأكثر، و هي بئر بقرب مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم أطلق على الموضع، و يقال: نصفه في الحل و نصفه في الحرم. انتهى.

و بالجملة فإن الميقات هو ادنى الحل. و الأفضل ان يكون من هذه المواضع:

الحديبية أو الجعرانة أو التنعيم، و هو- على ما في كتاب مجمع البحرين- موضع

____________

(1) سورة النحل، الآية 92.

457

قريب من مكة، و هو أقرب أطراف الحل إلى مكة، و يقال: بينه و بين مكة أربعة أميال، و يعرف بمسجد عائشة. انتهى.

و في بعض الحواشي: ان التنعيم مسجد زين العابدين (عليه السلام) و مسجد أمير المؤمنين (عليه السلام) و مسجد عائشة.

السابعة [من أين يكون الإحرام بالصبيان؟]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يجرد الصبيان من فخ، و على ذلك دلت

صحيحة أيوب بن الحر (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الصبيان من اين نجردهم؟ فقال: كان ابي يجردهم من فخ».

و في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (2) مثل ذلك.

و ظاهر الأكثر- و به صرح المحقق في المعتبر و العلامة في جملة من كتبه- ان المراد بالتجريد هو الإحرام بهم، و قد نص الشيخ و غيره على ان الأفضل الإحرام بهم من الميقات لكن رخص في تأخير الإحرام بهم حتى يصيروا الى فخ.

و من ما يدل على الإحرام بهم من الميقات روايات: منها-

صحيحة معاوية ابن عمار (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قدموا من كان معكم من الصبيان إلى الجحفة أو الى بطن «مر» ثم يصنع بهم ما يصنع بالمحرم، و يطاف بهم و يسعى بهم. الحديث».

و في الموثق عن يونس بن يعقوب عن أبيه (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان معي صبية صغارا و انا أخاف عليهم البرد، فمن اين يحرمون؟ فقال:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 409، و في الوسائل الباب 17 من أقسام الحج، و الباب 18 من المواقيت، و الباب 47 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 409، و في الوسائل الباب 17 من أقسام الحج، و الباب 18 من المواقيت، و الباب 47 من الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 409 و في الوسائل الباب 17 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 17 من أقسام الحج.

458

ائت بهم العرج فليحرموا منها، فإنك إذا أتيت العرج وقعت في تهامة. ثم قال:

فان خفت عليهم فائت بهم الجحفة».

و نقل عن المحقق الشيخ على: ان المراد بالتجريد التجريد عن المخيط خاصة فيكون الإحرام بهم من الميقات كغيرهم، لان الميقات موضع الإحرام فلا يتجاوزه أحد إلا محرما.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو ضعيف، لمنع ما ادعاه من العموم بحيث يتناول غير المكلف، و ظهور التجريد في المعنى الذي ذكرناه. انتهى أقول: لا يخفى ان ما ذكره الشيخ علي (قدس سره) لا يخلو من قرب، فان ظاهر لفظ التجريد يساعده. و ما ادعاه (قدس سره)- من ظهور التجريد في معنى الإحرام- لا يخفى ما فيه، فان التجريد لغة انما هو نزع شيء من شيء، كما يقال: جردته عن ثيابه اي نزعتها عنه. و المعتبر في الإحرام أمور عديدة لا يدخل منها شيء تحت هذا اللفظ سوى نزع المخيط. و ما ادعاه من منع العموم لا يخلو من شيء أيضا. و يؤيد ما ذكرناه تخصيص التأخير إلى فخ بمن كان على طريق المدينة، فلو حج بهم على غيرها وجب الإحرام بهم من الميقات البتة. و بذلك صرح العلامة في القواعد فقال: و يجرد الصبيان من فخ ان حجوا على طريق المدينة و إلا فمن موضع الإحرام. قالوا: و فخ: بئر على نحو فرسخ من مكة.

المقام الثاني في الأحكام

و فيه أيضا مسائل:

[المسألة] الأولى [حكم الإحرام قبل الميقات]

- المشهور بين الأصحاب انه لا يجوز الإحرام قبل هذه المواقيت إلا في صورتين سيأتي التنبيه عليهما في المقام. اما عدم جواز الإحرام قبل

459

الميقات في غير الصورتين المشار إليهما فهو من ما عليه الاتفاق نصا و فتوى.

و من الاخبار الدالة على ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة في أول المقام الأول (1): «الإحرام من المواقيت خمسة وقتها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم) لا ينبغي لحاج و لا لمعتمر ان يحرم قبلها و لا بعدها».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن أذينة (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أحرم بالحج في غير أشهر الحج فلا حج له، و من أحرم دون الوقت فلا إحرام له».

و ما رواه فيه ايضا عن ميسرة (3) قال: «دخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) و انا متغير اللون، فقال لي: من أين أحرمت؟ فقلت: من موضع كذا و كذا. فقال: رب طالب خير تزل قدمه. ثم قال: يسرك ان صليت الظهر في السفر أربعا؟ قلت: لا. قال: فهو و الله ذاك».

و ما رواه في الفقيه و التهذيب عن ميسر (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أحرم من العقيق و آخر من الكوفة، أيهما أفضل؟ فقال:

يا ميسر أ تصلي العصر أربعا أفضل أم تصليها ستا؟ فقلت: أصليها أربعا أفضل.

فقال: فكذلك سنة رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أفضل من غيرها».

و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن موسى بن القاسم عن حنان بن سدير (5) قال: «كنت انا و ابي و أبو حمزة الثمالي و عبد الرحيم القصير و زياد الأحلام حجاجا فدخلنا على ابي جعفر (عليه السلام) فرأى زيادا- و قد تسلخ

____________

(1) ص 435.

(2) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج، و الباب 9 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 11 من المواقيت.

(4) الوسائل الباب 11 من المواقيت.

(5) الوسائل الباب 11 من المواقيت.

460

جلده- فقال: من أين أحرمت؟ قال: من الكوفة. قال: و لم أحرمت من الكوفة؟ فقال: بلغني عن بعضكم انه قال: ما بعد من الإحرام فهو أعظم للأجر. فقال: ما بلغك هذا إلا كذاب. ثم قال لأبي حمزة: من أين أحرمت؟ قال: من الربذة. فقال: و لم؟ لأنك سمعت ان قبر ابي ذر بها فأحببت ان لا تجوزه؟ ثم قال لأبي و لعبد الرحيم: من أين أحرمتما؟ فقالا: من العقيق.

فقال: أصبتما الرخصة و اتبعتما السنة. و لا يعرض لي بابان كلاهما حلال إلا أخذت باليسير، و ذلك ان الله يسير يحب اليسير و يعطى على اليسير ما لا يعطى على العنف».

و ما رواه في الكافي عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) في حديث قال: «ليس لأحد ان يحرم قبل الوقت الذي وقته رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و انما مثل ذلك مثل من صلى في السفر أربعا و ترك الثنتين».

الى غير ذلك من الاخبار.

و اما الصورتان المشار إلى استثنائهما آنفا

[تقديم الإحرام في عمرة رجب عند ضيق الوقت]

فإحداهما- من أراد الإحرام بعمرة مفردة في رجب و خشي تقضيه ان هو أخر الإحرام حتى يصل الميقات، و قد اتفقت الاخبار على جواز الإحرام له قبل الميقات لتقع عمرته في رجب، و انه يدرك فضلها بذلك و ان وقعت الأفعال في غيره، و قد نقل في المعتبر و المنتهى اتفاق علمائنا على ذلك مع ان عبارة ابن إدريس الآتية ظاهرة في الخلاف، و لعله اما مبني على الغفلة عن ملاحظة كلامه أو عدم الاعتداد بخلافه، و الظاهر الأول لنقلهم خلافه في مسألة النذر.

و يدل على ذلك من الاخبار

ما رواه الشيخ في الصحيح و ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 11 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 12 من المواقيت.

461

السلام) يقول: ليس ينبغي لأحد ان يحرم دون المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا ان يخاف فوت الشهر في العمرة».

و ما رواه أيضا في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن الرجل يجيء معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه هلال شعبان قبل ان يبلغ الوقت، أ يحرم قبل الوقت و يجعلها لرجب أو يؤخر الإحرام إلى العقيق و يجعلها لشعبان؟ قال: يحرم قبل الوقت و يكون لرجب، لان لرجب فضله و هو الذي نوى».

[تقديم الإحرام بالنذر]

ثانيهما- من نذر الإحرام من موضع معين قبل الميقات، و المشهور انعقاد نذره و وجوب الإحرام من ذلك الموضع في أشهر الحج ان كان لعمرة تمتع أو حج و ان كان لعمرة مفردة فمطلقا، و منع ذلك ابن إدريس في السرائر فقال: و الأظهر الذي تقتضيه الأدلة و أصول المذهب ان الإحرام لا ينعقد إلا من المواقيت، سواء كان منذورا أو غيره، و لا يصح النذر بذلك لانه خلاف المشروع، و لو انعقد بالنذر كان ضرب المواقيت لغوا. ثم قال: و الذي اخترناه مذهب السيد المرتضى و ابن ابى عقيل من علمائنا و شيخنا ابى جعفر في مسائل خلافه. ثم نقل عبارته. و خطأه العلامة في نقله ذلك عن الخلاف، فإنه و ان أطلق في هذه العبارة التي نقلها عنه إلا انه صرح بذلك في عبارة أخرى، حيث قال- على ما نقله في المختلف-: فإن أحرم قبل الميقات لم ينعقد الا ان يكون نذر ذلك. و اما السيد المرتضى و ابن ابى عقيل فإنهما أطلقا المنع من الإحرام قبل الميقات و لم يستثنيا النذر. و كذا ابن الجنيد و الصدوق كما نقله في المختلف ايضا. انتهى. و اختاره العلامة في المختلف.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 53 و الكافي ج 4 ص 323 و في الوسائل الباب 12 من المواقيت.

462

و يدل على القول المشهور جملة من الاخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جعل لله عليه شكرا ان يحرم من الكوفة؟ فقال: فليحرم من الكوفة و ليف لله بما قال».

أقول: لصاحب المنتقى هنا كلام في صحة الخبر المذكور بعد ان حكى حكم الأصحاب بصحته، فليرجع اليه (2) من أحب الوقوف عليه.

و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سمعته يقول: لو ان عبدا أنعم الله عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه ان يحرم بخراسان كان عليه ان يتم».

و في الصحيح عن صفوان عن علي بن أبي حمزة (4) قال: «كتبت الى ابى عبد الله (عليه السلام) اسأله عن رجل جعل لله عليه ان يحرم من الكوفة؟

قال: يحرم من الكوفة».

و من هذه الاخبار يعلم الجواب عن ما احتجوا به من ان النذر غير مشروع فإنه بعد ورود الاخبار بذلك لا وجه لدفع مشروعيته. و بالجملة فإن قول ابن إدريس هنا جيد لو لا ورود هذه الاخبار المذكورة. و اما قوله-: و لو انعقد بالنذر كان ضرب المواقيت لغوا- فقد أجاب عنه في المنتهى بأن الفائدة غير منحصرة في ذلك بل ههنا فوائد أخرى: منها- منع تجاوزها من غير إحرام، و منها- وجوب الإحرام منها لأهلها لغير الناذر. ثم قال: و بالجملة فالكلام ضعيف من الجانبين فنحن في هذا من المتوقفين، و الأقرب ما ذهب اليه الشيخان عملا برواية الحلبي فإنها صحيحة. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 13 من المواقيت.

(2) المنتقى ج 2 ص 355.

(3) الوسائل الباب 13 من المواقيت.

(4) الوسائل الباب 13 من المواقيت.

463

و لا يكفي مروره على الميقات بعد إحرامه قبله، لوقوع الإحرام السابق عليها فاسدا فيكون بمنزلة من لم يحرم.

المسألة الثانية [تعذر الإحرام]

- قد ذكر جملة من الأصحاب انه لو تعذر الإحرام من الميقات لمانع من مرض و نحوه أخره، و متى زال المانع وجب عليه الرجوع الى الميقات إن أمكن، و إلا جدد الإحرام من موضعه.

و الكلام هنا يقع في مقامين

أحدهما [تأخير الإحرام عند العذر]

- في التأخير، المفهوم من كلام الشيخ في النهاية ذلك، قال في الكتاب المذكور: و من عرض له مانع من الإحرام جاز له ان يؤخره أيضا عن الميقات، فإذا زال المانع أحرم من الموضع الذي انتهى اليه.

و يدل على ما ذكره

ما رواه في التهذيب (1) عن ابي شعيب المحاملي عن بعض أصحابنا عن أحدهم (عليهم السلام): «إذا خاف الرجل على نفسه أخر إحرامه إلى الحرم».

و قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عن الشيخ: قوله: «جاز له ان يؤخره» مقصوده كيفية الإحرام الظاهرة، و هو التعري و كشف الرأس و الارتداء و التوشح و الاتزار، فأما النية و التلبية مع القدرة عليها فلا يجوز له ذلك، لانه لا مانع له يمنع ذلك و لا ضرورة فيه و لا تقية، و ان أراد و قصد شيخنا غير ذلك فهذا يكون قد ترك الإحرام متعمدا من موضعه فيؤدي إلى إبطال حجه بغير خلاف.

و استجوده العلامة في المنتهى.

أقول: و يؤيده ما قدمناه من رواية الحميري المنقولة من الاحتجاج المتقدمة (2) في المسألة الاولى من المسائل الملحقة بالمقام الأول، حيث ذكر

____________

(1) ج 5 ص 58 و في الوسائل الباب 16 من المواقيت.

(2) ص 441.

464

(عليه السلام)- في من مر مع العامة على المسلخ و لم يمكنه إظهار الإحرام تقية- انه يحرم من ميقاته ثم يلبس الثياب و يلبي في نفسه، و إذا بلغ ميقاتهم أظهره.

و الى ما ذكره ابن إدريس يميل كلام المحقق في المعتبر، حيث قال: من منعه مانع عند الميقات فان كان عقله ثابتا عقد الإحرام بقلبه، و لو زال عقله بإغماء و شبهه سقط عنه الحج، و لو أحرم عنه رجل جاز، و لو أخر و زال المانع عاد الى الميقات ان تمكن و إلا أحرم من موضعه. و دل على جواز الإحرام عنه

ما رواه جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (1): «في مريض أغمي عليه فلم يعقل حتى اتى الموقف؟ قال: يحرم عنه رجل».

و الذي يقتضيه الأصل ان إحرام الولي جائز لكن لا يجزئ عن حجة الإسلام، لسقوط الفرض بزوال عقله. نعم إذا زال العارض قبل الوقوف أجزأه. انتهى.

و قال في الدروس: و لو منعه مانع من الإحرام من الميقات جاز تأخيره عنه، قاله الشيخ. و حمل على تأخير ما يتعذر منه كلبس الثوبين و كشف الرأس دون الممكن من النية و التلبية. انتهى.

و بالجملة فإن ما ذكره ابن إدريس هنا متجه، و يمكن حمل الرواية التي استند إليها الشيخ على ذلك. و اما ما ذكره في المختلف- من ان كلام ابن إدريس مؤاخذة لفظية، إذ الإحرام ماهية مركبة من النية و التلبية و لبس الثوبين، و نحن نسلم إيجاب ما يتمكن منه لكن لا يكون قد اتى بماهية الإحرام. انتهى- ففيه ان الظاهر من عبارة الشيخ و من روايته التي استند إليها انما هو تأخير الإحرام بجميع ما يتوقف عليه و تلتئم منه ماهيته.

و

ثانيهما [زوال العذر بعد تأخير الإحرام له]

- في وجوب الرجوع متى أخره، قال في المدارك- بعد قول

____________

(1) الوسائل الباب 20 من المواقيت، و الباب 55 من الإحرام.

465

المصنف: و لو أخره عن الميقات لمانع ثم زال المانع عاد الى الميقات، فان تعذر جدد الإحرام حيث زال- ما صورته: اما وجوب العود الى الميقات مع المكنة فلا ريب فيه لتوقف الواجب عليه. و اما الاكتفاء بتجديد الإحرام من محل زوال العذر مع تعذر العود الى الميقات، فلان تأخيره لم يكن محرما فكان كالناسي، و سيأتي ان الناسي يحرم من موضع الذكر مع تعذر العود الى الميقات. انتهى.

أقول: لا يخفى انه قد تقدم في المقام الأول ان ظاهر عبارة الشيخ في النهاية هو التعدي عن الميقات للعذر بغير إحرام بالكلية، و ظاهر الجماعة انه قد أحرم و عقد النية و اتى بما يمكن من تلبية و نحوها و انما أخر بعض الأفعال مثل لبس الثوبين مثلا و نحوهما. و حينئذ فوجوب الرجوع الذي ذكروه هنا، ان بنى على ظاهر كلام الشيخ و روايته فلا ريب فيه، لأنه قد ترك الإحرام متعمدا من موضعه كما ذكره ابن إدريس، فيجب عليه الرجوع البتة كما صرحوا به. إلا ان قوله- في تعليل الاكتفاء بتجديد الإحرام من موضع الذكر مع تعذر العود الى الميقات: فلان تأخيره لم يكن محرما فكان كالناسي- غير صحيح كما لا يخفى. و ان بنى على ما ذكره الجماعة من عقد الإحرام من الميقات و الإتيان بالتلبية و ما يمكن من أفعاله فإيجاب العود عليه بعد زوال العذر لا وجه له و لا دليل عليه. و ما ذكره من توقف الواجب عليه انما يتم لو ترك الإحرام بالكلية.

و ترك بعض تلك الأمور المشترطة فيه- كنزع المخيط و لبس ثوبي الإحرام- مع العذر لا يوجب الرجوع الى الميقات اتفاقا، و غايته هو وجوب نزع المخيط و لبس ثوبي الإحرام متى زال العذر. و قياس ذلك- في وجوب الرجوع أو الإحرام من موضعه مع عدم إمكان الرجوع- على الناسي قياس مع الفارق، لأن الناسي قد ترك الإحرام بالكلية و هذا قد أحرم و عقد حجه بالنية و لبى و لو سرا و انما ترك نزع المخيط للعذر، فكيف يحمل عليه؟ مع ما في الحمل- لو لم

466

يكن كذلك ايضا- من انه محض القياس.

و بذلك يظهر ما في عبارة المعتبر المتقدمة و ان استحسنها في المدارك، حيث قال: و فصل المصنف في المعتبر تفصيلا حسنا. ثم ساق عبارته المتقدمة، فإن قوله: «و لو أخر و زال المانع» ان أراد به التأخير حتى عن النية و عقد الإحرام بها ففيه ما عرفت أولا، و ان أراد التأخير لما لم يمكن مع الإتيان بما أمكن من نية و تلبية ففيه ما عرفت ثانيا.

و بالجملة فإن كلامهم هنا عندي غير منقح و لا ظاهر.

ثم ان صريح عبارة الشيخ المتقدمة انه يحرم بعد زوال المانع من موضعه.

و هو على إطلاقه أيضا مشكل، لأنه ان حمل على ظاهر عبارته- كما قدمنا الإشارة إليه- فهو غير صحيح، لانه قد أخل بالإحرام بعد المرور على الميقات عمدا فلا يجزئه الإحرام من موضعه، و ان حمل على ظاهر كلام الجماعة- من عقد نية الإحرام عند الميقات و انما ترك بعض الأشياء لعذر- فهو صحيح لا ريب فيه

المسألة الثالثة [ترك الإحرام من الميقات نسيانا أو جهلا]

- لو ترك الإحرام بعد مروره على الميقات ناسيا أو جاهلا وجب عليه العود اليه مع الإمكان، و إلا أحرم من مكانه ان لم يدخل الحرم، و مع دخوله فيجب الخروج الى خارجه ان أمكن، و إلا أحرم من موضعه ايضا.

و زاد بعضهم من لا يريد النسك ثم تجدد له عزم على ذلك.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه ثقة الإسلام (عطر الله تعالى مرقده) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم؟ قال: قال ابي:

يخرج الى ميقات أهل أرضه، فإن خشي ان يفوته الحج أحرم من مكانه، فإن

____________

(1) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

467

استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم».

و ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مر على الوقت الذي يحرم الناس منه، فنسي أو جهل فلم يحرم حتى اتى مكة، فخاف ان رجع الى الوقت ان يفوته الحج؟ فقال:

يخرج من الحرم و يحرم و يجزئه ذلك».

و ما رواه أيضا في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم، فطمثت فأرسلت إليهم فسألتهم، فقالوا: ما ندري أ عليك إحرام أم لا و أنت حائض؟ فتركوها حتى دخلت الحرم. فقال: ان كان عليها مهلة فلترجع الى الوقت فلتحرم منه، و ان لم يكن عليها وقت فلترجع الى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها».

و رواه الشيخ في الصحيح ايضا مثله (3) إلا انه زاد بعد: «بقدر ما لا يفوتها»: «الحج فتحرم».

و ما رواه في الكافي أيضا في الموثق عن زرارة (4): «عن أناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم، فقدموا الى الوقت و هي لا تصلي، فجهلوا ان مثلها ينبغي ان يحرم، فمضوا بها كما هي حتى قدموا مكة و هي طامث حلال، فسألوا الناس فقالوا: تخرج الى بعض المواقيت فتحرم منه. و كانت إذا فعلت لم تدرك الحج. فسألوا أبا جعفر (عليه السلام) فقال: تحرم من مكانها، قد علم الله- تعالى- نيتها».

و عن جميل عن سورة بن كليب (5) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(4) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(5) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

468

خرجت معنا امرأة من أهلنا، فجهلت الإحرام فلم تحرم حتى دخلنا مكة، و نسينا أن نأمرها بذلك؟ قال: فمروها فلتحرم من مكانها من مكة أو من المسجد».

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل ترك الإحرام حتى انتهى الى الحرم، كيف يصنع؟ قال: يرجع الى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم».

و عن ابي الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل جهل ان يحرم حتى دخل الحرم، كيف يصنع؟ قال: يخرج من الحرم ثم يهل بالحج».

و إطلاق بعض هذه الاخبار يحمل على مقيدها، و به تكون متفقة الدلالة على الأحكام المذكورة.

و قد ذكر العلامة في التذكرة و المنتهى ان من نسي الإحرام بالحج يوم التروية حتى حصل بعرفات فليحرم من هناك.

و الظاهر ان مستنده

ما رواه علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى ابن جعفر (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكره و هو بعرفات، ما حاله؟ قال: يقول: اللهم على كتابك و سنة نبيك. فقد تم إحرامه».

و ربما أشعر تخصيص الحكم بعرفات بعدم جواز تجديد الإحرام بالمشعر، و به

____________

(1) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 14 من المواقيت.

(3) الوسائل الباب 14 و 20 من المواقيت.

469

يشعر ايضا بعض عبائرهم. إلا ان الشهيدين قد حكما بالجواز.

و يمكن ان يستدل عليه

بما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن جميل ابن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (1) «في رجل نسي أن يحرم أو جهل و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى؟ قال: تجزئه نيته إذا كان قد نوى ذلك، فقد تم حجه و ان لم يهل».

قيل: و الظاهر ان المراد بقوله: «إذا كان قد نوى ذلك» انه نوى الحج بجميع أجزائه جملة لا نوى الإحرام، لأن نيته من الجاهل به غير معقول و كذا من الناسي أيضا. و ربما ظهر من كلام الشيخ في النهاية حمله على العزم المتقدم على محل الإحرام، فإنه قال: إذا لم ينو فان لم يذكر أصلا حتى فرغ من جميع مناسكه فقد تم حجه و لا شيء عليه إذا كان قد سبق في عزمه الإحرام. انتهى.

و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل كان متمتعا خرج الى عرفات و جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده، ما حاله؟ قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه».

و التقريب فيهما انه إذا تم الحج مع قضاء المناسك كلها بغير إحرام فالبعض اولى.

و يندرج في من لا يريد النسك ثم تجدد له ذلك من يكون قاصدا دخول مكة و كان ممن يلزمه الإحرام لدخولها لكنه لم يرد النسك، فهو في معنى متعمد ترك الإحرام.

و قد نقل إجماعهم على ان من مر على الميقات و هو لا يريد دخول مكة بل

____________

(1) الوسائل الباب 20 من المواقيت.

(2) الوسائل الباب 20 من المواقيت.

470

يريد حاجة في ما سواها فإنه لا يجب عليه الإحرام، و قد مر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على ذي الحليفة لما اتى بدرا و هو محل (1).

و من قصد دخولها و كان ممن لا يلزمه الإحرام- كالحطاب و الحشاش و من دخلها لقتال- فإنه متى تجدد لكل من هؤلاء إرادة النسك بعد تجاوزه الميقات فالحكم فيه كما تقدم في الناسي و الجاهل.

قالوا: اما انه لا يجب عليه العود مع التعذر فلا ريب فيه، لان من هذا شأنه أعذر من الناسي و انسب بالتخفيف.

و اما وجوب العود مع الإمكان فاستدل عليه في المعتبر بأنه يتمكن من الإتيان بالنسك على الوجه المأمور به فيكون واجبا.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم؟ قال: يرجع الى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم، و ان خشي ان يفوته الحج فليحرم من مكانه، فان استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثم ليحرم».

أقول: و الاولى هو الاستدلال بالصحيحة المذكورة على كل من شقي المسألة و إلغاء هذه التعليلات العليلة، فإنها مشتملة على حكم كل من الشقين.

و التقريب فيها ان الرواية اشتملت على السؤال عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم، و هو شامل لمحل البحث. و نحو هذه الصحيحة بالنسبة إلى الشق الثاني رواية الحميري المتقدم نقلها عن قرب الاسناد (3).

____________

(1) المغني ج 3 ص 241 مطبعة العاصمة.

(2) الوسائل الباب 14 من المواقيت. و قوله: «ثم ليحرم» وارد في رواية الكافي ج 4 ص 323 و ليس في رواية التهذيب ج 5 ص 58.

(3) ص 468.

471

قالوا: و في حكم من لا يريد النسك غير المكلف به، كالصبي و العبد و الكافر إذا بلغ بعد تجاوزه الميقات أو أعتق أو أسلم.

فوائد

الاولى

- لا يخفى ان ما تقدم كله مخصوص بما لو تجاوز الميقات على أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة، اما لو تجاوزه مريدا للنسك و تعمد ترك الإحرام منه فإنه يجب عليه الرجوع اليه و الإحرام منه، فان تعذر العود لمرض أو خوف أو ضيق الوقت فقد قطع الأصحاب (رضوان الله عليهم) بعدم صحة الإحرام من غيره، لعدم الامتثال، فيحرم عليه دخول مكة، لتوقفه على الإحرام.

و كأن منشأ ذلك المؤاخذة له بسوء ما عمله من إخلاله بالإحرام عمدا مع إيجاب الشارع له عليه. و احتمل بعض الأصحاب الاكتفاء بالإحرام من ادنى الحل إذا خشي ان يفوته الحج، لإطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة (1). و هو غير بعيد.

الثانية

- المفهوم من صحيحة الحلبي المتقدمة هنا، و صحيحته الثانية المتقدمة في صدر هذه المسألة برواية ثقة الإسلام- و هو ظاهر صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ثمة ايضا- ان الواجب الرجوع الى ميقات أهل بلده في جميع هذه الصور قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: و في بعض الاخبار انه يرجع الى ميقاته في جميع هذه الصور، و الظاهر انه غير متعين بل يجزئ رجوعه الى اي ميقات شاء، لأنها مواقيت لمن مر بها، و هو عند وصوله كذلك، و قال سبطه السيد السند في المدارك- في مسألة ما لو أخر عن الميقات لمانع ثم زال المانع فإنه يعود الى الميقات- ما صورته: لكن لا يخفى انه انما يجب العود إذا لم يكن في طريقه ميقات آخر و إلا لم يجب كما مر.

____________

(1) ص 466 و 470.

472

أقول: و الظاهر هو وجوب العود الى ميقاته، و قد تقدم تحقيق الجواب عن ما ذكروه في البحث السادس من المطلب الثاني من مطلبي المقدمة الرابعة (1).

الثالثة

- قال شيخنا المشار إليه في المسالك ايضا: و حيث يتعذر رجوعه مع التعمد يبطل نسكه، و يجب عليه قضاؤه و ان لم يكن مستطيعا للنسك بل كان وجوبه بسبب ارادة دخول الحرم، فان ذلك موجب للإحرام، فإذا لم يأت به وجب قضاؤه كالمنذور. نعم لو رجع بعد تجاوز الميقات و لما يدخل الحرم فلا قضاء عليه و ان أثم بتأخير الإحرام. و ادعى العلامة (قدس سره) في التذكرة الإجماع عليه. انتهى.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بأنه غير جيد، قال: لان القضاء فرض مستأنف فيتوقف على الدليل، و هو منتف هنا. و الأصح سقوط القضاء كما اختاره في المنتهى، و استدل عليه بأصالة البراءة من القضاء، و بان الإحرام مشروع لتحية البقعة، فإذا لم يأت به سقط كتحية المسجد. و هو حسن. انتهى

الرابعة

- قد صرحوا أيضا بان من كان منزله دون الميقات فحكمه في مجاورة منزله الى ما يلي الحرم حكم المجاوز للميقات في الأحوال السابقة، لأن منزله ميقاته، فهو في حقه كأحد المواقيت الخمسة في حق الآفاقي.

المسألة الرابعة [من نسي الإحرام حتى أكمل مناسكه]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما لو نسي الإحرام بالكلية حتى أكمل مناسكه، فهل يقضى لو كان واجبا أم يجزئ عنه؟

قولان: ثانيهما للشيخ في المسبوط و النهاية و جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) و الأول لابن إدريس.

____________

(1) ص 411.

473

و استدل في المعتبر للقول الثاني- حيث اختاره- بأنه فات نسيانا فلا يفسد به الحج، كما لو نسي الطواف.

و بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (1): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان».

و بأنه مع استمرار النسيان يكون مأمورا بإيقاع بقية الأركان، و الأمر يقتضي الاجزاء.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل كان متمتعا خرج الى عرفات و جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده. الخبر».

و قد تقدم في سابق هذه المسألة.

و في الحسن عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام): «في رجل نسي. الخبر».

و قد تقدم في المسألة المذكورة (3).

و اعترض هذه الأدلة السيد السند في المدارك فقال: و في جميع هذه الأدلة نظر: اما الأول فلان الناسي للإحرام غير آت بالمأمور به على وجهه، فيبقى في عهدة التكليف الى ان يثبت صحة الحج مع الإخلال به بدليل من خارج، كما في نسيان الطواف. و اما الثاني فلان المرتفع في الخطأ و النسيان المؤاخذة خاصة لا جميع الأحكام. و اما الثالث فلعدم تحقق الامتثال بالنسبة الى ذلك الجزء المنسي و الكل يعدم بعدم جزئه. و اما الرواية الأولى فبأنها انما تدل على صحة حج تارك الإحرام مع الجهل، و هو خلاف محل النزاع. و ما قيل- من ان الناسي أعذر من الجاهل- فغير واضح، كما بيناه غير مرة. مع انها مخصوصة بإحرام الحج، فإلحاق إحرام العمرة به لا يخرج عن القياس. و اما الرواية الثانية فواضحة الدلالة لكن إرسالها يمنع من العمل بها. انتهى كلامه (زيدا إكرامه).

____________

(1) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة، و الباب 30 من الخلل في الصلاة و الباب 56 من جهاد النفس.

(2) ص 469.

(3) ص 469.

474

و هو جيد إلا في رد الرواية الثانية بالإرسال عند من لا يعمل على هذا الاصطلاح المحدث، فإنه غير مسموع. و به يظهر وجه قوة القول المذكور.

و أشار بقوله-: و ما قيل من ان الناسي. الى آخره- الى ما ذكره شيخنا الشهيد في نكت الإرشاد في بيان وجه الاستدلال بالرواية المذكورة، حيث قال: و اعلم ان الرواية الأولى تدل على الصحة بواسطة ان النسيان أدخل في العذر من الجهل. و هو غير جيد، فإنه قد استفاضت الأخبار بوجوب الإعادة على من صلى في النجاسة ناسيا (1) و علل في بعضها بأنه عقوبة لإهماله إزالة النجاسة حتى ادى الى نسيانها. مع استفاضتها بصحة الصلاة فيها جاهلا (2) نعم قد ورد في بعض الأحكام معذورية الناسي أيضا.

احتج ابن إدريس على ما ذهب اليه بقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (3):

«إنما الأعمال بالنيات».

حيث قال- بعد ذكر القول المشهور و إسناده الى ما روى في أخبارنا- ما صورته: و الذي تقتضيه أصول المذهب انه لا يجزئه و تجب عليه الإعادة، لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله) (4): «إنما الأعمال بالنيات» و هذا عمل بلا نية، فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد. و لم يورد هذا و لم يقل به أحد من أصحابنا سوى شيخنا ابي جعفر (رحمه الله) فالرجوع إلى الأدلة أولى من تقليد الرجال. انتهى.

و اعترضه المحقق في المعتبر فقال بعد نقل استدلاله بالخبر: و لست أدرى كيف تخيل له هذا الاستدلال و لا كيف توجيهه؟ فان كان يقول ان الإخلال بالإحرام إخلال بالنية في بقية المناسك فنحن نتكلم على تقدير إيقاع نية كل منسك على

____________

(1) الوسائل الباب 20 و 40 و 42 من النجاسات من كتاب الطهارة.

(2) الوسائل الباب 40 و 41 و 47 من النجاسات من كتاب الطهارة.

(3) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.

(4) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات.

475

وجهه ظانا انه أحرم أو جاهلا بالإحرام، فالنية حاصلة مع إيقاع كل منسك، فلا وجه لما قاله.

و أجاب عنه شيخنا الشهيد في شرح الإرشاد بأن مراد ابن إدريس ان فقد نية الإحرام يجعل باقي الأفعال في حكم العدم، لعدم صحة نيتها محلا، فتبطل، إذ العمل بغير نية باطل.

و فيه ان ما ادعاه- من ان فقد نية الإحرام يجعل باقي الأفعال في حكم العدم- ممنوع. قوله-: لعدم صحة نيتها محلا- قلنا: ان أريد بكونه محلا يعني:

عالما حين الإتيان بتلك الأفعال انه محل، فهو مسلم و لكنه ليس من محل البحث في شيء، و ان أريد في الواقع و نفس الأمر- حيث انه ظن الإتيان بالإحرام أو جهله- فهو ممنوع، لان التكاليف انما نيطت بالظاهر في نظر المكلف لا بنفس الأمر و الواقع. و حينئذ فما ذكره من بطلان تلك الأفعال باطل. على ان المتبادر من العمل بغير نية انما هو ترك النية بالكلية لا الإتيان بنية و ان ظهر بطلانها، و ان كان الجميع مشتركا في البطلان لكن لا لهذا الخبر.

و قال العلامة في المنتهى: الظاهر ان ابن إدريس و هم في هذا الاستدلال فان الشيخ اكتفى بالنية عن الفعل، فتوهم أنه اجتزأ بالفعل بغير نية.

أقول: فيه انه ان أراد بالنية التي اكتفى بها الشيخ يعني: النية المقارنة للإحرام، فهو غير متجه، إذ ليس في كلام الشيخ دلالة على اعتبارها بوجه، كما صرح به في المدارك ايضا، و ان أراد اجتزاءه بالعزم المتقدم- كما أسلفناه من عبارة الشيخ في النهاية ذيل صحيحة جميل المتقدمة (1) في سابق هذه المسألة- ففيه انه و ان احتمل إلا انه بعيد عن ظاهر العبارة.

____________

(1) ص 469.

476

و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور، لما عرفت من دلالة صحيحة جميل على ذلك و ان كانت مرسلة، لعدم المعارض لها، فيتجه العمل بها.

[حقيقة الإحرام]

و ربما بنى الكلام هنا على الاختلاف في معنى الإحرام و ما المراد منه و انه عبارة عن ما ذا؟ فذكر العلامة في المختلف- في مسألة تأخير الإحرام عن الميقات- ان الإحرام ماهية مركبة من النية و التلبية و لبس الثوبين، و مقتضاه انه ينعدم بانعدام أحد اجزائه. و حكى الشهيد (رحمه الله) في شرح الإرشاد عن ابن إدريس انه جعل الإحرام عبارة عن النية و التلبية، و لا مدخل للتجرد و لبس الثوبين فيه. و عن ظاهر المبسوط و الجمل انه جعله امرا بسيطا و هو النية، قال:

فيتحقق الإخلال بالإحرام بالإخلال بها. الى ان قال (رحمه الله) في الكتاب المذكور: و قد كنت ذكرت في رسالة ان الإحرام هو توطين النفس على ترك المنهيات المعهودة الى ان يأتي بالمناسك، و التلبية- و هي الرابطة لذلك التوطين- نسبتها إليه كنسبة التحريمة إلى الصلاة، و الأفعال هي المزيلة لذلك الرابط، و يتحقق زواله بالكلية بآخرها اعني التقصير و طواف النساء بالنسبة إلى النسكين، فحينئذ إطلاق الإحرام بالحقيقة ليس إلا على ذلك التوطين، و لكن لما كان موقوفا على التلبية و كان لها مدخل تام في تحققه جاز إطلاقه عليها ايضا، اما وحدها لأنها أظهر ما فيه، تسمية للشيء باسم أشهر اجزائه و شروطه، و اما مع ذلك التوطين النفساني الذي ربما عبر عنه بالنية. و بالجملة فكلام ابن إدريس أمثل هذه الأقوال، لقيام الدليل و هو

قول الصادق (عليه السلام) (1) الصحيح الإسناد: «فإذا فعل شيئا من الثلاثة- يعني: التلبية و الاشعار و التقليد- فقد أحرم».

فعلى هذا يتحقق نسيان الإحرام بنسيان النية و بنسيان التلبية. انتهى كلامه (زيد مقامه).

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

477

أقول: الظاهر انه أشار بالدليل المذكور الى

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية و الاشعار و التقليد، فإذا فعل شيئا عن هذه الثلاثة فقد أحرم».

و نحوه

ما رواه في الكافي عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا كانت البدن كثيرة قام في ما بين ثنتين ثم أشعر اليمنى ثم اليسرى و لا يشعر ابدا حتى يتهيأ للإحرام، لأنه إذا أشعر و قلد و جلل وجب عليه الإحرام و هي بمنزلة التلبية».

و المراد بوجوبه عليه يعنى: تحققه و ثبوته بذلك و لزومه.

و في حديث طويل

يرويه الشيخ عن صفوان في الصحيح عن معاوية بن عمار و غير معاوية- ممن روى صفوان عنه الأحاديث المتقدمة المذكورة، و قال:

- يعني صفوان- و هي عندنا مستفيضة- عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (3). الى ان قال: «و إذا فرض على نفسه الحج ثم أتم بالتلبية فقد حرم عليه الصيد و غيره، و وجب عليه في فعله ما يجب على المحرم، لانه قد يوجب الإحرام أشياء ثلاثة: الاشعار و التقليد و التلبية، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم».

و ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من أشعر بدنته فقد أحرم و ان لم يتكلم بقليل و لا كثير».

و من أوضح الاخبار في ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام، فقال: في مسجد

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(3) التهذيب ج 5 ص 83 و في الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(5) التهذيب ج 5 ص 84 و في الوسائل الباب 34 و 40 من الإحرام.

478

الشجرة فقد صلى فيه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و قد ترى أناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم، تقول:

لبيك اللهم لبيك. الحديث».

و معنى الخبر المذكور انه سأله عن التهيؤ للإحرام الذي هو عبارة عن التلبية- كما يدل عليه سياق الخبر- فقال: في مسجد الشجرة، بان يصلى فيه بعد الغسل و لبس ثوبي الإحرام و الدعاء بعد الصلاة، و نحو ذلك. ثم قال له: قد ترى أناسا يحرمون، يعني: يلبون في المسجد بعد الصلاة فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء فتحرمون في محاملكم، يعني: تلبون و تعقدون الإحرام بالتلبية و أنتم في محاملكم، تقول في عقد الإحرام: لبيك. الى آخره.

و قد اشتبه معنى الخبر على كثير من الفضلاء حتى اطرحوه لذلك و أعرضوا عنه، و المعنى فيه ما ذكرناه.

و ظاهر المحدث الأمين الأسترآبادي (قدس سره) في بعض فوائده ان الإحرام عنده عبارة عن الحالة المترتبة على نية الحج أو العمرة و الإتيان بأول جزء منه و هو التلبية، قال: و هو الظاهر عندي من الروايات. قال: و هو من الأحكام المترتبة على مجموع النية و الإتيان بجزء من المنوي، نظير حرمة منافيات الصلاة على المصلي بسبب نية الصلاة و تكبيرة الإحرام.

أقول: لا يخفى انه يمكن تطبيق الخبرين الأولين على ما ذكره (قدس سره) بان يكون معنى قوله في الخبر الأول: «فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم» يعني: حصلت له تلك الحالة المذكورة. إلا انه لا يخلو من تمحل و بعد.

هذا ما وقفت عليه من أقوالهم في معنى الإحرام.

و حينئذ فيترتب حكم

479

النسيان باعتبار كل قول على ما يناسبه، فعلى القول الأول أحد الثلاثة، و على الثاني أحد الأمرين، و على الثالث النية، و على الرابع التوطين المذكور الذي هو عبارة عن العزم، على ان لا يتعمد شيئا من الأمور المعينة إلى وقت الحلق و التقصير بعد التلبية و ما في معناها.

و كيف كان فالظاهر من الأقوال المتقدمة هو قول ابن إدريس، لما عرفته من الدليل. و اما ما ذكره المحدث الأمين (قدس سره) فالظاهر بعده، لما عرفته من الاخبار التي ذكرناها. و لان اخبار نسيان الإحرام أو جهله لا تنطبق على هذا المعنى الذي ذكره، إذ النسيان انما يتعلق بالأفعال الوجودية لا بالأحكام و الحالات التي يتصف بها المكلف بعد نية الحج أو العمرة و الإتيان بأول جزء منه أو منها. و الله العالم.

هذا آخر الجزء الرابع عشر من كتاب الحدائق الناضرة و يليه الجزء الخامس عشر- ان شاء الله- في الإحرام. و الحمد لله أولا و آخرا.

480

الاستدراكات

(1)- ورد في الصفحة 3 حديث الكافي عن سعيد الأعرج و لم نذكر موضعه في الوسائل، و قد نقله في الباب 50 من الإحرام.

(2)- ورد في الصفحة 21 حديث الصدوق في كتاب العلل عن الميثمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) و قد أقحمت كلمة «في كل عام» في آية الحج. و يمكن ان يكون ذلك بنحو بيان المراد من الآية كما في سائر الموارد من هذا القبيل من ما ورد في الاخبار أو القراءات.

(3)- ورد في نسخ الحدائق المخطوطة و المطبوعة في صحيحة ابن ابي عمير ص 44 هكذا: «فشكوت ذلك الى ابي عبد الله (عليه السلام)» و حيث ان الوارد في الفقيه ج 2 ص 175 و كذا في الوافي باب (السفر و أوقاته) و الوسائل: «فشكوت ذلك الى ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)» أوردناه في هذه الطبعة كذلك.

نعم الوارد في المحاسن ص 349 يطابق ما ورد في نسخ الحدائق.

(4)- ورد في مرسل الفقيه ص 52 هكذا: «و السويق المحمص» و فسره (قدس سره) بالمشوي على النار، كما في الوافي باب (ما ينبغي استصحابه في السفر) و يحتمل ان يكون بالمعجمة كما في الفقيه ج 2 ص 184 و الوسائل و المحاسن ص 360 و يناسبه عطف المحلى عليه.

(5)- جاء في الصفحة 96 في عبارة المنتهى في التمثيل للمواضع التي جرت العادة بكون الماء موجودا فيها «عبيدة» و «البعلية» و لم نجدهما في كتب اللغة بالمعنى المناسب للمقام، و الذي وجدناه هو «عبد» و «علبية» فاوردناهما كذلك. هذا بالإضافة الى ان الوارد في عبارة المنتهى ج 2 ص 654 كلمة «عبد» لا «عبيدة» و في معجم البلدان ج 2 ص 78: «الثعلبية» منزل

481

من منازل طريق مكة من الكوفة، و أسفل منها ماء يقال له «الضويجعة» فيجوز ان يكون بالتصحيف صار كذلك.

(6)- ورد في النسخ في صحيحة محمد بن مسلم ص 164 هكذا: «فلما جنها الليل بصرت بقطيع مع غير راعيها» كما في الوافي باب (من دان الله بغير امام من الله). و في أصول الكافي ج 1 ص 183 باب (معرفة الامام و الرد اليه) هكذا: «فلما جنها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها» فأوردناه كذلك.

(7)- جاء في العبارة ص 168 ص 2 هكذا: «نعم قال- بعد ان نقل.

الى قوله: أجاب عن ذلك بالمنع» تبعا للنسخ، و الصحيح حذف كلمة «قال».

(8)- جاء في الصفحة 168 السطر 13: «مع ان جملة منهم» تبعا للنسخ الخطية، و في المطبوعة: «على ان جملة منهم».

(9)- جاء أيضا في الصفحة 168 السطر 14: «باعتبار إجراء أحكام الإسلام عليهم» تبعا للنسخ الخطية، و في المطبوعة «المسلمين» بدل «الإسلام» (10)- جاء في العبارة ص 188 ص 3: «انه لا تحاصص بينهما» تبعا للنسخ، و الصحيح ظاهر التشديد.

(11)- ما أورده (قدس سره) ص 243 عن الدروس عن علي بن يقطين أورده الشيخ (قدس سره) في التهذيب ج 5 ص 461 و فيه «سبعمائة» بدل «تسعمائة» و ليس فيه لفظ «دينار».

(12)- العبارة في الصفحة 288 بعد نهاية موثق حكم بن حكيم الوارد في الصفحة 287 هكذا: «قال في الوافي ذيل هذا الخبر: و اما إذا كان صرورة فإنما أجزأ الى ان أيسر كما في اخبار أخر» و قد سقطت هذه العبارة في هذه الطبعة غفلة.

(13)- ورد في حديث إسحاق بن عمار ص 289 و 290 عقيب السؤال

482

الأول في نسخ الحدائق- كما في الوافي باب (التبرع بالحج أو ببعضه)- هكذا:

«قال: نعم. قلت: فينقص ذلك من اجره». و في الكافي ج 4 ص 315 و الوسائل هكذا: «قال: قلت: فينقص ذلك من اجره» بدون لفظ: «نعم» كما ورد في هذه الطبعة.

(14)- أورد (قدس سره) في الصفحة 299 حديثا عن محمد بن الحسين كما في نسخ الحدائق و كما في الاستبصار ج 2 ص 319. و في التهذيب ج 5 ص 408 و الوسائل و الوافي باب (من اوصى بحج) «عن محمد بن الحسن». و كذا أورد حديثا آخر في نفس الصفحة عن محمد بن الحسين بن ابي خالد كما في نسخ الحدائق و الاستبصار ج 2 ص 319 و ج 4 ص 137 و الوسائل و الوافي باب (من اوصى بحج) إلا انه في التهذيب ج 9 ص 226 «عن محمد بن الحسن بن ابي خالد» و قد أوردناه في هذه الطبعة كذلك. و في جامع الرواة بعد ذكر محمد ابن الحسن بن ابي خالد القمي الأشعري ج 2 ص 89 ذكر ص 99 محمد بن الحسين الأشعري ثم قال: الظاهر انه ابن الحسن بن ابي خالد الأشعري المتقدم. الى آخر كلامه.

(15)- ورد حديث منصور الصيقل في الصفحة 311 عن الكافي و الفقيه و اللفظ فيه يوافق ما ورد في التهذيب ج 5 ص 24 عن الكليني، و في الكافي ج 4 ص 291 «مفرد» بدل «مقرن» و في الفقيه ج 2 ص 203 لم يذكر شيئا من اللفظين و اقتصر على عنوان «سائق الهدي» ثم ذكر ان السائق هو القارن.

(16)- علقنا على ما نقله (قدس سره) من التذكرة من قول أبي حنيفة في حاضري المسجد الحرام ص 325 بعبارة بدائع الصنائع في فقه الحنفية بما يظهر منه المنافاة للمنقول، و وجدنا بعد ذلك المنقول من التذكرة في بداية المجتهد ج 1 ص 322.

483

(17)- جاء في صحيحة زرارة الواردة ص 357 و 358 هكذا: «كيف أتمتع؟ فقال: يأتي الوقت.» و قد أورد تمام الحديث ص 397 و 398 و اللفظ في التهذيب هكذا: «قلت: فكيف أتمتع؟ فقال: يأتي الوقت.»

و في الوافي باب (أصناف الحج و العمرة و أفضلهما) هكذا: «قلت: و كيف يتمتع؟.».

(18)- جاء في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج ص 431 في نهاية ما أورد منه هكذا: «فيشعثوا به أياما» تبعا للوافي باب (ميقات المجاور بمكة و القريب منها و حكم الصبيان) و في الكافي ج 4 ص 300 و 301 هكذا: «و ان يستغبوا به أياما» و هكذا في الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.

(19)- نقل (قدس سره) ص 436 من المصباح المنير عبارة في تفسير «النجد» و الموجود في المصباح في مادة «نجد» بعض تلك العبارة. و يمكن ان يكون قد نقلها ممن نقلها من المصباح و لم يراجع المصباح بنفسه.

(20)- نقل (قدس سره) ص 436 من القاموس عبارة في تفسير «نجد» ليست كلها في القاموس في مادة «نجد» و يمكن ان يكون قد نقلها من الوافي و اختلطت عبارة الوافي بعبارة القاموس، فان صاحب الوافي قال في باب (مواقيت الإحرام) بعد نقل حديث الحلبي من الكافي و الفقيه: بيان: النجد في الأصل ما ارتفع من الأرض و هو اسم لما دون الحجاز من ما يلي العراق، أعلاه تهامة و اليمن و أسفله العراق و الشام و اوله من جهة العراق ذات عرق. كذا حده في القاموس. فنسب العبارة كلها الى القاموس.

(21)- ذكر (قدس سره) في الصفحة 447 ان من الاخبار- الدالة على ان من كان منزله أقرب الى مكة من المواقيت فميقاته منزله- صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في أول البحث. ثم قال: «و قال الشيخ بعد إيراد صحيحة

484

معاوية بن عمار المذكورة: و في حديث آخر.» و لا يخفى أن لمعاوية بن عمار صحيحتين في المورد: إحداهما المتقدمة في أول البحث ص 434 و قد أوردها الشيخ (قدس سره) في التهذيب ج 5 ص 54 و في الوافي باب (مواقيت الإحرام) و في الوسائل الباب 1 و الباب 17 رقم 8 من المواقيت، و الثانية أوردها الشيخ في التهذيب ج 5 ص 59 و ذكر بعدها الحديث الآخر، و في الوافي باب (ميقات المجاور بمكة و القريب منها و حكم الصبيان) و في الوسائل الباب 17 رقم 1 من المواقيت. و يمكن ان يكون قد ذكرها (قدس سره) هنا و سقطت من قلم النساخ (22)- جاء في الصفحة 455 و 456 في عبارة ابن إدريس ذكر «ابن العصار الفوهي» و قد ورد ذكره في معجم الأدباء ج 14 ص 10 و وفيات الأعيان ج 3 ص 427 إلا انه في الثاني ضبطه بالقاف فقال: «ابن القصار» و لم ترد كلمة «الفوهى» فيهما و انما الذي فيهما انه «رقى» من بلد «الرقة فيمكن ان يكون أبدلت كلمة «الرقى» في قلم النساخ بكلمة «الفوهي».

(23) قد توجد كلمات في الطبعة القديمة تغاير النسخ الخطية و قد أوردنا بعضا منها بما يوافق المخطوط بمقتضى مناسبات المقامات و أبقينا بعضا منها لعدم الجدوى في التغيير.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الرابع عشر


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org