1

2

[تتمة كتاب الحج]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الباب الثاني في الإحرام و ما يتبعه

، و منه حكم الحصر و الصد و البحث فيه يقع في مقاصد:

المقصد الأول في مقدماته

و هي أمور

الأول- توفير شعر الرأس

من أول ذي القعدة إذا أراد التمتع، و يتأكد عند هلال ذي الحجة. و المشهور بين الأصحاب ان ذلك على سبيل الاستحباب، و هو قول الشيخ في الجمل و ابن إدريس و سائر المتأخرين. و قال الشيخ في النهاية: فإذا أراد الإنسان ان يحج متمتعا فعليه ان يوفر شعر رأسه و لحيته من أول ذي القعدة و لا يمس شيئا منها. و هو يعطي الوجوب. و نحوه قال في الاستبصار. و قال الشيخ المفيد في المقنعة: إذا أراد الحج فليوفر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة فإن حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة روايات:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابي عبد الله

3

(عليه السلام) (1) قال: «لا تأخذ من شعرك- و أنت تريد الحج- في ذي القعدة، و لا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى العمرة».

و ما رواه أيضا في الحسن- و ابن بابويه في الصحيح- عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ:

شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن أراد الحج و فر شعره إذا نظر الى هلال ذي القعدة، و من أراد العمرة و فر شعره شهرا».

و ما رواه الكليني في الحسن أو الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «اعف شعرك للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة، و للعمرة شهرا».

و عن الحسين بن ابي العلاء في الحسن به (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد الحج، أ يأخذ من رأسه في شوال كله ما لم ير الهلال؟ قال: لا بأس ما لم ير الهلال».

و عن إسماعيل بن جابر (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كم أوفر شعري إذا أردت هذا السفر؟ قال: أعفه شهرا».

و عن إسحاق بن عمار (6) قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 2 من الإحرام. و الراوي في المخطوطة و المطبوعة هو «ابن مسكان» تبعا للوسائل، و في التهذيب ج 5 ص 46 و ص 445 هو «ابن سنان» و كذا في الوافي باب (أشهر الحج و توفير الشعر فيها).

(2) الوسائل الباب 2 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 4 من الإحرام.

(5) التهذيب ج 5 ص 47، و الوسائل الباب 3 من الإحرام.

(6) التهذيب ج 5 ص 445، و الوسائل الباب 3 من الإحرام.

4

السلام): كم أوفر شعري إذا أردت العمرة؟ قال: ثلاثين يوما».

و قال الصدوق (1) بعد نقل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة: و قد يجزئ الحاج بالرخص ان يوفر شعره شهرا، روى ذلك هشام بن الحكم و إسماعيل بن جابر عن الصادق (عليه السلام) و رواه إسحاق بن عمار عن ابي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام). و طريق الصدوق الى هشام بن الحكم صحيح.

و الظاهر- كما استظهره في الوافي- حمل رواية إسماعيل بن جابر على العمرة لا الرخصة كما ذكره الصدوق (قدس سره).

و عن سعيد الأعرج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«لا يأخذ الرجل- إذا رأى هلال ذي القعدة و أراد الخروج- من رأسه و لا من لحيته».

و عن أبي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «لا تأخذ من شعرك- و أنت تريد الحج- في ذي القعدة، و لا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى العمرة».

و موثقة محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«خذ من شعرك إذا أزمعت على الحج شوال كله الى غرة ذي القعدة».

و بهذه الأخبار أخذ القائلون بالوجوب، و هي ظاهرة في ذلك كما لا يخفى.

و قال العلامة في المختلف- بعد ان نقل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة دليلا للقائلين بالوجوب- ما صورته: و الجواب: نقول بموجب

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 197 و 198.

(2) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 2 من الإحرام.

5

الحديث، فان المستحب مأمور به كالواجب. قال في المدارك رادا عليه- و نعم ما قال-: ان أراد بكون المستحب مأمورا به انه تستعمل فيه صيغة «افعل» حقيقة منعناه، لأن الحق انها حقيقة في الوجوب كما هو مذهبه (رحمه الله) في كتبه الأصولية، و ان أراد ان المندوب يطلق عليه هذا اللفظ أعني: «المأمور به» سلمناه و لا ينفعه.

و اما ما ذكره الفاضل الخراساني في الذخيرة- حيث قال بعد نقل الأخبار المذكورة: و بهذه الاخبار استدل من زعم وجوب التوفير، و نحن حيث توقفنا في دلالة الأمر في أخبارنا على الوجوب لم يستقم لنا الحكم بالوجوب، فيثبت حكم الاستحباب بانضمام الأصل- فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة و توهماته السخيفة، و ليت شعري إذا كانت الأوامر الواردة في الاخبار لا تدل على الوجوب، فالواجب عليه القول بإباحة جميع الأشياء و عدم التحريم و الوجوب في حكم من أحكام الشريعة بالكلية، لأنه متى كانت الأوامر لا تدل على الوجوب و النواهي لا تدل على التحريم، فليس إلا القول بالإباحة و تحليل المحرمات و سقوط الواجبات، و هو خروج عن الدين من حيث لا يشعر قائله.

و استدل العلامة في المختلف للقول المشهور

بموثقة سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الحجامة و حلق القفا في أشهر الحج. فقال: لا بأس به، و السواك و النورة».

و ردها في المدارك بضعف السند و قصور الدلالة.

و يدل عليه أيضا

رواية زرعة عن محمد بن خالد الخزاز (2) قال:

«سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: اما انا فآخذ من شعري حين أريد

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 4 من الإحرام.

6

الخروج. يعني: إلى مكة للإحرام».

و أنت خبير بان الظاهر من الروايات المتقدمة ان هذا التوفير- وجوبا أو استحبابا- إنما هو بالنسبة إلى شعر الرأس. و لهذا حمل في الاستبصار رواية الخزاز على ما قبل ذي القعدة أو على ما سوى شعر الرأس.

و تؤيده

رواية أبي الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يريد الحج، أ يأخذ من شعره في أشهر الحج؟

فقال: لا، و لا من لحيته، و لكن يأخذ من شاربه و أظفاره. و ليطل ان شاء».

و به يظهر ضعف الدلالة في موثقة سماعة المذكورة.

ثم انه لا يخفى انه ليس في شيء من الاخبار المذكورة ما يدل على التقييد بالتمتع كما هو المذكور في كلامهم، فالقول بالتعميم أظهر.

و بذلك صرح جملة من متأخري المتأخرين أيضا.

[هل يجب الدم بالحلق في ذي القعدة؟]

و اما ما ذكره الشيخ المفيد (قدس سره) من وجوب الدم بالحلق في ذي القعدة فاستدل عليه

الشيخ في التهذيب بما رواه عن جميل بن دراج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة. قال: ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان تعمد ذلك في أول الشهور للحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه».

____________

(1) الوسائل الباب 4 من الإحرام. و في المخطوطة و المطبوعة «بريد الكناسي» و قد أوردناه كما ورد في كتب الحديث. راجع التهذيب ج 5 ص 48.

(2) الوسائل الباب 5 من الإحرام، و الباب 4 من التقصير.

7

و أجاب في المدارك عنها (أولا): بالطعن في السند باشتماله على علي بن حديد. و (ثانيا): بالمنع من الدلالة، قال: فإنها إنما تضمنت لزوم الدم بالحلق بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر للحج، و هو خلاف المدعى. مع ان السؤال، إنما وقع عن من حلق رأسه بمكة، و الجواب مقيد بذلك السؤال لعود الضمير الواقع فيه الى المسؤل عنه، فلا يمكن الاستدلال بها على لزوم الدم بذلك على وجه العموم.

و بالجملة فهذه الرواية ضعيفة السند متهافتة المتن، فلا يمكن الاستناد إليها في إثبات حكم مخالف للأصل. انتهى.

أقول: فيه أولا- ان الطعن في السند لا يقوم حجة على المتقدمين كالشيخ و نحوه ممن لا أثر لهذا الاصطلاح عندهم، كما أشرنا إليه في غير موضع من ما تقدم.

و ثانيا- ان هذه الرواية قد رواها الصدوق في الفقيه (1) عن جميل ابن دراج، و طريقه إليه في المشيخة صحيح، كما لا يخفى على من راجع ذلك. و هو إنما نقل الرواية عن التهذيب، و هي فيه ضعيفة كما ذكره.

و ثالثا- ان ما طعن به على الدلالة مردود، بان ظاهر سؤال السائل و ان كان خاصا بمن حلق رأسه بمكة، و ظاهره ان ذلك بعد عمرة التمتع، إلا ان الامام (عليه السلام) اجابه بجواب مفصل يشتمل على شقوق المسألة كملا في مكة أو غير مكة، فبين حكم الجاهل و المتعمد، و انه على تقدير التعمد ان كان في أول شهور الحج- يعني: شوال- في مدة ثلاثين يوما فلا شيء عليه، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها الشعر،

____________

(1) ج 2 ص 238.

8

يعني: بعد دخول الثلاثين المذكورة، و المراد ذو القعدة كما مر في الاخبار من انه يوفر الشعر من أول ذي القعدة، لا ان معناه بعد مضي الثلاثين كما توهمه، فإنه معنى مغسول عن الفصاحة لا يمكن نسبته الى تلك الساحة. و بالجملة فإنه لا بد من تقدير مضاف في البين، و ليس تقدير المضي الذي هو في الفساد أظهر من ان يراد بأولى من تقدير الدخول الذي به يتم المراد و تنتظم الرواية مع الروايات السابقة على وجه لا يعتريه الشك و الإيراد.

و بذلك يظهر لك صحة الرواية و وضوح دلالتها على المدعى، و ان مناقشته فيها- و ان تبعه فيها من تأخر عنه كما هي عادتهم غالبا- من ما لا ينبغي ان يلتفت اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.

ثم ان هذه الرواية قد تضمنت ان الجاهل معذور لا شيء عليه.

و الظاهر ان الناسي أيضا كذلك،

لما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) (1): «في متمتع حلق رأسه؟ فقال: ان كان ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء، و ان كان متمتعا في أول شهور الحج فليس عليه إذا كان قد أعفاه شهرا».

و بمضمون رواية جميل المذكورة قال

في كتاب الفقه الرضوي (2) حيث قال: «و إذا حلق المتمتع رأسه بمكة فليس عليه شيء ان كان جاهلا، و ان تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها شعر الحج فان عليه دما».

و معنى العبارة للذكورة: ان المتمتع متى حلق رأسه بمكة- يعني.

____________

(1) الوسائل الباب 4 من التقصير.

(2) ص 29 و 30.

9

عوض التقصير من العمرة- جاهلا فلا شيء عليه، لموضع جهله. و ان تعمد الحلق، يعني: في مكة أو غيرها. و هذا بيان لحكم آخر غير الأول لا ارتباط له به، و هو انه لما كان يستحب توفير الشعر للحج، فان حلقه في أول شهور الحج في مدة ثلاثين يوما- يعني: شهر شوال- فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها شعر الحج- يعني: بعد دخولها، و هي عبارة عن أول ذي القعدة- فإن عليه دما. و هذا هو معنى رواية جميل الذي ذكرناه.

الثاني [التهيؤ للإحرام بتنظيف الجسد و غيره]

- تنظيف جسده، و قص أظفاره، و الأخذ من شاربه، و طلي جسده و إبطيه. و لا خلاف في استحباب ذلك نصا و فتوى.

و يدل على ذلك روايات كثيرة: منها-

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا انتهيت الى العقيق من قبل العراق أو الى وقت من هذه المواقيت، و أنت تريد الإحرام- ان شاء الله- فانتف إبطيك، و قلم أظفارك، و اطل عانتك، و خذ من شاربك.

و لا يضرك بأي ذلك بدأت. ثم استك، و اغتسل، و البس ثوبيك.

و ليكن فراغك من ذلك- ان شاء الله- عند زوال الشمس، فان لم يكن ذلك عند زوال الشمس فلا يضرك».

و صحيحة حريز (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام. فقال: تقليم الأظفار، و أخذ الشارب، و حلق العانة».

و حسنة حريز ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «السنة في الإحرام: تقليم الأظفار، و أخذ الشارب، و حلق العانة».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 6 و 15 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 6 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 6 من الإحرام.

10

و صحيحة معاوية بن وهب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- و نحن بالمدينة- عن التهيؤ للإحرام. قال: اطل بالمدينة، و تجهز بكل ما تريد، و اغتسل ان شئت، و ان شئت استمتعت بقميصك حتى تأتي مسجد الشجرة».

ثم انه قد ذكر الأصحاب انه متى اطلى فإنه يجزئه لإحرامه ما لم تمض خمسة عشر يوما.

و ربما كان المستند فيه

ما رواه الشيخ عن علي بن أبي حمزة (2) قال: «سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر، فقال:

إذا اطليت للإحرام الأول كيف أصنع في الطلية الأخيرة؟ و كم بينهما؟

قال: إذا كان بينهما جمعتان (خمسة عشر يوما) فاطل».

و روى ثقة الإسلام في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس بأن تطلي قبل الإحرام بخمسة عشر يوما».

و ظاهر هذه الرواية الاكتفاء بالطلية المتقدمة على الإحرام بخمسة عشر يوما، و انه لا يستحب إعادة الطلية للإحرام بعد مضي هذه المدة، مع ان ظاهر الاولى هو استحباب الإعادة بعد مضي خمسة عشر يوما.

و روى الصدوق في الفقيه (4) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) «انه سأل عن الرجل يطلي قبل أن يأتي

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 7 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 7 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 7 من الإحرام.

(4) ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 7 من الإحرام.

11

الوقت بست ليال. قال: لا بأس به. و سأله عن الرجل يطلي قبل ان يأتي مكة بسبع ليال أو ثمان ليال. قال: لا بأس به».

و الظاهر ان التحديد بالخمسة عشر المذكورة إنما هو لبيان أقصى غاية الاجزاء، فلا ينافيه استحباب ذلك قبل مضي المدة المذكورة.

و يؤيده

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (1) عن عبد الله بن ابي يعفور قال: «كما بالمدينة فلاحاني زرارة في نتف الإبط و حلقه، فقلت:

حلقه أفضل، و قال زرارة: نتفه أفضل. فاستأذنا على ابي عبد الله (عليه السلام) فاذن لنا، و هو في الحمام يطلي، قد اطلى إبطيه، فقلت لزرارة: يكفيك. قال: لا، لعله فعل هذا لما لا يجوز لي ان أفعله.

فقال: فيما أنتما؟ فقلت: ان زرارة لاحاني في نتف الإبط و حلقه، فقلت: حلقه أفضل، و قال زرارة: نتفه أفضل. فقال: أصبت السنة و أخطأها زرارة، حلقه أفضل من نتفه، و طليه أفضل من حلقه. ثم قال لنا: اطليا. فقلنا: فعلنا منذ ثلاث. فقال: أعيدا، فإن الإطلاء طهور».

الثالث- الغسل

. و المشهور استحبابه، بل قال في المنتهى: انه لا يعرف فيه خلافا، مع انه في المختلف نقل عن ابن ابي عقيل انه قال: غسل الإحرام فرض واجب. و قد تقدم الكلام في ذلك في باب الأغسال.

و تحقيق البحث في المقام يقتضي بسطه في مواضع

الأول- هل يجب التيمم بدلا عنه لو تعذر؟

قولان، المشهور العدم، و نقل عن الشيخ

____________

(1) الفروع ج 1 ص 255 و ج 2 ص 221، و الوسائل الباب 32 و 85 من آداب الحمام.

12

و جماعة: القول بوجوب ذلك. و ربما بني ذلك على القول برفع الأغسال المستحبة، و به جزم الشهيد الثاني. و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة.

الثاني- لو اغتسل ثم أكل أو لبس ما لا يجوز للمحرم اكله و لبسه

أعاد الغسل استحبابا في ظاهر كلام الأصحاب.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا لبست ثوبا لا ينبغي لك لبسه، أو أكلت طعاما لا ينبغي لك أكله، فأعد الغسل».

و في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا اغتسلت للإحرام، فلا تقنع، و لا تطيب، و لا تأكل طعاما فيه طيب، فتعيد الغسل».

و عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «إذا اغتسل الرجل و هو يريد ان يحرم، فلبس قميصا قبل ان يلبي، فعليه الغسل».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اغتسل للإحرام ثم لبس قميصا قبل ان يحرم. قال: قد انتقض غسله».

و أنت خبير بان هذه الروايات إنما دلت على اعادة الغسل بالنسبة إلى أشياء مخصوصة، و هو لبس ما لا ينبغي، و أكل ما لا ينبغي، و التطيب

____________

(1) الوسائل الباب 13 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 13 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 11 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(4) الوسائل الباب 11 من الإحرام.

13

و اما التقنع في رواية عمر بن يزيد فالظاهر انه داخل في لبس ما لا ينبغي و المدعي في كلامهم أعم من ذلك كما عرفت. و لهذا استظهر السيد السند في المدارك عدم استحباب الإعادة بفعل ما عدا ذلك من تروك الإحرام لفقد النص. و يعضده ما ورد في من قلم أظفاره بعد الغسل من انه لا يعيده و إنما يمسحها بالماء،

كما رواه الشيخ في الحسن عن جميل بن دراج عن بعض أصحابه عن ابي جعفر (عليه السلام) (1): «في رجل اغتسل للإحرام ثم قلم أظفاره؟ قال: يمسحها بالماء و لا يعيد الغسل».

الثالث [تقديم الغسل على الميقات إذا خيف عوز الماء فيه]

- انه يجوز له تقديم الغسل على الميقات إذا خاف عوز الماء فيه. و لو وجده فيه استحب له الإعادة.

و يدل على الحكمين المذكورين

ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام ابن سالم (2) قال: «أرسلنا الى ابي عبد الله (عليه السلام) و نحن جماعة و نحن بالمدينة: انا نريد ان نودعك. فأرسل إلينا: ان اغتسلوا بالمدينة فإني أخاف ان يعز عليكم الماء بذي الحليفة، فاغتسلوا بالمدينة، و البسوا ثيابكم التي تحرمون فيها، ثم تعالوا فرادى أو مثاني.

فقال له ابن ابي يعفور: ما تقول في دهنة بعد الغسل للإحرام؟ فقال: قبل و بعد و مع ليس به بأس. قال: ثم دعا بقارورة بان سليخة ليس فيها شيء فأمرنا فادهنا منها. فلما أردنا أن نخرج قال: لا عليكم ان تغتسلوا ان وجدتم ماء إذا بلغتم ذا الحليفة».

و ظاهر جملة من الاخبار جواز تقديم الغسل على الميقات مطلقا:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 66، و الوسائل الباب 12 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 63 و 64 و ص 303، و الوسائل الباب 8 من الإحرام و الباب 30 من تروك الإحرام.

14

نحو

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل بالمدينة للإحرام، أ يجزئه عن غسل ذي الحليفة؟ قال: نعم».

و صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في الأمر الثاني (2).

و ما رواه الكليني عن ابي بصير (3) قال: «سألته عن الرجل يغتسل بالمدينة لإحرامه، أ يجزئه ذلك من غسل ذي الحليفة؟ قال: نعم.

فأتاه رجل و انا عنده، فقال: اغتسل بعض أصحابنا فعرضت له حاجة حتى أمسى؟ فقال: يعيد الغسل، يغتسل نهارا ليومه ذلك و ليلا لليلته».

الرابع [كفاية غسل النهار لليل و غسل الليل للنهار]

- انه قد صرح الأصحاب بأنه يجزئ الغسل في أول النهار ليومه و في أول الليل لليلته ما لم ينم.

و يدل عليه جملة من الاخبار: منها- رواية أبي بصير المتقدمة في سابق هذا الموضع.

و منها:

صحيحة عمر بن يزيد- و ربما وجد في نسخ التهذيب عثمان ابن يزيد، و لعله من تحريفات صاحب التهذيب، كما لا يخفى على من له انس بما جرى له فيه- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله الى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل، و من اغتسل ليلا كفاه غسله الى طلوع الفجر».

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الإحرام.

(2) ص 10.

(3) فروع الكافي ج 1 ص 255، و الوسائل الباب 8 و 9 من الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 64، و الوسائل الباب 9 من الإحرام.

15

و عن ابي بصير و سماعة في الموثق كلاهما عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من اغتسل قبل طلوع الفجر- و قد استحم قبل ذلك- ثم أحرم من يومه أجزأه غسله، و ان اغتسل في أول الليل ثم أحرم في آخر الليل أجزأه غسله».

و الظاهر ان المراد بالاستحمام:

التنوير و التنظيف.

و ما رواه ثقة الإسلام عن عمر بن يزيد في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «غسل يومك ليومك، و غسل ليلتك لليلتك».

و الظاهر ايضا الاكتفاء بغسل اليوم لذلك اليوم و الليلة التي بعده، و غسل الليلة لتلك الليلة و اليوم الذي بعدها:

لما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «غسل يومك يجزئك لليلتك، و غسل ليلتك يجزئك ليومك».

و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر عن كتاب جميل عن حسين الخراساني عن أحدهما (عليهما السلام) (4) انه سمعه يقول:

«غسل يومك. الحديث».

و الأفضل هنا اعادة الغسل، لرواية أبي بصير المتقدمة الدالة على انه متى أمسى و دخل عليه الليل و لم يأت بالإحرام أعاد الغسل. إلا ان يحمل هذا الخبر على ما عدا غسل الإحرام.

و اما ما يدل على استحباب اعادة الغسل بالنوم فهو

ما رواه الكليني و الشيخ عنه عن النضر بن سويد في الصحيح عن ابي الحسن (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 9 من الإحرام.

16

السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثم ينام قبل ان يحرم. قال: عليه اعادة الغسل».

و ما رواه أيضا في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال:

«سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام، فيتوضأ قبل ان يدخل، أ يجزئه ذلك أو يعيد؟ قال: لا يجزئه لانه إنما دخل بوضوء».

و ما رواه ايضا عن علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: قال لي: «إن اغتسلت بمكة ثم نمت قبل ان تطوف فأعد غسلك».

و هل ينتقض الغسل الأول بالنوم؟ ظاهر السيد السند في المدارك العدم، حيث قال: و الأصح عدم انتقاض الغسل بذلك و ان استحب الإعادة. و ظاهر الاخبار المذكورة الانتقاض، و لا سيما الثاني.

إلا ان الأصحاب لم ينقلوا في هذه المسألة إلا صحيحة ابن سويد، و هي و ان احتملت ما ذكره إلا ان ظاهر الرواية التي ذكرناها هو الانتقاض. و بذلك يظهر ما في قوله بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه: بل لا يبعد عدم تأكد الاستحباب، كما تدل عليه صحيحة العيص. ثم ساق الرواية الآتية:

و اما

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن العيص بن القاسم (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة و يلبس ثوبين ثم ينام قبل ان يحرم. قال: ليس عليه غسل».

فالظاهر حمله على الرخصة. و قيل انه محمول على نفي تأكيد

____________

(1) الوسائل الباب 10 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 6 من مقدمات الطواف و ما يتبعها.

(3) الوسائل الباب 6 من مقدمات الطواف و ما يتبعها.

(4) الوسائل الباب 10 من الإحرام.

17

الاستحباب. و فيه ما عرفت.

و حمله الشيخ على ان المراد به نفى الوجوب. و هو بعيد، لان سوق الخبر يقتضي ان سقوط الإعادة للاعتداد بالغسل المتقدم، لا لكون غسل الإحرام غير واجب كما ذكره.

و نقل عن ابن إدريس انه نفى استحباب الإعادة بذلك. و هو مردود بما ذكرناه من الاخبار الصحيحة الصريحة في الإعادة، بل في انتقاض الغسل السابق كما عرفت.

و ألحق الشهيد في الدروس بالنوم غيره من النواقض، قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و نفى عنه الشارح البأس، نظرا الى ان غيره أقوى منه. ثم قال: و هو ضعيف، و الأصح عدم الاستحباب، لانتفاء الدليل و ربما كان في صحيحة جميل المتقدمة إشعار بذلك.

أقول: ما ذكره من اشعار الصحيحة المذكورة بذلك صحيح، لانه يبعد ان لا يحدث الإنسان من أول اليوم- لو اغتسل في أوله- إلى آخر تلك الليلة، إلا ان صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج التي تضمنت الغسل لدخول مكة مشعرة أيضا بأنه ينبغي ان يكون الدخول بالغسل من غير ان ينقضه بناقض من حدث و غيره، لأن قوله: «لا يجزئه، لانه إنما دخل بوضوء» من ما يشير إلى أنه لا بد ان يكون الدخول بغسل غير منتقض بشيء من النواقض.

و أصرح منها في ذلك

موثقة إسحاق بن عمار المروية في التهذيب (1) قال: «سألته عن غسل الزيارة، يغتسل بالنهار و يزور بالليل بغسل واحد.

قال: يجزئه ان لم يحدث، فإن أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من زيارة البيت.

18

و نحوها موثقته في الكافي أيضا (1).

و بذلك يظهر قوة ما نقله في المدارك عن الشهيدين. و حينئذ فيجب تخصيص صحيحة جميل و نحوها بهذه الأخبار الدالة على الإعادة بحدث النوم أو غيره. و يظهر ان ما ذهب إليه في المدارك- و ان كان هو ظاهر المشهور- بمحل من القصور.

الخامس [لو أحرم بغير غسل أو صلاة تدارك و أعاد الإحرام]

- لو أحرم بغير غسل أو صلاة ثم ذكر، تدارك ما تركه و أعاد الإحرام. ذكر ذلك الشيخ و جمع من الأصحاب. و صرح في المبسوط بأن الإعادة على سبيل الاستحباب.

و استدل عليه في التهذيب

بما رواه عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن (2) قال: «كتبت الى العبد الصالح ابي الحسن (عليه السلام):

رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما، ما عليه في ذلك؟

و كيف ينبغي له ان يصنع؟ فكتب: يعيده».

و رواه في الكافي أيضا عن علي بن مهزيار (3) قال: «كتب الحسن ابن سعيد الى ابي الحسن (عليه السلام). الحديث».

قال في المدارك: و إنما حملنا الإعادة على الاستحباب لأن السؤال إنما وقع عن ما ينبغي لا عن ما يجب. و فيه ما قدمنا ذكره في غير مقام من ان لفظ: «ينبغي و لا ينبغي» في الأخبار أكثر كثير في معنى الوجوب و التحريم، و ان استعمل في هذا المعنى الذي ذكره أحيانا، و ان الحمل على أحدهما يتوقف على القرينة.

____________

(1) الوسائل الباب 3 من زيارة البيت.

(2) الوسائل الباب 20 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 20 من الإحرام.

19

و نقل عن ابن إدريس انه أنكر استحباب الإعادة. و هو جيد على أصوله الغير الأصلية.

و هل المعتبر الإحرام الأول أو الثاني؟ فالشهيدان على انه الأول، قال في المسالك: و المعتبر هو الأول، إذ لا سبيل إلى إبطال الإحرام بعد انعقاده. و على هذا ينبغي ان يكون المعاد هو اللبس و التلبية لا النية. و ظاهر العلامة في المختلف انه الثاني، حيث قال: لا استبعاد في استحباب اعادة الفرض لأجل النفل، كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل المصلي فيها بغير أذان و لا إقامة، فإنه يستحب إعادتها. و أجاب عنه في المسالك بان الفرق بين المقامين واضح، فإن الصلاة تقبل الإبطال بخلافه.

و استشكل العلامة في القواعد في ان أيهما المعتبر. و قطع بوجوب الكفارة بتخلل الموجب بينهما.

و ربما أمكن توجيه الإشكال بأن الأول لم يقع فاسدا، فلا سبيل إلى إبطاله بعد انعقاده، فيكون هو المعتبر المبرئ للذمة. و ان الأمر بإعادته يدل على عدم اعتباره. و لأنه أرجح في نظر الشارع، فيكون اولى بالاعتبار.

و فيه انه لا منافاة بين الإعادة لطلب الكمال و بين براءة الذمة بالأول. و لان عدم اعتباره لا يدل على إبطاله. و قد عرفت انه لا دليل على إبطاله بعد انعقاده. و من ما ينسب الى الشهيد ان المعتبر في الاجزاء الأول و في الكمال الثاني. و هو ظاهر في ما ذكرناه. و قضية قطعه بالكفارة بتخلل الموجب بينهما إنما يتم على تقدير صحة الأول و تعلق غرض الشارع به.

الرابع- ان يحرم عقيب فريضة الظهر [أو آية فريضة أو نافلة للإحرام]

أو فريضة فان لم يتفق صلى للإحرام

20

ست ركعات، و أقلها ركعتان.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار،

كصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم و ان كانت نافلة صليت ركعتين و أحرمت في دبرها، فإذا انفتلت من الصلاة فاحمد الله (عز و جل) و أثن عليه. الحديث».

و صحيحته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أردت الإحرام في غير وقت صلاة فريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرهما».

و ثالثة له ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «صل المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة، و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء. الحديث».

و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار و عبيد الله الحلبي كلاهما عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا يضرك بليل أحرمت أو نهار إلا ان أفضل ذلك عند زوال الشمس».

و عن الحلبي في الصحيح (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ ليلا أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أم نهارا؟ فقال: بل نهارا فقلت: فأية ساعة؟ قال: صلاة الظهر».

و ما رواه الصدوق و الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 18 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 15 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 15 من الإحرام.

21

(عليه السلام) (1) قال: «سألته أ ليلا أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أم نهارا؟ فقال: نهارا. فقلت: أي ساعة؟ قال: صلاة الظهر. فسألته متى ترى ان نحرم؟ فقال: سواء عليكم، إنما أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) صلاة الظهر، لان الماء كان قليلا كان يكون في رؤوس الجبال، فيهجر الرجل الى مثل ذلك من الغد، و لا يكاد يقدرون على الماء، و إنما أحدثت هذه المياه حديثا».

أقول: و الظاهر ان هذه الاخبار الثلاثة هي مستند الأصحاب في ما ذكروه من استحباب الإحرام عقيب فريضة الظهر. و ظاهر الخبر الأخير ان السبب في إحرامه (صلى اللّٰه عليه و آله) في ذلك الوقت إنما هو قلة الماء و إنما يؤتى به بعد الهجرة إليه في اليوم السابق في ذلك الوقت، و لهذا لما سأله الراوي: «متى ترى ان نحرم؟ قال: سواء عليكم» يعني: أي وقت أردتم. ثم ذكر له العلة في إحرامه (صلى اللّٰه عليه و آله) بعد صلاة الظهر. نعم (2) صحيحة الحلبي تضمنت ان أفضل ذلك عند زوال الشمس و لعل وجه الجمع بينهما انه لما اتفق إحرامه (صلى اللّٰه عليه و آله) في ذلك الوقت للعلة المذكورة صار الفضل في ذلك الوقت. إلا ان قوله (عليه السلام): «سواء عليكم» من ما ينافر ذلك، و ان كان الجواز لا ينافي الاستحباب.

و ما رواه الشيخ عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «تصلي للإحرام ست ركعات تحرم في دبرها».

و هذه الرواية هي

____________

(1) الوسائل الباب 15 من الإحرام.

(2) أوردنا العبارة هنا كما جاءت في المخطوطة.

(3) الوسائل الباب 18 من الإحرام.

22

مستندهم في الاستحباب بعد الست ركعات.

و ما رواه ابن بابويه في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) «في الرجل يأتي ذا الحليفة أو بعض الأوقات بعد صلاة العصر أو في غير وقت صلاة؟ قال: لا، ينتظر حتى تكون الساعة التي يصلى فيها و إنما قال ذلك مخافة الشهرة».

هكذا صورة الخبر في الفقيه (2).

و ظاهر المحدث الكاشاني ان قوله: «و إنما. الى آخره» هو من كلام صاحب الفقيه حيث لم يذكره في متن الخبر و إنما ذكره في البيان نقلا عنه. و ظاهر غيره ممن نقل الخبر انه من متن الخبر، و كأنه بناء على ذلك من كلام بعض الرواة.

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن إدريس بن عبد الله (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعض المواقيت بعد العصر كيف يصنع؟ قال: يقيم الى المغرب. قلت: فان ابي جماله ان يقيم عليه؟ قال: ليس له أن يخالف السنة. قلت: إله أن يتطوع بعد العصر؟ قال: لا بأس به، و لكني أكرهه للشهرة، و تأخير ذلك أحب الي. قلت: كم أصلي إذا تطوعت؟ قال: اربع ركعات».

و في هذا الخبر ما يكشف عن الخبر المتقدم من الأمر بانتظار الساعة التي يصلى فيها لئلا يصلي نافلة في الأوقات المكروهة فيها الصلاة عند العامة (4) فيعرف بالتشيع و يؤخذ به. و الظاهر ان المراد بقوله: «ليس

____________

(1) الوسائل الباب 19 من الإحرام.

(2) ج 2 ص 208.

(3) الوسائل الباب 19 من الإحرام.

(4) راجع طرح التثريب في شرح التقريب لعبد الرحيم العراقي الشافعي ج 2 ص 182 الى ص 184.

23

له ان يخالف السنة» أي يحرم من غير صلاة.

فوائد

الاولى [عدم كراهة صلاة الإحرام في الأوقات المشهورة]

- ينبغي ان يعلم انه على تقدير القول بكراهة الصلاة في الأوقات المشهورة فإن صلاة الإحرام مستثناة من ذلك، كما استفاضت به الاخبار:

و منها-

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1): «خمس صلوات لا تترك على حال: إذا طفت بالبيت، و إذا أردت أن تحرم.

الحديث».

و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (2): «خمس صلوات تصليها في كل وقت: منها: صلاة الإحرام».

الى غير ذلك من الاخبار.

الثانية [هل السنة وقوع الإحرام بعد الفريضة و النافلة؟]

- المفهوم من الاخبار التي ذكرناها في المقام- و هي التي وقفنا عليها من اخبار المسألة- ان السنة في الإحرام ان يحرم عقيب فريضة ان اتفق و إلا عقيب نافلة، و أفضلها ست ركعات و أقلها اثنتان. و المفهوم من كلام الأصحاب هو الجمع بين النافلة و الفريضة، مقدما للنافلة على الفريضة كما في بعض، أو مؤخرا لها كما في آخر.

قال الشيخ في المبسوط: و أفضل الأوقات التي يحرم فيها عند الزوال و يكون ذلك بعد فريضة الظهر، فان اتفق ان يكون في غير هذا الوقت جاز، و الأفضل ان يكون عقيب فريضة، فان لم يكن وقت فريضة صلى ست ركعات من النوافل و أحرم في دبرها، فان لم يتمكن من ذلك أجزأه ركعتان.

____________

(1) الوسائل الباب 39 من مواقيت الصلاة، و الباب 19 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 39 من مواقيت الصلاة، و الباب 19 من الإحرام.

24

و ظاهر هذه العبارة عدم الجمع، و هو المفهوم من الاخبار.

ثم قال بعد ذلك بأسطر: و يجوز ان يصلى صلاة الإحرام أي وقت كان من ليل أو نهار ما لم يكن وقت فريضة قد تضيق، فان تضيق الوقت بدأ بالفرض ثم بصلاة الإحرام، و ان كان أول الوقت بدأ بصلاة الإحرام ثم بصلاة الفرض.

و لا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة و المنافاة، مع عدم وجود دليل على هذا الكلام الأخير- كما عرفت- من اخبار المسألة. و نحو ذلك عبارته في النهاية في الموضعين الظاهرين في التنافي رأي العين.

و الظاهر ان المراد بقوله في الكلام الأول: «و الأفضل ان يكون عقيب فريضة» يعني: مع تقديم نافلة الإحرام على الفريضة و الجمع بينهما، بمعنى ان الأفضل تقديم النافلة و عقد الإحرام عقيب الفريضة دون العكس و يكون مقيدا باتساع الوقت، كما يشعر به الكلام الأخير. و به يندفع التنافي عن كلاميه.

و قريب من عبارتي المبسوط و النهاية عبارة المحقق في الشرائع.

و يكشف عن ما ذكرناه عبارة ابن إدريس في السرائر حيث قال:

و أفضل الأوقات التي يحرم الإنسان فيها بعد الزوال، و يكون ذلك بعد فريضة الظهر، فعلى هذا تكون ركعتا الإحرام المندوبة قبل فريضة الظهر بحيث يكون الإحرام عقيب صلاة الظهر. ثم ساق الكلام على نحو ما ذكره الشيخ في الموضعين المتقدمين. و نحو ذلك من ما يدل على الجمع كلام الشيخ المفيد في المقنعة، و العلامة في المنتهى و القواعد و التذكرة و الشهيد في الدروس. و كل ذلك مع تقديم النافلة على الفريضة. و نقل في المختلف عن ابن ابي عقيل ما يشعر بتقديم الفريضة على النافلة، و به

25

صرح ابن حمزة في الوسيلة، حيث قال: و إذا كان بعد فريضة صلى ركعتين له و أحرم بعدهما، و ان صلى ستا كان أفضل.

قال في المسالك- بعد قول المصنف: و يحرم عقيب فريضة الظهر أو فريضة غيرها، و ان لم يتفق صلى قبل الإحرام ست ركعات، و أقله ركعتان- ما لفظه: ظاهر العبارة يقتضي انه مع صلاة الفريضة لا يحتاج إلى سنة الإحرام و إنما يكون عند عدم الظهر أو فريضة. و ليس كذلك.

و إنما السنة ان يصلى سنة الإحرام أولا ثم يصلى الظهر أو غيرها من الفرائض ثم يحرم، فان لم يتفق ثم فريضة اقتصر على سنة الإحرام الست أو الركعتين. و لا فرق في الفريضة بين اليومية و غيرها، و لا بين المؤداة و المقضية. و قد اتفق أكثر العبارات على القصور عن تأدية المراد هنا.

أقول: و هذه العبارة نظير صدر عبارتي المبسوط و النهاية كما قدمنا ذكره. و أشار بقوله: «و قد اتفق أكثر العبارات. الى آخره» الى نحو هذه العبارة التي اقتصر فيها على الإحرام بعد الفريضة من غير الإتيان بسنة الإحرام.

ثم قال (قدس سره)- بعد قول المصنف: و يوقع نافلة الإحرام تبعا له و لو كان وقت فريضة- ما صورته: أي تابعة للإحرام، فلا يكره و لا يحرم فعلها في وقت الفريضة قبل ان يصلى الفريضة، كما لا يحرم أو يكره فعل النوافل التابعة للفرائض كذلك. و قد خرجت هذه بالنص كما خرجت تلك، فإن إيقاع الإحرام في وقت الفريضة بعدها و بعد النافلة يقتضي ذلك غالبا. انتهى.

أقول: و عبارة المصنف هنا نظير عجز عبارتي المبسوط و النهاية

26

كما قدمنا- في الدلالة على ان الإحرام وقت الفريضة بعد سنة الإحرام و الفريضة جميعا. و لا ريب ان هذا مناف لما قدمه في صدر عبارته التي اعترض عليها الشارح. و العجب انه (قدس سره) لم يتنبه لذلك. و الظاهر ان وجه الجمع بين الكلامين هو ما قدمناه، كما هو صريح عبارة السرائر.

ثم العجب من اتفاق كلمتهم (نور الله تعالى مراقدهم) على اعتبار الجمع في وقت الفريضة بين سنة الإحرام و الفريضة مع عدم وجوده في النصوص المتقدمة. و أعجب من ذلك دعوى شيخنا المشار إليه في كلامه الثاني وجود النص في قوله: «و قد خرجت هذه بالنص» و النصوص المتقدمة- كما دريت- ظاهرة الدلالة في الإحرام عقيب الفريضة أو النافلة كل على حده.

نعم في كتاب الفقه الرضوي ما يدل على ما ذكروه، و لعله المستند عند المتقدمين فجرى عليه المتأخرون.

قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1): فان كان وقت صلاة فريضة فصل هذه الركعات قبل الفريضة ثم صل الفريضة- و روى ان أفضل ما يحرم الإنسان في دبر الصلاة الفريضة- ثم أحرم في دبرها ليكون أفضل.

انتهى.

و قد ذكرنا في غير موضع من ما تقدم ان كثيرا ما يذكر المتقدمون بعض الأحكام التي لم يرد لها مستند في كتب الأخبار المشهورة و يوجد مستندها في هذا الكتاب، فلعل هذا من ذاك. و الصدوق في الفقيه (2) قد افتى بمضمون هذه الرواية.

____________

(1) ص 26 و 27.

(2) ج 2 ص 313.

27

و بما حققناه في المقام يظهر ان ما ذكره في المدارك- من نسبة القول المذكور الى جده (قدس الله سرهما و روحيهما) خاصة و بحثه معه- ليس في محله، بل هو قول كافة الأصحاب كما تلوناه عليك.

الثالثة [ما يقرأ في صلاة الإحرام]

- قد اختلفت كلمة الأصحاب في ما يقرأ في سنة الإحرام، فقيل انه يقرأ في الأولى بعد الحمد «قل يا ايها الكافرون» و في الثانية بعد الحمد «قل هو الله أحد» صرح به الشيخ في النهاية، و ابن إدريس في السرائر، و العلامة في التذكرة و المنتهى، و في المبسوط عكس ذلك، و في الشرائع بعد ذكر القول الأول قال: و فيه رواية أخرى.

و أنت خبير بانا لم نقف في الاخبار على ما يتعلق بهذه المسألة إلا على

ما رواه الكليني في الحسن عن معاذ بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تدع أن تقرأ ب«قل هو الله أحد» و «قل يا ايها الكافرون» في سبع مواطن: في الركعتين قبل الفجر، و ركعتي الزوال، و ركعتين بعد المغرب، و ركعتين من أول صلاة الليل، و ركعتي الإحرام، و الفجر إذا أصبحت بها، و ركعتي الطواف».

قال الشيخ في التهذيب (2) بعد ان أورد هذه الرواية: و في رواية اخرى: انه يبدأ في هذا كله ب «قل هو الله أحد» و في الثانية ب«قل يا ايها الكافرون» إلا في الركعتين قبل الفجر فإنه يبدأ: «قل يا ايها الكافرون» ثم يقرأ في الركعة الثانية ب«قل هو الله أحد».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من القراءة في الصلاة.

(2) ج 1 ص 155، و كذا في فروع الكافي ج 1 ص 87، و في الوسائل عنهما في الباب 15 من القراءة في الصلاة.

28

المقصد الثاني في كيفيته

و هي تشتمل على واجب و مندوب، فالكلام هنا يقع في مقامين:

[المقام] الأول في الواجب

، و هو- كما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)- ثلاثة:

الأول- النية

بأن يقصد بقلبه إلى أمور أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة متقربا، و نوعه من تمتع أو قران أو افراد، و صفته من وجوب أو ندب، و ما يحرم له من حجة الإسلام أو غيرها. كذا ذكروه (عطر الله مراقدهم).

و العلامة في المنتهى- بعد ان اعتبر في نية الإحرام القصد الى هذه الأمور الأربعة- قال: و لو نوى الإحرام مطلقا و لم ينو حجا و لا عمرة انعقد إحرامه، و كان له صرفه إلى أيهما شاء. و لا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة.

ثم استدل على صحة نية الإحرام مطلقا بأنه عبادة منوية.

و بحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و قوله: «إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

و تقريره (صلى اللّٰه عليه و آله) على ذلك

و قوله: «كن على إحرامك مثلي و أنت شريكي في هديي».

أقول: و الأمر في النية عندنا هين، و قد تقدم الكلام فيها في كتاب الطهارة مستوفى، و في أثناء مباحث الكتاب. و اما حديث إهلال أمير المؤمنين (عليه السلام) فسيأتي الكلام فيه في المقام ان شاء الله تعالى.

و الأظهر عندي في هذا المقام هو الوقوف على ما رسمته النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام):

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

29

و من أوضحها و أكملها

ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «لا يكون إحرام إلا في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة، فإن كانت مكتوبة أحرمت في دبرها بعد التسليم، و ان كانت نافلة صليت ركعتين و أحرمت في دبرها، فإذا انفتلت من صلاتك فاحمد الله و أثن عليه، و صل على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و قل: اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك و آمن بوعدك و اتبع أمرك، فإني عبدك و في قبضتك، لا أوقى إلا ما وقيت، و لا آخذ إلا ما أعطيت، و قد ذكرت الحج فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) و تقويني على ما ضعفت عنه، و تسلم مني مناسكي في يسر منك و عافية، و اجعلني من وفدك الذين رضيت و ارتضيت و سميت و كتبت، اللهم انى خرجت من شقة بعيدة، و أنفقت مالي ابتغاء مرضاتك، اللهم فتمم لي حجتي و عمرتي، اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) فان عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة، أحرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي و عظامي و مخي و عصبي من النساء و الثياب و الطيب، ابتغي بذلك وجهك و الدار الآخرة. قال: و يجزئك ان تقول هذا مرة واحدة حين تحرم. ثم قم فامش هنيئة، فإذا استوت بك الأرض ماشيا كنت أو راكبا فلب».

و روى الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 331، و التهذيب ج 5 ص 77، و الفقيه ج 2 ص 206، و الوسائل الباب 16 من الإحرام.

30

السلام) (1) قال: «قلت له: اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج فكيف أقول؟ قال: تقول: اللهم اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله). و ان شئت أضمرت الذي تريد».

و بمضمونها رواية أبي الصباح مولى بسام الصيرفي (2).

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا أردت الإحرام و التمتع فقل: اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج، فيسر ذلك لي و تقبله مني و اعني عليه، و حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، أحرم لك شعري و بشري من النساء و الطيب و الثياب. و ان شئت فلب حين تنهض، و ان شئت فأخره حتى تركب بعيرك و تستقبل القبلة فافعل».

و في كتاب الفقه الرضوي (4) قال بعد ذكر العبارة المتقدمة نقلها عنه: فإذا فرغت فارفع يديك و مجد الله كثيرا، و صل على محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) كثيرا، و قل: اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) فان عرض لي عرض يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة.

ثم تلبي سرا بالتلبية الأربعة و هي المفترضات، تقول لبيك. الى آخره.

أقول: و غاية ما يستفاد من هذه الاخبار هو ان المكلف ينبغي ان

____________

(1) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 17 من الإحرام. و الراوي في التهذيب ج 5 ص 78 و غيره كما أوردناه هنا. نعم في الوسائل ورد بلفظ «ابي الصلاح».

(3) الوسائل الباب 16 من الإحرام.

(4) ص 27.

31

يقول هذا القول وقت الإحرام و الدعاء و الاشتراط على ربه في حله حيث حبسه. و من الظاهر البين ان النية حقيقة أمر وراء ذلك، و هي القصد الى الفعل بعد تصور الداعي الباعث له على حركته من وطنه و توجهه الى هذا الوجه و خروجه، و ان عبر عن ذلك بالنية مجازا فلا مشاحة في ذلك.

[فوائد]

إذا عرفت ذلك فاعلم ان في المقام فوائد

الأولى [نية الإحرام مبهما]:

قال الشيخ في المبسوط- على ما نقله في المختلف-: لو أحرم مبهما و لم ينو لا حجا و لا عمرة كان مخيرا بين الحج و العمرة أيهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحج، و ان كان في غيرها لم ينعقد إحرامه إلا بالعمرة. و بذلك صرح العلامة في المنتهى مستندا الى

حديث علي (عليه السلام) (1) و إحرامه لما رجع من اليمن، و قال: «إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)».

مع انه رده في المختلف- بعد نقله عن الشيخ- بان الواجب عليه أحد النسكين، و إنما يتميز أحدهما عن الآخر بالنية.

و هو جيد. و يؤيده ما قدمناه في بحث النية من كتاب الطهارة، من ان مدار الأفعال- وجودا و عدما، و اتحادا و تعددا، و صحة و بطلانا و جزأيها ثوابا و عقابا- على القصود و النيات، كما دلت عليه الاخبار المذكورة في ذلك المقام.

ثم انه في المختلف أجاب عن حديث علي (عليه السلام) بالمنع من انه لم يعلم إهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله). و لا يخلو من بعد. و سيأتي تحقيق القول فيه ان شاء الله تعالى.

الثانية [الإحرام للحج و العمرة]

- قال المحقق في الشرائع: لو أحرم بالحج و العمرة و كان

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

32

في أشهر الحج كان مخيرا بين الحج و العمرة إذا لم يتعين عليه أحدها، و ان كان في غير أشهر الحج تعين للعمرة. و لو قيل بالبطلان في الأول و لزوم تجديد النية كان أشبه.

قال في المسالك بعد نقل العبارة المذكورة: أراد بالأول الإحرام بهما في أشهر الحج. و القائل بالصحة فيه ابن ابي عقيل و جماعة، و له شواهد من الاخبار. و الأصح البطلان.

أقول: لا ريب ان ابن ابي عقيل و ان قال بالإحرام بالحج و العمرة في نية واحدة بشرط سياق الهدي كما تقدم ذكره، لكنه لا يقول بالتخيير بين الحج و العمرة، بل هو قائل بوجوب الإتيان بهما: العمرة أولا ثم الحج، و انه لا يحل من العمرة بعد الإتيان بأفعالها كما في المتمتع الغير القارن، و إنما يحل بعد الإتيان بأفعال الحج كملا، كما تقدم تحقيق الكلام في ذلك في البحث الثاني من المطلب الثاني من المقدمة الرابعة (1).

و في المدارك نقل القول بالتخيير في هذه الصورة عن الشيخ في الخلاف و الظاهر انه الأظهر، لأنه موافق لما قدمنا نقله عن المبسوط، و ان كان قد فرض المسألة ثمة في ما لو لم ينو حجا و لا عمرة، و هنا في ما لو نواهما معا. ثم رده في المدارك بأنه ضعيف جدا، قال: لأن المنوي- أعني:

وقوع الإحرام الواحد للحج و العمرة معا- لم يثبت جوازه شرعا، فيكون التعبد به باطلا، و غيره لم تتعلق به النية. مع ان العلامة في المنتهى نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: لا يجوز القران بين حج و عمرة بإحرام واحد. و ادعى على ذلك الإجماع. انتهى. و هو جيد.

أقول: و مع تسليم صحة وقوع الإحرام للحج و العمرة- بناء على

____________

(1) ج 14 ص 372.

33

مذهب ابن ابي عقيل و من قال بقوله- فالقول بالتخيير يحتاج الى دليل فان مقتضى قول أولئك إنما هو وجوب الإتيان بهما معا، و انه لا يحل من إحرامه حتى يأتي بالعمرة ثم الحج، فالقول بالتخيير في الصورة المذكورة لا وجه له.

ثم ظاهر عبارة المحقق المذكورة: انه لو أحرم بهما في غير أشهر الحج تعين للعمرة، حيث لم يتعرض لرده. و هو ظاهر الشيخ في المبسوط و العلامة في المنتهى في المسألة الاولى. و هو ايضا غير جيد، كما ذكره في المدارك و قبله جده (قدس الله روحيهما) في المسالك، لان العبادات توقيفية، و لم يثبت عن الشارع مثل ذلك. و مجرد كون الزمان لا يقبل غير العمرة المفردة- كما احتجوا به- لا يصلح دليلا شرعيا.

الثالثة [قصد الإحرام بما أحرم به شخص آخر من النسك]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو قال:

«كإحرام فلان» و كان عالما بما أحرم صح، لحصول النية المعتبرة. و اما لو كان جاهلا، فان حصل العلم قبل الطواف قيل: الأصح صحته، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قدم من اليمن أحرم كذلك و لم يكن عالما بما أحرم به النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و انكشف الحال له قبل الطواف.

و ان استمر الاشتباه لموت أو غيبة قال الشيخ: يتمتع احتياطا للحج و العمرة، لأنه ان كان متمتعا فقد وافق و ان كان غيره فالعدول عنه جائز. ورد بان العدول انما يسوغ في حج الإفراد خاصة إذا لم يكن متعينا عليه. و نقل في المسالك قولا بالبطلان في الصورة المذكورة، قال: و هو أحوط. قال في التذكرة: و لو بان ان فلانا لم يحرم انعقد مطلقا و كان له صرفه الى اي نسك شاء. و كذا لو لم يعلم هل أحرم فلان أم لا؟ لأصالة عدم إحرامه. قال في المدارك: و هو حسن.

34

أقول: و عندي في أصل المسألة إشكال، فإن المستند في ذلك انما هو

قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قدم من اليمن: «إهلالا كإهلال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)» (1).

و الذي يظهر لي من الخبر المذكور اختصاص ذلك به (عليه السلام) حيث

ان الصدوق في الفقيه (2) ذكر حكاية حج النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)- و ان لم يسنده- بهذه الصورة:

قال: «و نزلت المتعة على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) عند المروة بعد فراغه من السعي، فقال: ايها الناس هذا جبرئيل (عليه السلام)- و أشار بيده الى خلفه. و ساق الكلام الى ان قال: و كان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) ساق معه مائة بدنة، فجعل لعلي (عليه السلام) منها أربعا و ثلاثين و لنفسه ستا و ستين، و نحوها كلها بيده. الى ان قال:

و كان علي (عليه السلام) يفتخر على الصحابة و يقول: من فيكم مثلي و انا شريك رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في هديه، من فيكم مثلي و انا الذي ذبح رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) هديي بيده».

و لا ريب ان الصدوق و ان لم يسنده هنا إلا انه لم يذكره إلا بعد ورود الخبر به عنده. و هو ظاهر في ما ذكرناه، فان افتخار علي (عليه السلام) على الصحابة- بكونه شريك رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في هديه- أظهر ظاهر في ما ذكرناه، و لو كان هذا الحكم عاما في جميع الناس- كما يدعونه- لم يكن لافتخاره (عليه السلام) بذلك وجه.

و نحن قد قدمنا الخبر برواية الشيخ و الكليني في صدر المقدمة الرابعة (3)

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) ج 2 ص 153، و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(3) ج 14 ص 315.

35

على غير هذا النحو، إلا انه لا يخلو من الاشكال كما نبهنا عليه ثمة.

و حينئذ فإن وقفوا على مضمون الخبر- من انه متى أهل كإهلال فلان، فبان ان فلانا ساق الهدي، فإنه يكون شريكا في هديه، كما تضمنه حديث علي (عليه السلام)- ففيه ان افتخاره (عليه السلام) بذلك ينافي القول بالعموم كما ادعوه، و ان خرجوا عنه في ذلك لم يتم لهم الاستدلال به.

و بذلك يظهر لك ما في الفروع التي فرعوها في المسألة من الاختلال.

بل مع صحة الاستدلال بالخبر- كما ادعوه- لا تخلو ايضا من الاشكال و لا سيما ما استحسنه في المدارك من كلام التذكرة، فإني لا اعرف له وجه حسن مع بناء العبادات على التوقيف. و ما رد به كلام الخلاف في سابق هذه المسألة- كما قدمنا نقله عنه- جار هنا أيضا.

الرابعة [قصد الإحرام بنسك و التلبية بغيره]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو نوى الإحرام بنسك و لبى بغيره انعقد ما نواه دون ما تلفظ به، لان المدار على النية، و اللفظ لا اعتبار به. و هو كذلك.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر (1) قال: «قلت لأبي الحسن علي بن موسى (عليه السلام):

كيف أصنع إذا أردت أن أتمتع؟ فقال: لب بالحج و انو المتعة، فإذا دخلت مكة، طفت بالبيت، و صليت الركعتين خلف المقام، و سعيت بين الصفا و المروة، و قصرت، فنسختها و جعلتها متعة».

و قد تقدمت صحيحة زرارة المنقولة عن كتاب الكشي في التنبيه

____________

(1) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

36

الخامس من البحث الرابع من المطلب الثاني في حج الافراد و القران (1) دالة على ما دلت عليه الصحيحة المذكورة.

و اما ما ذكره في المدارك في معنى

صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر- حيث نقلها الى قوله: «و انو المتعة».

كما هو أحد روايتي الشيخ لها، فإنه رواها تارة كما ذكره في المدارك (2) و اخرى كما نقلناه (3)- من ان المراد انه يهل بحج التمتع و ينوي الإتيان بعمرة التمتع قبله- فهو ناشىء عن الغفلة عن ملاحظة الرواية الأخرى، فإنها صريحة في فسخ ما اتى به أولا من حج الافراد و العدول عنه، و انه ينوي بما اتى به عمرة التمتع.

و نحوها

صحيحة زرارة المشار إليها (4) حيث قال فيها: «و عليك بالحج ان تهل بالإفراد و تنوي الفسخ، إذا قدمت مكة و طفت و سعيت فسخت ما أهللت به و قلبت الحج عمرة، و أحللت إلى يوم التروية. الحديث».

[الأخبار الواردة في ما يهل به الآفاقي]

و الاخبار في هذا المقام مختلفة، فبعضها يدل على ما دل عليه هذان الخبران من التلبية بحج الافراد و إضمار التمتع، و بعضها يدل على التلبية بالعمرة المتمتع بها الى الحج. و الوجه في تلك الأخبار التقية.

____________

(1) ج 14 ص 401.

(2) التهذيب ج 5 ص 80، و الوسائل الباب 22 من الإحرام. و اللفظ في التهذيب هكذا: «ينوي المتعة و يحرم بالحج» و في الوسائل كما في الاستبصار ج 2 ص 168: «ينوي العمرة و يحرم بالحج». و الذي أورده في المدارك هو اللفظ الوارد في الرواية المتقدمة سؤالا و جوابا.

(3) التهذيب ج 5 ص 86.

(4) الوسائل الباب 14 من أعداد الفرائض من كتاب الصلاة، و الباب 5 من أقسام الحج.

37

و لا بأس بإيراد جملة من الاخبار المذكورة، فمنها-

ما رواه في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام):

ان أصحابنا يختلفون في وجهين من الحج، يقول بعضهم: أحرم بالحج مفردا، فإذا طفت بالبيت و سعيت بين الصفا و المروة فأحل و اجعلها عمرة.

و بعضهم يقول: أحرم و انو المتعة بالعمرة إلى الحج. أي هذين أحب إليك؟ قال: انو المتعة».

و ما رواه في الصحيح عن الحضرمي و الشحام و منصور بن حازم (2) قالوا: «أمرنا أبو عبد الله (عليه السلام) ان نلبي و لا نسمي شيئا. و قال:

أصحاب الإضمار أحب الي».

و نحوها موثقة إسحاق بن عمار (3) و صحيحة أبان بن تغلب (4).

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حمران بن أعين (5) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن التلبية. فقال لي: لب بالحج فإذا دخلت مكة طفت بالبيت و صليت و أحللت».

و بمضمونها صحيحة زرارة (6).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الملك بن أعين (7) قال: «حج جماعة من أصحابنا فلما وافوا المدينة دخلوا على ابي جعفر (عليه السلام) فقالوا: ان زرارة أمرنا أن نهل بالحج إذا أحرمنا. فقال لهم:

____________

(1) الوسائل الباب 4 من أقسام الحج، و الباب 21 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 21 من أقسام الحج، و الباب 21 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

(6) الوسائل الباب 22 من الإحرام.

(7) الوسائل الباب 3 من أقسام الحج.

38

تمتعوا. فلما خرجوا من عنده دخلت عليه، فقلت له: جعلت فداك و الله لئن لم تخبرهم بما أخبرت به زرارة ليأتين الكوفة و ليصبحن بها كذابا. قال: ردهم علي. قال: فدخلوا عليه، فقال: صدق زرارة ثم قال: اما و الله لا يسمع هذا بعد اليوم أحد مني».

أقول: الظاهر ان مراده (عليه السلام) يعني: لا يسمع الأمر بالتمتع.

و روى في التهذيب في الصحيح عن إسماعيل الجعفي (1) قال: «خرجت انا و ميسر و أناس من أصحابنا، فقال لنا زرارة: لبوا بالحج. فدخلنا على ابي جعفر (عليه السلام) فقلنا له: أصلحك الله انا نريد الحج و نحن قوم صرورة أو كلنا صرورة، فكيف نصنع؟ فقال: لبوا بالعمرة. فلما خرجنا قدم عبد الملك بن أعين، فقلت له: ألا تعجب من زرارة؟ قال لنا: لبوا بالحج. و ان أبا جعفر (عليه السلام) قال لنا: لبوا بالعمرة. فدخل عليه عبد الملك بن أعين، فقال له: ان أناسا من مواليك أمرهم زرارة ان يلبوا بالحج عنك، و انهم دخلوا عليك فأمرتهم أن يلبوا بالعمرة. فقال أبو جعفر (عليه السلام): يريد كل انسان منهم ان يسمع على حده أعدهم علي. فدخلنا، فقال: لبوا بالحج، فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لبى بالحج».

أقول: لا يخفى ان الأمر من زرارة لهم بالإهلال بالحج انما كان تقية، كما هو صريح حديث الكشي المتقدم، و مراده الإعلان بذلك ظاهرا بين الناس مع إضمار التمتع في أنفسهم، فلا ينافي أمره (عليه السلام) لهم بالعمرة، و لكنهم لما لم يفهموا ذلك، و انه يؤدي الى الطعن في زرارة الذي هو من أخص خواصه (عليه السلام) أفتاهم

____________

(1) الوسائل الباب 21 من الإحرام.

39

بالتقية و قررهم على الحج بما يحج به العلامة. و غاضة ذلك منهم فقال:

«يريد كل انسان منهم ان يسمع على حده».

الخامسة [نسيان النسك الذي قصد بالإحرام]

- قالوا: إذا نسي بماذا أحرم، فإن كان أحد النسكين متعينا عليه انصرف ذلك الإحرام إليه. قال في المدارك: و به قطع العلامة و من تأخر عنه، لان الظاهر من حال المكلف انه إنما يأتي بما هو فرضه. قال: و هو حسن، خصوصا مع العزم المتقدم على الإتيان بذلك الواجب. و ان لم يكن أحد النسكين متعينا عليه، فقيل بالتخيير بين الحج و العمرة. و هو اختيار الشيخ في المبسوط و جمع من الأصحاب، لأنه لا سبيل الى الحكم بالخروج من الإحرام بعد الحكم بانعقاده، و لا ترجيح لأحدهما على الآخر. و قال في الخلاف يجعله للعمرة، لأنه ان كان متمتعا فقد وافق، و ان كان غيره فالعدول منه الى غيره جائز. قال: و إذا أحرم للعمرة لا يمكنه ان يجعلها حجة مع القدرة على الإتيان بأفعال العمرة، فلهذا قلنا يجعله عمرة على كل حال. و استحسنه العلامة في المنتهى. قال في المدارك بعد نقل ذلك:

و لعل التخيير أجود.

أقول: و عندي في جميع شقوق هذه المسألة إشكال، لعدم الدليل الواضح في هذا المجال. و بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات لا يخلو من المجازفة في أحكام الملك المتعال، سيما مع تكاثر الاخبار بالسكوت عن ما لم يرد فيه نص، و إرجاع الأمر إليهم (صلوات الله عليهم) و الوقوف على جادة الاحتياط في كل ما اشتبه حكمه، كما استفاضت به اخبار التثليث (1).

____________

(1) الوسائل الباب 12 من صفات القاضي و ما يقضي به.

40

الثاني- التلبيات الأربع،

فلا ينعقد الإحرام لمتمتع و لا لمفرد إلا بها. و هو من ما وقع الإجماع عليه نصا و فتوى.

و تحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على رسم مسائل:

[المسألة] الأولى [هل يجب مقارنة التلبية لنية الإحرام؟]

- اختلف الأصحاب في اشتراط مقارنة التلبية للنية، فقال ابن إدريس باشتراط مقارنتها لها كمقارنة التحريمة لنية الصلاة. و اليه ذهب الشهيد في اللمعة. و نقل في المسالك عن الشيخ علي انه تبعهما على ذلك. و قال في الدروس: الثالث- مقارنة النية للتلبيات، فلو تقدمن عليها أو تأخرن لم ينعقد. و يظهر من الرواية و الفتوى جواز تأخير التلبية عنها.

و قال العلامة في المنتهى: و يستحب لمن حج على طريق المدينة ان يرفع صوته بالتلبية إذا علت راحلته البيداء ان كان راكبا، و ان كان ماشيا فحيث يحرم. و ان كان على غير طريق المدينة لبى من موضعه ان شاء، و ان مشى خطوات ثم لبى كان أفضل. ثم ساق جملة من الروايات الدالة على تأخير التلبية إلى البيداء في الإحرام من مسجد الشجرة، و قال بعدها: إذا ثبت هذا فان المراد بذلك ان الإجهار بالتلبية مستحب من البيداء، و بينها و بين ذي الحليفة ميل، و هذا يكون بعد التلبية سرا في الميقات الذي هو ذو الحليفة، لأن الإحرام لا ينعقد إلا بالتلبية. و لا يجاوز الميقات إلا محرما.

أقول: ظاهره حمل الروايات الدالة على تأخير التلبية إلى البيداء على تأخير الجهر بها، فيجب عليه الإتيان بها سرا في الميقات بعد عقد نية الإحرام. و هو ظاهر الصدوق في الفقيه (1) حيث أوجب التلبية

____________

(1) ج 2 ص 313 و 314.

41

سرا في الميقات ثم الإعلان بها إذا استوت به الأرض ان كان في غير طريق المدينة، و إلا فإذا بلغ البيداء عند الميل ان كان في طريق المدينة.

و يحكى عن بعض الأصحاب انه جعل التلبية مقارنة لشد الإزار.

و كلام أكثر الأصحاب خال عن اشتراط المقارنة. بل يحكى عن كثير منهم التصريح بعدم الاشتراط.

أقول: و المستفاد من الاخبار على وجه لا يقبل المدافعة و الإنكار هو جواز التأخير، و منها صحيحة معاوية بن عمار، و قد تقدمت في صدر المقام الأول من هذا المقصد (1).

و صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان يصلي الرجل في مسجد الشجرة و يقول الذي يريد ان يقوله و لا يلبي، ثم يخرج فيصيب من الصيد و غيره، فليس عليه فيه شيء».

و ما رواه الصدوق عن حفص بن البختري و معاوية بن عمار و عبد الرحمن بن الحجاج و الحلبي جميعا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا صليت في مسجد الشجرة فقل- و أنت قاعد في دبر الصلاة

____________

(1) ص 29.

(2) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 35 و 46 من الإحرام. و ظاهر الفقيه ج 2- ص 207 ان الحديث ينتهي بقوله (ع): «فلب» و ان ما بعده من كلام الصدوق. و يظهر ذلك ايضا من الوافي باب (وقت التلبية و كيفيتها).

42

قبل ان تقوم- ما يقول المحرم، ثم قم فامش حتى تبلغ الميل و تستوي بك البيداء، فإذا استوت بك البيداء فلب.

و ان أهللت من المسجد الحرام للحج فإن شئت لبيت خلف المقام، و أفضل ذلك ان تمضي حتى تأتي الرقطاء و تلبي قبل ان تصير الى الأبطح».

و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه صلى ركعتين و عقد في مسجد الشجرة ثم خرج، فاتي بخبيص فيه زعفران فأكل- قبل ان يلبي- منه».

و عن هشام بن الحكم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان أحرمت من غمرة أو بريد البعث صليت و قلت ما يقول المحرم في دبر صلاتك، و ان شئت لبيت من موضعك، و الفضل ان تمشي قليلا ثم تلبي».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «في الرجل يقع على اهله بعد ما يعقد الإحرام و لم يلب؟ قال: ليس عليه شيء».

و عن منصور بن حازم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش».

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 208، و الوسائل الباب 35 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

43

و عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء».

و ما رواه الصدوق عن حفص بن البختري في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في من عقد الإحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على اهله قبل ان يلبى؟ قال: ليس عليه شيء».

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «صل المكتوبة ثم أحرم بالحج أو بالمتعة، و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء إلى أول ميل عن يسارك، فإذا استوت بك الأرض- راكبا كنت أو ماشيا- فلب. الحديث».

و عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «قلت له: إذا أحرم الرجل في دبر المكتوبة أ يلبى حين ينهض به بعيره أو جالسا في دبر الصلاة؟ قال: اي ذلك شاء صنع».

قال الكليني (قدس سره) (5): و هذا عندي من الأمر المتوسع، إلا ان الفضل فيه ان يظهر التلبية حيث أظهر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على طرف البيداء. و لا يجوز لأحد ان يجوز ميل البيداء إلا و قد أظهر التلبية. و أول البيداء أول ميل يلقاك عن يسار الطريق. انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 34 من الإحرام. و قد تقدمت في الصفحة 41 برقم (2).

(2) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 35 من الإحرام.

(5) فروع الكافي ج 4 ص 234.

44

و روى الشيخ عن زرارة في القوى (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى ألبي بالحج؟ قال: إذا خرجت إلى منى. ثم قال:

إذا جعلت شعب الدب على يمينك و العقبة على يسارك فلب للحج».

و يدل عليه أيضا جملة من الاخبار (2) زيادة على ما ذكرناه.

و هذه الاخبار كلها مع صحتها و استفاضتها صريحة في جواز التأخير و بذلك يظهر ضعف القول بوجوب المقارنة. على ان ما حملوه عليه- من وجوب المقارنة في نية الصلاة- لا دليل عليه، كما تقدم تحقيقه في محله.

بقي الكلام هنا في شيئين

أحدهما [ظهور الأخبار في وجوب تأخير التلبية و توجيهها]

- ظاهر الروايات المتقدمة الدالة على الإحرام من مسجد الشجرة وجوب تأخير التلبية عن موضع عقد الإحرام في المسجد، لقوله (عليه السلام)

في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (3) في صدر البحث: «ثم قم فامش هنيئة فإذا استوت بك الأرض- ماشيا كنت أو راكبا- فلب».

و قوله (عليه السلام) في صحيحته الثانية أو حسنته المذكورة هنا: «و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء».

و قوله (عليه السلام) في رواية الصدوق عن الفضلاء الأربعة المتقدمين: «ثم قم فامش حتى تبلغ الميل و تستوي بك البيداء، فإذا استوت بك البيداء فلب».

و قوله (عليه السلام) في رواية منصور بن حازم: «إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تأتي البيداء».

و يعضد ذلك ظاهر

صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة و قوله (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل الباب 46 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 14 و 34 و 35 من الإحرام.

(3) ص 29.

45

فيها: «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لم يكن يلبي حتى يأتي البيداء».

إلا

انه قد روى ثقة الإسلام في القوي عن عبد الله بن سنان (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج ان يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم، انما لبى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على البيداء لان الناس لم يعرفوا التلبية فأحب أن يعلمهم كيف التلبية».

و ظاهر كلام ثقة الإسلام المتقدم حمل الروايات الدالة على التأخير على الأفضلية.

و الشيخ فرق بين الراكب و الماشي، فجمع بين الاخبار بحمل رواية عبد الله بن سنان المذكورة على الماشي و حمل الروايات المتقدمة على الراكب قال بعد ذكرها: و الوجه في هذه الرواية ان من كان ماشيا يستحب له ان يلبى من المسجد، و ان كان راكبا فلا يلبي إلا من البيداء.

و استدل على ذلك

بصحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إن كنت ماشيا فاجهر بإهلالك و تلبيتك من المسجد، و ان كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء».

و رد بان حمل الروايات المتضمنة للأمر بتأخير التلبية إلى البيداء من غير تفصيل على الراكب بعيد جدا.

أقول: و يعضده الأمر بالتلبية للماشي و الراكب- بعد الخروج عن موضع عقد الإحرام و ان تستوي به الأرض- في صحيحة معاوية بن

____________

(1) الوسائل الباب 35 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

46

عمار،

و قوله (عليه السلام) في رواية الصدوق عن الفضلاء الأربعة (1) «ثم قم فامش حتى تبلغ الميل و تستوي بك البيداء. فلب».

قال في الوافي! و يشبه ان يكون الفرق صدر عن تقية. و ظاهره حمل صحيحة عمر بن يزيد على التقية (2) و هو غير بعيد.

و بالجملة فالاحتياط في الوقوف على الروايات المتقدمة الدالة على التأخير إلى البيداء راكبا كان أو ماشيا. بل لا يبعد المصير اليه لولا ذهاب جملة من فضلاء قدماء الأصحاب إلى التخيير، كما سمعت من كلام ثقة الإسلام (قدس الله روحه).

فإنه

قد روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن وهب (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام. فقال:

في مسجد الشجرة، فقد صلى فيه رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و قد ترى أناسا يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل، فتحرمون كما أنتم في محاملكم، تقول: لبيك اللهم لبيك. الحديث».

أقول: و هذا الخبر ظاهر في ان الإحرام عبارة عن التلبية، كما قدمنا الكلام فيه في مسألة ناسي الإحرام. و المراد بالتهيؤ للإحرام في الخبر هو الصلاة و الدعاء عقيبها بما تقدم، بعد الغسل و لبس ثوبي

____________

(1) ص 41.

(2) لم نقف بعد التتبع في كتب العامة على التفرقة بين الراكب و الماشي بذلك. و قال العيني الحنفي في عمدة القارئ ج 4 ص 519: اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه النبي (ص) فقال قوم: أهل من مسجد ذي الحليفة و قال آخرون: حين اطل على البيداء، و قال آخرون: من البيداء.

(3) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

47

الإحرام. و قوله: «و قد ترى أناسا يحرمون فلا تفعل» يعني: يلبون و يعقدون بالتلبية. فنهاهم عن ذلك حتى يبلغوا البيداء، و أمرهم بالإحرام في محاملهم، يعني: التلبية، كما يشير اليه قوله: «تقول» يعني: تحرم بهذا القول.

و الخبر ظاهر في تعيين تأخير التلبية إلى البيداء، و معتضد بالأخبار المتقدمة. و الظاهر ان هذا حكم مختص بالإحرام من مسجد الشجرة، فلا تنافيه الأخبار الدالة على التخيير و أفضلية التأخير في غير هذا الميقات و جملة من الأصحاب استندوا في التخيير في هذا الميقات الى التخيير الوارد في غيره من المواقيت. و فيه ما عرفت.

الثاني [ظهور الأخبار في تجاوز الميقات بغير إحرام]

- انه قد تقدم في اخبار المواقيت انه لا يجوز لأحد قاصد النسك ان يتجاوزها إلا محرما، مع ان هذه الاخبار دلت على تجاوزها الى البيداء- و هو على ميل من مسجد الشجرة كما عرفت- بغير إحرام- لأن الإحرام- كما عرفت- انما يحصل بالتلبية، و هي قد دلت على تأخير التلبية إلى البيداء. و من هنا صرح العلامة (قدس سره) في ما قدمنا نقله عنه من المنتهى انه يحرم سرا بعد الصلاة في المسجد، قاصدا بذلك حمل روايات تأخير التلبية إلى البيداء على تأخير الإجهار بها لا تأخيرها و لو سرا. إلا ان حمل الروايات على ما ذكره بعيد جدا، و لا سيما صحيحة معاوية بن وهب المذكورة. و لا يحضرني الآن وجه في الخروج عن هذا الإشكال. إلا ان تحمل الأخبار الدالة على النهي عن تجاوز تلك المواقيت إلا محرما على ما هو أعم من الإحرام و التهيؤ له، فإن إطلاق الإحرام على الصلاة له و الدعاء بعدها- بعد الغسل و لبس ثوبي الإحرام و نحو ذلك- غير بعيد، بل هو أقرب المجازات، و ان كان

48

ترتب الكفارات انما يحصل بعد التلبية.

المسألة الثانية [بما ذا يعقد القارن إحرامه؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو كان قارنا تخير في عقد إحرامه بالتلبية و ان شاء قلد أو أشعر. و نقل عن المرتضى و ابن إدريس (رضى الله عنهما) انه لا ينعقد إحرام الأصناف الثلاثة إلا بالتلبية، لأن انعقاد الإحرام بالتلبية مجمع عليه، و لا دليل على انعقاده بهما. و هو ضعيف مردود بالأخبار الصحيحة الصريحة، و ان كان كلامهما (روح الله روحيهما) جيدا على أصلهما الغير الأصيل من عدم الاعتماد على اخبار الآحاد.

و الذي يدل على القول المشهور روايات: منها-

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية و الاشعار و التقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم».

و صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من أشعر بدنته فقد أحرم و ان لم يتكلم بقليل و لا كثير».

و صحيحة معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«تقلدها نعلا خلقا قد صليت فيها. و الأشعار و التقليد بمنزلة التلبية».

و في حديث طويل برواية الشيخ (4) عن صفوان في الصحيح- عن معاوية بن عمار و غير معاوية ممن روى صفوان عنه الأحاديث المتقدمة المذكورة، و قال- يعني: صفوان- هي عندنا مستفيضة- عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام). الى ان قال: «لانه قد يوجب الإحرام

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

49

أشياء ثلاثة: الاشعار و التلبية و التقليد، فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي- بإسنادين، أحدهما صحيح عندي حسن على المشهور بإبراهيم- عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في قول الله عز و جل الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ (2) و الفرض: التلبية و الاشعار و التقليد، فأي ذلك فعل فقد فرض الحج. و لا يفرض الحج إلا في هذه الشهور. الحديث».

و عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«إذا كانت البدن كثيرة قام في ما بين ثنتين ثم أشعر اليمنى ثم اليسرى.

و لا يشعر ابدا حتى يتهيأ للإحرام، لأنه إذا أشعر و قلد و جلل وجب عليه الإحرام. و هي بمنزلة التلبية».

[تعريف الإشعار]

إذا عرفت ذلك فاعلم أن الأشعار- على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم)- ان يشق سنام البعير من الجانب الأيمن، و يلطخ صفحته بدم إشعاره. و الاخبار لا تساعد على ما ذكروه من اللطخ، و انما اشتملت على شق سنامها من الجانب الأيمن:

ففي صحيحة الحلبي المتقدمة في المقدمة الرابعة في أنواع الحج في مسألة القارن (4): «و الاشعار أن يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها».

و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (5) قال: «سألت

____________

(1) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.

(2) سورة البقرة، الآية 197.

(3) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(4) ج 14 ص 370، و الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(5) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

50

أبا عبد الله (عليه السلام) عن البدنة كيف يشعرها؟ قال: يشعرها و هي باركة، و ينحرها و هي قائمة، و يشعرها من جانبها الأيمن، ثم يحرم إذا قلدت و أشعرت».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال: «البدنة يشعرها من جانبها الأيمن، ثم يقلدها بنعل قد صلى فيها».

و روى ثقة الإسلام في الموثق عن يونس بن يعقوب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني قد اشتريت بدنة فكيف اصنع بها؟

فقال: انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة، فأفض عليك من الماء، و البس ثوبيك، ثم أنخها مستقبل القبلة، ثم ادخل المسجد فصل، ثم افرض بعد صلاتك، ثم اخرج إليها فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها ثم قل: بسم الله، اللهم منك و لك، اللهم فتقبل مني. ثم انطلق حتى تأتي البيداء فلبه».

و عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله و زرارة (3) قالا: «سألنا أبا عبد الله (عليه السلام) عن البدن كيف تشعر؟ و متى يحرم صاحبها؟ و من اي جانب تشعر؟ و معقولة تنحر أو باركة؟ فقال: تشعر معقولة، و تشعر من الجانب الأيمن».

و عن معاوية بن عمار في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «البدن تشعر من الجانب الأيمن، و يقوم الرجل في الجانب الأيسر، ثم يقلدها بنعل خلق قد صلى فيها».

و روى الصدوق عن ابي الصباح الكناني (5) قال: «سألت

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(4) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(5) الفقيه ج 2 ص 209، و الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

51

أبا عبد الله (عليه السلام) عن البدن كيف تشعر؟ قال: تشعر و هي باركة من شق سنامها الأيمن، و تنحر و هي قائمة من قبل الأيمن».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

[فوائد]

و ينبغي التنبيه على فوائد

الأولى [استحباب الاشعار من الجانب الأيمن مخصوص بغير البدن الكثيرة]:

ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) و دلت عليه الاخبار المتقدمة- من استحباب الاشعار من الجانب الأيمن من سنام البدنة- مخصوص بغير البدن الكثيرة، فإنه يدخل بينها و يشعرها يمينا و شمالا.

و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز بن عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كانت بدن كثيرة فأردت أن تشعرها، دخل الرجل بين كل بدنتين، فيشعر هذه من الشق الأيمن و يشعر هذه من الشق الأيسر، و لا يشعرها ابدا حتى يتهيأ للإحرام، فإنه إذا أشعرها و قلدها وجب عليه الإحرام. و هو بمنزلة التلبية».

و نحوها رواية جميل المتقدمة.

الثانية [الإشعار مختص بالإبل و التقليد مشترك بينها و بين البقر و الغنم]:

قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الإشعار مختص بالإبل، و التقليد مشترك بينها و بين البقر و الغنم.

و علل بضعف البقر و الغنم عن الاشعار.

و بما رواه ابن بابويه في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «كان الناس يقلدون الغنم و البقر، و إنما تركه الناس حديثا، و يقلدون بخيط أو يسير».

أقول: و هذه الرواية- كما ترى- لا صراحة فيها بل و لا ظاهرية في ما ادعوه ان لم تكن بالدلالة على خلافه أشبه، إذ غاية ما تدل عليه

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

52

نقله (عليه السلام) عن الناس انهم كان يفعلون ذلك. و هذا اللفظ إنما يطلق غالبا على المخالفين. و مع تسليم إرادة الشيعة فلا دلالة فيه ايضا. و من المقرر في كلامهم ان الدليل الواضح و الحجة الشرعية انما هي قول الامام (عليه السلام) الذي هو عبارة عن امره و نهيه و نحوهما، أو فعله، أو تقريره، و اما مجرد حكاية ذلك عن الناس- أي أناس كانوا- فلا دليل فيه. إلا ان الظاهر ان الحكم المذكور متفق عليه بينهم لا اعلم فيه مخالفا.

و الأظهر الاستدلال عليه

بما رواه العياشي في تفسيره (1) عن عبد الله بن فرقد عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «الهدي من الإبل و البقر و الغنم، و لا يجب حتى يعلق عليه، يعني: إذا قلده فقد وجب. و قال: و ما استيسر من الهدي: شاة».

و الظاهر ان قوله «يعني: إذا قلده» من كلام الراوي تفسيرا لقوله: «حتى يعلق عليه».

الثالثة [تعريف التقليد]

- قد ذكروا (رضوان الله عليهم) ايضا ان التقليد الذي هو أحد الثلاثة الموجبة للإحرام، اما ان يكون بان يعلق في عنق هديه نعلا قد صلى فيها- و هذا هو الذي اشتملت عليه الاخبار الكثيرة المتقدمة و غيرها- أو بان يربط في عنقه خيطا أو سيرا. و لم نجده إلا في رواية زرارة المذكورة، و ظاهرها اختصاص ذلك بالغنم و البقر، فان التقليد المذكور في روايات الإبل إنما هو بالنعل. و لم يرد في شيء منها على كثرتها ذكر الخيط و السير، و إنما ذكر في هذه الرواية المشتملة على تقليد الغنم و البقر. و الوقوف على ظاهر الاخبار يقتضي اختصاص النعل بالإبل، و الخيط و السير بالبقر و الغنم.

____________

(1) ج 1 ص 88، و مستدرك الوسائل الباب 6 و 8 من الذبح.

53

الرابعة [بحث حول كلام المحقق في المقام]:

قال المحقق في الشرائع- بعد ان ذكر ان القارن بالخيار ان شاء عقد إحرامه بالتلبية و ان شاء قلد أو أشعر-: و بأيهما بدأ كان الآخر مستحبا. قال في المسالك: المراد انه ان بدأ بالتلبية كان الإشعار أو التقليد مستحبا، و ان بدأ بأحدهما كانت التلبية مستحبة.

ففي إطلاق أن البدأة بأحد الثلاثة توجب استحباب الآخر إجمال.

انتهى. و قال سبطه السيد في المدارك بعد نقل كلامه: و لم أقف على رواية تتضمن ذلك صريحا. و لعل إطلاق الأمر بكل من الثلاثة كاف في ذلك.

أقول: لا يخفى عليك ان بعض الاخبار المتقدمة في بيان معنى الاشعار- مثل صحيحة معاوية بن عمار المنقولة و حسنته- قد اشتملت على تعليق النعل بعد الاشعار.

و نحوهما

رواية الفضيل بن يسار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أحرم من الوقت و مضى، ثم انه اشترى بدنة بعد ذلك بيوم أو يومين، فأشعرها و قلدها و ساقها؟ فقال: ان كان ابتاعها قبل ان يدخل الحرم فلا بأس. قلت: فإنه اشتراها قبل ان ينتهي إلى الوقت الذي يحرم منه فأشعرها و قلدها، أ يجب عليه حين فعل ذلك ما يجب على المحرم؟ قال: لا، و لكن إذا انتهى الى الوقت فليحرم ثم يشعرها و يقلدها، فان تقليده الأول ليس بشيء».

و رواية السكوني عن جعفر (عليه السلام) (2) «انه سئل ما بال البدنة تقلد النعل و تشعر؟ فقال: اما النعل فتعرف انها بدنة و يعرفها صاحبها

____________

(1) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج، و الباب 34 من الذبح.

54

بنعله. و اما الاشعار فإنه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها فلا يستطيع الشيطان ان يتسنمها».

و موثقة يونس بن يعقوب (1) قد اشتملت على التلبية بعد الاشعار، و الروايتان الأوليان ظاهرتان في استحباب التقليد بعد الاشعار، و روايتا الفضيل و السكوني شاملتان بإطلاقهما لاستحباب الاشعار بعد التقليد، و الرواية الخامسة ظاهرة في استحباب التلبية بعد الاشعار. و اما ما يدل على استحباب الاشعار و التقليد بعد التلبية فيظهر ايضا من صدر رواية الفضيل، حيث انه (عليه السلام) حكم بصحة الاشعار و التقليد، و انه يكون بذلك قارنا متى فعل ذلك قبل دخول الحرم. و بذلك يظهر لك ما في كلام الفاضلين المتقدمين (قدس الله روحيهما).

المسألة الثالثة [كيفية التلبيات الأربع]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في كيفية التلبيات الأربع بعد الاتفاق على ان الواجب هو اربع منها لا غير:

قال الشيخ في النهاية و المبسوط: التلبيات الأربع فريضة، و هي:

«لبيك اللهم لبيك، لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك» و به قال أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس و نقله في المدارك عن أكثر المتأخرين.

و قال الشيخ في الاقتصاد: ثم يلبي فرضا واجبا فيقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك، ان الحمد و النعمة و الملك لك (2) لا شريك لك لبيك».

____________

(1) ص 50.

(2) هذا القول يختلف عن القول الأول في تقديم كلمة «لك» و تأخيرها، لأنها في القول الأول مقدمة على كلمة «و الملك» و في هذا* * * القول مؤخرة عنه، كما ورد في المختلف ج 1 ص 95. و قد اتفقت النسخة المطبوعة و المخطوطة على تقديم كلمة «لك» في هذا القول كما في القول الأول، و عليه فلا يبقى فرق بين القولين بمقدار ما نقله المصنف (قدس سره) و ان كان يفترق القول الثاني عن القول الأول بفقرة لم ينقلها (قدس سره) و هي قوله في آخرها: «بحجة و عمرة- أو حجة مفردة- تمامها عليك لبيك» و عليه تكون التلبيات خمسا.

55

و قال المفيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك» (1) و كذا قال علي بن بابويه في رسالته، و ابنه أبو جعفر في مقنعة و هدايته، و هو قول ابن ابي عقيل و ابن الجنيد و سلار.

و قال السيد المرتضى (رضي الله عنه): «لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك، لبيك».

هذا ما نقله في المختلف من الأقوال في المسألة.

و قال المحقق في الشرائع: و صورتها ان يقول: «لبيك اللهم لبيك

____________

(1) الكيفية المنقولة عن الشيخ المفيد (قدس سره) تنتهي إلى هنا كما يظهر بمراجعة المقنعة ص 62، و الجواهر ج 18 ص 228 و 229، و كما يأتي من المصنف (قدس سره) ص 59، حيث انه- بعد ان يذكر حديث الخصال المتضمن للتلبيات الأربع بالكيفية المذكورة- يقول: «أقول:

و من هذه الرواية يعلم مستند الشيخ المفيد و ابني بابويه و من تبعهم» فما ورد في المختلف ج 2 ص 95- من ذكر كلمة «لبيك» في آخر الكيفية المنسوبة إلى الشيخ المفيد، و ورد أيضا في نسخ الحدائق المطبوعة و المخطوطة- الظاهر انه زيادة من قلم الناسخ.

56

لبيك لا شريك لك لبيك» و اختار هذا القول العلامة في المختلف و اليه يميل كلامه في المنتهى، و اختاره جملة من المتأخرين و متأخريهم:

منهم- السيد السند في المدارك، و جده في المسالك، و الفاضل الخراساني في الذخيرة.

و اما الروايات الواردة في المسألة فمنها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا فرغت من صلاتك و عقدت ما تريد، فقم و امش هنيئة، فإذا استوت بك الأرض- ماشيا كنت أو راكبا- فلب. و التلبية ان تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك له لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك داعيا الى دار السلام لبيك، لبيك غفار الذنوب لبيك، لبيك أهل التلبية لبيك، لبيك

____________

(1) هذا الحديث رواه الكليني في فروع الكافي ج 4 ص 335، و أول الحديث هكذا: التلبية: لبيك اللهم لبيك. الى آخر ما أورده المصنف (قدس سره) و رواه الشيخ عن الكليني بهذا اللفظ في التهذيب ج 5 ص 284. و رواه بطريق آخر أيضا في التهذيب ج 5 ص 91، و أول الحديث هو قوله (عليه السلام): «إذا فرغت من صلاتك. الى آخر ما أورده (قدس سره) في الكتاب مع الزيادة التي يذكرها بعد ذلك. و هو المقصود بقوله (قدس سره): «و رواه الشيخ ايضا بطريق آخر صحيح» و الطريق الأول للشيخ هو طريق الكليني، إلا ان لفظ الحديث الوارد من هذا الطريق يبتدئ ببيان كيفية التلبية كما تقدم، و قوله: «إذا فرغت. الى قوله:

فلب» يختص بالطريق الآخر للشيخ. و بين اللفظين من الطريقين اختلاف بسيط غير ما ذكرناه يظهر بالمراجعة. و أورد الحديث في الوسائل في الباب 40 من الإحرام.

57

ذا الجلال و الإكرام لبيك، لبيك مرهوبا و مرغوبا إليك لبيك، لبيك تبدئ و المعاد إليك لبيك، لبيك كشاف الكرب العظام لبيك، لبيك عبدك و ابن عبديك لبيك، لبيك يا كريم لبيك. تقول ذلك في دبر كل صلاة مكتوبة أو نافلة، و حين ينهض بك بعيرك، و إذا علوت شرفا، أو هبطت واديا، أو لقيت راكبا، أو استيقظت من منامك و بالأسحار. و أكثر ما استطعت منها. و اجهر بها. و ان تركت بعض التلبية فلا يضرك، غير ان تمامها أفضل. و اعلم انه لا بد من التلبيات الأربع التي في أول الكلام، و هي الفريضة، و هي التوحيد، و بها لبى المرسلون. و أكثر من «ذي المعارج» فان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم) كان يكثر منها».

أقول: و بهذا الخبر استدل المحقق و من تبعه و عليه اعتمدوا، قال في المختلف: و هو أصح حديث رأيناه في هذا الباب.

أقول:

و رواه الشيخ ايضا بطريق آخر صحيح (1) و زاد بعد قوله:

«لبيك تبدئ و المعاد إليك لبيك»: «لبيك تستغني و يفتقر إليك لبيك، لبيك إله الحق لبيك، لبيك ذا النعماء و الفضل الحسن الجميل لبيك» ثم ساق الحديث الى قوله: «و هي الفريضة».

و منها-

صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لما لبى رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك،

____________

(1) الوسائل الباب 40 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 40 من الإحرام. و في آخره هكذا: «و في ادبار الصلوات».

58

لبيك ذا المعارج لبيك. و كان (صلى اللّٰه عليه و آله) يكثر من «ذي المعارج» و كان يلبي كلما لقي راكبا، أو علا اكمة، أو هبط واديا، و من آخر الليل».

و صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة في المسألة الاولى (1) و فيها:

«تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك، لبيك بمتعة بعمرة إلى الحج».

و روى ثقة الإسلام في الكافي عن عبد الله بن سنان في الصحيح (2) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): ذكر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) الحج فكتب الى من بلغه كتابه ممن دخل في الإسلام: ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يريد الحج، يؤذنهم بذلك ليحج من أطاق الحج، فاقبل الناس، فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الإبط، و حلق العانة، و الغسل، و التجرد في إزار و رداء، أو إزار و عمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء. و ذكر انه حيث لبى قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك.

الحديث».

و روى في الفقيه مرسلا (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء جبرئيل (عليه السلام) الى النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فقال له:

ان التلبية شعار المحرم فارفع صوتك بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك».

و روى الصدوق في الخصال بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 84، و الوسائل الباب 40 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(3) الوسائل الباب 37 من الإحرام.

59

(عليهما السلام) في حديث شرائع الدين (1) قال: «و التلبيات الأربع و هي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك».

أقول: و من هذه الرواية يعلم مستند الشيخ المفيد و ابني بابويه و من تبعهم. و اما ما عدا هذين القولين فلم نقف له على دليل.

و من اخبار المسألة أيضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أحرمت من مسجد الشجرة، فإن كنت ماشيا لبيت من مكانك من المسجد، تقول:

لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك ذا المعارج لبيك لبيك بحجة تمامها عليك. و اجهر بها كلما ركبت، و كلما نزلت، و كلما هبطت واديا، أو علوت اكمة، أو لقيت راكبا، و بالأسحار».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): ثم تلبي سرا بالتلبية الأربعة و هي المفترضات، تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك. هذه الأربعة مفروضات و تقول: لبيك ذا المعارج لبيك، لبيك تبدئ و تعيد و المعاد إليك لبيك، لبيك داعيا الى دار السلام لبيك، لبيك كشاف الكرب العظام لبيك، لبيك يا كريم لبيك، لبيك عبدك و ابن عبدك بين يديك لبيك لبيك أتقرب إليك بمحمد و آل محمد لبيك. و أكثر من «ذي المعارج».

انتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) الوسائل الباب 40 من الإحرام.

(3) ص 27.

60

أقول: و القول الفصل في هذه الاخبار انه لما دلت صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة في صدر هذه الروايات على ان الفرض الواجب إنما هو التلبيات الأربع التي في صدر الكلام و انه لا يضر ترك غيرها فلا بد من تخصيص باقي الاخبار بها، بحمل ما زاد على الأربع: «ان الحمد و النعمة لك. الى آخره» في هذه الاخبار على الاستحباب جمعا بين الاخبار. إلا انه يمكن ان يقال: ان هذه الزيادة حيث لم تكن مشتملة على تلبية فلا منافاة في دخولها تحت إطلاق العبارة المذكورة و يؤيده عبارة كتاب الفقه الرضوي التي هي معتمد الصدوقين في ما حكما به من دخول هذه الزيادة، كما عرفته في غير موضع من ما تقدم، فإنه ذكر التلبيات الأربع المفروضة بإضافة الزيادة المذكورة، و أكد ذلك بقوله أخيرا: «هذه الأربعة مفروضات» ثم ذكر التلبيات المستحبة. لكن يمكن تأييد الاستحباب ايضا بخلو صحيحة عمر بن يزيد عن هذه الزيادة. و بالجملة فالاحتياط بهذه الزيادة متعين (1) فان الحكم عندي لا يخلو من اشتباه.

ثم ان من العجب العجاب اشتهار القول بما ذهب اليه الشيخ في النهاية و المبسوط بين أكثر متأخري الأصحاب حتى قال شيخنا الشهيد في الدروس: الرابع- التلبيات الأربع، و أتمها: «لبيك اللهم لبيك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك» و يجزئ:

«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» و ان أضاف الى هذا:

«ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك» كان حسنا. انتهى.

و الحال انه لا مستند لهذا القول بالكلية و لا دليل عليه بالمرة، و هذه

____________

(1) أوردنا العبارة كما جاءت في النسخة المخطوطة.

61

جملة أخبار المسألة التي قدمناها عارية عنه.

و تمام القول في المسألة يتوقف على بيان أمور:

الأول [هل يجب الجهر بالتلبية أو يستحب؟]

- المشهور بين الأصحاب استحباب الجهر بالتلبية، و بذلك صرح ابن إدريس، فقال: و الجهر بها على الرجال مندوب على الأظهر من أقوال أصحابنا. و قال بعضهم: الجهر بها واجب. و نقل في المختلف عن علي بن بابويه انه قال: ثم يلبى سرا بالتلبية الأربعة المفروضة.

أقول: و هذه عين عبارة كتاب الفقه المتقدمة، إلا انه لم يذكر تمامها و إنما ذكر ما يتعلق بالمسألة المذكورة. و قال الشيخ في التهذيب:

الإجهار بالتلبية واجب مع القدرة و الإمكان. و قال في الخلاف: التلبية فريضة، و رفع الصوت بها سنة.

أقول: لا يخفى ان الاخبار بالنسبة الى هذه المسألة ما بين مطلق و بين مصرح بالجهر، و لم أقف على ما يتضمن الأسرار إلا في عبارة كتاب الفقه المتقدمة.

ففي صحيحة حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) و جماعة من أصحابنا ممن روى عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (1) انهما قالا: «لما أحرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: مر أصحابك بالعج و الثج- فالعج رفع الصوت و الثج نحر البدن- قالا: فقال جابر بن عبد الله: فما مشى الروحاء حتى بحت أصواتنا».

و الخبر المذكور مروي بطرق عديدة (2). و الظاهر ان

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 92، و الوسائل الباب 37 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 37 من الإحرام.

62

تفسير العج و الثج من بعض الرواة. و يحتمل ان يكون منهما (عليهما السلام).

و في صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة في المسألة الاولى (1): «ان كنت ماشيا فاجهر بإهلالك و تلبيتك من المسجد، و ان كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء».

و أنت خبير بان حمل الاخبار مطلقها على مقيدها يقتضي وجوب الإجهار.

و العلامة في المختلف لما اختار الاستحباب قال: لنا- الأصل عدم الوجوب. ثم قال: و يدل على الأرجحية ما رواه حريز بن عبد الله.

و ساق الرواية المتقدمة. ثم قال: احتج الموجبون بان الأمر ورد بالجهر، و الأمر للوجوب. و الجواب: المنع من الكبرى. انتهى. و لا يخفى ما فيه مع تصريحه في كتبه الأصولية بان الأمر حقيقة في الوجوب، و لا سيما أوامر الله (عز و جل) كما هو ظاهر حديث حريز. و هذا موجب للخروج عن حكم الأصل، كما لا يخفى.

و ظاهر الأصحاب ان هذا الحكم مختص بالحج من ميقات ذي الحليفة كما هو مورد الروايتين المذكورتين، و كذا بالإحرام بالحج من مكة فإنه يرفع صورته بالتلبية إذا أشرف على الأبطح، كما تضمنته

صحيحة معاوية بن عمار (2) و فيها: «فأحرم بالحج، ثم امض و عليك السكينة

____________

(1) الوسائل الباب 34 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 167، و الفروع ج 4 ص 454، و الوسائل الباب 52 من الإحرام، و الباب 1 من إحرام الحج. و الحديث ينتهي بقوله: «حتى تأتي منى» فكلمة «. الحديث» ربما تكون زيادة من الناسخ.

63

و الوقار، فإذا انتهيت الى الرقطاء دون الردم فلب، و إذا انتهيت الى الردم و أشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى. الحديث».

و مقتضاه تأخير التلبية عن موضع الإحرام الى أن ينتهي إلى الرقطاء دون الردم، فيلبي ثم يرفع صوته بها إذا أشرف على الأبطح.

و إطلاقها يدل على عدم الفرق بين الراكب و الماشي، إلا ان الشيخ في التهذيب ذكر ان الماشي يلبي من موضع إحرامه الذي يصلي فيه و الراكب يلبى عند الرقطاء أو عند شعب الدب، و لا يجهر بالتلبية إلا عند الاشراف على الأبطح.

و استدل على ذلك

برواية عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم أهل بالحج، فان كنت ماشيا فلب عند المقام، و ان كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك».

و هي- كما ترى- غير دالة على ما ادعاه.

و بالجملة فالظاهر هو جواز التلبية من المسجد للماشي و الراكب، و ان كان الأفضل تأخير التلبية إلى الموضع المذكور في صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة، و الرفع بها الى الموضع الآخر.

و من ما يدل على ذلك

ما رواه الصدوق في الصحيح عن حفص بن البختري و معاوية بن عمار و عبد الرحمن بن الحجاج و الحلبي جميعا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «و ان أهللت من المسجد

____________

(1) الوسائل الباب 46 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 46 من الإحرام. و قد ذكرنا في التعليقة 4 ص 41 و 42 ما يتعلق بالمورد، فراجع.

64

الحرام للحج فإن شئت لبيت خلف المقام، و أفضل ذلك ان تمضي حتى تأتي الرقطاء و تلبي قبل ان تصير الى الأبطح».

ثم انه ينبغي ان يعلم ان استحباب الجهر بالتلبية أو وجوبه على القول به انما هو للرجال خاصة دون النساء:

لما رواه الشيخ عن فضالة بن أيوب عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان الله وضع عن النساء أربعا: الجهر بالتلبية، و السعي بين الصفا و المروة، و دخول الكعبة، و الاستلام».

و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ليس على النساء جهر بالتلبية».

الثاني [كيفية إحرام الأخرس]

- المشهور ان إحرام الأخرس ان يحرك بالتلبية لسانه، و يعقد بها قلبه. و أضاف في المنتهى و الدروس: الإشارة باليد. و نقل عن ابن الجنيد انه يلبى عنه غيره، و عبارته التي نقلها عنه في المختلف هكذا:

و الأخرس يجزئه تحريك لسانه مع عقده إياها بقلبه. ثم قال: و يلبي عن الصبي و الأخرس و عن المغمى عليه. قال في المختلف: و هذا الكلام يشعر بعدم وجوب التلبية عليه و انه تجزئه النيابة.

أقول: و الذي وقفت عليه من ما يتعلق بهذه المسألة من الاخبار

رواية السكوني عن جعفر (عليه السلام) (3) «ان عليا (عليه السلام) قال: تلبية الأخرس و تشهده و قراءته للقرآن في الصلاة تحريك لسانه و إشارته بإصبعه».

____________

(1) الوسائل الباب 38 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 38 من الإحرام.

(3) فروع الكافي ج 3 ص 315 و ج 4 ص 335، و الوسائل الباب 59 من القراءة في الصلاة، و الباب 39 من الإحرام.

65

و يمكن ان يستدل لما ذكره ابن الجنيد

بما رواه في الكافي عن زرارة (1): «ان رجلا قدم حاجا لا يحسن ان يلبى، فاستفتي له أبو عبد الله (عليه السلام) فأمر ان يلبى عنه».

و لا ريب ان طريق الاحتياط الجمع بين الأمرين، ليحصل يقين براءة الذمة من التكليف المعلوم ثبوته.

و الظاهر ان مراد الأصحاب بعقد القلب بها- يعني: تصورها إجمالا- الكناية عن النية و القصد إلى التلبية.

الثالث [هل التلبيات الأربع ركن؟]

- قال العلامة في المختلف: لا خلاف عندنا في وجوب التلبيات الأربع، و لكن الخلاف في انها ركن أم لا، فللشيخ قولان:

أحدهما انها ليست ركنا، ذهب إليه في المبسوط و الجمل، و قال في النهاية: «من ترك التلبية متعمدا فلا حج له» فجعلها ركنا. و بالأول قال السيد المرتضى و ابن حمزة و ابن البراج، و بالثاني قال سلار و ابن إدريس و أبو الصلاح. و الأقرب الأول، لنا. انه مع الإخلال بالتلبية لم يأت بالمأمور به على وجهه فيبقى في عهدة التكليف. و لانه ذكر واجب في عبادة افتتحت به فكان ركنا، كالتكبير في الصلاة.

و لما رواه معاوية ابن عمار في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) (2) انه قال: «فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة- يعني: التلبيات و الاشعار و التقليد- فقد أحرم».

و تعليق الحكم على الوصف يقتضي عدمه عند عدمه. و الإخلال بالإحرام عمدا مبطل إجماعا. احتج الآخرون بأن الأصل صحة الحج. و الجواب: المنع لانه لم يأت بالمأمور به على وجهه. انتهى.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 504، و الوسائل الباب 39 من الإحرام، و الباب 11 من الحلق و التقصير.

(2) الوسائل الباب 12 من أقسام الحج.

66

أقول: المراد بالركن عند الأصحاب (رضوان الله عليهم) في باب الحج هو ما يكون تركه مبطلا عمدا لا سهوا، و بالواجب ما يكون تركه عمدا موجبا للإثم دون الابطال. و استثنى من الركن على هذا التعريف الوقوفان، فان تركهما مبطل و ان كان سهوا.

ثم ان استدلال العلامة (قدس سره) هنا على الابطال بغير الرواية لا يخلو من نظر: اما الدليل الأول فإنه جار في الواجب، و هو لا يقول به. و اما الثاني فإنه محض قياس على تكبيرة الإحرام كما لا يخفى.

و يمكن المناقشة أيضا في الرواية المذكورة و نحوها بأن غاية ما يدل عليه مفهوم الشرط هو عدم الإحرام، و الخصم لا ينكر ذلك، و المدعى بطلان الحج، لأنه قائل بصحة الحج مع ترك الإحرام عمدا، فإلزامه بما دلت عليه الرواية من بطلان الإحرام لا معنى له. و انما المنافي لما ذكره ما يدل على بطلان الحج بذلك. فالواجب هو الإتيان بدليل يدل على بطلان الحج بترك الإحرام متعمدا. و دعوى الإجماع- بقوله:

«و الإخلال بالإحرام عمدا مبطل إجماعا»- ينافي ما نقله عن الجماعة المتقدمين القائلين بأنه واجب و ليس بركن. و الواجب- كما عرفت- عندهم هو ما لا يبطل الحج بتركه و لو عمدا و انما غايته الإثم. و سيأتي- ان شاء الله تعالى- مزيد تحقيق للمسألة.

الرابع [معنى كلمة لبيك]

- قال ابن الأثير في النهاية: «لبيك اللهم لبيك» هو من التلبية، و هي إجابة المنادي، أي إجابتي لك يا رب. و هو مأخوذ من «لب بالمكان و ألب» إذا أقام به، و «ألب على كذا» إذا لم يفارقه و لم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير، أي إجابة بعد اجابة و هو منصوب على المصدر بعامل لا يظهر، كأنك قلت: «ألب إلبابا

67

بعد الباب». و التلبية من «لبيك» كالتهليل من «لا إله إلا الله» و قيل: معناه: اتجاهي و قصدي يا رب إليك، من قولهم: «داري تلب دارك» اي تواجهها. و قيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: «حسب لباب» إذا كان خالصا محضا. و منه لب الطعام و لبابه. و قال في القاموس نحو ذلك. و عن الجوهري انه كان حقه ان يقال: «لبالك» و ثنى على معنى التأكيد، اي إلبابا لك بعد الباب، و اقامة بعد اقامة.

و قيل: أي إجابة لك يا رب بعد اجابة. و في كتاب المصباح المنير:

أصل «لبيك» لبين لك، فحذفت النون للإضافة، قال: و عن يونس انه غير مثنى بل اسم مفرد يتصل بالضمير بمنزلة «على» و «لدى» إذا اتصل به الضمير. و أنكره سيبويه و قال: لو كان مثل «على» و «لدى» لثبتت الياء مع الضمير و بقيت الالف مع الظاهر. و حكى من كلامهم «لبى زيد» بالياء مع الإضافة إلى الظاهر، فثبوت الياء مع الإضافة إلى الظاهر يدل على انه ليس مثل «على» و «لدى» انتهى قال في المجمع: و لبأت بالحج تلبية. أصله «لبيت» بغير همز قال الجوهري:

قال الفراء: ربما خرجت بهم فصاحتهم الى ان يهمزوا ما ليس بمهموز.

ثم انه قد صرح بعضهم بأنه يجوز فتح الهمزة و كسرها من قوله:

«ان الحمد و النعمة. الى آخره» و حكى العلامة في المنتهى عن بعض أهل العربية انه من قال «ان» بفتحها فقد خص، و من قال بالكسر فقد عم. و وجهه ظاهر، فان الكسر يقتضي تعميم التلبية و إنشاء الحمد مطلقا، و الفتح يقتضي تخصيص التلبية، أي لبيك بسبب ان الحمد لك.

68

الخامس [العلة في صيرورة التلبية شعار الحج]

-

روى الصدوق في كتاب العلل (1) في الصحيح عن عبيد الله ابن علي الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته: لم جعلت التلبية؟ فقال: ان الله (عز و جل) اوحى الى إبراهيم (عليه السلام) وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا (2) فنادى فأجيب من كل فج يلبون».

و روى في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) حديثا طويلا يتضمن مناجاة الله (عز و جل) لموسى (عليه السلام) قال في آخره: فقال الله (عز و جل): يا موسى اما علمت ان فضل امة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) على جميع الأمم كفضله على جميع الخلق. فقال موسى (عليه السلام): يا رب ليتني كنت أراهم. فأوحى الله (جل جلاله) اليه يا موسى انك لن تراهم فليس هذا أو ان ظهورهم، و لكن سوف تراهم في جنات عدن و الفردوس بحضرة محمد (صلى اللّٰه عليه و آله) في نعيمها يتقلبون و في خيراتها يتنعمون، أ فتحب أن أسمعك كلامهم؟ فقال:

نعم يا إلهي. قال الله (عز و جل): قم بين يدي و اشدد مئزرك قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل. ففعل ذلك موسى (عليه السلام) فنادى ربنا (عز و جل): يا امة محمد. فأجابوه كلهم- و هم في أصلاب آبائهم و أرحام أمهاتهم-: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك، لبيك» قال:

فجعل الله (عز و جل) تلك الإجابة شعار الحج.

أقول: و في هذا الخبر ما يؤيد ما قدمناه من دخول «ان الحمد.

____________

(1) ص 416، و الوسائل الباب 36 من الإحرام.

(2) سورة الحج، الآية 27.

(3) ج 2 ص 211 و 212، و الوسائل الباب 40 من الإحرام.

69

الى آخره» في التلبية الواجبة.

و في آخر صحيحة معاوية بن عمار المتقدم ذكرها (1): «و أول من لبى إبراهيم (عليه السلام) قال: ان الله (عز و جل) يدعوكم الى ان تحجوا بيته، فأجابوه بالتلبية، فلم يبق أحد أخذ ميثاقه بالموافاة في ظهر رجل و لا بطن امرأة إلا أجاب بالتلبية».

فائدة [تحقيق في قول إبراهيم هلم إلى الحج]

روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) قال: «روى ان إبراهيم (عليه السلام) لما قضى مناسكه. ثم ساق الخبر الى ان قال: فلما هم ببنائه قعد على كل ركن ثم نادى: «هلم الى الحج» فلو ناداهم «هلموا الى الحج» لم يحج إلا من كان يومئذ إنسيا مخلوقا، و لكنه نادى:

«هلم الى الحج» فلبى الناس في أصلاب الرجال و أرحام النساء:

«لبيك داعي الله لبيك داعي الله» فمن لبى مرة حج حجة، و من لبى عشرا حج عشر حجج، و من لم يلب لم يحج. الحديث».

قال المحقق الكاشاني في الوافي: بيان: «هلم الى الحج» نادى جنس الانس بلفظ المفرد، و لذا عم نداوة الموجودين و المعدومين، و لو نادى الافراد بلفظ الجمع لم يشمل المعدومين بل اختص بالموجودين، و ذلك لان حقيقة الإنسان موجودة بوجود فرد ما و تشمل جميع الافراد وجدت أو لم توجد. و اما الفرد الخاص منه فلا يصير فردا خاصا

____________

(1) الوسائل الباب 40 من الإحرام.

(2) ج 2 ص 149 و 150، و الباب 1 من وجوب الحج و شرائطه، و الباب 11 من مقدمات الطواف و ما يتبعها، و الوافي باب (حج إبراهيم و إسماعيل).

70

جزئيا منه ما لم يوجد. و هذا من لطائف المعاني نطق به الامام لمن وفق لفهمه. انتهى.

و قال الفاضل المحدث السيد نعمة الله الجزائري: الوجه ان المقام ظاهرا يقتضي صيغة الجمع، فالعدول عنه الى الافراد لا بد له من نكتة و علة تناسبه، و ليست إلا إرادة استغراق جميع الافراد من شهد و من غاب، على ان أهل البلاغة ذكروا ان استغراق الفرد أشمل من استغراق الجمع، و نص عليه العلامة الزمخشري في مواضع من الكشاف. انتهى.

و قال شيخنا أبو الحسن الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني في كتابه ازهار الرياض: سئلت عن هذا الخبر قديما فكتبت في الجواب: لعل مراده- و الله اعلم بمراد أوليائه- ان الخطاب بصيغة الجمع يتناول الموجودين و تناوله لغيرهم انما هو بدليل من خارج من إجماع أو غيره، كما تقرر في الأصول مستوفى، و المخالف فيه الحنابلة خاصة، و أطبق الكل على فساده، و صيغة «هلموا» من هذا القبيل. فاما صيغة «هلم» فإنه يمكن ان يجعل من قبيل الخطاب العام، كما تقرر في المعاني و البيان قد يترك الخطاب من المعين الى غير المعين قصدا للعموم و ارادة كل من يصلح لذلك، و جعلوا منه قوله تعالى وَ لَوْ تَرىٰ إِذْ وُقِفُوا (1) و نحوه، فكأنه يصلح لغير الموجودين ايضا، فيدخلون بعد اتصافهم بالوجود و الكمال. و حينئذ فحاصله ان العدول من «هلموا» الى «هلم» لذلك فإن صيغة «هلم» تصلح للمذكر و المؤنث، و المفرد و المثنى و الجمع، بالاعتبار المذكور، و لغير الموجود بالتقريب السابق، فيدخل بعد كماله و وجوده

____________

(1) سورة الانعام، الآية 27.

71

بخلاف «هلموا». و معنى «لم يحج يومئذ إلا من كان إنسيا مخلوقا» لم يحج إلا من كان مخلوقا من الانس، لأنهم المقصودون بالخطاب المذكور دون غيرهم. هذا ما ظهر لي فتأمل. انتهى.

أقول: اما صحة إطلاق «هلم» على المذكر و المؤنث، و المفرد و المثنى و الجمع، فهي لغة الحجاز، و بها نزل القرآن العزيز، كقوله تعالى:

وَ الْقٰائِلِينَ لِإِخْوٰانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنٰا (1) و اما أهل نجد و هم بنو تميم فيلحقون بها الضمائر كغيرها من الصيغ فيقولون: «هلموا و هلمي و هلما» و اما تناولها في الخبر للموجودين و المعدومين فقد نقل الشيخ فخر الدين بن طريح في كتاب مجمع البحرين، قال: و قيل: لفظ «هلم» خطاب لمن يصلح ان يجيب و ان لم يكن حاضرا، و لفظ «هلموا» موضوع للموجودين الحاضرين، و يفسره الحديث: «هلم الى الحج». ثم ساق الخبر. و بذلك يزول الاشكال و يستغنى عن هذه التكلفات البعيدة و التحملات الشديدة، فإنه متى كان هذا اللفظ موضوعا في اللغة لذلك فلا اشكال، و يخرج الخبر شاهدا عليه.

السادس [الإحرام إنما يتحقق بالتلبية أو الإشعار أو التقليد]

- قد عرفت من ما حققناه آنفا ان الإحرام الموجب للكفارات- بفعل ما لا يجوز للمحرم فعله- إنما هو عبارة عن التلبية أو الإشعار أو التقليد، فإن ايها فعل حرم عليه ما يحرم على المحرم و ترتبت الكفارات على المخالفة. و على هذا فلو عقد نية الإحرام و لبس ثوبيه و لم يأت بشيء من التلبية متى كان متمتعا أو مفردا، و لا بها و لا بإشعار و لا تقليد متى كان قارنا، و فعل ما لا يجوز للمحرم فعله، فإنه

____________

(1) سورة الأحزاب، الآية 18.

72

لا يلزمه كفارة، و لا يبطل ما فعله سابقا، و لا يحتاج الى تجديد نية أخرى.

و على ذلك تدل الأخبار الكثيرة: منها- ما تقدم (1) من صحيحة معاوية بن عمار، و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، و صحيحته الثانية في المسألة الاولى.

و منها-

ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «في رجل صلى الظهر في مسجد الشجرة، و عقد الإحرام و أهل بالحج، ثم مس طيبا أو صاد صيدا أو واقع اهله؟ قال: ليس عليه شيء ما لم يلب».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن النضر بن سويد عن بعض أصحابنا (3) قال: «كتبت الى ابي إبراهيم (عليه السلام): رجل دخل مسجد الشجرة فصلى و أحرم ثم خرج من المسجد، فبدا له قبل ان يلبي ان ينقض ذلك بمواقعة النساء، إله ذلك؟ فكتب: نعم، و لا بأس به».

و بمضمونها رواية زياد بن مروان المروية في الكافي (4).

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن علي بن عبد العزيز (5) قال: «اغتسل أبو عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) ص 41 و 42.

(2) الفروع ج 4 ص 330، و التهذيب ج 5 ص 82، و الوسائل الباب 14 من الإحرام، و الباب 11 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 331. و الوسائل الباب 14 من الإحرام، و الوافي باب (ما يجوز فعله بعد التهيؤ و قبل التلبية و ما لا يجوز).

(4) الفروع ج 4 ص 331. و الوسائل الباب 14 من الإحرام، و الوافي باب (ما يجوز فعله بعد التهيؤ و قبل التلبية و ما لا يجوز).

(5) الفروع ج 4 ص 330، و الوسائل الباب 14 من الإحرام.

73

للإحرام، ثم دخل مسجد الشجرة فصلى، ثم خرج الى الغلمان فقال:

هاتوا ما عندكم من لحوم الصيد حتى نأكله».

و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في من عقد الإحرام في مسجد الشجرة ثم وقع على أهله قبل ان يلبي؟ قال: ليس عليه شيء».

قال الشيخ (2) بعد ذكر جملة من هذه الاخبار: المعنى في هذه الأحاديث ان من اغتسل للإحرام، و صلى، و قال ما أراد من القول بعد الصلاة، لم يكن في الحقيقة محرما، و إنما يكون قاعدا للحج و العمرة و انما يدخل في ان يكون محرما إذا لبى. ثم حكى

عن موسى عن صفوان عن معاوية بن عمار و غيره ممن روى عنه صفوان هذه الاخبار ان الاخبار مستفيضة عن ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (3): ان من صلى، و قال الذي يريد ان يقول، و فرض الحج أو العمرة على نفسه و تقدهما، فله ان يفعل ما شاء ما لم يلب، فإذا أتم عقد إحرامه بالتلبية أو الإشعار أو التقليد، فقد حرم عليه الصيد و غيره، و وجب عليه في فعله ما يجب على المحرم.

انتهى ملخصا من كلامه الطويل الذيل.

قال في المدارك بعد ذكر بعض أخبار المسألة: و ربما ظهر منها انه لا يجب استئناف نية الإحرام بعد ذلك بل يكفي الإتيان بالتلبية و على هذا فيكون المنوي عند عقد الإحرام اجتناب ما يجب على المحرم اجتنابه من حين التلبية. و صرح المرتضى في الانتصار بوجوب استئناف النية قبل التلبية و الحال هذه. و يدل عليه ما رواه الكليني عن النضر بن

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 83.

(3) الوسائل الباب 14 من الإحرام.

74

سويد عن بعض أصحابه. ثم ساق الرواية المتقدمة. ثم قال:

لكن الرواية ضعيفة بالإرسال. و لا ريب أن استئناف النية أولى و أحوط. انتهى.

أقول: فيه أولا: ان النية التي أوجبوها في عقد الإحرام- كما قدمنا نقله عنهم في صدر المقصد- إنما هي عبارة عن القصد إلى أمور أربعة: ما يحرم به من حج أو عمرة، و نوعه من تمتع أو أحد قسيميه، و صفته من وجوب أو ندب، و ما يحرم له من حجة الإسلام أو غيرها. و لم يعتبروا فيها قصد ما يجب اجتنابه على المحرم، و انما هذا أمر لازم لذلك و مترتب عليه متى أضاف التلبية الى ما فعله أولا. و من ثم انه لا تحصل المنافاة للنية بما يفعله من هذه الأشياء المذكورة في الاخبار. و بذلك يظهر لك ما في قوله: «و على هذا فيكون المنوي. الى آخره».

و ثانيا: اني لا اعرف لهذه الرواية وجه دلالة على ما ذكره من وجوب استئناف النية، حتى انه يستدل بها للمرتضى على ما نقله عنه، بل سبيلها سبيل الروايات المتقدمة.

و ثالثا: اني لا اعرف وجها لهذه الأولوية و الاحتياط الذي ذكره في استئناف النية، مع ما عرفت من ما قدمناه من الاخبار المستفيضة المتفقة الدلالة على صحة الإحرام بذلك، من غير تعرض و لو بالإشارة الى ما ذكره من استئناف النية.

و اما

ما رواه الشيخ في التهذيب عن محمد بن احمد بن يحيى عن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد (1)- قال: «سمعت ابي يقول في

____________

(1) الوسائل الباب 14 من الإحرام. و ارجع الى الاستدراكات.

75

رجل يلبس ثيابه و يتهيأ للإحرام ثم يواقع اهله قبل ان يهل بالإحرام قال: عليه دم».

- فهو خبر شاذ لا يبلغ قوة في معارضة الأخبار المتقدمة. و قد حمله الشيخ على من لم يجهر بالتلبية و ان كان قد لبى في ما بينه و بين نفسه. و احتمل في الاستبصار حمله على الاستحباب ايضا

الثالث- لبس ثوبي الإحرام للرجل

، و وجوبه اتفاقي بين الأصحاب قال في المنتهى: انا لا نعلم فيه خلافا.

و تدل عليه الاخبار: منها-

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية ابن عمار (1): «إذا انتهيت الى العقيق من قبل العراق، أو الى وقت من هذه المواقيت- و أنت تريد الإحرام- فانتف إبطيك. الى ان قال: و اغتسل، و البس ثوبيك. الحديث».

و في صحيحة معاوية بن وهب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)- و نحن بالمدينة- عن التهيؤ للإحرام. فقال: اطل بالمدينة، و تجهز بكل ما تريد، و ان شئت استمتعت بقميصك، حتى تأتي الشجرة فتفيض عليك من الماء، و تلبس ثوبيك، ان شاء الله».

و في صحيحة هشام بن سالم (3) قال: «أرسلنا الى ابي عبد الله

____________

(1) الفروع ج 4 ص 326، و الفقيه ج 2 ص 200، و الوسائل الباب 6 و 15 من الإحرام.

(2) روى الشيخ في التهذيب ج 5 ص 62 و 64 هذه الرواية بطريقين، و اللفظ يختلف فيهما. و أوردهما في الوسائل في الباب 7 من الإحرام برقم (1) و (3).

(3) الفروع ج 4 ص 328، و الفقيه ج 2 ص 201، و التهذيب ج 5 ص 63 و ص 303، و الوسائل الباب 8 من الإحرام، و الباب 30 من تروك الإحرام.

76

(عليه السلام)- و نحن جماعة بالمدينة- انا نريد ان نودعك، فأرسل إلينا أبو عبد الله (عليه السلام): ان اغتسلوا بالمدينة، فإني أخاف ان يعز عليكم الماء بذي الحليفة، فاغتسلوا بالمدينة، و البسوا ثيابكم التي تحرمون فيها، ثم تعالوا فرادى أو مثاني. الحديث».

الى غير ذلك من الاخبار.

و المستفاد من الروايات المذكورة ان اللبس قبل عقد الإحرام، بل هو من جملة الأشياء التي يتهيأ بها للإحرام. قال العلامة في المنتهى:

فإذا أراد الإحرام وجب عليه نزع ثيابه و لبس ثوبي الإحرام، يأتزر بأحدهما و يرتدي بالآخر. و قال ابن الجنيد: و لا ينعقد الإحرام بالميقات إلا بعد الغسل و التجرد.

و ينبه عليه ايضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تلبس- و أنت تريد الإحرام- ثوبا تزره و لا تدرعه، و لا تلبس سراويل إلا ان لا يكون لك إزار، و لا الخفين إلا ان لا يكون لك نعلان».

بقي الكلام في انه هل اللبس من شرائط صحة الإحرام؟ حتى لو أحرم عاريا أو لابسا مخيطا لم ينعقد إحرامه، أم ينعقد إحرامه و ان أثم تنظر فيه الشهيد في الدروس، و نسب الثاني إلى ظاهر الأصحاب، حيث قال: و ظاهر الأصحاب انعقاده، حيث قالوا: لو أحرم و عليه قميص نزعه و لا يشقه، و لو لبسه بعد الإحرام وجب شقه و إخراجه من تحته كما هو مروي. انتهى.

و أشار بالرواية الى

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 69 و 70، و الوسائل الباب 35 من تروك الإحرام.

77

و غير واحد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في رجل أحرم و عليه قميصه؟ فقال: ينزعه و لا يشقه. و ان كان لبسه بعد ما أحرم شقه و أخرجه من ما يلي رجليه».

و قال السيد السند في المدارك: و لو أخل باللبس ابتداء فقد ذكر جمع من الأصحاب انه لا يبطل إحرامه و ان اثم. و هو حسن. انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار- زيادة على الصحيحة المذكورة-

ما رواه في الكافي في الصحيح عن صفوان عن خالد بن محمد الأصم (2) قال: «دخل رجل المسجد الحرام و هو محرم، فدخل في الطواف و عليه قميص و كساء، فاقبل الناس عليه يشقون قميصه و كان صلبا، فرءاه أبو عبد الله (عليه السلام) و هم يعالجون قميصه يشقونه، فقال:

له: كيف صنعت؟ فقال: أحرمت هكذا في قميصي و كسائي. فقال:

انزعه من رأسك، ليس ينزع هذا من رجليه، إنما جهل. فأتاه غير ذلك فسأله فقال: ما تقول في رجل أحرم في قميصه؟ قال: ينزعه من رأسه».

و ما رواه الشيخ عن عبد الصمد بن بشير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «جاء رجل يلبي حتى دخل المسجد الحرام و هو يلبي و عليه قميصه، فوثب إليه أناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا:

شق قميصك و أخرجه من رجليك، فان عليك بدنة، و عليك الحج من قابل، و حجك فاسد. فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على باب

____________

(1) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 72، و الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام، و الوافي باب (المحرم يلبس ما لا ينبغي له).

78

المسجد، فكبر و استقبل الكعبة، فدنا الرجل من ابي عبد الله (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): اسكن يا عبد الله. فلما كلمه- و كان الرجل أعجميا- فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما تقول؟ قال: كنت رجلا أعمل بيدي، فاجتمعت لي نفقة، فجئت أحج لم أسأل أحدا عن شيء، فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي و انزعه من قبل رجلي، و ان حجي فاسد، و ان علي بدنة. فقال له: متى لبست قميصك، أبعد ما لبيت أم قبل؟ قال: قبل ان ألبي. قال: فأخرجه من رأسك، فإنه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحج من قابل، أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه. طف بالبيت سبعا، و صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) واسع بين الصفا و المروة، و قصر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهل بالحج، و اصنع كما يصنع الناس».

أقول: ظاهر هذين الخبرين ان لبس الثوب قبل الإحرام و الإحرام فيه انما كان عن جهل، و انه معذور في ذلك لمكان الجهل. و صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة و ان كانت مطلقة إلا انه يمكن حمل إطلاقها على الخبرين. و حينئذ فيشكل الحكم بالصحة في من تعمد الإحرام في المخيط عالما بالحكم. إلا انه قد تقدم من الاخبار ما يدل على ان الإحرام إنما هو عبارة عن التلبية و أخويها، فترك الثوبين لا يضربه و لا يبطله.

نعم يكون الإحرام فيهما (1) تعمدا موجبا للإثم، و الظاهر سقوطه

____________

(1) هكذا وردت العبارة في النسخة المطبوعة و المخطوطة، و الظاهر سقوط كلمة «ترك» من العبارة، و الصحيح هكذا: «نعم يكون ترك الإحرام فيهما تعمدا موجبا للإثم».

79

بالجهل حينئذ هو المؤاخذة و المعاقبة على ذلك.

ثم انه من ما يدل على وجوب الشق و الإخراج من الرجلين إذا كان اللبس بعد الإحرام

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا لبست قميصا و أنت محرم فشقه و أخرجه من تحت قدميك».

و ما رواه في الكافي في الصحيح- أو الحسن على المشهور- عن معاوية بن عمار ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان لبست ثوبا في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلب و أعد غسلك. و ان لبست قميصا فشقه و أخرجه من تحت قدميك».

و تحقيق القول في المقام يتوقف على بيان مسائل:

الأولى [كيفية لبس ثوبي الإحرام]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) الاتفاق على انه يتزر بأحد الثوبين، و اما الآخر فهل يتردى به أو يتخير بين ان يتردى به أو يتوشح؟ قولان، و بالأول صرح العلامة في المنتهى و التذكرة، و بالثاني الشهيدان في الدروس و المسالك و الروضة، و قبلهما الشيخان في المقنعة و المبسوط. و التوشح تغطية أحد المنكبين و الارتداء تغطيتهما معا. و به صرح في المسالك و الروضة. و ذكر ابن حمزة في الوسيلة أنه لا بد في الإزار من كونه ساترا لما بين السرة و الركبة، و بذلك صرح في المسالك ايضا.

و الذي صرح به أهل اللغة في معنى التوشح هو انه عبارة عن إدخال الثوب تحت اليد اليمنى و إلقاء طرفيه على المنكب الأيسر. قال في المغرب: توشح الرجل، و هو ان يدخل ثوبه تحت يده اليمنى و يلقيه

____________

(1) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

80

على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم. و كذلك الرجل يتوشح بحمائل سيفه، فتقع الحمائل على عاتقه اليسرى فتكون اليمنى مكشوفة. و قال في كتاب المصباح المنير: و توشح بثوبه، و هو ان يدخله تحت إبطه الأيمن و يلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام

صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة في كيفية التلبيات الأربع (1) و فيها: «و التجرد في إزار و رداء، أو إزار و عمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء».

و في رواية محمد بن مسلم (2): «يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء».

و في صحيحة معاوية بن عمار (3): «و لا سراويل إلا ان يكون له إزار».

و المستفاد من هذه الاخبار ان الثوبين أحدهما إزار و الآخر رداء، و من الظاهر ان الذي جرت به العادة في لبسهما هو شد الإزار من السرة و وضع الرداء على المنكبين، و الظاهر انه في حال الإحرام كذلك ايضا. فالقول بالتوشح بالرداء- كما ذكروه- لا اعرف له وجها. و مجرد ذكر أهل اللغة- في بيان التوشح انه كما يفعل المحرم- لا يصلح دليلا، إذ لعله مخصوص بمذهب المخالفين المصرحين بذلك (4) و قال في المدارك:

و يعتبر في الإزار ستر ما بين السرة و الركبة، و في الرداء كونه من ما يستر المنكبين. و يمكن الرجوع فيه الى العرف. و لا يعتبر في وضعه كيفية

____________

(1) ص 58، و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.

(2) الفقيه ج 2 ص 218، و الوسائل الباب 44 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 35 من تروك الإحرام رقم (1) و اللفظ فيها بنحو الخطاب.

(4) العناية في شرح الهداية على هامش فتح القدير ج 2 ص 135، و حاشية البحر الرائق لمحمد عابدين الحنفي ج 2 ص 320.

81

مخصوصة. و ظاهره جواز الاتشاح كما تقدم. و بالجملة فالواجب حمل إطلاق الاخبار المذكورة على ما جرت به العادة من لبس الثوبين المذكورين.

و به يظهر قوة القول الأول.

الثانية [عدم جواز الإحرام في ما لا تجوز الصلاة فيه]

- قد صرح الأصحاب بأنه لا يجوز الإحرام في ما لا يجوز لبسه في الصلاة. و مقتضى ذلك عدم جوازه في الحرير المحض، و النجس بنجاسة غير معفو عنها في الصلاة، و ما يحكى الصورة، و جلد غير المأكول.

و يمكن ان يستدل على ذلك بمفهوم

قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز (1): «كل ثوب تصلي فيه فلا بأس ان تحرم فيه».

فان كلا من الأشياء المعدودة من ما في الصلاة فيه البأس. بل ربما يفهم من الرواية المذكورة عدم الإحرام في الجلد و ان كان من مأكول اللحم، لعدم صدق الثوب عليه عرفا.

و إطلاق كلام الأصحاب يقتضي عدم الإحرام في ما يحكي العورة إزارا كان أو رداء. و جزم الشهيد في الدروس بالمنع من الإزار الحاكي، و جعل اعتبار ذلك في الرداء أحوط. و الأقرب عدم اعتباره فيه، حيث انه تجوز الصلاة فيه و ان كان حاكيا.

و يدل على وجوب الطهارة في الثوبين- زيادة على ما تقدم-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم تصيب ثوبه الجنابة. قال: لا يلبسه حتى يغسله. و إحرامه تام».

____________

(1) الوسائل الباب 27 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 37 من تروك الإحرام.

82

قال في المدارك: و مقتضى الرواية عدم جواز لبس النجس حال الإحرام مطلقا. و يمكن جمله على ابتداء اللبس، إذ من المستبعد وجوب الإزالة عن الثوب دون البدن. إلا ان يقال بوجوب إزالتها عن البدن أيضا للإحرام. و لم أقف على مصرح به، و ان كان الاحتياط يقتضي ذلك. انتهى. و هو جيد.

و من ما يؤيد ذلك ايضا

ما رواه الكليني في الحسن أو الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه التي أحرم فيها و غيرها. قال: لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة».

أقول: ظاهر هذه الرواية موافق لظاهر الصحيحة المتقدمة في اشتراط استدامة طهارة ثوبي الإحرام، و عدم جواز لبس النجس حال الإحرام و لا يبعد القول به و ان لم يتنبه له الأصحاب في المقام.

الثالثة [هل يجوز إحرام النساء في الحرير المحض؟]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز إحرام النساء في الحرير المحض، فنقل عن الشيخ المفيد في كتاب أحكام النساء، و ابن إدريس، و جمع من الأصحاب: الجواز، و هو المشهور بين المتأخرين و اليه مال في المدارك و الذخيرة، و عن الشيخ و ابن الجنيد: القول بالمنع، و به صرح الشيخ المفيد في المقنعة، و الشهيد في الدروس.

و استدل على القول الأول

بصحيحة يعقوب بن شعيب (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة تلبس القميص تزره عليها؟

____________

(1) الفروع ج 4 ص 340 و 341، و الوسائل الباب 30 من الإحرام.

و الباب 37 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 33 من الإحرام.

83

و تلبس الحرير و الخز و الديباج؟ فقال: نعم لا بأس به».

و صحيحة حريز المتقدمة (1) الدالة على ان كل ثوب يصلى فيه فلا بأس ان يحرم فيه. و الحرير من ما يجوز للنساء الصلاة فيه.

و رواية النضر بن سويد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن المرأة المحرمة أي شيء تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلها إلا المصبوغة بالزعفران و الدروس. الى ان قال: و لا بأس بالعلم في الثوب. الحديث».

و الذي يدل على المنع صريحا

صحيحة العيص بن القاسم (3) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير و القفازين، و كره النقاب».

و ما رواه الكليني عن داود بن الحصين عن أبي عيينة (4) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام): ما يحل للمرأة ان تلبس و هي محرمة؟ قال: الثياب كلها ما خلا القفازين و البرقع و الحرير. قلت:

تلبس الخز؟ قال: نعم. قلت: فان سداه إبريسم و هو حرير؟ قال:

ما لم يكن حريرا خالصا فلا بأس».

و رواه الشيخ في التهذيب عن

____________

(1) ص 81.

(2) الوسائل الباب 33 من الإحرام، و الباب 39 و 49 من تروك الإحرام و الحديث ينتهي بقوله (ع): «و لا بأس بالعلم في الثوب» فكلمة «. الحديث» لعلها زيادة من الناسخ.

(3) الفروع ج 4 ص 344، و التهذيب ج 5 ص 73 و 74، و الوسائل الباب 33 من الإحرام، و الباب 48 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 345، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

84

داود بن الحصين (1).

و ما رواه أيضا في الموثق عن إسماعيل بن الفضل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة هل يصلح لها ان تلبس ثوبا حريرا و هي محرمة؟ قال: لا، و لها ان تلبسه في غير إحرامها».

و في الموثق عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «النساء تلبس الحرير و الديباج إلا في الإحرام».

و روى الشيخ في التهذيب عن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال فيه: «فأما المرأة فإنها يلبس من الثياب ما شاءت ما خلا الحرير المحض و القفازين».

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر من كتاب نوادر احمد ابن محمد بن ابي نصر عن جميل (5) «انه سأل أبا عبد الله (عليه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 75، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 346، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 16 من لباس المصلي.

(4) لم أجد حديثا لمسمع بهذا المضمون في كتب الحديث، و قد روى الشيخ في التهذيب ج 5 ص 73 عن مسمع حديثا في نسيان الحلق أو التقصير و في لبس المحرم الخاتم. ثم قال الشيخ: فأما المرأة فإنها تلبس من الثياب ما شاءت ما خلا الحرير المحض و القفازين، و لا تلبس حليا تتزين به، و لا تلبس الثياب المصبوغة المفدمة. ثم ذكر الروايات الواردة في ذلك.

و الظاهر ان منشأ نسبة هذا اللفظ الى مسمع هو تخيل ان كلام الشيخ جزء من حديث مسمع.

(5) الوسائل الباب 33 من الإحرام.

85

السلام). الى ان قال: و عن المرأة تلبس الحرير؟ قال: لا».

و الحديث- كما ترى- صحيح.

و أصحابنا (رضوان الله عليهم) لم ينقلوا من هذه الروايات إلا القليل و هو ما حضرهم. و أجابوا عنه بالحمل على الكراهة و ترك الأفضل جمعا.

و أيد هذا الحمل الفاضل الخراساني في الذخيرة بجملة من الاخبار الدالة على ذلك:

مثل

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبيد الله الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان تحرم المرأة في الذهب و الخز و ليس يكره إلا الحرير المحض».

و عن سماعة في الموثق عن الصادق (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرمة تلبس الحرير؟ فقال: لا يصلح ان تلبس حريرا محضا لا خلط فيه، فاما الخز و العلم في الثوب فلا بأس ان تلبسه و هي محرمة. و تلبس الخز، اما انهم يقولون ان في الخز حريرا. و إنما يكره الحرير المبهم».

و عن ابي بصير المرادي (3) «سأله عن القز تلبسه المرأة في الإحرام؟

قال: لا بأس، إنما يكره الحرير المبهم».

____________

(1) الوسائل الباب 33 من الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 220، و الوسائل الباب 33 من الإحرام. و ليس فيه توجيه السؤال بالنحو الذي ذكره (قدس سره).

(3) الفقيه ج 2 ص 220، و الوسائل الباب 33 من الإحرام، و المسؤل هو أبو عبد الله (ع).

86

و روى الكليني في الموثق عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا ينبغي للمرأة ان تلبس الحرير المحض و هي محرمة، فاما في الحر و البرد فلا بأس».

و في الصحيح عن ابي الحسن الأحمسي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن العمامة السابرية فيها علم حرير، تحرم فيها المرأة؟ قال: نعم، إنما يكره ذلك إذا كان سداه و لحمته جميعا حريرا. الحديث».

و أنت خبير بان استعمال لفظ الكراهة في الاخبار بمعنى التحريم و كذا لفظ: «لا ينبغي» من ما لا يكاد يعد و لا يحصى كثرة، و قد حققنا في غير موضع من زبرنا و مؤلفاتنا ان هذين اللفظين و نحوهما من لفظ «لا أحب» و لفظ «الوجوب و السنة» و نحوها من ما قد وقع استعمالها في الاخبار في المعنيين استعمالا شائعا لا يمكن الحمل على أحدهما إلا مع القرينة الصارفة عن المعنى الآخر.

و قد ساعدنا السيد السند في المدارك على ما ذكرناه في الاخبار المصرحة بالكراهة، فقال- بعد احتمال الجمع بين الاخبار بحمل النهي على الكراهة، و الاستدلال بصحيحة الحلبي- ما لفظه: لكن في حمل الكراهة الواقعة في الروايات على المعنى المتعارف نظر تقدم تقريره مرارا. انتهى. و هو إشارة الى ما ذكرناه من استعمال الكراهة في التحريم استعمالا شائعا.

و حينئذ فيرجع الكلام الى الروايات المتقدمة و النظر في الترجيح

____________

(1) الوسائل الباب 16 من لباس المصلي.

(2) الوسائل الباب 33 من الإحرام.

87

بينها، فان الروايات الاولى من ما استدل بها على الجواز، و الروايات الأخيرة ظاهرة في التحريم.

و هو الأظهر عندي في المسألة (اما أولا): فلأن روايات التحريم أكثر فترجع بالكثرة.

و (اما ثانيا): فبحمل صحيحة يعقوب بن شعيب التي هي أظهر ما استدل به لهذا القول- و عليها اقتصر في المدارك- على الحرير الغير المحض.

و بذلك صرح أيضا في المدارك، فإنه احتمل في الجمع بين الاخبار (أولا) بحمل النهي على الكراهة، ثم رده بما قدمنا نقله عنه.

و (ثانيا) بحمل الأخبار المبيحة على ان المراد بالحرير غير المحض.

و استشهد برواية داود بن الحصين المتقدمة، ثم طعن فيها بضعف السند.

و أنت خبير بأنه مع الإغماض عن المناقشة في هذا الطعن كما قدمناه مرارا، فإن الرواية المذكورة معتضدة بجملة من الروايات التي فيها الصحيح و الموثق و غيرهما، فيتعين حملها البتة على ما ذكرناه.

و اما صحيحة حريز باعتبار دلالتها على ان كل ثوب يصلى فيه يجوز الإحرام فيه، فان فيه انه و ان كان المشهور هو جواز صلاة النساء في الحرير المحض، و لم ينقلوا الخلاف في ذلك إلا عن الصدوق، إلا ان ما ذهب اليه الصدوق معتضد بجملة من الروايات ايضا، و قوله لا يخلو من القوة.

و من ما يدل عليه

ما رواه في الخصال (1) عن جابر الجعفي عن

____________

(1) ج 2 ص 142، و الوسائل الباب 16 من لباس المصلي، و الباب 123 من مقدمات النكاح.

88

ابي جعفر (عليه السلام) قال: «يجوز للمرأة لبس الديباج و الحرير في غير صلاة و إحرام».

و رواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سمعته ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء إلا ما كان من حرير مخلوط.

الى ان قال: و إنما يكره الحرير المحض للرجال و النساء».

و اما رواية النضر بن سويد فيقيد إطلاقها بما صرحت به الروايات الأخر، و يستثني الحرير كما استثنته تلك الاخبار، و من هنا تحصل القرينة الدالة على حمل «الكراهة» و لفظ «لا ينبغي» في الاخبار المتقدمة على التحريم، و تنتظم تلك الاخبار في اخبار التحريم. و يعضده رواية زرارة المذكورة، فإنه- بعد ان نقل عن الامام (عليه السلام) انه سمعه ينهى عن لباس الحرير، للرجال و النساء الدال على التحريم عملا بحقيقة النهى- قال في آخر الرواية: «و إنما يكره الحرير المحض» فعبر عن التحريم الذي ذكره في صدر الرواية بالكراهة.

و بالجملة فالأظهر عندي هو القول بالتحريم، و لا سيما مع اعتضاده بالاحتياط و حصول يقين البراءة.

الرابعة [جواز لبس المخيط للنساء حال الإحرام]

- المعروف من مذهب الأصحاب جواز لبس المخيط للنساء حتى قال العلامة في التذكرة. انه مجمع عليه بين الأصحاب. و قال في المنتهى: يجوز للمرأة لبس المخيط إجماعا، لأنها عورة و ليست كالرجال. و لا نعلم فيه خلافا إلا قولا شاذا للشيخ لا اعتداد به. انتهى.

____________

(1) التهذيب ج 2 ص 367، و الوسائل الباب 13 و 16 من لباس المصلي.

89

و الظاهر انه اشارة الى ما ذكره الشيخ في النهاية (1) حيث قال:

و يحرم على المرأة في حال الإحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرجل، و يحل لها جميع ما يحل له. ثم قال بعد ذلك: و قد وردت رواية بجواز لبس القميص للنساء، و الأصل ما قدمناه. فاما السراويل فلا بأس بلبسه لهن على كل حال. انتهى.

و الظاهر هو القول المشهور، لما عرفت من تصريح صحيحة يعقوب ابن شعيب بأن المرأة تلبس القميص تزره عليها. و الروايات التي بعدها من انها تلبس ما شاءت إلا ما استثنى.

و اما ما يدل على جواز لبس السراويل لهن فهو

ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد الحلبي (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة إذا أحرمت، أ تلبس السراويل؟ قال: نعم إنما تريد بذلك الستر».

و تجوز الغلالة للحائض، و هي بكسر الغين: ثوب رقيق يلبس تحت الثياب. و جواز ذلك لها من ما لا خلاف فيه، بل نقل غير واحد منهم الإجماع عليه، حتى ان الشيخ في النهاية صرح بجوازه و كذا جواز السراويل كما تقدم في عبارته، مع ما عرفت من صدر عبارته الدالة على المنع للمرأة من لبس المخيط و انه يحرم عليها ما يحرم على الرجل.

و من ما يدل على الجواز

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن

____________

(1) باب (ما يجب على المحرم اجتنابه و ما لا يجب). و الظاهر انه يقصد بذلك صحيحة يعقوب بن شعيب المتقدمة ص 82.

(2) الوسائل الباب 50 من تروك الإحرام.

90

سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «تلبس المحرمة الحائض تحت ثيابها غلالة».

و رواه ابن بابويه عن عبد الله في الصحيح مثله (2).

الخامسة [جواز تعدد الثياب و إبدالها في حال الإحرام]

- الظاهر انه لا خلاف في انه يجوز تعدد الثياب و إبدالها إلا أنه إذا أراد الطواف فالأفضل أن يطوف في ثوبيه اللذين أحرم فيهما.

و يدل على الحكم الأول

ما رواه الكليني في الحسن أو الصحيح عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يتردى بالثوبين؟ قال: نعم، و الثلاثة ان شاء، يتقي بها الحر و البرد».

و على الثاني و الثالث

ما رواه الصدوق في الصحيح و الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس بأن يغير المحرم ثيابه، و لكن إذا دخل مكة لبس ثوبي إحرامه اللذين أحرم فيهما. و كره ان يبيعهما».

قال الصدوق:

و قد رويت رخصة في بيعهما (5).

و يدل على الحكم الثاني زيادة على الرواية المذكورة

ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) في حديث قال: «و لا بأس ان يحول المحرم ثيابه».

و روى الشيخ عن الحلبي (7) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوبين يرتدي بهما المحرم. قال: نعم، و الثلاثة، يتقي بها الحر

____________

(1) الوسائل الباب 52 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 52 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 30 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 31 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 31 من الإحرام.

(6) الوسائل الباب 31 من الإحرام.

(7) التهذيب ج 5 ص 70، و الوسائل الباب 30 و 31 من الإحرام.

و الباب 38 من تروك الإحرام.

91

و البرد.

و سألته عن المحرم يحول ثيابه؟ فقال: نعم. و سألته:

يغسلها إن أصابها شيء؟ قال: نعم. و إذا احتلم فيها فليغسلها».

السادسة [جواز لبس السراويل و القباء إذا لم يكن له إزار و رداء]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في جواز لبس السراويل إذا لم يكن له إزار، و جواز لبس القباء إذا لم يكن له رداء. إلا ان كلامهم في الثاني لا يخلو من اشتباه.

و قد وقع الخلاف في موضعين

أحدهما [هل يختص لبس القباء بفقد الثوبين معا؟]

- انه هل يكون جواز لبس القباء عند فقد ثوبي الإحرام معا أو فقد الرداء خاصة؟ ظاهر المحقق في الشرائع و النافع: الأول، حيث قال في الأول: و إذا لم يكن مع الإنسان ثوبا الإحرام و كان معه قباء، جاز لبسه مقلوبا، و يجعل ذيله على كتفيه. و قال في الثاني: و يجوز لبس القباء مع عدمهما مقلوبا و بذلك صرح الشيخ في النهاية أيضا، حيث قال: فإذا لم يكن مع الإنسان ثوبا الإحرام و كان معه قباء فليلبسه مقلوبا، و لا يدخل يديه في يدي القباء. و نحوها عبارته في المبسوط ايضا. و به صرح ابن إدريس في السرائر. و ربما أشعر تصريح هؤلاء بذلك بشهرة ذلك عند المتقدمين عليهم، مع انه لم ينقل ذلك إلا عن المحقق في عبارتيه المتقدمتين. و بالثاني صرح الشهيدان في اللمعة و الدروس و المسالك قال في المسالك بعد نقل عبارة الشرائع المذكورة: و تعليق الحكم بذلك على فقد الثوبين يشعر بان واجد أحدهما لا يجوز له لبسه، و الظاهر جوازه مع فقد أحدهما خاصة خصوصا الرداء. و خصه في الدروس بفقده و جعل السراويل بدلا عن الإزار. انتهى. و عبائر جملة من الأصحاب هنا مجملة مثل عبارة العلامة في المنتهى، حيث قال: و لا يجوز له لبس القباء بالإجماع، لانه مخيط، فان لم يجد ثوبا جاز له ان يلبسه مقلوبا

92

و لا يدخل يديه في يدي القباء. و نحوها عبارته في التذكرة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام منه:

صحيحة عمر ابن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين، و ان لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباء بعد ان ينكسه».

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) «في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل؟ قال: نعم، و لكن يشق ظهر القدم. و يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء، و يقلب ظهره لباطنه».

و في الكافي عن مثنى الخياط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«من اضطر الى ثوب و هو محرم و ليس معه إلا قباء فلينكسه و ليجعل أعلاه أسفله و يلبسه».

قال: و في رواية أخرى (4): «يقلب ظهره بطنه إذا لم يجد غيره».

و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في رجل هلكت نعلاه و لم يقدر على نعلين؟ قال: له ان يلبس الخفين إذا اضطر الى ذلك، و ليشقه عن ظهر القدم.

و ان لبس الطيلسان فلا يزره عليه.

و ان اضطر الى قباء من برد و لا يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا، و لا يدخل يديه في يدي القباء».

و أنت خبير بان ظاهر صحيحتي عمر بن يزيد و محمد بن مسلم الدلالة

____________

(1) الوسائل الباب 44 من تروك الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 218، و الوسائل الباب 44 و 51 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 44 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 44 من تروك الإحرام.

(5) الفروع ج 4 ص 346، و الوسائل الباب 51 و 36 و 44 من تروك الإحرام.

93

على ما ذكره الشهيدان.

و الذي يظهر لي في الجمع بين هذه الاخبار هو انه متى فقد الرداء خاصة جاز له لبس القباء، كما دلت عليه الصحيحتان المذكورتان، و متى فقدهما معا، فان وجد السراويل جعلها عوضا عن الإزار- كما دل عليه جملة من الاخبار- و جعل القباء عوضا عن الرداء، و متى فقد السراويل اجتزأ بالقباء عوضا عن الثوبين. و هو الذي دلت عليه ما بعد الصحيحتين المذكورتين من الاخبار التي ذكرناها، فإنها قد اشتركت في الدلالة على انه اضطر الى القباء لعدم وجود ثوب غيره من إزار و سراويل و نحوهما. و اما تقييد الضرورة بالبرد في رواية أبي بصير فالظاهر ان هذه ضرورة أخرى غير الضرورة المذكورة في الاخبار الباقية.

و اما ما يدل على جواز السراويل مع فقد الإزار، فهو

ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تلبس ثوبا له أزرار و أنت محرم إلا ان تنكسه، و لا ثوبا تدرعه، و لا سراويل إلا ان لا يكون لك إزار، و لا خفين إلا ان لا يكون لك نعلان».

و ما رواه الكليني في الكافي في الموثق عن حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «المحرم يلبس السراويل إذا لم يكن معه إزار، و يلبس الخفين إذا يكن معه نعل».

و

ثانيهما [تفسير قلب القباء عند لبسه حال الإحرام]

- في انه هل المراد بقلب القباء هو تنكيسه و جعل ذيله

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 218، و الوسائل الباب 35 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 50 من تروك الإحرام.

94

على العنق، أو جعل باطنه ظاهره و بالعكس؟

و بالأول صرح ابن إدريس في السرائر، فقال: و ان لم يكن مع الإنسان ثوبان لإحرامه و كان معه قباء فليلبسه منكوسا، و معنى ذلك ان يجعل ذيله فوق أكتافه. و قال بعض أصحابنا: فليلبسه مقلوبا و لا يدخل يديه في يدي القباء. و الى ما فسرناه يذهب و يعني بقوله: «مقلوبا» لان المقصود بذلك انه لا يشبه لبس المخيط إذا جعل ذيله على أكتافه فاما إذا قلبه و جعل ذيله الى تحت فهذا يشبه لبس المخيط. و ما فسرناه به قد ورد صريحا في لفظ الأحاديث، أورده البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) في نوادره (1). و يجوز ان يلبس السراويل إذا لم يجد الإزار، و لا كفارة عليه. انتهى.

و بالثاني صرح الشيخ و جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم).

و اجتزأ العلامة في المنتهى و المختلف بكل من الأمرين، و هو الظاهر الذي عليه تجتمع الأخبار فإن بعضا منها قد اشتمل على تفسيره بالتنكيس، كصحيحة عمر بن يزيد و رواية مثنى الخياط، و بعضا فسره بجعل الظاهر باطنا و بالعكس، كصحيحة محمد بن مسلم و مرسلة الكليني، و هو الظاهر من صحيحة الحلبي و رواية أبي بصير، فإن النهي عن إدخال يديه في يدي القباء إنما يترتب على ذلك.

قيل: و الاحتياط يقتضي الجمع بين الأمرين. و فيه ان الروايات المذكورة قد اشتملت في بيان كيفية القلب على هاتين الصورتين و الإنسان مخير بينهما. و ما ذكروه صورة ثالثة لا مستند لها، فهي إلى خلاف الاحتياط أقرب منها اليه، كما لا يخفى.

و اما ما استند اليه ابن إدريس- من التعليل لما ذهب اليه- فعليل

____________

(1) الوسائل الباب 44 من تروك الإحرام.

95

و كأنه لم يقف على الروايات الدالة على القلب بالمعنى الآخر.

ثم انه قد صرح شيخنا الشهيد الثاني بأن المراد بالجواز في عبارات الأصحاب في قولهم: «يجوز لبس الثوب مقلوبا عند تعذر الثوبين أو أحدهما» هو الجواز بالمعنى الأعم، و المراد منه الوجوب، لانه بدل عن الواجب، و عمل بظاهر الأمر في النصوص. و هو جيد.

المقام الثاني- في مندوبات الإحرام

، و منها-

رفع الصوت بالتلبية

على المشهور. و قد تقدم بيان ذلك (1) في أول ملحقات المسألة الثالثة من مسائل التلبيات.

و منها-

تكرار التلبية في المواضع التي تضمنتها الاخبار

، كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار و صحيحة عبد الله بن سنان، و قد تقدمتا (2) في المسألة الثالثة من مسائل التلبيات.

و نحوهما

صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «و اجهر بها كلما ركبت، و كلما نزلت، و كلما هبطت واديا، أو علوت اكمة، أو لقيت راكبا، و بالأسحار».

و منتهى التلبية و تكرارها ان كان حاجا الى يوم عرفة عند الزوال كما دلت عليه الاخبار:

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية عند زوال الشمس».

و صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال:

____________

(1) ص 61.

(2) ص 56 و 57 و 58.

(3) الوسائل الباب 40 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 44 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 44 من الإحرام.

96

«الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس».

و صحيحة عمر بن يزيد (1) قال: «إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية».

و ظاهر الاخبار المذكورة وجوب القطع في الصورة المذكورة، و هو المنقول عن الشيخ علي بن بابويه و الشيخ (قدس سرهما).

و ان كان معتمرا بعمرة متعة فإذا شاهد بيوت مكة. قال في الدروس:

و نقل الشيخ الإجماع على ان المتمتع يقطعها وجوبا عند مشاهدة مكة.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المتمتع إذا نظر الى بيوت مكة قطع التلبية».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته: أين يمسك المتمتع عن التلبية؟ فقال:

إذا دخل البيوت بيوت مكة لا بيوت الأبطح».

و عن حنان بن سدير في الموثق عن أبيه (4) قال: «قال أبو جعفر و أبو عبد الله (عليهما السلام): إذا رأيت أبيات مكة فاقطع التلبية».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن معاوية بن عمار- و الكليني في الصحيح عنه ايضا- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا دخلت مكة و أنت متمتع فنظرت الى بيوت مكة فاقطع التلبية. و حد بيوت

____________

(1) الوسائل الباب 9 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.

(2) الوسائل الباب 43 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 43 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 43 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(5) الفروع ج 4 ص 399، و التهذيب ج 5 ص 94، و الوسائل الباب 43 و 44 و 45 من الإحرام.

97

مكة التي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين، و ان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن. فاقطع التلبية. و عليك بالتكبير و التهليل و التحميد و الثناء على الله (عز و جل) ما استطعت.

و ان كنت قارنا بالحج فلا تقطع التلبية حتى يوم عرفة عند زوال الشمس.

و ان كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم».

أقول: في رواية الشيخين المذكورين لهذا الخبر زيادة في بعض و نقيصة في آخر، و ما ذكرناه هو المجتمع من الروايتين.

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) «انه سئل عن المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال: إذا نظر الى أعراش مكة عقبة ذي طوى. قلت:

بيوت مكة؟ قال: نعم».

و قال الشيخ المفيد في المقنعة: و حد بيوت مكة عقبة المدنيين، و ان كان قاصدا لها من طريق العراق فإنه يقطع التلبية إذا بلغ عقبة ذي طوى. و الظاهر انه قصد بذلك الجمع بين صحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر المذكورة و بين صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة أو موثقته برواية الشيخين المتقدمين.

و اما

ما رواه الشيخ في التهذيب عن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2)- قال: «سألته عن تلبية المتعة متى تقطع؟ قال:

حين يدخل الحرم».

فحمله في الاستبصار على الجواز، و اخبار النظر الى البيوت على الفضل.

و ان كان معتمرا بعمرة مفردة فقيل بالتخيير في قطع التلبية بين

____________

(1) الوسائل الباب 43 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 43 من الإحرام.

98

دخول الحرم أو عند مشاهدة الكعبة. و هو مذهب الصدوق. و قيل:

ان كان ممن خرج من مكة للإحرام فإذا شاهد الكعبة، و ان كان ممن أحرم من خارج فإذا دخل الحرم. و اليه ذهب الشيخ و من تبعه.

و ما صرح به الشيخ صرح به في الشرائع.

و منشأ الخلاف اختلاف الاخبار ظاهرا، فإنه

قد روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه (1) في الصحيح عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «من أراد ان يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة و الحديبية و ما أشبههما،.

و من خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة».

و في الموثق عن يونس بن يعقوب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعتمر عمرة مفردة، من اين يقطع التلبية؟

قال: إذا رأيت بيوت ذي طوى فاقطع التلبية».

و عن الفضيل بن يسار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت: دخلت بعمرة، فأين اقطع التلبية؟ قال: حيال العقبة عقبة المدنيين؟ قلت: اين عقبة المدنيين؟ قال: حيال القصارين».

و عن مرازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الإبل أخفافها في الحرم».

____________

(1) ج 2 ص 276، و الوسائل الباب 22 من المواقيت، و الباب 45 من الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 277، و التهذيب ج 5 ص 95 و 96، و الوسائل الباب 45 من الإحرام.

(3) الفقيه ج 2 ص 277، و التهذيب ج 5 ص 95 و 96، و الوسائل الباب 45 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 45 من الإحرام.

99

ثم قال بعد ذكر هذه الروايات:

و روى (1): انه يقطع التلبية إذا نظر الى المسجد الحرام.

ثم قال (2): هذه الاخبار كلها صحيحة، متفقة ليست بمختلفة، و المعتمر عمرة مفردة في ذلك بالخيار يحرم من اي ميقات من هذه المواقيت شاء، و يقطع التلبية في أي موضع من هذه المواضع شاء، و هو موسع عليه. و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.

و قال الشيخ (3) بعد نقل هذه الروايات،

و رواية عمر بن يزيد الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل أخفافها في الحرم»:.

الوجه في الجمع بين هذه الاخبار ان نحمل الرواية الأخيرة- يعني:

رواية الفضيل- على من جاء من طريق المدينة خاصة، فإنه يقطع التلبية عند عقبة المدنيين، و الرواية التي قال فيها: «انه يقطع التلبية عند ذي طوى» على من جاء من طريق العراق، و الرواية التي تضمنت عند النظر إلى الكعبة على من يكون قد خرج من مكة للعمرة. و على هذا الوجه لا تنافي بينها و لا تضاد. و الرواية التي ذكرناها في الباب الأول «انه يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم» نحملها على الجواز و هذه الروايات مع اختلاف أحوالها على الفضل و الاستحباب. و كان أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه (رحمه الله تعالى) حين روى هذه

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 277، و الوسائل الباب 45 من الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 277.

(3) الاستبصار ج 2 ص 177 و 178.

(4) الوسائل الباب 45 من الإحرام.

100

الروايات حملها على التخيير حين ظن أنها متنافية، و على ما فسرناه ليست متنافية، و لو كانت متنافية لكان الوجه الذي ذكره صحيحا.

أقول: الوجه هو رجحان ما ذكره الشيخ (رحمه الله) و هو الذي استظهره في المسالك، قال بعد نقل عبارة المصنف: و التفصيل قول الشيخ (رحمه الله تعالى) تنزيلا لاختلاف الاخبار على اختلاف حال المعتمر فان كان قد خرج من مكة للإحرام بالعمرة المفردة من خارج الحرم فلا سبيل الى العمل بمدلول الأخبار المتضمنة لقطعها إذا دخل الحرم فإنه قد لا يكون بين موضع الإحرام و أول الحرم مسافة توجب التفصيل فيقطعها إذا شاهد الكعبة، و ان كان قد جاء محرما بها من أحد المواقيت فإذا دخل الحرم. و هذا هو الأصح. انتهى. و هو جيد.

و منها-

أن يشترط في إحرامه أن يحله حيث حبسه و فوائد هذا الاشتراط

، و ان لم تكن حجة فعمرة. و استحباب ذلك من ما اجمع عليه أصحابنا و أكثر العامة (1).

و الأصل فيه الأخبار المستفيضة،

كقول ابي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (2) الواردة في كيفية الإحرام:

«اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله) فان عرض لي شيء يحبسني فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة».

و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

____________

(1) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 282.

(2) ص 29.

(3) الوسائل الباب 16 من الإحرام.

101

«إذا أردت الإحرام و التمتع فقل: اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج، فيسر ذلك لي و تقبله مني و اعني عليه، و حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي».

و رواية الفضيل بن يسار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربه ان يحله حيث حبسه. و مفرد الحج يشترط على ربه ان لم تكن حجة فعمرة».

و رواية أبي الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحج، كيف يشترط؟ قال: يقول حين يريد ان يحرم: ان حلني حيث حبستني، فإن حبستني فهي عمرة. الحديث».

و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن حنان بن سدير في الموثق (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا أتيت مسجد الشجرة فافرض. قلت: فأي شيء الفرض؟ قال: تصلي ركعتين ثم تقول: اللهم اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج، فإن أصابني قدرك فحلني حيث حبستني بقدرك. فإذا أتيت الميل فلبه».

و الظاهر حصول الاشتراط بأي لفظ كان إذا أفاد معناه، كما صرح به في المنتهى، و ان كان الإتيان بالمرسوم اولى.

و المستفاد من بعض الاخبار المذكورة ان وقته بعد الصلاة، كما صرح به في صحيحة معاوية بن عمار، و رواية قرب الاسناد.

و الظاهر عدم حصول الاشتراط بمجرد النية بل لا بد من التلفظ به وقوفا على ظاهر الاخبار المذكورة. و تردد في المنتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 23 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 23 و 24 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 23 من الإحرام.

102

و اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في فائدة هذا الاشتراط و ما يترتب عليه على أقوال:

أحدها- ان فائدته سقوط الهدى مع الإحصار، و هو المنع بالمرض فيحصل التحلل متى اشترط بمجرد النية. و هو قول السيد المرتضى و ابن إدريس، مدعيين إجماع الفرقة عليه.

و قيل بعدم السقوط. و هو منقول عن الشيخ و ابن الجنيد، و اختاره في المختلف، و قواه في المنتهى.

و يدل على الأول

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ذريح المحاربي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج، و أحصر بعد ما أحرم، كيف يصنع؟ قال: فقال: أو ما اشترط على ربه قبل ان يحرم ان يحله من إحرامه عند عارض عرض له من أمر الله؟ فقلت: بلى قد اشترط ذلك قال: فليرجع إلى أهله حلالا لا إحرام عليه، ان الله أحق من وفى بما اشترط عليه. قلت:

أ فعليه الحج من قابل؟ قال: لا».

و صحيحة البزنطي (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم انكسرت ساقه، أي شيء يكون حاله؟ و أي شيء عليه؟ قال:

هو حلال من كل شيء. فقلت: من النساء و الثياب و الطيب؟

فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم. و قال: أو ما بلغك قول ابي عبد الله (عليه السلام): و حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. الحديث».

و التقريب فيهما انهما دلتا على التحلل بمجرد الإحصار متى اشترط

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 81، و الوسائل الباب 24 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 و 8 من الإحصار و الصد.

103

من غير تعرض لاعتبار الهدى، و لو كان واجبا لذكره في مقام البيان.

احتج الشيخ على عدم السقوط بقوله تعالى «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (1) و أجاب عنه السيد بأنه محمول على من لا يشترط.

و هو غير بعيد. و يؤيده ايضا ان المتبادر من قوله: «و حلني حيث حبستني» أن التحلل لا يتوقف على شيء أصلا.

قال في المدارك: و موضع الخلاف من لم يسق الهدى، اما السائق فقال فخر المحققين انه لا يسقط عنه بإجماع الأمة.

أقول: و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) و بسند آخر صحيح عن رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انهما قالا: القارن يحصر، و قد قال و اشترط: فحلني حيث حبستني. قال: يبعث بهديه. قلت: هل يتمتع في قابل؟ قال:

لا و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».

إلا ان الصدوق في الفقيه (3) قد ذكر هذا المضمون و قال: فلا يبعث بهديه. قال (قدس سره): «و القارن إذا أحصر و قد اشترط و قال: «و حلني حيث حبستني» فلا يبعث بهديه و لا يستمتع من قابل، و لكن يدخل في مثل ما خرج منه». و ظاهره- كما ترى- انه يتحلل بمجرد الشرط و ان كان قارنا، و لا يجب عليه بعث ما ساقه. و منه يظهر وقوع الخلاف في المسألة و عدم ثبوت الإجماع المدعى. و هو ظاهر في ان

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) التهذيب ج 5 ص 423، و الوافي باب (المحصور و المصدود) و الوسائل الباب 4 من الإحصار و الصد.

(3) ج 2 ص 305 و 306.

104

مذهب الصدوق في هذه المسألة هو ما ذهب اليه المرتضى.

إذا عرفت هذا فاعلم ان الروايات هنا قد اختلفت في وجوب الحج من قابل و عدمه في الصورة المذكورة.

فمن ما يدل على العدم ما تقدم في صحيحة ذريح و صحيحتي محمد بن مسلم و رفاعة المتقدمتين و غيرهما ايضا.

و من ما يدل على الوجوب قوله

في تتمة صحيحة البزنطي المتقدمة (1) «قلت: أصلحك الله ما تقول في الحج؟ قال: لا بد أن يحج من قابل».

و ما رواه الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن ابي بصير- و هو المرادي بقرينة عبد الله بن مسكان عنه- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترط في الحج: ان حلني حيث حبستني. أ عليه الحج من قابل؟

قال: نعم».

و في تتمة رواية أبي الصباح الكناني المتقدمة بعد ذكر ما قدمنا نقله منها (3) «فقلت له: فعليه الحج من قابل؟ قال: نعم».

و قال صفوان (4):

قد روى هذه الرواية عدة من أصحابنا كلهم يقول: ان عليه الحج من قابل.

و الشيخ قد جمع بين هذه الاخبار الوجوب على حجة الإسلام و اخبار العدم على الحج المستحب. و هو جيد.

و ثانيها- ان فائدته جواز التحلل عند الإحصار من غير تربص الى ان يبلغ الهدي محله، فإنه لو لم يشترط لم يجز له التعجيل. و هو ظاهر

____________

(1) الوسائل الباب 8 من الإحصار و الصد.

(2) ج 5 ص 80 و 81، و الوسائل الباب 24 من الإحرام، و الباب 8 من الإحصار و الصد.

(3) الوسائل الباب 24 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 24 من الإحرام.

105

المحقق في الشرائع و صريحة في النافع، حيث قال في الأول: الرابعة- إذا اشترط في إحرامه ان يحله حيث حبسه ثم أحصر تحلل، و هل يسقط الهدي؟ قيل: نعم، و قيل: لا، و هو الأشبه. و فائدة الاشتراط جواز التحلل عند الإحصار. و قيل: يجوز التحلل من غير شرط، و الأول أظهر. و التقريب فيها- بناء على ما ذكرناه- ان قوله: «و فائدة الاشتراط» جواب سؤال مقدر، و هو ان يقال: إذا أوجبتم هدي التحلل على المحصور و ان اشترط على ربه ان يحله حيث حبسه، فما فائدة هذا الاشتراط؟- و هذا هو الذي اعترض به ابن إدريس على الشيخ في القول المتقدم- و إذا لم يكن للشرط فائدة فقد انتفت شرعيته، و أنتم لا تقولون به. فأجاب ان فائدته جواز التحلل اي تعجيله للمحصور عند الإحصار من غير تربص الى ان يبلغ الهدي محله، فإنه لو لم يشترط لم يجز له التعجيل. و اما عبارة النافع فإنها صريحة في ذلك، حيث قال: و لا يسقط هدي التحلل بالشرط بل فائدته جواز التحلل للمحصور من غير تربص.

و ثالثها- ان فائدة هذا الشرط سقوط الحج في القابل عن من فاته الموقفان. ذكره الشيخ في التهذيب.

و استدل عليه

بما رواه في الصحيح عن ضريس بن أعين (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج، فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر. فقال: يقيم على إحرامه، و يقطع التلبية حين يدخل مكة، فيطوف و يسعى بين الصفا و المروة و يحلق

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 295 و 296، و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر. و الحديث عن ابي جعفر (ع).

106

رأسه، و ينصرف إلى اهله ان شاء. و قال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فان لم يكن اشترط فان عليه الحج من قابل».

و استشكله العلامة في المنتهى بان الحج الفائت ان كان واجبا لم يسقط فرضه في العام القابل بمجرد الاشتراط، و ان لم يكن واجبا لم يجب بترك الاشتراط. ثم قال: و الوجه حمل إلزام الحج في القابل مع ترك الاشتراط على شدة الاستحباب. انتهى. و هو جيد. و يؤكده ما صرح به في المنتهى في موضع آخر، حيث قال: الاشتراط لا يفيد سقوط فرض الحج في القابل لو فاته الحج، و لا نعلم فيه خلافا. ثم أورد صحيحة أبي بصير و رواية أبي الصباح الكناني المتقدمتين (1) ثم قال: و اما ما رواه جميل بن صالح عن ذريح المحاربي. و ساق الرواية المتقدمة (2) ثم نقل عن الشيخ حملها على من كان حجه تطوعا، و استحسنه. و بالجملة فإن الظاهر ان القول المذكور لا وجه له و روايته متأولة.

و رابعا- ان فائدة هذا الشرط استحقاق الثواب بذكره في عقد الإحرام، لأنه مأمور به، و ان لم يحصل له فائدة لم تحصل بدون الاشتراط. و هو قول شيخنا الشهيد الثاني في جملة من مصنفاته، قال في المسالك بعد ذكر الفوائد الثلاث المذكورة: و كل واحدة من هذه الفوائد لا تأتي على جميع الأفراد التي يستحب فيها الاشتراط: اما سقوط الهدى فمخصوص بغير السائق، إذ لو كان قد ساق هديا لم يسقط و اما تعجيل التحلل فمخصوص بالمحصر دون المصدود. و اما كلام التهذيب فمخصوص بالمتمتع. و ظاهر ان ثبوت التحلل بالأصل، و العارض

____________

(1) ص 101 و 104.

(2) ص 102.

107

لا مدخل له في شيء من الأحكام. و استحباب الاشتراط ثابت لجميع افراد الحج. و من الجائز كونه تعبدا أو دعاء مأمورا به يترتب على فعله الثواب. انتهى.

قال في المدارك بعد نقل الأقوال المذكورة: و الذي يقتضيه النظر ان فائدته سقوط التربص عن المحصر، كما يستفاد من قوله (عليه السلام): «و حلني حيث حبستني» و سقوط الهدي عن المصدود، لما ذكرناه من الأدلة. مضافا الى ضعف دليل وجوبه بدون الشرط، كما سنبينه في محله. بل لا يبعد سقوطه مع الحصر ايضا، كما ذهب اليه المرتضى و ابن إدريس. و لا ينافي ذلك

قوله (عليه السلام) في حسنة زرارة (1): «هو حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط».

لأن أقصى ما يستفاد من الرواية ثبوت التحلل مع الحبس في الحالين، و نحن نقول به. و لا يلزم من ذلك تساويهما من كل وجه، فيجوز افتراقهما بسقوط الدم مع الشرط و لزومه بدونه. و الله أعلم بحقائق أحكامه.

أقول: لا يخفى ان الظاهر من حسنة زرارة المذكورة الدالة على انه حل إذا حبسه شرط أو لم يشترط- و مثلها

ما رواه في الفقيه (2) عن حمزة بن حمران قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

____________

(1) الوسائل الباب 25 من الإحرام.

(2) ج 2 ص 306، و الوسائل الباب 23 من الإحرام، و الباب 8 من الإحصار و الصد. و اللفظ فيه هكذا: «سأل حمزة بن حمران أبا عبد الله (ع) عن الرجل يقول.» و ما أورده (قدس سره) يطابق ما في الفروع ج 4 ص 333، و التهذيب ج 5 ص 80.

108

الذي يقول: حلني حيث حبستني. فقال: هو حل حيث حبسه قال أو لم يقل».

و روى مثله عن حمران بن أعين (1)- انما هو التحلل بمجرد الحبس الذي هو عبارة عن الصد و الحصر. و هو بالنسبة إلى المصدود ظاهر، لما دلت عليه الاخبار. مضافا الى اتفاق أكثر الأصحاب من انه يتحلل بذبح الهدي في مكانه. اما المحصور الذي دلت الأخبار المعتضدة بكلام الأصحاب على انه لا يتحلل حتى يبلغ الهدي محله، من منى ان كان في حج، و مكة ان كان في عمرة- و مع هذا يبقى عليه تحريم النساء الى ان يأتي بالمناسك في العام القابل ان كان الحج واجبا، أو طواف النساء ان كان مستحبا، كما سيأتي ان شاء الله (تعالى) جميع ذلك مفصلا في بابه- فكيف يصدق عليه انه حل حيث حبسه شرط أو لم يشترط؟ إذ المتبادر من هذه العبارات إنما هو حله بمجرد الحبس من غير توقف على أمر آخر و هو في المحصور مع عدم الاشتراط ليس كذلك. و اما مع الاشتراط فيبني على الخلاف.

و بالجملة فظاهر الخبرين المذكورين- بناء على ما عرفت- لا يخلو من الاشكال. و بذلك يظهر لك ما في قوله: «لأن أقصى ما يستفاد من الرواية ثبوت التحلل مع الحبس في الحالين و نحن نقول به» فان فيه: انه إذا أراد ثبوت التحلل مع الحبس بالنسبة إلى الحصر بمجرد الحبس و ان كان مع عدم الشرط فهو لا يقول به و لا غيره، و ان أراد في الجملة و لو كان بعد بلوغ الهدى محله فهو خلاف ظاهر الخبر المذكور.

و كذا الخبر الآخر.

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 207، و الوسائل الباب 23 و 25 من الإحرام.

109

و الظاهر ايضا من اخبار هدي المحصور ان الغرض منه إنما هو التحلل به، و ان صاحبه يبقى على إحرامه إلى يوم الوعد بينه و بين أصحابه، ثم يحل في الساعة التي و أعدهم. و حينئذ فإن كان مجرد الحبس موجبا للحل كما هو ظاهر الروايتين المذكورتين فلا وجه للهدي حينئذ، لأن الغرض من الهدي بمعاونة الأخبار المشار إليها إنما هو التحلل، و هو قد تحلل بمجرد الحبس كما دل عليه الخبران المذكوران. و بذلك يظهر ما في قوله (قدس سره): «فيجوز افتراقهما بسقوط الدم مع الشرط و لزومه بدونه» بل لا فرق بينهما بظاهر الخبرين المشار إليهما.

و العجب انه تبعه على هذه المقالة جمع ممن تأخر عنه: منهم- الفاضل الخراساني في الذخيرة، و المحدث الكاشاني في الوافي، و لم يتنبهوا لما فيه من الاشكال المذكور.

و بالجملة فالمسألة عندي من جهة هذين الخبرين محل اشكال.

و الله العالم.

و منها-

التلفظ بما عزم عليه

. ذكر ذلك جملة من الأصحاب.

و يدل عليه جملة من الاخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج، فكيف أقول؟ قال:

تقول: اللهم اني أريد أن أتمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله). و ان شئت أضمرت الذي تريد».

و عن ابي الصلاح مولى بسام الصيرفي (2) قال: «أردت الإحرام

____________

(1) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 17 من الإحرام. و ارجع الى التعليقة (2) ص 30.

110

بالمتعة، فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أقول؟ قال: تقول:

اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى اللّٰه عليه و آله). و ان شئت أضمرت الذي تريد».

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أردت الإحرام و التمتع فقل: اللهم اني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج، فيسر ذلك لي، و تقبله مني، و اعني عليه و حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي، أحرم لك شعري و بشري من النساء و الطيب و الثياب. و ان شئت فلب حين تنهض، و ان شئت فأخره حتى تركب بعيرك و تستقبل القبلة فافعل».

قال السيد السند (قدس سره) في المدارك في هذا المقام: و الأفضل ان يذكر في تلبية عمرة التمتع الحج و العمرة معا، على معنى أنه ينوي فعل العمرة أولا ثم الحج بعدها باعتبار دخولها في حج التمتع

لقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي (2): «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول فيها: لبيك بحجة و عمرة معا لبيك».

و في صحيحة يعقوب بن شعيب (3) «فقلت له: كيف تصنع أنت؟ قال: اجمعهما فأقول: لبيك بحجة و عمرة معا».

و لو أهل المتمتع بالحج جاز، لدخول عمرة التمتع فيه، كما تدل عليه

صحيحة زرارة (4) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 16 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 21 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 17 و 21 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 22 من الإحرام. و الحديث في النسخ عن ابي عبد الله (عليه السلام) و هو عن ابي جعفر (عليه السلام) كما أوردناه.

111

«قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف أتمتع؟ قال: تأتي الوقت فتلبي بالحج، فإذا دخلت مكة طفت بالبيت، و صليت ركعتين خلف المقام، و سعيت بين الصفا و المروة، و قصرت، و أحللت من كل شيء.

و ليس لك ان تخرج من مكة حتى تحج».

قال الشهيد في الدروس- بعد ان ذكر ان في بعض الروايات الإهلال بعمرة التمتع، و في بعضها الإهلال بالحج، و في بعض آخر الإهلال بهما-: و ليس ببعيد اجزاء الجميع، إذ الحج المنوي هو الذي دخلت فيه العمرة. فهو دال عليها بالتضمن، و نيتهما معا باعتبار دخول الحج فيها. و هو حسن. قال في المنتهى: و لو اتقى كان الأفضل الإضمار. و استدل عليه بروايات: منها-

صحيحة منصور بن حازم (1) قال: «أمرنا أبو عبد الله (عليه السلام) ان نلبي و لا نسمي شيئا. و قال: أصحاب الإضمار أحب الي».

و لا بأس به. انتهى كلام السيد (قدس سره).

أقول: لا يخفى على من راجع الأخبار الجارية في هذا المضمار انه لما كان الحج الواجب على أهل الآفاق هو حج التمتع، و الأفضل من افراد الحج بعد الإتيان بحج الإسلام هو حج التمتع ايضا، و كان العامة يبالغون في المنع من التمتع (2) خرجت الاخبار في التلبية بحج التمتع مختلفة باختلاف مقتضيات الأحوال، فجملة منها تضمن التلبية بالحج و العمرة، و جملة خرجت بالتلبية بالحج- يعني: حج

____________

(1) الوسائل الباب 17 من الإحرام.

(2) ارجع الى الصفحة 358 و 359 و 405 من الجزء الرابع عشر من الحدائق.

112

الافراد- مع إضمار نية العدول عنه بعد الوصول إلى مكة و الإتيان بالطواف و السعي. و لكن اخبار هذا القسم ما بين مجمل- كصحيحة زرارة التي نقلها و حملها على حج التمتع، و ان تقدمه في ذلك في الدروس كما نقله عنه- و ما بين مصرح بالفسخ بعد الدخول إلى مكة كصحيحة البزنطي التي قدمناها في الفائدة الرابعة من الفوائد الملحقة بمسألة النية من المقصد الثاني (1) و مثلها صحيحة زرارة المنقولة عن كتاب الكشي كما قدمنا ذكرها ايضا (2) و روايات أخر تقدمت في الموضع المذكور (3). و الفاضلان المذكوران لعدم وقوفهما على تلك الروايات حملوا هذه الرواية- و مثلها صحيحة البزنطي الأخرى (4) لإجمالها ايضا- على حج التمتع. و هو سهو محض، فإنه لا يخفى على من لا حظ الاخبار بعين التدبر و الاعتبار ان لفظ الحج بقول مطلق انما يراد به حج الافراد، و كذا في عبارات الأصحاب أيضا. و جملة منها قد تضمنت الأمر بالإضمار. و سبيل هذين القسمين الأخيرين هو التقية فربما نادت بالإضمار، و ربما لم تناد إلا بالإجهار بالتلبية بحج الافراد فيلبي به و يضمر الفسخ بعد دخوله مكة.

و من ما يستأنس به لما ذكرناه- زيادة على ما قدمناه في الموضع المشار اليه من الروايات الواضحة-

صحيحة الحلبي التي نقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما ذكره (5) هذه صورتها: عن الحلبي عن

____________

(1) ص 35.

(2) ص 35 و 36، و ج 14 ص 401.

(3) ص 37 و 38.

(4) ص 36.

(5) الوسائل الباب 21 من الإحرام.

113

ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ان عثمان خرج حاجا، فلما صار الى الأبواء أمر مناديا ينادي بالناس: اجعلوها حجة و لا تمتعوا.

فنادى المنادي، فمر المنادي بالمقداد بن الأسود، فقال: اما لتجدن عند القلائص رجلا ينكر ما تقول. فلما انتهى المنادي الى علي (عليه السلام) و كان عند ركائبه يلقمها خبطا و دقيقا، فلما سمع النداء تركها و مضى الى عثمان، فقال: ما هذا الذي أمرت به؟ فقال:

رأي رأيته. فقال: و الله لقد أمرت بخلاف رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) ثم أدبر موليا رافعا صوته: لبيك بحجة و عمرة معا لبيك. الحديث» (1).

أقول: حيث كان عثمان لما فعله من البدع قد سقط قدره من أعين الناس لم يتقه و جاهر بخلافه. و لكن سنته و سنن أمثاله جرت بعد ذلك.

و اما

صحيحة يعقوب بن شعيب فهي ما رواه عنه في التهذيب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: كيف ترى لي ان أهل؟ فقال لي: ان شئت سميت و ان شئت لم تسم شيئا. فقلت له:

كيف تصنع أنت؟ فقال: اجمعهما فأقول: «لبيك بحجة و عمرة معا».

ثم قال: اما اني قد قلت لأصحابك غير هذا».

و منها-

أن يحرم في الثياب القطن الأبيض

. أما استحباب كونها قطنا فاستدل عليه

بما رواه الكليني في الكافي عن الحسن بن علي عن بعض أصحابنا عن بعضهم (عليهم السلام) (3) قال: «أحرم

____________

(1) صحيح البخاري باب (التمتع و الافراد و القران في الحج) و صحيح مسلم باب (جواز التمتع).

(2) ج 5 ص 88، و الوسائل الباب 17 و 21 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 27 من الإحرام.

114

رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في ثوبي كرسف».

و رواه الصدوق ايضا مرسلا (1).

و اما استحباب البيض

فلما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) انه قال: «خير ثيابكم البياض، فألبسوها أحياءكم، و كفنوا بها موتاكم».

و الظاهر ان هذه الرواية عامية، فإني لم أقف عليها في كتب الاخبار.

إلا انه قد روي نحو هذا المضمون في عدة من أخبارنا: منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب عن جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«قال النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): ليس من لباسكم شيء أحسن من البياض فالبسوه، و كفنوا فيه موتاكم».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن ابن القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): البسوا البياض، فإنه أطيب و اطهر. و كفنوا فيه موتاكم».

و عن مثنى الخياط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): البسوا البياض، فإنه أطيب و أطهر

____________

(1) الوسائل الباب 27 من الإحرام.

(2) نقل في الوسائل الباب 14 من أحكام الملابس عن مجالس الشيخ عن أبي هريرة عن النبي (ص) ما يقارب هذا اللفظ. و كذا في المسند لأبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي ج 1 ص 240.

(3) الوسائل الباب 19 من التكفين، و الباب 14 من أحكام الملابس.

(4) الوسائل الباب 19 من التكفين، و الباب 14 من أحكام الملابس.

(5) الوسائل الباب 19 من التكفين.

115

و كفنوا فيه موتاكم».

و يمكن تأييدها

بصحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان ثوبا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) اللذان أحرم فيهما يمانيين عبري و أظفار، و فيهما كفن».

و وجه التأييد ما ورد من استحباب التكفين في الثياب البيض (2).

و لا بأس بالإحرام بالثوب الأخضر،

لما رواه الصدوق و الكليني عن خالد بن ابي العلاء الخفاف (3) قال: «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) و عليه برد أخضر و هو محرم».

و المصبوغ بمشق،

لما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سمعته و هو يقول: كان علي (عليه السلام) محرما و معه بعض صبيانه، و عليه ثوبان مصبوغان، فمر به عمر بن الخطاب فقال: يا أبا الحسن ما هذان الثوبان المصبوغان؟

فقال (عليه السلام): ما نريد أحدا يعلمنا بالسنة، إنما هما ثوبان صبغا بالمشق، يعني: الطين».

و الخز،

لما رواه الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن محمد بن عبد الله الحميري (5) «انه كتب الى صاحب الزمان (عليه السلام): هل يجوز للرجل ان يحرم في كساء خز أم لا؟ فكتب إليه في الجواب:

____________

(1) الوسائل الباب 5 من التكفين، و الباب 27 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 19 من التكفين.

(3) الوسائل الباب 28 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 42 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 32 من الإحرام.

116

لا بأس بذلك، و قد فعله قوم صالحون».

و رواه الشيخ في كتاب الغيبة مثله (1).

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) «انه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المحرم يلبس الخز؟ قال: لا بأس».

و رواه الكليني مثله (3).

و البرد،

لما رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن حماد النواء (4) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام)- أو سئل و هو حاضر- عن المحرم يحرم في برد؟ قال: لا بأس به، و هل كان الناس يحرمون إلا في البرد».

و عن عمرو بن شمر عن أبيه (5) قال: «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) و عليه برد مخفف و هو محرم».

و الظاهر ان معنى قوله: «مخفف» اي رقيق شفاف يرى ما تحته.

المقصد الثالث في أحكام الإحرام

و قد تقدم أكثرها في المباحث المتقدمة، إلا انه بقي جملة منها يجب تحريرها في مسائل:

[المسألة] الأولى [الإحرام بحج التمتع قبل التقصير من عمرته]

- لا يجوز لمن عقد إحراما أن يعقد إحراما آخر حتى يأتي بأفعال ما أحرم له أو لا كملا، و الظاهر انه لا خلاف فيه كما يظهر من المنتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 32 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 32 من الإحرام. و المسؤل في الوسائل هو أبو الحسن (ع) كما أورده، و في الفقيه ج 2 ص 218 هو أبو عبد الله (ع).

(3) الوسائل الباب 32 من الإحرام.

(4) الوسائل الباب 28 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 28 من الإحرام.

117

و يدل عليه قوله (عز و جل) «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ» (1) و بإدخال أحدهما على الآخر لا يحصل الإتمام.

و يدل عليه أيضا الأخبار الدالة على كيفية كل من هذه الأفراد التي يحرم لها من عمرة التمتع و حجه و حج الافراد و عمرته، فإنها صريحة في وجوب إكمال كل منها، فإدخال بعضها في بعض خلاف الكيفية المستفادة من الشرع، فيكون تشريعا.

و على هذا فلو أحرم بحج التمتع قبل التقصير من عمرته، فان كان ناسيا فالمشهور انه لا شيء عليه. و قيل عليه دم، نقل ذلك عن الشيخ علي بن بابويه و الشيخ الطوسي و ابن البراج. و حكى العلامة في المنتهى قولا لبعض الأصحاب ببطلان الإحرام الثاني و البقاء على الإحرام الأول مع انه قال في المختلف: لو أخل بالتقصير ساهيا و ادخل إحرام الحج على العمرة سهوا لم يكن عليه إعادة الإحرام و تمت عمرته إجماعا و صح إحرامه. ثم نقل الخلاف في وجوب الدم خاصة.

و كيف كان فالظاهر هو القول المشهور،

لما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل متمتع نسي أن يقصر حتى أحرم بالحج؟ قال: يستغفر الله تعالى».

و في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج، فدخل مكة فطاف و سعى، و لبس ثيابه و أحل، و نسي أن يقصر حتى خرج الى عرفات.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) الوسائل الباب 54 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(3) الوسائل الباب 54 من الإحرام. و الشيخ يرويه عن الكليني.

118

قال: لا بأس به، يبنى على العمرة و طوافها و طواف الحج على أثره».

و في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل أهل بالعمرة و نسي أن يقصر حتى دخل في الحج. قال: يستغفر الله و لا شيء عليه، و تمت عمرته».

احتج الشيخ على وجوب الدم

بما رواه عن إسحاق بن عمار في الموثق (2) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يتمتع فينسى أن يقصر حتى يهل بالحج؟ فقال: عليه دم يهريقه».

قال في الفقيه (3): الدم على الاستحباب، و الاستغفار يجزئ عنه و الخبران غير مختلفين.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (4): و ان نسي المتمتع التقصير حتى يهل بالحج كان عليه دم. و روى يستغفر الله.

و هذا هو مستند الشيخ على بن بابويه، بل الظاهر ان عبارته- لو نقلت- عين هذه العبارة، كما عرفته في غير موضع من ما تقدم.

و ان كان عامدا فقيل انه تبطل عمرته و يصير حجة مفردا، ذهب اليه الشيخ و جمع من الأصحاب: منهم- الشهيد في شرح الإرشاد، و صاحب الجامع على ما نقله فيه ايضا، و العلامة في المختلف و التذكرة و المنتهى، و الشهيد الثاني في المسالك، و الظاهر انه المشهور. و ذهب

____________

(1) الوسائل الباب 54 من الإحرام، و الباب 6 من التقصير. و الشيخ يرويه عن الكليني.

(2) الوسائل الباب 54 من الإحرام، و الباب 6 من التقصير.

(3) ج 2 ص 237، و الوسائل الباب 6 من التقصير.

(4) ص 29.

119

ابن إدريس إلى بطلان الإحرام الثاني و البقاء على الإحرام الأول.

استدل

الشيخ في التهذيب على ما ذهب اليه بما رواه في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المتمتع إذا طاف و سعى ثم لبى قبل ان يقصر، فليس له ان يقصر، و ليس له متعة».

و هذه الرواية قد وصفها جمع بالصحة: منهم- العلامة في التذكرة و المنتهى و المختلف، و الشهيد الثاني في المسالك، و الأول في شرح الإرشاد، مع ان في طريقها إسحاق بن عمار و هو مشترك بين الثقة و الفطحي.

و عن العلاء بن الفضيل (2) قال: «سألته عن رجل متمتع طاف ثم أهل بالحج قبل ان يقصر. قال: بطلت متعته، هي حجة مبتولة».

قال في المدارك بعد نقل الخبرين المذكورين: و في الروايتين قصور من حيث السند، فيشكل التعويل عليهما في إثبات حكم مخالف للأصل و الاعتبار. و هو على أصله الغير الأصيل جيد. و قد عرفت في غير موضع من ما تقدم ان الطعن في الاخبار بضعف السند لا يقوم حجة على الشيخ و نحوه من المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم.

و بالجملة فظاهر الروايتين بطلان المتعة، و الثانية صريحة في كونها تصير حجة مفردة. و لا معارض لهما.

و ما ذكره في الدروس في الجواب عنهما- بالحمل على متمتع عدل عن الافراد ثم لبى بعد السعى، قال: لانه روى التصريح بذلك-

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 159، و الوسائل الباب 54 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 90، و الوسائل الباب 54 من الإحرام.

120

فقد رده في المدارك بأنه حمل بعيد، قال: و ما ادعاه من النص لم نقف عليه.

أقول: اما ما ذكره من بعد الحمل فجيد، لان ظاهر الروايتين المذكورتين ان الطواف و السعي إنما وقع بنية المتعة، فالحمل- على انهما وقعا بنية الافراد، و انه عدل عن الافراد بعدهما الى التمتع و نقل ما اتى به الى عمرة التمتع- تعسف محض. و اما ما ذكره- من ان ما ادعاه من النص لم يقف عليه- فعجيب، فإنه قد قدم في مسألة جواز عدول المفرد الى التمتع: انه متى طاف و سعى في حج الافراد بعد دخوله مكة و أراد نقله الى التمتع، فان كان قد لبى بعد الطواف أو بعد السعي امتنع النقل، لأن التلبية عاقدة للإحرام الأول، و ان لم يلب جاز له العدول. و هذا هو الذي أراده الشهيد هنا، و هو من ما لا سبيل إلى إنكاره.

و من روايات المسألة

ما رواه في الفقيه عن إسحاق بن عمار، و في التهذيب عنه عن ابي بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يفرد الحج، فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة ثم يبدو له ان يجعلها عمرة؟ قال: ان كان لبى بعد ما سعى قبل ان يقصر فلا متعة له».

و هي ظاهرة في ما ذكره الشهيد من ان المفرد متى عدل بعد الطواف و السعي إلا انه لبى بعد السعي فإنه لا متعة له

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 204، و التهذيب ج 5 ص 90، و الوسائل الباب 5 و 19 من أقسام الحج. و الحديث في الفقيه عن إسحاق بن عمار عن ابي بصير أيضا. إلا ان صاحب الوسائل نقله في الباب 19 من أقسام الحج عن الفقيه و أنهاه إلى إسحاق بن عمار.

121

بمعنى ان عدوله غير صحيح، بل يبقى على ما كان عليه حيث عقد إحرامه الأول بالتلبية.

احتج ابن إدريس بأن الإحرام بالحج إنما يسوغ التلبس به بعد التحلل من الأول، و قبله يكون منهيا عنه، و النهي في العبادة يقتضي الفساد. و بان الإجماع منعقد على انه لا يجوز إدخال الحج على العمرة و لا العمرة على الحج قبل فراغ مناسكهما.

و أجيب عنه بمنع كون النهي هنا مفسدا، لرجوعه الى وصف خارج عن ماهية الإحرام. و منع تحقق الإدخال، لأن التقصير محلل لا جزء من العمرة.

قال في المدارك بعد نقل هذا الجواب: و يتوجه على الأول: ان المنهي عنه نفس الإحرام، لأن التلبس به قبل التحلل من إحرام العمرة إدخال في الدين ما ليس منه، فيكون تشريعا محرما، و يفسد لأن النهي في العبادة يقتضي الفساد. و إذا كان فاسدا يكون وجوده كعدمه، و يبقى الحال على ما كان عليه من وجوب التقصير و إنشاء إحرام الحج. و على الثاني: ان المستفاد من الاخبار الكثيرة المتضمنة لبيان أفعال العمرة كون التقصير من جملة أفعالها و ان حصل التحلل به، كما في طواف الحج و طواف النساء. و قد صرح بذلك العلامة في المنتهى مدعيا عليه الإجماع. و متى ثبت كون التقصير نسكا تحقق الإدخال بالتلبس بإحرام الحج قبل الإتيان به جزما. على ان اللازم من ما ذكره المجيب- من عدم اقتضاء النهي الفساد، و عدم تحقق الإدخال المنهي عنه- صحة الإحرام بالحج لا صيرورة الحجة مبتولة، و هم لا يقولون به. و يظهر من المصنف التردد في هذه المسألة حيث اقتصر

122

على نقل القولين من غير ترجيح لأحدهما. و هو في محله، و ان كان مقتضى الأصل المصير الى ما ذكره ابن إدريس الى ان يثبت سند الروايتين. انتهى.

أقول: لا يخفى ان تصحيح كلام ابن إدريس و الذب عنه بما ذكره انما يتجه مع طرح الخبرين كما اعترف به في آخر كلامه، و اما مع العمل بهما عند من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح فالقول بهما متعين، و ما ذكره ابن إدريس ساقط، و ما نقله من الجواب عنه و الإيراد على الجواب المذكور بما ذكره تطويل بغير طائل. و ما قدمناه من الدليل على عدم جواز الإدخال مخصوص بالخبرين المذكورين، فلا إشكال. على ان اللازم من احتجاج ابن إدريس بعد تصحيحه و الذب عنه بما ذكره هو بطلان الإحرام الثاني، و هو لا ينافي ما دل عليه الخبران من صيرورة الحجة مفردة بذلك.

ثم انه متى صارت الحجة مفردة بذلك- كما ذكره الشيخ- فيجب إكمالها، و هل تجزئ عن الفرض الواجب؟ إشكال ينشأ، من تعلق التكليف بالمتعة و عدم حصول الضرورة المسوغة للعدول كما في غيره من ما تقدم، و من عدم الأمر بالإعادة في الخبرين المذكورين مع ان المقام مقام البيان. قال في المسالك: و الأقوى انه لا يجزئه عن فرضه لانه عدول اختياري، و لم يأت بالمأمور به على وجهه. و الظاهر ان الجاهل كالعامد، لدخوله في إطلاق صحيحة أبي بصير (1) و انما خرج الناسي بنص خاص. انتهى. و نقل الشهيد في شرح الإرشاد عن صاحب الجامع انه صرح بعدم الاجزاء عن الفرض، ثم قال: و هو

____________

(1) ص 119.

123

الوجه، إذ الفرض هو التمتع و لا ضرورة فلا يصح العدول. و يحتمل الاجزاء، لعدم الأمر بالإعادة فلا يجب، و إلا لتأخر البيان عن وقت الحاجة أو الخطاب. انتهى.

المسألة الثانية [عدم جواز دخول مكة بغير إحرام]

- يجب الإحرام من المواقيت المتقدمة على كل من دخل مكة، فلا يجوز لأحد دخولها بغير إحرام إلا ما استثنى من ما يأتي بيانه.

اما الحكم الأول فيدل عليه- مضافا الى اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور- روايات: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام): هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ فقال: لا إلا ان يكون مريضا أو به بطن».

و في الصحيح عن عاصم بن حميد (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ يدخل أحد الحرم إلا محرما؟ قال: لا إلا مريض أو مبطون».

و روى ابن بابويه عن علي بن أبي حمزة (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل يدخل مكة في السنة المرة و المرتين و الثلاث كيف يصنع؟ قال: إذا دخل فليدخل ملبيا، و إذا خرج فليخرج محلا».

و في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال: «سألت أبا جعفر (عليه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 165 و 448، و الوسائل الباب 50 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 165 و 448، و الوسائل الباب 50 من الإحرام.

(3) الفقيه ج 2 ص 239، و الوسائل الباب 50 من الإحرام، و الباب 6 من العمرة.

(4) روى الشيخ في التهذيب ج 5 ص 165 و 448 حديث محمد بن- مسلم بطريقين، و في كليهما: «هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟» و أوردهما في الوسائل في الباب 50 من الإحرام رقم (2) و (4) إلا انه أورد الأول بهذا اللفظ: «هل يدخل الرجل الحرم بغير إحرام؟» و رواه الصدوق في الفقيه ج 2 ص 239 بلفظ: «مكة» أيضا. و أورد الحديث في الوافي باب (انه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلا لعلة) جامعا بين طريقي التهذيب و الفقيه، و اللفظ فيه كما أورده المصنف (قدس سره) هنا.

124

السلام): هل يدخل الرجل بغير إحرام؟ فقال: لا إلا ان يكون مريضا أو به بطن».

و ظاهر الصحاح الثلاث المذكورة سقوط الإحرام عن المريض مطلقا، و به قطع الشيخ في جملة من كتبه، و المحقق في النافع.

و قال في التهذيب: ان الأفضل للمريض الإحرام. و استدل

بما رواه في الصحيح عن رفاعة بن موسى (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل به بطن و وجع شديد، يدخل مكة حلالا؟

فقال: لا يدخلها إلا محرما. و قال: يحرمون عنه. ان الحطابين و المجتلبة أتوا النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) فسألوه، فأذن لهم ان يدخلوا حلالا».

و بهذا جمع من تأخر عنه ايضا بين هذه الروايات.

و مثل صحيحة رفاعة المذكورة

ما رواه في الكافي عنه ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يعرض له المرض الشديد قبل ان يدخل مكة. قال: لا يدخلها إلا بإحرام».

و يمكن الجمع بينها، بحمل الروايات المبيحة للدخول من غير

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 165، و الوسائل الباب 50 و 51 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 50 من الإحرام.

125

إحرام على من لا يتمكن من الإتيان بالمناسك و لو بالحمل، و الأخيرين على من يتمكن. و يحتمل- و لعله الأقرب- حمل خبري رفاعة على التقية، فإن مذهب أبي حنيفة- على ما نقله في المنتهى- انه لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات (1). و لا ريب ان مذهب أبي حنيفة في زمانه له صيت و شهرة و قوة بخلاف سائر المذاهب فالتقية أقرب قريب في الخبرين المذكورين.

و يجب على الداخل أن ينوي بإحرامه النسك من حج أو عمرة، فإن الإحرام و ان كان عبادة إلا انه غير مستقل بنفسه بل اما ان يكون لحج أو عمرة. و يجب إكمال النسك الذي تلبس به ليتحلل من الإحرام. و لا يخفى ان الإحرام إنما يوصف بالوجوب مع وجوب الدخول، و إلا كان شرطا غير واجب كوضوء النافلة.

[الموارد المستثناة من هذا الحكم]

و اما الحكم الثاني فإنه قد استثنى الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) من هذا الحكم مواضع:

أحدها- الحطابون و المجتلبة

، و يدل عليه صحيحة رفاعة المتقدمة و الظاهر ان المراد بالمجتلبة من يجلب الأشياء الى البلد كالحنطة و الدقيق و الشعير و الحشيش و الفواكه و نحوها. و الأصحاب قد عبروا هنا بالتكرر قال في المدارك: و مقتضى عبارة المصنف و غيره استثناء كل من يتكرر دخوله و ان لم يدخل في قسم المجتلبة. و هو غير بعيد، و ان كان الاقتصار على مورد النص اولى. انتهى. و هو جيد.

و

ثانيها- العبيد

، صرح به الشيخ و جماعة، فجوزوا لهم دخول مكة بغير إحرام. و استدل عليه في المنتهى بان السيد لم يأذن لهم بالتشاغل

____________

(1) المغني لابن قدامة ج 3 ص 268.

126

بالنسك عن خدمته، فإذا لم تجب عليهم حجة الإسلام لهذا المنع فعدم وجوب الإحرام لذلك اولى. انتهى. و هو جيد. و مرجعه الى ان الإحرام إنما يجب للنسك، و النسك غير جائز له بدون اذن السيد، فيسقط الإحرام حينئذ.

و

ثالثها- من دخلها لقتال

، فإنه يجوز ان يدخلها محلا، كما دخل النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و أصحابه عام الفتح. و الحكم بذلك مشهور بين الأصحاب، و مستندهم دخوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و أصحابه عام الفتح (1). مع ان

صحيحة معاوية بن عمار (2) دلت على انه قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يوم فتح مكة: ان الله حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، و هي حرام الى ان تقوم الساعة، لم تحل لأحد قبلي و لا تحل لأحد بعدي و لم تحل لي إلا ساعة من نهار.

قال في المنتهى بعد ذكر جواز الدخول بغير إحرام للحطابين و المرضى و كل من يتكرر دخوله إليها: و كذا من يريد دخولها لقتال سائغ، كأن يرتد قوم فيها، أو يبغون على امام عادل، و يحتاج الى قتالهم، فإنه يجوز له دخولها من غير إحرام، لأن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) دخلها عام الفتح و عليه عمامة سوداء (3) لا يقال: انه كان مختصا بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) لانه قال (عليه السلام). و ذكر حديث

____________

(1) السيرة الحلبية ج 3 ص 98، و مشكاة المصابيح ج 2 ص 62، و المغني لابن قدامة ج 3 ص 268.

(2) الوسائل الباب 50 من الإحرام.

(3) الإمتاع للمقريزي ج 1 ص 377، و السيرة الحلبية ج 3 ص 98، و مشكاة المصابيح ج 2 ص 62.

127

معاوية المتقدم. ثم قال: لأنا نقول: يحتمل ان يكون معناه:

أحلت لي و لمن هو في مثل حالي. انتهى. و لا يخفى ما فيه.

و من ما يؤيد

صحيحة معاوية المذكورة ما رواه الصدوق في الفقيه بسنده عن كليب الأسدي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) استأذن الله (عز و جل) في مكة ثلاث مرات من الدهر، فاذن له فيها ساعة من النهار، ثم جعلها حراما ما دامت السماوات و الأرض».

و روى الفضل بن الحسن الطبرسي في كتاب اعلام الورى (2) نقلا من كتاب ابان بن عثمان عن بشير النبال عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث فتح مكة «ان النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لأحد كان قبلي، و لم تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي محرمة الى ان تقوم الساعة، لا يختلى خلاها، و لا يقطع شجرها، و لا ينفر صيدها، و لا تحل لقطتها إلا لمنشد. قال: و دخل مكة بغير إحرام و (عليهم السلام). الحديث».

و

رابعها- من دخلها بعد خروجه محرما قبل مضي شهره الذي خرج فيه

. و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة في المقدمة الرابعة في المسألة الرابعة من مسائل المطلب الأول في حج التمتع (3).

المسألة الثالثة [وجوه تفارق إحرام المرأة و الرجل]

- إحرام المرأة كإحرام الرجل إلا في أشياء:

أحدها- لبس المخيط لهن

، فإنه جائز على المشهور. و قد تقدم

____________

(1) الوسائل الباب 50 من الإحرام.

(2) ص 117، و الوسائل الباب 50 من الإحرام.

(3) ج 14 ص 362.

128

تحقيق القول فيه (1).

و

ثانيها- الجهر بالتلبية

، فإنه لا جهر عليها.

و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ليس على النساء جهر بالتلبية».

و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن فضالة عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان الله (تعالى) وضع عن النساء أربعا: الجهر بالتلبية، و السعي بين الصفا و المروة، و دخول الكعبة، و الاستلام».

و رواه في الفقيه (4) عن ابي سعيد المكاري مثله، و زاد بعد قوله: «المروة»: «يعني: الهرولة» و أضاف «الاستلام» الى «الحجر».

و

ثالثها- التظليل سائرا

، فإنه محرم على الرجال دون النساء.

و تدل عليه

صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «سألته عن المحرم يركب القبة؟ فقال: لا. قلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: نعم».

و صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «لا بأس بالقبة على النساء و الصبيان و هم محرمون».

____________

(1) ص 88 و 89.

(2) الوسائل الباب 38 من الإحرام، و الباب 18 من الطواف.

(3) الوسائل الباب 38 من الإحرام.

(4) ج 2 ص 210، و الوسائل الباب 38 من الإحرام.

(5) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(6) الوسائل الباب 65 من تروك الإحرام.

129

و صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«لا بأس بالظلال للنساء، و قد رخص فيه للرجال».

أقول: يعني:

حال الضرورة، كما يأتي تحقيقه في محله ان شاء الله تعالى.

و

رابعها- جواز لبس الحرير لها دونه

. و قد تقدم الكلام في ذلك (2).

و

خامسها- وجوب كشف وجهها دونه

، فإنه يجب عليها ان تسفر عن وجهها إجماعا، لأن إحرامها في وجهها، فلا يجوز لها تغطيته.

قال في المنتهى: انه قول علماء الأمصار، و الأصل فيه

قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (3): «إحرام الرجل في رأسه و إحرام المرأة في وجهها».

و يدل عليه

ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «مر أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة متنقبة و هي محرمة، فقال: أحرمي و أسفري و ارخي ثوبك من فوق رأسك، فإنك إن تنقبت لم يتغير لونك. فقال رجل: الى

____________

(1) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(2) ص 82.

(3) هذا اللفظ ورد في حديث عبد الله بن ميمون الآتي غير منسوب إلى النبي (ص). و في سنن الدار قطني ج 2 ص 294: عن ابن عمر عن النبي (ص) و لكن في سنن البيهقي ج 5 ص 47: انه موقوف على ابن عمر. و في المغني ج 3 ص 323: كان ابن عمر يقول: «إحرام الرجل في رأسه». و ذكر القاضي في الشرح: ان النبي (ص) قال: «إحرام الرجل في رأسه و إحرام المرأة في وجهها».

(4) الفروع ج 4 ص 344، و الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

130

أين ترخيه؟ فقال: تغطى عينيها. قال: قلت: يبلغ فمها؟

قال: نعم».

و في الحسن عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «المحرمة لا تتنقب، لأن إحرام المرأة في وجهها و إحرام الرجل في رأسه».

و عن احمد بن محمد عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال:

«مر أبو جعفر (عليه السلام) بامرأة محرمة قد استترت بمروحة، فأماط المروحة بقضيبه عن وجهها».

و في رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«لا تطوف المرأة بالبيت و هي متنقبة».

أقول: و ما تضمنته صحيحة الحلبي من جواز إرخاء الثوب من فوق رأسها على وجهها فقد ورد في جملة من الاخبار:

ففي بعضها الى ان يبلغ الفم، كما في الرواية المذكورة.

و روى الكليني في الصحيح عن العيص بن القاسم (4) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث: «و كره النقاب» يعني: للمرأة المحرمة. و قال: «تسدل الثوب على وجهها. قلت: حد ذلك الى أين؟ قال: الى طرف الأنف قدر ما تبصر».

أقول: المراد

____________

(1) الوسائل الباب 48 و 55 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 346، و الفقيه ج 2 ص 219، و الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام، و الباب 68 من الطواف.

(4) الفروع ج 4 ص 344، و الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

131

بالكراهة التحريم، كما هو شائع في الاخبار.

و في بعضها الى الذقن،

كما في صحيحة حريز (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): المحرمة تسدل الثوب على وجهها الى الذقن».

و في آخر الى النحر، كما

في صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «تستدل المرأة الثوب على وجهها من أعلاها إلى النحر إذا كانت راكبة».

و في الصحيح عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«المحرمة تستدل ثوبها الى نحرها».

أقول: ظاهر إطلاق هذه الاخبار عدم وجوب مجافاة الثوب عن الوجه، فإن إسداله من أعلى الرأس عليه الى المواضع المذكورة لا يكاد يسلم الوجه من اصابة الثوب له، كما هو ظاهر. إلا ان يقال:

ان المحرم انما هو شد الثوب على الوجه كما هو في النقاب، أو ان تخمره بالثوب، و اليه يشير قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي:

«فإنك إن تنقبت لم يتغير لونك» و مجرد المماسة أحيانا لا يمنع من تغير اللون، و من صدق الاسفار المأمور به في الاخبار. و به يزول الاشكال.

و نقل عن الشيخ انه أوجب مجافاة الثوب عن وجهها بخشبة و شبهها بحيث لا يصيب البشرة، و حكم بلزوم الدم إذا أصاب الثوب وجهها و لم تزله بسرعة. و قال العلامة في المنتهى بعد نقل ذلك عنه:

و الوجه عندي سقوط هذا، لانه غير مذكور في الخبر. مع ان الظاهر خلافه، فان سدل الثوب لا يكاد تسلم معه البشرة من الإصابة، فلو

____________

(1) الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

132

كان محرما لبين، لانه محل الحاجة. انتهى. و نسب الشهيد في الدروس اعتبار المجافاة إلى الشهرة. و هو مؤذن بتردده في ذلك. و استشكله أيضا العلامة في التذكرة.

و الظاهر عندي من الاخبار هو ما قدمت ذكره، إلا ان الأحوط ما ذكره الشيخ من مجافاة الثوب عن وجهها بخشبة و نحوها. و اما وجوب الدم فلم أقف على دليل عليه، و لا ذكره أحد غيره في ما أعلم.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الأصحاب تحريم النقاب على المرأة، بل قال في المدارك: انه مذهب الأصحاب، لا اعلم فيه مخالفا. و هو غفلة منه (قدس سره) فإن العلامة في القواعد و الإرشاد قد أفتى بالكراهة، و مثله المحقق في النافع، و تردد في الشرائع. و الظاهر انه عبارة عن شد الثوب على فمها و أنفها و ما سفل عنهما، كاللثام للرجل. و يدل على التحريم الأخبار المتقدمة.

و لعل من ذهب الى الكراهة استند الى لفظ الكراهة في صحيحة عيص بن القاسم المتقدمة. و فيه ان ورود الكراهة بمعنى التحريم في الاخبار شائع. فالمتجه هو القول بالتحريم.

المسألة الرابعة [الحائض تحرم إذا مرت بالميقات قاصدة النسك]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في وجوب الإحرام على الحائض إذا مرت بالميقات قاصدة النسك، و لكن لا تصلي صلاة الإحرام.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 388، و الوسائل الباب 48 من الإحرام.

133

عن الحائض تحرم و هي حائض؟ قال: نعم، تغتسل، و تحتشي، و تصنع كما يصنع المحرم، و لا تصلي».

و في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة الحائض تحرم و هي لا تصلي؟ قال: نعم إذا بلغت الوقت فلتحرم».

و في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): أ تحرم المرأة و هي طامث؟ قال: نعم، تغتسل، و تلبي.

و روى في الكافي في الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تريد الإحرام. قال:

تغتسل، و تحتشي بالكرسف، و تلبس ثوبا دون ثياب إحرامها، و تستقبل القبلة، و لا تدخل المسجد، و تهل بالحج بغير صلاة».

و الظاهر ان المراد بقوله: «تلبس ثوبا دون ثياب إحرامها» أي تحتها لئلا تتلوث بالدم.

و عن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سئل عن امرأة حاضت و هي تريد الإحرام فتطمث. فقال: تغتسل، و تحتشي بكرسف، و تلبس ثياب الإحرام، و تحرم، فإذا كان الليل خلعتها و لبست ثيابها الأخر، حتى تطهر».

و نقل السيد السند في المدارك عن جده (قدس الله روحيهما) في مناسك الحج: انها تترك الغسل. و رده بأنه غير جيد، لورود الأمر به

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 389، و الوسائل الباب 48 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 48 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 445، و الوسائل الباب 48 من الإحرام.

134

في الاخبار الكثيرة. ثم قال: و لو كان الميقات مسجد الشجرة أحرمت منه اختيارا، فان تعذر أحرمت من خارجه. انتهى. و بذلك صرح غيره أقول: قد صرحت موثقة يونس بن يعقوب بالمنع من دخول المسجد، و ان إحرامها يصح من خارجه، فلا ضرورة لما ارتكبوه من الإحرام اختيارا في المسجد، و مع تعذره فمن خارجه.

و لو تركت الإحرام من الميقات جهلا بالحكم و ظنا منها انه لا يجوز لها الإحرام، رجعت اليه و أحرمت منه ان أمكن، و إلا أحرمت من موضعها و لو في مكة ان لم تتمكن من الخروج الى خارج الحرم.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار: منها-

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة كانت مع قوم فطمثت، فأرسلت إليهم فسألتهم، فقالوا: ما ندري أ عليك إحرام أم لا و أنت حائض، فتركوها حتى دخلت الحرم. فقال: ان كان عليها مهلة فلترجع الى الوقت فلتحرم منه، و ان لم يكن عليها وقت فلترجع الى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها».

الى غير ذلك من الاخبار التي تقدمت في مسائل المقام الثاني من المقدمة الخامسة.

المقصد الرابع في تروك الإحرام

و هي محرمات و مكروهات و تحقيق الكلام فيه يقتضي بسطه في فصلين:

____________

(1) الفروع ج 4 ص 325، و التهذيب ج 5 ص 389، و الوسائل الباب 14 من المواقيت.

135

الفصل الأول- في التروك المحرمة

، و هي أصناف:

[الصنف] الأول- صيد البر

، و يحرم اصطيادا و أكلا و اشارة و دلالة و إغلاقا و ذبحا.

و ههنا بحوث

[البحث] الأول [يحرم على المحرم صيد البر]

- لا يخفى ان هذا الحكم مجمع عليه حتى قال في المنتهى: انه قول كل من يحفظ عنه العلم.

و الأصل فيه الكتاب العزيز، و السنة المطهرة، قال الله (عز و جل):

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» (1) و قال (عز و جل) «وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً» (2).

و اما السنة المطهرة فمستفيضة، و منها-

و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا و أنت حلال في الحرم، و لا تدلن عليه محلا و لا محرما فيصطاده، و لا تشر اليه فيستحل من أجلك، فإن فيه فداء لمن تعمده».

و في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «المحرم لا يدل على الصيد، فان دل عليه فقتل فعليه الفداء».

و ما رواه الشيخ في الصحيح- و الكليني في الصحيح أو الحسن- عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا تأكل

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

(2) سورة المائدة، الآية 96.

(3) الفروع ج 4 ص 381، و الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام، و الباب 17 من كفارات الصيد.

(5) الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

136

من الصيد و أنت حرام و ان كان اصابه محل، و ليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد».

و ما رواه في الكافي أيضا عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما وطأته أو وطأه بعيرك و أنت محرم فعليك فدلوه. و قال: اعلم انه ليس عليك فداء شيء أتيته و أنت جاهل به و أنت محرم في حجك و لا في عمرتك إلا الصيد فان عليك فيه الفداء بجهالة كان أو بعمد».

و في الصحيح عن احمد بن محمد البزنطي عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم يصيب الصيد بجهالة قال: عليه كفارة. قلت: فإن أصابه خطأ؟ قال: و أي شيء الخطأ عندك؟ قلت: يرمي هذه النخلة فيصيب نخلة أخرى. قال: نعم هذا الخطأ، و عليه الكفارة. قلت: فإنه أخذا طائرا متعمدا فذبحه و هو محرم؟ قال: عليه الكفارة. قلت: أ لست قلت: ان الخطأ و الجهالة و العمد ليسوا بسواء، فبأي شيء يفضل المتعمد الجاهل و الخاطئ؟

قال: انه اثم و لعب بدينه».

و ما رواه الكليني و الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «إذا أحرمت فاتق قتل الدواب

____________

(1) الفروع ج 4 ص 382 و 383، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 381، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 363، و التهذيب ج 5 ص 365، و الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام، و الوافي باب (قتل الدواب للمحرم).

137

كلها إلا الأفعى و العقرب و الفأرة، فأما الفأرة فإنها توهي السقاء و تحرق على أهل البيت، و اما العقرب فإن نبي الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مد يده الى الحجر فلسعته عقرب، فقال: لعنك الله، لا برا تدعين و لا فاجرا. و الحية إذا أرادتك فاقتلها، فان لم تردك فلا تردها و الكلب العقور و السبع إذا أراداك فاقتلهما، فان لم يريداك فلا تردهما. و الأسود الغدر فاقتله على كل حال. و ارم الغراب و الحدأة رميا عن ظهر بعيرك».

و ما رواه في الصحيح عن حريز عن من أخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كل ما خاف المحرم على نفسه من السباع و الحياة و غيرها فليقتله، و ان لم يردك فلا ترده».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «و اجتنب في إحرامك صيد البر كله، و لا تأكل من ما صاده غيرك، و لا تشر اليه فيصيده».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

و تنقيح البحث في المقام يتم برسم مسائل

الأولى [المراد من الصيد المحرم حال الإحرام]

- اختلف كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في المعنى المراد من الصيد في هذا المقام، فظاهر كلام جملة: منهم- المحقق في الشرائع، و العلامة في الإرشاد: انه الحيوان الممتنع، و هو أعم من ان يكون محللا أو محرما.

و في النافع: انه الحيوان المحلل الممتنع. و مثله الشهيد في الدروس، إلا

____________

(1) الفروع ج 4 ص 363، و التهذيب ج 5 ص 365 و 465، و الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام.

138

انه استثنى افرادا من المحرم فألحقها به، حيث قال: الأول- الصيد و هو الحيوان المحلل، إلا ان يكون أسدا أو ثعلبا أو أرنبا أو ضبا أو قنفذا أو يربوعا، الممتنع بالأصالة، البري. و نقل في المدارك عن جملة من الأصحاب أنهم ألحقوا الستة المذكورة بالمحلل. و عن آخرين أنهم ألحقوا الزنبور و الأسد و العظاية. و نقل عن ابى الصلاح انه حرم قتل جميع الحيوان إلا إذا خاف منه أو كان حية أو عقربا أو فأرة أو غرابا. و الظاهر ان مراده بالحيوان: الممتنع لا مطلق الحيوان، للنص (1) و الإجماع على جواز ذبح غيره. و على هذا يرجع كلامه الى ما تقدم نقله عن المحقق في الشرائع من العموم للمحلل و المحرم. و في المسالك و الروضة: انه الحيوان المحلل الممتنع بالأصالة. ثم قال: و من المحرم الثعلب و الأرنب و الضب و اليربوع و القنفذ و القمل. و هو يرجع الى ما ذكره الشهيد في الدروس. و في التذكرة: انه الحيوان الممتنع. و قيل ما جمع ثلاثة أشياء: ان يكون مباحا وحشيا ممتنعا. و في المنتهى:

انه الحيوان الممتنع. و قيل يشترط ان يكون حلالا.

و لا يخفى ان الظاهر من الاخبار هو تحريم الصيد أعم من ان يكون محللا أو محرما، و لا سيما

رواية عمر بن يزيد و هي الأخيرة من قوله (عليه السلام): «و اجتنب في إحرامك صيد البر كله».

و يدل عليه أيضا إطلاق قوله تعالى «لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» (2)

و قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار: «إذا أحرمت فاتق قتل الدواب كلها إلا الأفعى و العقرب و الفأرة».

و في رواية

____________

(1) الوسائل الباب 82 من تروك الإحرام، و الباب 40 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

139

حريز (1): «كل ما خاف المحرم على نفسه من السباع و الحياة و غيرها فليقتله، و ان لم يردك فلا ترده».

و لا ينافي ذلك عدم ترتب الكفارة على قتل بعض أنواع غير المأكول، إذ ليس من لوازم التحريم ترتب الكفارة، كما لا يخفى.

الثانية [فروع في الدلالة على الصيد]

- الظاهر ان من قيد بالممتنع مقتصرا عليه فمراده الممتنع أصالة، كما صرح به في الدروس، و إلا لدخل فيه ما توحش و امتنع من الحيوانات الأهلية، و خرج عنه ما تأهل من الحيوانات الوحشية الممتنعة، كالظبي و نحوه، مع ان الظاهر انه لا خلاف في جواز قتل الأول و عدم جواز قتل الثاني.

و اعلم ان الدلالة أعم من الإشارة، لأن الإشارة لا تكون إلا باجزاء الجسد، و الدلالة كما تكون بذلك تكون بالقول و الكتابة.

و لا فرق في تحريم الدلالة على المحرم بين كون المدلول محرما أو محلا، و لا بين الدلالة الخفية و الواضحة.

قيل: و لو فعل المحرم عند رؤية الصيد فعلا أوجب لغيره انه فطن للصيد، مثل ان يتشوق اليه أو يضحك، ففي التحريم وجهان، من الشك في تسميته دلالة، و من كونه في معناها.

و قال بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الدلالة إنما تحرم لمن يريد الصيد إذا كان جاهلا بالمدلول عليه، فلو لم يكن مريدا للصيد أو كان عالما به و لم تفده الدلالة زيادة انبعاث فلا حكم لها، بل الظاهر ان مثل ذلك لا يسمى دلالة.

الثالثة [الجراد من الصيد البري]

- ينبغي ان يعلم ان الجراد في معنى الصيد البري فيحرم

____________

(1) الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

140

قتله، و يضمنه المحرم في الحل و الحرم، و ان كان أصله من البحر، لانه يتولد منه أولا ثم يتوالد في البر. و ذكر في التذكرة انه قول علمائنا و أكثر العامة (1).

و يدل على تحريمه على المحرم روايات عديدة: منها-

صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «مر علي (صلوات الله عليه) على قوم يأكلون جرادا و هم محرمون، فقال:

سبحان الله و أنتم محرمون؟ فقالوا: إنما هو من صيد البحر. فقال لهم:

ارموه في الماء اذن».

و في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الجراد من البحر، و كل شيء أصله من البحر و يكون في البر و البحر فلا ينبغي للمحرم ان يقتله، فان قتله فعليه الفداء، كما قال الله تعالى» (4).

____________

(1) المجموع للنووي الشافعي شرح المهذب ج 7 ص 298 الطبعة الثانية، و المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 519، و البحر الرائق لابن نجيم الحنفي ج 3 ص 35.

(2) الفروع ج 4 ص 393، و التهذيب ج 5 ص 363، و الفقيه ج 2 ص 235، و الوسائل الباب 7 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 468، و الوسائل الباب 6 من تروك الإحرام، و الباب 37 من كفارات الصيد.

(4) في سورة المائدة، الآية 95 يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ. الآية.

141

و عن معاوية في الصحيح ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ليس للمحرم ان يأكل جرادا، و لا يقتله. قال: قلت:

ما تقول في رجل قتل جرادة و هو محرم؟ قال: تمرة خير من جرادة.

و هو من البحر، و كل شيء أصله من البحر و يكون في البر و البحر فلا ينبغي للمحرم ان يقتله، فان قتله متعمدا فعليه الفداء، كما قال الله تعالى» (2).

و عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «على المحرم ان يتنكب الجراد إذا كان على طريقه، فان لم يجد بدا فقتل فلا بأس».

و عن ابي بصير في الموثق (4) قال: «سألته عن الجراد يدخل متاع القوم فيدوسونه من غير تعمد لقتله، أو يمرون به في الطريق فيطأونه. قال: ان وجدت معدلا فاعدل عنه، فان قتلته غير متعمد فلا بأس».

و روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجراد يكون على ظهر الطريق و القوم محرمون، فكيف يصنعون؟ قال: يتنكبونه ما استطاعوا. قلت:

فان قتلوا منه شيئا، ما عليهم؟ قال: لا شيء عليهم».

و إطلاق الخبر مقيد بسابقه.

____________

(1) الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد.

(2) في سورة المائدة، الآية 95 يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ. الآية.

(3) الوسائل الباب 38 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 7 من تروك الإحرام.

(5) التهذيب ج 5 ص 364، و الوسائل الباب 38 من كفارات الصيد.

142

و عن معاوية بن عمار في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «اعلم ان ما وطأت من الدبا أو أوطأته بعيرك فعليك فداؤه».

الرابعة [يجوز للمحرم صيد البحر و أكله]

- لا خلاف في جواز صيد البحر، نصا و فتوى، و جواز اكله، و سقوط الفدية فيه.

و الأصل فيه قوله (عز و جل) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ (2).

و ما رواه ثقة الإسلام في الحسن عن حريز عن من أخبره- و رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) و في الفقيه مرسلا- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس بأن يصيد المحرم السمك، و يأكل مالحه و طريه، و يتزود، قال الله (عز و جل) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ (4) قال: هو مالحه الذي يأكلون. و فصل ما بينهما: كل طير يكون في الآجام يبيض في البر و يفرخ في البر فهو من صيد البر، و ما كان من صيد البر يكون في البر و يبيض في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر».

أقول: و من هذه الرواية يعلم حكم الطيور التي تعيش في البر و البحر، فإنه يكون المدار على إلحاقها بأحد الصنفين على البيض في ذلك المكان، فان باضت في البحر و فرخت فيه فهي من الطيور البحرية، و ان باضت و فرخت في البر فهي من الطيور البرية. و الظاهر انه

____________

(1) الوسائل الباب 37 و 53 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 96.

(3) الفروع ج 4 ص 392، و التهذيب ج 5 ص 365، و الفقيه ج 2 ص 236، و الوسائل الباب 6 من تروك الإحرام.

(4) سورة المائدة، الآية 96.

143

لا خلاف فيه أيضا.

الخامسة [هل الصيد الذي يذبحه المحرم ميتة حرام؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو ذبح المحرم الصيد كان ميتة حراما على المحل و المحرم، بل قال في المنتهى:

انه قول علمائنا اجمع.

و استدل عليه

برواية الشيخ عن وهب عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (1) قال: «إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال و الحرام و هو كالميتة، و إذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة، حلال ذبحه أو حرام».

و عن إسحاق في الموثق عن جعفر (عليه السلام) (2): «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: إذا ذبح المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم، و إذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم».

أقول: و يدل عليه ايضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي أحمد- يعني: محمد بن ابي عمير- عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه، أ يطعمه أو يطرحه؟

قال: إذا يكون عليه فداء آخر. قلت: فما يصنع به؟ قال: يدفنه».

قال الشيخ بعد ذكر هذا الخبر: فلو لا انه جرى مجرى الميتة لما أمر بدفنه بل أمره بأن يطعم المحلين و لم يوجب فداء آخر.

و ذهب الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4) الى ان مذبوح المحرم

____________

(1) الوسائل الباب 10 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 10 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 10 من تروك الإحرام، و الباب 55 من كفارات الصيد.

(4) ج 2 ص 235.

144

في غير الحرم لا يحرم على المحل، قال: و لا بأس ان يأكل المحل ما صاده المحرم و على المحرم فداؤه. و نقل في الدروس القول بذلك عن ابن الجنيد ايضا، و نقل العلامة في المختلف هذا القول ايضا عن الشيخ المفيد و السيد المرتضى (رحمهما الله) حيث قالا: لا بأس ان يأكل المحل ما صاده المحرم، و على المحرم فداؤه. و كذا نقله عن ابن الجنيد ايضا.

و اليه مال في المدارك، للأخبار الكثيرة الصحيحة الدالة عليه:

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب صيدا و هو محرم، أ يأكل منه الحلال؟

فقال: لا بأس إنما الفداء على المحرم».

و صحيحة حريز (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرم أصاب صيدا، أ يأكل منه المحل؟ قال: ليس على المحل شيء إنما الفداء على المحرم».

و صحيحة منصور بن حازم (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أصاب صيدا و هو محرم، آكل منه و انا حلال؟ قال:

انا كنت فاعلا. قلت له: فرجل أصاب مالا حراما؟ فقال: ليس هذا مثل هذا يرحمك الله».

و حسنة الحلبي (4) قال: «المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه، و يتصدق بالصيد على مسكين».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 375، و الوسائل الباب 3 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 10 من تروك الإحرام.

145

و حسنة معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):

إذا أصاب المحرم الصيد في الحرم و هو محرم فإنه ينبغي له ان يدفنه و لا يأكله أحد، و إذا أصابه في الحل فان الحلال يأكله، و عليه هو الفداء».

و الشيخ (رحمه الله تعالى) بعد ذكر الروايتين الأخيرتين تأولهما بالحمل على ما إذا أدرك الصيد و به رمق، بان يحتاج الى الذبح، فإنه يجوز للمحل و الحال هذه ان يذبحه و يأكله. و لا يخفى ما فيه من البعد عن ظواهر الاخبار. ثم قال: و يجوز ايضا ان يكون المراد إذا قتله برميه إياه و لم يكن ذبحه، فإنه إذا كان الأمر على ذلك جاز اكله للمحل دون المحرم، و الاخبار الأولة تناولت من ذبح و هو محرم، و ليس الذبح من قبيل الرمي في شيء. و هذا التفصيل ظاهر شيخنا المفيد في المقنعة، إلا ان ظاهر نقل العلامة عنه المتقدم ذكره يعطي العموم و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال.

و اما من يقتصر في العمل بالروايات على الصحيح كالسيد السند في المدارك فإنه يتحتم عنده العمل بالقول الثاني، لصحة أخباره، كما أشار إليه في المدارك، و لكن من عداه من أصحاب هذا الاصطلاح إنما جروا على ما جرى عليه المتقدمون من القول المشهور، و الاستدلال بالروايتين المتقدمتين.

السادسة [ما يذبحه المحل في الحرم محكوم بحكم الميتة]

- قد استفاضت الروايات- مضافا الى اتفاق الأصحاب- بتحريم ما ذبحه المحل في الحرم، و انه في حكم الميتة لا يحل لمحل و لا محرم، و منها- ما تقدم في روايتي وهب و إسحاق المتقدمتين.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 382، و الوسائل الباب 3 من تروك الإحرام.

146

و منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (2) قال: من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن من سخط الله (عز و جل) و ما دخل في الحرم من الوحش و الطير كان آمنا من ان يهاج أو يؤذي حتى يخرج من الحرم».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح (3) «انه سأل أحدهما (عليهما السلام) عن الظبي يدخل الحرم. فقال: لا يؤخذ و لا يمس، لان الله (تعالى) يقول وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (4).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (5) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فرخين مسرولين ذبحتهما و انا بمكة محل. فقال لي: لم ذبحتهما؟ فقلت: جاءتني بهما جارية قوم من أهل مكة فسألتني أن أذبحهما، فظننت أني بالكوفة و لم اذكر اني بالحرم، فذبحتهما. فقال: تصدق بثمنهما. فقلت: فكم ثمنهما؟

فقال: درهم، و هو خير منهما».

و ما رواه الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6)

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 163، و الوسائل الباب 88 من تروك الإحرام، و الباب 13 من كفارات الصيد.

(2) سورة آل عمران، الآية 96.

(3) الوسائل الباب 88 من تروك الإحرام.

(4) سورة آل عمران، الآية 96.

(5) التهذيب ج 5 ص 346، و الفروع ج 4 ص 237، و الوسائل الباب 10 من كفارات الصيد.

(6) الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

147

«انه سئل عن الصيد يصاد في الحل ثم يجاء به الى الحرم و هو حي. فقال:

إذا أدخله إلى الحرم فقد حرم عليه اكله و إمساكه، فلا تشترين في الحرم إلا مذبوحا ذبح في الحل ثم جيء به الى الحرم مذبوحا، فلا بأس به للحلال».

و ما رواه الصدوق عن حفص بن البختري في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في من أصاب طيرا في الحرم.

قال: ان كان مستوي الجناح فليخل عنه، و ان كان غير مستو نتفه و أطعمه و أسقاه، فإذا استوى جناحاه خلى عنه».

و ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في حمام ذبح في الحل. قال: لا يأكله محرم، و إذا ادخل مكة أكله المحل بمكة، و إذا ادخل الحرم حيا ثم ذبح في الحرم فلا يأكله، لأنه ذبح بعد ما دخل مأمنه».

و ما رواه الصدوق عن شهاب بن عبد ربه في الصحيح (3) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني أتسحّر بفراخ اوتى بها من غير مكة فتذبح في الحرم فأتسحر بها؟ فقال: بئس السحور سحورك، اما علمت ان ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه و إمساكه؟».

و ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طائر أهلي أدخل

____________

(1) الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 12 و 36 من كفارات الصيد.

148

الحرم حيا. فقال: لا يمس، لان الله (تعالى) يقول وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (1).

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن طير أهلي أقبل فدخل الحرم. فقال:

لا يمس، لان الله (عز و جل) يقول وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (3).

و عن زرارة في الصحيح (4) «ان الحكم سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اهدى له في الحرم حمامة مقصوصة. فقال: انتفها و أحسن علفها، حتى إذا استوى ريشها فخل سبيلها».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

و لو ذبحه المحل في الحل جاز اكله للمحل في الحرم. و يدل عليه- زيادة على ما تقدم في صحيحة عن الحلبي و صحيحة منصور بن حازم-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا تشترين في الحرم إلا مذبوحا قد ذبح في الحل ثم جيء به الى الحرم مذبوحا فلا بأس به للحلال».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن ابي يعفور (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصيد يصاد في الحل و يذبح في الحل و يدخل

____________

(1) سورة آل عمران، الآية 96.

(2) الفقيه ج 2 ص 170، و الوسائل الباب 12 و 36 من كفارات الصيد. و هو نفس الحديث الذي تقدم نقله عن الشيخ و الصدوق إلا ان لفظ الصدوق يختلف قليلا عن لفظ الشيخ.

(3) سورة آل عمران، الآية 96.

(4) الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(5) الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام.

(6) الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام.

149

الحرم و يؤكل؟ قال: نعم لا بأس به».

و في الصحيح الى الحكم بن عتيبة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في حمام أهلي ذبح في الحل و ادخل الحرم؟ فقال:

لا بأس بأكله لمن كان محلا، فان كان محرما فلا. و قال: فإن ادخل الحرم فذبح فيه فإنه ذبح بعد ما دخل مأمنه».

و اما

ما رواه الشيخ عن منصور في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اهدي لنا طير مذبوح فأكله أهلنا؟ فقال:

لا يرى به أهل مكة بأسا (3) قلت: فأي شيء تقول أنت؟ قال:

عليهم ثمنه».

قال الشيخ: ليس في هذا الخبر ان الطير ذبح في الحل أو الحرم، فيحمل على ان ذبحه كان في الحرم لئلا ينافي ما سبق و ما يأتي من الاخبار.

أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد، فإنه لا يخفى ان مقتضى القواعد الكلية و الضوابط الجلية هو حل الطير في هذه الصورة، لأن

كل شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه (4).

و هذا منه. و حيث حكم (عليه السلام) في الخبر بوجوب الثمن فهو

____________

(1) الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام، و الباب 10 من كفارات الصيد عن الفقيه، و الباب 14 من كفارات الصيد عن الكافي.

(3) المبسوط للسرخسي ج 4 ص 99 باب (جزاء الصيد).

(4) الوسائل الباب 4 من ما يكتسب به، و الباب 64 من الأطعمة المحرمة، و الباب 61 من الأطعمة المباحة.

150

البتة إنما يكون عن قرينة مقامية اقتضت الدلالة على ذبحه في الحرم و ان خفيت علينا الآن.

السابعة [يجوز للمحرم أكل الدجاج الحبشي و ذبح النعم]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في جواز صيد البحر و حله، و قد تقدم الكلام فيه. و مثله الدجاج الحبشي، قال في المسالك:

قيل انه طائر أغبر اللون في قدر الدجاج الأهلي أصله من البحر. انتهى و في بعض الحواشي: انه طير اسود مشهور في المغرب بالدجاج الحبشي، كان بحريا في الأصل فصار بريا.

و من ما يدل على جواز اكله- مضافا الى اتفاق الأصحاب على ذلك-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن دجاج الحبش. فقال: ليس من الصيد انما الطير ما طار بين السماء و الأرض، وصف».

و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدجاج الحبشي. فقال: ليس من الصيد، انما الصيد ما كان بين السماء و الأرض. قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما كان من الطير لا يصف فلك ان تخرجه من الحرم، و ما صف منها فليس لك ان تخرجه».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كل ما لم يصف من الطير فهو بمنزلة الدجاج».

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 40 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 41 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 40 من كفارات الصيد.

151

(عليه السلام) (1) قال: «ما كان يصف من الطير فليس لك ان تخرجه.

قال: و سألته عن دجاج الحبش. قال: ليس من الصيد إنما الصيد ما طار بين السماء و الأرض».

و عن عمران الحلبي في الصحيح أو الحسن (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): (ما يكره من الطير؟ فقال: ما صف على رأسك».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عندي (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر عن الدجاج الحبشي يخرج به من الحرم.

فقال: نعم، لأنها لا تستقل بالطيران».

قال (4): و في خبر آخر: انها تدف دفيفا.

____________

(1) الفروع ج 1 ص 229 الطبع القديم، و ج 4 ص 232 الطبع الحديث، و الوافي باب (حكم صيد الحرم) و الوسائل الباب 41 و 40 من كفارات الصيد. و قد أورد المصنف (قدس سره) الحديث ناقصا كما ورد في الطبع القديم من الفروع.

(2) الوسائل الباب 41 من كفارات الصيد.

(3) روى الكليني هذا الحديث في الفروع ج 4 ص 232 عن جميل ابن محمد بن مسلم، و رواه الصدوق في الفقيه ج 2 ص 172 عن جميل و محمد ابن مسلم، و قد أوردهما في الوافي باب (حكم صيد الحرم) و جمع بين السندين بلفظ واحد. و أوردهما في الوسائل في الباب 40 من كفارات الصيد. و قد أورد المصنف (قدس سره) اللفظ كما ورد في الوافي و الفقيه.

(4) هذا كلام الصدوق في الفقيه ج 2 ص 172، و أورده في الوافي باب (حكم صيد الحرم) و في الوسائل الباب 40 من كفارات الصيد.

152

و روى عن الحسن الصيقل (1): «انه سأله عن دجاج مكة و طيرها فقال: ما لم يصف فكله، و ما كان يصف فخل سبيله».

أقول: و مثل ذلك النعم و لو توحشت، و يدل على ذلك- مضافا الى اتفاق علماء الأمصار على ذلك، كما نقله في المنتهى- روايات:

منها-

ما رواه الكليني في الصحيح عندي عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المحرم يذبح البقر و الإبل و الغنم، و كل ما لم يصف من الطير، و ما أحل للحلال ان يذبحه في الحرم، و هو محرم في الحل و الحرم».

قال في الوافي: قوله: «و هو محرم» متعلق بقوله: «يذبح» و كذا قوله: «في الحل و الحرم» يعني: انه يذبح المذكورات حال كونه محرما في الحل و الحرم.

و رواية عبد الله بن سنان (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم ينحر بعيره أو يذبح شاته؟ قال: نعم. قلت:

و يحتش لدابته و بعيره؟ قال: نعم، و يقطع ما شاء من الشجر حتى يدخل الحرم، فإذا دخل الحرم فلا».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «المحرم يذبح ما حل للحلال في الحرم ان يذبحه

____________

(1) هذا الحديث رواه الصدوق في الفقيه ج 2 ص 172، و أورده في الوافي باب (حكم صيد الحرم) و في الوسائل الباب 40 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 82 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 85 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 82 من تروك الإحرام.

153

هو في الحل و الحرم جميعا».

و أنت خبير بان هذه الاخبار قد اشتركت في الدلالة على اباحة الدجاج و نحوه- من ما لا يطير أو يطير و لا يصف- للمحرم و لو في الحرم و جواز إخراجه من الحرم. و الأول لا اشكال فيه، و انما الإشكال في الثاني و هو ما يطير و لا يصف و إنما يدف دفيفا، أو يكون دفيفه أكثر من صفيفه، و المراد به ما حل اكله. و هو ظاهر في ان ما حل اكله من الطير ليس من الصيد المحرم على المحرم. مع انك قد عرفت من ما تقدم في تفسير الصيد هو التخصيص بالمحلل أو ما يشمله و يشمل المحرم. مع ما ورد في حمام الحرم من الاتفاق على تحريمه، و تحريم إخراجه من مكة، و وجوب إعادته لو أخرجه (1) و الاشكال ظاهر على كلا التقديرين. و لم أر من تنبه لذلك و لا نبه عليه. و الله العالم.

الثامنة [بحث في قتل المحرم الوحشي غير المأكول]

- قال الشيخ في المبسوط: الوحشي غير المأكول أقسام:

الأول- لاجزاء فيه بالاتفاق، كالحية و العقرب و الفأرة و الغراب و الحدأة و الكلب و الذئب. و الثاني- يجب فيه الجزاء عند من خالفنا، و لا نص فيه لأصحابنا، و الاولى ان نقول: لاجزاء فيه، لانه لا دليل عليه، و الأصل براءة الذمة، كالمتولد بين ما يجب فيه الجزاء و ما لا يجب، كالسمع المتولد بين الضبع و الذئب (2) و المتولد بين الحمار الوحشي و الأهلي. و الثالث- مختلف فيه و هو الجوارح من الطير، كالبازي و الصقر و الشاهين و العقاب و نحو ذلك، و السباع من البهائم كالأسد

____________

(1) الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(2) في لسان العرب مادة (سمع): (السمع) هو ما تولد من الذئب و الضبع. و في تاج العروس: (السمع): سبع مركب ولد الذئب و الضبع.

154

و النمر و الفهد و غير ذلك (1) فلا يجب الجزاء عندنا في شيء منه.

و قد روى ان في الأسد خاصة كبشا (2).

و في الخلاف: إذا قتل السبع لزمه كبش على ما رواه بعض أصحابنا (3).

و قال في المختلف بعد نقله: و لا شيء في الذئب و غيره من السباع سواء صال أو لم يصل، و لا في السمع. اما المتولد بين الوحشي و الانسي فالأقرب عندي فيه اعتبار الاسم، لنا: انه قد ورد النص على الجزاء عن أشياء مسماة بأسمائها، فيثبت في كل ما صدق عليه ذلك الاسم و اما الأسد فالأقوى عندي انه لا شيء فيه سواء أراده أو لم يرده، و به قال ابن إدريس. و قال علي بن بابويه: و ان كان الصيد أسدا ذبحت كبشا. و أوجب ابن حمزة فيه الكبش، لنا: الأصل براءة الذمة.

و لأنه أكثر ضررا من الحية و الفأرة و العقرب، و قد جاز قتلها فجواز قتله اولى.

و ما رواه حريز في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «كل ما يخاف المحرم على نفسه من السباع و الحياة و غيرها فليقتله، و ان لم يردك فلا ترده».

احتج الموجبون

بما رواه أبو سعيد المكاري (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل قتل أسدا في الحرم؟ قال: عليه كبش يذبحه».

و الجواب سند حديثنا أوضح و أصح. و نحمل هذا على الاستحباب. انتهى.

____________

(1) المبسوط للسرخسي ج 4 ص 90 باب (جزاء الصيد) و المهذب للشيرازي الشافعي ج 2 ص 211، و طرح التثريب لعبد الرحيم العراقي الشافعي ج 5 ص 95 و ما بعدها.

(2) الوسائل الباب 39 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 39 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 39 من كفارات الصيد.

155

أقول: قد صرح غير واحد من أصحابنا بأنه لا كفارة في قتل السباع ماشية كانت أو طائرة، إلا الأسد. و الظاهر انه لا خلاف في ما عدا الأسد. فقول الشيخ في ما تقدم من عبارته: «الثالث مختلف فيه. الى آخره» لعله إشارة إلى خلاف العامة (1) و يشير اليه قوله: «و لا يجب الجزاء عندنا في شيء منه» و لا يخفى ان وجوب الكفارة متوقف على الدليل، و ليس فليس. نعم يبقى الكلام في ان عدم وجوب الكفارة لا يستلزم جواز القتل أو الصيد، فيمكن القول بالتحريم- كما ذهب إليه الحلي في ما قدمنا نقله عنه- و ان لم تترتب عليه كفارة، و تؤيده الروايات التي أشرنا إليها آنفا. و اما الأسد فقد ورد فيه ما تقدم من رواية أبي سعيد. إلا انها خاصة بالحرم. و معارضة العلامة لها بصحيحة حريز المذكورة لا وجه له، لأنها و ان كانت شاملة بإطلاقها للأسد إلا انها اشتملت على التفصيل بين ما إذا اراده و خاف على نفسه فإنه يقتله، و متى لم يرده فلا يعرض له. و رواية أبي سعيد و ان كانت مطلقة إلا ان كل من قال بها فإنه يخصها بما إذا لم يرده، كما لا يخفى على من راجع كلامهم. و هو المفهوم من الاخبار ايضا، كما سيأتي ان شاء الله تعالى. و حينئذ فلا منافاة بين الخبرين بل هما متفقان على معنى واحد.

و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): و لا بأس للمحرم ان يقتل

____________

(1) المبسوط للسرخسي ج 4 ص 90 باب (جزاء الصيد) و المهذب للشيرازي الشافعي ج 2 ص 211، و طرح التثريب لعبد الرحيم العراقي الشافعي ج 5 ص 95 و ما بعدها.

(2) ص 29.

156

الحية و العقرب و الفأرة. و لا بأس برمي الحدأة. و ان كان الصيد أسدا ذبحت كبشا. انتهى.

أقول: و من هذه العبارة أخذ علي بن الحسين عبارته التي تقدم نقلها عنه، و هي مطلقة منطبقة على ما ادعاه الأصحاب، و لعلها المستند لهم في ما أطلقوه.

و الذي وقفت عليه- من ما يدل على جواز قتل شيء من هذه المذكورات- ما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار و صحيحة حريز المتقدمتين في صدر المقصد، و في الأولى: الأمر باتقاء الدواب كلها إلا الأفعى، و العقرب، و الفأرة، و الكلب العقور، و السبع إذا أرادك، و الأسود الغدر، و هو قسم من الحياة خبيث، و انه يرمي الغراب و الحدأة عن ظهر البعير. و في الثانية: جواز قتل كل ما خاف الإنسان من السباع و الحياة، و النهي عنه إذا لم يرده.

و ما رواه الكليني في الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يقتل في الحرم و الإحرام: الأفعى، و الأسود الغدر و كل حية سوء، و العقرب، و الفأرة و هي الفويسقة، و يرجم الغراب و الحدأة رجما».

و ما رواه الكليني في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2) قال: «يقتل المحرم كل ما خشيه على نفسه».

____________

(1) الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام. و الراوي هو عبد الرحمن العزرمي.

157

و في حسنة الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يقتل المحرم: الأسود الغدر، و الأفعى، و العقرب، و الفأرة.

و يقذف الغراب».

و في رواية محمد بن الفضيل عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال:

«سألته عن المحرم و ما يقتل من الدواب. فقال: يقتل الأسود، و الأفعى، و الفأرة، و العقرب، و كل حية، و ان أرادك السبع فاقتله و ان لم يدرك فلا تقتله. و الكلب العقور إذا أرادك فاقتله، و لا بأس للمحرم ان يرمي الحدأة».

و في رواية غياث بن إبراهيم عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (3) قال: «يقتل المحرم: الزنبور، و النسر، و الأسود الغدر، و الذئب، و ما خاف ان يعدو عليه. و قال: الكلب العقور هو الذئب».

و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن محرم قتل زنبورا.

قال: ان كان خطأ فليس عليه شيء. قلت: لا بل معتمدا؟ قال:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 366، و الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام. و ما أورده (قدس سره) من رواية الحديث عن ابى عبد الله عن أبيه (ع) يوافق ما أورده في الوافي باب (قتل الدواب للمحرم). و في الفروع ج 4 ص 363 و 364، و الوسائل هكذا. غياث بن إبراهيم عن أبيه عن ابي عبد الله (ع).

(4) الفروع ج 4 ص 364، و التهذيب ج 5 ص 365، و الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام، و الباب 8 من كفارات الصيد.

158

يطعم شيئا من طعام» و زاد في الكافي: «قلت: انه أرادني؟ قال:

كل شيء أرادك فاقتله».

و في صحيحة أخرى له ايضا عنه (عليه السلام) (1): «في محرم قتل عظاية؟ قال: كف من طعام».

و العظاية بالمهملة ثم بالمعجمة:

من كبار الوزغ.

أقول: و يستفاد من هذه الروايات أمور: أحدها- جواز قتل المؤذيات، من الأفعى، و الحية، و العقرب، و الفأرة، و الذئب، و الكلب العقور و ان لم يرده و لم يؤذه. و بذلك صرح الشيخ على ما نقله عنه في المنتهى، فقال: و له ان يقتل جمع المؤذيات، كالذئب، و الكلب العقور، و الفأرة، و الحياة، و ما أشبه ذلك. و لا جزاء فيه.

و ثانيها- انه يجوز له ان يقتل كل ما خاف منه على نفسه من غير جزاء و لا فدية.

و ثالثها- انه يجوز له قتل الزنبور متى عدا عليه، أو كان ذلك خطأ. و عليه يحمل إطلاق صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، و إلا ففيه الفداء: شيء من الطعام.

و رابعها- ان أكثر الروايات تضمن رمي الغراب و الحدأة مطلقا، و في صحيحة معاوية بن عمار الاولى: التقييد بقوله: «عن ظهر بعيرك» و به قيد الحكم بعض الأصحاب. و الظاهر العموم، إذ لا دلالة للخبر المذكور على التخصيص. و ظاهر إطلاق الاخبار المذكورة أيضا جواز الرمي و ان ادى الى القتل. و المنقول عن الشيخ في المبسوط جواز قتلهما مطلقا. و قيل بالعدم. و نقل عن المحقق الشيخ علي: انه ينبغي

____________

(1) الوسائل الباب 7 من كفارات الصيد.

159

تقييد الغراب الذي يجوز رميه بالمحرم الذي هو من الفواسق الخمس دون المحلل، لانه محترم لا يعد من الفواسق الخمس. و فيه انه تقييد للنصوص من غير دليل، لأنها وردت بالغراب مطلقا، و إخراج بعض افراده يتوقف على الدليل

التاسعة [هل يجوز للمحرم قتل البرغوث؟]

- اختلف الأصحاب في قتل البرغوث، فذهب جمع- منهم: المحقق و العلامة في الإرشاد- إلى الجواز، و ذهب الشيخ و جماعة- منهم: العلامة في جملة من كتبه- الى التحريم.

و مستند القول الأول مضافا الى الأصل

رواية زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن المحرم يقتل البقة و البرغوث إذا رآه. قال: نعم».

و مستند القول الثاني ما تقدم (2) من

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار. «إذا أحرمت فاتق قتل الدواب كلها إلا الأفعى و العقرب و الفأرة».

و في صحيحة زرارة (3) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم هل يحك رأسه، و يغتسل بالماء؟ فقال: يحك رأسه ما لم يعتمد قتل دابة».

أقول: صورة رواية زرارة على ما نقله المحدث الكاشاني في الوافي:

«و البرغوث إذا اراده» و في المدارك و مثله في الذخيرة نقلا الرواية بما قدمناه، و على تقدير ما نقلناه عن الوافي فإنه لا دليل في الرواية على القول المدعى، إذ لا خلاف نصا و فتوى في جواز قتل ما اراده

____________

(1) الفروع ج 4 ص 364، و الوسائل الباب 79 من تروك الإحرام.

(2) ص 136 و 137.

(3) الفروع ج 4 ص 366، و الفقيه ج 2 ص 230، و الوسائل الباب 73 من تروك الإحرام.

160

من الحيوانات، كما عرفت من الروايات المتقدمة. و الظاهر ان محل الخلاف في المسألة إنما هو في ما إذا لم يرده و لم يقصده بالأذى كما لا يخفى، و لا دلالة في الرواية على الجواز في الصورة المذكورة.

و كذا صحيحة معاوية بن عمار فإنه يجب تخصيص إطلاقها بما ذكرناه كما يدل عليه ما تقدم من صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله (1) و غيرها فالقول بالتحريم مطلقا لا وجه له. و اما صحيحة زرارة فالظاهر منها إنما هو القمل، كما احتج به الأصحاب على ذلك.

العاشرة [هل يجوز إخراج القماري و الدباسي من مكة؟]

- قد صرح جملة من الأصحاب- أولهم الشيخ- بأنه يجوز إخراج القماري و الدباسي من مكة على كراهة، لا قتلهما، و لا أكلهما.

أقول: اما تحريم القتل و الأكل فلا ريب فيه، لعموم الأدلة المتقدمة الدالة على تحريم قتل الصيد و اكله (2) و لا سيما في الحرم.

و اما جواز إخراجه فقد نسبه المحقق في الشرائع إلى الرواية، مؤذنا بتوقفه فيه، مع انا لم نقف على رواية تدل على جواز الإخراج بل الروايات مستفيضة بالتحريم عموما في مطلق الطير، و خصوصا في الحمام الشامل لهذين الفردين.

نعم ورد

في رواية العيص بن القاسم (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء القماري يخرج من مكة و المدينة. فقال:

ما أحب ان يخرج منهما شيء».

و هي مع اختصاصها بالقماري لا دلالة فيها صريحا على الجواز، فان لفظ: «لا أحب» و ان كان بحسب العرف الآن بمعنى الكراهة

____________

(1) ص 156.

(2) ص 135.

(3) الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

161

إلا ان استعماله في الاخبار بمعنى التحريم كثير، و هو الأنسب بالحمل على باقي روايات المسألة الآتية.

لا يقال: ان الحمل على التحريم يوجب القول بتحريم الإخراج من المدينة أيضا مع انه لا قائل به.

قلنا: هذا إنما يتجه على القول بالمنع من استعمال اللفظ في حقيقته و مجازه، و هو و ان كان المشهور بينهم إلا ان المفهوم من الاخبار جوازه، كما نبهنا عليه في محل أليق.

و نقل عن ابن إدريس القول بالمنع من ذلك، و قربه العلامة في المختلف، و نقل ايضا عن ابنه فخر الدين، و اليه ذهب السيد السند في المدارك.

و هو المعتمد، للأخبار الكثيرة الدالة على عدم جواز إخراج الصيد من مكة طيرا كان أو غيره:

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) قال:

«سألت أخي موسى (عليه السلام) عن رجل أخرج حمامة من حمام الحرم إلى الكوفة أو غيرها. قال: عليه ان يردها، فان ماتت فعليه ثمنها يتصدق به».

و عن يونس بن يعقوب في الموثق (2) قال: «أرسلت الى ابي الحسن

____________

(1) الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(2) هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الكليني في الفروع ج 4 ص 235، و الصدوق في الفقيه ج 2 ص 168، و اما الشيخ فرواه في التهذيب ج 5 ص 349، بلفظ أوجز، و نقلهما في الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد رقم 9 و 4.

162

(عليه السلام) ان اخالي اشترى حماما من المدينة فذهبنا بها الى مكة، فاعتمرنا و أقمنا إلى الحج، ثم أخرجنا الحمام معنا من مكة إلى الكوفة فعلينا في ذلك شيء؟ فقال للرسول: اني أظنهن كن فرهة. قل له:

يذبح مكان كل طير شاة».

قال في الوافي (1): «كن فرهة» اى بالغة حد الفراهة، و هي الحذاقة يعني بها: استقلالهن بالطيران.

أقول: لعل الأظهر حمله على «فره» بالكسر، يعني: أشر و بطر كما قيل في قراءة: «فرهين» من قوله (عز و جل) وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبٰالِ بُيُوتاً فٰارِهِينَ (2) فإنه مشتق من «فره» بالكسر بمعنى: اشر و بطر. و الظاهر هنا حمل الخبر عليه، بمعنى ان قصدهم من استصحاب الحمام الأشر و البطر و اللهو و اللعب.

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (3): «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اخرج طيرا من مكة إلى الكوفة. قال:

يرده إلى مكة».

و ما رواه الشيخ عن يعقوب بن يزيد عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا أدخلت الطير المدينة فجائز لك ان تخجه منها ما أدخلت، و إذا أدخلت مكة فليس لك ان تخرجه».

____________

(1) باب (حكم صيد الحرم).

(2) سورة الشعراء، الآية 149.

(3) الفقيه ج 2 ص 171، و الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

163

و ما رواه الكليني في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل خرج بطير من مكة إلى الكوفة. قال:

يرده إلى مكة».

و عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) مثله (2) و زاد: «فان مات تصدق بثمنه».

و يدل على خصوص القماري

ما رواه في الكافي (3) عن مثنى قال:

«خرجنا إلى مكة فاصطاد النساء قمرية من قماري أمج حيث بلغنا البريد، فنتفت النساء جناحها ثم دخلوا بها مكة، فدخل أبو بصير علي ابي عبد الله (عليه السلام) فأخبره، فقال: تنظرون امرأة لا بأس بها فتعطونها الطير تعلفه و تمسكه، حتى إذا استوى جناحاه خلته».

و يؤيد ذلك جملة من الاخبار الدالة على ان من أصاب طيرا في الحرم، فان كان مستوي الجناحين خلى عنه، و إلا نتفه و أطعمه و سقاه فإذا استوى جناحاه خلى عنه، و ان كان مسافرا أودعه عند أمين و دفع اليه ما يحتاج اليه من الطعام، حتى يستوي جناحاه فيخلي عنه (4) و الروايات الدالة على انه لا يجوز التعرض لما في الحرم (5) لقوله (عز و جل):

وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً (6).

____________

(1) الفروع ج 4 ص 234، و الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(3) ج 4 ص 237، و الوافي باب (حكم صيد الحرم)، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(5) الوسائل الباب 88 من تروك الإحرام، و الباب 12 و 13 و 36 من كفارات الصيد.

(6) سورة آل عمران، الآية 96.

164

الحادية عشرة [يجوز للمحرم أكل الصيد و الميتة في حال الضرورة]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب في انه متى اضطر المحرم إلى أكل الصيد اكله و فداه، قال العلامة في المنتهى:

و يباح أكل الصيد للمحرم في حال الضرورة، يأكل منه بقدر ما يأكل من الميتة من ما يمسك به الرمق و يحفظ به الحياة لا غير، و لا يجوز له الشبع و لا التجاوز عن ذلك، و لا نعلم فيه خلافا.

و يدل عليه جملة من العمومات الدالة على وجوب دفع الضرر عن النفس من الكتاب (1) و السنة (2) و تحليل المحرمات في مقام الضرورة (3) و خصوص جملة من الروايات الآتية الدالة على انه يأكل الصيد و يفدي (4).

____________

(1) كقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 191 «وَ لٰا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» و قوله تعالى في سورة آل عمران، الآية 27 «وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّٰهِ فِي شَيْءٍ إِلّٰا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقٰاةً».

(2) كالاحاديث الواردة في وجوب التيمم عند خوف الضرر من استعمال الماء، و الأحاديث الواردة في وجوب الإفطار عند خوف الضرر من الصوم و الأحاديث الواردة في وجوب التقية عند خوف الضرر من العدو. ارجع الى باب 2 و 5 من التيمم، و الباب 18 و 20 ممن يصح منه الصوم من كتاب الصوم، و الباب 24 و 25 و 27 من الأمر و النهي من كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

(3) كقوله تعالى في سورة الانعام، الآية 119 «وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلّٰا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ» و كقوله تعالى في سورة البقرة، الآية 173:

«فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بٰاغٍ وَ لٰا عٰادٍ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» و كما في الوسائل في الباب 1 من القيام في الصلاة رقم 6 و 7، و الباب 7 من القيام في الصلاة رقم 1.

(4) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

165

إنما الخلاف في ما إذا كان عنده ميتة و صيد، فمن أيهما يجوز الأكل؟

قال الشيخ: يأكل الصيد و يفديه، و لا يأكل الميتة، فان لم يتمكن من الفداء جاز له ان يأكل الميتة. و كذا قال ابن البراج.

و قال الشيخ المفيد: من اضطر الى صيد و ميتة فليأكل الصيد و يفديه، و لا يأكل الميتة. و أطلق. و كذا قال السيد المرتضى في الجمل و الانتصار، و سلار.

و قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: و إذا اضطر المحرم الى صيد و ميتة فإنه يأكل الصيد و يفدي، و ان أكل الميتة فلا بأس. إلا

ان أبا الحسن الثاني (عليه السلام): قال: «يذبح الصيد و يأكله و يفدي أحب الي من الميتة» (1).

و قال في المقنع (2): فإذا اضطر المحرم إلى أكل صيد و ميتة فإنه يأكل الصيد و يفدي.

و قد روى في حديث آخر: انه يأكل الميتة،.

لأنها قد أحلت له و لم يحل له الصيد و قال ابن الجنيد: و إذا اضطر المحرم المطيق للفداء إلى الميتة و الصيد أكل الصيد و فداه، و ان كان في الوقت من لا يطيق الجزاء أكل الميتة التي كان مباحا أكلها بالذكاة. فان لم يكن كذلك أكل الصيد.

و قال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في ذلك، و اختلفت الاخبار، فبعض قال: يأكل الميتة. و بعض قال: يأكل الصيد و يفديه. و كل منهما أطلق مقالته. و بعض قال: لا يخلو الصيد، اما ان يكون حيا أو لا، فان كان حيا فلا يجوز له ذبحه

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 235، و الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

(2) المختلف ج 2 ص 109. و ليس في المقنع المطبوع ص 21 قوله:

«و قد روى.» و كذا في مستدرك الوسائل الباب 30 من كفارات الصيد.

166

بل يأكل الميتة، لأنه إذا ذبحه صار ميتة بغير خلاف، فاما ان كان مذبوحا، فلا يخلو ذابحه، اما ان يكون محرما أو محلا، فان كان محرما فلا فرق بينه و بين الميتة، و ان كان ذابحه محلا، فان ذبحه في الحرم فهو ميتة أيضا، و ان ذبحه في الحل، فان كان المحرم المضطر قادرا على الفداء أكل الصيد و لم يأكل الميتة، و ان كان غير قادر على فدائه أكل الميتة. قال: و هذا الذي يقوى في نفسي، لأن الأدلة تعضده و أصول المذهب تؤيده، و هو الذي اختاره شيخنا في استبصاره.

و ذكر في نهايته أنه يأكل الصيد و يفديه و لا يأكل الميتة. ثم رجع (1) عن ما قواه و قال: و الأقوى عندي أنه يأكل الميتة على كل حال، لانه مضطر إليها و لا عليه في أكلها كفارة، و لحم الصيد ممنوع منه لأجل الإحرام على كل حال، لأن الأصل براءة الذمة من الكفارة.

أقول: و ظاهره هو أكل الميتة إلا في تلك الصورة الخاصة، و هو ما إذا ذبحه المحل في الحل و كان المضطر إلى أكله قادرا على الفداء. ثم ان ما يدل عليه كلامه- من كون مذبوح المحرم ميتة مطلقا- منظور فيه بما عرفت في المسألة السادسة من القول بحله على المحل في الصورة المذكورة، و دلالة جملة من الاخبار الصحاح على ذلك. و حينئذ ففي شموله لمحل البحث تأمل.

ثم انه لا يخفى ان الأصل في اختلاف هذه الأقوال هو اختلاف الأخبار الواردة في المسألة:

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن بكير و زرارة

____________

(1) يعني: ابن إدريس.

167

عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل اضطر إلى ميتة و صيد و هو محرم؟ قال: يأكل الصيد و يفدي».

و عن الحلبي في الصحيح عندي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم يضطر فيجد الميتة و الصيد، أيهما يأكل؟

قال: يأكل من الصيد، أ ليس هو بالخيار ان يأكل من ماله؟ قلت:

بلى. قال: إنما عليه الفداء فليأكل و ليفده».

و عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المضطر إلى الميتة و هو يجد الصيد. قال: يأكل الصيد. قلت: ان الله قد أحل له الميتة إذا اضطر إليها و لم يحل له الصيد؟ قال: تأكل من مالك أحب إليك أو ميتة؟ قلت: من مالي قال: هو مالك لان عليك فداءه. قلت: فان لم يكن عندي مال؟

قال: تقضيه إذا رجعت الى مالك».

و ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم (4) قال: «سألته عن محرم اضطر إلى أكل الصيد و الميتة. قال: أيهما أحب إليك ان تأكل؟

قلت: الميتة، لأن الصيد محرم على المحرم. فقال: أيهما أحب إليك

____________

(1) الفروع ج 4 ص 383، و الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد و الوافي باب (المحرم يضطر الى الصيد و الميتة).

(2) الفروع ج 1 ص 270 الطبع القديم و ج 4 ص 383 الطبع الحديث، و الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد، و الوافي باب (المحرم يضطر الى الصيد و الميتة).

(3) الفروع ج 1 ص 270 الطبع القديم و ج 4 ص 383 الطبع الحديث، و الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد، و الوافي باب (المحرم يضطر الى الصيد و الميتة).

(4) التهذيب ج 5 ص 368، و الاستبصار ج 2 ص 209، و الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

168

ان تأكل من مالك أو الميتة؟ قلت: آكل من مالي. قال: فكل الصيد و افده».

و ما رواه الصدوق في كتاب العلل في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المحرم إذا اضطر إلى أكل صيد و ميتة، و قلت: ان الله (عز و جل) حرم الصيد و أحل الميتة. قال: يأكل و يفديه، فإنما يأكل ماله».

و عن أبي أيوب في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اضطر و هو محرم الى صيد و ميتة، من أيهما يأكل؟

قال: يأكل من الصيد. قلت: فان الله قد حرمه عليه و أحل له الميتة؟ قال: يأكل و يفدي، فإنما يأكل من ماله».

و عن منصور بن حازم في الموثق (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): محرم اضطر الى صيد و الى ميتة، من أيهما يأكل؟

قال: يأكل من الصيد. قلت: أ ليس قد أحل الله الميتة لمن اضطر إليها؟

قال: بلى و لكن يفدي، ألا ترى انه انما يأكل من ماله، فيأكل الصيد و عليه فداؤه».

قال (4): و قد روى انه يأكل من الميتة، لأنها أحلت له و لم يحل له الصيد.

أقول: و هذه الروايات مع صحة أسانيد أكثرها صريحة في مذهب الشيخ المفيد (قدس الله سره) و من تبعه.

و منها-

ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (5): «ان عليا (صلوات الله عليه و على أولاده) كان

____________

(1) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

(5) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

169

يقول: إذا اضطر المحرم الى الصيد و الى الميتة فليأكل الميتة التي أحل الله له».

و عن عبد الغفار الجازي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة فوجدها و وجد صيدا. فقال:

يأكل الميتة و يترك الصيد».

هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة.

و الشيخ (رحمه الله) قد تأول رواية إسحاق بعد نقلها بأنه ليس في الخبر انه إذا اضطر الى الصيد و الميتة، و هو قادر عليهما متمكن من تناولهما. و إذا لم يكن ذلك في ظاهره حملناه على من لا يجد الصيد و لا يتمكن من الوصول اليه و يتمكن من الميتة. انتهى. و لا يخفى ما فيه. و قال بعد نقل خبر عبد الغفار: يحتمل ان يكون المراد بهذا الخبر من لا يتمكن من الفداء و لا يقدر عليه، فإنه يجوز له و الحال على ما وصفناه ان يأكل الميتة. و يحتمل ان يكون المراد به إذا وجد الصيد و هو غير مذبوح فإنه يأكل الميتة و يخلي سبيل الصيد.

و التأويلان- كما ترى- على غاية من البعد. و الأظهر عندي هو حمل الخبرين المذكورين على التقية كما احتمله في الاستبصار، فإن ذلك منقول عن جملة من رؤوس المخالفين، مثل أبي حنيفة و الحسن البصري و الثوري و محمد بن الحسن و مالك و احمد (2) كما ذكره في المنتهى. و من ذلك يظهر ان الحق في المسألة هو ما ذهب اليه شيخنا

____________

(1) الوسائل الباب 43 من كفارات الصيد.

(2) المغني ج 3 ص 314 و 315 و ج 9 ص 418، و البحر الرائق ج 3 ص 36.

170

المفيد و السيد المرتضى، و هو مختار جمع من الأصحاب.

الثانية عشرة [هل لا يملك المحرم شيئا من الصيد؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا يدخل في ملك المحرم شيء من الصيد باصطياد و لا ابتياع و لا هبة و لا ميراث إذا كان معه، اما لو كان بعيدا فإنه لا يخرج عن ملكه.

قال في المنتهى: لو صاد صيدا لم يملكه بالإجماع. ثم قال:

اما لو كان الصيد في منزله فإنه يجوز ذلك و لا يزول ملكه عنه.

و نقل في المختلف عن الشيخ (رحمه الله) انه قال: إذا انتقل الصيد اليه بالميراث لا يملكه و يكون باقيا على ملك الميت الى ان يحل، فإذا أحل ملكه. ثم قال: و يقوى في نفسي انه ان كان حاضرا معه فإنه ينتقل اليه و يزول ملكه عنه، و ان كان في بلده يبقى في ملكه. ثم قال (رحمه الله): و في الانتقال إليه الذي قواه الشيخ اشكال. لنا- قوله تعالى وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (1).

أقول: اما الحكم الأول فاستدل عليه بقوله (عز و جل) وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً (2) كما سمعته من كلام العلامة، و المراد وجوه الانتفاعات به، فيخرج عن المالية بالإضافة اليه. و الظاهر ضعفه.

و استدل العلامة في المنتهى على ما قدمنا نقله عنه ببعض الروايات المتقدمة الدالة على ان من ادخل الحرم صيدا فإنه لا يجوز له إمساكه (3) و لا يخفى ما فيه: اما (أولا) فلأنها أخص من المدعى. و اما (ثانيا) فلان وجوب تخليته لا يدل على زوال الملك عنه، فإنه

____________

(1) سورة المائدة، الآية 96.

(2) سورة المائدة، الآية 96.

(3) الوسائل الباب 36 من كفارات الصيد.

171

يجوز ان يبقى على ملكه و ان وجب عليه إرساله و تخليته و حرم عليه إمساكه.

و نقل عن الشيخ (رحمه الله) انه حكم بدخوله في الملك و ان وجب إرساله، كما في صيد الحرم. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه:

و لا يخلو من قوة.

أقول: لا يخفى ان الاخبار التي قدمناها في سابق هذه المسألة صريحة الدلالة واضحة المقالة في الملك، فإنه في غير خبر منها قد علل الأكل من الصيد و ترجيحه على الميتة بأنه إنما يأكل من ماله و ظاهرها ان الملك عليه باق و ان وجب إرساله في غير الضرورة الموجبة لأكله. و لم أقف على من تنبه للاستدلال بها على هذا الحكم، و هي صريحة فيه كما ترى.

نعم

روى الشيخ بسنده عن ابي سعيد المكاري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يحرم أحد و معه شيء من الصيد حتى يخرجه من ملكه، فإن أدخله الحرم وجب عليه ان يخليه».

إلا ان غاية ما تدل عليه هو المنع من الإحرام حتى يخرج الصيد عن ملكه، و لا دلالة فيها على انه يخرج الصيد عن ملك المحرم بمجرد الإحرام، و ان كان فيها نوع اشعار بذلك، إلا انه غير ملتفت اليه بعد ما عرفت من صراحة الروايات المشار إليها في ما ذكرناه.

و اما الحكم الثاني فيدل عليه

ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 362، و الوسائل الباب 34 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 34 من كفارات الصيد.

172

الرجل يحرم و عنده في أهله صيد اما وحش و اما طير. قال: لا بأس».

و ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في الصحيح عن جميل (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصيد يكون عند الرجل من الوحش في اهله و من الطير، يحرم و هو في منزله؟ قال: و ما به بأس لا يضره».

و الظاهر ان الحكم المذكور لا خلاف فيه.

ثم انه صرح جملة منهم أيضا بأن الصيد في الحرم لا يدخل في ملك المحل و لا المحرم، و قيل انه مذهب الأكثر. و مال المحقق في النافع الى وجوب الإرسال خاصة، قال: و هل يملك المحل صيدا في الحرم؟ الأشبه انه يملك و يجب إرسال ما يكون معه. و حكى فخر المحققين هذا القول عن الشيخ ايضا.

و استدل على القول المشهور

بصحيحة معاوية بن عمار (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طائر أهلي ادخل الحرم حيا فقال: لا يمس، لان الله (عز و جل) يقول وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (3).

و نحوها غيرها من ما تقدم و دل على تخلية سبيل ما ادخل الحرم من الصيد.

و أنت خبير بان المستفاد منها انما هو وجوب إرساله و تخلية سبيله كما ذكره في النافع، لا زوال الملك. و إطلاق الروايات التي أشرنا

____________

(1) الوسائل الباب 34 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 12 و 36 من كفارات الصيد.

(3) سورة آل عمران، الآية 96.

173

إليها آنفا شاملة لهذه الصورة أيضا. فيكون الأظهر هو ما ذكره المحقق و نقل عن الشيخ (رحمه الله).

البحث الثاني في الكفارات

و ينبغي ان يعلم ان ما تتعلق به الكفارة نوعان

[النوع] الأول- ما لكفارته بدل على الخصوص

، و هو كل ما له مثل من النعم، و الأصل في هذا النوع قوله (عز و جل) فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (1) و المتبادر من المماثلة هو المشابهة في الصورة، كما في النعامة، فإنها تشابه البدنة، و بقرة الوحش، فإنها تشابه البقرة الأهلية، و الظبي يشابه الشاة. إلا انه لا يطرد كليا، فإنهم عدوا من هذا القبيل البيض و جعلوه من قبيل ذوات الأمثال، و لعل الحكم مبني على الأغلب. و الأمر هين بعد وضوح الحكم و المأخذ.

و كيف كان فقد ذكروا أن أفراد هذا النوع خمسة:

الأول- النعامة

، و في قتلها بدنة بإجماع أصحابنا (رضوان الله عليهم) و أكثر العامة (2).

و يدل عليه من الاخبار

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

(2) المهذب للشيرازي الشافعي ج 1 ص 216، و المجموع للنووي شرح المهذب ج 7 ص 421 الطبع الثاني، و فتح القدير لابن همام الحنفي ج 3 ص 260.

174

ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال «في قول الله (عز و جل):

فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (2) قال: في النعامة بدنة، و في حمار وحش بقرة، و في الضبي شاة، و في البقرة بقرة».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم و زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «في محرم قتل نعامة؟ قال: عليه بدنة، فان لم يجد فإطعام ستين مسكينا، فان كانت قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على إطعام ستين مسكينا، و ان كانت قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة».

و ما رواه ثقة الإسلام عن يعقوب بن شعيب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له: المحرم يقتل نعامة؟

قال: عليه بدنة من الإبل. قلت: يقتل حمار وحش؟ قال: عليه بدنة. قلت: فالبقرة؟ قال: بقرة».

و ما رواه الشيخ عن سليمان بن خالد في الصحيح (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): في الظبي شاة، و في البقرة بقرة، و في الحمار بدنة، و في النعامة بدنة، و في ما سوى ذلك قيمته».

و ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش. قال: عليه بدنة. قلت: فان لم يقدر على بدنة؟ قال: فليطعم ستين مسكينا.

قلت: فان لم يقدر على ان يتصدق؟ قال: فليصم ثمانية عشر يوما.

____________

(1) الوسائل الباب 1 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(4) الوسائل الباب 1 من كفارات الصيد.

(5) الوسائل الباب 1 من كفارات الصيد.

(6) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

175

و الصدقة مد على كل مسكين».

و هل المراد بالبدنة هي الأنثى فالواجب انما هو هي أو ما يشمل الذكر فالواجب أحدهما؟ قولان، منشأهما اختلاف أهل اللغة في ذلك، فظاهر الصحاح- على ما نقله عنه في المدارك- اختصاص البدنة بالناقة، و ظاهره الميل الى ذلك. و ظاهر عبارة القاموس إطلاقها على الذكر و الأنثى، حيث قال: و البدنة محركة: من الإبل و البقر- كالأضحية من الغنم- تهدى الى مكة، للذكر و الأنثى. و قال في كتاب المصباح المنير:

قالوا: و إذا أطلقت البدنة في الفروع فالمراد البعير ذكرا كان أو أنثى.

و ربما أشعرت هذه العبارة بأن هذا الإطلاق ليس من جهة الوضع اللغوي و انما هو اصطلاح المتشرعة. و قال الشيخ فخر الدين بن طريح في مجمع البحرين بعد ذكر البدنة: و انما سميت بذلك لعظم بدنها و سمنها، و تقع على الجمل و الناقة عند جمهور أهل اللغة و بعض الفقهاء.

و بذلك يظهر ان الحكم لا يخلو من اشكال.

ثم ان ظاهر عبارة القاموس إطلاق البدنة على البقر ايضا، و به صرح في كتاب شمس العلوم، فقال: و البدنة: الناقة و البقرة تنحر بمكة. انتهى. و هو أشد إشكالا.

إلا ان ظاهر صحيحة يعقوب بن شعيب كون البدنة هنا من الإبل فلا اشكال.

قال الفيومي في كتاب المصباح المنير (1): و البدنة قالوا: هي ناقة أو بقرة، و زاد الأزهري: أو بعير ذكر. قال: و لا تقع البدنة على الشاة. و قال بعض الأئمة: البدنة هي الإبل خاصة. و يدل عليه قوله

____________

(1) مادة (بدن).

176

تعالى «فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا» (1) سميت بذلك لعظم بدنها. و إنما ألحقت البقرة بالإبل بالسنة، و هو

قوله (عليه السلام): «تجزئ البدنة عن سبعة و البقرة عن سبعة» (2).

ففرق الحديث بينهما بالعطف، إذ لو كانت البدنة في الوضع تطلق على البقرة لما ساغ عطفها، لان المعطوف غير المعطوف عليه. انتهى.

أقول: و يؤيد ذلك ما وقع في جملة من اخبار المسألة من إطلاق البدنة في مقابلة البقرة، كما في صحيحة حريز المتقدمة، حيث أوجب في النعامة بدنة و في حمار الوحش بقرة، و نحوها غيرها.

و نقل عن بعض الأصحاب ان البدنة هي الأنثى التي كمل لها خمس سنين و دخلت في السادسة.

و القول بشمولها للذكر منقول عن الشيخ و جماعة، و استدلوا عليه

بما رواه الشيخ عن ابي الصباح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) في الصيد وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (4) قال: في الظبي شاة، و في حمار وحش بقرة، و في النعامة جزور».

و الجزور يشمل الأنثى و الذكر:

قال في المصباح المنير: و الجزور من الإبل خاصة يقع على الذكر و الأنثى. و في القاموس: الجزور: البعير أو خاص بالناقة المجزورة.

____________

(1) سورة الحج، الآية 36.

(2) ارجع الى تتمة الكلام في المصباح فإنه يذكر الحديث، و الى المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 551، و سنن البيهقي ج 5 ص 234.

(3) الوسائل الباب 1 من كفارات الصيد.

(4) سورة المائدة، الآية 95.

177

و البعير من ما يطلق على الذكر و الأنثى.

و يظهر من العلامة في التذكرة و المنتهى: ان البدنة و الجزور بمعنى واحد، حيث قال في التذكرة: يجب في النعامة بدنة عند علمائنا اجمع، فمن قتل نعامة و هو محرم وجب عليه جزور. و نحوه في المنتهى ايضا. و هو ظاهر في موافقة الشيخ (رحمه الله).

و بالجملة فقول الشيخ لا يخلو من قوة، للرواية المذكورة، و ان كان الاحتياط في جانب القول الآخر.

و نقل عن العلامة في التذكرة انه اعتبر المماثلة بين الصيد و فدائه ففي الصغير من الإبل ما في سنه، و في الكبير كذلك، و في الأنثى أنثى، و في الذكر ذكر. و لم نقف له على دليل، بل إطلاق الاخبار الواردة في المسألة يدفعه.

تنبيهات

الأول [جزاء المحرم القاتل للنعامة إذا لم يجد بدنة]

- اختلف الأصحاب في ما لو لم يجد بدنة على أقوال:

أحدها- القول بأنه لو لم يجد قوم الجزاء و فض ثمنه على الحنطة، و تصدق به على كل مسكين نصف صاع، فان زاد ذلك على إطعام ستين مسكينا لم يلزمه أكثر منه، و ان كان أقل منه فقد أجزأه. و هو قول الشيخ، و به قال ابن إدريس و ابن البراج، و هو المشهور بين المتأخرين.

و ثانيها- انه لو لم يجد البدنة فقيمتها، فان لم يجد فض القيمة على البر، و صام لكل نصف صاع يوما. و به قال أبو الصلاح. و ظاهره انه يتصدق بالقيمة، فان لم يجد القيمة فضها على البر، و صام عن كل نصف صاع يوما. و ثالثها- انه لو لم يجد فإطعام ستين مسكينا

178

و به قال ابن بابويه و ابن ابي عقيل و الشيخ المفيد و السيد المرتضى و سلار.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة هو

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ في الصحيح عن ابي عبيدة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد، قوم جزاؤه من النعم دراهم، ثم قومت الدراهم طعاما، لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما».

و نحوها صحيحة محمد بن مسلم و زرارة المتقدمة في صدر البحث.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن قوله (عز و جل) أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (3) قال: عدل الهدى ما بلغ يتصدق به، فان لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما».

و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن جميل عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4): «في محرم قتل نعامة؟ قال:

عليه بدنة، فان لم يجد فإطعام ستين مسكينا. و قال: ان كان قيمة البدنة أكثر من إطعام ستين مسكينا لم يزد على إطعام ستين مسكينا،

____________

(1) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد، و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من الوحش).

(2) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(3) سورة المائدة، الآية 95.

(4) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

179

و ان كان قيمة البدنة أقل من إطعام ستين مسكينا لم يكن عليه إلا قيمة البدنة».

و روى العياشي في تفسيره عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن قول الله (تعالى) في من قتل صيدا متعمدا و هو محرم فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ، أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ، أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (2) ما هو؟ قال: ينظر إلى الذي عليه بجزاء ما قتل، فاما ان يهديه، و اما ان يقوم فيشتري به طعاما فيطعمه المساكين، يطعم كل مسكين مدا، و اما ان ينظركم يبلغ عدد ذلك من المساكين فيصوم مكان كل مسكين يوما».

و قد تقدم في صدر كتاب الصوم (3) حديث الزهري عن علي بن الحسين (عليه السلام) و فيه: «أو تدري كيف يكون عدل ذلك صياما يا زهري؟ قال: قلت: لا أدرى. قال: يقوم الصيد قيمة عدل، ثم تفض تلك القيمة على البر، ثم يكال ذلك البر أصواعا، فيصوم لكل نصف صاع يوما».

و نحوه في حديث كتاب الفقه الرضوي (4) المتقدم ثمة أيضا.

و هذه الروايات ظاهرة في القول الأول.

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) ج 13 ص 3، و الوسائل الباب 1 من بقية الصوم الواجب.

(4) ص 23.

180

(عليه السلام)- و رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن ابي بصير (1) و هو ليث المرادي بقرينة عبد الله بن مسكان- قال:

«سألته عن محرم أصاب نعامة أو حمار وحش. قال: عليه بدنة. قلت:

فان لم يقدر على بدنة؟ قال: فليطعم ستين مسكينا. قلت: فان لم يقدر على ان يتصدق؟ قال: فليصم ثمانية عشر يوما. و الصدقة مد على كل مسكين. الحديث».

و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من أصاب شيئا فداؤه بدنة من الإبل، فان لم يجد ما يشتري به بدنة فأراد أن يتصدق فعليه ان يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدا، فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوما، مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام. الحديث».

و في حديث الجواد (عليه السلام) مع يحيى بن أكثم القاضي المروي في جملة من الأصول المعتمدة التي من جملتها كتاب تحف العقول للحسن بن علي بن شعبة (3) و المنقول هنا من عبارته قال (عليه السلام): «و ان كان من الوحش فعليه في حمار وحش بدنة و كذلك في النعامة بدنة، فان لم يقدر فإطعام ستين مسكينا، فان لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوما. الحديث».

و روى الثقة الجليل على بن جعفر (رضي الله عنه) في كتابه عن

____________

(1) الفروع ج 4 ص 385، و الفقيه ج 2 ص 233، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 343، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 3 من كفارات الصيد.

181

أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل محرم أصاب نعامة، ما عليه؟ قال: عليه بدنة، فان لم يجد فليتصدق على ستين مسكينا، فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما».

و في كتاب الفقه الرضوي (2): «فإن كان الصيد نعامة فعليك بدنة، فان لم تقدر عليها أطعمت ستين مسكينا، لكل مسكين مد، فان لم تقدر صمت ثمانية عشر يوما».

أقول: و هذه الاخبار ظاهرة في القول الثالث. و اما القول الثاني فلم أقف له في الاخبار على دليل، و قائله أعرف بما قاله.

و لم أقف على من تعرض للجمع بين هذه الاخبار، و أكثر المتأخرين- كالعلامة في مطولاته و غيره- لم يتعرضوا لنقل الخلاف بالكلية فضلا عن الروايات المخالفة، و انما ذكروا القول الأول و رواياته. و لا يخفى ان مذهب العامة كافة هو ما عليه المشهور بين أصحابنا من القول الأول (3) و اخبارهم كلها موافقة للعامة، و الاخبار الأخر مخالفة لهم و المسألة لذلك لا تخلو من الإشكال، فإن الخروج عن مقتضى هذه الاخبار مع كثرتها و شهرتها بينهم مشكل، و القول بها مع موافقتها لمذهب العامة أشكل.

ثم ان ظاهر أصحاب القول الأول هو الصدقة بعد تعذر البدنة بمدين، و به صرحت صحيحة ابي عبيدة المذكورة. إلا ان غيرها من اخبار المسألة- من ما صرح فيه بقدر الصدقة- إنما تضمن المد، و هو

____________

(1) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) ص 29.

(3) المغني ج 3 ص 464 و 465 طبع مطبعة العاصمة.

182

قول الصدوق و ابن ابي عقيل، كما صرحت به رواية أبي بصير الصحيحة بنقل الصدوق، و صحيحة معاوية بن عمار، و رواية العياشي، و رواية كتاب الفقه الرضوي.

و يؤيده

ما رواه ثقة الإسلام في الموثق عن ابن بكير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في قول الله (عز و جل):

أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (2) قال: يثمن قيمة الهدي طعاما، ثم يصوم لكل مد يوما، فإذا زادت الأمداد على شهرين فليس عليه أكثر منه».

و ظاهر صاحب المدارك و من تبعه الجمع بين الاخبار بحمل صحيحة ابي عبيدة على الاستحباب.

ثم ان ظاهر أصحاب القول الأول هو التصدق بالبر بعد فض قيمة البدنة عليه. و هو ظاهر صحيحة ابي عبيدة، حيث قال فيها: «ثم قومت الدراهم طعاما» و الطعام- كما هو المستفاد من الاخبار- الحنطة. و اكتفى شيخنا الشهيد الثاني و جمع ممن تأخر عنه بمطلق الطعام نظرا الى ظاهر الروايات الأخر المصرحة بالإطعام بقول مطلق. و هو محتمل إلا ان الأحوط العمل بالأول.

الثاني [جزاء المحرم القاتل للنعامة إذا لم يقدر على الصدقة]

- قد صرح أصحاب القول الأول من الأقوال الثلاثة المتقدمة بأنه لو عجز عن الصدقة بعد فض قيمة البدنة على الطعام انه يصوم عن كل مدين يوما، فان عجز صام ثمانية عشر يوما. و مقتضاه ان يصوم ستين يوما عدد المساكين الذين يتصدق عليهم. و بذلك قال الشيخ المفيد و السيد المرتضى و سلار على ما نقله في المختلف. و به صرحت

____________

(1) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

183

صحيحة أبي عبيدة المتقدمة، و كذا مرسلة ابن بكير. إلا ان صوم الثمانية عشر يوما بعد تعذر صوم الستين يوما لم أقف عليه في شيء من رواياتهم، و انما هو في روايات القول الآخر عوضا عن الصدقة على ستين مسكينا، كما صرحت به صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، و رواية أبي بصير المتقدمة أيضا. و المستفاد من رواياتهم إنما هو الصدقة بالبدنة أولا، ثم مع التعذر فض قيمتها على الطعام، و التصدق على ستين مسكينا لكل مسكين نصف صاع، و مع العجز عن الطعام يصوم عن كل نصف صاع يوما، يكون ستين يوما. هذا ما تضمنته اخبارهم. و اما القول الآخر فإنه بعد تعذر البدنة يتصدق على ستين مسكينا، و مع العجز عن الصدقة يصوم ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام. و حينئذ فإن كان معتمدهم في ما ذكروه من صوم الثمانية عشر يوما هو هذه الروايات فهي إنما تضمنت صوم الثمانية عشر يوما عوضا عن الصدقة، و هم لا يقولون بذلك. و مقتضى كلامهم إنما هو عوض عن صيام الستين يوما. و لعل مستندهم إنما هو هذه لاخبار، لكنها لما كانت معارضة- بالنسبة إلى حكم الصدقة على الوجه الذي ذكروه، و كذا صوم الستين يوما- بالأخبار التي اعتمدوها، و حكم صوم الثمانية عشر لا معارض له، عملوا بها في هذا الحكم خاصة حيث لا مانع منه. و الفرق بين القولين من وجهين:

أحدهما- انه على تقدير القول الأول لو فض قيمة البدنة على الطعام و اتفق ان الطعام نقص عن عدد الستين لكل رأس نصف صاع، فإنه يكتفي بما وسعهم و لا يجب عليه إتمام الستين من غير قيمة البدنة، و على القول الآخر فإنه يجب عليه الصدقة على ستين مسكينا من غير نظر الى قيمة البدنة بالكلية. و ثانيهما- انه على القول الأول مع

184

العجز عن الصدقة على ستين مسكينا يصوم ستين يوما، و مع العجز عن ذلك يصوم ثمانية عشر يوما، و على القول الآخر انه مع العجز عن الصدقة يصوم ثمانية عشر يوما. و الجمع بين روايات المسألة لا يخلو من اشكال، و ان كان قد جمع بعضهم بينها بحمل صحيحة ابي عبيدة على الاستحباب و الأفضلية و حمل روايات القول الآخر على أقل المجزئ. و مرجع ذلك الى التخيير مع أفضلية أحد الفردين.

و أكثر الأصحاب- كالعلامة في المنتهى و التذكرة- لم يتعرضوا لنقل القول الآخر، و لا لنقل شيء من رواياته بالكلية كما ذكرنا آنفا.

و صاحب المدارك قد غمض عينيه في هذا المقام و لم يتعرض للجمع بين أخبار المسألة بنقض و لا إبرام، مع ما عرفت من ان روايات القول المشهور معلولة بموافقة العامة. و الله العالم.

الثالث [ما هي كفارة قتل فرخ النعامة في الإحرام؟]

- اختلف الأصحاب في فرخ النعامة، فقال في الخلاف:

في صغار أولاد الصيد صغار أولاد الإبل. و قال ابن البراج: و الكبار أفضل. و قال شيخنا المفيد: في صغار النعام الفداء بقدره من صغار الإبل في سنه، و كذا في صغار ما قتله من البقر و الحمير و الظباء. و نحوه قال السيد، إلا انه فرضه في صغار النعام خاصة. و به قال أبو الصلاح و قال ابن الجنيد: و الاحتياط ان يكون جزاء الذكر من الصيد ذكرا من النعم، و جزاء الأنثى أنثى، و المسن مسنا، و الصغير صغيرا، من الجنس الذي هو مثله في الجزاء، فان تطوع بالأعلى سنا كان تعظيما لشعائر الله تعالى. و هو اختيار ابن إدريس، و قواه العلامة في المختلف استنادا الى قوله (عز و جل) فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (1) و قال

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

185

الشيخ في النهاية: في فراخ النعامة مثل ما في النعامة سواء. و قد روى ان فيه من صغار الإبل. و الأحوط ما قدمناه. و مثله قال في المبسوط. و قال المحقق في الشرائع: و في فراخ النعام روايتان:

إحداهما مثل ما في النعام و الأخرى من صغار الإبل. و هو أشبه.

أقول: و الذي وقفت عليه في الاخبار من ما يتعلق بهذه المسألة هو

ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في قوم حجاج محرمين أصابوا أفراخ نعام فأكلوا جميعا؟ قال: عليهم مكان كل فرخ أكلوه بدنة يشتركون فيها جميعا فيشترونها على عدد الفراخ و على عدد الرجال».

و اما الرواية التي أشار إليها المحقق- و قبله الشيخ في عبارة النهاية- فلم تصل إلينا في كتب الاخبار، و لم ينقلها أحد في كتب الاستدلال، و الظاهر وصولها إليهم، حيث ان المشهور بينهم- كما عرفت- هو القول بها. و كيف كان فتكليفنا غير تكليفهم.

فالأظهر هو القول الأخير للصحيحة المذكورة، مضافا الى ترجيحها بالاحتياط كما لا يخفى.

الرابع [ما هو الحكم لو بقي من القيمة ما لا يعدل يوما؟]

- قال العلامة في المنتهى: لو بقي ما لا يعدل يوما كربع الصاع كان عليه صيام يوم كامل، و لا نعلم فيه خلافا، لان صيام اليوم لا يتبعض، و السقوط غير ممكن لشغل الذمة، فيجب إكمال اليوم.

و أورد عليه بأنه يمكن المناقشة فيه بان مقتضى النص ان صيام اليوم بدل عن نصف صاع كما في صحيحة أبي عبيدة، أو عن إطعام مسكين

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 353، و الفقيه ج 2 ص 236، و الوسائل الباب 2 و 18 من كفارات الصيد.

186

كما في صحيحة محمد بن مسلم، و هو غير متحقق في محل البحث.

و هو جيد. و مرجعه إلى المناقشة في ما ادعاه من شغل الذمة. و مع ذلك فإنه متى كان الصوم في الاخبار انما علق على قدر ما يجب إطعامه المسكين، من نصف صاع كما في الصحيحة المذكورة، أو مد كما تقدم في مرسلة ابن بكير، أو ما هو أعم كما في صحيحة محمد بن مسلم، فما كان أقل من ذلك فإنه لا يوجب صوما البتة. و الظاهر ان تمثيله بربع الصاع بناء على ما قدمنا نقله عنهم من إيجابهم نصف صاع لكل مسكين، و إلا فربع الصاع الذي هو عبارة عن مد- بناء على القول الآخر- يعدل يوما، كما دلت عليه مرسلة ابن بكير و الروايات المتقدمة.

الخامس [هل ينقص الصوم بنقص قيمة البدنة عن الستين؟]

- ظاهر كلام أصحاب القول الأول- كالشيخ و ابن إدريس و المحقق و العلامة و غيرهم- انه لو نقصت قيمة البدنة عن إطعام الستين و انتقل فرضه الى الصوم، فإنه يصوم عن كل نصف صاع يوما بالغا ما بلغ ان أوجبنا نصف الصاع لكل مسكين، أو مدا كما في مرسلة ابن بكير، لان الصوم في الاخبار متفرع على الصدقة، فأي عدد حصل من قيمة البدنة بعد فض قيمتها على الطعام فإنه يجب الصدقة به ان وجد الطعام، و إلا صام عوض إطعام كل مسكين يوما و على هذا كما يكون النقص في الصدقة عن الستين لو عجزت قيمة البدنة كذلك يكون النقص في الصوم.

و قرب العلامة في القواعد انه يصوم الستين كملا في الصورة المذكورة و نقله بعض الأصحاب أيضا عن ابن حمزة في الوسيلة. قال في الذخيرة:

و وجهه غير واحد من الشارحين بان الواجب في الأصل هو إطعام الستين

187

و سقوط الزيادة عنه و العفو عن الناقص على تقديرهما في الإطعام لا يستلزم مثله في الصيام. و بان الكفارة في ذمته ستون و لا يخرج عن العهدة إلا بصوم الستين.

أقول: الذي وقفت عليه في شرح المحقق الشيخ علي على الكتاب المذكور ظاهر في ما قدمناه، و لم يلم فيه بشيء من هذه التوجيهات الركيكة، حيث قال بعد قول المصنف: «و الأقرب الصوم عن ستين و ان نقص البدل» ما صورته: قد يومئ الى ذلك وجوب ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، و لا دلالة له صريحا لجواز ان يكون المراد البدل عن ما هو نهاية ما يجب من الإطعام، و ليس في الروايات صيام ستين بل صيام يوم عن نصف صاع. لكن الأحوط وجوب الستين. انتهى.

و أنت خبير بما في الاستناد في هذا الإيماء إلى وجوب ثمانية عشر يوما عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام، و ذلك فإنك قد عرفت من ما قدمنا ان وجوب صيام الثمانية عشر يوما لم يقع في شيء من روايات القول الأول و انما أخذوه من روايات القول الآخر، و هو في تلك الروايات ترتب على وجوب الصدقة على ستين مسكينا ان وجد الطعام بلا زيادة و لا نقصان، لا على ما أوجبه فض قيمة البدنة على الطعام كما قالوا به، فالتعليل في وجوب الثمانية عشر بان كل ثلاثة أيام عن عشرة مساكين انما ترتب على هذه الستين التي لا يتطرق إليها النقصان بوجه، لا تلك كما يوهمه كلامه (قدس سره).

السادس [الحكم عند التمكن من الزيادة على الثمانية عشر]

- لو تمكن من الزيادة على ثمانية عشر بعد عجزه عن

188

الستين صوما فهل تجب الزيادة أم لا؟ استشكل العلامة في القواعد قيل: و لعل منشأ الاشكال، من ان العجز عن صوم الستين لا يقتضي سقوط المقدور منه، و من ان إيجاب العدد المخصوص في الرواية منوط بالعجز عن المجموع فلا تجب الزيادة عليه.

أقول: لا يخفى ان هذا الاشكال لا وجه له بالكلية. و ما وجهوه به مبني على وجود الرواية بصوم الثمانية عشر يوما بعد تعذر صوم ستين يوما كما قالوا به، و ليس في الروايات له اثر كما قدمنا ذكره، و انما الذي فيها هو صوم الثمانية عشر يوما بعد تعذر الصدقة على ستين مسكينا لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام، كما تضمنته صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة، و التعليل المذكور مؤذن بعدم الزيادة على الثمانية عشر. و بذلك يظهر لك انه لا معنى لقوله: «ان إيجاب العدد المخصوص في الرواية منوط بالعجز عن المجموع» فإنه لم يقع في شيء من الروايات تعليق صوم الثمانية عشر على العجز عن صوم الستين يوما.

السابع- لو تجدد العجز عن صيام الستين يوما بعد صيام شهر

، فقيل بأنه يجب ان يصوم تسعة. و علل بان العجز عن المجموع يوجب ثمانية عشر يوما، فالعجز عن النصف يوجب التسعة التي هي نصف الثمانية عشر. و قواه في القواعد. و لا يخفى ما فيه، فان ظاهر الخبر الوارد بصوم ثمانية عشر انما هو البدلية عن الصدقة على ستين مسكينا كما تقدم. و مع تسليم ما ذكره فالمتبادر منه انما هو البدلية عن المجموع. و القول بالتوزيع لو صح- كما ادعاه في الصورة المذكورة- لوجب بدل ما عجز عنه من الإطعام مع إطعام المقدور، فلو قدر على إطعام ثلاثين مسكينا صام ثلاثين يوما عن الباقي، مع انه لا قائل به منهم. و اعراضهم عنه دليل على انهم انما فهموا من الخبر المذكور

189

هو ما أشرنا اليه.

و قيل بوجوب صوم ما قدر عليه. و توجيهه ان الرواية الواردة بصوم الثمانية عشر على تقديرها منزلة على العجز الحاصل قبل الشروع كما هو المعتاد، فيكون محل البحث من ما لا نص فيه، فيلزم القدر المقدور، لعدم سقوط الميسور بالمعسور (1)

و لقوله (صلى اللّٰه عليه و آله): «إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم» (2).

و به يظهر ما في كلام المحقق الشيخ علي في الشرح في هذا المقام حيث قال: و اما الثاني- و أشار به الى القول المذكور- فلا يظهر له وجه، فان الحديث لا يتناوله، اعني قوله: «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم» (3) إذ لو تناوله لوجب مقدوره و ان زاد على ثمانية عشر، و هو ينافي كونها بدلا من الستين الذي دلت عليه الروايات. انتهى. فان كلامه مبني على شمول العجز لما بعد الشروع.

ثم انه لا يخفى ما في قوله: «الذي دلت عليه الروايات» فإنه ليس في شيء من الروايات ان الثمانية عشر بدل من ستين يوما كما عرفت.

و قيل بالسقوط، لتحقق العجز عن المجموع و حصول البدل في ضمن المتقدم من الثلاثين التي صامها، كما يظهر من ابنه في الشرح، حيث بناه على ان المكلف إذا علم انتفاء شرط التكليف قبل دخول وقته لا يحسن منه التكليف، و ان المكلف و الحال ما ذكر لا يجوز

____________

(1) عوائد النراقي ص 88، و عناوين مير فتاح ص 146 عن عوالي اللئالي عن علي (عليه السلام).

(2) صحيح مسلم ج 1 ص 513، و النسائي ج 2 ص 1.

(3) صحيح مسلم ج 1 ص 513، و النسائي ج 2 ص 1.

190

تكليفه بالستين و ان ظن ذلك ظاهرا، بل إنما عليه ثمانية عشر يوما و قد صامها في ضمن ثلاثين.

و قيل عليه انه يشكل على أصله انه ان تم ما ذكره من القاعدة الأصولية أمكن منع الاجزاء عن الثمانية عشر، لأنه حينئذ إنما اتى بالصوم على انه من جملة الستين التي هي الواجب الثالث لا انه البدل الذي هو ثمانية عشر، و من اتى بعبادة ظانا وجوبها بسبب ثم تبين وجوب بعضها خاصة بسبب آخر ففي إجزائها نظر.

أقول: و يعضده انه لو تم ما ذكره للزم صحة صلاة من صلى في السفر تماما، لوجود صلاة القصر الواجبة عليه في ضمنها و ان لم يقصدها.

و صحة صلاة من صلى الظهر خمسا ساهيا، لوجود الأربع في ضمنها بل ينبغي ان يكون هذا أولى بالصحة، لأنه قصد الأربع في أول دخوله في الصلاة و ذلك لم يقصد الثمانية عشر بالكلية. و هو لا يقول بذلك.

و بالجملة فإن المسألة لخلوها من النص موضع اشكال، و الركون الى هذه التخريجات لا يخلو من المجازفة في لاحكام الشرعية.

الثامن [هل الكفارة في النعامة و ما بعدها مرتبة أو مخيرة؟]

- اختلف الأصحاب في هذه الكفارة في النعامة و ما بعدها هل هي مخيرة أو مرتبة؟ فذهب الأكثر- و منهم: الشيخ في النهاية و المبسوط، و الشيخ المفيد، و ابن ابي عقيل، و ابن بابويه، و الشهيد في الدروس، و المرتضى، و غيرهم- إلى أنها مرتبة، و نسبه في المبسوط إلى أصحابنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، بعد اعترافه بان ظاهر القرآن (1) يدل على التخيير. و ظاهر العلامة في جملة من كتبه القول بأنها

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

191

مخيرة، و به صرح في المنتهى و التذكرة، و نقله في المختلف عن ابن إدريس و نقل عنه انه نسبه ايضا الى الشيخ في الجمل و الخلاف.

و يدل على الأول الاخبار المتقدمة كصحيحة محمد بن مسلم و زرارة و صحيحة ابي عبيدة، و صحيحة معاوية بن عمار، و رواية أبي بصير (1) فان الجميع قد اشترك في الدلالة على ان الانتقال إلى المرتبة الثانية مرتب على عدم القدرة على الاولى، و كذا من الثانية إلى الثالثة.

و يدل على الثاني ظاهر الآية و هو قوله (عز و جل) هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّٰارَةٌ طَعٰامُ مَسٰاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (2) المؤكد

بقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة حريز (3): «و كل شيء في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، و كل شيء في القرآن «فمن لم يجد فعليه كذا» فالأول بالخيار».

و رواية عبد الله بن سنان المتقدم نقلها عن تفسير العياشي (4).

و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط في العمل بالترتيب و القول بالتخيير لظاهر الآية فيه قوة ظاهرة. و يمكن إرجاع روايات الترتيب إليها بالحمل على أفضلية المتقدم، فالترتيب انما هو من حيث الفضل و الاستحباب.

ثم انهم اختلفوا هنا أيضا في وجوب التتابع و عدمه، فالمنقول عن الشيخ المفيد و المرتضى و سلار: الأول، و عن الشيخ انه صرح بان

____________

(1) ص 174 و 178 و 180.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) الفروع ج 4 ص 358، و التهذيب ج 5 ص 333، و الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

(4) ص 179.

192

جراء الصيد لا يجب فيه التتابع. و هو الأظهر، عملا بإطلاق الآية (1) و الروايات المتقدمة.

و يدل عليه ايضا

ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن سليمان ابن جعفر الجعفري (2) قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أ يقضيها متفرقة؟ قال:

لا بأس بتفرقة قضاء شهر رمضان، انما الصيام الذي لا يفرق صوم كفارة الظهار و كفارة الدم و كفارة اليمين».

الفرد الثاني- بقرة الوحش و حماره

، و المشهور بين الأصحاب ان في قتل كل واحد منهما بقرة أهلية. و يدل عليه ما تقدم

من صحيحة حريز (3) و قوله (عليه السلام) فيها تفسيرا لقوله (عز و جل) مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (4) قال: «في حمار وحش بقرة. و في البقرة بقرة،.

و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قلت:

فإن أصاب بقرة أو حمار وحش، ما عليه؟ قال: عليه بقرة».

و رواية أبي الصباح المتقدمة (6) و ذهب الصدوق الى ان الواجب في الحمار بدنة.

و نقله في المختلف عن الشيخين. و يدل عليه ما تقدم من صحيحة يعقوب بن شعيب، و صحيحة سليمان بن خالد، و رواية أبي بصير و رواية الجواد (عليه السلام) (7) و عن ابن الجنيد انه خير في فداء

____________

(6) 176.

(1) سورة المائدة، الآية 95.

(2) الفقيه ج 2 ص 95، و الفروع ج 4 ص 120، و الوسائل الباب 26 من أحكام شهر رمضان.

(3) ص 173 و 174.

(4) سورة المائدة، الآية 95.

(5) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(7) 174 و 180.

193

الحمار بين البدنة و البقرة. و الظاهر انه جعله وجه جمع بين الاخبار المذكورة. و هو جيد.

ثم انه مع تعذر الفداء المذكور بقرة كان أو بدنة، فإنه يرجع الحكم فيه الى ما تقدم في مسألة قتل النعامة، و الخلاف الذي تقدم، فالمشهور انه يفض الثمن على البر و يطعم ثلاثين مسكينا لكل مسكين نصف صاع، و ما زاد فهو له، و ما نقص فليس عليه إتمامه، ثم الصوم عن كل نصف صاع يوما مع تعذر الإطعام، ثم صوم تسعة أيام مع تعذر ما قبله. و هذا هو مدلول صحيحة

ابي عبيدة المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها: «إذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد، قوم جزاؤه من النعم دراهم ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع، فان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما».

و هو متناول بإطلاقه للبدنة و البقرة.

و اما ان الواجب الفض على ثلاثين في ما لو كان الواجب فيهما بقرة فيدل عليه إطلاق صحيحة أبي عبيدة المذكورة. و اما انه لا يجب الإكمال مع النقصان فلإطلاق الاجتزاء بالقيمة في الصحيحة المشار إليها.

و قال العلامة في المنتهى: و لو لم يجد البقرة في جزاء حمار الوحش و بقرته قوم ثمنها بدراهم و فضه على الحنطة، و اطعم كل مسكين نصف صاع، و لا يجب عليه ما زاد على إطعام ثلاثين مسكينا، و لا إتمام ما نقص عنه، عند علمائنا اجمع.

و نقل في المختلف هنا عن ابي الصلاح ما تقدم نقله عنه في النعامة من الصدقة بالقيمة ثم الفض. و عن الشيخ المفيد و الشيخ علي بن الحسين

____________

(1) ص 178.

194

ابن بابويه كما في النعامة من قولهم بالانتقال إلى الإطعام بعد تعذر الفدية ثم الصوم، من غير تعرض للتقويم و الفض.

و عليه تدل

صحيحة معاوية بن عمار (1) و قوله (عليه السلام) فيها بعد ذكر ما تقدم منها: «و من كان عليه شيء من الصيد فداؤه بقرة فان لم يجد فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يجد فليصم تسعة أيام».

و رواية أبي بصير التي تقدم انها صحيحة برواية صاحب الفقيه (2) و فيها: «و سألته عن محرم أصاب بقرة. قال: عليه بقرة. قلت:

فان لم يقدر على بقرة؟ قال: فليطعم ثلاثين مسكينا. قلت: فان لم يقدر على ان يتصدق؟ قال: فليصم تسعة أيام».

و في كتاب الفقه الرضوي (3): «و ان كان الصيد بقرة أو حمار وحش فعليك بقرة، فان لم تقدر أطعمت ثلاثين مسكينا، فان لم تقدر صمت تسعة أيام».

و في حديث الجواد (عليه السلام) المتقدم ذكره برواية صاحب كتاب تحف العقول (4): «فان كان بقرة فعليه بقرة، فان لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكينا، فان لم يقدر فليصم تسعة أيام».

و الخلاف في التخيير بين الأبدال و الترتيب كما تقدم في مسألة النعامة.

و كذا الخلاف في الإطعام مدين أو مدا كما تقدم فتوى و رواية.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) ج 2 ص 233، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد، في ذيل رقم 3.

(3) ص 29.

(4) الوسائل الباب 3 من كفارات الصيد.

195

و كذا في صغير البقر و حمار الوحش من الصغير في الفداء أيضا أو الكبير عين ما سلف.

الفرد الثالث- الظبي و الثعلب و الأرنب

، فاما الضبي ففي قتله شاة من غير خلاف يعرف. ثم مع تعذر الشاة فالمشهور- كما تقدم في النعامة و حمار الوحش و بقرته- انه يفض ثمن الشاة على البر و يتصدق به على عشرة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، و ما فضل فهو له و ما أعوز فلا شيء عليه. و مع تعذر البر يصوم عن كل مسكين يوما و مع تعذر الصوم كذلك يصوم ثلاثة أيام. و عن الشيخ المفيد، و السيد المرتضى، و الصدوق في المقنع، و سلار، و ابن ابي عقيل، و الشيخ علي بن بابويه: انه مع العجز عن الشاة ينتقل إلى الإطعام، و مع تعذره الى صيام ثلاثة أيام. و هو جاز على نحو ما تقدم نقله عنهم في المسألتين الأولتين.

و يدل على الأول ما عرفت من إطلاق صحيحة ابي عبيدة.

و على الثاني

قوله (عليه السلام)- في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، زيادة على ما قدمنا نقله منها (1)-: «و من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام».

و قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير بنقل الشيخ (2) التي هي صحيحة بنقل صاحب الفقيه (3): «قلت: فإن أصاب ظبيا ما عليه؟ قال:

عليه شاة. قلت: فان لم يجد شاة؟ قال: فعليه إطعام عشرة مساكين. قلت:

فان لم يقدر على ما يتصدق به؟ قال: فعليه صيام ثلاثة أيام».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 343، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد رقم 10.

(3) ج 2 ص 233.

196

و في كتاب الفقه الرضوي (1): «و ان كان الصيد ظبيا فعليك دم شاة، فان لم تقدر أطعمت عشرة مساكين، فان لم تقدر صمت ثلاثة أيام».

و في حديث الجواد (عليه السلام) المتقدم ذكره برواية صاحب تحف العقول (2): «و ان كان ظبيا فعليه شاة، فان لم يقدر فليطعم عشرة مساكين، فان لم يجد فليصم ثلاثة أيام. الحديث».

قال في المدارك- بعد قول المصنف: «في قتل الظبي شاة، و مع العجز يقوم الشاة و يفض ثمنها على البر، و يتصدق به لكل مسكين مدين، و لا يلزمه ما زاد»- ما صورته: لا خلاف في لزوم الشاة بقتل الظبي و الانتقال مع العجز الى فض ثمنها على البر و التصدق به. و قد تقدم من الاخبار ما يدل عليه. و يدل على عدم لزوم إطعام ما زاد عن العشرة إذا زادت قيمة الشاة عن ذلك

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (3): «و من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام».

انتهى.

أقول: الظاهر ان كلامه (قدس سره) هنا لا يخلو من سهو و غفلة، لما عرفت آنفا من ان الانتقال- مع العجز عن البدنة في النعامة و عن البقرة في حمار الوحش و بقرته، و عن الشاة في الظبي- إلى فض القيمة على البر ليس مجمعا عليه في موضع من المواضع الثلاثة و انما

____________

(1) ص 29.

(2) الوسائل الباب 3 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 343، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

197

هو محل الخلاف، نعم المشهور ذلك كما أوضحناه في ما سبق في كل من المواضع الثلاثة، فإن مقتضى القول الثالث انما هو الانتقال إلى إطعام ستين مسكينا في النعامة، و ثلاثين في حمار الوحش و بقرته، و عشرة في الضبي، من غير ملاحظة قيمة و لا فض ثمن على البر. و بذلك يظهر ايضا ما في قوله: «و يدل على عدم لزوم إطعام ما زاد عن العشرة إذا زادت قيمة الشاة عن ذلك قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار.»، فان هذه الرواية إنما دلت في المواضع الثلاثة منها على القول الآخر، و هو الانتقال من الفداء بعد تعذره إلى الإطعام، و لا ذكر للفض فيها بالكلية. و مجرد اشتراك القولين في إطعام العدد المذكور في المواضع الثلاثة لا يستلزم حمل أحدهما على الآخر، و الاستدلال بروايات أحدهما على الآخر، لظهور الفرق كما قدمنا الإشارة اليه، و ذلك لانه على القول الأول من فض قيمة الفداء بعد تعذره على الحنطة، فالواجب إخراج نصف صاع على المشهور- أو مد على القول الآخر- لكل واحد من العدد المعتبر في تلك المسألة فلو نقص البر عن الإتيان على العدد كفى و لم يجب عليه الزيادة على ذلك. و اما على القول الآخر فلا بد من العدد تاما، إذ لا مدخل للفض فيه بالكلية. فكيف يدعى أولا عدم الخلاف في الانتقال مع العجز الى فض ثمنها على البر و التصدق به، و ينظم صحيحة معاوية بن عمار في سلك هذا النظام؟

و عن ابي الصلاح هنا مثل ما تقدم في المسألتين السابقتين، قال:

ان كان ظبيا أو ثعلبا أو أرنبا فعليه شاة، فان لم يجد فقيمتها، فان لم يجد صام عن كل نصف صاع من قيمتها يوما. الى آخره.

198

و اما الثعلب و الأرنب فإنه لا خلاف في ان في قتل كل منهما شاة.

و عليه تدل جملة من الاخبار: منها-

صحيحة الحلبي (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأرنب يصيبه المحرم. فقال:

شاة، هديا بالغ الكعبة».

و صحيحة أحمد بن محمد (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم أصاب أرنبا أو ثعلبا. فقال: في الأرنب دم شاة».

و رواية أبي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قتل ثعلبا. قال: عليه دم. قلت: فأرنبا؟ قال: مثل ما في الثعلب».

و في كتاب الفقه الرضوي (4): «و في الثعلب و الأرنب دم شاة».

إنما الخلاف في مساواتهما للظبي في الأبدال من الطعام و الصيام، فقال الشيخان و المرتضى و ابن إدريس بالمساواة، و عن ابن الجنيد و ابن ابي عقيل و الشيخ علي بن بابويه: انهم اقتصروا على الشاة و لم يتعرضوا لإبدالها.

و اختار في المدارك القول الأول، و احتج عليه

بقوله (عليه السلام) في صحيحة أبي عبيدة (5): «إذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر

____________

(1) الوسائل الباب 4 من كفارات الصيد.

(2) الفقيه ج 2 ص 233، و التهذيب ج 5 ص 343، و الوسائل الباب 4 من كفارات الصيد رقم 1 و 3.

(3) الوسائل الباب 4 من كفارات الصيد.

(4) ص 29.

(5) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

199

من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم دراهم».

فان الجزاء متناول للجميع.

و في صحيحة معاوية بن عمار (1): «و من كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام».

و هي متناولة للجميع أيضا.

أقول: و يؤيد ذلك أيضا

صحيحة محمد بن مسلم (2) و قوله فيها:

«سألته عن قوله تعالى أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً (3) قال: عدل الهدى ما بلغ يتصدق به، فان لم يكن عنده فليصم بقدر ما بلغ، لكل طعام مسكين يوما».

و نحو ذلك رواية عبد الله بن سنان المتقدم نقلها من تفسير العياشي و رواية الزهري (4).

إلا انه يمكن ان يقال: ان الأمر في ما دلت عليه هذه الروايات و ان كان كذلك، لدخول هذا الفرد تحت إطلاقها، إلا ان ورود روايات الثعلب و الأرنب على تعددها خالية من الدلالة على الأبدال، بل الإشارة إليه بوجه- مع اشتمال روايات الأفراد المتقدمة على ذلك- من ما يوجب نوع اشكال في الحكم، و لا سيما كتاب الفقه الرضوي، كما قدمنا من عبائره في كل فرد من النعامة و حمار الوحش و بقرته و الظبي، فإنه ذكر الإبدال في كل منها، و في هذا المكان لم

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 343، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

(3) سورة المائدة، الآية 95.

(4) ص 179.

200

يتعرض له بالكلية كما نقلناه هنا. و على هذا اعتمد الشيخ علي بن بابويه في ما نقل عنه هنا، فإنه- كما عرفت في غير موضع من ما تقدم- انما يفتي بعبارة الكتاب المذكور.

و الى ما ذكرنا يميل كلام المحقق في الشرائع، حيث قال: و في الثعلب و الأرنب شاة، و هو المروي. و قيل: فيه ما في الظبي.

و اختاره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فقال بعد نقل العبارة المذكورة: القائل بإلحاقه بالظبي الشيخ و جماعة، و مستندهم فيه غير واضح، و أخبارهما على الخصوص انما دلت على وجوب الشاة و لم تتعرض إلى الأبدال، فعلى الأول- و هو الأقوى- يجب مع العجز عن الشاة إطعام عشرة مساكين، فان لم يجد صام ثلاثة أيام، لصحيحة معاوية بن عمار بوجوب ذلك في كل شاة لا نص في بدلها. و ذهب بعض الأصحاب- تفريعا على القول الأول- إلى انه مع العجز عن الشاة يستغفر الله و لا شيء عليه. و الرواية العامة تدفعه. و الفرق بين مدلول الرواية و بين إلحاقهما بالظبي يظهر في ما لو نقصت قيمة الشاة عن إطعام عشرة مساكين، فعلى الإلحاق يقتصر على القيمة و على الرواية يجب إطعام العشرة. انتهى.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بأنه يتوجه عليه ان رواية ابي عبيدة المتضمنة للاقتصار على التصدق بقيمة الجزاء متناولة للجميع فلا وجه لتسليم الحكم في الظبي و منعه هنا. مع ان اللازم من ما ذكره زيادة فداء الثعلب عن فداء الظبي. و هو بعيد. انتهى.

و هو جيد.

و لا يخفى ان مقتضى الوقوف على ظاهر روايات الثعلب و الأرنب

201

من إيجاب الشاة فيهما و السكوت عن ما عداها- هو ما نقله في المسالك عن بعض الأصحاب من انه مع العجز عن الشاة يستغفر الله (تعالى) و لا شيء عليه. و هذا هو الظاهر من كلام أولئك القائلين بوجوب الشاة و السكوت عن ما عداها. و بذلك يظهر ان المسألة لا تخلو من شوب الاشكال. و الاحتياط في العمل بالقول الأول.

الفرد الرابع- كسر بيض النعام

، و قد اختلفت كلمة الأصحاب في هذا الباب و اضطربت اي اضطراب.

فقال الشيخ (رحمه الله): إذا كسر المحرم بيض النعام اعتبر، فان كان قد تحرك فيه الفرخ فعليه عن كل بيضة بكارة من الإبل، و ان لم يكن تحرك فعليه ان يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد البيض فما خرج كان هديا لبيت الله (تعالى)، فان لم يقدر على ذلك كان عليه عن كل بيضة شاة، فان لم يقدر على ذلك كان عليه إطعام عشرة مساكين، فان لم يقدر على ذلك صام ثلاثة أيام. و هذا هو المشهور سيما بين المتأخرين.

و قال الشيخ المفيد: إذا كسر المحرم بيض نعام فعليه ان يرسل فحولة الإبل في إناثها بعدد ما كسر، فما نتج كان هديا لبيت الله (تعالى) فان لم يجد ذلك فعليه لكل بيضة دم شاة، فان لم يجد فإطعام عن كل بيضة عشرة مساكين، فان لم يجد صام عن كل بيضة ثلاثة أيام.

و كذا قال السيد المرتضى.

و قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه: فإن أكلت بيض نعامة فعليك دم شاة، و كذلك ان وطئتها، فإن وطئتها، و كان فيها فرخ يتحرك فعليك ان ترسل فحولة من الإبل على الإناث بقدر عدد البيض، فما نتج منها

202

فهو هدى لبيت الله (تعالى).

و قال ابنه في المقنع (1): فإذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كل بيضة شاة بقدر عدد البيض، فان لم يجد شاة فعليه صيام ثلاثة أيام، فان لم يقدر فإطعام عشرة مساكين، فإذا وطئ بيض نعام ففدغها و هو محرم، فعليه ان يرسل الفحل من الإبل على قدر عدد البيض، فما لقح و سلم حتى ينتج كان النتاج هديا بالغ الكعبة.

و كذا روى في كتاب من لا يحضره الفقيه (2) إلا انه قال في الخبر:

و إذا وطئ بيض نعام ففدغها و هو محرم و فيها أفراخ تتحرك، فعليه ان يرسل فحولة من البدن. الى آخر كلامه.

و قال سلار: و من كسر بيض نعام كان عليه الإرسال، فان لم يكن له إبل فعليه لكل بيضة شاة.

و قال أبو الصلاح: ان تحرك فيه الفرخ فلكل بيضة فصيل، و ان لم يتحرك فإرسال فحولة الإبل، فان لم يكن له إبل فلكل بيضة شاة.

و قال ابن البراج: ان تحرك الفرخ فبدنة عن كل بيضة، و ان لم يتحرك أرسل.

و قال ابن حمزة: ان تحرك الفرخ لزمه ما خض من الإبل، و ان لم يتحرك أرسل الفحولة، فإن عجز فعن كل بيضة شاة، فإن عجز تصدق على عشرة مساكين، فان عجز صام ثلاثة أيام.

و قال ابن إدريس: فإن تحرك الفرخ فعن كل بيضة من صغار

____________

(1) ص 21.

(2) ج 2 ص 233 و 234، و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من الطير و البيض) و الوسائل الباب 10 و 11 من كفارات الصيد.

203

الإبل. و روى: بكارة من الإبل. و ليست هي الأنثى بل هي جمع بكر. فوجب عن كل بيضة واحد من هذا الجمع. و ان لم يتحرك أرسل الفحولة، فإن عجز فعن كل بيضة شاة، فإن عجز فعن كل بيضة إطعام عشرة مساكين، فان عجز فعن كل بيضة صيام ثلاثة أيام.

أقول: و بذلك يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك، حيث انه بعد نقل عبارة المحقق- المطابقة لمذهب الشيخ، الذي قدمنا نقله عنه، المشتملة على وجوب بكارة من الإبل ان تحرك فيه الفرخ و الإرسال قبل التحرك- ادعى ان هذا الحكم في كل من المسألتين مجمع عليه بين الأصحاب. و الحال كما ترى.

و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذه المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) قال: «سألت أخي (عليه السلام) عن رجل كسر بيض نعام و في البيض فراخ قد تحرك. فقال:

عليه لكل فرخ تحرك بعير ينحره في المنحر».

و ما رواه الصدوق في الفقيه (2) عن محمد بن الفضيل قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل قتل حمامة.

ثم ساق الخبر الى ان قال نقلا عنه (عليه السلام): و إذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كل بيضة شاة بقدر عدد البيض، فان لم يجد شاة فعليه صيام ثلاثة أيام، فان لم يقدر فإطعام عشرة مساكين. و إذا وطئ بيض نعام ففدغها و هو محرم و فيها أفراخ تتحرك، فعليه ان يرسل فحولة من

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 355، و الوسائل الباب 24 من كفارات الصيد.

(2) ج 2 ص 233 و 234، و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من الطير و البيض) و الوسائل الباب 10 و 11 من كفارات الصيد.

204

البدن على الإناث بقدر عدد البيض، فما لقح و سلم حتى ينتج فهو هدي لبيت الله الحرام، فان لم ينتج شيئا فليس عليه شيء».

و ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن سليمان بن خالد (1) قال:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): في كتاب علي (صلوات الله عليه):

في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم، مثل ما في بيض النعام بكارة من الإبل».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «في كتاب علي (صلوات الله عليه): في بيض القطاة كفارة مثل ما في بيض النعام».

و عن سليمان بن خالد (3) قال: «سألته عن رجل وطئ بيض قطاة فشدخه. قال: يرسل الفحل في عدد البيض من الغنم، كما يرسل الفحل في عدد البيض من الإبل. و من أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم».

و عن ابي الصباح الكناني في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث انه قال «في رجل وطئ بيض نعام ففدغها و هو محرم. فقال:

قضى فيه علي (عليه السلام) ان يرسل الفحل على مثل عدد البيض من الإبل، فما لقح و سلم حتى ينتج كان النتاج هديا بالغ الكعبة».

____________

(1) الوسائل الباب 24 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 24 و 25 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 25 من كفارات الصيد.

(4) الفروع ج 4 ص 389، و الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

205

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي الصباح ايضا (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرم وطئ بيض نعام فشدخها قال: قضى فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) ان يرسل الفحل.

الحديث المتقدم، و زاد فيه: و قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):

ما وطئته أو وطئه بعيرك أو دابتك و أنت محرم، فعليك فداؤه».

و روى الشيخ مرسلا (2)- و مثله

الشيخ المفيد في كتاب المقنعة (3)- انه روى: «ان رجلا سأل أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (صلوات الله عليه و على أولاده) فقال له: يا أمير المؤمنين اني خرجت محرما، فوطئت ناقتي بيض نعام فكسرته، فهل علي كفارة؟ فقال له: امض فاسأل ابني الحسن (عليه السلام) عنها- و كان بحيث يسمع كلامه- فتقدم اليه الرجل فسأله، فقال له الحسن (عليه السلام): يجب عليك ان ترسل فحولة الإبل في إناثها بعدد ما انكسر من البيض، فما نتج فهو هدي لبيت الله (تعالى). فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام):

يا بني كيف قلت ذلك و أنت تعلم ان الإبل ربما أزلقت أو كان فيها ما يزلق؟ فقال: يا أمير المؤمنين (عليه السلام) و البيض ربما أمرق أو كان فيه ما يمرق. فتبسم أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال له:

صدقت يا بني. ثم تلا ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ وَ اللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (4).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 355، و الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 354، و الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

(4) سورة آل عمران، الآية 34.

206

السلام) (1) قال: «من أصاب بيض نعام و هو محرم فعليه ان يرسل الفحل في مثل عدد البيض من الإبل، فإنه ربما فسد كله و ربما خلق كله، و ربما صلح بعضه و فسد بعضه، فما نتجت الإبل فهديا بالغ الكعبة».

و ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل أصاب بيض نعام و هو محرم.

قال: يرسل الفحل في الإبل على عدد البيض. قلت: فان البيض يفسد كله و يصلح كله؟ قال: ما ينتج من الهدي فهو هدي بالغ الكعبة، و ان لم ينتج فليس عليه شيء. فمن لم يجد إبلا فعليه لكل بيضة شاة، فان لم يجد فالصدقة على عشرة مساكين لكل مسكين مد، فان لم يقدر فصيام ثلاثة أيام».

و ما رواه الشيخ في التهذيب عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «في بيضة النعام شاة، فان لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فمن لم يستطع فكفارته إطعام عشرة مساكين إذا اصابه و هو محرم».

و في كتاب الفقه الرضوي (4) بعد ذكر النعامة: «فإن أكلت بيضها فعليك دم شاة، و كذلك ان وطئتها، فإن وطئتها و كان فيها فرخ يتحرك فعليك ان ترسل فحولة من البدن على عددها من الإناث بقدر عدد البيض، فما نتج منها فهو هدي لبيت الله تعالى».

____________

(1) الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 387، و الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 23 من كفارات الصيد.

(4) ص 29، و مستدرك الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

207

و هذه عين عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة، و منها يعلم ان مستنده في ما ذكره هو هذا الكتاب، كما قدمنا نظير ذلك في غير موضع.

هذا ما وقفت عليه من الاخبار الجارية في هذا المضمار، و لا يخفى ما فيها من التصادم و الاختلاف الذي نشأ منه هذا التشاجر و الخلاف.

و قد استدل من اختار مذهب الشيخ (رحمه الله تعالى) و هو المشهور من هذه الأقوال- على ما ذكره من وجوب البكارة من الإبل على من أصاب البيض و قد تحرك فيه الفراخ- بصحيحة علي بن جعفر المتقدمة، و هي صريحة في ذلك، و حمل عليها صحيحة سليمان بن خالد الدالة على انه في بيض القطاة بكارة من الغنم، كما في بيض النعام بكارة من الإبل، بحملها على ما إذا تحرك فيها الفرخ جمعا. و هو جيد إلا ان رواية محمد بن الفضيل قد صرحت بأنه إذا وطئ بيض نعام فكسرها و فيها أفراخ تتحرك، فعليه الإرسال دون البكارة التي صرحوا بها في هذه الصورة. و مثلها عبارة كتاب الفقه الرضوي التي قد افتى بها الشيخ علي بن الحسين بن بابويه. و الجمع بينهما و بين صحيحة علي ابن جعفر مشكل كما ترى. نعم من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث له ان يردهما بضعف السند، و عدم مقاومتهما للصحيحة المذكورة، و اما من لا يعمل عليه فيشكل الحكم عنده في ذلك.

و استدلوا ايضا على الحكم الثاني- و هو انه قبل التحرك يرسل فحولة الإبل في إناث منها بعدد البيض- بصحيحة الحلبي و صحيحتي أبي الصباح و المرسلة المروية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بحملها على ما إذا لم يكن فيها أفراخ تتحرك كما هو ظاهرها. و هو جيد.

إلا انه بالنظر الى روايتي محمد بن الفضيل و كتاب الفقه الدالتين على

208

الإرسال في صورة تحرك الإفراخ يمكن تقييد إطلاق هذه الروايات بذلك و ان كان خلاف ظاهرها.

و استدلوا على الأحكام الباقية- و هي انه مع العجز عن الإرسال فعليه عن كل بيضة شاة، فإن عجز فعن كل بيضة إطعام عشرة مساكين فان عجز فعن كل بيضة صيام ثلاثة أيام- برواية علي بن أبي حمزة المتقدمة. و اعتذر جملة من متصلي أصحاب هذا الاصطلاح عن ضعفها باتفاق الأصحاب على العمل بمضمونها.

و في الاستدلال بهذه الرواية على الحكم المذكور اشكال من وجهين:

أحدهما- دلالة رواية أبي بصير التي بعد رواية علي بن أبي حمزة على ان الواجب في كسر بيض النعامة شاة لا إرسال الفحولة. و مثلها رواية محمد بن الفضيل، و عبارة كتاب الفقه الرضوي، حيث انهما (عليهما السلام) في الأخيرتين خصا الإرسال بما إذا كان في البيضة فرخ يتحرك، و مع عدم ذلك أوجبا الشاة، و الأولى دالة على ذلك بإطلاقها، و يمكن تقييدها برواية علي بن أبي حمزة المذكورة. إلا ان الروايتين الأخيرتين لا يمكن فيهما ذلك لتخصيص الإرسال بصورة تحرك الفرخ.

و ثانيهما- دلالة رواية أبي بصير و محمد بن الفضيل على انه بعد تعذر الشاة فعليه صيام ثلاثة أيام، و مع العجز فإطعام عشرة مساكين و هو خلاف ما صرحوا به من تقديم الطعام على الصوم، كما دلت عليه رواية علي بن أبي حمزة.

و ربما جمع بين الاخبار هنا بالحمل على اختلاف الناس في القدرة و العجز بالنسبة إلى الأمرين المذكورين، فمنهم من يقدر على الإطعام

209

دون الصيام، و منهم بالعكس. و استظهر المحدث الكاشاني ان في الكلام تقديما و تأخيرا، و لعله وقع سهوا من الراوي. قال: فإن الإطعام ابدا مقدم. و هو جيد.

و بالجملة فما ذكروه لما عرفت لا يخلو من الاشكال.

و اما ما نقل عن الشيخ المفيد و المرتضى فيدل عليه ظاهر صحيحة الحلبي، و صحيحة أبي الصباح (1). و إطلاق كلام القائلين المذكورين- و كذا إطلاق هذه الروايات- يقتضي وجوب الإرسال، وجد فيها فرخ يتحرك أو لم يوجد. إلا انه يرد عليهما ان صحيحة علي بن جعفر (2) دلت على وجوب البعير في الفرخ الذي يتحرك، فيجب تقييد ما ذكروه بها. و كيف كان فإنه يشكل ذلك بروايتي محمد بن الفضيل (3) و كتاب الفقه (4) الظاهرتين في انه مع تحرك الفرخ الإرسال.

و اما ما نقل عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه فقد عرفت ان مستنده عبارة كتاب الفقه الرضوي.

و اما باقي الأقوال المذكورة فبعضها يرجع الى ما قدمنا نقله من الأقوال، و بعضها شاذ لا دليل عليه.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على فوائد تتعلق بالمقام:

الاولى

- صرح العلامة في المنتهى و المختلف- و الظاهر انه المشهور- بان قدر ما يطعم كل مسكين مد، و عليه دلت رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة (5).

الثانية

- قطع العلامة (قدس سره) في المنتهى بأنه لو كسر بيضة فيها فرخ ميت لم يلزمه شيء. و كذا لو كانت البيضة فاسدة. و كذا

____________

(1) ص 204 و 205.

(2) ص 203.

(3) ص 203.

(4) ص 206.

(5) ص 206.

210

لو كسرها فخرج منها فرخ فعاش. قال: و لو مات كان فيه ما في صغير النعام.

الثالثة

- قطع العلامة و غيره بان الاعتبار في الإرسال بعدد البيض بالإناث، فيجب لكل بيضة أنثى و ان كان الذكر واحدا، و عليه تدل ظواهر الأخبار المتقدمة. قال في المدارك: و لا يكفي مجرد الإرسال حتى يشاهد كل واحدة قد طرقت بالفحل. و يشترط صلاحية الإناث للحمل. انتهى.

الرابعة

- المستفاد من صحيحة أبي الصباح الثانية انه لا فرق بين ان يكسره بنفسه أو بدابته. و به قال الأصحاب أيضا.

الخامسة

- ليس في الاخبار و لا كلام الأصحاب تعيين لمصرف هذا الهدي، قال في المدارك: و الظاهر ان مصرفه مساكين الحرم، كما في مطلق جزاء الصيد. مع إطلاق الهدي عليه في الآية الشريفة (1) قال:

و جزم الشارح في الروضة بالتخيير بين صرفه في مصالح الكعبة و معونة الحاج، كغيره من أموال الكعبة. انتهى. و المسألة محل توقف.

السادسة

- إطلاق الأخبار المتقدمة يقتضي صرف النتاج هديا إلى الكعبة من حين نتاجه، و لا يجب تربيته الى ان يكبر.

الفرد الخامس- بيض القطا و القبج

، و قد اختلف فيه كلام الأصحاب، فقال الشيخ: إذا أصاب المحرم بيض القطا أو القبج فعليه ان يعتبر حال البيض، فان كان قد تحرك فيها فرخ كان عليه عن كل بيضة مخاض من الغنم، و ان لم يكن تحرك فيها شيء كان عليه ان يرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله (عز و جل) فان لم يقدر كان حكمه حكم بيض النعام سواء. و قد تبعه جل

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

211

من تأخر عنه على ذلك. إلا انهم اختلفوا في المعنى المراد من قوله:

«فان لم يقدر كان حكمه حكم بيض النعام سواء» فجملة منهم- كابن إدريس و غيره- حملوه على وجوب الشاة، و مع العجز فالصدقة على عشرة مساكين، و مع العجز فصيام ثلاثة أيام: و جملة منهم- كالعلامة في مطولاته- جعل وجه الشبه هو الانتقال إلى الإطعام ثم الصوم، مستندين الى ان الشاة إنما تجب مع تحرك الفرخ لا غير، بل لا تجب شاة كاملة بل صغيرة، فكيف تجب الشاة الكاملة مع عدم التحرك و إمكان فساده و عدم خروج الفرخ منه؟

و نقل عن الشيخ المفيد انه قال: فان كسر بيض القطا و القبج و ما أشبههما أرسل فحولة الغنم في إناثها، و كان ما ينتج هديا لبيت الله (تعالى)، فان لم يجد فعليه لكل بيضة دم شاة، فان لم يجد اطعم عن كل بيضة عشرة مساكين، فان لم يجد صام عن كل بيضة ثلاثة أيام.

و قال الشيخ علي بن بابويه: في بيض القطا إذا أصابه قيمته، فإن وطئتها و فيها فراخ تتحرك فعليك ان ترسل الذكران من المعز على عددها من الإناث على قدر عدد البيض، فما نتج فهو هدي لبيت الله (تعالى).

و قال ابنه في المقنع و من لا يحضره الفقيه: فان وطئ بيض قطاة فشدخه فعليه ان يرسل الفحل من الغنم في عدد البيض كما أرسل الفحل من الإبل في عدد البيض و قال سلار: و في كسر بيض القطاة إرسال ذكور الغنم في إناثها و جعل ما ينتج هديا.

و قال أبو الصلاح: و لبيض القبج و الدراج إرسال فحولة الغنم على إناثها، فما نتج كان هديا.

و قال ابن البراج: فإن أصاب بيض حجلة أو حمامة و قد تحرك الفرخ فشاة، و ان لم يكن قد تحرك أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض فما نتج كان هديا لبيت الله (تعالى).

212

و قال ابن حمزة: ان تحرك الفرخ في بيض القطاة و القبح فعن كل بيضة ما خض من الغنم، و ان لم يتحرك أرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فالناتج هدي، فإن عجز تصدق عن كل بيضة قطاة بدرهم.

و قال ابن إدريس: ان تحرك الفرخ في بيض القطا أو القبج أو الدراج فعن كل بيضة مخاض من الغنم، اي ما يصح ان يكون ما خضا، و لا نريد به الحامل، و ان لم يكن قد تحرك كان عليه ان يرسل فحولة الغنم في إناثها بعدد البيض، فما نتج كان هديا لبيت الله (تعالى)، فان لم يقدر كان حكمه حكم بيض النعام. هكذا أورده شيخنا في نهايته، و قد وردت بذلك اخبار، و معناه ان النعام إذا كسر بيضه فتعذر إرسال الغنم وجب في كل بيضة شاة، و القطا إذا كسر بيضة فتعذر إرسال الغنم وجب في كل بيضة شاة. فهذا وجه المشابهة بينهما، فصار حكمه حكمه. و لا يمنع ذلك إذا قام الدليل عليه. انتهى.

و قال المحقق في الشرائع: في كسر بيض القطا و القبج إذا تحرك الفرخ من صغار الغنم. و قيل: عن البيضة مخاض من الغنم. و اليه مال السيد في المدارك.

أقول: هذا ما وقفت عليه من أقوالهم في المسألة المذكورة.

و اما الاخبار المتعلقة بها فمنها- ما تقدم من

صحيحة سليمان بن خالد (1) و قوله (عليه السلام) فيها: «في كتاب على (صلوات الله عليه و على أولاده): في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم، مثل ما في بيض النعام بكارة من الإبل».

____________

(1) الوسائل الباب 24 من كفارات الصيد.

213

و صحيحته الثانية (1) و فيها: «في بيض القطاة كفارة مثل ما في بيض النعام».

و روايته الثالثة (2) الدالة على انه إذا وطئ بيض قطاة فشدخه يرسل الفحل في عدد البيض من الغنم كما يرسل الفحل في عدد البيض من الإبل. و من أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم.

و صحيحته الرابعة مع منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) قالا: «سألناه عن محرم وطئ بيض القطاة فشدخه. فقال:

يرسل الفحل في مثل عدة البيض من الغنم، كما يرسل الفحل في عدة البيض من الإبل».

و ما رواه الشيخ عن ابن رباط عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قالا: «سألته عن بيض القطاة. قال: يصنع فيه في الغنم كما يصنع في بيض النعام في الإبل».

و في تتمة رواية محمد بن الفضيل المتقدمة (5): «و ان وطئ بيض قطاة فشدخه فعليه ان يرسل فحولة من الغنم على عددها من الإناث بقدر عدد البيض، فما سلم فهو هدي لبيت الله الحرام».

و في كتاب الفقه الرضوي (6) بعد ذكر القطاة و ان فيها حملا قد

____________

(1) الوسائل الباب 24 و 25 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 25 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 356، و الوسائل الباب 25 من كفارات الصيد.

(4) التهذيب ج 5 ص 356، و الوسائل الباب 25 من كفارات الصيد.

(5) الفقيه ج 2 ص 234، و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من الطير و البيض).

(6) ص 29.

214

فطم من اللبن و رعى من الشجر: «و في بيضة إذا أصبته قيمته، فإن وطئتها و فيها فرخ يتحرك فعليك إن ترسل الذكران من المعز على عددها من الإناث على قدر عدد البيض، فما نتج فهو هدي لبيت الله الحرام».

هذا ما وقفت عليه من اخبار المسألة،

[فروع]

و الكلام يقع فيها في مواضع:

الأول

- لا يخفى ان هذه الاخبار كلها إنما تضمنت حكم بيض القطاة، و عبارات الأصحاب المتقدمة، ما بين مصرح بإضافة القبج الى القطاة، و ما بين ما أضيف إليهما «ما أشبههما»، و ما بين من اقتصر على القطاة، و ما بين من لم يذكر القطاة و انما ذكر القبج و الدراج و ما بين من ذكر القطاة و الدراج. و لا يخفى ما في التعدي عن موضع النصوص من الإشكال، إلا ان يكون لهم دليل لم نقف عليه، و هم اعرف بما صاروا اليه:

الثاني

- لا يخفى ان ما ذكره الشيخ و من تبعه- من انه ان كان في البيضة فرخ قد تحرك فالواجب مخاض من الغنم، و إلا كان عليه الإرسال- لا دلالة في شيء من هذه النصوص عليه، و انما استدلوا عليه تبعا للشيخ (رحمه الله) بحمل ما دل على ان في بيض القطاة بكارة من الغنم- كصحيحة سليمان بن خالد الاولى، و مثلها قوله في آخر روايته الثالثة: «و من أصاب بيضة فعليه مخاض من الغنم»- على ان ذلك مع تحرك الفرخ في البيضة، و ما دل على الإرسال بالحمل على ما إذا لم يتحرك، حسبما ذكروه في بيض النعام.

و اختار المحدث الكاشاني في الوافي الجمع بين الاخبار المذكورة بحمل ما دل على وجوب البكارة أو المخاض على الإصابة باليد و الأكل

215

تعمدا. و يشير اليه لفظ الإصابة كما في قوله

في رواية أبان بن تغلب (1):

«في قوم حجاج محرمين أصابوا أفراخ نعام فأكلوا جميعا».

و حمل ما دل على الإرسال على الوطء، كما في جملة من الاخبار. و جعل هذا وجه جمع بين اخبار بيض النعام و بيض القطاة.

أقول: و يؤيده ما تقدم من الإشكال في مسألة بيض النعام، فإن جملة من الاخبار قد دلت على الإرسال مع تحرك الفرخ الذي أوجبوا فيه بكارة من الإبل، عملا بصحيحة على بن جعفر (2) فيمكن هنا ان يقال ايضا بوجوب الإرسال مع الوطء، تحرك الفرخ فيه أم لا، و يجعل وجوب الشاة في تعمد الأكل. و يعضد ذلك عبارة كتاب الفقه الرضوي و تصريحها بالإرسال مع التحرك في هذه المسألة، و انه مع عدم التحرك ليس إلا القيمة.

و بالجملة فإنهم قد بنوا الكلام في هذه المسألة على ما ذكروه في مسألة بيض النعام، نظرا الى تشبيههم (عليهم السلام) هذه المسألة في غير خبر من هذه الاخبار بمسألة بيض النعام. و هو جيد لو كان ما ذكروه في بيض النعام خاليا من الاشكال، و الأمر ليس كذلك كما عرفت.

الثالث

- ما ذكره الشيخ (رحمه الله) و من تبعه- من وجوب المخاض من الغنم- فهو مدلول رواية سليمان بن خالد الثالثة.

و المحقق في الشرائع قد صرح هنا بان الفداء من صغار الغنم.

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 236، و التهذيب ج 5 ص 353، و الوسائل الباب 2 و 18 من كفارات الصيد.

(2) ص 203.

216

و الظاهر انه اعتمد على صحيحة سليمان بن خالد و قوله (عليه السلام) فيها: «في بيض القطاة بكارة من الغنم إذا أصابه المحرم» و البكرة- على ما في القاموس- الفتية من الإبل. و قال في المصباح المنير:

و البكر بالفتح الفتى من الإبل، و البكرة الأنثى، و الجمع بكار، مثل كلبة و كلاب، و قد يقال بكارة مثل حجارة. انتهى.

و الى ذلك مال السيد السند في المدارك لقوة الخبر المذكور، و ضعف الرواية التي اعتمد عليها الشيخ، مع ما فيها من الإشكال أيضا بأنه إذا كان الواجب في القطاة حملا فطيما فكيف يكون في بيضها ما خض؟ فيزيد حكم البيض على البائض. و هذا الاشكال منتف على ما اختاره، إذ غاية ما يلزم تساوى الصغير و الكبير في الفداء.

أقول: ما ذكره (قدس سره) جيد بناء على أصله المعتمد عليه عنده، و اما بناء على القول بصحة جميع الاخبار- كما هو مذهب الشيخ و أمثاله من المتقدمين- فيمكن القول بالتخيير في المسألة بين الماخض و البكرة، و لا يلتفت الى ما ذكره من الإشكال، فإنه مجرد استبعاد عقلي في مقابلة النص. و ملاحظة التفاوت بين البائض و البيض يقتضي منع المساواة أيضا و ان يكون فداء البائض زائدا على فداء البيض و ما فيه، مع انه لا يقول به.

الرابع

- قد استشكل العلامة في جملة من كتبه وجوب الشاة بعد تعذر الإرسال- كما صرح به ابن إدريس و الشيخ المفيد- مستندا الى ما قدمنا نقله عنه، و حمل عبارة الشيخ على التشبيه في وجوب الإطعام و الصيام خاصة. و ابن إدريس في عبارته المتقدمة قد ادعى ورود الأخبار بالشاة في هذا الموضع، و لم نقف عليها. و كيف كان فوجوب الإطعام و الصيام هنا ايضا- كما صرحوا به- لا اعرف له مستندا، فإن غاية ما يفهم من الاخبار المتقدمة هو وجوب البكارة من الغنم أو

217

المخاض في إصابة البيض كما في بعض، و وجوب الإرسال في وطء البيض كما في الاخبار الأخر، و اما انه مع تعذر الإرسال فله مرتبة اخرى- من وجوب الشاة و ما بعدها، أو الإطعام ثم الصيام- فلا يفهم منها بوجه. و استفادة ذلك من التشبيه الموجب للإلحاق ببيض النعام في ذلك غير مسلم، و لا مفهوم منها بوجه، فان بعضا منها صريح في التخصيص بالإرسال، و بعضا في وجوب البكارة، و ما أطلق- و هو صحيحة سليمان بن خالد الثانية- لا دلالة فيها على أزيد من ان في بيض القطاة كفارة كما في بيض النعام. و هو لا يقتضي ما ادعوه، إذ غاية ما يدل عليه هو تشبيه أصل الكفارة بأصل الكفارة لا تشبيه الكيفية بالكيفية، فان المشابهة لا تقتضي المساواة من كل وجه، و يكفي في المماثلة وجوب الكفارة المذكورة في هذه الاخبار من البكارة أو المخاض أو الإرسال.

و بالجملة فالمسألة على غاية من الاشكال. و أولياؤه العالمون بحقيقة الحال.

الخامس

- قد عرفت ان ما ذهب اليه الشيخ علي بن الحسين بن بابويه فإنما اعتمد فيه على الفقه الرضوي، كما عرفت من أخذه عبارة الكتاب و الإفتاء بها على عادته التي عرفت في غير مقام من ما تقدم. و اما ما ذكره ابنه في المقنع و الفقيه فهو مضمون صحيحة سليمان بن خالد الرابعة (1) و مثله كلام سلار و ابي الصلاح. و ظاهر كلامهم- كما هو ظاهر إطلاق الرواية- لا يخلو من إجمال. و مثله كلام الشيخ المفيد (قدس سره) فإنه يحتمل الحمل على ما هو أعم من ان يكون في البيضة فرخ قد تحرك أم لا. و يحتمل تخصيصه بالبيضة وقوفا على ظاهر

____________

(1) ص 213.

218

خصوص اللفظ، و يكون حكم الفرخ الذي في البيضة غير مذكور في كلامهم. و اما ما ذكره ابن حمزة- من وجوب الماخض مع تحرك الفرخ و إلا فالارسال- فإنه قد تبع فيه الشيخ، إلا انه انفرد عنه بالرجوع إلى القيمة مع تعذر الإرسال. و الظاهر ان وجهه ما قدمناه من خلو الاخبار عن التعرض لهذه المرتبة، فيرجع فيه الى القيمة المعلومة من العمومات الشاملة لمثل هذه المسألة. و لذا قال العلامة في المختلف بعد الكلام في المسألة. و ما أحسن قول ابن حمزة لو ساعده النقل.

و فيه إشارة إلى الطعن عليه بعدم وجود الدليل على وجوب القيمة. و لعل مستنده في ذلك ما أشرنا إليه.

النوع الثاني- ما لا بدل له على الخصوص

، و ينقسم ايضا الى خمسة أقسام:

(الأول) الحمام

، و قيل: انه اسم لكل طائر يهدر و يعب الماء. و معنى «يهدر» يواتر صوته. و معنى «يعب الماء» بالعين المهملة أي يشربه من غير مص و لا يأخذه بمنقاره قطرة قطرة كالدجاج و العصافير. و نسب هذا القول في المدارك الى الشيخ و جمع من الأصحاب، قال: و لم أقف عليه في ما وصل إلينا من كلام أهل اللغة. و قيل: هو كل مطوق.

قال في المدارك: و هو موجود في كلام الجوهري و صاحب القاموس.

أقول: قال في القاموس: و الحمام كسحاب: طائر بري لا يألف البيوت، أو كل ذي طوق، و تقع واحدته على المذكر و المؤنث.

و قال في كتاب المصباح المنير: و الحمام عند العرب كل ذي طوق من الفواخت، و القماري، و ساق حر، و القطا، و الدواجن، و الوراشين، و أشباه ذلك، الواحدة حمامة، و يقع على الذكر و الأنثى، فيقال: حمامة ذكر

219

و حمامة أنثى. و العامة تخص الحمام بالدواجن، و كان الكسائي يقول: الحمام هو البري و اليمام هو الذي يألف البيوت. و قال الأصمعي: اليمام: حمام الوحش، و هو ضرب من طير الصحراء. انتهى.

و قال في كتاب مجمع البحرين: و قال الجوهري: الحمام عند العرب ذوات الأطواق، كالفواخت، و القماري بضم القاف و تشديد الياء، و ساق حر، و القطا بالفتح، و الوراشين، و أشباه ذلك. و نقل عن الأصمعي ان كل ذي طوق فهو حمام. و المراد بالطوق الخضرة أو الحمرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة. و عن الأزهري عن الشافعي: ان الحمام كل ما عب و هدر و ان تفرقت أسماؤه. انتهى.

أقول: و بهذه الأفراد المذكورة و دخولها تحت لفظ الحمام صرح العلامة في المنتهى و التذكرة و غيره، و لا يخلو من اشكال.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- بعد اختيار تعريف الحمام بأنها ذات الطوق، و ان جميع هذه الأفراد المذكورة داخلة تحت ذلك- ما صورته: و على كل حال فلا بد من إخراج القطا و الحجل من التعريف، لان لهما كفارة معينة غير كفارة الحمام، مع مشاركتهما له في التعريف. انتهى.

أقول: ما ذكره متجه بالنسبة إلى القطا، و اما الحجل فإنه و ان ذكره بعضهم كما تقدم، إلا انك قد عرفت ان الاخبار غير دالة إلا على القطا خاصة، و ان جميع ما أضافوه إليها لا دليل عليه.

و قال سبطه في المدارك بعد ذكر التعريفين المتقدمين: و الذي تقتضيه القواعد وجوب الحمل على المعنى العرفي ان لم يثبت اللغوي. و صرح العلامة في المنتهى بدخول الفواخت و الوراشين و القمري و الدبسي

220

و القطا في الحمام. و هو مشكل. انتهى.

أقول: فيه (أولا): انك قد عرفت في غير موضع من ما تقدم ان هذه القواعد التي تقتضي الحمل على المعنى العرفي في أمثال هذه المواضع لا أصل لها في الدين، و لا مستند لها عن سادات المسلمين، و انما هي مجرد اصطلاحات أصولية و تخريجات فضولية، لأن العرف لا انضباط له في حد و لا نهاية له في عد، فلكل إقليم عرف يعمل اهله عليه، و من ذا الذي يدعى الاطلاع أو يمكنه تعرف عرف جميع الناس في جميع أقطار العالم، و الأحكام الشرعية أمور مضبوطة معينة لا تغير فيها، فكيف تناط بالعرف الذي هو على ما عرفت؟

و (ثانيا): ان المستفاد من الاخبار- التي هي المرجع و عليها المعول في الإيراد و الإصدار- هو انه يجب الرجوع في كل حكم حكم و جزئي جزئي إلى عرفهم (عليهم السلام) و ما ورد عنهم (عليهم السلام) فان ثبت هناك شيء وجب الأخذ به، و إلا وجب الوقوف على ساحل الاحتياط.

و (ثالثا): ان استشكاله في ما ذكره العلامة من هذه الافراد بعد قوله أولا: «ان الذي تقتضيه القواعد وجوب الحمل على المعنى العرفي ان لم يثبت اللغوي» ليس في محله، لانه متى كان المعنى اللغوي يجب البناء عليه إذا ثبت، و الحال ان أهل اللغة كلهم صرحوا بان الحمام هو المطوق، و هذه الافراد داخلة في التعريف، مع تصريحهم بها على الخصوص كما سمعت، فأي اشكال يلزم هنا؟ نعم الاشكال انما هو في القطا، حيث عدوه هنا مع ان له حكما آخر كما تقدم، فينبغي استثناؤه كما أشير إليه.

221

إذا عرفت ذلك فاعلم ان الواجب على المحرم في قتل الحمام شاة لكل حمامة، و الظاهر انه لا خلاف فيه، بل قال في المنتهى: انه قول علمائنا اجمع.

و يدل عليه مضافا الى الاتفاق المذكور- روايات عديدة: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «في محرم ذبح طيرا: ان عليه دم شاة يهريقه فان كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن».

و ما رواه الكليني و الشيخ عن حريز في الحسن على المشهور و الصحيح عندي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المحرم إذا أصاب حمامة ففيها شاة، و ان قتل فراخه ففيه حمل، و ان وطئ البيض فعليه درهم».

و عن ابي بصير في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن محرم قتل حمامة من حمام الحرم خارجا من الحرم. فقال:

عليه شاة. قلت: فان قتلها في جوف الحرم؟ قال: عليه شاة و قيمة الحمامة. قلت: فان قتلها في الحرم و هو حلال؟ قال: عليه ثمنها، ليس عليه غيره. قلت: فمن قتل فرخا من فراخ الحمام و هو محرم؟ قال: عليه حمل».

و عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 347، و الوسائل الباب 9 و 10 و 11 من كفارات الصيد.

(4) التهذيب ج 5 ص 347، و الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

222

«سمعته يقول في حمام مكة الأهلي غير حمام الحرم: من ذبح منه طيرا و هو غير محرم فعليه ان يتصدق، و ان كان محرما فشاة عن كل طير».

و روى الكليني في الموثق عن ابي بصير نحوه (1) إلا ان فيه:

«فعليه ان يتصدق بصدقة أفضل من ثمنه».

و ما رواه الكليني عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «في الحمامة و أشباهها إذا قتلها المحرم شاة، و ان كان فراخا فعدلها من الحملان».

و لو قتل فرخا من فروخ الحمام فعليه حمل، و هو بالتحريك من أولاد الضأن ما له أربعة أشهر فصاعدا، على ما فسره جماعة من الأصحاب.

و في المصباح المنير: و الحمل بفتحتين: ولد الضأن في السنة الاولى و الجمع حملان. و في كتاب مجمع البحرين: و الحمل محركة: الخروف إذا بلغ ستة أشهر. و قيل: هو ولد الضأن الجذع فما دونه، و الجمع حملان و أحمال. و في القاموس: الحمل محركة: الخروف أو الجذع من أولاد الضأن فما دونه. و لا يخفى ما بين هذه الأقوال من التصادم و الأخذ بالأحوط- و هو ما وقع اتفاق كلام الكل عليه- من ما لا ينبغي تركه.

و يدل على وجوب الحمل هنا ما تقدم من صحيحة حريز أو حسنته و موثقة أبي بصير، و رواية أبي الصباح.

____________

(1) الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد رقم 5. و الراوي هو (عبد الله ابن سنان).

(2) الفروع ج 4 ص 389، و الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

223

و ما رواه الكليني عن ابي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قتل فرخا و هو محرم في غير الحرم. فقال: عليه حمل و ليس عليه قيمته، لانه ليس في الحرم».

و تدل عليه صحيحة زرارة و رواية أبي بصير الآتيتان في مسألة اجتماع الفداء و القيمة على المحرم في الحرم (2).

و ذهب بعض الأصحاب إلى الاكتفاء هنا بالجدي، لصحيحة عبد الله ابن سنان المتقدمة. و لا بأس به.

و الجدي- على ما ذكره في المدارك و غيره-: من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، مثل الحمل في كلامهم من أولاد الضأن. و في مجمع البحرين انه من أولاد المعز ما بلغ ستة أشهر إلى سبعة، و الجمع جداء و أجدي مثل دلاء و أدلي. و في المصباح عن ابن الأنباري انه قال: الجدي هو الذكر من أولاد المعز و الأنثى عناق. و قيده بعضهم بكونه في السنة الأولى. انتهى.

و في بيض الحمام ان تحرك الفرخ فحمل و إلا فدرهم.

اما الحكم الأول فقد ذكره الشيخ و أكثر الأصحاب.

و استدلوا عليه

بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (3) قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن رجل كسر بيض الحمام و في البيض فراخ قد تحرك. فقال: عليه ان يتصدق عن كل فرخ قد تحرك بشاة، و يتصدق بلحومها ان كان محرما، و ان كان الفرخ

____________

(2) 231.

(1) الفروع ج 4 ص 390، و الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 358، و الوسائل الباب 9 و 26 من كفارات الصيد.

224

لم يتحرك تصدق بقيمته ورقا يشتري به علفا يطرحه لحمام الحرم».

و أورد عليه ان الرواية تتضمن التصدق بشاة لا الحمل.

أقول: يمكن ان يستدل على وجوب الحمل هنا

بما رواه في التهذيب عن يونس بن يعقوب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم و فراخ و بيض. فقال:

ان كان أغلق عليها قبل ان يحرم، فان عليه لكل طير درهما، و لكل فرخ نصف درهم، و البيض لكل بيضة ربع درهم، و ان كان أغلق عليها بعد ما أحرم، فإن عليه لكل طائر شاة، و لكل فرخ حملا و ان لم يكن تحرك فدرهم، و للبيض نصف درهم».

، فان ظاهرها ان الحمل في الفرخ سواء كان خارجا عن البيضة أو فيها مع حياته. إلا ان مورد الرواية هنا في الحرم.

و استدل الشيخ على ذلك ايضا

بما رواه عن الحلبي عبيد الله في الصحيح (2) قال: «حرك الغلام مكتلا فكسر بيضتين في الحرم، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جديان أو حملان».

بحملها على ما إذا كان في البيض فرخ قد تحرك، حسبما ورد في صحيحة عبد الله ابن سنان في الفرخ من التخيير بين الفردين.

و بالجملة فإن ما ذهب اليه الشيخ لا يخلو من قرب.

و اما الحكم الثاني فتدل عليه رواية حريز المتقدمة،

و ما رواه الشيخ في الصحيح عنه ايضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «و ان وطئ

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 350، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 358، و الوسائل الباب 26 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 346، و الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

225

المحرم بيضة و كسرها فعليه درهم، كل هذا يتصدق به بمكة و منى، و هو قول الله (تعالى) تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ» (1).

بقي الكلام في ان صحيحة علي بن جعفر دلت على ان عليه القيمة و به افتى الشيخ (رحمه الله) و من تبعه. و المستفاد من روايتي حريز المذكورتين ان عليه عن كل بيضة درهما. و لعل وجه الجمع ان تحمل على ان القيمة في ذلك الوقت درهم، أو التخيير بين الأمرين. و الأحوط التصدق بأكثر الأمرين كما ذكره في المنتهى.

و تنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم مسائل:

الأولى [جزاء إصابة المحل الحمام أو فرخه أو بيضة في الحرم]

- ينبغي ان يعلم ان ما ذكرناه من أحكام الحمام و فرخه و بيضه مخصوص بما إذا فعل ذلك محرما في الحل، اما لو فعله المحل في الحرم، فان عليه في كل حمامة درهم، و لكل فرخ نصف درهم، و لكل بيضة ربع درهم و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري- و الكليني عنه بإسنادين، أحدهما من الصحيح أو الحسن بإبراهيم ابن هاشم- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «في الحمامة درهم، و في الفرخ نصف درهم، و في البيض ربع درهم».

و ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: «قال

____________

(1) سورة المائدة، الآية 94.

(2) التهذيب ج 5 ص 345، و الفروع ج 4 ص 234. و الوسائل الباب 10 من كفارات الصيد.

(3) الوسائل الباب 10 من كفارات الصيد. و الحديث للصدوق في الفقيه ج 2 ص 171 و 172.

226

أبو عبد الله (عليه السلام): في قيمة الحمامة درهم، و في الفرخ نصف درهم، و في البيض ربع درهم».

و ما رواه الكليني في الصحيح عن صفوان عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (1) قال: «من أصاب طيرا في الحرم و هو محل فعليه القيمة، و القيمة درهم يشتري به علفا لحمام الحرم».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل اهدى له حمام أهلي جيء به و هو في الحرم. فقال: ان هو أصاب منه شيئا فليتصدق بثمنه نحوا من ما كان يسوى في القيمة».

و رواه الشيخ في التهذيب (3)

و كذا الصدوق في الفقيه (4) إلا انه قال في آخره: «فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه».

و عن حماد بن عثمان (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

رجل أصاب طيرين: واحد من حمام الحرم و الآخر من حمام غير الحرم؟ قال: يشتري بقيمة الذي من حمام الحرم قمحا فيطعمه حمام الحرم، و يتصدق بجزاء الآخر».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 233، و الوسائل الباب 10 و 22 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 232، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد، و الوافي باب (حكم صيد الحرم).

(3) ج 5 ص 347، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد ملحق رقم 3.

(4) ج 2 ص 168، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد رقم 3.

(5) الفروع ج 4 ص 390 و 391، و الوسائل الباب 22 من كفارات الصيد.

227

و ما رواه الشيخ و الصدوق عن محمد بن الفضيل عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل قتل حمامة من حمام الحرم و هو غير محرم. قال: عليه قيمتها و هو درهم، يتصدق به أو يشتري به طعاما لحمام الحرم. و ان قتلها و هو محرم في الحرم فعليه شاة و قيمة الحمامة».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل أغلق باب بيت على طير من حمام الحرم فمات؟

قال: يتصدق بدرهم أو يطعم به حمام الحرم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (3) قال: «حدثني صاحب لنا ثقة، قال: كنت أمشي في بعض طرق مكة فلقيني إنسان فقال لي: اذبح لنا هذين الطيرين. فذبحتهما ناسيا و انا حلال، ثم سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: عليك الثمن».

و ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فرخين مسرولين ذبحتهما و انا بمكة. فقال لي: لم ذبحتهما؟ فقلت: جاءتني بهما جارية من أهل مكة فسألتني أن أذبحهما، فظننت أني بالكوفة و لم اذكر اني

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 345، و الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 10 و 11 من كفارات الصيد.

(2) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 16 و 22 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 346، و الوسائل الباب 10 من كفارات الصيد.

(4) التهذيب ج 5 ص 346، و الفقيه ج 2 ص 171، و الفروع ج 4 ص 237، و الوسائل الباب 10 من كفارات الصيد.

228

بالحرم. فقال: عليك قيمتهما. قلت: كم قيمتهما؟ قال: درهم، و هو خير منهما» و في رواية الشيخ: «خير من ثمنهما».

و المفهوم من ضم هذه الاخبار بعضها الى بعض- و نحوها من ما يأتي في المقام ايضا ان شاء الله (تعالى)- هو الاجتزاء بالدرهم مطلقا، و ان المراد بالقيمة في ما أطلق فيه القيمة هو الدرهم. و اما الحمل على ان القيمة في ذلك الوقت كان درهما فالظاهر بعده. بل ربما أشعرت صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة بأن جعل القيمة درهما إنما هو نوع احتياط في القيمة، و إلا فربما كانت انقص من ذلك، كما يومي اليه قوله: «و الدرهم خير منهما، أو خير من ثمنهما» كما في الرواية الأخرى. و من ما يومئ الى ذلك ايضا ما

في صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1):

«في حمام مكة، قال: من ذبح طيرا منه و هو غير محرم فعليه ان يتصدق بصدقة أفضل من ثمنه».

فان الظاهر ان المراد بالصدقة هو الدرهم الذي قد ورد في هذه الاخبار، الدال بعضها على انه خير منهما أو خير من ثمنهما.

و قال العلامة في المنتهى: ان الأحوط وجوب أكثر الأمرين من الدرهم و القيمة. قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو كذلك، و ان كان المتجه اعتبار القيمة مطلقا. أقول: بل الظاهر ان المتجه اعتبار الدرهم مطلقا، حملا لمطلق الاخبار على مقيدها بالتقريب الذي ذكرناه.

و نقل عن المحقق الشيخ علي (رحمه الله) انه استشكل في اجزاء

____________

(1) الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد رقم 5.

229

الدرهم مطلقا، فقال: ان اجزاء الدرهم في الحمام مطلقا و ان كان مملوكا في غاية الإشكال، لأن المحل إذا قتل المملوك في غير الحرم تلزمه القيمة السوقية بالغة ما بلغت، فكيف يجزئ الأنقص في الحرم؟ و أجاب عنه في المسالك- و نحوه في المدارك- بان هذا الاشكال انما يتجه إذا قلنا ان فداء المملوك لمالكه، لكن سيأتي- ان شاء الله (تعالى)- ان الأظهر كون الفداء لله (تعالى) و للمالك القيمة السوقية، فلا بعد في ان يجب لله (تعالى) في حمام الحرم أقل من القيمة مع وجوبها للمالك. انتهى. و هو جيد.

بقي هنا شيء، و هو انه

قد روى الشيخ عن يزيد بن خليفة (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و انا عنده، فقال له رجل:

ان غلامي طرح مكتلا في منزلي، و فيه بيضتان من طير حمام الحرم.

فقال: عليه قيمة البيضتين يعلف به حمام الحرم، و قيمة البيضتين و قيمة الطير سواء».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن يزيد بن خليفة (2) قال: «كان في جانب بيتي مكتل كان فيه بيضتان من حمام الحرم، فذهب الغلام يكب المكتل و هو لا يعلم ان فيه بيضتين، فكسرهما، فخرجت فلقيت عبد الله بن الحسن فذكرت ذلك له، فقال: تصدق بكفين من دقيق.

قال: ثم لقيت أبا عبد الله (عليه السلام) بعد فأخبرته، فقال: ثمن طيرين تطعم به حمام الحرم. فلقيت عبد الله بن الحسن فأخبرته فقال:

صدق (عليه السلام) حدث به، فإنما أخذه عن آبائه (عليهم السلام)».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 357، و الوسائل الباب 26 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 236، و التهذيب ج 5 ص 357، و الوسائل الباب 26 من كفارات الصيد، و الوافي باب (حكم صيد الحرم).

230

و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عبيد الله الحلبي (1) قال:

«حرك الغلام مكتلا فكسر بيضتين في الحرم، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جديان أو حملان».

و هذه الاخبار- كما ترى- منافية لما تقدم في صحيحتي حفص بن البختري و عبد الرحمن بن الحجاج، و الجواب عنهما: اما عن صحيحة الحلبي فما تقدم من حمل الشيخ لها على ما إذا كان في البيض فرخ. و اما الروايتان الأولتان فظاهرهما ان في البيضتين ما في الطير سواء، و هو القيمة أو الدرهم. و لا اعلم بذلك قائلا، مع مخالفتهما للأخبار الكثيرة من الدلالة على الفرق بين الطير و البيض، و ان ما في البيض من الجزاء أقل من ما في الطير. و الكلام فيهما مرجأ الى قائلهما.

الثانية [جزاء إصابة المحرم الحمام أو فرخه أو بيضة في الحرم]

- لو فعله المحرم في الحرم اجتمع عليه الأمران المتقدمان فيجتمع عليه في قتل الحمامة الشاة و الدرهم، و في قتل الفرخ الحمل و نصف الدرهم، و في البيضة درهم و ربع، و إنما اجتمعا عليه لانه هتك حرمة الإحرام و الحرم معا، فوجب عليه موجب كل منهما هذا هو المشهور.

و يدل عليه من الاخبار

ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة، و ثمن الحمامة درهم أو شبهه، يتصدق به أو يطعمه حمام مكة، فإن قتلها في الحرم و ليس بمحرم فعليه ثمنها».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 358، و الوسائل الباب 26 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 11 من كفارات الصيد.

231

و ما تقدم

في رواية محمد بن الفضيل (1) و قوله (عليه السلام) فيها: «و ان قتلها و هو محرم في الحرم فعليه شاة، و قيمة الحمامة».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة الى ان يبلغ الظبي فعليه دم يهريقه، و يتصدق بمثل ثمنه أيضا، فإن أصاب منه و هو حلال فعليه ان يتصدق بمثل ثمنه».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن محرم قتل حمامة من حمام الحرم خارجا من الحرم. قال: فقال: عليه شاة. قلت: فان قتلها في جوف الحرم؟ قال: عليه شاة، و قيمة الحمامة. قلت: فان قتلها في الحرم و هو حلال؟ قال: عليه ثمنها، ليس عليه غيره. قلت: فمن قتل فرخا من فراخ الحمام و هو محرم؟ قال: عليه حمل».

و ما رواه الصدوق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4):

«في رجل قتل طيرا من طيور الحرم و هو محرم في الحرم؟ فقال: عليه شاة، و قيمة الحمامة درهم، يعلف به حمام الحرم، و ان كان فرخا فعليه حمل، و قيمة الفرخ نصف درهم، يعلف به حمام الحرم».

و نقل عن ابن ابي عقيل ان من قتل حمامة في الحرم و هو محرم فعليه شاة. و عن ابن الجنيد ان المحرم في الحرم يجب عليه الفداء

____________

(1) ص 227.

(2) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 11 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 347، و الوسائل الباب 9 و 10 و 11 من كفارات الصيد.

(4) الفقيه ج 2 ص 171، و الوسائل الباب 11 من كفارات الصيد.

232

مضاعفا. و هو أحد قولي السيد المرتضى. و جعله أبو الصلاح رواية.

و القول الآخر: يجب عليه الفداء و القيمة أو القيمة مضاعفة.

و يمكن ان يستدل لمن قال بوجوب مضاعفة الفداء

بما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان أصبت الصيد و أنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك، و ان أصبته و أنت حلال في الحرم فقيمة واحدة، و ان أصبته و أنت حرام في الحل فإنما عليك فداء واحد».

و ما رواه الشيخ في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و ان أصبته و أنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفا».

و احتمال حملهما على ما هو المشهور غير بعيد، فان باب التجوز واسع، و إطلاق الفداء على القيمة غير مستبعد. و بذلك يجمع بين هذين الخبرين المذكورين و ما تقدم من الاخبار.

و اما القولان الآخران فلم نقف لهما على دليل.

بقي في المقام انه

قد روى في الكافي عن الحارث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن رجل أكل بيض حمام الحرم و هو محرم. قال: عليه لكل بيضة دم، و عليه ثمنها سدس أو ربع الدرهم، الوهم من صالح (4) ثم قال: ان الدماء لزمته لا كله

____________

(1) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 44 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 370، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 10 و 44 من كفارات الصيد.

(4) و هو صالح بن عقبة الذي يروي هذا الحديث عن الحارث بن المغيرة.

233

و هو محرم، و ان الجزاء لزمه لأخذه بيض حمام الحرم».

مع ان مقتضى ما تقدم ان في البيض في هذه الصورة درهما و ربعا. و يمكن ان يقال:

ان ما تقدم مخصوص بالإفساد و الكسر، كما هو ظاهر تلك الاخبار، و اما الأكل ففيه زيادة جزاء، و لا يبعد زيادة الجزاء و الفدية فيه، كما يدل عليه قوله (عليه السلام): «ان الدماء لزمته لا كله و هو محرم»

الثالثة [حكم تضاعف الفدية و القيمة في صيد المحرم في الحرم]

- قد اختلف الأصحاب في حكم تضاعف الفدية و القيمة في الصيد للمحرم في الحرم، فنقل العلامة في المختلف عن الشيخ في النهاية و المبسوط و التهذيب: القول بوجوب التضعيف ما لم يبلغ بدنة، فإذا بلغ ذلك لم يجب عليه غير ذلك. و به قال المحقق. و نقل عن ابن إدريس: القول بالتضاعف مطلقا، قال: و باقي أصحابنا أطلق القول بالتضعيف.

احتج الشيخ

بما رواه عن الحسن بن علي بن فضال عن رجل سماه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الصيد يضاعفه ما بينه و بين البدنة، فإذا بلغ البدنة فليس عليه التضعيف».

و ربما ردت الرواية بضعف السند. و فيه ان هذا لا يقوم حجة على الشيخ و نحوه ممن لا يرى العمل بهذا الاصطلاح.

أقول: و يدل عليه

ما رواه في الكافي بسند صحيح الى الحسن بن علي- و الظاهر انه ابن فضال- عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «انما يكون الجزاء مضاعفا في ما دون البدنة حتى يبلغ البدنة، فإذا بلغ البدنة فلا تضاعف، لأنه أعظم

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 372، و الوسائل الباب 46 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 46 من كفارات الصيد.

234

ما يكون، قال الله (عز و جل) وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ فَإِنَّهٰا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» (1).

قال في المختلف: و الأصل يناسب ما ذهب اليه الشيخ، و الاحتياط ما ذهب اليه ابن إدريس. و كذا عموم رواية معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (2) إلا ان في طريقها إبراهيم بن ابي سماك، و لا يحضرني الآن حاله، فان كان ثقة فالعمل بعموم الرواية- و هو قوله (عليه السلام): «و ان أصبته و أنت حرام في الحرم فعليك الفداء مضاعفا»- اولى. انتهى.

أقول: قد تقدم ان معاوية بن عمار قد روى ما ذكره بالسند الذي أشار اليه، و رواه ايضا بسند صحيح أو حسن لا يقصر عن الصحيح (3) إلا انه مطلق يجب تقييده بما ذكرناه من الروايتين الصريحتين في عدم التضعيف مع وصول الفدية إلى البدنة. نعم من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث فله ان يقف على عموم روايتي معاوية ابن عمار، و يرد الخبرين المذكورين بضعف السند.

الرابعة [هل يختلف جزاء كسر البيضة في صورة تحرك الفرخ؟]

- المستفاد من إطلاق عبارات جملة من الأصحاب في صورة ما إذا كسر بيضة و هو محل في الحرم ان عليه ربع القيمة، سواء تحرك الفرخ فيها أم لا. و هو ظاهر إطلاق صحيحتي حفص بن البختري و عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمتين. و على هذا فالحكم بالحمل في صورة تحرك الفرخ مخصوص بالمحرم في الحل كما تقدم.

____________

(1) سورة الحج، الآية 34.

(2) الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد رقم 5.

(3) الوسائل الباب 44 من كفارات الصيد رقم 5.

235

و ظاهر عبارة المحقق في الشرائع العموم، حيث قال: و في بيضها إذا تحرك الفرخ حمل، و قبل التحرك على المحرم درهم، و على المحل ربع درهم، و لو كان محرما في الحرم لزمه درهم و ربع. و نحوه العلامة في المنتهى و القواعد. و مقتضى تفصيله قبل التحرك بين ما إذا كان محلا في الحرم أو محرما في الحل أو محرما في الحرم و إجماله بعد التحرك هو وجوب الحمل مع التحرك في الصور الثلاث.

و الى ذلك مال في المدارك، استنادا إلى إطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة، و صحيحة الحلبي المتقدمة أيضا، المتضمنة لكسر البيضتين في المكتل، و امره (عليه السلام) بجديين أو حملين، بحمل الرواية المذكورة على ما إذا كان في البيض فرخ قد تحرك، كما قدمنا ذكره و موردها- كما هو ظاهرها- هو المحل في الحرم.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني- و قبله الشهيد في الدروس- ان حكم البيض بعد تحرك الفرخ تابع للفرخ. و مقتضاه اختصاص وجوب الحمل بما إذا أصاب البيض و قد تحرك فيه الفرخ و هو محرم في الحل، فإنه في هذه الصورة لو أصاب الفرخ فإنه يجب عليه الحمل كما تقدم، اما لو اصابه و هو محل في الحرم فليس عليه إلا نصف درهم، الذي هو الواجب في الفرخ في الصورة المذكورة.

قال (قدس سره) في المسالك بعد ذكر عبارة المصنف المتقدم ذكرها: تفصيله حكم البيض قبل تحرك الفرخ بالحرم و غيره، و إطلاق حكمه بعد التحرك، يقتضي استواء الأقسام الثلاثة فيه. و الحق ان ما ذكره حكم المحرم في الحل، فلو كان محلا في الحرم فنصف درهم و يجتمع الأمران على المحرم في الحرم، و بالجملة فحكمه حكم الفرخ.

و ممن صرح بذلك الشهيد في الدروس. انتهى.

236

و أنت خبير بان مقتضى ما دلت عليه عبارة المحقق و اختاره في المدارك هو انه في صورة ما إذا أصاب المحل فرخا في الحرم، فإنه ليس عليه إلا نصف الدرهم، كما صرح به هو و غيره، و هو مقتضى الصحيحتين المتقدمتين، و في هذه الصورة لو أصاب البيض و قد تحرك فيه الفرخ، فان عليه حملا. و هو بظاهره من ما يدل على زيادة البيض الذي فيه فرخ على الفرخ بهذا المقدار من نصف الدرهم الى الحمل.

و هو من ما يستبعد بحسب القواعد، كما صرح به هو و غيره في ما تقدم من مسألة بيض القطاة إذا تحرك فيها الفرخ، حيث أوجب الشيخ فيها مخاضا من الغنم، فاستشكله هو و غيره بان القطاة إذا كان الجزاء فيها إنما هو حمل، فكيف يكون الجزاء في بيضها شاة؟ فيكون الجزاء في البيض أكثر من الجزاء في البائض. و الأمر هنا كذلك، فإذا قام هذا الاستبعاد في تلك المسألة- مع وجود الرواية الصريحة بما ذكره الشيخ كما قدمناه- فهنا بطريق اولى.

و الظاهر ان مستند الشهيدين في ما ذهبا اليه هو ان ما دلت عليه صحيحتا حفص و عبد الرحمن (1)- من ان في الفرخ نصف درهم- شامل للفرخ الذي تحرك في البيضة، و ربع الدرهم مختص بالبيضة الخالية من ذلك. و على هذا فيحمل إطلاق صحيحة علي بن جعفر (2) على الصورة الاولى، و هو المحرم في الحل كما قدمناه. و اما صحيحة الحلبي (3) فليس فيها تصريح و لا ظهور في كون البيض فيه فرخ قد تحرك، و انما هذا تأويل من الشيخ (رحمه الله) فلا حجة فيها في التحقيق.

و بالجملة فإن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال.

____________

(1) ص 225.

(2) ص 223.

(3) ص 230.

237

الخامسة [حكم ذبح الحمام الأهلي و حمام الحرم]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تحريم ذبح الحمام الأهلي- يعني: المملوك- في الحرم، كما انه يحرم ذبح حمام الحرم الذي هو غير مملوك.

و يدل على ذلك جملة من الاخبار المتقدمة في مسألة تحريم ما ذبحه المحل في الحرم:

و منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن شهاب بن عبد ربه (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني أتسحّر بفراخ اوتى بها من غير مكة، فتذبح في الحرم فأتسحر بها؟ فقال: بئس السحور سحورك، اما علمت ان ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه و إمساكه؟».

و في صحيحة معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن طائر أهلي ادخل الحرم حيا. فقال: لا يمس، لان الله (تعالى) يقول وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» (3).

الى غير ذلك من الاخبار المستفيضة المتقدم كثير منها ثمة.

و قد صرح المحقق الشيخ علي بأنه لا يتصور ملك الصيد في الحرم إلا في القماري و الدباسي، لجواز شرائهما و إخراجهما.

أقول: كلامه (قدس سره) هذا مبني على ما هو المشهور من عدم دخول الصيد- و ان كان أهليا- في الملك إذا كان في الحرم، كما قدمنا نقله عنهم، و اما على مذهب المحقق في النافع من دخوله في الملك

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 170، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 12 و 36 من كفارات الصيد عن التهذيب و الفقيه.

(3) سورة آل عمران، الآية 96.

238

و ان وجب عليه إرساله فلا. و يأتي على المشهور انه لا يتصور وجود الحمام المملوك في الحرم، و على مذهب المحقق في النافع انه يتصور الملك و لكن يجب عليه الإرسال. و ما ذكره- من ثبوت الملك في القماري و الدباسي من الجهة التي ذكرها- فقد بينا في ما سبق انه لا دليل على ذلك، فيكون حكمهما حكم غيرهما من افراد الطير.

إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يستوي الحمام الأهلي و الحرمي في القيمة، قال في المنتهى: انا لا نعرف فيه خلافا إلا عن داود، حيث قال: لاجزاء في صيد الحرم (1).

و يدل على ذلك جملة من الاخبار المتقدمة، و المفهوم منها ان ما يجب عليه من القيمة في الحمام الحرمي يتخير بين الصدقة به و بين ان يشتري به علفا لحمام الحرم، و أفضله القمح المفسر بالحنطة.

و من الاخبار في ذلك

صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة، و ثمن الحمامة درهم أو شبهه، يتصدق به أو يطعمه حمام مكة».

و من الاخبار زيادة على ما تقدم

ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن زياد الواسطي (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم أغلقوا الباب على حمام من حمام الحرم. فقال:

عليهم قيمة كل طائر درهم، يشتري به علفا لحمام الحرم».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4)

____________

(1) المغني ج 3 ص 311 طبع مطبعة العاصمة.

(2) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 11 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 350، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

(4) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

239

«في رجل أغلق باب بيت على طير من حمام الحرم فمات؟ قال:

يتصدق بدرهم، أو يطعم به حمام الحرم».

و اما الحمام الأهلي فالصدقة،

روى حماد بن عثمان (1) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أصاب طيرين: واحد من حمام الحرم، و الآخر من حمام غير الحرم؟ قال: يشتري بقيمة الذي من حمام الحرم قمحا، فيطعمه حمام الحرم، و يتصدق بجزاء الآخر».

قال في المدارك: و المراد بالقيمة هنا ما قابل الفداء، و هي المقدرة في الاخبار بالدرهم و نصفه و ربعه. قال: و ذكر الشارح (قدس سره) ان المراد بالقيمة هنا ما يعم الدرهم و الفداء. و هو غير واضح. انتهى و هو جيد. ثم قال في المدارك ايضا: و لو أتلف الحمام الأهلي المملوك بغير اذن مالكه اجتمع على متلفه القيمة لحمام الحرم، و قيمة أخرى للمالك، كما صرح به العلامة و من تأخر عنه.

القسم الثاني- القطا و الحجل و الدراج

، و في كل واحد منها حمل قد فطم و رعى، و هو مذهب الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) لا يعرف فيه خلاف.

و استدل عليه

بما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام): في القطاة إذا أصابها المحرم حمل قد فطم من اللبن

____________

(1) الفروع ج 4 ص 390، و التهذيب ج 5 ص 353، و الوسائل الباب 22 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 344، و الوسائل الباب 5 من كفارات الصيد.

240

و أكل من الشجر».

و عن سليمان بن خالد عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال:

«في كتاب على (عليه السلام): من أصاب قطاة أو حجلة أو دراجة أو نظيرهن فعليه دم».

و يدل على ذلك ايضا

ما رواه الكليني في الصحيح عن ابن ابي نصر عن المفضل بن صالح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا قتل المحرم قطاة فعليه حمل قد فطم من اللبن و رعى من الشجر».

و قيل عليه: ان الرواية الاولى- و كذا الثالثة- مختصة بالقطاة، و مدلول الثانية أعم من المدعي.

أقول: الرواية الثانية و ان كانت مجملة، باعتبار الدم الذي هو أعم من الحمل و غيره، إلا ان الروايتين الأخيرتين قد صرحتا بان الواجب في القطاة حمل بالوصف المذكور، فيجب حمل الدم بالنسبة إلى القطا عليه، و ينسحب ذلك الى الفردين الأخيرين كما لا يخفى.

و ذكر شيخنا الشهيد الثاني ان المراد بقوله: «قد فطم و رعى» انه قد آن وقت فطامه و رعيه و ان لم يكونا قد حصلا بالفعل. و فيه انه خروج عن ظاهر النص بغير ضرورة تدعو الى ذلك.

قال في المدارك: و أورد هنا اشكال، و هو ان في بيض كل واحدة من هذه بعد تحرك الفرخ مخاضا من الغنم، و هي ما من شأنها أن تكون حاملا، فكيف يجب في فرخ البيضة مخاض و في الطائر حمل؟

____________

(1) الفروع ج 4 ص 390، و التهذيب ج 5 ص 344. و الوسائل الباب 5 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 389، و الوسائل الباب 5 من كفارات الصيد.

241

و أجاب عنه في الدروس: اما بحمل المخاض هنا على بنت المخاض و هو بعيد جدا. و اما بالتزام وجوب ذلك في الطائر بطريق اولى.

و فيه اطراح للنص المتقدم. بل قيل ان فيه مخالفة للإجماع أيضا. و اما بالتخيير بين الأمرين. و هو مشكل ايضا. و الأجود اطراح الرواية المتضمنة لوجوب المخاض في الفرخ، لضعفها و معارضتها بما هو أصح منها إسنادا و أظهر دلالة، و الاكتفاء بالبكر من الغنم المتحقق بالصغير و غاية ما يلزم من ذلك مساواة الصغير و الكبير في الفداء، و لا محذور فيه. انتهى.

أقول: قد عرفت من ما قدمنا ان هذا الاشكال لازم له في ما ذهب اليه من إطلاق القول بوجوب الحمل في فرخ بيض الحمام إذا تحرك و لو بالنسبة إلى المحل في الحرم، مع ان الواجب في الفرخ في هذه الصورة إنما هو نصف درهم كما عرفت، فكيف يكون الواجب في الفرخ الكامل نصف درهم، و في الفرخ المتحرك في بيضة حمل، و هو ماله أربعة أشهر من أولاد الضأن؟ مع انه لا رواية صريحة ثمة بوجوب الحمل في الفرخ المتحرك في الصورة المذكورة، إلا ما يدعى من إطلاق صحيحة علي بن جعفر، و الرواية بالمخاض في المسألة التي ذكرها موجودة. و لا يبعد في هذا المقام ما نقله جده (قدس سره) في المسالك حيث قال في الجواب عن الاشكال المذكور: و قد أجيب أيضا بأن مبنى شرعنا على اختلاف المتماثلات و اتفاق المختلفات، فجاز ان يثبت في الصغير أزيد من ما يثبت في الكبير في بعض الموارد، و في بعض آخر بالعكس، و ان كان ذلك خلاف الغالب. انتهى. و بالجملة فإنه متى دل النص على حكم و لا معارض له فرده بمجرد هذه الاستبعادات مشكل.

242

القسم الثالث- القنفذ و الضب و اليربوع

، و في قتل كل واحد منها جدي على المشهور بين أصحابنا المتأخرين (رضوان الله تعالى عليهم) و عن الشيخين و السيد المرتضى و علي بن بابويه و ابن البراج و ابن حمزة:

أنهم ألحقوا بها في وجوب الجدي ما أشبهها. و عن ابي الصلاح: ان في الثلاثة المذكورة حملا قد فطم و رعى من الشجر.

احتج الشيخ في التهذيب- على ما نقله عن الشيخ المفيد من التعميم لما أشبه هذه الثلاثة-

بما رواه في الحسن عن مسمع- و رواه ثقة الإسلام في الكافي- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «في اليربوع و القنفذ و الضب إذا أصابه المحرم فعليه جدي، و الجدي خير منه، و انما جعل عليه هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد».

و مثله بطريق آخر (2) و فيه: «و إنما جعل عليه هذا كي ينكل عن صيد غيره».

قيل: و ربما يتكلف في توجيه التعميم بأنه يجب في الصيد المثل، و لما ثبت بهذه الرواية ان مثل هذه الثلاثة الجدي- بل هو خير منه- ثبت ذلك في ما أشبهه. و لا يخفى ما فيه من الوهن الذي لا يخفى على النبيه.

و قال في المدارك- بعد إيراد حسنة مسمع و وصفها بالصحة دليلا للثلاثة المذكورة-: و لم نقف لهذين القولين على مستند.

و في كتاب الفقه الرضوي (3): و في اليربوع و القنفذ و الضب جدي

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 344، و الفروع ج 4 ص 364 و 387، و الوسائل الباب 6 من كفارات الصيد.

(2) هذا اللفظ وارد في الكافي في كلا الموضعين ج 4 ص 364 و 387.

(3) ص 29.

243

و الجدي خير منه.

القسم الرابع- العصفور و القنبرة

، و في كل واحد منهما مد من طعام على المشهور.

و استدل عليه في التهذيب (1)

بما رواه عن صفوان بن يحيى عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام): «في القنبرة و العصفور و الصعوة يقتلها المحرم؟ قال: عليه مد من طعام لكل واحد».

و الحق بها في التذكرة و المنتهى و الدروس ما أشبهها، و نسبه في الأولين إلى أكثر علمائنا.

و نقل عن الشيخ علي بن بابويه: ان في الطائر بجميع اقسامه دم شاة ما عدا النعامة فإن فيها جزورا.

و نقل عن ابن الجنيد: ان في القمري و العصفور و ما جرى مجراهما قيمة، و في الحرم قيمتان.

قيل: و يدل على قول ابن بابويه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «في محرم ذبح طيرا: ان عليه دم شاة يهريقه، فان كان فرخا فجدي أو حمل صغير من الضأن».

و أجاب في المختلف عن هذه الرواية- بعد نسبة الاحتجاج بها للشيخ علي بن بابويه- بان هذه الرواية عامة، و رواية صفوان خاصة، فتكون مقدمة. و صاحب المدارك و من يحذو حذوه قد ردوا ذلك بان

____________

(1) ج 5 ص 466، و الفروع ج 4 ص 390، و الوسائل الباب 7 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 346، و الوسائل الباب 9 من كفارات الصيد.

244

هذا الحمل جيد لو تكافأ السندان.

أقول: ألحق ان الشيخ علي بن بابويه إنما استند في القول المذكور الى كتاب الفقه الرضوي، الذي قد عرفت في ما تقدم أنه يفتي بعباراته و لكنها في بعض المواضع- لغرابة الحكم المذكور فيها، و عدم الاطلاع على ما يساعدها من الاخبار- يردها المتأخرون بعدم وجود المستند.

و عبارة الشيخ المشار إليه في رسالته على ما نقله في المختلف هكذا:

و قال علي بن بابويه: و ان كان الصيد يعقوبا أو حجلة أو بلبلة أو عصفورا أو شيئا من الطير، فعليك دم شاة. و اليعقوب: الذكر من القبج، و الحجلة: الأنثى. انتهى. و هو مضمون عبارة الكتاب المذكور بتغيير لا يضر بالمعنى. و عبارة الكتاب الذي عندي في هذا المكان لا تخلو من نوع غلط و سقط بين، فإن النسخة كثيرة الغلط جدا، إلا ان العبارة مأخوذة منه بلا ريب، كما عرفت في غير موضع من ما تقدم.

و بالجملة فما ذكره العلامة- من تقديم العمل برواية صفوان و تخصيص صحيحة ابن سنان بها- جيد.

إلا انه

قد روى الشيخ و الكليني عن سليمان بن خالد (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ما في القمري و الدبسي و السماني و العصفور و البلبل. قال: قيمته، فإن اصابه و هو محرم فقيمتان، ليس عليه فيه دم».

و رواها في التهذيب (2) بطريق آخر و فيها

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 466، و الفروع ج 4 ص 390، و الوسائل الباب 44 من كفارات الصيد.

(2) ج 5 ص 371.

245

«الزنجي» مكان «الدبسي» و ظاهر هذه الرواية الدلالة على ما ذهب اليه ابن الجنيد.

القسم الخامس- الجرادة و القملة و الزنبور

، و الكلام هنا يقع في مواضع ثلاثة:

الأول- الجرادة

، و في قتلها كف من طعام، و قيل تمرة، و هو قول الشيخ في المبسوط. و قيل بالتخيير بين الأمرين. و في الكثير دم شاة.

و يدل على الأول

ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن محرم قتل جرادة قال: كف من طعام، و ان كان كثيرا فعليه دم شاة».

و على الثاني

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في محرم قتل جرادة؟ قال: يطعم تمرة، و تمرة خير من جرادة».

و ما رواه في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت: ما تقول في رجل قتل جرادة و هو محرم؟

قال: تمرة خير من جرادة».

و ما رواه في الكافي عن حريز عن من أخبره عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 393، و الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 363 و 364، و الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 363، و الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد و الراوي معاوية بن عمار كما في الوافي باب (صيد البحر للمحرم و صيد الجراد و كفارته).

246

السلام) (1) «في محرم قتل جرادة؟ قال: يطعم تمرة، و التمرة خير من جرادة».

و جمع جملة من الأصحاب (رضى الله- تعالى- عنهم) بين الاخبار المذكورة بالتخيير، و هو الوجه في القول الثالث.

و اما ما يدل على الشاة في الكثير فصحيحة محمد بن مسلم المتقدمة.

و ما رواه الشيخ في الصحيح ايضا عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن محرم قتل جرادا كثيرا.

قال: كف من طعام، و ان كان أكثر فعليه شاة».

و الظاهر ان قوله: «جرادا كثيرا» في الخبر وقع سهوا من قلم الشيخ، و إنما السؤال عن جرادة واحدة، و كم له (رضوان الله- تعالى- عليه) مثل ذلك في الأسانيد و المتون، و إلا فمعنى الخبر المذكور لا يخلو من تناف و اما

ما رواه الشيخ- عن عروة الحناط عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «في رجل أصاب جرادة فأكلها؟ قال: عليه دم»-.

فرده المتأخرون بضعف الاسناد و عدم القيام بمعارضة ما تقدم من الاخبار. و الشيخ حمله على الجراد الكثير بإرادة الجنس و ان أطلق عليه لفظ التوحيد. و الأظهر- كما استظهره في الوافي- تخصيص هذا الحكم بالأكل، كما هو مورد الخبر، و الاخبار الأولة بالقتل، و الدم هنا كفارة القتل و الأكل. و قد تقدم له نظائر في غير الجراد أشرنا إليها في ما تقدم، من ان الأكل موجب لزيادة الكفارة.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 393، و الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 364، و الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 364، و الوسائل الباب 37 من كفارات الصيد.

247

قال العلامة في المختلف: و نقل ابن إدريس عن علي بن بابويه:

و ان أكلت جرادة فعليك دم شاة. و الذي وصل إلينا من كلام ابن بابويه في رسالته: و ان قتلت جرادة تصدقت بتمرة، و التمرة خير من جرادة، فإن كان الجراد كثيرا ذبحت شاة، و ان أكلت منه فعليك دم شاة. و هذا اللفظ ليس صريحا في الواحدة. انتهى.

أقول: ان عبارة الرسالة المذكورة لا تحضرني الآن، و الذي في كتاب الفقه الرضوي- الذي قد ظهر لك من ما قدمنا ذكره في غير موضع ان الرسالة المذكورة إنما أخذت منه- إنما يساعد ما ذكره ابن إدريس،

حيث قال (عليه السلام) (1): «فان قتلت جرادة تصدقت بتمرة، و التمرة خير من جرادة، و ان كان الجراد كثيرا ذبحت شاة، ثم قال: و ان أكلت جرادة واحدة فعليك دم شاة».

و ظاهره (عليه السلام) الفرق بين القتل و القتل و الأكل، و ان دم الشاة كفارة القتل و الأكل، كما تقدم في رواية الحناط.

ثم انه ينبغي ان يعلم انه لو لم يمكن التحرز من قتل الجراد فلا كفارة في قتله. و قد تقدم ما يدل عليه في صدر المقصد.

الثاني- في القملة

أيضا كف من طعام، و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المحرم لا ينزع القملة من جسده و لا من ثوبه متعمدا، و ان قتل شيئا من ذلك خطأ فليطعم مكانها طعاما، قبضة بيده».

____________

(1) ص 29.

(2) التهذيب ج 5 ص 336، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

248

و ما رواه الكليني عن الحسين بن ابي العلاء (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يرمى المحرم القملة من ثوبه و لا من جسده متعمدا، فان فعل شيئا من ذلك فليطعم مكانها طعاما. قلت:

كم؟ قال: كفا واحدا».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عيسى (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها.

قال: يطعم مكانها طعاما».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المحرم ينزع القملة عن جسده فيلقيها. قال:

يطعم مكانها طعاما».

و عن ابن مسكان عن الحلبي (4) قال: «حككت رأسي و انا محرم فوقعت منه قملات، فأردت ردهن فنهاني، و قال: تصدق بكف من طعام».

و قد ورد بإزاء هذه الاخبار ما ظاهره المنافاة، و منه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في محرم قتل قملة؟ قال: لا شيء في القملة، و لا ينبغي ان يتعمد قتلها».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 362، و الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 336، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 336، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 337، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(5) التهذيب ج 5 ص 337، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

249

و ما رواه الشيخ و الصدوق عنه ايضا (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يحك رأسه فتسقط عنه القملة و الثنتان؟

فقال: لا شيء عليه، و لا يعيدها. قلت: كيف يحك المحرم؟

قال: بأظافيره ما لم يدم، و لا يقطع الشعر».

و في نسخة: «و لا يعود» أي إلى مثل هذا الفعل. و على ما نقلناه فالمراد انه لا يعيدها الى موضعها بعد سقوطها.

و ما رواه في الكافي عن ابي الجارود (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): حككت رأسي و انا محرم فوقعت قملة؟ قال: لا بأس قلت: اي شيء تجعل علي فيها؟ قال: و ما اجعل عليك في قملة؟

ليس عليك فيها شيء».

و ما رواه في التهذيب عن مرة مولى خالد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يلقي القملة. فقال: (عليه السلام): ألقوها أبعدها الله غير محمودة و لا مفقودة».

و ما رواه في الكافي عن ابي الجارود (4) قال: «سأل رجل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل قملة و هو محرم. قال: بئس ما صنع.

قال: فما فداؤها؟ قال: لا فداء لها».

و أجاب الشيخ عن هذه الاخبار بالحمل على الرخصة أولا، ثم على

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 337، و الفقيه ج 2 ص 229، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 365، و الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 337، و الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 362، و الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام و الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

250

من يتأذى بها فيقتل و يكفر. قال: و قوله: «لا شيء عليه» يعني:

من العقاب، أو لا شيء معين. و اقتصر في الاستبصار على الأخير.

و جملة من متأخري المتأخرين قد جمعوا بين الاخبار هنا بالاستحباب.

و الذي يقرب عندي هو حمل الروايات الأخيرة على التقية، فإنه مذهب جملة من العامة، و نقل ذلك في المنتهى و التذكرة عن مالك في إحدى الروايتين (1) و سعيد بن جبير و طاوس و ابي ثور و ابن المنذر.

و عن أصحاب الرأي و عن مالك في إحدى الروايتين: انه يتصدق بمهما أمكن من قليل أو كثير. و لم ينقل القول بكف من طعام- كما هو المروي في الروايات الأول- إلا عن عطاء خاصة (2).

و السيد السند في المدارك- بعد ان نقل عبارة المصنف المشتملة على كف من طعام- قال: و استدل عليه في التهذيب بما رواه عن حماد ابن عيسى. ثم ساق الرواية المتقدمة، ثم قال: و عن محمد بن مسلم. ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم طعن فيهما بان في طريقهما عبد الرحمن و هو مشترك بين جماعة: منهم: عبد الرحمن ابن سيابة، و هو مجهول، ثم ذكر صحيحة معاوية بن عمار الدالة على انه لا شيء في القملة، ثم نقل جمع الشيخ الذي نقلناه ورده بأنه حمل بعيد، مع انه لا ضرورة تلجئ إليه، لإمكان حمل

____________

(1) الروايتان عن احمد، و اللفظ: انه يتصدق بمهما كان من قليل أو كثير. و اما مالك فالمنقول عنه انه يتصدق بحفنة من طعام. ارجع الى المنتهى ج 2 ص 796 و 817، و التذكرة البحث الثالث عشر من محرمات الإحرام، و المغني ج 3 ص 269 و 453 طبع مطبعة العاصمة.

(2) المغني ج 3 ص 269 و 453 طبع مطبعة العاصمة.

251

ما تضمن الكفارة على الاستحباب.

أقول: فيه (أولا): ان ما ذكره من الطعن في الخبرين الأولين ليس في محله، فإنه لا يخفى على الممارس ان عبد الرحمن هنا هو ابن ابي نجران، كما قطع به المحقق الشيخ حسن في المنتقى، فإن رواية موسى بن القاسم عنه و روايته هو عن حماد بن عيسى أكثر من ان تحصى في الأسانيد، بل قد اعترف به هو نفسه (قدس سره) في مسألة من زاد في طوافه على السبعة سهوا، فقال بعد نقل صحيحة زرارة الواردة في المسألة (1): و لا يقدح في صحة هذه الرواية اشتمال سندها على عبد الرحمن و هو مشترك، لوقوع التصريح في هذا السند بعينه في عدة روايات بأنه ابن ابي نجران. انتهى.

و للمحقق المذكور في كتاب المنتقى هنا كلام في المقام لا بأس بنقله، سيما مع ما تضمنه من الدلالة على ما قلناه، فإنه نظم الخبرين في الصحيح، و نبه على سهو وقع للشيخ في رواية محمد بن مسلم (2) قال (قدس سره) بعد ذكر صحيحة حماد عن موسى بن القاسم عن عبد الرحمن عن حماد بن عيسى. الى آخر الخبر، ثم قال: و عنه عن ابي جعفر عن عبد الرحمن عن العلاء عن محمد بن مسلم. الى آخره، ثم قال (قدس سره): كذا أورد الشيخ هذا الحديث في الكتابين، و ظاهر عدم انتظام طريقه مع الرواية عن موسى بن القاسم، لان المعهود من إطلاق (أبي جعفر) ان يراد به احمد بن محمد بن عيسى، و هو يروى عن موسى بن القاسم، لا ان موسى يروى عنه، و لو اتفق في إيراد الشيخ له ان يتقدمه طريق عن سعد بن عبد الله كما اتفق هنا لتعين

____________

(1) الوسائل الباب 34 من الطواف رقم 7.

(2) ص 248.

252

رجوع ضمير «عنه» إليه، فإن رواية سعد عنه بهذه الصورة كثيرة و الشيخ ما زال يقع له هذا السهو، فيرتكب في إيراده للطرق إرجاع الضمير الى ما هو في غاية البعد عن محله مع إيهامه في ظاهر الحال خلاف ذلك، و قد نبهنا على جملة منه في ما سلف. و على كل حال فالظاهر في هذا الطريق انه من روايات سعد بن عبد الله، و ما ندري بأي تقريب وقع في هذا الموضع، فان بينه و بين الرواية عن سعد في الكتابين مسافة بعيدة لا يتصور معها توهم الربط بوجه. و يحتمل- على بعد- ان يكون الغلط بذكر (ابى جعفر) في الطريق و انه زيادة من سهو القلم، و الإسناد كالذي قبله عن عبد الرحمن. و حيث ان الصحة متحققة على كل حال فالأمر سهل. انتهى.

و (ثانيا): ما قدمناه في غير مقام من ما في الجمع بين الاخبار بالحمل على الاستحباب من الوهن و عدم الدليل عليه من سنة و لا كتاب.

الثالث- في الزنبور

، و قد اختلف الأصحاب في كفارة قتل الزنبور عمدا، فعن الشيخ في النهاية: من قتل زنبورا أو زنابير خطأ لم يكن عليه شيء، و ان قتله عمدا فليتصدق بشيء. و قال في المبسوط:

يجوز للمحرم قتل الزنابير. و قال الشيخ المفيد: و من قتل زنبورا تصدق بتمرة، و من قتل زنابير كثيرة تصدق بمد من طعام أو مد من تمر. و كذا قال السيد المرتضى. و قال ابن الجنيد: و في الزنبور كف من تمر أو طعام. و قال ابن البراج: و لو أصاب زنبورا متعمدا فعليه كف من طعام. و كذا قال ابن إدريس، و قال: و لا شيء في الخطأ. و هو قول الصدوق في المقنع، و قول الشيخ علي بن بابويه

253

و قال سلار: و من قتل زنبورا تصدق بتمرة، فإن كثر تصدق بمد من تمر. و قال أبو الصلاح: و في قتل الزنبور كف من طعام، و ان قتل زنابير فصاع، و في قتل الكثير دم شاة.

و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرم قتل زنبورا. قال: ان كان خطأ فلا شيء عليه، و ان كان متعمدا يطعم شيئا من الطعام».

و عن صفوان في الصحيح عن يحيى الأزرق (2) قال: «سألت أبا عبد الله و أبا الحسن (عليهما السلام) عن محرم قتل زنبورا. فقالا: ان كان خطأ فليس عليه شيء. قال: قلت: فالعمد؟ قالا: يطعم شيئا من طعام».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن محرم قتل زنبورا.

قال: ان كان خطأ فليس عليه شيء. قلت: لا بل متعمدا؟ قال:

يطعم شيئا من طعام. قلت: انه أرادني؟ قال: ان أرادك فاقتله».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 365، و الوسائل الباب 8 من كفارات الصيد و لفظ الحديث هو الذي تقدم ص 157 و 158.

(2) التهذيب ج 5 ص 345، و الوسائل الباب 8 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 364، و الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام، و الباب 8 من كفارات الصيد.

254

و في كتاب الفقه الرضوي (1): «و ان قتلت زنبورا تصدقت بكف من طعام».

و هذه الاخبار كلها قد اشتركت في ان الواجب مع العمد شيء من طعام كما في الاخبار الثلاثة الأولى، أو كف من طعام كما في الأخير، و مورد الجميع الزنبور الواحد، و اما المتعددة فلا تعرض لها في شيء من الاخبار المذكورة. و بذلك يظهر لك ما في هذه الأقوال على كثرتها من الاختلاف.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه هنا على مسائل تتعلق بالمقام و تنتظم في سلك هذا النظام:

الاولى [جزاء إصابة المحرم ما لا تقدير لفديته]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بان ما لا تقدير لفديته فإنه يجب مع قتله قيمته، و كذا البيوض. و ظاهرهم الاتفاق عليه. و علل بتحقق الضمان مع عدم تقدير للمضمون شرعا، فيرجع الى القيمة كغيره.

و يدل على ذلك

صحيحة سليمان بن خالد (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): في الظبي شاة، و في البقرة بقرة، و في الحمار بدنة، و في النعامة بدنة، و في ما سوى ذلك قيمته».

و نقل عن الشيخ انه قال: في البط و الإوز و الكركي شاة. و نسبه المحقق في الشرائع إلى التحكم، حيث انه لا مستند له. و الإوز بكسر الهمزة و فتح الواو و تشديد الزاي. البط، واحدته اوزة، و الجمع اوزون بالواو و النون، و في لغة: وز، الواحدة وزة، مثل تمر و تمرة،

____________

(1) ص 29.

(2) التهذيب ج 5 ص 341، و الوسائل الباب 1 من كفارات الصيد.

255

كذا في كتاب مجمع البحرين. و قال في المصباح المنير: و حكى في الجمع (اوزون) و هو شاذ. و على هذا فيكون العطف في كلام الشيخ من قبيل عطف المرادف.

و قد تقدم النقل عن الشيخ علي بن بابويه انه ذهب الى وجوب الشاة في الطير بأنواعه ما عدا النعامة، و عليه تدل صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة و عبارة كتاب الفقه الرضوي (1) التي منها أخذ الشيخ المذكور عبارته و على هذا يتجه القول بوجوب الشاة في الطير مطلقا ما لم يقم الدليل على خلافه. و به يندفع عن الشيخ ما أورده عليه المحقق. إلا ان تخصيصه بهذه الثلاثة لا يظهر له وجه. و لعل التحكم باعتبار ذلك.

ثم انه على تقدير وجوب الشاة، فلو تعذرت رجع الى ما يقوم مقامها من إطعام عشرة مساكين، ثم مع عدم الإمكان الصيام ثلاثة أيام، لما تقدم من الاخبار الدالة على ان من وجبت عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام (2).

الثانية [هل تجب المماثلة في الفداء من جميع الجهات؟]

- إذا قتل صيدا معيبا كالمكسور و الأعور- مثلا- فداه بصحيح، و لو فداه بمثله جاز ايضا. و كذا لو كان أنثى فداه بالذكر و بالأنثى، و كذا بالعكس. و ربما قيل بوجوب الفداء بالمماثل، رعاية للمماثلة المفهومة من الآية (3). و فيه ان المماثلة لا تعتبر ان تكون من جميع الجهات، و إطلاق الروايات يقتضي التتميم. و مقتضى كلام العلامة في المنتهى و التذكرة ان إجزاء الأنثى في الذكر لا خلاف فيه، لأنها أطيب لحما و أرطب و إنما الخلاف في العكس. و بالجملة فالأظهر الإجزاء مطلقا، إذ الظاهر من

____________

(1) ص 29.

(2) الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد رقم 3 و 6 و 10 و 11.

(3) سورة المائدة، الآية 95.

256

المماثلة المماثلة في الخلقة لا في جميع الصفات.

قالوا: و لو قتل ما خضا ضمنها بما خض مثلها للآية (1) و لو تعذر قوم الجزاء ما خضا. و لو فداها بغير ما خض قال في التذكرة: في الاجزاء نظر، من حيث عدم المماثلة، و من حيث ان هذه الصفة لا تزيد في لحمها، بل قد تنقصه غالبا، فلا يشترط وجود مثلها في الجزاء، كالعيب و اللون. نعم لو كان الغرض إخراج القيمة لتعذر الماخض كما تقدم لم يجز إلا تقويم الماخض، لأنها أعلى في الغالب و باختلاف القيمة يختلف المخرج.

قالوا: و لو أصاب صيدا حاملا فألقت جنينا، فان خرج حيا و ماتا معا لزمه فداؤهما معا، فيفدي الأم بمثلها و الصغير بصغير، و ان عاشا و لم يحصل عيب فلا شيء، عملا بالأصل، و ان حصل ضمنه بأرشه، و لو مات أحدهما دون الآخر ضمن التالف خاصة، و ان خرج ميتا ضمن الأرش، و هو ما بين قيمتها حاملا و مجهضا.

الثالثة [حكم تعذر الجزاء]

- لو تعذر الجزاء في ما يجب فيه الجزاء وجبت قيمته وقت الإخراج، و ما لا تقدير لقيمته وقت الإتلاف. و الوجه في ذلك ان الواجب في الأول هو الجزاء بالمثل، و إنما ينتقل الحكم إلى القيمة عند تعذر المثل، فيلزم اعتبار القيمة وقت الإخراج و تعذر المثل، كما في سائر المثليات. و اما الثاني فان الواجب ابتداء انما هو القيمة و هي تثبت في الذمة عند الجناية، و حينئذ فيعتبر قدرها في ذلك الوقت.

الرابعة [مورد الرجوع إلى الحكمين]

- قال العلامة في التذكرة: البحث الثالث في ما لا نص فيه (مسألة): ما لا مثل له من الصيد، و لا تقدير شرعي فيه، يرجع الى قول عدلين يقومانه، و تجب عليه القيمة التي يقدرانها فيه

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

257

و يشترط في الحكمين العدالة إجماعا، للآية (1) و لا بد أن يكونا اثنين فما زاد، للآية (2) و لو كان القاتل أحدهما جاز، و به قال الشافعي و احمد و إسحاق و ابن المنذر (3) لقوله (تعالى) يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (4) و القاتل مع غيره ذوا عدل منا، فيكون مقبولا. الى ان قال: و لو قيل-: ان كان القتل عمدا عدوانا لم يجز حكمه، لفسقه و إلا جاز- كان وجها، انتهى.

و قال في كتاب المنتهى: المطلب الثالث في ما لا نص فيه، قد بينا في ما تقدم مقادير كفارات الصيد في ما له تقدير شرعي قدره النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)، اما ما لا مثل له و لا تقدير شرعي فيه، فإنه يرجع فيه الى عدلين يقومانه، و تجب عليه القيمة التي يقدرانها. ثم ساق الكلام على نحو كلامه في التذكرة.

أقول: لا يخفى انه قد وردت الاخبار عنهم (عليهم السلام) في تفسير هذه الآية (5) بما يدل على ان المراد بذي العدل في الآية إنما هو النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) القائم مقامه من بعده، و إن الالف في الآية من ما أخطأت به الكتاب:

فروى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 458 طبع مطبعة العاصمة، و المجموع للنووي الشافعي ج 7 ص 403 و 423.

(4) سورة المائدة، الآية 95.

(5) سورة المائدة، الآية 95.

258

(عليه السلام) (1) «في قول الله (عز و جل) يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (2):

فالعدل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من بعده يحكم به و هو ذو عدل، فإذا علمت ما حكم به رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) فحسبك و لا تسأل عنه».

و روى في الكافي في الصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن قول الله (عز و جل):

ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (4) قال: العدل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من بعده. ثم قال: هذا من ما أخطأت به الكتاب».

و في الموثق عن زرارة (5) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (6) قال: العدل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من بعده ثم قال: هذا من ما أخطأت به الكتاب».

و روى في الصحيح ايضا عن حماد بن عثمان (7) قال: «تلوت عند ابي عبد الله (عليه السلام) ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (8) فقال: ذو عدل منكم. هذا من ما أخطأت فيه الكتاب».

____________

(1) التهذيب ج 6 ص 314، و الوسائل الباب 7 من صفات القاضي و ما يقضي به.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) الفروع ج 4 ص 396 باب النوادر من الصيد من كتاب الحج.

(4) سورة المائدة، الآية 95.

(5) الفروع ج 4 ص 397 باب النوادر من الصيد من كتاب الحج.

(6) سورة المائدة، الآية 95.

(7) روضة الكافي ص 205 الطبع الحديث.

(8) سورة المائدة، الآية 95.

259

و في تفسير العياشي (1): و في رواية حريز عن زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل): يحكم به ذو عدل منكم (2) قال: العدل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من بعده. ثم قال: و هذا من ما أخطأت به الكتاب».

و عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) «في قول الله (تعالى) يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (4) يعني: رجلا واحدا، يعني:

الإمام (عليه السلام)».

و هذه الاخبار- كما ترى- مع صحتها و تعددها صريحة الدلالة واضحة المقالة في ان ما ذكر في الآية من التثنية انما وقع غلطا من الكتاب و انما هو مفرد، و ان المراد بذلك العدل إنما هو رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من بعده. و هو يرجع الى ما ورد من النصوص في تلك المواضع.

و به يظهر ان ما ذكروه (نور الله- تعالى- مراقدهم)- من الرجوع في ما لا نص فيه الى قول عدلين من عدول المسلمين بناء على ظاهر الآية- محل إشكال، فإنه و ان كان ظاهر الآية ذلك، إلا انه مع ورود هذه النصوص الصحيحة في تفسير العدل بالنبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و الامام (عليه السلام) من بعده خاصة، و ان زيادة الالف الموهمة للتثنية إنما وقع غلطا، فلا مجال للعدول عنها. و لعل العذر لهم (نور الله مراقدهم) انهم لم يقفوا على الاخبار المذكورة و لم يراجعوها، و إلا

____________

(1) ج 1 ص 343 و 344.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) تفسير العياشي ج 1 ص 344.

(4) سورة المائدة، الآية 95.

260

فالخروج عنها بعد الوقوف عليها- سيما مع كثرتها و صحتها و صراحتها- من ما لا يكاد يتجشمه ذو مسكة.

نعم

قد روى الطبرسي في كتاب الاحتجاج (1) حديثا مرسلا في كلام لعلي (عليه السلام) في خطابه مع الخوارج: «و اما قولكم: اني حكمت في دين الله الرجال، فما حكمت الرجال و إنما حكمت كلام ربي الذي جعله الله حكما بين اهله، و قد حكم الله- تعالى- الرجال في طائر فقال وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ (2) فدماء المسلمين أعظم من دم طائر. الحديث».

و يمكن الجواب عن الخبر المذكور- مع عدم نهوضه بالمعارضة لما تقدم- بان كلامه (عليه السلام) خرج مخرج المجاراة و الإلزام للقوم بما يعتقدونه من ظاهر الآية، فإنه لا ريب في دلالتها بحسب ظاهرها على ذلك، كما ذكره أصحابنا هنا. و سلوك هذا الباب مع الخصوم في مقام المجادلة شائع في الكلام.

و بالجملة فان الواجب بمقتضى ما ذكرناه هو الوقوف على النصوص الواردة في كل جزئي جزئي من افراد الصيد ان وجدت، و إلا فالوقوف على ساحل الاحتياط، كما هو المروي عنهم (عليهم السلام) في جميع الأحكام.

البحث الثالث في موجبات الضمان

و هي ثلاثة: مباشرة الإتلاف، و اليد، و التسبيب، فالكلام في هذا البحث

____________

(1) ج 1 ص 278 الطبع الحديث.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

261

يقع في مقامات ثلاثة:

[المقام] الأول- مباشرة الإتلاف

، و فيه مسائل

الأولى [جزاء أكل الصيد بعد قتله]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في ما لو قتل الصيد و اكله، فقيل: ان قتله موجب لفديته، و اكله موجب لفداء آخر. و قيل: انه يفدي ما قتله و يضمن قيمة ما أكل. و الأول قول الشيخ في النهاية و المبسوط و جمع من الأصحاب: منهم: العلامة في التذكرة و المنتهى و المختلف، و الثاني قول الشيخ في الخلاف، و المحقق في الشرائع، و العلامة في الإرشاد و جملة من كتبه.

احتج العلامة في المختلف على ما اختاره من القول الأول

بما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن قوم اشتروا ظبيا، فأكلوا منه جميعا و هم حرم، ما عليهم؟ فقال: على كل من أكل منه فداء صيد، على كل انسان منهم على حدته فداء صيد كامل».

و رواية يوسف الطاطري (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): صيد اكله قوم محرمون؟ قال: عليهم شاة، و ليس على الذي ذبحه إلا شاة».

قال في المدارك بعد نقل ذلك عن المختلف: و هو احتجاج ضعيف، إذ ليس في الروايتين دلالة على تعدد الفداء بوجه، بل و لا على ترتب الكفارة على الأكل على وجه العموم، لاختصاص مورد الاولى بمن اشترى الصيد

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 351، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 391، و التهذيب ج 5 ص 352، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

262

و اكله، و ظهور الثانية في مغايرة الآكل للذابح. انتهى.

أقول: الأظهر الاستدلال على القول المذكور

بما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي أحمد- يعني: محمد بن ابي عمير- عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه، أ يطعمه أو يطرحه؟ قال: إذا يكون عليه فداء آخر.

قلت: فما يصنع به؟ قال: يدفنه».

فإنها تدل بظاهرها على انه بالأكل منه بعد الفدية تجب عليه فدية أخرى، و كذا لو أطعمه غيره. إلا انه قد تقدم ان هذه الرواية معارضة بجملة من الاخبار الصحيحة الصريحة الدالة على ان ما صاده المحرم يجوز أكل المحل منه، كما هو مذهب جملة من الأصحاب المتقدم ذكرهم ثمة.

و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك اختيار القول الأول، لصحيحة علي بن جعفر المذكورة، حيث قال بعد عبارة المصنف المشتملة على القولين المتقدمين: مستند الأول الرواية الصحيحة عن الكاظم (عليه السلام) و يتحقق الأكل بمسماه، و عليه العمل. و القول الذي استوجهه المصنف للشيخ (رحمه الله) عملا بأصالة البراءة، و حملا للخبر على الاستحباب، أو على بلوغ قيمة المأكول شاة. و لا يخفى ما فيه. انتهى.

أقول: الظاهر ان التقريب في الصحيحة المذكورة الموجب لاستدلال هؤلاء الاعلام (رضوان الله تعالى عليهم) بها هو ان الواجب من الفداء في الظبي- كما تقدم- شاة، و الواجب بمقتضى ذلك اشتراكهم

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 378، و الوسائل الباب 10 من تروك الإحرام، و الباب 55 من كفارات الصيد.

263

جميعا في شاة واحدة، و حيث انه (عليه السلام) أوجب على كل من الآكلين شاة في هذا الخبر، علم ان هذه الشاة غير الشاة الواجبة في قتله المتقدم التنبيه عليها، فإنه قد صرح في الخبر بان على كل من أكل منه فداء صيد، فهذه الشاة إنما هي من حيث الأكل خاصة، فهي غير شاة القتل المعلوم وجوبها بالأدلة المتقدمة في المسألة. و بالجملة فإن قتل الصيد حرام له موجب يلزم به، و اكله كذلك، و الأصل عدم التداخل فيجب الأمران. و اشتمال الرواية على شراء الصيد لا ينافي ذلك، لأنهم ان كانوا قد شروه حيا و ذبحوه، فان الواجب عليهم كفارة لذبحه و اخرى لأكله، و ان كانوا شروه مذبوحا كان عليهم جزاء الأكل. و اما الذابح فإنه يبنى على ما تقدم من كون الذابح ممن تجب عليه الكفارة فتجب أم لا فلا. و اما الرواية الثانية فينبغي حمل الشاة في قوله (عليه السلام): «عليهم شاة» بمعنى على كل واحد منهم شاة، فإنه لا خلاف في انهم مع الاشتراك في الأكل يجب الفداء الكامل على كل منهم، كما ستأتيك الاخبار به في المقام ان شاء الله (تعالى). و قوله: «ليس على الذابح إلا شاة» يعني: من حيث الذبح خاصة، فإنه ليس عليه إلا شاة. و من هذا يظهر الوجه في صحة الاستدلال بالروايتين المذكورتين.

و اما ما ذكره في المدارك- من عدم دلالة الرواية الأولى على العموم لاختصاص مورد الرواية بمن اشترى الصيد و اكله- ففيه ان خصوص السؤال لا يوجب تخصيص الجواب كما قرروه في محله. و بالجملة فالظاهر ان المناقشة المذكورة هنا لا تخلو من مناقشة.

و اما القول الثاني فلم أقف على من تعرض لنقل دليل عليه حتى ممن صار اليه، قال في المدارك: و القول بوجوب فداء القتل و ضمان قيمة المأكول

264

للشيخ في الخلاف، و المصنف، و العلامة في جملة من كتبه، و لم نقف لهم في ضمان القيمة على دليل يعتد به. و لولا تخيل الإجماع على ثبوت أحد الأمرين لأمكن القول بالاكتفاء بفداء القتل، تمسكا بمقتضى الأصل. و تؤيده

صحيحة أبان بن تغلب (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرمين أصابوا أفراخ نعام، فذبحوها و أكلوها.

فقال: عليهم مكان كل فرخ أصابوه و أكلوه بدنة».

حيث أطلق الاكتفاء بالبدنة، و لو تعدد الفداء أو وجبت القيمة مع فداء القتل لوجب ذكره في مقام البيان. انتهى.

أقول:

صحيحة أبان المذكورة قد رواها في من لا يحضره الفقيه (2) في الصحيح هكذا: عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في قوم حجاج محرمين، أصابوا أفراخ نعام، فأكلوا جميعا. قال: عليهم مكان كل فرخ أكلوه بدنة، يشتركون فيها جميعا فيشترونها على عدد الفراخ و على عدد الرجال».

و رواه الشيخ في التهذيب (3) بسند فيه اللؤلؤي عن ابان مثله، و زاد: «قلت: فان منهم من لا يقدر على شيء؟ قال: يقوم بحساب ما يصيبه من البدن، و يصوم لكل بدنة ثمانية عشر يوما».

و هي أظهر في لزوم الفداء لكل منهم بالبدنة، فلو كان ثمة شيء آخر غيرها من قيمة أو فداء آخر لذكره (عليه السلام).

ثم أقول: ما ذكره (قدس سره) قد تقدمه فيه شيخنا المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، حيث قال- بعد نقل الخلاف في ما يترتب على الأكل من الفداء كاملا أو قيمة ما اكله- ما لفظه: و يحتمل عدم شيء أصلا، لعدم ثبوت ضمان مثله. و لأنه قد ضمنه بالقتل فكأنه

____________

(1) الوسائل الباب 2 و 18 من كفارات الصيد.

(2) ج 2 ص 236.

(3) ج 5 ص 353.

265

صار ملكه مثل مال الغير، فلا يضمن بالأكل منه مرة أخرى. نعم لما كان أكل الصيد حراما حصل الإثم بذلك. إلا انه نقل إجماع علمائنا على وجوب التعدد في المنتهى، قال: إذا ذبح الصيد ثم اكله ضمنه للقتل و وجب عليه ضمان آخر للأكل، قاله علماؤنا. و هو ظاهر في تعدد الفداء. و قد عرفت عدم الإجماع على ذلك، لاختياره قيمة ما أكل هنا، و عدم دلالة الأخبار على وجوب التعدد حين الأكل و الذبح معا و حال الاجتماع ايضا، فلا يبعد التداخل و عدم لزوم غير شيء واحد، كما هو ظاهر صحيحة علي بن جعفر المذكورة. و يؤيده ما في صحيحة أبان بن تغلب «في المشتركين في ذبح الفرخ و اكله بدنة مكان أكلهم و ذبحهم» و ستجيء في شرح قوله: و يضمن. الى آخره. انتهى.

و تحقيق الكلام في هذا المقام على ما يستفاد من اخبارهم (عليهم السلام) ان يقال: ان الواجب بالأكل من ما حرم للمحرم أكله كائنا ما كان شاة، ثم ان كان في ذلك المأكول موجب لفداء آخر وجب ان حصل منه، و إلا فلا.

و من الاخبار الواردة في المقام

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف إبطه. الى ان قال: أو أكل طعاما لا ينبغي له اكله و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة».

و ما رواه عن ابى عبيدة في الصحيح (2) قال: «سألت أبا جعفر

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 369 و 370، و الوسائل الباب 8 و 10 من بقية كفارات الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 355 و 356، و الوسائل الباب 24 من كفارات الصيد.

266

(عليه السلام) عن رجل محل اشترى لمحرم بيض نعام فأكله المحرم فما على الذي أكله؟ فقال: على الذي اشتراه فداء لكل بيضة درهم و على المحرم لكل بيضة شاة».

و روى نحوه في الصحيح ايضا بتفاوت لا يضر بالمعنى (1).

و في رواية محمد بن الفضيل المتقدمة (2): «و إذا أصاب المحرم بيض نعام ذبح عن كل بيضة شاة بقدر عدد البيض».

و المراد بالإصابة هنا الأكل، لأن في الكسر بكارة من الإبل ان تحرك الفرخ فيها، أو الإرسال ان لم يكن، كما تقدم في المسألة.

و ما رواه الشيخ عن الحارث بن المغيرة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن رجل أكل بيض حمام الحرم و هو محرم. قال: عليه لكل بيضة دم، و عليه ثمنها سدس أو ربع الدرهم (الوهم من صالح) (4) ثم قال: «ان الدماء لزمته لأكله و هو محرم، و ان الجزاء لزمه لأخذه بيض حمام الحرم».

و ما رواه في الفقيه و التهذيب عن ابي بصير (5) قال: «سألت

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 466، و الفروع ج 4 ص 388، و الوسائل الباب 24 و 57 من كفارات الصيد، و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من الطير و البيض).

(2) ص 203.

(3) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 10 و 44 من كفارات الصيد.

(4) و هو صالح بن عقبة الذي يروي الحديث عن الحارث بن المغيرة.

(5) الفقيه ج 2 ص 236، و التهذيب ج 5 ص 351، و الفروع ج 4 ص 392، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

267

أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم محرمين، اشتروا صيدا فاشتركوا فيه، فقالت رفيقة لهم: اجعلوا لي فيه بدرهم. فجعلوا لها. فقال:

على كل انسان منهم شاة».

و من الظاهر ان الشاة إنما هي من حيث الأكل، كما هو الظاهر من سياق الخبر، لا بمجرد الشراء كما لا يخفى.

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن يزيد بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل محرم مر و هو في الحرم، فأخذ عنق ظبية فاحتلبها و شرب من لبنها. قال: عليه دم و جزاؤه في الحرم ثمن اللبن».

و اما بالنسبة إلى المشتركين في أكل الصيد فقد تقدم

في صحيحة علي بن جعفر (2) «ان على كل واحد فداء كاملا».

و في رواية الطاطري «على كل واحد شاة شاة».

كما في رواية الوافي (3) و الذي قدمنا نقله صورة ما في الوسائل، و كيف كان فالمراد تعدد الشاة على كل منهم.

إلا انه

قد روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان اجتمع قوم على صيد و هم محرمون في صيده، أو أكلوا منه، فعلى كل واحد منهم قيمته».

و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار مثله (5).

____________

(1) الفروع ج 4 ص 388، و التهذيب ج 5 ص 271 و 466، و الوسائل الباب 54 من كفارات الصيد، و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من صيد الحرم).

(2) ص 261.

(3) باب (اجتماع المحرمين على الصيد).

(4) التهذيب ج 5 ص 351، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

(5) الفروع ج 4 ص 391، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

268

و في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال في آخره: «و أي قوم اجتمعوا على صيد فأكلوا منه، فان على كل انسان منهم قيمة قيمة، و ان اجتمعوا عليه في صيد فعليهم مثل ذلك».

و ظاهر هذين الخبرين انهم بالاجتماع عليه في صيده أو أكله فالواجب على كل واحد منهم قيمة ذلك الصيد. و يمكن حمل صحيحة علي بن جعفر على الروايتين الأخيرتين بحمل الفدية فيها على القيمة في هذا الموضع.

الثانية- لو رمى صيدا فلم يؤثر فيه [أو أثر فيه ثم رآه سويا]

فلا فدية عليه، و لو اثر فيه و جرحه ثم رءاه بعد ذلك سويا فأقوال، فان لم يعلم حاله لزمه الفداء قيل: و كذلك لو لم يعلم اثر فيه أم لا.

و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع

الأول- في ما إذا رماه و لم يؤثر فيه

، بمعنى انه تحقق و تيقن عدم التأثير فيه، لما سيجيء في المسألة من القول بالفدية مع الشك، فإنه لا شيء كما ذكر، إلا انه ينبغي تقييده بما إذا لم يكن له شريك في الرمي و قد أصاب الصيد فإنه يضمن بسبب المشاركة و ان أخطأ، كما سيأتي ان شاء الله (تعالى) التنبيه عليه.

الثاني- لو اثر فيه ثم رآه بعد ذلك سويا

، فإنه قد اختلف فيه الأصحاب، فنقل في المختلف عن الشيخ في النهاية و المبسوط، و ابن البراج، و ابن إدريس: انه إذا رمى الصيد فأدماه أو كسر يده أو رجله ثم رءاه بعد ذلك صحيحا، كان عليه ربع الفداء. و الظاهر ان مرادهم بالفداء هنا هو القيمة، كما وقع

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 370، و الوسائل الباب 18 و 31 من كفارات الصيد.

269

في جملة من عبائرهم التعبير بربع القيمة، كالشرائع و الإرشاد و غيرهما و نقل عن الشيخ علي بن بابويه و الشيخ المفيد، و ابي الصلاح:

انه يتصدق بشيء و ذهب المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد الى ان عليه الأرش، و به قطع في المنتهى و التذكرة، إلا انه نقل فيهما عن الشيخ انه يضمن الجميع، لانه مفض الى تلفه، قال: و هو قول أبي حنيفة (1) و هو- كما ترى- خلاف ما نقله عنه في المختلف.

و العجب من صاحب الذخيرة انه قال هنا نقلا عن العلامة في المنتهى: انه قطع بالأرش، و لم ينقل فيه خلافا إلا عن العامة، مع ان هذه صورة عبارته: لو جرح الصيد فاندمل و صار غير ممتنع فالوجه الأرش، و قال أبو حنيفة: يضمن الجميع (2). و هو قول الشيخ (رحمه الله) (تعالى) لانه مفض الى تلفه، فصار كما لو جرحه جرحا تيقن موته. ثم رده بأنه ليس بجيد، لأنه إنما يضمن ما نقص، و التقدير انه لم يتلف جميعه، فلم يضمنه. انتهى.

قال في المدارك: و القول بلزوم ربع القيمة بذلك للشيخ و جماعة و استدل عليه

بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل رمى صيدا و هو محرم، فكسر يده أو رجله، فمضى الصيد على وجهه، فلم يدر الرجل ما صنع الصيد. قال: عليه الفداء كاملا إذا لم يدر ما صنع الصيد (4) فان رءاه بعد ان كسر يده أو رجله و قد رعى و انصلح فعليه ربع قيمته».

و هذه الرواية لا تدل على ما ذكره الشيخ من التعميم. و المتجه قصر الحكم على مورد الرواية و وجوب

____________

(1) المغني ج 3 ص 459 و 460 طبع مطبعة العاصمة.

(2) المغني ج 3 ص 459 و 460 طبع مطبعة العاصمة.

(3) التهذيب ج 5 ص 359، و الوسائل الباب 27 من كفارات الصيد.

(4) قوله: «فان رءاه.» من كلام الشيخ ظاهرا.

270

الأرش في غيره ان ثبت كون الاجزاء مضمونة كالجملة، لكن ظاهر المنتهى انه موضع وفاق. انتهى.

و مرجع مناقشته في الرواية الى ان موردها كسر يد الصيد و رجله و ما ادعاه الشيخ أعم من ذلك. و بذلك اعترض في المختلف على الشيخ ايضا، حيث قال بعد نقل القول المتقدم عنه: و الروايات الدالة على ربع الفداء انما وردت على كسر يده أو رجله، و الشيخ (رحمه الله تعالى) في كتابيه ساوى بين الجرح و الكسر، و لم نقف على حجته. انتهى.

و هو جيد.

و من الاخبار الواردة في المسألة أيضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل رمى ظبيا و هو محرم، فكسر يده أو رجله، فذهب الظبي على وجهه فلم يدر ما صنع؟ فقال: عليه فداؤه. قلت: فإنه رءاه بعد ذلك مشى؟ قال: عليه ربع ثمنه».

و ما رواه أيضا في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل رمى صيدا، فكسر يده أو رجله و تركه، فرعى الصيد. قال: عليه ربع الفداء».

و ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في محرم رمى ظبيا، فأصابه في يده فعرج منها؟ قال: ان كان الظبي

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 359، و الفقيه ج 2 ص 233 بتفاوت يسير، و الوسائل الباب 27 و 28 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 359، و الوسائل الباب 28 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 386، و الوسائل الباب 27 من كفارات الصيد.

271

مشى عليها و رعى فعليه ربع قيمته، و ان كان ذهب على وجهه فلم يدر ما صنع فعليه الفداء، لانه لا يدري لعله قد هلك».

و

ما رواه الشيخ عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن محرم رمى صيدا، فأصاب يده و جرح. فقال: ان كان الظبي مشى عليها و رعى و هو ينظر اليه فلا شيء عليه، و ان كان الظبي ذهب على وجهه و هو رافعها فلا يدري ما صنع فعليه فداؤه، لأنه لا يدري لعله قد هلك».

كذا في التهذيب، و في الاستبصار (2) «فعرج» مكان «و جرح».

و لعل الشيخ قد استند في عد الجرح مثل الكسر في هذه المسألة الى هذه الرواية. إلا ان روايته لها في الاستبصار كما عرفت من ما يضعف الاعتماد عليها في ذلك.

و عن السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) (3): «في المحرم يصيب الصيد فيدميه، ثم يرسله؟ قال:

عليه جزاؤه».

و في كتاب الفقه الرضوي (4): «فإن رميت ظبيا، فكسرت يده أو رجله، فذهب على وجهه لا تدري ما صنع، فعليك فداؤه، فان

____________

(1) الوسائل الباب 27 من كفارات الصيد، و الوافي باب (المحرم يكسر الصيد أو يدميه).

(2) اللفظ في التهذيب ج 5 ص 358 كما في الاستبصار ج 2 ص 205 «فأصاب يده فعرج» و الفرق بينهما يظهر من الوافي باب (المحرم يكسر الصيد أو يدميه).

(3) الفروع ج 4 ص 383، و الوسائل الباب 27 من كفارات الصيد.

(4) ص 29.

272

رأيته بعد ذلك يرعى و يمشي فعليك ربع قيمته، و ان كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بشيء من الطعام».

الثالث- ما إذا ذهب الصيد و لم يعلم حاله

، فإنه يلزمه الفداء، و على ذلك تدل الأخبار المتقدمة. مضافا الى اتفاق الأصحاب على الحكم المذكور، كما يفهم من المنتهى، حيث أسنده إلى علمائنا، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه.

بقي الكلام في ان مورد الاخبار الكسر دون الجرح كما ذكره الشيخ، و من ثم اعترض في المدارك- بعد نقل الاستدلال بصحيحة علي بن جعفر على الحكم المذكور- بعدم العموم فيها على وجه يشمل الجرح.

أقول: يمكن الاستدلال عليه بما تقدم من رواية السكوني الدالة على انه «يصيب الصيد فيدميه، ثم يرسله. قال: عليه جزاؤه» و هي و ان كانت ضعيفة السند باصطلاحهم، إلا ان هذا الاصطلاح غير معمول عليه عند الشيخ و نحوه، فالاستدلال بها له في محله.

و اما القول بوجوب الأرش في المسألة فاحتج عليه العلامة و من وافقه بأنها جناية مضمونة، فكان عليه أرشها.

و فيه (أولا): انه موقوف على ثبوت كون الاجزاء مضمونة كالجملة و دليله غير واضح، و ان كان ظاهره في المنتهى دعوى الإجماع عليه.

و (ثانيا): انه اجتهاد في مقابلة النصوص المتقدمة فلا يسمع نعم لا يبعد القول به في ما خرج عن مورد النصوص ان ثبت الإجماع المذكور.

و اما القول بالتصدق بشيء فلم نقف له على مستند، بل الأخبار

273

المتقدمة صريحة في دفعه.

الرابع- ما لو لم يعلم اثر فيه أم لا

، و قد صرح الشيخ و جمع من الأصحاب بأنه كسابقه. و لم نقف له على مستند. و روايات المسألة خالية منه. و ظاهر المحقق في النافع التوقف فيه، حيث نقله بلفظ «قيل».

قال في المدارك: و لو قيل بعدم لزوم الفدية هنا- كما في حال الشك في الإصابة- كان حسنا. انتهى.

و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و اما دليل وجوب الفداء و جميع القيمة مع الجهل بالتأثير فغير واضح، و الأصل عدم التأثير، و عدم الوجوب. بل لو لم يكن النص لكان القول بعدمه على تقدير العلم بالتأثير و جهل حاله جيدا ايضا لذلك، بل كان اللازم هو الأرش، و هو ما تقتضيه الجناية المتحققة، إلا مع العلم أو الظن الغالب بكون الجراحة مهلكة، كما قاله بعض العامة (1). انتهى. و هو جيد.

الثالثة [جزاء قتل المحرم الغزال أو إصابة بعض أجزائه]

- قال الشيخ (رحمه الله تعالى): في كسر قرني الغزال نصف قيمته، و في كل واحد ربع القيمة، و في عينيه كمال القيمة، و في كسر احدى يديه نصف قيمته، و كذا في كسر احدى رجليه، و لو كسر يديه معا وجب عليه كمال قيمته، و كذا لو كسر رجليه معا، و لو قتله كان عليه فداء واحد. و تبعه على ذلك جملة من الأصحاب، و نسبه في الشرائع إلى الرواية، ثم طعن فيها بان فيها ضعفا.

و الرواية المذكورة التي استند إليها الشيخ في الحكم المذكور

ما رواه

____________

(1) المغني ج 3 ص 459 و 460 طبع مطبعة العاصمة.

274

(قدس سره) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«قلت: ما تقول في محرم كسر إحدى قرني غزال في الحل؟ قال:

عليه ربع قيمة الغزال. قلت: فان كسر قرنية؟ قال: عليه نصف قيمته، يتصدق به. قلت: فان هو فقأ عينيه؟ قال: عليه قيمته.

قلت: فان هو كسر احدى يديه؟ قال: عليه نصف قيمته. قلت: فان هو كسر احدى رجليه؟ قال: عليه نصف قيمته. قلت: فان هو قتله؟ قال: عليه قيمته. قال: قلت: فان هو فعل به و هو محرم في الحرم؟ قال: عليه دم يهريقه، و عليه هذه القيمة إذا كان محرما في الحرم».

و ردها جملة من المتأخرين بضعف السند، و ان في طريقها عدة من الضعفاء: منهم: أبو جميلة المفضل بن صالح، و قيل: انه كان كذابا يضع الحديث. و استظهروا وجوب الأرش. و الظاهر انه قول الأكثر، كما ذكره في المدارك، بناء على ما ظاهرهم الاتفاق عليه من كون الاجزاء مضمونة كالجملة.

و في المسألة قول ثالث، و هو التصدق بشيء. و هو منقول عن الشيخ علي بن بابويه و الشيخ المفيد و سلار، و عليه تدل عبارة كتاب الفقه الرضوي (2) و هي المستند للشيخ علي بن بابويه (قدس سره) على ما عرفت مرارا.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 387، و الوسائل الباب 28 من كفارات الصيد و الوافي باب (كفارة ما أصاب المحرم من الوحش).

(2) ص 29.

275

و قد روى الشيخ عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن محرم كسر قرن ظبي. قال: يجب عليه الفداء.

قال: قلت: فان كسر يده؟ قال: ان كسر يده و لم يرع فعليه دم شاة».

و ظاهر هذه الرواية وجوب الفداء في كسر قرن الظبي. و هو مناف لما دلت عليه الرواية الاولى من وجوب ربع القيمة. و احتمال حمل الفداء في الرواية المذكورة على ربع القيمة بعيد. و ظاهرها ايضا وجوب شاة في ما إذا كسر يده و لم يرع، و الرواية المتقدمة قد دلت على ان عليه نصف قيمته. و قد تقدم في عبارة كتاب الفقه في ما إذا كسر قرنه انه يتصدق بشيء، و هذه الرواية تضمنت ان في كسر القرن ربع القيمة. و المسألة عندي محل اشكال.

و قد روى ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا كنت حلالا فقتلت الصيد في الحل ما بين البريد الى الحرم، فان عليك جزاءه، فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بصدقة».

و روى الشيخ ايضا عن عبد الغفار الجازي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم إذا اضطر إلى ميتة. الى ان

____________

(1) الفروع ج 4 ص 388، و الوسائل الباب 27 و 28 من كفارات الصيد، و الوافي باب (المحرم يكسر الصيد أو يدميه).

(2) الفروع ج 4 ص 232، و التهذيب ج 5 ص 361. و الوسائل الباب 32 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 467، و الوسائل الباب 43 و 32 من كفارات الصيد.

276

قال: و ذكر: انك إذا كنت حلالا و قتلت الصيد ما بين البريد و الحرم فان عليك جزاءه، فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بصدقة».

و هو مؤيد لما ذكرنا من الإشكال.

الرابعة- إذا اشترك جماعة في قتل صيد

وجب على كل منهم فداء كامل، قال في المدارك: هذا قول علمائنا و أكثر العامة (1).

أقول: اما انه قول علمائنا فهو الظاهر، لعدم الوقوف على مخالف في الحكم، و اما كونه قول أكثر العامة فظاهر المنتهى و التذكرة ان للعامة في ذلك قولين مشهورين: أحدهما- ما ذكره، و الآخر ان عليهم جزاء واحدا يشتركون فيه (2).

و يدل على الحكم المذكور مضافا الى ما عرفت من الاتفاق روايات:

منها-

ما رواه الكليني و الشيخ (عطر الله- تعالى- مرقديهما) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجلين أصابا صيدا و هما محرمان، الجزاء بينهما أم على كل واحد منهما جزاء؟ فقال: لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما الصيد. قلت: ان بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ما عليه. فقال: إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا».

أقول: هذا الحديث من جملة الأخبار التي أشرنا إليها في غير موضع، الدالة على ان الواجب مع تعذر معرفة الحكم الشرعي في

____________

(1) المغني ج 3 ص 468 طبع مطبعة العاصمة.

(2) المغني ج 3 ص 468 طبع مطبعة العاصمة.

(3) الفروع ج 4 ص 391، و التهذيب ج 5 ص 466 و 467، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد، و الباب 12 من صفات القاضي و ما يقتضي به.

277

المسألة الوقوف على ساحل الاحتياط حتى يحصل العلم به.

و منها-

ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله- تعالى- مراقدهم) عن ابي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم محرمين اشتروا صيدا فاشتركوا فيه، فقالت رفيقة لهم: اجعلوا لي فيه بدرهم. فجعلوا لها. فقال: على كل انسان منهم فداء» و في الفقيه و التهذيب «شاة» مكان «فداء».

و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن زرارة و بكير عن أحدهما (عليهما السلام) (2) «في محرمين أصابا صيدا؟ فقال: على كل واحد منهما الفداء».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ضريس بن أعين (3) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجلين محرمين رميا صيدا فأصابه أحدهما. قال: على كل واحد منهما الفداء».

و كما يجب الفداء على كل من المجتمعين على الصيد كذا يجب على كل من المجتمعين في الأكل، كما دلت عليه الاخبار، و منها- ما تقدم من صحيحة علي بن جعفر (4) و موردها الاشتراك في الأكل، و صحيحة معاوية بن عمار و موردها الاجتماع على الأكل أو الصيد، و موثقته و هي كذلك (5). و جملة

____________

(1) الفروع ج 4 ص 392، و الفقيه ج 2 ص 236، و التهذيب ج 5 ص 351، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 392 عن زرارة، و الفقيه ج 2 ص 236 عن زرارة و بكير، و الوسائل الباب 18 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 352، و الوسائل الباب 20 من كفارات الصيد.

(4) ص 261.

(5) ص 267 و 268.

278

من هذه الاخبار قد تضمنت الفدية و جملة قد تضمنت القيمة. و يحتمل حمل الفداء على القيمة، و يحتمل العكس. و يرجحه تضمن صحيحة عبد الرحمن الجزاء، و تضمن رواية أبي بصير- بطريقي الفقيه و التهذيب، و كذا رواية الطاطري المتقدمة- الشاة. و يحتمل حمل روايات القيمة على الرخصة و ان كان الواجب الجزاء بالشاة.

هذا.

و قد روى الشيخ عن إسماعيل بن ابي زياد عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (1) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول في محرم و محل قتلا صيدا، فقال: على المحرم الفداء كاملا، و على المحل نصف الفداء».

قال الشيخ: و هذا انما يجب على المحل إذا كان صيده في الحرم، فاما إذا كان صيده في الحل فليس عليه شيء. انتهى. و هو جيد.

و ظاهر الشهيد الثاني في المسالك بل صريحه: انه لا فرق في وجوب الفداء- على كل من الجماعة المجتمعين على قتل الصيد- بين كونهم محرمين أو محلين في الحرم أو متفرقين، فيلزم كلا منهم حكمه.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بعد إيراد جملة من روايات المسألة بأن هذه الروايات إنما تدل على ضمان كل من المشتركين في قتل الصيد الفداء الكامل إذا كانوا محرمين. فما ذكره غير واضح.

أقول: لا ريب ان أكثر الروايات و أصحها انما موردها المحرم، إلا ان رواية إسماعيل بن ابي زياد المذكورة هنا- و صحيحة الحلبي، و رواية عبد الغفار الجازي، المتقدمات في سابق هذه المسألة- قد تضمنت

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 352، و الوسائل الباب 21 من كفارات الصيد.

279

حكم المحل في الحرم، و ان عليه الفداء، فلا يرد ما أورده على جده (قدس سرهما).

قال العلامة في المنتهى: لو اشترك الحلال و الحرام في قتل صيد حرمي، وجب على المحل القيمة كملا، و على المحرم الجزاء و القيمة معا، و خالف فيه بعض الجمهور فأوجب جزاء واحدا عليهما معا (1) و قال الشيخ في التهذيب: على المحرم الفداء كملا، و على المحل نصف الفداء، لما رواه إسماعيل بن ابي زياد. ثم نقل الرواية المتقدمة.

الخامسة- لو ضرب بطير على الأرض فقتله

، فقد صرح الشيخ و من تبعه من الأصحاب بان عليه دما و قيمتين: إحداهما لاستصغاره و الثانية للحرم. و في المنتهى زيادة على ذلك: و كان عليه التعزير. و قيده في الدروس بأرض الحرم. و الظاهر ان هذا مراد الجماعة، للرواية التي هي مستند هذا الحكم:

و هي:

ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في محرم اصطاد طيرا في الحرم، فضرب به الأرض فقتله، قال: عليه ثلاث قيمات: قيمة لإحرامه، و قيمة للحرم، و قيمة لاستصغاره إياه».

قال في المدارك: و هي ضعيفة السند بجهالة حال زكريا و محمد بن ابي بكر، فيشكل التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل.

أقول: قد عرفت في غير موضع من ما تقدم ان هذا الإيراد

____________

(1) المغني ج 3 ص 469 طبع مطبعة العاصمة.

(2) التهذيب ج 5 ص 370، و الوسائل الباب 45 من كفارات الصيد.

280

لا يقوم حجة على الشيخ و أمثاله. نعم مقتضى الرواية ان الواجب ثلاث قيم، و الشيخ ذكر ان الواجب دم و قيمتان. و بمضمون الرواية افتى المحقق في النافع، و نسب ما ذكره في الشرائع من الدم و القيمتين الى الشيخ. قيل: و كأن الحامل للشيخ على ذلك ورود الأخبار الكثيرة بوجوب الدم في الطير، فتكون القيمة الواحدة كناية عنه. و لا بأس به.

و في الدروس: ان ضمير «إياه» في خبر معاوية يمكن عوده الى الحرم و الى الطير، قال: و تظهر الفائدة في ما لو ضربه في الحل، إلا ان يراد الاستصغار بالصيد المختص بالحرم.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و لا ريب في تعين ارادة ما ذكره، لان الضمير على الثاني لا يعود الى الطير مطلقا و إنما يعود الى الطير المحدث عنه و هو الحرمي، فاختصاص الحكم به ثابت على التقديرين. انتهى. و هو كذلك.

و استدل في المنتهى ايضا

بما رواه الشيخ و الكليني في القوى عن حمران بن أعين عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «قلت له:

محرم قتل طيرا في ما بين الصفا و المروة عمدا؟ قال: عليه الفداء و الجزاء و يعزر. قال: قلت: فإنه قتله في الكعبة عمدا؟ قال: عليه الفداء و الجزاء، و يضرب دون الحد، و يقام للناس كي ينكل غيره».

و هي تصلح للتأييد في الجملة لا الدلالة، لعدم انطباقها على المدعى.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 371، و الفروع ج 4 ص 396، و الوسائل الباب 44 من كفارات الصيد.

281

و ظاهر الرواية حصول القتل بالضرب على الأرض، كما ذكرنا في صدر المسألة. و عبائر الأصحاب في هذا المقام لا تخلو من القصور حيث انهم صرحوا بأنه لو ضرب بطير على الأرض فدم و قيمتان.

و هو أعم من ان يكون قتله أم لا، استند قتله الى الضرب بالأرض أم الى سبب آخر. و الحكم في الرواية مبني على القتل المستند الى الضرب على الأرض، فلو ضرب به الأرض ثم قتله بسبب آخر، فالظاهر خروجه عن مورد النص.

السادسة- من شرب لبن ظبية في الحرم

لزمه دم و قيمة اللبن، ذكره الشيخ و جمع من الأصحاب.

و استدلوا عليه

بما رواه الشيخ في التهذيب عن يزيد بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل مر و هو محرم في الحرم، فأخذ عنز ظبية فاحتلبها و شرب لبنها؟ قال: عليه دم و جزاء في الحرم ثمن اللبن».

و مورد الرواية حلب الظبية ثم شرب لبنها، و عباراتهم في المقام- كما نقلناه- خالية من ذكر الحلب مرتبة على مجرد الشرب، و هو خروج عن موضع النص.

ورد الرواية في المدارك بضعف السند، لجهالة الراوي، و بان من جملة رجالها صالح بن عقبة، و قيل: انه كان كذابا غاليا لا يلتفت اليه. ثم قال: و المتجه اطراح هذه الرواية لضعفها، و الاقتصار على وجوب القيمة في الجميع، لانه على هذا التقدير يكون من ما لا نص فيه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 371 و 466، و الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 44 و 54 من كفارات الصيد.

282

و فيه (أولا): ما عرفت آنفا. و (ثانيا): ان ضعفها بناء على هذا الاصطلاح المحدث مجبور بعمل الأصحاب بها، فإنه لا راد لها في ما اعلم. و هذه قاعدة كلية عندهم، و قد وافقهم عليها في غير موضع.

و (ثالثا): ان ما اختاره- من الاقتصار على وجوب القيمة بناء على طرح الرواية- مبني على كون الاجزاء مضمونة كالجميع، و هو قد ناقش فيه سابقا. و (رابعا): ان صالح بن عقبة مشترك بين صالح بن عقبة بن خالد الأسدي، الذي ذكروا ان له كتابا يرويه عن محمد ابن إسماعيل عن محمد بن أيوب عنه (عليه السلام) و بين صالح بن عقبة بن قيس بن سمعان، و هذا هو الذي طعنوا عليه بما ذكره، و هو في الرواية غير متعين للحمل عليه، بل ربما يبعد إرادته، لأنهم ذكروا انه روى عن ابي عبد الله (عليه السلام) و روايته هنا عنه (عليه السلام) بالواسطة، فهو الى الحمل على الآخر أقرب.

و في انسحاب الحكم الى غير الظبية من بقرة الوحش و نحوها وجهان، أظهرها العدم.

المقام الثاني في اليد

، و فيه أيضا مسائل

[المسألة] الاولى- لو أحرم و معه صيد

، زال ملكه عنه، و وجب إرساله. و هو مقطوع به في كلام الأصحاب، و أسنده في المنتهى الى علمائنا، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. و نقل عن ابن الجنيد انه قال: و لا استحب ان يحرم و في يده صيد.

و استدل على المشهور

بما رواه الشيخ عن ابي سعيد المكاري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يحرم أحد و معه شيء

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 362، و الوسائل الباب 34 من كفارات الصيد.

283

من الصيد حتى يخرجه من ملكه، فإن أدخله الحرم وجب عليه ان يخليه».

و عن بكير بن أعين في الحسن (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل أصاب ظبيا فادخله الحرم، فمات الظبي في الحرم.

فقال: ان كان حين ادخله خلى سبيله فلا شيء عليه، و ان كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء».

و أنت خبير بأنه لا دلالة في شيء من هذين الخبرين على المدعى بوجه، اما الأول فإن غاية ما يدل عليه انه يجب إخراجه عن ملكه، و المدعى خروجه عن ملكه بمجرد الإحرام، و أحدهما غير الآخر. و اما الثاني فغاية ما يدل عليه وجوب الفداء بإمساكه بعد إدخاله الحرم حتى مات.

و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة بجميع شقوقها مستوفى في آخر البحث الأول.

ثم انهم قد صرحوا هنا بأنه لو لم يرسله و مات ضمنه، و ظاهرهم انه لو مات بعد الإحرام ضمنه، و المستفاد من الاخبار ان الضمان إنما هو بعد إدخاله الحرم و إمساكه لا بعد الإحرام، لحسنة بكير المذكورة هنا و غيرها من ما تقدم في البحث الأول.

قالوا: و ينبغي تقييد وجوب الإرسال بما إذا تمكن من إرساله، اما لو لم يتمكن و تلف قبل إمكانه، فالظاهر انه لا ضمان.

قالوا: و لو لم يرسله حتى أحل فلا شيء عليه سوى الإثم. و في

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 362، و الفروع ج 4 ص 238، و الوسائل الباب 36 من كفارات الصيد.

284

وجوب الإرسال بعد الإحلال قولان.

و لو ادخله الحرم ثم أخرجه، قيل: وجب إعادته اليه، لأنه قد صار من صيد الحرم.

و نوقش في تعميم هذا الحكم بالنسبة الى ما عدا الطير، لاختصاص الروايات المتضمنة لوجوب الإعادة بالطير.

المسألة الثانية- لو اجتمع محرم و محل أو محرمان على صيد

، فأمسك أحدهما و ذبح الآخر، فههنا صور

أحدها- ان يكون الذابح و الممسك محرمين في الحل

، و لا ريب في وجوب الفداء على الذابح كما تقدمت الروايات به صريحة. و اما الممسك فلما سيأتي من وجوب الفداء بالدلالة، فبالإمساك الذي هو اعانة بطريق اولى.

و

ثانيها- ان يكون الذابح محرما في الحل و الممسك محلا

، و الضمان على المحرم خاصة، و المحل في الحل لا يلزمه شيء، لأنه لم يهتك حرمه الإحرام و لا حرمة الحرم.

و

ثالثها- العكس

، و الضمان على الممسك بالتقريب المتقدم.

و

رابعها- الصورة الأولى بعينها في الحرم

، و فيه تضاعف الفداء الذي هو عبارة عن المثل المنصوص في الآية (1) و الاخبار و القيمة على كل منهما.

و

خامسها- الصورة الثانية و كون ذلك في الحرم

، و فيه تضاعف الفدية على الذابح خاصة، و المحل ليس عليه إلا القيمة.

و

سادسها- الصورة الثالثة و كون ذلك في الحرم

، و الحكم فيها ظاهر من سابقتها كما لا يخفى.

المسألة الثالثة- إذا ذبح المحرم صيدا كان ميتة

، و يحرم على المحل، و قيل: لا يحرم عليه. و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

285

الخامسة من البحث الأول فليراجع.

المقام الثالث في التسبيب

، و فيه مسائل

الاولى- من أغلق على حمام من حمام الحرم و فراخ و بيض

، ضمن بالإغلاق، فإن زال السبب و أرسلها سليمة سقط الضمان، و لو هلكت ضمن الحمامة بشاة، و الفرخ بحمل، و البيضة بدرهم، ان كان محرما، و ان كان محلا، ففي الحمامة درهم، و في الفرخ نصف درهم، و في البيضة ربع درهم. و قيل:

يستقر الضمان بنفس الأغلاق.

و الأول مذهب جمع من الأصحاب: منهم: الفاضلان و الشهيد في الدروس.

و الثاني قول الشيخ (رحمه الله) و عليه يدل ظاهر الخبر الوارد في المسألة، و هو

ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب (1) بسند لا يبعد ان يكون موثقا، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أغلق بابه على حمام من حمام الحرم، و فراخ، و بيض. فقال: ان كان أغلق عليها قبل ان يحرم، فان عليه لكل طير درهما، و لكل فرخ نصف درهم، و لكل بيضة ربع درهم، و ان كان أغلق عليها بعد ما أحرم، فإن عليه لكل طائر شاة، و لكل فرخ حملا، و ان لم يكن تحرك فدرهم، و للبيض نصف درهم».

و ظاهر الرواية- كما ترى- ظاهر في القول الثاني.

و الأولون انما نزلوها على ما إذا هلكت بالإغلاق، بناء على انه قبل التلف مخاطب بالإطلاق لا بالفداء و لا بالقيمة.

و فيه: انه لا مانع من مخاطبته بالإطلاق مع إيجاب هذه الأشياء

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 350، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

286

عليه- لما فعله من حبسها و تعريضها للهلاك- إذا اقتضاه النص و دل عليه. و يؤيده أن حمام الحرم موجب للفداء و القيمة و ان كان بالإغلاق، كما صرح به العلامة في المنتهى و غيره.

و احتمال حمل الأغلاق في الرواية على ما كان في غير الحرم بعيد عن ظاهر الرواية، و اقتضاء ثبوت القيمة على غير المحرم ثبوت القيمة و الفداء على المحرم، فكيف يوجب هنا الفدية خاصة في الحرم على المحرم؟

إلا ان يقال بوجوب الفداء خاصة على المحرم في الحرم في هذا النوع من الإتلاف و ان وجب التضاعف في غيره. و الظاهر بعده.

قيل: و يمكن تنزيل الرواية على ما إذا جهل حال الحمام و بيضه و فرخه بعد الأغلاق. و يمنع مساواة فدائه لفداء الإتلاف، لانتفاء الدليل عليه.

أقول: و في هذه المسألة روايات أخر لم يتعرض لها الأصحاب:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني و سليمان ابن خالد (1) قالا: «قلنا لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أغلق بابه على طائر؟ فقال: ان كان أغلق الباب بعد ما أحرم فعليه شاة و ان كان أغلق الباب قبل ان يحرم فعليه ثمنه».

و الصدوق روى هذه الرواية عن سليمان بن خالد (2) إلا ان فيها «أغلق بابه على طير فمات».

و هي منطبقة على القول الأول ظاهرة فيه و اما على رواية الشيخ فيصير سبيلها سبيل الرواية المتقدمة في الاشكال و الاحتمال.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 350، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

(2) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

287

و كيف كان فإنه يظهر لك ما في كلامه في المدارك، حيث قال في آخر البحث: «إلا ان ذلك كله موقوف على صحة السند» فان فيه ما يشير الى رد الرواية و ما ذكر فيها من البحث من حيث ضعف السند، و هذه الرواية- كما ترى- صحيحة السند برواية الشيخين المذكورين. و هي و ان لم تتضمن إلا الحمام فقط، إلا ان الحكم في فراخها و بيضها معلوم من حكمها.

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ (رحمهما الله) تعالى) عن زياد ابى الحسن الواسطي عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن قوم اقفلوا على طير من حمام الحرم الباب فمات. قال:

عليهم بقيمة كل طير درهم، يعلف به حمام الحرم».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل أغلق باب بيت على طير من حمام الحرم فمات. قال: يتصدق بدرهم، أو يطعم به حمام الحرم».

و الخبران محمولان على من فعل ذلك محلا.

و ربما يفهم من هذين الخبرين- بانضمامهما إلى رواية الصدوق عن سليمان بن خالد المتقدمة- ما أشرنا إليه سابقا من اختصاص هذا النوع من الإتلاف بهذا الحكم، و يحمل إطلاق رواية يونس بن يعقوب و صحيحة سليمان بن خالد برواية الشيخ على ذلك. و الاحتياط لا يخفى

الثانية- لو نفر حمام الحرم

فشاة، فان لم يرجع فعليه لكل واحدة

____________

(1) الفروع ج 4 ص 234 و 235، و التهذيب ج 5 ص 350، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد، و الوافي باب (حكم صيد الحرم).

(2) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 16 من كفارات الصيد.

288

شاة، نقله العلامة في المختلف عن الشيخين و علي بن الحسين بن بابويه و ابن البرج و سلار و ابن إدريس و ابن حمزة، قال: و قال ابن الجنيد:

و من نفر طيور الحرم كان عليه لكل طائر ربع قيمته. ثم قال:

و الظاهر ان مقصوده بذلك إذا رجعت، إذ مع عدم الرجوع يكون كالمتلف، فيجب عليه عن كل واحدة شاة. ثم نقل عن الشيخ (رحمه الله)- حيث حكى كلام المفيد: ان من نفر حمام الحرم فعليه دم شاة إذا رجعت، فان لم ترجع فعليه لكل طائر شاة- انه قال: هذا قد ذكره علي بن الحسين بن بابويه في رسالته، و لم أجد به حديثا مسندا أقول: لا يخفى ان ما ذكره الشيخ علي بن الحسين بن بابويه هنا إنما أخذه من كتاب الفقه الرضوي، و هو مستنده في هذا الحكم و غيره من ما عرفت و ستعرف ان شاء الله (تعالى)

حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1): «و ان نفرت حمام الحرم فرجعت فعليك في كلها شاة، و ان لم ترها رجعت فعليك لكل طير دم شاة».

و العلامة لو نقل صورة عبارته لرأيت هذه العبارة بعينها، لكنه نقل القول عنه مجملا.

و الظاهر ان الشيخ المفيد و من تبعه إنما تبعوا الشيخ المذكور في ذلك، لما ذكره شيخنا الشهيد في الذكرى من ان المتقدمين إذا اعوزتهم النصوص رجعوا الى فتاوى علي بن الحسين بن بابويه (رضى الله عنهم جميعا).

و العجب من صاحب المدارك حيث خص ذلك القول بعد نقل عبارة المحقق بالشيخ المفيد، ثم نقل كلام الشيخ في التهذيب الدال

____________

(1) ص 29.

289

على انه لم يجد به حديثا مسندا، و القول بذلك كما نقله في المختلف مشهور عن جماعة من المتقدمين كما عرفت.

ثم ان إطلاق التنفير في الخبر المذكور شامل لما لو لم يخرج من الحرم، و قيده الشهيد في بعض تحقيقاته بما لو تجاوز الحرم. و إطلاق الخبر شامل لما لو كان المنفر محرما أو محلا.

و احتمل بعض الأصحاب وجوب الفداء و القيمة إذا كان محرما في الحرم.

قال في المدارك: و هو بعيد جدا، اما مع العود فواضح، و اما مع عدمه فلان مثل ذلك لا يعد إتلافا.

قيل: و لو كان المنفر حمامة واحدة ففي وجوب الشاة مع العود و عدمه وجهان، يبتنيان على ان الحمام اسم جنس أو جمع، فعلى الأول يتعلق الحكم بالواحدة، دون الثاني. و استقرب العلامة في القواعد و جماعة عدم وجوب الشاة في تنفير الواحدة مع العود، حذرا من لزوم تساوي حالتي العود و عدمه، مع ان مقتضى أصل الحكم الفرق بينهما.

قالوا: و لو كان المنفر جماعة ففي تعدد الفداء عليهم أو اشتراكهم فيه- خصوصا مع كون فعل كل واحد لا يوجب النفور- وجهان.

و كذا الوجهان في إلحاق غير الحمام به.

قال في المدارك بعد ذكر جملة من هذه الفروع: و الكلام في فروع هذه المسألة قليل الفائدة، لعدم ثبوت مستند الحكم من أصله، كما اعترف به الشيخ و غيره. و المطابق للقواعد عدم وجوب شيء مع العود، و لزوم فدية التلف على الوجه المقرر في حكم الإحرام و الحرم مع عدمه

290

ان نزلنا التنفير مع عدم العود منزلة الإتلاف، و إلا اتجه السقوط مطلقا. انتهى.

أقول: فيه: ان المستند معلوم من ما ذكرنا، و ان خفي عليه و على أمثاله من الأصحاب، كما أشرنا إليه في غير باب من الأبواب، إلا ان ما ذكروه من الفروع- كما هي عادتهم في جميع المسائل المنصوصة- لا يخلو أكثره من الإشكال.

الثالثة- إذا رمى اثنان فأصاب أحدهما و أخطأ الآخر

، وجب الفداء على كل واحد منهما على المشهور، اما المصيب فلإصابته، و اما المخطئ فلجرأته.

و الأصل في ذلك

صحيحة ضريس بن أعين (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجلين محرمين، رميا صيدا فأصابه أحدهما. قال: على كل واحد منهما الفداء».

و رواية إدريس بن عبد الله (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرمين يرميان صيدا فأصابه أحدهما، الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما؟ قال: عليهما جميعا، يفدي كل واحد منهما على حدته».

و قال ابن إدريس: لا يجب على المخطئ شيء، إلا ان يدل، فيجب للدلالة لا للرمي. و الروايتان المذكورتان حجة عليه.

قيل: و لو تعدد الرماة ففي تعدى الحكم الى الجميع أوجه، أوجهها لزوم فداء واحد لجميع من أخطأ.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 352، و الوسائل الباب 20 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 351، و الوسائل الباب 20 من كفارات الصيد.

291

و الأظهر عدم تعدي هذا الحكم الى المحلين إذا رميا الصيد في الحرم بالنسبة إلى القيمة، قصرا لما خالف الأصل على موضع النص و الوفاق

الرابعة- إذا أوقد جماعة محرمون نارا، فوقع فيها صيد

، لزم كل واحد منهم فداء، إذا قصدوا بذلك الاصطياد، و إلا فداء واحد و الأصل في ذلك

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن ابي ولاد (1) قال: «خرجنا ستة نفر من أصحابنا إلى مكة، فأوقدنا نارا عظيمة في بعض المنازل، أردنا أن نطرح عليها لحما نكببه، و كنا محرمين، فمر بها طائر صاف مثل حمامة أو شبهها، فاحترقت جناحاه فسقط في النار فمات، فاغتممنا لذلك، فدخلت على ابي عبد الله (عليه السلام) بمكة فأخبرته و سألته، فقال: عليكم فداء واحد، دم شاة، تشتركون فيه جميعا، لان ذلك كان منكم على غير تعمد، و لو كان ذلك منكم تعمدا ليقع فيها الصيد فوقع، ألزمت كل رجل منكم دم شاة. قال أبو ولاد:

و كان ذلك منا قبل ان ندخل الحرم».

و مورد الرواية الطير، و ان ذلك كان منهم بعد الإحرام و قبل دخول الحرم. و المحقق في المعتبر عبر بالصيد، و ظاهره انه أعم من الطائر و غيره. و لا بأس به، لقوله (عليه السلام): «ليقع فيها الصيد» و ألحق جمع من الأصحاب بذلك المحل في الحرم بالنسبة إلى لزوم القيمة، و صرحوا باجتماع الأمرين على المحرم في الحرم. قال في المدارك: و هو جيد مع القصد بذلك الى الاصطياد، اما بدونه فمشكل، لانتفاء النص. و هو جيد.

و قيل: و لو اختلفوا في القصد و عدمه، بان قصد بعض درن بعض،

____________

(1) الفروع ج 4 ص 392، و التهذيب ج 5 ص 352، و الوسائل الباب 19 من كفارات الصيد.

292

اختص كل بحكمه، فيجب على كل من القاصدين فداء، و على جملة الغير القاصدين فداء واحد. قيل: و لو كان غير القاصد واحدا فإشكال ينشأ من مساواته للقاصد، مع انه أخف منه حكما. و احتمل الشهيد في الدروس مع اختلافهم في القصد ان يجب على من لم يقصد ما كان يلزمه مع عدم قصد الجميع، فلو كانا اثنين مختلفين، فعلى القاصد شاة، و على الآخر نصفها، لو كان الواقع كالحمامة. قال في المدارك:

و هو حسن.

و جميع هذه التفريعات لا تخلو من الإشكال.

الخامسة [حكم دلالة المحل في الحرم أو الحل على الصيد]

- لا خلاف بين الأصحاب في ان من دل على صيد فقتل، فإنه يضمنه.

و على ذلك تدل جملة من الاخبار: منها-

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا نستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا و أنت حلال في الحرم، و لا تدلن عليه محلا و لا محرما فيصطاده، و لا تشر اليه فيستحل من أجلك، فإن فيه فداء لمن تعمده».

و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المحرم لا يدل على الصيد، فان دل عليه فقتل فعليه الفداء».

و رواه الشيخ في موضع من التهذيب (3) بغير لفظ: «قتل».

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام، و الباب 17 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام، و الباب 17 من كفارات الصيد.

(3) ج 5 ص 315، و أورده أيضا ص 467.

293

و ظاهر الخبرين المذكورين ان الضمان إنما يترتب على الدلالة إذا حصل الإتلاف، و هو الذي صرح به جمهور الأصحاب. و عن ابن البراج إطلاق الحكم، قال في المختلف: و قال ابن البراج: من دل على صيد فعليه الفداء. و لم يقيد بالقتل، فان قصد الإطلاق فهو ممنوع.

لنا: انه مع عدم القتل لم يحصل على الصيد جناية مباشرة و لا مسببة فلا ضمان. احتج بما رواه منصور بن حازم عن الصادق (عليه السلام).

ثم ساق الرواية بهذه الكيفية: «فإن دل فعليه الفداء» و الجواب:

الرواية محمولة على ما قيدناه. انتهى.

أقول: لا حاجة الى التقييد، فإن الرواية- كما في الكافي و التهذيب كما عرفت- مشتملة على القتل، و سقوطه من هذه الرواية المذكورة إنما حصل من قلم الشيخ (رحمه الله) كما لا يخفى على من أحاط خبرا بما وقع له في التهذيب من السهو في المتون و الأسانيد بما يضيق عن نشره نطاق البيان.

و قد قطع الأصحاب أيضا بضمان المحل في الحرم بالدلالة، و به صرحت صحيحة الحلبي المذكورة.

اما المحل في الحل فالظاهر انه لا يلزمه شيء، سواء كان المدلول محرما أو محلا في الحرم، و ان أثم بذلك. و نقل عن العلامة في المنتهى انه احتمل الضمان على هذا التقدير ايضا.

قال في المدارك: و اعلم ان صور المسألة ترتقي إلى اثنتين و ثلاثين صورة، لأن الدال و المدلول اما ان يكونا محلين أو محرمين أو بالتفريق و على كل تقدير فاما ان يكونا في الحل أو في الحرم أو بالتفريق، فهذه ست عشرة صورة، و على كل تقدير فاما ان يكون الصيد في الحل أو في الحرم، و أحكامها تعلم من ما ذكرناه. انتهى.

294

السادسة [إذا أراد تخليص الصيد من سبع أو شبكة فهلك]

- قالوا: لو وقع الصيد في الشبكة فأراد تخليصه فهلك أو عاب ضمنه. و لم أقف لهم في هذا الحكم على مستند. و لعل مستنده هو الإجماع، كما يفهم من المنتهى على ما نقله عنه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، حيث قال: و اما دليل ضمان المخلص و كفارته لعله الإجماع المفهوم من المنتهى، حيث ما نقل الخلاف إلا عن العامة (1) قال المصنف في المنتهى: لو خلص صيدا من سبع أو شبكة أو أخذه ليخلص من رجله خيطا و نحوه، فتلف بذلك، كان عليه الضمان. الى قوله: لنا: عموم الأدلة الواردة بوجوب الجزاء.

ثم قال المحقق المذكور: الإجماع غير ظاهر، و العموم لا تظهر دلالته و الأصل دليل قوي، و الظاهر ان فعله إحسان و مشروع، و لا سبيل على المحسنين (2) انتهى. و هو جيد. و بنحو ذلك صرح في المسالك.

و على منوالهما نسج السيد السند في المدارك فقال بعد نقل عبارة المصنف الدالة على الضمان: هذا الحكم مشكل على إطلاقه، و ينبغي القطع بعدم الضمان مع انتفاء التعدي و التفريط، لان تخليصه على هذا الوجه مباح، بل إحسان محض، و ما على المحسنين من سبيل (3) و مثله ما لو خلص الصيد من فم هرة أو سبع أو من شق جدار، أو أخذه ليداويه و يتعهده، فمات في يده. انتهى.

و ظاهر العلامة في التذكرة التوقف في ذلك. و استشكله في القواعد أيضا.

____________

(1) المغني ج 3 ص 452 طبع مطبعة العاصمة.

(2) لقوله تعالى في سورة التوبة، الآية 91 مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ.

(3) سورة التوبة، الآية 91.

295

و قيل في وجه الاشكال: ان منشأه، من تعارض العموم الدال على ان من اثبت يده على صيد ضمنه، و من قوله (عز و جل) مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (1) و التخليص إحسان محض.

قال المحقق الشيخ علي في الشرح: الضمان أحوط، و ان كان العدم قويا، لعموم قوله (تعالى) مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (2). و لا يعارض بعموم الضمان بإثبات اليد على الصيد، لان الترجيح للأول بالأصل، و باذن الشارع بهذا الفعل. انتهى.

و بالجملة فالظاهر العدم حتى يقوم الدليل الصحيح الصريح.

السابعة [إغراء الكلب بقتل الصيد]

- قالوا: إذا أغرى كلبه بصيد فقتله ضمن، لانه سبب في إتلافه. و الحق العلامة (قدس سره) بالإغراء بالصيد حل المحرم رباط الكلب عند معاينة الصيد، لانه يصيد بطبعه عند المعاينة، فيكون سببا في إتلافه. و استحسنه في المدارك. و لو أغراه عابثا من غير معاينة صيد، و اتفق خروج الصيد، ففي الضمان و عدمه تردد، ينشأ من عدم قصد الصيد، و من حصول التلف بسببه، و عدم تأثير الجهالة في ذلك، لان الصيد يضمن مع الجهل.

الثامنة [موت الطفل بإمساك الصيد]

- قالوا: لو أمسك المحرم صيدا له طفل فمات الطفل ضمن لانه سبب في الإتلاف، و هو أقوى من الدلالة المقتضية للضمان بالنص الصحيح المتقدم. و اما الصيد الممسك، فان تلف بالإمساك ايضا ضمنه، و إلا فلا. و كذا يضمن الطفل المحل لو كان الإمساك في الحل و الطفل في الحرم. أما الأم لو ماتت فلا، لانه ليس محرما و لا جنايته في الحرم. و لو انعكس الفرض بأن أمسك الأم محلا في الحرم و الطفل في الحل،

____________

(1) سورة التوبة، الآية 91.

(2) سورة التوبة، الآية 91.

296

ففي ضمان الطفل إشكال، ينشأ من كونه في الحل فلا يكون مضمونا و من كون الإتلاف بسبب صدر في الحرم، كما ورد في الرمي في الحرم الصيد في الحل، من «ان الآفة جاءت من قبل الحرم» (1). و قوى شيخنا الشهيد الثاني: الثاني.

التاسعة [إذا رمى صيدا فاضطرب، فقتل فرخا أو صيدا آخر]

- قالوا: إذا رمى المحرم صيدا فاضطرب، فقتل فرخا أو صيدا آخر، كان عليه فداء الجميع، اما ضمان الصيد المرمي فواضح، و اما ضمان الآخرين فلمكان السببية كالدلالة. و لا فرق في ذلك بين المحرم في الحل و المحل في الحرم و من جميع الوصفين، فيلحق كل واحد ما يلزمه شرعا.

العاشرة [حكم ما تجنيه دابة السائق و الراكب]

- قالوا: السائق يضمن ما تجنيه دابته، و كذا الراكب إذا وقف بها، و إذا سار ضمن ما تجنيه بيديها. و إطلاق ضمان السائق و الراكب في حال الوقوف ما تجنيه الدابة يشمل ما تجنيه بيديها أو رجليها أو رأسها. و مقتضى تخصيص ضمان الراكب إذا كان سائرا بما تجنيه بيديها يقتضي عدم ضمان ما تجنيه برأسها أو رجليها. و الحق العلامة هنا الرأس باليدين، و اقتصر على سقوط ضمان جناية الرجلين خاصة. و استدل عليه بما روى عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) «الرجل جبار» يعني: هدر. قال في المدارك: و لم أقف في هذا التفصيل على رواية من طرق الأصحاب، إلا ان حكمها في مطلق الجناية كذلك. انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار من ما يتعلق بهذه المسألة

____________

(1) ص 307.

(2) سنن البيهقي ج 8 ص 343.

297

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي الصباح الكناني (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما وطأته أو وطأه بعيرك أو دابتك و أنت محرم فعليك فداؤه».

و هي- كما ترى- مطلقة في ضمان ما تطأه الدابة، من غير فرق بين اليدين و الرجلين، و لا حال الوقوف و السير.

و ذكر العلامة في المنتهى: ان الدابة لو انقلبت فأتلفت صيدا يضمنه، لانتفاء اليد و الحال هذه.

و لقول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2): «العجماء جبار».

و احتمل في المدارك قويا عدم الضمان إذا أتلفت شيئا و هي سائبة للرعي أو الاستراحة، للأصل. و انتفاء اليد. و عدم العموم في الخبرين المتقدمين. و تردد فيه في الذخيرة، نظرا الى عموم الروايتين السابقتين بحسب ظاهر اللفظ. و تبادر الدابة التي ركب عليها. أقول:

لا يخفى ضعف الوجه الأول من وجهي التردد.

و مورد الرواية ضمان المحرم، اما المحل في الحرم فلم أقف على ما يدل على حكمه، إلا ان الأصحاب قاطعون بان ما يضمنه المحرم يضمنه المحل في الحرم، و يتضاعف الجزاء عند الاجتماع.

البحث الرابع في صيد الحرم

و فيه مسائل

الأولى [حرمة صيد الحرم على المحل]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله- تعالى-

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 355، و الوسائل الباب 23 و 53 من كفارات الصيد.

(2) الوسائل الباب 32 من موجبات الضمان من كتاب الديات.

298

عليهم) بأنه يحرم من الصيد على المحل في الحرم ما يحرم على المحرم في الحل، و الظاهر انه مجمع عليهم بينهم، كما حكاه في المنتهى.

و يدل عليه جملة من الروايات، و منها-

ما رواه الكليني في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تستحلن شيئا من الصيد و أنت حرام، و لا و أنت حلال في الحرم».

و قد تقدم في المسألة السادسة من البحث الأول جملة من الاخبار الدالة على ذلك.

و يجوز للمحل في الحرم قتل القمل و البراغيث و البق و النمل، إجماعا على ما نقله في المدارك.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «لا بأس بقتل النمل و البق في الحرم. و قال: لا بأس بقتل القملة في الحرم و غيره».

و في التهذيب (3) بهذا الاسناد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال:

«لا بأس بقتل القمل و البق في الحرم».

و ما رواه في الفقيه (4) عن حنان بن سدير عن ابي جعفر (عليه

____________

(1) الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام، و الباب 13 و 17 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 366، و الفقيه ج 2 ص 172، و الوسائل الباب 84 من تروك الإحرام.

(3) ج 1 ص 552 الطبع القديم و ج 5 ص 366 الطبع الحديث، و الوسائل الباب 84 من تروك الإحرام، و الوافي باب (حكم صيد الحرم).

(4) ج 2 ص 231 و 232، و الوسائل الباب 81 من تروك الإحرام.

299

السلام) قال: «أمر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بقتل الفأرة في الحرم، و الأفعى، و العقرب، و الغراب الأبقع، يرميه فإن أصبته فأبعده الله. و كان يسمى الفأرة: الفويسقة. و قال: انها توهي السقاء و تضرم البيت على اهله».

و ما رواه الكليني عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بقتل البرغوث و القملة و البقة في الحرم».

و حينئذ فمن قتل صيدا في الحرم كان عليه فداؤه محلا كان القاتل أو محرما، إلا ان البحث هنا بالنسبة إلى المحل، و المراد بالفداء بالنسبة إليه هو القيمة. و قد تقدم في جملة من الاخبار ان الجناية من حيث الإحرام خاصة موجبة للجزاء و الفدية، كل بحسبه، كما تقدم في نوعي ما لكفارته بدل على الخصوص، و ما لا بدل له على الخصوص، من البحث الثاني، و الجناية من حيث الحرم موجبة للقيمة و متى اجتمع السببان اجتمع الأمران المترتبان على كل منهما.

و من الاخبار الواردة في المقام

حسنة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان أصبت الصيد و أنت حرام في الحرم فالفداء مضاعف عليك، و ان أصبته و أنت حلال في الحرم فقيمة واحدة و ان أصبته و أنت حرام في الحل فإنما عليك فداء واحد».

و حسنة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: «فان قتلها- يعني: الحمامة- في الحرم و ليس بمحرم فعليه ثمنها».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 364، و الوسائل الباب 79 و 84 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 44 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 395، و الوسائل الباب 44 من كفارات الصيد.

300

و صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة الى ان يبلغ الظبي، فعليه دم يهريقه، و يتصدق بمثل ثمنه، فإن أصاب منه و هو حلال، فعليه ان يتصدق بمثل ثمنه».

و الاخبار بذلك كثيرة جدا، و قد تقدمت في تضاعيف الأبحاث المتقدمة.

و حكى العلامة في المختلف عن الشيخ قولان بان من ذبح الصيد في الحرم و هو محل كان عليه دم. و هو شاذ مردود بالاخبار.

و لو اشترك في قتل الصيد في الحرم جماعة من المحلين، قيل: على كل واحد منهم قيمة الصيد. و تردد فيه المحقق.

و ذكر في المسالك: ان منشأ التردد، من ان المقتول واحد فيجب له فداء واحد على الجميع، و أصالة البراءة من الزائد، خرج منها قتل الجماعة المحرمين للصيد، فتبقى معمولا بها في ما عداها، و من اشتراك المحلين و المحرمين في العلة، و هي الإقدام على قتل الصيد، خصوصا إذا كان فعل كل واحد ملفا. و هذا هو الأقوى. انتهى.

و اعترضه سبطه السيد السند في المدارك بأنه لا يخفى ضعف الوجه الثاني من وجهي التردد، فإنه لا يخرج عن القياس. و هو جيد. ثم نقل عن الشيخ (رحمه الله تعالى) انه قوى لزوم الجميع جزاء واحد، لأصالة البراءة من الزائد. ثم قال: و هو متجه. انتهى. و هو كذلك

الثانية [حكم رمي الصيد في الحل و هو يؤم الحرم]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في حكم رمي الصيد في الحل و هو يؤم الحرم، فقيل بالتحريم، ذهب اليه

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 11 و 44 من كفارات الصيد.

301

الشيخ و جمع من الأصحاب، و قيل بالكراهة، و اختاره ابن إدريس و أكثر المتأخرين.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار هنا

ما رواه الشيخ عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان يكره ان يرمى الصيد و هو يؤم الحرم».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل رمى صيدا في الحل و هو يؤم الحرم في ما بين البريد و المسجد، فأصابه في الحل، فمضى برميته حتى دخل الحرم، فمات من رميته، هل عليه جزاء؟ فقال:

ليس عليه جزاء، إنما مثل ذلك مثل من نصب شركا في الحل الى جانب الحرم، فوقع فيه صيد، فاضطرب حتى دخل الحرم فمات، فليس عليه جزاؤه، لأنه نصب حيث نصب و هو له حلال، و رمى حيث رمى و هو له حلال، فليس عليه في ما كان بعد ذلك شيء. فقلت:

هذا القياس عند الناس. فقال: إنما شبهت لك الشيء بالشيء لتعرفه».

و نحوه روى في التهذيب (3) باختلاف ما في الألفاظ.

و رواه في الكافي عنه أيضا في الصحيح (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل رمى صيدا في الحل، فمضى برميته حتى دخل الحرم فمات، أ عليه جزاؤه؟ قال: لا ليس عليه جزاؤه، لأنه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 359، و الوسائل الباب 29 من كفارات الصيد.

(2) الفقيه ج 2 ص 168 و 169، و الوسائل الباب 30 من كفارات الصيد.

(3) ج 5 ص 360، و الوسائل الباب 30 من كفارات الصيد.

(4) الفروع ج 4 ص 234، و الوسائل الباب 30 من كفارات الصيد.

302

رمى حيث رمى و هو له حلال، انما مثل ذلك مثل رجل نصب شركا في الحل الى جانب الحرم، فوقع فيه صيد فاضطرب الصيد حتى دخل الحرم، فليس عليه جزاؤه، لأنه كان بعد ذلك شيء. فقلت: هذا القياس عند الناس. فقال: انما شبهت لك شيئا بشيء».

أقول: و بهذه الروايات أخذ من ذهب الى الجواز على كراهية.

و منها-

ما رواه ثقة الإسلام و الشيخ عن عقبة بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل قضى حجه ثم اقبل حتى إذا خرج من الحرم، استقبله صيد قريبا من الحرم، و الصيد متوجه نحو الحرم، فرماه فقتله، ما عليه في ذلك؟ قال:

يفديه على نحوه».

و ما رواه في الكافي في الحسن عن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل رمى صيدا خارجا من الحرم في الحل، فتحامل الصيد حتى دخل الحرم. فقال: لحمه حرام مثل الميتة».

و المشهور بين المتأخرين- كما عرفت- هو الجمع بين هذه الاخبار بالكراهة، سيما مع تصريح مرسلة ابن ابي عمير بذلك.

و فيه (أولا): ما عرفت في غير موضع من ما تقدم انه لا مستند لهذا الجمع، و ان اشتهر العمل عليه بينهم، للوجوه المتقدمة.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 397، و التهذيب ج 5 ص 360، و الوسائل الباب 30 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 235، و التهذيب ج 5 ص 359 و 360، و الوسائل الباب 29 من كفارات الصيد.

303

(و ثانيا): ان استعمال الكراهة في الاخبار بمعنى التحريم أكثر كثير. و لهذا استدل الشيخ بهذه الرواية مع رواية علي بن عقبة (1) على التحريم.

و الذي يقرب عندي في الجمع بينها أحد وجهين: اما حمل صحيحتي عبد الرحمن بن الحجاج على ان الصيد حال رميه لا يؤم الحرم- أما رواية الكافي فهي مطلقة قابلة للحمل على ما ذكرنا، و اما رواية الصدوق فبان يجعل قوله: «و هو يؤم الحرم» حالا من «رجل» و به يجمع بينها و بين رواية عقبة بن خالد الصريحة في كون الصيد متوجها نحو الحرم- و اما حمل صحيحتي عبد الرحمن على التقية، فإن العلامة في المنتهى و التذكرة قد نقل عن بعض الجمهور: انه لو رمى صيدا في الحل فجرحه، فتحامل الصيد فدخل الحرم فمات به، فإنه يحل اكله و لا جزاء فيه، لأن الذكاة حصلت في الحل، فأشبه ما إذا جرح صيدا و هو محل، ثم أحرم فمات الصيد بعد إحرامه (2).

ثم رده.

و الشيخ قد أجاب عن روايتي عبد الرحمن بن الحجاج بالحمل على نفي الإثم و العقاب. و بعده ظاهر، لأن روايتي الصدوق و الكليني مصرحتان بأنه ليس عليه جزاء.

و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال.

ثم انه من ما يتفرع على القولين المذكورين ضمانه لو مات في الحرم و عدمه، فان قلنا بجواز الرمي- كما هو مدلول صحيحتي عبد الرحمن بن الحجاج- فلا ضمان كما صرحتا به، و ان قلنا

____________

(1) ص 302 رقم (1).

(2) المغني ج 3 ص 314 طبع مطبعة العاصمة.

304

بالتحريم- كما هو مدلول رواية عقبة بن خالد- وجب الفداء كما صرحت به ايضا.

و المشهور انه يحرم لحمه، و به صرح الشيخ و غيره. و ذكر الشهيد الثاني انه ميتة على القولين. و الظاهر بعده على تقدير القول بالجواز.

و ظاهر الصحيحتين المذكورتين حل الصيد المذكور، كما هو قضية التنظير بالشبك المنصوب الى جانب الحرم. و على هذا فتكون حسنة مسمع- من حيث التصريح فيها بكون لحم الصيد المذكور حراما مثل الميتة- مؤيدة للقول بالتحريم.

الثالثة [حكم الاصطياد بين البريد و الحرم]

- اختلف الأصحاب في حكم الاصطياد بين البريد و الحرم، يعني: الاصطياد بين منتهى البريد و طرف الحرم، و المشهور الإباحة، للأصل، و لان المانع من الاصطياد اما الحرم أو الإحرام، و هما مفقودان فتثبت الإباحة.

و قال الشيخ المفيد في المقنعة: و كل من قتل صيدا و هو محل في ما بينه و بين الحرم على مقدار بريد لزمه الفداء. و هو ظاهر في القول بالتحريم.

و استدل له الشيخ في التهذيب

بما رواه في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كنت محلا في الحل، فقلت صيدا في ما بينك و بين البريد الى الحرم، فان عليك جزاءه، فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه تصدقت بصدقة».

و أجاب عنها المتأخرون بالحمل على الاستحباب. و فيه: ان تأويلها

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 361، و الفروع ج 4 ص 232، و الوسائل الباب 32 من كفارات الصيد.

305

مع عدم المعارض مشكل. و مجرد ما ادعوه- من ان المانع من الاصطياد اما الحرم أو الإحرام- لا ينافي زيادة فرد آخر إذا دل عليه الدليل مع انه ليس في شيء من تلك الأخبار الدالة ما يدل على الحصر حتى يكون منافيا لهذا الخبر.

و مثل هذه الرواية أيضا

ما رواه الشيخ عن عبد الغفار الجازي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: «و ذكر: انك إذا كنت حلالا و قتلت صيدا ما بين البريد و الحرم فان عليك جزاءه، فإن فقأت عينه أو كسرت قرنه أو جرحته تصدقت بصدقة».

و اما صحيحتا عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمتان، فهما و ان دلتا على الجواز كما تقدم، إلا ان الأظهر فيهما هو الحمل على التقية، كما قدمنا ذكره، لمعارضتهما بالروايتين المتقدمتين مع هاتين الروايتين.

الرابعة- لو ربط صيدا في الحل فدخل الحرم حرم إخراجه

، لأنه صار بدخوله من صيد الحرم.

و يدل عليه عموم ما دل على تحريم صيد الحرم من الاخبار المستفيضة المتقدم كثير منها.

و خصوص

ما رواه الشيخ عن عبد الأعلى بن أعين (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب صيدا في الحل فربطه الى جانب الحرم، فمشى الصيد برباطه حتى دخل الحرم و الرباط في عنقه، فاجتره الرجل بحبله حتى أخرجه من الحرم، و الرجل في الحل. فقال: ثمنه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 467، و الوسائل الباب 32 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 238، و التهذيب ج 5 ص 361، و الوسائل الباب 15 من كفارات الصيد.

306

و لحمه حرام مثل الميتة».

الخامسة [قتل الصيد في الحرم من الحل أو في الحل من الحرم]

- قالوا: و يضمن لو كان في الحل فرمى صيدا في الحرم فقتله.

و استدلوا على ذلك- بعد الإجماع المدعى في المسألة-

بصحيحة عبد الله ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) (1) و فيها: «و ما دخل في الحرم من الوحش و الطير كان آمنا من ان يهاج أو يؤذى حتى يخرج من الحرم».

و أنت خبير بأنها لا دلالة فيها بوجه، إذ غاية ما تدل عليه هو تحريم رميه، لا وجوب الضمان، واحدهما غير الآخر، و الاخبار الدالة على التحريم كثيرة، و قد تقدم كثير منها في البحث الأول، و الكلام إنما هو في وجوب الفداء.

قالوا: و في معنى إرسال السهم إرسال الكلب و نحوه، لكن يشترط في ضمان مقتول الكلب و نحوه ان يكون مرسلا اليه، فلو أرسل الى صيد في الحل فدخل الكلب بنفسه الى الحرم فقتل صيدا غيره فلا ضمان كما لو استرسل من نفسه من غير ان يرسله صاحبه.

و لو أرسله على صيد في الحل، فدخل الصيد الحرم، فتبعه الكلب فقتله في الحرم، فقد استقرب العلامة في المنتهى الضمان، لانه قتل صيدا حرميا بإرسال كلبه عليه، فكان عليه ضمانه. و يحتمل العدم، للأصل، و عدم ثبوت كلية الكبرى.

و كذا يضمن لو كان في الحرم فرمى صيدا في الحل فقتله، و يدل

____________

(1) الفروع ج 4 ص 226، و الفقيه ج 2 ص 163 و 164، و التهذيب ج 5 ص 449، و الوسائل الباب 88 من تروك الإحرام، و الباب 13 من كفارات الصيد، و الباب 13 من مقدمات الطواف.

307

عليه- مضافا الى الاتفاق ايضا على الحكم المذكور-

ما رواه الشيخ في الحسن عن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل حل في الحرم رمى صيدا خارجا من الحرم فقتله. فقال: عليه الجزاء لأن الآفة جاءته من قبل الحرم».

قالوا: و لو كان بعض الصيد في الحل و بعضه في الحرم فأصاب منه ما هو في الحل أو الحرم فقتله، فإنه يضمنه. و علله في المنتهى بتغليب جانب الحرم. قال في المدارك: و ربما كان في صحيحة ابن سنان المتقدمة دلالة عليه. أقول: قد عرفت ان صحيحة ابن سنان لا دلالة فيها على الضمان بوجه، و إنما دلت على تحريم ان يهاج أو يؤذى، و تحريم القتل لا يستلزم الضمان، كما لا يخفى.

و كذا يضمن لو قتل الصيد و هو على فرع شجرة في الحل و أصل الشجرة في الحرم.

لما رواه الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) (2): «انه سئل عن شجرة أصلها في الحرم و أغصانها في الحل، على غصن منها طير رماه رجل فصرعه. قال: عليه جزاؤه إذا كان أصلها في الحرم».

و يشهد لهذه الرواية- و ان لم يدل صريحا على أصل المسألة-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شجرة أصلها في الحرم و فرعها في الحل

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 362، و الفروع ج 4 ص 235، و الوسائل الباب 33 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 386، و الوسائل الباب 90 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 379، و الوسائل الباب 90 من تروك الإحرام.

308

فقال: حرم فرعها لمكان أصلها. قال: قلت: فإن أصلها في الحل و فرعها في الحرم؟ فقال: حرم أصلها لمكان فرعها».

و رواه الكليني و الصدوق في الصحيح نحوا منه (1).

و يمكن ان يستنبط من هذه الرواية صحة ما ذكره العلامة في مسألة الصيد الذي بعضه في الحل و بعضه في الحرم من حكمه بالضمان تغليبا لجانب الحرم.

السادسة [حكم من دخل بصيد إلى الحرم أو أصابه فيه]

- من دخل بصيد الى الحرم وجب عليه إرساله، فلو أخره فتلف وجب عليه فداؤه. و كذا لو أخرجه معه فتلف.

و قد تقدم من الاخبار ما يدل على ذلك، و منها-

صحيحة بكير ابن أعين (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب ظبيا فادخله الحرم، فمات الظبي في الحرم. فقال: ان كان حين ادخله خلى سبيله فلا شيء عليه، و ان كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن رجل اهدى له حمام أهلي جيء به و هو في الحرم. فقال: ان هو أصاب منه شيئا فليتصدق

____________

(1) الفروع ج 4 ص 231، و الفقيه ج 2 ص 165، و الوسائل الباب 90 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 238 عن أحدهما (ع)، و التهذيب ج 5 ص 362 و الوسائل الباب 36 من كفارات الصيد عن ابي جعفر (ع).

(3) الفروع ج 4 ص 232، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

و الوافي باب (حكم صيد الحرم).

309

بثمنه نحوا من ما كان يسوى في القيمة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «انه سئل عن الصيد يصاد في الحل ثم يجاء به الى الحرم و هو حي. فقال: إذا أدخله إلى الحرم فقد حرم عليه اكله و إمساكه فلا تشترين في الحرم إلا مذبوحا ذبح في الحل ثم جيء به الى الحرم مذبوحا، فلا بأس به للحلال».

و ما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «قال الحكم بن عتيبة: سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما تقول في رجل اهدى له حمام أهلي و هو في الحرم من غير الحرم؟ فقال: اما ان كان مستويا خليت سبيله و ان كان غير ذلك أحسنت إليه حتى إذا استوى ريشه خليت سبيله».

و ما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن حفص بن البختري (3) «في من أصاب طيرا في الحرم، فقال: ان كان مستوي الجناح فليخل عنه، و ان كان غير مستو نتفه و أطعمه و أسقاه فإذا استوى جناحاه خلى عنه».

و ما رواه في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن رجل خرج بطير من مكة إلى الكوفة. قال:

يرده إلى مكة».

الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 376، و الفروع ج 4 ص 233، و الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام، و الباب 14 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 348، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(3) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(4) الفروع ج 4 ص 234، و الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

310

و لو كان الطائر مقصوصا وجب حفظه و إطعامه حتى يكمل ثم يرسله.

و يدل على ذلك ما تقدم هنا من صحيحة حفص، و صحيحة معاوية بن عمار،

و ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه (1) في الصحيح عن زرارة «ان الحكم سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اهدى له حمامة في الحرم مقصوصة. فقال أبو جعفر (عليه السلام): انتفها و أحسن إليها و أعلفها حتى إذا استوى ريشها فخل سبيلها».

و ما رواه في الكافي عن مثنى (2) قال: «خرجنا إلى مكة فاصطاد النساء قمرية من قماري (أمج) حيث بلغنا البريد، فنتف النساء جناحيها ثم دخلوا بها مكة، فدخل أبو بصير على ابي عبد الله (عليه السلام) فأخبره، فقال: تنظرون امرأة لا بأس بها فتعطونها الطير تعلفه و تمسكه، حتى استوى جناحاه خلته».

أقول: الامج موضع بين مكة و المدينة.

و ما رواه المشايخ الثلاثة (عطر الله- تعالى- مراقدهم) عن كرب الصيرفي (3) قال: «كنا جماعة فاشترينا طائرا، فقصصناه و دخلنا به مكة فعاب ذلك علينا أهل مكة، فأرسل كرب الى ابي عبد الله (عليه السلام) فسأله، فقال: استودعوه رجلا من أهل مكة مسلما أو امرأة مسلمة

____________

(1) ج 2 ص 168، و الفروع ج 4 ص 233، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 237، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد، و الوافي باب (حكم صيد الحرم).

(3) الفروع ج 4 ص 233، و الفقيه ج 2 ص 169، و التهذيب ج 5 ص 348، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

311

فإذا استوى ريشه خلوا سبيله».

و يستفاد من هذه الاخبار وجوب إطعامه و حفظه على من هو في يده حتى يكمل ريشه فيرسله، ان كان جالسا في مكة، فلو أرسله قبل ذلك ضمنه مع تلفه، و إلا أودعه ممن يعتمد عليه، كما يشير اليه قوله في رواية مثنى:

«امرأة لا بأس بها» و في رواية كرب: «رجلا مسلما أو امرأة مسلمة»

السابعة- هل يجوز للمحل في الحل صيد حمام الحرم؟

قولان للشيخ.

و الأظهر العدم،

لصحيحة علي بن جعفر (1) قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن حمام الحرم يصاد في الحل. فقال: لا يصاد حمام الحرم حيث كان إذا علم انه من حمام الحرم».

الثامنة [حكم من أخرج صيدا من الحرم]

- قد صرح الأصحاب من غير خلاف يعرف بان من اخرج صيدا من الحرم وجب عليه إعادته، و لو تلف قبل ذلك ضمنه.

و إطلاق كلامهم شامل لما لو كان الصيد أصله من الحرم، أو أدخل إليه من خارجه.

و على ذلك تدل جملة من الاخبار: منها- ما تقدم من رواية زرارة في الطير الذي خرج به من مكة إلى الكوفة، ان يرده إلى مكة.

و روى هذا الخبر ايضا الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) في الصحيح عن زرارة.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (3) قال: «سألت

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 348، و الوسائل الباب 13 من كفارات الصيد.

(2) ج 2 ص 171، و الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 349، و الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

312

أخي موسى (عليه السلام) عن رجل أخرج حمامة من حمام الحرم إلى الكوفة أو غيرها. قال: عليه ان يردها، فان ماتت فعليه ثمنها يتصدق به».

و روى معلقا عن علي بن جعفر عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن رجل خرج بطير من مكة حتى ورد به الكوفة، كيف يصنع؟ قال: يرده إلى مكة، فان مات تصدق بثمنه».

و مورد هذه الاخبار إنما هو الطير في بعض و الحمامة في آخر، إلا ان الأصحاب قاطعون بتساوي أنواع الصيد في هذا الحكم.

التاسعة- من نتف ريشة من حمام الحرم

تصدق باليد الجانية.

و هو مقطوع به في كلام الأصحاب.

و استدل عليه العلامة في المنتهى

بما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله ابن مسكان عن إبراهيم بن ميمون (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نتف ريشة حمامة من حمام الحرم. قال يتصدق بصدقة على مسكين، و يطعم باليد التي نتفها، فإنه قد أوجعها».

و مورد الرواية نتف الريشة الواحدة، فلو نتف أكثر احتمل الأرش كغيره من الجنايات، و تعدد الفدية بتعدده. و استوجه العلامة في المنتهى تكرر الفدية ان كان النتف متفرقا، و الأرش ان كان دفعة و قيل: انه يشكل الأرش، حيث لا يوجب ذلك نقصا أصلا.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 464، و الوسائل الباب 14 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 348، و الوسائل الباب 13 من كفارات الصيد.

313

الا ان هذه الرواية

قد رواها في الكافي و كذا في الفقيه (1) هكذا:

«نتف حمامة من حمام الحرم».

و ليس فيها لفظ «ريشة» و الظاهر تقديمهما على الشيخ في ضبط الاخبار، لما أسلفناه في غير موضع من الإشارة الى ما وقع من الشيخ (رحمه الله) في اخبار التهذيب من التحريف و التغيير في المتون و الأسانيد. و حينئذ فيهون الإشكال، لأنه يتناول نتف الريشة فما فوقها.

بقي الكلام في انه لو نتف غير الحمامة أو غير الريش، و فيه اشكال. و قيل هنا يجب الأرش. و هو محتمل إذا اقتضى ذلك نقص القيمة.

قالوا: و لو حدث بنتف الريشة أو أزيد عيب في الحمامة ضمن أرشه مع الصدقة. و لا يجب تسليم الأرش باليد الجانية. و لا تسقط الفدية بنبات الريش.

العاشرة [الصيد الذي يذبحه المحل في الحرم ميتة]

- لا خلاف بين الأصحاب في انه لو ذبح المحل صيدا في الحرم كان ميتة. و اما لو ذبحه في الحل و ادخله الحرم فلا خلاف أيضا في حله للمحل و تحريمه على المحرم.

و يدل على الحكم الأول

صحيحة شهاب بن عبد ربه (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني أتسحّر بفراخ اوتى بها من غير مكة، فتذبح في الحرم فأتسحر بها. فقال: بئس السحور سحورك، اما علمت ان ما دخلت به الحرم حيا فقد حرم عليك ذبحه و إمساكه».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 235 و 236، و الفقيه ج 2 ص 169، و الوسائل الباب 13 من كفارات الصيد.

(2) الفقيه ج 2 ص 170، و الوسائل الباب 12 من كفارات الصيد.

314

و ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه عن مثنى بن عبد السلام عن محمد بن ابي الحكم (1) قال: «قلت لغلام لنا: هي لنا غداء، فأخذ أطيارا من الحرم فذبحها و طبخها، فأخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: ادفنها و افد كل طير منها».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن صيد رمي في الحل ثم ادخل الحرم و هو حي.

فقال: إذا أدخله الحرم و هو حي فقد حرم لحمه و إمساكه. و قال:

لا تشتره في الحرم إلا مذبوحا قد ذبح في الحل ثم ادخل الحرم، فلا بأس به».

و يدل على الحكم الثاني صحيحة الحلبي المذكورة،

و في صحيحة أخرى له مثله (3) بزيادة قوله: «فلا بأس للحلال».

و فيه إشارة إلى الحكم الثالث.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي يعفور (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصيد يصاد في الحل و يذبح في الحل، و يدخل الحرم و يؤكل؟ قال: نعم لا بأس به».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 233، و الفقيه ج 2 ص 171، و الوسائل الباب 55 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 376، و الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام، و الباب 14 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 233، و الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام، و الباب 14 من كفارات الصيد.

(4) التهذيب ج 5 ص 377، و الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام.

315

و اما الحكم الثالث فالدليل فيه ظاهر مكشوف من ما تقدم من الاخبار في أثناء المباحث المتقدمة.

و منها-

ما رواه الشيخ في التهذيب (1) عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «و اجتنب في إحرامك صيد البر كله، و لا تأكل من ما صاده غيرك، و لا تشر اليه فيصيده».

و من ما يدل على الأحكام الثلاثة

صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في حمام ذبح في الحل، قال:

لا يأكله محرم، و إذا ادخل مكة أكله المحل بمكة، و إذا ادخل الحرم حيا ثم ذبح في الحرم فلا يأكله، لأنه ذبح بعد ما بلغ مأمنه».

الحادية عشرة- المشهور بين الأصحاب انه لا يملك الصيد في الحرم لمحل و لا محرم. و قيل: يدخل في الملك و ان وجب عليه إرساله إذا كان معه دون ما إذا كان نائيا عنه. و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الثانية عشرة من البحث الأول.

البحث الخامس في اللواحق

و فيه أيضا مسائل

الأولى [جزاء المحرم في الحرم]

- قد صرح الأصحاب بأن كل ما يلزم المحرم في الحل من كفارة الصيد و المحل في الحرم، فإنه يجتمع على المحرم في الحرم حتى ينتهي إلى البدنة فلا يتضاعف. و قد قدمنا تحقيق البحث في هذه المسألة مستوفى في مسألة كفارة الحمام في البحث الثاني.

الثانية [حكم تكرر الصيد]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله- تعالى-

____________

(1) ج 5 ص 300، و الوسائل الباب 1 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 376، و الوسائل الباب 5 من تروك الإحرام.

316

عليهم) في تكرر الكفارة بتكرر الصيد سهوا.

و يدل عليه ايضا

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه كفارة، فإن أصابه ثانية خطأ فعليه الكفارة أبدا إذا كان خطأ، فإن أصابه متعمدا كان عليه الكفارة، فإن أصابه ثانية متعمدا فهو ممن ينتقم الله منه (2) و لم يكن عليه الكفارة».

و إنما الخلاف في ما لو تكرر عمدا عالما فذهب جمع: منهم:

الشيخ في المبسوط و الخلاف، و ابن الجنيد، و ابن إدريس- إلى التكرار قال ابن إدريس: و هو ظاهر المرتضى. و نقل في المختلف عن ابي الصلاح انه قال: تكرر القتل يوجب تكرر الكفارة. و أطلق.

و عن الشيخ علي بن بابويه انه قال: و كل شيء أتيته في الحرم بجهالة و أنت محل أو محرم، أو أتيته في الحل و أنت محرم، فليس عليك شيء إلا الصيد، فان عليك فداءه، فان تعمدته كان عليك فداؤه و إثمه.

و ذهب ابن بابويه- و الشيخ في النهاية، و ابن البراج- الى العدم و هو الأظهر، لظاهر قوله (عز و جل) وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ (3) و التقريب فيها انه (عز و جل) جعل جزاء العود الانتقام بعد ان جعل جزاء الابتداء الفدية، و قضية المقابلة اختصاص كل من الأمرين بموضعه.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 372 و 373، و الوسائل الباب 48 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) سورة المائدة، الآية 95.

317

و من الاخبار ما تقدم في مرسلة ابن ابي عمير،

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه، و يتصدق بالصيد على مسكين، فان عاد فقتل صيدا آخر لم يكن عليه جزاء، و ينتقم الله (تعالى) منه، و النقمة في الآخرة».

و في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2): «في محرم أصاب صيدا، قال: عليه الكفارة. قلت: فإن أصاب آخر؟ قال: إذا أصاب آخر فليس عليه كفارة، و هو ممن قال الله (عز و جل) وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ» (3).

قال في الكافي (4): قال ابن ابي عمير عن بعض أصحابه: «إذا أصاب المحرم.».

ثم نقل مضمون الرواية المتقدمة.

و ما رواه الشيخ عن حفص الأعور عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا أصاب المحرم الصيد فقولوا له: هل أصبت صيدا قبل هذا و أنت محرم؟ فان قال: نعم. فقولوا له: ان الله منتقم منك، فاحذر النقمة. فإن قال: لا. فاحكموا عليه جزاء ذلك الصيد».

احتج الأولون بعموم الآية، فإن قوله (عز و جل) «وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» (6) يتناول المبتدئ و العائد.

و ما رواه الكليني عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 372، و الوسائل الباب 48 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 394، و الوسائل الباب 48 من كفارات الصيد.

(3) سورة المائدة، الآية 95.

(4) الفروع ج 4 ص 394، و الوسائل الباب 48 من كفارات الصيد.

(5) التهذيب ج 5 ص 467، و الوسائل الباب 48 من كفارات الصيد.

(6) سورة المائدة، الآية 95.

318

السلام) (1): «في المحرم يصيد الصيد، قال: عليه الكفارة في كل ما أصاب».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): محرم أصاب صيدا؟ قال:

عليه الكفارة. قلت: فان هو عاد؟ قال: عليه كلما عاد كفارة».

و الجواب عن الآية ظاهر من ما سبق، فان لفظ العود إنما يقال لفعل الشيء ثانيا بعد فعله أولا، و حينئذ فلا يمكن ان يحمل صدر الآية على ما يشمل العود. و عن الخبرين بالحمل على غير المتعمد.

و التحقيق ان جملة روايات المسألة ما عدا مرسلة ابن ابي عمير مطلقة، فمنها ما دل على عدم التكرار مطلقا، متعمدا كان أو ساهيا كصحيحتي الحلبي المتقدمتين، و منها ما دل على التكرار مطلقا، كصحيحتي معاوية بن عمار المذكورتين، إلا انه لا قائل بالإطلاق الأول، و مرسلة ابن ابي عمير قد دلت على تقييد كل من الإطلاقين بالآخر، فتصير وجه جمع بين أخبار المسألة.

و في حديث الجواد مع المأمون، المنقول في جملة من الأصول و منها:

تفسير الثقة الجليل علي بن إبراهيم (3) و فيه: «و كل ما اتى به المحرم بجهالة أو خطأ فلا شيء عليه، إلا الصيد فان عليه فيه الفداء، بجهالة كان أم بعلم، بخطإ كان أم بعمد. الى ان قال: و ان كان ممن عاد فهو ممن

____________

(1) الفروع ج 4 ص 394، و التهذيب ج 5 ص 372، و الوسائل الباب 47 من كفارات الصيد.

(2) التهذيب ج 5 ص 372، و الوسائل الباب 47 من كفارات الصيد.

(3) ج 1 ص 184، و الوسائل الباب 3 من كفارات الصيد.

319

ينتقم الله (تعالى) منه ليس عليه كفارة، و النقمة في الآخرة».

و هو صريح في رد القول الآخر.

و اما ما طعن به العلامة في المختلف في صحيحة الحلبي- من انها متروكة الظاهر، لان مقتول المحرم حرام فكيف يسوغ له التصدق به على مسكين؟- فهو مبني على ما هو المشهور عندهم من ان مقتول المحرم حرام مطلقا، و اما على ما ذهب اليه الصدوق و من تبعه- من ان مذبوح الحرم في غير الحرم لا يحرم على المحل- فلا وجه لهذا الطعن و قد تقدم تحقيق المسألة مستوفى. و هذا الطعن منه حيث انه اختار القول الأول، إلا ان ظاهر آخر كلامه الرجوع عنه.

و اما ما نقله في المختلف عن الشيخ علي بن بابويه فهو عين ما في

كتاب الفقه الرضوي (1)، حيث قال (عليه السلام): و كل شيء أتيته في الحرم بجهالة و أنت محل أو محرم، أو أتيت في الحل و أنت محرم، فليس عليك شيء، إلا الصيد فان عليك فداءه، فان تعمدته كان عليك فداؤه و إثمه، و ان علمت أو لم تعلم فعليك فداؤه.

انتهى.

الثالثة [ضمان الصيد بقتله على كل حال]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في ان الصيد يضمن بقتله عمدا و سهوا و خطأ، فلو رمى صيدا فمرق السهم فقتل آخر كان عليه فداءان، و لو رمى غرضا فأصاب صيدا كان عليه فداؤه.

و على ذلك تدل جملة من الاخبار: منها-

ما رواه ثقة الإسلام (نور الله- تعالى- مرقده) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن

____________

(1) ص 29.

320

ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تأكل من الصيد و أنت حرام و ان كان اصابه محل، و ليس عليك فداء ما أتيته بجهالة، إلا الصيد فان عليك فيه الفداء، بجهل كان أو بعمد».

و في الصحيح عن احمد بن محمد عن ابن ابي نصر عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم يصيب الصيد بجهالة. قال:

عليه كفارة. قلت: فإن أصابه خطأ؟ قال: و أي شيء الخطأ عندك؟

قلت: يرمي هذه النخلة فيصيب نخلة أخرى. قال: نعم هذا الخطأ، و عليه الكفارة. قلت: فإنه أخذ طائرا متعمدا فذبحه و هو محرم؟ قال: عليه الكفارة. قلت: جعلت فداك أ لست قلت: ان الخطأ و الجهالة و العمد ليسوا بسواء، فبأي شيء يفضل المتعمد الجاهل و الخاطئ؟ قال: انه اثم و لعب بدينه».

و في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «اعلم انه ليس عليك فداء شيء أتيته و أنت محرم جاهلا به، إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك، إلا الصيد فان عليك الفداء، بجهالة كان أو عمد».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 381، و التهذيب ج 5 ص 315، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 381، و التهذيب ج 5 ص 360، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 382 و 383، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

321

و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد (1) عن محمد بن الحسين بن ابي الخطاب عن احمد بن محمد بن ابي نصر قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن المتعمد في الصيد و الجاهل و الخطأ سواء فيه؟ قال: لا. فقلت له: الجاهل عليه شيء؟ فقال: نعم. فقلت له:

جعلت فداك فالعمد بأي شيء يفضل صاحب الجهالة؟ قال: بالإثم، و هو لاعب بدينه».

و نقل في المختلف هنا عن السيد المرتضى في الانتصار (2) الفرق بين العمد و غيره، بتعدد الجزاء على العامة دون غيره. قال في الكتاب المذكور: و من ما انفردت به الإمامية القول بان المحرم إذا قتل صيدا متعمدا كان عليه جزاءان، و ان كان قتله خطأ أو جهلا فعليه جزاء واحد. ثم نقل عنه الاحتجاج على ذلك بالإجماع و الاحتياط. أقول:

و ضعفه أظهر من ان يحتاج الى مزيد بيان. و الله العالم.

الرابعة- لو اشترى محل لمحرم بيض نعام فأكله

، كان على المحرم عن كل بيضة شاة، و على المحل لكل بيضة درهم.

و الأصل في ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي عبيدة (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل محل اشترى لمحرم بيض نعام فأكله المحرم، فما على الذي أكله؟ فقال: على الذي اشتراه فداء لكل بيضة درهم، و على المحرم لكل بيضة شاة».

[فروع]

و تحقيق الكلام في هذا الخبر يقع في مواضع

الأول

- ظاهر

____________

(1) ص 168، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

(2) ما نقله عن المختلف منقول بعضه عن الانتصار و بعضه عن المسائل الناصرية، ارجع الى المختلف ج 2 ص 106.

(3) التهذيب ج 5 ص 355 و 356، و الوسائل الباب 24 و 57 من كفارات الصيد.

322

إطلاق الخبر المذكور يقتضي عدم الفرق في لزوم الدرهم للمحل بين ان يكون في الحل أو الحرم، مع انه من القواعد المقررة عدم ضمان المحل في غير الحرم ما يحرم على المحرم و ان إعانة، بل و ان شاركه في الصيد. و من القواعد المقررة ايضا لزوم القيمة له لو كان في الحرم و ظاهر هذا الخبر لا ينطبق على شيء من هاتين القاعدتين، فيجب القول بتخصيصه بمورده.

و اما ما ذكره في المدارك- من الجواب عن لزوم الدرهم في الحل بأنه لا استبعاد في ترتب الكفارة بذلك على المحل في الحل، لأن المساعدة على المعصية لما كانت معصية لم يمتنع ان تترتب عليها الكفارة بالنص الصحيح، و ان لم تجب عليه الكفارة مع مشاركته المحرم في قتل الصيد- ففيه: ان مشاركته له في قتل الصيد أيضا مساعدة له على قتله، فتكون معصية، فينبغي ان تثبت فيه الكفارة لو كان منشأها المساعدة كما زعمه. على ان ما ذكره من تحريم المساعدة على إطلاقه ممنوع، فإنه لو دل على الصيد و هو محل في الحل فقد ساعده على المعصية، مع انه لا شيء عليه كما صرحوا به.

الثاني

- إطلاق النص يقتضي عدم الفرق في وجوب الشاة للمحرم بالأكل بين ان يكون أكله في الحل أو الحرم. و هو ايضا مخالف لما تقدم من التضاعف على المحرم في الحرم، و وجوب الجزاء و القيمة معا و قوى شيخنا الشهيد الثاني التضاعف على المحرم في الحرم، و خص الرواية بالمحرم في الحل. و استحسنه سبطه في المدارك. و لا ريب انه الأحوط.

323

الثالث

- قد تقرر في مسألة بيض النعام- كما تقدم- ان المشهور ان في كسره مع عدم تحرك الفرخ الإرسال، و عليه دلت جملة من الاخبار المتقدمة. هذا مع عدم اكله. و هذه الرواية قد تضمنت الكسر و الأكل مع ان الواجب عليه شاة لا غير. و من ثم قيده بعضهم بان لا يكسره المحرم بل يشتريه له المحل مطبوخا و مكسورا، أو يطبخه و يكسره هو دون المحرم، فعلى هذا لا يبقى عليه إلا كفارة الأكل و هي الشاة. و على هذا لو كسره المحرم و اكله وجب عليه الإرسال للكسر و الشاة للأكل.

الرابع

- لو كان المشتري للمحرم محرما مثله احتمل وجوب الدرهم خاصة، لأن إيجابه على المحل يقتضي إيجابه على المحرم بطريق اولى و الزائد منفي بالأصل. و يحتمل وجوب الشاة لمشاركته للمحرم، كما لو باشر أحدهما القتل و دل الآخر. و الظاهر رجحان الاحتمال الثاني فإنه أنسب بالقواعد المتقدمة. و لو اشتراه المحرم لنفسه فكسره و اكله وجب عليه فداء الكسر و الأكل. و لو اشتراه مكسورا فأكله وجب عليه فداء الأكل. لكن هل يكون هنا فداؤه الدرهم نظرا الى الشراء، أو الشاة نظر الى الأكل، أو الإرسال لوجوبه بدون الشراء؟

احتمالات.

الخامس

- لو ملكه المحل بغير شراء و بذله للمحرم فأكله، ففي وجوب الدرهم على المحل وجهان، يلتفتان الى عدم النص في ذلك، لخروج هذه الصورة عن مورد الخبر، و الى ان السبب اعانة المحرم، و لا أثر لخصوصية سبب تملك العين. و استظهر أولهما في المدارك.

و قوى ثانيهما ابن فهد في المهذب.

324

الخامسة- لو اضطر المحرم إلى أكل الصيد

اكله و فداه بلا خلاف، و إنما الخلاف في ما إذا كان عنده ميتة، فهل يأكل الصيد، أو الميتة، أو يفرق بين إمكان الفداء لو أكل من الصيد و عدمه؟ أقوال. و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة الحادية عشرة من البحث الأول.

السادسة [فداء الصيد المملوك لصاحبه]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم): منهم: المحقق في الشرائع و النافع، و العلامة في بعض كتبه بأنه إذا كان الصيد مملوكا ففداؤه لصاحبه.

و قد أورد على هذا الكلام بحسب ظاهره عدة إشكالات، منشأها:

ان الفداء متى أطلق فالمتبادر منه هو ما يلزم المحرم بسبب الجناية على الصيد من مال أو صوم أو إرسال، و هو شامل لما لو زاد عن قيمة الصيد المملوك أو نقص، و لما لو كانت الجناية غير موجبة لضمان الأموال، كالدلالة على الصيد. و مقتضى جعل الفداء للمالك انه لا يجب شيء سوى ما يصرفه للمالك. و هو باطل البتة.

و الإشكالات المتفرعة على ما ذكرنا: منها- ان الواجب في المتلفات من الأموال القيمة، و هو ما يعين بالأثمان التي هي الدراهم و الدنانير فإيجاب غيرها كالبدنة في النعامة للمالك خروج عن الواجب.

و منها- انه لو عجز عن الفداء يجب عليه الصوم على ما سبق، و إيجابه خاصة يقتضي ضياع حق المالك، و إيجاب القيمة معه خروج عن إطلاق كون الفداء للمالك، و عدم إيجاب الصوم أصلا أبعد، لما فيه من الخروج عن نص الكتاب العزيز (1).

و منها- ان الفداء لو كان انقص من القيمة فإيجابه خاصة يقتضي

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

325

تضييع بعض حق المالك، و إيجاب شيء آخر معه يقتضي الخروج عن إطلاق استحقاق المالك الفداء، و عدم إيجاب شيء واضح البطلان، لان فيه تضييعا للمال المحترم بغير سبب ظاهر. و لأنه إذا وجبت القيمة السوقية في حال عدم الإحرام و الخروج عن الحرم، فالمناسب التغليظ معهما أو مع أحدهما، فلا أقل من المساواة.

و منها- لو كان المتلف بيضا و وجب الإرسال، و قلنا ان الفداء للمالك و لم ينتج شيئا، يلزم ضياع حق المالك، و هو باطل. و ان أوجبنا القيمة السوقية معه لم يصدق ان الفداء للمالك. و ان نفينا الإرسال و أوجبنا القيمة لزم الخروج عن النصوص الصحيحة المتفق على العمل بمضمونها بين الأصحاب.

و منها- انه لو اشترك في قتله جماعة فقد تقدم انه يلزم في قتله الفداء على كل واحد منهم، و اجتماع الجميع للمالك خروج عن قاعدة ضمان الأموال.

و منها- انه قد تقدم ان المباشر إذا اجتمع مع السبب- كالذابح مع الدال- ضمن كل واحد منهما فداء، و اجتماعهما للمالك خروج عن القاعدة و إعطاء له زيادة عن ما يجب له.

الى غير ذلك من الإشكالات اللازمة من إطلاق كون الفداء في المملوك للمالك.

أقول: و من أظهر ما يرد على هذا الإطلاق و يبطله بالاتفاق تصريح القرآن العزيز في الفداء من الأنعام انه «هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ» (1) أعم من ان يكون مملوكا و غيره، فكيف يكون للمالك و الصيام أو الإطعام للمساكين في بعض المراتب؟ و اي تعلق لهذا بالمالك؟ و نحو ذلك من ما تقدم.

____________

(1) سورة المائدة، الآية 95.

326

و بالجملة فإن الظاهر ان مراد من عبر بذلك إنما هو القيمة، لأنه يطلق عليها الفداء كما تقدم، و ان أجملوا في التعبير و لم يضيفوا إليها الجزاء الذي لله (سبحانه و تعالى) إلا ان ظاهر كلام جملة ممن شرح كلامهم ينافي ما ذكرناه من الاعتذار.

و كيف كان فالظاهر ما ذكره جملة من الأصحاب- منهم: الشيخ في المبسوط، و العلامة في جملة من كتبه، و من تأخر عنه- من ان الفداء في المملوك لله (تعالى) كغيره، و يجب على المتلف بالنسبة إلى المملوك القيمة لمالكه إذا كان مضمونا مع الفداء، أعمالا للدليلين، الدال أحدهما على لزوم الفداء للصيد، و الثاني على ضمان المتلف بالمثل أو القيمة كما في سائر الأموال. و لو لم يتعلق بالمتلف الضمان- ككون يده يد امانة- لزمه الفداء لا غير. و كذا لو وجب الفداء بالدلالة خاصة.

و ظاهر العلامة في المنتهى ان هذا الحكم موضع وفاق بين الأصحاب فإنه قال: إذا قتل المحرم صيدا مملوكا لغيره لزمه الجزاء لله (تعالى) و القيمة لمالكه، و به قال الشافعي و أبو حنيفة، و قال مالك و المزني:

لا يجب الجزاء لقتل الصيد المملوك (1) لنا: قوله (تعالى) وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ (2) و هو يتناول صورة النزاع كما يتناول صورة الاتفاق. و منه يظهر ما قدمنا ذكره من انه ليس مرادهم من تلك العبارة ظاهرها الذي ترد عليه الإشكالات المتقدمة فإنه (قدس سره) ممن صرح بذلك في مختصراته كالإرشاد و غيره.

____________

(1) المجموع للنووي ج 7 ص 295 الطبعة الثانية، و البحر الرائق ج 3 ص 27. و ارجع الى الاستدراكات.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

327

السابعة- لو لم يكن الصيد مملوكا

تصدق بالفداء باتفاق الأصحاب و إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق في الفداء بين ان يكون حيوانا كالبدنة و البقرة و الشاة، أو غيره كالقيمة أو كف من طعام.

و يدل على وجوب الصدقة بالجميع- مضافا الى ان ذلك هو المتبادر من إيجاب الجزاء- الأخبار الكثيرة، و منها:

صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا أصاب المحرم في الحرم حمامة الى ان يبلغ الظبي فعليه دم يهريقه، و يتصدق بمثل ثمنه، فإن أصاب منه و هو حلال فعليه ان يتصدق بمثل ثمنه».

و حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) (2) و فيها: «ان قتل المحرم حمامة في الحرم فعليه شاة، و ثمن الحمامة درهم أو شبهه يتصدق به.».

الى غير ذلك من الاخبار المتقدمة.

و صرح العلامة و غيره بان مستحق الصدقة الفقراء و المساكين بالحرم و مقتضى الآية (3) و الاخبار المتقدمة اختصاص الإطعام بالمساكين. إلا ان ظاهرهم إرادة الفقراء من هذا الإطلاق، بناء على الترادف بين اللفظين. و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في كتاب الزكاة.

الثامنة [موضع ذبح الفداء]

- قد صرح المحقق في الشرائع بأن كل ما يلزم المحرم

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 167، و الوسائل الباب 11 و 44 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 395، و التهذيب ج 5 ص 370، و الوسائل الباب 11 من كفارات الصيد.

(3) سورة المائدة، الآية 95.

328

من فداء، يذبحه أو ينحره بمكة ان كان معتمرا، و بمنى ان كان حاجا.

قال في المدارك: هذا مذهب الأصحاب لا اعلم فيه مخالفا.

أقول: العجب منه (قدس سره) في دعوى اتفاق الأصحاب على ذلك مع وجود الخلاف في كتاب المختلف. نعم ما ذكره هو المشهور كما ذكره في المختلف، حيث نقل عن الشيخ في المبسوط و النهاية، و الشيخ المفيد في المقنعة: ان من وجب عليه جزاء صيد اصابه و هو محرم، فان كان حاجا نحر ما وجب عليه بمنى، و ان كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة. قال: و كذا قال السيد المرتضى و سلار و أبو جعفر ابن بابويه. و زاد الشيخ (رحمه الله تعالى): و ما يجب على المحرم بالعمرة في غير كفارة الصيد جاز ان ينحره بمنى. ثم قال: و قال علي بن بابويه: و كل ما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك ان تنحر أو تذبح ما يلزمك من الجزاء بمكة عند الحزورة قبالة الكعبة، و ان شئت أخرته الى أيام التشريق تنحره بمنى، فإذا وجب عليك في متعة، و ما أتيته في ما يجب عليك فيه الجزاء في حج، فلا تنحره الا بمنى. و قال أبو الصلاح: محل فداء ما أتاه في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة قبالة الكعبة، و في إحرام الحج منى. و قال ابن إدريس: من وجب عليه جزاء صيد و هو محرم، فان كان حاجا أو معتمرا عمرة متمتعا بها الى الحج نحر أو ذبح ما وجب عليه بمنى، و ان كان معتمرا عمرة مبتولة نحر بمكة أو ذبح قبالة الكعبة. و قال ابن حمزة: و ما يلزم المحرم من جزاء الصيد و قيمته في إحرام الحج و العمرة المتمتع بها من الذبح و النحر و الإطعام صنعها بمنى، و ان لزمه

329

في إحرام العمرة المبتولة لزمه ذلك بمكة. انتهى ما ذكره في المختلف و نقل الفاضل الخراساني في الذخيرة عن ابن البراج: ان كل من كان محرما بحج و وجب عليه جزاء صيد اصابه، و أراد ذبحه أو نحره، فليذبحه أو ينحره بمنى، و ان كان معتمرا فعل ذلك بمكة أي موضع شاء، و الأفضل ان يكون فعله لذلك بالحزورة مقابل الكعبة و ما يجب على المحرم بعمرة مفردة من كفارة ليست كفارة صيد فإنه يجوز ذبحها أو نحرها بمنى. و نقل فيه أيضا عبارة الشيخ علي بن بابويه، و زاد فيها على ما قدمنا نقله عن المختلف: و ان كان عليك دم واجب و قلدته أو جللته أو أشعرته فلا تنحره إلا يوم النحر بمنى.

هذا ما وقفت عليه من كلام الأصحاب.

و اما الاخبار الواردة في هذا الباب فمنها-

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (1) في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من وجب عليه فداء صيد اصابه و هو محرم، فان كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى، و ان كان معتمرا نحره بمكة قبالة الكعبة».

و عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انه قال «في المحرم إذا أصاب صيدا فوجب عليه الفداء، فعليه ان ينحره ان كان في الحج بمنى حيث ينحر الناس، فان كان في عمرة نحره بمكة، و ان

____________

(1) الفروع ج 4 ص 384، و التهذيب ج 5 ص 373، و الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 384، و التهذيب ج 5 ص 373، و الوسائل الباب 49 و 51 من كفارات الصيد.

330

شاء تركه الى ان يقدم فيشتريه فإنه يجزئ عنه».

قال الشيخ في التهذيب (1): قوله (عليه السلام): «فوجب عليه الفداء» اي شراؤه. و قوله: «و ان شاء تركه» رخصة لتأخير شراء الفداء الى ان يقدم مكة أو منى، لان من وجب عليه كفارة الصيد فإن الأفضل ان يفديه من حيث اصابه. ثم استدل على ذلك

بما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «يفدي المحرم فداء الصيد من حيث صاد».

و نقل في الدروس عن الشيخ انه جوز فداء الصيد حيث اصابه، و استحب تأخيره إلى مكة، لصحيحة معاوية. و الظاهر انه بنى على ظاهر هذه العبارة، مع ان الأمر في العبارة إنما هو خلاف ما ذكره حيث انه جعل الأفضل ان يفديه من حيث اصابه و ان التأخير إلى مكة رخصة.

و كيف كان فإنه من هذه الاخبار يعلم مستند القول المشهور.

و اما ما نقل عن الشيخ علي بن بابويه فهو من كتاب الفقه الرضوي كما عرفت في غير موضع، و منه يعلم مستنده.

قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (3): و كل ما أتيته من

____________

(1) ج 5 ص 373، و ما ذكره (قدس سره)- من تفسير وجوب الفداء بشرائه- ليس في التهذيب و انما هو في الوافي باب (موضع ذبح الكفارة و مصرفها).

(2) التهذيب ج 1 ص 554 الطبع القديم، و الوسائل الباب 51 من كفارات الصيد.

(3) ص 28.

331

الصيد في عمرة أو متعة فعليك ان تذبح أو تنحر ما لزمك من الجزاء بمكة عند الحزورة قبالة الكعبة موضع النحر، و ان شئت أخرته الى أيام التشريق فتنحره بمنى. و قد روى ذلك ايضا. و إذا وجب عليك في متعة، و ما أتيته من ما يجب عليك فيه الجزاء من حج، فلا تنحره إلا بمنى. فان كان عليك دم واجب قلدته أو جللته أو أشعرته فلا تنحره إلا في يوم النحر بمنى.

انتهى.

قوله: «كل ما أتيته من الصيد في عمرة» أي مفردة: «أو متعة» يعني: عمرة تمتع. و ظاهره ان التأخير إلى منى في الصورة المذكورة مروي أيضا. و قوله: «و إذا وجب عليك في متعة» اي حج تمتع و قوله: «من حج» يعني: مفرد، فإن إطلاق العمرة على المفردة و الحج على حج الافراد كثير في الاخبار، فلا منافاة كما ربما يتوهم.

[فوائد]

و تنقيح البحث في المسألة يتوقف على رسم فوائد

الأولى [هل يجوز ذبح أو نحر فداء الصيد في موضع الإصابة؟]

- ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد جواز فداء الصيد في موضع الإصابة و عدم وجوب التأخير إلى مكة و منى كما تقدم، و ان كان الأفضل ذلك. و اعتضد في ذلك بما تقدم نقله

عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال: «يفدي المحرم فداء الصيد من حيث صاد».

قال: و الظاهر انه من الامام (عليه السلام). ثم قال:

و يدل عليه أيضا

صحيحة أبي عبيدة الثقة في كفارة قتل النعامة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أصاب المحرم الصيد و لم

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 554 الطبع القديم، و الفروع ج 4 ص 384، و الوسائل الباب 51 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 387، و التهذيب ج 5 ص 341، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد.

332

يجد ما يكفر في موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه. الحديث».

قال: و ايضا يمكن فهمها من ما

في رواية محمد المتقدمة عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) «فليتصدق مكانه بنحو من ثمنه».

الى ان قال:

فالذي يظهر انه يجوز في مكان الإصابة مطلقا، و إذا كان في الحج يجوز التأخير إلى منى، و في العمرة إلى مكة أفضل. فيمكن حمل قوله (تعالى) هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ (2) على الأفضلية، و ان يراد بها ما يعم مكة و منى، فيكون للحج بمنى و للعمرة بمكة. و هذا في كفارة الصيد اما غيرها فلا يبعد الأفضلية في مكان اللزوم. الى آخر كلامه (زيد في إكرامه).

أقول: ما ذكره (قدس سره) لا يخلو من الإشكال:

أما أولا: فلأنه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي عن احمد بن محمد- و الظاهر انه ابن ابي نصر- عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من وجب عليه هدي في إحرامه فله ان ينحره حيث شاء الا فداء الصيد، فان الله (عز و جل) يقول:

هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ» (4).

و هو (قدس سره) قد ذكر الرواية و حملها على الأفضلية بعد رميها بضعف السند. و فيه: ان ضعف السند مجبور باتفاق الأصحاب على القول بمضمونها كما عرفت، فإنه لا مخالف فيه سوى ما يظهر من كلامه هنا.

____________

(1) الوسائل الباب 10 من كفارات الصيد رقم 10.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد.

(4) سورة المائدة، الآية 95.

333

و روى الصدوق في الفقيه (1) في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الأرنب يصيبه المحرم. فقال: شاة (هديا بالغ الكعبة) (2)».

و في جملة من روايات الإرسال- و قد تقدمت- «فما ينتج فهو هدي بالغ الكعبة» أو «هدي لبيت الله الحرام».

و في حديث الجواد المتقدم ذكره برواية علي بن إبراهيم في تفسيره (3):

«و ان كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا، هديا بالغ الكعبة، حقا واجبا عليه ان ينحره، فان كان في حج بمنى حيث ينحر الناس، و ان كان في عمرة ينحره بمكة. الى ان قال في آخر الخبر: و المحرم بالحج ينحر فداءه بمنى حيث ينحر الناس، و المحرم بالعمرة ينحر بمكة».

و مورد الخبر من أوله الى آخره فداء الصيد.

و اما ثانيا: فإن القاعدة المستفادة من اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) هو إرجاع الاخبار الى القرآن لا القرآن الى الاخبار و الاخبار هنا قد اختلفت في هذا الحكم، فان الظاهر من الاخبار التي ذكرها هو ما ذكره من جواز الفداء في موضع الإصابة، و المفهوم من صحيحة عبد الله بن سنان- و رواية زرارة، و مرسلة أحمد بن محمد المذكورة، و ما بعدها من الروايات- هو التأخير إلى مكة أو منى و الترجيح لهذه الأخبار بموافقة ظاهر القرآن، فلا بد من ارتكاب التأويل في الاخبار التي ذكرها، أو طرحها عملا بمقتضى القاعدة

____________

(1) ج 2 ص 233، و الوسائل الباب 4 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

(3) ج 1 ص 184، و الوسائل الباب 3 من كفارات الصيد.

334

المنصوصة في مقام اختلاف الاخبار و العرض على القرآن. على انه في مسألة الحبوة قد اطرح ظاهر الاخبار تمسكا بظاهر القرآن، فحمل الاخبار على الاستحباب بالقيمة، و نحو ذلك في ميراث الأزواج فكيف اختار هنا العمل بهذه الاخبار و إرجاع الآية إليها؟

و اما ثالثا: فان الظاهر من صحيحة ابي عبيدة المذكورة انما هو انتقال الحكم من البدنة إلى التقويم بالدراهم في ذلك الموضع، يعني:

انه إذا وجد البدنة في موضع الإصابة تعلق الحكم بالبدنة، و كان الواجب عليه ذبحها بمكة أو بمنى، و ان صدق عليه انه غير واجد لها انتقل الحكم الى التقويم، لا ان الواجب ذبح البدنة في ذلك الموضع كما فهمه. و اما صحيحة معاوية بن عمار فهي- مع كونها غير مسندة الى الامام (عليه السلام) فلا تقوم حجة- يمكن حملها على ما حمل عليه الشيخ رواية زرارة، من ان الأفضل شراء الصيد من موضع الإصابة. و اما رواية محمد فموردها الصدقة بالثمن دون الهدي، و هو خارج عن محل البحث.

الثانية [هل يجوز ذبح أو نحر فداء غير الصيد حيث شاء؟]

- قال السيد السند (قدس سره) في المدارك بعد ذكر صحيحة عبد الله بن سنان، و رواية زرارة، و صحيحة معاوية بن عمار:

و هذه الروايات كلها- كما ترى- مختصة بفداء الصيد، اما غيره فلم أقف على نص يقتضي تعين ذبحه في هذين الموضعين، فلو قيل بجواز ذبحه حيث كان لم يكن بعيدا، للأصل،

و لما رواه الشيخ عن احمد ابن محمد عن بعض رجاله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«من وجب عليه هدي في إحرامه فله ان ينحره حيث شاء إلا فداء

____________

(1) الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد.

335

الصيد. الحديث المتقدم».

ثم قال: و لا ريب ان المصير الى ما عليه الأصحاب أولى و أحوط.

أقول: و قد تقدمه في ذلك شيخه المحقق الأردبيلي (قدس سره) حيث قال في شرح الإرشاد على اثر الكلام المتقدم نقله عنه: هذا في كفارة الصيد، اما غيرها فلا يبعد الأفضلية في مكان اللزوم، للمسارعة إلى الخيرات. و لئلا يمنع عنه مانع مثل الموت و غيره.

و لاحتمال الفورية، كما يظهر من كلام البعض ان الكفارة فورية.

و قد علم من ما سبق انها غير فورية في الجملة. و الأصل مؤيد مع عدم ظهور دليل خلافه. انتهى.

و الذي وقفت عليه من الاخبار- من ما لم يصرح فيه بالصيد أو صرح فيه بغيره- أخبار عديدة: منها- مرسلة أحمد بن محمد المتقدمة

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كفارة العمرة المفردة أين تكون؟

فقال: بمكة، إلا ان يشاء صاحبها ان يؤخرها إلى منى، و يجعلها بمكة أحب الي و أفضل».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن كفارة العمرة أين تكون؟

قال: بمكة، إلا أن يؤخرها إلى الحج فتكون بمنى، و تعجيلها أفضل و أحب الي».

و هذان الخبران حملهما في التهذيب على كفارة غير الصيد، لصحيحة

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 374، و الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد.

(2) الفروع ج 4 ص 539، و الوسائل الباب 4 من الذبح رقم 4.

336

عبد الله بن سنان المتقدمة. و في الاستبصار جوز ان تكون مكة أفضل في الصيد و ان جاز منى أيضا. و الظاهر هو حمله الأول. و كيف كان فهما دالان بإطلاقهما على ان محل الكفارة في العمرة كائنة ما كانت مكة أو منى.

و منها-

ما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: الرجل يجرح من حجته شيئا يلزمه منه دم، يجزئه ان يذبحه إذا رجع الى أهله؟

فقال: نعم. و قال- في ما اعلم-: يتصدق به. قال إسحاق:

و قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يجرح من حجته ما يجب عليه الدم و لا يهريقه حتى يرجع الى أهله؟ فقال: يهريقه في اهله، و يأكل منه الشيء».

أقول: و يجرح بالجيم ثم الراء ثم الحاء المهملة، بمعنى: يكسب. و نحوه روى الشيخ عن إسحاق أيضا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2).

و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس- و انا اسمع- فأمره ان يفدي

____________

(1) الفروع ج 4 ص 488، و الوسائل الباب 5 من الذبح.

(2) التهذيب ج 5 ص 481 و 482، و الوسائل الباب 50 من كفارات الصيد.

(3) الفروع ج 4 ص 351، و التهذيب ج 5 ص 311، و الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد، و الباب 6 من بقية كفارات الإحرام رقم 3 و 6.

337

شاة يذبحها بمنى».

و رواه في الفقيه (1) ايضا و زاد: «نحن إذا أردنا ذلك ظللنا و فدينا».

و روى في التهذيب (2) في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس. فقال: ارى ان يفديه بشاة يذبحها بمنى».

و في الصحيح عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر (3) قال:

«سألت أخي (عليه السلام): أظلل و انا محرم؟ فقال: نعم، و عليك الكفارة. قال: فرأيت عليا إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل».

و جملة من الاخبار مطلقة، و الظاهر في وجه الجمع بينها هو ما دلت عليه مرسلة أحمد بن محمد من انه ينحره حيث شاء، إلا ان الأفضل ان يكون بمكة أو بمنى على التفصيل الذي ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم).

الثالثة [هل تلحق عمرة التمتع بحجة في ذبح الفداء بمنى؟]

- الظاهر من كلامي ابن إدريس و ابن حمزة المتقدمين إلحاق عمرة التمتع بحجة في الذبح بمنى. و لم نقف لهما على دليل في ذلك. و ظاهر الخبرين الأولين اللذين هما المستند في هذا الحكم إنما هو التفصيل بين الحج و العمرة، فإن كان ما جناه في الحج فمحله منى، و ان كان في العمرة فهو مكة. و من الظاهر ان المراد بالعمرة ما هو أعم من العمرة المبتولة و المتمتع بها الى الحج، لأنها لا تدخل

____________

(1) ج 2 ص 226، و الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(2) ج 5 ص 334، و الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد.

(3) التهذيب ج 5 ص 334، و الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد، و الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

338

في لفظ الحج، و إلا لسقط حكمها من البين. و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور، و ما ذكراه بمحل من القصور.

الرابعة [أن مكة كلها منحر]

- ظاهر الاخبار المتقدمة ان مكة كلها منحر، و ان كان الأفضل تجاه الكعبة في الحزورة، و كذلك منى كلها منحر، و ان كان الأفضل عند المسجد، و هو المنحر المعهود.

و يدل على ذلك

ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (1):

«ان عبادا البصري جاء الى ابي عبد الله (عليه السلام) و قد دخل مكة بعمرة مبتولة، و اهدى هديا فأمر به فنحر في منزله بمكة، فقال له عباد: نحرت الهدي في منزلك و تركت ان تنحره بفناء الكعبة، و أنت رجل يؤخذ منك؟ فقال له: أ لم تعلم ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نحر هديه بمنى في المنحر، و أمر الناس فنحروا في منازلهم، و كان ذلك موسعا عليهم، فكذلك هو موسع على من ينحر الهدي بمكة في منزله إذا كان معتمرا».

الخامسة [وجوب ذبح الفداء]

- قال العلامة في المنتهى: إذا اختار المثل أو قلنا بوجوبه ذبحه و تصدق به على مساكين الحرم، لانه (تعالى) قال هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ (2) و لا يجوز ان يتصدق به حيا على المساكين، لانه (تعالى) سماه هديا، و الهدي يجب ذبحه. و له ذبحه اي وقت شاء لا يختص ذلك بأيام النحر، لأنه كفارة فيجب إخراجها متى شاء كغيرها من الكفارات. انتهى. و مثله في التذكرة.

ثم ذكر في مسألة الإطعام انه بمكة أو بمنى على ما قلناه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 374، و الوسائل الباب 52 من كفارات الصيد.

(2) سورة المائدة، الآية 95.

339

من الجزاء، لانه عوض عن ما يجب دفعه الى مساكين ذلك المكان، فيجب دفعه إليهم. و تعتبر قيمة المثل في الحرم، لانه محل إخراجه.

و لا يجوز إخراج القيمة، لأنه (تعالى) خير بين ثلاثة أشياء، و ليست القيمة واحدا منها. و الطعام المخرج: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و لو قيل يجزئ كل ما يسمى طعاما كان حسنا، لانه (تعالى) أوجب الطعام. و يتصدق على كل مسكين بنصف صاع. انتهى.

و مثله في التذكرة.

أقول: أكثر هذه الأحكام لا تخلو من الاشكال، لعدم الدليل الواضح فيها من الاخبار، و ان كان الأحوط الوقوف على ما ذكروه.

الصنف الثاني في النساء

، و البحث فيه يقع في فصلين:

[الفصل] الأول- يحرم على المحرم النساء

، وطأ، و تقبيلا، و نظرا بشهوة، و عقدا لنفسه أو لغيره، و شهادة تحملا أو إقامة.

و تفصيل هذه الجملة يقع في مسائل

الأولى [تحريم النكاح على المحرم وطأ و عقدا لنفسه و لغيره]

- لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في تحريم النكاح في حال الإحرام، وطأ، و عقدا لنفسه أو لغيره، بولاية أو وكالة.

قال في المنتهى: و لا يجوز للمحرم ان يتزوج أو يزوج، و لا يكون وليا في النكاح و لا وكيلا فيه، سواء كان رجلا أو امرأة، ذهب إليه علماؤنا اجمع.

و الأصل فيه قوله (عز و جل) فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (1) و الرفث هو الجماع بالنص الصحيح عن الصادق (عليه السلام) و الكاظم (عليه السلام):

____________

(1) سورة البقرة، الآية 197.

340

روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أحرمت فعليك بتقوى الله و ذكر الله و قلة الكلام إلا بخير، فان تمام الحج و العمرة ان يحفظ المرء لسانه إلا من خير، كما قال الله (عز و جل) فان الله يقول فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (2) فالرفث:

الجماع، و الفسوق: الكذب و السباب، و الجدال: قول الرجل:

لا و الله و بلى و الله».

و عن علي بن جعفر في الصحيح (3) قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو؟ و ما على من فعله؟

فقال: الرفث: جماع النساء، و الفسوق: الكذب و المفاخرة، و الجدال: قول الرجل: لا و الله و بلى و الله. فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، و ان لم يجد فشاة، و كفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله و هو محرم».

قال في الوافي بعد نقل هذا الحديث: هكذا وجد هذا الحديث في ما رأيناه من النسخ، و لعله سقط من الكلام شيء. انتهى. و هو كذلك.

و اما ما يدل على أصل المسألة من الاخبار فمنه-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 296، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

(2) سورة البقرة، الآية 197.

(3) التهذيب ج 5 ص 297، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام، و الباب 3 من كفارات الاستمتاع، و الباب 2 من بقية كفارات الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 328، و الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام.

341

قال: «ليس للمحرم ان يتزوج و لا يزوج، فان تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل».

و ما رواه الكليني في الحسن عن معاوية بن عمار (1) قال:

«المحرم لا يتزوج و لا يزوج، فان فعل فنكاحه باطل».

و ما رواه الكليني و الشيخ عن ابي بصير (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: للمحرم ان يطلق و لا يتزوج».

و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ليس للمحرم ان يتزوج و لا يزوج محلا، فان تزوج أو زوج فتزويجه باطل.

و ان رجلا من الأنصار تزوج و هو محرم فأبطل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) نكاحه».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سمعته يقول: ليس ينبغي للمحرم ان يتزوج و لا يزوج محلا».

و لفظ: «ليس ينبغي» هنا بمعنى التحريم- كما هو الشائع في الأخبار- بقرينة الأخبار المتقدمة.

و في الصحيح عن محمد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السلام) (5)

____________

(1) الفروع ج 1 ص 267 الطبع القديم، و التهذيب ج 5 ص 330 و الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 372، و التهذيب ج 5 ص 383، و الوسائل الباب 17 من تروك الإحرام.

(3) الفقيه ج 2 ص 230، و الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 330، و الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام.

(5) التهذيب ج 5 ص 330، و الوسائل الباب 15 من تروك الإحرام.

342

قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل ان يحل، فقضى ان يخلي سبيلها، و لم يجعل نكاحه شيئا حتى يحل، فإذا أحل خطبها ان شاء، فان شاء أهلها زوجوه، و ان شاءوا لم يزوجوه».

و المستفاد من هذه الرواية انها بالعقد لا تحرم مؤبدا. و حملها الشيخ على الجاهل جمعا بينها و بين

ما رواه عن أديم بن الحر الخزاعي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان المحرم إذا تزوج و هو محرم فرق بينهما، و لا يتعاودان ابدا».

و في الموثق عن ابن بكير عن إبراهيم بن الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان المحرم إذا تزوج و هو محرم فرق بينهما ثم لا يتعاودان ابدا».

و رواه الكليني في الموثق عن ابن بكير عن إبراهيم ابن الحسن مثله (3).

و ما ذكره الشيخ (قدس سره) من الجمع جيد، و يدل عليه

ما رواه الكليني و الشيخ عن زرارة و داود بن سرحان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال فيه: «و المحرم إذا تزوج و هو يعلم انه حرام عليه لم تحل له ابدا».

و يحتمل الجمع ايضا بحمل الروايتين الأخيرتين على الدخول و الرواية الأولى على عدم الدخول.

و مثل هاتين الروايتين

ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه (5)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 329، و الوسائل الباب 15 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 329، و الوسائل الباب 15 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 372، و الوسائل الباب 15 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 31 من ما يحرم بالمصاهرة.

(5) ج 2 ص 231، و الوسائل الباب 15 من تروك الإحرام.

343

قال: «و قال- يعني: أبا عبد الله (عليه السلام)- من تزوج امرأة في إحرامه فرق بينهما و لم تحل له ابدا».

قال (1): و في رواية سماعة:

«لها المهر ان كان دخل بها».

و بالجملة فالحكم بما ذكره الشيخ من ما لا اشكال فيه.

و نقل في المنتهى إجماع الفرقة على الحكمين المذكورين، يعني:

حكم الجاهل و العامد، و أسنده في التذكرة إلى علمائنا.

و اما ما ذكره في المدارك- حيث قال بعد نقل صحيحة محمد بن قيس: و مقتضى الرواية انها لا تحرم مؤبدا بالعقد. و حملها الشيخ على الجاهل، جمعا بينها و بين خبرين ضعيفين وردا بالتحريم المؤبد بذلك مطلقا. و حملا على العالم. و هو مشكل. لكن ظاهر المنتهى ان الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، فإن تم فهو الحجة، و إلا فللنظر فيه مجال- فهو ضعيف لا يلتفت اليه و سخيف لا يعرج عليه. و قد صرح في غير موضع من شرحه- بعد إيراد الأخبار الضعيفة بزعمه، و نقله اتفاق الأصحاب على القول بها- انه لا معدل عن ما عليه الأصحاب.

بل وافقهم في مواضع لا دليل فيها بالكلية، كما نبهنا عليه في غير موضع من شرحنا على الكتاب المذكور. على انك قد عرفت في غير موضع من ما قدمنا ان هذا الطعن لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم. مضافا الى ما ذكرناه من وجود المستند لهذا الجمع الذي ذكره الشيخ (رحمه الله).

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 231، و الوسائل الباب 15 من تروك الإحرام.

344

الثانية [تحريم النظر إلى المرأة و تقبيلها و مسها بشهوة]

- لا خلاف أيضا في تحريم النظر بشهوة، و التقبيل، و المس كذلك.

و يدل عليه جملة من الاخبار: منها-

ما رواه ثقة الإسلام (قدس سره) في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن محرم نظر الى امرأته فأمنى أو أمذى و هو محرم. قال: لا شيء عليه، و لكن ليغتسل و يستغفر ربه.

و ان حملها من غير شهوة فأمنى أو أمذى فلا شيء عليه، و ان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم. و قال في المحرم ينظر إلى امرأته و ينزلها بشهوة حتى ينزل. قال: عليه بدنة».

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته. قال:

نعم يصلح عليها خمارها و يصلح عليها ثوبها و محملها. قلت: أ فيمسها و هي محرمة؟ قال: نعم. قلت: المحرم يضع يده بشهوة؟ قال: يهريق دم شاة. قلت: فان قبل؟ قال: هذا أشد ينحر بدنة».

و رواية محمد بن مسلم (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يحمل امرأته أو يمسها فأمنى أو أمذى. فقال: ان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو لم يمن، أو أمذى أو لم يمذ، فعليه دم شاة

____________

(1) الفروع ج 4 ص 375، و الوسائل الباب 17 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 4 ص 375، و الوسائل الباب 17 و 18 من كفارات الاستمتاع.

(3) الفقيه ج 2 ص 214، و التهذيب ج 5 ص 326، و الوسائل الباب 17 من كفارات الاستمتاع.

345

يهريقه، و ان حملها أو مسها بغير شهوة فليس عليه شيء، أمنى أو لم يمن، أمذى أو لم يمذ».

و عن ابي بصير في الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نظر الى ساق امرأة فأمنى. قال: ان كان موسرا فعلية بدنة، و ان كان بين ذلك فبقرة، و ان كان فقيرا فشاة. أما اني لم اجعل ذلك عليه من أجل الماء و لكن من أجل أنه نظر الى ما لا يحل له».

و رواه الشيخ في الموثق و الصدوق مثله (2).

و عن علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال:

«سألته عن رجل قبل امرأته و هو محرم. قال: عليه بدنة و ان لم ينزل و ليس له ان يأكل منها».

و روى الشيخ عن العلاء بن الفضيل (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل و امرأة تمتعا جميعا فقصرت امرأته و لم يقصر فقبلها. قال: يهريق دما، و ان كانا لم يقصرا جميعا فعلى كل واحد منهما ان يهريق دما».

و هذه الاخبار و ان كانت ما بين مطلق و مقيد بالشهوة إلا انه يجب حمل مطلقها في ذلك على مقيدها، فمتى كان النظر أو المس أو التقبيل

____________

(1) الفروع ج 4 ص 377، و الوسائل الباب 16 من كفارات الاستمتاع.

(2) التهذيب ج 5 ص 325، و الفقيه ج 2 ص 213، و الوسائل الباب 16 من كفارات الاستمتاع.

(3) الفروع ج 4 ص 376، و التهذيب ج 5 ص 327، و الوسائل الباب 18 من كفارات الاستمتاع.

(4) التهذيب ج 5 ص 473، و الوسائل الباب 18 من كفارات الاستمتاع.

346

بشهوة ترتب عليه الكفارة، و إلا فلا.

و اما

ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في محرم نظر الى امرأته بشهوة فأمنى. قال:

ليس عليه شيء».

فقد أجاب عنه الشيخ بالحمل على حال السهو دون حال العمد. و لا بأس به.

و اما

ما رواه الكليني و الشيخ عن مسمع ابي سيار في الحسن (2)- قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا سيار ان حال المحرم ضيقة، فمن قبل امرأته على غير شهوة و هو محرم فعليه دم شاة، و من قبل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور، و يستغفر ربه، و من مس امرأته بيده و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة، و من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور، و من مس امرأته أو لازمها من غير شهوة فلا شيء عليه».

- فقد حمله بعض الأصحاب على الاستحباب.

و يؤيده

ما رواه الكليني عن الحسين بن حماد (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يقبل امه. قال: لا بأس هذه قبلة رحمة، إنما تكره قبلة الشهوة».

و المراد بالكراهة هنا التحريم كما تقدم.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 327، و الوسائل الباب 17 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 4 ص 376، و التهذيب ج 5 ص 326، و الوسائل الباب 12 من تروك الإحرام، و الباب 18 من كفارات الاستمتاع.

(3) الفروع ج 4 ص 377، و التهذيب ج 5 ص 328، و الوسائل الباب 18 من كفارات الاستمتاع.

347

و قد خص التحريم بالشهوة، كما هو ظاهر الروايات المتقدمة، و هذه الرواية صريحة في كون التقبيل على غير شهوة، فوجوب الدم فيها مشكل، و لا بد من ارتكاب جادة التأويل فيها، و ان كان الاحتياط يقتضي الكف عن التقبيل مطلقا. إلا انه سيأتي في المقام الثاني ان شاء الله (تعالى) فتوى جملة من الأصحاب بمضمون الخبر المذكور.

قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد قول المصنف: «و نظرا بشهوة» ما لفظه: لا فرق في ذلك بين الزوجة و الأجنبية، بالنسبة إلى النظرة الاولى ان جوزناها، و النظر إلى المخطوبة، و إلا فالحكم مخصوص بالزوجة.

قال في المدارك بعد نقل ذلك: و كأن وجه الاختصاص عموم تحريم النظر إلى الأجنبية على هذا التقدير و عدم اختصاصه بحال الشهوة.

و هو جيد. إلا ان ذلك لا ينافي اختصاص التحريم الإحرامي بما كان بالشهوة كما أطلقه المصنف. انتهى.

أقول: الظاهر ان كلامه (قدس سره) هنا لا يخلو من خدش، فإنه متى قيل بتحريم النظر إلى الأجنبية مطلقا، في أول نظرة أو غيرها، من محل كان النظر أو محرم، فالتفصيل بالنسبة إلى المحرم- بين ما إذا كان نظره بشهوة فيحرم أو لا بشهوة فيحل- لا معنى له، لان المدعى عموم التحريم للمحرم و غيره، فكيف يتم ما ادعاه من اختصاص التحريم الإحرامي بما إذا كان بشهوة؟ و بالجملة فإني لا اعرف لهذا الكلام وجه استقامة و ان تبعه من تبعه فيه.

الثالثة [حرمة الشهادة على النكاح و إقامتها]

- الشهادة على النكاح و إقامتها، و الحكم في الموضعين من ما ظاهرهم الاتفاق عليه.

348

اما الأول فينبغي ان يعلم انه لا فرق في تحريم الشهادة بين ان تكون لمحل أو محرم كما صرحوا به.

و الأصل في هذه المسألة

ما رواه الكليني و الشيخ (عطر الله- تعالى- مرقديهما) عن الحسن بن علي في الموثق عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المحرم لا ينكح و لا ينكح و لا يخطب و لا يشهد النكاح، و ان نكح فنكاحه باطل».

و ليس في التهذيب (2) «و لا يخطب».

و روى الشيخ عن عثمان بن عيسى عن ابن أبي شجرة عن من ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3): «في المحرم يشهد على نكاح محلين؟ قال: لا يشهد. ثم قال: يجوز للمحرم ان يشير بصيد على محل».

قال الشيخ (قدس سره): قوله: «يجوز للمحرم ان يشير بصيد على محل» إنكار و تنبيه على انه إذا لم يجز ذلك فكذلك لا تجوز الشهادة على عقد المحلين.

قال في المدارك بعد إيراد الخبرين المذكورين: و في الروايتين قصور من حيث السند، إلا ان الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.

أقول: انظر الى تستره (قدس سره) في الخروج عن جادة اصطلاحه فان حكمه في هذه المسألة بما ذكره إنما هو من حيث كون ذلك مقطوعا به في كلام الأصحاب، و حينئذ فإذا كان قطع الأصحاب و اتفاقهم

____________

(1) الفروع ج 4 ص 372، و التهذيب ج 5 ص 330، و الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 315، و الوسائل الباب 1 و 14 من تروك الإحرام.

349

على الحكم حجة شرعية، فما باله يناقش في ذلك في مثل هذه المسألة في مواضع من شرحه؟ و منها- ما تقدم قريبا في صدر المسألة من كون تزويج المحرم عالما عامدا موجبا للتحريم المؤبد. فإن قيل: الفرق بين المسألتين ظاهر، حيث انه لا معارض لاتفاق الأصحاب هنا بخلاف المسألة المتقدمة، فإن ظاهر صحيحة محمد بن قيس عدم التحريم مطلقا، و هو خلاف ما صرح به الأصحاب من التفصيل بالعامد و الجاهل. قلنا: ان كان اتفاق الأصحاب على الحكم و قطعهم به حجة شرعية- يمكن الاعتماد عليها في إثبات الأحكام، كما هو ظاهر كلامه في هذا المقام- فالواجب عليه الجمع بين الرواية المذكورة و بين كلامهم، لانه يصير من قبيل تعارض الدليلين في الحكم، و إلا فلا معنى لكلامه هنا بالمرة.

ثم انه (قدس سره) قال: و ينبغي قصر الحكم على حضور العقد لأجل الشهادة، فلو اتفق حضوره لا لأجل الشهادة لم يكن محرما، و لا يبطل العقد بشهادة المحرم له قطعا، لان النكاح عندنا لا تعتبر فيه الشهادة. انتهى. و هو جيد.

و اما الثاني- و هو الإقامة- فالمشهور عموم التحريم لما لو تحملها محلا أو محرما، خلافا للشيخ حيث قيد تحريم إقامة شهادة النكاح على المحرم بما إذا تحملها و هو محرم. و نقل بعض الأصحاب عن بعضهم انه حكم بخطإ هذه النسبة، و ان المنسوب الى الشيخ إنما هو عدم اعتبار الشهادة إذا تحملها محرما. و استوجه العلامة في التذكرة اختصاص التحريم بعقد وقع بين محرمين أو محل و محرم. و حكى عنه ولده في شرح القواعد انه قال: ان ذلك هو المقصود من كلام الأصحاب. و ظاهر كلام

350

الأصحاب عموم الحكم بالنسبة إلى العقد الواقع بين محلين أو محرمين أو بالتفريق، إلا ان الفاضل المذكور حكى عن والده ما عرفت.

و كيف كان فالحكم و ان كان من ما ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه إلا انى لم أقف له على دليل.

و بذلك اعترف في المدارك ايضا حيث قال بعد ذكر القول المشهور من عموم المنع: و دليله غير واضح. و قال بعد نقل كلام فخر المحققين المتقدم: و لا بأس به قصرا لما خالف الأصل على موضع الوفاق ان تم، و إلا اتجه عدم التحريم مطلقا.

ثم قال: و كيف كان فإنما يحرم على المحرم الإقامة إذا لم يترتب على تركها محرم، فلو خاف به وقوع الزنا المحرم وجب عليه تنبيه الحاكم على ان عنده شهادة لتوقف الحكم على إحلاله، و لو لم يندفع إلا بالشهادة وجب إقامتها قطعا. انتهى.

و في وجوب ما أوجبه في الموضعين اشكال، لعدم الدليل الواضح عليه، إلا ان يدعى الاستناد في ذلك الى الأدلة العامة من الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، و التعاون على البر و التقوى، و نحو ذلك

فروع

الأول [إجراء عقد النكاح بالوكالة في حال الإحرام]

- إذا وكل في حال الإحرام فأوقع، فإن كان قبل إحلال الموكل بطل، و ان كان بعده صح. اما صحة العقد بعد الإحلال فللأصل السالم من المعارض، و اما البطلان قبل الإحلال فهو ظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف، بل قال في المنتهى: و لو وكل محل مخلا في التزويج، فعقد له الوكيل بعد إحرام الموكل، لم يصح النكاح سواء حضره الموكل أو لم يحضره، و سواء علم الوكيل أو لم يعلم.

351

و استدل عليه بان الوكيل نائب عن الموكل، فكان الفعل في الحقيقة مستندا اليه و هو محرم. انتهى. و المسألة لا تخلو من الاشكال، لعدم الظفر بنص في المقام.

الثاني [حكم طلاق المحرم و رجوعه في الطلاق و شرائه الإماء]

- الظاهر انه لا خلاف في جواز الطلاق للمحرم، و جواز مراجعة المطلقة، و شراء الإماء في حال الإحرام.

اما الأول فيدل عليه- مضافا الى الأصل السالم عن المعارض-

صحيحة أبي بصير (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:

المحرم يطلق و لا يتزوج».

رواها المشايخ الثلاثة (نور الله- تعالى- مراقدهم) في أصولهم (2).

و روى في الكافي عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المحرم يطلق؟ قال: نعم».

و اما الثاني فللأصل السالم عن المعارض، حيث ان مورد الأخبار النهي عن النكاح، و المراجعة ليست ابتداء نكاح، فلا يشمله النهي المذكور، لأن المطلقة رجعية في حكم الزوجة. و لا فرق في ذلك بين المطلقة تبرعا و المختلعة إذا رجعت في البذل.

و اما الثالث فيدل على جوازه- مضافا الى الأصل السالم عن المعارض-

صحيحة سعد بن سعد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (4) قال:

____________

(1) الوسائل الباب 17 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 372، و الفقيه ج 2 ص 231، و التهذيب ج 5 ص 383.

(3) الفروع ج 4 ص 373، و الوسائل الباب 17 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 373، و الفقيه ج 2 ص 308، و التهذيب ج 5 ص 331، و الوسائل الباب 16 من تروك الإحرام.

352

«سألته عن المحرم يشتري الجواري و يبيع؟ قال: نعم».

و إطلاق النص المذكور- و كذا كلام الأصحاب في هذا الباب- يقتضي عدم الفرق في شراء الإماء بين ان يقصد بذلك الخدمة أو التسري. و هو كذلك، و ان حرمت المباشرة.

و قال شيخنا الشهيد الثاني (طاب ثراه) في المسالك: فلو قصد المباشرة عند عقد الشراء في حال الإحرام حرم، و هل يبطل الشراء؟ فيه وجه، منشأه النهي عنه، و الأقوى العدم، لانه عقد لا عبادة.

و قال سبطه السيد السند في المدارك بعد نقل ذلك عنه: قلت:

لا ريب في عدم البطلان، بل الظاهر عدم تحريم الشراء أيضا، لأنه ليس منهيا عنه بخصوصه، و لا علة في المحرم اعني: المباشرة، فلا يكون تحريمها مستلزما لتحريمه، كما هو واضح. انتهى. و هو جيد.

الثالث [اختلاف الزوجين في وقوع العقد حال الإحرام أو الإحلال]

- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في انه متى اتفق الزوجان على وقوع العقد في حال الإحرام بطل، و سقط المهر قبل الدخول، سواء كانا عالمين أو جاهلين أو بالتفريق. و يدل عليه عموم الأخبار المتقدمة (1) الدالة على بطلان النكاح في حال الإحرام. و ان دخل بها و هي جاهلة ثبت لها المهر بما استحل من فرجها، و فرق بينهما مؤبدا مع العلم، و مع الجهل الى ان يحصل الإحلال كما تقدم.

و انما الإشكال في ما إذا اختلفا فادعى أحدهما انه وقع العقد في حال الإحرام و أنكر الآخر فادعى وقوعه في حال الإحلال.

و قد حكم الأكثر من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان القول قول مدعى الصحة بيمينه، بمعنى وقوعه في حال الإحلال.

____________

(1) ص 340 الى 343.

353

و احتجوا على ذلك بوجهين: أحدهما- حمل أفعال المسلمين على الصحة. و ثانيهما- انهما اتفقا على حصول أركان العقد و اختلفا في أمر زائد على ذلك، و هو وقوعه في حال الإحرام، و الأصل عدمه.

و أورد على الأول (أولا): انه لم يثبت دليل واضح على ان كل فعل صدر عن المسلم لا بد من حمله على الصحة، بمعنى استتباع الآثار الشرعية، نعم هو من المقدمات الشائعة بين الفقهاء و الدائرة على ألسنتهم، فإن كانت هذه المقدمة إجماعية فذلك، و إلا فللنظر فيها مجال.

أقول: و يمكن الاستدلال على ذلك

بالحديث المشهور (1): «احمل أخاك المؤمن على سبعين محملا من الخير. الحديث».

و قولهم (عليهم السلام) (2): «كذب سمعك و بصرك عن أخيك».

و ما رواه في الكافي (3) عن الحسين بن المختار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له:

ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه، و لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء و أنت تجد لها في الخير محملا».

____________

(1) لم نقف على هذا الحديث بعد الفحص عنه في مظانه. و لعل وصفه بالشهرة إشارة إلى انه مشهور على الألسنة و ليس له وجود في كتب الحديث.

نعم في البحار ج 15 قسم العشرة ص 170 من الطبع القديم عن مصباح الشريعة عن ابي بن كعب: «إذا رأيتم أحد إخوانكم في خصلة تستنكرونها منه فتأولوا لها سبعين تأويلا.». و ارجع الى الاستدراكات.

(2) الوسائل الباب 157 من أحكام العشرة رقم 4.

(3) الأصول ج 2 ص 362، و الوسائل الباب 161 من أحكام العشرة.

354

و نحو ذلك من الاخبار الدالة على حسن الظن بالمؤمن.

و (ثانيا): ان هذا التوجيه إنما يتم إذا كان المدعي لوقوع العقد في حال الإحرام عالما بفساد ذلك، اما مع اعترافهما بالجهل فلا وجه للحمل على الصحة.

و على الثاني ان كلا منهما يدعى وصفا زائدا على أركان العقد ينكره الآخر، فترجيح أحدهما على الآخر يحتاج الى مرجح.

ثم انه لو كان المدعي لوقوع العقد في حال الإحرام هو الزوج و المنكر المرأة، فإن كان النزاع بعد الدخول وجب المسمى بأجمعه قولا واحدا، و ان كان قبل الدخول فقيل بتصنيف المهر بذلك، و نقل عن الشيخ (رحمه الله تعالى) و من تبعه، لاعترافه بما يمنع من الوطء، قال في الشرائع: و لو قيل لها المهر كله كان حسنا.

و استصحه في المدارك، قال: لثبوته بالعقد، و تنصيفه بالمفارقة قبل الدخول على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على موضع النص و الوفاق و هو الطلاق، و لا يلحق به ما أشبهه لبطلان القياس.

ثم قال: و قد قطع الأصحاب بأن قبول قول مدعى الصحة بيمينه انما هو بحسب الظاهر و إلا فيجب على كل واحد منهما في ما بينه و بين الله (تعالى) فعل ما هو حكمه في نفس الأمر، فإن كان المدعي للصحة هو الزوج ثبت النكاح ظاهرا، و حرم عليه التزويج بأختها، و وجب عليه نفقتها، و المبيت عندها، و يجب عليها في ما بينها و بين الله (تعالى) ان تعمل بما تعلم انه الحق بحسب الإمكان و لو بالهرب و استدعاء الفراق، و ليس لها المطالبة بشيء من حقوق الزوجية، و لا بالمهر قبل الدخول اما بعده فتطالب بأقل الأمرين من المسمى و مهر المثل مع جهلها.

355

و ان كان المدعى للصحة هو المرأة انعكست الأحكام المذكورة، فلها المطالبة بالنفقة و المهر و سائر حقوق الزوجية، و لا يحل لها التزويج بغيره، و لا الأفعال المتوقفة على اذنه بدون اذنه. و نص شيخنا الشهيد الثاني على انه يجوز له بحسب الظاهر التزويج بأختها و خامسة و نحو ذلك من لوازم الفساد، لأنها كالأجنبية بحسب دعواه.

ثم قال (قدس سره): و انما جمعنا بين هذه الأحكام المتنافية- مع ان اجتماعها في الواقع ممتنع- جمعا بين الحقين المبنيين على المضايقة المحضة، و عملا في كل سبب بمقتضاه حيث يمكن.

أقول: و المسألة و ان كانت عارية من النص إلا ان ما ذكروه من هذه الأحكام هو المطابق للقواعد و الأصول الشرعية. و اليه يشير بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها. و الله العالم.

الفصل الثاني في الكفارة

، و فيه مسائل

[المسألة] الأولى [حكم الجماع قبل المشعر عامدا عالما بالتحريم]

- من جامع أمته أو زوجته قبلا أو دبرا محرما بحج أو عمرة، واجب أو ندب، عامدا عالما بالتحريم، قبل المشعر، فسد حجه، و عليه إتمامه، و يلزمه بدنة، و الحج من قابل، و الافتراق إذا بلغا الموضع الذي وقعت فيه الخطيئة بمصاحبة ثالث الى ان يفرغا.

و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع

الأول [الجماع في الفرج في الصورة المذكورة]

- لا خلاف بين الأصحاب في ان الجماع في الفرج في الصورة المذكورة مع العلم و العمد موجب لفساد الحج، و إتمامه، و البدنة، و الحج من قابل.

و يدل عليه- مضافا الى الاتفاق- روايات: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 318، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع و ستأتي ص 358.

356

السلام) عن رجل محرم وقع على اهله. فقال: ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان لم يكن جاهلا فان عليه ان يسوق بدنة، و يفرق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا و عليهما الحج من قابل».

و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن على المشهور عن زرارة (1) قال: «سألته عن محرم غشي امرأته و هي محرمة. فقال جاهلين أو عالمين؟

قلت: أجبني عن الوجهين جميعا. قال: ان كانا جاهلين استغفرا ربهما و مضيا على حجهما و ليس عليهما شيء، و ان كانا عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه، و عليهما بدنة، و عليهما الحج من قابل، فإذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما و يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا. قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: الأولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، و الأخرى عليهما عقوبة».

و في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في المحرم يقع على اهله؟ قال: ان كان أفضى إليها فعليه بدنة و الحج من قابل، و ان لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل.

قال: و سألته عن رجل وقع على امرأته و هو محرم. قال:

ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان لم يكن جاهلا فعليه سوق بدنة

____________

(1) الفروع ج 4 ص 373، و التهذيب ج 5 ص 317، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 4 ص 373 و 374. و الوسائل الباب 7 و 3 من كفارات الاستمتاع.

357

و عليه الحج من قابل، فإذا انتهى الى المكان الذي وقع بها فرق محملاهما فلم يجتمعا في خباء واحد- إلا ان يكون معهما غيرهما- حتى يبلغ الهدي محله».

و عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل وقع على اهله و هو محرم؟ قال: أ جاهل أو عالم؟ قال: قلت: جاهل قال: يستغفر الله و لا يعود و لا شيء عليه».

و عن علي بن أبي حمزة (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم واقع اهله. فقال: قد اتى عظيما. قلت: قد ابتلى. فقال: استكرهها فعليه أو لم يستكرهها؟ قلت: أفتني فيهما جميعا.

فقال: ان كان استكرهها فعليه بدنتان، و ان لم يكن استكرهها فعليه بدنة و عليها بدنة، و يفترقان من المكان الذي كان فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكة، و عليهما الحج من قابل لا بد منه. قال: قلت: فإذا انتهيا إلى مكة فهي امرأته كما كانت؟ فقال: نعم هي امرأته كما هي.

فإذا انتهيا الى المكان الذي كان منهما ما كان افترقا حتى يحلا، فإذا أحلا فقد انقضى عنهما. ان ابى كان يقول ذلك».

قال في الكافي (3): و في رواية أخرى: «فان لم يقدر على بدنة فإطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما و عليها ايضا كمثله ان لم يكن استكرهها».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 374، و الوسائل الباب 2 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 4 ص 374، و التهذيب ج 5 ص 317، و الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

(3) الفروع ج 4 ص 374، و الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

358

و في الصحيح عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل باشر امرأته و هما محرمان، ما عليهما؟ فقال:

ان كانت المرأة أعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما الهدي جميعا، و يفرق بينهما حتى يفرغا من المناسك، و حتى يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، و ان كانت المرأة لم تعن بشهوة و استكرهها صاحبها فليس عليها شيء».

و ما رواه الصدوق في الفقيه (2) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام): ان وقعت على أهلك بعد ما تعقد الإحرام و قبل ان تلبي فلا شيء عليك، و ان جامعت و أنت محرم قبل ان تقف بالمشعر فعليك بدنة و الحج من قابل، و ان جامعت بعد وقوفك بالمشعر فعليك بدنة و ليس عليك الحج من قابل، و ان كنت ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليك».

و ما رواه في التهذيب (3) في الصحيح عن معاوية بن عمار قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل محرم وقع على اهله.

فقال: ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان لم يكن جاهلا فان عليه ان يسوق بدنة، و يفرق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا، و عليهما الحج من قابل».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح (4) قال: «سألت أبا عبد الله

____________

(1) الفروع ج 4 ص 375، و الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

(2) ج 2 ص 213، و الوسائل الباب 1 و 6 و 2 من كفارات الاستمتاع.

(3) ج 5 ص 318، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

و تقدمت ص 355.

(4) التهذيب ج 5 ص 318، و الوسائل الباب 7 من كفارات الاستمتاع.

359

(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله في ما دون الفرج. قال:

عليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل، و ان كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه، و ان كان استكرهها فعليه بدنتان، و عليهما الحج من قابل. آخر الخبر».

و بهذا الاسناد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا وقع الرجل بامرأته دون المزدلفة أو قبل ان يأتي المزدلفة فعليه الحج من قابل».

و في الكافي نحوه (2).

و في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3):

«في المحرم يقع على اهله؟ قال: يفرق بينهما و لا يجتمعان في خباء- إلا ان يكون معهما غيرهما- حتى يبلغ الهدي محله».

و قال في كتاب الفقه الرضوي (4): «و الرفث: الجماع، فان جامعت و أنت محرم في الفرج فعليك بدنة و الحج من قابل، و يجب ان يفرق بينك و بين أهلك حتى تؤدى المناسك ثم تجتمعان، فإذا حججتما من قابل و بلغتما الموضع الذي واقعتها فرق بينكما حتى تقضيا المناسك ثم تجتمعان، فإن أخذتما على غير الطريق الذي كنتما أخذتما فيه العام الأول لم يفرق بينكما. و تلزم المرأة بدنة إذا جامعها الرجل فإن أكرهها لزمه بدنتان و لم يلزم المرأة شيء، فان كان الرجل جامعها

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 319، و الوسائل الباب 3 و 6 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 4 ص 379، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(3) التهذيب ج 5 ص 319، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(4) ص 27.

360

دون الفرج فعليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل، فان كان الرجل جامعها بعد وقوفه بالمشعر فعليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل».

و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر (1) نقلا من نوادر احمد ابن محمد بن ابي نصر عن عبد الكريم عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: أ رأيت من ابتلى بالرفث- و الرفث هو الجماع- ما عليه؟ قال: يسوق الهدي، و يفرق بينه و بين اهله حتى يقضيا المناسك، و حتى يعودا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا. فقلت: أ رأيت إن أرادا أن يرجعا في غير ذلك الطريق؟

قال: فليجتمعا إذا قضيا المناسك».

الثاني [هل العقوبة في إعادة الحج بالجماع هي الأولى أو الثانية؟]

- قد عرفت اتفاق الأصحاب و الاخبار المذكورة في ان الجماع في الفرج عالما عامدا موجب للبدنة و اعادة الحج، و انما الخلاف في انه هل الأولى حجة الإسلام و الثانية عقوبة أو بالعكس؟ فذهب الشيخ إلى الأول، و يظهر من المحقق في النافع الميل اليه، و ذهب ابن إدريس الى أن حجة الإسلام هي الثانية دون الاولى، و اختاره العلامة في المنتهى.

و الظاهر هو ما ذهب اليه الشيخ، لحسنة زرارة أو صحيحته المتقدمة (2) و لا يضر إضمارها كما نبهوا عليه في غير موضع، سيما إذا كان المضمر مثل زرارة.

قال العلامة في المنتهى: و الأقوى عندي قول ابن إدريس، لأن الأولى فسدت فلا يخرج بها عن عهدة التكليف، و وجوب المضي فيها

____________

(1) ص 466، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(2) ص 356.

361

لا يوجب ان تكون هي الحجة المأمور بها. و اما رواية زرارة فإنها و ان كانت حسنة لكن زرارة لم يسندها الى امام، فجاز ان يكون المسؤول غير امام. و هو و ان كان بعيدا لكن البعد لا يمنع من تطرق الاحتمال، فيسقط الاحتجاج بها. انتهى.

أقول: فيه (أولا): ما ذكره جملة من الأصحاب من ان فساد الحج لا دليل عليه، و اخبار المسألة على تعددها لم يشتمل شيء منها على ذلك، و غاية ما دلت عليه الروايات وجوب الإتمام و الحج من قابل، و هو لا يستلزم الفساد. نعم وقع التصريح بالفساد في بعض عباراتهم، و لا حجة فيه ما لم يقم الدليل عليه من الاخبار.

أقول: و هذا الوجه جيد بالنظر الى هذه الاخبار، إلا انه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي عن سليمان بن خالد في الصحيح (1) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في الجدال شاة،.

و في السباب و الفسوق بقرة، و الرفث فساد الحج».

و حينئذ فيمكن ان يكون وجه الجمع بين هذه الرواية و رواية زرارة حمل الفساد في هذه الرواية على المجاز الذي هو عبارة عن حصول النقص فيها لا البطلان بالكلية. و مثل هذا المجاز شائع في الاستعمال. و سيأتي في باب الطواف

في حديث حمران بن أعين (2):

«في من جامع بعد ان طاف ثلاثة أشواط. قال (عليه السلام):

فقد أفسد حجه و عليه بدنة».

مع الاتفاق على صحة الحج في الصورة

____________

(1) الفروع ج 4 ص 339، و التهذيب ج 5 ص 297، و الوسائل الباب 1 و 2 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 11 من كفارات الاستمتاع.

362

المذكورة. و نحوه في الاخبار غير عزيز.

و (ثانيا): ان ما استند اليه في رد حسنة زرارة- من مجرد الاحتمال مع اعترافه ببعده، نظرا الى قولهم: إذا قام الاحتمال بطل الاستدلال- فهو كلام شعري و خطاب جدلي خارج عن جادة التحقيق و ناشىء من الوقوع في لجج المضيق. و ليت شعري إذا كان مجرد الاحتمال مبطلا للاستدلال فبأي دليل تقوم لهم الحجة على خصمائهم في الإمامة و مخالفيهم في الأصول و أصحاب الملل و الأديان، لما يبدونه من التأويلات و الاحتمالات في أدلتهم و ان بعدت، إذ لا لفظ إلا و هو قابل للاحتمال، و لا حجة إلا و للمنازع فيها مجال. و لو تم ما ذكروه لانسد عليهم باب الاستدلال في جميع هذه المقامات. بل التحقيق ان الاستدلال مبني على الظاهر من اللفظ و المتسارع الى الفهم، و لا يجوز ارتكاب خلاف الظاهر الذي هو الاحتمال إلا في مقام اختلاف الأدلة و ضرورة الجمع مع ترجيح أحد الدليلين، فيرتكب في الآخر التأويل ليرجع اليه. و الأمر هنا ليس كذلك. و بالجملة فإن ما ذكره (قدس سره) خارج عن جادة التحقيق بعيد سحيق.

و تظهر فائدة القولين المتقدمين في الأجير لتلك السنة، و في كفارة خلف النذر و شبهه لو كانت مقيدة بتلك السنة، و في المفسد المصدود إذا تحلل ثم قدر على الحج لسنته، كما سيأتي تحقيقه ان شاء الله (تعالى) في محله.

الثالث [لا فرق بين أنواع الزوجات و لا فرق بين الوطء في القبل و الدبر؟]

- إطلاق النصوص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في الموطوء بين الزوجة الدائمة و المتمتع بها و الأمة، و لا بين الوطء في القبل و الدبر. و به صرح جملة من متأخري المتأخرين.

363

اما الأول فلان الحكم في أكثر الأخبار المتقدمة وقع معلقا على وطء اهله، و هو شامل لكل من هذه الافراد الثلاثة. إلا انه عندي لا يخلو من نوع اشكال و توقف، لأن جملة من الاخبار المتقدمة اشتملت على لفظ: «امرأته» و من الظاهر بعد صدق هذا اللفظ على الأمة، و صدق الأهل أيضا عليها لا يخلو من البعد، سيما مع ما قرر في غير موضع من ان الأحكام انما تحمل على ما هو الفرد الشائع الغالب المتكثر و هو الذي يتبادر إليه الإطلاق، و لا ريب ان الفرد الشائع الغالب إنما هو الزوجة الدائمة. و كيف كان فالاحتياط يقتضي الوقوف على ما ذكروه نور الله (تعالى) مراقدهم و أعلى مقاعدهم.

و اما الثاني فلان الحكم في الاخبار ترتب على المواقعة، و الظاهر شمولها لكل من القبل و الدبر،

لما روى في الدبر: «انه أحد المأتيين» (1).

و نقل عن الشيخ في المبسوط انه أوجب بالوطء في الدبر البدنة دون الإعادة. و عبارته التي نقلها في المختلف لا تساعد على ذلك، فإنه (قدس سره) قال في النهاية على ما نقله في المختلف: ان كان جماعه في الفرج قبل الوقوف كان عليه بدنة و الحج من قابل، و ان كان جماعه في ما دون الفرج كان عليه بدنة دون الحج من قابل. و أطلق و قال في المبسوط: ان جامع المرأة في الفرج قبلا كان أو دبرا قبل الوقوف بالمشعر عامدا- سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده- فسد حجه و وجب عليه المضي فيه، و الحج من قابل، و بدنة، و ان كان الجماع في ما دون الفرج كان عليه بدنة لا غير. و عبارته هذه صريحة في

____________

(1) الوسائل الباب 12 من الجنابة.

364

جعل الدبر من الفرج. و قال في الخلاف: إذا وطئ في الفرج فسد حجه، و ان وطئ في ما دونه لم يفسد حجه و ان انزل. ثم قال:

و من أصحابنا من قال: إتيان البهيمة و اللواط بالرجال و النساء بإتيانها في دبرها، كل ذلك يتعلق به فساد الحج. و به قال الشافعي (1) و منهم من قال: لا يتعلق الفساد إلا بالوطء في القبل من المرأة. و استدل على الأول بالاحتياط، و على الثاني بالبراءة.

و قال ابن البراج: إذا جامع في الفرج أو في ما دونه متعمدا قبل الوقوف بالمزدلفة فسد حجه.

قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: فان جعل الفرج عبارة عن القبل و ما دونه عبارة عن الدبر صح كلامه و إلا فلا.

ثم قال: و ابن إدريس فصل كالشيخ في المبسوط، و باقي علمائنا أطلقوا كالشيخ في النهاية.

ثم قال: و الأقرب عندي انه لا فرق بين القبل و الدبر سواء كان بامرأة أو بغلام، لنا: انه هتك محرم عليه مساو للقبل في الأحكام فيساويه في الإفساد. و لأنه أفحش فالعقوبة به أتم. و لانه يصدق عليه انه واقع و غشي امرأته فيثبت فيه الحكم. و لأن الأحاديث معلقة عليه ثم قال: احتج الآخرون

بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع على أهله في ما دون الفرج. قال: عليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل».

ثم أجاب بأنا نقول بموجبه، لان الدبر يسمى فرجا، لأنه مأخوذ من

____________

(1) المغني ج 3 ص 303 طبع مطبعة العاصمة.

(2) التهذيب ج 5 ص 318، و الوسائل الباب 7 من كفارات الاستمتاع.

365

الانفراج و هو متحقق فيه. انتهى.

أقول: لا ريب ان ظاهر لفظ الوقوع في الروايات المتقدمة صادق على القبل و الدبر. بقي الكلام في هذه الرواية من حيث تضمنها للوقوع على أهله في ما دون الفرج، فربما يتوهم منها اختصاص الفرج بالقبل، كما هو أحد القولين في المسألة، فيمكن ان يخصص بها إطلاق الروايات المتقدمة. و من ما ايدها بعض الاخبار المتقدمة في باب غسل الجنابة في مسألة الجماع في الدبر (1). و الجواب عن ذلك ان يقال: ان المفهوم من كلام أهل اللغة ان الفرج يطلق على الموضعين لا اختصاص له بالقبل، قال ابن الأثير في النهاية: و في حديث ابي جعفر الأنصاري: «فملأت ما بين فروجي» جمع فرج و هو ما بين الرجلين، يقال للفرس: ملأ فرجه و فروجه. إذا عدا و أسرع.

و به سمي فرج المرأة و الرجل، لأنهما بين الرجلين. انتهى. و قال في القاموس: و الفرج: العورة. و قال الفيومي في كتاب المصباح المنير: و الفرج من الإنسان يطلق على القبل و الدبر، لان كل واحد منهما منفرج اي منفتح. و أكثر استعماله في العرف في القبل.

و قد ورد في حديث الاستنجاء (2): اللهم حصن فرجي.

و حينئذ فيجب حمل الصحيحة المذكورة على الوقوع في ما عدا القبل و الدبر من البدن مثل ان يكون بين الأليتين من دون إيقاب، أو التفخيذ للمرأة، كما يشير اليه

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الأخرى (3):

____________

(1) ج 3 ص 4 الى 12.

(2) خلاصة الأذكار للفيض الكاشاني ص 73.

(3) ص 356، و اللفظ: «في المحرم يقع على اهله».

366

«و قد سأله عن المحرم يقع على اهله. قال: ان كان أفضى إليها فعليه بدنة. الحديث و قد تقدم، يعني: جامع و أولج في قبل أو دبر. و ان لم يكن افضى فعليه بدنة».

يعني: مع الإنزال أو مطلقا، كما سيأتي بيانه ان شاء الله (تعالى).

نعم بقي الكلام في ما عدا المرأة من الغلام و الزنى، و ظاهر كلامه هنا و كذا في المنتهى انه كذلك، فإنه ألحق بوطء الزوجة الزنى و وطء الغلام، و علله بما ذكره هنا. و به صرح غيره ايضا. و للنظر فيه مجال و ان كان الاحتياط في ما ذكروه.

الرابع [لا فرق بين كون الحج واجبا أو مندوبا]

- إطلاق الاخبار المتقدمة شامل لما لو كان الحج واجبا أو مندوبا، عن نفسه أو غيره، لان المندوب بالدخول فيه يصير واجبا و بذلك صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل صرح السيد المرتضى (رضي الله عنه) بدعوى الإجماع عليه، حيث قال في المسائل الرسية- على ما نقله في المختلف- اعلم انه لا خلاف بين الإمامية في ان المجامع قبل الوقوف بعرفة أو بالمشعر الحرام يجب عليه مع الكفارة قضاء هذه الحجة نفلا كانت أو فرضا. انتهى. و اما بالنسبة الى ما إذا كانت الحجة عن الغير فقد تقدم ذكره في حج النيابة.

الخامس [شمول الحكم للجماع بعد عرفة]

- المشهور بين الأصحاب ان الجماع مفسد إذا وقع قبل الوقوف بالمشعر سواء كان قبل الوقوف بعرفة أو بعده، و نسبه في المختلف الى الشيخ علي بن بابويه و ابنه في المقنع، قال: و رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) و هو قول ابن الجنيد و ابن البراج

____________

(1) ج 2 ص 213، و الوسائل الباب 1 و 6 و 2 من كفارات الاستمتاع و تقدم ص 358.

367

و ابن حمزة و ابن إدريس. ثم نقل عن الشيخ المفيد: انه ان جامع قبل الوقوف بعرفة فكفارته بدنة، و عليه الحج من قابل، و يستغفر الله، و ان جامع بعد وقوفه بعرفة فعليه بدنة، و ليس عليه الحج من قابل. و هو قول سلار و لبي الصلاح. و للسيد المرتضى قولان:

أحدهما- هذا، ذكره في الجمل، و الثاني كالأول، ذكره في الانتصار ثم نقل عبارته في الانتصار بما هذه صورته: من ما انفردت به الإمامية القول بان من وطئ عامدا في الفرج قبل الوقوف بالمشعر فعليه بدنة و الحج من قابل، و يجري عندهم مجرى من وطئ قبل الوقوف بعرفة.

و قال في المسائل الرسية: اعلم انه لا خلاف بين الإمامية في ان المجامع.

العبارة التي تقدمت.

و العمل على القول المشهور، لما تقدم من مرسلة الصدوق في من لا يحضره الفقيه (1) عن الصادق (عليه السلام) و صحيحة معاوية بن عمار التي بعدها المروية في التهذيب، و في الكافي نحوها (2).

و نقل في المختلف عن الشيخ المفيد انه احتج بما روى عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) انه قال: «الحج عرفة» (3).

ثم أجاب عنه بأنه محمول على ان معظم الحج عرفة ثم قال: و هذا بعد تسليم الحديث.

و بالجملة فإن القول المذكور ضعيف و دليله غير ثابت، و مع ثبوته

____________

(1) ج 2 ص 213، و الوسائل الباب 1 و 6 و 2 من كفارات الاستمتاع.

و تقدم ص 358.

(2) تقدمت ص 359.

(3) مستدرك الوسائل الباب 18 من إحرام الحج. و سنن البيهقي ج 5 ص 216. و الجامع الصغير ج 1 ص 150.

368

فهو غير ظاهر في المدعى، فلا يعارض الخبرين الصحيحين الصريحين في الحكم المذكور.

السادس [هل التفريق بين الرجل و المرأة في الجماع قبل المشعر واجب؟]

- ظاهر جملة من الاخبار المتقدمة و صريح بعضها وجوب التفريق بينهما. و نقل في المدارك انه مجمع عليه بين الأصحاب في حج القضاء، و محل خلاف في الحجة الاولى.

و ظاهر المختلف ان التفريق مطلقا محل خلاف، حيث قال: قال الشيخ في الخلاف: إذا وجب عليهما الحج في المستقبل فإذا بلغا الى الموضع الذي واقعها فيه فرق بينهما، و اختلف أصحاب الشافعي هل هي واجبة أو مستحبة (1)؟ و لم ينص الشيخ هنا على أحدهما. و في النهاية و المبسوط: و ينبغي لهما ان يفترقا. و ليس صريحا في أحدهما إذ قد يستعمله كثيرا فيهما. و قد نص شيخنا علي بن بابويه على وجوبه فقال: و يجب ان يفرق بينك و بين أهلك. و هكذا قال ابنه في المقنع و من لا يحضره الفقيه. و هو الظاهر من كلام ابن الجنيد. و الروايات تدل على الأمر بالتفريق، فان قلنا الأمر للوجوب كان واجبا و إلا فلا. انتهى.

أقول: ظاهر كلامه هنا التردد في الحكم بالوجوب و التوقف فيه، و لا وجه له بعد اعترافه بدلالة الروايات على الأمر، مع تصريحه في الأصول بأن الأمر حقيقة في الوجوب.

و ما نقله عن الشيخ علي بن بابويه و ابنه في كتابيه فهو عين عبارة كتاب الفقه الرضوي المتقدمة (2).

____________

(1) المجموع للنووي ج 7 ص 388 و 399 الطبعة الثانية.

(2) ص 359.

369

و بالجملة فإن الروايات المتقدمة مع كثرتها قد اتفقت على التفريق، و منها- ما هو بلفظ الأمر و ان كان بالجملة الفعلية، و عبارة كتاب الفقه صريحة في الوجوب، فلا مجال للتوقف فيه. و قد قطع في المنتهى بالوجوب من غير نقل خلاف إلا من العامة (1).

و الظاهر ان المخاطب بالوجوب هو الإمام أو نائبه الذي يحج بالناس، كما هو المعمول عليه في الصدر الأول. و لم أقف على من تعرض لبيان ذلك من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).

بقي الكلام هنا في التفريق هل هو في مجموع الحجتين أو حجة القضاء خاصة؟ و بيان غاية التفريق.

فنقل في المختلف عن الشيخ (قدس سره) انه حكم بالتفريق في حجة القضاء مدة بقائهما على النسك، فإذا قضيا المناسك سقط هذا الحكم. ثم قال: و قال شيخنا علي بن بابويه: و يجب ان يفرق بينك و بين أهلك حتى تقضيا المناسك ثم تجتمعان، فإذا حججتما من قابل و بلغتما الموضع الذي كان منكما ما كان فرق بينكما حتى تقضيا المناسك ثم تجتمعان. فأوجب التفريق في الحجتين معا. و قال ابن الجنيد: يفرق بينهما ان كانت زوجته أو أمته الى ان يرجعا الى المكان الذي وقع عليها فيه من الطريق، و هما في جميع ذلك ممتنعان من الجماع، و ان كانا قد أحلا فإذا رجعا اليه جاز لهما ذلك، فإذا حجا قابلا فبلغا ذلك المكان فرق بينهما، و لا يجتمعان حتى يبلغ الهدي محله. فاثبت التفريق في الحجتين معا، و بعد قضاء الحج

____________

(1) المجموع للنووي ج 7 ص 388 و 399 الطبعة الثانية.

370

الفاسد الى ان يبلغ في الرجوع الى مكان الخطيئة. انتهى كلامه زيد مقامه.

أقول: لا ريب ان ظواهر الأخبار المتقدمة دالة على وجوب التفريق في الحجتين معا، و منها كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي، و هو عين ما نقله في المختلف عن الشيخ علي بن بابويه و منه يعلم ان مستنده في الحكم المذكور إنما هو الكتاب المذكور لا ما توهمه في المختلف من ان مستنده رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة (1) و ان كانت دالة على ذلك. و نقل هذه العبارة أيضا الصدوق في الفقيه عن أبيه في رسالته إليه في باب ما يجب على المحرم اجتنابه من الرفث و الفسوق و الجدال في الحج (2).

و ظاهر كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه ان غاية التفريق في الحجة الأولى بعد مواقعة الخطيئة الى ان يقضيا المناسك و يتحللا من إحرامهما، و كذا في الحجة الثانية بعد الوصول الى محل الخطيئة.

و ظاهر رواية علي بن أبي حمزة (3) أنه في الحجة الأولى يفرق بينهما من ذلك المكان الى ان ينتهيا إلى مكة، و في الحجة الثانية من وصول ذلك المكان الى ان يحلا من جميع محرمات الحج و الفراغ من جميع المناسك. و كذا الإحلال من الحجة الثانية (4). و يحتمل حمل الإحلال على بلوغ الهدي محله كما سيأتي.

و ظاهر صحيحة زرارة أو حسنته (5) بالنسبة إلى الحجة الأولى وجوب

____________

(1) ص 357 و 356.

(2) ص 212 و 213.

(3) ص 357 و 356.

(4) في النسخة الخطية: «و كذا الإحلال في الحجة الثانية» و كيف كان فيحتمل في هذه الجملة أن تكون زيادة من قلم النساخ.

(5) ص 357 و 356.

371

التفريق من المكان الذي أحدثا فيه، إلا انه لم يذكر غايته. و في الحجة الثانية من بلوغ المكان الذي أحدثا فيه الى ان يقضيا المناسك و يرجعا الى ذلك المكان. و الواجب حمل هذه الرواية على ما قدمناه من الروايتين الأولتين، بتقييد إطلاق الغاية في الحجة الأولى بما تقدم من قضاء المناسك، و حمل الرجوع في الحجة الثانية الى ذلك المكان بعد قضاء المناسك على الاستحباب، كما صرح به بعض الأصحاب.

و اما صحيحة معاوية بن عمار الاولى فقد تضمنت انه ان لم يكن جاهلا فان عليه ان يسوق بدنة، و يفرق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا. و ظاهرها ان ذلك في الحجة الاولى، و لم يتعرض للحجة الثانية. و مثلها في ذلك صحيحة سليمان بن خالد و رواية السرائر.

و ظاهر كلام ابن الجنيد المتقدم نقله انه أوجب التفريق في الحجة الاولى من مكان الخطيئة الى ان يرجعا اليه. و هذه الاخبار تصلح لان تكون مستندا له، إلا صحيحة معاوية بن عمار الثانية، فإنها إنما اشتملت على الحجة الثانية، إلا انه جعل غاية التفريق فيها بلوغ الهدي محله. و مثله في صحيحته الأخيرة من الروايات المتقدمة. و الظاهر انه كناية عن الإحلال و ان لم يكن عن جميع محرمات الإحرام و قضاء جميع المناسك، كما تقدم في الروايات السابقة.

و لعل طريق الجمع بينها حمل تعدد هذه الغايات على مراتب الفضل و الاستحباب، فغايته الاولى بلوغ الهدي محله، و أفضل منه قضاء جميع المناسك، و أفضل الجميع الرجوع الى موضع الخطيئة.

ثم ان عندي في المقام اشكالا لم أقف على من تنبه له و لابنه عليه

372

و هو ان جعل الغاية في جملة من هذه الاخبار قضاء المناسك و الرجوع الى الموضع الذي أحدثا فيه ما أحدثا إنما يتم لو كان الإحرام بالحج من الميقات خارج مكة، فإنه لا بد له في الرجوع بعد الحج من المرور على ذلك المكان ان سلك تلك الطريق، اما لو كان الحج من مكة- كما في حج التمتع و بعض أقسام الافراد- فإنه يشكل ذلك بأنه بعد الفراغ من المناسك ليس له رجوع الى ذلك الموضع و لا مرور عليه، لانه بعد فراغه من جميع المناسك يتوجه الى بلاده، و الخطيئة إنما وقعت في سفره الى عرفة، فكيف يتم ما أطلق في تلك الاخبار من ان غاية الافتراق قضاء جميع المناسك و الرجوع الى ذلك الموضع؟

فوائد

الأولى [كلام للصدوق في التفريق]

- قال الفاضل الخراساني في الذخيرة: و اعلم انه نقل الصدوق عن والده: فإن أخذتما على طريق غير الذي كنتما أخذتما فيه العام الأول لم يفرق بينكما. و بمضمونه أفتى جماعة من الأصحاب كالفاضلين و الشهيد و غيرهم. و هو متجه، للأصل السالم من المعارض.

و احتمل الشهيد الثاني وجوب التفريق في المتفق من الطريقين، و هو ضعيف. انتهى.

أقول: ما نقله الصدوق عن والده مأخوذ- كما عرفت- من عبارة كتاب الفقه المتقدمة، و هي مستند هذا الحكم. و هذا الحكم لم يوجد في شيء من اخبار المسألة إلا في الكتاب المذكور، و كذا في رواية السرائر لكن باعتبار الغاية لا الابتداء، بمعنى انهما ان رجعا في تلك الطريق فغاية التفريق هو ذلك المكان، و ان رجعا في غيره

373

كان غاية التفريق قضاء المناسك خاصة.

الثانية [معنى التفريق المأمور به]

- معنى التفريق المأمور به في هذه الاخبار هو ان لا يجتمعا في مكان واحد الا و معهما ثالث.

كما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن الى ابان رفعه إلى أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «معنى (يفرق بينهما) اى لا يخلوان و ان يكون معهما ثالث».

و جملة: «و ان يكون» بيان للجملة الاولى.

و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابان رفعه الى ابي جعفر و ابي عبد الله (عليهما السلام) (2) قالا: «المحرم إذا وقع على اهله يفرق بينهما. يعنى بذلك: لا يخلوان و ان يكون معهما ثالث».

و اعتبر الأصحاب في الثالث ان يكون مميزا، لان وجود غير المميز كعدمه. و هو جيد، لانه المتبادر من العبارة المذكورة بقرينة المقام.

الثالثة- لو وطئ ناسيا أو جاهلا

فقد صرحت الأخبار المتقدمة بأنه لا شيء عليه. و الظاهر انه لا خلاف فيه عندنا. و نقل الخلاف فيه في المنتهى عن مالك و ابي حنيفة و احمد و الشافعي في القديم (3) فإنهم أفسدوا به الحج و أوجبوا البدنة. و أخبارنا ترده.

و الظاهر ان مثلهما ما لو اكره على الجماع، كما ذكره العلامة

____________

(1) الفروع ج 4 ص 373، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(2) التهذيب ج 5 ص 319 و 320، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(3) المغني ج 3 ص 307 و 434 و 435 طبع مطبعة العاصمة.

374

في المنتهى. و ظاهر عبارته فيه انه إجماعي.

و لحديث «رفع عن أمتي» (1).

و لأن الإكراه يرفع الفساد في حق المرأة لو أكرهها زوجها، فكذا هو لو أكره أيضا.

السابع- حكم المرأة في ما ذكر حكم الرجل

، من المضي في الحج و قضائه، و وجوب البدنة منى طاوعته.

و تدل على ذلك صحيحة سليمان بن خالد، و صحيحة معاوية المتقدمتان (2) و رواية علي بن أبي حمزة (3).

و ما رواه الشيخ في التهذيب (4) عن خالد الأصم قال: «حججت و جماعة من أصحابنا و كانت معنا امرأة، فلما قدمنا مكة جاءنا رجل من أصحابنا فقال: يا هؤلاء اني قد بليت. قلنا: بماذا؟ قال:

شكرت بهذه المرأة، فاسألوا أبا عبد الله (عليه السلام). فسألناه فقال:

عليه بدنة. فقالت المرأة: فاسألوا لي أبا عبد الله (عليه السلام) فاني قد اشتهيت، فسألناه فقال (عليه السلام): عليها بدنة».

و يتحمل عنها البدنة في صورة الإكراه كما دلت عليه رواية علي ابن أبي حمزة (5) و عبارة كتاب الفقه الرضوي. و اما طعنه في المدارك في رواية علي بن أبي حمزة بأنها ضعيفة، و قول صاحب الذخيرة انها ضعيفة السند، فيشكل التعويل عليها في الحكم المخالف للأصل، فإنه مردود بما صرح به كل منهما في غير موضع من ان ضعف السند

____________

(1) الوسائل الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة، و الباب 56 من جهاد النفس.

(2) ص 358 رقم 1 و 4.

(3) ص 357.

(4) ج 5 ص 331، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(5) ص 357.

375

مجبور بعمل الأصحاب متى اتفقوا على الحكم المذكور فيها، و هو هنا كذلك، فإنه لا مخالف في الحكم المذكور في ما اعلم. و في المنتهى لم ينقل الخلاف فيه إلا عن العامة (1).

الثامن- لو جامع بعد الوقوف بالمشعر و قبل طواف النساء

كان حجه صحيحا، و عليه بدنة. و هو مجمع عليه كما حكاه في المنتهى.

و يدل على سقوط القضاء هنا الأصل المؤيد بمفهوم

قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (2): «إذا وقع الرجل بامرأته دون المزدلفة، أو قبل ان يأتي المزدلفة، فعليه، الحج من قابل».

و يدل على سقوط القضاء مع وجوب البدنة مرسلة الصدوق المتقدمة (3)

و قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه (4): «فان كان الرجل جامعها بعد وقوفه بالمشعر فعليه بدنة، و ليس عليه الحج من قابل».

و يدل على وجوب البدنة أيضا مع صحة الحج

ما رواه في الكافي في الصحيح إلى سلمة بن محرز (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه

____________

(1) المغني ج 3 ص 302 طبع مطبعة العاصمة.

(2) التهذيب ج 5 ص 319، و الوسائل الباب 3 و 6 من كفارات الاستمتاع.

(3) ص 358.

(4) ص 359 و 360.

(5) الوسائل الباب 10 من كفارات الاستمتاع.

376

السلام) عن رجل وقع على اهله قبل ان يطوف طواف النساء. قال:

ليس عليه شيء. فخرجت إلى أصحابنا فأخبرتهم، فقالوا: اتقاك، هذا ميسر قد سأله عن مثل ما سألت فقال له: عليك بدنة. قال:

فدخلت عليه، فقلت: جعلت فداك إني أخبرت أصحابنا بما أجبتني، فقالوا: اتقاك، هذا ميسر قد سأله عن ما سألت فقال له: عليك بدنة فقال: ان ذلك كان بلغه، فهل بلغك؟ قلت: لا. قال: ليس عليك شيء».

و روى الشيخ في الصحيح ايضا الى سلمة بن محرز (1) «انه كان تمتع، حتى إذا كان يوم النحر طاف بالبيت و بالصفا و المروة، ثم رجع الى منى و لم يطف طواف النساء، فوقع على اهله، فذكره لأصحابه فقالوا: فلان قد فعل مثل ذلك، فسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فأمره أن ينحر بدنة. قال سلمة: فذهبت الى ابي عبد الله (عليه السلام) فسألته فقال: ليس عليك شيء. فرجعت الى أصحابي فأخبرتهم بما قال، فقالوا: اتقاك و أعطاك من عين كدرة. فرجعت الى ابي عبد الله (عليه السلام) فقلت: اني لقيت أصحابي فقالوا: اتقاك، و قد فعل فلان مثل ما فعلت فأمره أن ينحر بدنة. فقال: صدقوا ما اتقيتك و لكن فلان فعله متعمدا و هو يعلم، و أنت فعلته و أنت لا تعلم، فهل كان بلغك ذلك؟ قال: قلت: لا و الله ما كان بلغني.

فقال: ليس عليك شيء».

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (2)

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 486، و الوسائل الباب 10 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفروع ج 4 ص 378، و الوسائل الباب 9 و 18 من كفارات الاستمتاع.

377

قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع وقع على اهله و لم يزر. قال: ينحر جزورا- و قد خشيت ان يكون قد ثلم حجه- ان كان عالما، و ان كان جاهلا فلا شيء عليه. و سألته عن رجل وقع على امرأته قبل ان يطوف طواف النساء. قال: عليه جزور سمينة، و ان كان جاهلا فليس عليه شيء.

قال: و سألته عن رجل قبل امرأته، و قد طاف طواف النساء و لم تطف هي. قال: عليه دم يهريقه من عنده».

و روى في الكافي في الصحيح عن عيص بن القاسم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل واقع اهله حين ضحى قبل ان يزور البيت. قال: يهريق دما».

التاسع- لو جامع في ما دون الفرجين قبل الوقوف بالمشعر أو بعده

، كالتفخيذ و نحوه، صح حجه، و وجبت عليه البدنة. و الظاهر انه لا خلاف فيه.

و يدل عليه ما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار (2) و هي الأخيرة من صحاحه.

و قد تضمنت ايضا ان حكم المرأة كالرجل في ذلك لو طاوعته. و مع إكراهه لها فعليه بدنتان. إلا انها تضمنت ان عليهما الحج من قابل في الصورة المذكورة. و لا قائل به. و الاخبار تدفعه، إذ وجوب الحج إنما هو في صورة الجماع الحقيقي لا في هذه الصورة. و أيضا فإنه في صورة الجماع الحقيقي لا يجب على المرأة الحج مع الاستكراه و لا البدنة، و هذا الخبر مع تضمنه تحمل الزوج البدنة عنها تضمن

____________

(1) الوسائل الباب 9 من كفارات الاستمتاع.

(2) ص 358 رقم 4.

378

وجوب الحج عليهما. و لعله قد تطرق الى الخبر المذكور نوع من التحريف الذي أوجب ذلك.

و تدل على ذلك صحيحته الأخرى (1) و هي الثانية من صحاحه المتقدمة حيث اشتملت على انه ان كان أفضى إليها فعليه بدنة و الحج من قابل، و ان لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل.

و قد تقدم في كلامه (عليه السلام)

في كتاب الفقه الرضوي (2):

«فإن كان الرجل جامعها دون الفرج فعليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل».

و إطلاق هذه النصوص- و كذا عبارات جملة من الأصحاب- يقتضي وجوب البدنة في الصورة المذكورة أنزل أم لم ينزل، و كذا المرأة إلا أن العلامة في المنتهى تردد في الحكم المذكور، فقال: لا ريب في وجوبها مع الانزال، و هل تجب بدونه؟ فيه تردد. و رده في المدارك بأنه لا وجه له بعد إطلاق النص بالوجوب، و تصريح الأصحاب بوجوب الجزور بالتقبيل، و الشاة بالمس بشهوة، كما سيجيء بيانه ان شاء الله (تعالى). انتهى.

العاشر [بدل البدنة الواجبة بالجماع بعد المشعر عند العجز عنها]

- قد تقدم في سابق هذا الموضع انه لو جامع بعد الوقوف بالمشعر و قبل طواف النساء، كان حجه صحيحا، و عليه بدنة. و قد تقدمت النصوص الدالة على وجوب البدنة في الصورة المذكورة.

بقي ان الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) قد صرحوا بأنه مع العجز عن البدنة فبقرة أو شاة، و بعض رتب الشاة على البقرة فأوجب البقرة أولا ثم الشاة مع تعذرها.

____________

(1) ص 356.

(2) ص 359 و 360.

379

قال في المدارك بعد نقل ذلك: انه قد اعترف جملة من الأصحاب بعدم الوقوف على مستنده. و الظاهر انه أشار بذلك الى ما ذكره جده (قدس سرهما) في المسالك و الروضة، حيث قال في الأول- بعد نقل عبارة المصنف الدالة على التخيير بين الشاة و البقرة بعد العجز عن البدنة- ما لفظه: لا إشكال في وجوب البدنة للجماع و بعد الموقفين و قبل طواف الزيارة، بل بعده ايضا قبل طواف النساء و انما الكلام في هذين البدلين، فان النصوص خالية عن البقرة و عن الشاة من جهة كونهما بدلا، و انما الموجود في رواية معاوية بن عمار وجوب جزور مطلقا، و في رواية العيص بن القاسم دم. لكن الذي عليه الأصحاب هو التفصيل، فالعمل به متعين، و لعل فيه جمعا بين الروايتين. لكن الموجود في كلامهم ان الشاة مرتبة على العجز عن البقرة، كما ان البقرة مرتبة على البدنة. و المصنف هنا خير بين الشاة و البقرة. و ما ذكروه اولى. انتهى.

أقول: لا ريب ان مستند الأصحاب في الحكم المذكور هو

ما رواه الصدوق في الفقيه عن خالد بياع القلانس (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أتى اهله و عليه طواف النساء قال: عليه بدنة. ثم جاءه آخر فسأله عنها، فقال: عليه بقرة.

ثم جاءه آخر فسأله عنها، فقال: عليه شاة. فقلت بعد ما قاموا:

أصلحك الله (تعالى) كيف قلت: عليه بدنة؟ فقال: أنت موسر و عليك بدنة، و على الوسط بقرة، و على الفقير شاة».

و حيث ان الفاضلين المذكورين و مثلهما صاحب الذخيرة- حيث

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 231، و الوسائل الباب 10 من كفارات الاستمتاع.

380

اقتفى اثر صاحب المدارك كما هي عادته غالبا- لم يقفوا على الرواية المذكورة، وقعوا في ما ذكروا.

الا انه قد تقدم نقلا عن صاحب الكافي انه قال- بعد نقل رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة في الموضع الأول (1) المتضمنة لوجوب البدنة على المجامع- ما صورته (2):

و في رواية أخرى: «فان لم يقدر على بدنة فإطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد، فان لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوما. و عليها ايضا كمثله ان لم يكن استكرهها».

و الظاهر اختصاص هذا الحكم ببدنة المجامع قبل الموقفين، و وجوب البقرة و الشاة على النحو المذكور آنفا مختص ببدنة المجامع بعد الموقفين.

بقي الإشكال أيضا في انه قد تقدم في صدر الفصل الأول من هذا الصنف (3) نقل

صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) في تفسير الآية «فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ» (4) قال (عليه السلام): الرفث: الجماع. الى ان قال: فمن رفث فعليه بدنة ينحرها و ان لم يجد فشاة. الحديث.

و بذلك يعظم الإشكال في المقام. و لم أقف في كلام أحد من الأصحاب (رضوان الله عليهم) على التعرض لذكر بدل البدنة الواجبة بالجماع قبل المشعر مع تعذرها. و الذي وقفت عليه في الاخبار مرسلة الكليني الدالة على الإطعام كما عرفت، و صحيحة علي بن جعفر المذكورة الدالة على

____________

(1) ص 357.

(2) الفروع ج 4 ص 374، و الوسائل الباب 4 من كفارات الاستمتاع.

(3) ص 340.

(4) سورة البقرة، الآية 197.

381

الشاة. و الجمع بالتخيير بينهما ممكن.

و روى في الكافي عن ابي خالد القماط (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع على امرأته يوم النحر قبل ان يزور قال: ان كان وقع عليها بشهوة فعليه بدنة، و ان كان غير ذلك فبقرة. قلت: أو شاة؟ قال: أو شاة».

و لم أقف على قائل بمضمون هذا التفصيل.

و العلامة في المنتهى بعد ان ذكر هذا الحكم لم يورد له دليلا إلا حسنة معاوية بن عمار، و صحيحة العيص المشار إليها في كلام المسالك و رواية القماط المذكورة، و لم يتعرض لنقل رواية خالد بياع القلانس و هذا من ما يؤيد ما صار إليه المتأخرون من إنكار النص في المسألة، حيث ان هذا كلام من تقدمهم من مثل العلامة و نحوه.

و العجب انه نقل أيضا في جملة ذلك

ما رواه ابن بابويه عن ابي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته و هو محرم. قال: عليه جزور كوماء. فقال: لا يقدر؟ قال:

ينبغي لأصحابه ان يجمعوا له و لا يفسدوا عليه حجه».

و هذه الرواية- كما ترى- انما تدل على خلاف موضوع المسألة من الانتقال إلى البقرة ثم الشاة، حيث ان ظاهر الخبر تعين البدنة، و ان عجز فيسعى في حصولها و لو بالاستعانة بالناس.

الحادي عشر [بدل البدنة الواجبة بإفساد الحج عند العجز عنها]

- قال الشيخ: و لو عجز عن البدنة الواجبة بالإفساد فعليه بقرة، فإن عجز فسبع شياه، فان عجز فقيمة البدنة دراهم،

____________

(1) الفروع ج 4 ص 378، و الوسائل الباب 9 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفقيه ج 2 ص 213، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

382

تصرف في الطعام و يتصدق به، فان عجز صام عن كل مد يوما.

كذا نقله عنه في المنتهى و الدروس. و نقل عنه في المنتهى انه قال بعد ذلك: و في أصحابنا من قال هو مخير. و نقلا ايضا عن ابن بابويه انه قال: من وجب عليه بدنة في كفارة فلم يجدها فعليه سبع شياه، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في منزله.

و في الدروس: انه قال في التهذيب: روى إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد، فان عجز صام ثمانية عشر يوما. ذكره في الرجل و المرأة.

أقول: الظاهر ان هذه الرواية هي التي تقدم عن الكافي نقلها بعد نقل رواية علي بن أبي حمزة، المتقدم جميع ذلك في الموضع الأول، و قد تقدمت في سابق هذا الموضع ايضا.

و نقل في المنتهى عن الشيخ (قدس سره) انه استدل على ما قدمنا نقله عنه بإجماع الفرقة و اخبارهم و طريقة الاحتياط.

و ظاهره في المنتهى القول بما ذكره الشيخ من الترتيب في البدنة و ما بعدها من البقرة ثم الشياه السبع ثم الصدقة ثم الصوم. و في الدروس اقتصر على نقل القولين المذكورين.

أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة هو

ما رواه المشايخ الثلاثة عن داود بن فرقد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في الرجل تكون عليه بدنة واجبة في فداء. قال:

إذا لم يجد بدنة فسبع شياه، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما» و زاد في الفقيه و التهذيب: «بمكة أو في منزله».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 385، و الفقيه ج 2 ص 232، و التهذيب ج 5 ص 481، و الوسائل الباب 2 من كفارات الصيد. و الراوي هو داود الرقي.

383

و الظاهر ان هذه الرواية هي مستند الصدوق في ما نقل عنه. إلا انها ظاهرة في كون تلك البدنة فداء، و هو أخص من الكفارة، فلا تنهض حجة في ما ادعاه هنا. نعم هي ظاهرة في البدنة التي في كفارة النعامة و نحوها. و لكنها معارضة بالأخبار الكثيرة الصحيحة الصريحة في بيان بدل بدنة الصيد، كما تقدم في محله. فالقول بها ساقط في كلا الموضعين.

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (1) عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن الرفث و الفسوق و الجدال، ما هو؟ و ما على من فعله؟ قال: الرفث: جماع النساء، و الفسوق: الكذب و المفاخرة، و الجدال: قول الرجل: لا و الله و بلى و الله. فمن رفث فعليه بدنة ينحرها فان لم يجد فشاة. و كفارة الجدال و الفسوق شيء يتصدق به إذا فعله و هو محرم».

و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله (2) و لا اعرف به قائلا من الأصحاب.

و اما ما ذكره الشيخ (قدس سره) فلم أقف له على دليل.

الثاني عشر [حكم الجماع قبل إكمال طواف النساء في الحج]

- قد تقدم ان الجماع قبل طواف النساء موجب للبدنة اما لو طاف منه أشواطا، فإن أكمل منه خمسة فلا كفارة، و ان كانت ثلاثة فما دون وجبت الكفارة، و في الأربعة قولان.

و تفصيل هذه الجملة ان وجوب الكفارة في الثلاثة فما دون من ما لا اشكال فيه- بل قال شيخنا الشهيد الثاني: انه لا خلاف في وجوب البدنة لو كان الوقاع قبل أربعة أشواط من طواف النساء، و عدم الوجوب

____________

(1) الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(2) الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

384

لو أكمل خمسة- و انما الخلاف و الاشكال في ما بينهما، فعن الشيخ انه قال: إذا طاف من طواف النساء شيئا بعد قضاء مناسكه ثم جامع، فان كان قد طاف منه أكثر من النصف بنى عليه بعد الغسل و لم تلزمه الكفارة، و ان كان أقل من النصف كان عليه الكفارة و اعادة الطواف. و قال ابن إدريس: اما اعتبار النصف في صحة الطواف و البناء عليه فصحيح، و اما سقوط الكفارة ففيه نظر، لأن الإجماع حاصل على ان من جامع قبل طواف النساء وجبت عليه الكفارة، و هذا جامع قبل طواف النساء، فالاحتياط يقتضي إيجاب الكفارة.

و ظاهر كلام ابن إدريس هنا وجوب الكفارة و ان كان قد طاف خمسة. و هو خلاف الإجماع المدعى في المسألة، كما تقدمت الإشارة اليه. و بذلك ايضا صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.

و قال في المدارك: و ما ذكره ابن إدريس من ثبوت الكفارة قبل إكمال السبع لا يخلو من قوة، و ان كان اعتبار الخمسة لا يخلو من رجحان، عملا بالروايتين المتضمنتين لانتفاء الكفارة بذلك، المطابقتين لمقتضى الأصل و الإجماع المنقول.

و الذي وقفت عليه من الاخبار

ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في من لا يحضره الفقيه في الصحيح الى حمران بن أعين- و هو ممدوح، و حديثه عند أصحاب هذا الاصطلاح معدود في الحسن- عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط، ثم غمزه بطنه فخاف ان

____________

(1) الفروع ج 4 ص 379، و الفقيه ج 2 ص 245 و 246، و الوسائل الباب 11 من كفارات الاستمتاع.

385

يبدره فخرج الى منزله فنفض، ثم غشي جاريته. قال: يغتسل ثم يرجع فيطوف بالبيت طوافين، تمام ما كان قد بقي عليه من طوافه، و يستغفر الله، و لا يعود».

و زاد في الكافي: «و ان كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط، ثم خرج فغشي، فقد أفسد حجه، و عليه بدنة، و يغتسل ثم يعود فيطوف أسبوعا».

و الظاهر ان المراد بإفساد الحج الكناية عن حصول ثلم فيه، أو إفساد الطواف، و المراد بالحج الطواف مجازا. و لا استبعاد في التجوز و التعبير عن الجزء باسم الكل.

و قال في المختلف: و على هذه الرواية عول الشيخ (رضوان الله- تعالى- عليه) ثم قال: و قول الشيخ عندي هو المعتمد. و علله أيضا- زيادة على الرواية- بأن الأصل براءة الذمة. و لانه مع تجاوزه النصف يكون قد اتى بالأكثر، فحكمه حكم من اتى بالجميع.

و أورد عليه ان الرواية غير دالة على ما ذكره الشيخ من ان الاعتبار في عدم وجوب الكفارة بمجاوزة النصف، و انما رتب فيها على طواف الخمسة. و لهذا ان ظاهر المحقق و هو في المنتهى اعتبار الخمسة، و كذا الشهيد في الدروس.

و الظاهر ان مستند الشيخ هنا انما هو

ما رواه في من لا يحضره الفقيه عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في رجل نسي طواف النساء. قال: إذا زاد على النصف و خرج ناسيا، أمر من يطوف عنه، و له ان يقرب النساء إذا زاد على النصف».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 246، و الوسائل الباب 58 من الطواف.

386

قال العلامة في المنتهى- بعد إيراد حسنة حمران و وصفها بالصحة- ما صورته: و هي انما تدل على سقوطها عن من جامع و قد طاف خمسة أشواط. فإن احتج بمفهوم قوله: «فطاف منه ثلاثة أشواط» كان للمنازع ان يحتج بمفهوم الخمسة. و بالجملة فالذي نختاره نحن انه لا كفارة عليه إذا طاف خمسة أشواط، اما لو طاف أربعة أشواط فإنه و ان تجاوز النصف لكن الكفارة تجب عليه، عملا بالأخبار الدالة على وجوب الكفارة على من جامع قبل طواف النساء، إذ هو ثابت في حق من طاف بعضه، السالم عن معارضة طواف خمسة أشواط. اما ابن إدريس فإنه اعتبر مجاوزة النصف في صحة الطواف و البقاء عليه لا في سقوط الكفارة، و قال: الإجماع حاصل على ان من جامع قبل طواف النساء فإن الكفارة تجب عليه. و هو متحقق في ما إذا طاف دون الأشواط مع ان الاحتياط يقتضي وجوب الكفارة. و لا تعويل على هذا الكلام مع ورود الحديث الصحيح و موافقة عمل الأصحاب عليه. انتهى.

أقول: يمكن ان يناقش فيه أولا: بان ما ادعاه من معارضة مفهوم الخمسة لمفهوم الشرط في قوله: «فان طاف منه ثلاثة أشواط» لا معنى له، إذ لا مفهوم في جانب الخمسة بالكلية، و ذلك ان الخمسة انما هي في كلام السائل لا في كلام الامام (عليه السلام) و حيث وقع السؤال عن حكمها أجاب (عليه السلام) فيها بما حاصله انه لا شيء عليه من كفارة و لا إفساد. و بيان الحكم في المسؤول عنه لا يقتضي نفيه عن ما عداه.

و ثانيا: ان ما احتج به- من إطلاق الاخبار الدالة على وجوب الكفارة على من جامع قبل طواف النساء- ففيه ان المتبادر المنساق

387

الى الذهن من تلك الاخبار انما هو من لم يدخل في الطواف بالكلية و لم يأت بشيء منه. قال بعض الفضلاء: و التعويل على ظاهر العمومات اللفظية- بعد ان يكون المنساق الى الذهن بعض الأنواع- لا يخلو من اشكال، كما أشرنا إليه مرارا. انتهى، و هو جيد.

و ثالثا: ان وصفه رواية حمران بالصحة هنا و في المختلف ايضا لا يوافق مقتضى اصطلاحه، فان الرجل لم ينقل توثيقه في شيء من كتب الرجال و ان كان المفهوم من الاخبار مدحه. و ما أبعد ما بين وصف هذه الرواية بالصحة و ردها بالضعف كما ذكره في المدارك حيث قال: ان حمران لم ينص الأصحاب عليه بتوثيق و لا مدح يعتد به. و لهذا قوى مذهب ابن إدريس في المسألة، كما تقدم نقله عنه.

أقول: المفهوم من الاخبار جلالة الرجل المذكور و عظم منزلته عند الأئمة (عليهم السلام) فلا يلتفت الى ما ذكره (قدس سره).

و قال في الذخيرة: و لو قيل بعدم لزوم الكفارة بعد مجاوزة الثلاثة لم يكن بعيدا، نظرا الى مفهوم رواية حمران، مع اعتضاده بالأصل، و عدم شمول ما دل على الكفارة قبل طواف النساء لمحل البحث كما بيناه. و المسألة عندي لا تخلو من اشكال. انتهى. و هو جيد. الا ان فيه ان هذا المفهوم معارض بمفهوم رواية أبي بصير المتقدمة التي قد عرفت انها مستند الشيخ.

و بالجملة فالمسألة كما ذكره (قدس سره) محل اشكال.

الثالث عشر [حكم الجماع في العمرة قبل السعي]

- قد صرح جملة من الأصحاب بان من جامع في إحرام العمرة قبل السعي فسدت عمرته، و عليه البدنة و القضاء. و ظاهر العلامة في المنتهى انه موضع وفاق. و نقل في المختلف عن الشيخ في

388

النهاية و المبسوط انه قال: من جامع امرأته و هو محرم بعمرة مبتولة قبل ان يفرغ من مناسكها، فقد بطلت عمرته، و كان عليه بدنة، و المقام بمكة إلى الشهر الداخل الى ان يقضي عمرته، ثم ينصرف ان شاء. و عن ابن ابي عقيل انه قال: و إذا جامع الرجل في عمرته بعد ان طاف بها و سعى قبل ان يقصر، فعليه بدنة، و عمرته تامة، فاما إذا جامع في عمرته قبل ان يطوف لها و يسعى، فلم احفظ عن الأئمة (عليهم السلام) شيئا أعرفكم به، فوقفت عند ذلك، و رددت إليهم (عليهم السلام). و عن ابي الصلاح: في الوطء في إحرام المتعة قبل طوافها و سعيها فساد المتعة و كفارة بدنة.

قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: و الوجه انه ان جامع قبل السعي في العمرة فسدت عمرته، سواء كانت عمرة التمتع أو العمرة المفردة، و عليه بدنة، و الإتيان بها، اما كون القضاء في الشهر الداخل فسيأتي بحثه. انتهى.

أقول: و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلي (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اعتمر عمرة مفردة، فغشي أهله قبل ان يفرغ من طوافه و سعيه. قال: عليه بدنة لفساد عمرته، و عليه ان يقيم الى الشهر الآخر، فيخرج الى بعض المواقيت فيحرم بعمرة».

و ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) في الحسن عن علي بن رئاب عن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 324، و الوسائل الباب 12 من كفارات الاستمتاع.

(2) ج 2 ص 275، و الوسائل الباب 12 من كفارات الاستمتاع.

389

يعتمر عمرة مفردة، ثم يطوف بالبيت طواف الفريضة، ثم يغشى أهله قبل ان يسعى بين الصفا و المروة؟ قال: قد أفسد عمرته، و عليه بدنة، و عليه ان يقيم بمكة حتى يخرج الشهر الذي اعتمر فيه ثم يخرج الى الوقت الذي وقته رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) لأهله فيحرم منه و يعتمر».

و رواه الكليني في الكافي (1).

و طعن في الذخيرة في هذه الرواية بضعف السند. و هو ظاهر المدارك ايضا. و الظاهر ان منشأه أخذ الرواية المذكورة من الكافي، حيث انه رواها فيه بطريق فيه سهل، و إلا فهي في كتاب من لا يحضره الفقيه صحيحة، كما لا يخفى على من راجع فهرسته (2).

و ما رواه في الكافي في الصحيح إلى أحمد بن ابي علي عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) «في رجل اعتمر عمرة مفردة، و وطئ اهله و هو محرم قبل ان يفرغ من طوافه و سعيه؟ قال: عليه بدنة لفساد عمرته و عليه ان يقيم بمكة حتى يدخل شهر آخر، فيخرج الى بعض المواقيت فيحرم منه ثم يعتمر».

و هذه الروايات- كما ترى- ظاهرة الدلالة في ما ذكره الشيخ من اختصاص الحكم المذكور بالعمرة المفردة. و ظاهر كلام الأصحاب العموم لما لو كانت عمرة تمتع أو مفردة، بل صرح بذلك العلامة في المختلف كما عرفت و غيره. و لم أقف له على دليل.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 538 و 539، و الوسائل الباب 12 من كفارات الاستمتاع.

(2) ذكر في جامع الرواة ج 2 ص 537: ان طريق الصدوق الى علي بن رئاب الراوي عن مسمع صحيح.

(3) الفروع ج 4 ص 538، و الوسائل الباب 12 من كفارات الاستمتاع.

390

قال في المدارك: و ربما أشعرت به

صحيحة معاوية بن عمار (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته و لم يقصر. قال: ينحر جزورا- و قد خشيت ان يكون قد ثلم حجه- ان كان عالما، و ان كان جاهلا فلا شيء عليه».

فان الخوف من تطرق الفساد الى الحج بالوقاع بعد السعي و قبل التقصير ربما اقتضى تحقق الفساد بوقوع ذلك قبل السعي. انتهى. و فيه تأمل.

فوائد

الأولى

- اعلم ان الشيخ و أكثر الأصحاب (رضوان الله عليهم) لم يتعرضوا للحكم بوجوب إتمام العمرة الفاسدة، كما صرحوا به في الحج، و قطع العلامة في القواعد و الشهيدان بالوجوب. و مستنده غير ظاهر، فإن أخبار المسألة المذكورة خالية منه، بل ظاهرها العدم، لتصريحها بفساد العمرة. لا يقال: ان الحج ايضا مع كونه فاسدا- كما صرحوا به- يجب إتمامه، فالحكم بالفساد لا ينافي وجوب الإتمام. قلنا: ان وصف الحج بالفساد إنما وقع في كلامهم لا في الاخبار، كما قدمنا الإشارة إليه. بل ظاهر الاخبار انما هو صحته و وجوب إتمامه. و ما أوقعه فيه من الجماع منجبر بالبدنة و الإعادة من قابل.

الثانية

- انه على تقدير القول بوجوب الإكمال، فهل يجب إكمال الحج لو كانت العمرة الفاسدة عمرة تمتع، حتى لو كان الوقت واسعا و استأنف العمرة و اتى بالحج لم يكف؟ وجهان، و استوجه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 440، و الوسائل الباب 13 من كفارات الاستمتاع.

391

شيخنا الشهيد الثاني وجوب إكمالهما ثم قضائهما، لما بينهما من الارتباط. و رده سبطه في المدارك بأنه ضعيف، قال: لان الارتباط انما ثبت بين الصحيح منهما لا الفاسد. و هو جيد.

الثالثة

- لو كان الجماع في العمرة بعد السعي و قبل التقصير لم تفسد العمرة و ان وجبت البدنة. و ظاهر جملة من الأصحاب شمول هذا الحكم لعمرة التمتع و المفردة.

و المروي في الاخبار الأول، و منها- صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، و منها-

صحيحة الحلبي أو حسنته (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثم بالصفا و المروة و قد تمتع، ثم عجل فقبل امرأته قبل ان يقصر من رأسه. فقال:

عليه دم يهريقه. و ان جامع فعليه جزورا أو بقرة».

الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله (تعالى) في بحث التقصير.

و لم نقف في شيء من الاخبار على مثل ذلك في العمرة المفردة، فما ذكروه (رضوان الله عليهم) من العموم لا اعرف له دليلا.

الرابعة

- اعلم ان العلامة في القواعد قال: و لو جامع في إحرام العمرة المفردة أو المتمتع بها- على اشكال- قبل السعي عامدا عالما بالتحريم، بطلت عمرته و وجب إكمالها، و قضاؤها، و بدنة.

و ظاهر هذه العبارة حصول الإشكال في إلحاق عمرة التمتع بالعمرة المفردة في هذا الحكم. و وجهه ظاهر من ما قدمناه من الاخبار الدالة على ان هذا الحكم انما هو في العمرة المفردة، كما ذكره الشيخ، لا مطلقا كما هو المشهور عندهم.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 440، و الوسائل الباب 13 من كفارات الاستمتاع.

392

إلا انه نقل عن الشيخ فخر الدين في شرحه على الكتاب في بيان الاشكال: ان الاشكال انما هو في فساد الحج بعدها لا في فساد العمرة، قال: و منشأ الاشكال، من دخول العمرة في الحج، و من انفراد الحج بالإحرام. و نسب ذلك الى تقرير والده.

قال في المدارك: و لا يخفى ضعف الاشكال على هذا التوجيه، لان حج التمتع لا يعقل صحته مع فساد العمرة المتقدمة عليه. انتهى.

و هو جيد.

و ما ذكره الفاضل المذكور عن والده (قدس سرهما) و ان كان- كما عرفت- ضعيفا إلا انه غير بعيد، حيث ان ظاهر العلامة (قدس سره) في كتبه اتحاد العمرتين في الحكم المذكور كما تقدم، و كذا غيره من الأصحاب. و لذا قال المحقق الثاني في شرحه على الكتاب بعد ذكر العبارة: لا يظهر لهذا الاشكال موضع، لان وجوب الأحكام المذكورة مشترك بين عمرة الافراد و التمتع، و إنما الذي هو محل النظر وجوب إتمامها و إتمام الحج و وجوب قضائهما، بناء على ان عمرة التمتع لا تنفرد عن حجه، و الشروع فيها شروع فيه.

و الأصح وجوب الأمرين معا. انتهى. و فيه ما عرفت.

الخامسة

- ظاهر الاخبار المتقدمة تعين إيقاع القضاء في الشهر الداخل عليه بعد ذلك الشهر بلا فصل. و يجب المصير اليه و ان قلنا بالاكتفاء بين العمرتين بعشرة أيام في غير هذه الصورة. و ظاهر الأصحاب كون ذلك هنا على جهة الأفضلية لا الوجوب. و الى ما اخترناه هنا جنح في المدارك أيضا.

بقي هنا شيء، و هو ان اعتبار الفصل بين العمرتين بالشهر أو

393

العشرة أيام- مثلا- إنما هو بالنسبة إلى العمرة الصحيحة، و العمرة هنا صارت فاسدة، فوجوب التأخير إلى الشهر الداخل لا يظهر لي وجهه. و الله العالم.

المسألة الثانية [حكم الاستمناء في الحج]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في وجوب البدنة بالاستمناء، و هو استدعاء المنى و طلبه بالعبث بذكره بيده، أو ملاعبة غيره، مع حصوله، و إنما الخلاف في كونه مفسدا للحج إذا وقع قبل المشعر، و وجوب القضاء به.

فذهب الشيخ في النهاية و المبسوط الى ذلك، و نقله في المختلف ايضا عن ابن البراج و ابن حمزة. إلا ان المنقول عن الشيخ إنما هو التعبير بان من عبث بذكره حتى امنى كان حكمه حكم من جامع على السواء في اعتبار ذلك قبل الوقوف بالمشعر في انه يلزمه الحج من قابل، و ان كان بعد ذلك لم يكن عليه غير الكفارة شيء. انتهى. و نقل عن ابي الصلاح: ان في الاستمناء بدنة قال: و كذا قال ابن إدريس- دون الفساد. و نقل ابن إدريس هذا القول الذي ذهب اليه عن الشيخ في الخلاف و الاستبصار.

و اختار في المختلف الأول، و استدل عليه

بما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فأمنى؟ قال: ارى عليه مثل ما على من اتى اهله و هو محرم: بدنة، و الحج من قابل».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من كفارات الاستمتاع. و الشيخ يرويه عن الكليني.

394

و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المحرم يعبث بأهله و هو محرم، حتى يمني من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان، ما ذا عليهما؟ قال: عليهما جميعا الكفارة، مثل ما على الذي يجامع».

ثم قال: احتج ابن إدريس بالبراءة الأصلية. و الجواب: المعارضة بالاحتياط. و بما تقدم من الأدلة. انتهى.

أقول: و بموثقة إسحاق استدل ايضا الشيخ في التهذيب. و أجاب عنها في المدارك بأنها قاصرة، من حيث السند بان راويها- و هو إسحاق بن عمار- فطحي، و من حيث المتن بأنها لا تدل على ترتب البدنة و القضاء على مطلق الاستمناء، بل على هذا الفعل المخصوص، مع انه قد لا يكون المطلوب به الاستمناء.

أقول: اما الجواب الأول فالكلام فيه مفروغ منه عندنا، مع ما عرفت في غير مقام ان هذا الطعن لا يقوم حجة على الشيخ و أمثاله من المتقدمين. و اما الثاني فإنك قد عرفت من عبارة الشيخ المتقدمة انه عبر بلفظ هذه الرواية، و ان كان الأصحاب عبروا بعده بلفظ الاستمناء. و حينئذ فتكون الرواية منطبقة على ما ادعاه الشيخ.

و أجاب في المدارك ايضا عن استدلال العلامة بصحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج بأنه لا دلالة لهذه الرواية على وجوب القضاء بوجه.

أقول: لا ريب انه و ان كان الأمر كما ذكره إلا انها ايضا لا دلالة لها على عدمه. و حينئذ فغاية الأمر انها بالنسبة إلى وجوب

____________

(1) الفروع ج 4 ص 376، و التهذيب ج 5 ص 324، و الوسائل الباب 14 من كفارات الاستمتاع.

395

القضاء مطلقة، فيمكن تقييدها بموثقة إسحاق المتقدمة. إلا ان جملة من الاخبار المتقدمة في مسألة الجماع في غير الفرج قد دلت على وجوب البدنة و نفى الحج من قابل، و ظاهر ان الجماع في غير الفرج داخل تحت العبث بأهله الذي اشتملت عليه صحيحة عبد الرحمن المذكورة و حينئذ فالأقوى نفى القضاء في صورة العبث بأهله.

و بالجملة فإن ما ذكره الأصحاب- من التعبير بالاستمناء الذي هو عبارة عن طلب المني بأحد الأشياء المتقدمة- لم أقف عليه في شيء من النصوص، و انما الموجود فيها ما عرفت. و حينئذ فلا يبعد قصر كل ما تضمنته هذه النصوص على موضعه، فيجب القول بالبدنة و القضاء في من عبث بذكره فأمنى، كما دلت عليه موثقة إسحاق المذكورة، و وجوب البدنة خاصة في من عبث بأهله حتى امنى.

و ظاهر الدروس الميل الى العمل بالرواية المذكورة حيث قال:

و روى إسحاق بن عمار الحج ثانيا إذا أمنى بعبثه بالذكر. و لم نقف على معارض لها. انتهى.

و نقل عن الشيخ في الاستبصار انه قال بعد ان أورد رواية إسحاق المتقدمة: انه يمكن ان يكون هذا الخبر محمولا على ضرب من التغليظ و شدة الاستحباب دون ان يكون ذلك واجبا.

و الى القول بما ذهب اليه ابن إدريس ذهب المحقق في الشرائع و النافع، و اختاره في المدارك. و هو مبني على طرح موثقة إسحاق المذكورة، و قد عرفت انه لا مانع من العمل بها في ما دلت عليه، كما هو ظاهر عبارة الشيخ المتقدمة. و الله العالم.

المسألة الثالثة [حكم جماع المحل أمته المحرمة بإذنه]

- لو جامع أمته و هو محل و هي محرمة بإذنه، تحمل

396

عنها الكفارة: بدنة أو بقرة أو شاة، و ان كان معسرا فشاة أو صيام ثلاثة أيام. و الحكم بذلك مقطوع به في كلام الأصحاب. و نقل عن الشيخ انه يلزمه بدنة، فان عجز فشاة أو صيام ثلاثة أيام.

قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و كان والدي (رحمه الله تعالى) يوجب على الموسر بدنة أو بقرة أو شاة، و على المعسر شاة أو صيام. و هو الوجه،

لما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): أخبرني عن رجل محل وقع على امة محرمة. قال: موسرا أو معسرا؟ قلت:

أخبرني عنهما. فقال: هو أمرها بالإحرام أو لم يأمرها و أحرمت من قبل نفسها؟ قلت أجبني فيهما. قال: ان كان موسرا، و كان عالما انه لا ينبغي له، و كان هو الذي أمرها بالإحرام، فعليه بدنة، و ان شاء بقرة، و ان شاء شاة. و ان لم يكن أمرها بالإحرام، فلا شيء عليه موسرا كان أو معسرا. و ان كان أمرها و هو معسر، فعليه دم شاة أو صيام».

أقول: وصفه للرواية بالصحة- مع كون الراوي إسحاق بن عمار المشترك بين الثقة الإمامي و الثقة الفطحي- لا يخلو من سهو.

و إطلاق النص و كلام كثير من الأصحاب يقتضي عدم الفرق بين الأمة المكرهة و المطاوعة. و قد صرح العلامة و كثير ممن تأخر عنه بفساد حج الأمة مع المطاوعة، و وجوب إتمامه، و القضاء كالحرة، و انه يجب على المولى الاذن لها في القضاء، و القيام بمؤنته، لاستناد

____________

(1) الفروع ج 4 ص 374، و التهذيب ج 5 ص 320، و الوسائل الباب 8 من كفارات الاستمتاع.

397

الفساد الى فعله. و لا اعرف لهم دليلا على ذلك الا القياس على الحرة كما تقدم. و معلوم بطلانه. و قد قطع الشهيد الثاني بأن تحمل المولى الكفارة انما يثبت مع الإكراه، اما مع المطاوعة فتتعلق الكفارة بالأمة، و تصوم بدل البدنة ثمانية عشر يوما. و الكلام فيه كسابقه. و إطلاق النص المذكور يأبى ما ذكروه. و تقييده يحتاج الى دليل، و ليس فليس.

بقي هنا روايتان في المقام: إحداهما-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ضريس (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر جاريته ان تحرم من الوقت فأحرمت، و لم يكن هو أحرم، فغشيها بعد ما أحرمت. قال: يأمرها فتغتسل ثم تحرم، و لا شيء عليه».

و حملها الشيخ على انها لم تكن لبت بعد. و يحتمل حملها على انه أمرها بالإحرام في وقت و قد أحرمت قبله.

و روى الصدوق عن وهب بن عبد ربه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل كانت معه أم ولد له فأحرمت قبل سيدها، إله أن ينقض إحرامها و يطأها قبل ان يحرم؟ قال: نعم».

و ظاهره أنها أحرمت بغير اذن سيدها فلا اشكال فيه.

المسألة الرابعة [لو عقد محرم أو محل امرأة لمحرم و دخل بها]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه لو عقد محرم أو محل لمحرم على امرأة، فدخل المحرم بها، فعلى كل واحد منهما كفارة. و احترزوا بقيد الدخول

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 320، و الوسائل الباب 8 من كفارات الاستمتاع.

(2) الفقيه ج 2 ص 208، و الوسائل الباب 8 من كفارات الاستمتاع.

398

عن ما لو لم يدخل، فإنه ليس إلا الإثم، للأصل، و عدم النص على ما سواه.

و لم أقف في هذه المسألة إلا على رواية سماعة، و هي

ما رواه الشيخ عنه في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا ينبغي للرجل الحلال ان يزوج محرما و هو يعلم انه لا يحل له. قلت: فان فعل فدخل بها المحرم؟ قال: ان كانا عالمين، فان على كل واحد منهما بدنة، و على المرأة ان كانت محرمة بدنة، و ان لم تكن محرمة فلا شيء عليها، إلا ان تكون قد علمت ان الذي تزوجها محرم، فان كانت علمت ثم تزوجته فعليها بدنة».

و الرواية المذكورة تضمنت ان العاقد محل، و الأصحاب قطعوا بوجوب الكفارة عليه محلا أو محرما، و ان كان اجزاء ذلك في المحرم عندهم بطريق الأولوية، و إلا فلا دليل في المقام سوى الخبر المذكور.

و من العجب اقتفاء صاحب الوسائل لهم في ذلك مع ما عرفت، و هو من المحدثين الذين لا يتجاوزون في فتاويهم الاخبار.

و مقتضى الرواية لزوم البدنة للمرأة المحلة مع العلم بإحرام الزوج. و به افتى الشيخ و جماعة من الأصحاب (رضوان الله عليهم).

و قال في الدروس: لو عقد لمحرم على امرأة فدخل، فعلى كل واحد كفارة و ان كان العاقد محلا، و لو كانت المرأة محلة فلا شيء عليها. انتهى. و ظاهره عدم الكفارة عليها علمت أو لم تعلم. و فيه طرح للرواية في أحد الحكمين و العمل بها في الحكم الآخر. و الفرض

____________

(1) الوسائل الباب 14 من تروك الإحرام، و الباب 21 من كفارات الاستمتاع. و الشيخ يرويه عن الكليني.

399

انه ليس غيرها في المسألة. و هو تحكم.

و ظاهر المحقق الشيخ علي (رحمه الله تعالى) ترتب الإفساد و وجوب القضاء مع الإتمام على الجماع هنا ايضا. و هو مبني على ما هو المشهور في كلامهم من إلحاق الزنى في هذا الحكم بالزوجة، كما تقدمت إليه الإشارة.

و اما ما ذكره في المدارك- من ان المطابق للأصول هو اطراح الرواية المذكورة مطلقا، لنص الشيخ على ان راويها و هو سماعة واقفي، فلا تعويل على روايته- فان الظاهر ان منشأه من حيث إيجاب البدنة على العاقد المحل، و المرأة المحلة العالمة، كما تضمنته الرواية، و ان مقتضى الأصول بزعمه ترتب الإثم خاصة دون الكفارة. و المشهور بين الأصحاب بالنسبة إلى الأول- و به جزم العلامة في جملة من كتبه و الشهيد في الدروس و غيرهما- هو وجوب البدنة، و نسبه المحقق في الشرائع إلى الرواية المذكورة إيذانا بالتوقف فيه، و في المنتهى: و في سماعه قول و عندي في هذه الرواية توقف. و هو ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك ايضا. و اما بالنسبة الى الثاني فكذلك. و قد عرفت ما في كلام الدروس من المخالفة.

قال في المسالك: و ذهب جماعة الى عدم وجوب شيء على المحل مطلقا سوى الإثم، للأصل، و ضعف المستند، أو بحمله على الاستحباب و التحقيق ان الرواية لا معارض لها من الاخبار في المقام، فإطراحها بمجرد ذلك مشكل. و مع تسليم ما ذكروه فتخصيص العام و تقييد المطلق شائع في الأحكام.

المسألة الخامسة- في النظر

، فان كان النظر الى غير أهله فأمنى،

400

فالمشهور انه ان كان موسرا فبدنة، و ان كان متوسطا فبقرة، و ان كان معسرا فشاة.

و المستند في ذلك

ما رواه الشيخ عن ابي بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل محرم نظر الى ساق امرأة فأمنى؟

فقال: ان كان موسرا فعليه بدنة، و ان كان وسطا فعليه بقرة، و ان كان فقيرا فعليه شاة. ثم قال: اما اني لم اجعل عليه هذا لأنه أمنى إنما جعلته عليه لانه نظر الى ما لا يحل له».

و مقتضى التعليل المذكور وجوب الكفارة و ان لم يمن. و لا اعلم به قائلا، بل عباراتهم كلها صريحة في التقييد بالأمناء.

و عن الصدوق في المقنع انه يتخير بين الجزور و البقرة. فإن عجز فشاة. و يدل عليه

ما رواه الشيخ عن زرارة في الصحيح (2) قال:

«سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل محرم نظر الى غير أهله فأنزل. قال: عليه جزور أو بقرة، فان لم يجد فشاة».

و عن الشيخ المفيد مثل القول الأول، إلا انه زاد: و ان لم يجد شيئا من ما ذكرناه لتعذره في الحال فعليه صيام ثلاثة أيام يصومها.

و لم أقف في الاخبار له على دليل. و لعله نظر الى ان آخر ما يجب عليه الشاة، و ان صيام الثلاثة يقوم مقامها مع تعذرها، كما صرح به في غير هذا الحكم.

بقي في المسألة رواية ثالثة، و هي

ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (3): «في محرم نظر الى غير أهله

____________

(1) الوسائل الباب 16 من كفارات الاستمتاع.

(2) الوسائل الباب 16 من كفارات الاستمتاع.

(3) الوسائل الباب 16 من كفارات الاستمتاع.

401

فانزل؟ قال: عليه دم، لانه نظر الى غير ما يحل له. و ان لم يكن انزل فليتق الله و لا يعد، و ليس عليه شيء».

و يمكن حملها على المعسر جمعا بينها و بين رواية أبي بصير المتقدمة و إنما يبقى الإشكال في الجمع بين رواية أبي بصير و صحيحة زرارة.

و حملها على رواية أبي بصير- بان يقال: جزور ان كان موسرا، أو بقرة ان كان متوسطا، و ان لم يجد بان كان معسرا فشاة- الظاهر بعده.

و لكن ارتكاب مثله في مقام الجمع شائع في كلامهم.

و صاحب المدارك بناء على اصطلاحه في الاخبار اطرح رواية أبي بصير، و استجود قول الصدوق للصحيحة المذكورة. و احتمل قويا الاكتفاء بالشاة، لحسنة معاوية بن عمار المذكورة. و هو جيد على أصوله.

و لو كان النظر إلى أهله فأمنى فلا شيء عليه، إلا ان يقترن بالشهوة فبدنة. و الحكمان إجماعيان كما يظهر من المنتهى.

و يدل على الحكمين المذكورين

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن محرم نظر الى امرأته فأمنى أو أمذى و هو محرم. قال: لا شيء عليه. و ان حملها أو مسها بشهوة فأمنى أو أمذى فعليه دم. و قال في المحرم ينظر إلى امرأته و ينزلها بشهوة حتى ينزل، قال: عليه بدنة».

و يدل على الحكم الثاني

ما رواه في الكافي في الحسن عن مسمع ابي سيار (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبا سيار

____________

(1) الوسائل الباب 17 من كفارات الاستمتاع. و تقدمت ص 344.

(2) الوسائل الباب 12 من تروك الإحرام، و الباب 18 من كفارات الاستمتاع. و تقدمت ص 346.

402

ان حال المحرم ضيقة. الى ان قال: و من مس امرأته بيده و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة. و من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور. و من مس امرأته أو لازمها من غير شهوة فلا شيء عليه».

و صاحب المدارك هنا إنما استدل على الحكم الثاني بحسنة مسمع المذكورة، و طعن فيها بقصور سندها بعدم توثيق الراوي، و معارضتها

بموثقة إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في محرم نظر الى امرأته بشهوة فأمنى؟ قال: ليس عليه شيء».

قال: و أجاب الشيخ عنها بالحمل على حال السهو دون العمد. و هو بعيد. انتهى.

و فيه (أولا): ان الدليل غير منحصر في رواية مسمع، بل هو- كما عرفت- في صحيحة معاوية بن عمار المذكورة. و العجب انه نقل صدرها دليلا على الحكم الأول، و غفل عن عجزها الدال على الحكم الثاني.

و (ثانيا): انه قد عد حديث مسمع المذكور في الصحيح فضلا عن الحسن في مواضع عديدة من كتاب الحج، و عده في الحسن- كما هو المشهور بين أصحاب هذا الاصطلاح- في مواضع أخر، و طعن فيه في هذا الموضع و غيره ايضا، و هذا من جملة المواضع التي اضطرب فيها كلامه كما أشرنا إليه في غير مقام من شرحنا على الكتاب. و من المواضع التي عده في الصحيح في شرح قول المصنف: «و يضمن الصيد بقتله عمدا و سهوا» قال:

و في الصحيح عن مسمع بن عبد الملك عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا رمى المحرم صيدا و أصاب اثنين.

الحديث».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 327، و الوسائل الباب 17 من كفارات الاستمتاع.

(2) الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

403

و (ثالثا): ان ظاهر كلامه يشعر بأنه لا يعمل إلا بالصحيح خاصة، حيث رد الرواية بعدم توثيق الراوي، مع ان المعهود من عادته في الكتاب العمل بالحسن ايضا و إنما يرد الموثق و الضعيف، و ان عمل به في موضع الحاجة و تستر ببعض الأعذار الواهية.

و بالجملة فالرجل ممدوح و حديثه في الحسن، كما هو المعروف من كلام الأصحاب.

و بذلك يظهر ان ما أجاب به الشيخ عن موثقة إسحاق بن عمار و ان كان لا يخلو من بعد إلا انه في مقام الجمع اولى من اطراح الرواية لما عرفت من دلالة صحيحة معاوية و حسنة مسمع على خلافها، و الترجيح لهاتين الروايتين المعتضدتين بعمل الأصحاب (رضوان الله عليهم).

قال في المدارك: و ذكر الشارح: ان من كان معتادا للإمناء عند النظر بغير شهوة تجب عليه الكفارة كما لو نظر بشهوة. و هو جيد مع القصد، لأنه في معنى الاستمناء. انتهى.

و فيه ما تقدمت الإشارة إليه من انا لم نقف على حديث يتضمن الاستمناء الذي هو طلب المنى، و انما الموجود في الاخبار ما تقدم من عبث الرجل بذكره- كما في موثقة إسحاق بن عمار- و المحرم يعبث بأهله، كما في صحيحة عبد الرحمن، و كل منهما أعم من الاستمناء.

المسألة السادسة- في التقبيل

، قال الشيخ (رحمه الله تعالى):

من قبل امرأته و هو محرم من غير شهوة كان عليه دم شاة، و ان قبلها بشهوة كان عليه جزور. و قال الشيخ المفيد (عطر الله- تعالى-

404

مرقده): من قبل امرأته و هو محرم فعليه بدنة، أنزل أو لم ينزل و كذا قال السيد المرتضى. و زاد الشيخ المفيد: و ان هويت المرأة ذلك كان عليها مثل ما عليه. و قال ابن الجنيد: ان قبلها بغير شهوة فعليه دم شاة، و ان قبلها بشهوة فأمنى فعليه جزور. و قال أبو الصلاح:

و في القبلة دم شاة، و ان أمنى فعليه بدنة. و قال الصدوق في المقنع:

فان قبلها فعليه بدنة. و روى: ان عليه دم شاة. و في كتاب من لا يحضره الفقيه: فان قبلها فعليه دم شاة. و قال ابن إدريس: و ان قبلها بغير شهوة فدم، و ان قبلها بشهوة فشاة إذا لم يمن، فإن أمنى كان عليه جزور.

أقول: و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بهذه المسألة روايات ثلاثة:

الأولى-

صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته. قال:

نعم يصلح عليها خمارها و يصلح عليها ثوبها و محملها. قلت: المحرم يضع يده بشهوة؟ قال: يهريق دم شاة. قلت: فان قبل؟ قال:

هذا أشد ينحر بدنة»:.

الثانية-

حسنة مسمع ابي سيار المتقدمة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يا أبا سيار ان حال المحرم ضيقة، فمن قبل امرأته على غير شهوة و هو محرم فعليه دم شاة، و من قبل امرأته على

____________

(1) الوسائل الباب 17 و 18 من كفارات الاستمتاع. و تقدمت ص 344.

(2) الوسائل الباب 12 من تروك الإحرام، و الباب 18 من كفارات الاستمتاع. و تقدمت ص 346.

405

شهوة فأمنى فعليه جزور، و يستغفر ربه. الحديث».

الثالثة-

رواية علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل قبل امرأته و هو محرم. قال: عليه بدنة و ان لم ينزل، و ليس له ان يأكل منها».

و الظاهر ان منشأ الخلاف المتقدم من اختلاف هذه الاخبار، فمنهم من تعلق بإطلاق بعضها، و منهم من ضم مطلقها الى مقيدها، و منهم من ضم الى ذلك بعض القيود من خارج. و كيف كان فالجمع بينها لا يخلو من اشكال، و المسألة لذلك لا تخلو من توقف.

و من الاخبار الواردة في القبلة أيضا

رواية الحسين بن حماد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يقبل امه.

قال: لا بأس، هذه قبلة رحمة، إنما تكره قبلة الشهوة».

و ربما ظهر من هذه الرواية تخصيص التحريم و وجوب الكفارة بقبلة الشهوة، فلو لم تكن عن شهوة فلا شيء فيها. و من ثم حمل بعض المتأخرين الدم في حسنة مسمع على الاستحباب. و لا يخلو من قرب. و قد تقدمت الإشارة الى ذلك.

و منها-

صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «سألته عن رجل قبل امرأته، و قد

____________

(1) الوسائل الباب 18 من كفارات الاستمتاع. و تقدمت ص 345.

(2) الوسائل الباب 18 من كفارات الاستمتاع. و تقدمت ص 346.

(3) الفروع ج 4 ص 378، و الوسائل الباب 9 و 18 من كفارات الاستمتاع.

406

طاف طواف النساء، و لم تطف هي. قال: عليه دم يهريقه من عنده».

و نحوها رواية زرارة (1).

و الحكم في هذين الخبرين لا يخلو من اشكال، لكونه قد أحل.

و غاية ما يلزمه الإثم.

و منها-

رواية العلاء بن فضيل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل و امرأة تمتعا جميعا، فقصرت امرأته و لم يقصر، فقبلها. قال: يهريق دما، و ان كانا لم يقصرا جميعا فعلى كل واحد منهما ان يهريق دما».

و الحكم في هذا الخبر ظاهر.

تنبيهات

الأول [الحج المندوب كالواجب في الجماع قبل الموقفين أو بعدهما]

- قال في المنتهى: و لا فرق في الوطء بين ان يطأ في إحرام حج واجب أو مندوب، لانه بعد التلبس بالإحرام يصير المندوب واجبا، و يجب عليه إتمامه كما يجب عليه إتمام الحج الواجب. و لان الحج الفاسد يجب إتمامه فالمندوب اولى، لقوله (تعالى) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (3). إذا ثبت هذا، فكل صورة قلنا انه يفسد الحج الواجب فيها- كما لو وطئ قبل الوقوف بالموقفين- فإنه يفسد الحج المندوب فيها ايضا، فلو وطئ قبل الوقوف بالموقفين في الحج المندوب، فسد و وجب عليه إتمامه، و بدنة، و الحج من قابل، و لو كان بعد الوقوف بالموقفين، وجب عليه بدنة لا غير، عملا بالعمومات المتناولة للواجب

____________

(1) الوسائل الباب 10 و 18 من كفارات الاستمتاع.

(2) التهذيب ج 5 ص 473، و الوسائل الباب 18 من كفارات الاستمتاع.

(3) سورة البقرة، الآية 196.

407

و المندوب. انتهى. و هو كذلك.

الثاني [وجوب القضاء على الفور]

- قال في الكتاب المذكور ايضا: و يجب عليه القضاء في السنة المقبلة وجوبا على الفور، ذهب إليه علماؤنا. ثم نقل الخلاف في ذلك عن العامة (1). و ما ذكره (قدس سره) هو مدلول الأخبار،

ففي صحيحة زرارة أو حسنته (2): «و عليهما الحج من قابل».

و في صحيحة معاوية بن عمار (3): «فعليه بدنة و الحج من قابل».

في موضعين منها،

و في رواية علي بن أبي حمزة (4): «و عليهما الحج من قابل لا بد منه».

الى غير ذلك من الاخبار.

الثالث- إذا مس المحرم امرأته

، فإن كان بغير شهوة فلا شيء عليه، و ان كان بشهوة فعليه دم شاة.

و يدل على ذلك ما تقدم قريبا في صحيحة الحلبي أو حسنته،

و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حمل امرأته و هو محرم، فأمنى أو أمذى. فقال:

ان كان حملها أو مسها بشيء من الشهوة- فأمنى أو لم يمن، أمذى أو لم يمذ- فعليه دم يهريقه، فان حملها أو مسها بغير شهوة- فأمنى أو أمذى- فليس عليه شيء».

الرابع- لو استمع الى من يجامع، أو تشاهى لاستماع كلام امرأة من غير نظر

، لم يكن عليه شيء و ان أمنى.

____________

(1) المجموع للنووي ج 7 ص 383 الطبعة الثانية.

(2) ص 356.

(3) ص 356.

(4) ص 357.

(5) التهذيب ج 5 ص 326، و الوسائل الباب 17 من كفارات الاستمتاع.

408

و تدل على ذلك

موثقة أبي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يسمع كلام امرأة من خلف حائط و هو محرم، فتشاهى حتى انزل. قال: ليس عليه شيء».

و رواية سماعة بن مهران عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2):

«في محرم استمع على رجل يجامع أهله فأمنى؟ قال: ليس عليه شيء».

قال في المنتهى: اما لو كان برؤية فإنه تجب عليه الكفارة على ما بيناه. و هو إشارة الى ما قدمه من الكفارة في النظر الى غير اهله و يؤيده ما تقدم في المسألة الخامسة (3)

من قوله (عليه السلام): «اما اني لم اجعل عليه هذا لأنه أمنى، إنما جعلته عليه لانه نظر الى ما لا يحل له».

قال في المدارك: و لو امنى بذلك و كان من عادته ذلك أو قصده فقد قطع الشارح بوجوب الكفارة عليه كالاستمناء. و هو حسن.

و فيه ما قد تقدمت الإشارة إليه من عدم وجود دليل على الاستمناء.

و ما روى من خصوصيات بعض الجزئيات لا يشمل ما ذكر، مع إطلاق الخبرين المذكورين و دخول ما ذكره تحت إطلاقهما.

الخامس- لو امنى عن ملاعبة

فجزور. و على المرأة ان طاوعت مثله.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 377، و التهذيب ج 5 ص 327 و 328، و الوسائل الباب 20 من كفارات الاستمتاع.

(2) التهذيب ج 5 ص 328، و الوسائل الباب 20 من كفارات الاستمتاع.

(3) ص 400 رقم (1).

409

و على ذلك تدل

صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يعبث بامرأته حتى يمني- و هو محرم- من غير جماع، أو يفعل ذلك في شهر رمضان.

فقال: عليهما جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع».

و مقتضاها وجوب البدنة، لأنها هي الواجبة على من يجامع.

الصنف الثالث- الطيب

، و يحرم على الرجل و المرأة معا، أكلا و شما، و اطلاء. و ادعى عليه في التذكرة إجماع علماء الأمصار.

و تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مسائل

[المسألة] الأولى [تعريف الطيب]

- عرف شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) الطيب بأنه: الجسم ذو الريح الطيبة المتخذ للشم غالبا غير الرياحين، كالمسك و العنبر و الزعفران و ماء الورد و الكافور، قال: و خرج بقيد الاتخاذ للشم ما يطلب منه الأكل و التداوي غالبا، كالقرنفل و السنبل و الدارچيني و الجوزة و المصطكي و سائر الأبازير الطيبة، فلا يحرم شمه. و كذا ما لا ينبت للطيب، كالشيخ و القيصوم و الخزامى و الإذخر و الفوتنج و الحناء و العصفر، و ان أطلق عليه اسم الرياحين. و اما ما يقصد شمه و يتخذ منه الطيب- كالياسمين و الورد و النيلوفر- فان كان رطبا فهو ريحان سيأتي حكمه، و ان كان يابسا ففي تحريمه ان لم نقل بتحريم أخضره وجهان، و اختار العلامة في التذكرة تحريمه و وجوب الفدية به. انتهى.

و قال العلامة في التذكرة: الطيب ما تطيب رائحته و يتخذ للشم، كالمسك و العنبر و الكافور و الزعفران و ماء الورد، و الأدهان الطيبة كدهن

____________

(1) الفروع ج 4 ص 376، و التهذيب ج 5 ص 327، و الوسائل الباب 14 من كفارات الاستمتاع.

410

البنفسج و الورس. و المعتبر ان يكون معظم الغرض منه التطيب، أو يظهر فيه هذا الغرض.

ثم قسم النبات الطيب تبعا للشيخ (رحمه الله تعالى) إلى ثلاثة أقسام:

الأول- ما لا ينبت للطيب و لا يتخذ منه، كنبات الصحراء من الشيخ و القيصوم و الخزامى و الإذخر و الدارچيني و المصطكي و الزنجبيل و السعد و حبق الماء. و الفواكه، كالتفاح و السفرجل و النارنج و الأترج.

قال: و هذا كله ليس بمحرم، و لا تتعلق به كفارة إجماعا. و كذا ما ينبته الآدميون لغير قصد الطيب كالحناء و العصفر.

الثاني- ما ينبته الآدميون للطيب، و لا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي و المرزنجوش و النرجس و البرم. قال الشيخ: فهذا لا تتعلق به كفارة و يكره استعماله.

الثالث- ما يقصد شمه، و يتخذ منه الطيب، كالياسمين و الورد و النيلوفر. و الظاهر ان هذا يحرم شمه، و تجب فيه الفدية.

و الذي وقفت عليه من الاخبار الجارية في هذا المضمار

ما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس ان تشم الإذخر و القيصوم و الخزامى و الشيخ و أشباهه، و أنت محرم».

و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار مثله (2).

و عن ابن ابي عمير في الصحيح عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 25 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 355، و الوسائل الباب 25 من تروك الإحرام.

411

(عليه السلام) (1) قال: «سألته عن التفاح و الأترج و النبق و ما طابت ريحه. فقال: يمسك على شمه و يأكله».

و روى الكليني في الصحيح عن علي بن مهزيار (2) قال: «سألت ابن ابي عمير عن التفاح و الأترج و النبق و ما طاب ريحه. قال:

تمسك عن شمه و تأكله».

و رواه في الفقيه (3) مثله، و زاد: «و لم يرو فيه شيئا».

و في الكافي عن عمار بن موسى في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن المحرم يأكل الأترج. قال: نعم.

قلت: له رائحة طيبة؟ قال: الأترج طعام ليس هو من الطيب».

و ما رواه الكليني (قدس سره) في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن الحناء. فقال:

ان المحرم ليمسه، و يداوي به بعيره، و ما هو بطيب، و ما به بأس».

و رواه الصدوق بإسناده عن عبد الله بن سنان مثله (6).

و ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «لا تمس ريحانا و أنت محرم، و لا شيئا

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 305، و الوسائل الباب 26 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 356، و الوسائل الباب 26 من تروك الإحرام.

(3) ج 2 ص 225، و الوسائل الباب 26 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 26 من تروك الإحرام.

(5) الفروع ج 4 ص 356. و الوسائل الباب 23 من تروك الإحرام.

(6) الفقيه ج 2 ص 224، و الوسائل الباب 23 من تروك الإحرام.

(7) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام رقم 3 و 10 عن الكافي و التهذيب.

412

فيه زعفران، و لا تطعم طعاما فيه زعفران».

أقول: ظاهر صحيحة معاوية بن عمار جواز شم نبات الصحراء من الأشياء المذكورة و نحوها و ان سميت طيبا. و هو مؤيد لما ذكره الشيخ و العلامة في ما تقدم نقله عنهما من انه ليس بمحرم و لا تتعلق به كفارة. و ظاهر صحيحة ابن ابي عمير و صحيحة علي بن مهزيار و موثقة عمار جواز أكل الفواكه، كما صرح به الشيخان المتقدمان، و ظاهرهما دعوى الإجماع على انه ليس من الطيب.

و ربما أشعر كلام الشهيد في الدروس بالخلاف في الفواكه، حيث قال: و اختلف في الفواكه، ففي رواية ابن ابي عمير: يحرم شمها.

و كرهه الشيخ في المبسوط، و يجوز أكلها لو قبض على انفه. و ظاهره التردد فيه.

و ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر في الوسائل (1) تقييد جواز أكل الفواكه بالحاجة اليه، و انه يمسك على انفه. و الظاهر ان منشأه ما يظهر من الشيخ في التهذيب (2) من تحريم شم التفاح، و انه إذا أكله عند الحاجة أمسك على انفه، مستدلا عليه برواية ابن ابي عمير. و أجاب عن رواية عمار بأنه (عليه السلام) أباح اكله، و لم يقل انه يجوز له شمه. و الخبر الأول مفصل، فالعمل به اولى.

و فيه: ان الروايات قد صرحت بجواز أكل هذه الأشياء و ما أشبهها مطلقا، فالتقييد بالحاجة- كما ادعياه- يحتاج الى دليل. و موثقة عمار صرحت مع جواز أكله بأنه طعام ليس بطيب. و مقتضاه عدم

____________

(1) الوسائل ج 9 ص 15 رقم 26 الطبع الحديث.

(2) ج 5 ص 305 و 306.

413

وجوب الإمساك عن شمه. و يعضده تجويز أكله. فإن الظاهر من روايات الطيب ترتب التحريم أكلا و شما على ما يدخل تحت الطيب المحرم، و انهما متلازمان، فكل ما حرم شمه حرم اكله و بالعكس كما لا يخفى. و بالجملة فالمختار هو الجواز، كما ذكره الشيخ و العلامة و غيرهما.

و المفهوم من صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة تحريم الريحان.

و مثلها صحيحة حريز الآتية في ثاني هذه المسألة. و سيأتي تحقيق الكلام في المقام ان شاء الله (تعالى).

المسألة الثانية [ما يحرم على المحرم من الطيب]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ما يحرم على المحرم من الطيب، فنقل عن الشيخ المفيد، و الصدوق في المقنع و السيد المرتضى، و ابي الصلاح، و سلار، و ابن إدريس: القول بالتعميم لكل طيب، و هو المنقول عن الشيخ في المبسوط و الاقتصاد، حيث قال: و يحرم عليه الطيب على اختلاف أجناسه، و أغلظها خمسة أجناس: المسك و العنبر و الزعفران و العود و الورس. و قال في النهاية:

و يحرم من الطيب خاصة المسك و العنبر و الزعفران و الورس و الكافور و العود، فاما ما عدا هذا من الطيب و الرياحين فمكروه. و به قال ابن حمزة. و قال في الخلاف: ما عدا المسك و العنبر و الكافور و الزعفران و الورس و العود عندنا لا تتعلق به كفارة إذا استعمله المحرم و قال في التهذيب (1): و اما الطيب الذي يجب اجتنابه فأربعة أشياء:

المسك و العنبر و الزعفران و الورس، قال: و قد روى: و العود. و عن ابن البراج: انه حرم المسك و الكافور و العنبر و العود و الزعفران. و الى القول

____________

(1) ج 5 ص 299.

414

بالعموم ذهب المحقق و العلامة و أكثر المتأخرين. و هو المشهور بين الأصحاب.

و الذي وصل الي من الاخبار المتعلقة بذلك- و منها نشأ هذا الاختلاف- روايات:

منها-

ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تمس شيئا من الطيب و لا من الدهن في إحرامك، و اتق الطيب في طعامك، و أمسك على انفك من الرائحة الطيبة، و لا تمسك عليه من الرائحة المنتنة، فإنه لا ينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يمس المحرم شيئا من الطيب و لا الريحان، و لا يتلذذ به، فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه. يعني من الطعام».

و رواه الكليني في الحسن عن حريز عن من أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) و فيه: «بقدر ما صنع قدر سعته».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «من أكل زعفرانا متعمدا أو طعاما فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسيا فلا شيء عليه، و يستغفر الله و يتوب اليه».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 353، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام رقم 11 و 6.

(3) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام رقم 11 و 6.

(4) الوسائل الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

415

السلام) (1) قال: «المحرم يمسك على انفه من الريح الطيبة، و لا يمسك على انفه من الريح الخبيثة».

و رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي مثله (2)

و رواه ايضا عن هشام بن الحكم في الصحيح أو الحسن مثله (3) و زاد: و قال: «لا بأس بالريح الطيبة في ما بين الصفا و المروة من ريح العطارين، و لا يمسك على انفه».

و روى في الكافي في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (4)- و الظاهر انه ابن بزيع- قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) كشف بين يديه طيب لينظر اليه و هو محرم، فأمسك على انفه بثوبه من ريحه».

و عن الحسن بن زياد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:

«قلت له: الأشنان فيه الطيب اغسل به يدي و انا محرم؟ قال:

إذا أردتم الإحرام فانظروا مزاودكم فاعزلوا الذي لا تحتاجون اليه.

و قال: تصدق بشيء كفارة للأشنان الذي غسلت به يدك».

و عن حنان بن سدير عن أبيه (6) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في الملح فيه زعفران للمحرم؟ قال: لا ينبغي للمحرم ان يأكل شيئا فيه زعفران، و لا يطعم شيئا من الطيب».

و روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما

____________

(1) الوسائل الباب 24 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 24 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 354، و الوسائل الباب 20 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 354، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(5) الفروع ج 4 ص 354، و الوسائل الباب 27 من تروك الإحرام، و الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

(6) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

416

السلام) (1) «في قول الله (عز و جل) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ (2):

حفوف الرجل من الطيب».

و قال الصدوق (رحمه الله تعالى) (3): «و كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا تجهز إلى مكة قال لأهله: إياكم ان تجعلوا في زادنا شيئا من الطيب و لا الزعفران نأكله أو نطعمه».

و روى عن الحسين بن زياد (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

و ضأني الغلام- و لم اعلم- بدستشان فيه طيب، فغسلت يدي و انا محرم؟

فقال: تصدق بشيء لذلك».

أقول: و هذه الاخبار ظاهرة في القول المشهور. و الظاهر ان اعتمادهم عليها و استنادهم إليها.

و اما ما ذكره في الذخيرة- حيث قال بعد نقلها: و لا يخفى ان دلالة هذه الاخبار على التحريم غير واضحة، و الأصل يقتضي حملها على الكراهة، و يناسب ذلك قوله (عليه السلام): «لا ينبغي» في الخبر الأول و الأخير. انتهى- فهو من جملة تشكيكاته الضعيفة التي لا ينبغي ان يعرج عليها، و توهماته السخيفة التي لا ينبغي ان يلتفت إليها. و قد سلف كلامنا عليه في أمثال هذا المقام، و ما يلزمه من أمثال كلامه هذا، من انه لا واجب في الشريعة و لا حرام، و فيه من الشناعة ما يوجب الخروج

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 298، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(2) سورة الحج، الآية 27.

(3) الفقيه ج 2 ص 223، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(4) الفقيه ج 2 ص 223، و الوسائل الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

417

عن جادة الإسلام من حيث لا يشعر به قائله، كما هو واضح لذي الأفهام.

و ما ادعاه- من مناسبة لفظ: «لا ينبغي» لما ذكره- ففيه ان استعمال هذا اللفظ في التحريم أكثر من ان يحصر و أشهر من ان ينكر، كما تقدم بيانه.

و منها-

ما رواه الشيخ- بطريقين: أحدهما صحيح و الآخر ضعيف- عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إنما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك و العنبر و الورس و الزعفران غير انه يكره للمحرم الأدهان الطيبة الريح».

و في الصحيح عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الطيب: المسك و العنبر و الزعفران و العود».

و عن سيف (3)- و الظاهر انه ابن عميرة- قال: حدثني عبد الغفار قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الطيب: المسك و العنبر و الزعفران و الورس».

و روى الصدوق في الفقيه (4) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام): يكره من الطيب أربعة أشياء للمحرم: المسك و العنبر و الزعفران و الورس. و كان يكره من الأدهان الطيبة الريح».

____________

(1) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام رقم 8 و 14.

(2) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 299، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(4) ج 2 ص 223، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

418

و روى في التهذيب (1) عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «الطيب: المسك و العنبر و الزعفران و العود».

و بهذه الأخبار أخذ الشيخ في التهذيب كما تقدم نقله عنه.

و ظاهر صحيحة معاوية بن عمار بل صريحها حصر الطيب المحرم على المحرم في الأربعة المذكورة، و هو ظاهر روايتي ابن ابي يعفور و عبد الغفار.

و حينئذ فالظاهر هو تقييد الإطلاق في الاخبار المتقدمة بهذه الاخبار.

و يؤيده

ان صحيحة معاوية بن عمار التي هي في صدر الروايات الدالة على العموم رواها الشيخ في التهذيب (2) كما تقدم من رواية الكليني و زاد بعد قوله: «لا ينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة»: «فمن ابتلى بشيء من ذلك فليعد غسله، و ليتصدق بقدر ما صنع. و إنما يحرم عليك من الطيب أربعة أشياء: المسك و العنبر و الورس و الزعفران غير انه يكره للمحرم الأدهان الطيبة الريح».

و من الظاهر انه لو لم يقيد أولها بما ذكر في آخرها للزم التنافي بين طرفيها.

و بذلك يظهر ان ما ذكره في الاستبصار بعد ذكر خبري ابن ابي يعفور و عبد الغفار- حيث تأولهما بأن ذكر هذه الأشياء انما وقع تعظيما لها و تفخيما، و لم يكن القصد بيان تحليلها أو تحريمها- من ان هذين الخبرين ليس فيهما أكثر من الاخبار بان الطيب أربعة أشياء، و ليس فيهما ذكر ما يجب اجتنابه على المحرم، و انه انما تأولهما لذكر الأصحاب لهما في أبواب ما يجب على المحرم اجتنابه و إلا فلا حاجة الى تأويلهما- من ما لا يخفى وهنه، فإنه مع تسليم

____________

(1) الوافي باب (الطيب و الادهان للمحرم) و لم نجده في التهذيب و الوسائل.

(2) ج 5 ص 297 و 299 و 304 و 305، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

419

ما ذكره، متى دل الخبران على ان الطيب شرعا عبارة عن هذه الأربعة، فيجب حمل الأحكام المترتبة على الطيب بقول مطلق على هذه الأربعة لأنها هي الطيب شرعا، و الإطلاقات يجب حملها على ما هو المعروف في عرفهم (عليهم السلام) فيعود ما فر منه.

و السيد السند في المدارك نقل رواية عبد الغفار بزيادة: «و خلوق الكعبة لا بأس به» ثم استدل بهذه الزيادة على الحصر في الأربعة المذكورة. و هو غفلة منه (قدس سره) فان هذه الزيادة إنما هي من كلام الشيخ لا من الرواية، فإن الحديث- كما نقله في الاستبصار (1)- عار من هذه الزيادة، و كذا نقله المحدث الكاشاني في الوافي (2) و الشيخ الحر في الوسائل.

نعم يبقى الكلام هنا في موضعين: أحدهما- انك قد عرفت ان ظاهر صحيحتي عبد الله بن سنان و حريز هو تحريم الريحان، و ان كان الشيخ و جمع من الأصحاب قد عدوه في مكروهات الإحرام، و استدلوا على القول بالكراهة بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في المسألة الأولى، المتضمنة لأنه لا بأس ان يشم الإذخر و القيصوم. الحديث. و فيه انه قد يمكن القول بالتحريم مع استثناء هذه الأشياء المذكورة، فلا منافاة فيه. و لا ينافي ذلك قوله في الخبر: «و أشباهه» باعتبار حمله على غيره من الريحان، لأنا نقول: المراد أشباهه من نبات الصحراء الطيب الرائحة.

و حينئذ فيختص الحكم بما أنبته الآدميون من الريحان، و هو القسم الثاني في كلام الشيخ، و ان حكم فيه بالكراهة، فإن ظاهر الصحيحتين المذكورتين التحريم. و حينئذ فيضاف الى الافراد المذكورة في هذه الروايات الأخيرة التي بها خصصنا اخبار الطيب المطلقة.

____________

(1) ج 2 ص 180.

(2) باب (الطيب و الادهان للمحرم).

420

الثاني- ان صحيح معاوية بن عمار و رواية عبد الغفار و مرسلة الفقيه تضمنت ان الرابع الورس، و صحيح ابن ابي يعفور جعل عوضه العود، و صاحب الكافي قد نقل حديث عبد الغفار في باب أنواع الطيب من كتاب المروة (1) بلفظ «العود» عوض «الورس» و قد صرح في سنده بان سيفا هو ابن عميرة. و الشيخ نسب العود في عبارته المتقدمة من التهذيب إلى الرواية. و في الخلاف جعل المحرم هذه الخمسة بإضافة العود إلى الأربعة المذكورة. و هو الأحوط. و الاحتياط التام في اجتناب الطيب بجميع أنواعه، إلا ما تقدم في روايات المسألة الأولى، فإنه لا معارض لها. و بعض رجح رواية الورس على العود، و طعن في صحة رواية ابن ابي يعفور بما ذكره المحقق الشيخ حسن في المنتقى من العلة في السند الموجبة لضعفه، و ان عد في الصحيح غفلة. و هو جيد بناء على الاصطلاح المذكور.

المسألة الثالثة [استثناء خلوق الكعبة من تحريم الطيب]

- يستثني من تحريم الطيب على المحرم خلوق الكعبة إجماعا، كما نقله بعضهم.

و لما رواه الصدوق في الصحيح عن حماد بن عثمان (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن خلوق الكعبة و خلوق القبر يكون في ثوب الإحرام. فقال: لا بأس بهما، هما طهوران».

و الظاهر ان المراد بالقبر قبر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و سلم).

____________

(1) الفروع ج 2 ص 223 الطبع القديم، و الوسائل الباب 97 من آداب الحمام.

(2) الفقيه ج 2 ص 217، و الوسائل الباب 21 من تروك الإحرام.

421

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم.

قال: لا بأس به، و لا يغسله، فإنه طهور».

و عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة. قال:

لا يضره، و لا يغسله».

و ما رواه الكليني عن ابن ابي عمير في الصحيح عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سئل عن خلوق الكعبة للمحرم أ يغسل منه الثوب؟ قال: لا هو طهور. ثم قال: ان بثوبي منه لطخا».

و ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه (4) في الموثق عن سماعة «انه سأله- يعني: الصادق (عليه السلام)- عن الرجل يصيب ثوبه زعفران الكعبة و هو محرم. فقال: لا بأس به، و هو طهور، فلا تتقه ان يصيبك».

قال في الذخيرة: و يمكن المناقشة بأن الظاهر من التعليل ان غرض السائل توهم احتمال النجاسة بسبب كثرة ملاقاة العامة و الخاصة و من لا يتوقى النجاسة، فلا يدل على جواز الشم. لكن فهم الأصحاب و اتفاقهم يكفي مؤنة هذه المناقشة.

أقول: لا ريب في ان هذه المناقشة من الاحتمالات الواهية التي

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 69، و الوسائل الباب 21 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 69، و الوسائل الباب 21 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 342، و الوسائل الباب 21 من تروك الإحرام.

(4) الفقيه ج 2 ص 217، و الوسائل الباب 21 من تروك الإحرام.

422

هي لبيت العنكبوت- و انه لا ضعف البيوت- مضاهية، فإن هؤلاء الأجلاء السائلين في هذه الروايات لا يخفى عليهم الحكم بأصالة الطهارة في كل شيء حتى يسألوا عن ذلك في هذه المادة المخصوصة، سيما مع قول الامام (عليه السلام) في صحيحة ابن ابي عمير: «ان بثوبي منه لطخا» فإنه يبعد عدم شمه مع كونه بثوبه دائما.

و يعضد ما ذكرناه ما تقدم

في صحيحة هشام بن الحكم (1) من قوله (عليه السلام): «لا بأس بالريح الطيبة في ما بين الصفا و المروة من ريح العطارين، و لا يمسك على أنفه».

فإنه إذا جاز الشم للرائحة الطيبة بين الصفا و المروة من ريح العطارين، فريح خلوق الكعبة أولى بالجواز.

و الخلوق كصبور: ضرب من الطيب، كما ذكره في الصحاح و القاموس، و في النهاية الأثيرية: الخلوق: طيب معروف مركب يتخذ من الزعفران و غيره من أنواع الطيب، و تغلب عليه الحمرة و الصفرة.

بقي الكلام في ما لو طيبت الكعبة بغير الخلوق المذكور، و بالجواز صرح جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم): منهم: الشيخ و العلامة. و قال في الدروس: قال الشيخ: لو دخل الكعبة و هي تجمر أو تطيب لم يكره له الشم. و بمثل ذلك صرح العلامة في التذكرة.

و ظاهر المدارك الميل اليه. و استدل عليه بفحوى صحيحة هشام بن الحكم بالتقريب الذي قدمناه. و هو غير بعيد، و ان نسبه في الذخيرة إلى انه ضعيف. و الاحتياط في العدم.

المسألة الرابعة- لو اضطر المحرم الى مس الطيب،

أو أكل ما فيه

____________

(1) ص 415.

423

طيب، قبض على انفه وجوبا، لان الاضطرار إلى أحدهما لا يبيح الآخر مع حرمة الجميع، فيقتصر على محل الضرورة، إلا ان يعسر و يشق القبض على الأنف، فإنه يجوز له الشم ايضا.

اما جواز الأكل فدليل إباحته ان الضرورات تبيح المحظورات (1)، كما هو مسلم بينهم في جميع الأحكام.

و اما وجوب الإمساك مع الإمكان فتدل عليه روايات: منها-

صحيحة الحلبي و محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:

«المحرم يمسك على انفه من الريح الطيبة، و لا يمسك على انفه من الريح الخبيثة».

و نحوها جملة من الاخبار المتقدمة في المسألة الثانية.

و اما عدم الوجوب مع المشقة و الحرج بذلك، فيدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن إسماعيل بن جابر (3) و كانت عرضت له ريح في وجهه من علة اصابته و هو محرم، قال: «فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان الطبيب الذي يعالجني وصف لي سعوطا فيه مسك؟

فقال: استعط به».

و عن إسماعيل في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن السعوط للمحرم و فيه طيب. فقال: لا بأس».

و هو محمول على الضرورة كما تقدم في سابقه. و على ذلك حمله الشيخ (رحمه الله).

____________

(1) تقدم دليل ذلك ص 164.

(2) الفقيه ج 2 ص 224، و الوسائل الباب 24 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 298، و الوسائل الباب 19 من تروك الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 298، و الوسائل الباب 19 من تروك الإحرام.

424

و قال الصدوق (1): و ان اضطر المحرم الى سعوط فيه مسك من ريح يعرض له في وجهه و علة تصيبه، فلا بأس بأن يستعط به، فقد سأل إسماعيل بن جابر أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال:

استعط به.

و لو استهلك الطيب في المأكول أو الممسوس بحيث زالت أوصافه من ريحه و طعمه و لونه، فالظاهر انه لا يحرم مباشرته و اكله. و بذلك صرح العلامة في التذكرة.

و يعضده

ما رواه عمران الحلبي في الصحيح (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يكون به الجرح فيتداوى بدواء فيه زعفران قال: ان كان الغالب على الدواء فلا، و أنت كان الأدوية الغالبة عليه فلا بأس».

و الظاهر ان الاعتبار بالرائحة خاصة دون سائر الأوصاف، للنهى عن التلذذ بالرائحة الطيبة.

بقي الكلام في ان ظاهر هذه الرواية ينافي ما تقدم من روايات إسماعيل بن جابر، و يمكن الجمع اما بتخصيص إطلاق تلك الروايات بما دلت عليه هذه الرواية من التفصيل- و الظاهر بعده- أو حمل هذه الرواية على عدم الضرورة التامة. و لعله الأقرب.

و اما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (3)-: «في

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 224، و الوسائل الباب 19 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 359، و الفقيه ج 2 ص 222، و الوسائل الباب 69 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 304، و الوسائل الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

425

محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج؟ قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، و ان كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه»-.

ففيه- مع كونه مقطوعا- انه معارض بالأخبار الدالة على العفو عن الجاهل، و انه لا كفارة عليه في شيء من محرمات الإحرام إلا الصيد، و الاخبار المتقدمة الدالة في خصوص هذه المسألة على الجواز مع الضرورة من غير ذكر كفارة فيه.

و اما

ما رواه في الكافي عن ابان عن من أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1)- قال: «إذا اشتكى المحرم فليتداو و بما يحل له ان يأكله و هو محرم».

و ما رواه فيه عن الكناني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا اشتكى المحرم فليتداو بما يأكل و هو محرم»-.

فيجب حمله على ما يحصل البرء به. و اما لو لم يحصل إلا بما لا يجوز له اكله اختيارا حال الإحرام، فله اكله و التداوي به للضرورة، كما عليه اتفاق الأصحاب في هذا الموضع و غيره.

المسألة الخامسة [لو لصق الطيب ببدن المحرم أو ثوبه]

- قال في التذكرة: لو لصق الطيب ببدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية بأن كان ناسيا أو ألقته الريح، وجب عليه المبادرة إلى غسله أو تنحيته أو معالجته بما يقطع رائحته. و يأمر غيره بإزالة ذلك عنه، و لو باشره بنفسه فالأقرب انه لا يضره لانه قصد الإزالة.

انتهى. و ظاهره التردد في الإزالة بنفسه و ان كان الأقرب ذلك عنده.

و نقل عن الشيخ انه قطع بجواز الإزالة باليد.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 359، و الوسائل الباب 69 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 358، و الوسائل الباب 69 من تروك الإحرام.

426

أقول: و هو الذي دلت عليه الاخبار، و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (1): «في محرم اصابه طيب؟ فقال: لا بأس ان يمسحه بيده أو يغسله».

و ما رواه الكليني عنه في الصحيح أو الحسن عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في المحرم يصيب ثوبه الطيب؟

قال: لا بأس بأن يغسله بيد نفسه».

و ما رواه الصدوق عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «لا بأس ان يغسل الرجل الخلوق عن ثوبه و هو محرم».

و ما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن المحرم يمس الطيب و هو نائم لا يعلم به. قال: يغسله، و ليس عليه شيء. و عن المحرم يدهنه الحلال بالدهن الطيب و المحرم لا يعلم ما عليه. قال: يغسله ايضا و ليحذر».

و إطلاق هذه الاخبار دال على جواز غسله له بنفسه و ان استلزم شم الرائحة في تلك الحال. و كأنه من حيث وجوب التكليف بالإزالة يغتفر له الشم في تلك الحال.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 299، و الوسائل الباب 22 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 354، و الوسائل الباب 22 من تروك الإحرام.

(3) الفقيه ج 2 ص 224، و الوسائل الباب 22 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 22 من تروك الإحرام، و الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

427

فوائد

الاولى

- لو انقطعت رائحة الطيب من الثوب، لطول الزمان، أو صبغ بغيره بحيث لا تظهر رائحته لا مع الرطوبة و لا مع اليبوسة، فالظاهر جواز استعماله.

الثانية

- قال في التذكرة: لو أصاب ثوبه طيب وجب عليه غسله أو نزعه، فلو كان معه من الماء ما لا يكفيه لغسل الطيب و طهارته، غسل به الطيب، لان للوضوء بدلا.

قال في المدارك بعد ذكر نحو ذلك: و يحتمل وجوب الطهارة به، لان وجوب الطهارة قطعي و وجوب الإزالة و الحال هذه مشكوك فيه، لاحتمال استثنائه للضرورة، كما استثنى شمه في الكعبة و السعي.

و الاحتياط يقتضي تقديم الغسل على التيمم، ليتحقق فقد الماء حالته. انتهى.

أقول: و من المحتمل قريبا التفصيل في ذلك بين الوقت و خارجه فان كان في الوقت فالأظهر تقديم الوضوء، لانه مخاطب به في تلك الحال، و التيمم غير مشروع، لانه واجد للماء، و يسقط وجوب الإزالة للضرورة. و ما ذكره في المدارك- من ان الاحتياط يقتضي تقديم الغسل- لا يتم في هذه الصورة، لأنه بالتصرف بالماء في تلك الحال يصير من قبيل من دخل عليه الوقت واجدا للماء فتعمد إراقته و إتلافه، و لا أقل من التأثيم و العقوبة عليه ان لم نقل ببطلان تيممه.

و ان كان قبل الوقت فلا يبعد وجوب الإزالة، لأنه في هذه الحال غير مخاطب بالطهارة، و الخطاب بوجوب الإزالة متوجه اليه ليس له معارض.

428

و كيف كان فالمسألة- لعدم النص الذي هو المعتمد عندنا في جميع الأحكام- لا تخلو من الإشكال.

الثالثة

- قال في التذكرة: لو فرش فوق الثوب المطيب ثوبا يمنع الرائحة و المباشرة، فلا فدية بالجلوس عليه و النوم. و لو كان الحائل ثياب نومه، فالوجه المنع، لانه كما منع من استعمال الطيب في بدنه منع من استعماله في ثوبه. انتهى. و بذلك صرح في المنتهى.

و هو جيد.

و اما قوله في الذخيرة-: و لو كان الحائل ثياب بدنه فوجهان.

ثم نقل عن المنتهى المنع، استنادا الى ما ذكره في التذكرة من التعليل ثم قال: و للتأمل فيه مجال- فلا اعرف له وجها. إلا ان يقول بجواز الطيب في ثوب المحرم، و هو من ما وقع الإجماع نصا و فتوى على تحريمه. فأي مجال هنا للتأمل في ما ذكره و المفروض في المسألة تعدى الطيب الى ثيابه بالنوم على ذلك الثوب المطيب.

الرابعة

- لو غسل الثوب حتى زال عنه الطيب جاز استعماله، إجماعا نصا و فتوى.

و من ذلك

ما رواه الصدوق عن الحسين بن ابي العلاء عن الصادق (عليه السلام) (1) «انه سأله عن الثوب للمحرم يصيبه الزعفران ثم يغسل. فقال: لا بأس به إذا ذهب ريحه. و لو كان مصبوغا كله إذا ضرب الى البياض و غسل فلا بأس به».

و عن إسماعيل بن الفضل (2): «انه سأله عن المحرم يلبس الثوب

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 216، و الوسائل الباب 43 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 43 من تروك الإحرام.

429

قد اصابه الطيب. فقال: إذا ذهب ريح الطيب فليلبسه».

و روى الكليني عن حماد بن عثمان في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني جعلت ثوبي إحرامي مع أثواب قد جمرت فأجد من ريحها؟ قال: فانشرها في الريح حتى تذهب ريحها».

الخامسة

-

روى ثقة الإسلام في الكافي عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (2) قال: «كره ان ينام المحرم على فراش اصفر، أو على مرفقة صفراء».

و روى الشيخ في الصحيح عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «يكره للمحرم ان ينام على الفراش الأصفر، و المرفقة الصفراء».

و رواه الصدوق عن ابي بصير مثله (4).

أقول: ان حملت الصفرة في هذين الخبرين على صفرة الطيب، فلفظ الكراهة فيهما بمعنى التحريم، كما هو شائع في الاخبار، و ان حملت على ما دون ذلك، كانت الكراهة بالمعنى الأصولي المصطلح. و يرجح الأول

قول ابي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة منصور بن حازم (5) «إذا كنت متمتعا فلا تقربن شيئا فيه صفرة حتى تطوف بالبيت».

و حديثه الآخر (6) حيث: «سئل (عليه السلام) أ يأكل شيئا فيه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 356، و الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 355، و الوسائل الباب 28 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 68، و الوسائل 28 من تروك الإحرام.

(4) الفقيه ج 2 ص 218، و الوسائل الباب 28 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام.

(6) الوسائل الباب 13 من الحلق و التقصير.

430

صفرة؟ قال: لا حتى يطوف بالبيت».

و يؤيده ان صاحب الكافي إنما أورد الحديث المنقول هنا في باب الطيب للمحرم. و حينئذ فالمراد بالصفرة لون الزعفران و نحوه من الألوان الطيبة الصفر.

السادسة

- لو مات المحرم لم يجز مسه بالكافور إجماعا نصا و فتوى.

و من الاخبار في ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1): «عن المحرم إذا مات كيف يصنع به؟ قال: يغطى وجهه و يصنع به كما يصنع بالحلال، غير انه لا يقربه طيبا».

و في الكافي عن ابن أبي حمزة عن ابى الحسن (عليه السلام) (2) «في المحرم يموت؟ قال: يغسل و يكفن و يغطى وجهه، و لا يحنط، و لا يمس شيئا من الطيب».

و روى في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يموت، كيف يصنع به؟

فحدثني ان عبد الرحمن بن الحسن بن علي مات بالأبواء مع الحسين بن علي (عليهما السلام) و هو محرم، و مع الحسين عبد الله بن العباس و عبد الله بن جعفر، فصنع به كما صنع بالميت، و غطى وجهه، و لم يمسه طيبا. قال:

و ذلك في كتاب على (عليه السلام)».

و بهذا المضمون حديث ابى مريم المروي في الكافي (4) و حديثه الآخر المروي في التهذيب (5) و حديث عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري (6).

____________

(1) الوسائل الباب 13 من غسل الميت، و الباب 83 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 13 من غسل الميت.

(3) الوسائل الباب 13 من غسل الميت.

(4) الوسائل الباب 13 من غسل الميت.

(5) الوسائل الباب 13 من غسل الميت.

(6) الوسائل الباب 13 من غسل الميت.

431

المسألة السادسة [كفارة استعمال المحرم الطيب]

- أجمع الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) على وجوب الشاة في الطيب، أكلا، و اطلاء، و شما، و بخورا، و صبغا، ابتداء و استدامة، متى استعمله عامدا عالما، نقل إجماعهم على ذلك العلامة في المنتهى و التذكرة.

و استدل عليه بصحيحة زرارة، و هي

ما رواه الصدوق في الصحيح عنه عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «من أكل زعفرانا متعمدا، أو طعاما فيه طيب، فعليه دم، و ان كان ناسيا فلا شيء عليه، و يستغفر الله و يتوب اليه».

و لا يخفى قصورها عن ما ذكروه من التعميم في الحكم المذكور.

و يدل على وجوب الشاة أيضا في الجملة

قول ابي جعفر (عليه السلام) في صحيحة زرارة (2): «من نتف إبطه، أو قلم ظفره، أو حلق رأسه، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه، أو أكل طعاما لا ينبغي له اكله، و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا، فليس عليه شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة».

و يؤيده ما تقدم قريبا (3) في المسألة الرابعة من مقطوعة

معاوية ابن عمار: «و ان كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه».

إلا انه قد تقدم في المسألة الثانية من الاخبار ما هو ظاهر في المنافاة، مثل

قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز (4): «فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع بقدر شبعه. يعني: من

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 223، و الوسائل الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 8 من بقية كفارات الإحرام.

(3) ص 424 رقم 3.

(4) ص 414.

432

الطعام».

- كما في رواية التهذيب- و «قدر سعته» كما في الكافي.

و قوله (عليه السلام) في رواية الحسن بن زياد (1): «و قد سأله عن الأشنان فيه الطيب، يغسل به يده و هو محرم. فقال: تصدق بشيء كفارة للأشنان الذي غسلت به يدك».

و نحوها رواية الحسين ابن زياد (2).

و في صحيحة معاوية بن عمار (3): «فمن ابتلى بشيء من ذلك فليعد غسله، و ليتصدق بصدقة بقدر ما صنع».

و أجاب العلامة- بعد ذكره بعض هذه الروايات- بالحمل على حال الضرورة، و الحاجة الى استعمال الطيب. و لا يخفى ما فيه من البعد، إذ لا إشارة في تلك الاخبار- فضلا عن الدلالة- تؤنس به و اختار في المدارك حملها على حالة الجهل و النسيان، مع حمل الأمر بالصدقة على الاستحباب، للأخبار الكثيرة الدالة على سقوط الكفارة عن الناسي و الجاهل إلا في الصيد. و لا يخفى ايضا ما فيه من البعد عن ظاهر الاخبار المذكورة.

و يخطر بالبال العليل و الفكر الكليل وجه آخر، لعله أقرب من ما ذكروه، و هو حمل الطيب في هذه الاخبار على ما عدا الأفراد الأربعة أو الخمسة التي اخترناها وفاقا للشيخ في التهذيب، و يختص وجوب

____________

(1) الوسائل الباب 27 من تروك الإحرام، و الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 223 و 224، و الوسائل الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام رقم 8.

433

الشاة بالطيب الذي هو عبارة عن تلك الأفراد المذكورة، و الأمر بالصدقة فيها على الاستحباب.

و بالجملة فالمسألة غير خالية من شوب الاشكال، و لا ريب ان الاحتياط في ما ذكروه (رضوان الله عليهم).

الصنف الرابع- لبس المخيط للرجال

، و ما يتبعه من أنواع اللبس قال في التذكرة: يحرم على المحرم الرجل لبس الثياب المخيطة عند علماء الأمصار. و قال في المنتهى: يحرم على المحرم لبس المخيط من الثياب ان كان رجلا، و لا نعلم فيه خلافا. و نقل في الدروس عن ابن الجنيد انه قيده بالضام للبدن. و ظاهر المشهور بين الأصحاب تحريم لبس المخيط و ان قلت الخياطة.

و أنت خبير بأن الأخبار الواردة في المسألة قاصرة عن افادة ما ذكروه من العموم.

و ها أنا أسوق لك ما وقفت عليه منها، ليظهر لك الحال:

فمنها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تلبس- و أنت تريد الإحرام- ثوبا تزره، و لا تدرعه، و لا تلبس سراويل، إلا ان لا يكون لك إزار، و لا خفين، الا ان لا يكون لك نعلان».

و ما رواه الصدوق عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا تلبس ثوبا له أزرار و أنت محرم، إلا ان تنكسه، و لا ثوبا تدرعه، و لا سراويل، إلا ان لا يكون لك إزار،

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 69 و 70، و الوسائل الباب 35 من تروك الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 218، و الوسائل الباب 35 من تروك الإحرام.

434

و لا خفين، إلا ان لا يكون لك نعل».

و ما رواه الصدوق ايضا عن زرارة في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن ما يكره للمحرم ان يلبسه. فقال:

يلبس كل ثوب إلا ثوبا يتدرعه».

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان لبست ثوبا في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلب و أعد غسلك، و ان لبست قميصا فشقه و أخرجه من تحت قدميك».

و عن صفوان في الصحيح عن خالد بن محمد الأصم (3) قال:

«دخل رجل المسجد الحرام و هو محرم، فدخل في الطواف و عليه قميص و كساء، فاقبل الناس عليه يشقون قميصه و كان صلبا، فرءاه أبو عبد الله (عليه السلام)- و هو يعالجون قميصه يشقونه- فقال له:

كيف صنعت؟ فقال: أحرمت هكذا في قميصي و كسائي. فقال: انزعه من رأسك، ليس ينزع هذا من رجليه، انما جهل».

و نحوها رواية عبد الصمد بن بشير (4) و قد تقدمت في مسألة لبس ثوبي الإحرام (5).

و ما رواه في الكافي عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (6) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يلبس الطيلسان المزرور؟

فقال: نعم. و في كتاب على (عليه السلام): لا يلبس طيلسان حتى ينزع أزراره. فحدثني أبي انه انما كره ذلك مخافة ان يزره الجاهل عليه».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 218، و الوسائل الباب 36 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

(5) ص 77.

(6) الفروع ج 4 ص 340، و الوسائل الباب 36 من تروك الإحرام.

435

و روى في الكافي أيضا و التهذيب في الصحيح عن الحلبي مثله (1) بدون قوله: «فحدثني ابي» قال: و قال: «إنما كره ذلك مخافة ان يزره الجاهل فاما الفقيه فلا بأس ان يلبسه».

و أنت خبير بأنه لا دلالة في شيء من هذه الروايات على تحريم لبس المخيط، و لا تعرض له بالكلية، و انما دلت على النهى عن أثواب مخصوصة. و بذلك اعترف شيخنا الشهيد (نور الله مرقده) في الدروس حيث قال: و لم أقف إلى الآن على رواية بتحريم عين المخيط، انما نهى عن القميص و القباء و السراويل،

و في صحيح معاوية (2): «لا تلبس ثوبا تزره و لا تدرعه، و لا تلبس سراويل».

و تظهر الفائدة في الخياطة في الإزار و شبهه.

انتهى. و يعضده ما نقل عن الشيخ المفيد (عطر الله- تعالى- مرقده) في المقنعة انه لم يذكر إلا المنع من أشياء معينة، و لم يتعرض لذكر المخيط.

و من ما ذكرنا يعلم ان ما اشتهر بين جملة من المتأخرين- بناء على ما قدمناه من الإجماع المدعى، من انه يكفى في المنع مسمى الخياطة و ان قلت- لا وجه له.

و ألحق الأصحاب بالمخيط ما أشبهه، كالدرع المنسوج، و الملصق بعضه ببعض. و احتج عليه في التذكرة بالحمل على المخيط، لمشابهته إياه في المعنى من الترفه و التنعم. و ضعفه ظاهر. و الأجود أن يستدل عليه بما يتضمن تحريم لبس الثياب على المحرم، كصحيحة معاوية ابن عمار الاولى و الثانية، و صحيحة زرارة، و نحوها من ما نقلناه و ما لم ننقله، فإنها شاملة لذلك.

____________

(1) الوسائل الباب 36 من تروك الإحرام، و الحديث في الفروع ج 4 ص 340، و الفقيه ج 2 ص 217.

(2) ص 433 رقم (1).

436

لكن ينبغي ان يستثني منه الطيلسان، فإنه يجوز لبسه، كما تقدم في صحيحة يعقوب بن شعيب. و هو- على ما نقل- ثوب منسوج محيط بالبدن، قال في كتاب مجمع البحرين: الطيلسان مثلث اللام واحد الطيالسة، و هو ثوب محيط بالبدن ينسج للبس خال عن التفصيل و الخياطة، و هو من لباس العجم، و الهاء في الجمع للعجمة، لانه معرب تالشان. انتهى و ظاهر الروايتين المذكورتين جواز لبسه اختيارا، و به صرح العلامة في جملة من كتبه، و الشهيد في الدروس. و اعتبر في الإرشاد في جواز لبسه الضرورة، و به صرح صاحب الوسائل. و الظاهر الأول.

و من ما يدل على وجوب الفدية لو تعمد لبس ما لا يجوز له لبسه

ما رواه الكليني عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) (1) قال: «من لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه، و من فعله متعمدا فعليه دم».

و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «سألته عن ضروب من الثياب مختلفة يلبسها المحرم إذا احتاج، ما عليه؟ قال: لكل صنف منها فداء».

أقول: الظاهر ان المراد بتعدد الصنف، كالعمامة و القباء و القميص و السراويل، فان كلا منها صنف من أصناف اللباس، فلو تعدد القباء- مثلا- فليس إلا فداء واحد.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 348، و الوسائل الباب 8 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 348، و الفقيه ج 2 ص 219، و التهذيب ج 5 ص 384 عن ابي جعفر (ع)، و الوسائل الباب 9 من بقية كفارات الإحرام.

437

و ما رواه ثقة الإسلام (نور الله- تعالى- مرقده) في الصحيح عن زرارة (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف إبطه، أو قلم ظفره، أو حلق رأسه، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه، أو أكل طعاما لا ينبغي له اكله، و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة».

و ما رواه الشيخ عن سليمان بن العيص (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يلبس القميص متعمدا. قال: عليه دم».

و من اضطر الى لبس ثوب يحرم عليه لبسه مع الاختيار، جاز له لبسه، و عليه دم شاة. و الحكم بذلك مقطوع به في كلامهم، كما نقله غير واحد.

و الأصل فيه صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة. و الظاهر منها- كما أشرنا إليه آنفا- تعدد الكفارة بتعدد الصنف، في مجلس واحد كان أو مجالس متعددة، و مع اتحاد الصنف فليس إلا كفارة واحدة كذلك اي اتحد المجلس أو تعدد، تعددت أفراده أو اتحدت.

و بهذا ينبغي ان يجمع بين كلامي العلامة في المنتهى، فإنه قال في فروع هذه المسألة:

الثاني- لو لبس ثيابا كثيرة دفعة واحدة وجب عليه فداء واحد و لو كان في مرات متعددة وجب عليه لكل ثوب دم، لان لبس كل ثوب يغاير لبس الثوب الآخر، فيقتضي كل واحد منها مقتضاه من

____________

(1) هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الشيخ في التهذيب ج 5 ص 369 و 370، و الوسائل الباب 8 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 8 من بقية كفارات الإحرام.

438

غير تداخل. ثم استدل بصحيحة محمد بن مسلم المذكورة. ثم قال:

الرابع- لو لبس قميصا و عمامة و خفين و سراويل وجب عليه لكل واحد فدية، لأن الأصل عدم التداخل، خلافا لأحمد (1). و ظاهر هذا الكلام مناف لما تقدم، من ان لبس الثياب الكثيرة دفعة واحدة إنما يوجب فداء واحدا. و وجه الجمع هو ما أشرنا إليه من حمل الثياب الكثيرة على ما إذا كانت من صنف واحد، و ان كان ظاهر عبارته من ما يأبى هذا، حيث انه جعل مناط الاتحاد و التعدد في الفدية انما هو تعدد المجلس و اتحاده، و المفهوم من الخبر انما هو باعتبار تعدد الصنف و اتحاده.

و نقل عن الشيخ في التهذيب انه قال: و إذا لبس ثيابا كثيرة فعليه لكل واحد منها فداء. و هو على إطلاقه أيضا مشكل. و الوجه ما ذكرناه من التفصيل المستفاد من الصحيحة المذكورة.

ثم انه لا فرق عند الأصحاب في وجوب الكفارة بين اللبس ابتداء و استدامة، كما لو لبسه ناسيا أو جاهلا ثم ذكر أو علم، فإنه يجب عليه نزعه على الفور، و لا فدية عليه، و لو تركه و الحال كذلك وجبت عليه الفدية، طال الزمان أو قصر.

و الواجب نزعه من أسفله، بان يشقه و يخرجه من رجليه. و علله في المنتهى بأنه لو نزعه من رأسه لغطاه، و تغطية الرأس حرام. و رواية عبد الصمد بن بشير المتقدمة في مسألة لبس ثوبي الإحرام (2) دلت

____________

(1) المغني ج 3 ص 448 طبع مطبعة العاصمة.

(2) ص 77 و 78، و التهذيب ج 5 ص 72، و الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام.

439

على التفصيل في ما إذا كان جاهلا، بين لبسه للقميص قبل الإحرام فينزعه من رأسه، و بعد الإحرام فينزعه من رجليه.

و قد تقدم في المسألة المشار إليها التنبيه على جملة من المسائل المتعلقة بثوبي الإحرام.

[تنبيهات]

و بقي من ما يجب التنبيه عليه هنا أمور

الأول [حكم عقد المحرم إزاره عليه]

- قال العلامة في المنتهى: يجوز للمحرم ان يعقد إزاره عليه، لانه يحتاج اليه لستر العورة، فيباح كاللباس للمرأة. قال في المدارك: و هو حسن.

أقول:

قد روى في الاحتجاج (1) عن محمد بن عبد الله الحميري عن صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه): انه كتب إليه يسأله عن المحرم، يجوز ان يشد المئزر من خلفه على عقبه بالطول، و يرفع طرفيه الى حقويه و يجمعهما في خاصرته و يعقدهما، و يخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه و يرفعهما الى خاصرته و يشد طرفيه الى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك؟ فإن المئزر الأول كنا نتزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك، و هذا أستر. فأجاب (عليه السلام):

جائز ان يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثا بمقراض و لا ابرة يخرجه به عن حد المئزر، و غرزه غرزا، و لم يعقده و لم يشد بعضه ببعض، و إذا غطى سرته و ركبتيه كلاهما، فإن السنة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة و الركبتين. و الأحب إلينا و الأفضل لكل أحد شده على السبيل المألوفة المعروفة للناس جميعا ان شاء الله (تعالى).

و عنه انه سأله: هل يجوز ان يشد عليه مكان العقد تكة؟ فأجاب: لا يجوز شد المئزر بشيء سواه من تكة أو غيرها.

انتهى. و هو ظاهر- كما

____________

(1) ج 2 ص 306، و الوسائل الباب 53 من تروك الإحرام.

440

ترى- في انه إذا اتزر بالإزار، يغرزه غرزا، و لا يعقده، و لا يشد بعضه ببعض.

و ذكر العلامة أيضا في الكتاب المذكور و غيره في غيره: انه يحرم على المحرم عقد الرداء وزره.

و استدلوا عليه

بما رواه الصدوق في الموثق عن سعيد الأعرج (1):

«انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يعقد إزاره في عنقه؟ قال: لا».

قال في المدارك بعد نقل ذلك: و يمكن حملها على الكراهة، لقصورها من حيث السند عن إثبات التحريم. و هو جيد على أصله الغير الأصيل. و الأظهر هو ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم).

إلا انه

روى في الكافي عن القداح عن جعفر (عليه السلام) (2):

«ان عليا (صلوات الله عليه) كان لا يرى بأسا بعقد الثوب إذا قصر، ثم يصلي فيه و ان كان محرما».

و الظاهر حملها على الضرورة كما هو الظاهر منها، فلا منافاة. و مفهومها كاف في الدلالة كما لا يخفى.

و يزيد ذلك بيانا

ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (3) قال:

«المحرم لا يصلح له ان يعقد إزاره على رقبته، و لكن يثنيه على عنقه و لا يعقده».

و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله (4).

الثاني [يجوز للمحرم عقد الهميان في وسطه]

- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز له عقد الهميان في وسطه.

____________

(1) الوسائل الباب 53 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 53 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 53 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 53 من تروك الإحرام.

441

و عليه تدل جملة من الاخبار: منها-

ما رواه ثقة الإسلام (عطر الله- تعالى- مرقده) في الصحيح عن عاصم بن حميد عن ابي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يشد على بطنه العمامة؟ قال: لا. ثم قال: ان كان ابي يقول: يشد على بطنه المنطقة التي فيها نفقته يستوثق منها، فإنها من تمام حجه».

و عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يصر الدراهم في ثوبه؟ قال: نعم. و يلبس المنطقة و الهميان».

و ما رواه الصدوق (نور الله مرقده) في الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يشد الهميان في وسطه؟ فقال: نعم، و ما خيره بعد نفقته».

و عن ابي بصير عنه (عليه السلام) (4) انه قال: «كان ابي يشد على بطنه نفقته يستوثق بها، فإنها تمام حجه».

و ما تضمنه صحيح ابي بصير- من النهي عن شد المحرم العمامة على بطنه- لعله محمول على الكراهة،

لما رواه الصدوق في الصحيح عن عمران الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «المحرم يشد على بطنه العمامة، و ان شاء يعصبها على موضع الإزار، و لا يرفعها الى صدره».

و يمكن حمل البطن في صحيحة أبي بصير على الصدر، جمعا بين الخبرين، فان ظاهر هذه الصحيحة تحريم الشد على الصدر. و باب

____________

(1) الوسائل الباب 47 من تروك الإحرام. و ارجع الى الاستدراكات.

(2) الوسائل الباب 47 من تروك الإحرام. و ارجع الى الاستدراكات.

(3) الوسائل الباب 47 من تروك الإحرام. و ارجع الى الاستدراكات.

(4) الوسائل الباب 47 من تروك الإحرام. و ارجع الى الاستدراكات.

(5) الوسائل الباب 72 من تروك الإحرام.

442

التجوز في الكلام واسع، و ارتكاب مثل هذا التجوز في طريق الجمع شائع.

الثالث [عدم جواز لبس الخفين و الساتر لظهر القدم للمحرم اختيارا]

- قد صرح العلامة في المنتهى و التذكرة و غيره بأنه لا يجوز للمحرم لبس الخفين، و لا ما يستر ظهر القدم، اختيارا، و يجوز اضطرارا و هو من ما لا خلاف فيه بينهم، كما ذكره العلامة في الكتابين المذكورين، قال: و لا نعلم فيه خلافا.

أقول: و يدل عليه

ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1): «في المحرم يلبس الخف إذا لم يكن له نعل؟ قال: نعم، و لكن يشق ظهر القدم».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «المحرم يلبس السراويل إذا لم يكن معه إزار، و يلبس الخفين إذا لم يكن معه نعل».

و صحيحة الحلبي (3) و فيها: «و اي محرم هلكت نعلاه فلم يكن له نعلان فله ان يلبس الخفين إذا اضطر الى ذلك، و الجوربين يلبسهما إذا اضطر الى لبسهما».

و في صحيحة زرارة (4): «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يلبس الخفين و الجوربين؟ قال: إذا اضطر إليهما».

____________

(1) الوسائل الباب 51 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 50 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 51 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 347، و الفقيه ج 2 ص 217، و الوسائل الباب 51 من تروك الإحرام رقم 4. و الراوي هو رفاعة.

443

و في صحيحة معاوية بن عمار (1): «و لا تلبس سراويل إلا ان لا يكون لك إزار، و لا خفين إلا ان لا يكون لك نعلان».

و هذه الروايات كلها إنما دلت على الخفين و الجوربين، و اما ما يستر ظهر القدم من غير ان يدخل تحت اللباس فلا دليل عليه. و الظاهر ان مرادهم ليس مجرد ستر القدم، بل المراد لبس ما يوجب ستر القدم و على هذا فيحمل ذكر الخفين و الجوربين على التمثيل دون الاختصاص.

و الظاهر المتبادر من هذه الروايات هو اختصاص التحريم بما يلزم منه ستر ظهر القدم كلا دون بعضه، بل احتمل في المدارك اختصاصه بساتر الجميع إذا كان له ساق كما في الخف و الجورب.

بقي الكلام في انه متى اضطر الى لبسه فهل يجب شقه أم لا؟

فقال الشيخ و اتباعه بالوجوب، لرواية محمد بن مسلم المتقدمة،

و رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل هلكت نعلاه و لم يقدر على نعلين؟ قال: له ان يلبس الخفين إذا اضطر الى ذلك، و ليشقه من ظهر القدم. الحديث».

و قال ابن إدريس و جمع من الأصحاب- منهم المحقق-: لا يجب شق الخفين، للأصل، و إطلاق الأمر بلبس الخفين مع عدم النعلين في الاخبار المتقدمة، و لو كان الشق واجبا لذكر في مقام البيان. و فيه ان غاية هذه الاخبار ان تكون مطلقة في ذلك، و هي لا تنافي الأخبار المقيدة، لأن المقيد يحكم على المطلق، كما هو القاعدة المسلمة بينهم.

ثم انه قد اختلف كلامهم أيضا في كيفية ذلك، فقال الشيخ في

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 69 و 70، و الوسائل الباب 35 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 346، و الوسائل الباب 51 من تروك الإحرام.

444

للبسوط: يشق ظهر قدميهما. و قال في الخلاف: انه يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين. و قال ابن الجنيد: و لا يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين حتى يقطعهما إلى أسفل الكعبين. و قال ابن حمزة: انه يشق ظاهر القدمين، و ان قطع الساقين كان أفضل. و الذي دل عليه الخبران المتقدمان شق ظهر القدم خاصة. نعم ورد القطع الى الكعبين في روايات العامة حيث رووا

عنه (صلى اللّٰه عليه و آله) (1) انه قال:

«فان لم يجد نعلين فليلبس خفين، و ليقطعهما حتى يكونا الى الكعبين».

و لا يبعد ان يكون من ذكر القطع من أصحابنا إنما تبع فيه العامة، حيث انه لا مستند له في أخبارنا، أو لعله وصل إليهم و لم يصل إلينا.

و الظاهر اختصاص الحكم المذكور بالرجل، لانه مورد الروايات دون المرأة. و استظهره شيخنا الشهيد في الدروس.

الرابع [حكم لبس المحرمة القفازين و الحلي الذي لم تعتد لبسه]

- قد صرحوا (رضوان الله عليهم) بأنه لا يجوز للمرأة المحرمة لبس القفازين، و لا الحلي الذي لم تجر عادتها بلبسه قبل الإحرام.

و يدل على الأول

ما رواه في الكافي في الصحيح عن عيص بن القاسم (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير و القفازين. و كره النقاب.

الحديث».

____________

(1) سنن البيهقي ج 5 ص 51. و ارجع الى الاستدراكات.

(2) الفروع ج 4 ص 344، و الوسائل الباب 33 من الإحرام، و الباب 48 من تروك الإحرام.

445

و عن النضر بن سويد عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن المرأة المحرمة أي شيء تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلها إلا المصبوغة بالزعفران و الورس، و لا تلبس القفازين و لا حليا تتزين به لزوجها، و لا تكتحل إلا من علة، و لا تمس طيبا، و لا تلبس حليا و لا فرندا. و لا بأس بالعلم في الثوب».

و القفاز كرمان: شيء يعمل لليدين يحشى بقطن، تلبسهما المرأة للبرد، و يكون لهما أزرار تزر على الساعدين.

و عن أبي عيينة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): ما يحل للمرأة ان تلبس من الثياب و هي محرمة؟ قال: الثياب كلها ما خلا القفازين و البرقع و الحرير».

و ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن يحيى ابن ابي العلاء عن ابي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) (3): «انه كره للمحرمة البرقع و القفازين».

أقول: و المراد بالكراهة هنا التحريم كما هو شائع في الاخبار.

و اما الثاني فتحريمه هو المشهور بين الأصحاب، بل لا نعلم فيه مخالفا إلا ما يظهر من المحقق في الشرائع حيث جعله الاولى. هذا في ما لم يقصد به الزينة، و اما مع ذلك فلا خلاف في تحريمه.

و تدل عليه رواية النضر بن سويد المتقدمة، و صحيحة محمد بن مسلم المروية في التهذيب

و في من لا يحضره الفقيه عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 33 من الإحرام، و الباب 49 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 345، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

(3) الفقيه ج 2 ص 219، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

446

(عليه السلام) (1) قال: «المحرمة تلبس الحلي كله إلا حليا مشهورا للزينة».

و المراد بالمشهور، يعني: الظاهر الذي تحصل به الزينة.

و اما تحريم ما لم تعتد لبسه قبل الإحرام- كما هو المشهور- فلم أقف في الاخبار على ما يدل عليه صريحا و لا ظاهرا، و غاية ما استدل به في المدارك على ذلك مفهوم

قوله (عليه السلام) في صحيحة حريز (2):

«إذا كان للمرأة حلي لم تحدثه للإحرام لم ينزع عنها».

فان مفهومه يدل على النزع لو أحدثته للإحرام.

و الذي وقفت عليه من روايات المسألة زيادة على ما ذكرنا

ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة يكون عليها الحلي، و الخلخال، و المسكة، و القرطان من الذهب و الورق، تحرم فيه و هو عليها، و قد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها، انتزعه إذا أحرمت أو تتركه على حاله؟ قال: تحرم فيه و تلبسه، من غير ان تظهره للرجال في مركبها و مسيرها».

و ما رواه في من لا يحضره الفقيه (4) عن عبد الله بن يحيى الكاهلي في الحسن عنه (عليه السلام) انه قال: «تلبس المرأة المحرمة الحلي كله إلا القرط المشهور و القلادة المشهورة».

____________

(1) الوسائل الباب 49 من تروك الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 220، و الوافي باب (لباس المحرمة و حليها) و الوسائل الباب 49 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 49 من تروك الإحرام.

(4) ج 2 ص 220، و الوسائل الباب 49 من تروك الإحرام.

447

و قال في من لا يحضره الفقيه (1): «و سأله يعقوب بن شعيب عن المرأة تلبس الحلي. فقال: تلبس المسك و الخلخالين».

و قال: و في رواية حريز (2) قال: «إذا كان للمرأة حلي لم تحدثه للإحرام لم تنزعه عنها».

و ما رواه في التهذيب (3) في الصحيح عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و تلبس الخلخالين و المسك».

و عن عمار الساباطي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «تلبس المحرمة الخاتم من الذهب».

أقول: و المستفاد من مجموع روايات المسألة و ضم بعضها الى بعض هو انه يحرم عليها قصد الزينة، سواء كان بما تعتاده قبل الإحرام أم لا، و عليه تدل رواية النضر و صحيحة محمد بن مسلم المذكورتان. و اليه يشير قوله في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «تحرم فيه و تلبسه، من غير ان تظهره للرجال» من زوجها و غيره من أقاربها. فلا وجه لتخصيص الزوج، كما وقع في عبارات جملة من الأصحاب. و اما ما لم تقصد به الزينة فلا بأس بما اعتادته قبل الإحرام بشرط ان لا تظهره، و في غير المعتاد تردد، و الأحوط تحريمه.

و الظاهر انه لا فدية في لبس القفازين و لا الحلي المحرم سوى

____________

(1) ج 2 ص 220، و الوسائل الباب 49 من تروك الإحرام.

(2) الفقيه ج 2 ص 220، و الوافي باب (لباس المحرمة و حليها) و الوسائل الباب 49 من تروك الإحرام.

(3) ج 5 ص 74 و 75، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 76، و الوسائل الباب 46 و 49 من تروك الإحرام.

448

الاستغفار، للأصل، و عدم الدليل في الباب.

الخامس [حكم لبس المحرم الخاتم]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه يحرم على الرجل لبس الخاتم ان قصد به الزينة، و ان قصد به السنة فلا بأس.

و يدل عليه

ما رواه في الكافي في الصحيح عن احمد بن ابي نصر عن نجيح عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس بلبس الخاتم للمحرم».

قال في الكافي (2): و في رواية أخرى: «لا يلبسه للزينة».

و ما رواه في التهذيب (3) في الصحيح عن محمد بن إسماعيل قال:

«رأيت العبد الصالح (عليه السلام) و هو محرم، و عليه خاتم، و هو يطوف طواف الفريضة».

و ما رواه في من لا يحضره الفقيه (4) عن مسمع عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته: أ يلبس المحرم الخاتم؟ قال:

لا يلبسه للزينة».

و يؤيده

ما في رواية حريز (5) قال: «لا تنظر في المرآة و أنت محرم لانه من الزينة.

و لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، ان السواد زينة».

السادس [حكم لبس المحرم السلاح]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في لبس السلاح للمحرم لغير ضرورة، فقيل بالتحريم، و هو المشهور، و القول بالجواز نادر.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 343، و الوسائل الباب 46 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 343، و الوسائل الباب 46 من تروك الإحرام.

(3) ج 5 ص 73، و الوسائل الباب 46 من تروك الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 73، و الوسائل الباب 46 من تروك الإحرام.

(5) الفروع ج 4 ص 356، و الوسائل الباب 34 و 33 من تروك الإحرام.

449

و يدل على القول المشهور الاخبار: منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «ان المحرم إذا خاف العدو فلبس السلاح فلا كفارة عليه».

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): أ يحمل السلاح المحرم؟ فقال: إذا خاف المحرم عدوا أو سرقا فليلبس السلاح».

و في من لا يحضره الفقيه (3) عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم إذا خاف لبس السلاح».

و في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال:

«لا بأس بأن يحرم الرجل و عليه سلاحه إذا خاف العدو».

و دلالة هذه الاخبار على التحريم و ان كان بالمفهوم إلا انه مفهوم شرط، و هو حجة عند محققي الأصوليين و عندي، للأخبار المتقدمة في مقدمات الكتاب. إلا انه ربما يقال: ان المفهوم إنما يعتبر إذا لم يظهر للتعليق وجه سوى نفى الحكم عن ما عدا محل الشرط، و هنا ليس كذلك. و لا يبعد ان يكون التعليق باعتبار عدم الاحتياج الى لبس السلاح عند انتفاء الخوف لا تحريمه. و يؤيده ان مقتضى الرواية الأولى لزوم الكفارة بلبس السلاح مع انتفاء الخوف. و لا قائل به.

و يمكن حملها على ما لا يجوز للمحرم لبسه كالدرع، و معه يسقط الاحتجاج بها رأسا. و من أجل هذه الوجوه مال في المدارك الى القول بالكراهة وفاقا للمصنف. و فيه نظر، فان الظاهر ان ما ذكره من

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 387، و الوسائل الباب 54 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 387، و الوسائل الباب 54 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 54 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 54 من تروك الإحرام.

450

الفائدة في التعليق بعيد جدا، فان عدم الاحتياج الى لبس السلاح عند انتفاء الخوف أمر ظاهر لا يحتاج الى تنبيه عليه ليكون هو الغرض من التعليق. و عدم القول بمضمون الرواية الدالة على الكفارة مع صحتها و صراحتها لا يوجب طرحها و لا تأويلها، بل الواجب العمل بها مع عدم وجود المعارض لها. و بالجملة فالظاهر هو المشهور. و الله العالم.

الصنف الخامس و السادس- الاكتحال بالسواد، و ما فيه طيب. و كذا النظر في المرآة.

فاما الأول فالمشهور فيه القول بالتحريم، و هو قول الشيخ في النهاية و المبسوط، و الشيخ المفيد، و سلار، و ابن إدريس، و غيرهم. و قال في الخلاف: انه مكروه. و قال أبو جعفر بن بابويه في المقنع: و لا بأس ان يكتحل بالكحل كله إلا كحلا أسود للزينة. و قال ابن الجنيد:

و لا تكتحل المرأة بالإثمد.

و الذي وقفت عليه من الروايات المتعلقة بالمسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الأسود إلا من علة».

و عن حريز في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2):

قال: «لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، ان السواد زينة».

و ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن حريز في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا تنظر في المرآة و أنت

____________

(1) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 356، و الوسائل الباب 34 و 33 من تروك الإحرام.

451

محرم، لانه من الزينة. و لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، ان السواد زينة».

و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الكحل للمحرم. قال: اما بالسواد فلا و لكن بالصبر و الحضض».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عنه- يعني: أبا عبد الله (عليه السلام) (2)- قال: «تكتحل المرأة بالكحل كله إلا الكحل الأسود للزينة».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان تكتحل و أنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، فأما للزينة فلا».

و عن عبد الله بن سنان في الصحيح (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يكتحل المحرم ان هو رمد بكحل ليس فيه زعفران».

و ما رواه ثقة الإسلام عن معاوية في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «المحرم لا يكتحل إلا من وجع. و قال: لا بأس بأن تكتحل و أنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه، فأما للزينة فلا».

و عن ابان عن من أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6) قال:

«إذا اشتكى المحرم عينيه فليكتحل بكحل ليس فيه مسك و لا طيب».

و ما رواه في التهذيب عن هارون بن حمزة الغنوي عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 302، و الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(6) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

452

(عليه السلام) (1) قال: «لا يكحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران و ليكتحل بكحل فارسي».

قال في القاموس: كحل فارس: الانزروت و كحل خولان: الحضض.

أقول: و هذه الاخبار ما بين ما هو ظاهر في المنع من حيث قصد الزينة به- كما ذكره الصدوق في المقنع- و ما بين ما هو ظاهر في المنع مطلقا، معللا في بعضها بلزوم حصول الزينة منه و ان لم يقصدها كما هو القول المشهور. و يشير الى ما قلناه ما في صحيحتي حريز من قوله (عليه السلام): «ان السواد زينة» فعلل التحريم بما يحصل منه الزينة و ان لم يقصده المكتحل، و اما إذا قصدها فلا إشكال في التحريم. و لا تنافي بين هذه الاخبار. و حينئذ فتخصيص الصدوق التحريم بقصد الزينة ليس في محله، لان فيه طرحا لهذه الأخبار الباقية. و بذلك يظهر قوة القول المشهور.

و اما ما ذكره في الخلاف فيحتمل ان يكون مستنده قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الثانية: «لا بأس ان تكتحل و أنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه» و قوله (عليه السلام) في صحيحته أو حسنته التي بعدها «لا بأس بأن تكتحل و أنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه» و الجواب: حمل الكحل هنا على سائر الأكحال غير السواد، جمعا. و يشير اليه قوله بعد هذه العبارة:

«فأما للزينة فلا» يعني: الكحل الأسود الذي تحصل منه الزينة و يكتحل به للزينة.

و اما ما ذكره في الذخيرة بعد نقل جملة من هذه الاخبار-:

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 301، و الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

453

و الجمع بين الاخبار يقتضي حمل ما دل على النهي عن الاكتحال بالسواد على ما كان للزينة. ثم ان قلنا بأن النهي في أخبارنا يدل على التحريم تعين المصير اليه، و إلا كان المتجه قول الشيخ. و يؤيده إجماع الفرقة عليه. انتهى- ففيه ما عرفت من انه لا منافاة بين الاخبار المذكورة بالتقريب الذي ذكرناه، إذ ما دل على التحريم مطلقا قد علل بلزوم الزينة منه و ان لم تقصد، كما عرفت من صحيحتي حريز، فلا يصلح للتقييد بما ذكره. و على هذا فيصير قصد الزينة به مرتبة اخرى فوق هذه المرتبة و أبلغ في التحريم. و اما قوله: «ثم ان قلنا. الى آخره» فهو من تشكيكاته الواهية التي للوساوس مضاهية، كما أوضحناه في غير موضع من ما تقدم.

هذا كله في الرجل و المرأة مع الاختيار، اما لو دعت الضرورة إليه فالظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في الجواز.

و يدل عليه ما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار الاولى: «لا يكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الأسود إلا من علة» و صحيحة عبد الله بن سنان الدالة على انه إذا رمد يكتحل بكحل ليس فيه زعفران. و صحيحة معاوية أو حسنته الدالة على ان المحرم لا يكتحل إلا من وجع.

و يدل عليه ايضا

ما رواه الكليني عن عبد الله بن يحيى الكاهلي في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سأله رجل ضرير البصر و انا حاضر، فقال: اكتحل إذا أحرمت؟ قال: لا، و لم تكتحل؟ قال:

اني ضرير البصر فإذا أنا اكتحلت نفعني و إذا لم اكتحل ضرني. قال:

____________

(1) الفروع ج 4 ص 358، و الوسائل الباب 33 و 70 من تروك الإحرام.

454

فاكتحل. قال: فإني أجعل مع الكحل غيره؟ قال: ما هو؟ قال:

آخذ خرقتين فأربعهما فاجعل على كل عين خرقة و أعصبهما بعصابة إلى قفاي، فإذا فعلت ذلك نفعني و إذا تركته ضرني. قال: فاصنعه».

و روى الصدوق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس للمحرم ان يكتحل بكحل ليس فيه مسك و لا كافور إذا اشتكى عينيه».

و اما الثاني فإن المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) تحريمه حتى ان العلامة في التذكرة قال: أجمع علماؤنا على انه لا يجوز للمحرم ان يكتحل بكحل فيه طيب، سواء كان رجلا أو امرأة. و نقل عن ابن البراج انه جعل ذلك مكروها. و الظاهر ضعفه، لما دل على تحريم استعمال الطيب مطلقا. و خصوص ما تقدم من الروايات، مثل صحيحة معاوية بن عمار الثانية، و صحيحة عبد الله بن سنان، و صحيحة معاوية أو حسنته، و مرسلة أبان، و رواية الغنوي. و ظاهر الاخبار المذكورة تقييد الطيب بأنه توجد رائحته، فلو كان مسلوب الرائحة فالظاهر جوازه.

و اما الثالث فالقول بالتحريم فيه هو المشهور ايضا، و خالف الشيخ في الخلاف فذهب إلى انه مكروه. و الأصح التحريم.

و يدل عليه ما تقدم في صحيحة حريز المتقدمة المروية في الكافي،

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا تنظر في المرآة و أنت محرم، فإنها من الزينة».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 221، و الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 302، و الوسائل الباب 34 من تروك الإحرام.

455

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزينة».

و هذان الخبران جاريان على ما قدمناه في الاخبار السابقة، فإن الأول منهما دل على النهي عن النظر مطلقا، معللا بترتب الزينة على النظر و ان لم يقصدها الناظر، و الثاني دل على النظر لأجل الزينة.

و لا منافاة بينهما، بل أحدهما مؤكد للآخر. و به يظهر ان الاخبار المتقدمة لا منافاة بينها لتحتاج الى الجمع بما ذكره ذلك الفاضل (رحمه الله تعالى).

النصف السابع و الثامن- الفسوق و الجدال

، و البحث هنا يقع في موضعين:

الأول- في الفسوق

، و قد اجمع العلماء كافة على تحريمه في الحج و غيره. و الأصل فيه بالنسبة إلى الحج قوله (عز و جل) فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (2) و الحج يتحقق بالتلبس بإحرامه، بل بإحرام عمرة التمتع، لدخولها في الحج.

و قد اختلف الأصحاب في تفسير الفسوق، فقال الشيخ: الفسوق هو الكذب. و كذا قال الشيخ علي بن بابويه، و ابنه في المقنع.

و قال ابن الجنيد: انه الكذب و السباب. و كذا قال السيد المرتضى (رضي الله عنه). و قال ابن ابي عقيل: انه الكذب و اللفظ القبيح و قال ابن البراج: انه الكذب على الله (تعالى) و على رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) و على الأئمة (عليهم السلام).

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 302، و الوسائل الباب 34 من تروك الإحرام.

(2) سورة البقرة، الآية 197.

456

و المشهور الأول، و هو المعتمد. و يدل عليه

ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):

إذا أحرمت فعليك بتقوى الله (تعالى) و ذكر الله كثيرا، و قلة الكلام إلا بخير، فان من تمام الحج و العمرة ان يحفظ المرء لسانه إلا من خير، كما قال الله (عز و جل)، فان الله (تعالى) يقول فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (2) و الرفث:

الجماع، و الفسوق: الكذب و السباب، و الجدال: قول الرجل: لا و الله و بلى و الله».

و زاد في الكافي: «و اعلم ان الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل، فعليه دم يهريقه و يتصدق به، و إذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل، و عليه دم يهريقه و يتصدق به. و قال: اتق المفاخرة، و عليك بورع يحجزك عن معاصي الله (تعالى)، فان الله (عز و جل) يقول ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (3) قال أبو عبد الله (عليه السلام): من التفث ان تتكلم في إحرامك بكلام قبيح، فإذا دخلت مكة و طفت بالبيت و تكلمت بكلام طيب، فكان ذلك كفارة لذلك.

قال: و سألته عن الرجل يقول: لا لعمري و بلى لعمري. قال: ليس هذا من الجدال، إنما الجدال: لا و الله و بلى و الله».

و رواه الصدوق (4)

____________

(1) الفروع ج 4 ص 227 و 238، و التهذيب ج 5 ص 296، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام، و الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

(2) سورة البقرة، الآية 197.

(3) سورة الحج، الآية 27.

(4) الفقيه ج 2 ص 214، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

457

من قوله (عليه السلام): «اتق المفاخرة» إلى قوله: «و كان ذلك كفارة لذلك».

و ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن علي بن جعفر قال:

«سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو؟ و ما على من فعله؟ فقال: الرفث: جماع النساء، و الفسوق:

الكذب و المفاخرة، و الجدال: قول الرجل: لا و الله و بلى و الله.

الحديث».

و ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب معاني الاخبار (2) عن زيد الشحام قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال. قال: اما الرفث فالجماع، و اما الفسوق فهو الكذب، ألا تسمع لقوله (تعالى) يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا، أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ (3) و الجدال هو قول الرجل: لا و الله و بلى و الله، و سباب الرجل الرجل».

و ما رواه العياشي في تفسيره (4) عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في قول الله (عز و جل) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (5)

____________

(1) ج 5 ص 297، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

(2) ص 294، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

(3) سورة الحجرات، الآية 6.

(4) ج 1 ص 95، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

(5) سورة البقرة، الآية 197.

458

فالرفث: الجماع، و الفسوق: الكذب، و الجدال: قول الرجل: لا و الله و بلى و الله».

و في كتاب الفقه الرضوي (1): «و الفسوق: الكذب، فاستغفر الله منه، و تصدق بكف طعيم».

و الظاهر ان هذه عبارة الشيخ علي بن بابويه (رحمه الله).

أقول: قد تضمنت صحيحة معاوية بن عمار اضافة السباب الى الكذب في تفسير الفسوق، و صحيحة علي بن جعفر اضافة المفاخرة و اما باقي الروايات فإنما تضمنت تفسيره بالكذب خاصة. و في المختلف حمل صحيحة علي بن جعفر على صحيحة معاوية بن عمار بإرجاع المفاخرة إلى السباب، قال:

و في صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) «و الفسوق: الكذب و المفاخرة».

و هي لا تنفك عن السباب، إذ المفاخرة إنما تتم بذكر فضائل للمفتخر و سلبها عن خصمه، أو بسلب رذائل عنه و إثباتها لخصمه. و هذا هو معنى السباب. انتهى. و حينئذ فيرجع الأمر إلى السباب خاصة.

و يمكن ان تحمل الروايات المشتملة على هذه الزيادة على التقية، فإن المنقول في التذكرة عن العامة تفسير الفسوق بالسباب، قال:

و روى العامة قول النبي (صلى اللّٰه عليه و آله): سباب المسلم فسوق (3).

فجعلوا الفسوق هو السباب، لهذا الخبر. و هو غير دال. انتهى.

على ان رواية معاني الأخبار قد تضمنت إدخال السباب في الجدال ايضا

____________

(1) ص 27.

(2) تقدمت ص 457.

(3) مجمع الزوائد ج 8 ص 73، و الفتح الكبير ج 2 ص 151.

459

و بالجملة فإن الأخبار الباقية صريحة في تفسيره بالكذب خاصة، و الخبران المذكوران قد تعارضا في ما عدا الكذب و تساقطا و دفع كل واحد منهما الآخر، فيؤخذ بالمتفق عليه منهما و يطرح المختلف فيه من كل من الجانبين.

بقي الكلام بالنسبة إلى الكفارة، و ظاهر الأصحاب انه لا كفارة في الفسوق سوى الاستغفار. قال في المنتهى: و الفسوق هو الكذب على ما قلناه، و لا شيء فيه، عملا بالأصل السالم عن معارضة نص يخالفه، أو غيره من الأدلة.

و يدل عليه

ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن محمد بن مسلم و الحلبي جميعا (1) قالا له: «أ رأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟

قال: لم يجعل الله (عز و جل) له حدا، يستغفر الله، و يلبي».

أقول: و نحو هذه الرواية

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث: «قلت:

أ رأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله له حدا، يستغفر الله (تعالى) و يلبي».

و قد تضمنت عبارة كتاب الفقه الرضوي بعد الاستغفار التصدق بكف من طعيم. و الظاهر انه تصغير «طعام» إشارة الى قتله.

إلا انه

قد روى ثقة الإسلام في الكافي عن سليمان بن خالد في الصحيح (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 212، و الوسائل الباب 2 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 2 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 339، و الوسائل الباب 1 و 2 من بقية كفارات الإحرام.

460

الجدال شاة، و في السباب و الفسوق بقرة، و الرفث فساد الحج».

و ظاهر الخبر وجوب البقرة في الفسوق.

و يؤيده عجز

صحيحة علي بن جعفر التي تقدم صدرها، حيث قال (عليه السلام) (1) بعد ما قدمناه منها: «فمن رفث فعليه بدنة ينحرها، و ان لم يجد فشاة، و كفارة الفسوق يتصدق به إذا فعله و هو محرم».

و ظاهر المحدث الكاشاني الجمع بين الخبرين، بحمل ما دل على مجرد الاستغفار على ما إذا لم يتضمن الكذب يمينا، و ما دل على البقرة على تكرر ذلك منه مرتين مع اليمين.

و فيه (أولا): انه لا إشعار في شيء من الروايات بهذا الحمل.

و (ثانيا): ان اليمين غير معتبرة في معنى الفسوق، بل انما هو عبارة عن الكذب مطلقا كما عرفت.

و الأقرب حمل الرواية المتضمنة للبقرة على ما إذا انضاف الى الفسوق الذي هو عبارة عن الكذب خاصة السباب كما هو موردها، و تخصيص الاستغفار بالفسوق الذي هو الكذب.

و جمع في الوسائل بين الخبرين بحمل خبر الاستغفار على غير المتعمد- قال: لما مر من عدم وجوب الكفارة على غير العامد إلا في الصيد- و خبر الكفارة على العامد. و الظاهر بعده من خبري الاستغفار، إذ الظاهر من لفظ الابتلاء انما ينصرف الى العامد، و الاستغفار إنما يناسب العامد، إذ الجاهل و الناسي لا يؤاخذان اتفاقا.

و صاحب الذخيرة حمل الكفارة هنا على الاستحباب، كما هي الطريقة المعهودة في جميع الأبواب.

بقي الكلام في ان عجز صحيحة علي بن جعفر المذكورة لا يخلو

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 297، و الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

461

من خلل، و لصاحب المنتقى (قدس سره) هنا كلام حسن يحسن ذكره، قال (عطر الله- تعالى- مرقده) بعد ذكر الصحيحة المذكورة:

قلت: كذا في النسخ التي تحضرني للتهذيب، و ما رأيت للحديث ذكرا في الكتب الفقهية، سوى ان العلامة في المنتهى و بعض المتأخرين عنه ذكروا منه تفسير الفسوق، و ربما أشعر ذلك بتقدم وقوع الخلل فيه، و إلا لذكروا منه حكم الفسوق في الكفارة أيضا. و لكنهم اقتصروا في هذا الحكم على ما في حديث الحلبي و ابن مسلم محتجين به وحده، و لو رأوا لهذا الحديث افادة للحكم مخالفة لذلك أو موافقة لتعرضوا له كما هي عادتهم، لا سيما العلامة في المنتهى، فإنه يستقصي كثيرا في ذكر الاخبار. و كان يختلج بخاطري أن كلمتي: «يتصدق به» تصحيف «يستغفر ربه» فيوافق ما في حديث الحلبي و ابن مسلم و في الاخبار من نحو هذا التصحيف كثير فلا يستبعد. و لكني راجعت كتاب قرب الاسناد لمحمد بن عبد الله الحميري، فإنه متضمن لرواية كتاب علي بن جعفر، إلا ان الموجود من نسخته سقيم جدا باعتراف كاتبها الشيخ محمد بن إدريس العجلي (رحمه الله تعالى) فالتعويل على ما فيه مشكل. و على كل حال فالذي رأيته فيه يوافق ما في التهذيب من الأمر بالتصدق، و ينافي ما في الخبر الآخر و ينفي قضية التصحيف، و فيه زيادة يستقيم بها المعنى و يتم بها الكلام. إلا ان المخالفة معها لما في ذلك الخبر و غيره من ما يأتي أكثر و أشكل. و هذه صورة ما فيه (1)

«و كفارة الجدال و الفسوق شيء يتصدق به».

و العجب من عدم تعرض الشيخ لهذا الاختلاف في الاستبصار. و لعل ما في قرب الاسناد من

____________

(1) الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع رقم 16.

462

تصرف النساخ بعد وقوع نوع من الاختلال في أصل كتاب علي بن جعفر. مع ان في طريق الحميري لرواية الكتاب جهالة. و ربما يحمل إطلاق التصدق فيه بالنسبة إلى كفارة الجدال على التقييد الوارد في غيره و ان بعد. انتهى.

أقول: و العجب منه (قدس سره) انه تكلم في هذا الخبر بما عرفت، من حيث ظهوره في مخالفة رواية الحلبي و محمد بن مسلم، و تأويله بوقوع التصحيف فيه على وجه يرجع إليها، مع ان صحيحة سليمان بن خالد المصرحة بوجوب البقرة صريحة المخالفة، و هو قد ذكرها في كتابه، و لم يتعرض للجمع بينها و بين رواية الحلبي و محمد بن مسلم بل نقلها و مضى في نقله. و الاشكال فيها أعظم.

الثاني- في الجدال

، و هو قول: «لا و الله و بلى و الله» كما تقدم في جملة من الاخبار المتقدمة. و ظاهر المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) حصره في هذا القول. و قيل: يتعدى الى كل ما يسمى يمينا. و اختاره الشهيد في الدروس. و الظاهر ان مستنده ما تقدم في

صحيحة معاوية بن عمار من قوله (عليه السلام): «و اعلم ان الرجل إذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل، فعليه دم يهريقه، و يتصدق به، و إذا حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل و عليه دم يهريقه، و يتصدق به».

و نحوها رواية أبي بصير الآتية ان شاء الله (تعالى). و فيه انه لا منافاة بين الحصر في اللفظ المذكور و بين هذا الإطلاق، لإمكان حمل الإطلاق عليه و الجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، كما هي القاعدة المتفق عليها عندهم.

و هل الجدال مجموع هذين اللفظين اعني: «لا و الله و بلى و الله»؟

463

قولان، قال في المدارك: أظهرهما الثاني، و هو خيرة المنتهى. و لعل وجه الأظهرية أن مجموع هذين اللفظين يتضمن نفيا و إثباتا، و هو من ما لا يكاد يقع في مقام واحد، بل المتبادر الشائع إنما هو استعمال «بلى و الله» في مقام الإثبات و «لا و الله» في مقام النفي، فيكون أيهما اتى به في مقامه جدالا. و به يظهر ان في ما علقه بعض مشايخنا على هذا الموضع من الكتاب- من ان في هذه الأظهرية تأملا، و قد بسطنا الكلام في بعض رسائلنا- لا اعرف له وجها. و كان الواجب ان يبين لنا في هذا المقام ما بسطه في بعض رسائله و لو بالإشارة الى ذلك.

و الذي وصل الي من روايات المسألة زيادة على ما تقدم أخبار:

أحدها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن محمد بن مسلم و الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في قول الله (عز و جل):

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ (2). الى ان قال: فقالا له: أ رأيت من ابتلى بالفسوق ما عليه؟ قال: لم يجعل الله (عز و جل) له حدا، يستغفر الله، و يلبى.

فقالا له: فمن ابتلى بالجدال فما عليه؟ فقال: إذا جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه: شاة، و على المخطئ بقرة».

و روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي نحوه (3).

و ثانيها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 212، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام، و الباب 2 و 1 من بقية كفارات الإحرام.

(2) سورة البقرة، الآية 197.

(3) الوسائل الباب 2 و 1 من تروك الإحرام.

464

(عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الجدال في الحج. فقال: من زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم. فقيل له: الذي يجادل و هو صادق؟ قال: عليه شاة، و الكاذب عليه بقرة».

و ثالثها-

ما رواه في الكافي عن ابي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «إذا حلف ثلاث ايمان متتابعات صادقا فقد جادل، و عليه دم. و إذا حلف بيمين واحدة كاذبا فقد جادل و عليه دم».

و رابعها-

ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن ابي بصير (3) قال: «سألته عن المحرم يريد ان يعمل العمل، فيقول له صاحبه: و الله لا تعمله. فيقول: و الله لا عملنه، فيخالفه مرارا، أ يلزمه ما يلزم صاحب الجدال؟ قال: لا، انما أراد بهذا إكرام أخيه، إنما ذلك ما كان لله فيه معصية».

و خامسها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان الرجل إذا حلف ثلاثة ايمان في مقام ولاء و هو محرم، فقد جادل، و عليه حد الجدال: دم يهريقه، و يتصدق به».

____________

(1) الوسائل الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 338، و الوسائل الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 338، و الفقيه ج 4 ص 214، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 335، و الوسائل الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

465

و سادسها-

ما رواه عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا حلف الرجل ثلاثة ايمان و هو صادق، و هو محرم، فعليه دم يهريقه، و إذا حلف يمينا واحدة كاذبا فقد جادل، فعليه دم يهريقه».

و سابعها-

ما رواه عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا جادل الرجل و هو محرم فكذب متعمدا، فعليه جزور».

و ثامنها-

عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يقول: لا و الله و بلى و الله، و هو صادق، عليه شيء؟ قال: لا».

و تاسعها-

عن معاوية بن عمار في الصحيح (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يقول: لا لعمري، و هو محرم قال: ليس بالجدال، انما الجدال قول الرجل: لا و الله و بلى و الله.

و اما قوله: لاها، فإنما طلب الاسم. و قوله: يا هناه، فلا بأس به و اما قوله: لا بل شانيك، فإنه من قول الجاهلية».

إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الأصحاب ان الجدال كاذبا في المرة منه شاة، و المرتين بقرة، و الثلاث بدنة، و صادقا في الثلاث منه شاة، و لا شيء في ما دونها. و انطباق الروايات المذكورة على ما ذكروه من هذا التفصيل مشكل.

و استدل العلامة في المنتهى على ذلك بالنسبة إلى الجدال كذبا بالرواية

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 335، و الوسائل الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 335، و الوسائل الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 335، و الوسائل الباب 1 من بقية كفارات الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 336، و الوسائل الباب 32 من تروك الإحرام.

466

السادسة و الثانية و السابعة، قال (عطر الله مرقده) بعد ذكر التفصيل الذي نقلناه عنهم، و اختلاف المراتب في الكفارة بإزاء اختلافها في الذنب: و يدل عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا حلف ثلاثة ايمان و هو صادق.

ثم ساق الرواية السادسة، ثم الرواية الثانية، ثم السابعة.

و جعل هذه الروايات الثلاث مستندا للاحكام الثلاثة في الجدال كذبا، و استدل على وجوب الشاة في المرة الواحدة بالرواية السادسة، و استدل على وجوب البقرة في المرتين كذبا بالرواية الثانية، و على وجوب البدنة في الثلاث بالرواية السابعة.

و أنت خبير بان ما ذكره في المرة الواحدة مسلم، لدلالة الرواية المذكورة عليه، و ان غفل في وصفه لها بالصحة. و لهذا اعترضه في المدارك بضعف الرواية و قصورها بسبب ذلك عن الدلالة. و فيه: انه و ان كان كذلك بناء على اصطلاحه، إلا ان هذا الحكم قد دلت عليه أيضا صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث، فلا مجال للمنازعة فيه.

نعم يبقى الكلام في الحكمين الأخيرين، فإن الروايتين المذكورتين لا دلالة فيهما على المدعى بوجه، اما الرواية الثانية- و هي صحيحة محمد بن مسلم- فان ظاهرها انحصار الجدال الموجب للكفارة في ما زاد على المرتين، و انه لا يتحقق الجدال إلا به، و انه مع الزيادة على المرتين فعلى الصادق شاة و على الكاذب بقرة. و نحوها في الدلالة على هذا المعنى صحيحة الحلبي و محمد بن مسلم، و هي الاولى. و لهذا مال في المدارك الى العمل بهما، فقال: و ينبغي العمل بمضمون هاتين

467

الروايتين، لصحة سندهما، و وضوح دلالتهما. و اما الرواية التي استدل بها على الحكم الثاني- و هي الرواية السابعة- فظاهرها وجوب الجزور في تعمد الكذب في الجدال مطلقا مرة كان أو أزيد.

و اما بالنسبة إلى الجدال صادقا فاستدلوا على وجوب الشاة في الثلاث بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث. و مثلها أيضا الرواية الثالثة و الخامسة و السادسة. و ينبغي حمل مطلقها على مقيدها ليتم الاستدلال بها. إلا ان مقتضى ذلك وجوب التقييد بالتتابع و التوالي بمعنى كونها في مقام واحد، و كلام الأصحاب أعم من ذلك. نعم نقل التقييد عن ابن ابي عقيل، فإنه قال. و من حلف ثلاث ايمان بلا فصل في مقام واحد فقد جادل، و عليه دم.

أقول: و الظاهر عندي ان المستند في هذا التفصيل الذي اشتهر بين الأصحاب انما هو كتاب الفقه الرضوي، فإنه صريح الدلالة واضح المقالة في الاستدلال، لا تعتريه شبهة الشك و لا الاحتمال في هذا المجال

حيث قال (عليه السلام) (1): و اتق في إحرامك الكذب، و اليمين الكاذبة و الصادقة، و هو الجدال الذي نهى الله (تعالى) عنه. و الجدال قول الرجل: لا و الله و بلى و الله. فان جادلت مرة أو مرتين و أنت صادق فلا شيء عليك، و ان جادلت ثلاثا و أنت صادق فعليك دم شاة، و ان جادلت مرة و أنت كاذب فعليك دم شاة، و ان جادلت مرتين كاذبا فعليك دم بقرة، و ان جادلت ثلاثا و أنت كاذب فعليك بدنة.

انتهى.

و الظاهر ان هذه العبارة هي مستند المتقدمين في الحكم المذكور دون هذه الاخبار المختلفة المضطربة، و لكن لما لم يصل ذلك الى

____________

(1) ص 27.

468

المتأخرين تكلفوا الاستدلال عليه بهذه الروايات. و قد عرفت ما في ذلك و الصدوق في الفقيه (1) قد نقل هذه العبارة بعينها عن أبيه في رسالته اليه، فقال: و قال ابي (رضي الله عنه) في رسالته الي: اتق في إحرامك الكذب، و اليمين الكاذبة و الصادقة، و هو الجدال. و الجدال قول الرجل: لا و الله. الى آخر ما قدمناه كلمة كلمة و حرفا حرفا.

و هو ظاهر في تأييد ما قدمناه من اعتماد الشيخ المذكور على الكتاب زيادة على الاخبار الواصلة اليه، و شدة وثوقه به زيادة عليها، و ما ذاك إلا لمزيد علمه و قطعه بثبوت الكتاب عنه (عليه السلام) بحيث لا تعتريه فيه الشكوك و الأوهام.

و قال الجعفي: الجدال فاحشة إذا كان كاذبا أو في معصية، فإذا قاله مرتين فعليه شاة. و قال الحسن بن ابي عقيل: من حلف ثلاث ايمان بلا فصل في مقام واحد فقد جادل، و عليه دم، قال: و روى ان المحرمين إذا تجادلا، فعلى المصيب منهما دم شاة، و على المخطئ بدنة. و ظاهر كلام الجعفي تخصيص الجدال المحرم على المحرم بهذين الفردين، و انه إذا جادل مرتين بأحد هذين النوعين فعليه دم شاة.

و مستنده غير ظاهر، بل ظاهر جملة من الروايات المتقدمة رده.

و اما مذهب الحسن فهو لا يخلو من الإجمال بكون هذه الثلاث الموجبة الدم في الجدال صادقا أو كاذبا أو أعم منهما، و هل المراد انحصار الجدال في هذا الفرد فلا كفارة في غيره أم هذا بعض افراده؟

و بالجملة فالإجمال فيه ظاهر. و قد عرفت دلالة جملة من الاخبار

____________

(1) ج 2 ص 212.

469

على وجوب الشاة في الثلاث ولاء، و لكنها مخصوصة بالجدال صادقا كما عرفت.

ثم انه بناء على التفصيل المشهور انما تجب البقرة في المرتين إذا لم يكفر عن الأولى بالشاة، و كذا الثلاث بالبدنة إذا لم يكفر عن الثنتين بالبقرة. و الضابط اعتبار ترتب الكفارة على العدد المذكور، فعلى المرة الواحدة شاة، و على الثنتين بقرة، و على الثلاث بدنة. و في الجدال صادقا لو زاد على الثلاث و لم يكفر فالظاهر شاة واحدة عن الجميع، و مع تخلله فلكل ثلاث شاة.

و لو اضطر المحرم الى اليمين لإثبات حق أو نفى باطل فالظاهر انه لا كفارة، كما ذكره جملة من الأصحاب، عملا بالأخبار الدالة على جوازها و الأمر بها.

هذا. و ظاهر الحديث الرابع (1) ان الجدال المحرم انما هو ما كان على معصية الله (تعالى) قال في المنتهى بعد ذكر الخبر المذكور: و هذا الحديث يدل على ان مطلق الجدال لا يوجب عقوبة بل ما يتضمن الحلف على معصية الله (تعالى).

و الظاهر حصول المعصية بذلك و ان كان صادقا ما لم يكن الغرض المترتب عليه امرا دينيا، مثل إكرام أخيه في الخبر المذكور (2) فلا ينافي ما دل على وجوب الكفارة في الجدال صادقا ثلاثا.

و قد روى في الكافي (3) عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال لسدير: «يا سدير من حلف بالله كاذبا كفر، و من حلف بالله صادقا

____________

(1) ص 464.

(2) ص 464.

(3) الفروع ج 7 ص 434 و 435، و الوسائل الباب 1 من كتاب الايمان.

470

أثم، ان الله- تعالى- يقول وَ لٰا تَجْعَلُوا اللّٰهَ عُرْضَةً لِأَيْمٰانِكُمْ» (1).

الصنف التاسع و العاشر- تظليل الرجل سائرا، و تغطية الرأس.

و الكلام هنا يقع في مقامين

[المقام] الأول- التظليل

، المشهور- بل ادعى عليه في التذكرة و المنتهى إجماع علمائنا- انه يحرم على المحرم حالة السير الاستظلال، فلا يجوز له الركوب في ما يوجب ذلك، كالمحمل و الهودج و الكنيسة و العمارية و أشباه ذلك. و نقل عن ابن الجنيد انه قال: يستحب للمحرم ان لا يظلل على نفسه، لأن السنة بذلك جرت فان لحقه عنت أو خاف من ذلك

فقد روى عن أهل البيت (عليهم السلام) جوازه (2).

و روى ايضا: انه يفدي عن كل يوم بمد (3).

و روي: في ذلك اجمع دم (4).

و روى: الإحرام المتعة دم و الإحرام الحج دم آخر (5).

و المعتمد الأول، للأخبار المستفيضة، و منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة (6) قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): أظلل و انا محرم؟ قال: لا. قلت: أ فأظلل و أكفر؟ قال:

لا. قلت: فان مرضت؟ قال: ظلل و كفر. ثم قال: اما علمت ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) قال: ما من حاج يضحى ملبيا حتى تغيب الشمس إلا غابت ذنوبه معها».

____________

(1) سورة البقرة، الآية 223.

(2) الوسائل الباب 64 و 67 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(4) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(5) الوسائل الباب 7 من بقية كفارات الإحرام.

(6) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

471

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يركب في القبة؟ فقال: ما يعجبني ذلك إلا ان يكون مريضا».

و في الصحيح عن إسماعيل بن عبد الخالق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يستتر المحرم من الشمس؟ فقال: لا، إلا ان يكون شيخا كبيرا أو قال: ذا علة».

و في الصحيح عن سعد بن سعد الأشعري عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المحرم، يظلل على نفسه؟

فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس و هو محرم. فقال: هي علة يظلل و يفدى».

و ما رواه في الكافي و التهذيب عن محمد بن منصور عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن الظلال للمحرم. فقال:

لا يظلل إلا من علة أو مرض».

و ما رواه في الكافي (5) عن عثمان قال: «قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام): ان علي بن شهاب يشكو رأسه، و البرد شديد، و يريد ان يحرم؟ فقال: ان كان كما زعم فليظلل. و اما أنت فاضح لمن أحرمت له».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن سعيد الأعرج (6): «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يستتر من الشمس بعود أو بيده؟

____________

(1) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(4) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(5) الفروع ج 4 ص 351، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(6) الفقيه ج 2 ص 227، و الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

472

فقال: لا، إلا من علة».

و ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن المغيرة قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الظلال للمحرم. فقال اضح لمن أحرمت له. قلت: اني محرور، و ان الحر يشتد علي؟ فقال:

اما علمت ان الشمس تغرب بذنوب المحرمين».

و ما رواه في الكافي (2) عن قاسم الصيقل قال: «ما رأيت أحدا كان أشد تشديدا في الظلال من ابي جعفر (عليه السلام) كان يأمر بقلع القبة و الحاجبين إذا أحرم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن المحرم، يركب القبة؟ فقال:

لا. قلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: نعم».

و ما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (4) في الصحيح عن علي بن مهزيار عن بكر بن صالح قال: «كتبت الى ابي جعفر الثاني (عليه السلام): ان عمتي معي و هي زميلتي، و يشتد عليها الحر إذا أحرمت، فترى أن أظلل عليها و علي؟ فكتب: ظلل عليها وحدها».

و ما رواه في التهذيب (5) في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن المحرم، يظلل عليه

____________

(1) الفروع ج 4 ص 350، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 350، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 312، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(4) ج 2 ص 226، و الوسائل الباب 68 من تروك الإحرام.

(5) ج 5 ص 309، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

473

و هو محرم؟ قال: لا، إلا مريض أو من به علة، و الذي لا يطيق الشمس».

و عن هشام بن سالم في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يركب في الكنيسة؟ فقال: لا. و هو للنساء جائز».

و ما رواه في الكافي عن جعفر الخطيب- و التهذيب عن جعفر المذكور- عن محمد بن الفضيل و بشر بن إسماعيل (2) قال: «قال لي محمد:

إلا أسرك يا ابن مثنى؟ فقلت: بلى. و قمت اليه. قال: دخل هذا الفاسق (3) آنفا فجلس قبالة أبي الحسن (عليه السلام) ثم اقبل عليه فقال له: يا أبا الحسن ما تقول في المحرم، أ يستظل على المحمل؟

فقال له: لا. قال: فيستظل في الخباء؟ فقال له: نعم. فأعاد عليه القول شبه المستهزئ يضحك، فقال: يا أبا الحسن فما فرق بين هذا و هذا؟ فقال: يا أبا يوسف ان الدين ليس بقياس كقياسكم، أنتم تلعبون بالدين، انا صنعنا كما صنع رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) و قلنا كما قال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله)، كان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) يركب راحلته فلا يستظل عليها، و تؤذيه الشمس فيستر جسده بعضه ببعض، و ربما ستر وجهه بيده، و إذا نزل استظل بالخباء و بالبيت و بالجدار».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 312، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 350، و التهذيب ج 5 ص 309، و الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

(3) و هو أبو يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة.

474

و ما رواه في الكافي عن محمد بن الفضيل (1) قال: «كنا في دهليز يحيى بن خالد بمكة، و كان هناك أبو الحسن موسى (عليه السلام) و أبو يوسف، فقام إليه أبو يوسف و تربع بين يديه، فقال: يا أبا الحسن- جعلت فداك- المحرم يظلل؟ قال: لا. قال: فيستظل بالجدار و المحمل و يدخل البيت و الخباء؟ قال: نعم. فضحك أبو يوسف شبه المستهزئ، فقال له أبو الحسن: يا أبا يوسف ان الدين ليس بالقياس كقياسك و قياس أصحابك، ان الله أمر في كتابه بالطلاق و أكد فيه: بشهادة شاهدين، و لم يرض بهما إلا عدلين (2)، و أمر في كتابه بالتزويج و أهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين في ما أبطل الله (3)، و أبطلتم الشاهدين في ما أكد الله (تعالى) (4)، و أجزتم طلاق المجنون و السكران (5)، حج رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) فأحرم و لم

____________

(1) الفروع ج 4 ص 352، و الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

(2) في قوله تعالى في سورة الطلاق الآية 2 «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ».

(3) الأشباه و النظائر للسيوطي ص 353، و الميزان للشعراني ج 2 ص 96، و فيه: ان الشافعي و أبا حنيفة و احمد لا يصححون النكاح إلا بشهادة و مالك لا يعتبرها و لكن يعتبر الإشاعة و ترك التراضي بالكتمان.

(4) يظهر من الأشباه و النظائر للسيوطي- حيث عد موارد الشهادة و لم يذكر الطلاق- ان من المسلم عندهم عدم اعتبار الشهادة فيه.

(5) ذكر ابن قدامة في المغني ج 7 ص 114: ان في وقوع طلاق السكران روايتين، و ذكر الخلاف في ذلك، فمنهم من اجازه، لإطلاق قوله (ص):

«كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه» و منهم من أبطله. و علله أحمد بأنه زائل العقل فأشبه المجنون و النائم. و لم يذكر في الفقه على المذاهب الأربعة خلاف في عدم صحة طلاق المجنون. و ارجع الى الاستدراكات.

475

يظلل، و دخل البيت و الخباء و استظل بالمحمل و الجدار، ففعلنا كما فعل رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله). فسكت».

و ما رواه الصدوق في الفقيه (1) عن الحسين بن مسلم عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام) «انه سئل: ما فرق بين الفسطاط و بين ظل المحمل؟ فقال: لا ينبغي ان يستظل في المحمل، و الفرق بينهما ان المرأة تطمث في شهر رمضان فتقضي الصيام و لا تقضي الصلاة. قال:

صدقت جعلت فداك».

قال في الفقيه: معنى هذا الحديث: ان السنة لا تقاس.

و ما رواه الصدوق في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) (2) في الموثق عن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه قال: «قال أبو يوسف للمهدي- و عنده موسى بن جعفر (عليه السلام)-: أ تأذن لي ان أسأله عن مسائل ليس عنده فيها شيء؟ فقال له: نعم. فقال لموسى بن جعفر (عليه السلام): أسألك؟ قال: نعم. قال: ما تقول في التظليل للمحرم؟ قال: لا يصلح. قال: فيضرب الخباء في الأرض و يدخل البيت؟ قال: نعم. قال: فما الفرق بين هذين؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): ما تقول في الطامث، أ تقضي الصلاة؟ قال: لا. قال:

فتقضي الصوم؟ قال: نعم. قال: و لم؟ قال: هكذا جاء. فقال أبو الحسن (عليه السلام): و هكذا جاء هذا. فقال المهدي لأبي يوسف:

ما أراك صنعت شيئا. قال: رماني بحجر دامغ».

و رواه الطبرسي

____________

(1) ج 2 ص 225، و الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

476

في الاحتجاج (1) نحوه.

و ما رواه الحميري في قرب الاسناد (2) في الصحيح عن البزنطي عن الرضا (عليه السلام) قال: «قال أبو حنيفة: أيش فرق ما بين ظلال المحرم و الخباء؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ان السنة لا تقاس».

و ما رواه الطبرسي في الاحتجاج (3) قال: «سأل محمد بن الحسن (4) أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بمحضر من الرشيد و هم بمكة، فقال له: أ يجوز للمحرم ان يظلل عليه محمله؟ فقال له موسى (عليه السلام): لا يجوز له ذلك مع الاختيار. فقال له محمد بن الحسن:

أ فيجوز ان يمشي تحت الظلال مختارا؟ فقال له: نعم. فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن (عليه السلام):

أ تعجب من سنة النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و تستهزئ بها؟ ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) كشف ظلاله في إحرامه و مشى تحت الظلال و هو محرم، ان أحكام الله (تعالى) يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل سواء السبيل. فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا».

و رواه الشيخ المفيد في الإرشاد (5) و ذكر مثله.

و استدل في الذخيرة لابن الجنيد على الاستحباب بصحيحة الحلبي المتقدمة، و هي الثانية من الروايات التي قدمناها، لقوله فيها:

«ما يعجبني» حيث قال بعد ذكر جملة وافرة من الاخبار الدالة على

____________

(1) الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

(4) هو محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة.

(5) الوسائل الباب 66 من تروك الإحرام.

477

القول المشهور: و ظاهر هذا الخبر الأفضلية. و استدل به بعضهم على التحريم. و هو بعيد. و أشار بذلك البعض الى صاحب المدارك. ثم قال: و منها-

ما رواه الشيخ عن علي بن جعفر في الصحيح (1) قال:

«سألت أخي (عليه السلام): أظلل و انا محرم؟ فقال: نعم، و عليك الكفارة. قال: فرأيت عليا إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل».

و عن جميل بن دراج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بالظلال للنساء، و قد رخص فيه للرجال».

ثم قال: و يمكن الجمع بين الاخبار بوجهين: أحدهما- حمل اخبار المنع على الأفضلية، و يؤيده ان النهي و ما في معناه غير واضح الدلالة على التحريم في اخبار أهل البيت (عليهم السلام) كما ذكرناه كثيرا، فهو حمل قريب، بل ليس فيه عدول عن الظاهر. و يخدشه مخالفته المشهور، و ظاهر صحيحة هشام بن سالم، فان قوله (عليه السلام):

«و هو للنساء جائز» بعد منعه عن المحرم يدل على تحريمه على الرجال و الوجه فيه حمل الجواز على الإباحة، فإن هذا الحمل غير بعيد في الاخبار كما لا يخفى على المتصفح. و ثانيهما- حمل الأخبار المذكورة على التحريم و يحمل قوله: «ما يعجبني» على المعنى الشامل للتحريم و تحمل صحيحة علي بن جعفر على انه كان به علة يتضرر من الشمس.

و فيه: ان الظاهر انه لو كان كذلك لذكر ذلك في مقام نقل الحكم المذكور، أو ذكر الراوي عنه حيث ينقل عمله في هذا الباب. و تحمل

____________

(1) الوسائل الباب 49 من كفارات الصيد، و الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

478

صحيحة جميل على ان الترخيص مختص بحال الضرورة، إذ ليس في الخبر ما يدل على عموم الترخيص. و المسألة عندي محل اشكال. انتهى.

أقول: لا يخفى ان هذا الفاضل قد ارتكب بما تفرد به من هذا القول شططا، و ازداد في جميع الأحكام غلطا، و قد بينا في ما سبق ان في ارتكاب هذا القول خروجا عن الدين من حيث لا يشعر قائله، فإنه متى كانت الأوامر الواردة في الاخبار و ما في معناها لا تدل على الوجوب و النواهي و ما في معناها لا تدل على التحريم، فاللازم من ذلك اباحة المحرمات و سقوط الواجبات في جميع أبواب الفقه من عبادات و معاملات، إذ لا محرم و لا واجب بالكلية، و بذلك يلزم العبث في بعثة الأنبياء و الرسل و سقوط التكليف، و هو كفر محض. نعوذ بالله من زلل الاقدام و زيغ الافهام.

و العجب من قوله هنا: «و المسألة عندي محل اشكال» بل مسائل الفقه كلها عنده محل اشكال، بناء على هذه القاعدة الخارجة عن جادة الاعتدال. و أعجب من ذلك انه كثيرا ما يتستر في الحكم بالاخبار- بناء على هذه القاعدة- باتفاق الأصحاب أو اشتهار الحكم بينهم، فكيف خرج عنه؟ مع ان هذه الروايات التي استند إليها لا تبلغ قوة في معارضة ما قدمناه سندا و لا عددا و لا دلالة، و الجمع إنما هو فرع وقوع التعارض بناء على قواعدهم.

ثم انه مع الإغماض عن جميع ما ذكرناه لو فرضنا وجود روايات صريحة في الدلالة على الجواز لكان الواجب حملها على التقية، كما هي القاعدة المنصوصة عن أصحاب العصمة (صلوات الله عليهم). إلا ان الظاهر من العمل بقاعدته المذكورة هو اطراح تلك النصوص الواردة بطرق الترجيح كملا، من العرض على الكتاب، أو على مذهب

479

العامة، و نحوهما من القواعد المذكورة في مقبولة عمر بن حنظلة و غيرها (1)، لانه متى قيل بعدم الوجوب في شيء من الأحكام و عدم التحريم و ان الأحكام كلها على الإباحة، فلا اختلاف إلا بالاستحباب و الكراهة، و هذا في التحقيق ليس باختلاف، لاتفاق الاخبار من الطرفين على الجواز.

و بالجملة فإن كلامه في أمثال هذه المقامات باطل لا ينبغي ان يلتفت اليه، و عاطل لا يعرج عليه، و وجود الفساد أظهر من ان يخفى على أحد من ذوي السداد و الرشاد.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه هنا على فوائد:

الأولى [حكم اضطرار المحرم إلى الاستظلال]

- لا خلاف و لا إشكال في انه لو اضطر المحرم الى الظلال جاز له التظليل، و قد تقدم ذلك في جملة من الاخبار السابقة.

و لا ينافي ذلك ما تقدم

من صحيحة عبد الله بن المغيرة أو حسنته (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الظلال للمحرم. فقال:

اضح لمن أحرمت له. قلت: اني محرور و ان الحر يشتد علي؟ فقال:

اما علمت ان الشمس تغرب بذنوب المحرمين».

فالظاهر حمله على ما لم يبلغ المشقة و الضرر بحيث يمكن تحمله.

نعم الخلاف هنا في موضعين: أحدهما- وجوب الفدية و عدمه، و المشهور الوجوب، و خالف فيه ابن الجنيد و ذهب الى الاستحباب، لما تقدم نقله عنه من عدم تحريم التظليل. و هو ضعيف.

و ثانيهما- ما يجب من الفداء، و المشهور انه شاة، و عن ابن ابي عقيل

____________

(1) الوسائل الباب 9 من صفات القاضي و ما يقضي به.

(2) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

480

ان فديته صيام أو صدقة أو نسك، كالحلق لأذى. و قال الصدوق:

لا بأس بالتظليل، و يتصدق عن كل يوم بمد. و قال أبو الصلاح الحلبي: على المختار لكل يوم شاة، و على المضطر لجملة المدة شاة.

و يدل على المشهور

صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال:

«سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس، و انا اسمع، فأمره أن يفدي شاة و يذبحها بمنى، و قال: نحن إذا أردنا ذلك ظللنا و فدينا».

و صحيحة إبراهيم بن ابي محمود (2) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): المحرم يظلل على محمله و يفدي إذا كانت الشمس و المطر يضر به؟ قال: نعم. قلت: كم الفداء؟ قال: شاة».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار عن علي ابن محمد (3) قال: «كتبت اليه: المحرم هل يظلل على نفسه إذا آذته الشمس أو المطر، أو كان مريضا، أم لا؟ فان ظلل هل يجب عليه الفداء أم لا؟ فكتب: يظلل على نفسه، و يهريق دما ان شاء الله تعالى».

و في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس.

فقال: ارى ان يفديه بشاة يذبحها بمنى».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 351، و الفقيه ج 2 ص 226، و التهذيب ج 5 ص 311، و الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 311، و الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(4) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

481

و اما

ما رواه الشيخ في الصحيح عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر (1)- قال: «سألت أخي (عليه السلام): أظلل و انا محرم؟

فقال: نعم، و عليك الكفارة. قال: فرأيت عليا إذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل».

- فيجب تقييده بالأخبار المستفيضة المتقدمة، و حمله على الضرورة. و حمل جملة من الأصحاب البدنة هنا على الاستحباب، لما تقدم من ان الواجب شاة. و نحرها بمكة محمول على كون التظليل في إحرام العمرة، و منى على ما كان في إحرام الحج، كما تقدم و يأتي ان شاء الله (تعالى).

و من الغريب ما وقع لصاحب الوافي في هذا الخبر، حيث انه قال بعد ذكره (2): بيان: يعني: «علي» أبا الحسن الرضا (عليه السلام).

و الظاهر ان السبب فيه ان النسخة التي نقل منها الخبر كان فيها لفظ «(عليه السلام)» في الخبر بعد ذكر «علي» فحمل «عليا» في الخبر على الرضا (عليه السلام). و هو غفلة ظاهرة، فان المراد: «علي» إنما هو علي بن جعفر السائل عن هذه المسألة، و القائل هو موسى ابن القاسم الراوي عن علي. و لفظ «(عليه السلام)» ليس في شيء من كتب الاخبار.

و الظاهر ان مستند ابن ابي عقيل

ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال الله- تعالى- في

____________

(1) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام،.

(2) باب (تغطية الرأس و الوجه و الظلال و الاحتباء و الارتماس للمحرم).

(3) التهذيب ج 5 ص 333 و 334، و الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

482

كتابه فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (1) فمن عرض له أذى أو وجع، فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا، فالصيام ثلاثة أيام، و الصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، و النسك: شاة يذبحها فيأكل و يطعم. و انما عليه واحد من ذلك».

و الجواب عنها: ان ما قدمناه من الاخبار وارد في خصوص التظليل و دلالة هذا الخبر عليه انما هي بطريق الإطلاق، فيحمل على ما عداه جمعا.

و اما ما نقل عن الصدوق فالظاهر ان مستنده

ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير (2) قال: «سألته عن المرأة يضرب عليها الظلال و هي محرمة؟ قال: نعم. قلت: فالرجل يضرب عليه الظلال و هو محرم؟ قال: نعم إذا كانت به شقيقة، و يتصدق بمد لكل يوم».

و رواه الصدوق ايضا بسنده عن علي بن أبي حمزة مثله (3). و حمل المد هنا على حال الضرورة و العجز عن الشاة.

و كيف كان فهذه الرواية قاصرة عن معارضة ما قدمناه من الاخبار فالعمل على المشهور. و الله العالم.

الثانية [عدم تكرر الفدية بتكرار التظليل في النسك الواحد]

- ظاهر الروايات المتقدمة عدم تكرر الفدية بتكرار التظليل في النسك الواحد. و قوى شيخنا الشهيد الثاني إلحاق المختار به.

و الأصل يعضده، و عدم الدليل على التكرر يسعده.

نعم الظاهر تكرره بتكرر النسك،

لما رواه الشيخ عن ابي علي بن

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 6 من بقية كفارات الإحرام.

483

راشد (1) قال: «قلت له (عليه السلام): جعلت فداك انه يشتد على كشف الظلال في الإحرام، لأني محرور يشتد علي حر الشمس؟

فقال: ظلل، و أرق دما. فقلت له: دما أو دمين؟ قال: للعمرة؟ قلت:

انا نحرم بالعمرة و ندخل مكة فنحل و نحرم بالحج. قال: فارق دمين».

و ما رواه في الكافي (2) عن ابي علي بن راشد قال: «سألته عن محرم ظلل في عمرته. قال: يجب عليه دم. قال: و ان خرج الى مكة و ظلل وجب عليه ايضا دم لعمرته و دم لحجته».

الثالثة- لو زامل الرجل الصحيح عليلا أو امرأة

، اختص التظليل بالعليل أو المرأة دونه، من غير خلاف يعرف.

و تدل عليه الاخبار المستفيضة المتقدمة من تحريم التظليل للرجل الصحيح. و خصوص ما تقدم في الاخبار التي قدمناها

من صحيحة علي ابن مهزيار عن بكر (3) قال: «كتبت الى ابي جعفر الثاني (عليه السلام). الحديث».

و اما

ما رواه الشيخ عن العباس بن معروف عن بعض أصحابنا عن الرضا (عليه السلام) (4)- قال: «سألته عن المحرم له زميل فاعتل فظلل على رأسه، إله أن يستظل؟ قال: نعم».

-

فأجاب عنه الشيخ باحتمال عود الضمير في: «إله أن يستظل» الى المريض الذي قد ظلل. و هو جيد. على ان هذه الرواية لا تبلغ حجة في معارضة ما قدمناه من الاخبار و غيرها أيضا.

الرابعة [هل يختص التحريم بالراكب؟]

- قد صرح شيخنا الشهيد الثاني (نور الله- تعالى- مرقده

____________

(1) الوسائل الباب 7 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 7 من بقية كفارات الإحرام.

(3) ص 172.

(4) التهذيب ج 5 ص 311، و الوسائل الباب 68 من تروك الإحرام.

484

و مضجعه) و غيره بان التظليل انما يحرم حالة الركوب، فلو مشى تحت الظلال- كما لو مشى تحت الجمل و المحمل- جاز.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع (1) قال: «كتبت الى الرضا (عليه السلام): هل يجوز للمحرم ان يمشى تحت ظل المحمل؟ فكتب: نعم».

و بها يخصص إطلاق جملة من الاخبار المتقدمة الدالة على تحريم التظليل مطلقا.

و قال العلامة في المنتهى: انه يجوز للمحرم ان يمشي تحت الظلال و ان يستظل بثوب ينصبه إذا كان سائرا أو نازلا، لكن لا يجعله فوق رأسه سائرا خاصة، لضرورة و غير ضرورة، عند جميع أهل العلم.

و ظاهر هذا الكلام تحريم الاستظلال في حال المشي بجعل الثوب على رأسه سائرا. و الظاهر ان صحيحة ابن بزيع المذكورة لا تنافي ذلك، فان المتبادر من المشي في ظل المحمل كون المحمل في أحد الجانبين لا على رأسه.

و يؤيده أيضا ما تقدم

في صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته: هل يستتر المحرم من الشمس؟ فقال: لا».

و دعوى ان المتبادر منها الاستتار حال الركوب- كما ذكر في المدارك- بعيد. و أكثر الأخبار المتقدمة شاملة بإطلاقها للراكب الماشي، و الحكم فيها وقع معلقا على المحرم مطلقا، و الحج كما يكون راكبا يكون ماشيا.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 351، و الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 310، و الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

485

و بالجملة فالظاهر الاقتصار على مورد الصحيحة المذكورة، و تخصيص الاخبار بخصوص ما اشتملت عليه، و لا سيما مع تأيده بالاحتياط.

و الظاهر ان ما ذكرناه هو مراد شيخنا الشهيد الثاني في ما قدمنا نقله عنه، لا العموم لما فوق الرأس، كما يشير اليه تمثيله، و يشير إليه أيضا ظاهر كلامه في الروضة أيضا، حيث قال: فلا يحرم- يعني:

التظليل- نازلا إجماعا، و لا ماشيا إذا مر تحت المحمل و نحوه.

فما ذكره في المدارك من ان المسألة محل تردد- فالظاهر انه لا وجه له.

الخامسة [هل تحريم استظلال المحرم لفوات الضحى أو للستر؟]

- قال شيخنا الشهيد (عطر الله مرقده) في الدروس: فرع، هل التحريم في الظل لفوات الضحى أو لمكان الستر؟ فيه نظر،

لقوله (عليه السلام) (1): «اضح لمن أحرمت له».

و الفائدة في من جلس في المحمل بارزا للشمس، و في من تظلل به و ليس فيه. و في الخلاف:

لا خلاف ان للمحرم الاستظلال بثوب ينصبه ما لم يمسه فوق رأسه.

و قضيته اعتبار المعنى الثاني. انتهى.

أقول: ظاهره (قدس سره) التردد في هذا المقام، و لا اعرف له وجها إلا دعوى الشيخ في الخلاف الإجماع على ما نقله عنه.

و أنت خبير بان الظاهر من الاخبار المتقدمة هو المعنى الأول، و قد تكرر فيها الأمر بقوله: «اضح لمن أحرمت له» كما في رواية عثمان، و صحيحة عبد الله بن المغيرة أو حسنته (2) و مثله في روايات العامة (3).

قال في النهاية الأثيرية: «وضحا ظله» اى مات، يقال:

____________

(1) الوسائل الباب 61 و 64 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(3) سنن البيهقي ج 5 ص 70. و ارجع الى الاستدراكات.

486

«ضحا الظل» إذا صار شمسا، فإذا صار ظل الإنسان شمسا فقد بطل صاحبه و منه حديث الاستسقاء: «اللهم ضاحت بلادنا و أغبرت أرضنا» اي برزت للشمس و ظهرت، لعدم النبات فيها، و هي «فاعلت» من «ضحى» مثل «رامت» من «رمى» و أصلها «ضاحيت» و منه

حديث ابن عمر (1): «رأى محرما قد استظل، فقال: اضح لمن أحرمت له».

أي أظهر و اعتزل الكن و الظل، يقال: «ضحيت للشمس و ضحيت اضحى فيهما» إذا برزت لها و ظهرت. قال الجوهري: يرويه المحدثون «اضح» بفتح الالف و كسر الحاء و إنما هو بالعكس. انتهى. و نقل في الوافي عن الأصمعي إنما هو بكسر الالف و فتح الحاء من «ضحيت اضحى» لأنه إنما أمره بالبروز للشمس. و منه قوله تعالى وَ أَنَّكَ لٰا تَظْمَؤُا فِيهٰا وَ لٰا تَضْحىٰ (2). انتهى. و بذلك يظهر لك قوة ما ذكرناه.

و يؤيده أيضا ما علل به في جملة من الاخبار (3) من ان الشمس تغيب بذنوب المحرمين، يعني: بسبب بروزهم لها و صبرهم على حرارتها فلو جاز ان يستظل بالثوب على رأسه ما لم يمسه- كما نقله عن الخلاف- لم يكن لهذا التعليل وجه.

و يؤيده أيضا النهي عن الاستتار عن الشمس في صحيحة إسماعيل ابن عبد الخالق و صحيحة سعيد الأعرج (4). و مجرد النهي في بعض الاخبار عن الكنيسة أو المحمل المظلل أو نحوهما لا يقتضي كون العلة

____________

(1) سنن البيهقي ج 5 ص 70.

(2) سورة طه، الآية 119.

(3) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(4) ص 471 و 484.

487

في التحريم هو الاستتار، حتى انه لو لم يستتر بهذه الأشياء فلا يضره الاستظلال بغيرها من ما لا يوجب الاستتار. و اما المشي في ظلال المحمل و نحوه فإنما قلنا به من حيث النص، و إلا فعموم الاخبار المشار إليها يشمله.

و يوضح ما قلناه- زيادة على ما تقدم-

ما رواه في الكافي (1) في الصحيح الى المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يستتر المحرم من الشمس بثوب، و لا بأس ان يستر بعضه ببعض».

و بذلك يظهر لك ان ما ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) و تردد فيه شيخنا المشار اليه لا اعرف له وجها، بل ظاهر الاخبار يأباه.

السادسة [حكم استتار المحرم بيده أو بعود]

- قد تقدم في صحيحة سعيد الأعرج النهي عن ان يستتر المحرم بيده أو بعود. و لعله محمول على الفضل و الاستحباب، لما ورد في الاخبار الكثيرة من جواز ذلك:

و منها- حديث محمد بن الفضيل و بشر بن إسماعيل المتقدم (2) الدال على ان رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) تؤذيه الشمس فيستر جسده بعضه ببعض، و ربما ستر وجهه بيده.

و مثله

ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا بأس ان يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس، و لا بأس ان يستر بعض جسده ببعض».

و رواية المعلى بن خنيس المتقدمة في سابق هذه الفائدة.

و اما

ما رواه الصدوق عن عبد الله بن سنان (4)- قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لأبي، و شكى اليه حر الشمس

____________

(1) الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

(2) ص 473.

(3) الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

488

و هو محرم و هو يتأذى به، فقال: ترى ان استتر بطرف ثوبي؟ قال:

لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك».

-

فهو محمول على الضرورة كما هو ظاهر السياق. و قوله: «رأسك» الظاهر انه بدل من الكاف في قوله: «يصبك» و في بعض النسخ:

«يصب رأسك».

السابعة [لا يضر الخشب الباقية في المحمل و نحوه بعد رفع الظلال]

- الظاهر انه لا يضر الخشب الباقية في المحمل و العمارية و نحوها بعد رفع الظلال،

لما رواه الفاضل الطبرسي في الاحتجاج (1) في التوقيعات الخارجة الى محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري: «انه كتب الى صاحب الزمان (عليه السلام): يسأله عن المحرم يرفع الظلال، هل يرفع خشب العمارية أو الكنيسة، و يرفع الجناحين أم لا؟ فكتب (عليه السلام) إليه في الجواب: لا شيء عليه في تركه رفع الخشب».

و رواه الشيخ في كتاب الغيبة مثله (2).

و اما ما تقدم (3) من رواية القاسم الصيقل- الدالة على ان أبا جعفر (عليه السلام) كان يأمر بقلع القبة و الحاجبين- فالظاهر حمله على الفضل و الاستحباب، كما يعطيه سياق الخبر.

و الظاهر ان «الحاجبين» في هذا الخبر وقع تصحيف «الجناحين» كما في الخبر الأول.

الثامنة [جواز الاستظلال في حال الإحرام للنساء و الصبيان]

- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في جواز تظليل النساء و الصبيان كما تقدم في جملة من الاخبار السابقة.

____________

(1) الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

(3) ص 472.

489

و يزيده تأكيدا

ما رواه في الكافي (1) في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالقبة على النساء و الصبيان و هم محرمون».

المقام الثاني- في تغطية الرأس للرجل

، و الحكم من ما لا خلاف فيه، قال العلامة في المنتهى: و يحرم على الرجل حال الإحرام تغطية رأسه. و هو قول علماء الأمصار، و لا نعلم فيه خلافا.

و الأصل فيه الأخبار الكثيرة: و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (2) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل المحرم يريد ان ينام، يغطى وجهه من الذباب؟ قال: نعم، و لا يخمر رأسه».

و في الصحيح عن حريز (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرم غطى رأسه ناسيا. فقال: يلقى القناع عن رأسه، و يلبي، و لا شيء عليه».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي (4) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يغطى رأسه ناسيا أو نائما. قال: يلبي إذا ذكر».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن (5)- و الظاهر انه ابن الحجاج- قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المحرم يجد

____________

(1) الفروع ج 4 ص 351 و 352، و الوسائل الباب 65 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 55 و 59 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام.

490

البرد في أذنيه، يغطيهما؟ قال: لا».

و عن زرارة (1) قال: «سألته عن المحرم، أ يتغطى؟ قال: اما من الحر و البرد فلا».

و في الحسن عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (2) قال: «المحرمة لا تتنقب، لأن إحرام المرأة في وجهها، و إحرام الرجل في رأسه».

و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (3) عن السندي بن محمد عن أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال:

«المحرم يغطى وجهه عند النوم و الغبار الى طرار شعره».

أقول: طرار شعره اي منتهى شعره، و هو القصاص الذي هو منتهى حد الوجه من الأعلى. و في اللغة: ان طرة الوادي و النهر:

شفيره، و طرة كل شيء: طرفه.

و تنقيح الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:

الأول [هل يجوز للمحرم ستر رأسه بيده أو بعض أعضائه؟]

- قال السيد السند في المدارك: لو ستر رأسه بيده أو ببعض أعضائه فالأظهر جوازه، كما اختاره العلامة في المنتهى، و استشكله في التحرير، و جعل في الدروس تركه اولى. و يدل على الجواز- مضافا الى الأصل، و عدم صدق الستر، و وجوب مسح الرأس في الوضوء المقتضى لستره باليد في الجملة-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس

____________

(1) الوسائل الباب 64 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 308 و الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

491

ان يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس. و قال: لا بأس ان يستر بعض جسده ببعض».

انتهى.

و كتب عليه بعض مشايخنا المعاصرين في حواشي الكتاب: أقول:

لا دلالة لصحيحة معاوية بن عمار على جواز ستر الرأس من المحرم بيده، كما زعم الشارح وفاقا للعلامة، إذ أقصى ما تدل عليه جواز وضع المحرم ذراعه على وجهه، و معلوم ان هذا القدر لا يستلزم ستر الرأس قطعا، بل و لا أبعاضه. مع ان الصحيح من المذهب جواز تغطية الرأس كما ستعلمه. و الحاصل ان الخبر لا دلالة له على المدعى بوجه، و قد اعترف بذلك في الدروس. و العجب من السيد (قدس سره) حيث وافق العلامة على هذا الاحتجاج. و من هنا يظهر ان استشكال العلامة الحكم في التحرير في محله.

ثم كتب (قدس سره) في حاشية اخرى: أقول:

روى ابن بابويه في الفقيه (1) في القوى عن سعيد الأعرج: «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يستتر من الشمس بعود أو بيده؟ فقال:

لا، إلا من علة».

و هو صريح في عدم الجواز إلا مع الضرورة. و لعله منشأ استشكال العلامة في التحرير للحكم، و حكم الشهيد في الدروس بأولوية تركه. و يؤيده

ما رواه أيضا في الفقيه (2) عن سماعة: «انه سأله عن المحرمة، تلبس الحرير؟ فقال: لا يصلح ان تلبس حريرا محضا لا خلط فيه، فاما الخز و العلم في الثوب فلا بأس ان تلبسه و هي محرمة. و ان مر بها رجل استترت منه بثوبها، و لا تستتر بيدها

____________

(1) ج 2 ص 227، و الوسائل الباب 67 من تروك الإحرام.

(2) ج 2 ص 220، و الوسائل الباب 33 من الإحرام.

492

من الشمس».

و حينئذ يظهر ان ما ذكره (قدس سره) من الجواز تعويلا على صحيحة معاوية بن عمار لا يخلو من نظر، إذ ليست صريحة في المطلوب. انتهى كلامه (قدس سره).

و هو محل نظر من وجوه: الأول- ان قوله: «إذ أقصى ما تدل عليه جواز وضع المحرم ذراعه على وجهه. الى آخره» ليس في محله، فان الظاهر ان موضع الاستدلال منها إنما هو قوله: «لا بأس ان يستر بعض جسده ببعض» فإنه دال بإطلاقه على المدعى كما لا يخفى و نحوه في ذلك ما قدمناه من رواية محمد بن الفضيل و بشر بن إسماعيل و رواية المعلى بن خنيس.

الثاني- قوله: «ان الصحيح من المذهب جواز تغطية الرأس» فإنه غفلة ظاهرة، إذ لا خلاف في الحكم كما عرفت، و الاخبار به- كما سمعت- متظافرة.

الثالث- ان ما استند اليه من رواية سعيد الأعرج مردود بما عرفت من معارضتها بما هو أكثر عددا و أصرح دلالة، فلا بد من تأويلها، كما قدمنا ذكره من الحمل على الفضل و الاستحباب. و على ذلك تحمل أيضا رواية سماعة المذكورة، جمعا بين الاخبار.

الثاني [كفارة تغطية المحرم رأسه؟]

- ظاهر الأصحاب القطع بوجوب شاة متى غطى رأسه بثوب أو طينه بطين، أو ارتمس في الماء، أو حمل ما يستره. و ظاهر العلامة في المنتهى و التذكرة انه إجماع. و لعله الحجة، فإنا لم نقف في الاخبار على ما يدل على ذلك. و بذلك ايضا اعترف في المدارك. و الأصحاب- حتى العلامة في المنتهى- ذكروا الحكم و لم ينقلوا عليه دليلا، و كأن مستندهم إنما هو الإجماع.

493

إلا انه

قد روى الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «المحرم إذا غطى رأسه فليطعم مسكينا في يده».

و ظاهر هذه الرواية ان الواجب في تغطية الرأس عمدا إعطاء مسكين، لانه مع النسيان لا شيء فيه، كما تقدم في صحيحة حريز.

و بهذا الخبر أفتى في الوسائل (2) فقال: «ان المحرم إذا غطى رأسه عمدا لزمه طرح الغطاء و إطعام مسكين، و ان كان ناسيا لزمه طرح الغطاء خاصة، و استحب له تجديد التلبية» ثم أورد صحيحة الحلبي المذكورة و صحيحة حريز المتقدمة المشار إليها. إلا ان صاحب الوافي إنما نقل صحيحة الحلبي المذكورة بلفظ «وجهه» عوض قوله «رأسه» (3) و لعل نسخ التهذيب كانت مختلفة في ذلك. و سيأتي ما يؤيد ان المذكور فيها هو لفظ الوجه.

ثم انه على تقدير كون الفدية شاة أو إطعام مسكين، فهل تتكرر بتكرر الفعل؟ قولان، و استقرب الشهيد التعدد مع الاختيار دون الاضطرار، و حكم الشهيد الثاني بعدم التعدد مع الاضطرار، و كذا مع الاختيار إذ اتحدا المجلس، و استوجه التعدد مع اختلافه. و لا أعرف لشيء من هذه الأقوال مستندا، سيما مع كون أصل المسألة خاليا من الدليل على ما يدعونه. و قضية الأصل تقتضي العدم مطلقا.

الثالث [هل يفرق في تغطية المحرم رأسه بين المعتاد و غيره؟]

- قد صرح العلامة و من تأخر عنه بأنه لا فرق في التحريم

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 308، و الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام، و الباب 5 من بقية كفارات الإحرام. و سيأتي ص 497.

(2) ج 9 ص 29 رقم 5 الطبع الحديث.

(3) و كذلك التهذيب و الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام.

494

بين ان يغطي رأسه بالمعتاد كالعمامة و القلنسوة، أو بغيره حتى الطين و الحناء و حمل متاع يستره.

و اعترضهم في المدارك بأنه غير واضح، قال: لأن المنهي عنه في الروايات المعتبرة تخمير الرأس، و وضع القناع عليه، و الستر بالثوب لا مطلق الستر. مع ان النهي لو تعلق به لوجب حمله على ما هو المتعارف منه، و هو الستر بالمعتاد. إلا ان المصير الى ما ذكروه أحوط.

انتهى. و هو جيد.

إلا ان ما يأتي من الاخبار الدالة على النهى عن الارتماس تحت الماء ربما يؤيد ما ذكروه. و لكنه إنما يتم لو كان المنع من ذلك من حيث هذه الحيثية، و هو غير ظاهر من الاخبار المذكورة، فلعله من جملة محرمات الإحرام كغيره.

ثم نقل عن التذكرة انه لو توسد بوسادة فلا بأس. و كذلك لو توسد بعمامة مكورة، لأن المتوسط يطلق عليه عرفا انه مكشوف الرأس. ثم قال: و هو حسن:

أقول: لو استلزم التوسد التغطية للزم منه تحريم النوم عليه مضطجعا، إذ لا بد من وقوع جزء من رأسه على الأرض أو غيرها من ما يجعله تحت رأسه. و هو باطل قطعا.

الرابع [هل الأذنان من الرأس]

- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بان الرأس هنا عبارة عن منابت الشعر خاصة حقيقة أو حكما. و ظاهرهم خروج الأذنين منه.

قال في المسالك: الظاهر ان الرأس هنا اسم لمنابت الشعر حقيقة أو حكما، فالاذنان ليستا منه، خلافا للتحرير. انتهى.

495

و ظاهر العلامة في المنتهى التوقف، حيث نقل في المسألة قولين للعامة الجواز و المنع (1)، و لم يتعرض لغير ذلك. و نقل

عن العلامة حديثا عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) (2) قال: «الأذنان من الرأس».

و يمكن الاستدلال لما ذهب إليه في التحرير برواية عبد الرحمن المتقدمة (3) الدالة على السؤال عن المحرم يجد البرد في أذنيه، يغطيهما؟

قال: لا.

الخامس [لا فرق في حرمة تغطية المحرم رأسه بين كله و بعضه]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) عدم الفرق في التحريم بين تغطية الرأس كلا أو بعضا.

و استدل عليه في المنتهى بأن النهي عن إدخال الشيء في الوجود يستلزم النهي عن إدخال أبعاضه. و لهذا لما حرم الله (تعالى) حلق الرأس تناول التحريم حلق بعضه.

و فيه تأمل، لعدم دليل على ما ادعاه من اللزوم. و ما استند اليه من الحلق فإنما هو من حيث الإطلاق الشامل للكل و البعض.

و الأجود الاستدلال على ذلك

بصحيحة عبد الله بن سنان (4) قال:

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لأبي، و شكى اليه حر الشمس و هو محرم و هو يتأذى به، و قال: ترى ان استتر بطرف ثوبي؟

قال: لا بأس بذلك ما لم يصبك رأسك».

و التقريب فيه ان إطلاق النهي عن اصابة الثوب الرأس الصادق و لو ببعضه يقتضي ذلك.

____________

(1) المغني ج 3 ص 292 طبع مطبعة العاصمة.

(2) سنن ابن ماجة ج 1 ص 168.

(3) ص 489 رقم 5.

(4) الفقيه ج 2 ص 227، و الوسائل الباب 67 من بقية كفارات الإحرام.

496

و استثنى من ذلك عصام القربة. و عليه تدل

صحيحة محمد بن مسلم (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يضع عصام القربة على رأسه إذا استسقى؟ فقال: نعم».

و العصابة عند الحاجة إليها. و عليه تدل

صحيحة معاوية بن وهب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بأن يعصب المحرم رأسه من الصداع».

السادس [هل يجوز للرجل المحرم تغطية وجهه؟]

- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) جواز تغطية الرجل وجهه، بل قال في التذكرة: انه قول علمائنا اجمع.

و نقل في الدروس عن ابن ابي عقيل انه منع من ذلك و جعل كفارته إطعام مسكين في يده. و قال الشيخ في التهذيب: فأما تغطية الوجه فيجوز مع الاختيار غير انه تلزمه الكفارة، و متى لم ينو الكفارة لم يجز ذلك.

أقول: و يدل على القول المشهور ما تقدم من صحيحة زرارة،

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): المحرم يقع الذباب على وجهه حين يريد النوم فيمنعه من النوم، أ يغطي وجهه إذا أراد ان ينام؟ قال: نعم».

و رواية الحميري المتقدمة (4)

و ما رواه الحميري أيضا في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 221، و الوسائل الباب 57 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 56 و 70 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 55 من تروك الإحرام رقم 5 و 7 عن التهذيب و الفقيه.

(4) الوسائل الباب 59 من تروك الإحرام.

497

السلام) قال: «سألته عن المحرم هل يصلح له ان يطرح الثوب على وجهه من الذباب و ينام؟ قال: لا بأس».

و ما رواه في الكافي عن عبد الملك القمي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يتوضأ ثم يجلل وجهه بالمنديل يخمره كله؟

قال: لا بأس».

و تؤيده حسنة عبد الله بن ميمون المتقدمة.

احتج الشيخ في التهذيب- على ما ذهب اليه من لزوم الكفارة بذلك-

بما رواه في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «المحرم إذا غطى وجهه فليطعم مسكينا في يده.

قال: و لا بأس ان ينام المحرم على وجهه على راحلته».

و أجيب عن الرواية بالحمل على الاستحباب، قال في المدارك: و هو غير بعيد، لإطلاق الإذن بالتغطية في الاخبار الكثيرة، و لو كانت الكفارة واجبة لذكرت في مقام البيان. و لا ريب ان التكفير اولى و أحوط. انتهى.

أقول: فيه ما عرفت في غير مقام من ما تقدم من ان الحمل على الاستحباب مجاز لا يصار اليه إلا مع القرينة، و اختلاف الاخبار ليس من قرائن المجاز. مع ان القاعدة المشهورة تقتضي حمل إطلاق الاخبار المذكورة على هذه الرواية، و غاية ما يلزم بناء على ما ذكره هو تأخير البيان عن وقت الخطاب، و هو جائز عندهم. مع ان دعوى ان المقام مقام بيان الكفارة ممنوعة، بل المقام مقام بيان مطلق الجواز

____________

(1) الفروع ج 4 ص 349، و الوسائل الباب 59 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 308، و الوسائل الباب 55 و 60 من تروك الإحرام و الباب 5 من بقية كفارات الإحرام. و تقدم ص 493.

498

فلا ينافيه التقييد بخبر الكفارة المذكور.

السابع [فدية تغطية المحرمة وجهها]

- نقل الشهيد في الدروس عن الشيخ في المبسوط ان فدية تغطية المرأة وجهها شاة. و قال الحلبي: لكل يوم شاة، و لو اضطرت فشاة لجميع المدة. و كذا قال في تغطية الرأس. و لم أقف لشيء من هذين القولين على دليل، كما عرفت في مسألة تغطية الرجل رأسه. و ظاهر الشهيد- حيث اقتصر على مجرد نقل القولين المذكورين- التوقف في المسألة.

الثامن [حرمة الارتماس على المحرم]

- ظاهر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) الاتفاق على عدم جواز الارتماس في الماء على وجه يعلو الماء رأسه، قالوا: لأنه في حكم تغطية الرأس.

أقول: و يدل على المنع من الارتماس جملة من الاخبار:

منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول: لا تمس الريحان و أنت محرم. الى ان قال: و لا ترتمس في ماء تدخل فيه رأسك».

و عن حريز في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و لا يرتمس المحرم في الماء، و لا الصائم».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن يعقوب بن شعيب عن ابي عبد الله

____________

(1) الوسائل الباب 58 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم، و الباب 58 من تروك الإحرام.

499

(عليه السلام) (1) قال: «لا يرتمس المحرم في الماء و لا الصائم».

و روى عن حريز عن من أخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يرتمس المحرم في الماء».

و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن إسماعيل بن عبد الخالق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام):

هل يدخل الصائم رأسه في الماء؟ قال: لا، و لا المحرم. و قال: مررت ببركة بني فلان و فيها قوم محرمون يترامسون، فوقفت عليهم فقلت لهم:

انكم تصنعون ما لا يحل لكم».

أقول: و الارتماس الممنوع منه أعم من ان يكون بدخوله ببدنه كملا تحت الماء أو بإدخال رأسه خاصة، كما تقدم في ارتماس الصائم. و الى الثاني تشير صحيحة عبد الله بن سنان.

و الظاهر ان رأس المحرم هنا كرأس الصائم، و قد تقدم في كتاب الصوم انه ما فوق الرقبة.

و المنع في الاخبار إنما تعلق بالارتماس، فلا بأس بالصب على الرأس، و ان يفيض عليه الماء في غسل و غيره. و الظاهر انه لا خلاف فيه.

و تدل عليه جملة من الاخبار،

كصحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا اغتسل المحرم من الجنابة صب على رأسه الماء، يميز الشعر بأنامله بعضه عن بعض».

____________

(1) الوسائل الباب 3 من ما يمسك عنه الصائم، و الباب 58 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 58 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 58 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 75 من تروك الإحرام.

500

و ما رواه الشيخ عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يغتسل؟ فقال: نعم يفيض الماء على رأسه، و لا يدلكه».

الى غير ذلك من الاخبار.

الصنف الحادي عشر و الثاني عشر- الادهان، و قتل هوام الجسد

، فالكلام هنا يقع في مقامين:

[المقام] الأول في الادهان

، و ينبغي ان يعلم ان الادهان على قسمين: مطيبة و غير مطيبة.

فاما القسم الأول فالظاهر انه لا خلاف في تحريمه على المحرم، إلا ما ينقل عن الشيخ في الجمل من القول بالكراهة. و هو ضعيف.

و قال العلامة في المنتهى: انه قول عامة أهل العلم، و تجب فيه الفدية إجماعا.

و هل يحرم استعماله قبل الإحرام إذا علم بقاء رائحته إلى وقت الإحرام أم لا؟ قولان، و المشهور التحريم، و نقل عن ابن حمزة القول بالكراهة.

و الظاهر الأول، للنهي عنه في عدة روايات: منها-

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا تدهن حين تريد ان تحرم بدهن فيه مسك و لا عنبر، من أجل أن رائحته تبقى في رأسك بعد ما تحرم. و ادهن بما شئت من

____________

(1) الوسائل الباب 75 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 329، و الوسائل الباب 29 من تروك الإحرام.

501



الدهن حين تريد ان تحرم، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل».

و ما رواه الصدوق في من لا يحضره الفقيه و ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة (1) قال: «سألته عن الرجل يدهن بدهن فيه طيب و هو يريد ان يحرم. فقال: لا تدهن حين تريد ان تحرم بدهن فيه مسك و لا عنبر تبقى رائحته في رأسك بعد ما تحرم، و ادهن بما شئت من الدهن حين تريد ان تحرم قبل الغسل و بعده، فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل».

و ما رواه في الكافي في الحسن عن الحسين بن ابي العلاء (2) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل المحرم يدهن بعد الغسل. قال: نعم. فادهنا عنده بسليخة بان. و ذكر ان أباه كان يدهن بعد ما يغتسل للإحرام، و انه يدهن بالدهن ما لم يكن غالية أو دهنا فيه مسك أو عنبر».

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «الرجل يدهن بأي دهن شاة- إذا لم يكن فيه مسك و لا عنبر و لا زعفران و لا ورس- قبل ان يغتسل للإحرام. قال: و لا تجمر ثوبا لإحرامك».

أقول: و هذه الاخبار كما تدل على تحريم الاستعمال قبل الإحرام إذا كانت تبقى رائحته إلى وقت الإحرام تدل على التحريم في الإحرام

____________

(1) الفروع ج 4 ص 329، و الفقيه ج 2 ص 202، و الوسائل الباب 29 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 30 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 30 من تروك الإحرام.

502

بطريق أولى، فإن التحريم أولا على الوجه المذكور انما ينشأ من التحريم ثانيا كما هو ظاهر.

و يدل على ذلك ايضا

ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: «و سألته عن المحرم يدهنه الحلال بالدهن الطيب و المحرم لا يعلم، ما عليه؟ قال: يغسله ايضا و ليحذر».

و به يظهر ضعف القولين المتقدمين.

و اما القسم الثاني فلا خلاف في جواز اكله و الادهان به عند الضرورة.

و انما الخلاف في الادهان به اختيارا، فالمشهور التحريم، و نقل الجواز في الدروس عن الشيخ المفيد، و نقله الفاضل الخراساني في الذخيرة أيضا عن الشيخ المفيد و ابن ابى عقيل و سلار و ابي الصلاح.

و الأظهر الأول، و يدل عليه ما تقدم في صحيحة الحلبي، و رواية علي بن أبي حمزة، لقوله (عليه السلام): فيهما بعد ان رخص له في الادهان إذا أراد الإحرام: «فإذا أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتى تحل».

و في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا تمس شيئا من الطيب و أنت محرم، و لا من الدهن. الحديث».

____________

(1) الفروع ج 4 ص 355 و 356، و الوسائل الباب 22 من تروك الإحرام، و الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 18 و 29 من تروك الإحرام.

503

و قال في آخره: «يكره للمحرم الأدهان الطيبة، إلا المضطر الى الزيت أو شبهه يتداوى به».

و عنه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «و لا تمس شيئا من الطيب و لا من الدهن في إحرامك».

أقول: المراد بمسها يعني: الادهان بها، لان جواز مسها بالأكل من ما لا خلاف و لا اشكال فيه. و لفظ الكراهة في الخبر الأول بمعنى التحريم، كما هو شائع في الاخبار بتقريب الأخبار المتقدمة.

احتج من ذهب الى الجواز بالأصل و الاخبار:

و منها-

ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم- و كذا الصدوق في الصحيح عنه- عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال:

«سألته عن محرم تشققت يداه. قال: فقال: يدهنهما بزيت أو بسمن أو إهالة».

و ما رواه الكليني في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان خرج بالرجل منكم الخراج أو الدمل فليربطه و ليتداو بزيت أو سمن».

و أجيب عن الأصل بما تقدم من الروايات. و اما الخبران المذكوران و ما في معناهما فان موردهما جواز الادهان عند الضرورة، و هو ليس من محل النزاع في شيء، بل هو من ما لا خلاف فيه. و بذلك يظهر

____________

(1) الوسائل الباب 18 من تروك الإحرام رقم 9.

(2) الوسائل الباب 31 و 69 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 359، و التهذيب ج 5 ص 304، و الوسائل الباب 31 و 70 من تروك الإحرام.

504

ان المعتمد هو القول الأول.

ثم ان ظاهر جملة من الأصحاب ان وجوب الكفارة انما هو في الادهان بالدهن المطيب، قال ابن إدريس: تجب به الكفارة سواء كان مختارا أو مضطرا. و قال في غير المطيب: لا تجب به كفارة بل الإثم، فليستغفر الله. و قوى في المختلف وجوب الكفارة في المطيب دون غيره، قال: و اما أكل غير المطيب فإنه سائغ مطلقا.

أقول: لم أقف بعد التتبع على ما يدل على الكفارة في الادهان إلا على

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1): «في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج. قال: ان كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين، و ان كان تعمد فعليه دم شاة يهريقه».

و بهذا استدل الشيخ في التهذيب على ما نقله عنه في المدارك، و عليها جمد في المدارك، إذ ليس غيرها في البين.

و لا يخفى ما في الاستدلال بها: اما (أولا): فلان الظاهر ان ضمير «قال» إنما يرجع الى معاوية بن عمار، فتكون مقطوعة لا مضمرة كما ذكره في المدارك.

و اما (ثانيا): فلاشتمالها على وجوب الكفارة على الجاهل، مع اتفاق الاخبار و الأصحاب على ان الجاهل لا كفارة عليه إلا في الصيد خاصة كما تقدم.

و اما (ثالثا): فلقصورها عن الدلالة على تمام المدعى، فان موردها حال الضرورة. إلا ان يستعان بعدم القائل بالفصل، كما

____________

(1) الوسائل الباب 4 من بقية كفارات الإحرام.

505

هو أحد أصولهم. و فيه ما لا يخفى. أو يقال بالأولوية في غير الضرورة.

و فيه منع.

و بالجملة فالاحتياط يقتضي المصير الى ما ذكروه. و لعل اتفاقهم أولا و آخرا باعتضاده بهذه الرواية كاف في الحكم المذكور.

المقام الثاني- في قتل هوام الجسد

، جمع هامة: الدابة. و القول بتحريم قتل هوام الجسد- من القمل و البراغيث و غيرهما، سواء كان على الثوب أو الجسد- هو المشهور بين الأصحاب. و نقل عن الشيخ و ابن حمزة: أنهما جوزا قتل ذلك على البدن، قال الشيخ: فإن القى القمل عن جسمه فدى، و الاولى ان لا يعرض له ما لم يؤذه. و منع في النهاية من قتل المحرم البق و البرغوث و شبههما في الحرم، فان كان محلا في الحرم فلا بأس. و أوجب المرتضى في قتل القملة أو الرمي بها كفا من طعام.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في المسألة

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عيسى (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يبين القملة عن جسده فيلقيها. قال: يطعم مكانها طعاما».

و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم ينزع القملة عن جسده فيلقيها. قال: يطعم مكانها طعاما».

و عن الحسين بن ابي العلاء في الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «المحرم لا ينزع القملة من جسده و لا من ثوبه متعمدا، و ان فعل شيئا من ذلك خطأ فليطعم مكانها طعاما: قبضة بيده».

____________

(1) الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

506

و ما رواه الصدوق عن زرارة في الصحيح (1) قال: «سألته عن المحرم هل يحك رأسه، أو يغسل بالماء؟ فقال: يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة. الحديث».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المحرم يلقي عنه الدواب كلها إلا القملة، فإنها من جسده، فإذا أراد ان يحول قملة من مكان الى مكان فلا يضره».

و ما رواه في الكافي عن الحسين بن ابي العلاء (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يرمي المحرم القملة من ثوبه و لا من جسده متعمدا، فان فعل شيئا من ذلك فليطعم مكانها طعاما. قلت: كم؟ قال:

كفا واحدا».

و عن أبان في الصحيح عن ابي الجارود (4) قال: «سأل رجل أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل قتل قملة و هو محرم. قال: بئس ما صنع. قال: فما فداؤها؟ قال: لا فداء لها».

و ما رواه الشيخ عن معاوية في الصحيح و الكليني عنه في الحسن (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في محرم قتل قملة؟ قال: لا شيء عليه في القملة، و لا ينبغي ان يتعمد قتلها».

و عن صفوان في الصحيح عن مرة مولى خالد (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يلقي القملة. فقال: ألقوها،

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 230، و الوسائل الباب 73 و 78 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام، و الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(6) الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

507

أبعدها الله، غير محمودة و لا مفقودة».

و روى زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن المحرم، يقتل البقة و البرغوث إذا رءاه؟ قال: نعم».

و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر احمد ابن محمد بن ابي نصر عن جميل (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم، يقتل البقة و البراغيث إذا آذاه؟ قال: نعم».

و ما رواه في الكافي عن ابي الجارود (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): حككت رأسي و انا محرم، فوقعت قملة؟ قال: لا بأس. قلت: اي شيء تجعل علي فيها؟ قال: و ما اجعل عليك في قملة؟

ليس عليك فيها شيء».

و ما رواه الشيخ عن الحلبي (4) قال: «حككت رأسي و انا محرم فوقع منه قملات، فأردت ردهن فنهاني، و قال: تصدق بكف من طعام».

و ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يحك رأسه فتسقط منه القملة و الثنتان؟ قال: لا شيء عليه، و لا يعود. قلت: كيف يحك رأسه؟ قال: بأظافيره ما لم يدم، و لا يقطع الشعر».

أقول: و هذه الاخبار كلها مع اختلافها انما وردت في القملة خاصة، فالقول بالتعميم لا يخلو من اشكال، سيما مع دلالة رواية زرارة المذكورة هنا على جواز قتل البرغوث. و قد تقدم ذكر الخلاف في جواز

____________

(1) الوسائل الباب 79 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 78 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(4) الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

(5) الوسائل الباب 15 من بقية كفارات الإحرام.

508

قتل البرغوث في المسألة التاسعة من مسائل الفصل الأول في صيد البر (1).

و الشيخ- بناء على ما هو المشهور- أجاب عن الروايات الأخيرة (أولا): بالحمل على الرخصة. و (ثانيا): بالحمل على من يتأذى بها فيقتل و يكفر. قال: و قوله: «لا شيء عليه» يعني: من العقاب أو لا شيء معين.

و أنت خبير بما فيه، إلا ان الاحتياط يقتضيه. و المسألة لا تخلو من نوع اشكال، فان الروايات الأخيرة و ان كانت على خلاف ما هو المشهور بين الأصحاب، إلا انها مخالفة لمذهب العامة، و الروايات الأولى موافقة لهم (2) إلا ان الحكم بها بين أصحابنا مشهور، و القائل بخلافها نادر. و الله العالم.

تنبيه [حكم إلقاء المحرم القراد و الحلم عن نفسه و بعيره]

المشهور بين الأصحاب انه يجوز إلقاء القراد و الحلم عن نفسه و بعيره و الحلم بفتح الحاء و اللام جمع حلمة بالفتح ايضا، و هي القراد العظيم كما نقل عن الصحاح. و قيل: إنها الصغيرة من القردان أو الضخمة ضدان.

و استدلوا على ذلك بالأصل،

و بما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ رأيت ان وجدت على قرادا أو حلمة أطرحهما؟ قال: نعم. و صغار لهما،

____________

(1) ص 159.

(2) ارجع الى الصفحة 247 الى 250.

(3) الوسائل الباب 79 من تروك الإحرام.

509

انهما رقيا في غير مرقاهما».

و هذا الخبر- كما ترى- مختص بالإنسان و لا تعرض فيه للبعير.

و قال الشيخ في التهذيب: و لا بأس ان يلقى المحرم القراد عن بعيره و لا يلقي الحلمة. و استدل عليه

بما رواه عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان القى المحرم القراد عن بعيره فلا بأس، و لا يلقى الحلمة».

أقول: و يدل على ما ذكره (قدس سره) زيادة على الرواية المذكورة

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان القراد ليس من البعير، و الحلمة من البعير بمنزلة القملة من جسدك، فلا تلقها، و الق القراد».

و عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن المحرم، يقرد البعير؟ قال: نعم، و لا ينزع الحلمة».

و ما رواه في التهذيب عن عمر بن يزيد (4) قال: «لا بأس ان تنزع القراد عن بعيرك، و لا ترم الحلمة».

و ما رواه في التهذيب و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن معاوية ابن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان القى المحرم القراد عن بعيره فلا بأس، و لا يلقى الحلمة».

و ما رواه الصدوق عن ابي بصير (6) قال: «سألته عن المحرم

____________

(1) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 364، و الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام. و قد تقدم نقله عن التهذيب برقم (1).

(6) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

510

ينزع الحلمة عن البعير؟ فقال: لا، هي بمنزلة القملة من جسدك».

و عن حريز في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«ان القراد ليس من البعير، و الحلمة من البعير».

و بذلك يظهر ان ما ذكره الشيخ من التفصيل هو الأظهر. و عليه يحمل إطلاق

ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سعيد (2) قال: «سأل أبو عبد الرحمن أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يعالج دبر الجمل. قال: فقال: يلقي عنه الدواب، و لا يدميه».

و الظاهر من هذه الروايات ان الحلم غير القراد، حيث انه (عليه السلام) جعل الحلمة منه بمنزلة القملة من الإنسان، بمعنى انها تخلق من وسخه فكأنها من جسمه، و ان القراد ليس منه بل هو من الدواب الخارجة التي تأتي اليه. و مقتضى ما ذكره أهل اللغة ان الحلمة نوع من القراد أما الصغيرة منه أو الضخمة، و هو لا يلائم ما دلت عليه هذه الاخبار. و لم أر من تنبه لذلك من المحدثين.

ثم ان الظاهر من هذه الاخبار انه لا كفارة في إلقاء الحلم عن البعير، حيث لم يتعرض في شيء منها لوجوب الكفارة لو فعل، و انما غاية ما تدل عليه الإثم بذلك.

إلا انه

قد روى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن الحسن بن ظريف عن الحسين بن علوان عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) (3): «ان عليا (عليه السلام) كان يقول في المحرم ينزع عن بعيره القردان و الحلم: ان عليه الفدية».

و الرواية- مع ضعف سندها و كون رواتها من العامة- قد تضمنت

____________

(1) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 80 من تروك الإحرام.

511

وجوب الفدية في نزع القردان مع ان الروايات المتقدمة قد اشتركت في الدلالة على جواز النزع. و حينئذ فالعمل على هذه الرواية- و الأمر كما عرفت- مشكل.

الصنف الثالث عشر و الرابع عشر- ازالة الشعر، و إخراج الدم.

و البحث في ذلك يقع في فصلين

الأول- في إزالة الشعر

. و تحقيق الكلام فيه يتوقف على بسطه في مسائل:

الأولى [حرمة إزالة الشعر]

- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في انه يحرم على المحرم ازالة الشعر من رأسه و لحيته و سائر بدنه، بحلق أو نتف أو غيرهما، مع الاختيار. و نقل عليه في التذكرة و المنتهى إجماع العلماء.

و يدل عليه بالنسبة إلى الحلق قوله (عز و جل) وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (1).

و يدل عليه و على غيره الأخبار الكثيرة، و منها-

صحيحة زرارة (2) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من حلق رأسه، أو نتف إبطه- ناسيا أو ساهيا أو جاهلا- فلا شيء عليه، و من فعله متعمد أ فعليه دم».

و روى الشيخ في الصحيح عن زرارة بن أعين (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف إبطه، أو قلم ظفره، أو حلق رأسه، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه، أو أكل طعاما

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) التهذيب ج 5 ص 339، و الوسائل الباب 10 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 8 من بقية كفارات الإحرام.

512

لا ينبغي له اكله و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا، فليس عليه شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة».

و روى الصدوق في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر. و احتجم الحسن بن علي (عليهما السلام). و هو محرم».

قوله:

«و احتجم الحسن بن علي (عليهما السلام).» يحتمل ان يكون من الخبر و من كلام الصدوق. و نحوه ما رواه الشيخ عن حريز في الصحيح مثله (2).

و قد تقدم في صحيحة معاوية بن عمار (3)- و هي آخر الروايات المتقدمة في مسألة قتل هو أم الجسد- انه يحك رأسه بأظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر.

و عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:

«لا بأس بحك الرأس و اللحية ما لم يلق الشعر، و بحك الجسد ما لم يدمه».

الى غير ذلك من الاخبار الآتية في المقام ان شاء الله (تعالى).

الثانية [جواز إزالة الشعر عند الضرورة]

- الظاهر انه لا خلاف في جوازه مع الضرورة و ان وجبت الفدية.

و يدل على الجواز الأصل، و نفي الحرج (5) و قوله (عز و جل)

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 222، و الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(3) ص 507 رقم (5).

(4) الوسائل الباب 73 من تروك الإحرام.

(5) ارجع الى الجزء الأول ص 151.

513

فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (1).

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «مر رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) على كعب بن عجرة الأنصاري و القمل يتناثر من رأسه، فقال: أ تؤذيك هوامك؟ قال: نعم. قال:

فأنزلت هذه الآية فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (3) فأمره رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) بحلق رأسه، و جعل عليه الصيام ثلاثة أيام، و الصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدان، و النسك: شاة. قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام):

و كل شيء في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار يختار ما شاء، و كل شيء في القرآن «فمن لم يجد فعليه كذا» فالأول بالخيار».

قوله (عليه السلام): «فالأول بالخيار» يعني: فالأول هو المختار و ما بعده انما هو عوض عنه مع عدم إمكانه.

و قال الصدوق في الفقيه (4): «مر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) على كعب بن عجرة الأنصاري و هو محرم، و قد أكل القمل رأسه و حاجبيه و عينيه، فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): ما كنت ارى ان الأمر يبلغ ما أرى، فأمره فنسك عنه نسكا، و حلق رأسه، لقول الله (تعالى) فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (5). فالصيام: ثلاثة أيام، و الصدقة: على ستة مساكين، لكل مسكين صاع من تمر.

و روى: مد من تمر. و النسك:

شاة لا يطعم منها أحدا إلا المساكين».

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) التهذيب ج 5 ص 333، و الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

(3) سورة البقرة، الآية 196.

(4) ج 2 ص 228، و الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

(5) سورة البقرة، الآية 196.

514

و ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال الله (تعالى) في كتابه فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (2) فمن عرض له أذى أو وجع، فتعاطى ما لا ينبغي للمحرم إذا كان صحيحا، فالصيام ثلاثة أيام، و الصدقة على عشرة مساكين يشبعهم من الطعام، و النسك: شاة يذبحها فيأكل و يطعم. و انما عليه واحد من ذلك».

الثالثة [الفدية في إزالة المحرم الشعر]

- لا خلاف في ان الفدية في إزالة الشعر- بأي الوجوه المتقدمة، عمدا كان أو لضرورة- واجبة، و ان اختلفت مقاديرها، قال في المنتهى: لا فرق بين شعر الرأس و بين شعر سائر البدن في وجوب الفدية، و ان اختلف مقاديرها على ما يأتي، ذهب إليه علماؤنا.

ثم ان ظاهر عبارات جملة من الأصحاب ان التخيير بين الافراد الثلاثة مترتب على حلق الشعر مطلقا من الرأس أو البدن. و تأمل فيه بعض الأفاضل.

أقول: ظاهر رواية عمر بن يزيد العموم، إلا ان موردها حالة الضرورة دون الاختيار.

بقي الكلام في الصدقة التي هي أحد أفراد الكفارة المخيرة، و قد صرح جمع من الأصحاب بأنها على عشرة مساكين لكل مد. و قال الشيخ: من حلق رأسه لأذى فعليه دم شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين، لكل مسكين مد من طعام. و قد روى عشرة مساكين. و هو الأحوط. و نحوه قال الشيخ المفيد، إلا انه لم يذكر رواية العشرة، بل جعل الإطعام لستة مساكين لكل مسكين

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 333، و الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

(2) سورة البقرة، الآية 196.

515

مد. و به قال ابن إدريس. و قال ابن الجنيد: أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. و هو الذي رواه الصدوق في المقنع. و به قال ابن ابى عقيل. و اختاره في المختلف.

و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك صحيحة حريز المتقدمة، و كذا رواية عمر بن يزيد، و صحيحة زرارة المتقدمة في صدر روايات المسألة الاولى.

و روى الشيخ عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«إذا أحصر الرجل فبعث يهديه، فأذاه رأسه قبل ان ينحر هديه، فإنه يذبح شاة في المكان الذي أحصر فيه، أو يصوم، أو يتصدق على ستة مساكين. و الصوم: ثلاثة أيام، و الصدقة: نصف صاع لكل مسكين».

و رواه الكليني في الكافي عن زرارة مثله (2).

و مورد صحيحة حريز و رواية عمر بن يزيد و رواية زرارة- المشتمل كل منها على التخيير بين الافراد الثلاثة- انما هو الحلق للأذى، و ليس فيها ما يدل على حكم المتعمد من غير ضرورة. إلا ان يقال: انه إذا كان الحكم في الضرورة ذلك فالمتعمد بطريق اولى. و ظاهر صحيحة زرارة المتقدمة في صدر المسألة الاولى و ان كان يدل على المتعمد، إلا انه أوجب فيها الشاة خاصة، و الحكم عندهم التخيير. قال في المدارك:

و لو قيل به إذا كان الحلق لغير ضرورة لم يكن بعيدا. لكن قال في المنتهى: ان التخيير في هذه الكفارة لعذر أو غيره قول علمائنا اجمع.

و يدل على تعدى الحكم الى غير الحلق رواية عمر بن يزيد.

و الظاهر ان مستند المشهور من التصدق على عشرة مساكين هو رواية عمر بن يزيد. لكنها قد اشتملت على انه يشبعهم من الطعام،

____________

(1) الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام.

516

و هم انما قالوا بالمد خاصة. و أيضا فإنها قد اشتملت على ما لا يقول به أحد من الأصحاب- في ما اعلم- من انه يجوز له ان يأكل من فدائه و قد ورد- كما قدمنا نقله ايضا- ان الهدي الذي يكون جبرانا لما وقع في الحج أو العمرة من النقصان لا يؤكل منه. و قد تقدم في

مرسلة الصدوق المذكورة في المقام (1): «و النسك شاة لا يطعم منها أحدا إلا المساكين».

قال في المنتهى: و لا يجوز ان يأكل منها شيئا، لأنها كفارة فيجب دفعها الى المساكين كغيرها من الكفارات. انتهى.

و ما دلت عليه صحيحة حريز من إطعام الستة هو مستند الشيخين و من تبعهما، إلا ان أكثرهم ذكر ان الصدقة مد، و لم يذكر المدين إلا ابن الجنيد، فتكون الرواية أشد انطباقا على مذهبه. و يعضدها أيضا رواية زرارة المتقدمة الواردة في حلق رأس المحصر، فإنه جعل الصدقة على ستة مساكين، و ان يكون لكل مسكين نصف صاع. و اما ما دلت عليه مرسلة الصدوق من الصاع فالظاهر انه متروك. و لعل لفظ: «نصف» سقط من قلم المصنف (قدس سره) أو من قبله.

و جمع الشيخ- بين صحيحة حريز و ما دلت عليه من الستة و المدين و رواية عمر بن يزيد و ما دلت عليه من العشرة و الشبع لكل واحد- بالتخيير بين الأمرين. و هو جيد.

قال العلامة في المنتهى: و الكفارة عندنا تتعلق بحلق جميع الرأس أو بعضه، قليلا كان أو كثيرا، لكن تختلف، ففي حلق الرأس دم، و كذا في ما يسمى حلق الرأس، و في حلق ثلاث شعرات صدقة بمهما كان.

قال في المدارك: و هو جيد. لكن ينبغي تعين الصدقة في ذلك بكف من طعام أو بكف من سويق، كما سيجيء بيانه.

____________

(1) الوسائل الباب 14 من بقية كفارات الإحرام رقم (5).

517

الرابعة [هل تسقط الفدية في إزالة المحرم الشعر المضر وجوده؟]

- قال في المنتهى: إذا نبت الشعر في عينه أو نزل شعر حاجبه فغطى عينه جاز له قطع النابت في عينه و قص المسترسل. و الوجه انه لا فدية عليه، لانه لو تركه لا ضر بعينه و منعه من الأبصار، كما لو صال الصيد عليه فقتله، فإنه لا فدية عليه.

ثم قال (قدس سره): لو كان له عذر من مرض أو وقع في رأسه قمل أو غير ذلك من أنواع الأذى جاز له الحلق إجماعا، للآية (1) و الأحاديث السابقة. ثم ينظر، فان كان الضرر اللاحق به من نفس الشعر فلا فدية عليه، كما لو نبت في عينه أو نزل شعر حاجبه بحيث يمنعه من الأبصار، لأن الشعر أضر به فكان له ازالة ضرره، كالصيد إذا صال عليه، و ان كان الأذى من غير الشعر لكن لا يتمكن من إزالة الأذى إلا بحلق الشعر- كالقمل، و القروح برأسه، و الصداع من الحر بكثرة الشعر- وجبت الفدية، لأنه قطع الشعر لازالة الضرر عنه، فصار كما لو أكل الصيد للمخمصة. (لا يقال):

القمل من ضرر الشعر، و الحر سببه كثرة الشعر، فكان الضرر منه أيضا (لأنا نقول): ليس القمل من الشعر و انما لا يمكنه المقام إلا بالرأس ذي الشعر، فهو محل لا سبب. و كذلك الحر من الزمان، لان الشعر يوجد في البرد و لا يتأذى به. فقد ظهر ان الأذى في هذين النوعين ليسا من الشعر. انتهى.

و اعترضه في المدارك بعد نقل الكلام الأخير بأنه غير واضح، قال: و المتجه لزوم الفدية إذا كانت الإزالة بسبب المرض، أو الأذى الحاصل في الرأس مطلقا، لإطلاق الآية الشريفة (2) دون ما عدا ذلك، لان الضرورة مسوغة لإزالته، و الفدية منتفية بالأصل.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) سورة البقرة، الآية 196.

518

أقول: لا ريب ان مورد الأخبار الموجبة لجواز الحلق مع الضرورة انما هو التضرر بالقمل أو بالصداع كما في روايات المحصر. و عليه يحمل إطلاق الآية (1) و يبقى ما عداه خارجا عن محل البحث. و بالجملة فالفدية انما هو في موضع رفع الأذى بأحد هذه الأشياء. و اما ما يستلزم تركه الضرر الموجب للعمى- مثلا- أو عدم الأبصار، أو نحو ذلك من الأمراض، فالظاهر انه لا فدية فيه، لعدم الدليل.

و بنحو ما ذكره العلامة هنا صرح في الدروس ايضا. و هو جيد.

و مناقشة السيد (قدس سره) ضعيفة.

الخامسة [حكم الناسي و الجاهل في المقام]

- قال في الدروس: الأقرب انه لا شيء على الناسي و الجاهل. و أوجب الفاضل الكفارة على الناسي في الحلق و القلم، لأن الإتلاف يتساوى فيه العمد و الخطأ كالمال. و هو بعيد،

لصحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2): «من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه».

و نقل الشيخ الإجماع على عدم وجوب الفدية على الناسي. و القياس عندنا باطل، و خصوصا مع معارضة النص. انتهى. و هو جيد.

السادسة- لو مس لحيته أو رأسه فسقط منه شيء

فالواجب كف من طعام. و الحكم من ما لا خلاف فيه بين الأصحاب، كما هو ظاهر المنتهى و التذكرة. و نقل عن ابن حمزة: التصدق بكفين. و قال الصدوق في المقنع: بكف أو كفين من طعام. و قال سلار: و ان أسقط بفعله شيئا من شعره فعليه كف من طعام. و من أسقط كثيرا من شعره فعليه دم شاة. و أطلق. و لم يذكر التفصيل بين الوضوء و غيره.

____________

(1) سورة البقرة، الآية 196.

(2) الوسائل الباب 10 من بقية كفارات الإحرام.

519

و كذا قال السيد المرتضى. و قال ابن البراج: إذا مس رأسه أو لحيته لغير طهارة، فسقط شيء من شعرهما بذلك، فعليه كف من طعام، و ان كان مسهما للطهارة لم يكن عليه شيء. و قد ذكر انه ان سقط في حال وضوئه كان عليه كف من طعام، و ان كان كثيرا فدم شاة.

و اما الروايات الواردة في المقام: فمنها-

ما رواه الشيخ و الصدوق عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يعبث بلحيته فيسقط منها الشعرة و الثنتان؟ قال:

يطعم شيئا».

قال الصدوق (2): و في خبر آخر: «مدا من طعام أو كفين».

و عن هشام بن سالم في الصحيح (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا وضع أحدكم يده على رأسه أو لحيته و هو محرم، فسقط شيء من الشعر، فليتصدق بكف من طعام أو كف من سويق».

و رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن هشام مثله (4) إلا انه قال:

«بكف من كعك أو سويق».

و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «ان نتف المحرم من شعر لحيته و غيرها شيئا فعليه ان يطعم مسكينا في يده».

و ما رواه الشيخ عن منصور عن الصادق (عليه السلام) (6): «في

____________

(1) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(4) الوافي باب (الحجامة و ازالة الشعر و الظفر للمحرم). و لكن في الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام ينقله عن الصدوق و الكليني فقط. و لم نجده في التهذيب.

(5) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(6) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

520

المحرم إذا مس لحيته فوقع منها شعرة؟ قال: يطعم كفا من طعام أو كفين».

و عن الحسن بن هارون (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

اني أولع بلحيتي و انا محرم فتسقط الشعرات؟ قال: إذا فرغت من إحرامك فاشتر بدرهم تمرا و تصدق به، فإن تمرة خير من شعرة».

أقول: و قضية ضم هذه الاخبار مطلقها الى مقيدها الاكتفاء بالكف من الطعام أو السويق أو التمر، و المد أفضل. و اما ما ذكر من هذه الأقوال فلم أقف لها على دليل.

و اما

ما رواه الشيخ عن ليث المرادي (2)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يتناول لحيته و هو محرم يعبث بها، فينتف منها الطاقات يبقين في يده خطأ أو عمدا. فقال: لا يضره».

-

فقد حمله الشيخ على نفي العقاب، قال: لان من تصدق بكف من طعام لم يستضر بذلك. و احتمل بعض الحمل على الإنكار.

أقول: غاية الخبر ان يكون مطلقا بالنسبة إلى الكفارة، فيجب تقييده. و لا ينافيه قوله: «و لا يضره» لإمكان الحمل على عدم إفساد الحج.

و اما

ما رواه الشيخ عن المفضل بن عمر (3)- قال: «دخل النباجي على ابي عبد الله (عليه السلام) فقال: ما تقول في محرم مس لحيته فسقط منها شعرتان؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لو مسست لحيتي فسقط منها عشر شعرات ما كان علي شيء».

-

فحمله الشيخ على صورة السهو و عدم التعمد. أقول:

____________

(1) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

521

و يمكن الحمل على حال الوضوء، لما سيأتي ان شاء الله- تعالى- في المقام.

و هذه الرواية رواها في الوافي (1) بهذا الوجه الذي نقلناه، و الموجود في كتب الحديث (2): «عن جعفر بن بشير و المفضل بن عمر» فيكون الحديث صحيحا، لعطف المفضل على جعفر بن بشير. و لكنه لا يخلو من اشكال- كما نبه عليه جملة من المحدثين- لان جعفر بن بشير من أصحاب الرضا (عليه السلام) فتبعد روايته عن الصادق (عليه السلام). و احتمل بعض سقوط الواسطة، و بعض التحريف في الإتيان بالواو عوض «عن». و الظاهر ان ما ذكره في الوافي اجتهاد منه، كما هي عادته في تصحيح الاخبار متنا و سندا بما ادى اليه فكره.

هذا كله في ما لو كان المس في غير الوضوء، اما لو كان فيه فالمشهور انه لا شيء عليه.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن الهيثم بن عروة التميمي (3) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يريد إسباغ الوضوء، فتسقط من لحيته الشعرة أو الشعرتان. فقال: ليس بشيء مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (4).

و ألحق الشهيد في الدروس بالوضوء الغسل ايضا. قال في المدارك:

و هو حسن. بل مقتضى التعليل إلحاق إزالة النجاسة و الحك الضروري به ايضا. انتهى.

و نقل في الدروس عن الشيخ المفيد: انه أوجب الكف في السقوط

____________

(1) باب (الحجامة و ازالة الشعر و الظفر للمحرم).

(2) التهذيب ج 5 ص 339، و الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 339، و الوسائل الباب 16 من بقية كفارات الإحرام.

(4) سورة الحج، الآية 78.

522

بالوضوء، قال: و لو كثر الساقط من شعره فشاة. و لم نقف على دليله و نقل عن سلار: ان في القليل كفا و في الكثير شاة. و أطلق. و نقل عن الحلبي: في قص الشارب و حلق العامة و الإبطين شاة.

السابعة [الفدية في نتف المحرم إبطه]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بان في نتف الإبط إطعام ثلاثة مساكين، و في نتفهما معا شاة.

و استدلوا على الحكم الأول

بما رواه الشيخ عن عبد الله بن جبلة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1): «في محرم نتف إبطه؟ قال:

يطعم ثلاثة مساكين».

و على الثاني

بما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا نتف الرجل إبطيه بعد الإحرام فعليه دم».

و ناقش في المدارك في الحكم الأول من حيث ضعف الرواية بان في طريقها عبد الله بن هلال، و هو مجهول، و راويها و هو عبد الله بن جبلة واقفي، فإن مقتضى

صحيحة زرارة (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من حلق رأسه أو نتف إبطه ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه، و من فعله متعمدا فعليه دم» (4).

أقول: اما المناقشة الأولى فهي جيدة على أصوله و لا ثمرة لها

____________

(1) الوسائل الباب 11 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 11 من بقية كفارات الإحرام.

(3) التهذيب ج 5 ص 339، و الوسائل الباب 10 من بقية كفارات الإحرام.

(4) هكذا وردت العبارة في النسخ، و من الواضح انها غير تامة. و اللفظ الوارد في المدارك بعد تضعيف رواية عبد الله بن جبلة هو هكذا: «فلو قيل بوجوب الدم في نتف الإبط الواحد لصحيحة زرارة المتقدمة لم يكن بعيدا».

523

عندنا. و يمكن الجمع بحمل الصحيحة المذكورة على الإبطين بإرادة الجنس من المفرد المذكور فيها، فتكون منطبقة مع صحيحة حريز على معنى واحد. إلا ان المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحرفي الوسائل (1) نقل ان الصدوق روى ايضا صحيحة حريز بلفظ: «إبطه» بدون تثنية. و يشكل ذلك بخلو القول المشهور من الدليل، إذ المستند في وجوب الشاة في الإبطين انما هو صحيحة حريز المذكورة كما عرفت و على هذه الرواية فيشكل الحكم في المقام.

و كيف كان فالاحتياط في الدم بنتف الإبط، لما عرفت.

الثامنة [حلق المحرم رأس المحل]

- اختلف كلام الشيخ (قدس سره) في المحرم هل له ان يحلق رأس المحل؟ فجوزه في الخلاف، و لا ضمان. و قال في التهذيب:

لا يجوز له ذلك.

و احتج في الخلاف بأن الأصل براءة الذمة، و لم يوجد دليل على الشغل.

و احتج في التهذيب

بما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يأخذ الحرام من شعر الحلال».

الفصل الثاني- في إخراج الدم

، و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في ذلك. و يجب ان يعلم- أولا- ان أصل الخلاف في المسألة بين المتقدمين انما هو في الحجامة، كما نقل العلامة في المختلف، حيث قال: للشيخ في الحجامة قولان: أحدهما- التحريم

____________

(1) الباب 11 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 63 من تروك الإحرام. و اللفظ كما في الوسائل.

524

إلا مع الحاجة. و به قال شيخنا المفيد و السيد المرتضى و سلار و ابن البراج و أبو الصلاح و ابن إدريس، و هو الظاهر من كلام ابن بابويه و ابن الجنيد. و الثاني- انه مكروه. ذكره في الخلاف، و به قال ابن حمزة. ثم قال: و الأقرب الأول. و جملة من المتأخرين قد أجروا الخلاف أيضا في إخراج الدم و لو بحك جلده أو بالسواك أو نحو ذلك. و بذلك يظهر لك ان ما ذكره في المدارك- بعد ذكر المصنف إخراج الدم بهذه الوجوه بقوله: «القول بالتحريم في الجميع للشيخ في النهاية، و المفيد في المقنعة، و المرتضى، و ابن إدريس. ثم نقل القول بالكراهة عن الشيخ في الخلاف، و جمع من الأصحاب- ليس من ما ينبغي. ثم ان ممن اختار القول بالكراهة أيضا المحقق في الشرائع و السيد السند في المدارك.

و يدل على القول الأول

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم؟ قال: لا، إلا ان لا يجد بدا فليحتجم، و لا يحلق مكان المحاجم».

و عن زرارة في القوى عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال:

«لا يحتجم المحرم إلا ان يخاف على نفسه ان لا يستطيع الصلاة».

و ما رواه الشيخ عن الحسن الصيقل عن ابى عبد الله (عليه السلام) (3) «عن المحرم يحتجم؟ قال: لا، إلا ان يخاف التلف و لا يستطيع الصلاة. و قال: إذا آذاه الدم فلا بأس به و يحتجم، و لا يحلق الشعر».

____________

(1) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

525

و ما رواه في الفقيه (1) قال: «سأل ذريح أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم؟ فقال: نعم إذا خشي الدم».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم كيف يحك رأسه؟ قال:

بأظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر».

و عن عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام). الرواية المتقدمة في الفصل الأول (3) حيث قال فيها: «و يحك الجسد ما لم يدمه».

و في الصحيح عن الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يستاك؟ قال: نعم، و لا يدمي».

و ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن المحرم هل يصلح له ان يستاك؟ قال: لا بأس، و لا ينبغي ان يدمي فمه».

و لفظ: «لا ينبغي» في الاخبار بمعنى التحريم شائع، كما نبهنا عليه في غير موضع من ما تقدم.

و اما ما يدل على القول الثاني

فصحيحة حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) (6) قال: «لا بأس ان يحتجم المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر».

قال في الفقيه (7): و احتجم الحسن بن علي (عليهما السلام) و هو محرم.

و صحيحة معاوية بن عمار (8) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المحرم يستاك؟ قال: نعم. قلت: فإن أدمى يستاك؟

____________

(1) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 73 من تروك الإحرام.

(3) ص 512.

(4) الوسائل الباب 73 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 73 من تروك الإحرام.

(6) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(7) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

(8) الفروع ج 4 ص 366، و الفقيه ج 2 ص 222، و الوسائل الباب 92 من تروك الإحرام.

526

قال: نعم، هو من السنة».

و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«سألته عن المحرم يعصر الدمل، و يربط عليه الخرقة؟ فقال: لا بأس».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم يكون به الجرب فيؤذيه.

قال: يحكه، فان سال منه الدم فلا بأس».

و بهذه الأخبار أخذ صاحب المدارك، و مثله صاحب الذخيرة، و جمع بينها و بين الاخبار المتقدمة بحمل النهي في الاخبار المتقدمة على الكراهة.

و أنت خبير بما فيه، كما أشرنا إليه في غير موضع من ما تقدم. على نه انما يتم القول بالكراهة لو لم يمكن هنا وجه آخر للجمع بين الاخبار المذكورة مع انه ليس كذلك، فان الظاهر في الجمع انما هو حمل هذه الاخبار على الضرورة، فإن هذه الاخبار مطلقة و الاخبار الأول مفصلة بين الاختيار فيحرم و الاضطرار فيجوز. و القاعدة تقتضي حمل المجمل على المفصل. فالقول بالكراهة- كما صار اليه- ضعيف.

و اما ما اعتضد به في المدارك

من رواية يونس بن يعقوب (3)- قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يحتجم؟ قال: لا أحبه».

قال: فان لفظ: «لا أحبه» ظاهر في الكرامة-

____________

(1) الفروع ج 4 ص 359، و الفقيه ج 2 ص 222، و الوسائل الباب 70 من تروك الإحرام رقم 5 و 1.

(2) الفروع ج 4 ص 367، و الوسائل الباب 71 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 62 من تروك الإحرام.

527

ففيه: ان لفظ: «لا أحبه» و ان كان في العرف كما ذكره إلا انه في الاخبار قد استعمل بمعنى التحريم كثيرا، و قد حققنا سابقا ان هذا من جملة الألفاظ المتشابهة في الاخبار التي لا يجوز حملها على أحد المعنيين إلا بالقرينة.

ثم ان الظاهر من كلام الأصحاب انه على تقدير التحريم فليس فيه إلا مجرد الإثم، و لا كفارة. و حكى الشهيد في الدروس عن بعض أصحاب المناسك: انه جعل فدية إخراج الدم شاة. و عن الحلبي: انه جعل في حك الجسم حتى يدمي إطعام مسكين.

و اعلم ان الخلاف في المسألة بالتحريم و الكراهة انما هو عند عدم الضرورة، و إلا فمعها لا خلاف في الجواز، كما ذكره في التذكرة، و به صرحت الأخبار المتقدمة، و على تجتمع الاخبار كملا كما ذكرناه.

و يؤيده

ما رواه الصدوق عن الحسن الصيقل (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يؤذيه ضرسه، أ يقلعه؟ فقال:

نعم لا بأس به».

و نقل في المدارك عن ابن الجنيد و الصدوق: انه لا بأس بقلع الضرس مع الحاجة، و لم يوجبا به شيئا. و نقل عن الشيخ: ان في قلع الضرس شاة، استنادا الى

ما رواه في التهذيب (2) عن محمد بن عيسى عن عدة من أصحابنا عن رجل من أهل خراسان: «ان مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شيء: محرم قلع ضرسه.

فكتب: يهريق دما».

و فيه:- مع إرساله- ان المكتوب اليه غير معلوم

____________

(1) الوسائل الباب 95 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 19 من بقية كفارات الإحرام.

528

و الاستناد الى ما هذا شأنه و إثبات حكم شرعي به مشكل.

الصنف الخامس عشر و السادس عشر- قلع الشجر و قلم الأظفار

. و الكلام هنا يقع في مقامين

[المقام] الأول- في قلع الشجر

، الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) في انه يحرم على المحرم قطع شجر الحرم، و الحشيش النابت فيه، عدا ما يأتي استثناؤه في المقام ان شاء الله (تعالى).

و عليه تدل جملة من الاخبار: منها-

ما رواه الصدوق في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «كل شيء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين إلا ما أنبته أنت أو غرسته».

و ما رواه الكليني في الحسن عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كل شيء ينبت في الحرم فهو حرام على الناس أجمعين».

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شجرة أصلها في الحرم و فرعها في الحل.

فقال: حرم فرعها لمكان أصلها. قال: قلت: فإن أصلها في الحل و فرعها في الحرم؟ فقال: حرم أصلها لمكان فرعها».

و رواه ابن بابويه و الكليني في الصحيح نحوا منه (4).

و ما رواه الصدوق عن سليمان بن خالد في الصحيح أو الحسن (5) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقطع من الأراك

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 166، و الوسائل الباب 86 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 86 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 90 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 90 من تروك الإحرام.

(5) الفقيه ج 2 ص 166، و الوسائل الباب 18 من بقية كفارات الإحرام.

529

الذي بمكة. قال: عليه ثمنه يتصدق به. و لا ينزع من شجر مكة شيئا إلا النخل و شجر الفواكه».

و رواه الشيخ عن سليمان بن خالد في الموثق بأدنى تفاوت في المتن (1).

و ما رواه الكليني في الحسن أو الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لما قدم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة. فساق الحديث الى ان قال نقلا عنه (صلى اللّٰه عليه و آله): ألا ان الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات و الأرض، فهي حرام بحرام الله الى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، و لا يعضد شجرها، و لا يختلى خلاها، و لا تحل لقطتها إلا لمنشد.

فقال العباس: يا رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) إلا الإذخر، فإنه للقبر و البيوت. فقال رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله): إلا الإذخر».

قال الجوهري: الخلى مقصورا: الحشيش اليابس (3) الواحدة خلاة تقول: «خليت الخلى و اختليته» اي جززته و قطعته. و قال في القاموس: الخلى مقصورا: الرطب من النبات، واحدة خلاة، أو كل بقلة قلعتها. و في النهاية: الخلى مقصورا: النبات الرقيق ما دام رطبا، و اختلاؤه قطعه.

و ما رواه الشيخ في الموثق عن زرارة (4) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: حرم الله حرمه بريدا في بريد: ان يختلى

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 379 و 380، و الوسائل الباب 18 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 225، و الوسائل الباب 88 من تروك الإحرام.

(3) ارجع الى الاستدراكات.

(4) التهذيب ج 5 ص 381، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

530

خلاه، أو يعضد شجره، إلا الإذخر، أو يصاد طيره. و حرم رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) المدينة ما بين لابتيها: صيدها، و حرم ما حولها بريدا في بريد: ان يختلى خلاها، أو يعضد شجرها، إلا عودي الناضح».

و ما رواه الكليني عن زرارة في الموثق (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: حرم الله (تعالى) حرمه: أن يختلى خلاه، أو يعضد شجره، إلا الإذخر، أو يصاد طيره».

و ما رواه الشيخ عن جميل بن دراج في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «رءاني علي بن الحسين (عليه السلام) و انا أقلع الحشيش من حول الفساطيط بمنى، فقال: يا بنى ان هذا لا يقلع».

و ما رواه الصدوق عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «قلت: المحرم ينزع الحشيش من غير الحرم؟ قال: نعم. قلت: فمن الحرم؟ قال: لا».

و ما رواه الكليني عن عبد الكريم عن من ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا ينزع من شجر مكة إلا النخل و شجر الفاكهة».

و ما رواه الصدوق عن منصور بن حازم (5) «انه سأل أبا عبد الله

____________

(1) الفروع ج 4 ص 225، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 86 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 85 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 230، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 18 من بقية كفارات الإحرام.

531

(عليه السلام) عن الأراك يكون في الحرم فاقطعه. قال: عليك فداؤه».

و اما

ما رواه الشيخ عن محمد بن حمران في الصحيح- (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبت الذي في أرض الحرم، أ ينزع؟ فقال: اما شيء تأكله الإبل فليس به بأس ان تنزعه».

-

فقد أجاب عنه الشيخ (رحمه الله) بأنه لا بأس ان تنزعه الإبل لانه يخلى عنها ترعى كيف شاءت. و استشهد

بما رواه عن حريز في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «يخلى عن البعير في الحرم يأكل ما شاء».

إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اختلف الأصحاب في كفارة قلع الشجر، فقال الشيخ في الخلاف و المبسوط: في الشجرة الكبيرة بقرة، و في الصغيرة شاة، و في الأغصان قيمته. و قال ابن الجنيد: و ان قلع المحرم أو المحل من شجر الحرم شيئا فعليه قيمة ثمنه. و قال أبو الصلاح: في قطع بعض شجر الحرم من أصله دم شاة، و لقطع بعضها أو اختلاء خلاها ما تيسر من الصدقة. و قال ابن البراج: في ما يجب فيه بقرة، أو يقلع شيئا من شجر الحرم الذي لم يغرسه هو في ملكه و لا نبت في داره بعد بنائه لها. و لم يفصل بين الكبيرة و الصغيرة.

و قال ابن حمزة: و البقرة تلزم بصيد بقرة الوحش و قلع شجر الحرم ثم قال: تجب شاة بقلع شجر صفير من الحرم. و قال ابن إدريس:

الأخبار واردة عن الأئمة (عليهم السلام) بالمنع من قلع شجر الحرم و قطعه، و لم يتعرض فيها الكفارة لا في الصغيرة و لا في الكبيرة. قال

____________

(1) الوسائل الباب 89 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 89 من تروك الإحرام.

532

في المختلف: و هذا قول يشعر بسقوط الكفارة. و ظاهر المشهور بين المتأخرين القول الأول. و تردد المحقق في الشرائع فيه.

قال في المدارك بعد نقل عبارة المصنف الموافقة لمذهب الشيخ، و تردده في ذلك: هذا الحكم ذكره الشيخ و جمع من الأصحاب، و احتج عليه في الخلاف بإجماع الفرقة و الاحتياط. و استدل عليه في المنتهى

بما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم (1) قال: روى أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) انه قال: «إذا كان في دار الرجل شجرة من شجر الحرم لم تنزع، فإن أراد نزعها نزعها و كفر بذبح بقرة يتصدق بلحمها على المساكين».

و هذه الرواية- مع ضعفها بالإرسال، و كونها متروكة الظاهر- لا تدل على وجوب الشاة في الشجرة الصغيرة، و لا على حكم الأبعاض. و قال ابن الجنيد. ثم ساق عبارته المتقدمة. و نقل انه قواه في المختلف، و استدل عليه

برواية سليمان بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل قلع من الأراك الذي بمكة. قال: عليه ثمنه».

ثم قال: و هذه الرواية ضعيفة السند أيضا فإن من جملة رجالها الطاطري، و قال النجاشي: انه كان من وجوه الواقفية و شيوخهم. و من هنا يظهر ان المتجه سقوط الكفارة بذلك مطلقا كما اختاره ابن إدريس، و ان كان اتباع المنقول أحوط. انتهى.

أقول: فيه (أولا): ما عرفت سابقا في غير موضع من ان الطعن

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 381، و الوسائل الباب 18 من بقية كفارات الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 379 و 380، و الوسائل الباب 18 من بقية كفارات الإحرام.

533

في الاخبار بضعف السند لا يقوم حجة على المتقدمين.

و (ثانيا): ان طعنه في رواية سليمان بن خالد بما ذكره متجه بناء على نقله الرواية من التهذيب، فإنها فيه مروية في الموثق الذي يعده في الضعيف، و لكنها في الفقيه- كما قدمنا ذكره- صحيحة أو حسنة بإبراهيم بن هاشم، الذي قد اعتمد حديثه في غير موضع من شرحه، و ان ناقض نفسه فيه أيضا في بعض المواضع، إلا ان الاتفاق بين أصحاب هذا الاصطلاح على قبول روايته، و ان عدوها في الحسن، بل عدها في الصحيح جملة من المحققين.

و (ثالثا): انه

قد روى الصدوق ايضا عن منصور بن حازم- و طريقه إليه في المشيخة صحيح على ما صرح به العلامة في الخلاصة- عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «انه سأله عن الأراك يكون في الحرم فاقطعه. قال: عليك فداؤه».

و هي مطابقة لصحيحة سليمان المذكورة أو حسنته. و المراد بالفداء في رواية منصور هو الثمن المذكور في رواية سليمان بن خالد. و بذلك يظهر ضعف ما اختاره من سقوط الكفارة مطلقا.

و بالجملة فإن الذي وقفت عليه من روايات المسألة هو ما ذكرت، و مقتضاها وجوب البقرة في نزع الشجرة صغيرة كانت أو كبيرة، و الفدية في غيره من الأراك و نحوه.

[فوائد]

أقول: و في هذا المقام فوائد

الأولى [جواز قلع النخل و شجر الفواكه]

- يستفاد من صحيحة سليمان ابن خالد و موثقته و مرسلة عبد الكريم استثناء النخل و شجر الفواكه من هذا الحكم. و الظاهر انه لا خلاف فيه، و هو من جملة ما استثناه

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 166، و الوسائل الباب 18 من بقية كفارات الإحرام.

534

الأصحاب، سواء أنبته الله (تعالى) أو الآدمي، لإطلاق النص المذكور.

و ظاهر المنتهى انه اتفاقي. لكن المذكور في كلامهم شجر الفواكه، حيث عدوه من الأربعة المستثناة في كلامهم. و الظاهر ان مرادهم ما يعم النخل. و كيف كان فحيث دل النص عليه يجب استثناؤه.

الثانية- [جواز قطع] الإذخر

، و ظاهر المنتهى و التذكرة الإجماع على جواز قطعه و هو من جملة الأربعة المستثناة عندهم. و يدل عليه استثناء الرسول (صلى اللّٰه عليه و آله) بالتماس العباس في صحيحة حريز أو حسنته المتقدمة، و مثلها موثقة زرارة المتقدمة أيضا، و رواية زرارة الآتية (1).

الثالثة [جواز قطع ما أنبته الإنسان أو غرسه]

- قد دلت صحيحة حريز- و هي الاولى من الاخبار المتقدمة- على استثناء ما أنبته الإنسان أو غرسه من البقول و الزروع و الرياحين و الشجر، و لم يذكره الأصحاب من جملة الأربعة التي صرحوا باستثنائها.

و الرواية المذكورة صحيحة صريحة في استثنائه، فلا بأس باستثنائه.

الرابعة [جواز قلع عودي الناضح]

- قد دلت موثقة زرارة على استثناء عودي الناضح، و هما عودا المحالة المذكورة في جملة الأربعة التي استثناها الأصحاب. و المحالة بفتح الميم: البكرة العظيمة التي يستقى بها، قاله الجوهري. و المراد العودان اللذان تجعل عليهما المحالة ليستقى بها.

و يدل على ذلك ايضا

ما رواه الشيخ بسند فيه إرسال عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «رخص رسول الله (صلى اللّٰه عليه و آله) في قطع عودي المحالة- و هي البكرة التي يستقى بها- من شجر الحرم، و الإذخر».

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 381، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 381، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

535

الخامسة [جواز قلع النابت في الحرم في الملك]

- قد استثنى الأصحاب أيضا في جملة الأربعة التي ذكروها ما ينبت في ملك الإنسان.

و استدلوا على ذلك

بما رواه حماد بن عثمان في القوى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «في الشجرة يقلعها الرجل من منزله في الحرم؟

فقال: ان بنى المنزل و الشجرة فيه فليس له ان يقلعها، و ان كانت نبتت في منزله و هو له فليقلعها».

و روى الشيخ عن حماد بن عثمان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقلع الشجرة من مضربه أو داره في الحرم.

فقال: ان كانت الشجرة لم تزل قبل ان يبني الدار أو يتخذ المضرب فليس له ان يقلعها، و ان كانت طرية عليها فله قلعها».

و عليه يحمل

ما رواه في الكافي عن إسحاق بن يزيد (3) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يدخل مكة فيقطع من شجرها؟ قال:

اقطع ما كان داخلا عليك، و لا تقطع ما لم يدخل منزلك عليك».

و المستفاد من هذه الروايات انه ان سبق الملك للأرض على نبت الشجرة جاز قلعها و إلا فلا.

و الظاهر ان ذكر المنزل في الاخبار خرج مخرج التمثيل.

السادسة [جواز قطع اليابس في الحرم]

- قال في المدارك: و لا بأس بقطع اليابس من الشجر و الحشيش، للأصل. و لانه ميت فلم تبق له حرمة. و لان الخلى المحرم جزه الرطب من النبات لا مطلق النبات.

أقول: فيه: ان ظاهر الاخبار المتقدمة شمول الحكم لليابس و الرطب

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 380، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 380، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 231، و الوسائل الباب 87 من تروك الإحرام.

536

من الشجر و الحشيش، و به يجب الخروج عن حكم الأصل. و اما ما ذكره- من ان الخلى هو الرطب من النبات- فهو مسلم بناء على ما نقله من عبارة القاموس، حيث انه فسره بذلك، و اما عبارة الصحاح التي قدمنا ذكرها فقد فسره فيها باليابس (1) و قال في كتاب مجمع البحرين في ما اوله الخاء المعجمة: لا يختلى خلاها بضم الخاء و فتح اللام، اي لا يجز نبتها الرقيق و لا يقطع ما دام رطبا، و إذا يبس فهو حشيش. و ظاهر هذا الكلام ان إطلاق الخلى عليه انما هو ما دام رطبا و إذا يبس يسمى حشيشا. و حينئذ فالحشيش هو اليابس، مع انه قد دلت صحيحة جميل بن دراج و صحيحة محمد بن مسلم المتقدمتان على تحريم نزع الحشيش. و مع الإغماض عن ما ذكرناه فلا أقل من ان يكون الحشيش شاملا للرطب و اليابس، فإطلاق التحريم في الصحيحتين المذكورتين شامل للفردين. و بذلك قال الشيخ- على ما ذكره في المختلف- حيث نقل عنه انه قال: حشيش الحرم ممنوع من قلعه، فان قلعه أو شيئا منه لزمته قيمته. و لا بأس ان تخلي الإبل ترعى. و قال ابن الجنيد: فاما الرعي فيه فمن ما لا اختاره، لان البعير ربما جذب النبت من أصله. فأما ما حصده الإنسان منه و بقي أصله في الأرض فلا بأس به. أقول: إطلاق صحيحة حريز المتقدمة- الدالة على انه يخلى عن البعير في الحرم يأكل ما شاء، و مثلها صحيحة محمد بن حمران- يدفع ما ذكره من منع الرعي. و مع تسليم ان الخلى عبارة عن الرطب خاصة فتخصيص الخلى بالذكر لا يدل على عدم شمول الحكم لغيره.

و مع تسليمه فإنه مخصوص بالحشيش و لا دليل على ذلك في الشجر.

____________

(1) ارجع الى الاستدراكات.

537

و اما التعليل بأنه ميت فهو تعليل عليل ميت.

السابعة [تحريم صيد حرم المدينة]

- مقتضى موثقة زرارة المتقدمة تحريم صيد حرم المدينة و شجره. و هو قول الشيخ (قدس سره). و قيل بالكراهة، للأصل.

و ظاهر الخبر المذكور يوجب الخروج عن هذا الأصل.

الثامنة [حرمة قطع شجر الحرم على المحل]

- قال في المدارك: و اعلم ان قطع شجر الحرم كما يحرم على المحرم يحرم على المحل ايضا، كما صرح به الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و دلت عليه النصوص. و حينئذ فكان المناسب ان لا يجعل ذلك من تروك الإحرام بل يجعل مسألة برأسها كما فعل في الدروس. انتهى. و هو جيد.

أقول: و الظاهر ان حكم الحشيش ايضا كذلك. و انه يحل للمحرم قطع الشجر و قلع الحشيش في غير الحرم، بلا خلاف و لا إشكال في ذلك.

التاسعة [فروع في كلام العلامة]

- قطع العلامة في التذكرة بجواز قطع ما انكسر و لم يبن، معللا بأنه قد تلف فهو بمنزلة الميت و الظفر المنكسر. أقول: و هو لا يخلو من شوب الاشكال.

و جواز أخذ الكمأة، معللا بأنه لا أصل له فهو كالثمرة الموضوعة على الأرض. أقول: و هو جيد، فان ظاهر الاخبار المتقدمة التخصيص بالشجر و الحشيش و نحوهما من ما لا يتناول ذلك.

و نقل الإجماع على جواز الانتفاع بالغصن المنكسر و الورق الساقط إذا كان ذلك بغير فعل الآدمي، لتناول النهي ما يقطع و هذا لم يقطع.

أقول: و هو جيد.

و استقرب الجواز إذا كان بفعل الآدمي، لأنه بعد القطع يكون

538

كاليابس. و تحريم الفعل لا ينافي جواز استعماله. و نسب المنع الى بعض العامة، قياسا على الصيد يذبحه المحرم (1). و رده، بان الصيد يعتبر في ذبحه الأهلية. أقول: و هو كذلك.

المقام الثاني- في قلم الأظفار

، و في المنتهى و التذكرة ان على تحريمه إجماع فقهاء الأمصار.

و مستنده أخبار عديدة: منها: ما تقدم في صدر الروايات المنقولة في مسألة إزالة الشعر (2) من صحيحة زرارة المتضمنة لان من قلم أظفاره متعمدا فعليه دم.

و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «من قلم أظافيره ناسيا أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه، و من فعله متعمدا فعليه دم».

و ما رواه في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي ان يقلم أظفاره عند إحرامه.

قال: يدعها. قلت: فان رجلا من أصحابنا أفتاه بأن يقلم أظفاره و يعيد إحرامه، ففعل؟ قال: عليه دم يهريقه».

و روى الصدوق عن إسحاق بن عمار عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (5) نحوا منه.

و ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) (6) قال: «سألته عن رجل أحرم فنسي ان يقلم أظفاره.

____________

(1) المغني ج 3 ص 316 طبع مطبعة العاصمة.

(2) ص 511.

(3) الوسائل الباب 10 من بقية كفارات الإحرام.

(4) الوسائل الباب 13 من بقية كفارات الإحرام.

(5) الوسائل الباب 13 من بقية كفارات الإحرام.

(6) التهذيب ج 5 ص 314، و الوسائل الباب 77 من تروك الإحرام.

539

قال: فقال: يدعها. قال: قلت: انها طوال؟ قال: و ان كانت.

قلت: فان رجلا أفتاه أن يقلمها و ان يغتسل و يعيد إحرامه، ففعل؟

قال: عليه دم».

الى غير ذلك من الاخبار الآتية و نحوها.

و المستفاد من هذه الاخبار ترتب الحكم على القلم الذي هو عبارة عن مطلق الإزالة و القطع، و جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) انما عبروا في المقام بالقص، و هو أخص حيث انه عبارة عن القطع بالمقص.

و لو انكسر ظفره و تأذى به فله إزالته- بلا خلاف كما نقله في التذكرة- و عليه الفدية.

و يدل على الحكمين المذكورين

ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل المحرم تطول أظفاره. قال: لا يقص شيئا منها ان استطاع، فان كانت تؤذيه فليقصها، و ليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام».

و رواه في الفقيه (2) في الصحيح عن معاوية بن عمار،

و الكليني عنه في الصحيح أو الحسن (3) و فيهما. «سألته عن المحرم تطول أظفاره أو ينكسر بعضها، فيؤذيه ذلك. قال. الحديث».

و استشكل العلامة الفداء في الصورة المذكورة. و النص يدفعه.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 314، و الوسائل الباب 77 من تروك الإحرام.

(2) ج 2 ص 228، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 360، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

540

و اما ما يلزم من الفدية في ذلك فالمشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ان في تقليم كل ظفر مدا من طعام، فان قلم أظفار يديه جميعا كان عليه دم شاة، و كذا في أظفار رجليه، فان قلم أظفار يديه و رجليه فدمان ان تعدد المجلس و ان اتحد فدم واحد.

و نقله في المختلف عن الشيخين و السيد المرتضى و الصدوق و ابن البراج و سلار و ابن إدريس. و عن ابن ابي عقيل: ان من انكسر ظفره و هو محرم فلا يقصه، فان فعل فعليه ان يطعم مسكينا في يده. و قال ابن الجنيد: من قص ظفرا كان عليه مد أو قيمته، و في الظفرين مدان أو قيمتهما، فان قص خمسة أظافير من يد واحدة أو زاد على ذلك كان عليه دم ان كان في مجلس واحد، فان فرق بين يديه و رجليه كان عليه ليديه دم و رجليه دم. و عن ابى الصلاح: في قص ظفر كف من طعام، و في أظفار إحدى يديه صاع، و في أظفار كلتيهما دم شاة، و كذلك حكم أظفار رجليه، و ان قص أظفار يديه و رجليه في مجلس واحد فعليه دم واحد.

أقول: و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة

ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن ابن مهزيار عن ابي بصير (1) قال:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قلم ظفرا من أظافيره و هو محرم. قال: عليه مد من طعام حتى يبلغ عشرة، فإن قلم أصابع يديه كلها فعليه دم شاة. قلت: فان قلم أظافير يديه و رجليه جميعا؟

فقال: ان كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم، و ان كان فعله متفرقا في مجلسين فعليه دمان».

____________

(1) الفقيه ج 2 ص 227، و الوسائل 12 من بقية كفارات الإحرام.

541

و روى الشيخ هذه الرواية في التهذيب (1) و فيها: قال: «عليه في كل ظفر قيمة مد من طعام حتى يبلغ. الحديث».

و ما رواه الشيخ عن الحلبي (2): «انه سأله عن محرم قلم أظافيره.

قال: عليه مد في كل إصبع، فإن هو قلم أظافيره عشرتها فان عليه دم شاة».

قال في المدارك: و بمضمون هاتين الروايتين أفتى الأصحاب إلا من شذ. و يؤيدهما صحيحة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام).

ثم نقل الصحيحة المذكورة في صدر الروايات، ثم نقل قول ابن الجنيد و قول ابي الصلاح المتقدمين، ثم قال: و لم نقف لهذين القولين على مستند.

أقول: ظاهر كلامه هنا يؤذن باختيار القول المذكور مع ان الروايتين المنقولتين في كلامه من قسم الضعيف باصطلاحه، لأن الأولى عن ابي بصير و هو مشترك، كما طعن به في غير موضع من شرحه، و في طريق الثانية. محمد بن سنان كما صرح به في الشرح، و قد تقدم له في غير موضع الطعن في مثل ذلك، و ان اجمع الأصحاب على المذكور فضلا عن شهرته، فكيف غض النظر هنا عن ذلك؟ و مقتضى قاعدته رد الروايتين المذكورتين و الرجوع الى حكم الأصل كما اعتمده في غير موضع، و لكن ضيق الخناق في هذا الاصطلاح- الذي هو الى الفساد أقرب من الصلاح- أوجب لهم انحلال الزمام و اختلال النظام و عدم الوقوف على قاعدة في مقام.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 332، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 332، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

542

و منها:

ما رواه في الكافي في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا قلم المحرم أظفار يديه و رجليه في مكان واحد فعليه دم واحد، و ان كانتا متفرقتين فعليه دمان».

و هذا الخبر ايضا من ما يدل على القول المشهور بالنسبة إلى اتحاد الشاة و تعددها.

و منها: صحيحة زرارة المتقدمة في صدر الروايات، بحمل الدم فيها على مجموع الأظافير كما هو ظاهرها. و هو ايضا ظاهر موثقة ابن عمار المتقدمة المتضمنة لمن نسي ان يقلم أظفاره حتى أفتاه رجل، فان ظاهرها مجموع الأظفار أو أظفار يديه العشرة.

و منها:

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2): «في المحرم ينسى فيقلم ظفرا من أظافيره؟ فقال:

يتصدق بكف من الطعام. قلت: فاثنين؟ قال: كفين. قلت: فثلاثة؟

قال: ثلاثة أكف، كل ظفر كف، حتى تصير خمسة، فإذا قلم خمسة فعليه دم واحد، خمسة كان أو عشرة أو ما كان».

و هذه الرواية حملها جملة من الأصحاب على الاستحباب، لما دل على عدم الكفارة في صورة النسيان من صحيحة زرارة المتقدمة في صدر الروايات و غيرها.

و منها: روايتا إسحاق بن عمار المتقدمتان بنقل صاحب الكافي و صاحب التهذيب، فان ظاهرهما قلم أظفار يديه و رجليه أو أظفار يديه، و وجوب

____________

(1) الفروع ج 4 ص 360، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 332، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

543

الشاة في ذلك ظاهر، فتكون هاتان الروايتان من جملة روايات القول المشهور.

و منها:

ما رواه في الكافي عن حريز في الصحيح أو الحسن عن من أخبره عن ابي جعفر (عليه السلام) (1): «في محرم قلم ظفرا؟

قال: يتصدق بكف من طعام. قلت: ظفرين؟ قال: كفين. قلت:

ثلاثة؟ قال: ثلاثة أكف. قلت: أربعة؟ قال: أربعة أكف. قلت:

خمسة؟ قال: عليه دم يهريقه. فان قص عشرة أو أكثر من ذلك فليس عليه إلا دم يهريقه».

قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: ينبغي حمل الدم في الخمسة على الاستحباب، لما يأتي من انه لا يلزمه الدم حتى يبلغ عشرة.

أقول: و على ذلك حمله الشيخ و جملة من الأصحاب.

و الظاهر عندي حمل الخبر المذكور على التقية، لأن وجوب الشاة في الخمسة مذهب أبي حنيفة و اتباعه (2) قال في التذكرة: قال أبو حنيفة: ان قلم خمس أصابع من يد واحدة لزمه الدم، و لو قلم من كل يد أربعة أظفار لم يجب عليه دم بل الصدقة، و كذا لو قلم يدا واحدة إلا بعض الظفر لم يجب الدم. و بالجملة فالدم عنده انما يجب بتقليم أظفار يد واحدة كاملة. انتهى. هذا. مع ما عرفت في الجمع بين الاخبار بالاستحباب- و ان اشتهر بين الأصحاب- من عدم الدليل عليه من سنة أو كتاب. مع ما فيه من الإشكالات التي تقدم إيضاحها في غير باب.

____________

(1) الفروع ج 4 ص 360، و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام.

(2) المغني ج 3 ص 644 طبع مطبعة العاصمة.

544

و لعل هذا الخبر هو مستند ابن الجنيد في ما ذكره من وجوب دم الشاة في خمسة أظافير، و ان لم يدل على تمام ما ذكره من التفصيل.

و كيف كان فهو بالإعراض عنه حقيق، لما عرفت. و اما بقية الأقوال المذكورة فلا اعرف لها مستندا.

و من ذلك يظهر قوة القول المشهور و انه هو المؤيد بالاخبار و النصوص المنصور.

[فوائد]

بقي في المقام فوائد يجب التنبيه عليها:

الاولى [لو أفتاه مفت بتقليم ظفره فأدماه لزم المفتي شاة]

- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) انه لو أفتاه مفت بتقليم ظفره فأدماه لزم المفتي شاة.

و استدلوا عليه

برواية إسحاق الصيرفي (1) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): ان رجلا أحرم، فقلم أظفاره، و كانت له إصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصه، فأفتاه رجل بعد ما أحرم فقصه فأدماه؟

قال: على الذي افتى شاة».

و استدل عليه في المنتهى- زيادة على هذه الرواية-

بموثقة إسحاق ابن عمار المتقدم نقلها عن صاحب الكافي (2): «في الرجل الذي ينسى ان يقلم أظفاره عند إحرامه، فأفتاه رجل بان يقلمها و يعيد إحرامه، ففعل ذلك؟ قال: عليه دم يهريقه».

و رده في المدارك و الذخيرة بأن الرواية الأولى ضعيفة فلا تصلح لإثبات حكم مخالف للأصل.

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 333، و الوسائل الباب 13 من بقية كفارات الإحرام.

(2) ص 538 رقم (4).

545

أقول: فيه (أولا): ما عرفت في غير مقام من ان هذا الطعن لا يرد على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم.

و (ثانيا): انه كيف صار ضعف السند هنا موجبا لرمي الرواية و التمسك بالأصل؟ و هو في أصل المسألة انما تمسك بخبرين ضعيفين و خرج بهما عن حكم الأصل- كما نبهنا عليه ثمة- و وافق الأصحاب في ما أفتوا به من التفصيل المتقدم، مع انه ليس في الاخبار الصحيحة ما يدل عليه، و ان كان في بعضها الإشارة في الجملة اليه، و هو انما اعتمد على خبرين ضعيفين، فان كان المعتمد على كلام الأصحاب و شهرة الحكم بينهم فهو مشترك بين المسألتين، و ان كان على الخبر و ان ضعف فكذلك. و بالجملة فالمناقضة في كلامه ظاهرة.

ثم ان ما استدل به العلامة في المنتهى- من الحديث الثاني- الظاهر انه لا دلالة فيه، إذ الظاهر ان رجوع الضمير في قوله:

«عليه دم يهريقه» إنما هو للذي قلم أظفاره- كما أشرنا إليه آنفا، فيكون كفارة لما فعله من تقليم أظافيره- لا إلى المفتي. على ان وجوب الكفارة على المفتي في كلامهم- و كذا في الخبر الذي هو مستند المسألة- إنما هو مع ترتب الإدماء على تلك الفتوى، و هذه الرواية خالية من ذلك. و المعتمد في الاستدلال انما هو الرواية الاولى.

و الطعن بضعف السند عندنا لا تعويل عليه، و عند الأصحاب مدفوع بالجبر بالشهرة، فإنه لا مخالف في الحكم و لا راد لروايته غير هؤلاء المتصلفين الذين لو تم لهم هذا الضابط لبطلت أحكام الدين.

الثانية [هل يشترط كون المفتي مجتهدا]

- صرح الشهيد في الدروس بأنه لا يشترط إحرام المفتي و لا كونه من أهل الاجتهاد. و اعتبر الشهيد الثاني صلاحيته للإفتاء

546

بزعم المستفتي ليتحقق كونه مفتيا. قال في المدارك: و هو حسن.

أقول: الظاهر هو الأول، عملا بإطلاق النص، فان ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني- و ان استحسنه سبطه- تقييد للنص من غير دليل. و كثيرا ما يقع في الاخبار الاخبار عن إفتاء من لم يكن من أهل الفتوى، و قد وقع الإنكار على بعضهم

بقولهم (عليهم السلام) (1):

«فأين باب الرد إلينا».

و قوله (عليه السلام) (2): «اما انه شر عليكم ان تقولوا بشيء ما لم تسمعوه منا».

و نحو ذلك.

قال في المدارك: و لو تعدد المفتي ففي تعدد الكفارة أو الاكتفاء بكفارة موزعة على الجميع، أوجه، ثالثها الفرق بين ان يقع الإفتاء دفعة و على التعاقب، و لزوم الكفارة للأول خاصة في الثاني و التعدد في الأول، و اختاره في الدروس. و الكلام في هذه الفروع قليل الفائدة، لضعف الأصل المبني عليه. انتهى.

أقول: هذا الضعف الذي حكم به في المستند ليس إلا عنده، و اما مثل الشهيد و غيره فإنهم حاكمون بصحة هذه الاخبار، كما هو صريح كلامه في مقدمات كتاب الذكرى من ما قدمنا نقله عنه في المقدمة الثانية من مقدمات الكتاب، لان اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على العمل بها موجب لصحتها و جبر ضعف سندها.

الثالثة [إنما يجب الدم إذا لم يتخلل التكفير]

- قال في المدارك: و انما يجب الدم و الدمان بتقليم أصابع اليدين و الرجلين إذا لم يتخلل التكفير عن السابق قبل البلوغ

____________

(1) محاسن البرقي ص 213. و اللفظ هكذا: فأين باب الرد إذا؟.

(2) أصول الكافي ج 2 ص 401 و 402، و الوسائل الباب 7 من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضي به.

547

الى حد يوجب الشاة، و إلا تعدد المد خاصة بحسب تعدد الأصابع.

قال في الذخيرة بعد نقل هذا الكلام: و للتأمل فيه مجال.

أقول: لعل وجه التأمل عنده هو ان وجوب الشاة ترتب على تقليم العشرة، و هو أعم من ان يكون قد اعطى عن كل ظفر مدا من ما تقدم على هذه المرتبة أم لا.

و فيه: انه و ان احتمل إلا ان الظاهر ان التكفير عن الفعل يجعله في حكم العدم. من قبيل الاستغفار، فان المستغفر عن الذنب كمن لا ذنب له (1) و حينئذ فتسقط هذه المراتب المتقدمة على العاشر بسبب التكفير بالمد عنها كلا أو بعضا و تكون في حكم العدم، فلا بد في حصول العشرة التي تترتب عليها الشاة من خلوها كملا عن التكفير لتكون الشاة كفارة للجميع و إلا لزم وجوب كفارتين إحداهما المد لكل واحد، و الشاة للجميع، و الأمر ليس كذلك. و بالجملة فالظاهر أن تأمله لا يخلو من تأمل.

الرابعة [لو كفر بشاة ثم أكمل باقي الأظفار وجبت أخرى]

- قال في المدارك: و لو كفر بشاة لليدين أو الرجلين ثم أكمل الباقي في المجلس وجب شاة أخرى. انتهى. و وجهه ظاهر، لانه بعد ان كفر عن العشرة الأولى بالشاة لو لم يكفر عن العشرة الثانية للزم بقاؤها بلا كفارة، إذ الأولى قد تقدمت على تقليمها فلا تصلح لأن تكون كفارة عنها.

ثم قال على اثر الكلام المتقدم: و الظاهر ان بعض الظفر كالكل، و لو قصه في دفعات مع اتحاد المجلس لم تتعدد الفدية، و في التعدد مع الاختلاف وجهان. انتهى. و ما ذكره من ان بعض الظفر كالكل قد صرح به العلامة في المنتهى.

____________

(1) الوسائل الباب 86 من جهاد النفس و ما يناسبه.

548

أقول: لا يخفى ان جملة من الأصحاب قد انهوا محرمات الإحرام إلى ثلاث و عشرين، كشيخنا الشهيد في الدروس، و هي في كتابنا لا تنقص عن ذلك، لان منها ما أدرجناه في طي المباحث لقصر الكلام عليه، مثل لبس المرأة الحلي، و لبس القفازين، و لبس الرجل الخاتم للزينة و لبس السلاح، فان هذا جميعه قد الحقاه بالصنف الرابع في لبس الرجل المخيط. و نحو ذلك ايضا.

ختام به الإتمام

و فيه مسائل:

الأولى [اجتماع الأسباب المختلفة للكفارة]

- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه إذا اجتمعت أسباب مختلفة- كاللبس و تقليم الأظفار و الطيب- تعددت الكفارة، سواء كان ذلك في وقت واحد أو وقتين، في مجلس واحد أو مجلسين، تخلل التكفير أم لا.

و استدل عليه في المنتهى بان كل واحد منها سبب مستقل في وجوب الكفارة، و الحقيقة باقية عند الاجتماع، فيجب وجود الأثر. و هو جيد. و يؤيده فحوى ما يدل على تكرر الكفارة بتكرر الصيد، و لبس الأنواع المتعددة من الثياب.

و مع سبق التكفير فلا إشكال في التعدد، و انما يحصل التردد مع عدمه، لاحتمال التداخل. و لا ريب ان التعدد مطلقا أحوط.

الثانية [تكرر الوطء من المحرم]

- اختلف الأصحاب في ما لو تكرر منه الوطء فهل تتكرر الكفارة أم لا؟ فالمشهور الأول، حتى ان السيد المرتضى (قدس سره) ادعى فيه في الانتصار الإجماع، فقال: من ما انفردت به الإمامية القول بان الجماع إذا تكرر من المحرم تكررت الكفارة، سواء كان

549

ذلك في مجلس واحد أو في أماكن كثيرة، و سواء كفر عن الأول أو لا، للإجماع، و حصول يقين البراءة. ثم اعترض على نفسه بان الجماع الأول أفسد الحج بخلاف الثاني. ثم أجاب بأن الحج و ان كان قد فسد لكن حرمته باقية، و لهذا وجب المضي فيه، فجاز ان تتعلق به الكفارة. انتهى.

قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: هذا كلامه (قدس سره) و ما ذكره من جواز تعلق الكفارة به جيد، لكن دليل التعلق غير واضح، لمنع الإجماع على ذلك، و عدم استفادته من النص، إذ أقصى ما تدل عليه الروايات ان من جامع قبل الوقوف بالمشعر يلزمه بدنة و إتمام الحج و الحج من قابل (1) و من المعلوم ان مجموع هذه الأحكام الثلاثة انما تترتب على الجماع الأول خاصة، فإثبات بعضها في غيره يحتاج الى دليل. انتهى.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من عدم الدليل على تعلق الكفارة بالجماع ثانيا جيد، لكن قوله-: «و ما ذكره من جواز تعلق الكفارة به جيد»- غير جيد، فإنه إذا كان خاليا من الدليل- كما قرره- فبأي وجه يكون جيدا.

و نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: ان قلنا بما قاله الشافعي- من انه إذا كفر عن الأول لزمه الكفارة، و ان كان قبل ان يكفر فعليه كفارة واحدة (2)- كان قويا.

و نقل في المختلف عن ابن حمزة قال-: و نعم ما قال- انه قال:

____________

(1) الوسائل الباب 3 من كفارات الاستمتاع.

(2) المغني ج 3 ص 303 طبع مطبعة العاصمة.

550

الجماع اما مفسد للحج أو لا، فالأول لا تتكرر فيه الكفارة، و الثاني ان تكرر فعله في حالة واحدة لا تتكرر فيه الكفارة بتكرر الفعل، و ان تكرر في دفعات تكررت الكفارة.

قال في المدارك: و هو غير بعيد. بل لو قيل بعدم التكرر بذلك مطلقا- كما هو ظاهر اختيار الشيخ في الخلاف- لم يكن بعيدا. انتهى أقول: ظاهر كلام الشيخ في الخلاف المتقدم انما هو التفصيل بين التكفير عن ما فعله أولا فتتكرر أو لا فلا، لا مطلقا كما ذكره.

و بالجملة فالمسألة عندي- لعدم الدليل الواضح- محل توقف و اشكال، و ان كان القول بما ذكره في الخلاف لا يخلو من قرب.

الثالثة [هل تتكرر الكفارة لو تكرر الحلق من المحرم في وقتين؟]

- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في انه لو تكرر الحلق في وقت واحد- بمعنى انه حلق بعض رأسه ثم حلق بعضا آخر في وقت واحد- فلا تتكرر الكفارة، لصدق الامتثال بالكفارة الواحدة و أصالة البراءة من الزائد، إذ غاية ما يستفاد من الاخبار ان من حلق رأسه فعليه شاة. و الأصحاب جعلوا حكم البعض في حكم الجميع لصدق حلق الرأس في الجملة.

اما لو كرر الحلق في وقتين فظاهرهم تكرر الكفارة، لأن ما حلقه أولا سبب مستقل في تحقيق الكفارة و إيجابها، و حلقه في الوقت الثاني صالح للسببية أيضا، فيترتب على كل منهما مسببه. و يشكل بان ما تقدم من الدليل على الواحدة في الصورة الأولى جار بعينه في الثانية، من ان الامتثال يحصل بالواحدة، و الأصل براءة الذمة من الزائد، و ان غاية ما يستفاد من الأدلة ترتب الكفارة على حلق الرأس كله للأذى و ما عداه يستفاد حكمه بالفحوى أو الإجماع على تعلق الكفارة به في

551

بعض الموارد، و ذلك لا يقتضي ثبوت الحكم المذكور كليا. و بالجملة فالمسألة محل اشكال، لعدم وضوح الدليل القاطع لمادة القال و القيل.

الرابعة [مناط تكرر الكفارة في تكرر الطيب و اللبس من المحرم]

- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في تكرر الطيب أو اللبس في مجلس واحد أو مجالس متعددة، فذهب الفاضلان الى ان مناط التعدد اختلاف المجلس، فان تكرر في مجلس واحد فالكفارة واحدة، و ان تعدد المجلس تعددت الكفارة. و المنقول عن الشيخ و جمع من الأصحاب (رضوان الله عليهم) انهم اعتبروا في التكرر اختلاف الوقت، يعني: تراخي الزمان عادة. و ذهب بعضهم الى التكرر مع اختلاف صنف الملبوس كالقميص و السراويل و ان اتحد الوقت، و به جرم في المنتهى، فقال: لو لبس قميصا و عمامة و خفين و سراويل وجب عليه لكل واحد فدية، لأن الأصل عدم التداخل، خلافا لا حمد (1). و ربما ظهر من كلامه في موضع آخر من المنتهى تكرر الكفارة بتكرر اللبس مطلقا، فإنه قال: لو لبس ثيابا كثيرة دفعة واحدة وجب عليه فداء واحد، و لو كان في مرات متعددة وجب عليه لكل ثوب دم، لان لبس كل ثوب يغاير لبس الثوب الآخر فيقتضي كل واحد منها مقتضاه.

و الأظهر التكرر مع اختلاف صنف الملبوس، كما ورد في صحيحة محمد بن مسلم و قد تقدمت (2)، و تقدم ما يمكن الجمع به بين كلامي العلامة المذكورين هنا في الصنف الرابع في لبس المخيط من أصناف محرمات الإحرام. و اما الفرق بين اتحاد المجلس أو الوقت و اختلافهما

____________

(1) المغني ج 3 ص 448 طبع مطبعة العاصمة.

(2) ص 436.

552

كما تقدم عن الفاضلين و الشيخ- فلم أقف له على مستند. و بذلك اعترف أيضا في المدارك. و الكلام في الطيب كالكلام في اللبس.

و بالجملة فالظاهر التعدد في صورة تعدد الأصناف، و في صورة اتحاد الصنف مع تخلل التكفير، و في ما عدا ذلك إشكال.

الخامسة [سقوط الكفارة عن الجاهل و الناسي و المجنون إلا في الصيد]

- لا إشكال في سقوط الكفارة عن الجاهل و الناسي و المجنون إلا في الصيد، فإن الكفارة تجب عليه مع العلم و الجهل، و النسيان و العمد، و كذا الخطأ.

اما الحكم الأول فلا خلاف فيه، و قد تقدمت جملة من الاخبار الدالة عليه (1).

و اما الحكم الثاني فهو المشهور بين الأصحاب، و حكى العلامة في المختلف عن ابن ابي عقيل انه نقل عن بعض الأصحاب قولا بسقوط الكفارة عن الناسي في الصيد. و المعتمد المشهور، لما سبق من الاخبار في المسألة (2).

قالوا: و لو صال على المحرم صيد و لم يقدر على دفعه إلا بقتله جاز له قتله إجماعا. و هل تجب الكفارة بقتله؟ قولان، قال في المدارك:

و الأصح انه لا يجب عليه الجزاء، كما اختاره العلامة في المنتهى، و الشهيد في الدروس، للأصل و اباحة الفعل، بل وجوبه عليه شرعا.

و لا يعارض بأكل الصيد في حال الضرورة، حيث وجبت به الكفارة مع تعينه شرعا، لاختصاصه بالنص، فيبقى ما عداه على مقتضى الأصل الى ان يثبت المخرج عنه. و الله العالم.

____________

(1) ص 135 و 136 و 355 الى 358 و 431 و 436 و 437.

(2) ص 319، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد.

553

السادسة [حكم المحرم إذا أكل أو لبس ما لا يحل للمحرم]

- قد صرح جملة من الأصحاب بأن المحرم إذا أكل ما لا يحل للمحرم أكله، أو لبس ما لا يجوز لبسه، من ما لم يقدر فيه فدية مخصوصة، فعليه شاة.

و استندوا في ذلك الى

صحيحة زرارة بن أعين (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف إبطه، أو قلم ظفره أو حلق رأسه، أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه، أو أكل طعاما لا ينبغي له اكله، و هو محرم، ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا، فليس عليه شيء، و من فعله متعمدا فعليه دم شاة».

و روى الشيخ عن الحسن بن هارون عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: أكلت خبيصا فيه زعفران حتى شبعت؟ قال: إذا فرغت من مناسك و أردت الخروج من مكة فاشتر بدرهم تمرا ثم تصدق به، يكون كفارة لما أكلت و لما دخل عليك في إحرامك من ما لا تعلم».

الفصل الثاني في تروك الإحرام المكروهة

و منها

الإحرام في الثياب السود

على المشهور، قال الشيخ في النهاية:

لا يجوز الإحرام في الثياب السود. و قال ابن إدريس بعد ما نقل ذلك عنه: معناه انه مكروه شديد الكراهة لا انه محظور. و قال (رحمه الله) في المبسوط: فان كانت غير بيض كان جائزا، إلا إذا كانت سودا، فإنه لا يجوز الإحرام فيها، أو تكون مصبوغة بصبغ فيه طيب مثل الزعفران و المسك و غيرهما. و لا يخفى ظهور هذه العبارة في التحريم

____________

(1) الوسائل الباب 8 من بقية كفارات الإحرام.

(2) الوسائل الباب 3 من بقية كفارات الإحرام.

554

و نقل القول بالتحريم في المختلف عن ابن حمزة أيضا، ثم استقرب الكراهة كما هو المشهور.

و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة

ما رواه الصدوق و الكليني عن الحسين بن المختار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

يحرم الرجل في الثوب الأسود؟ قال: لا يحرم في الثوب الأسود، و لا يكفن به الميت».

و من ما يدل على الجواز عموما

ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن- و الصدوق في الصحيح- عن حماد عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كل ثوب تصلي فيه فلا بأس ان تحرم فيه».

و خصوصا

ما رواه في الكافي عن ابي بصير (3) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الخميصة سداها إبريسم و لحمتها من غزل. قال: لا بأس بأن يحرم فيها، إنما يكره الخالص منه».

و رواه في الفقيه (4).

و الخميصة- على ما ذكره في الصحاح- بالمعجمة ثم المهملة: كساء اسود مربع له علمان، فان لم يكن معلما فليس بخميصة. و في النهاية:

ثوب خز أو صوف معلم. و قيل: لا تسمى خميصة إلا ان تكون سوداء معلمة. و كانت من لباس الناس قديما.

و يمكن ان يكون الجواز هنا بلا كراهة من حيث كون الخميصة كساء، و انه مستثنى في الصلاة،

لما ورد (5) من انه يكره السواد إلا في

____________

(1) الوسائل الباب 21 من الكفن، و الباب 26 من الإحرام.

(2) الوسائل الباب 27 من الإحرام.

(3) الوسائل الباب 29 من الإحرام رقم 1 و 3.

(4) الوسائل الباب 29 من الإحرام رقم 1 و 3.

(5) الوسائل الباب 19 من لباس المصلي.

555

ثلاثة: الخف و العمامة و الكساء.

و منها

الثوب المعصفر

. و استدل عليه

بما رواه الشيخ عن ابان ابن تغلب (1) قال: «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) أخي- و انا حاضر- عن الثوب يكون مصبوغا بالعصفر ثم يغسل، ألبسه و انا محرم؟ فقال: نعم ليس العصفر من الطيب، و لكن أكره ان تلبس ما يشهرك به الناس».

و روى الكليني في الصحيح الى عبد الله بن هلال (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الثوب. الحديث نحوا منه».

و الصدوق عن الكاهلي (3) نحوا منه.

و ظاهره كراهة ما تحصل به الشهرة من أي الألوان كان.

و يؤيده

ما رواه الشيخ عن عامر بن جذاعة (4): «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مصبغات الثياب تلبسها المرأة المحرمة فقال: لا بأس إلا المفدم المشهور».

و المفدم بإسكان الفاء: المصبوغ بالحمرة صبغا مشبعا.

و من ما يدل على الجواز بالمعصفر

ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (5) قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام): يلبس المحرم الثوب المشبع بالعصفر؟ فقال: إذا لم يكن فيه طيب فلا بأس به».

و من الاخبار الواردة في لباس المحرم

ما رواه الشيخ عن ابي بصير

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 69، و الوسائل الباب 40 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 40 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 40 من تروك الإحرام.

(4) الفروع ج 4 ص 346، و الفقيه ج 2 ص 220، و الوسائل الباب 40 من تروك الإحرام. و لم نجده في التهذيب.

(5) الوسائل الباب 40 من تروك الإحرام.

556

في القوى (1) عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته و هو يقول: كان علي (عليه السلام) محرما و معه بعض صبيانه و عليه ثوبان مصبوغان، فمر به عمر بن الخطاب فقال: يا أبا الحسن ما هذان الثوبان المصبوغان؟ فقال له علي (عليه السلام): ما نريد أحدا يعلمنا بالسنة، انما هما ثوبان صبغا بالمشق، يعني: الطين».

و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بأن يحرم الرجل في ثوب مصبوغ بمشق».

و روى الشيخ عن عمار بن موسى (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يلبس لحافا ظهارته حمراء و بطانته صفراء، قد اتى له سنة أو سنتان، قال: ما لم يكن له ريح فلا بأس. و كل ثوب يصبغ و يغسل يجوز الإحرام فيه، فان لم يغسل فلا».

أقول: يعني: إذا كان مصبوغا بما فيه طيب.

و عن سعيد بن يسار (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب المصبوغ بالزعفران، اغسله و أحرم فيه؟ قال: لا بأس به».

و عن الحسين بن ابي العلاء في الحسن (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب يصيبه الزعفران ثم يغسل فلا يذهب،

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 67، و الوسائل الباب 42 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 343، و الوسائل الباب 42 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 343، و الوسائل الباب 43 من تروك الإحرام.

(4) التهذيب ج 5 ص 67، و الوسائل الباب 43 من تروك الإحرام.

(5) الفروع ج 4 ص 342، و الوسائل الباب 43 من تروك الإحرام.

557

أ يحرم فيه؟ فقال: لا بأس به إذا ذهب ريحه، و لو كان مصبوغا كله إذا ضرب الى البياض و غسل فلا بأس به».

و روى الكليني و الصدوق عن خالد بن ابي العلاء الخفاف (1) قال:

«رأيت أبا جعفر (عليه السلام) و عليه برد أخضر و هو محرم».

و منها

الثياب الوسخة

، لما رواه الشيخ في الصحيح عن العلاء ابن رزين (2) قال: «سئل أحدهما (عليهما السلام) عن الثوب الوسخ، أ يحرم فيه المحرم؟ فقال: لا، و لا أقول انه حرام و لكن يطهره أحب الي، و طهره غسله».

و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل يحرم في ثوب وسخ؟

قال: لا، و لا أقول انه حرام و لكن تطهيره أحب الي، و طهوره غسله.

و لا يغسل الرجل ثوبه الذي يحرم فيه حتى يحل و ان توسخ، إلا ان تصيبه جنابة أو شيء فيغسله».

و رواه الصدوق في الصحيح عن محمد ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) مثله (4).

و يستفاد منه أيضا- زيادة على محل الاستدلال- كراهة غسل ثوب الإحرام و ان توسخ، إلا ان تصيبه نجاسة. و لم أقف على من عده من مكروهات الإحرام.

و منها

الثياب المعلمة

. و العلم بالتحريك: علم الثوب من طراز

____________

(1) الوسائل الباب 28 من الإحرام.

(2) التهذيب ج 5 ص 68، و الوسائل الباب 38 من تروك الإحرام.

(3) الفروع ج 4 ص 341، و الوسائل الباب 38 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 38 من تروك الإحرام.

558

و غيره، و هو العلامة، و جمعه اعلام، مثل سبب و أسباب. كذا في مجمع البحرين. و في المصباح المنير. و أعلمت الثوب: جعلت له علما من طراز و غيره، و هي العلامة. و قد صرح جملة من الأصحاب بكراهة الإحرام فيه.

و الأصل في ذلك

ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس ان يحرم الرجل في الثوب المعلم، و تركه أحب الي إذا قدر على غيره».

قال في المدارك: و في الدلالة نظر. و الظاهر ان وجه النظر ان «أحب الي» افعل تفضيل، و هو يقتضي كون الإحرام في الثوب المعلم محبوبا له (عليه السلام) فلا يكون مكروها.

و من ما يدل على الجواز

ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه عن ليث المرادي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوب المعلم، هل يحرم فيه الرجل؟ قال: نعم، انما يكره الملحم».

قال في الوافي: الملحم من الثياب ما سداه إبريسم و لحمته غير إبريسم

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي (3) قال: «سألته- يعني: أبا عبد الله (عليه السلام)- عن الرجل يحرم في ثوب له علم.

فقال: لا بأس به».

و ظاهر خبر ليث المرادي المذكور كراهة الإحرام في الثوب الملحم.

و من ما يدل على جواز الإحرام فيه

ما رواه الوزير السعيد علي

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 71، و الوسائل الباب 39 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 39 من تروك الإحرام.

(3) الفقيه ج 2 ص 216، و الوسائل الباب 39 من تروك الإحرام.

559

ابن عيسى الإربلي (قدس سره) في كتاب كشف الغمة نقلا من كتاب الدلائل لعبد الله بن جعفر الحميري عن جعفر بن محمد بن يونس (1) قال: «كتب رجل الى الرضا (عليه السلام) يسأله عن مسائل- و أراد ان يسأله عن الثوب الملحم يلبسه المحرم، و نسي ذلك- فجاء جواب المسائل، و فيه: لا بأس بالإحرام في الثوب الملحم».

و روى سعيد بن هبة الله الراوندي في الخرائج و الجرائح عن محمد ابن عيسى عن الحسن بن علي بن يحيى (2) قال: «كتبت كتابا الى ابي الحسن (عليه السلام)- و نسيت ان اكتب إليه أسأله عن المحرم هل يلبس الثوب الملحم أم لا؟- فجاء الجواب بكل ما سألته عنه، و في أسفل الكتاب: لا بأس بالملحم ان يلبسه المحرم».

و منها

النوم على الثياب الصفر

. و يدل عليه

ما رواه في الكافي عن المعلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:

«كره ان ينام المحرم على فراش اصفر أو على مرفقة صفراء».

و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «يكره للمحرم ان ينام على الفراش الأصفر و المرفقة الصفراء».

و رواه الصدوق بسنده عن ابي بصير مثله (5).

قال في المدارك: و كراهة الأصفر يقتضي كراهة الأسود بطريق اولى، لكن في الطريق ضعف. انتهى. و في عبارات الأصحاب هنا الثياب المصبوغة بالعصفر أو السواد أو غيرهما من الألوان. و لذلك استدل في المدارك بهذين الخبرين من حيث مفهوم طريق الأولوية.

____________

(1) الوسائل الباب 41 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 41 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 28 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 28 من تروك الإحرام.

(5) الوسائل الباب 28 من تروك الإحرام.

560

و منها

استعمال الحناء، للزينة

على المشهور. و استوجه العلامة في المختلف التحريم، و اختاره الشهيد الثاني و سبطه في المدارك. و حكم الشيخ في التهذيب بجوازه، و بان اجتنابه أفضل. و لم يقيده بالزينة و لا عدمها.

و استدل على الكراهة

بما رواه الشيخ عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن امرأة خافت الشقاق فأرادت أن تحرم، هل تخضب يدها بالحناء قبل ذلك؟ قال:

ما يعجبني ان تفعل ذلك».

و هذه الرواية قد استدل بها في المختلف لما اختاره من القول بالتحريم.

و الحق انها من أدلة القول المشهور، إذ الظاهر من قوله: «ما يعجبني» انما هو الكراهة. إلا ان موردها قبل الإحرام، و هو غير موضع البحث.

نعم ربما يدل على ذلك

ما رواه عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الحناء. فقال:

ان المحرم ليمسه و يداوي به بعيره، و ما هو بطيب، و ما به بأس».

و أجاب العلامة في المختلف عن هذه الرواية بأنا نقول بموجبه، لأنا نجوز استعماله و انما نمنع استعماله للزينة.

و هو جيد، فان الظاهر ان الخبر انما خرج في مقام الرد على من زعم أو توهم انه من جملة أفراد الطيب الذي يحرم على المحرم مسه. و لذا

____________

(1) التهذيب ج 5 ص 300، و الوسائل الباب 23 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 23 من تروك الإحرام.

561

قال فيه: «و ما هو بطيب». و اما الاستعمال للزينة فهو مسألة أخرى كما لا يخفى. و مسه على هذه الكيفية المذكورة في الخبر لا يستلزم حصول الزينة كما لا يخفى. و من ثم استند في المدارك- تبعا للعلامة في المختلف- الى عموم التعليل الذي

في رواية حريز، و هو قوله (عليه السلام) (1): «لا تنظر في للمرآة و أنت محرم، لانه من الزينة و لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد، و ان السواد زينة».

قال: فان مقتضاه تحريم كل ما تتحقق به الزينة. أقول: و يؤيده ما تقدم في الصنف الخامس و السادس من

قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية ابن عمار (2): «تكتحل المرأة بالكحل كله إلا الكحل الأسود للزينة».

و قوله (عليه السلام) في صحيحته الأخرى (3): «لا بأس ان تكتحل و أنت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه. فأما للزينة فلا».

و قوله (عليه السلام) في صحيحة حماد بن عثمان (4): «لا تنظر في المرآة و أنت محرم، فإنها من الزينة».

و بالجملة فالأقرب هو القول بالتحريم، و هو الموافق للاحتياط.

و نقل في المدارك عن جده (قدس سره) انه لو اتخذه للسنة فلا تحريم و لا كراهة. و الفارق القصد.

ثم قال: و يمكن المناقشة فيه بان قصد السنة به لا يخرجه عن

____________

(1) الفروع ج 4 ص 356، و الوسائل الباب 34 و 33 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام، و الراوي زرارة.

(3) الوسائل الباب 33 من تروك الإحرام. و تقدمت ص 451 رقم (3).

(4) الوسائل الباب 34 من تروك الإحرام. و تقدمت ص 454.

562

كونه زينة، كما تقدم في الاكتحال. و لا ريب ان اجتنابه مطلقا أحوط. انتهى.

أقول: كلام شيخنا الشهيد الثاني ناظر الى ان التحريم انما ترتب على قصد الزينة به، و كلام سبطه ناظر الى ترتب التحريم على حصول الزينة منه و ان لم يقصدها. و هو الأرجح كما حققناه في مسألة الاكتحال للمحرم بالسواد من الموضع المتقدم ذكره.

ثم انهم قد اختلفوا أيضا في حكم الحناء قبل الإحرام إذا قاربه فظاهر الأكثر الكراهة، و حكم شيخنا الشهيد الثاني في الروضة بالتحريم إذا بقي أثره عليه. و في المسالك: انه لا فرق بين الواقع بعد نية الإحرام و بين السابق عليه إذا كان يبقى بعده.

و أنت خبير بأنه ليس في المسألة إلا رواية أبي الصباح الكناني المتقدمة، و هي قاصرة عن افادة التحريم كما عرفت. و المستفاد منها ايضا ان محل الكراهة استعمال الحناء عند إرادة الإحرام، فاستعماله قبل ذلك غير داخل تحتها، و ليس غيرها في المسألة. و حينئذ فالقول بذلك عار عن الدليل. و أيضا فإن المستفاد من كلام الأصحاب وفاقا للرواية المذكورة ان محل الكراهة انما هو استعماله عند إرادة الإحرام، و ظاهرهم انه لا قائل بالكراهة قبل ذلك.

و منها

دخول الحمام و تدليك الجسد فيه

. و يدل على الأول

ما رواه الشيخ عن عقبة بن خالد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن المحرم يدخل الحمام؟

قال: لا يدخل».

____________

(1) الوسائل الباب 76 من تروك الإحرام.

563

قالوا: و انما حملنا النهي على الكراهة لما دل على الجواز، مثل

صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:

«لا بأس ان يدخل المحرم الحمام، و لكن لا يتدلك».

و موثقة ابن فضال عن بعض أصحابنا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس بأن يدخل المحرم الحمام، و لكن لا يتدلك».

و اما ما يدل على الثاني فالصحيحة المذكورة و الموثقة التي بعدها.

و الوجه عندي في الجمع بين هذه الاخبار حمل إطلاق الخبر الأول على التدلك المذكور في الخبرين الأخيرين. و عليه فيكون الحكم بكراهة دخول الحمام لغير التدلك لا وجه له و ان اشتهر الحكم به بينهم.

و يؤيده ما يدل على كراهة التدلك و لو في غير الحمام، مثل

صحيحة يعقوب بن شعيب (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يغتسل؟ فقال: نعم، يفيض الماء على رأسه و لا يدلكه».

و عد في الدروس الدلك في غير الحمام و لو في الطهارة، و غسل الرأس بالسدر و الخطمي، و المبالغة في السواك و في دلك الوجه و الرأس في الطهارة، و الهذر من الكلام، و الاغتسال للتبرد. و نقل عن الحلبي تحريمه.

و منها

تلبية من يناديه بان يقول: «لبيك»

. و يدل عليه

ما رواه في الكافي في الصحيح عن حماد بن عيسى عن

____________

(1) الوسائل الباب 76 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 76 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 75 من تروك الإحرام.

564

ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ليس للمحرم ان يلبى من دعاه حتى يقضي إحرامه. قلت: كيف يقول؟ قال: يقول: يا سعد».

و روى الصدوق مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام):

يكره للرجل ان يجيب بالتلبية إذا نودي و هو محرم» قال (3): و في خبر آخر: «إذا نودي المحرم فلا يقل: لبيك، و لكن يقول:

يا سعد».

و علل أيضا بأنه في مقام التلبية لله فلا يشرك غيره فيها. و الاولى ان يجعل ذلك وجها للنص المذكور.

قال الشيخ: و لا يجوز للمحرم ان يلبي من دعاه ما دام محرما بل يجيب بكلام غير ذلك. و ربما أشعر هذا الكلام بالتحريم.

قال الفاضل الخراساني في الذخيرة. و يدل على عدم التحريم الأصل مضافا الى

ما رواه الصدوق عن جابر عن ابي جعفر (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس ان يلبي المجيب».

و فيه: ان الخبر الذي اعتضد به ليس كما نقله، و إنما هو: «لا بأس ان يلبى الجنب» و المراد بالتلبية فيه انما هي التلبية الموظفة بعد الإحرام لا تلبية المنادي. و المراد التنبيه على ان الجنابة لا تمنع من الإتيان بالتلبية. و لهذا ان صاحبي الوافي و الوسائل إنما نظما هذا الخبر في اخبار تلبية الحج. و الموجود أيضا في كتب الاخبار (5) انما هو «الجنب» لا «المجيب» بالميم من الإجابة كما ذكره.

____________

(1) الوسائل الباب 91 من تروك الإحرام.

(2) الوسائل الباب 91 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 91 من تروك الإحرام.

(4) الوسائل الباب 42 من تروك الإحرام. و اللفظ كما يذكره المصنف.

(5) الفقيه ج 2 ص 211، و الوافي باب (وقت التلبية و كيفيتها).

565

و منها

الريحان

عند بعض الأصحاب، و منهم: الشيخ، و ابن إدريس و المحقق في الشرائع، و العلامة في جملة من كتبه، فإنهم ذهبوا الى الكراهة. و قد تقدم نقل القولين فيها في مسألة الطيب و تحريمه على المحرم، و تحقيق الكلام في ذلك.

إذا عرفت ذلك فاعلم ان شيخنا الشهيد في الدروس قد عد في المكروهات ايضا افرادا أخر زائدة على ما ذكره جمهور الأصحاب:

منها: ما قدمنا نقله عنه، و منها

الاحتباء للمحرم، و في المسجد الحرام، و المصارعة

، خوفا من جرح أو سقوط شعر.

و يدل على الاحتباء

ما رواه في الكافي عن حماد بن عثمان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يكره الاحتباء للمحرم.

و يكره في المسجد الحرام».

و الاحتباء- على ما في النهاية الأثيرية- أن يضم الإنسان رجليه الى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، و يشده عليها.

و قد يكون الاحتباء باليدين.

و يدل على الثاني

ما رواه عن علي بن جعفر في الصحيح عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن المحرم يصارع، هل يصلح له؟ قال: لا يصلح له، مخالفة ان يصيبه جراح أو يقع بعض شعره».

أقول: و من المكروهات رواية الشعر. و لم أقف على من عده من مكروهات الإحرام.

و يدل عليه

ما رواه الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان (3)

____________

(1) الوسائل الباب 93 من تروك الإحرام.

(2) الفروع ج 4 ص 367، و الوسائل الباب 94 من تروك الإحرام.

(3) الوسائل الباب 51 من صلاة الجمعة، و الباب 13 من آداب الصائم، و الباب 96 من تروك الإحرام.

566

قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يكره رواية الشعر للصائم، و المحرم، و في الحرم، و في يوم الجمعة، و ان يروى بالليل.

قال: قلت: و ان كان شعر حق؟ قال: و ان كان شعر حق».

و قد تقدم في كتاب الصيام (1) تحقيق يتعلق بهذا الخبر و أمثاله في هذا المقام.

هذا آخر الجزء الخامس عشر من كتاب الحدائق الناضرة، و يليه الجزء السادس عشر- ان شاء الله- و الحمد لله أولا و آخرا.

____________

(1) ج 13 ص 162.

567

الاستدراكات

(1) ورد ص 74 حديث احمد بن محمد قال: «سمعت ابي يقول.»

و قد أورده الشيخ في التهذيب ج 5 ص 317، و في الاستبصار ج 2 ص 190 بهذه الصورة، و كذا الكاشاني في الوافي باب (ما يجوز فعله بعد التهيؤ- و قبل التلبية و ما لا يجوز) و أورده صاحب الوسائل كما خرجناه، و العلامة في المنتهى ج 2 ص 838، و صاحب الجواهر ج 18 ص 218 من الطبع الحديث. و لم يظهر من الصورة الواردة لسند الحديث انه مروي عن الامام (ع)، و لم يتعرض هؤلاء الاعلام لهذه الناحية بل اقتصر نظرهم على توجيه الحكم الوارد فيه. و يمكن توجيه سنده بنحو يكون مرويا عن الامام (ع)- كما افاده سيدنا الأستاذ آية الله الخوئي دام ظله- بالبيان الآتي: المراد من احمد بن محمد هو احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي بقرينة رواية محمد بن عيسى- و هو العبيدي- عنه. و القرينة على كونه العبيدي هي رواية محمد بن احمد بن يحيى عنه. و البزنطي يروي مباشرة- بمقتضى عصره- عن الامام الرضا (ع). و تصحيحا لذلك لا بد من الالتزام بأنه قد سقط من السند شيء بأن تكون صورة السند هكذا: «عن احمد بن محمد عن ابي الحسن الرضا (ع) قال: سمعت ابي يقول.».

(2) أورد المصنف (قدس سره) ص 278 حديث إسماعيل بن ابي زياد و أنهاه بقوله (ع): «و على المحل نصف الفداء» و جعل ما بعد ذلك من كلام الشيخ (قدس سره). و لكن في التهذيب ج 5 ص 352 و الوافي باب (حكم صيد الحرم و ما يقتل فيه و ما يخرج منه) و الوسائل جعل جزء من الحديث.

568

(3) وردت العبارة ص 286 س 2 في النسخ المخطوطة و المطبوعة هكذا: «و يؤيده أن حمام الحرم موجب للفداء و القيمة» و من المرجح سقوط شيء من العبارة، و المناسب ظاهرا ان تكون العبارة هكذا:

و يؤيده ان إتلاف المحرم حمام الحرم موجب للفداء و القيمة.

(4) وردت العبارة ص 304 في أول المسألة الثالثة في النسخة المطبوعة ناقصة عنها في النسخة المخطوطة، وفاتنا التنبيه على ذلك في موضعه. و العبارة في النسخة المخطوطة بالنحو التالي: اختلف الأصحاب في حكم الاصطياد بين البريد و الحرم. و هذا البريد خارج عن الحرم محيط به من جميع جوانبه و يسمى حرم الحرم، و الحرم داخله بريد في بريد ستة عشر فرسخا. قيل: و معنى الاصطياد بين البريد و الحرم يعني:

الاصطياد.

(5) وعدنا في الصفحة 326 التعليقة (1) بالرجوع الى الاستدراكات، و ذلك للتنبيه على ان ما نسب الى مالك- من ان المحرم إذا قتل صيدا مملوكا لغيره لم يجب الجزاء بقتله- لم نقف عليه في ما تيسر لنا مراجعته من كتب العامة، بل في المدونة لمالك ج 1 ص 340 خلاف ذلك. و اما المزني فقد نسب القول المذكور إليه في المجموع للنووي ج 7 ص 295 الطبعة الثانية كما تقدم في التعليقة. و لكن في مختصر المزني على هامش الأم للشافعي ج 2 ص 111 خلاف ذلك ايضا.

(6) وعدنا في الصفحة 353 التعليقة (1) بالرجوع الى الاستدراكات، و ذلك للتنبيه على ما وقفنا عليه في لئالئ الاخبار ج 2 ص 184 من الطبع الحديث، قال: و في خبر آخر قال: «احمل ما سمعت من أخيك على سبعين محملا من محامل الخير.».

569

(7) جاء ص 388 حديث بريد بن معاوية العجلي، و هو في النسخ المخطوطة و المطبوعة منسوب الى ابى عبد الله (ع)، و أوردناه في هذه الطبعة منسوبا الى ابي جعفر (ع) كما في كتب الحديث.

(8) ورد ص 437 و 438 نقل كلام العلامة في المنتهى، و في النسخ المخطوطة و المطبوعة من الحدائق نقل الفرع الثالث و الخامس من فروع المنتهى، و حيث ان الفرعين في النسخة المطبوعة من المنتهى ج 2 ص 812 هما الفرع الثاني و الرابع أوردناهما في هذه الطبعة طبقا لطبعة المنتهى.

(9) جاء حديث عاصم بن حميد عن ابي بصير ص 441 باللفظ الوارد في الفروع ج 4 ص 343 و 344، و فيه شيء من المخالفة للفظ الوسائل.

(10) ورد ص 444 حديث العامة في شق الخفين إذا لبسهما المحرم عند الضرورة، و أرجعنا في تعيين موضعه الى سنن البيهقي، وفاتنا التنبيه على لفظه الوارد هناك، فنقول: اللفظ الوارد في سنن البيهقي ج 5 ص 51 هكذا: عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص): المحرم إذا لم يجد النعلين لبس خفين و يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين.

(11) ورد ص 456 حديث معاوية بن عمار، و فيه ص 15: «فكان ذلك كفارة لذلك» و كلمة «لذلك» ليست في الفروع ج 4 ص 338 و إنما أضفناها بالنظر الى رواية الوافي باب (حفظ اللسان للمحرم) حيث ورد اللفظ فيه كذلك.

(12) وردت ص 465 رواية أبي بصير رقم (1) مسندة الى ابى عبد الله (عليه السلام) في النسخ المطبوعة و المخطوطة تبعا للوسائل، و لكنها

570

في التهذيب ج 5 ص 335 و الوافي باب (حفظ اللسان للمحرم) مقطوعة.

(13) ذكر (قدس سره) ص 466 نقلا عن العلامة في المنتهى انه وصف رواية أبي بصير- و هي السادسة الواردة ص 465- بالصحة، و ان صاحب المدارك اعترض عليه في السادس من باقي المحظورات في المطلب الثالث بضعف الرواية. هذا. و ليس في المنتهى المطبوع ج 2 ص 844 في المسألة (2) من البحث الحادي عشر وصف الرواية بالصحة.

(14) جاء ص 474 في حديث محمد بن الفضيل قول ابي الحسن (عليه السلام) لأبي يوسف القاضي: «و أجزتم طلاق المجنون و السكران» و جاء في التعليقة 5: ان طلاق المجنون مسلم البطلان عندهم في ما تيسر لنا مراجعته من كتبهم. و حينئذ فيمكن ان يكون قوله (عليه السلام): «و أجزتم طلاق المجنون» من باب الأخذ بلازم الفتوى في السكران بالصحة، و انه إذا أجزتم طلاق السكران فقد أجزتم طلاق المجنون، لان السكران لا عقل له.

(15) ورد ص 485 انه قد تكرر في الاخبار الأمر بقوله: «اضح لمن أحرمت له» كما في رواية عثمان و صحيحة عبد الله بن المغيرة أو حسنته، ثم قال: و مثله في روايات العامة. أقول: ان هذه الجملة لم ترد في رواياتهم مروية عن النبي (ص) و إنما رووها عن ابن عمر كما في سنن البيهقي ج 5 ص 70، و عبارة النهاية الأثيرية التي وردت ص 486 حيث قال: «و منه حديث ابن عمر.». فهي من كلام ابن عمر، و الوارد في رواياتهم عن النبي (ص) ما رووه عن جابر بن عبد الله «ان رسول الله (ص) قال: ما من محرم يضحى للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته امه» سنن البيهقي ج 5 ص 70

571

(16) جاء ص 512 حديث عمر بن يزيد، و فيه نفى البأس عن حك الرأس و اللحية و عن حك الجسد. و قد ضبطنا حك الجسد بالباء الموحدة هكذا: «و بحك الجسد» كما هو المناسب لكلمة «لا بأس» و الوارد في التهذيب ج 5 ص 313. و لكنه (قدس سره) أورد ما يتعلق بحك الجسد منها مستقلا ص 525 بلفظ الفعل المضارع هكذا: «ويحك الجسد ما لم يدمه» و قد علقنا هناك: ان الحديث تقدم ص 512 لننبه المطالع على حقيقة الأمر.

(17) جاء ص 529 النقل عن الجوهري في الصحاح تفسير (الخلى) بأنه الحشيش اليابس، و قد جاء ذلك في ذخيرة السبزواري في حرمة قطع الشجر و الحشيش في المطلب الثالث في تروك الإحرام، و ورد أيضا في الجواهر ج 18 ص 415 من الطبع الحديث. أقول: ان عبارة الصحاح في تفسير (الخلى) هكذا: و الخلى مقصورا: الرطب من الحشيش، الواحدة خلاة. و قد فاتنا التنبيه على ذلك هناك فارجعنا المطالع الى الاستدراكات.

(18) جاء ص 536 تفسير (الخلى) بالحشيش اليابس عن الجوهري أيضا، و قد قدمنا عبارة الصحاح في الاستدراك رقم (17).

(19) أورد (قدس سره) ص 537 و 538 بعض الفروع التي أوردها العلامة (قدس سره) في التذكرة في البحث الرابع عشر من أبحاث تروك الإحرام في قطع شجر الحرم، و منها: الانتفاع بالغصن المنكسر و الورق الساقط بفعل الآدمي، فإنه جوزه و نسب المنع الى بعض العامة قياسا على الصيد يذبحه المحرم. ثم رده بان الصيد يعتبر في ذبحه الأهلية. هذا ما نقله المصنف (قدس سره) عن التذكرة. و تمام الرد

572

هكذا: و الفرق ان الصيد يعتبر في ذبحه الأهلية و هي منتفية عن المحرم بخلاف قطع الشجرة، فإن الدابة لو قطعته جاز الانتفاع به. و نحوه في المنتهى ج 2 ص 798 الفرع الثالث.

(20) أورد (قدس سره) ص 540 رواية الصدوق عن الحسن بن محبوب عن ابن مهزيار عن ابي بصير كما في الوافي باب (الحجامة و ازالة الشعر و الظفر للمحرم) و الوسائل الباب 12 من بقية كفارات الإحرام. و أشير هناك الى ان في بعض النسخ «علي بن رئاب» بدل «علي بن مهزيار» كما في الفقيه ج 2 ص 227.

(21) ذكر (قدس سره) ص 538: ان من الاخبار الواردة في حرمة قلم الأظفار على المحرم صحيحة زرارة المتضمنة لان من قلم أظفاره متعمدا فعليه دم، و هي المرقمة برقم (2) و قد تقدمت ص 511 برقم (3)، و اللفظ فيها «أو قلم ظفره». و عند ما عد الروايات الواردة في فدية تقليم المحرم أظفاره تعرض ص 542 لصحيحة زرارة الواردة في من قلم أظافيره المتقدمة ص 538 برقم (3) و وجه الحكم بالدم فيها بحمله على مجموع الأظافير كما هو ظاهرها، و لم يتعرض لصحيحة زرارة المتقدمة ص 511 برقم (3) التي حكم فيها بالدم في تقليم الظفر.

(22) غيرنا العبارة ص 542 س 19 الى ما يطابق النسخ الخطية لتطابق العبارة في نفس الصفحة السطر 8 و 9 حيث قال: «فان ظاهرها- يعني: موثقة ابن عمار- مجموع الأظفار أو أظفار يديه العشرة» فإن المراد بموثقة ابن عمار هنا هما روايتا إسحاق بن عمار اللتان ذكرهما في السطر 18 و 19.

573

ملحوظة (1) النسخة المطبوعة من الحدائق قد تختلف في التعبير عن النسخ الخطية بما لا يغير المعنى فنورد العبارة كذلك في هذه الطبعة إلا إذا استحسنا التغيير، و قد يكون الاختلاف مغيرا فنورد العبارة على طبق الخطية، كما في الصفحة 220 السطر 20 و 21، و الصفحة 381 السطر 11 و 16، و الصفحة 402 السطر 15 و 16، و الصفحة 427 السطر 7، و الصفحة 436 السطر 7 و 8، و الصفحة 452 السطر 9 و 20، و الصفحة 466 السطر 18 و 19، و الصفحة 469 السطر 5، و الصفحة 502 السطر 7، و الصفحة 538 السطر 1، و الصفحة 562 السطر 19، و الصفحة 563 السطر 15. و إذا كان النص المنقول فيه تغيير طبقناه على أصله من كتاب فقهي أو لغوي، كما في الصفحة 392 السطر 2 و 3 و الصفحة 537 السطر 14 و 16 و 17 و 20 و 22، و الصفحة 538 السطر 5 و الصفحة 554 السطر 16 و 17، و الصفحة 558 السطر 3، و الصفحة 565 السطر 7 و 8.

ملحوظة (2): الحديث المنقول إذا كان فيه تغيير في اللفظ عن أصله طبقناه على أصله، و إذا كانت كتب الحديث مختلفة في لفظ الحديث ذكرنا المصادر في التعليق ليقف المطالع على الاختلاف. و المصنف (قدس سره) كثيرا ما ينقل الحديث على طبق الوافي، و صاحب الوافي عند ما تكون مصادر الحديث متعددة و مختلفة في اللفظ يأتي بلفظ واحد مطابق لواحد منها، فينشأ من ذلك الاختلاف في اللفظ بين ما ينقله المصنف (قدس سره) عن مصدر و بين نفس المصدر.

ملحوظة (3): أرجعنا في التعاليق- لتعيين المصدر لفتاوى العامة الواردة في الكتاب- إلى المغني لابن قدامة الحنبلي، و طبعاته مختلفة،

574

فمن أول الكتاب إلى الصفحة 169 الموضع الأول من التعليقة (2) و هو ج 3 ص 314 و 315 الإرجاع إلى طبعه دار المنار، و هو يوافق ج 3 ص 284 من طبعة مطبعة العاصمة، و من الموضع الثاني من التعليقة (2) و هو ج 9 ص 418 الى آخر الكتاب الإرجاع إلى طبعه مطبعة العاصمة.

الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة


الجزء الخامس عشر


تأليف

الشيخ يوسف بن احمد البحراني


جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

http://www.masaha.org


http://www.masaha.org