1
2
[تتمة كتاب الحج]
[تتمة الباب الثاني]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
المقصد الخامس في الإحصار و الصد
قال في القاموس: الحصر- كالضرب و النصر-: التضييق و الحبس عن السفر و غيره. و قال: صد فلانا عن كذا: منعه. و نحوه نقل عن الجوهري. و قال في كتاب المصباح المنير: حصره العدو حصرا- من باب قتل-: أحاطوا به و منعوه من المضي لأمره. و قال ابن السكيت و ثعلب: حصره العدو في منزله: حبسه، و أحصره المرض بالألف:
منعه من السفر. و قال الفراء: هذا هو كلام العرب، و عليه أهل اللغة. و قال ابن القوطية و أبو عمرو الشيباني: حصره العدو و المرض و أحصره، كلاهما بمعنى حبسه. انتهى كلامه في المصباح. و قال في مادة «صد»: صددته عن كذا صدا- من باب قتل-: منعته و صرفته.
أقول: ظاهر كلام أهل اللغة مختلف في ترادف «حصر» و «أحصر» أو تغايرهما، فظاهر ما نقله في المصباح- عن ابن القوطية و ابي عمرو- الأول، و ما نقله عن ابن السكيت و ثعلب و الفراء- الثاني.
3
قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: المحصر اسم مفعول من «أحصر» إذا منعه المرض من التصرف، و يقال للمحبوس: «حصر» بغير همز فهو محصور. و قال الفراء: يجوز ان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر. و خالفه أبو العباس المبرد و الزجاج، قال المبرد: نظيره «حبسه» جعله في الحبس، و «احبسه» عرضه للحبس، و «اقتله» عرضه للقتل، و كذا «حصره» حبسه و «أحصره» عرضه للحصر.
و الفقهاء يستعملون اللفظين- اعني المحصر و المحصور- ههنا، و هو جائز على رأي الفراء. انتهى.
و الذي يظهر من ما قدمنا من كلامهم اتحاد الحصر و الصد، و انهما بمعنى المنع، من عدو كان أو مرض. و هذا هو الذي عليه عامة فقهاء الجمهور (1) و اما عند الإمامية- و هو الذي دلت عليه اخبارهم- فهو ان اللفظين متغايران، و ان الحصر هو المنع من تتمة أفعال الحج أو العمرة بالمرض، و الصد هو المنع بالعدو. قال العلامة في المنتهى:
الحصر عندنا هو المنع من تتمة أفعال الحج- على ما يأتي- بالمرض خاصة، و الصد بالعدو، و عند فقهاء المخالفين الحصر و الصد واحد، و هما من جهة العدو. انتهى. و نقل النيشابوري و غيره اتفاق المفسرين على ان قوله تعالى «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (2) نزلت في حصر الحديبية (3). و يفترقان أيضا في ان المصدود يحل له بالمحلل جميع ما حرمه الإحرام حتى النساء، دون المحصور فإنه يحل له ما عدا النساء. و في مكان الذبح، فالمصدود يذبحه في محل الصد، و المحصور
____________
(1) المغني ج 3 ص 321 الى 328 طبع مطبعة العاصمة.
(2) سورة البقرة الآية 195.
(3) المغني ج 3 ص 321 الى 328 طبع مطبعة العاصمة.
4
يبعث به الى مكة فيذبح بها ان كان الصد في العمرة، أو الى منى ان كان في الحج. و سيجيء تفصيل الكلام في ذلك ان شاء الله تعالى.
و من الاخبار الدالة على تغايرهما
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
المحصور غير المصدود، و قال: المحصور هو المريض، و المصدود هو الذي رده المشركون، كما ردوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ليس من مرض. و المصدود تحل له النساء، و المحصور لا تحل له النساء».
و رواه الكليني بطريقين صحيحين عن معاوية بن عمار مثله (2) و رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله (3).
و رواه في المقنع مرسلا (4) ثم قال: و المحصور و المضطر يذبحان بدنتيهما في المكان الذي يضطران فيه، و قد فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك يوم الحديبية حين رد المشركون بدنته و أبوا ان تبلغ المنحر، فأمر بها فنحرت مكانه.
و ما رواه في الكافي في الموثق عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «المصدود يذبح حيث صد، و يرجع صاحبه فيأتي النساء. و المحصور يبعث بهديه فيعدهم يوما، فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه. قلت: أ رأيت ان ردوا عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه و قد أحل فأتى النساء؟ قال: فليعد و ليس عليه شيء، و ليمسك الآن عن النساء إذا بعث».
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 423 و 464، و الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
(2) الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
(3) الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
(4) الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
(5) الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
5
و ما رواه في الكافي (1) في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابي نصر قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن محرم انكسرت ساقه، أي شيء يكون حاله؟ و أي شيء عليه؟ قال: هو حلال من كل شيء. قلت: من النساء و الثياب و الطيب؟ فقال: نعم من جميع ما يحرم على المحرم. ثم قال: اما بلغك قول ابي عبد الله (عليه السلام): حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي؟. قلت:
أخبرني عن المحصور و المصدود هما سواء؟ فقال: لا. قلت: فأخبرني عن النبي (صلى الله عليه و آله) حين صده المشركون، قضى عمرته؟
قال: لا و لكنه اعتمر بعد ذلك».
و ما رواه في الكافي (2) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي. قال:
يواعد أصحابه ميعادا، ان كان في الحج فمحل الهدي يوم النحر، فإذا كان يوم النحر فليقص من رأسه، و لا يجب عليه الحلق حتى يقضي المناسك، و ان كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكة و الساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة قصر و أحل. و ان كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع رجع الى اهله و نحر بدنة، أو أقام مكانه حتى يبرأ إذا كان في عمرة، و إذا بريء فعليه العمرة واجبة، و ان كان عليه الحج رجع أو أقام ففاته الحج، فان عليه الحج من قابل، فان الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) خرج معتمرا فمرض في الطريق، فبلغ عليا (عليه السلام) ذلك
____________
(1) ج 4 ص 369، و الوسائل الباب 1 و 8 من الإحصار و الصد.
(2) ج 4 ص 369، و الوسائل الباب 2 من الإحصار و الصد.
6
و هو في المدينة فخرج في طلبه، فأدركه بالسقيا و هو مريض بها، فقال: يا بني ما تشتكي؟ فقال: اشتكي رأسي. فدعا علي (عليه السلام) ببدنة فنحرها، و حلق رأسه، ورده إلى المدينة، فلما بريء من وجعه اعتمر قلت: أ رأيت حين بريء من وجعه قبل ان يخرج إلى العمرة حلت له النساء؟
قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت و بالصفا و المروة. قلت: فما بال رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين رجع من الحديبية حلت له النساء و لم يطف بالبيت؟ قال: ليسا سواء، كان النبي (صلى الله عليه و آله) مصدودا و الحسين (عليه السلام) محصورا».
و رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن معاوية بن عمار عنه (عليه السلام) مثله على اختلاف في ألفاظه. و زاد بعد قوله: «فان عليه الحج من قابل» «فان ردوا الدراهم عليه و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحل لم يكن عليه شيء و لكن يبعث من قابل و يمسك ايضا».
الى غير ذلك من الاخبار الآتي جملة منها ان شاء الله تعالى.
إذا عرفت ذلك فتفصيل الكلام في هذا المقام يقتضي بسطه في مطلبين:
[المطلب] الأول- في المصدود
، من صد بالعدو بعد تلبسه بالإحرام و لا طريق له غيره، أو كان و قصرت نفقته عنه، تحلل بالإجماع.
و تفصيل هذه الجملة انه إذا تلبس بالإحرام- لحج كان أو لعمرة- تعلق به وجوب الإتمام إجماعا، لقوله (عز و جل) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (2). و لو صد في إحرامه ذلك عن الوصول إلى مكة أو الموقفين
____________
(1) ج 5 ص 421 و 422، و الوسائل الباب 2 من الإحصار و الصد.
(2) سورة البقرة، الآية 195.
7
و لا طريق غير موضع العدو، أو كان و لا نفقة لسلوكه، ذبح هديه أو نحره بمكان الصد بنية التحلل، فيحل على الإطلاق سواء كان في الحرم أو خارجه، و لا ينتظر في إحلاله بلوغ الهدي محله، و لا يراعى زمانا و لا مكانا في إحلاله. و انما اعتبرنا نية التحلل لان الذبح يقع على وجوه متعددة، و الفعل متى كان كذلك فلا ينصرف إلى أحدها إلا بقصده و نيته، كما تقدم تحقيق ذلك بما لا مزيد عليه في كتاب الطهارة في بحث نية الوضوء. هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
قال في المختلف: و اليه ذهب الشيخان، و ابن البراج، و ابن حمزة، و سلار، و ابن إدريس، و هو الظاهر من كلام علي بن بابويه، حيث قال: و إذا صد رجل عن الحج و قد أحرم، فعليه الحج من قابل و لا بأس بمواقعة النساء، لانه مصدود، و ليس كالمحصور. و قال أبو الصلاح: و إذا صد المحرم بالعدو أو أحصر بالمرض عن تأدية المناسك، فلينفذ القارن هديه، و المتمتع و المفرد ما يبتاع به شاة فما فوقها، فإذا بلغ الهدي محله- و هو يوم النحر- فليحلق رأسه، و يحل المصدود بالعدو من كل شيء أحرم منه. و قال ابن الجنيد: و إذا كان المصدود سائقا فصدت بدنته ايضا، نحوها حيث صدت، و رجع حلالا من النساء و من كل شيء أحرم منه، فان منع هو و لم يمنع وصول بدنته إلى الكعبة، أنفذ هديه مع من ينحره و اقام على إحرامه إلى الوقت الذي يواعد فيه نحرها. و قال الشيخ في الخلاف! إذا أحصر بالعدو جاز ان يذبح هديه مكانه، و الأفضل ان ينفذ به الى منى أو مكة.
8
أقول: ما نقله في المختلف عن ابن إدريس- من قوله بالقول المشهور- صحيح بالنظر الى صدر عبارته في السرائر، إلا ان كلامه في آخرها يشعر بالعدول عنه، حيث قال: قال محمد بن إدريس:
و اما المصدود فهو الذي يصده العدو عن الدخول إلى مكة و الوقوف بالموقفين فإذا كان ذلك ذبح هديه في المكان الذي صد فيه سواء كان في الحرم أو خارجه، لان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صده المشركون بالحديبية- اسم بئر- و هو خارج الحرم، يقال: الحديبية بالتخفيف و التثقيل و سألت ابن العصار الفوهي (1) فقال: أهل اللغة يقولونها بالتخفيف و أصحاب الحديث يقولونها بالتشديد. و خطه عندي بذلك، و كان إمام اللغة ببغداد. و لا ينتظر في إحلاله بلوغ الهدي محله، و لا يراعي زمانا و لا مكانا في إحلاله. فإذا كان قد ساق هديا ذبحه، و ان كان لم يسق هديا، فإذا كان اشترط في إحرامه ان عرض له عارض يحله حيث حبسه، فليحل و لا هدي عليه، و ان لم يشترط فلا بد من الهدي و بعضهم يخص وجوب الهدي بالمحصور لا بالمصدود. و هو الأظهر، لأن الأصل براءة الذمة. و لقوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2) أراد به المرض، لانه يقال: «أحصره المرض و حصره العدو» و يحل من كل شيء أحرم منه، من النساء و غيره، اعني:
المصدود بالعدو. انتهى. و على هذا فالأولى نقل ما اختاره في جملة
____________
(1) كذا في السرائر المطبوع باب حكم المحصور و المصدود، و في هامشه هكذا: (اللغوي خ ل)، و في كتب التراجم هكذا: (ابن العصار الرقي اللغوي) كما في إنباء الرواة ج 2 ص 291 و بغية الوعاة ج 2 ص 175.
(2) سورة البقرة، الآية 195.
9
الأقوال المخالفة للقول المشهور.
و الظاهر هو القول المشهور. و يدل على ذلك ما تقدم
في موثقة زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) من قوله: «المصدود يذبح حيث صد و يرجع صاحبه فيأتي النساء، و المحصور يبعث بهديه. الى آخره».
و ما رواه الصدوق (قدس سره) مرسلا (2) قال! «قال الصادق (عليه السلام): المحصور و المضطر ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطران فيه».
و ما رواه في الكافي (3) عن حمران عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين صد بالحديبية قصر و أحل و نحر ثم انصرف منها، و لم يجب عليه الحلق حتى يقضي النسك فاما المحصور فإنما يكون عليه التقصير».
و روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حيث صده المشركون يوم الحديبية نحر بدنة و رجع الى المدينة».
و هذه الاخبار- كما ترى- صريحة في كون الحكم الشرعي في المصدود هو التحلل بذبح أو نحر نسكه في محل الصد، ثم الرجوع محلا.
و قال في المدارك! و هذا الحكم- اعني: توقف التحلل على ذبح
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
(2) الفقيه ج 2 ص 305، و الوسائل الباب 6 من الإحصار و الصد.
(3) ج 4 ص 368، و الوسائل الباب 6 من الإحصار و الصد.
(4) التهذيب ج 5 ص 424، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد رقم 5.
10
الهدي ناويا به التحلل- مذهب الأكثر. و استدل عليه في المنتهى بقوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1). و بان النبي (صلى الله عليه و آله) حيث صده المشركون يوم الحديبية نحر بدنة ثم رجع الى المدينة (2). قال: و فعله (صلى الله عليه و آله) بيان للواجب، فيكون واجبا. و قد يقال: ان مورد الآية الشريفة الحصر، و هو خلاف الصد على ما ثبت بالنص الصحيح. و فعل النبي (صلى الله عليه و آله) لم يثبت كونه بيانا للواجب، و بدون ذلك يحتمل الندب. و قال ابن إدريس: يتحلل المصدود بغير هدي، لأصالة البراءة. و لأن الآية الشريفة إنما تضمنت الهدي في المحصور و هو خلاف المصدود. و قال في الدروس:
و يدفعه
صحيحة معاوية بن عمار (3): «ان النبي (صلى الله عليه و آله) حين صده المشركون يوم الحديبية نحر و أحل».
و يتوجه عليه ما سبق.
و بالجملة فالمسألة محل اشكال، و ان كان المشهور لا يخلو من رجحان، تمسكا باستصحاب حكم الإحرام الى ان يعلم حصول المحلل. و تؤيده رواية زرارة. ثم أورد موثقته التي قدمناها، ثم أورد مرسلة ابن بابويه التي قدمناها أيضا.
أقول: الظاهر ان هذه المناقشة من المناقشات الواهية، فإن الظاهر من كلام العلامة في المنتهى ان الحكم بذلك مجمع عليه بين الخاصة و العامة، حيث لم ينقل فيه الخلاف إلا عن مالك، قال (قدس سره):
و إنما يتحلل المصدود بالهدي و نية التحلل معا، اما الهدي فقد أجمع
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) التهذيب ج 5 ص 424، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد رقم 5.
(3) التهذيب ج 5 ص 424، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد رقم 5.
11
عليه أكثر العلماء، و حكى عن مالك انه لا هدي عليه (1) لنا: قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2) قال الشافعي:
لا خلاف بين أهل التفسير ان هذه الآية نزلت في حصر الحديبية (3) و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) حيث صده المشركون. الى آخر ما نقله.
و بذلك يظهر انه لا مخالف إلا ما يظهر من كلام ابن إدريس و نقله ذلك عن بعضهم.
و اما قوله-: ان مورد الآية الشريفة الحصر، و هو خلاف الصد على ما ثبت بالنص الصحيح- ففيه ان التحقيق ان يقال: ان المراد من الحصر في الآية الشريفة انما هو المعنى اللغوي الذي قدمنا نقله عن جملة أهل اللغة الشامل للحصر و الصد، و هو عبارة عن مطلق المنع بعد و كان أو مرض أو نحوهما. و الفرق بين المصدود و المحصر انما هو عرف خاص عندهم (صلوات الله عليهم) كما نطقت به اخبارهم.
و يعضد ما ذكرناه من معنى الآية ما صرح به أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان، حيث قال: و قوله «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» فيه قولان: أحدهما ان معناه: و ان منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك. عن ابن عباس و مجاهد و قتادة و عطاء، و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام). و الثاني ان معناه: ان منعكم حابس قاهر. عن مالك «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ»: فعليكم ما سهل من الهدي أو فاهدوا ما تيسر من الهدي إذا أردتم الإحلال. انتهى كلامه (قدس سره).
و به يزول الإشكال في هذا المجال.
____________
(1) المغني ج 3 ص 321 طبع مطبعة العاصمة.
(2) سورة البقرة، الآية 195.
(3) المغني ج 3 ص 321 طبع مطبعة العاصمة.
12
و يعضد ذلك ما نقله في المنتهى عن الشافعي- و نقله الشارح نفسه في صدر البحث عن النيشابوري- من إجماع المفسرين على ان نزول الآية المذكورة في حصر الحديبية (1).
و حينئذ فإذا ثبت ان المراد بالحصر في الآية المذكورة ما يشمل الصد بالمعنى المذكور فالله- سبحانه- قد أوجب فيه الهدي، لقوله فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (2) أي فعليكم، كما ذكره في المجمع. فالآية ظاهرة في المراد عارية عن وصمة الإيراد. و تعضدها الأخبار المتقدمة.
و اما قوله-: و فعل النبي (صلى الله عليه و آله) لم يثبت كونه بيانا للواجب- فهو مردود بما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة، في مسألة وجوب الابتداء في غسل الوجه بالأعلى، من الوجوه التي ذكرناها ثمة حيث ان الآية دلت على الغسل بقول مطلق، و الوضوءات البيانية دلت على الابتداء بالأعلى. و مثله ما نحن فيه، فان الآية قد دلت على ما تيسر من الهدي في مرض كان أو عدو كما عرفت، و النبي (صلى الله عليه و آله) قد فعله بيانا، و هو الحافظ للشريعة و المبلغ لأحكامها.
هذا ما اراده العلامة (قدس سره) من وجه الاستدلال، فإنه بني الكلام في الخبر على ما ذكره من معنى الآية، لا ان المراد ما توهمه من ان مجرد فعل النبي (صلى الله عليه و آله) أعم من الوجوب و الندب.
و مع قطع النظر عن ما ذكرناه فان للمستدل ان يتمسك بما ذكره من استصحاب حال الإحرام، و الاستصحاب هنا دليل شرعي باتفاق الأصحاب- كما تقدم في مقدمات الكتاب- فان مرجعه الى عموم الدليل
____________
(1) المغني ج 3 ص 321 طبع مطبعة العاصمة.
(2) سورة البقرة الآية 195.
13
و شموله لجميع الحالات إلا ما يخرج بدليل، مثل
قولهم: «كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر» (1).
و نحوه، فان الدليل هنا دل على عموم التحريم بعد انعقاد الإحرام لجميع ما علم تحريمه على المحرم حتى يثبت المحلل، فالواجب عليه و على من يقول بقوله إثبات التحليل بمجرد الصد من غير هدي بالكلية ليتم له المراد، و دونه خرط القتاد. و بالجملة فإن التمسك بذلك أقوى دليل في المقام، و تخرج الاخبار شاهدة على الحكم المذكور، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
و مع قطع النظر عن جميع ذلك فان لك ان تقول: ان الأحكام الشرعية أمور متلقاة من الشارع، و الذي ورد في الاخبار- سيما و قد اعتضد بالاتفاق عليه و الإجماع- هو وجوب الهدي و توقف التحليل عليه. و هذه المناقشة من ابن إدريس بناء على أصله الغير الأصيل و ان أمكنت إلا انها من مثله (قدس سره) غير جيدة.
و قد أشار الى هذه المناقشة شيخه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد حيث قال: و دليل التحلل بالذبح أو النحر الإجماع المنقول في المنتهى.
ثم ذكر كلام المنتهى و الاخبار، الى ان قال في آخر الكلام: و مع ذلك يحتمل الرخصة. انتهى.
و اما ما ذكره العلامة من الأقوال المخالفة للمشهور في المسألة فإنه لم ينقل عليه دليلا من طرف أحد من أولئك القائلين. و لم أقف في الاخبار على ما يدل على شيء منها إلا على ما نقله عن الشيخ علي بن بابويه، فإنه مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي، و منه يعلم انه مستنده
____________
(1) ارجع الى الحدائق ج 1 ص 42 و ج 5 ص 255.
14
حيث قال (عليه السلام) (1): و ان صد رجل عن الحج و قد أحرم فعليه الحج من قابل، و لا بأس بمواقعة النساء، لان هذا مصدود، و ليس كالمحصور.
و ظاهر هذا الكلام ربما أشعر بعدم وجوب الهدي و ان التحلل يحصل بدونه، كما ذهب اليه ابن إدريس، الا ان غايته انه مطلق بالنسبة الى ذلك، فيجب تقييده بما ذكرناه من الآية و الروايات.
و اما ما ذكره أبو الصلاح- من إنفاذ المصدود هديه كالمحصور، و انه يبقى على إحرامه الى ان يبلغ الهدي محله- فترده الأخبار المتقدمة بالفرق بينهما في ذلك، و ان المصدود ينحر هديه في موضع الصد و يتحلل. و يأتي ما يؤيدها أيضا.
و اما تفصيل ابن الجنيد في البدنة- بين إمكان إرسالها فيجب أو عدمه فينحرها في مكان الصد- ففيه انه- مع عدم الدليل على هذا التفصيل- مخالف لإطلاق الأخبار المتقدمة.
و تنقيح البحث في المسألة يتوقف على رسم مقالات
الاولى- لو اتفق له طريق غير موضع الصد، و كانت له نفقة تقوم به
، فظاهر الأصحاب الاتفاق على وجوب المضي عليه و لا يتحلل، و ان علم انه لا يدرك الحج. قالوا: اما وجوب المضي عليه في الصورة المذكورة فلعدم تحقق الصد يومئذ، و اما عدم جواز التحلل على هذا التقدير و ان خشي الفوت فلأن التحلل بالهدي إنما يسوغ مع الصد و المفروض انه ليس بمصدود. و حينئذ فيجب عليه سلوك تلك الطريق الى ان يتحقق الفوات، فيتحلل بعمرة كما هو شأن من فاته الحج. و يقضيه في السنة الأخرى ان كان واجبا من حجة الإسلام أو نذر غير معين.
____________
(1) ص 29.
15
و الا تخير ان كان مستحبا. و بالجملة فإنه بالتمكن من سلوك طريق غير الطريق التي صد عنها يكون خارجا عن افراد المصدود، فان فاته الحج ترتبت عليه أحكام الفوات في غير هذه الصورة، و الا فلا.
الثانية- هل يشترط في جواز التحلل بالصد عدم رجاء زوال العذر؟
ظاهر كلام الأصحاب العدم، حيث صرحوا بجواز التحلل مع ظن انكشاف العدو قبل الفوات.
قال المحقق (قدس سره) في الشرائع: إذا غلب على ظنه انكشاف العدو قبل الفوات جاز له التحلل لكن الأفضل البقاء على إحرامه.
قال شيخنا في المسالك! وجه الجواز تحقق الصد حينئذ فيلحقه حكمه، و ان كان الأفضل الصبر مع الرجاء فضلا عن غلبة الظن، عملا بظاهر الأمر بالإتمام.
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و لا ريب في أفضلية الصبر كما ذكره، و انما الكلام في جواز التحلل مع غلبة الظن بانكشاف العدو قبل فوات الحج، فان ما وصل إلينا من الروايات لا عموم فيه بحيث يتناول هذه الصورة، و مع انتفاء العموم يشكل الحكم بالجواز.
أقول: لا ريب في ان إطلاق الاخبار المتقدمة شامل لما ذكره الأصحاب، فإن التحلل فيها بذبح الهدي وقع معلقا على حصول الصد الشامل بإطلاقه لما لو ظن انكشاف العدو قبل الفوات و عدمه. و هذا هو الذي أشار إليه جده بقوله: «وجه الجواز تحقق الصد فيلحقه حكمه» بمعنى ان هذه الأحكام ترتبت على مطلق الصد و هو هنا مصدود فيلحقه حكمه.
قال في المدارك بناء على ما ذكره من المناقشة: و لو قيل بالاكتفاء
16
في جواز التحلل بظن عدم انكشاف العدو قبل الفوات كان حسنا.
أقول: قد بينا ان إطلاق النصوص أعم من ما ذكره، فلا سبيل الى تقييدها من غير دليل.
الثالثة
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز للمصدود في إحرام الحج و عمرة التمتع البقاء على إحرامه الى ان يتحقق الفوات فيتحلل بالعمرة، كما هو شأن من فاته الحج. بل تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني انه الأفضل، و ان جاز التحلل، للأمر بالإتمام في الآية (1). و يجب عليه إكمال أفعال العمرة ان تمكن، و إلا تحلل بالهدي. و لو كان إحرامه بعمرة مفردة لم يتحقق الفوات بل يتحلل منها عند تعذر إكمالها، و لو أخر التحلل كان جائزا، فإن يئس من زوال العذر تحلل بالهدي حينئذ.
الرابعة [هل يتوقف تحلل المصدود على الحلق أو التقصير؟]
- اختلف الأصحاب في انه هل يجب على المصدود الحلق أو التقصير و يتوقف تحلله عليه بعد الذبح أم لا؟ قولان.
قال في المختلف: قال سلار: و اما المصدود بالعدو فإنه ينحر الهدي حيث انتهى اليه، و يقصر من شعره، و قد أحل من كل شيء أحرم منه. و هو يشعر باشتراط التقصير في الحل. و كذا يفهم من كلام ابي الصلاح، الا انه قال: فليحلق رأسه. و لم يشترط الشيخ ذلك. انتهى.
و قوى الشهيدان في الدروس و المسالك وجوب الحلق أو التقصير.
و هو خيرة العلامة في المنتهى على تردد، من حيث انه- تعالى- ذكر الهدي وحده (2) و لم يشترط سواه، و من انه (صلى الله عليه و آله) حلق يوم الحديبية (3).
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) سورة البقرة، الآية 195.
(3) المغني ج 3 ص 325 طبع مطبعة العاصمة.
17
قال في المدارك بعد نقل ذلك عن المنتهى: و ضعف الوجه الثاني من وجهي التردد معلوم من ما سبق.
أقول: أشار بما سبق الى ما قدمنا نقله عنه من حمل فعل النبي (صلى الله عليه و آله) على الندب دون الوجوب. و قد عرفت ما فيه.
إلا ان الحلق الذي ذكره العلامة هنا في الوجه الثاني من وجهي التردد إنما استند فيه الى الرواية العامية، حيث قال: إذا ثبت هذا فهل يجب عليه الحلق أو التقصير مع ذبح الهدي أم لا؟ فيه تردد، لأنه- تعالى- ذكر الهدي وحده (1) و لم يشترط سواه. و قال أحمد في إحدى الروايتين لا بد منه، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) حلق يوم الحديبية (2) و هو أقوى. هذه عبارته في المنتهى، فكان الاولى لصاحب المدارك رد الوجه الثاني بعدم ثبوته في أخبارنا.
أقول: و الذي وقفت عليه في أخبارنا بالنسبة الى ذلك هو رواية حمران المتقدمة (3) الدالة على ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين صد بالحديبية قصر و أحل و نحر ثم انصرف. و ظاهر قوله (عليه السلام) فيها: «و لم يجب عليه الحلق حتى يقضي النسك» هو انه (صلى الله عليه و آله) لم يحلق الى ان حج في فتح مكة و قضى المناسك.
و يدل على هذا المعنى صريحا و ان لم يتنبه له أحد من أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم)
ما رواه في الكافي (4) في الصحيح عن
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) المغني ج 3 ص 325 طبع مطبعة العاصمة.
(3) ص 9.
(4) ج 6 ص 486، و الوسائل الباب 62 من آداب الحمام.
18
البزنطي عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الفرق من السنة؟ قال: لا. قلت: فهل فرق رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال: نعم. قلت: كيف فرق رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ليس من السنة؟ قال. من اصابه ما أصاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و فرق كما فرق رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقد أصاب سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و إلا فلا. قلت له: كيف ذلك؟ قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين صد عن البيت و قد كان ساق الهدي و أحرم أراه الله- تعالى- الرؤيا التي أخبرك الله بها في كتابه، إذ يقول لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ (1) فعلم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان الله (تعالى) سيفي له بما أراه، فمن ثم و فر ذلك الشعر الذي كان على رأسه حين أحرم انتظارا لحلقه في الحرم حيث وعده الله (تعالى)، فلما حلقه لم يعد في توفير الشعر و لا كان ذلك من قبله (صلى الله عليه و آله)».
و ربما ظهر من قوله (عليه السلام): «من اصابه ما أصاب رسول الله (صلى الله عليه و آله). الى آخره» تأخير الحلق الى ان يحج متى كان الحج واجبا.
و بالجملة فالظاهر عندي- بناء على ما عرفت- هو توقف الحل على التقصير خاصة، كما دلت عليه الرواية المذكورة، و مثلها قوله (عليه السلام) في المرسلة التي نقلها شيخنا المفيد في المقنعة، و سيأتي نقلها- ان شاء الله تعالى- في المطلب الثاني (2):
«و المصدود بالعد و ينحر هديه
____________
(1) سورة الفتح، الآية 27.
(2) ص 43.
19
الذي ساقه بمكانه و يقصر من شعر رأسه و يحل» (1).
و لا معارض لهما سوى إطلاق غيرهما من الاخبار. و به يقيد الإطلاق المذكور.
الخامسة [سقوط الهدي عن المصدود و المحصور مع الشرط في إحرامه]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في سقوط الهدي عن المصدود و المحصور مع الشرط في إحرامه بأن يحله حيث حبسه، فنقل في المختلف عن السيد المرتضى (رحمه الله) انه يسقط، و عن الشيخ في الخلاف انه لا يسقط، و نقل عن ابن حمزة ان في سقوط الدم بالشرط قولين، ثم أحال البحث في ذلك على ما قدمه في المحصور.
أقول: و الخلاف في الموضعين واحد، و نحن قد قدمنا البحث في هذه المسألة في مندوبات الإحرام، و أحطنا بأطراف الكلام بإبرام النقض و نقض الإبرام، فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.
السادسة [هل يكفي في تحلل المصدود و المحصور الهدي المسوق؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في المصدود و المحصور لو ساق معه الهدي، فهل يكفي في التحلل ما ساقه أو يجب عليه للتحلل هدي آخر غير هدي السياق؟ قولان، أولهما للشيخ و سلار و ابي الصلاح و ابن البراج، و ثانيهما للصدوقين. و المحقق في الشرائع في حكم المصدود و أفق الأول و في النافع و أفق الثاني.
قال في المختلف: قال علي بن بابويه: و إذا قرن الحج و العمرة و أحصر بعث هديا مع هديه، و لا يحل حتى يبلغ الهدي محله. و كذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه. و قال ابن الجنيد- و نعم ما قال- فإذا أحصر و معه هدي قد أوجبه الله بعث بهدي آخر عن إحصاره، فان لم يكن أوجبه بحال من اشعار و لا غيره أجزأه عن إحصاره. انتهى. و ظاهره اختيار قول ابن الجنيد، و هو يرجع الى قول الصدوقين، مع انه في
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد رقم 6.
20
المنتهى وافق القول الأول.
و قال في الدروس بعد نقل قول الصدوقين و ابن الجنيد: و الظاهر ان مرادهما انه قبل الاشعار و التقليد لا يدخل في حكم المسوق إلا ان يكون منذورا بعينه أو معينا عن نذره. و قيل: يتداخلان إذا لم يكن السوق واجبا بنذر أو كفارة و شبههما. و أطلق المعظم التداخل.
و قال ابن إدريس بعد نقل عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة عن رسالته: قال محمد بن إدريس: اما قوله (رحمه الله تعالى):
«و إذا قرن الرجل الحج و العمرة» فمراده كل واحد منهما على الانفراد و يقرن إلى إحرامه بواحد من الحج أو العمرة هديا يشعره أو يقلده فيخرج من ملكه بذلك، و ان لم يكن ذلك واجبا عليه ابتداء، و ما مقصوده و مراده ان يحرم بهما جميعا و يقرن بينهما، لان هذا مذهب من خالفنا في حد القران، و مذهبنا ان يقرن إلى إحرامه سياق هدي. فليلحظ ذلك و يتأمل. فأما قوله: «بعث هديا مع هديه إذا أحصر» يريد ان هديه الأول الذي قرنه إلى إحرامه ما يجزئه في تحليله من إحرامه، لأن هذا كان واجبا عليه قبل حصره، فإذا أراد التحلل من إحرامه بالمرض الذي هو الحصر عندنا- على ما فسرناه- فيجب عليه هدي آخر لذلك، لقوله (تعالى) فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1) و ما قاله قوي معتمد، غير ان باقي أصحابنا قالوا: يبعث بهديه الذي ساقه. و لم يقولوا: يبعث بهدي آخر.
فإذا بلغ محله أحل إلا من النساء. فهذا فائدة قوله (رحمه الله تعالى).
و استدل في المختلف على ما اختاره من التفصيل المتقدم، فقال: لنا
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
21
مع إيجاب الهدى: انه قد تعين نحر هذا الهدي أو ذبحه بسبب غير الإحصار، فلا يكون مجزئا عن هدي الإحصار، لأن مع تعدد السبب يتعدد المسبب. و مع عدم إيجابه: قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (1).
و قال في المدارك بعد نقل قول الصدوقين و من تبعهما: و لم نقف لهم في ذلك على مستند سوى ما ذكروه من ان اختلاف الأسباب يقتضي اختلاف المسببات. و هو استدلال ضعيف، لأن هذا الاختلاف إنما يتم في الأسباب الحقيقية دون المعرفات الشرعية كما بيناه غير مرة. و الأصح ما اختاره المصنف و الأكثر من الاكتفاء بهدي السياق، لصدق الامتثال بذبحه، و أصالة البراءة من وجوب الزائد عنه.
أقول: لا يخفى ان عبارة الشيخ علي بن بابويه المذكورة مأخوذة من الفقه الرضوي على العادة الجارية التي قد عرفتها في غير موضع،
حيث قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (2): فإذا قرن الرجل الحج و العمرة و أحصر بعث هديا مع هديه، و لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ محله أحل و انصرف الى منزله، و عليه الحج من قابل.
و لا يقرب النساء حتى يحج من قابل. و ان صد رجل عن الحج.
الى آخر العبارة المتقدمة في صدر المطلب نقلا عن الشيخ علي بن بابويه ايضا.
و من ذلك يعلم ان مستند الشيخ المذكور و ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه انما هو الكتاب المذكور، فلا يحتاج الى ما تكلفه العلامة
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) ص 29.
22
في المختلف من الاستدلال بتعدد الأسباب، و لا يرد ما أورده في المدارك عليه، حيث ان المعتمد انما هو كلامه (عليه السلام)، و لكنهم (رضوان الله تعالى عليهم) معذورون، لعدم ظهور الكتاب المذكور عندهم و وصوله إليهم، فوقعوا في ما ذكروا و تكلفوا ما تكلفوا.
هذا ما يدل على قول الصدوقين في المسألة المذكورة.
و اما ما يدل على ما هو المشهور بينهم فلم أقف لهم فيه على دليل إلا ما تقدم نقله عن صاحب المدارك من صدق الامتثال بذبحه، و أصالة البراءة من الزائد. و غاية ما استدل به في المنتهى هو ان الآية دلت على وجوب ما استيسر من الهدي، و هو صادق على هدي السياق.
و لا يخفى ما في هذه الأدلة من تطرق المناقشات إليها.
و الأظهر الاستدلال على ذلك
بما رواه في الكافي (1) عن رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «قلت: رجل ساق الهدي ثم أحصر؟ قال: يبعث بهديه. قلت: هل يستمتع من قابل؟
فقال: لا، و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن رفاعة أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) و محمد بن مسلم في الصحيح عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) انهما قالا: «القارن يحصر و قد قال و اشترط: فحلني حيث حبستني. قال:
يبعث بهديه. قلنا: هل يتمتع في قابل؟ قال: لا و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».
فإنه لا يخفى ان المتبادر من «هديه» في الروايتين هو هدي السياق
____________
(1) ج 4 ص 371، و الوسائل الباب 4 و 7 من الإحصار و الصد.
(2) الوسائل الباب 4 من الإحصار و الصد.
23
و الإضافة كاللام العهدية في إفادة العهد كما صرحوا به في محله، فالمعنى هديه الذي ساقه. و بذلك يعظم الإشكال في المسألة.
بقي الكلام في ان مورد الاخبار في المسألة انما هو المحصر، و انه يبعث هديا مع هدي السياق كما في كتاب الفقه، أو هدي السياق كما هو ظاهر الاخبار التي ذكرناها، و الأصحاب لم يفرقوا في هذا الحكم بين المحصر و المصدود. و لا يخلو من اشكال. و الحاقة بالمحصور في الحكم المذكور يتوقف على الدليل، و ليس إلا هذه الاخبار المذكورة.
السابعة [حكم المصدود و المحصور العاجز عن الهدي]
- المعروف من مذهب الأصحاب انه لو لم يكن مع المصدود أو المحصور هدي و عجز عن ثمنه بقي على إحرامه و لم يتحلل، لان النص الدال على التحلل انما تعلق بالهدي، و لم يثبت له بدل، و متى انتفت البدلية وجب البقاء على الإحرام الى ان يحصل المحلل الشرعي.
و به صرح الشيخ و ابن البراج و أبو الصلاح و ابن حمزة و سلار و عامة المتأخرين. قال ابن الجنيد: و من لم يكن عليه و لا معه هدي أحل إذا صد، و لم يكن عليه دم. و ظاهره انه يتحلل بمجرد النية.
قال في المختلف: قال الشيخ: إذا لم يجد المحصر الهدي و لا يقدر على ثمنه لا يجوز له ان يتحلل حتى يهدي، و لا يجوز له ان ينتقل الى بدل من الصوم أو الإطعام، لأنه لا دليل على ذلك. و قال ابن الجنيد:
إذا لم يكن للهدي مستطيعا أحل، لأنه ممن لم يتيسر له الهدي. و كلا القولين محتمل. انتهى.
و قد تقدم مذهب ابن إدريس و تخصيصه الهدي بالمحصور دون المصدود اختيارا.
أقول: و قد وقفت في المسألة على بعض الاخبار التي لم يتعرض لنقلها
24
أحد من أصحابنا:
منها:
ما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن معاوية ابن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «في المحصور و لم يسق الهدي؟ قال: ينسك و يرجع. قيل: فان لم يجد هديا؟
قال: يصوم».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «في المحصور و لم يسق الهدي؟
قال: ينسك و يرجع، فان لم يجد ثمن هدي صام».
إلا ان مورد الأخبار المذكورة المحصر، و إلحاق المصدود به من غير دليل مشكل. و الواجب الوقوف في الحكم بها على موردها، و ان لم يقل بذلك أحد منهم. و الظاهر ان ذلك من حيث عدم الوقوف على الروايات المذكورة، كما يشعر به كلام الشيخ المتقدم، و إلا فإطراحها- مع صراحتها و لا معارض لها- ليس من قواعدهم سيما مع صحتها.
و حينئذ فيختص البقاء على الإحرام بالمصدود خاصة، لحصول البدل في هدي المحصور فينتقل اليه. و حيث قلنا ببقاء المصدود مع العجز عن الهدي على إحرامه فليستمر عليه الى ان يتحقق الفوات، فيتحلل حينئذ بعمرة إن أمكن، و إلا بقي على إحرامه الى ان يجد الهدي أو يقدر على العمرة، لأن التحلل منحصر فيهما كما لا يخفى.
الثامنة [بما ذا يتحقق الصد في العمرة و الحج]
- يتحقق الصد في إحرام العمرة بالمنع عن مكة، و في إحرام الحج بالمنع عن الموقفين أو أحدهما مع فوات الآخر، و لا يتحقق بالمنع
____________
(1) الوسائل الباب 7 من الإحصار و الصد.
(2) الوسائل الباب 7 من الإحصار و الصد.
25
من مناسك منى، و في تحققه بالمنع عن مكة بعد الموقفين و التحلل أو قبله اشكال.
و تفصيل هذه الجملة انه لا خلاف في تحقق الصد بالمنع عن الموقفين في الحج، و كذا عن أحدهما إذا كان من ما يفوت بفواته الحج، كما سيأتي- ان شاء الله تعالى- في تحرير اقسامه الثمانية في موضعه اللائق به.
و اما إذا أدرك الموقفين أو ما به يدرك ثم صد، فان كان عن مناسك منى خاصة، فإن له ان يستنيب في الرمي و الذبح- كما في المريض- ثم يحلق و يتحلل. اما لو لم يمكن الاستنابة فإشكال، لاحتمال البقاء على إحرامه تمسكا بالأصل، و جواز التحلل لصدق الصد، فيتناوله عموم ما دل على جواز التحلل مع الصد. و لعله الأقرب. و كذا الوجهان لو كان المنع عن مكة و منى. و جزم العلامة في المنتهى و التذكرة بالجواز، نظرا الى ان الصد يفيد التحلل من الجميع فمن بعضه اولى. و هو قريب.
و لو صد عن مكة خاصة بعد التحلل في منى فقد صرح جماعة- منهم: الشهيد في الدروس- بعدم تحقق الصد، فيبقى على إحرامه بالنسبة إلى الطيب و النساء و الصيد الى ان يأتي ببقية الأفعال.
و نقل ذلك عن المحقق الشيخ علي في حواشي القواعد، قال:
لان المحلل من الإحرام إما الهدي للمصدود و المحصور أو الإتيان بأفعال يوم النحر و الطوافين و السعي، فإذا شرع في الثاني و اتى بمناسك منى يوم النحر تعين عليه الإكمال، لعدم الدليل على جواز التحلل بالهدي، و حينئذ فيبقى على إحرامه الى أن يأتي بباقي المناسك. انتهى.
و الحق ان الاشكال المتقدم جار هنا أيضا، فإنه من المحتمل قريبا
26
- بل لعله الأقرب- ان النصوص الدالة على التحلل بالهدي في صورة الصد شاملة بعمومها لهذه الصورة، و متى صدق عليه انه مصدود وجب اجراء حكم المصدود عليه من التحلل بالهدي و نحوه.
بقي الكلام في انه ينبغي ان يقيد ذلك بعدم خروج ذي الحجة و إلا اتجه التحلل البتة، لما في بقائه على ذلك الى العام القابل من الحرج المنفي بالآية و الرواية (1).
و لا يتحقق الصد بالمنع من العود إلى منى لرمي الجمار و المبيت إجماعا، على ما نقله جمع من الأصحاب، بل يحكم بصحة حجه، و يستنيب في الرمي إن أمكن، و إلا قضاه في القابل.
و اما لو كان الصد في عمرة التمتع فلا ريب في انه يتحقق بالمنع من دخول مكة، و بالمنع بعد الدخول من الإتيان بالأفعال.
قال في المسالك: و في تحققه بالمنع من السعي بعد الطواف خاصة وجهان، من إطلاق النص، و عدم مدخلية السعي (2) في التحلل، و عدم التصريح بذلك في النصوص و الفتوى. ثم قال: و الوجهان آتيان في عمرة الافراد مع زيادة إشكال في ما لو صد بعد التقصير عن طواف النساء، فيمكن ان لا يتحقق حينئذ الصد بل يبقى على إحرامه بالنسبة إليهن. ثم قال: و أكثر هذه الفروع لم يتعرض لها الجماعة بنفي و لا إثبات، فينبغي تحقيق الحال فيها.
و ظاهر المدارك وقوع الإشكال أيضا في طواف العمرة، حيث قال:
____________
(1) ارجع الى الحدائق ج 1 ص 151.
(2) هكذا وردت العبارة المحكية عن المسالك في نسخ الحدائق. و الوارد في المسالك في شرح قول المحقق: «و يتحقق الصد بالمنع من الموقفين.» هكذا: «و عدم مدخلية الطواف في التحلل». و هو الصحيح.
27
و من منع من الطواف خاصة استناب فيه مع الإمكان، و مع التعذر يبقى على إحرامه الى ان يقدر عليه أو على الاستنابة. و يحتمل قويا جواز التحلل مع خوف الفوات، للعموم، و نفي الحرج اللازم من بقائه على الإحرام. و كذا الكلام في السعي و طواف النساء في المفردة. انتهى.
أقول: لا يخفى- على من اعطى التأمل حقه في روايات الحصر و الصد الواردة في هذا الباب- ان المستفاد منها على وجه لا يكاد يداخله الارتياب انما هو حصول أحد الأمرين بعد الإحرام و قبل التلبس بشيء من أفعال الحج أو العمرة، و قرائن ألفاظها و مقتضى أحوالها شاهدة بما قلناه لمن تأملها بعين الإنصاف، فكثير من ما ذكر هنا من هذه الفروع لا يخلو من الاشكال، سيما مع ما عرفت من ان الصد المذكور في الاخبار له أحكام تترتب عليه، من وجوب الهدي، و وجوب الحج من قابل متى كان الحج واجبا، و حل النساء له، و نحو ذلك. و الله العالم.
التاسعة [متى يتحقق الصد بالحبس؟]
- قد صرح جملة من الأصحاب بأنه إذا حبس بدين، فان كان قادرا عليه لم يتحلل، لانه بالقدرة على ذلك يكون متمكنا من السير فلا يتحقق الصد في حقه، اما لو عجز فإنه يتحلل. و علله في المنتهى يتحقق الصد الذي هو المنع، لعجزه من الوصول بإعساره.
و استشكل بعض المتأخرين هذا الحكم بان المصدود ليس هو الممنوع مطلقا بل الممنوع بالعدو، و طالب الحق لا تتحقق عداوته.
و أجيب عنه بان العاجز عن أداء الحق لا يجوز حبسه، فيكون الحابس ظالما. و بالمنع من اختصاص الصد بالمنع من العدو لأنهم عدوا من أسبابه فناء النفقة و فوات الوقت و نحو ذلك.
28
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و فيهما معا نظر. ثم قال: و كيف كان فالأجود ما أطلقه المصنف و غيره من جواز التحلل مع العجز، لان المصدود هو الممنوع لغة، إلا ان مقتضى الروايات اختصاصه بما إذا كان المنع بغير المرض، و ذكر العدو في بعض الاخبار انما وقع على سبيل التمثيل لا لحصر الحكم فيه. انتهى.
أقول: لا يخفى ان صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في أول المقصد (1) قد دلت على ان المحصور هو المريض، و المصدود هو الذي رده المشركون كما ردوا رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و مرسلة الصدوق المتقدمة (2) عن الصادق (عليه السلام) قد دلت على ان المحصور و المضطر ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطران فيه، و رواية الفضل بن يونس الآتية (3) عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) قد دلت على ان الرجل الذي أخذه سلطان فحبسه ظالما له يوم عرفة، قال: هذا مصدود عن الحج.
و يحصل من مجموع هذه الروايات و ضم بعضها الى بعض ان المصدود هو الممنوع بعد و كان أو بظالم أو بقلة نفقة أو خوف في طريقه. و به يظهر قوة ما استجوده في المدارك و ضعف تنظره في ما نقله من الوجهين المتقدمين.
قال العلامة في المنتهى: و لا فرق بين الحصر العام و هو ان يصده المشركون و يصدوا أصحابه و بين الحصر الخاص في حق شخص واحد، مثل ان يحبسه ظالم بغير حق أو يأخذه اللصوص وحده، لعموم النص، و وجود المعنى المقتضى لجواز التحلل في الصورتين. و كما انه لا فرق بينهما في جواز التحلل فلا فرق بينهما في وجوب القضاء و عدم وجوبه فكل موضع حكمنا فيه بوجوب القضاء في الصد العام فهو ثابت في
____________
(1) ص 4.
(2) ص 9.
(3) ص 30.
29
الصد الخاص، و ما لا يجب فيه هناك فهو لا يجب فيه هنا. انتهى. و هو جيد، لما عرفت.
العاشرة [تحقيق في تشبيه المحبوس ظلما بالمحبوس بالدين]
- اعلم ان جملة من المتقدمين و متقدمي المتأخرين صرحوا بالمسألة التي قدمنا ذكرها، من انه لو حبس بدين فان كان قادرا على أدائه لم يكن مصدودا و مع العجز يكون مصدودا. ثم قالوا: و كذا لو حبس ظلما. و من جملة المصرحين بذلك المحقق في الشرائع.
و شراح كلامهم في هذا المقام قد اضطربوا في هذا التشبيه و ان المشبه به ما هو؟ و قد أطال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك في توجيه ذلك. و لنقتصر على نقل ما ذكره سبطه في المدارك، فإنه ملخص ما ذكره جده (رحمه الله).
قال (قدس سره)- بعد قول المصنف: «و كذا لو حبس ظلما»:
يمكن ان يكون المشبه به المشار اليه ب«ذا» ثبوت التحلل مع العجز و المراد انه يجوز تحلل المحبوس ظلما. و هو بإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين ان يكون المطلوب منه قليلا أو كثيرا، و لا بين القادر على دفع المطلوب منه و غيره. و يمكن ان يكون مجموع حكم المحبوس بدين بتفصيله، بمعنى ان المحبوس ظلما على مال ان كان قادرا عليه لم يتحلل و ان كان عاجزا تحلل. إلا ان المتبادر من العبارة هو الأول و هو الذي صرح به العلامة في جملة من كتبه. و أورد عليه ان الممنوع بالعدو إذا طلب منه مال يجب بذله مع المكنة كما صرح به المصنف و غيره، فلم لا يجب البذل على المحبوس ظلما إذا كان حبسه يندفع بالمال و كان قادرا عليه؟ و أجيب عن ذلك بالفرق بين المسألتين، فإن الحبس ليس بخصوص المنع من الحج و لهذا لا يندفع الحبس لو اعرض عن الحج، بخلاف منع العدو فإنه للمنع من المسير حتى لو اعرض عن
30
الحج خلى سبيله. و حينئذ فيجب بذل المال في الثاني لأنه بسبب الحج دون الأول. و هذا الفرق ليس بشيء، لأن بذل المال للعدو المانع من المسير إنما وجب لتوقف الواجب عليه، و هذا بعينه آت في صورة الحبس إذا كان يندفع بالمال. و بالجملة فالمتجه تساوي المسألتين في وجوب بذل المال المقدور، لتوقف الواجب عليه سواء كان ذلك قبل التلبس بالإحرام أو بعده. انتهى.
أقول: الظاهر ان الأصل في هذا الحكم الذي ذكره المتقدمون إنما هو
ما رواه الكليني في الكافي و الشيخ في التهذيب في الموثق عن الفضل بن يونس عن ابي الحسن الأول (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن رجل عرض له سلطان فأخذه ظالما له يوم عرفة قبل ان يعرف، فبعث به الى مكة فحبسه، فلما كان يوم النحر خلى سبيله، كيف يصنع؟ قال: يلحق فيقف بجمع، ثم ينصرف إلى منى فيرمي و يذبح و يحلق، و لا شيء عليه. قلت: فان خلى عنه يوم النفر كيف يصنع؟
قال: هذا مصدود عن الحج، ان كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج، فليطف بالبيت أسبوعا، ثم يسعى أسبوعا، و يحلق رأسه، و يذبح شاة، و ان كان دخل مكة مفردا للحج فليس عليه ذبح و لا حلق».
و في الكافي «و لا شيء عليه» بين قوله: «فليس عليه ذبح» و قوله: «و لا حلق».
و الى هذا الفرد أشار العلامة في ما قدمنا نقله عنه في آخر المقالة السابقة. و به يظهر ان المشبه به في كلامهم إنما هو المحبوس بالدين
____________
(1) الكافي ج 4 ص 371، و التهذيب ج 5 ص 465، و الوسائل الباب 3 من الإحصار.
31
العاجز عن أدائه فإنه يتحلل. و كذا المحبوس ظلما. و اما ان حبسه لأجل المال أم لا، و يمكن دفعه بالمال أم لا، فهو غير مراد و لا ملحوظ كما عرفت من الرواية المذكورة. و اما ما ذكروه من التوجيهات و الإشكالات فتكلفات لا ضرورة لها مع ظهور المعنى و صحته.
و بنحو هذه الرواية صرح
في كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال (عليه السلام): و لو ان جلا حبسه سلطان جائر بمكة و هو متمتع بالعمرة إلى الحج ثم أطلق عنه ليلة النحر، فعليه ان يلحق الناس بجمع ثم ينصرف إلى منى فيذبح و يحلق و لا شيء عليه، و ان خلى يوم النحر بعد الزوال فهو مصدود عن الحج ان كان دخل مكة متمتعا بالعمرة إلى الحج، فليطف بالبيت أسبوعا و يسعى أسبوعا و يحلق رأسه و يذبح شاة، و ان كان دخل مكة مفردا للحج، فليس عليه ذبح، و لا شيء عليه.
و هذه العبارة قد نقلها في المختلف عن علي بن الحسين بن بابويه، قال: و لو ان رجلا. الى قوله: و ان كان مفردا للحج فليس عليه ذبح، و لا شيء عليه. ثم زاد: بل يطوف بالبيت، و يصلي عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و يسعى بين الصفا و المروة، و يجعلها عمرة، و يلحق بأهله. انتهى. و لا ادري هذه الزيادة هل سقطت من نسخة الكتاب التي عندي؟ فإنها كثيرة الغلط، أو انها زيادة من علي بن الحسين على العبارة المذكورة لمزيد الإيضاح فيها.
ثم ان العلامة- بعد نقل ذلك عن علي بن الحسين (رحمه الله)- قال: و قد اشتمل هذا الكلام على حكمين: أحدهما- ان إدراك الحج
____________
(1) ص 29.
32
يحصل بإدراك جمع قبل الزوال، و هو مفهوم من كلامه. و فيه نظر.
الثاني- إيجاب الدم على المتمتع مع الفوات. و فيه نظر، فإنه يتحلل بالعمرة. و الأقرب انه لا دم عليه، و لا فرق بينه و بين المفرد. انتهى.
أقول: قد عرفت ان هذه العبارة انما هي كلام الرضا (عليه السلام) في الكتاب المذكور. و مثلها في الدلالة على الحكمين المذكورين موثقة الفضل بن يونس المذكورة. و سيجيء (ان شاء الله تعالى) تحقيق كل من المسألتين المذكورتين في المحل اللائق به.
الحادية عشرة [لو لم يتحلل المصدود حتى فات الحج]
- قد تقدم ان المصدود يجوز له التحلل بذبح الهدي و ان كان الأفضل له التأخير و الانتظار لزوال المانع، فلو صابر و لم يتحلل حتى فات الحج، فان تمكن من دخول مكة بعد الفوات أو كان فيها، فإنه يتحلل بالعمرة، لإمكانها و انتفاء الصد عنها. و يسقط الهدي لحصول التحلل بالعمرة. و ان لم يتمكن من دخول مكة، تحلل من العمرة بالهدي، و ان استحب الصبر مع رجاء زوال العذر.
قال في المسالك: و لا فرق في ذلك بين رجاء زوال العذر قبل خروج الوقت مع المصابرة و عدمه، بل يجوز الصبر الى ان يفوت الوقت مطلقا.
و قال في الدروس: و على هذا فلو صار الى بلده و لما يتحلل و تعذر العود في عامه لخوف الطريق فهو مصدود، فله التحلل بالذبح و التقصير في بلده.
و يأتي تحقيق الكلام في المسألة (ان شاء الله تعالى) عند الكلام في مسألة من فاته الحج.
و كيف كان فان عليه القضاء بعد ذلك لو كان الحج واجبا مستقرا في ذمته، فلا يجب قضاء المندوب بالأصل و ان كان قد وجب
33
بالشروع فيه، و لا ما وجب في عامه و لم يتحقق التقصير في التأخير، كما تقدم بيانه في محله.
بقي الكلام في ما إذا غلب على ظنه انكشاف العدو قبل الفوات، فان ظاهر الجماعة جواز التحلل، كما صرح به غير واحد منهم، و ظاهر المدارك المناقشة في الحكم المذكور، مستندا الى ان ما وصل اليه من الروايات لا عموم فيه بحيث يتناول هذه الصورة، و مع انتفاء العموم يشكل الحكم بالجواز، قال: و يلوح من كلام الشارح في الروضة و موضع من الشرح: ان التحلل انما يسوغ إذا لم يرج المصدود زوال العذر قبل خروج الوقت. و لا ريب انه اولى. انتهى. أقول:
فيه ما تقدم في المقالة الثانية.
ثم انه لو انكشف العدو قبل التحلل و الوقت باق، وجب عليه الإتمام، لأنه محرم و لم يأت بالمناسك. و لروايتي الفضل بن يونس و كتاب الفقه. و اما لو كان انكشافه بعد فوات الوقت، فإنه يتحلل بعمرة مفردة، كما في الروايتين المشار إليهما أيضا.
الثانية عشرة [حكم الصد عن الحج بعد إفساده]
- قد تقدم انه لو أفسد المحرم حجه بالوطء قبل الموقفين أو أحدهما، وجب عليه بدنة، و إتمام حجه، و القضاء من قابل، فلو صد بعد الإفساد، وجب عليه مع ذلك الهدي للتحلل، ان أراد التحلل و لم يصابر، فالصد أوجب الهدي، و الإفساد أوجب الثلاثة المذكورة، إلا ان وجوب الإتمام سقط هنا بالصد.
ثم انه قد اختلف الأصحاب- كما تقدم- في انه هل الأولى هي الفريضة، و الثانية عقوبة، أو الفريضة هي الثانية و إتمام الأولى عقوبة؟ و قد قدمنا ان المختار هو الأول.
34
ثم انه قد تقدم ايضا ان وجوب القضاء على المصدود انما هو في صورة ما إذا كان الحج واجبا مستقرا في الذمة.
[صور الصد عن الحج بعد إفساده]
و على هذا ففي المسألة صور: الاولى- ان يقال ان حجة الإسلام هي الاولى و الثانية عقوبة. و قد صرح جملة من الأصحاب بأن الواجب على تقدير هذا القول الإتيان بحجتين بعد الصد و التحلل مع وجوب الحج و استقراره، و بيانه انه لا إشكال في وجوب الحج ثانيا بالإفساد، سواء قلنا ان الاولى هي حجة الإسلام و الثانية عقوبة أو بالعكس. و حينئذ فمتى قلنا بأن الأولى هي الفرض- و قد عرفت ان الحج الواجب المستقر متى صد عنه و تحلل منه وجب قضاؤه- وجب القضاء في هذه الصورة، لأنها أحد جزئيات هذه الكلية. و على هذا فيجب عليه أولا حجة القضاء ثم حج العقوبة للإفساد السابق.
الثانية- ان الحج ليس بمستقر و الواجب حج العقوبة خاصة، و يسقط القضاء، لان القضاء مراعى بفوته مع الاستقرار في الذمة، كما تقدم تحقيقه في محله، و هنا ليس كذلك كما هو المفروض.
الثالثة- ان يكون الحج مستحبا، و هو و ان وجب بالشروع فيه كما تقدم، و وجب قضاؤه بالإفساد أيضا، و إتمامه، كما تقدم في محله، إلا انه لا يجب قضاؤه بالصد عنه اتفاقا نصا و فتوى في ما اعلم. و حينئذ فمتى صد عنه و تحلل منه سقط أداء و قضاء و بقي حج الإفساد خاصة.
الرابعة- ان يقال: ان الاولى عقوبة و الثانية حجة الإسلام.
و لا ريب و لا اشكال- كما عرفت- في وجوب الحج ثانيا، و هو على هذا القول يكون قضاء لحج الإسلام.
بقي الكلام في الحج الأول الذي أفسده و هو عقوبة على هذا القول
35
هل يجب قضاؤه أم لا؟ قولان: قيل بالأول، لأنه حج واجب قد صد عنه، و كل حج واجب صد عنه يجب قضاؤه. و على هذا فيجب حجان. و قيل بالثاني، لأن الصد و التحليل مسقط لوجوب الأولى، و القضاء يتوقف على الدليل، و لا دليل في المقام، إذ المستفاد من اخبار القضاء إنما هو بالنسبة إلى حج الإسلام. و من هنا يظهر منع كلية الكبرى. و حينئذ فالواجب هنا حج واحد لا غير.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان ظاهر المحقق الأردبيلي (قدس سره) المناقشة في الصورة الأولى، حيث احتج- بعد ان قال أولا: ثم الظاهر عدم وجوب غير حج واجب واحد في الصور كلها، سواء قلنا ان الإتمام عقوبة أو الحج من قابل عقوبة- بأنه بعد الصد عن الإتمام إذا تحلل عنه بالهدي أو بالعمرة لم يعلم وجوب القضاء لهذا الفاسد مطلقا، سواء قلنا انه عقوبة أو الذي شرع فيه أولا، إذ لا يعلم دليل عليه، و انما الدليل في الحج الصحيح الذي صد عنه و تحلل عنه مع عدم وجوب شيء آخر.
و مرجع كلامه (طاب ثراه) الى ان الدليل الدال على وجوب القضاء على المصدود مخصوص بالحج الصحيح، و لا عموم فيه على وجه يتناول الحج الفاسد.
و هو مشكل، فانا لم نقف في روايات الصد على ما يوجب القضاء على المصدود حتى انه يختص ذلك بالصد عن الحج الصحيح دون الفاسد و انما المستند في ذلك الروايات الدالة على وجوب الحج على المستطيع مطلقا (1) و القضاء في كلام الأصحاب ليس مرادا به معناه المعروف،
____________
(1) الوسائل الأبواب المتفرقة من وجوب الحج و شرائطه.
36
و هو الإتيان بالفعل في خارج وقته، لان الحج لا وقت له و ان وجب فورا بل المراد به مجرد الفعل. و حينئذ فإذا كانت الأدلة الدالة على وجوب الحج على المصدود الذي تحلل انما هي الأخبار الدالة على وجوب الحج على المستطيع مطلقا- حيث انه من جملة من يدخل تحت هذا الخطاب- فلا فرق في ذلك بين ما إذا كان الصد عن حج صحيح أو فاسد في تناول الخطاب، فإنه لما علم تعلق الخطاب بكل منهما من حيث الاستطاعة و استقراره في الذمة، فلا تبرأ الذمة إلا بالإتيان به من المكلف نفسه أو نائبه في حياته أو بعد موته. و هذا- بحمد الله تعالى- ظاهر لا سترة عليه.
هذا كله إذا تحلل قبل انكشاف العدو و ضاق الوقت بعد انكشافه.
اما لو تحلل ثم انكشف العدو و الوقت يسع الإتيان بالحج، فإنه لا خلاف و لا إشكال في وجوب الإتيان بالحج.
قال في المنتهى: و هو حج يقضى لسنته، و ليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد فيه في غير هذه المسألة. و لو ضاق الوقت قضى من قابل.
و الظاهر ان مبنى كلامه (قدس سره) على ما هو المختار عنده من ان حج الإسلام هو الثاني و الأول عقوبة، فإنه بعد التحلل من ذلك الحج الفاسد سقطت العقوبة، و حج العقوبة لا يقضى كما تقدم، فيستأنف عند زوال العذر حج الإسلام. و القضاء هنا بمعنى الاستئناف و التدارك. و لا يجب عليه سواه، لما عرفت من عدم وجوب قضاء حج العقوبة. فهو حج يقضى لسنته في هذه الصورة خاصة من حيث اتساع الوقت له، لأنه في غير صورة الصد يجب عليه المضي في الفاسدة التي ذكرنا أن إتمامها عقوبة، فيتأخر القضاء الى العام القابل. و في صورة
37
الصد مع القول بكون الأولى حجة الإسلام و الثانية عقوبة لم يكن حجا يقضى لسنته، لان الواقع بعد التحلل في السنة الأولى حج الإسلام و لا يصح وصفها بكونها قضاء، لانه ليس محلها العام الثاني و قدمت هنا عليه- كما في الصورة الأولى- حتى يقال، انه حج يقضى لسنته، و انما محلها العام الأول.
و لهم في معنى هذه العبارة أعني قولهم: «حج يقضى لسنته» اختلاف ليس في التعرض له كثير فائدة، و المعتمد عندهم ما ذكرناه.
و اما لو لم يتحلل بالكلية بل صابر الى ان ينكشف العدو، فان انكشف و الوقت يسع الإتيان بالحج وجب المضي في الحج الفاسد و ان كان مندوبا، و وجب القضاء في القابل بالإفساد، و ان ضاق الوقت تحلل بعمرة، و يلزمه بدنة للإفساد، و لا شيء عليه للفوات، و عليه الحج من قابل سواء كان الحج واجبا أو ندبا. لأن التطوع يكون واجبا بالإفساد.
الثالثة عشرة [لو لم يندفع العدو الصاد عن الحج إلا بالقتال]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو لم يندفع العدو إلا بالقتال، فإنه لا يجب عليه القتال، سواء غلب على ظنه السلامة أو العطب.
و استدل عليه في المنتهى بان في التكليف به مشقة زائدة و خطرا عظيما، لاشتماله على المخاطرة بالنفس و المال، فكان منفيا بقوله (عز و جل) مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1)
و قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «لا ضرر و لا ضرار».
و هو جيد متى بلغ الأمر الى ذلك
____________
(1) سورة الحج، الآية 78.
(2) الوسائل الباب 5 من الشفعة، و الباب 12 من احياء الموات.
38
و الحكم بذلك مقطوع به في كلامهم.
نعم بقي الكلام في الجواز، فقال الشيخ في المبسوط: إذا أحرموا فصدهم العدو، فان كان مسلما كالأعراب و الأكراد، فالأولى ترك قتالهم و ينصرفون إلا ان يدعوهم الإمام أو من نصبه الى قتالهم، و ان كان مشركا لم يجب على الحاج قتالهم، لان قتال المشركين لا يجب إلا بإذن الإمام أو الدفع عن النفس أو الإسلام، و ليس هنا واحد منهما، و إذا لم يجب فلا يجوز ايضا، سواء كانوا قليلين أو كثيرين. انتهى.
و هو ظاهر في عدم جواز قتال المشركين.
و صرح جملة من الأصحاب- منهم: العلامة و الشهيد- بالجواز لمشرك كان أو غيره، مع ظن الظفر، لانه نهى عن منكر فلا يتوقف على اذن الامام (عليه السلام).
قال في الدروس: و منعه الشيخ التفاتا إلى اذن الامام في الجهاد.
و يندفع بأنه نهى عن منكر. و استجوده في المدارك، و أيده بأن لمانع ان يمنع توقف الجهاد على الاذن إذا كان لغير الدعوة الى الإسلام، قال: فانا لم نقف في ذلك على دليل يعتد به.
و قال في المسالك- بعد نقل الجواز عن العلامة و الشهيد، و احتجاجهما بأنه نهى عن منكر، فلا يتوقف على اذن الامام- ما صورته: و يشكل بمنع عدم توقف النهي المؤدي إلى القتال أو الجرح على اذن الامام، و هما قد اعترفا به في بابه. و بان ذلك لو تم لم يتوقف الجواز على ظن الظفر، بل متى جوزه كما هو الشرط فيه. و أيضا إلحاقه بباب النهي عن المنكر يفضي الى وجوبه لا الى جوازه بالمعنى الأخص، و هم قد اتفقوا على عدم الوجوب مطلقا. انتهى.
39
و نقل في المختلف عن ابن الجنيد انه قال: لو طمع المحرم في دفع من صده إذا كان ظالما له بقتال أو غيره كان ذلك مباحا له، و لو اتى على نفس الذي صده، سواء كان كافرا أو ذميا أو ظالما.
قال في المختلف بعد نقله ذلك: و قول ابن الجنيد لا بأس به. انتهى.
و لا بأس به.
و لو توقف زوال العدو على دفع مال، فقيل بعدم وجوب بذله، و قيل بالوجوب إذا لم يجحف. و قد تقدم تحقيق المسألة في شرائط وجوب الحج.
المطلب الثاني- في الإحصار
، و هو- كما عرفت- المنع بالمرض من مكة أو من الموقفين. و الكلام في ما يتحقق به الحصر جار على نحو ما تقدم في ما يتحقق به الصد.
و الكلام في هذا المطلب يقع أيضا في مواضع:
الأول [هل يجب على المحصر بعث الهدي؟]
- لا خلاف بين الأصحاب في ان تحلل المحصر يتوقف على الهدي، و انما الخلاف في البعث و عدمه، فالمشهور بينهم انه يجب بعث الهدي الى منى ان كان حاجا، و الى مكة ان كان معتمرا، و لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ الهدي محله قصر و أحل من كل شيء إلا النساء. قاله الشيخ و ابنا بابويه و أبو الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة و ابن إدريس. و قال ابن الجنيد بالتخيير بين البعث و بين الذبح حيث أحصر فيه. و قال سلار: المحصور بالمرض اثنان:
أحدهما في حجة الإسلام و الآخر في حجة التطوع، فالأول يجب بقاؤه على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، ثم يحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء، فإنه لا يقربهن حتى يقضى مناسكه من قابل، و الثاني ينحر
40
هديه و قد أحل من كل شيء أحرم منه. و عن الجعفي أنه يذبح مكان الإحصار ما لم يكن ساق.
و يدل على القول المشهور ظاهر الآية، و هي قوله تعالى وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (1).
قال في المدارك: و هي غير صريحة في ذلك، لاحتمال ان يكون معناه: «حتى تنحروا هديكم حيث حبستم» كما هو المنقول من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) (2).
و فيه: ان الظاهر من الاخبار ان المراد بمحل الهدي و بلوغه محله انما هو مكة أو منى، كما سنشير اليه ان شاء الله تعالى.
و من أظهر الاخبار في ذلك ما تقدم في حديث حج الوداع الطويل المتقدم في المقدمة الرابعة من الباب الأول (3) من احتجاجه (صلى الله عليه و آله) على عدم الإحلال بسياق الهدي، و انه لا يجوز لسائق الهدي الإحلال حتى يبلغ محله، يعني: منى، كما لا يخفى.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام)!) (4) قال: «سألته عن رجل أحصر فبعث بالهدي.
قال: يواعد أصحابه ميعادا، ان كان في الحج فمحل الهدي يوم النحر فإذا كان يوم النحر فليقص من رأسه، و لا يجب عليه الحلق حتى يقضي
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) و قد تقدم نقله ص 9 و 10.
(3) ج 14 ص 315 الى 319.
(4) التهذيب ج 5 ص 421 و 422، و الكافي ج 4 ص 369، و الوسائل الباب 2 من الإحصار و الصد.
41
المناسك. و ان كان في عمرة فلينظر مقدار دخول أصحابه مكة و الساعة التي يعدهم فيها، فإذا كان تلك الساعة قصر و أحل. الحديث».
و في قوله: «ان كان في الحج فمحل الهدي يوم النحر» ما يشير الى تفسير محل الهدي في الآية بأنه هذا المكان في الحج و مكة في العمرة.
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا أحصر الرجل بعث بهديه، فإذا أفاق و وجد من نفسه خفة. الحديث».
و سيأتي قريبا (2) (ان شاء الله تعالى).
و ما رواه في الكافي (3) عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أحصر الرجل فبعث بهديه فآذاه رأسه. الحديث».
و ما رواه في الكافي (4) عن رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: رجل ساق الهدي ثم أحصر؟ قال: يبعث بهديه.
قلت: هل يستمتع من قابل؟ قال: لا و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) و عن رفاعة في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) انهما قالا: «القارن يحصر و قد قال و اشترط: فحلني حيث حبستني؟
قال: يبعث بهديه. قلت: هل يتمتع في قابل؟ قال: «لا و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».
____________
(1) الوسائل الباب 3 من الإحصار و الصد.
(2) ص 55.
(3) ج 4 ص 370 و 371، و التهذيب ج 5 ص 334 و 423 بطريقين، و الوسائل الباب 5 من الإحصار و الصد.
(4) ج 4 ص 371، و الوسائل الباب 4 من الإحصار و الصد.
(5) الوسائل الباب 4 من الإحصار و الصد.
42
و ما رواه في التهذيب (1) في الموثق عن زرعة قال: «سألته عن رجل أحصر في الحج. قال: فليبعث بهديه إذا كان مع أصحابه، و محله ان يبلغ الهدي محله، و محله منى يوم النحر إذا كان في الحج، و إذا كان في عمرة نحر بمكة. و إنما عليه ان يعدهم لذلك يوما، فإذا كان ذلك اليوم فقد و في، و ان اختلفوا في الميعاد لم يضره ان شاء الله تعالى».
و فيه إشارة الى ما قدمنا ذكره من معنى بلوغ الهدي محله.
إلا ان بإزاء هذه الاخبار ما يدل على خلافها، و منها قوله (عليه السلام) في تتمة صحيحة معاوية بن عمار المذكورة صدر هذه الروايات بعد ما ذكر ما قدمناه منها: «و ان كان مرض في الطريق بعد ما أحرم فأراد الرجوع رجع الى اهله و نحر بدنة. الى آخره» و قد تقدم بكماله في صدر هذا المقصد (2) و ذكر فيه حديث الحسين (عليه السلام) و انه لما بلغ عليا (عليه السلام) خبره فاتى اليه حلق رأسه و نحر بدنة عنه و رجع به الى المدينة.
و منها:
ما رواه الصدوق في الصحيح عن رفاعة بن موسى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «خرج الحسين (عليه السلام) معتمرا- و قد ساق بدنة- حتى انتهى الى السقيا، فبرسم، فحلق شعر رأسه و نحوها مكانه ثم اقبل حتى جاء فضرب الباب، فقال علي (عليه السلام): ابني و رب الكعبة، افتحوا له الباب. و كانوا قد حموه الماء، فأكب عليه فشرب ثم اعتمر بعد».
____________
(1) ج 5 ص 423، و الوسائل الباب 2 من الإحصار و الصد.
(2) ص 5 و 6.
(3) الفقيه ج 2 ص 305، و الوسائل الباب 6 من الإحصار و الصد.
43
و منها:
ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال «في المحصور و لم يسق الهدي؟
قال: ينسك و يرجع، فان لم يجد ثمن هدي صام».
و منها:
مرسلة الفقيه (2) عن الصادق (عليه السلام) «المحصور و المضطر ينحران بدنتهما في المكان الذي يضطران فيه».
و يمكن الجمع بين هذه الاخبار بالتخيير كما ذهب اليه ابن الجنيد.
و يحتمل ايضا حمل الأخبار الأخيرة على عدم إمكان البعث، فيجوز له ذلك في مكان الحصر. و لعل في مرسلة الصدوق ما يشير الى ذلك.
و يحتمل ايضا حمل اخبار البعث على السياق الواجب و النحر في محل الحصر على ما لم يكن كذلك.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من الاشكال. و الاحتياط في الوقوف على القول المشهور.
و اما ما نقل عن سلار من التفصيل بين الحج الواجب و المندوب فيدل عليه
ما رواه شيخنا المفيد في المقنعة (3) مرسلا قال: قال (عليه السلام): المحصور بالمرض ان كان ساق هديا اقام على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله ثم يحل، و لا يقرب النساء حتى يقضي المناسك من قابل. هذا إذا كان حجة الإسلام، فأما حجة التطوع فإنه ينحر هديه و قد أحل من ما كان أحرم منه، فان شاء حج من قابل و ان شاء لا يجب عليه الحج. و المصدود بالعدو ينحر هديه الذي ساقه بمكانه و يقصر
____________
(1) الوسائل الباب 7 من الإحصار و الصد رقم 2 و 1.
(2) ج 2 ص 305، و الوسائل الباب 6 من الإحصار و الصد.
(3) ص 71، و الوسائل الباب 1 من الإحصار و الصد.
44
من شعر رأسه و يحل، و ليس عليه اجتناب النساء، سواء كانت حجته فريضة أو سنة.
انتهى.
الثاني [توقف حل النساء للمحصر على الحج إذا كان واجبا]
- قد عرفت سابقا انه على تقدير وجوب البعث فإنه يجب عليه البقاء على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، و المراد ببلوغه محله يعني: حضور الوقت الذي و أعد أصحابه للذبح أو النحر في المكان المعين، كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار و موثقة زرعة، فإذا حضر ذلك الوقت أحل من كل شيء إلا من النساء، حتى يحج من القابل ان كان الحج واجبا، أو يطاف عنه ان كان الحج مستحبا.
هكذا ذكره الأصحاب، بل قال في المنتهى: انه قول علمائنا. مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. و الروايات قاصرة عن هذه التفصيل.
اما انه لا تحل له النساء بمجرد الذبح أو النحر في عام الحصر فلا اشكال فيه،
لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في صدر المقصد (1): «و المصدود تحل له النساء و المحصور لا تحل له النساء».
و قوله في صحيحته الثانية (2) المتضمنة لحصر الحسين (عليه السلام). «أ رأيت حين بريء من وجعه قبل ان يخرج إلى العمرة حلت له النساء؟ قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت و بالصفا و المروة».
و اما انه تحل له بعد الطواف فهو صريح صحيحة معاوية المذكورة ثانيا. و مثلها قوله (عليه السلام)
في كتاب الفقه الرضوي (3) في المحصور كما تقدم نقل عبارته: و لا يحل حتى يبلغ الهدي محله، فإذا بلغ الهدي محله أحل و انصرف الى منزله، و عليه الحج من قابل و لا يقرب النساء حتى يحج من قابل.
____________
(1) ص 4.
(2) ص 5 و 6.
(3) ص 29.
45
و إطلاق هذه الاخبار شامل لما لو كان الحج واجبا أو مستحبا بمعنى ان توقف الإحلال على الحج ثانيا و الإتيان بطواف النساء أعم من ان يكون الحج واجبا أو مندوبا.
و لم نقف على دليل يدل على ما ذكروه من الاستنابة في طواف النساء متى كان الحج مندوبا، بل هذه روايات المسألة كما سمعت. و العلامة بعد ذكر هذا الحكم في المنتهى لم يستدل عليه بشيء سوى ما يفهم من كلامه و إسناده ذلك الى علمائنا، المؤذن بدعوى الإجماع عليه كما قدمنا ذكره.
و نقل عن جمع من المتأخرين الاستدلال عليه بان الحج المندوب لا يجب العود لاستدراكه، و البقاء على تحريم النساء ضرر عظيم، فاكتفى في الحل بالاستنابة في طواف النساء.
و فيه: ما عرفت من ان إطلاق الروايات المتقدمة دال على انه لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت- كما في صحيحة معاوية بن عمار- أو حتى يحج من قابل، كما في عبارة كتاب الفقه. و اللازم اما العمل بإطلاق هذه الاخبار، فلا يتحلل إلا بالإتيان به واجبا كان الحج أو مستحبا.
و فيه: ما تقدم من الإشكال الذي ذكره جمع من المتأخرين. و اما حمل هذه الاخبار على الحج الواجب خاصة و القول بالسقوط في المستحب، و عدم وجوب الإتيان بطواف النساء لا بنفسه و لا بالاستنابة. و لعله الأقرب.
و تؤيده المرسلة التي تقدم نقلها عن شيخنا المفيد في المقنعة. و يؤيده قوله في كتاب الفقه: «حتى يحج من قابل» بعد قوله أولا: «و عليه الحج من قابل» فإنه ظاهر في كون الحج واجبا مستقرا.
و قد ألحق شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بالمستحب الواجب الغير
46
المستقر، فيجوز النيابة فيه دون العود له، قال: لما في تركه من الضرر العظيم، مع كونه من الأفعال القابلة للنيابة. و نقل عن العلامة في القواعد الجزم به. ثم قال: و قيل يبقى على إحرامه الى ان يطوف لهن، لإطلاق النص.
و ألحق العلامة في القواعد بالحج المندوب الحج الواجب مع العجز عنه. و حكاه في الدروس بلفظ «قيل» فقال: قيل: أو مع عجزه في الواجب. و هو مؤذن بتمريضه. قال في المدارك: و القول بالجواز غير بعيد، دفعا للحرج و الضرر اللازم من البقاء على التحريم.
و أنت خبير بما في هذه الإلحاقات بعد ما عرفت من عدم الدليل على الملحق به.
و بالجملة فالذي يقرب عندي من اخبار المسألة هو وجوب طواف النساء- و عدم حل النساء إلا بالإتيان به- على من وجب عليه الحج في العام الثاني، و اما من لم يجب عليه فالتمسك بأصالة البراءة أقوى دليل في المقام. و تؤيده مرسلة المقنعة المتقدمة، و ان كان ما ذهبوا اليه هو الأحوط في الدين و تحصل به البراءة بيقين.
قال في الدروس: و لو أحصر في عمرة التمتع فالظاهر حل النساء له، إذ لا طواف لأجل النساء فيها.
قال في المدارك- بعد ان نقل عن المحقق الشيخ علي انه قواه و عن جده انه مال اليه- ما لفظه: و هو غير واضح، إذ ليس في ما وصل إلينا من الروايات تعرض لذكر طواف النساء، و انما المستفاد من صحيحة معاوية بن عمار (1) توقف حل النساء في المحصور على
____________
(1) تقدمت ص 5 و 6.
47
الطواف و السعي و هو متناول للحج و العمرتين. و من هنا يظهر ان ما ذكره المحقق الشيخ علي ايضا- من ان الاخبار مطلقة بعدم حل النساء إلا بطوافهن- غير جيد. انتهى.
أقول: قال في المسالك: و توقف تحريم النساء على طوافهن يتم مع وجوب طواف النساء في النسك، فلو كان عمرة التمتع فالذي ينبغي الإحلال من النساء أيضا، إذ ليس فيها طواف النساء. و اختاره في الدروس. و لكن الأخبار مطلقة بعدم حل النساء إلا بطوافهن من غير تفصيل. انتهى. و كلامه- كما ترى- يؤذن بالتردد لا بالميل الى ذلك القول كما نقله عنه سبطه.
و اما المحقق الشيخ علي (قدس سره) فإنه قال: و في الدروس:
لو كانت عمرة التمتع أحل من النساء أيضا، إذ ليس فيها طواف النساء. و هو قوي متين. لكن الأخبار مطلقة بعدم حل النساء إلا بطوافهن من غير تفصيل. و يمكن ان يحتج لذلك بأن عمرة التمتع دخلت في الحج فالشروع فيها شروع فيه، فيتوقف انقطاع الارتباط به على طواف النساء. و فيه نظر، لان الارتباط لا يقتضي منع إحرامه الذي هو فيه من النساء بعد التقصير الى ان يطوف لهن. انتهى. و هو- كما ترى- كسابقه يؤذن بالتردد لا التقوية كما ذكره.
و حاصل كلامهما ان عدم طواف النساء في صورة الحصر عن عمرة التمتع قوي، بالنظر الى ان عمرة التمتع ليس فيها طواف النساء، إلا انه بالنظر الى إطلاق الاخبار لا يتم ذلك. و يؤيد ما قلناه استدلال المحقق المذكور بما ذكره للقول المذكور ثم رده. و منه يظهر ان النقل عنهما بما ذكره لا يخلو من مسامحة. نعم كلام الشهيد في الدروس ظاهر في الجزم به. ثم ما نقله
48
عن الشيخ علي (قدس سره) من ان الاخبار مطلقة بعدم حل النساء إلا بطوافهن مذكور ايضا- كما عرفت- في كلام جده، فلا وجه لتخصيصه الشيخ علي بذلك.
و كيف كان فان ما ذكراه من ان الاخبار مطلقة بعدم حل النساء إلا بطوافهن، ان أريد به في باب المحصور فليس في الباب ما يتعلق بذلك إلا صحيحة معاوية بن عمار المذكورة (1) و ظاهرها انما هو التوقف على الطواف و السعي، و ليس فيها تعرض لطواف النساء بخصوصه.
و الظاهر ان هذه العبارة خرجت مخرج التجوز، بمعنى انه لا تحل له النساء حتى يأتي بأفعال العمرة من الطواف و السعي و نحوهما، فان سياق الخبر في اعتمار الحسين (عليه السلام) و الظاهر انها عمرة مفردة.
و ان أريد الأخبار الدالة على وجوب طواف النساء على الحاج و المعتمر مطلقا (2) و ان هذه الصورة تدخل تحت إطلاق تلك الاخبار، فهو ايضا غير متجه، لأن الأخبار هناك غير مطلقة بل جملة من الاخبار دلت على وجوب طواف النساء في الحج و لا خلاف فيه، و اختلفت في العمرة المفردة، و ان كان المشهور وجوبه فيها كما سيأتي بيانه في موضعه.
و اما عمرة التمتع فالأخبار مستفيضة بعدم وجوب طواف النساء فيها (3) و الأصحاب إلا من شذ على ذلك. و بالجملة فكلامهما (عطر الله مرقديهما) لا يخلو من غفلة.
نعم لقائل أن يقول في الانتصار لما ذكره شيخنا في الدروس بان ظاهر
____________
(1) ص 5 و 6.
(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج، و الباب 10 من كفارات الاستمتاع و الباب 2 و 82 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 82 من الطواف.
49
سياق صحيحة معاوية المتضمنة لتلك العبارة انما هو اعتماد الحسين (عليه السلام) عمرة مفردة، فلا عموم فيها لما ادعاه في المدارك من دخول الحج و عمرة التمتع، غاية الأمر ان وجوب طواف النساء لما كان متفقا عليه في الحج نصا (1) و فتوى فلا بد من اجراء الحكم فيه من أدلة خارجة لا من هذه الرواية، و عمرة التمتع لما لم يكن فيها طواف النساء- كما استفاضت به الاخبار (2)- بقيت خارجة من الحكم، و إثباته فيها في هذه الصورة يحتاج الى دليل، و ليس إلا صحيحة معاوية المذكورة (3) و ظاهرها الاختصاص بالعمرة المفردة كما ذكرنا، و سياق الخبر حكاية حاله (عليه السلام) فلا عموم فيه كما هو ظاهر. و بذلك يندفع الإشكال في المقام. و الله العالم.
الثالث [المحصور المتحلل الذي لم يذبح هديه في الموعد]
- لو ظهر ان هديه الذي بعثه لم يذبح و قد تحلل في يوم الوعد، لم يبطل تحلله. و كذا لو لم يبعث هديا و أرسل دراهم يشترى بها هدي و واعد بناء على ذلك، فتحلل في يوم الوعد، ثم ردت عليه الدراهم، فان تحلله صحيح أيضا، لأن التحلل في الموضعين وقع باذن الشارع كما سيظهر لك، فلا يتعقبه مؤاخذة و لا بطلان. نعم الواجب عليه بعد العلم بذلك بعث الهدي من قابل، و الإمساك عن ما يجب على المحرم الإمساك عنه الى يوم الوعد.
و يدل على ما ذكرناه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة و قوله (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج، و الباب 10 من كفارات الاستمتاع و الباب 2 و 82 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 82 من الطواف.
(3) ص 5 و 6.
50
السلام) في آخرها على رواية الشيخ في التهذيب كما تقدم (1):
«و ان ردوا الدراهم عليه و لم يجدوا هديا ينحرونه و قد أحل، لم يكن عليه شيء، و لكن يبعث من قابل و يمسك ايضا».
و قوله (عليه السلام) في موثقة زرارة المتقدمة (2) بعد قول زرارة: «قلت: أ رأيت ان ردوا عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه و قد أحل فأتى النساء؟ قال: «فليعد و ليس عليه شيء، و ليمسك الآن عن النساء إذا بعث».
و المستفاد من الروايتين المذكورتين وجوب الإمساك إذا بعث هديه في القابل أو قيمة يشترى بها. و هو المشهور بين الأصحاب.
و قال ابن إدريس: لا يجب عليه الإمساك عن ما يمسك عنه المحرم لانه ليس بمحرم.
و استوجهه العلامة في المختلف، و قال: ان الأقرب عندي حمل الرواية على الاستحباب، جمعا بين النقل و ما قاله ابن إدريس. و أشار بالرواية إلى صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة حيث لم ينقل سواها.
و اعترضه في المدارك بان ما ذكره ابن إدريس لا يصلح معارضا للنقل.
و فيه: ان الظاهر ان مراد شيخنا المذكور ان ما ذكره ابن إدريس هو الأوفق بالقواعد الشرعية و الضوابط المرعية، حيث ان الأصل في الأشياء الإباحة، و الاخبار الدالة على تحريم تلك الأشياء إنما دلت بالإحرام أو في الحرم، و متى لم يكن محرما و لا في الحرم فلا يحرم عليه شيء. و هذا جيد على قواعد ابن إدريس. إلا ان الجواب عنه انه
____________
(1) ص 5 و 6.
(2) ص 4.
51
بعد ان دل النص الصحيح على ذلك فلا مجال للتوقف فيه. و العلامة (رحمه الله) انما لحظ ذلك لا مجرد قول ابن إدريس. و باعتبار ما ذكرناه يكون من قبيل تعارض الدليلين، و هو في غير موضع قد جمع بينهما في مثل ذلك بالاستحباب، و تكلمنا عليه بإمكان الجمع بتخصيص الإطلاق كما هنا، و هو اولى من الجمع بالاستحباب. و ما ذكره العلامة من توجيه كلام ابن إدريس ليس مخصوصا به بل هو ظاهر جماعة من الأصحاب، كما ذكره في المسالك، بل ظاهره في المسالك الميل اليه. و هو من ما يؤذن بقوة قوله عندهم، و ليس إلا باعتبار ما وجهناه به.
ثم انه قال في المدارك: و اعلم انه ليس في الرواية و لا في كلام من وقفت على كلامه من الأصحاب تعيين لوقت الإمساك صريحا، و ان ظهر من بعضها انه من حين البعث. و هو مشكل. و لعل المراد انه يمسك من حين إحرام المبعوث معه الهدي. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ظاهر موثقة زرارة (1) وجوب الإمساك إذا بعث. ثم انه اي إشكال في القول بوجوب الإمساك من حين البعث حتى انه يرتكب التخصيص بحين إحرام المبعوث معه الهدي؟ و اي دليل دل على ذلك حتى يفر اليه من هذا الاشكال. بل الإشكال في ما ذكره أعظم، حيث انه لا دليل عليه بالمرة و لا قائل به بالكلية و القول بوجوب الإمساك من حين البعث هو ظاهر الأصحاب و الاخبار اما موثقة زرارة (2) فهي ظاهرة في ذلك. و اما صحيحة معاوية بن عمار (3)
____________
(1) تقدمت ص 4.
(2) تقدمت ص 4.
(3) تقدمت ص 5 و 6.
52
فان قوله: «يبعث من قابل و يمسك أيضا»- يعني: من قابل- فهو ظاهر في كون وقت الإمساك و وقت البعث واحدا.
بقي هنا شيء و هو ان ظاهر موثقة زرارة أنه بالمواعدة و إتيان وقت الوعد يحل حتى من النساء. و هو مشكل، حيث ان ظاهر الأصحاب ان الحل من النساء متوقف على الطواف كما تقدم، بنفسه ان كان الحج واجبا، لوجوب المضي عليه، أو نائبه ان كان مستحبا. و هو ظاهر الاخبار المتقدمة أيضا.
قال في الوافي بعد نقل الخبر المذكور: لعل المراد بإتيانه النساء إتيانه إياهن بعد الطواف و السعي (1).
أقول: لا يخفى ما فيه، فان سياق الخبر ان المحصور يبعث بهديه و يواعدهم يوما، فإذا بلغ الهدي أحل هذا في مكانه، فقال له الراوي:
أ رأيت ان ردوا عليه دراهمه و لم يذبحوا عنه و قد أحل فأتى النساء؟
قال: فليعد و ليس عليه شيء، و ليمسك الآن عن النساء. هذا صورة الخبر، فكيف يتم إن إتيانه بعد الطواف و السعي و هو في مكانه؟
مع ان التكليف بالطواف بنفسه أو بنائبه انما هو في العام القابل كما في الاخبار و كلام الأصحاب. اللهم إلا ان يحمل إتيانه النساء على الخطأ و الجهل بتوهم حلهن له بالمواعدة كما في سائر محرمات الإحرام و يكون قوله (عليه السلام): «ليس عليه شيء» يعنى من حيث الجهل، فإنه معذور، كما في غير موضع من أحكام الحج، و انه بعد العلم بذلك فليمسك الآن عن النساء إذا بعث.
قال المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد- بعد نقل
____________
(1) لم نجد هذه العبارة في الوافي.
53
الخلاف بين المشهور و ابن إدريس، و احتجاج ابن إدريس بالأصل، و انه ليس بمحرم و لا في حرم، فكيف يمنع من الصيد و نحوه؟ و الجواب عن ذلك بأنه لا استبعاد بعد وجود النص، و يضمحل الأصل به. و يؤيده ما يدل على بعث الهدى من الآفاق و الإمساك كما سيجيء-: على انه قد يقال: وجوب الإمساك عن الصيد و نحوه غير معلوم، و انما دل الدليل على وجوب الإمساك عن النساء، و لا استبعاد في ذلك، كما إذا قصر المحصر لا تحل له النساء حتى يطوف، فان معنى قولهم: «لا يبطل إحلاله» انه لا تجب عليه الكفارة بالتحلل بل لما وقع التحلل باعتقاد انه محل فلا شيء عليه. و لا ينافيه ان يكون باقيا على إحرامه الى ان يبعث في القابل. و لكن يلزم كونه باقيا على الإحرام من حين العلم لا من حين البعث، و لا شك انه أحوط. بل الظاهر ان ذلك هو الواجب، لان المحلل ما حصل في نفس الأمر، و كفاية زعمه غير ظاهر بعد العلم بفساد زعمه و ظنه. فتأمل. انتهى.
أقول: و فيه: ان ظاهره موافقة ابن إدريس في عدم تحريم الصيد و نحوه من محرمات الإحرام إلا النساء. و لعله اعتمد في ذلك على موثقة زرارة المتقدمة، حيث نقلها سابقا في كلامه، إلا انها غير صريحة بل و لا ظاهرة في ذلك و ان أوهمته في بادي الرأي. و الظاهر من كلام الأصحاب و صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة هو تحريم جميع محرمات الإحرام عليه من حين البعث لا خصوص النساء. و بالجملة فإنا نقول: ان هذا المحرم بعد إحرامه قد حرم عليه جميع محرمات الإحرام، و لما أحصر و اذن له الشارع ببعث الهدي أو ثمنه، و انه يعدهم بوقت، و جوز له الإحلال في ذلك الوقت إلا من النساء، ثم قصر و أحل في وقت الوعد باذن الشارع
54
له في ذلك لا باعتبار زعمه و ظنه كما ذكره (قدس سره) فقد وقع إحلاله في محله، و لا يتعقبه نقص و لا كفارة. و قوله (قدس سره)-:
و لا ينافيه ان يكون باقيا على إحرامه الى ان يبعث في القابل- ممنوع فإنه بناء على كون التحلل انما وقع في الظاهر باعتبار ظنه و زعمه باعتقاده الذبح عنه، و هو غلط منه، بل التحلل عندنا انما استند إلى أمر الشارع له بذلك و تجويزه، كما دل عليه الخبران المتقدمان. و يؤيده أيضا
قوله (عليه السلام) في موثقة زرعة (1): «و انما عليه ان يعدهم لذلك يوما، فإذا كان ذلك اليوم فقد وفى، و ان اختلفوا في الميعاد لم يضره ان شاء الله تعالى».
و حينئذ إذا كان إحلاله مستندا إلى اذن الشارع فهو محل ظاهرا و واقعا، غاية الأمر ان الشارع أوجب عليه لتدارك ما فات ان يرسل الهدي و ان يجتنب ما يجتنبه المحرم وقت الإرسال، كما في الآفاقي الآتي ذكره ان شاء الله تعالى. و هذا غاية ما يفهم من اخبار المسألة. و بذلك يظهر ان ما ذكره- من ان الأحوط بل الظاهر انه الواجب كونه باقيا على الإحرام من حين العلم- غير جيد، بل مجرد و هم نشأ من بنائه تجويز الإحلال على زعمه و ظنه التحلل بالمواعدة و انهم وفوا بوعده، و قد انكشف خلف الوعد فكان باقيا على إحرامه. و قد عرفت ما فيه، و ان تجويز الإحلال إنما استند إلى أمر الشارع و اذنه. و ليت شعري كيف الجمع، بين حكمه أولا بأن وجوب الإمساك عن الصيد و نحوه غير معلوم و إنما دل الدليل على وجوب الإمساك عن النساء، و بين قوله ان يكون باقيا على إحرامه من حين العلم بفساد المواعدة و انهم لم يذبحوا عنه، لظهور بقائه على
____________
(1) تقدمت ص 42.
55
الإحرام الأول؟ ما هو إلا عجب عجيب من هذا المحقق الأريب، و بالجملة فإني لا اعرف لكلامه (رحمه الله تعالى) هنا وجه صحة.
و الله العالم.
الرابع [المحصور الذي يخف بعد بعث الهدي]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو وجد المحصور من نفسه خفة- بعد ان بعث هديه- و امكنه المسير إلى مكة فالواجب عليه اللحوق بأصحابه، لأنه محرم بأحد النسكين فيجب عليه الإتيان به و إتمامه، للآية (1) و الفرض انه متمكن. ثم انه ان أدرك أحد الموقفين الموجب لصحة الحج فقد أدرك الحج و ليس عليه الحج من قابل، و ان لم يدرك ما يوجب صحة الحج فقد فاته الحج و كان عليه الحج من قابل ان كان واجبا، و يتحلل بعمرة. و سيأتي ان شاء الله (تعالى) تفصيل ما به يدرك الحج في محله.
و يدل على أصل الحكم
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «إذا أحصر الرجل بعث بهديه، فإذا أفاق و وجد من نفسه خفة فليعض ان ظن انه يدرك الناس، فان قدم مكة قبل ان ينحر الهدي فليقم على إحرامه حتى يفرغ من جميع المناسك و لينحر هديه و لا شيء عليه، و ان قدم مكة و قد نحر هديه فان عليه الحج من قابل أو العمرة. قلت: فان مات و هو محرم قبل ان ينتهي إلى مكة؟ قال: يحج عنه ان كانت حجة الإسلام و يعتمر، انما هو شيء عليه».
قوله: «ان ظن انه يدرك الناس»
____________
(1) سورة البقرة، الآية 195.
(2) الوسائل الباب 3 من الإحصار و الصد.
56
في الكافي (1)، و في التهذيب (2) «ان ظن انه يدرك هديه قبل ان ينحر».
قال في الوافي (3): قوله: «من قابل» قيد للحج خاصة دون العمرة، و انما الحج من قابل إذا نحر هديه وفات وقت مناسكه. و قوله:
«أو العمرة» يعني: إذا كان إحرامه للعمرة. انتهى.
و هو كذلك بناء على عطف العمرة ب «أو»، و اما على العطف بالواو- كما في بعض النسخ، و كذلك نقله في الوسائل و المنتهى في ما حضرني من نسختهما- فالظاهر ان المراد عمرة التحلل. فان قيل: ان التحلل قد حصل بذبح الهدي عنه. قلنا: ظاهر كلام الأصحاب و إطلاق عباراتهم في هذا المقام يعطي وجوب التحلل بالعمرة و ان تحقق الذبح عنه بعد وصوله.
قال في المدارك- بعد قول المصنف: و لو بعث هديه ثم زال العارض لحق بأصحابه، فإن أدرك أحد الموقفين في وقته فقد أدرك الحج، و إلا تحلل بعمرة- ما صورته: و اعلم ان إطلاق العبارة و غيرها يقتضي عدم الفرق في وجوب التحلل بالعمرة مع الفوات بين ان يتبين وقوع الذبح عنه و عدمه. و بهذا التعميم صرح الشهيدان، نظرا الى ان التحلل بالهدي انما يحصل مع عدم التمكن من العمرة أما معها فلا، لعدم الدليل. و يحتمل عدم الاحتياج إلى العمرة إذا تبين وقوع الذبح عنه لحصول التحلل به. انتهى.
و بالجملة فإنه على تقدير نسخة الواو لا معنى للعمرة إلا عمرة التحلل و على تقديره تكون الرواية واضحة الدلالة على ما ذكره الأصحاب و المعنى حينئذ انه ينتقل إحرامه الذي دخل به للحج إلى العمرة المفردة
____________
(1) ج 4 ص 370.
(2) ج 5 ص 422.
(3) باب (المحصور و المصدود).
57
و يتحلل بها. و بذلك صرح الأصحاب أيضا.
قال العلامة في المنتهى: إذا فاته الحج جعل حجه عمرة مفردة، فيطوف و يسعى و يحلق. قاله علماؤنا أجمع. ثم نقل خلاف العامة (1).
و العجب من السيد السند في المدارك حيث ذكر الحكم المذكور و لم يورد الرواية دليلا لذلك، مع صحتها و صراحتها، و تهالكه على ذكر الأدلة، و لا سيما مع صحة أسانيدها. و لعله غفل عنها. و الله العالم.
الخامس [حكم المعتمر في أحكام الحصر حكم الحاج]
- الظاهر انه لا خلاف و لا إشكال في ان حكم المعتمر في أحكام الحصر حكم الحاج، فمتى أحصر فعل ما ذكر في أحكام الحج، و كان عليه العمرة واجبة ان كانت عمرة الإسلام أو غيرها من الواجبات و ان كانت نفلا كان الإعادة نفلا أيضا.
بقي الكلام في انه هل يشترط مضى الشهر هنا أم يقضي عند زوال العذر مطلقا؟ ظاهر الأصحاب ان الخلاف هنا كالخلاف في أصل المسألة في الزمان الذي يجب كونه بين العمرتين. قال في الدروس: المعتمر افرادا يقضي عمرته في زمان يصح فيه الاعتمار ثانيا، فيبني على الخلاف.
أقول: و سيأتي تحقيق الكلام فيه في محله ان شاء الله (تعالى).
قال في المدارك: و يمكن المناقشة فيه بعدم تحقق العمرة، لتحلله منها، فلا يعتبر في جواز الثانية تخلل الزمان الذي يجب كونه بين العمرتين. الا ان يقال باعتبار مضى الزمان بين الإحرامين. و هو جيد.
و كيف كان فإنما يجب قضاء العمرة مع استقرار وجوبها قبل ذلك أو مع التفريط، كما تقدم في الحج. و الله العالم.
السادس [المحصور القارن المتحلل هل يقضي بمثل ما خرج منه؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في المحصور
____________
(1) المغني ج 3 ص 327 و 328 طبع مطبعة العاصمة.
58
إذا كان قارنا ثم تحلل، فهل يجب عليه القضاء بمثل ما خرج منه فلا يجوز له التمتع أم لا؟ المشهور الأول، و هو قول الشيخ و من تبعه.
و ظاهر هذا القول عدم الفرق بين الواجب و الندب، و ان كان الندب لا يجب قضاؤه، الا انه ان قضاه قضاه كذلك. و منع ابن إدريس من ذلك و جعل له ان يحرم بما شاء. و قال في المختلف: و الأقرب ان نقول ان تعين عليه نوع وجب عليه الإتيان به و إلا تخير، غير ان الأفضل الإتيان بمثل ما خرج منه. و نحوه في المنتهى.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة
صحيحة رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) و محمد بن مسلم عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) انهما قالا: «القارن يحصر، و قد قال و اشترط: فحلني حيث حبستني؟ قال: يبعث بهديه. قلنا: هل يتمتع في قابل؟ قال:
لا و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».
و رواية رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت:
رجل ساق الهدي ثم أحصر؟ قال: يبعث بهديه. قلت: هل يستمتع من قابل؟ فقال: لا و لكن يدخل في مثل ما خرج منه».
و بهذه الروايات أخذ الشيخ و من تبعه من الأصحاب.
قال في المنتهى بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم و رفاعة دليلا للشيخ:
و نحن نقول بحمل هذه الرواية على الاستحباب، أو على انه قد كان القران متعينا في حقه، لانه إذا لم يكن واجبا لم يجب القضاء، فعدم وجوب الكيفية أولى. انتهى. و هو جيد.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 423، و الوسائل الباب 4 من الإحصار و الصد.
(2) الكافي ج 4 ص 371، و الوسائل الباب 4 و 7 من الإحصار و الصد.
59
قال في المدارك: و القول بوجوب الإتيان بما كان واجبا و التخيير في المندوب لابن إدريس و جماعة، و قوته ظاهرة. انتهى.
أقول: لا يخفى ان مقتضى كلام العلامة في المختلف ان في المسألة أقوالا ثلاثة: أحدها- ما نقله عن الشيخ، و هو المشهور كما قدمنا ذكره. الثاني- ما نقله عن ابن إدريس، و هو ما ذكرناه من انه يحرم بما شاء. و كذلك نقله في المنتهى بهذه العبارة. الثالث- ما اختاره هو (قدس سره) في المنتهى و المختلف كما قدمنا ذكره عن المختلف.
و قال في المنتهى بعد نقل قولي الشيخ و ابن إدريس: و الوجه عندي انه يأتي بما كان واجبا، و ان كان ندبا حج بما شاء من أنواعه، و ان كان الإتيان بمثل ما خرج منه أفضل. و هو يرجع الى ما اختاره في المختلف.
و المحقق في الشرائع نقل قول الشيخ و القول الذي حكيناه عن العلامة فقال: و القارن إذا أحصر فتحلل لم يحج في القابل الا قارنا. و قيل:
يأتي بما كان واجبا، و ان كان ندبا حج بما شاء من أنواعه، و ان كان الإتيان بمثل ما خرج منه أفضل. هذه عبارته.
و السيد السند (قدس سره) نسب هذا القول الثاني لابن إدريس و جماعة، كما سمعت من عبارته، و هو و هم منه (قدس سره) فان قول ابن إدريس المحكي عنه في المختلف و المنتهى كما سمعت انما هو الإحرام بما شاء، و اين هو من هذا التفصيل الذي في العبارة؟ و انما هذا قول ثالث في المسألة غير قول ابن إدريس.
و هذه عبارة ابن إدريس في سرائره ننقلها لتكون على يقين من ما قلناه، قال: قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و المحصور ان كان قد أحصر و قد أحرم بالحج قارنا فليس له ان يحج في المستقبل متمتعا،
60
بل يدخل بمثل ما خرج منه. قال محمد بن إدريس: و ليس على ما قاله (رحمه الله) دليل من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع، بل الأصل براءة الذمة. و بما شاء يحرم في المستقبل. انتهى. و بذلك يظهر لك ان ما ذكره في المدارك ناشىء عن الغفلة و عدم مراجعة مذهب ابن إدريس في المسألة.
أقول: و كلام ابن إدريس جيد على أصوله الغير الاصيلة، و الا فالسنة قد دلت على ما ذكره الشيخ، غير ان الشيخ لما كان من عادته في النهاية الإفتاء بمتون الاخبار غالبا ذكر فتواه بصورة الرواية، و الرواية على إطلاقها غير معمول عليها. و بعين ما تؤول به الرواية يؤول كلامه. و الوجه فيه ما ذكره العلامة و غيره من ان الحج الأول، ان كان واجبا فالقضاء قرانا واجب، و ان كان مستحبا فهو مخير، و ان كان الأفضل جعله قرانا. و اما كلام ابن إدريس فهو ساقط رأي العين، لانه مبني على اطراح الروايات من البين.
السابع [المحصور المحتاج إلى حلق الرأس قبل بلوغ الهدي محله]
- المحصور قبل بلوغ الهدي محله، ان احتاج الى حلق رأسه لأذى، ساغ له ذلك، و وجب عليه الفداء. صرح به في المنتهى.
و استدل عليه
برواية زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (1) قال:
«إذا أحصر الرجل فبعث بهديه، و آذاه رأسه قبل ان ينحر فحلق رأسه، فإنه يذبح في المكان الذي أحصر فيه، أو يصوم، أو يطعم ستة مساكين».
أقول: و هذه الرواية قد رواها الشيخ في موضع من التهذيب (2)
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الإحصار و الصد رقم 1.
(2) ج 5 ص 423.
61
بهذه، الصورة، و عليها اقتصر في الوافي (1)
و رواها أيضا في موضع آخر (2) عن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أحصر الرجل فبعث بهديه، فآذاه رأسه قبل ان ينحر هديه، فإنه يذبح شاة في المكان الذي أحصر فيه، أو يصوم، أو يتصدق على ستة مساكين.
و الصوم ثلاثة أيام. و الصدقة نصف صاع لكل مسكين».
و الظاهر ان لفظ حلق الرأس سقط من هذه الرواية. و لعله لذلك اقتصر في الوافي على نقل الرواية بالنحو الأول.
و كيف كان فالظاهر ان وجوب الشاة أو بدلها إنما هو من حيث كفارة الحلق لا للتحلل بل التحلل موقوف على حلول وقت المواعدة.
تذنيب [حكم باعث الهدي تطوعا]
قال الشيخ في النهاية: و من أراد ان يبعث بهدي تطوعا فليبعثه و يواعد أصحابه يوما بعينه، ثم ليجتنب جميع ما يجتنبه المحرم من الثياب و النساء و الطيب و غيره. الا انه لا يلبي. فإن فعل شيئا من ما يحرم عليه كانت عليه الكفارة كما تجب على المحرم سواء. فإذا كان اليوم الذي واعدهم أحل. و ان بعث الهدي من أفق من الآفاق يواعدهم يوما بعينه بإشعاره و تقليده، فإذا كان ذلك اليوم اجتنب ما يجتنبه المحرم الى ان يبلغ الهدي محله، ثم انه أحل من كل شيء أحرم منه. انتهى.
قال ابن إدريس بعد نقل ذلك: قال محمد بن إدريس: هذا غير
____________
(1) باب (المحصور و المصدود).
(2) ج 5 ص 334، و الوسائل الباب 5 من الإحصار و الصد رقم 2.
62
واضح، و هذه اخبار آحاد لا يلتفت إليها و لا يعرج عليها، و هذه أمور شرعية يحتاج مثبتها و مدعيها إلى أدلة شرعية، و لا دلالة من كتاب و لا سنة مقطوع بها و لا إجماع، و أصحابنا لا يوردون هذا في كتبهم و لا يودعونه في تصانيفهم، و إنما أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته إيرادا لا اعتقادا، لان الكتاب المذكور كتاب خبر لا كتاب بحث و نظر و كثيرا ما يورد فيه أشياء غير معمول عليها. و الأصل براءة الذمة من التكاليف الشرعية.
و قال العلامة في المختلف بعد نقل كلام ابن إدريس- و نعم ما قال-:
و هذا الإنكار من ابن إدريس خطأ، فإن الشيخ قد ذكره في غير كتاب النهاية، و ابن البراج ايضا ذكره، و الصدوق- و هو شيخ الجماعة و كبيرهم- قد روى في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) في الصحيح عن معاوية بن عمار. ثم ساق الرواية كما سيأتي ان شاء الله (تعالى) و نقل عنه أيضا المرسلة الآتية، و ساق جملة من روايات المسألة الآتية ان شاء الله (تعالى)، و قال بعدها: و هذه الاخبار متظاهرة مشهورة صحيحة السند، عمل بها أكثر العلماء، فكيف يجعل ذلك شاذا من غير دليل؟ و هل هذا إلا جهل منه بمواقع الأدلة و مدارك أحكام الشرع؟ انتهى.
أقول: و ها أنا أسوق إليك ما وقفت عليه من الاخبار في المسألة:
فمنها:
صحيحة معاوية بن عمار المشار إليها آنفا المروية في من لا يحضره الفقيه (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبعث بالهدي تطوعا و ليس بواجب. فقال: يواعد أصحابه يوما فيقلدونه، فإذا
____________
(1) ج 2 ص 306، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
(2) ج 2 ص 306، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
63
كان تلك الساعة اجتنب ما يجتنبه المحرم الى يوم النحر، فإذا كان يوم النحر أجزأ عنه. فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين صده المشركون يوم الحديبية نحر و أحل، و رجع الى المدينة».
و صحيحة الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بعث بهديه مع قوم سياق، و واعدهم يوما يقلدون فيه هديهم و يحرمون. فقال: يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم فيه حتى يبلغ الهدي محله. قلت: أ رأيت ان اختلفوا في الميعاد و ابطأوا في المسير عليه، و هو يحتاج ان يحل هو في اليوم الذي واعدهم فيه؟ قال: ليس عليه جناح ان يحل في اليوم الذي واعدهم فيه».
و صحيحة هارون بن خارجة (2) قال: «ان أبا مراد بعث ببدنة و أمر الذي بعث بها معه ان يقلد و يشعر في يوم كذا و كذا، فقلت له:
انه لا ينبغي لك ان تلبس الثياب. فبعثني الى ابي عبد الله (عليه السلام) و هو بالحيرة، فقلت له: ان أبا مراد فعل كذا و كذا، و انه لا يستطيع ان يدع الثياب لمكان ابي جعفر. فقال: مره فليلبس الثياب و لينحر بقرة يوم النحر عن لبسه الثياب».
و صحيحة عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«ان ابن عباس و عليا (عليه السلام) كانا يبعثان بهديهما من المدينة
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 424، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
(2) التهذيب ج 5 ص 425، و الوسائل الباب 10 من الإحصار و الصد.
(3) التهذيب ج 5 ص 424، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد و الراوي في نسخ الحدائق «عبد الله بن مسكان» و في كتب الحديث «عبد الله ابن سنان» كما أوردناه.
64
ثم يتجردان، و ان بعثا بهما من أفق من الآفاق و أعدا أصحابهما بتقليدهما و إشعارهما يوما معلوما، ثم يمسكان يومئذ إلى يوم النحر عن كل ما يمسك عنه المحرم و يجتنبان كل ما يجتنب المحرم، إلا انه لا يلبي إلا من كان حاجا أو معتمرا».
و رواية أبي الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بعث بهدي مع قوم، و واعدهم يوما يقلدون فيه هديهم و يحرمون فيه. فقال: يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم حتى يبلغ الهدي محله. فقلت: أ رأيت إن أخلفوا في ميعادهم و ابطأوا في السير، عليه جناح في اليوم الذي واعدهم؟ قال:
لا، و يحل في اليوم الذي واعدهم».
و رواه الشيخ في التهذيب (2) في الصحيح عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام). الحديث كما قدمناه».
و رواية سلمة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «ان عليا (عليه السلام) كان يبعث بهديه ثم يمسك عن ما يمسك عنه المحرم، غير انه لا يلبي، و يواعدهم يوم ينحر بدنة فيحل».
و روى في من لا يحضره الفقيه (4) مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام): ما يمنع أحدكم ان يحج كل سنة؟ فقيل له:
لا يبلغ ذلك أموالنا. فقال: اما يقدر أحدكم إذا خرج أخوه أن
____________
(1) الكافي ج 4 ص 539، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
(2) ج 5 ص 424، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
(3) الكافي ج 4 ص 540، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
(4) ج 2 ص 306، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد.
65
يبعث معه بثمن أضحية، و يأمره أن يطوف عنه أسبوعا بالبيت، و يذبح عنه فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه و تهيأ و اتى المسجد، فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس».
أقول: و الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع
الأول [البحث مع ابن إدريس في سند أخبار هذه المسألة]
- لا يخفى ان هذه الروايات قد رواها المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في أصولهم المشهورة، فما بين ما اشتركوا في روايته، و ما بين ما انفرد كل منهم ببعض منها، و هو دليل واضح على صحتها عندهم و العمل بها.
و بذلك يظهر ان كلام ابن إدريس و طعنه فيها من ما لا ينبغي ان يصغى اليه، و هل الطعن فيها مع رواية أساطين الطائفة المحقة لها و وجودها في الأصول المأثورة عنهم (عليهم السلام) إلا طعن في اخبار الشريعة كملا؟
قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: و اعلم ان هذه العبارة قد وردت في النصوص الصحيحة المتكثرة، و ذكرها أكثر الأصحاب في كتبهم، و أفتوا بمضمونها، و إثبات الأحكام الشرعية يحصل بدون ذلك. و حينئذ فلا يلتفت الى إنكار ابن إدريس لها، زاعما ان مستندها اخبار آحاد لا تكفي في تأسيس مثل ذلك، فان ذلك منه في حين المنع. انتهى.
الثاني [هل تحرم محرمات الإحرام على باعث الهدي تطوعا؟]
- ظاهر الاخبار المذكورة المطابقة لما ادعاه الشيخ من وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم في مدة المواعدة، و التكفير لو تلبس بشيء من المحرمات، و ظاهر جملة من أصحابنا- منهم: شيخنا الشهيد الثاني- ان محرمات الإحرام في المدة المضروبة مكروهة لا محرمة.
قال في المسالك: يكره له بعد النية ملابسة تروك المحرم كراهة شديدة، و في رواية أبي الصباح عن الصادق (عليه السلام) «يحرم عليه ما يحرم على المحرم في اليوم الذي واعدهم حتى يبلغ الهدي محله»
66
و الظاهر انه أراد به تأكد الكراهة. انتهى.
أقول: و التصريح بالتحريم كما وقع في رواية أبي الصباح المروية بطريق آخر في الصحيح عن الحلبي (1) فكذا في صحيحة الحلبي (2)، و صرح بالتكفير على لبس المخيط المؤذن بالتحريم في صحيحة هارون بن خارجة (3) مع اتفاق الروايات الباقية عدا المرسلة الأخيرة (4) في انه يجتنب ما يجتنبه المحرم الى يوم النحر. و لا وجه لاطراح هذه الاخبار كملا و الخروج عن ظاهرها إلا مجرد الاستبعاد الذي ذكره ابن إدريس في المسألة المتقدمة و هو من ردت عليه قيمة الهدي، و انه يرسل هديا في العام القابل، و يمسك عن المحرمات وقت الإرسال. و هم قد ردوه سابقا، و إلا فما الموجب لتأويلها بما ذكره؟
و من أجل ذلك اعترضه سبطه في المدارك ايضا، فقال بعد نقل ذلك عنه: و يشكل بان مقتضى روايتي الحلبي و ابي الصباح الكناني التحريم، و لا معارض لهما يقتضي حملهما على الكراهة.
أقول: و ظاهر المحقق في الشرائع أيضا يشعر بذلك حيث صرح باستحباب الكفارة لو اتى بما يحرم على المحرم. بل يشعر بنوع توقف في أصل الحكم حيث نسبه الى الرواية، فقال: و روى ان باعث الهدي تطوعا يواعد أصحابه وقت ذبحه أو نحره، ثم يجتنب ما يجتنبه المحرم فإذا كان وقت المواعدة أحل، لكن هذا لا يلبي. و لو اتى بما يحرم على المحرم كفر استحبابا. انتهى.
و الظاهر ان منشأ جميع ذلك هو الاستبعاد الذي ذكره ابن إدريس في تلك المسألة ورد لأجله أخبار هذه المسألة. و هو مردود بأن الأحكام
____________
(2) 63.
(3) 63.
(1) ص 64.
(4) ص 64.
67
الشرعية أمور متلقاة من الشارع، فمتى ثبت الحكم عنه و لا معارض له فالخروج عنه بمجرد التشهي غير جيد. و استفاضة الاخبار في باب الإحرام و دخول الحرم بتحريم تلك الأشياء لا يقتضي التخصيص بهما و انه لا يحرم في صورة غيرهما، بل كما ثبت ذلك الحكم بالاخبار ثبت هذا، و ان كان ذلك أشد اشتهارا، لاعتضاده بالكتاب (1) و الإجماع من الخاصة و العامة (2). على ان نظير هذه المسألة غير عزيز في الاخبار و في كلامهم، فان الآيات (3) و الروايات (4) قد استفاضت و اتفقت على ان ما يخلفه الميت من الأموال فهو للورثة إلا مع الوصية أو الدين، مع انه قد ورد في الحبوة بعض الاخبار (5) التي هي أقل من هذه الاخبار، فخصصوا بها إطلاقات الكتاب و السنة، و استثنوا تلك الأشياء المذكورة فيها و جعلوها للولد الأكبر. و مثله في قولهم بانعقاد الإحرام قبل الميقات بنذره، مع استفاضة الروايات بأن الإحرام لا يكون إلا من الميقات (6)، و قولهم بان النذر لا ينعقد إلا إذا
____________
(1) يرجع في ذلك الى كنز العرفان في فقه القرآن ج 1 ص 321 الى 336 طبع طهران.
(2) يرجع في ذلك الى المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 267 الى ص 320 و ص 441 الى ص 469 طبع مطبعة العاصمة.
(3) يرجع في ذلك الى كنز العرفان في فقه القرآن ج 2 ص 323 الى 337 طبع طهران.
(4) الوسائل الباب 13 من الدين، و الباب 28 من الوصايا، و كتاب الفرائض و المواريث.
(5) الوسائل الباب 3 من ميراث الأبوين و الأولاد.
(6) الوسائل الباب 1 و 9 و 11 من المواقيت في الحج.
68
كان مشروعا قبل ذلك، فخرجوا عن جميع ذلك بحديث أو حديثين ضعيفين (1) كما تقدم، الى غير ذلك من ما يقف عليه المتتبع.
و بالجملة فالظاهر هو قول الشيخ المتقدم لاعتضاده بالنصوص المذكورة
الثالث [تحقيق في مدلول مرسلة الصدوق في المقام]
- ان الظاهر ان ما اشتملت عليه مرسلة الصدوق، و هي الأخيرة من الروايات المتقدمة، من إرسال ثمن أضحية و أمر الرسول بذبحها، و ان يطوف عنه أسبوعا، ثم يأتي يوم عرفة المسجد بعد ان يلبس ثيابه- و الظاهر ان المراد الثياب الحسنة المأمور بها في الجمعة و العيدين- و يشتغل بالدعاء، صورة أخرى غير ما اشتملت عليه الاخبار المتقدمة، لعدم تضمنها المواعدة لإشعار الهدي، و الاجتناب عن ما يجتنبه المحرم.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك إدراجها في تلك الأخبار المتقدمة، و تقييد إطلاقها بما في تلك الاخبار و حملها عليها، فقال بعد ذكر المرسلة المذكورة: و حاصل هذه العبارة- على ما اجتمع من الاخبار- ان من أراد ذلك و هو في أفق من الآفاق، يبعث هديا أو ثمنه مع بعض أصحابه، و يواعده يوما لإشعاره أو تقليده، فإذا حضر ذلك الوقت اجتنب ما يجتنبه المحرم، فيكون ذلك بمنزلة إحرامه، لكن لا يلبي، فإذا كان يوم عرفة اشتغل بالدعاء من الزوال الى الغروب استحبابا، كما يفعله من حضرها، و يبقى على إحرامه إلى يوم النحر.
ثم قال تفريعا على ما ذكره: أكثر الأخبار وردت ببعث الهدي، و تبعها المصنف و غيره من أصحاب الفتاوى، و لا شك انه أفضل، لكنه غير متعين، فيجوز بعث الثمن خصوصا في من لا يقدر على بعث
____________
(1) الوسائل الباب 13 من المواقيت في الحج.
69
بدنة، فان باقي الأنعام لا يصلح للبعث إلا من قرب. و قد ورد بعث الثمن في الخبر الذي ذكرناه (1) و ذكره الصدوق في الفقيه (2). انتهى.
و الظاهر بعده، و ان ما اشتملت عليه المرسلة المذكورة صورة أخرى خارجة عن مورد تلك الاخبار، و تقييدها بتلك الاخبار- مع اتفاقها كلها على نوع واحد و تعدد القيود فيها- تعسف محض. و الى ما ذكرناه مال سبطه السيد السند (قدس سره) في المدارك.
الرابع [تحقيق في يوم المواعدة من حيث تعينه و عدمه]
- ظاهر الاخبار المتقدمة انه لا فرق في يوم المواعدة لاسعار الهدي أو تقليده بين اليوم الذي يحرمون فيه أو قبله أو بعده، و ان اشتمل بعضها على انه واعدهم يوم يقلدون فيه هديهم و يحرمون، فإنما هو حكاية حال من حيث الاتفاق على المواعدة بذلك الوقت لا من حيث تعينه، و لا بين كونه بعد تلبسهم بالحج أو قبله، و لا بين كون الزمان الذي بينه و بين يوم النحر طويلا أو قصيرا، كل ذلك لإطلاق النصوص. و بنحو ذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.
الا ان الظاهر انه لا بد ان يكون قبل الزوال يوم عرفة ليكون شريكا بالتشبه في إحرامه بالمعرفين لهم في ذلك الموقف، و لو كان بعده فإشكال.
و استظهر في المسالك الاجزاء، قال: و يمكن استفادته من
قوله (عليه السلام) في الخبر السالف (3): «فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه».
فان الثياب عرفا شاملة للمخيط. و يمكن ان يريد بها ثياب الإحرام. و هو الاولى.
____________
(1) تقدم ص 64 و 65.
(2) ج 2 ص 306، و الوسائل الباب 9 من الإحصار و الصد الرقم 6.
(3) تقدم ص 64 و 65.
70
أقول: و هذا انما يتجه بناء على ما قدمنا نقله من ضم تلك المرسلة إلى الروايات المتقدمة و تقييدها بها، و جعل ما اشتمل عليه الجميع حكما في المسألة. و قد أشرنا إلى بعده. و يحتمل- و لعله الأقرب- حمل مطلق الروايات على مقيدها، و تخصيص يوم المواعدة بالميقات، و هو اليوم الذي يعقدون فيه الإحرام بالتقليد، و انه يشاركهم في الإحرام من ذلك الوقت.
و بالجملة فالظاهر ان الغرض من هذا الفعل هو مشاركة هذا المرسل للحاج في أفعال الحج التي أولها الإحرام من الميقات. و الله العالم.
الخامس [ما هو الهدي في المقام؟]
- قال شيخنا في المسالك: المراد بالهدي هنا المجزئ في الحج، فيتخير من النعم الثلاثة، و يشترط فيه شرائطها السابقة من السن و السلامة من العيوب و السمن و غيرها، و أفضله البدنة، و قد صرح بها في بعض الاخبار (1)، و بعث البعيد منبه عليه ايضا.
انتهى. و هو جيد.
بقي هنا شيء، و هو ان ما ذكره من التخيير بين الأنعام الثلاثة و ان تم من حيث صدق الهدي على كل منهما، إلا ان الإرسال من الآفاق انما يتم في البدن خاصة دون غيرها من البقر و الغنم، لضعفها عن الوصول كما لا يخفى، فلو خص الهدي في الاخبار و كلام الأصحاب بالبدن لكان جيدا. و القول- بأنه يمكن السياق من الأماكن القريبة و يتم سياق البقر و الغنم- فيه: انه و ان أمكن ذلك إلا ان ظواهر الأخبار المتقدمة ان السياق انما هو من الأماكن البعيدة. و الله العالم.
السادس [كيف تجتنب المحرمات هنا؟]
- قال في المسالك: يفتقر اجتنابه لما يجتنبه المحرم الى
____________
(1) الوسائل الباب 10 من الإحصار و الصد.
71
النية كغيره من العبادات، فينوي اجتناب كذا و كذا من تروك الإحرام أو ما يجتنبه المحرم لندبه قربة الى الله تعالى، و يلبس ثوبي الإحرام إلى وقت المواعدة بالذبح. و يمكن الاجتزاء باجتناب تروك الإحرام من غير ان يلبس ثوبيه، لان ذلك هو مدلول النصوص. و تظهر الفائدة في ما لو اقتصر على ستر العورة و جلس في بيته عاريا، و نحو ذلك.
اما الثياب المخيطة فلا بد من نزعها. و كذلك كشف الرأس، و نحوه.
أقول: الظاهر من قوله (عليه السلام)
في صحيحة عبد الله بن سنان (1) في حكاية حال علي (عليه السلام) و ابن عباس: «يبعثان بهديهما من المدينة ثم يتجردان».
هو لبس ثوبي الإحرام في ذلك الوقت إذ لا يمكن حمله على ما فرضه من ستر العورة و الجلوس في بيته، بل المراد انما هو نزع المخيط و لبس ثوبي الإحرام، كما وقع التعبير بذلك في بعض روايات الإحرام (2) و يؤيده قوله في تتمة الرواية:
«و يجتنبان كل ما يجتنب المحرم إلا انه لا يلبي» و كذا قوله في رواية سلمة «غير انه لا يلبي» فإن تخصيص هذا الفرد بالاستثناء- من ما يجب على المحرم فعلا و تركا- يشعر بان ما عداه من لبس ثوبي الإحرام و غيره لا بد منه. و بالجملة فالظاهر ان استثناء لبس ثوبي الإحرام غير ظاهر. و يؤيده ان الغرض من ذلك التشبه بالحاج كما يشير اليه قوله (عليه السلام) في المرسلة التي أدرجها في اخبار المسألة: «ما يمنع أحدكم ان يحج كل سنة».
السابع [وقت ذبح الهدي]
- قال في المسالك: وقت ذبح هذا الهدي يوم النحر على
____________
(1) ص 63 و 64.
(2) الوسائل الباب 7 من أقسام الحج الرقم 15.
72
ما ورد في رواية معاوية بن عمار (1) و باقي الأخبار مطلقة، و انما فيها انه يحل في اليوم الذي واعدهم. و يمكن حمل المطلق على المقيد، و التخيير مع أفضلية يوم النحر.
أقول: فيه أولا: انه مع تسليم وجود ما ذكره في الروايات فلا معنى لما جمع به بينهما، فان مقتضى رواية معاوية بن عمار انه يجب عليه الاجتناب إلى يوم النحر، و مقتضى روايات يوم الوعد انه يجب عليه الاجتناب الى يوم الوعد، فطريق حمل المطلق على المقيدان يحمل يوم الوعد على ان يكون يوم النحر. و هو ظاهر. اما إذا حمل يوم الوعد على ما هو أعم و أخذ على عمومه، فلو فرض انه واعدهم قبل يوم النحر أو بعده فكيف يتخير؟ فإنه ان كان النحر أو الذبح سائغا و جائزا قبل يوم النحر أو بعده فالواجب الوقوف على يوم الوعد و الا فلا معنى للمواعدة.
و ثانيا: ان ما ذكره (قدس سره)- من ان ما عدا رواية معاوية ابن عمار مطلقة، و ان فيها انه يحل في اليوم الذي واعدهم- ليس كذلك بل يوم المواعدة في تلك الروايات انما هو بالنسبة إلى مبدإ الاجتناب و هو يوم إشعار الهدي أو تقليده لا يوم نحره أو ذبحه. و الموجود في صحيحة معاوية بن عمار و كذا صحيحة عبد الله بن سنان هو ان غاية الاجتناب الى يوم النحر، و في صحيحة الحلبي و رواية أبي الصباح «حتى يبلغ الهدى محله» و هذا الإطلاق يجب حمله على يوم النحر، لما علم من ان محل الهدي في الحج منى يوم النحر، و في رواية سلمة «و يواعدهم يوم ينحر بدنة» و هذا الإطلاق أيضا يحمل على ان ذلك اليوم
____________
(1) ص 62 و 63.
73
الذي حصلت فيه المواعدة هو يوم النحر. فلا منافاة بين هذه الروايات بوجه.
بقي الكلام في قوله في صحيحة الحلبي (1) بعد ان ذكر (عليه السلام) ان غاية الاجتناب بلوغ الهدي محله: «قلت: أ رأيت ان اختلفوا في الميعاد و ابطأوا في المسير عليه، و هو يحتاج ان يحل هو في اليوم الذي و أعدهم فيه؟ قال: ليس عليه جناح ان يحل في اليوم الذي و أعدهم فيه» و مثلها رواية أبي الصباح الكناني. و الظاهر ان المعنى فيهما.
انه لو فرض انهم ابطأوا في السير و لم يدركوا الحج، فلم يتفق ذبح هديه في يوم النحر، و هو قد أحل في يوم النحر، و هو يوم بلوغ الهدي محله، فأجاب (عليه السلام) بأنه لا شيء عليه. حسبما تقدم في المحصور الذي كان الحج فيه واجبا، ففي هذه الصورة بطريق اولى لو لم يكن نص في الباب. لا ان المراد ما ربما يتوهم من ان المراد المواعدة بيوم غير يوم النحر. و الله العالم.
الثامن [بما ذا تتأدى وظيفة باعث الهدي تطوعا؟]
- قال في المسالك أيضا: أكثر الأخبار اقتصر فيها على هذه المواعدة و الاجتناب، و لكن زاد في الرواية المتقدمة: «أنه يأمر نائبه ان يطوف عنه أسبوعا و انه يتهيأ للدعاء يوم عرفة الى الغروب» و هو حسن. و الزيادة غير المنافية مقبولة. و لو ترك ذلك أمكن تأدي الوظيفة، كما لو ترك التقليد الذي تضمنته تلك الروايات.
أقول أشار (قدس سره) بالرواية المتقدمة إلى مرسلة الفقيه.
و هذا الكلام بناء منه على ما قدمنا نقله عنه من جعله هذه الرواية من جملة روايات هذا الحكم، و قد قدمنا ان الظاهر بعده، بل ما اشتملت
____________
(1) ص 63.
74
عليه هذه المرسلة صورة أخرى. و اما ما ذكره- من تأدي الوظيفة المذكورة في هذه المرسلة بترك الطواف و الدعاء يوم عرفة الذي تضمنته الرواية- فهو بعيد. نعم تتأدى به الوظيفة المذكورة في تلك الاخبار حيث اتى بما هو مذكور في اخبارها. و اما قوله-: كما لو ترك التقليد الذي تضمنته تلك الروايات- ففيه ان تلك الروايات لم تتفق على التقليد و ان كان أكثرها قد تضمن ذلك، و السنة حاصلة بالتقليد كما تقدم في عبارة الشيخ. و ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان و رواية سلمة في إرسال علي (عليه السلام) هديه من المدينة عدم التقليد و انه يتجرد. و الظاهر ان هاتين الروايتين هي مستنده في ما ذكره من الصورة الأولى، لكنه (قدس سره) ذكر المواعدة أيضا في هذه الصورة، و الروايتان خاليتان من ذلك، بل ظاهرهما انه يمسك من حين الإرسال كما هو ظاهر رواية سلمة، و يتجرد من حين البعث كما في صحيحة عبد الله بن سنان. و يؤيده ايضا ان المواعدة هنا لا معنى لها، لان ذلك انما يستقيم إذا توقف إحرامه على التقليد أو الإشعار فيواعد يوما يقلدون فيه و يحرم في ذلك اليوم. و ربما أشعرت الروايتان و لا سيما الاولى باختصاص هذه الصورة بمثل المدينة، لقرب موضع الإحرام منها، و انه يلبس ثوبي الإحرام من حين البعث منها، و يتشبه بالمحرم من ذلك الوقت. و يعضده ما تقدم في بعض روايات الإحرام (1) من الأمر بالغسل في المدينة، و لبس ثوبي الإحرام فيها، ثم الخروج الى الميقات. فكما ان ذلك جائز في الحج الحقيقي فهو في التشبه به اولى. و يؤيده ما دل عليه الخبر الأول من تخصيص المواعدة بما إذا
____________
(1) الوسائل الباب 8 من الإحرام الرقم 1.
75
كان البعث من أفق من الآفاق، يعني: الأماكن البعيدة عن الميقات فإنه يواعد يوما يقلد فيه الهدي و يحرم في ذلك اليوم. و الله العالم.
الباب الثالث في العمرة
و هي لغة: الزيارة، و شرعا عبارة عن زيارة البيت لأداء المناسك المخصوصة عنده. و هي على قسمين: عمرة مبتولة، و عمرة تمتع.
و حيث كانت العمرة المتمتع بها الى الحج مقدمة على الحج، و هي أول المناسك في مكة بعد الإحرام، حسن عقد هذا الباب لها بعد ذكر الإحرام و توابعه. و ذكر المفردة بعدها في هذا الباب وقع استطرادا.
و حينئذ فالكلام في هذا الباب يقع في مطلبين
[المطلب] الأول- في عمرة التمتع و ما تتوقف عليه من الدخول إلى مكة
، و فيه بحوث:
[البحث] الأول [آداب دخول مكة]
- قد عرفت في ما تقدم انه يستحب لمن أراد التمتع ان يوفر شعر رأسه، و ما يتعلق بذلك من الأبحاث، و الإحرام و أحكامه و كيفيته، و الغسل له، و المواقيت، و جميع ما يتعلق بذلك و يترتب عليه فلا وجه لإعادته، و انما يبقى الكلام في دخول الحرم و مكة و آدابه:
يستحب عند دخول الحرم الغسل لدخوله، و مضغ شيء من الإذخر:
روى الشيخ في التهذيب (1) عن ابان بن تغلب قال: «كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) مزاملة في ما بين مكة و المدينة، فلما انتهى الى الحرم نزل و اغتسل و أخذ نعليه بيديه ثم دخل الحرم حافيا، فصنعت مثل ما صنع، فقال: يا ابان من صنع مثل ما رأيتني صنعت
____________
(1) الوسائل الباب 1 من مقدمات الطواف. و الشيخ يرويه عن الكليني.
76
تواضعا لله، محا الله عنه مائة ألف سيئة، و كتب له مائة ألف حسنة و بنى الله (عز و جل) له مائة ألف درجة، و قضى له مائة ألف حاجة».
و روى ثقة الإسلام في الكافي عن ابي عبيدة الحذاء (1) قال: «زاملت أبا جعفر (عليه السلام) في ما بين مكة و المدينة، فلما انتهى الى الحرم اغتسل و أخذ نعليه بيديه ثم مشى في الحرم ساعة».
و روى في الكافي في الصحيح عن ذريح (2) قال: «سألته عن الغسل في الحرم، قبل دخوله أو بعد دخوله؟ قال: لا يضرك اي ذلك فعلت و ان اغتسلت بمكة فلا بأس، و ان اغتسلت في بيتك حين تنزل بمكة فلا بأس».
و هذا الخبر ظاهر في الرخصة في التقديم و التأخير.
و عن كلثوم بن عبد المؤمن الحراني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «أمر الله (تعالى) إبراهيم (عليه السلام) ان يحج و يحج بإسماعيل معه، فحجا على جمل احمر و جاء معهما جبرئيل، فلما بلغا الحرم قال له جبرئيل: يا إبراهيم انزلا فاغتسلا قبل ان تدخلا الحرم، فنزلا فاغتسلا. الحديث».
و في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا انتهيت الى الحرم- ان شاء الله تعالى- فاغتسل حين تدخله، و ان تقدمت فاغتسل من بئر ميمون أو من فخ أو من منزلك بمكة».
قوله (عليه السلام): «و ان تقدمت» الظاهر ان معناه: و ان تقدمت بالدخول على الغسل، بمعنى أخرت الغسل عن الدخول.
____________
(1) الوسائل الباب 1 من مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب 2 من مقدمات الطواف.
(3) الوسائل الباب 1 من مقدمات الطواف.
(4) الوسائل الباب 2 من مقدمات الطواف.
77
و عن ابي بصير (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا دخلت الحرم فتناول من الإذخر فامضغه. و كان يأمر أم فروة بذلك».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا دخلت الحرم فخذ من الإذخر فامضغه».
قال صاحب الكافي (3) (عطر الله تعالى مرقده): سألت بعض أصحابنا عن هذا، فقال: يستحب ذلك ليطيب به الفم لتقبيل الحجر.
و يستحب ايضا لمن دخل مكة ان يدخلها من أعلاها و يخرج من أسفلها إذا كان قادما من المدينة و مريد الرجوع لها:
و في الكافي عن يونس بن يعقوب في الموثق (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من أين ادخل مكة و قد جئت من المدينة؟ فقال:
ادخل من أعلى مكة، و إذا خرجت تريد المدينة فاخرج من أسفل مكة».
و يستحب الغسل ايضا لدخول مكة اما من بئر ميمون أو من فخ، و ان يمشي حافيا على سكينة و وقار:
فروى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (5) قال: «أمرنا أبو عبد الله (عليه السلام) ان نغتسل من فخ قبل ان ندخل مكة».
و في الحسن عن ابان عن عجلان (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا انتهيت إلى بئر ميمون أو بئر عبد الصمد، فاغتسل، و اخلع نعليك، و امش حافيا و عليك السكينة و الوقار».
و في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 3 من مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب 3 من مقدمات الطواف.
(3) الوسائل الباب 3 من مقدمات الطواف.
(4) الوسائل الباب 4 من مقدمات الطواف.
(5) الوسائل الباب 5 من مقدمات الطواف.
(6) الوسائل الباب 5 من مقدمات الطواف.
78
السلام) (1) انه قال: «من دخلها بسكينة غفر له ذنبه. قلت: كيف يدخلها بسكينة؟ قال: يدخلها غير متكبر و لا متجبر».
و عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«لا يدخل مكة رجل بسكينة إلا غفر له. قلت: ما السكينة؟
قال: بتواضع».
و عن محمد الحلبي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«ان الله (عز و جل) يقول في كتابه: طهر بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. فينبغي للعبد ان لا يدخل مكة إلا و هو طاهر قد غسل عرقه و الأذى و تطهر».
و رواه في التهذيب (4).
و الموجود في القرآن في سورة البقرة (5) «أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ» و في سورة الحج (6) «وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْقٰائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» و ما ذكر في الخبر لا يوافق شيئا من الموضعين.
و روى ايضا استحباب دخولها بالثياب الخلقة، و لعله للبعد عن حصول الكبر:
فروى في كتاب المحاسن في الصحيح عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (7) قال: «انظروا إذا هبط الرجل منكم وادي مكة فالبسوا خلقان ثيابكم أو سمل ثيابكم، فإنه لم يهبط وادي مكة أحد
____________
(1) الوسائل الباب 7 من مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب 7 من مقدمات الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 400، و الوسائل الباب 5 من مقدمات الطواف.
(4) ج 5 ص 98، و الوسائل الباب 5 من مقدمات الطواف. و اللفظ «و طهرا.».
(5) الآية 119.
(6) الآية 27.
(7) الوسائل الباب 7 من مقدمات الطواف.
79
ليس في قلبه من الكبر إلا غفر له».
و الظاهر من استحباب الغسل للدخول ان يكون دخولها بعد الغسل على وجه لا ينتقض بشيء من النواقض، و المروي الانتقاض بالنوم، و ألحق الشهيدان به باقي النواقض.
و يدل على الانتقاض بالنوم
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام، فيتوضأ قبل ان يدخل، أ يجزئه ذلك أو يعيد؟ قال:
لا يجزئه، لانه إنما دخل بوضوء».
و رواية علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال:
قال لي: «ان اغتسلت بمكة ثم نمت قبل ان تطوف فأعد غسلك».
و يشير الى ما ذكره الشهيدان رحمهما الله (تعالى) من إلحاق غير النوم من الأحداث به قوله (عليه السلام) في الرواية: «إنما دخل بوضوء».
قال في الدروس في باب طواف الزيارة: بل غسل النهار ليومه و الليلة لليلته ما لم يحدث فيعيده. و إنكار ابن إدريس إعادته مع الحدث ضعيف. و جعله الأظهر عدم الإعادة غريب. انتهى.
أقول: و يدل على ما ذكره زيادة على ما ذكرناه
ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن غسل الزيارة، يغتسل بالنهار و يزور بالليل بغسل واحد؟ قال:
يجزئه ان لم يحدث، فإن أحدث ما يوجب وضوء فليعد غسله».
____________
(1) الوسائل الباب 6 من مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب 6 من مقدمات الطواف.
(3) الوسائل الباب 3 من زيارة البيت.
80
و روى في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) مثله إلا انه قال. «يغتسل الرجل بالليل. الى ان قال في آخر الخبر: فليعد غسله بالليل».
و يعضده ايضا ظاهر موثقة الحلبي المتقدمة و قوله فيها: «فينبغي للعبد ان لا يدخل مكة. الى آخره».
و قد تقدم الكلام أيضا في هذا المقام في باب الغسل للإحرام.
و دخول مكة واجب على التمتع لأجل الإتيان بعمرة التمتع، ثم يحرم للحج من مكة. و اما المفرد و القارن فلا يجب عليهما، لان الطواف و السعي انما يجب عليهما بعد الموقفين و نزول منى و قضاء بعض المناسك بها، إلا انه يجوز لهما بل يستحب، و يبقيان على إحرامهما حتى يخرجا الى عرفات، و لهما الطواف بالبيت استحبابا قبل خروجهما الى عرفات، إلا أنهما يعقدان بالتلبية. و قد تقدم البحث في ذلك في مقدمات الباب الأول.
و قد تقدم في باب الإحرام انه يقطع التلبية بعمرة التمتع عند مشاهدة بيوت مكة، و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك.
و قد تقدم ايضا انه لا يجوز لأحد دخول مكة إلا محرما إلا ما استثنى و قد تقدم تحقيق القول فيه.
و يستحب ايضا الغسل لدخول المسجد الحرام و ان يكون دخوله على سكينة و وقار و خضوع و خشوع:
روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن
____________
(1) الوسائل الباب 3 من زيارة البيت.
81
ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعته يقول: الغسل من الجنابة، و يوم الجمعة. الى ان قال: و يوم تزور البيت، و حين تدخل الكعبة».
و روى الشيخ عن سماعة في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن غسل الجمعة. فقال: واجب في السفر و الحضر. ثم عد (عليه السلام) جملة من الأغسال، الى ان قال: و غسل المحرم واجب، و غسل يوم عرفة واجب، و غسل الزيارة واجب، إلا من علة، و غسل دخول البيت واجب، و غسل دخول الحرم، يستحب ان لا يدخله إلا بغسل».
أقول: و المستفاد من جملة ما ذكرناه من الاخبار انه يستحب هنا ثلاثة أغسال: أحدها لدخول الحرم، و الثاني لدخول مكة، و الثالث لدخول المسجد لزيارة البيت. و بذلك صرح الأصحاب أيضا.
و منه يظهر لك ما في كلام صاحب المدارك في هذا المقام، حيث قال- بعد نقل رواية أبان بن تغلب و صحيحة ذريح و حسنة معاوية بن عمار و حسنة الحلبي و رواية عجلان- ما لفظه: فهذه جملة ما وصل إلينا من الروايات في هذه المسألة، و مقتضاها استحباب غسل واحد، اما قبل دخول الحرم أو بعده، من بئر ميمون الحضرمي الذي في الأبطح أو من فخ و هو على فرسخ من مكة للقادم من المدينة، أو من المحل الذي ينزل فيه بمكة، على سبيل التخيير. و غاية ما يستفاد منها ان إيقاع الغسل قبل دخول الحرم أفضل. فما ذكره المصنف و غيره- من استحباب غسل لدخول مكة و آخر لدخول المسجد- غير واضح.
و أشكل منه حكم العلامة و جمع من المتأخرين باستحباب ثلاثة أغسال،
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الأغسال المسنونة.
(2) الوسائل الباب 1 من الأغسال المسنونة.
82
بزيادة غسل آخر لدخول الحرم. و كذا الإشكال في قول المصنف:
«فلو حصل عذر اغتسل بعد دخوله» إذ مقتضى الروايات التخيير بين الغسل قبل الدخول و بعده لا اعتبار العذر في تأخيره عن الدخول كما هو واضح. انتهى.
أقول: الظاهر ان منشأ الشبهة عنده (قدس سره) من صحيحة ذريح و حسنة معاوية بن عمار، و إلا فلا ريب ان رواية أبان بن تغلب و كذا رواية ابي عبيدة ظاهرة الدلالة في استحباب الغسل لدخول الحرم، و حسنة الحلبي و رواية عجلان ظاهرتا الدلالة أيضا في استحباب الغسل لدخول مكة و ان كانت الأولى أظهر، و صحيحة معاوية بن عمار الأخيرة و كذا موثقة سماعة ظاهرة الدلالة أيضا في استحباب الغسل لدخول المسجد، و هو المعبر عنه بغسل الزيارة اي زيارة البيت، كما صرح به في الرواية الأولى منهما. و قد اشتملت موثقة سماعة على عد غسل الزيارة على حدة و غسل دخول الحرم على حدة، و أكده بقوله: «يستحب ان لا يدخله إلا بغسل». و من ذلك
قوله (عليه السلام) في رواية محمد ابن مسلم (1) في عد جملة من الأغسال: «و حين تدخل الحرم، و إذا أردت دخول البيت».
و قوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان (2) في عد الأغسال أيضا: «و حين يحرم و عند دخول مكة و المدينة و دخول الكعبة، و غسل الزيارة».
و قوله (عليه السلام) في حسنة محمد بن مسلم (3): «الغسل في سبعة عشر موطنا. و ساق الكلام الى ان قال: و إذا دخلت الحرمين، و يوم تحرم، و يوم الزيارة، و يوم تدخل البيت. الى آخره».
فأي أدلة أصرح بالتعدد من هذه الروايات.
و هذه الروايات بانضمام ما تقدم هي معتمد الأصحاب في ما ذكروه من
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الأغسال المسنونة.
(2) الوسائل الباب 1 من الأغسال المسنونة.
(3) الوسائل الباب 1 من الأغسال المسنونة.
83
التعدد، و لكنه (قدس سره) ظن انحصار الأدلة في تلك الاخبار، كما يشعر به قوله بعد ذكر الروايات المشار إليها: فهذه جملة ما وصل إلينا من الروايات في هذه المسألة. و الأصحاب (رضوان الله عليهم) بسبب وضوح الحكم بما ذكروه من هذه الروايات تأولوا صحيحة ذريح و رواية عجلان- حيث ان ظاهرهما المخالفة لما دلت عليه هذه الاخبار- بالعذر كما ذكره المحقق، أو الرخصة كما ذكره بعضهم ايضا. و هو جيد كما ذكرناه.
بقي الكلام في انه لو لم يحدث بين الأغسال فالظاهر الاكتفاء بغسل واحد، فان الغرض من الغسل في هذه المواضع دخوله لها على طهارة بالغسل، و هو حاصل بما ذكرناه.
البحث الثاني- في الطواف
، و هو ركن يبطل الحج بتركه عمدا، و يجب قضاؤه لو تركه سهوا.
و له مقدمات و كيفية و أحكام، فالكلام فيه يقع في مقامات ثلاثة:
[المقام] الأول- في مقدماته
، و فيها الواجب و المستحب، و نشير الى كل من افرادهما حين ذكره.
فمنها
الطهارة
، و قد نقل إجماع علمائنا كافة على وجوب الطهارة و اشتراطها في الطواف الواجب، نقله العلامة في المنتهى.
و عليه تدل جملة من الاخبار: منها:
ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«لا بأس ان تقضى المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف، فان فيه
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الوضوء، و الباب 38 من الطواف، و الباب 15 من السعي.
84
صلاة. و الوضوء أفضل».
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطواف. قال: يقطع طوافه و لا يعتد بشيء من ما طاف» و زاد في الكافي «و سألته عن رجل طاف ثم ذكر انه على غير وضوء. قال: يقطع طوافه و لا يعتد به».
و ما رواه في الكافي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يطوف على غير وضوء، أ يعتد بذلك الطواف؟
قال: لا».
و عن أبي حمزة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) «انه سئل أ ينسك المناسك و هو على غير وضوء؟ فقال: نعم، إلا الطواف بالبيت، فان فيه صلاة».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن رفاعة (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشهد شيئا من المناسك و انا على غير وضوء؟ قال: نعم، إلا الطواف بالبيت، فان فيه صلاة».
و ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه عن محمد بن مسلم في الصحيح (5) قال: «سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور. قال: يتوضأ و يعيد طوافه،
____________
(1) الكافي ج 4 ص 420، و التهذيب ج 5 ص 117 و 470، و الوسائل الباب 38 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 38 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 38 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 15 من السعي.
(5) الوسائل الباب 38 من الطواف.
85
و ان كان تطوعا توضأ و صلى ركعتين».
و يستفاد من هذه الرواية صحة الطواف المستحب بغير وضوء. و هو أحد القولين في المسألة و أظهرهما.
و يدل عليه أيضا
موثقة عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قلت له: رجل طاف على غير وضوء؟ فقال:
ان كان تطوعا فليتوضأ و ليصل».
و موثقته الأخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: اني أطوف طواف النافلة و انا على غير وضوء؟ فقال: توضأ و صل و ان كنت متعمدا».
و صحيحة حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في رجل طاف تطوعا و صلى ركعتين و هو على غير وضوء؟ فقال: يعيد الركعتين و لا يعيد الطواف».
و روى في الفقيه عن عبيد بن زرارة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا بأس بأن يطوف الرجل النافلة على غير وضوء ثم يتوضأ و يصلي، فان طاف متعمدا على غير وضوء فليتوضأ و ليصل. و من طاف تطوعا و صلى ركعتين على غير وضوء فليعد الركعتين و لا يعد الطواف».
و نقل في المختلف عن ابي الصلاح انه قال: لا يصح طواف فرض و لا نفل لمحدث. و نقل عنه في المختلف انه احتج
بقوله (صلى الله عليه و آله) (5): «الطواف بالبيت صلاة».
و موثقة أبي حمزة المتقدمة.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 117، و الوسائل الباب 38 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 117، و الوسائل الباب 38 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 38 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 38 من الطواف.
(5) سنن البيهقي ج 5 ص 87، و كنز العمال ج 3 ص 10.
86
أقول: و مثل هذه الرواية في الدلالة على ما ادعاه رواية زرارة المتقدمة.
و الجواب عن الرواية الأولى بعدم ثبوتها، لأنا لم نقف عليها في شيء من كتب الاخبار و ان تناقلوها بهذا اللفظ في كتب الفروع من غير سند، و ما هذا شأنه فلا اعتماد عليه. و مع تسليمه فالتشبيه لا يقتضي المساواة من كل وجه. و عن الروايتين انه يجب تقييد إطلاقهما بما ذكرناه من الاخبار، كما هو القاعدة المعول عليها.
و هل يستباح بالتيمم مع عدم الماء أم لا؟ قال في المدارك: المعروف من مذهب الأصحاب استباحة الطواف بالطهارة الترابية كما يستباح بالمائية. و يدل عليه عموم
قوله (عليه السلام) في صحيحة جميل (1):
«ان الله (تعالى) جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و في صحيحة محمد بن مسلم (2): «هو بمنزلة الماء».
و ذهب فخر المحققين الى ان التيمم لا يبيح للجنب الدخول في المسجدين و لا اللبث في ما عداهما من المساجد. و مقتضاه عدم استباحة الطواف به ايضا. و هو ضعيف. و قد تقدم الكلام في ذلك في كتاب الطهارة. انتهى. و هو جيد. إلا انه مناف لما قدمه في كتاب الطهارة، لقوله ثمة في مسألة التيمم للخروج من المسجدين، حيث قال: فانا لم نقف على ما يقتضي اشتراط عدم الماء في جواز التيمم لغير الصلاة.
و منها
إزالة النجاسة عن الثوب و البدن
، و هو واجب على الأشهر و به صرح الشيخ (رحمه الله تعالى) فقال: لا يجوز ان يطوف و في
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الماء المطلق، و الباب 23 و 24 من التيمم.
(2) الوسائل الباب 20 و 23 من التيمم، و الراوي هو حماد بن عثمان.
87
ثوبه شيء من النجاسة. و به قال ابن زهرة و ابن إدريس و المحقق و العلامة و غيرهم.
و ظاهر كلامهم انه لا فرق بين كون النجاسة من ما يعفى عنها أم لا، بل صرح الشيخ بذلك على ما نقله في المختلف، فقال: لا فرق بين الدم و غيره، سواء كان الدم دون الدرهم أو أزيد. و بهذا التعميم صرح ابن إدريس أيضا. و هو ظاهر المحقق في الشرائع و العلامة في المنتهى. و قال ابن الجنيد: لو طاف في ثوب إحرامه و قد اصابه دم لا تحل له الصلاة فيه كره ذلك له، و يجزئه إذا نزعه عند صلاته.
و جعل ابن حمزة الطواف في الثوب النجس مكروها، و كذا إذا أصاب بدنه نجاسة. و نقل في المدارك عن بعض الأصحاب انه ذهب الى العفو هنا عن ما يعفى عنه في الصلاة.
و يدل على القول المشهور
ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يرى في ثوبه الدم و هو في الطواف. قال: ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ثم يخرج فيغسله ثم يعود فيتم طوافه».
و ما رواه الصدوق في الفقيه (2) في الموثق عن يونس بن يعقوب ايضا قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رأيت في ثوبي شيئا من دم و انا أطرف. قال: فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله ثم عد فابن على طوافك».
إلا ان بإزائهما
صحيحة البزنطي عن بعض أصحابه عن ابي عبد الله
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 126، و الوسائل الباب 52 من الطواف.
(2) ج 2 ص 246، و الوسائل الباب 52 من الطواف.
88
(عليه السلام) (1) قال: «قلت له: رجل في ثوبه دم من ما لا تجوز الصلاة في مثله فطاف في ثوبه؟ فقال: أجزأه الطواف فيه ثم ينزعه و يصلي في ثوب طاهر».
قال في المدارك- بعد ذكر رواية يونس بن يعقوب و الطعن فيها بضعف السند ثم ذكر مرسلة البزنطي- ما لفظه: و لا يضر إرسالها، لأنها مطابقة لمقتضى الأصل و سالمة عن ما يصلح للمعارضة. و من هنا يظهر رجحان ما ذهب اليه ابن الجنيد و ابن حمزة. إلا ان الاولى اجتناب ما لم يعف عنه في الصلاة. و الأحوط اجتناب الجميع كما ذكره ابن إدريس.
أقول: فيه أولا: ما عرفت في غير مقام من ان الطعن في السند لا يقوم حجة على المتقدمين الذين لا اثر لهذا الاصطلاح عندهم و لا من لا يرى العمل به من غيرهم.
و ثانيا: ان مرسلة البزنطي أيضا ضعيفة بالإرسال. و قوله:
«و لا يضر إرسالها» مجازفة ظاهرة، و خروج عن قاعدة اصطلاحه، فإنه ان كان الخبر الضعيف بأي جهة كانت يصلح للحجية فلا معنى لرده الخبر الأول، و إلا فلا معنى لاحتجاجه هنا على العمل به بمطابقته للأصل، بل العمل انما هو على الأصل السالم من المعارض بزعمه.
و ثالثا: انه لا وجه لحكمه بالكراهة كما ذكره ابن الجنيد و ابن حمزة، لأن الكراهة أيضا حكم شرعي يتوقف إثباته على الدليل الواضح و مقتضى كلامه اطراح رواية يونس بن يعقوب و رميها من البين، حيث طعن فيها بأنها مشتملة على عدة من المجاهيل و ان راويها فطحي،
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 126، و الوسائل الباب 52 من الطواف.
89
و حينئذ فتكون عنده في حكم العدم، و قد صرح بالاعتماد على مرسلة البزنطي كما سمعت من كلامه، و اللازم من ذلك هو الجواز من غير كراهة. و لكنه و أمثاله جروا على هذه القاعدة الغير المربوطة و الكلية الغير المضبوطة، من حمل الأخبار الضعيفة متى رموها بالضعف على الاستحباب أو الكراهة تفاديا من طرحها بالكلية. و هو غلط محض، فان الاستحباب و الكراهة أيضا حكمان شرعيان كالوجوب و التحريم لا يجوز القول بهما إلا بالدليل الصحيح الصريح، كما قدمنا تحقيق ذلك في ما تقدم.
إذا عرفت ذلك فالمسألة عندي باعتبار تعارض خبري يونس مع المرسلة المذكورة لا تخلو من توقف، فان الجمع بين الخبرين المذكورين لا يخلو من اشكال، فإنه و ان أمكن حمل رواية يونس على الاستحباب كما صرح به بعض الأصحاب، مع ما فيه من ما تقدم، إلا انه يمكن ايضا العمل بها و حمل مرسلة البزنطي على الجاهل بالحكم أو الأصل، و في المختلف حملها على الجاهل. و بالجملة فالاحتياط عندي واجب في المسألة
و منها
إذا كان ذكرا ان يكون مختونا
، و هو مقطوع به في كلام الأصحاب، و موضع وفاق كما يظهر من المنتهى.
و يدل عليه من الاخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الأغلف لا يطوف بالبيت، و لا بأس ان تطوف المرأة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن صفوان عن إبراهيم بن ميمون عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يسلم فيريد ان يحج
____________
(1) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.
90
و قد حضر الحج، أ يحج أم يختتن؟ قال: لا يحج حتى يختتن».
و رواه الشيخ و الصدوق ايضا (1).
و عن حريز في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس ان تطوف المرأة غير المخفوضة، فأما الرجل فلا يطوف إلا و هو مختتن».
و رواه الشيخ و الصدوق أيضا في الصحيح (3).
و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد في الموثق عن حنان بن سدير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن نصراني أسلم و حضر الحج و لم يكن اختتن، أ يحج قبل ان يختتن؟
قال: لا و لكن يبدأ بالسنة».
و نقل عن ابن إدريس انه توقف في هذا الحكم. و هو ضعيف و ان كان جيدا على أصوله الغير الاصيلة.
و جزم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بان الختان انما يعتبر مع الإمكان، و لو تعذر و لو بضيق الوقت سقط. و قال سبطه في المدارك بعد نقل ذلك: و يحتمل قويا اشتراطه مطلقا كما في الطهارة بالنسبة إلى الصلاة.
أقول: مرجع كلام شيخنا في المسالك الى ان الختان من شروط الصحة كالطهارة و تسر العورة و نحوهما بالنسبة إلى الصلاة، و قد تقرر ان شروط الصحة انما تجب مع الإمكان، و لهذا تجب الصلاة عاريا مع تعذر ستر العورة، و في النجاسة مع تعذر الإزالة، و نحو ذلك. و مرجع كلام السيد إلى انه مثل الطهارة التي لا تجب الصلاة إلا بها و تسقط بدونها مع تعذرها، لأنها و ان كانت من شروط الصحة أيضا إلا ان
____________
(1) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف، و الباب 39 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.
(4) الوسائل الباب 33 من مقدمات الطواف.
91
مقتضى الدليل فيها بخصوصها ذلك، كما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة. و المسألة محل اشكال، لقيام ما ذكره من الاحتمال، فإن الأخبار بالنسبة إلى شروط الصلاة المذكورة قد صرحت بالوجوب مع عدمها، و لم تصرح بذلك هنا بالنسبة إلى الختان، كما انها لم تصرح بذلك بالنسبة إلى الطهارة في الصلاة، فإلحاق هذا الشرط بالطهارة دون باقي الشروط المذكورة لا يخلو من قوة كما ذكره سبطه.
قال في المسالك بعد قول المصنف: «و ان يكون مختونا و لا يعتبر في المرأة»: و مقتضى إخراج المرأة بعد اعتباره في مطلق الطائف استواء الرجل و الصبي و الخنثى في ذلك. و فائدته في الصبي مع عدم التكليف في حقه بالختان كونه شرطا في صحته، كالطهارة بالنسبة إلى الصلاة في حقه. و في الدروس عكس العبارة فجعل الختان شرطا في الرجل المتمكن خاصة، فيخرج منه الصبي و الخنثى كما خرجت المرأة.
و الاخبار خالية من غير الرجل و المرأة. و لعل مختار الكتاب هو الأقوى.
و قال سبطه في المدارك: و مقتضى إخراج المرأة من هذا الحكم بعد اعتباره في مطلق الطائف استواء الرجل و الصبي و الخنثى في ذلك، و الرواية الأولى متناولة للجميع، فما ذكره الشارح من ان الاخبار خالية من غير الرجل و المرأة غير واضح. انتهى.
أقول: أشار بالرواية الأولى إلى صحيحة معاوية بن عمار المشتملة على الأغلف الشامل بإطلاقه للافراد المذكورة. و لا يخفى ان الرجل في اللغة يطلق على البالغ و غيره، ففي الصحاح هو الذكر من الناس.
و في القاموس: الرجل بالضم معروف، و انما هو لمن شب و احتلم،
92
أو هو رجل ساعة يولد. و حينئذ فيمكن حمل الرجل في هذه الاخبار على ما هو أعم، فتكون دالة على دخول الصبي أيضا في الحكم المذكور.
بقي الكلام في الخنثى، و دخولها في صحيحة معاوية بن عمار باعتبار الأغلف لا يخلو من بعد، لما عرفت في غير مقام من ان الإطلاق انما ينصرف الى الافراد الشائعة المتكثرة دون الأفراد النادرة الوقوع، بل لا يبعد اختصاص الاخبار بالرجل و المرأة كما ذكره شيخنا في المسالك عملا بما ذكرنا، و إطلاق صحيحة معاوية يقيد بباقي الاخبار. و كون الرجل يطلق على ما يشمل الصبي و ان صرح به في الصحاح (1) إلا ان عبارة القاموس تدل على بعده، و العرف يساعده، فإنه يطلق على البالغ، قال في كتاب مجمع البحرين بعد نقل عبارتي الصحاح و القاموس:
و في كتب كثير من المحققين تقييده بالبالغ. و هو أقرب، و يؤيده العرف.
و منها
ستر العورة
، و هو واجب في الفريضة و شرط في صحة الندب كما في الصلاة.
و استدل عليه العلامة في المنتهى
بقوله (صلى الله عليه و آله) (2):
«الطواف بالبيت صلاة».
و قوله (صلى الله عليه و آله) (3): «لا يحج بعد العام مشرك و لا عريان».
و يظهر من العلامة في المختلف التوقف في ذلك، حيث انه عزى.
____________
(1) ارجع الى الاستدراكات.
(2) مستدرك الوسائل الباب 38 من الطواف، و سنن البيهقي ج 5 ص 87.
(3) الوسائل الباب 53 من الطواف، و اللفظ: «. و لا يطوف بالبيت عريان».
93
الاشتراط الى الشيخ و ابن زهرة، و احتج لهما بالرواية الاولى من روايتي المنتهى، ثم قال: و لمانع ان يمنع ذلك، و هذه الرواية غير مسندة من طرقنا فلا حجة فيها.
قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو جيد. و المسألة محل تردد، و الواجب التمسك بمقتضى الأصل الى ان يثبت دليل الاشتراط، و ان كان التأسي و الاحتياط يقتضيه. انتهى.
أقول: و الذي يدل على ذلك
ما رواه العياشي في تفسيره عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله). ثم ساق الحديث في مضي علي (عليه السلام) بآيات «براءة» الى ان قال: ان عليا (عليه السلام) قال: لا يطوف بالبيت عريان و لا عريانة و لا مشرك».
و روى الصدوق في كتاب العلل بسنده عن ابن عباس (2) في حديث «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعث عليا (عليه السلام) ينادي:
لا يحج بعد هذا العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان.».
و روى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره عن أبيه عن محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) (3) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمرني عن الله (تعالى) ان لا يطوف بالبيت عريان، و لا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد هذا العام».
و روى العياشي في تفسيره عن محمد بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعث عليا (عليه السلام) بسورة «براءة» فوافى الموسم فبلغ عن الله (عز و جل)
____________
(1) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 53 من الطواف.
94
و عن رسوله (صلى الله عليه و آله) بعرفة، و المزدلفة، و يوم النحر عند الجمار، و في أيام التشريق كلها، ينادي «بَرٰاءَةٌ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» و لا يطوفن بالبيت عريان».
و عن ابي العباس عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال:
«فلما قدم علي (عليه السلام) مكة و كان يوم النحر بعد الظهر و هو يوم الحج الأكبر. الى ان قال: و قال: و لا يطوفن بالبيت عريان و لا مشرك».
و عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (2) قال: «خطب علي (عليه السلام) الناس و اخترط سيفه و قال: لا يطوفن بالبيت عريان و لا يحجن بالبيت مشرك. الحديث».
و عن ابي الصباح الكناني عن ابي عبد الله (عليه السلام) نحوه (3).
و عن حكيم بن الحسين عن علي بن الحسين (عليه السلام) (4) في حديث «ان عليا (عليه السلام) نادى في الموقف: ألا لا يطوف بعد هذا العام عريان، و لا يقرب المسجد الحرام بعد هذا العام مشرك».
و روى أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان عن عاصم بن حميد عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمرني عن الله.
الى آخر ما تقدم في حديث محمد بن الفضيل.
و هذه الاخبار على كثرتها لما لم تكن من اخبار الكتب الأربعة المشهورة
____________
(1) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 53 من الطواف.
(5) لم نجده فيه، و الموجود فيه هو الحديث رقم 2.
95
خفيت عليهم، و ظن جملة منهم خلو المسألة من المستند كما سمعت من كلام المختلف و المدارك.
و منها
استحباب الغسل لدخول مكة
، و قد تقدم. و مضغ الإذخر.
و دخول المسجد. و قد تقدم نقل الأخبار الدالة على ذلك.
و منها
استحباب الدخول من باب بني شيبة
، و استدل عليه في المنتهى بأن النبي (صلى الله عليه و آله) دخل منه (1).
قال في المدارك: و علل أيضا بأن (هبل) بضم الهاء و فتح الباء- و هو أعظم الأصنام- مدفون تحت عتبته فإذا دخل منه وطأه برجله.
أقول: الظاهر انه (قدس سره) لم يقف على الخبر الدال على ذلك حيث اقتصر على مجرد هذا النقل.
و الذي وقفت عليه من ما يدل على ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
ذكر رسول الله (صلى الله عليه و آله) الحج، و كتب الى من بلغه كتابه.
ثم ساق الخبر في حكاية حجه (صلى الله عليه و آله) حجة الوداع.
الى ان قال (عليه السلام): فلما انتهى الى باب المسجد استقبل الكعبة- و ذكر ابن سنان انه باب بني شيبة- فحمد الله و اثنى عليه. الحديث».
و ما رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه و كتاب العلل (3) بسنده الى سليمان بن مهران قال: «قلت لجعفر بن محمد (عليهما السلام):
____________
(1) المغني لابن قدامة الحنبلي ج 3 ص 332 طبع مطبعة العاصمة.
(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج الرقم 15.
(3) الوسائل الباب 3 من الوقوف بالمشعر، و الباب 9 من مقدمات الطواف.
96
كم حج رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ فقال: عشرين حجة مستسرا في كل حجة يمر بالمأزمين فينزل فيبول. فقلت: له يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و لم كان ينزل هناك فيبول؟ قال: لانه موضع عبد فيه الأصنام، و منه أخذ الحجر الذي نحت منه (هبل) الذي رمى به علي (عليه السلام) من ظهر الكعبة لما علا ظهر رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فأمر به فدفن عند باب بني شيبة، فصار الدخول الى المسجد من باب بني شيبة سنة لأجل ذلك. الحديث».
قال في المدارك: و هذا الباب غير معروف الآن، لتوسعة المسجد، لكن قيل انه بإزاء باب السلام، فينبغي الدخول منه على الاستقامة الى ان يتجاوز الأساطين ليتحقق المرور به بناء على هذا القول.
و منها
استحباب الوقوف عند الباب، و الدخول اليه على سكينة و وقار و خشوع، و السلام على النبي (ص) بالمأثور:
روى في الكافي (1) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخلت المسجد الحرام فادخله حافيا على السكينة و الوقار و الخشوع. و قال: من دخله بخشوع غفر الله له ان شاء الله (تعالى). قلت: ما الخشوع؟ قال: السكينة لا تدخله بتكبر فإذا انتهيت الى باب المسجد فقم و قل: «السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته، بسم الله و بالله و من الله و ما شاء الله، و السلام على أنبياء الله و رسله، و السلام على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و السلام على إبراهيم، و الحمد لله رب العالمين» فإذا دخلت المسجد فارفع يديك و استقبل البيت، و قل: اللهم إني أسألك في مقامي هذا
____________
(1) ج 4 ص 401، و الوسائل الباب 8 من مقدمات الطواف.
97
في أول مناسكي ان تقبل توبتي و ان تجاوز عن خطيئتي و تضع عني وزري، الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام، اللهم اني اشهد ان هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس و أمنا مباركا و هدى للعالمين، اللهم اني عبد ك و البلد بلدك و البيت بيتك، جئت أطلب رحمتك و أؤم طاعتك مطيعا لأمرك راضيا بقدرك، أسألك مسألة المضطر إليك الخائف لعقوبتك، اللهم افتح لي أبواب رحمتك و استعملني بطاعتك و مرضاتك».
و روى الشيخ (قدس سره) في التهذيب (1) و الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه (2) في الموثق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «تقول و أنت على باب المسجد: بسم الله و بالله و من الله و الى الله و ما شاء الله و على ملة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و خير الأسماء لله و الحمد لله، و السلام على رسول الله (صلى الله عليه و آله) السلام على محمد بن عبد الله، السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته السلام على أنبياء الله و رسله، السلام على إبراهيم خليل الرحمن، السلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين، السلام علينا و على عباد الله الصالحين، اللهم صل على محمد و آل محمد و بارك على محمد و آل محمد و ارحم محمدا و آل محمد، كما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم صل على محمد عبدك و رسولك و على إبراهيم خليلك و على أنبيائك و رسلك و سلام عليهم و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين اللهم افتح لي أبواب رحمتك و استعملني في طاعتك و مرضاتك و احفظني بحفظ الإيمان أبدا ما أبقيتني، جل ثناء وجهك، و الحمد لله الذي جعلني
____________
(1) ج 5 ص 100، و الوسائل الباب 8 من مقدمات الطواف.
(2) نسبة الحديث المذكور الى الفقيه يحتمل ان يكون من اشتباه النساخ.
98
من وفده و زواره و جعلني ممن يعمر مساجده و جعلني ممن يناجيه، اللهم اني عبد ك و زائرك في بيتك، و على كل مأتي حق لمن أتاه و زاره، و أنت خير مأتي و أكرم مزور، فأسألك يا الله يا رحمان و بأنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك و بأنك واحد أحد صمد لم تلد و لم تولد و لم يكن لك كفوا أحد، و ان محمدا (صلى الله عليه و آله) عبدك و رسولك (صلواتك عليه و على أهل بيته) يا جواد يا ماجد يا جبار يا كريم، أسألك أن تجعل تحفتك من زيارتي إياك ان تعطيني فكاك رقبتي من النار، اللهم فك رقبتي من النار (تقولها ثلاثا) و أوسع علي من رزقك الحلال الطيب و ادرأ عني شر شياطين الجن و الانس و شر فسقة العرب و العجم».
المقام الثاني- في كيفيته
، و هي تشتمل على الواجب و المندوب، فالكلام هنا في فصلين:
الفصل الأول- في الواجب
، و هو أمور
أحدها- النية
، و قد تقدم تحقيق القول فيها في كتاب الطهارة، و في كتاب الصلاة، و كتاب الصوم. و قد بينا انه لا شيء فيها وراء قصد الفعل لله تعالى.
قال في المدارك: و اما التعرض للوجه، و كون الحج إسلاميا أو غيره تمتعا أو أحد قسيميه، فغير لازم، كما هو ظاهر اختيار العلامة في المنتهى، و ان كان التعرض لذلك كله أحوط.
أقول: لا اعرف لهذا الاحتياط وجها و لا معنى بعد معلومية جميع ذلك للمكلف سابقا، و تعلق القصد به من أول الأمر، و استمراره الى وقت الفعل، كما تقدم تحقيقه. و الإتيان بهذا التصوير الفكري و الحديث النفسي عند الفعل- و هو المسمى عندهم بالنية- من ما لا أصل له و لا مستند بالكلية.
99
و حكى الشهيد (قدس سره) في الدروس عن ظاهر بعض القدماء ان نية الإحرام كافية عن خصوصيات باقي الأفعال.
قال في المدارك: و كأن وجهه خلو الأخبار الواردة بتفاصيل أحكام الحج من ذكر النية في شيء من أفعاله سوى الإحرام. و ربما كان الوجه في تخصيص الإحرام بذلك توقف امتياز نوع الحج و العمرة عليه.
أقول: فيه: ما قدمنا ذكره في بحث نية الإحرام، من ان ما اشتملت عليه النصوص- من قوله: «اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك» و نحوه- ليس من قبيل النية التي هي محل البحث حتى يسمى ذلك نية و يقال ان الاخبار اشتملت على نية الإحرام، إذ النية إنما هي القصد البسيط الناشئ عن تصور الدواعي الباعثة على الفعل كما تقدم تحقيقه في المواضع المشار إليها. نعم هذا الكلام يتضمن الاخبار عن ذلك، و اين أحدهما من الآخر؟ و بذلك يظهر لك ما في هذا القول المنقول عن بعض القدماء ايضا من انه لا وجه له.
و بالجملة فإن كلامهم كله يدور على ان النية عبارة عن هذا الحديث النفسي و التصوير الفكري الذي يحدثه المكلف عند ارادة الفعل و يقارنه به.
و قد عرفت سابقا ان النية ليست ذلك، و إلا فأفعال المكلف المختلفة المتعددة لا يدخل بعضها تحت بعض، بحيث يصدق عرفا على من قصد الإحرام خاصة، الذي هو عبارة عن تجنب تلك الأشياء مع الإتيان بباقي شروطه- من غير ملاحظة شيء آخر- انه نوى الحج أو العمرة أو نوعا مخصوصا من أنواع أحدهما. نعم يصدق ذلك في ما إذا قصد الإحرام لحج التمتع مثلا حج الإسلام أو نحو ذلك، فان هذا القصد تعلق بالجميع لا بالإحرام خاصة، و استمراره على هذا القصد كاف كما
100
ذكرناه. و لا يلزم منه خلو كل فعل فعل من تلك الأفعال من القصد اليه على حدة، إذ المراد ان ذلك القصد الأول مستمر الى حين إيقاع ذلك الفعل، فهو لا يقع إلا بقصد. و بالجملة فمرجع الكل الى القصد الأصلي الناشئ من تصور الدواعي الباعثة لا الى هذا التصوير الفكري الذي يزعمونه. و بذلك يظهر لك ايضا ما في قوله في المدارك:
«و يجب مقارنة النية لأول الطواف، و لا يضر الفصل اليسير. و استدامتها حكما الى الفراغ» انتهى، فإنه- كما ترى- ظاهر في ان النية عبارة عن هذا التصوير الفكري و الحديث النفسي، و قد انجر الأمر فيه الى ذكره باللفظ و تسمية هذا اللفظ نية. و هو أوهن من بيت العنكبوت، و انه لا وهن البيوت.
و
ثانيها و ثالثها- الابتداء بالحجر و الختم به
، و هو موضع اتفاق بين العلماء.
و الأصل فيه
ما رواه الكليني (قدس سره) في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود».
و رواه الصدوق (قدس سره) (2) الى قوله: «من الحجر الأسود».
و لم يذكر الانتهاء الى الحجر الأسود.
و السيد السند (قدس سره) في المدارك قد أسند الرواية بتمامها الى الشيخين المذكورين، و استدل بها على الحكم المذكور، و هي على رواية الصدوق (قدس سره) قاصرة عن إفادة المدعى بتمامه كما ذكرناه.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 419، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
(2) الفقيه ج 2 ص 249، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
101
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن- و الشيخ في الصحيح- عن الحسن بن عطية (1) قال: «سألته سليمان بن خالد و انا معه عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط. قال أبو عبد الله (عليه السلام): و كيف طاف ستة أشواط؟ قال: استقبل الحجر، و قال: الله أكبر، و عقد واحدا. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يطوف شوطا. فقال سليمان: فإنه فاته ذلك حتى اتى أهله؟ قال: يأمر من يطوف عنه».
و المشهور بين المتأخرين- و الظاهر ان أولهم العلامة (قدس سره) و تبعه من تأخر عنه- في كيفية الابتداء بالحجر الأسود جعل أول جزء من الحجر محاذيا لأول جزء من مقاديم البدن، بحيث يمر عليه بجميع بدنه بعد النية علما أو ظنا.
قال في المدارك بعد نقل ذلك عنهم: و هو أحوط، لكن في تعينه نظر، لصدق الابتداء بالحجر عرفا بدون ذلك. و لخلو الاخبار من هذا التكليف مع استفاضتها في هذا الباب و اشتمالها على تفاصيل مسائل الحج الواجبة و المندوبة. بل ربما ظهر من طواف النبي (صلى الله عليه و آله) على ناقته (2) خلاف ذلك. انتهى.
و هو جيد. إلا ان قوله أولا: «و هو أحوط» لا وجه له، بل هو الى الوسواس أقرب منه الى الاحتياط، لما ذكره من الوجوه المذكورة، و لا سيما حديث طوافه (صلى الله عليه و آله) على ناقته كما
____________
(1) الكافي ج 4 ص 418، و التهذيب ج 5 ص 109، و الوسائل الباب 32 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 81 من الطواف الرقم 2.
102
في رواية محمد بن مسلم (1): «و استلم الحجر بمحجنه».
معتضدا ذلك بأصالة العدم. و بالجملة فإنا لا نعرف لهم دليلا سوى ما يدعونه من الاحتياط، و الاحتياط انما يكون في مقام اختلاف الأدلة لا مجرد القول من غير دليل بل ظهور الدليل في خلافه.
و اعتبروا- بناء على ما قدمنا نقله عنهم- محاذاة الحجر في آخر شوط على نحو ما تقدم في الابتداء، ليكمل الشوط من غير زيادة و لا نقصان.
و الكلام فيه كما تقدم من عدم ظهور الدليل على ما ذكروه بل ظهوره في خلافه. و الظاهر الاكتفاء بجوازه بنية ان ما زاد على الشوط لا يكون جزء من الطواف.
و
رابعها- ان يطوف على يساره
. يعني: ان يجعل البيت على يساره حال الطواف، فلو استقبله بوجهه أو استدبره أو جعله على يمينه في حال الطواف و لو في خطوة، بطل طوافه، و وجب عليه الإعادة.
و استدل عليه في المنتهى
بأن النبي (صلى الله عليه و آله) طاف كذلك و قال: «خذوا عني مناسككم» (2).
و مرجع استدلاله (قدس سره) إلى التأسي. و بذلك صرح في المفاتيح تبعا للقوم، فقال في تعداد واجبات الطواف: و ان يجعل البيت على يساره بلا خلاف، للتأسي.
مع انهم قد صرحوا في الأصول بأن التأسي لا يصلح ان يكون دليلا للوجوب، لان فعلهم (عليهم السلام) كذلك أعم من الوجوب و الاستحباب، و كانوا ملازمين على المستحبات كالواجبات.
____________
(1) الوسائل الباب 81 من الطواف الرقم 2.
(2) المغني ج 3 ص 344 و 377 طبع مطبعة العاصمة، و تيسير الوصول ج 1 ص 296.
103
و أكثر أصحابنا ذكروا الحكم و لم يذكروا عليه دليلا، و لا ناقشوا في عدم الدليل، كما في المدارك، مع ما علم من عادته من ذكر الأدلة و مناقشته في الحكم مع عدم وجود الدليل، و كأن ذلك مسلم بينهم للاتفاق على الحكم المذكور.
و الذي وقفت عليه من الاخبار من ما يفهم منه ذلك و ان لم يكن على جهة التصريح
ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كنت في الطواف السابع فأت المتعوذ- و هو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب- فقل:
اللهم. الى ان قال: ثم استلم الركن اليماني ثم ائت الحجر فاختم به».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا فرغت من طوافك و بلغت مؤخر الكعبة- و هو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل- فابسط يديك على البيت. الى ان قال: ثم ائت الحجر الأسود».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ثم تطوف بالبيت سبعة أشواط. الى ان قال: فإذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة- و هو المستجار دون الركن اليماني بقليل- في الشوط السابع، فابسط يديك على الأرض و ألصق خدك و بطنك بالبيت، ثم قل: اللهم. الى ان قال: ثم استقبل الركن اليماني و الركن الذي فيه الحجر الأسود فاختم به».
____________
(1) الوسائل الباب 26 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 26 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 104 و 105، و الوسائل الباب 26 من الطواف.
104
و التقريب في هذه الاخبار ان استحباب الوقوف في هذه الأماكن الثلاثة في الشوط السابع و استلامها على هذا الترتيب لا يتم إلا مع جعل البيت على اليسار في حال الطواف كما لا يخفى.
و
خامسها- ان يدخل الحجر في الطواف
، و هو من ما لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
و يدل عليه جملة من الاخبار: منها:
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن- و في من لا يحضره الفقيه في الصحيح- عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من اختصر في الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود» و زاد في الكافي (2) «إلى الحجر الأسود».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قلت له: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر؟ قال: يعيد ذلك الشوط».
و رواه الصدوق عن عبد الله بن مسكان عن الحلبي أيضا في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «قلت له: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر، كيف يصنع؟ قال: يعيد الطواف الواحد».
و ما رواه في الكافي (5) في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري
____________
(1) الوسائل الباب 31 من الطواف.
(2) ج 4 ص 419، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 109، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
(4) الفقيه ج 2 ص 249، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
(5) ج 4 ص 419، و الوسائل الباب 31 من الطواف. و اللفظ في الوسائل يختلف عن اللفظ الوارد في الكافي و الوافي و الحدائق، و قد اختمل في الوافي باب (إخراج الحجر من الطواف) سقوط شيء من لفظ الحديث، و قد وجه الساقط بما يرجع الى اللفظ الوارد في الوسائل، فليراجع.
105
عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يطوف بالبيت؟ قال: يقضي ما اختصر من طوافه».
و قوله: «يطوف بالبيت» اي وحده من غير إدخال الحجر في الطواف.
و ربما ظهر من هذه الاخبار و نحوها ان الحجر من البيت، و نقل في الدروس ان المشهور كونه من البيت. و لعل مستندهم هذه الاخبار و إلا فانا لم نقف على خبر يدل على ذلك، بل انما دل جملة من الاخبار على خلافه:
مثل
ما رواه في الكافي (1) عن معاوية بن عمار في الصحيح قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحجر، أمن البيت هو أو فيه شيء من البيت؟ فقال: لا و لا قلامة ظفر و لكن إسماعيل دفن امه فيه فكره أن توطأ فجعل عليه حجرا. و فيه قبور أنبياء».
و عن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن الحجر هل فيه شيء من البيت؟ فقال: لا و لا قلامة ظفر».
و عن ابي بكر الحضرمي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«ان إسماعيل دفن امه في الحجر و حجر عليها لئلا يوطأ قبر أم إسماعيل في الحجر».
____________
(1) ج 4 ص 210، و الوسائل الباب 30 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 54 من أحكام المساجد.
(3) الكافي ج 4 ص 210، و الوسائل الباب 30 من الطواف.
106
و روى في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) قال: و صار الناس يطوفون حول الحجر و لا يطوفون فيه، لأن أم إسماعيل دفنت في الحجر ففيه قبرها فطيف كذلك لئلا يوطأ قبرها.
قال: و روى: ان فيه قبور الأنبياء (عليهم السلام). و ما في الحجر شيء من البيت و لا قلامة ظفر.
[قصة بناء الكعبة]
و يمكن ان يكون مستند المشهور ما نقل عن العلامة في التذكرة (2):
ان البيت كان لاصقا بالأرض و له بابان شرقي و غربي، فهدمه السيل قبل مبعث النبي (صلى الله عليه و آله) بعشر سنين، و أعادت قريش عمارته على الهيئة التي هو عليها اليوم، و قصرت الأموال الطيبة و الهدايا و النذور عن عمارته، فتركوا من جانب الحجر بعض البيت، و خلفوا الركنين الشاميين من قواعد إبراهيم (عليه السلام) و ضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعا، و هو الذي يسمى الشاذروان. انتهى.
و ما ذكره (قدس سره) في قصة بناء الكعبة على هذه الكيفية لم يرد في شيء من الاخبار الواصلة إلينا في الأصول الأربعة و غيرها.
و قد رويت في كيفية بناء قريش لها روايات عديدة، إلا انها خالية من ذلك، و منها:
ما رواه في الكافي (3) عن علي و غيره بأسانيد مختلفة رفعوه، قالوا: انما هدمت قريش الكعبة لأن السيل كان يأتيهم من أعلى مكة فيدخلها، فانصدعت و سرق من الكعبة غزال من ذهب
____________
(1) ج 2 ص 125 و 126، و الوسائل الباب 30 من الطواف.
(2) ج 1 المسألة الاولى من كيفية الطواف.
(3) ج 4 ص 217، و الوسائل الباب 11 من مقدمات الطواف.
107
رجلاه من جوهر، و كان حائطها قصيرا، و كان ذلك قبل مبعث النبي (صلى الله عليه و آله) بثلاثين سنة، فأرادت قريش ان يهدموا الكعبة و يبنوها و يزيدوا في عرضها، ثم أشفقوا من ذلك و خافوا ان وضعوا فيها المعاول ان تنزل عليهم عقوبة، فقال الوليد بن المغيرة: دعوني ابدأ فان كان لله رضى لم يصبني شيء و ان كان غير ذلك كففنا. فصعد على الكعبة و حرك منه حجرا فخرجت عليه حية و انكسفت الشمس فلما رأوا ذلك بكوا و تضرعوا و قالوا: اللهم انا لا نريد إلا الإصلاح فغابت عنهم الحية، فهدموه و نحوا حجارته حوله حتى بلغوا القواعد التي وضعها إبراهيم (عليه السلام)، فلما أرادوا أن يزيدوا في عرضه و حركوا القواعد التي وضعها إبراهيم (عليه السلام) أصابتهم زلزلة شديدة و ظلمة فكفوا عنه. و كان بنيان إبراهيم (عليه السلام) الطول ثلاثون ذراعا و العرض اثنان و عشرون ذراعا و السمك تسعة أذرع، فقالت قريش نزيد في سمكها، فبنوها فلما بلغ البناء الى موضع الحجر الأسود تشاجرت قريش في وضعه، فقال كل قبيلة، نحن اولى به فنحن نضعه. فلما كثر بينهم تراضوا بقضاء من يدخل من باب بني شيبة فطلع رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: هذا الأمين قد جاء فحكموه، فبسط رداءه- و قال بعضهم: كساء طاروني كان له- و وضع الحجر فيه، ثم قال: يأتي من كل ربع من قريش رجل. فكانوا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، و الأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، و أبو حذيفة بن المغيرة من بني مخزوم، و قيس بن عدي من بني سهم. فرفعوه و وضعه النبي (صلى الله عليه و آله) في موضعه.
الحديث.
و نحوه غيره و ان كان أخصر.
108
و كلها ظاهرة في ان البناء وقع على الأساس القديم الذي كان من زمان إبراهيم (عليه السلام) لا انهم نقصوا منه بحيث خرج منه شيء في الحجر.
و يحتمل ان يكون
ما نقله في التذكرة من طرق العامة، فإنهم رووا (1):
«أن عائشة قالت: نذرت أن أصلي ركعتين في البيت. فقال النبي (صلى الله عليه و آله): صلى في الحجر، فان فيه ستة أذرع من البيت».
و بالجملة فالظاهر من أخبارنا خروجه كملا عن البيت، و ما ذكروه من هذا القول المشهور لا نعرف له مستندا.
ثم ان ظاهر صحيحة الحلبي المتقدمة برواية الشيخين المذكورين- و كذا صحيحة حفص بن البختري أو حسنته- هو اعادة ما اختصره خاصة من واحد أو أكثر دون اعادة الطواف من رأس. و نقل في المدارك انه روى نحوه في الصحيح عن الحسن بن عطية عن الصادق (عليه السلام).
و لم أقف على هذه الرواية في ما حضرني من كتب الاخبار.
و لا تكفي الإعادة من موضع دخول الحجر بان يتم الشوط من ذلك المكان، بل تجب الإعادة من الحجر الأسود.
و لا ينافي ذلك
ما رواه الشيخ (قدس سره) عن الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن سفيان (2) قال: «كتبت الى ابي الحسن الرضا (عليه السلام):
امرأة طافت طواف الحج، فلما كانت في الشوط السابع اختصرت و طافت في الحجر و صلت ركعتي الفريضة و سعت و طافت طواف النساء، ثم أتت منى.
____________
(1) المغني ج 3 ص 344 طبع مطبعة العاصمة. و ليس فيه لفظ «ركعتين» و سنن البيهقي ج 5 ص 89. و يستفاد منهما بالمعنى.
(2) الفقيه ج 2 ص 249، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
109
فكتب (عليه السلام): تعيد»،.
فإنه يجب حمل إطلاقه على ما فصلته الروايات المتقدمة من اعادة ما اختصرته خاصة. و الله العالم.
و
سادسها- ان يكمله سبعا
، و هو إجماعي نصا و فتوى.
و من الاخبار الصريحة في ذلك ما تقدم
في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة قريبا (1) من قوله فيها: «ثم تطوف بالبيت سبعة أشواط.
الحديث».
و ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب من لا يحضره الفقيه (2) بإسناده عن حماد بن عمرو و انس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي ان عبد المطلب سن في الجاهلية خمس سنن أجراها الله (عز و جل) في الإسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء.
الى ان قال: و لم يكن للطواف عدد عند قريش فسن لهم عبد المطلب سبعة أشواط، فأجرى الله (عز و جل) ذلك في الإسلام».
و ما رواه في كتاب العلل و الأحكام (3) بسنده عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: «قلت: لأي علة صار الطواف سبعة أشواط؟ فقال ان الله (تعالى) قال للملائكة إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (4) فردوا عليه و قالوا أَ تَجْعَلُ فِيهٰا مَنْ يُفْسِدُ فِيهٰا وَ يَسْفِكُ الدِّمٰاءَ. (5) فقال إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ (6). و كان لا يحجبهم
____________
(1) ص 103.
(2) ج 4 ص 264، و الوسائل الباب 19 من الطواف.
(3) ص 406 طبع النجف الأشرف، و الوسائل الباب 19 من الطواف.
(4) سورة البقرة، الآية 30.
(5) سورة البقرة، الآية 30.
(6) سورة البقرة، الآية 30.
110
عن نوره، فحجبهم عن نوره سبعة آلاف عام، فلاذوا بالعرش سبعة آلاف سنة، فرحمهم و تاب عليهم، و جعل لهم البيت المعمور في السماء الرابعة، و جعله مثابة، و جعل لهم البيت الحرام تحت البيت المعمور، و جعله مثابة للناس و أمنا. فصار الطواف سبعة أشواط واجبا على العباد لكل ألف سنة شوطا واحدا».
و عن ابي خديجة (1): «أنه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في حديث: ان الله أمر آدم (عليه السلام) ان يأتي هذا البيت فيطوف به أسبوعا و يأتي منى و عرفة فيقضي مناسكه كلها، فاتى هذا البيت فطاف به أسبوعا و اتى مناسكه فقضاها كما امره الله، فقبل منه التوبة و غفر له. قال: فجعل طواف آدم (عليه السلام) لما طافت الملائكة بالعرش سبع سنين، فقال جبرئيل (عليه السلام): هنيئا لك يا آدم لقد طفت بهذا البيت قبلك بثلاثة آلاف سنة».
و اما الاخبار الدالة على ذلك ضمنا فهي أكثر من ان يأتي عليها قلم الإحصاء في المقام، و ستمر بك ان شاء الله (تعالى) متفرقة في جملة من الأحكام.
و
سابعها- ان يكون بين البيت و المقام
، و هو الأظهر الأشهر بين علمائنا الأعلام (رفع الله- تعالى- قدرهم في دار المقام).
و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألته عن حد الطواف بالبيت الذي من خرج منه لم يكن طائفا بالبيت.
قال: كان الناس على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) يطوفون
____________
(1) العلل ص 407 طبع النجف، و الوسائل الباب 19 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 413، و الوسائل الباب 28 من الطواف.
111
بالبيت و المقام و أنتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت، فكان الحد موضع المقام اليوم، فمن جازه فليس بطائف. و الحد قبل اليوم و اليوم واحد، قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلها، فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت، بمنزلة من طاف بالمسجد، لانه طاف في غير حد، و لا طواف له».
إلا انه
روى الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن ابان عن محمد الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطواف خلف المقام. قال: ما أحب ذلك، و ما ارى به بأسا، فلا تفعله إلا ان لا تجد منه بدا».
و يمكن انه بهذه الرواية أخذ ابن الجنيد، حيث نقل عنه انه جوز الطواف خارج المقام عند الضرورة.
و ظاهر هذه الرواية هو الجواز على كراهة و ان الكراهة تندفع بالضرورة.
فما ذكره بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا- من الجمع بينها و بين الرواية السابقة بالحمل على الضرورة، بمعنى انه يحرم الخروج عن المقام إلا مع ضرورة الزحام و نحوه- ليس بجيد، لان ظاهرها الجواز على كراهة، و الضرورة إنما تنتج زوال الكراهة لا التحريم.
و ربما فهم من إيراد الصدوق (قدس سره) لها الإفتاء بمضمونها، فيكون قولا آخر في المسألة أيضا. و بذلك يعظم الإشكال في المسألة.
و بالجملة فإن ظاهر كلام الأكثر هو تحريم الخروج عن الحد المتقدم مطلقا، عملا برواية محمد بن مسلم المتقدمة. و المنقول عن ابن الجنيد
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 249 و الوسائل الباب 28 من الطواف. لاحظ الاستدراكات.
112
هو جواز الخروج مع الضرورة. و ظاهر صحيحة الحلبي- و هو ظاهر الصدوق (قدس سره)- هو جواز الخروج على كراهة إلا مع الضرورة.
فالضرورة على قول ابن الجنيد موجبة لزوال التحريم، و على ظاهر الرواية و ظاهر الصدوق موجبة لزوال الكراهة، و الجمع بين الخبرين بما تقدم قد عرفت ما فيه. و ظاهر العلامة في المنتهى و المختلف حمل صحيحة الحلبي على الضرورة كما هو مذهب ابن الجنيد. و فيه ما عرفت.
و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، لعدم وجه يحضرني الآن في الجمع بين الخبرين المذكورين. و الاحتياط لا يخفى.
و
ثامنها- خروجه بجميع بدنه حال الطواف عن البيت
، فلو مشى على شاذروانه- و هو الخارج عن أساسه- بطل طوافه من غير خلاف يعرف، لعدم صدق الطواف به. و لو كان يمس الجدار بيده أو بدنه و هو خارج عنه حال مشيه، فقيل بالبطلان و هو خيرة العلامة (قدس سره) في التذكرة و الشهيد (قدس سره) في الدروس، لان من مسه على هذا الوجه يكون بعض بدنه في البيت، فلا يتحقق الخروج عنه الذي هو شرط في صحة الطواف به. و قيل بالجواز و هو ظاهر اختياره في القواعد، و جعله في التذكرة وجها للشافعية (1). و استدل عليه بان من هذا شأنه يصدق عليه انه طاف بالبيت، لان معظم بدنه خارج عنه.
ثم أجاب عنه بالمنع من ذلك، لان بعض بدنه في البيت، كما لو وضع احدى رجليه اختيارا على الشاذروان. و المسألة محل توقف.
و الاحتياط في القول الأول.
و ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الشاذروان محيط بالبيت.
____________
(1) المجموع للنووي الشافعي ج 8 ص 24.
113
كما هو الظاهر لمن شاهد البيت. و المفهوم من كلام العلامة (قدس سره) في التذكرة- كما تقدم- انه من الركن الشامي إلى الركن الذي فيه الحجر الأسود. و العمل بالأول أحوط.
فوائد
الأولى [هل تجب رعاية ما بين البيت و المقام من كل جهة؟]
- قد قطع الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه يجب مراعاة قدر ما بين البيت و المقام من جميع الجهات. ثم صرحوا بأنه يجب ان تحسب المسافة من جهة الحجر من خارجه، بان ينزل منزلة البيت و ان كان خارجا من البيت، لوجوب إدخاله في الطواف، فلا يكون محسوبا من المسافة. و احتمل شيخنا في المسالك احتسابه منها على القول بخروجه و ان لم يجز سلوكه.
أقول: اما الحكم الأول فلا ريب فيه، لما عرفت من دلالة رواية محمد بن مسلم عليه. و اما الثاني فلا يخلو من الإشكال، لان مقتضى ما صرحوا به أولا- و هو مدلول الرواية المذكورة- أن المسافة المعتبرة من البيت الى المقام معتبرة من جميع الجهات، و من جملتها جهة الحجر. و يؤكده قوله (عليه السلام) في الرواية المذكورة: «فكان الحد موضع المقام اليوم فمن جازه فليس بطائف، و الحد قبل اليوم و اليوم واحد، قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلها فمن طاف فتباعد من نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت. الى آخره». و هو- كما ترى- صريح في ان من تباعد من جميع نواحي البيت بأزيد من هذه المسافة المعتبرة من البيت الى المقام كان طائفا بغير البيت، و هذا ظاهر في جهة الحجر و غيرها. فالاستثناء
114
في هذه الجهة يحتاج الى دليل، و مجرد وجوب إدخاله في الطواف لا يستلزم ذلك. و بالجملة فإن ما ذكره شيخنا المشار اليه من الاحتمال لا يبعد تعينه. و المسألة في غاية الاشكال، و الاحتياط يقتضي المحافظة تمام المحافظة على عدم البعد عن الحجر على وجه يلزم منه الخروج عن تلك المسافة.
الثانية [ما هو المقام؟]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان المقام حقيقة هو العمود من الصخر الذي كان إبراهيم (عليه السلام) يصعد عليه عند بناء البيت، و عليه اليوم بناء، و يطلق على جميعه مع ما في داخله المقام عرفا، و ربما استعمله الفقهاء في بعض عباراتهم.
و عباراتهم هنا و كذا النصوص مطلقة في كون الطواف بين البيت و المقام فهل المراد بالمقام هنا هو الصخر المذكور أم المجموع من الحائط و ما فيه؟ قالوا: كل محتمل و ان كان الاستعمال الشرعي في الثاني أقوى.
أقول: لا ريب في ضعف الاحتمال الآخر، فإنه متى كان المقام حقيقة انما هو الصخر المذكور فالإطلاق على البناء انما وقع مجازا بحسب العرف، و الأحكام انما تترتب على المعنى الحقيقي كما لا يخفى، و الاحتمال الآخر لا وجه له بالكلية.
الثالثة [المعتبر في الطواف محل المقام الآن]
- المستفاد من رواية محمد بن مسلم المتقدمة ان المقام الذي هو عمود الصخر قد غير عن ما كان عليه في عهد النبي (صلى الله عليه و آله) و ان الحكم في الطواف منوط بمحله الآن.
و يدل على الثاني أيضا
صحيحة إبراهيم بن ابي محمود (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): أصلي ركعتي طواف الفريضة خلف المقام حيث
____________
(1) الوسائل الباب 71 من الطواف.
115
هو الساعة أو حيث كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال حيث هو الساعة».
و روى الصدوق في الصحيح عن زرارة بن أعين (1) «انه قال لأبي جعفر (عليه السلام): قد أدركت الحسين (عليه السلام)؟ قال:
نعم اذكر و انا معه في المسجد الحرام و قد دخل فيه السيل و الناس يتخوفون على المقام، يخرج الخارج فيقول: قد ذهب به السيل. و يدخل الداخل فيقول: هو مكانه. قال: فقال: يا فلان ما يصنع هؤلاء؟
فقلت: أصلحك الله (تعالى) يخافون ان يكون السيل قد ذهب بالمقام.
قال: ان الله (عز و جل) قد جعله علما لم يكن ليذهب به فاستقروا.
و كان موضع المقام الذي وضعه إبراهيم (عليه السلام) عند جدار البيت، فلم يزل هناك حتى حوله أهل الجاهلية إلى المكان الذي هو فيه اليوم، فلما فتح النبي (صلى الله عليه و آله) مكة رده الى الموضع الذي وضعه إبراهيم، فلم يزل هناك الى ان ولي عمر، فسأل الناس من منكم يعرف المكان الذي كان فيه المقام؟ فقال له رجل: انا قد كنت أخذت مقداره بنسع (2) فهو عندي. فقال: ائتني به. فأتاه فقاسه ثم رده الى ذلك المكان».
أقول: ظاهر هذا الخبر لا يخلو من اشكال، لأنه ربما يفهم من قوله (عليه السلام): «ان الله (تعالى) قد جعله علما لم يكن ليذهب به» انه باعتبار جعله في هذا المكان علامة للطواف لم يكن ليذهب به.
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 158، و الوافي باب (قصة هدم الكعبة و بنائها و وضع الحجر و المقام).
(2) النسع بالكسر: سير ينسج عريضا ليشد به الرحل.
116
و هذا هو الظاهر من كلام جملة من أصحابنا، حيث أوردوا هذا الخبر في هذا المقام مؤكدين به لرواية محمد بن مسلم و صحيحة إبراهيم بن ابي محمود، كما في المدارك و شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (قدس سره). و ربما يشعر بان ما فعلته الجاهلية و فعله عمر احياء لسنتهم كان أصوب من ما فعله إبراهيم (عليه السلام) و رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعده، حيث ان الله (تعالى) جعله في هذا المكان علما. و هو مشكل. و الظاهر عندي من معنى كلامه (عليه السلام) انما هو الإشارة إلى قوله (تعالى): «فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ. الآية» (1) بمعنى ان وجود هذا الحجر الذي قام عليه إبراهيم (عليه السلام) في البيت من آياته (عز و جل) لا باعتبار هذه المكان، و إلا فهذا المكان حد للطواف وضع فيه الحجر أم لم يوضع، كما في زمانه (صلى الله عليه و آله) حسبما دلت عليه رواية محمد بن مسلم. و المراد بكونه آية من حيث تأثير قدم إبراهيم (عليه السلام) فيه، فهو آية بينة و علامة واضحة على قدرة الله (تعالى). و بهذا الوجه ايضا يصح ان يكون علما كما ذكره (عليه السلام). و بذلك يظهر انه لا وجه لا يراد هذه الرواية في هذا المقام. و الله العالم.
الفصل الثاني في المندوب
و هو أمور:
[استلام الحجر و تقبيله]
منها: انه يستحب الوقوف عند الحجر الأسود، و حمد الله (تعالى) و الثناء عليه، و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله)، و رفع اليدين
____________
(1) سورة آل عمران، الآية 96.
117
بالدعاء، و استلام الحجر و تقبيله، فان لم يمكن مسح عليه بيده، فان لم يمكن أشار اليه. و الدعاء بما يأتي.
و يدل على هذه الجملة
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا دنوت من الحجر الأسود، فارفع يديك، و احمد الله (تعالى) و أثن عليه و صل على النبي (صلى الله عليه و آله) و اسأل الله ان يتقبل منك. ثم استلم الحجر و قبله، فان لم تستطع ان تقبله فاستلمه بيدك، فان لم تستطع ان تستلمه بيدك فأشر اليه، و قل: اللهم أمانتي أديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، اللهم تصديقا بكتابك و على سنة نبيك (صلى الله عليه و آله) اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له و ان محمدا عبده و رسوله، آمنت بالله و كفرت بالجبت و الطاغوت و باللات و العزى و عبادة الشيطان و عبادة كل ند يدعى من دون الله (تعالى).
فان لم تستطع ان تقول هذا كله فبعضه، و قل: اللهم إليك بسطت يدي و في ما عندك عظمت رغبتي فاقبل سبحتي و اغفر لي و ارحمني، اللهم إني أعوذ بك من الكفر و الفقر و مواقف الخزي في الدنيا و الآخرة».
قال في الكافي (2): و في رواية أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخلت المسجد الحرام فامش حتى تدنو من الحجر الأسود فتستقبله، و تقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لولا ان
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 101 و 102 عن الكليني، و الوسائل الباب 12 من الطواف.
(2) ج 4 ص 403، و التهذيب ج 5 ص 102، و الوسائل الباب 12 من الطواف.
118
هدانا الله، سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر، أكبر من خلقه، و أكبر ممن أخشى و احذر، و لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك و له الحمد يحيى و يميت و يميت و يحيى بيده الخير و هو على كل شيء قدير. و تصلي على النبي و آل النبي (صلى الله عليه و آله) و تسلم على المرسلين كما فعلت حين دخلت المسجد. ثم تقول: اللهم اني أومن بوعدك و اوفي بعهدك. ثم ذكر كما ذكر معاوية».
قوله: «كما فعلت حين دخلت المسجد» إشارة الى ما قدمناه في رواية أبي بصير في آخر البحث من مقدمات الطواف.
فائدة [تحقيق الاستلام]
استلام الحجر: لمسه اما بالتقبيل أو باليد أو نحو ذلك، قال في القاموس: استلم الحجر: لمسه إما بالقبلة أو اليد. و اما ما ورد
في صحيحة يعقوب بن شعيب المروية في الكافي (1)- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن استلام الركن. قال: استلامه ان تلصق بطنك به، و المسح ان تمسحه بيدك».
- فالظاهر حملها على أخص أفراده، فإن صحيحة معاوية المذكورة قد صرحت بحصول الاستلام بالمس باليد.
قال المرتضى (رضي الله عنه): الاستلام: مس السلام بيده. و قيل انه مأخوذ من السلام، بمعنى أنه يحيي نفسه عن الحجر، إذ ليس الحجر ممن يحييه، و هذا كما يقال: اختدم، إذا لم يكن له خادم سوى نفسه.
و قال في كتاب المصباح المنير: و استلأمت الحجر، قال ابن السكيت:
همزته العرب على غير قياس و الأصل استلمت، لانه من السلام و هي
____________
(1) ج 4 ص 404، و الوسائل الباب 15 و 22 من الطواف.
119
الحجارة. و قال ابن الأعرابي: الاستلام أصله مهموز من الملاءمة و هي الاجتماع. و حكى الجوهري القولين. انتهى. و نقل في التذكرة عن ثعلب انه حكى في الاستلام الهمز و فسره بأنه اتخذه جنة و سلاحا من اللامة و هي الدرع.
و من اخبار المسألة
ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن حريز عن من ذكره عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا دخلت المسجد الحرام و حاذيت الحجر الأسود فقل: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، آمنت بالله و كفرت بالجبت و الطاغوت و باللات و العزى و بعبادة الشيطان و بعبادة كل ند يدعى من دون الله. ثم ادن من الحجر و استلمه بيمينك. ثم تقول: بسم الله و الله أكبر اللهم أمانتي أديتها و ميثاقي تعاهدته لتشهد لي عندك بالموافاة».
و في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما أقول إذا استقبلت الحجر؟ فقال: كبر و صل على محمد و آله. قال: و سمعته إذا اتى الحجر يقول: الله أكبر السلام على رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و الاخبار الدالة على استحباب استلام الحجر مع الإمكان كثيرة (3) إلا انه قد استثنى من هذا الحكم النساء فلا يستحب لهن:
____________
(1) ج 4 ص 403 و 404، و الوسائل الباب 12 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 407، و الوسائل الباب 21 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 13 و 16 من الطواف.
120
لما رواه في الكافي (1) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس على النساء جهر بالتلبية، و لا استلام الحجر، و لا دخول البيت، و لا سعى بين الصفا و المروة، يعني: الهرولة».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «انما الاستلام على الرجل و ليس على النساء بمفروض».
و عن فضالة بن أيوب في الصحيح عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ان الله وضع عن النساء أربعا، و عد منها الاستلام».
و روى الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه (4) في حديث وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي ليس على النساء جمعة. الى ان قال: و لا استلام الحجر».
و بإسناده عن ابي سعيد المكاري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:
«ان الله (تعالى) وضع عن النساء أربعا، و عد منهن استلام الحجر الأسود».
قال (6): و قال الصادق (عليه السلام): «ليس على النساء أذان. الى ان قال: و لا استلام الحجر. الحديث».
____________
(1) ج 4 ص 405، و الوسائل الباب 18 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 468 و 469، و الوسائل الباب 18 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 93، و الوسائل الباب 38 من الإحرام، و الباب 18 من الطواف.
(4) ج 4 ص 263، و الوسائل الباب 18 من الطواف.
(5) الفقيه ج 2 ص 210، و الوسائل الباب 38 من الإحرام و الباب 18 من الطواف.
(6) الفقيه ج 1 ص 194، و الوسائل الباب 18 من الطواف.
121
و منها: ان يكون حال الطواف ذاكرا لله (عز و جل) داعيا سيما بالمأثور، ماشيا على سكينة و وقار، مقتصدا في مشيه، و قيل يرمل في ثلاث و يمشي أربعا و من الاخبار الواردة بذلك
ما رواه في الكافي (1) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «طف بالبيت سبعة أشواط، و تقول في الطواف: اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء كما يمشى به على جدد الأرض، و أسألك باسمك الذي يهتز له عرشك، و أسألك باسمك الذي تهتز له أقدام ملائكتك، و أسألك باسمك الذي دعاك به موسى من جانب الطور فاستجبت له و ألقيت عليه محبة منك، و أسألك باسمك الذي غفرت به لمحمد (صلى الله عليه و آله) ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و أتممت عليه نعمتك، ان تفعل بي كذا و كذا: ما أحببت من الدعاء. و كلما انتهيت الى باب الكعبة فصل على النبي (صلى الله عليه و آله). و تقول في ما بين الركن اليماني و الحجر الأسود رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ (2). و قل في الطواف: اللهم إني إليك فقير و اني خائف مستجير فلا تغير جسمي و لا تبدل اسمي».
أقول: طلل الماء بالفتح اي ظهره و الجمع اطلال، و جدد الأرض بالجيم و المهملتين قيل وجهها، و قال في كتاب مجمع البحرين: الجدد بالتحريك:
المستوي من الأرض، و منه أسألك باسمك الذي يمشى به على طلل الماء كما يمشي به على جدد الأرض. و اما قوله: «الذي غفرت به لمحمد (صلى الله عليه و آله) ما تقدم من ذنبه و ما تأخر» فهو إشارة الى الآية الواردة في
____________
(1) ج 4 ص 406، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
(2) سورة البقرة الآية 200.
122
سورة الفتح (1) و قد ورد في تفسيرها
ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب عيون الاخبار (2) عن الرضا (عليه السلام): انه سأله المأمون عن هذه الآية، فقال (عليه السلام): انه لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنبا من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، لأنهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمائة و ستين صنما، فلما جاءهم (صلى الله عليه و آله) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم، و قالوا:
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلٰهاً وٰاحِداً. الى قولهم إِنْ هٰذٰا إِلَّا اخْتِلٰاقٌ (3). فلما فتح الله على نبيه (صلى الله عليه و آله) مكة قال له: يا محمد (صلى الله عليه و آله) «إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ» عند مشركي أهل مكة بدعائك الى توحيد الله (تعالى) في ما تقدم و ما تأخر.
و روى في الكافي (4) في الصحيح الى عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): دخلت الطواف فلم يفتح لي شيء من الدعاء إلا الصلاة على محمد و آل محمد. و سعيت فكان ذلك. فقال: ما اعطى أحد ممن سأل أفضل من ما أعطيت».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «يستحب ان تقول بين الركن و الحجر: اللهم
____________
(1) الرقم 2.
(2) ج 1 ص 202.
(3) سورة (ص) الآية 5 و 6 و 7.
(4) ج 4 ص 407، و الوسائل الباب 21 من الطواف.
(5) الكافي ج 4 ص 408، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
123
آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ (1). و قال: ان ملكا يقول: آمين».
و عن أيوب أخي أديم عن الشيخ يعني: موسى بن جعفر (عليه السلام) (2) قال: قال لي: «كان ابي إذا استقبل الميزاب قال: اللهم أعتق رقبتي من النار، و أوسع علي من رزقك الحلال، و ادرأ عني شر فسقة الجن و الانس، و أدخلني الجنة برحمتك».
و عن ابي مريم (3) قال: «كنت مع ابي جعفر (عليه السلام) أطوف فكان لا يمر في طواف من طوافه بالركن اليماني إلا استلمه ثم يقول: اللهم تب علي حتى أتوب، و اعصمني حتى لا أعود».
و عن عمرو بن عاصم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
«كان علي بن الحسين (عليه السلام) إذا بلغ الحجر قبل ان يبلغ الميزاب يرفع رأسه ثم يقول: اللهم أدخلني الجنة برحمتك- و هو ينظر الى الميزاب- و أجرني برحمتك من النار، و عافني من السقم.
و أوسع علي من الرزق الحلال، و ادرأ عني شر فسقة الجن و الانس و شر فسقة العرب و العجم».
و عن عمر بن أذينة في الصحيح (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لما انتهى الى ظهر الكعبة حين يجوز الحجر:
يا ذا المن و الطول و الجود و الكرم ان عملي ضعيف فضاعفه لي و تقبله مني انك أنت السميع العليم».
____________
(1) اقتباس من الآية 200 في سورة البقرة.
(2) الكافي ج 4 ص 407، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 409، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
(4) الكافي ج 4 ص 407، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
(5) الكافي ج 4 ص 407، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
124
و روى في كتاب عيون اخبار الرضا (عليه السلام) (1) بسنده عن سعد بن سعد عن ابي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «كنت معه في الطواف فلما صرنا بحذاء الركن اليماني أقام (عليه السلام) فرفع يديه ثم قال: يا الله يا ولي العافية و خالق العافية و رازق العافية و المنعم بالعافية و المنان بالعافية و المتفضل بالعافية علي و على جميع خلقك، يا رحمان الدنيا و الآخرة و رحيمهما، صل على محمد و آل محمد و ارزقنا العافية و دوام العافية و تمام العافية و شكر العافية في الدنيا و الآخرة، يا ارحم الراحمين».
و روى الشيخ عن محمد بن فضيل عن ابي جعفر الثاني (عليه السلام) (2) قال: «و طواف الفريضة لا ينبغي ان يتكلم فيه إلا بالدعاء و ذكر الله و قراءة القرآن. قال: و النافلة يلقى الرجل أخاه فيسلم عليه و يحدثه بالشيء من أمر الآخرة و الدنيا لا بأس به».
و مقتضى هذه الرواية عدم كراهة الكلام في طواف النافلة بالمباح.
و روى الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن علي بن يقطين (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الكلام في الطواف، و إنشاد الشعر، و الضحك، في الفريضة أو غير الفريضة، أ يستقيم ذلك؟
قال: لا بأس به. و الشعر ما كان لا بأس به منه».
و هو محمول على الجواز و ان كره في الفريضة.
و روى في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن حماد بن عيسى عن من
____________
(1) ج 2 ص 16، و الوسائل الباب 20 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 127، و الوسائل الباب 54 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 127، و الوسائل الباب 54 من الطواف.
(4) ج 4 ص 412، و الوسائل الباب 5 من الطواف.
125
أخبره عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: «دخلت عليه و انا أريد أن أسأله عن مسائل كثيرة. الى ان قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما من طائف يطوف بهذا البيت حين تزول الشمس حاسرا عن رأسه، حافيا، يقارب بين خطاه، و يغض بصره، و يستلم الحجر في كل طواف، من غير ان يؤذي أحدا، و لا يقطع ذكر الله (عز و جل) عن لسانه، إلا كتب الله (عز و جل) له بكل خطوة سبعين ألف حسنة، و محا عنه سبعين ألف سيئة، و رفع له سبعين ألف درجة، و أعتق عنه سبعين ألف رقبة، ثمن كل رقبة عشرة آلاف درهم، و شفع في سبعين من أهل بيته، و قضيت له سبعون ألف حاجة ان شاء فعاجلة، و ان شاء فآجلة».
و اما الاقتصاد في المشي- و هو التوسط بين الإسراع و البطء، من غير فرق بين اوله و آخره، و لا بين طواف القدوم و غيره، و هو قول أكثر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)- فيدل عليه
ما رواه الشيخ (قدس سره) عن عبد الرحمن ابن سيابة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطواف فقلت: أسرع و أكثر أو أمشي و أبطئ؟ قال: مشي بين المشيين».
و روى الصدوق عن سعيد الأعرج (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المسرع و المبطئ في الطواف. فقال: كل واسع ما لم يؤذ أحدا».
و اما القول بالرمل في الثلاثة الأول و المشي في الأربعة الباقية فهو
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 109. و الوسائل الباب 29 من الطواف.
(2) الفقيه ج 2 ص 255، و الوسائل الباب 29 من الطواف.
126
منسوب الى الشيخ (قدس سره) في المبسوط و تبعه المتأخرون عنه، لكنه قيده بطواف القدوم، و المنقول في كلامهم الإطلاق. و هو غير جيد.
قال في المدارك: و لم أقف على رواية تدل عليه من طريق الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم). نعم قال العلامة في المنتهى: ان العامة كافة متفقون على استحباب ذلك (1) و رووا ان السبب فيه انه لما قدم رسول الله (صلى الله عليه و آله) مكة فقال المشركون: انه يقدم عليكم قوم نهكتهم الحمى و لقوا منها شرا. فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان يرملوا الأشواط الثلاثة و ان يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم قالوا: ما نراهم إلا كالغزلان (2). و لا ريب في ضعف هذا القول، لعدم ثبوت هذا النقل، و لو ثبت لما كان فيه دلالة على الاستحباب مطلقا. انتهى.
أقول: اما قوله-: انه لم يقف على رواية تدل عليه- فهو ظاهر، حيث ان نظرهم مقصور على مراجعة الكتب الأربعة المشهورة، و إلا فالرواية بذلك موجودة:
كما رواه الصدوق في كتاب علل الشرائع و الأحكام (3) عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن احمد بن ابي عبد الله عن ابن فضال عن ثعلبة عن زرارة أو محمد الطيار قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الطواف، أ يرمل فيه الرجل؟ فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه
____________
(1) المغني ج 3 ص 336 طبع مطبعة العاصمة.
(2) تيسير الوصول ج 1 ص 276 و 277 طبع مطبعة الحلبي سنة 1352، و المغني ج 3 ص 336 و 337 طبع مطبعة العاصمة.
(3) ص 412 طبع النجف الأشرف، و الوسائل الباب 29 من الطواف.
127
و آله) لما ان قدم مكة- و كان بينه و بين المشركين الكتاب الذي قد علمتم- أمر الناس ان يتجلدوا، و قال: أخرجوا أعضادكم. و اخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) عضديه ثم رمل بالبيت ليريهم انهم لم يصبهم جهد، فمن أجل ذلك يرمل الناس، و اني لا مشي مشيا، و قد كان علي بن الحسين (عليه السلام) يمشي مشيا».
و بهذا الاسناد عن ثعلبة عن يعقوب الأحمر (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما كان غزاة الحديبية و ادع رسول الله (صلى الله عليه و آله) أهل مكة ثلاث سنين ثم دخل فقضى نسكه، فمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بنفر من أصحابه جلوس في فناء الكعبة فقال: هو ذا قومكم على رؤوس الجبال لا يرونكم فيروا فيكم ضعفا قال: فقاموا فشدوا أزرهم و شدوا أيديهم على أوساطهم ثم رملوا».
و اما قوله (قدس سره)-: و لو ثبت لما كان فيه دلالة على الاستحباب مطلقا- فهو جيد، لان ما ذكرناه من الروايتين انما تدلان على كونه في خصوص ذلك اليوم لإظهار التجلد و القوة لمشركي قريش. و المفهوم من الخبر الأول ان العامة اتخذوا ذلك سنة على الإطلاق بسبب هذه القضية، و انهم (عليهم السلام) كانوا يمشون مشيا. و هو ظاهر في فصر الرمل على ذلك اليوم للغرض المشار اليه.
و لا تخصيص فيه بالثلاثة الأول. فما ذكره الشيخ (قدس سره) و من تبعه من الأصحاب- من الاستحباب مطلقا أو في طواف القدوم- لا مستند له.
____________
(1) العلل ص 412 طبع النجف الأشرف، و الوسائل الباب 29 من الطواف.
128
و يؤكد ذلك و ان دل على تخصيص الرمل بالثلاثة
ما رواه احمد ابن محمد بن عيسى في نوادره عن أبيه (1) قال: «سئل ابن عباس فقيل له: ان قوما يروون ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر بالرمل حول الكعبة؟ فقال: كذبوا و صدقوا. فقلت: و كيف ذلك؟ فقال:
ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) دخل مكة في عمرة القضاء و أهلها مشركون، فبلغهم ان أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله) مجهودون فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): رحم الله امرأ أراهم من نفسه جلدا، فأمرهم فحسروا عن أعضادهم و رملوا بالبيت ثلاثة أشواط، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ناقته و عبد الله بن رواحة آخذ بزمامها، و المشركون بحيال الميزاب ينظرون إليهم. ثم حج رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد ذلك فلم يرمل و لم يأمرهم بذلك.
فصدقوا في ذلك و كذبوا في هذا».
و عن أبيه عن جده عن أبيه (2) قال: «رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) يمشي و لا يرمل».
أقول: و بذلك ظهر ان الرمل له أصل بسبب هذه القضية، و ان العامة اتخذوا ذلك سنة لذلك، و الأمر عند أئمتنا (صلوات الله عليهم) ليس كذلك.
و الرمل لغة: الهرولة على ما ذكره في القاموس، و رملت رملا من باب طلب: هرولت، و الهرولة إسراع في المشي مع تقارب الخطى.
و عرفه الشهيد (قدس سره) في الدروس بأنه الإسراع في المشي مع تقارب الخطى دون الوثوب و العدو، و يسمى الخبب. أقول: الظاهر
____________
(1) الوسائل الباب 29 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 29 من الطواف.
129
ان قوله: «و يسمى الخبب» راجع الى الوثوب و العدو، فلا يتوهم رجوعه الى الرمل. قال في المصباح المنير: و خب في الأمر خببا من باب طلب: أسرع الأخذ فيه. و منه الخبب لضرب من العدو، و هو خطو فسيح دون العنق.
و من ما يدل على جواز الركوب اختيارا
ما رواه في الكافي (1) في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: طاف رسول الله (صلى الله عليه و آله) على ناقته العضباء و جعل يستلم الأركان بمحجنه و يقبل المحجن».
و ما رواه في من لا يحضره الفقيه (2) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: حدثني ابي ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) طاف على راحلته و استلم الحجر بمحجنه و سعى عليها بين الصفا و المروة».
قال (3): و في خبر آخر: «انه كان يقبل الحجر بالمحجن».
و نحوه في رواية ابن عباس المذكورة.
و منها: ان يلتزم المستجار في الشوط السابع و يبسط يديه على حائطه و يلصق به بطنه و خده و يدعو بالمأثور.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (4) في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال فيه: «فإذا انتهيت إلى مؤخر الكعبة- و هو المستجار دون الركن
____________
(1) ج 4 ص 429، و الوسائل الباب 81 من الطواف.
(2) ج 2 ص 251، و الوسائل الباب 81 من الطواف.
(3) ج 2 ص 251، و الوسائل الباب 81 من الطواف.
(4) ج 5 ص 104، و الوسائل الباب 26 من الطواف.
130
اليماني بقليل- في الشوط السابع، فابسط يديك على الأرض، و ألصق خدك و بطنك بالبيت، ثم قل: اللهم البيت بيتك و العبد عبدك و هذا مكان العائذ بك من النار. ثم أقر لربك بما عملت من الذنوب، فإنه ليس من عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه في هذا المكان إلا غفر له ان شاء الله (تعالى)، فإن أبا عبد الله (عليه السلام) قال لغلمانه: أميطوا عني حتى أقر لربي بما عملت. و يقول: اللهم من قبلك الروح و الفرج و العافية، اللهم ان عملي ضعيف فضاعفه اللهم لي، و اغفر لي ما اطلعت عليه مني و خفي على خلقك. و تستجير بالله من النار و تختار لنفسك من الدعاء. ثم استقبل الركن اليماني و الركن الذي فيه الحجر الأسود و اختم به، فان لم تستطع فلا يضرك. و تقول:
اللهم متعني بما رزقتني و بارك لي فيما آتيتني. ثم تأتي مقام إبراهيم (عليه السلام). الحديث».
و قد تقدم.
و ما رواه في الكافي (1) في الصحيح عن عبد الله بن سنان قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كنت في الطواف السابع فات المتعوذ- و هو إذا قمت في دبر الكعبة حذاء الباب- فقل: اللهم البيت بيتك و العبد عبدك، و هذا مقام العائذ بك من النار، اللهم من قبلك الروح و الفرج. ثم استلم الركن اليماني، ثم ائت الحجر فاختم به».
و لو نسي الالتزام حتى تجاوز المستجار الى الركن لم يرجع،
لما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن علي بن يقطين عن ابي الحسن
____________
(1) ج 4 ص 410، و الوسائل الباب 26 من الطواف.
131
(عليه السلام) (1) قال: «سألته عن من نسي أن يلتزم في آخر طوافه حتى جاز الركن اليماني، أ يصلح ان يلتزم بين الركن اليماني و بين الحجر، أو يدع ذلك؟ قال: يترك اللزوم و يمضي. الحديث».
و أطلق المحقق في النافع و العلامة في القواعد الرجوع و الالتزام إذا جاوز المستجار، و بعضهم قيده بعدم بلوغ الركن. و استحب في الدروس الرجوع ما لم يبلغ الركن. قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه:
و هو حسن.
أقول: لا يخفى ان ظاهر الخبر المذكور ان السؤال فيه انما تعلق بالالتزام بين الركن اليماني و بين الحجر بعد نسيانه الالتزام في محله، فأجاب (عليه السلام) بأنه لا يلتزم في هذا المكان، لفوات محل الالتزام المأمور به، و مجرد سؤال السائل عن نسيان الالتزام حتى جاوز المستجار لا يدل على انه بعد تجاوز المستجار يرجع، إذ هذا انما وقع في كلام السائل، و الغرض من سؤاله انما هو ما ذكرنا لا السؤال عن جواز الرجوع و عدمه. و بالجملة فإن القول بالرجوع مطلقا لا دليل عليه، مع استلزامه الزيادة في الطواف. و القول بالرجوع ما لم يبلغ الركن لا يفهم من الرواية صريحا و لا ظاهرا و ان أوهمه بادئ النظر في الخبر.
و منها: ان يلتزم الأركان كلها و ان تأكد الذي فيه الحجر و الركن اليماني على المشهور، بل أسنده العلامة (قدس سره) في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه. و أوجب سلار استلام اليماني.
و منع ابن الجنيد من استلام الشامي.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 108، و الوسائل الباب 27 من الطواف.
132
و الأظهر القول المشهور، و يدل عليه
ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن إبراهيم بن ابي محمود قال: «قلت للرضا (عليه السلام):
استلم اليماني و الشامي و الغربي؟ قال: نعم».
و عن جميل بن صالح في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كنت أطوف بالبيت فإذا رجل يقول: ما بال هذين الركنين يستلمان و لا يستلم هذان؟ فقلت: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) استلم هذين و لم يعرض لهذين، فلا تعرض لهما إذ لم يعرض لهما رسول الله (صلى الله عليه و آله). قال جميل: و رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يستلم الأركان كلها».
قال في الاستبصار: يعني: ليس في استلامهما من الفضل و الترغيب في الثواب ما في استلام الركن العراقي و اليماني، لا ان استلامهما محظور أو مكروه. و لأجل ما قلناه حكى جميل انه رأى أبا عبد الله (عليه السلام) يستلم الأركان كلها، فلو لم يكن جائزا لما فعله (عليه السلام). انتهى. و هو جيد.
و من الاخبار الدالة على تأكد الاستلام في الركن اليماني
ما رواه في الكافي (3) عن العلاء بن المقعد قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان ملكا موكلا بالركن اليماني منذ خلق الله السماوات و الأرضين ليس له هجير إلا التأمين على دعائكم، فلينظر عبد بما يدعو.
____________
(1) ج 5 ص 106، و الوسائل الباب 25 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 106، و الوسائل الباب 22 من الطواف.
(3) ج 4 ص 408، و الوسائل الباب 23 من الطواف.
133
فقلت له: ما الهجير؟ فقال: كلام من كلام العرب، اي ليس له عمل».
أقول: الهجير في اللغة- كسجيل-: الدأب و العادة و الديدن و هو موافق لتفسيره (عليه السلام).
و عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «الركن اليماني باب من أبواب الجنة لم يغلقه الله (تعالى) منذ فتحه».
و روى في الفقيه (2) قال: «و قال الصادق (عليه السلام):
الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة.
و قال (عليه السلام): فيه باب من أبواب الجنة لم يغلق منذ فتح».
و عن ابي الفرج السندي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«كنت أطوف معه بالبيت، فقال: اي هذا أعظم حرمة؟ فقلت:
جعلت فداك أنت اعلم بهذا مني. فأعاد علي، فقلت له: داخل البيت.
فقال: الركن اليماني على باب من أبواب الجنة مفتوح لشيعة آل محمد (صلى الله عليه و آله) مسدود عن غيرهم، و ما من مؤمن يدعو بدعاء عنده إلا صعد دعاؤه حتى يلصق بالعرش ما بينه و بين الله (تعالى) حجاب».
تتمة مهمة [في صلاة الطواف]
يجب ان يعلم ان من لوازم الطواف صلاة ركعتين وجوبا ان كان
____________
(1) الكافي ج 4 ص 409، و الوسائل الباب 23 من الطواف.
(2) ج 2 ص 134، و الوسائل الباب 22 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 409، و الوسائل الباب 23 من الطواف.
134
واجبا و استحبابا ان كان مستحبا، و هو المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم).
إلا ان الشيخ نقل في الخلاف عن بعض أصحابنا القول باستحبابهما في الطواف الواجب.
و هو ضعيف مردود بالآية و الروايات، لقوله (عز و جل) وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (1). و الأمر للوجوب- بلا خلاف- في القرآن العزيز إلا مع قيام قرينة خلافه، و انما الخلاف في أوامر السنة.
و لما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا فرغت من طوافك فأت مقام إبراهيم (عليه السلام) فصل ركعتين و اجعله امامك، و اقرأ في الأولى منهما سورة التوحيد: «قل هو الله أحد» و في الثانية «قل يا ايها الكافرون» ثم تشهد و احمد الله (تعالى) و أثن عليه، و صل على النبي (صلى الله عليه و آله) و اسأله ان يتقبل منك. و هاتان الركعتان هما الفريضة، ليس يكره لك ان تصليهما في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس و عند غروبها، و لا تؤخرهما ساعة تطوف و تفرغ فصلهما».
و روى الشيخ (قدس سره) في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «ثم تأتي مقام إبراهيم (عليه السلام) فتصلي ركعتين و اجعله اماما. و اقرأ فيهما
____________
(1) سورة البقرة، الآية 125.
(2) التهذيب ج 5 ص 136، و الوسائل الباب 71 و 76 من الطواف.
و الشيخ يرويه عن الكليني.
(3) التهذيب ج 5 ص 104 و 105، و الوسائل الباب 71 من الطواف.
135
بسورة التوحيد: «قل هو الله أحد» و في الركعة الثانية «قل يا ايها الكافرون» ثم تشهد و احمد الله (تعالى) و أثن عليه».
و روى في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس. قال: وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب».
و روى في التهذيب (2) عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن ركعتي طواف الفريضة. قال: لا تؤخرهما ساعة إذا طفت فصل».
الى غير ذلك من الاخبار الآتية في المقام ان شاء الله (تعالى).
و تنقيح البحث في هذا المقام يتوقف على بيان أمور
الأول [موضع الإتيان بصلاة الطواف]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان محل ركعتي طواف الفريضة خلف المقام و لا يجوز في غيره، و ركعتي طواف النافلة حيث شاء من المسجد.
و قال الشيخ (قدس سره) في الخلاف: يستحب ان يصلي الركعتين خلف المقام، فان لم يفعل و فعل في غيره أجزأه. كذا نقل عنه في المختلف و نقل عنه في المدارك، قال: و قال الشيخ (قدس سره) في الخلاف:
يستحب فعلهما خلف المقام فان لم يفعل و فعل في غيره أجزأ. و هو اما نقل بالمعنى أو في موضع آخر غير ما نقله العلامة (قدس سره). و نقل في المختلف عن الشيخ علي بن بابويه انه قال: لا يجوز ان تصلي ركعتي طواف الحج و العمرة إلا خلف المقام حيث هو الساعة، و لا بأس ان
____________
(1) ج 4 ص 423، و الوسائل الباب 76 من الطواف.
(2) ج 5 ص 141، و الوسائل الباب 76 من الطواف.
136
تصلي ركعتي طواف النساء و غيره حيث شئت من المسجد الحرام. قال:
و كذا جوز ابنه في المقنع صلاة ركعتي طواف النساء في جميع المسجد الحرام. و نقل عن ابي الصلاح انه قال: يجب على كل من طاف بالبيت بعد فراغه من أسبوعه ان يصلي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و يجوز تأديتهما في غير المقام من المسجد الحرام.
و يدل على المشهور صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، و مثلها موثقته المذكورة أيضا.
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (1) في الصحيح عن صفوان عن من حدثه عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس لأحد ان يصلي ركعتي طواف الفريضة إلا خلف المقام، لقول الله (عز و جل) وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (2) فان صليتهما في غيره فعليك إعادة الصلاة».
و عن ابي عبد الله الأبزاري (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي فصلى ركعتي طواف الفريضة في الحجر. قال يعيدهما خلف المقام، لان الله (تعالى) يقول وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (4) يعني بذلك: ركعتي طواف الفريضة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن إبراهيم بن ابي محمود، و قد تقدمت قريبا (5).
____________
(1) ج 5 ص 137 و 285، و الوسائل الباب 72 من الطواف.
(2) سورة البقرة، الآية 125.
(3) التهذيب ج 5 ص 138، و الوسائل الباب 72 من الطواف.
(4) سورة البقرة، الآية 125.
(5) ص 114 و 115.
137
و هذه الروايات دالة بإطلاقها على وجوب صلاة الركعتين عند المقام في كل طواف واجب لحج كان أو عمرة أو طواف النساء.
و الظاهر ان ما نقل عن الصدوقين (قدس سرهما) من استثناء طواف النساء فمستنده
كتاب الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام) (1):- بعد ذكر المواضع التي يستحب الصلاة فيها و ترتيبها في الفضل- ما صورته: و ما قرب من البيت فهو أفضل، إلا انه لا يجوز ان تصلي ركعتي طواف الحج و العمرة إلا خلف المقام حيث هو الساعة. و لا بأس ان تصلي ركعتي طواف النساء و غيره حيث شئت من المسجد الحرام.
و حينئذ فيمكن تخصيص إطلاق تلك الروايات بهذه الرواية، إلا ان الأحوط الوقوف على إطلاق تلك الاخبار.
و اما ما ذكره أبو الصلاح فلم أقف له على مستند، مع ظهور الأخبار المذكورة في رده.
و اما ما يدل على ان صلاة طواف النافلة حيث شاء من المسجد فهو
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي (2) عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا ينبغي ان تصلي ركعتي طواف الفريضة إلا عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و اما التطوع فحيث شئت من المسجد».
و عن إسحاق بن عمار في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «كان ابي (عليه السلام) يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعا و صلى ركعتين في أي جوانب المسجد شاء كتب الله له ستة آلاف حسنة.».
____________
(1) ص 28.
(2) ج 4 ص 425، و الوسائل الباب 73 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 411 و 412، و الوسائل الباب 4 و 73 من الطواف.
138
و عن ابي بلال المكي (1) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) طاف بالبيت ثم صلى ما بين الباب و الحجر الأسود ركعتين، فقلت له:
ما رأيت أحدا منكم صلى في هذا الموضع. فقال: هذا المكان الذي تيب على آدم فيه».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يطوف بعد الفجر فيصلي الركعتين خارجا من المسجد. قال: يصلي بمكة لا يخرج منها، إلا ان ينسى فيصلي إذا رجع في المسجد أي ساعة أحب ركعتي ذلك الطواف».
و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله (3).
الثاني [تحقيق حول إيقاع صلاة الطواف في المقام]
- المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يصلي ركعتي الطواف الواجب في المقام، و لو منعه زحام أو غيره صلى خلفه أو الى أحد جانبيه. و هذا الكلام بحسب ظاهره لا يخلو من الاشكال و لم أر من تنبه له و نبه عليه إلا شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال: الأصل في المقام انه العمود من الصخر الذي كان إبراهيم (عليه السلام) يقف عليه حين بنائه البيت، و اثر قدميه فيه الى الآن. (4)
ثم بعد ذلك بنوا حوله بناء، و أطلقوا اسم المقام على ذلك البناء بسبب المجاورة حتى صار إطلاقه على البناء كأنه حقيقة عرفية. إذا تقرر ذلك فنقول: قد عرفت ان المقام بالمعنى الأول لا يصلح ظرفا مكانيا للصلاة على جهة الحقيقة، لعدم إمكان الصلاة فيه و انما تصلح خلفه أو الى أحد جانبيه. و اما المقام بالمعنى الثاني فيمكن الصلاة فيه
____________
(1) الوسائل الباب 53 من أحكام المساجد، و الباب 73 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 73 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 73 من الطواف.
(4) لاحظ الاستدراكات.
139
و في أحد جانبيه و خلفه، فقول المصنف: «يجب ان يصلى في المقام» ان أراد به المعنى الأول أشكل من جهة جعله ظرفا مكانيا، و من جهة قوله: «و لا يجوز في غيره» فإن الصلاة خلفه أو عن أحد جانبيه جائزة بل معينة. و من جهة قوله: «فان منعه زحام صلى وراءه أو الى أحد جانبيه» فإن الصلاة في هذين جائزة مع الزحام و غيره. و لو حملت الصلاة فيه على الصلاة حوله مجازا تسمية له باسمه بسبب المجاورة كان المقصود بالذات من الكلام الصلاة خلفه أو الى أحد الجانبين مع الاختيار، فيشكل شرطه بعد ذلك جواز الصلاة فيهما بالاضطرار. اللهم إلا ان يتكلف لقوله:
«خلفه أو الى أحد جانبيه» بما زاد عن ما حوله من ما يقاربه عرفا، و تصح الصلاة إليه اختيارا، بان يجعل ذلك كله عبارة عن المقام مجازا، و ما خرج عن ذلك من المسجد الذي يناسب الخلف أو أحد الجانبين يكون محلا للصلاة مع الاضطرار و الزحام. إلا ان هذا معنى بعيد و تكلف زائد.
و ان أراد المقام بالمعنى الثاني و هو البناء المحيط بالصخرة المخصوصة صح قوله: «ان يصلى في المقام» و لكن يشكل بالأمرين الآخرين، فإن الصلاة في غيره أيضا جائزة اختيارا، و هو ما جاوره من أحد جانبيه و خلفه من ما لا يخرج عن قرب الصخرة عرفا، و لا يشترط فيه الزحام بل هو الواقع لجميع الناس في أكثر الاعصر. و في إرادة البناء فساد آخر، و هو ان المقام كيف أطلق يجب كون الصلاة خلفه أو عن أحد جانبيه، و متى أطلق على البناء و فرضت الصلاة الى أحد جانبيه صح من غير اعتبار ان يكون عن جانب الصخرة. و هذا لا يصح، لان المعتبر في ذلك انما هو بالصخرة لا بالبناء، فإنه هو مقام إبراهيم (عليه السلام) و موضع الشرف و موضع إطلاق الشارع. و ايضا قوله
140
«حيث هو الآن» احتراز عن محله قديما كما تقدم، و المقام المنقول هو الصخرة لا البناء كما لا يخفى. و هذا الإجمال أو القصور في المعنى مشترك بين أكثر عبارات الأصحاب (رضوان الله عليهم) و ان تفاوتت في ذلك. و لقد كان الاولى ان يقول: يجب ان يصلى خلف المقام أو الى أحد جانبيه، فان منعه زحام جاز التباعد عنه مع مراعاة الجانبين و الوراء. انتهى كلامه (زيد مقامه). و هو جيد. و انما نقلناه بطوله لحسنه و جودة محصوله.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المستفاد من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو تخصيص الصلاة الى أحد الجانبين بالزحام، و خيروا بينه و بين الخلف كما تقدم نقله عنهم. و ظاهر كلام الشيخ (قدس سره)- على ما نقله في المنتهى- ترتب الصلاة في أحد الجانبين على عدم الإمكان خلفه. و المروي في الاخبار الكثيرة- كما تقدم شطر منها- هو الصلاة خلفه، سيما مرسلة
صفوان المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها: «ليس لأحد ان يصلي ركعتي طواف الفريضة إلا خلف المقام».
و في جملة من الاخبار الصلاة عند المقام، و الظاهر حمل إطلاقها على ما ذكر في غيرها من الخلف. و فيها إشارة إلى القرب و عدم التباعد بحيث تصدق العندية بذلك.
و لم أقف على رواية تدل على أحد الجانبين إلا
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحسين بن عثمان (2) قال: «رأيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يصلي ركعتي طواف الفريضة بحيال المقام قريبا
____________
(1) ص 136.
(2) الوسائل الباب 75 من الطواف.
141
من ظلال المسجد».
و رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (1) بسند فيه احمد بن هلال المذموم. و زاد في آخر الخبر: «لكثرة الناس».
و هو على رواية الشيخ (قدس سره) ظاهر الدلالة على ما هو المذكور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) من التخصيص بالضرورة، و على تقدير رواية الكافي ينبغي تقييده بذلك أيضا للأخبار الكثيرة الدالة على التخصيص بخلف المقام، و لا سيما مرسلة صفوان المذكورة.
الثالث [حكم من نسي صلاة الطواف أو تركها جهلا]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه لو نسي ركعتي الطواف وجب عليه الرجوع، إلا ان يشق عليه فيقضيهما حيث ذكر. و في الدروس بعد تعذر الرجوع الى المقام فحيث شاء من الحرم، فان تعذر فحيث أمكن من البقاع. و نقل عن المبسوط وجوب الاستنابة، قال: و تبعه الفاضل.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة
ما رواه في الكافي عن ابي الصباح الكناني (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ان يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) في طواف الحج و العمرة. فقال: ان كان بالبلد صلى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)، فان الله (عز و جل) يقول وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (3) و ان كان قد ارتحل فلا آمره ان يرجع».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن علي بن رئاب عن ابي بصير (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي ان يصلي
____________
(1) ج 5 ص 140، و الوسائل الباب 75 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 74 من الطواف.
(3) سورة البقرة، الآية 125.
(4) الوسائل الباب 74 من الطواف.
142
ركعتي طواف الفريضة خلف المقام- و قد قال الله (تعالى) وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (1)- حتى ارتحل. فقال: ان كان ارتحل فاني لا أشق عليه و لا آمره ان يرجع و لكن يصلي حيث يذكر».
و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نسي الركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فلم يذكر حتى ارتحل من مكة. قال: فليصلهما حيث ذكر، و ان ذكرهما و هو بالبلد فلا يبرح حتى يقضيهما».
قال في الفقيه (3): و في رواية عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام): «ان كان قد مضى قليلا فليرجع فليصلهما أو يأمر بعض الناس فليصلهما عنه».
و طريقه الى عمر المذكور صحيح (4).
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن عبيد بن زرارة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) «في رجل طاف طواف الفريضة و لم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة، ثم طاف طواف النساء و لم يصل الركعتين، حتى ذكر بالأبطح، فصلى اربع ركعات؟ قال: يرجع فيصلي عند المقام أربعا».
____________
(1) سورة البقرة، الآية 125.
(2) الوسائل الباب 74 من الطواف.
(3) ج 2 ص 254، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
(4) جامع الرواة ج 2 ص 538، و شرح مشيخة الفقيه ص 8.
(5) الكافي ج 4 ص 425، و التهذيب ج 5 ص 138، و الوسائل الباب 74 من الطواف الرقم 6 و 7.
143
و ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سئل عن رجل طاف طواف الفريضة و لم يصل الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة، و طاف بعد ذلك طواف النساء و لم يصل ايضا لذلك الطواف، حتى ذكر و هو بالأبطح. قال: يرجع الى مقام إبراهيم (عليه السلام) فيصلي».
و ما رواه في التهذيب (2) عن احمد بن عمر الحلال في الصحيح قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل نسي ان يصلي ركعتي طواف الفريضة فلم يذكر حتى اتى منى. قال: يرجع الى مقام إبراهيم (عليه السلام) فيصليهما».
و رواه في الفقيه (3) بسنده عن احمد بن عمر مثله، ثم قال:
و قد رويت رخصة في ان يصليهما بمنى، رواها ابن مسكان عن عمر بن البراءة عن ابي عبد الله (عليه السلام)..
و ما رواه في الكافي (4) عن هشام بن المثنى و حنان قالا: «طفنا بالبيت طواف النساء و نسينا الركعتين، فلما صرنا بمنى ذكرناهما، فأتينا أبا عبد الله (عليه السلام) فسألناه، فقال: صلياهما بمنى».
و عن هشام بن المثنى (5) قال: «نسيت ركعتي الطواف خلف مقام
____________
(1) الكافي ج 4 ص 426، و التهذيب ج 5 ص 138، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
(2) ج 5 ص 140، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
(3) ج 2 ص 254، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
(4) ج 4 ص 426، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
(5) الكافي ج 4 ص 426، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
144
إبراهيم (عليه السلام) حتى انتهيت إلى منى، فرجعت الى مكة فصليتهما، فذكرنا ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: ألا صلاهما حيث ذكر».
أقول: الظاهر ان قوله: «فذكرنا ذلك.» من كلام ابن ابي عمير، و هو الراوي عن هشام المذكور. و رواه في التهذيب (1) ايضا عن هشام بن المثنى مثله.
و روى في التهذيب (2) في الموثق عن حنان بن سدير قال: «زرت فنسيت ركعتي الطواف، فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام)- و هو بقرن الثعالب- فسألته، فقال: صل في مكانك».
أقول: قرن الثعالب هو قرن المنازل الذي هو ميقات أهل الطائف.
و عن عمر بن يزيد في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سأله عن رجل نسي ان يصلي الركعتين ركعتي الفريضة عند مقام إبراهيم (عليه السلام) حتى اتى منى. قال: يصليهما بمنى».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن رجل نسي ان يصلي الركعتين. قال: يصلى عنه».
و عن ابن مسكان (5) عن من سأله عن رجل نسي ركعتي طواف الفريضة حتى يخرج. قال: يوكل.
قال ابن مسكان: و في حديث آخر: ان كان جاوز ميقات أهل أرضه فليرجع و ليصلهما، فان الله (عز و جل) يقول وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (6).
____________
(1) ج 5 ص 139.
(2) الوسائل الباب 74 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 74 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 74 من الطواف.
(5) التهذيب ج 5 ص 140، و الوسائل الباب 74 من الطواف.
(6) سورة البقرة، الآية 125.
145
قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: هكذا في النسخ التي رأيناها، و لعله سقط من الكلام شيء بأن يكون «ان كان جاوز» متعلقا ب«يوكل» و الساقط «و ان لم يجاوز ميقات أهل أرضه» أو «و إلا».
انتهى. و هو جيد.
أقول: و المستفاد من أكثر هذه الاخبار هو جواز الصلاة حيث ذكر متى شق عليه الرجوع، كما هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)، و المستفاد- من صحيحة عمر بن يزيد المتقدم نقلها عن كتاب من لا يحضره الفقيه، و صحيحة محمد بن مسلم، و رواية ابن مسكان- انه يوكل من يصلي عنه. و الظاهر انها المستند لمن قال بوجوب الاستنابة. إلا ان المنقول عن الشيخ هو وجوب الاستنابة إذا شق عليه الرجوع كما نقله في المدارك. و ظاهر صحيحة عمر بن يزيد هو التخيير بين الرجوع و الاستنابة في موضع يمكن فيه الرجوع. و هي لا تنطبق على مذهبه. و الروايتان الأخيرتان مطلقتان لا تصريح فيهما بالاستنابة مع تعذر الرجوع، فلعل إطلاقهما محمول على صحيحة عمر ابن يزيد المذكورة. و بذلك يعظم الإشكال في المسألة بناء على كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم). و ربما يؤيد التخيير في مقام إمكان الرجوع روايات منى، حيث ان بعضها تضمن الرجوع الى المقام و بعضها الصلاة في منى، فيجمع بينهما بالتخيير بين الأمرين، و يكون ذلك مؤيدا لما دلت عليه صحيحة عمر بن يزيد المذكورة.
و بالجملة فإن الوجه الذي تجتمع عليه هذه الروايات هو ان من لم يمكنه الرجوع فإنه يصلي حيث ذكر، و من امكنه تخير بين الرجوع و الاستنابة. و الحكم الأول لا اشكال فيه بالنسبة الى الاخبار، و اما
146
الثاني فالتقريب فيه حمل إطلاق روايتي محمد بن مسلم و ابن مسكان على صحيحة عمر بن يزيد، و حمل روايات منى على التخيير. و به يزول الإشكال في هذا المجال و ان لم يقل به أحد من علمائنا الأبدال.
و الشيخ (قدس سره) قد جمع في التهذيب (1) بين روايات منى بحمل الصلاة في منى على ما إذا شق عليه العود. و فيه ان رواية هشام ابن المثنى الثانية صريحة في انه عاد إلى مكة و صلاهما في المقام، و مع ذلك لما أخبر الإمام (عليه السلام) قال: «ألا صلاهما حيث ذكر» فكيف يتم ما ذكره؟.
و صاحب الفقيه (2) حمل روايات عدم الرجوع على الرخصة، و في الاستبصار (3) نحو ذلك.
و اما رواية ابن مسكان و صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة ابن يزيد فلم أقف لهم على الجواب عنها إلا ما ذكره في المدارك من الطعن في رواية ابن مسكان و اطراح صحيحة عمر بن يزيد، و لم يتعرض لصحيحة محمد بن مسلم و لم ينقلها في المقام. و هو محض مجازفة لا تخفى على ذوي الأفهام.
و بالجملة فإني لا اعرف وجها تجتمع عليه هذه الاخبار سوى ما ذكرت.
و اما ما ذكره في الدروس- من إيجاب العود الى الحرم عند تعذر العود الى المقام- فلم نقف له على دليل في الاخبار.
و الظاهر إلحاق حكم الجاهل بالناسي،
لما رواه الصدوق (قدس
____________
(1) ج 5 ص 137 الى 140.
(2) ج 2 ص 253 و 254.
(3) ج 2 ص 235 و 236.
147
سره) في الصحيح عن جميل بن دراج عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «ان الجاهل في ترك الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) بمنزلة الناسي».
و لا يخفى ان ما نقلناه من الاخبار انما يتعلق بحكم الناسي و الجاهل، و اما التارك لهما عمدا فلم أقف على خبر يتضمن الحكم فيه و كذا الأصحاب (رضوان الله عليهم) لم يتعرضوا لذكره إلا ما صرح به في المسالك، حيث قال بعد ذكر ذلك: و الذي يقتضيه الأصل انه يجب عليه العود مع الإمكان، و مع التعذر يصليهما حيث أمكن.
و قال سبطه في المدارك بعد ان نقل عنه ذلك: و لا ريب ان مقتضى الأصل وجوب العود مع الإمكان، و انما الكلام في الاكتفاء بصلاتهما حيث أمكن مع التعذر أو بقائهما في الذمة الى ان يحصل التمكن من الإتيان بهما في محلهما. و كذا الإشكال في صحة الأفعال المتأخرة عنهما، من صدق الإتيان بها، و من عدم وقوعها على الوجه المأمور به. انتهى. و هو جيد.
الرابع [حكم من مات و لم يأت بصلاة الطواف]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لو مات و لم يأت بهما وجب قضاؤهما على وليه.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة
صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من نسي ان يصلي ركعتي طواف الفريضة حتى خرج من مكة فعليه ان يقضي، أو يقضي عنه وليه، أو رجل من المسلمين».
و لم أقف على سواها.
و هي مع عدم التصريح فيها بالموت كما هو موضع المسألة قد دلت
____________
(1) الوسائل الباب 74 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 74 من الطواف.
148
على التخيير بين الولي و غيره من المسلمين. و الذي يظهر من الرواية هو كونها من عداد صحيحة محمد بن مسلم و رواية ابن مسكان المتقدمين في الدلالة على ان من نسي ركعتي الطواف فإنه يصلى عنه، غاية الأمر ان هذه تضمنت قضاء الولي مخيرا بينه و بين غيره. و ذكر الولي فيها لا يستلزم الموت كما هو ظاهر ما فهموه من الخبر، بل ربما كان في التخيير بين قضائه و قضاء الأجنبي إشارة إلى الحياة كما لا يخفى. و بالجملة فإن الرواية قاصرة عن إفادة المدعى.
و قال في المسالك بعد قول المصنف: «و لو مات قضاهما الولي» هذا ان تركهما الميت خاصة، و لو ترك معهما الطواف ففي وجوبهما حينئذ عليه و يستنيب في الطواف أم يستنيب عليهما معا من ماله وجهان، و لعل وجوبهما عليه مطلقا أقوى، لعموم قضاء ما فاته من الصلوات الواجبة (1). اما الطواف فلا يجب عليه قضاؤه عنه قطعا و ان كان بحكم الصلاة.
و اعترضه سبطه في المدارك بان ما ذهب اليه من وجوب قضاء الركعتين مطلقا متجه، اما قطعه بعدم وجوب قضاء الطواف فمنظور فيه،
لما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نسي طواف النساء حتى دخل اهله؟ فقال:
لا تحل له النساء حتى يزور البيت. و قال: يأمر من يقضي عنه ان لم يحج فإن توفي قبل ان يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره».
و هذه الرواية
____________
(1) الوسائل الباب 1 و 6 من قضاء الصلوات.
(2) التهذيب ج 5 ص 128، و الوسائل الباب 58 من الطواف. و الشيخ يرويه عن الكليني.
149
و ان كانت مخصوصة بطواف النساء لكن متى وجب قضاؤه وجب قضاء طواف العمرة و الحج بطريق اولى. انتهى.
أقول: يمكن ان يقال: ان صلاة الطواف الواجب و ان كانت واجبة لكن الظاهر ان وجوبها للطواف، بمعنى أنها تابعة له، فان اتى بالطواف الواجب اتى بها، و ان أخل به على وجه لا يمكن تداركه فلا تصح الصلاة وحدها بدونه بل يكون مؤاخذا بكل من الأمرين، فإن ثبت قضاء الطواف وجب قضاء الصلاة أيضا، و إلا فلا بل كان مؤاخذا بالأمرين. و اما انه يجب قضاء الصلاة خاصة كما ذكره فلا اعرف له وجها وجيها. و الروايات المتقدمة- في ترك الصلاة نسيانا أو جهلا، و الأمر بقضائها أو النيابة فيها- قد تضمنت الإتيان بالطواف. و هو من ما لا اشكال فيه. و اما الاستناد الى عموم قضاء ما فاته من الصلوات الواجبة (1) فيمكن حملها على ما فاته من الصلوات الواجبة باستقلالها لا ما كان وجوبه مرتبا على غيره مع عدم الإتيان بذلك الغير. و لا يتوهم من هذا الكلام انا نمنع الوجوب بل انما نمنع الإتيان بالفعل و الحكم بصحته مع عدم لإتيان بالطواف، و نقول انه متى ترك الطواف فلا تصح منه الصلاة وحدها بل يجب عليه الطواف أولا ثم الصلاة. فتدبر. و الله العالم.
الخامس [صلاة الطواف في الأوقات التي لا تبتدأ فيها النوافل]
- المفهوم من الاخبار و كلام الأصحاب ان وقت صلاة الطواف الفراغ من الطواف، فلا تكره لو اتفقت في الأوقات التي يكره فيها ابتداء النوافل بل تصلى في كل وقت.
و من الاخبار في ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن
____________
(1) الوسائل الباب 1 و 6 من قضاء الصلوات.
150
محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة و فرغ من طوافه حين غربت الشمس. قال:
وجبت عليه تلك الساعة الركعتان فليصلهما قبل المغرب».
و في الصحيح أو الحسن عن رفاعة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يطوف الطواف الواجب بعد العصر، أ يصلي الركعتين حين يفرغ من طوافه؟ فقال: نعم، اما بلغك قول رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا بني عبد المطلب لا تمنعوا الناس من الصلاة بعد العصر فتمنعوهم من الطواف».
و في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا فرغت من طوافك فات مقام إبراهيم (عليه السلام) فصل ركعتين. الى ان قال: و هاتان الركعتان هما الفريضة، ليس يكره لك ان تصليهما في أي الساعات شئت عند طلوع الشمس و عند غروبها، و لا تؤخرهما ساعة تطوف و تفرغ فصلهما».
و في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «ما رأيت الناس أخذوا عن الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلا الصلاة بعد العصر و بعد الغداة في طواف الفريضة».
و ما رواه الشيخ (رحمه الله) عن منصور بن حازم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «سألته عن ركعتي طواف الفريضة. قال:
لا تؤخرهما ساعة إذا طفت فصل».
و اما
ما رواه عن محمد بن مسلم في الصحيح (6)- قال: «سألت أبا جعفر
____________
(1) الوسائل الباب 76 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 76 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 76 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 76 من الطواف.
(5) الوسائل الباب 76 من الطواف.
(6) التهذيب ج 5 ص 141، و الوسائل الباب 76 من الطواف.
151
(عليه السلام) عن ركعتي طواف الفريضة. فقال: وقتهما إذا فرغت من طوافك، و أكرهه عند اصفرار الشمس و عند طلوعها».
و في الصحيح عن محمد بن مسلم ايضا (1) قال: «سئل أحدهما (عليهما السلام) عن الرجل يدخل مكة بعد الغداة أو بعد العصر.
قال: يطوف و يصلي الركعتين ما لم يكن عند طلوع الشمس أو عند احمرارها».
فحمله الشيخ (قدس سره) على التقية، قال: لانه موافق للعامة (2).
و أنت خبير بان ظاهر موثقة إسحاق بن عمار ان العامة لا يمنعون ذلك و انهم لم يأخذوا عن الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلا جواز الصلاة في هذين الوقتين. و يمكن الجمع بحمل الناس في الموثقة للذكورة على بعض العامة و ان كان الأكثر على المنع (3).
و ظاهر الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان هذا الحكم مخصوص بصلاة طواف الفريضة، و اما صلاة طواف النافلة فإنها تكون مكروهة في هذه الأوقات، نص على ذلك الشيخ (قدس سره) و غيره.
و استدل عليه في الاستبصار (4)
بما رواه في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: «سألت الرضا (عليه السلام) عن صلاة طواف التطوع بعد العصر. فقال: لا. فذكرت له قول بعض آبائه (عليهم السلام): ان الناس لم يأخذوا عن الحسن و الحسين (عليهما السلام) إلا الصلاة بعد العصر بمكة، فقال: نعم و لكن إذا رأيت الناس
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 141، و الوسائل الباب 76 من الطواف.
(2) ارجع الى المغني ج 2 ص 91 طبع مطبعة نشر الثقافة الإسلامية.
(3) ارجع الى المغني ج 2 ص 91 طبع مطبعة نشر الثقافة الإسلامية.
(4) ج 2 ص 237، و الوسائل الباب 76 من الطواف.
152
يقبلون على شيء فاجتنبه. فقلت: ان هؤلاء يفعلون. فقال:
لستم مثلهم».
أقول: الذي يظهر من هذا الخبر ان نهيه (عليه السلام) انما كان استصلاحا و تقية على السائل و نحوه. و حاصل الخبر- و الله سبحانه و قائله اعلم- انه لما نهاه عن الصلاة في هذا الوقت احتج عليه بالحديث المذكور الدال على انهم يجوزون ذلك، فقال له: نعم الأمر كما ذكرت و لكن عملهم بذلك لا يدفع الضرر عنكم، لأنهم يعلمون ان هذا الحكم- و هو جواز الصلاة في هذه الأوقات المكروهة عندهم- من خصائص مذهبكم، و هم إنما أخذوا عن الحسن و الحسين (عليهما السلام) الجواز في صلاة الطواف خاصة، فهم يؤاخذونكم لأجل ذلك بما لا يؤاخذون به بعضهم بعضا. و هذا معنى قوله (عليه السلام): «لستم مثلهم» و اما قوله: «و لكن إذا رأيت الناس.» فالظاهر ان المراد منه ان اجتماعهم على أمر من الأمور ينبغي ان يكون سببا في بعدكم عنه و تنحيكم له، فإنهم ليسوا من الحنيفية على شيء، كما استفاضت به الاخبار (1) و هو إعطاء القاعدة كلية لا لخصوص هذا الموضع. و بالجملة فالظاهر ان النهي انما خرج مخرج التقية (2).
ثم ان الشيخ (قدس سره) بعد ان أورد هذا الخبر في الاستبصار (3) قال: فاما
ما رواه احمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي بن يقطين عن أخيه الحسين عن علي بن يقطين- قال: «سألت أبا الحسن (عليه
____________
(1) الوسائل الباب 9 و غيره من صفات القاضي و ما يجوز ان يقضي به.
(2) ارجع الى المغني ج 2 ص 91 طبع مطبعة نشر الثقافة الإسلامية.
(3) ج 2 ص 237، و الوسائل الباب 76 من الطواف.
153
السلام) عن الذي يطوف بعد الغداة أو بعد العصر و هو في وقت الصلاة أ يصلي ركعات الطواف نافلة كانت أو فريضة؟ قال: لا»-.
فالوجه في هذا الخبر ما تضمنه من انه كان وقت صلاة فريضة فلم يجز له ان يصلي ركعتي الطواف إلا بعد ان يفرغ من الفريضة الحاضرة. انتهى.
أقول: و الأظهر في معنى هذا الخبر ما ذكره في الوافي (1) قال:
و الاولى ان يحمل وقت الصلاة فيه على وقت صلاة الطواف، يعني:
له وقت يمكنه ان يصلي فيه صلاة الطواف قبل الطلوع أو الغروب و انما نهاه (عليه السلام) لمكان التقية (2).
السادس [تحقيق حول ظاهر حديث يحيى الأزرق]
-
روى الشيخان ثقة الإسلام و الصدوق (رحمهما الله) عن يحيى الأزرق عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «قلت له:
اني طفت أربعة أسابيع فأعييت، أ فأصلي ركعاتها و انا جالس؟ قال:
لا. قلت: فكيف يصلي الرجل إذا اعتل و وجد فترة صلاة الليل جالسا و هذا لا يصلي؟ قال: فقال: يستقيم ان تطوف و أنت جالس؟
قلت: لا. قال: فصل و أنت قائم».
أقول: ظاهر هذا الخبر قد تضمن حكمين غريبين لم أر من تنبه لهما:
أحدهما- عدم جواز صلاة ركعتي الطواف جالسا و ان كان في طواف النافلة كما هو مورد الخبر. و الظاهر حمله على التمكن من الصلاة قائما و ان كان فيه نوع مشقة. و يصير الفرق بينه و بين صلاة النافلة
____________
(1) باب (ركعتي الطواف).
(2) ارجع الى المغني ج 2 ص 91 طبع مطبعة نشر الثقافة الإسلامية.
(3) الكافي ج 4 ص 424، و الفقيه ج 2 ص 255 و 256، و الوسائل الباب 79 من الطواف.
154
في غير الطواف انه يجوز صلاة النافلة جالسا من غير عذر و ان كان القيام أفضل، و اما صلاة الطواف و ان كان نافلة فلا يجوز صلاتها جالسا بل يجب القيام فيها و ان اشتمل على نوع مشقة، اما لو تعذر القيام أو اشتمل على مشقة لا تتحمل عادة فالظاهر القول بجواز صلاتها جالسا. و ربما يشير اليه
ما ورد في رواية إسحاق بن عمار (1) «في من اعتل عن إتمام طوافه: انه يطاف عنه و يصلي هو».
فان الظاهر ان الصلاة هنا من حيث المرض المانع من إتمام الطواف انما هي من جلوس. و بالجملة فإن الأمر دائر بين ان يصلى هو من جلوس أو يصلى عنه، و الأوفق بالقواعد الشرعية هو الأول، فإن النيابة انما تصح مع تعذر الإتيان بالفعل مطلقا.
و ثانيهما- عدم جواز الطواف جالسا، و هو أعم من ان يزحف على مقعدته زحفا على الأرض أو يمشي على قدميه و هو جالس، كالممنوع من الانتصاب و القيام لتشنج أعضائه. و يعضده ان الاخبار قد دلت بالنسبة إلى المرض المانع من الطواف قائما ماشيا الشامل لهاتين الصورتين على الطواف به، بان يحمل ان أمكن، و إلا فإنه يطاف عنه (2) و لم يتعرض في شيء منها لاستثناء شيء من هاتين الصورتين و لا غيرهما. و الاخبار بإطلاقها شاملة لهما. و الله العالم.
السابع [ما يقرأ من السور في صلاة الطواف]
- من المستحب في هاتين الركعتين ان يقرأ فيهما بالتوحيد و الجحد.
و قد تكاثرت بذلك الاخبار، و منها: ما تقدم في صدر البحث في
____________
(1) الوسائل الباب 45 من الطواف.
(2) و الوسائل الباب 47 و 49 من الطواف.
155
صحيحة معاوية بن عمار، و موثقته المذكورة أيضا.
و منها:
صحيحة جميل بن دراج عن بعض أصحابه (1) قال:
«قال أحدهما (عليهما السلام): يصلي الرجل ركعتي الطواف طواف الفريضة و النافلة بقل هو الله أحد و قل يا ايها الكافرون».
و مثل ذلك رواية معاذ بن مسلم (2).
و قد تضمنت صحيحة معاوية بن عمار ان التوحيد في الركعة الاولى و الجحد في الثانية، و هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)، و قال الشيخ (رحمه الله) في النهاية: انه يقرأ الجحد في الركعة الاولى و التوحيد في الثانية. و لم نقف على مستنده، بل قد روى هو (قدس سره)- زيادة على صحيحة معاوية المذكورة هنا- في كتاب الصلاة من التهذيب (3) مرسلا بعد ان نقل رواية معاذ بن مسلم عن ابي عبد الله (عليه السلام) الدالة على استحباب قراءة التوحيد و الجحد في سبعة مواضع، و عد منها ركعتي الفجر و ركعتي الطواف، قال:
و في رواية أخرى: «يقرأ في هذا كله بقل هو الله أحد و في الركعة الثانية بقل يا ايها الكافرون إلا في الركعتين قبل الفجر، فإنه يبدأ بقل يا ايها الكافرون ثم يقرأ في الركعة الثانية قل هو الله أحد».
إلا ان شيخنا الشهيد (قدس سره) في الدروس- بعد ان ذكر قراءة التوحيد في الاولى و الجحد في الثانية- قال: و روى العكس. و هذه الرواية لم تصل إلينا.
____________
(1) الوسائل الباب 71 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 71 من الطواف.
(3) ج 2 ص 74، و الوسائل الباب 15 من القراءة في الصلاة.
156
و يستحب ان يدعو بعدهما
بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «تدعو بهذا الدعاء في دبر ركعتي طواف الفريضة، تقول بعد التشهد: اللهم ارحمني بطواعيتي إياك و طواعيتي رسولك (صلى الله عليه و آله) اللهم جنبني أن أتعدى حدودك، و اجعلني ممن يحبك و يحب رسولك (صلى الله عليه و آله) و ملائكتك و عبادك الصالحين».
و روى الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن إسحاق عن بكر بن محمد (2) قال: «خرجت أطوف و انا الى جنب ابي عبد الله (عليه السلام) حتى فرغ من طوافه، ثم قام فصلى ركعتين فسمعته يقول ساجدا: سجد وجهي لك تعبدا و رقا، لا إله إلا أنت حقا حقا الأول قبل كل شيء و الآخر بعد كل شيء، و ها انا ذا بين يديك ناصيتي بيدك، فاغفر لي انه لا يغفر الذنب العظيم غيرك، فاغفر لي فإني مقر بذنوبي على نفسي، و لا يدفع الذنب العظيم غيرك. ثم رفع رأسه و وجهه من البكاء كأنما غمس في الماء».
المقام الثالث- في الأحكام
، و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [طواف الحج ركن]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان الطواف ركن، من تركه عامدا بطل حجه، و من تركه ناسيا قضاه و لو بعد المناسك، و ان تعذر العود استناب.
و مرادهم بالركن ما يبطل الحج بتركه عمدا لا سهوا.
و الأركان في الحج عندهم، النية، و الإحرام، و الوقوف بعرفة، و الوقوف بالمشعر، و طواف الزيارة، و السعي بين الصفا و المروة. و اما الفرائض التي ليست بأركان، فالتلبية، و ركعتا الطواف، و طواف النساء،
____________
(1) الوسائل الباب 78 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 78 من الطواف.
157
و ركعتاه. و باقي أفعال الحج من المسنونات. و أركان فرائض العمرة:
النية، و الإحرام، و طواف الزيارة، و السعي. و اما ما ليس بركن من فرائضها، فالتلبية، و ركعتا الطواف، و طواف النساء، و ركعتاه. كذا ذكره أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان. و ظاهره ان ما عدا هذه المذكورات التي هي الأركان و الفرائض من المسنونات و المستحبات و هو خلاف ما عليه ظاهر أكثر الأصحاب.
و ظاهرهم الاتفاق على ان طواف النساء ليس بركن بل من الفروض قال في الدروس: كل طواف واجب ركن إلا طواف النساء. و قال في المسالك انه ليس بركن إجماعا.
و قال في المدارك- بعد ان ذكر ان المراد بالركن هنا ما يبطل الحج بتركه عمدا خاصة- ما صورته: و لا ريب في ركنية طواف الحج و العمرة بهذا المعنى، فإن الإخلال بهما أو بأحدهما يقتضي عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه فيبقى المكلف تحت العهدة، إلا ان يقوم على الصحة دليل من خارج، و هو منتف هنا. إلا ان ذلك بعينه آت في طواف النساء فان الحكم بصحة الحج مع تعمد الإخلال به يتوقف على الدليل.
و ربما أمكن الاستدلال عليه
بما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «و عليه. يعني المفرد- طواف بالبيت بعد الحج».
فان المراد بهذا الطواف طواف النساء. و كونه بعد الحج يقتضي خروجه عن حقيقته فلا يكون فواته مؤثرا في بطلانه.
أقول. و مثل هذه الرواية بل أصرح منها
ما رواه الشيخ (قدس
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 42، و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج الرقم 6.
158
سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في القارن: «لا يكون قران إلا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة، و طواف بعد الحج و هو طواف النساء».
و نحوه حسنة له ايضا (2).
ثم استدل على ذلك
بما رواه ابن بابويه في الصحيح عن أبي أيوب الخزاز (3) قال: «كنت عند ابي عبد الله (عليه السلام) بمكة فدخل عليه رجل، فقال: أصلحك الله ان معنا امرأة حائضا، و لم تطف طواف النساء، و يأبى الجمال ان يقيم عليها. قال: فأطرق ساعة و هو يقول:
لا تستطيع ان تتخلف عن أصحابها و لا يقيم عليها جمالها. ثم رفع رأسه إليه فقال: تمضي فقد تم حجها».
أقول: و يمكن تطرق المناقشة في هذه الرواية بدعوى اختصاصها بحال الضرورة، و المدعى أعم من ذلك.
و استدل بعضهم على ركنية طواف الحج
بما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن علي بن يقطين (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل جهل ان يطوف بالبيت طواف الفريضة. فقال:
ان كان على وجه الجهالة في الحج أعاد و عليه بدنة».
و عن حماد بن عيسى في الصحيح عن علي بن أبي حمزة (5) قال:
«سئل عن رجل جهل ان يطوف بالبيت حتى رجع الى أهله. قال:
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 41، و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج الرقم 1.
(2) الكافي ج 4 ص 296، و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج الرقم 12.
(3) الفقيه ج 2 ص 245، و الوسائل الباب 59 و 84 من الطواف.
(4) التهذيب ج 5 ص 127 و 128، و الوسائل الباب 56 من الطواف.
(5) التهذيب ج 5 ص 127 و 128، و الوسائل الباب 56 من الطواف.
159
إذا كان على وجهه الجهالة أعاد الحج و عليه بدنة».
و روى الصدوق (رحمه الله) عن علي بن أبي حمزة عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «انه سئل عن رجل سها ان يطوف بالبيت. الحديث».
و التقريب فيها انه إذا وجب اعادة الحج على الجاهل فعلى العامد بطريق اولى.
و ظاهر المحقق الأردبيلي المناقشة في هذا الحكم و الطعن في هذه الاخبار حيث قال- بعد ان ذكر انه يمكن استفادته بطريق الاولى من رواية علي بن أبي حمزة و صحيحة علي بن يقطين، ثم ساق الروايتين، و طعن في رواية علي بن أبي حمزة بعدم الصحة لاشتراك علي بن أبي حمزة و عدم التصريح بالمسؤول- ما صورته: و يمكن حملها على الاستحباب. و يؤيده عدم شيء من الكفارة على الجاهل و الناسي إلا في قتل الصيد في اخبار صحيحة (2) و كذا الأصل، و الشريعة السهلة السمحة (3) فتأمل. و الثانية ليست بصريحة في إعادة الحج، بل الظاهر ان المراد هو اعادة الطواف المتروك، و تطلق الإعادة على ما لم يفعل كثيرا، لانه كان واجبا فكان فعله باطلا. على انه ليس فيها انه طواف الحج أو العمرة، للنساء أو الزيارة. و انهما في الجاهل، فلا يظهر حال العالم العامد. و نمنع الأولوية. على ان وجوب البدنة غير مذكور في أكثر كتب الأصحاب
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 256، و الوسائل الباب 56 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد و توابعها، و تقدمت في ج 15 ص 135 و 136 و 355 الى 358 و 431 و 436 و 437 من الحدائق.
(3) الوسائل الباب 48 من مقدمات النكاح و آدابه، و نهج الفصاحة ص 219.
160
(رضوان الله عليهم)، قال في الدروس: و في وجوب البدنة على العامد نظر، من الأولوية أي من الطريق الاولى، و من عدم النص، و احتمال زيادة العقوبة. فما ظهر دليل على ركنية الطواف مطلقا غير الإجماع ان ثبت، و لا على وجوب البدنة على العامد، بل و لا على اعادة الحج على الجاهل. و يؤيده الأصل (1) و رفع القلم (2) و الناس في سعة (3) و جميع ما تقدم في كون الجاهل معذورا، كما
في صحيحة عبد الصمد بن بشير (4) من قوله (عليه السلام): «أيما رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه».
فيمكن ان تسقط البدنة أيضا، و تحمل الرواية على الاستحباب أو الدم الواجب للمتمتع. و العمل بها اولى. انتهى كلامه (زيد مقامه).
و قال السيد السند في المدارك: و المراد بالعامد هنا العالم بالحكم كما يظهر من مقابلته بالناسي. و قد نص الشيخ و غيره على ان الجاهل كالعامد في هذا الحكم. و هو جيد. و أوجب الأكثر عليه مع الإعادة بدنة، و استدلوا عليه بما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن
____________
(1) يحتمل ان يريد به البراءة العقلية المستندة إلى حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.
(2) الظاهر انه يريد به حديث الرفع المعروف و هو قوله (ص): «رفع عن أمتي.» أو «وضع عن أمتي» و قد ورد في الوسائل في الباب 37 من قواطع الصلاة، و الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة، و الباب 56 من جهاد النفس.
(3) في غوالي اللئالي المسلك الثالث من الباب الأول
عنه (ص) «الناس في سعة ما لم يعلموا» ...
(4) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام، و تقدمت في ج 15 ص 77 و 78 من الحدائق.
161
علي بن يقطين. ثم ساق الرواية كما ذكرنا، ثم أردفها برواية علي ابن أبي حمزة بطريق الشيخ، ثم قال: و هذه البدنة عقوبة محضة لا جبران لان النسك باطل من أصله فلا يتعلق به الجبران. قال في الدروس:
و في وجوب هذه البدنة على العالم نظر، من الأولوية. و فيه منع، لاختصاص الجاهل بالتقصير في التعلم المناسب لزيادة العقوبة. مع انه يكفي في منع الأولوية عدم ثبوت تعليل الأصل كما بيناه مرارا. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره المحقق الأردبيلي (طاب ثراه)- من الطعن في الخبرين بما دل على معذورية الجاهل، و لا سيما في إيجاب الكفارة- جيد لا ريب فيه، لاستفاضة الأخبار بمعذورية الجاهل، و لا سيما في باب الحج (1). و من الاخبار الصريحة في سقوط الكفارة- و هي ما أشار إليه المحقق المذكور في كلامه من الاخبار الصحيحة الدالة على انه لا كفارة في أحكام الحج على الجاهل إلا في الصيد خاصة-
صحيحة معاوية بن عمار (2) و فيها «و ليس عليك فداء ما أتيته بجهالة إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهل كان أو بعمد».
و في صحيحته أو حسنته (3) و قال: «اعلم انه ليس عليك فداء شيء أتيته و أنت جاهل به و أنت محرم في حجك و لا في عمرتك إلا الصيد، فان عليك فيه الفداء بجهالة
____________
(1) يرجع في ذلك الى ج 1 ص 78 الى 82، و يرجع الى ج 15 ص 135 و 136 و 355 الى 358 و 431 و 436 و 437 من الحدائق.
(2) الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد و توابعها الرقم 1.
(3) الكافي ج 4 ص 382 و 383، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد و توابعها الرقم 4.
162
كان أو بعمد».
و في موثقة له ايضا (1) «و ليس عليك فداء شيء أتيته و أنت محرم جاهلا به إذا كنت محرما في حجك أو عمرتك إلا الصيد، فان عليك الفداء بجهل كان أو عمد».
و في كتاب الفقه الرضوي (2) و كل شيء أتيته في الحرم بجهالة و أنت محل أو محرم، أو أتيت في الحل و أنت محرم، فليس عليك شيء إلا الصيد، فان عليك فداءه. الى آخره.
و يعضد ذلك عموم صحيحة عبد الصمد بن بشير (3) المذكورة في كلامه و غيرها. إلا انه ربما أمكن تطرق المناقشة الى ذلك بحمل الأخبار المذكورة على الأفعال، بمعنى ان كل ما فعله جهلا فهو معذور فيه إلا الصيد. فلا تدخل فيه التروك كترك الطواف و نحوه، كما هو المتبادر من لفظ الإتيان. و الظاهر بعده، لتصريح الروايات بمعذورية الجاهل في جملة من التروك ايضا، كترك الإحرام، و ترك الوقوف بالمشعر مع الوقوف بعرفة، بل الظاهر ان المراد من الإتيان في هذه الاخبار ما هو أعم من فعل ما لا يجوز له أو ترك ما يجب عليه.
و بذلك يظهر لك ما في كلام السيد (طاب ثراه) في هذا الباب و جموده على كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم). و أعجب من ذلك مبالغته في تخصيص الكفارة بالجاهل، و المنع من الأولوية من حيث تقصير الجاهل بالتعلم المناسب لزيادة العقوبة، مع انه لا ريب ان
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 370، و الوسائل الباب 31 من كفارات الصيد و توابعها الرقم 5.
(2) ص 29.
(3) الوسائل الباب 45 من تروك الإحرام، و تقدمت في ج 15 ص 77 و 78 من الحدائق.
163
تقصير العالم أشد لتعمده المخالفة في ما علم وجوبه، و من المعلوم عند كافة العقلاء ان مخالفة العالم العامد أشد من مخالفة الجاهل، فهو أولى بالعقوبة و المؤاخذة، فكيف عكس القضية في هذا التحرير، ما هذا إلا عجب عجيب من هذا الفاضل التحرير. على انه قد صرح في غير موضع من ما تقدم في شرحه بإلحاق جاهل الحكم بجاهل الأصل، لاشتراكهما في العلة الموجبة للمعذورية التي هي عدم توجه الخطاب له، للزوم تكليف الغافل، و هو من ما منعت منه الأدلة العقلية و النقلية.
و اما طعن المحقق المذكور في رواية علي بن أبي حمزة (1) بالضعف و عدم الصحة فهو عندنا لا يوصل الى مراد فلا يتم به الإيراد. و عدم التصريح بالمسؤول و ان وقع في رواية الشيخ إلا انه مصرح به في رواية الصدوق، و ان عبر فيها بالسهو عوض الجهل.
و اما قوله مشيرا إلى صحيحة على بن يقطين (2): «على انه ليس فيها انه طواف الحج أو العمرة. الى آخره» ففيه ان الظاهر هنا هو طواف الحج خاصة، لقوله: «ان كان على وجه الجهالة في الحج» و قد عرفت ان طواف النساء كما تقدم بيانه خارج عن الحج، و المفروض هنا ان المتروك من اجزاء الحج. و أيضا فإن طواف الفريضة انما يطلق غالبا على طواف الحج كما لا يخفى على من راجع الاخبار و كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) في الباب. و بذلك يخرج ايضا طواف العمرة، و هو أظهر من ان يحتاج الى بيان، و لا مجال لاحتمال العمرة هنا و بالجملة فالروايتان ظاهرتا الدلالة على وجوب الإعادة على الجاهل و وجوب البدنة، و لا مجال للمناقشة في ذلك إلا بارتكاب التمحلات
____________
(1) ص 158.
(2) ص 158.
164
البعيدة و التأويلات غير السديدة. إلا انهما معارضتان بالأخبار المستفيضة الدالة على معذورية الجاهل (1) و لا سيما في باب الحج، كما عرفت من ورود النصوص بالمعذورية و صحة فعله- و ان تضمن الإخلال بواجب- في جملة من الأحكام المتقدمة و الآتية ان شاء الله تعالى.
مضافا الى الأدلة المطلقة. و المسألة لذلك محل اشكال. و لا يبعد حمل الخبرين المذكورين على التقية و ان لم يعلم القائل به الآن من العامة (2) و ربما كان في رواية هذا الحكم عن الكاظم (عليه السلام) الذي كانت التقية في أيامه أشد ما يؤيد ذلك. و ارتكاب تخصيص تلك الأخبار المتكاثرة مع ما هي عليه من الصراحة في العموم و النص الظاهر لا يخلو من بعد.
و قد تلخص من الكلام في هذا المقام ان التارك للطواف عمدا لا دليل على القول ببطلان حجه و وجوب الإعادة عليه إلا الإجماع، و ما يدعى من الأولوية المفهومة من اخبار الجاهل. و اما وجوب البدنة عليه فليس إلا مفهوم الأولوية المذكورة، و قد عرفت ان ثبوت ذلك في الأصل محل إشكال ففي الفرع أشكل. مضافا الى ما أشار إليه في المدارك من ان ذلك فرع وجود التعليل في الأصل. و اما وجوب الإعادة و البدنة على الجاهل فهو ظاهر الخبرين، و قد عرفت ما فيه، و ان كان الاحتياط يقتضيه. و الله العالم.
____________
(1) يرجع في ذلك الى ج 1 ص 78 الى 82، و يرجع الى ج 15 ص 135 و 136 و 355 الى 358 و 431 و 436 و 437 من الحدائق.
(2) حكى ابن قدامة في المغني ج 3 ص 416 طبع مطبعة العاصمة قولا بوجوب اعادة الحج على من ترك طواف الزيارة و رجع الى بلده.
165
فائدتان
الاولى [متى ينتهي وقت الطواف و السعي؟]
- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ان تمام ذي الحجة وقت الطواف و السعي و انه يصح الإتيان بهما في تلك المدة، و ان اثم بالتأخير. و على هذا فلا يتحقق ترك الطواف الموجب لبطلان الحج إلا بخروج الشهر. و اما في عمرة التمتع فبضيق الوقت عن التلبس بالحج و لما يفعله، بمعنى انه لو اتى به فاته الموقفان و اما في العمرة المجامعة لحج الافراد و حج القران فبخروج السنة بناء على وجوب إيقاعها فيها. و سيأتي الكلام فيه في محله ان شاء الله (تعالى). و اما في المجردة فإشكال، إذ يحتمل وجوب الإتيان بالطواف فيها مطلقا لعدم التوقيت، و البطلان بالخروج من مكة بنية الاعراض عن فعله.
الثانية [ما هو المحلل من الإحرام عند بطلان الحج بترك الركن؟]
- إذا بطل الحج بترك الركن كالطواف و نحوه، فهل يحصل التحلل بذلك، أو يبقى على إحرامه الى ان يأتي بالفعل الفائت في محله، و يكون إطلاق اسم البطلان مجازا، كما قاله الشهيد (قدس سره) في الحج الفاسد بناء على ان الفرض الأول، أو يتحلل بأفعال العمرة؟ احتمالات، و نقل عن المحقق الشيخ علي (قدس سره) في حواشي القواعد انه جزم بالأخير، و قال: انه على هذا لا يكاد يتحقق معنى الترك المقتضى للبطلان في العمرة المفردة، لأنها هي المحللة من الإحرام عند بطلان نسك آخر غيرها، فلو بطلت احتيج في التحلل من إحرامها إلى أفعال العمرة. و هو معلوم البطلان. و اعترضه في المدارك بأنه غير واضح
166
المأخذ، فان التحلل بأفعال العمرة انما يثبت مع فوات الحج لا مع بطلان النسك مطلقا. قال: و المسألة قوية الإشكال، من حيث استصحاب حكم الإحرام الى ان يعلم حصول المحلل، و انما يعلم بالإتيان بأفعال العمرة، و من أصالة عدم توقفه على ذلك مع خلو الأخبار الواردة في مقام البيان منه. و لعل المصير الى ما ذكره (رحمه الله) أحوط. انتهى.
أقول: و المسألة لخلوها من النص محل توقف و اشكال. و الله العالم.
المسألة الثانية [حكم تارك الطواف نسيانا]
- قد عرفت في سابق هذه المسألة انهم صرحوا بان تارك الطواف نسيانا يجب عليه قضاؤه و لو بعد المناسك، و ان تعذر العود استناب.
و قال في المدارك بعد ان ذكر ان هذا مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا اعلم فيه مخالفا: و لم أقف لهم في هذا التفصيل على مستند، و الذي وقفت عليه في ذلك
ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده و واقع النساء كيف يصنع؟ قال: يبعث بهدي، ان كان تركه في حج بعث به في حج، و ان كان تركه في عمرة بعث به في عمرة، و وكل من يطوف عنه ما تركه من طوافه».
و إطلاق الرواية يقتضي جواز الاستنابة للناسي إذا لم يذكر حتى قدم بلاده مطلقا، و انه لا فرق في ذلك بين طواف العمرة و طواف الحج و طواف النساء. الى ان قال بعد البحث في المسألة:
و قد ظهر من ذلك ان الأظهر وجوب الإتيان بالطواف المنسي، و جواز
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 128، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
167
الاستنابة فيه إذا شق العود أو مطلقا، كما هو ظاهر صحيحة علي بن جعفر. انتهى.
أقول: اما ما ذكره (قدس سره)- من ان التفصيل المذكور مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا يعلم فيه مخالفا- ففيه انه قد نقل في البحث بعد هذا الكلام بيسير خلاف الشيخ (قدس سره) في التهذيب و انه قال: و من نسي طواف الحج حتى يرجع الى أهله فإن عليه بدنة، و ان عليه اعادة الحج. و هو المستفاد من كلامه في الاستبصار أيضا. و هو صريح- كما ترى- في ذهاب الشيخ (قدس سره) في التهذيب الى ان حكم الناسي هنا حكم العامد و الجاهل في المسألة المتقدمة، من بطلان الحج، و وجوب الإعادة، و الكفارة. و لهذا حمل صحيحة علي بن جعفر المذكورة في التهذيب (1) على طواف النساء، قال: لأن الاستنابة لا تجوز في طواف الحج، كما سيأتي- ان شاء الله تعالى- ذكره في المقام. و الى ما ذكره الشيخ هنا مال المحقق الشيخ حسن في المنتقى، و ادعى انه مذهب الشيخين، كما سيأتي- ان شاء الله تعالى- نقل كلامه في ذلك، فكيف يتم ما ذكره من اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) على هذا التفصيل في طواف الحج متى كان تركه نسيانا؟
و اما ما ذكره من العمل بإطلاق صحيحة علي بن جعفر- في ان من نسي طواف الحج أو العمرة أو طواف النساء فله الاستنابة فيه و ان امكنه العود- فان فيه ان الروايات قد تكاثرت بهذا التفصيل في الناسي لطواف النساء، و انه لا يجوز له الاستنابة إلا مع تعذر الرجوع. و إذا ثبت ذلك في طواف النساء ففي طواف الحج و العمرة بطريق اولى، لما عرفت من ان طواف النساء خارج عن الحج و طواف الحج من جملة أجزائه،
____________
(1) ج 5 ص 128، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
168
فهو اولى بوجوب الرجوع اليه مع الإمكان، و كذا طواف العمرة.
و من الاخبار الدالة على وجوب الرجوع في طواف النساء مع الإمكان
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نسي طواف النساء حتى دخل اهله؟ قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت. و قال: يأمر من يقضي عنه ان لم يحج، فإن توفي قبل ان يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره».
و ما رواه في من لا يحضره الفقيه (2) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل نسي طواف النساء حتى رجع الى أهله؟ قال: يأمر بأن يقضى عنه ان لم يحج، فإنه لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت».
و ما رواه في التهذيب (3) في الصحيح عن معاوية بن عمار قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي طواف النساء حتى رجع الى أهله. قال: يرسل فيطاف عنه، فإن توفي قبل ان يطاف عنه فليطف عنه وليه».
و هو محمول على ما إذا لم يقدر على الرجوع كما ذكره الشيخ (قدس سره).
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4): «في رجل نسي طواف النساء حتى اتى الكوفة. قال: لا تحل له النساء حتى
____________
(1) الوسائل الباب 58 من الطواف الرقم 6.
(2) ج 2 ص 245، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
(3) ج 5 ص 255 و 256 و 488، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
(4) التهذيب ج 5 ص 256، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
169
يطوف بالبيت. قلت: فان لم يقدر؟ قال: يأمر من يطوف عنه».
الى غير ذلك من الاخبار الآتية ان شاء الله تعالى في تلك المسألة.
و بما ذكرنا ايضا صرح المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى كما سيأتي ان شاء الله (تعالى) نقل كلامه في المقام.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان الشيخ (قدس سره) في كتابي الأخبار حمل الطواف في صحيحة علي بن جعفر المذكورة على طواف النساء، جمعا بينها و بين صحيحة علي بن يقطين، و رواية علي بن أبي حمزة المتقدمتين في سابق هذه المسألة، قال (قدس سره) في التهذيب (1): و من نسي طواف الحج حتى رجع الى أهله فإن عليه بدنة و عليه اعادة الحج، روى ذلك محمد بن احمد بن يحيى، ثم نقل رواية علي بن أبي حمزة المتقدمة، ثم صحيحة علي بن يقطين، ثم قال: و الذي رواه علي بن جعفر عن أخيه. ثم ساق صحيحة علي بن جعفر المذكورة، الى ان قال:
فمحمول على طواف النساء، لان من ترك طواف النساء ناسيا جاز له ان يستنيب غيره مقامه في طوافه، و لا يجوز له ذلك في طواف الحج فلا تنافي بين الخبرين، يدل على ما ذكرناه
ما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن رجل عن معاوية بن عمار (2) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نسي طواف النساء حتى دخل اهله؟ قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت. و قال: يأمر من يقضي عنه ان لم يحج.».
و اعترضه جملة من أفاضل المتأخرين بأنه لا تنافي بين هذه الاخبار
____________
(1) ج 5 ص 127.
(2) الوسائل الباب 58 من الطواف الرقم 6.
170
لتحتاج الى الجمع بما ذكره، فان مورد الخبرين الأولين الجاهل بوجوب الطواف، و مورد الخبر الثالث الناسي، و الخبر الذي استدل به على تأويله المذكور غاية ما يدل عليه جواز الاستنابة في طواف النساء، و لا دلالة فيه على المنع من الاستنابة في طواف الحج كما ادعاه.
بقي الإشكال في دلالة الأخبار المذكورة على التفرقة بين الجاهل و الناسي في هذا الحكم، و جعل الجاهل في حكم العامة دون الناسي.
و قد عرفت ما فيه في المسألة المتقدمة.
و اما ما في الوافي تبعا للمدارك- من انه لا بعد في ان يكون حكم الجاهل حكم العامد، لتمكنه من التعلم بخلاف الناسي- ففيه زيادة على ما عرفت آنفا ان الروايات الصحيحة الصريحة قد تكاثرت بالدلالة على صحة صلاة الجاهل بالنجاسة (1) و استفاضت و تكاثرت بوجوب الإعادة على الناسي (2) معللا في بعضها بأن إيجاب الإعادة عليه عقوبة لتفريطه بعد الذكر في عدم إزالة النجاسة (3). و هو ظاهر- كما ترى- في ان الجاهل أعذر من الناسي. مضافا الى الأدلة الصحيحة الصريحة المستفيضة في معذورية الجاهل (4) فكيف يتم الحكم هنا بان الجاهل كالعامد كما ذكروه، و ان الناسي أعذر منه؟
أقول: و قد تصدى المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى الى تصحيح كلام الشيخ (قدس سره) في هذا المقام، حيث قال أولا
____________
(1) الوسائل الباب 40 و 41 من النجاسات.
(2) الوسائل الباب 42 من النجاسات.
(3) الوسائل الباب 42 من النجاسات الرقم 5.
(4) يرجع في ذلك الى ج 1 ص 78 الى 82 من الحدائق.
171
بعد نقل تأويل الشيخ لخبر علي بن جعفر: و يرد على ما ذكره الشيخ (قدس سره) ان الخبر الذي اوله مفروض في نسيان الطواف و الخبران الآخران وردا في حكم الجهل، فأي تناف يدعو الى الجمع و يحوج الى الخروج عن ظاهر اللفظ؟ مع كونه متناولا بعمومه المستفاد من ترك الاستفصال لطوافي العمرة و الحج و طواف النساء. و قد اتفق في الاستبصار جعل عنوان الباب نسيان طواف الحج و إيراد هذه الاخبار الثلاثة فيه، مع ان تأويله لحديث علي بن جعفر يخرجه عن مضمون العنوان، و ليس في غيره تعرض للنسيان، فيخلو الباب من حديث يطابق عنوانه. و في التهذيب أورد الثلاثة في الاحتجاج لما حكاه من كلام المقنعة في حكم من نسي طواف الحج و ان عليه بدنة و يعيد الحج. و في ذلك من القصور و الغرابة ما لا يخفى. و الجواب ان مبنى نظر الشيخ (قدس سره) في هذا المقام على ان الجهل و النسيان فيه سواء، و تقريب القول في ذلك ان وجوب اعادة الحج على الجاهل يقتضي مثله في الناسي، اما بمفهوم الموافقة، لشهادة الاعتبار بان التقصير في مثل هذا النسيان أقوى منه في الجهل، أو لأن اعذار كل منهما على خلاف الأصل، لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، فيبقى في العهدة، و لا يصار إلى الأعذار إلا عن دليل واضح. و قد جاء الخبران على وفق مقتضى الأصل في صورة الجهل، فتزداد الحاجة في العمل بخلافه في صورة النسيان الى وضوح الدليل، و التتبع و الاستقراء يشهدان بانحصار دليله في حديث علي ابن جعفر، و جهة العموم فيه ضعيفة، و احتمال العهد الخارجي ليس بذلك البعيد عنه، و في ذكر مواقعة النساء نوع إيماء إليه، فأين الدليل الواضح الصالح لان يعول عليه في إثبات هذا الحكم المخالف
172
للأصل و الظاهر المحوج إلى التفرقة بين الأشباه و النظائر؟ و الوجه في إيثار ذكر النسيان- و الاعراض عن التعرض للجهل بعد ما علم من كونه مورد النص- زيادة الاهتمام ببيان الاختلاف بين طواف الحج و طواف النساء في هذا الحكم و دفع توهم الاشتراك فيه. و اتفق ذلك في كلام المفيد (قدس سره) فاقتفى الشيخ (قدس سره) أثره. و ليس الالتفات الى ما حررناه ببعيد عن نظر المفيد (قدس سره) و لخفائه التبس الأمر على كثير من المتأخرين فاستشكلوا كلام الشيخ (قدس سره) و اختاروا العمل بظاهر خبر علي ابن جعفر. إلا ان جماعة منهم تأولوا حكم الهدي فيه بالحمل على حصول المواقعة بعد الذكر لئلا ينافي القواعد المقررة في حكم الناسي و ان الكفارة لا تجب عليه في غير الصيد. و يضعف بان عموم النص هناك قابل للتخصيص بهذا فلا حاجة الى التكلف في دفع التنافي بالحمل على ما قالوه. و سيجيء في مشهوري أخبار السعي ما يساعد على هذا التخصيص. و لبعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) فيه كلام يناسب ما ذكرناه في توجيه كون التقصير في وقوع مثل هذا النسيان أقوى منه في الجهل. و في الدروس:
و روى علي بن جعفر ان ناسي الطواف يبعث بهدي و يأمر من يطوف عنه (1).
و حمله الشيخ (قدس سره) على طواف النساء. و الظاهر ان الهدي ندب. و إذ قد أوضحنا الحال من الجانبين بما لا مزيد عليه فلينظر الناظر في أرجحهما و ليصر اليه. و الذي يقوى في نفسي مختار الشيخين. و العجب من ذهاب بعض المتأخرين إلى الاكتفاء بالاستنابة في استدراك الطواف و ان أمكن العود، أخذا بظاهر حديث علي بن جعفر، مع وضوح دلالة الأخبار السالفة في نسيان
____________
(1) الوسائل الباب 58 من الطواف الرقم 1.
173
طواف النساء على اشتراط الاستنابة بعدم القدرة على المباشرة، و إذا ثبت ذلك في طواف النساء فغيره اولى بالحكم، كما لا يخفى على من أمعن النظر. انتهى كلامه (زيد مقامه).
أقول: ما ذكره (قدس سره)- من حمل كلام الشيخ (قدس سره) على انه مبنى على ان الجهل و النسيان هنا سواء- غير بعيد، و ان كان وقوع أمثال هذا الاستدلال الناشئ عن الاستعجال و عدم التدبر في ما يورده من المقال من الشيخ (قدس سره) غير عزيز، كما لا يخفى على من له انس بطريقته في التهذيب.
و اما ما ذكره في توجيه هذا الحمل الذي ذكره بدقة نظره و حدة فكره فمن المقطوع به و المعلوم ان هذا لا يخطر للشيخ (قدس سره) ببال و لا يمر له بفكر و لا خيال، و اين الشيخ (قدس سره) و هذه التدقيقات مع كونه في الظواهر لا وقوف له و لا ثبات. على ان باب المناقشة في ما ذكره (قدس سره) غير مغلق، و لو لا خوف الإطالة بما لا مزيد فائدة فيه مع وجوب الاشتغال بما هو الأهم لاوضحنا ما فيه، و بالجملة فالتكلف فيه أمر ظاهر كما لا يخفى.
و اما نسبته (قدس سره) العبارة التي في التهذيب و هو قوله:
«و من نسي طواف الحج حتى يرجع الى أهله. إلى آخرها» الى الشيخ المفيد في المقنعة- و ان الشيخ (قدس سره) أوردها، و استدل عليها بالأخبار الثلاثة، حتى انه جعل هذا القول مذهب الشيخين، و زيفه و شيده في البين، و زعم ان ما ذكره من هذا التدقيق قد تفطن له الشيخ المفيد (قدس سره) و ان خفي على المتأخرين- فهو غريب من مثله (قدس سره) من أرباب التحقيق و ذوي الفضل و التدقيق،
174
فإنه لا يخفى على من راجع كتاب المقنعة انه لا عين لهذا الكلام و نحوه فيها من ما يذكره الشيخ كذلك و لا اثر، و إنما عادة الشيخ (قدس سره) بعد استيفاء كلام المقنعة و الاستدلال عليه ان يذكر فروعا في الباب و يستدل عليها بمثل هذا و نحوه.
و اما قوله: «و العجب من ذهاب بعض المتأخرين. الى آخره» فالظاهر انه اشارة الى ما قدمنا نقله عن المدارك و أوضحنا ما فيه. و هو مؤيد لما قلناه و مؤكد لما أوضحناه.
بقي الكلام في ان ما ذكره غير واحد منهم- من ان لفظ الفريضة في صحيحة علي بن جعفر شامل لطوافي الحج و العمرة و طواف النساء، بتقريب عدم الاستفصال و ان ظاهر الخبر المذكور الاستنابة مطلقا- يجب تقييده بما إذا تعذر العود بناء على المشهور، و الأمر بالهدي فيه يجب حمله عندهم على الندب كما في الدروس، أو المواقعة بعد الذكر كما في المنتهى.
و اما ما ذكره المحقق المتقدم ذكره- من العمل على ظاهر الخبر في وجوب الهدي مطلقا و تخصيص أخبار المعذورية بهذا الخبر- فهو لا يخلو من قرب، حيث ان اخبار العذر انما وردت في الجاهل لا الناسي، فيكون هذا الخبر لا معارض له. إلا انهم حيث حملوا الناسي على الجاهل في المقام احتاجوا إلى تأويل الخبر بأحد الوجهين المتقدمين.
و فيه ما عرفت.
و كيف كان فقد تلخص ان المستند في أصل الحكم المذكور في المسألة- من وجوب الرجوع على الناسي و مع عدم الإمكان فالاستنابة- هو الاخبار الدالة على هذا التفصيل في نسيان طواف النساء كما تقدم،
175
و انه إذا وجب ذلك في طواف النساء ففي غيره من طواف الحج و العمرة بطريق اولى، بالتقريب الذي قدمنا ذكره. و لا أعرف للمسألة دليلا غير ذلك. و اما صحيحة علي بن جعفر فيجب إرجاعها الى هذا التقريب، بتقييد إطلاقها بما قدمنا ذكره، و حمل البدنة فيها على أحد الوجهين المتقدمين. و بذلك تتلاءم الاخبار و يتم الاستدلال.
و اما ما ذكره في المنتهى- من الاستدلال على هذا الحكم برواية على بن أبي حمزة و صحيحة على بن يقطين (1) فهو من عجيب الاستدلال فإنه قال بعد بيان وجوب طواف الحج و ركنيته: إذا ثبت هذا، فإن أخل به عامدا بطل حجه، و ان أخل به ناسيا وجب عليه ان يعود و يقضيه، فان لم يتمكن استناب فيه. الى ان قال: و يدل على حكم الناسي ما رواه على بن أبي حمزة. ثم ساق الخبر، ثم نقل صحيحة على بن يقطين و نسبها الى علي بن جعفر. و أنت خبير بما فيه، فان مورد الروايتين الجاهل، و لا يمكن ان يقال هنا بحمل النسيان على الجهل و ان حكمهما واحد، لانه (قدس سره) قد قدم ان حكم الجاهل هنا كالعامد في وجوب الإعادة و الكفارة حسبما دل عليه الخبران المذكوران و هو المشهور كما تقدم، و حكم الناسي عندهم هو ما ذكره هنا من التفصيل.
و بالجملة فالظاهر ان كلامه هنا انما نشأ من الاستعجال و عدم التدبر في المقال، كما يظهر من نسبة صحيحة علي بن يقطين الى علي بن جعفر و الله العالم.
____________
(1) تقدمتا ص 158.
176
تنبيهات
الأول [وظيفة الناسي]
- قد عرفت من ما تقدم ان الحكم في الناسي لطواف الحج وجوب الإعادة ان أمكن، و إلا فالاستنابة.
و قد روى الشيخ و الصدوق (قدس سرهما) في الصحيح عن هشام ابن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن من نسي زيارة البيت حتى رجع الى أهله. فقال: لا يضره إذا كان قد قضى مناسكه».
و هو- كما ترى- ظاهر في خلاف الحكم المذكور، و حمله الشيخ (قدس سره) لذلك على طواف الوداع. و هو بعيد. و يمكن ان يحمل على عدم الضرر في إفساد الحج، و ان وجب عليه الرجوع مع الإمكان أو الاستنابة. و غايته انه مطلق بالنسبة إلى وجوب الرجوع أو الاستنابة فيجب تقييده بما دل على ذلك من صحيحة علي بن جعفر المتقدمة (2) و نحوها بالتقريب المتقدم.
الثاني [هل تجب الكفارة لو نسي طواف الزيارة فواقع أهله؟]
- لو نسي طواف الزيارة حتى رجع الى اهله و واقع اهله، قال الشيخ (قدس سره) في النهاية و المبسوط: وجب عليه بدنة و الرجوع الى مكة و قضاء الطواف.
أقول: اما الرجوع الى مكة و قضاء الطواف فقد تقدم الكلام فيه و انما الكلام هنا في وجوب الكفارة، فظاهر كلام الشيخ (قدس سره)
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 282، و الفقيه ج 2 ص 245، و الوسائل الباب 19 من العود إلى منى، و الباب 1 من زيارة البيت.
(2) ص 166.
177
- كما ترى- هو الوجوب مطلقا، و قال ابن إدريس: الأظهر عدم وجوب الكفارة، لأنه في حكم الناسي. نعم يجب عليه الرجوع الى مكة و قضاء طواف الزيارة. و الى هذا القول ذهب أكثر الأصحاب.
و قال في المختلف: و للشيخ (قدس سره) ان يحتج
بما رواه معاوية ابن عمار في الحسن (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع وقع على اهله و لم يزر. قال: ينحر جزورا، و قد خشيت ان يكون قد ثلم حجه ان كان عالما، و ان كان جاهلا فلا بأس عليه».
ثم قال: لا يقال: قوله: «و ان كان جاهلا فلا بأس عليه» ينافي وجوب الكفارة، لأنا نقول: لا نسلم ذلك، فان نفي البأس لا يستلزم نفي الكفارة. و لاحتمال ان يكون المقصود انه لا ينثلم حجه لنسيانه.
ثم قال:
و روى عيص بن القاسم في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل واقع اهله حين ضحى قبل ان يزور البيت. قال: يهريق دما».
ثم قال: و الأقرب عندي وجوب البدنة ان جامع بعد الذكر. انتهى.
قال في المدارك بعد نقل ذلك: و هو احتجاج ضعيف، لاختصاص الرواية الأولى بالعالم. و لان المتبادر من الرواية الثانية وقوع الوقاع قبل الزيارة لا قبل الإتيان بالطواف المنسي. و الأجود الاستدلال
بصحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده. الخبر».
و قد تقدم في
____________
(1) الكافي ج 4 ص 378، و التهذيب ج 5 ص 321، و الوسائل الباب 9 من كفارات الاستمتاع.
(2) الوسائل الباب 9 من كفارات الاستمتاع.
178
صدر المسألة (1).
أقول: لا يخفى ان ظاهر الخبر الأول مطلق لا تخصيص فيه بالعالم كما ذكره، لأن السؤال وقع عن متمتع وقع على اهله و لم يزر. و هو أعم من ان يكون عالما أو جاهلا أو ناسيا. فأجاب (عليه السلام) بأنه ينحر جزورا. و العالم انما ذكره (عليه السلام) باعتبار انثلام الحج و عدمه، و هو قرينة العموم الذي ذكرناه، فان حاصل الجواب ان من فعل ذلك فعليه جزور، إلا انه ان كان عالما فإنه يثلم حجه و ان كان جاهلا فلا. و الخبر الثاني أيضا كذلك، فإنه شامل بإطلاقه لأن يكون جماعه عمدا أو جهلا أو نسيانا. و مبنى الاستدلال بهاتين الروايتين على ان من جامع بناء على انه قد طاف طواف الزيارة فعليه دم. و هو يرجع الى من جامع ناسيا للطواف- كما هو أصل المسألة- و ان كان ذلك قبل الرجوع الى بلاده. و حينئذ فقوله-: «و لان المتبادر من الرواية الثانية وقوع الوقاع قبل الزيارة لا قبل الإتيان بالطواف المنسي»- من ما لا اعرف له وجها وجيها. و على هذا فيكون هذان الخبران مثل صحيحة علي بن جعفر المذكورة في كلامه، و ان كانت الصحيحة المذكورة أصرح، لدلالتها على حكم الناسي صريحا، و دلالة الروايتين المذكورتين انما هو من حيث الإطلاق.
و كيف كان فظاهر أصحاب القول المذكور حمل الروايات المذكورة على وقوع الجماع بعد الذكر لئلا تنافي القاعدة المقررة من عدم وجوب الكفارة على الجاهل و الناسي، و لما تقدم من ان من جامع ناسيا لإحرامه فلا كفارة عليه. و اجراء هذا الحمل في صحيحة علي بن جعفر المشار
____________
(1) ص 166.
179
إليها لا يخلو من تعسف، لأنها تضمنت أنه نسي طواف الفريضة حتى قدم بلاده و واقع النساء. فهي ظاهرة كالصريح في استمرار النسيان الى حال المواقعة. و لهذا قد تقدم في كلام المحقق الشيخ حسن تخصيص تلك الاخبار بها، و وجوب الهدي المذكور فيها. و عبارة الشيخ المتقدمة في المقام و ان كانت مطلقة إلا ان ظاهر الأصحاب انهم فهموا منها وجوب الكفارة مطلقا مع الذكر و عدمه. و قد عرفت ان صحيحة علي بن جعفر تدل عليه. و المسألة لا تخلو من الاشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كل حال. و الله العالم.
الثالث [هل يشترط في استنابة الناسي لطواف النساء تعذر العود؟]
- ظاهر كلام جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بل نسبه في الدروس إلى الأشهر انه لا يشترط في استنابة الناسي لطواف النساء تعذر العود بل يجوز له الاستنابة و ان أمكن عوده، لكن يشترط في جوازها ان لا يتفق عوده.
و به صرح في المسالك حيث قال- بعد قول المصنف: «و لو نسي طواف النساء جاز ان يستنيب»- ما صورته: لا يشترط في جواز الاستنابة هنا تعذر العود بل يجوز و ان أمكن، لكن يشترط في جوازها ان لا يتفق عوده.
و الى ذلك ايضا مال في المدارك فقال بعد ذكر عبارة الشرائع المتقدمة:
إطلاق العبارة يقتضي انه لا يشترط في جواز الاستنابة هنا تعذر العود كما اعتبر في طواف الحج، بل يجوز و ان أمكن. و بهذا التعميم صرح العلامة في جملة من كتبه و غيره.
و يدل عليه روايات: منها:
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية
180
ابن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي طواف النساء حتى رجع الى أهله. قال: يرسل فيطاف عنه، فإن توفي قبل ان يطاف عنه فليطف عنه وليه».
و قال الشيخ في التهذيب و العلامة في المنتهى: انما يجوز الاستنابة إذا تعذر عليه العود.
و استدل عليه
بما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل نسي طواف النساء حتى اتى الكوفة؟
قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت. قلت: فان لم يقدر؟ قال:
يأمر من يطوف عنه».
و هذه الرواية غير صريحة في المنع من الاستنابة إذا أمكن العود، فكان القول بالجواز مطلقا أقوى. انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من اخبار هذه المسألة هو روايات معاوية ابن عمار الأربع المذكورة في صدر هذه المسألة (3) و منها: هاتان الروايتان. و لا يخفى ان اثنتين من هذه الأربع دلتا على انه لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت. و في إحداهما «فان لم يقدر؟ قال: يأمر من يطوف عنه» و في الثانية و هي المتقدمة ثمة (4): «قال يأمر من يقضي عنه ان لم يحج». و لا ريب ان تحريم النساء عليه في هذين الخبرين حتى يطوف بالبيت ظاهر بل صريح في وجوب الطواف عليه بنفسه، غاية الأمر انه مع عدم القدرة- كما تضمنه أحد الخبرين- أو مع عدم حجه بنفسه- كما تضمنه الخبر الآخر- يجوز له الاستنابة
____________
(1) الوسائل الباب 58 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 256، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
(3) ص 168.
(4) ص 168.
181
و الخبران الآخران و ان دلا بإطلاقهما على الإرسال إلا انه يجب حمل هذا الإطلاق على التفصيل المذكور في الخبرين الآخرين جمعا بين الاخبار و يعضده انك قد عرفت في صدر المسألة و كذا في كلام المحقق الشيخ حسن ان المستند للتفصيل المذكور في طواف الحج و العمرة انما هو هذه الاخبار الواردة في طواف النساء، بإجراء الحكم في الفردين الآخرين بطريق الأولوية.
و من اخبار المسألة أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع الى أهله. قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت و يطوف، فان مات فليقض عنه وليه، فاما ما دام حيا فلا يصلح ان يقضي عنه. و ان نسي رمى الجمار فليسا بسواء، الرمي سنة و الطواف فريضة».
و هو ظاهر- كما ترى- في عدم جواز القضاء، عنه ما دام حيا، و جواز القضاء في الرمي مع الحياة لكون الطواف فريضة مذكورة في القرآن (2)، فأي صراحة أصرح من ذلك. نعم يجب تقييده بالإمكان، جمعا بينه و بين الاخبار المتقدمة.
و من اخبار المسألة
ما رواه ابن إدريس في آخر كتابه من كتاب نوادر البزنطي عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى رجع الى أهله. قال: يرسل
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 253 و 255 و 489، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
(2) و هو قوله تعالى في سورة الحج الآية 27 «وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ».
(3) الوسائل الباب 58 من الطواف.
182
فيطاف عنه، و ان مات قبل ان يطاف عنه طاف عنه وليه».
و هو مثل ذينك الخبرين المطلقين، فيجب تقييد إطلاقه.
و بالجملة فهذه الاخبار بين ما دل على جواز الاستنابة على الإطلاق و بين ما دل على وجوب الحج بنفسه على الإطلاق، و بين ما دل على التفصيل. و القاعدة في مثل ذلك حمل المطلق على المقيد. و هذا بحمد الله سبحانه واضح لا سترة عليه.
بقي من اخبار المسألة
ما رواه عمار الساباطي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) «عن الرجل نسي أن يطوف طواف النساء حتى رجع الى أهله؟ قال: عليه بدنة ينحرها بين الصفا و المروة».
و الظاهر حملها على المواقعة مطلقا أو مع الذكر، على الخلاف المشار اليه آنفا.
الرابع [هل تجب إعادة السعي عند قضاء الطواف؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في انه متى وجب قضاء طواف العمرة أو طواف الحج فهل يجب إعادة السعي بعده أيضا أم لا؟ قولان، فذهب الشيخ (قدس سره) في الخلاف- على ما نقل عنه- الى الوجوب، و استقربه الشهيد (قدس سره) في الدروس، فقال: إذا وجب قضاء طواف العمرة أو طواف الحج فالأقرب وجوب قضاء السعي أيضا، كما قاله الشيخ في الخلاف. و نقل بعض الفضلاء عن الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد (قدس سره) انه لم يذكر الأكثر قضاء السعي لو قضى الطواف. و في الخلاف: يقضي السعي بعده.
و قال بعض فضلاء متأخري المتأخرين: و يمكن الاستدلال على قضاء
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 489، و الوسائل الباب 58 من الطواف.
183
السعي معه
بما رواه الكليني و الشيخ عنه عن منصور بن حازم (1)- في القوي عندي صحيح عند جماعة حسن عند بعضهم- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة قبل ان يطوف بالبيت. فقال: يطوف بالبيت ثم يعود الى الصفا و المروة فيطوف بينهما».
و ما رواه الشيخ عن منصور بن حازم (2) بإسناد فيه اشتراك قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا و المروة. قال: يرجع فيطوف بالبيت ثم يستأنف السعي. قلت:
ان ذلك قد فاته؟ قال: عليه دم، ألا ترى انك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك ان تعيد على شمالك».
أقول: المفهوم من مجموع هذين الخبرين انه متى اتى بالطواف و السعي معا إلا انه لم يرتب بينهما، فان كان حاضرا وجب عليه الإعادة بما يحصل معه الترتيب، فان فاته ذلك و لم يمكن استدراكه في عامه فان عليه دما، لإخلاله بالترتيب. و ظاهره صحة ما اتى به حيث لم يوجب عليه الإعادة، و هذا بخلاف محل البحث من نسيان الطواف بالكلية و عدم حضوره لاستدراكه.
و بالجملة فإنه لم يظهر لي دليل على وجوب السعي، و الأصل العدم.
هذا مع ما عرفت في وجوب قضاء الطواف من أصله من إمكان تطرق المناقشة، لعدم الدليل الواضح سوى الإجماع ان تم. و الاحتياط لا يخفى.
الخامس [هل يجب الإحرام لو عاد لاستدراك الطواف؟]
- لو عاد لاستدراك طواف الحج أو طواف العمرة أو النساء
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 129، و الوسائل الباب 63 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 129، و الوسائل الباب 63 من الطواف.
184
بعد الخروج على وجه يستدعي وجوب الإحرام لدخول مكة، فهل يكتفى بذلك أو يتعين عليه الإحرام ثم يقضي الفائت قبل الإتيان بأفعال العمرة أو بعده؟ اشكال، لخلو الحكم من النص. و ربما رجح الأول نظرا الى الأصل، و ان من نسي الطواف يصدق عليه انه محرم في الجملة و الإحرام لا يقع إلا من محل. إلا انه لا يخلو من شوب الاشكال.
السادس [كلام العلامة في طواف النساء و حكم المرأة فيه و التعليق عليه]
- قال في المختلف: طواف النساء واجب إجماعا، فإن أخل به حرمت عليه النساء حتى يطوف، أو يستنيب فيه فيطاف عنه و قال ابن بابويه (قدس سره) في الرسالة: و متى لم يطف الرجل طواف النساء لم تحل له النساء حتى يطوف. و كذلك المرأة لا يجوز لها ان تجامع حتى تطوف طواف النساء. إلا ان يكونا طافا طواف الوداع فهو طواف النساء. و في هذا الكلام بحثان: الأول حكمه على المرأة بتحريم الرجل لو أخلت به. و فيه منع، فان حمله على الرجل فقياس، و ان استند الى دليل فلا بد منه، و لم نقف عليه. الثاني- استغناؤه بطواف الوداع عنه. و فيه إشكال، فإن طواف الوداع عندنا مستحب، فكيف يجزئ عن الواجب؟ و ان استند إلى
رواية إسحاق ابن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «لولا ما من الله به على الناس من طواف الوداع لرجعوا الى منازلهم و لا ينبغي لهم ان
____________
(1) الكافي ج 4 ص 513، و التهذيب ج 5 ص 253 باختلاف في اللفظ، و الوسائل الباب 2 من الطواف الرقم 2 و 3. و الحديث في الوسائل عن التهذيب ينتهي بقوله «واجب» فيكون قوله «يعني.» جزء من الحديث و في الوافي باب (طواف النساء) اختتم الحديث بكلمة «نساءهم» و عليه قد اعتبر «يعني.» من كلام الشيخ.
185
يمسوا نساءهم، يعني: لا تحل لهم النساء حتى يرجع فيطوف بالبيت أسبوعا آخر بعد ما يسعى بين الصفا و المروة. و ذلك على النساء و الرجال واجب».
قلنا: ان في إسحاق بن عمار قولا، و مع ذلك فهي معارضة بغيرها من الروايات. و ابن الجنيد سمى طواف النساء طواف الوداع، و أوجبه. انتهى.
أقول: لا يخفى عليك ان مستند الشيخ علي بن بابويه في ما ذكره انما هو كتاب الفقه الرضوي حسبما قدمنا بيانه في غير موضع، و هذه العبارة عين عبارته (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1) و لكن الجماعة لم يصل إليهم الكتاب فاعترضوا عليه بمثل ما هو مذكور هنا و غيره.
و الى هذه الرواية أشار ابنه
في من لا يحضره الفقيه (2) ايضا، حيث قال بعد رواية معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال:
«قلت له: رجل نسي طواف النساء حتى رجع الى أهله؟ قال: يأمر من يقضي عنه ان لم يحج، فإنه لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت».
و روى في من نسي طواف النساء. انه ان كان طاف طواف الوداع فهو طواف النساء.
و ظاهر جملة من الأصحاب- منهم: شيخنا الشهيد في الدروس* * * حمل الناس في رواية إسحاق بن عمار المذكورة على العامة. و الظاهر ان الوجه فيه من حيث ان العامة لا يرون وجوبه (3) و كان برجوعهم
____________
(1) ص 30 الى قوله: «حتى تطوف طواف النساء».
(2) ج 2 ص 245 و 246، و الوسائل الباب 58 من الطواف الرقم 8 و 9.
(3) ارجع الى المغني ج 3 ص 393 الى 398 و ص 416 و 417 طبع مطبعة العاصمة.
186
بدون الإتيان به تحرم عليهم النساء، فوسع الله بكرمه عليهم و جعل طواف الوداع لهم (1) قائما مقامه في تحليل النساء لهم. إلا انه لما ورد في أخبارنا- كما عرفت من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه- ثبوت ذلك للناسي أيضا، فالواجب حمل خبر إسحاق على ذلك، فيكون من نسي طواف النساء منا فإنه تحل له النساء بطواف الوداع، و ان وجب عليه التدارك. و لا بعد في ذلك بعد قيام الدليل عليه و ان لم يكن مشهورا عندهم.
و اما ما اعتل به في المختلف- من ان طواف الوداع مستحب و لا يجزئ عن الواجب- فهو على إطلاقه ممنوع، فان صيام يوم الشك مستحب من شعبان و يجزئ عن شهر رمضان لو ظهر كونه منه. و الله العالم.
و سيأتي- ان شاء الله تعالى- مزيد تحقيق في هذا المقام في أحكام منى في ما يتعلق بطواف النساء من التحليل. و قد تقدم أيضا في المسألة الثانية من المسائل الملحقة بالمطلب الأول من المقدمة الرابعة من الاخبار ما يدل على توقف حل النساء على الرجال على طواف النساء.
المسألة الثالثة [حكم الزيادة على السبعة في الطواف]
- المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) انه تحرم الزيادة على السبعة في الواجب و تكره في المندوب.
و ظاهرهم تحريم الزيادة و لو خطوة، كما صرح به جملة منهم.
و احتجوا على التحريم في الفريضة بأن النبي (صلى الله عليه و آله) لم يفعله فلا يجوز فعله،
لقوله (صلى الله عليه و آله) (2): «خذوا عني مناسككم».
و بأنها فريضة ذات عدد فلا تجوز الزيادة عليها كالصلاة.
____________
(1) المغني ج 3 ص 398 و ص 410 الى 417 طبع مطبعة العاصمة.
(2) تيسير الوصول ج 1 ص 296 طبع مطبعة الحلبي.
187
و ما رواه الشيخ عن ابي بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض. قال: يعيد حتى يستتمه».
و رواه الكليني (قدس سره) في الكافي (2) بلفظ «يثبته» عوض قوله: «يستتمه».
و عن عبد الله بن محمد عن ابي الحسن (عليه السلام) (3) قال: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة. و كذلك السعي».
أقول: و تؤيده الأخبار الصحيحة الدالة على وجوب الإعادة بالشك في عدد الطواف المفروض (4) كما سيأتي (ان شاء الله تعالى)، فلو لم تكن الزيادة مبطلة لكان المناسب البناء على الأقل دون الإعادة من رأس، سيما مع بناء الشريعة على السهولة في التكليف (5) إذ غاية ما يلزم الزيادة، و هي غير مضرة كما هو المفروض. و يؤيده أيضا لزوم القران لو لم نقل بالإبطال، لأنه على تقدير القول بالصحة لو زاد واحدا أضاف إليه ستة، كما دلت عليه اخبار من طاف ثمانية من البناء على ذلك الشوط و زيادة ستة عليه ليكون طوافا آخر (6) فيلزم القران في الطواف
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 111، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(2) ج 4 ص 417.
(3) التهذيب ج 5 ص 151، و الاستبصار ج 2 ص 217 و 239، و الوسائل الباب 34 من الطواف، و الباب 12 من السعي.
(4) الوسائل الباب 33 من الطواف.
(5) ارجع الى الحدائق ج 1 ص 151 و ج 9 ص 296.
(6) الوسائل الباب 34 من الطواف.
188
عمدا. و سيأتي- ان شاء الله تعالى- ان الأظهر تحريمه في الفريضة عمدا.
قال في المدارك بعد نقل هذه الأدلة التي نقلناها عنهم: و في جميع هذه الأدلة نظر، اما الأول فلان عدم فعل النبي (صلى الله عليه و آله) لما زاد على السبع لا يقتضي تحريم فعله مطلقا، و لا كونه مبطلا للطواف لخروجه عن الواجب، غاية الأمر ان إيقاعه على وجه العبادة يكون تشريعا. و اما الثاني فقياس محض. و اما الرواية الأولى فيتوجه عليها (أولا) الطعن في السند باشتراك راويها بين الثقة و الضعيف. و (ثانيا) إجمال المتن، إذ يحتمل ان يكون المراد بالإعادة إتمام طواف آخر، كما يشعر به قوله: «حتى يستتمه». و في الكافي (1) نقل الرواية بعينها إلا ان فيها موضع قوله: «حتى يستتمه» «حتى يثبته» و هو أوفق بالإعادة من قوله:
«حتى يستتمه». و مع ذلك فإنما يدل على تحريم زيادة الشوط لا مطلق الزيادة. و اما الرواية الثانية فقاصرة من حيث السند باشتراك الراوي أيضا، فلا تصلح لإثبات حكم مخالف للأصل. و قد ظهر بذلك انه ليس على تحريم زيادة ما دون الشوط دليل يعتد به. و مع ذلك فإنما يتوجه التحريم إذا وقعت الزيادة بقصد الطواف، اما لو تجاوز الحجر الأسود بنية ان ما زاد على الشوط لا يكون جزء من الطواف فلا محذور فيه. انتهى.
أقول: الظاهر ان المناقشة هنا في التحريم من المناقشات الواهية التي لا يلتفت إليها و لا يعرج في مقام التحقيق عليها، و ان كان قد سبقه إليها شيخه المحقق الأردبيلي (قدس سره) في شرح الإرشاد.
أما (أولا) فلان مرجع كلامه في رد الوجه الأول الى ان ما زاد على
____________
(1) ج 4 ص 417.
189
السبعة و ان كان محرما إلا انه لا يقتضي بطلان الطواف، لخروجه عن الواجب، و انما غايته ان يكون إيقاعه على وجه العبادة تشريعا. و قد تكرر منه نظير هذا الكلام في مواضع من شرحه هذا. و فيه: انه لو تم ذلك للزم ان من زاد في الفريضة ركعة عامدا- بناء على استحباب التسليم- تكون صلاته صحيحة، لخروج هذه الركعة عن الواجب، و انما غايتها ان تكون تشريعا محرما و العبادة صحيحة. و اتفاق الأصحاب (رضوان الله عليهم) و الاخبار على خلافه. و كذا من فرضه التقصير لو صلى تماما عامدا، فإنه يكون قد ادى الواجب و صحت صلاته و ان فعل محرما بزيادة الركعتين. و الاخبار و الأصحاب (رضوان الله عليهم) على خلافه. و بالجملة فإن الشارع إذا حد العبادة بحد معين و عدد معين، فتعمد المكلف المخالفة زيادة أو نقصانا، فإنه لا ريب في بطلان عبادته، لخروجه عن مقتضى الأمر، فلا يخرج عن العهدة، فالتشريع هنا انما توجه إلى أصل العبادة لا الى تلك الزيادة، لكون النية المتعلقة بتلك العبادة قد تعلقت بالمجموع لا بما دون الزيادة. و العبادات صحة و بطلانا تابعة للنيات، كما تقدم في مبحث النية من كتاب الطهارة. و لا ريب ان هذه النية المتعلقة بالجميع غير مشروعة و لا صحيحة، فيكون المنوي كذلك، لأن النية اما شرط أو شطر و على اي منهما يبطل المشروط أو الكل. و لهذا لو نوى صلاة القصر و صلى بهذه النية ثم بعد الفراغ من التشهد- بناء على استحباب التسليم- زاد ركعتين سهوا أو عمدا، فإنه لا يضر بصلاته الاولى بوجه كما هو الحق في المسألة. و به صرح السيد المشار إليه في كتاب الصلاة في صلاة السفر عند ذكر هذه المسألة. نعم لو كانت النية أولا انما تعلقت بالطواف المأمور به شرعا ثم انه بعد إتمامه زاد
190
شوطا آخر ايضا، فلا يبعد القول بصحة الطواف المتقدم و توجه البطلان الى هذه الزيادة خاصة، و ان كان ظاهر كلام الأصحاب بطلان الطواف كلا كالصورة الاولى.
و اما (ثانيا) فان قوله: «و اما الثاني فقياس محض» ليس في محله، فان حاصل الدليل المذكور ان الشارع قد أمر بهذه الفريضة المحصورة في هذا العدد المخصوص، و لا ريب ان من تعمد الزيادة على العدد المذكور و اتى بكيفية أخرى، فقد فعل محرما، و كان ما فعله باطلا. و مرجع هذا الوجه في التحقيق الى سابقه. و الإتيان بالصلاة انما وقع على جهة التنظير لا لإتمام الاستدلال، فان الدليل في حد ذاته تام كما حررناه و أشرنا إليه آنفا، فلا يلزم ما ذكره من انه قياس. و حينئذ فتخرج رواية عبد الله بن محمد المذكورة (1) شاهدا على ذلك. و تعضدها الروايات ببطلان صلاة من زاد في الصلاة المكتوبة عمدا تماما أو قصرا (2) و كذا من تعمد الزيادة في وضوئه،
لقوله (عليه السلام) في ما رواه الصدوق (قدس سره) مرسلا (3): «من تعدى في وضوءه كان كناقضه».
و اما (ثالثا) فإن طعنه في سند الخبرين (أولا) لا يقوم حجة على المتقدمين، كما تقدم بيانه في غير موضع، بل و لا على من لا يرى العمل بهذا الاصطلاح. و (ثانيا) انه قد اعترف في صدر كلامه بان
____________
(1) ص 187.
(2) الوسائل الباب 19 من الخلل الواقع في الصلاة، و الباب 17 من صلاة المسافر.
(3) الوسائل الباب 31 من الوضوء.
191
هذا الحكم هو المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم)، و هو مؤذن بدعوى الاتفاق عليه. و الأمر كذلك، فإنه لم ينقل الخلاف فيه. و حينئذ فالخبران و ان ضعف سندهما إلا انه مجبور بعمل الطائفة قديما و حديثا بهما. و هو في غير موضع من شرحه قد استدل بالأخبار الضعيفة بناء على ذلك، كما لا يخفى على من راجعه، و قد أشرنا إلى جملة من تلك المواضع في شرحنا على الكتاب. إلا انه (قدس سره)- كما قدمنا ذكره في غير مقام- ليس له قاعدة يقف عليها و لا ضابطة يرجع إليها.
و اما (رابعا) فان ما احتمله- من حمل الإعادة في رواية أبي بصير (1) على إتمام طواف آخر- بعيد، بل ربما يقطع ببطلانه، لأن الإعادة انما هي فعل الشيء بعد فعله أولا، بمعنى ان الأول يصير في حكم العدم و الإتيان بطواف آخر- بناء على ما ذكره- انما يكون ثانيا و الطواف الأول بحاله. و لفظ «يستتمه» على رواية الشيخ لا منافرة فيه للإعادة المرادة في الخبر، إذ المعنى ان ما اتى به غير تام، يعني: غير صحيح.
و كثيرا ما يعبر بالتمام و النقصان عن الصحة و البطلان. و كيف كان فإن الكلمة المذكورة في الكافي قاطعة لهذا الاحتمال كما اعترف به.
على ان الظاهر عندي- كما سيأتي- ان شاء الله (تعالى) التنبيه عليه- ان رواية أبي بصير المذكورة هنا ليست من اخبار هذه المسألة و انما هي من اخبار مسألة من زاد شوطا ثامنا سهوا، كما سيأتي بيانه في المسألة المذكورة ان شاء الله (تعالى).
و قد استند المحقق الأردبيلي في ما قدمنا نقله عنه إلى جملة من الاخبار الدالة على ان من طاف ثمانية أشواط فليضم إليها ستة ليكون
____________
(1) ص 187.
192
طوافين (1) بحملها على من تعمد الزيادة، فجوز الزيادة في الطواف عمدا لهذه الاخبار. و سيأتي نقل كلامه (طاب ثراه) و الكلام عليه في تلك المسألة ان شاء الله (تعالى).
نعم يبقى الشك في الزيادة مع النية و ان لم تبلغ شوطا، لظاهر إطلاق رواية عبد الله بن محمد و ظاهر خبر ابي بصير (2) الظاهر في كون استناد البطلان الى الطواف التام.
و اما الزيادة لا بنية الطواف بل بنية عدمه فالحق فيه ما ذكره، فان العبادات دائرة مدار النيات، و إذا خلت هذه الزيادة عن نية العبادة بل نوى العدم فالظاهر انه لا ضرر في ذلك. و الله العالم.
المسألة الرابعة [حكم القران في الطواف]
- اختلف الأصحاب في حكم القران في الطواف، فذهب الشيخ الى التحريم في طواف الفريضة حيث قال: لا يجوز القران في طواف الفريضة. و قال ابن إدريس: انه مكروه شديد الكراهة، و ليس المراد بذلك الحظر، فان المكروه إذا كان شديد الكراهة قيل فيه: لا يجوز. و ظاهر جملة من الأصحاب هنا التوقف في الحكم، فان المحقق في النافع عزى تحريمه و بطلان الطواف به في الفريضة إلى الشهرة. و في المختلف بعد نقل قول الشيخ و ابن إدريس أورد روايتي زرارة و عمر بن يزيد الآتيتين (3) ان شاء الله (تعالى) و قال: انهما غير دالتين على التحريم. و ظاهره في المدارك ايضا التردد في ذلك، حيث ذكر ان المستفاد من صحيحة زرارة الآتية (4) كراهة القرآن في الفريضة
____________
(1) الوسائل الباب 34 من الطواف.
(2) ص 187.
(3) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 36 من الطواف.
193
ثم احتمل حملها على التقية (1) لصحيحة أحمد بن محمد بن ابي نصر الآتية (2). و قال العلامة في المنتهى: القران في طواف الفريضة لا يجوز عند أكثر علمائنا، و كرهه ابن عمر و الحسن البصري و الزهري و مالك و أبو حنيفة، و قال عطاء و طاوس و سعيد بن جبير و احمد و إسحاق:
لا بأس به (3).
أقول: و الذي وقفت عليه من اخبار المسألة
ما رواه الصدوق في الصحيح عن ابن مسكان عن زرارة (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): انما يكره ان يجمع الرجل بين الأسبوعين و الطوافين في الفريضة، فأما في النافلة فلا بأس».
و ما رواه في الكافي (5) عن عمر بن يزيد قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: انما يكره القران في الفريضة، فاما النافلة فلا و الله ما به بأس».
و عن علي بن أبي حمزة (6) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يطوف، يقرن بين أسبوعين؟ فقال: ان شئت رويت لك عن أهل مكة. قال: فقلت: لا و الله مالي في ذلك من حاجة جعلت فداك، و لكن ارو لي ما أدين الله (عز و جل) به. فقال: لا تقرن بين أسبوعين، كلما طفت أسبوعا فصل ركعتين، و اما انا فربما قرنت الثلاثة
____________
(1) المغني ج 3 ص 346 طبع مطبعة العاصمة.
(2) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(3) المغني ج 3 ص 346 طبع مطبعة العاصمة.
(4) الفقيه ج 2 ص 251، و الوسائل الباب 36 من الطواف.
(5) ج 4 ص 419، و الوسائل الباب 36 من الطواف.
(6) الكافي ج 4 ص 418 و 419، و الوسائل الباب 36 من الطواف.
194
و الأربعة. فنظرت اليه، فقال: اني مع هؤلاء» (1).
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (2) عن صفوان و البزنطي قالا: «سألناه عن قرآن الطواف أسبوعين و الثلاثة. قال: لا إنما هو سبوع و ركعتان. و قال: كان ابي يطوف مع محمد بن إبراهيم فيقرن، و انما كان ذلك منه لحال التقية» (3).
و ما رواه في التهذيب (4) في الصحيح عن صفوان عن احمد بن محمد ابن ابي نصر قال: «سأل رجل أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يطوف الأسباع جميعا فيقرن. فقال: لا إلا أسبوع و ركعتان، و إنما قرن أبو الحسن (عليه السلام) لانه كان يطوف مع محمد بن إبراهيم لحال التقية» (5).
و ما رواه الشيخ في التهذيب (6) عن زرارة في الصحيح قال: «طفت مع ابي جعفر (عليه السلام) ثلاثة عشر أسبوعا قرنها جميعا و هو آخذ بيدي، ثم خرج فتنحى ناحية فصلى ستا و عشرين ركعة و صليت معه».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (7) قال: «ربما طفت مع ابي جعفر (عليه السلام)- و هو ممسك بيدي- الطوافين و الثلاثة، ثم ينصرف و يصلي الركعات ستا».
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد (8) بسنده
____________
(1) المغني ج 3 ص 346 طبع مطبعة العاصمة.
(2) ج 5 ص 115، و الوسائل الباب 36 من الطواف.
(3) المغني ج 3 ص 346 طبع مطبعة العاصمة.
(4) ج 5 ص 116، و الوسائل الباب 36 من الطواف.
(5) المغني ج 3 ص 346 طبع مطبعة العاصمة.
(6) ج 5 ص 470، و الوسائل الباب 36 من الطواف.
(7) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(8) الوسائل الباب 36 من الطواف.
195
عن علي بن جعفر «انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يطوف السبوع و أسبوعين، فلا يصلي ركعتين حتى يبدو له ان يطوف أسبوعا، هل يصلح ذلك؟ قال: لا يصلح حتى يصلي ركعتي السبوع الأول ثم ليطف ما أحب».
و رواه علي بن جعفر في كتابه مثله (1).
و عنه عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يطوف الطوافين و الثلاثة و لا يفرق بينهما بالصلاة حتى يصلي لها جميعا؟ قال: لا بأس، غير انه يسلم في كل ركعتين».
و عنه عن علي بن جعفر (3) قال: «رأيت أخي (عليه السلام) يطوف أسبوعين و الثلاثة فيقرنها، غير انه يقف في المستجار فيدعو في كل أسبوع، و يأتي الحجر فيستلمه، ثم يطوف».
و عنه عن علي بن جعفر (4) قال: «رأيت أخي (عليه السلام) مرة طاف و معه رجل من بني العباس، فقرن ثلاثة أسابيع لم يقف فيها، فلما فرغ من الثالث و فارقه العباسي، وقف بين الباب و الحجر قليلا، ثم تقدم فوقف قليلا، حتى فعل ذلك ثلاث مرات».
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب حريز عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (5) في حديث قال: «و لا قران بين أسبوعين في فريضة و نافلة».
أقول: ما ذكره في المدارك و كذا غيره- من الاستناد في كراهة القران في الفريضة إلى صحيحة زرارة الأولى، حيث قال فيها: «إنما يكره ان يجمع الرجل بين الأسبوعين في الفريضة» و مثلها رواية عمر بن يزيد-
____________
(1) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 36 من الطواف.
(5) الوسائل الباب 36 من الطواف.
196
مردود بان استعمال لفظ الكراهة في التحريم في الاخبار أكثر كثير، و بذلك اعترف في المدارك في غير موضع.
و الوجه الذي تجتمع عليه هذه الاخبار عندي هو القول بتحريم القران في الفريضة و الجواز في النافلة، و كذا في الفريضة في حال التقية أيضا، فاما ما يدل على التحريم في الفريضة فصحيحة زرارة الاولى، و رواية عمر بن يزيد، و رواية السرائر، و رواية علي بن أبي حمزة، و رواية صفوان و البزنطي، و صحيحة البزنطي. و النهي عن القران في الثلاثة الأخيرة و ان كان مطلقا إلا انه يجب حمله على الفريضة، لما دلت عليه باقي الاخبار من فعلهم (عليهم السلام) ذلك مكررا، الظاهر كونه في النافلة.
و يعضد ما اخترناه من تحريم القران ما ذكره المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى، حيث قال: قلت: يستفاد من حديث ابن ابي نصر ان المقتضى لوقوع القران هو ملاحظة التقية، فيحمل كل ما تضمنه عليها. و يقرب ان يكون فعله في النافلة سائغا، لكنه خلاف الاولى.
و مراعاة حال التقية تدفع عنه المرجوحية. انتهى. و هو جيد.
و اما قوله في رواية السرائر: «لا قران بين أسبوعين في فريضة و نافلة» فالظاهر ان المراد منه انه لا يجوز ان يقرن طواف النافلة بطواف الفريضة، بل يجب ان يصلي ركعتي طواف الفريضة ثم يطوف النافلة، و على ذلك تحمل رواية قرب الاسناد الاولى، و مرجعه إلى انه متى أراد ان يطوف بعد طواف الفريضة طوافا مستحبا واحدا أو أكثر فلا يقون ذلك بطواف الفريضة بل يصلى لطواف الفريضة ركعتيه ثم يقرن ما شاء.
197
و على هذا تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار. و يؤيده أوفقيته بالاحتياط و المشي على سوي الصراط.
المسألة الخامسة [الطواف في النجاسة جهلا و نسيانا]
- قد تقدم انه لا يجوز الطواف في النجاسة على المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)، و حينئذ فلو طاف عالما بها بطل طوافه على القول المذكور. و هو موضع وفاق بين القائلين باشتراط طهارة الثوب و الجسد في الطواف، للنهي المقتضي للفساد في العبادة.
و لو كان جاهلا بها حتى فرغ فطوافه صحيح اتفاقا بين من قال بذلك لتحقق الامتثال بفعل المأمور به، و عدم تناول النهي للجاهل. و الحكم هنا عندهم مبني على إلحاق جاهل النجاسة في الطواف بجاهلها في الصلاة و إلا فالمسألة هنا عارية عن النصوص بالخصوص، و الأصل يقتضي الصحة و النهي لا يتوجه الى الجاهل كما عرفت، فيجب الحكم بالصحة.
و في جاهل الحكم اشكال، و المعروف من مذهبهم عدم معذوريته كما عرفت في غير موضع، إلا ان جملة من أفاضل متأخري المتأخرين ألحقوه بجاهل الأصل في مواضع تقدم التنبيه عليها، للعلة المذكورة ثمة، و هو عدم توجه الخطاب الى الجاهل. و هو الأقوى كما عرفت في مقدمات الكتاب.
و انما الكلام في الناسي، و المشهور في الصلاة البطلان و وجوب الإعادة و عليه تدل أكثر الاخبار. و المسألة هنا عارية عن النص. و اختار في المنتهى إلحاق الناسي بالجاهل، فقال: و لو لم يذكر إلا بعد الفراغ نزعه أو غسله و صلى ركعتين. و هو ظاهر في حكمه بصحة طوافه. و استظهره في المدارك مستندا الى عدم تناول النهي له. و فيه ان إلحاق الناسي بالجاهل قياس مع الفارق، فان الجاهل لم يتقدم له علم بالكلية بخلاف
198
الناسي، فإنه قد علم و قصر في عدم إزالة النجاسة، و لهذا تكاثرت الاخبار بوجوب إعادة الصلاة عليه لو صلى في النجاسة ناسيا، معللا في بعضها بان ذلك عقوبة له لتقصيره في الإزالة (1) مع استفاضة الأخبار الصحيحة الصريحة في صحة صلاة الجاهل بها (2) فكيف يتم إلحاق الناسي هنا بالجاهل؟
و اما لو كان جاهلا بها فوجدها في الأثناء فقد صرحوا بوجوب الإزالة و إتمام الطواف. و ظاهر كلامهم وجوب ذلك أعم من ان تتوقف الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف و عدمه، و لا بين ان يقع العلم بعد إكمال أربعة أشواط أو قبل ذلك. قيل: و الوجه فيه تحقق الامتثال بالفعل المتقدم، و أصالة عدم وجوب الإعادة.
و الأظهر الاستدلال على ذلك بروايتي يونس بن يعقوب المتقدمين (3) في مقدمات الطواف المتضمنتين لان من رأى الدم و هو في الطواف يخرج و يغسله ثم يعود في طوافه.
و يؤيدهما
ما رواه الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن حماد بن عثمان عن حبيب بن مظاهر (4) قال: «ابتدأت في طواف الفريضة فطفت
____________
(1) الوسائل الباب 42 من النجاسات.
(2) الوسائل الباب 40 و 41 من النجاسات.
(3) ص 87.
(4) الفقيه ج 2 ص 247، و الوسائل الباب 41 من الطواف. و الظاهر ان راوي الحديث غير حبيب الذي استشهد بكربلاء لرواية حماد عنه.
و ما في الوسائل من بيان ابي عبد الله بالحسين (ع) ليس في الفقيه و الوافي باب (قطع الطواف).
199
شوطا واحدا، فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه، فخرجت فغسلته، ثم جئت فابتدأت الطواف. فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: بئس ما صنعت كان ينبغي لك ان تبني على ما طفت. ثم قال: اما انه ليس عليك شيء».
و نقل في المدارك عن الشهيدين انهما جزما بوجوب الاستئناف ان توقفت الإزالة على فعل يستدعي قطع الطواف و لما يكمل أربعة أشواط، نظرا الى ثبوت ذلك مع الحدث في أثناء الطواف، و الحكم في المسألتين واحد. ثم قال: و هو مع تسليم الحكم في الأصل لا يخرج عن القياس.
أقول: ما ذكراه (قدس سرهما) محض اجتهاد في مقابلة النصوص المذكورة، لإطلاق روايتي يونس بن يعقوب (1) و تصريح رواية حبيب ابن مظاهر بكون القطع وقع بعد طواف شوط، و مع هذا أنكر عليه الامام (عليه السلام) الإعادة من رأس و جعل حكمه البناء على ما طاف.
و قال في المدارك: و لو قيل بوجوب الاستئناف مطلقا مع الإخلال بالموالاة- الواجبة بدليل التأسي و غيره- أمكن، لقصور الروايتين المتضمنتين للبناء من حيث السند. و الاحتياط يقتضي البناء و الإكمال ثم الاستئناف مطلقا. انتهى. و هو في الضعف كسابقه.
و استناده في وجوب الموالاة إلى التأسي مردود بما صرح به هو و غيره من المحققين بان فعلهم (عليهم السلام) أعم من ذلك، فلا يصلح دليلا للوجوب. و أشار بالروايتين إلى رواية يونس بن يعقوب المروية في التهذيب (2) و رواية حبيب بن مظاهر. و اما رواية يونس بن يعقوب
____________
(1) تقدمتا ص 87.
(2) ج 5 ص 126، و الوسائل الباب 52 من الطواف.
200
المروية في الفقيه (1) فلم يذكرها. و لا يخفى ان هذه الروايات لا معارض لها في الباب، فردها و طرحها و الحال كذلك لا يخلو من مجازفة، بل جرأة على الأئمة الأطياب (عليهم السلام) سيما مع كون روايتي حبيب و يونس الأخرى من مرويات من لا يحضره الفقيه التي قد صرح في غير موضع من شرحه بالاعتماد عليها متى احتاج إليها، لما ضمنه الصدوق (قدس سره) في صدر كتابه. و لكنه (قدس سره) لا يقف على قاعدة كما عرفت في غير موضع. و الله العالم.
المسألة السادسة [لو زاد في الطواف سهوا فهل يكمله أسبوعين أو يعيده؟]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) انه لو زاد على السبعة سهوا، أكملها أسبوعين، و صلى الفريضة أولا و ركعتي النافلة بعد السعي. و به صرح الشيخ و علي بن الحسين بن بابويه و ابن البراج و غيرهم. و قال الصدوق (قدس سره) في المقنع:
يجب عليه الإعادة، قال: و روى: انه يضيف ستة يجعل واحدا فريضة و الباقي سنة.
و احتج الأصحاب (رضوان الله عليهم) على ما ذهبوا اليه
بما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه (2) عن أبي أيوب في الصحيح قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط طواف الفريضة؟ قال: فليضم إليها ستا ثم يصلي اربع ركعات».
قال: و في خبر آخر: «ان الفريضة هي الطواف الثاني و الركعتان الأوليان لطواف الفريضة، و الركعتان الأخريان و الطواف الأول تطوع».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن
____________
(1) ج 2 ص 246، و الوسائل الباب 52 من الطواف.
(2) ج 2 ص 248، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
201
أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «ان في كتاب علي (عليه السلام):
إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستا. و كذا إذا استيقن انه سعى ثمانية أضاف إليها ستا».
و عن معاوية بن وهب في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ان عليا (عليه السلام) طاف ثمانية فزاد ستة ثم ركع اربع ركعات».
و في الصحيح عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال:
«ان عليا (عليه السلام) طاف طواف الفريضة ثمانية، فترك سبعة و بنى على واحد و أضاف إليها ستا، ثم صلى ركعتين خلف المقام، ثم خرج الى الصفا و المروة، فلما فرغ من السعى بينهما رجع فصلى الركعتين اللتين ترك في المقام الأول».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) قال: «سألته عن رجل طاف طواف الفريضة ثمانية.
قال: يضيف إليها ستة».
و عن رفاعة (5) في الصحيح قال: «كان علي (عليه السلام) يقول:
إذا طاف ثمانية فليتم أربعة عشر. قلت: يصلي اربع ركعات؟ قال:
يصلي ركعتين».
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6)
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 152، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 112، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 112، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(4) التهذيب ج 5 ص 111، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(5) التهذيب ج 5 ص 112، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(6) التهذيب ج 5 ص 112، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
202
قال: «سمعته يقول: من طاف بالبيت فوهم حتى يدخل في الثامن فليتم أربعة عشر شوطا ثم ليصل ركعتين».
و من اخبار المسألة أيضا
ما رواه في الفقيه (1) عن علي بن أبي حمزة عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل و انا حاضر عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط. فقال: نافلة أو فريضة؟ فقال: فريضة.
قال: يضيف إليها ستة فإذا فرغ صلى ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم خرج الى الصفا و المروة فطاف بينهما، فإذا فرغ صلى ركعتين أخراوين، فكان طواف نافلة و طواف فريضة».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) عن ابي كهمس (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي فطاف ثمانية أشواط. قال:
ان كان ذكر قبل ان يأتي الركن فليقطعه.
و قد أجزأ عنه، و ان لم يذكر حتى بلغه فليتم أربعة عشر شوطا، و ليصل اربع ركعات».
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر احمد بن محمد بن ابي نصر البزنطي عن جميل (3) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن من طاف ثمانية أشواط و هو يرى أنها سبعة. قال: فقال: ان في كتاب علي (عليه السلام): انه إذا طاف ثمانية أشواط يضم إليها ستة أشواط ثم يصلي الركعات بعد. قال: و سئل عن الركعات كيف يصليهن أو يجمعهن أو ما ذا؟ قال: يصلي ركعتين للفريضة ثم يخرج
____________
(1) ج 2 ص 248، و التهذيب ج 5 ص 469، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 113 عن الكليني، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 34 من الطواف.
203
الى الصفا و المروة، فإذا رجع من طوافه بينهما رجع فصلى ركعتين للأسبوع الآخر».
و روى الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة مرسلا (1) قال:
«قال (عليه السلام): من طاف بالبيت ثمانية أشواط ناسيا ثم علم بعد ذلك فليضف إليها ستة أشواط».
و في كتاب الفقه الرضوي (2) قال: «فان سهوت فطفت طواف الفريضة ثمانية أشواط فزد عليها ستة أشواط، و صل عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ركعتي الطواف، ثم اسع بين الصفا و المروة، ثم تأتي المقام فصل خلفه ركعتي الطواف. و اعلم ان الفريضة هو الطواف الثاني، و الركعتين الأولتين لطواف الفريضة، و الركعتين الآخرتين للطواف الأول، و الطواف الأول تطوع».
أقول: و هذه الرواية هي التي أشار إليها الصدوق في الفقيه (3) بقوله: «و في خبر آخر.» كما قدمنا نقله عنه.
و من ما يدل على ما قدمنا نقله عن المقنع
ما رواه في الكافي (4) عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن إسماعيل بن مرار عن يونس عن سماعة عن ابي بصير قال: «قلت: رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية؟ قال: يعيد طوافه حتى يحفظ. قلت:
فإنه طاف و هو متطوع ثماني مرات و هو ناس؟ قال: فليتمه طوافين
____________
(1) الوسائل الباب 34 من الطواف.
(2) ص 27.
(3) ج 2 ص 248، و الوسائل الباب 34 من الطواف الرقم 14.
(4) ج 4 ص 417، و الوسائل الباب 33 و 34 من الطواف.
204
ثم يصلي اربع ركعات. فأما الفريضة فليعد حتى يتم سبعة أشواط».
و رجال هذا الخبر ليس فيهم عندي من ربما يتوقف في شأنه سوى إسماعيل بن مرار، حيث انه لم يذكر في كتب الرجال بمدح و لا قدح، إلا ان إكثار إبراهيم بن هاشم الجليل القدر الرواية عنه من ما يشهد بحسن حاله و الاعتماد على روايته. و اما أبو بصير فإنه و ان كان مشتركا إلا ان الأظهر عندي جلالة يحيى بن القاسم و ان كانوا يعدون حديثه في الموثق أو الضعيف، و قد عد حديثه في الصحيح الفاضل الخراساني في الذخيرة، و بين في ذلك فصلا طويلا في كتاب الطهارة في باب غسل الجنابة. و الرواية بناء على اصطلاحهم معتبرة الاسناد.
و ما رواه في الكافي و كذا في التهذيب في الصحيح الى ابي بصير (1)- و قد عرفت الحال فيه- قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثمانية أشواط المفروض. قال: يعيد حتى يثبته» كذا في الكافي (2) و في التهذيب (3) «حتى يستتمه».
و العلامة في المختلف قد نقل هذه الرواية دليلا للقول المذكور و وصفها بالصحة أيضا، ثم أجاب عنها بالحمل على حال العمد. أقول:
و لهذا ان الأصحاب نظموها في سلك الأدلة الدالة على بطلان الطواف مع تعمد الزيادة، كما قدمنا نقله عنهم في تلك المسألة. و لا ريب ان هذا الاحتمال و ان تم في هذه الرواية إلا انه لا يتم في الرواية الأولى، فإنها ظاهرة في ان تلك الزيادة وقعت سهوا، لترتب التفصيل في الجواب على السؤال عن الناسي. و الحق ان الخبرين من باب واحد
____________
(1) الوسائل الباب 34 من الطواف.
(2) ج 4 ص 417.
(3) ج 5 ص 111.
205
و انهما من اخبار الزيادة سهوا لا عمدا. و هما ظاهران في الدلالة على هذا القول.
ثم أقول: و يدل على هذا القول ايضا ما تضمن من الاخبار المتقدمة صلاة ركعتين خاصة، مثل صحيحة رفاعة و صحيحة عبد الله بن سنان، و التقريب فيها ان الطواف الأول صار باطلا باعتبار الزيادة و ان كانت سهوا كما عرفت، و ان الشوط الثامن قد اعتد به من الطواف الواجب المأمور به بعد بطلان الأول، و هاتان الركعتان له.
و اما ما ذكره في التهذيب في تأويل خبر رفاعة- من حمل صلاة الركعتين فيه على انه يقدمهما قبل السعي ثم يصلي ركعتين بعده ايضا لما مر- ففيه ان السائل سأله عن الصلاة هل هي أربع ركعات أو ركعتان؟ فأجاب بأنها ركعتان. و لو كان الأمر كما تأوله لأجاب بالأربع ثم التفريق كما زعمه. و بالجملة فإن ما ذكره في غاية البعد عن لفظ الخبر.
و لم أر من تنبه لفهم ما ذكرته من هذا المعنى سوى المحدث الكاشاني في الوافي، حيث قال- في الجمع بين اخبار الركعتين و الأربع- ما لفظه:
لا تنافي بين هذه الاخبار، لان الطائف في هذه الصور مخير بين الاقتصار على الركعتين ليكون الطواف الثاني إعادة للفريضة و الأول ملقى و بين الأربع ركعات موصولة أو مفصولة ليكون أحد الطوافين نافلة. انتهى و حاصله الجمع- بين ما يدل على البطلان و الإعادة كما ذهب إليه في المقنع، و بين ما يدل على القول المشهور من اضافة طواف آخر مع صحة الطواف الأول- بالتخيير بين الأمرين، بمعنى انه ان شاء نوى إبطال الطواف الأول و اعتد بالشوط الزائد و أضاف إليه ستة أخرى، و ان شاء اعتد به و نوى طوافا آخر.
[فوائد]
و تنقيح البحث في المقام يتوقف على رسم فوائد
الاولى [لو اعتد بالطواف الأول فهل الفرض هو أو الثاني]
- انه على
206
تقدير الاعتداد بالطواف الأول كما هو المشهور هل تكون الفريضة هي الأول أو الثاني؟
قال في المدارك: نص العلامة (قدس سره) في المنتهى و غيره على ان الإكمال مع الزيادة على سبيل الاستحباب، و مقتضاه ان الطواف الأول هو طواف الفريضة. و نقل عن ابن الجنيد و علي بن بابويه انهما حكما بكون الفريضة هو الثاني، و في رواية زرارة (1) المتقدمة دلالة عليه.
و قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه (2) بعد ان أورد رواية أبي أيوب المتقدمة: و في خبر آخر: «ان الفريضة هي الطواف الثاني و الركعتان الأوليان لطواف الفريضة و الركعتان الأخريان و الطواف الأول تطوع».
و لم نقف على هذه الرواية مسندة. و لعله أشار بها الى رواية زرارة (3) و على هذا فيكون الإتمام واجبا. انتهى.
أقول: اما ما ذكره- من دلالة رواية زرارة المتقدمة (4) على ان الفريضة هو الثاني بالنظر الى قوله فيها: «فترك سبعة و بنى على واحد»- فهو جيد. إلا ان ما ذكره من انه لعلها ان تكون معتمد الصدوق في ما ذكره فليس كذلك كما سيظهر لك. و اما ما ذكره من انه لم يقف على الخبر الذي نقله الصدوق (قدس سره) فقد عرفت ان ما نقله الصدوق انما هو متن عبارة كتاب الفقه الرضوي بتغيير ما، لكنه معذور حيث لم يصل الكتاب المذكور اليه و لا الى غيره من المتأخرين.
و بالجملة فالروايات المتقدمة الدالة على الاعتداد بالطواف الأول كلها مجملة في كون الفريضة الأول أو الثاني، و لا صراحة في شيء منها سوى
____________
(1) تقدمت ص 201.
(2) ج 2 ص 248، و الوسائل الباب 34 من الطواف.
(3) تقدمت ص 201.
(4) تقدمت ص 201.
207
رواية كتاب الفقه، و ظاهر صحيحة زرارة، و عليهما يحمل إطلاق تلك الاخبار بناء على هذا القول. و من ذلك يظهر لك صحة ما اشتملت عليه رواية أبي بصير المتقدمة من وجوب الإعادة، فإن الأخبار متى اجتمعت على ان الفريضة هو الطواف الثاني و انه يجب إتمامه لكونه هو الفريضة فقد ثبت وجوب الإعادة المذكورة في ذينك الخبرين، و ليس ذلك إلا من حيث الزيادة المذكورة في الطواف الأول و ان كانت سهوا. و البناء على الشوط الثامن لا ينافي الإعادة، إذ المراد بالإعادة هو إلغاء السبعة الاولى و الإتيان بسبعة اخرى سواها. و هو حاصل بما ذكرناه. و به يظهر قوة ما ذهب إليه في المقنع.
بقي الكلام في ان الطواف الأول هل يكون باطلا- كما هو ظاهر كلامه في المقنع- أم صحيحا كما هو ظاهر المشهور؟ و قد عرفت الكلام فيه آنفا، فان مقتضى الجمع بين الاخبار التخيير في الاعتداد به و جعله نافلة فيصلي له ركعتين، أو إبطاله و عدم الصلاة له.
الثانية [تجويز المحقق الأردبيلي الزيادة في الطواف عمدا]
- قد أشرنا في ما تقدم الى ان المحقق الأردبيلي (قدس سره) قد استند في القول بجواز الزيادة على الطواف الواجب عمدا إلى جملة من روايات هذه المسألة، و وعدنا بالكلام عليه في هذا المقام، فنقول:
قال (عطر الله مرقده)- بعد ذكر نحو ما قدمنا نقله عن المدارك في تلك المسألة، و احتمال حمل الإعادة في رواية أبي بصير التي استدل بها الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الاستحباب- ما ملخصه: و يدل على عدم البطلان و التحريم و الحمل المذكور صحيحة محمد بن مسلم، ثم ساق الرواية كما قدمنا، ثم عطف عليها صحيحة رفاعة، و حمل ذكر الركعتين فيها على ما قدمنا نقله عن الشيخ (قدس سره) قال: و ظاهرهما عام
208
و ترك التفصيل قرينة العموم. ثم أورد صحيحة زرارة و صحيحة معاوية بن وهب، ثم قال: و هما كالصريحتين في ان الزيادة عمدا و انه جائز، لعدم جواز ان يسهو (عليه السلام) في الفريضة و زيادته ما لا يجوز زيادته عمدا. انتهى.
أقول: فيه (أولا) انه لا يخفى ان كل من كان عالما بان الطواف المأمور به شرعا انما هو سبعة أشواط خاصة- كما عليه الاتفاق نصا و فتوى- فإنه بحسب الغالب بل المتحتم من ذوي الديانة و التقوى ان لا يأتي بثمانية أشواط إلا عن سهو و نسيان و ربما اتى به عن جهل، و إلا فالعالم بذلك لا يتعمد زيادة شوط عبثا، و لا سيما مثل الامام (عليه السلام) حتى انه بعد ذلك يضيف إليه ستة وجوبا أو استحبابا بناء على زيادة هذا الواحد، بل كان ينبغي ان يطوف طوافين متصلين أربعة عشر شوطا متصلة، لا انه يزيد شوطا عمدا على هذا الطواف المتقدم لأجل ان يزيد عليه ستة بعد ذلك، فإن زيادة هذه الستة إنما استند الى البناء على هذا الشوط الزائد و تتميمه طوافا آخر. و توهم ذلك مجرد سفسطة و خيال ضعيف. و هذه السؤالات في هذه الاخبار انما تكاثرت بالنسبة الى من زاد هذا الشوط ناسيا، فأجابوا بأنه يضيف إليه ستة. و كذلك فعل علي (عليه السلام) على تقدير تسليم صحته.
و بالجملة فإنه مع علمه بان الطواف سبعة لا غير، و ان من زاد عليه شوطا وجب عليه أو استحب له إتمام طواف آخر، فلا معنى لان يزيد هذا الشوط عمدا لأجل أن يجب عليه أو يستحب له إتمام طواف آخر بل ينبغي ان يزيد طوافا آخر من أول الأمر و يقرن بينهما.
و (ثانيا) ان مقتضى ما ذكره من جواز تعمد ذلك هو جواز القران في الفريضة عمدا، و قد بينا سابقا ان الظاهر من الاخبار تحريمه
209
في الفريضة. و مع التنزل عن ذلك فلا أقل من القول بالكراهة.
و من البعيد بل الأبعد تكاثر هذه الاخبار في أمر مكروه.
و (ثالثا) ان جملة من اخبار المسألة قد صرحت بكون هذه الزيادة عن سهو و نسيان، و ان هذا الحكم انما ترتب على كونها عن سهو مثل صحيحة عبد الله بن سنان، و رواية أبي كهمس، و صحيحة جميل المنقولة في السرائر المرتب عليها حديث كتاب علي (عليه السلام)، و مرسلة الشيخ المفيد (قدس سره) في المقنعة، و رواية كتاب الفقه الرضوي (1). و حينئذ فيجب حمل ما أطلق من الاخبار على هذه الروايات المذكورة، كما هو القاعدة المشهورة و الضابطة الغير المنكورة.
و (رابعا) ان تعلقه بزيادة أمير المؤمنين (عليه السلام) المروية في حديثي معاوية بن وهب و زرارة- مستندا إلى انه لا يجوز السهو عليه و انهما لذلك كالصريحين في جواز الزيادة عمدا- فيه أن مجرد عدم تجويز السهو عليه لا يستلزم ما ذكره، لما عرفت فيه من الفساد.
و لجواز خروج هاتين الروايتين مخرج التقية في النقل. و مثلهما غير عزيز في الاخبار. و مثلهما
الخبر المروي (2) «انه صلى جنبا ناسيا فأمر مناديه بعد الصلاة ان ينادى في الناس بقضاء صلاتهم و انه صلى بهم جنبا».
و مثله غيره، و لا محمل له إلا التقية. و سبيل هذين الخبرين سبيل هذا الخبر.
و اما ما ذكره في المدارك في هذا المقام من ما يعطي الجمود على ظاهر هذين الخبرين في جواز السهو عليه- مستندا الى مذهب ابن بابويه و شيخه، حيث قال بعد نقل صحيحة زرارة: و مقتضى الرواية وقوع السهو من
____________
(1) ص 201 و 202 و 203.
(2) الوسائل الباب 36 من صلاة الجماعة.
210
الإمام (عليه السلام) و قد قطع ابن بابويه بإمكانه، و نقل عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد انه كان يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه و آله). انتهى. و ظاهره الميل الى ما ذكره ابن بابويه هنا لأجل التوصل الى العمل بالرواية المذكورة- ففيه ان كلام الصدوق (قدس سره) و شيخه لا عموم فيه لجميع المعصومين (عليهم السلام) و انما هو مخصوص بالنبي (صلى الله عليه و آله). ثم لا مطلقا ايضا بل مخصوص بالصلاة و النوم كما هو مورد تلك الاخبار. و ان سهوه (صلى الله عليه و آله) في ذينك الموضعين كان من الله (تعالى) لمصلحة في ذلك، فدعوى العموم- كما يفهم من كلامه و كلام غيره- ليس في محله. و منه يظهر انه لا يجوز العمل بظاهر هذه الاخبار بل الواجب حملها على التقية كما ذكرناه، و به يزول الاشكال. و الله العالم.
الثالثة [هل يعتبر في إكمال الأسبوعين في الزيادة سهوا بلوغ الركن]
- قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه انما يثبت إكمال الأسبوعين إذا لم يذكر حتى يبلغ الركن، فان ذكر قبل ذلك وجب القطع. و استدل عليه الشيخ برواية أبي كهمس المتقدمة (1).
قال في المدارك بعد نقل هذه الرواية: و هذه الرواية معارضة بما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم. ثم أورد صحيحة عبد الله بن سنان المتقدمة (2) و قال بعدها: و قال الشيخ في الاستبصار: ان هذا الخبر مجمل و رواية أبي كهمس مفصلة، و الحكم بالمفصل اولى منه بالمجمل. و هو جيد لو تكافأ السندان، لكن الرواية الأولى ضعيفة الاسناد و هذه الرواية
____________
(1) ص 202.
(2) ص 201.
211
معتبرة الإسناد. انتهى.
أقول: هذه الرواية و ان كانت معتبرة الإسناد كما ذكر إلا ان ما اشتملت عليه مخالف لأخبار المسألة كملا، فإنها قد اتفقت على ان البناء على الشوط الزائد و إتمامه بستة انما هو مع إتمام الشوط و حصول الذكر بعد تمامه، حيث ان الحكم فيها ترتب على حصول الثمانية كملا و ان السهو انما عرض بعد تمام الثمانية، و ظاهر هذه الرواية هو حصول الوهم قبل إكمال الثمانية. مع احتمال حمل الوهم فيها على الشك أيضا، فإن إطلاقه عليه في الاخبار غير عزيز، و حينئذ فكيف يمكن العمل عليها؟
على ان المعارضة لا تختص برواية أبي كهمس كما توهمه، بل جميع روايات المسألة معارضة لها كما عرفت، و لكن هذه عادته (طاب ثراه) من التهالك على الأسانيد و لا ينظر الى ما في متن الخبر من العلل الموجبة لرده، كما نبهنا عليه في غير موضع من شرحنا على الكتاب.
الرابعة [تأثير النية الواقعة بعد الذكر في الشوط المتقدم]
- قد صرح شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك بأن النية الواقعة بعد الذكر تؤثر في الشوط المتقدم، كنية العدول في الصلاة بالنسبة إلى تأثيرها في ما سبق. انتهى. و هو جيد. و منه أيضا تأثير نية الصوم لما تقدم من النهار لو أصبح مفطرا ثم عزم على الصوم قبل الظهر أو بعده، كما تقدم في كتاب الصوم، فان صومه صحيح اتفاقا.
الخامسة [موقع صلاة الطواف الفريضة و النافلة في إكمال الأسبوعين]
- قد صرحت رواية جميل المذكورة المنقولة في مستطرفات السرائر- و كذا كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه- بأنه يصلي ركعتي طواف الفريضة أولا و صلاة النافلة بعد السعي. و هو المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما قدمنا ذكره، و صحيحة زرارة
212
و كذا رواية علي بن أبي حمزة قد صرحتا بالتفريق ايضا لكن من غير تعيين لركعتي الفريضة، و رواية أبي أيوب و كذا صحيحة معاوية بن وهب و رواية أبي كهمس (1) قد صرحت بالأربع من غير تعرض للتفريق فضلا عن بيان الفريضة منهما. و الظاهر حمل مطلق هذه الاخبار على مقيدها في ذلك. إلا انه قد صرح في المدارك بأن تأخير ركعتي طواف النافلة الى أن يأتي بالسعي انما هو على سبيل الأفضلية، قال:
لإطلاق الأمر بصلاة الأربع في رواية أبي أيوب، و لعدم وجوب المبادرة بالسعي. و فيه ما عرفت من انه يمكن تقييد هذا الإطلاق بالروايات الدالة على التفريق و هي الأكثر، و ان كان بعضها قد عين ان صلاة الفريضة هي الاولى و صلاة النافلة هي التي بعد السعي، و بعضها لم يعين فيه ذلك، و هذا هو مقتضى القاعدة المقررة عندهم المرتبطة بدلالة جملة من الاخبار. و اما العمل بإطلاق تلك الروايات- و حمل ما دل على تقديم ركعتي الفريضة على السعي و تأخير ركعتي النافلة عنه على الاستحباب- فهو و ان جروا عليه في جملة من الأبواب إلا انه لا مستند له من سنة و لا كتاب، كما تقدم بيانه.
المسألة السابعة [حكم من أتى بالطواف ناقصا]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو نقص عدد طوافه، أو قطعه لدخول البيت أو لحاجة أو لمرض أو لحدث، أو دخل في السعي فذكر انه لم يتم طوافه، فان تجاوز النصف رجع فأتم، و لو عاد إلى أهله استناب، و لو كان دون النصف استأنف.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع
الأول- في من نقص عدد طوافه
، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) هو ما قدمناه
____________
(1) ص 200 و 201 و 202.
213
من انه ان تجاوز النصف رجع و أتم، و لو عاد إلى أهله استناب، و لو كان دونه استأنف.
و لم أقف له على دليل في الاخبار، و الموجود فيها من ما يتعلق بذلك
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن الحسن بن عطية (1) قال: «سأله سليمان بن خالد و انا معه عن رجل طاف بالبيت ستة أشواط قال أبو عبد الله (عليه السلام): و كيف طاف ستة أشواط؟ قال:
استقبل الحجر و قال الله أكبر، و عقدا واحدا. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يطوف شوطا. فقال سليمان: فإنه فاته ذلك حتى اتى أهله؟ قال: يأمر من يطوف عنه».
و في الصحيح عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«قلت: رجل طاف بالبيت فاختصر شوطا واحدا في الحجر؟ قال:
يعيد ذلك الشوط».
و روى المشايخ الثلاثة (عطر الله مراقدهم) في الصحيح عن صفوان ابن يحيى عن إسحاق بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل طاف بالبيت ثم خرج الى الصفا فطاف بين الصفا و المروة، فبينما هو يطوف إذ ذكر انه قد ترك بعض طوافه بالبيت؟
قال: يرجع الى البيت فيتم طوافه، ثم يرجع الى الصفا و المروة
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 109، و الكافي ج 4 ص 418، و الفقيه ج 2 ص 248، و الوسائل الباب 32 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 109، و الوسائل الباب 31 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 418، و التهذيب ج 5 ص 109 و 110 عن الكليني، و الفقيه ج 2 ص 248، و الوسائل الباب 32 من الطواف.
214
فيتم ما بقي».
و هذه الروايات- كما ترى- لا اشعار فيها بما ذكروه من التفصيل و المنقول
عن الشيخ (قدس سره) في التهذيب (1) انه قال: و من طاف بالبيت ستة أشواط و انصرف فليضف إليها شوطا آخر و لا شيء عليه، فان لم يذكر حتى يرجع الى أهله أمر من يطوف عنه. و هو ظاهر في البناء مع الإخلال بالشوط الواحد كما هو المذكور في صحيحة الحسن بن عطية المذكورة.
و ربما أشعر التخصيص بذكر الشوط الواحد ان حكم ما زاد عليه خلاف ذلك.
قال في المدارك بعد ذكر نحو ذلك: و المعتمد البناء ان كان المنقوص شوطا واحدا و كان النقص على وجه الجهل أو النسيان، و الاستئناف في غيره مطلقا. لنا على البناء في الأول و جواز الاستنابة مع تعذر العود:
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن الحسن بن عطية. و ساق الرواية المتقدمة ثم ساق صحيحة الحلبي، ثم قال: و لنا على الاستئناف في الثاني: فوات الموالاة المعتبرة بدليل التأسي، و الاخبار الكثيرة كصحيحة الحلبي. ثم ساق الرواية الآتية- ان شاء الله تعالى- في قطع الطواف لدخول البيت الدالة على قطع الطواف بعد ثلاثة أشواط و امره (عليه السلام) بالإعادة، ثم صحيحة البختري الواردة أيضا في قطع الطواف لدخول البيت، ثم حسنة الحلبي الواردة في من اشتكى و قد طاف أشواطا، حيث أمر (عليه السلام) بالإعادة في الجميع.
أقول: اما ما ذكره- من البناء في الشوط الواحد مع الجهل أو النسيان- فهو جيد، لما عرفته من الاخبار، و ظاهرها ان الترك كان على أحد الوجهين المذكورين. و بهذا القيد صرح العلامة في جملة من كتبه، و هو ظاهر كلام غيره ايضا.
____________
(1) ج 5 ص 109.
215
و اما ما ذكره- من الإعادة في ما عدا ذلك- فلا اعرف له وجها وجيها، اما ما احتج به من فوات الموالاة بدليل التأسي فهو ضعيف، إذ التأسي- كما صرح به المحققون في الأصول و صرح به هو أيضا في مواضع من شرحه و ان خالفه في مواضع أخر- لا يصلح للدلالة على الوجوب، فان فعلهم (عليهم السلام) أعم من ذلك، نعم هو دليل على الرجحان في الجملة. و هو ظاهر.
و اما الاخبار المذكورة فموردها غير محل البحث، لان الظاهر من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان ما ذكرناه من هذه المواضع المشار إليها في صدر المسألة متغايرة لا يدخل بعضها تحت بعض، فان الظاهر من قولهم-: من نقص طوافه، ثم عطفهم عليه من قطع طوافه لدخول البيت، و هكذا- ان كلا منها غير الآخر، فالمراد ممن نقص طوافه انه فعل ذلك لا لغرض من الأغراض، بل اما ان يكون تعمد ترك بعض طوافه أو سها عنه أو جهله. و كذا الأخبار المذكورة، فإن الظاهر منها ايضا ذلك. و حينئذ فالاستدلال بهذه الأخبار الواردة في قطع الطواف لدخول البيت أو لمرض أو نحو ذلك ليس في محله، بل هذه مسائل على حدة يأتي الكلام فيها ان شاء الله تعالى.
و أعجب من ذلك ان المحقق الأردبيلي استدل على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذه المسألة بهذه الأخبار الواردة في قطع الطواف لدخول البيت و نحوها من الاخبار الواردة في قطعه لعيادة المريض و نحو ذلك.
و بالجملة فإن المسألة عندي محل إشكال، فإني لا اعرف لهذا الحكم دليلا سوى الروايات التي تقدمت، و هي قاصرة عن افادة
216
التفصيل الذي ذكروه.
بقي الكلام في الرواية الثالثة (1) حيث تضمنت ترك بعض طوافه و هو مجمل، و قد أمر (عليه السلام) بالبناء فيها، و الحمل على ما ذكر في تلك الرواية من الشوط الواحد غير بعيد. إلا ان الظاهر ان مورد هذه الرواية خارج عن ما نحن فيه. و سيأتي الكلام فيها ان شاء الله (تعالى) قريبا. و الله العالم.
الثاني- في من قطعه لدخول البيت
فإنه يجب عليه ما تقدم من التفصيل بتجاوز النصف و عدمه. و الاشكال فيه كما في سابقه، فاني لم أقف في الاخبار هنا ايضا على ما يدل على ذلك.
و منها:
صحيحة الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«سألته عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط ثم وجد من البيت خلوة فدخله، كيف يصنع؟ قال: يعيد طوافه، و خالف السنة».
و صحيحة حفص بن البختري عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في من كان يطوف بالبيت فيعرض له دخول الكعبة فدخلها؟ قال يستقبل طوافه».
و صحيحة ابن مسكان (4) قال: «حدثني من سأله عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة ثلاثة أشواط ثم وجد خلوة من البيت فدخله قال: نقض طوافه و خالف السنة، فليعد».
و رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر البزنطي
____________
(1) ص 213 الرقم 3.
(2) التهذيب ج 5 ص 118، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(3) الفقيه ج 2 ص 247، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(4) التهذيب ج 5 ص 118، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
217
عن ابي عبد الله (عليه السلام) مثله (1).
و موثقة عمران الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثلاثة أشواط من الفريضة ثم وجد خلوة من البيت فدخله. قال: يقضي طوافه، و قد خالف السنة، فليعد طوافه».
و هذه الروايات- كما ترى- لا اشارة فيها فضلا عن التصريح للتفصيل الذي ذكروه، بل ظاهر صحيحة حفص بن البختري وجوب الإعادة متى قطعه لدخول البيت مطلقا. و الى العمل بها مال في المدارك فاختار بطلان الطواف بقطعه لدخول الكعبة مطلقا بلغ النصف أو لم يبلغ.
و هو جيد.
الثالث- في من قطعه لحاجة
، و الروايات في هذا الموضع مختلفة.
فمنها:
صحيحة أبان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) «في رجل طاف شوطا أو شوطين ثم خرج مع رجل في حاجة؟ فقال: ان كان طواف نافلة بنى عليه، و ان كان طواف فريضة لم يبن عليه».
و روى ابن بابويه في الصحيح عن صفوان الجمال (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يأتي أخاه و هو في الطواف؟
فقال: يخرج معه في حاجته ثم يرجع و يبني على طوافه».
____________
(1) الوسائل الباب 41 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 414، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 413، و التهذيب ج 5 ص 119، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(4) الفقيه ج 2 ص 248، و الوسائل الباب 42 من الطواف.
218
و ذكر ابن بابويه (1) ان في نوادر ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) انه قال «في الرجل يطوف فتعرض له الحاجة؟ قال: لا بأس بأن يذهب في حاجته أو حاجة غيره و يقطع الطواف. و إذا أراد ان يستريح في طوافه و يقعد فلا بأس به. فإذا رجع بنى على طوافه و ان كان أقل من النصف».
و روى الشيخ في الصحيح عن النخعي و جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال «في الرجل يطوف ثم تعرض له الحاجة؟
قال: لا بأس ان يذهب في حاجته أو حاجة غيره و يقطع الطواف.
و ان أراد ان يستريح و يقعد فلا بأس بذلك. فإذا رجع بنى على طوافه و ان كان نافلة بنى على الشوط و الشوطين. و ان كان طواف فريضة ثم خرج في حاجة مع رجل لم يبن و لا في حاجة نفسه».
و روى الشيخ (قدس سره) في التهذيب (3) عن ابان بن تغلب قال: «كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في الطواف فجاءني رجل من إخواني فسألني ان امشي معه في حاجة، ففطن بي أبو عبد الله (عليه السلام) فقال: يا ابان من هذا الرجل؟ قلت: رجل من مواليك سألني ان اذهب معه في حاجته. فقال: يا ابان اقطع طوافك و انطلق معه في حاجته فاقضها له. فقلت: اني لم أتم طوافي. قال:
أحص ما طفت و انطلق معه في حاجته. فقلت: و ان كان في فريضة قال: نعم و ان كان في فريضة. قال: يا ابان و هل تدري ما ثواب
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 247، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 120 و 121، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(3) ج 5 ص 120، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
219
من طاف بهذا البيت أسبوعا؟ فقلت: لا و الله ما ادري. قال:
تكتب له ستة آلاف حسنة و تمحى عنه ستة آلاف سيئة و ترفع له ستة آلاف درجة- قال: و روى إسحاق بن عمار: و تقضى له ستة آلاف حاجة- و لقضاء حاجة مؤمن خير من طواف و طواف، حتى عد عشرة أسابيع. فقلت له: جعلت فداك أ فريضة أم نافلة؟ فقال: يا أبان إنما يسأل الله العباد عن الفرائض لا عن النوافل».
و روى في الكافي (1) عن سكين بن عمار عن رجل من أصحابنا يكنى أبا أحمد قال: «كنت مع ابي عبد الله (عليه السلام) في الطواف- و يده في يدي أو يدي في يده- إذ عرض لي رجل له الي حاجة أومأت إليه بيدي فقلت له: كما أنت حتى افرغ من طوافي. فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ما هذا؟ فقلت: أصلحك الله رجل جاءني في حاجة فقال لي: أ مسلم هو؟ قلت: نعم. فقال لي: اذهب معه في حاجته.
فقلت له: أصلحك الله فاقطع الطواف؟ قال: نعم. قلت: و ان كنت في المفروض؟ قال: نعم و ان كنت في المفروض. قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): من مشى مع أخيه المسلم في حاجة كتب الله له ألف ألف حسنة و محا عنه ألف ألف سيئة و رفع له ألف ألف درجة».
أقول: قد دلت صحيحة أبان بن تغلب و مرسلة النخعي و جميل على انه يبني على الشوط و الشوطين في طواف النافلة و لا يبني في طواف الفريضة، و رواية أبان بن تغلب و مرسلة سكين على جواز قطع الطواف و البناء مطلقا. و يعضدهما إطلاق مرسلة ابن ابي عمير و صحيحة صفوان الجمال. و وجه الجمع بينها يقتضي تخصيص إطلاق هذه الروايات
____________
(1) ج 4 ص 414 و 415، و التهذيب ج 5 ص 119، و الوسائل الباب 42 من الطواف.
220
بالخبرين المذكورين، بمعنى انه يبني في الفريضة متى قطع للحاجة إلا في ما إذا قطع على شوط أو شوطين فإنه يعيد.
أقول: و من اخبار المسألة أيضا
ما رواه في الكافي (1) عن ابي عزة قال: «مر بي أبو عبد الله (عليه السلام) و انا في الشوط الخامس من الطواف، فقال لي: انطلق حتى نعود ههنا رجلا. فقلت له: انما انا في خمسة أشواط فأتم أسبوعي. قال: اقطعه و احفظه من حيث تقطع حتى تعود الى الموضع الذي قطعت منه فتبني عليه».
و ما رواه في التهذيب (2) عن ابي الفرج قال: «طفت مع ابي عبد الله (عليه السلام) خمسة أشواط، ثم قلت: اني أريد أن أعود مريضا. فقال: احفظ مكانك ثم اذهب فعده ثم ارجع فأتم طوافك».
و الأمر في هذين الخبرين سهل، لأنهما ان حملا على الفريضة فلا إشكال في جواز البناء، و ان حملا على النافلة فالحكم أظهر، للاتفاق نصا و فتوى على جواز البناء على ما دون النصف.
و كيف كان فهذه الاخبار على كثرتها لا تعرض فيها لما ذكروه من التفصيل بوجه، و لو كان الحكم مبنيا عليه لصرحوا به و لو بالإشارة إليه.
الرابع- في من قطعه لمرض
، و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه الصورة
ما رواه في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا طاف الرجل بالبيت أشواطا
____________
(1) ج 4 ص 414، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(2) ج 5 ص 119، و الوسائل الباب 41 من الطواف.
(3) ج 4 ص 414، و الوسائل الباب 45 من الطواف.
221
ثم اشتكى أعاد الطواف، يعني: الفريضة».
و عن إسحاق بن عمار عن ابي الحسن (عليه السلام) (1) «في رجل طاف طواف الفريضة ثم اعتل علة لا يقدر معها على إتمام الطواف؟
فقال: ان كان طاف أربعة أشواط أمر من يطوف عنه ثلاثة أشواط فقد تم طوافه، و ان كان طاف ثلاثة أشواط و لا يقدر على الطواف فان هذا من ما غلب الله عليه، فلا بأس بأن يؤخر الطواف يوما أو يومين، فان خلته العلة عاد فطاف أسبوعا، و ان طالت علته أمر من يطوف عنه أسبوعا، و يصلي هو ركعتين، و يسعى عنه، و قد خرج من إحرامه.
و كذلك يفعل في السعي و في رمي الجمار».
قال في المدارك- بعد الاستدلال على ما ذكره المصنف من التفصيل برواية إسحاق بن عمار، و ان هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)- ما صورته: و يتوجه على هذه الرواية (أولا) الطعن من حيث السند بان من جملة رجالها اللؤلؤي، و نقل الشيخ عن ابن بابويه انه ضعفه. و ان راويها و هو إسحاق بن عمار قيل انه فطحي.
و (ثانيا) انها معارضة بما رواه الكليني في الحسن عن الحلبي. ثم ساق الرواية الاولى، ثم قال: و المسألة محل تردد، و لعل الاستئناف مطلقا اولى. انتهى.
أقول: اما ما طعن به من حيث الاسناد فقد تقدم الجواب عنه مرارا. و اما من حيث المعارضة برواية الحلبي فغاية ما يلزم ان رواية الحلبي هنا مطلقة بالنسبة إلى ترتب الإعادة على الأشواط التي هي أعم
____________
(1) الكافي ج 4 ص 414، و التهذيب ج 5 ص 124، و الوسائل الباب 45 من الطواف.
222
من تجاوز النصف و عدمه، و الواجب تقييد هذا الإطلاق برواية إسحاق بن عمار و ما دلت عليه من التفصيل. و حينئذ فهذان الخبران ظاهران في ما ذكره الأصحاب من التفصيل. فلا إشكال في هذه الصورة.
الخامس- في من قطعه لحدث
، و يدل عليه
ما رواه في الكافي (1) في الصحيح أو الحسن عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) «في الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه؟ قال: يخرج فيتوضأ، فإن كان جاز النصف بنى على طوافه، و ان كان أقل من النصف أعاد الطواف».
و رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (2) في الصحيح عن جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) مثله. و هذا الخبر ايضا ظاهر في التفصيل المذكور فلا اشكال.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (3) بعد ذكر الحائض في أثناء الطواف و انها تبنى بعد تجاوز النصف لا قبله: و كذلك الرجل إذا أصابته علة و هو في الطواف لم يقدر على إتمامه خرج و أعاد بعد ذلك طوافه ما لم يجز نصفه فان جاز نصفه فعليه ان يبنى على ما طاف.
انتهى.
أقول: و المراد من العلة بالنسبة الى الرجل هو ما تضمنه هذا الموضع و ما قبله من المرض و الحدث. فالخبر المذكور دليل لهذين الموضعين. و فيه إشارة الى عدم البناء في غيرهما و إلا لعده (عليه السلام) في عدادهما كما لا يخفى.
____________
(1) ج 4 ص 414، و الوسائل الباب 40 من الطواف.
(2) ج 5 ص 118.
(3) ص 30.
223
السادس- لو دخل في السعي فذكر أنه لم يتم طوافه
، فالمشهور انه ان تجاوز النصف رجع فأتم طوافه ثم أتم سعيه. و لم أقف لهذا التفصيل في هذه المسألة على مستند.
و أطلق الشيخ (قدس سره) على ما نقل عنه، و المحقق في النافع و العلامة في المنتهى و جملة من كتبه إتمام الطواف من غير فرق بين تجاوز النصف و عدمه.
و استدلوا على ذلك بموثقة إسحاق بن عمار المتقدمة في الموضع الأول و مقتضاها البناء مطلقا و ان لم يتجاوز النصف.
و من ما يؤكد ذلك ما اشتملت عليه زيادة على ما قدمناه منها
حيث قال (1): «قلت: فإنه بدأ بالصفا و المروة قبل ان يبدأ بالبيت؟ فقال:
يأتي البيت فيطوف به ثم يستأنف طوافه بين الصفا و المروة. قلت:
فما الفرق بين هذين؟ قال: لان هذا قد دخل في شيء من الطواف و هذا لم يدخل في شيء منه».
و هو ظاهر- كما ترى- في انه يكفي في البناء الإتيان بشيء من الطواف. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر.
و الله العالم.
تنبيه [التعليق على كلام الشهيد و صاحب المدارك في المقام]
المفهوم من كلام شيخنا الشهيد في الدروس ان مبنى هذا التفصيل في هذه المواضع على وجوب الموالاة في الطواف، قال (قدس سره) في تعداد واجبات
____________
(1) الكافي ج 4 ص 421، و التهذيب ج 5 ص 130، و الفقيه ج 2 ص 252، و الوسائل الباب 63 من الطواف.
224
الطواف: و حادي عشرها الموالاة فيه، فلو قطعه في أثنائه و لما يطف أربعة أشواط أعاد، سواء كان لحدث أو خبث أو دخول البيت أو صلاة فريضة على الأصح أو نافلة أو لحاجة له أو لغيره أم لا. اما النافلة فيبني فيها مطلقا، و جوز الحلبي البناء على شوط إذا قطعه لصلاة فريضة. و هو نادر كما ندر فتوى النافع بذلك، و إضافته الوتر. و انما يباح القطع لفريضة أو نافلة يخاف فوتها، أو دخول البيت، أو ضرورة، أو قضاء حاجة مؤمن. ثم إذا عاد بنى من موضع القطع. و لو شك فيه أخذ بالاحتياط. انتهى كلامه (زيد مقامه).
و فيه نظر من وجوه: الأول- ان ما ادعاه من وجوب الموالاة لم نقف له على دليل إلا ما ذكره في المدارك من التأسي، و قد بينا ما فيه آنفا. و ليس بعد ذلك إلا مجرد الشهرة بينهم، و إلا فالأخبار خالية منه بل صريحة في رده، كما عرفت من إطلاق روايتي أبان بن تغلب و سكين ابن عمار و صحيحة صفوان و غيرها من الروايات المتقدمة.
الثاني- ان ما ذكره من التفصيل في هذه المواضع قد عرفت ان الاخبار في أكثرها لا تساعد عليه كما أوضحناه، و الذي يدل منها على ذلك انما هو في صورتي القطع للمرض و الحدث حسبما بيناه.
الثالث- ان ما ذكره- من عد الخبث في عداد هذه المذكورات و انه يجري فيه هذا التفصيل- من ما ترده الأخبار الواردة في المسألة:
و منها:
ما رواه الصدوق (قدس سره) عن حماد بن عثمان عن حبيب ابن مظاهر (1) قال: «ابتدأت في طواف الفريضة فطفت شوطا واحدا فإذا إنسان قد أصاب أنفي فأدماه، فخرجت فغسلته ثم جئت فابتدأت
____________
(1) ارجع الى التعليقة 4 ص 198.
225
الطواف. فذكرت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: بئسما صنعت كان ينبغي لك ان تبني على ما طفت. ثم قال: اما انه ليس عليك شيء».
و عن يونس بن يعقوب (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رأيت في ثوبي شيئا من دم و انا أطوف؟ قال: فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله ثم عد فابن على طوافك».
فالأولى صريحة في وجوب البناء قبل النصف، و الثانية دالة على ذلك بإطلاقها.
الرابع- ان ما عده من صلاة الفريضة و ان هذا التفصيل يجري فيها من ما لا تساعده الأخبار و لا كلام غيره من الأصحاب (رضوان الله عليهم) اما الأخبار فمنها:
صحيحة عبد الله بن سنان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كان في طواف النساء فأقيمت الصلاة. قال:
يصلي معهم الفريضة فإذا فرغ بنى من حيث قطع».
و حسنة هشام عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال: «في رجل كان في طواف فريضة فأدركته صلاة فريضة. قال: يقطع طوافه و يصلي الفريضة ثم يعود فيتم ما بقي عليه من طوافه».
و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (4)
____________
(1) الوسائل الباب 52 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 415 و التهذيب ج 5 ص 121 و الفقيه ج 2 ص 247 و الوسائل الباب 43 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 415 و التهذيب ج 5 ص 121 و الوسائل الباب 43 من الطواف.
(4) الكافي ج 4 ص 415 و التهذيب ج 5 ص 122 و الفقيه ج 2 ص 247 و الوسائل الباب 44 من الطواف.
226
قال: «سألته عن الرجل يكون في الطواف قد طاف بعضه و بقي عليه بعضه فيطلع الفجر، فيخرج من الطواف الى الحجر أو الى بعض المسجد إذا كان لم يوتر فيوتر، ثم يرجع الى مكانه فيتم طوافه، افترى ذلك أفضل أم يتم الطواف ثم يوتر و ان أسفر بعض الاسفار؟ قال: ابدأ بالوتر و اقطع الطواف إذا خفت ذلك ثم أتم الطواف بعد».
و هذه الأخبار كلها- كما ترى- مطلقة في جواز القطع للصلاة و البناء بعد الفراغ أعم من ان يكون قبل النصف أو بعده، و الخبران الأولان صريحان في الطواف الواجب، و الثالث دال على ذلك بإطلاقه. و بذلك يظهر ان ما نقله عن الحلبي من البناء على شوط إذا قطعه لصلاة الفريضة لا بعد فيه، لدلالة إطلاق هذه الأخبار عليه.
و اما كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) فقد اعترف بتصريح المحقق في النافع بذلك و ان نسبه الى الندرة، حيث صرح بجواز القطع للفريضة و البناء و ان لم يبلغ النصف. و هذا هو ظاهر كلام العلامة في المنتهى، حيث قال: و لو دخل عليه وقت فريضة و هو يطوف قطع الطواف و ابتدأ بالفريضة ثم عاد فيتم طوافه من حيث قطع. و هو قول العلماء الا مالكا فإنه قال يمضي في طوافه من حيث قطع. و هو قول العلماء الا مالكا فإنه قال يمضي في طوافه و لا يقطعه الا ان يخاف ان يضر بوقت الصلاة (1) انتهى. و هو ظاهر- كما ترى- في التعميم، فإن إطلاق كلامه يقتضي عدم الفرق بين تجاوز النصف و عدمه. و نحوه كلامه في غيره و غيره في غيره.
الخامس- ان ما طعن به على المحقق- في إضافة الوتر إلى الصلاة الواجبة و انه يقطع لأجلها الطواف و نسبته له إلى الندرة- مردود بما قدمناه من دلالة صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج على ذلك، فالرد لهذا القول رد
____________
(1) المغني ج 3 ص 413 طبع مطبعة المنار.
227
للرواية، مع انها لا معارض لها. و هو من ما لا يقول به محصل.
السادس- ان ما ذكره- من انه انما يباح القطع «يعني: بعد النصف» للفريضة أو نافلة يخاف فوتها أو دخول البيت. الى آخره- مدخول بأن الأخبار الواردة في جميع هذه الصورة لا دلالة لها على التفصيل الذي ادعاه سوى أخبار صورتي المرض و الحدث، بل ظاهر صحيحة حفص بن البختري كما عرفت آنفا تحريم القطع لدخول البيت مطلقا و ان كان بعد النصف.
و بالجملة فإن كلامه (قدس سره) في هذا المقام لا ينطبق على ما نقلناه من اخبارهم (عليهم السلام) بل هي ظاهرة في رده كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
فوائد: الأولى- قال في المدارك- في شرح قول المصنف (قدس سره):
السادسة من نقص من طوافه، فان جاوز النصف رجع فأتم، و ان كان دون ذلك استأنف- ما لفظه: لا يخفى ان النقص المقتضى لوجوب الاستيناف انما يتحقق مع فوات الموالاة و الا وجب الإتمام قولا واحدا. انتهى.
أقول: فيه (أولا) ان هذه الموالاة المدعاة في كلامهم لم يقم عليها دليل بل الأخبار- كما أشرنا إليه آنفا- ظاهرة في عدم وجوبها. و (ثانيا) ان اخبار هذه المسألة و هي المتقدمة في الموضع الأول، منها ما هو مطلق كصحيحة الحسن بن عطية و صحيحة الحلبي، و تقييدهما يحتاج الى دليل، و منها ما هو صريح في عدم وجوب الموالاة و هي موثقة إسحاق بن عمار الدالة على أن من طاف بالبيت ثم خرج الى الصفا و المروة و طاف بهما ثم ذكر نقصان طوافه (1) فإنه لا ريب في فوات الموالاة بهذه المدة، مع انه (عليه السلام) امره بالبناء على ما طافه و لم يأمره بالاستئناف.
الثانية- قال ايضا: و ذكر الشارح و غيره ان المراد بمجاوزة النصف
____________
(1) ص 213.
228
إتمام الأربع لا مطلق المجاوزة. و ما وقفت عليه في هذه المسألة من النص خال من هذا اللفظ فضلا عن تفسيره. انتهى.
أقول: لا يخفى انه لم يرد التفصيل الذي ذكروه بالمجاوزة و عدمها إلا في رواية إسحاق بن عمار المتقدمة في الموضع الرابع، و مرسلة ابن ابي عمير المتقدمة في الموضع الخامس، و الاولى دلت على صحة الطواف إذا طاف أربعة و انه يأمر من يطوف عنه ثلاثة، و الثانية دلت على انه ان كان جاز النصف يبنى على طوافه، و ان كان أقل من النصف أعاد الطواف.
و الجمع بين الخبرين يقتضي حمل الجواز عن النصف على إتمام الأربعة كما تضمنه الخبر الأول. فالحكم بصحة الطواف مع إتمام الأربعة لا ريب فيه، و ان كان أقل من ذلك فله مراتب: أحدها- ان يكون على النصف الحقيقي، الثانية- ان ينقص عنه، الثالثة- ان يزيد على وجه لا يتم شوطا و الخبر انما دل على الإعادة في الثانية، و حكم المرتبتين الباقيتين غير معلوم من الخبر و الاحتياط يقتضي الإعادة و عدم البناء فيهما و تخصيص البناء بإكمال الأربعة.
الثالثة- ظاهر الاخبار و كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب حفظ الموضع الذي يقطع منه في الصورة التي يجوز القطع فيها ليكمل منه بعد العود. و الظاهر ان الوجه في المحافظة عليه خوف الزيادة و النقصان في الطواف.
و جوز العلامة في المنتهى البناء على الطواف السابق من الحجر و ان وقع القطع في أثناء الشوط، بل جعل ذلك أحوط من البناء من موضع القطع قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و هو صريح في عدم تأثير مثل هذه الزيادة. و لا بأس به. انتهى.
أقول: لا اعرف لنفيه البأس عن ذلك وجها مع تكاثر النصوص بالأمر
229
بالبناء من موضع القطع و عدم وجود ما يعارضها في المقام، فمن ذلك ما تقدم في الموضع الثالث من الروايات الدالة على انه يبنى على طوافه.
و أصرح منها رواية
أبي غرة (1) و قوله فيها: «و احفظه من حيث تقطع حتى تعود الى الموضع الذي قطعت منه فتبني عليه».
و رواية أبي الفرج، و قوله فيها: «احفظ مكانك ثم اذهب فعده ثم ارجع فأتم طوافك».
و رواية يونس بن يعقوب، و قوله فيها: «فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله ثم عد فابن على طوافك».
و الخروج عن مقتضى هذه الأوامر من غير دليل شرعي مشكل. و بذلك يظهر ان ما ذكره من ان الاحتياط في الإعادة من الحجر انما هو ضد الاحتياط. و الله العالم.
المسألة الثامنة- لو شك في عدد الطواف
فههنا صور:
الاولى- أن يشك في عدده بعد الانصراف منه
. و الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في انه لا يلتفت. و يدل عليه مضافا الى الأصل عموم
قوله (عليه السلام) (2) في صحيحة زرارة: «إذا خرجت من شيء ثم دخلت في غيره فشكك ليس بشيء».
الثانية- ان يكون في الأثناء و يكون الشك في الزيادة
. و الظاهر انه لا خلاف في انه يقطع طوافه و لا شيء عليه. و علله في المنتهى بأنه متيقن الإتيان بالسبع و يشك في الزائد و الأصل عدمه. انتهى.
و الأظهر الاستدلال عليه
بما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف
____________
(1) ص 220 و 225.
(2) الوسائل الباب 23 من الخلل الواقع في الصلاة.
(3) الوسائل الباب 35 من الطواف.
230
بالبيت طواف الفريضة فلم يدر أ سبعة طاف أم ثمانية. فقال: اما السبعة فقد استيقن و انما وقع وهمه على الثامن فليصل ركعتين».
و عن الحلبي في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«قلت له: رجل طاف فلم يدر أ سبعة طاف أم ثمانية؟ قال: يصلي ركعتين».
و ما نقله ابن إدريس في مستطرفات السرائر من نوادر احمد بن محمد ابن ابي نصر البزنطي عن جميل (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف فلم يدر سبعا طاف أم ثمانيا. قال: يصلي ركعتين».
قال في المسالك: انما يقطع مع شك الزيادة إذا كان على منتهى الشوط و اما لو كان في أثنائه بطل طوافه، لتردده بين محذورين: الإكمال المحتمل للزيادة عمدا و القطع المحتمل للنقيصة.
قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: و يتوجه عليه منع احتمال تأثير الزيادة كما سيجيء في مسألة الشك في النقصان. انتهى.
أقول: مورد روايات المسألة هو وقوع الشك بعد إتمام الشوط المشكوك في كونه ثامنا أو سابعا، و انه يبنى على السبعة و لا يلتفت الى الشك، اما لو كان في الأثناء قبل الإتمام فيحتمل ان يكون الحكم فيه ما ذكره في المسالك من بطلان الطواف، لما ذكره، و يحتمل الإتمام و البناء على السبعة كما ذكره في المدارك ليحصل يقين السبعة. و ما ذكره من منع تأثير احتمال الزيادة- كما سيجيء في الشك في النقصان- انما يتم بناء على ما اختاره في المسألة المذكورة من البناء على الأقل و الإتمام. و سيظهر لك- ان شاء الله تعالى- انه لا دليل عليه، بل الأدلة واضحة في رد و ضعفه مصرحة بوجوب
____________
(1) الوسائل الباب 35 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 35 من الطواف.
231
الإعادة في الصورة المشار إليها. و به يظهر قوة ما ذكره جده (قدس سره) فان الظاهر انه لا وجه للحكم بالإبطال في صورة الشك في النقيصة دون الإتمام إلا من حيث احتمال الزيادة الموجبة للبطلان، و مقتضى قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي-: «اما السبعة فقد استيقن و انما وقع وهمه على الثامن»- انه لو قطع قبل إتمام الشوط المشكوك فيه لم يحصل يقين السبعة، لاحتمال ان يكون هو السابع.
الثالثة [الشك أثناء الطواف في النقيصة]
- ان يكون الشك في الأثناء أيضا و لكن في النقصان. و المشهور انه يستأنف في الفريضة.
قال في المختلف: اختلف الشيخان في حكم الشك في نقصان الطواف فقال الشيخ (قدس سره): لو شك في طواف الفريضة هل طاف ستة أو سبعة؟ فإن انصرف لم يلتفت، و ان كان في حال الطواف وجب عليه الإعادة. و كذلك لو شك في ما نقص عن الستة. و قال المفيد (قدس سره) من طاف بالبيت فلم يدر ستا طاف أم سبعا فليطف طوافا آخر ليستيقن انه طاف سبعا. و اختار الأول ابن البراج، و به قال الصدوق (قدس سره) في كتاب المقنع و من لا يحضره الفقيه و ابن إدريس، و بالثاني قال الشيخ علي بن بابويه في رسالته و أبو الصلاح، و هو قول ابن الجنيد أيضا، فإنه قال: و إذا شك في إتمام طوافه تممه حتى يخرج منه على يقين، و سواء كان شكه في شوط أو بعضه، و ان تجاوز الطواف إلى الصلاة و الى السعي ثم شك فلا شيء عليه، و ان كان في طواف الفريضة كان الاحتياط خروجه منه على يقين من غير زيادة و لا نقصان، و ان كان في النافلة بنى على الأقل. ثم قال (قدس سره) في
232
المختلف: و المعتمد الأول، ثم ساق الكلام في الاستدلال عليه.
أقول: و المعتمد عندي هو القول للأول، و السيد السند في المدارك قد اختار القول الثاني، و هو مذهب الشيخ المفيد و الشيخ علي بن الحسين بن بابويه و نحن ننقل كلامه (قدس سره) و نبين ما فيه، و منه يظهر لك رجحان ما رجحناه و قوة ما اخترناه.
قال (قدس سره) بعد نقل القول الثاني عن الجماعة المشار إليهم في كتاب المختلف: و هو المعتمد، لنا: الأصل،
و ما رواه الكليني (قدس سره) في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة. قال: فليعد طوافه. قلت: ففاته؟ فقال: ما ارى عليه شيئا. و الإعادة أحب الي و أفضل».
و ما رواه الشيخ في الصحيح ايضا عن منصور بن حازم (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني طفت فلم أدر ستة طفت أم سبعة فطفت طوافا آخر. فقال: هلا استأنفت؟ قلت: قد طفت و ذهبت قال: ليس عليك شيء».
و ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن رفاعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) انه قال «في رجل لا يدري ستة طاف أو سبعة. قال: يبنى على يقينه».
و البناء على اليقين هو البناء على الأقل. احتج الشيخ (قدس سره)
بما
____________
(1) الكافي ج 4 ص 416 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 110 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
(3) الفقيه ج 2 ص 249 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
233
رواه عن محمد بن مسلم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت فلم يدر أ ستة طاف أو سبعة طواف فريضة. قال:
فليعد طوافه. قيل: انه قد خرج وفاته ذلك؟ قال: ليس عليه شيء».
و عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل لم يدر أ ستة طاف أو سبعة. قال: يستقبل».
و عن حنان بن سدير (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل طاف فأوهم، فقال: اني طفت أربعة و قال: طفت ثلاثة؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
اي الطوافين طواف نافلة أم طواف فريضة؟ ثم قال: ان كان طواف فريضة فليلق ما في يديه و ليستأنف، و ان كان طواف نافلة و استيقن الثلاث و هو في شك من الرابع انه طاف فليبن على الثالث فإنه يجوز له».
و الجواب عن هذه الروايات: (أولا) بالطعن في السند، بان في طريق الأولى عبد الرحمن بن سيابة و هو مجهول، و في طريق الثانية النخعي و هو مشترك و راوي الثالثة و هو حنان بن سدير قال الشيخ (قدس سره) انه واقفي.
(و ثانيا) بإمكان الحمل على الاستحباب كما يدل عليه قوله في صحيحة منصور: «و الإعادة أحب الى و أفضل» و كيف كان فينبغي القطع بعدم وجوب العود لاستدراك الطواف مع عدم الاستئناف كما تضمنته الأخبار المستفيضة. انتهى كلامه (زيد مقامه).
و فيه نظر من وجوه: الأول- ان ما استدل به من صحيحة منصور فهي بالدلالة على القول الأول أشبه، إذ أقصى ما تدل عليه انه لا شيء عليه بعد
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 110 و الوسائل الباب 23 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 110 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 111 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
234
الذهاب. و هذا من ما لا نزاع فيه كما أشار إليه في آخر كلامه من قوله:
«و كيف كان فينبغي القطع بعدم وجوب العود. الى آخره» و محل الخلاف انما هو مع الحضور هل يجب عليه الاستئناف كما هو القول الأول أو البناء على الأقل كما اختاره؟ و الامام (عليه السلام) في هذه الرواية لما أخبره الراوي بأنه طاف طوافا آخر أنكر عليه بقوله: «هلا استأنفت» يعني: ان الحكم الشرعي في هذه الصورة هو الاستئناف، غاية الأمر انه لما أخبره بأنه طاف و ذهب و فات محل الاستئناف قال: «ليس عليك شيء». و قد عرفت انه مع الذهاب لا نزاع في المسألة، فقوله: «ليس عليك شيء» لا دلالة فيه على ما ادعاه كما هو واضح. و من ثم استدل العلامة (قدس سره) في المنتهى بهذه الصحيحة على القول المشهور. و هو الحق الواضح الظهور كما أوضحناه و بيناه بما لا يشوبه شائبة القصور.
الثاني- ان ما استدل به
من صحيحة رفاعة فإن فيه ان صورة ما في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) هكذا: و روى عنه رفاعة انه قال: «في رجل لا يدرى ستة طاف أو سبعة. قال: يبنى على يقينه.
و سئل عن رجل لا يدرى ثلاثة طاف أو أربعة. قال: طواف نافلة أو فريضة؟ قال: أجبني فيهما جميعا. قال: ان كان طواف نافلة فابن على ما شئت، و ان كان طواف فريضة فأعد الطواف، فان طفت بالبيت طواف الفريضة و لم تدر ستة طفت أو سبعة فأعد طوافك. فان خرجت و فاتك ذلك فليس عليك شيء».
و المحدث الكاشاني في الوافي قد أورد هذه الجملة كما نقلناه، و قال بعد ذلك: بيان: قوله: «يبنى على يقينه» محمول على طواف النافلة كما يظهر من آخر الحديث. و ظاهره ان الجميع حديث واحد رواه رفاعة. و صاحب
____________
(1) ج 2 ص 249 و الوسائل الباب 23 من الطواف.
235
الوسائل أورده كذلك ايضا الى قوله: «و ان كان طواف فريضة فأعد الطواف» و لم يذكر ما بعده. و الظاهر انه فهم ان هذه الزيادة من كلام الصدوق (قدس سره) و ذكر انه في المقنع روى قوله: «و سئل عن رجل.
الى أخر ما ذكره» مرسلا. و الظاهر انه لأجل ذلك حكم بكون هذه الزيادة من كلامه لا من الخبر. و ظاهره ان قوله: «و سئل.»
غير داخل في خبر رفاعة. و الشيخ الحسن في المنتقى نقل حديث رفاعة حسبما نقله السيد هنا و قال بعده: قلت: وجه الجمع بين هذا الحديث و الذي قبله ان يحمل هذا على إرادة النافلة كما وقع التصريح به في جملة من الاخبار الضعيفة. انتهى. و كيف كان فالواجب حمل هذا الخبر على ما ذكروه من النافلة كما سيظهر لك ان شاء الله تعالى.
الثالث- ما طعن به على رواية محمد بن مسلم- بان في طريقها عبد الرحمن ابن سيابة و هو مجهول- فالجواب عنه ما افاده الشيخ حسن (قدس سره) في كتاب المنتقى حيث قال بعد ذكر الخبر المذكور: هذا هو الموضع الذي ذكرناه في مقدمة الكتاب انه اتفق فيه تفسير عبد الرحمن بابن سيابة، و لا يرتاب الممارس في انه من الأغلاط الفاحشة و انما هو ابن ابي نجران لان ابن سيابة من رجال الصادق (عليه السلام) فقط، إذ لم يذكر في أصحاب أحد ممن بعده و لا توجد له رواية عن غيره، و موسى بن القاسم من أصحاب الرضا و الجواد (عليهما السلام) فكيف يتصور روايته عنه، و اما عبد الرحمن بن ابي نجران فهو من رجال الرضا و الجواد (عليهما السلام) و رواية موسى بن القاسم عنه معروفة مبينة في عدة مواضع، و روايته هو عن حماد بن عيسى شائعة و قد مضى منها اسناد عن قريب. و بالجملة فهذا عند المستحضر من أهل الممارسة غني عن البيان. انتهى. و المحقق المذكور
236
عد الرواية في (صحي) و هو الصحيح عنده. هذا مع الإغماض عن المناقشة في هذا الطعن، لما عرفت في غير موضع من ما تقدم. و بالجملة فالخبر المذكور صحيح صريح في المراد.
الرابع- ما طعن به في رواية معاوية بن عمار فإنه مع تسليم ما جرى عليه من هذا الاصطلاح فهذا الخبر و ان رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (1) بهذا السند الذي فيه النخعي الا ان ثقة الإسلام رواه عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابي عمير عن حماد عن الحلبي عنه (عليه السلام) (2) و هذا السند و ان كان حسنا بإبراهيم بن هاشم الا انه ذكر في غير موضع من شرحه انه لا يقصر عن الصحيح، فقال في شرح قول المصنف في قطع الطواف لدخول البيت بعد نقل حسنة أبان بإبراهيم: فان دخولها في قسم الحسن بواسطة إبراهيم بن هاشم، و قد عرفت ان روايته لا تقصر عن الصحيح كما بيناه مرارا. انتهى. أقول: و قد خالفه ايضا مرارا كما أوضحناه في شرحنا على الكتاب من كتاب الطهارة و الصلاة و حينئذ فتكون الرواية لما ذكره هنا معتمدة حسنة كالصحيح عنده، فيجب العمل بها و ينتفي تطرق الطعن إليها.
الخامس- ان ما ادعاه- بعد طعنه في الاخبار المذكورة- من حملها على الاستحباب ففيه:
(أولا): ما قدمنا في غير موضع من انه و ان اشتهر هذا الجمع بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) الا انه لا دليل عليه من سنة و لا كتاب.
و قد تقدم الكلام في ذلك موضحا منقحا بما يغني عن الإعادة في الباب.
____________
(1) ج 5 ص 110 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 416 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
237
و (ثانيا): انك قد عرفت بما حققناه و تبينت بما أوضحناه انه لا دليل على ما ادعاه من القول المذكور بالكلية ليحتاج إلى تأويل هذه الاخبار، فإنه ليس إلا صحيحة رفاعة المجملة، و الجمع بينها و بين هذه الاخبار الصحاح الصراح في وجوب الإعادة يقتضي حملها على النافلة كما عرفت و تعرف.
السادس- ان من الاخبار الدالة على القول المشهور زيادة على ما تقدم
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف طواف الفريضة فلم يدر أ ستة طاف أم سبعة. قال: فليعد طوافه. قلت: ففاته؟ قال: ما ارى عليه شيئا و الإعادة أحب الي و أفضل».
و ما توهمه في المدارك و قدمنا نقله عنه- من دلالة هذه الرواية على استحباب الإعادة حيث جعلها مستندا لحمله الأخبار المتقدمة على الاستحباب- ضعيف، لأن الإعادة التي جعلها (عليه السلام) أحب و أفضل انما هي بعد المفارقة ان امكنه ذلك لا الإعادة مع الحضور، فإنه (عليه السلام) بعد سؤال السائل أوجب عليه الإعادة، فلما أخبر السائل بأنه فاته ذلك يعني بمفارقة ذلك المكان قال: «ما ارى عليه شيئا» و هذا مثل غيره من اخبار المسألة الدالة على انه مع المفارقة لا يجب عليه العود و الإعادة، الا انه في هذا الخبر جعل الإعادة مع الإمكان أفضل.
و ما رواه أيضا في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «سالته عن رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة. قال:
____________
(1) الكافي ج 4 ص 416 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 33 من الطواف.
238
يستقبل قلت: ففاته ذلك؟ قال: ليس عليه شيء».
و عن ابي بصير (1) قال: «قلت: رجل طاف بالبيت طواف الفريضة فلم يدر ستة طاف أم سبعة أم ثمانية؟ قال يعيد طوافه حتى يحفظ. الحديث».
و عن ابي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل شك في طواف الفريضة. قال: يعيد كلما شك. قلت: جعلت فداك شك في طواف النافلة؟ قال: «يبنى على الأقل».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب (3) عن احمد بن عمر المرهبي عن ابي الحسن الثاني (عليه السلام) قال: «قلت: رجل شك في طوافه فلم يدر أ ستة طاف أم سبعة؟ قال: ان كان في فريضة أعاد كل ما شك فيه، و ان كان في نافلة بنى على ما هو أقل».
و بالجملة فإنه لا دليل لهذا القول الثاني في الاخبار التي وصلت إلينا الا انه مذكور
في كتاب الفقه الرضوي (4) حيث قال (عليه السلام): «و ان شككت فلم تدر سبعة طفت أم ثمانية و أنت في الطواف فابن على السبعة و أسقط واحدا و اقطعه، و ان لم تدر ستة طفت أم سبعة فأتمها بواحدة».
و هو ظاهر الدلالة على القول المذكور.
و هذا هو مستند الشيخ علي بن بابويه كما عرفت من ما تقدم في غير موضع، و لو نقلت عبارته في الرسالة لعرفت انها عين عبارة الكتاب المذكور.
هذا كله في الشك في الفريضة، و اما في النافلة فإنه يبنى على الأقل
____________
(1) الوسائل الباب 33 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 33 من الطواف.
(3) ج 5 ص 110 و الوسائل الباب 33 من الطواف.
(4) ص 27 و 28.
239
استحبابا و ان تخير، كما يدل عليه الخبر المتقدم نقله (1) عن الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه عن رفاعة كما هو أحد الاحتمالين المتقدمين، أو هو خبر مرسل مستقل كما هو الاحتمال الآخر. و نحوه من الاخبار المتقدمة.
المسألة التاسعة [عروض الحيض للمرأة أثناء الطواف]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه انه إذا حاضت المرأة في أثناء الطواف قطعته و انصرفت، فان كان ما طافته أكثر من النصف بنت عليه متى طهرت، و ان كان أقل استأنفت. و اليه ذهب الشيخان و الشيخ علي بن بابويه، و لابنه قولان: هذا أحدهما ذكره في المقنع ثم قال فيه (2) و روى: انه ان كانت طافت ثلاثة أشواط أو أقل ثم رأت الدم حفظت مكانها، فإذا طهرت طافت منه و أعدت بما مضى.
و الثاني
في كتاب من لا يحضره الفقيه (3) قال: و روى حريز عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت ثلاثة أشواط أو أقل من ذلك ثم رأت دما قال: تحفظ مكانها فإذا طهرت طافت منه و اعتدت بما مضى».
و روى العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) مثله. قال: و بهذا الحديث افتى دون الحديث الذي
رواه ابن مسكان عن إبراهيم بن إسحاق عن من سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثم طمثت. قال: تتم طوافها و ليس عليها غيره و متعتها تامة، و لها ان تطوف بين الصفا و المروة لأنها زادت على النصف، و قد قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج، و ان هي لم
____________
(1) ص 234.
(2) ص 22 الطبع القديم.
(3) ج 2 ص 241 و الوسائل الباب 85 من الطواف.
240
تطف إلا ثلاثة أشواط فلتستأنف الحج، فإن أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو الى التنعيم فلتعتمر.
قال: لأن هذا الحديث إسناده منقطع و الحديث الأول رخصة و رحمة و إسناده متصل. انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة زيادة على هذين الخبرين
ما رواه في الكافي (1) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بين الصفا و المروة فجازت النصف فعلمت ذلك الموضع، فإذا طهرت رجعت فأتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته، فإن هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من اوله».
و عن احمد بن عمر الحلال عن ابي الحسن (عليه السلام) (2) قال:
«سالته عن امرأة طافت خمسة أشواط ثم اعتلت. قال: إذا حاضت المرأة و هي في الطواف بالبيت أو بالصفا و المروة و جاوزت النصف علمت ذلك الموضع الذي بلغت، فإذا قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من اوله».
و ما رواه الشيخ في التهذيب (3) عن ابن مسكان عن إبراهيم بن أبي إسحاق عن سعيد الأعرج قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت أربعة أشواط و هي معتمرة ثم طمثت. قال: تتم طوافها فليس عليها غيره و متعتها تامة، فلها ان تطوف بين الصفا و المروة، و ذلك لأنها زادت على النصف، و قد مضت متعتها و لتستأنف بعد الحج».
____________
(1) ج 4 ص 448 و الوسائل الباب 85 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 85 من الطواف.
(3) ج 5 ص 393 و الوسائل الباب 86 من الطواف.
241
و قال في كتاب الفقه (1): و متى حاضت المرأة في الطواف خرجت من المسجد فان كانت طافت ثلاثة أشواط فعليها ان تعيد، و ان كانت طافت أربعة أقامت على مكانها، فإذا طهرت بنت و قضت ما بقي عليها. و لا تجوز على المسجد حتى تتيمم و تخرج منه. و كذلك الرجل إذا أصابته علة و هو في الطواف لم يقدر على إتمامه، خرج و أعاد بعد ذلك طوافه ما لم يجز نصفه، فان جاوز نصفه فعليه ان يبنى على ما طاف.
نتهى.
أقول: و هذه الاخبار كلها- ما عدا صحيحة محمد بن مسلم التي استند إليها الصدوق- صريحة الدلالة واضحة المقالة في ان البناء انما هو بعد تجاوز النصف، و الشيخ (قدس سره) حمل صحيحة محمد بن مسلم على طواف النافلة جمعا بين الاخبار. و هو جيد. و ما استند اليه الصدوق (قدس سره)- من ان حديث إبراهيم بن إسحاق الذي ذكره إسناده منقطع- مردود بان الشيخ كما ذكرناه رواه متصلا و بين الواسطة و هي سعيد الأعرج، فزال به الانقطاع الذي طعن به. و بالجملة فإن ما ذهب اليه (قدس سره) ضعيف، للزوم طرح هذه الاخبار لو عملنا بخبره، و متى عملنا بهذه الاخبار فالوجه في خبره ما ذكره الشيخ (قدس سره).
أقول: و من ما يؤيد أخبار القول المشهور ايضا
ما رواه في الكافي و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن ابن مسكان عن إسحاق بياع اللؤلؤ عن من سمع أبا عبد الله (عليه السلام) (2) يقول: «المرأة المتمتعة إذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم رأت الدم فمتعتها تامة» و زاد في التهذيب: «و تقضى
____________
(1) ص 30.
(2) الكافي ج 4 ص 449 و التهذيب ج 5 ص 393 و الوسائل الباب 86 من الطواف.
242
ما فاتها من الطواف بالبيت و بين الصفا و المروة، و تخرج إلى منى قبل ان تطوف الطواف الآخر».
أقول: الظاهر ان المراد بالطواف الآخر قضاء ما بقي من الطواف الذي قطعته بعد الخروج إلى منى متى كان الحيض باقيا. و قد تقدم لنا تحقيق زائد على ما ذكرناه في هذه المسألة في أبحاث المقدمة الرابعة فليراجع.
المسألة العاشرة [لبس البرطلة حال الطواف]
- قال الشيخ (قدس سره) في النهاية: لا يجوز للرجل ان يطوف و عليه برطلة. و قال في التهذيب: يكره للرجل ان يطوف و عليه برطلة و قال ابن إدريس انه مكروه في طواف الحج محرم في طواف العمرة، و الى هذا القول مال أكثر المتأخرين، قالوا: لأنه في طواف العمرة قد غطى رأسه و هو محرم، و في طواف الحج لا مانع من تغطيته فلا موجب للتحريم. و البرطلة على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) بضم الباء الموحدة و إسكان الراء و ضم الطاء المهملة و تشديد اللام المفتوحة: قلنسوة طويلة كانت تلبس قديما.
و في كتاب مجمع البحرين: البرطلة بالضم: قلنسوة، و ربما تشدد. و فيه دلالة على ورودها بالتخفيف ايضا.
و الأصل في هذه المسألة
ما رواه في الكافي (1) عن زياد بن يحيى الحنظلي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تطوفن بالبيت و عليك برطلة».
و عن يزيد بن خليفة (2) قال: رءاني أبو عبد الله (عليه السلام) أطوف حول الكعبة و علي برطلة، فقال لي بعد ذلك: قد رأيتك تطوف حول الكعبة و عليك برطلة، لا تلبسها حول الكعبة فإنها من زي اليهود».
و رواه الصدوق
____________
(1) ج 4 ص 427 و الوسائل الباب 67 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 134 و الوسائل الباب 67 من الطواف.
243
(قدس سره) أيضا (1).
أقول: أما ما ذكره ابن إدريس (قدس سره) من التحريم في طواف العمرة للعلة التي ذكروها فهي لا تختص بالبرطلة، و النهي عن لبسها قد ظهر وجهه من هذا الخبر الأخير. و هو مشعر بالكراهة. و ظاهر الخبر المذكور كراهة لبسها مطلقا، حيث علل ذلك بكونها من زي اليهود. و أظهر منه
صحيحة هشام بن الحكم أو حسنته المروية في الكافي (2) عن ابي عبد الله (عليه السلام) «انه كره لباس البرطلة».
المسألة الحادية عشرة [المريض يطاف به إن أمكن]
- المريض لا يسقط عنه الطواف بل يطاف به ان أمكن و الا طيف عنه.
و يدل على الحكم الأول
ما رواه في الكافي (3) عن الربيع بن خيثم قال: «شهدت أبا عبد الله (عليه السلام) و هو يطاف به حول الكعبة في محمل و هو شديد المرض، فكان كلما بلغ الركن اليماني أمرهم فوضعوه على الأرض فأدخل يده في كوة المحمل حتى يجرها على الأرض، ثم يقول:
ارفعوني. فلما فعل ذلك مرارا في كل شوط قلت له: جعلت فداك يا ابن رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان هذا يشق عليك. فقال: اني سمعت الله (عز و جل) يقول لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ (4) فقلت: منافع
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 255 و الوسائل الباب 67 من الطواف.
(2) الفروع ج 2 ص 213 و الوسائل الباب 42 من لباس المصلي و 31 من أحكام الملابس.
(3) ج 4 ص 422 و التهذيب ج 5 ص 122 و الوسائل الباب 47 من الطواف الرقم 8. لاحظ التعليقة في الوسائل الحديثة.
(4) سورة الحج الآية 28.
244
الدنيا أو منافع الآخرة؟ فقال: الكل».
و روى في من لا يحضره الفقيه (1) عن ابي بصير «ان أبا عبد الله (عليه السلام) مرض فأمر غلمانه ان يحملوه و يطوفوا به، فأمرهم أن يخطوا برجله الأرض حتى تمس الأرض قدماه في الطواف».
و روى في التهذيب (2) في الصحيح عن صفوان بن يحيى قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل المريض يقدم مكة، فلا يستطيع ان يطوف بالبيت و لا يأتي بين الصفا و المروة. قال: يطاف به محمولا يخطو الأرض برجليه حتى تمس الأرض قدميه في الطواف، ثم يوقف به في أصل الصفا و المروة إذا كان معتلا».
و عن حريز في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«سألته عن الرجل يطاف به و يرمى عنه؟ قال: فقال: نعم إذا كان لا يستطيع».
و يدل على الحكم الثاني
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «المبطون و الكسير يطاف عنهما و يرمى عنهما».
و في الصحيح عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «المريض المغلوب و المغمى عليه يرمى عنه و يطاف عنه».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (6)
____________
(1) ج 2 ص 251 و الوسائل الباب 47 من الطواف.
(2) ج 5 ص 123 و الوسائل الباب 47 من الطواف.
(3) التهذيب ج 5 ص 123 و الوسائل الباب 47 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 49 من الطواف.
(5) الوسائل الباب 49 من الطواف.
(6) الكافي ج 4 ص 422 و الوسائل الباب 49 من الطواف الرقم 3.
245
قال: «المبطون و الكسير يطاف عنهما و يرمى عنهما الجمار».
و عن حبيب الخثعمي في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان يطاف عن المبطون و الكسير».
و عن يونس بن عبد الرحمن البجليّ (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام)- أو كتبت اليه- عن سعيد بن يسار انه سقط من جمله فلا يستمسك بطنه أطوف عنه و أسعى؟ قال: لا و لكن دعه فإن بريء قضى هو و إلا فاقض أنت عنه».
و بالجملة فالطواف عنه دائر مدار عدم إمكان الطواف به بعد التربص لبرؤه ان لم يضق الوقت عن ذلك، و عدم إمكان الطواف به اما لكونه لا يستمسك طهارته أو كونه مغلوبا عليه أو نحو ذلك.
و لا يجوز الطواف عن الغير بغير علة مع حضوره. و يدل عليه
ما رواه في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن إسماعيل بن عبد الخالق قال:
«كنت الى جنب ابي عبد الله (عليه السلام) و عنده ابنه عبد الله و ابنه الذي يليه، فقال له رجل: أصلحك الله يطوف الرجل عن الرجل و هو مقيم بمكة ليس به علة؟ فقال: لا لو كان ذلك يجوز لأمرت ابني فلانا فطاف عني. سمى الأصغر و هما يسمعان».
المسألة الثانية عشرة [نذر الطواف على أربع]
- قال الشيخ (قدس سره): من نذر ان يطوف على اربع كان عليه ان يطوف طوافين: أسبوعا ليديه و أسبوعا لرجليه. و قال ابن إدريس: لا ينعقد هذا النذر. و قال في الشرائع بعد نقل القولين
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 124 و الوسائل الباب 49 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 124 و الوسائل الباب 45 من الطواف.
(3) ج 4 ص 422 و 423 و الوسائل الباب 51 من الطواف.
246
المذكورين و ربما قيل بالأول إذا كان الناذر امرأة اقتصارا على مورد النقل. و قال في المنتهى: الذي ينبغي الاعتماد عليه بطلان النذر في حق الرجل و التوقف في حق المرأة، فإن صح سند الخبرين قيل بموجبهما و الا بطل كالرجل.
احتج الشيخ (قدس سره)
بما رواه عن السكوني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة نذرت ان تطوف على اربع. قال: تطوف أسبوعا ليديها و أسبوعا لرجليها».
و عن ابي الجهم عن ابي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) (2) انه قال «في امرأة نذرت ان تطوف على اربع. قال: تطوف أسبوعا ليديها و أسبوعا لرجليها».
احتج ابن إدريس و من اقتفاه من المتأخرين بأن النذر المذكور غير منعقد لكونه غير مشروع، و من شرط انعقاد النذر ان يكون مشروعا قبل النذر، و بموجب ذلك يجب الحكم ببطلانه و المتأخرون العاملون بهذا الاصطلاح المحدث، لما كان النذر كما ذكره ابن إدريس و الخبران ضعيفان باصطلاحهم- فلا يصلحان لتخصيص القاعدة المذكورة- اطرحوهما. و اما من لا يرى العمل بالاصطلاح المذكور فإنه يخصص القاعدة المذكورة بهما و هو المختار، كما خصصت بالإحرام قبل الميقات لمن نذره، للأخبار الواردة
____________
(1) الكافي ج 4 ص 430 و التهذيب ج 5 ص 135 و الفقيه ج 2 ص 308 و الوسائل الباب 70 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 429 و التهذيب ج 5 ص 135 و الوسائل الباب 70 من الطواف.
247
بذلك (1) فكذا هنا للخبرين المذكورين. نعم تلك الأخبار الواردة بالإحرام قبل الميقات فيها ما هو صحيح باصطلاحهم دون هذه، و لذا قال بذلك الأكثر منهم، و ابن إدريس أيضا ثمة كما تقدم ذكره في موضعه.
قال في الدروس: لو عجز إلا عن المشي على الأربع فالأشبه فعله، و يمكن ترجيح الركوب لثبوت التعبد به اختيارا، قال في المدارك بعد نقله عنه: و لا ريب في ترجيح الركوب و ان لم يثبت التعبد به اختيارا، لتعينه في حق المعذور قطعا.
أقول: ما ذكره جيد، الا انه يحتمل بناء على العمل بالروايتين المذكورتين الاجتزاء بالطواف على اربع، لدلالتهما على انعقاد نذره، غاية الأمر انه مع القدرة على المشي أوجب عليه طوافين ماشيا: أحدهما ليديه و الآخر لرجليه، ففيهما دلالة على مشروعية الطواف على اربع مع تعذر المشي في الجملة. و الاحتياط في الجمع بين الطواف على اربع و الطواف راكبا. و الله العالم.
المسألة الثالثة عشرة [طواف المحرم بالمحرم يجزئ للحامل و المحمول]
- الظاهر انه لا خلاف في انه لو حمل محرم محرما فطاف به و نوى كل منهما الطواف أجزأ.
و على ذلك تدل جملة من الأخبار: منها:
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن و الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في المرأة تطوف بالصبي و تسعى به، هل يجزئ ذلك عنها و عن الصبي؟ فقال: نعم».
____________
(1) الوسائل الباب 13 من المواقيت.
(2) الكافي ج 4 ص 429 و التهذيب ج 5 ص 125 و الوسائل الباب 5 من الطواف.
248
و ما رواه في التهذيب (1) في الصحيح عن الهيثم بن عروة التميمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: اني حملت امرأتي ثم طفت بها و كانت مريضة، و قلت له: اني طفت بها بالبيت في طواف الفريضة و بالصفا و المروة و احتسبت بذلك لنفسي فهل يجزئني؟ قال: نعم».
و عن محمد بن الهيثم التميمي عن أبيه (2) قال: «حججت بامرأتي و كانت قد أقعدت بضع عشرة سنة، قال: فلما كان في الليل وضعتها في شق محمل و حملتها انا بجانب المحمل و الخادم بالجانب الآخر، قال: فطفت بها طواف الفريضة و بين الصفا و المروة، و اعتددت به انا لنفسي، ثم لقيت أبا عبد الله (عليه السلام) فوصفت له ما صنعته، فقال: قد أجزأ عنك».
و ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن هيثم التميمي (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل كانت معه صاحبة لا تستطيع القيام على رجلها فحملها زوجها في محمل فطاف بها طواف الفريضة بالبيت و بالصفا و المروة، أ يجزئه ذلك الطواف عن نفسه طوافه بها؟ فقال: ايها الله إذا».
قال في الوافي بعد نقل هذا الخبر: هذه الكلمة وجدت في الكافي و الفقيه بهذه الصورة، و لعل الصواب في كتابتها «اي ها الله ذا» و المراد: نعم و الله يجزئه هذا. قال في الصحاح: «ها» للتنبيه و قد يقسم بها كما يقال:
«لا ها الله ما فعلت» معناه «لا و الله» أبدلت الهاء من الواو، و ان شئت حذفت الألف التي بعد الهاء و ان شئت أثبت، و قولهم: «لا ها الله ذا» أصله
____________
(1) ج 5 ص 125 و الوسائل الباب 50 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 298 و الوسائل الباب 50 من الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 428 و الفقيه ج 2 ص 254 و الوسائل الباب 50 من الطواف.
249
«لا و الله هذا» ففرقت بين «ها» و «ذا» و جعلت الاسم بينهما و جررته بحرف التنبيه، و التقدير «لا و الله ما فعلت هذا» فحذف و اختصر لكثرة استعمالهم هذا في كلامهم، و قدم «ها» كما قدم في قولهم «ها هو ذا و ها انا ذا» و قال الرضي: و يفصل بين اسم الإشارة و بين «ها» بالقسم نحو «ها الله ذا» قال: و يجب جر لفظة «الله» لنيابة «ها» عن الجار.
و قال في القاموس: «ها» للتنبيه، و تدخل على اسم الله في القسم عند حذف الحرف يقال «ها الله» بقطع الهمزة و وصلها و كلاهما مع إثبات ألفها و حذفها. قيل: و يحتمل ان يكون «ايها» كلمة واحدة، قال في الغريبين: «ايها» تصديق و ارتضاء كأنه قال: صدقت. أقول: و يشكل حينئذ تصحيح ما بعدها، و الظاهر ان وصلها تصحيف. و كذلك «إذا» في مكان «ذا» و ربما يوجد في بعض النسخ «اذن» بالنون و يمكن تصحيحها بأن «إذن» هو «إذ» الظرفية و التنوين فيه عوض عن المضاف اليه، فيصير المعنى هكذا: نعم و الله يجزئه إذا كان كذا. و بهذا تصحح «إذا» أيضا. و الاخبار الآتية كلها تعطى الاجزاء انتهى. و انما أطلنا بنقله لما يتضمنه من التنبيه على فائدة لطيفة.
المسألة الرابعة عشرة [التعويل على الغير في إحصاء عدد الطواف]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه لا بأس بأن يعول الرجل على غيره في إحصاء عدد الطواف.
و يدل على ذلك
ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن سعيد الأعرج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطواف أ يكتفى الرجل بإحصاء صاحبه؟ فقال: نعم».
و روى الصدوق (قدس سره) بإسناده عن ابن مسكان عن الهذيل عن ابي عبد الله
____________
(1) الكافي ج 4 ص 427 و التهذيب ج 5 ص 134 و الفقيه ج 2 ص 255 و الوسائل الباب 66 من الطواف.
250
(عليه السلام) (1) «في الرجل يتكل على عدد صاحبته في الطواف أ يجزئه عنهما و عن الصبي؟ فقال: نعم، الا ترى أنك تأتم بالإمام إذا صليت خلفه، فهو مثله» قال في الوافي: «عنهما» بدل من البارز في «يجزئه» و انما أبدل عنه ليعطف عليه «و عن الصبي».
و لو اختلفوا انفرد كل واحد بحكم نفسه. و يدل على ذلك
ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن صفوان (2) قال: «سألته عن ثلاثة دخلوا في الطواف فقال واحد منهم لصاحبه: تحفظوا الطواف. فلما ظنوا انهم قد فرغوا قال واحد: معي سبعة أشواط و قال الآخر: معي ستة أشواط. و قال الثالث: معي خمسة أشواط. قال: ان شكوا كلهم فليستأنفوا، و ان لم يشكوا و علم كل واحد ما في يده فليبنوا».
و معناه ان ما يذكره كل واحد منهم من العدد الذي معه، ان كان عن يقين منه بنى عليه و صح طوافه ان كان ما في يده تمام العدد الواجب و الا أتمه، و ان كان عن شك أعاد.
و قد تقدمت جملة من الأحكام المتعلقة بالطواف في المقدمات من الباب الأول فلا وجه لإعادتها.
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 254 و 255 و الوسائل الباب 66 من الطواف، و الوافي باب (الاتكال على الغير في الطواف).
(2) الكافي ج 4 ص 429 و التهذيب ج 5 ص 134 و 469 و الوسائل الباب 66 من الطواف و الوافي باب (الاتكال على الغير في الطواف) و لم يرد في الفقيه.
251
خاتمة تشتمل على جملة من نوادر الطواف:
روى المشايخ الثلاثة «عطر الله تعالى مراقدهم» في الصحيح عن معاوية ابن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «يستحب ان تطوف ثلاثمائة و ستين أسبوعا عدد أيام السنة، فان لم تستطع فثلاثمائة و ستين شوطا، فان لم تستطع فما قدرت عليه من الطواف».
و مقتضى استحباب ثلاثمائة و ستين شوطا ان يكون الطواف الأخير عشرة أشواط. و قد قطع الأصحاب (رضوان الله عليهم) هنا بعدم الكراهة، لظاهر النص المذكور. و نقل العلامة في المختلف عن ابن زهرة انه يستحب زيادة أربعة أشواط ليصير الأخير طوافا كاملا، حذرا من كراهة القران، و ليوافق عدد أيام السنة الشمسية. و نفى عنه البأس في المختلف، و لا ريب في حصول البأس فيه، لخروجه عن مقتضى الخبر المذكور على ان القران المختلف في كراهته و تحريمه انما هو الإتيان بأسبوع كامل مع الطواف الأول- كما دلت عليه الاخبار المذكورة ثمة- لا مجرد زيادة شوط أو شوطين مثلا.
و في كتاب الفقه الرضوي (2): و يستحب ان يطوف الرجل بمقامه بمكة ثلاثمائة و ستين أسبوعا بعدد أيام السنة، فان لم يقدر عليه طاف ثلاثمائة و ستين شوطا.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 429 و التهذيب ج 5 ص 135 و 471 و الفقيه ج 2 ص 255 و الوسائل الباب 7 من الطواف.
(2) ص 27.
252
و روى الشيخ في التهذيب (1) عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «يستحب ان يطاف بالبيت عدد أيام السنة، كل أسبوع لسبعة أيام فذلك اثنان و خمسون أسبوعا».
أقول: ظاهر هذا الخبر لا يخلو من الإشكال لأنه بمقتضى ما تقدم من ان عدد السنة ثلاثمائة و ستون يوما فمتى طاف لكل يوم شوطا يكون عدد الأسابيع أحدا و خمسين أسبوعا و زيادة ثلاثة أشواط. اللهم الا ان يحمل على ما ذكروه من عدد السنة الشمسية كما تقدم، فيصير مؤيدا لما نقل عن ابن زهرة. و لا يخلو من بعد.
و روى في الكافي (2) عن علي بن ميمون الصائغ قال: «قدم رجل على علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: قدمت حاجا؟ فقال: نعم.
فقال: أ تدري ما للحاج؟ قال: لا. قال: من قدم حاجا و طاف بالبيت و صلى ركعتين كتب الله له سبعين ألف حسنة، و محا عنه سبعين ألف سيئة و رفع له سبعين ألف درجة، و شفعه في سبعين ألف حاجة، و كتب له عتق سبعين ألف رقبة قيمة كل رقبة عشرة آلاف درهم».
و رواه في من لا يحضره الفقيه (3) مرسلا عنه (عليه السلام).
و روى في التهذيب عن ابان بن تغلب عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث انه قال: «يا لبان هل تدري ما ثواب من طاف بهذا البيت أسبوعا؟ فقلت: لا و الله ما ادري. قال: يكتب له ستة آلاف حسنة، و تمحى
____________
(1) ج 5 ص 471 و الوسائل الباب 7 من الطواف.
(2) ج 4 ص 411 و الوسائل الباب 4 من الطواف.
(3) ج 2 ص 133 و 134 و الوسائل الباب 4 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 4 من الطواف.
253
عنه ستة آلاف سيئة، و ترفع له ستة آلاف درجة» قال: و روى إسحاق ابن عمار: و تقضى له ستة آلاف حاجة.
و روى في الكافي في الموثق عن إسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان ابي يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعا و صلى ركعتين في أي جوانب المسجد شاء كتب الله له ستة آلاف حسنة، و محا عنه ستة آلاف سيئة، و رفع له ستة آلاف درجة، و قضى له ستة آلاف حاجة، فما عجل منها فبرحمة الله و ما أخر منها فشوقا إلى دعائه».
و روى في الكافي و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من اقام بمكة سنة فالطواف أفضل له من الصلاة، و من اقام سنتين خلط من ذا و من ذا، و من اقام ثلاث سنين كانت الصلاة أفضل له من الطواف».
و رواه في التهذيب (3) في الصحيح عن حفص بن البختري و حماد و هشام بن الحكم عنه (عليه السلام).
و روى في الكافي (4) في الصحيح أو الحسن عن حريز عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «الطواف لغير أهل مكة أفضل من الصلاة، و الصلاة لأهل مكة أفضل».
و روى في التهذيب (5) في الصحيح عن حريز قال: «سألت
____________
(1) الوسائل الباب 4 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 9 من الطواف.
(3) ج 5 ص 447 و الوسائل الباب 9 من الطواف.
(4) ج 4 ص 412 و الوسائل الباب 9 من الطواف. راجع التعليقة في الوسائل الحديثة.
(5) ج 5 ص 446 و الوسائل الباب 9 من الطواف.
254
أبا عبد الله (عليه السلام) عن الطواف لغير أهل مكة ممن جاور بها أفضل أو الصلاة؟ فقال: الطواف للمجاورين أفضل، و الصلاة لأهل مكة و القاطنين بها أفضل من الطواف».
أقول: و يمكن ان يستنبط من حديث هشام المتقدم بمعونة هذين الخبرين المذكورين بعده ان حكم المجاور انما ينتقل الى أهل مكة و يصير حكمه حكمهم في السنة الثالثة. و قد تقدم اختلاف الاخبار في ذلك.
و روى في الكافي (1) عن ابن القداح عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «طواف قبل الحج أفضل من سبعين طوافا بعد الحج».
أقول: الظاهر ان المراد الطواف في عشر ذي الحجة قبل الحج كما ينبه عليه الخبر الآتي.
و عن ابن ابي عمير عن بعض أصحابه (2) قال: «طواف في العشر أفضل من سبعين طوافا في الحج».
أقول: و ذلك لما لهذه العشرة عند الله (عز و جل) من الفضل و المزية.
و روى في الكافي و من لا يحضره الفقيه (3) قال: «سأل أبان أبا عبد الله (عليه السلام): أ كان لرسول الله (صلى الله عليه و آله) طواف يعرف به؟
فقال: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يطوف بالليل و النهار عشرة أسابيع: ثلاثة أول الليل و ثلاثة آخر الليل و اثنين إذا أصبح و اثنين بعد الظهر، و كان في ما بين ذلك راحته».
و عن حماد بن عيسى عن من أخبره عن العبد الصالح (عليه السلام) (4)
____________
(1) ج 4 ص 412 و الوسائل الباب 10 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 8 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 6 من الطواف.
(4) الكافي ج 4 ص 412 و الوسائل الباب 5 من الطواف.
255
قال: «دخلت عليه يوما و انا أريد أن أسأله عن مسائل كثيرة، فلما رأيته عظم علي كلامه، فقلت له: ناولني يدك أو رجلك اقبلها. الخبر».
و قد تقدم في الفصل الثاني من المقام الثاني في كيفية الطواف (1).
و عن زياد القندي (2) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام):
جعلت فداك إني أكون في المسجد الحرام و انظر الى الناس يطوفون بالبيت و انا قاعد فاغتم لذلك. فقال: يا زياد لا عليك، فان المؤمن إذا خرج من بيته يؤم الحج لا يزال في طواف و سعي حتى يرجع».
أقول: لعل الرجل المذكور كان له عذر عن الطواف فيغتم لذلك فسلاه (عليه السلام) بما ذكره.
و روى في الكافي و من لا يحضره الفقيه مرسلا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «دع الطواف و أنت تشتهيه».
و روى في الكافي عن رفاعة (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يطوف بالبيت و يسعى أ يتطوع بالطواف قبل ان يقصر؟ قال: ما يعجبني».
و روى في التهذيب عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «لا يطوف المعتمر بالبيت بعد طواف الفريضة حتى يقصر».
و في الكافي عن ابي بصير (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) من وصل أبا أو ذا
____________
(1) ص 124 و 125.
(2) الكافي ج 4 ص 428 و الوسائل الباب 38 من وجوب الحج و شرائطه.
(3) الوسائل الباب 46 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 83 من الطواف.
(5) الوسائل الباب 83 من الطواف و الباب 9 من التقصير.
(6) الوسائل الباب 18 من النيابة في الحج و الباب 51 من الطواف.
256
قرابة له فطاف عنه كان له اجره كاملا، و للذي طاف عنه مثل اجره، و يفضل هو بصلته إياه بطواف آخر.».
و في الكافي عن الحسن بن صالح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث عطاء قال: كان طول سفينة نوح الف و مأتي ذراع و عرضها ثمانمائة ذراع و طولها في السماء مأتي ذراع، و طافت بالبيت و سعت بين الصفا و المروة سبعة أشواط ثم استوت على الجودي».
البحث الثالث في السعي
و الكلام في مقدماته و كيفيته و أحكامه يقتضي بسطه في مطالب ثلاثة:
[المطلب] الأول- في المقدمات
و هي عشرة، و كلها مندوبة منها
الطهارة
، و استحبابها هو الأشهر الأظهر، و أسنده في المنتهى الى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، بل قال: و هو قول عامة أهل العلم. و نقل عن ابن ابي عقيل انه قال:
لا يجوز الطواف و السعي بين الصفا و المروة إلا بطهارة.
و يدل على القول المشهور أصالة البراءة من ما لم يقم على وجوبه دليل.
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا بأس ان تقضى المناسك كلها على غير وضوء إلا الطواف، فان فيه صلاة، و الوضوء أفضل على كل حال».
____________
(1) الوسائل الباب 1 من الطواف.
(2) التهذيب ج 5 ص 154 و الاستبصار ج 2 ص 241 و الفقيه ج 2 ص 250 و الوسائل الباب 5 من الوضوء و الباب 38 من الطواف و الباب 15 من السعي.
257
و في الصحيح عن رفاعة بن موسى (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
أشهد شيئا من المناسك و انا على غير وضوء؟ قال: نعم الا الطواف بالبيت، فان فيه صلاة».
و عن زيد الشحام عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يسعى بين الصفا و المروة على غير وضوء. فقال: لا بأس».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة طافت بالبيت ثم حاضت قبل ان تسعى. قال: تسعى.
قال: و سالته عن امرأة طافت بين الصفا و المروة فحاضت بينهما. قال: تتم سعيها».
و ما رواه الصدوق (قدس سره) في الحسن عن صفوان عن يحيى الأزرق (4) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): الرجل يسعى بين الصفا و المروة ثلاثة أشواط أو أربعة ثم يبول، أ يتم سعيه بغير وضوء؟ قال: لا بأس، و لو أتم نسكه بوضوء كان أحب الي».
و يدل على ما ذهب اليه ابن ابي عقيل
ما رواه الكليني (قدس سره) في الموثق عن ابن فضال (5) قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام):
لا تطوف و لا تسعى الا على وضوء».
____________
(1) الوسائل الباب 15 من السعي.
(2) الوسائل الباب 15 من السعي.
(3) الوسائل الباب 89 من الطواف و الباب 15 من السعي.
(4) الفقيه ج 2 ص 250 و الكافي ج 4 ص 438 و التهذيب ج 5 ص 154 و الوسائل الباب 15 من السعي.
(5) الكافي ج 4 ص 438 و التهذيب ج 5 ص 154 و الوسائل الباب 15 من السعي.
258
و عن الحلبي في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة تطوف بين الصفا و المروة و هي حائض. قال: لا ان الله (عز و جل) يقول إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ» (2).
و روى علي بن جعفر في كتابه عن أخيه (عليه السلام) (3) قال:
«سألته عن الرجل يصلح أن يقتضي شيئا من المناسك و هو على غير وضوء قال: لا يصلح الا على وضوء».
و الجواب: الحمل على الاستحباب كما تضمنته جملة من الاخبار المتقدمة.
و منها-
استلام الحجر، و الشرب من زمزم، و الصب على الجسد من مائها
من الدلو المقابل للحجر.
و يدل على هذه الجملة جملة من الاخبار: منها-
صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا فرغت من الركعتين فات الحجر الأسود فقبله و استلمه أو أشر إليه، فإنه لا بد من ذلك. و قال:
ان قدرت ان تشرب من ماء زمزم قبل ان تخرج الى الصفا فافعل. و تقول حين تشرب: اللهم اجعله علما نافعا و رزقا واسعا و شفاء من كل داء و سقم. قال: و بلغنا ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال حين نظر الى زمزم: لولا أن أشق على أمتي لأخذت منه ذنوبا أو ذنوبين».
____________
(1) الوسائل الباب 87 من الطواف و الباب 15 من السعي. راجع التعليقة في الوسائل الحديثة.
(2) سورة البقرة الآية 158.
(3) الوسائل الباب 15 من السعي.
(4) الوسائل الباب 2 من السعي.
259
قال في الوافي (1): الذنوب بفتح المعجمة: الدلو الملأى ماء، و المراد بأخذها أما استعمالها جميعا في الشرب و الصب أو استصحابها معه الى بلده.
و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«إذا فرغ الرجل من طوافه و صلى ركعتين، فليأت زمزم و ليستق منها ذنوبا أو ذنوبين، و ليشرب منه، و ليصب على رأسه و ظهره و بطنه، و يقول: اللهم اجعله علما نافعا و رزقا واسعا و شفاء من كل داء و سقم. ثم يعود الى الحجر الأسود».
و روى الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن ابن ابي عمير عن حفص بن البختري عن ابي الحسن (عليه السلام) و ابن ابي عمير عن حماد عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «يستحب ان تستقي من ماء زمزم دلوا أو دلوين فتشرب منه و تصب على رأسك و جسدك، و ليكن ذلك من الدلو الذي بحذاء الحجر».
و منها-
الخروج الى الصفا من الباب المقابل للحجر على سكينة و وقار
. و يدل عليه
ما رواه في الكافي (4) في الصحيح عن صفوان بن يحيى عن عبد الحميد بن سعيد قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن باب الصفا، قلت: ان أصحابنا قد اختلفوا فيه، بعضهم يقول الذي يلي
____________
(1) باب (استلام الحجر و الشرب من زمزم).
(2) الكافي ج 4 ص 430 و التهذيب ج 5 ص 144 و الوسائل الباب 2 من السعي.
(3) التهذيب ج 5 ص 145 و الوسائل الباب 2 من السعي.
(4) ج 4 ص 432 و الوسائل الباب 3 من السعي.
260
السقاية، و بعضهم يقول الذي يلي الحجر. فقال: هو الذي يلي الحجر، و الذي يلي السقاية محدث صنعه داود أو فتحه داود».
و رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن صفوان (1).
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حين فرغ من طوافه و ركعتيه قال:
ابدأوا بما بدأ الله (عز و جل) به من إتيان الصفا، ان الله (عز و جل) يقول إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ (3) قال أبو عبد الله (عليه السلام):
ثم اخرج الى الصفا من الباب الذي خرج منه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو الباب الذي يقابل الحجر الأسود حتى تقطع الوادي و عليك السكينة و الوقار. الحديث».
قال في المدارك: و اعلم ان الباب الذي خرج منه رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد صار الآن في داخل المسجد باعتبار توسعته. لكن قال الشهيد (قدس سره) في الدروس: انه معلم بأسطوانتين معروفتين فليخرج من بينهما. قال و الظاهر استحباب الخروج من الباب الموازي لهما. انتهى. و نحو ذلك قال في المسالك.
و منها-
استحباب الصعود على الصفا حتى يرى البيت
، و استقبال الركن الذي فيه الحجر، و الدعاء بالمأثور، و التكبير و التهليل و التحميد و التسبيح
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 256 و التهذيب ج 5 ص 145 و الوسائل الباب 3 من السعي.
(2) الكافي ج 4 ص 431 و التهذيب ج 5 ص 145 و 146 و الوسائل الباب 3 و 6 و 4 من السعي.
(3) سورة البقرة الآية 158.
261
مائة مائة، و الوقوف بقدر قراءة سورة البقرة.
و يدل على ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: «فاصعد على الصفا حتى تنظر الى البيت و تستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود، فاحمد الله (عز و جل) و أثن عليه، ثم اذكر من الآية و بلائه و حسن ما صنع إليك ما قدرت على ذكره، ثم كبر الله (تعالى) سبعا و احمده سبعا، و هلله سبعا، و قل:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت، و هو حي لا يموت و هو على كل شيء قدير (ثلاث مرات)، ثم صل على النبي (صلى الله عليه و آله) و قل: الله أكبر الحمد لله على ما هدانا، و الحمد لله على ما أولانا، و الحمد لله الحي القيوم و الحمد لله الحي الدائم (ثلاث مرات)، و قل: اشهد ان لا إله إلا الله، و اشهد ان محمدا عبده و رسوله، لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين و لو كره المشركون (ثلاث مرات) اللهم إني أسألك العفو و العافية و اليقين في الدنيا و الآخرة (ثلاث مرات) اللهم آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ (ثلاث مرات) ثم كبر الله مائة مرة، و هلله مائة مرة، و احمده مائة مرة، و سبحه مائة مرة، و تقول: لا إله إلا الله وحده أنجز وعده و نصر عبده و غلب الأحزاب وحده، فلن الملك و له الحمد وحده وحده، اللهم بارك لي في الموت و في ما بعد الموت، اللهم إني أعوذ بك من ظلمة القبر و وحشته، اللهم أظلني في ظل عرشك يوم لا ظل الا ظلك.
و أكثر من ان تستودع ربك دينك و نفسك و أهلك. ثم تقول: استودع الله
____________
(1) الكافي ج 4 ص 431 و التهذيب ج 5 ص 145 و 146 و الوسائل الباب 3 و 6 و 4 من السعي.
262
الرحمن الرحيم الذي لا تضيع ودائعه ديني و نفسي و أهلي، اللهم استعملني على كتابك و سنة نبيك (صلى الله عليه و آله) و توفني على ملته و أعذني من الفتنة. ثم تكبر ثلاثا ثم تعيدها مرتين ثم تكبر واحدة ثم تعيدها، فان لم تستطع هذا فبعضه. و قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يقف على الصفا بقدر ما يقرأ سورة البقرة مترسلا».
قال في المدارك: و الظاهر ان المراد بقوله: «فاصعد على الصفا حتى تنظر الى البيت و تستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود فاحمد الله.» الأمر بالصعود و النظر الى البيت و استقبال الركن لا الصعود الى ان يرى البيت لأن رؤية البيت لا تتوقف على الصعود،
و لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن النساء يطفن على الإبل و الدواب أ يجزئهن ان يقفن تحت الصفا و المروة؟ فقال: نعم بحيث يرين البيت».
و بما ذكرناه افتى الشيخ في النهاية، فقال: إذا صعد على الصفا نظر الى البيت و استقبل الركن الذي فيه الحجر و حمد الله (تعالى). و ذكر الشارح ان المستحب الصعود على الصفا بحيث يرى البيت، و ان ذلك يحصل بالدرجة الرابعة. و هو غير واضح. انتهى.
أقول: و يؤيد ما ذكره (قدس سره) من استحباب رؤية البيت و النظر إليه مرفوعة علي بن النعمان الآتية:
و روى في الكافي (2) عن علي بن النعمان يرفعه قال: «كان
____________
(1) الوسائل الباب 17 من السعي.
(2) ج 4 ص 432 و التهذيب ج 5 ص 147 و الوسائل الباب 4 من السعي.
263
أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا صعد الصفا استقبل الكعبة ثم رفع يديه ثم يقول: اللهم اغفر لي كل ذنب أذنبته قط، فان عدت فعد علي بالمغفرة فإنك أنت الغفور الرحيم، اللهم افعل بي ما أنت أهله، فإنك ان تفعل بي ما أنت أهله ترحمني، و ان تعذبني فأنت غني عن عذابي و انا محتاج الى رحمتك، فيا من انا محتاج الى رحمته ارحمني، اللهم لا تفعل بي ما أنا أهله فإنك ان تفعل بي ما أنا أهله تعذبني و لن تظلمني، أصبحت اتقي عدلك و لا أخاف جورك، فيا من هو عدل لا يجور ارحمني».
قال في الوافي (1) بعد نقل هذا الخبر: قال في القاموس: قط تختص بالنفي ماضيا و العامة تقول: «لا افعله قط» و هو لحن، و في مواضع من البخاري جاء بعد المثبت: منها- في صلاة الكسوف (2) «أطول صلاة صليتها قط» و أثبته ابن مالك في الشواهد لغة، قال: و هي من ما خفي على كثير من النحاة أقول: فلأمير المؤمنين (عليه السلام) أسوة بالنبي (صلى الله عليه و آله) في استعمالها بعد المثبت، و هما أفصح الناس (صلوات الله عليهما) (3).
و الظاهر انه لو لم يتمكن من الإطالة و الإتيان بالموظف اتى بما يتيسر له
____________
(1) باب (الخروج الى الصفا و الوقوف عليه).
(2) اللفظ في القاموس كما حكاه في الوافي، و في البخاري باب (الذكر في الكسوف) ج 2 ص 46 و 47 هكذا: «خسفت الشمس فقام النبي (ص) فزعا يخشى ان تكون الساعة فاتى المسجد فصلى بأطول قيام و ركوع و سجود رأيته قط يفعله» و في عبارة القاموس الاستشهاد بما رواه أبو داود في السنن- ج 1 ص 41 مع حاشية عون المعبود-: «توضأ ثلاثا قط».
(3) انتهى كلام صاحب الوافي.
264
و يدل على ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح عن جميل (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل من دعاء موقت أقوله على الصفا و المروة؟
فقال: تقول إذا صعدت على الصفا: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت، و هو على كل شيء قدير. ثلاث مرات».
و عن محمد بن عمر بن يزيد عن بعض أصحابه (2) قال: «كنت وراء ابي الحسن موسى (عليه السلام) على الصفا أو على المروة و هو لا يزيد على حرفين: اللهم إني أسألك حسن الظن بك على كل حال و صدق النية في التوكل عليك».
و عن ابي الجارود عن ابي جعفر (عليه السلام) (3) قال: «ليس على الصفا شيء موقت».
و قد روى ان طول الوقوف على الصفا يوجب زيادة المال،
رواه في الكافي عن الحسن بن علي بن الوليد رفعه عن ابي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من أراد ان يكثر ماله فليطل الوقوف على الصفا و المروة».
و روى في التهذيب عن حماد المنقري (5) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام):
ان أردت أن يكثر مالك فأكثر الوقوف على الصفا».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 432 و الوسائل الباب 5 من السعي.
(2) الكافي ج 4 ص 433 و التهذيب ج 5 ص 148 و الوسائل الباب 5 من السعي.
(3) الوسائل الباب 5 من السعي.
(4) الوسائل الباب 5 من السعي.
(5) الوسائل الباب 5 من السعي.
265
المطلب الثاني في الكيفية
و هي تشتمل على الواجب و المستحب،
[الواجب من الكيفية]
فالواجب أربعة:
أحدها- النية
، و الأمر فيها عندنا سهل. قالوا: و يجب ان تكون مقارنة للحركة.
و لا يجب الصعود على الصفا إجماعا كما نقله في التذكرة، و في المنتهى انه قول أكثر أهل العلم كافة (1) الا من شذ ممن لا يعتد به. و الظاهر انه أشار به الى بعض العامة. و علله في التذكرة بأن السعي بين الصفا و المروة يتحقق بدون ذلك، بان يلصق عقبيه بالصفا فإذا عاد ألصق أصابعه بموضع العقب. و يدل على ما ذكره صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة (2) المتضمنة لطواف النساء على الدواب و انه يجزئهن ان يقفن تحت الصفا و المروة.
و قال الشهيد (قدس سره) في الدروس: ان الاحتياط الترقي إلى الدرج و تكفي الرابعة. قال في المدارك: و لا ريب في أولوية ما ذكره خصوصا مع استحضار النية الى ان يتجاوز الدرج.
أقول: المفهوم من الاخبار ان الأمر أوسع من ذلك، فإن السعي على الإبل الذي دلت عليه الاخبار، و ان النبي (صلى الله عليه و آله) كان يسعى على ناقته (3) لا يتفق فيه هذا التضييق من جعل عقبه ملصقة بالصفا في
____________
(1) المغني ج 3 ص 404 طبع مطبعة المنار.
(2) ص 262.
(3) الوسائل الباب 81 من الطواف و الباب 16 من السعي. و اللفظ:
«طاف على راحلته. و سعى عليها بين الصفا و المروة».
266
الابتداء و أصابعه يلصقها بالصفا موضع العقب بعد العود فضلا عن ركوب الدرج، بل يكفى فيه الأمر العرفي، فإنه يصدق بالقرب من الصفا و المروة و ان كان بدون هذا الوجه الذي ذكروه. و قوله في المدارك: «خصوصا مع استحضار النية الى ان يتجاوز الدرج» من ما ينبه على ان مرادهم بالنية انما هو الحديث النفسي و التصوير الفكري كما تقدم تحقيقه، و بينا انه ليس هو النية حقيقة.
و
ثانيها و ثالثها- البدأة بالصفا و الختم بالمروة
، و هو قول كافة أهل العلم من الخاصة و العامة (1) و النصوص به مستفيضة (2) و ستأتي جملة منها في الباب، و منها-
قوله (عليه السلام) في موثقة معاوية بن عمار (3): «تبدأ بالصفا و تختم بالمروة ثم قصر. الحديث».
و منها-
صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (4) المتضمنة ان النبي (صلى الله عليه و آله) قال حين فرغ من طوافه و ركعتيه: ابدأوا بما بدأ الله به من إتيان الصفا. الحديث.
و يدل على ذلك الأخبار الدالة على ان من بدأ بالمروة أعاد عامدا كان أو ناسيا أو جاهلا (5) و ما ذلك الا لعدم إتيانه بالمأمور به على وجهه.
و من الاخبار في ذلك
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن
____________
(1) المغني ج 3 ص 406 طبع مطبعة المنار.
(2) الوسائل الباب 6 و 10 من السعي.
(3) الوسائل الباب 6 من السعي.
(4) ص 260.
(5) الوسائل الباب 10 من السعي.
267
معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من بدأ بالمروة قبل الصفا فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا قبل المروة».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و ان بدأ بالمروة فليطرح ما سعى و يبدأ بالصفا».
و عن علي بن أبي حمزة (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا. قال: يعيد، الا ترى انه لو بدأ بشماله قبل يمينه في الوضوء. أراد ان يعيد الوضوء».
و عن علي الصائغ (4) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر عن رجل بدأ بالمروة قبل الصفا. قال: يعيد، الا ترى انه لو بدأ بشماله قبل يمينه كان عليه ان يبدأ بيمينه ثم يعيد على شماله».
و
رابعها- ان يسعى سبعا
يحسب ذهابه شوطا و عوده آخر، و هو قول علمائنا اجمع كما ذكره في المنتهى، بل قول كافة أهل العلم الا من شذ منهم كما نقله في المنتهى.
و عليه تدل الأخبار، و منها-
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (5) انه قال:
____________
(1) الوسائل الباب 10 من السعي.
(2) الوسائل الباب 10 من السعي.
(3) الوسائل الباب 10 من السعي. و في التعليقة (2) في الكافي ج 4 ص 426 قوله: «أراد ان يعيد الوضوء» من كلام الراوي.
(4) الوسائل الباب 10 من السعي.
(5) الكافي ج 4 ص 434 و 435 و التهذيب ج 5 ص 148 و الوسائل الباب 6 من السعي.
268
«و طف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا و تختم بالمروة».
و ما رواه في الصحيح عن هشام بن سالم (1) قال: «سعيت بين الصفا و المروة انا و عبيد الله بن راشد، فقلت له: تحفظ علي. فجعل يعد ذاهبا و جائيا شوطا واحدا فبلغ مثل ذلك، فقلت له: كيف تعد؟ قال:
ذاهبا و جائيا شوطا واحدا. فأتممنا أربعة عشر شوطا، فذكرنا ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: قد زادوا على ما عليهم ليس عليهم شيء».
و يجب في السعي الذهاب في الطريق المعهود، فلو اقتحم المسجد الحرام ثم خرج من باب آخر لم يجزئ. قال في الدروس: و كذا لو سلك سوق الليل قالوا: و من الواجبات ايضا استقبال المطلوب بوجهه، فلو مشى القهقرى لم يجزئ لأنه خلاف المعهود. و هو جيد.
و انها ها شيخنا الشهيد في الدروس إلى عشرة، و هو الستة المذكورة هنا، و المقارنة لوقوفه على الصفا في أي جزء منه، و وقوعه بعد الطواف، فلو وقع قبله بطل مطلقا الا طواف النساء و عند الضرورة، و إكمال الشوط و هو من الصفا إلى المروة، فلو نقص من المسافة شيء بطل و ان قل، و عدم الزيادة على السبعة، فلو زاد عمدا بطل، و لو كان ناسيا تخير بين القطع و إكمال أسبوعين، و الموالاة المعتبرة في الطواف عند المفيد و سلار و الحلبي، و ظاهر الأكثر و الاخبار البناء مطلقا. و ظاهر كلامه عد البدأة بالصفا و الختم بالمروة واحدا لا اثنين كما ذكرناه، فلا يتوهم المنافاة في ما نقلناه عنه.
[المستحب من الكيفية]
و اما ما يستحب فيه فأربعة ايضا
أحدها- ان يكون ماشيا
فلو سعى راكبا جاز.
____________
(1) الوسائل الباب 11 من السعي.
269
و يدل عليه صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة قريبا (1) و ما رواه
ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «قلت له:
المرأة تسعى بين الصفا و المروة على دابة أو على بعير؟ فقال: لا بأس بذلك قال: و سالته عن الرجل يفعل ذلك. قال: لا بأس به، و المشي أفضل».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «سالته عن السعي بين الصفا و المروة على الدابة. قال: نعم، و على المحمل».
و عن حجاج الخشاب (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يسأل زرارة فقال: اسعيت بين الصفا و المروة؟ فقال: نعم. قال:
و ضعفت؟ قال: لا و الله لقد قويت. قال: فان خشيت الضعف فاركب فإنه أقوى لك على الدعاء».
و يستفاد من هذا الخبر أفضلية الركوب مع الضعف بالمشي عن الدعاء و ان كان مكروها بدون ذلك، كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار، فلا منافاة بين الخبرين.
و روى الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن محمد بن مسلم (5).
قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: حدثني ابي ان رسول الله
____________
(1) ص 262.
(2) الفقيه ج 2 ص 257 و التهذيب ج 5 ص 155 و الوسائل الباب 16 من السعي.
(3) الوسائل الباب 16 من السعي.
(4) الوسائل الباب 16 من السعي.
(5) الوسائل الباب 16 من السعي.
270
(صلى الله عليه و آله) طاف على راحلته و استلم الحجر بمحجنه، و سعى عليها بين الصفا و المروة».
و
ثانيها و ثالثها و رابعها- المشي طرفيه، و الهرولة ما بين المنارة و زقاق العطارين و الدعاء حالته
. و يدل على ذلك
ما رواه الكليني (قدس سره) في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «انحدر من الصفا ماشيا إلى المروة و عليك السكينة و الوقار حتى تأتي المنارة و هي طرف المسعى، فاسع ملء فروجك، و قل: بسم الله و الله أكبر، و صلى الله على محمد و أهل بيته، اللهم اغفر و ارحم و تجاوز عن ما تعلم و أنت الأعز الأكرم. حتى تبلغ المنارة الأخرى، فإذا جاوزتها فقل: يا ذا المن و الفضل و الكرم و النعماء و الجود و الوقار حتى تأتي المروة، فاصعد عليها حتى يبدو لك البيت، و اصنع عليها كما صنعت على الصفا و طف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا و تختم بالمروة».
قوله (عليه السلام): «فاسع ملء فروجك» جمع فرج و هو ما بين الرجلين، يقال للفرس: ملأ فرجه و فروجه إذا عدا و أسرع، و منه سمى فرج الرجل و المرأة، لأنه ما بين الرجلين.
و روى الشيخ (قده) في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ثم انحدر ماشيا و عليك السكينة و الوقار حتى تأتي المنارة- و هي
____________
(1) الكافي ج 4 ص 434 و 435 و الوسائل الباب 6 من السعي.
(2) التهذيب ج 5 ص 148 و الوسائل الباب 6 من السعي.
271
طرف المسعى- فاسع ملء فروجك، و قل: بسم الله و الله أكبر، و صلى الله على محمد و آله، و قل: اللهم اغفر و ارحم و اعف عن ما تعلم انك أنت الأعز الأكرم. حتى تبلغ المنارة الأخرى. قال: و كان المسعى أوسع من ما هو اليوم و لكن الناس ضيقوه. ثم امش و عليك السكينة و الوقار حتى تأتي المروة، فاصعد عليها حتى يبدو لك البيت فاصنع عليها كما صنعت على الصفا. ثم طف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا و تختم بالمروة. ثم قص من رأسك. الحديث».
و سيأتي تمامه ان شاء الله تعالى.
و روى في الكافي و التهذيب في الموثق عن سماعة (1) قال: «سالته عن السعي بين الصفا و المروة. قال: إذا انتهيت الى الدار التي على يمينك عند أول الوادي فاسع حتى تنتهي إلى أول زقاق عن يمينك بعد ما تجاوز الوادي إلى المروة، فإذا انتهيت اليه فكف عن السعي و امش مشيا، و إذا جئت من عند المروة فابدأ من عند الزقاق الذي وصفت لك، فإذا انتهيت الى الباب الذي من قبل الصفا بعد ما تجاوز الوادي فاكفف عن السعي و امش مشيا و انما السعي على الرجال و ليس على النساء سعي».
أقول: المراد بالسعي الهرولة و هو الإسراع في السير دون العدو و هو المشار إليه في الخبرين المتقدمين بقوله: «فاسع ملء فروجك».
و روى في الكافي (2) عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)
____________
(1) الكافي ج 4 ص 434 و التهذيب ج 5 ص 148 و الوسائل الباب 6 من السعي.
(2) الكافي ج 4 ص 434 و التهذيب ج 5 ص 149 و الوسائل الباب 6 من السعي. راجع التعاليق في التهذيب الطبع الحديث.
272
قال: «كان ابي يسعى بين الصفا و المروة ما بين باب ابن عباد الى ان يرفع قدميه من المسيل لا يبلغ زقاق آل ابي حسين».
و عن علي بن أسباط عن مولى لأبي عبد الله (عليه السلام) من أهل المدينة (1) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يبتدئ بالسعي من دار القاضي المخزومي و يمضى كما هو الى زقاق العطارين».
فروع
الأول [ترك الرمل حال السعي]
- قال الشيخ (قدس سره): لو نسي الرمل حال السعي حتى يجوز موضعه و ذكر، فليرجع القهقرى الى المكان الذي يرمل فيه.
أقول: و يدل عليه
ما رواه الشيخ و الصدوق مرسلا عن ابي عبد الله و ابي الحسن (عليهما السلام) (2) انهما قالا: «من سها عن السعي حتى يصير من السعي على بعضه أو كله ثم ذكر، فلا يصرف وجهه منصرفا و لكن يرجع القهقرى الى المكان الذي يجب فيه السعي».
و لو تركه اختيارا فلا شيء عليه، و يدل عليه
ما رواه في الكافي عن سعيد الأعرج في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ترك شيئا من الرمل في سعيه بين الصفا و المروة. قال: لا شيء عليه».
____________
(1) الوسائل الباب 6 من السعي.
(2) الفقيه ج 2 ص 308 و التهذيب ج 5 ص 453 و الوسائل الباب 9 من السعي.
(3) الوسائل الباب 9 من السعي.
273
الثاني [الجلوس أثناء السعي للراحة]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجوز الجلوس في أثناء السعي للراحة.
و عليه تدل
صحيحة الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يطوف بين الصفا و المروة أ يستريح؟ قال: نعم ان شاء جلس على الصفا و المروة و بينهما فيجلس».
و صحيحة علي بن رئاب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعيي في الطواف، إله أن يستريح؟ قال: نعم يستريح ثم يقوم فيبني على طوافه، في فريضة أو غيرها. و يفعل ذلك في سعيه و جميع مناسكه».
و نقل عن الحلبيين انهما منعا من الجلوس بين الصفا و المروة إلا مع الإعياء و الجهد.
و يدل على ما ذكراه
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن ابي عبد الله عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا يجلس بين الصفا و المروة الا من جهد».
قال في المدارك- بعد ان استدل للقول المشهور بالروايتين و أورد هذه الرواية دليلا لهما- ما لفظه: و الجواب بالحمل على الكراهة جمعا بين الأدلة. انتهى.
أقول: اما صحيحة علي بن رئاب المذكورة فإنها ان لم تدل على ما ذكراه فلا تدل على خلافه، لأن السؤال وقع فيها عن الرجل يعيي في الطواف
____________
(1) الفروع ج 4 ص 437 و التهذيب ج 5 ص 156 و الوسائل الباب 20 من السعي.
(2) الوسائل الباب 46 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 20 من السعي.
274
أو السعي، و هذه هي الصورة التي جوزا فيها الاستراحة. و أما صحيحة الحلبي فهي مطلقة يمكن تقييد إطلاقها بهاتين الصحيحتين الظاهرتين في مذهبهما و بالجملة فمذهبهما لا يخلو من قوة، لما عرفت. و الاحتياط يقتضي ترك الاستراحة إلا مع الإعياء و الجهد. و الله العالم.
الثالث [ليس على النساء رمل]
- قال في المنتهى: ليس على النساء رمل، و لا صعود على الصفا و لا على المروة، لأن في ذلك ضررا عليهن من حيث مزاحمة الرجال.
و لأن ترك ذلك كله استر لهن فكان اولى من فعله.
أقول: لا يخفى ما في هذه التعليلات العليلة من عدم الصلوح لتأسيس الأحكام الشرعية، و لا يخفى أن مزاحمة الرجال في الطواف أعظم و الأولى في الاستدلال على عدم استحباب الرمل لهن ما تقدم
في موثقة سماعة من قوله (عليه السلام): «و انما السعي على الرجال و ليس على النساء سعي».
فإن السعي في الخبر المذكور كما عرفت عبارة عن الرمل،
و في رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال:
«ليس على النساء سعي بين الصفا و المروة، يعني: الهرولة».
و في رواية فضالة بن أيوب عن من حدثه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2): «ان الله وضع عن النساء أربعا. و عد منهن السعي بين الصفا و المروة».
و روى الصدوق (قدس سره) مرسلا (3) قال: «قال الصادق (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 18 من الطواف و الباب 21 من السعي.
(2) الوسائل الباب 38 من الإحرام و الباب 21 من السعي.
(3) الوسائل الباب 21 من السعي. راجع الحديث 5 من الباب 41 من مقدمات الطواف و تعليقته في الوسائل الحديثة.
275
ليس على النساء أذان. الى ان قال: و لا الهرولة بين الصفا و المروة».
الى غير ذلك من الأخبار.
و اما الصعود على الصفا فالأخبار الواردة به و ان كان موردها الرجال كسائر الأحكام الا انه لا يظهر منها الاختصاص بهم ليكون ذلك ساقطا عن النساء.
الرابع [استحباب تحريك الدابة]
- لو سعى راكبا استحب له ان يحرك دابته شيئا. و يدل عليه
صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«ليس على الراكب سعى و لكن ليسرع شيئا».
(المطلب الثالث) في الأحكام
و فيه مسائل:
المسألة الأولى [حكم ترك السعي عامدا و ناسيا]
- السعي ركن فمن تركه عامدا بطل حجه، و هو مجمع عليه بين علمائنا كما حكاه في التذكرة و المنتهى. و يدل عليه جملة من الاخبار:
فأما ما يدل على وجوبه و فرضه فهو
ما رواه في الكافي (2) في الحسن عن الحسن بن علي الصيرفي عن بعض أصحابنا قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن السعي بين الصفا و المروة فريضة أو سنة؟ فقال:
فريضة. قلت: أو ليس إنما قال الله (عز و جل):
____________
(1) الوسائل الباب 17 من السعي.
(2) ج 4 ص 435 و التهذيب ج 5 ص 149 و الوسائل الباب 1 من السعي.
276
فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا (1) قال: كان ذلك في عمرة القضاء، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) شرط عليهم ان يرفعوا الأصنام عن الصفا و المروة، فتشاغل رجل و ترك السعي حتى انقضت الأيام و أعيدت الأصنام فجاءوا اليه فقالوا:
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان فلانا لم يسع بين الصفا و المروة و قد أعيدت الأصنام، فأنزل الله (عز و جل) فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا (2) اي: و عليهما الأصنام».
قال في الوافي (3): بيان: يعني: شرط على المشركين ان يرفعوا أصنامهم التي كانت على الصفا و المروة حتى تنقضي أيام المناسك ثم يعيدوها فتشاغل رجل من المسلمين عن السعي ففاته السعي حتى انقضت الأيام و أعيدت الأصنام فزعم المسلمون عدم جواز السعي حال كون الأصنام على الصفا و المروة.
و عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال: «السعي بين الصفا و المروة فريضة».
و روى الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن زرارة و محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) في حديث قصر الصلاة «قال (عليه السلام): أو ليس قال الله (عز و جل):
____________
(1) سورة البقرة الآية 158.
(2) سورة البقرة الآية 158.
(3) باب (السعي بين الصفا و المروة).
(4) الوسائل الباب 1 من السعي.
(5) الفقيه ج 1 ص 278 و 279 و الوسائل الباب 1 من السعي.
277
إِنَّ الصَّفٰا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلٰا جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا (1) الا ترون ان الطواف بهما واجب مفروض، لأن الله (عز و جل) قد ذكره في كتابه و صنعه نبيه (صلى الله عليه و آله)».
و اما ما يدل على بطلان الحج بتركه عمدا فهو
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل ترك السعي متعمدا؟ قال: عليه الحج من قابل».
و في الصحيح ايضا عنه (3) قال: «قال أبو عبد الله: (عليه السلام) من ترك السعي متعمدا فعليه الحج من قابل».
و عنه أيضا في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث انه قال «في رجل ترك السعي متعمدا؟ قال: لا حج له».
و إطلاق النص و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في الوجوب و الابطال بين كون السعي في الحج أو العمرة.
هذا في ما لو تركه عامدا، اما لو كان ناسيا وجب عليه الإتيان به بعد الذكر فان خرج عاد اليه و ان تعذر استناب فيه.
اما وجوب الإتيان به بعد الذكر و العود اليه مع الإمكان فظاهر، لتوقف الامتثال و الخروج عن عهدة الخطاب عليه.
و يدل عليه ايضا
ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «قلت: فرجل نسي السعي بين الصفا و المروة؟ قال: يعيد السعي. قلت: فاته ذلك حتى خرج؟
____________
(1) سورة البقرة الآية 158.
(2) الوسائل الباب 7 من السعي.
(3) الوسائل الباب 7 من السعي.
(4) الوسائل الباب 7 من السعي.
(5) الكافي ج 4 ص 484 و الوسائل الباب 8 من السعي.
278
قال: يرجع فيعيد السعي، ان هذا ليس كرمي الجمار ان الرمي سنة و السعي بين الصفا و المروة فريضة».
و رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار ايضا (1) و زاد في آخره: «و قال في رجل ترك السعي متعمدا؟ قال: لا حج له».
و اما الاستنابة فيه
فلما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب عن الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة حتى يرجع الى أهله. فقال: يطاف عنه».
و الرواية و ان كانت مطلقة الا ان طريق الجمع بينها و بين صحيحة معاوية المتقدمة حمل تلك على إمكان الرجوع و هذه على تعذره.
و مثل هذه الرواية أيضا
ما رواه الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «سالته عن رجل نسي أن يطوف بين الصفا و المروة. قال: يطاف عنه».
المسألة الثانية [حكم من زاد في السعي عامدا أو ساهيا]
- المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه لا يجوز في السعي الزيادة على السبعة متعمدا فلو زاد كذلك بطل طوافه.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن صفوان عن عبد الله بن محمد عن أبي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصلاة فإذا زدت عليها فعليك الإعادة
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 150 و الوسائل الباب 8 و الباب 7 من السعي الرقم 3.
(2) الوسائل الباب 8 من السعي.
(3) الوسائل الباب 8 من السعي عن الفقيه و التهذيب.
(4) الوسائل الباب 12 من السعي.
279
و كذا السعي».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «ان طاف الرجل بين الصفا و المروة تسعة أشواط فليسع على واحد و ليطرح ثمانية، و ان طاف بين الصفا و المروة ثمانية أشواط فليطرحها و ليستأنف السعي. الحديث».
أقول: و فقه هذا الحديث انه إذا طاف تسعة عامدا- كما هو المفروض- فقد بطلت السبعة بالزيادة عليها شوطا ثامنا، و الشوط الثامن لا يمكن ان يعتد به لبدء سعي جديد، لأن ابتداءه يكون من المروة فيبطل ايضا، و اما التاسع فهو لخروجه عن الأشواط الباطلة و كون مبدأه من الصفا يمكن ان يعتد به و يبنى عليه سعيا جديدا، و لهذا قال: «فليسع على واحد و ليطرح ثمانية»، و ان طاف ثمانية خاصة فقد عرفت الوجه في بطلان الجميع، فلهذا أمر في آخر الخبر بان يطرحها و يستأنف. فالخبر- كما ترى- ظاهر الدلالة في الإبطال بالزيادة على السبعة، و هو صحيح السند.
و بذلك يظهر ما في كلام السيد السند (قدس سره) في المدارك، حيث انه لم يورد دليلا على الحكم المذكور إلا رواية عبد الله بن محمد المذكورة و اعترضها بأنها ضعيفة السند باشتراك الراوي بين الثقة و غيره.
و يمكن دفعه (أولا) بأن الراوي عنه و هو صفوان ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و السند الى صفوان صحيح، فيكون الحديث صحيحا و ان ضعف المروي عنه. و (ثانيا) بان ضعفها مجبور بعمل الأصحاب (رضوان الله عليهم) بها، إذ لا مخالف في الحكم كما اعترف به في صدر
____________
(1) الوسائل الباب 12 من السعي.
280
كلامه، فقال بعد نقل عبارة المصنف الدالة على الإبطال بالزيادة عمدا:
هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم). هذا مع تسليم العمل بهذا الاصطلاح و قطع النظر عن الصحيحة التي أوردناها، و الا فلا يبقى للتردد مجال في المقام.
هذا مع كون الزيادة عمدا اما لو كانت سهوا فقد ذكر الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يتخير بين إلغاء الزائد و الاعتبار بالسبعة و بين إكمال أسبوعين فيكون الثاني مستحبا.
اما الأول فيدل عليه
ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن عبد الرحمن ابن الحجاج عن أبي إبراهيم (عليه السلام) (1) «عن رجل سعى بين الصفا و المروة ثمانية أشواط، ما عليه؟ فقال: ان كان خطأ طرح واحدا و اعتد بسبعة».
قال في الفقيه (2): و في رواية محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «يضيف إليها ستة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن جميل بن دراج (3) قال:
«حججنا و نحن صرورة فسعينا بين الصفا و المروة أربعة عشر شوطا، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: لا بأس سبعة لك و سبعة تطرح».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 436 و الفقيه ج 2 ص 257 و التهذيب ج 5 ص 152 و 472 و الوسائل الباب 13 من السعي.
(2) ج 2 ص 257 و الوسائل الباب 13 من السعي.
(3) الوسائل الباب 13 من السعي.
281
و عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من طاف بين الصفا و المروة خمسة عشر شوطا طرح ثمانية و اعتد بسبعة. و ان بدأ بالمروة فليطرح و ليبدأ بالصفا».
و مثلهما صحيحة هشام بن سالم المتقدمة (2) في أول هذا المطلب.
و اما الثاني فتدل عليه
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «ان في كتاب علي (عليه السلام): إذا طاف الرجل بالبيت ثمانية أشواط الفريضة فاستيقن ثمانية أضاف إليها ستا. و كذا إذا استيقن انه سعى ثمانية أضاف إليها ستا».
أقول: و الظاهر ان هذه الرواية هي التي أشار إليها في الفقيه، و ظاهره- بناء على قاعدته المذكورة في صدر كتابه- القول بالتخيير كما هو المذكور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) حيث لم يتعرض للطعن في إحدى الروايتين.
الا ان صحيحة محمد بن مسلم المذكورة لا تخلو من اشكال (أما أولا) فلأن السعي ليس مثل الطواف و الصلاة عبادة برأسها تقع مستحبة و واجبة ليكون الثاني نافلة، فإنا لم نقف في غير هذا الخبر على ما يدل على وقوعه مستحبا، قال في المدارك: و لا يشرع استحباب السعي إلا هنا، و لا يشرع ابتداء مطلقا. و (اما ثانيا) فمع تسليم وقوعه مستحبا فان اللازم من الطواف ثمانية كون الابتداء بالثامن من المروة فكيف يجوز ان يعتد به
____________
(1) الوسائل الباب 13 و 10 من السعي.
(2) ص 268.
(3) الوسائل الباب 34 من الطواف و الباب 13 من السعي.
282
و يبنى عليه سعيا مستأنفا، مع اتفاق الاخبار و كلمة الأصحاب على وجوب الابتداء في السعي من الصفا و انه لو بدأ من المروة وجب عليه الإعادة عامدا كان أو ساهيا كما تقدم.
و بالجملة فالظاهر بناء على ما ذكرناه هو العمل بالأخبار الأولة من طرح الزائد و الاعتداد بالسبعة الأولة، و اما العمل بهذا الخبر فمشكل كما عرفت و العجب من السيد السند (قدس سره) في المدارك حيث لم يتنبه لذلك و جمد على موافقة الأصحاب (رضوان الله عليهم) في هذا الباب.
ثم ان الظاهر من رواية جميل ان الجاهل كالناسي في هذا الحكم، لظهورها في جهلهم بالحكم يومئذ.
تنبيهات
الأول [الشك في بعض جوانب السعي]
- قالوا: لو تيقن عدد الأشواط و شك في ما به بدأ، فإن كان في المزدوج على الصفا فقد صح سعيه لأنه بدأ به، و ان كان على المروة أعاد و ينعكس الحكم بانعكاس الفرض. و المراد بانعكاس الفرض و الحكم انه ان كان في الفرد على الصفا أعاد لأنه يقتضي ابتداءه بالمروة، و ان كان على المروة صح سعيه لأنه يقتضي ابتداءه بالصفا و الظاهر ان الشك هنا انما هو باعتبار الدخول في أول الأمر و الا فبعد ظهور كون العدد زوجا و هو على الصفا يحصل العلم بالابتداء بالصفا. و كذا في صورة العكس.
الثاني [لو لم يحصر عدد طوافه]
- قال في المنتهى: لو لم يحصر عدد طوافه اعاده، لأنه غير متيقن لعدد فلا يأمن الزيادة و النقصان. و المراد انه إذا شك على وجه لا يحصل
283
له عدد يبنى عليه فلا ريب في وجوب الإعادة.
و يدل على ذلك قوله
في صحيحة سعيد بن يسار الآتية في الباب ان شاء الله تعالى (1) قال: «و ان لم يكن حفظ انه سعى ستة فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط».
قيل: و يستثني من ذلك ما لو شك بين الإكمال و الزيادة على وجه لا ينافي البدأة بالصفا- كما لو شك بين السبعة و التسعة و هو على المروة- فإنه لا يعيد لتحقق الإكمال، و أصالة عدم الزيادة. و لو كان على الصفا أعاد
الثالث [هل يجب إلصاق العقب و الأصابع بالصفا و المروة؟]
- قال في المنتهى: و يجب ان يطوف بينهما سبعة أشواط و يلصق عقبه بالصفا و يبدأ به ان لم يصعد عليه، و يمشي إلى المروة و يلصق أصابعه بها ثم يبتدئ بها و يلصق عقبه بها، و يرجع الى الصفا و يلصق أصابعه بها هكذا سبعا، فلو نقص و لو خطوة واحدة وجب عليه الإتيان بها، فان رجع الى بلده وجب عليه العود مع المكنة و إكمال السعي، لأن الموالاة لا تجب فيه. و لا نعلم فيه خلافا. و نحوه في التذكرة أيضا.
أقول: ما ذكره- من وجوب إلصاق العقب و الأصابع في كل شوط بكل من الصفا و المروة- لا ريب انه الأحوط، و فهم الوجوب من الأدلة لا يخلو من خفاء سيما مع جواز السعي على الإبل و الدواب كما أشرنا إليه آنفا. و ما ذكره من انه لو نقص عن السبعة وجب عليه الإتمام فلا ريب فيه. و يدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة سعيد بن يسار (2) المشار إليها آنفا:
«فان كان يحفظ انه قد سعى ستة أشواط فليعد و ليتم
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 153 و الوسائل الباب 14 من السعي.
(2) التهذيب ج 5 ص 153 و الوسائل الباب 14 من السعي.
284
شوطا».
و نحوها رواية عبد الله بن مسكان الآتية ان شاء الله تعالى (1)
و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2): فان سعى الرجل أقل من سبعة أشواط ثم رجع الى أهله، فعليه ان يرجع فيسعى تمامه و ليس عليه شيء، و ان كان لم يعلم ما نقص فعليه ان يسعى سبعا».
و اما ما ذكره من عدم وجوب الموالاة فيه فقد تقدم في كلام الدروس ما يدل على قول الشيخ المفيد و سلار و أبي الصلاح بوجوب الموالاة فيه. و سيأتي ما ينبه عليه ايضا ان شاء الله تعالى.
المسألة الثالثة [تذكر المتمتع نقص السعي بعد الإحلال]
- لو كان متمتعا بالعمرة و ظن أنه أتم سعيه فأحل و واقع النساء ثم ذكر ما نقص، كان عليه إتمام ما نقص بلا خلاف و لا اشكال و عليه بقرة. و كذا لو قلم أظفاره أو قص شعره، و الأصل في هذه المسألة
ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب عن عبد الله بن مسكان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة ستة أشواط و هو يظن أنها سبعة فذكر بعد ما أحل و واقع النساء انه انما طاف ستة أشواط. فقال: عليه بقرة يذبحها و يطوف شوطا
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 153 و الوسائل الباب 14 من السعي.
(2) التهذيب ج 5 ص 153 الرقم 503 و الوافي باب (ترك السعي و السهو فيه) و لم يروه في الوسائل في الباب 14 من السعي و لا في غيره و الظاهر ان ذلك لاعتبار كونه من كلام الشيخ على خلاف صاحب الوافي حيث اعتبره من تتمة الحديث الى قوله: «فعليه ان يسعى سبعا».
(3) التهذيب ج 5 ص 153 و الوسائل الباب 14 من السعي.
285
آخر».
و رواه الصدوق (قدس سره) مرسلا (1).
و عن سعيد بن يسار في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل متمتع سعى بين الصفا و المروة ستة أشواط ثم رجع الى منزله و هو يرى انه قد فرغ منه، و قلم أظافيره و أحل، ثم ذكر انه سعى ستة أشواط؟ فقال لي: يحفظ انه سعى ستة أشواط؟ فإن كان يحفظ انه قد سعى ستة أشواط فليعد و ليتم شوطا و ليرق دما. فقلت:
دم ما ذا؟ قال: بقرة. قال: و ان لم يكن حفظ انه سعى ستة، فليعد فليبتدئ السعي حتى يكمل سبعة أشواط، ثم ليرق دم بقرة».
و في كتاب الفقه الرضوي (3): و ان سعيت ستة أشواط و قصرت، ثم ذكرت بعد ذلك انك سعيت ستة أشواط، فعليك ان تسعى شوطا آخر و ان جامعت أهلك و قصرت سعيت شوطا آخر و عليك دم بقرة.
و قال في المسالك بعد نقل رواية سعيد المذكورة: و في معناها رواية معاوية ابن عمار عنه (عليه السلام) و زاد «قصر» (4) و لم أقف بعد التتبع على رواية معاوية بن عمار بهذا المعنى (5) و لا نقلها ناقل غيره (قدس سره).
____________
(1) الوسائل الباب 14 من السعي.
(2) التهذيب ج 5 ص 153 و الوسائل الباب 14 من السعي.
(3) ص 28.
(4) هذا نهاية كلام صاحب المسالك.
(5) من المحتمل ان مراد صاحب المسالك برواية معاوية بن عمار هي التي تقدمت في كلام المصنف و قدمنا انها محل الخلاف بين الوافي و الوسائل في انها من كلام الشيخ أو من تتمة الحديث، مع اعتبار الباقي الذي لم يحكه في الوافي جزء من الحديث ايضا لا من كلام الشيخ. راجع التهذيب ج 5 ص 153 الرقم 503.
286
و جملة من المتأخرين قد طعنوا في هذين الخبرين المنقولين في كلامهم بمخالفة الأصول و القواعد المقررة من وجوه: أحدها- وجوب الكفارة على الناسي، و هو في غير الصيد مخالف لغيرهما من النصوص و الفتاوى. و ثانيها- وجوب البقرة في تقليم الأظفار، و الواجب شاة في مجموعها. و ثالثها- وجوب البقرة بالجماع، و الواجب به مع العمد بدنة، و لا شيء مع النسيان. و رابعها- مساواة الجماع في الكفارة بقلم الأظفار، و الحال انهما مفترقان في الحكم في غير هذه المسألة. و لأجل هذه المخالفات نقل عن بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) حمل الخبرين على الاستحباب.
و بعضهم فرق بين الظان و الناسي، فأسقط الكفارة عن الناسي و جعل مورد هذه المسألة الظن كما صرح به في الرواية الأولى. و أكثر الأصحاب تلقوهما بالقبول مطلقا، و هو الحق الحقيق بالاتباع. فان رد الرواية سيما إذا كانت صحيحة السند بهذه الأشياء مجرد استبعاد، و لا سيما ما يدعونه من عدم الكفارة على الناسي فإنه على إطلاقه محل المنع، فان ذلك سيما في باب الحج انما ورد بالنسبة إلى الجاهل و لكنهم ألحقوا الناسي به. و المفهوم من بعض اخبار وجوب الإعادة بالصلاة في النجاسة ناسيا ان وجوب الإعادة عليه انما وقع عقوبة لتقصيره في نسيانه و عدم تذكره (1).
قال في المسالك بعد ذكر نحو ذلك: و يمكن توجيه هذه الاخبار بان الناسي و ان كان معذورا لكن هنا قد قصر حيث لم يلحظ النقص، فان من قطع السعي على ستة أشواط يكون قد ختم بالصفا، و هو واضح الفساد
____________
(1) الوسائل الباب 42 من النجاسات.
287
فلم يعذر بخلاف الناسي غيره فإنه معذور. لكن يبقى ان المصنف فرض المسألة في من فعل ذلك قبل إتمام السعي من غير تقييد بالستة، فيشمل ما لو قطع السعي في المروة على خمسة و هو محل العذر. و المسألة موضع اشكال و ان كان ما اختاره المصنف من العمل بظاهر الروايات اولى. انتهى قال في المدارك بعد نقل ذلك عن جده (قدس سره): و ما ذكره من التوجيه جيد بالنسبة إلى الخبرين المتضمنين للحكمين، إذ به يرتفع بعض المخالفات. لكن قد عرفت ان الرواية الأولى ضعيفة، و الرواية الثانية انما تدل على وجوب البقرة بالقلم قبل إكمال السعي إذا قطعه على ستة أشواط في عمرة التمتع، فيمكن القول بوجوبها أخذا بظاهر الأمر، و يمكن حملها على الاستحباب كما اختاره الشيخ في أحد قوليه و ابن إدريس نظرا الى ما ذكر من المخالفة. و المسألة محل تردد. انتهى.
أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) في المدارك تخصيص وجوب البقرة في صحيحة سعيد بالقيود المذكورة اقتصارا في ما خالف القواعد المذكورة على موضع النص. و فيه ان آخر الرواية- و ان كان لم ينقله- صريح أيضا في وجوب البقرة في ما لو لم يحفظ سعيه و جامع و الحال هذه. و هو يشعر بان وجوب هذه الكفارة انما هو من حيث الإحلال قبل الإتيان بالسعي الواجب مطلقا، كما هو المفروض في صدر المسألة و به صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا. و على هذا فلا خصوصية لذكر الستة الا من حيث اتفاق وقوعها في السؤال.
و اما ما نقله عن ابن إدريس من انه حمل هذين الخبرين على الاستحباب فالذي وقفت عليه في كتاب السرائر لا يشعر بشيء من ذلك، فإنه لم يتعرض
288
للخبرين المذكورين و انما قال ما هذا لفظه: و متى سعى الإنسان أقل من سبع مرات ناسيا و انصرف ثم ذكر انه نقص منه شيئا رجع فتمم ما نقص منه، و ان لم يعلم كم نقص منه وجب عليه إعادة السعي، و ان كان قد واقع اهله قبل إتمامه السعي وجب عليه دم بقرة. و كذلك ان قصر أو قلم أظفاره كان عليه دم بقرة و إتمام ما نقص إذا فعل ذلك عامدا. انتهى.
و ظاهره تخصيص وجوب البقرة في الصورة المذكورة بما إذا جامع أو قلم عامدا، و ليس فيه تعرض لذكر من فعل ذلك ظانا الإتمام أو ساهيا كما هو محل المسألة. على ان كلامه (قدس سره) لا يخلو من نظر، فإنه ان استند في ما ذكره الى الروايتين المذكورتين فموردهما- كما عرفت- انما هو من ظن الإتمام، و المتبادر من العامد خلافه، و ليس غيرهما في الباب الا ما قدمنا في مسألة جماع المحرم بعد الموقفين و قبل طواف النساء من النصوص الدالة على وجوب البدنة في الصورة المذكورة (1) و في بعضها بدنة أو بقرة أو شاة باعتبار حال المكلف من سعته و فقره و توسطه بينهما.
و نحوها الأخبار الواردة في من جامع بعد السعي و قبل التقصير (2) و ستأتي في البحث الآتي ان شاء الله تعالى. و القول بوجوب البقرة هنا من ما لا اعرف له وجها و لا عليه دليلا. الا ان ابن فهد في المهذب نقل عن ابن إدريس في المسألة قولين مثل الشيخ، حيث قال بعد ذكر القول المشهور:
هذا قول المفيد واحد قولي الشيخ و القول الآخر للشيخ في باب الكفارات من النهاية من انه لا دم عليه للأصل، و لابن إدريس مثل القولين. أقول:
____________
(1) الوسائل الباب 6 و 7 و 8 و 9 و 10 من كفارات الاستمتاع.
(2) الوسائل الباب 5 من كفارات الاستمتاع.
289
لعله في موضع آخر من سرائره أو في غيره. و ظاهره ان القول الثاني يوافق المشهور.
و بالجملة فالواجب العمل بالروايتين المذكورتين و عدم الالتفات الى هذه الاستبعادات.
و الى ما ذكرناه مال الشيخ ابن فهد في المهذب حيث قال- بعد ذكر نحو ما ذكرناه من الإشكالات التي طعنوا بها على الروايات- ما صورته:
و الحق ترك الاعتراض و اتباع النقل عن أهل البيت (عليهم السلام) لأن قوانين الشرع لا يضبطها العقل. انتهى. و هو جيد. و الله العالم.
المسألة الرابعة [دخول وقت الفريضة حال السعي]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو دخل عليه وقت الفريضة في السعي قطعه و صلى ثم بنى، و كذا لو قطعه لحاجة له أو لغيره. بل قال في التذكرة: لا اعرف فيه خلافا. و كذا في المنتهى. مع انه في المختلف نقل عن الشيخ المفيد و سلار و ابي الصلاح انهم جعلوا ذلك كالطواف في اعتبار مجاوزة النصف. و هو مؤذن باشتراطهم الموالاة فيه.
و الأصح القول المشهور، للأخبار الدالة عليه، و منها-
ما رواه الشيخ و الصدوق (قدس سرهما) في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يدخل في السعي بين الصفا و المروة فيدخل وقت الصلاة، أ يخفف، أو يقطع و يصلي ثم يعود، أو يثبت كما هو على حاله حتى يفرغ؟ قال: لا بل يصلي ثم يعود، أو ليس
____________
(1) الكافي ج 4 ص 438 و الفقيه ج 2 ص 258 و التهذيب ج 5 ص 156 و الوسائل الباب 18 من السعي.
290
عليهما مسجد؟».
و ما رواه في الموثق عن الحسن بن علي بن فضال (1) قال: «سأل محمد بن علي أبا الحسن (عليه السلام) فقال له: سعيت شوطا واحدا ثم طلع الفجر؟ فقال: صل ثم عد فأتم سعيك».
و عن محمد بن الفضيل (2) «انه سأل محمد بن علي الرضا (عليه السلام) فقال له: «سعيت شوطا ثم طلع الفجر قال صل ثم عد فأتم سعيك.».
و عن صفوان في الصحيح عن يحيى بن عبد الرحمن الأزرق (3) قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل في السعي بين الصفا و المروة فيسعى ثلاثة أشواط أو أربعة، ثم يلقاه الصديق له فيدعوه إلى الحاجة أو الى الطعام. قال: ان أجابه فلا بأس».
و زاد في الفقيه (4): «و لكن يقضى حق الله أحب الي من ان يقضى حق صاحبه».
أقول: في هذه الزيادة إشكال لما تقدم في اخبار قطع الطواف لحاجة أخيه المسلم (5) من الدلالة الصريحة على أفضلية السعي في حاجة أخيه على الطواف. و يمكن الجمع بحمل تلك الأخبار على حاجة يضر فوتها بالطواف و هذا الخبر على ما لا يفوت بالتأخير. و اما الحمل على ان أفضلية الإتمام
____________
(1) الوسائل الباب 18 من السعي.
(2) الوسائل الباب 18 من السعي.
(3) الوسائل الباب 19 من السعي.
(4) ج 2 ص 258 و التهذيب ج 5 ص 472 و 473 و الوسائل الباب 19 من السعي.
(5) الوسائل الباب 41 و 42 من الطواف.
291
مخصوص بالسعي فبعيد، لما علم من الأخبار من فضل الطواف على السعي فإذا جاز القطع في الطواف فبالأولى في السعي.
قال في المدارك: و لم يتعرض الأكثر لجواز قطعه اختيارا في غير هاتين الصورتين، لكن مقتضى الإجماع المنقول على عدم وجوب الموالاة فيه الجواز مطلقا و لا ريب ان الاحتياط يقتضي عدم قطعه في غير المواضع المنصوصة.
أقول: لا ريب ان العبادات توقيفية يجب الوقوف في أحكامها زيادة و نقصانا و صحة و بطلانا على ما رسمه الشارع. و عدم الموالاة في السعي إنما استفيدت من هذه الأخبار الواردة بجواز قطعه في هذه الموارد، و هو لا يقتضي جواز القطع مطلقا. على ان ما ذكروه من وجوب الموالاة في الطواف قد عرفت ما فيه و ان أكثر الأخبار المتقدمة ترده و تنافيه. و بالجملة فالواجب الوقوف على موارد النصوص و ما دلت عليه بالعموم و الخصوص.
المسألة الخامسة [تذكر عدم الإتيان بصلاة الطواف حال السعي]
- قد تقدم انه لو ذكر في أثناء السعي نقصانا من طوافه فإنه يرجع و يتم طوافه ثم يبنى على ما سعى و يتم سعيه. و المشهور عندهم التفصيل بتجاوز النصف في طوافه فيعمل كما ذكرناه أو قبله فيعيدهما معا.
اما لو ذكر في أثناء السعي انه لم يصل ركعتي الطواف قطع السعي و اتى بهما ثم أتم سعيه من حيث قطع.
و يدل على ذلك
صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن رجل يطوف بالبيت ثم ينسى ان يصلي الركعتين حتى يسعى بين الصفا و المروة خمسة أشواط أو أقل من ذلك. قال: ينصرف
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 143 و الوسائل الباب 77 من الطواف.
292
حتى يصلي الركعتين ثم يأتي مكانه الذي كان فيه فيتم سعيه».
و صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال «في رجل طاف طواف الفريضة و نسي الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة ثم ذكر. قال: يعلم ذلك المكان ثم يعود فيصلي الركعتين ثم يعود الى مكانه».
و بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) «انه رخص له ان يتم طوافه ثم يرجع فيركع خلف المقام».
قال الصدوق (3) (قدس سره): بأي الخبرين أخذ جاز.
و روى الكليني (قدس سره) في الصحيح أو الحسن عن حماد بن عيسى عن من ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) انه قال: «في رجل طاف طواف الفريضة و نسي الركعتين حتى طاف بين الصفا و المروة. قال: يعلم ذلك الموضع ثم يعود فيصلي الركعتين ثم يعود الى مكانه».
المسألة السادسة [ترتب السعي على الطواف]
- الظاهر انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في وجوب ترتب السعي على الطواف، فلو قدمه عليه وجب إعادتهما لوقوعهما على خلاف الترتيب الشرعي، و يجب إرجاع كل منهما الى محله.
و يدل على ذلك الأخبار المتقدمة (5) في صدر البحث الدالة على انه بعد الفراغ من الطواف و ركعتيه يبادر الى الخروج الى الصفا و المروة.
و اما ما يدل على الابطال مع الإخلال بالترتيب فمنه
ما رواه الشيخ (قده)
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 253 و الوسائل الباب 77 من الطواف.
(2) الفقيه ج 2 ص 253 و الوسائل الباب 77 من الطواف.
(3) الفقيه ج 2 ص 253 و الوسائل الباب 77 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 77 من الطواف.
(5) ص 260 و 261.
293
في الصحيح عن منصور بن حازم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل بدأ بالسعي بين الصفا و المروة. قال: يرجع فيطوف بالبيت ثم يستأنف السعي. قلت: ان ذلك قد فاته؟ قال: عليه دم، الا ترى انك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك ان تعيد على شمالك».
و ما رواه في الكافي عن منصور بن حازم في الصحيح (2) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بين الصفا و المروة قبل ان يطوف بالبيت. قال: يطوف بالبيت ثم يعود الى الصفا و المروة فيطوف بينهما».
و عن إسحاق بن عمار في الموثق (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رجل طاف بالكعبة. الى ان قال: قلت: فإنه بدأ بالصفا و المروة قبل ان يبدأ بالبيت؟ فقال يأتي البيت فيطوف به ثم يستأنف طوافه بين الصفا و المروة. الحديث».
و قد تقدم بتمامه (4).
و كما لا يجوز تقديم السعي على الطواف كذلك لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي في الحج و العمرة المفردة.
و يدل عليه زيادة على الروايات الدالة على ترتيب المناسك و ان مرتبة طواف النساء التأخر عن السعي (5) خصوص
ما رواه في الكافي (6) عن احمد بن محمد عن من ذكره قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام):
____________
(1) الوسائل الباب 63 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 63 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 63 من الطواف.
(4) ص 213 و 223.
(5) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.
(6) الوسائل الباب 65 من الطواف.
294
جعلت فداك متمتع زار البيت فطاف طواف الحج ثم طاف طواف النساء ثم سعى. قال: لا يكون السعي الا من قبل طواف النساء. فقلت:
أ فعليه شيء؟ فقال: لا يكون السعي إلا قبل طواف النساء».
و اما
ما رواه المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) في الموثق عن سماعة بن مهران عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)- (1) قال: «سألته عن رجل طاف طواف الحج و طواف النساء قبل ان يسعى بين الصفا و المروة قال: لا يضره يطوف بين الصفا و المروة، و قد فرغ من حجه».
فقد حمله الشيخ (قدس سره) على الناسي، و لهذا صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان من قدم طواف النساء على السعي ساهيا لم تجب عليه الإعادة. قال في المنتهى: و لا يجوز تقديم طواف النساء على السعي فلو فعل ذلك متعمدا كان عليه اعادة طواف النساء، و ان كان ناسيا لم يكن عليه شيء. ثم استدل بمرسلة أحمد بن محمد المذكورة، ثم نقل موثقة سماعة، و نقل جواب الشيخ (قدس سره) عنهما بما ذكرناه.
و بالجملة فالظاهر ان الحكم لا خلاف و لا اشكال فيه. و الله العالم.
المسألة السابعة [حكم تأخير السعي عن الطواف إلى الغد]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) انه لا يجوز تأخير السعي عن الطواف الى الغد. و قال المحقق (قدس سره):
يجوز تأخيره إلى الغد و لا يجوز عن الغد.
و الأظهر القول المشهور، و يدل عليه
ما رواه المشايخ الثلاثة عن عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن الرجل يقدم
____________
(1) الوسائل الباب 65 من الطواف.
(2) الكافي ج 4 ص 421 و الفقيه ج 2 ص 252 و التهذيب ج 5 ص 128 و 129 الوسائل الباب 60 من الطواف.
295
مكة حاجا و قد اشتد عليه الحر فيطوف بالكعبة و يؤخر السعي الى ان يبرد. فقال: لا بأس به و ربما فعلته» و زاد في التهذيب قال: «و ربما رأيته يؤخر السعي إلى الليل» و قال في من لا يحضره الفقيه: و في حديث آخر «يؤخره إلى الليل».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيا أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة إلى غد؟ قال: لا».
و ما رواه في الكافي عن العلاء بن رزين في الصحيح (2) قال:
«سألته عن رجل طاف بالبيت فأعيا، أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة إلى غد؟ قال: لا».
و رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) مثله (3).
و اما
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن محمد بن مسلم (4) قال:
«سألت أحدهما (عليهما السلام) عن رجل طاف بالبيت فأعيا أ يؤخر الطواف بين الصفا و المروة؟ قال: نعم».
فيجب حمل إطلاقه على ما تقدم في الأخبار من التأخير ساعة أو ساعتين أو للاستراحة إلى الليل.
و اما ما ذهب اليه المحقق فلم نقف له على مستند. الا ان شيخنا الشهيد (قدس سره) في الدروس قال بعد نقل ذلك عن المحقق: و هو مروي.
و لعل الرواية و صلت اليه و لم تصل إلينا.
____________
(1) لم نقف على هذه الرواية في كتب الحديث في مظانها.
(2) الوسائل الباب 60 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 60 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 60 من الطواف.
296
البحث الرابع في التقصير
و فيه مسائل:
الأولى [وجوب التقصير على المعتمر المتمتع]
- لا خلاف في انه يجب على المعتمر المتمتع بعد السعى التقصير و به يحل من كل شيء إلا الصيد لكونه في الحرم، فلو خرج من الحرم حل له.
و من ما يدل على ذلك
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا فرغت من سعيك و أنت متمتع، فقصر من شعرك من جوانبه و لحيتك، و خذ من شاربك، و قلم أظفارك، و أبق منها لحجك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء يحل منه المحرم و أحرمت منه، فطف بالبيت تطوعا ما شئت».
و ما رواه في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2): قال: «و سمعته يقول: طواف المتمتع ان يطوف بالكعبة، و يسعى بين الصفا و المروة، و يقصر من شعره، فإذا فعل ذلك فقد أحل».
و عن عمر بن يزيد عن أبى عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ثم ائت منزلك فقصر من شعرك. و حل لك كل شيء».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 438 و 439 و التهذيب عن الكليني ج 5 ص 157 و الوسائل الباب 1 من التقصير.
(2) التهذيب ج 5 ص 157 و الوسائل الباب 1 من التقصير.
(3) التهذيب ج 5 ص 157 و الوسائل الباب 1 من التقصير.
297
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (1): قال «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) أحل من عمرته و أخذ من أطراف شعره كله على المشط ثم أشار الى شاربه فأخذ منه الحجام، ثم أشار الى أطراف لحيته. فأخذ منه ثم قام».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن و في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج و حفص بن البختري و غيرهما عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في محرم يقصر من بعض و لا يقصر من بعض؟
قال يجزئه».
و عن الحسين بن أسلم (3) قال: «لما أراد أبو جعفر- يعني: ابن الرضا (عليهما السلام)- ان يقصر من شعره للعمرة أراد الحجام أن يأخذ من جوانب الرأس، فقال له: ابدأ بالناصية. فبدأ بها».
و المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجزئ مسمى التقصير.
قال في المنتهى: و ادنى التقصير ان يقص شيئا من شعره و لو كان يسيرا، و أقله ثلاث شعرات لأن الامتثال يحصل به فيكون مجزئا.
و لما رواه الشيخ (قدس سره) في الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «سألته عن متمتع قرض أظفاره و أخذ من
____________
(1) الوسائل الباب 10 من التقصير.
(2) الوسائل الباب 3 من التقصير.
(3) الوسائل الباب 10 من التقصير.
(4) الكافي ج 4 ص 439 و الفقيه ج 2 ص 237 الرقم 6 و التهذيب ج 5 ص 158 و الوسائل الباب 2 من التقصير.
298
شعره بمشقص. قال: لا بأس».
هذا اختيار علمائنا. ثم نقل اختلاف العامة (1).
و قال في الكتاب المذكور: لو قص الشعر بأي شيء كان أجزأه. و كذا لو نتفه أو ازاله بالنورة، لأن القصد الإزالة، و الأمر ورد مطلقا، فيجزئ كل ما يتناوله الإطلاق. و لو قص من أظفاره أجزأ، لأنه نوع من التقصير فيتناوله المطلق فيكون مجزئا. و كذا لو أخذ من شاربه أو حاجبيه أو لحيته أجزأه. انتهى.
أقول: و من ما يدل على ذلك و انه لا يتوقف على الآلة المعهودة بل يكفى كيف اتفق ما تقدم في صحيحة جميل و حفص بن البختري.
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك اني لما قضيت نسكي للعمرة أتيت أهلي و لم اقصر؟ قال: عليك بدنة. قال: قلت: اني لما أردت ذلك منها و لم تكن قصرت امتنعت، فلما غلبتها قرضت بعض شعرها بأسنانها. فقال: رحمها الله كانت أفقه منك عليك بدنة، و ليس عليها شيء».
و رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن حماد بن عثمان (3) قال: قال رجل لأبي عبد الله (عليه السلام). و ذكر مثله.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «تقصر المرأة من شعرها لعمرتها مقدار الأنملة».
و رواه الكليني في الصحيح الى ابن أبي عمير مثله (5).
____________
(1) المغني ج 3 ص 393 طبع عام 1368.
(2) الوسائل الباب 3 من التقصير.
(3) الوسائل الباب 3 من التقصير.
(4) الوسائل الباب 3 من التقصير.
(5) الوسائل الباب 3 من التقصير.
299
و ما رواه الشيخ (قدس سره) عن محمد الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة متمتعة عاجلها زوجها قبل ان تقصر فلما تخوفت ان يغلبها أهوت إلى قرونها فقرضت منها بأسنانها و قرضت بأظافيرها هل عليها شيء؟ قال: لا ليس كل أحد يجد المقاريض».
و من ذلك يعلم ان ما اشتمل عليه صحيح معاوية بن عمار و صحيح محمد بن إسماعيل من الأخذ من تلك المواضع المتعددة فمحمول على الفضل و الاستحباب. و بذلك صرح أيضا الأصحاب (رضوان الله عليهم).
الثانية [هل يتعين التقصير في العمرة؟]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يلزم التقصير في العمرة و لا يجوز حلق الرأس، و لو حلقه فعليه دم. ذهب اليه الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن البراج و ابن إدريس و المحقق و العلامة و الشيخ الشهيد و غيرهم، قال في الدروس: و الأصح تحريمه و لو بعد التقصير.
و ذهب الشيخ في الخلاف إلى انه يجوز الحلق، و التقصير أفضل، قال في المختلف بعد نقل قول الخلاف: و كان يذهب إليه والدي (رحمه الله).
و الأصح القول المشهور، و يدل عليه
ما رواه الشيخ (قدس سره) في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و ليس في المتعة إلا التقصير».
و عن أبي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع أراد ان يقصر فحلق رأسه. قال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم
____________
(1) الوسائل الباب 3 من التقصير.
(2) الوسائل الباب 4 من التقصير.
(3) الوسائل الباب 4 من التقصير.
300
النحر أمر الموسى على رأسه حين يريد ان يحلق».
و روى الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن جميل بن دراج (1) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع حلق رأسه بمكة قال ان كان جاهلا فليس عليه شيء، و ان تعمد ذلك في أول شهور الحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء، و ان تعمد بعد الثلاثين يوما التي يوفر فيها الشعر للحج فان عليه دما يهريقه».
أقول: قوله: «و ان تعمد بعد الثلاثين يوما» أي بعد دخول الثلاثين يوما، و هو عبارة عن دخول ذي القعدة، و هو الذي يوفر فيه الشعر.
و قد تقدم الكلام في ذلك مع صاحب المدارك.
و بالجملة فإن ما ذهب إليه في الخلاف لا اعرف له وجها بعد ورود الأمر بالتقصير و عدم ورود ما ينافيه، و العبادات مبنية على التوقيف من الشارع فالقول به من غير دليل ضعيف البتة.
و أضعف منه ما يظهر من العلامة في المنتهى حيث ان ظاهره فيه اختيار القول بالتحريم و وجوب التقصير، و مع ذلك صرح بأنه لو حلق اجزاء و سقط الدم و كيف يجزئه ما لم يقم عليه دليل بل الدليل على خلافه واضح السبيل، حيث ان الشارع رتب على فعله الدم.
و أوجب الشهيد في الدروس ان يكون التقصير بمكة، قال: و لا يجب كونه على المروة للرواية الدالة على جوازه في غيرها (2) نعم يستحب عليها
____________
(1) الوسائل الباب 4 من التقصير.
(2) من المحتمل ان يريد بذلك رواية عمر بن يزيد المتقدمة ص 296 حيث قال فيها: «ثم ائت منزلك فقصر.».
301
و ما ذكره (قدس سره) من الوجوب و الاستحباب في الموضعين المذكورين لم أقف له على مستند، الا ان يكون الوجه في الأول هو وجوب الكون عليه بمكة الى ان يأتي بالحج. الا انه على إطلاقه ممنوع كما تقدم بيانه في محله. و لعله قد وصل اليه من الأدلة في أمثال ذلك ما لم يصل إلينا ثم قال في الدروس ايضا: و لو حلق بعض رأسه أجزأ عن التقصير، و لا تحريم فيه. و لو حلق الجميع احتمل الاجزاء لحصوله بالشروع.
و عند التقصير يحل له جميع ما يحل للمحل حتى الوقاع للنص (1) على جوازه قولا و فعلا.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من الاحتمال المذكور ليس ببعيد، لكن ينبغي تقييده بما إذا نوى من أول الأمر التقصير خاصة ثم بعد حصول التقصير و حصول الإحلال به حلق الباقي، اما لو نوى حلق الجميع من أول الأمر فالظاهر عدم الاجزاء، لان المفهوم من الاخبار ان العبادات صحة و بطلانا و زيادة و نقصانا تابعة للقصود و النيات، و الروايات قد وردت بان الحلق مقابل للتقصير و أحدهما غير الآخر، فإذا نوى الحلق من أول الأمر و حلق رأسه و الحال ان فرضه شرعا انما هو التقصير و الحلق غير جائز له فمن المعلوم ان ما اتى به غير مجزئ بل موجب للكفارة كما دلت عليه الاخبار المتقدمة. و حينئذ فما ذكره شيخنا المشار اليه لا يصح على إطلاقه بل ينبغي التفصيل فيه. و نظيره ما تقدم بيانه من انه لو ان مسافرا فرضه التقصير صلى تماما فان نوى القصر في أول دخوله في الصلاة و انما أتمها بعد مضي صلاته المقصورة، فإنه يأتي بناء على استحباب التسليم صحة
____________
(1) تقدمت الروايات الدالة على ذلك ص 296.
302
صلاته لأن هذه الزيادة قد وقعت خارجة عن الصلاة و ان نوى الإتمام من أول الأمر بطلت صلاته. و على هذا الوجه تحمل الأخبار الدالة على بطلان صلاة المسافر إذا صلى تماما الا مع الجهل (1).
الثالثة [جماع المعتمر قبل التقصير و بعده]
- لو جامع امرأته قبل التقصير عالما عامدا وجب عليه جزور ان كان موسرا، و بقرة ان كان متوسطا، و شاة ان كان معسرا كذا صرح به في المنتهى. و لو كان جاهلا فلا شيء عليه. و كذا الناسي في ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم).
و الذي وقفت عليه من اخبار هذه المسألة ما تقدم (2) في المسألة الاولى من صحيحة الحلبي أو حسنته.
و ما رواه في الكافي (3) في الصحيح أو الحسن عن الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل طاف بالبيت ثم بالصفا و المروة و قد تمتع ثم عجل فقبل امرأته قبل ان يقصر من رأسه. فقال عليه دم يهريقه و ان جامع فعليه جزور أو بقرة».
و رواه في الفقيه و التهذيب مثله (4) بأدنى تفاوت.
و ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) قال:
____________
(1) الوسائل الباب 17 من صلاة المسافر.
(2) ص 298.
(3) ج 4 ص 440 و الوسائل الباب 13 من كفارات الاستمتاع.
(4) الفقيه ج 2 ص 237 و التهذيب ج 5 ص 160 و 161 و الوسائل الباب 13 من كفارات الاستمتاع.
(5) الكافي ج 4 ص 440 و 441 و الفقيه ج 2 ص 237 و التهذيب ج 5 ص 161 و الوسائل الباب 13 من كفارات الاستمتاع.
303
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته قبل ان يقصر. قال: ينحر جزورا و قد خفت ان يكون قد ثلم حجه» و زاد في الكافي و الفقيه: «ان كان عالما و ان كان جاهلا فلا شيء عليه».
و ما رواه الشيخ في الصحيح بالإسناد المتقدم عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع وقع على امرأته قبل ان يقصر. قال: عليه دم شاة».
و ما رواه الشيخ عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت: متمتع وقع على امرأته قبل ان يقصر؟ قال: عليه دم شاة».
و لو واقعها بعد التقصير فلا شيء عليه، لما تقدم (3) من الاخبار الدالة على الإحلال بذلك.
و يدل عليه ايضا خصوص
ما رواه الشيخ عن محمد بن ميمون (4) قال:
«قدم أبو الحسن متمتعا ليلة عرفة فطاف و أحل و اتى بعض جواريه، ثم أهل بالحج و خرج».
و الظاهر ان مستند ما ذكره الأصحاب من التفصيل المتقدم ذكره نقلا عن المنتهى هو الجمع بين اخبار الجزور و البقرة و الشاة بالحمل على الموسر
____________
(1) لم نجد هذه الرواية في مظانها في كتب الحديث.
(2) التهذيب ج 5 ص 161 و الوسائل الباب 13 من كفارات الاستمتاع.
(3) ص 296.
(4) الوسائل الباب 20 من أقسام الحج و الباب 8 من التقصير.
و الشيخ يرويه عن الكليني.
304
و المتوسط و المعسر و له نظائر عديدة في أحكام الحج و قد وردت فيها الاخبار صريحة بهذا التفصيل. و قد دلت صحيحة الحلبي أو حسنته المتقدمة على ان من قبل امرأته قبل ان يقصر فعليه دم يهريقه و به قال الشيخ (قدس سره) على ما نقله في المنتهى. و لا بأس به للخبر المذكور.
الرابعة [حكم الإحرام قبل التقصير]
- إذا طاف المتمتع و سعى ثم أحرم بالحج قبل ان يقصر، فان فعل ذلك عامدا فالمشهور انه تبطل عمرته و يصير الحج مفردا. و قيل ببطلان الإحرام الثاني و البقاء على الإحرام الأول. و ان كان ناسيا فالمشهور انه لا شيء عليه. و قيل عليه دم و قد تقدم تحقيق المسألة و نقل الأخبار التي فيها مستوفى في المقصد الثالث من مقاصد الباب الثاني (1) فلا ضرورة إلى الإعادة.
الخامسة [استحباب التشبه بالمحرمين لأهل مكة]
- الأفضل لمن قصر من عمرة التمتع ان يتشبه بالمحرمين في ترك لبس المخيط و كذا أهل مكة أيام الموسم.
و يدل عليه
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري عن غير واحد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ينبغي للمتمتع بالعمرة إلى الحج إذا أحل ان لا يلبس قميصا و ليتشبه بالمحرمين».
و رواه الصدوق (قدس سره) مرسلا (3).
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «لا ينبغي لأهل مكة ان يلبسوا القميص و ان يتشبهوا بالمحرمين شعثا غبرا. و قال: ينبغي للسلطان أن يأخذهم بذلك».
____________
(1) ج 15 ص 117.
(2) الوسائل الباب 7 من التقصير.
(3) الوسائل الباب 7 من التقصير.
(4) الوسائل الباب 7 من التقصير.
305
و روى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (1) قال قال (عليه السلام):
«ينبغي للمتمتع إذا أحل ان لا يلبس قميصا و يتشبه بالمحرمين. و كذا ينبغي لأهل مكة أيام الحج».
و يكره الطواف بعد السعي حتى يقصر،
لما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «لا يطوف المعتمر بالبيت بعد طواف الفريضة حتى يقصر».
السادسة- إذا أتم المتمتع أفعال عمرته و قصر فقد أحل
، كما تقدمت (3) به الاخبار، و عليه أكثر الأصحاب، سواء ساق الهدى معه أم لا. و ذهب الشيخ في الخلاف و ابن أبي عقيل إلى انه متى سابق الهدى معه فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدى محله، لأنه قارن. و قد تقدم البحث في المسألة مستوفى في المقدمة المشتملة على تقسيم الحج إلى الأقسام الثلاثة (4) فليراجع.
السابعة [عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتع]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)- بل ادعى العلامة في المنتهى انه لا يعرف فيه خلافا- هو عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتع.
و نقل الشهيد في الدروس عن بعض الأصحاب قولا بان في المتمتع بها طواف النساء.
و هو مع جهل قائله مردود بالأخبار المستفيضة و منها الأخبار المتقدمة (5)
____________
(1) الوسائل الباب 7 من التقصير.
(2) الوسائل الباب 9 من التقصير.
(3) ص 296.
(4) ج 14 ص 372.
(5) ص 296.
306
الدالة على انه متى قصر حل له كل شيء.
و منها زيادة على ذلك
ما رواه في الكافي في الصحيح عن الحلبي و صفوان عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال «على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف بالبيت و سعيان بين الصفا و المروة، و عليه إذا قدم مكة طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعى بين الصفا و المروة، ثم يقصر و قد أحل هذا للعمرة. و عليه للحج طوافان و سعى بين الصفا و المروة.».
و عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «المتمتع عليه ثلاثة أطواف بالبيت و طوافان بين الصفا و المروة. الحديث».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة (3) قال «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذي يلي المفرد للحج في الفضل. فقال المتعة. فقلت و ما المتعة؟ فقال: يهل بالحج في أشهر الحج، فإذا طاف بالبيت و صلى ركعتين خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة قصر و أحل. الحديث».
و قد تقدم (4) الكلام على هذا الحديث، و ما دل عليه من أفضلية حج الافراد على حج التمتع، و انه خرج مخرج التقية.
نعم
روى الشيخ عن سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام) (5) قال: «إذا حج الرجل فدخل مكة متمتعا، فطاف بالبيت، و صلى ركعتين
____________
(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.
(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.
(3) الوسائل الباب 5 من أقسام الحج.
(4) ج 14 ص 397.
(5) الوسائل الباب 82 من الطواف.
307
خلف مقام إبراهيم (عليه السلام)، و سعى بين الصفا و المروة و قصر، فقد حل له كل شيء ما خلا النساء، لان عليه لتحلة النساء طوافا و صلاة».
و هو لضعف سنده قاصر عن معارضة الأخبار المستفيضة الصحيحة الصريحة من ما قدمناه، و حمله الشيخ على طواف الحج. و هو غير بعيد، لأنه ليس الخبر صريحا و لا ظاهرا في ان طوافه و سعيه كان للعمرة. و الله العاچلم.
تتمة
تشتمل على فائدتين:
الأولى [حكم المتمتع في الخروج من مكة قبل الحج]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من دخل مكة بعمرة التمتع في أشهر الحج، لم يجز له ان يجعلها مفردة، و لا ان يخرج من مكة حتى يأتي بالحج، لأنها مرتبطة بالحج.
و قال ابن إدريس: لا يحرم ذلك بل يكره، لأنه لا دليل على حظر الخروج من مكة بعد الإحلال من مناسكها.
و هو مردود بالاخبار: منها
قوله (صلى الله عليه و آله) في صحيحة معاوية بن عمار (1) «دخلت العمرة في الحج هكذا. و شبك بين أصابعه».
و إذا فعل عمرة التمتع فقد فعل بعض أفعال الحج فيجب عليه الإتيان
____________
(1) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج الرقم (4) و اللفظ هكذا: «ثم شبك أصابعه بعضها الى بعض و قال: دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة» كما في التهذيب ج 5 ص 455 و الفروع ج 4 ص 246 بلا كلمة «بعضها الى بعض».
308
بالباقي، لقوله (عز و جل) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (1).
و ما رواه معاوية بن عمار (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) من اين افترق المتمتع و المعتمر؟ فقال: ان المتمتع مرتبط بالحج و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء».
و عن علي (3) قال: «سأله أبو بصير و انا حاضر عمن أهل بالعمرة في أشهر الحج، له ان يرجع؟ فقال: ليس في أشهر الحج عمرة يرجع فيها إلى اهله و لكنه يحتبس بمكة حتى يقضى حجه، لأنه إنما أحرم لذلك».
و هذا الخبر و ان أوهم في بادي الرأي الحمل على العمرة المفردة من حيث إطلاقه الا ان المفهوم من قوله «لأنه إنما أحرم لذلك» ان المراد بالعمرة فيه انما هي عمرة التمتع، و ان أصل إحرامه انما هو للحج، لما عرفت آنفا من ارتباط العمرة بالحج، فالإحرام بالعمرة المتمتع بها إحرام بالحج في الحقيقة، بمعنى لا يجوز الخروج حتى يأتي بالحج.
الى غير ذلك من الروايات المتقدمة (4) في المقدمات الدالة على ان من تمتع بالعمرة إلى الحج فليس له الخروج حتى يأتي بالحج أو يرجع قبل العشرة (5)
الثانية [هل تصح عمرة التمتع في غير أشهر الحج؟]
- قد صرح العلامة (قدس سره) في كتاب المنتهى و التذكرة بأن
____________
(1) سورة البقرة الآية 195.
(2) الوسائل الباب 7 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 7 من العمرة.
(4) ج 14 ص 362.
(5) هكذا في الخطية أيضا، و الظاهر انه تصحيف كلمة (الشهر) كما يظهر بمراجعة المسألة في محلها المتقدم ج 14 ص 362 و سيأتي في المسألة الثالثة من المطلب الثاني اختياره تحديد المسافة بين العمرتين بالشهر.
309
من أحرم بالعمرة المتمتع بها الى الحج في غير أشهر الحج، كانت صحيحة و ان لم يجز التمتع بها، بل تصير عمرة مفردة، قال في المنتهى: و لا ينعقد الإحرام بالعمرة المتمتع بها إلا في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غيرها انعقد للعمرة المبتولة. و نحوه في التذكرة. و لم ينقل خلافا في ذلك الا عن المخالفين (1) و ربما أشعر بذلك ايضا بعض عبارات غيره.
و هو- مع كونه لا دليل عليه، و بناء العبادات على التوقيف من الشارع- مردود بان ما نواه من التمتع باطل، لعدم حصول شرطه الذي هو وقوعه في أشهر الحج كما اعترف به، و العمرة المفردة غير منوية و لا مقصودة.
و بالجملة فما ذهب اليه (قدس سره) لا اعرف له وجها.
و أغرب من ذلك ما ذكره (قدس سره) ايضا من ان من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لم ينعقد إحرامه للحج و انعقد للعمرة.
و استدل على ذلك
بما رواه ابن بابويه عن أبي جعفر الأحول عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل فرض الحج في غير أشهر الحج؟
قال: يجعلها عمرة».
و الذي يقرب ان المراد من الرواية هو ان من فرض الحج في غير أشهر الحج ينبغي له ان ينوي العمرة، لأن الحج لا يكون صحيحا على ذلك التقدير، و الاولى ان يقصد العمرة و ينويها.
المطلب الثاني في العمرة المفردة
و فيه مسائل
الأولى [وجوب العمرة كالحج]
- لا خلاف نصا و فتوى ان العمرة واجبة كالحج.
____________
(1) المغني ج 3 ص 499 طبع مطبعة المنار.
(2) الوسائل الباب 11 من أقسام الحج.
310
قال في المنتهى: العمرة واجبة مثل الحج على كل مكلف حاصل فيه شرائط الحج بأصل الشرع، ذهب إليه علماؤنا (رضوان الله عليهم) أجمع.
أقول: و يدل عليه قوله (عز و جل) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (1).
و ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع، لأن الله (عز و جل) يقول وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (3).
قلت: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أ يجزئ عنه؟ قال: نعم».
و عن عمر بن أذينة في الحسن (4) قال: «كتبت الى أبي عبد الله (عليه السلام) بمسائل بعضها مع ابن بكير و بعضها مع أبي العباس، فجاء الجواب بإملائه: سألت عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (5) يعنى به الحج و العمرة جميعا، لأنهما مفروضان. و سألته عن قول الله (عز و جل) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (6) قال: يعني بتمامهما أداءهما، و اتقاء ما يتقى المحرم فيهما».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن الفضل أبي العباس عن أبي عبد الله (7) «في قول الله (عز و جل) وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (8)
____________
(1) سورة البقرة الآية 195.
(2) الوسائل الباب 1 من وجوب الحج و شرائطه و الباب 1 من العمرة.
(3) سورة البقرة الآية 195.
(4) الوسائل الباب 1 من وجوب الحج و شرائطه.
(5) سورة آل عمران الآية 97.
(6) سورة البقرة الآية 195.
(7) الوسائل الباب 1 من وجوب الحج و شرائطه و الباب 1 من العمرة.
(8) سورة البقرة الآية 195.
311
قال: هما مفروضان».
و عن زرارة بن أعين في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) في حديث قال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لأن الله تعالى يقول وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (2) و انما نزلت العمرة بالمدينة».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. فقال: هو يوم النحر و الأصغر هو العمرة».
و عن المفضل بن صالح عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «العمرة مفروضة مثل الحج. الحديث».
قال (5): «و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أمرتم بالحج و العمرة فلا تبالوا بأيهما بدأتم».
قال الصدوق (قدس سره) يعني العمرة المفردة دون عمرة التمتع فلا يجوز ان يبدأ بالحج قبلها.
و ما رواه في العلل في الصحيح عن عمر بن أذينة (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز و جل) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (7) يعنى به الحج دون العمرة؟ قال:
____________
(1) الوسائل الباب 1 من العمرة.
(2) سورة البقرة الآية 195.
(3) الوسائل الباب 1 من الذبح و الباب 1 من العمرة.
(4) الوسائل الباب 1 و 5 من العمرة.
(5) الوسائل الباب 1 من العمرة.
(6) الوسائل الباب 1 من العمرة.
(7) سورة آل عمران الآية 97.
312
لا و لكنه يعني الحج و العمرة جميعا لأنهما مفروضان».
و روى في تفسير العياشي عن عمر بن أذينة (1) قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (2). الحديث مثله.
و قد تجب بالنذر و شبهه و الاستئجار، و الإفساد على ما قطع به الأصحاب و الفوات، فان من فاته الحج يجب عليه ان يتحلل بعمرة مفردة، و يقتضيه في العام المقبل ان كان واجبا و الا استحب قضاؤه، و بدخول مكة عدا من استثنى، و بالجملة فالحكم فيه كالحج. و قد تقدم تحقيق هذه المسألة بالنسبة إلى الحج في المقدمات.
الثانية [هل يجب طواف النساء في العمرة المفردة؟]
- قد ذكر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ان أفعالها ثمانية النية، و الإحرام، و الطواف، و ركعتاه، و السعي، و طواف النساء، و ركعتاه و التقصير أو الحلق.
أقول: و قد قدمنا الكلام في جميع هذه المعدودات عدا طواف النساء و ما بعده.
فاما وجوب طواف النساء هنا فهو المشهور بين الأصحاب، بل ادعى عليه في المنتهى الإجماع.
و نقل الشهيد في الدروس عن الجعفي انه حكم بسقوط طواف النساء في المفردة.
أقول: و هو ظاهر الصدوق في من لا يحضره الفقيه حيث قال: و لا يجب طواف النساء الا على الحاج. ذكر ذلك في باب إهلال العمرة المبتولة و إحلالها
____________
(1) الوسائل الباب 1 من العمرة.
(2) سورة آل عمران الآية 97.
313
و نسكها و لم أعثر على من نقله عنه مع ان كلامه ظاهر فيه كما ترى.
و هو الظاهر ايضا من ابن أبي عقيل، كما سيأتي نقل عبارته ان شاء الله تعالى.
و اما الاخبار الواردة في ذلك فهي مختلفة فما يدل على القول المشهور
ما رواه الشيخ عن إسماعيل بن رياح (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مفرد العمرة، عليه طواف النساء؟ قال: نعم».
و عن محمد بن عيسى (2) قال: «كتب أبو القاسم مخلد بن موسى الرازي الى الرجل (عليه السلام) يسأله عن العمرة المبتولة، هل على صاحبها طواف النساء؟ و عن العمرة التي يتمتع بها الى الحج. فكتب: أما العمرة المبتولة فعلى صاحبها طواف النساء. و اما التي يتمتع بها الى الحج فليس على صاحبها طواف النساء».
و رواية إبراهيم بن عبد الحميد عن عمر بن يزيد أو غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «المعتمر يطوف و يسعى و يحلق و لا بد له بعد الحلق من طواف آخر».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن إبراهيم بن أبي البلاد (4) قال:
____________
(1) الوسائل الباب 82 من الطواف.
(2) الفروع ج 4 ص 538 و التهذيب ج 5 ص 163 و ص 254 و الوسائل الباب 82 من الطواف.
(3) الفروع ج 4 ص 538 و التهذيب ج 5 ص 254 و الوسائل الباب 82 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 82 من الطواف الرقم 5 و ارجع الى التعليقة 5 أو التهذيب ج 5 ص 439.
314
«قلت لإبراهيم بن عبد الحميد و قد هيأنا نحوا من ثلاثين مسألة نبعث بها الى أبي الحسن موسى (عليه السلام): أدخل لي هذه المسألة و لا تسمني له سله عن العمرة المفردة على صاحبها طواف النساء؟ قال: فجاءه الجواب في المسائل كلها غيرها فقلت له: أعدها في مسائل أخر. فجاءه الجواب عنها كلها غير مسألتي. فقلت لإبراهيم بن عبد الحميد: ان هنا شيئا أفرد المسألة باسمي فقد عرفت مقامي بحوائجك. فكتب بها اليه فجاء الجواب نعم هو واجب لا بد منه فلقي إبراهيم بن عبد الحميد إسماعيل بن حميد الأزرق و معه المسألة و الجواب فقال: لقد فتق عليكم إبراهيم بن أبي البلاد فتقا و هذه مسألته و الجواب عنها. فدخل عليه إسماعيل بن حميد فسأله عنها فقال: نعم هو واجب فلقي إسماعيل بن حميد بشر بن إسماعيل بن عمار الصيرفي فأخبره فدخل عليه فسأله عنها فقال: نعم هو واجب».
و هي في الدلالة على القول المشهور واضحة الظهور عارية عن القصور.
و اما ما يدل على القول الآخر
فصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا دخل المعتمر مكة من غير تمتع و طاف بالبيت و صلى ركعتين عند مقام إبراهيم و سعى بين الصفا و المروة فليلحق بأهله ان شاء الله تعالى».
و صحيحة صفوان بن يحيى (2) قال: «سأله أبو حارث عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج و طاف و سعى و قصر، هل عليه طواف النساء؟
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 275 و الوسائل الباب 9 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 82 من الطواف.
315
قال: لا انما طواف النساء بعد الرجوع من منى».
و رواية أبي خالد مولى علي بن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن مفرد العمرة عليه طواف النساء؟ قال: ليس عليه طواف النساء».
و رواية يونس (2) قال: «ليس طواف النساء الا على الحاج».
قال في المدارك بعد نقل هذه الاخبار الأخيرة: و حكى الشهيد في الدروس عن الجعفي الإفتاء بمضمون هذه الروايات، و هو غير بعيد، لاعتبار سند بعضها و ضعف معارضها، و مطابقتها لمقتضى الأصل. الا ان المصير الى ما عليه أكثر الأصحاب أولى و أحوط. انتهى.
أقول: و من ما يدل على هذا القول زيادة على ما نقله
ما رواه في الكافي عن زرارة (3) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا قدم المعتمر مكة و طاف و سعى فان شاء فليمض على راحلته و ليلحق بأهله».
و عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «العمرة المبتولة يطوف بالبيت و بالصفا و المروة ثم يحل، فان شاء ان يرتحل من ساعته ارتحل».
و ما رواه الشيخ (قدس سره) في التهذيب في الحسن عن نجية عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «إذا دخل المعتمر مكة غير متمتع فطاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و صلى الركعتين خلف مقام إبراهيم فليلحق بأهله ان شاء».
____________
(1) الوسائل الباب 82 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 82 من الطواف.
(3) الوسائل الباب 82 من الطواف.
(4) الوسائل الباب 82 من الطواف.
(5) الوسائل الباب 5 من العمرة.
316
ثم أقول: لا يخفى ان ما طعن به في المدارك على الروايات المتقدمة من ضعف السند فقد عرفت في غير مقام من ما تقدم انه غير مرضي و لا معتمد على ان بعض الاخبار المشار إليها صحيحة السند و ان كان لم ينقله أو لم يطلع عليه، و هو صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد.
و الذي يظهر من سياقها هو خروج هذه الاخبار الأخيرة مخرج التقية، فإن العامة لا يرون طواف النساء في حج و لا عمرة (1) و ظاهر الخبر انه كان المعمول عليه يومئذ عدم طواف النساء، حتى انهم استغربوا امره (عليه السلام) بذلك، كما يشير اليه قوله: «لقد فتق عليكم إبراهيم ابن أبي البلاد فتقا» و سؤال كل واحد منهم على حدة منه (عليه السلام) و يشير الى ذلك قوله (عليه السلام) في حديث عمر بن يزيد أو غيره «و لا بد له بعد الحلق من طواف آخر» حيث كنى عنه و لم يصرح به.
و مثله
ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في الرجل يجيء معتمرا عمرة مبتولة؟
قال: يجزئه إذا طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و حلق ان يطوف طوافا واحدا بالبيت. و من شاء ان يقصر قصر».
أقول: قوله «طوافا واحدا» اي من غير ضم سعى إليه، فإن طواف النساء لا سعي فيه، فان هذه الإشارات و عدم التصريح انما يقع غالبا في مقام التقية. و الرواية- كما ترى- صحيحة السند.
و بالجملة فالظاهر هو القول المشهور. و اتفاق الأصحاب عليه قديما
____________
(1) المغني ج 3 ص 409 و 411 و 469.
(2) الوسائل الباب 9 من العمرة.
317
و حديثا من ما يؤذن بكونه مذهبهم (عليهم السلام) و هو أبلغ في الدلالة من الاخبار كما قدمنا تحقيقه. على انه مع العمل باخبار القول المشهور و حمل ما خالفها على التقية تجتمع الاخبار، و اما مع العمل بالأخبار الأخيرة فإنه يلزم طرح تلك الاخبار مع صراحتها و صحة جملة منها كما لا يخفى. و الله العالم.
و اما التخيير بين الحلق و التقصير فيدل عليه جملة من الاخبار و منها ما في صحيحة عبد الله بن سنان المذكورة.
و منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة و صلاة الركعتين خلف المقام و السعي بين الصفا و المروة حلق أو قصر. و سألته عن العمرة المبتولة، فيها الحلق؟ قال: نعم. و قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال في العمرة المبتولة اللهم اغفر للمحلقين قيل:
يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) و للمقصرين قال و للمقصرين».
و يستفاد من هذا الخبر ان الحلق فيها أفضل. و بذلك صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ايضا.
هذا بالنسبة إلى الرجال و اما النساء فالواجب عليهم التقصير لا غير، كما صرحوا به ايضا.
و يدل عليه
ما رواه الصدوق مرسلا (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 5 من التقصير.
(2) الفقيه ج 1 ص 194 و الوسائل الباب 5 من التقصير. و ارجع الى التعليقة 5 في الباب 41 من مقدمات الطواف.
318
ليس على النساء أذان. الى ان قال: و لا الحلق انما يقصرن من شعورهن».
قال: و روى انه يكفيها من التقصير مثل طرف الأنملة.
المسألة الثالثة [الأقوال في توالي العمرتين و ما يجب من الفصل بينهما و عدمه]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في توالي العمرتين و ما يجب من الفصل بينهما و عدمه على أقوال مختلفة:
أحدها- ما ذهب اليه السيد المرتضى و ابن إدريس و المحقق في الشرائع و غيرهم من جواز الاتباع بين العمرتين مطلقا و لو في كل يوم و ان كره في أقل من عشرة أيام. قال ابن إدريس: اختلف أصحابنا في أقل ما يكون بين العمرتين، فقال بعضهم شهر، و قال بعضهم يكون في كل شهر يقع عمرة، و قال بعضهم لا لوقت وقتا و لا اوجل بينهما مدة و يصح في كل يوم عمرة. و هذا القول يقوى في نفسي و به افتى، و اليه ذهب السيد المرتضى في الناصريات. و ما روى في مقدار ما يكون بين العمرتين اخبار آحاد لا توجب علما و لا عملا.
و استدل السيد المرتضى في المسائل الناصرية على ما ذهب اليه
بقوله (صلى الله عليه و آله) (1): «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما».
و لم يفصل (عليه السلام) بين ان يكون ذلك في سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين.
و ثانيها- ما ذهب اليه الشيخ في النهاية و المبسوط من ان أقل ما يكون بين العمرتين عشرة أيام. و به قال ابن الجنيد و ابن البراج.
____________
(1) كنز العمال ج 3 ص 22 و الوسائل الباب 3 من العمرة عن الرضا (ع).
319
و ثالثها- في كل شهر، و اليه ذهب ابن حمزة قال و روى في كل عشرة أيام. و اليه ذهب العلامة في المختلف، قال و الأقرب انه لا يكون بين العمرتين أقل من شهر و قال في المنتهى بعد الكلام في المسألة: إذا عرفت هذا فقد قيل انه يحرم بين العمرتين أقل من عشرة أيام، و قيل يكره و هو الأقرب. انتهى. و هو يرجع الى القول الأول و يخالف ما ذهب إليه في المختلف.
و رابعها- ما ذهب اليه ابن ابي عقيل من تحريمها في أقل من سنة، قال:
لا يجوز عمرتان في عام واحد، و قد تأول بعض الشيعة هذا الخبر (1) على معنى الخصوص، فزعم انها في المتمتع خاصة فأما غيره فله ان يعتمر في أي الشهور شاء و كم شاء من العمرة. فإن يكن ما تأولوه موجودا في التوقيت عن لسان الرسول (صلى الله عليه و آله) فمأخوذ به، و ان كان غير ذلك من جهة الاجتهاد و الظن فذلك مردود عليهم و راجع في ذلك كله الى ما قالته الأئمة (عليهم السلام) انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه في الكافي في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «في كتاب علي (عليه السلام): في كل شهر عمرة».
و عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان عليا (عليه السلام) كان يقول: في كل شهر عمرة».
و عن علي بن أبي حمزة (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل يدخل مكة في السنة المرة أو المرتين أو الأربع، كيف يصنع؟
____________
(1) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(4) الوسائل الباب 6 من العمرة.
320
قال: إذا دخل فليدخل ملبيا و إذا خرج فليخرج محلا. قال: و لكل شهر عمرة. فقلت يكون أقل؟ فقال: في كل عشرة أيام عمرة. ثم قال و حقك لقد كان في عامي هذه السنة ست عمر. قلت: و لم ذاك؟ قال:
كنت مع محمد بن إبراهيم بالطائف فكان كلما دخل دخلت معه».
و رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن علي بن أبي حمزة مثله (1).
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «كان علي (عليه السلام) يقول: لكل شهر عمرة».
و عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«العمرة في كل سنة مرة».
و في الصحيح عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) و في الصحيح ايضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (5) قال: «لا يكون عمرتان في سنة».
و ما رواه الصدوق (قدس سره) عن إسحاق بن عمار في الموثق (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) السنة اثنا عشر شهرا يعتمر لكل شهر عمرة».
و عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) (7) قال: «في كل شهر عمرة. قال: قلت: يكون أقل من ذلك؟ قال:
____________
(1) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(4) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(5) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(6) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(7) الفقيه ج 2 ص 278 و الوسائل الباب 6 من العمرة.
321
لكل عشرة أيام عمرة».
و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد (1) عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) انه قال: «لكل شهر عمرة».
أقول: لا يخفى ان أكثر هذه الروايات يدل على القول الثالث. و قد تقدم أيضا جملة من الاخبار في الموضع السادس عشر من الفصل الثاني في كفارة الجماع من الباب الثاني (2) صريحة الدلالة في ذلك. نعم يبقى الكلام في ما دل على العشرة و هو رواية علي بن أبي حمزة، و احتمل المحدث الكاشاني في الوافي حملها على المتكرر دخوله من خارج، كما تشعر به رواية صاحب الكافي لهذه الرواية كما قدمناه. و هو غير بعيد. و على كل تقدير فالعمل على هذه الروايات الكثيرة أظهر.
و اما ما دل على مذهب ابن ابي عقيل من صحاح الحلبي و حريز و زرارة فقد حملها الشيخ و من تبعه من الأصحاب على عمرة التمتع. و هو في مقام الجمع غير بعيد. و احتمل المحدث المتقدم ذكره حملها على التقية (3) مستندا الى الأخبار الدالة على الشهر، و انه مذهب علي (عليه السلام)
و ما رواه الصدوق عن ابن بكير عن زرارة (4) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت و بالصفا و المروة أحل أحب أو
____________
(1) الوسائل الباب 6 من العمرة.
(2) ج 15 ص 388 و 389 في الموضع الثالث عشر.
(3) سيأتي في التعليقة 1 ص 322 ما يوضح ذلك.
(4) الفقيه ج 2 ص 203 و الوسائل الباب 5 من أقسام الحج.
322
كره الا من اعتمر في عامه ذلك أو ساق الهدى و أشعره و قلده».
فان بناء استثناء المعتمر على عدم جواز عمرتين في عام واحد، حيث انه متى قلنا بذلك و قد اتى بعمرة سابقة في عامه ذلك، لم يحل بطوافه و سعيه، لعدم صحة وقوع العمرة منه.
أقول: المفهوم من المنتهى ان جمهور العامة على اعتبار الشهر كما عليه جملة من أصحابنا، و قال: و كره العمرة في السنة مرتين الحسن البصري و ابن سيرين و مالك و النخعي (1) و المنقول عنهم- كما ترى- القول بالكراهة و الروايات دالة على التحريم. و به قال ابن أبي عقيل. فلا يتم ما ذكره من الحمل على التقية.
و كيف كان فالأظهر هو ما دلت عليه جملة روايات الشهر.
____________
(1) قال ابن حزم في المحلى ج 7 ص 68 طبع عام 1349: و اما العمرة فنحب الإكثار منها لما ذكرنا من فضلها. و اما العمرة فاننا روينا من طريق مجاهد قال علي بن أبي طالب: في كل شهر عمرة. و عن القاسم ابن محمد انه كره عمرتين في شهر واحد. و عن عائشة أنها اعتمرت ثلاث مرات في عام واحد. و عن سعيد بن جبير و الحسن البصري و محمد بن سيرين و إبراهيم النخعي كراهة العمرة أكثر من مرة في السنة و هو قول مالك. و قال ابن قدامة في المغني ج 3 ص 226 طبع عام 1368: و كره العمرة في السنة مرتين الحسن و ابن سيرين و مالك. و قال النخعي: ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة و لأن النبي (ص) لم يفعله. و قال ابن قدامة أيضا في نفس الصفحة: قال علي (رض): في كل شهر مرة. و قال أحمد في رواية الأثرم: ان شاء اعتمر في كل شهر.
323
و اما ما ذهب اليه المرتضى و ابن إدريس و من تبعهما فالظاهر انه ضعيف اما ما استند اليه المرتضى فخبر عامي (1) كما نقله في المنتهى، مع انه لا دلالة فيه على التقدير و لا عدمه كما ذكره في المختلف.
قال في المختلف- و نعم ما قال-: و اما احتجاج ابن إدريس فضعيف جدا، إذ ليس فيه سوى التشنيع على الشيخ، و الحكم بإسناد هذا المطلوب الى اخبار الآحاد و ذلك ليس حجة. و قول السيد المرتضى لا حجة فيه، و استدلاله غير ناهض و حكمه (عليه السلام)- بأن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما- لا دلالة فيه على التقدير و لا على عدمه. مع ان أصحابنا (رحمهم الله) نصوا على ان المفسد للعمرة يجب عليه الكفارة و قضاؤها في الشهر الداخل. و لو كان كل وقت صالحا للعمرة لما انتظر في القضاء الى الشهر الداخل. و ايضا حكموا على الخارج من مكة بعد الاعتمار بأنه إذا دخل مكة في ذلك الشهر اجتزأ بعمرته، و لو دخل في غيره وجبت عليه عمرة أخرى، و يتمتع بالأخيرة و كل ذلك يدل على اعتبار الشهر بين العمرتين. انتهى. و هو جيد.
المسألة الرابعة [وقت الإتيان بالعمرة]
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بل ربما ادعى عليه الإجماع وجوب الفورية بالعمرة. و هو في عمرة التمتع ظاهر، لوجوب الفورية بالحج و هي مقدمة عليه. و اما في العمرة المبتولة فيمكن الاستدلال عليه بالأخبار الدالة على مساواتها للحج في كيفية الوجوب. و قد تقدمت في صدر المطلب (2).
____________
(1) تقدم ان الصدوق يرويه في الفقيه عن الرضا (ع) كما في الوسائل الباب 3 من العمرة.
(2) ص 310 و 311.
324
الا ان كلامهم في هذا الباب لا يخلو من نوع تشويش و اضطراب، فإنهم قد نصوا على الفورية كما سمعت، قال في المنتهى: و هي واجبة على الفور كالحج. و قال المحقق في كتاب العمرة من الشرائع: و وجوب العمرة على الفور. و يؤكده أيضا نصهم على ان محلها بعد الفراغ من الحج. قال في الشرائع من كتاب الحج بعد ذكر حج الافراد: و عليه عمرة مفردة بعد الحج و الإحلال منه. ثم نصوا على انه يجوز وقوعها في غير أشهر الحج.
و مرادهم العمرة التي يجب الإتيان بها بعد الحج لا العمرة المطلقة ليمكن بذلك رفع التنافي.
قال في المدارك بعد نقل عبارة المحقق من الشرائع في كتاب الحج بما ذكرناه: اي و يجوز وقوع العمرة المفردة التي يجب الإتيان بها بعد الحج في غير أشهر الحج. و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب. بل قال في المنتهى:
و العمرة المبتولة تجوز في جميع أيام السنة، و لا نعرف فيه خلافا. و يدل عليه إطلاق الأمر بالعمرة من الكتاب و السنة الخالي من التقييد. انتهى.
و قال الشهيد في الدروس: و وقت العمرة الواجبة بأصل الشرع عند الفراغ من الحج و انقضاء أيام التشريق، لرواية معاوية بن عمار (1) السالفة أو في استقبال المحرم. و ليس هذا القدر منافيا للفورية و قيل يؤخرها عن الحج حتى يمكن الموسى من الرأس. انتهى.
و ظاهر كلامه وجوب تأخيرها بعد الحج الى انقضاء أيام لتشريق، كما نقل عن جمع من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم):
لصحيحة معاوية بن عمار المتضمنة للنهي عن عمرة التحلل في أيام
____________
(1) الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
325
التشريق، و هي
ما رواه في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل جاء حاجا ففاته الحج و لم يكن طاف؟ قال يقيم مع الناس حراما أيام التشريق، و لا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة و أحل، و عليه الحج من قابل، يحرم من حيث أحرم».
قالوا: فغيرها اولى.
و في دلالتها على الوجوب سيما بالتقريب المذكور إشكال.
الا انه يمكن الاستعانة على ذلك
بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن بن محبوب عن داود بن كثير الرقي (2) قال: «كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) بمنى إذ دخل عليه رجل فقال: قدم اليوم قوم قد فاتهم الحج. فقال: نسأل الله العافية. ثم قال: أرى عليهم ان يهريق كل واحد منهم دم شاة و يحلون، و عليهم الحج من قابل ان انصرفوا الى بلادهم و ان أقاموا حتى تمضي أيام التشريق بمكة ثم خرجوا الى بعض مواقيت أهل مكة فأحرموا منه و اعتمروا فليس عليهم الحج من قابل».
و التقريب فيه انه يفهم من الخبرين المذكورين ان العمرة كيف كانت لا تقع في أيام التشريق.
و اما ما ذكره من التأخير إلى استقبال المحرم فيدل عليه
ما ذكره الشيخ (رحمه الله تعالى) (3) قال: و قد روى أصحابنا و غيرهم عن ابي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفروع ج 4 ص 475 و الفقيه ج 2 ص 284 و التهذيب ج 5 ص 295 و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
(3) التهذيب ج 5 ص 438 و الوسائل الباب 21 من أقسام الحج. و لم يذكر المروي عنه في الحكم الأول.
326
«ان المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة اعتمر بعد الحج، و هو الذي أمر به رسول الله (صلى الله عليه و آله) عائشة. الى ان قال:.
و قالوا: قال أبو عبد الله (عليه السلام): المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة أقام إلى هلال المحرم و اعتمر، فأجزأت عنه مكان عمرة المتعة».
ثم العجب من قوله (قدس سره) بعد ذلك: و ليس هذا القدر منافيا للفورية. و كيف لا يكون منافيا للفورية و ظاهرهم تفسيرها بالإتيان به بعد الحج، و المتبادر منها هي البعدية القريبة الموجبة للاتصال. على ان شيخنا الشهيد الثاني (عطر الله تعالى مرقده) قد أورد على جواز التأخير إلى المحرم اشكالا بوجوب إيقاع الحج و العمرة في عام واحد، قال: الا ان يراد بالعام اثنا عشر شهرا، و مبدأها زمان التلبس بالحج.
و اما ما ذكره- من نقل القول بالتأخير حتى يمكن الموسى من الرأس- فهو إشارة الى
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المعتمر بعد الحج قال:
إذا أمكن الموسى من رأسه فحسن».
و ظاهرها ان الإتيان بها بعد الإحلال لا قبله. و لا دلالة فيها على التوقيت. و من يعمل على هذا الاصطلاح المحدث يتعين عنده الوقوف على هذه الصحيحة، و من لا يعمل به فالجمع عنده بين هذه الصحيحة و بين ما دل على التأخير الى بعد أيام التشريق لا يخلو من اشكال قال في المدارك: و بالجملة فلم نقف في هذه المسألة على رواية معتبرة تقتضي التوقيت، لكن مقتضى وجوب الفورية التأثيم بالتأخير، و هو لا ينافي
____________
(1) الوسائل الباب 8 من العمرة.
327
وقوعها في جميع أيام السنة كما قطع به الأصحاب (رضوان الله عليهم).
أقول: متى ثبت الدليل على الفورية، و العبادات توقيفية، يجب الوقوف فيها على ما رسمه صاحب الشرع وقتا و كمية و كيفية، فإن كان ما ذكره الأصحاب (رضوان الله عليهم) لا عن دليل فهو خروج عن ما رسمه صاحب الشريعة فلا يكون مجزئا و لا صحيحا، و ان كان عن دليل فقد تصادم الدليلان في المسألة و عظم الإشكال، الا ان يترجح أحدهما بما يوجب العمل به و طرح الآخر. فما ذكره (قدس سره) لا اعرف له على إطلاقه وجها وجيها.
و بالجملة فإن كلامهم في هذه المسألة غير منقح و لا واضح، و الأدلة فيها كما عرفت. و الله العالم.
المسألة الخامسة- ميقات العمرة
هو ميقات الحج لمن كان خارجا عن حدود المواقيت المتقدمة إذا قصد مكة، و اما غيره ممن كان داخلا بينها و بين مكة أو من أهل مكة أو مجاورا بمكة و أراد العمرة فإنه يخرج إلى أدنى الحل، و أفضله من أحد المواقيت التي وقتها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثمة، و هي الحديبية و جعرانة و عسفان و التنعيم.
و ظاهر الدروس الترتيب بينها في الفضل، حيث قال: و أفضله الجعرانة لإحرام النبي (صلى الله عليه و آله) منها، ثم التنعيم، لأمره بذلك، ثم الحديبية، لاهتمامه بها.
أقول: الظاهر ان إحرامه يومئذ من الجعرانة انما هو من حيث كونها في طريقه بعد رجوعه من الطائف إلى مكة، فلا يدل على خصوصية توجب الفضل على غيرها. و قد أهل أيضا من عسفان في بعض عمره، كما يأتي في الأخبار ان شاء الله تعالى في المقام.
328
و من الاخبار المتعلقة بهذا المقام
ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل بن دراج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية. قال: تمضى كما هي الى عرفات فتجعلها حجة، ثم تقيم حتى تطهر، و تخرج الى التنعيم فتجعلها عمرة» قال ابن أبي عمير: «كما صنعت عائشة».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال فيه: «و اعتمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثلاث عمر متفرقات، كلها في ذي القعدة: عمرة أهل فيها من عسفان و هي عمرة الحديبية، و عمرة القضاء أهل فيها من الجحفة، و عمرة أهل فيها من الجعرانة، و هي بعد ان رجع من الطائف من غزاة حنين».
و روى هذه الرواية في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «اعتمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثلاث عمر متفرقات: عمرة ذي القعدة أهل من عسفان و هي عمرة الحديبية و عمرة أهل من الجحفة و هي عمرة القضاء، و عمرة من الجعرانة بعد ما رجع من الطائف من غزوة حنين».
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 390 و الوسائل الباب 21 من أقسام الحج.
(2) الفقيه ج 2 ص 275 و الوسائل الباب 22 من المواقيت و الباب 2 من العمرة. و الظاهر انها مرسلة و ليست من رواية عبد الله بن سنان.
ارجع الى الوافي باب (جواز افراد العمرة في أشهر الحج) و الوسائل البابين المتقدمين.
(3) الفروع ج 4 ص 251 و الوسائل الباب 2 من العمرة.
329
و في صحيحة معاوية بن عمار الطويلة المتقدمة في المطلب الأول من المقدمة الرابعة (1) المتضمنة لسياق حجه (صلى الله عليه و آله) قال «انه لما قالت له عائشة: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أ ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا و ارجع بحجة؟ أنه أقام بالأبطح و بعث بها عبد الرحمن بن أبي بكر الى التنعيم و أهلت بعمرة. الحديث».
و في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) لما قال له سفيان: ما يحملك على ان تأمر أصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها؟ فقلت له: هو وقت من مواقيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: و اي وقت من مواقيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو؟ فقلت له: أحرم منها حين قسم غنائم حنين و مرجعه من الطائف. الحديث.
و في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال:
«من أراد ان يخرج من مكة ليعتمر اعتمر من الجعرانة أو الحديبية أو ما أشبهها».
و اما ما يدل على الإحرام من المواقيت الستة المشهورة لمن كان خارجا فهو ما تقدم من انه لا يجوز لأحد قاصد إلى مكة ان يجاوز هذه المواقيت الا محرما. و قد تقدمت الأخبار بذلك في المقصد الثالث من الباب الثاني في الإحرام (4).
____________
(1) ج 14 ص 315 الى 319.
(2) الفروع ج 4 ص 300 و الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.
(3) الوسائل الباب 22 من المواقيت.
(4) ج 15 ص 123.
330
المسألة السادسة [أفضل أوقات العمرة]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بان جميع أوقات السنة صالح للعمرة المبتولة، و ان أفضلها رجب.
و من الاخبار الواردة في المقام
ما رواه في الكافي عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء، و أفضل العمرة عمرة رجب».
و روى الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) في حديث قال: «و أفضل العمرة عمرة رجب».
و روى الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) «انه سئل أي العمرة أفضل: عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟
فقال: لا بل عمرة في رجب أفضل».
أقول: و يكفي في كونها رجبية حصول الإهلال بها في رجب و ان وقعت الأفعال في شعبان.
روى ذلك ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن أبي أيوب الخزاز عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) في حديث قال: «اني كنت أخرج لليلة أو ليلتين تبقيان من رجب، فتقول أم فروة: أي أبه إن عمرتنا شعبانية فأقول لها: أي بنية انها في ما أهللت و ليس في ما أحللت».
و عن عيسى الفراء عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا
____________
(1) الوسائل الباب 3 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 3 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 3 من العمرة.
(4) الوسائل الباب 3 من العمرة. إلا ان هذا الحديث في الفروع ج 4 ص 293 يرويه معاوية بن عمار كما في الوافي باب (أصناف الحج و العمرة و أفضلهما) و لم نقف على روايته في الفروع في مظانه عن الخزاز.
(5) الوسائل الباب 3 من العمرة.
331
أهل بالعمرة في رجب و أحل في غيره كانت عمرته لرجب و إذا أهل في غير رجب و طاف في رجب فعمرته لرجب».
و روى الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا أحرمت و عليك من رجب يوم و ليلة فعمرتك رجبية».
المسألة السابعة [إجزاء عمرة التمتع عن العمرة المفردة]
- قد قدمنا ان هذه العمرة واجبة مفروضة على الخلق كوجوب الحج. و يجب ان يعلم ان من تمتع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض وجوبها.
و يدل على ذلك
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».
و عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث «قلت: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج أ يجزئ ذلك عنه؟ قال: نعم».
و عن احمد بن محمد بن أبي نصر (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن العمرة أ واجبة هي؟ قال: نعم. قلت: فمن تمتع يجزى عنه؟
قال: نعم».
و روى الشيخ في الموثق عن يعقوب بن شعيب (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله عز و جل:
____________
(1) الوسائل الباب 3 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 5 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 1 و 5 من العمرة.
(4) الوسائل الباب 5 من العمرة.
(5) الوسائل الباب 5 من العمرة.
332
وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (1) يكفى الرجل إذا تمتع بالعمرة إلى الحج مكان تلك العمرة المفردة؟
قال: كذلك أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) أصحابه».
و روى الصدوق (قدس سره) عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «العمرة مفروضة مثل الحج، فإذا أدى المتعة فقد أدى العمرة المفروضة» (3).
و من اعتمر في أشهر الحج عمرة مفردة فإن شاء ذهب حيث شاء و ان شاء دخل بها في الحج و جعلها عمرة تمتع.
المسألة الثامنة [كيفية العمرة المفردة]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ان صفة العمرة المفردة هو انه إذا دخل مكة، طاف بالبيت طوافا واحدا و صلى ركعتيه ثم سعى بين الصفا و المروة، ثم قصر ان شاء لو حلق، ثم طاف طواف النساء، و قد أحل من كل شيء أحرم منه.
و نقل في المختلف عن أبي الصلاح تقديم طواف النساء على الحلق أو التقصير، حيث قال ثم يدخل المسجد، فيطوف بالبيت، و يسعى بين الصفا و المروة، ثم يرجع الى البيت فيطوف طوافا آخر، و هو طواف النساء ثم يحلق رأسه.
و عن ابن أبي عقيل انه قال في وصف العمرة المفردة: فإذا طاف بالبيت و صلى خلف المقام و سعى بين الصفا و المروة، قصر أو حلق، و ان شاء خرج و ان شاء اقام. و لم يذكر طواف النساء و ظاهره موافق لما تقدم نقله عن الجعفي و الصدوق من انه ليس في العمرة المبتولة طواف النساء.
____________
(1) سورة البقرة الآية 15.
(2) الوسائل الباب 1 و 5 من العمرة.
(3) إلى هنا تنتهي ألفاظ الرواية في كتب الحديث.
333
و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الثانية.
بقي الكلام هنا في ما ذكره أبو الصلاح من تقديم طواف النساء على الحلق و التقصير.
و الذي يدل على القول المشهور من تأخر طواف النساء رواية إبراهيم بن عبد الحميد المتقدمة (1) في المسألة المذكورة. و مثلها صحيحة عبد الله بن سنان المنقولة ثمة أيضا (2).
و يؤيده أيضا قوله (عليه السلام)
في صحيحة معاوية بن عمار (3) المتقدمة ثمة أيضا: «المعتمر عمرة مفردة إذا فرغ من طواف الفريضة و صلاة الركعتين خلف المقام و السعي بين الصفا و المروة حلق أو قصر».
و التقريب انه رتب الحلق أو التقصير على الفراغ من هذه الأشياء خاصة، فهو يدل على متابعته لها و انه بعدها بلا فصل.
المسألة التاسعة [هل يخرج المعتمر في أشهر الحج من مكة؟]
- المعروف من كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ان من دخل مكة بعمرة مفردة في غير أشهر الحج فليس له ان يتمتع بها و ان كان في أشهر الحج فان له ان يتمتع بها، و ان شاء ذهب حيث شاء و الأفضل ان يقيم حتى يحج و يجعلها متعة. و نقل عن ابن البراج ان من اعتمر بعمرة غير متمتع بها الى الحج في شمور الحج ثم أقام بمكة إلى ان أدرك يوم التروية، فعليه ان يحرم بالحج و يخرج إلى منى و يفعل ما يفعله الحاج، و يصير بذلك متمتعا. و من دخل مكة بعمرة مفردة في أشهر الحج جاز له ان يقضيها و يخرج الى اي موضع شاء ما لم يدركه يوم التروية.
____________
(1) ص 313.
(2) ص 316.
(3) الوسائل الباب 5 من التقصير.
334
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة
ما رواه في الكافي عن عبد الله بن سنان في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«لا بأس بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم يرجع الى اهله».
و هذا الخبر دال بإطلاقه على القول المشهور الا ان يقوم دليل على التقييد.
و في الصحيح عن إبراهيم بن عمر اليماني عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) «انه سئل عن رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ثم رجع الى بلاده. قال:
لا بأس، و ان حج من عامه ذلك و أفرد الحج فليس عليه دم، فان الحسين بن علي (عليهما السلام) خرج قبل التروية بيوم الى العراق و قد كان دخل معتمرا».
و في التهذيب (3) «خرج يوم التروية» و هو الأصح كما في الحديث الآتي.
و عن معاوية بن عمار (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
من اين افترق المتمتع و المعتمر؟ فقال: ان المتمتع مرتبط بالحج و المعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء. و قد اعتمر الحسين (عليه السلام) في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق و الناس يروحون إلى منى. و لا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج».
أقول: و الظاهر من استدلاله (عليه السلام) بخروج الحسين (صلوات الله عليه) يوم التروية بعد اعتماره في أشهر الحج هو جواز الخروج قبل ذلك بطريق اولى. و هو ظاهر في الرد على ما نقل عن ابن البراج.
____________
(1) الوسائل الباب 7 من العمرة.
(2) الفروع ج 4 ص 535 و الوسائل الباب 7 من العمرة.
(3) ج 5 ص 436.
(4) الوسائل الباب 7 من العمرة.
335
و ما ادعاه بعض المحققين من ان خروج الحسين (عليه السلام) للضرورة فلا يكون حجة في الدلالة على جواز الخروج مطلقا ينافيه استدلاله (عليه السلام) بذلك، و ذلك فإن القائل بالقول المشهور لم يستدل بخروج الحسين (عليه السلام) في ذلك اليوم حتى انه يرد عليه ما ذكره، بل انما استدل بقوله (عليه السلام) في الخبر الأول: «لا بأس» و في الحديث الثاني «ذهب حيث شاء» ثم استدل (عليه السلام) على الحكم المذكور بفعل الحسين. و الاعتراض بما ذكره هذا المحقق يرجع في الحقيقة إلى الاعتراض على الامام (عليه السلام) في هذين الخبرين، و هو أظهر في البطلان من ان يحتاج الى بيان.
و بالجملة فإن الخبرين ظاهران في ان المعتمر عمرة مفردة في أشهر الحج له الخروج اي وقت شاء.
و أظهر منهما في ذلك
ما رواه الشيخ في الحسن عن نجية عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «إذا دخل المعتمر مكة غير متمتع، فطاف بالبيت، و سعى بين الصفا و المروة، و صلى الركعتين خلف مقام إبراهيم (عليه السلام) فليلحق بأهله ان شاء. و قال: إنما أنزلت العمرة المفردة و المتعة لأن المتعة دخلت في الحج و لم تدخل العمرة المفردة في الحج».
و ظاهر الخبر المذكور عدم جواز الدخول في حج التمتع بالعمرة المفردة و ان كانت في أشهر الحج. و لهذا حمله الشيخ على العمرة المفردة في غير أشهر الحج و منها:
ما رواه الصدوق في الموثق عن سماعة بن مهران عن
____________
(1) الوسائل الباب 5 من العمرة.
336
أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «من حج معتمرا في شوال و من نيته ان يعتمر و يرجع الى بلاده فلا بأس بذلك. و ان هو أقام إلى الحج فهو متمتع، لأن أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن اعتمر فيهن و اقام إلى الحج فهي متعة، و من رجع الى بلاده و لم يقم الى الحج فهي عمرة. و ان اعتمر في شهر رمضان أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع و انما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج، فان هو أحب ان يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها».
أقول: ربما يتوهم من هذه الرواية الدلالة على ما ذهب اليه ابن البراج بان يقال: المعنى فيها انه بعد اعتماره ان انصرف الى بلاده فلا بأس، و ان أقام إلى الحج- أي إلى يوم الحج و هو يوم التروية الذي يخرجون فيه الى الحج- فهو متمتع لا يجوز له الخروج بعد ذلك. و الظاهر انه ليس المعنى في الخبر ذلك، بل المراد انما هو انه ان أراد الذهاب بعد عمرته فلا بأس، و ان لم يرد الذهاب بل أراد الحج فليحج متمتعا. فظاهر الخبر تعين التمتع في ما لو أراد الحج و الحال هذه، من حيث ان العمرة و ان كانت انما وقعت أولا بنية الافراد الا انها من حيث الوقوع في أشهر الحج صارت مرتبطة بالحج متى قصده و اراده. و الذي يظهر من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان الحج متعة انما هو على جهة الأفضلية و الاستحباب
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 274 و الوسائل الباب 10 من أقسام الحج و الباب 7 من العمرة.
337
و لعله نظر الى ان العمرة أولا انما كانت عمرة مفردة فهو مخير في الحج حينئذ لكنه متى اختار التمتع كان له الاكتفاء بتلك العمرة. و الذي يظهر لي من الخبر هو ما ذكرته.
و منها:
ما رواه الصدوق (قدس سره) في الصحيح عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من اعتمر عمرة مفردة فله ان يخرج إلى أهله متى شاء الا ان يدركه خروج الناس يوم التروية».
أقول: و هذه الرواية ظاهرة في ما نقل عن ابن البراج.
و ما رواه الشيخ عن موسى بن القاسم (2) قال: أخبرني بعض أصحابنا:
«انه سأل أبا جعفر (عليه السلام) في عشر من شوال، فقال: اني أريد ان أفرد عمرة هذا الشهر. فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: ان المدينة منزلي و مكة منزلي و لي بينهما أهل و بينهما أموال؟
فقال له: أنت مرتهن بالحج. فقال له الرجل: فإن لي ضياعا حول مكة و احتاج الى الخروج إليها؟ فقال: تخرج حلالا و ترجع حلالا الى الحج».
أقول: حمله في التهذيبين على من دخل لعمرة التمتع ثم أراد إفرادها و في الاستبصار جوز حمله على الاستحباب.
ثم أقول: لا يخفى ان هذا الخبر لا يوافق ما ذكره ابن البراج، لتخصيصه وجوب الحج بدخول يوم التروية عليه في مكة، و الا فيجوز له الخروج قبل ذلك. و هذا الخبر دل على انه يجب عليه حج التمتع و ان
____________
(1) الوسائل الباب 7 من العمرة.
(2) التهذيب ج 5 ص 436 و 437 و الوسائل الباب 22 من أقسام الحج و الباب 7 من العمرة.
338
أحرم في شوال و انه ليس له الخروج بعد دخوله بعمرته. فهو حينئذ غير معمول عليه اتفاقا، مع رد الأخبار المتقدمة له، و لا سيما قوله (عليه السلام) في آخر رواية معاوية بن عمار: «و لا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج».
و منها:
ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من دخل مكة معتمرا مفردا للعمرة فقضى عمرته ثم خرج كان ذلك له، و ان أقام الى ان يدركه الحج كانت عمرته متعة. و قال: ليس تكون متعة إلا في أشهر الحج».
أقول: و ظاهر هذه الرواية و ان أوهم ما نقل عن ابن البراج الا انه يمكن حملها على انه أقام إلى الحج و عزم عليه و كانت إقامته لأجل الحج فليتمتع. و هي ظاهرة ايضا في ما قدمناه من تعين التمتع في الصورة المذكورة و منها:
رواية عمر بن يزيد ايضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة فليس له ان يخرج حتى يحج مع الناس».
و حملها الشيخ على من اعتمر عمرة التمتع. و هو ممكن من حيث إطلاق العمرة فيها، الا انه بالنظر الى غيرها من ما صرح فيه بالمفردة و ان الحكم فيها ما ذكر في هذه الرواية يمكن حمل إطلاقها على تلك الروايات المذكورة و منها:
ما رواه الشيخ عن علي (3) قال: «سأله أبو بصير و انا حاضر عن من أهل بالعمرة في أشهر الحج، إله ان يرجع؟ قال: ليس في أشهر
____________
(1) الوسائل الباب 15 من أقسام الحج و الباب 7 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 7 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 7 من العمرة.
339
الحج عمرة يرجع منها إلى اهله، و لكنه يحتبس بمكة حتى يقضى حجه لأنه إنما أحرم لذلك».
و الظاهر حمله على عمرة التمتع، كما قدمنا بيانه في التتمة التي في آخر المطلب الثاني. و يدل عليه قوله في آخر الرواية:
«لأنه إنما أحرم لذلك».
و منها:
ما رواه الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المعتمر في أشهر الحج. قال:
هي متعة»،.
و ما رواه الصدوق (قدس سره) في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) «انه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوك يكون في الظهر يرعى و هو يرضى ان يعتمر ثم يخرج. فقال: ان كان اعتمر في ذي القعدة فحسن، و ان كان في ذي الحجة فلا يصلح الا الحج».
و عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «العمرة في العشر متعة».
أقول: قد دلت صحيحة يعقوب بن شعيب على ما دلت عليه مرسلة موسى بن القاسم المتقدمة من ان من اعتمر في أشهر الحج فليتمتع. و ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان تخصيص ذلك بذي الحجة، و اما لو كان في ذي القعدة فلا بأس ان يخرج. و مثلها رواية عمر بن يزيد بالتقريب المذكور في ذيلها. و ظاهر رواية عبد الرحمن تخصيص ذلك بعشر ذي الحجة و ظاهر صحيحتي عمر بن يزيد المتقدمتين تخصيص ذلك بإدراك يوم التروية
____________
(1) الوسائل الباب 15 من أقسام الحج و الباب 7 من العمرة.
(2) الوسائل الباب 7 من العمرة.
(3) الوسائل الباب 7 من العمرة.
340
المعبر عنه في الثانية بأن يدركه الحج. و هذه مراتب قد ترتبت في هذه الروايات للأمر بالحج تمتعا لمن اعتمر مفردا في أشهر الحج. و ابن البراج إنما أخذ بالمرتبة الأخيرة. و الروايات المتقدمة- كما عرفت- ظاهرة الدلالة في ان له الرجوع مطلقا. و لا يحضرني وجه لهذا الاختلاف. و الحكم فيه مرجأ إليهم (عليهم السلام). و الله العالم.
المسألة العاشرة [أحكام العمرة في كلام الشهيد في الدروس و التعليق عليه]
- قال في الدروس: و يستحب الاشتراط في إحرامها، و التلفظ بها في دعائه أمام الإحرام، و في التلبية. و لو استطاع لها خاصة لم تجب. و ان استطاع للحج مفردا دونها فالأقرب الوجوب. ثم تراعى الاستطاعة لها. و لا يدخل أفعالها في أفعال الحج. و لا يكره إيقاعها في يوم عرفة و لا يوم النحر و لا أيام التشريق. و لو ساق فيها هديا نحره قبل ان يحلق رأسه بالحزورة على الأفضل. و لو جامع فيها قبل السعي عالما عامدا فسدت و وجبت عليه بدنة، و قضاؤها في زمان يصح فيه الاتباع بين العمرتين.
و على المرأة المطاوعة مثله. و لو أكرهها تحمل البدنة. و لو جامع بعد السعي فالظاهر وجوب البدنة و ان كان بعد الحلق. و لو جامع في المتمتع بها قبل السعي، فسدت، و سرى الفساد الى الحج في احتمال. و لو كان بعده قبل التقصير، فجزور ان كان موسرا، و بقرة ان كان متوسطا، و شاة ان كان معسرا. و قال الحسن: بدنة. و قال سلار: بقرة. و أطلقا.
و على المطاوعة مثله. و لو أكرهها تحمل. و لو قبلها قبل التقصير فشاة. فلو ظن إتمام السعي فجامع أو قصر أو قلم أظفاره، كان عليه بقرة، و إتمام
341
السعي، لروايتي معاوية (1) و سعيد بن يسار (2) و ليس في رواية ابن مسكان (3) سوى الجماع. انتهى.
أقول: اما ما ذكره من استحباب الاشتراط في إحرامها فيدل عليه
ما رواه في الكافي عن فضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «المعتمر عمرة مفردة يشترط على ربه أن يحله حيث حبسه. و مفرد الحج يشترط على ربه ان لم تكن حجة فعمرة».
و اما التلفظ بها في الدعاء و التلبية فلم أقف فيه على نص في خصوص العمرة المفردة، و لعله مأخوذ من نصوص التمتع فإنه المذكور فيها.
و اما انه لو استطاع لها خاصة لم تجب. الى آخر ما ذكره في ذلك فهو أحد الأقوال في المسألة على ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه في المدارك.
و قيل انه لا يشترط في وجوبها الاستطاعة للحج معها بل لو استطاع إليها خاصة وجبت. و كذا الحج بطريق اولى، و استجوده في المسالك.
و قال في المدارك: و هو أشهر الأقوال في المسألة و أجودها، إذ ليس في ما وصل إلينا من الروايات دلالة على ارتباطها بالحج، بل و لا دلالة على اعتبار
____________
(1) الظاهر ان مراد الشهيد برواية معاوية هي التي نقلها المصنف عن الشهيد الثاني ص 285 و أنكر وجودها و قد أوردنا في التعليقة (5) هناك ما يرتبط بذلك فراجع.
(2) تقدمت ص 285.
(3) تقدمت ص 284.
(4) الوسائل الباب 23 من الإحرام.
342
وقوعها في السنة، و انما المستفاد منها وجوبها خاصة.
أقول: و هو الظاهر من الاخبار التي قدمناها في صدر هذا المطلب، و منها:
قول أبي عبد الله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1):
«العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع.».
و نحوها صحيحة زرارة بن أعين المذكورة ثمة أيضا (2) و غيرها.
و قيل ان كلا منهما لا يجب الا مع الاستطاعة للآخر.
قال في المسالك بعد نقل القولين المذكورين: و فصل ثالث فأوجب الحج مجردا عنها و شرط في وجوبها الاستطاعة للحج. و هو مختار الدروس.
ثم ان ما ذكره في المدارك- من انه ليس في ما وصل اليه من الروايات دلالة. من ما ينافيه ما قدمنا نقله في المسألة الرابعة (3)
من قول أبي عبد الله (عليه السلام) في المرسلة التي نقلها الشيخ عن أصحابنا و غيرهم: «ان المتمتع إذا فاتته عمرة المتعة اعتمر بعد الحج.
الحديث».
فان ظاهره ان محلها الموظف لها بعد الحج و ان جاز تأخيره إلى أول المحرم كما دل عليه عجز الخبر. و الوظائف الشرعية يجب الوقوف فيها على النقل، و التجاوز الى غيره يحتاج الى دليل. فما ذكره في هذا المقام- و صرح به أيضا في موضع آخر من قوله: و قد قطع الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه يجب على القارن و المفرد تأخير العمرة عن الحج، و في استفادة ذلك من الاخبار نظر. انتهى- محل اشكال.
____________
(1) الفروع ج 4 ص 265 و الوسائل الباب 1 من العمرة.
(2) ص 311.
(3) ص 325 و 326.
343
و اما ما ذكره- من انه لا يدخل أفعالها في أفعال الحج- فوجهه ظاهر من ان العبادات مبنية على التوقيف، و كل من الحج و العمرة نسك مستقل فإدخال أحدهما في الآخر بأن ينوي الحج قبل تحلله من العمرة أو العمرة قبل تحلله من الحج غير جائز عند علمائنا. و قد نقل شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الإجماع على ذلك. و يدل عليه ظاهر قوله (عز و جل):
وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ (1) و قد تقدم الخلاف في من لبى بالحج قبل ان يقصر من عمرته.
و اما انه لا يكره إيقاعها في الأيام المذكورة فينافيه ما تقدم منه قبيل هذا الكلام من قوله: و وقت العمرة الواجبة بأصل الشرع عند الفراغ من الحج و انقضاء أيام التشريق، لرواية معاوية بن عمار (2) و قد تقدم إيضاح ذلك في المسألة الرابعة بما يؤذن بقوله بوجوب تأخيرها عن أيام التشريق، كما هو ظاهر الرواية المذكورة. فكيف يتم ما ذكره هنا من انه لا يكره إيقاعها في أيام التشريق على إطلاقه. الا ان يخص بالواجبة و يكون الكلام هنا في المستحبة لمن لم يجب عليه الحج، فإنه لا مانع من إيقاعها في هذه الأيام.
و اما ان من ساق هديا فيها نحره قبل ان يحلق رأسه بالحزورة فهو مدلول بعض الاخبار، و الاخبار في المسألة مختلفة في ذلك. و سيأتي الكلام عليها ان شاء الله تعالى في محلها.
و اما ما ذكره- من انه لو جامع فيها قبل السعي. الى آخره-
____________
(1) سورة البقرة الآية 195.
(2) تقدمت ص 324 و 325.
344
فقد تقدم تحقيق القول فيه في الموضع السادس عشر من الفصل الثاني في كفارة الجماع من الباب الثاني (1) و كذا جماع المتمتع قبل السعي أو بعده قبل التقصير. و قد تقدم في الموضع المشار اليه ما يدل على بعض أحكامه و قد تقدم قريبا ايضا ما يدل على بعض.
و اما حكم المرأة المطاوعة و المكرهة فهو و ان لم أقف عليه في خصوص إحرام العمرة المفردة لكنه داخل في عموم الأخبار الدالة على جماع المحرم و اما قوله-: و لو جامع بعد السعي. إلى قوله: و ان كان بعد الحلق- فيحتمل ان يكون حكما مستقلا عن ما قبل، و يكون إشارة الى ما تقدم في الموضع الثالث عشر من الفصل الثاني في كفارة الجماع من وجوب البدنة على المجامع بعد السعي. الا ان قوله: «و أن كان بعد الحلق» مشكل، حيث انه بعد الحلق قد أحل فلا تلحقه الكفارة. و يحتمل- و هو الأنسب بصحة العبارة و ان بعد من حيث نظم الكلام- رجوع ذلك الى الإكراه، بمعنى انه يجب عليه الكفارة بالإكراه بعد السعي و ان كان بعد الحلق، يعني بعد إحلاله و إحرامها هي. و يحتمل- و لعله الأقرب- ان إيجابه البدنة انما هو من حيث عدم الإتيان بطواف النساء. الا اني لم أقف على مصرح به من الأصحاب (رضوان الله عليهم). و قد تقدم في الموضع المشار اليه آنفا ان وجوب البدنة في العمرة بعد السعي و قبل التقصير انما ثبت في عمرة التمتع دون المفردة. فليتأمل. و الله العالم.
____________
(1) ج 15 ص 387 الموضع الثالث عشر.
345
الباب الرابع في الحج
و فيه مقاصد:
المقصد الأول في الوقوف بعرفات.
و البحث عن مقدماته و كيفيته و أحكامه يقع في فصول ثلاثة:
الفصل الأول في المقدمات
، و فيه مسائل:
المسألة الأولى [وقت الإحرام للحج]
- المشهور بين الأصحاب استحباب الإحرام للحج يوم التروية، و نقل في المختلف عن ابن حمزة القول بالوجوب إذا أمكنه الإحلال و الإحرام بالحج و لم يتضيق الوقت، مستندا الى الأمر بالإحرام يوم التروية في جملة من الاخبار الآتية، و حمله الأصحاب على الاستحباب، استنادا الى اشتمال تلك الاخبار على جملة من المستحبات.
أقول: و من ما يدل على جواز وقوعه في غير يوم التروية ما تقدم قريبا (1) في حديث أبي الحسن (عليه السلام) من انه دخل ليلة عرفة معتمرا فاتى بأفعال العمرة و أحل و جامع بعض جواريه ثم أهل بالحج و خرج الى منى.
____________
(1) ص 303.
346
و ما رواه الشيخ في التهذيب (1) في الصحيح عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث قال فيه: «و موسع للرجل أن يخرج إلى منى من وقت الزوال من يوم التروية الى ان يصبح حيث يعلم انه لا يفوته الموقف».
و في الصحيح عن علي بن يقطين (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي يريد ان يتقدم فيه الذي ليس له وقت أول منه. قال: إذا زالت الشمس. و عن الذي يريد ان يتخلف بمكة عشية التروية، إلى آية ساعة يسعه ان يتخلف؟ قال: ذلك موسع له حتى يصبح بمنى».
و معناه ان أول وقت الخروج إلى منى زوال الشمس من يوم التروية و آخره آخر ليلة عرفة بان يصبح في منى لا يتقدم على هذا و لا يتأخر عن هذا. هذا هو الأصل في أفضلية الوقت و ان جاز التقديم و التأخير على خلاف الفضل، و لذوي الأعذار كما سيأتي ان شاء الله تعالى.
و الظاهر ان ما ذكره علماء الرجال من ان علي بن يقطين روى عن أبي عبد الله (عليه السلام) حديثا واحدا هو هذا الحديث.
____________
(1) ج 5 ص 176، و قد اعتبر في الوافي باب (الخروج إلى منى) هذا الكلام من تتمة حديث البزنطي عن بعض أصحابه الذي أورده في الوسائل الباب 3 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة، و لم يعتبره من الحديث المزبور بل من كلام الشيخ (قدس سره)، و قد جرى المصنف (قدس سره) على نهج الوافي حيث اعتبره من الحديث. و سيأتي منه نقل الحديث المذكور في المسألة الثالثة.
(2) الوسائل الباب 2 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
347
و هذه الاخبار ظاهرة في رد ما نقل عن ابن حمزة من القول بالوجوب في يوم التروية.
[المستحبات قبل إحرام الحج يوم التروية]
ثم ان من المستحب في هذا اليوم ايضا قبل الإحرام الغسل و قص الأظفار و طلي العانة و نتف الإبطين و أخذ الشارب.
و من الاخبار في المقام
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان يوم التروية ان شاء الله، فاغتسل، و البس ثوبيك، و ادخل المسجد حافيا و عليك السكينة و الوقار، ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو في الحجر، ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من الشجرة، و أحرم بالحج، ثم امض و عليك السكينة و الوقار، فإذا انتهيت الى الروحاء دون الردم فلب، فإذا انتهيت الى الردم و أشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى».
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا أردت أن تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت أن تحرم، و خذ من شاربك و من أظفارك، و اطل عانتك ان كان لك شعر، و انتف إبطيك، و اغتسل، و البس ثوبيك، ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات قبل ان تحرم، و تدعو الله تعالى و تسأله العون، و تقول:
____________
(1) الفروع ج 4 ص 454 و التهذيب ج 5 ص 167 و الوسائل الباب 1 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الفروع ج 4 ص 454 و التهذيب ج 5 ص 168 و الوسائل الباب 52 من الإحرام.
348
اللهم اني أريد الحج فيسره لي و حلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي.
و تقول: أحرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي من النساء و الطيب و الثياب، أريد بذلك وجهك و الدار الآخرة، و تحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. ثم تلبي من المسجد الحرام كما لبيت حين أحرمت، و تقول: لبيك بحجة تمامها و بلاغها عليك. فان قدرت ان يكون رواحك إلى منى زوال الشمس و الا فمتى تيسر لك من يوم التروية».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا كان يوم التروية فاصنع كما صنعت بالشجرة، ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم أهل بالحج، فان كنت ماشيا فلب عند المقام، و ان كنت راكبا فإذا نهض بك بعيرك، و صل الظهر ان قدرت بمنى. و اعلم انه واسع لك ان تحرم في دبر فريضة أو دبر نافلة أو ليل أو نهار».
و عن أيوب بن الحر عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«قلت له: انا قد اطلينا و نتفنا و قلمنا أظفارنا بالمدينة فما نصنع عند الحج؟ فقال: لا تطل و لا تنتف و لا تحرك شيئا».
و هذا الخبر حمله الشيخ في التهذيب (3) على الحجة المفردة دون المتمتع بها قال: لان المفرد لا يجوز له شيء من ذلك حتى يفرغ من مناسك يوم
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 169 و الوسائل الباب 46 و 15 و 18 من الإحرام و الباب 2 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 7 من الإحرام.
(3) ج 5 ص 168 و الوسائل الباب 7 من الإحرام.
349
النحر، و ليس في الخبر انا قد فعلنا ذلك و نحن متمتعون غير مفردين.
و في الاستبصار حمله على الاخبار عن الجواز و ان كان التنظيف أفضل. قال في الوافي: و هو الأظهر، لأن المتبادر من قوله «عند الحج» الإحرام به فينبغي حمله على ما إذا كان قريب العهد بالاطلاء و النتف و كان أقل من خمسة عشر يوما الذي هو النصاب في ذلك. و هو جيد.
فائدة [لما ذا سمي يوم الخاص يوم التروية؟]
روى الصدوق (قدس سره) في كتاب علل الشرائع و الأحكام (1) في الحسن عن عبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته لم سمي يوم التروية يوم التروية؟ قال: لأنه لم يكن بعرفات ماء و كانوا يستقون من مكة من الماء لريهم، و كان بعضهم يقول لبعض ترويتم ترويتم: فسمي يوم التروية لذلك».
و رواه في المحاسن (2) بالسند المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام) هكذا: قال: «لأنه لم يكن بعرفات ماء و كان يستقون من مكة الماء لريهم، و كان يقول بعضهم لبعض: ترويتم من الماء. فسميت التروية».
و روى في المحاسن (3) أيضا في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سميت التروية لأن جبرئيل أتى
____________
(1) ص 435 الطبعة الحديثة.
(2) ج 2 ص 336.
(3) ج 2 ص 336 و في الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
350
إبراهيم يوم التروية فقال: يا إبراهيم ارتو من الماء لك و لأهلك. و لم يكن بين مكة و عرفات ماء، ثم مضى به الى الموقف فقال له: اعترف و اعرف مناسكك. فلذلك سميت عرفة. ثم قال له: ازدلف الى المشعر الحرام فسميت المزدلفة».
و روى في الكافي (1) عن أبي بصير «انه سمع أبا جعفر و أبا عبد الله (عليهما السلام) يذكران انه لما كان يوم التروية قال جبرئيل لإبراهيم تروه من الماء. فسميت التروية. ثم أتى منى فأباته بها. ثم غدا به الى عرفات فضرب خباءه بنمرة دون عرفة فبنى مسجدا بأحجار بيض، و كان يعرف اثر مسجد إبراهيم حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة. الحديث».
و هو طويل يتضمن قضية ذبح إسماعيل.
و نقل العلامة في المنتهى عن الجمهور (2) وجها آخر، و هو ان إبراهيم راي في تلك الليلة التي رأى فيها ذبح الولد رؤياه، فأصبح يروى في نفسه أ هو حلم أم من الله تعالى؟ فسمي يوم التروية، فلما كانت ليلة عرفة راى ذلك ايضا فعرف انه من الله تعالى، فسمى يوم عرفة.
الثانية [أين يؤدى ظهري يوم التروية؟]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم)- بعد اتفاقهم على استحباب الإحرام أو وجوبه يوم التروية عند الزوال- في أفضلية الصلاة المكتوبة في المسجد و وقوع الإحرام في دبرها أو تأخيرها إلى منى، فقال الشيخ في النهاية و المبسوط: و إذا أراد ان يحرم للحج فليكن ذلك عند زوال الشمس بعد ان يصلي الفرضين في مكة. و ذهب الشيخ المفيد.
____________
(1) ج 4 ص 207.
(2) المغني ج 3 ص 404 طبع عام 1368 و الدر المنثور ج 5 ص 283.
351
و السيد المرتضى إلى تأخير الفرضين إلى منى. و نقل في المختلف عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه انه قال: و إذا كان يوم التروية، فاغتسل و البس ثياب إحرامك، و ايت المسجد حافيا و عليك السكينة و الوقار، و صل عند المقام الظهر و العصر، و اعقد إحرامك في دبر العصر، و ان شئت في دبر الظهر، بالحج مفردا. و قال ابن الجنيد: الأفضل ان يكون عقيب صلاة العصر المجموعة إلى الظهر، و يصلي ركعتين عند المقام أو في الحجر، و ان صلى ست ركعات للإحرام كان أفضل، و ان صلى فريضة الظهر ثم أحرم في دبرها كان أفضل.
و ظاهر هذه العبارات انه لا فرق في ذلك بين الامام و غيره. و قال الشيخ في التهذيب ان الخروج بعد الصلاة مختص بمن عدا الامام من الناس، فاما الإمام نفسه فلا يجوز له ان يصلي الظهر و العصر يوم التروية إلا بمنى. و حمل العلامة في المنتهى عبارته بعدم الجواز على شدة الاستحباب. و الى هذا القول ذهب أكثر المتأخرين، و الظاهر انه المشهور بينهم. و اختار في المدارك التخيير لغير الامام بين الخروج قبل الصلاة أو بعدها، و اما الامام فيستحب له التقدم و الخروج قبل الزوال و إيقاع الفرضين في منى. و هو جيد. و عليه تجتمع الاخبار.
فمن الأخبار الواردة في المقام ما تقدم من صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته، و هي دالة على استحباب الصلاة في المسجد، لكنها مطلقة شاملة بإطلاقها للإمام و غيره و رواية عمر بن يزيد و ظاهرها أفضلية التأخير إلى منى مطلقا.
352
و منها:
ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا انتهيت إلى منى فقال: اللهم ان هذه منى و هي من ما مننت به علينا من المناسك، فأسألك أن تمن علي بما مننت به على أنبيائك، فإنما أنا عبدك و في قبضتك. ثم تصلي بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر، و الامام يصلي بها الظهر لا يسعه الا ذلك. و موسع لك ان تصلي بغيرها ان لم تقدر ثم تدركهم بعرفات.».
و هذا الخبر ظاهر في استثناء الامام و انه لا يسعه إلا الصلاة بمنى و مفهومه ان غيره يسعه ذلك.
و وجه الجمع بين هذه الاخبار بالنسبة الى غير الامام هو التخيير.
و الظاهر ان الشيخ المفيد و السيد المرتضى قد استندا في ما ذهبا اليه من تأخير الفريضة إلى منى إلى صحيحة معاوية بن عمار الثانية، و رواية عمر ابن يزيد.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): و إذا كان يوم التروية فاغتسل و البس ثوبيك اللذين للإحرام، و ايت المسجد حافيا و عليك السكينة و الوقار، و صل عند المقام الظهر و العصر، و اعقد إحرامك دبر العصر، و ان شئت في دبر الظهر بالحج مفردا، تقول: اللهم اني أريد ما أمرت به من الحج على كتابك و سنة نبيك (صلى الله عليه و آله) فان عرض لي عرض
____________
(1) الفروع ج 4 ص 461 و التهذيب ج 5 ص 177 و 178 و الوسائل الباب 6 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) ص 28.
353
حبسني فحلني أنت حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي. و لب مثل ما لبيت في العمرة. الحديث.
و منه يعلم أن ما تقدم نقله عن الشيخ علي ابن بابويه فهو مأخوذ من الكتاب على ما تكرر في غير موضع من ما قدمنا.
و من الأخبار الدالة على اختصاص الإمام بتأخير الصلاة إلى منى زيادة على ما عرفت في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن و في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «على الامام أن يصلي الظهر بمنى، ثم يبيت بها و يصبح حتى تطلع الشمس، ثم يخرج إلى عرفات».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «ينبغي للإمام أن يصلي الظهر من يوم التروية بمنى، و يبيت بها و يصبح حتى تطلع الشمس، ثم يخرج».
و ما رواه الشيخ عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما (عليهما السلام) (3) قال: «لا ينبغي للإمام أن يصلي الظهر يوم التروية إلا بمنى و يبيت بها إلى طلوع الشمس».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «على الامام أن يصلي الظهر يوم التروية بمسجد الخيف و يصلي الظهر يوم النفر في المسجد الحرام».
____________
(1) الفروع ج 4 ص 460 و الفقيه ج 2 ص 280 و الوسائل الباب 4 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 4 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الوسائل الباب 4 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) الوسائل الباب 4 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
354
و ما رواه في من لا يحضره الفقيه (1) في الصحيح عن محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) الظهر بمنى يوم التروية؟ فقال: نعم، و الغداة بمنى يوم عرفة».
أقول: و هذه الأخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة في الوجوب كما هو ظاهر كلام الشيخ المتقدم، و الأصحاب تأولوه بالحمل على شدة الاستحباب و لا يبعد أن مراد الشيخ إنما هو الوجوب حقيقة، فإن ظاهر هذه الأخبار كلها يساعده. و لا ينافي ذلك لفظ «ينبغي و لا ينبغي» في الصحيحة جميل و صحيحة محمد بن مسلم، فان استعمال ذلك في الوجوب و التحريم في الأخبار أكثر من أن يحصى كما تقدم بيانه. و ليس في شيء من هذه الأخبار أو غيرها ما يؤذن بجواز ذلك له في غير منى. فالقول بالوجوب ليس بالبعيد عملا بظاهرها كما لا يخفى.
أقول: و المراد بالإمام هنا هو من يجعله الخليفة واليا على الموسم لا الإمام حقيقة و إن كان منتحلا.
و يدل على ذلك
ما رواه في الكافي (2) عن حفص المؤذن قال: «حج إسماعيل بن علي بالناس سنة أربعين و مائة، فسقط أبو عبد الله (عليه السلام) عن بغلته، فوقف عليه إسماعيل، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام):
سر فإن الإمام لا يقف».
الثالثة [ذو العذر يعجل الخروج]
- ما تقدم من استحباب الخروج بعد الزوال من يوم التروية
____________
(1) ج 2 ص 280 و التهذيب ج 5 ص 177 و الوسائل الباب 4 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 5 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
355
مخصوص بغير ذوي الأعذار كما نبه عليه الأصحاب و دلت عليه الأخبار، كالمريض و الشيخ الكبير و نحوهما ممن يخاف الزحام فإنه يجوز لهم التعجيل رخصة من غير كراهة، بل يستحب بيوم أو يومين أو ثلاثة.
و يدل على ذلك
ما رواه ثقة الإسلام في الموثق عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الرجل يكون شيخا كبيرا أو مريضا يخاف ضغاط الناس و زحامهم، يحرم بالحج و يخرج إلى منى قبل يوم التروية؟ قال: نعم. قلت: يخرج الرجل الصحيح يلتمس مكانا و يتروح بذلك المكان؟ قال: لا. قلت: يعجل بيوم؟ قال: نعم قلت: بيومين؟ قال: نعم. قلت: ثلاثة؟ قال: نعم. قلت: أكثر من ذلك؟ قال: لا».
و روى في كتاب من لا يحضره الفقيه (2) عن إسحاق بن عمار قال:
«قلت لأبي الحسن (عليه السلام): يتعجل الرجل قبل التروية بيوم أو يومين من أجل الزحام و ضغاط الناس؟ فقال: لا بأس» و قال في خبر آخر: «لا يتعجل بأكثر من ثلاثة أيام».
و روى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن بعض
____________
(1) الفروع ج 4 ص 460 و الوسائل الباب 3 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) ج 2 ص 280 عن أبي عبد الله (ع). و في الوسائل الباب 3 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة، و الوافي باب (الخروج إلى منى) عن أبي الحسن (ع).
356
أصحابه (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): يتعجل الرجل قبل التروية بيوم أو يومين من أجل الزحام و ضغاط الناس؟ فقال:
لا بأس. الحديث».
و قد تقدم تمامه في صدر المسألة الأولى.
الرابعة [وقت الإحرام لحج القران و الإفراد]
- ما تقدم من الأحكام في المسائل المتقدمة كله مختص بحج التمتع، و أما الكلام في القارن و المفرد فلم يتعرض له أصحابنا في البحث.
قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك- بعد نقل قول المصنف: فيستحب للمتمتع أن يخرج إلى عرفات يوم التروية- ما هذا نصه: خص المتمتع بالذكر لأن استحباب الإحرام يوم التروية موضع وفاق بين المسلمين. و أما القارن و المفرد فليس فيه تصريح من الأكثر، و قد ذكر بعض الأصحاب أنه كذلك و هو ظاهر إطلاق بعضهم. و في التذكرة نقل الحكم في المتمتع عن الجميع ثم نقل خلاف العامة في وقت إحرام الباقي هل هو كذلك أم في أول ذي الحجة (2). انتهى.
أقول: و في المنتهى نحو ما نقله في التذكرة، فإنه قال بعد الكلام في المتمتع: أما المكي فذهب مالك إلى انه يستحب أن يهل بالحج من المسجد بهلال ذي الحجة، و روى عن ابن عمر و ابن عباس و طاوس و سعيد بن
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 176 و الوسائل الباب 3 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة. و قول المصنف «. الحديث» يبتنى على ان للحديث تتمة و قد بينا ما في ذلك في التعليقة 1 ص 346.
(2) راجع المغني ج 3 ص 404 طبع عام 1368.
357
جبير استحباب إحرامه يوم التروية أيضا، و هو قول أحمد. (1) إلى أن قال (قدس سره): و لا خلاف في انه لو أحرم المتمتع أو المكي قبل ذلك في أيام الحج فإنه يجزئه. انتهى.
أقول: المستفاد من الأخبار أن المفرد متى كان من أهل الأقطار مقيما بمكة و انتقل حكمه إليهم أو أراد الحج مفردا استحبابا، فإنه يحرم بالحج من أول ذي الحجة إن كان صرورة، و إن كان قد حج سابقا فمن اليوم الخامس من ذي الحجة، و بعضها مطلق في الإحرام من أول الشهر، و أنه يخرج الى التنعيم أو الجعرانة و يحرم منها لا من مكة.
و قد تقدمت الأخبار في ذلك في المقدمة الرابعة، و لنشر هنا إلى بعضها:
فمنها:
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اني أريد الجوار فكيف أصنع؟ فقال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها بالحج. إلى أن قال:
ثم قال: ان سفيان فقيهكم أتاني فقال: ما يحملك على أن تأمر أصحابك يأتون الجعرانة فيحرمون منها؟ فقلت له: هو وقت من مواقيت رسول الله (صلى الله عليه و آله). فقال: و أي وقت من مواقيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) هو؟ فقلت له: أحرم منها حين قسم غنائم حنين و مرجعه من
____________
(1) المغني ج 3 ص 404 طبع عام 1368.
(2) الفروع ج 4 ص 300 و الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.
358
الطائف. إلى أن قال: فقال: أما علمت أن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إنما أحرموا من المسجد. فقلت: إن أولئك كانوا متمتعين في أعناقهم الدماء و ان هؤلاء قطنوا بمكة فصاروا كأنهم من أهل مكة و أهل مكة لا متعة لهم، فأحببت أن يخرجوا من مكة الى بعض المواقيت و ان يستغبوا به أياما.
الحديث».
و عن صفوان عن أبي الفضل (1) قال: «كنت مجاورا بمكة، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام): من أين أحرم بالحج؟ فقال: من حيث أحرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من الجعرانة. فقلت: متى أخرج؟
قال: ان كنت صرورة فإذا مضى من ذي الحجة يوم، و ان كنت قد حججت قبل ذلك فإذا مضى من الشهر خمس».
و روى الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (2) قال: قال (عليه السلام):
«ينبغي للمجاور بمكة إذا كان صرورة و أراد الحج أن يخرج إلى خارج الحرم فيحرم من أول يوم من العشر، و إن كان مجاورا و ليس بصرورة فإنه يخرج أيضا من الحرم و يحرم في خمس تمضي من العشر».
و في الصحيح إلى إبراهيم بن ميمون (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان أصحابنا مجاورون بمكة و هم يسألوني لو قدمت عليهم كيف يصنعون؟
قال: قل لهم: إذا كان هلال ذي الحجة فليخرجوا إلى التنعيم فليحرموا
____________
(1) الفروع ج 4 ص 302 و الوسائل الباب 9 من أقسام الحج. و في الخطية: «و في الصحيح عن صفوان.».
(2) ص 71 و 72 و الوسائل الباب 19 من المواقيت.
(3) التهذيب ج 5 ص 446 و الوسائل الباب 9 من أقسام الحج.
359
الحديث».
و في موثقة سماعة (1) في من اعتمر في غير أشهر الحج و اقام بمكة:
«فإن هو أحب ان يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات عرق أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرة إلى الحج، فان هو أحب أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها».
و هذه الأخبار كلها كما ترى ظاهرة الدلالة في أن الإحرام بالحجة المفردة للمجاور من خارج الحرم من هذه المواضع و انها ميقات له، و ان إحرامه من هلال ذي الحجة أو بعد مضي خمسة أيام منه.
و يفهم من بعض الاخبار ايضا انه يحرم يوم التروية أيضا.
و هو
ما رواه في الكافي عن سماعة في الموثق عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «المجاور بمكة إذا دخلها بعمرة في غير أشهر الحج: في رجب أو شعبان أو شهر رمضان أو غير ذلك من الشهور إلا أشهر الحج، فإن أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، من دخلها بعمرة في غير أشهر الحج ثم أراد ان يحرم، فليخرج إلى الجعرانة فيحرم منها ثم يأتي مكة، و لا يقطع التلبية حتى ينظر الى البيت، ثم يطوف بالبيت و يصلي الركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم يخرج الى الصفا و المروة فيطوف بينهما، ثم يقصر و يحل، ثم يعقد التلبية يوم التروية».
و التقريب فيها ان هذه العمرة الثانية المشار إليها بقوله: «ثم أراد ان يحرم.» لا يجوز ان تكون عمرة تمتع لوجوب الإتيان بها من الميقات
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 274 و الوسائل الباب 10 من أقسام الحج.
(2) الوسائل الباب 8 من أقسام الحج.
360
كما أشارت إليه موثقة سماعة المتقدمة و صرح به غيرها، و هي اتفاق الأصحاب بل هي عمرة مفردة، فالحج المشار اليه بقوله: «ثم يعقد التلبية يوم التروية» حج إفراد البتة. و قد صرح بأنه يعقد إحرامه يوم التروية، و هو ظاهر في كونه من مكة أيضا و اما غيره من أقسام المفردين فلا ريب في ان إحرامهم من مكة للأخبار المستفيضة بان من كان منزله دون الميقات إلى مكة فإن ميقاته منزله. و اما انه اي يوم فلم أقف فيه على نص صريح كما اعترفوا به في ما قدمنا نقله عنهم، و لكن أحدا منهم لم ينبه على هذا الفرد الذي ذكرناه أيضا.
الخامسة [من أين يكون الإحرام لحج التمتع؟]
- الظاهر انه لا خلاف في ان إحرام الحج من مكة و انها ميقات حج التمتع، و ان اي موضع أحرم فيه منها فهو مجزئ.
و يدل عليه
ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن صفوان عن أبي أحمد عمرو بن حريث الصيرفي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) من أين أهل بالحج؟ فقال: ان شئت من رحلك و ان شئت من الكعبة و ان شئت من الطريق».
إلا ان
في التهذيب (2) «و هو بمكة» بعد قوله: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)» و فيه «من المسجد» عوض قوله «من الكعبة».
و قد وقع الاتفاق أيضا على أفضليته من المسجد، و انما الخلاف في أفضلية أي موضع منه.
و من ما يدل على حصول الفضيلة من المسجد في أي جزء منه ما تقدم
____________
(1) الوسائل الباب 21 من المواقيت.
(2) ج 5 ص 166 و 477 و الوسائل الباب 21 من المواقيت.
361
في صدر البحث من رواية أبي بصير و قوله (عليه السلام) فيها: «ثم ائت المسجد الحرام فصل فيه ست ركعات. الى آخره».
و ما رواه في الكافي عن يونس بن يعقوب في الموثق (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) من اي المسجد أحرم يوم التروية؟ فقال: من اي المسجد شئت».
و اما تعيين الأفضل منه فقال الشيخ (قدس سره): أفضل المواضع التي يحرم منها المسجد، و في المسجد عند المقام. و هو قول ابن إدريس، و الظاهر من كلام ابن بابويه و المفيد و العلامة في المختلف، و به صرح في الدروس ايضا فقال: و الأقرب ان فعله في المقام أفضل من الحجر تحت الميزاب. و قال في المنتهى: يحرم من مكة، و الأفضل ان يكون من تحت الميزاب و يجوز ان يحرم من اي موضع شاء من مكة، و لا نعلم فيه خلافا.
انتهى. و ظاهر كلام ابي الصلاح يشعر بأن أفضله تحت الميزاب أو عند المقام و استند الأولون الى ما تقدم من رواية
عمر بن يزيد المتقدمة (2) في صدر البحث من قوله (عليه السلام): «ثم صل ركعتين خلف المقام، ثم أهل بالحج».
و يدل عليه ايضا ما تقدم نقله عن كتاب الفقه الرضوي.
و به قال الشيخ علي بن بابويه كما تقدم نقل عبارته.
و يدل على قول ابي الصلاح
صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (3) ثمة أيضا و قوله (عليه السلام): «ثم صل ركعتين عند مقام إبراهيم أو في الحجر
____________
(1) الفروع ج 4 ص 455 و التهذيب ج 5 ص 166 و 167 و الوسائل الباب 21 من المواقيت.
(2) ص 348.
(3) ص 347.
362
ثم اقعد حتى تزول الشمس فصل المكتوبة، ثم قل في دبر صلاتك.
الى آخره».
و قال في المختلف في الجواب عن هذه الرواية: و الجواب: التخيير لا ينافي أولوية أحد الأمرين المخير فيهما بأمر آخر غير أمر التخيير كما في خصال الكفارة. انتهى.
أقول: فيه انه مسلم لو دلت الرواية المذكورة على الأولوية، و مجرد الذكر لا يدل على الأولوية، لأنه أحد فردي المخير و الأولوية أمر آخر وراء مجرد ذكره كما لا يخفى.
و اما ما ذكره في المنتهى و مثله غيره ايضا من أفضليته تحت الميزاب بالخصوص فلم أقف له على دليل، و الموجود في الاخبار كما عرفت انما هو التخيير أو كونه في المقام.
السادسة [آداب الإحرام لحج التمتع]
- قال في المختلف: قال شيخنا المفيد: إذا كان يوم التروية فليأخذ من شاربه و ليقلم أظفاره و يغتسل و يلبس ثوبيه، ثم يأتي المسجد الحرام حافيا و عليه السكينة و الوقار، فليطف أسبوعا ان شاء، ثم ليصل ركعتين لطوافه عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم ليقعد حتى تزول الشمس فإذا زالت فليصل ست ركعات. و قال ابن الجنيد: من أحل من متعته أحرم يوم التروية للحج قبل خروجه إلى منى عقيب طواف أسبوع بالبيت و ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) أو غيره. و قال أبو الصلاح:
و يطوف أسبوعا ثم يصلي ركعتي الطواف ثم يخرج بعدهما. و لم يذكر الشيخ هذا الطواف و لا السيد المرتضى و لا ابن إدريس و لا ابن بابويه. و الشيخ عول على الحديث، فإنه لم يذكر فيه الطواف، و المفيد عول على انه قادم على
363
المسجد، فاستحب له التحية، و الطواف أفضل من الصلاة. و لا نزاع بينهما حينئذ. بقي ان يقال: ان قصد المفيد استحباب هذا الطواف للإحرام فهو ممنوع، فان المجاور يستحب له الصلاة أكثر من الطواف إذا جاور ثلاث سنين. انتهى.
أقول: قد ذكر هذا الطواف ايضا الصدوق في من لا يحضره الفقيه في باب سياق مناسك الحج (1) فقال: فإذا كان يوم التروية فاغتسل، و البس ثوبيك، و ادخل المسجد الحرام حافيا و عليك السكينة و الوقار، فطف بالبيت أسبوعا تطوعا. الى ان قال: و اقعد حتى تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فصل ست ركعات قبل الفريضة، ثم صل الفريضة، و اعقد الإحرام في دبر الظهر و ان شئت في دبر العصر. و حينئذ فما نقله (قدس سره) عن ابن بابويه من انه لم يذكر هذا الطواف ليس في محله الا ان يريد به أباه الشيخ علي بن الحسين، و هو خلاف المعروف من هذه العبارة في كلامهم ثم ان ظاهر الشيخ المفيد تقديم مستحبات الإحرام المذكورة على الزوال و قال أبو الصلاح: فإذا زالت الشمس من يوم التروية، فليغتسل، و يلبس ثوبي إحرامه، و يأتي المسجد الحرام حافيا و عليه السكينة و الوقار، فيطوف بالبيت أسبوعا، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يحرم بعدهما. و صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة في صدر البحث صريحة الدلالة في ما ذكره شيخنا المفيد.
ثم إن ظاهر كلام ابي الصلاح المذكور ان الإحرام عقيب ركعتي الطواف، و هو ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدمة. و ظاهر كلام الشيخ المفيد
____________
(1) ج 2 ص 320.
364
انه عقيب ست ركعات الإحرام. و نقل في المختلف عن الشيخين انهما جعلاه عقيب ست ركعات و أقله ركعتان. و مال في المختلف الى ان الأفضل عقيب فريضة الظهرين، و هو الذي صرح به الشيخ علي بن بابويه في ما قدمنا من عبارته، و هو الذي ذكره في كتاب الفقه الرضوي، و يدل عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة. و ما تقدم في رواية أبي بصير من الإحرام عقيب الست ركعات، و رواية عمر بن يزيد من الإهلال عقيب الركعتين يمكن حملهما على غير وقت الفريضة، فإنهما مطلقتان لا تصريح فيهما بكون الإحرام في وقت مخصوص. و اما ما ذكره الشيخ المفيد من الإحرام عقيب الست ركعات أو الركعتين فهو مبني على ما نقل عنه آنفا من تأخير صلاة الظهرين إلى منى. و قد تقدم الكلام فيه.
السابعة [مبدأ التلبية و الجهر بها في إحرام الحج]
- قال الشيخ: ان كان ماشيا لبى من موضعه الذي صلى فيه و ان كان راكبا إذا نهض به بعيره، فإذا انتهى الى الردم فأشرف على الأبطح رفع صوته بالتلبية. و قال الشيخ المفيد (قدس سره): ثم ليلب حين ينهض به بعيره و يستوي قائما، و ان كان ماشيا فليلب عند الحجر الأسود، فإذا انتهى الى الرقطاء دون الردم و أشرف على الأبطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى. و قال الشيخ علي بن بابويه: فإذا خرجت إلى الأبطح فارفع صوتك بالتلبية. و قال ابن الجنيد: و يلبى ان شاء من المسجد أو من حيث يخرج من منزله بمكة، و ان شاء ان يؤخر اجهاره بالتلبية الى أن ينتهي إلى الأبطح خارج مكة فعل. و هو يدل على أولوية الإجهار عند الإحرام. و قال ابن إدريس: فإن كان ماشيا جهر بالتلبية من موضعه الذي عقد الإحرام فيه، و ان كان راكبا لبى إذا نهض به بعيره
365
فإذا انتهى الى الردم و أشرف على الأبطح رفع صوته بالتلبية. و قال أبو الصلاح: ثم يلبى مستسرا فإذا نهض به بعيره أعلن بالتلبية، و ان كان ماشيا فليجهر بها من عند الحجر الأسود، فإذا انتهى الى الرقطاء دون الردم و أشرف على الأبطح فليرفع صوته بالتلبية حتى يأتي منى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار ما تقدم من صحيحة معاوية ابن عمار، و ظاهرها ان مبدأ التلبية إذا انتهى الى الروحاء دون الردم فإذا انتهى الى الردم و أشرف على الأبطح رفع صوته بها.
و ما تقدم من رواية أبي بصير، و فيها: انه يلبي من المسجد الحرام.
و ما تقدم من رواية عمر بن يزيد، و فيها: التفصيل بأنه ان كان ماشيا فمن المقام و هو المكان الذي صلى فيه صلاة الإحرام، و ان كان راكبا فإذا نهض به بعيره.
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن زرارة (1) قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): متى ألبي بالحج؟ قال: إذا خرجت إلى منى. ثم قال:
إذا جعلت شعب الدب على يمينك و العقبة على يسارك فلب بالحج».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن حفص بن البختري و معاوية بن عمار و عبد الرحمن بن الحجاج و الحلبي جميعا عن ابي عبد الله (عليه السلام) (2) انه قال: «و ان أهللت من المسجد الحرام للحج، فإن شئت لبيت خلف
____________
(1) الفروع ج 4 ص 455 و التهذيب ج 5 ص 167 و الوسائل الباب 46 من الإحرام. و في الخطية و المطبوعة «قلت لأبي عبد الله (ع)».
(2) الوسائل الباب 46 من الإحرام.
366
المقام، و أفضل ذلك ان تمضي حتى تأتي الرقطاء فتلبي قبل ان تصير الى الأبطح».
أقول: و بهذه الصحيحة الأخيرة يجمع بين الاخبار المتقدمة، بأن يقال انه يتخير بين التلبية من المسجد و بين تأخيرها إلى هذه المواضع المذكورة في الاخبار و هو الأفضل. و اما الجهر بها فهو إذا أشرف على الأبطح. و ما دلت عليه رواية عمر بن يزيد من التفصيل بين الراكب و الماشي يحمل على انه إذا اختار التلبية من المسجد و ان كان خلاف الأفضل فليعمل بهذا التفصيل.
الثامنة [الطواف بالبيت بعد الإحرام لحج التمتع]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لا طواف بالبيت بعد إحرام الحج. و ظاهر الحسن بن ابي عقيل استحبابه في الصورة المذكورة، حيث قال: إذا اغتسل يوم التروية و أحرم بالحج طاف بالبيت سبعة أشواط و خرج منها متوجها الى منى، و لا يسعى بين الصفا و المروة حتى يزور البيت فيسعى بعد طواف الزيارة. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و لم يذكر باقي أصحابنا هذا الطواف، فان قصد بذلك ما ذكره الشيخ المفيد و ابن الجنيد فذلك قبل الإحرام. انتهى. أقول:
أشار بما ذكره الشيخ المفيد و ابن الجنيد الى ما قدمنا نقله عنهما في المسألة السادسة.
هذا. و المفهوم من كلام الشيخ و غيره من الأصحاب كراهة هذا الطواف، بل يفهم من كلام الشيخ تحريمه، حيث قال في النهاية و المبسوط: إذا أحرم بالحج لم يجز له ان يطوف بالبيت الى ان يرجع من منى، فان سها فطاف بالبيت لم ينتقض إحرامه غير انه يعقده بتجديد التلبية. و اختاره ابن حمزة و قال ابن إدريس: لا ينبغي ان يطوف بالبيت الى ان يرجع من منى،
367
فان سها فطاف بالبيت لم ينتقض إحرامه سواء جدد التلبية أو لم يجدد.
و إحرامه منعقد فلا حاجة الى انعقاد المنعقد. و قال في التهذيب: لا يجوز لمن أحرم بالحج ان يطوف بالبيت تطوعا الى ان يعود من منى، فان فعل ذلك ناسيا فلا شيء عليه. و قال في المنتهى: و لا يسن له الطواف بعد إحرامه. و قال في الدروس: و لا طواف بعد إحرام الحج. و استحسنه الحسن.
أقول: و الأظهر ما هو المشهور من كراهته،
لما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«سألته عن الرجل يأتي المسجد الحرام و قد أزمع بالحج، يطوف بالبيت؟
قال: نعم ما لم يحرم».
و عن صفوان بن يحيى في الصحيح عن عبد الحميد بن سعيد عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل أحرم يوم التروية من عند المقام بالحج، ثم طاف بالبيت بعد إحرامه، و هو لا يرى ان ذلك لا ينبغي، أ ينقض طوافه بالبيت إحرامه. فقال: لا و لكن يمضى على إحرامه».
ثم ان ما ذكره الشيخ- من انه بعد الطواف سهوا يعقد إحرامه بتجديد التلبية- مبنى على ما تقدم في المقدمة الرابعة (3) من ان من طاف بعد عقد إحرامه و لو في حج التمتع طوافا مستحبا فإنه يعقد إحرامه بالتلبية
____________
(1) الفروع ج 4 ص 455 و التهذيب ج 5 ص 169 و الوسائل الباب 83 من الطواف.
(2) الوسائل الباب 83 من الطواف.
(3) ج 14 ص 384.
368
لئلا يحل. و ما ذكره ابن إدريس هنا مبنى على ما ذكره في تلك المسألة أيضا من ان المحرم لا يحل بمجرد الطواف بل بالنية. و قد تقدم تحقيق القول في المسألة في الموضع المذكور. الا ان ظاهر رواية عبد الحميد المذكورة من ما يدل على عدم بطلان الإحرام بالنسبة إلى حج التمتع.
و يعضده ان جملة الروايات المتقدمة (1) الدالة على تجديد التلبية موردها القارن و المفرد خاصة. الا ان مورد هذه الرواية الجاهل أو الناسي.
التاسعة [نسيان إحرام الحج]
- المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ان من نسي الإحرام بالحج الى ان يحصل بعرفات جدد الإحرام منها و ليس عليه شيء فان لم يذكر حتى يرجع الى بلده، فان كان قد قضى مناسكه كلها فلا شيء عليه، قاله الشيخ (قدس سره) و من تبعه من الأصحاب.
و قال ابن إدريس في السرائر- بعد نقل عبارة الشيخ في النهاية بهذا المضمون الذي ذكرناه- ما صورته: و قال الشيخ في المبسوط: أما النية فهي ركن في الأنواع الثلاثة من تركها فلا حج له عامدا أو ناسيا إذا كان من أهل النية. ثم قال بعد ذلك: و على هذا إذا فقد النية لكونه سكران هذا آخر كلامه. قال محمد بن إدريس: و الذي يقتضيه أصول المذهب ما ذهب إليه في مبسوطه، لقوله تعالى وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ (2)
و قول الرسول (صلى الله عليه و آله) (3)
____________
(1) ج 14 ص 385.
(2) سورة الليل الآية 19 و 20.
(3) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، و الباب 1 من النية في الصلاة، و الباب 2 من وجوب الصوم.
369
«الأعمال بالنيات» و «انما لامرئ ما نوى» (1).
و هذا الخبر مجمع عليه و بهذا افتي و عليه اعمل فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد ان وجدت.
قال في المختلف بعد نقل ذلك: و الأقرب عندي انه ان تمكن من الرجوع الى مكة للإحرام فيها وجب و ان لم يتمكن أحرم من موضعه و لو من عرفات، فان لم يذكر حتى أكمل مناسكه صح و أجزأه، لنا: انه مع التمكن من الرجوع يكون قادرا على الإتيان به على وجهه، فيجب عليه فعله، و لا يجزئه الإحرام من غيره، لأنه حينئذ يكون قد اتى بغير المأمور به فيبقى في عهدة التكليف. و مع النسيان يكون معذورا،
لقوله (صلى الله عليه و آله) (2): «رفع عن أمتي الخطأ و النسيان».
و لأن إلزام الإعادة مشقة عظيمة فيكون منفيا، لقوله تعالى (3) «وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»
و ما رواه العمركي بن علي الخراساني في الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (4) قال: «سالته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر و هو بعرفات ما حاله؟ قال: يقول:
اللهم على كتابك و سنة نبيك. فقد تم إحرامه. فإن جهل ان يحرم يوم
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، و الباب 1 من النية في الصلاة، و الباب 2 من وجوب الصوم.
(2) الوسائل الباب 37 من قواطع الصلاة، و الباب 30 من الخلل الواقع في الصلاة، و الباب 56 من جهاد النفس. و اللفظ في بعضها:
«وضع عن أمتي.».
(3) سورة الحج الآية 78.
(4) الوسائل الباب 14 من المواقيت.
370
التروية بالحج حتى يرجع الى بلده ان كان قضى مناسكه كلها فقد تم حجه».
و حجة ابن إدريس غير مناسبة لدعواه. انتهى. و هو جيد.
و يزيده بيانا
ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن جميل ابن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (1): «في رجل نسي أن يحرم أو جهل و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى؟ قال:
تجزئه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه و ان لم يهل».
و صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (2) قال: «سالته عن رجل كان متمتعا خرج الى عرفات و جهل ان يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع الى بلده ما حاله؟ قال: إذا قضى المناسك كلها فقد تم حجه».
و قد تقدم تحقيق القول في هذه المسألة بمزيد بسط في الكلام و بيان ما فيها من النقض و الإبرام في المسألة الثالثة من المقام الثاني من المقدمة الخامسة في المواقيت (3).
العاشرة [الدعاء بالمأثور عند الخروج إلى منى]
- من المستحبات الدعاء بالمأثور عند الخروج إلى منى
بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا توجهت إلى منى فقل: اللهم إياك أرجو و إياك أدعو فبلغني أملي و أصلح لي عملي».
____________
(1) الوسائل الباب 20 من المواقيت.
(2) التهذيب ج 5 ص 476 و الوسائل الباب 20 من المواقيت.
(3) ج 14 ص 466.
(4) الوسائل الباب 6 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
371
و إذا انتهيت إلى منى بما رواه أيضا في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قد تقدم في المسألة الثانية (1).
و عند التوجه الى عرفات
بما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار ايضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا غدوت الى عرفة فقل و أنت متوجه إليها: اللهم إليك صمدت و إياك اعتمدت و وجهك أردت أسألك أن تبارك لي في رحلتي و ان تقضي لي حاجتي و ان تجعلني ممن تباهي به اليوم من هو أفضل مني. ثم تلبي و أنت غاد الى عرفات.
الحديث».
و من المستحبات ان لا يخرج الامام من منى الا بعد طلوع الشمس.
و يدل عليه
صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «على الامام ان يصلي الظهر بمنى ثم يبيت فيها و يصبح حتى تطلع الشمس ثم يخرج الى عرفات».
و موثقة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال:
«ان من السنة ان لا يخرج الامام من منى الى عرفة حتى تطلع الشمس».
____________
(1) ص 352.
(2) الفروع ج 4 ص 461 و 462 و التهذيب ج 5 ص 179 و الوسائل الباب 8 و 9 و 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الفروع ج 4 ص 460 و الفقيه ج 2 ص 280 و الوسائل الباب 4 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) الفروع ج 4 ص 461 و التهذيب ج 5 ص 178 و فيه: عن أبي إسحاق، و الوسائل الباب 7 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
372
و اما غيره فالأفضل له ان يفيض من منى بعد الفجر على المشهور، و قال أبو الصلاح: لا يجوز له ان يفيض منها قبل الفجر مختارا، و قال ابن البراج في أقسام التروك المفروضة: و لا يخرج أحد من منى الى عرفات الا بعد طلوع الفجر. و ظاهرهما تحريم الخروج قبل الفجر اختيارا.
و لعلهما استندا الى
ما رواه الشيخ عن عبد الحميد الطائي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا مشاة فكيف نصنع؟ فقال: أما أصحاب الرحال فكانوا يصلون الغداة بمنى، و اما أنتم فامضوا حيث تصلون في الطريق».
و قال في المدارك- بعد قول المصنف (ره): «و يكره الخروج قبل الفجر إلا لضرورة»-: هذا هو المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) ثم نقل قول أبي الصلاح و قال: و هو ضعيف، ثم قال: و يمكن المناقشة في الكراهة أيضا، لعدم الظفر بما يتضمن النهي عن ذلك. نعم لا ريب انه خلاف الأولى.
أقول: و من روايات المسألة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «في التقدم من منى الى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس به.».
و ما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) المتقدمة (3) في المسألة الثانية من قوله (عليه السلام): «ثم تصلي بها الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة و الفجر».
و المفهوم من الاخبار المذكورة أن السنة في الخروج من منى بعد الفجر
____________
(1) الفروع ج 4 ص 461، و التهذيب ج 5 ص 179، و الوسائل الباب 7 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 7 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة و الباب 17 من الوقوف بالمشعر.
(3) ص 352.
373
الا مع الضرورة، و يلزم من ذلك مرجوحية الخروج قبل الفجر اختيارا، و به تثبت الكراهة التي ذكرها الأصحاب. و بذلك تندفع المناقشة التي ذكرها في المدارك. و ثبوت الكراهة لا يتوقف على النهي صريحا كما يفهم من كلامه (قدس سره) بل تثبت بكون ذلك خلاف الأفضل، للزوم المرجوحية التي هي مقتضى الكراهة.
و من المستحبات ايضا ان لا يجوز وادي محسر الا بعد طلوع الشمس على المشهور.
لما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن و الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا يجوز وادي محسر حتى تطلع الشمس».
و نقل عن الشيخ و ابن البراج القول بالتحريم أخذا بظاهر النهي. و لا يخلو من قرب.
الفصل الثاني في الكيفية
و هي تشتمل على الواجب و الندب، و الكلام فيها يقع في مواضع:
الموضع الأول- النية
، قال في المنتهى: و تجب فيه النية خلافا للجمهور (2)
____________
(1) الوسائل الباب 7 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة، و الباب 15 من الوقوف بالمشعر. و اللفظ في الثاني: «لا تجاوز.».
(2) المغني ج 3 ص 416 طبع عام 1368.
374
لنا: قوله تعالى (1) «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» و الوقوف عبادة. و لانه عمل فيفتقر إلى النية، لقوله (صلى الله عليه و آله) (2)
«الأعمال بالنيات».
و
«انما لكل امرئ ما نوى» (3).
الى غير ذلك من الأدلة الدالة على وجوب النية في العبادات، و لان الواجب إيقاعه على وجه الطاعة، و هو انما يتحقق بالنية، و يجب فيها نية الوجوب و التقرب الى الله تعالى.
و قال في الدروس: و اما واجبة فخمسة: النية مقارنة لما بعد الزوال فلا يجوز تأخيرها عنه، فيأثم لو تعمده و يجزئ و استدامة حكمها الى الفراغ.
و قال في المسالك- بعد قول المصنف: «و يجب كونها بعد الزوال»- ما صورته: في أول أوقات تحققه ليقع الوقوف الواجب- و هو ما بين الزوال و الغروب- بأسره بعد النية. و لو تأخرت عن ذلك اثم و أجزأ. و يعتبر فيها قصد الفعل و تعيين نوع الحج، و الوجه، و القربة، و الاستدامة الحكمية.
هذا هو المشهور. و في اعتبار نية الوجه هنا بحث. انتهى.
و قال في المدارك: و اعتبر الأصحاب في النية وقوعها عند تحقق الزوال ليقع الوقوف الواجب- و هو ما بين الزوال و الغروب- بأسره بعد النية.
و ما وقفت عليه من الاخبار في هذه المسألة لا يعطى ذلك، بل ربما ظهر
____________
(1) سورة البينة الآية 5.
(2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، و الباب 1 من النية في الصلاة و الباب 2 من وجوب الصوم.
(3) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات، و الباب 1 من النية في الصلاة، و الباب 2 من وجوب الصوم. و اللفظ: «انما لامرئ ما نوى».
375
من بعضها خلافه،
كقول الصادق (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الواردة في صفة حج النبي (صلى الله عليه و آله) (1): «انه انتهى الى نمرة و هي بطن عرنة بحيال الأراك فضربت قبته و ضرب الناس أخبيتهم عندها فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و معه فرسه و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثم صلى الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، ثم مضى الى الموقف فوقف به».
و في رواية أخرى لمعاوية بن عمار (2) «ثم تلبي و أنت غاد الى عرفات، فإذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباءك بنمرة، و هي بطن عرفة دون الموقف و دون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين، و انما تعجل العصر و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء، فإنه يوم دعاء و مسألة. قال: و حد عرفة من بطن عرفة و ثوية و نمرة إلى ذات المجاز، و خلف الجبل موقف».
و تشهد له
رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا ينبغي الوقوف تحت الأراك، فأما النزول تحته حتى تزول الشمس و تنهض الى الموقف فلا بأس.
، و المسألة محل اشكال، و لا ريب ان ما اعتبره الأصحاب أولى و أحوط. انتهى.
أقول: لا اشكال بحمد الملك المتعال بعد اتفاق الأخبار الواردة في
____________
(1) الفروع ج 4 ص 247 و التهذيب ج 5 ص 456 و الوسائل الباب 2 من أقسام الحج. و في الفروع «قريش» بدل «فرسه».
(2) الفروع ج 4 ص 461 و 462 و التهذيب ج 5 ص 179 و الوسائل الباب 8 و 9 و 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الوسائل الباب 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
376
هذا المجال على الحكم المذكور. و أولوية ما ذكره الأصحاب و أحوطيته مع عدم دليل عليه- بل دلالة الاخبار على خلافه- ممنوعة. على انه لم يتحقق الإجماع على ذلك، و انما ذكر هذا الحكم جملة من المتأخرين بناء علي مزيد تدقيقهم في أمر النية التي لا اثر لها في الاخبار بالكلية. و بنحو هذه الاخبار عبر الشيخ في النهاية، فقال: فإذا زالت الشمس اغتسل و صلى الظهر و العصر جميعا يجمع بينهما ثم يقف بالموقف و يدعو لنفسه و لوالديه.
الى آخره. و بهذه العبارة عبر في المبسوط ايضا. و بنحو ذلك عبر ابن إدريس في السرائر فقال: فإذا زالت اغتسل و صلى الظهر و العصر جميعا، يجمع بينهما بأذان واحد و إقامتين لأجل البقعة، ثم يقف بالموقف و يدعو. الى آخره. و قال في المقنعة: فإذا زالت الشمس يوم عرفة فليغتسل و يقطع التلبية و يكثر من التهليل و التحميد و التكبير، ثم يصلي الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين. الى ان قال: ثم يأتي الموقف. و قال في كتاب من لا يحضره الفقيه نحو ذلك أيضا في باب سياق مناسك الحج. و هذه العبارات جارية على نهج الاخبار لا تعرض فيها للنية فضلا عن مقارنتها لأول الزوال كما ذكره جملة من المتأخرين، و هو من ما ينبهك على ما قدمنا تحقيقه و أوسعنا مضيقة من أن النية أمر جبلي و حكم طبيعي لا تنفك عنه أفعال العقلاء في عبادة و لا غيرها. و اما ما ذكروه من المقارنة فلا وجه له و لا دليل عليه، إذ النية عندنا مستصحبة لا ينفك عنها في حال من الأحوال، و هو انما يتمشى على ما تخيلوه من النية بالمعنى الذي صاروا إليه الذي هو عبارة عن الحديث النفسي و التصوير الفكري بما يترجمه قول القائل:
«افعل كذا لوجوبه قربة إلى الله تعالى» و هذا كما تقدم تحقيقه بمعزل عن
377
النية الحقيقية.
بقي الكلام في ان وقت الوقوف الواجب من مبدأ الزوال كما ذكروه، فيجب على هذا الكون في الموقف من ذلك الوقت، و الاخبار- كما ترى- لا تساعده، و الظاهر ان المراد من كونه من الزوال انه يقطع التلبية من ذلك الوقت كما تكاثرت به الاخبار، و يشتغل بالوقوف و مقدماته من الغسل أولا ثم الصلاة الواجبة و الخطبة و استماعها- كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار من انه (صلى الله عليه و آله) وعظ الناس- ثم الوقوف بعرفة.
هذا ما يستفاد من الاخبار و كلام متقدمي الأصحاب كما سمعت.
و بذلك يظهر انه لا إشكال في هذا المجال بحمد الله المتعال و بركة الآل (عليهم صلوات ذي الجلال).
الموضع الثاني- وجوب الكون فيها الى الغروب
، فلا يجزئ الوقوف في حدودها، و حدها- كما ذكره في الدروس و المسالك و غيرهما- نمرة بفتح النون و كسر الميم و فتح الراء، و ثوية بفتح الثاء المثلثة و كسر الواو و تشديد الياء المثناة من تحت، و ذو المجاز، و الأراك كسحاب، و هو موضع بعرنة قرب نمرة، قال في القاموس: و عرنة بضم العين و فتح الراء و النون.
قال في الدروس: وحدها نمرة و ثوية و ذو المجاز و الأراك، و لا يجوز الوقوف بالحدود. و قال في المسالك بعد ذكر الأماكن الخمسة المتقدمة:
و هذه الأماكن الخمسة حدود عرفة و هي راجعة إلى أربعة كما هو المعروف من الحدود، لأن نمرة بطن عرنة كما روى في حديث معاوية بن عمار عن الصادق (عليه السلام) (1) و لا يقدح ذلك في كون كل واحد منهما
____________
(1) الوسائل الباب 9 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
378
حدا فإن أحدهما ألصق من الآخر، و غيرهما و ان شاركهما باعتبار اتساعه في إمكان جعله كذلك لكن ليس لإجزائه أسماء خاصة بخلاف نمرة و عرنة.
و نقل في الدروس عن الحسن و ابن الجنيد و الحلبي ان حدها من المأزمين إلى الموقف.
أقول: و الكل مروي و حدود و ان كان من جهات متعددة.
روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن أبي بصير- و هو ليث المرادي بقرينة ابن مسكان عنه- عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «حد عرفات من المأزمين إلى أقصى الموقف».
و روى في من لا يحضره الفقيه (2) عن معاوية بن عمار و أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «حد منى من العقبة إلى وادي محسر،.
و حد عرفات من المأزمين إلى أقصى الموقف.
قال: و قال (عليه السلام): حد عرفة من بطن عرنة و ثوية و نمرة و ذي المجاز، و خلف الجبل موقف الى وراء الجبل».
قال في الوافي (3): و لعل المراد بوراء الجبل ما خرج من سفحه.
من خلفه.
و في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا
____________
(1) الوسائل الباب 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) ج 2 ص 280 و الوسائل الباب 6 و 10 من إحرام الحج و الوقوف، و الوافي باب (حدود عرفات).
(3) باب (حدود عرفات).
(4) الفروع ج 4 ص 461 و 462 و التهذيب ج 5 ص 179 و الوسائل ب 8 و 9 و 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
379
انتهيت الى عرفات فاضرب خباءك بنمرة، و هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة- الى ان قال-: و حد عرفة من بطن عرنة و ثوية و نمرة إلى ذي المجاز، و خلف الجبل موقف».
و روى في الكافي عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«عرفات كلها موقف، و أفضل الموقف سفح الجبل».
و عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «إذا وقفت بعرفات فادن من الهضاب و الهضاب هي الجبال، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: ان أصحاب الأراك لا حج لهم، يعني: الذين يقفون عند الأراك».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الموقف: ارتفعوا عن بطن عرنة. و قال: ان أصحاب الأراك لا حج لهم».
و روى في التهذيب عن إسحاق بن عمار عن أبي الحسن (عليه السلام) (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ارتفعوا عن وادي عرنة بعرفات».
و عن سماعة في الموثق في حديث (5) قال: «قلت: فإذا كانوا
____________
(1) الفروع ج 4 ص 463 و الوسائل الباب 11 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة، راجع التعليق على هذا الحديث في الطبعة الحديثة من الوسائل.
(2) الفروع ج 4 ص 463 و التهذيب ج 5 ص 287 و الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الفروع ج 4 ص 463 و التهذيب ج 5 ص 287 و الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) الوسائل الباب 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(5) التهذيب ج 5 ص 180 و الوسائل الباب 11 و 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة، و الوافي باب (حدود عرفات).
380
بالموقف و كثروا و ضاق عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى الجبل، و قف في ميسرة الجبل، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) وقف بعرفات، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون الى جانبها فنحاها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ففعلوا مثل ذلك. فقال: ايها الناس انه ليس موضع أخفاف ناقتي بالموقف و لكن هذا كله موقف. و أشار بيده الى الموقف و قال: هذا كله موقف. فتفرق الناس. و فعل مثل ذلك بالمزدلفة.
و إذا رأيت خللا فتقدم فسده بنفسك و راحلتك، فان الله يحب ان تسد تلك الخلال. و انتقل عن الهضاب و اتق الأراك و نمرة- و هي بطن عرنة- و ثوية و ذا المجاز، فإنه ليس من عرفة فلا تقف فيه».
أقول: و هذه الاخبار كلها- كما ترى- صريحة في عدم جواز الوقوف في حدودها.
و اما انه يجب الوقوف فيها الى الغروب الذي هو عبارة عن زوال الحمرة المشرقية إلى ناحية المغرب على الأشهر الأظهر فيدل عليه مضافا الى اتفاق الأصحاب جملة من الاخبار.
و منها:
ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان المشركين كانوا يفيضون قبل ان تغيب الشمس فخالفهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأفاض بعد غروب الشمس».
و ما رواه الشيخ عن يونس بن يعقوب في الموثق (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى تفيض من عرفات؟ قال: إذا ذهبت
____________
(1) الوسائل الباب 22 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 22 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
381
الحمرة من ههنا و أشار بيده الى المشرق و الى مطلع الشمس».
و ما رواه في الكافي عن يونس المذكور أيضا في الموثق (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى الإفاضة من عرفات؟ قال: إذا ذهبت الحمرة. يعنى من الجانب الشرقي».
و حيث ثبت ان الواجب الوقوف الى الغروب فلو أفاض قبل الغروب فان كان جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه إجماعا منا، كما ادعاه في التذكرة و المنتهى بل قال: انه قول كافة العلماء.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الحسن عن مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل أفاض من عرفات قبل غروب الشمس؟ قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، و ان كان متعمدا فعليه بدنة».
و وصف في المدارك هذه الرواية بالصحة مع طعنه في روايات مسمع في غير موضع بأنه غير موثق كما في مسألة كفارة من نظر الى امرأته فأمنى، و منها في كفارة من قبل امرأته. بل صرح في هذا الموضع بضعف روايته بسببه. و بالجملة فإن له فيه اضطرابا عظيما، فتارة يصف روايته بالصحة كما هنا، و مثله في كفارة القنفذ و الضب و اليربوع، و تارة بالحسن و تارة بالضعف. و المعصوم من عصمه الله تعالى.
و ان كان عامدا جبره ببدنة، فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما. و لا خلاف في صحة حجه و ان وجب جبره، و انما اختلف الأصحاب في ما يجب جبره به، فالأشهر الأظهر وجوب جبره ببدنة.
____________
(1) الوسائل الباب 22 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 23 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
382
و يدل عليه حسنة مسمع المتقدمة.
و صحيحة ضريس عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل ان تغيب الشمس. قال: عليه بدنة ينحرها يوم النحر فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق أو في اهله».
و رواية الحسن بن محبوب عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في رجل أفاض من عرفات قبل ان تغرب الشمس؟ قال: عليه بدنة، فان لم يقدر على بدنة صام ثمانية عشر يوما».
و نقل عن ابني بابويه ان الكفارة شاة. قال في المدارك و لم نقف لهما على مستند.
أقول: الظاهر ان مستندهما
كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام) (3):
«و إياك ان تفيض قبل الغروب فيلزمك دم».
و قال ايضا (4) بعد ذكر المشعر: «و إياك ان تفيض منها قبل طلوع الشمس، و لا من عرفات قبل غروبها فيلزمك الدم».
و الدم حيث يطلق في الاخبار و كلام الأصحاب فالمراد به دم شاة، و ينبهك على ذلك ان العلامة في المختلف نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: الأفضل ان يقف الى غروب الشمس في النهار و يدفع عن الموقف بعد غروبها، فان دفع قبل الغروب لزمه دم. ثم اعترضه في موضعين من هذا الكلام:
الأول: قوله: «الأفضل» فإنه يوهم جواز الإفاضة قبل الغروب مع انه لا خلاف بيننا انه يجب الوقوف الى الغروب و لا يجوز قبله، و الاخبار
____________
(1) الوسائل الباب 23 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 23 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) ص 28.
(4) ص 28.
383
دالة على ذلك كما تقدم. الى ان قال: الثاني: انه أوجب الدم، و قد عرفت ان الدم إذا أطلق حمل على أقل مراتبه و هو الشاة، عملا بأصالة البراءة، و قد بينا في المسألة السابقة ان الواجب بدنة، خلافا لابني بابويه انتهى.
قالوا: و لو أفاض عامدا و عاد قبل الغروب لم يلزمه الجبر، لأصالة البراءة و لانه لو لم يقف أولا ثم اتى قبل غروب الشمس و وقف حتى تغرب الشمس لم يجب عليه شيء، فكذا هنا. و حكى العلامة في المنتهى عن بعض العامة قولا باللزوم (1) لحصول الإفاضة المحرمة المقتضية للزوم الدم فلا يسقط الا بدليل. قال في المدارك: و هو غير بعيد و ان كان الأقرب السقوط.
أقول: المسألة عندي محل توقف، لفقد النص في المقام، و التعليلات التي ذكروها عليلة لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، و القول العامي لا يخلو من قوة.
بقي الكلام في ان مورد رواية مسمع الجاهل و العامد. و اما حكم الناسي فهو غير مذكور فيها، و الأصحاب قد أدرجوه في حكم الجاهل و جعلوا حكمه حكم الجاهل، كما قدمنا نقله عنهم، و دعوى الإجماع عليه. و كأنهم بنوا في ذلك على اشتراكهما في العذر و عدم توجه الخطاب. و فيه منع ظاهر فان المفهوم من تتبع الاخبار ان الجاهل أعذر، و ان الناسي بسبب تذكره أولا و علمه سابقا لا يساوي الجاهل الذي لا علم له أصلا، و لهذا استفاضت الاخبار بعدم وجوب قضاء الصلاة على جاهل النجاسة (2) و تكاثرت بوجوب القضاء على الناسي، حتى علل في بعضها بأنه عقوبة له لنسيانه و عدم
____________
(1) المغني ج 3 ص 414 و 415 طبع عام 1368.
(2) الوسائل الباب 40 من النجاسات.
384
تذكره (1) و بالجملة فإن الحكم بمساواتهما لا دليل عليه ان لم يكن الدليل قائما على خلافه. و الله اعلم.
الموضع الثالث [الغسل بعد الزوال للوقوف بعرفات و الدعاء بالمأثور]
- من المستحبات الغسل بعد الزوال في هذا اليوم للوقوف و يدل عليه
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (2): «فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين فإنما تعجل العصر و تجمع بينهما لتفرغ نفسك للدعاء فإنه يوم دعاء و مسألة».
و في صحيحة الحلبي أو حسنته (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
الغسل يوم عرفة إذا زالت الشمس، و تجمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين».
و في صحيحة عمر بن يزيد (4) قال: «إذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية و اغتسل و عليك بالتكبير و التهليل و التحميد و التسبيح و الثناء على الله. و صل الظهر و العصر بأذان واحد و إقامتين».
و منها: الجمع بين الظهر و العصر، و قد عرفت ذلك من الاخبار المذكورة، و نحوها غيرها ايضا.
و منها: الدعاء و لا سيما بالمأثور عن أهل العصمة (صلوات الله عليهم).
فروى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار
____________
(1) الوسائل الباب 42 من النجاسات.
(2) الوسائل الباب 9 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الوسائل الباب 9 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) التهذيب ج 5 ص 182 و الوسائل الباب 9 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة. و الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام).
385
عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث (1) قد تقدم صدره غير مرة قال (عليه السلام): «فإذا وقفت بعرفات فاحمد الله و هلله و مجده و أثن عليه و كبره (مائة مرة) و اقرأ قل هو الله أحد (مائة مرة) و تخير لنفسك من الدعاء ما أحببت، و اجتهد فإنه يوم دعاء و مسألة، و تعوذ بالله من الشيطان، فان الشيطان لن يذهلك في موطن قط أحب إليه من ان يذهلك في ذلك الموطن، و إياك ان تشتغل بالنظر الى الناس و اقبل قبل نفسك، و ليكن في ما تقول: اللهم رب المشاعر كلها فك رقبتي من النار، و أوسع علي من رزقك الحلال، و ادرأ عني شر فسقة الجن و الانس، اللهم لا تمكر بي و لا تخدعني و لا تستدرجني يا اسمع السامعين و يا أبصر الناظرين و يا أسرع الحاسبين و يا ارحم الراحمين، أسألك ان تصلي على محمد و آل محمد و ان تفعل بي كذا و كذا. و ليكن في ما تقول و أنت رافع يديك الى السماء:
اللهم حاجتي إليك التي إن أعطيتنيها لم يضرني ما منعتني و التي إن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني، أسألك خلاص رقبتي من النار، اللهم اني عبدك و ملك يدك و ناصيتي بيدك، و أجلى بعلمك، أسألك أن توفقني لما يرضيك عني، و ان تسلم مني مناسكي التي أريتها خليلك إبراهيم (عليه السلام) و دللت عليها نبيك محمدا (صلى الله عليه و آله) و ليكن في ما تقول: اللهم اجعلني ممن رضيت عمله و أطلت عمره و أحييته بعد الموت حياة طيبة».
و روى الشيخ في التهذيب (2) عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الفروع ج 4 ص 463 و 464 و الوسائل الباب 11 و 13 و 14 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) ج 5 ص 182 و الوسائل الباب 14 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
386
نحو ذلك و ساق الحديث الى ان قال: «و ليكن في ما تقول: اللهم اني عبدك فلا تجعلني من أخيب وفدك، و ارحم مسيري إليك من الفج العميق.
و ليكن فيما تقول: اللهم رب المشاعر كلها. ثم ساقه كما تقدم الى قوله-: و لا تستدرجني- ثم قال-: و تقول: اللهم إني أسألك بحولك و جودك و كرمك و منك و فضلك يا اسمع السامعين و يا أبصر الناظرين. الحديث».
كما تقدم الى آخره.
و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): الا أعلمك دعاء يوم عرفة و هو دعاء من كان قبلي من الأنبياء (عليهم السلام)؟ قال: تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت و هو حي لا يموت، بيده الخير، و هو على كل شيء قدير، اللهم لك الحمد كالذي تقول و خيرا من ما نقول و فوق ما يقول القائلون، اللهم لك صلاتي و نسكي، و محياي و مماتي، و لك براءتي (2) و بك حولي و منك قوتي، اللهم إني أعوذ بك من الفقر و من وساوس الصدور و من شتات الأمر و من عذاب القبر، اللهم إني أسألك خير الرياح و أعوذ بك من شر ما تجيء به الرياح و أسألك خير الليل و خير النهار، اللهم اجعل في قلبي نورا و في سمعي و بصري نورا، و في لحمي و دمي
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 183 و الوسائل الباب 14 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) و في بعض النسخ (تراثي) بدل (براءتي) و يرجع في تفسير الكلمتين الى بيان الوافي باب (الوقوف بعرفات و الدعاء عنده).
387
و عظامي و عروقي و مقعدي و مقامي و مدخلي و مخرجي نورا و أعظم لي نورا يا رب يوم ألقاك انك على كل شيء قدير».
و رواه في الفقيه (1) عن معاوية بن عمار الى قوله: «و خير النهار».
و قال (2): و في رواية عبد الله بن سنان: «اللهم اجعل في قلبي نورا.
الدعاء».
و روى في من لا يحضره الفقيه (3) عن زرعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أتيت الموقف فاستقبل البيت و سبح الله (مائة مرة) و كبر الله (مائة مرة) و تقول: ما شاء الله و لا قوة إلا بالله (مائة مرة) و تقول:
اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، يحيى و يميت و يميت و يحيى و هو حي لا يموت، بيده الخير، و هو على كل شيء قدير (مائة مرة) ثم تقرأ عشر آيات من أول سورة البقرة، ثم تقرأ قل هو الله أحد (ثلاث مرات) و تقرأ آية الكرسي حتى تفرغ منها، ثم تقرأ آية السخرة إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ.
إلى قوله قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (4) ثم تقرأ قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس حتى تفرغ منهما، ثم تحمد الله على كل نعمة أنعم عليك و تذكر النعمة واحدة واحدة ما أحصيت منها، و تحمده على ما أنعم عليك
____________
(1) ج 2 ص 324 و الوسائل الباب 14 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) ج 2 ص 324 و الوسائل الباب 14 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) ج 2 ص 322 و 323 و الوسائل الباب 14 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة، و الوافي باب (الوقوف بعرفات و الدعاء عنده).
(4) سورة الأعراف، الآية 54 و 55 و 56.
388
من أهل و مال، و تحمد الله على ما أبلاك، و تقول: اللهم لك الحمد على نعمائك التي لا تحصى بعدد و لا تكافأ بعمل، و تحمده بكل آية ذكر فيها الحمد لنفسه في القرآن، و تسبحه بكل تسبيح ذكر به نفسه في القرآن، و تكبره بكل تكبير كبر به نفسه في القرآن، و تهلله بكل تهليل هلل به نفسه في القرآن، و تصلي على محمد و آل محمد و تكثر منه و تجتهد فيه، و تدعو الله بكل اسم سمى به نفسه في القرآن و بكل اسم تحسنه، و تدعوه بأسمائه التي في آخر الحشر (1) و تقول: أسألك- يا الله يا رحمان بكل اسم هو لك، و أسألك بقوتك و قدرتك و عزتك و بجميع ما أحاط به علمك و بجمعك و أركانك كلها، و بحق رسولك (صلى الله عليه و آله) و باسمك الأكبر الأكبر، و باسمك العظيم الذي من دعاك به كان حقا عليك ان تجيبه، و باسمك الأعظم الأعظم الذي من دعاك به كان حقا عليك ان لا ترده و ان تعطيه ما سأل- ان تغفر لي جميع ذنوبي في جميع علمك في.
و تسأل الله حاجتك كلها من الآخرة و الدنيا، و ترغب إليه في الوفادة في المستقبل و في كل عام، و تسأل الله الجنة (سبعين مرة) و تتوب اليه (سبعين مرة). و ليكن من دعائك: اللهم فكني من النار، و أوسع علي من رزقك الحلال الطيب، و ادرأ عني شر فسقة الجن و الانس و شر فسقة العرب و العجم. فان نفد هذا الدعاء و لم تغرب الشمس فأعده من أوله الى آخره و لا تمل من الدعاء و التضرع و المسألة».
و روى في الكافي في الصحيح عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن ميمون القداح (2)
____________
(1) الآية 22 و 23 و 24.
(2) الفروع ج 4 ص 464 و الوسائل الباب 24 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
389
قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) وقف بعرفات، فلما همت الشمس ان تغيب قبل ان تندفع قال: اللهم إني أعوذ بك من الفقر و من تشتت الأمر و من شر ما يحدث بالليل و النهار أمسى ظلمي مستجيرا بعفوك، و أمسى خوفي مستجيرا بأمانك، و أمسى ذلي مستجيرا بعزك، و أمسى وجهي الفاني مستجيرا بوجهك الباقي، يا خير من سئل و يا أجود من اعطى، جللني برحمتك، و ألبسني عافيتك و اصرف عني شر جميع خلقك. قال عبد الله بن ميمون: و سمعت أبي يقول:
يا خير من سئل، و يا أوسع من اعطى، و يا ارحم من استرحم. ثم سل حاجتك».
أقول: لعل المراد بقوله: «سمعت أبي.» ان أباه روى الحديث بهذه الزيادة.
و روى الشيخ بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا غربت الشمس فقل: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف و ارزقنيه من قابل ابدا ما أبقيتني و اقلبني اليوم مفلحا منجحا مستجابا لي مرحوما مغفورا لي بأفضل ما ينقلب به اليوم أحد من وفدك عليك، و أعطني أفضل ما أعطيت أحدا منهم من الخير و البركة و الرحمة و الرضوان و المغفرة و بارك لي في ما ارجع اليه من أهل أو مال أو قليل أو كثير و بارك لهم في».
و رواه الصدوق (قدس سره) بإسناده عن زرعة (2).
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 187 و الوسائل الباب 24 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الفقيه ج 2 ص 325 و الوسائل الباب 24 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
390
و من المستحب الدعاء في هذا اليوم ايضا بدعاء الحسين (عليه السلام) و هو مشهور (1) و دعاء ابنه زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة الكاملة (2).
و قال شيخنا المفيد (عطر الله مرقده) في المقنعة (3) بعد ذكر ما في رواية أبي بصير المتقدمة: «ثم يدعو بدعاء الموقف فيقول: لا إله إلا الله الحليم الكريم لا إله إلا الله العلي العظيم، سبحان الله رب السماوات السبع و رب الأرضين السبع و ما فيهن و ما بينهن و رب العرش العظيم، و سلام على المرسلين، و الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على محمد عبدك و رسولك و خيرتك من خلقك و عبادك الذي اصطفيته لرسالتك، و اجعله إلهي أول شافع و أول شفيع و أول قائل و أنجح سائل، اللهم صل على محمد و آل محمد، و بارك على محمد و آل محمد، و ارحم محمدا و آل محمد، أفضل ما صليت و باركت و ترحمت على إبراهيم و آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم انك تجيب المضطر إذا دعاك، و تكشف السوء، و تغيث المكروب و تشفي السقيم، و تغني الفقير، و تجبر الكسير، و ترحم الصغير و تعين الكبير، و ليس فوقك أمير أنت العلي الكبير يا مطلق المكبل الأسير و يا رازق الطفل الصغير، و يا عصمة الخائف المستجير، يا من لا شريك له و لا وزير، اللهم إنك أقرب من دعى، و أسرع من أجاب، و أكرم من عفى، و خير من اعطى، و أوسع
____________
(1) و يرويه المحدث الثقة الشيخ عباس القمي في مفاتيح الجنان في اعمال يوم عرفة ص 261.
(2) و هو الدعاء السابع و الأربعون من الصحيفة السجادية.
(3) ص 64.
391
من سئل، رحمان الدنيا و الآخرة و رحيمهما، ليس كمثلك شيء مسؤول و لا معط، دعوتك فأجبتني، و سألتك فاعطيتني، و فرعت إليك فرحمتني، و أسلمت لك نفسي فاغفر لي ذنوبي و لوالدي و لأهلي و ولدي و لكل سبب و نسب في الإسلام لي و لجميع المؤمنين و المؤمنات الأحياء منهم و الأموات. اللهم إني أسألك- بعظيم ما سألك به أحد من خلقك من كريم أسمائك و جميل ثنائك و خاصة آلائك ان تصلي على محمد و آل محمد، و ان تجعل عشيتي هذه أعظم عشية مرت علي منذ انزلتني الى الدنيا بركة، في عصمة ديني، و خاصة نفسي، و قضاء حاجتي، و تشفيعي في مسائلي، و إتمام النعمة علي، و صرف السوء عني و ألبسني العافية، و ان تجعلني ممن نظرت إليه في هذه العشية برحمتك، إنك جواد كريم. اللهم صل على محمد و آل محمد، و لا تجعل هذه العشية آخر العهد مني حتى تبلغنيها من قابل مع حاج بيتك الحرام و الزوار لقبر نبيك (عليه و آله السلام) في اعفى عافيتك، و أتم نعمتك، و أوسع رحمتك و أجزل قسمك، و أسبغ رزقك، و أفضل الرجاء، و انا لك على أحسن الوفاء انك سميع الدعاء. اللهم صل على محمد و آل محمد، و اسمع دعائي، و ارحم تضرعي و تذللي و استكانتي و توكلي عليك، فانا لك سلم، لا أرجو نجاحا و لا معافاة و لا تشريفا الا بك و منك، فامنن علي بتبليغي هذه العشية من قابل و انا معافى من كل مكروه و محذور و من جميع البوائق. و اعني على طاعتك و طاعة أوليائك الذين اصطفيتهم من خلقك لخلقك، اللهم صل على محمد و آل محمد، و سلمني في ديني، و امدد لي في أجلي، و أصح لي جسمي، يا من رحمني و أعطاني سؤلي، فاغفر لي ذنبي انك على كل شيء قدير اللهم صل على محمد و آل محمد، و تمم علي نعمتك في ما بقي من اجلي حتى تتوفاني و أنت عني راض. اللهم صل على محمد و آل محمد، و لا تخرجني من ملة الإسلام، فإني
392
اعتصمت بحبلك، و لا تكلني إلى غيرك. اللهم صل على محمد و آل محمد، و علمني ما ينفعني، و املأ قلبي علما و خوفا من سطوتك و نقمتك. اللهم إني أسألك- مسألة المضطر إليك، المشفق من عذابك، الخائف من عقوبتك- ان تغفر لي و تعيذني بعفوك و تحنن علي برحمتك، و تجود علي بمغفرتك و تؤدي عني فريضتك، و تغنيني بفضلك عن سؤال أحد من خلقك، و ان تجيرني من النار برحمتك. اللهم صل على محمد و آل محمد، و افتح له فتحا يسيرا، و انصره نصرا عزيزا، و اجعل له من لدنك سلطانا نصيرا. اللهم صل على محمد و آل محمد، و أظهر حجته بوليك، و احي سنته بظهوره، حتى تستقيم بظهوره جميع عبادك و بلادك، و لا يستخفي أحد بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق. اللهم إني أرغب إليك في دولته الشريفة الكريمة التي تعز بها الإسلام و اهله و تذل بها الشرك و اهله. اللهم صل على محمد و آل محمد، و اجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك و العابرين في سبيلك، و ارزقنا فيها كرامة الدنيا و الآخرة. اللهم ما أنكرنا من الحق فعرفناه و ما قصرنا عنه فبلغناه. اللهم صل على محمد و آل محمد، و استجب لنا جميع ما دعوناك و سألناك. و اجعلنا ممن يذكر فتنفعه الذكرى. و أعطني اللهم سؤلي في الدنيا و الآخرة، انك على كل شيء قدير».
أقول قال الصدوق (قدس سره) في من لا يحضره الفقيه (1)- بعد ما أورد ما قدمناه قبل هذا الدعاء- ما صورته: و قد أخرجت دعاء جامعا لموقف عرفة في كتاب دعاء الموقف، فمن أحب ان يدعو به دعا به ان شاء الله تعالى.
انتهى. و الظاهر انه أشار الى هذا الدعاء الذي ذكره شيخنا المذكور. و الله العالم.
____________
(1) ج 2 ص 324.
393
و منها: الدعاء للإخوان،
روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن علي بن إبراهيم عن أبيه (1) قال: «رأيت عبد الله بن جندب بالموقف، فلم أر موقفا كان أحسن من موقفه، ما زال مادا يديه الى السماء و دموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض، فلما انصرف الناس قلت: يا أبا محمد ما رأيت موقفا قط أحسن من موقفك. قال: و الله ما دعوت إلا لإخواني و ذلك لان أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) أخبرني انه من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش: «و لك مائة ألف ضعف مثله» فكرهت ان ادع مائة ألف ضعف مضمونة لواحدة لا ادري تستجاب أم لا».
و رواه الصدوق مرسلا نحوه (2).
و عن ابن أبي عمير (3) قال: «كان عيسى بن أعين إذا حج فصار الى الموقف اقبل على الدعاء لإخوانه حتى يفيض الناس. قال: قلت له:
تنفق مالك و تتعب بدنك حتى إذا صرت الى الموضع الذي تبث فيه الحوائج الى الله (عز و جل) أقبلت على الدعاء لإخوانك و تركت نفسك؟! قال:
اني على ثقة من دعوة الملك لي و في شك من الدعاء لنفسي».
و في الموثق عن إبراهيم بن أبي البلاد أو عبد الله بن جندب (4) قال:
«كنت في الموقف فلما أفضت لقيت إبراهيم بن شعيب فسلمت عليه، و كان مصابا بإحدى عينيه، و إذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم،
____________
(1) الفروع ج 4 ص 465 و الوسائل الباب 17 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الفقيه ج 2 ص 137 و الوسائل الباب 17 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الفروع ج 4 ص 465 و الوسائل الباب 17 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) الفروع ج 4 ص 465 و الوسائل الباب 17 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
394
فقلت له: قد أصبت بإحدى عينيك و انا و الله مشفق على عينك الأخرى، فلو قصرت من البكاء قليلا. قال: لا و الله يا أبا محمد ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة. فقلت: فلمن دعوت؟ فقال: دعوت لإخواني، فإني سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من دعا لأخيه بظهر الغيب وكل الله به ملكا يقول: «و لك مثلاه» فأردت ان أكون أنا أدعو لإخواني و يكون الملك يدعو لي، لأني في شك من دعائي لنفسي و لست في شك من دعاء الملك لي».
و منها: ان يضرب خباءه بنمرة،
لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1): «فإذا انتهيت الى عرفات فاضرب خباءك بنمرة، و هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة، فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل. الحديث».
و في صحيحته الأخرى الواردة في حج النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «انه انتهى الى نمرة و هي بطن عرنة بحيال الأراك، فضربت قبته و ضرب الناس أخبيتهم عندها، فلما زالت الشمس خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و معه فرسه و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد فوعظ الناس.
الحديث».
و قد تقدم في المقام (3).
و استشكل في المسالك هنا بفوات جزء من الوقوف الواجب عند الزوال قال: و الذي ينبغي انه لا تزول الشمس عليه الا بها. انتهى. و هو مبنى على
____________
(1) ص 375.
(2) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.
(3) ص 375 و ذكرنا هناك ان لفظ الكافي «قريش» بدل «فرسه».
395
ما قدمنا نقله عنه و عن أمثاله من المتأخرين من إيجابهم الوقوف بعرفة من أول الزوال و مقارنة النية لأوله. و قد عرفت الكلام فيه في الموضع الأول مستوفى.
و منها: سد الخلل بنفسه أو برحله، لما تقدم
في صحيحة معاوية بن عمار (1) من قوله (عليه السلام): «فإذا رأيت خللا فسده بنفسك و راحلتك، فان الله (عز و جل) يحب ان تسد تلك الخلال».
و ربما علل استحباب سد الفرج الكائنة على الأرض بأنها إذا بقيت فربما يطمع أجنبي في دخولها، فيشتغلون بالتحفظ منه عن الدعاء، و يؤذيهم في شيء من أمورهم.
و احتمل بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) كون متعلق الجار في «بنفسك و راحلتك» محذوفا صفة للخلل، و المعنى انه يسد الخلل الكائن بنفسه و برحله، بأن يأكل ان كان جائعا، و يشرب ان كان عطشانا، و هكذا يصنع ببعيره، و يزيل الشواغل المانعة من الإقبال و التوجه في الدعاء.
و هو معنى حسن في حد ذاته الا انه بعيد عن لفظ الخبر و المستفاد من غيره، بل المراد انما هو الفرج الواقعة في الأرض.
كما يدل عليه صريحا
ما رواه في الكافي عن سعيد بن يسار (2) قال:
«قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) عشية من العشيات و نحن بمنى- و هو يحثني على الحج و يرغبني فيه-: يا سعيد أيما عبد رزقه الله رزقا من رزقه
____________
(1) الفروع ج 4 ص 263 و الوسائل الباب 13 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الفروع ج 4 ص 263 و الوسائل الباب 13 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
396
فأخذ ذلك الرزق فأنفقه على نفسه و على عياله، ثم أخرجهم قد ضحاهم بالشمس حتى يقدم بهم عشية عرفة الى الموقف فيقيل، أ لم تر فرجا تكون هناك فيها خلل و ليس فيها أحد؟ فقلت: بلى جعلت فداك. فقال: يجيء بهم قد ضحاهم حتى يشعب بهم تلك الفرج، فيقول الله (تبارك و تعالى لا شريك له): عبدي رزقته من رزقي فأخذ ذلك الرزق فأنفقه فضحى به نفسه و عياله ثم جاء بهم حتى شعب بهم هذه الفرجة التماس مغفرتي، اغفر له ذنبه، و اكفه ما أهمه. و ارزقه. الحديث».
قال في الوافي (1) بعد ذكر الخبر: «قد ضحاهم بالشمس» اي ابرزهم لحرها، و الضحى بالضم و القصر: الشمس. قوله: «أ لم تر» جملة معترضة و التقدير فيقيل بهم حتى يشعب بهم تلك الفرج. و الفرجة بالضم: الثلمة في الحائط و نحوه. و الخلل: منفرج ما بين الشيئين. و الشعب: الرتق و الجمع و الإصلاح، يعني: عمر تلك المواضع بعبادته و عبادة أهل بيته و ملأها بهم و سدها» انتهى.
و منها: الوقوف بميسرة الجبل بعرفة، فإنه الأفضل و ان أجزأ الوقوف بأي موضع منها.
فروى في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قف في ميسرة الجبل، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) وقف بعرفات في ميسرة الجبل، فلما وقف جعل الناس
____________
(1) باب (فضل الحج و العمرة و ثوابهما).
(2) الفروع ج 4 ص 463 و الوسائل الباب 11 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
397
يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون الى جانبه، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال:
ايها الناس انه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف و لكن هذا كله موقف.
و أشار بيده الى الموقف. و قال: هذا كله موقف. و فعل مثل ذلك بالمزدلفة. الحديث».
و عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «عرفات كلها موقف، و أفضل الموقف سفح الجبل. الى ان قال: و انتقل عن الهضبات و اتق الأراك».
و عن محمد بن سماعة عن سماعة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
إذا كثر الناس بمنى و ضاقت عليهم فكيف يصنعون؟ فقال: يرتفعون إلى وادي محسر. قلت: فإذا كثروا بجمع و ضاقت عليهم كيف يصنعون؟
فقال: يرتفعون إلى المأزمين. قلت: فإذا كانوا بالموقف و كثروا و ضاق عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى الجبل و يوقف في ميسرة الجبل، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) وقف بعرفات فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته. الحديث».
كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار.
و منها: القيام، ذكره جملة من الأصحاب، و عللوه بأنه أشق، و أفضل
____________
(1) الفروع ج 4 ص 463 و الوافي باب (حدود عرفات) و الوسائل الباب 11 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة. راجع التعليقة (2) على هذا الحديث في الطبعة الحديثة من الوسائل.
(2) التهذيب ج 5 ص 180 و الوسائل الباب 11 و 13 و 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة و في النسخ المخطوطة و المطبوعة اسناد الرواية الى محمد بن سماعة.
398
الأعمال أحمزها (1).
و قال الشيخ في الخلاف: يجوز الوقوف بعرفة راكبا و قائما سواء. و في المبسوط القيام أفضل. قال في المختلف: و هو الحق، لنا: انه أشق،
و قال (صلى الله عليه و آله): «أفضل الأعمال أحمزها» (2).
ثم نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال في استدلاله: و ايضا القيام أشق من الركوب، فينبغي ان يكون أفضل.
و قال في المدارك بعد ان اختار ذلك و علله بما ذكره الأصحاب أيضا:
و ينبغي ان يكون ذلك حيث لا ينافي الخشوع لشدة التعب و نحوه، و الا سقطت وظيفة القيام.
و قال في المدارك بعد ان نقل عن المصنف كراهة الركوب و القعود: لم أقف على رواية تتضمن النهي عن ذلك. نعم لا ريب انه خلاف الاولى، لاستحباب القيام. و قال بعض العامة: ان الركوب أفضل من القيام، لما رووه من ان النبي (صلى الله عليه و آله) وقف راكبا (3) و هو ضعيف. انتهى.
أقول: و المسألة عندي لا تخلو من شوب التردد، فان ما ذكروه من استحباب القيام لم يرد في شيء من اخبار عرفة على كثرتها و اشتمالها على جملة من المندوبات، مع ان هذا الحكم من أهمها لو كان كذلك. و ما عللوه به
____________
(1) في نهاية ابن الأثير مادة (حمز):
«في حديث ابن عباس: سئل رسول الله (ص): اي الأعمال أفضل؟ فقال: أحمزها اي أقواها و أشدها».
و في مجمع البحرين ايضا نسبته الى حديث ابن عباس.
(2) نفس المصدر.
(3) المغني ج 3 ص 428 طبع مطبعة المنار.
399
من الخبر لا يخلو من شيء.
مع ان الظاهر من
صحيحة معاوية بن عمار في حكاية وقوفه (صلى الله عليه و آله) (1) و قوله فيها: «فلما وقف جعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته فيقفون الى جانبه، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك».
ان وقوفه (صلى الله عليه و آله) كان على الناقة.
و أصرح منه و أظهر
ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن عيسى عن حماد بن عيسى (2) قال: «رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) في الموقف على بغلة رافعا يده الى السماء عن يسار و الى الموسم حتى انصرف، و كان في موقف النبي (صلى الله عليه و آله) و ظاهر كفيه الى السماء و هو يلوذ ساعة بعد ساعة بسبابتيه».
و منها: عدم الوقوف في أعلى الجبل الا مع الضرورة.
لما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الوقوف بعرفات فوق الجبل أحب إليك أم على الأرض؟
فقال: على الأرض».
و نقل عن ابن البراج و ابن إدريس أنهما حرما الوقوف على الجبل إلا لضرورة. و لم أقف لذلك على دليل سوى الرواية المذكورة.
و كيف كان فمع الضرورة كالزحام و نحوه تنتفي الكراهة أو التحريم.
____________
(1) الوسائل الباب 11 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(2) الوسائل الباب 12 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الوسائل الباب 10 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
400
لما تقدم في رواية محمد بن سماعة (1).
و ما رواه في الكافي عن سماعة (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا ضاقت عرفة كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون الى الجبل».
و منها: الوقوف على طهارة،
لما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (3) قال: «سألته عن الرجل هل يصلح له ان يقف بعرفات على غير وضوء؟ قال: لا يصلح له الا و هو على وضوء».
و انما حملناه على الاستحباب لما تقدم في أحاديث السعي و الطواف من ما يدل على جواز أداء المناسك بغير طهارة إلا الطواف.
و ينبغي تقييد ذلك ايضا بما إذا لم يكن وقوفه على غسل و الا فالغسل مجزئ عنه، كما هو القول المختار من اجزاء الغسل مطلقا عن الوضوء، كما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة.
الموضع الرابع- المشهور بين الأصحاب ان الدعاء يوم عرفة مستحب، قال في المنتهى: و هذه الأدعية مستحبة و ليست بواجبة إنما الواجب الوقوف و لا نعلم في ذلك خلافا. ثم أورد الخبرين الآتيين.
أقول: و ربما أشعر كلام بعضهم بالوجوب، و نقل في الدروس عن الحلبي انه أوجب الدعاء و الاستغفار. و عن ابن زهرة إيجاب الذكر.
و قال في المختلف: قال أبو الصلاح: يلزم افتتاحه بالنية، و قطع زمانه
____________
(1) تقدم انها رواية محمد بن سماعة عن سماعة.
(2) الوسائل الباب 11 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الوسائل الباب 20 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
401
بالدعاء و التوبة و الاستغفار. قال: و هذا يوهم وجوب هذه الأشياء. و الحق ان الواجب النية و الكون بها خاصة دون وجوب شيء من الأذكار. و كذا قال في المشعر. و هو اختيار ابن البراج. لنا: الأصل براءة الذمة،
و ما رواه عبد الله بن جذاعة الأزدي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رجل وقف بالموقف فأصابته دهشة الناس، فبقي ينظر الى الناس و لا يدعو حتى أفاض الناس؟ قال: يجزئه وقوفه. ثم قال: أ ليس قد صلى بعرفات الظهر و العصر و قنت و دعا؟ قلت: بلى. قال: فعرفات كلها موقف، و ما قرب من الجبل فهو أفضل».
و عن أبي يحيى زكريا الموصلي (2) قال:
«سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن رجل وقف بالموقف فأتاه نعي أبيه أو نعي بعض ولد، قبل ان يذكر الله بشيء أو يدعو، فاشتغل بالجزع و البكاء عن الدعاء، ثم أفاض الناس. فقال: لا ارى عليه شيئا و قد أساء، فليستغفر الله، اما لو صبر و احتسب لأفاض من الموقف بحسنات أهل الموقف جميعا من غير ان ينقص من حسناتهم شيء».
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 184 و الوسائل الباب 16 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة. و السند في التهذيب و الوافي باب (الوقوف بعرفات و الدعاء عنده) هكذا: عن جعفر بن عامر بن عبد الله بن جذاعة الأزدي عن أبيه. و في الوسائل عن جعفر بن عامر عن عبد الله بن جذاعة الأزدي عن أبيه.
(2) التهذيب ج 5 ص 184 و الوسائل الباب 16 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
402
الفصل الثالث في الأحكام
و فيه مسائل:
الأولى [الوقوف بعرفة ركن]
- لا خلاف بين الأصحاب بل بين علماء الإسلام (1) في ان الوقوف بعرفة ركن من تركه عامدا فلا حج له.
و يدل عليه ما تقدم في جملة من الاخبار:
ان أهل الأراك لا حج لهم (2).
و إذا بطل الحج بالوقوف في غير الموقف فبعدم الوقوف بالكلية بطريق أولى.
فأما
ما رواه الشيخ عن ابن فضال عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3)- قال: «الوقوف بالمشعر فريضة، و الوقوف بعرفة سنة».
فقد رده المتأخرون بالطعن في السند بالإرسال، و ضعف المرسل.
و أجاب عنه الشيخ بحمل السنة على ما ثبت فرضه من جهة السنة دون النص بظاهر القرآن، قال: و ما عرف فرضه من جهة السنة جاز ان يطلق عليه الاسم بأنه سنة، و قد بينا ذلك في غير موضع، و ليس كذلك الوقوف بالمشعر، لان فرضه علم بظاهر القرآن، قال الله تعالى فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ (4) انتهى. و هو جيد.
____________
(1) المغني ج 3 ص 428 طبع مطبعة المنار.
(2) الوسائل الباب 10 و 11 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(3) الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) سورة البقرة الآية 197.
403
و قال في الدروس: و رواية ابن فضال- انه سنة- مزيفة بالإرسال.
و معارضة بالإجماع. و مأولة بالثبوت بالسنة.
و ينبغي ان يعلم ان الركن منه هو المسمى خاصة، و ما عداه فيتصف بالوجوب، و من ثم صح حج المفيض قبل الغروب عمدا و ان وجب عليه جبره بالبدنة أو الشاة على القولين المتقدمين. و صح ايضا حج من أخل به أول الوقت.
و لا يختص الركن بجزء معين منه بل الأمر الكلي، كما قالوا في الركن الركوعي من انه المقارن للركوع.
الثانية [الوقوف الاختياري و الاضطراري بعرفة]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بان الوقت الاختياري لوقوف عرفة من زوال الشمس الى الغروب، من تركه عامدا فسد حجه و من تركه ناسيا تداركه ما دام وقته باقيا و لو قبل طلوع الفجر من يوم النحر. و لو فاته اكتفى بالوقوف بالمشعر، و الوقت الاضطراري إلى طلوع الفجر من يوم النحر.
و تفصيل هذا الإجمال و ما يتعلق به من الاستدلال يقع في مواضع.
فاما بيان ان الوقت الاختياري من زوال الشمس الى الغروب فقد تقدمت الأخبار الدالة عليه في بيان كيفية الوقوف (1).
و اما أن من ترك الوقوف في هذا الوقت عامدا فسد حجه فقد تقدم بيانه في سابق هذه المسألة.
و اما بيان الوقت الاضطراري و انه يجزئ لمن لم يدرك الاختياري فيدل عليه جملة من الاخبار:
منها:
ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار و الكليني
____________
(1) ص 380.
404
في الصحيح أو الحسن عنه ايضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) في حديث قال: «و قال في رجل أدرك الامام و هو بجمع. فقال: ان ظن انه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و ان ظن انه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها و ليقم بجمع، فقد تم حجه».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات. فقال: ان كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل ان يفيضوا فلا يتم حجه حتى يأتي عرفات، و ان قدم و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل ان يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل».
و عن إدريس بن عبد الله (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أدرك الناس بجمع و خشي ان مضى الى عرفات ان يفيض الناس من جمع قبل ان يدركها. فقال: ان ظن ان يدرك الناس بجمع قبل
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 284 و الفروع ج 4 ص 476 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر. راجع التعليقة 1 على هذا الحديث في الطبعة الحديثة من الوسائل.
(2) التهذيب ج 5 ص 289 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.
(3) التهذيب ج 5 ص 289 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.
405
طلوع الشمس فليأت عرفات فإن خشي أن لا يدرك جمعا فليقف بجمع ثم ليفض مع الناس، فقد تم حجه».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) في سفر، فإذا شيخ كبير فقال: يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما تقول في رجل أدرك الإمام بجمع؟ فقال له: ان ظن انه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها، و ان ظن انه لا يأتيها حتى يفيض الناس من جمع فلا يأتها، و قد تم حجه».
و اما انه لو فاته الوقوف الاضطراري اكتفى بالوقوف بالمشعر فقد دلت عليه الاخبار المذكورة.
بقي الكلام في ان الأصحاب (رضوان الله عليهم) استدلوا بهذه الروايات على ما قدمنا نقله عنهم من حكم الناسي، و هي- كما ترى- لا تعرض فيها لذكر الناسي و لو بالإشارة فضلا عن التصريح، و انما موردها ضيق الوقت على القادم للحج.
و اما ما ذكره في المدارك بعد ان أورد عليهم نحو ما أوردناه- حيث قال: و يمكن استفادته من التعليل المستفاد من قوله (عليه السلام) في رواية الحلبي: «الله أعذر لعبده» فان النسيان من أقوى الأعذار. بل يمكن الاستدلال بذلك على عذر الجاهل ايضا كما هو ظاهر اختيار الشهيد في الدروس.
فهو محل نظر. و كأنه بناء منه على ما قدمنا نقله عنه في كتاب الصيام
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 290 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.
406
من دعواه ان النسيان من الله (تعالى). و قد بينا ثمة ضعفه، و ان النسيان انما هو من الشيطان كما تكررت به آيات القرآن. و بالجملة فإن الناسي من حيث حصول العلم له أولا فعروض النسيان له انما هو لإهماله التذكر و عدم الاعتناء بإجرائه على البال. و من أجل ذلك يضعف القول بمعذوريته، و ان كان ظاهر كلامه هنا و كذا كلام غيره زيادة معذوريته على الجاهل. و هو غلط محض، فإن الأخبار قد استفاضت بمعذورية الجاهل و لا سيما في باب الحج عموما و خصوصا. و الوجه فيه ظاهر، كما تقدم تحقيقه في غير مقام و لا سيما في مقدمات الكتاب، و هم في أكثر المواضع انما استندوا في معذورية الناسي الى اخبار معذورية الجاهل، فلو عكسوا لأصابوا.
و ظاهر الاخبار المذكورة الاكتفاء في الوقوف الاضطراري بمسمى الكون بعرفة، و بذلك صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) ايضا، قال في المنتهى: لو لم يقف بعرفة نهارا و وقف بها ليلا أجزأه على ما بيناه، و جاز له ان يدفع من عرفات اي وقت شاء بلا خلاف.
و نقل عن الشيخ في الخلاف انه أطلق ان وقت الوقوف بعرفة من الزوال يوم عرفة الى طلوع الفجر من يوم النحر. و حمله جملة من الأصحاب على ان مراده بيان مجموع وقتي الاختيار و الاضطرار، لا أن ذلك وقت اختياري لتصريحه في سائر كتبه بالتفصيل المذكور.
و حمله ابن إدريس على ان مراده الوقت الاختياري، فاعترضه بان هذا القول مخالف لأقوال علمائنا و انما هو قول لبعض المخالفين (1) أورده الشيخ
____________
(1) المغني ج 3 ص 433 و 434 طبع مطبعة المنار.
407
في كتابه إيرادا لا اعتقادا.
و قال العلامة في المختلف- و نعم ما قال-: و التحقيق ان النزاع هنا لفظي، فإن الشيخ قصد الوقوف الشامل للاختياري و هو من زوال الشمس الى غروبها، و الاضطراري و هو من الزوال الى طلوع الفجر، فتوهم ابن إدريس ان الشيخ قصد بذلك الوقت الاختياري، فأخطأ في اعتقاده و نسب الشيخ الى تقليد بعض المخالفين، مع ان الشيخ أعظم المجتهدين و كبيرهم.
و لا ريب في تحريم التقليد للمحق من المجتهدين فكيف المخالف الذي يعتقد المقلد انه مخطئ، و هل هذا الا جهالة منه و اجتراء على الشيخ (رحمه الله).
و يستفاد من الاخبار المذكورة انه لا يجب عليه المضي الى عرفات في الصورة المذكورة إلا مع ظن إدراك اختياري المشعر، فلو تردد في ذلك لم يجب عليه المضي و اجتزأ باختياري المشعر، و هو الظاهر ايضا من كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و نقل عن الشيخ انه احتمل وجوب المضي الى عرفات مع التردد تقديما للوجوب الحاضر. و ضعفه ظاهر. و منه يستفاد ايضا ان اختياري المشعر مقدم على اضطراري عرفة. و سيأتي تحقيق ذلك في المقام ان شاء الله تعالى.
الثالثة [صور درك الاختياري و الاضطراري للموقفين]
- اعلم ان أقسام الوقوفين بالنسبة إلى الاختياري و الاضطراري ثمانية: أربعة مفردة، و هي كل واحد من الاختياريين و الاضطراريين، و أربعة مركبة، و هي الاختياريان و الاضطراريان و اختياري عرفة مع اضطراري المشعر و بالعكس. قالوا: و كلها مجزئة إلا اضطراري عرفة، قولا واحدا كما نقله في الدروس و قد وقع الخلاف في اختياري عرفة ايضا، و كذا في
408
الاضطراريين، و كذا في اضطراري المشعر وحده.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مواضع
الأول:
ان يقال: اما الاختياريان و اضطراري عرفة مع اختياري المشعر، و كذا اختياري المشعر خاصة، و كذا اختياري عرفة مع اضطراري المشعر، فهي مجزئة قولا واحدا.
و يدل على الأول منها انه الحج المأمور به و قد اتى به، و على الثاني و الثالث الاخبار المتقدمة في المسألة الثانية (1).
و على الرابع
ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال:
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل أفاض من عرفات فأتى منى؟ قال: فليرجع فيأتي جمعا فيقف بها و ان كان الناس قد أفاضوا من جمع».
و في الموثق عن يونس بن يعقوب (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رجل أفاض من عرفات بالمشعر. فلم يقف حتى انتهى الى منى و رمى الجمرة و لم يعلم حتى ارتفع النهار؟ قال: يرجع الى المشعر فيقف ثم يرجع فيرمي الجمرة».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «من أفاض من عرفات إلى منى فليرجع و ليأت جمعا و ليقف بها و ان كان قد وجد الناس قد أفاضوا من جمع».
الثاني- اختياري عرفة خاصة
، و المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)
____________
(1) ص 404 و 405.
(2) الفروع ج 4 ص 472 و الوسائل الباب 21 من الوقوف بالمشعر.
(3) الفروع ج 4 ص 472 و الوسائل الباب 21 من الوقوف بالمشعر.
(4) الوسائل الباب 4 و 21 من الوقوف بالمشعر.
409
الاجتزاء به حتى انه ادعى في المسالك عدم الخلاف فيه، حيث قال: انه لا خلاف في الاجتزاء بأحد الاختياريين. و اعترضه سبطه في المدارك بأنه مشكل جدا، لانتفاء ما يدل على الاجتزاء باختياري عرفة خاصة مع ان الخلاف في المسألة متحقق، فإن العلامة في المنتهى صرح بعدم الاجتزاء بذلك، و هذه عبارته: و لو أدرك أحد الموقفين اختيارا و فاته الآخر مطلقا فان كان الفائت هو عرفات فقد صح حجه لإدراك المشعر، و ان كان هو المشعر ففيه تردد. و نحوه قال في التذكرة، فعلم من ذلك ان الاجتزاء بإدراك اختياري عرفة ليس إجماعيا كما ذكره الشارح و ان المتجه فيه عدم الاجزاء لعدم الإتيان بالمأمور به على وجهه، و انتفاء ما يدل على الصحة مع هذا الإخلال. و الله العالم بحقيقة الحال. انتهى.
أقول:
روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن محمد بن يحيى الخثعمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال «في رجل لم يقف بالمزدلفة و لم يبت بها حتى اتى منى. فقال: أ لم ير الناس لم يكونوا بمنى حين دخلها؟
قلت: فإنه جهل ذلك. قال: يرجع. قلت: ان ذلك قد فاته. قال:
لا بأس».
و روى في التهذيب في الصحيح ايضا عن محمد بن يحيى الخثعمي عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) «في من جهل و لم يقف بالمزدلفة و لم يبت بها حتى اتى منى، قال: يرجع. قلت: ان ذلك قد
____________
(1) الفروع ج 4 ص 473 و التهذيب ج 5 ص 293 و الوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر راجع التعليقة 1 على الحديث في التهذيب.
(2) التهذيب ج 5 ص 292 و الوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر.
410
فاته. قال: لا بأس به».
و هذان الخبران ظاهرا الدلالة على الاجتزاء باختياري عرفة، و التقريب فيهما أن من الظاهر ان مروره بالمزدلفة و الإتيان إلى منى انما هو من عرفات بعد الوقوف الاختياري بها، و الامام (عليه السلام) قد أمر بالرجوع إلى المزدلفة للوقوف بها و لو الاضطراري، و لما أخبره السائل بفوات الوقت حكم بصحة الحج في الصورة المذكورة.
و الشيخ (رحمه الله تعالى) حملهما في التهذيبين- بعد الطعن في الراوي بأنه عامي، و انه رواه تارة بواسطة و اخرى بدونها- على من وقف بالمزدلفة شيئا يسيرا دون الوقوف التام.
و ما ادري ما الموجب لتأويلهما؟ سيما مع قولهم بالاجتزاء باختياري عرفة كما عرفت، و دلالة الخبرين على ذلك من غير معارض في البين.
و الخبران ظاهران في ان ترك الوقوف كان عن جهل، فلا يمكن حينئذ حملهما على ترك الوقوف عمدا، ليكون ذلك موجبا لبطلان الحج كما ربما يتوهم. و بالجملة فإني لا اعرف وجها في ردهما و الحال كما عرفت. و ما ذكره من ان محمد بن يحيى الخثعمي عامي، فلم يذكره إلا في هذا الموضع من الاستبصار، و اما في كتب الرجال فإنه لم يتعرض للقدح فيه بذلك.
مع ان النجاشي قد وثقه، فحديثه صحيح كما ذكرناه.
و لم أعثر على من تنبه لما قلناه من الاستدلال بالخبرين المذكورين على هذه الصورة مع ان دلالتهما ظاهرة بالتقريب المذكور.
و قال في الدروس- بعد ان اختار اجزاء الثمانية المتقدمة إلا الاضطراري الواحد منهما، و نسب إجزاء اضطراري المشعر إلى رواية صحيحة- ما صورته
411
و خرج الفاضل وجها باجزاء اختياري المشعر و حده دون اختياري عرفة وحده، و لعله
لقول الصادق (عليه السلام) (1): «الوقوف بالمشعر فريضة و بعرفة سنة».
و قوله (عليه السلام) (2): «إذا فاتتك المزدلفة فاتك الحج».
و يعارض بما اشتهر من
قول النبي (صلى الله عليه و آله): «الحج عرفة» (3).
و «أصحاب الأراك لا حج لهم» (4).
أقول: و من هذا الكلام يظهر ان مستندهم في القول بالاجتزاء باختياري عرفة انما هو الخبر المذكور عنه (صلى الله عليه و آله) في الموضعين. و لا يخفى ما فيه من الإجمال الموجب لضعف الاستدلال. و ما ذكرناه من الخبرين المتقدمين أظهر دلالة و أوضح مقالة.
الثالث- الاضطراريان
، و الأظهر إدراك الحج بإدراكهما، كما صرح به الشيخ في كتابي الاخبار، و استقربه في المختلف و اختاره المحقق في الشرائع، و السيد السند في المدارك.
لما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسن العطار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) قال: «إذا أدرك الحاج عرفات قبل طلوع الفجر،
____________
(1) الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة. و اللفظ:
«. و الوقوف بعرفة سنة».
(2) الوسائل الباب 23 و 25 من الوقوف بالمشعر و اللفظ: «فقد فاتك الحج».
(3) مستدرك الوسائل الباب 18 من إحرام الحج و سنن البيهقي ج 5 ص 173.
(4) الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(5) الوسائل الباب 24 من الوقوف بالمشعر.
412
فاقبل من عرفات و لم يدرك الناس بجمع و وجدهم قد أفاضوا، فليقف قليلا بالمشعر الحرام، و ليلحق الناس بمنى، و لا شيء عليه».
و هي صريحة الدلالة في إدراك الحج بإدراك الاضطراريين، و لا ينافيها صحيحة حريز الآتية و نحوها من ما دل على فوات الحج بإدراك المشعر بعد طلوع الشمس، لأنها محمولة على من لم يدرك عرفة بالمرة و انما أدرك اضطراري المشعر خاصة، كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى.
و لا يخفى انه على القول بإدراك الحج بإدراك اضطراري المشعر خاصة يتعين القول بالصحة بإدراكهما معا بطريق اولى، و انما تصير ثمرة الخلاف في هذا القول بناء على القول الآخر من عدم ادراك الحج في الصورة المذكورة.
ثم العجب من المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في منسك الحج حيث قال بعد ذكر عدم الاجزاء في صورة اضطراري المشعر: و مثله القول في الثالث، فان الخلاف فيه واقع، و بالاجزاء حديث من مشهوري الصحيح واضح الدلالة، الا ان الاعتماد على مثله في حكم مخالف للأصل مشكل.
انتهى. و أشار بالثالث إلى صورة ادراك الاضطراريين. و بالحديث إلى صحيحة الحسن المذكورة و لا يخفى ما فيه من المجازفة بناء على اعتمادهم على القواعد الأصولية زيادة على الاخبار المعصومية، فإن الأصل يجب الخروج عنه بالدليل و لا معارض له من الاخبار، فيجب القول به على كل حال.
الرابع- اضطراري المشعر خاصة
، و قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في إدراك الحج بإدراكه و عدمه، فالمشهور العدم، بل ادعى عليه في المنتهى انه موضع وفاق، و قال ابن الجنيد و المرتضى و الصدوق في كتاب علل الشرائع و الأحكام بالأول، و اختاره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و سبطه
413
السيد السند في المدارك.
قال (قدس سره) بعد نقل ذلك عن الجماعة المذكورين: و هو المعتمد لنا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن المغيرة (1) قال: «جاءنا رجل بمنى فقال اني لم أدرك الناس بالموقفين جميعا. فقال له عبد الله بن المغيرة: فلا حج لك. و سأل إسحاق بن عمار فلم يجبه فدخل إسحاق على أبي الحسن (عليه السلام) فسأله عن ذلك، فقال:
إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحج».
و في الحسن عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«من أدرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج».
و قد روى نحو هذه الرواية ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه بطريق صحيح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من أدرك الموقف بجمع يوم النحر من قبل ان تزول الشمس فقد أدرك الحج».
و قال في كتاب علل الشرائع و الأحكام (4): و الذي افتى به و اعتمده في هذا المعنى ما حدثنا به شيخنا محمد بن الحسن بن الوليد (رضي الله تعالى عنه) قال حدثني محمد بن الحسن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 291 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(3) الفقيه ج 2 ص 243 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(4) ص 451 طبعة النجف سنة 1382 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
414
و نقل الرواية بعينها. و هذه الرواية مع صحتها واضحة الدلالة على المطلوب، و يدل عليه ايضا
ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن إسحاق ابن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من أدرك المشعر الحرام قبل أن تزول الشمس فقد أدرك الحج».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أدرك الزوال فقد أدرك الموقف».
و استدل الشارح (قدس سره) على هذا القول بصحيحة عبد الله ابن مسكان عن الكاظم (عليه السلام) «إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل ان تزول الشمس فقد أدرك الحج» و تقدمه في ذلك الشيخ فخر الدين في شرح القواعد. و لم نقف على هذه الرواية في شيء من الأصول و لا نقلها أحد غيرهما في ما اعلم. و الظاهر انها رواية عبد الله بن المغيرة فوقع السهو في ذكر الأب. و العجب
ان الكشي قال (3) روى: ان عبد الله بن مسكان لم يسمع من الصادق (عليه السلام) الا حديث: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج».
انتهى.
أقول: فيه انه و ان دلت هذه الاخبار المذكورة على ما ادعاه من القول المذكور الا ان بإزائها أيضا ما يدل على القول المشهور، فكان الواجب في مقام التحقيق ذكرها و الجواب عنها بوجه يحسم مادة الاشكال و النزاع، و الا فإن المسألة تبقى في قالب التعويق الموجب لعدم الفائدة في ما ذكره و الانتفاع.
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 243 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفقيه ج 2 ص 243 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(3) الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
415
و من الاخبار المشار إليها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن حريز (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعا. فقال: له الى طلوع الشمس من يوم النحر، فان طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حج، و يجعلها عمرة، و عليه الحج من قابل».
و الرواية مع صحة سندها صريحة الدلالة في القول المذكور.
و من ما يدل على ذلك ايضا ظاهر
صحيحة الحلبي المتقدمة في المسألة الثانية (2) لقوله (عليه السلام) فيها: «و ان قدم و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام، فان الله تعالى أعذر لعبده، فقد تم حجه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس و قبل ان يفيض الناس، فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فليجعلها عمرة مفردة، و عليه الحج من قابل».
و التقريب فيها ان الظاهر من قوله (عليه السلام): «و ان لم يدرك المشعر» يعني: على الوجه الذي ذكره أولا من كونه قبل طلوع الشمس و قبل ان يفيض الناس، كما هو ظاهر السياق المتبادر من هذا الإطلاق.
و نحوها أيضا
صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ثمة (3) و قوله (صلى الله عليه و آله) لذلك الشيخ: «ان ظن انه يأتي عرفات فيقف قليلا ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس فليأتها. الخبر».
الا ان للاحتمال فيه مجالا.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 291 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) التهذيب ج 5 ص 289 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.
(3) التهذيب ج 5 ص 290 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.
416
و من ما يدل على ذلك
ما رواه الشيخ عن محمد بن سنان (1) قال:
«سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الذي إذا أدركه الإنسان فقد أدرك الحج. فقال: إذا أتى جمعا و الناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج و لا عمرة له، و ان أدرك جمعا بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حج له، فان شاء ان يقيم بمكة أقام و ان شاء ان يرجع الى أهله رجع، و عليه الحج من قابل».
و عن محمد بن فضيل (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحد الذي إذا أدركه الرجل أدرك الحج. فقال: إذا اتى جمعا و الناس في المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج و لا عمرة له، و ان لم يأت جمعا حتى تطلع الشمس فهي عمرة مفردة و لا حج له، فان شاء اقام و ان شاء رجع، و عليه الحج من قابل».
و عن إسحاق بن عبد الله (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكة مفردا للحج فخشي ان يفوته الموقفان. فقال: له يومه الى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حج فقلت: كيف يصنع بإحرامه؟ فقال يأتي مكة فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة. فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد؟ قال: ان شاء أقام بمكة و ان شاء رجع الى الناس بمنى، و ليس منهم في شيء، و إن
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 290 و الاستبصار ج 2 ص 303 و 306 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) التهذيب ج 5 ص 291 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(3) التهذيب ج 5 ص 290 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
417
شاء رجع الى اهله، و عليه الحج من قابل».
فهذه جملة من الاخبار الدالة على القول المشهور كما ذكرنا. و هو و ان أجاب عن بعضها بضعف السند بناء على اصطلاحه الغير المعتمد الا ان فيها الصحيح كما عرفت، فيجب عليه التصدي للجواب عنه. و الشيخ (رحمه الله) قد أجاب عن الروايات الأولى تارة بالحمل على إدراك الفضيلة و الثواب دون ان تسقط عنه حجة الإسلام، و تارة بتخصيصها بمن أدرك عرفات ثم جاء الى المشعر قبل الزوال. و لا يخفى ما فيهما من البعد عن سياق الأخبار المذكورة و الحق ان الروايات من الطرفين صريحة في كل من القولين، و ما تكلفه المحقق الشيخ حسن (قدس سره) في المنتقى هنا- من الجمع بين الاخبار و ارتكاب التأويل و ان زاد في التطويل في جانب اخبار القول الغير المشهور- فهو لا يخلو من تكلف مع انه لا يجري في جميع أخبار المسألة كما لا يخفى على من تأمله.
و بالجملة فالمسألة عندي محل توقف و اشكال. و الله العالم بحقيقة الحال.
ثم ان ما ذكره (قدس سره) في الرواية المنقولة عن عبد الله بن مسكان عن الكاظم (عليه السلام) جيد، فانا لم نقف عليها بعد التتبع في ما وصل إلينا من كتب الاخبار. و اما رواية الكشي المذكورة فقد روى مثلها النجاشي في كتابه، و لعل هذه الرواية كانت مشهورة على ألسنتهم و ان لم تنقل في أصولهم، أو انها لم تصل إلينا.
418
المقصد الثاني في الوقوف بالمشعر:
و يسمى جمعا و المزدلفة، قال في الصحاح: المشاعر: مواضع المناسك و المشعر الحرام أحد المشاعر، و كسر الميم لغة. و قال ايضا: و يقال للمزدلفة: جمع، لاجتماع الناس بها. و قال في القاموس: المشعر الحرام و تكسر ميمه: المزدلفة، و عليه بناء اليوم. و وهم من ظنه جبلا بقرب ذلك البناء. و قال في كتاب مجمع البحرين بعد ذكر قوله (عز و جل):
فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ (1): هو جبل بآخر مزدلفة و اسمه: قزح، و يسعى جمعا و مزدلفة و المشعر الحرام. و الظاهر انه تبع في ذلك صاحب المصباح المنير فإنه يقتضي أثره غالبا حيث قال في الكتاب المذكور: و المشعر الحرام جبل بآخر مزدلفة و اسمه قزح، و ميمه مفتوحة على المشهور و بعضهم يكسرها على التشبيه باسم الآلة. أقول: و هذا القول هو الذي أشار إليه في القاموس و نسب قائله الى الوهم. و نقل في الدروس عن الشيخ تفسيره بالجبل المذكور، حيث قال في مسألة استحباب وطء الصرورة المشعر برجله: و قال ابن الجنيد: يطأ برجله أو بعيره. و قد قال الشيخ: هو قزح، فيصعد عليه و يذكر الله تعالى عنده. ثم قال: و الظاهر انه المسجد الموجود الآن. و سيأتي تتمة الكلام في ذلك ان شاء الله تعالى.
و اما ما ورد في تعليل هذه الأسماء لهذا المكان فقد تقدم في الفائدة
____________
(1) سورة البقرة الآية 197.
419
المنقولة في صدر المقصد الأول في حديث المحاسن من قول جبرئيل لإبراهيم (عليه السلام): ازدلف الى المشعر الحرام. فسميت مزدلفة.
و روى ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال في حديث إبراهيم (عليه السلام): «ان جبرئيل انتهى به الى الموقف و اقام به حتى غربت الشمس، ثم أفاض به، فقال:
يا إبراهيم ازدلف الى المشعر الحرام. فسميت مزدلفة».
و روى في العلل (2) عن إسماعيل بن جابر و عبد الكريم بن عمرو عن عبد الحميد بن أبي الديلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سميت المزدلفة جمعا لأن آدم (عليه السلام) جمع فيها بين الصلاتين المغرب و العشاء».
و روى الصدوق مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهم السلام) (3) «انه انما سميت المزدلفة جمعا لانه يجمع فيها بين المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين».
و من ما روى في فضل هذا المكان ما رواه ابن بابويه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما لله (عز و جل)
____________
(1) الوسائل الباب 4 من الوقوف بالمشعر عن علل الشرائع ص 436 طبع النجف الأشرف و رواه في الفقيه ج 2 ص 127 بطريق أخر باختلاف في اللفظ.
(2) ص 437 طبع النجف الأشرف و الوسائل الباب 6 من الوقوف بالمشعر.
(3) الوسائل الباب 6 من الوقوف بالمشعر.
(4) الحديث أورده في المدارك بهذا اللفظ ايضا، و في الوسائل عن العلل في الباب 1 من السعي هكذا: «من موضع السعي» و في العلل ص 433 من طبع النجف الأشرف باب (علة الهرولة بين الصفا و المروة):
«من موضع المسعى» و لم نقف على غير ذلك في مضانه.
420
منسك أحب الى الله تعالى من موضع المشعر، و ذلك انه يذل فيه كل جبار عنيد».
و كيف كان فالكلام في هذا المقصد يقع في مقامات ثلاثة.
[المقام] الأول- في مقدمات الوقوف
، و منها
الإفاضة من عرفات بعد الغروب
على سكينة و وقار و خشوع داعيا بما تقدم (1) نقله عن الصادق (عليه السلام) من الدعاء عند مغيب الشمس.
و روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان المشركين كانوا يفيضون من قبل ان تغيب الشمس، فخالفهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأفاض بعد غروب الشمس.
قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا غربت الشمس فأفض مع الناس و عليك السكينة و الوقار، و أفض بالاستغفار.
فان الله (عز و جل) يقول ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ النّٰاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) فإذا انتهيت الى الكثيب الأحمر عن يمين الطريق فقل: اللهم ارحم موقفي و زد في عملي و سلم لي ديني و تقبل مناسكي.
____________
(1) ص 389.
(2) الفروع ج 4 ص 467 و التهذيب ج 5 ص 186 و 187 و الوسائل الباب 22 من إحرام الحج و الباب 1 من الوقوف بالمشعر.
(3) سورة البقرة الآية 198.
421
و إياك و الوجيف الذي يصنعه الناس، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: ايها الناس ان الحج ليس بوجيف الخيل و لا إيضاع الإبل، و لكن اتقوا الله، و سيروا سيرا جميلا، و لا توطئوا ضعيفا، و لا توطئوا مسلما، و توأدوا، و اقتصدوا في السير، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يكف ناقته حتى يصيب رأسها مقدم الرجل، و يقول: ايها الناس عليكم بالدعة. فسنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) تتبع. قال معاوية بن عمار:
و سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: اللهم أعتقني من النار. يكررها حتى أفاض الناس، فقلت: الا تفيض؟ فقد أفاض الناس قال: اني أخاف الزحام، و أخاف ان أشرك في عنت انسان».
قال في الوافي (1): «من حيث أفاض الناس» اي من عرفات،
و روى في مجمع البيان (2) عن الباقر (عليه السلام) انه قال: «كانت قريش و حلفاؤهم من الحمس لا يقفون مع الناس بعرفة و لا يفيضون منها و يقولون نحن أهل حرم الله فلا نخرج من الحرم، فيقفون بالمشعر و يفيضون منه، فأمرهم الله ان يقفوا بعرفات و يفيضوا منها».
و في تفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) (3) «يعني بالناس إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و من بعدهم ممن أفاض من عرفات».
و الكثيب: التل من الرمل «و إياك و الوجيف» في التهذيب (4) هكذا: «و إياك و الوضف الذي يصنعه كثير من الناس،
____________
(1) باب (الإفاضة من عرفات).
(2) ج 1 ص 296 طبع صيدا.
(3) الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الوقوف بعرفة.
(4) ج 5 ص 187.
422
فإنه بلغنا ان الحج ليس بوضف الخيل و لا إيضاع الإبل» و كل من الوجيف بالجيم و الوضف بالواو و الضاد المعجمة و الإيضاع بمعنى الإسراع. و التؤدة التأني. و ليست لفظة «و توأدوا» في التهذيب (1) و في بعض نسخ الكافي:
«لا تؤذوا» من الإيذاء. و الدعة قريب من التؤدة في المعنى. و العنت:
المشقة و الانكسار و الهلاك (2).
و روى في الكافي عن هارون بن خارجة (3) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في آخر كلامه حين أفاض: اللهم إني أعوذ بك ان أظلم أو أظلم أو اقطع رحما أو أوذي جارا».
و منها
استحباب تأخير المغرب و العشاء إلى المزدلفة
و لو الى ربع الليل بل الى ثلث الليل، و هو إجماع علماء الإسلام كافة (4).
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (5) قال: «لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا و ان ذهب ثلث الليل».
و عن سماعة في الموثق (6) قال: «سألته عن الجمع بين المغرب و العشاء الآخرة بجمع. فقال: لا تصلهما حتى تنتهي إلى جمع و ان مضى من الليل ما مضى، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمعهما بأذان واحد و إقامتين
____________
(1) ج 5 ص 187.
(2) انتهى كلام صاحب الوافي.
(3) الفروع ج 4 ص 467 و الوسائل الباب 1 من الوقوف بالمشعر.
(4) المغني ج 3 ص 437 و 438 و 439 طبع مطبعة المنار.
(5) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
(6) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
423
كما جمع بين الظهر و العصر بعرفات».
و عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال:
«لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا، فصل بها المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين،.
و انزل بطن الوادي عن يمين الطريق قريبا من المشعر».
و تجوز الصلاة قبله.
و قال الشيخ في النهاية: لا تصل المغرب و العشاء الآخرة الا بالمزدلفة و ان ذهب من الليل ربعه أو ثلثه، فان عاقه عائق عن المجيء إلى المزدلفة الى ان يذهب من الليل أكثر من الثلث جاز له ان يصلي المغرب في الطريق و لا يجوز ذلك مع الاختيار. و هذا الكلام بظاهره موهم لتحريم الصلاة قبل المشعر.
و نحوه كلام ابن أبي عقيل، حيث قال بعد ان حكى صفة سيرة رسول الله (صلى الله عليه و آله): و أوجب بسنته على أمته ان لا يصلي أحد منهم المغرب و العشاء بعد منصرفهم من عرفات حتى يأتوا المشعر الحرام.
و نحو ذلك كلام الشيخ في الخلاف، و قريب منه في الاستبصار حيث ذهب الى انه لا تجوز صلاة المغرب بعرفات ليلة النحر.
و حمل العلامة في المختلف كلام الشيخ في النهاية على إرادة الكراهة، قال: و الظاهر ان قصد الشيخ الكراهية، و كثيرا ما يطلق على المكروه انه لا يجوز. و هو جيد.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 188 و الفروع ج 4 ص 468 و الوسائل الباب 6 و 7 من الوقوف بالمشعر. و في المخطوطة و المطبوعة: «و ان ذهب ثلث الليل» بعد كلمة «جمعا» و لعله من سهو الناسخ.
424
و مما يدل على جواز الصلاة قبل المشعر
ما رواه الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «لا بأس ان يصلي الرجل المغرب إذا أمسى بعرفة».
و في الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «عثر محمل أبي بين عرفة و المزدلفة، فنزل و صلى المغرب، و صلى العشاء بالمزدلفة».
و عن محمد بن سماعة بن مهران (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
الرجل يصلي المغرب و العتمة في الموقف فقال: قد فعله رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلاهما في الشعب».
أقول: لو لا ان ظاهر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) الاتفاق على جواز التقديم- بل ظاهر المنتهى دعوى الإجماع عليه، حيث قال: لو ترك الجمع فصلى المغرب في وقتها و العشاء في وقتها صحت صلاته و لا اثم عليه، ذهب إليه علماؤنا- لأمكن العمل بظاهر الأخبار المتقدمة، و حمل النهي على ظاهره من التحريم و حمل الأخبار الأخيرة على العذر، كما هو ظاهر المنتهى، حيث انه خص الأخبار الثلاثة الأخيرة بصورة العذر، حيث قال في جملة الفروع: السادس- لو عاقه في الطريق عائق و خاف ان يذهب أكثر الليل صلى في الطريق لئلا يفوت الوقت، رواه الشيخ عن محمد بن سماعة بن مهران. ثم ساق الروايات الثلاث. و نحو ذلك ظاهر كلام الشهيد (قدس سره) في الدروس حيث قال: و تأخير العشاءين الى جمع إجماعا، و أوجب الحسن تأخيرهما إلى المشعر في ظاهر كلامه، و له
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
(2) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
(3) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
425
التأخير و ان ذهب ثلث الليل، رواه محمد بن مسلم. و لو منع صلى بعرفة أو الطريق. و الظاهر ان قوله: «و لو منع» إشارة إلى تلك الأخبار الدالة على الصلاة بعرفة و الطريق بحملها على المانع. و حينئذ فإذا كانت هذه الروايات موردها العذر كما حملت عليه لم يبق للنهي الموجب للتحريم في تلك الروايات معارض الا ما يدعى من الإجماع المتقدم ذكره.
و بذلك يظهر ان تأويل تلك العبارات الدالة على التحريم ليس في محله بل القول بالتحريم لا يخلو من قرب.
و يؤيده
ما رواه أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال عن حمدويه و إبراهيم ابني نصير عن الحسن بن موسى الخشاب عن جعفر بن محمد بن حكيم عن إبراهيم بن عبد الحميد عن عيسى بن أبي منصور و أبي أسامة و يعقوب الأحمر جميعا (1) قالوا: «كنا جلوسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل زرارة بن أعين فقال: ان الحكم بن عتيبة يروى عن أبيك انه قال:
تصلى المغرب دون المزدلفة. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) بأيمان ثلاثة: ما قال هذا أبي قط، كذب الحكم بن عتيبة على أبي (عليه السلام)».
و عن محمد بن مسعود (2) قال: كتب إلينا الفضل يذكر عن ابن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد.
ثم ذكر نحوه.
و التقريب فيه ان الظاهر أن مراد الحكم بما نقله هو جواز صلاة المغرب قبل المزدلفة، فأنكره (عليه السلام) و حلف ان أباه (عليه السلام) لم يقل ذلك. و اما الحمل على ان المراد ان وظيفة صلاة المغرب و الأفضل
____________
(1) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
(2) الوسائل الباب 5 من الوقوف بالمشعر.
426
ان تصلى قبل المزدلفة فبعيد جدا، لاتفاق الخاصة و العامة (1) على ان الأفضل التأخير إلى المشعر و ان السنة ذلك، بل الظاهر ان المعنى انما هو الأول، فيكون الخبر مؤيدا لما ذكرناه. و الله العالم.
و منها
الجمع بين الفرضين بأذان واحد و إقامتين
و عدم الفصل بالنافلة، و قد تقدم ما يدل عليه في موثقة سماعة و صحيح الحلبي.
و يدل عليه ايضا
ما رواه الكليني في الصحيح عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «صلاة المغرب و العشاء بجمع بأذان واحد و إقامتين، و لا تصل بينهما شيئا. و قال: هكذا صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)».
و روى الكليني في الصحيح عن ابن مسكان عن عنبسة بن مصعب (3) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الركعات التي بعد المغرب ليلة المزدلفة؟ فقال: صلها بعد العشاء الآخرة أربع ركعات».
و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن عنبسة بن مصعب (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا صليت المغرب بجمع أصلي الركعات بعد المغرب و قال: لا، صل المغرب و العشاء ثم صل الركعات بعد».
____________
(1) المغني ج 3 ص 418 طبع عام 1368.
(2) الوسائل الباب 6 من الوقوف بالمشعر و الحديث للشيخ في التهذيب ج 5 ص 190 و 480.
(3) الوسائل الباب 6 من الوقوف بالمشعر.
(4) التهذيب ج 5 ص 190 و الوسائل الباب 6 من الوقوف بالمشعر.
427
و قد تقدم (1) ما يدل على ذلك أيضا في صدر المقصد من مرسلة الصدوق و رواية العلل.
و في الصحيح عن ابان بن تغلب (2) قال: «صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة فقام فصلى المغرب ثم صلى العشاء الآخرة و لم يركع في ما بينهما. ثم صليت خلفه بعد ذلك بسنة فلما صلى المغرب قام فتنفل بأربع ركعات».
و هو محمول على بيان الجواز، و من ثم استدل به بعض الأصحاب على امتداد وقت نافلة المغرب بامتداد الفريضة، كما تقدم في كتاب الصلاة.
قال في المنتهى: لو صلى بينهما شيئا من النوافل لم يكن مأثوما، لأن الجمع مستحب فلا يترتب على تركه اثم. ثم استدل بصحيحة ابان المذكورة.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور في كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)- و عليه دلت الأخبار المتقدمة في كيفية الجمع- هو ان يكون بأذان واحد و إقامتين، و نقل عن الشيخ في الخلاف انه قال: يجمع بين المغرب و العشاء الآخرة بالمزدلفة بأذان واحد و اقامة واحدة مثل صلاة واحدة (3)
____________
(1) ص 419.
(2) التهذيب ج 5 ص 190 و الوسائل الباب 6 من الوقوف بالمشعر.
(3) هكذا وردت العبارة في النسخة المطبوعة و ما وقفنا عليه من المخطوطة و في الخلاف ج 1 ص 172 م 159 هكذا: «يجمع بين المغرب و العشاء الآخرة بالمزدلفة بأذان واحد و إقامتين و قال أبو حنيفة: يجمع بينهما بأذان واحد و اقامة واحدة مثل صلاة واحدة. و بعد نقل قول مالك و الشافعي قال: دليلنا إجماع الفرقة و حديث جابر.» و لا يخفى ان العبارة في نسخ الحدائق مطابقة لعبارة المختلف ج 2 ص 129.
428
و احتج بإجماع الفرقة
و حديث جابر (1) قال: «جمع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين المغرب و العشاء بالمزدلفة بأذان و إقامتين، و لم يسبح بينهما شيئا».
قال في المختلف و الجواب: ان الإجماع على ما قلناه، و كذا حديث جابر. و هذا الاستدلال من الشيخ انما هو على قول من يكرر الأذان اما من يكرر الإقامة فلا.
و منها
ان يكون متطهرا
، و نقل في الدروس عن الصدوق (رحمه الله) استحباب الغسل للوقوف ايضا.
و يدل على استحباب الوقوف على طهر
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الآتية (2): «أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل و ان شئت حيث شئت. الحديث».
و اما الغسل فلم أقف على ما يدل عليه.
و منها
استحباب النزول ببطن الوادي عن يمين الطريق و الدعاء
. رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن الحلبي و معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «لا تصل المغرب حتى تأتي جمعا فصل بها المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين.
و انزل ببطن الوادي عن يمين الطريق قريبا من المشعر. و يستحب للصرورة أن يقف على المشعر
____________
(1) سنن البيهقي ج 5 ص 6 و 7 و 8.
(2) الوسائل الباب 11 من الوقوف بالمشعر.
(3) الفروع ج 4 ص 468 و الوسائل الباب 6 و 7 و 8 و 10 من الوقوف بالمشعر. و في كتب الحديث ورد ذكر الحلبي متأخرا عن معاوية بن عمار.
429
الحرام و يطأه برجله،.
و لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة، و تقول: اللهم هذه جمع، اللهم إني أسألك أن تجمع لي فيها جوامع الخير، اللهم لا تؤيسني من الخير الذي سألتك أن تجمعه لي في قلبي. ثم أطلب إليك ان تعرفني ما عرفت أولياءك في منزلي هذا و ان تقيني جوامع الشر. و ان استطعت أن تحيي تلك الليلة فافعل، فإنه بلغنا ان أبواب السماء لا تغلق تلك الليلة لأصوات المؤمنين لهم دوي كدوي النحل، يقول الله (جل ثناؤه) أنا ربكم و أنتم عبادي أديتم حقي و حق علي ان استجيب لكم. فيحط تلك الليلة عن من أراد ان يحط عنه ذنوبه، و يغفر لمن أراد ان يغفر له».
و منها
استحباب أن يطأ الصرورة المشعر برجله
. و يدل عليه
قوله (عليه السلام) في رواية معاوية المتقدمة (1): «و يستحب للصرورة أن يقف على المشعر الحرام و يطأه برجله».
و عن ابان بن عثمان عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام و ان يدخل البيت».
و روى الصدوق عن سليمان بن مهران عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) (3) في حديث قال: «قلت: كيف صار الصرورة وطء المشعر عليه واجبا؟
فقال: ليستوجب بذلك وطء بحبوحة الجنة».
[تعيين موضع المشعر]
أقول: قال الشيخ (رحمه الله تعالى): المشعر الحرام جبل هناك يسمى قزح.
قال العلامة في المنتهى بعد نقل ذلك عن الشيخ (رحمه الله): و يستحب
____________
(1) و هي رواية معاوية و الحلبي المتقدمة الآن.
(2) الوسائل الباب 7 من الوقوف بالمشعر.
(3) الفقيه ج 2 ص 154 و الوسائل الباب 3 و 7 من الوقوف بالمشعر.
430
الصعود عليه و ذكر الله تعالى عنده، قال الله تعالى فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ (1) و روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) انه أردف الفضل بن العباس و وقف على قزح، و قال: هذا قزح، و هو الموقف، و جمع كلها موقف.
و روى الجمهور في حديث جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن جابر (3): ان النبي (صلى الله عليه و آله) ركب القصوى حتى اتى المشعر الحرام فرقي عليه و استقبل القبلة، فحمد الله و هلله و كبره و وحده، و لم يزل واقفا حتى أسفر جدا.
قال ابن بابويه: يستحب للصرورة أن يطأ المشعر برجله أو يطأه ببعيره، و روى الشيخ عن ابان بن عثمان ثم ساق الرواية المتقدمة. إلى هنا كلام المنتهى.
و ظاهره اختيار ما ذهب اليه الشيخ من ان المشعر عبارة عن الجبل المذكور و لذا أيده بالروايات المذكورة.
و مما يؤكد ذلك
ما رواه الصدوق (قدس سره) في كتاب العلل (4) عن عبد الحميد ابن أبي الديلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمي الأبطح أبطح لأن آدم (عليه السلام) أمر أن ينبطح في بطحاء فانبطح حتى انفجر الصبح ثم أمر ان يصعد جبل جمع و امره إذا طلعت الشمس ان يعترف بذنبه، ففعل ذلك فأرسل الله تعالى نارا من السماء فقبضت قربان آدم».
و بذلك يظهر لك ايضا ما في كلام الدروس، حيث انه فسره بالمسجد
____________
(1) سورة البقرة الآية 197.
(2) سنن البيهقي ج 5 ص 122 و فيه: «و أردف أسامة».
(3) سنن البيهقي ج 5 ص 6 و 7 و 8.
(4) ص 444 طبع النجف الأشرف و الوسائل الباب 4 من الوقوف بالمشعر.
431
وفاقا لصاحب القاموس، كما يظهر من قوله: «و عليه بناء اليوم».
قال في المدارك: و اختلف كلام الأصحاب في تفسير المشعر، فقال الشيخ: انه جبل هناك يسمى قزح، و فسره ابن الجنيد بما قرب من المنارة، قال في الدروس: و الظاهر انه المسجد الموجود الآن. و الذي نص عليه أهل اللغة ان المشعر هو المزدلفة و عليه دلت صحيحة معاوية بن عمار المتضمنة لتحديد المشعر الحرام من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر (1) لكن مقتضى
قوله (ع) في رواية الحلبي المتقدمة (2): «انزل ببطن الوادي عن يمين الطريق قريبا من المشعر».
ان المشعر أخص من المزدلفة.
أقول: اما ما نقله عن أهل اللغة من ان المشعر هو المزدلفة ففيه انك قد عرفت من ما قدمناه من عبارة القاموس انه جعله عبارة عن الموضع الذي عليه بناء اليوم، و من عبارة المصباح انه عبارة عن الجبل الذي ذكره الشيخ (رحمه الله) و اما عبارة الصحاح فلم يتعرض فيها لذلك. و اما ما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار فهو تحديد للمكان الذي يجب الوقوف فيه.
و لا ريب أن المشعر يطلق على مجموع هذا المحدود باعتبار كونه أحد المشاعر التي هي عبارة عن مواضع العبادة مجازا، و اما التسمية الحقيقية فهي مخصوصة للجبل أو المكان الذي عليه المسجد الآن. و الظاهر هو الأول لما عرفت.
و أيضا فإن الأخبار الدالة على استحباب وطء الصرورة المشعر لا تلائم هذا القول الذي توهمه من الوادي المتسع، و نحوها رواية الحلبي التي أشار إليها.
____________
(1) الوسائل الباب 8 من الوقوف بالمشعر.
(2) و هي رواية معاوية و الحلبي المتقدمة ص 428.
432
المقام الثاني في الكيفية
و فيه مسائل
الأولى [بيان حد المشعر و ركنية الوقوف به]
- يجب بعد النية الوقوف بالمشعر، و حده كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار (1) من انه من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر. و هذا التحديد مجمع عليه بين الأصحاب كما ذكره في المنتهى.
و يدل عليه زيادة على الصحيحة المذكورة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) «انه قال للحكم بن عيينة:
ما حد المزدلفة؟ فسكت: فقال أبو جعفر (عليه السلام): حدها ما بين المأزمين إلى الجبل الى حياض محسر».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) في حديث قال: «و لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة».
و في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «حد المزدلفة من وادي محسر إلى المأزمين».
و نحوها موثقة إسحاق ابن عمار (5).
و يجوز مع الزحام الارتفاع إلى المأزمين،
لما رواه الكليني (رحمه الله) في الموثق عن سماعة (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إذا كثر الناس بجمع و ضاقت عليهم كيف يصنعون؟ قال: يرتفعون إلى المأزمين».
____________
(1) الوسائل الباب 8 من الوقوف بالمشعر.
(2) الوسائل الباب 8 من الوقوف بالمشعر.
(3) و هو حديث معاوية و الحلبي المتقدم ص 428.
(4) الوسائل الباب 8 من الوقوف بالمشعر.
(5) الوسائل الباب 8 من الوقوف بالمشعر.
(6) الوسائل الباب 9 من الوقوف بالمشعر.
433
و الأصحاب ذكروا الارتفاع الى الجبل، و استدلوا بالرواية. و هو كما ترى، فإن المأزمين أحد الحدود و الجبل حد آخر، كما تضمنته صحيحة زرارة المتقدمة (1) و جوز الشهيدان و جماعة الارتفاع الى الجبل اختيارا. و فيه ان صحيحة زرارة المذكورة قد دلت على انه أحد حدود المشعر الخارجة عنه.
و هو ركن من أركان الحج من تركه عامدا بطل حجه.
و من الاخبار في ذلك
ما رواه الشيخ في الموثق عن ابن فضال عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «الوقوف بالمشعر فريضة. الحديث».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «من أفاض من عرفات إلى منى فليرجع و ليأت جمعا و ليقف بها و ان كان قد وجد الناس قد أفاضوا من جمع».
و روى الشيخ عن عمران و عبيد الله ابني علي الحلبيين عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج».
و في الموثق عن يونس بن يعقوب (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رجل أفاض من عرفات فمر بالمشعر فلم يقف حتى انتهى الى منى فرمى
____________
(1) ص 432.
(2) الوسائل الباب 19 من إحرام الحج و الباب 4 من الوقوف بالمشعر.
(3) الوسائل 4 و 21 من الوقوف بالمشعر.
(4) الوسائل الباب 23 و 25 من الوقوف بالمشعر.
(5) الوسائل الباب 21 من الوقوف بالمشعر.
434
الجمرة و لم يعلم حتى ارتفع النهار. قال: يرجع الى المشعر فيقف به ثم يرجع فيرمي الجمرة».
و يدل على ذلك ما تقدم (1) في جملة من الاخبار التي في المسألة الثالثة من مسائل الفصل الثالث من المقصد الأول من ما يدل على ان من لم يدرك المشعر الا بعد طلوع الشمس أو بعد الزوال فقد فاته الحج، و عليه ان يتحلل بعمرة مفردة.
و بالجملة فإنه لا خلاف بينهم في ركنيته، و ان من تركه متعمدا فقد بطل حجة، إلا ما يظهر من ابن الجنيد فإنه قال: يستحب ان لا ينام الحاج تلك الليلة و ان يحيوها بالصلاة و الدعاء و الوقوف بالمشعر، و من لم يقف به جاهلا رجع ما بينه و بين زوال الشمس من يوم النحر حتى يقف به، و ان تعمد ترك الوقوف به فعليه بدنة.
قال العلامة في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما: ان من ترك الوقوف بالمشعر الذي حده ما بين المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسر وجب عليه بدنة. و الثاني: ان من ترك الوقوف على نفس المشعر الذي هو الجبل- فإنه يستحب الوقوف عليه عند أصحابنا- وجب عليه بدنة. و على الاحتمالين فيه خلاف لما ذكره علماؤنا، فإن أحدا من علمائنا لم يقل بصحة الحج مع ترك الوقوف بالمشعر عمدا مختارا، و لم يقل أحد منهم بوجوب الوقوف على نفس المشعر الذي هو الجبل و ان تأكد استحباب الوقوف به. و حمل كلامه على الثاني أولى، لدلالة سياق كلامه عليه. و يحتمل ثالث: و هو ان يكون قد دخل المشعر ثم
____________
(1) ص 415 و 416.
435
ارتحل متعمدا قبل ان يقف مع الناس مستخفا،
لما رواه علي بن رئاب عن الصادق (عليه السلام) (1) قال: «من أفاض من عرفات مع الناس و لم يلبث معهم بجمع، و مضى إلى منى متعمدا أو مستخفا فعليه بدنة».
انتهى. أقول: الظاهر رجحان المعنى الثالث الذي ذكره (رحمه الله).
ثم ان في كلامه (قدس سره) دلالة على ما رجحناه من ان المشعر اسم للجبل كما قدمنا نقله عن الشيخ (رحمه الله تعالى).
الثانية [الوقوف الركني هو الكون بالمشعر و حكم ما لو أفاض قبل الفجر]:
لا يخفى ان الوقوف الركني عند الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) عبارة عن الكون بالمشعر و الوقوف به مطلقا، و ظاهر انه أعم من الوقوف ليلة النحر أو يومه، و كأنهم أرادوا به ما هو أعم من الاختياري و الاضطراري بمعنييه الآتيين، و ان الوقوف الاختياري ما يكون بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و الاضطراري إلى زوال الشمس من يوم النحر.
و الحكمان الأخيران إجماعيان عندهم.
فاما ما يدل على انه بعد الفجر فهو
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل، و ان شئت حيث شئت. الحديث».
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 283. و في الفروع ج 4 ص 473 و التهذيب ج 5 ص 294 و الوسائل الباب 26 من الوقوف بالمشعر هكذا «عن علي بن رئاب عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام)».
(2) الوسائل الباب 11 من الوقوف بالمشعر،.
436
و اما ما يدل على امتداده الى طلوع الشمس فهو ما تقدم (1) في المسألة الثالثة من الفصل الثالث من المقصد الأول من الاخبار الدالة على ان من أدرك المشعر قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحج، و من لم يدركه في ذلك الوقت فقد فاته الحج.
و اما ما يدل على امتداد الاضطراري إلى الزوال فالأخبار المتقدمة ثمة أيضا (2) الدالة على صحة حج من أدركه قبل الزوال.
قال في المنتهى: قد بينا ان وقت الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، هذا في حال الاختيار، و اما لو لم يتمكن من الوقوف بالمشعر الا بعد طلوع الشمس للضرورة جاز، و يمتد الوقت الى زوال الشمس من يوم النحر. و قال المرتضى (رحمه الله تعالى): وقت الوقوف الاضطراري بالمشعر يوم النحر، فمن فاته الوقوف بعرفات و أدرك الوقوف بالمشعر يوم النحر فقد أدرك الحج.
أقول: و ظاهره يؤذن بأن السيد قائل بامتداد الاضطراري إلى غروب الشمس من يوم النحر، و هذا القول نقله ابن إدريس في السرائر عن السيد (رضى الله عنه) و أنكره في المختلف أشد الإنكار.
قال في المختلف: نقل ابن إدريس عن السيد المرتضى (رضي الله عنه) في انتصاره ان وقت الوقوف بالمشعر جميع اليوم من يوم العيد، من أدرك المشعر قبل غروب الشمس من يوم العيد فقد أدرك الحج. و هذا النقل غير سديد، و كيف يخالف المرتضى جميع علمائنا، فإنهم نصوا على
____________
(1) ص 415 و 416.
(2) ص 413 و 414.
437
ان الوقت الاضطراري للمشعر الى زوال الشمس يوم النحر، و انما حصل الوهم لابن إدريس باعتبار ان السيد (رحمه الله) ذكر مسألة أخرى عقيب هذه المسألة مؤكدة لمطلوبه، و هي ان من فاته الوقوف بعرفة حتى أدرك المشعر يوم النحر فقد أدرك الحج خلافا للمخالفين كافة (1) و لم يفصل قبل طلوع الشمس أو بعد طلوعها، فكيف بعد الزوال. ثم استدل السيد على مطلوبه بإجماع الفرقة، و معلوم ان أحدا من علمائنا لم يذكر ذلك. انتهى و هو حسن الا انه مناف لنقله ذلك عنه في المنتهى، كما هو ظاهر عبارته المتقدمة، و كذا عبارته الآتية و قوله فيها: و الى غروبها منه على قول السيد.
إذا عرفت ذلك فاعلم ان المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) انه لو أفاض قبل الفجر عامدا بعد ان كان به ليلا و لو كان قليلا، لم يبطل حجه، و جبره بشاة. و ربما زاد بعضهم كون ذلك بعد الوقوف بعرفات. و قال ابن الجنيد: يجب عليه دم. قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: و هو موافق لما قلناه، فان الدم إذا أطلق حمل على أقل مراتبه.
و عن ابن إدريس انه يبطل حجه، و قول الشيخ في الخلاف يوهم ذلك، حيث قال: فان دفع قبل طلوع الفجر مع الاختيار و لم يجزئه.
احتج الأصحاب على ما ذهبوا اليه
بما رواه الشيخ في التهذيب عن مسمع عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2): «في رجل وقف مع الناس
____________
(1) المغني ج 3 ص 428 طبع مطبعة المنار.
(2) الفروع ج 4 ص 473 و التهذيب ج 5 ص 193 عن أبي عبد الله (عليه السلام) و الوسائل الباب 16 من الوقوف بالمشعر.
438
بجمع ثم أفاض قبل ان يفيض الناس. قال: ان كان جاهلا فلا شيء عليه، و ان كان أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة».
و اعترض هذه الرواية في المدارك بأنها ضعيفة السند باشتمالها على سهل ابن زياد و هو عامي. و بأن راويها- و هو مسمع- غير موثق فيشكل التعويل على روايته. نعم روى ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه (1) هذه الرواية بطريق صحيح عن علي بن رئاب عن مسمع فينتفي الطعن الأول. انتهى أقول: لا يخفى عليك ما في طعنه على الرواية برواية مسمع لها، فان حديث مسمع في الحسن عند الأصحاب، فتكون الرواية حسنة. و قد تقدم قريبا عده رواية مسمع في الصحيح، و تكلمنا عليه ثمة باضطراب كلامه فيه، و هذا من جملة ذلك. و بالجملة فالرواية حسنة معتبرة لا يتوجه إليها طعن، فالعمل بها متعين. و هو كثيرا ما يستدل بالحسان بل بالموثقات و ان ضعفها في الموضع الذي لا يرتضيها، كما لا يخفى على من تأمل كتابه و طريقه فيه، و قد نبهنا على ذلك في غير موضع.
و قال ابن إدريس: ان من أفاض قبل طلوع الفجر عامدا مختارا بطل حجة، لأن الوقوف بالمشعر من طلوع الفجر الى طلوع الشمس ركن، فيبطل بالإخلال به.
و أجاب عنه العلامة في المنتهى بالمنع من ذلك، قال: فانا لا نسلم له ان الوقوف بعد طلوع الفجر ركن. نعم مطلق الوقوف ليلة النحر أو يومه ركن، اما بعد طلوع الفجر فلا نسلم له ذلك. و كون الوقوف يجب ان يكون بعد طلوع الفجر لا يعطى كون الوقوف في هذا الوقت ركنا.
____________
(1) ج 2 ص 284 عن أبي إبراهيم (عليه السلام).
439
و قول ابن إدريس لا نعرف له موافقا فكان خارقا للإجماع. انتهى أقول: فيه نظر أما أولا فلأنه قد صرح (قدس سره)- كما قدمنا نقله عنه- بان الوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في حال الاختيار.
الى آخر ما تقدم، و قال بعد هذا الكلام في مسألة أخرى: قد ظهر من جميع ما تقدم ان الوقت الاختياري بعرفات. الى ان قال: و الوقت الاختياري للوقوف بالمشعر من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و الاضطراري من غروب الشمس ليلة النحر الى الزوال من يومه على قول الشيخ و الى غروبها منه على قول السيد. و هذا الكلام منه في الموضعين ظاهر في ان الوقوف الذي هو شرط في صحة الحج متى كان مختارا عامدا هو الوقوف من بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، فان غيره من الوقتين الآخرين أعني ليلة النحر و ما بعد طلوع الشمس انما هو وقت اضطراري لأصحاب الاعذار. و مثله كلام غيره من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم). و لا ريب ان من أفاض قبل الفجر عالما عامدا فقد تعمد ترك هذا الواجب الذي هو شرط في صحة الحج، كما هو ظاهر كلامه، سواء سماء ركنا أم لم يسمه و هذه التسمية لا مشاحة فيها، حيث انها أمر اصطلاحي، و انما الكلام بالنظر الى الأدلة، و المفهوم منها ما ذكرناه من ان الوقوف الاختياري هو من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و الوقوفين الاضطراريين عبارة عن ما يكونان في ذينك الوقتين. و لا ريب انه متى أخل المكلف بهذا الواجب الذي دلت الاخبار على ان مدار صحة الحج على إدراكه- كما تقدم- فان الحكم بالصحة يحتاج الى دليل. نعم لما دلت حسنة مسمع المذكورة على الصحة في الصورة المذكورة وجب الحكم به. و بالجملة فإنا لو خلينا
440
و قول ابن إدريس لكان القول بما ذهب إليه في غاية القوة و المتانة، لما عرفت، و لكن لما وردت الرواية المعتبرة بالصحة وجب القول بذلك وفاقا لجمهور الأصحاب.
و اما ثانيا: فان عدم الموافق لابن إدريس في ما ذهب اليه لا يقدح في قوله إذا اقتضته الأدلة الشرعية، كما عرفت لولا الرواية المذكورة. و اما دعوى كونه خارقا للإجماع فغير ظاهرة، فان عدم العلم بالموافق له لا يقتضي انعقاد الإجماع على خلافه.
أقول: و يخطر بالبال في معنى رواية مسمع المذكورة وجه تنطبق به على القواعد المذكورة، و يصح به قول ابن إدريس، و يبطل به ما اشتهر بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) من الحكم بصحة حج من تعمد الإفاضة قبل الفجر، و بيانه ان السائل سأل عن رجل أفاض من جمع قبل الناس بعد ان وقف معهم. و المتبادر من هذا الوقوف هو الوقوف الشرعي المأمور به، فكأنه وقف بعد الفجر ثم أفاض قبل طلوع الشمس، لان المبيت بالمشعر ليلا لا يسمى وقوفا، و عبائرهم متفقة على ان الوقوف المأمور به من بعد الفجر كما عرفت، فيجب حمل الخبر عليه البتة. فأجاب (عليه السلام) بأنه إذا أفاض في هذا الوقت جاهلا فلا شيء عليه، لحصول الواجب من الوقوف الشرعي و اغتفار ما بقي من الوقت بالجهل، و ان كانت إفاضته جهلا قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة. و ليس في الرواية تصريح بكون إفاضته عمدا، و القسمان في الخبر انما هما للجاهل خاصة. و حاصل المعنى بعد فرض الإفاضة في كلام السائل بعد الفجر و قبل طلوع الشمس هكذا: ان كان جاهلا فلا شيء عليه في إفاضته في ذلك الوقت، و ان كانت إفاضته
441
قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة.
و بالجملة فإن الرواية المذكورة مخالفة لظاهر الروايات المتقدمة الكثيرة الصحيحة الصريحة في ان الوقوف الواجب الذي هو شرط في صحة الحج و إدراكه هو من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و الاضطراري إلى الزوال و ان من تركه وجب عليه الرجوع اليه متى أدركه قبل طلوع الشمس أو قبل الزوال على اختلاف الاخبار في المسألة، و اما ليلة النحر فهي وقت اضطراري لأصحاب الأعذار الآتي ذكرهم ان شاء الله تعالى، و حينئذ فكيف يصح تعمد ترك هذا الوقوف و الحكم بصحة الحج، كما ذكروا (رضوان الله تعالى عليهم).
و كيف كان فان لم يكن ما ذكرناه هو الظاهر من الخبر فلا أقل من ان يكون محتملا فيه قريبا، و بذلك يسقط الاستدلال به. على ان ظاهر الخبر صحة الحج بذلك و ان لم يكن وقف بعرفة، لأنه مطلق، و غاية ما دل عليه انه وقف مع الناس بجمع و أفاض قبلهم، و هو أعم من ان يكون وقف بعرفة أم لا، و به يشتد الاشكال فيه، و لهذا ان بعض الأصحاب- كما قدمنا الإشارة إليه- قيد المسألة بكون ذلك بعد الوقوف بعرفات.
و الظاهر انه من أجل هذا الإجمال في الرواية قال في المسالك: و على ما اخترناه من اجزاء اضطراري المشعر وحده يجزئ هنا بطريق أولى، لأن الوقوف الليلي بالمشعر فيه شائبة الاختياري، للاكتفاء به للمرأة اختيارا، و للمضطر و المتعمد مطلقا مع جبره بشاة، و الاضطراري المحض ليس كذلك و الظاهر انه أراد بالإطلاق في قوله: «و المتعمد مطلقا»: يعني أعم من ان يكون قد وقف بعرفات أم لا.
442
و اعترضه سبطه في المدارك بأنه يمكن المناقشة فيه بان الاجتزاء باضطراري المشعر انما ثبت
بقوله (عليه السلام) في صحيحة جميل بن دراج (1) «من أدرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد أدرك الحج».
و نحو ذلك. و لا يلزم من ذلك الاجتزاء بالوقوف الليلي مطلقا و رواية مسمع (2) المتضمنة للاجتزاء بالوقوف الليلي لا تدل على العموم، إذ المتبادر منها تعلق الحكم بمن أدرك عرفة.
أقول: أنت خبير بان هذه المناقشة واهية لا محصل لها، فإن جده (قدس سره) لم يستدل على الاجتزاء بهذا الوقوف بصحيحة جميل و نحوها و انما استدل على هذا بأنه إذا قام الدليل على الاجتزاء بالامتداد الى وقت الظهر الذي هو بعيد من الوقت الاختياري غاية البعد، فلان يكتفى بما قرب منه و داخله- و هو الوقوف الليلي المشوب بالاختياري باعتبار اكتفاء المرأة به اختيارا و جوازه للمتعمد مطلقا مع الجبر بشاة- بطريق اولى.
هذا حاصل كلامه.
و اما قوله: «و رواية مسمع لا تدل على العموم، إذ المتبادر منها تعلق الحكم بمن أدرك عرفة»- فممنوع، إذ لا وجه لهذا التبادر، و لا اشعار به في الرواية إلا قوله: «وقف مع الناس بجمع» و وقوفه معهم بجمع لا يستلزم ان يكون قد شاركهم و وقف معهم بعرفة بل هو أعم من ذلك كما لا يخفى.
و بالجملة فالأقرب عندي في معنى الرواية هو ما قدمته، و هو ان المتبادر
____________
(1) الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) ص 437.
443
من هذا الوقوف انما هو الوقوف الشرعي الذي هو بعد الفجر، إذ مجرد البيات بالليل لا يسمى وقوفا شرعا، و لهذا انهم اختلفوا في وجوبه و عدمه و المشهور وجوبه، و قال في التذكرة: انه ليس بواجب. و غاية ما استدل به في المدارك على وجوبه التأسي، و ضعفه ظاهر.
و قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1): «و لا تجاوز الحياض ليلة المزدلفة».
و هو غير ظاهر في الوجوب، لإمكان حمله على الفضل و الاستحباب لشرف المكان و فضله. مع عدم استلزام مجرد النزول المبيت، لجواز خروجه الى موضع آخر ليلا و ان عاد اليه وقت الوقوف. و بالجملة فإن دلالته على الوجوب غير ظاهرة. و حينئذ فحاصل معنى الخبر انما هو السؤال عن من وقف بعد الفجر و أفاض قبل طلوع الشمس، و التفصيل في الجواب انما وقع في حكم المفيض الجاهل في هذا الوقت. و بذلك تحصل السلامة من هذه الإشكالات و مخالفة صحاح الروايات و ان خالف ذلك المشهور عندهم.
هذا كله في ما لو أفاض قبل الفجر عامدا اما لو كان ناسيا فظاهرهم انه ليس عليه شيء.
قال في المدارك بعد قول المصنف: «و لو أفاض ناسيا لم يكن عليه شيء»: هذا من ما لا خلاف فيه بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) و لم أقف فيه على رواية تدل عليه صريحا. و ربما أمكن الاستدلال عليه بفحوى ما دل على جواز ذلك للمضطر و ما في معناه. و في إلحاق الجاهل بالعامد أو الناسي وجهان. انتهى.
أقول: يمكن القول هنا بصحة حج الجاهل بناء على ما يأتي تحقيقه- ان شاء الله تعالى- من ان من ترك الوقوف بالمشعر جاهلا مع وقوفه
____________
(1) الوسائل الباب 8 الرقم 3 و الباب 10 الرقم 1 من الوقوف بالمشعر.
444
بعرفات، فإن حجه صحيح، كما تدل عليه روايتا محمد بن يحيى (1) فإنه متى ثبت صحة حجه بترك الوقوف مطلقا فأولى بالصحة لو أفاض قبل الفجر مع وقوفه ليلا. و اما على ما هو المشهور بينهم من البطلان فيتجه ما ذكره هنا من التردد في المسألة.
و في المسالك بعد ان ذكر هذا التردد رجح إلحاق الجاهل بالعامد، بناء على ان الجاهل بالحكم عندهم كالعامد في جميع الأحكام. و هو خلاف ما استفاضت به اخبار أهل الذكر (عليهم السلام) (2).
الثالثة [جواز الإفاضة من المشعر ليلا لطوائف]
- قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)- و به استفاضت الأخبار- بأنه يجوز الإفاضة ليلا لذوي الأعذار من الضعفاء و النساء و الصبيان و من يخاف على نفسه من غير جبران، بل قال في المنتهى انه قول كافة من يحفظ عنه العلم.
و يدل على ذلك جملة من الاخبار: منها:
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الواردة في صفة حج النبي (صلى الله عليه و آله) (3):
«ثم أفاض و أمر الناس بالدعة حتى انتهى الى المزدلفة، و هو المشعر الحرام فصلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين، ثم اقام حتى صلى فيها الفجر، و عجل ضعفاء بني هاشم بالليل، و أمرهم ان لا يرموا الجمرة- جمرة العقبة- حتى تطلع الشمس. الحديث».
____________
(1) تقدمتا ص 409.
(2) ارجع الى الجزء الأول من الحدائق المقدمة الخامسة- ص 77.
(3) الوسائل الباب 2 من أقسام الحج.
445
و ما رواه ابن بابويه عن ابن مسكان في الصحيح عن أبي بصير (1)- و هو ليث المرادي بقرينة الراوي عنه- قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا بأس بأن تقدم النساء إذا زال الليل، فيقفن عند المشعر ساعة، ثم ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة، ثم يصبرن ساعة، ثم يقصرن و ينطلقن إلى مكة فيطفن، الا ان يكن يردن ان يذبح عنهن، فإنهن يوكلن من يذبح عنهن».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن سعيد الأعرج (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهن بليل؟
قال: نعم تريد ان تصنع كما صنع رسول الله (صلى الله عليه و آله) قلت: نعم. قال: أفض بهن بليل، و لا تفض بهن حتى تقف بهن بجمع ثم أفض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى، فيرمين الجمرة فان لم يكن عليهن ذبح، فليأخذن من شعورهن، و يقصرن من أظفارهن، ثم يمضين إلى مكة في وجوههن، و يطفن بالبيت، و يسعين بين الصفا و المروة، ثم يرجعن الى البيت فيطفن أسبوعا، ثم يرجعن إلى منى و قد فرغن من حجهن.».
و في الحسن عن جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 283 و الوسائل الباب 17 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفروع ج 4 ص 474 و 475 و التهذيب ج 5 ص 195 و الوسائل الباب 17 من الوقوف بالمشعر.
(3) الفروع ج 4 ص 474 و التهذيب ج 5 ص 194 و الوسائل الباب 17 من الوقوف بالمشعر الرقم (3) و الراوي هو أبو بصير عن أبي عبد الله (ع) و الظاهر ان منشأ الاشتباه هو الانتقال من سند الحديث (645) في التهذيب الى متن هذا الحديث (646). و لفظ الحديث (645) سيذكره بعد هذا الحديث مباشرة بهذا السند منسوبا إلى الكافي.
446
و الصبيان ان يفيضوا بالليل، و ان يرموا الجمار بالليل، و ان يصلوا الغداة في منازلهم.».
و في الكافي عن جميل بن دراج في الصحيح أو الحسن عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليهما السلام) (1) قال: «لا بأس ان يفيض الرجل بالليل إذا كان خائفا».
و عن علي بن أبي حمزة عن أحدهما (عليهما السلام) (2) قال: «اي امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر الحرام ليلا فلا بأس، فليرم الجمرة ثم ليمض، و ليأمر من يذبح عنه، و تقصر المرأة و يحلق الرجل، ثم ليطف بالبيت و بالصفا و المروة، ثم يرجع الى منى. فإن اتى منى و لم يذبح عنه فلا بأس ان يذبح هو. و ليحمل الشعر إذا حلق بمكة إلى منى. و ان شاء قصر ان كان قد حج قبل ذلك».
الى غير ذلك من الاخبار أقول: و على ما دلت عليه هذه الاخبار يحمل إطلاق
ما رواه الشيخ في التهذيب عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «ينبغي للإمام ان يقف بجمع حتى تطلع الشمس، و سائر الناس ان شاءوا عجلوا و ان شاءوا أخروا».
____________
(1) الفروع ج 4 ص 474 و التهذيب ج 5 ص 194 و الوسائل الباب 17 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفروع ج 4 ص 474 و التهذيب ج 5 ص 194 و الوسائل الباب 17 من الوقوف بالمشعر.
(3) الوسائل الباب 15 من الوقوف بالمشعر.
447
و ما رواه في الصحيح عن هشام بن سالم و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه قال: «في التقدم من منى الى عرفات قبل طلوع الشمس لا بأس به، و التقدم من المزدلفة إلى منى يرمون الجمار و يصلون الفجر في منازلهم بمنى لا بأس».
و على ذلك حملهما الشيخ (رحمه الله). و يمكن حملهما على التقية أيضا لما صرح به في المنتهى، حيث قال: قد بينا ان الوقوف بالمشعر يجب ان يكون بعد طلوع الفجر، فلا يجوز الإفاضة منه قبل طلوعه اختيارا، بل يجب الكون به بعد طلوع الفجر، و به قال أبو حنيفة، و قال باقي الفقهاء يجوز الدفع بعد نصف الليل (2) ثم أورد الأخبار الدالة على ما اختاره.
و المفهوم من صحيحتي أبي بصير و سعيد الأعرج ان أصحاب الاعذار لا يفيضون حتى ينووا الوقوف الواجب ليلا. و فيه دلالة على ان مجرد الكون بها ليلا و المبيت لا يكفي عن الوقوف ما لم ينوه.
الرابعة [وقت نية الوقوف بالمشعر]
- المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم)- حيث صرحوا بأن الوقوف الواجب بالمشعر من طلوع الفجر- هو انه تجب فيه نية الوقوف من ذلك الوقت و لا يجوز تأخيرها. و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال بعد قول المصنف: «و ان يكون الوقوف بعد طلوع الفجر» ما لفظه: اي الوقوف الواجب، فيجب كون النية عند تحقق الطلوع. و قال في موضع آخر: و اما الوقوف المتعارف بمعنى الكون فهو واجب من أول الفجر، فلا يجوز تأخير نيته الى ان يصلي.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 193 و 194 و الوسائل الباب 17 من الوقوف بالمشعر.
(2) المغني ج 3 ص 422 طبع عام 1368.
448
و المفهوم من
صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1) و قوله (عليه السلام) فيها: «أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل و ان شئت حيث شئت، فإذا وقفت فاحمد الله (عز و جل) و أثن عليه.
الحديث».
و قوله (عليه السلام) (2) في كتاب الفقه الرضوي:
«فإذا أصبحت فصل الغداة، وقف بها كوقوفك بعرفة، و ادع الله.
الى أخره».
هو جواز تأخير نية الوقوف عن الصلاة و انها بعدها.
و قوله في المدارك-: و ليس في هذه الرواية ذكر للنية- مبنى على ما يتعاطونه من النية المصطلحة بينهم، و قد عرفت انه لا اثر لها في الاخبار لا في هذا الموضع و لا في غيره، و الا فمعنى قوله (عليه السلام): «فقف إن شئت قريبا من الجبل» هو الإشارة إلى النية اي اقصد الوقوف، فان مجرد الكون- من غير قصد التقرب به الى الله (سبحانه و تعالى) و انه هو الواجب المأمور به، و انه يقصد الإتيان به متقربا- لا يوجب حصول الوقوف المأمور به الا في صورة النسيان، كما يفهم من بعض الاخبار الآتية في المقام ان شاء الله تعالى.
و قال في المنتهى: و يستحب ان يقف بعد ان يصلي الفجر، و لو وقف قبل الصلاة إذا كان قد طلع الفجر أجزأه.
ثم انه على تقدير المبيت و النية له ليلا هل يكتفى بها عن النية بعد طلوع الفجر أم لا؟ قال في المسالك: و الأقوى وجوب المبيت ليلا، و النية له عند الوصول، و المراد به الكون بالمشعر ليلا. ثم ان لم نقل
____________
(1) الوسائل الباب 11 من الوقوف بالمشعر.
(2) ص 28.
449
بوجوبه فلا إشكال في وجوب النية للكون عند الفجر. و ان أوجبنا المبيت فقدم النية عنده، ففي وجوب تجديدها عند الفجر نظر، و يظهر من الدروس عدم الوجوب. و ينبغي ان يكون موضع النزاع ما لو كانت النية للكون به مطلقا، اما لو نواه ليلا أو نوى المبيت كما هو الشائع في كتب النيات المعدة لذلك بعد الاجتزاء بها عن نية الوقوف نهارا، لأن الكون ليلا و المبيت مطلقا لا يتضمنان النهار، فلا بد له من نية أخرى. و الظاهر ان نية الكون به عند الوصول كافية عن النية نهارا، لانه فعل واحد الى طلوع الشمس كالوقوف بعرفة، و ليس في النصوص ما يدل على خلاف ذلك. انتهى.
أقول: ان كلامه (قدس سره) هنا كله يدور على النية المصطلحة التي هي عبارة عن الحديث النفسي و التصوير الفكري، و قد عرفت ما فيه في غير موضع، و الا فمن المعلوم انه إذا كان الوقوف الواجب الذي عليه مدار الحج صحة و بطلانا في حال التعمد و الاختيار انما هو الوقوف بعد طلوع الفجر الى طلوع الشمس، و ان غير هذا الوقت من المتأخر عنه و المتقدم عليه انما هو وقت لذوي الأعذار، فنية الوقوف انما هي في هذا الوقت خاصة، و لا معنى لنية الوقوف ليلا، الا ان يكون من قبيل العزم عليه و هو غير النية الشرعية عندهم. و المستفاد من الخبرين المتقدمين ان الوقوف الشرعي الذي يجب على المكلف الإتيان به- و عليه مدار صحة حجه و بطلانه- انما هو الذي بعد الفجر، و الاكتفاء بغيره يحتاج الى دليل، فقوله- بعد اختياره ان نية الكون عند الوصول كافية عن النية نهارا: و ليس في النصوص ما يدل على خلافه- ليس في محله، بل هذه
450
النصوص دالة على خلافه. على ان مجرد عدم دلالة النصوص على خلافه لا يكفي في ثبوته، بل لا بد من دلالة النصوص عليه ليتم الحكم به، و الا كان قولا من غير دليل. و هو غير سديد النهج و لا واضح السبيل، لأن حكم العبادات صحة و بطلانا مبنية على التوقيف و الثبوت عن صاحب الشريعة، فلا بد في كل حكم من أحكامها من دليل واضح و برهان لائح.
و بالجملة فإن القدر المستفاد من الاخبار و الذي يدور عليه كلامهم هو ان الوقوف الواجب الذي يدور عليه الحج صحة و بطلانا مع الاختيار هو هذا الوقت المذكور، فيجب قصد التقرب به الى الله (عز و جل) و النية به و أداء الواجب به، و مجرد الكون قبله غير كاف.
و اما
ما رواه الشيخ و الصدوق عن محمد بن حكيم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أصلحك الله، الرجل الأعجمي و المرأة الضعيفة يكونان مع الجمال الأعرابي فإذا أفاض بهم من عرفات مر بهم كما هم إلى منى و لم ينزل بهم جمعا. فقال: أ ليس قد صلوا بها؟ فقد أجزأهم. قلت: فان لم يصلوا بها؟ قال: ذكروا الله تعالى فيها؟ فان كانوا ذكروا الله فيها فقد أجزأهم»،.
و ما رواه في الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال: «قلت له: جعلت فداك ان صاحبي هذين جهلا أن يقفا بالمزدلفة؟
____________
(1) الفروع ج 4 ص 472 و التهذيب ج 5 ص 293 و 294 و الفقيه ج 2 ص 283 و الوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفروع ج 4 ص 472 و الوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر.
و اللفظ هكذا: «عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع).».
451
فقال: يرجعان مكانهما فيقفان بالمشعر ساعة. قلت: فإنه لم يخبرهما أحد حتى كان اليوم و قد نفر الناس؟ قال: فنكس رأسه ساعة ثم قال: أ ليسا قد صليا الغداة بالمزدلفة؟ قلت: بلى. قال: أ ليس قد قنتا في صلاتهما؟
قلت: بلى. فقال: تم حجهما. ثم قال: المشعر من المزدلفة و المزدلفة من المشعر، و انما يكفيهما اليسير من الدعاء».
فهو محمول على حال الجهل و عدم إمكان الرجوع مع إتيانهم بما تضمنه الخبران من الذكر و الدعاء، و ان ذلك قائم مقام نية الوقوف في الصورة المذكورة.
قال في من لا يحضره الفقيه (1): و روى في من جهل الوقوف بالمشعر:
ان القنوت في صلاة الغداة بها يجزئه و ان اليسير من الدعاء يكفى.
انتهى
الخامسة [الدعاء المستحب حين الوقوف بالمشعر]
- من المستحب في الوقوف
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«أصبح على طهر بعد ما تصلي الفجر، فقف إن شئت قريبا من الجبل و أن شئت حيث شئت، فإذا وقفت فاحمد الله (عز و جل) و أثن عليه، و اذكر من آلائه و بلائه ما قدرت عليه، و صل على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم ليكن من قولك: اللهم رب المشعر الحرام فك رقبتي من النار، و أوسع على من رزقك الحلال، و ادرأ عني شر فسقة الجن و الانس، اللهم أنت خير مطلوب اليه و خير مدعو و خير مسؤول، و لكل وافد جائزة، فاجعل جائزتي في موطني هذا ان تقيلني عثرتي و تقبل معذرتي و ان تتجاوز عن خطيئتي،
____________
(1) ج 2 ص 283 و الوسائل الباب 25 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفروع ج 4 ص 469 و الوسائل الباب 11 من الوقوف بالمشعر.
452
ثم اجعل التقوى من الدنيا زادي. ثم أفض حيث يشرق لك ثبير و ترى الإبل مواضع أخفافها».
و قد تقدم (1) في المقام الأول في صحيحة الحلبي و معاوية بن عمار دعاء آخر، لكن ظاهر ذلك الخبر انه وقت النزول و هذا الدعاء بعد الوقوف.
و نقل العلامة في المختلف عن ابن البراج انه عد في أقسام الواجب الذكر لله تعالى و الصلاة على النبي (صلى الله عليه و آله) و على آله في الموقفين ثم قال بعد نقل ذلك عنه: و المشهور الاستحباب. و قد تقدم ما يدل على ذلك في الوقوف بعرفة من الخبرين المنقولين ثمة.
و قال الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (2): و ليكن وقوفك و أنت على غسل، و قل: اللهم رب المشعر الحرام و رب الركن و المقام و رب الحجر الأسود و زمزم و رب الأيام المعلومات، فك رقبتي من النار، و أوسع علي من رزقك الحلال، و ادرأ عني شر فسقة الجن و الانس و شر فسقة العرب و العجم، اللهم أنت خير مطلوب اليه و خير مدعو و خير مسؤول، و لكل وافد جائزة، فاجعل جائزتي في موطني هذا ان تقيلني عثرتي و تقبل معذرتي و تتجاوز عن خطيئتي، و تجعل التقوى من الدنيا زادي، و تقلبني مفلحا منجحا مستجابا لي بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك و حجاج بيتك الحرام.
و ادع الله (عز و جل) كثيرا. الى ان قال: فإذا طلعت الشمس فاعترف لله (عز و جل) بذنوبك سبع مرات، و اسأله التوبة سبع مرات.
____________
(1) ص 428 و 429.
(2) ج 2 ص 326.
453
المقام الثالث في الأحكام
و فيه أيضا مسائل
الأولى [حكم ترك الوقوف بالمشعر]
- قد عرفت من ما تقدم ان المشهور انه لو أفاض قبل الفجر عامدا بعد ان كان به ليلا صح حجه و جبره بشاة.
اما لو لم يقف بالمشعر ليلا و لا بعد الفجر عامدا، فالظاهر انه لا خلاف بينهم في بطلان حجة.
الا انه قد نقل العلامة في المنتهى عن الشيخ انه قال: من ترك الوقوف بالمشعر متعمدا فعليه بدنة.
لما رواه حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من أفاض من عرفات مع الناس، و لم يلبث معهم بجمع و مضى إلى منى متعمدا أو مستخفا، فعليه بدنة».
و ظاهره الحكم بصحة حجه و وجوب البدنة عليه جبرا لنقصانه بترك الوقوف.
قال في المنتهى بعد نقل ذلك عنه: و الوجه انه إذا ترك الوقوف بالمشعر عمدا بطل حجه، لما تقدم من انه ركن يبطل الحج بالإخلال به عمدا. انتهى.
و نقل هذا القول في الدروس عن ابن الجنيد ايضا، حيث قال: الوقوف بالمشعر ركن أعظم من عرفة عندنا، فلو تعمد تركه بطل حجه. و قول ابن الجنيد بوجوب البدنة لا غير ضعيف. و رواية حريز- بوجوب البدنة على متعمد تركه أو المستخف به- متروكة محمولة على من وقف به ليلا قليلا ثم مضى. انتهى
____________
(1) الفروع ج 4 ص 473 و التهذيب ج 5 ص 294 و الوسائل الباب 26 من الوقوف بالمشعر. و ارجع الى التعليقة (1) ص 435.
454
و ظاهره (قدس سره) حمل هذه الرواية على ما دلت عليه حسنة مسمع المتقدمة، و ان تفاوتا باعتبار دلالة تلك على الجبر بشاة و هذه على الجبر ببدنة. و هو قريب في مقام الجمع.
و لو قيل بحملها على بطلان الحج و وجوب البدنة لم يكن بعيدا، كما في المجامع قبل أحد الموقفين من الحكم بفساد حجه مع وجوب البدنة، و ان اختلفا من حيثية أخرى أيضا.
و العجب انه نقل عن الشيخ (رحمه الله) في المنتهى قبيل هذا الكلام انه قال: من فاته الوقوف بالمشعر فلا حج له على كل حال.
و استدل عليه
بما رواه عن عبيد الله و عمران ابني علي الحلبيين عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «إذا فاتتك المزدلفة فقد فاتك الحج».
قال: و هذا خبر عام في من فاته ذلك عامدا أو جاهلا أو على كل حال و هذا الكلام ظاهر في ان فوت الوقوف بالمشعر عنده موجب لبطلان الحج عمدا أو جهلا أو نسيانا. و هو- كما ترى- ظاهر المنافاة لما ذكره من الكلام الأول.
و ما ذكره (قدس سره)- من بطلان الحج بترك الوقوف و ان كان جهلا أو نسيانا- هو ظاهر جملة من الأصحاب أيضا.
الا ان الظاهر عندي من الاخبار و المفهوم منها ان التارك للوقوف جاهلا عليه الرجوع و ان لم يدرك إلا الاضطراري، و ان استمر به الجهل حتى فات وقت التدارك صح حجه.
فاما ما يدل على الحكم الأول فصحيحة معاوية بن عمار و موثقة
____________
(1) الوسائل الباب 23 و 25 من الوقوف بالمشعر.
455
يونس بن يعقوب المتقدمتان (1) في المسألة الاولى من مسائل المقام الثاني.
و اما ما يدل على الثاني فروايتا محمد بن يحيى المتقدمتان (2) في المسألة الثالثة من مسائل الفصل الثالث من المقصد الأول، لدلالتهما على ان من جهل و لم يقف بالمزدلفة و لم يبت حتى اتى منى و فاته التدارك فإنه لا بأس به.
و الشيخ (رحمه الله)- بعد ان استدل بخبر الحلبيين المتقدم على بطلان الحج بترك الوقوف بالمشعر و قال: ان هذا الخبر عام في من فاته ذلك عامدا أو جاهلا أو على كل حال- قال: و لا ينافيه ما رواه محمد بن يحيى الخثعمي، ثم أورد الخبرين المشار إليهما، و حملهما- بعد الطعن في الراوي- على الوقوف بالمشعر و لو قليلا. و فيه ما قد بيناه في الموضع الذي نقلنا فيه الخبرين.
و ممن وافقنا على دلالة الخبرين على ما ذكرنا من صحة حج الجاهل في الصورة المذكورة- السيد السند في المدارك حيث قال: و قد ورد في بعض الروايات ما يدل على عدم بطلان حج الجاهل بذلك، كرواية محمد بن يحيى عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) ثم ساق الخبر كما ذكرناه. ثم ذكر جواب الشيخ (رحمه الله) و حمله الخبرين على ما ذكرناه. ثم قال بعده:
و لا يخفى ما في هذا الحمل من البعد.
و بذلك يشعر كلام الدروس ايضا حيث قال: و لو ترك الوقوف بالمشعر جهلا بطل حجه عند الشيخ في التهذيب، و رواية محمد بن يحيى بخلافه.
و تأولها الشيخ على تارك كمال الوقوف جهلا و قد اتى باليسير منه. انتهى.
____________
(1) ص 433.
(2) ص 409.
(3) تقدمت ص 409.
456
الثانية [وقت الإفاضة من المشعر]
- اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في وقت الإفاضة من المشعر، فقال الشيخ: فإذا كان قبل طلوع الشمس بقليل رجع الى منى، و لا يجوز وادي خسر الا بعد طلوع الشمس، و لا يجوز للإمام أن يخرج من المشعر إلا بعد طلوع الشمس، و ان أخر غير الامام الخروج الى بعد طلوع الشمس لم يكن به بأس. و قال ابن أبي عقيل: فإذا أشرق الفجر و تبين و رأت الإبل مواضع أخفافها أفاض بالسكينة و الوقار و الدعاء و الاستغفار.
قال في المختلف بعد نقل ذلك عنهما: و هذا الكلام من الشيخين (رحمهما الله) يدل على أولوية الإفاضة قبل طلوع الشمس و كذا قال ابن الجنيد و ابن حمزة ثم نقل عن علي بن بابويه انه قال: و إياك ان تفيض منها قبل طلوع الشمس و لا من عرفات قبل غروبها، فيلزمك دم شاة. و نقل عن الصدوق انه قال:
و لا يجوز للرجل الإفاضة قبل طلوع الشمس و لا من عرفات قبل غروبها، فيلزمه دم شاة. قال: و هذا الكلام يشعر بوجوب اللبث الى طلوع الشمس ثم نقل عن المفيد (رحمه الله) انه قال: فإذا طلعت الشمس فليفض منها إلى منى، و لا يفض قبل طلوع الشمس الا مضطرا و كذا قال السيد المرتضى و سلار. ثم نقل عن أبي الصلاح انه قال: و ليقف داعيا الى ان تطلع الشمس، و لا يجوز للمختار ان يفيض منه حتى تطلع الشمس. و عد ابن حمزة في الواجبات الإقامة بالمشعر للإمام الى ان تطلع الشمس. و قال ابن إدريس: و ملازمة الموضع الى ان تطلع الشمس مندوب غير واجب.
هذا كلامه في المختلف.
و العجب انه مع ذلك قال في المنتهى بعد الكلام في المسألة: إذا ثبت هذا فلو دفع قبل الاسفار بعد طلوع الفجر أو بعد طلوع الشمس لم يكن
457
مأثوما، و لا نعلم فيه خلافا. انتهى. و الاختلاف بين الكلامين أظهر من ان يخفى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه في الكافي عن إسحاق بن عمار في الموثق (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام). اي ساعة أحب إليك ان أفيض من جمع؟ قال: قبل ان تطلع الشمس بقليل فهو أحب الساعات الى. قلت: فان مكثنا حتى تطلع الشمس؟ قال: لا بأس».
و عن هشام بن الحكم في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2). قال «لا تجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس».
و روى الشيخ في الصحيح عن معاوية بن حكيم (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام): اي ساعة أحب إليك ان تفيض من جمع؟».
و ذكر مثل الحديث الأول.
و عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) قال: «ينبغي للإمام ان يقف بجمع حتى تطلع الشمس، و سائر الناس إن شاءوا عجلوا و ان شاءوا أخروا».
و عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (5) قال:
«ثم أفض حيث يشرق لك ثبير و ترى الإبل مواضع أخفافها، قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أهل الجاهلية يقولون: «أشرق ثبير- يعنون
____________
(1) الوسائل الباب 15 من الوقوف بالمشعر.
(2) الوسائل الباب 15 من الوقوف بالمشعر.
(3) الوسائل الباب 15 من الوقوف بالمشعر. و في المخطوطة هكذا:
«في الصحيح أو الموثق عن معاوية بن حكيم».
(4) الوسائل الباب 15 من الوقوف بالمشعر.
(5) التهذيب ج 5 ص 192 و الوسائل الباب 15 من الوقوف بالمشعر.
458
الشمس- كيما نغير» و انما أفاض رسول الله (صلى الله عليه و آله) خلاف أهل الجاهلية، كانوا يفيضون بإيجاف الخيل و إيضاع الإبل، فأفاض رسول الله (صلى الله عليه و آله) خلاف ذلك بالسكينة و الوقار و الدعة، فأفض بذكر الله تعالى و الاستغفار و حرك به لسانك. الحديث».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (1): «و إياك ان تفيض منها قبل طلوع الشمس، و لا من عرفات قبل غروبها، فيلزمك الدم. و روى انه يفيض من المشعر إذا انفجر الصبح و بان في الأرض أخفاف البعير و آثار الحوافر».
و المفهوم من ما عدا عبارة كتاب الفقه من الاخبار المذكورة هو انه يجوز التعجيل في الإفاضة قبل طلوع الشمس و التأخير. الا أن الأول أفضل و هذه الاخبار مستند الشيخ و من تبعه. و عبارة كتاب الفقه صريحة في مذهب الصدوقين بل عبارتاهما انما أخذتا من هذه العبارة كما عرفت في غير موضع من ما تقدم، و ان غير الأسلوب في عبارة الفقيه. و اما عبارة أبيه في الرسالة فهي حذو عبارة الكتاب الا في تفسيره الدم بدم شاة (2) و هو (عليه السلام) بعد ان افتى بهذه العبارة نسب القول الآخر الذي دلت عليه الاخبار المذكورة إلى الرواية. و ربما أشعر ذلك بكون الرواية بذلك انما خرجت مخرج التقية، حيث انه (عليه السلام) اعترف بأن ذلك مروي عن آبائه (عليهم السلام) و مع ذلك عدل عنه و أوجب التأخير إلى طلوع الشمس، و الدم على من خالف ذلك، و جعل الحكم هنا كالحكم في عرفات لو أفاض منها قبل الغروب.
____________
(1) ص 28.
(2) كلمة «بدم شاة» في المخطوطة.
459
و يعضد ذلك ما ذكره العلامة في المنتهى حيث قال بعد البحث في المسألة و ذكر خبري إسحاق و معاوية بن حكيم: إذا عرفت هذا فإنه يستحب الإفاضة بعد الاسفار قبل طلوع الشمس بقليل، على ما تضمنه الحديثان الأولان، و به قال الشافعي و احمد و أصحاب الرأي، و كان مالك يرى الدفع قبل الاسفار (1).
و هو ظاهر في ان ما دلت عليه هذه الاخبار مذهب الجمهور، الا ان متأخري أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) حيث لم يصل إليهم ما يخالفها جمدوا عليها، فالعذر لهم واضح، و المتقدمون سيما الصدوقان لما عثروا على ما خالفها أطرحوها و تمسكوا بغيرها، فان القول بوجوب اللبث الى طلوع الشمس مذهب جمع منهم كما تقدم. و الظاهر انهم لم يصيروا الى ذلك مع وصول هذه الاخبار إليهم الا من حيث الوقوف على دليل سواها، و الدليل من عبارة كتاب الفقه واضح كما عرفت.
و بالجملة فالاحتياط يقتضي التأخير إلى طلوع الشمس، و الخروج قبله لا يخلو من الاشكال، كما عرفت من عبارته (عليه السلام) في كتاب الفقه، و الكتاب عندنا- كما عرفت في غير موضع- معتمد كما اعتمده الصدوقان (نور الله- تعالى- مرقديهما). و الله العالم.
الثالثة [اعتبار النية في الوقوف بالمشعر]
- قد عرفت من ما تقدم ان الواجب في الوقوف النية كغيره من العبادات من غير خلاف يعرف، و على هذا لو نوى الوقوف ثم نام أو جن أو أغمي عليه صح وقوفه، و هو المعروف من مذهب الأصحاب (رضوان الله عليهم) لأن الركن من الوقوف مسماه، و هو يحصل بآن يسير بعد النية
____________
(1) المغني ج 3 ص 423 طبع عام 1368.
460
و قال الشيخ في المبسوط: المواضع التي يجب ان يكون الإنسان فيها مفيقا حتى تجزئه أربعة: الإحرام و الوقوف بالموقفين و الطواف و السعي و صلاة الطواف حكمها حكم الأربعة سواء، و كذلك طواف النساء، و كذلك حكم النوم سواء، و الاولى ان نقول يصح منه الوقوف بالموقفين و ان كان نائما، لأن الفرض الكون فيه لا الذكر. و قال ابن إدريس بعد نقل ذلك عنه: هذا غير واضح، و لا بد من نية الوقوف بغير خلاف، و الإجماع عليه.
الا انه قال في نهايته: و من حضر المناسك كلها و رتبها في موضعها الا انه كان سكران، فلا حج له، و كان عليه الحج من قابل. و هذا هو الواضح الصحيح الذي تقتضيه الأصول. قال: و الأولى عندي انه لا يصح منه شيء من العبادات إذا كان مجنونا،
لان الرسول (صلى الله عليه و آله) قال «الأعمال بالنيات» (1).
و «انما لا لامرئ ما نوى» (2).
و النية لا تصح منه.
و قال تعالى «وَ مٰا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزىٰ إِلَّا ابْتِغٰاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلىٰ» (3) فنفى (تعالى) ان يجزي أحد بعمله الا ما أريد و طلب به وجه ربه الأعلى و المجنون لا ارادة له.
و قال في المختلف بعد نقل القولين المذكورين: و اعلم ان الشيخ شرط العقل في المواضع التي يفوت الحج بتركها، و ما عداها يجب عليه فعلها و لكن يجزئه الحج، فقوله-: «المواضع التي يجب ان يكون الإنسان فيها مفيقا حتى يجزئه أربعة»- يشير بذاك الى إجزاء الحج، و حينئذ يتم
____________
(1) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 1 من النية في الصلاة و الباب 2 من وجوب الصوم.
(2) الوسائل الباب 5 من مقدمة العبادات و الباب 1 من النية في الصلاة و الباب 2 من وجوب الصوم.
(3) سورة الليل الآية 19 و 20.
461
كلامه. و اما الوقوف للنائم فنقول: إذا ابتدأ الوقوف بالنية أجزأه الكون و ان كان نائما، و لا يجب استمرار الانتباه في جميع الوقت، فان قصد الشيخ و ابن إدريس ذلك فقد أصابا و اتفقا، و ان قصد الشيخ تسويغ ابتداء الوقوف للنائم من غير نية، أو قصد ابن إدريس استمرار الانتباه منعنا ما قصداه، اما الأول فلما قاله ابن إدريس، فإنه لا يدل الا على ما اخترناه، و اما الثاني فلما قاله الشيخ (رحمه الله). انتهى. و هو جيد.
ثم ان ظاهر كلام الشيخ (رحمه الله تعالى) الفرق بين الإغماء و الجنون و بين النوم، حيث اشترط في صحة تلك الأشياء المذكورة ان يكون مفيقا و قال بصحة الوقوف و ان كان نائما. و هو غير جيد لاشتراك الجميع في عدم الإتيان بالنية، و الكون في ذلك المكان حاصل للجميع أيضا، فإن اكتفى بمجرد الكون فينبغي القول بالصحة في الجميع، و ان اشترط فيه أمر زائد على مجرد الكون و هو النية فيكون ذلك في الجميع ايضا فلا وجه للفرق حينئذ.
قال في الدروس: و الواجب فيه ستة. الأول: النية. الى ان قال: و خامسها السلامة من الجنون و الإغماء و السكر و النوم في جزء من الوقت.
و ظاهر عبارة الشرائع الخلاف في ذلك، حيث قال: و لو نوى الوقوف ثم نام أو جن أو أغمي عليه، صح وقوفه، و قيل لا. و لم نقف لهذا القول على قائل به.
الرابعة [فوت الحج بفوت الوقوفين]
- أجمع الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) على ان من فاته الوقوفان في وقتهما فقد فاته الحج، و سقط عنه بقية أفعاله، و تحلل بعمرة مفردة.
و يدل عليه جملة من الاخبار: منها:
ما رواه الشيخ في الصحيح عن
462
معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «من أدرك جمعا فقد أدرك الحج. قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): أيما حاج سائق للهدي أو مفرد للحج أو متمتع بالعمرة إلى الحج قدم و قد فاته الحج فليجعلها عمرة و عليه الحج من قابل».
و عن الحلبي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) في حديث قال: «فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج، فيجعلها عمرة مفردة و عليه الحج من قابل».
و عن محمد بن سنان (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل دخل مكة مفردا للحج فخشي ان يفوته الموقفان. فقال: له يومه الى طلوع الشمس من يوم النحر، فإذا طلعت الشمس فليس له حج فقلت: كيف يصنع بإحرامه؟ فقال: يأتي مكة فيطوف بالبيت، و يسعى بين الصفا و المروة. فقلت له: إذا صنع ذلك فما يصنع بعد؟ قال:
إن شاء أقام بمكة و ان شاء رجع الى الناس بمنى، و ليس منهم في شيء، فان شاء رجع الى اهله، و عليه الحج من قابل».
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 294 و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
(2) التهذيب ج 5 ص 289 و الوسائل الباب 22 من الوقوف بالمشعر.
الرقم 2.
(3) التهذيب ج 5 ص 290 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
و الراوي للنص المذكور هو (إسحاق بن عبد الله) و اللفظ في حديث (محمد بن سنان) يختلف عنه كما يظهر بمراجعة الرقم (4 و 5) في الوسائل و الرقم (984 و 985) في التهذيب.
463
و عن حريز في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل مفرد للحج فاته الموقفان جميعا. فقال: له الى طلوع الشمس من يوم النحر، فان طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حج، و يجعلها عمرة، و عليه الحج من قابل».
و رواه في موضع آخر (2) و زاد فيه: «قلت: كيف يصنع؟ قال:
يطوف بالبيت، و بالصفا و المروة، فإن شاء أقام بمكة و ان شاء اقام بمنى مع الناس، و ان شاء ذهب حيث شاء ليس هو من الناس في شيء».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل جاء حاجا ففاته الحج و لم يكن طاف؟ قال:
يقيم مع الناس حراما أيام التشريق، و لا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت، و سعى بين الصفا و المروة، و أحل، و عليه الحج من قابل يحرم من حيث أحرم».
و روى المشايخ الثلاثة (عطر الله تعالى مراقدهم) في الصحيح الى داود الرقي (4) و فيه خلاف، قال: «كنت مع أبي عبد الله (عليه السلام) إذ جاء رجل فقال: ان قوما قدموا يوم النحر و قد فاتهم الحج؟ فقال:
نسأل الله العافية، ارى ان يهريق كل واحد منهم دم شاة، و يحلون، و عليهم الحج من قابل ان انصرفوا الى بلادهم، و ان أقاموا حتى تمضي
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 291 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) التهذيب ج 5 ص 480 و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
(3) التهذيب ج 5 ص 295 و الوسائل 27 من الوقوف بالمشعر.
(4) الفروع ج 4 ص 475 و التهذيب ج 5 ص 295 و 480 و الفقيه ج 2 ص 284 و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
464
أيام التشريق بمكة ثم خرجوا الى بعض مواقيت أهل مكة فأحرموا منه و اعتمروا فليس عليهم الحج من قابل».
و عن ضريس بن أعين في الصحيح (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل خرج متمتعا بالعمرة إلى الحج فلم يبلغ مكة إلا يوم النحر. فقال: يقيم على إحرامه و يقطع التلبية حين يدخل مكة فيطوف و يسعى بين الصفا و المروة، و يحلق رأسه، و ينصرف إلى اهله ان شاء. و قال: هذا لمن اشترط على ربه عند إحرامه، فان لم يكن اشترط فان عليه الحج من قابل».
و هذه الرواية
رواها الصدوق عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن ضريس مثله (2) الا انه زاد بعد قوله: «و يحلق رأسه»: «و يذبح شاته» و زاد في آخرها: «فان لم يشترط فان عليه الحج و العمرة من قابل».
[مباحث في أخبار المقام]
و الكلام في هذه الاخبار في مواضع
أحدها [من فاته الوقوفان يتحلل بعمرة]:
انها قد اتفقت على ما ذكرناه من الحكم بان من فاته الموقفان، بطل حجه، و سقط عنه إتمامه و تحلل بعمرة مفردة.
و معنى تحلله بالعمرة على ما ذكره في المنتهى انه ينقل إحرامه بالنية من الحج إلى العمرة ثم يأتي بأفعالها.
قال في المدارك: و يحتمل قويا انقلاب الإحرام إليها بمجرد الفوات كما هو ظاهر اختيار العلامة في موضع من القواعد و الشهيد في الدروس،
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 295 و 296 و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
(2) الفقيه ج 2 ص 243 و الوسائل الباب 27 من الوقوف بالمشعر.
465
لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1): «يقيم مع الناس حراما أيام التشريق و لا عمرة فيها، فإذا انقضت، طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة. الحديث».
و في صحيحة ضريس (2) «يقيم على إحرامه، و يقطع التلبية حين يدخل مكة، فيطوف، و يسعى بين الصفا و المروة، و يحلق رأسه، و ينصرف إلى اهله ان شاء.».
دلت الروايتان على وجوب الإتيان بأفعال العمرة على من فاته الحج من غير تعرض لنقل النية، فلا تكون النية معتبرة. و لا ينافي ذلك
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (3): «فليجعلها عمرة».
لأن الظاهر ان معنى جعلها عمرة الإتيان بأفعال العمرة. و لا ريب ان العدول اولى و أحوط. انتهى أقول: لا يخفى عليك ما في هذا الكلام من الغفلة أو المجازفة، و ذلك فان الطواف و السعي و التقصير لا مخرج له من ان يكون في حج أو عمرة إذ لا ثالث، و لم يشرع ذلك خارجا عن الفردين المذكورين، و حينئذ فإذا انتفى كونها للحج تعين ان تكون للعمرة، و لا معنى لكونها للعمرة و هو لم يقصد بها للعمرة، لأن العبادات بل الأفعال مطلقا لا يمتاز بعضها عن بعض الا بالقصود و النيات، كلطمة اليتيم تأديبا و ظلما، و نحوها، فكيف تصير عمرة بمجرد فوات الحج من غير ان يقصد العدول بإحرامه إلى أفعال العمرة؟ و التعبير بقوله: «يجعلها عمرة» ليس مقصورا على صحيحة معاوية بن عمار، بل أكثر الروايات المتقدمة قد تضمن ذلك، كصحيحة معاوية المذكورة و صحيحة
____________
(1) برقم 3 ص 463.
(2) المتقدمة برقم 1 ص 464.
(3) المتقدمة برقم 1 ص 462.
466
الحلبي و صحيحة حريز، و هذا هو الذي يوافق القواعد المقررة و الضوابط المعتبرة من وجوب النية في العبادة و القصد إليها، و هو الذي دلت عليه الاخبار في مقامات العدول في الصلاة و غيرها، من وجوب نية العبادة التي يريد العدول إليها و قصدها، و ما أطلق من الروايات التي ذكرها و نحوها يجب حمله على هذه الروايات المقيدة حمل المطلق على المقيد. على ان الظاهر من عبارة الدروس هو التردد لا اختيار الانقلاب بمجرد الفوات كما ذكره فإنه قال: و هل ينقلب إحرامه أو يقلبه بالنية؟ الأحوط الثاني،
و رواية محمد بن سنان (1): «فهي عمرة مفردة».
تدل على الأول،
و رواية معاوية (2) «فليجعلها عمرة».
تدل على الثاني. انتهى. و ظاهره التوقف من حيث تعارض الروايتين عنده، و انما صار الى الثاني احتياطا لذلك.
و بالجملة فكلامهم هذا مبنى على النية الاصطلاحية التي هي عبارة عن الحديث النفسي و التصوير الفكري الذي قد عرفت في غير موضع انه ليس هو النية حقيقة، و الا فإنه لا يخفى على ذي دراية ان جملة أفعال العقلاء لا تصدر الا عن القصود و النيات، سيما في مقام الاشتراك و التعدد، فلا بد من القصود المميزة، فكيف يتم انه يأتي بالعمرة بعد تلبسه بإحرام الحج من غير ان يقصد الى كونها عمرة؟ ما هذا الا غفلة ظاهرة.
و
ثانيها [هل يجب الهدي على من فاته الحج؟]:
ان المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه لا هدى على من فاته الحج تمتعا كان أو افرادا، و هذا هو ظاهر أكثر الأخبار المتقدمة، لورودها في مقام البيان عارية عن التعرض له.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 294 و الوسائل الباب 23 من الوقوف بالمشعر.
(2) المتقدمة برقم 1 ص 462.
467
و اما القارن فقد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه ينحر هديه بعد بطلان الحج بمكة لا بمنى، لعدم سلامة الحج. و نقل في الدروس عن الشيخ علي بن الحسين بن بابويه و ابنه الصدوق أنهما أوجبا على المتمتع بالعمرة يفوته الموقفان العمرة و دم شاة، و لا شيء على المفرد سوى العمرة.
و نقل الشيخ عن بعض الأصحاب (رضوان الله عليهم) قولا بوجوب الهدى للفوات مطلقا و احتج له برواية داود بن فرقد المتقدمة (1). و أجاب العلامة في المنتهى عنها بالحمل على الاستحباب، اي كون تلك الحجة مستحبة لا واجبة. و الشيخ حملها على كون الفائت ندبا أو على من اشترط في حال إحرامه، لرواية ضريس المتقدمة (2) حيث انها مصرحة بأن المشترط تكفيه العمرة و غيره يحج من قابل. و قد اعترض هذا الحمل الثاني جملة من الأصحاب- منهم: العلامة في المنتهى و الشهيد في الدروس- بأنه ان كان الحج واجبا لم يسقط وجوبه بالاشتراط حتى انه لا يجب قضاؤه في العام القابل، و ان لم يكن واجبا لم يجب بترك الاشتراط. قال في المنتهى:
و الوجه في هذه الرواية الثانية- و أشار بها الى رواية ضريس- حمل إلزام الحج في العام القابل مع ترك الاشتراط على شدة الاستحباب. انتهى.
ثم ان العلامة في المنتهى بعد ان اختار حمل رواية داود بن فرقد على الحج المندوب- كما هو أحد احتمالي الشيخ- اعترض على نفسه، فقال: لا يقال: لو كان كذلك لما قال في أول الخبر: «و عليهم الحج من قابل ان انصرفوا الى بلادهم» فإنه إذا كان الحج تطوعا لا يجب عليه الرجوع من
____________
(1) برقم 4 ص 463.
(2) برقم 1 ص 464.
468
قابل، سواء انصرف الى بلده أو أقام. لأنا نقول: انما أوجب عليهم الرجوع من قابل مع الانصراف لأنهم حينئذ يكونون قد تركوا الطواف و السعي و التقصير، و هو العمرة التي أوجبنا تحللهم بها، فوجب عليهم الرجوع من قابل للإتيان بالطواف و السعي، و لا يجب الرجوع لأداء الحج ثانيا. انتهى. و لا يخفى عليك ما فيه، فان الخبر صريح في انه يجب الحج من قابل لا العمرة كما يدعيه.
و بالجملة فالظاهر عندي هو بعد هذه المحامل، لما فيها من مزيد التكلفات و البعد عن ظاهر تلك الروايات.
و الأقرب عندي حمل وجوب الهدي الذي دلت عليه رواية داود بن فرقد- و مثلها صحيحة ضريس الأخرى- على التقية، و كذا وجوب اعادة الحج من قابل إذا كان مندوبا على التقية.
فاما التقية الاولى فيدل عليها ما ذكره في المنتهى، حيث قال: و هل يجب على فائت الحج الهدي أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: انه لا يجب قاله الشيخ (رحمه الله) و هو قول أصحاب الرأي، و ثانيهما: يجب عليه الهدي، و به قال الشافعي و أكثر الفقهاء (1) و نقله الشيخ عن بعض أصحابنا و اما التقية الثانية فيدل عليها ما ذكره في الكتاب المذكور ايضا، حيث قال: إذا كان الفائت واجبا كحجة الإسلام أو منذورة أو غير ذلك من أنواع الواجبات، و يجب القضاء، و لا تجزئه العمرة التي فعلها للتحلل، و ان لم يكن الحج واجبا، لم يجب عليه القضاء، و به قال عطاء و احمد في إحدى الروايتين و مالك في أحد القولين، و قال الشافعي يجب القضاء و ان
____________
(1) المغني ج 3 ص 528 و 529 طبع عام 1368.
469
كان الحج تطوعا، و به قال ابن عباس و ابن الزبير و مروان و أصحاب الرأي (1) ثم نقل احتجاجهم
بقول النبي (صلى الله عليه و آله) (2): «من فاته الحج فليتحلل بعمرة، و عليه الحج من قابل».
و لأن الحج يلزم بالشروع فيه فيكون حكمه حكم الواجب.
و على ما ذكرناه تكون رواية داود الرقي (3) محمولة على الحج المندوب، و انه يجب ان يتحلل منه بالهدي، ثم بعد إحلاله فان اتى بالعمرة فلا حج عليه من قابل، و ان لم يأت بها وجب عليه القضاء. و كل من وجوب الهدى و وجوب القضاء انما خرج مخرج التقية.
قال في المدارك: و هل يجب الهدي على فائت الحج؟ قيل لا و هو المشهور بين الأصحاب، تمسكا بمقتضى الأصل السالم. و حكى الشيخ عن بعض أصحابنا قولا بالوجوب، لورود الأمر به في رواية داود الرقي (4) و هي ضعيفة السند، فلا يمكن التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل. انتهى.
و فيه ان صحيحة ضريس (5) المنقولة من كتاب من لا يحضره الفقيه قد اشتملت على ذكر الهدي ايضا، و به يظهر ان مجرد طعنه في رواية داود لا يقطع مادة الإشكال، بناء على هذا الاصطلاح الواضح الاختلال،
____________
(1) المغني ج 3 ص 528 و 529 طبع عام 1368.
(2) المغني ج 3 ص 528 طبع عام 1368 عن الدارقطني عن ابن عباس عن رسول الله (ص) و اللفظ: «من فاته عرفات فاته الحج فليحل بعمرة و عليه الحج من قابل».
(3) المتقدمة برقم 4 ص 463.
(4) المتقدمة برقم 4 ص 463.
(5) المتقدمة برقم 1 ص 464.
470
و انما الجواب الحق ما قدمناه.
و اما ما قدمنا نقله عن الصدوقين فلم نقف فيه على دليل. و الله العالم.
و
ثالثها:
ان أكثر الروايات المتقدمة قد صرحت بأن عليه الحج من قابل و هو محمول عند الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الحج الواجب المستقر فان المندوب و ان وجب بالشروع الا أنه متى لم يكن فواته بتقصير المكلف فإنه لا يلحقه اثم بتركه، و لا دليل على وجوب قضائه فيسقط البتة.
و الواجب الغير المستقر، فلو بادر به في عام الوجوب و فاته من غير تفريط فلا قضاء عليه في ظاهر كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم).
و نقل في المدارك عن الشيخ في التهذيب ان من اشترط في حال الإحرام يسقط عنه القضاء، و لو لم يشترط وجب، و احتج بصحيحة ضريس المتقدمة (1) و ظاهره حمل الصحيحة المذكورة على صورة الحج الواجب الغير المستقر.
و فيه ما لا يخفى، فإنه لا قرينة في الخبر- و لا اشعار فضلا عن التصريح- تؤذن بهذا الحمل. و قد عرفت ما في الرواية من الاشكال و مخالفة الأصول المقررة. و لا اعرف لها وجها تحمل عليه الا التقية التي هي في اختلاف الأحكام الشرعية أصل كل بلية و الا فالارجاع إلى قائلها (عليه السلام)
و
رابعها:
انه قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأن هذه العمرة التي يتحلل بها لا تجزئ عن العمرة الواجبة و هي عمرة الإسلام لأن سبب هذه فوات الحج فاجزاؤها عن العمرة الواجبة بأصل الإسلام يحتاج الى دليل، و ليس فليس. و هو جيد.
و
خامسها:
انه قد صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه يستحب
____________
(1) برقم 1 ص 464.
471
الإقامة بمنى أيام التشريق، ثم الإتيان بالعمرة التي يتحلل بها، و استدلوا على ذلك بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة (1) و قد تقدم (2) في المسألة الرابعة من المطلب الثاني في العمرة المفردة ما يؤذن بقولهم بالوجوب، كما هو ظاهر الخبر المذكور.
و
سادسها:
ان ظاهر الاخبار المذكورة هو وجوب العدول إلى العمرة و التحلل في أشهر الحج، و لا سيما صحيحة معاوية بن عمار و رواية داود الرقي (3) المصرحتين بالإتيان بها بعد أيام التشريق. و الأصحاب قد ذكروا هنا انه لو أراد من فاته الحج البقاء على إحرامه إلى القابل ليحج به فهل يجوز له ذلك أم لا؟ صرح جملة: منهم: العلامة و الشهيد بعدم الجواز، و لا ريب انه ظاهر الاخبار المذكورة، لدلالتها على الأمر بالعدول الذي هو حقيقة في الوجوب فلا يجوز البقاء حينئذ.
و
سابعها:
ان ظاهر الاخبار المذكورة توقف تحلله على الإتيان بأفعال العمرة، فلو رجع الى بلاده و لم يأت بها، فلا إشكال في بقائه على إحرامه و لو تعذر عليه العود لخوف الطريق فهو مصدود عن إكمال العمرة، فله التحلل بالذبح و التقصير في بلده. و لو عاد قبل التحلل لم يحتج الى تجديد إحرام مستأنف من الميقات و ان طال الزمان، ثم يأتي بأفعال العمرة الواجبة عليه، ثم يأتي بعدها بما أراد من النسك.
الخامسة [استحباب التقاط حصى الجمار من المشعر و شروطه]
- يستحب التقاط حصى الجمار من المشعر، و هي سبعون
____________
(1) برقم 3 ص 463.
(2) ص 324 و 325.
(3) المتقدمتين ص 463.
472
حصاة، فإن أخذ زائدا احتياطا فلا بأس.
و لها شروط واجبة و مستحبة، فمنها: ان تكون من الحرم و لا تجزئ من غيره.
و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «حصى الجمار ان أخذته من الحرم أجزأك، و ان أخذته من غير الحرم لم يجزئك. قال: و قال: لا ترمى الجمار الا بالحصى».
و هي صريحة الدلالة في المطلوب.
و مرسلة حريز عن من أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال «سألته من أين ينبغي أخذ حصى الجمار؟ قال: لا تأخذه من موضعين:
من خارج الحرم، و من حصى الجمار، و لا بأس بأخذه من سائر الحرم».
و منها: ان الأفضل ان تكون من المزدلفة.
و يدل عليه
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (3) قال: «خذ حصى الجمار من جمع و ان أخذته من رحلك بمنى أجزأك».
و في الصحيح عن ربعي عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله (4).
____________
(1) الفروع ج 4 ص 477 و التهذيب ج 5 ص 196 و الوسائل الباب 19 من الوقوف بالمشعر و الباب 4 من رمي جمرة العقبة.
(2) الفروع ج 4 ص 478 و التهذيب ج 5 ص 196 و الوسائل الباب 19 من الوقوف بالمشعر.
(3) الفروع ج 4 ص 477 و التهذيب ج 5 ص 195 و 196 و الوسائل الباب 18 من الوقوف بالمشعر و الباب 4 من رمي جمرة العقبة.
(4) الفروع ج 4 ص 477 و التهذيب ج 5 ص 196 و الوسائل الباب 18 من الوقوف بالمشعر.
473
و عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) قال: «سألته عن الحصى التي ترمي بها الجمار. فقال: تؤخذ من جمع، و تؤخذ بعد ذلك من منى».
و في كتاب الفقه الرضوي (2): «و خذ حصيات الجمار من حيث شئت و قد روي ان أفضل ما يؤخذ حصى الجمار من المزدلفة».
أقول: يجب حمل قوله (عليه السلام): «من حيث شئت» أي من الحرم. و إطلاقه (عليه السلام) مبني على عدم خروج الحاج بعد الإفاضة من المشعر إلى منى من الحرم.
و منها: ان لا تؤخذ من المسجد الحرام و لا من مسجد الخيف.
و يدل عليه
ما رواه الكليني في الموثق عن حنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3) قال: «يجوز أخذ حصى الجمار من جميع الحرم إلا من المسجد الحرام و مسجد الخيف».
و ألحق جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بهما باقي المساجد لتساويها في تحريم إخراج الحصى منها. و هو جيد ان ثبت ذلك.
قيل: و ربما كان الوجه في تخصيص هذين المسجدين في الرواية و كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) انهما الفرد المعروف من المساجد في الحرم لا لانحصار الحكم فيهما. و هو غير بعيد.
____________
(1) الفروع ج 4 ص 477 و الوسائل الباب 18 من الوقوف بالمشعر.
(2) ص 28.
(3) الفروع ج 4 ص 478 و التهذيب ج 5 ص 196 و الوسائل الباب 19 من الوقوف بالمشعر،.
474
قال في الدروس: و يجوز من الحرم بأسره إلا المساجد مطلقا على الأشبه، و القدماء لم يذكروا غير المسجد الحرام و الخيف.
و منها: انه يجب ان تكون أبكارا، أي لم يرم بها قبل ذلك. و قيده في المدارك: رميا صحيحا. و الظاهر من الأبكار: يعني: غير المستعمل مطلقا. و هو الظاهر من الاخبار، و منها:
قوله (عليه السلام) في مرسلة حريز المتقدمة (1): «لا تأخذه من موضعين: من خارج الحرم و من حصى الجمار.».
و في رواية عبد الأعلى (2): «و لا من حصى الجمار».
و المراد منه ما رمي به الجمار، أعم من ان يكون رميا صحيحا أو باطلا، فما ذكره من القيد المذكور لا اعرف عليه دليلا واضحا. و استدل على ذلك أيضا بالتأسي. و اطباق الناس على نقل الحصى الدال بظاهره على عدم الاجزاء مطلقا. و فيه نظر. نعم يصلح ذلك مؤيدا لا دليلا، لما عرفت غير مرة من عدم دلالة التأسي على الوجوب. و اطباق الناس ليس بدليل شرعي يصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.
و منها: انه يجب ان تكون أحجارا. و خصصه بعضهم بما يسمى حصاة. و لا ريب انه ظاهر الاخبار الواردة في المسألة، كما تقدم شطر منها، فإنها إنما تضمنت الحصى لا مطلق الحجر، و لا سيما
صحيحة زرارة
____________
(1) برقم 2 ص 472.
(2) الفروع ج 4 ص 483 و التهذيب ج 5 ص 266 و الوسائل الباب 5 من رمى جمرة العقبة و الباب 7 من العود إلى منى. و اللفظ: «و لا يأخذ من حصى الجمار».
475
أو حسنته (1) لقوله (عليه السلام) في آخرها: «لا ترمى الجمار إلا بالحصى».
فإنها ظاهرة في الحصر في الحصى. و حينئذ فلا يجزئ الرمي بالحجر الكبير الذي لا يسمى حصاة، و لا الصغير جدا بحيث لا يسمى حصاة قال في الدروس: و جوز في الخلاف الرمي بالبرام و الجوهر. و فيه بعد ان كان من الحرم و أبعد ان كان من غيره. انتهى. و هو جيد.
و قال في المدارك: و لو رمى بحصاة مستها النار أجزأ ما لم تستحل.
و لو رمى بخاتم فضه من حصى الحرم قيل: أجزأ، لصدق الرمي بالحصاة، و قيل: لا. و هو الأظهر، لعدم انصراف الإطلاق اليه. و في اعتبار طهارة الحصى قولان أظهرهما العدم، تمسكا بالإطلاق. انتهى.
أقول: لم أقف في شيء من الاخبار التي وقفت عليها على ما يدل على اشتراط الطهارة إلا
في كتاب الفقه الرضوي (2) من قوله (عليه السلام):
«و اغسلها غسلا نظيفا».
و الظاهر حمله على الاستحباب و المبالغة في الطهارة.
و بذلك صرح في الدروس فعد من جملة المستحبات ان تكون طاهرة مغسولة و لا ريب ان الأحوط الطهارة، و الأفضل الغسل ايضا.
و منها: انه يستحب ان تكون برشا كحلية ملتقطة منقطة رخوة بقدر الأنملة.
و يدل على ذلك من الاخبار
رواية هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (3): «في حصى الجمار؟ قال: كره الصم منها. و قال:
____________
(1) المتقدمة برقم (1) ص 472.
(2) ص 28.
(3) الفروع ج 4 ص 477 و التهذيب ج 5 ص 197 و الوسائل الباب 20 من الوقوف بالمشعر.
476
خذ البرش».
و الصم جمع الأصم و هو الصلب المصمت من الحجر، لان المستحب الرخو كما يأتي في الرواية الآتية. و البرش جمع الأبرش و هو ما فيه نكت صغار تخالف سائر لونه. و المراد كونها مختلفة الألوان، لأن البرشة بالضم في شعر الفرس: نكت تخالف سائر لونه، على ما ذكره الجوهري و غيره.
و عن احمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) قال: «حصى الجمار تكون مثل الأنملة، و لا تأخذها سوداء و لا بيضاء و لا حمراء، خذها كحلية منقطة، تخذفهن خذفا و تضعها على الإبهام و تدفعها بظفر السبابة. الحديث».
و في كتاب الفقه الرضوي (2): «و تكون منقطة كحلية مثل رأس الأنملة، و اغسلها غسلا نظيفا. و لا تأخذ من الذي رمى مرة. الحديث».
و من ذلك يعلم ان البرش في الخبر الأول هي المنقطة في الخبرين الأخيرين فيجب حمل جميعها في كلام الأصحاب على التأكيد.
و قد ذكر الأصحاب انه يكره ان تكون صلبة و مكسرة. و كراهة الصلبة ظاهرة من ما تقدم في رواية هشام بن الحكم، لان الصم هو الصلب كما قدمنا ذكره. و اما المكسرة و هي المشار إليها بقولهم «الملتقطة» بمعنى انه يستحب ان تكون كل من حصيات الرمي ملتقطة من الأرض لا انه يكسر واحدة و يجعلها اثنتين. و قد استدل على ذلك
بقوله (عليه السلام)
____________
(1) الفروع ج 4 ص 478 و التهذيب ج 5 ص 197 و الوسائل الباب 20 من الوقوف بالمشعر و الباب 7 و 10 من رمى جمرة العقبة.
(2) ص 28.
477
في رواية أبي بصير (1): «التقط الحصى و لا تكسرن منهن شيئا».
هذا آخر الجزء السادس عشر من كتاب الحدائق الناضرة و يليه الجزء السابع عشر- ان شاء الله- في باقي أحكام الحج و النوادر و الزيارات.
و الحمد لله أولا و آخرا.
____________
(1) الفروع ج 4 ص 477 و التهذيب ج 5 ص 197 و الوسائل الباب 20 من الوقوف بالمشعر.
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء السادس عشر
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

