3
[تتمة كتاب الحج]
[تتمة الباب الرابع]
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
المقصد الثالث في نزول منى و ما بها من المناسك
قال في القاموس: «منى كإلى: قرية بمكة و تصرف، سميت لما يمنى بها من الدماء، قال ابن عباس لأن جبرئيل (عليه السلام) لما أراد أن يفارق آدم (عليه السلام) قال: تمن. قال: انتمى الجنة، فسميت به لأمنية آدم» انتهى.
و المروي من طرقنا
ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب العلل عن محمد بن سنان (1) قال: «إن أبا الحسن الرضا (عليه السلام) كتب إليه: أن العلة التي من أجلها سميت منى منى أن جبرئيل قال هناك لإبراهيم (عليه السلام): تمن على ربك ما شئت، فتمنى إبراهيم في نفسه أن يجعل الله مكان ابنه إسماعيل كبشا يأمره بذبحه فداء له، فأعطاه مناه».
هذا و قد عرفت مما تقدم (2) الكلام في وقت الإفاضة من المشعر إلى منى
____________
(1) علل الشرائع- ج 2 ص 120 ط طهران. و البحار- ج 99 ص 272.
(2) راجع ج 16 ص 456- 459.
4
و ما فيه من الخلاف، و أن الأحوط تأخير الإفاضة إلى طلوع الشمس و إن كان المشهور جوازه قبل الطلوع، إلا أنه لا يجوز له أن يجوز وادي محسر الذي هو حد المشعر مما يلي منى إلا بعد طلوع الشمس.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح أو الحسن عن هشام بن الحكم (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس».
و المتبادر من تحريم مجاوزته تحريم قطعه و الخروج منه، لأن الأصحاب (رضوان الله عليهم) صرحوا بعدم جواز قطعه و لا بعضه قبل طلوع الشمس، لخروجه عن المشعر، و هو مؤيد لما قدمناه من ترجيح عدم جواز الإفاضة قبل طلوع الشمس.
و يمكن أن يكون هذا وجه جمع بين الاخبار المتقدمة بأن تحمل الأخبار الدالة على أفضلية الإفاضة قبل الطلوع على الإفاضة من محله الذي بات فيه و ان بقي في حدود المشعر إلى طلوع الشمس، و لا يدخل في وادي محسر الذي هو حدها الخارج عنها من هذه الجهة إلا بعد طلوعها، و الأخبار الدالة على أنه لا يجوز له الإفاضة قبل طلوع الشمس و إن أفاض فعليه دم على الخروج من حدود المشعر قبل طلوع الشمس، لا على الإفاضة من منزله الذي بات فيه، و على هذا الوجه تجتمع الاخبار. إلا أن ظاهر عبارة
____________
(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.
5
كتاب الفقه (1) يحتاج في قبوله إلى نوع تكلف و تأويل.
و يستحب السعي في وادي محسر بعد دخوله و الدعاء بالمأثور، و هو
ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا مررت بوادي محسر- و هو واد عظيم بين جمع و منى، و هو إلى منى أقرب- فاسع فيه حتى تجاوزه، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حرك ناقته فيه، و قال: اللّهمّ سلم عهدي، و اقبل توبتي، و أجب دعوتي، و اخلفني بخير فيمن تركت بعدي».
و في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «الحركة في وادي محسر مأة خطوة».
قال الصدوق (ره) و في حديث آخر (4) «مائة ذراع».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (5): «فإذا بلغت طرف وادي محسر فاسع فيه مقدار مأة خطوة، و إن كنت راكبا فحرك راحلتك قليلا».
و روى في الكافي عن عمر بن يزيد (6) قال: «الرمل في وادي محسر قدر مأة ذراع».
و الظاهر أن هذه الرواية هي التي أشار إليها الصدوق فيما تقدم من عبارته، إلا أن الرواية مقطوعة كما ترى.
____________
(1) ص 28 و المستدرك- الباب- 12- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 4.
(5) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.
(6) الوسائل- الباب- 13 من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 5.
6
و يستحب الرجوع للسعي لو تركه في الموضع المذكور،
لما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري (1) و غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال لبعض ولده: هل سعيت في وادي محسر؟ قال:
لا فأمره أن يرجع حتى يسعى، قال: فقال: إني لا أعرفه، فقال له:
سل الناس».
و عن الحجال عن بعض أصحابه (2) قال: «مر رجل بوادي محسر فأمر أبو عبد الله (عليه السلام) بعد الانصراف إلى مكة أن يرجع فيسعى».
و إطلاق النص يقتضي عدم الفرق في الترك بين أن يكون نسيانا أو غيره، فيستحب الرجوع في الجميع.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مناسك منى يوم النحر ثلاثة: رمي جمرة العقبة، ثم الذبح، ثم الحلق. و تحقيق الكلام في ذلك يقتضي بسطه في فصول ثلاثة:
الفصل الأول في رمي جمرة العقبة
و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [هل الرمي واجب أو مسنون؟]
الأظهر الأشهر وجوب الرمي، و ظاهر العلامة في المنتهى و التذكرة أنه لا خلاف فيه، قال في المنتهى: «إذا ثبت هذا فان رمي هذه الجمرة بمنى
____________
(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.
7
يوم النحر واجب، و لا نعلم فيه خلافا».
مع أنه في المختلف قد نقل جملة من الأقوال المختلفة في ذلك، فنقل عن الشيخ في الجمل أنه ذهب إلى أن الرمي مسنون قال: «و كذا قال ابن البراج، و المشهور الوجوب، و عن الشيخ المفيد أنه قال: و فرض الحج الإحرام و التلبية و الطواف بالبيت و السعي بين الصفا و المروة و شهادة الموقفين و ما بعد ذلك سنن، بعضها أوكد من بعض، و هو يشعر بالاستحباب ايضا،- قال-: و الشيخ لما عد فرائض الحج في كتابي النهاية و المبسوط لم يذكر الرمي و قال في الاستبصار: قد بينا أن الرمي سنة، و ليس بفرض في كتابنا الكبير و قال ابن حمزة: الرمي واجب عند أبي يعلى، مندوب عند الشيخ أبي جعفر و الخذف واجب عند السيد، و قال ابن الجنيد: سنة، ثم قال: و من ترك رمى الجمار كلها متعمدا
فقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) انه لم يتم حجه، و عليه الحج من قابل، و لم تحل له النساء أيضا، فإن كان جاهلا فعلم و هو بمكة رجع حتى يرميها متفرقا، فان خرج من مكة أمر من يرمي عنه،.
و قال أبو الصلاح: فإن أخل برمي الجمار أو بشيء منه ابتداء أو قضاء أثم بذلك و وجب عليه تلافي ما فرطه، و حجه ماض، و قال ابن إدريس: و هل رمي الجمار واجب أو مسنون؟ لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا، و لا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه، و قد يشتبه على بعض أصحابنا و يعتقد أنه مسنون غير واجب، لما يجده من كلام بعض المصنفين و عبارة موهمة أوردها في كتبه و يقلد المسطور بغير فكر و لا نظر، و هذا غاية الخطأ و ضد الصواب، فان شيخنا (ره) قال في الجمل:
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.
8
و الرمي مسنون فظن من يقف على هذه العبارة أنه مندوب، و انما أراد الشيخ بقوله: مسنون أن فرضه عرف من جهة السنة، لأن القرآن لا يدل على ذلك» ثم أطال في الاستدلال.
أقول: لا يخفى عليك بعد ملاحظة ما سمعت من الأقوال بعد ما تكلفه ابن إدريس من هذا الاحتمال، و لو لم يكن ثمة إلا عبارة الشيخ في الجمل التي ذكرها لأمكن ما ذكره من التأويل، إلا أن كلمات الشيخ و غيره متكثرة بذلك.
و لهذا قال شيخنا الشهيد في الدروس: «ذهب الشيخ و القاضي و هو ظاهر المفيد و ابن الجنيد إلى استحباب الرمي. و قال ابن إدريس: لا خلاف عندنا في وجوبه، و لا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه. و كلام الشيخ انه سنة محمول على ثبوته بالسنة. و قال المحقق: لا يجب قضاؤه في القابل لو فات مع قوله بوجوب أدائه، و الأصح وجوب الأداء و القضاء» انتهى.
و قال شيخنا أمين الإسلام الطبرسي طاب ثراه في كتاب مجمع البيان:
«و أركان أفعال الحج: النية و الإحرام و الوقوف بعرفة و الوقوف بالمشعر و طواف الزيارة و السعي بين الصفا و المروة، و أما الفرائض التي ليست بأركان فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له، و أما المسنونات من أفعال الحج فمذكورة في الكتب المصنفة فيه. و أركان فرائض العمرة: النية و الإحرام و طواف الزيارة و السعي و أما ما ليس بركن من فرائضها فالتلبية و ركعتا الطواف و طواف النساء و ركعتا الطواف له» انتهى.
و ظاهره بل صريحه كما ترى أن ما عدا هذه المعدودة من المسنونات و المستحبات، و أن ذلك هو الذي عليه متقدمو الأصحاب ممن سبقه و عاصره
9
من غير خلاف يعرف، حيث إنه لم يسنده إلى قائل مخصوص و لم ينقل فيه خلافا، و ظاهره أنه مسلم الثبوت. و هو مشكل أي إشكال و معضل أي إعضال، لما يفهم من الاخبار من وجوب الأمور المذكورة كما سنشرحه إنشاء الله تعالى كملا في موضعه.
فمما يدل على وجوب الرمي هنا
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته (1): «ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها» الحديث.
و ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «أي امرأة أو رجل خائف أفاض من المشعر ليلا فلا بأس، فليرم الجمرة ثم ليعض و ليأمر من يذبح عنه» الحديث.
و عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء و الصبيان أن يفيضوا بليل و أن يرموا الجمار بليل و أن يصلوا الغداة في منازلهم، فان خفن الحيض مضين إلى مكة و وكلن من يضحي عنهن».
و في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري و غيره عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) للنساء و الضعفاء أن يفيضوا من جمع بليل و أن يرموا الجمرة بليل، فإن
____________
(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 6.
10
أرادوا أن يزوروا البيت وكلوا من يذبح عنهم».
و عن سعيد السمان (1) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عجل النساء ليلا من المزدلفة إلى منى، فأمر من كان عليها منهن هدي أن ترمي و لا تبرح حتى تذبح، و من لم يكن عليها منهن هدي أن تمضي إلى مكة حتى تزور».
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا بأس أن تقدم النساء إذا زال الليل، فيقفن عند المشعر الحرام ساعة ثم ينطلق بهن إلى منى فيرمين الجمرة، ثم يصيرن ساعة ثم ليقصرن، و ينطلقن إلى مكة فيطفن، إلا أن يكن يردن أن يذبح عنهن فإنهن يوكلن من يذبح عنهن».
و عن سعيد الأعرج في الصحيح (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهن بليل، قال: نعم- إلى أن قال- ثم أفض بهن حتى تأتي بهن الجمرة العظمى، فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن و يقصرن من أظفارهن» الحديث.
و بذلك يظهر أن القول بالاستحباب بعد ورود هذه الاخبار مما لا يلتفت إليه، و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.
المسألة الثانية [الأمور الواجبة في الرمي]
يجب فيه أمور
أحدها- النية
، و قد تقدم الكلام فيها في غير مقام.
____________
(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.
11
و
ثانيها- العدد
، و هو سبع حصيات، و عليه اتفاق الخاصة و العامة، و يدل عليه
رواية أبي بصير (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
ذهبت أرمي فإذا في يدي ست حصيات، فقال: خذ واحدة من تحت رجلك».
و استدل على ذلك
برواية عبد الأعلى (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل رمى الجمرة بست حصيات فوقعت واحدة في الحصى، قال: يعيدها إن شاء من ساعته، و ان شاء من الغد إذا أراد الرمي، و لا يأخذ من حصى الجمار».
و في الدلالة تأمل، لاحتمال أن تلك الواحدة التي وقعت من الست، فلا يتم الاستدلال.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): «و ارم جمرة العقبة في يوم النحر بسبع حصيات».
و هو صريح في المطلوب.
و ما رواه في الكافي و من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في رجل أخذ احدى و عشرين حصاة فرمى بها، فزاد واحدة فلم يدر من أيتهن نقصت؟ قال فليرجع فليرم كل واحدة بحصاة، قال: و قال في رجل رمى الأولى بأربع و الأخيرتين
____________
(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2- 3.
(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2- 3.
(3) المستدرك- الباب- 1- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 4.
(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 7- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1 و ذيله في الباب- 6- منها- الحديث 1.
12
بسبع سبع، قال: يعود فيرمي الأولى بثلاث و قد فرغ، الحديث.
و سيأتي بتمامه قريبا إنشاء الله تعالى، و نحوه غيره.
و
ثالثها- إيصالها بما يسمى رميا
، فلو وضعها وضعا من غير رمي لم يجز،
لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته المتقدمة (1): «ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها،.
و الأمر للوجوب، و الامتثال انما يحصل بإيجاد الماهية التي تعلق بها الأمر، و لا ريب أن الوضع بالكف و طرحها لا يدخل تحت مفهوم الرمي، فلا يكون مجزئا.
و قال العلامة في المنتهى: «و يجب إيصال كل حصاة إلى الجمرة بما يسمى رميا بفعله، فلو وضعها بكفه في المرمي لم يجزه، و هو قول العلماء» ثم استدل عليه بالأمر بالرمي في حديث معاوية المذكور و حديث آخر من طريق الجمهور (2) ثم قال: «و لو طرحها قال بعض الجمهور: لا يجزؤه، لأنه لا يسمى رميا، و قال أصحاب الرأي: يجزؤه، لأنه يسمى رميا. و الحاصل أن الخلاف وقع باعتبار الخلاف في صدق الاسم، فان سمي رميا أجزأ بلا خلاف، و إلا لم يجز إجماعا» انتهى.
أقول: لا يخفى أن الظاهر من كلام أهل اللغة أن الطرح بمعنى الرمي قال في القاموس: «طرحه و به كمنعه: رماه و أبعده».
و قال أحمد بن محمد الفيومي في كتاب المصباح المنير: «طرحته طرحا من باب نفع: رميت به، و من هنا قيل: يجوز أن يعدى بالباء فيقال:
____________
(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(2) سنن البيهقي- ج 5 ص 128.
13
طرحت به، لأن الفعل إذا تضمن معنى فعل جاز أن يعمل عمله، و طرحت الرداء على عاتقي ألقيته عليه» انتهى.
و قال في كتاب شمس العلوم: «طرح الشيء ألقاه، يقال: طرحه و طرح به بمعنى، و التحقيق المتسارع إلى الذهن أنه إذا قيل: رميت زيدا بالحجر و رميت الجمرة بالحصاة فلا معنى له إلا باعتبار القذف بها من بعد و رميها في الهواء حتى تصل إليه، و إذا قيل: رميت الحجر أو رميت بالحجر فهو بمعنى إلقاؤه من يده و ابعاده عنه، و هذا المعنى هو الذي يطلق عليه الطرح، فيقال: طرحته و طرحت به، لا المعنى الأول، و أما الوضع فهو أخص من ذلك».
و
رابعها- إصابة الجمرة بها بفعله
، و هو مما لا خلاف فيه بين كافة العلماء.
و عليه يدل
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1): «إن رميت بحصاة فوقعت في محمل فأعد مكانها، و إن أصابت إنسانا أو جملا ثم وقعت على الجمار أجزأك».
قال في الدروس: «و الجمرة اسم لموضع الرمي، و هو البناء أو موضعه مما يجتمع من الحصى، و قيل: هو مجتمع الحصى لا السائل منه، و صرح علي بن بابويه بأنه الأرض» انتهى.
و قال في المدارك: «و ينبغي القطع بإصابة البناء مع وجوده، لأنه المعروف الآن من لفظ الجمرة، و لعدم تيقن الخروج عن العهدة بدونه، أما مع زواله فالظاهر الاكتفاء بإصابة موضعه» انتهى. و هو جيد.
أقول: و لعل مستند ما نقل عن علي بن بابويه هنا
قوله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
14
في كتاب الفقه الرضوي (1): «فإن رميت و وقعت في محمل و انحدرت منه الى الأرض أجزأ عنك، و إن بقيت في المحمل لم تجز عنك، و ارم مكانها أخرى».
فإن ظاهرها الاكتفاء بإصابة الأرض و إن كان من أول الرمي، و لعله لو نقلت عبارته لكانت هي العبارة المذكورة كما عرفته غير مرة.
فلو وقعت على الأرض ثم و ثبت إلى الجمرة بواسطة صدم الأرض أو المحمل أو نحو ذلك أجزأت كما سمعته من عبارة كتاب الفقه (2) و صحيحة معاوية بن عمار (3) و الوجه فيه ظاهر، لأنه مستند إلى رميه.
و كذا لو وقعت على ما هو أعلى من الجمرة ثم استرسلت إليها.
و لو شك في الإصابة أعاد، لعدم تحقق الامتثال الموجب للبقاء تحت عهدة الخطاب.
و
خامسها- أن يرميها متفرقة متلاحقة
، فلو رمى بها دفعة لم يجزه، لأن المروي من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) انما هو الأول، و هي عبادة مبنية على التوقيف، فلا يجزئ ما عدا ذلك، و بذلك صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) أيضا.
قال في المنتهى: «و رمي كل حصاة بانفرادها، فلو رمى الحصيات دفعة لم يجزء،
لأن النبي (صلى الله عليه و آله) رمى متفرقات، و قال: خذوا عني مناسككم (4)».
____________
(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 1.
(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(4) تيسير الوصول- ج 1 ص 312.
15
و في الدروس أنها تحسب واحدة، و فيه اشكال، قال: «و المعتبر تلاحق الرمي لا الإصابة، فلو أصابت المتلاحقة دفعة أجزأت، و لو رمى بها دفعة فتلاحقت في الإصابة لم يجز» و في الاجزاء في الصورة الأولى أيضا إشكال.
و بالجملة فالواجب الوقوف على الكيفية المنصوصة المعلومة من فعلهم (عليهم السلام) إذ لا مستند في أصل المسألة إلا ذلك كما عرفت، و الذي دلت عليه الاخبار و نقل من فعلهم (عليهم السلام) هو الرمي واحدة بعد واحدة.
و
سادسها- مباشرة الرمي بنفسه
، فلو استناب غيره لم يجزه إلا مع الضرورة، كما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى.
و
سابعها- وقوع الرمي في وقته
، و هو من طلوع الشمس الى غروبها، فلو رمى في ليلة النحر أو قبل طلوع الشمس لم يجز إلا لعذر، كما تقدم و سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى في المقام.
المسألة الثالثة [مستحبات الرمي]
للرمي مستحبات (منها)
الطهارة
على الأشهر الأظهر، و نقل عن الشيخ المفيد و المرتضى و ابن الجنيد أنه لا يجوز الرمي إلا على طهر.
و يدل على المشهور
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و يستحب أن ترمي الجمار على طهر».
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 3.
16
و عن أبي غسان عن حميد بن مسعود (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رمي الجمار على غير طهر، قال: الجمار عندنا مثل الصفا و المروة حيطان إن طفت بينهما على غير طهر لم يضرك، و الطهر أحب الي فلا تدعه و أنت قادر عليه».
و أما
ما رواه الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الجمار، فقال: لا ترم الجمار إلا و أنت على طهر».
و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن علي بن الفضل الواسطي (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:
«لا ترم الجمار إلا و أنت طاهر».
فحملهما الأصحاب (رضوان الله عليهم) على الاستحباب كما هو صريح صحيح معاوية بن عمار.
و لعل من ذهب الى الوجوب استند إلى ظاهر هذين الخبرين، الا أن وجه الجمع بينهما و بين غيرهما مما عرفت يقتضي الحمل على ما ذكروه (رضوان الله تعالى عليهم).
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 5 عن أبي غسان حميد بن مسعود على ما في الطبع الحديث من الوسائل و الاستبصار ج 2 ص 258. و في التهذيب ج 5 ص 198 الرقم 660 ابن أبي غسان عن حميد بن مسعود و في الوافي ج 8 ص 161 ابن أبي غسان حميد بن مسعود.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 6.
17
و قد تقدم في كتاب الطهارة في باب الأغسال المستحبة (1) أن بعض الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) ذكر استحباب الغسل لرمي الجمار و قد قدمنا أنه لا دليل عليه.
و يؤيده أنه
قد روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الغسل إذا رمى الجمار، قال: ربما فعلت، فأما السنة فلا، و لكن من الحر و العرق».
و عن الحلبي أيضا في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغسل إذا أراد أن يرمي الجمار، فقال: ربما اغتسلت، فأما من السنة فلا».
و هذه الأخبار كما ترى ظاهرة في عدم استحباب الغسل، و أنه ليس سنة و انما يقع لازالة العرق و الحر و نحو ذلك.
و (منها)
رمي جمرة العقبة مقابلا لها مستدبرا للقبلة
، و قال ابن أبي عقيل: «يرميها من قبل وجهها من أعلاها».
و قال الشيخ علي بن الحسين بن بابويه: «و تقف في وسط الوادي مستقبل القبلة يكون بينك و بين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشرة خطوة و تقول و أنت مستقبل القبلة».
هكذا نقل عنه في المختلف بعد أن نقل عن المشهور انه يرمي هذه الجمرة من قبل وجهها مستدبر القبلة مستقبلا لها، فان رماها عن يسارها
____________
(1) ج 4 ص 236.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة العقبة الحديث 4.
18
مستقبلا للقبلة جاز إلا أن الأول أفضل، و هو اختيار الشيخ و ابن أبي عقيل و أبي الصلاح و غيرهم، و قال علي بن بابويه. ثم نقل العبارة المذكورة، ثم قال:
«لنا
ما رواه معاوية بن عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها».
و ظاهر كلامه (قدس سره) أنه فهم من كلام الشيخ علي بن بابويه المذكور هو رميها مستقبل القبلة، فنسبه بهذا الى مخالفة المشهور من استحباب رميها مستدبر القبلة مقابلا لوجهها.
و الشهيد في الدروس قد نقل عنه ما هذه صورته قال: «و قال علي بن بابويه يقف في وسط الوادي مستقبل القبلة، و يدعو و الحصى في يده اليسرى، و يرميها من قبل وجهها لا من أعلاها- قال في الدروس- و هو موافق للمشهور إلا في موقف الدعاء» انتهى.
أقول: لا يخفى أن رسالة الشيخ المذكور لا تحضرني، إلا أن عبارته المذكورة إنما أخذت من كتاب الفقه الرضوي على النمط الذي تكرر ذكره في غير مقام.
و هذه صورة عبارة الكتاب (2)
«و ارم جمرة العقبة يوم النحر بسبع حصيات، و تقف في وسط الوادي مستقبل القبلة يكون بينك و بين الجمرة عشر خطوات أو خمس عشرة خطوة، و تقول و أنت مستقبل القبلة و الحصى في كفك اليسرى اللهم هذه حصيات فاحصن لي عندك، و ارفعهن في عملي،
____________
(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(2) ذكر صدره في المستدرك- الباب- 1- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 4 و ذيله في الباب- 3- منها- الحديث 1.
19
ثم تتناول منها واحدة، و ترمى من قبل وجهها، و لا ترمها من أعلاها، و تكبر مع كل حصاة».
انتهى.
و هو ظاهر فيما ذكره شيخنا الشهيد في الدروس من موافقة القول المشهور في رمي الجمرة العقبة من قبل وجهها، و المخالفة في موقف الدعاء خاصة.
و بالجملة فإن صحيحة معاوية بن عمار قد دلت على أنه يرميها من قبل وجهها لا من أعلاها، و هكذا عبارة كتاب الفقه المذكورة، و هما ظاهرتان في الرد لما نقل عن ابن أبي عقيل، و لم نقف له فيما نقل عنه على دليل.
و أما رمى الأولى و الثانية فيرميهما عن يسارهما و يمينه مستقبل القبلة.
و (منها)
البعد عن الجمرة بعشر خطوات أو خمس عشرة خطوة
، لما عرفت من عبارة كتاب الفقه،
و في صحيحة معاوية بن عمار (1) «و ليكن فيما بينك و بين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعا».
و هو قريب من الأول، لأن ما بين الخطى لا يقصر عن الذراع و لا يزيد عليه غالبا.
و (منها)
استحباب الدعاء
، ففي صحيحة معاوية بن عمار (2) المتقدمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «خذ حصى الجمار ثم ائت الجمرة القصوى التي عند العقبة فارمها من قبل وجهها. و لا ترمها من أعلاها، و تقول و الحصى في يدك: اللهم هؤلاء حصياتي فأحصهن لي، و ارفعهن في عملي، ثم ترمي، فتقول مع كل حصاة: الله أكبر، اللهم أدحر عني الشيطان، اللّهمّ تصديقا بكتابك و على سنة نبيك، اللهم اجعله حجا مبرورا و عملا مقبولا و سعيا مشكورا و ذنبا مغفورا، و ليكن فيما بينك و بين الجمرة قدر عشرة أذرع أو خمسة عشر ذراعا، فإذا أتيت رحلك و رجعت من الرمي فقل: اللهم بك وثقت و عليك توكلت، فنعم
____________
(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
20
الرب و نعم المولى و نعم النصير، قال: و يستحب أن ترمي الجمار على طهر».
و (منها)
استحباب التكبير مع كل حصاة
، كما في رواية كتاب الفقه (1) و التكبير مع الدعاء كما في صحيحة معاوية المتقدمة (2).
و روى في الكافي في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «ما أقول إذا رميت؟ قال: كبر مع كل حصاة».
و (منها)
أن يكون الحصى في يده اليسرى و يرمي باليمنى
، و قد تقدم ما يدل على ذلك في عبارة كتاب الفقه (4).
و في رواية أبي بصير (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): خذ حصى الجمار بيدك اليسرى و ارم باليمنى».
و (منها)
الرمي ماشيا
على ما ذكره الأصحاب (رضوان الله تعالى عليه) و قد اختلف هنا كلام الشيخ.
فقال في كتاب النهاية: «لا بأس أن يرمي الإنسان راكبا، و إن رمى ماشيا كان أفضل».
و قال في المبسوط لما ذكر رمي جمرة العقبة: «يجوز أن يرميها راكبا و ماشيا، و الركوب أفضل، لأن النبي (صلى الله عليه و آله) رماها راكبا» و هو اختيار ابن إدريس على ما نقله في المختلف.
____________
(1) المستدرك- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(2) المتقدمة في ص 19.
(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(4) المستدرك- الباب- 3- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.
21
قال في المدارك بعد نقل عبارة المبسوط و احتجاجه بأن النبي (صلى الله عليه و آله) رماها راكبا ما صورته: «و لم أقف على رواية تتضمن ذلك من طريق الأصحاب» انتهى.
و فيه ما سيظهر لك إنشاء الله تعالى من ورود الرواية بذلك، إلا أنه لم يقف عليها.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل رمى الجمار و هو راكب فقال: لا بأس به».
و ما رواه في الكافي عن مثنى عن رجل (2) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) «أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كانت يرمي الجمار ما شاء».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (3) عن أخيه عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يرمي الجمار ماشيا».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابنا (4) عن أحدهم (عليهم السلام) في رمي الجمار «أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) رمى الجمار راكبا على راحلته».
و في الصحيح عن أحمد بن محمد بن عيسى (5) أنه رأى أبا جعفر (عليه السلام) رمى الجمار راكبا».
____________
(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.
(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
22
و عن عبد الرحمن بن أبي نجران في الصحيح (1) «أنه رأى أبا الحسن الثاني (عليه السلام) رمى الجمار و هو راكب حتى رماها كلها».
و ما رواه في الكافي و التهذيب عن عنبسة بن مصعب (2) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) بمنى يمشي و يركب، فحدثت نفسي أن أسأله حين ادخل عليه، فابتدأني هو بالحديث، فقال: إن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يخرج من منزله ماشيا إذا رمى الجمار، و منزلي اليوم أنفس من منزله، فأركب حتى انتهى إلى منزله، فإذا انتهيت إلى منزله مشيت حتى أرمي الجمار».
أقول: «قوله (عليه السلام): و منزلي اليوم أنفس» أي افسح، من النفس بالتحريك بمعنى الفسحة، قال في النهاية «و منه الحديث (3) ثم يمشي أنفس منه، أي افسح و أبعد قليلا».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن علي بن مهزيار (4) قال: «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يمشي بعد يوم النحر ثم يرمي الجمرة: ثم ينصرف راكبا، و كنت أراه ماشيا بعد ما يحاذي المسجد بمنى،.
قال:
و حدثني علي بن محمد بن سليمان النوفلي عن الحسن بن صالح عن بعض أصحابنا قال: نزل أبو جعفر (عليه السلام) فوق المسجد بمنى قليلا عن
____________
(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 2.
(3) نهاية ابن الأثير- مادة «نفس».
(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب رمي الحجرة العقبة- الحديث 4 و 5 راجع الكافي ج 4 ص 486.
23
دابته حين توجه ليرمي الجمار عند مضرب علي بن الحسين (عليهما السلام) فقلت له: جعلت فداك لم نزلت هاهنا؟ فقال: إن هذا مضرب علي بن الحسين (عليهما السلام) و مضرب بني هاشم و أنا أحب أن امشي في منازل بني هاشم».
أقول: المفهوم من هذه الأخبار بضم بعضها إلى بعض هو التخيير بين الركوب و المشي من غير تفضيل في جانب أحدهما على الآخر، لأن جملة منها قد تضمنت أنهم (عليهم السلام) كانوا يرمون مشاة، و جملة أخرى تضمنت أنهم (عليهم السلام) كانوا يرمون ركبانا، و دعوى حمل أخبار المشي على الفضل و الاستحباب و أخبار الركوب على الجواز- كما يفهم من المدارك و غيره- يحتاج الى دليل.
و بالجملة فهذه أخبار المسألة التي وقفت عليها، و لا يظهر لي منها وجه رجحان و تفضيل لأحد الأمرين، كما لا يخفى على المتأمل، و دعوى أن المشي أشق، و أفضل الأعمال أحمزها (1) مع كونه خارجا عن أدلة المسألة غير مسلم على إطلاقه.
و (منها)
الرمي خذفا
على المشهور، و قال السيد المرتضى رضى الله عنه:
«مما انفردت به الإمامية القول بوجوب الخذف بحصى الجمار، و هو أن يضع الرامي الحصاة على إبهام يده اليمنى و يدفعها بظفر إصبعه الوسطى».
و وافقه ابن إدريس، فقال بالوجوب، و ربما كان منشأه الاعتماد على الإجماع المفهوم من كلامه، و إن لم يذهب إليه غيره على ما يفهم من كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و منهم العلامة في المختلف، حيث
____________
(1) إشارة إلى ما رواه ابن الأثير في النهاية عن ابن عباس في مادة «حمزة».
24
انه نسبه إلى متفرداته (قدس سره)، و استند الأصحاب فيما ذهبوا إليه من الاستحباب بأن الأصل و إطلاق الأمر بالرمي يقتضي عدم الوجوب.
و الذي يدل على الاستحباب
ما رواه الكليني عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (1) عن ابي الحسن (عليه السلام) قال: «حصى الجمار تكون مثل الأنملة، و لا تأخذها سوداء و لا بيضاء و لا حمرا، خذها كحيلة منقطة تخذفهن خذفا، و تضعها على الإبهام و تدفعها بظفر السبابة».
و هذا الحديث رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن احمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي فهو صحيح.
و استندوا في حمل الأمر بالخذف في الرواية على الاستحباب إلى ما اشتملت عليه من الأوامر و النواهي التي بمعنى الاستحباب و الكراهة، و فيه ما لا يخفى.
بقي الكلام في معنى الخذف بالخاء و الذال المعجمتين، و الرواية المذكورة قد فسرته بما عرفت، و هو ظاهر كلام الشيخين و أبي الصلاح، حيث فسروه بأنه وضع الحصاة على إبهام يده اليمنى و دفعها بظفر السبابة.
و قال ابن البراج: «يأخذ الحصاة فيضعها على باطن إبهامه و يدفعها بالسبابة- قال-: و قيل: يضعها على ظهر إبهامه و يدفعها بالسبابة».
و اما ما ذكره المرتضى (رحمه الله) مما قدمنا نقله عنه فلم نقف على مأخذه، و كلام أهل اللغة أيضا لا يساعده.
قال في كتاب المصباح المنير: «خذفت الحصاة و نحوها خذفا من
____________
(1) ذكر صدره في الوسائل- الباب- 20- من أبواب الموقوف بالمشعر- الحديث 2 و ذيله في الباب- 7- من أبواب رمي الجمرة العقبة- الحديث 1.
25
باب ضرب رميتها بطرفي الإبهام و السبابة».
و قال في القاموس: «الخذف كالضرب: رميك بحصاة أو نواة و نحوهما، تأخذ بين سبابتيك تخذف به».
و قال الجوهري: «الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع».
و بالجملة فالعمل على ما دل عليه الخبر، و الأحوط أن لا يرمي بغير هذه الكيفية، و سيأتي إنشاء الله تعالى تتمة الكلام في بقية أحكام الرمي في المباحث الآتية.
الفصل الثاني في الذبح
و تحقيق الكلام فيه يقع في مقامات:
المقام الأول في الهدي
و فيه مسائل:
الأولى [وجوب الهدي على المتمتع و عدم لزومه على المفرد و القارن]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في وجوب الهدي على المتمتع و عدم وجوبه على غيره من الفردين الآخرين حكاه العلامة في التذكرة و المنتهى.
26
اما الأول فلقوله عز و جل (1) «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» و الاخبار الكثيرة.
و منها
قول أبي جعفر (عليه السلام) في حديث زرارة في المتمتع (2) «و عليه الهدى، قال زرارة: فقلت: و ما الهدى؟ قال: أفضله بدنة و أوسطه بقرة و أخسه شاة».
و ما رواه في الكافي عن سعيد الأعرج (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة حتى يحضر الحج فعليه شاة، و من تمتع في غير أشهر الحج ثم يجاور بمكة حتى يحضر الحج فليس عليه دم انما هي حجة مفردة».
و هو ظاهر في أن المتمتع يجب عليه الهدى و غيره لا يجب عليه.
و ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عبد الله (4) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المعتمر المقيم بمكة يجرد الحج أو يتمتع مرة أخرى، فقال: يتمتع أحب إلي، و ليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين، فان اقتصر على عمرته في رجب لم يكن متمتعا، و إذا لم يكن
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبح- الحديث 5. و فيه «و أخره شاة» و نقله في الباب- 5- من أبواب أقسام الحج- الحديث 3 و فيه «أخفضه شاة» كما في التهذيب ج 5 ص 36- الرقم 107.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 11.
(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 4- من أبواب أقسام الحج- الحديث 20 و تمامه في التهذيب ج 5 ص 200- الرقم 664.
27
متمتعا لا يجب عليه الهدى».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) عن أحدهما (عليه السلام) قال:
«سألته عن المتمتع كم يجزؤه؟ قال: شاة».
و روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر من نوادر احمد بن محمد بن أبي نصر عن جميل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سأله عن المتمتع كم يجزؤه؟ قال شاة».
و أما الثاني- و هو أنه لا يجب على غير المتمتع قارنا كان أو مفردا مفترضا أو متنفلا- فالأصل و عدم ما يوجب الخروج عنه و ما تقدم في رواية سعيد الأعرج (3) و رواية إسحاق بن عبد الله (4)
و قوله (عليه السلام) في حسنة معاوية (5) في المفرد: «و ليس عليه هدى و لا أضحية».
و نقل في المختلف عن سلار أنه عد في أقسام الواجب سياق الهدى للمقرن و المتمتع، و احتج له
بما رواه عيص بن القاسم في الصحيح (6) عن الصادق (عليه السلام) «أنه قال في رجل اعتمر في رجب و اقام بمكة حتى يخرج منها حاجا فقد وجب عليه الهدى و إن خرج من مكة حتى يحرم من غيرها فليس عليه هدى».
ثم أجاب عنها بالحمل على الاستحباب أو على من اعتمر في رجب و اقام بمكة إلى أشهر الحج ثم تمتع فيها بالعمرة
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(3) المتقدمان في ص 26.
(4) المتقدمان في ص 26.
(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.
(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 2.
28
إلى الحج. انتهى.
أقول: و ربما قيل: إن هذا الهدي جبران من كان عليه أن يحرم بالحج من خارج وجوبا أو استحبابا فأحرم من مكة، فإن خرج حتى يحرم عن موقفه فليس عليه هدي، و لا بعد فيه، فإنه قد ورد به روايات.
و لعله إلى هذا المعنى أشار في الدروس حيث قال:
«و في صحيح العيص يجب على من اعتمر في رجب و اقام بمكة و خرج منها حاجا، لا على من خرج فأحرم من غيرها، و فيه دقيقة».
انتهى. فان الظاهر أن الدقيقة المشار إليها هي ما ذكرناه من جعل الهدي جبرانا في الصورة المذكورة.
و قد تقدمت جملة من الأخبار دالة على أن المجاور بمكة إذا أراد الحج إفرادا فإنه يخرج من أول ذي الحجة إلى الجعرانة أو التنعيم، فيهل بالحج و يبقى إلى يوم التروية، و يخرج إلى الحج، و هذه الرواية دلت على أن من خرج و عقد الحج من خارج مكة فليس عليه هدي، و من لم يخرج و أحرم من مكة فعليه الهدي جبرانا لحجة، حيث أخل بالخروج إلى خارج مكة، و يدل على الهدي في الصورة المذكورة بعض الاخبار التي لا يحضرني الآن موضعها.
و الحمل على التقية أيضا غير بعيد، لأنه مذهب أبي حنيفة و اتباعه كما نقله في المنتهى.
و بالجملة فإن هذه الرواية معارضة بما هو أوضح دلالة و أصرح مقالة و أوفق بمطابقة الأصول و اتفاق الأصحاب كما عرفت، عدا القائل المذكور فتعين تأويلها بأحد الوجوه المذكورة و إلا فطرحها، و الله العالم.
29
الثانية [هل يجب الهدي على المكي لو تمتع؟]:
اختلف الأصحاب في حكم المكي لو تمتع هل يجب عليه هدي أم لا؟
فالمشهور الأول، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الهدي في حج التمتع مطلقا، و قال الشيخ في بعض كتبه بالثاني.
و احتج الشيخ بقوله تعالى (1) «ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» فان معناه أن الهدي لا يلزم إلا من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، قال: «و يجب أن يكون قوله ذلك راجعا إلى الهدي لا إلى التمتع، و لو قلنا: إنه راجع إليهما و قلنا: إنه لا يصح منهم التمتع أصلا لكان قويا» انتهى.
و أجاب عنه في المختلف بأن «عود الإشارة إلى الأبعد أولى، لما عرفت من أن النحاة فصلوا بين الرجوع إلى القريب و البعيد و الأبعد في الإشارة، فقالوا في الأول: «ذا» و في الثاني «ذاك» و في الثالث «ذلك» قال: مع أن الأئمة (عليهم السلام) استدلوا على أن أهل مكة ليس لهم متعة بقوله تعالى (2) «ذٰلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حٰاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» و الحجة في قولهم» انتهى. و هو جيد.
و قد تقدمت الروايات (3) التي أشار إليها (قدس سره) في استدلال الأئمة
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(2) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(3) راجع ج 14 ص 322- 324.
30
(صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين )في المقدمة الرابعة في أقسام الحج (1).
و المحقق في الشرائع قد وافق الشيخ في مقدمات كتاب الحج في المقدمة المتضمنة لتقسيم الحج، فقال بعد ذكر الخلاف في جواز التمتع لأهل مكة: «و لو قيل بالجواز لم يلزمهم هدي» و وافق المشهور في باب الهدي من الكتاب المذكور، فقال: «و لو تمتع المكي وجب عليه الهدي».
و نقل شيخنا الشهيد في الدروس عن المحقق قولا ثالثا في المسألة، و هو الوجوب إن تمتع ابتداء، لا إذا عدل إلى التمتع، قال: «و لو تمتع المكي فثالث الأوجه وجوبه عليه إن تمتع ابتداء لا إذا عدل إلى التمتع، و هو منقول عن المحقق، و يحتمل وجوبه إذا كان لغير حج الإسلام» انتهى.
أقول ما ذكره (قدس سره) من الاحتمال إنما يتم لو سلم دلالة الآية على سقوط الهدي عن المكي كما ادعاه الشيخ، لأن موردها حج الإسلام، و يثبت وجوب الهدي في غيره بالعمومات، إلا أن دلالة الآية على ذلك ممنوعة، فلا وجه لهذا الاحتمال حينئذ.
الثالثة [تخير المولى بين الهدي عن مملوكه أو أمره بالصوم]:
لو تمتع المملوك باذن مولاه تخير المولى بين أن يهدي عنه و أن يأمره بالصوم، و عليه اتفاق الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
____________
(1) ج 14 ص 311.
31
و عليه يدل جملة من الأخبار
كصحيحة جميل بن دراج (1) قال:
«سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع، قال: فمره فليصم، و إن شئت فاذبح عنه».
و صحيحة سعد بن أبي خلف (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) قلت: أمرت مملوكي أن يتمتع، قال: إن شئت فاذبح عنه، و إن شئت فمره فليصم».
و موثقة إسحاق بن عمار (3) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن غلمان لنا دخلوا مكة بعمرة و خرجوا معنا إلى عرفات بغير إحرام، قال: قل لهم: يغتسلون ثم يحرمون، و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم».
و موثقة سماعة (4) «أنه سأله عن رجل أمر غلمانه أن يتمتعوا، قال:
عليه أن يضحّي عنهم، قلت: فإن أعطاهم دراهم فبعضهم ضحى و بعضهم أمسك الدراهم و صام، قال: قد أجزأ عنهم، و هو بالخيار إن شاء تركها، و لو أنه أمرهم و صاموا كان قد أجزأ عنهم».
فأما
ما رواه الشيخ في الموثق عن الحسن العطار (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أمر مملوكه أن يتمتع بالعمرة إلى
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 7. عن الحسن بن عمار على ما في الطبع الحديث من الوسائل، و في الكافي ج 4 ص 304 إسحاق بن عمار.
(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 8- 3.
(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 8- 3.
32
الحج أ عليه أن يذبح عنه؟ قال: لا، إن الله يقول عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ (1)».
فقد حمله الشيخ على أنه لا يجب عليه الذبح، و هو مخير بينه و بين أن يأمره بالصوم، لما مر.
أقول: لا يخفى أن الحمل المذكور في حد ذاته جيد، إلا أن إيراد الآية هنا لا ملائمة فيه لذلك، و لعل الوجه في إيرادها أن السائل توهم وجوب الهدي على المملوك، و أنه لعدم إمكانه منه يذبح عنه مولاه، فرد (عليه السلام) هذا الوهم بالآية، و أنه لا يجب عليه و لا على مولاه تعيينا، بل يتخير بين الذبح عنه و أمره بالصيام.
و أما
ما رواه أيضا عن علي (2) و الظاهر أنه ابن أبي حمزة عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن غلام أخرجته معي فأمرته فتمتع ثم أهل بالحج يوم التروية و لم اذبح عنه أ فله أن يصوم بعد النفر؟ قال:
ذهبت الأيام التي قال الله، ألا كنت أمرته أن يفرد الحج؟ قلت: طلبت الخير، قال: كما طلبت الخير فاذهب فاذبح عنه شاة سمينة، و كان ذلك يوم النفر الأخير».
فحمله الشيخ على أفضلية الذبح حينئذ، بمعنى أن التخيير و ان كان باقيا إلا أن الأفضل في هذه الصورة الذبح عنه.
و هو و ان كان بعيدا عن سياق الخبر إلا أنه لا مندوحة عنه في مقام الجمع بين الاخبار.
و أما
ما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «سألته عن المتمتع المملوك، فقال: عليه مثل ما على الحر،
____________
(1) سورة النحل: 16- الآية 75.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 5.
33
إما أضحية و إما صوم».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المملوك المتمتع، فقال:
عليه ما على الحر، إما أضحية و إما صوم».
فحملهما الشيخ في التهذيبين على محامل بعيدة غاية البعد.
و الأقرب ما ذكره في المدارك من أن المراد بالمماثلة في كمية ما يجب عليه و إن كانت كيفية الوجوب مختلفة، بمعنى أنه لا بد من أحدهما إما أضحية يضحي عنه مولاه و إما صوم يصومه بنفسه، و الإجمال هنا وقع اعتمادا على ما ظهر من التفصيل في غيرهما.
و أما
ما رواه عن يونس بن يعقوب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): معنا مماليك لنا قد تمتعوا أ علينا أن نذبح عنهم؟ قال:
المملوك لا حج له و لا عمرة و لا شيء».
فقد حمله الشيخ على عدم إذن المولى، و لو لم يذبح المولى عنه تعين عليه الصوم، و لا يتوقف على إذنه، و ليس له منعه عنه لأنه أمره بالعبادة، فوجب عليه إتمامها لقوله عز و جل (3):
«وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّٰهِ».
و بالجملة فالوجوب ثابت عليه بالأخبار المتقدمة، و سقوطه يحتاج إلى دليل، و ليس فليس.
و لو أدرك المملوك أحد الموقفين معتقا لزمه البدي كالحر، و مع تعذره
____________
(1) أشار إليه في الوسائل- الباب- 2- من أبواب الذبح- الحديث 5 و ذكره في التهذيب ج 5 ص 481- الرقم 1709.
(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) سورة البقرة: 2- الآية 196.
34
الانتقال إلى الصوم، و لا خلاف فيه، و الوجه فيه ظاهر، لدخوله بذلك في حكم الأحرار، فتجري عليه الأحكام الجارية عليهم.
الرابعة [اعتبار النية في الذبح]:
قالوا: و النية شرط في الذبح، لأنه عبادة، و كل عبادة يشترط فيها النية، و لأن جهات إراقة الدماء متعددة، و لا يتمحض المذبوح هنا إلا بالقصد.
و يجوز أن يتولاها عنه الذابح، لأنه فعل تدخله النيابة، و استدل عليه أيضا
بصحيحة علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن الضحية يخطئ الذي يذبحها فيسمى غير صاحبها اتجزئ عن صاحب الضحية؟ فقال: نعم، إنما له ما نوى».
أقول: و الأمر في النية- على ما عرفت فيما قدمنا في غير موضع- أظهر من أن يحتاج إلى التعرض لها و ذكرها بالمرة.
الخامسة [الأقوال في إجزاء الهدي عن الأكثر من واحد و عدمه]:
المشهور بين متأخري الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه لا يجزئ الواحد في الواجب إلا عن واحد، و به صرح الشيخ في مواضع من الخلاف و ابن إدريس و الشهيد في الدروس و المحقق في الشرائع و غيرهم.
قال في الخلاف: «الهدي الواجب لا يجزئ إلا واحد عن واحد،
____________
(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الذبح- الحديث 1.
35
و إن كان تطوعا يجزئ عن سبعة إذا كانوا من أهل بيت واحد، و إن كان من أهل بيوت شتى لا يجزئ».
و قال في النهاية و المبسوط و الجمل و موضع من الخلاف: «إنه يجزئ الهدي الواجب عند الضرورة عن خمسة و عن سبعة و عن سبعين- و قال- تجزئ البقرة عن خمسة إذا كانوا أهل بيت».
و قال سلار: «تجزئ بقرة عن خمسة نفر» و أطلق.
و قال ابن البراج: «و لا يجزئ الهدي الواحد عن أكثر من واحد إلا في حال الضرورة، فإنه يجزئ عن أكثر من ذلك».
و قال علي بن بابويه: «تجزئ البقرة عن خمسة نفر إذا كانوا من أهل بيت،
و روي (1) أن البقرة لا تجزئ إلا عن واحد،.
و أنه إذا عزت الأضاحي بمنى أجزأت شاة عن سبعين».
و قال ابن إدريس: «لا يجزئ إلا واحد عن واحد مع الاختيار، و مع الضرورة و العدم الصيام».
و قال في موضع آخر من الخلاف: «يجوز اشتراك سبعة في بدنة واحدة أو بقرة واحدة إذا كانوا متفرقين و كانوا أهل خوان واحد، سواء كانوا متمتعين أو قارنين».
نقل هذه الأقوال كملا العلامة في المختلف، و اختار فيه الاجزاء عند الضرورة عن الكثير دون الاختيار، و هو ظاهره في المنتهى أيضا.
و الروايات في المسألة لا تخلو من اختلاف و من ثم- اختلفت كلمة الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
____________
(1) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 4.
36
(فمنها)
ما رواه الصدوق عن محمد الحلبي في الصحيح (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النفر تجزؤهم البقرة؟ قال: أما في الهدي فلا، و أما في الأضحى فنعم».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا تجوز البدنة و البقرة إلا عن واحد بمنى».
و في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«تجزئ البدنة و البقرة في الأمصار عن سبعة، و لا تجزئ بمنى إلا عن واحد».
و هذه الاخبار ظاهرة في الدلالة على ما هو المشهور بين المتأخرين من عدم الاجزاء عن أكثر من واحد.
(و منها)
ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (4) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن قوم غلت عليهم الأضاحي و هم متمتعون و هم مترافقون و ليسوا بأهل بيت واحد و قد اجتمعوا في مسيرهم و مضربهم واحد، أ لهم أن يذبحوا بقرة؟ فقال: لا أحب ذلك إلا من ضرورة».
و عن حمران في الحسن (5) قال: «عزت البدن سنة بمنى حتى بلغت البدنة مأة دينار فسئل أبو جعفر (عليه السلام) عن ذلك، فقال: اشتركوا فيها، قلت: كم؟ قال: ما خف فهو أفضل، قلت: عن كم تجزئ؟
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 10.
(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 11.
37
قال: عن سبعين».
أقول: المراد بالتخفيف قلة عدد الشركاء.
و عن زيد بن جهم (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) متمتع لم يجد هديا، فقال: أما كان معه درهم يأتي به قومه فيقول أشركوني بهذا الدرهم؟!».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تجزئ البقرة عن خمسة بمنى إذا كانوا أهل خوان واحد».
و عن يونس بن يعقوب في الموثق (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البقرة يضحى بها، فقال: تجزئ عن سبعة».
و ما رواه في كتاب من لا يحضره الفقيه و التهذيب عن أبي بصير في الموثق (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «البدنة و البقرة تجزئ عن سبعة إذا اجتمعوا من أهل بيت واحد و من غيرهم».
و ما رواه الشيخ عن السكوني (5) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «البقرة الجذعة تجزئ عن ثلاثة من أهل بيت واحد، و المسنة تجزئ عن سبعة نفر متفرقين، و الجزور يجزئ عن عشرة متفرقين».
و عن سوادة القطان و ابن أسباط (6) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(6) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 9.
38
قالا: «قلنا له: جعلنا فداك عزت الأضاحي علينا بمكة أ فيجزئ اثنين أن يشتركا في شاة؟ فقال: نعم و عن سبعين».
و روي في الفقيه (1) قال: «سأل يونس بن يعقوب أبا عبد الله (عليه السلام) عن البقرة يضحى بها؟ فقال: تجزئ عن سبعة نفر.
و قال فيه أيضا (2).:
و روي أن الجزور يجزئ عن عشرة نفر متفرقين، و إذا عزت الأضاحي أجزأت شاة عن سبعين».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (3): «و تجزئ البقرة عن خمسة، و روى عن سبعة إذا كانوا من أهل بيت واحد، و روى أنها لا تجزئ إلا عن واحد، و روى أن شاة تجزئ عن سبعين إذا لم يوجد شيء».
أقول: و ظاهر هذه الأخبار كما ترى الدلالة على القول بالجواز مع الضرورة، حملا لمطلقها على مقيدها، و تقييد الأخبار الثلاثة المتقدمة بها أيضا قريب بحمل عدم الاجزاء فيها على حال الاختيار، و احتمال التطوع في كثير من أحاديث الجواز أيضا ممكن، و لهذا أن الشيخ في كتابي الأخبار حمل أخبار الجواز على التطوع تارة و على الضرورة أخرى، و بعض الاخبار المذكورة ظاهر في الحمل الأول و بعضها ظاهر في الحمل الثاني.
و بذلك يظهر قوة القول بالجواز مع الضرورة أو في التطوع و عدم الجواز في الواجب اختيارا.
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 17.
(3) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 4.
39
ثم إنه على تقدير القول بالواحدة ينتقل إلى الصوم لو لم يجد.
و أما التفصيل في ذلك بين البقرة و غيرها- بأن يقال بالاجزاء في البقرة عن خمسة دون غيرها كما صار إليه في المدارك استنادا إلى صحيحة معاوية بن عمار (1) المتقدمة- فهو لا يتم إلا مع طرح غيرها من الروايات الدالة على الاجزاء حال الضرورة مطلقا، بقرة كان الهدي أو غيرها، خمسة كانوا أم أكثر. و (منها) حسنة حمران (2) و صحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج (3) و غيرهما من الاخبار المتقدمة.
و الذي ينبغي أن يقال في ذلك أن ذكر الخمسة في بعض (4) و السبعة في آخر (5) و العشرة في ثالث (6) كل محمول على الأفضل، لما دلت عليه حسنة (7) حمران من أن كل ما خف فهو أفضل و الا فالشاة الواحدة في مقام الضرورة تجزئ عن السبعين، كما تضمنته رواية سوادة و ابن أسباط (8) و مرسلة الفقيه (9) و المرسلة المذكورة في كتاب الفقه الرضوي (10) و حسنة حمران (11) و ان كان موردها البدنة.
و على ما ذكرناه تجتمع الاخبار على وجه واضح المنار.
و الظاهر أنه لا خلاف في الاجزاء في هدي التطوع أضحية كان أو
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 11.
(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 10.
(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(5) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(6) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 7.
(7) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 11.
(8) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 9.
(9) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 17.
(10) المستدرك- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(11) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- 11.
40
مبعوثا به من الأقطار أو متبرعا بسياقه مع عدم تعيينه بالإشعار أو التقليد إما الهدي في الحج المندوب فإنه يصير واجبا بوجوب الحج بعد الدخول فيه، فيصير حكمه حكم الهدي في الحج الواجب بالأصل، قال العلامة في التذكرة:
«أما التطوع فيجزئ الواحد عن سبعة و عن سبعين حال الاختيار، سواء كان من الإبل، أو البقر أو الغنم إجماعا».
و من أخبار المسألة
ما رواه الصدوق في العلل و العيون عن الحسين بن خالد (1) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت له: عن كم تجزئ البدنة؟ قال عن نفس واحدة، قلت: فالبقرة؟ قال: تجزئ عن خمسة إذا كانوا يأكلون على مائدة واحدة، قلت: كيف صارت البدنة لا تجزئ إلا عن واحد و البقرة تجزئ عن خمسة؟ قال: إن البدنة لم يكن فيها من العلة ما كان في البقرة، إن الذين أمروا قوم موسى بعبادة العجل كانوا خمسة، و كانوا أهل بيت يأكلون على خوان واحد، و هم الذين ذبحوا البقرة» الحديث.
و رواه في الخصال مثله، و في المحاسن أيضا مثله.
و ما رواه في كتابي الخصال و العلل عن يونس بن يعقوب (2) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البقرة يضحى بها، قال: فقال:
تجزئ عن سبعة نفر متفرقين».
و في العلل و المقنع «و روي (3) أن البقرة لا تجزئ إلا عن واحد».
و ما رواه
علي بن جعفر (4) في كتابه قال: «سألته عن الجزور و البقرة كم يضحى بها؟ قال: يسمي رب البيت نفسه، و هو يجزئ عن أهل
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 18.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 19.
(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 20.
(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 22.
41
البيت إذا كانوا أربعة أو خمسة».
أقول: قد عرفت مما قدمنا سابقا من الوجه الذي اجتمعت عليه الاخبار هو أنه لا يجزئ الواحد في الواجب إلا عن واحد في حال الاختيار فالظاهر حينئذ حمل هذه الاخبار على هدي التطوع، كما هو ظاهر أكثرها و التعليل المذكور في الرواية الأولى إنما هو بالنسبة إليه، و يحمل إجزاء البدنة عن نفس واحدة على الأفضل، و الرخصة في البقرة للعلة المذكورة.
السادسة [بيان موضع ذبح الكفارات و الهدي]:
قال الشيخ في النهاية: «جميع ما يلزم المحرم المتمتع و غير المتمتع من الهدي و الكفارات في الإحرام لا يجوز ذبحه و لا نحره إلا بمنى، و كل ما يلزمه في إحرام العمرة فلا ينحره إلا بمكة».
و قال علي بن بابويه: «كلما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك أن تنحر أو تذبح ما يلزمك من الجزاء بمكة عند الجزورة قبالة الكعبة موضع النحر، و إن شئت أخرته إلى أيام التشريق فتنحره بمنى إذا وجب عليك في متعة، و ما أتيته مما يجب عليك فيه الجزاء في حج فلا تنحره إلا بمنى، و ان كان عليك دم واجب و قلدته أو جللته أو أشعرته فلا تنحره الا يوم النحر بمنى».
و قال ابن البراج: «و كل من كان محرما بالحج وجب عليه جزاء صيد اصابه و أراد ذبحه أو نحره فليذبحه أو ينحره بمنى، و إن كان معتمرا فعل ذلك بمكة أي موضع شاء منها، و الأفضل أن يكون فعله لذلك بالجزورة،
42
مقابل الكعبة، و ما يجب على المحرم بعمرة مفردة من كفارة ليست كفارة صيد فإنه يجوز له ذبحها أو نحرها بمنى».
و قال أبو الصلاح: «و يذبح و ينحر من الفداء لما قتله من الصيد في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة بمكة قبالة الكعبة و في إحرام الحج بمنى».
و قال سلار: «كلما يجب من الفدية على المحرم بالحج فإنه يذبحه أو ينحره بمنى، و إن كان محرما بالعمرة ذبح أو نحر بمكة».
و قال ابن إدريس: «لا يجوز أن يذبح الهدي الواجب في الحج و العمرة المتمتع بها إلى الحج إلا بمنى في يوم النحر أو بعده، فان ذبح بمكة أو بغير منى لم يجز، و ما ليس بواجب جاز ذبحه أو نحره بمكة، و إذا ساق هديا في الحج فلا يذبحه أيضا إلا بمنى. فان ساقه في العمرة المبتولة نحره بمكة قبالة الكعبة بالجزورة».
و قال في المختلف بعد نقل هذه الأقوال: «و الذي رواه الشيخ في هذا الباب حديثان: (أحدهما)
عن إبراهيم الكرخي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل قدم بهديه مكة في العشر، فقال: إن كان هديا واجبا فلا ينحره إلا بمنى، و إن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء، و إن كان قد أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم الأضحى».
و (الثاني)
رواية معاوية بن عمار (2) في الحسن قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
إن أهل مكة أنكروا عليك أنك ذبحت هديك في منزلك، فقال: إن مكة كلها منحر».
قال الشيخ: الوجه في الحديث الحمل على الهدي المستحب فإنه يجوز ذبحه بمكة» انتهى.
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 2.
43
أقول: أما الكلام في غير الهدي من فداء الصيد و نحوه فقد تقدم تحقيق البحث فيه مستوفى في بعض مسائل البحث الخامس في اللواحق بأحكام الصيد (1) و أما الهدي الذي نحن الآن بصدد البحث عنه فالظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في أن ما وجب منه في الحج يجب ذبحه بمنى.
قال في المدارك بعد قول المصنف: «و يجب ذبحه في منى»: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و أسنده العلامة في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه» ثم نقل عنه الاستدلال على ذلك بأدلة أظهرها رواية إبراهيم الكرخي (2) المتقدمة.
ثم قال: «و يدل عليه أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يضل هديه فيجده رجل آخر فينحره، قال: إن كان نحره بمنى فقد أجزأ عن صاحبه الذي ضل عنه، و إن كان نحره في غير منى لم يجز عن صاحبه».
- قال-: و إذا لم يجز المذبوح في غير منى عن صاحبه مع الضرورة فمع الاختيار أولى- ثم قال-: و لا ينافي ذلك ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (4)».
ثم أورد الرواية المتقدمة في كلام العلامة، ثم ذكر جواب الشيخ
____________
(1) راجع ج 15 ص 328- 339.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 2.
44
المتقدم، و نقل عن الشيخ في التهذيب أنه قال: «إن هذا الخبر مجمل، و الخبر الأول- يعني خبر الكرخي المتقدم- مفصل، فيكون الحكم به أولى».
أقول: ما ذكره الشيخ (ره) و تبعه عليه الجماعة و إن احتمل إلا أن الظاهر حمل الخبر المذكور على العمرة لا الحج، و هدي العمرة محله مكة بلا إشكال.
و الذي يدل على ذلك
ما رواه الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (1) «أن عباد البصري جاء إلى أبي عبد الله (عليه السلام) و قد دخل مكة بعمرة مبتولة و أهدى هديا فأمر به فنحر في منزله، فقال له عباد: نحرت الهدي في منزلك و تركت أن تنحره بفناء الكعبة و أنت رجل يؤخذ منك فقال له: أ لم تعلم أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نحر هديه بمنى و أمر الناس فنحروا في منازلهم؟ و كان ذلك موسعا عليهم، فكذلك هو موسع على من ينحر الهدي بمكة في منزله إذا كان معتمرا».
على أنه لو كان الخبر صريحا في الهدي الواجب في الحج لوجب حمله على التقية، لأن القول بجواز نحره في مكة مذهب جمهور الجمهور، فإنهم لم يوجبوا الذبح في منى.
قال في المنتهى: «نحر هدي المتمتع يجب بمنى، ذهب إليه علماؤنا، و قال أكثر الجمهور: إنه مستحب، و الواجب نحره بالحرم، و قال بعض الشافعية: لو ذبحه في الحل و فرقه في الحرم أجزأ».
هذا و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالمقام و الداخلة في سلك
____________
(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب كفارات الصيد- الحديث 1.
45
هذا النظام زيادة على ما ذكر
ما رواه الشيخ في الصحيح عن مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخل بهديه في العشر فان كان أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم النحر، و إن كان لم يقلده و لم يشعره فلينحره بمكة إذا قدم في العشر».
و عن عبد الأعلى (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
لا هدي إلا من الإبل، و لا ذبح إلا بمنى».
أقول: تخصيص الهدي بالإبل محمول على الفضل و الاستحباب مثل:
«لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (3).
و روى الكليني و الشيخ في الموثق عن شعيب العقرقوفي (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال:
بمكة، قلت: أي شيء أعطي منها؟ قال: كل ثلثا و اهد ثلثا و تصدق بثلث».
و روى الكليني عن معاوية بن عمار (5) في الصحيح قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): من ساق هديا في عمرة فلينحره قبل أن يحلق و من ساق هديا و هو معتمر نحر هديه بالمنحر، و هو بين الصفا و المروة، و هي الجزورة، قال: و سألته عن كفارة المعتمر أين تكون؟ قال: بمكة إلا أن يؤخرها إلى الحج فتكون بمنى، و تعجيلها أفضل و أحب إلي».
و رواه الصدوق مرسلا إلى قوله: «و هي الجزورة».
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام المساجد- الحديث 1- من كتاب الصلاة.
(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 4.
46
و روى الشيخ في الحسن عن مسمع (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «منى كلها منحر، و أفضل المنحر كله المسجد».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): «و كل ما أتيته من الصيد في عمرة أو متعة فعليك أن تذبح أو تنحر ما لزمك من الجزاء بمكة عند الجزورة قبالة الكعبة موضع النحر، و إن شئت أخرته إلى أيام التشريق، فتنحره بمنى، و قد روي ذلك أيضا، و إذا وجبت عليك في متعة، و ما أتيته مما يجب عليك الجزاء في حج فلا تنحره إلا بمنى، فان كان عليك دم واجب قلدته أو جللته أو أشعرته فلا تنحره إلا في يوم النحر بمنى».
و من هذه العبارة أخذ علي بن الحسين بن بابويه عبارة رسالته المتقدمة على العادة المعروفة و الطريقة المألوفة.
و المستفاد من هذه الاخبار و ضم بعضها إلى بعض- و به يحصل التوفيق بين ما ربما يتوهم منه المخالفة- أن هدي الحج الواجب لا ينحر أو يذبح إلا بمنى، و كذا ما أشعر و قلد وجوبا أو استحبابا، و الهدي المستحب يجوز نحره بمكة رخصة، و هدي العمرة نحره بمكة واجبا كان أو مستحبا و أن مكة كلها منحر و إن كان أفضلها الجزورة، و منى كلها منحر و إن كان أفضلها حوالي المسجد».
ثم إنه من المحتمل قريبا أن قوله (عليه السلام) في كتاب الفقه:
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(2) البحار- ج 99 ص 289 و ذكر ذيله في المستدرك- الباب- 3- من أبواب الذبح- الحديث 1.
47
«و قد روي ذلك أيضا» إشارة إلى الزيادة التي
في صحيحة معاوية بن عمار (1) برواية الكليني، أعني قوله: قال: «و سألته عن كفارة المعتمر أين تكون؟».
الى آخره، و الله العالم.
السابعة [حكم ما لو ضل هديه و ذبحه غيره]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) فيما لو ضل هديه فذبحه عنه غيره، فقيل بعدم إجزائه عنه، و ذلك بأنه لم يتعين بالشراء للذبح، و إنما يتعين بالنية، فلا تقع من غير المالك أو وكيله، و به صرح المحقق في الشرائع، و نسبه شيخنا الشهيد الثاني في المسالك إلى المشهور.
و قيل باجزائه عنه، و هو الذي افتى به العلامة في المنتهى من غير نقل خلاف في ذلك، و اختاره الشهيد في الدروس و شيخنا المشار إليه في المسالك و سبطه في المدارك، و نقله أيضا عن الشيخ و جمع من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
و هو الأصح لما تقدم سابق هذه المسألة من صحيحة منصور بن حازم (2)
و صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا وجد الرجل هديا ضالا فليعرفه يوم النحر و اليوم الثاني و الثالث ثم ليذبحها عن صاحبها عشية الثالث».
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 1.
48
و روى الصدوق (رحمه الله) في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أصاب الرجل بدنة ضالة فلينحرها و يعلم أنها بدنة».
و لو ذبحها الواجد عن نفسه لم تجز عن واحد منهما اتفاقا، أما الواجد فلكونه غاصبا متعديا، و أما عن صاحبها فلعدم نيته و قصده حال الذبح.
و مثله الحكم فيما لو اشترى هديا فنحره ثم ظهر له مالك، فإنه لا يجزئ عن واحد منهما.
و عليه يدل
ما رواه في الكافي عن جميل عن بعض أصحابه (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «في رجل اشترى هديا فنحره، فمر بها رجل فعرفها، فقال: هذه بدنتي ضلت مني بالأمس و شهد له رجلان بذلك، فقال: له لحمها و لا تجزئ عن واحد منهما- ثم قال-: و لذلك جرت السنة بإشعارها و تقليدها».
أقول: و بذلك صرح الشيخ في التهذيب أيضا، فقال: «و من اشترى هديا فذبحه فمر به رجل فعرفه فقال: هذا هديي ضل منى فأقام بذلك شاهدين فان له لحمه، و لا يجزئ عن واحد منهما» ثم استدل بالخبر المذكور.
بقي الكلام فيما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم (3) من الأمر بالتعريف الأيام المذكورة هل هو على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ ظاهر
____________
(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 1.
49
عبارة العلامة في المنتهى الثاني، حيث قال: «ينبغي لواجد الهدي الضال أن يعرفه ثلاثة أيام، فإن عرفه صاحبه و الا ذبحه عنه» ثم أورد صحيحة محمد بن مسلم.
و قال في المسالك: «إنه لم يصرح أحد بالوجوب»، و في الدروس «أنه مستحب، و لعل عدم الوجوب لاجزائه عن مالكه فلا يحصل بترك التعريف ضرر عليه، و يشكل بوجوب ذبح عوضه عليه ما لم يعلم بذبحه، و يمكن أن يقال بعدم الوجوب قبل الذبح، لكن يجب بعده ليعلم المالك فيترك الذبح ثانيا أخذا بالجهتين» انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) أخيرا بقوله: «و يمكن» إلى آخره جيد بالنسبة إلى الخروج عن الإشكال الذي ذكره من عدم تصريح أحد بالوجوب، و بيان الوجه فيه و ما يرد عليه من الاشكال المذكور، لكن فيه خروج عن النص المذكور، حيث إنه (عليه السلام) أمر بالتعريف قبل الذبح، و أنه يؤخر الذبح إلى عشية الثالث بعد التعريف في تلك المدة، فكيف يتم القول بالوجوب بعد، و لا مستند له؟! إذ الرواية إنما تضمنت الأمر بالتعريف قبل الذبح، فان قيل بها لم يتم ما ذكره، و إن عدل عنها فلا مستند له.
و بالجملة فعدم وجود القائل بالوجوب لا يمنع من القول به إذا اقتضاه الدليل من غير معارض في البين.
على أن المفهوم من كلام سبطه في المدارك أن القول بالوجوب ظاهر الشيخ في النهاية، و اليه يميل كلامه في الكتاب المذكور، حيث قال:
«و لا يبعد وجوب التعريف، كما هو ظاهر اختيار الشيخ في النهاية عملا بظاهر الأمر» انتهى.
50
و كيف كان فلا ريب أن الاحتياط يقتضيه.
ثم إنه قال في المدارك على أثر الكلام المذكور: «و لو قلنا بجواز الذبح قبل التعريف لم يبعد وجوبه بعده ليعلم المالك، فيترك الذبح ثانيا».
أقول: قد تبع جده (قدس الله روحيهما) فيما قدمنا نقله عنه في المقام، و فيه ما عرفت آنفا، و نزيده هنا بأن نقول: إن ما ذكره من العلة لا تصلح لأن تكون مستندا للوجوب الذي هو حكم شرعي يترتب على الإخلال به الإثم و العقوبة، فهو يتوقف على الدليل الشرعي و النص القطعي المنحصر عندنا في الكتاب العزيز و السنة النبوية، و الركون إلى تعليل الأحكام الشرعية و بنائها على مثل هذه التعليلات العليلة مجازفة ظاهرة، و النص المذكور كما عرفت لا ينطبق على هذا القول.
قال في المسالك: «ثم إنه على تقدير الاجزاء لا إشكال في وجوب الصدقة و الإهداء، أما الأكل فهل يقوم الواجد مقام المالك فيجب عليه أن يأكل منه أم يسقط؟ فيه نظر، و لعل السقوط أوجه».
و جزم سبطه في المدارك- بعد أن استظهر وجوب الصدقة و الإهداء- بسقوط وجوب الأكل قطعا، قال: «لتعلقه بالمالك».
أقول: ما ذكراه (نور الله تعالى مرقديهما) من وجوب الصدقة و الإهداء لا يخلو عندي من توقف و إشكال، لأن غاية ما دلت عليه الاخبار المتقدمة هو الذبح عنه خاصة، و الاخبار الدالة على الصدقة و الإهداء و الأكل (1) إنما وردت بالنسبة إلى المالك إذا ذبحه، فإنه يجب عليه أن يقسمه أثلاثا على الوجه المذكور، و بعين ما قالوه في عدم وجوب الأكل
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح.
51
على الواجد من أن الآمر بالأكل إنما تعلق بالمالك يجري في الفردين الآخرين، فإن الأمر بالصدقة و الإهداء إنما تعلق في الاخبار الدالة عليهما بالمالك، و لا بعد في جواز الاكتفاء به عن صاحبه بمجرد الذبح نيابة عنه إذا اقتضاه الدليل بإطلاقه، و تقييده يحتاج إلى دليل، و ليس إلا الأخبار التي موردها المالك، و هي لا تصلح للتقييد.
و بالجملة فإن مقتضى إطلاق النصوص المتقدمة الاكتفاء بمجرد الذبح عنه و إن كان ما ذكره أحوط، و الله العالم.
الثامنة [كيفية تقسيم الهدي و أنه واجب أو مستحب]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في كيفية قسمة الهدي، و هل هي على جهة الوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشيخ (رحمه الله):
«من السنة أن يأكل من هديه لمتعته، و يطعم القانع و المعتر ثلثه، و يهدي للأصدقاء ثلثه».
و قال أبو الصلاح: «و السنة أن يأكل بعضها و يطعم الباقي».
و قال ابن البراج: «و ينبغي أن يقسم ذلك ثلاثة أقسام، فيأكل أحدها إلا أن يكون الهدي لنذر أو كفارة، و يهدي قسما آخر، و يتصدق بالثالث».
قال في المختلف بعد نقل ذلك: «و هذه العبارات توهم الاستحباب».
و قال ابن أبي عقيل: «ثم انحر و اذبح و كل و أطعم و تصدق».
و قال ابن إدريس: «و أما هدي المتمتع و القارن فالواجب أن يأكل
52
منه و لو قليلا، و يتصدق على القانع و المعتر و لو قليلا للآية (1) و هو قوله تعالى فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ».
قال في المختلف بعد نقله: «و هو الأقرب للأمر، و أصل الأمر للوجوب،
و ما رواه معاوية بن عمار (2) عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا ذبحت أو نحرت فكل و أطعم، كما قال الله تعالى فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ».
- ثم نقل حجة الآخرين بأن الأصل عدم الوجوب، و أجاب- بأنه لا دلالة للأصل مع وجود الأمر».
قال في المنتهى: «ينبغي أن يقسم أثلاثا: يأكل ثلثه و يهدي ثلثه و يتصدق على الفقراء بثلثه، و هذا على جهة الاستحباب- ثم قال:- قال بعض علمائنا بوجوب الأكل، و قال آخرون باستحبابه، و الأول أقوى للآية».
و ظاهر كلامه في المختلف هو اختيار مذهب ابن إدريس في وجوب الأكل و لو قليلا و الصدقة و لو قليلا، و أما الإهداء فلم يتعرضا له، و في المنتهى وجوب الأكل خاصة للآية، و يلزمه وجوب الصدقة ايضا للاية، و على كل من القولين فالقسمة أثلاثا إنما هو على جهة الاستحباب، و به صرح أيضا في الإرشاد.
و قال الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه: «ثم كل و تصدق و اطعم و أهد إلى من شئت، ثم احلق رأسك» و هو مطلق في القدر و في كونه وجوبا أو استحبابا.
و قال الشهيد (رحمه الله) في الدروس: «و يجب أن يصرفه في الصدقة
____________
(1) سورة الحج: 22- الآية 36.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1.
53
و الإهداء و الأكل، و ظاهر الأصحاب الاستحباب».
و الظاهر أن مراده من هذه العبارة هو وجوب قسمته أثلاثا، لكل من هذه المذكورات ثلث، ليحصل به صرف الهدي فيها. و قد عرفت أن أكثر الأقوال المتقدمة أن ذلك على جهة الاستحباب كما ذكره (قدس سره).
و أما ما ذكره في المدارك بعد نقل صدر عبارته- من أنه لم يعين للصدقة و الإهداء قدرا- فهو و إن كان كذلك، لكن قوله بعد هذه العبارة: «و ظاهر الأصحاب الاستحباب» ينبه على أن المراد قسمته أثلاثا، لأن هذا هو الذي صرحوا باستحبابه، كما عرفت من عبارتي الشيخ و العلامة في المنتهى و غيرهما.
و قال المحقق في الشرائع: «و يستحب أن يقسمه أثلاثا: يأكل ثلثه، و يتصدق بثلثه، و يهدي ثلثه، و قيل: يجب الأكل منه، و هو الأظهر».
و قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل العبارة المذكورة: «بل الأصح وجوب الأمور الثلاثة و الاكتفاء بمسمى الأكل و إهداء الثلث و الصدقة بالثلث».
و هو يرجع إلى ظاهر عبارة شيخنا الشهيد في الدروس كما عرفت.
و ظاهر كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد أن هذا هو المشهور بين المتأخرين، حيث إنه بعد أن نقل قول الشيخ المتقدم قال: «ظاهره الاستحباب، و المشهور بين المتأخرين وجوب القسمة أثلاثا، و وجوب ما يصدق عليه الأكل من الثلث، و وجوب التصدق بالثلث على الفقير المؤمن المستحق للزكاة، و الهدية بالثلث الآخر إلى المؤمن- ثم قال-: و استفادة ذلك كله من الدليل مشكل».
54
و قال السيد السند في المدارك: «و المعتمد وجوب الأكل منه و الإطعام» و استند إلى الآية (1) المتقدمة و إلى رواية معاوية بن عمار (2) الآتية، و هو يرجع إلى مذهب ابن إدريس و العلامة في المختلف.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأدلة المتعلقة بالمسألة الآية المتقدمة، و هي قوله عز و جل (3) «فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» و قوله عز و جل (4): «وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ- إلى قوله- وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ، فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن سيف التمار (5) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن سعد بن عبد الملك قدم حاجا فلقي أبي، فقال: إني سقت هديا فكيف اصنع؟ فقال له أبي: أطعم أهلك ثلثا، و اطعم القانع و المعتر ثلثا، و اطعم المساكين ثلثا، فقال: المساكين: هم السؤال؟ فقال: نعم، و قال: القانع: هو الذي يقنع بما أرسلت إليه من البضعة فما فوقها، و المعتر ينبغي له أكثر من ذلك: هو اغنى من القانع يعتريك فلا يسألك».
و ما رواه في الكافي عن أبي الصباح الكناني (6) قال: «سألت أبا عبد الله
____________
(1) سورة الحج: 22- الآية 36.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) سورة الحج: 22- الآية 36.
(4) سورة الحج: 22- الآية 27 و 28.
(5) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(6) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 13.
55
(عليه السلام) عن لحوم الأضاحي، فقال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام).
و رواه الصدوق (رحمه الله) مرسلا (1) فقال: كان علي بن الحسين- و أبو جعفر (عليهما السلام) يتصدقان بثلث: على جيرانهم و ثلث يمسكانه لأهل البيت».
و رواه الصدوق (رحمه الله) في كتاب العلل بسنده عن أبي جميلة (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله، إلا أنه قال: «بثلث على جيرانهما و ثلث على المساكين».
و موثقة شعيب العقرقوفي (3) المتقدمة في المسألة السادسة، و فيها «كل ثلثا، و اهد ثلثا، و تصدق بثلث».
و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ذبحت أو نحرت فكل و اطعم، كما قال الله تعالى (5) «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» فقال: القانع: الذي يقنع بما أعطيته، و المعتر:
الذي يعتريك، و السائل: الذي يسألك في يديه، و البائس: الفقير».
و ما رواه في الكافي عن معاوية بن عمار (6) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قول الله عز و جل «فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْقٰانِعَ وَ الْمُعْتَرَّ» قال: القانع: الذي يقنع بما أعطيته، و المعتر: الذي يعتريك، و السائل: الذي يسألك في يديه، و البائس:
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(5) سورة الحج: 22- الآية 36.
(6) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 14.
56
هو الفقير».
و رواه الصدوق (رحمه الله) مرسلا (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) إلى قوله: «الذي يعتريك».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (2): «و إذا نحرت أضحيتك أكلت منها و تصدقت بالباقي».
أقول: لا يخفى ما في أدلة المسألة من الاشكال و عدم الانطباق على شيء من الأقوال إلا بمزيد تكلف في الاحتمال، و معظم إشكال المسألة من حيث التثليث و أن أحد الأثلاث يعطى هدية، و إلا فالأكل و الصدقة في الجملة مما لا إشكال فيه، لدلالة الآية و الروايات على ذلك.
و الظاهر أن بناء القول المشهور بين المتأخرين على رواية أبي الصباح الكناني (3) بحمل الصدقة على الجيران على الهدية، و حمل الأضحية فيها على الهدي الواجب، لإطلاق ذلك عليه في الأخبار (4) و موثقة (5) شعيب العقرقوفي (6) المتقدمة.
إلا أنه قد أورد على هذه الرواية أن موردها هدي السياق في العمرة،
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 294- الرقم 1456.
(2) المستدرك- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الذبح- الحديث 3 و 11 و الباب- 39- منها- الحديث 7 و الباب- 40- منها- الحديث 9 و 15.
(5) عطف على قوله (قده) «رواية أبي الصباح الكناني».
(6) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18.
57
فلا يمكن التعلق بها في هدي حج التمتع، لجواز الافتراق بينهما، كما افترقا في موضع الذبح.
و فيه أن ظاهر كلامهم أن محل الخلاف في المسألة هو الهدي الواجب في عمرة أو حج بلا فرق بينهما.
و صحيحة (1) سيف التمار (2) المتقدمة حيث تضمنت التثليث أيضا، و إن خالفت الروايتين المذكورتين في ثلث الهدية باعتبار التصدق به في هذه الرواية، و يمكن الجمع بينهما في ذلك باعتبار التخيير في ثلث الهدية بين أن يهديه أو يتصدق به على هؤلاء المذكورين في هذا الخبر.
و كأنه لما في هذه الاخبار من التفصيل حملوا عليها إجمال الآية و الاخبار الباقية، لأن غايتها أنها بالنسبة إلى الهدية و إلى كيفية القسمة مطلقة، فيقيد إطلاقها بهذا التفصيل.
و أما القول بأن الواجب هو الأكل و الصدقة و لو بقليل فهو ظاهر الآيتين (3) المتقدمتين و ظاهر خبر معاوية بن عمار (4) و ظاهر عبارة كتاب الفقه (5) و بذلك تمسك هذا القائل، و حمل ما زاد في تلك الاخبار من اعتبار التثليث و الهدية بالثلث على الاستحباب جمعا، و الأول أوفق بالقواعد الشرعية، كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم.
و أما ما ذكره في المدارك- من الاستدلال للقائلين بوجوب إهداء الثلث
____________
(1) عطف على قوله (قده): «رواية أبي الصباح الكناني».
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) سورة الحج: 22- الآية 28 و 36.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(5) المستدرك- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 13.
58
و الصدقة بالثلث بصحيحة سيف التمار (1) ثم اعترض عليها بما هو مذكور ثمة- فليس في محله، كيف و الرواية المذكورة لا تعرض فيها للهدية، بل دليل القول المذكور إنما هو موثقة شعيب (2) و رواية أبي الصباح (3) بالتقريب المذكور فيهما، كما لا يخفى.
و أما ما ذكره بعد الطعن في رواية معاوية بن عمار (4)- بعد أن استدل بها على ما ذهب إليه كما قدمنا نقله عنه- بأن في طريقها النخعي، و هو مشترك بين الثقة و الضعيف، ثم قال: و قد روى الكليني نحو هذه الرواية في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) ثم ساق الصحيحة المتقدمة (6).
ثم إنه بعد أن اعترض على صحيحة سيف التمار (7)- و أجاب عنها أولا بأن هذه الرواية إنما دلت على اعتبار القسمة كذلك في هدي السياق لا في هدي التمتع الذي هو محل النزاع- قال: «و ثانيا أنها معارضة بروايتي معاوية بن عمار المتقدمتين الدالتين بظاهرهما على عدم وجوب القسمة كذلك، فتحمل هذه على الاستحباب».
و ظاهر كلامه (قدس سره) أن الصحيحة المذكورة في معنى روايته الاولى و أنهما دالتان على ما ذكره من عدم وجوب القسمة كذلك.
و لا يخفى ما فيه، فان غاية ما دلت عليه الصحيحة المذكورة هو تفسير القانع و المعتر خاصة من غير تعرض فيها لحكم المسألة نفيا أو إثباتا، بخلاف الرواية الأولى، حيث قال فيها: «إذا ذبحت أو نحرت فكل و أطعم، كما قال الله تعالى» الى آخرها.
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(5) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 14.
(6) هكذا في النسخ المخطوطة الأربعة التي راجعتها، و لكن في العبارة- من قوله: «و أما ما ذكره بعد الطعن» إلى «الصحيحة المتقدمة»- نقص و تشويش.
(7) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 3.
59
و حينئذ فحمل الصحيحة المذكورة على الرواية المشار إليها و دعوى أن مدلولهما واحد كما توهمه عجيب منه (قدس سره) نعم ذلك مدلول الآية التي فيها لا الرواية، و لعله من هنا حصل الاشتباه و الالتباس.
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الاشكال و إن كان القول المشهور بين المتأخرين لا يخلو من قرب، و لا ريب أنه أقرب إلى الاحتياط.
و أما القول باستحباب الأكل فهو أضعف الأقوال، لما فيه من طرح الآية و الاخبار، و ظاهر الشيخ أبي علي الطبرسي في تفسير مجمع البيان حمل الأمر بالأكل في الآية على الاستحباب، حيث قال: «فَكُلُوا مِنْهٰا: أي من بهيمة الانعام، و هذه إباحة و ندب، و ليس بواجب».
و هو مشكل سيما مع انضمام الاخبار إليها و أمره (عليه السلام) في رواية معاوية بن عمار (1) بالأكل و الإطعام و استدل بالآية المذكورة.
و في رواية علي بن أسباط عن مولى لأبي عبد الله (عليه السلام) (2) قال:
«رأيت أبا الحسن الأول (عليه السلام) دعا ببدنة فنحرها، فلما ضرب الجزار عراقيبها فوقعت على الأرض و كشفوا شيئا من سنامها قال: اقطعوا فكلوا منها و أطعموا، فإن الله عز و جل يقول (3) فَإِذٰا وَجَبَتْ جُنُوبُهٰا فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا»،.
و الله العالم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1- 20.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1- 20.
(3) سورة الحج: 22- الآية 36.
60
فائدة [بيان المراد ممن يجب إطعامه]:
قد دلت إحدى الآيتين المتقدمتين على أن الواجب إطعام البائس الفقير و الأخرى إطعام القانع و المعتر.
و البائس على ما ذكره في كتاب مجمع البيان: الذي ظهر عليه أثر البؤس من الجوع و العرى، قال: «و قيل: البائس: الذي يمد يده بالسؤال و يتكلف للطلب».
و فسره في صحيحة معاوية بن عمار (1) المتقدمة بالفقير، و فسر القانع فيها بالذي يقنع بما أعطيته، و المعتر الذي يعتريك.
و في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير الآية المذكورة قال: «القانع: الذي يرضى بما أعطيته، و لا يسخط و لا يكلح و لا يلوي شدقه غضبا، و المعتر المار بك لتطعمه».
و المفهوم من الخبرين المذكورين أن القانع الذي يرضى بما أعطيته سأل أو لم يسأل، و المعتر هو الذي يعتريك و يمرّ بك للتعرض لما تعطيه من غير أن يسألك، رضي بما أعطيته أو سخط، و حينئذ فبينهما عموم و خصوص من وجه.
و في صحيحة سيف التمار (3) المتقدمة أنه أغنى من القانع.
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1- 12- 3.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1- 12- 3.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 1- 12- 3.
61
و أما البائس فالظاهر أنه اجهد منهما، و لعل تفسيره في الخبر المذكور بالفقير يعني بالظاهر الفقير، ليرجع إلى ما ذكره في كتاب مجمع البيان.
و على كل تقدير فينبغي أن تقيد آية القانع و المعتر بآية البائس الفقير، ليندفع التنافي بين ظاهر الآيتين.
و على هذا فيختص الدفع بالمسكين الذي هو أجهد من الفقير، إلا أن الأصحاب قاطعون بكون مصرف هذه الصدقة كغيرها من المواضع الفقير بقول مطلق.
و كيف كان فيجب تقييده بالمؤمن، كما عليه ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب.
و أما ما ورد
في رواية هارون بن خارجة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن علي بن الحسين (عليهما السلام) كان يطعم من ذبيحته الحرورية قلت: و هو يعلم أنهم حرورية قال: نعم».
فهو محمول على الهدي المستحب كما ذكره بعض الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و حمله في الوافي على أنه لتأليف قلوبهم.
و قد روى في الكافي في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه كره أن يطعم المشرك من لحوم الأضاحي».
و الظاهر أن الكراهة هنا بمعنى التحريم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 8.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 9.
62
التاسعة [عدم جواز الأكل مما وجب عليه من الكفارات]:
قال في المنتهى: «و لا يجوز له الأكل من كل واجب غير هدي التمتع، ذهب إليه علماؤنا أجمع» ثم نقل أقوال العامة و خلافهم.
أقول: و يجب أن يعلم أن هدي السياق و إن وجب بالاشعار و التقليد في عقد الحج به و وجب ذبحه إلا أنه متطوع به بحسب الأصل، فهو داخل في هدي التطوع الذي يجوز الأكل منه بلا خلاف و لا إشكال.
و يدل على ما ذكره في المنتهى من عدم جواز الأكل إلا من هدي التمتع روايات:
منها
ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن فداء الصيد يأكل صاحبه من لحمه؟ قال:
يأكل من أضحيته، و يتصدق بالفداء».
و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا (2).
و ما رواه الشيخ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الهدي ما يؤكل منه؟ قال:
كل هدي من نقصان الحج فلا تأكل منه، و كل هدي من تمام الحج فكل».
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 15.
(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 15. و ذكره في الفقيه- ج 2 ص 295- الرقم 1460.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 4 مع زيادة في الوسائل. و ذكره بعينه في الاستبصار ج 2 ص 273- الرقم 967.
63
و ما رواه في الكافي عن أبي بصير (1) قال: «سألته عن رجل اهدى هديا فانكسر، قال إن كان مضمونا- و المضمون ما كان في يمين، يعني نذرا أو جزاء- فعليه فداؤه، قلت: أ يأكل منه؟ قال: لا، إنما هو للمساكين، فان لم يكن مضمونا فليس عليه شيء، قلت: يأكل منه، قال: يأكل منه».
قال في الكافي: و روي (2) ايضا «أنه يأكل منه مضمونا كان أو غير مضمون».
و قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه: و في رواية حماد عن حريز (3) في حديث يقول في آخره: «إن الهدي المضمون لا يأكل منه إذا عطب، فإن أكل منه غرم».
و ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري (4) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: لا يأكل المحرم من الفدية و لا الكفارات و لاجزاء الصيد، و يأكل مما سوى ذلك».
و قد تقدم ما يدل على جواز الأكل بل وجوبه أو استحبابه من هدي التمتع من الآية (5) و الروايات (6).
و قد ورد بإزاء هذه الاخبار ما يدل على جواز الأكل مما منعت منه.
فمن ذلك
ما رواه الشيخ في الحسن عن عبد الله بن يحيى الكاهلي (7)
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 16.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 17.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 26.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 27.
(5) سورة الحج: 22- الآية 36.
(6) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح.
(7) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 6.
64
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يؤكل من الهدي كله مضمونا كان أو غير مضمون».
و عن جعفر بن بشير في الصحيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن البدن التي تكون جزاء الايمان و النساء و لغيره يؤكل منها؟ قال: نعم يؤكل من كل البدن».
و عن عبد الملك القمي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يؤكل من كل هدي نذرا كان أو جزاء».
و الشيخ بعد ذكر الخبرين الأولين حملهما على حال الضرورة و ألزم صاحبها فداءها مستدلا
بما رواه عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: «إذا أكل الرجل من الهدي تطوعا فلا شيء عليه، و إن كان واجبا فعليه قيمة ما أكل».
أقول: ما دل عليه هذا الخبر من وجوب الفداء في الأكل من الهدي الواجب ينبغي حمله على هدي النقصان، ليكون إيجاب القيمة تتمة للفداء للنقصان بأكله، جمعا بين هذا الخبر و بين رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري (4) المتقدمة.
قال في المدارك بعد إيراد خبري الكاهلي و جعفر بن بشير و نقل تأويل الشيخ لهما كما ذكرناه: «و لا بأس بالمصير إلى هذا الحمل و إن كان بعيدا، لأن هاتين الروايتين لا يصلحان لمعارضة الإجماع و الاخبار الكثيرة» انتهى.
أقول: لا يخفى ما في كلامه (قدس سره) من المجازفة و الخروج عن
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح الحديث 10.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح الحديث 5.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح الحديث 4.
65
قاعدته المألوفة، فإنه نقل الخبرين المذكورين بلفظ رواية فلان و لم يصفها بحسن و لا صحة، مع أن الأولى كما عرفت حسنة و الثانية صحيحة، بل في أعلى مراتب الصحة، و الروايات الأولى كلها ضعيفة باصطلاحه، ليس فيها إلا رواية الحلبي (1) التي هي عنده من قسم الحسن.
و حينئذ فالتعارض في الحقيقة بناء على قاعدته و اصطلاحه وقع بين حسنة الحلبي و بين حسنة الكاهلي و صحيحة جعفر بن بشير و مقتضى قاعدته ترجيح الروايتين المذكورتين.
بقي الكلام في الإجماع، و كلامه فيه كما تقدم مختبط كما في العمل بالروايات أيضا على ما عرفته في غير موضع مما تقدم.
و يظهر من المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد الميل الى العمل بخبري الكاهلي و جعفر بن بشير حيث طعن في روايات القول المشهور بالضعف، و حمل حسنة الحلبي على الاستحباب، و ادعى التأييد بالأصل، و عدم دليل صحيح صريح، و أن الموجود في أكثر الأخبار وجوب الدم و البدنة من غير ذكر التصدق، و قد مر في تلك الاخبار ما يدل على الأكل. انتهى.
أقول: و من أخبار المسألة أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل أهدى هديا فانكسرت، فقال: إن كانت مضمونة فعليه مكانها، و المضمون ما كان نذرا أو جزاء أو يمينا، و له أن يأكل منها، فان لم تكن مضمونة فليس عليه شيء».
و هذا الخبر مما يؤيد خبر الكاهلي و جعفر بن بشير، و قد تقدم في خبر
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 15.
(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 2.
66
أبي بصير (1) أن المضمون لا يجوز الأكل منه و إنما هو للمساكين، و في هذه الصحيحة جواز الأكل منه.
و الشيخ (رحمه الله) حمل الصحيحة المذكورة على كون الهدي تطوعا، قال، قوله (عليه السلام): «و له أن يأكل منها» محمول على ما إذا كان تطوعا دون ان يكون واجبا، لأن ما يكون واجبا لا يجوز الأكل منه.
و اعترضه المحقق الشيخ حسن في المنتقى بأنه غير مستقيم قال: «لأن فرض التطوع مذكور في آخر الحديث، و الكلام المأول سابق عليه مرتبط بما فرض فيه الوجوب فكيف يحمل على التطوع؟ و الوجه حمله على كون الهدي الواجب غير متعين و لو بالإشعار، فإنه بالتعيب يجب إبداله كما هو صريح صدر الخبر، و له التصرف في المتعيب و لو بالبيع، كما يفيده خبر الحلبي (2) المتضمن لحكم ضلال الهدي، فيجوز له الأكل منه بتقدير ذبحه له» انتهى.
و هو جيد إلا أنه معارض بخبر أبي بصير (3) المتقدم و رواية حريز (4) المتقدمة المنقولة من الفقيه.
و كيف كان فالأظهر عندي هو القول المجمع عليه بين أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) عملا بالأخبار المتقدمة المعتضدة بإجماعهم.
و أما الاخبار المنافية من صحيحة جعفر بن بشير و حسنة الكاهلي و رواية عبد الملك القمي فالأظهر حملها على التقية، فإن الجمهور و إن اختلفوا في
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 16.
(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 16.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 26.
67
المسألة أيضا إلا أن جمعا منهم قائلون بجواز الأكل مما عدا هدي التمتع.
على أن الحمل على التقية عندي لا يشترط فيه وجود القول به منهم، لما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب (1) و غيرها، و يؤيده موافقته الاحتياط أيضا.
و مما يدل على جواز الأكل من الهدي ما تقدم في رواية السكوني (2) بل قال في المنتهى: «هدي التطوع يستحب الأكل منه بلا خلاف، لقوله تعالى (3) «فَكُلُوا مِنْهٰا» و أقل مراتب الأمر الاستحباب، و لأن النبي (صلى الله عليه و آله) و عليا (عليه السلام) أكلا من بدنهما كما ورد في عدة من الأخبار (4)».
العاشرة [عدم جواز إخراج لحم الهدي الواجب من منى و استحباب التصدق بجلده]:
المفهوم من كلام أكثر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه لا يجوز إخراج شيء من لحم الهدي الواجب عن منى، بل يجب صرفه فيها في المصارف الموظفة.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالهدي ليس إلا
صحيحة معاوية بن عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
____________
(1) راجع ج 1 ص 5- 8.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(3) سورة الحج: 22- الآية 36.
(4) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 2 و 11 و 21.
(5) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 2.
68
لا تخرجن شيئا من لحم الهدي».
و موثقة إسحاق بن عمار (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال:
«سألته عن الهدي أ يخرج شيء منه من الحرم؟ فقال: بالجلد و السنام و الشيء ينتفع به قلت: انه بلغنا عن أبيك أنه قال: لا يخرج من الهدي المضمون شيئا، قال: بل يخرج بالشيء ينتفع به- و زاد فيه أحمد- و لا يخرج بشيء من اللحم من الحرم».
أقول: و أحمد هو أحد رواة الحديث عن حماد عن إسحاق.
و الظاهر أنه لا ريب في التحريم بنا على وجوب قسمته أثلاثا و وجوب التصدق بثلث و إهدا ثلث و أن يأكل و يطعم عياله ثلثا.
و أما على القول باستحباب ذلك، و أن الواجب إنما هو الأكل و الصدقة و لو قليلا، أو القول بالاستحباب مطلقا، فيشكل ذلك كما لا يخفى، إلا أن تحمل الروايتان على الكراهة بناء على القول بالاستحباب.
و حينئذ فيكون الكلام في هاتين الروايتين تابعا لما ثبت ثمة، فإن ثبت وجوب التثليث و الصرف في المصارف الثلاثة فالروايتان المذكورتان على ظاهرهما من تحريم الإخراج، و إلا فالحمل على الكراهة.
و أما على تقدير القول بوجوب التثليث و التصدق بالثلث و إهداء الثلث فلم يقل أحد بوجوب أكل الثلث، بل الواجب الأكل في الجملة و لو قليلا فيمكن أن يقال: إنه و إن صرح بعضهم بذلك لكن المفهوم من الروايات ما قلناه، كما دلت عليه
موثقة شعيب العقرقوفي (2) من قوله (عليه السلام):
____________
(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18.
69
«كل ثلثا، و أهد ثلثا، و تصدق بثلث».
و صحيحة سيف التمار (1) لقوله (عليه السلام) فيها: «أطعم أهلك ثلثا».
إلى آخرها.
و قوله (عليه السلام) في رواية أبي الصباح الكناني (2) حكاية عن علي بن الحسين و أبي جعفر الباقر (عليهما السلام): «و ثلث يمسكانه لأهل البيت».
و العمل عندنا على الاخبار لا على الأقوال.
و أما ما ذكره في المدارك في هذا المقام حيث قال بعد قول المصنف (رحمه الله): «إنه لا يجوز إخراج شيء مما يذبحه عن منى» ما صورته «هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا، و استدل عليه في التهذيب
بما رواه في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن اللحم أ يخرج به من الحرم؟ فقال: لا يخرج منه شيء إلا السنام بعد ثلاثة أيام».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تخرجن شيئا من لحم الهدي».
و عن علي بن أبي حمزة (5) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا يتزود الحاج من أضحيته، و له أن يأكل بمنى أيامها».
ثم قال الشيخ (رحمه الله):
فأما
ما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن جميل عن محمد بن مسلم (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى، فقال: كنا نقول:
لا يخرج شيء لحاجة الناس إليه، فأما اليوم فقد كثر الناس، فلا بأس
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 14.
(3) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(5) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(6) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 5.
70
بإخراجه».
فلا ينافي الأخبار المتقدمة، لأن هذا الخبر ليس فيه أنه يجوز إخراج لحم الأضحية مما يضحيه الإنسان أو مما يشتريه، و إذا لم يكن في ظاهره حملناه على أن من اشترى لحوم الأضاحي فلا بأس أن يخرجه، ثم استدل على ذلك
بما رواه الحسين بن سعيد عن احمد بن محمد عن علي (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا يتزود الحاج من أضحيته و له أن يأكل منها أيامها إلا السنام، فإنه دواء- قال أحمد-: و لا بأس أن يشتري الحاج من لحم منى و يتزوده».
و للنظر في هذا الجمع مجال، إلا انه لا خروج عما عليه الأصحاب» انتهى كلامه زيد مقامه.
و فيه (أولا) أنه كم قد خرج عما عليه الأصحاب، و نازعهم في جملة من الأبواب، باعتبار عدم اعتماده على الدليل في ذلك الباب، و هو من جملة للواضع التي وقع له فيها الاضطراب.
و (ثانيا) أن استدلال الشيخ بهذه الروايات في هذا المقام ليس بالنسبة إلى لحم الهدي الذي هو محل البحث، و انما كلامه و أخباره في هذا المقام كلها إنما هو في لحم الأضحية، حيث قال: «و لا يجوز أن يخرج لحم الأضاحي من منى»
روى فضالة عن العلاء عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته.».
و ساق الكلام كما ذكره.
و لا ريب أن مسألة لحم الأضحية غير مسألة لحم الهدي، كما اعترف به هو (قدس سره) حيث إنه في هذا المقام الذي هو في لحم الهدي قال بعد قول المصنف ما سمعته: «هذا مذهب الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) لا اعلم فيه مخالفا» يعني تحريم إخراج لحم الهدي، و قال في باب الأضحية
____________
(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 4- 1.
(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 4- 1.
71
بعد قول المصنف: «و يكره أن يخرج به من منى»: «و لا بأس بإخراج ما يضحيه غيره و يدل على ذلك روايات منها ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد عن علي (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام)» ثم أورد الرواية المتقدمة الدالة على أنه لا يتزود الحاج من أضحيته إلى آخرها.
و ظاهر الشيخ في التهذيب في هذه المسألة هو تحريم إخراج لحوم الأضاحي، فلهذا جمع بين الاخبار بما ذكره، و ليس من الكلام في لحم الهدي في شيء بالكلية، فايراده كلام الشيخ و رواياته المذكورة دليلا لمسألة الهدي ليس في محله.
و من هنا يظهر سقوط اعتراضه عليه في الجمع بين الأخبار بقوله:
«و للنظر فيه مجال» لأنه ليس من محل البحث في حال من الأحوال.
نعم إن الشيخ قد أورد في ضمن رواياته التي استدل بها صحيحة معاوية بن عمار المتضمنة للهدي، و هو محمول على خلط الشيخ و استعجال قلمه، كما لا يخفى على من له أنس بطريقته.
و بالجملة فإن إيراده لكلام الشيخ في هذا المقام غفلة واضحة، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
و التحقيق في المسألة المذكورة هو ما قدمنا ذكره في صدر الكلام.
و أما الكلام في حكم لحوم الأضاحي و جواز إخراجها و عدمه و الروايات الواردة في ذلك و الجمع بين مختلفاتها فسيأتي إنشاء الله تعالى في باب الأضحية.
ثم العجب أيضا هنا من صاحب الوافي حيث إنه قال: «باب ادخار لحوم الهدي و إخراجها من منى» و أورد في الباب خبري الهدي المتقدمين
____________
(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 4.
72
في صدر البحث و أخبار الأضاحي، و الاختلاف في الأخبار إنما هو في اخبار الأضاحي، كما سيأتي إنشاء الله تعالى في محلها، و كأنه فهم منها الحمل على الهدي، و هو غلط، فان حكم كل من مسألة الهدي غير مسألة الأضحية كما هو المذكور في كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم). و أنه أما أراد بالهدي في عنوانه الأضحية فأبعد.
قال في المدارك: «و اعلم أن أقصى ما تدل عليه هذه الروايات عدم جواز إخراج شيء من اللحم من منى».
و قال الشارح (قدس سره): «إنه لا فرق في ذلك بين اللحم و الجلد و غيرهما من الأطراف و الأمعاء، بل يجب الصدقة بجميع ذلك، لفعل النبي (صلى الله عليه و آله) و فيه نظر لأن الفعل لا يقتضي الوجوب، كما حقق في محله، نعم يمكن الاستدلال عليه
بما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإهاب فقال: تصدق به، أو يجعل مصلى ينتفع به في البيت، و لا تعطي الجزارين، و قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يعطى جلالها أو جلودها أو قلائدها الجزارين، و أمر أن يتصدق بها».
و روى أيضا في الصحيح عن علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن جلود الأضاحي هل يصلح لمن ضحى بها أن تجعل جرابا؟ فقال: لا يصلح أن يجعلها جرابا إلا أن يتصدق بثمنها».
انتهى.
أقول: أما قوله: «لأن الفعل لا يقتضي الوجوب» فهو و إن كان كذلك لكنك قد عرفت من كلامه في غير موضع مما قدمنا نقله عنه أنه
____________
(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 4.
73
يستند في الوجوب إلى التأسي و يستدل به، و كلامه هنا يناقض ذلك، و هذا من جملة ما اضطرب فيه كلامه.
ثم إن مما يدل أيضا على حكم الجلود و الجلال و القلائد
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يعطى الجزارين من جلود الهدي و لا جلالها شيئا».
قال في الكافي: و في رواية معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تنتفع بجلد الأضحية و تشترى به المتاع، و إن تصدق به فهو أفضل، و قال: نحر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بدنة، و لم يعط الجزارين من جلودها و لا قلائدها و لا جلالها، و لكن تصدق به، و لا تعط السلاخ منها شيئا، و لكن أعطه من غير ذلك».
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ذبح رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن أمهات المؤمنين بقرة بقرة، و نحر هو ستا و ستين بدنة، و نحر علي (عليه السلام) أربعا و ثلاثين بدنة، و لم يعط الجزارين من جلالها و لا من قلائدها و لا من جلودها، و لكن تصدق به».
____________
(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2.
(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2.
(3) ذكر ذيله في الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 3 و تمامه في التهذيب ج 5 ص 227- الرقم 770 و في الاستبصار ج 2 ص 275- الرقم 979.
74
و قد تقدم
في موثقة إسحاق بن عمار (1) «أنه يخرج بالجلد و السنام و الشيء ينتفع به».
و روى الصدوق (رحمه الله) مرسلا عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (صلوات الله عليهم) «أنه إنما يجوز للرجل أن يدفع الأضحية إلى من يسلخها بجلدها، لأن الله تعالى يقول «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا» (2) و الجلد لا يؤكل و لا يطعم، و لا يجوز ذلك في الهدي».
كذا نقله عنه في كتاب الوسائل (3) و لم أقف عليه في كتاب من لا يحضره الفقيه، و لعله في غيره أو في موضع آخر غير بابه (4).
و روى في كتاب العلل عن صفوان بن يحيى الأزرق (5) قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يعطي الأضحية من يسلخها بجلدها، قال: لا بأس به، إنما قال الله عز و جل «فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا» و الجلد
____________
(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(2) سورة الحج: 22- الآية 28.
(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(4) الفقيه ج 2 ص 130 إلا أن الظاهر منه أن هذه العبارة من الشيخ الصدوق (قده) و ليس بنقل عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام). و يحتمل أن النسخة التي كانت عند صاحب الوسائل (قده) ورد نقل ذلك فيها عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) كما أن العبارة التي قبل هذه الجملة أيضا أسندها صاحب الوسائل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) راجع الباب- 18- من أبواب الذبح- الحديث 14.
(5) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 8.
75
لا يؤكل و لا يطعم».
أقول: و المستفاد من هذه الأخبار بضم بعضها إلى بعض أن الأفضل هو الصدقة بهذه الأشياء أو بثمنها، و أنه يكره إعطاء الجزار شيئا من ذلك أجرة، و إلا فلو أعطاه ذلك صدقة فالظاهر أنه لا بأس به.
و بذلك يظهر أن ما ذهب إليه شيخنا الشهيد الثاني و سبطه (عطر الله تعالى مرقديهما) من وجوب الصدقة ممنوع، لدلالة صحيحة معاوية بن عمار (1) التي نقلها في المدارك على جواز جعل الجلد مصلى في البيت، و دلالة مرسلته (2) التي في الكافي على جواز أن يشتري به المتاع و أن ينتفع به مع تصريحها بأفضلية الصدقة، و دلالة موثقة إسحاق بن عمار (3) على جواز إخراجه معه يعني لأجل الانتفاع به، و حينئذ فتحمل الصدقة بثمنه إذا جعله جرابا كما في صحيحة علي بن جعفر (4) على الفضل و الاستحباب.
و كيف كان فجملة روايات المسألة أولا و آخرا لا دلالة فيها على حكم ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني من الأطراف و الأمعاء، و أنه يجب التصدق بها، فان مورد جملة روايات المسألة إنما هو اللحم و الجلد و الجلال و القلائد، و ما عداها فلم أقف فيه على نص، و الظاهر أن السكوت عنها في الأخبار إنما هو من حيث عدم الرغبة فيها يومئذ من حيث وجود اللحوم و كثرتها.
و العجب من صاحب المدارك أنه بعد أن اعترض على جده بما ذكره وافقه و استدل له بالروايتين المذكورتين، و موردهما أخص من المدعى، و ما ادعاه من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) ذلك لم نقف عليه، و الله العالم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(4) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الذبح- الحديث 4.
76
الحادية عشر [بيان اليوم الذي يجب فيه الذبح أو النحر و تحقيق في جواز تأخيره]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في أن الزمان الذي يجب فيه ذبح الهدي و نحره هو يوم النحر و هو عاشر ذي الحجة، و أنه يجوز إلى تمام ذي الحجة.
قال في المنتهى: «و وقت ذبحه يوم النحر» ثم ذكر أقوال العامة بجواز تقديمه على ذي الحجة، فقال بعد ذلك: «لنا أن النبي (صلى الله عليه و آله) نحر يوم النحر و كذا أصحابه،
و قال (صلى الله عليه و آله): خذوا عني مناسككم (1)».
و على هذا الدليل اقتصر في المدارك فقال:
«إما وجوب ذبحه يوم النحر فهو قول علمائنا و أكثر العامة،
لأن النبي (صلى الله عليه و آله) نحر في هذا اليوم و قال: خذوا عني مناسككم». (2).
و مرجعه إلى التمسك بالتأسي، و قد عرفت في سابق هذه المسألة إنكاره له.
و أما حديث «خذوا عني مناسككم» فلم أقف عليه في أخبارنا، و مع تسليمه فإن الأخذ عنه وجوبا إنما يجب فيما علم وجوبه، و إلا فمجرد فعله (صلى الله عليه و آله) أعم من الواجب و المستحب، كما لا يخفى.
نعم يمكن أن يقال: إن العبادات لما كانت توقيفية فيجب الوقوف فيها على ما بينه صاحب الشريعة و رسمه بقول أو فعل، و الذي ثبت عنه هو النحر في هذا اليوم، فلا تبرأ الذمة و يحصل الخروج عن العهدة إلا بمتابعته فيه.
و أما هدي السياق إذا قلده أو أشعره فإنه قد دلت الأخبار على نحره
____________
(1) تيسير الوصول- ج 1 ص 312.
(2) تيسير الوصول- ج 1 ص 312.
77
يوم الأضحى.
ففي رواية إبراهيم الكرخي (1) المتقدمة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل قدم بهديه مكة في العشر، فقال: إذا كان هديا واجبا فلا ينحره إلا بمنى، و إن كان ليس بواجب فلينحره بمكة إن شاء، و إن كان قد أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم الأضحى».
و في رواية مسمع (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا دخل بهديه في العشر فان كان قد أشعره أو قلده فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى، و إن كان لم يشعره و لم يقلده فلينحره بمكة إذا قدم في العشر».
و الظاهر أن مرادهم بوجوب النحر يوم الأضحى هو أن هذا اليوم مبدأ النحر فلا يجوز قبله، كما ذهب إليه جملة من العامة.
بقي الكلام في أنه هل يجوز التأخير عنه اختيارا إلى تمام ذي الحجة، أو يجزئ ذلك و إن أثم أو يختص التأخير بالعذر؟ احتمالات و أقوال:
ظاهر الشيخ في المصباح كما نقله عنه في المدارك الأول، حيث قال:
«إن الهدي الواجب يجوز ذبحه و نحره طول ذي الحجة، و يوم النحر أفضل» و هو ظاهر عبارة المحقق في الشرائع كما نبه عليه في المدارك، و مثله عبارة العلامة في المنتهى.
و ظاهر كلام المحقق الأردبيلي الآتي الثاني.
و ظاهر كلام الدروس الثالث حيث قال: «و زمانه يوم النحر، فان فات أجزأ في ذي الحجة».
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 1- 5.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الذبح- الحديث 1- 5.
78
قال العلامة في المنتهى في باب الهدي: «أيام النحر بمنى أربعة أيام:
يوم النحر و ثلاثة بعده- ثم ساق البحث و ذكر الأخبار الآتية إلى أن قال-: إذا عرفت هذا فإنه يجب تقديم الذبح على الحلق بمنى، و لو أخره أثم و أجزأ و كذا لو ذبحه في بقية ذي الحجة جاز».
و ظاهر هذا الكلام أن الذبح في الأيام المذكورة إنما هو على جهة الأفضلية و إلا فالتأخير جائز اختيارا كما أشرنا إليه آنفا.
و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد بعد قول المصنف: «و ذبحه يوم النحر» ما ملخصه: «أما زمان الذبح فظاهر الأصحاب أنه لمن كان بمنى يوم النحر و ثلاثة أيام بعده، و زمان الأضحية في غير منى يوم النحر و يومان بعده، و دليلهم عليه مثل صحيحة علي بن جعفر (1)- إلى أن قال- و يعلم منها أنه يجوز تأخير باقي أفعال منى إلى آخر أيام التشريق مثل الحلق و الطواف، حيث إن الذبح مقدم عليهما، و فيه تأمل».
ثم الظاهر أن هذه الأيام أيام الذبح بمعنى الوجوب فيها لا بمعنى الاجزاء فيها و عدم الاجزاء في غيرها. قال في المنتهى: «و لو ذبح في بقية ذي الحجة أجزأ و أثم، و كأنه لا خلاف عندهم في ذلك، و يؤيده كون ذي الحجة بكماله من أشهر الحج، كما يفهم من الآية (2) و الأخبار (3) و ما في
الرواية المعتبرة (4) من ان «من لم يجد هديا و عنده ثمنه يخلّف عند
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) سورة البقرة: 2- الآية 197.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح.
(4) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح- الحديث 1.
79
واحد من أهل مكة يشتري له هديا يذبحه طول ذي الحجة و إن لم يتفق ففي القابل في ذلك الشهر».
فتأمل» انتهى.
أقول: و الروايات المشار إليها في كلامهم (منها)
ما رواه الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال:
«سألته عن الأضحى كم هو بمنى؟ فقال: أربعة أيام، و سألته عن الأضحى في غير منى، فقال: ثلاثة أيام، فقلت: فما تقول في رجل مسافر قدم بعد الأضحى بيومين إله أن يضحي في اليوم الثالث؟ قال: نعم».
و ما رواه في التهذيب و الفقيه في الموثق عن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الأضحى بمنى، فقال: أربعة أيام، و عن الأضحى في سائر البلدان، فقال: ثلاثة أيام».
و زاد في الفقيه «و قال:
لو أن رجلا قدم إلى أهله بعد الأضحى بيومين يضحي في اليوم الثالث الذي قدم فيه».
و ما رواه في الكافي و الفقيه عن كليب الأسدي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النحر، قال: أما بمنى فثلاثة أيام، و أما في البلدان فيوم واحد».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الأضحى يومان بعد يوم النحر، و يوم واحد بالأمصار».
و ما رواه في التهذيب و من لا يحضره الفقيه عن منصور بن حازم (5)
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 5.
80
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: النحر بمنى ثلاثة أيام، فمن أراد الصوم لم يصم حتى تمضي الثلاثة الأيام، و النحر بالأمصار يوم، فمن أراد أن يصوم صام من الغد».
و بهذه الرواية الأخيرة جمع الصدوق (قدس سره) بين خبري عمار و كليب المذكورين، فقال بعد نقلهما: «قال مصنف هذا الكتاب (رضي الله عنه): هذان الحديثان متفقان غير مختلفين، و ذلك أن خبر عمار هو للتضحية وحدها و خبر كليب للصوم وحده، و تصديق ذلك ما رواه سيف بن عميرة عن منصور بن حازم» ثم ساق الخبر المذكور.
و معناه أن خبر عمار و مثله أيضا صحيحة علي بن جعفر موردهما الزمان الذي يستحب فيه التضحية أو يجب فيه الهدي في منى أو التضحية في الأمصار و خبر كليب و مثله صحيحة محمد بن مسلم مراد به الزمان الذي يجوز صومه فلا يجوز في منى إلا بعد ثلاثة أيام، و في الأمصار يجوز الصوم بعد يوم النحر حسب ما دل عليه خبر منصور المذكور، و يفهم منه جواز صوم اليوم الثالث عشر مع أنه من أيام التشريق التي سيأتي إنشاء الله تعالى ورود الاخبار بتحريم صومها في منى، و اتفاق الأصحاب على ذلك.
و الأظهر كما ذكره السيد السند (قدس سره) في المدارك حمل صحيحة منصور على الصوم بدلا من الهدي، لما سيأتي إنشاء الله تعالى من أن الأظهر جواز الصوم يوم الحصبة- و هو يوم النفر- في بدل الهدي، قال: «و الأجود حمل روايتي محمد بن مسلم و كليب الأسدي على أن الأفضل ذبح الأضحية في الأمصار يوم النحر، و في منى في يوم النحر أو في اليومين الأولين من أيام التشريق» انتهى.
81
و قد تقدمه في الحمل على ذلك شيخه المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و تبعهما المحقق الشيخ حسن في كتاب المنتقى، فقال بعد نقل صحيحة محمد بن مسلم: «و ينبغي أن يكون وجه الجمع بين هذا و بين خبر علي بن جعفر المتضمن لكون الأضحى في غير منى ثلاثة أيام ارادة الفضيلة في اليوم و الاجزاء في الزائد، لا ما ذكره الشيخ من حمل هذا الخبر على إرادة الأيام التي لا يجوز فيها الصوم» انتهى.
أقول: و مما يدل على ما ذكروه (نور الله تعالى مراقدهم)
ما رواه الشيخ عن غياث بن إبراهيم (1) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «الأضحى ثلاثة أيام، و أفضلها أولها».
و به يزول الاشكال المشار إليه آنفا.
و أما أن الذبح يجوز إلى تمام ذي الحجة و إن أثم بتأخيره فلم أقف فيه على خبر صريح إلا ما عرفته من كلام المحقق المشار إليه و استدلاله الذي اعتمد عليه، مع أنه
قد روى الكليني و الشيخ في التهذيب عن أبي بصير (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أ يذبح أو يصوم؟ قال:
بل يصوم، فإن أيام الذبح قد مضت».
و حمله الشيخ في الاستبصار على من لم يجد الهدي و لا ثمنه و صام الثلاثة الأيام ثم وجد ثمن الهدي فعليه أن يصوم السبعة.
قال في الدروس: «و يشكل بأنه إحداث قول ثالث إلا أن يبنى على
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح- الحديث 3.
82
جواز صيامه في أيام التشريق».
أقول: و فيه أيضا
أن الشيخ نفسه قد روى هذه الرواية في التهذيب بسند آخر (1) و فيها: «عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي و لم يصم الثلاثة الأيام».
و هي صريحة في رد هذا الحمل و بطلانه.
و ظاهر الصدوق في الفقيه الإفتاء بمضمون هذه الرواية، حيث قال:
«و إذا لم يصم الثلاثة الأيام فوجد بعد النفر ثمن الهدي فإنه يصوم الثلاثة الأيام، لأن أيام الذبح قد مضت».
و المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و سيأتي إنشاء الله تعالى ما ينتظم في سلك هذا المقال.
فائدتان
الأولى [هل يجوز الذبح في الليالي المتخللة لأيام النحر؟]:
قال العلامة في المنتهى بعد ذكر الكلام المتقدم نقله عنه: «فرع:
الليالي المتخللة لأيام النحر قال أكثر فقهاء الجمهور إنه يجزئ فيها ذبح الهدي، لأن هاتين الليلتين داخلتان في مدة الذبح، فجاز الذبح فيها كالأيام، احتجوا بقوله تعالى (2) «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» و الليالي تدخل في اسم الأيام» ثم أجاب بالمنع من ذلك.
____________
(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) سورة الحج: 22- الآية 28.
83
و ظاهر شيخنا في الدروس الجواز، حيث قال: «لو ذبح ليالي التشريق فالأشبه الجواز، و إن منعناه فهو مقيد بالاختيار، فيجوز مع الاضطرار، نعم يكره اختيارا و كذا الأضحية».
أقول: و المسألة عندي محل توقف في حال الاختيار، لعدم النص الوارد في ذلك.
الثانية [جواز الذبح في ليلة النحر للعذر]:
روى الشيخ (رحمه الله) في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يرمي الخائف بالليل و يضحي و يفيض بالليل».
و روى الكليني في الصحيح أو الحسن عن زرارة و محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (عليه السلام) «في الخائف أنه لا بأس أن يضحى بالليل» الحديث.
أقول: و يستفاد منهما جواز تقديم الذبح على وقته- و هو يوم النحر- في مقام العذر عن الإتيان به في وقته. و منهما يستفاد أيضا الجواز في الفائدة السابقة في مقام الاضطرار أيضا، و الله العالم.
الثانية عشر [عدم وجوب بيع ثياب التجمل لشراء الهدي]:
قد ذكر الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه لا يجب بيع ثياب التجمل في الهدي إذا لم يجد ثمنه، بل يقتصر على الصوم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الذبح- الحديث 2.
84
و استدل عليه الشيخ في التهذيب
بما رواه عن علي بن أسباط عن بعض أصحابه (1) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قلت له:
رجل تمتع بالعمرة إلى الحج و في عيبته ثياب إله أن يبيع من ثيابه شيئا و يشتري بدنة؟ قال: لا، هذا يتزين به المؤمن، يصوم و لا يأخذ من ثيابه شيئا».
قال في المدارك بعد نقل ذلك: «و الرواية ضعيفة السند بالإرسال و غيره، و لكن لا ريب في عدم وجوب بيع ما تدعو الضرورة إليه من ذلك و غيره».
و فيه (أولا) أن الطعن بضعف السند لا يقوم حجة على الشيخ و أمثاله، كما عرفت في غير مقام مما تقدم.
و (ثانيا) أنه
قد روى الشيخ في التهذيب عن أحمد بن محمد بن عيسى عن احمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المتمتع يكون له فضول من الكسوة بعد الذي يحتاج إليه، فتسوى تلك الفضول مائة درهم يكون ممن يجب عليه؟ فقال: له بد من كراء و نفقة؟ فقلت: له كراء و ما يحتاج إليه بعد هذا الفضل من الكسوة، قال: و أي شيء كسوة بمأة درهم؟ هذا مما قال الله عز و جل (3):
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ».
و طريق الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى في مشيخة الكتاب صحيح، فتكون الرواية
____________
(1) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الذبح- الحديث 2- 1.
(2) الوسائل- الباب- 57- من أبواب الذبح- الحديث 2- 1.
(3) سورة البقرة: 2- الآية 196.
85
صحيحة صريحة في المدعى.
بقي الكلام فيما لو باع و الحال هذه من الثياب المذكورة و اشترى هديا فهل يجزئ عنه؟ إشكال من أن ظاهر الخبرين المذكورين انتقال فرضه إلى الصيام في هذه الحال فلا يجزؤه، لتعين الصوم عليه، و من انه يحتمل أن يكون ذلك على وجه الرخصة و نفي اللزوم، قال الشيخ في التهذيب: «لا يلزمه بيعها- أي ثياب الزينة- في ثمن الهدي، بل يجزوه الصوم» و هو ظاهر في الرخصة.
و قال في المدارك بعد قصره الحكم على ما تدعو الحاجة إليه باعتبار طعنه في الرواية- كما قدمنا نقله عنه- ما لفظه: «و لو باع شيئا من ذلك مع الحاجة إليه و اشترى بثمنه هديا قيل أجزأ، كما لو تبرع عليه متبرع بالهدي، و يمكن المناقشة فيه بأن الآتي بذلك آت بغير ما هو فرضه، إذ الفرض الإتيان بالبدل و الحال هذه، و الحاقه بحال التبرع قياس مع الفارق».
أقول: بل الوجه في أحد طرفي الاشكال إنما هو ما ذكرناه من الاحتمال و هو مما لا مدفع له في هذا المجال، و الله العالم.
86
المقام الثاني في صفاته
و الكلام فيها في موضعين:
[الموضع] الأول: في ما يجب منها:
و هو ثلاثة،
الأول [وجوب كون الهدي من أحد النعم الثلاثة]:
الجنس، و يجب أن يكون أحد النعم الثلاثة: الإبل و البقر و الغنم إجماعا من العلماء، و يدل عليه بعد الآية- و هي قوله عز و جل (1) «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ، فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ»- عدة أخبار.
منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن زرارة بن أعين (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في المتمتع قال: عليه الهدي، فقلت: و ما الهدي؟ قال:
أفضله بدنة و أوسطه بقرة و أخسه شاة».
و ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «قال
____________
(1) سورة الحج: 22- الآية 28.
(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبح- الحديث 5. راجع التعليقة (2) من ص 26.
(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبح- الحديث 4.
87
أبو عبد الله (عليه السلام) إذا رميت الجمرة فاشتر هديك إن كان من البدن أو من البقر، و إلا فاجعله كبشا سمينا فحلا، فان لم تجده فموجوء من الضأن، فان لم تجد فتيسا فحلا فان لم تجد فما تيسر عليك، و عظم شعائر الله، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذبح عن أمهات المؤمنين بقرة بقرة، و نحر بدنة».
و عن أبي بصير (1) قال: «سألته عن الأضاحي، فقال: أفضل الأضاحي في الحج الإبل و البقر، و قال: ذو الأرحام، و قال: و لا يضحى بثور و لا جمل».
و عن داود الرقي (2) قال: «سألني بعض الخوارج عن هذه الآية «مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ. وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ» (3) ما الذي أحل الله من ذلك و ما الذي حرم؟ فلم يكن عندي فيه شيء، فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) و أنا حاج فأخبرته بما كان، فقال: إن الله عز و جل أحل في الأضحية بمنى الضأن و المعز الأهلية، و حرم أن يضحي بالجبلية و أما قوله «وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ» فان الله تعالى أحل في الأضحية الإبل العرب، و حرم فيها البخاتي و أحل البقر الأهلية أن يضحى بها، و حرم الجبلية، فانصرفت إلى الرجل فأخبرته بهذا الجواب، فقال: هذا شيء حملته الإبل من الحجاز».
و روى العياشي في تفسيره عن صفوان الجمال (4) قال: «كان متجري
____________
(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبح- الحديث 5- 6.
(3) سورة الأنعام: 6- الآية 143 و 144.
(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبح- الحديث 5- 6.
88
إلى مصر و كان لي بها صديق من الخوارج، فأتاني في وقت خروجي إلى الحج، فقال لي: هل سمعت شيئا من جعفر بن محمد في قوله عز و جل:
ثَمٰانِيَةَ أَزْوٰاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحٰامُ الْأُنْثَيَيْنِ، وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ أيما أحل و أيما حرم؟؟ فقلت: ما سمعت منه في هذا شيئا، فقال لي: أنت على الخروج فأحب أن تسأله عن ذلك، قال فحججت فدخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته عن مسألة الخارجي، فقال: حرم من الضأن و من المعز الجبلية، و أحل الأهلية، و حرم من البقرة الجبلية، و من الإبل البخاتي يعني في الأضاحي، قال: فلما انصرفت أخبرته، فقال: أما أنه لو لا ما أهراق أبوه من الدماء ما اتخذت إماما غيره».
الثاني: السن
، قال في المنتهى: «و لا يجزئ في الهدي إلا الجذع من الضأن و الثني من غيره، و الجذع من الضأن الذي له ستة أشهر، و ثني المعز و البقر ما له سنة و دخل في الثانية، و ثني الإبل ما له خمس سنين و دخل في السادسة».
و قال في الدروس: «و لا يجزئ غير الثني، و هو من البقر و المعز ما دخل في الثانية، و من الإبل ما دخل في السادسة، و من الضأن ما كمل له سبعة أشهر، و قيل ستة أشهر» و على هذا النحو عبائر جملة من الأصحاب.
أقول: أما أنه لا يجزى إلا هذه الأسنان من الجذع في الضأن و الثني في غيره فهو مذهب كافة الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و أكثر العامة كما ذكره في المنتهى.
و يدل عليه من الأخبار
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان (1)
____________
(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح- الحديث 2.
89
قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: يجزئ من الضأن الجذع، و لا يجزئ من المعز إلا الثني».
و في الصحيح عن عيص بن القاسم (1) عن أبي عبد الله عن علي (عليهما السلام) «أنه كان يقول: الثنية من الإبل و الثنية من البقر و الثنية من المعز، و الجذعة من الضأن».
و في الصحيح عن حماد بن عثمان (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أدنى ما يجزئ من أسنان الغنم في الهدي، فقال: الجذع من الضأن، قلت:
فالمعز؟ قال: لا يجوز الجذع من المعز، قلت: و لم؟ قال: لأن الجذع من الضأن يلقح، و الجذع من المعز لا يلقح».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإبل و البقر أيهما أفضل أن يضحي بها؟
قال: ذوات الأرحام، و سألته عن أسنانها، فقال: أما البقر فلا يضرك بأي أسنانها ضحيت، و أما الإبل فلا يصلح إلا الثني فما فوق».
و في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و يجزئ في المتعة الجذع من الضأن، و لا يجزئ جذع من المعز».
و عن محمد بن حمران (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«أسنان البقر تبيعها و مسنها في الذبح سواء».
أقول: و التبيع هو ما دخل في الثانية.
و عن أبي بصير (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال:
____________
(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح الحديث 5.
(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح الحديث 6.
(5) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح الحديث 7.
(6) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح الحديث 8.
90
«يصلح الجذع من الضأن، و أما الماعز فلا يصلح».
و عن سلمة بن حفص (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«كان علي (عليه السلام)- الى أن قال-: و كان يقول: يجزئ من البدن الثني، و من المعز الثني، و من الضأن الجذع».
و أما أن الثني من أسنان الإبل و البقر و الغنم و الجذع من الضأن ما تقدم نقله عنهم فهو المشهور في كلامهم، و قد تقدم في كتاب الزكاة (2) ذكر الاختلاف في هذه الأسنان بين كلام الأصحاب و كلام أهل اللغة، بل بين كلام أهل اللغة بعضهم مع بعض، و الواجب الرجوع إلى الاحتياط.
إلا أن الموجود في كتاب الفقه الرضوي هنا ما يدل على القول المشهور،
حيث قال (عليه السلام) (3): «و لا يجوز في الأضاحي من البدن إلا الثني، و هو الذي تم له خمس سنين و دخل في السادسة، و يجزئ من
____________
(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الذبح- الحديث 9 عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام).
(2) راجع ج 12 ص 66- 68.
(3) المستدرك- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 2 و البحار ج 99 ص 290. و فيهما «و لا يجوز في الأضاحي من البدن إلا الثني، و هو الذي تمت له سنة و يدخل في الثاني، و من الضأن الجذع لسنة» و الموجود في فقه الرضا ص 28 أيضا كذلك.
91
المعز و البقر الثني، و هو الذي تم له سنة و دخل في الثانية، و من الضأن الجذع لسنته».
و بهذه العبارة بعينها عبر الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه، و قال في باب الأضاحي: «و لا يجوز في الأضاحي من البدن إلا الثني» إلى آخر ما نقلناه من الكتاب، و بذلك يظهر قوة القول المشهور و يتعين العمل به.
و المراد بقوله (عليه السلام): «و من الضأن الجذع لسنته» يعني بعد أن يجذع إلى تمام السنة، فإذا كملت له السنة و دخل في غيرها خرج عن هذا الاسم إلى غيره، و بذلك عبر جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) كالمحقق في الشرائع.
الثالث: أن يكون تاما
، و هو يتضمن أمورا:
(منها) أن لا يكون أعور و لا أعرج بين العرج
. و يدل على ذلك
ما رواه الصدوق و الشيخ في الصحيح عن علي بن جعفر (1) «أنه سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن الرجل يشتري الأضحية عوراء فلا يعلم إلا بعد شرائها هل يجزئ عنه؟ قال: نعم إلا أن يكون هديا واجبا، فإنه لا يجوز أن يكون ناقصا».
و ما رواه في الكافي عن السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه
____________
(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 5 مع اختلاف يسير في اللفظ.
92
(عليهم السلام) قال: «قال النبي (صلى الله عليه و آله): لا تضحي بالعرجاء و لا بالعجفاء و لا بالخرقاء و لا بالجذاء و لا بالعضباء».
أقول: العجفاء: المهزولة، و الخرقاء: المخروقة الأذن أو التي في أذنها ثقب مستدير، و الجذاء: المقطوعة، و المراد هنا المقطوعة الاذن، و العضباء: المكسورة القرن الداخل أو مشقوقة الاذن.
و ما رواه في التهذيب عن السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام)
و رواه الصدوق مرسلا (2) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا تضحي بالعرجاء بين عرجها، و لا بالعوراء بين عورها، و لا بالعجفاء، و لا بالخرماء، و لا بالجذاء، و لا بالعضباء».
و في الفقيه «الجرباء» بدل «الخرماء» و «الجدعاء» مكان «الجذاء» و «الجدعاء» بالجيم و المهملتين:
المقطوعة الأنف و الاذن، و «الخرماء» بالخاء المعجمة و الراء: المثقوبة الاذن و المشقوقة.
و ما رواه الشيخ في التهذيب مسندا عن شريح بن هاني (3) عن علي (عليه السلام) و الصدوق (رحمه الله) مرسلا (4) عن علي (عليه السلام) قال: «أمرنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الأضاحي أن نستشرف العين و الاذن، و نهانا عن الخرقاء و الشرقاء و المقابلة و المدابرة».
____________
(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 3 و ذكره في الفقيه- ج 2 ص 293- الرقم 1450.
(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) أشار إليه في الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 2 و ذكره في الفقيه- ج 2 ص 293- الرقم 1449.
93
قال في الوافي «نستشرف العين و الاذن: أي نتفقدهما و نتأمل سلامتهما لئلا يكون فيهما نقص من عوار أو جدع من استشرفت الشيء إذا وضعت يدك على حاجبك تنظر إليه حتى يستبين أو تطلبهما شريفتين بالتمام و السلامة، و الشرقاء بالقاف: مشقوقة الأذن طولا باثنتين، و المقابلة و المدابرة: الشاة التي شق اذنها ثم يفتل ذلك معلقا فإن أقبل به فهو إقباله، و إن أدبر به فادباره، و الجلدة المعلقة من الاذن هي الاقبالة و الادبارة و الشاة مقابلة و مدابرة» انتهى. و بنحو ذلك صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
قال في المدارك: «و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في العور بين كونه بينا كانخساف العين و غيره كحصول البياض عليها، و بهذا التعميم صرح في المنتهى، و أما العرج فاعتبر الأصحاب فيه كونه بينا، كما ورد في رواية السكوني (1) و فسروا البين بأنه المتفاحش الذي يمنعها السير مع الغنم و مشاركتهن في العلف و المرعى، فتهزل، و مقتضى صحيحة علي بن جعفر (2) عدم إجزاء الناقص من الهدي مطلقا» انتهى.
أقول: لا ريب أن صحيحة علي بن جعفر و إن دلت على ما ذكره، لكن طريق الجمع بينها و بين رواية السكوني الثانية الدالة على تقييد العرج و العور بالبين تقييد الصحيحة المذكورة بها و حمل المطلق على المقيد، كما هي القاعدة المطردة إلا أن مقتضى اصطلاحه الذي يعتمده أن الجمع بين الاخبار فرع تساويها في الصحة، لكن يرد عليه الاستدلال هنا برواية السكوني، و لعله لهذا أجمل في العبارة، حيث اقتصر على مجرد نسبة ذلك إلى الصحيحة المذكورة.
____________
(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 1.
94
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مقتضى إطلاق صحيحة علي بن جعفر المتقدمة- أنه لو اشترى الهدي على أنه تام ثم ظهر النقصان لم يجزه- أعم من أن يكون ظهور النقصان بعد الذبح أو قبله، قبل نقد الثمن أو بعده، و كذلك أطلق جملة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) قال في الشرائع: «و لو اشتراها على أنها تامة فبانت ناقصة لم يجز».
قال شيخنا في المسالك: «لا فرق بين ظهور المخالفة قبل الذبح و بعده» و بنحو ذلك بل أصرح منه صرح في المدارك.
و قال في الدروس: «و لو ظن التمام فظهر النقص لم يجز».
و قال في المنتهى: «و لو اشترى على أنه تام فبان ناقصا لم يجز عنه، لما تقدم في حديث علي بن جعفر (1)» و على هذا النحو كلامهم.
إلا أن المفهوم من كلام الشيخ في التهذيب الخلاف في المسألة، حيث خص الحكم المذكور بما إذا كان قبل نقد الثمن، قال في التهذيب: «إن من اشترى هديا فلم يعلم أن به عيبا حتى نقد ثمنه ثم وجد به عيبا فإنه يجزئ عنه».
و استدل على ذلك
بما رواه عن عمران الحلبي (2) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من اشترى هديا فلم يعلم أن به عيبا حتى نقد ثمنه ثم علم بعد فقد تم».
ثم قال: «و لا ينافي هذا الخبر
ما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم
____________
(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الذبح- الحديث 3.
95
عن أبيه عن ابن أبي عمير عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى هديا و كان به عيب عور أو غيره، فقال: إن كان نقد ثمنه رده و اشترى غيره».
لأن هذا الخبر محمول على من اشترى و لم يعلم أن به عيبا ثم علم قبل أن ينقد الثمن عليه ثم نقد الثمن بعد ذلك، فان عليه رد الهدي و أن يسترد الثمن و يشتري بدله، و لا تنافي بين الخبرين».
و قال في المدارك بعد نقل ذلك عنه: «هذا كلامه (رحمه الله) و لا بأس به».
أقول: لا يخفى أن الشيخ (رحمه الله) إنما نقل رواية معاوية بن عمار من طريق محمد بن يعقوب، و الموجود في الكافي (2) هكذا «فقال: إن كان نقد ثمنه فقد أجزأ عنه، و إن لم يكن نقد ثمنه رده و اشترى غيره» و على هذا فلا تنافي بين هذه الرواية و بين رواية عمران الحلبي المذكورة ليحتاج إلى الجمع بينهما بما ذكره، و كأنه قد سقط من نسخة الكافي التي كانت عند الشيخ هذه الجملة المتوسطة، أو انتقل نظره في حال النقل من «ثمنه» الأول إلى «ثمنه» الثاني من حيث الاستعجال، و هو الظاهر كما وقع له أمثال ذلك في غير موضع.
و صاحب المدارك اعتمد على ما نقله الشيخ (رحمه الله) هنا من نقل رواية معاوية بن عمار بهذا المتن الذي ذكره، و لم يراجع الكافي، فنقل
____________
(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الذبح- الحديث 1 و التهذيب ج 5 ص 214- الرقم 721 راجع الاستبصار ج 2 ص 269- الرقم 954.
(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الذبح- الحديث 1 و الكافي ج 4 ص 490.
96
ذلك عنه في المدارك و نفى عنه البأس.
و ربما وجد في بعض نسخ المدارك ما يؤذن بالعدول عما ذكره هنا و التنبيه على سهو الشيخ (رحمه الله تعالى) في ذلك، إلا أن أكثر نسخ الكتاب على ما ذكرناه، و لعله عدول منه (قدس سره) بعد أن خرجت نسخة الكتاب و انتشر نسخها.
و قد وقع لشيخنا الشهيد (رحمه الله) في الدروس مثل ما نقلناه عن المدارك من متابعة الشيخ في هذا السهو، حيث قال: «و روى الحلبي إجزاء المعيب إذا لم يعلم بعيبه حتى نقد الثمن و روى معاوية عدم الاجزاء» انتهى.
و كيف كان فإنه لا يخفى صحة الخبرين المذكورين و صراحتهما و إن كان خبر معاوية بن عمار من قسم الحسن عندهم بإبراهيم بن هاشم الذي لا يقصر عن الصحيح عندهم و إن كان صحيحا عندنا، و طريق الجمع بينهما و بين صحيحة علي بن جعفر المذكورة إما بتقييد إطلاق صحيحة علي بن جعفر بعدم نقد الثمن، و إما بحملها على الهدي الواجب، و حمل الروايتين المذكورتين على غيره.
و العجب من العلامة في المنتهى أنه نقل كلام الشيخ المذكور في فروع المسألة و لم ينكره، و نقل في الفرع الذي بعده ما قدمنا نقله عنه من عدم الاجزاء استنادا إلى صحيحة علي بن جعفر و لم يتعرض للجواب عن كلام الشيخ و لا عن الرواية التي استدل بها، و كذلك صاحب المدارك.
و بالجملة فطريق الاحتياط يقتضي الوقوف على ما أفتى به الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم).
و (منها) أن لا ينكسر قرنها الداخل
، و هو الأبيض الذي في وسط
97
الخارج، أما الخارج فلا اعتبار به.
و يدل على الأمرين المذكورين
ما رواه الشيخ عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أبي جعفر عن علي عن أيوب بن نوح عن ابن أبي عمير عن جميل بن دراج (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «في المقطوع القرن أو المكسور القرن إذا كان القرن الداخل صحيحا فلا بأس و إن كان القرن الظاهر الخارج مقطوعا».
و وصف في المدارك هذا السند بالصحة حيث أسند إلى الشيخ أنه روى هذه الرواية في الصحيح، مع أن عليا المذكور في السند غير معلوم كما لا يخفى (2).
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن و في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن جميل (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الأضحية يكسر قرنها، قال: إذا كان القرن الداخل صحيحا فهو يجزئ».
قال في الفقيه: «سمعت شيخنا محمد بن الحسن (رضي الله تعالى عنه) يقول: سمعت محمد بن الحسن الصفار (رضي الله تعالى عنه) يقول:
إذا ذهب من القرن الداخل ثلثاه و بقي ثلثه فلا بأس أن يضحى به».
و رده جملة من متأخري الأصحاب لمخالفته مقتضى الروايتين المذكورتين.
قال في الدروس في عد ما لا يجزئ: «و لا مكسور القرن الداخل و إن بقي ثلثه، خلافا للصفار».
و (منها) أن لا تكون مقطوعة الاذن و لو قليلا
.
____________
(1) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الموجود في التهذيب ج 5 ص 213- الرقم 717 «. عن أبي جعفر عن أيوب بن نوح.» و لكن في الوسائل في الباب المشار اليه آنفا «. عن أبي جعفر عن علي عن أيوب بن نوح.».
(3) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الذبح- الحديث 1.
98
و يدل عليه ما تقدم في روايتي السكوني (1) و رواية شريح بن هاني (2) و يدل عليه أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) بإسناده عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سئل عن الأضاحي إذا كانت الأذن مشقوقة أو مثقوبة بسمة، فقال: ما لم يكن منها مقطوعا فلا بأس».
و ما رواه الكليني في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الضحية تكون الأذن مشقوقة، فقال: إن كان شقها وسما فلا بأس و إن كان شقا فلا يصلح».
و عن سلمة أبي حفص (5) عن أبي عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يكره التشريم في الآذان و الخرم، و لا يرى بأسا إن كان ثقب في موضع المواسم».
و المستفاد من هذه الاخبار أنه لا بأس بالشق و الثقب ما لم يوجب ذهاب شيء منها.
و قد قطع الأصحاب باجزاء الجماء: و هي التي لم يخلق لها قرن و الصمعاء:
و هي الفاقدة الاذن خلقة للأصل، و لأن فقد هذه الأعضاء لا يوجب نقصا في قيمة الشاة و لا في لحمها، و في التعليل الثاني نظر، لإتيان ذلك في مثقوبة الاذن و مشقوقها على وجه يذهب منها شيء، و هم لا يقولون به، بل
____________
(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 3 و 5.
(2) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2- 3.
(4) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2- 3.
(5) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2- 3.
99
الأظهر هو دخول هذه الشاة في عموم أخبار الهدي و الأضحية من غير معارض يوجب الاستثناء، و مرجعه إلى الأصل المذكور الذي هو بمعنى عموم الدليل لأنه أحد معاني الأصل كما تقدم في مقدمات الكتاب (1).
و استقرب العلامة في المنتهى إجزاء البتراء أيضا، و هي المقطوعة الذنب، قال في المدارك: «و لا بأس به».
أقول: و نفي البأس لا يخلو من بأس.
و قال في الدروس: «و تجزئ الجماء و هي الفاقدة القرن خلقة و الصمعاء و هي الفاقدة الأذن خلقة أو صغيرتها على كراهة، و في إجزاء البتراء- و هي المقطوعة الذنب- قول» و ظاهره التوقف في البتراء و هو في محله.
ثم إن الذي صرح به الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في تفسير الصمعاء كما سمعت أنها هي الفاقدة الاذن أو صغيرتها، و الذي في كلام أهل اللغة إنما هو الثاني خاصة.
قال في القاموس: «الأصمع: الصغير الاذن».
و قال في النهاية الأثيرية: «الاصمع: الصغير الاذن من الناس و غيرهم و منه حديث ابن عباس (2) كان لا يرى بأسا أن يضحي بالصمعاء أي الصغيرة الأذنين».
و قال الفيومي في المصباح المنير: «الصمع: لصوق الأذنين و صغيرهما».
و أما إطلاقه على الفاقدة الأذنين فلم أقف عليه في شيء منها، و لم أعرف
____________
(1) راجع ج 1 ص 41.
(2) سنن البيهقي- ج 9 ص 276.
100
لهم مستندا فيما ذكروه (رضوان الله تعالى عليهم).
و (منها) أن لا يكون خصيا فحلا
على خلاف فيه، فذهب الأكثر إلى عدم إجزائه، بل ظاهر العلامة في التذكرة أنه قول علمائنا اجمع، و نحوه في المنتهى، و نقل في المختلف عن ابن أبي عقيل أنه يكره، و المعتمد المشهور، للأخبار الصحيحة الدالة على عدم الاجزاء إلا مع عدم غيره، و بذلك صرح الشيخ (رحمه الله) أيضا، حيث قال في النهاية: «لا يجوز في الهدي الخصى، فمن ذبح خصياً و كان قادرا على أن يقيم بدله لم يجزه ذلك، و وجب عليه الإعادة، فان لم يتمكن من ذلك فقد أجزأ عنه».
و من الاخبار المشار إليها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن ابن الحجاج (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يشتري الهدي فلما ذبحه إذا هو خصي مجبوب و لم يكن يعلم أن الخصي لا يجوز في الهدي، هل يجزوه أم يعيده؟ قال: لا يجزوه إلا أن يكون لا قوة به عليه».
و عنه في الصحيح أيضا (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الكبش فيجده خصيا مجبوبا، قال: إن كان صاحبه موسرا فليشتر مكانه».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «أنه سئل عن الأضحية فقال: أقرن فحل- إلى أن قال-:
و سألته أ يضحي بالخصي؟ فقال: لا».
____________
(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح- الحديث 3- 4- 1.
(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح- الحديث 3- 4- 1.
(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح- الحديث 3- 4- 1.
101
و في الصحيح عنه أيضا (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الأضحية بالخصي، فقال: لا».
و عن الحلبي في الصحيح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«النعجة من الضأن إذا كانت سمينة أفضل من الخصي، و قال: الكبش السمين خير من الخصي و من الأنثى، و قال: سألته عن الخصي و عن الأنثى، فقال: الأنثى أحب إلي من الخصي».
و عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) في الصحيح قال: «سئل عن الخصي يضحى به فقال: إن كنتم تريدون اللحم فدونكم، و قال: لا يضحى إلا بما عرف به».
و عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال:
«قلت: فالخصي يضحى به، قال: لا إلا أن لا يكون غيره».
و روى الصدوق في الفقيه مرسلا (5) قال: «قال الصادق (عليه السلام):
«الخصي لا يجزئ في الأضحية».
و في كتاب عيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان (6) عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون قال: «و لا يجوز أن يضحى بالخصي، لأنه ناقص، و يجوز الموجاء».
و في كتاب قرب الاسناد بسنده عن عبد الله بن بكير (7) «ان أبا عبد الله (عليه السلام) سئل أ يضحى بالخصي؟ فقال: إن كنتم إنما تريدون اللحم فدونكم أو عليكم».
احتج لابن أبي عقيل في المختلف بقوله تعالى (8):
____________
(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح الحديث 8.
(5) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح الحديث 9.
(6) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح الحديث 10.
(7) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح الحديث 11.
(8) سورة البقرة: 2- الآية 196.
102
«فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» و لأنه أنفع للفقراء، ثم أجاب عنه بالأخبار الصحيحة التي نقلها و إطلاق جملة من عبائر الأصحاب يدل على المنع و عدم الاجزاء مطلقا، و لم أقف على من قيد بما قدمناه إلا على عبارة الشيخ المتقدمة، و نحوها في الدروس، و استظهره في المدارك، و لا ريب فيه، لما عرفت من الاخبار المتقدمة.
و يؤكده
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) في حديث قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): اشتر فحلا سمينا للمتعة فان لم تجد فموجوءا، فان لم تجد فمن فحولة المعز، فان لم تجد فنعجة، فان لم تجد فما استيسر من الهدي» الحديث.
و (منها) أن لا تكون مهزولة
، و هي التي ليس على كليتها شحم، و لو اشتراها على أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت، و كذا لو اشتراها على أنها مهزولة فخرجت سمينة، اما لو اشتراها على أنها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجز.
و مما يدل على هذه الأحكام المذكورة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «و إن اشترى أضحية و هو ينوي أنها سمينة فخرجت مهزولة أجزأت عنه، و ان نواها مهزولة فخرجت سمينة أجزأت عنه، و إن نواها مهزولة فخرجت مهزولة لم تجز عنه».
و عن منصور في الصحيح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«و إن اشترى الرجل هديا و هو يرى أنه سمين أجزأ عنه و إن لم يجده سمينا، و من اشترى هديا و هو يرى أنه مهزول فوجده سمينا أجزأ عنه
____________
(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 2.
103
و إن اشتراه و هو يعلم أنه مهزول لم يجز عنه».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اشترى الرجل البدنة مهزولة فوجدها سمينة فقد أجزأت، عنه و إن اشتراها مهزولة فوجدها مهزولة فإنها لا تجزئ عنه».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «قال علي (عليه السلام) إذا اشترى الرجل البدنة عجفاء فلا تجزئ عنه، و إن اشتراها سمينة فوجدها عجفاء أجزأت عنه، و إن اشتراها عجفاء فوجدها سمينة أجزأت عنه، و في هدي المتمتع مثل ذلك».
قال في الوافي: «قوله: «و في هدي المتمتع مثل ذلك» يحتمل أن يكون من تمام الحديث و أن يكون من كلام صاحب الكتاب، و على الثاني يحتمل أن يكون بتقدير «قال» فيكون حديثا آخر، و إن يكون فتو منه مستفادا من حديث آخر» انتهى.
و روى في الكافي في الصحيح عن العيص بن القاسم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الهرم الذي قد وقعت ثناياه أنه لا بأس به في الأضاحي و إن اشتريته مهزولا فوجدته سمينا أجزأ، و إن اشتريته مهزولا فخرج مهزولا فلا يجزئ».
____________
(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 8. و ليس فيه قوله: «و إن اشتراها عجفا فوجدها سمينة أجزأت عنه» و كذلك في الفقيه ج 2 ص 297- الرقم 1471.
(3) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 6.
104
قال: «و في رواية أخرى (1) أن حد الهزال إذا لم يكن على كليته شيء من الشحم».
و روى في الكافي و التهذيب عن الفضيل (2) قال: «حججت بأهلي سنة فعزت الأضاحي فانطلقت فاشتريت شاتين بغلاء، فلما ألقيت إهابهما ندمت ندامة شديدة لما رأيت بهما من الهزال فأتيته فأخبرته بذلك، فقال لي:
إن كان على كليتهما شيء من الشحم أجزأنا».
قال في المدارك: «و في طريق هذه الرواية ياسين الضرير، و هو غير موثق، و لو قيل بالرجوع في حد الهزال إلى العرف لم يكن بعيدا».
أقول: لا يخفى أن الرواية و إن كانت ضعيفة باصطلاحه إلا أنه لا راد لها من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و قد تقدم منه قريبا أنه لا خروج عما عليه الأصحاب، فلا وجه لردها بذلك بعد اتفاقهم على الحكم هذا مع ما بينا في غير موضع مما تقدم ما في الرجوع إلى العرف من الاشكال، مضافا إلى عدم الدليل عليه في أمثال هذا المجال.
بقي الكلام في موضعين
(أحدهما) أن يشتريها على أنها مهزولة ثم يذبحها فتظهر سمينة
، فإن المشهور الاجزاء كما قدمنا ذكره.
و نقل عن ابن أبي عقيل أنها لا تجزئ، لأن ذبح ما يعتقد كونه مهزولا غير جائز، فلا يمكن التقرب به إلى الله، و إذا انتفت نية القربة
____________
(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح- الحديث 3 عن الفضل، إلا أن الموجود في الكافي ج 4 ص 492 و التهذيب ج 5 ص 212 الرقم 714 عن الفضيل.
105
انتفى الاجزاء.
و أجيب عنه بالمنع من الصغرى، إذ غاية ما يستفاد من الأدلة عدم إجزاء المهزول، لا تحريم ذبح ما ظن كونه كذلك.
أقول: لا يخفى أن المتبادر من قوله (عليه السلام) في الروايات المتقدمة (1):
«إذا اشترى الهدي مهزولا فوجده سمينا».
أن الوجدان إنما هو بعد الذبح الذي به يتحقق ذلك، و به يظهر ضعف هذا القول.
و (ثانيهما) أنه لو لم يجد إلا فاقد الشرائط
فهل يكون مجزئا أو ينتقل إلى الصوم؟ قولان: و بالأول جزم الشهيدان، لظاهر قوله (عليه السلام).
فيما قدمناه من الأخبار (2):
«فان لم يجد فما استيسر من الهدي».
و بالثاني صرح المحقق الشيخ علي (رحمه الله) لأن فاقد الشرائط لما لم يكن مجزئا كان وجوده كعدمه.
و يمكن ترجيح الأول بالخبر المذكور، و قوله: «لأن فاقد الشرائط وجوده كعدمه» ممنوع، لأنه إنما يتم لو لم يأذن الشارع في غيره، و الاذن موجودة في فاقد الشرائط بالأخبار المشار إليها، كما تقدم في صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته (3) و في جملة من أخبار الخصي (4) الاجتزاء به
____________
(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الذبح.
(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبح- الحديث 1 و 4 و الباب- 10- منها- الحديث 10 و 11 و الباب- 12- منها- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الذبح- الحديث 4 و الباب- 12- منها- الحديث 7 و 8.
106
مع عدم إمكان الفحل.
و في تفسير العياشي عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا استمتعت بالعمرة إلى الحج فان عليك الهدي، ما استيسر من الهدي، اما جزور و إما بقرة و إما شاة، فان لم تقدر فعليك الصيام كما قال الله تعالى» الحديث.
و عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى:
«فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» (3) قال: «ليكن كبشا سمينا، فان لم يجد فعجلا من البقر، و الكبش أفضل فان لم يجد فموجوء من الضأن و إلا ما استيسر من الهدي: شاة».
إلا أن لقائل أن يقول: إن ظاهر سياق هذه الأخبار إنما هو بالنسبة إلى الأفضل فالأفضل من الأنعام الثلاثة مع استكمال الشرائط المذكورة، و أنه يقتصر على الشاة التي هي أخسها إذا لم يتيسر سواها، لا بالنسبة إلى ما اتصف بتلك الشرائط و ما لم يتصف بها.
و بذلك يظهر قوة القول الثاني، و المسألة لذلك لا تخلو من الاشكال، و الاحتياط مما لا ينبغي تركه.
____________
(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبح- 10.
(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الذبح- 11.
(3) سورة البقرة: 2- الآية 196.
107
الموضع الثاني في ما يستحب من صفاته
[بيان الفرد الأفضل من النعم الثلاثة في الهدي]
(فمنها) أن الأفضل من البدن و البقر الإناث و من المعز و الضأن الذكور.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال:
«قال أبو عبد الله (عليه السلام): أفضل البدن ذوات الأرحام من الإبل و البقر، و قد تجزي الذكورة من البدن، و الضحايا من الغنم الفحولة».
و رواه الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (2) إلا أن فيه «و أفضل الضحايا من الغنم».
و هو واضح.
و عن عبد الله بن سنان في الصحيح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تجوز ذكورة الإبل و البقر في البلدان إذا لم يجد الإناث، و الإناث أفضل».
و قد تقدم في صحيحة محمد بن مسلم (4) نحو ذلك.
و عن أبي بصير (5) قال: «سألته عن الأضاحي، فقال: أفضل الأضاحي في الحج الإبل و البقر، و قال: ذوات الأرحام، و لا يضحى
____________
(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 3. إلا أنه لم تتقدم هذه الصحيحة.
(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 4.
108
بثور و لا جمل».
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإبل و البقر أيهما أفضل أن يضحى به؟
قال: ذوات الأرحام» الحديث.
و عن الحسن بن عمارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
«ضحى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بكبش أجذع أملح فحل سمين».
و يستفاد من رواية أبي بصير كراهة التضحية بالثور و الجمل، و الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) قد ذكروا هنا كراهة التضحية بالجاموس و الثور و الموجوء، و هو مرضوض الخصيتين حتى تفسدا، و هذا الخبر قد دل على الثور، و أما الجاموس فلم أقف على ما يدل على كراهية التضحية به.
بل
روى الشيخ في الصحيح عن علي بن الريان بن الصلت (3) عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) قال: «كتبت إليه أسأله عن الجاموس كم يجزئ في الضحية، فجاء في الجواب إن كان ذكرا فعن واحد، و إن كان أنثى فعن سبعة».
و هو كما ترى ظاهر في الجواز.
و أما الموجوء فإنهم استدلوا على الكراهة فيه
بقوله (عليه السلام) في رواية معاوية بن عمار (4): «اشتر فحلا سمينا للمتعة، فان لم تجد فموجوءا، فان لم تجد فمن فحولة المعز، فان لم تجد فما استيسر».
____________
(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الذبح- الحديث 7.
109
و في حسنة محمد بن مسلم (1) «و الفحل من الضأن خير من الموجوء، و الموجوء خير من النعجة، و النعجة خير من المعز».
و أنت خبير بأن غاية ما يستفاد من الخبرين المذكورين الترتيب في الفضل و الاستحباب دون الكراهة، و إلا لزم كراهة جملة من هذه الافراد المفضل غيرها عليها، و ليس كذلك.
و نقل في المختلف عن ابن إدريس أنه قال في الموجوء لا يجوز، قال:
«مع أنه قال بالجواز قبل ذلك» و نقل عن الشيخ أنه لا بأس به، و هو الذي اختاره في الكتاب المذكور، و عليه العمل.
و (منها)
أن تكون سمينة تنظر في سواد و تبرك في سواد و تمشي في سواد
، و الأصل في هذا الحكم جملة من الاخبار.
(منها)
ما في صحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يضحي بكبش أقرن فحل ينظر في سواد و يمشي في سواد».
و (منها)
ما في صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يضحي بكبش أقرن عظيم سمين فحل يأكل في سواد و ينظر في سواد، فان لم تجد من ذلك شيئا فالله أولى بالعذر».
و في صحيحة الحلبي أو حسنته (4) قال: «حدثني من سمع أبا عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبح- الحديث 5.
110
يقول: ضح بكبش أسود أقرن فحل، فان لم تجد فأقرن فحل يأكل في سواد و يشرب في سواد و ينظر في سواد».
و في صحيحة محمد بن مسلم أو حسنته (1) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) أين أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح ابنه؟ قال:
على الجمرة الوسطى، و سألته عن كبش إبراهيم ما كان لونه و أين نزل؟
قال: أملح، و كان أقرن، و نزل من السماء على الجبل الأيمن من مسجد منى، و كان يمشي في سواد، و يأكل في سواد، و ينظر و يبعر و يبول في سواد».
و اختلف الأصحاب في تفسير ذلك، فقال بعضهم: المراد بذلك كون هذه المواضع سوادا، أي العين التي تنظر بها و القوائم التي يمشي عليها و البطن الذي يبرك عليه، باعتبار زيادة «و يبرك في سواد» كما في عبائر بعض الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و لم نقف عليه في الأخبار، و هكذا سائر المواضع المذكورة، و نقل هذا عن ابن إدريس.
و قيل: إن المراد أنه من عظمه ينظر في ظل شحمة، و يمشي في فيئه و يبرك في ظل شحمة.
أقول: و هذا التفسير كناية عن المبالغة في السمن، و هو الأنسب بسياق الروايات المذكورة، و معناه أنه يكون سمينا له ظل يمشي فيه و يأكل فيه و ينظر فيه، و المراد أنه يكون له ظل عظيم لا مطلق الظل، فإنه لازم لكل ذي جسم كثيف.
و أما المشي فيه فليس بلازم، و إنما هو من تتمة المبالغة في عظم الظل فإن المشي فيه حقيقة لا يتحقق إلا عند مسامتة الشمس لرأس الشخص،
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الذبح- الحديث 6.
111
و حينئذ يتساوى الجسم الصغير و الكبير في الظل باعتبار مطابقته له.
و قيل: إن السواد كناية عن المرعى و المنبت، فإنه يطلق عليه ذلك لغة، كما قيل أرض السواد لأرض العراق وقت الفتح، لكثرة شجرها و نخلها و زرعها وقت التسمية، و يكون المراد أن الهدي رعى و مشى و نظر و برك و بعر في الخضرة و المرعى فسمن لذلك، و هذا المعنى أظهر انطباقا بالأخبار المذكورة.
و نقل عن القطب الراوندي أنه قال: إن التفسيرات الثلاثة مروية عن أهل البيت (عليهم السلام) و بذلك صرح شيخنا الشهيد الثاني في المسالك.
و الظاهر أنه تبع فيه ما نقل عن القطب الراوندي، و يحتمل وقوفه على ما دل على ذلك من الاخبار. و في الدروس نسب النقل إلى القطب الراوندي.
و هذا المعنى الثالث يرجع إلى الثاني، و هو الكناية عن السمن، و أما التفسير الأول فإنه يكون وصفا برأسه.
و (منها)
أن يكون مما عرف به
، و هو الذي أحضر عرفة، و استحباب ذلك هو المشهور بل قال في التذكرة: «بالإجماع على ذلك».
و قال شيخنا المفيد (عطر الله تعالى مرقده) في المقنعة: «لا يجوز أن يضحي إلا بما قد عرف به، و هو الذي أحضر عشية عرفة بعرفة». و ظاهر كلامه الوجوب، لكن حمله في المنتهى على المبالغة في تأكد الاستحباب.
و الأصل في هذه المسألة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر (1) قال: «سئل عن الخصي- إلى أن قال-: و قال: لا يضحي إلا بما قد عرف به».
و عن أبي بصير (2) في الصحيح إليه و روايته لا تقصر عن الموثق عن
____________
(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبح- الحديث 2.
112
أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يضحي إلا بما قد عرف به».
و عن سعيد بن يسار في الصحيح (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نشتري الغنم بمنى و لسنا ندري عرف بها أم لا، فقال: إنهم لا يكذبون لا عليك ضح بها».
و ظاهر النهي في هذه الأخبار التحريم إلا أن الأصحاب حملوه على الكراهة
لما رواه الشيخ و الصدوق عن سعيد بن يسار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن من اشترى شاة لم يعرف بها، قال: لا بأس بها عرف بها أم لم يعرف».
و حمله الشيخ في التهذيب على ما إذا لم يعرف بها المشتري و ذكر البائع أنه عرف بها، فإنه يصدقه في ذلك، و يجزى عنه، و استند في هذا الحمل إلى صحيحة سعيد بن يسار المذكورة.
و يؤيده ما في رواية الصدوق لهذا الخبر في الفقيه من قوله: «و لم يعرف بها» بالواو.
و عدول الشيخ عن العمل بظاهر الخبر إلى تأويله بما ذكره يدل على اختياره لمذهب الشيخ المفيد، مع أنهم لم ينقلوا ذلك عنه، و كلامه كما ترى ظاهر في ذلك.
و كيف كان فالاحتياط، مما لا ينبغي تركه، فان مذهب الشيخين لا يخلو من قوة، لما عرفت مما قدمناه في الجمع بين الاخبار بالكراهة و الاستحباب.
و يكفي في ثبوت التعريف إخبار البائع من غير خلاف يعرف، و عليه تدل صحيحة سعيد بن يسار المذكورة.
____________
(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الذبح- الحديث 4.
113
[الكيفية المستحبة في نحر الإبل]
و (منها) أن تنحر الإبل قائمة قد ربطت بين الخف و الركبة، و يطعنها من الجانب الأيمن.
و يدل على ذلك
صحيحة عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «فَاذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلَيْهٰا صَوٰافَّ» (2) قال: «ذلك حين تصف للنحر يربط يديها ما بين الخف إلى الركبة، و وجوب جنوبها إذا وقعت على الأرض».
و رواية أبي الصباح الكناني (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) كيف تنحر البدنة؟ فقال: تنحر و هي قائمة من قبل اليمين».
و قد روي ربط يدها اليسرى خاصة،
رواه في الكافي عن أبي خديجة (4) قال: «رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) و هو ينحر بدنته معقولة يدها اليسرى، ثم يقوم على جانب يدها اليمنى و يقول: بسم الله و الله أكبر، اللّهمّ هذا منك و لك، اللهم تقبله مني ثم يطعن في لبتها، ثم يخرج السكين بيده، فإذا وجبت قطع موضع الذبح بيده».
و المراد بقولنا: «يطعنها من الجانب الأيمن» هو ما فسرته رواية أبي خديجة من أنه يقف من جانب يدها اليمنى و إليه أشار
في رواية أبي الصباح الكناني (5) بقوله (عليه السلام): «من قبل اليمين و يطعنها
____________
(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) سورة الحج: 22- الآية 36.
(3) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(5) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 2 و ليس فيه «و يطعنها في موضع النحر و هو اللبة».
114
في موضع النحر و هو اللبة».
و مما يدل على جواز النحر كيف اتفق
ما رواه عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن البدنة كيف ينحرها قائمة أو باركة؟ قال: يعقلها، و إن شاء قائمة و إن شاء باركة».
و (منها)
الدعاء حال النحر و الذبح
، و يدل على ذلك ما تقدم في رواية أبي خديجة (2).
و ما رواه الكليني في الصحيح عن ابن أبي عمير و صفوان (3) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا اشتريت هديك فاستقبل به القبلة و انحره أو اذبحه، و قل: وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين، إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين لا شريك له، و بذلك أمرت و أنا من المسلمين، اللّهمّ منك و لك، بسم الله و الله أكبر اللّهمّ تقبل مني، ثم أمر السكين، و لا تنخعها حتى تموت».
و رواه في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله.
و قال في كتاب الفقه الرضوي (5): «فإذا أردت ذبحه أو نحره فقل:
____________
(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 5- 3.
(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 5- 3.
(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 37- من أبواب الذبح- الحديث 1.
و ذكره في الكافي- ج 4 ص 498.
(4) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(5) المستدرك- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 2.
115
وجهت وجهي- الدعاء إلى قوله-: و أنا من المسلمين، اللّهمّ هذا منك و بك و لك و إليك، بسم الله الرحمن الرحيم الله أكبر اللهم تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك و موسى كليمك و محمد حبيبك (صلى الله عليه و آله) ثم أمر السكين عليها، و لا تنخعها حتى تموت».
و (منها)
أن يتولى الذبح بنفسه
إن أحسنه و إلا فليترك يده مع يد الذابح.
و يدل على الأول التأسي بالنبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) فإن المروي عنه (صلى الله عليه و آله) أنه نحر هديه (1) بنفسه و قد تقدم في رواية أبي خديجة عن الصادق (عليه السلام) أنه نحر بدنته بنفسه (2).
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (3) قال: «لا يذبح- و رواه الصدوق في الصحيح عن الحلبي (4) عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يذبح- لك اليهودي و لا النصراني أضحيتك، فإن كانت امرأة فلتذبح لنفسها، و لتستقبل القبلة، و تقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا مسلما، اللّهمّ منك و لك».
و يدل على الثاني ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (5)
____________
(1) المستدرك- الباب- 36- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 36- من أبواب الذبح- الحديث 1 و ذكره في الكافي- ج 4 ص 497.
(4) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(5) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الذبح- الحديث 2.
116
عن أبي عبد الله (عليه السلام)
و في الفقيه مرسلا (1) قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يجعل السكين في يد الصبي ثم يقبض الرجل على يد الصبي فيذبح».
و مما يدل على ذبح الغير اختيارا و إن لم يضع يده معه ما قدمنا نقله عن الصدوق في مقدمات هذا الكتاب من ذبح النبي (صلى الله عليه و آله) هديه و هدي علي (عليه السلام) بيده و افتخار علي (عليه السلام) على الصحابة بقوله:
«من فيكم مثلي و أنا الذي ذبح رسول الله (صلى الله عليه و آله) هديه بيده» (2).
و قد تقدم في جملة من الأخبار الواردة في الإفاضة من المشعر ليلا (3) ما يدل على النيابة في الذبح أيضا.
____________
(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب أقسام الحج- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 3 و 4 و 6 و 7.
117
المقام الثالث في البدل
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [لزوم إيداع الثمن أمانة لو لم يجد الهدي]:
الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في أن من لم يجد الهدي و لا قيمته فان فرضه ينتقل إلى الصيام. قال في المنتهى:
«إذا لم يجد الهدي و لا ثمنه وجب عليه أن يصوم بدله عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج متتابعات، و سبعة إذا رجع إلى أهله، و لا خلاف في ذلك بين العلماء كافة» ثم استدل بالآية (1).
و إنما الخلاف في من وجد الثمن و لم يجد الهدي فالمشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم)- و منهم الشيخان و الصدوقان و المرتضى و أبو الصلاح و ابن البراج و غيرهم- أن من فقد الهدي و وجد الثمن جعل الثمن أمانة عند رجل متى عزم السفر، فيشتري له هديا و يذبحه عنه في ذي الحجة، فإن تعذر ففي العام القابل في ذي الحجة إن لم يحج بنفسه فان لم يقدر على الهدي و لا على ثمنه انتقل إلى الصوم.
قال الصدوق: «قال أبي (رضي الله عنه) في رسالته إلي: إن
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
118
وجدت ثمن الهدي و لم تجد الهدي فخلف الثمن عند رجل من أهل مكة ليشتري لك في ذي الحجة و يذبحه عنك، فان مضى ذو الحجة و لم يشتر أخر إلى قابل ذي الحجة، فإن أيام الذبح قد مضت».
و قال ابن الجنيد: «و لو لم يجد الهدي إلى يوم النفر كان مخيرا بين أن ينظر أوسط ما وجد به في سنته هدي، فيتصدق به بدلا منه، و بين أن يصوم و بين أن يدع الثمن عند بعض أهل مكة يذبح عنه إلى آخر ذي الحجة، فان لم يجد ذلك أخره إلى قابل أيام النحر» و ظاهره التخيير بين الأمور المذكورة.
و قال ابن أبي عقيل: «المتمتع إذا لم يجد هديا فعليه صيام» و أطلق.
و قال ابن إدريس: «الأظهر و الأصح أنه إذا لم يجد الهدي و وجد ثمنه لا يلزمه أن يخلفه، بل الواجب عليه إذا عدم الهدي الصوم، سواء وجد الثمن أو لم يجد».
و الأصح القول المشهور، و يدل عليه جملة من الاخبار التي هي المعتمد في الإيراد و الإصدار.
و (منها)
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حريز (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في متمتع يجد الثمن و لا يجد الغنم، قال:
يخلف الثمن عند بعض أهل مكة و يأمر من يشتري له و يذبح عنه، و هو يجزئ عنه، فان مضى ذو الحجة أخر ذلك إلى قابل من ذي الحجة».
و ما رواه في التهذيب عن النضر بن قرواش (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فوجب عليه النسك فطلبه فلم يصبه، و هو موسر حسن الحال، و هو يضعف عن الصيام، فما ينبغي
____________
(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح- الحديث 2.
119
له أن يصنع؟ قال: يدفع ثمن النسك إلى من يذبحه بمكة إن كان يريد المضي إلى أهله، و ليذبح عنه في ذي الحجة، فقلت: فإنه دفعه إلى من يذبحه عنه فلم يصب في ذي الحجة نسكا و أصابه بعد ذلك، قال: لا يذبح عنه إلا في ذي الحجة و لو أخره إلى قابل».
و قال (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (1): «و إن وجدت ثمن الهدي و لم تجد الهدي فخلف الثمن عند رجل من أهل مكة يشتري لك في ذي الحجة و يذبح عنك، فان مضت ذو الحجة و لم يشتر لك أخرها إلى قابل ذي الحجة، فإنها أيام الذبح».
و هذه عين عبارة الشيخ علي بن بابويه المتقدمة بتغيير ما في آخرها.
احتج ابن إدريس بأن الله تعالى لم ينقلنا عند عدم الهدي إلا إلى الصوم و لم يجعل بينهما واسطة، فمتى نقلنا إلى ما لم ينقلنا الله تعالى إليه يحتاج إلى دليل شرعي.
و ادعى في السرائر أن الشيخ ذهب إلى هذا القول في جملة و عقوده في فصل في نزول منى و قضاء المناسك بها، حيث نقل عنه أنه قال: «فهدي التمتع فرض مع القدرة، و مع العجز فالصوم بدل منه».
أقول: لا يخفى أن هذه العبارة غير ظاهرة فيما ادعاه، بل هي مجملة مطلقة كاجمال عبارة ابن أبي عقيل المتقدمة، لاحتمال أن يريد القدرة عليه أو على ثمنه، كما أن عدم الوجدان المترتب عليه الصوم في الآية محمول على ذلك بمعونة الأخبار المذكورة.
قال العلامة في المنتهى بعد ذكر مذهب الشيخين في المسألة و مذهب
____________
(1) المستدرك- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 1.
120
ابن إدريس ما صورته: «لنا أن وجدان الثمن بمنزلة وجدان العين، كوجدان ثمن الماء عنده، مع أن النص ورد «فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً» (1) و كذا وجدان ثمن الرقبة في العتق مع ورود النص بوجدان العين (2) و ما ذلك إلا أن التمكن يحصل باعتبار الثمن هناك، و يصدق عليه أنه واجد للعين فكذا هنا، و يدل عليه ما رواه الشيخ» ثم أورد الروايتين المتقدمتين.
و مرجع كلامه (قدس سره) إلى أن إطلاقات القرآن العزيز و مجملاته يرجع فيها إلى أخبارهم (عليهم السلام) لأن أحكام القرآن لا تؤخذ إلا عنهم، و لما وردت الاخبار (3) في المواضع الثلاثة بأن وجود الثمن في حكم وجود العين وجب حمل الوجدان في الآيات المذكورة نفيا أو إثباتا على الأعم من العين و الثمن، و هو كلام جيد متين و جوهر عزيز ثمين.
ثم قال (قدس سره) بعد نقل دليل ابن إدريس المتقدم و جوابه:
«لا نسلم أن عدم الوجدان يصدق لمن وجد الثمن، و قد بيناه في الكفارة و التيمم، و مع ذلك فالدليل الشرعي ما بيناه من الحديثين، فان زعم أنه لا يعمل بأخبار الآحاد فهو غلط، إذ أكثر المسائل الشرعية مستفادة منها» انتهى. و هو جيد وجيه كما لا يخفى على الحاذق النبيه.
قال في المدارك بعد ذكر الخبرين المتقدمين حجة للقول المشهور ما صورته:
____________
(1) سورة المائدة: 5- الآية 6.
(2) سورة النساء: 4- الآية 92.
(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب التيمم و الباب- 44- من أبواب الذبح و الباب- 17- من كتاب الظهار و الباب- 2- من أبواب الكفارات.
121
«و الرواية الأولى معتبرة الإسناد، بل الظاهر أنها لا تقصر عن مرتبة الصحيح كما بيناه مرارا، و أما الرواية الثانية فقاصرة من حيث السند، لأن راويها غير موثق، لكن ربما كان في رواية البزنطي عنه إشعار بمدحه، لأنه ممن نقل الكشي إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه و الإقرار له بالفقه.
- ثم قال-: احتج ابن إدريس بأن الله تعالى نقلنا إلى الصوم مع عدم الوجدان، و النقل إلى الثمن يحتاج إلى دليل شرعي، و أجاب عنه في المنتهى بالمنع من عدم الوجدان، قال: و مع ذلك فالدليل الشرعي ما بيناه من الحديثين، فان زعم أنه لا يعمل بأخبار الآحاد فهو غلط، إذ أكثر المسائل الشرعية مستفادة منها، و لا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، و الحق أن كلام ابن إدريس جيد على أصله. بل لو لا ما ذكرناه من قوة اسناد الروايتين لتعين المصير اليه» انتهى.
أقول: فيه (أولا) أن ما ذكره من أن الرواية الأولى معتبرة الإسناد- يعني باعتبار إبراهيم بن هاشم- و إن كان كذلك، بل حديثه عندنا معدود في الصحيح بناء على الاصطلاح الغير الصحيح، إلا أنه قد طعن فيه في غير موضع مما تقدم، و قد بينا في شرحنا على الكتاب و في هذا الكتاب أيضا أن هذا أحد المواضع التي حصل له فيها الاضطراب.
و (ثانيا) ما ذكره بالنسبة إلى الرواية الثانية من الاعتماد عليها- مع كون راويها غير موثق- بناء على رواية البزنطي عنه، لأنه ممن نقل في حقه الإجماع المذكور فان اللازم من هذا الاعتماد على كل خبر ضعيف باصطلاحه إذا كان الراوي عن ذلك الرجل أحد الجماعة المذكورين و هو لا يقول به في غير هذا الموضع كما لا يخفى على من تصفح كتابه.
122
و بالجملة فإن ما ذكره هنا خروج عن مقتضى اصطلاحه، و تستر بما هو أوهن من بيت العنكبوت و أنه لأوهن البيوت.
و (ثالثا) أن ما طعن به على جواب العلامة في المنتهى عن دليل ابن إدريس ضعيف لا يعول عليه، لأنه إن أراد بالتعسف فيه بالنظر إلى منع العلامة من عدم الوجدان فهو في غير محله، لما قرره العلامة في صدر الكلام، كما نقلناه عنه و أوضحناه، و إن أراد باعتبار دعوى العلامة لوجود الدليل الشرعي الموجب للنقل إلى الثمن فهو قد وافق عليه، حيث قال: «إن كلام ابن إدريس جيد لولا ما ذكرناه من قوة أسناد الروايتين» و إن أراد باعتبار تغليط ابن إدريس في عدم العمل بأخبار الآحاد فهو أيضا يوافق عليه، و بالجملة فإن كلامه هنا غير ظاهر البيان و لا واضح البرهان ثم إن العلامة في المختلف استدل لابن إدريس
بما رواه أبو بصير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة أ يذبح أو يصوم؟ قال:
بل يصوم، لأن أيام الذبح قد مضت».
ثم قال: «و الجواب أن وجدان الهدي عبارة عن وجود عينه أو ثمنه، و الرواية بعد سلامة سندها محمولة على أنه إذا لم يجد الهدي و لا ثمنه فشرع في الصوم ثم وجد الهدي فإنه لا يجب عليه الهدي،
لما رواه حماد بن عثمان في الصحيح (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع صام ثلاثة أيام في الحج ثم أصاب هديا يوم خرج من منى،
____________
(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الذبح- الحديث 1.
123
قال: أجزأ صيامه».».
انتهى.
أقول: قد تقدم ما في هذا الجواب من الإشكال في المسألة الحادية عشر من المقام الأول (1) و على تقديره تحصل المعارضة بين هذه الرواية و بين الاخبار المتقدمة، لأن ظاهر هذا الخبر بناء على بطلان التأويل المذكور هو أن الفرض- مع عدم وجدان العين و إن وجد الثمن- هو الصوم، و أن أيام الذبح بعد يوم النفر قد مضت، و مقتضى الأخبار المتقدمة امتداد وقت الذبح إلى آخر ذي الحجة، فمتى كان الثمن موجودا فإنه يتربص به إلى آخر ذي الحجة إن كان جالسا، و إن سافر أودعه عند من يذبح عنه في تلك المدة، و لا طريق إلى الجمع بينهما بوجه، و ليس إلا الترجيح، و هو في جانب تلك الروايات، لكثرتها و صحة بعضها و اعتضادها بعمل الطائفة قديما و حديثا عدا ابن إدريس و الصدوق على ما تقدم نقله عنه، و الاحتياط مما لا ينبغي تركه في المقام.
ثم إنه لا يخفى ما في خبر أبي بصير من التأييد لما ذكرناه، من أن المراد بمن لم يجد الهدي يعني من لم يجد عينه و لا ثمنه، حيث إن السائل قال: «فلم يجد ما يهدي حتى إذا كان يوم النفر وجد ثمن شاة» فإنه ظاهر في أن عدم الوجدان أولا لكل من العين و الثمن و الله العالم.
____________
(1) راجع ص 81 و 82.
124
المسألة الثانية [الأيام التي يجب صومها في الحج عند فقدان الهدي]
قد عرفت مما تقدم أنه لا خلاف بين العلماء كافة في أن الواجب على فاقد عين الهدي و ثمنه هو الصيام و الأصل فيه قوله عز و جل (1) «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ، تِلْكَ عَشَرَةٌ كٰامِلَةٌ» و المراد بصوم الثلاثة في الحج في بقية أشهر الحج، و هو شهر ذي الحجة كما أشير إليه في صحيحة رفاعة (2) الآتية و غيرها.
قال في المنتهى: «و يستحب أن تكون الثلاثة في الحج: هي يوم قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة. فيكون آخرها يوم عرفة، ذهب إليه علماؤنا».
أقول: و تدل عليه جملة من الاخبار (منها)
ما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سألته عن متمتع لم يجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيام في الحج: يوما قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، قال: قلت: فان فاته ذلك، قال: يتسحر ليلة الحصبة، و يصوم ذلك اليوم و يومين بعده، قلت: فان لم يقم عليه جماله أ يصومها في الطريق؟ قال: إن شاء صامها في الطريق و إن شاء إذا رجع إلى أهله».
أقول: حمل الشيخ جواز التأخير إلى الرجوع إلى أهله على ما إذا رجع
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 4.
125
قبل انقضاء أيام ذي الحجة، فإذا انقضت فلا يجوز له الا الدم كما يأتي
و عن رفاعة في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع لا يجد الهدي، قال: يصوم قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، قلت: فإنه قدم يوم التروية، قال: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق، قلت: لم يقم عليه جماله، قال: يصوم يوم الحصبة و بعده يومين، قال: قلت: و ما الحصبة؟ قال: يوم نفره، قلت: يصوم و هو مسافر؟ قال: نعم، أ ليس هو يوم عرفة مسافرا؟! إنا أهل بيت نقول ذلك لقول الله عز و جل (2) «فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» يقول في ذي الحجة».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن حماد بن عيسى (3) قال:
«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال علي (عليه السلام):
صيام ثلاثة أيام في الحج قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، فمن فاته ذلك فليتسحر ليلة الحصبة- يعني ليلة النفر- و يصبح صائما و يومين بعده، و سبعة إذا رجع».
و رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد (4) إلى قوله: «فليتسحر ليلة الحصبة، و هي ليلة النفر».
و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (5) قال: «كنت قائما أصلي و أبو الحسن (عليه السلام) قاعد قدامي و أنا لا أعلم، فجاء عباد
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(3) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 14.
(5) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.
126
البصري فسلم ثم جلس، فقال له: يا أبا الحسن ما تقول في رجل تمتع و لم يكن له هدي؟ قال: يصوم الأيام التي قال الله تعالى، قال: فجعلت أصغي إليهما، فقال له عباد: و أي أيام هي؟ قال: قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، قال: فان فاته ذلك، قال: يصوم صبيحة الحصبة و يومين بعد ذلك، قال: أفلا تقول كما قال عبد الله بن الحسن، قال:
فأي شيء؟ قال: قال: يصوم أيام التشريق، قال: إن جعفرا كان يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر بديلا ينادي أن هذه أيام أكل و شرب فلا يصومن أحد، قال: يا أبا الحسن إن الله قال:
فصيام ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجعتم، قال: كان جعفر يقول:
ذو الحجة كله من أشهر الحج».
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «روي عن الأئمة (عليهم السلام) أن المتمتع إذا وجد الهدي و لم يجد الثمن صام ثلاثة أيام في الحج يوما قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة و سبعة أيام إذا رجع إلى أهله، تلك عشرة كاملة لجزاء الهدي، فإن فاته صوم هذه الثلاثة الأيام تسحر ليلة الحصبة- و هي ليلة النفر- و أصبح صائما، و صام يومين من بعد، فان فاته صوم هذه الثلاثة الأيام حتى يخرج و ليس له مقام صام الثلاثة في الطريق إن شاء، و إن شاء صام العشرة في أهله، و يفصل بين الثلاثة و السبعة بيوم، و إن شاء صامها متتابعة» إلى آخره.
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 12. و فيه «روي عن النبي (ص) و الأئمة (ع).» إلا أن الموجود في الفقيه ج 2 ص 302 «روي عن الأئمة (ع).».
127
و في كتاب الفقه الرضوي (1) «و إذا عجزت عن الهدي و لم يمكنك صمت قبل يوم التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة و سبعة أيام إذا رجعت إلى أهلك، فإن فاتك صوم هذه الثلاثة أيام صمت صبيحة ليلة الحصبة، و يومين بعدها، و إن وجدت ثمن الهدي».
إلى آخر ما قدمناه في المسألة الأولى.
و روى العياشي في تفسيره عن ربعي بن عبد الله (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (3) «فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» قال: يوم قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، فمن فاته ذلك فليقض ذلك في بقية ذي الحجة، فإن الله تعالى يقول في كتابه (4):
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ».
و عن عبد الرحمن بن محمد العرزمي (5) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «في صيام ثلاثة أيام في الحج، قال: قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، فان فاته ذلك تسحر ليلة الحصبة».
و عن إبراهيم بن أبي يحيى (6) عن أبي عبد الله عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: «يصوم المتمتع قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، فان فاته ذلك و لم يكن عنده دم صام إذا انقضت أيام التشريق
____________
(1) ذكر صدره في المستدرك- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 2 و وسطه في الباب- 42- منها- الحديث 2 و ذيله في الباب- 39- منها- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 15.
(3) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(4) سورة البقرة: 2- الآية 197.
(5) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 18.
(6) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 20.
128
يتسحر ليلة الحصبة ثم يصبح صائما».
و أما ما رواه في الكافي عن أحمد بن عبد الله الكرخي (1) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): المتمتع يقدم و ليس معه هدي أ يصوم ما لم يجب عليه، قال: يصبر إلى يوم النحر، فان لم يصب فهو ممن لا يجد».
فيمكن حمله على من توقع إمكان حصول الهدي أو الجواز.
و أما الحمل على من وجد الثمن كما ذكره في الوسائل فبعيد، لأن من وجد الثمن حكمه التربص إلى آخر الشهر دون الصوم، كما صرح به الأصحاب و دلت عليه أخبارهم.
و بالجملة فالخبر المذكور قاصر عن معارضة ما قدمناه من الأخبار، فلا بد من ارتكاب تأويله و إن بعد و إلا فطرحه.
و تنقيح البحث في المسألة يتوقف على بيان أمور
الأول [حكم من فاته الصوم قبل يوم التروية]
المشهور بين الأصحاب- بل ادعى عليه ابن إدريس الإجماع- أنه لو لم يتفق له صوم قبل يوم التروية فإنه يقتصر على يوم التروية و يوم عرفة ثم يصوم الثالث بعد النفر، و مرجعه إلى أن المرتبة الثانية بعد تعذر الصوم الأفضل الذي دلت عليه الاخبار المتقدمة هو أن يكون كذلك.
و استدل عليه الشيخ في التهذيب
بما رواه عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) «في من صام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يجزؤه أن يصوم يوما آخر».
و ما رواه في التهذيب و الفقيه عن يحيى الأزرق (3) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا و ليس
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 2.
129
له هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة، قال: يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق» و زاد في الفقيه «بيوم».
أقول: لا يخفى أنه قد تقدم من الاخبار بإزاء هاتين الروايتين ما هو أصح سندا و أكثر عددا مما دل على أنه مع عدم التمكن من الصوم في تلك الأيام الثلاثة- و هي ما قبل التروية بيوم ثم يوم التروية ثم يوم عرفة- فإنه يؤخر الصوم إلى ليلة الحصبة.
و منها صحيحة معاوية بن عمار (1) الأولى و صحيحة رفاعة (2) و صحيحة حماد بن عيسى (3) و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4) و نحوها من الروايات التي بعدها.
و يزيد ذلك تأكيدا أيضا
ما رواه في الكافي في الصحيح عن العيص بن القاسم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن متمتع يدخل يوم التروية و ليس معه هدي، قال: لا يصوم ذلك اليوم و لا يوم عرفة، و يتسحر ليلة الحصبة و يصبح صائما، و هو يوم النفر، و يصوم يومين بعده».
و ما رواه في التهذيب عن إسحاق بن عمار في الموثق (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يصوم الثلاثة الأيام متفرقة».
و عن علي بن الفضل الواسطي (7) قال: «سمعته يقول إذا صام المتمتع يومين لا يتابع الصوم اليوم الثالث فقد فاته صيام ثلاثة أيام في الحج،
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(5) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(6) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(7) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 4.
130
فليصم بمكة ثلاثة أيام متتابعات، فان لم يقدر و لم يقم عليه الجمال فليصمها في الطريق، و إذا قدم إلى أهله صام عشرة أيام متتابعات».
و الشيخ (رحمه الله) بناء على ما قدمنا من القول المتفق عليه بينهم حمل هذه الرواية على ما إذا كان اليومان اللذان صامهما غير يوم التروية و يوم عرفة، فان من كان كذلك لا يعتد باليومين.
و عن عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:
«سأله عباد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي قال: يصوم ثلاثة أيام قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، قال: فان فاته صوم هذه الأيام، فقال: لا يصوم يوم التروية و لا يوم عرفة، و لكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيام التشريق».
و حمله الشيخ على نفي صوم أحد اليومين على الانفراد دون الجمع، و لا يخفى ما فيه.
و بالجملة فإنهم قد اتفقوا على وجوب التتابع في هذه الثلاثة، و عليه دلت جملة من الاخبار، و لكنهم استثنوا هذه الصورة بهذين الخبرين، فخصصوا بهما الإجماع و تلك الاخبار، و هو جيد لو انحصرت المعارضة في تلك الاخبار و الإجماع، و لكن المعارض لهما أيضا جملة أخرى من الاخبار كما عرفت مما لا يقبل هذا الجمع، و لا سيما النهي عن صومهما في صحيحة العيص (2) و رواية عبد الرحمن بن الحجاج (3).
و بذلك يظهر أن المسألة لا تخلو من شوب الاشكال، و الاحتياط فيها متحتم على كل حال، و بنحو ذلك صرح السيد السند في المدارك أيضا، و هو في محله و الله العالم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 52- من أبواب الذبح- الحديث 3.
131
الثاني [تأخير الصوم لمن لم يتمكن منه يومي التروية و عرفة]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه مع عدم إمكان صوم يوم التروية و يوم عرفة كما تقدم فإنه يجب عليه تأخير الصوم إلى بعد النفر، و لا يجوز له الصوم في أيام التشريق، و نقله في المختلف عن الشيخ في بعض كتبه و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن حمزة.
و قال الشيخ في النهاية: «من فاته صوم الثلاثة الأيام قبل العيد فليصم يوم الحصبة- و هو يوم النفر- و يومين بعده» و كذا قال علي بن بابويه و ابنه و ابن إدريس.
و قال ابن الجنيد: «فان دخل يوم عرفة أو فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج صام فيما بينه و بين آخر ذي الحجة و كان مباحا صيام أيام التشريق في السفر و في أهله إذا لم يمكنه غير ذلك».
و قال في الخلاف: «لا يجوز صيام أيام التشريق في بدل الهدي في أكثر الروايات و عند المحققين من أصحابنا».
و استدل على القول الأول بالإجماع على تحريم صوم أيام التشريق في مكة و الاخبار الكثيرة.
و منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل تمتع فلم يجد هديا، قال:
____________
(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 1.
132
فليصم ثلاثة أيام ليس فيها أيام التشريق و لكن يقيم بمكة حتى يصومها و سبعة إذا رجع إلى أهله و ذكر حديث بديل بن ورقا».
و عن ابن مسكان في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع و لم يجد هديا قال: يصوم ثلاثة أيام، قلت له: أ فيها أيام التشريق؟ قال: لا، و لكن يقيم بمكة حتى يصومها و سبعة إذا رجع إلى أهله، فان لم يقم عليه أصحابه و لم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى أهله، ثم ذكر حديث بديل بن ورقاء».
و عن صفوان بن يحيى في الصحيح (2) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت له: ذكر ابن السراج أنه كتب إليك يسألك عن متمتع لم يكن له هدي فأجبته في كتابك: يصوم ثلاثة أيام بمنى فان فاته ذلك صام صبيحة الحصباء و يومين بعد ذلك قال: اما أيام منى فإنها أيام أكل و شرب لا صيام فيها، و سبعة أيام إذا رجع إلى أهله».
قال في الوافي: «قوله: «و سبعة» عطف على صبيحة الحصباء» سواء، كان من كلام الامام (عليه السلام) أو من كلام السائل، و ما بينهما معترض» انتهى.
أقول: و مرجعه إلى أن النهي عن الصوم أيام منى التي هي أيام أكل و شرب لا يستلزم النهي عن صوم يوم الحصبة و يومين بعده في هذه الصورة و إن كان هذا اليوم من جملة أيام التشريق، فيكون كالمستثنى من ذلك.
قال في الفقيه (3) في تتمة الرواية التي قدمناها عنه حيث قال: «روى عن الأئمة (عليهم السلام) أن المتمتع إذا وجد الهدي- إلى أن قال-:
____________
(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) ج 2 ص 302- الرقم 1504.
133
و لا يجوز له أن يصوم أيام التشريق، فإن النبي (صلى الله عليه و آله) بعث بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق فأمره أن يتخلل الفساطيط و ينادي في الناس أيام منى: ألا لا تصوموا فإنها أيام أكل و شرب و بمال (1) و من جهل صيام ثلاثة أيام في الحج صامها بمكة إن أقام جماله، و إن لم يقم صامها في الطريق أو المدينة إن شاء، فإذا رجع إلى أهله صام سبعة أيام، و إن مات قبل أن يرجع إلى أهله و يصوم السبعة فليس على وليه القضاء».
و يدل على قول ابن الجنيد
ما رواه الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الأيام التي في الحج فليصمها أيام التشريق، فان ذلك جائز له».
و عن القداح (3) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) «أن عليا (عليه السلام) كان يقول: من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج- و هي قبل يوم التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة- فليصم أيام التشريق، فقد أذن له».
و يدل على القول الثالث ما قدمناه من الاخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة، و العلامة في المختلف لم يورد لهذا القول دليلا الا قوله
في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (4) عن أبي الحسن (عليه السلام): «فان فاته ذلك قال: يصوم صبيحة الحصبة و يومين بعد ذلك».
ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أنه أراد بصبيحة يوم الحصبة ثاني يومها.
____________
(1) البعال: النكاح و ملاعبة الرجل امرأته.
(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(4) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.
134
و لا يخفى ما في هذا الجواب من البعد، مضافا إلى الغفلة عن أدلة المسألة مع ما عرفت مما هي عليه من الصحة و الصراحة و الاستفاضة.
و التحقيق في المقام أنه لا منافاة بين هذه الاخبار، إذ الظاهر من أخبار النهي عن صيام أيام التشريق هو النهي عن صيامها جميعا، دون صيام اليوم الأخير في خصوص هذه الصورة.
و مما يدل على ذلك أن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) المتقدمة قد صرحت بالأمر بصيام يوم الحصبة و يومين بعده لمن فاته صيام الثلاثة الموظفة فرجع له عباد السائل فقال له: «أ فلا تقول بمقالة عبد الله بن الحسن» من صوم أيام التشريق؟ فأجابه (عليه السلام) بالحديث المنقول عنه (صلى الله عليه و آله) بتحريم صوم أيام التشريق، فلو أريد بالحديث عنه (صلى الله عليه و آله) صومها و لو على الوجه المذكور للزم التناقض في قوله (عليه السلام) و لانتهز الفرصة فيه عباد الذي هو من شياطين المخالفين و أعداء الدين، و ألزمه بالتناقض في كلامه في المسألة، كما لا يخفى على من عرف حال الرجل و معارضته لهم (عليهم السلام) في غير مقام.
و مثل هذا الخبر أيضا ما تقدم في المرسلة المنقولة عن الفقيه (2) حيث صرح فيها بصوم يوم الحصبة و يومين بعده ثم ذكر بعد ذلك أنه لا يجوز له أن يصوم أيام التشريق، و نحو ذلك صحيحة صفوان بن يحيى (3) المتقدمة بالتقريب المذكور ذيلها، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه.
____________
(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 12.
(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 3.
135
و أما ما استند إليه ابن الجنيد من خبري إسحاق بن عمار (1) و القداح (2) فقد نسبهما الشيخ في التهذيبين إلى الشذوذ ثم إلى و هم الراويين و جواز أن يسمعا من عبد الله بن الحسن أو غيره من أهل البيت، كما تقدم في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3) ثم إنهما إن سلما فلا يصلحان لمعارضة الأخبار المذكورة.
أقول: و الأظهر حملهما على التقية، و استصوبه في الوافي أيضا، و هو جيد.
الثالث [الموارد التي لا يلزم فيها التتابع في صوم الثلاثة]:
قال العلامة في المختلف: «هذه الثلاثة متتابعة إلا في موضع واحد، و هو أنه إذا فاته قبل يوم التروية صام يوم التروية و عرفة ثم صام الثالث بعد أيام التشريق، قاله ابن إدريس، و قال ابن حمزة: لو صام قبل يوم التروية و خاف إن صام عرفة عجز عن الدعاء أفطر و صام بدله بعد انقضاء أيام التشريق، و لا بأس بهذا القول، احتج ابن إدريس بأن الأصل التتابع، خرج عنه الصورة المجمع عليها، فبقي الباقي على الوجوب، احتج ابن حمزة بأن التشاغل بالدعاء أمر مطلوب بالشرع فساغ له الإفطار، كما لو كان الفائت الأول» انتهى.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من استثناء الصورة الأولى من وجوب التتابع المجمع عليه بينهم قد استندوا فيه إلى الإجماع و الخبرين المتقدمين،
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 4.
136
و بهما خصصوا الأخبار الدالة على وجوب التتابع مطلقا و الإجماع المدعى في المسألة و إن كان فيه ما عرفت.
أما استثناء الصورة الثانية التي ذكرها ابن حمزة و نفى عنها البأس فلا أعرف لاستثنائها دليلا يعتمد عليه، و الخروج عن الإجماع الدال على وجوب التتابع و الاخبار الدالة عليه بمجرد هذا التعليل العليل مجازفة ظاهرة، و الخروج عن أمر واجب لمجرد أمر مستحب غير معقول كما لا يخفى.
قال في الدروس: «و لو أفطر عرفة لضعفه عن الدعاء و قد صام يومين قبله استأنف، خلافا لابن حمزة» و هو جيد لما عرفت. و بالجملة فإن هذا القول بمحل من الضعف الذي لا يخفى.
الرابع [بيان المراد من يوم الحصبة]:
الظاهر من الاخبار المتقدمة أن يوم الحصبة هو اليوم الثالث من أيام التشريق، و قد ورد تفسيره في صحيحة رفاعة (1) المتقدمة بأنه يوم نفره، يعني في النفر الثاني
و في صحيحة حماد بن عيسى (2) «ليلة الحصبة،.
يعني ليلة النفر» و مثله في مرسلة الفقيه (3).
و إنما سمي هذا اليوم يوم الحصبة لأن الحصبة الأبطح، و من السنة يوم النفر الثاني أن ينزل في الأبطح قليلا، كما سيأتي إنشاء الله تعالى عند ذكر النفر الثاني.
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 12.
137
و نقل عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط أن ليلة الرابع ليلة التحصيب، و حمله الأصحاب على أن مراده ليلة الرابع من يوم النحر لا الرابع عشر، و هو جيد.
الخامس [جواز تقديم صوم الثلاثة على التروية]:
قال الشيخ في النهاية و الخلاف و المبسوط: «قد وردت رخصة في جواز تقديم صوم الثلاثة من أول ذي الحجة».
و قال ابن إدريس: «و قد رويت رخصة في تقديم صوم الثلاثة الأيام من أول العشرة، و الأحوط الأول- ثم قال بعد ذلك-: إلا أن أصحابنا أجمعوا على أنه لا يجوز الصيام إلا يوم قبل يوم التروية و يوم التروية و يوم عرفة، و قبل ذلك لا يجوز».
و ظاهر كلام الشيخ التوقف في المسألة، و ظاهر كلام ابن إدريس الميل إلى التحريم.
و نقل في المختلف عن شيخه جعفر بن سعيد (قدس سره) أنه أفتى بالجواز، و هو صريح عبارته في الشرائع، و قيده بالتلبس بالمتعة، فقال:
«و يجوز تقديمها من أول ذي الحجة بعد التلبس بالمتعة».
و الظاهر أن هذا القول هو المشهور بين المتأخرين، و الأصل فيه
ما رواه الشيخ و الكليني عن زرارة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«من لم يجد الهدي و أحب أن يصوم الثلاثة الأيام في أول العشر
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 8 و 2.
138
فلا بأس بذلك».
و رده في المدارك بضعف السند باشتماله في التهذيب على أبان الأزرق، و هو مجهول، و في الكافي على عبد الكريم بن عمرو، و هو واقفي، ثم قال:
«و المسألة محل تردد».
أقول: لا وجه لهذا التردد بناء على هذا الاصطلاح الذي هو إلى الفساد أقرب من الصلاح، بل الواجب عليه الحكم بعدم الجواز، لعدم الدليل الشرعي كما صار إلى ذلك في مواضع من شرحه.
ثم إنه مما يؤيد جواز التقديم ما تقدم
في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) من قول أبي الحسن (عليه السلام) لعباد لما قال له: يا أبا الحسن إن الله قال «فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ» فقال: «كان جعفر يقول:
ذو الحجة كله من أشهر الحج».
و قال في الدروس: «و لتكن الثلاثة بعد التلبس بالحج، و تجوز من أول ذي الحجة، و يستحب فيه السابع و تالياه و لا يجب، و نقل عن ابن إدريس أنه لا يجوز قبل هذه الثلاثة: و جوز بعضهم تقديمه في إحرام العمرة، و هو بناء على وجوبه بها، و في الخلاف لا يجب الهدي قبل إحرام الحج بلا خلاف، و يجوز الصوم قبل إحرام الحج، و فيه إشكال» انتهى.
أقول: مقتضى قوله: «و لتكن الثلاثة بعد التلبس بالحج، و تجوز من أول ذي الحجة» هو تقييد الجواز هنا بالتلبس بالحج، فلا تجوز من أول ذي الحجة إلا لمن كان متلبسا بالحج في ذلك الوقت، مع أن
____________
(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.
139
الأفضل اتفاقا نصا (1) و فتوى هو أن يكون إحرام الحج يوم التروية، مع ورود الرواية (2) بالرخصة في التقديم مطلقا نعم يجب تقييده بالتلبس بالمتعة كما ذكره في الشرائع.
و بذلك يظهر لك أيضا عدم الحاجة إلى ما ذكره من البناء على وجوب الحج المندوب بالشروع في العمرة، بمعنى أنه إن قلنا بوجوب الحج المندوب بالشروع في العمرة جاز تقديم الصوم في العمرة و إلا فلا، فإنه لا حاجة تلجئ إليه، لما عرفت من أن إحرام الحج على ما استفاضت به النصوص (3) إنما هو يوم التروية، فالتقديم الذي دلت عليه الرواية يتحتم أن يكون في العمرة، و به أيضا يندفع الإشكال الذي أورده على كلام الشيخ في الخلاف.
و قال في المنتهى: «و يجوز صوم الثلاثة قبل الإحرام بالحج و قد وردت رخصة في جواز صومها في أول العشر إذا تلبس بالمتعة» انتهى. و هو مؤيد لما اخترناه.
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 4 و 11 و 30 و الباب- 3- منها- الحديث 4 و الباب- 5- منها- الحديث 3 و الباب- 8- منها- الحديث 2 و الباب 84- من أبواب الطواف.
(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب إحرام الحج و الوقوف بعرفة- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 4 و 11 و 30 و الباب- 3- منها- الحديث 4 و الباب- 5- منها- الحديث 3 و الباب- 8- منها- الحديث 2 و الباب 84- من أبواب الطواف.
140
السادس [جواز صوم الثلاثة طول ذي الحجة]:
قد صرح الأصحاب بأنه يجوز صوم الثلاثة المذكورة طول ذي الحجة، و لا يجوز صومها في غيره، فلو خرج ذو الحجة و لم يصمها تعين الهدي، و على كل من الحكمين اتفاق أصحابنا فيما اعلم.
و يدل على الأول
ما رواه الصدوق في الصحيح عن زرارة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «من لم يجد ثمن الهدي فأحب أن يصوم الثلاثة الأيام في العشر الأواخر فلا بأس بذلك».
و نحوها رواية ربعي بن عبد الله (2) المتقدمة نقلا من تفسير العياشي، و مثلها صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (3) المتقدمة عن أبي الحسن (عليه السلام) مع عباد البصري.
و على الثاني
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن منصور (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من لم يصم في ذي الحجة حتى يهل هلال المحرم فعليه دم شاة، و ليس له صوم، و يذبحه بمنى».
و ما رواه الشيخ في الموثق عن منصور بن حازم (5) قال: «قلت
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 13- 15.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 13- 15.
(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(4) أشار إليه في الوسائل- الباب- 47- من أبواب الذبح- الحديث 1 و ذكره في التهذيب ج 5 ص 39- الرقم 116.
(5) التهذيب ج 4 ص 231- الرقم 680.
141
لأبي عبد الله (عليه السلام): من لم يصم الثلاثة الأيام في الحج حتى يهل الهلال فقال: عليه دم يهريقه، و ليس عليه صيام».
و ما رواه الشيخ و الصدوق في الصحيح عن عمران الحلبي (1) قال:
«سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يصوم الثلاثة الأيام التي على المتمتع الذي لا يجد الهدي حتى يقدم اهله، قال: يبعث بدم».
و هو محمول على ما إذا قدم اهله بعد انقضاء ذي الحجة الذي هو زمان للصوم- كما تقدم- و لم يصمها في الطريق.
و نقل في المختلف عن الشيخ في النهاية و المبسوط أنه قال: «و من لم يصم الثلاثة الأيام بمكة و لا في الطريق و رجع إلى بلده و كان متمكنا من الهدي بعث به، فإنه أفضل من الصوم» ثم قال بعد نقل ذلك عنه:
«و هذا يؤذن بجواز الصوم، و ليس بجيد، لأنه إن كان قد خرج ذو الحجة تعين الهدي و كذا إذا لم يخرج، لأن من وجد الهدي قبل شروعه في الصوم وجب عليه الهدي» انتهى.
أقول: و يمكن أن يستدل للشيخ (رحمه الله تعالى) بإطلاق هذا الخبر، إلا أنه معارض بما ذكره العلامة، فإنه مقتضى الأخبار الواردة في المقام.
السابع [عدم وجوب الهدي لو وجده بعد صوم الثلاثة]:
لو صام الثلاثة في وقتها المتقدم ذكره ثم وجد الهدي فالمشهور بين الأصحاب أن الصوم يكون مجزئا و إن كان الأفضل ذبح الهدي، قاله
____________
(1) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الذبح- الحديث 3.
142
الشيخ (رحمه الله) و تبعه الأكثر.
و المستند فيه الجمع بين
ما رواه في الكافي عن حماد بن عثمان (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع صام ثلاثة أيام في الحج ثم أصاب هديا يوم خرج من منى، فقال: أجزأه صيامه».
و بين
ما رواه في الكافي و التهذيب عن عقبة بن خالد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع و ليس معه ما يشتري به هديا، فلما أن صام ثلاثة أيام في الحج أيسر، أ يشتري هديا فينحره أو يدع ذلك و يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله؟ قال: يشتري هديا فينحره، و يكون صيامه الذي صام نافلة له».
و حاصل هذا الجمع ان له الخيار بين المضي على ما صامه ثم إتمامه بعد الرجوع أو الانتقال إلى الهدي، و الثاني أفضل.
و استقرب العلامة في القواعد وجوب الهدي إذا وجده في وقت الذبح، و استدل ولده في الشرح بأنه مأمور بالذبح في وقت و قد وجده فيه فيجب.
و يأتي على هذا القول أن بدلية الصوم مع تقديمه إنما يتم مع عدم وجود الهدي في الوقت المعين للذبح الذي هو يوم النحر و أيام التشريق كما تقدم لا مطلقا.
أقول: لا يخفى أن هذا القول لا يتم إلا بطرح رواية حماد بن عثمان المذكورة و ردها، و هو مشكل، على أن ظاهر إطلاق الاخبار المتقدمة في استحباب صوم الثلاثة بدل الهدي قبل يوم التروية بيوم و يومان بعده يعطى البدلية مطلقا كما لا يخفى، و هو مؤكد لما دلت عليه رواية حماد المذكورة
____________
(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الذبح- الحديث 2.
143
غاية الأمر أنه لما ورد في معارضة هذه الرواية رواية عقبة بن خالد فلا بد من وجه يجمع به بينهما، و قد عرفت ما جمع به الشيخ (رحمه الله) و من تبعه من الحمل على الاستحباب.
ثم إن مقتضى ما قدمنا نقله عن الأصحاب تخصيص الحكم المذكور بما إذا صام الثلاثة، أما لو شرع فيها ثم وجد الهدي قبل أن يتمها فإنه ينتقل حكمها إلى وجوب الهدي.
و الظاهر أن وجهه هو ان وقت الذبح عندهم مستمر إلى آخر الشهر كما تقدم، و الرواية التي دلت على الاكتفاء بالصيام موردها صوم ثلاثة، فاقتصروا في الخروج عن ذلك الأصل على مورد الرواية.
و ذهب ابن إدريس و العلامة في جملة من كتبه إلى سقوط وجوب الهدي بمجرد التلبس بالصوم، و احتج عليه في المنتهى بقوله تعالى (1) «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيٰامُ ثَلٰاثَةِ أَيّٰامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ» إذ مقتضاه وجوب الصوم على غير الواجد، فالانتقال عنه إلى الهدي يحتاج إلى دليل، ثم قال: «لا يقال: هذا يقتضي عدم إجزاء الهدي و إن لم يدخل في الصوم، لأنا نقول: لو خلينا و الظاهر لحكمنا بذلك، لكن الوفاق وقع على خلافه و بقي ما عداه على الأصل» انتهى.
أقول: و ما بعد ما بين هذا القول الذي استدل عليه هنا بالآية و بين ما قدمنا نقله عنه في القواعد، و المسألة عندي لا تخلو من الاشكال، حيث إن ما تقدم نقله عن الشيخ و الجماعة من الجمع بين الخبرين بالاستحباب فيه ما عرفت في غير مقام مما تقدم، و عندي أن أحد الخبرين إنما خرج مخرج
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
144
التقية، و العامة هنا مثل أصحابنا على أقوال ثلاثة:
فمنهم من ذهب إلى ما تقدم نقله عن الشيخ، و نقله في المنتهى عن حماد و الثوري.
و منهم من ذهب إلى ما نقل عن ابن إدريس، و نقله في المنتهى عن الحسن و قتادة و مالك و الشافعي و أحمد في إحدى الروايتين.
و منهم من ذهب إلى ما نقل عن العلامة في القواعد، و نقله في المنتهى عن أبي حنيفة، قال: «و قال: «و قال أبو حنيفة: يجب عليه الانتقال إلى الهدي، و كذلك إذا وجد الهدي بعد أن صام الثلاثة قبل يوم النفر، و إن وجده بعد أن مضت أيام النحر أجزأه الصوم و إن لم يتحلل، لأنه قد مضى زمان التحلل».
و لا يخفى على العارف بالسير أن ما عدا مذهب أبي حنيفة من المذاهب المذكورة لا شيوع له و لا صيت في تلك الأوقات، و إنما ظهر هذا الصيت للمذاهب الثلاثة المنضمة إليه في الأعصار المتأخرة، و ليسوا في تلك الأوقات إلا كغيرهم من سائر المجتهدين.
و أما مذهب أبي حنيفة فهو شائع ذائع، و له مريدية يجادلون على مذهبه، و جميع حكام الجور في وقته و بعده أيضا في زمن تلامذته من أبي يوسف و نحوه لا يصدرون إلا عن أحكامه.
و بهذا التقريب يقرب حمل رواية عقبة بن خالد (1) على التقية، فإنها ظاهرة في وجوب الهدي بعد صوم الثلاثة في وقتها المستحب.
و حينئذ يكون العمل على رواية حماد بن عثمان (2) المعتضدة بإطلاق
____________
(1) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 45- من أبواب الذبح- الحديث 1.
145
الأخبار المستفيضة (1) المتقدمة، كما قدمنا الإشارة إليه، و الاحتياط بالإتيان بالهدي في وقته مما لا ينبغي تركه ثم إكمال العشرة، و الله العالم.
الثامن [حكم من لم يتمكن من صوم الثلاثة في وقتها الموظف]:
لو لم يصم الثلاثة في وقتها الموظف الذي تقدم في الاخبار فإن تمكن من صيام يوم الحصبة و ما بعده صامها، و إن تمكن من التأخير إلى بعد أيام التشريق أخر صيامها إلى بعد تمام أيام التشريق فإنه الأفضل، و إلا صام يوم الحصبة و يومين بعده، و إن لم يقم عليه جماله صامها في الطريق أو في منزله إن لم يخرج ذو الحجة.
و يدل على الحكم الأول من أن الأفضل بعد أيام التشريق، و مع عدم إمكانه فيوم الحصبة و ما بعده ما تقدم
في صحيحة رفاعة (2) من قوله:
«فإنه قدم يوم التروية، قال: يصوم ثلاثة أيام بعد التشريق، قلت: لم يقم عليه جماله، قال: يصوم يوم الحصبة و بعده يومين».
و أما ما يدل على الثاني من الصوم في الطريق
فما رواه في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) عن عبد صالح (عليه السلام) قال:
«سألته عن المتمتع ليس له أضحية وفاته الصوم حتى يخرج، و ليس له مقام، قال: يصوم ثلاثة أيام في الطريق إن شاء، و إن شاء صام في أهله».
____________
(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الذبح- الحديث 2.
146
و عن معاوية بن عمار (1) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من كان متمتعا فلم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجع إلى أهله، فإن فاته ذلك و كان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة، و إن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله، و إن كان له مقام بمكة و أراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام».
قوله (عليه السلام): «و إن كان له مقام» أي بمكة بعد الرجوع من منى.
قال في القاموس: «و الصدر: أعلى مقام كل شيء- إلى أن قال-:
و الرجوع كالصدور، و الاسم بالتحريك، و منه طواف الصدر- إلى أن قال-: و الصدر بالتحريك: اليوم الرابع من أيام النحر» انتهى.
و مرجعه إلى احتمالات ثلاثة كلها قائمة في الخبر: أحدها أن يكون مصدرا بمعنى الرجوع، فتكون دالة ساكنة، و أن يكون اسم مصدر منه، فتكون دالة مفتوحة، و أن يراد به اليوم الرابع من أيام النحر، و هو ثالث أيام التشريق، فيكون مفتوح الدال أيضا.
و ما رواه الشيخ في الموثق عن الحسن بن الجهم (2) قال: «سألته عن رجل فاته صوم الثلاثة الأيام في الحج، قال: من فاته صيام الثلاثة الأيام في الحج ما لم يكن عمدا تاركا فإنه يصوم بمكة ما لم يخرج منها، فان أبى جماله
____________
(1) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الذبح- الحديث 4 و ذكر ذيله في الباب- 50- منها- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 2 من كتاب الصوم.
147
أن يقيم عليه فليصم في الطريق».
و عن يونس (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل متمتع لم يكن معه هدي، قال: يصوم ثلاثة أيام قبل التروية بيوم و يوم التروية و يوم عرفة، قال: فقلت له: إذا دخل يوم التروية و هو لا ينبغي أن يصوم بمنى أيام التشريق، قال: فإذا رجع إلى مكة صام، قلت: فإنه أعجله أصحابه و أبوا أن يقيموا بمكة، قال: فليصم في الطريق، قال:
فقلت: يصوم في السفر، قال: هو ذا يصوم في يوم عرفة، و أهل عرفة في السفر».
و أما
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «الصوم الثلاثة الأيام إن صامها فأخرها يوم عرفة، فان لم يقدر على ذلك فليؤخرها حتى يصومها في أهله، و لا يصومها في السفر».
فقد أجاب عنه الشيخ، فقال: «يعنى لا يصومها في السفر معتقدا أنه لا يسعه غير ذلك، بل يعتقد أنه مخير في صومها في السفر و في اهله».
و لا يخفى ما فيه من التكلف و البعد.
و قال في كتاب المنتقى بعد نقل الخبر: «قلت: ينبغي أن يكون هذا الحديث محمولا على رجحان تأخير الصوم إلى أن يصل إلى أهله مع فوات فعله على وجه يكون آخره عرفة، و إن جاز أن يصومه في الطريق جمعا بين الخبر و بين ما سبق، و للشيخ في تأويله كلام ركيك ذكره في الكتابين» انتهى.
____________
(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب من يصح منه الصوم- الحديث 3- من كتاب الصوم.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 10.
148
أقول: ظاهر الخبر كما ترى أن المرتبة الثانية مع عدم الإتيان بها في الوقت الموظف الذي تقدم في الاخبار هو التأخير إلى أن يصومها في أهله، مع استفاضة الروايات المتقدمة بالأمر بصوم يوم الحصبة و ما بعده إن لم يتمكن من التأخير إلى ما بعد أيام التشريق، و أن الصوم في الطريق إنما هو بعد هذه المراتب. و بذلك يظهر لك ما في حمل صاحب المنتقى أيضا.
و ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي حمل الخبر المذكور على التقية مستندا إلى ما تشعر به صحيحة رفاعة المتقدمة، و لعله الأقرب.
و كيف كان فالرواية المذكورة معارضة بجملة من الاخبار الصحيحة الصريحة المستفيضة المتفق على العمل بها، فلا تبلغ حجة في مقابلتها، و الله العالم.
المسألة الثالثة [لزوم الفصل بين الثلاثة و السبعة في الصيام]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في وجوب الفصل بين الثلاثة و السبعة، لأنهم أوجبوا صوم الثلاثة في الحج و السبعة في البلد، كما هو صريح الآية الشريفة (1) و عليه دلت الأخبار المتكاثرة.
منها صحيحة حماد بن عيسى (2) المتقدمة في روايات صدر المسألة، و مرسلة الفقيه (3) و رواية كتاب الفقه الرضوي (4) المتقدمتان ثمة، و ما
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(2) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 12.
(4) المستدرك- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 2.
149
تقدم في الأمر الثاني من صحيحة ابن سنان (1) و صحيحة ابن مسكان (2) و صحيحة معاوية بن عمار (3) المتقدمة أيضا في الأمر الثامن.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن سليمان بن خالد (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع و لم يجد هديا، قال: يصوم ثلاثة أيام بمكة و سبعة إذا رجع».
أقول: و هذه الرواية أيضا دالة على ما قدمناه في الأمر الثامن من أن الأفضل بعد فوات الثلاثة المستحبة التأخير إلى بعد أيام التشريق، كما تقدم في صحيحة رفاعة (5) و خالف في هذا الحكم جملة من العامة، فذهب بعضهم إلى أنه يصوم بعد الفراغ من أفعال الحج، ذهب إليه أبو حنيفة و الشافعي في أحد قوليه و أحمد، و قيل: يصوم إذا كان سائرا في الطريق و به قال مالك و الشافعي في القول الثاني، و هو خروج عن صريح القرآن العزيز.
و على هذا فلو أقام بمكة و لم يرجع إلى بلاده انتظر مدة وصوله إلى أهله ما لم يتجاوز عن شهر ثم صام، فان زادت مدة وصوله على شهر اكتفى بمضي الشهر و مبدأ الشهر من انقضاء أيام التشريق.
و يدل على ذلك ما تقدم
في صحيحة معاوية بن عمار (6) المذكورة في الأمر الثامن من قوله (عليه السلام): «و إن كان له مقام بمكة و أراد أن يصوم السبعة ترك الصيام بقدر مسيره إلى أهله أو شهرا ثم صام».
____________
(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(4) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(5) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(6) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الذبح- الحديث 2.
150
و روى الشيخ في الصحيح عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (1) «في المقيم إذا صام الثلاثة الأيام ثم يجاور ينظر مقدم أهل بلده، فإذا ظن أنهم قد دخلوا فليصم السبعة أيام».
و عن ابن مسكان عن أبي بصير (2) قال: «سألته عن رجل تمتع فلم يجد ما يهدي فصام ثلاثة أيام، فلما قضى نسكه بدا له أن يقيم سنة، قال: فلينتظر مقدم أهل بلده، فإذا ظن أنهم قد دخلوا بلدهم فليصم السبعة الأيام» و في أكثر النسخ «منهل أهل بلده» و ربما وجد في بعضها «مستهل أهل بلده».
و روى في المقنعة مرسلا (3) قال: «سئل (عليه السلام) عن المتمتع بالعمرة لا يجد الهدي فيصوم ثلاثة أيام ثم يجاور كيف يصنع في صيامه باقي الأيام؟ قال: ينتظر مقدار ما يصل إلى بلده من الزمان ثم يصوم باقي الأيام».
قال: «و سئل (عليه السلام) (4) عن متمتع لم يجد الهدي فصام ثلاثة أيام ثم جاور مكة متى يصوم السبعة الأيام الأخر؟ فقال: إذا مضى من الزمان مقدار ما كان يدخل فيه إلى بلده صام السبعة الأيام».
و روى العياشي في تفسيره عن حذيفة بن منصور (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا تمتع بالعمرة إلى الحج و لم يكن معه هدي صام قبل التروية و يوم التروية و يوم عرفة، فان لم يصم هذه الثلاثة الأيام صام بمكة، فإن عجلوا صام في الطريق، و إذا قام بمكة بقدر مسيره إلى
____________
(1) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(4) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(5) الوسائل- الباب- 50- من أبواب الذبح- الحديث 6.
151
منزله فشاء أن يصوم السبعة الأيام فعل».
و هل يجزئ مضي الشهر في الإقامة بمكة أو غيرها أم يختص بمكة؟
مورد النص الأول خاصة، و به صرح شيخنا في المسالك حيث قال: «و إنما يكفي الشهر إذا كانت إقامته بمكة، و إلا تعين انتظار الوصول إلى أهله كيف كان اقتصارا على مورد النص، و تمسكا بقوله تعالى (1) «وَ سَبْعَةٍ إِذٰا رَجَعْتُمْ» حملا للرجوع على ما يكون حقيقة أو حكما، و مبدأ الشهر من انقضاء أيام التشريق» انتهى.
قال في المدارك بعد نقله: «هذا كلامه (رحمه الله) و لا بأس به، بل المستفاد من ظاهر الآية الشريفة (2) اعتبار الرجوع حقيقة، فالمسألة محل إشكال» انتهى.
أقول: يمكن تطرق المناقشة إلى ما ذكره شيخنا المشار إليه بأنه إن اقتصر في هذا الحكم على مورد النص- و هو الإقامة بمكة- فالواجب أيضا الاقتصار في الانتظار على مدة وصوله بلده على الإقامة في مكة، كما وردت به النصوص المذكورة، فلو أقام في غير مكة لم يكن الحكم فيه كذلك، مع أن الظاهر أنه لا يقول به، بل يوجب عليه الانتظار المدة المذكورة، أقام بمكة أو غيرها. و حينئذ فلا يكون للإقامة في مكة مدخل في شيء من الحكمين.
و الظاهر أن ذكر مكة إنما خرج مخرج التمثيل من حيث استحباب المجاورة فيها و أرجحية المقام بها، و إلا فلو فرضنا أنه انتقل إلى الطائف و اقام بها فالحكم فيه كذلك في المسألتين المذكورتين.
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(2) سورة البقرة: 2- الآية 196.
152
و أما ما ذكره سبطه من الاشكال بالنظر إلى لزوم الخروج عن ظاهر الآية الشريفة (1) فالظاهر أنه ليس في محله، فان النصوص كما عرفت قد تكاثرت بهذا الحكم، فيجب تقييد إطلاق الآية به، و تقييد إطلاق القرآن العزيز بالاخبار غير عزيز في الأحكام الشرعية و لو بخبر واحد، فكيف مثل هذه الاخبار على كثرتها و صحة بعضها، مثل أخبار الحبوة (2) و ميراث الزوجة (3) و توريث الزوجة بعد الخروج من العدة في المريض ضمن السنة (4) و نحو ذلك.
[تنبيهات]
و ينبغي التنبيه على فوائد يتم بها تحقيق المسألة المذكورة.
الاولى [عدم لزوم الفصل لو صامها في بلده]:
قد تضمن جملة من الاخبار جواز تأخير صوم الثلاثة إلى الرجوع إلى أهله.
كصحيحة معاوية بن عمار (5) المتقدمة، حيث قال: «فان فاته ذلك و كان له مقام بعد الصدر صام ثلاثة أيام بمكة و إن لم يكن له مقام صام في الطريق أو في أهله».
____________
(1) سورة البقرة:- الآية- 196.
(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ميراث الأبوين و الأولاد من كتاب الفرائض.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب ميراث الأزواج- من كتاب الفرائض.
(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب ميراث الأزواج- من كتاب الفرائض.
(5) الوسائل- الباب- 47- من أبواب الذبح- الحديث 4.
153
و في صحيحة
ابن مسكان (1) المتقدمة في الأمر الثاني من المسألة السابقة «فان لم يقم عليه أصحابه و لم يستطع المقام بمكة فليصم عشرة أيام إذا رجع إلى اهله».
و في مرسلة الفقيه (2) «فان فاته صوم هذه الثلاثة الأيام حتى يخرج و ليس له مقام صام الثلاثة في الطريق إن شاء، و إن شاء صام العشر في أهله».
و يظهر من هذه الاخبار أن التأخير إلى وصول الأهل لا يكون إلا عن عذر مانع من صيامها في مكة أو قبل ذلك.
ثم الظاهر من الاخبار عدم وجوب الفصل هنا بين الثلاثة و السبعة، بل نبه على ذلك
في مرسلة الفقيه (3) حيث قال بعد ذكر ما قدمناه هنا:
«و يفصل بين الثلاثة و السبعة بيوم، و إن شاء صامها متتابعة».
بل ظاهر العلامة في المنتهى عدم وجوب الفصل أيضا و إن كان في مكة بعد مضي المدة التي يمكن الوصول فيها إلى أهله أو الشهر، قال (قدس سره):
«إنما يلزمه التفريق بين الثلاثة و السبعة إذا كان بمكة، لأنه يجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج و سبعة إذا رجع إلى أهله، فلا يمكن الجمع بينهما و لو اقام فكذلك يجب عليه التفريق، لأنه يلزمه أن يصبر شهرا أو قدر وصول الناس إلى وطنه، أما لو لم يصم الثلاثة الأيام إلا بعد وصول الناس إلى وطنه أو مضي شهر فإنه لا يجب عليه التفريق بين الثلاثة و السبعة، و كذا لو وصل إلى اهله و لم يكن قد صام بمكة ثلاثة أيام، فإنه يجوز له
____________
(1) الوسائل- الباب- 51- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 12.
(3) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 12.
154
الجمع بين الثلاثة و السبعة، و لا يجب عليه التفريق» انتهى.
الثانية [عدم اعتبار الموالاة في السبعة]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه لا يشترط الموالاة في السبعة، بل قال العلامة في التذكرة و المنتهى: «إنه لا يعرف فيه خلافا».
و يدل عليه إطلاق الآية (1) و تقييدها يحتاج إلى دليل،
و ما رواه الشيخ عن إسحاق بن عمار (2) قال: «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام): إني قدمت الكوفة و لم أصم السبعة الأيام حتى نزعت بي حاجة إلى بغداد قال: صمها ببغداد، قلت: أفرقها، قال: نعم».
و نقل في المختلف في كتاب الصوم عن ابن أبي عقيل و أبي الصلاح وجوب التتابع في هذه السبعة، قال (قدس سره): «المشهور ان السبعة في بدل الهدي لا يجب فيه التتابع، و قال ابن أبي عقيل: و سبعة متتابعات إذا رجع إلى اهله، و ذهب أبو الصلاح إلى وجوب التتابع في السبعة، لنا: الأصل براءة الذمة، و عدم شغلها بوجوب التتابع، احتج بأن الأمر للفور،
و ما رواه علي بن جعفر في الحسن (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «سألته عن صوم ثلاثة أيام في الحج و سبعة أ يصومها متوالية أو يفرق بينها؟ قال: يصوم الثلاثة الأيام لا يفرق بينها و السبعة لا يفرق بينها و لا يجمع بين السبعة و الثلاثة جميعا».
و الجواب المنع من
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(2) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2.
(3) الوسائل- الباب- 55- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2.
155
كون الأمر للفور و من كون الخبر للوجوب، و لو قيل به كان قويا، للحديث» انتهى.
و قال في المدارك بعد نقل الخلاف في المسألة، و الطعن في سند رواية إسحاق بن عمار بالضعف، و نقل رواية علي بن جعفر دليلا للقول الآخر ما صورته: «و هذه الرواية معتبرة الإسناد، ليس في طريقها من قد يتوقف في شأنه إلا محمد بن أحمد العلوي، و هو غير معلوم الحال، لكن كثيرا ما يصف العلامة الروايات الواقع في طريقها بالصحة، و لعل ذلك شهادة منه بتوثيقه» انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه من الوهن بناء على القول باصطلاحهم، و لكن هذه عادتهم كما أشرنا إليه في غير موضع مما تقدم أنهم إذا احتاجوا إلى العمل بالخبر الضعيف باصطلاحهم لضيق الخناق تستروا بمثل هذه الأعذار الواهية، و ليت شعري هل يخفى على مثله حال العلامة (رضوان الله تعالى عليه) من استعجاله- سيما في المختلف- و منه وصفه هذه الرواية في هذا المقام بأنها حسنة، و سندها على ما ترى، فأي حسن أو صحة يمكن فيها و الرجل المشار إليه في كتب الرجال المعدة لضبط أحوال الرجال غير مذكور فيها بمدح و لا قدح.
و الشيخ و من تبعه من الأصحاب قد جمعوا بين الخبرين بحمل رواية علي بن جعفر على الاستحباب، و لا يبعد حمل رواية إسحاق بن عمار على التقية، حيث إن العامة لا يرون التتابع حتى في الثلاثة، كما نقله في المنتهى.
و لا ريب أن الاحتياط في التتابع كما دلت عليه رواية علي بن جعفر.
و أما ما دلت عليه من أنه لا يجمع بين السبعة و الثلاثة فيجب تخصيصه
156
بما إذا كان في مكة على الوجه المتقدم دون وصوله إلى أهله كما عرفت آنفا.
الثالثة [جواز صوم الثلاثة في بلده]:
قد عرفت فيما تقدم دلالة جملة من الاخبار (1) على جواز صوم الثلاثة بعد الوصول إلى بلده، فيصوم العشر كملا هناك، و ينبغي تقييده بأن يكون وصوله قبل خروج ذي الحجة، لأنه مع خروج ذي الحجة و لمّا يصم الثلاثة يلزمه الدم كما تقدم، و يجب تقييده أيضا بعدم وجود الهدي و إرساله على وجه يمكن ذبحه في ذي الحجة و إلا تربص به إلى العام القابل و سقط الصوم في الصورة المذكورة، كما تقدم جميع ذلك في الأخبار (2).
و يدل عليه زيادة على ما تقدم
ما رواه في المقنع مرسلا (3) قال: «و روى إذا لم يجد المتمتع الهدي حتى يقدم إلى اهله أنه يبعثه».
قال شيخنا الشهيد في الدروس: «لو رجع إلى بلده و لم يصم الثلاثة و تمكن من الهدي وجب بعثه لعامه إذا كان يدرك ذا الحجة و إلا ففي القابل، و قال الشيخ: يتخير بين البعث و هو الأفضل و بين الصوم و أطلق» انتهى.
أقول: و قد تقدم في الأمر السادس من المسألة المتقدمة (4) نقل كلام الشيخ المذكور، و كلام العلامة عليه في ذلك.
____________
(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب الذبح- الحديث 4 و 7 و 10 و 12.
(2) الوسائل- الباب- 44- من أبواب الذبح.
(3) المستدرك- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) راجع ص 141.
157
الرابعة [وجوب صوم بدل الهدي على الولي لو مات الحاج]:
المشهور بين المتأخرين و منهم ابن إدريس و من بعده وجوب الصوم على الولي لو مات من وجب عليه الصوم و لم يصم.
و قال الشيخ: «لو مات قبل أن يصوم شيئا مع تمكنه قضى الولي الثلاثة دون السبعة» و به قال ابن حمزة.
و قال الصدوق في الفقيه بعد نقل صحيحة معاوية بن عمار (1) الآتية:
«قال مصنف هذا الكتاب (رحمة الله عليه): هذا على الاستحباب لا على الوجوب، و هو إذا لم يصم الثلاثة في الحج أيضا» و ظاهره الاستحباب حتى في الثلاثة.
و الذي يدل على القول الأول
صحيحة معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من مات و لم يكن له هدي لمتعته فليصم عنه وليه».
و الشيخ بعد أن نقل هذه الرواية عن الكافي قال في آخرها: «يعني هذه الثلاثة الأيام» و الظاهر أن هذا من كلامه بيانا لمذهبه في المسألة، لخلو الرواية في الكافي و الفقيه عن هذه الزيادة، و كذلك
رواه الشيخ المفيد في المقنعة مرسلا (3) قال: «قال (عليه السلام): من مات و لم يكن له هدي لمتعته صام عنه وليه».
____________
(1) الوسائل- الباب- 48- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 48- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 48- من أبواب الذبح- الحديث 6.
158
و استدل الشيخ في التهذيب على عدم وجوب قضاء السبعة
بما رواه عن الحلبي (1) في الصحيح أو الحسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سل عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج و لم يكن له هدي فصام ثلاثة أيام في ذي الحجة ثم مات بعد أن رجع إلى أهله قبل أن يصوم السبعة الأيام أعلى وليه أن يقضي عنه؟ قال: ما أرى عليه قضاء».
و أجاب عنه العلامة في المنتهى بأن هذه الرواية لا حجة فيها، لاحتمال أن يكون موته قبل أن يتمكن من الصيام، و مع هذا الاحتمال لا يبقى فيها دلالة على المطلوب.
و هو جيد، و يعضده ما تقدم
في مرسلة الفقيه (2) من قولهم (عليهم السلام) «و إذا مات قبل أن يرجع إلى اهله و يصوم السبعة فليس على وليه القضاء».
و ظاهر المحدث الكاشاني في الوافي الميل إلى عدم الوجوب استنادا إلى ما ورد في رواية الحلبي من أنه لا قضاء على الولي.
أقول: الظاهر عندي هو القول المشهور بين المتأخرين، لعدم ظهور الرواية المخالفة في المخالفة.
و أما ما ذهب إليه الصدوق من الاستحباب و إن ظهر من صاحب الوافي موافقته فهو ضعيف، إذ غاية ما تدل عليه الرواية مع تسليم دلالتها هو عدم الوجوب في السبعة، فتبقى الثلاثة على ما دل عليه إطلاق صحيحة معاوية بن عمار، و الله العالم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 48- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 48- من أبواب الذبح- الحديث 4.
159
الخامسة [عدم إجزاء الصدقة إلا مع عدم التمكن]:
لو تمكن من صيام السبعة وجب عليه صيامها، و لا تجزئ عنه الصدقة، لأن الصدقة بدل، و لا يجزئ إلا مع عدم التمكن،
و لما رواه الشيخ عن عاصم بن حميد عن موسى بن القاسم عن بعض أصحابنا (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «و كتب إليه أحمد بن القاسم في رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فلم يكن عنده ما يهدي به فصام ثلاثة أيام، فلما قدم اهله لم يقدر على صوم السبعة الأيام و أراد أن يتصدق من الطعام، فعلى من يتصدق؟ فكتب: لا بد من الصيام».
قال الشيخ: «قوله: «لم يقدر على الصوم» يعني لم يقدر عليه إلا بمشقة، لأنه لو لم يكن قادرا عليه على كل حال لما قال (عليه السلام): لا بد من الصيام».
أقول: بل الأقرب في معنى الخبر المذكور هو أنه لما كان صوم السبعة واجبا موسعا أمره بالتربص للصيام بعد البرء.
السادسة [لزوم إخراج الهدي من التركة لو استقر في ذمته]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأن من مات و قد استقر الهدي في ذمته وجب إخراجه من أصل تركته، لأنه حق مالي فيخرج من أصل التركة كالدين، قالوا: و لو قصرت التركة عنه و عن
____________
(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب الذبح- الحديث 1.
160
الدين وزعت التركة على الجميع بالحصص، فان لم تف حصته بأقل هدي قال في المسالك: «يجب إخراج جزء من هدي مع الإمكان، لعموم
قوله (صلى الله عليه و آله) (1): «إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم».
- قال- و لو لم يمكن إخراج جزء ففي الصدقة به أو عوده ميراثا وجهان».
و قال سبطه في المدارك: «و إن لم يمكن فالأصح عوده ميراثا، بل يحتمل قويا مع إمكان شراء الجزء أيضا، و في المسألة قول ضعيف بوجوب الصدقة به» انتهى.
أقول: لا يخفى أن المسألة خالية من النص، و لكن متى قلنا بما ذكروه من هذه الفروع فيها فلا ريب أن القول بوجوب الصدقة متى لم يمكن إخراج جزء من هدي هو الأقوى و استضعافه ذلك في المدارك ضعيف.
و قد تقدم تحقيق الكلام في نظير هذه المسألة بما لا مزيد عليه في المسألة الحادية عشرة من المقصد الثالث في حج النيابة من المقدمة الثالثة (2) و أوضحنا رجحان ما اخترناه هنا في المسألة المذكورة و نظائرها بالأخبار الواضحة و الدلائل اللائحة.
____________
(1) سنن البيهقي- ج 4 ص 326.
(2) راجع ج 14 ص 306- 309.
161
المقام الرابع في هدي القارن
قال العلامة (قدس سره) في المنتهى: «الهدي على ضربين:
(الأول): التطوع، مثل أن خرج حاجا أو معتمرا فساق معه هديا بنية أن ينحره بمنى أو مكة من غير أن يشعره أو يقلده، فهذا لا يخرج عن ملك صاحبه، بل هو على ملكيته يتصرف فيه كيف شاء من بيع أو هبة، و له ولده و شرب لبنه، فان هلك فلا شيء عليه.
(الثاني): الواجب، و هو قسمان: أحدهما ما وجوبه بالنذر في ذمته أو وجوبه بغيره، كهدي التمتع و الدماء الواجبة بترك واجب أو فعل محظور كاللباس و الطيب.
و الذي وجب بالنذر قسمان: (أحدهما) أن يطلق النذر فيقول:
«لله علي هدي بدنة أو بقرة أو شاة» و حكمه حكم ما وجب بغير النذر، و سيأتي.
(و الثاني) أن يعينه فيقول: «لله علي أن أهدى هذه البدنة أو هذه الشاة» فإذا قال زال ملكه عنهما، و انقطع تصرفه في حتى نفسه فيهما، و هي أمانة للمساكين في يده، و عليه أن يسوقها إلى المنحر، و يتعلق الوجوب هنا بعينه دون ذمة صاحبه، بل يجب عليه حفظه و إيصاله إلى محله، فإذا تلف بغير تفريط أو سرق أو ضل كذلك لم يلزمه شيء، لأنه لم يجب في الذمة، و إنما تعلق الوجوب بعينه، فيسقط بتلفها كالوديعة.
162
و أما الواجب المطلق- كدم التمتع و جزاء الصيد و النذر غير المعين و ما شابه ذلك- فعلى ضربين:
(أحدهما) أن يسوقه ينوي به الواجب من غير أن يعينه بالقول، فهذا لا يزول ملكه إلا بذبحه و دفعه إلى اهله، و له التصرف فيه بما شاء من أنواع التصرف كالبيع و الهبة و الأكل و غير ذلك، لأنه لم يتعلق حق الغير به، فان عطب تلف من ماله، و إن عاب لم يجزه ذبحه، و عليه الهدي الذي كان واجبا عليه، لأن وجوبه تعلق بالذمة، فلا تبرأ منه إلا بإيصاله إلى مستحقه، و جرى ذلك مجرى من عليه دين لآخر فحمله إليه فتلف قبل وصوله إليه.
(الثاني) أن يعين الواجب فيه، فيقول: هذا الواجب علي، فيتعين الواجب فيه من غير أن تبرأ الذمة منه، لأنه لو أوجب هديا و لا هدي عليه لتعين، فكذا إذا كان واجبا فعينه، و يكون مضمونا عليه، فان عطب أو سرق أو ضل لم يجزه، و عاد الوجوب إلى ذمته، كما لو كان عليه دين فاشترى صاحبه منه متاعا به فتلف المتاع قبل القبض، فان الدين يعود إلى الذمة و لأن التعيين ليس سببا في إبراء ذمته، و إنما تعلق الوجوب بمحل آخر، فصار كالدين إذا رهن عليه رهنا، فان الحق يتعلق بالذمة و الرهن، فمتى تلف الرهن استوفي من المدين، فإذا ثبت أنه يتعين فإنه يزول ملكه عنه و ينقطع تصرفه فيه، و عليه أن يسوقه إلى المنحر، فان وصل نحره و أجزأ و إلا سقط التعيين و وجب عليه إخراج الذي في ذمته على ما قلناه، و هذا كله لا نعلم فيه خلافا» انتهى كلامه، علت في الخلد اقدامه، و رفع فيه مقامه.
و قال الشيخ في المبسوط: «الهدي على ثلاثة أضرب: تطوع، و نذر
163
شيء يعينه ابتداء، و تعيين هدي واجب في ذمته، فان كان تطوعا مثل أن خرج حاجا أو معتمرا- ثم ذكر حكمه كما تقدم في كلام العلامة ثم قال-: الثاني هدي أوجبه النذر ابتداء بعينه- ثم ذكر الحكم فيه كما تقدم أيضا إلى أن قال-: الثالث ما وجب في ذمته عن نذر، أو ارتكاب محظور كاللباس و الطيب و الثوب و الصيد أو مثل دم المتعة، فمتى ما عينه في هدي بعينه تعين، فإذا عينه زال ملكه عنه و انقطع تصرفه فيه، و عليه أن يسوقه إلى المنحر، فان وصل نحره و أجزأه، و إن عطب في الطريق أو هلك سقط التعيين، و كان عليه إخراج الذي في ذمته، فإذا نتجت فحكم ولدها حكمها» انتهى.
أقول: و صريح كلام الشيخ المذكور و هو ظاهر كلام العلامة أيضا أنه إذا عين الهدي المضمون في عين مخصوصة فإنه يخرج بذلك عن ملكه و ينقطع تصرفه فيه.
قال في الدروس: «و حكم الشيخ بأن الهدي المضمون كالكفارة، و هدي التمتع يتعين بالتعيين، كقوله: «هذا هديي» مع نيته، و يزول عنه الملك، و ظاهر الشيخ أن النية كافية في التعيين، و كذا الإشعار أو التقليد، و ظاهر المحقق أنهما غير مخرجين و إن وجب ذبحه لتعينه، و تظهر الفائدة في النتاج بعد التعيين، فان قلنا بقول الشيخ وجب ذبحه معه، و هو المروي (1)» انتهى.
أقول: لا ريب في قوة ما ذهب إليه الشيخ باعتبار دلالة الاخبار (2) على تبعية الولد بعد نتاجه لأمه في حكم الذبح معها، فإنه لولا تعينها
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح.
(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح.
164
بالتعيين لما سرى الحكم إلى الولد الذي هو نتاجها و ثمرتها، نعم خرج من ذلك جواز شرب لبنها و ركوبها الغير المضرين- كما سيأتي إنشاء الله تعالى قريبا- بالنصوص (1) و بقي الباقي، و الله العالم.
إذا عرفت ذلك ففي هذا المقام مسائل:
[المسألة] الاولى [عدم خروج هدي القران عن ملك سائقه]:
قد صرح جملة من الأصحاب منهم الشيخ (رحمه الله) و ابن إدريس و الشهيدان في الدروس و المسالك و المحقق الشيخ علي و غيرهم بأن هدي القران لا يخرج عن ملك سائقه و إن أشعره أو قلده، إلا أنه متى أشعره أو قلده لم يجز له إبداله، و وجب نحره بمنى إن كان السياق في إحرام الحج، و في مكة إن كان في إحرام العمرة، و المراد من عدم خروجه عن ملكه بعد الاشعار و التقليد الموجب لتعيينه للذبح أن له التصرف فيه بالركوب و شرب لبنه و نحو ذلك من أنواع التصرف الذي لا ينافي نحره في مكانه.
قال في الدروس بعد كلام في المقام: «و على كل تقدير لا يخرج عن ملكه، نعم له إبداله ما لم يشعره أو يقلده، و لا يجوز حينئذ إبداله، و يتعين ذبحه أو نحره بمنى إن قرنه بالحج، و إلا فبمكة، و الأفضل الجزورة».
و قال في المسالك: «اعلم أن هدي القران لا يخرج عن ملك مالكه بشرائه أو إعداده قبل ذبحه أو نحره، و لم يجز له إبداله على ما يظهر من
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح.
165
جماعة من الأصحاب، و يدل عليه أيضا
صحيحة الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «إن كان أشعرها نحرها».
و لهذا يجب ذبحه لو ضل فأقام غيره ثم وجده قبل ذبح الآخر، و الظاهر أنه مع ذلك لا يخرج عن ملكه و إن تعين للذبح، لأصالة بقاء الملك، و وجوب الذبح أو النحر لا ينافيه و تظهر الفائدة في جواز ركوبه و شرب لبنه، و إنما يمتنع إبداله و إتلافه، و يجب حفظه حتى يفعل به ما يجب» انتهى.
و قد وقع للمحقق (رحمه الله) في الشرائع هنا نوع سهو في العبارة، و تبعه عليه العلامة في المنتهى كما هو الغالب من اقتفائه فيه أثر المحقق في المعتبر و نقل عبائره.
قال في الشرائع: «لا يخرج هدي القران عن ملك سائقه، و له إبداله و التصرف فيه و إن أشعره أو قلده، لكن متى ساقه لا بد من نحره بمنى إذا كان لإحرام الحج، و إن كان لإحرام العمرة فبفناء الكعبة بالجزورة».
و قال في المنتهى: «قد بينا أن غير المتمتع لا يجب عليه الهدي، و القارن لا يخرج هديه عن ملكه، و له إبداله و التصرف فيه و إن شعره أو قلده، لأنه غير واجب عليه، لكن متى ساقه فلا بد من نحره بمنى إن كان الإحرام بالحج، و إن كان للعمرة فبفناء الكعبة بالموضع المعروف بالجزورة و لو هلك لم يضمنه» انتهى.
و اعترضهما شيخنا الشهيد الثاني في المسالك و قبله المحقق الشيخ علي في حاشية الشرائع بلزوم التدافع في هذا الكلام.
قال في المسالك بعد ذكر ما قدمنا نقله عنه: «إذا عرفت ذلك فعبارة
____________
(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 1.
166
المصنف لا تخلو ظاهرا من التدافع، حيث ذكر أولا أنه لا يخرج عن ملك سائقه و أن له إبداله و التصرف فيه، ثم قال: لكن متى ساقه فلا بد من نحره، فإنه يقتضي عدم جواز الأبدال و التصرف فيه بعد السياق، و تبعه على هذه العبارة العلامة في أكثر كتبه، و عبارة الأولين خالية عن ذلك» ثم إنه ارتكب تأويل العبارة المذكورة و تطبيقها على ما ذكره أولا بما لا يخلو من تكلف و تعسف.
و يظهر من السيد السند في المدارك الانتصار للفاضلين المذكورين و تصحيح كلاميهما، حيث قال بعد نقل عبارة المصنف المتقدمة: «هذا الحكم ذكره المصنف و العلامة (رضى الله عنهما) في جملة من كتبه، و مقتضاه أن هدي القران لا يخرج عن ملك سائقه، و له إبداله و التصرف فيه قبل الاشعار و بعده ما لم ينضم إليه السياق، فان انضم إليه السياق وجب نحره، و يلزم منه عدم جواز التصرف فيه و الحال هذه بما ينافي النحر» ثم نقل عن الشيخ و ابن إدريس و الشهيد و من تأخر عنه أن مجرد الإشعار يقتضي وجوب نحر الهدي و عدم جواز التصرف فيه بما ينافي ذلك و إن لم ينضم إليه السياق.
أقول: إن مبنى الاعتراض على كلام الفاضلين المذكورين هو أن المعروف من معنى سياق الهدي شرعا ليس إلا عقد الإحرام به بالإشعار أو التقليد فمتى عقد إحرامه بإشعار الهدي أو تقليده سمي سائقا، و لا يتوقف ذلك على سياقه معه في الطريق إلى أن يصل، و إن لزم ذلك فان المتبادر من الأخبار (1) الدالة على أن سائق الهدي لا يجوز له الإحلال حتى يبلغ
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 4 و 25 و 27 و الباب- 5 منها- الحديث 11.
167
الهدي محله يعني من عقد إحرامه بإشعار الهدي أو تقليده، لا مجرد سياقه و صحبته في الطريق معه.
و حينئذ فما رام في المدارك الجواب به- من حمل السياق على مجرد صحبة الهدي في الطريق و أنه يترتب عليه وجوب الذبح و عدم جواز الأبدال دون الاشعار و التقليد فإنه يجوز الأبدال بعدهما- لا معنى له و لا دليل عليه، مع ما فيه من الخروج عن المعنى الشرعي المستفاد من النصوص و كلام الأصحاب، فإنه لا خلاف بينهم في أن السياق إنما هو عبارة عما ذكرناه كما لا يخفى على من راجع عباراتهم.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد استدل الشيخ و من تبعه على ما ذهبوا إليه بصحيحة الحلبي المشار إليها فيما قدمنا من عبارة المسالك، و هي
ما رواه في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها أو يقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر و يجد هديه، قال: إذا لم يكن قد أشعرها فهي من ماله، إن شاء نحرها و إن شاء باعها، و إن كان أشعرها نحرها».
و هي كما ترى ظاهرة في تعينها للنحر بمجرد الاشعار.
قال في المدارك بعد نقل الاستدلال بها للقول المذكور ما صورته:
«و يتوجه عليه أن أقصى ما تدل عليه هذه الرواية وجوب نحر الهدي الذي ضل بعد الاشعار ثم وجد في منى، و لا يلزم منه تعينه للنحر بعد الاشعار مطلقا».
أقول: لا يخفى ما في هذا الجواب من المجازفة الظاهرة، فإنه لو تم
____________
(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 1.
168
مثل هذا الكلام لانسد باب الاستدلال في كل مقام، إذ لا يخفى أن خصوصيات المكان و الزمان و السائل و المسؤول و نحوها من القيود اللازمة في المحاورات لا تؤخذ و لا تعتبر في الحكم إلا إذا علم لها وجه في الدخول فيه و خصوصية تترتب عليها في ذلك المقام، فلا يتعدى الحكم حينئذ إلى غيرها و أما مجرد وجودها فإنه لا يقتضي المدخلية في الحكم.
و من الظاهر أن الأمر بنحرها في الرواية إنما يترتب على الاشعار الذي ردد (عليه السلام) الكلام فيه فقال: إن لم يشعر فالحكم كذا و إن أشعر فالحكم كذا، و حينئذ فيكون وجودها- كان في منى أم غيرها، و كونها ضالة أم غير ضالة و نحو ذلك- لا مدخل له في الحكم المذكور، و إلا للزم عليه أن يقال: إنه إذا قال القائل للإمام (عليه السلام): «ما تقول في رجل صلى يوم الجمعة في المسجد و في سراويله نجاسة فقال: يعيد» فينبغي بمقتضى ما ذكره أن يخص وجوب الإعادة بهذه القيود المذكورة، و لا يقال:
أن هذه الرواية تدل على وجوب الإعادة بالصلاة في النجاسة مطلقا.
و بالجملة فظهور السخافة في هذا الجواب مما لا يخفى على ذوي الألباب، و الله العالم بالصواب.
المسألة الثانية [عدم وجوب البدل لو هلك هدي القران]:
الظاهر أنه لا خلاف نصا و فتوى في أنه لو هلك هدي القران فلا يجب إقامة بدله، لأنه غير مضمون، و إقامة البدل انما تجب في المضمون الذي اشتغلت به الذمة، كما تقدم في كلام العلامة (رضوان الله تعالى عليه) في صدر المقام.
169
و الذي يدل على كل من الحكمين
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الهدي الذي يقلد أو يشعر ثم يعطب، قال: إن كان تطوعا فليس عليه غيره، و إن كان جزاء أو نذرا فعليه بدله».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل اهدى هديا فانكسرت، فقال: إن كان مضمونة فعليه مكانها، و المضمون ما كان نذرا أو جزاء أو يمينا، و له أن يأكل منها، فان لم يكن مضمونا فليس عليه شيء».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ المنحر أ يجزئ عن صاحبه قال: إن كان تطوعا فلينحره و ليأكل منه و قد أجزأ عنه بلغ أو لم يبلغ، فليس عليه فداء، و إن كان مضمونا فليس عليه أن يأكل منه بلغ المنحر أو لم يبلغ، و عليه مكانه».
و ما رواه في الفقيه عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة (4) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ساق بدنة فانكسرت قبل أن تبلغ محلها أو عرض لها موت أو هلاك، قال: يذكيها إن قدر على ذلك و يلطخ نعلها التي قلدت بها حتى يعلم من مر بها أنها قد ذكيت فيأكل من لحمها إن أراد، فإن كان الهدي مضمونا فان عليه أن يعيده، يبتاع مكان
____________
(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2- 3.
(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2- 3.
(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 1- 2- 3.
(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 3. إلا أنه لم يذكر ذيله و ذكره في الفقيه ج 2 ص 298- الرقم 1478.
170
الهدي إذا انكسر أو هلك، و المضمون: الواجب عليه في نذر أو غيره، فان لم يكن مضمونا و انما هو شيء تطوع به فليس عليه أن يبتاع مكانها إلا أن يشاء أن يتطوع».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل ساق بدنة فنتجت، قال: ينحرها و ينحر ولدها، و إن كان الهدي مضمونا فهلك اشترى مكانها و مكان ولدها».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حريز عمن أخبره (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من ساق هديا تطوعا فعطب هديه فلا شيء عليه ينحره، و يأخذ نعل التقليد فيغمسها في الدم فيضرب بها صفحة سنامه و لا بدل عليه، و ما كان من جزاء صيد أو نذر فعطب فعل مثل ذلك، و عليه البدل، و كل شيء إذا دخل الحرم فعطب فلا بدل على صاحبه تطوعا أو غيره».
بقي الكلام في أمرين: (أحدهما): أن صحيحتي معاوية بن عمار قد دلتا على أن له أن يأكل من المضمون، و هو خلاف ما صرح به الأصحاب و دل عليه أيضا جملة من الأخبار (3) و قد تقدم الكلام في هذه المسألة في المسألة التاسعة من المقام الأول (4) و الأظهر حمل هذه الأخبار على ظاهرها من جواز الأكل، لأنه متى كان مضمونا فقد انتقل الحكم الذي هو عدم جواز
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 5 و 16 و 26 و 27.
(4) راجع ص 62- 67.
171
الأكل منه إلى البدل، و رجع هذا الهدى الأول إلى ملك صاحبه، كما تقدم في كلام شيخنا العلامة (قدس سره) و أما ما تقدم في المقام الأول من الأخبار الدالة على جواز الأكل من الهدي المضمون و إن بلغ محله فقد ذكرنا أن الوجه فيها التقية.
و (ثانيهما): أن مرسلة حريز قد دلت على أن كل هدي دخل الحرم فعطب فلا بدل على صاحبه تطوعا أو غيره، و هو ظاهر المنافاة لما تقدم من التفصيل بين الواجب المضمون و غيره من المستحب أو الواجب الغير المضمون، و الشيخ في كتابي الأخبار قد حملها على العجز عن البدل أو على عطب غير الموت كالكسر، فينحره على ما هو به و يجزوه، و لا يخفى بعده، و الأظهر العمل بما دلت عليه من الاكتفاء بدخول الحرم مع العطب مطلقا، و تخصيص تلك الاخبار بها، و حملها على ما إذا حصل العطب قبل دخول الحرم.
المسألة الثالثة [ذبح هدي السياق و إعلام كونه صدقة لو عطب]:
لو عجز هدي السياق فظاهر الأخبار أنه يجب ذبحه أو نحره في مكانه و يعلم بما يدل على أنه هدي ليأكل منه من أراد، و على ذلك تدل جملة من الأخبار.
(منها) رواية علي بن أبي حمزة (1) و مرسلة حريز (2) المتقدمتان.
و (منها)
صحيحة حفص بن البختري (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
____________
(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 1.
172
رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه و لا يعلم أنه هدي، قال: ينحره و يكتب كتابا يضعه عليه ليعلم من مر به أنه هدي».
و صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أي رجل ساق بدنة فانكسرت قبل أن تبلغ محلها أو عرض لها موت أو هلاك فينحرها إن قدر على ذلك ثم ليلطخ نعلها التي قلدت به بدم حتى يعلم من مر بها أنها قد ذكيت، فيأكل من لحمها إن أراد، و إن كان الهدي الذي انكسر و هلك مضمونا فان عليه أن يبتاع مكان الذي انكسر و هلك، و المضمون هو الشيء الواجب عليك في نذر أو غيره، فان لم يكن مضمونا و إنما هو شيء يتطوع به فليس عليه أن يبتاع مكانه إلا أن يشاء أن يتطوع».
و رواية عمرو بن حفص الكلبي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
رجل ساق الهدي فعطب في موضع لا يقدر على من يتصدق به عليه و لا من يعلمه أنه هدي، قال: ينحره و يكتب كتابا و يضعه عليه ليعلم من مر به أنه صدقة».
و يستفاد من جملة من الاخبار مما ذكرناه هنا و ما قدمناه و ما طوينا ذكره أنه يستحب سياق الهدي في العمرة و الحج و أنه تتأدى وظيفة الاستحباب بسياق الواجب أيضا مضمونا كان أم لا، متعينا كان أم لا، و إن تفاوتت هذه الأفراد من جهة أخرى.
و ظاهر هذه الأخبار أن وجوب الذبح أو النحر مع العطب، و العمل به بما ذكرناه شامل لجميع الأفراد المذكورة و إن اختلف الحكم فيها في وجوب
____________
(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 6.
173
الأبدال و عدمه، كما فصلته الأخبار المذكورة، و تقدم تفصيله في كلام شيخنا العلامة رفع الله تعالى مقامه، فكل ما كان مضمونا- مثل الكفارات و جزاء الصيد و المنذور المطلق و دم المتعة- فإنه يجب إبداله متى ذبحه أو نحره لعطبه، و يجوز الأكل حينئذ من هذا الهدي المذبوح أو المنحور لوجوب بدله، و يتعلق تحريم الأكل حينئذ بالبدل، و يرجع هذا الهدي بعد ما وقع عليه إلى ملكه، فيتصرف فيه كيف شاء و أما الواجب المعين كالنذر المعين فان حكمه حكم المتبرع به في عدم وجوب الأبدال، لعدم تعلقه بالذمة.
بقي هنا شيء: و هو أنه
قد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أ يبيعه صاحبه و يستعين بثمنه على هدي؟ قال:
لا يبيعه، فان باعه تصدق بثمنه و يهدي هديا آخر».
و رواه في الفقيه عن العلاء عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أ يبيعه؟ و إن باعه ما يصنع بثمنه؟ قال: إن باعه فليتصدق بثمنه و يهدي هديا آخر».
و في الحسن عن الحلبي (3) قال: «سألته عن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب أ يبيعه صاحبه و يستعين بثمنه في هدي آخر؟ قال: يبيعه و يتصدق بثمنه و يهدي هديا آخر».
____________
(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) أشار إليه في الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبح- الحديث 2 و ذكره في الفقيه ج 2 ص 298- الرقم 1482.
(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبح- الحديث 1.
174
و ظاهر الخبرين وجوب التصدق بالثمن بعد البيع و اقامة بدله، أما إقامة البدل فلا إشكال فيه، لما تقدم من أن المضمون ما لم يبلغ محله يجب إبداله.
إنما الإشكال في وجوب التصدق بثمنه مع ما عرفت من كلامهم أنه بعد العطب و الكسر يرجع إلى ملك صاحبه، فله التصرف فيه كيف شاء و من ثم حملوا التصدق بالثمن هنا على الاستحباب، لأن الجمع بين وجوب التصدق بثمنه و وجوب إقامة بدله خلاف القواعد الشرعية و القوانين المرعية، فإنه إن بقي على حاله الأول من تعينه فوجوب التصدق بثمنه في محله، حيث إنه خرج عن ملك صاحبه بتعينه للنسك، إلا أنه لما تعذر إيصاله جاز بيعه و التصدق بثمنه، و لا معنى للبدل على هذا الوجه، و إن كان قد خرج بما عرض له من العطب و الكسر عن التعين لذلك النسك- لأن.
الواجب هدي صحيح يوصله إلى ذلك المكان، فلما عطب رجع إلى ملك صاحبه و زال التعين، كما تقدم في كلامهم و وجب البدل- فوجوب البدل ظاهر، و هذا هو مدلول النصوص المتقدمة، و أما وجوب التصدق بثمنه فلا وجه له حينئذ، و به يظهر صحة ما ذكروه من حمل التصدق على الاستحباب.
إلا أن عبائرهم في هذا المقام لا تخلو من اضطراب، حيث إنهم قالوا:
«و لو عجز هدي السياق ذبح أو نحر و علم علامة الهدي، و لو انكسر جاز بيعه و التصدق بثمنه أو إقامة بدله» و في بعض العبارات «و لو عجز هدي السياق جاز أن ينحر» إلى آخره.
و مرادهم بهدي السياق المذكور أولا ما هو أعم من الهدي المستحب أو الواجب، كما قدمنا ذكره، و مقتضى هذا الكلام بحسب ظاهره أن مورد هذين الحكمين هو هدي السياق بالمعنى المذكور، و أنه يجوز ذبحه أو نحره
175
و الاعلام به، و يجوز بيعه على الوجه المذكور.
و ربما أشعر ذلك بالتخيير بين الأمرين، و هو مشكل، لأن مورد روايتي البيع و التصدق و الأبدال إنما هو الهدي الواجب على ما عرفت من الإشكال في ذلك أيضا لا الهدي المستحب، كما هو ظاهر عموم هدي السياق المفروض.
إلا أن الظاهر من كلام العلامة في المنتهى تخصيص هدي السياق في هذا المقام بالهدي المستحب، حيث قال: «و لو عجز هدي السياق عن الوصول إلى مكة أو منى جاز أن ينحر أو يذبح و يعلم بما يدل على أنه هدي، و لو أصابه كسر جاز له بيعه، و ينبغي أن يتصدق بثمنه أو يقيم بدله، لأنه عوض عن هدي مستحب» انتهى.
و التقريب فيها أن الضمير في «أصابه كسر» يرجع إلى هدي السياق المتقدم، و آخر العبارة ظاهر في أن المراد به الهدي المستحب، و قد عرفت سابقا أن مورد روايات الحكم الأول هدي السياق بالمعنى الأعم لما اشتمل عليه بعضها من وجوب الأبدال بعد النحر إن كان مضمونا و عدمه إن لم يكن كذلك، و مورد أخبار الحكم الثاني إنما هو الهدي الواجب خاصة، و لم نقف على رواية في الهدي المستحب أنه يباع و يتصدق بثمنه و يقام بدله غيره.
و بالجملة فإن كلامهم على الاخبار هنا لا يخلو من الاشكال، مع ما في عباراتهم من الإجمال، حيث عبروا بأن هدي السياق إذا عجز يجوز ذبحه و نحره، و المستفاد من الأخبار كما تقدمت هو الوجوب، و كون هدي السياق في كلامهم هو الهدي المستحب، كما يفهم من عبارة المنتهى، أو الأعم كما هو ظاهر الأخبار المتقدمة.
176
و ظاهر كلامهم المتقدم أيضا الفرق بين العجز و الكسر، فخصوا الذبح أو النحر و التعليم بالأول، و البيع و التصدق أو إقامة البدل بالثاني، زعما منهم المغايرة بين الأمرين، بل ادعى شيخنا الشهيد الثاني ورود النص بالفرق، و أنكره سبطه في المدارك، و هو كذلك، لما عرفت من صحيحة الحلبي المتقدمة في صدر المسألة، حيث دلت على الذبح و التعليم في صورة الكسر، و أنه متى كان الهدي مضمونا فان عليه البدل، و أيضا فإن الأخبار اشتملت على ذكر العطب و هو أعم من الكسر و غيره.
و بالجملة فالمستفاد من الاخبار على وجه لا يعتريه الإنكار هو ما قدمناه من أن هدي السياق مطلقا متى عجز عن الوصول- سواء كان بواسطة الكسر أو غيره- وجب نحره أو ذبحه و الاعلام بكونه هديا بما تقدم في الأخبار من العلامات، و لا يجب الإقامة عنده إلى أن يوجد المستحق و إن أمكن.
ثم إنه إن كان مضمونا وجب بدله و إلا سقط، لما عرفت من حكم المضمون، و الأفضل له أن يتصدق بثمنه إن باعه، و على هذا فيتخير في المضمون بين ذبحه أو نحره و بين بيعه.
و ينبغي أن يعلم أن ما تقدم في الأخبار من وجوب الاعلام بكون الهدي صدقة ليأكل منه من يمر به إما بكتابة كتاب عليه بذلك أو بلطخ نعله بالدم مخصوص بغير المضمون الذي يجب إقامة البدل عنه، لما عرفت من أنه بسبب وجوب البدل عنه ينتقل الحكم إلى البدل، و يرجع الأول إلى ملك صاحبه.
177
تتمة [ما يجوز الأكل منه و ما لا يجوز من أقسام الهدي]:
ظاهر الأصحاب أن الهدي بأي المعاني المتقدمة يجب ذبحه بعد بلوغ محله، فان كان سياقه مستحبا أو نذرا فله التصرف فيه بعد الذبح كيف شاء، إلا أن يكون نذره صدقة فإنه يجب صرفه فيما نذره، و إلا فالواجب الذبح أو النحر خاصة، و أما لو كان واجبا كهدي المتعة فقد تقدم الحكم فيه، و أن الأظهر قسمته أثلاثا.
و الأقرب أيضا في هدي القران كذلك،
لما رواه الشيخ في الموثق عن شعيب العقرقوفي (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال: بمكة، قلت: فأي شيء أعطي منها؟
قال: كل ثلثا و أهد ثلثا و تصدق بثلث».
و في صحيحة سيف التمار (2) في هدي السياق قال: «اطعم أهلك ثلثا، و اطعم القانع و المعتر ثلثا، و اطعم المساكين ثلثا».
و أما الواجب في الكفارة و النذر المطلق و هو المضمون فإنه لا يجوز الأكل منه كما تقدم، بل يتصدق به بعد الذبح، و يدل على ذلك ما تقدم
في رواية أبي بصير (3) قال: «سألته عن رجل اهدى هديا فانكسر، قال إن كان مضمونا- و المضمون ما كان في يمين يعني نذرا أو جزاء- فعليه فداؤه، قلت: أ يأكل منه؟ قال: لا، إنما هو للمساكين، فان لم يكن
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 16.
178
مضمونا فليس عليه شيء، قلت: أ يأكل منه؟ قال: يأكل منه».
و روى شيخنا المفيد في المقنعة مرسلا (1) قال: «قال (عليه السلام):
من ساق هديا مضمونا في نذر أو جزاء فانكسر أو هلك فليس له أن يأكل منه، و يفرقه على المساكين، و عليه مكانه بدل منه، و إن كان تطوعا لم يكن عليه بدله، و كان لصاحبه أن يأكل منه».
و ما دل عليه الخبران من عدم جواز الأكل من المضمون مع أن عليه بدله قد تقدم الكلام فيه قريبا في المسألة الثانية (2) و قبلها في المسألة التاسعة من المقام الأول (3) و الله العالم.
المسألة الرابعة [عدم براءة الذمة لو تلف الهدي المضمون قبل ذبحه]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في جملة أحكام هدي السياق بأنه لو سرق من غير تفريط لم يضمن، و هو على إطلاقه مشكل لما عرفت سابقا من أن هدي السياق منه ما يكون مستحبا و إن وجب بالإشعار أو التقليد، و منه ما يكون واجبا، و الواجب منه ما يكون مضمونا و ما يكون متعينا، و هذا الحكم لا يتم إلا فيما عدا الواجب المضمون من المستحب أو المتعين بنذر و شبهه، فإنه يكون في يد صاحبه بمنزلة الأمانة إلى أن يوصله محله، كما تقدم في كلام شيخنا العلامة أجزل الله إكرامه، فلو تلف من غير تفريط فلا ضمان عليه.
____________
(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 10.
(2) ص 168- 171.
(3) ص 62- 67.
179
و أما الواجب المضمون كالمنذور مطلقا و جزاء الصيد و دم المتعة و نحو ذلك فان تلفه و إن كان بغير تفريط لا يوجب براءة الذمة و إن عينه لذلك، لأنه لا يخرج بالتعيين عن الاستقرار في ذمته، بل يكون مراعى ببلوغه محله حسب ما تقدم إيضاحه في كلام شيخنا المذكور من غير خلاف فيه، كما أشار إليه في آخر كلامه، و حينئذ فالواجب حمل كلامهم على الأفراد الأولة و قد استدل الشيخ في التهذيب على الحكم المذكور
بما رواه عن احمد بن محمد بن عيسى عن غير واحد من أصحابنا (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل اشترى شاة لمتعته فسرقت منه أو هلكت، فقال: إن كان أوثقها في رحله فضاعت فقد أجزأت عنه».
و في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى أضحية فماتت أو سرقت قبل أن يذبحها قال: لا بأس، و إن أبدلها فهو أفضل، و إن لم يشتر فليس عليه شيء».
و قد نقل السيد السند في المدارك استدلال الشيخ (رحمه الله) بهذين الخبرين و جمد عليه، مع ما في ذلك من الاشكال و ظهور الاختلال، لأن محل البحث هدي السياق بالمعنى الذي ذكرناه، و أما هدي التمتع فان الظاهر من كلام الأصحاب كما عرفت- حيث إنه واجب مضمون- أن تلفه لا يكون مبرئا للذمة، و هذه الرواية يجب أن تكون مخصوصة بالشاة التي اشتراها و أوثقها في رحله بمنى ليكون القول بالاجزاء باعتبار بلوغ الهدي محله لا مطلقا.
____________
(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبح- الحديث 2- 1.
(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبح- الحديث 2- 1.
180
و يؤيده
ما رواه الشيخ عن ابن جبلة عن علي (1) عن عبد صالح (عليه السلام) قال: «إذا اشتريت أضحيتك و قمطتها و صارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله».
و مورد الرواية و إن كان بلفظ الأضحية إلا أنه كثيرا ما يطلق على هدي التمتع باعتبار إجزائه عن الأضحية، و كذا الرواية الثانية مقيدة بالأضحية في منى كما يشير إليه هذا الخبر أيضا.
و يدل عليه أيضا
ما رواه الشيخ عن إبراهيم بن عبد الله عن رجل يقال له الحسن عن رجل سماه (2) قال: «اشترى لي أبي شاة بمنى فسرقت، فقال لي أبي: ائت أبا عبد الله (عليه السلام) فاسأله عن ذلك، فأتيته فأخبرته، فقال: ما ضحي بمنى شاة أفضل من شاتك».
نعم هما يصلحان للتأييد في الجملة، على أن مرسلة أحمد بن محمد بن عيسى المذكورة معارضة بما هو أوضح منها سندا، و هو
ما رواه الصدوق في الفقيه عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح (3) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل اشترى هديا لمتعته فأتى به منزله فربطه ثم انحل فهلك هل يجزؤه أو يعيد؟ قال: لا يجزؤه إلا أن يكون لا قوة به عليه».
و الدليل الحقيقي على الاجزاء إنما هو ما تقدم من أنه في يده بمنزلة الأمانة التي لا يضمنها صاحبها إلا مع التفريط، و لا تعلق له بالذمة الذي هو موجب للضمان.
بقي الكلام في الجمع بين مرسلة أحمد بن محمد بن عيسى الدالة على
____________
(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 5.
181
الاجزاء في الشاة المسروقة عن الهدي الواجب في ذمته و بين صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الدالة على عدم الاجزاء إلا مع عدم القوة على غيره و المفهوم من كلام الأصحاب هو القول بما دلت عليه المرسلة المذكورة.
قال في المنتهى: «لو سرق الهدي من موضع حرز أجزأ عن صاحبه و إن أقام بدله فهو أفضل، لما رواه الشيخ عن احمد بن محمد بن عيسى» ثم ساق المرسلة المذكورة، ثم أردفها بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة أيضا، و الظاهر من إيراده لها و استدلاله بها هو حمل الأضحية فيها على ما هو أعم من الهدي الواجب، لما أشرنا إليه آنفا، ثم نقل مرسلة إبراهيم بن عبد الله و رواية ابن جبلة عن علي عن عبد صالح (عليه السلام) المتقدمين.
و الظاهر أن التقريب فيهما ما عرفت في صحيحة معاوية بن عمار، و لم أقف على من أورد صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة في المقام.
فضلا عن الجواب عنها و دفع المنافاة بينها و بين هذه الأخبار.
و لا يخفى أن ما دلت عليه الصحيحة المذكورة هو الأوفق بما قدمنا نقله عنهم من أن المضمون المستقر في الذمة لا تبرأ الذمة إلا بالإتيان به، و أنه بمجرد الشراء للهدي أو سوقه ما لم يبلغ محله فيذبحه أو ينحره لا تبرأ الذمة منه و أنه يجب إبداله لو تلف أو عطب، كما عرفت من كلام شيخنا العلامة المنقول في صدر المقام.
و الظاهر أن الأصحاب إنما صاروا إلى الاجزاء، و خرجوا من مقتضى هذا الضابط الذي ذكروه من أجل المرسلة المتقدمة، لصراحتها في الاجزاء و تأييدها بالروايات المذكورة، فكأنهم خصصوا الضابط المذكور بهذه الروايات
182
و لم يقفوا على الصحيحة المذكورة الصريحة في الالتزام بهذا الضابط و المنافاة بينها و بين المرسلة المشار إليها.
و يؤيد ما ذكرناه عبارة شيخنا الشهيد (رحمه الله) في الدروس حيث قال: «لو ضل هدي المتمتع فذبح عن صاحبه قيل: لا يجزئ، لعدم تعينه، و كذا لو عطب، سواء كان في الحل أو في الحرم، بلغ محله أو لا، و الأصح الاجزاء،
لرواية جماعة (1) «إذا ماتت شاة المتعة أو سرقت أجزأت ما لم يفرط».
و في رواية منصور بن حازم (2) لو ضل فذبحه غيره أجزأ، و لو تعيب بعد شرائه أجزأ في رواية معاوية (3)» انتهى.
أقول: ما ذكره جيد لولا الصحيحة المذكورة المؤيدة بموافقة الضابط المتفق عليه بينهم، كما عرفت مما تقدم في كلام العلامة (قدس سره) و الجمع بين الخبرين المذكورين لا يخلو من الإشكال، إلا أن تقيد المرسلة المذكورة و نحوها بالصحيحة المشار إليها فيقال بالاجزاء مع عدم إمكان غيره، أو حمل الاجزاء على الرخصة.
و على كل من الوجهين فالظاهر تقييده بما إذا حصل التلف في منى لبلوغه محله، كما أشارت إليه رواية ابن جبلة (4) و مرسلة إبراهيم بن عبد الله (5) لا مطلقا، كما يفهم من عبارة الدروس و إن افهمته مرسلة أحمد المذكورة،
____________
(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 5 و الباب- 30- منها.
(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(5) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الذبح- الحديث 3.
183
اقتصارا فيما خالف الضابطة المذكورة على ما اتفقت عليه هذه الأخبار.
و كيف لا و جملة الأخبار المتقدمة في المسألة الثانية و الثالثة متفقة على وجوب الإبدال في المضمون لو عطب أو انكسر أو تلف، و دم الهدي كما عرفت من جملة أفراد المضمون.
و يؤيد ما ذكرناه أيضا صحيحة منصور بن حازم (1) المشار إليها في كلامه، حيث اشتملت على أنه إن كان قد ذبحه الواجد في منى أجزأ عن صاحبه، و إن كان في غيرها لم يجز عنه.
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا عرف بالهدي ثم ضل بعد ذلك أجزأ».
و مفهومه الشرطي الذي هو حجة عند المحققين أنه لا يجزئ إذا لم يعرف به، و لو لا ظهور صحيحة عبد الرحمن المتقدمة في أن موردها هلاك الهدي في منى لأمكن تقييدها بهذه الأخبار، و الله العالم.
المسألة الخامسة [حكم قسمة الهدي و مصرفه و الأكل منه]:
المفهوم من كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أن هدي السياق بأي المعاني المتقدمة يجب ذبحه بعد بلوغه المحل من مكة أو منى، ثم إن كان هدي دم المتعة فقد تقدم الكلام فيه، و أن الأظهر قسمته أثلاثا وجوبا، و إن كان هدي القران فالأظهر أنه كذلك أثلاثا، و ظاهر الأصحاب
____________
(1) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 9.
184
أنه على جهة الاستحباب، مع اتفاق الأخبار على الأمر بالتثليث كما تقدمت في المسألة الثامنة من المقام الأول (1) و عدم المعارض.
و منها موثقة
شعيب العقرقوفي (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) سقت في العمرة بدنة فأين أنحرها؟ قال: بمكة، قلت: فأي شيء أعطي منها؟ قال: كل ثلثا و اهد ثلثا و تصدق بثلث».
و في صحيحة سيف التمار (3) في هدي السياق قال: «اطعم أهلك ثلثا، و اطعم القانع و المعتر ثلثا، و اطعم المساكين ثلثا».
و نحوهما مما تقدم و هي محمولة على هدي القران و دم المتعة دون غيرهما من الأفراد التي يأتي بيان حكمها.
و أما الهدي المضمون و هو ما كان كفارة أو جزاء صيد أو النذر المطلق فمصرفه المساكين.
قال في المنتهى: «قد بينا أن ما يساق في إحرام الحج يذبح أو ينحر بمنى، و ما يساق في إحرام العمرة ينحر أو يذبح بمكة، و ما يلزمه من فداء ينحر بمكة إن كان معتمرا و بمنى إن كان حاجا، و بينا الخلاف فيه إذا عرفت هذا فإنه يجب أن يفرقه على مساكين الحرم، لما بيناه فيما تقدم ممن يجوز دفع الزكاة إليه، و كذا الصدقة مصرفها مساكين الحرم- الى أن قال-: و لو نذر هديا مطلقا أو معينا و أطلق مكانه وجب صرفه في فقراء الحرم- ثم نقل خلاف أبي حنيفة و قال-: لنا قوله تعالى (4)
____________
(1) ص 51- 59.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18- 3.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 18- 3.
(4) سورة الحج: 22- الآية 33.
185
«ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» و لأن إطلاق النذر ينصرف إلى المعهود شرعا، و المعهود في الهدي الواجب ذبحه في الحرم».
و ظاهر كلامه (قدس سره) جريان هذا الحكم في جميع أفراد هدي السياق عدا دم المتعة، لما ذكره من حكمه في محله.
و الظاهر من كلام الأصحاب أنه لا يجوز الأكل من الهدي الواجب غير هدي المتعة.
قال في الدروس: «و لا يجوز الأكل من الواجب غير المتعة، فإن أكل ضمن القيمة، و جوز الشيخ الأكل منه للضرورة، و لا قيمة عليه» انتهى.
أقول: ما نسبه إلى الشيخ من القول بجواز الأكل مع الضرورة إنما منشأه حمله الأخبار المخالفة الدالة على جواز الأكل من المضمون (1) على حال الضرورة جمعا بينها و بين الأخبار الدالة على عدم الجواز (2) و في نسبة القول له بذلك نظر، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذه المسألة في المسألة التاسعة من المقام الأول (3) و قد قدمنا أن ما دل على جواز الأكل من الهدي المضمون من الاخبار محمول على التقية إن كان هدي نقصان، و أما إذا كان الهدي من تمام الحج فلا بأس، هذا بالنسبة إلى الهدي متى بلغ محله.
و أما لو ذبحه في الطريق لعطبه و عجزه عن بلوغ المحل فإنه متى كان مستحبا كهدي القران أو متعينا كالنذر المعين و نحوه فإنه لا بدل عليه، و له أن يأكل من لحمه، و هو مما لا إشكال فيه.
____________
(1) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 6 و 7 و 10 و 17.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 5 و 16 و 26 و 27.
(3) ص 62- 67.
186
إنما الإشكال في الواجب المضمون، و ظاهر كلام الأصحاب أنه يجب عليه بدله، و ينتقل أحكام الهدي إلى البدل، و أن الهدي الأول يرجع إلى ملكه، و له التصرف فيه كيف شاء.
قال في المنتهى زيادة على ما قدمناه عنه في صدر المقام ما صورته:
«الواجب غير المعين إذا عينه بالقول تعين على ما قلناه، فان عطب أو عاب عيبا يمنع من الاجزاء لم يجز ذبحه عما في ذمته، لأن الواجب عليه هدي سليم، و لو لم يوجد فعليه الأبدال، إذا ثبت هذا فإنه يرجع هذا الهدي إلى ملكه، فيصنع به ما شاء من أكل و بيع و صدقة و هبة» انتهى.
و الأخبار هنا بالنسبة إلى جواز الأكل منه مختلفة. فمما يدل على جواز الأكل صحيحتا (1) معاوية بن عمار المتقدمتان في المسألة الثانية، و مما يدل على المنع رواية أبي بصير (2) المتقدمة في المسألة التاسعة من المقام الأول و نحوها ما رواه في الفقيه عن حماد عن حريز (3) المتقدم ثمة، و نحوهما أيضا
ما رواه شيخنا المفيد (قدس سره) في المقنعة مرسلا (4) قال:
«قال (عليه السلام): من ساق هديا مضمونا في نذر أو جزاء فانكسر أو هلك فليس له أن يأكل منه، و يفرقه على المساكين، و عليه مكانه بدل منه، و إن كان تطوعا لم يكن عليه بدله، و كان لصاحبه أن يأكل منه».
أقول: و يعضد هذه الأخبار الأخيرة ما تقدم في المسألة الثالثة من هذا
____________
(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 2 و 3.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 16.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 26.
(4) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الذبح- الحديث 10.
187
المقام (1) من صحيحة محمد بن مسلم (2) و حسنة الحلبي (3) الدالتين على أن الهدي الواجب إذا أصابه كسر أو عطب فباعه صاحبه فان عليه أن يتصدق بثمنه، و عليه بدله.
و يؤيد الأخبار الأولة أنها الأوفق بمقتضى الضابط الذي ذكره شيخنا العلامة رفع الله مقامه من أنه «متى وجب عليه البدل انتقل حكم الهدي الواجب في ذمته إلى هذا البدل، و رجع الأول إلى ملكه، يتصرف فيه كيف شاء، و إيجاب الصدقة بلحمه على المساكين و التصدق بثمنه إن باعه مع إيجاب البدل مما لا يكاد يعقل وجهه إلا بالقول بوجوب هديين عليه و هو باطل».
و بالجملة فالمسألة عندي محل إشكال، و لا يحضرني الآن وجه جمع بين هذه الاخبار، و الله العالم.
المسألة السادسة [هل يجب هدي السياق لو ضاع فوجد بعد ذبح البدل؟]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه لو ضاع هدي السياق فأقام بدله ثم وجد الأول ذبحه و لم يجب ذبح الأخير، و لو ذبح الأخير ذبح الأول ندبا على المشهور، و وجوبا عند الشيخ إذا كان قد أشعره أو قلده.
____________
(1) ص 173.
(2) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الذبح- الحديث 1.
188
و الأصل في هذه المسألة
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال:
«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري البدنة ثم تضل قبل أن يشعرها أو يقلدها فلا يجدها حتى يأتي منى فينحر و يجد هديه، قال: إن لم يكن أشعرها فهي ماله إن شاء نحرها و إن شاء باعها، و إن كان أشعرها نحرها».
و عن أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى كبشا فهلك منه، قال: يشتري مكانه آخر، قلت: فان اشترى مكانه آخر ثم وجد الأول، قال: إن كانا جميعا قائمين فليذبح الأول و ليبع الأخير، و إن شاء ذبحه، و إن ذبح الأخير ذبح الأول معه».
قال الشيخ في التهذيب بعد نقل رواية أبي بصير: «إنما يذبح الأول مع الأخير إذا أشعره، و إلا لم يلزمه ذبحه» و استدل بصحيحة الحلبي المذكورة و بهذا التقريب نسب إلى الشيخ القول بوجوب ذبح الأول مع الإشعار أو التقليد بعد ذبح الثاني، كما قدمنا ذكره.
و المشهور عندهم الاستحباب، لسقوط ذبح الأول بذبح البدل.
قال في الدروس: «لو ضل فأقام بدله ثم وجده ذبحه، و سقط وجوب ذبح البدل، و لو كان قد ذبح البدل استحب ذبح الأول، و أوجبه الشيخ إذا كان قد أشعره أو قلده، لصحيح الحلبي، و حكم هدي التمتع كذلك» انتهى.
و قال في المختلف بعد أن نقل عن الشيخ القول بالوجوب: «و الأقرب عندي الاستحباب، لنا: أنه امتثل المأمور به، فيخرج عن العهدة، نعم لو
____________
(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 2.
189
عينه بالنذر كان قول الشيخ جيدا» انتهى.
أقول: لا يخفى أن ظاهر إطلاق صحيحة الحلبي و صريح رواية أبي بصير الدلالة على ما ذكره الشيخ، و التقريب فيهما أنه لا ريب كما تقدم أن الهدي يتعين إما بالاشعار و التقليد أو بالتعيين، كان ينوي أن هذا الهدي هو الذي في ذمتي، و بذلك يخرج عن ملك صاحبه و يتعين للذبح، إلا أنه متى ضاع مثلا و اشترى بدله وجوبا إن كان مضمونا أو استحبابا إن لم يكن كذلك فإنه ينتقل الحكم إلى البدل انتقالا مراعى بعدم وجود المبدل منه، فإذا وجد المبدل منه تعلق به الحكم من حيث التعيين كما عرفت، و لم يجز البدل حينئذ و إن كان قد ذبحه.
فقوله في المختلف: «لنا أنه امتثل المأمور به فيخرج عن العهدة» على إطلاقه ممنوع، فإنه إنما يحصل الامتثال و يخرج عن العهدة لو لم يوجد الأول، و إلا فمع وجود الأول فهو أول المسألة و محل النزاع، و هل هذا الكلام حينئذ إلا نوع مصادرة على المطلوب.
و بالجملة فإنا نقول: إن البدلية مراعاة بعدم وجود المبدل منه، و على هذا خرج الحكم في الروايتين المذكورتين بوجوب ذبح الأول و إن كان قد ذبح الثاني، و تأويلهما بما ذكروه من الاستحباب يحتاج إلى المعارض، و ليس فليس، و ما ذكروه من التعليل عليل كما عرفت، فقول الشيخ لا يخلو من القوة.
و هكذا يجري الكلام في هدي المتعة لو شراه و عينه للهدي ثم ضاع، فإنه يتعين بالتعيين، كما تقدم في كلام شيخنا العلامة و غيره، و حينئذ فمتى ضاع و وجده بعد أن ذبح بدله فإنه يجب عليه ذبحه من حيث التعيين،
190
وقوفا على ظاهر الخبرين المذكورين.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قال في المدارك بعد الكلام في أصل المسألة و الاستدلال بالروايتين المذكورتين على أصل الحكم المذكور: «إذا تقرر ذلك فاعلم أن قول المصنف: «و لو ضاع فأقام بدله ثم وجد الأول ذبحه و إن كان ذبح الأخير ذبح الأول معه ندبا» يقتضي بظاهره وجوب إقامة البدل في هدي السياق المتبرع به، و وجوب ذبحه إذا لم يجد الأول، و هو مناف لما تقدم من عدم وجوب إقامة بدله لو هلك.
و أجاب عنه الشارح (قدس سره) إما بالتزام وجوب إقامة البدل مع الضياع، و سقوطه مع السرقة و الهلاك، قال: و لا بعد في ذلك بعد ورود النص و إما تخصيص الضياع بما وقع منه بتفريطه.
و أقول: ان الوجه الثاني مستقيم في نفسه، أما الأول فمشكل، و ما ذكره (قدس سره) من أنه لا بعد في ذلك بعد ورود النص مسلم إلا أن الكلام في إثبات ذلك، فانا لم نقف في هذه على رواية سوى ما أوردناه من الخبرين، و لا دلالة لهما على وجوب الإبدال في هدي السياق المتبرع به بوجه.
أما الأول فلأنه إنما يدل على وجوب ذبح الأول بعد ذبح الأخير إذا كان قد أشعره، و لا دلالة له على وجوب الأبدال.
و أما الثاني فلعدم التعرض فيه لهدي السياق، بل الظاهر أن المسؤول عنه فيه هدي التمتع.
و يمكن حمل عبارة المصنف على الهدي الواجب، ليتم وجوب اقامة بدله، و يكون المراد أنه لو وجد الأول بعد ذبح الأخير لم يجب ذبحه،
191
لقيام البدل مقامه إلا إذا كان منذورا على التعيين، فيجب حينئذ ذبحه بعد ذبح الأخير لتعينه بالنذر لذلك» انتهى كلامه زيد إكرامه و رفع مقامه.
أقول: صورة عبارة المصنف المشار إليها هكذا «و لو ضاع فأقام بدله ثم وجد الأول ذبحه، و لم يجب ذبح الأخير، و لو ذبح الأخير ذبح الأول ندبا إلا أن يكون منذورا» و لا يخفى أن غاية ما يفهم من هذه العبارة انه لو ضاع الهدي- سواء كان هدي سياق قد أشعره أو قلده أو كان هدي تمتع كما هو ظاهر الخبرين المذكورين اللذين هما المستند في هذا الحكم- فأقام بدله وجوبا أو استحبابا، و ليس في العبارة أزيد من إقامته، و هو أعم من أن يكون وجوبا أو استحبابا كما ذكرنا.
و لا ريب في استحباب إقامة البدل في هدي القران بعد ضياعه أو هلاكه لما تقدم
في رواية علي بن أبي حمزة (1) «فان لم يكن مضمونا و إنما هو شيء تطوع به فليس عليه أن يبتاع مكانها إلا أن يشاء أن يتطوع».
و مثله في صحيحة الحلبي (2) و مورد الخبرين المذكورين و إن كان الذبح إلا أنه لا خصوصية له في هذا المقام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام، على أنهم قد صرحوا بجواز بيعه مع الكسر و استحباب بدله و التصدق بثمنه.
و الظاهر أن مطرح نظر المصنف و غيره في هذا المقام إنما هو إلى الخلاف الذي قدمنا نقله عن الشيخ من أنه متى وجد الهدي الضائع و قد ذبح الأول فهل يكون ذبحه واجبا كما يقوله الشيخ أو ندبا؟ لا أنه يجب إقامة بدل هدي السياق بعد ضياعه، ليكون منافيا لما قدمه حتى أنه يحتاج إلى
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 298- الرقم 1478. راجع ص 169 و 170 المتقدمتين.
(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الذبح- الحديث 4.
192
ارتكاب هذه التكلفات التي ذكروها.
و بالجملة فعبارة المصنف و غيره في هذه المسألة لا دلالة فيها على أزيد من أنه لو أقام له بدلًا بعد ضياعه فما الحكم فيه لو وجد الأول، و هو أعم من أن يكون إقامة البدل ندبا كهدي القران أو وجوبا كهدي المتعة.
و لا ريب أن ظاهر الخبرين (1) المتقدمين هو وجوب ذبح الأول بعد وجوده، ذبح الأخير أو لم يذبحه، كما قدمنا بيانه. و به يظهر قوة مذهب الشيخ (رضوان الله عليه).
و خبر الحلبي (2) ظاهر بل صريح في هدي القران، و انه متى أشعره ثم ضاع منه و لم يجده إلا في منى بعد أن نحر غيره فإنه ينحره، و هو ظاهر في الوجوب غير مدافع.
و ظاهر رواية أبي بصير (3) هدي المتعة كما اعترف به السيد السند (قدس سره) في المدارك، و هو و إن كان مطلقا لكن يجب حمله على تعيين الهدي الذي في ذمته في هذا الذي اشتراه، لتعيين ذبحه بذلك بعد رؤيته، و ذبح الثاني من حيث التعيين.
ثم قال في المدارك في تتمة الكلام المتقدم: «و كيف كان فالمتجه عدم وجوب إقامة البدل في المتبرع به إذا ذهب بغير تفريط مطلقا، تمسكا بمقتضى الأصل المعتضد بالنصوص المتضمنة لعدم وجوب إقامة البدل مع العطب و السرقة، و أنه متى وجد الأول وجب ذبحه إن كان منذورا إذا كان قد أشعره و إلا فلا» انتهى.
____________
(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 1 و 2.
(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الذبح- الحديث 2.
193
أقول: أما ما ذكره من عدم وجوب إقامة البدل في المتبرع به فلا إشكال فيه، و توهم نسبة ذلك إلى عبارة المصنف و نحوها قد بينا بطلانه، إلا أن الحكم كما عرفت لا يختص بالهدي الواجب بل كما يجري في الواجب يجري في المستحب الذي هو هدي القران مع الإشعار أو التقليد.
و أما ما ذكره من أنه متى وجد الأول وجب ذبحه إن كان منذورا إذا كان قد أشعره و إلا فلا فهو محل نظر و بحث، فإنه قد تقدم أن من أسباب التعيين الإشعار أو التقليد، و منها نية تعيين ما في الذمة في هذا الهدي المخصوص، و منهما تعيينه بالنذر، بأن ينذر ذبح هذا الهدي بعينه، و كل من هذه الأسباب كاف في التعيين، فمتى كان الهدي الضائع أحدها ثم وجد بعد ذبح بدله فإنه من حيث تعينه أولا للذبح بأحد تلك الأمور المذكورة يجب ذبحه، و يكون ذبح البدل غير مجز، لأن بدليته كما قدمناه مراعاة بعدم وجود المبدل منه.
على أن فرضهم ذلك في المنذور لا دليل عليه، إذ مورد الروايتين إنما هو هدي القران و هدي المتعة، و أما هدي النذر فلا وجود له في البين و الله العالم.
المسألة السابعة [جواز ركوب الهدي و شرب لبنه]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أنه يجوز ركوب الهدي و شرب لبنه ما لم يضر به أو بولده و إطلاق كلامهم شامل للهدي المتبرع به كهدي القران، و الواجب كهدي المتعة، و نحوه من المضمون في
194
الذمة و إن تعين، و هو في الأول موضع وفاق بينهم على ما نقله في المدارك، و لعل وجهه أنه و إن تعين بالاشعار و التقليد لو أشعره أو قلده إلا أنه لا يخرج عن الملك بالكلية، بل غايته أنه يتعين ذبحه و لا يجوز إبداله، و أما سائر التصرفات مما لا ينافي ذلك فلا يمنع منه، و إنما الخلاف في الثاني و المشهور أنه كالأول.
أقول: و ينبغي هنا التفصيل أيضا كما تقدم في كلام شيخنا العلامة (رفع الله تعالى مقامه) في صدر هذا المقام من «أن الواجب المطلق كدم التمتع و جزاء الصيد و النذر غير المعين و ما شابه ذلك على ضربين:
(أحدهما): أن يسوقه ينوي به الواجب من غير أن يعينه بالقول، فهذا لا يزول ملكه إلا بذبحه و دفعه إلى اهله، و له التصرف فيه بما شاء، كالبيع و الهبة و الأكل و غير ذلك، لأنه لم يتعلق حق الغير به- إلى أن قال-: (الثاني): أن يعين الواجب فيه» إلى آخر كلامه.
و هذا هو الذي ينبغي أن يجعل محل النزاع من حيث تعلق حق المساكين به بالتعيين لذلك، دون الأول الذي قد عرفت أنه لا يخرج عن ملكه بوجه، و له التصرف فيه كيف شاء.
و بذلك يظهر لك ما في إطلاق جملة من أصحابنا من أن محل الخلاف الواجب مطلقا، إلا أن ظاهر الأخبار (1) الدالة على تبعية الولد التي قد أشرنا إليها سابقا أنها هي المستند للقول بالتعيين مطلقه كما سيأتي إنشاء الله تعالى.
و قال ابن الجنيد: «و لا بأس أن يشرب من لبن هديه، و لا يختار
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح.
195
ذلك في المضمون، فان فعل غرم قيمة ما شرب من لبنها لمساكين الحرم» قال في المختلف بعد نقله عنه: «و لا بأس به».
و يظهر من شيخنا الشهيد الثاني (قدس سره) في المسالك اختيار ذلك أيضا، حيث قال بعد أن حمل عبارة المصنف بالحكم المذكور على الهدي المتبرع به بعد تعينه بالسياق، لعدم خروجه عن ملكه، فيجوز له الانتفاع بما لا ينافي الذبح ما صورته: «و لو كان الهدي مضمونا كالكفارات و النذور لم يجز تناول شيء منه و لا الانتفاع به مطلقا، فان فعل ضمن قيمته أو مثله لمستحق أصله، و هو مساكين الحرم» انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بهذه المسألة
ما رواه في الكافي عن أبي الصباح الكناني (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل (2) «لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى» قال: «إن احتاج إلى ظهرها ركبها من غير أن يعنف عليها و إن كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها».
و ما رواه
في الفقيه عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «لَكُمْ فِيهٰا مَنٰافِعُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى» قال: «إن احتاج إلى ظهرها ركبها من غير أن يعنف عليها، و إن كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها».
____________
(1) أشار إليه في الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث، و ذكره في الكافي- ج 4 ص 493.
(2) سورة الحج: 22- الآية 34.
(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 5.
196
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن سليمان بن خالد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضر بولدها ثم انحرهما جميعا، قلت: اشرب من لبنها و أسقي، قال: نعم و قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رأى ناسا يمشون قد جهدهم المشي حملهم على بدنه، و قال: إن ضلت راحلة الرجل أو هلكت و معه هدي فليركب على هديه».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن البدنة تنتج أ يحلبها؟ قال: أحلبها غير مضر بالولد ثم انحرهما جميعا، قلت: يشرب من لبنها قال: نعم و يسقى إن شاء».
و ما رواه
في الفقيه في الصحيح عن حماد عن حريز (3) «إن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) إذا ساق البدنة و مر على المشاة حملهم على بدنه و إن ضلت راحلة رجل و معه بدنة ركبها غير مضر و لا مثقل».
و عن يعقوب بن شعيب (4) في الصحيح «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أ يركب هديه إن احتاج إليه؟ فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
يركبها غير مجهد و لا متعب».
و عن منصور بن حازم (5) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان علي (عليه السلام) يحلب البدنة و يحمل عليها غير مضر».
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(5) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 4.
197
و ما رواه
الشيخ عن النوفلي عن السكوني (1) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) «أنه سأل ما بال البدنة تقلد بالنعل و تشعر، فقال:
أما النعل فيعرف أنها بدنة و يعرفها صاحبها بنعله، و أما الاشعار فإنه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها، فلا يستطيع الشيطان أن يتسنمها».
و رواه الصدوق في العلل مثله.
و أنت خبير بأن ما عدا رواية السكوني من الروايات المتقدمة على كثرتها و صحة أكثرها قد اتفقت على الدلالة على القول المشهور، و به يظهر أنه المؤيد المنصور، و أن ما خالفه بمحل من القصور، و الرواية المذكورة قاصرة عن المعارضة سندا و عددا و دلالة، و ينبغي حملها على صورة الإضرار بها، مع أن موردها المنع من الركوب خاصة، و لا دلالة لها على المنع من شرب اللبن، فتبقى تلك الروايات بالنسبة إلى شرب اللبن خالية من المعارض، و لم أعرف لهؤلاء المخالفين في المسألة دليلا.
فوائد:
الأولى:
ما دلت عليه هذه الاخبار من جواز شرب لبنها على وجه لا يضر بولدها و ركوبها على وجه لا يضر بها يدل على أنه لو أضر بها أو بولدها ضمن.
قال في الدروس: «و لا يجوز شرب لبنه إذا لم يفضل عنه فيضمن
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 8.
198
و لو فضل فالأفضل الصدقة به، و يجوز شربه عند الشيخ».
أقول: لا اعرف لافضلية الصدقة بما فضل عن الولد هنا دليلا، و هذه الروايات كلها كما سمعت ظاهرة في جواز شربه له أو لغيره.
الثانية:
ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم (1) و مثلها صحيحة سليمان بن خالد (2) من الأمر بنحر البدنة مع ولدها ينبغي تقييده بما إذا كان موجودا حال السياق و مقصودا به السياق أو متجددا بعده مطلقا، أما لو كان موجودا حال السياق و لم يقصد به السياق فإنه لا يجب ذبحه، و لو أضر به شرب اللبن فلا ضمان أيضا و إن أثم بذلك.
الثالثة:
قد صرح جملة من الأصحاب بأن الصوف و الشعر إن كان موجودا عند التعيين تبعه و لم يجز إزالته إلا أن يضر به فيزيله، و يتصدق به على الفقراء، و ليس له التصرف فيه، و لو تجدد بعد التعيين كان كاللبن و الولد.
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 6.
199
الرابعة:
الظاهر تخصيص هذه الأخبار بغير الواجب المعين، كما لو نذر عين هذا الهدي، فإنه كما تقدم في كلام شيخنا العلامة ضاعف الله إكرامه يخرج عن ملكه بالكلية، و يبقى في يده أمانة للمساكين، و حينئذ فلا يجوز التصرف في شيء منه بركوب أو حلب أو نحو ذلك، إلا أن يكون ترك الحلب له مضرا به، و عليه القيمة لو حلب و شرب، و الأجرة لو ركب لمستحقي الأصل، و هذا الفرد هو الذي يتم فيه كلام أولئك المخالفين في أصل المسألة.
المقام الخامس في الأضحية
قال في المسالك: «هي بضم الهمزة و كسرها، و تشديد الياء المفتوحة فيها: ما يذبح يوم عيد الأضحى تبرعا».
و قال في كتاب مجمع البحرين: «و في الأضحية لغات محكية عن الأصمعي:
أضحية و أضحية بضم الهمزة و كسرها و ضحية على فعلية، و الجمع ضحايا كعطية و عطايا، و أضحاة بفتح الهمزة كأرطاة و الجمع اضحى كارطى، قيل:
سميت بذلك لذبحها في الأضحية أو الضحى غالبا و سمي العيد بها».
200
و هي مستحبة استحباباً مؤكدا بإجماع علمائنا و أكثر العامة، قال في المدارك و قبله العلامة في المنتهى: «و الأصل فيها قوله عز و جل (1):
«فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ» و قد ذكر المفسرون أن المراد بالنحر نحر الأضحية بعد صلاة العيد».
أقول: ما نقل عن هؤلاء المفسرين لا مستند له في أخبار أهل البيت (عليهم السلام) الواردة بتفسير هذه الآية، بل الموجود فيها ما يخالفه و يرده.
فروى أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان عن عمر بن يزيد (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في قوله تعالى فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ: هو رفع يديك حذاء وجهك».
و روى عنه (عليه السلام) عبد الله بن سنان (3) مثله.
و عن جميل (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) فصل لربك و انحر، فقال: بيده هكذا، يعني استقبل بيديه حذاء وجهه القبلة في افتتاح الصلاة».
و روى في ثالثة (5) أنه عبارة عن رفع اليدين في تكبيرات الصلاة.
و روي في الكافي في الصحيح عن حماد عن حريز عن رجل (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: فصل لربك و انحر، قال:
____________
(1) سورة الكوثر: 108- الآية 2.
(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 16 من كتاب الصلاة.
(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 16 و 3.
(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 16- 17- 14 من كتاب الصلاة.
(5) الوسائل- الباب- 9- من أبواب تكبيرة الإحرام- الحديث 16- 17- 14 من كتاب الصلاة.
(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب القيام- الحديث 3 من كتاب الصلاة.
201
النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه و نحره».
و روى في كتاب غوالي اللئالي عن مقاتل عن حماد بن عثمان قال:
«سألت الصادق (عليه السلام) ما النحر؟ فرفع يديه إلى صدره، فقال:
هكذا، ثم رفعهما فوق ذلك، فقال: هكذا، يعني يستقبل بيديه القبلة في استفتاح الصلاة» (1).
هذا ما ورد من الأخبار في تفسير الآية، و هو كما ترى خال عن التفسير المذكور في كتب المفسرين، و منه يظهر أنه لا يجوز الاعتماد على مجرد تفسير هؤلاء المفسرين المبني على مقتضى ما تقر به عقولهم بل لا بد من تتبع الأخبار في ذلك و إلا فالوقوف.
و أما الاخبار الدالة على استحبابها و مزيد التأكيد فيها فهي كثيرة.
و منها ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سئل عن الأضحى أو أجب على من وجد لنفسه و عياله؟ فقال: أما لنفسه فلا يدعه، و أما لعياله إن شاء ترك».
و ما رواه
في الفقيه عن سويد القلاء في الصحيح عن محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «الأضحية واجبة على من وجد من صغير أو كبير، و هي سنة».
و عن العلاء بن الفضيل (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أن رجلا سئله عن الأضحى، فقال: هو واجب على كل مسلم إلا من لم يجد، فقال
____________
(1) كتاب غوالي اللئالي مخطوط و الموجود فيه عن حماد بن عثمان و ليس لمقاتل ذكر فيه، نعم ينقل بعد هذا الخبر رواية عن مقاتل بن حباب عن الأصبغ، و كلاهما مرويان في مجمع البيان ذيل تفسير الآية بعد الروايات المتقدمة في ص 200 و لا اعلم ما السبب في انتقال صاحب الحدائق (قده) منه إلى كتاب الغوالي و إسناده إليه دون مجمع البيان.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 5.
202
له السائل: فما ترى في العيال؟ قال: إن شئت فعلت و إن شئت لم تفعل فأما أنت فلا تدعه».
قال في الفقيه (1): «و ضحى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بكبشين: ذبح واحدا بيده، و قال: اللّهمّ هذا عني و عمن لم يضح من أهل بيتي، و ذبح الآخر و قال: اللّهمّ هذا عني و عمن لم يضح عن أمتي».
قال: «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يضحي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كل سنة بكبش يذبحه، و يقول: بسم الله وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين، اللهم منك و لك، و يقول:
اللهم هذا عن نبيك، ثم يذبحه، و يذبح كبشا آخر عن نفسه» (2).
قال: «و قال (عليه السلام): لا يضحى عمن في البطن» (3).
قال: «و ذبح رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن نسائه البقرة» (4).
و روى في الفقيه مرسلا (5) قال: «جاءت أم سلمة (رضى الله عنها) إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقالت: يا رسول الله يحضر الأضحى و ليس عندي ثمن الأضحية فاستقرض و اضحي، قال: استقرضي فإنه دين مقضي».
و يغفر لصاحب الأضحية عند أول قطرة من دمها.
و عن شريح بن هاني (6) عن علي (عليه السلام) أنه قال: «لو علم الناس ما في الأضحية لاستدانوا و ضحوا، إنه ليغفر لصاحب الأضحية عند أول قطرة تقطر من دمها».
____________
(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 8.
(4) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 9.
(5) الوسائل- الباب- 64- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(6) الوسائل- الباب- 64- من أبواب الذبح- الحديث 2.
203
و روى في العلل بسنده عن السكوني (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
إنما جعل هذا الأضحى لتشبع مساكينكم، فأطعموهم من اللحم».
و بسنده عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: ما علة الأضحية؟ فقال: إنه يغفر لصاحبها عند أول قطرة تقطر من دمها على الأرض، و ليعلم الله عز و جل من يتقيه بالغيب، قال الله عز و جل (3):
لَنْ يَنٰالَ اللّٰهَ لُحُومُهٰا وَ لٰا دِمٰاؤُهٰا وَ لٰكِنْ يَنٰالُهُ التَّقْوىٰ مِنْكُمْ، ثم قال: انظر كيف قبل الله قربان هابيل و رد قربان قابيل».
و روى علي بن جعفر في كتابه (4) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «سألته عن الأضحية، فقال: ضح بكبش أملح أقرن فحلا سمينا، فان لم تجد كبشا سمينا فمن فحولة المعز أو موجوءا من الضأن أو المعز، فان لم تجد فنعجة من الضأن سمينة: قال: و كان علي (عليه السلام) يقول: ضح بثني فصاعدا و اشتره سليم الأذنين و العينين، فاستقبل القبلة حين تريد أن تذبح و قل: وجهت وجهي للذي فطر السماوات و الأرض حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين، لا شريك له و بذلك أمرت و أنا من المسلمين، اللهم منك و لك، اللّهمّ تقبل مني، بسم الله الذي لا إله إلا هو و الله أكبر، و صلى الله على محمد و على أهل بيته، ثم كل و أطعم».
____________
(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 10.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 11.
(3) سورة الحج: 22- الآية 37.
(4) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 12.
204
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
استفرهوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على الصراط».
و رواه
في كتاب العلل مسندا (2) عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله).» الحديث.
و تنقيح الكلام في هذا المقام يتوقف على بيان أمور:
الأول [هل الأضحية واجبة أو مستحبة؟]:
المشهور بين الأصحاب استحباب الأضحية، بل ادعى عليه الإجماع و نقل عن ابن الجنيد القول بالوجوب، و يدل عليه ما تقدم من ظاهر صحيحة عبد الله بن سنان (3) و رواية العلاء بن الفضيل (4) و صحيحة محمد بن مسلم (5).
و قال في الدروس: «و قد روى الصدوق خبرين بوجوبها على الواجد و أخذ ابن الجنيد بهما».
و قال في المدارك بعد نقل الاستدلال لابن الجنيد بصحيحة محمد بن مسلم و رواية العلاء: «و يجاب بمنع كون المراد بالوجوب المعنى المتعارف عند الفقهاء، كما بيناه غير مرة، و قوله (عليه السلام): «فأما أنت فلا تدعه» معارض بقوله (عليه السلام) في رواية ابن مسلم: «و هي سنة» فان المتبادر من السنة المستحب، و بالجملة فلا يمكن الخروج عن مقتضى الأصل
____________
(1) الوسائل- الباب- 62- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 62- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(5) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 3.
205
و الإجماع المنقول على انتفاء الوجوب بمثل هاتين الروايتين مع إمكان حملهما على ما يحصل به الموافقة» انتهى.
أقول: لا يخفى ما في هذا الكلام من إمكان تطرق المناقشة إليه أما (أولا) فلأن المتبادر من لفظ الوجوب عندهم إنما هو المعنى المتعارف عند الفقهاء، كما صرحوا به في الأصول، و ارتكاب التأويل فيه يحتاج إلى معارض أقوى، سيما مع تأكد الوجوب بقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان: «أما لنفسه فلا يدعه» و قوله (عليه السلام) في رواية العلاء: «فأما أنت فلا تدعه».
و أما ما تمسك به من قوله (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم:
«و هي سنة» فمن المحتمل أن يراد بالسنة ما ثبت وجوبه بالسنة، فإن استعمال هذا اللفظ بهذا المعنى أكثر كثير في الأخبار، و هذا هو الأوفق بنظم الرواية و سياقها، حيث أنه صرح في صدرها بالوجوب الذي قد عرفت أن المتبادر منه هو المعنى المتعارف عندهم، فيجب حمل آخر الرواية على ما قلناه ليطابق صدرها، مع تأيد ذلك بالروايات الباقية كما ذكرناه.
و ربما ظهر من الصدوق باعتبار روايته لهاتين الروايتين الدالتين على الوجوب هو كون مذهبه ذلك، لأن مذاهبه التي ينقلونها عنه في الكتاب إنما هو باعتبار ما يرويه من الأخبار بالتقريب الذي قدمه في صدر كتابه.
و بذلك يظهر ما في استدلاله بالأصل، فإنه لا اعتماد عليه بعد قيام الدليل الموجب للخروج عنه، فلم يبق إلا ما يدعيه من الإجماع هنا و إن خالفه و رده في غير مقام من شرحه إذا قام له الدليل على خلافه.
هذا و التحقيق عندي أن لفظة الوجوب و السنة من الألفاظ المتشابهة في
206
الأخبار، لاستعمال لفظ الوجوب فيها تارة بالمعنى المصطلح بين الفقهاء، و تارة بالمعنى اللغوي، أو تأكيد الاستحباب و المبالغة فيه، و كل من الاستعمالين شائع في الاخبار، و الحمل على المعنى المتعارف اصطلاح أصولي لا عبرة به بالنسبة إلى الروايات، و حينئذ فالحمل على أحد المعنيين يحتاج إلى قرينة و إلا وجب التوقف.
و هكذا في لفظ السنة، فإنها تستعمل فيها تارة بالمعنى المصطلح و هو المستحب. و تارة بمعنى ما وجب بالسنة، و هو كثير كما تقدم بيانه في كتاب الطهارة في غسل الجمعة (1) و الحمل على أحد المعنيين يحتاج أيضا إلى قرينة.
و بذلك يظهر أن المسألة هنا لا تخلو من نوع إشكال، و الله العالم.
الثاني [استحباب التضحية عن الغير]:
يفهم من مرسلة الفقيه (2) المتقدمة استحباب التضحية عن الغير و إن كان ميتا و أن الواحد يجزئ عن جماعة، و قد تقدم من الأخبار (3) ما يدل على اجزاء الشاة الواحدة عن السبعة بل السبعين في مقام الضرورة.
و يفهم أيضا من الرواية المذكورة جواز تأخير الذبح عن التسمية بمقدار قراءة الدعاء المذكور و نحوه، و أنه يستحب الدعاء بما ذكره في هذه
____________
(1) راجع ج 4 ص 219- 221.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الذبح.
207
الرواية (1) أو الرواية المنقولة عن علي بن جعفر (2).
و يفهم منها أيضا أنه لا يضحى عمن في البطن إلا بعد الولادة.
الثالث [استحباب تقسيم الأضحية أثلاثا]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه يستحب قسمة الأضحية أثلاثا، فيأكل ثلثا و يهدي ثلثا و يتصدق بثلث، قال في المدارك بعد ذكر ذلك: «و لم أقف على رواية تتضمن ذلك صريحا».
أقول: يدل على ذلك
ما رواه في الكافي عن أبي الصباح الكناني (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن لحوم الأضاحي فقال: كان علي بن الحسين و أبو جعفر (عليهما السلام) يتصدقان بثلث على جيرانهما و ثلث على السؤال، و ثلث يمسكانه لأهل البيت».
و الظاهر حمل التصدق على الجيران على الهدية، و يشير إلى ذلك أيضا ما تقدم في صحيحة علي بن جعفر (4) المنقولة من كتابه من قوله (عليه السلام):
«ثم كل و اطعم» بحمل الإطعام على ما يعم الهدية و الصدقة.
و نقل عن الشيخ أن الصدقة بالجميع أفضل، و هو مع خلوه عن المستند مناف لما صرح به هو و غيره من استحباب الأكل منها، إلا أن يحمل على أن مراده الصدقة بالجميع بعد أكل شيء منها.
____________
(1) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 12.
(3) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 13.
(4) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 12.
208
و نقل في المنتهى عن الشيخ أنه لو أكل الجميع ضمن للفقراء قيمة الجزاء محتجا بالآية (1) و أنها تدل على وجوب التصدق، و يشكل بأن وجوب التصدق لا يلائم استحباب الأضحية.
و قد أطلق الأصحاب أيضا عدم جواز بيع لحمها من غير تقييد بوجوبها، و استدل عليه في المنتهى بأنها خرجت عن ملك المضحي بالذبح و استحقها المساكين، و هو أيضا لا يلائم الاستحباب في الأضحية، اللّهمّ إلا أن يحمل على الأضحية الواجبة، كهدي التمتع و المنذور.
الرابع [الصفات المعتبرة في الأضحية]:
ما تضمنته صحيحة علي بن جعفر من صفات الأضحية فقد صرح به الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و قد تقدم البحث في ذلك في المقام الثاني من هذا الفصل (2) و جميع ما يعتبر في الهدي يجري في الأضحية من كونها من الأنعام الثلاثة على الصفات المتقدمة ثمة.
قال في المنتهى (3): «و تختص الأضحية بالغنم و الإبل و البقر، و هو قول علماء الإسلام، لقوله تعالى (4) «لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ» إذا ثبت هذا فإنه لا يجزئ إلا الثني من الإبل و البقر و المعز،
____________
(1) سورة الحج: 22- الآية 28- 34.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 12.
(3) ص 86- 116.
(4) سورة الحج: 22- الآية 28- 34.
209
و يجزئ الجذع من الضأن ذهب إليه علماؤنا» انتهى.
و تحقيق القول في ذلك قد تقدم مفصلا في المقام المشار إليه.
الخامس [بيان وقت الأضحية بمنى و سائر الأمصار]:
قد صرح الأصحاب بأن وقتها بمنى أربعة أيام يوم النحر و ثلاثة أيام بعده، و في الأمصار ثلاثة أيام يوم النحر و يومان بعده، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك و نقل الأخبار الواردة في هذا المقام في المسألة الحادية عشرة من المقام الأول (1).
قال العلامة في المنتهى: «لو فاتت هذه الأيام فإن كانت الأضحية واجبة بالنذر و شبهه لم يسقط وجوب قضائها، لأن لحمها مختص بالمساكين، فلا يخرجون عن الاستحقاق بفوات الوقت، و إن كانت غير واجبة فقد فات ذبحها، فان ذبحها لم تكن أضحية، فإن فرق لحمها على المساكين استحق الثواب على التفرقة دون الذبح» انتهى.
أقول: ما ذكره من الحكم الأول لا يخلو من مناقشة، لأن النذر إن تعلق بالأضحية- كما هو المفروض و هو بعد هذه الأيام لا تكون أضحية كما اعترف به في الحكم الثاني- فقد فات وقتها و خرجت عن كونها أضحية فكيف تجب عليه، و وجوب القضاء يحتاج إلى أمر جديد، و لا يترتب على وجوب الأداء كما هو الحق في المسألة، و حينئذ فليس إلا وجوب كفارة خلف النذر، كما لا يخفى.
و أما وقتها بالنسبة إلى اليوم الذي تذبح فيه من أي ساعاته، فقال
____________
(1) في ص 76- 83.
210
الشيخ في المبسوط: «و وقت الذبح يدخل بدخول يوم الأضحى إذا ارتفعت الشمس و مضى مقدار ما يمكن صلاة العيد و الخطبتان بعدها أقل ما يجزئ عن تمام الصلاة و خطبتين خفيفتين بعدها».
و قال في المنتهى: «وقت الأضحية إذا طلعت الشمس و مضى بقدر صلاة العيد سواء صلى الإمام أو لم يصل».
و قال في الدروس: «و وقتها بعد طلوع الشمس إلى مضي قدر صلاة العيد و الخطبتين».
و ظاهر عبارة المبسوط أن وقت الذبح بعد مضي مقدار الصلاة و الخطبتين المخففتين، و كذا ظاهر عبارة المنتهى، و ظاهر عبارة الدروس أنه بعد طلوع الشمس إلى أن يمضي مقدار الصلاة و الخطبتين.
و العلامة في المنتهى إنما استدل بعد نقل أقوال العامة بأن قال: «لنا أنها عبادة يتعلق آخر وقتها بالوقت فيتعلق أوله بالوقت، كالصوم و الصلاة» و لا يخفى ما فيه.
قال المحقق الأردبيلي بعد نقل كلام الدروس: «و سنده غير ظاهر، و لعل مراده أفضل أوقاته من اليوم فتأمل» انتهى.
أقول:
قد روى الشيخ في الموثق عن سماعة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: متى يذبح؟ قال: إذا انصرف الامام، قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام فأصلي بهم جماعة، فقال: إذا استقلت الشمس و قال: لا بأس أن تصلي وحدك، و لا صلاة إلا مع إمام».
و ظاهر الخبر كما ترى يدل على أن وقتها بعد صلاة العيد و خطبتيها،
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب صلاة العيد- الحديث 6 من كتاب الصلاة.
211
و صلاة العيد كما تقدم تحقيقه في كتاب الصلاة (1) بعد طلوع الشمس، و حينئذ فيكون دليلا لما ذكروه، و يحمل إطلاق كلام الشيخ على ما ذكره في المنتهى و الدروس من التقييد بطلوع الشمس و مضي مقدار الصلاة و الخطبتين.
و أما قول السائل: «فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام» فكأنه توهم تعلق الحكم بصلاة الإمام الحق (عليه السلام) فأجابه (عليه السلام) بأن الوقت واحد، و هو ما إذا ارتفعت الشمس، و هو عبارة عن مضي مقدار الصلاة و الخطبتين بعد الصلاة كما لا يخفى.
السادس [إجزاء الهدي الواجب عن الأضحية]:
قد صرحوا (رضوان الله تعالى عليهم) أيضا بأن الهدي الواجب يجزئ عن الأضحية و إن كان الجمع بينهما أفضل.
أقول: أما الحكم الأول فلا إشكال فيه،
لما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يجزؤه في الأضحية هديه» و في نسخة «يجزؤك من الأضحية هديك».
و روى في الفقيه عن الحلبي في الصحيح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:
«يجزئ الهدي عن الأضحية».
و أما الثاني فلم أقف على دليل عليه. إلا أنه ربما كان في لفظ الاجزاء
____________
(1) راجع ج 10 ص 226- 229.
(2) الوسائل- الباب- 60- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الفقيه ج 2 ص 297- الرقم 1472.
212
في الخبرين المذكورين إشعار به و إشارة إليه، و علله بعضهم بما فيه من فعل المعروف و نفع المساكين، قال في المدارك: «و لا بأس به».
أقول: بل البأس فيه ظاهر، فإن الأحكام الشرعية لا يمكن إثباتها بهذه التعليلات العليلة، و التسامح فيها من حيث الاستحباب أو الكراهة مثلا مجازفة محضة، فإنه لا فرق بين الوجوب و التحريم و الاستحباب و الكراهة في كونها أحكامها شرعية لا يجوز القول فيها على الله تعالى بغير دليل واضح، و لو جاز ذلك في مقام الاستحباب جاز أيضا في مقام الوجوب، كما لا يخفى.
السابع [استحباب التصدق بثمن الأضحية لو لم يجدها]:
قالوا: لو لم يجد الأضحية تصدق بثمنها، فان اختلفت أثمانها جمع الأعلى و الأوسط و الأدنى و تصدق بثلث الجميع.
و مستندهم في ذلك
ما رواه الشيخ عن عبد الله بن عمر (1) قال: «كنا بالمدينة فأصابنا غلاء في الأضاحي، فاشترينا بدينار ثم دينارين ثم بلغت سبعة، ثم لم يوجد بقليل و لا كثير، فوقع هشام المكاري إلى أبي الحسن (عليه السلام) فأخبره بما اشترينا ثم لم نجد بقليل و لا كثير، فوقع انظروا إلى الثمن الأول و الثاني و الثالث ثم تصدقوا بمثل ثلثه».
و قد نص جملة من محققي المتأخرين على أن ما وقع في عبائر المتقدمين من جمع القيم الثلاث و التصدق بالثلث إنما وقع تبعا للرواية المذكورة، و إلا فالضابط في ذلك هو جمع القيم المختلفة من اثنتين فما زاد، و الأخذ
____________
(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الذبح- الحديث 1.
213
بالنسبة إلى تلك الأعداد من النصف في الثنتين و الثلث في الثلاث و هكذا.
قال في المسالك: «و الضابط الشامل لجميع افراد الاختلاف أن تجمع القيمتين أو القيم المختلفة و يتصدق بقيمة نسبتها إليها نسبة الواحد إلى عددها، فمن الاثنتين النصف، و من الثلاث الثلث، و من الأربع الربع و هكذا» و على هذا النحو كلام غيره.
الثامن [كراهة التضحية بما يربيه]:
تكره التضحية بما يربيه، و يستحب بما يشتريه، يدل على ذلك
ما رواه الشيخ عن محمد بن الفضيل (1) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «قلت:
جعلت فداك كان عندي كبش سمين لأضحي به، فلما أخذته و أضجعته نظر إلي فرحمته و رفقت عليه، ثم إني ذبحته، قال: ما كنت أحب لك أن تفعل، لا تر بين شيئا من هذا ثم تذبحه».
و عن أبي الصحاري (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: الرجل يعلف الشاة و الشاتين ليضحي بهما، قال: لا أحب ذلك قلت:
فالرجل يشتري الجمل و الشاة فيتساقط علفه من هاهنا و من هاهنا فيجيء الوقت و قد سمن فيذبحه، قال: لا، و لكن إذا كان ذلك الوقت فليدخل سوق المسلمين و يشتري منها و يذبحه».
____________
(1) الوسائل- الباب- 61- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 40- من أبواب الذبح- الحديث 2 من كتاب الصيد و الذباحة.
214
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «و قال الصادق (عليه السلام) لا يضحى إلا بما يشتري في العشر».
قال: و قال أبو الحسن (عليه السلام) (2): «لا يضحى بشيء من الدواجن».
قال في القاموس: «و دجن بالمكان دجونا أقام، و الحمام و الشاة و غيرهما ألفت: و هو داجن. و الجمع: دجون» و قال أيضا في مادة «رجن» «رجن المكان رجونا: أقام و الإبل و غيرها ألفت».
و قال في كتاب المصباح المنير: «دجن بالمكان دجنا من باب قتل و دجونا أقام به، و ادجن بالألف مثله، و منه قيل لما يألف البيوت من الشاة و الحمام و نحو ذلك: دواجن».
التاسع [تعيين الشاة للأضحية لو اشتراها بنيتها]:
قال الشيخ في المبسوط: «إذا اشترى شاة تجزى في الأضحية بنية أنها أضحية ملكها بالشراء و صارت أضحية، و لا يحتاج أن يجعلها أضحية بقول و لا نية مجددة و لا تقليد و إشعار، لأن ذلك إنما يراعى في الهدي خاصة، و كذا لو كانت في ملكه فقال: قد جعلت هذه أضحية فقد زال ملكه عنها و انقطع تصرفه فيها، فان باعها فالبيع باطل، و لو اشترى شاة فجعلها أضحية فإن كانت حاملا تبعها ولدها».
قال في المختلف بعد نقل ذلك عنه: «و عندي في ذلك نظر، و الأقرب
____________
(1) الوسائل- الباب- 61- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 61- من أبواب الذبح- الحديث 2.
215
أن الشاة إنما تصير أضحية يجب تفرقتها بالنذر المعين أو بالتفرقة، و لا يتبعها الولد إلا إذا تجدد الحمل بعد النذر» انتهى.
أقول: ما ذكره من النظر في كلام الشيخ المذكور جيد، إلا أن الظاهر منه في المنتهى بل في سائر كتبه موافقة الشيخ فيما اعترضه هنا.
قال في المنتهى بعد أن ذكر أنه إذا اشترى شاة تجزئ في الأضحية بنية أنها أضحية و نقل كلام الشيخ و خلاف العامة في المسألة ما صورته:
«إذا عين الأضحية على وجه يصح به التعيين فقد زال ملكه عنها، فهل له إبدالها؟ قال أبو حنيفة و محمد: نعم له ذلك، فلا يزول ملكه عنها و قال الشافعي: لا يجوز إبدالها، فقد زال ملكه عنها، و به قال أبو يوسف و أبو ثور، و هو الظاهر من كلام الشيخ، احتج الشافعي
بما روي عن علي (عليه السلام) (1) أنه قال: «من عين أضحية فلا يستبدل بها».
و احتج أبو حنيفة
بما روي (2) عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه أهدى هديا و أشرك عليا (عليه السلام) فيها،.
و هو إنما يكون بنقلها إليه، و فيه ضعف لجواز أن يكون (صلى الله عليه و آله) وقت السياق نوى أنها عن علي (عليه السلام)» إلى آخر كلامه في الكتاب المذكور، و هو طويل مشتمل على فروع عديدة مبنية على زوال الملك عن الأضحية.
ثم إنه قال في مسألة أخرى بعد هذه المسألة: «إذا عين أضحية ذبح معها ولدها، سواء كان حملا حال التعيين أو حدث بعد ذلك، لأن التعيين
____________
(1) لم نعثر على هذا المرسل في كتب الأخبار.
(2) سنن البيهقي- ج 5 ص 238 و 240.
216
معنى يزيل الملك عنها، فاستتبع الولد كالعتق،
و لقول أبي عبد الله (عليه السلام) (1): إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضر بولدها ثم انحرهما جميعا».
و هذا نحو كلام الشيخ في المبسوط حيث قال: «فان كانت حاملا تبعها ولدها، و إن كانت حائلا فحملت مثل ذلك،
لما روى عن علي (عليه السلام) (2) إنه راى رجلا يسوق بدنة معها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها فإذا كان يوم النحر فانحرها و ولدها عن سبعة، فأمر بنحرها و ولدها».
انتهى. و على هذا النحو كلام الشهيد في الدروس كما لا يخفى على من راجعه.
أقول: و الظاهر عندي هو ما ذكره في المختلف، فإنه متى كانت إلا ضحية مستحبة كما هو المنصوص في كلامهم فإنها بمجرد تعيينها و قوله: «جعلتها أضحية» لا يعقل كونها واجبة إذ لا دليل عليه من سنة و لا كتاب، فأصالة العدم قائمة و الخروج عنها يحتاج إلى دليل.
و أما بالنسبة إلى الولد فقد تقدم في المسألة السابعة من المقام الرابع (3) من الروايات صحيحة سليمان بن خالد (4) و صحيحة محمد بن مسلم (5).
و في الاولى «إن نتجت بدنتك فاحلبها ما لم يضر بولدها ثم انحرهما جميعا».
و في الثانية «سألته عن البدنة تنتج أ نحلبها؟ قال: أحلبها غير مضر بالولد ثم انحرهما جميعا».
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(2) سنن البيهقي ج 5 ص 237 مع اختلاف في اللفظ.
(3) في ص 196.
(4) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(5) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 7.
217
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل ساق بدنة فنتجت، قال: ينحرها و ينحر ولدها، و إن كان الهدي مضمونا فهلك اشترى مكانها و مكان ولدها».
و النتاج لغة عبارة عن الوضع و الولادة.
و ظاهر هذه الروايات أن الولد في بطنها يتبعها في سياقها و جعلها هديا أو أضحية أو نذرا.
بقي الكلام في وجوب ذلك، فان ثبت ما ادعوه من الوجوب ففي الجميع و الا فالاستحباب فيهما و أما ما نقله في المبسوط عن علي (عليه السلام) من الخبر المذكور فلم أقف عليه من طرقنا، و لا يبعد أن يكون من أخبار العامة، فإنه كثيرا ما يستدل في الكتاب بأخبارهم.
العاشر [جواز أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام]:
و قد عرفت فيما تقدم أن الحكم في الأضحية هو قسمة لحمها أثلاثا، و أكل ثلث و الصدقة بثلث و أن يهدي ثلثا، و بذلك صرح الأصحاب أيضا.
ثم إنهم قد ذكروا أيضا أنه لا بأس بأكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام و ادخارها، و أنه يكره أن يخرج شيئا مما يضحيه من منى إلا السنام، فإنه دواء و أنه كان منهيا عن ادخارها فنسخ.
و هذا الكلام الأخير لا يخلو من إجمال، فإنه يحتمل أن يكون راجعا إلى مجموع اللحم مع عدم صرفه في المصرف الموظف و هو التثليث، و أن
____________
(1) الوسائل- الباب- 34- من أبواب الذبح- الحديث 1.
218
يكون راجعا الى الثلث الذي يخص المالك بعد صرف الثلثين في مصرفهما الموظف لهما و يؤيد الأول ما في بعض العبارات من انه يكره أن يخرج مما يضحيه من منى بل يخرجه الى مصرفه.
و كيف كان فالذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بالأضاحي في هذا المقام
ما رواه في الكافي في الموثق (1) عن حنان بن سدير عن أبي جعفر (عليه السلام) و عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث ثم اذن فيها، و قال: كلوا من لحوم الأضاحي بعد ذلك و ادخروا».
و روى الشيخ بإسناده عن احمد بن محمد بن عيسى المنتهى إلى جابر بن عبد الله الأنصاري (2) قال: «أمرنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن لا نأكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام أذن لنا أن نأكله و نقدد و نهدي إلى أهالينا».
و عن محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام».
و روى في كتاب العلل بسنده عن محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «كان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى أن تحبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أجل الحاجة، فأما اليوم فلا بأس به».
____________
(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 4.
219
و في الصحيح عن جميل بن دراج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن حبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام بمنى، قال: لا بأس بذلك اليوم إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) إنما نهى عن ذلك أولا، لأن الناس كانوا يومئذ مجهودين، فأما اليوم فلا بأس».
و رواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن يونس عن جميل، و الذي قبله عن ابن أبي عمير عن جميل عن محمد بن مسلم.
أقول: و بهذا السند يكون الحديث المذكور صحيحا.
و روى الصدوق مرسلا (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
كنا ننهى عن إخراج لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام لقلة اللحم و كثرة الناس، فأما اليوم فقد كثر اللحم و قل الناس فلا بأس بإخراجه».
و روى الشيخ بسنده عن زيد بن علي (3) عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، و نهيتكم عن إخراج لحوم الأضاحي من منى بعد ثلاث ألا فكلوا و ادخروا و نهيتكم عن النبيذ ألا فانبذوا، و كل مسكر حرام يعني الذي ينبذ بالغداة و يشرب بالعشي و ينبذ بالعشي و يشرب بالغداة، فإذا غلا فهو حرام».
و عن علي بن أبي حمزة (4) عن أحدهما (عليهما السلام) قال:
«لا يتزود الحاج من أضحيته، و له أن يأكل منها بمنى أيامها، قال: و هذه
____________
(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(4) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 3.
220
مسألة شهاب كتب إليه فيها».
و عن احمد بن محمد عن علي (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال:
«سمعته يقول: لا يتزود الحاج من أضحيته، و له أن يأكل منها إلا السنام، فإنه دواء، قال أحمد و قال: لا بأس أن يشتري الحاج من لحم منى و يتزوده».
و روى الكليني في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن إخراج لحوم الأضاحي من منى، فقال كنا نقول: لا يخرج منها بشيء لحاجة الناس إليه، فأما اليوم فقد كثر الناس، فلا بأس بإخراجه».
أقول: لا يخفى ما في الجمع بين هذه الأخبار و بين ما عليه ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب من استحباب التثليث في الأضحية بعد ذبحها أو نحرها من الإشكال، فإنه متى كان الحكم الشرعي فيها هو التثليث و قد أتى به فلم يبق في يده إلا الثلث الذي هو له يتصرف فيه كيف شاء، مع أنه لا يزيد غالبا على مصرفه في ثلاثة أيام منى حتى ينهى عن إخراجه ثم يؤمر به و يعلل بوجود المستحق و عدمه، إذ لا يتعلق به حتى لمستحق بعد إخراج حتى المستحقين.
اللهم إلا أن يحمل استحباب التثليث على صدر الإسلام من حيث قلة اللحم و كثرة الناس، و أنه بعد ذلك سقط هذا الحكم، لعدم من يتصدق عليه و من يهدي له بسبب كثرة اللحوم و قلة الناس، فلا بأس حينئذ بإخراج اللحم و إدخاره و عدم صرفه في ذلك المصرف الموظف، إلا أن هذا لا يلائم كلام الأصحاب، لاتفاقهم على استحباب هذا الحكم في جميع الأعصار.
____________
(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 5.
221
و بالجملة فالجمع بين الحكمين لا يخلو من إشكال و لم أقف على من تنبه لذلك في هذا المجال.
ثم إن أكثر هذه الأخبار المذكورة قد اتفقت على أن الحكم في صدر الإسلام كان النهي عن الأكل و الادخار بعد ثلاثة أيام، ثم حصل النسخ فيه، فجوز لهم الأكل و الإدخار و الحمل معهم.
و حينئذ فما دلت عليه رواية محمد بن مسلم (1) من النهي عن حبس لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام يحمل على قصد إخباره (عليه السلام) بأن الحكم الذي عليه الآن العمل كان قبل النسخ كذلك، كما ينادي به حديثه (2) الثاني الذي بعده من كتاب العلل، و ربما حمل على الكراهة أيضا، و كذلك حديث علي (3) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) و بهذا جمعوا بينها، و الكلام في جلودها و أصوافها و أوبارها في هذا المقام على نحو ما سبق في الهدي، و الله العالم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 41- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 42- من أبواب الذبح- الحديث 4.
222
الفصل الثالث في الحلق و التقصير
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [بيان من يجب عليه الحلق]:
المشهور بين الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) أن الحاج إذا فرغ من الذبح تخير إن شاء حلق و إن شاء قصر، و الحلق أفضل، و يتأكد في حق الصرورة و الملبد، و هو من أخذ عسلا و صمغا و جعله في رأسه لئلا يقمل أو يتوسخ، و به قال الشيخ في الجمل.
و قال في جملة من كتبه: «لا يجزئ الصرورة و الملبد إلا الحلق» و به قال ابن حمزة، و زاد في التهذيب المعقوص شعره.
و قال ابن الجنيد: «و لا يجزئ الصرورة و من كان غير صرورة ملبد الشعر أو مضفورا أو معقوصا من الرجال غير الحلق».
و قال ابن أبي عقيل: «و يحلق رأسه بعد الذبح و إن قصر أجزأ، و من لبد رأسه أو عقصه فعليه الحلق واجب» و لم يذكر حكم الصرورة بالنصوصية.
و قال المفيد: «لا يجزئ الصرورة غير الحلق، و من لم يكن صرورة
223
أجزأه التقصير، و الحلق أفضل» و لم ينص على حكم الملبد، و كذا قال أبو الصلاح.
احتج العلامة في المختلف على ما اختاره من القول المشهور بقوله تعالى (1):
«لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ» قال:
«و ليس المراد الجمع، بل إما التخيير أو التفضيل و الثاني بعيد، و إلا لزم الإجمال، فتعين الأول» و زاد بعضهم الاستدلال بالأصل.
و استدلوا أيضا
بما رواه الشيخ في التهذيب عن حريز في الصحيح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم الحديبية اللّهمّ اغفر للمحلقين مرتين قيل: و المقصرين يا رسول الله، قال:
و للمقصرين».
احتج الشيخ في التهذيب على وجوب الحلق على الصرورة و الملبد و من عقص شعره
بما رواه في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ينبغي للصرورة أن يحلق، و إن كان قد حج فان شاء قصر و إن شاء حلق، و إذا لبد شعره أو عقصه فان عليه الحلق، و ليس له التقصير».
و في الصحيح أيضا عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أحرمت فعقصت رأسك أو لبدته فقد وجب عليك الحلق، و ليس لك التقصير، و إن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير و الحلق في الحج،
____________
(1) سورة الفتح: 48- الآية 27.
(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 8.
224
و ليس في المتعة إلا التقصير».
و في الصحيح عن هشام بن سالم (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام):
إذا عقص الرجل رأسه أو لبده في الحج أو العمرة فقد وجب عليه الحلق فيه».
و في الصحيح عن سويد القلاء عن أبي سعيد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يجب الحلق على ثلاثة نفر: رجل لبد و رجل حج بدوا لم يحج قبلها، و رجل عقص رأسه».
و العلامة في المختلف بعد أن نقل الاحتجاج للشيخ ببعض هذه الروايات أجاب بالحمل على الاستحباب عملا بالأصالة و جمعا بين الأدلة.
و لا يخفى ضعفه، أما الأصل فيجب الخروج عنه بالدليل، و هذه الأدلة كما ترى واضحة في تعين الحلق على هؤلاء المعدودين، و أما الجمع بين الأخبار بالاستحباب فقد عرفت ما فيه في غيره موضع مما مر في الكتاب، على أنه من الظاهر أن صحيحة حريز التي استندوا إليها مطلقة و هذه الأخبار مقيدة، و من الأصول المعتمدة عندهم حمل المطلق على المقيد.
و أما ما ذكره في المدارك من التوقف في وجوب الحلق على الصرورة قال بعد أن ذكر نحو ما قلناه: «نعم يمكن أن يقال: هذه الروايات لا تدل على وجوب الحلق على الصرورة، لأن لفظ «ينبغي» الواقع في الرواية الأولى ظاهر في الاستحباب، و لفظ الواجب في الرواية الأخيرة محتمل لذلك، كما بيناه مرارا» و أشار بالرواية الأخيرة إلى رواية أبي سعيد.
ففيه- مع الإغماض عن المناقشة فيما ادعاه- أن وجوب الحلق على الصرورة ليس منحصرا في هاتين الروايتين كما توهمه، بل تدل عليه جملة من الأخبار.
____________
(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
225
منها
ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل برأسه قروح لا يقدر على الحلق قال: إن كان قد حج قبلها فليجز شعره، و إن كان لم يحج فلا بد له من الحلق».
و ما رواه في الكافي عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «على الصرورة أن يحلق رأسه و لا يقصر، إنما التقصير لمن حج حجة الإسلام».
و ما رواه الشيخ في التهذيب عن بكر بن خالد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للصرورة أن يقصر، و عليه أن يحلق».
و ما رواه الصدوق عن سليمان بن مهران (4) في حديث: «أنه قال لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف صار الحلق على الصرورة واجبا دون من قد حج؟ قال: ليصير بذلك موسما بسمة الآمنين، ألا تسمع قول الله عز و جل لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ؟ (5)».
و من الأخبار الدالة على ما دلت عليه الأخبار المتقدمة من وجوب الحلق على الملبد و العاقص
ما رواه ابن إدريس في الصحيح عن نوادر أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطي عن الحلبي (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سمعته يقول: من لبد شعره أو عقصه فليس له أن يقصر، و عليه الحلق،
____________
(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 10.
(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(5) سورة الفتح: 48- الآية 27.
(6) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 15.
226
و من لم يلبد إن شاء قصر و إن شاء حلق، و الحلق أفضل».
و بذلك يظهر لك صحة ما ذهب إليه الشيخ (رحمه الله) و ضعف ما سواه، و الله العالم.
[فوائد]
إذا عرفت ذلك فاعلم أن تمام القول في المسألة يتوقف على رسم فوائد:
الأولى [تعيين التقصير على النساء]:
ما ذكرنا من التخيير بين الحلق و التقصير أو وجوب الحلق في تلك الافراد حكم مختص بالرجال، و أما النساء فالواجب في حقهن هو التقصير خاصة بما يحصل به المسمى اتفاقا نصا و فتوى، و حكى العلامة الإجماع في المختلف على تحريم الحلق عليهن.
و من الأخبار الواردة في ذلك
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن سعيد الأعرج (1) في حديث «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن النساء، فقال: إذا لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن و يقصرن من أظفارهن».
و عن علي بن أبي حمزة (2) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «و تقصر المرأة و يحلق الرجل، و إن شاء قصر إن كان قد حج قبل ذلك».
و عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس على
____________
(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
227
النساء حلق، و يجزؤهن التقصير».
و روى في الفقيه (1) في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) «ليس على النساء جمعة- إلى أن قال-: و لا استلام الحجر و لا حلق».
و في مرسلة ابن أبي عمير (2) «تقصر المرأة من شعرها لنفسها مقدار الأنملة».
و الظاهر أن المراد بمقدار الأنملة الكناية عن المسمى، و هو المشهور، و نقل في المختلف عن ابن الجنيد أنه قال: «و عليها أن تقصر مقدار القبضة من شعر رأسها» و لم نقف على مأخذه، بل ظاهر المرسلة المتقدمة رده.
و في المختلف رد القول المذكور بقوله: «لنا أن الأمر بالكلي يكفي فيه أي فرد من جزئياته وجد، فيخرج من العهدة بأقل المسمى» انتهى.
الثانية [وجوب الحلق و التقصير أو استحبابه]:
نقل في المختلف عن الشيخ في التبيان أنه قال: «الحلق و التقصير مندوب غير واجب، و كذلك أيام منى، و رمى الجمار» ثم قال: «و المشهور أن ذلك كله واجب، لنا أنه (صلى الله عليه و آله) فعل ذلك، و الأخبار ناطقة بالأمر بإيجاب هذه الأشياء، و إيجاب الكفارة على تاركها» انتهى.
أقول: و لظاهر كلام الشيخ هنا في التبيان و تصريحه بالاستحباب حكم أمين الإسلام الطبرسي في كتاب مجمع البيان بالاستحباب في جميع هذه
____________
(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب التقصير- الحديث 3.
228
الأفعال بعبارة موهمة لاتفاق الأصحاب على ذلك، كما قدمنا نقله عنه في المسألة الاولى من الفصل الأول في رمي جمرة العقبة (1).
الثالثة [هل إمرار الموسي لمن لا شعر على رأسه واجب أو مستحب؟]:
اجمع العلماء كافة على أن من ليس على رأسه شعر يسقط عنه الحلق، حكاه في المنتهى، قال: «لعدم ما يحلق، و يمر الموسى على رأسه، و هو قول أهل العلم كافة» ثم نقل رواية زرارة (2) الآتية في حكاية الرجل الخراساني. و (بالجملة) فالحكم المذكور لا إشكال فيه.
بقي الكلام في أن إمرار الموسى هل هو على جهة الوجوب أو الاستحباب؟
نقل في المنتهى الخلاف في ذلك عن العامة، حيث قال: «إذا ثبت هذا فهل هو واجب أم لا؟ قال: أكثر الجمهور: أنه مستحب غير واجب.
و قال أبو حنيفة: إنه واجب، احتج الأولون بأن الحلق محله الشعر، فسقط بعدمه كما يسقط وجوب غسل العضو بقطعه، و لأنه إمرار لو فعله في الإحرام لم يجب عليه دم فلم يجب عليه عند التحلل، كامرار اليد على الشعر من غير حلق، احتج أبو حنيفة
بقوله (صلى الله عليه و آله) (3):
«إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم».».
و يظهر منه في المنتهى اختيار ما ذهب إليه أبو حنيفة من الوجوب،
____________
(1) ص 8.
(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
(3) سنن البيهقي- ج 4 ص 326.
229
حيث قال: «و هذا لو كان ذا شعر لوجب عليه إزالته و إمرار الموسى على رأسه، فإذا سقط أحدهما لتعذر موجب الآخر، و كلام الصادق (عليه السلام) (1) يعطيه، فإن الأجزاء يستعمل في الوجوب» انتهى.
و ظاهره أن الخلاف في المسألة المذكورة إنما هو بين العامة، و المفهوم من شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الخلاف في المسألة من وجهين، و هذه صورة عبارته (قدس سره) قال- بعد أن ذكر أن ثبوت الإمرار في الجملة إجماعي-: «و إنما الخلاف في موضعين: (أحدهما) هل هو على جهة الوجوب مطلقا أو الاستحباب مطلقا أو بالتفصيل بوجوبه على من حلق في إحرام العمرة و الاستحباب على الأقرع؟ قيل بالأول
لقوله (صلى الله عليه و آله) (2):
«إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم».
و هذا لو كان له شعر كان الواجب عليه إزالته و إمرار الموسى على رأسه، فلا يسقط الأخير بفوات الأول، و لأمر الصادق (عليه السلام) بذلك في أقرع خراسان (3) و قيل بالثاني، بل ادعى عليه في الخلاف الإجماع، لأن محل الحلق الشعر، و قد فات فسقط لفوات محله، و بالتفصيل رواية و العمل بها أولى. (الثاني) على تقدير الوجوب مطلقا أو على وجه هل يجزئ عن التقصير من غيره؟ قيل:
نعم، لانتفاء الفائدة بدونه، و لأن الأمر يقتضي الاجزاء، و لعدم توجه الجمع بين الحلق و التقصير، و الإمرار قائم مقام الأول، و ظاهر الخبر يدل عليه، و الأقوى وجوب التقصير، لأنه واجب اختياري قسيم للحلق، و الإمرار بدل اضطراري، و لا يعقل الاجتزاء بالبدل الاضطراري مع القدرة على
____________
(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
(2) سنن البيهقي- ج 4 ص 326.
(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
230
الاختياري، و لا يمتنع وجوب الأمرين على الحالق في إحرام العمرة المبتولة عقوبة له» انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذه المسألة
ما رواه ثقة الإسلام (قدس سره) عن زرارة (1) قال «إن رجلا من أهل خراسان قدم حاجا و كان أقرع الرأس لا يحسن أن يلبي، فاستفتي له أبو عبد الله (عليه السلام) فأمر أن يلبى عنه و أن يمر الموسى على رأسه، فإن ذلك يجزئ عنه».
ما رواه الشيخ عن أبي بصير (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع أراد أن يقصر فحلق رأسه قال: عليه دم يهريقه، فإذا كان يوم النحر أمر الموسى على رأسه حين يريد أن يحلق».
و عن عمار الساباطي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «سألته عن رجل حلق قبل أن يذبح، قال: يذبح و يعيد الموسى، لأن الله تعالى يقول لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ (4)».
هذا ما وقفت عليه من روايات المسألة، و هي متفقة كما ترى في الأمر بإمرار الموسى على رأسه، أعم من أن يكون لا شعر عليه من أصله كأقرع خراسان أو عليه شعر قد أزاله، و ظاهرها وجوب ذلك، و لا معارض لها في البين فيتعين وجوب العمل بها.
____________
(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب التقصير- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 8.
(4) سورة البقرة: 2- الآية 196.
231
و أما ما ذكروه في تعليل الوجوب- من أن الواجب على ذي الشعر إزالته و إمرار الموسى على رأسه، فلا يسقط الأخير بفوات الأول- فدليل شعري لا يصلح لابتناء الأحكام الشرعية عليه، و ما ذكروه من حديث «إذا أمرتكم» إلى آخره فلم نقف عليه في أصولنا.
بل الحق في الاستدلال على ذلك إنما هو بظاهر الأخبار المذكورة، على أن وجوب الإمرار غير مسلم في حد ذاته، و إنما وجوبه من حيث توقف الحلق عليه، فالواجب منه ما تحقق في ضمن الحلق لا مطلقا.
و أما القول بالتفصيل فلم نقف له على دليل، و ما ادعاه شيخنا المتقدم من ورود خبر بذلك حتى أنه بسبب ذلك مال إلى هذا القول فلم نقف عليه، و بذلك اعترف سبطه في المدارك، فقال: «إنا لم نقف عليها في شيء من الأصول، و لا نقله غيره، و ظاهر الأخبار المذكورة أيضا الاكتفاء بذلك عن التقصير، إذ لو كان واجبا مع الإمرار لذكر فيها، لأن المقام مقام بيان للحكم المذكور، و ليس فليس».
و بذلك يظهر ما في كلام شيخنا المتقدم من قوله: «و الأقوى وجوب التقصير، لأنه واجب اختياري» إلى آخره، فإنهم إن وقفوا على العمل بهذه الأخبار فظاهرها كما ترى إنما هو ما قلناه، و حينئذ فهذا الكلام في مقابلتها إنما هو من قبيل الاجتهاد في مقابلة النصوص، و أن أطرحوها و أعرضوا عنها توجه ما ذكروه بناء على قواعدهم في البناء على التعليلات العقلية، و إلا وجب التوقف كما هو المعمول عندنا، لعدم النص في المسألة و لكن لما كانت النصوص موجودة و ظاهرها ما عرفت من غير معارض في البين فالواجب الوقوف على العمل بظاهرها.
232
نعم لقائل: أن يقول لما كان الحكم في غير الأفراد المعدودة في الأخبار المتقدمة هو التخيير بين الحلق و التقصير و إن كان الحلق أفضل فالواجب هنا حمل الأمر بإمرار الموسى الذي هو نيابة عن الحلق على الفضل و الاستحباب، إذ لا يعقل وجوب البدل مع استحباب المبدل منه، و لا ريب أن ظاهر هذه الأخبار هو ما ذكرناه من غير الملبد و أشباهه، فيكون الحكم فيه التخيير بين التقصير و الحلق، و حيث تعذر الحلق أمر بالإمرار نيابة عنه، لقيامه مقامه في الفضل، و الله العالم.
الرابعة [وجوب كون الحلق أو التقصير بمنى]:
قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأنه يجب أن يحلق أو يقصر بمنى، فلو رحل رجع فحلق أو قصر بها، فان تعذر عليه الرجوع حلق أو قصر مكانه و بعث شعره ليدفن بها، و إن تعذر لم يكن عليه شيء.
فهاهنا أحكام أربعة: (الأول): وجوب الحلق أو التقصير بمنى، و هو مقطوع به في كلامهم، بل ظاهر التذكرة و المنتهى أنه موضع وفاق.
و استدل عليه الشيخ في التهذيب
بما رواه في الصحيح عن الحلبي (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يقصر من شعر رأسه أو يحلقه حتى ارتحل من منى، قال: يرجع إلى منى حتى يلقي شعره بها، حلقا كان أو تقصيرا».
____________
(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
233
و عن أبي بصير (1) قال: «سألته عن رجل جهل أن يقصر من رأسه أو يحلق حتى ارتحل من منى، قال: فليرجع إلى منى حتى يحلق شعره بها أو يقصر، و على الصرورة أن يحلق».
و رواه الصدوق بسنده عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير (2) إلا أنه قال: «حتى يلقى شعره بها حلقا كان أو تقصيرا، و على الصرورة الحلق».
ثم قال: «و روى (3) أنه يحلق بمكة و يحمل شعره إلى منى».
و عن مسمع في الحسن (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحلق رأسه أو يقصر حتى نفر، قال: يحلق في الطريق أو أين كان».
و حمله الشيخ على تعذر العود إلى منى، و لا بأس به.
و طعن في هذه الرواية في المدارك بأن راويها مسمع، و هو غير موثق.
و فيه أنه و إن كان غير موثق إلا أنه ممدوح، و حديثه معدود عند القوم في الحسن، و لكن كلامه فيه كما عرفت في ما تقدم مضطرب ما بين أن يعده في الصحيح تارة و في الحسن أخرى أو يرد روايته كما هنا.
(الثاني): أنه متى تعذر عليه الرجوع حلق أو قصر مكانه و بعث بشعره، أما جواز حلق الشعر أو تقصيره في مكانه فلا إشكال فيه.
إنما الكلام في أن البعث إلى منى وجوبا أو استحبابا، فقيل بالأول، و هو ظاهر الشيخ في النهاية و المحقق في الشرائع، و ظاهر أبي الصلاح أيضا.
و قال الشيخ في التهذيب بالاستحباب، و به جزم المحقق في النافع و العلامة في المنتهى.
____________
(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 5.
(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
234
و قال في المختلف بعد أن اختار الاستحباب و أورد جملة من روايات المسألة الآتية: «و لو قيل بوجوب الرد لو حلق عمدا بغير منى إذا لم يتمكن من الرجوع بعد خروجه عامدا و بعدم الوجوب لو كان خروجه ناسيا كان وجها».
أقول: و الذي وقفت عليه من روايات المسألة
ما رواه الشيخ في الحسن عن حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل يحلق رأسه بمكة، قال: يرد الشعر إلى منى».
و عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل زار البيت و لم يحلق رأسه، قال: يحلقه بمكة، و يحمل شعره إلى منى، و ليس عليه شيء».
و بهاتين الروايتين استدل من قال بالوجوب.
و مثلهما أيضا
ما رواه في الكافي عن علي بن أبي حمزة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) في حديث قال: «و ليحمل الشعر إذا حلق بمكة إلى منى».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن مسكان عن أبي بصير (4) يعني المرادي قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يوصي من يذبح عنه و يلقي هو شعره بمكة، قال: ليس له أن يلقي شعره إلا بمنى».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يدفن
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 5.
235
شعره في فسطاطه بمنى، و يقول: كانوا يستحبون ذلك، قال: و كان أبو عبد الله (عليه السلام) يكره أن يخرج الشعر من منى، و يقول: من أخرجه فعليه أن يرده».
و ما رواه الشيخ عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل زار البيت و لم يحلق رأسه، قال: يحلق بمكة و يحمل شعره إلى منى، و ليس عليه شيء».
و روى في كتاب قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهم السلام) «أن الحسن و الحسين (عليهما السلام) كانا يأمران أن يدفن شعورهما بمنى».
و ما رواه الشيخ عن أبي بصير (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى أن يحلق رأسه حتى ارتحل، قال: ما يعجبني أن يلقى شعره إلا بمنى، و لم يجعل عليه شيئا».
و بهذه الرواية الأخيرة أخذ من قال بالاستحباب، و حمل الروايتين الأولتين على ذلك جمعا.
و فيه (أولا) ما عرفت في غير موضع مما تقدم ما في هذا الجمع من الاشكال.
و (ثانيا) أن دليل الوجوب غير منحصر في الروايتين المذكورتين، بل هو مدلول جملة من الأخبار التي تلوناها، و هي ظاهرة تمام الظهور في الوجوب، مثل قوله (عليه السلام) في رواية علي بن أبي حمزة: «و ليحمل الشعر إلى منى» و في صحيحة عبد الله بن مسكان «ليس له أن يلقي شعره إلا
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 8.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 6.
236
بمنى» و في صحيحة معاوية بن عمار «من أخرجه فعليه أن يرده» و المراد بالكراهة فيها هو التحريم، كما هو شائع في الأخبار بقرينة آخرها. و أما الاستناد في الاستحباب إلى قوله (عليه السلام): «كانوا يستحبون ذلك» ففيه أن ظاهر السياق أن الإشارة إنما هي إلى الدفن.
و (ثالثا) أن الرواية المذكورة مع قطع النظر عن عدم قيامها بالمعارضة غير صريحة في عدم وجوب البعث، كما طعن عليها به في المدارك، لجواز أن يرى هذه العبارة في المحرم أيضا.
(الثالث) أنه متى تعذر البعث سقط و لم يكن عليه شيء و هو موضع إجماع.
(الرابع) استحباب الدفن في منى، سواء كان الحلق فيها أو خارجها، و عليه تدل صحيحة معاوية بن عمار (1) و رواية قرب الاسناد (2).
و يؤيده أيضا
ما رواه في الكافي عن أبي شبل (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن المؤمن إذا حلق رأسه بمنى ثم دفنه جاء يوم القيامة و كل شعرة لها لسان طلق تلبي باسم صاحبها».
و عن الحلبي أنه أوجبه.
الخامسة [جواز الحلق بمجرد شراء الهدي و ربطه في منزله]:
روى ثقة الإسلام في الكافي عن علي بن أبي حمزة (4) عن أبي الحسن (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الحلق و التقصير الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 7.
237
قال: «إذا اشتريت أضحيتك و وزنت ثمنها و صارت في رحلك فقد بلغ الهدي محله، فإن أحببت أن تحلق فاحلق».
و رواه الشيخ بلفظ «و قمطتها».
مكان «و وزنت ثمنها».
و روى في الفقيه عن علي بن أبي حمزة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اشترى الرجل هديه و قمطه في بيته فقد بلغ محله، فان شاء فليحلق».
و ظاهر الخبرين المذكورين الاكتفاء في الحلق بمجرد شراء الهدي و ربطه في بيته، متوثقا منه بربط يديه و رجليه كما يقمط الصبي في المهد.
و بذلك صرح في المنتهى حيث قال: «لو بلغ الهدي محله و لم يذبح قال الشيخ (رحمه الله): يجوز له أن يحلق، لقوله تعالى (2):
«وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» و قال تعالى (3) «ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ»
و ما رواه الشيخ عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اشتريت أضحيتك و قمطتها و صارت في جانب من رحلك فقد بلغ الهدى محله، فإن أحببت أن تحلق فاحلق».».
أقول: و يؤيده ما تقدم مما صرحوا به في إجزاء الهدي لو قمطه في منزله من منى ثم ضاع أو تلف فإنه يجزؤه، و لا يجب عليه غيره، و عليه دل بعض الأخبار، إلا أن له معارضا قد تقدم الكلام فيه.
و على هذا فيتخير في الحلق بين كونه بعد الذبح أو بعد التوثق في منزله بمنى و إن
____________
(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 7.
(2) سورة البقرة: 2- الآية 196.
(3) سورة الحج: 22- الآية 33.
(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 7.
238
كان بعد الذبح أفضل.
قال في المبسوط: «لا يجوز أن يحلق رأسه و لا أن يزور البيت الا بعد الذبح أو أن يبلغ الهدي محله، و هو أن يحصل في رحله، فإذا حصل في رحله بمنى فإن أراد أن يحلق جاز له ذلك، و الأفضل أن لا يحلق حتى يذبح» انتهى.
السادسة [ما يستحب في كيفية الحلق و الدعاء فيه]:
قال في المنتهى: «يستحب لمن حلق أن يبدأ بالناصية من القرن الأيمن و يحلق إلى العظمين بلا خلاف».
و قال في الدروس: «و يستحب استقبال القبلة و البدأة بالقرن الأيمن من ناصيته، و تسمية المحلوق و الدعاء، مثل قوله: اللّهمّ أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة، و الاستيعاب إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين، و دفن الشعر في فسطاطه أو منزله بمنى، و قلم الأظفار، و أخذ الشارب بعده».
أقول: الذي وقفت عليه من الأخبار المتعلقة بذلك أما بالنسبة إلى كيفية الحلق و الدعاء فيه فهو
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أمر الحلاق أن يضع الموسى على قرنه الأيمن، ثم أمره أن يحلق و سمى هو، و قال: اللهم أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة».
____________
(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
239
و ما رواه في الكافي عن غياث بن إبراهيم (1) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: «السنة في الحلق أن يبلغ العظمين».
و أنت خبير بأن ظاهر صحيحة معاوية بن عمار و قوله: «أمر الحلاق أن يضع الموسى على قرنه الأيمن» أن مبدأ الحلق إنما هو من أعلى الرأس من الجانب الأيمن منه، لأنه الظاهر من لفظ القرن و هو موضع قرن الدابة.
و يؤيده
حديث ذي القرنين (2) «أنه ضرب على أحد قرنيه فمات خمسمائة سنة، فأحياه الله ثم، ضرب على قرنه الآخر فمات» الحديث.
و في تتمة الخبر (3) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «و فيكم مثله» إشارة إلى ضربه عمرو بن عبد ود في قضية الخندق ثم ضربة ابن ملجم لعنه الله.
و هذا المعنى لا يجامع الناصية التي هي عبارة عن قصاص الشعر مما يلي الجبهة خاصة حتى يقال إنه يبدأ بالقرن الأيمن من ناصيته، إذ المراد في الخبر المتقدم إنما هو قرن الرأس لا قرن الناصية.
و الظاهر أن الحامل لهما (عطر الله مرقديهما) على ما ذكراه هو ما ذكره في المنتهى- بعد ذكر العبارة المتقدمة- من الاستدلال على الحكم المذكور بالروايتين المذكورتين
و بما رواه الشيخ عن الحسن بن مسلم (4) عن بعض الصادقين (عليهم السلام) قال: «لما أراد أن يقصر من شعره للعمرة أراد الحجام
____________
(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(2) تفسير البرهان سورة الكهف:- الآية 83 (ج 2 ص 480).
(3) تفسير البرهان سورة الكهف:- الآية 83 (ج 2 ص 480).
(4) أشار إليه في الوسائل- الباب- 6- من أبواب التقصير- الحديث 5 و ذكره في التهذيب ج 5 ص 244- الرقم 825.
240
أن يأخذ من جوانب الرأس، فقال له: ابدأ بالناصية، فبدأ بها».
فجمعا بين الروايتين بما ذكراه من حمل القرن على طرف الناصية.
و فيه أن مورد هذه الرواية إنما هو التقصير، و هو أخذ شيء من الشعر لا الحلق، و الظاهر أنه في إحرام العمرة المتمتع بها، و غاية ما تدل عليه الرواية استحباب التقصير من شعر الناصية لا من جوانب الرأس.
و بالجملة فالمتبادر من الرواية الأولى أن المراد بالقرن الأيمن إنما هو قرن الرأس و هو ما ذكرناه، و هذه الرواية ليس من محل البحث في شيء فكلامهما (طاب ثراهما) لا يخلو من نظر.
نعم
قال في كتاب الفقه الرضوي (1): «و إذا أردت أن تحلق رأسك فاستقبل القبلة، و ابدأ بالناصية، و احلق من العظمين النابتين بحذاء الأذنين و قل: اللّهمّ أعطني بكل شعرة نورا يوم القيامة».
انتهى.
و ظاهر هذه العبارة هو استحباب الحلق من الناصية، و هو خلاف ما دلت عليه صحيحة معاوية بن عمار (2) بالتقريب الذي قدمناه.
و أما دفن الشعر في منى فقد تقدم الكلام فيه.
و أما استحباب اضافة التقصير من هذه المواضع إلى الحلق فيدل عليه
ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم النحر يحلق رأسه و يقلم أظفاره و يأخذ من شاربه و من أطراف لحيته».
____________
(1) المستدرك- الباب- 9- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 12.
241
و ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك و اغتسل و قلم أظفارك و خذ من شاربك».
و قال في المنتهى: «و يستحب لمن حلق رأسه أن يقصر بقلم أظفاره و الأخذ من شاربه» ثم أورد رواية عمر بن يزيد، و قال: «و لا نعلم في ذلك خلافا».
و أما استقبال القبلة حال الحلق فلم أقف فيه على خبر إلا ما تقدم من كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه، و يحتمل أن يكون قد استند فيه إلى ما اشتهر بينهم
من حديث (2) «خير المجالس ما استقبل به القبلة».
كما ذكروه في الجلوس للوضوء.
المسألة الثانية [هل الترتيب بين المناسك يوم النحر واجب أو مستحب؟]:
اختلف الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) في ترتيب المناسك الثلاثة يوم النحر هل هو على جهة الوجوب: الرمي ثم الذبح ثم الحلق أو الاستحباب، قولان:
و بالأول قال الشيخ في المبسوط و الاستبصار، و إليه ذهب أكثر المتأخرين و منهم العلامة في أكثر كتبه و المحقق في الشرائع و غيرهما.
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 76- من أبواب أحكام العشرة- الحديث 3 من كتاب الحج.
242
و بالثاني قال الشيخ في الخلاف، و ابن أبي عقيل و أبو الصلاح و ابن إدريس، و اختاره في المختلف.
و يدل على الوجوب
رواية عمر بن يزيد (1) المتقدمة، لقوله (عليه السلام) فيها: «إذا ذبحت أضحيتك فاحلق رأسك».
لدلالة ألفا على الترتيب.
و رواية جميل بن دراج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«تبدأ بمنى بالذبح قبل الحلق، و في العقيقة بالحلق قبل الذبح».
و صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا رميت الجمرة فاشتر هديك» الحديث.
و موثقة عمار الساباطي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سألته- إلى أن قال-: و عن رجل حلق قبل أن يذبح، قال: يذبح و يعيد الموسى، لأن الله تعالى (5) يقول وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ».
و رواية سعيد السمان (6) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) عجل النساء ليلا من المزدلفة إلى منى، فأمر من كان عليها منهن هدي أن ترمي و لا تبرح حتى تذبح،
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 8.
(5) سورة البقرة: 2- الآية 166.
(6) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 5.
243
و من لم يكن عليها منهن هدي أن تمضي إلى مكة حتى تزور».
و صحيحة أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا بأس أن تقدم النساء إذا زال الليل، فيقفن عند المشعر الحرام ساعة، ثم ينطلق بهن إلى منى، فيرمين الجمرة، ثم يصبرن ساعة، ثم ليقصرن و ينطلقن إلى مكة، إلا أن يكون أردن أن يذبح عنهن، فإنهن يوكلن من يذبح عنهن».
و صحيحة سعيد الأعرج (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
جعلت فداك معنا نساء فأفيض بهن بليل، قال: نعم- إلى أن قال-:
ثم أفض بهن حتى تأتي الجمرة العظمى فيرمين الجمرة، فان لم يكن عليهن ذبح فليأخذن من شعورهن و يقصرن» الحديث.
و رواية موسى بن القاسم عن علي (3) قال: «لا يحلق رأسه و لا يزور البيت حتى يضحي، فيحلق رأسه و يزور متى شاء».
إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع.
و ظاهر آية (4) «وَ لٰا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» هو وجوب ترتيب الحلق على الذبح أو التوثق من الهدي في رحله بمنى الذي هو قائم مقام الذبح، و به فسرت الآية كما تقدم، و يعضده أيضا أنه المعلوم يقينا من فعلهم (عليهم السلام) و لا يعلم يقين براءة الذمة إلا
____________
(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 7.
(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الوقوف بالمشعر- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 9.
(4) سورة البقرة: 2- الآية 196.
244
بمتابعتهم، لعدم الدليل الواضح على التخصيص المجوز للخروج عن ذلك كما ستعرفه إنشاء الله تعالى.
احتج القائلون بالاستحباب
بما رواه الشيخ و ابن بابويه في الصحيح عن جميل بن دراج (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق قال: لا ينبغي إلا أن يكون ناسيا، ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أتاه أناس يوم النحر، فقال بعضهم: يا رسول الله حلقت قبل أن اذبح، و قال بعضهم حلقت قبل أن أرمي، فلم يتركوا شيئا ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه، و لا شيئا كان ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه، فقال: لا حرج».
و ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (2) قال: «قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): جعلت فداك إن رجلا من أصحابنا رمى الجمرة يوم النحر و حلق قبل أن يذبح، قال: إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما كان يوم النحر أتاه طوائف من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله ذبحنا من قبل أن نرمي و حلقنا من قبل أن نذبح، فلم يبق شيء مما ينبغي لهم أن يقدموه إلا أخروه و لا شيء مما ينبغي لهم أن يؤخروه إلا قدموه، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا حرج لا حرج».
و أجاب الشيخ عنهما بالحمل على حال النسيان، و الأقرب الحمل على الجهل، و هو عذر شرعي قد تكثرت الأخبار (3) به و لا سيما في باب الحج.
____________
(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(3) الوسائل- الباب- 56- من أبواب جهاد النفس من كتاب الجهاد و الباب- 45- من أبواب تروك الإحرام- الحديث 4 و الباب- 31- من أبواب كفارات الصيد و الباب- 2- من أبواب كفارات الاستمتاع و الباب- 8- من أبواب بقية كفارات الإحرام و الباب- 80- من أبواب الطواف و الباب- 4- من أبواب التقصير و الباب- 23- من أبواب الإحرام بالحج و
الوقوف بعرفة- الحديث 1.
245
و بذلك يظهر قوة القول بوجوب الترتيب، لاتفاق الآية و الروايات المتقدمة على وجوب الترتيب بلا إشكال معتضدا ذلك بملازمتهم (عليهم السلام) على ذلك زيادة على أوامرهم، و بأنه هو الأحوط في الدين.
و بذلك يظهر لك ما في كلام شيخنا العلامة في المختلف، حيث استدل على الاستحباب بصحيحة عبد الله بن سنان (1) الآتية في المقام، و صحيحة جميل بن دراج (2) و مثلهما رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر (3) و لم يحتج للشيخ في مقابلة هذه الأخبار إلا
بحديث (4) «خذوا عني مناسككم».
و رواية موسى بن القاسم عن علي (5) ثم أجاب عنهما بالحمل على الاستحباب جمعا، و غفل عن الآية التي هي الأصل، مع أنه في المنتهى جعلها مبدأ الاستدلال على الوجوب، و غفل عما سردناه من الأخبار الظاهرة بل الصريحة كما في أكثرها، و أن المعارض يضعف عن المعارضة للاحتمال الذي قدمناه.
و كذا ما ذكره في المدارك. حيث إنه لم ينقل من أدلة الوجوب إلا
____________
(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 10.
(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 6.
(4) تيسير الوصول ج 1 ص 312.
(5) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 9.
246
حديث (1) «خذوا عنى مناسككم».
و رواية
جميل (2) قال: «تبدأ بمنى بالذبح».
و رواية موسى بن القاسم عن علي (3) و طعن فيها بأنها لا تخلو من قصور في دلالة أو ضعف في سند، ثم قال: «و المسألة محل تردد، و لعل الوجوب أرجح» و غفل عن الروايات الصحيحة التي ذكرناها و الآية الشريفة التي هي أصرح صريح، و لا ريب في ضعفه بعد الإحاطة بما ذكرناه.
ثم إنه على تقدير القول بالوجوب فظاهرهم الاتفاق على أنه لو خالف و قدم بعضها على بعض عامدا كان أو ساهيا أو جاهلا فلا إعادة عليه و إن أثم، و هو مشكل بالنسبة إلى العامد، سيما مع دلالة موثقة عمار (4) المتقدمة على الإعادة، حيث أمره بإمرار الموسى على رأسه بعد الذبح الذي هو عوض عن الحلق، مستدلا بالآية (5) المذكورة، و هي محمولة عندنا على العامد، جمعا بينها و بين صحيحة جميل بن دراج (6) المذكورة.
و بالجملة فإنه متى كان الترتيب واجبا و أخل به عمدا فتحقق الامتثال و الحال هذه مشكل، و مقتضى القواعد هو الإعادة على ما يحصل به الترتيب إلا أن ظاهرهم الاتفاق على الاجزاء، حيث أسنده في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه.
و يمكن أن يستدل لهم
بصحيحة عبد الله بن سنان (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) تيسير الوصول ج 1 ص 312.
(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 9.
(4) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 8.
(5) سورة البقرة: 2- الآية 96.
(6) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 4.
(7) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 10.
247
قال: «سألته عن رجل حلق رأسه قبل أن يضحي قال: لا بأس، و ليس عليه شيء، و لا يعودن».
و التقريب فيها أن النهي عن العود يدل على التحريم، مع أنه نفى البأس عما فعله المؤذن بصحته، إلا أنه يبقى الكلام في الجمع بينها و بين رواية عمار (1) المتقدمة، و يمكن حمل هذه الصحيحة على غير صورة العمد، فإنه لا بأس اتفاقا، و النهي إنما توجه إلى العمد بعد ذلك.
و كيف كان فالاحتياط يقتضي الإعادة في صورة العمد، و الله العالم.
المسألة الثالثة [وجوب تقديم الحلق أو التقصير على زيارة البيت]:
ظاهر الأصحاب الاتفاق على وجوب تقديم الحلق أو التقصير على زيارة البيت للطواف و السعي، و هو المعهود من فعلهم (عليهم السلام) و إليه تشير الأخبار الآتية.
قال في المدارك: «و لا ريب في وجوب تقديم الحلق أو التقصير على زيارة البيت للتأسي و الأخبار الكثيرة».
أقول: أما التأسي ففيه ما عرفت في غير مقام، و هو تارة يستدل به على الوجوب و تارة يرده.
و أما الأخبار الكثيرة فلم يصل نظري القاصر إلى شيء من الأخبار الصريحة في ما ادعاه سوى صحيحة على بن يقطين (2) الآتية، و قريب منها
____________
(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 8.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
248
صحيحة محمد بن مسلم (1) الآتية أيضا، نعم أخبار المسألة الآتية مشعرة بذلك.
و كيف كان فإنه متى خالف و قدم زيارة البيت على الحلق أو التقصير فلا يخلو إما أن يكون ذلك عن عمد أو نسيان أو جهل، فهاهنا مواضع ثلاثة:
الأول: ما إذا خالف عامدا عالما بالحكم، و المقطوع به في كلامهم أنه يجب عليه دم شاة، و إنما الكلام في أنه هل يجب عليه إعادة الطواف أم لا؟
قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: «إن وجوب إعادة الطواف على العامد موضع وفاق».
و في الدروس «و إن كان عالما و تعمد فعليه شاة، قاله الشيخ و أتباعه، و ظاهرهم أنه لا يعيد الطواف».
أقول: لا ريب أن الأوفق بالقواعد الشرعية هو وجوب الإعادة، لأن الطواف الذي أتى به وقع على خلاف ما رسمه صاحب الشريعة، ففي إجزائه مع عدم الدليل إشكال.
و يدل على ذلك إطلاق
صحيحة علي بن يقطين (2) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة رمت و ذبحت و لم تقصر حتى زارت البيت فطافت و سعت في الليل ما حالها؟ و ما حال الرجل إذا فعل ذلك؟
قال: لا بأس به، يقصر و يطوف للحج ثم يطوف للزيارة، ثم قد أحل من كل شيء».
و أما ما يدل على وجوب الدم في الصورة المذكورة فهو
ما رواه الشيخ في
____________
(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
249
الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «في رجل زار البيت قبل أن يحلق فقال: إن كان زار البيت قبل أن يحلق و هو عالم أن ذلك لا ينبغي له، فان عليه دم شاة».
الثاني: أن يكون ناسيا، و ظاهر الأكثر أن عليه إعادة الطواف خاصة بعد الحلق أو التقصير، و يدل عليه إطلاق صحيحة علي بن يقطين (2) المتقدمة. و في المدارك «أنه المعروف من مذهب الأصحاب» مع أن المحقق في الشرائع قال: «و لو كان ناسيا لم يكن عليه شيء، و عليه إعادة الطواف على الأظهر» و هو مؤذن بوجوب الخلاف في ذلك.
و قال في المسالك: «و في الناسي وجهان: أجودهما الإعادة أيضا و إن لم تجب عليه الشاة».
و ربما أشعرت صحيحة
جميل بن دراج (3) المتقدمة بالعدم، حيث قال فيها: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت قبل أن يحلق، قال: لا ينبغي إلا أن يكون ناسيا».
قال في الدروس: «و في صحيح جميل بن دراج لا ينبغي زيارة البيت قبل أن يحلق الا أن يكون ناسيا، و ظاهره عدم إعادة الطواف لو فعل».
و بالجملة فالمسألة لا تخلو من شوب الإشكال، و الاحتياط بالإعادة فيها مطلوب على كل حال.
الثالث: أن يكون جاهلا، و قد اختلف الأصحاب في حكمه، فقيل:
إنه كالناسي في وجوب الإعادة، و عدم الكفارة، و به صرح شيخنا الشهيد
____________
(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح- الحديث 4.
250
الثاني في المسالك، فقال بعد ذكر العامد: «و في إلحاق الجاهل به قول، و ظاهر الرواية يدل على العدم، و الأجود وجوب الإعادة عليه دون الكفارة».
و ربما احتج على وجوب الإعادة بتوقف الامتثال على ذلك، و بإطلاق صحيحة علي بن يقطين (1) المتقدمة، و نقل عن ظاهر الصدوق عدم وجوب الإعادة، و الظاهر أنه الأقرب، لما تقدم من صحيحة جميل بن دراج و رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر المتقدمين (2) في سابق هذه المسألة، مضافا إلى ما تكرر في الأخبار سيما في باب الحج من معذورية الجاهل (3).
و هل تجب إعادة السعي حيث تجب إعادة الطواف؟ صرح في المنتهى و التذكرة بالوجوب، لتوقف الامتثال عليه، و لا ريب أنه الأحوط.
و لو قدم الطواف على الذبح فظاهر كلامهم أن الحكم فيه كما إذا قدمه على الحلق أو التقصير، و ظاهر المسالك التوقف من حيث تساويهما في التوقف، و من عدم النص، و هو في محله، و الله العالم.
المسألة الرابعة [بيان مواطن التحلل]:
المشهور بين الأصحاب أن مواطن التحلل ثلاثة، أحدها بعد الحلق أو التقصير الذي هو ثالث مناسك منى، فيحل من كل شيء إلا الطيب و النساء إن كان متمتعا.
قال الشيخ في المبسوط: «إذا حلق رأسه أو قصر فقد حل له كل
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) في ص 144.
(3) راجع التعليقة (3) من ص 144.
251
شيء أحرم منه إلا النساء و الطيب، و هو التحلل الأول إن كان متمتعا، و إن كان غير متمتع حل له الطيب أيضا و لا تحل له النساء، فإذا طاف المتمتع طواف الزيارة حل له الطيب، و لا تحل له النساء، و هو التحلل الثاني، فإذا طاف طواف النساء حلت له النساء، و هو التحلل الثالث الذي لا يبقى بعده شيء من حكم الإحرام» و نحوه قال في النهاية، و على هذه المقالة جرى كلام الأكثر.
و قال علي بن بابويه: «و اعلم أنك إذا رميت جمرة العقبة حل لك كل شيء إلا النساء و الطيب، فإذا طفت طواف الحج حل لك كل شيء إلا النساء، فإذا طفت طواف النساء حل لك كل شيء إلا الصيد، فإنه حرام على المحل و المحرم».
و قال ابنه في الفقيه: «و إذا رميت جمرة العقبة حل لك كل شيء إلا النساء و الطيب».
و قال السيد المرتضى في الجمل: «فإذا طاف طواف الزيارة و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء» و مثله في الانتصار.
و قال أبو الصلاح: «بالطواف الأول و السعي يحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء، و بالطواف الآخر يحل منهن» و أشار بالأول إلى طواف الزيارة، و بالآخر إلى طواف النساء. و نحوه قال ابن البراج.
و ظاهر هؤلاء أن التحلل إنما هو في هذين الموضعين.
و قال ابن أبي عقيل: «فإذا فرغ من الذبح و الحلق زار البيت، فيطوف به سبعة أشواط و يسعى، فإذا فعل ذلك أحل من إحرامه، و قد قيل في
252
رواية (1) شاذة عنهم (عليهم السلام) أنه إذا طاف طواف الزيارة أحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء حتى يرجع إلى البيت، فيطوف به سبعا آخر و يصلي ركعتي الطواف، ثم يحل من كل شيء، و كذلك إذا كانت امرأة لم تحل للرجل حتى تطوف بالبيت سبعا آخر كما وصفت، فإذا فعلت ذلك فقد حل لها الرجال» انتهى.
و لا يخفى ما في هذا الكلام من الضعف، كما سيظهر لك في المقام إنشاء الله تعالى.
أقول: و المختار هو القول الأول، للأخبار المتكاثرة الدالة عليه،
كصحيحة معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«إذا ذبح الرجل و حلق فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء و الطيب، فإذا زار البيت و طاف و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء، فإذا طاف النساء فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلا الصيد».
و قيل: المراد من الصيد هنا هو الصيد الحرمي كما لا يخفى.
و صحيحة العلاء (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني حلقت رأسي و ذبحت و أنا متمتع أطلي رأسي بالحناء؟ قال: نعم من غير أن تمس شيئا من الطيب، قلت: ألبس القميص و أتقنع؟ قال: نعم،
____________
(1) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4 و الباب- 55- من أبواب الطواف- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير الحديث 5.
253
قلت: قبل أن أطوف بالبيت، قال: نعم».
و صحيحته الأخرى (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
تمتعت يوم ذبحت و حلقت فألطخ رأسي بالحناء، قال: نعم من غير أن تمس شيئا من الطيب، قلت: أ فالبس القميص؟ قال: نعم إذا شئت.
قلت: فأغطي رأسي، قال: نعم».
و صحيحة منصور بن حازم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل رمى و حلق أ يأكل شيئا فيه صفرة؟ قال: لا حتى يطوف بالبيت و بين الصفا و المروة، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء حتى يطوف بالبيت طوافا آخر، ثم قد حل له النساء».
و رواية محمد بن حمران (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحاج يوم النحر ما يحل له؟ قال كل شيء إلا النساء و عن المتمتع ما يحل له يوم النحر؟ قال: كل شيء إلا النساء و الطيب».
و رواية عمر بن يزيد (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«اعلم أنك إذا حلقت رأسك فقد حل لك كل شيء إلا النساء و الطيب».
و هذه الروايات قد اتفقت على التحليل بعد مناسك منى من كل شيء إلا الطيب و النساء، كما هو القول المشهور.
إلا أنه قد ورد في جملة من الأخبار أيضا حل الطيب في الصورة المذكورة، و أنه لا يبقى عليه إلا النساء خاصة إلى أن يأتي بطواف النساء
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
254
و على هذا فليس إلا التحللان.
و من الأخبار المشار إليها
صحيحة سعيد بن يسار (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتمتع إذا حلق رأسه قبل أن يزور البيت يطليه بالحناء قال: نعم، الحناء و الثياب و الطيب و كل شيء إلا النساء رددها مرتين أو ثلاثا، قال: و سألت أبا الحسن (عليه السلام) عنها، فقال: نعم، الحناء و الثياب و الطيب و كل شيء إلا النساء».
كذا رواه في الكافي.
و رواه الشيخ (2) و لم يذكر فيه «قبل أن يزور» و لا لفظ «الطيب» في قوله أولا: «نعم الحناء و الثياب و الطيب» و انما ذكره في آخر الخبر.
و صحيحة معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سئل ابن عباس هل كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتطيب قبل أن يزور البيت؟ قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يضمد رأسه بالسك قبل أن يزور».
و رواية أبي أيوب الخزاز (4) قال: «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) بعد ما ذبح حلق ثم صمد رأسه بسك ثم زار البيت و عليه قميص و كان متمتعا».
أقول: السك بالضم و التشديد: طيب مركب مع غيره، قال في النهاية: «في حديث عائشة (5) كنا نضمد جباهنا بالسك الطيب عند
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 7.
(2) التهذيب ج 5 ص 245- الرقم 832 و الاستبصار ج 2 ص 287- الرقم 1021 و المتروك فيهما هو لفظ «الحناء» لا «الطيب».
(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 10.
(5) سنن البيهقي- ج 5 ص 48.
255
الإحرام، و هو طيب معروف يضاف إلى غيره من الطيب و يستعمل».
و رواية إسحاق بن عمار (1) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المتمتع إذا حلق رأسه ما يحل له؟ فقال: كل شيء إلا النساء».
و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «ولد لأبي الحسن (عليه السلام) مولود بمنى فأرسل إلينا يوم النحر بخبيص فيه زعفران، و كنا قد حلقنا، قال عبد الرحمن: فأكلت أنا، و أبى الكاهلي و مرازم أن يأكلا، و قالا: لم نزر البيت، فسمع أبو الحسن (عليه السلام) كلامنا فقال لمصادف- و كان هو الرسول الذي جاءنا به-: في أي شيء كانوا يتكلمون؟ قال: أكل عبد الرحمن و أبى الآخران، و قالا: لم نزر بعد، فقال: أصاب عبد الرحمن، ثم قال: أما تذكر حين أتينا به في مثل هذا اليوم فأكلت أنا منه و أبى عبد الله أخي أن يأكل منه، فلما جاء أبي حرشه علي، فقال: يا أبت إن موسى أكل خبيصا فيه زعفران و لم يزر بعد فقال أبي: هو أفقه منك، أ ليس قد حلقتم رؤوسكم؟».
و أجاب الشيخ عن صحيحة سعيد بن يسار بعد ذكره لها بالحمل على أنه (عليه السلام) أراد أن الحاج متى حلق و طاف طواف الحج و سعى فقد حل له هذه الأشياء و إن لم يذكرهما في اللفظ، لعلمه بأن المخاطب عالم بذلك، أو تعويلا على غيره من الأخبار.
و لا يخفى ما فيه من البعد الشديد، سيما و الرواية المذكورة كما قدمنا نقلها عن الكافي قد اشتملت على أنه حلق رأسه قبل أن يزور، فهي صريحة
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 8.
(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
256
في بطلان هذا الحمل و إن كان هو (قدس سره) لم يذكر هذه الزيادة في الخبر الذي نقله، كما قدمنا الإشارة إليه.
و لعله لهذا قال في الدروس: «و رواية سعيد بن يسار عن الصادق (عليه السلام) يحل الطيب بالحلق للتمتع متروكة، و تطيب رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعد الحلق لأنه ليس بمتمتع».
و أجاب عن صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و صحيحة معاوية بن عمار بالحمل على الحاج الغير المتمتع، قال: «لأنه يحل له استعمال كل شيء إلا النساء فقط، و إنما لا يحل استعمال الطيب مع ذلك للمتمتع دون غيره».
ثم استدل على هذا التأويل برواية محمد بن حمران المتقدمة.
قال في المدارك: «و هذا الحمل غير بعيد لو صح سند هذه الرواية المفصلة، لكن في الطريق عبد الرحمن، و فيه نوع التباس و إن كان الظاهر أنه ابن أبي نجران، فتكون الرواية صحيحة».
أقول: و قد تقدم تحقيق الكلام في أن عبد الرحمن الذي يروي عنه موسى بن القاسم هو ابن أبي نجران بلا ريب و لا إشكال، و هو سابقا قد رد روايته باشتراك عبد الرحمن في المقام، و هنا قد استظهر كونه ابن أبي نجران، و العجب منه (قدس سره) أنه انما استشكل في السند من حيث عبد الرحمن ثم استظهر كونه ابن أبي نجران، و حكم بصحة الرواية و غفل عن الراوي و هو محمد بن حمران، فإنه مشترك بين النهدي- و هو الثقة- و بين محمد بن حمران بن أعين مولى بني شيبان و محمد بن حمران مولى ابن فهر، و هما مجهولان، و الظاهر أن محمد بن حمران المذكور في الرواية هو مولى بني شيبان، لما في الفهرست أن له كتابا يرويه عنه
257
ابن أبي عمير و ابن أبي نجران، و قد عرفت أن عبد الرحمن الراوي عنه هو ابن أبي نجران، فهو قرينة ظاهرة له، فكيف حكم بصحة الرواية و الحال هذه؟!.
ثم أقول: هذا الحمل و ان كان لا يخلو من تكلف إلا أنه في مقام الجمع لا بأس به.
و الأقرب عندي أن هذه الأخبار إنما خرجت مخرج التقية، لما صرح به في المنتهى، حيث قال: «إنه إذا حلق و قصر حل له كل شيء إلا الطيب و النساء و الصيد، ذهب إليه علماؤنا، و به قال مالك، و قال الشافعي و احمد و أبو حنيفة: يحل له كل شيء إلا النساء، و به قال ابن الزبير و علقمة و سالم و طاوس و النخعي و أبو ثور».
و ظاهره أن المعظم منهم- و هم الأئمة الثلاثة و من تبعهم- قائلون بتحليل الطيب بعد الحلق، كما دلت عليه الأخبار المذكورة.
و أما ما نقل عن الشيخ علي بن بابويه فهو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي على نهج ما عرفت في غير مقام مما قدمنا،
قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1): «و اعلم أنك إذا رميت جمرة العقبة حل لك كل شيء إلا الطيب و النساء، و إذا طفت طواف الحج حل لك كل شيء إلا النساء، فإذا طفت طواف النساء حل لك كل شيء إلا الصيد، فإنه حرام على المحل في الحرم و على المحرم في الحل و الحرم».
انتهى.
و لا يخفى ما فيه من الاشكال، لما عرفت من دلالة الأخبار المتقدمة على أن التحليل لا يحصل إلا بعد الحلق الذي هو ثالث المناسك المذكورة و لا قائل به من العامة و لا الخاصة سوى الشيخين المذكورين، و قائله أعلم.
____________
(1) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
258
تنبيهات:
الأول [هل حل الطيب للقارن و المفرد مشروط أم لا؟]:
قد صرح جملة من الأصحاب بأن تحريم الطيب في التحليل الأول إنما هو بالنسبة إلى المتمتع، أما القارن و المفرد فيحل لهما، و على ذلك تدل رواية محمد بن حمران (1) المتقدمة.
بقي الكلام في أن حل ذلك للقارن و المفرد هل هو مشروط بتقديمهما الطواف و السعي أو مطلقا؟ ظاهر الشهيد في الدروس الأول و أكثر عبارات الأصحاب على الثاني.
قال في الدروس: «أما القارن و المفرد فيحل لهما الطيب إذا كانا قدّما الطواف و السعي، و أطلق الأكثر إنهما يحل لهما الطيب، و ابن إدريس قائل بذلك مع عدم تجويزه تقديم الطواف و السعي» ثم نقل عن الجعفي أنه سوى بين المتمتع و بين الفردين الآخرين في تحريم الطيب على الجميع، و هو محجوج بالخبر المشار إليه.
و أما ما ذكره في الدروس من تقييد الحل بتقديم الطواف و السعي مع إطلاق الخبر المذكور فلعل الوجه فيه هو النظر إلى إطلاق الأخبار الدالة على أنه بالحلق يحل له كل شيء إلا الطيب و النساء، فإنها شاملة للأفراد
____________
(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
259
الثلاثة، إلا أنه لما كان تقديم الطواف و السعي للمفرد و القارن جائزا و هو المحل للطيب كما عرفت فعلى هذا متى قدماه فإنه يحل لهما الطيب بعد الحلق لتقدم محلله، و إنما يبقى النساء خاصة، بخلاف المتمتع فإنه عندهم لا يقدم طوافه ليمكن إجراء ذلك أيضا فيه، إلا أن الخبر المتقدم كما عرفت مطلق لا إشعار فيه بهذا الاشتراط.
الثاني [بيان ما يتحلل به من الصيد]:
اعلم أنه وقع في جملة من عبائر الأصحاب أنه بالحلق يتحلل من كل شيء الا من الطيب و النساء و الصيد، و بالطواف للحج و السعي يتحلل من الطيب، و بطواف النساء يتحلل من النساء، و لم يذكروا لتحليل الصيد محلا بخصوصه.
و نقل عن ظاهر العلامة في المنتهى أن التحلل إنما يقع بطواف النساء، لأنه استدل على عدم التحلل منه بالحلق بقوله تعالى (1) «لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» قال: «و الإحرام يتحقق بتحريم الطيب و النساء».
و حكى الشهيد في الدروس عن العلامة (رحمه الله) أنه قال: «إن ذلك- يعني عدم التحلل من الصيد إلا بطواف النساء- مذهب علمائنا».
قال في المدارك بعد نقل ذلك: «و لولا ما أوردناه من العموم الذي لم يستثن منه سوى الطيب و النساء لكان هذا القول متجها، لظاهر الآية الشريفة» انتهى.
أقول: فيه أن من جملة الروايات التي أشار إلى عمومها
صحيحة
____________
(1) سورة المائدة: 5- الآية 95.
260
معاوية بن عمار (1) المتقدمة، مع أنه (عليه السلام) صرح في آخرها بأنه «إذا طاف طواف النساء فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلا الصيد».
و مثلها كلامه (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (2) و حينئذ فيجب أن يخصص بهما عموم غيرهما من أخبار المسألة جمعا بينها.
و بذلك يبطل ما استند إليه من العموم، و به يتجه كلام العلامة المذكور.
إلا أنه ينقدح الإشكال فيه من جهة أخرى، و هو أنه لا يخفى أن ما قدمنا من عبارة كتاب الفقه الرضوي ظاهر في بقاء التحريم و لو بعد طواف النساء، و هو أيضا صريح صحيحة معاوية بن عمار (3) المتقدمة صدر الأخبار، فإنها صريحة أيضا في ذلك، و هو ظاهر كلام الشيخ علي بن بابويه المتقدم أيضا.
قال في الدروس: «و روى الصدوق تحريم الصيد بعد طواف النساء و لعله لمكان الحرم» انتهى.
و ظاهر هذا الكلام- و به صرح غيره أيضا- هو حمل ما دل من الأخبار على أن التحلل بطواف النساء يحصل من كل شيء عدا الصيد، يعني ما دام في الحرم، فإنه يحرم عليه من حيث الحرم و إن كان محلا بلا خلاف، و أما الصيد المحرم عليه من حيث كونه محرما فإنه لو خرج إلى الحل جاز له الصيد بعد طواف النساء البتة، و بهذا يرتفع الخلاف من البين.
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
261
الثالث [عدم التحلل إلا بكمال الثلاثة]:
لو أتى بالحلق قبل الرمي و الذبح أو بينهما فالظاهر عدم التحلل إلا بكمال الثلاثة، فإن تعليق التحلل على الحلق إنما وقع بناء على وجوب الترتيب كما قدمناه و وقوع الحلق أو التقصير آخر المناسك الثلاثة، و على هذا بني الإطلاق في كلام الأصحاب و بعض الأخبار.
و في صحيحة معاوية بن عمار (1) المتقدمة قال: «إذا ذبح الرجل و حلق فقد أحل من كل شيء».
إلى آخره، و نحوها صحيحة العلاء (2) و هو مشعر بما قلنا.
الرابع [هل يحصل التحلل بالطواف و السعي المتقدمين؟]:
ظاهر كلام جملة من الأصحاب- منهم العلامة في المنتهى و المحقق- أن التحلل الثاني يحصل بمجرد الطواف و إن لم يأت بالسعي معه.
قال في الدروس: «و لا يكفي الطواف خاصة على الأقوى» و هو مؤذن بالخلاف في المسألة، و الأصح التوقف في الإحلال على السعي،
لقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (3) المتقدمة «فإذا زار البيت و طاف و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل من كل شيء أحرم منه إلا النساء».
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
262
و في صحيحة منصور بن حازم المتقدمة (1) قال: «لا حتى يطوف بالبيت و بين الصفا و المروة ثم قد حل له كل شيء إلا النساء».
و في صحيحة أخرى لمعاوية بن عمار (2) «ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه، و اصنع كما صنعت يوم دخلت مكة، ثم ائت المروة فاصعد عليها، و طف بينهما سبعة أشواط تبدأ بالصفا و تختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء أحرمت منه إلا النساء، ثم ارجع إلى البيت و طف أسبوعا آخر ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) ثم قد أحللت من كل شيء و فرغت من حجك كله و كل شيء أحرمت منه».
و بذلك يظهر أن التحليل إنما يحصل بمجموع الطواف و السعي.
بقي الكلام في أنه لو قدم الطواف و السعي المذكورين على أفعال الحج كما في المفرد و القارن مطلقا و المتمتع من الضرورة فهل يحصل الإحلال بذلك؟
قال في المدارك: «الأصح عدم حله بذلك، بل يتوقف على الحلق المتأخر عن باقي المناسك، تمسكا باستصحاب حكم الإحرام إلى أن يثبت المحلل، و التفاتا إلى مكان كون المحلل هو المركب من الطواف و السعي و ما قبلهما من الأفعال، بمعنى كون السعي آخر العلة، ثم نقل عن بعض الأصحاب أنه ذهب إلى حل الطيب بالطواف و إن تقدم- قال-: و استوجهه الشارح (قدس سره) و هو ضعيف».
أقول: ظاهر كلامه يؤذن بأن القائلين بالتحليل هنا إنما هو بالنسبة إلى الطيب لا مطلقا، و ظاهر كلام جده يؤذن بالعموم، حيث قال: «أما
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
263
لو قدمهما كالمفرد و القارن مطلقا و المتمتع مع الاضطرار ففي حله من حين فعلهما وجهان، أجودهما ذلك عملا بإطلاق النصوص» انتهى.
ثم أقول: لا يخفى أنه قد تقدمت الأخبار في مسألة جواز تقديم القارن و المفرد الطواف و السعي (1) دالة على أنهما يلبيان بعد الطواف و السعي لئلا يحلا، و بذلك صرح جمهور الأصحاب.
و منها
صحيحة معاوية بن عمار أو حسنته (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟
قال: نعم ما شاء، و يجدد التلبية بعد الركعتين، و القارن بتلك المنزلة يعقدان ما أحلا من الطواف بالتلبية».
و قد تقدم تصريح الشيخ (رحمه الله تعالى) بأنهما لو لم يلبيا انقلب حجهما عمرة.
قال السيد السند (قدس سره) في المدارك في تلك المسألة بعد البحث فيها و إيراد بعض أخبارها ما صورته: «قال الشهيد في الشرح بعد أن أورد هذه الروايات: و بالجملة فدليل التحلل ظاهر، و الفتوى مشهورة، و المعارض منتف و هو كذلك، لكن ليس في الروايات دلالة على صيرورة الحجة مع التحلل عمرة كما ذكره الشيخ و أتباعه» انتهى.
و حينئذ فإذا ثبت بما ذكرناه أنه بالطواف يحصل التحلل و أنه يحتاج إلى التلبية لانعقاده فالخلاف في هذه المسألة كما نقلناه لا أعرف له وجها، فإنه لا يخلو بعد طوافه إن كان قد جدد التلبية و ربط الإحرام بها فلا معنى للقول بحل ما يحلله الطواف و السعي لو تأخرا من الطيب أو مطلقا
____________
(1) راجع ج 14 ص 376 و 385- 387.
(2) الوسائل- الباب- 16- من أبواب أقسام الحج- الحديث 2.
264
كما هو القول الثاني، و إن لم يجدد التلبية فقد أحل و بطل إحرامه و حجه و انقلب عمرة كما يقوله الشيخ، فلا معنى لقول السيد (قدس سره) في ما قدمنا نقله عنه من أن الأصح عدم حله بذلك، بل يتوقف على الحلق المتأخر» إلى آخر كلامه.
و بالجملة فإن هذا الخلاف إنما يتجه مع قطع النظر عن تلك المسألة و ما وقع فيها من الأقوال و الأخبار، و اما مع ملاحظتها فإنها تكون مبنية عليها و فرعا من فروعها، كما عرفت.
الخامس [عدم حلية الرجال للنساء إلا بعد طواف النساء]:
قد عرفت أنه بالمحلل الثالث تحل له النساء، و هو ظاهر في الرجل و متفق عليه نصا (1) و فتوى.
و أما الصبي فالظاهر أنه في حكمه كما صرحوا به و إن لم يتعلق به تحريم، حيث إنه غير مخاطب شرعا، إلا أن الإحرام في حقه كالحدث في حال الصغر، فإنه موجب للطهارة و إن تخلف أثره، لفقد شرطه كالبلوغ أو وجود مانع كالحيض، فمتى وجد شرطه و زال مانعه عمل عمله، فكما أنه يحرم الصلاة على الصبي بعد البلوغ بالحدث السابق حتى يتطهر كذلك تحرم عليه النساء بعد البلوغ بالإحرام السابق حتى يأتي بطواف النساء.
و أما المرأة فلا إشكال في تحريم الرجال عليها بالإحرام، لقوله
____________
(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
265
عز و جل (1) «فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ» و الرفث الجماع بالنصوص و الأخبار المتقدمة في محرمات الإحرام (2).
و الظاهر من كلام أكثر من وقفت عليه ممن صرح بالمسألة من الأصحاب أن طواف النساء هو المحلل لها كالرجل.
قال في الدروس بعد ذكر طواف النساء: «و لا تحل له النساء بدونه حتى العقد على الأقرب، سواء كان المكلف به رجلا أو امرأة، فيحرم عليها تمكين الزوج على الأصح» انتهى.
و قد تقدم في كلام ابن أبي عقيل أنه على تقدير الرواية الشاذة بزعمه- التي هي كما عرفت مستفيضة (3)- يجب على المرأة كما يجب على الرجل، و أنه لا يحل لها إلا به.
و هو أيضا صريح عبارة الشيخ على بن بابويه حيث قال: «و متى لم يطف الرجل طواف النساء لم تحل النساء حتى يطوف، و كذلك المرأة لا يجوز لها أن تجامع حتى تطوف طواف النساء، إلا أن يكونا طافا طواف الوداع، فهو طواف النساء».
قال العلامة في المختلف بعد نقله: «و فيه منع، فان حملها على الرجل فقياس، و إن استند إلى دليل فلا بد منه، و لم نقف عليه» انتهى.
أقول: لا يخفى أن عبارة الشيخ المذكورة هنا مأخوذة من كتاب الفقه
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 197.
(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب تروك الإحرام- الحديث 1 و 4 و 8 و 9.
(3) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف.
266
الرضوي، و هو المستند عنده و إن لم يصل هذا الكتاب إلى نظر شيخنا العلامة و لا غيره من المتأخرين، كما أوضحناه في غير مقام مما تقدم.
قال (عليه السلام) في الكتاب المذكور (1): «و متى لم يطف الرجل طواف النساء لم تحل له النساء حتى يطوف، و كذلك المرأة لا يجوز لها أن تجامع حتى تطوف طواف النساء».
انتهى.
و ظاهر العلامة في المختلف التوقف في ذلك، حيث قال بعد نقل كلام الشيخ علي بن بابويه كما عرفت بعد كلام ابن أبي عقيل الذي قدمناه في صدر المسألة ما صورته: «المقام الثاني هل يحرم الرجال على النساء قبل أن يطفن طواف النساء؟ كلام ابن أبي عقيل يقتضي إيجاب ذلك على الرواية الشاذة عنده، و ذهب علي بن بابويه إلى ذلك أيضا، و عندي فيه إشكال ظاهر لعدم الظفر بدليل عليه».
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك الميل إلى كلامه في المختلف حيث قال بعد نقله ذلك عن المختلف «و وجه الاشكال ظاهر، إذ ليس في النصوص ما يدل على حكم غير الرجل- ثم قال- و يمكن الاستدلال عليه بأن الإحرام قد حرم عليهن ذلك فيجب استصحابه إلى أن يثبت المزيل، و هو غير متحقق قبل طواف النساء، و يشكل بالأخبار (2) الدالة على حل كل ما عدا الطيب و النساء و الصيد بالحلق، و ما عدا النساء بالطواف، فإنها متناولة للمرأة، و من جملة ذلك حل الرجال، فالمسألة موضع إشكال» انتهى.
____________
(1) المستدرك- الباب- 55- من أبواب الطواف- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 13 و 14- من أبواب الحلق و التقصير.
267
و اعترضه سبطه في المدارك بعد استدلاله على تحريم الرجال على النساء بآية (1) «فَلٰا رَفَثَ» فقال بعد نقل ملخص كلامه «و أقول: إنا قد بينا الدليل الدال بعمومه على التحريم، مع أن أحكام النساء في مثل ذلك لا تذكر صريحا غالبا، و إنما تذكر بالفحوى و الكنايات، كما وقع في الروايات المتضمنة لتحريم أصل الفعل عليهن، و ما اعتبره الشارح غير واضح، فان الروايات المتضمنة لتلك الأحكام غير متناولة للنساء صريحا، بل هي مختصة بالرجال، و أحكام النساء إنما تستفاد من أدلة أخر، كالإجماع على مساواتهن للرجال في ذلك» انتهى.
أقول: فيه أن ما ذكره من الدليل إشارة إلى الآية التي قدمها، فقد أشار إليه جده في كلامه بقوله: «و يمكن الاستدلال عليه بأن الإحرام حرم عليهن ذلك فيجب استصحابه إلى أن يثبت المزيل» و لكنه اعترض هذا الدليل بالروايات الدالة على حل كل ما عدا الطيب و النساء و الصيد للمحرم بعد الحلق و التقصير، فإنها شاملة بإطلاقها أو عمومها للرجال و النساء، و من جملة ما يحرم على المرأة حال الإحرام الرجال، فيحل لها بعد التقصير بموجب إطلاق هذه الأخبار.
و قوله في الجواب عن ذلك: «إن هذه الروايات غير متناولة للنساء صريحا» و إن كان كذلك لكنها متناولة لهن بالقرائن التي ذكرها من الإجماع و نحوه، فإنه لا خلاف في حل جميع المحرمات على النساء بعد التقصير إلا ما ذكره من الصيد و الطيب و النكاح على الخلاف المذكور و حينئذ فتكون هذه الروايات بمعونة ما ذكر شاملة لتحليل الرجال عليهن
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 197.
268
هذا ما ذكروه (نور الله مراقدهم) في هذا المقام.
و أنت خبير بأنه قد تقدمت جملة من الأخبار في المسألة الثانية من المسائل الملحقة بالمطلب الأول من المقدمة الرابعة (1) صريحة الدلالة في توقف حل الرجال للمرأة على إتيانها بطواف النساء.
و من تلك الاخبار
ما رواه في الكافي عن العلاء بن صبيح و عبد الله بن الحجاج و علي بن رئاب و عبد الله بن صالح (2) كلهم يروونه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها و بين التروية، فإن طهرت طافت بالبيت وسعت بين الصفا و المروة، و إن لم تطهر إلى يوم التروية اغتسلت و احتشت و سعت بين الصفا و المروة ثم خرجت إلى منى، فإذا قضت المناسك و زارت البيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها، ثم طافت طوافا للحج، ثم خرجت فسعت، فإذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم إلا فراش زوجها، فإذا طافت أسبوعا آخر حل لها فراش زوجها».
و نحوها غيرها مما تقدم.
و بذلك يظهر صحة ما ذكره المتقدمون من الحكم المذكور، و قد عرفت أيضا دلالة عبارة كتاب الفقه على ذلك. و الأخبار المتقدمة الدالة على أنه بطواف النساء يحل للمحرم جميع ما حرمه الإحرام، و هي شاملة بإطلاقها للرجال و النساء، فيحكم باستصحاب التحريم حتى يثبت المحلل، و الله العالم.
السادس [لو قدم طواف النساء]:
قالوا: لو قدم طواف النساء حيث يسوغ ذلك ففي حل النساء للرجل
____________
(1) راجع ج 14 ص 342- 343.
(2) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 1.
269
و حل الرجل للنساء بفعله أو توقف ذلك على الحلق أو التقصير ما تقدم في البحث من التنبيه عليه في الموضع الثالث (1).
أقول: و فيه ما قدمناه ذيل كلامهم في الموضع المشار إليه، و قد تلخص مما تقدم أنه متى طاف الطوافين أعني طواف الزيارة و طواف النساء و سعى قبل الموقفين في موضع الجواز فليس إلا تحلل واحد، و هو عقيب الحلق أو التقصير بمنى، و لو كان المتقدم طواف الزيارة و سعيه خاصة كان له تحللان:
أحدهما عقيب الحلق مما عدا النساء، و الثاني بعد طواف النساء لهن، فان قلنا إنه يتحلل من الطيب بطواف الزيارة و سعيه و إن تقدم- كما هو مختار شيخنا الشهيد الثاني- و كذلك لو قدم طواف النساء فإنه يتحلل به من النساء كانت المحللات ثلاثة مطلقا.
السابع [كراهة لبس المخيط و تغطية الرأس بعد الحلق حتى يطوف و يسعى]:
يكره لبس المخيط بعد الحلق و تغطية الرأس حتى يطوف و يسعى، و يكره الطيب للمتمتع حتى يطوف طواف النساء.
و يدل على الأول جملة من الأخبار: منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال «في رجل كان متمتعا فوقف بعرفات و بالمشعر و ذبح و حلق، قال: لا يغطي رأسه حتى يطوف بالبيت و بالصفا و المروة، فان أبي (عليه السلام) كان يكره ذلك
____________
(1) راجع ج 14 ص 388.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
270
و ينهى عنه، فقلنا: فان كان فعل، قال: ما ارى عليه شيئا، و إن لم يفعل كان أحب الي».
و عن محمد بن مسلم في الصحيح (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل تمتع بالعمرة فوقف بعرفة و وقف بالمشعر و رمى الجمرة و ذبح و حلق أ يغطي رأسه؟ فقال: لا حتى يطوف بالبيت و بالصفا و المروة، فقيل له: فان كان فعل، قال: ما أرى عليه شيئا».
و عن إدريس القمي في الصحيح (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن مولى لنا تمتع، فلما حلق لبس الثياب قبل أن يزور البيت، فقال: بئس ما صنع، قلت: أ عليه شيء؟ قال: لا، قلت: فإني رأيت ابن أبي السماك يسعى بين الصفا و المروة و عليه خفان و قباء و منطقة، فقال: بئس ما صنع، قلت: أ عليه شيء؟ قال: لا».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن علي بن النعمان عن سعيد الأعرج (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل رمى بالجمار و ذبح و حلق رأسه أ يلبس قميصا و قلنسوة قبل أن يزور البيت؟ قال: إن كان متمتعا فلا، و إن كان مفردا للحج فنعم».
قال: «و قد روي (4) انه يجوز أن يضع الحناء على رأسه، إنما يكره السك و ضربه، إن الحناء ليس بطيب، و يجوز أن يغطى رأسه، لأن حلقه له أعظم من تغطيته إياه».
أقول: قد مضى معنى السك، و أنه طيب معروف و ضربه هنا بمعنى خلطه.
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 4.
(4) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 5.
271
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي عن إسماعيل بن عبد الخالق (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ألبس قلنسوة إذا ذبحت و حلقت، قال: أما المتمتع فلا، و أما من أفرد الحج فنعم».
و يدل على الثاني
ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (2) قال: «كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) هل يجوز للمحرم المتمتع أن يمس الطيب قبل أن يطوف طواف النساء؟ فقال: لا».
و حمله الشيخ على الكراهة. لما تقدم من حل الطيب بعد طواف الزيارة.
و فيه ما عرفت في ما تقدم من أن الجمع بين الأخبار بالاستحباب أو الكراهة من غير قرينة ظاهرة محل إشكال، و قرائن الاستحباب في الحكم الأول ظاهرة من الأخبار المذكورة و أما في هذا الخبر فليس إلا مجرد النهي الذي هو حقيقة في التحريم، فإخراجه عن حقيقته يحتاج إلى قرينة، و مجرد اختلاف الأخبار ليس من قرائن المجاز، إذ لعل للخبر وجها آخر غير ما ذكر من تقية و نحوها، و الله العالم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 6.
(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الحلق و التقصير- الحديث 1.
272
المقصد الرابع في بقية المناسك
حيث إن الواجب على الحاج بعد قضاء مناسك يوم النحر المضي إلى مكة لطواف الزيارة و السعي و طواف النساء ثم الرجوع إلى منى و المبيت بها و الإتيان ببقية المناسك إلى يوم النفر ثم وداع البيت و الرجوع إلى أهله فالواجب بسط الكلام في هذه الأحكام في فصول:
[الفصل] الأول: في المضي إلى مكة
و قد صرح الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) بأن الأفضل المضي إلى مكة للطواف و السعي ليومه، فإن أخره فمن غده، و يتأكد ذلك في حق المتمتع، فإن أخره أثم و يجزؤه طوافه و سعيه، و يجوز للقارن و المفرد تأخير ذلك طول ذي الحجة على كراهية.
فأما ما يدل على أن الأفضل في المضي للطواف يوم النحر و إلا فمن الغد فجملة من الأخبار.
273
منها
صحيحة معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في زيارة البيت يوم النحر، قال: زره، فان شغلت فلا يضرك أن تزور البيت من الغد، و لا تؤخر أن تزور من يومك، فإنه يكره للمتمتع أن يؤخره، و موسع للمفرد أن يؤخره» الحديث.
و صحيحة عمران الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«ينبغي للمتمتع أن يزور البيت يوم النحر أو من ليلته، و لا يؤخر ذلك».
و صحيحة معاوية بن عمار (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال يوم النحر أو من الغد و لا يؤخر، و المفرد و القارن ليسا بسواء، موسع عليهما».
قال في الوافي: «ليسا بسواء» جملة معترضة، و المعنى أن المتمتع ليس كالمفرد و القارن.
و صحيحة محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
«سألته عن المتمتع متى يزور البيت؟ قال يوم النحر».
و صحيحة منصور بن حازم (5) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يبيت المتمتع يوم النحر بمنى حتى يزور البيت».
و قال في كتاب الفقه الرضوي (6): «و زر البيت يوم النحر أو من الغد و إن أخرتها إلى آخر اليوم أجزأك».
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 8.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 5.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 6.
(6) المستدرك- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 3.
274
و قد اختلف الأصحاب في التأخير عن الغد للمتمتع، فقال الشيخ المفيد و السيد المرتضى و سلار: لا يجوز للمتمتع أن يؤخر الزيارة و الطواف عن اليوم الثاني من النحر، و به قال العلامة في المنتهى و المحقق في الشرائع.
و قال الشيخ: «لا يؤخر المتمتع إلا لعذر، فان كان مفردا أو قارنا جاز له أن يؤخر إلى أي وقت شاء».
و قال ابن إدريس: «يستحب أن لا يؤخر إلا لعذر، فإن أخره لعذر زار البيت من الغد، و يستحب له أن لا يؤخر طواف الحج و سعيه أكثر من ذلك، فإن أخره فلا بأس عليه، و له أن يأتي بالطواف و السعي طول ذي الحجة، لأنه من شهور الحج، و إنما تقديم ذلك على جهة التأكيد للمتمتع».
و كلام الشيخ في الاستبصار يشعر بالندب أيضا، و إلى هذا القول مال كثير من المتأخرين منهم العلامة في المختلف و الشهيدان في الدروس و المسالك و السيد السند في المدارك.
أقول: و الذي وقفت عليه من أخبار المسألة زيادة على ما تقدم
ما رواه الصدوق في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر».
و في الصحيح عن عبد الله الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي أن يزور البيت حتى أصبح، قال: لا بأس، أنا ربما أخرته حتى تذهب أيام التشريق، و لكن لا يقرب النساء و الطيب».
و في الصحيح عن هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 9.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 2 عن عبيد الله الحلبي.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 3.
275
قال: «لا بأس إن أخرت زيارة البيت إلى أن يذهب أيام التشريق، إلا أنك لا تقرب النساء و لا الطيب».
و ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن تؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر، إنما يستحب تعجيل ذلك مخافة الأحداث و المعاريض».
و عن إسحاق بن عمار في الموثق (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن زيارة البيت تؤخر إلى اليوم الثالث، قال تعجيلها أحب إلي، و ليس به بأس إن أخرته».
و ما رواه ابن إدريس في مستطرفات السرائر نقلا من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الحلبي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«سألته عن رجل أخر الزيارة إلى يوم النفر، قال: لا بأس، و لا يحل له النساء حتى يزور البيت و يطوف طواف النساء».
قال في المدارك بعد نقل جملة من هذه الأخبار: «و أجاب الأولون عن هذه الروايات بالحمل على المفرد و القارن، و هو بعيد جدا، بل
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 9.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 10 و فيه «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام).» كما في التهذيب ج 5 ص 250- الرقم 845 و الاستبصار ج 2 ص 291- الرقم 1033 و الفقيه- ج 2 ص 244- الرقم 1170.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 11.
276
الأجود حمل ما تضمن النهي عن التأخير على الكراهة، كما يدل عليه قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1) فإنه يكره للمتمتع أن يؤخر».
أقول: أما ما نقله عنهم من حمل الأخبار المذكورة و استبعده فهو في محله، و العلامة في المنتهى انما استدل على جواز التأخير للقارن و المفرد إلى آخر ذي الحجة بهذه الروايات بناء على ما نقله عنهم من الحمل على هذين الفردين، و بعده أظهر من أن يذكر.
و أما ما ذكره من حمل النهي عن التأخر عن اليوم الثاني على الكراهة مستندا الى
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (2): «فإنه يكره للمتمتع أن يؤخر».
إنما يتم لو كانت الكراهة في عرفهم (عليهم السلام) بهذا المعنى الأصولي، و المفهوم من أخبارهم هو استعمالها في التحريم في غير موضع، و قد اعترف هو بذلك في غير موضع من شرحه.
على أن لقائل أن يقول: إن هذه الروايات كلها إنما اتفقت على التأخير إلى اليوم الثالث من النحر، و ربما أشعر بعضها بعدم التأخير بعد ذلك،
كقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد الله بن سنان (3): «لا بأس أن تؤخر زيارة البيت إلى يوم النفر».
فإنه يشعر بحصول البأس بعد ذلك، و مثلها صحيحة هشام بن سالم (4) و رواية عبد الله بن سنان (5).
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 9.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 3.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 9 بسند الشيخ (قده).
277
و بالجملة فغاية ما يستفاد من هذه الروايات هو أن غاية التأخير اليوم الثالث عشر، و المدعى جواز التأخير طول ذي الحجة، فالدليل غير منطبق على المدعى، إلا أنه في المنتهى- بعد أن نسب إلى علمائنا عدم جواز التأخير عن اليوم الحادي عشر و أنه آخر وقته- نقل عن أبي حنيفة أن آخر وقته آخر أيام النحر، و عن باقي الجمهور أنه لا تحديد لآخره، فاحتمال خروج هذه الأخبار الأخيرة مخرج التقية غير بعيد، لقول أبي حنيفة و أتباعه بمضمونها، و مذهبه في وقته كان مشهورا، و الأخبار الأولة بعيدة عن التقية إذ لا قائل بها منهم.
و أما ما استدل به في المدارك على ما اختاره من القول المذكور بقوله عز و جل (1) «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ» و أن شهر ذي الحجة من أشهر الحج فيجوز إيقاع أفعاله فيه مطلقا الا ما أخرجه الدليل.
فلا يخفى ما فيه، لما في الدليل المذكور من الإجمال المانع من الصلاحية للاستدلال، فالاستدلال بأمثال هذه الأدلة مجازفة محضة، إذ غاية ما يستفاد من الأخبار أن ذا الحجة إلى آخره من أشهر الحج باعتبار ما جوز الشارع فيه من الأفعال بعد مضي وقتها إلى آخره، لا أنه متى وردت الأخبار بتوظيف بعض الأفعال في أيام مخصوصة جاز لنا أن تؤخرها إلى آخر ذي الحجة بناء على هذه الآية.
على أن الخصم يدعي ان هذا مما أخرجه الدليل كما اعترف به، لأن الروايات الأولة قد دلت على أنه لا يجوز التأخير عن اليوم الثاني عشر، و الروايات الأخيرة غاية ما دلت عليه التأخير إلى اليوم الثالث عشر،
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 197.
278
فكيف يجوز الامتداد إلى أخر الشهر و الحال هذه.
و بالجملة فالامتداد إلى آخر الشهر كما هو قول ابن إدريس و من تبعه من الجماعة المذكورين لا أعرف له وجها وجيها.
و إنما يبقى الكلام في الجمع بين الأخبار الأولة الدالة على أنه لا يجوز التأخير عن اليوم الثاني مع الأخبار الأخيرة الدالة على جواز التأخير إلى اليوم الثالث عشر، و قد عرفت أن احتمال التقية في الأخبار الأخيرة قائم، و احتمال الرخصة أيضا ممكن.
ثم إنه بناء على تحريم التأخير عن اليوم الثاني فلو أخر صح طوافه و إن أثم و لا كفارة.
قال في المنتهى: «لو أخر المتمتع زيارة البيت عن اليوم الثاني من يوم النحر أثم و لا كفارة عليه، و كان طوافه صحيحا» انتهى. و وجهه ظاهر فإن غاية ثمرة، النهي التأثيم و النهي إنما توجه إلى أمر خارج عن العبادة و هو التأخير، فلا يوجب بطلانها، و الأصل عدم الكفارة.
و أما ما يدل على جواز تأخير الزيارة للمفرد و القارن كما تقدم فقوله (عليه السلام)
في صحيحة معاوية بن عمار (1) المتقدمة: «و المفرد و القارن ليسا بسواء، موسع عليهما».
و المعنى كما عرفت آنفا أن المتمتع لا يؤخر من الغد، و المفرد و القارن موسع عليهما التأخير، و أنهما ليسا كالمتمتع في عدم التأخير من الغد.
و إليه يشير
قوله (عليه السلام) أيضا في صحيحة معاوية الاولى (2): «و موسع للمفرد أن يؤخره».
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 8.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
279
و يستحب أمام دخول مكة ما تقدم في باب العمرة من الغسل لدخولها لطواف العمرة، و يزيد هنا استحباب تقليم الأظفار و أخذ الشارب و الدعاء إذا وقف على باب المسجد، و يجزئ الغسل بمنى، و قد تقدم الكلام في الغسل و ما يجزئ من غسل اليوم ليومه و الليل لليلته و الانتقاض بالحدث و نحو ذلك في الباب المشار إليه (1).
فأما ما يدل هنا على استحباب هذه الأشياء فجملة من الأخبار (منها)
ما رواه الشيخ عن عمر بن يزيد (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ثم احلق رأسك و اغتسل و قلم أظفارك و خذ من شاربك و زر البيت» الحديث.
و عن عمران الحلبي في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) أ تغتسل النساء إذا أتين البيت؟ فقال: نعم، إن الله تعالى يقول طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ (4) و ينبغي للعبد أن لا يدخل إلا و هو طاهر قد غسل عنه العرق و الأذى و تطهر».
و ما رواه في الكافي عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يوم النحر يحلق رأسه و يقلم، أظفاره و يأخذ من شاربه و أطراف لحيته».
____________
(1) راجع 15 ص 14- 18 و ج 16 ص 79.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب زيارة البيت- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب زيارة البيت- الحديث 3.
(4) سورة البقرة: 2- الآية 125.
(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
280
و ما رواه الشيخ في الحسن عن حسين بن أبي العلاء (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الغسل إذا زرت البيت من منى، فقال: إني اغتسل بمنى ثم أزور البيت».
و رواه الكليني عن الحسين بن أبي العلاء (2) مثله.
و
في صحيحة معاوية بن عمار (3) المتقدمة في صدر روايات أول الفصل بعد ذكر ما قدمناه منها «فإذا انتهيت إلى البيت يوم النحر فقمت على باب المسجد قلت: اللهم أعني على نسكك و سلمني له و سلمه لي، أسألك مسألة العليل الذليل المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنوبي و أن ترجعني بحاجتي اللّهمّ إني عبدك، و البلد بلدك، و البيت بيتك، جئت أطلب رحمتك، و أوم طاعتك، متبعا لأمرك راضيا بقدرك، أسألك مسألة المضطر إليك، المطيع لأمرك، المشفق من عذابك، الخائف لعقوبتك، أن تبلغني عفوك، و أن تجيرني من النار برحمتك، ثم ائت الحجر الأسود فتستلمه و تقبله، فان لم تستطع فاستلمه بيدك و قبل يدك، و إن لم تستطع فاستقبله و كبر، و قل كما قلت حين طفت بالبيت يوم قدمت مكة» الحديث.
ثم إنه يأتي بالطواف و السعي، و قد قدمنا في الباب الثاني في العمرة الكلام في الطواف و السعي مستوفى، فلا ضرورة إلى إعادته.
بقي الكلام هنا في مسائل لم يسبق التعرض لها.
____________
(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
(2) أشار إليه في الوسائل- في الباب- 3- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1 و ذكره في الكافي ج 4 ص 511.
(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
281
المسألة الأولى [وجوب طواف النساء]:
طواف النساء واجب في الحج بأنواعه و العمرة المفردة، و قد تقدم في باب العمرة المفردة ما يخصها من الأحكام و بيان وجوب هذا الطواف فيها، و حيث انا الآن بسياق الحج فلا بد من التعرض لبيان ما يدل على وجوبه فيه و ما يتعلق بذلك.
و يدل على ذلك جملة من الأخبار (منها)
ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد (1) و الظاهر أنه ابن أبي نصر قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام) في قول الله عز و جل (2) وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، قال:
طواف الفريضة طواف النساء».
و عن حماد بن عثگمان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل (4) «وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» قال: «طواف النساء».
و عن حماد الناب (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (6) وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، قال: هو طواف النساء».
و منها صحيحة معاوية بن عمار (7) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف بالبيت، و سعيان بين الصفا و المروة، فعليه إذا قدم مكة طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة ثم يقصر و قد أحل:
هذا للعمرة، و عليه للحج طوافان و سعي بين الصفا و المروة و يصلي عند كل
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الطواف- الحديث 4.
(2) سورة الحج: 22- الآية 29.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الطواف- الحديث 5.
(4) سورة الحج: 22- الآية 29.
(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الطواف- الحديث 5 راجع التهذيب ج 5 ص 253.
(6) سورة الحج: 22- الآية 29.
(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 8.
282
طواف بالبيت ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)».
أقول: قوله (عليه السلام): «و عليه للحج طوفان» المراد طواف الزيارة و طواف النساء.
و ما رواه في الكافي عن أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المتمتع عليه ثلاثة أطواف بالبيت و طوفان بين الصفا و المروة» الحديث.
و عن منصور بن حازم في الصحيح (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «على المتمتع بالعمرة إلى الحج ثلاثة أطواف بالبيت، و يصلي لكل طواف ركعتين، و سعيان بين الصفا و المروة».
و عن منصور بن حازم في الصحيح (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكون القارن قارنا إلا بسياق الهدى، و عليه طوافان بالبيت و سعي بين الصفا و المروة كما يفعل المفرد، و ليس أفضل من المفرد إلا بسياق الهدى».
و عن معاوية بن عمار في الصحيح أو الحسن (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «القارن لا يكون إلا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة، و طواف بعد الحج، و هو طواف النساء».
و ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في القارن: «لا يكون قران إلا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 11.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 9.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 10.
(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 12.
(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أقسام الحج- الحديث 1.
283
(عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة، و طواف بعد الحج، و هو طواف النساء، و أما المتمتع بالعمرة إلى الحج فعليه ثلاثة أطواف بالبيت، و سعيان بين الصفا و المروة، قال أبو عبد الله (عليه السلام): التمتع أفضل الحج و به نزل القرآن و جرت السنة، فعلى المتمتع إذا قدم مكة طواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة ثم يقصر و قد أحل هذه للعمرة، و عليه للحج طوافان، و سعي بين الصفا و المروة، و يصلي عند كل طواف بالبيت ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و أما المفرد للحج فعليه طواف بالبيت، و ركعتان عند مقام إبراهيم (عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة، و طواف الزيارة، و هو طواف النساء، و ليس عليه هدي و لا أضحية».
إلى غير ذلك من الأخبار.
و لا خلاف بين أصحابنا في وجوبه على جميع أفراد الحاج من الرجال و النساء و الصبيان و الخصيان، و ادعى عليه الإجماع في المنتهى.
و يدل على ذلك أيضا
ما رواه الشيخ في الصحيح عن الحسين بن علي ابن يقطين (1) قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الخصيان و المرأة الكبيرة أ عليهم طواف النساء؟ قال: نعم عليهم الطواف كلهم».
[المسألة] الثانية [وجوب طواف النساء و بيان مورده]:
المعروف من مذهب الأصحاب أن طواف النساء بعد السعي في الحج و العمرة المفردة، فلا يجوز تقديمه عليه اختيارا و يجوز مع الضرورة أو
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الطواف- الحديث 1.
284
خوف الحيض أما الأخبار الدالة على أن مرتبة التأخير عن السعي فكثيرة.
منها
قوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار (1): «ثم اخرج إلى الصفا فاصعد عليه و اصنع كما صنعت يوم دخلت مكة، ثم ائت المروة فاصعد عليها و طف بينهما سبعة أشواط: تبدأ بالصفا و تختم بالمروة، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من كل شيء أحرمت منه إلا النساء ثم ارجع إلى البيت و طف به أسبوعا آخر، ثم تصلي ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)» الحديث.
و المراد بهذا الأسبوع الآخر هو طواف النساء، و قضية العطف بثم الترتيبية وجوب تأخره.
و أظهر منها
ما رواه في الكافي عن أحمد بن محمد عمن ذكره (2) قال:
«قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جعلت فداك متمتع زار البيت فطاف طواف الحج ثم طاف طواف النساء ثم سعى، قال: لا يكون السعي إلا قبل طواف النساء».
و الظاهر من جوابه (عليه السلام) أنه ليس عليه إلا إعادة كل إلى موضعه و الإتيان بالترتيب الشرعي.
و أما جواز تقديمه مع الضرورة و خوف الحيض فهو مقطوع به في كلامهم، و لم أقف فيه على نص بالخصوص، إلا أن المستفاد من العمومات (3)
____________
(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب زيارة البيت- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 65- من أبواب الطواف- الحديث 1.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب القيام- الحديث 6 و 7 من كتاب الصلاة.
285
أن الضرورات مبيحة للمحظورات، و قد ورد (1) لتقديم ما حقه التأخير و تأخير ما حقه التقديم لذلك رخص في جملة من الأحكام، و فيه تأييد لهذا المقام، مضافا جميع ذلك إلى لزوم الحرج من التكليف بذلك.
و الظاهر أنه يحمل على ذلك إطلاق
ما رواه الشيخ في الموثق عن سماعة بن مهران (2) عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل طاف طواف الحج و طواف النساء قبل أن يسعى بين الصفا و المروة، قال:
لا يضره، يطوف بين الصفا و المروة و قد فرغ من حجه».
و الأظهر عندي حمل الرواية المذكورة على النسيان أو الجهل، و قد صرح الأصحاب بالصحة في الناسي و اختلفوا في إلحاق الجاهل بالعامد أو الناسي و لو عكسوا بأن حكموا بالصحة في الجاهل و جعلوا الاختلاف في الناسي لكان الأقرب إلى الصواب.
و كيف كان فالظاهر أنه لا إشكال في جواز التقديم في صورة الضرورة، كما ذكرنا.
و أيده بعضهم أيضا بفحوى
صحيحة أبي أيوب إبراهيم بن عثمان الخزاز (3) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل، فقال:
أصلحك الله إن معناه امرأة حائضا و لم تطف طواف النساء، و يأبى الجمال أن يقيم عليها، قال: فأطرق و هو يقول: لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها و لا يقيم عليها جمالها، ثم رفع رأسه، فقال: تمضي فقد تم حجها».
قال: «و إذا جاز ترك الطواف من أصله للضرورة جاز تقديمه بطريق أولى».
____________
(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الذبح.
(2) الوسائل- الباب- 65- من أبواب الطواف- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 13.
286
[المسألة] الثالثة [وجوب تدارك طواف النساء و لو تركه نسيانا]:
لو ترك طواف النساء ناسيا لم تحل له النساء، و يجب عليه العود و الإتيان بالطواف مع المكنة، فان لم يتمكن من الرجوع جاز له أن يأمر من يطوف عنه طواف النساء، و لو مات قبل ذلك طاف عنه وليه، و لا أعرف فيه خلافا.
و عليه تدل جملة من الأخبار: منها
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله، قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت، فان هو مات فليقض عنه وليه أو غيره، فاما ما دام حيا فلا يصلح له أن يقضى عنه، و إن نسي الجمار فليسا بسواء، إن الرمي سنة و الطواف فريضة».
و رواه بسند أخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا مثله إلا أنه قال «حتى يزور البيت و يطوف».
و ترك قوله: «أو غيره».
و في الصحيح أيضا عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله، قال:
يرسل فيطاف عنه، فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليطف عنه وليه».
و ما رواه في كتاب الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: رجل نسي طواف النساء
____________
(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 2.
(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 8.
287
حتى يرجع إلى أهله، قال: يأمر أن يقضى عنه إن لم يحج، فإنه لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت».
قال: «و روي (1) في من نسي طواف النساء أنه إن كان طاف طواف الوداع فهو طواف النساء».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) أيضا عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل نسي طواف النساء حتى أتى الكوفة، قال: لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت، قلت: فان لم يقدر قال: يأمر من يطوف عنه».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نسي طواف النساء حتى دخل أهله، قال: لا تحل له النساء حتى يزور البيت، و قال: يأمر من يقضي عنه إن لم يحج، فإن توفي قبل أن يطاف عنه فليقض عنه وليه أو غيره».
و ما رواه الشيخ في الموثق عن عمار الساباطي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل نسي أن يطوف طواف النساء حتى يرجع إلى أهله، قال: عليه بدنة ينحرها بين الصفا و المروة».
و ما رواه ابن إدريس في المستطرفات نقلا من نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن الحلبي (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله، قال: يرسل فيطاف عنه، و إن مات قبل أن يطاف عنه طاف عنه وليه».
____________
(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 9.
(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 6.
(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 5.
(5) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 11.
288
إذا عرفت ذلك فالكلام هنا يقع في مواضع:
الأول [جواز الاستنابة مطلقا]:
المفهوم من كلام جملة من الأصحاب جواز الاستنابة مطلقا، أمكن العود أم لم يمكن، استنادا إلى ما دل على ذلك من صحيحة معاوية بن عمار (1) الثانية و مثلها الرواية المنقولة من مستطرفات السرائر (2).
و التحقيق التفصيل كما قدمناه جمعا بين هذين الخبرين و قوله (عليه السلام)
في صحيحة معاوية (3) الأولى: «فأما ما دام حيا فلا يصلح أن يقضى عنه».
و يدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار (4) الرابعة، و بها يخص إطلاق وجوب الاستنابة كما في الخبرين المذكورين.
و بما ذكرنا من التفصيل صرح العلامة في المنتهى و اختار في سائر كتبه القول بالجواز مطلقا.
الثاني:
ما ذكره الصدوق بقوله: «و روي (5) في من نسي طواف النساء أنه إن كان طاف طواف الوداع فهو طواف النساء».
الظاهر أنه أشار إلى ما ذكره (عليه السلام) في كتاب الفقه الرضوي (6) و قد تقدم الكلام في ذلك في ذيل المسألة الثانية من المقام الثالث في أحكام الطواف (7).
____________
(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 3.
(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 11.
(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 4.
(5) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 9.
(6) المستدرك- الباب- 2- من أبواب الطواف- الحديث 1 و الباب- 40- منها- الحديث 1.
(7) راجع ج 16 ص 184- 185.
289
الثالث [حكم ما لو حاضت المرأة و لم تتمكن من طواف النساء]:
لا يخفى أنه قد تقدم في صحيحة الخزاز (1) الواردة في الحائض التي لا تستطيع أن تتخلف من أصحابها و لا يقيم عليها جمالها أنها «تمضي فقد تم حجها» و هو مشكل، لدلالة هذه الأخبار على وجوب الاستنابة على من تعذر عليه الرجوع، و عدم سقوط الطواف عنه إلا بالإتيان به بنفسه أو بنائبه، و الخبر و إن دل على تعذر المباشرة إلا أن الاستنابة ممكنة مع أنه (ع) لم يأمر بها، و إنما جوز المضي و ترك الطواف مطلقا.
و ظاهر الأصحاب القول بالخبر المذكور من غير ارتكاب تأويل فيه.
و لعله مبني على الفرق بين ما دل عليه هذه الأخبار من حكم الناسي، فإنه لمكان تفريطه في ترك ذلك حتى أدى إلى نسيانه وجب عليه العود أو الاستنابة و المرأة المذكورة لما كان تركها مع الحضور إنما هو لما ذكر من المحظور لم يلزمها الرجوع و لا الاستنابة.
و ظاهر المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي في وسائله حمل الخبر المذكور على أنها تستنيب، و هو في غاية البعد عن سياق الخبر المذكور.
و مثله
صحيحة الخزاز المذكورة الأخرى (2) قال: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل ليلا فقال: أصلحك الله امرأة معنا حائض و لم تطف طواف النساء، فقال: لقد سئلت عن هذه المسألة اليوم فقال: أصلحك الله أنا زوجها، و قد أحببت أن أسمع ذلك منك، فأطرق كأنه يناجي نفسه و هو يقول: لا يقيم عليها جمالها و لا تستطيع أن تتخلف عن أصحابها، تمضي و قد تم حجها».
____________
(1) الوسائل- الباب- 84- من أبواب الطواف- الحديث 13.
(2) الوسائل- الباب- 59- من أبواب الطواف- الحديث 1.
290
الرابع [عدم الفرق في الحكم بين الرجل و المرأة]:
الأشهر الأظهر أنه لا فرق في هذا الحكم بين الرجل و المرأة و إن كان مورد هذه الأخبار إنما هو الرجل، لما عرفت آنفا من أن طواف النساء محلل للرجال و النساء، فيحل به للرجال ما حرم عليهم من النساء و للنساء ما حرم عليهن من الرجال. و قد سبق تحقيق الكلام في ذلك في التنبيه الخامس المذكور آخر سابق هذا المقصد (1).
و متى ثبت تحريم الرجال عليهن بالإحرام و أنه لا يحل لهن إلا بطواف النساء فيستصحب التحريم في صورة النسيان إلى أن يأتين به مباشرة أو استنابة.
الخامس [حكم ما لو نسي طواف النساء بعد تجاوز النصف]:
روى الشيخ عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل نسي طواف النساء، قال: إذا زاد على النصف و خرج ناسيا أمر من يطوف عنه، و له أن يقرب النساء إذا زاد على النصف».
أقول: يجب تقييده بعدم إمكان الرجوع للإتمام، لما عرفت من الأخبار المتقدمة من أن الاستنابة إنما تجوز مع تعذر الرجوع.
و المشهور بين الأصحاب على وجه لا يكاد يظهر خلافه أنه متى حصلت الزيادة على النصف بل بلوغ النصف في مقام النسيان أو طرو الحيض أو عروض شيء من العوارض المتقدمة فإنه يبنى على ما فعله و يجب عليه الإتيان بالباقي مباشرة أو استنابة، و لا فرق في ذلك بين طواف الحج أو طواف النساء.
و قد تقدم في باب العمرة في بحث الطواف (3) تحقيق الكلام في المقام
____________
(1) راجع ص 264- 268.
(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب الطواف- الحديث 10.
(3) راجع ج 16 ص 212- 229.
291
و الإحاطة بأطراف النقض و الإبرام.
و من ذلك أيضا ما ورد في الحائض من البناء كذلك
ما رواه الصدوق عن أبان بن عثمان عن فضيل بن يسار (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا طافت المرأة طواف النساء فطافت أكثر من النصف فحاضت نفرت إن شاءت.
ثم إن ظاهر الخبرين المذكورين و لا سيما الأول الاكتفاء في حل النساء على الرجل و الرجل على النساء بمجرد تجاوز النصف، و لا أعلم به قائلا من الأصحاب.
قال في الدروس: «و لا يكفي في حل النساء تجاوز النصف إلا في رواية أبي بصير رواها الصدوق».
السادس [عدم لزوم الكفارة بنسيان طواف النساء]:
ما تضمنه موثقة عمار (2) من وجوب البدنة على من نسي طواف النساء حتى يرجع إلى أهله لم أر به قائلا و لا عنه مجيبا، و لعله من جملة غرائب أحاديث عمار، فإن الأخبار المعتضدة باتفاق كلمة الأصحاب دالة على أن الحكم في ذلك الرجوع أو الاستنابة مع ما تقدم في جملة من الأخبار (3) أنه لا كفارة على الناسي و الجاهل إلا في الصيد خاصة، و الله سبحانه و تعالى و قائله أعلم.
____________
(1) الوسائل- الباب- 90- من أبواب الطواف- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 90- من أبواب الطواف- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب كفارات الصيد.
292
الفصل الثاني: في الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود
و فيه مسائل:
[المسألة] الأولى [لزوم البيتوتة بمنى ليالي التشريق]:
الظاهر أنه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) في أنه إذا قضى الحاج مناسكه بمكة من طواف الزيارة و السعي و طواف النساء فإنه يجب عليه العود في يوم النحر إلى منى و المبيت بها ليالي التشريق، و هي ليلة الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر، و نسبه في المنتهى إلى علمائنا أجمع مؤذنا بدعوى الإجماع عليه، و الأخبار به متظافرة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى» فان بات بغيرها كان عليه عن كل ليلة دم شاة إلا ما استثني، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
و نقل عن الشيخ في التبيان أنه قال باستحباب المبيت.
أقول: قد تقدم النقل عنه، أيضا في الكتاب المذكور القول باستحباب مناسك منى، و هو الذي قدمنا نقله عن الشيخ أبي علي الطبرسي أيضا من القول باستحباب جميع مناسك منى السابقة، و اللاحقة.
و كيف كان فهو قول مرغوب عنه، و الأخبار بخلافه متظافرة، و ها أنا أسوق لك ما وقفت عليه من أخبار المسألة كملأ، و أذيلها بما رزقني الله فهمه منها و ما ذكره أصحابنا (رضوان الله تعالى عليهم) من الأحكام في المقام.
293
(فمنها)
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي و الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى، فان بت بغيرها فعليك دم، و إن خرجت أول الليل فلا ينتصف لك الليل إلا و أنت بمنى، إلا أن يكون شغلك بنسكك أو قد خرجت من مكة، و إن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تصبح بغيرها».
و زاد في الكافي (2) قال: «و سألته عن رجل زار عشيا فلم يزل في طوافه و دعائه و في السعي بين الصفا و المروة حتى يطلع الفجر، قال: ليس عليه شيء كان في طاعة الله تعالى».
و (منها)
ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان (3) قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام): سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة، فقلت: لا أدري، فقلت له جعلت فداك ما تقول فيها؟ قال:
عليه دم إذا بات، فقلت: إن كان حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه و سعيه لم يكن لنوم و لا لذة أ عليه مثل ما على هذا، قال: ليس هذا بمنزلة هذا، و ما أحب أن ينشق له الفجر إلا و هو في منى».
و ما رواه في الفقيه و التهذيب عن جعفر بن ناجية (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن بات ليالي منى بمكة، قال: عليه ثلاثة من الغنم يذبحهن».
و ما رواه في الكافي و التهذيب في الصحيح عن العيص بن القاسم (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزيارة من منى، قال:
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 8.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 9.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 6.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.
294
إن زار بالنهار أو عشيا فلا ينفجر الفجر إلا و هو بمنى، و إن زار بعد نصف الليل أو بسحر فلا بأس أن ينفجر الفجر و هو بمكة».
و ما رواه في التهذيب عن معاوية بن عمار في الصحيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا فرغت من طوافك للحج و طواف النساء فلا تبت إلا بمنى إلا أن يكون شغلك في نسكك، و إن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت بغير منى».
و في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) أنه قال في الزيارة: «إذا خرجت من منى قبل غروب الشمس فلا تصبح إلا بمنى».
و عن علي بن جعفر في الصحيح (3) عن أخيه (عليه السلام) «عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح، قال: إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه».
و ما رواه الحميري في قرب الاسناد عن علي بن جعفر (4) عن أخيه (عليه السلام) مثله معنى إلا أنه زاد على ما هنا «و إن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيء».
و عن عبد الغفار الجازي (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل خرج من منى يريد البيت قبل نصف الليل فأصبح بمكة، قال:
لا يصلح له حتى يتصدق بها صدقة أو يهريق دما، فان خرج من منى بعد نصف الليل لم يضره شيء».
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 3.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 23.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 14.
295
و عن جميل بن دراج في الصحيح (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم، و إن كان قد خرج منها فليس عليه شيء و إن أصبح دون منى».
و رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن جميل عن بعض أصحابنا (2) «في رجل زار فنام في الطريق» الحديث.
و قال بعده: «و جاء رواية أخرى (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الرجل يزور فينام دون منى، قال: إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن إسماعيل (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في الرجل يزور ثم ينام دون منى، فقال: إذا جاز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام».
و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن هشام بن الحكم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاز بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شيء عليه».
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 16.
(2) أشار إليه في الوسائل في- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 16 و ذكره في الكافي ج 4 ص 514.
(3) أشار إليه في الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 15 و ذكره في الكافي ج 4 ص 515.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 15.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 17.
296
و ما رواه الشيخ عن أبي الصباح الكناني (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدلجة إلى مكة أيام منى و أنا أريد أن أزور البيت، فقال: لا حتى ينشق الفجر، كراهية أن يبيت الرجل بغير منى».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن العيص بن القاسم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى، قال:
ليس عليه شيء، و قد أسا».
و عن سعيد بن يسار (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل، فقال: لا بأس».
و عن علي- و الظاهر أنه ابن أبي حمزة- (4) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: «سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت و بالصفا و المروة ثم رجع فغلبته عيناه في الطريق فنام حتى أصبح قال: عليه شاة».
و عن ليث المرادي (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي مكة أيام منى بعد فراغه من زيارة البيت فيطوف بالبيت تطوعا، فقال: المقام بمنى أفضل و أحب إلي».
و رواه في الفقيه عن ليث المرادي مثله.
و ما رواه في الفقيه و التهذيب في الصحيح عن جميل بن دارج (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يأتي الرجل مكة فيطوف بها في أيام منى فلا يبيت بها».
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 11.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 7.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 12.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 10.
(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.
(6) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.
297
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن رفاعة (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت في أيام التشريق، قال: نعم إن شاء».
و عن إسحاق بن عمار (2) في الموثق قال: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): رجل زار فقضى طواف حجه كله أ يطوف بالبيت أحب إليك أم يمضي على وجهه إلى منى؟ فقال: أي ذلك شاء فعل ما لم يبت».
و عن يعقوب بن شعيب في الصحيح (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن زيارة البيت أيام التشريق، فقال: حسن».
و ما رواه في الكافي عن عيص بن القاسم في الصحيح (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزيارة بعد زيادة الحج في أيام التشريق، قال: لا».
و ما رواه في الكافي عن ابن بكير في الموثق عمن أخبره (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تدخلوا منازلكم بمكة إذا زرتم يعني أهل مكة».
و ما رواه في كتاب العلل بسنده عن مالك بن أعين (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن العباس استأذن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يبيت بمكة ليالي منى، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أجل سقاية الحاج».
و ما رواه الحميري في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري (7) عن
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.
(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 3.
(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 6.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 18.
(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 21.
(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 22.
298
جعفر عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: «في الرجل أفاض الى البيت فغلبته عيناه حتى أصبح، قال: لا بأس عليه، و يستغفر الله و لا يعود».
أقول: و الكلام في هذه الأخبار يقع في جملة من المواضع.
الأول [لزوم الدم على من بات بغير منى ليالي التشريق]:
أن ما تضمنه صحيح معاوية بن عمار الأول و كذا صحيح صفوان و صحيح علي بن جعفر و صحيح جميل بن دراج من وجوب الدم على من بات بمكة أو غير منى فهو مقطوع به في كلام الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) و أسنده في المنتهى إلى علمائنا مؤذنا بدعوى الإجماع عليه الا أن ما دلت عليه صحيحة العيص بن القاسم و مثلها صحيحة سعيد بن يسار من أنه ليس عليه شيء لا يخلو من مدافعة.
و حملهما الشيخ على من بات بمكة مشغولا بالدعاء و المناسك بها أو على من خرج من منى بعد انتصاف الليل، و لا بأس به.
و يمكن أيضا حملهما على الجاهل و إن كان إطلاق كلامهم يقتضي عدم الفرق بين العامد و الجاهل، و في بعض الحواشي المنسوبة إلى شيخنا الشهيد أن الجاهل لا شيء عليه، و هو جيد، لما عرفته في تضاعيف الأبحاث المتقدمة و الأحاديث المتكررة من معذورية الجاهل.
و لا يبعد أيضا بل لعله الأقرب حملهما على التقية لأن مذهب أبي حنيفة أنه لو ترك المبيت لا شيء عليه، و للشافعي قول بأنه إذا ترك المبيت ليلة واحدة فعليه مد، و في قول آخر درهم.
و يشير الى ذلك أيضا قوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان:
«سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة، فقلت: لا ادري» فإنه من المعلوم أن السائل من هؤلاء، و عدوله عن جوابه إنما هو لما ذكرناه.
299
الثاني [حكم من نام في الطريق]:
أن المستفاد من صحيحة هشام بن الحكم و صحيحة جميل بن دراج و صحيحة محمد بن إسماعيل أنه لو نام بعد خروجه من مكة على وجه يخرج من حدودها التي آخرها عقبة المدنيين فليس عليه شيء، و على هذا فوجوب الدم إنما هو على من نام في مكة و ما يدخل في حدودها.
و حينئذ فيجب حمل رواية علي- الذي قد ذكرنا أن الظاهر أنه ابن أبي حمزة الدالة على وجوب الشاة على من غلبته عيناه في الطريق فنام حتى أصبح على ما إذا لم يخرج عن حدود مكة.
و يؤيد ما ذكرناه ما ذكره في الدروس قال: «و روى الحسن في من زار و قضى نسكه ثم رجع إلى منى فنام في الطريق حتى يصبح إن كان قد خرج من مكة و جاز عقبة المدنيين فلا شيء عليه و ان لم يجز العقبة فعليه دم، و نحوه روى هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام) إلا أنه لم يذكر حكم الذي لم يتجاوز» انتهى.
أقول: و الرواية الأولى لم أقف عليها إلا في كلامه (قدس سره) هنا.
الثالث [حكم من بات ليالي التشريق بمكة مشتغلا بالعبادة]:
أنه قد استثنى الأصحاب من وجوب الدم من بات بمكة مشتغلا بالعبادة في الليالي التي يجب المبيت فيها بمنى، سواء كان خروجه من منى لذلك قبل غروب الشمس أو بعده.
و نقل عن ابن إدريس أنه أوجب الكفارة على المشتغل بالعبادة كغيره، و هو ضعيف مردود بما تقدم من صحيحة معاوية بن عمار (1) الأولى و لا سيما الزيادة المنقولة ذيلها من الكافي، و صحيحة صفوان (2) و صحيحة
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 8 و 9.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.
300
معاوية بن عمار الثانية (1).
و قد نص الشهيدان (رحمهما الله تعالى) على أنه يجب استيعاب الليل في العبادة إلا ما يضطر إليه من غذاء أو شراب أو نوم يغلب عليه، و صرحا بأنه إذا أكمل الطواف و السعي قبل الفجر وجب عليه إكمال الليل بما شاء من العبادة.
و اعترضهما في المدارك بأن الأخبار لا تعطي ذلك، و هو كذلك، فان الظاهر منها إنما هو الاشتغال بمناسكه الموظفة لا ما شاء من العبادات، و على هذا فالأولى المبادرة إلى الرجوع إلى منى بعد فراغه من مناسكه، دون الاشتغال بشيء من العبادات الخارجة،
لقوله (عليه السلام) في صحيحة صفوان (2): «و ما أحب أن ينشق له الفجر إلا و هو بمنى».
و في صحيحة عيص بن القاسم (3): «فلا ينفجر الفجر إلا و هو بمنى».
قال في الدروس: «و لو فرغ من العبادة قبل الانتصاف و لم يرد العبادة بعده وجب عليه الرجوع إلى منى و لو علم أنه لا يدركها قبل انتصاف الليل على إشكال».
و الظاهر أن وجه الإشكال ينشأ من تحريم الكون بمكة لغير العبادة و من انتفاء الفائدة في الخروج، إذ لا يدرك شيئا من المبيت الواجب، ثم قال: «و أولى بعدم الوجوب إذا علم أنه لا يدركها حتى يطلع الفجر».
الرابع [حكم من خرج من منى بعد انتصاف الليل]:
أنه يستثني من وجوب الدم أيضا ما لو كان الخروج من منى بعد انتصاف الليل، بمعنى أنه يكفي في وجوب المبيت بها أن يتجاوز
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.
301
الكون بها نصف الليل، فله الخروج بعد الانتصاف حينئذ.
و نقل عن الشيخ (رحمه الله) أنه لا يدخل مكة حتى يطلع الفجر، و هو ضعيف مردود بإطلاق الأخبار الدالة على الاذن في الخروج بعد الانتصاف،
كقوله (عليه السلام) في صحيحة معاوية بن عمار الثانية (1):
«فإن خرجت بعد نصف الليل فلا يضرك أن تبيت بغير منى».
و قوله (عليه السلام) في رواية الحميري (2): «و إن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيء».
و مثلها رواية عبد الغفار الجازي (3) بل
صحيحة عيص بن القاسم الأولى (4) ظاهرة في جواز دخول مكة قبل الفجر، لقوله (عليه السلام): «و ان زار بعد نصف الليل أو بسحر فلا بأس أن ينفجر الفجر و هو بمكة».
الخامس [لزوم الدم لكل ليلة من ليالي التشريق بات بغير منى]:
أن ما دلت عليه رواية جعفر بن ناجية (5) من وجوب ثلاث من الغنم على من بات ليالي منى بمكة قول الشيخ في النهاية و ابن إدريس و العلامة في المختلف و جمع من الأصحاب.
و قال الشيخ في المبسوط و الخلاف: «من بات عن منى ليلة كان عليه دم، فان بات عنها ليلتين كان عليه دمان، فان بات الليلة الثالثة لا يلزمه، لأن له النفر في الأول، و قد ورد في بعض الأخبار أن من بات ثلاث ليال عن منى فعليه ثلاث دماء، و ذلك محمول على الاستحباب أو على من لم ينفر في الأول حتى غابت الشمس».
و اعترضه ابن إدريس فقال: «التخريج الذي خرجه الشيخ لا يستقيم له، و ذلك أن من عليه كفارة لا يجوز له أن ينفر في النفر الأول بغير
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.
(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 23.
(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 14.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.
(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 6.
302
خلاف، فقوله (رحمه الله): أن ينفر في النفر الأول غير مسلم، لأن عليه كفارة لأجل إخلاله بالمبيت ليلتين».
أقول: لا يخفى أن الكلام في هذه المسألة متفرع على الكلام في مسألة النفر الأول، و ذلك فإنه لا خلاف في جوازه لمن اتقى، كما دلت عليه الآية (1).
لكن بقي الكلام في أن المراد بالتقى هل هو من اتقى الصيد و النساء في إحرامه أو من لم يكن عليه كفارة، و سيأتي تحقيق المسألة في محلها إن شاء الله.
و كلام الشيخ في الخلاف و المبسوط مبني على الأول، فيجوز له النفر الأول، و متى جاز له لم يلزمه دم، و الرواية عنده محمولة على من غابت عليه الشمس في الليلة الثالثة، أو لم يتق الصيد أو النساء، لوجوب المبيت في هاتين الصورتين.
و كلامه في النهاية و كذا كلام ابن إدريس محمول على الثاني، كما أشار إليه ابن إدريس في عبارته المذكورة أولا بقوله: «و ذلك أن من عليه كفارة لا يجوز له أن ينفر في النفر الأول» و قوله ثانيا: «لأن عليه كفارة، لأجل إخلاله بالمبيت ليلتين» و حينئذ فتكون الرواية عنده على ظاهرها.
السادس [جواز كون زيارة البيت في أيام التشريق]:
ما دل عليه صحيح رفاعة (2) من جواز زيارة البيت أيام التشريق بما صرح به الأصحاب أيضا.
قال في المنتهى «و يجوز له أن يأتي إلى مكة أيام منى لزيارة البيت
____________
(1) سورة البقرة: 2- الآية 203.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.
303
تطوعا و إن كان الأفضل المقام بها إلى انقضاء أيام التشريق إلا أنه لا يبيت إلا بمنى على ما قدمناه».
أقول: و يدل على ما ذكره من أفضلية المقام بمنى رواية ليث المرادي (1) و أما ما دلت عليه صحيحة عيص بن القاسم (2) من النهي عن الزيارة بعد زيارة الحج أيام التشريق فهو في معنى حديث ليث المرادي.
السابع [بيان من رخص له في ترك المبيت بمنى]:
قد صرح جملة من الأصحاب (رضوان الله عليهم) بأنه رخص في ترك المبيت لثلاثة: الرعاة ما لم تغرب عليهم الشمس بمنى، و أهل سقاية العباس (3) و إن غربت عليهم الشمس بمنى، و كذا من له ضرورة بمكة كمريض يراعيه أو مال يخاف ضياعه بمكة.
و علل في المنتهى الفرق بين الرعاة و أهل السقاية- باعتبار وجوب المبيت على الأولين مع الغروب دون الأخيرين- أن الرعاة إنما يكون رعيهم بالنهار، و قد فات فتفوت الضرورة فيجب عليهم المبيت، و أما أهل السقاية فشغلهم ليلا و نهارا، فافترقا.
و قال في الدروس بعد تعداد هذه المواضع: «و تسقط الفدية عن أهل السقاية و الرعاة، و في سقوطها عن الباقين نظر».
أقول: لم أقف في الأخبار على ما يتعلق بهذا المقام إلا على رواية مالك بن أعين (4) المتقدم نقلها عن كتاب العلل الدالة على استئذان العباس من النبي (صلى الله عليه و آله) أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل
____________
(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.
(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب العود إلى منى- الحديث 6.
(3) هكذا في النسخة المخطوطة.
(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 21.
304
سقاية الحاج فأذن له، و هي صريحة في جواز المبيت لأجل السقاية في مكة تلك الليالي من غير دم و لا إثم.
المسألة الثانية [وجوب رمي الجمار و الترتيب فيه]:
يجب أن يرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمار الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات.
قال في المنتهى: «و لا نعلم خلافا في وجوب الرمي، و قد يوجد في بعض العبارات أنه سنة، و ذلك في بعض أحاديث الأئمة (عليهم السلام) (1) و في لفظ الشيخ في الجمل و العقود، و هو محمول على أنه ثابت بالسنة لا أنه مستحب».
أقول: ما ذكره من تأويل السنة بالحمل على ما ثبت وجوبه بالسنة جيد بالنسبة إلى الروايات متى وجد فيها هذا اللفظ مع معلومية الوجوب بدليل آخر، و أما في عبائر الفقهاء فإنهم إنما يطلقونه على المعنى الأصولي المتعارف، و تصريح الشيخ في الجمل و العقود بكون الرمي سنة انما جرى على ما قدمنا نقله عن التبيان من حكمه باستحباب هذه المناسك، و مثله ما تقدم في كلام أمين الإسلام الطبرسي في تفسيره مجمع البيان.
و كيف كان فهذا القول مرغوب عنه، لتكاثر الاخبار بالأوامر الدالة على الوجوب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في المقام.
و ينبغي أن يعلم أنه يجب هنا زيادة على ما تضمنته شروط الرمي المتقدمة الترتيب، يبدأ أولا بالأولى ثم بالوسطى ثم جمرة العقبة، و لو رماها
____________
(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 21.
305
منكوسة أعاد على الوسطى و جمرة العقبة.
أما وجوب الترتيب فهو قول علمائنا أجمع، و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ارم في كل يوم عند زوال الشمس، و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، و ابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل، و قل كما قلت يوم النحر، ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة و احمد الله و أثن عليه و صل على النبي و آله، ثم تقدم قليلا فتدعو و تسأله ان يتقبل منك، ثم تقدم أيضا و افعل ذلك عند الثانية، فاصنع كما صنعت بالأولى و تقف و تدعو الله كما دعوت، ثم تمضى إلى الثالثة و عليك السكينة و الوقار فارم و لا تقف عندها.
و اما ما يدل على وجوب الإعادة على الوجه المذكور لو رمى منكوسة، فمنه،
ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل رمى الجمار منكوسة قال يعيد على الوسطى و جمرة العقبة.
و عن مسمع (3) في الحسن ربه، عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل نسي رمى الجمار يوم الثاني فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى يؤخر ما رمى بما يرمى، و يرمى الجمرة الوسطى ثم جمرة العقبة».
قوله «يوم الثاني» أي يوم الرمي الثاني، قوله «يؤخر ما رمى بما يرمى» أى يؤخر ما قدم رميه نسيانا و هو جمرة العقبة بما يرمى اعادة له:
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: الرجل ينكس في رمى الجمار فيبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم العظمى؟ قال: يعود فيرمى الوسطى ثم يرمى جمرة العقبة و ان كان من الغد».
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 261.
(2) التهذيب ج 5 ص 265.
(3) التهذيب ج 5 ص 265.
(4) الكافي ج 4 ص 483.
306
و ما رواه في الفقيه عن معاوية بن عمار (1) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: الرجل يرمى الجمار منكوسة قال: يعيدها على الوسطى و جمرة العقبة».
المسألة الثالثة [وقت رمي الجمار]
- المشهور بين الأصحاب ان الرمي أيام التشريق ما بين طلوع الشمس الى الغروب، و ان كان كلما قرب من الزوال أفضل، ذهب اليه الشيخ في النهاية، و المبسوط و المفيد و السيد المرتضى و أبو الصلاح و ابن حمزة و ابن الجنيد و ابن ابى عقيل و غيرهم، فقال الشيخ في الخلاف «لا يجوز الرمي أيام التشريق الا بعد الزوال، و قد روى رخصة قبل الزوال في الأيام كلها» و قال الشيخ على بن الحسين بن بابويه في رسالته: «و مطلق لك في رمى الجمار من أول النهار الى الزوال، و قد روى من أول النهار الى آخره» و قال ابنه في المقنع «و ارم الجمار في كل يوم بعد طلوع الشمس الى الزوال، و كل ما قرب من الزوال فهو أفضل» و نحوه قال في كتاب من لا يحضره الفقيه «و زاد و قد رويت رخصة من أول النهار الى آخره.
و الظاهر هو القول الأول، و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن منصور بن حازم و ابي بصير جميعا (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «رمى الجمار من طلوع الشمس الى غروبها».
و ما رواه الصدوق في الصحيح عن جميل بن دراج (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: الى متى يكون رمى الجمار؟ فقال: من ارتفاع النهار الى غروب الشمس».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن منصور بن حازم (4) قال: «سمعت أبا عبد الله
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 285.
(2) الكافي ج 4 ص 481.
(3) الفقيه ج 2 ص 289.
(4) التهذيب ج 5 ص 262.
307
(عليه السلام) يقول: رمى الجمار ما بين طلوع الشمس الى غروبها».
و في الصحيح أو الحسن عن زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «انه قال للحكم بن عتيبة ما حد رمى الجمار؟ فقال: عند الزوال، فقال أبو جعفر (عليه السلام) أ رأيت لو كانا رجلين فقال أحدهما لصاحبه: احفظ علينا متاعنا حتى ارجع أ كان يفوته الرمي و هو و الله ما بين طلوع الشمس الى غروبها».
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن صفوان بن مهران (2) قال: «سمعت أبا- عبد الله (عليه السلام)، يقول: رمى الجمار ما بين طلوع الشمس الى غروبها».
و نقل عن الشيخ في الخلاف أنه احتج بإجماع الفرقة و طريق الاحتياط، و ان من رمى بعد الزوال كان فعله مجزئا إجماعا، و قبله ليس كذلك لوجود الخلاف فيه
و بما رواه معاوية بن عمار (3) في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ارم في كل يوم عند زوال الشمس».
و أجيب عنه بالمنع من الإجماع في موضع النزاع، بل قال في المختلف:
ان الإجماع قد دل على خلاف قوله، و عن الاحتياط أنه ليس بدليل شرعي، مع أنه معارض بأصالة البراءة، و عن الرواية بالحمل على الاستحباب جمعا.
أقول: و هذه الرواية هي مستند الأصحاب في الأفضلية لما قرب من الزوال،
و قال في كتاب الفقه الرضوي (4): «و مطلق لك الرمي من أول النهار الى زوال الشمس، و قد روى من أول النهار الى آخره، و أفضل ذلك ما قرب من الزوال».
أقول: و من هذه العبارة أخذ الشيخ على بن بابويه (رحمة الله عليه) عبارته المتقدمة بلفظها، و كذا ابنه الصدوق في المقنع و من لا يحضره الفقيه بمعناها، و لا يجوز الرمي ليلا إلا لذوي الأعذار كالخائف و المريض و الرعاة و العبيد.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 226.
(2) التهذيب ج 5 ص 262.
(3) التهذيب ج 5 ص 261.
(4) المستدرك ج 2 ص 173.
308
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يرمي الخائف بالليل، و يضحى و يفيض بالليل».
و عن سماعة بن مهران (2) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «رخص للعبد و الخائف و الواعي في الرمي ليلا».
و ما رواه ابن بابويه عن أبى بصير (3) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الذي ينبغي له أن يرمى بليل من هو؟ قال: الحاطبة و المملوك الذي لا يملك من أمره شيئا و الخائف و المدين و المريض الذي لا يستطيع أن يرمى، يحمل الى الجمار فان قدر أن يرمى و الا فارم عنه و هو حاضر».
و ما رواه الكليني عن سماعة (4) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) انه كره رمى الجمار بالليل، و رخص للعبد و الراعي في رمى الجمار ليلا».
و عن أبى بصير (5) قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام) رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) لرعاة الإبل إذا جاؤوا بالليل أن يرموا».
و من تعذر عليه الرمي وجب أن يرمى عنه، و يدل على ذلك
ما رواه الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار و عبد الرحمن ابن الحجاج جميعا (6) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «الكسير و المبطون يرمى عنهما و الصبيان يرمى عنهم».
و عن إسحاق بن عمار (7) «أنه سأل أبا الحسن (عليه السلام) عن المريض ترمى عنه الجمار، قال: نعم يحمل إلى الجمرة و يرمى عنه، قال: لا يطيق، فقال يترك في منزله و يرمى عنه.
و ما رواه الشيخ عن رفاعة بن موسى (8) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 263.
(2) التهذيب ج 5 ص 263.
(3) الفقيه ج 2 ص 286.
(4) الكافي ج 4 ص 485.
(5) الكافي ج 4 ص 481.
(6) الفقيه ج 2 ص 286.
(7) الفقيه ج 2 ص 286.
(8) التهذيب ج 5 ص 268.
309
سألته عن رجل أغمي عليه، فقال: ترمى عنه الجمار».
و عن داود بن على اليعقوبي (1) قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن المريض لا يستطيع أن يرمى الجمار فقال يرمى عنه».
و عن يحيى بن سعيد (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن امرأة سقطت من المحمل فانكسرت و لم تقدر على رمى الجمار، فقال: يرمى عنها و عن المبطون».
و عن حريز في الصحيح (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: المريض المغلوب و المغمى عليه يرمى عنه و يطاف به.
و عن حريز (4) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يطاف به و يرمى عنه، قال: نعم إذا كان لا يستطيع».
و لا يشترط في استنابة المريض اليأس من البرء عملا بالإطلاق و لو زال عذره بعد فعل نائبه فلا اعادة عليه و لو أغمي على المريض بعد الاستنابة لم ينعزل النائب للأصل و إطلاق الاخبار.
و نقل عن بعض المتأخرين انه استشكل ذلك بأن الإغماء يوجب زوال الوكالة فتزول النيابة.
قال في المدارك «و هو ضعيف، لأن إلحاق هذه الاستنابة بالوكالة في هذا الحكم لا يخرج عن القياس، مع أنا نمنع ثبوت الحكم في الأصل ان لم يكن إجماعيا على وجه لا يجوز مخالفته، لانتفاء الدليل عليه» انتهى.
أقول: و يظهر من موثقة إسحاق استحباب حمل المريض إلى الجمرة و الرمي
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 268.
(2) التهذيب ج 5 ص 268.
(3) التهذيب ج 5 ص 268.
(4) التهذيب ج 5 ص 123.
310
بحضوره، و مثلها رواية أبي بصير المتقدمة، و يستفاد من صحيحة رفاعة أنه لو أغمي عليه قبل الاستنابة فإنه يرمى عنه بعض المؤمنين، سيما إذا خيف فوات الوقت، و ربما ظهر من الرواية وجوب ذلك كفاية.
المسألة الرابعة [كيفية الترتيب]
- قد تقدم أنه من المقطوع به نصا و فتوى وجوب الترتيب بين الجمار الثلاث، و عن المقطوع به فيها أيضا أنه يحصل الترتيب بمتابعة أربع حصيات لا أقل، فيبني عليها.
و يدل عليه
ما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و قال في رجل رمى الاولى بأربع و الأخيرتين بسبع سبع، قال يعود فيرمي الأولى بثلاث و قد فرغ، و ان كان رمى الاولى بثلاث و رمى الأخيرتين بسبع سبع فليعد فليرمهن جميعا بسبع سبع، و ان كان رمى الوسطى بثلاث ثم رمى الأخرى فليرم الوسطى بسبع، فان كان رمى الوسطى بأربع رجع فرمى بثلاث» الحديث.
و ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث و الثانية بسبع و الثالثة بسبع قال: يعيد برميهن جميعا بسبع سبع، قلت: فان رمى الاولى بأربع و الثانية بثلاثة و الثالثة بسبع؟ قال: يرمى الجمرة الأولى بثلاث، و الثانية بسبع، و يرمى جمرة العقبة بسبع، قلت: فان رمى الجمرة الأولى بأربع و الثانية بأربع و الثالثة بسبع؟ قال:
يعيد فيرمي الأولى بثلاث، و الثانية بثلاث، و لا يعيد على الثالثة».
و عن على بن أسباط (3) قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): إذا رمى الرجل الجمار أقل من أربع لم يجزه، أعاد عليها و أعاد على ما بعدها و ان كان قد أتم ما بعدها.
و إذا رمى شيئا منها أربعا بنى عليها و لم يعد على ما بعدها ان كان قد أتم رميه».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 483.
(2) التهذيب ج 5 ص 265.
(3) التهذيب ج 6 ص 266.
311
و حسنة الحلبي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل رمى الجمار منكوسة، قال: يعيد على الوسطى و جمرة العقبة».
و ان كان قد رمى من الجمرة الأولى أقل من أربع حصيات و أتم الجمرتين الأخيرتين، فليعد على الثلاث الجمرات، و ان كان قد رمى من الأولى أربعا فليتم ذلك، و لا يعيد على الأخيرتين، و كذلك ان كان قد رمى من الثانية ثلاثا فليعد عليها و على الثالثة، و ان كان قد رماهما بأربع و رمى الثالثة بسبع فليتمها و لا يعيد الثالثة.
و هذه الرواية الأخيرة نقلها السيد السند في المدارك، و لم أقف عليها في كتب الاخبار و لا سيما الوافي و الوسائل الجامعين لما في الكتب الأربعة، بل و غيرها و الظاهر أن نقل الرواية بهذه الكيفية وقع سهوا من صاحب المدارك، و ذلك فان الظاهر أن صاحب المدارك انما نقلها من التهذيب، و صاحب التهذيب انما نقلها من الكافي حيث أنه نقل قبل هذه الرواية سندا هكذا صورته «محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا ثم ساق الرواية، ثم قال بعد تمام هذه الرواية: و عنه عن على بن إبراهيم عن أبيه ثم ساق حسنة الحلبي المذكور، و هو في الكافي إلى قوله «يعيد على الوسطى و جمرة العقبة» و به يظهر أن قوله و ان كان قد رمى من الجمرة الأولى أقل من أربع حصيات الى آخر ما نقله في المدارك انما هو من كلام الشيخ في التهذيب، كما يدل عليه استدلاله بعد هذا الكلام بالروايات.
و لكن صاحب المدارك توهم أنه من متن الرواية، و قد غفل عن ملاحظة المخبر من الكافي، فإنه عار عن هذه الزيادة، و الموجود فيه هو ما نقلناه، كما لا يخفى على من راجعه.
و إطلاق هذه الاخبار و ان كان يقتضي البناء على الأربع مطلقا، عامدا كان أو ناسيا أو جاهلا الا أن الأصحاب (رضوان الله عليهم) قيدوها بحالتي الجهل و النسيان، و صرحوا بوجوب الإعادة من رأس على التي لم يكمل عددها سبعا مع العمد
____________
(1) الكافي ج 4 ص 483 نقل صدرها و التهذيب ج 5 ص 265.
312
و على التي بعدها، لتحريم الانتقال إلى المتأخرة قبل إكمال المتقدمة و هو جيد لما ثبت من وجوب الرمي بسبع.
و بالجملة فالظابط على تقدير الجهل و النسيان أن من رمى واحدة أربعا و انتقل منها إلى الأخرى كفاه إكمال الناقصة و ان كان أقل من أربع، فلا خلاف في أنه يستأنف ما بعدها، لما تقدم من تحريم الانتقال إلى المتأخرة قبل إكمال المتقدمة و انما الخلاف في استيناف الناقصة و إكمالها، فالمشهور الأول و هو المعتضد بالأخبار المتقدمة، و نقل عن ابن إدريس الاكتفاء بإكمالها، لعدم وجوب الموالاة في الرمي.
و في كتاب الفقه الرضوي (1) «و ان جهلت و رميت إلى الأولى بسبع و الى الثانية بست، و الى الثالثة بثلاث فارم إلى الثانية بواحدة و أعد الثالثة، و متى لم تجز النصف فأعد الرمي من أوله، و متى ما جزت النصف فابن على ذلك، و ان رميت إلى الجمرة الأولى دون النصف فعليك أن تعيد الرمي إليها و الى ما بعدها من أوله».
و هذه العبارة بلفظها قد نقلها في المختلف عن الشيخ على بن بابويه، و هو من جملة ما قدمنا ذكره في غير موضع من أخذ عبارات الكتاب المذكور و الإفتاء بها.
المسألة الخامسة [وجوب قضاء الرمي]
- لا خلاف في ان من ترك الرمي عامدا وجب عليه قضاؤه و لا يحرم عليه بذلك شيء من محذورات الإحرام لأنه قد أحل بعد طواف النساء من جميع المحرمات، و هذا الرمي متأخر عنه.
و اما
ما ورد في رواية عبد الله بن جبلة (2) عن الصادق (عليه السلام)، قال: «من ترك رمى الجمار متعمدا لم تحل له النساء، و عليه الحج من قابل».
فهو مع كونه معارضا بالأخبار المستفيضة الدالة على التحليل بالمحللات الثلاثة المتقدمة لا قائل به من الأصحاب.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 184.
(2) التهذيب ج 5 ص 265.
313
و قال الشهيد في الدروس: انها محمولة على الاستحباب، لعدم الوقوف على القائل بالوجوب.
و قال في المنتهى: قال الشيخ (رحمة الله عليه) و قد روى أن من ترك الجمار متعمدا لا تحل له النساء و عليه الحج من قابل، رواه محمد بن أحمد بن يحيى، ثم ساق الرواية المشار إليها إلى أن قال: قال الشيخ و هذا محمول على الاستحباب، لأنا قد بينا في كتابنا الكبير أن الرمي سنة و ليس بفرض، و إذا لم يكن فرضا و لا هو من أركان الحج لم يجب عليه اعادة الحج بتركه، ثم قال في المنتهى: و هذا يدل على اضطراب رأى الشيخ (رحمة الله عليه) في وجوب الرمي.
أقول: قد عرفت في غير موضع مما تقدم تصريحه بالاستحباب في الرمي، و نحوه من مناسك منى و أكثر كلامه يدور على ذلك، و استصوب في الوافي حمل الرواية المذكورة على من ترك الرمي استخفافا و بالجملة فالخبر غير معمول به، و قائله أعرف به.
و لو تركه نسيانا فان ترك رمى يوم قضاه من الغد مرتبا يبدء بالفائت و يعقب بالحاضر، و يستحب أن يكون ما يرميه لأمسه غدوة، و ما يرميه ليومه عند الزوال.
أما وجوب قضاء ما فاته من الغد فيدل عليه
ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت: الرجل ينكس في رمى الجمار فيبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم العظمى قال: فيعود فيرمى الوسطى ثم يرمى جمرة العقبة و ان كان من الغد».
و يدل على الحكمين معا
ما رواه في الكافي الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في رجل أفاض من جمع حتى انتهى الى منى فعرض له عارض فلم يرم الجمرة حتى غابت الشمس قال: يرمى إذا أصبح مرتين إحديهما بكرة و هي للأمس، و الأخرى عند زوال الشمس و هي ليومه».
و رواه
____________
(1) الكافي ج 4 ص 483.
(2) الكافي ج 4 ص 484 الفقيه ج 2 ص 285.
314
الصدوق في الفقيه في الصحيح عنه مثله.
و رواه الشيخ في الصحيح أيضا عنه (1) الا انه «قال يرمى إذا أصبح مرتين مرة لما فاته و الأخرى ليومه الذي يصبح فيه و ليفرق بينهما أحدهما بكرة و هي للأمس» الحديث.
و ما رواه الشيخ عن بريد بن معاوية العجلي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي الجمرة الوسطى في اليوم الثاني، قال: فليرمها في اليوم الثالث لما فاته، و لما يجب عليه في يومه، قلت: فان لم يذكر الا يوم النفر قال: فليرمها و لا شيء عليه».
قال: في المدارك «و ينبغي إيقاع الفائت بعد طلوع الشمس و ان كان الظاهر جواز الإتيان به قبل طلوعها أيضا لإطلاق الخبر.
أقول: يمكن المناقشة فيه بأن ما دل من الاخبار المتقدمة على التحديد بما بين طلوع الشمس الى غروبها أعم من الأداء و القضاء، فيكون إطلاق هذا الخبر مقيدا بتلك الاخبار.
و يؤيده أيضا
رواية إسماعيل بن همام (3) قال: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: لا ترم الجمرة يوم النحر حتى تطلع الشمس».
و الروايات المتقدمة الدالة على تخصيص الرمي في غير هذا الوقت بأصحاب الاعذار، و بما ذكرنا صرح في المنتهى ايضا حيث قال بعد ذكر هذا الوقت في الأداء «و كذلك القضاء فإنه بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني».
و روى في الكافي عن عبد الأعلى (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل رمى الجمرة بست حصيات و وقعت واحدة في الحصا؟ قال: يعيدها ان شاء من ساعته، و ان شاء من الغد».
و عن معاوية بن عمار (5) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) انه قال
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 262.
(2) التهذيب ج 5 ص 263.
(3) الكافي ج 4 ص 482.
(4) الكافي ج 4 ص 483.
(5) التهذيب ج 5 ص 266 الكافي ج 4 ص 483.
315
في رجل أخذ احدى و عشرين حصاة فترمي بها فزاد واحدة فلم يدر من أيتهن نقصت، قال: فليرجع فليرم كل واحدة بحصاة، و لو نسي الرمي حتى نزل إلى مكة رجع و رمى.
و يدل عليه
ما رواه الكليني في الصحيح. أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له رجل نسي ان يرمى الجمار حتى اتى مكة قال:
فيرجع فيرميها يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فاته ذلك و خرج؟ قال ليس عليه شيء».
و ما رواه الشيخ عن معاوية بن عمار (2) في الصحيح قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل نسي رمى الجمار قال: يرجع فيرميها قلت: فان نسيها حتى اتى مكة قال يرجع فيرمى متفرقا يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فإنه نسي أو جهل حتى فاته و خرج، قال: ليس عليه شيء أن يعيد».
و ما رواه في الكافي و الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما تقول في امرأة جهلت أن ترمى الجمار حتى نفرت إلى مكة قال: فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمى و الرجل كذلك».
و ينبغي أن يعلم أن ما دل عليه إطلاق هذه الاخبار من القضاء مطلقا و ان كان بعد القضاء أيام التشريق، و أنه بعد الخروج ليس عليه شيء كما في الخبر الأول أو ليس عليه أن يعيد» مقيد بما صرح به الأصحاب من ان القضاء لا يكون إلا في أيام التشريق و مع فواتها فيجب القضاء في القابل بنفسه أو نائبه.
و يدل عليه
ما رواه الشيخ في التهذيب عن عمر بن يزيد (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: من أغفل رمى الجمار أو بعضها حتى تمضى أيام التشريق، فعليه أن يرميها
____________
(1) الكافي ج 4 ص 484.
(2) التهذيب ج 5 ص 264.
(3) الكافي ج 4 ص 484 الفقيه ج 2 ص 285.
(4) التهذيب ج 5 ص 364.
316
من قابل، فان لم يحج رمى عنه وليه، فان لم يكن له ولى استعان برجل من المسلمين يرمى عنه، فإنه لا يكون رمى الجمار إلا أيام التشريق.
و الشيخ قد حمل قوله في الصحيحتين المذكورتين «ليس عليه شيء أو أن يعيد» على الإعادة في ذلك العام، و أنه يجب عليه الإعادة في العام القابل، و استدل على ذلك برواية عمر بن يزيد المذكورة.
و صريح المحقق في النافع و ظاهره في الشرائع ان الإعادة في القابل انما هي على سبيل الاستحباب و اليه مال في المدارك، لضعف رواية عمر بن يزيد المذكورة فيبقى العمل بإطلاق الصحيحتين المذكورتين سالما عن المعارض و هو جيد على أصله الغير الأصيل.
فروع
-
الأول
لو فاته جمرة و جهل تعيينها أعاد على الثلاث مرتبا بينها، لاحتمال كونها الاولى، فيبطل رمى الأخيرتين، و هذا الحكم متفرع على وجوب الترتيب، و كذا لو فاته أربع حصيات من جمرة و جهلها، فإنه يكون في حكم عدم الرمي بالكلية لما تقدم.
و لو فاته دون الأربع كرره على الثالث و لا يجب الترتيب هنا، لأن الفائت من واحدة لا غير، و وجوب الباقي انما هو من باب المقدمة، كما لو فاته فريضة من الخمس مشتبهة فيها، فإنه لا يجب عليه الترتيب.
الثاني:
لو فاته من كل جمرة واحدة أو اثنتان أو ثلاث وجب الترتيب لتعدد الفائت بالإضافة.
الثالث:
لو فاته ثلاث و شك في كونها من واحدة أو أكثر رماها من كل واحدة مرتبا لجواز التعدد فلا يحصل اليقين بالبراءة إلا به، و أما لو كان الفائت أربعا فقد عرفت أنه يستأنف.
المسألة السادسة [مستحبات رمي الجمار]
قد صرح الأصحاب بأنه من المستحبات هنا الإقامة بمنى أيام التشريق، لما تقدم
317
في صحيح عيص بن القاسم (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزيارة بعد زيارة الحج في أيام التشريق، فقال: لا».
و رواية ليث المرادي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي مكة أيام منى بعد فراغه من زيارة البيت، فيطوف بالبيت أسبوعا فقال: المقام بمنى أفضل و أحب الى».
و قد ورد بما يدل على جواز الطواف في المدة المذكورة روايات، منها صحيحة رفاعة المتقدمة قريبا (3).
و منها
صحيحة جميل بن دراج (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يأتي الرجل مكة فيطوف بها في أيام منى و لا يبيت بها.
و صحيحة يعقوب بن شعيب (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن زيارة البيت أيام التشريق، فقال: حسن».
و لا منافاة فإن جواز الطواف لا ينافي أفضلية المقام.
روى الشيخ في الموثق عن إسحاق بن عمار (6) قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) رجل زار فقضى طواف حجه كله، أ يطوف بالبيت أحب إليك أم يمضي على وجهه إلى منى؟ فقال: أى ذلك شاء فعل ما لم يبت».
فإنه ربما أشعر بالمساواة بين الأمرين، و يمكن حمل التخيير على الفضيلة دون الأفضلية. مع احتمال التقية و منها أن يرمى الجمرة الأولى عن يمينه و هي أبعد الجمرات من مكة، و تلي مسجد الخيف، و يقف و يدعو و كذلك الثانية، و يرمى الثالثة، و هي جمرة العقبة مستدبر القبلة مقابلا لها و لا يقف عندها.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 515.
(2) الكافي ج 4 ص 515.
(3) التهذيب ج 5 ص 260.
(4) التهذيب ج 5 ص 260.
(5) التهذيب ج 5 ص 260.
(6) التهذيب ج 5 ص 490.
318
و يدل على ذلك
ما رواه الكليني في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «ارم في كل يوم عند زوال الشمس، و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، و ابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل، و قل كما قلت يوم النحر، ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة فاحمد الله و أثن عليه و صل على النبي و آله (صلى الله عليه و آله) ثم تقدم قليلا فتدعو و تسأله أن يتقبل منك ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية فاصنع كما صنعت بالأولى، و تقف و تدعو الله كما دعوت ثم تمضى إلى الثالثة و عليك السكينة و الوقار فارم و لا تقف عندها».
و عن يعقوب بن شعيب (2) في الصحيح قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجمار، فقال: قم عند الجمرتين، و لا تقم عند جمرة العقبة، قلت: هذا من السنة، قال: نعم قلت: ما أقول إذا رميت؟ فقال: كبر مع كل حصاة».
قال: في المدارك و ليس في هذه الرواية و لا في غيرها مما وقفت عليه من روايات الأصحاب دلالة على استحباب استدبار القبلة في رمى الجمرة العقبة، لكن قال في المنتهى: انه قول أكثر أهل العلم، و احتج لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «أنه رماها كذلك» و لعل مثل ذلك كاف في إثبات هذا الحكم انتهى.
و في صحيحة إسماعيل بن همام (3) «ترمى الجمار من بطن الوادي و تجعل كل جمرة عن يمينك».
و قد تقدم
في صحيح معاوية (4) «فابدء بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل».
و المراد بيسارها جانبها اليسار بالإضافة إلى التوجه إلى القبلة، و حينئذ فيجعلها عن يمينه كما دلت عليه صحيحة إسماعيل المذكورة.
و بذلك صرح المحقق في النافع فقال: و يستحب الوقوف عند كل جمرة، و يرميها عن يسارها مستقبل القبلة، و يقف داعيا عدا جمرة العقبة، فإنه يستدبر القبلة
____________
(1) الكافي ج 4 ص 480.
(2) الكافي ج 4 ص 481.
(3) الكافي ج 4 ص 480.
(4) الكافي ج 4 ص 480.
319
و يرميها عن يمينها.
و منها التكبير بمنى، و هو عقيب خمس عشرة صلاة أولها ظهر النحر، و في البلدان عقيب عشر صلوات أولها ظهر يوم النحر أيضا، و تحقيق البحث فيه يقع في موضعين: أحدهما أن المشهور استحبابه، و قيل بالوجوب، ذهب اليه المرتضى (رضى الله عنه) و ابن حمزة.
و احتج عليه المرتضى بإجماع الفرقة و بقوله عز و جل (1) «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» فان المراد بالذكر فيها هو التكبير،
لما رواه ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح أو الحسن عن محمد بن مسلم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» قال التكبير في أيام التشريق صلاة الظهر من يوم النحر الى صلاة الفجر من اليوم الثالث، و في الأمصار عشر صلوات، فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار، و من أقام بمنى فصلى بها الظهر و العصر فليبكر،.
و عن منصور بن حازم (3) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز و جل «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» قال: هي أيام التشريق كانوا إذا قاموا بمنى بعد النحر تفاخروا، فقال الرجل منهم: كان أبى يفعل كذا و كذا فقال الله عز و جل (4) «فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ. فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَذِكْرِكُمْ آبٰاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» قال: و التكبير الله أكبر» الحديث.
و سيأتي تمامه و قد تقدم تحقيق القول في الموضع المذكور في باب صلاة العيد من كتاب الصلاة (5).
و ثانيهما الكيفية و قد تقدم البحث فيها مستوفى في الموضع المشار إليه.
المسألة السابعة إذا رمى الحاج الجمار الثلاث في اليوم الأول من أيام التشريق و في اليوم الثاني جاز له أن ينفر من منى، و هو النفر الأول و يسقط عنه رمى اليوم
____________
(1) سورة البقرة الآية 203.
(2) التهذيب ج 5 ص 269 الكافي ج 4 ص 516.
(3) الكافي ج 4 ص 516.
(4) سورة البقرة- 198.
(5) جلد 10 ص 277.
320
الثالث، و جواز هذا النفر مخصوص بمن كان قد اتقى في إحرامه الصيد و النساء، قال في المنتهى: «و قد أجمع أهل العلم كافة على أن من أراد الخروج من منى شاخصا عن الحرم غير مقيم بمكة فله ان ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق، لا نعلم فيه خلافا».
أقول: و الأصل في هذه المسألة قوله عز و جل (1) «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ. لِمَنِ اتَّقىٰ» و قيل في المقام اشكال، و هو أن ظاهر قوله سبحانه «وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» يعطي أن التأخير ربما كان مظنة للإثم فنفى ذلك بقوله «لا اثم عليه» مع أن التأخير أفضل للإتيان بمناسك اليوم الثالث، فكيف يتوهم تقصيره و كونه مظنة للإثم ليحتاج الى نفيه عنه.
و قد أجيب عن ذلك بوجوه: منها أن الرخصة قد تكون عزيمة، كما في التقصير، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الاستعجال و التأخر دلالة على التخيير بين الأمرين.
و منها أن أهل الجاهلية كانوا فريقين: فمنهم من يجعل المتعجل آثما، و منهم من يجعل المتأخر آثما فبين الله تعالى، أن لا اثم على كل منهما.
و منها أن المعنى في إزالة الإثم على المتأخر انما هو لمن زاد على مقام ثلاثة أيام، فكأنه قيل: أن أيام منى التي ينبغي المقام بها ثلاثة فمن نقص فلا أثم عليه، و من زاد على الثلاثة و لم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
و منها أن هذا من باب رعاية المقابلة و المشاكلة مثل «وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا» بل هذا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا اثم على صاحبه فيه، و جزاء السيئة ليس سيئة أصلا.
و هذا الوجه نقله في مجمع البيان عن الحسن بتقرير يرجع الى ما ذكر، حيث قال: الثاني أن معناه لا اثم عليه في التعجيل و التأخير و انما نفى الإثم لئلا يتوهم متوهم أن في التعجيل إثما، و انما قال: فلا اثم عليه في التأخير على جهة المزاوجة، كما
____________
(1) سورة البقرة الآية- 203.
321
يقال: ان أعلنت الصدقة فحسن، و ان أسررت فحسن، و ان كان الأسرار أحسن و أفضل عن الحسن.
و منها أن معناه لا اثم عليه، لأن سيئاته صارت مكفرة بما كان من حجه المبرور و هو معنى قول ابن مسعود، و على هذا الوجه و الذي قبله اقتصر في كتاب مجمع البيان، و ما قدمناه من الوجوه نقله السيد السند في المدارك.
و منها و هو الأظهر في المقام أنه لما كان الظاهر من الاخبار كما تقدم تحقيقه في مقدمات الكتاب (1) و عليه محققو الأصوليين هو حجية مفهوم الشرط، و حينئذ فمقتضى قوله عز و جل أولا «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» ان من تأخر و لم يتعجل فعليه الإثم، و الحال أنه لا اثم عليه شرعا، فرفع سبحانه هذا الحكم ببيان أن المفهوم هنا غير مراد، فلا يتوهم أحد أن تخصيص التعجيل بنفي الإثم يستلزم حصول الإثم بالتأخير.
و على ذلك يدل
صحيح أبي أيوب (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انا نريد أن نتعجل المسير و كانت ليلة النفر حين سألته فأي ساعة ننفر؟ فقال لي: أما اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس و كانت ليلة النفر و أما اليوم الثالث فإذا ابيضت الشمس فانفر على بركة الله فان الله جل ثناؤه يقول (3) «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» و لو سكت لم يبق أحد إلا تعجل، و لكنه قال «وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ».
قيل: لعل بناء هذا الحديث على الرد على أهل الجاهلية بناء على ما تقدم من النقل عنهم بأن منهم من أثم المتعجل بالنفر، و منهم من إثم المتأخر به أقول: و هو جيد لو ثبت النقل المذكور عنهم، على أن المتبادر من قوله (عليه السلام) «فلو سكت» الى آخره انما هو ما ذكرناه من أن مقتضى مفهوم المخالفة في الآية هو تحريم التأخير، و لكنه لما لم يكن مرادا بين سبحانه ذلك برفع الإثم
____________
(1) ج 1 ص 57.
(2) الكافي ج 4 ص 519.
(3) سورة البقرة الآية- 203.
322
عمن تأخر، و أما قوله عز و جل (1) «لِمَنِ اتَّقىٰ» فإنه قال في كتاب مجمع البيان فيه قولان:
أحدهما- أنه يقع الحج مبرورا و مكفرا للسيئات إذا اتقى ما نهى الله عنه، و الأخر ما رواه أصحابنا أن قوله «لِمَنِ اتَّقىٰ» متعلق بالتعجيل في اليومين، و تقديره فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه لمن اتقى الصيد الى انقضاء النفر الأخير، و ما بقي من إحرامه و من لم يتقها فلا يجوز له النفر في الأول، و هو المروي عن ابن عباس و اختيار القراء أقول و يؤيد المعنى الأول قوله عز و جل (2) «إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» و روى الصدوق (قدس سره)
في الصحيح عن معاوية بن عمار (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال و سمعته يقول: في قول الله تعالى «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ «قال يتقى الصيد حتى ينفر أهل منى في النفر الأخير،.
و الظاهر أن هذه هي الرواية التي أشار إليها في كتاب مجمع البيان في الوجه الثاني أقول: و من الاخبار في المسألة
ما رواه الشيخ عن حماد بن عثمان (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ. لِمَنِ اتَّقىٰ» الصيد يعني في إحرامه، فإن أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول.
و عن حماد (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أصاب المحرم الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول، و من نفر في النفر الأول فليس له أن يصيب الصيد حتى ينفر الناس و هو قول الله عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ. لِمَنِ اتَّقىٰ» قال اتقى الصيد.
و عن معاوية بن عمار (6) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من نفر في النفر الأول متى يحل له الصيد؟ قال: إذا زالت الشمس من اليوم الثالث».
____________
(1) سورة البقرة الآية- 203.
(2) سورة المائدة الآية- 27.
(3) الفقيه ج 2 ص 288.
(4) التهذيب ج 5 ص 273.
(5) التهذيب ج 5 ص 490.
(6) التهذيب ج 5 ص 491.
323
و عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ينبغي لمن تعجل في يومين أن يمسك عن الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث.
و عن جميل بن دراج (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، في حديث قال: «و من أصاب الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول».
و روى في الكافي عن محمد بن المستنير (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «من أتى النساء في إحرامه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول» قال في الكافي و في رواية أخرى الصيد أيضا.
و قال فيمن لا يحضره الفقيه بعد نقل صحيحة معاوية المتقدمة:
و في رواية ابن محبوب عن مؤمن الطاق عن سلام بن المستنير (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) «أنه قال:» «لِمَنِ اتَّقىٰ» «الرفث و الفسوق و الجدال و ما حرم الله عليه في إحرامه».
و في رواية على بن عطية عن أبيه (5) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال «لمن اتقى الله» عز و جل.
قال: و روى أنه يخرج من الذنوب كهيئة يوم ولدته أمه».
و روى «من وفى وفى الله له».
و في رواية المنقري عن سفيان بن عيينة (6) عن أبى عبد الله (عليه السلام) (في قول الله عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» يعنى من مات فلا اثم عليه و من تأخر أجله فلا اثم عليه لمن اتقى الكبائر».
قال: و سئل الصادق (7) (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» قال: ليس هو على أن ذلك واسع، ان شاء صنع ذا و ان شاء صنع ذا لكنه يرجع مغفورا له لا اثم عليه و لا ذنب له».
و روى في الكافي عن سفيان بن عينة (8) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 289.
(2) الفقيه ج 2 ص 289.
(3) الكافي ج 4 ص 522.
(4) الفقيه ج 2 ص 288.
(5) الفقيه ج 2 ص 288.
(6) الفقيه ج 2 ص 288 و 289.
(7) الفقيه ج 2 ص 288 و 289.
(8) الكافي ج 4 ص 521.
324
سأل رجل أبى بعد منصرفه من الموقف فقال: أ ترى يخيب الله هذا الخلق كله؟
فقال: أبى ما وقف بهذا الموقف أحد إلا غفر الله له مؤمنا كان أو كافرا ألا انهم في مغفرتهم على ثلاث منازل مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخروا عتقه من النار، و ذلك قوله عز و جل (1) «رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً، وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّٰا كَسَبُوا وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ» و منهم من غفر الله له ما تقدم من ذنبه، و قيل له: أحسن فيما بقي من عمرك و ذلك قوله تعالى «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» يعنى من مات قبل أن يمضي فلا اثم عليه و من تأخر فلا اثم عليه- لمن اتقى الكبائر، و أما العامة فيقولون: فمن تعجل في يومين فلا اثم عليه، يعني في النفر الأول و من تأخر فلا اثم عليه يعنى لمن اتقى الصيد، أ فترى أن الصيد، يحرمه الله بعد ما أحله في قوله عز و جل (2) «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و في تفسير العامة معناه و إذا حللتم فاتقوا الصيد، و كافر وقف هذا الموقف زينة الحياة الدنيا غفر الله له ما تقدم من ذنبه ان تاب من الشرك فيما بقي من عمره، و ان لم يتب وفاه أجره، و لم يحرمه أجر هذا الموقف، و ذلك قوله عز و جل (3) «مَنْ كٰانَ يُرِيدُ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا وَ هُمْ فِيهٰا لٰا يُبْخَسُونَ أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النّٰارُ وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ».
إذا عرفت ذلك فتحقيق الكلام في المقام يقع في مواضع: أحدها من المقطوع به كلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) أنه لا يجوز النفر في النفر الأول الا لمن اتقى الصيد و النساء في إحرامه، فلو جامع في إحرامه أو قتل صيدا و ان كفر عنه لم يجز له أن ينفر في النفر الأول، و وجب عليه المقام بمنى الى النفر الثاني.
و على ذلك تدل جملة من الاخبار المتقدمة منها صحيحة معاوية بن عمار
____________
(1) سورة البقرة الآية 200 و 201.
(2) سورة المائدة الآية- 3.
(3) سورة الهود الآية 15 و 16.
325
و رواية حماد بن عثمان الاولى و روايته الثانية، و رواية جميل بن دراج، و رواية محمد بن المستنير، و العجب، من السيد السند (قدس سره) في المدارك أنه انما استدل هذا الحكم برواية محمد بن المستنير و رواية حماد بن عثمان الاولى، و طعن فيهما بضعف الاسناد، ثم قال: و الآية الشريفة محتملة لمعان متعددة، بل مقتضى رواية معاوية بن عمار الصحيحة أن المراد بالاتقاء خلاف هذا المعنى، و المسألة محل إشكال.
أقول: ليت شعري أي فرق بين مدلول رواية حماد بن عثمان التي ذكرها، و صحيحة معاوية التي أشار إليها، فان كلا منهما قد فسر الاتقاء في الآية باتقاء الصيد في إحرامه، فكيف يتم ما ذكره من أن الصحيحة المذكورة تدل على ان الاتقاء خلاف هذا المعنى، يعنى اتقاء الصيد نعم ذلك مدلول روايات آخر كما عرفت، و أعجب منه انه قد قدم الصحيحة المشار إليها بنحو ما نقلناه، فكيف اتفقت له هذه الغفلة عن مراجعتها.
و بالجملة فالحكم المذكور عار عن وصمة الإشكال كما لا يخفى على من أعطى التأمل حقه في هذا المقام، و ثانيها قد تقدم أن المشهور في معنى المتقى الذي يجوز له النفر في النفر الأول هو من اتقى الصيد أو النساء في إحرامه.
و قال ابن إدريس: أنه من لم يكن عليه كفارة بالكلية، يعنى من اتقى جميع محرمات الإحرام الموجبة للكفارة.
و يدل على القول المشهور من الاخبار المتقدمة صحيحة معاوية ابن عمار، و رواية حماد بن عثمان الاولى و الثانية و غيرها، و يدل على ما ذهب اليه ابن إدريس رواية سلام بن المستنير المتقدمة، الا أنها غير صريحة بل و لا ظاهرة في المنافاة، لما عرفت من اختلاف الاخبار في تفسير التعجيل و التأخير و تفسير الاتقاء، و هذه الرواية إنما اشتملت على تفسير الاتقاء خاصة فلعل ذلك مبنى على معنى آخر للتعجيل و التأخير غير ما هو المشهور في الاخبار و كلام الأصحاب، و لا يحضرني الان مذهب العامة في المسألة فلعل الرواية المذكورة خرجت مخرج التقية.
326
و كيف كان فالعمل على ما دلت عليه الاخبار الكثيرة المعتضدة بكلام الأصحاب (رضوان الله عليهم) سلفا و خلفا.
و ثالثها: الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) في أن النفر الأول لا يكون الا بعد الزوال، و أنه لا يجوز قبل الزوال الا لعذر من ضرورة أو حاجة، و أما النفر الثاني فيجوز له أن ينفر قبل الزوال و بعده أي ساعة شاء و أن النفر الأول بعد الزوال مشروط بأن لا تغرب عليه الشمس بمنى، و الا وجب عليه المبيت بها و التأخير إلى النفر الثاني.
و يدل على هذه الأحكام جملة من الاخبار، و منها صحيحة أبي أيوب المتقدمة
و ما رواه ثقة الإسلام و الصدوق (عطر الله مرقديهما) في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس. فإن تأخرت الى أيام التشريق و هو يوم النفر الأخير فلا عليك أي ساعة نفرت، و رميت قبل الزوال أو بعده».
و زاد في الكافي «فإذا نفرت و انتهيت إلى الحصبة و هي البطحاء فشئت أن تنزل قليلا فإن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: انه كان أبى ينزلها ثم يحمل فيدخل مكة من غير أن ينام بها».
و ما رواه في الكافي في الصحيح أو الحسن عن الحلبي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال من تعجل في يومين فلا ينفر حتى تزول الشمس، فإن أدركه المساء بات و لم ينفر».
و ما رواه في الفقيه في الصحيح عن الحلبي (3) أن أبا عبد الله (عليه السلام) «سئل عن الرجل ينفر في النفر الأول قبل ان تزول الشمس؟ فقال: لا، و لكن يخرج ثقله ان شاء، و لا يخرج هو حتى تزول الشمس».
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 297.
(2) الكافي ج 4 ص 520.
(3) الفقيه ج 2 ص 288.
327
و ما رواه الشيخ عن أبى بصير (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينفر في النفر الأول؟ قال: له أن ينفر ما بينه و بين أن تصفر الشمس، فان هو لم ينفر حتى يكون عند غروبها فلا ينفر، و ليبت بمنى حتى إذا أصبح و طلعت الشمس فلينفر متى شاء».
و اما
ما رواه الشيخ عن زرارة (2) عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «لا بأس ان ينفر الرجل في النفر الأول قبل الزوال».
فحمله الشيخ في التهذيبين على الضرورة.
و ما ذكرنا من انه في النفر الثاني يجوز له النفر أي ساعة شاء قبل الزوال أو بعده و ان كان هو مدلول جملة من الاخبار، الا أن الأفضل كونه قبل الزوال.
لما رواه ثقة الإسلام في الصحيح عن أيوب بن نوح (3) قال: «كتبت اليه:
ان أصحابنا قد اختلفوا علينا فقال بعضهم: ان النفر يوم الأخير بعد الزوال أفضل، و قال بعضهم: قبل الزوال فكتب: أما علمت ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الظهر و العصر بمكة، و لا يكون ذلك الا و قد نفر قبل الزوال».
و يؤكد ما ورد من ان الأفضل و الاوكد للإمام النفر قبل الزوال لما
في صحيحة الحلبي (4) أو حسنته عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «و يصلى الامام الظهر يوم النفر بمكة».
و رابعها- لا يخفى ان ما دلت عليه جملة من الروايات المتقدمة كصحيحة معاوية بن عمار، و رواية الأخرى أيضا، و رواية حماد بن عثمان من تحريم الصيد على من نفر في النفر الأول الى ان ينفر الثاني لا يخلو من الإشكال، لأنه محل، و قد قال الله تعالى (5) «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و حينئذ فكيف يتوقف و حل الصيد له على النفر الثاني، و لا وجه لحمل الصيد هنا على الصيد الحرمي، لأنه حرم ما دام في الحرم لا تعلق له بالنفر الثاني و لا عدمه.
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 472.
(2) التهذيب ج 5 ص 472.
(3) الكافي ج 4 ص 521.
(4) الكافي ج 4 ص 521.
(5) سورة المائدة الآية- 3.
328
و نقل عن ابن الجنيد أنه صرح بتحريم الصيد أيام منى، و ان أحل، و هذه ظاهرة فيما ذكره، و نحوها ما تقدم في المسألة الرابعة من الفصل الثالث في الحلق و التقصير من صحيحة معاوية بن عمار، و رواية كتاب الفقه الدالتين على تحريم الصيد الى بعد طواف النساء.
و التحقيق ان كلام الأصحاب في هذا الباب و كذا الاخبار لا تخلو من تشويش و اضطراب، اما كلام الأصحاب فإنهم ذكروا انه بالحلق و التقصير يحل له كل شيء إلا الطيب و النساء و الصيد، و بطواف الزيارة يحل له الطيب، و بطواف النساء تحل له النساء، و لم يذكروا للصيد محللا.
قال في المنتهى ما ملخصه بعد ان عد محرمات الإحرام إذا عرفت هذا: فإنه إذا حلق أو قصر حل له كل شيء ان كان الإحرام للعمرة، و ان كان للحج فقد حل له كل شيء إلا الطيب و النساء و الصيد، ثم ساق الكلام الى ان قال: و إذا طاف طواف النساء حل له النساء الى ان قال: فحينئذ مواطن التحليل ثلاثة: الأول إذا حلق أو قصر حل له كل شيء أحرم منه الا النساء و الطيب و الصيد، الثاني إذا طاف طواف الزيارة حل له الطيب، الثالث إذا طاف طواف النساء حل له النساء، هذا كلامه (رحمه الله).
و هو مع تكراره خال من التعرض لمحل الصيد، و قد تقدم في المسألة المشار إليها نقل مذهب الشيخ على بن بابويه ببقاء تحريم الصيد الى بعد طواف النساء، و هو الظاهر من كلامهم هنا بالتقريب الذي ذكرناه، حيث ذكروا تحريمه بعد الحلق أو التقصير، و لم يذكروا له محللا.
و اما الاخبار فقد تقدمت في المسألة المشار إليها أيضا، و أكثرها دال على انه بالحلق أو التقصير حل له كل شيء إلا الطيب و النساء و إذا طاف طواف الزيارة حل له الطيب، و إذا طاف طواف النساء حلت له النساء، و ظاهرها أن: الصيد يحل بالحلق أو التقصير، و لا قائل به، بل ظاهر الآية يرده و هي قوله عز و جل (1) «لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» و لا ريب في صدق العنوان عليه ما دام يحرم عليه الطيب و النساء
____________
(1) سورة المائدة الآية- 95.
329
أو أحدهما، فكيف يحل له الصيد.
و صحيحة معاوية بن عمار و رواية كتاب الفقه قد تضمنت إبقاء تحريم الصيد كما عرفت الى بعد طواف النساء، و الأصحاب قد حملوا الصحيحة المذكورة على الصيد الحرمي، و كذا حملوا عليه كلام ابن بابويه و هو و ان احتمل بالنسبة إليها، الا أن هذه الاخبار المذكورة هنا لا تقبل ذلك، لما عرفت آنفا، و الحق أن الروايتين المذكورتين انما خرجتا مخرج هذه الاخبار من الصيد الإحرامي، و ان كانت هذه الاخبار أصرح و أوضح دلالة في ذلك.
و بالجملة فالأخبار المتعلقة بهذه المسألة منها ما دل على تحليل الصيد بعد الحلق أو التقصير كالأخبار المتقدمة في تلك المسألة، و هو مردود بظاهر آية (1) «لٰا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ» بالتقريب الذي قدمناه مع عدم القائل بذلك، و منها و هو أخبار هذه المسألة ما دل على بقاء تحريم الصيد الى أن ينفر الناس من النفر الثاني، و هو مردود أيضا بظاهر قوله سبحانه (2) «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و ظاهر الاخبار التعارض في الصيد الإحرامي، و لم أقف على مذهب العامة في هذا المقام و لا على كلام الأحد من أصحابنا يرفع هذا الإبهام. و الله العالم.
و خامسها- لا يخفى أن ما قدمناه صدر المسألة من الاخبار أكثرها دال على أن المراد بالتعجيل و التأخير في الآية يعني بالنسبة إلى النفر الأول و الثاني، فإن المراد بالاتقاء فيها على هذا التقدير اتقاء الصيد و الرفث، و أما ما ورد من تفسير التعجيل بالموت بعد الحج، و التأخير من تأخر أجله فان الاتقاء حينئذ بمعنى التقوى و الورع عن الكبائر، كما في روايتي صفوان بن عيينة و سفيان بن عيينة و ما ورد
في المرسلة المروية في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) و قوله «ليس هو على أن ذلك واسع ان شاء صنع ذا و ان شاء صنع ذا لكنه يرجع مغفورا له لا اثم عليه».
بمعنى انه ليس المراد من الاية التخيير في فعل أي الأمرين شاء بل المراد منها ان المتعجل و المتأخر سواء
____________
(1) سورة المائدة الآية 95.
(2) المائدة الآية- 3.
330
في كونهما مغفورا لهما الذنوب كلها لا يختص الغفران بواحد منها.
و ما رواه
في الكافي عن إسماعيل بن نجيح (1) قال: «كنا عند أبى عبد الله (عليه السلام) بمنى ليلة من الليالي. فقال: ما يقول هؤلاء فيمن تعجل في يومين فلا اثم عليه، و من تأخر فلا اثم عليه؟ قلنا: ما ندري قال: بلى يقولون: من تعجل من أهل البادية فلا اثم عليه، و من تأخر من أهل الحضر فلا اثم عليه، و ليس كما يقولون قال الله جل ثنائه (2) «فَمَنْ تَعَجَّلَ. فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» ألا لا اثم عليه، و من تأخر فلا اثم عليه، ألا لا اثم عليه لمن اتقى، انما هي لكم و الناس سواد و أنتم الحاج».
يعنى أن المراد «بالمتقين» في الآية انما هم الشيعة، و الآية انما هي فيهم، و المغفرة لمن تعجل أو تأخر انما هي مخصوصة بهم.
و روى نحوه في تفسير العياشي عن الباقر (عليه السلام) أنه سئل عن تفسير هذه الآية «فقال: أنتم و الله أنتم ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: لا يثبت على ولاية على (عليه السلام) الا المتقون».
فلا منافاة فيه للأخبار المتقدمة، لأن القرآن له ظهر و بطن، و لكل منهما ظهر و بطن، فعلى أيهما حمل و بها فسر فلا منافاة فيه، كما ورد عن أصحاب البيت الذي نزل القرآن فيهم، و هم أعرف الناس بباطنه و ظاهره، و ليس هذا من قبيل اختلاف تفسير المفسرين الاخذين بالعقول، و الآراء، فإنه مردود عندنا بلا اختلاف و لا امتراء.
فائدة: قال ابن إدريس في السرائر: قال الثوري: سألت أبا عبيدة عن اليوم الثاني من النحر ما كانت العرب تسميه؟ فقال: ليس عندي من ذلك علم، فلقيت ابن مناذر فأخبرته بذلك فتعجب و قال أسقط مثل هذا على أبى عبيدة، و هي أربعة أيام متواليات كلها على الراء، يوم النحر، و الثاني يوم المقر، و الثالث يوم النفر، و الرابع يوم الصدر، فحدثت أبا عبيدة فكتبه عنى عن ابن مناذر، قال ابن إدريس: و ابن
____________
(1) الكافي ج 4 ص 523.
(2) سورة البقرة الآية- 203.
331
مناذر هذا شاعر لغوي بصري صاحب القصيدة الدالية «كل حي لاقى الحمام فهو دمي» انتهى.
بقي الكلام فيما اشتمل عليه خبر سفيان بن عيينة حيث أنه (عليه السلام) بعد ان فسر التعجيل و التأخير بمن مات قبل أن يمضي، و من تأخر موته، نفى التفسير المشهور في الاخبار، و كلام الأصحاب و نسبه الى عامة الناس و جهالهم، و نفى حمل الاتقاء على اتقاء الصيد معللا له بأنه كيف يحرمه الله تعالى بعد ما أحله، بقوله (1) «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و الكل ظاهر في منافاة الأخبار المتقدمة و اتفاق كلمة الأصحاب، و الأظهر عندي أن الخبر انما خرج بذلك مخرج التقية و أن سفيان المذكور من رؤساء المخالفين و شياطينهم، و له أحاديث مع الصادق (عليه السلام) في الاعتراض عليه في لباسه و مأكله، و يحتمل و لعله الأقرب ان التقية كانت في أصل الخبر من الباقر (عليه السلام) مع ذلك السائل كما يؤذن به سياق الخبر المذكور، و أما ما تكلف صاحب الوافي هنا في دفع المنافاة فلا معنى له كما لا يخفى على المتأمل في الخبر المذكور، و سادسها- يستحب للحاج أن يصلى في مسجد الخيف بمنى صلاة فرضها و نفلها، و أفضله في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو من المنارة التي في وسط المسجد على نحو من ثلاثين ذراعا إلى جهة القبلة، و عن يمينها، و عن يسارها و خلفها كذلك و يدل على ذلك ما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح عن معاوية بن عمار (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «صل في مسجد الخيف و هو مسجد بمنى و كان مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على عهده عند المنارة التي في وسط المسجد، و فوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا و عن يمينها و عن يسارها و عن خلفها نحوا من ذلك، قال:
فتحر ذلك فان استطعت أن يكون مصلاك فيه فافعل، فإنه قد صلى فيه ألف بنى».
و روى فيمن لا يحضره الفقيه عن الثمالي (3) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال:
____________
(1) سورة المائدة الآية- 3.
(2) الكافي ج 4 ص 519.
(3) الفقيه ج 2 ص 136.
332
من صلى في مسجد الخيف بمنى مأة ركعة قبل أن يخرج منه عدلت عبادة سبعين عاما، و من سبح لله فيه مأة تسبيحة كتب الله له كأجر عتق رقبة، و من هلل الله فيه مأة تهليلة عدلت أجر إحياء نسمة، و من حمد الله فيه مأة تحميدة عدلت أجر خراج العراقين ينفقه في سبيل الله عز و جل».
و روى الكليني (1) عن على بن أبي حمزة، و الشيخ عنه عن أبى بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: صل ست ركعات في مسجد منى في أصل الصومعة».
و لعل المراد بأصل الصومعة يعني عند المنارة، لا في الجهات الممتدة إلى نحو ثلاثين ذراعا، كما تقدم.
و سابعها- من المستحبات ايضا التحصيب و هو انما يكون في النفر الثاني دون الأول، كما صرح به الأصحاب و الاخبار و المراد به النزول بالمحصب، و هو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح على ما نقل عن الجوهري و غيره، و قال في القاموس:
و التحصيب النوم بالمحصب الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح ساعة من الليل، و المحصب موضع رمى الجمار بمنى، و نقل عن الشيخ في المصباح و غيره أن التحصيب النزول في مسجد الحصبة.
و قال الصدوق في الفقيه (2) فإذا بلغت مسجد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو مسجد الحصباء دخلته و استلقيت فيه على قفاك بقدر ما تستريح، و من نفر في النفر الأول فليس عليه أن يحصب».
و ربما أشعر هذا الكلام بوجود المسجد المذكور في زمانه (رحمه الله) و أما الآن فلا أثر له.
و قال ابن إدريس: في السرائر و ليس لهذا المسجد المذكور في الكتب أثر اليوم، و انما المستحب التحصيب، و هو نزول الموضع و الاستراحة فيه اقتداء بالرسول (صلى الله عليه و آله و سلم). انتهى.
و نقل في الدروس عن ابن إدريس أنه قال: ليس للمسجد أثر الان، فتتأدى
____________
(1) الكافي ج 4 ص 519.
(2) الفقيه ج 2 ص 332.
333
هذه السنة بالنزول بالمحصب من الأبطح، قال: و هو ما بين العقبة و بين مكة، و قيل:
ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة، و الجبل الذي يقابله مصعدا في الشق الأيمن للقاصد مكة، و ليس المقبرة منه و اشتقاقه من الحصباء، و هو الحصى المحمول بالسيل.
أقول: لم أقف على هذا الكلام في السرائر، و لعله في غيره أو مكان آخر غير الموضع المعهود، و الذي وجدته فيه هو ما قدمت نقله.
ثم قال في الدروس: و نقل عن السيد ضياء الدين بن الفاخر شارح الرسالة أنه قال: ما شاهدت أحدا يعلمني به في زماني و انما وقفني واحد على أثر مسجد بقرب من منى على يمنى قاصد مكة على مسيل واد، قال: و ذكر آخرون أنه عند مخرج الأبطح إلى مكة.
أقول: لم أقف في الاخبار على ذكر لهذا المسجد إلا في عبارة كتاب الفقه الرضوي حيث قال (عليه السلام): إذا رميت الجمار يوم الرابع ارتفاع النهار فأفض منها إلى مكة فإذا بلغت مسجد الحصباء، دخلته و استلقيت فيه على قفاك على قدر ما تستريح.
و ما يوجد في بعض كتب أصحابنا أن النبي (صلى الله عليه و آله) صلى فيه الظهرين و العشاءين، و هجع هجعة، ثم دخل مكة، فالظاهر أنه من روايات العامة و مما يدل على استحباب التحصيب من الاخبار مضافا الى اتفاق الأصحاب ما تقدم قريبا من صحيحة معاوية بن عمار.
و رواه الشيخ عن معاوية بن عمار (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا نفرت و انتهيت إلى الحصبة و هي البطحاء فشئت أن تنزل قليلا فإن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: ان أبى كان ينزلها ثم يرتحل فيدخل مكة من غير ان ينام بها، و قال ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، إنما أنزلها حيث بعث بعائشة مع أخيها عبد الرحمن الى التنعيم فاعتمرت لمكان العلة التي أصابتها فطافت بالبيت ثم سعت ثم رجعت فارتحل من يومه».
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 275.
334
و ما رواه
الصدوق في الفقيه في الصحيح عن أبان و هو ابن عثمان عن أبى مريم (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) أنه سأل عن الحصبة فقال: كان أبى ينزل الأبطح قليلا ثم يدخل البيوت من غير أن ينام بالأبطح فقلت له: أ رأيت من تعجل في يومين عليه أن يحصب؟ قال: لا و قال: كان أبى ينزل الحصبة قليلا ثم يرتحل و هو دون خبط و حرمان».
قال في المدارك بعد ذكر الخبر المذكور و يستفاد من هذه الرواية أن التحصيب النزول بالحصبة، و أنه دون خبط و حرمان، لكن لم أقف في كلام أهل اللغة على شيء يعتد به في ضبط هذين اللفظين، و تفسيرهما.
أقول: قال في الوافي في ذيل الخبر المذكور لعل المراد بما دون خبط و حرمان أن لا ينام فيه مطمئنا و لا يجاوزه محروما من الاستراحة فيه، فان الخبط بالمعجمة و الموحدة طرح النفس حيث كان للنوم و في بعض النسخ ذو خبط: يعنى يرتحل، و هو طارح نفسه للنوم و محروم من النوم انتهى.
و نقل شيخنا المولى محمد تقي المجلسي في بعض الحواشي المنسوبة إليه بعد أن ذكر احتمال ما قدمنا ذكره عن الوافي أن في بعض كتب العامة دون حائط حرمان و ذكر أنه كان هناك بستان و مسجد الحصباء كان قريبا منه ثم قال شيخنا المشار اليه و هو أظهر.
الفصل الثالث في وداع البيت الشريف و الخروج
، و مستحبات ذلك، و فيه مسائل
[المسألة] الأولى [استحباب الصلاة في الكعبة]
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ان من قضى مناسكه بمنى جاز له أن ينصرف حيث شاء، و ان استحب له العود إلى مكة لوداع البيت.
روى الشيخ عن الحسين بن على السري (2) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 289.
(2) التهذيب ج 5 ص 273.
335
ما ترى في المقام بمنى بعد ما ينصرف الناس؟ فقال: ان كان قد قضى نسكه فليقم ما شاء، و ليذهب حيث شاء».
و حينئذ فمتى أراد الرجوع للوداع فقد ذكر بعض الأصحاب انه يستحب امام العود إلى مكة صلاة ست ركعات بمسجد الخيف و استدل على ذلك بما تقدم في الموضع الخامس من رواية على بن أبي حمزة، أو أبي بصير من قوله (عليه السلام) «صل ست ركعات في مسجد منى في أصل الصومعة، و هذه الرواية لا اشعار فيها باستحباب الصلاة امام العود كما ذكروه، بل ظاهرها استحباب هذه الصلاة في هذا الموضع، أى وقت كان ثم انه بعد العود إلى مكة يستحب له دخول الكعبة، و يتأكد في حق الصرورة.
روى في الكافي عن على بن خالد (1) عمن حدثه عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: كان يقول: الداخل الكعبة يدخل و الله راض عنه، و يخرج عطلا من الذنوب».
و عن ابن القداح (2) عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) قال: سألته عن دخول الكعبة قال: الدخول فيها دخول في رحمة الله، و الخروج منها خروج من الذنوب، معصوم فيما بقي من عمره، مغفور له ما سلف من ذنوبه».
و روى في الفقيه (3) مرسلا قال: «و قال (عليه السلام) من دخل الكعبة بسكينة و هو ان يدخلها غير متكبر و لا متجبر غفر له».
و اما ما يدل على تأكده في حق الصرورة فهو ما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح عن سعيد الأعرج (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بد للصرورة أن يدخل الكعبة قبل ان يرجع» الحديث.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 527.
(2) الكافي ج 4 ص 527.
(3) الفقيه ج 2 ص 133.
(4) الكافي ج 4 ص 529.
336
و عن ابان بن عثمان عن رجل (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «يستحب للصرورة أن يطأ المشعر الحرام، و ان يدخل البيت».
و روى الشيخ في الصحيح عن حماد بن عثمان (2) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن دخول البيت؟ فقال: اما الصرورة فيدخله، و اما من قد حج فلا».
و حمل على ان المنفي تأكد الاستحباب الثابت في حق الصرورة.
و روى الصدوق (قدس سره) بسنده عن سليمان بن مهران (3) عن جعفر بن محمد (عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: و كيف صار الصرورة يستحب له دخول الكعبة دون من قد حج؟ قال: لأن الصرورة قاضي فرض مدعوا الى بيت الله فيجب ان يدخل البيت الذي دعى اليه، ليكرم فيه».
و روى الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر (4) قال: «سألت أخي موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن دخول الكعبة أ واجب هو على كل من حج: قال: هو واجب أول حجة، ثم إنشاء فعل و ان شاء ترك».
ثم انه يستحب لمن أراد الدخول ان يغتسل ثم تدخلها بسكينة و وقار بغير حذاء و لا يبزق و لا يمتخط و ان يدعو بالمأثور و يصلى بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء ركعتين، و في كل زاوية ركعتين، و يكبر مستقبلا لكل ركن.
و يدل على مجموع هذه الأحكام جملة من الاخبار منها ما رواه
ثقة الإسلام عطر الله مرقده في الكافي عن معاوية بن عمار (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا أردت الكعبة فاغتسل قبل أن تدخلها، و لا تدخلها بحذاء، و تقول، إذا دخلت:
انك قلت: و من دخله كان آمنا فآمني من عذاب النار، ثم تصلى ركعتين بين الأسطوانتين على الرخامة الحمراء، تقرء في الركعة الأولى حم السجدة، و في الثانية
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 191 و 277.
(2) التهذيب ج 5 ص 191 و 277.
(3) العلل ص 450 ط النجف الأشرف.
(4) قرب الاسناد ص 104.
(5) الكافي ج 4 ص 528.
337
عدد آياتها من القرآن و تصلى في زواياه، و تقول: اللهم من تهيأ أو تعبأ أو أعد و استعد لوفادة إلى مخلوق رجاء رفده و جائزته و نوافله و فواضله، فإليك يا سيدي تهيئتي و تعبئتي و إعدادي و استعدادي رجاء رفدك و نوافلك و جائزتك، فلا تخيب اليوم رجائي يا من لا يخيب عليه سائل، و لا ينقصه نائل، فإني لم آتك اليوم بعمل صالح قدمته، و لا شفاعة مخلوق رجوته، و لكن أتيتك مقرا بالظلم و الاسائة على نفسي فإنه لا حجة لي و لا عذر، فأسألك يا من هو كذلك أن تعطيني مسألتي و تقيلني عثرتي، و تقبلني برغبتي، و لا تردني مجبوها ممنوعا و لا خائبا، يا عظيم يا عظيم يا عظيم، أرجوك للعظيم، أسألك يا عظيم أن تغفر لي الذنب العظيم، لا إله إلا أنت» قال: و لا تدخلنها بحذاء و لا تبزق فيها و لا تمتخط فيها، و لم يدخلها رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الا يوم فتح مكة».
و عن إسماعيل بن همام (1) قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): دخل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الكعبة فصلى في زواياها الأربع و صلى في كل زاوية ركعتين».
و عن الحسين بن أبى العلاء (2) في الحسن قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) و ذكرت الصلاة في الكعبة قال: بين العمودين تقوم على البلاطة الحمراء فان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) صلى عليها، ثم أقبل على أركان البيت و كبر الى كل ركن منه.
أقول: لا يبعد حمل التكبير هنا على ما دل عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة من صلاة ركعتين في كل زاوية، لقوله: «و يكبر مستقبلا لكل ركن، فالتكبير هنا كناية عن صلاة ركعتين في كل زاوية، و هي الأركان، لا أن المراد التكبير منفردا كما فهمه الأصحاب.
و عن معاوية (3) في الصحيح قال: «رأيت العبد الصالح دخل الكعبة فصلى ركعتين على الرخامة الحمراء ثم قام فاستقبل الحائط بين الركن اليماني و الغربي فوقع يده عليه و لزق به و دعا، ثم تحول الى الركن اليماني فلصق به و دعا، ثم أتى
____________
(1) الكافي ج 4 ص 529.
(2) الكافي ج 4 ص 528.
(3) الكافي ج 4 ص 530.
338
الركن الغربي ثم خرج».
و عن معاوية بن عمار (1) في الصحيح في دعاء الولد قال: أفض عليك دلوا من ماء زمزم ثم ادخل البيت فإذا قمت على باب البيت فخذ بحلقة الباب ثم قل: اللهم ان البيت بيتك و العبد عبدك و قد قلت: من دخله كان آمنا فآمني من عذابك و أجرني من سخطك، ثم ادخل البيت فصل على الرخامة الحمراء ركعتين، ثم قم إلى الأسطوانة التي بحذاء الحجر و ألصق بها صدرك ثم قل: يا واحد يا أحد يا ماجد يا قريب يا بعيد يا عزيز يا حكيم لا تذرني فردا و أنت خير الوارثين، هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ثم در بالأسطوانة فألصق بها ظهرك و بطنك و تدعو بهذا الدعاء فان يرد الله شيئا كان».
و روى الصدوق في كتاب العلل و الأحكام في الصحيح عن عبيد الله بن على الحلبي (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) يغتسلن النساء إذا أتين البيت؟
قال: نعم ان الله عز و جل يقول (3) «أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ لِلطّٰائِفِينَ وَ الْعٰاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ» فينبغي للعبد أن لا يدخل الا و هو طاهر، قد غسل عنه العرق و الأذى، و تطهر.
و يستحب التكبير ثلاثا عند الخروج من الكعبة و الدعاء بالمأثور و صلاة ركعتين عن يسار الدرجة، و يمين الخارج لما رواه
في الكافي في الصحيح عن عبيد الله بن سنان (4) قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) و هو خارج من الكعبة و هو يقول:
الله أكبر الله أكبر حتى قالها ثلاثا، ثم قال اللهم لا تجهد بلاءنا ربنا و لا تشمت بنا أعداءنا فإنك أنت الضار النافع، ثم هبط فصلى الى جانب الدرجة جعل الدرجة عن يساره مستقبل الكعبة ليس بينه و بينها أحد ثم خرج الى منزله».
المسألة الثانية [استحباب طواف الوداع]:
لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) في استحباب
____________
(1) الكافي ج 4 ص 530.
(2) العلل ص 411 ط النجف الأشرف.
(3) سورة الحج الآية- 26.
(4) الكافي ج 4 ص 529.
339
طواف الوداع، و المعتمد في كيفية الوداع ما رواه
ثقة الإسلام و شيخ الطائفة (نور الله تعالى مرقديهما) في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال إذا أردت أن تخرج من مكة فتأتي أهلك فودع البيت و طف بالبيت أسبوعا و ان استطعت أن تستلم الحجر الأسود و الركن اليماني في كل شوط فافعل، و الا فافتتح به و اختم به، و ان لم تستطع ذلك فموسع عليك، ثم تأتى المستجار فتصنع عنده كما صنعت يوم قدمت مكة و تخير لنفسك من الدعاء ثم استلم الحجر الأسود ثم ألصق بطنك بالبيت تضع يدك على الحجر و الأخرى مما يلي الباب و احمد الله و أثن عليه و صل على النبي و آله ثم قل: اللهم صل على محمد عبدك و رسولك و نبيك و أمينك و حبيبك و نجيبك و خيرتك من خلقك اللهم كما بلغ رسالاتك و جاهد في سبيلك و صدع بأمرك و أوذي في جنبك و عبدك حتى أتاه اليقين، اللهم اقلبني مفلحا منجحا مستجابا لي بأفضل ما يرجع به أحد من وفدك من المغفرة و البركة و الرحمة و الرضوان و العافية (2) «مما يسعني أن أطلب أن تعطيني مثل الذي أعطيته أفضل من عندك و تزيدني عليه» اللهم ان أمتني فاغفر لي و ان أحييتني فارزقنيه من قابل، اللهم لا تجعله آخر العهد من بيتك، اللهم انى عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك حملتني على دوابك و سيرتني في بلادك حتى أقدمتنى حرمك و أمنك و قد كان في حسن ظني بك ان تغفر لي ذنوبي فإن كنت قد غفرت لي ذنوبي فازدد عنى رضا، و قربني إليك زلفى، و لا تباعدني، و ان كنت لم تغفر لي فمن الان فاغفر لي قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن كنت قد أذنت لي غير راغب عنك و لا عن بيتك و لا مستبدل بك و لا به، اللهم احفظني من بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي حتى تبلغني أهلي، فإذا بلغتني أهلي فاكفني مؤنة عبادك و عيالي، فإنك ولي ذلك من خلقك و منى» ثم ائت زمزم و اشرب من مائها ثم اخرج و قل «آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون الى ربنا راغبون الى الله
____________
(1) الكافي ج 4 ص 530 التهذيب ج 5 ص 280.
(2) بين القوسين في التهذيب و ليس في الكافي.
340
راجعون إنشاء الله قال: و ان أبا عبد الله (عليه السلام) لما ودعها و أراد ان يخرج من المسجد الحرام خر ساجدا عند باب المسجد طويلا ثم قام و خرج».
و عن إبراهيم بن أبى محمود (1) في الصحيح قال رأيت أبا الحسن (عليه السلام) ودع البيت فلما أراد أن يخرج من باب المسجد خر ساجدا ثم قام و استقبل القبلة فقال: اللهم انى انقلب على أن لا إله إلا أنت».
و عن على بن مهزيار (2) في الصحيح قال: رأيت أبا جعفر الثاني (عليه السلام) في سنة خمس عشرة و مأتين ودع البيت بعد ارتفاع الشمس، فطاف بالبيت يستلم الركن اليماني في كل شوط، فلما كان في الشوط السابع استلمه، و استلم الحجر و مسح بيده ثم مسح وجهه بيده، ثم أتى المقام و صلى خلفه ركعتين، ثم خرج الى دبر الكعبة إلى الملتزم فالتزم البيت و كشف الثوب عن بطنه، ثم وقف عليه طويلا يدعو، ثم خرج من باب الحناطين و توجه قال: فرأيته سنة سبع عشرة و مأتين ودع البيت ليلا يستلم الركن اليماني و الحجر الأسود في كل شوط فلما كان في الشوط السابع التزم البيت في دبر الكعبة قريبا من الركن اليماني و فوق الحجر المستطيل و كشف الثوب عن بطنه ثم أتى الحجر الأسود فقبله و مسحه و خرج الى المقام، فصلى خلفه ثم مضى و لم يعد الى البيت و كان وقوفه على الملتزم بقدر ما طاف بعض أصحابنا سبعة أشواط و بعضهم ثمانية».
و عن أبي إسماعيل (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) هو ذا أخرج جعلت فداك فمن أين أودع البيت، قال: تأتى المستجار بين الحجر و الباب فتودعه من ثم، ثم تخرج فتشرب من زمزم ثم تمضى، فقلت: أصب على رأسي، فقال: لا تقرب الصب».
و عن قثم بن كعب (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): انك لتدمن الحج قلت:
____________
(1) الكافي ج 4 ص 531.
(2) الكافي ج 4 ص 532.
(3) الكافي ج 4 ص 532.
(4) الكافي ج 4 ص 532.
341
أجل قال: فليكن آخر عهدك بالبيت أن تضع يدك على الباب و تقول: المسكين على بابك، فتصدق عليه بالجنة».
و روى الشيخ في التهذيب عن على (1) «عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل لم يودع البيت؟ قال: لا بأس به ان كانت به علة و كان ناسيا».
و روى في الكافي عن حماد عن رجل (2) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: إذا طافت المرأة الحائض ثم أرادت أن تودع البيت فلتقف على أدنى باب من أبواب المسجد و لتودع البيت».
أقول: الظاهر أن المراد به أنه عرض لها الحيض بعد أن طافت طواف الوداع، قبل الإتيان بدعاء الوداع و قد صرح الأصحاب بسقوط الوداع عن الحائض لمكان الحيض.
قال في المنتهى: و الحائض لا وداع عليها و لا فدية على طواف الوداع الفائت بالحيض، و هو قول عامة فقهاء الأمصار، بل يستحب لها أن تودع من أدنى باب من أبواب المسجد، و لا تدخله إجماعا، لأنه يحرم عليها دخول المسجد.
أقول: و قد تقدم أنه إذا طافت المرأة أربعة أشواط من طواف النساء ثم حاضت فإنها تنصرف، و هو واضح الدلالة في المراد.
المسألة الثالثة [استحباب شرب ماء زمزم و السجود و التصدق]
- من المستحبات قبل الخروج بعد الوداع الشرب من ماء زمزم، قال في الدروس في تعداد ما يستحب يومئذ «و رابعها: الشرب من ماء زمزم و الإكثار منه، و التضلع منه أى الامتلاء فقد
قال النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «ماء زمزم لما شرب له».
و قد روى حماد أن جماعة من العلماء شربوا منه لمطالب مهمة ما بين تحصيل علم و قضاء حاجة و شفاء من علة و غير ذلك فنالوها و الأهم طلب المغفرة و الفوز بالجنة و النجاة من النار و غير ذلك، و يستحب حمله و أهداه قال: و في رواية معاوية «أسماء
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 282.
(2) الكافي ج 4 ص 450.
(3) المستدرك ج 2 ص 143.
342
زمزم: ركضة جبرائيل، و حفيرة إسماعيل، و حفيرة عبد المطلب و زمزم و برة و المضمونة و الردا و شبعة و طعام و مطعم و شفاء سقم (1).
أقول:
و قد روى الصدوق مرسلا (2) قال: قال الصادق (عليه السلام): ماء زمزم شفاء لما شرب له،.
قال: و روى ان من روى من ماء زمزم أحدث به شفاء، و صرف عنه به داء،.
قال: و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يستهدي ماء زمزم و هو بالمدينة».
و قد تقدم في الاخبار السابقة ما يدل على نحو ذلك.
و منها الخروج من باب الحناطين كما دلت عليه رواية على بن مهزيار المتقدمة و قال في الدروس و هو باب بنى جمح و هو بإزاء الركن الشامي قيل و انما سمى باب الحناطين لبيع الحنطة عنده، و قيل لبيع الحنوط.
قال المحقق الشيخ على و لم أجد أحدا يعرف موضع هذا الباب، فان المسجد قد زيد فيه فينبغي أن يتحرى الحاج موازاة الركن الشامي ثم يخرج.
و منها ان يخر ساجدا عند خروجه كما تضمنه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، و صحيحة إبراهيم بن أبى محمود (3) و ربما أوهم بعض العبارات كون السجود بعد الخروج من المسجد، و ليس كذلك، فأن ظاهر الخبرين المذكورين كونه في المسجد.
و منها أن يشترى بدرهم تمرا و يتصدق به ناويا التكفير عما كان منه في الإحرام، أو الحرم مما لا يعلم، لما رواه
الصدوق في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: يستحب للرجل و المرأة أن لا يخرجا من مكة حتى يشتريا بدرهم تمرا فليصدقا به، لما كان منهما في إحرامهما، و لما كان في حرم الله عز و جل».
و ما رواه
ثقة الإسلام (عطر الله مرقده) في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار و حفص بن البختري جميعا (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ينبغي للحاج
____________
(1) الوسائل الباب- 20 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب- 20 من أبواب مقدمات الطواف.
(3) الكافي ج 4 ص 531.
(4) الفقيه ج 2 ص 290.
(5) الكافي ج 4 ص 533.
343
إذا قضى مناسكه و أراد أن يخرج أن يبتاع بدرهم تمرا يتصدق به، فيكون كفارة لما لعله دخل عليه في حجه من حك أو قملة سقطت أو نحو ذلك».
و عن أبى بصير (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) إذا أردت ان تخرج من مكة فاشتر بدرهم تمرا فتصدق به قبضة قبضة فيكون لكل ما كان منك و في إحرامك و ما كان منك بمكة».
و منها أن لا يخرج من الحرمين بعد ارتفاع النهار حتى يصلى الظهرين لما رواه
ثقة الإسلام عطر الله مرقده عن إبراهيم بن عبد الحميد (2) قال: «سمعته يقول:
من خرج من الحرمين بعد ارتفاع النهار قبل أن يصلى الظهر و العصر نودي من خلفه لاصحبك الله».
خاتمة الكتاب
فيها مطلبان
المطلب الأول: في النوادر و الزيارات
و ما يتعلق بذلك من البحوث و التحقيقات و فيه فصول:
الفصل الأول [حكم من جنى في الحرم]:
روى ثقة الإسلام عطر الله مرقده في الصحيح عن الحلبي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عز و جل مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً قال:
إذا أحدث العبد في غير الحرم جناية ثم فر الى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم، و لكن يمنع من السوق و لا يبايع و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلم، فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ، و إذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لانه لم يدع للحرم حرمته.
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح أو الحسن قال: «سألت أبا عبد الله
____________
(1) الكافي ج 4 ص 533.
(2) الكافي ج 4 ص 543.
(3) الكافي ج 4 ص 226.
(4) الكافي ج 4 ص 228.
344
(عليه السلام) عن رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل الحرم فقال: لا يقتل و لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يؤوى حتى يخرج من الحرم فيقام عليه الحد، قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق قال: يقام عليه الحد صاغرا أنه لم ير للحرم حرمة و قد قال الله عز و جل (1) «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» فقال:
هذا هو في الحرم فقال فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ».
و عن على بن أبي حمزة (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل (3) «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» قال: ان سرق سارق بغير مكة أو جنى جناية على نفسه ففر إلى مكة لم يؤخذ ما دام بالحرم حتى يخرج منه، و لكن يمنع من السوق فلا يبايع و لا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، و ان أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه».
و روى الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن ابن أبى عمير عن هشام بن الحكم (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يجني في غير الحرم ثم يلجأ إلى الحرم قال: لا يقام عليه الحد و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلم و لا يبايع، فإنه إذا فعل به ذلك يوشك أن يخرج فيقام عليه الحد، و ان جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم فإنه لم ير للحرم حرمة».
أقول: ما اشتملت عليه هذه الاخبار من الأحكام المذكورة مما لا خلاف فيه بين أصحابنا (رضوان الله عليهم)، الا أن عباراتهم في هذا المقام ربما أشعرت بنوع منافاة للأخبار المذكورة و نحوها، حيث قالوا: من أحدث حدثا في غير الحرم و التجأ إلى الحرم ضيق عليه في المطعم و المشرب حتى يخرج فيقام عليه الحد، و لفظ التضييق لم يقع في شيء من روايات المسألة، و قد فسر التضييق بأن يطعم و يسقى
____________
(1) الكافي ج 4 ص 227.
(2) سورة البقرة الآية- 190.
(3) سورة آل عمران الآية: 97.
(4) التهذيب ج 10 ص 416 الفقيه ج 4 ص 85.
345
ما لا يحتمله مثله عادة، أو ما يسد الرمق، و لا ريب أن كلا من المعنيين مناسب للفظ التضييق، الا، انه كما عرفت لا أثر له في النصوص، و انما ظاهرها عدم إطعامه و سقيه بالكلية، و لو مات جوعا و عطشا ثم ان بعض الأصحاب ألحق بالحرم مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) و مشاهد الأئمة (عليهم السلام) محتجا بإطلاق اسم الحرم عليها في بعض الاخبار، و لا ريب في ضعفه.
و روى في الكافي عن عبد الخالق الصيقل (1) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (2) «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني أحد الا من شاء الله قال: من أم هذا البيت و هو يعلم أنه البيت الذي أمره الله عز و جل به، و عرفنا أهل البيت حق معرفتنا كان آمنا في الدنيا و الآخرة»،.
و رواه الصدوق مرسلا بدون قوله «لقد سألتني عن شيء ما سألني الا من شاء الله، و لا «ثم قال».
أقول: لا منافاة بين هذا التفسير و بين ما تقدم، فان هذا من الباطن و ذلك من الظاهر، و المراد بقوله (عليه السلام) «آمنا في الدنيا و الآخرة» أى من سخط الله و عذابه
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن و في الفقيه عن معاوية بن عمار (3) قال: «أتى أبو عبد الله (عليه السلام) في المسجد فقيل له: ان سبعا من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شيء من حمام الحرم إلا ضربه فقال: انصبوا له و اقتلوه فإنه قد الحد».
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله الله عز و جل (5) «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ» فقال: كل ظلم إلحاد، و ضرب الخادم من غير ذنب من ذلك الإلحاد».
قيل: الباء في «بإلحاد» زائدة، تقديره و من يرد فيه إلحادا و في بظلم المتعدية
و عن أبى الصباح الكناني (6) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن قول الله عز و جل وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ» فقال: كل ظلم يظلم الرجل نفسه بمكة من سرقة أو ظلم أحد أو شيء من الظلم فإني أراه إلحادا و لذلك كان يتقى
____________
(1) الكافي ج 4 ص 545 الفقيه ج 2 ص 133.
(2) سورة آل عمران الآية: 97.
(3) الكافي ج 4 ص 227.
(4) الكافي ج 4 ص 227.
(5) سورة الحج الآية- 24.
(6) الكافي ج 4 ص 227.
346
أن يسكن الحرم».
و روى الصدوق مثله، و زاد في آخره و لذلك كان يتقى الفقهاء أن تسكن مكة
و روى الشيخ في الصحيح عن الحلبي (1) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل (2) «وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ» فقال: كل الظلم فيه إلحاد حتى لو ضربت خادمك ظلما خشيت ان يكون إلحادا و لذلك كان الفقهاء يكرهون سكنى مكة.
أقول: قد دلت هذه الاخبار و أمثالها على كراهة سكنى مكة و يستنبط منها كراهة ذلك أيضا في سائر الأماكن المشرفة و المشاهد المعظمة، و الوجه في ذلك هو أن شرف المكان كما يقتضي تضاعف أجر الطاعات فيه من حيث شرفه يقتضي أيضا تضاعف جزاء العاصي من حيث هتك حرمته، ألا ترى الى نساء النبي (صلى الله عليه و آله) لمزيد قربهن منه (صلى الله عليه و آله) و الفوز بشرف أمومة المؤمنين قد ضاعف لهم الأجر بقوله (3) «وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنٰا لَهٰا رِزْقاً كَرِيماً» و قال (4) «لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسٰاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ» ثم ضاعف لهم العذاب بالمعاصي فقال (5) «يٰا نِسٰاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا الْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ» و هكذا يكون الحكم في جميع الأماكن الشريفة و الأزمان المنيفة، و المشهور بين الأصحاب كراهة المجاورة بمكة، و علل ذلك بوجوه: منها الخوف من الملالة و قلة الاحترام، و الخوف من ملابسة الذنب، فان الذنب فيها عظيم، أو بأن المقام فيها يقسي القلب، أو من سارع الى الخروج منها يدوم شوقه إليها، و ذلك مراد الله عز و جل، و جميع هذه التوجيهات مروية، و قد ورد في الاخبار ما يدل على استحباب المجاورة،
كصحيحة على بن مهزيار (6) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) «عن المقام بمكة أفضل أو الخروج الى بعض الأمصار؟ قال: المقام
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 420.
(2) سورة الحج الآية- 25.
(3) سورة الأحزاب الآية 31.
(4) سورة الأحزاب الآية 32.
(5) سورة الأحزاب الآية 33.
(6) التهذيب ج 5 ص 476.
347
عند بيت الله أفضل».
و روى ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (1) مرسلا عن الباقر (عليه السلام) قال: من جاور بمكة سنة غفر الله له ذنوبه و لأهل بيته، و لكل من استغفر له و لعشيرته و لجيرانه ذنوب تسع سنين قد مضت، و عصموا من كل سوء أربعين و مأة سنة، ثم قال: و الانصراف و الرجوع أفضل من المجاورة».
و الجمع بين الاخبار ممكن لجمل ما دل على استحباب الجوار على ما إذا أمن من نفسه وقوع الذنب فيها كما عرفت من الاخبار المتقدمة.
و روى الشيخ عن أيوب بن أعين (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان امرأة كانت تطوف و خلفها رجل فأخرجت ذراعها فنال بيده حتى وضعها على ذراعها، فاثبت الله يده في ذراعها حتى قطع الطواف فأرسل الى الأمير و اجتمع الناس و أرسل الى الفقهاء و جعلوا يقولون: اقطع يده، فهو الذي جنى الجناية فقال: هيهنا أحد من ولد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: نعم الحسين بن على قدم الليلة، فأرسل إليه فدعاه فقال انظر ما لقيا ذان، فاستقبل القبلة و رفع يده و مكث طويلا يدعو ثم جاء إليهما حتى خلص يده من يدها، فقال الأمير: أ لا نعاقبه بما صنع؟ فقال: لا».
أول أقول: لا يبعد أن يكون الجاني من الشيعة الإمامية، و أنه ما لحقه من الخزي و الفضيحة حصل له الندم و التوبة، فلذلك عفى عنه و لم يعاقبه.
و روى الحميري في قرب الاسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (3) عن الرضا (عليه السلام) قال: «سأله صفوان و أنا حاضر عن الرجل يؤدب مملوكه في الحرم؟ فقال: كان أبو جعفر (عليه السلام) يضرب فسطاطه في حد الحرم بعض أطنابه في الحرم و بعضها في الحل، فإذا أراد أن يؤدب بعض
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 146.
(2) التهذيب ج 5 ص 470.
(3) الوسائل الباب 14 من أبواب مقدمات الطواف.
348
خدمه أخرجه من الحرم و أدبه في الحل».
و روى الشيخ عن ابى الصباح الكناني (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمدا؟
قال: يضرب رأسه ضربا شديدا ثم قال: ما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمدا؟
قال: يقتل».
أقول: المراد بالحدث هنا البول و الغائط لما ورد في خبر آخر في الفرق بين الإسلام و الايمان رواه
الصدوق (2) قال: «قال الصادق (عليه السلام): في حديث يذكر فيه الإسلام و الايمان و لو أن رجلا دخل الكعبة فبال فيها معاندا خرج من الكعبة و من الحرم و ضربت عنقه.
و عن أبى الصباح الكناني (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، أيهما أفضل الإيمان أو الإسلام، فإن من قبلنا يقولون أن الإسلام أفضل من الايمان، فقال: الايمان ارفع من الإسلام قلت: فأوجدني ذلك قال: ما تقول فيمن أحدث في المسجد الحرام متعمدا؟
قال: قلت: يضرب ضربا شديدا قال: أصبت قال: فما تقول فيمن أحدث في الكعبة متعمدا؟ قال: قلت: يقتل، قال: أصبت.
الفصل الثاني [في أنه لم يكن لدور مكة أبواب]:
روى ثقة الإسلام في الكافي عن الحسين بن أبى العلاء في الحسن (4) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان معاوية أول من علق على بابه مصراعين بمكة فمنع حاج بيت الله ما قال الله عز و جل (5) «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ».
و كان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضى حجه، و كان معاوية صاحب السلسلة التي قال الله تعالى (6)
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 469.
(2) الفقيه ج 1 ص 193.
(3) الوسائل الباب- 46 من أبواب مقدمات الطواف.
(4) الكافي ج 4 ص 243.
(5) سورة الحج الآية: 25.
(6) الحاقة: الاية 31 و 32.
349
«فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كٰانَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ» و كان فرعون هذه الأمة».
و عن يحيى بن أبى العلاء (1) «عن أبى عبد الله عن أبيه (عليهما السلام) قال:
لم يكن لدور مكة أبواب كان أهل البلدان يأتون بقطرانهم فيدخلون فيضربون بها فكان أول من بوبها معاوية».
(لعنه الله) قال في الوافي: القطران كأنه جمع قطار الإبل كالجدار و أما قطوان بالواو كما يوجد في بعض النسخ فلم نجد له معنى محصلا.
و روى الشيخ في الحسن عن الحسين بن أبى العلاء (2) «قال ذكر أبو عبد الله (عليه السلام) هذه الآية «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ.» قال: كانت مكة ليس على شيء منها باب، و كان أول من علق على بابه المصراعين معاوية بن أبى سفيان و ليس ينبغي لأحد ان يمنع الحاج شيئا من الدور و منازلها».
و عن حفص بن البختري (3) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: ليس ينبغي لأهل مكة أن يجعلوا على دورهم أبوابا، و ذلك أن الحاج ينزلون معهم في ساحة الدار حتى يقضوا حجهم».
و روى الصدوق في العلل مسندا في الصحيح عن عبيد الله بن على الحلبي (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن قول الله عز و جل (5) «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» فقال: لم يكن ينبغي ان يصنع على دور مكة أبواب، لأن للحاج ان ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار حتى يقضوا مناسكهم، و أن من جعل لدور مكة أبوابا معاوية» و رواه في الفقيه مرسلا قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله تعالى و ساق الحديث.
و روى عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن الحسين بن علوان (6) «عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) أنه نهى أهل مكة أن يؤاجروا دورهم و أن يعلقوا أبوابا و قال «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» قال: و فعل ذلك أبو بكر و عمر
____________
(1) الكافي ج 4 ص 243.
(2) التهذيب ج 5 ص 420.
(3) الوسائل الباب- 32 من أبواب مقدمات الطواف.
(4) الوسائل الباب- 32 من أبواب مقدمات الطواف.
(5) سورة الحج الآية- 25.
(6) الوسائل الباب- 32 من أبواب مقدمات الطواف.
350
و عثمان و على حتى كان في زمن معاوية».
و عن السندي بن محمد عن أبي البختري (1) عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) أنه كره اجارة بيوت مكة و قرأ «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ».
و روى على بن جعفر في كتابه (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: «و ليس ينبغي لأهل مكة أن يمنعوا الحاج شيئا من الدور ينزلونها.
أقول: المشهور بين المتأخرين أن المنع من سكنى الحاج بالأبواب و نحوها انما هو على جهة الكراهة، و نقلوا عن الشيخ (رحمة الله عليه) القول بالتحريم، و ردوه بما اشتملت عليه صحيحة حفص بن البختري، و رواية الحسين بن ابى العلاء و نحوهما من لفظ ليس ينبغي، فإنه ظاهر في الكراهة، و نقل عن الشيخ فخر الدين في شرح القواعد أنه استدل للشيخ بأن مكة كلها مسجد لقوله تعالى (3) سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ» الى آخره و كان الإسراء من دار أم هاني، و إذا كانت كذلك فلا يجوز منع أحد منها لقوله تعالى (4) «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» و رد بأنه استدلال ضعيف، أما أولا فلان الإجماع القطعي منعقد على خلافه، و أما ثانيا فلمنع كون الإسراء من بيت أم هاني، ثم لو سلمنا لجاز مروره بالمسجد الحرام ليتحقق الإسراء منه حقيقة:
أقول: الأظهر في الاستدلال للشيخ (رحمة الله عليه) انما هو بظاهر الآية فان ظاهرها مساواة البادي للحاضر في الانتفاع بمساكنها و دورها حتى يقضوا نسكهم و إذا كان حقا شرعيا لهم فمنعهم منه محرم كما ينادى به قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى فمنع حاج بيت الله ما قال الله تعالى «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» بمعنى أنه منعهم حقا قد فرض الله لهم في كتابه و أما التمسك بقوله «فليس ينبغي» فقد عرفت في غير موضع ان هذا اللفظ قد ورد بمعنى التحريم في الاخبار بما لا يحصى كثرة، و قد بينا أنه
____________
(1) الوسائل الباب- 32 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب- 32 من أبواب مقدمات الطواف.
(3) سورة الإسراء الآية- 1.
(4) سورة الحج الآية- 25.
351
من الألفاظ المتشابهة في الاخبار التي لا تحمل على أحد المعنيين إلا بقرينة، و ان كان في العرف الظاهر بين الناس الآن انما هو بمعنى ما ذكروه الا انه لا عبرة به.
و بالجملة فالاعتماد في الاستدلال على ظاهر الآية بالتقريب الذي ذكرناه، و يخرج ما ورد في رواية قرب الاسناد من نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) أهل مكة أن يؤاجروا دورهم، و أن يعلقوا أبوابا الذي هو حقيقة في التحريم- شاهدا على ما ذكرناه و تكاثر هذه الاخبار بإنكار ذلك على معاوية و ذمه بها و أنها من بدعه بالتحريم أنسب و الى الانطباق عليه أقرب.
الفصل الثالث [أحكام لقطة الحرم]
روى الشيخ في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اللقطة و نحن يومئذ بمنى فقال: أما بأرضنا هذه فلا تصلح، و اما عندكم فان صاحبها الذي يجدها يعرفها سنة في كل مجمع، ثم هي كسبيل ماله».
و عن الفضيل بن يسار (2) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن لقطة الحرم فقال: لا تمس ابدا حتى يجيء صاحبها فيأخذها قلت: فان كان مالا كثيرا، قال: فان لم يأخذها إلا مثلك فليعرفها».
و عن على بن أبي حمزة (3) قال: «سألت العبد الصالح (عليه السلام) عن رجل وجد دينارا في الحرم فأخذه قال: بئس ما صنع ما كان ينبغي له ان يأخذ قلت:
ابتلى بذلك، قال: يعرفه، قلت: فإنه قد عرفه فلم يجد له باغيا، قال: يرجع الى بلده فيتصدق به على أهل بيت من المسلمين، فان جاء طالبه فهو له ضامن».
و عن إبراهيم بن عمر اليماني (4) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: اللقطة لقطتان: لقطة الحرم تعرف سنة، فان وجدت صاحبها و الا تصدقت بها و لقطة غيره تعرف سنة، فان لم تجد صاحبها و هي كسبيل مالك».
و رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن مثله، الا انه قال في آخره: «فان
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 421 الوسائل الباب- 28 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) الوسائل باب 28 من أبواب مقدمات الطواف.
(3) الوسائل باب 28 من أبواب مقدمات الطواف.
(4) الوسائل باب 28 من أبواب مقدمات الطواف.
352
جاء صاحبها و الا فهي كسبيل مالك».
و عن إبراهيم بن ابى البلاد عن بعض أصحابه (1) عن ابى الحسن الماضي (عليه السلام) قال: «لقطة الحرم لا تمس بيد و لا رجل و لو ان الناس تركوها لجاء صاحبها فأخذها».
و روى في الكافي عن الفضيل بن يسار (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يجد اللقطة في الحرم، قال: لا يمسها و اما أنت فلا بأس، لأنك تعرفها».
و عن فضيل بن غزوان (3) في الصحيح قال: «كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) فقال له الطيار إن حمزة ابني وجد دينارا في الطواف قد انسحق كتابته قال هو له».
و عن محمد بن رجا الخياط (4) قال: كتبت الى الطيب (عليه السلام) انى كنت في المسجد الحرام فرأيت دينارا فأهويت إليه لآخذه فإذا أنا بآخر «فنحيت الحصا» (5) فإذا أنا بثالث، فأخذتها فعرفتها فلم يعرفها أحد فما ترى في ذلك، فكتب: فهمت ما ذكرت من أمر الدنانير فان كنت محتاجا فتصدق بثلثها، و ان كنت غنيا فتصدق بالكل».
أقول: الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع: الأول: قد اختلفت الأصحاب (رضوان الله عليهم) في لقطة الحرم فقال الشيخ في النهاية: اللقطة ضربان ضرب يجوز أخذه و لا يكون على من أخذه ضمانه و لا تعريفه، و هو ما كان دون الدرهم، أو يكون قد وجده في موضع خربان قد باد أهله و استنكر رسمه، و ضرب لا يجوز أخذه، فإن أخذه لزمه حفظه و تعريفه، و هو على ضربين، ضرب يجده في الحرم
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 390.
(2) الكافي ج 4 ص 239.
(3) التهذيب ج 6 ص 395.
(4) الكافي ج 4 ص 239 و فيه الأرجاني.
(5) في الكافي «ثم بحثت الحصا».
353
فيجب تعريفه سنة، ثم يتصدق به، و ضرب يجده في غير الحرم فيلزمه أيضا أن يعرفه سنة، فان جاء صاحبه رده عليه، و ان لم يجيء كان كسبيل ماله» قال في المختلف بعد نقل ذلك: هذا الكلام: يشعر بأن ما يجده في الحرم مما يقل قيمته عن درهم يجوز أخذه، و كذا عبارة ابن البراج في الكامل و ابن إدريس، ثم نقل عن على بن بابويه قال: اللقطة لقطتان: لقطة الحرم، و لقطة غيره، فأما لقطة الحرم فإنها تعرف سنة، فان جاء صاحبها و الا تصدق بها، و لقطة غير الحرم تعرفها سنة، فان جاء صاحبها و الا كسبيل مالك و ان كانت دون الدرهم فهي لك.
ثم قال: و هذا يشعر بأن المأخوذ في الحرم يجب تعريفه مطلقا، و كذا عبارة أبيه في المقنع.
ثم نقل عن الشيخ المفيد نحوا من عبارة الشيخ على بن بابويه، و حاصلها في الدلالة على أن لقطة الحرم يجب تعريفها مطلقا فان عرف صاحبها، و الا تصدق بها و لقطة غير الحرم يعرفها كذلك، فان عرف صاحبها و الا تصرف فيها الذي وجدها و لا بأس أن ينتفع بما يجده مما لم يبلغ قيمته درهما واحدا و لا يعرفه، ثم نقل عن سلار ما يشعر بموافقة الشيخ في إباحة ما ينقص عن الدرهم في الحرم، ثم اختار مذهب الشيخ على بن بابويه.
أقول: و قد ظهر من ذلك أن محل الخلاف هنا في أن ما نقص عن درهم من لقطة الحرم هل يجوز تملكه من غير تعريف أم لا؟ فظاهر الشيخ في النهاية و من تبعه أول، و ظاهر الشيخ على بن بابويه و الشيخ المفيد الثاني.
و العجب انه في المختلف قال في صدر البحث: لا يجوز تملك لقطة الحرم إجماعا، بل يجب تعريفها حولا ثم يتخير بعده بين الاحتفاظ و الصدقة، و هذا الكلام كما ترى يؤذن بدعوى الإجماع على عدم جواز تملكها، و ان كانت أقل من درهم، مع أنه نقل الخلاف المذكور في أثناء المبحث.
ثم ان ظاهر عبارة الشيخ المتقدمة أن ما كان درهما فما ذا لا يجوز أخذه و لا التقاطه من الحرم كان أو غيره، و قيل: انه لا يحل لقطة الحرم قليلة كانت أو كثيرة،
354
و به صرح المحقق في كتاب الحج من الشرائع، و عزاه في المدارك الى الشيخ في النهاية، و عبارته المتقدمة كما عرفت لا تساعده، إذ ظاهرها انما هو ما كان درهما فصاعدا و قيل بالكراهة، و هو اختياره في النافع.
و قيل يجوز التقاط القليل مطلقا، و الكثير على كراهية مع نية التعريف، و هو خيرة المحقق في كتاب اللقطة على ما ذكره في المدارك، و الظاهر ان من ذهب الى التحريم مطلقا أخذ بظاهر النهى عن أخذها، و منها كما في صحيحة الفضيل بن يسار و رواية إبراهيم ابن ابى البلاد، و رواية على بن أبي حمزة و غيرها الا انه ينافيه قوله (عليه السلام) في صحيحة الفضيل، «فان لم يأخذها إلا مثلك فليعرفها» فإنه مما يؤذن بالرخصة، و جواز الأخذ لمثله، و مثله قوله (عليه السلام) في رواية الأخرى، «و اما أنت فلا بأس».
و من هنا قيل بالكراهة سيما مع ورود النهي أيضا في غير لقطة الحرم، كما
في حسنة الحسين بن أبى العلاء (1) قال: «ذكرنا لأبي عبد الله (عليه السلام) اللقطة فقال: لا تعرض لها فان الناس لو تركوها لجاء صاحبها حتى يأخذها».
و قول على (عليه السلام) في رواية مسعدة بن زياد (2) عن الصادق (عليه السلام) «إياكم و اللقطة، فإنها ضالة المؤمن، و هي حريق من حريق جهنم».
إلا أنك قد عرفت من ظاهر عبارة الشيخ المتقدمة القول بالتحريم مطلقا، و ان كان من غير لقطة.
و اما من قال بالتحريم في خصوص الدرهم فما زاد كما هو ظاهر عبارة النهاية و لعله خصص عموم هذه الاخبار بأخبار جواز أخذ ما نقص عن الدرهم.
و من فصل بين الكثير و القليل لعله نظر الى ظاهر صحيحة الفضيل بن يسار مع ما دل على جواز التقاط ما دون الدرهم.
و كيف كان فمع أخذها و تعريفها فقيل: انه يتخير بين الحفظ فتكون أمانة عنده و بين الصدقة، فإن تصدق بها بعد الحول، ففي الضمان قولان للشيخ: أحدهما ثبوته
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 390 الرقم- 6.
(2) الفقيه ج 2 ص 176.
355
قال في النهاية في باب آخر من فقه الحج، و كذا في المبسوط و الخلاف، و به قال ابن الجنيد و ابن إدريس.
و القول الثاني في باب اللقطة من النهاية أنه لا ضمان عليه، و هو قول المفيد و ابن البراج، و سلار، و ابن حمزة، و المحقق في كتاب الحج من الشرائع، و نسبه في المختلف أيضا الى ولده، و جعل الأقوى الأول.
أقول: و يأتي على ما قدمناه القول بجواز التقاط ما دون الدرهم و تملكه تخصيص البحث هنا بما زاد على ذلك، و نقل عن المحقق في كتاب اللقطة أنه جوز تملك ما دون الدرهم دون الزائد، فخير بين إبقائه أمانة و التصدق به و لا ضمان أقول: أما ما ذكره من التخيير بين الحفظ و التصدق فالروايات المتقدمة خالية عنه، فإنها كلها متفقة على التصدق سوى رواية الفضيل بن غزوان، و سيجيء الكلام فيها إنشاء الله و أما ما قيل: من عدم الضمان على تقدير التصدق، فلعل منشؤه إطلاق الأمر بالتصدق في صحيحة إبراهيم بن عمر اليماني، و رواية محمد بن رجا الخياط، و متى كان مأمورا بالصدقة و قد امتثل فلا يتعقبه ضمان، الا أن رواية على بن أبي حمزة قد دلت على الضمان متى جاء طالبه، فيجب تقييد إطلاق الخبرين بها، و بذلك تقوى القول بالضمان كما اختاره في المختلف.
الثاني قال في المختلف: كلام الشيخ يشعر بمنع أخذ ما زاد على الدرهم من اللقطتين، و كذا قال ابن البراج، و قال ابن على بن بابويه أفضل ما تستعمله في اللقطة إذا وجدتها في الحرم أو غير الحرم أن تتركها و لا تمسها، و هو يدل على أولوية الترك، و الأشهر الكراهة ثم استدل للقائلين بالتحريم بعصمة مال الغير و بحسنة الحسنين بن أبى العلاء المتقدمة، و أجاب عنها بأنه لا منافاة بين عصمة مال الغير و الالتقاط، فانا لا تملكه إياها بمجرده، بل نأمره بالتعريف و الالتقاط، و ذلك حفظ لها قال:
و قد روى زرارة (1)
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 391.
356
عن الباقر (عليه السلام) قال: «سألته عن اللقطة، فأراني خاتما في يده من فضة، قال: ان هذا مما جاء به السيل و انا أريد أن أتصدق به».
و ذلك يدل على التسويغ أقول: و الذي يقرب عندي من الاخبار الواردة في اللقطة مطلقا في الحرم أو غيره هو تحريم رفعها، لأن الأخبار قد تكاثرت بالنهي عن ذلك الذي هو حقيقة في التحريم مؤكدا بذلك بقول على (عليه السلام) في رواية مسعدة المتقدمة و هي حريق من حريق جهنم، و قوله (عليه السلام) في رواية على بن أبي حمزة بئس ما صنع، غاية الأمر انه رخص للثقة الأمين جواز ذلك، كما دلت عليه صحيحة الفضيل بن يسار، و رواية الأخرى و بذلك يظهر قوة ما ذهب اليه الشيخ و من تبعه.
الثالث قال في المختلف: قال على بن بابويه: و ان وجدت في الحرم دينارا مطلقا فهو لك لا تعرفه، و كذا قال ابنه في كتاب من لا يحضره الفقيه، و المشهور التحريم، للعموم الدال على المنع من أخذ لقطة الحرم، احتج بما رواه الفضيل بن غزوان ثم ساق الرواية كما قدمناه، ثم قال: و الجواب المعارضة بما تقدم من الأحاديث.
أقول: لا يخفى أن ما نقله عن الشيخ على بن بابويه في هذا المقام من عباراته المنقولة في المواضع الثلاثة انما هو مأخوذ من كتاب الفقه الرضوي (1) حيث قال في الكتاب المذكور في باب اللقطة اعلم أن اللقطة لقطتان: لقطة الحرم، و لقطة غير الحرم فأما لقطة الحرم فإنها تعرف سنة، فان جاء صاحبها و الا تصدقت بها، و ان كنت وجدت في الحرم دينارا مطلسا فهو لك لا تعرفه، و لقطة غير الحرم تعرفها أيضا سنة، فان جاء صاحبها و الا فهي كسبيل مالك، و ان كان دون درهم فهو لك حلال- الى أن قال (عليه السلام) و أفضل ما تستعمله في اللقطة إذا وجدتها في الحرم أو غير الحرم أن تتركها فلا تأخذها و لا تمسها، و لو أن الناس تركوا ما وجدوا جاء صاحبها و أخذها» و منه يعلم أن مستند الشيخ المذكور فيما ذكره من هذه الأحكام و غيرها مما عرفت فيما تقدم انما هو الكتاب المذكور، و ان كانت ثمة أخبار تدل على ذلك أيضا.
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 144 نقل صدرها و نقل ذيلها في ج 3 ص 154.
357
نعم يبقى الكلام في أن الاخبار كما عرفت قد دلت على عدم جواز تملك لقطة الحرم، و هو وجه الفرق بين لقطة غير الحرم و غيره، فان الحكم في لقطة الحرم التخيير بين التملك و الصدقة، و الحفظ أمانة، و أما لقطة الحرم فقد عرفت من كلامهم أن الحكم فيها التخيير بين الحفظ و الصدقة، و الظاهر من الاخبار كما عرفت انما هو الصدقة، فالتملك فبها غير جائز، و هذا الخبر قد دل على جواز التملك في خصوص الدينار المطلس، و قد دل الخبران المذكوران على جواز تملكه، فالواجب هو تخصيص الاخبار المذكورة بهما في خصوص هذا الفرد.
الرابع: ما اشتمل عليه خبر محمد بن رجا الخياط من التصدق بالثلث ان كان محتاجا مما قال به الشيخ (رحمة الله عليه) فقال: انه إذا كان محتاجا يجوز له تملك الثلثين و التصدق بالباقي.
و حمله العلامة على الضرورة، و أنكر هذا القول، و أنت خبير بما فيه، فإنه يجوز انه لما كان من حيث احتياجه من مصارف الصدقة جاز له تملك الثلثين و يكون الأمر بالتصدق بالثلث محمولا على ضرب من الفضل و الاستحباب، على أنه مع رفع الأمر للإمام (عليه السلام) الذي هو صاحب الاختيار في التصدق و غيره، أمره بما راى من أخذ الثلثين صدقة عليه، و أن يتصدق بالثلث على غيره. فيكون الحكم مقصورا على هذه الصورة، فلا منافاة فيه للأخبار الدالة على عدم جواز تملك لقطة الحرم.
و ربما قيل: ان تقريره (عليه السلام) على أخذه يدل على جواز أخذ لقطة الحرم، كما ذهب اليه البعض.
و فيه ان الإنكار قد وقع في غيره من الاخبار فيخص به هذا الخبر، و انما هذا لما ابتلى بذلك جعل له المخرج لما ذكره (عليه السلام).
الخامس: قد اتفقت الأخبار المذكورة هنا بالنسبة إلى لقطة غير الحرم ان الحكم فيها بعد التعريف هو انها تكون كسبيل ماله.
و نحوها
رواية داود بن سرحان (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «أنه قال في اللقطة: يعرفها
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 389.
358
سنة، ثم هي كسائر ماله،.
و الأصحاب قد فهموا منها التملك و استدلوا بها على جواز تملكها بعد التعريف، و الخلاف هنا قد وقع في أنه هل تدخل في ملكه بعد التعريف بغير اختيار أو لا بد عن اختياره ذلك، ظاهر كلام الشيخ في النهاية الأول، فإنه قال:
يعرفها سنة، فان لم يجيء صاحبها كانت كسبيل ماله، و كذا قال ابن بابويه، و به جزم ابن إدريس.
و قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: إذا عرفها سنة لا تدخل في ملكه الا باختياره، بأن يقول قد اخترت ملكها، و كذا قال ابن حمزة و أبو الصلاح، و قال الشيخ المفيد و سلار، و ان كان الموجود في غير الحرم عرف سنة، فان جاء صاحبه و الا تصرف فيه الذي وجده و هو ضامن له، و ليس فيه دلالة على شيء من القولين، بل هو محتمل لكل منهما، قال ابن إدريس: الصحيح أنه يملكها بغير اختياره، و هو مذهب أصحابنا أجمع، و به تواترت أخبارهم، و قول الشيخ في الخلاف أنه يتخير بين حفظها على صاحبها، و بين أن يتصدق بها عنه، و يكون ضامنا و بين أن يتملكها مذهب الشافعي و ابى حنيفة اختاره هيهنا و الحق الصحيح إجماع أصحابنا على أنه بعد السنة كسبيل ماله أو يتصدق بها بشرط الضمان، و لم يقولوا هو بالخيار بعد السنة في حفظها على صاحبها.
أقول: و عندي فيما ذكروه من دلالة هذه الاخبار على التملك سيما على القول بدخولها في الملك من غير اختياره إشكال، فإن غاية ما تدل عليه هذه العبارة انها بعد التعريف سنة تكون كسبيل ماله، و التشبيه لا يقتضي المساواة من كل وجه، فيجوز ان يكون المراد بحفظها في جملة أمواله و يجرى عليها ما يجرى عليها.
و مما يدل على ذلك ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن اللقطة قال: لا ترفعوها فان ابتليت فعرفها سنة، فان جاء
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 390.
359
طالبها و الا فاجعلها في عرض مالك يجرى عليها ما يجرى على مالك الى أن يجيء طالب».
و روى في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال سألته عن اللقطة فقال: لا ترفعها فإذا ابتليت بها فعرفها سنة فان جاء طالبها و الا فاجعلها في عرض مالك يجرى عليها ما يجرى على مالك حتى يجيء لها طالب، فان لم يجيء بها طالب فأوص بها في وصيتك».
و أنت خبير بان ظاهر الأمر بجعلها في عرض ماله حتى يجيء لها طالب هو بقاء العين تلك المدة
و روى في من لا يحضره الفقيه في الصحيح عن على بن جعفر (2) أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يصيب درهما أو ثوبا أو دابة كيف يصنع، قال: يعرفها سنة، فان لم يعرف جعلها في عرض ماله حتى يجيء طالبها فيعطيها إياه، و ان مات أوصى بها، و هو لها ضامن».
و ربما أشعر قوله و هو لها ضامن و بالتملك و التصرف، و يمكن حمله على التفريط فيها يعنى و هو لها ضامن ان فرط في حفظها»
و روى المشايخ الثلاثة عطر الله مرقدهم عن أبى خديجة عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «ينبغي له أن يعرفها سنة في مجمع، فان جاء طالبها دفعها اليه و الا كانت في ماله، و ان مات كان ميراثا لولده و لمن ورثه فان لم يجيء لها طالب كانت في أموالهم هي لهم ان جاء طالبها دفعوها اليه (3).
و هذه الاخبار كلها ظاهرة في بقاء العين في يده مدة حياته أو يد ورثته و إطلاق الميراث عليها، و أنها للورثة تجوز باعتبار اختصاصهم بحفظها و بالجملة فإثبات التملك بهذا اللفظ مشكل
____________
(1) الكافي ج 5 ص 139.
(2) الفقيه ج 3 ص 186.
(3) الكافي ج 5 ص 309 التهذيب ج 6 ص 397.
360
نعم
قد روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن حنان بن سدير (1) قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن اللقطة و أنا أسمع قال تعرفها سنة فان وجدت صاحبها و الا فأنت أحق بها».
قال في الفقيه: يعني لقطة غير الحرم و قال: هي كسبيل مالك و قال: خيره إذا جائك بعد سنة بين أجرها و بين أن تغرمها له إذا كنت أكلتها، و الحديث ظاهر في جواز تملكها و التصرف فيها و ضمانها بعد ظهور صاحبها ان طلبها.
و أما ما يدل على جواز الصدقة بها مع الضمان فهو ما رواه
في التهذيب عن الحسين بن كثير (2) عن أبيه قال: «سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن اللقطة فقال: يعرفها فان جاء صاحبها دفعها اليه و الا حبسها حولا، فان لم يجيء صاحبها أو من يطلبها تصدق بها، فان جاء صاحبها بعد ما تصدق بها ان شاء اغترمها الذي كانت عنده و كان الأجر له، و ان كره ذلك احتسبها و الأجر له،.
و أما ما يدل على حفظها و جعله أمانة عنده فليس الا الاخبار الأربعة التي ذكرنا منافاتها لاخبار الملك كما عرفت، و حينئذ فإن عمل بهذه الاخبار على ظاهرها لزم منه القدح في دليلهم المتقدم، بالتقريب الذي ذكرناه، و ان ارتكب فيها التأويل بما يرجع به الى الدلالة على الملك لزم أن يكون القول بالحفظ خاليا إذ ليس من الدليل في الباب سوى هذه الاخبار و الله العالم.
الفصل الرابع [حكم الهدي للحرم]
روى الشيخ (قدس سره) عن على بن جعفر (3) عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل جعل ثمن جاريته هديا للكعبة كيف يصنع فقال: مر مناديا يقوم على الحجر فينادي، ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفذ طعامه فليأت فلان بن فلان، و أمره أن يعطي أولا فأولا حتى يتصدق بثمن الجارية».
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 396 الفقيه ج 3 ص 588.
(2) التهذيب ج 6 ص 389.
(3) التهذيب ج 5 ص 483.
361
و رواه الحميري في قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر مثله، الا انه قال:
ثمن جاريته، و زاد «و سألته عن رجل يقول: هو يهدى كذا و كذا ما عليه؟ فقال:
إذا لم يكن نذر فليس عليه شيء».
و روى ثقة الإسلام في الصحيح عن حريز عن ياسين (1) قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ان قوما أقبلوا من مصر فمات رجل فأوصى بألف درهم للكعبة فلما قدم الوصي مكة سأل فدلوه على بني شيبة فأتاهم فأخبرهم الخبر فقالوا: قد برئت ذمتك ادفعها إلينا، فقام الرجل فسأل الناس فدلوه على أبى جعفر محمد بن على (عليه السلام) قال أبو جعفر (عليه السلام): فأتاني فسألني فقلت له: ان الكعبة غنية عن هذا انظر الى من أم هذا البيت فقطع به، أو ذهبت نفقته أو ضلت راحلته أو عجز أن يرجع الى أهله فادفعها إلى هؤلاء الذين سميت لك، فأتى الرجل بني شيبة فأخبرهم بقول ابى جعفر (عليه السلام) فقالوا: هذا ضال مبتدع ليس يؤخذ عنه، و لا علم له، و نحن نسألك بحق هذا البيت و بحق كذا و كذا لما أبلغته عنا هذا الكلام قال فأتيت أبا جعفر (عليه السلام) فقلت له: لقيت بني شيبة فأخبرتهم فزعموا انك كذا و كذا و انك لا علم لك ثم سألوني بالعظيم الا بلغتك ما قالوا قال: و أنا أسألك بما سألوك لما أتيتهم فقلت لهم ان من علمي أن لو وليت شيئا من أمر المسلمين لقطعت أيديهم ثم علقتها في أستار الكعبة ثم أقمتهم على المصطبة (2) ثم أمرت مناديا ينادي ألا ان هؤلاء سراق الله فاعرفوهم.
و رواه الصدوق في كتاب العلل مثله.
و عن على بن جعفر (3) عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل جعل جاريته هديا للكعبة، كيف يصنع؟ قال: ان ابى أتاه رجل قد جعل جاريته هديا للكعبة فقال له: قوم الجارية أو بعها ثم مر مناديا يقوم على الحجر
____________
(1) الكافي ج 4 ص 241.
(2) المصطبة بكسر الميم و شد الباء-: كالدكان للجلوس عليه ذكره الفيروزآبادي- مرآت.
(3) الكافي ج 4 ص 242- التهذيب ج 5 ص 440.
362
فينادي الا من قصرت نفقته أو قطع به طريقه أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان و أمره أن يعطي أولا فأولا حتى ينفد ثمن الجارية».
و رواه الشيخ بإسناده عن على بن جعفر مثله الا انه قال: جعل ثمن جاريته و ترك قوله «قوم الجارية» و قال: في آخره حتى يتصدق بثمن الجارية، و رواه الصدوق في العلل مثله.
و روى في الفقيه عن محمد بن عبد الله بن مهران عن على بن جعفر (1) عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يقول: هو يهدى الى الكعبة كذا و كذا ما عليه إذا كان لا يقدر على ما يهديه؟ قال: ان كان جعله نذرا و لا يملك فلا شيء عليه، و ان كان مما يملك غلاما أو جارية أو شبههما باع و اشترى بثمنه طيبا فيطيب به الكعبة، و ان كانت دابة فليس عليه شيء».
و عن أبى الحر (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال جاء رجل الى ابى جعفر (عليه السلام) فقال له: انى أهديت جاريته إلى الكعبة فأعطيت بها خمس مأة دينار فما ترى؟ فقال: بعها ثم خذ ثمنها ثم قم على حائط الحجر ثم ناد، و أعط كل منقطع به و كل محتاج من الحاج.
و رواه في موضع آخر و قال: عن أبى الحسن عوض قوله عن أبى الحر و رواه الصدوق في العلل عن ابى الحر عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله، و رواه الشيخ عن ابى الحسن (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) مثله، و الظاهر كما استظهره في الوافي أن لفظة أبى الحر وقع تصحيف أبى الحسن.
و عن سعيد بن عمر الجعفي (4) عن رجل من أهل مصر قال: اوصى الى أخي بجارية كانت له مغنية فارهة، و جعلها هديا لبيت الله الحرام فقدمت مكة فسألت
____________
(1) الفقيه ج 3 ص 235.
(2) الكافي ج 4 ص 242.
(3) التهذيب ج 5 ص 486.
(4) الكافي ج 4 ص 242.
363
قيل: ادفعها إلى بني شيبة، و قيل: الى غير ذلك من القول، فاختلف على فيه، فقال لي رجل من أهل المسجد: إلا أرشدك الى من يرشدك في هذا إلى الحق؟ قلت:
بلى قال: فأشار الى شيخ جالس في المسجد، فقال: هذا جعفر بن محمد (عليهما السلام) فاسأله قال: فأتيته (عليه السلام) و قصصت عليه القصة فقال: ان الكعبة لا تأكل و لا تشرب و ما اهدى لها فهو لزوارها، بع الجارية، و قم على الحجر فناد هل من منقطع به، و هل من محتاج من زوارها فإذا أتوك فسل عنهم، و أعطهم و اقسم فيهم ثمنها، قال: فقلت له: ان بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة، فقال: اما ان قائمنا (عليه السلام) لو قد قام لقد أخذهم فقطع أيديهم فطاف بهم، و قال: هؤلاء سراق الله.
و رواه الشيخ أيضا و الصدوق في العلل مثله،
و عن أبى عبد الله البرقي عن بعض أصحابنا (1) قال: دفعت الى امرأة غزلا فقالت: ادفعه بمكة ليخاط به كسوة الكعبة فكرهت أن ادفعه الى الحجبة، و أنا أعرفهم فلما صرت بالمدينة دخلت على أبى جعفر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك ان امرأة أعطتني غزلا و أمرتني أن ادفعه بمكة ليخاط به كسوة الكعبة فكرهت أن ادفعه الى الحجبة، فقال: اشتر به عسلا و زعفرانا و خذ طين قبر أبى عبد الله (عليه السلام) و اعجنه بما السماء و اجعل فيه شيئا من العسل و الزعفران، و فرقه على الشيعة ليداووا به مرضاهم».
قال في الفقيه (2) و روى عن الأئمة (عليهم السلام) أن الكعبة لا تأكل و لا تشرب، و ما جعل هديا لها فهو لزوارها،.
قال: و روى (3) «انه ينادى على الحجر ألا من انقطعت به النفقة فليحضر فيدفع اليه،».
و روى في العلل و العيون عن عبد السلام بن صالح الهروي (4) و عن الرضا
____________
(1) الكافي ج 4 ص 243.
(2) الفقيه ج 2 ص 126.
(3) الفقيه ج 2 ص 126.
(4) الوسائل الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف.
364
(عليه السلام) في حديث قال: «قلت له: بأي شيء يبدأ القائم منكم إذا قام، قال: يبدأ يبني شيبة فيقطع أيديهم لأنهم سراق بيت الله».
و روى النعماني في كتاب الغيبة بسنده عن بندار الصيرفي (1) عن رجل من أهل الجزيرة عن أبى جعفر، (عليه السلام) قال: قلت له: معي جارية جعلتها على نذر بيت الله في يمين كانت على و قد ذكرت ذلك للحجبة فقالوا جئنا بها، فقد وفى الله بنذرك فقال أبو جعفر (عليه السلام): يا عبد الله ان البيت لا يأكل و لا يشرب، فبع جاريتك و استقص و انظر أهل بلادك ممن حج هذا البيت، فمن عجز منهم عن نفقته فأعطه حتى يفيئوا إلى بلادهم» الحديث.
و روى محمد بن الحسين الرضي (رضى الله عنه) في كتاب نهج البلاغة (2) قال روى أنه ذكر عند عمر في أيامه حلي الكعبة و كثرته، فقال قوم: لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين كان أعظم للأجر، و ما تصنع الكعبة بالحلي، فهم عمر بذلك، فسأل عنه أمير المؤمنين فقال: ان القرآن نزل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الأموال أربعة أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض، و الفيء فقسمه على مستحقيه، و الخمس فوضعه الله حيث وضعه، و الصدقات فجعلها الله حيث جعلها، و كان حلي الكعبة فيها يومئذ، فتركه الله على حاله، و لم يتركه نسيانا، و لم يخف عليه مكانا فأقره حيث أقر الله و رسوله، فقال عمر: لولاك لافتضحنا، و ترك الحلي بحاله.
و روى في العلل في الصحيح عن عبد الله بن المغيرة عن السكوني (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على (عليهما السلام) قال: «لو كان لي واديان يسيلان ذهبا و فضة ما أهديت الى الكعبة شيئا، لأنه يصير إلى الحجبة دون المساكين».
و تحقيق القول و البيان فيما اشتملت عليه هذه الاخبار الحسان يقع أيضا في مواضع: أحدها- لا يخفى أن المعروف في كلام الأصحاب هو أنه لو نذر أن يهدى الى بيت الله سبحانه غير النعم و غير عبده و جاريته و دابته، بأن نذر أن يهدى ثوبا أو
____________
(1) الوسائل الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف.
(2) الوسائل الباب- 23 من أبواب مقدمات الطواف.
(3) الوسائل الباب- 24 من أبواب مقدمات الطواف.
365
طعاما أو دراهم أو دنانير أو نحو ذلك فقيل: أنه يبطل النذر، و نسب الى ابن الجنيد و ابن أبى عقيل و ابن البراج معللين ذلك بأنه لم يتعبد بالإهداء إلا في النعم، فيكون نذر غير ما يتعبد به، و هو باطل، و يدل عليه رواية أبي بصير عن أبى عبد الله (عليه السلام) و فيها «فان قال الرجل: أنا أهدى هذا الطعام فليس بشيء إنما تهدى البدن» و قيل: يباع ذلك و يصرف في مصالح البيت، قال شيخنا الشهيد الثاني في المسالك بعد نقل المصنف هذا القول: و أما القول ببيعه و صرفه في مصالح البيت فنقله المصنف عن بعضهم، و لم يعلم قائله.
نعم صرف ما يهدى الى المشهد و ينذر له الى مصالحه و معونة الزائرين حسن، و عليه عمل الأصحاب، و يبدء بمصالح المشهد أولا و عمارته ثم يصرف الفاضل الى زواره لينفقوه في سفر الزيارة لا غير مع حاجتهم اليه انتهى.
و ظاهر كلام شيخنا المشار اليه هو الفرق بين ما يهدى الى البيت الحرام، و الى المشاهد المشرفة، و أن ما يهدى الى المشاهد ينبغي صرفه في مصالحها و معاونة زوارها، و أما ما يهدى الى الكعبة فسيأتي مذهبه فيه، و حينئذ فمحل الخلاف في المسألة انما هو ما عدا الانعام، للإجماع نصا و فتوى اهداؤها، و ما عدا الثلاثة المذكورة فإن الحكم فيها انها تباع و يصرف ثمنها في مصالح البيت أو المشهد، و معونة الحجاج و الزائرين.
و تنظر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، و قبله الشهيد في نكت الإرشاد في تخصيص محل النزاع بما ذكر أولا، بل ظاهره دخول الثلاثة المذكورة أيضا في ذلك و هو جيد، فان مقتضى دليل المانعين ذلك لتخصيصهم الهدى بالنعم كما عرفت، و ما عداها فلا يصلح لذلك فلا يكون نذره منعقدا و حينئذ فتدخل الثلاثة المذكورة في محل النزاع.
و كيف كان فهذا القول منقول عنه مردود بما تلوناه من الاخبار الدالة على إهداء الجارية و الغزل، و أما رواية أبي بصير المذكورة فإنها لا تبلغ قوة في معارضة ما قدمناه من الاخبار، مع أن ظاهرها تخصيص الهدى بالبدن، و الإجماع نصا و فتوى
366
على خلافه، و ثانيها المفهوم من كلام الشيخ في المبسوط أن مصرف ما يهدى الى بيت الله الحرام مساكين الحرم.
قال: إذا نذر أن يهدى انعقد نذره و يهدى الى الحرم، و يفرقه في مساكين الحرم، لأنه الذي يحمل الإطلاق عليه، و الهدى المشروع ما كان الى الحرم، قال الله تعالى (1) «ثُمَّ مَحِلُّهٰا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» و قال الله تعالى (2) «هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ» فإذا ثبت انعقاد نذره، فاما أن يعين أو يطلق، فان عين فان كان بما ينقل و يحول كالنعم و الدراهم و الدنانير و الثياب و غيرها انعقد نذره، و لزمه نقله الى الحرم و تفرقة في مساكين الحرم، الا أن يعين الجهة التي نذر لها كالثياب لستارة الكعبة و طيبها و نحوهما، فيكون على ما نذر، و ان كان مما لا ينقل و لا يحول، مثل أن يقول:
«لله على أن أهدى الهدي» لزمه ما يجزى أضحيته من الثني من الإبل و البقر و المعز و الجذع من الضأن، لأنه المعهود و ان قال: لله على أن أهدى أو قال: «أهدى هديا» قال قوم: يلزمه ما يجزى أضحيته، و قال آخرون: يلزمه ما يقع عليه الاسم من تمرة أو بيضة فما فوقها، لان اسم الهدى يقع عليه لغة و شرعا، يقال: أهدي بيضة و تمرة، و قال تعالى (3) «يَحْكُمُ بِهِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بٰالِغَ الْكَعْبَةِ» و قد يحكمان بقيمة عصفور أو جرادة و سمى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) البيضة هديا، فقال في التكبير إلى الجمعة، و من راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة، و الأول أحوط، و الثاني أقوى، لأن الأصل براءة الذمة انتهى قال في المسالك و ذهب الشيخ في المبسوط الى صرف الهدى الى بيت الله الى مساكين الحرم، كالهدي من النعم إذا لم بعين له في نذره مصرفا غيرهم، و رجحه العلامة في المختلف و التحرير، و ولده و الشهيد و هو الأصح، و يدل عليه صحيحة على بن جعفر «قال: سألته عن رجل» ثم ساق رواية على بن جعفر الثانية، ثم قال:
____________
(1) سورة الحج الآية- 33.
(2) المائدة- 95.
(3) المائدة- 95.
367
و لا خصوصية للجارية فيكون غيرها كذلك لعدم الفارق، بل الإجماع على عدمه انتهى.
أقول: و قد تحصل أن في المسألة أقوالا ثلاثة أحدها البطلان كما تقدم، و ثانيها الصحة و بيعه و صرف ثمنه في مصالح البيت كما هو القول المجهول القائل بينهم، و ثالثها الصحة و صرف ذلك إلى مساكين الحرم.
ثم أقول: لا يخفى ان ما اختاره هؤلاء الفضلاء الأجلاء (نور الله تعالى مراقدهم) من صرف ذلك الى مساكين الحرم تبعا للشيخ لا أعرف له دليلا واضحا، بل الأخبار التي قدمناها واضحة في رده و بطلانه، و استدلال شيخنا في مسالكه برواية على بن جعفر المشار إليها مردود بأنها و أن أوهمت ذلك في بادى النظر، الا انها عند التأمل فيها و ملاحظة ما عداها من أخبار المسألة، فإن المراد بأولئك الذين يناديهم انما هم الحجاج المنقطعون من أهل الافاق لا مساكين الحرم، و منها قوله في رواية ياسين «انظر الى من أم هذا البيت» الحديث، و قوله في رواية أبي الحر أو أبي الحسن «أعط كل محتاج من الحاج» و قوله في رواية المصري» «و ما أهدى لها فهو لزوارها»، و قوله «فناد هل من منقطع و من محتاج من زوارها» و نحو ذلك رواية النعماني.
و لا ريب أن إطلاق ما عدا هذه الاخبار محمول على هذه الاخبار، و قرائن عباراتها ظاهرة في ذلك.
و بالجملة فإن ما ذكروه (نور الله تعالى مراقدهم) انما نشأ من عدم الوقوف على هذه الاخبار.
و ثالثها الظاهر أن ما اشتمل عليه أكثر هذه الاخبار من ذكر الجارية لا يوجب تخصيص الحكم بها، بل ذلك يجري في كل ما أهدي للكعبة من الحيوانات الأناسي و غيرها و غير الحيوانات، و خصوص السؤال عن الجارية لا يوجب تخصيص الحكم كما تقرر في محله، و لانه متى كان النذر منعقدا صحيحا تعين المصرف فيما ذكر، لعدم الخصوصية كما عليه ظاهر اتفاق كلمة القائلين بانعقاد النذر المذكور، و قال السيد السند صاحب المدارك في شرح النافع بعد نقل بعض أخبار الجارية: «و ألحق به
368
المصنف إهداء الدابة أيضا، لاشتراك الجميع في المعنى، و هو حسن، بل لا يبعد مساواة غيرهما لهما في هذا الحكم من إهداء الدراهم و الدنانير و الأقمشة و غير ذلك، و يشهد له أيضا ما رواه الكليني، ثم أورد رواية ياسين المتقدمة» و نحوه كلام جده المتقدم، و قوله و لا خصوصية للجارية الى آخره.
و اما ما ذكره الأصحاب من وجوب البدنة بمصالح البيت و المشهد، فإليه يشير قوله (عليه السلام) في رواية ياسين «ان الكعبة غنية عن هذا» و قوله في الروايات الآخران «الكعبة لا تأكل و لا تشرب» فإنه كناية عن عدم الحاجة لي ذلك و أما ما دلت عليه رواية على بن جعفر الثالثة من الفرق بين العبد و الجارية و بين الدابة أنه إذا نذر الدابة فليس عليه شيء فلا قائل به من الأصحاب، بل ظاهرهم الاتفاق على خلافه، و بذلك طعن به عليها في المسالك، مضافا الى ضعف الراوي لها عن على بن جعفر، و هو محمد بن عبد الله بن مهران، فإنه ضعيف جدا، و زاد في الطعن عليها بتخصيص الحكم فيها بهذه الأشياء المذكورة، و هو كذلك.
و ما ذكروه في الوافي في بيان وجه الفرق حيث قال: «انما صح إهداء الغلام و الجارية و شبههما إلى الكعبة دون الدابة لأن الغلام يصلح لخدمتها و كذا الجارية و كل ما يصلح أن يصرف إليها و هو المراد بشبهه، بخلاف الدابة، و انما يباع ما يصلح لها لأن الحجبة يحولون بينه و بين الانتفاع به هناك» فيه أولا أنه لو تم هذا التعليل لاقتضى عدم جواز إهداء الدراهم و الدنانير لها مع أن في الروايات المتقدمة ما دل على إهداء ثمن الجارية، و الوصية بألف درهم للكعبة و نحو ذلك و ثانيا تعليلاتهم (عليهم السلام) «بأن الكعبة غنية عن ذلك، و ما يهدى لها فهو لزوارها» فإذا كان مصرف ذلك شرعا انما هو زوارها فلا فرق بين إهداء ما يمكن صرفه بنفسه أو يتوقف على بيعه و صرف ثمنه كائنا ما كان و ثالثا قوله (عليه السلام) في رواية السكوني الأخيرة «لأنه يصير إلى الحجبة دون المساكين» فإنه ظاهر في عدم إهدائه للكعبة انما هو من حيث أن مصرف ما يهدى
369
إليها للمساكين، و الحجبة يحولون بينها و بين مصرفه، لا أن مصرفه الخدمة كما ذكره، و أمر ببيعه لأن الحجبة يحولون بينه و بين الخدمة و بالجملة فالظاهر هو ما عليه الأصحاب من العموم و رابعها- الظاهر أن ما اشتملت عليه هذه الاخبار من ذكر هذا الحكم بالنسبة إلى الكعبة جار أيضا بالنسبة إلى المشاهد الشريفة، فلو أهدى شيئا لها أو نذر لها كان الحكم فيه ما تقدم، و بذلك صرح الأصحاب (رضوان الله عليهم) كما تقدم من كلام شيخنا الشهيد الثاني.
بل ظاهر ابن إدريس في السرائر، ورود الرواية بذلك في المشاهد أيضا، حيث قال: و روى «أنه من جعل جاريته أو عبده أو دابته هديا لبيت الله الحرام أو لمشهد من مشاهد الأئمة (عليهم السلام) فليبع العبد أو الجارية أو الدابة، و يصرف ثمنه في مصالح البيت، أو المشهد، أو معونة الحاج، أو الزائرين الذين خرجوا في السفر و يتناولهم اسم الحاج و الزائرين، و لا يجوز لأحد أن يعطى شيئا من ذلك قبل خروجهم الى السفر انتهى.
أقول: ان كان قد وردت الرواية بما ذكره كما هو ظاهر كلامه، و الا فمقتضى الأخبار المتقدمة أن مصرف الوجه المذكورة انما هو الحاج أو الزائرين المتوقف رجوعهم إلى أوطانهم على ذلك، لا مطلق من أراد السفر و ابتدأ به، و ان كان ما ذكره لا يخلو من قرب، حملا للأخبار المذكورة على اتفاق وقوع ذلك في مكة أيام الموسم، و ليس يومئذ إلا الرجوع.
و بالجملة فالأظهر الأحوط انما هو ما ذكرناه و ممن صرح أيضا بالعموم كما ذكرناه السيد السند في شرح النافع حيث قال «و لو نذر شيئا لأحد المشاهد المشرفة صرف فيه على حسب ما قصده الناذر، و مع الإطلاق يصرف في مصالح المشهد، و لو استغنى المشهد عنه في الحال فالظاهر جواز صرفه في معونة الزوار، و لان ذلك أولى من إبقاءه على حاله معرضا للتلف، فيكون صرفه على هذا الوجه إحسانا محضا، و ما على المحسنين من سبيل انتهى.
370
و يقرب بالبال العليل و الفكر الكليل التفصيل في ما يهدى أو ينذر لهم (عليهم السلام) بأنه ان كان متعلق النذر أو الهدية هو المشهد الشريف، فالحكم فيه ما ذكر، و ان كان متعلقة هو الامام (عليه السلام) المدفون في ذلك المشهد، مثل أن ينذر للحسين (عليه السلام) أو يهدي له فينبغي صرف ذلك الى أولادهم المحتاجين أولا، ثم شيعتهم المضطرين ثانيا، لان ذلك يصير من قبيل أموالهم التي قد علم أن حكمها في حال الغيبة الحل لشيعتهم، الا ان الأحوط تقديم أولادهم الواجبي النفقة عليهم لو كانوا أحياء، و قد ورد في الوقف عليهم حال حياتهم (عليه السلام) و الإهداء لهم، و الوصية لهم (عليه السلام) و النذر لهم، و قبولهم ذلك روايات عديدة، و الظاهر أنه لا فرق في ذلك بين حال حياتهم و موتهم في صحة كل من الأمرين.
و خامسها- أكثر الأخبار المتقدمة قد اشتملت على أن مصرف ما يهدى للكعبة أو ينذر للمنقطعون من الحجاج، و في رواية على بن جعفر الثالثة «أن مصرفه أن يشترى به طيبا فيطيب به الكعبة» و في رواية البرقي في قيمة الغزل «ان يشترى به عسلا و زعفرانا و يضيفه طين قبر الحسين (عليه السلام) و ماء السماء و يدفعه إلى الشيعة يتداوون به» و وجه المنافاة ظاهرة، سيما قوله (عليه السلام) ما أهدي للكعبة فهو لزوارها» الدال بظاهره على اختصاص المصرف بالزوار و في المسالك جعل رواية على بن جعفر المذكورة مؤيدة للصرف في مصالح البيت، بجعل الطيب من المصالح، و فيه توقف، و لا يبعد حمل الخبرين المذكورين على اتفاق ذلك في غير أيام الحج، لعدم تيسر المصرف المذكور في تلك الاخبار سيما رواية الغزل فإنها صريحة في أن السؤال عن ذلك انما هو بالمدينة بعد منصرفه من الحج، و يحتمل فيه أيضا أنه لقلة ثمن الغزل لا يبلغ لذلك المصرف المذكور، و بالجملة فالعمل على الاخبار الكثيرة المذكورة.
سادسها- ظاهر هذه الاخبار متفق الدلالة على تصديق مدعى الفقر و الحاجة، و عدم التوقف على يمين أو بينة كما هو المشهور في كلام الأصحاب، خلافا لمن
371
نازع في ذلك كصاحب المدارك، و مثله الفاضل الخراساني في مسألة دفع الزكاة لمدعي الفقر، فان هذه الاخبار كلها ظاهرة الدلالة بالأمر بأنه ينادي على الحجر لكل محتاج منقطع به، و انه يعطى أولا فأولا حتى ينفد المال و أما قوله (عليه السلام) في رواية الرجل المصري «فإذا أتوك فاسئل عنهم، و أعطهم» فالظاهر أن المراد انما هو السؤال عن كونهم من الحجاج المنقطعين، أو من أهل البلد، و سابعها- يمكن أن يستفاد من الخبر المروي في كتاب نهج البلاغة الدال على عدم جواز التعرض لحلى الكعبة ان صح، جواز تحلية المشاهد الشريفة أيضا، و عدم جواز التعرض له، الا انه يمكن الفرق أيضا بالنظر الى أنهم (صلوات الله عليهم) في أيام الحياة لا يرون تحلية بيوتهم، بل يكرهونه كما هو معلوم من أحوالهم (صلوات الله عليهم) و لو أمكن قسمة ذلك في أولادهم المحتاجين بل شيعتهم المضطرين لكان حسنا، لان هذا مصرف أموالهم زمان الغيبة، و استغنائهم عن ذلك.
الفصل الخامس [في أن الأنصار كانوا من قوم تبع]:
روى ثقة الإسلام في الكافي عن إسماعيل بن جابر (1) قال: «كنت فيما بين مكة و المدينة أنا و صاحب لي فتذاكرنا الأنصار فقال أحدنا: هم نزاع من قبائل، و قال أحدنا: هم من أهل اليمين، قال: فانتهينا الى أبى عبد الله (عليه السلام) و هو جالس في ظل شجرة فابتدأ الحديث و لم نسأله فقال: ان تبعا لما جاء من قبل العراق و جاء معه العلماء و أبناء الأنبياء فلما انتهى الى هذا الوادي لهذيل أتاه الناس من بعض القبائل قالوا: انك تأتى الى أهل بلدة قد لعبوا بالناس زمانا طويلا حتى اتخذوا بلادهم حرما و بيتهم ربا أو ربة فقال: ان كان كما تقولون قتلت مقاتليهم و سبيت ذريتهم، و هدمت بيتهم، قال: فسالت عيناه حتى وقعتا على خديه قال فدعى العلماء و أبناء العلماء فقال: انظرونى و أخبروني لما أصابني هذا، فأبوا أن يخبروه حتى عزم عليهم، فقالوا: حدثنا بأي شيء حدثتك به نفسك، قال: حدثت نفسي
____________
(1) الكافي ج 4 ص 215.
372
أن أقتل مقاتليهم و أسبي ذريتهم و أهدم بيتهم، فقالوا: انا لا نرى الذي أصابك إلا لذلك، قال: و لم هذا؟ قالوا: لان البلد حرم الله و البيت بيت الله و سكانه ذرية إبراهيم خليل الرحمن، فقال صدقتم فما مخرجي مما وقعت فيه، قالوا: تحدث نفسك بغير ذلك فعسى الله ان يرد عليك، قال: فحدث نفسه بخير، فرجعت حدقتاه و ثبتتا في مكانهما قال: فدعى القوم الذين أشاروا عليه بهدمها فقتلهم، ثم أتى البيت فكساه و أطعم الطعام ثلاثين يوما كل يوم مأة جزور حتى حملت الجفان الى السباع في رؤوس الجبال و نثرت الأعلاف في الأودية للوحوش ثم انصرف من مكة إلى المدينة، فأنزل بها قوما من أهل اليمن من غسان و هم الأنصار، قال في الكافي و في رواية أخرى كساه النطاع و طيبه».
قال في الفقيه (1): ما أراد الكعبة أحد بسوء الا غضب الله تعالى لها،.
«و نوى يوما تبع الملك أن يقتل مقاتله أهل الكعبة و يسبى ذريتهم».
ثم ساق الحديث على اختلاف في ألفاظه و قال فيه أيضا
«و روى (2) انه ذبح له ستة آلاف بقرة بشعب ابن عامر، و كان يقال له مطابخ تبع حتى نزلها ابن عامر، فأضيفت اليه فقيل شعب ابن عامر و لم يكن تبع مؤمنا و لا كافرا و لكنه ممن كان يطلب الدين الحنيف و لم يملك المشرق الا تبع و كسرى».
انتهى.
أقول: قال في كتاب مجمع البحرين: «و تبع كسكر: اسم لملوك اليمن التبابعة، و هم سبعون تبعا ملكوا جميع الأرض و من فيها من العرب و العجم، و كان تبع الأوسط مؤمنا و هو تبع الكامل بن ملكي بن كرب بن تبع الأكبر بن تبع الأقرن، و هو ذو القرنين الذي قال الله فيه (3) «أَ هُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ» و كان من أعظم التبابعة، و أفصح شعراء العرب و يقال: انه نبي مرسل الى نفسه، لما تمكن من ملك الأرض و الدليل على ذلك أن الله تعالى ذكره عند ذكر الأنبياء، فقال (4) «وَ قَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ» و لم يعلم أنه أرسل الى قوم تبع رسول غير تبع، و هو الذي
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 161.
(2) الفقيه ج 2 ص 161.
(3) سورة الدخان الآية- 37.
(4) ق- 14.
373
نهى النبي (صلى الله عليه و آله)، عن سبه، لانه آمن قبل ظهوره بسبع مأة عام، و في بعض الاخبار تبع لم يكن مؤمنا و لا كافرا، و لكن يطلب الدين الحنيف، و تبع أول من كسى البيت الأنطاع بعد آدم حيث كساه الشعر، و قبل إبراهيم (عليه السلام) حيث كساه الخصف انتهى.
ثم انه ما قد ورد في الأنصار أنهم كانوا من قوم تبع أيضا ما رواه
في الكافي (1) و العياشي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى (2) «وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا» الاية قال (عليه السلام) كانت اليهود تجد في كتبها أن مهاجر محمد (صلى الله عليه و آله) ما بين عير و أحد، فخرجوا يطلبون الموضع، فمروا بجبل يسمى حداد فقالوا: حداد و أحد سواء فتفرقوا عنده، فنزل بعضهم بتيماء، و بعضهم بفدك، و بعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء الى بعض إخوانهم فمر بهم أعرابي من قيس فتكاروا منه، و قال لهم: أمر بكم ما بين عير و أحد، فقالوا له:
إذا مررت بهما فآذنا بهما فلما توسط بهم أرض المدينة قال لهم: ذلك عير و هذا أحد فنزلوا عن ظهر ابله، فقالوا: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة لنا في إبلك، فاذهب حيث شئت، و كتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك و خيبر أنا قد أصبنا الموضع، فهلموا إلينا، فكتبوا إليهم أنا قد استقرت بنا الدار و اتخذنا الأموال، و ما أقربنا منكم، فإذا كان ذلك فما أسرعنا إليكم، فاتخذوا بأرض المدينة الأموال فلما كثرت أموالهم بلغ تبع فغزاهم فتحصنوا منه فحاصرهم، و كانوا يرقون لضعفاء أصحاب تبع، فيلقون إليهم بالليل التمر و الشعير، فبلغ ذلك تبع فرق لهم فآمنهم فنزلوا اليه فقال لهم:
انى قد استطبت بلادكم، و ما أراني الا مقيما فيكم فقالوا له: انه ذلك ليس لك، انها مهاجر نبي (صلى الله عليه و آله)، و ليس ذلك لأحد حتى يكون ذلك، فقال لهم: انى مخلف فيكم من أسرتى من إذا كان ذلك ساعده و نصره، فخلف حيين الأوس، و الخزرج، فلما كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود و كانت اليهود تقول لهم:
____________
(1) الكافي ج 8 ص 308.
(2) سورة البقرة الآية- 89.
374
أما لو قد بعث محمد (صلى الله عليه و آله) ليخرجنكم من ديارنا و أموالنا فلما بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله) آمنت به الأنصار و كفرت به اليهود، و هو قول الله عز و جل (1) «وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّٰهِ عَلَى الْكٰافِرِينَ».
الفصل السادس [حكم الصلاة في المني]:
روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن زرارة (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال حج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أقام بمنى ثلاثا يصلى ركعتين، ثم صنع ذلك أبو بكر، ثم صنع ذلك عمر، ثم صنع ذلك عثمان ستة سنين ثم أكملها عثمان أربعا فصلى الظهر أربعا ثم تمارض ليشد بذلك بدعته، فقال للمؤذن: اذهب الى على (عليه السلام)، فقل له فليصل بالناس العصر فأتى المؤذن عليا (عليه السلام) فقال له ان أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلى بالناس العصر فقال: اذن لا أصلي إلا ركعتين كما صلى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، فذهب المؤذن فأخبر عثمان بما قال على (عليه السلام) فقال: اذهب اليه و قل له: انك لست من هذا في شيء فصل كما تؤمر فقال (عليه السلام) لا و الله لا أفعل فخرج عثمان فصلى بهم أربعا فلما كان خلافة معاوية و اجتمع الناس عليه، و قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، حج معاوية، فصلى بالناس بمنى ركعتين الظهر ثم سلم، فنظرت بنوا أمية بعضهم الى بعض و ثقيف و من كان من شيعة عثمان ثم قالوا: قد قضى على صاحبكم و خالف و أشمت به عدوه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا أ تدري ما صنعت ما زدت على ان قضيت على صاحبنا و أشمت به عدوه و رغبت عن صنيعه و سنته، فقال: ويلكم أما تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، صلى في هذه المكان ركعتين، و أبو بكر و عمر و صلى صاحبكم ست سنين كذلك، فتأمروني أن ادع سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و ما صنع أبو بكر و عمر و عثمان قبل أن يحدث فقالوا: لا و الله ما نرضى عنك الا بذلك قال: فأقيلوا فانى مشفعكم و راجع الى سنة صاحبكم، فصلى العصر أربعا فلم يزل الخلفاء و الأمراء على ذلك الى اليوم».
أقول: و ما اشتمل عليه هذا الخبر من هذه البدعة التي من عثمان مما قد رواها
____________
(1) سورة البقرة الآية- 89.
(2) الكافي ج 4 ص 518.
375
القوم أيضا في كتبهم، و قد نقلنا ذلك في كتاب سلاسل الحديد في تقييد ابن ابى الحديد في بدعة، و قد اعتذر بعض أولياءه أنه انما صلى تماما لانه كانت له يومئذ دار بمكة و فيه أنه كيف صلى قصرا ست سنين من صدر خلافته و أين كانت تلك الدار و أيضا فليس الأمر مقصورا على صلاته وحده، بل على جملة الناس كافة على الصلاة كذلك مع أنهم من أهل الافاق كما أوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه في الكتاب المشار اليه.
و عن الحلبي (1) في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: ان أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا، و إذا زاروا و رجعوا الى منازلهم أتموا».
و عن معاوية بن عمار (2) في الصحيح أو الحسن قال: «ان أهل مكة إذا زاروا البيت و دخلوا منازلهم أتموا، و إذا لم يدخلوا منازلهم قصروا».
و عن معاوية بن عمار (3) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
ان أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات؟ فقال: ويلهم أو ويحهم و أى سفر أشد منه لا، لا يتم.
و رواه الشيخ بطرق عديدة و الصدوق في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله.
و روى الشيخ في التهذيب عن إسحاق بن عمار (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في كم التقصير؟ فقال: في بريد ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقصروا.
و عن معاوية بن عمار (5) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) في كم يقصر الصلاة؟ فقال: في بريد ألا ترى أن أهل مكة إذا خرجوا الى عرفة كان عليهم التقصير».
و روى شيخنا المفيد في المقنعة مرسلا، قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام)
____________
(1) الكافي ج 4 ص 518.
(2) الكافي ج 4 ص 518.
(3) الكافي ج 4 ص 519 التهذيب ج 5 ص 478.
(4) التهذيب ج 3 ص 209.
(5) التهذيب ج 3 ص 208.
376
ويل لهؤلاء الذين يتمون الصلاة بعرفات أما يخافون الله، فقيل له: فهو سفر فقال: و أى سفر أشد منه.
أقول: و هذه الروايات مع صحة أسانيدها واضحة الدلالة، صريحة المقالة في إيجاب التقصير على من قصد أربعة فراسخ، رجع ليومه أو لغده، ما لم يقطع سفره بأحد القواطع المعلومة، و فيها رد ظاهر للقول المشهور من التقييد بالرجوع ليومه، و رد للقول بالتخيير بين القصر و الإتمام بقصد الأربعة كما ذهب إليه في المدارك، و ما ارتكبه فيها من التأويل ضعيف لا يعول، و سخيف لا يلتفت اليه، كما تقدم تحقيق القول في المسألة في كتاب الصلاة
الفصل السابع [في حج آدم]:
روى في الكافي عن على بن حسان عن عمه عبد الرحمن بن كثير (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان آدم (عليه السلام) لما حبط في الأرض هبط على الصفا، و لذلك سمى الصفا، لان المصطفى هبط عليه، فقطع للجبل اسم من اسم آدم لقول الله عز و جل (2) «إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفىٰ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرٰاهِيمَ وَ آلَ عِمْرٰانَ عَلَى الْعٰالَمِينَ» و أهبطت حواء على المروة، و انما سميت المروة لأن المرأة هبطت عليها فقطعت للجبل اسم من اسم المرأة، و هما جبلان عن يمين الكعبة، و شمالها، فقال آدم حين فرق بينه و بين حواء ما فرق بيني و بين زوجتي الا و قد حرمت على، فاعتزلها و كان يأتيها بالنهار فيتحدث إليها، فإذا كان الليل خشي أن تغلبه نفسه عليها رجع فبات على الصفا، و لذلك سمى النساء لانه لم يكن لادم أنس غيرها فمكث آدم بذلك ما شاء الله ان يمكث، لا يكلمه الله و لا يرسل اليه رسولا و الرب سبحانه يباهي بصبره الملائكة، فلما بلغ الوقت الذي يريد الله عز و جل أن يتوب على آدم فيه أرسل إليه جبرائيل (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا آدم الصابر لبليته التائب عن خطيئته، ان الله عز و جل بعثني إليك لأعلمك مناسك التي يريد
____________
(1) الكافي ج 4 ص 191.
(2) آل عمران الآية- 33.
377
أن يتوب عليك بها، فأخذ جبرئيل (عليه السلام) بيد آدم (عليه السلام) حتى أتى به مكان البيت فنزل غمام من السماء فأظل مكان البيت فقال جبرائيل: يا آدم خط برجلك حيث أظل الغمام فإنه قبلة لك و لاخر عقبك من ولدك، فخط آدم برجله حيث أظل الغمام، ثم انطلق به الى منى، فأراه مسجد منى فخط برجله، و مد خطة مسجد الحرام بعد ما خط مكان البيت، ثم انطلق به من منى الى عرفات، فأقامه على المعرف، فقال: إذا غربت الشمس فاعترف بذنبك سبع مرات و سل الله المغفرة و التوبة سبع مرات، ففعل ذلك آدم (عليه السلام) و لذلك سمى المعرف لان آدم (عليه السلام) اعترف فيه بذنبه و جعل سنة لولده يعترفون بذنوبهم كما اعترف آدم (عليه السلام) و يسألون التوبة كما سألها آدم، ثم أمره جبرائيل فأفاض من عرفات فمر على الجبال السبعة فأمره أن يكبر عند كل جبل أربع تكبيرات، ففعل ذلك آدم حتى انتهى الى جمع ثلث الليل جمع فيه بين المغرب و العشاء الآخرة تلك الليلة ثلث الليل في ذلك الموضع ثم أمره أن ينبطح في بطحاء جمع فانبطح في بطحاء جمع حتى انفجر الصبح فأمره أن يصعد على الجبل جبل جمع، و أمره إذا طلعت الشمس أن يعترف بذنبه سبع مرات، و يسأل الله التوبة و المغفرة سبع مرات ففعل ذلك آدم كما أمره جبرائيل (عليه السلام) و انما جعله اعترافين ليكون سنة في ولده فمن لم يدرك منهم عرفات و أدرك جمعا فقد وافى حجه، ثم أفاض من جمع إلى منى، فبلغ منى ضحى فأمره فصلى ركعتين في مسجد منى، ثم أمره أن يقرب لله قربانا ليقبل الله منه و يعرف أن الله عز و جل قد تاب عليه، و يكون سنة في ولده القربان، فقرب آدم قربانا فقبل الله منه، فأرسل نارا من السماء فقبلت قربان آدم، فقال له جبرائيل: يا آدم ان الله قد أحسن إليك إذ علمك المناسك التي يتوب بها عليك، و قد قبل قربانك فأحلق رأسك تواضعا لله، إذ قبل قربانك فحلق آدم رأسه تواضعا لله عز و جل.
ثم أخذ جبرائيل بيد آدم (عليه السلام) فانطلق به الى البيت فعرض له إبليس لعنه الله عند الجمرة فقال له إبليس لعنه الله: يا آدم أين تريد فقال له جبرائيل: يا آدم ارمه بسبع حصيات، و كبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل ذلك آدم فذهب إبليس ثم عرض
378
له عند الجمرة الثانية فقال له: يا آدم اين تريد؟ فقال له جبرائيل: ارمه بسبع حصيات، و كبر مع كل حصاة تكبيرة ففعل ذلك آدم (عليه السلام) فذهب إبليس، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة فقال: يا آدم اين تريد؟ فقال له جبرائيل (عليه السلام) ارمه بسبع حصيات، و كبر مع كل حصاة تكبيرة، ففعل ذلك آدم فذهب إبليس، فقال له جبرائيل:
إنك لن تراه بعد مقامك هذا أبدا.
ثم انطلق به الى البيت، و أمره أن يطوف بالبيت سبع مرات، ففعل ذلك آدم فقال له جبرائيل (عليه السلام) ان الله قد غفر لك ذنبك، و قبل توبتك و أحل لك زوجتك».
و عن أبي إبراهيم (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) نحوا من الحديث المتقدم الا أن فيه زيادة على المذكور السعى بين الصفا و المروة أسبوعا يبدء بالصفا و يختم بالمروة، ثم يطوف بعد ذلك أسبوعا بالبيت و هو طواف النساء، لا يحل للمحرم أن يباضع حتى يطوف طواف النساء ففعل آدم» الحديث.
و عن جميل بن صالح (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال لما طاف آدم (عليه السلام) بالبيت و انتهى الى الملتزم قال له جبرائيل (عليه السلام): يا آدم أقر لربك بذنوبك في هذا المكان، قال: فوقف آدم (عليه السلام) فقال: يا رب ان لكل عامل أجرا و قد عملت فما أجري؟ فأوحى الله (عز و جل اليه) يا آدم قد غفرت ذنبك قال: يا رب و لولدي أو لذريتي، فأوحى الله اليه يا آدم من جاء من ذريتك الى هذا المكان و أقر بذنوبه و تاب كما تبت ثم استغفر غفرت له».
و عن على بن محمد العلوي (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) حيث حج آدم (عليه السلام) بما حلق رأسه، فقال: نزل عليه جبرائيل (عليه السلام) بياقوتة من الجنة فأمرها على رأسه فتناثر شعره».
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح أو الحسن عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال:
____________
(1) الكافي ج 4 ص 194.
(2) الكافي ج 4 ص 194.
(3) الكافي ج 4 ص 195.
(4) الكافي ج 4 ص 194.
379
لما أفاض آدم (عليه السلام) من منى تلقته الملائكة فقالوا: يا آدم بر حجك أما انه قد حججنا هذا البيت قبل ان تحجه بألفي عام».
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): أتى آدم هذا البيت ألف أتية على قدميه، منها سبعمائة حجة، و ثلاثمأة عمرة، و كان يأتيه من ناحية الشام، و كان يحج على ثور، و المكان الذي يبيت فيه (عليه السلام) الحطيم و هو ما بين البيت و الحجر الأسود و طاف آدم (عليه السلام) قبل أن ينظر الى حواء) مائة عام، و قال له جبرائيل (عليه السلام): حياك الله و بياك» يعنى أصلحك.
أقول: قيل: ان المراد من قوله كان يحج على ثور يعنى زائدا على الألف التي يمشي فيها على قدميه، و يحتمل على أن المراد أنه حين اشتغاله بالمناسك كان على ثور، كما أن موسى (عليه السلام) كان على جمل أحمر و كان نبينا (صلى الله عليه و آله) على ناقته، و حياك الله يعني أبقاك و بياك، يعنى أصلحك، و لعل تفسيرهما هنا بأصلحك تفسير باللازم
و عن أبى بصير (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان آدم هو الذي بنى البيت و وضع أساسه، و أول من كساه الشعر و أول من حج اليه ثم كساه تبع بعد آدم (عليه السلام) الأنطاع، ثم كساه إبراهيم (عليه السلام) الخصف، و أول من كساه الثياب سليمان بن داود (عليهما السلام) كساه القباطي».
الفصل الثامن [في حج إبراهيم]:
روى في الكافي بسنده عن كلثوم بن عبد المؤمن الحراني (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: أمر الله عز و جل إبراهيم (عليه السلام) أن يحج، و يحج إسماعيل معه و يسكنه الحرم، فحجا على جمل أحمر و ما معهما إلا جبرائيل (عليه السلام) فلما بلغا الحرم قال له جبرائيل (عليه السلام): يا إبراهيم انزلا فاغتسلا قبل أن تدخلا الحرم فنزلا و اغتسلا و أراهما كيف يتهيئان للإحرام ففعلا ثم أمرهما
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 147.
(2) الفقيه ج 2 ص 152.
(3) الكافي ج 4 ص 202.
380
فأهلا بالحج، و أمرهما بالتلبيات الأربع التي لبى بها المرسلون، ثم صار بهما الى الصفا فنزلا و قام جبرائيل (عليه السلام) بينهما، و استقبل البيت فكبر الله و كبرا و هلل الله و هللا و حمد الله و حمدا و مجد الله و مجدا و أثنى على الله ففعلا مثل ذلك و تقدم جبرئيل و تقدما يثنيان على الله عز و جل و يمجدانه حتى انتهى بهما الحجر فاستلمه جبرائيل، و أمرهما أن يستلما فطاف بهما أسبوعا ثم قام بهما في موضع مقام إبراهيم (عليه السلام) فصلى ركعتين فصليا ثم أراهما المناسك و ما يعملان به، فلما قضيا مناسكهما أمر الله إبراهيم (عليه السلام) بالانصراف، و أقام إسماعيل وحده ما معه غير أمه، فلما كان من قابل أذن الله لإبراهيم (عليه السلام) في الحج و بناء الكعبة، و كانت العرب تحج اليه و انما كان ردما الا ان قواعده معروفة فلما صدر الناس جمع إسماعيل الحجارة و طرحها في جوف الكعبة فلما أذن الله له في البناء قدم إبراهيم (عليه السلام) فقال: يا بنى قد أمرنا الله ببناء الكعبة، فكشفا عنها، فإذا هو حجر واحد أحمر فأوحى الله عز و جل اليه ضع بنائها عليه و انزل الله عز و جل أربعة أملاك يجمعون إليه الحجارة، و كان إبراهيم و إسماعيل يضعان الحجارة و الملائكة تناولهما حتى تمت اثنى عشر ذراعا و هيأ له بابين، بابا يدخل منه و بابا يخرج منه، و وضعا عليه عتبا و شرجا من حديد على أبوابه كانت الكعبة عريانة فصدر إبراهيم (عليه السلام) و قد سوى البيت و أقام إسماعيل فلما ورد عليه الناس نظر الى امرأة من حمير أعجبه جمالها فسأل الله عز و جل ان يزوجها إياه، و كان لها بعل فقضى الله على بعلها بالموت، و أقامت بمكة حزنا على بعلها فأسلى الله ذلك منها و زوجها إسماعيل، و قدم إبراهيم (عليه السلام) للحج و كانت امرأة موفقة و خرج إسماعيل (عليه السلام) الى الطائف يمتار لأهله طعاما فنظرت الى شيخ شعث فسألها عن حالهم، فأخبرته بحسن حال فسألها عنه خاصة فأخبرته بحسن الدين، و سألها ممن أنت فقالت امراة من حمير فسار إبراهيم، و لم يلق إسماعيل، و قد كتب إبراهيم كتابا فقال: ادفعي هذا الى بعلك إذا أتى إنشاء الله فقدم عليها إسماعيل (عليه السلام) فدفعت اليه الكتاب فقرأه فقال: أ تدرين من ذلك الشيخ، فقالت لقد رأيته جميلا فيه مشابهة
381
منك، فقال ذاك إبراهيم (عليه السلام) فقالت: وا سوأتاه منه، فقال: و لم نظر الى شيء من محاسنك؟ فقالت: لا و لكن خفت ان أكون قد قصرت، فقالت له المرأة و كانت عاقلة: فهلا تعلق على هذين البابين سترين سترا من هيهنا و سترا من هيهنا، فقال لها: نعم فعملا لهما سترين طولهما اثنى عشر ذراعا، فعلقاهما على البابين فأعجبهما ذلك فقالت: فهلا أحوك للكعبة ثيابا فتسترها كلها، فان هذه الحجارة سمجة فقال إسماعيل: (عليه السلام) بلى فأسرعت في ذلك فبعثت الى قومها بصوف كثير تستغزلهم قال أبو عبد الله (عليه السلام): و انما وقع استغزال النساء بعضهن من بعض لذلك، فأسرعت و استعانت في ذلك، فكلما فرغت من شقة علقتها فجاء الموسم، و قد بقي وجه من وجوه الكعبة، فقالت لإسماعيل: كيف نصنع بهذا الوجه الذي لم تدركه الكسوة فكسوة خصفا فجاء الموسم و جاءته العرب على حال ما كانت تأتيه فنظروا إلى أمر أعجبهم فقالوا: ينبغي لعامل هذا البيت ان يهدى اليه فمن ثم وقع الهدي: فأتى كل فخذ من العرب بشيء يحمله من ورق و من أشياء غير ذلك حتى اجتمع شيء كثير فنزعوا ذلك الخصف و أتموا كسوة البيت و علقوا عليها بابين، و كانت الكعبة ليست بمسقفة فوضع إسماعيل فيها أعمدة مثل هذه الأعمدة التي ترون من خشب، فسقفها إسماعيل بالجرائد و سواها بالطين، فجائت العرب من الحول، فدخلوا الكعبة و رأوا عمارتها فقالوا: ينبغي لعامر هذا البيت ان يزاد فلما كان من قابل جاء الهدى، فلم يدر إسماعيل كيف يصنع به، فأوحى الله عز و جل ان انحره و أطعمه الحاج، قال:
و شكى إسماعيل (عليه السلام) الى إبراهيم صلى الله عليهما، قلة الماء فأوحى الله عز و جل إلى إبراهيم ان احتفر بئرا يكون منها شراب الحاج، فنزل جبرائيل (عليه السلام) فاحتفر قليبهم، يعنى زمزم حتى ظهر ماؤها، ثم قال جبرائيل: انزل يا إبراهيم فنزل بعد جبرائيل فقال يا إبراهيم: اضرب في أربعة زوايا البئر و قل: بسم الله قال: فضرب إبراهيم (ع) في زاوية التي تلي البيت، و قال: بسم الله، فانفجرت عين، ثم ضرب في زاوية الثانية، و قال: بسم الله، فانفجرت عين، ثم ضرب في الثالثة و قال: بسم الله فانفجرت عين، ثم صرف في الرابعة و قال: بسم الله، فانفجرت عين، فقال له جبرائيل
382
اشرب يا إبراهيم و ادع لولدك فيها بالبركة، فخرج إبراهيم و جبرائيل (عليهما السلام) جميعا من البئر، فقال أفض عليك يا إبراهيم، و طف حول البيت فهذه سقيا سقى الله عز و جل ولد إسماعيل (ع) فسار إبراهيم و شيعة إسماعيل حتى خرج من الحرم فذهب إبراهيم و رجع إسماعيل إلى الحرم».
أقول: قد تقدم في صدر الكتاب في المقدمة الاولى في الفصل الأول صحيح معاوية ابن عمار المنقول من العلل، و فيه أن زمزم نبعت لما فحص الصبي برجله، و ظاهره أنه في أول نزول إسماعيل مع أمه، و هذا الخبر قد اشتمل على حفر إبراهيم زمزم، و يمكن الجمع بأن ما دل عليه ذلك الخبر صحيح، الا أنه ربما قل الماء بعد ذلك فان هذا الخبر انما اشتمل على شكاية إسماعيل لأبيه قلة الماء لا عدمه بالكلية، و ظاهر الخبرين مضى مدة بين أول ظهورها و حفر إبراهيم (عليه السلام) لها فان ظاهر الخبر الأول انه حال طفولية إسماعيل، و هذا الخبر بعد تزويجه، فيمكن حصول القلة في الماء حتى احتيج الى حفر و الله العالم.
و عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) أين أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح ابنه فقال: على الجمرة الوسطى، و سألته عن كبش إبراهيم (عليه السلام) ما كان لونه و أين نزل، فقال: أملح و كان أقرن، و نزل من السماء على الجبل من مسجد منى، و كان يمشي في سواد و يأكل في سواد، و ينظر و يبعر و يبول في سواد».
و روى في الفقيه مرسلا (2) قال: «سئل الصادق (عليه السلام) أين أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح ابنه، فقال: على الجمرة الوسطى» و لما أراد إبراهيم (عليه السلام) أن يذبح ابنه (صلى الله عليهما) قلب جبرائيل (عليه السلام) المدية و اجتر الكبش من قبل ثبير، و اجتر الغلام من تحته، و وضع الكبش مكان الغلام، و نودي من ميسرة مسجد الخيف (3) «أَنْ يٰا إِبْرٰاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيٰا إِنّٰا كَذٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هٰذٰا لَهُوَ الْبَلٰاءُ الْمُبِينُ وَ فَدَيْنٰاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»
____________
(1) الكافي ج 4 ص 209.
(2) الفقيه ج 2 ص 149.
(3) سورة الصافات الآية- 105.
383
يعنى بكبش أملح يمشي في سواد، و يأكل في سواد، و ينظر في سواد، و يبول في سواد، و يبول في سواد أقرن فحل، و كان يرتع في رياض الجنة أربعين عاما» أقول: قد تقدم الكلام في تفسير كونه يمشي في سواد الى آخره في باب الهدى،.
و عن عتيبة بن بشير (1) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ان الله عز و جل أمر إبراهيم (عليه السلام) ببناء الكعبة و أن يرفع قواعدها، و يرى الناس مناسكهم، فبنى إبراهيم و إسماعيل البيت كل يوم سافا حتى انتهوا الى موضع الحجر الأسود، و قال أبو جعفر (عليه السلام) فنادى أبو قبيس إبراهيم (عليه السلام) ان لك عندي وديعة فأعطاه الحجر الأسود، فوضعه موضعه،.
ثم ان إبراهيم أذن في الناس بالحج، فقال: أيها الناس إني إبراهيم خليل الله، و ان الله يأمركم أن تحجوا هذا البيت، فحجوه فأجابه من يحج، الى يوم القيامة، و كان أول من أجابه من أهل اليمن، قال: و حج إبراهيم هو و أهله و ولده،.
فمن زعم أن الذبيح هو إسحاق فمن كان هيهنا ذبحه.
و ذكر عن أبى بصير (2) أنه سمع أبا جعفر (عليه السلام) و أبا عبد الله (عليهما السلام) يزعمان أنه إسحاق، و أما زرارة فزعم أنه إسماعيل».
قال في الوافي: الساف كل عرق من الحائط و يقال بالفارسية: چينه، و لعل معنى قوله «فمن هيهنا كان ذبحه» أنه لما لم يكن هناك سوى إبراهيم و أهله و ولده إسماعيل الذي كان يساعده في بناء البيت دون إسحاق، فمن كان هيهنا ذبحه إبراهيم (عليه السلام)، يعنى لم يكن هناك إسحاق ليذبحه، قوله «فمن زعم الى آخره لعله من كلام بعض الرواة» قال في الفقيه: اختلف الروايات في الذبيح، فهنها ما ورد بأنه إسماعيل، و منها ما ورد بأنه إسحاق و لا سبيل الى رد الاخبار متى صح طرقها، و كان الذبيح إسماعيل، لكن إسحاق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي أمره أبوه بذبحه و كان يصبر لأمر الله و يسلم له كصبر أخيه و تسليمه فينال بذلك درجته في الثواب،
____________
(1) الكافي ج 4 ص 205.
(2) الكافي ج 4 ص 205.
384
فعلم الله ذلك من قلبه فسماه بين الملائكة ذبيحا لتمنيه ذلك قال: و قد ذكرت اسناد ذلك في كتاب النبوة متصلا بالصادق (عليه السلام):
و اعترضه في الوافي فقال: أقول: لا يخفى ان خبر أبى بصير الذي مضى في قصة الذبح من الكافي لا يتحمل هذا التأويل و حمله على التقية أيضا بعيد، كأنهم (عليهم السلام) كانوا يرون المصلحة في إبهام الذبيح، كما يظهر من بعض أدعيتهم و لذا جاء فيه الاختلاف عنهم، و كانا جميعا ذبيحين أحدهما بمنى و الأخر بالمني انتهى.
أقول بل الوجه في اختلاف الاخبار هو التقية، فإن الذبيح عند العامة هو إسحاق كما صرحوا به، و استبعاده الحمل على التقية لا أعرف له وجها.
و قد روى في الفقيه عن الصادق (عليه السلام) مرسلا (1) قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن الذبيح من كان، فقال: إسماعيل لأن الله تعالى ذكر قصته في كتابه ثم قال (2) «وَ بَشَّرْنٰاهُ بِإِسْحٰاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّٰالِحِينَ.
و عن الحسين بن نعمان (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام، فقال: ان إبراهيم و إسماعيل (عليه السلام) حد المسجد الحرام ما بين الصفا و المروة» قال في الكافي بعد ذكر هذا الخبر: و في رواية أخرى عن أبى عبد الله (عليه السلام) خط إبراهيم (عليه السلام) بمكة ما بين الحزورة إلى المسعى فذلك الذي خط إبراهيم (عليه السلام) يعنى المسجد».
و قال في الفقيه (4) «روى أن إبراهيم (عليه السلام) خط ما بين الحزورة إلى المسعى».
و عن جميل بن دراج (5) في الصحيح أو الحسن قال: «قال له الطيار و أنا
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 148.
(2) الصافات- 112.
(3) الكافي ج 4 ص 209.
(4) الفقيه ج 2 ص 149.
(5) الكافي ج 4 ص 526.
385
حاضر: هذا الذي زيد هو من المسجد؟ فقال: نعم، انهم لم يبلغوا بعد مسجد إبراهيم و إسماعيل صلى الله عليهما».
و روى في التهذيب عن الحسين بن نعيم (1) «قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما زادوا في المسجد الحرام عن الصلاة فيه، فقال ان إبراهيم و إسماعيل (عليهما السلام) حدا المسجد الحرام ما بين الصفا و المروة، فكان الناس يحجون من المسجد الى الصفا» و قال في الوافي «يحجون من مسجد الى الصفا».
يحجون اما بمعنى يطوفون، أو بمعنى يحرمون، يعنى كان ذلك داخلا في سعة مطافهم، أو محل إحرامهم
و روى في الكافي عن أبى بكر الحضرمي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان إسماعيل دفن أمه في الحجر، و حجر عليها لئلا يوطأ قبر أم إسماعيل في الحجر».
و عن المفضل بن عمر (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «قال الحجر بيت إسماعيل و فيه قبر هاجر و قبر إسماعيل».
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحجر أمن البيت هو أو فيه شيء من البيت؟ فقال: لا و لا قلامة ظفر. و لكن إسماعيل دفن فيه أمه فكره أن توطأ فحجر عليه حجرا و فيه قبور الأنبياء».
و عن زرارة (5) في الموثق عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن الحجر هل فيه شيء من البيت؟ قال: لا و لا قلامة ظفر».
و عن معاوية بن عمار (6) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): دفن في الحجر مما يلي الركن الثالث عذارى بنات إسماعيل».
و عن سعيد الأعرج (7) في الصحيح عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان العرب
____________
(1) التهذيب ج 5 ص 453.
(2) الكافي ج 4 ص 210.
(3) الكافي ج 4 ص 210.
(4) الكافي ج 4 ص 210.
(5) التهذيب ج 5 ص 469.
(6) الكافي ج 4 ص 210.
(7) الكافي ج 4 ص 212.
386
لم يزالوا على شيء من الحنيفية، يصلون الرحم، و يقرون الضيف و يحجون البيت، و يقولون اتقوا مال اليتيم، فان مال اليتيم عقال، و يكفون عن أشياء من المحارم مخافة العقوبة، و كانوا لا يملى لهم إذا انتهكوا المحارم، و كانوا يأخذون من لحاء شجر الحرم فيعلقونه في أعناق الإبل، فلا يجترئ أحد أن يأخذ من تلك الإبل حيثما ذهبت و لا يجترئ أحد أن يعلق من غير لحاء شجر الحرم، أيهم فعل ذلك عوقب، و أما اليوم فأملى لهم، و لقد جاء أهل الشام فنصبوا المنجنيق على أبى قبيس، فبعث الله عليهم سحابة كجناح الطير، فأمطرت عليهم صاعقة فأحرقت سبعين رجلا حول المنجنيق».
الفصل التاسع [في استحباب توقير الحاج]:
روى في الكافي عن على بن عبد الله (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: «كان على بن الحسين (عليه السلام)، يقول: يا معشر من لم يحج استبشروا بالحاج إذا قدموا، و صافحوهم و عظموهم، فان ذلك يجب عليكم تشاركوهم في الأجر».
و عن سليمان بن جعفر الجعفري (2) عمن رواه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال كان على ابن الحسين يقول بادروا بالسلام على الحاج و المعتمر و مصافحتهم قبل ان تخالطهم الذنوب.
و روى في الفقيه مرسلا (3) قال «قال أبو جعفر (عليه السلام)، و قروا الحاج و المعتمر فان ذلك واجب عليكم».
و روى فيه أيضا مرسلا قال: «قال الصادق (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يقول للقادم من مكة قبل الله منك و أخلف عليك نفقتك و غفر ذنبك».
و روى الشيخ في التهذيب عن عبد الوهاب بن صباح عن أبيه (4) قال: «لقي مسلم مولى أبى عبد الله (عليه السلام) صدقة الاجدب و قد قدم من مكة فقال له مسلم:
الحمد لله الذي يسر سبيلك و هدى دليلك، و أقدمك بحال عافية و قد قضى الحج و أعان على السعة، فقبل الله منك و أخلف عليك نفقتك، و جعلها حجة مبرورة و لذنوبك طهورا،
____________
(1) الكافي ج 4 ص 264.
(2) الفقيه ج 2 ص 147.
(3) الفقيه ج 2 ص 147.
(4) التهذيب ج 5 ص 444.
387
فبلغ ذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له: كيف قلت بصدقة؟ فأعاد عليه فقال: من علمك هذا؟ فقال: جعلت فداك مولاي أبو الحسن (عليه السلام) فقال له: نعم ما تعلمت، إذا لقيت أخا من إخوانك فقل له هكذا: فإن الهدى بنا هدى، و إذا لقيت هؤلاء فقل لهم ما يقولون».
قوله (عليه السلام) «فإن الهدى بنا هدى» الظاهر أنه في الموضعين مصدر و يكون من قبيل قوله سبحانه (1) «قُلْ إِنَّ الْهُدىٰ هُدَى اللّٰهِ»
الفصل العاشر [في حج الأنبياء]:
روى في الكافي عن على بن أبي حمزة (2) قال: «قال أبو الحسن (عليه السلام): ان سفينة نوح كانت مأمورة طافت بالبيت حيث غرقت الأرض ثم أتت منى في أيامها ثم رجعت السفينة، و كانت مأمورة، و طافت بالبيت طواف النساء».
و عن الحسن بن صالح (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يحدث عطاء قال: كان طول سفينة نوح (عليه السلام) ألف ذراع و مأتي ذراع و عرضها ثمان مأة ذراع، و طولها في السماء مائتين ذراعا، و طافت بالبيت سبعة أشواط، و سعت بين الصفا و المروة سبعة أشواط، ثم استوت على الجودي».
«و عن أبى بصير (4) «قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: مر موسى بن عمران في سبعين نبيا على فجاج الروحاء عليهم العباء القطوانية، يقول: لبيك عبدك، و ابن عبديك لبيك».
و قال في الفقيه (5) «روى أن موسى أحرم من رملة مصر و أنه في سبعين على صفائح الروحاء عليهم القبا القطوانية يقول: لبيك عبدك و ابن عبديك لبيك».
قيل: و الروحاء بالمهملتين موضع بين الحرمين على ثلاثين أو أربعين ميلا من المدينة، و الفجاج بالجيمين: جمع فج، و هو الطريق الواسع بين الجبلين، و الصفائح حجارة عراض رقاق، و يقال: أيضا صفاح كرمان، و القطوان محركة موضع بالكوفة
____________
(1) سورة البقرة الآية- 120.
(2) الكافي ج 4 ص 212.
(3) الكافي ج 4 ص 212.
(4) الكافي ج 4 ص 212.
(5) الفقيه ج 2 ص 151.
388
منه الأكسية.
قال في الفقيه (1) مر موسى النبي (عليه السلام) بصفائح الروحاء على جمل أحمر خطامه من ليف عليه عباءتان قطوانيتان و هو يقول: لبيك يا كريم لبيك، و مر يونس بن متى (عليه السلام) بصفائح الروحاء، و هو يقول: لبيك كشاف الكرب العظام لبيك، و مر عيسى بن مريم بصفائح الروحاء، و هو يقول: لبيك عبدك ابن أمتك لبيك، و مر محمد (صلى الله عليه و آله)، بصفائح الروحاء و هو يقول لبيك ذا المعارج لبيك».
و روى في الكافي عن جابر (2) عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال: أحرم موسى (عليه السلام) من رملة مصر قال: و مر بصفائح الروحاء محرما يقود ناقته بخطام من ليف عليه عباءتان قطوانيتان يلبى و تجيبه الجبال».
قال في الفقيه: «و كان موسى (عليه السلام) يلبى و يجيبه الجبال و سميت التلبية اجابة، لأنه أجاب موسى ربه، و قال: لبيك».
و روى في الكافي عن عبد الله بن مسكان (3) عمن رواه عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان داود (عليه السلام) لما وقف الموقف بعرفة نظر الى الناس و كثرتهم فصعد الجبل فأقبل يدعو فلما قضى نسكه أتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال له: يا داود يقول لك ربك: لم صعدت الجبل، ظننت أنه يخفى على صوت من صوت، ثم مضى به الى البحر الى جدة فرسب به في الماء مسيرة أربعين صباحا في البحر فإذا صخرة ففلقها فإذا فيها دودة فقال له: يا داود يقول لك ربك: أنا أسمع صوت هذه في بطن هذه الصخرة في قعر هذا البحر، فظننت أنه يخفى على صوت من صوت».
و عن على بن عقبة (4) عن أبيه عمن رواه عن ابى جعفر (عليه السلام) «قال ان سليمان بن داود (عليه السلام) حج البيت في الجن و الانس و الطير و الرياح و كسا البيت القباطي».
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 152.
(2) الكافي ج 4 ص 213.
(3) الكافي ج 4 ص 214.
(4) الكافي ج 4 ص 213.
389
«و روى في الكافي و التهذيب عن غياث بن إبراهيم (1) عن جعفر (عليه السلام) «قال:
لم يحج النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، بعد قدومه المدينة إلا واحدة، و قد حج بمكة مع قومه حجات».
و عن عمر بن يزيد (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «حج رسول الله (صلى الله عليه و آله) عشرين حجة».
و عنه (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أحج رسول الله (صلى الله عليه و آله) غير حجة الوداع؟ قال: نعم عشرين حجة».
و عن ابن أبى يعفور (4) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: حج رسول الله (صلى الله عليه و آله) عشرين حجة مستسرا في كلها يمر بالمأزمين فينزل و يبول».
قيل:
المأزمان و يقال: المأزم مضيق بين جمع و عرفة، و آخر بين مكة و منى، و يقال: لكل مضيق بين الجبال، قال في الوافي: و أما السبب في استتاره أو استسراره على اختلاف الروايتين، فلعله ما قيل: انه كان لأجل النسيء، فان قريشا أخروا وقت الحج و القتال كما أشير إليه بقوله سبحانه إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي الْكُفْرِ، فلم يمكن النبي (صلى الله عليه و آله) أن يخالفهم فيستر حجه أو فيستسره.
أقول: فيه ان جميع حجه الذي حجه و هو عشرون سنة كان كله كذلك، و من البعيد أن يكون جميع ذلك في النسيء، و يمكن حمل الاستتار على أنه (صلى الله عليه و آله) كان يستتر ببعض الأفعال التي قد غيرها أهل الجاهلية من أحكام الحج الشرعية بعقولهم و أهواءهم، لا أن الاستتار في أصل الحج فإنهم قد أحدثوا بعقولهم و أهوائهم في الأحكام و الحلال و الحرام ما هو مفصل في القرآن المجيد.
و أما البول في المأزمين فقد تقدم وجهه، و انه لمكان الأصنام في ذلك المكان أقول: و قد تقدم حديث حج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حجة الوداع بطوله فلا نعيده
الفصل الحادي عشر [حديث ابن أبي العوجاء مع الصادق (ع) و خطبة أمير المؤمنين في الحج]:
روى في الكافي و الفقيه عن عيسى بن يونس (5) قال: «
____________
(1) الكافي ج 4 ص 244.
(2) الكافي ج 4 ص 245.
(3) الكافي ج 4 ص 245.
(4) الكافي ج 4 ص 251.
(5) الكافي ج 4 ص 197 الفقيه ج 2 ص 162.
390
كان ابن ابى العوجاء من تلامذة الحسن البصري فانحرف عن التوحيد، فقيل له:
تركت مذهب صاحبك و دخلت في ما لا أصل له و لا حقيقة، فقال: ان صاحبي كان مخلطا كان يقول طورا بالقدر، و طورا بالجبر، و ما أعلمه اعتقد مذهبا دام فيه، و قدم مكة متمردا و إنكارا على من يحج، و كان يكره العلماء مجالسته و مسائلته لخبث لسانه و فساد ضميره، فأتى أبا عبد الله (عليه السلام) و جلس إليه في جماعة من نظرائه، فقال: يا أبا عبد الله ان المجالس أمانات و لا بد لكل من به سعال أن يسعل أ فتأذن لي أن أتكلم فقال: تكلم بما شئت.
فقال: الى كم تدوسون هذا البيداء و تلوذون بهذا الحجر، و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب و المدر و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكر في هذا أو قدر، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم و لا ذي نظر.
فقل: فإنك رأس هذا الأمر و سنامه و أبوك أسسه و تمامه، فقال. أبو عبد الله (عليه السلام): ان من أضله الله و أعمى قلبه، استوخم الحق فلم يستعذ به، و صار الشيطان وليه و ربه و قرينه، يورده مناهل الهلكة، ثم لا يصدره، و هذا بيت استعبد الله به خلقه، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه و زيارته، و جعله محل أنبياءه و قبلة للمصلين اليه، فهو شعبة من رضوانه، و طريق يؤدى الى غفرانه، منصوب على استواء الكمال و مجمع العظمة و الجلال، خلقه الله قبل دحو الأرض بألفي عام، فأحق من أطيع فيما أمر و انتهى عما نهى عنه، و زجر الله المنشئ للأرواح و الصور» و زاد في الفقيه فقال: ابن أبى العوجاء ذكرت الله يا أبا عبد الله فأحلت على غائب، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ويلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد و إليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم و يرى أشخاصهم، و يعلم أسرارهم و انما المخلوق الذي إذا انتقل من مكان اشتغل به مكان، و خلا منه مكان، فلا يدرى في المكان الذي صار اليه ما حدث في المكان الذي كان فيه، فاما الله العظيم الشأن الملك الديان فإنه لا يخلو منه مكان، و لا يشتغل به مكان و لا يكون الى مكان
391
أقرب منه الى مكان، و الذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة، و أيده بنصره و اختاره لتبليغ رسالاته صدقنا قوله بأن ربه بعثه و كلمه، فقال ابن ابى العوجاء فقال لأصحابه: من ألقانى في بحر هذا سألتكم أن تلتمسوا الى خمرة، فألقيتموني على جمرة، قالوا له: ما كنت في مجلسه الا حقيرا فقال: انه ابن من حلق رؤس من ترون».
أقول: في كتاب الاحتجاج للطبرسي بعد قوله «و يعلم أسرارهم» فقال ابن ابى العوجاء: فهو في كل مكان إذا كان في السماء كيف يكون في الأرض، و إذا كان في الأرض كيف يكون في السماء، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) «انما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكان» الى آخره و هو الصواب، و لعل ما بينهما سقط من قلم صاحب الفقيه.
و في كتاب اعلام الورى بعد قوله «أقرب منه الى مكان، يشهد له بذلك آثاره و يدل عليه أفعاله، و الذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة محمد (صلى الله عليه و آله) جاءنا بهذه العبادة»، و هو الأنسب أيضا قيل: لعل المراد بالتماس الخمرة بالخاء المعجمة تحصيل الظل للاستراحة فيه، قال في النهاية: انطلقت أنا و فلان نلتمس الخمر، الخمر بالتحريك: كل ما سترك من شجر و بناء أو غيره، انتهى و أما الإلقاء على الجمرة فهو بالجيم و يحتمل ان يكون التماس الجمرة أيضا بالجيم بمعنى اتخاذ قبس من النار، للانتفاع بها، و يكون الإلقاء على الجمرة كناية عن الاحتراق بها و حلق الرأس كناية عن التذليل و الرمي بالهوان و الصغار، لان العرب كانوا يعدونه عارا لتكبرهم و نخوتهم من أن يعلى رؤسهم، و أشار به الى النبي أو الى أمير المؤمنين صلى الله عليهما و على آلهما
و روى في الكافي (1) قال: و روى أن أمير المؤمنين قال في خطبة له: و لو أراد الله عز و جل ثناءه بأنبياءه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان، و معادن العقيان و مغارس الجنان، و أن يحشر طير السماء و وحوش الأرض معهم لفعل، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء، و اضمحل الابتلاء، و لما وجب للقائلين أجور المبتلين
____________
(1) الكافي ج 4 ص 198.
392
و لا لحق المؤمنين ثواب المحسنين، و لا لزمت الأسماء أهاليها على معنى مبين، و لذلك لو أنزل الله من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، و لو فعل لسقط البلوى عن الناس أجمعين، و لكن الله جل ثناءه جعل رسله أولي قوة في عزائم نياتهم، و ضعفة في ما ترى الأعين من حالاتهم من قناعة تملأ القلوب و العيون غناؤه، و خصاصة تملأ الأسماع و الأبصار أذاؤه، و لو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام، و عزة لا تضام، و ملك يمد نحوه أعناق الرجال، و يشد إليه عقد الرحال، لكان أهون على الخلق في الاختبار، و أبعد لهم من الاستكبار، و لأمنوا من رهبة قاهرة لهم، أو رغبة مائلة بهم فكانت النيات مشتركة، و الحسنات مقتسمة، و لكن الله أراد أن يكون الاتباع لرسله و التصديق بكتبه، و الخشوع لوجهه، و الاستكانة لأمره، و الاستسلام لطاعته أمورا له خاصة، لا تشوبها من غيرها شائبة، و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم، كانت المثوبة و الجزاء أجزل، أ لا ترون أن الله جل ثناؤه اختبر الأولين من لدن آدم الى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع.
فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياما ثم جعله بأوعر بقاع الأرض حجرا و أقل نتائق الدنيا مدرا، و أضيق بطون الأودية معاشا، و أغلظ مجال المسلمين مياها، بين جبال خشنة، و رمال دمثة، و عيون وشلة، و قرى منقطعة، و أثر من مواضع قطر السماء داثر، ليس يزكو به خف و لا ظلف و لا حاضر، ثم أمر آدم و ولده أن يثنوا أعطافهم نحوه، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم، و غاية لملقى رحالهم تهوى اليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار متصلة، و جزائر بحار منقطعة، و مهاوي فجاج عميقة، حتى يهزوا مناكبهم ذللا يهللون الله حوله، و يرملون على أقدامهم شعثا غبرا له، قد نبذوا القنع و السراويل وراء ظهورهم، و حسروا بالشعور حلقا من رؤوسهم ابتلاء عظيما و اختبارا كبيرا و امتحانا شديدا و تمحيصا بليغا و فتونا مبينا جعله الله سببا لرحمته و وصلة وسيلة إلى جنته، و علة لمغفرته، و ابتلاء للخلق برحمته، و لو كان الله تبارك و تعالى وضع بيته الحرام و مشاعره العظام بين جنات و أنهار و سهل و قرار، جم الأشجار، داني الثمار، ملتف النبات، متصل القرى، من برة سمراء، و روضة خضراء
393
و أرياف محدقة، و عراص مغدقة، و زروع ناضرة، و طرق عامرة، و حدائق كثيرة لكان قد صغر الجزاء، على حسب ضعف البلاء، ثم لو كان الأساس المحمول عليها أو الأحجار المرفوع بها ما بين زمردة خضراء، و ياقوتة حمراء، و نور و ضياء لخفف ذلك مصارعة الشك في الصدور، و لوضع مجاهدة إبليس عن القلوب، و لنفى معتلج الريب من الناس، و لكن الله عز و جل يختبر عباده بأنواع الشدائد، و يتعبدهم بألوان المجاهدة و يبتليهم بضروب المكاره، إخراجا للتكبر من قلوبهم، و إسكانا للتذلل في أنفسهم، و ليجعل ذلك أبوابا إلى فضله، و أسبابا ذللا لعفوه و فتنة، كما قال (1) «الم أَ حَسِبَ النّٰاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّٰا وَ هُمْ لٰا يُفْتَنُونَ، وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّٰهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكٰاذِبِينَ».
أقول: هذه الخطبة التي أشار إليها في الكافي قد نقلها بتمامها السيد الرضى (قدس سره) في كتاب نهج البلاغة، بيان لا بأس بإيضاح بعض ألفاظها المغلقة، الذهبان: جمع ذهب كخرب بالتحريك لذكر الحبارى، و خربان و العقبان، قال في القاموس: ذهب ينبت و قيل خالص الذهب، و القائلين: قيل من القيلولة، يعني لو لم يكن ابتلاء لكانوا مسترحين، فلا ينالون أجور المبتلين، و لم يكن هناك إحسان فلا يلحقهم ثواب المحسنين، و لا يكون مطيع و لا عاص، و لا محسن و لا مسيىء، بل ترتفع هذه الأسماء، و لا يستبين لها معنى.
و في كتاب نهج البلاغة و اضمحل الأبناء أى تلاشت و فنيت الأخبار يعني الوعد و الوعيد، و فيه غنى و ادى مكان غناه و أذاه و الخصاصة الفقر، و الحاجة، و الروم الطلب، و الضيم الظلم. و مد الأعناق نحو الملك، كناية عن تعظيمه يعنى يؤمله المؤملون و يرجوه الراجون و شد الرحال كناية عن مسافرة أرباب الرغبات اليه، بمعنى أنه لو كان الأنبياء ملوكا ذوي بأس و شوكة و قهر، لم يكن ايمان الخلق لهم لله سبحانه، بل كان لرهبة لهم، و خوف منهم، أو لرغبة و طمع فيهم، فتكون النيات
____________
(1) سورة العنكبوت الآية 1.
394
مشتركة، و الوعر: ضد السهل، و النتايق: جمع نتيقة بالنون ثم التاء المثناة من فوق، فعلية بمعنى مفعولة، و النتق: الجذب.
و سميت المدن و البلدان و الأماكن المرتفعة نتائق، لارتفاع نباتها و شهرتها و علوها عن غيرها من الأرض كأنها جذبت و رفعت، و الدمث: اللين، و الوشل:
القليل الماء، و الأثر: بقية رسم الشيء، و الداثر: الدارس، ليس يزكو به: أى ينمو، لان الزكاء النماء، و الخف: كناية عن الإبل، و الظلف عن البقر: و الغنم، و الحافر عن الدابة، بمعنى أنها لا تسمن فيه، لانه ليس فيه مرعى ترعاه فتسمن، و عطفا الرجل: جانباه و ناحيتا عنقه، و الثني: العطف، و هو كناية عن قصده للحج، يقال:
ثنى عطفه نحوه، أى توجه اليه، و المثابة: المرجع، و المنتجع: اسم مفعول من الانتجاع، و هو طلب الكلاء، و الماء و المراد محل الكلاء، و انتجع فلان فلانا:
أتاه طالبا معروفه و في قوله تهوى اليه ثمار الأفئدة استعارة لطيفة، و نظر الى قوله عز و جل حكاية عن خليله (عليه السلام) (1) فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرٰاتِ» و القفر: من المفاوز ما لا ماء فيه، و لا كلاء، و الفجاج: جمع فج، و هي الطريق الواسع بين الجبلين، و في قوله «و مهاوي فجاج عميقة» إشارة إلى دفعته و علوه، و نظر الى قوله سبحانه (2) «يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» و في النهج من مفاوز قفار سحيقة، و مهاوى فجاج عميقة، و جزائر بحار منقطعة، و النهز بالتحريك:
و هو كناية عن الشوق نحوه، و التوجه و السفر اليه، و في النهج يهلون لله من الإهلال و هو الأقرب، و الرمل محركة: الهرولة، و الشعث: انتثار الأمر و اغبرار الرأس و تلبد الشعر، و النبذ: الإلقاء. و المراد بالقنع و السراويل ما يستر أعالي البدن و أسافله.
و في النهج قد نبذوا السراويل: و هي القمصان، و الحسر: الكشف، و به يتعلق
____________
(1) سورة إبراهيم الآية- 37.
(2) سورة الحج الآية- 37.
395
قوله «عن رؤسهم» و المصادر الأربعة متقاربة المعاني، و القنوت: الخضوع، و الجم: الكثير، و الدنو: القرب، و التفاف النبات: اشتباكه.
و في النهج «ملتف البناء» أى مشتبك العمارة، و البرة: الواحدة من البر، و هو الحنطة أو بالفتح اسم جمع، و الريف بالكسر: أرض ذات ذرع و خصب، و ما قارب الماء من أرض العرب، و المحدقة: المحيطة، و عراص: جمع عرصة، و هي الساحة، و المغدقة كثيرة الماء، و في قوله «مصارعة الشك» استعارة لطيفة، و كذا في قوله «معتلج الريب» و معناهما متقاربان، و المعتلج: اسم مفعول من الاعتلاج، و هو التغالب و الاضطراب، يقال: اعتلجت الأمواج، أى تلاطمت و اضطربت.
و مرجع الكلام إلى أنه كلما كان الابتلاء و الامتحان أشد كان الثواب أجزل و أعظم، و لو أنه سبحانه جعل العبادة سهلة على المكلفين لما استحقوا عليها الا يسيرا من الجزاء، و هذا هو وجه الحكمة في ابتلاء خلقه بإبليس و جنوده، و النفس الامارة بالسوء و الأمر بالجهاد و نحو ذلك، و الا فهو قادر على دفع إبليس عنهم، و خلق نفوسهم مطيعة، و جمع الناس على طاعته، و لكنه لا يظهر حينئذ وجه استحقاقهم الثواب و الجزاء، كما لا يخفى، و الله العالم.
الفصل الثاني عشر [بيان أن المكة لم سميت بمكة]:
روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أقوم أصلي بمكة و المرأة بين يدي جالسة أو مارة؟ فقال: لا بأس إنما سميت بمكة لانه تبك فيه الرجال و النساء».
أقول:
أي يزدحم من بكة إذا زحمه.
و عن معاوية بن وهب (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحطيم؟
قال: هو ما بين الحجر الأسود و بين الباب، و سألته لم سمى الحطيم؟ قال: لان الناس يحطم بعضهم بعضا هناك».
و عن أبان (3) عمن أخبره عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: لم سمي
____________
(1) الكافي ج 4 ص 526.
(2) الكافي ج 4 ص 527.
(3) الكافي ج 4 ص 198.
396
البيت العتيق؟ قال: هو بيت حر، عتيق من الناس، لم يملكه أحد.
أقول: و في خبر آخر، انه أعتق من الغرق،
و روى في الفقيه عن سليمان بن مهران (1) قال: «قلت لجعفر بن محمد (عليهما السلام). كم حج رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال: عشرين حجة مستسرا، في كل حجة يمر بالمأزمين فينزل فيبول فقلت له: يا بن رسول الله و لم كان ينزل هناك فيبول؟ قال: لانه موضع عبد فيه الأصنام، و منه أخذ الحجر الذي نحت منه هبل الذي رمى به على (عليه السلام) من ظهر الكعبة، لما علا ظهر رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فأمر به و دفن عند باب بني شيبة، فصار الدخول الى المسجد من باب بني شيبة سنة لأجل ذلك، قال سليمان: فقلت:
فكيف صار التكبير يذهب بالضغاط هناك؟ قال: لان قول العبد الله أكبر معناه أكبر من أن يكون مثل الأصنام المنحوتة، و الالهة المعبودة دونه، و أن إبليس في شياطينه يضيق على الحاج مسلكهم في ذلك الموضع، فإذا سمع التكبير طار مع شياطينه و تبعهم الملائكة حتى يقفوا في اللجة الخضراء، قلت: و كيف صار الصرورة يستحب له دخول الكعبة دون من قد حج؟ فقال: لأن الصرورة قاضي فرض مدعو الى حج بيت الله فيجب أن يدخل البيت الذي دعى اليه، ليكرم فيه، فقلت: و كيف صار الحلق عليه واجبا دون من قد حج؟ فقال: ليصير بذلك موسما بسمة الآمنين، الا تسمع قول الله تعالى (2) «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لٰا تَخٰافُونَ» فقلت: و كيف صار وطء المشعر عليه فريضة؟ قال: ليستوجب بذلك وطء بحبوحة الجنة».
و روى في الكافي عن السكوني (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن إساف و نائلة و عبادة قريش لهما فقال: نعم كانا شابين صبيحين و كان بأحدهما تأنيث فكانا يطوفان بالبيت فصادفا من البيت
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 189.
(2) سورة الآية.
(3) الكافي ج 4 ص 546.
397
خلوة فأراد أحدهما صاحبه ففعل فمسخهما الله تعالى فقالت قريش: لولا أن الله رضي أن يعبد هذان معه ما حولهما من حالهما».
قال في الوافي: إساف بالكسر و الفتح صنم لقريش، و كذا نائلة وضعهما عمرو بن لحى على الصفا و المروة، و كان يذبح عليهما تجاه القبلة، قيل: كانا من حزبهم إساف بن عمرو نائلة بنت سهل ففجرا في الكعبة فمسخا حجرين ثم عبدتهما قريش.
و عن على بن أسباط (1) عن رجل من أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان أيام الموسم بعث الله عز و جل ملائكة في صورة الآدميين يشترون متاع الحاج و التجار، قلت: فما يصنعون به؟ قال: يلقونه في البحر».
و رواه في الفقيه مرسلا عن أبى عبد الله (عليه السلام).
و روى في التهذيب عن سليمان بن الحسن عن كاتب على بن يقطين (2) قال: «أحصيت لعلي بن يقطين من وافى عنه في عام واحد خمسمائة و خمسين رجلا، أقل من أعطاه سبعمائة، و أكثر من أعطاه عشرة آلاف».
أقول: لا يبعد انه لما كان على بن يقطين من وزراء الخليفة الرشيد المقربين فكان يلي أمر الخراج فتوصل الى دفعه للشيعة و رفدهم به بهذه الحيلة.
و عن عبد الله بن حماد الأنصاري (3) عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يأتي زمان يكون فيه حج الملوك نزهة، و حج الأغنياء تجارة، و حج المساكين مسألة.
و روى في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل (5) «لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّٰهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنٰالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِمٰاحُكُمْ» قال: ما تناله الأيدي البيض و الفراخ، و ما تناله الرماح فهو ما لا تصل الأيدي».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 307 الفقيه ج 2 ص 148.
(2) التهذيب ج 5 ص 461.
(3) التهذيب ج 5 ص 463.
(4) الكافي ج 4 ص 397 لكن عن احمد بن محمد رفعه.
(5) المائدة- 94.
398
و عن الشحام (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل (2) «وَ مَنْ عٰادَ فَيَنْتَقِمُ اللّٰهُ مِنْهُ» قال: ان رجلا انطلق و هو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار الى وجهه، و جعل الثعلب يصيح، و يحدث من استه، و جعل أصحابه ينهونه عما يصنع، ثم أرسله بعد ذلك، فبينما الرجل نائم إذ جائته حية فدخلت في فيه فلم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلت عنه».
و عن الحلبي (3) في الصحيح أو الحسن قال: «سئلت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل لبى بحجة أو عمرة و ليس يريد الحج قال ليس بشيء، و لا ينبغي له أن يفعل».
و عن إسحاق بن عمار (4) عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يكره الحج و العمرة على الإبل الجلالات».
و في الصحيح أو الحسن عن إسماعيل الخثعمي (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام)، انا إذا قدمنا مكة ذهب بعض أصحابنا يطوفون، و يتركوني أحفظ متاعهم، قال: أنت أعظم أجرا».
و عن مرازم بن حكيم- (6) قال: «زاملت محمد بن مصادف فلما دخلنا مكة اعتللت فكان يمضي الى المسجد و يدعني وحدي فشكوت ذلك الى مصادف فأخبر به أبا عبد الله (عليه السلام) فأرسل إليه قعودك عنده أفضل من صلاتك في المسجد».
و عن ابان بن تغلب (7) في الصحيح أو الحسن قال: «كنت مع أبى جعفر (عليه السلام) في ناحية عن المسجد الحرام، و قوم يلبون حول الكعبة، فقال أما ترى هؤلاء الذين يلبون، و الله لأصواتهم أبغض الى الله من أصوات الحمير».
و عن عبد الرحمن بن الأشل بياع الأنماط (8) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «كانت
____________
(1) الكافي ج 4 ص 397.
(2) سورة المائدة الآية 95.
(3) الكافي ج 4 ص 541.
(4) الكافي ج 4 ص 543.
(5) الكافي ج 4 ص 545.
(6) الكافي ج 4 ص 545.
(7) الكافي ج 4 ص 541.
(8) الكافي ج 4 ص 542.
399
قريش تلطخ الأصنام التي كانت حول الكعبة بالمسك و العنبر و كان يغوث قبال الباب، و كان يعوق عن يمين الكعبة و كان نسر عن يسارها، و كانوا إذا دخلوا أخروا سجدا ليغوث، و لا ينحنون، ثم يستديرون بحيالهم الى يعوق ثم يستديرون بحيالهم الى نسر ثم يلبون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك الا شريك هو لك، تملكه و ما ملك، قال فبعث الله ذبابا أخضر له أربعة أجنحة فلم يبق من ذلك المسك و العنبر شيئا إلا أكله، و انزل الله عز و جل (1) «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبٰاباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبٰابُ شَيْئاً لٰا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّٰالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ».
و عن عمر بن يزيد (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال لا يلي الموسم مكي».
و عن معاوية بن عمار (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغي لأهل مكة أن يلبسوا القميص، و أن يتشبهوا بالمحرمين شعثا غبرا، و قال: ينبغي للسلطان أن يأخذهم بذلك».
قيل: و أن يتشبهوا يعنى، و ينبغي أن يتشبهوا، و يحتمل أن يكون في الكلام تقديم و تأخير، تقديره ينبغي لأهل مكة أن لا يلبسوا القميص، و أن يتشبهوا بالحرمين
و عن هارون بن خارجة (4) قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر، فقلت: من بر الناس و فاجرهم، فقال: من بر الناس و فاجرهم».
و رواه الصدوق مرسلا، و رواه البرقي في المحاسن، بسنده عن هارون بن خارجة مثله
و عن على بن سليمان (5) قال: «كتبت إليه أسأله عن الميت يموت بعرفات
____________
(1) سورة الحج الآية- 37.
(2) الكافي ج 4 ص 543.
(3) التهذيب ج 5 ص 447.
(4) الفقيه ج 2 ص 147 الكافي ج 4 ص 258.
(5) التهذيب ج 5 ص 465.
400
بدفن بعرفات أو ينقل الى الحرم، فأيهما أفضل، فكتب: يحمل الى الحرم و يدفن فهو أفضل».
و عن حفص و هشام بن الحكم (1) أنهما سألا أبا عبد الله (عليه السلام) أيما أفضل الحرم أو عرفة، فقال الحرم» الحديث.
و عن عبد الملك بن عتبة (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يصل إلينا من ثياب الكعبة هل يصلح ان نلبس منها شيئا قال يصلح للصبيان و المصاحف و المخدة تبتغي بذلك البركة إنشاء الله».
و عن مروان بن عبد الملك (3) قال: «سألت أبا الحسن عن رجل اشترى من كسوة الكعبة شيئا فاقتضى ببعضه حاجته و بقي بعضه في يده هل يصلح بيعه؟
قال يبيع ما أراد و يهب ما لم يرد و يستنقع به و يطلب بركته قلت: أ يكفن به الميت قال: لا.
«و رواه الصدوق مرسلا عن أبى الحسن موسى (عليه السلام)
و روى في الفقيه عن مسمع بن عبد الملك (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس أن تأخذ من ديباج الكعبة فتجعله غلاف مصحف أو مصلى، تصلى عليه و روى شيخنا الشهيد في الدروس قال: روى البزنطي عن ثعلبة بن ميسرة قال: كنا عند أبى جعفر (عليه السلام) في الفسطاط نحوا من خمسين رجلا فقال: أ تدرون أى البقاع أفضل عند الله منزلة؟ فلم يتكلم أحد فكان هو الراد على نفسه، فقال تلك مكة الحرام الذي وضعها الله لنفسه حرما و جعل نبيه فيها ثم قال: أ تدرون أي بقعة في مكة أفضل حرمة؟ فلم يتكلم أحد فكان هو الراد على نفسه فقال: ذلك المسجد الحرام، ثم قال: أ تدرون أي بقعة في المسجد أعظم عند الله حرمة؟ فلم يتكلم أحد فكان هو الراد على نفسه فقال: ذلك بين الحجر الأسود الى باب الكعبة، ذلك حطيم
____________
(1) الكافي ج 4 ص 462 التهذيب ج 5 ص 478.
(2) الكافي ج 4 ص 229.
(3) الكافي ج 4 ص 148.
(4) الوسائل الباب- 26 من أبواب مقدمات الطواف.
401
إسماعيل (عليه السلام) الذي كان يذود فيه غنيمته، و يصلى فيه، فوالله لو أن عبدا صف رجليه في ذلك المقام قائما بالليل مصليا حتى يجيئه النهار، و قائما بالنهار حتى يجيئه الليل، و لم يعرف حقنا و حرمتنا أهل البيت لم يقبل الله منه شيئا ابدا، إلا أن أبانا إبراهيم «عليه الصلاة و على محمد و آله كان مما اشترط على ربه أن قال رب اجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم، أما انه لم يعن الناس كلهم، فأنتم أولئك، حكم الله و نظراؤكم و انما مثلكم في الناس مثل الشعرة السوداء في الثور الأنور.
الفصل الثالث عشر [استحباب زيارة النبي (ص) و الأئمة (ع)]
لا ريب في استحباب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه و آله) استحبابا مؤكدا و يتأكد ذلك زيادة في حق الحاج و يجبر الناس على ذلك لو تركوها كما يجبرون على الأذان، و منع ابن إدريس كما نقل عنه ضعيف، قال في المنتهى: «لو ترك الناس زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) قال الشيخ (رحمه الله): يجبرهم الامام عليها، و منع ابن إدريس من وجوب ذلك، لأنها مستحبة فلا يجب إجبارهم عليها، و نحن نقول: ان ذلك يدل على الجفاء، و هو محرم فيجبرهم الامام عليها لذلك انتهى.
روى المشايخ الثلاثة بأسانيدهم الصحيحة المتكثرة عن حفص بن البختري و هشام بن سالم و معاوية بن عمار (1) و غيرهم عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك، و على المقام عنده، و لو تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك، و على المقام عنده، فان لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين».
و روى في الكافي عن ابى الحجر الأسلمي (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أتى مكة حاجا و لم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة، و من أتاني زائرا وجبت له شفاعتي، و من وجبت له شفاعتي وجبت له الجنة، و من مات في أحد الحرمين مكة و المدينة لم يعرض و لم يحاسب، و من مات مهاجرا الى الله عز و جل حشر يوم القيامة مع أصحاب بدر».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 272.
(2) الكافي ج 4 ص 549.
402
و عن زرارة (1) في الصحيح أو الحسن عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «إنما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ثم يأتونا فيخبرونا بولايتهم، و يعرضوا علينا نصرتهم».
و عن جابر (2) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: «تمام الحج لقاء الامام».
و رواه في الفقيه عن جابر (3).
و روى في الفقيه بسنده الى ذريح (4) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» قال: «التفث لقاء الامام».
و روى في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ذريح (5) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعلمه، قال: و ما ذلك قال: قلت: قول الله عز و جل «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» قال: يقضوا تفثهم لقاء الامام، و ليوفوا نذورهم تلك المناسك قال عبد الله بن سنان: فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك قوله عز و جل «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ، قال: أخذ الشارب و قص الأظفار و ما أشبه ذلك،.
قال: قلت: جعلت فداك ان ذريح المحاربي حدثني عنك بأنك قلت له «لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» لقاء الامام، «وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» تلك المناسك، فقال: صدق ذريح و صدقت ان للقرآن ظاهرا و باطنا و من يحتمل ما يحتمل ذريح».
و روى في الفقيه عن عبد الله بن سنان (6) قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت جعلني الله فداك» الحديث.
و عن يحيى بن يسار (7) قال حججنا فمررنا بأبي عبد الله (عليه السلام) فقال: حجاج
____________
(1) الكافي ج 4 ص 549.
(2) الكافي ج 4 ص 549.
(3) الفقيه ج 2 ص 345.
(4) الفقيه ج 2 ص 291.
(5) الكافي ج 4 ص 549.
(6) الفقيه ج 2 ص 291.
(7) الكافي ج 4 ص 549.
403
بيت الله و زوار قبر نبيه (صلى الله عليه و آله) و شيعة آل محمد (صلوات الله عليهم)، هنيئا لكم».
أقول: و هذه الاخبار و ان كان موردها حال حياتهم (عليهم السلام) الا أنه لا فرق بين الحياة و الموت بالنسبة إليهم (صلوات الله عليهم) فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون، يشاهدون كل من ورد الى قبورهم.
و يشهد لذلك ما رواه
الشيخ في التهذيب عن يزيد بن عبد الملك (1) عن أبيه عن جده قال: «دخلت على فاطمة (عليها السلام) فبدأتني بالسلام، ثم قالت: ما غدا بك قلت: طلب البركة قالت: أخبرني أبى و هو ذا، هو أنه من سلم عليه و على ثلاثة أيام أوجب الله له الجنة، قلت لها: في حياته و حياتك؟ قالت: نعم و بعد موتنا».
إذا عرفت ذلك فاعلم أنه قد اختلفت الاخبار في استحباب البدعة بالحج ثم زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) أو العكس،
فروى في الكافي عن على بن محمد بن عبد الله البرقي (2) عن أبيه قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) أبدأ بالمدينة أو بمكة، قال:
ابدأ بمكة و اختم بالمدينة، فإنه أفضل».
و رواه في الفقيه مرسلا، و رواه في التهذيب عن غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليه السلام).
و روى الشيخ في التهذيب في الصحيح عن عيص بن القاسم (3) قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحاج من الكوفة يبدأ بالمدينة أفضل أو بمكة؟ قال:
بالمدينة».
و رواه في الفقيه عن عيص بن القاسم مثله،
و روى الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين (4) قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الممر بالمدينة في البداية أفضل، أو في الرجعة، قال: لا بأس بذلك آية كان».
روى في الكافي و التهذيب في الموثق عن سدير (5) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: ابدأ و بمكة و اختموا بنا».
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 9.
(2) الكافي ج 4 ص 550 الفقيه 344 التهذيب ج 5 ص 439.
(3) التهذيب ج 5 ص 439 و 440.
(4) التهذيب ج 5 ص 439 و 440.
(5) الكافي ج 5 ص 550.
404
أقول الظاهر في وجه الجمع هو أن الأفضل مع الاختيار و التمكن من الأمرين معا البدأة بالحج، و عليه تحمل رواية البرقي، و موثقة سدير.
و أما إذا حج على طريق المدينة فالبدأة بها أفضل، لئلا يخترم دون ذلك، أو لا يتفق له رجوع على تلك الطريق الاولى، و بهذا جمع الشيخ و صاحب الفقيه (عطر الله مرقديهما) و أما الاخبار الواردة في ثواب زيارتهم (صلوات الله عليهم) في الحياة أو بعد الموت فهي أكثر من أن تحصى، و لا بأس بنقل جملة منها تيمنا و تبركا) فمنها ما رواه
في الكافي في الصحيح عن أبان عن السدوسي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أتاني زائرا كنت شفيعه يوم القيامة».
و عن ابن شهاب (2) قال: قال الحسين (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه و آله): يا أبتاه ما لمن زارك؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا بنى من زارني حيا أو ميتا أو زار أباك أو زار أخاك كان حقا على أن أزوره يوم القيامة و أخلصه من ذنوبه».
و روى الشيخ في التهذيب عن إبراهيم بن عبد الله بن حسين بن عثمان بن معلى بن جعفر (3) قال: «قال الحسن بن على (عليهم السلام): يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما لمن زارنا؟ قال: من زارني حيا أو ميتا أو زار أباك حيا أو ميتا أو زار أخاك حيا أو ميتا أو زارك حيا أو ميتا كان حقا على ان استنقذه يوم القيامة».
و روى في الكافي عن محمد بن على يرفعه (4) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) و في الفقيه (5) مرسلا «قال: قال رسول الله لعلى (عليهم السلام): يا على من زارني في حياتي أو بعد مماتي أو زارك في حياتك أو بعد مماتك أو زار ابنيك في حياتهما أو بعد موتهما ضمنت له يوم القيامة ان أخلصه من أهوالها و شدائدها حتى
____________
(1) الكافي ج 5 ص 548.
(2) التهذيب ج 6 ص 4.
(3) التهذيب ج 6 ص 40.
(4) الكافي ج 4 ص 579.
(5) الفقيه ج 2 ص 346.
405
أصيره معي في درجتي».
«و عن زيد الشحام (1) قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما لمن زار رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال كمن زار الله فوق عرشه» قال: قلت: فما لمن زار واحدا منكم؟ قال: كمن زار رسول الله (صلى الله عليه و آله)».
و روى الشيخ في التهذيب عن أبى الحسن موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن على بن الحسين (2) (عليه السلام) عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن الحسين (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
من زار قبري بعد موتى كان كمن هاجر الى في حياتي فان لم تستطيعوا فابعثوا الى بالسلام، فإنه يبلغني».
و عن ابى عامر واعظ الحجاز (3) عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لعلى (عليه السلام) يا أبا الحسن ان الله عز و جل جعل قبرك و قبور ولدك بقاعا من بقاع الجنة، و عرصة من عرصاتها، و ان الله عز و جل جعل قلوب نجباء من خلقه، و صفوته من عباده، تحن إليكم و تحتمل الأذى و المذلة فيكم، فيعمرون قبوركم و يكثرون زيارتها تقربا منهم الى الله، و مودة منهم لرسول الله، اولائك يا على المخصوصون بشفاعتي، و الواردون حوضي، و هم زواري غدا في الجنة، يا على من عمر قبوركم و تعاهدها فكأنما أعان سليمان بن داود (عليهما السلام) على بناء بيت المقدس، و من زار قبوركم عدل ذلك له ثواب سبعين حجة بعد حجة الإسلام، و خرج من ذنوبه حتى يرجع من زيارتكم كيوم ولدته أمه، فأبشر يا على و بشر أوليائك و محبيك من النعيم و قرة العين بما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، و لكن حثالة من الناس يعيرون
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 4 الكافي ج 4 ص 579.
(2) التهذيب ج 6 ص 3.
(3) التهذيب ج 6 ص 22.
406
زوار قبوركم بزيارتكم كما تعير الزانية بزناها، أولائك شرار أمتي لا تنالهم شفاعتي و لا يردون حوضي».
الى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عن نقلها المقام
الفصل الرابع عشر [استحباب الصلاة في مسجد الغدير]
يستحب لقاصدى المدينة المشرفة المرور بمسجد الغدير و دخوله و الصلاة فيه و الإكثار من الدعاء، و هو موضع الذي نص فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على امامة أمير المؤمنين و خلافته بعده، و وقع التكليف بها، و ان كانت النصوص قد تكاثرت بها عنه (صلى الله عليه و آله) قبل ذلك اليوم، الا ان التكليف الشرعي و الإيجاب الحتمي انما وقع في ذلك اليوم، و كان تلك النصوص المتقدمة كانت من قبيل التوطئة لتوطن النفوس عليها، و قبولها بعد التكليف بها.
فروى ثقة الإسلام في الكافي و الصدوق في الفقيه عن أبان (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: يستحب الصلاة في مسجد الغدير، لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أقام فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو موضع أظهر الله عز و جل فيه الحق».
و روى المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مضاجعهم) في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الصلاة في مسجد غدير خم و أنا مسافر، فقال: صل فيه فان فيه فضلا كثيرا و كان أبى يأمر بذلك».
و يستحب أيضا النزول بالمعرس و صلاة ركعتين فيه، و التعريس لغة نزول القوم في السفر آخر الليل، قال في القاموس: أعرس القوم نزلوا في آخر الليل للاستراحة، كعرس و ليلة التعريس الليلة التي نام فيها النبي (صلى الله عليه و آله) و المعرس: بضم الميم و فتح العين و تشديد الراء المفتوحة، و يقال: بفتح الميم و سكون العين و تخفيف الراء، مسجد يقرب مسجد الشجرة بازاءه مما يلي القبلة، و المراد بالتعريس في المسجد المذكور هو الاضطجاع فيه، إذا مر به ليلا كان أو نهارا، كما يدل عليه الاخبار الاتية، و قد أجمع الأصحاب على استحباب النزول فيه و الصلاة تأسيا بالنبي
____________
(1) الكافي ج 4 ص 567 الفقيه ج 2 ص 335.
(2) الكافي ج 4 ص 567 الفقيه ج 2 ص 335.
407
(صلى الله عليه و آله) و يستحب أيضا الرجوع اليه لو تجاوزه، و يدل على ذلك جملة من الاخبار، و منها ما رواه
ثقة الإسلام في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) قال:
قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا انصرفت من مكة إلى المدينة و انتهيت إلى ذي الحليفة و أنت راجع الى المدينة من مكة، فأت معرس النبي (صلى الله عليه و آله) فان كنت في وقت صلاة مكتوبة أو نافلة فصل فيه، و ان كان في غير وقت صلاة مكتوبة فانزل فيه قليلا، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يعرس فيه، و يصلى».
و رواه الصدوق أيضا في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله.
و عن الحسن بن على بن فضل (2) قال: «قال على بن أسباط لأبي الحسن و نحن نسمع: انا لم نكن عرسنا فأخبرنا ابن القاسم بن الفضيل أنه لم يكن عرس و أنه سألك فأمرته بالعود الى المعرس فيعرس فيه، فقال: نعم، فقال له: فانا انصرفنا فعرسنا فأي شيء نصنع؟ قال: تصلى فيه و تضطجع، و كان أبو الحسن (عليه السلام) يصلى بعد العتمة فيه، فقال له محمد: فان مر به في غير وقت صلاة مكتوبة؟ قال:
بعد العصر، قال: سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن ذا فقال (عليه السلام): ما رخص في هذا الا في ركعتي الطواف، فان الحسن بن على (عليهما السلام) فعله، و قال: يقيم حتى يدخل وقت الصلاة، قال: فقلت له: جعلت فداك فمن مر به بليل أو نهار يعرس فيه، أو إنما التعريس في الليل؟ فقال: ان مر به بليل أو نهار فليعرس فيه».
قال في الوافي المستتر في «قال» في قوله «قال بعد العصر» يرجع الى محمد يعنى كما إذا مر به بعد العصر ما رخص في هذا يعنى ما رخص في النافلة بعد العصر إلا في ركعتي طواف النافلة، و قد مر الكلام فيه في كتاب الصلاة، و انها موضع تقية حتى يدخل وقت الصلاة يعني الوقت الذي يجوز فيه الصلاة من غير كراهة، كوقت الصلاة المكتوبة.
و عن على بن أسباط عن بعض أصحابنا (3) «انه لم يعرس فأمره الرضا (عليه السلام) ان ينصرف فيعرس.
و عن محمد بن القاسم (4) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) جعلت
____________
(1) الكافي ج 4 ص 565 الفقيه ج 2 ص 335.
(2) الكافي ج 4 ص 566.
(3) الكافي ج 4 ص 565.
(4) الكافي ج 4 ص 565.
408
فداك ان جمالنا مر بنا و لم ينزل المعرس، فقال: لا بد أن ترجعوا اليه فرجعت اليه.
و روى الشيخ في التهذيب عن معاوية بن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال لي في المعرس- معرس النبي (صلى الله عليه و آله):- إذا رجعت الى المدينة فمر به و انزل و أنخ به و صل فيه، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فعل ذلك، قلت:
فان لم يكن وقت صلاة؟ قال: فأقم قلت: لا يقيمون أصحابي؟ قال: فصل ركعتين و امضه، و قال: انما المعرس إذا رجعت الى المدينة ليس إذا بدأت بها».
و عن ابن أسباط (2) قال: «قلت لعلى بن موسى (عليه السلام): ان الفضيل بن يسار روى عنك و أخبرنا عنك بالرجوع الى المعرس، و لم نكن عرسنا فرجعنا إليه فأي شيء نصنع، قال: تصلى و تضطجع قليلا، فقد كان أبو الحسن (عليه السلام) يصلى فيه:
و يقعد، فقال محمد بن على بن فضال: فان مررت به في غير وقت صلاة بعد العصر فقال: فقد سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن ذلك فقال: صل فيه، فقال محمد بن على بن فضال: ان مررت به ليلا أو نهارا انعرس، أو إنما التعريس بالليل فقال. نعم ان مررت به ليلا أو نهارا فعرس فيه، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يفعل ذلك».
و روى في الفقيه (3) «قال سأل العيص بن القاسم أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغسل في المعرس، فقال: ليس عليك فيه غسل،».
و يستفاد من صحيحة معاوية بن عمار التي هي أول الاخبار و من رواية الأخيرة ان التعريس المستحب انما هو في الرجوع من مكة إلى المدينة دون العكس
الفصل الخامس عشر [حكم صيد حرم المدينة]
و للمدينة المنورة حرم، و هو من ظل عائر إلى وعير، لا يعضد شجره، و لا يصاد ما بين الحرمين منه، و هي حرة ليلى، و حرة و أقم، بكسر القاف اسم لحصن هناك، أضيفت الحرة اليه، و هل النهى هنا على جهة الكراهة أو التحريم قولان،
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 16.
(2) التهذيب ج 6 ص 16.
(3) الفقيه ج 2 ص 336.
409
و تفصيل هذه الجملة أن الحرم المذكور هو ما بين الجبلين المذكورين، فان عائرا و وعيرا: اسمان لجبلين مكتنفين للمدينة، أحدهما من المشرق، و الأخر من المغرب و وعير ضبطه الشهيد في الدروس بفتح الواو، و نقل عن المحقق الشيخ على أنه وجده في مواضح متعددة يضم الواو، و فتح العين المهملة، و الحرة بالفتح و التشديد أرض ذات أحجار سود، و منه سميت الحرتان المذكورتان بذلك، و هما أدخل في المدينة، و هذا الحرم: بريد في بريد، و يوضح ذلك ما رواه
في الكافي عن محمد بن يحيى الخراز (1) عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «بينا نحن جلوس و أبى عند وال لبني أمية على المدينة إذ جاء أبى فجلس فقال: كنت عند هذا قبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم: في ثلاث و قال قائل منهم: يوما و ليلة، و قال قائل منهم روحة فسألني فقلت له: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما انزل عليه جبرائيل (عليه السلام) بالتقصير قال له النبي (صلى الله عليه و آله) في كم ذاك، فقال: في بريد، قال: و أي شيء البريد: قال ما بين ظل عير إلى فيء و عير، قال: ثم عبرنا زمانا ثم رأى بنو أمية يعلمون أعلاما على الطريق، و أنهم ذكروا ما تكلم به أبو جعفر (عليه السلام) فذرعوا ما بين ظل عير إلى فيء و عير ثم جزؤه على اثنى عشر ميلا» الحديث.
و التقريب فيه أنه دل على أن ما بين الجبلين بريد اثنا عشر ميلا، و اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في صيد هذا الحرم، و قطع شجرة فقيل: انه لا يجوز قطع شجرة، و لا قتل صيد ما بين الحرمين، و نسبه في المدارك إلى الأكثر قال:
به قطع في المنتهى، و أسنده إلى علمائنا، مؤذنا بدعوى الإجماع عليه و قيل بالكراهة، و به صرح المحقق في الشرائع، و ذكر في المسالك ان هذا القول هو المشهور بين الأصحاب قال: بعد أن ذكر أن في المسألة قولين: أحدهما التحريم، و هو اختيار الشيخ و العلامة في المنتهى، و الثاني و هو المشهور بين الأصحاب، بل كثير منهم لم يذكروا فيه خلافا الكراهة الى أن قال و بعض
____________
(1) الكافي ج 3 ص 432.
410
الأصحاب قطع بتحريم قطع الشجر، و جعل الخلاف في الصيد، قال و ظاهر الاخبار يدل عليه، فإنه لم يرد خبر بجواز قطع الشجر و انما تعارضت الاخبار في الصيد، الا أن الأصحاب نقلوا الكراهة في الجميع و اختاروها انتهى.
أقول: و ها أنا أسوق لك ما وقفت عليه من أخبار المسألة و أبين ما وضح لي منها بتوفيق الله سبحانه و هدايته.
فمنها ما رواه
ابن بابويه في الصحيح عن زرارة بن أعين (1) عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة ما بين لابتيها صيدها و حرم ما حولها بريدا في بريد ان يختلا خلاها أو يعضد شجرها إلا عودي الناضح».
قال في الفقيه:
و روى ان لابتيها ما أحاطت به الحرار، و روى في خبر آخر أن ما بين لابتيها ما بين الصورين إلى الثنية، و الذي حرمه من شجر ما بين ظل عائر إلى فيء و عير، و هو الذي حرم، و ليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا و لا يؤكل ذاك أقول: و قد تقدم أن الخلا مقصورة: الرطب من النبات، واحدته خلاه أو كل بقلة و اختلاه جزه،
و روى الكليني و الشيخ في الصحيح عن صفوان عن عبد الله بن مسكان عن الحسن الصيقل (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: كنت جالسا عند زياد بن عبد الله و عنده ربيعة الرأي فقال له زياد: ما الذي حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله)، من المدينة؟ فقال له:
بريد في بريد، فقال لربيعة: و كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) أميال فسكت و لم يجبه فاقبل على زياد فقال: يا أبا عبد الله ما تقول أنت؟ فقلت: حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من المدينة من الصيد» ما بين لابتيها، قال: و ما بين لابتيها؟ قلت: ما أحاطت به «الحرار» (3) قال: و ما حرم من الشجر؟ قلت: ما بين عير الى وعير»- و زاد في الكافي- قال صفوان: قال ابن مسكان: قال الحسن فسأله إنسان و أنا جالس، فقال له و ما بين لابتيها؟
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 336.
(2) الكافي ج 4 ص 564 التهذيب ج 6 ص 13.
(3) و في التهذيب «الحرتان».
411
قال: ما بين الصورتين إلى الثنية».
أقول: الذي في الكافي «حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من المدينة ما بين لابتيها» و ليس فيه من الصيد، و انما هو في رواية التهذيب خاصة، و في التهذيب و لم يحسن بدل و لم يجبه ثم، أقول: و الظاهر أن هذه الزيادة المنقولة في الكافي هي التي أشار إليها الصدوق فيما قدمنا نقله بقوله «و روى في خبر أخر أن ما بين لابتيها» الى آخره قيل: و الصورين كأنه تثنية الصور، و هو جماعة من النخل، و لا واحد له من لفظه، و يجمع على صيران و في الخبر أنه خرج الى صور بالمدينة.
أقول: قال في القاموس: «و الصور: النخل الصغار، أو المجتمع، الجمع صيران» و قال: في مجمع البحرين: و الصور: الجماعة من النخل، و لا واحد له من لفظه، و الجمع على صيران، و منه خرج الى صور بالمدينة، و حديث بدر أن أبا سفيان بعث الى رجلين من أصحابه فاحرقا صور من صيران العريض
و روى في الفقيه عن ابى بصير (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «حد ما حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) من المدينة من ذباب الى واقم و العريض و النقب من قبل مكة.
أقول «و ذباب» بضم المعجمة جبل قرب المدينة على نحو من بريد منها،
و في صحيحة زرارة (2) كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا اتى ذبابا قصر و انما فعل ذلك لأنه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ،.
و راقم: اسم حصن هناك من حصون المدينة، و هو الذي أضيفت إليه الحرة، كما تقدم، و في الكافي «فأقم» مكان «و أقم» و الظاهر أنه غلط و عريض كزبير واد بالمدينة، به أموال لأهلها، قال في القاموس: و مرجع هذين التحديدين الى التحديد الأول و النقب بالنون: الطريق في الجبل، و منه ألقاب المدينة إلى الطرق الداخلة إليها من بين الجبال،
و روى في الكافي عن معاوية بن عمار (3) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 337.
(2) الفقيه ج 1 ص 287.
(3) الكافي ج 4 ص 564.
412
الله (صلى الله عليه و آله): مكة حرم الله، حرمها إبراهيم (صلوات الله عليه) و ان المدينة حرمي ما بين لابتيها، حرم لا يعضد شجرها، و هو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير، و ليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا و لا يؤكل ذلك و هو بريد».
و روى في التهذيب في الصحيح عن عبد الله بن سنان (1) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال يحرم من الصيد صيد المدينة ما بين الحرتين».
و روى في الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال يحرم من صيد المدنية ما صيد بين الحرتين».
و روى المشايخ الثلاثة عن أبى العباس يعنى الفضل بن عبد الملك البقباق (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة؟ قال: نعم حرم بريدا في بريد غضاها قال: قلت: صيدها؟ قال: لا، يكذب الناس».
أقول: الغضا بالمعجمتين جمع غضاة و هو شجر معروف
و روى الصدوق في كتاب معاني الاخبار في الصحيح عن معاوية بن عمار (4) قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ما بين لابتيى المدينة ظل عائر إلى ظل وعير حرم قلت: طائره كطائر مكة؟ قال: لا، و لا يعضد شجرها-.
قال: و روى- أنه يحرم من صيد المدينة ما صيد بين الحرتين».
و روى الصفار في بصائر الدرجات بسنده عن الفضيل بن يسار (5) قال: «سألته الى أن قال فقال: ان الله أدب نبيه فأحسن تأديبه فلما انتدب فوض اليه، فحرم الله الخمر و حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) كل مسكر، فأجاز الله له ذلك، و حرم الله مكة، و حرم رسول الله (صلى الله عليه و آله) المدينة فأجاز الله ذلك كله الحديث.
و عن عبد الله بن سنان (6) عن أبى عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «ان الله
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 13.
(2) الفقيه ج 2 ص 337.
(3) الفقيه ج 2 ص 337 التهذيب ج 6 ص 13 الكافي ج 4 ص 563.
(4) الوسائل الباب 17 من أبواب المزار.
(5) الوسائل الباب 17 من أبواب المزار.
(6) الوسائل الباب 17 من أبواب المزار.
413
أدب نبيه (صلى الله عليه و آله) انتدب ففوض اليه، و ان الله حرم مكة، و ان رسول الله حرم المدينة فأجاز الله له، و ان الله حرم الخمر، و ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) حرم كل مسكر، فأجاز الله له».
أقول: هذا ما وقفت عليه من أخبار المسألة و كلها متفقة الدلالة في تحريم قطع الشجر، و انما اختلفت في الصيد كما تقدمت الإشارة إليه في كلام شيخنا الشهيد الثاني، و أكثر الأخبار دال على التحريم خصوصا في بعض، و عموما في آخر، و الذي يدل على عدم التحريم، منها رواية معاوية بن عمار المنقولة من الكافي، و نحوها رواية أبي العباس، و كذا صحيحة معاوية بن عمار المنقولة من كتاب معاني الاخبار.
و الشيخ رضوان الله عليه بعد نقله الروايتين الأوليين في التهذيب أجاب عنهما، فقال: ما تضمن هذان الخبران من أن صيد المدينة لا يحرم، المراد به ما بين البريد الى البريد، و هو ظل عائر إلى ظل وعير، و يحرم ما بين الحرتين، و بهذا تميز صيد هذا الحرم من حرم مكة، لأن صيد مكة محرم في جميع الحرم، و ليس كذلك في حرم المدينة، لأن الذي يحرم منها هو الصيد المخصوص انتهى. ثم استدل على ذلك برواية عبد الله بن سنان المذكورة، نقلا من التهذيب، و رواية الحسن الصيقل المتقدمة أيضا.
أقول: و بذلك صرح من تأخر عنه كالعلامة في المنتهى و غيره، و منهم السيد السند في المدارك، و زاد الطعن في الخبرين المذكورين بضعف السند، و اعترضه المحدث الكاشاني في الوافي، فقال بعد نقل كلامه المذكور: ما لفظه أقول:
ظاهر خبر ابن عمار ان التحديدين واحد، و لا دلالة فيه على عدم تحريم الصيد، و لا على تحريمه، و انما يدل على عدم تحريم أكله، و خبر البقباق أيضا يحتمل معنيين، أحدهما أن لا يكون كلاما برأسه، و يكون يكذب الناس كلاما آخر على حدة من الكذب، و الثاني أن يكون كلاما واحدا من التكذيب على سبيل التقية، فإن العامة روت في التحريم رواية، ثم الخبران الإتيان إنما يدلان على ما ذكره، لو كانا كما رواهما،
414
أما لو كانا كما رويا في الفقيه و الكافي فلا دلالة لهما على ذلك، كما ستقف عليه إنشاء الله. نعم ما يدل على ما ذكره روايته، انتهى.
أقول: لا يخفى أن ظاهر صحيحة زرارة و كذا ظاهر رواية الحسن الصيقل هو تغاير التحديدين، و ان الحد الذي يحرم فيه الصيد هو بين لابتيها، و الذي يحرم فيه الشجر هو ما بين الجبلين، و هو مسافة البريد، و حينئذ فلعل ما في رواية معاوية المذكورة و كذا صحيحة المنقولة في كتاب معاني الاخبار من الدلالة على اتحاد الحدين خرج مخرج التجوز، حيث أنه القدر المتفق عليه، و الا مسافة ما اشتملت عليه الحرتان أقل من المسافة التي بين الجبلين كما لا يخفى.
و أما قوله «و لا دلالة فيه على عدم تحريم الصيد و لا على تحريمه» ففيه أن الظاهر من عدم التحريم أكله عدم تحريم صيده، كما ان الظاهر من تحريم الصيد هو تحريم الأكل إذا كان مما يؤكل، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار المتقدمة في الصيد في باب محرمات الإحرام، و اتفاق كلمة الأصحاب على ذلك، و هذا المعنى ظاهر من صحيحة معاوية المروية في كتاب المعاني، فإن قوله «قلت طائره كطائر مكة» يعني في تحريم صيده، و ما يترتب عليه من تحريم أكله، «قال: لا».
و بالجملة فالروايتان ظاهرتان في عدم تحريم الصيد، و حمل الشيخ في هذا المقام جيد كما عرفت، و أما خبر البقباق فالظاهر ان إجمال متنه يمنع من الاعتماد عليه استدلالا، أو إيرادا أو نقضا، فطرحه من البين قريب، و أما قوله ثم الخبران الإتيان الى آخره إشارة إلى صحيحة عبد الله بن سنان، و رواية الحسن الصيقل، ففيه أن ما ذكره بالنسبة إلى رواية الفضيل الصيقل مسلم، لما عرفت من الاختلاف في الروايتين، لكن الطعن به انما يتم لو لم يعتمد على روايات التهذيب، و ليس كذلك، و حينئذ فالاعتراض به لا محصل له، و أما بالنسبة إلى صحيحة عبد الله بن سنان فإنه لا يخفى أن ما رواه في الفقيه لا ينافي رواية التهذيب كما توهمه، بل مرجع الروايتين الى معنى واحد كما لا يخفى.
415
و بالجملة فما ذهب اليه الشيخ من التحريم في كل من الصيد و الشجر هو الظاهر من الاخبار، و الله العالم.
الفصل السادس عشر [استحباب الصلاة في مسجد الرسول (ص) و سائر مساجد المدينة]:
قد اتفقت الاخبار و كلمة الأصحاب على انه يستحب لزائر المدينة بعد الدخول إكثار الصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) و لا سيما في الروضة، و هي ما بين القبر و المنبر الى طرف الظلال، و أن يأتي المنبر و يمسح مما يليه و أن يأتي المساجد الشريفة بالمدينة، كمسجد قبا، و مسجد الفتح، و مسجد الأحزاب و مسجد الفضيح، و هو الذي ردت فيه الشمس لأمير المؤمنين (عليه السلام) و مشربة أم إبراهيم (عليه السلام) و قبور الشهداء بأحد و لا سيما قبر حمزة (رضى الله عنه).
روى ثقة الإسلام في الكافي في الصحيح عن معاوية بن عمار (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه و آله) فأت المنبر و امسحه بيدك و خذ برمانتيه، و هما السفلاوان، و امسح عينيك و وجهك به، فإنه يقال:
انه شفاء العين، و قم عنده فاحمد الله و أثن عليه، و اسأل حاجتك، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: ما بين منبري و بيتي روضة من رياض الجنة، و منبري على ترعة من ترع الجنة- و الترعة هي الباب الصغير- ثم تأتى مقام النبي (صلى الله عليه و آله) فتصلي فيه ما بدا لك، فإذا دخلت المسجد فصل على النبي (صلى الله عليه و آله) و إذا خرجت فاصنع مثل ذلك، و أكثر من الصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) و رواه في الفقيه مقطوعا مرسلا بدون قوله و أكثر الى آخره، و قال ما بين منبري و قبري روضة و زاد بعد ترع الجنة و قوائم منبري ربت في الجنة».
قال في الوافي: الترعة بضم المثناة الفوقانية ثم المهملتين في الأصل: هي الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كان في المطمئنين فهي روضة، قال القتيبي في معنى الحديث ان الصلاة و الذكر في هذا الموضع يؤديان إلى الجنة، فكأنه قطعة منها، و قيل الترعة الدرجة، و قيل الباب كما في هذا الحديث و كان الوجه
____________
(1) الكافي ج 4 ص 553 الفقيه ج 2 ص 340.
416
فيه ان بالعبادة هناك يتيسر دخول الجنة، كما ان بالباب يتمكن من الدخول، و لا تنافي بين ما في الكافي و الفقيه لانه (صلى الله عليه و آله و سلم) دفن في بيته، و ربت أى نمت و ارتفعت انتهى.
أقول: قال بعض شراح الحديث: و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم)، ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة، لأن فاطمة (عليها السلام) بين قبره و منبره (صلى الله عليه و آله) و قبرها (عليها السلام) روضة من رياض الجنة، و يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة في المنبر و الروضة بأن يكون حقيقتها كذلك، و ان لم يظهر في الصورة بذلك في الدنيا، لأن الحقائق تظهر بالصور المختلفة انتهى.
و عن أبى بكر الحضرمي (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):
ما بين بيتي و قبري و منبري روضة من رياض الجنة، و منبري على ترعة من ترع الجنة، و قوائم منبري ربت في الجنة، قال: قلت هي روضة اليوم، قال: نعم لو كشف الغطاء لرأيتم.
أقول: و في هذا الخبر ما يدل على ما ذكره ذلك البعض المتقدم،
و عن مرازم (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يقول الناس في الروضة؟ «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): في ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة، و منبري على ترعة من ترع الجنة، فقلت له: جعلت فداك فما حد الروضة؟ فقال: بعد أربع أساطين من المنبر الى الظلال: فقلت: جعلت فداك من الصحن فيها شيء؟
قال: لا».
و عن عبد الله بن مسكان (3) في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «حد الروضة في مسجد الرسول الى طرف الظلال، و حد المسجد إلى الأسطوانتين عن يمين المنبر الى الطريق مما يلي سوق الليل».
و عن عبد الأعلى مولى آل سام (4) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم كان مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ قال: كان
____________
(1) الكافي ج 4 ص 554.
(2) الكافي ج 4 ص 554.
(3) الكافي ج 4 ص 555.
(4) الكافي ج 4 ص 555.
417
ثلاثة آلاف و ستمائة ذراع مكسرا».
قال في المغرب: الذراع المكسر ست قبضات، و هو ذراع العامة و انما وصفت بذلك؟ لأنها نقصت عن ذراع الملك بقبضة، و هو بعض الأكاسرة، و كانت ذراعه سبع قبضات انتهى.
و عن محمد بن مسلم (1) في الصحيح قال: «سألته عن حد مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟ فقال: الأسطوانة التي عند رأس القبر إلى الأسطوانتين من وراء المنبر عن يمين القبلة، و كان من وراء المنبر طريق تمر فيه الشاة و يمر الرجل منحرفا و كان ساحة المسجد من البلاط الى الصحن».
قال في الوافي: البلاط بالفتح موضع بالمدينة بين المسجد و السوق، مبلط اى مفروش بالحجارة التي تسمى بالبلاط، سمى المكان به اتساعا،
و عن معاوية بن وهب (2) في الصحيح قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل قال رسول الله (صلى الله عليه و آله)، ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة؟ فقال: نعم، و قال: بيت على و فاطمة (عليهما السلام) ما بين البيت الذي فيه النبي (صلى الله عليه و آله) الى الباب الذي يحاذي الزقاق الى البقيع، قال: فلو دخلت من ذلك الباب و الحائط مكانه أصاب منكبك الأيسر، ثم سمى سائر البيوت، و قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الصلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة في غيره الا المسجد الحرام فهو أفضل».
و عن جميل بن دراج (3) «قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما بين منبري و بيوتي روضة من رياض الجنة، و منبري على ترعة من ترع الجنة، و صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام، قال جميل: قلت له: بيوت النبي (صلى الله عليه و آله) و بيت على (عليه السلام) منها؟ قال:
نعم و أفضل».
و بهذا المضمون بالنسبة إلى فضل الصلاة في مسجده (صلى الله عليه و آله) أخبار عديدة
____________
(1) الكافي ج 4 ص 554.
(2) الكافي ج 4 ص 555.
(3) الكافي ج 4 ص 556.
418
فيها الصحيح و غيره،
و عن أبى الصامت (1) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): صلاة في مسجد النبي (صلى الله عليه و آله) تعدل عشرة آلاف صلاة».
و عن هارون بن خارجة (2) قال: الصلاة في مسجد الرسول (صلى الله عليه و آله) تعدل عشرة آلاف صلاة».
و عن يونس بن يعقوب (3) في الموثق قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الصلاة في بيت فاطمة (عليها السلام) مثل الصلاة في الروضة؟ قال: و أفضل».
و عن معاوية بن عمار (4) في الصحيح قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تدع إتيان المشاهد كلها مسجد قباء فإنه المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، و مشربة أم إبراهيم (عليه السلام) و مسجد الفضيخ و قبور الشهداء و مسجد الأحزاب و هو مسجد الفتح، قال: و بلغنا أن النبي (صلى الله عليه و آله) كان إذا أتى قبور الشهداء قال: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، و ليكن فيما تقول عند مسجد الفتح يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي و غمي و كربى كما كشفت عن نبيك غمه و همه و كربه، و كفيته هول عدوه في هذا المكان».
و همه و كربه، و كفيته هول عدوه في هذا المكان» و رواه في الفقيه مرسلا مقطوعا على اختلاف في ألفاظه.
قال في الوافي: المشربة بفتح الراء و ضمها الغرفة و الصفة، يقال: هو في مشربته: أي في غرفته، وعدها- في كتاب مغانم- المطابة: في معالم طابة-:
للفيروزآبادى صاحب القاموس- في المساجد، قال: و منها مسجد أم إبراهيم (عليه السلام) الذي يقال له مشربة أم إبراهيم (عليه السلام)، و هو مسجد بقبا شمالي مسجد بني قريظة، قريب من الحقة الشرقية في موضع يعرف بالدشت، قال: و ليس عليه بناء و لا جدار، و انما هو عريصة صغيرة بين نخيل طولها نحو عشرة أذرع، و عرضها أقل منه، بنحو
____________
(1) الكافي ج 4 ص 556.
(2) الكافي ج 4 ص 556.
(3) الكافي ج 4 ص 556 و فيه عن جميل بن دراج.
(4) الكافي ج 4 ص 560 الفقيه ج 2 ص 343.
419
ذراع و قد حوط عليها برصم لطيف من الحجارة السود.
قال: و منها مسجد الفضيخ بفتح الفاء و كسر الضاد المعجمة بعدها مثناة تحتية و خاء معجمة.
قال: و هذا المسجد يعرف بمسجد الشمس اليوم، و هو شرقي مسجد قبا على شفير الوادي مرصوم بحجارة سود، و هو مسجد صغير.
أقول: و يأتي وجه تسميته بمسجد الشمس عن قريب، قال: و منها مسجد الفتح، و هو مسجد على قطعة من جبل سلع من جهة الغرب، و غربية وادي بطحان انتهى.
و عن عقبة بن خالد (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) انا نأتي المساجد التي حول المدينة فبأيها أبدأ؟ قال: ابدء بقباء فصل فيه و أكثر، فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله (صلى الله عليه و آله) في هذه العرصة ثم ائت مشربة أم إبراهيم (عليه السلام) فصل فيها و هي مسكن رسول الله (صلى الله عليه و آله) و مصلاه، ثم تأتى مسجد الفضيخ فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب أحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحرة فصليت فيه، ثم مررت بقبر حمزة بن عبد المطلب فسلمت عليه، ثم مررت بقبور الشهداء فقمت عندهم فقلت: السلام عليكم يا أهل الديار أنتم لنا فرط و انا بكم لاحقون، ثم تأتى المسجد الذي في المكان الواسع الى جنب الجبل عن يمينك حين تدخل أحدا فتصلي فيه، فعنده خرج النبي (صلى الله عليه و آله) الى أحد حين لقي المشركين فلم يبرحوا حتى حضرت الصلاة فصلى فيه، ثم مر أيضا حتى ترجع فتصلي عند قبور الشهداء ما كتب الله لك، ثم امض على وجهك حتى تأتى مسجد الأحزاب فتصلي فيه، و تدعوا الله فيه، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) دعى فيه يوم الأحزاب، فقال:
يا صريخ المكروبين و يا مجيب دعوة المضطرين و يا مغيث الملهوفين اكشف همي و كربى و غمي ترى حالي و حال أصحابي».
____________
(1) الكافي ج 4 ص 560.
420
و روى في الفقيه مرسلا (1) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أتى مسجدي و مسجد قبا فصلى فيه ركعتين رجع بعمرة.
و كان (عليه السلام) يأتيه فيصلي فيه بأذان و اقامة.
و روى في الكافي في الصحيح عن الحلبي (2) قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) هل أتيتم مسجد قباء أو مسجد الفضيخ أو مشربة أم إبراهيم؟ قلت: نعم، قال:
أما انه لم يبق آثار رسول الله (صلى الله عليه و آله) شيء الا و قد غير غير هذا».
و عن ليث المرادي (3) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسجد الفضيخ لم سمى مسجد الفضيخ؟ قال: لنخل يسمى الفضيخ فلذلك سمى مسجد الفضيخ».
و عن عمار بن موسى (4) قال دخلت أنا و أبو عبد الله (عليه السلام) مسجد الفضيخ فقال: يا عمار ترى هذه الوهدة؟ قلت: نعم، قال: كانت امرأة جعفر التي خلف عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة في هذا الموضع، و معها ابناها من جعفر، فقال لها ابناها: ما يبكيك يا أمه؟ قالت: بكيت لأمير المؤمنين (عليه السلام) فقالا لها: تبكين لأمير المؤمنين و لا تبكين لأبينا! قالت: ليس هذا هكذا و لكن ذكرت حديثا حدثني به أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا الموضع، فأبكانى، قالا:
و ما هو؟ قالت: كنت أنا و أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المسجد، فقال لي:
ترين هذه الوهدة؟ قلت: نعم قال كنت: أنا و رسول الله (صلى الله عليه و آله) قاعدين فيها، إذ وضع رأسه في حجري ثم خفق حتى غطّ و حضرت صلاة العصر فكرهت أن أحرك رأسه عن فخذي، فأكون قد آذيت رسول الله (صلى الله عليه و آله)، حتى ذهب الوقت و فاتت، فانتبه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال يا على صليت؟ قلت: لا، قال: و لم ذلك؟
قلت: كرهت أن أوذيك قال: فقام و استقبل القبلة و مد يديه كلتيهما، و قال: اللهم رد الشمس الى وقتها حتى يصلى على، فرجعت الشمس الى وقت الصلاة حتى صليت
____________
(1) الفقيه ج 1 ص 148.
(2) الكافي ج 4 ص 561.
(3) الكافي ج 4 ص 561.
(4) الكافي ج 4 ص 561.
421
العصر ثم انقضت انقضاض الكواكب».
المطلب الثاني في المزار
أقول: و قد قدمنا في المطلب الأول جملة من الاخبار الدالة على فضل زيارة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و زيارة الأئمة (عليهم السلام) و لا سيما بعد الحج احياء و أمواتا و ينبغي أن يعلم أن للزيارة آدابا و قد ذكر شيخنا الشهيد في الدروس جملة من ذلك لا بأس بنقلها في المقام، قال (نور الله تعالى مرقده) و للزيارة آداب، أحدها الغسل قبل دخول المشهد، و الكون على طهارة فلو أحدث أعاد الغسل قال المفيد (رحمه الله): و إتيانه بخضوع و خشوع في ثياب طاهرة جدد نظيفة و ثانيها الوقوف على بابه، و الاستيذان و الدعاء بالمأثور، فإن وجد خشوعا و خضوعا دخل، و الا فالأفضل له تحرى زمان الرقة، لأن الغرض الأهم حضور القلب لتلقى الرحمة النازلة من الرب، فإذا دخل قدم رجله اليمنى، و إذا خرج قدم اليسرى، و ثالثها- الوقوف على الضريح ملاصقا له أو غير ملاصق، و توهم أن البعد أدب وهم فقد نص على الاتكاء على الضريح و تقبيله.
و رابعها- استقبال وجه المزور و استدبار القبلة حال الزيارة، ثم يضع عليه خده الأيمن عند الفراغ من الزيارة، و يدعو متضرعا ثم يضع خده الأيسر و يدعو سائلا من الله تعالى بحقه و بحق صاحب القبر أن يجعله من أهل شفاعته، و يبالغ في الدعاء و الإلحاح ثم ينصرف الى ما يلي الرأس ثم يستقبل القبلة و يدعو و خامسها- الزيارة بالمأثور و يكفى السلام و الحضور و سادسها- صلاة ركعتي الزيارة عند الفراغ، فان كان زائرا للنبي (صلى الله عليه و آله) ففي الروضة، و ان كان لأحد الأئمة (عليهم السلام) فعند رأسه، و لو صلاهما بمسجد المكان جاز، و رويت رخصة في صلاتهما الى القبر، و لو استدبر القبر و صلى جاز، و ان كان غير مستحسن، الا مع البعد أقول ما ذكره (قدس سره) من الصلاة عند الرأس هو الوارد في أكثر الأخبار
422
المعتمدة و هو المشهور بين الأصحاب، بل الظاهر أنه لا خلاف فيه، و أما الصلاة خلف القبر فقيل بالتحريم، و المشهور الكراهة، و أما التقدم على القبر فالمشهور الجواز على الكراهة، و قيل: بالتحريم و هو الأصح، و قد تقدم تحقيق المسألة في كتاب الصلاة ثم قال (قدس سره): و سابعها- الدعاء بعد الركعتين بما نقل، و الا فبما سنح له في أمور دينه و دنياه و ليعم الدعاء فإنه أقرب الى الإجابة و ثامنها- تلاوة شيء من القرآن عند الضريح و اهداءه الى المزور و المنتفع بذلك الزائر و فيه تعظيم للمزور و تاسعها- إحضار القلب في جميع أحواله ما استطاع، و التوبة من الذنب، و الاستغفار و الإقلاع و عاشرها- الصدقة على السدنة و الحفظة للمشهد و هم القوام و إكرامهم و إعظامهم، فان فيه إكرام صاحب المشهد (عليه الصلاة و السلام) و ينبغي لهؤلاء أن يكونوا من أهل الخير و الصلاح، و الدين و المروة، و الصبر و الاحتمال، و كظم الغيظ خالين من الغلظة على الزائرين، قاضين لحوائج المحتاجين، مرشدي ضالى الغرباء الواردين، و ليتفقد أحوالهم، الناظر فيه، فان وجد من أحد منهم تقصيرا نبهه عليه، فان أصر زجره، فإن كان من المحرم جاز ردعه بالضرب إذا لم يجد فيه التعفيف من باب النهى عن المنكر و حادي عشرها- انه إذا انصرف من الزيارة إلى منزله استحب له العود إليها ما دام مقيما، فإذا حان الخروج ودع و دعا بالمأثور، و سأل الله تعالى العود اليه و ثاني عشرها- أن يكون الزائر بعد الزيارة خيرا منه قبلها فإنها تحط الأوزار إذا صادف القبول.
و ثالث عشرها- تعجيل الخروج عند قضاء الوطر من الزيارة، لتعظم الحرمة، و يشتد الشوق، و روى أن الخارج يمشى القهقرى حتى يتوارى و رابع عشرها- الصدقة على المحاويج بتلك البقعة، فإن الصدقة مضاعفة هنالك و خصوصا على الذرية الطاهرة كما تقدم بالمدينة انتهى
423
الفصل السابع عشر في ذكر سيدنا رسول الله
(صلى الله عليه و آله و سلم) و هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوى بن غالب فهر بن مالك بن النضر و هو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان و روى أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال إذا بلغ نسبي الى عدنان فأمسكوا و كان مولده بمكة في شعب أبى طالب يوم الجمعة بعد طلوع الفجر سابع عشر شهر ربيع الأول عام الفيل، و هذا هو المشهور بين أصحابنا (رضوان الله عليهم) و قيل: لاثنى عشر مضت من الشهر، و قيل اليوم العاشر منه، و قيل الثاني و قال شيخنا الطبرسي في كتاب اعلام الورى: و في رواية العامة أن مولده (صلى الله عليه و آله و سلم) يوم الاثنين، ثم اختلفوا فمن قائل يقول: لعشر ليال خلون منه، الى آخر كلامه، و بعث (صلى الله عليه و آله و سلم)، في اليوم السابع و العشرين من رجب، و له أربعون سنة، و قبض بالمدينة يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من الهجرة، و هو ابن ثلاث و ستين سنة، و نقل في الدروس قولا بأنه قبض لاثنتي عشرة مضت من شهر ربيع الأول من السنة المذكورة، و اختاره الشيخ محمد بن يعقوب الكليني في الكافي، و قيل: الثامن منه عشر من الشهر، و قيل: الثاني منه، و سنه ثلاث و ستون سنة، و أمه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوى بن غالب، و تزوج خديجة بنت خويلد (رضى الله عنها) و هو ابن خمس و عشرين سنة، و توفى عمه أبو طالب (عليه السلام) و عمره ستة و أربعون سنة و ثمانية أشهر و أربعة و عشرون يوما، و توفيت خديجة رضى الله عنها بعده بثلاثة أيام فسمى ذلك العام عام الحزن، و أقام بعد المبعث بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر الى المدينة بعد ان استتر في الغار ثلاثة أيام، و دخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول و بقي بها عشر سنين، و ذكر جمع من أصحابنا منهم الشيخ في التهذيب
424
و العلامة في المنتهى انه قبض (صلى الله عليه و آله و سلم) مسموما و أما صفة زيارته (صلى الله عليه و آله) فهو ما رواه
الكليني و الشيخ في الصحيح عن معاوية ابن عمار (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا دخلت المدينة فاغتسل قبل أن تدخلها أو حين تدخلها، ثم تأتى قبر النبي (صلى الله عليه و آله) فتسلم على رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم تقوم عند الأسطوانة المتقدمة من جانب القبر الأيمن عند رأس القبر عند زاوية القبر و أنت مستقبل القبلة و منكبك الأيسر إلى جانب القبر و منكبك الأيمن مما يلي المنبر، فإنه موضع رأس رسول الله (صلى الله عليه و آله) و تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و اشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أشهد أنك رسول الله، و أشهد أنك محمد بن عبد الله، و أشهد انك قد بلغت رسالات ربك، و نصحت لأمتك و جاهدت في سبيل الله، و عبدت الله مخلصا حتى أتاك اليقين، بالحكمة و الموعظة الحسنة، و أديت الذي عليك من الحق، و أنك قد رؤفت بالمؤمنين و غلظت على الكافرين، فبلغ الله بك فضل شرف محل المكرمين، الحمد لله الذي استنقذنا بك من الشرك و الضلالة، اللهم فاجعل صلواتك و صلوات ملائكتك المقربين و عبادك الصالحين و أنبيائك المرسلين و أهل السماوات و الأرضين و من سبح لك يا رب العالمين من الأولين و الآخرين على محمد عبدك و رسولك و نبيك و أمينك و نجيبك و حبيبك و صفيك و خاصتك و صفوتك و خيرتك من خلقك، اللّهمّ أعطه الدرجة و الوسيلة من الجنة، و ابعثه مقاما محمودا يغبطه الأولون و الآخرون، اللهم انك قلت: و لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما، و انى أتيت نبيك تائبا مستغفرا من ذنوبي و انى أتوجه بك الى الله ربى و ربك ليغفر ذنوبي»، و ان كانت لك حاجة فاجعل قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) خلف كتفيك و استقبل القبلة و ارفع يديك و اسأل حاجتك فإنها أحرى ان تقضى ان شاء الله».
و رواه الصدوق مرسلا مقطوعا.
____________
(1) الكافي ج 4 ص 550 الفقيه ج 2 ص 338.
425
و روى في الكافي عن أحمد بن محمد بن ابى نصر البزنطي (1) قال: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): كيف نسلم على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عند قبره؟ فقال: قل السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا أمين الله، أشهد أنك قد نصحت لأمتك و جاهدت في سبيل ربك و عبدته حتى أتاك اليقين، فجزاك الله يا رسول الله أفضل ما جزى نبيا عن أمته، اللهم صل على محمد و آل محمد أفضل ما صليت على إبراهيم و آل إبراهيم إنك حميد مجيد».
و عن محمد بن مسعود (2) قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) انتهى الى قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فوضع يده عليه، و قال: أسأل الله الذي اجتباك و اختارك و هداك و هدى بك أن يصلى عليك، ثم قال: ان الله و ملائكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما».
و عن على بن حسان عن بعض أصحابنا (3) قال: حضرت أبا الحسن الأول (عليه السلام) و هارون الخليفة و عيسى بن جعفر و جعفر بن يحيى بالمدينة قد جاءوا الى قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: هارون لأبي الحسن تقدم فأبى، فتقدم هارون فسلم، و قام ناحية، و قال عيسى بن جعفر لأبي الحسن (عليه السلام): تقدم فأبى فتقدم عيسى فسلم و وقف مع هارون، فقال جعفر لأبي الحسن (عليه السلام): تقدم فأبى، فتقدم جعفر فسلم، و وقف مع هارون، فتقدم أبو الحسن (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا أبتاه اسأل الله الذي اصطفاك و اجتباك و هداك و هدى بك أن يصلى عليك، فقال هارون لعيسى: سمعت ما قال: قال: نعم، قال هارون أشهد أنه أبوه حقا».
و عن على بن جعفر (4) عن أخيه أبي الحسن موسى (عليه السلام) عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: «كان أبى على بن الحسين (صلوات الله عليه) يقف على قبر
____________
(1) الكافي ج 4 ص 552.
(2) الكافي ج 4 ص 552.
(3) الكافي ج 4 ص 533.
(4) الكافي ج 4 ص 551.
426
النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيسلم عليه، و يشهد له بالبلاغ و يدعو بما حضره ثم يسند ظهره إلى المروة الخضراء الدقيقة العرض مما يلي القبر، و يلتزق بالقبر، و يسند ظهره الى القبر و يستقبل القبلة و يقول: اللهم إليك ألجأت ظهري و الى قبر محمد عبدك و رسولك أسندت ظهري، و القبلة التي رضيت لمحمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، استقبلت اللهم إني أصبحت لا أملك لنفسي خير ما أرجو، و لا ادفع عنها شر ما أحذر عليها و أصبحت الأمور بيدك فلا فقير أفقر مني، إني لما أنزلت الى من خير فقير، اللهم ارددني منك بخير، فإنه لا راد لفضلك، اللهم إني أعوذ بك من ان تبدل اسمي أو تغير جسمي أو تزيل نعمتك عنى، اللّهمّ كرمني بالتقوى، و حملني بالنعم، و اعمرني بالعافية، و ارزقني شكر العافية».
و اما وداعه (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ارادة الخروج عن المدينة، فهو ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار (1) قال:
قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أردت ان تخرج من المدينة فاغتسل ثم ائت قبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ما تفرغ من حوائجك فودعه و اصنع مثل ما صنعت عند دخولك، و قل اللّهمّ لا تجعله آخر العهد من زيارة قبر نبيك (صلى الله عليه و آله و سلم) فإن توفيتني قبل ذلك فإني أشهد في مماتي على ما شهدت عليه في حياتي أن لا إله إلا أنت و أن محمدا عبدك و رسولك».
و عن يونس بن يعقوب (2) قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن وداع قبر النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: تقول: صلى الله عليك و السلام عليك و لا جعله الله آخر تسليمي عليك».
و في الفقيه أورد ما تضمنه الخبران مرسلا مقطوعا من دون ذكر الغسل.
الفصل الثامن عشر في ذكر سيدتنا [فاطمة الزهراء (ع)]
و سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها) قال
____________
(1) الكافي ج 4 ص 563.
(2) الكافي ج 4 ص 563 الفقيه ج 2 ص 343.
427
شيخنا الطبرسي في كتاب اعلام الورى: الأظهر في روايات أصحابنا أنها ولدت سنة خمس من المبعث بمكة في العشرين من جمادى الآخرة، و أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قبض و لها ثمانية عشر سنة و سبعة أشهر.
قال: و روى عن جابر بن يزيد قال: سئل الباقر (عليه السلام) كم عاشت فاطمة (عليها السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)؟ قال: أربعة أشهر، و لها ثلاث و عشرون سنة،.
و هذا قريب مما روته العامة أنها ولدت سنة احدى و أربعين من مولد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيكون بعد البعث بسنة انتهى.
و قال الكفعمي في المصباح بعد ذكر جمادى الأخرى و في عشرينه سنة اثنتين من البعث كان مولد فاطمة (عليها السلام) و قيل سنة خمس من البعث، و في ثالثها كان وفاتها (صلوات الله عليها) و في معرفة قبرها (عليها السلام) على الخصوص اشكال، قال شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه اختلفت الروايات في موضع قبر فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام) فمنهم من روى أنها دفنت في البقيع، و منهم من روى أنها دفنت بين القبر و المنبر،
و أن النبي (1) (صلى الله عليه و آله) انما قال: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة»،.
لأن قبرها بين القبر و المنبر، و منهم من روى أنها دفنت في بيتها، فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد، و هذا هو الصحيح عندي انتهى.
و قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب بعد أن نقل عن الشيخ المفيد (رحمه الله) الأمر بزيارتها في الروضة، لأنها مقبورة هناك: ما صورته و قد اختلفت أصحابنا في موضع قبرها فقال: بعضهم أنها دفنت في البقيع، و قال بعضهم: أنها دفنت بالروضة، و قال بعضهم: أنها دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت من جملة المسجد، و هاتان الروايتان كالمتقاربتين و الأفضل عنها أن يزور الإنسان في الموضعين جميعا، فإنه لا يضره ذلك، و يجوز به أجرا عظيما، فأما من قال أنها دفنت بالبقيع
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 7.
428
فبعيد من الصواب انتهى.
أقول:
و روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن أبى نصر (1) قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قبر فاطمة (عليها السلام) قال: دفنت في بيتها، فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد».
و رواه الكليني أيضا بسنده عن احمد بن محمد بن يحيى (2) و الصدوق بإسناده عن البزنطي (3)
و روى الصدوق طاب ثراه في كتاب معاني الاخبار عن محمد بن موسى بن المتوكل عن السعدآبادي عن البرقي عن أبيه عن ابن أبى عمير (4) عن بعض أصحابنا عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة، و منبري على ترعة من ترع الجنة».
لأن قبر فاطمة (عليها السلام) بين قبره و منبره، و قبرها روضة من رياض الجنة، و اليه ترعة من ترع الجنة» قال الصدوق:
و قد روى هذا الحديث هكذا و الصحيح عندي في موضع قبر فاطمة (عليها السلام) ما رواه البزنطي، و ذكر الحديث المتقدم، و هو راجع الى ما اختاره في الفقيه.
و قال الشيخ (قدس سره) في التهذيب أما القول عند زيارتها فقد
روى أحمد بن محمد بن داود ثم ساق سنده إلى إبراهيم بن محمد بن عيسى بن محمد العريضي (5) قال: حدثنا أبو جعفر (عليه السلام) ذات يوم قال: إذا صرت الى قبر جدتك فاطمة (عليها السلام) فقل يا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة، و زعمنا أنا لك أولياء و مصدقون و صابرون لكل ما أتانا به أبوك (صلى الله عليه و آله) و أتانا به وصيه (عليه السلام) فإنا نسألك إن كنا صدقناك إلا ألحقتنا بتصديقنا لهما بالبشرى لنبشر أنفسنا بأنا قد طهرنا بولايتك».
ثم قال (قدس سره) و هذه الزيارة وجدتها مروية لفاطمة (عليها السلام).
و أما ما وجدت أصحابنا يذكرونه من القول عند زيارتها (عليها السلام) فهو أن تقف
____________
(1) الوسائل الباب 18 من أبواب المزار.
(2) الوسائل الباب 18 من أبواب المزار.
(3) الوسائل الباب 18 من أبواب المزار.
(4) الوسائل الباب 18 من أبواب المزار.
(5) التهذيب ج 6 ص 10.
429
على أحد الموضعين اللذين ذكرناهما، و تقول: «السلام عليك يا بنت رسول الله السلام عليك يا بنت نبي الله، السلام عليك يا بنت حبيب الله، السلام عليك يا بنت خليل الله، السلام عليك يا بنت صفي الله، السلام عليك يا بنت أمين الله. السلام عليك يا بنت خير خلق الله، السلام عليك يا بنت أفضل أنبياء الله و رسله و ملائكته، السلام عليك يا بنت خير البرية، السلام عليك يا سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين، السلام عليك يا زوجة ولي الله و خير الخلق بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) السلام عليك يا أم الحسن و الحسين سيدي شباب أهل الجنة، السلام عليك أيتها الصديقة الشهيدة السلام عليك أيتها الرضية المرضية، السلام عليك أيتها الفاضلة الزكية، السلام عليك أيتها الحوراء الإنسية، السلام عليك أيتها التقية النقية، السلام عليك أيتها الزهراء المحدثة العليمة، السلام عليك أيتها المظلومة المغصوبة، السلام عليك أيتها المضطهدة المقهورة، السلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله) و رحمة الله و بركاته، صلى الله عليك و على روحك و بدنك، أشهد أنك مضيت على بينة من ربك، و أن من سرك فقد سر رسول الله (صلى الله عليه و آله) و من جفاك فقد جفا رسول الله، و من آذاك فقد أذى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و من وصلك فقد وصل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و من قطعك فقد قطع رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأنك بضعة منه و روحه التي بين جنبيه، كما قال (صلى الله عليه و آله) أشهد الله و رسله و ملائكته أنى راض عمن رضيت عنه، و ساخط على من سخطت عليه، و متبرئ ممن تبرأت منه، موال لمن واليت معاد لمن عاديت، مبغض لمن أبغضت محب لمن أحببت، و كفى بالله شهيدا و حسيبا و جازيا و مثيبا، ثم تصلى على النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) إنشاء الله تعالى انتهى.
و قال شيخنا الصدوق (عطر الله مرقده) في الفقيه (1) و انى لما حججت بيت الله الحرام كان رجوعي على المدينة بتوفيق الله تعالى ذكره، فلما فرغت من زيارة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، قصدت بيت فاطمة (عليها السلام) و هو من عند الأسطوانة التي تدخل
____________
(1) الفقيه ج 2 ص 341.
430
إليها من باب جبرائيل (عليه السلام) الى مؤخر الحفيرة التي فيها النبي (صلى الله عليه و آله) فقمت عند الحظيرة و يساري إليها، و جعلت ظهري إلى القبلة و استقبلتها بوجهي و انا على غسل و قلت: السلام عليك يا بنت رسول الله (صلى الله عليه و آله)، السلام عليك يا بنت نبي الله، السلام عليك يا بنت حبيب الله، السلام عليك يا بنت خليل الله، ثم ساق الزيارة المتقدمة إلى آخرها، الى ان قال: ثم قلت: اللهم صل و سلم على عبدك و رسولك محمد بن عبد الله خاتم النبيين و خير الخلائق أجمعين، و صل على وصيه على بن أبى طالب أمير المؤمنين و امام المسلمين و خير الوصيين، و صل على فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين و صل على سيدي شباب أهل الجنة الحسن و الحسين، و صل على زين العابدين على بن الحسين، و صل على محمد بن على باقر العلم، و صل على الصادق جعفر بن محمد، و صل على الكاظم موسى بن جعفر، و صل على الرضا على بن موسى، و صل على التقى محمد بن على، و صل على النقي على بن محمد، و صل على الزكي الحسن بن على، و صل على الحجة القائم بن الحسن بن على، اللهم احى به العدل، و أمت به الجور، و زين بطول بقائه الأرض و أظهر به دينك و سنة نبيك، حتى لا يستخفى بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق، و اجعلنا من أعوانه و أشياعه و المقتولين في زمرة أوليائه يا رب العالمين، اللهم صل على محمد و آل بيته الذين أذهب عنهم الرجس و طهرتهم تطهيرا، ثم قال (قدس سره): قال مصنف هذا الكتاب (رضى الله عنه): لم أجد في الاخبار شيئا موظفا محدودا لزيارة الصديقة (عليها السلام) فرضيت لمن نظر في كتابي هذا من زيارتها ما رضيت لنفسي، و الله الموفق للصواب انتهى.
الفصل التاسع عشر في ذكر زيارة ائمة البقيع
روى الشيخ في التهذيب بسنده عن عمر بن يزيد (1) رفعه قال: «كان محمد بن الحنفية يأتي قبر الحسن بن على (عليهما السلام) فيقول:
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 41.
431
السلام عليك يا بقية المؤمنين و ابن أول المسلمين، و كيف لا تكون كذلك، و أنت سليل الهدى، حليف التقى، و خامس أصحاب الكساء غذتك يد الرحمة، و ربيت في حجر الإسلام، و رضعت من ثدي الايمان، فطبت حيا و طبت ميتا، غير ان الأنفس غير طيبة لفراقك، و لا شاكة في الجنان لك، ثم يلتفت الى الحسين (صلوات الله عليه و آله) و يقول السلام عليك يا أبا عبد الله و على ابى محمد السلام».
قال في الوافي: و الجنان ان كان بكسر الجيم فالمعنى أنها كانت متألمة بفراقك، و لكنها راضية لك بأن تكون في الجنان، و ان كان بفتح الجيم فالمعنى أنها غير طيبة بالفراق، و لا شاكية من الله في القلب بترك الصبر و إظهار الجزع، و إخفاء السخط في القلب انتهى.
و قال المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مراقدهم) (1): إذا أتيت قبور الأئمة بالبقيع فاجعله بين يديك «ثم تقول: و أنت على غسل السلام عليكم يا أئمة الهدى السلام عليكم يا أهل التقوى، السلام عليكم يا حجج الله على أهل الدنيا، السلام عليكم أيها القوامون في البرية بالقسط، السلام عليكم يا أهل الصفوة، السلام عليكم يا أهل النجوى، أشهد أنكم قد بلغتم و نصحتم و صبرتم في ذات الله تعالى، و كذبتم و أسيئ إليكم فغفرتم، و أشهد انكم الأئمة الراشدون المهديون، و أن طاعتكم مفترضة، و أن قولكم الصدق، و أنكم دعوتم فلم تجابوا و أمرتم فلم تطاعوا، و أنكم دعائم الدين، و أركان الأرض، و لم تزالوا بعين الله ينسلخكم في أصلاب المطهرين، و ينقلكم من أرحام المطهرات لم تدنسكم الجاهلية الجهلاء و لم تشترك فيكم فتن الأهواء، طبتم و طاب منبتكم أنتم الذين من علينا بكم ديان الدين، فجعلكم في بيوت أذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه، و جعل صلواتنا عليكم رحمة لنا و كفارة لذنوبنا، إذا اختاركم لنا، و طيب خلقنا بما من به علينا من ولايتكم و كنا عنده مسلمين بفضلكم، و معروفين بتصديقنا إياكم.
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 79 الفقيه ج 2 ص 344.
432
و في الفقيه و كنا عندكم بفضلكم معترفين، و بتصديقنا إياكم مقرين و هذا مقام من أسرف و أخطأ و استكان و أقر بما جنى، و رجا بمقامه الخلاص، و أن يستنقذ بكم مستنقذ الهلكى من النار، فكونوا الى شفعاء، فقد وفدت إليكم إذ رغب عنكم أهل الدنيا و اتخذوا آيات الله هزوا، و استكبروا عنها، يا من هو قائم لا يسهو، و دائم لا يلهو، و محيط بكل شيء، لك المن بما وفقتني، و عرفتني بما ائتمنتنى عليه، إذ صد عنه عبادك، و جهلوا معرفتهم، و استخفوا بحقهم، و مالوا الى سواهم فكانت المنة منك على مع أقوام خصصتهم بما خصصتني به، فلك الحمد إذ كنت عندك في مقامي مكتوبا فلا تحرمني ما رجوت، و لا تخيبني فيما دعوت» و ادع لنفسك بما أحببت، ثم صل ثماني ركعات في المسجد الذي هناك، و تقرأ فيهما بما أحببت، و تسلم في كل ركعتين، و يقال أنه مكان صلت فيه فاطمة» و قال في التهذيب (1) «فإذا أردت الانصراف فقف على قبورهم و قل: السلام عليكم أئمة الهدى، و رحمة الله و بركاته، أستودعكم الله و اقرأ عليكم السلام آمنا بالله و بالرسول و بما جئتم به و دللتم عليه، اللّهمّ فاكتبنا مع الشاهدين، ثم ادع الله كثيرا و اسأله أن لا يجعله آخر العهد من زيارتهم» أقول: الظاهر أن الثمان ركعات المذكورة لأن الأئمة (عليهم السلام) هناك أربعة فتجعل لكل واحد ركعتين
الفصل العشرون في ذكر الأئمة الاثني عشر (ص) إجمالا و ذكر زياراتهم
قد وكلناه الى كتب أصحابنا (رضوان الله عليهم) المصنفة في هذا الباب
الأول- مولانا أمير المؤمنين
و وصى رسول رب العالمين، و سيد الخلق بعده أجمعين، على بن ابى طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، ولد بمكة في البيت الحرام، و لم يولد فيه أحد قبله و لا بعده، و هي فضيلة خص بها (عليه الصلاة
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 80.
433
و السلام) و كان ذلك يوم الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من رجب، و روى سابع شعبان بعد عام الفيل الذي تقدم أنه ولد فيه (رسول الله (صلى الله عليه و آله)) بثلاثين سنة، و قبض (عليه السلام) بالكوفة قتيلا ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، و له يومئذ ثلاث و ستون سنة، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، و هو و إخوانه أول هاشمي ولد بين هاشميين، و قبره بالغري من نجف بالكوفة، و الاخبار في فضل زيارته (عليه السلام) أكثر من أن يأتي عليها قلم الإحصاء في هذا المقام،
الثاني الإمام الزكي الحسن المجتبى
سيد شباب أهل الجنة ولد بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان، سنة ثلاثين من الهجرة، و نقل عن شيخنا المفيد (رحمه الله) ثلاث، و قبض بها مسموما يوم الخميس سابع عشرين من شهر صفر سنة تسع و أربعين أو سنة خمسين من الهجرة، و له سبع أو ثمان و أربعون سنة،
و في حديث (1) «أنه قال (عليه السلام): يا رسول الله (صلى الله عليه و آله) ما لمن زارنا؟ فقال: يا بنى من زارني حيا أو ميتا أو زار أخاك حيا أو ميتا كان حقا على أن استنقذه من النار،».
و في الخبر (2) «أنه قيل للصادق (عليه السلام) ما لمن زار واحدا منكم؟ قال: كمن زار رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)».
و عن الرضا (عليه السلام) (3) «ان لكل امام عهدا في عنق أولياءه و شيعته، و أن من تمام الوفاء بالعهد و حسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم و تصديقا لمن رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاؤهم يوم القيامة».
الثالث الامام الحسين سيد الشهداء
و سيد شباب أهل الجنة ولد (عليه السلام) بالمدينة
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 40.
(2) الكافي ج 4 ص 579.
(3) التهذيب ج 6 ص 93.
434
ثالث شهر شعبان، و قيل: آخر شهر ربيع الأول، سنة ثلاث من الهجرة، و قيل:
يوم الخميس ثالث عشر رمضان، و قال الشيخ المفيد (رحمه الله): لخمس خلون من شعبان، سنة أربع، و أمه و أم أخيه الحسن فاطمة سيدة نساء العالمين، و قتل (عليه السلام) بطف كربلاء يوم السبت، و قيل: يوم الاثنين، و قيل: يوم الجمعة، عاشر شهر المحرم سنة احدى و ستين من الهجرة، و الاخبار في فضل زيارته (عليه السلام) مستفيضة (1) و الظاهر في كثير منها الوجوب، و اليه يميل كلام بعض أصحابنا، (رضوان الله عليهم) و ليس بذلك البعيد فمنها ما يدل على أنها فرض على كل مؤمن، و أن من تركها ترك حقا لله و رسوله و أن تركها عقوق لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و نقص في الايمان و الدين، و أنه حق على الغنى زيارته في السنة مرتين، و الفقير في السنة مرة، و أنه من أتى عليه حول و لم يأت قبره نقص من عمره حولا، و أنها تطيل العمر، و أن أيام زيارته لا تعد من الأجل، و تفرج الهم، و تمحص الذنوب، و له بكل خطوة حجة مبرورة، و له بزيارته أجر عتق ألف نسمة، و حمل على ألف فرس في سبيل الله، و له بكل درهم أنفقه عشرة آلاف درهم، و أن من أتى قبره عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، و أن زيارته يوم عرفة بعشرين حجة، و عشرين عمرة مبرورة، و عشرين غزوة مع النبي (صلى الله عليه و آله) و الامام، بل روى أن مطلق زيارته خير من عشرين حجة، و أن زيارته يوم عرفة مع المعرفة بحقه بألف ألف حجة، و ألف ألف عمرة متقبلات، و ألف ألف غزوة مع نبي أو امام، و زيارة أول رجب مغفرة للذنب البتة، و نصف شعبان يصافحه مأة ألف نبي، و ليلة القدر مغفرة الذنب، و أن الجمع في سنة واحدة بين زيارته ليلة عرفة و الفطر و ليلة النصف من شعبان بثواب ألف حجة مبرورة، و ألف عمرة متقبلة، و قضاء ألف حاجة للدنيا و الآخرة، و زيارته يوم عاشوراء مع معرفة حقه كمن زار الله فوق عرشه، و هو كناية من علو المرتبة، و كثرة الثواب بمنزلة من رفعه الله الى سماءه، و أدناه من عرشه الذي هو موضع عظمته، و زيارته في العشرين من
____________
(1) راجع الوسائل الباب 37 من أبواب المزار.
435
صفر من علامات المؤمن، و زيارته في كل شهر ثوابها ثواب مأة ألف شهيد من شهداء بدر، و من بعد عنه و صعد على سطحه ثم رفع رأسه الى السماء ثم توجه الى قبره و قال: السلام عليك يا أبا عبد الله و رحمة الله و بركاته، كتب الله له زورة، و الزورة حجة و عمرة و إذا زاره (عليه السلام) فليزر ابنه على بن الحسين (عليه السلام) من طرف رجله، و قد اختلف أصحابنا في أنه الأكبر أو الأصغر، فنقل عن الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد أن المقتول مع أبيه هو الأصغر، قال ابن إدريس في السرائر: و قد ذهب شيخنا المفيد في كتاب الإرشاد الى أن المقتول بالطف هو على الأصغر، و هو ابن الثقفية، و أن على الأكبر هو الامام زين العابدين، أمه أم ولد، و هي شاة زنان بنت كسرى يزدجرد قال محمد بن إدريس: و الاولى الرجوع الى أهل هذه الصناعة، و هم النسابون و أصحاب السير، و الاخبار و التواريخ، مثل الزبير بن بكار في كتاب أنساب قريش و أبى الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبين، و البلاذرى و المزني صاحب كتاب اللباب في أخبار الخلفاء، و العمرى النسابة حقق ذلك في كتاب المجدي، فإنه قال:
و زعم من لا بصيرة له أن عليا الأصغر هو المقتول باللطف، و هذا خطاء و وهم و الى هذا ذهب صاحب كتاب الزواجر و المواعظ، و ابن قتيبة في المعارف و ابن جرير الطبري المحقق لهذا الشأن و ابن أبي الأزهري في تاريخه، و أبو حنيفة الدينوري في الاخبار الطوال، و صاحب كتاب المفاخر مصنف من أصحابنا الإمامية ذكره شيخنا أبو جعفر في فهرست المصنفين، و أبو على بن همام في كتاب الأنوار في تواريخ أهل البيت و مواليهم، و هو من جملة من أصحابنا المصنفين المحققين، و هؤلاء جميعا أطبقوا على هذا القول، وهم أبصر بهذا النوع انتهى. كلامه في السرائر أقول: و الى هذا القول مال شيخنا الشهيد في الدروس
الرابع الإمام أبو محمد على بن الحسين (ع) زين العابدين
، ولد بالمدينة يوم الأحد خامس شهر شعبان، سنة ثمان و ثلاثين، و قبض بها يوم السبت، ثاني عشر المحرم، سنة خمس و تسعين، عن سبع و خمسين سنة، و أمه شاه زنان بنت شيرويه
436
بن كسرى بن يزدجرد، و قيل: ابنة يزدجرد.
الخامس الإمام أبو جعفر محمد بن على الباقر (ع)
ولد بالمدينة يوم الاثنين ثالث عشر شهر صفر، سنة سبع و خمسين، و قبض بها يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة أربعة عشر و مأة، و روى ست عشرة، و أمه أم عبد الله بنت الحسن بن على (عليهما السلام).
السادس الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق (ع)
ولد بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الأول، سنة ثلاث و ثمانين، و قبض بها في شوال، و قيل:
منتصف شهر رجب، سنة ثمان و أربعين و مأة، عن خمس و ستين سنة، و أمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر، و قال الجعفي: اسمها فاطمة، و كنيتها أم فروة، و قبره و قبر أبيه و جده و عمه الحسن (عليهم السلام) بالبقيع في مكان واحد، و في بعض الروايات أن جدتهم فاطمة بنت أسد معهم في تربتهم،
و عن أبى الحسن بن على العسكري (1) (عليه السلام) من زار جعفرا و أباه لم يشتك عينه، و لم يصبه سقم، و لم يمت مبتلى،.
و عن الصادق (عليه السلام) (2) من زارني غفرت له ذنوبه، و لم يمت فقيرا.
السابع الإمام أبو إبراهيم [موسى بن جعفر (ع)]
و يكنى أيضا بأبي الحسن الأول، و يكنى أيضا أبا على موسى بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبي طالب (عليهم السلام) ولد بالأبواء بين مكة و المدينة، سنة ثمان و عشرين و مأة، يوم الأحد رابع صفر، و قبض قتيلا بالسم ببغداد، في حبس السندي بن شاهك، لست بقين من رجب، سنة ثلاث و ثمانين و مأة من الهجرة، و قيل: يوم الجمعة لخمس خلون من رجب، سنة ثلاث و ثمانين و مأة، و سنة يومئذ خمس و خمسون سنة، و أمه أم ولد، يقال لها: حميدة
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 78.
(2) التهذيب ج 6 ص 78.
437
البربرية، فقبره بالكرخ من بغداد،
و عن الرضا (عليه السلام) (1) قال: من زار قبر أبى ببغداد كان كمن زار قبر رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قبر أمير المؤمنين (عليه السلام).
«و سأله الحسن بن على الوشاء (2) عن زيارة أبيه أبي الحسن (عليه السلام) أ هي مثل زيارة الحسين (عليه السلام)؟
قال: «نعم».
و عنه (عليه السلام) قال: «ان الله نجى بغداد لمكان قبره بها، و ان لمن زاره الجنة».
الثامن الإمام أبو الحسن على بن موسى الرضا (ع)
أمه أم ولد، و يقال لها: أم البنين، ولد بالمدينة سنة ثمان و أربعين و مأة، و قيل: يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة، و قبض بطوس في آخر صفر سنة ثلاث و مأتين، و هو ابن خمس و خمسين سنة، و قيل: سابع شهر رمضان، و قيل: ثالث عشر ذي القعدة، و بعض الاخبار يدل على أنه قبض مسموما سمه المأمون العباسي، و اليه ذهب الصدوق (رحمه الله) و أكثر أصحابنا لم يذكروه،
و عن الكاظم (عليه السلام) (3) قال: «من زار قبر ولدي على كان عند الله كسبعين حجة مبرورة، فقال له يحيى المازني: سبعين حجة؟ قال: نعم، و سبعين ألف حجة».
و قيل لأبي جعفر محمد بن على الجواد (4) زيارة الرضا أفضل أم زيارة الحسين (عليه السلام)؟ قال: زيارة أبي أفضل لأنه لا يزوره الا الخواص من الشيعة،.
و عنه (عليه السلام) أنها أفضل من الحج، و أفضلها في رجب،.
و روى البزنطي (5) قال: «قرأت كتاب أبى الحسن الرضا (عليه السلام) بخطه: أبلغ شيعتي أن زيارتي تعدل عند الله ألف حجة و ألف عمرة متقلبة كلها، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) ألف حجة؟
قال: اى و الله و ألف ألف حجة لمن يزوره عارفا بحقه».
و قال الرضا (عليه السلام) (6) من زارني على بعد داري و مزاري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن، حتى أخلصه من أهوالها إذا تطايرت الكتب يمينا و شمالا، و عند الصراط و الميزان.
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 82.
(2) التهذيب ج 6 ص 81.
(3) التهذيب ج 6 ص 84 و 85.
(4) التهذيب ج 6 ص 84 و 85.
(5) التهذيب ج 6 ص 84 و 85.
(6) التهذيب ج 6 ص 84 و 85.
438
التاسع الامام الجواد أبو جعفر محمد بن على (ع)
ولد بالمدينة في شهر رمضان في سابق عشر أو خمس عشر منه، أو تاسع عشر على خلاف فيه، و قيل: كان مولده في عاشر شهر رجب، سنة خمسين و تسعين و مأة، و قبض ببغداد في آخر ذي القعدة، و قيل: يوم الثلاثاء حادي عشر ذي القعدة، سنة عشرين و مأتين، و هو ابن خمس و عشرين سنة، و دفن في ظهر جده الكاظم (عليه السلام) و أمه الخيزران أم ولد، و كانت من أهل بيت مارية القبطية أم إبراهيم (عليه السلام)، ابن النبي (عليه السلام) و قيل: اسمها سبيكة نوبية و يقال: درة لكن سماها الرضا (عليه السلام) خيزران، و قد تقدم ما يدل على فضل زيارته عموما.
العاشر الامام الهادي أبو الحسن على بن محمد (ع)
، ولد بالمدينة منتصف ذي الحجة، سنة اثنى عشر و مأتين، و قيل: في السابع من الشهر، و روى مولده في خامس رجب، سنة أربع و مأتين، و قبض بسر من رأى يوم الاثنين ثالث رجب، سنة أربع و خمسين و مأتين، و دفن في داره بها، و سنه يومئذ احدى و أربعون سنة و سبعة أشهر، و أمه أم ولد، يقال لها: سمانة،
الحادي عشر الإمام أبو محمد الحسن بن على العسكري (ع)
، ولد بالمدينة في شهر ربيع الأول و قيل: يوم الاثنين رابعته، سنة اثنتين و ثلاثين و مأتين، و قبض بسر من رأى يوم الأحد، و قال شيخنا المفيد: يوم الجمعة، ثامن شهر ربيع الأول، سنة ستين و مأتين، و دفن الى جانب أبيه (عليه السلام) و أمه أم ولد، يقال لها: حديثة.
أقول: و قد تقدمت الأخبار الدالة على فضل زيارته و زيارة أبيه (عليهما السلام) عموما، قال شيخنا الشهيد في الدروس: و قال المفيد (رحمه الله): يزاران من ظاهر
439
الشباك، و منع من دخول الدار، قال الشيخ أبو جعفر: و هو الأحوط، لأنها ملك الغير، فلا يجوز التصرف فيها بغير اذن المالك، و قال: لو أن أحدا دخلها لم يكن مأثوما، و خاصة إذا تأول في ذلك ما روى عنهم (عليهم السلام) أنهم جعلوا شيعتهم في حل من أموالهم انتهى.
و اقتصار شيخنا المذكور على نقل كلام الشيخين من غير أن يرجع شيئا في البين ربما أشعر بتوقفه، و الظاهر عندي هو ما ذكره الشيخ أخيرا من البناء على الاخبار المشار إليها، و يؤيده أنه من المعلوم و المجزوم به انهم (صلوات الله عليهم) في أيام حياتهم لا يحجبون أحدا من شيعتهم و مواليهم عن الدخول الى بيوتهم و زيارتهم إلا إذا كان ثمة تقية، و الا فهم يسرون بقدومهم و يفرحون برؤيتهم و يثنون عليهم بذلك، غاية الثناء و أحوالهم في الممات كذلك، بل آكد و يزيد ذلك تأييدا ما رواه
الشيخ في كتاب الأمالي عن الفحام (1) قال: حدثني أبو الطيب أحمد بن محمد بن بطة، و كان لا يدخل المشهد و يزور من وراء الشباك، فقال: ذهبت يوم عاشوراء نصف النهار ظهيرا و الشمس تعلى، و الطريق خال من أحد، و أنا فزع من الدعاء بين أهل البلد الجفاة، الى ان بلغت الحائط الذي أسعى منه الى الشباك، فمددت عيني فإذا برجل جالس على الباب، ظهره إلى كأنه ينظر في دفتر، فقال لي: إلى أين يا أبا الطيب بصوت يشبه صوت حسين بن على بن ابى جعفر بن الرضا (عليه السلام) فقلت: هذا حسين قد جاء يزور أخاه، قلت: يا سيدي أمضى أزور من الشباك و أجيئك فأقضي حقك، قال و لم لا تدخل يا أبا الطيب، فقلت له: الدار لها مالك، لا أدخلها من غير اذنه، فقال يا أبا الطيب تكون مولانا رقا و توالينا حقا و نمنعك تدخل الدار؟ ادخل يا أبا الطيب، فقلت: أمضى أسلم عليه، و لا اقبل منه فجئت الى الباب، و ليس عليه أحد فيشعرنى فتبادرت الى عند البصري خادم الموضع،
____________
(1) المستدرك ج 2 ص 226.
440
ففتح الباب فدخلت: فكنا نقول: ا ليس كنت لا تدخل الدار؟ فقال: أما انا أذنوا لي بقيتم أنتم.
أقول لا يخفى ان قوله (عليه السلام)، تكون مولانا رقا و توالينا حقا و نمنعك تدخل الدار، اذن لكل من كان كذلك، و هم جميع شيعتهم و مواليهم القائلين بإمامتهم، فإنهم مقرون أو مذعنون بالعبودية و الرقية لهم منها، و الكون على قبول ذلك منهم لا اختصاص له بذلك الرجل كما توهم (رحمه الله)
الثاني عشر الإمام المهدي بن الحسن (ع)
(عجل الله تعالى فرجه و سهل مخرجه) و جعلنا من أنصاره و أعوانه ولد بسر من رأى قيل: ليلة الجمعة من شهر رمضان سنة أربع و خمسين و مأتين من الهجرة، و قتل ضحى خامس عشر من شهر شعبان سنة خمس و خمسين و مأتين و قيل: لثمان خلون من شعبان للسنة المذكورة، و هو الذي اختاره الشيخ في كتاب الغيبة و أمه ريحانة، و يقال: لها صيقل، و يقال: سوسن، و قيل: مريم، بنت زيد العلوية، كما اختاره شيخنا المجلسي عطر الله مرقده، أن اسمها مليكة، و لقبها نرجس، بنت يشبوعا بن قيصر ملك الروم، و أمها بنت شمعون، الصفا وصى عيسى (عليه السلام) و نقل حديثا طويلا عن الشيخ الصدوق يتضمن إرسال الهادي (عليه السلام) لبعض أصحابه فاشتراها له، و أعطاها ابنه الحسن (عليه السلام) فأولدها الإمام القائم (عليه السلام) ثم ذكر أن القول بكونها مريم بنت زيد العلوية في نهاية الضعف أقول: و يؤيده تأييدا ما رواه الصدوق في كتاب عيون الاخبار (1) في الخبر الذي فيه اللوح، قال فيه: ان أمه جارية اسمها نرجس، و كان سنه عند وفاة أبيه (عليه السلام) خمس سنين أتاه الله العلم و الحكم صبيا كما أتى يحيى و عيسى (عليهما السلام) و كان له غيبتان صغرى و هي التي كان فيها السفراء (رضى الله عنهم) و يقرب من خمس و سبعين سنة، و كان أولهم عثمان بن سعيد، اوصى الى ابى جعفر محمد
____________
(1) العيون ص ط نجف الأشرف.
441
بن عثمان و أوصى أبو جعفر الى أبى القاسم الحسين بن روح و أوصى أبو القاسم الى أبى الحسن على بن محمد السمري (رحمه الله)، فلما حضرت السمري الوفاة اجتمعت عنده الشيعة، و سألوه أن يوصى الى أحد فقال: لله أمر هو بالغه فوقعت الغيبة الكبرى.
و لنختم الكتاب بسامي أسماء هؤلاء الاعلام الذين هم نواب الملك العلام، و أساس الإسلام، و أبواب دار السلام و من بهم الملاذ و الاعتصام، في هذه الدار و في يوم القيامة، ليكون ختامه بالمسك الأذفر (صلوات الله عليهم و سلامه) ما عبد الله عابد، و كبر و أناب اليه منيب و أستغفر و أسال الله تعالى بحقهم، و أتوسل إليه بفضلهم ان يكون هذا الكتاب عنده و عندهم في درجة القبول و وسيلة لنيل كل مسئول و مأمول، و كان الفوز بإتمامه و التوفيق لسعاده ختامه في مشهد الحسين (عليه السلام) من أرض كربلاء المعلى على مشرفها و آبائه و أبنائه أشرف صلوات الله ذي العلاء باليوم الثالث و العشرين من شهر جمادى الأخرى من السنة الثامنة و السبعين بعد المأة و الالف من الهجرة النبوية على مهاجرها و آله أفضل صلاة و تحية، و كتب مؤلفه بيمينه الداثرة، أعطاه الله تعالى كتابه بها في الآخرة الفقير الى ربه الكريم يوسف بن احمد بن إبراهيم حامدا مصليا مسلما مستغفرا آمين آمين بحرمة السادة الميامين
الى هنا تم الجزء السابع عشر على حسب تجزئتنا و به يكتمل أحكام الحجج و يتلوه الجزء الثامن عشر بأحكام المكاسب إنشاء الله تعالى و نسأل الله التوفيق على طبع بقية الاجزاء و الله ولى التوفيق، و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء السابع عشر
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

