3
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، و صلى الله على محمد و آله الطاهرين
كتاب التجارة
و فيه مقدمات و فصول
[أما المقدمات]
المقدمة الأولى [الحث على الكسب الحلال]
اعلم انه قد استفاضت الاخبار بالحث على طلب الرزق و الكسب الحلال، و لا سيما بطريق التجارة مع الإجمال في الطلب و الاقتصار على الحلال. و على هذا كان جملة فضلاء أصحاب الأئمة (عليهم السلام)، كزرارة بن أعين، و هشام بن الحكم، و محمد ابن النعمان مؤمن الطاق، و محمد بن عمير و أضرابهم، كما لا يخفى على من لاحظ السير و الاخبار.
قال الله تعالى «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنٰاكِبِهٰا وَ كُلُوا
4
مِنْ رِزْقِهِ» (1). و قال سبحانه «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» (2). و قال تعالى «وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ» (3).
و روى ثقة الإسلام، عن ابى خالد الكوفي، رفعه الى ابى جعفر (عليه السلام)، قال:
قال رسول الله، (صلى الله عليه و آله و سلم): «العبادة سبعون جزء فضلها طلب الحلال» (4).
و عن عمر بن يزيد- في الموثق- قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل، قال: لأقعدن في بيتي و لأصلين و لأصومن و لأعبدن ربي، فأما رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):
«هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم» (5).
و عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «أ رأيت لو ان رجلا دخل بيته و أغلق بابه كان يسقط عليه شيء من السماء؟» (6).
و عن أيوب أخي أديم بياع الهروي قال: كنا جلوسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) إذا قبل العلاء بن كامل فجلس قدام ابى عبد الله (عليه السلام) فقال: ادع الله ان يرزقني في دعة، فقال:
لا أدعو لك، اطلب كما أمرك الله». (7).
و عن سليمان بن معلى بن خنيس عن أبيه قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل و انا عنده، فقيل له: أصابته الحاجة، فقال: فما يصنع اليوم؟ قيل: في البيت يعبد ربه! قال: من اين قوته؟ قيل: من عند بعض إخوانه! فقال أبو عبد الله: و الله
____________
(1) سورة الملك: 15.
(2) سورة الجمعة: 10.
(3) سورة المزمل: 20.
(4) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 6.
(5) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 1.
(6) « « «رقم: 2.
(7) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 3.
5
الذي يقوته أشد عبادة منه» (1).
و عن أبي حمزة عن ابى جعفر (عليه السلام): قال: «من طلب الرزق في الدنيا استعفافا عن الناس، و توسيعا على اهله، و تعطفا على جاره، لقي الله عز و جل يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (2).
و عن على بن الغراب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «ملعون من القى كله عن الناس» (3).
و روى المشايخ عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «اوحى الله عز و جل الى داود (عليه السلام): انك نعم العبد لولا انك تأكل من بيت المال، و لا تعمل بيدك شيئا، قال: فبكى داود (عليه السلام): أربعين صباحا، فأوحى الله عز و جل الى الحديدان لن لعبدي داود (عليه السلام) فألان الله تعالى له الحديد، و كان يعمل كل يوم درعا، فيبيعها بألف درهم، فعمل ثلاثمائة و ستين درعا فباعها بثلاثمائة و ستين ألفا، و استغنى عن بيت المال» (4).
و روى الصدوق عن المعلى بن خنيس قال: رآني أبو عبد الله (عليه السلام) و قد تأخرت عن السوق، فقال: «اغد الى عزك» (5).
و بإسناده عن روح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «تسعة أعشار الرزق في التجارة» (6).
و روى في كتاب الخصال عن عبد المؤمن الأنصاري عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «البركة عشرة أجزاء تسعة أعشارها في التجارة، و العشر الباقي
____________
(1) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 4.
(2) الكافي ج 5 ص 78 رقم: 5.
(3) الكافي ج 5 ص 77 رقم: 7.
(4) الكافي ج 5 ص 74 رقم: 5.
(5) الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 2.
(6) الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 3.
6
في الجلود» (1).
قال الصدوق- (قدس سره)- يعنى بالجلود: الغنم، و استدل بما يأتي.
و روى فيه عن الحسين بن زيد بن على عن أبيه زيد بن على عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «تسعة أعشار الرزق في التجارة و الجزء الباقي في السابياء، يعنى الغنم» (2).
و روى في الكافي عن محمد الزعفراني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من طلب التجارة استغنى عن الناس، قلت: و ان كان معيلا؟ قال: و ان كان معيلا، ان تسعة أعشار الرزق في التجارة» (3).
و عن هشام الأحمر قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يقول لمصادف: اغد الى عزك»- يعنى السوق- (4).
و عن على بن عقبة قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لمولى له: «يا عبد الله، احفظ عزك قال: و ما عزى جعلت فداك؟ قال: غدوك الى سوقك، و إكرامك نفسك». و قال لاخر مولى له: «مالي أراك تركت غدوك الى عزك؟ قال: جنازة أردت ان أحضرها، قال: فلا تدع الرواح الى عزك» (5).
و روى المشايخ الثلاثة عن سدير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اى شيء على الرجل في طلب الرزق؟ قال: إذا فتحت بابك و بسطت بساطك، فقد قضيت ما عليك» (6).
و روى في الكافي عن الطيار، قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): اى شيء تعالج؟
____________
(1) الخصال ج 2 ص 445، الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 4.
(2) الخصال ج 2 ص 446، الوسائل ج 12 ص 3 رقم: 5.
(3) الكافي ج 5 ص 148 ص 3 رقم: 3.
(4) الكافي ج 5 ص 149 رقم: 7.
(5) الوسائل ج 12 ص 5 رقم: 13.
(6) الوسائل ج 12 ص 34 رقم: 1.
7
- أي شيء تصنع؟- فقلت ما انا في شيء، فقال فخذ بيتا و اكنس فنائه، و رشه، و ابسط فيه بساطك فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما يجب عليك، قال: فقدمت الكوفة ففعلت فرزقت» (1).
و روى في الكافي و التهذيب عن أبي عمارة الطيار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
انى قد ذهب مالي، و تفرق ما كان في يدي، و عيالي كثير! فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): إذا قدمت الكوفة، فافتح باب حانوتك و ابسط بساطك، و ضع ميزانك و تعرض للرزق ربك.
قال: فلما ان قدم الكوفة، فتح باب حانوتة و بسط بساطه، و وضع ميزانه، فتعجب من حوله من جيرانه انه ليس في بيته قليل و لا كثير من المتاع، و لا عنده شيء! فجاءه رجل فقال: اشتر لي ثوبا، قال: فاشترى له ثوبا، و أخذ ثمنه و صار الثمن اليه، قال ثم جاءه آخر فقال له: يا أبا عمارة اشتر لي ثوبا، فطلب له في السوق و اشترى له ثوبا و أخذ ثمنه، فصار في يده، و كذلك يصنع التجار، يأخذ بعضهم من بعض، ثم جائه رجل آخر فقال له يا أبا عمارة ان عندي عدلا من كتان، فهل تشتريه منى و أؤخرك بثمنه سنة؟ قال: نعم، أحمله و جئني به قال: فحمله اليه، فاشتراه منه بتأخير سنة، قال: فقام الرجل فذهب ثم أتاه آت من أهل السوق، فقال له: يا أبا عمارة ما هذا العدل؟ قال هذا عدل اشتريته، قال يعنى نصفه و اعجل لك ثمنه، قال: نعم، فاشتراه منه و أعطاه نصف المتاع و أخذ نصف الثمن.
قال: فصار في يده الباقي الى سنة، قال: فجعل يشترى بثمنه الثوب و الثوبين، و يعرض و يشترى و يبيع، حتى أثرى و عز وجهه (2) و صار معروفا». (3).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 34 رقم: 2.
(2) في نسخة الكافي: و عرض وجهه.
(3) الكافي ج 5 ص 304 حديث: 3.
8
و عن أبي حمزة الثمالي، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حجة الوداع: الا ان الروح الأمين نفث في روعي (1) انه لا يموت نفس حتى يستكمل رزقها، فاتقوا الله تعالى و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق ان تطلبوه بشيء من معصية الله، فان الله تبارك و تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا، و لم يقسمها حراما فمن اتقى الله عز و جل و صبر آتاه الله برزقه من حله. و من هتك حجاب الستر و عجل فأخذه من غير حله قص به من رزقه الحلال و حوسب عليه يوم القيامة» (2).
و بهذا المضمون أخبار عديدة،
و روى في الكافي عن السكوني عن أبي عبد الله- (عليه السلام)- عن آبائه (ع) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم). و رواه في الفقيه مرسلا قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): نعم العون على تقوى الله الغنى» (3).
و روى في الكافي عن عمرو بن جميع قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
«لا خير فيمن لا يحب جمع المال من حلال يكف به وجهه و يقضى به دينه، و يصل به رحمه» (4).
و عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «نعم العون على الآخرة الدنيا» (5).
و عن على الأحمسي، عن رجل عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «نعم العون الدنيا، على طلب الآخرة» (6).
و روى في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام): «ليس منا من ترك دنياه لاخرته،
____________
(1) الروع- بضم الراء-: سواد القلب، و المراد: روحه الكريمة كناية عن الباطن.
(2) الوسائل ج 12 ص 27 حديث: 1.
(3) الكافي ج 5 ص 71 حديث: 1.
(4) الكافي ج 5 ص 72 حديث: 5.
(5) الكافي ج 5 ص 72 حديث: 9.
(6) الكافي ج 5 ص 73 حديث: 14.
9
و لا آخرته لدنياه» (1).
قال: روى عن العالم (عليه السلام) انه قال: «اعمل لدنياك كأنك تعيش ابدا و اعمل لاخرتك كأنك تموت غدا» (2).
إذا عرفت ذلك ففي هذا المقام فوائد لطيفة، و فرائد منيفة، تهش إليها الطباع القويمة، و تلتذ بها الإسماع السليمة:
الفائدة الأولى [نفقة طالب العلم مكفولة]
اعلم انه كما استفاضت الأخبار بالأمر بطلب الرزق و ذم تاركه، حتى ورد لعن من القى كله على الناس، كما تقدم (3) و ورد الترغيب فيه كما تقدم، حتى ورد ايضا ان العبادة سبعون جزأ، أفضلها طلب الحلال، كما قد استفاضت الاخبار بطلب العلم و وجوب التفقه في الدين و انه فريضة على كل مسلم كما في الكافي (4) و التهذيب و غيره من الاخبار المتكاثرة بذلك.
و جملة من عاصرناه من علمائنا الاعلام و مشايخنا الكرام و من سمعنا به قبل هذه الأيام كلهم كانوا على العمل بهذه الأخبار، فإنهم كانوا مشغولين بالدرس و التدريس و نشر أحكام الشريعة و التصنيف و التأليف من غير اشتغال بطلب المعاش و غير ذلك مع ما عرفت من تلك الاخبار من مزيد الذم لتارك الطلب حتى ورد لعنه، الدال على مزيد الغضب.
و حينئذ فلا بد من الجمع بين اخبار الطرفين على وجه يندفع به التنافي من البين، و ذلك بأحد وجهين:
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 49 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 49 حديث: 2.
(3) راجع: الكافي ج 5 ص 72.
(4) راجع: الكافي- الأصول- ج 1 ص 30 فما بعد.
10
الأول- و لعله الأظهر، كما هو بين علمائنا أشهر- تخصيص الاخبار الدالة على وجوب طلب الرزق بهذه الأخبار الدالة على وجوب طلب العلم، بان يقال بوجوب ذلك على غير طالب العلم المشتغل بتحصيله و استفادته أو تعليمه و افادته.
و بهذا الوجه صرح شيخنا الشهيد الثاني في كتاب «منية المريد في آداب المفيد و المستفيد» حيث قال في جملة شرائط تحصيل العلم ما لفظه:
«و ان يتوكل على الله و يفوض أمره اليه و لا يعتمد على الأسباب فيوكل إليها و تكون وبالا عليه، و لا على أحد من خلق الله تعالى، بل يلقى مقاليد امره الى الله تعالى في امره و رزقه و غيرهما يظهر له من نفحات قدسه و لحظات أنسه ما يقوم به أوده، و يحصل مطلوبه، و يحصل به مراده. و قد ورد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «ان الله تعالى قد تكفل لطالب العلم برزقه خاصة عما ضمنه لغيره» بمعنى ان غيره يحتاج إلى السعي على الرزق حتى يحصل غالبا، و طالب العلم لا يكلف بذلك بل بالطلب، و كفاه مؤنة الرزق ان أحسن النية و أخلص العزيمة، و عندي في ذلك من الوقائع و الدقائق ما لو جمعته بلغ ما يعلمه الله تعالى من حسن صنيع الله بي و جميل معونته، منذ اشتغلت بالعلم و هو مبادي عشر الثلاثين و تسعمائة، إلى يومي هذا، و هو منتصف شهر رمضان سنة ثلاث و خمسين و تسعمائة و بالجملة ليس الخبر كالعيان.
و روى شيخنا المقدم
محمد بن يعقوب الكليني- بإسناده إلى الحسين بن علوان، قال: كنا في مجلس نطلب فيه العلم و قد نفدت نفقتي في بعض الاسفار، فقال لي بعض أصحابنا: من تؤمل لما قد نزل بك؟ فقلت: فلانا: فقال: إذا و الله لا تسعف حاجتك (1) و لا يبلغك أملك، و لا تنجح طلبتك! قلت: و ما علمك رحمك الله؟ قال ان أبا عبد الله (عليه السلام): حدثني أنه قرأ في بعض الكتب: ان الله تبارك و تعالى يقول و عزتي و جلالي و مجدي و ارتفاعي على عرشي، لأقطعن أمل كل مؤمل (من الناس) غيري باليأس، و لأكسونه ثوب المذلة عند الناس و لأنحينه من قربى، و لأبعدنه من فضلي، أ يؤمل
____________
(1) اى لا تقضى.
11
غيري في الشدائد، و الشدائد بيدي و يرجو غيري و يقرع بالفكر باب غيري؟ و بيدي مفاتيح الأبواب، و هي مغلقة.
و بابي مفتوح لمن دعاني فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها، و من ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجائه مني؟! جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي و ملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي و أمرتهم ان لا يغلقوا الأبواب بيني و بين عبادي فلم يثقوا بقولي! أ لم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي انه لا يملك كشفها أحد غيري الا من بعد إذني فما لي اراده لاهيا عني، أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده، و سأل غيري. أ فيرانى ابدأ بالعطاء قبل المسألة ثم اسأل فلا أجيب سائلي! أ بخيل أنا فيبخلني عبدي؟! أو ليس الجود و الكرام لي؟! أو ليس العفو و الرحمة بيدي؟! أو ليس انا محل الآمال؟ فمن يقطعها دوني؟! أ فلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟!.
فلو ان أهل سماواتي و أهل أرضي أملوا جميعا ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع، ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة، و كيف ينقص ملك أنا قيمه؟!، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي و يا بؤسا لمن عصاني، و لم يراقبني (1).
و رواه الشيخ المبرور بسند آخر عن سعيد بن عبد الرحمن، و في آخره:
«فقلت: يا ابن رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- أمل على، فأملأه على، فقلت: لا و الله ما اسأله حاجة بعدها.
أقول: ناهيك بهذا الكلام الجليل الساطع نوره من مطالع النبوة على أفق الولاية من الجانب القدسي، حاثا على التوكل على الله و تفويض الأمر اليه، و الاعتماد في جميع المهمات عليه، فما عليه مزيد من جوامع الكلام في هذا المقام» (2).
____________
(1) الكافي- الأصول- ج 2 ص 66- 67.
(2) منية المريد ص 46- 47 طبعة النجف.
12
انتهى كلام شيخنا المشار إليه، أفاض الله شئابيب قدسه عليه.
أقول: و يدل على ذلك أيضا بأصرح دلالة
ما رواه شيخنا ثقة الإسلام في الكافي أيضا بإسناده، الى ابى إسحاق السبيعي عمن حدثه قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم و العمل به، الا و ان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، ان المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه، و سيفي لكم و العلم مخزون عند أهله، و قد أمرتم بطلبه من اهله فاطلبوه (1).
و لا يخفى ما في هذا الخبر من الصراحة في المدعى. اما الأمر بطلب العلم دون طلب المال، لان الرزق كما ذكره (عليه السلام) مقسوم مضمون و هو إشارة إلى قوله تعالى:
«نَحْنُ قَسَمْنٰا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا» (2) و قوله تعالى «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّٰا عَلَى اللّٰهِ رِزْقُهٰا» (3).
و يؤكده ما رواه شيخنا المذكور في كتابه المشار اليه، بسنده
عن ابى جعفر- (عليه السلام)- قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «يقول الله- عز و جل- و عزتي و جلالي و عظمتي و كبريائي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت امره و لبست عليه دنياه و شغلت قلبه بها و لم أوته منها الا ما قدرت له. و عزتي و جلالي و عظمتي و نوري و علوي و ارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواي على هواه الا استحفظته ملائكتي و كفلت السموات و الأرضين رزقه و كنت له من وراء تجارة كل تاجر و آتته الدنيا و هي راغمة (4).
و قد حكى لي والدي العلامة عن جمع من فضلاء بلادنا (البحرين) الذين بلغوا من الفضل علما و عملا و تقوى و نبلا ما هو أشهر من ان ينقل:
____________
(1) الكافي- الأصول- ج 1 ص 30 حديث: 4.
(2) سورة الزخرف: 32.
(3) سورة هود: 6.
(4) الكافي- الأصول- ج 2 ص 335 حديث: 2.
13
منهم العلامة الفقيه الشيخ سليمان بن على الشاخورى و هو استاد شيخنا الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني، و منهم العلامة المحقق المدقق الشيخ محمد بن يوسف المعابى البحراني، و منهم الشيخ الفقيه الذي رجعت إليه رئاسة البلاد في زمانه امرا و نهيا و فتوى، الشيخ محمد بن سليمان البحراني، فإنهم كانوا في مبدء الاشتغال على غاية من الفقر و الحاجة، حتى ان الشيخ سليمان بن على المذكور، كان يحضر الدرس في حلقة الشيخ العلامة الشيخ على بن سليمان البحراني، و هو أحد تلامذة شيخنا البهائي و هو أول من نشر علم الحديث بالبحرين و كان الشيخ سليمان المذكور يحضر حلقة درسه حتى إذا صار قريب الظهر و دخل الشيخ على البيت لأجل الغذاء، و تفرق المجلس، مضى الشيخ المزبور للصحراء في وقت الربيع و أكل من حشائش التراب ما يسد جوعه، ثم بعد خروج الشيخ يعود للحضور.
و من هذا القبيل حكايات الباقين مما يطول بنقله الكلام. و حيث انهم (رضوان الله عليهم) طلقوا الدنيا و قصروا على الرغبة في الأخرى، ارتقوا من الدنيا أعلى مراتبها و انقادت لهم بأزمتها و تراقيها حتى صار كل منهم نابغة زمانه و نادرة أو انه، و هو وفق الحديث القدسي المتقدم.
لكن ينبغي ان يعلم ان هذه المرتبة ليست سهلة التناول لكل طالب، و لا ميسرة الا بإخلاص النية له في طلب العلم، فان مدار الأعمال على النيات، و بسببها يكون العلم تارة خزفة لا قيمة لها، و تارة جوهرة فأخره لا يعلم قيمتها، لعظم قدرها، و تارة يكون وبالا على صاحبه مكتوبا في ديوان السيئات، و ان كان ما اتى به بصورة الواجبات.
فيجب على الطالب ان يقصد بطلبه الإخلاص لوجه الله تعالى و امتثال امره، و إصلاح نفسه و إرشاد عبادة إلى معالم دينه، و لا يقصد بذلك شيئا من الأعمال الدنيوية من تحصيل مال، و جاه، و رفعة و شهرة بين الناس، أو المباهاة و المفاخرة للاقران، و الترفع على الاخوان و نحو ذلك مما يوجب البعد منه سبحانه و تعالى، و الخذلان، مضافا الى
14
ذلك التوكل عليه سبحانه في جميع الأمور، و القيام بأوامره و نواهيه في الورود و الصدور كما تقدم في كلام شيخنا المذكور.
الثاني: التفصيل في ذلك و يتوقف على بيان كلام في المقام:
و هو انه ينبغي ان يعلم أولا: ان العلم منه ما هو واجب و ما هو مستحب، و الأول منه ما هو واجب عينا و منه ما هو واجب كفاية. فأما الواجب عينا فهو العلم بالله سبحانه و صفاته و ما يجوز عليه و يمتنع، حسبما ورد في الكتاب العزيز و السنة النبوية على الصادع بها و آله أشرف صلاة و تحية، و ما جاء به النبي (صلى الله عليه و آله) من أحوال المبدء و المعاد مما علم تواتره من دينه (صلى الله عليه و آله و سلم) و لو تقليدا تسكن اليه النفس و يطمئن به القلب و ما يحصل به الإذعان و التصديق، وفاقا لجمع من متأخري أصحابنا- (رضوان الله عليهم)- و ما زاد على ذلك من الأدلة التي قررها المتكلمون و الخوض في دقائق علم الكلام فهو فرض كفاية على المشهور صيانة للدين عن شبه المعاندين و الملحدين.
و من الواجب العيني أيضا تحصيل العلم بواجبات الصلاة حيث يكلف بها و لو تقليدا و واجبات الصيام كذلك، و الزكاة ممن يخاطب بها، و الحج كذلك ايضا و هكذا من كل ما يجب على المكلف بوجود أسبابه، و ما زاد من تحصيل العلوم في هذه الحال على ما ذكرناه فهو مستحب.
و من الواجب العيني أيضا ما يحصل به تطهر القلب من الملكات الردية المهلكة، كالرياء و الحسد و العجب و الكبر و نحوها كما حقق في محل مفرد، و هو من أجل العلوم قدرا و أعلاها ذكرا بل هو الأصل الأصيل للعلوم الرسمية، و ان كان الان قد اندرست معالمه بالكلية و انطمست مراسمه العلية، فلا يرى له اثر و لا يسمع له خبر.
و اما الواجب كفاية فهو ما فوق هذه المرتبة فيما تقدم ذكره حتى يبلغ درجة العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، و هو المعبر عنه في ألسنة الفقهاء بالاجتهاد.
هذا إذا لم يوجد من يتصف به و يقوم به في ذلك القطر، و الا كان ذلك مستحبا
15
لان الواجب الكفائي مع وجود من يقوم به يسقط وجوبه عن الباقين، فيكون مستحبا و يكون هذا من القسم الثاني في التقسيم الأول. و ما يتوقف عليه الوصول إلى مرتبة الاجتهاد من المعلوم الاتية و غيرها تابع له في الوجوب و الاستحباب.
ثم اعلم ايضا ان تحصيل الرزق منه ما يكون واجبا و هو ما يحصل به البلغة و الكفاف لنفسه و عياله الواجبي النفقة عليه بحيث يخرج عن ان يكون مضيقا. و منه ما يكون مستحبا، و هو طلب ما زاد على ذلك للتوسعة على نفسه و عياله، و هو الصرف في وجوه البر و الخيرات. و منه ما يكون مكروها و هو ما يقصد به الزيادة في جمع المال و ادخاره و المكاثرة و المباهاة به و الحرص عليه. و منه ما يكون محرما و هي ما يقصد بتحصيله الصرف في اللهو و اللعب و المعاصي و نحو ذلك.
إذا عرفت ذلك فاعلم: ان وجه ما أشرنا إليه آنفا من التفصيل، هو ان هيهنا صورا:
(احديها) تعارض الواجب العيني من طلب العلم مع الواجب من طلب الرزق، و الظاهر ان الواجب هنا تقديم طلب الرزق ان انسدت عليه وجوه التحصيل مما سواه لأن في تركه حينئذ إلقاء باليد إلى التهلكة. و المعلوم من الشارع في جملة من الأحكام تقديم مراعاة الأبدان على الأديان، و لهذا أوجب الإفطار على المريض المتضرر بالصوم و ان أطاقه. و التيمم على المتضرر بالماء و ان لم يبلغ المشقة، و القعود في الصلاة على المتضرر بالقيام. و أباح الميتة لمن اضطر إليها، و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع. اما لو حصل له من وجه الزكاة أو نحوها مما يمونه وجب تقديم العلم البتة.
(و ثانيها) تعارض الواجب العيني من العلم، مع المستحب من طلب الرزق و لا ريب في تقديم طلب العلم.
(و ثالثها) تعارض الواجب من طلب الرزق، مع الواجب الكفائي من طلب العلم، و لا ريب أيضا في تقديم طلب الرزق لما ذكر في الصورة الأولى.
16
هذا إذا لم يمكن الجمع بين الأمرين، و الأوجب الجمع بقدر الإمكان في الواجبين. و باقي الصور يعرف بالمقايسة.
و لا يخفى ان ما ذكرناه في هذا المقام و ان كان خارجا عن موضوع الكتاب، الا ان فيه فوائد جمة، لا تخفى على ذوي الأفهام و الألباب و الله العالم.
الفائدة الثانية [في أن فساد الناس يوجب جور الحكام عليهم]
قد عرفت مما قدمناه من الاخبار و مثلها غيرها مما لم نذكره، الدلالة على وجوب طلب الرزق، و استحباب جمع المال بتجارة كان أو زراعة أو صناعة، مع انا نرى في هذه الأوقات و لا سيما في أرض العراق زيادة جور السلاطين و ظلمهم على من اشتغل بشيء من ذلك حتى آل الأمر إلى تركهم ذلك أو الفرار من ديارهم الى بعض الأقطار و منه يحصل الإشكال في العمل بتلك الاخبار، اللهم الا ان يقال: ان السبب التام في تعدى الحكام على أولئك الأنام، انما هو تعديهم الحدود الشرعية و الأحكام، في أعمالهم أو غيرها، و عدم القيام بما أوجبه الملك العلام.
و يدل عليه ما رواه
الصدوق في كتاب المجالس بسنده عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال:
قال الله تعالى: «انا خلقت الملوك و قلوبهم بيدي، فأيما قوم أطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة، و أيما قوم عصوني، جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة. الا لا تشغلوا أنفسكم بسبب المملوك. توبوا الى، أعطف قلوبهم عليكم» (1).
و هو كما ترى ظاهر الدلالة واضح المقالة، في ان تسلط الملوك عليهم و ظلمهم لهم انما نشأ من ظلمهم أنفسهم، و تعديهم الحدود الشرعية، و من ثم منعهم من سب الملوك و تظلمهم من الحكام، فإنه سبحانه هو الذي سلطهم عليهم، و أمرهم بالتوبة و الإنابة، ليعطف قلوب الحكام عليهم.
و يؤيده ما ورد في بعض الاخبار التي لا يحضرني الان موضعها، من قوله تعالى:
____________
(1) أمالي الصدوق ص 220- بحار الأنوار ج 75 ص 341.
17
«إذا عصاني من عرفني سلطت عليه من لا يعرفني» (1).
و ما قيل أيضا: أعمالكم عمالكم. و به يزول الاشكال من هذا المجال و الله العالم.
الفائدة الثالثة [استحباب الإجمال في الطلب]
قد دلت جملة من الاخبار المتقدمة على ان الواجب هو التعرض للرزق و لو بالجلوس في السوق، متعرضا لذلك و الله سبحانه مسبب الأسباب، يسوق اليه رزقه، إذا كان جلوسه عن نية صادقة و توكل على الله سبحانه وثيق، فإنه تعالى هو الرزاق، و اما ما يفعله بعض أبناء هذا الزمان من شغل فكره و بدنه بالسعي في التحصيل و الكدح و الحيل و نحوها ليستغرق أوقاته و يشتغل بها عن اقامة الطاعات و المحافظة على السنن و الواجبات و لا يبالي بتحصيله من وجوه الحلال كان أو من الشبهات أو المحرمات، فهو من تسويلات الشيطان الرجيم، و فعله الذميم.
و يعضد ما قلناه ما تقدم مما رواه
الشيخ في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في حجة الوداع: «الا ان الروح الأمين نفث في روعي انه لا يموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله عز و جل و أجملوا في الطلب، و لا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق ان تطلبوه بشيء من معصية الله، فان الله تبارك و تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا و لم يقسمها حراما، فمن اتقى الله عز و جل و صبر آتاه الله برزقه من حله، و من هتك حجاب الستر و عجل فأخذه من غير حله، قص به من رزقه الحلال، و حوسب عليه يوم القيامة» (2).
و بمضمونه أخبار عديدة و في بعضها:
«لو كان العبد في جحر لأتاه الله رزقه» (3).
____________
(1) الكافي ج 2 ص 276 حديث: 31.
(2) الكافي ج 5 ص 80 حديث: 1.
(3) الكافي ج 5 ص 81 حديث: 4 و الجحر: الغار البعيد الغور. و هو بتقديم الجيم المفتوحة.
18
و في آخر
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «كم من متعب نفسه مقتر عليه. و مقتصد في الطلب قد ساعدته المقادير» (1).
و بالجملة فإن الإنسان متى أيقن ان الرزق بيد الله سبحانه و انه قد قسمه من عالم الأزل، و ضمن إيصاله لصاحبه و انه انما أمره بالطلب و التعرض له من مظانه، لكي يأتيه كما وعد به،
و قد روى: «الرزق رزقان، رزق تطلبه و رزق يطلبك» (2).
و حينئذ فالعاقل العالم بذلك لا يهم بذلك و لا يشغل فكره، و لا يتعب ليله و نهاره، و لا يتجاوز الحدود الشرعية في طلبه. و لكن الشيطان الرجيم و النفس الامارة، و الجهل بالأحكام الشرعية و الحدود المرعية، هي السبب في وقوع الناس في شباك (3) الخناس و تضييعهم الدين في طلب هذه الدنيا الدنية، فإنهم يرون ان ما يحصلونه انما حصل بجدهم و اجتهادهم و حيلهم و افكارهم و سعيهم الليل و النهار في ذلك، و هذا هو الداء الذي لا دواء له.
و قد روى
في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيرا ما يقول: اعلموا علما يقينا، ان الله عز و جل لم يجعل للعبد و ان اشتد جهده و عظمت حيلته و كثرت مكابدته، ان يسبق ما سمى له في الذكر الحكيم، و لم يحل بين العبد في ضعفه و قلة حيلته، ان يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم.
ايها الناس انه لن يزداد امرء نقيرا بحذقه و لم ينتقص امرء نقيرا لحمقه، فالعالم لهذا العامل به أعظم الناس راحة في منفعته. و العالم لهذا التارك له أعظم الناس شغلا في مضرته. و رب منعم عليه مستدرج بالإحسان اليه، و رب مغرور من الناس مصنوع له. فأفق أيها الساعي من سعيك و قصر من عجلتك، و انتبه من سنة غفلتك» الحديث. (4).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 81 حديث: 6.
(2) الوسائل ج 12 ص 31 حديث: 5.
(3) الشباك: جمع شبكة و هي المصيدة.
(4) الكافي ج 5 ص 82 حديث: 9.
19
الفائدة الرابعة [وجوب التفقه في التجارة]
قد تقدم في الفائدة الأولى الإشارة الى ان الواجب العيني بالنسبة إلى العلم بالأحكام الشرعية ما يتوقف عليه صحة العمل، الذي يشتغل به المكلف من حج أو زراعة أو تجارة فإنه لا بد من التفقه في ذلك العمل. و معرفة أحكامه و ما لا يجوز و ما يصح به و يفسد، فينبغي لمريد التجارة ان يبدأ بالتفقه فيما يتولاه منها، ليتمكن بذلك من الاحتراز عما حرم الله تعالى عليه في ذلك، و يعرف ما أحله و حرمه، لا سيما الربا و بيع المجهول و شرائه، مما يشترط فيه الوزن و الكيل، و بيع غير البالغ العاقل و شرائه و نحو ذلك مما سيأتي إنشاء الله تعالى في محله مما يوجب صحة البيع و فساده، و آداب التجارة من مستحباتها و مكروهاتها، و ان كان أهل هذا الزمان و الأيام لمزيد جهلهم بأحكام الملك العلام، لا يبالون بما وقعوا فيه من حلال و حرام.
و قد قال (صلى الله عليه و آله): التاجر فاجر، و الفاجر في النار، الا من أخذ الحق و اعطى الحق» (1).
و روى الصدوق عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول على المنبر:
«يا معشر التجار، الفقه ثم المتجر، الفقه ثم المتجر، و الله للربا في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل على الصفا، شوبوا إيمانكم بالصدق، التاجر فاجر و الفاجر في النار الا من أخذ الحق و اعطى الحق».
و رواه في الكافي عن الأصبغ بن نباتة مثله (2).
و عن طلحة بن زيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من اتجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم» (3).
قال: و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «لا يقعدن في السوق الا من يعقل الشراء
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 285 حديث: 5.
(2) الكافي ج 5 ص 150 رقم: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 2.
20
و البيع» (1).
و قال الصادق (عليه السلام) على ما رواه شيخنا المفيد في المقنعة: «من أراد التجارة فليتفقه في دينه ليعلم بذلك ما يحل له مما يحرم عليه، و من لم يتفقه في دينه ثم اتجر تورط في الشبهات» (2).
و روى في الكافي بسنده عن عمرو بن ابى المقدام عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال:
«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) عند كونه بالكوفة عندكم يغتدي كل يوم بكرة من القصر، فيطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا، و معه الدرة على عاتقه، و كان لها طرفان، و كانت تسمى السبيبة فيقف على أهل كل سوق، فينادي: يا معشر التجار اتقوا الله عز و جل، فإذا سمعوا صوته ألقوا ما بأيديهم و أرعوا إليه بقلوبهم، و سمعوا بآذانهم فيقول (عليه السلام): قدموا الاستخارة و تبركوا بالسهولة و اقتربوا من المبتاعين و تزينوا بالحلم، و تناهوا عن اليمين و جانبوا الكذب، و تجافوا عن الظلم، و أنصفوا المظلومين، و لا تقربوا الربا و أَوْفُوا الْمِكْيٰالَ وَ الْمِيزٰانَ بِالْقِسْطِ وَ لٰا تَبْخَسُوا النّٰاسَ أَشْيٰاءَهُمْ، وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. فيطوف في أسواق الكوفة، ثم يرجع فيقعد للناس» (3).
و رواه الصدوق في الفقيه مرسلا..
و في المحاسن مسندا في الصحيح عن محمد ابن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) نحوه.
و عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «من باع و اشترى فليحفظ خمس خصال، و الا فلا يشترين و لا يبيعن: الربا و الحلف، و كتمان العيب، و الحمد إذا باع و الذم إذا اشترى» (4).
و عن احمد بن محمد بن عيسى رفع الحديث قال كان أبو أمامة صاحب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: «اربع من كن فيه طاب مكسبه:
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 283 رقم: 4.
(3) الكافي ج 5 ص 151 رقم: 3.
(4) الكافي ج 5 ص 150 رقم: 2.
21
إذا اشترى لم يعب، و إذا باع لم يحمد، و لا يدلس، و فيما بين ذلك لا يحلف» (1).
و روى الصدوق مرسلا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «يا معشر التجار ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح لكم الطريق، تبعثون يوم القيامة فجارا الا من صدق حديثه، قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) التاجر فاجر، و الفاجر في النار الا من أخذ الحق و اعطى الحق».
قال: قال (عليه السلام): «يا معشر التجار صونوا أموالكم بالصدقة تكفر عنكم ذنوبكم، و أيمانكم التي تحلفون فيها، و تطيب لكم تجارتكم» (2).
و روى السيد رضى الدين بن طاوس في كتاب الاستخارات عن احمد بن محمد ابن يحيى قال: أراد بعض أوليائنا الخروج للتجارة، فقال: لا اخرج حتى اتى جعفر بن محمد (عليه السلام) فأسلم عليه و أستشيره في امرى هذا و اسأله الدعاء لي. قال:
فأتاه فقال له: يا ابن رسول الله، انى عزمت على الخروج إلى التجارة، و انى آليت على نفسي ان لا اخرج حتى ألقاك و أستشيرك و أسألك الدعاء لي. قال: فدعا له و قال (عليه السلام): عليك بصدق اللسان في حديثك و لا تكتم عيبا يكون في تجارتك و لا تغبن المسترسل (3) فان غبنه لا يحل. و لا ترض للناس الا ما ترضى لنفسك. و أعط الحق و خذه و لا تخف و لا تخن. فان التاجر الصدوق مع السفرة الكرام البررة يوم القيامة، و اجتنب الحلف فان اليمين الفاجرة تورث صاحبها النار، و التاجر فاجر الأمن أعطى الحق و أخذه.
و إذا عزمت على السفر أو حاجة مهمة فأكثر الدعاء و الاستخارة، فان ابى حدثني عن أبيه عن جده ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يعلم أصحابه الاستخارة كما يعلمهم السورة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 3.
(2) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 4 و 5 و 6.
(3) قال في مجمع البحرين: الاسترسال: الاستيناس و الطمأنينة إلى الإنسان و الثقة به فيما يحدثه. و أصله الكون و الثبات. و منه الحديث: أيما مسلم استرسل الى مسلم فغبنه فهو كذا، و منه: غبن المسترسل سحت. و منه: غبن المسترسل ربا. منه (قدس سره).
22
من القرآن» (1). الحديث.
أقول: قد تقدم في كتاب الصلاة في باب صلاة الاستخارة ان أحد معانيها:
طلب الخير منه سبحانه، و هو المراد هنا اى طلب الخير في البيع و الشراء.
و ما اشتمل عليه
حديث عمرو بن ابى المقدام (2) من انه (عليه السلام) كان يطوف أسواق الكوفة و الدرة على عاتقه.
و الدرة بكسر الدال: السوط، و الجمع: درر، مثل سدرة و سدر.
و في هذا الخبر: لها طرفان. و في خبر آخر: لها سبابتان.
و قال في كتاب مجمع البحرين: الدرة- بالكسر- التي كان يضرب بها. و هو يرجع الى ما ذكرناه من السوط. فإنه الذي يضرب به في الحدود الشرعية. و اما لفظ السبيبة فضبطه بعض المحدثين بالمهملة و المثناة التحتانية بين الموحدتين.
و ظاهر كلام بعض أصحابنا المحدثين من متأخري المتأخرين: انه ربما كان الموجود من هذا اللفظ في الخبر انما هو بمركزين بعد السين أولهما باء موحدة، و الثانية تاء مثناة فوفانية.
قال: السبتة بكسر السين و سكون الموحدة قبل المثناة الفوقانية: جلود البقر تحذى منها النعال السبتية. فعلى هذه النسخة يمكن ان تكون درته (عليه السلام) مأخوذة منها و الله العالم.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 285 رقم: 7.
(2) الوسائل ج 12 ص 284 رقم: 1. و تقدم في ص 20.
23
المقدمة الثانية في آداب التجارة
[التفقه في الدين]
و أوجبها و أهمها التفقه في الدين. و قد تقدم الكلام في ذلك و تقدمت الأخبار الدالة عليه بأوضح دلالة. ليعرف كيفية الاكتساب و يميز بين صحيح العقود و فاسدها لان العقد الفاسد لا يوجب نقل الملك عن مالكه. بل هو باق على ملك الأول. فيلزم من ذلك تصرفه في غير ملكه و يركب المآثم من حيث لا يعلم، الى غير ذلك من المفاسد و المآثم المترتبة على الجهل.
و من ثم استفاضت الاخبار- كما عرفت- بالحث على التفقه و تعلم أحكام التجارة.
و منها
انه يستحب ان يساوي بين المبتاعين و البائعين
، فالصغير عنده بمنزلة الكبير، و الغنى كالفقير، و المجادل كغيره، و المراد ان لا يفاوت بينهما في الإنصاف بالمماكسة و عدمها.
و الظاهر انه لو فاوت بينهما بسبب الدين و الفضل فلا بأس. قيل: و لكن يكره للأخذ قبول ذلك، حتى نقل ان السلف كانوا يوكلون في الشراء من لا يعرف، هربا من ذلك.
24
و الذي وقفت عليه في هذا المقام من الاخبار: ما رواه
في الكافي عن عامر بن جذاعة، عن ابى عبد الله (عليه السلام) «انه قال في رجل عنده بيع فسعره سعرا معلوما فمن سكت عنه ممن يشترى منه باعه بذلك السعر، و من ماكسه و ابى ان يبتاع منه زاده، قال: لو كان يزيد الرجلين و الثلاثة لم يكن بذلك بأس فاما ان يفعله بمن ابى عليه و كايسه و يمنعه ممن لم يفعل ذلك فلا يعجبني الا ان يبيعه بيعا واحدا» (1).
أقول: قوله: عنده بيع اى متاع يبيعه، و المراد بالزيادة يعنى من المتاع لا السعر، كما ربما يتوهم من ظاهر السياق: و المراد ان من لم يماكسه يبيعه بسعره المعلوم و من ماكسه نقص له السعر و زاده من المتاع. و الظاهر ان تجويز الرجلين و الثلاثة لما قدمناه من رعاية حالهم للفقر أو العلم و الصلاح.
قيل: و يحتمل ان المعنى انه إذا كان التفاوت في السعر، لأن المشترى منه يشترى جميع المتاع أو أكثره بيعا واحدا فيبيعه أرخص ممن يشترى منه شيئا قليلا كما هو الشائع فلا بأس. و لعله أظهر انتهى.
أقول: لا يخفى حسن هذا المعنى في حد ذاته، اما فهمه من سياق الخبر فالظاهر انه لا يخلو من بعد.
و كيف كان فظاهر هذه الرواية، كما ترى، كراهة المفاوتة بسبب المماكسة و عدمها.
و ما رواه
في الكافي- أيضا- عن ميسر قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
ان عامة من يأتيني من إخواني، فحد لي من معاملتهم ما لا أجوزه إلى غيره، فقال:
ان وليت أخاك فحسن، و الا فبع بيع البصير المداق» (2).
أقول: الظاهر ان قوله: «ان وليت أخاك» من التولية بمعنى البيع بالثمن الذي اشتريت من غير زيادة و لا نقصان، و هو الربح و المواضعة. و اما ما قيل من ان المراد
____________
(1) الكافي ج 5 ص 152 حديث: 10.
(2) الكافي- الفروع- ج 5 ص 153 حديث: 19 و التهذيب ج 7 ص 7 حديث 24.
25
بالتولية: الوعد بالإحسان، أو هو بالتخفيف بمعنى المعاشرة و اختبار الايمان فلا يخفى ما فيه من البعد الظاهر.
و ظاهر الخبر انه البيع برأس المال، و تجوز المداقة، و هي المناقشة في الأمور و منه الحديث
«انما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا» (1).
و في القاموس: المداقة ان تداق صاحبك في الحساب، و ظاهر الخبر: جواز كل من الأمرين، و ان كان الأول أفضل.
و قيل: ان المعنى: ان كان المشتري أخاك المؤمن فلا تربح عليه و الا فبع بيع البصير المداق، و الأول ألصق بسياق الخبر، و الثاني أحسن و أظهر في حد ذاته و ان أمكن حمل الخبر عليه.
(و منها)
كراهة الربح على المؤمن، و على الموعود بالإحسان
. اما الثاني فلما رواه
في الكافي و التهذيب عن على بن عبد الرحيم عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
سمعته يقول: «إذا قال الرجل للرجل: هلم أحسن بيعك. يحرم عليه الربح» (2).
و هو مبالغة في الكراهة، كما صرح به الأصحاب.
و اما الأول فقد صرح الأصحاب بكراهة الربح على المؤمن إلا مع الضرورة، فيربح قوت يومه له و لعياله إذا كان شراؤه للقوت و نحوه، اما لو كان للتجارة فلا بأس بالربح عليه مطلقا، لكن يستحب الرفق به.
و الظاهر ان المستند فيه هو ما رواه
ثقة الإسلام في الكافي عن سليمان بن صالح و ابى شبل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «ربح المؤمن على المؤمن ربا، الا ان يشترى بأكثر من مأة درهم فاربح عليه قوت يومك، أو يشتريه للتجارة. فاربحوا عليهم و ارفقوا بهم» (3).
____________
(1) أصول الكافي- ج 1 ص 11 حديث: 7.
(2) التهذيب ج 7 ص 7 حديث: 21. و الكافي ج 5 ص 152 حديث: 9.
(3) الكافي ج 5 ص 154 حديث: 21.
26
و ظاهر الخبر: كراهة الربح عليه مطلقا إذا كان الشراء لغير التجارة، الا ان يشترى بأكثر من مأة درهم، فيجوز ان يربح عليه قوت يومه. (1)
و لا يخفى ما فيه من المخالفة لكلامهم، مع انه
قد روى الشيخ في التهذيب و الصدوق في الفقيه عن على بن سالم عن أبيه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الخبر الذي روى «ان ربح المؤمن على المؤمن ربا» ما هو؟ فقال: «ذلك إذا ظهر الحق و قام قائمنا- أهل البيت (عليهم السلام)- فاما اليوم فلا بأس ان تبيع من الأخ المؤمن و تربح عليه (2).
و روى الشيخان المذكوران عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك ان الناس يزعمون ان الربح على المضطر حرام و هو من الربا، فقال: و هل رأيت أحدا اشترى غنيا أو فقيرا الا من ضرورة، يا عمر قد أحل الله البيع و حرم الربا، فاربح و لا ترب. قلت: و ما الربا؟ فقال: درهم بدراهم، مثلين بمثل، و حنطة بحنطة، مثلين بمثل (3).
أقول: ظاهر هذين الخبرين يؤذن بأن الخبر الأول انما خرج مخرج التقية، لأن الأول منهما- و ان دل على مضمون الخبر الأول- لكن خصه بما بعد خروج القائم (عليه السلام) دون هذه الأوقات، الا ان الخبر الثاني دل على نسبة الخبر المذكور للناس الذي هو كناية عن المخالفين، و هو (عليه السلام) قد كذبهم في ذلك، ورد عليهم في ان المشترى مطلقا لا يشترى الا من حيث الحاجة و الضرورة الى ذلك الذي يشتريه.
فان قيل: انه لا منافاة، لجواز حمل الخبر الأول على كراهة الربح على المؤمن،
____________
(1) أقول: هذه الرواية نقله في كتاب الفقه الرضوي، فقال- ع-: و روى ربح المؤمن على أخيه ربا الا ان يشترى منه بأكثر من مأة درهم فيربح فيه قوت يومه أو يشترى متاعا للتجارة فيربح عليه خفيفا. انتهى منه (قدس سره).
(2) الوسائل ج 12 ص 294 حديث: 4.
(3) التهذيب ج 7 ص 18 حديث: 78. الفقيه ج 3 ص 176 حديث: 13.
27
كما تقدم، و ان بالغ في الكراهة بجعله من قبيل الربا، و الخبرين المذكورين على الجواز.
قلنا: لو كان المعنى كما ذكرت لكان الأنسب في جواب السائلين المذكورين في هذين الخبرين، بان الخبر المذكور انما أريد به الكراهة دون ما يدل عليه ظاهره من التحريم، لا انه (عليه السلام) يقر السائل على ظاهر الخبر من التحريم و بحمله في أول الخبرين على زمان القائم (عليه السلام) و في ثانيها يكذبه و يرده، ثم يأمر في الخبرين بالربح على المؤمن بخصوصه كما في الأول، و مطلقا كما في الثاني.
و مما ذكرناه يظهر ان ما ذكره الأصحاب من الحكم المذكور لا مستند له في الباب، و لم يحضرني كلام لأحد منهم في المقام زيادة على ما قدمنا نقله عنهم من الكلام.
و مما يؤكد الخبرين المذكورين- مما يدل على جواز الربح بل استحبابه- أولا-: هو ان المقصود الذاتي من التجارة و الأمر بها و الحث عليها لأجل الاستغناء عن الناس و كف الوجه عن السؤال و الاستعانة بالدنيا على الدين و نحو ذلك، كما تقدم جميع ذلك في الاخبار المتقدمة، و متى كان مكروها في البيع على المؤمنين مع ان جل المشترين بل كلهم في بلاد المؤمنين إنما هم المؤمنون، فمن اين يحصل ما دلت عليه هذه الاخبار؟!.
و ثانيا- الأخبار الدالة على ذلك:
منها: ما رواه
في الكافي عن محمد بن عذافر عن أبيه، قال: اعطى أبو عبد الله (عليه السلام) أبي ألفا و سبعمائة دينار، فقال له: اتجر بها. ثم قال: اما انه ليس لي رغبة في ربحها، و ان كان الربح مرغوبا فيه، و لكني أحببت أن يراني الله جل و عز متعرضا لفوائده، قال: فربحت له فيها مأة دينار. ثم لقيته فقلت له: قد ربحت لك فيها مأة دينار.
قال: ففرح أبو عبد الله (عليه السلام) بذلك فرحا شديدا، قال لي: أثبتها في رأس مالي- الحديث (1).
____________
(1) الكافي ج 5 ص 76 حديث: 12.
28
و روى الصدوق في الفقيه عن محمد بن عذافر عن أبيه قال: دفع الى أبو عبد الله (عليه السلام) سبعمائة دينار، و قال: يا عذافر اصرفها في شيء ما. و قال: ما افعل هذا على شره منى، و لكن أحببت أن يراني الله تبارك و تعالى متعرضا لفوائده. قال عذافر:
فربحت فيها مأة دينار، فقلت له في الطواف: جعلت فداك قد رزق الله عز و جل فيها مأة دينار. قال: أثبتها في رأس مالي» (1).
و في تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) عن آبائه عن موسى بن جعفر (عليه السلام) «ان رجلا سأله مأتي درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها- الى ان قال- فقال: أعطوه ألفي درهم.
و قال: اصرفها في العفص (2) فإنه متاع يابس و يستقبل بعد ما أدبر، فانتظر به سنة و اختلف به الى دارنا و خذ الأجر في كل يوم، فلما تمت له سنة، و إذا قد زاد في ثمن العفص للواحد خمسة عشر، فباع ما كان اشترى بألفي درهم، بثلاثين الف درهم».
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على جواز الربح بل استحبابه.
نعم لا بأس بالمسامحة و لا منافاة فيها. و يحمل عليه
ما رواه في الكافي عن أبي أيوب الخزاز عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: يأتي على الناس زمان عضوض، يعض كل امرء على ما في يده و ينسى الفضل و قد قال الله «وَ لٰا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» ثم ينبري في ذلك الزمان أقوام يعاملون المضطرين، أولئك هم شرار الناس (3).
و مما يدل على استحباب المسامحة: ما رواه
في الفقيه عن إسماعيل بن مسلم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «انزل الله على بعض أنبيائه (عليهم السلام) للكريم فكارم.
و للسمح فسامح. و عند الشكس فالتو».
قال: و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): «السماح وجه من الرباح» (4).
____________
(1) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 96 حديث: 16.
(2) نوع من البلوط، الوسائل ج 12 ص 312 حديث 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 330 حديث: 2.
(4) من لا يحضره الفقيه ج 3- ص 122.
29
(و منها)
انه يستحب ان يقيل من استقاله
، فروى في الكافي عن عبد الله بن القاسم الجعفري، عن بعض أهل المدينة قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يأذن لحكيم بن حزام بالتجارة حتى ضمن له اقالة النادم و انظار المعسر و أخذ الحق وافيا و غير واف» (1).
و عن هارون بن حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: أيما عبد أقال مسلما في بيع أقال الله تعالى عثرته يوم القيامة».
و رواه الصدوق مرسلا الا انه قال: «أيما مسلم أقال مسلما ندامة في البيع» (2).
و روى الصدوق في الخصال في الموثق عن سماعة بن مهران عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: أربعة ينظر الله إليهم يوم القيامة: من أقال نادما أو أغاث لهفانا أو أعتق نسمة أو زوج عزبا (3).
و مما يؤكد ان ذلك على جهة الاستحباب: ما رواه
في الكافي عن هذيل بن صدقة الطحان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى المتاع أو الثوب، فينطلق به الى منزله، و لم ينفذ شيئا فيبدو له، فيرده، هل ينبغي ذلك؟ قال: «لا، الا ان تطيب نفس صاحبه» (4).
(و منها)
استحباب الدعاء بالمأثور
، و الشهادتين عند دخول السوق.
فروى ثقة الإسلام و الصدوق في كتابيهما عن سدير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يا أبا الفضل اما لك مكان تقعد فيه، فتعامل الناس؟ قال: قلت: بلى، قال: ما من رجل مؤمن يروح أو يغدو الى مجلسه أو سوقه، فيقول حين يضع رجله في السوق:
«اللهم إني أسألك من خيرها و خير أهلها (و أعوذ بك من شرها و شر أهلها) (5) إلا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 151 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 286 حديث: 2.
(3) الخصال ص 224 حديث: 55.
(4) الوسائل ج 12 ص 286 حديث: 3.
(5) ما بين المعقوفتين ليس في نسخة الكافي المعروفة.
30
و كل الله عز و جل به من يحفظه و يحفظ عليه حتى يرجع الى منزله، فيقول له: قد أجرت من شرها و شر أهلها يومك هذا باذن الله عز و جل و قد رزقت خيرها و خير أهلها في يومك هذا، فإذا جلس مجلسه قال حين يجلس: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد ان محمدا عبده و رسوله. اللهم إني أسألك من فضلك حلالا طيبا و أعوذ بك من ان أظلم أو أظلم و أعوذ بك من صفقة خاسرة و يمين كاذبة. فإذا قال ذلك، قال له الملك الموكل به: أبشر فما في سوقك اليوم أحدا و فر منك حظا قد تعجلت الحسنات و محيت عنك السيئات. و سيأتيك ما قسم الله لك موفرا حلالا طيبا مباركا فيه» (1).
و روى في التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
إذا دخلت سوقك فقل: «اللهم إني أسألك من خيرها و خير أهلها و أعوذ بك من شرها و شر أهلها اللهم إني أعوذ بك من ان أظلم أو أظلم أو أبغي أو يبغى على أو اعتدى أو يعتدى على، اللهم إني أعوذ بك من شر إبليس و جنوده و شر فسقة العرب و العجم. و حسبي الله لا إله الا هو عليه توكلت، و هو رب العرش العظيم» (2).
و روى في الفقيه عن عاصم بن حميد عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «من دخل سوقا أو مسجد جماعة، فقال مرة واحدة: اشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا. و سبحان الله بكرة و أصيلا، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلى العظيم، و صلى الله على محمد و آله. عدلت له حجة مبرورة» (3).
قال في الفقيه: و روى انه من ذكر الله عز و جل في الأسواق غفر له بعدد ما فيها من فصيح و أعجم».
و الفصيح: ما يتكلم. و الأعجم: مالا يتكلم.
قال: و قال الصادق (عليه السلام): «من ذكر الله عز و جل في الأسواق غفر له بعدد
____________
(1) الكافي ج 5 ص 155 رقم: 1.
(2) الكافي ج 5 ص 156 رقم: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 301 رقم: 3.
31
أهلها» (1).
(و منها)
استحباب الدعاء عند الشراء
، فروى في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: إذا اشتريت شيئا من متاع أو غيره فكبر ثم قال: اللهم انى اشتريته التمس فيه من فضلك، فصل على محمد و آل محمد. اللهم فاجعل لي فيه فضلا اللهم انى اشتريته التمس فيه من رزقك، فاجعل لي فيه رزقا. ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات» (2).
أقول: قوله (عليه السلام): ثم أعد كل واحدة ثلاث مرات، ربما يتوهم منه الترديد اربع مرات.
و الظاهر انه ليس كذلك، بل المراد انما هو أعد كلا من هاتين الجملتين الى ان يبلغ ثلاث مرات.
و روى الصدوق عن العلاء عن محمد بن مسلم قال: قال أحدهما (عليهم السلام): «إذا اشتريت متاعا فكبر الله ثلاثا، ثم قال: اللهم انى اشتريته التمس فيه من خيرك فاجعل لي فيه خيرا. اللهم انى اشتريته. (3) الحديث.
كما تقدم.
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله الصادق- (عليه السلام)- قال: «إذا أردت أن تشترى شيئا فقل: يا حي يا قيوم يا دائم يا رؤوف يا رحيم أسألك بعزتك و قدرتك و ما أحاط به علمك ان تقسم لي من التجارة اليوم أعظمها رزقا و أوسعها فضلا و خيرها عاقبة فإنه لا خير فيما لا عاقبة له» (4) قال: و قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا اشتريت دابة أو رأسا فقل: اللهم قدر لي أطولها حياة و أكثرها منفعة و خيرها عاقبة» (5).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 303 رقم: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 304 رقم: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 404- رقم: 2.
(4) الكافي- الفروع- ج 5 ص 157 حديث: 3.
(5) الكافي- الفروع- ج 5 ص 157 حديث: 3.
32
و روى في الكافي في الصحيح أو الحسن عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا اشتريت دابة فقل: اللهم ان كانت عظيمة البركة فاضلة المنفعة ميمونة الناصية فيسر لي شراءها، و ان كان غير ذلك فاصرفني عنها إلى الذي هو خير لي منها، فإنك تعلم و لا اعلم و تقدر و لا اقدر و أنت علام الغيوب. تقول ذلك ثلاث مرات» (1).
و روى في الفقيه عن عمر بن إبراهيم عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: «من اشترى دابة فليقم من جانبها الأيسر و يأخذ من ناصيتها بيده اليمنى و يقرأ على رأسها فاتحة الكتاب، و قل هو الله أحد، و المعوذتين، و آخر الحشر و آخر بني إسرائيل: قل أدعو الله أو أدعو الرحمن، و آية الكرسي. فإن ذلك أمان تلك الدابة من الآفات» (2).
و روى في الكافي عن هذيل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال إذا اشتريت جارية فقل:
اللهم إني أستشيرك و أستخيرك» (3).
و في الفقيه عن ثعلبة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال:
«إذا اشتريت جارية فقل: اللهم إني أستشيرك و أستخيرك، و إذا اشتريت دابة أو رأسا فقل: اللهم قدر لي أطولهن حياة و أكثرهن منفعة و خيرهن عاقبة» (4).
(و منها)
[عدم إعطاء ما عنده إذا وكله في الشراء]
انه إذا قال انسان للتاجر: اشتر لي متاعا، فالمشهور انه لا يجوز له ان يعطيه من عنده و ان كان ما عنده أحسن مما في السوق.
و يدل عليه ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن، عن هشام بن الحكم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا قال لك الرجل: اشتر لي، فلا تعطه من عندك، و ان كان الذي عندك خيرا منه (5).
و ما رواه
في التهذيب في الموثق عن إسحاق بن عمار
____________
(1) الكافي- الفروع- ج 5 ص 157 حديث: 4.
(2) الفقيه ج 3 ص 125 حديث: 547.
(3) الكافي ج 5 ص 157 حديث: 2.
(4) الفقيه ج 3 ص 126 حديث: 548.
(5) الوسائل ج 12 ص 288 حديث: 1.
33
قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يبعث الى الرجل يقول له: ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق، فيعطيه من عنده، قال: لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه، ان الله عز و جل يقول «إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا» و ان كان عنده خير مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده» (1).
و قال في كتاب الفقه الرضوي: إذا سألك رجل شراء ثوب فلا تعطه من عندك، فإنه خيانة، و لو كان الذي عندك أجود مما عند غيرك (2).
و نقل عن ابن إدريس انه علل المنع هنا، بان التاجر صار وكيلا في الشراء، و لا يجوز للوكيل ان يشترى لموكله من نفسه، لان العقد يحتاج إلى إيجاب و قبول، و هو لا يصلح ان يكون موجبا قابلا، فلأجل ذلك لم يصلح ان يشترى له من عنده.
و فيه: انه لم يقم دليل لنا على ما ذكره من منع كونه موجبا قابلا، كما سيأتي تحقيقه إنشاء الله تعالى. بل الظاهر ان العلة هنا: انما هي خوف التهمة، كما يدل عليه:
ما رواه
في الفقيه عن ميسر، قال: قلت له: يجيئني الرجل فيقول: اشتر لي، فيكون ما عندي خيرا من متاع السوق؟ قال: ان أمنت ان لا يتهمك فأعطه من عندك، فان خفت ان يتهمك فاشتر له من السوق (3).
أقول: و هذه المسألة ترجع إلى مسألة الوكالة، فيما لو وكله على بيع أو شراء، أو أطلق و لم يفهم منه الاذن و لا عدمه بالنسبة إلى الوكيل، فهل يكفى هذا الإطلاق في جواز بيعه عن نفسه أو شرائه لنفسه؟ قولان.
ظاهر أكثر المتأخرين المنع، و يدل عليه بالنسبة إلى الشراء: ما اذكرناه من صحيحة هشام أو حسنته، أو موثقة إسحاق، و عبارة كتاب الفقه الرضوي.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 289 حديث: 2.
(2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 464 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 289 حديث: 4.
34
و يدل عليه بالنسبة إلى البيع: ما رواه
في التهذيب عن على بن أبي حمزة قال: سمعت معمر الزيات يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك انى رجل أبيع الزيت يأتيني من الشام فآخذ لنفسي شيئا مما أبيع؟ قال: ما أحب لك ذلك! فقال: انى لست انقص لنفسي شيئا مما أبيع، قال: بعه من غيرك، و لا تأخذ منه شيئا، أ رأيت لو أن الرجل قال لك:
لا أنقصك رطلا من دينار، كيف كنت تصنع؟ لا تقربه» (1).
أقول: ظاهر قوله «أ رأيت لو ان الرجل. إلخ»: ان شراء الوكيل لنفسه أو بيعه من نفسه لا يدخل تحت ذلك الإطلاق، الذي اقتضته الوكالة، و الا فإن مقتضى الوكالة صحة البيع و الشراء بما رآه الوكيل و فعله، فلا معنى لقوله- بالنسبة إليه-: «لا أنقصك رطلا من دينار» لو كان داخلا في إطلاق الوكالة. و يؤكد ذلك: ما قدمناه من كلام الرضا (عليه السلام) في الفقه الرضوي و موثقة إسحاق. (2)
و مما يدل على ما دل عليه خبر على بن حمزة بالنسبة إلى البيع ايضا: ما رواه
في التهذيب عن خالد القلانسي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيئني بالثوب فأعرضه، فإذا أعطيت به الشيء زدت فيه و أخذته. قال: لا تزده. فقلت: فلم؟ قال: أ ليس أنت إذا عرضته أحببت ان تعطى به أوكس من ثمنه؟ قلت: نعم، قال: لا تزده» (3).
أقول: و معنى الخبر المذكور- على ما يظهر لي-: هو ان الرجل يجيئه بالثوب ليبيعه له فيعرضه على المشترى، مع كونه مضمرا إرادة شرائه، فإذا أعطاه المشتري قيمة في ذلك الثوب زاد هو على تلك القيمة شيئا، و أخذ الثوب لنفسه، فنهاه الامام (عليه السلام) عن ذلك، و بين له ان العلة في النهي: هو انه لما كان قصده أخذ الثوب لنفسه، و انما يعرضه على المشترى لأجل أن يبرئ نفسه عن التهمة بأخذه بأقل من قيمته. و لكن الظاهر ان العادة المطردة فيمن أراد ان يشتري شيئا: انه ينقص عن ثمنه الواقعي لأجل
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 290 حديث: 2.
(2) فان نسبة ما يعطيه من عنده إلى الخيانة يؤذن بأنه غير داخل في ذلك الإطلاق كما لا يخفى. منه (قدس سره).
(3) الوسائل ج 12 ص 290 حديث: 1.
35
ان يأخذه رخيصا، و هذا الوكيل يحب ان يكون الأمر كذلك، مع علمه بما هنا لك، فهو في الواقع لا يخرج عن الخيانة، و ان زاد شيئا على ما ذكره المشترى، فمن أجل ذلك منعه (عليه السلام).
و اما ما ذكره في الوافي- في معنى الخبر المذكور- حيث قال: و لعل المراد ان الرجل يجيئني بالثوب فيقومه على فأعرضه على المشترى، فإذا اشتراه مني بزيادة بعته منه، و أخذت ثمنه، فقال (عليه السلام): الست إذا أنت عرضته على المشترى أحببت ان تعطى صاحبه انقص مما أخذت منه؟ قلت: نعم. قال: لا ترده، و ذلك لأنه خيانة بالنسبة إلى المشتري بل البائع أيضا انتهى. فظني: بعده، لما فيه من التكلف و البعد من سياق الخبر، بل الظاهر هو ما ذكرناه. و بالجملة فإن ظاهر الاخبار المذكورة التحريم، نعم لو أمن التهمة أو أخبره بذلك فرضي، فالظاهر انه لا اشكال.
(القول الثاني) في المسألة، الجواز على كراهة، ذهب اليه جمع من الأصحاب، منهم أبو الصلاح، و العلامة في التذكرة و المختلف، و الشهيد في الدروس (1).
قال في المختلف: للوكيل ان يبيع مال الموكل على نفسه، و كذا كل من له الولاية، كالأب و الجد و الوصي و الحاكم و أمينه.
و قال في الخلاف: لا يجوز لغير الأب و الجد. نعم لو وكل في ذلك صح.
و قال أبو الصلاح بما اخترناه، قال: و يكره لمن سأله غيره ان يبتاع متاعا ان يبيعه من عنده أو يبتاع منه ما سأله ان يبيعه له، و ليس بمحرم، مع انه يحتمل ان يكون قصد مع الاعلام. لنا: انه بيع مأذون فيه فكان سائغا، اما المقدمة الأولى فلأنه مأمور ببيعه على المالك الدافع للثمن و الوكيل كذلك، و يدخل تحت الاذن، و اما الثانية فظاهرة، كما لو نص له على البيع من نفسه.
احتج الشيخ بأنه لا دليل على الصحة. و الجواب: الدليل على ما تقدم. و عموم
____________
(1) قال في الدروس في تعداد المكروهات: و شراء الوكيل من نفسه و بيعه على نفسه.
و روى هشام و إسحاق المنع عن الشراء. انتهى منه (قدس سره).
36
قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا» (1) قال الشيخ: و كذلك لا يجوز له ان يشترى مال الموكل لابنه الصغير، لانه يكون في ذلك البيع قابلا موجبا، فتلحقه التهمة و يتضاد الفرضان، و كذلك لا يجوز ان يبيعه من عبده المأذون له في التجارة لأنه و ان كان القابل غيره، فالملك يقع له، و تلحقه التهمة فيه، و يبطل الفرضان.
و الحق عندي: الجواز في ذلك كله، فكونه موجبا قابلا لا استحالة فيه، لانه موجب باعتبار كونه بايعا، و قابل باعتبار كونه مشتريا، و إذا اختلف الاعتبار ان لم يلزم المحال، و ينتقض ببيع الأب و الجد مال الصبي من نفسه، و لحوق التهمة متطرق في حقهما» انتهى كلامه.
و ليت شعري كأنه لم يقف على شيء مما قدمناه من الاخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) و الظاهر انه كذلك، و الا لذكرها في المقام، فإنها واضحة الدلالة في المنع و به يظهر ما في قوله «انه مأذون فيه» كيف يكون مأذونا فيه، و الاخبار المتقدمة كلها متفقة على النهى، على أبلغ وجه؟! و ان ذلك خيانة كما صرح به حديث كتاب الفقه الرضوي، و أشار إليه موثقة إسحاق بن عمار، من الاستدلال بالآية المذكورة المؤذن بكون الشراء من نفسه خيانة، و كذا خبر على بن أبي حمزة بالتقريب الذي ذكرناه في ذيله.
و بالجملة فإن الناظر فيما قدمناه من الاخبار و ما ذيلناها به من التحقيق الواضح لذوي الأفكار لا يخفى عليه ما في كلامه من الضعف الظاهر لكل ناظر من ذوي الاعتبار و الله العالم.
(و منها)
انه يكره مدح البائع لما يبيعه و ذم المشترى لما يشتريه، و اليمين على البيع
. و يدل عليه: ما تقدم من الاخبار في الفائدة الرابعة، من المقدمة الاولى.
و منها زيادة على ما تقدم:
ما رواه في الكافي عن أبي حمزة رفعه، قال: قام أمير المؤمنين (عليه السلام) على دار ابن معيط «و كان مقام فيها الإبل، فقال: يا معشر السماسرة،
____________
(1) سورة البقرة: 275.
37
أقلوا الأيمان، فإنها منفقة للسلعة ممحقة للبركة» (1).
قال في الوافي: المنفقة بكسر الميم-: آلة النفاق و هو الرواج.
أقول: الظاهر بعد ما ذكره، و ان المراد بالمنفقة- في الخبر-: انما هو من «نفق» بمعنى نفد، و فنى.
قال في القاموس: نفق- كفرح و نصر-: نفد و فنى- و قال: «أنفق: افتقر. و ماله أنفده».
و قال في الصحاح: أنفق الرجل: افتقر، و ذهب ماله. و منه قوله عز و جل «إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفٰاقِ» (2) اى الفقر و الفاقة.
و يعضده: ما رواه
في الكافي- أيضا- عن أبي إسماعيل رفعه عن أمير المؤمنين (عليه السلام): انه كان يقول: «إياكم و الحلف فإنه ينفق السلعة و يمحق البركة» (3).
فإنه ظاهر في ان المراد انما هو ان الحلف موجب لبيع السلعة و رغبة المشتري فيها لمكان الحلف، الا انه مذهب لبركة الثمن و ممحق له.
و روى في الكافي و التهذيب، عن إبراهيم بن عبد الحميد عن ابى الحسن موسى- (عليه السلام)- قال: «ثلاثة لا ينظر الله عز و جل إليهم يوم القيامة، أحدهم: رجل اتخذ الله بضاعة لا يشترى إلا بيمين و لا يبيع الا بيمين». (4).
(و منها)
كراهة السوم؛ ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس
، قال في المسالك اى الاشتغال بالتجارة في ذلك الوقت.
أقول: و يدل عليه ما رواه
في الكافي بسنده عن على بن أسباط رفعه قال: «نهى
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 309 حديث: 1.
(2) سورة الإسراء: 100.
(3) الكافي ج 5 ص 162 حديث: 4.
(4) المصدر حديث: 3.
38
رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن السوم ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس» (1).
و رواه الصدوق مرسلا. و يعضده ايضا ما ورد في جملة من الاخبار (2) ان هذا الوقت موظف للتعقيب، و الدعاء، و ان الدعاء فيه أبلغ في طلب الرزق من الضرب في الأرض.
(و منها)
كراهة مبايعة الأدنين، و ذوي العاهات و المحارف، و من لم ينشأ في الخير، و الأكراد.
قال في المسالك: و فسر الأدنون بمن لا يبالي بما قال و لا ما قيل فيه. و بالذي لا يسره الإحسان و لا تسؤه الإساءة. و بالذي يحاسب على الدون. و ذوو العاهات اى ذوو النقص في أبدانهم انتهى.
أقول: و الذي يدل على الأول: ما رواه
في الكافي و التهذيب مسندا عن ابى عبد الله (عليه السلام) و الصدوق مرسلا، قال (عليه السلام): «لا تستعن بمجوسي و لو على أخذ قوائم شاتك و أنت تريد ان تذبحها. و قال: إياك و مخالطة السفلة، فإن السفلة لا يؤل الى خير» (3).
قال الصدوق- (رحمه الله)- جائت الاخبار في معنى السفلة على وجوه:
منها: ان السفلة: الذي لا يبالي ما قال و لا ما قيل فيه.
و منها: ان السفلة: من يضرب بالطنبور.
و منها: ان السفلة: من لم يسره الإحسان و لم تسؤه الإساءة.
و السفلة: من ادعى الإمامة و ليس لها بأهل. و هذه كلها أوصاف السفلة. من اجتمع فيه بعضها أو جميعها وجب اجتناب مخالطته.
أقول: و كان الاولى في العبارة هو التعبير بهذا اللفظ، إلا أنا جرينا على ما جرى
____________
(1) الكافي ج 5 ص 152 حديث: 12.
(2) الوسائل ج 4 ص 1013، الباب الأول من أبواب التعقيب و ما يناسبه.
(3) الوسائل ج 12 ص 308 حديث: 1 و 2.
39
عليه تعبير الأصحاب.
و اما ما يدل على الثاني، فهو ما رواه
في الكافي و التهذيب عن ميسر بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تعامل ذا عاهة فإنهم أظلم شيء» (1).
و ما رواه
في الكافي و الفقيه، مسندا في الأول، عن احمد بن محمد رفعه قال: قال أبو عبد الله- (عليه السلام)- و مرسلا في الثاني، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «احذروا معاملة أصحاب العاهات، فإنهم أظلم شيء» (2).
قال بعض متأخري المتأخرين: لعل نسبة الظلم إليهم، لسراية امراضهم، أو لأنهم مع علمهم بالسراية لا يجتنبون من المخالطة انتهى.
و لا يخفى بعده، بل الظاهر انما هو كون الظلم امرا ذاتيا فيمن كان كذلك.
و اما ما يدل على الثالث، فهو ما رواه المشايخ الثلاثة في أصولهم، مسندا
في الكافي و التهذيب عن العباس بن الوليد بن صبيح عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام)، و مرسلا في الثالث، قال: قال الصادق (عليه السلام): «يا وليد لا تشتر من محارف، فأن صفقته لا بركة فيها» (3) و في الفقيه: لا تشتر لي- الى ان قال- فان خلطته. و في التهذيب: فان حرفته.
أقول: المحارف هو المحروم الذي أدبرت عنه الدنيا فلا بخت له، و يقابله من أقبلت عليه الدنيا و اتسع له مجالها، و انفتحت عليه أبواب أرزاقها.
و اما ما يدل على الرابع، فهو ما رواه
المشايخ الثلاثة مسندا في الكافي و التهذيب، في الموثق عن ظريف بن ناصح، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، و مرسلا في الثالث، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا تخالطوا و لا تعاملوا الا من نشأ في
____________
(1) المصدر ص 307 حديث: 3.
(2) المصدر حديث: 2.
(3) المصدر ص 305 حديث: 10.
40
الخير» (1).
و في نهج البلاغة: قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «شاركوا الذي قد اقبل عليه الرزق، فإنه أخلق للغنى و أجدر بإقبال الحظ» (2).
و يعضده: ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن حفص بن البختري، قال: استقرض قهرمان لأبي عبد الله (عليه السلام) من رجل طعاما لأبي عبد الله (عليه السلام)، فألح في التقاضي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أ لم أنهك أن تستقرض لي ممن لم يكن فكان (3).
و ما رواه
في التهذيب عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): انما مثل الحاجة الى من أصاب ماله حديثا كمثل الدرهم في فم الأفعى، أنت إليه محوج، و أنت منها على خطر (4).
و عن داود الرقى، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي:
يا داود، تدخل يدك في فم التنين الى المرافق، خير لك من طلب الحوائج الى من لم يكن فكان (5).
أقول التنين كسكين: الحية العظيمة.
و اما ما يدل على الخامس، فهو ما رواه
في الكافي عن ابى الربيع الشامي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: ان عندنا قوما من الأكراد، و انهم لا يزالون يجيئون بالبيع، فنخالطهم و نبايعهم؟ قال: يا أبا الربيع لا تخالطوهم، فإن الأكراد حي من أحياء الجن، كشف الله تعالى عنهم الغطاء فلا تخالطوهم (6).
و روى الصدوق عن
____________
(1) المصدر ص 306 حديث: 6.
(2) المصدر حديث: 7.
(3) الكافي ج 5 ص 158 و القهرمان: القائم بالأمور. قوله: لم يكن فكان، اى كان معدما لا مال له ثم استغنى.
(4) الوسائل ج 12 ص 48 حديث: 1.
(5) المصدر حديث: 2.
(6) المصدر ص 307 حديث: 1 باب 23 من أبواب آداب التجارة.
هذا حديث مشتبه يجب رد علمه إلى اهله، و لا يصلح مستندا لحكم شرعي. أو لعل المراد: انهم كانوا قوما مغمورين لا عهد لهم بالحضارة فكانت فيهم شيء من غلظة البداوة.
و لا شك انهم بعد طول الزمان و قربهم الى معالم المدنية أصبحوا كسائر الناس المتمدنين، و لا يشملهم الحكم المذكور. م ه. معرفة.
41
أبي الربيع عنه (عليه السلام) انه قال لا تخالط الأكراد فإن الأكراد حي من الجن كشف الله عنهم الغطاء (1).
قال بعض مشايخنا من متأخري المتأخرين: ربما يؤول بأنهم لسوء أخلاقهم و جبلتهم أشباه الجن، فكأنهم منهم كشف الغطاء عنهم انتهى.
(و منها)
كراهة الاستحطاط من الثمن بعد العقد
. و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك، ما رواه
المشايخ الثلاثة رحمهم الله عن إبراهيم بن ابى زياد قال: اشتريت لأبي عبد الله (عليه السلام) جارية، فلما ذهبت أنقدهم الدراهم، قلت أستحطهم؟ قال: لا، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن الاستحطاط بعد الصفقة (2).
و في التهذيب بأحد أسانيده (3) «الضمنة» بالنون اى لزوم البيع و ضمان كل منهما ما صار اليه.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زيد الشحام قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) بجارية أعرضها، فجعل يساومني و أساومه ثم بعتها إياه فضم على يدي. قلت: جعلت فداك، انما ساومتك لأنظر المساومة تنبغي أو لا تنبغي، و قلت: قد حططت عنك عشرة دنانير. فقال: هيهات الا كان هذا قبل الضمة، أما بلغك قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): الوضيعة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 308 حديث: 2.
(2) الكافي ج 5 ص 286، حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 334، حديث: 6.
42
بعد الضمة حرام. (1).
و رواه
في الفقيه عن زيد الشحام، قال: أتيت أبا جعفر (عليه السلام) مثله (2).
و في الفقيه و التهذيب «ضمن على يدي» عوض «و قبض» و فيها «الضمنة» عوض «الصفقة» و قد تقدم معناه.
و روى في الفقيه عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشترى من الرجل البيع، فيستوهبه بعد الشراء من غير ان يحمله على الكره؟ قال:
لا بأس به (3).
و روى في التهذيب عن معلى بن خنيس عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشترى المتاع ثم يستوضع؟ قال: لا بأس. و أمرني فكلمت له رجلا في ذلك (4).
و عن يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يستوهب من الرجل الشيء بعد ما يشترى، فيهب له أ يصلح له؟ قال: نعم (5).
و روى في الكافي و التهذيب عن ابى العطارد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترى الطعام، فأضع في اوله، و أربح في آخره، فأسأل صاحبي أن يحط عنى في كل كر كذا و كذا؟ فقال: هذا لا خير فيه، و لكن يحط عنك جملة. قلت: فان حط عني أكثر مما وضعت؟ قال:
لا بأس (6).
أقول: و هذه الاخبار- كما ترى- ظاهرة في جواز الاستحطاط و عدم حرمته و الشيخ- (رحمه الله)- قد جمع بينها بحمل الخبرين الأولين على الكراهة، و تبعه الجماعة كما هي عادتهم غالبا. و أنت خبير بان صريح الخبر الثاني التحريم، و قد فسر فيه نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي تضمنه الخبر الأول بالتحريم. و هو ظاهر الخبر
____________
(1) الكافي ج 5 ص 286.
(2) الوسائل ج 12 ص 334، حديث: 6.
(3) المصدر ص 334 حديث: 7.
(4) الوسائل ج 12 ص 334.
(5) المصدر حديث: 4.
(6) المصدر حديث: 5.
43
الأول و من ثم جمع في الوافي بين الاخبار المذكورة، بحمل اخبار الجواز على ما إذا كان الاستحطاط على جهة الهبة، كما تضمنه بعضها، حملا لمطلقها على مقيدها، و إبقاء الخبرين الأولين على ظاهرهما، من التحريم، و هو جيد.
(و منها)
كراهة الزيادة في السلعة وقت النداء
، بل يصبر عليه حتى يسكت، ثم يزيد إذا أراد.
و الدخول في سوم المسلم.
و النجش- بالنون ثم الجيم ثم الشين المعجمة- و هو زيادة الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها، ليسمعه غيره فيزيد بزيادته.
و الذي يدل على الأول، ما رواه
في الكافي عن أمية بن عمرو الشعيري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إذا نادى المنادي فليس لك ان تزيد، و انما يحرم الزيادة النداء، و يحلها السكوت (1).
و رواه الشيخ بإسناده عن أمية بن عمرو مثله و رواه الصدوق ايضا عن أمية بن عمرو، و زاد بعد قوله «تزيد» «و إذا سكت ان تزيد».
و اما ما يدل على الثاني فهو ما رواه
الصدوق في حديث المناهي المذكور في آخر الفقيه بإسناده عن شعيب بن واقد عن الحسين بن زيد عن النبي (صلى الله عليه و آله). قال: و نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ان يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم (2).
أقول: و المراد بدخول الرجل في سوم أخيه: هو ان يزيد في الثمن الذي يريد ان يشتريه الأول ليقدمه البائع، لأجل الزيادة. هذا بالنسبة إلى الدخول في السوم في صورة الشراء.
و اما بالنسبة إلى الدخول في السوم في صورة البيع، فهو ان يبذل الداخل للمشتري متاعا من عنده، غير ما اتفق عليه البائع الأول مع المشترى، و قد اختلف الأصحاب
____________
(1) المصدر ص 337 حديث: 1.
(2) المصدر ص 338 حديث: 3.
44
في ذلك تحريما و كراهة. فذهب الشيخ و جماعة إلى التحريم و المشهور بين المتأخرين:
الكراهة. قال في المسالك- بعد ان نقل عن النبي (صلى الله عليه و آله)، انه قال: لا يسوم الرجل على سوم أخيه-: و هو خبر معناه النهى، و الأصل في النهي التحريم. فمن ثم ذهب الشيخ و جماعة إلى تحريمه، و استظهر المصنف الكراهة، للأصل، و الجهل بسند الحديث. و لو صح تعين القول بالتحريم انتهى.
أقول: و الظاهر ان الخبر المنقول في كلامه- عليه الرحمة- انما هو من الاخبار المتناقلة في كتب الفروع، غير مسند إلى أصل من الأصول، و لا الى أحد من الأئمة- (عليهم السلام)- بخلاف الخبر الذي نقلناه عن الفقيه، فإنه مسند في الكتاب المذكور بجميع ما اشتمل عليه من المناهي. و ان ضعف سنده باصطلاحهم، الا انه من مرويات الفقيه، التي لها مزية و زيادة على غيرها، بما ضمنه في صدر كتابه.
و كيف كان فإنهم قد صرحوا- رضى الله عنهم- بأن النهي تحريما أو كراهة، انما يثبت بعد تراضى الأولين، صريحا أو ظاهرا، فلو ظهر ما يدل على عدم الرضا، و طلب الزيادة، أو جهل حاله، لم يتعلق به الحكم المذكور. و هو كذلك، لأصالة الصحة، وقوفا في النهى على القدر المتيقن.
إذا عرفت ذلك فاعلم: ان ابن إدريس قال في سرائره- ما صورته-: قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و إذا نادى المنادي على المتاع فلا يزيد في المتاع، فإذا سكت المنادي زاد حينئذ ان شاء، و قال في مبسوطه: و اما السوم على سوم أخيه فهو حرام، لقوله (عليه السلام): لا يسوم الرجل على سوم أخيه. هذا إذا لم يكن المبيع في المزايدة، فإن كان كذلك فلا تحرم المزايدة. و هذا هو الصحيح، دون ما ذكره في نهايته. لان ذلك على ظاهره غير مستقيم، لأن الزيادة في حال النداء غير محرمة، و لا مكروهة.
فاما الزيادة المنهي عنها فهي عند الانتهاء و سكون نفس كل واحد من البيعين على البيع، بعد استقرار الثمن، و الأخذ و الشروع في الإيجاب و القبول، و قطع المزايدة فعند هذه الحال لا يجوز السوم على سوم أخيه انتهى.
45
و العلامة في المنتهى- بعد ان نقل كلام ابن إدريس المذكور- ذكر ان الشيخ عول هنا على رواية الشعيري ثم قال- بعد نقلها-: و هذه الرواية ان صح سندها حملت على ما إذا وقع السكوت عن الزيادة لا للشراء.
ثم قال: و التحقيق هنا ان نقول: لا تخلو الحال عن أربعة أقسام.
أحدها: ان يوجد من البائع التصريح بالرضا بالبيع. فهنا يحرم السوم.
الثاني: ان يظهر منه ما يدل على عدم الرضا. فهذا لا تحرم فيه الزيادة.
الثالث: ان لا يوجد ما يدل على الرضا و لا على عدمه. فهنا ايضا يجوز السوم.
الرابع: ان يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح، و الوجه هنا التحريم ايضا. انتهى ملخصا.
أقول: و الذي يقرب في فكري الكليل، و ذهني العليل: ان ما ذكره هذان العمدتان في المقام لا يخلو من النظر الظاهر لذوي الأفهام. فإنه لا يخفى ان كلا من الحكمين المذكورين، لا تعلق له بالاخر و لا ارتباط بينهما، ليتوهم حصول المنافاة بينهما، و يحتاج الى الجمع كما ذكره في المنتهى، أو إطراح أحدهما، كما توهمه ابن إدريس، فإنه لا يخفى ان النداء على السلعة التي تضمنه خبر الشعيري انما هو ان يعطى بعض المشترين ثمنا، فينادي به الدلال قبل ان يقع بينهما تراض عليه، فان حصل من اعطى أزيد من الأول فربما باعه و تراضي مع ذلك المعطى عليه، و ربما نادى به ايضا طلبا للزيادة. و الامام (عليه السلام) قد نهى من الزيادة في حال النداء، و جوزها في حال السكوت، و الوجه فيما قاله (عليه السلام) هنا غير ظاهر لدينا، و لا معلوم عندنا، و ينبغي ان يحمل ذلك على مجرد التعبد الشرعي، تحريما أو كراهة.
و اما السوم على السوم فهو شيء آخر، و هو ان يقع بين البائع و المشترى المساومة، التي هي عبارة عن المجاذبة بينهما في فصل الثمن، و تعيينه، و ليس هنا نداء بالكلية» لأنه مع حصول التراضي المانع من الدخول في السوم، لا معنى للنداء على السلعة و طلب الزيادة، كما لا يخفى. و مع عدم حصول التراضي فلا معنى للنداء
46
بالكلية. فالداخل في السوم يفصل فيه بما ذكره في المنتهى من الصور الأربع المذكورة كما قدمنا إليه الإشارة أيضا.
و رد ابن إدريس على الشيخ في النهاية انما نشأ من عدم وقوفه على الخبر المذكور، و توهم منافاة ذلك لما ذكره في المبسوط، و هو في غير محله. لان ما ذكره في كل من الكتابين حكم على حده غير الأخر كما لا يخفى و اما ما يدل على الثالث فهو ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله: النواشمة و المتوشمة، و الناجش و المنجوش ملعونون على لسان محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) (1).
و روى في كتاب معاني الأخبار، بإسناده عن القاسم بن سلام، بإسناد متصل بالنبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا تناجشوا و لا تدابروا (2).
قال:
و معناه: ان يزيد الرجل في ثمن السلعة و هو لا يريد شرائها ليسمعه غيره فيزيد بزيادته.
و الناجش خائن. و التدابر الهجران.
أقول: و ما اشتمل عليه الخبر الأول، من ذكر الناجش و المنجوش، و انهما ملعونان، فالظاهر ان المراد به: هو ان يواطىء البائع رجلا، إذا أراد بيعا، ان يساومه بثمن كثير، ليقع فيه غيره.
و المشهور في كلام الأصحاب: تحريمه. بل قال في المنتهى: انه محرم إجماعا، لأنه خديعة. و قد صرحوا بأنه لا يبطل البيع به، بل العقد صحيح.
و نقل في الدروس عن ابن الجنيد: انه إذا كان من البائع أبطل، و عن القاضي:
انه يتخير المشتري، لأنه تدليس.
و قطع في المبسوط بأنه لا خيار إذا لم يكن بمواطاة البائع. و قوى عدم الخيار ايضا بمواطاته.
و قيد الفاضلان الخيار بالغبن كغيره من العقود.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 337 حديث: 2.
(2) المصدر ص 338 حديث: 4.
47
أقول: و لا ريب ان ظاهر النهى هو التحريم، و لا يبعد القول بذلك في الفردين الآخرين ايضا، لظاهر الخبرين المتقدمين، مع عدم المعارض.
(و منها)
استحباب المماكسة، إلا في مواضع مخصوصة
. و يدل على ذلك ما رواه
في الكافي عن الحسن بن على عن رجل يسمى سوادة، قال: كنا جماعة بمنى فعزت علينا الأضاحي، فنظرنا فإذا أبو عبد الله (عليه السلام) واقف على قطيع، يساوم بغنم و يماكسهم مكاسا شديدا، فوقفنا ننظر، فلما فرغ اقبل علينا، فقال: أظنكم قد تعجبتم من مكاسي! فقلنا: نعم. فقال: ان المغبون لا محمود و لا مأجور.
الحديث (1).
و عن الحسين بن يزيد قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول- و قد قال له أبو حنيفة: عجب الناس منك أمس، و أنت بعرفة تماكس ببدنك أشد مكاس يكون- فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فما لله من الرضا ان أغبن في مالي قال: فقال أبو حنيفة: لا و الله ما لله في هذا من الرضا، قليل و لا كثير، ما نجيئك بشيء إلا جئتنا بما لا مخرج لنا منه (2).
و روى الصدوق، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ماكس المشتري، فإنه أطيب للنفس، و ان اعطى الجزيل، فان المغبون في بيعه و شرائه غير محمود و لا مأجور (3).
و في عيون الاخبار بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: المغبون لا محمود و لا مأجور (4).
اما ما استثنى من ذلك فيدل عليه ما رواه
في الفقيه عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان على بن الحسين يقول لقهرمانة: إذا أردت أن تشترى لي من
____________
(1) الكافي ج 4 ص 496 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 10 ص 118 حديث: 2.
(3) المصدر ج 12 ص 335 حديث: 2.
(4) المصدر حديث: 3.
48
حوائج الحج شيئا فاشتر و لا تماكس (1).
و بإسناده عن حماد بن عمرو، و انس بن محمد، عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه- (عليهم السلام)- في وصية النبي لعلي (عليه السلام) قال: يا على، لا تماكس في أربعة أشياء: شراء الأضحية، و الكفن، و النسمة، و الكراء إلى مكة (2).
و في الخصال بسند مرفوع، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: لا تماكس في أربعة أشياء: في الأضحية، و الكفن، و ثمن النسمة، و الكراء إلى مكة (3).
قال في الوافي: ينبغي تخصيص هذه الاخبار ببعض المواضع، كما إذا كان البائع مؤمنا. و حمل الأولين على مواضع أخر، كما إذا كان البائع مخالفا أو غير ذلك انتهى. و هو جيد.
(و منها)
ان يكون سهل البيع و الشراء، و القضاء و الاقتضاء
، لما رواه
الشيخ في الموثق عن حنان، عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: قال رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)-: بارك الله تعالى على سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء، سهل الاقتضاء (4).
و روى الصدوق مرسلا، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ان الله تبارك و تعالى يحب العبد في ان يكون سهل البيع، سهل الشراء، سهل القضاء سهل الاقتضاء (5).
و روى في الخصال بسنده عن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): غفر الله تعالى لرجل كان قبلكم، كان سهلا إذا باع، سهلا إذا قضى، سهلا إذا اقتضى (6).
____________
(1) المصدر. أبواب آداب التجارة باب: 46. حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 336 حديث: 2.
(3) المصدر حديث: 3.
(4) المصدر ص 332 باب: 42 أبواب آداب التجارة حديث: 1.
(5) المصدر حديث: 2.
(6) المصدر حديث: 3.
49
و روى في الكافي عن حماد بن عثمان، قال: دخل رجل على ابى عبد الله (عليه السلام) فشكى اليه رجلا من أصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) مغضبا: ما لفلان يشكوك؟ فقال له: يشكوني أني استقضيت منه حقي! قال: فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) مغضبا، ثم قال: كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ؟! أ رأيت ما حكى الله عز و جل في كتابه فقال «يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ» أ ترى انهم خافوا الله ان يجور عليهم! لا و الله، ما خافوا الا الاستقضاء. فسماه الله- عز و جل- سوء الحساب. فمن استقضى فقد أساء (1).
(و منها)
استحباب البيع عند حصول الربح، و كراهة تركه.
و يدل عليه: ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن سعيد الدغشي، قال: كنت على باب شهاب بن عبد ربه، فخرج غلام شاب، فقال: انى أريد أن أسأل هاشم الصيدناني عن حديث السلعة و البضاعة. قال: فأتيت هاشما، فسألته عن الحديث، فقال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البضاعة و السلعة، فقال: نعم، ما من أحد يكون عنده سلعة أو بضاعة. إلا قيض الله- عز و جل- له من يربحه، فان قبل و الا صرفه الله تعالى الى غيره.
و ذلك لانه رد بذلك على الله- عز و جل- (2)
و روى في الفقيه مرسلا، قال: قال على (عليه السلام): مر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على رجل معه سلعة يريد بيعها. فقال:
عليك بأول السوق (3).
أقول: يعنى أول من يربحك في سلعتك في السوق، كما يدل عليه الخبر الأول.
أقول: و هذا من المشهورات، بل المجربات. و من الأمثال المتعارفة بين الناس، قولهم: عليك بثاني زينة! قال: و الاولى؟ قال: لست من رجالها. و المعنى:
انك لا توفق للأولى لمزيد الطمع، مع أنها أوفر مما تعطى بعدها، فان فاتتك
____________
(1) الكافي ج 5 ص 100- 101.
(2) الكافي ج 5 ص 153 حديث: 17.
(3) الوسائل ج 12 ص 296 حديث: 3.
50
فلا تفوتك الثانية.
و يؤيد الأخبار المذكورة: ما ورد من كراهة استقلال قليل الرزق، (1) و انه يؤدى الى حرمان الكثير.
روى في الكافي عن إسحاق بن عمار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من طلب قليل الرزق كان ذلك داعية الى اجتلاب كثير من الرزق (2).
و عن الحسن بن بسام الجمال، قال: كنت عند إسحاق بن عمار الصيرفي، فجاءه رجل يطلب غلة بدينار، و قد كان أغلق باب الحانوت و ختم الكيس، فأعطاه غلة بدينار، فقلت: ويحك يا إسحاق، ربما حملت لك من السفينة ألف ألف درهم! فقال: ترى كان بي هذا، لكني سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من استقل قليل الرزق حرم كثيره، ثم التفت الى، فقال: يا إسحاق لا تستقل قليل الرزق فتحرم كثيره (3).
«و منها»
استحباب المبادرة إلى الصلاة و ترك ما بيده من التجارة و الاشتغال بها
. و يدل عليه: ما رواه
في الكافي عن الحسين بن يسار، عن رجل رفعه، في قول الله تعالى «رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ» قال: هم التجار الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله تعالى، إذا دخل مواقيت الصلاة، أدوا الى الله تعالى حقه منها (4).
و عن أسباط بن سالم قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) و ساق الخبر عنه (عليه السلام) الى ان قال: يقول الله عز و جل «رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ» يقول
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 338 باب: 50 أبواب آداب التجارة. و الاستقلال:
عد الشيء قليلا.
(2) المصدر حديث: 1.
(3) المصدر حديث: 2.
(4) الكافي ج 5 ص 154 حديث 21.
51
القصاص: ان القوم لم يكونوا يتجرون، كذبوا و لكنهم لم يكونوا يدعون الصلاة في ميقاتها، و هو أفضل ممن حضر الصلاة و لم يتجر (1).
و عن ابى بصير في الصحيح أو الموثق، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) مؤمن فقير شديد الحاجة من أهل الصفة و كان لازما لرسول الله (صلى الله عليه و آله) عند مواقيت الصلاة كلها، لا يفقده في شيء منها، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يرق له و ينظر الى حاجته و غربته. ثم يقول: يا سعد، لو قد جائني شيء لأغنيتك، قال فأبطأ ذلك على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فاشتد غم رسول الله، فعلم الله- عز و جل- ما دخل على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من غمه بسعد، فأهبط جبرئيل (عليه السلام) و معه درهمان. فقال له: يا محمد، ان الله- عز و جل- قد علم ما دخل عليك من الغم بسعد، أ فتحب ان تغنيه؟ قال: نعم. فقال له: فهاك هذين الدرهمين، فأعطه إياهما، و مره ان يتجر بهما، فأخذهما رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) من جبرئيل (عليه السلام).
ثم خرج الى صلاة الظهر، و سعد قائم على باب حجرات رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- ينتظره. فلما رآه رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)- قال:
يا سعد أ تحسن التجارة؟ فقال له سعد: و الله ما أصبحت أملك مالا اتجر به، فأعطاه النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الدرهمين، فقال له: اتجر بهما، و تصرف لرزق الله عز و جل، فأخذهما سعد و مضى مع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى صلى معه الظهر و العصر، فقال له النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): قم و اطلب الرزق، فقد كنت بحالك مغتما يا سعد.
قال: فاقبل سعد لا يشترى بدرهم شيئا إلا باعه بدرهمين، و لا يشترى بدرهمين الا باعه بأربعة دراهم، و أقبلت الدنيا عليه، حتى كثر متاعه و ماله، و عظمت تجارته و اتخذ على باب المسجد موضعا و جلس فيه، و جمع تجاراته اليه، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إذا أقام بلال للصلاة يخرج و سعد مشغول بالدنيا، لا يتطهر و لا يتهيأ كما كان يفعل قبل ان يتشاغل بالدنيا، و كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: يا سعد، شغلتك الدنيا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 75 حديث: 8.
52
عن الصلاة! و كان يقول: ما أصنع، أضيع مالي؟ هذا رجل قد بعته و أريد ان استوفى منه، و هذا رجل قد اشتريت منه و أريد ان أو فيه، فدخل رسول الله من أمر سعد غم شديد أشد من غمه بفقره فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد، ان الله تعالى قد علم غمك بسعد، فأيما أحب إليك: حاله الأولى أو حاله هذه؟ فقال: يا جبرئيل، بل حاله الاولى، فقد ذهبت دنياه بدينه و آخرته. فقال له جبرئيل (عليه السلام): ان حب الأموال و الدنيا فتنة و مشغلة عن الآخرة، قل لسعد، يرد عليك الدرهمين الذين دفعتهما إليه، فإن أمره يصير الى الحال التي كان عليها أولا، قال: فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فمر بسعد، فقال له: اما تريد ان ترد علينا الدرهمين الذين أعطيتكهما؟ فقال له سعد: و مأتين. فقال له: لست أريد منك الا الدرهمين، فأعطاه سعد درهمين. قال: فأدبرت الدنيا عن سعد، حتى ذهب ما كان معه و ما جمع، و عاد الى حالته التي كان عليها (1).
«و منها»
ان لا يتوكل حاضر لباد
. و المراد بالبادي: الغريب الجالب للبلد، أعم من ان يكون من البادية أو قرويا. و معناه: ان يحمل البدوي أو القروي متاعه الى بلد فيأتيه البلدي، و يقول له: انا أبيعه لك بأعلى ما تبيعه، قبل ان يعرفه السعر، و يقول: انا أبيع لك. و أكون سمسارا. كذا ذكره في المسالك.
و قد اختلف الأصحاب في ذلك تحريما و كراهة. فذهب الشيخ في النهاية الى الثاني.
و هو قول العلامة في المختلف، و اختيار المحقق في الشرائع، و الشهيد في الدروس.
و في المبسوط و الخلاف إلى الأول، الا انه قيده في المبسوط بما يضطر اليه الناس، بان يكون في فقده إضرار بهم.
و قال ابن البراج في المهذب كقول الشيخ في المبسوط. و به قال ابن إدريس، و العلامة في المنتهى.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 297 باب: 14 أبواب آداب التجارة حديث: 2 و الكافي ج 5 ص 312 حديث: 38.
53
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام، ما رواه
في الكافي عن عروة بن عبد الله، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يتلقى أحدكم تجارة، خارجا من المصر، و لا يبيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق الله بعضهم من بعض (1).
و روى الشيخ الطوسي في مجالسه بسنده عن جابر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (2).
و لا يبعد ان يكون الخبر المذكور من طريق العامة، لأن أكثر رجاله منهم.
و عن يونس بن يعقوب قال: تفسير قول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) «لا يبيعن حاضر لباد»:
أن الفاكهة و جميع أصناف الغلات، إذا حملت من القرى الى السوق، فلا يجوز ان يبيع أهل السوق لهم من الناس، بل ينبغي ان يبيعه حاملوه من القرى و السواد. فاما من يحمل من مدينة إلى مدينة فإنه يجوز، و يجرى مجرى التجارة.
و أنت خبير بان ظاهر هذا الخبر تخصيص ما ذكره (صلى الله عليه و آله) في الحديثين الأولين بالفاكهة و جميع أصناف الغلات. إذا حملت من القرى، و هو خلاف ما عليه الأصحاب من العموم في هذا الحكم، الا ان ظاهر الخبر المذكور انما هو من كلام يونس، فيهون الاشكال.
و من ذهب من أصحابنا إلى التحريم أخذ بظاهر النهي في الحديثين الأولين.
و من ذهب الى الكراهة، اعتمد على الأصل، و رد الخبرين بضعف السند، و حملهما على الكراهة تفاديا من طرحهما.
و قد ذكر الأصحاب في تحريمه أو كراهته شروطا:
أحدها: ان يكون الحاضر عالما بورود النهى. و هذا شرط يعم جميع المناهي.
الثاني: ان يظهر من ذلك المتاع سعر في البلد، فلو لم يظهر، اما لكبر البلاد، أو لعموم وجوده، و رخص السعر، فلا تحريم و لا كراهة. لأن المقتضي للنهي تفويت الربح
____________
(1) الكافي ج 5 ص 168 باب التلقي حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 327 باب 37 أبواب آداب التجارة حديث: 3.
54
و فقد الرفق على الناس، و لم يوجد هنا.
الثالث: ان يكون المتاع المجلوب بما تعم الحاجة إليه، فما لا يحتاج اليه الا نادرا، لا يدخل تحت النهى.
الرابع: ان يعرض الحضري ذلك على البدوي و يدعوه اليه، فلو التمس الغريب ذلك لم يكن به بأس.
الخامس: ان يكون الغريب جاهلا بسعر البلد، فلو كان عالما به لم يكره، بل يكون مساعدته محض الخير.
أقول: أنت خبير بان الظاهر، ان ما عدا الأول و الأخير من هذه الشروط، تقييد للنص من غير دليل، الا مجرد هذه التخرصات.
و الظاهر: ان أكثر هذه الشروط مأخوذة من كلام العامة.
اما استثناء الأول و الأخير فظاهر، لان الخطاب تحريما أو كراهة انما يتوجه الى العالم. و التعليل بقوله (صلى الله عليه و آله): يرزق الله تعالى الناس بعضهم من بعض، انما يترتب على الجهل بسعر البلد لا مع العلم. فلا بأس باشتراطهما.
ثم انه على القول بالتحريم فالظاهر هو صحة البيع. و ان أثم، لأصالة الصحة، و به صرح جملة من الأصحاب.
و اما شراء البلدي للبادي، فلا إشكال في جوازه، لعدم دخوله تحت النص المذكور و للعامة فيه قولان.
«و منها»
تلقى الركبان
. و هل التلقي مكروه أو محرم؟ قولان للشيخ- عليه الرحمة.
و قد صرح في النهاية بالكراهة، و نقله في الخلاف عن المفيد ايضا، و قال في المبسوط و الخلاف: لا يجوز.
و حمل العلامة في المختلف كلامه في المبسوط و الخلاف على الكراهة المؤكدة، قال: لانه كثيرا ما يستعمل لفظ «لا يجوز» في المكروه و هو غير بعيد.
55
و بالتحريم صرح ابن البراج، و تبعه ابن إدريس، و هو قول ابى الصلاح ايضا، و اختاره في المنتهى.
و اما الاخبار الواردة في هذا المقام فمنها: ما تقدم في سابق هذه المسألة، من حديث عروة بن عبد الله.
و منها: ما رواه
في الكافي و التهذيب عن منهال القصاب عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لا تلق، و لا تشتر ما تلقى و لا تأكل منه (1).
و ما رواه
في الفقيه عن منهال القصاب قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تلقى الغنم، فقال: لا تلق و لا تشتر ما تلقى و لا تأكل من لحم ما تلقى (2).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن منهال القصاب. قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) لا تلق، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن التلقي. قلت: و ما حد التلقي؟ قال: ما دون غدوة أو روحة. قلت و كم الغدوة و الروحة؟ قال: أربعة فراسخ (3) قال ابن ابى عمير: و ما فوق ذلك فليس بتلق.
و أنت خبير بأن الأخبار المذكورة متفقة على النهى عن ذلك، و هو حقيقة في التحريم عندهم، و الخروج عنه من غير دليل صارف غير معقول.
و غاية ما أجاب به العلامة في المختلف- بعد اختياره القول بالكراهة و نقله خبر منهال الأول، و كذا خبر عروة، الى ان قال-: و الجواب: ان النهى كما يدل على التحريم، فكذا يدل على الكراهة.
و لا يخفى ما في هذا الجواب من النظر الظاهر لكل ناظر! و كيف لا و هو و غيره قد صرحوا بأن الأصل في النهي التحريم، و هو المعنى الحقيقي له، و الحمل على الكراهة مجاز لا يصار اليه الا مع القرينة، و لو تم ما ذكره هنا من هذا الكلام لزم ان
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 1.
56
لا يقوم النهى دليلا على التحريم، في حكم من الأحكام بالكلية.
و ظاهر شيخنا الشهيد الثاني في المسالك: ان الوجه في الكراهة هو التمسك بالأصل. و ضعف الأخبار المذكورة. فلا تنهض حجة في الخروج عن مقتضى الأصل. فتحمل على الكراهة، تفاديا من طرحها.
و فيه ما قد أوضحناه في غير موضع مما تقدم.
و تحقيق الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:
«الأول»: الظاهر انه لا خلاف بين أصحابنا- (رضوان الله تعالى عليهم)- في ان حد التلقي المنهي عنه أربعة فراسخ.
قال في المنتهى: حد علماؤنا التلقي بأربعة فراسخ، فكرهوا التلقي الى ذلك الحد، فان زاد على ذلك كان تجارة و جلبا، و لم يكن تلقيا. و هو ظاهر، لانه بمضيه، و رجوعه يكون مسافرا، و يجب عليه التقصير، فيكون سفرا حقيقيا. الى ان قال:
و لا نعرف بين علمائنا خلافا فيه. انتهى.
أقول: و يدل على التحديد بالأربعة كما ذكروه ما تقدم في رواية منهال القصاب و ظاهره ان التلقي المنهي عنه، هو ما يكون فيما دون مسافة الأربعة، بمعنى انه إذا بلغ الأربعة خرج عن محل النهى، فيحمل اسم الإشارة في كلام ابن ابى عمير على الرجوع الى ما دون الأربعة.
و أظهر منه في هذا المعنى ما رواه في الفقيه مرسلا، قال: و روى ان حد التلقي روحة، فإذا صار الى أربعة فراسخ فهو جلب. بمعنى انه متى قطع الأربعة و وصل على رأسها فهو جلب، لأنه حينئذ يصير سفرا برجوعه كما تقدم في كتاب الصلاة، و بذلك يظهر ما في كلام الأصحاب من المسامحة، كما في عبارة العلامة المتقدمة، حيث انه جعل كراهة التلقي إلى حد تمام الأربعة، و خص التجارة و الجلب بما زاد عن الأربعة، و علله بأنه يكون حينئذ مسافرا. و أنت خبير بأنه يكون مسافرا بالحصول على رأس الأربعة، و ان لم يزد عليها.
57
و الظاهر ان منشأ التسامح هو ان الحصول على رأس الأربعة بلا زيادة و لا نقصان نادر.
و من الاخبار في ذلك: ما رواه
في الكافي و التهذيب عن منهال القصاب، قال: قلت له: ما حد التلقي؟ قال: روحة (1).
و إجماله يعرف من خبره المتقدم. و تفسير الروحة و الغدوة بأربعة فراسخ، لأن الغدوة من أول النهار الى الزوال، و الروحة من الزوال الى الغروب و بياض اليوم- كما تقدم في كتاب الصلاة- عبارة من ثمانية فراسخ فيكون كل نصف من النهار أربعة فراسخ.
«الثاني»: قد صرح بعض الأصحاب بتقييد التحريم أو الكراهة هنا بقيود:
(منها): ما تقدم من تحديد التلقي، و ان ما زاد عليه ليس بتلق.
(و منها): كون الخروج بقصد ذلك فلو خرج لا لذلك فاتفق الركب لم يحرم و لم يكره.
(و منها): تحقق مسمى الخروج من البلد، فلو تلقى الركب في أول وصوله البلد، لم يثبت الحكم.
(و منها): جهل الركب بسعر البلد فيما يبيعه و يشتريه، فلو علم بهما أو بأحدهما لم يثبت الحكم فيه.
أقول: و اليه يشير التعليل في رواية عروة بن عبد الله المتقدمة، بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم):
و المسلمون يرزق الله تعالى بعضهم من بعض.
(و منها): ان يكون التلقي للبيع عليه أو الشراء منه، فلو خرج لغيرهما من المقاصد، و لو في بعض المعاملات كالإجارة، لم يثبت الحكم. و في إلحاق الصلح و نحوه من عقود المغابنات اشكال، فيحتمل ذلك للعلة المذكورة، و العدم اقتصارا فيما خالف الأصل على القدر المتيقن.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 326 حديث: 4.
58
أقول: و الظاهر ان الأقرب الأول.
«الثالث»: لو خالف و تلقى، ثم اشترى منهم أو باع عليهم، انعقد البيع، و ان قلنا بالتحريم. اما لان النهي في المعاملات لا يقتضي البطلان، و انما ذلك في العبادات على الوجه المقرر فيها، أو ان النهى و ان اقتضى ذلك في المعاملات، الا انه مخصوص بما إذا تعلق بحقيقة البيع، و يرجع الى البيع من حيث هو، لا إلى أمر خارج كالبيع وقت النداء يوم الجمعة. و قد تقدم (1) منا تحقيق نفيس في ذلك.
و ظاهر المنتهى: اتفاق العلماء على الصحة. و نقل في ذلك من ابن الجنيد الخلاف في ذلك.
ثم انه مع الحكم بصحة البيع، فالمشهور انه لا خيار الا مع الغبن الفاحش.
و نقل في المختلف عن ابن إدريس انه قال: التلقي محرم، و البيع صحيح، و يتخير البائع.
و الأقرب هو القول المشهور، لأن الأصل لزوم البيع، قام الدليل على الخيار في الغبن الفاحش، و بقي ما عداه على الأصل.
و لعل ابن إدريس استند هنا الى ما روى
من طريق العامة، عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال: لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا اتى سيده السوق فهو بالخيار (2).
و أجاب عنه في المنتهى بان المفهوم من جعل الخيار إذا اتى السوق، انما هو لأجل معرفة الغبن بالسوق، و لولا ذلك لكان له الخيار من حين البيع.
(و منها)
الاحتكار
و هو افتعال من الحكرة- بالضم- و هو جمع الطعام و حبسه يتربص به الغلاء.
و قد اختلف الأصحاب أيضا في كراهته و تحريمه، فنقل في المختلف عن
____________
(1) و هو في الباب الثالث في بقية الصلوات، في فضل صلاة الجمعة، في المسألة الثانية من المطلب الرابع في اللواحق (منه (قدس سره) ج 10 ص 172 فما بعد.
(2) صحيح مسلم ج 5 ص 5.
59
الصدوق في الهداية القول بالتحريم. قال: و به قال ابن البراج. و الظاهر من كلام ابن إدريس. و اختاره في المسالك.
و قال العلامة في المنتهى، و الشيخ في المبسوط، و المفيد في المقنعة: انه مكروه. و به قال أبو الصلاح في المكاسب من كتاب التلقي. و قال في فصل البيع: انه حرام. ثم استقرب في المختلف الكراهة، و هو اختيار المحقق في الشرائع أيضا.
و اما الاخبار الواردة في المقام، فمنها: ما رواه
في التهذيب عن السكوني عن ابى عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): و رواه في الفقيه مرسلا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يحتكر الطعام الا خاطئ (1).
و ما رواه
في الكافي عن حذيفة بن منصور عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: نفد الطعام على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأتاه المسلمون. فقالوا: يا رسول الله، قد نفد الطعام و لم يبق الشيء إلا عند فلان، فمره ببيعه، قال فحمد الله و اثنى عليه ثم قال: يا فلان، ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفد، إلا شيئا عندك فأخرجه فبعه كيف شئت و لا تحبسه (2).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح أو الحسن، عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتكر الطعام، يتربص به هل يجوز ذلك؟ فقال: ان كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس، و ان كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنه يكره ان يحتكر الطعام، و يترك الناس ليس لهم طعام! (3).
و عن ابن القداح عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الجالب مرزوق و المحتكر ملعون.
و رواه الصدوق مرسلا (4).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 315 حديث: 12.
(2) المصدر ص 317 حديث: 1.
(3) المصدر ص 313 حديث: 2.
(4) المصدر حديث: 3.
60
و عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في البلاء و الشدة ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، و ما زاد في العسرة على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون (1).
و رواه في الفقيه بإسناده عن السكوني
و ايضا روى في الفقيه مرسلا، قال: نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الحكرة في الأمصار (2).
و ما رواه
في التهذيب عن الحسين بن عبيد الله بن ضمرة عن جده عن على بن أبي طالب (عليه السلام) انه قال: رفع الحديث الى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، انه مر بالمحتكرين، فأمر بحكرتهم الى ان تخرج الى بطون الأسواق، و حيث ينظر الأبصار إليها فقيل لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم):
لو قومت عليهم؟ فغضب حتى عرف الغضب في وجهه، فقال: انا أقوم عليهم! انما السعر الى الله تعالى يرفعه إذا شاء، و يضعه إذا شاء (3).
و ما رواه
الشيخ في كتاب المجالس بسنده فيه عن ابى مريم، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أيما رجل اشترى طعاما فكبسه أربعين صباحا يريد به غلاء المسلمين، ثم باعه فتصدق بثمنه، لم يكن كفارة لما صنع (4).
و ما رواه
في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري عن جعفر بن محمد (ع) عن أبيه (عليه السلام) ان عليا (عليه السلام)، كان ينهى عن الحكرة في الأمصار. و قال: ليس الحكرة إلا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن (5).
و ما رواه
في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى مالك الأشتر، قال فيه: فامنع من الاحتكار، فان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) منع منه. و ليكن البيع بيعا سمحا، بموازين عدل، واسعا لا يجحف بالفريقين من البائع و المبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه، فنكل و عاقب في غير
____________
(1) المصدر ص 312 حديث: 1.
(2) المصدر ص 314 حديث: 9.
(3) المصدر ص 317 حديث: 1.
(4) المصدر ص 314 حديث: 6.
(5) المصدر حديث: 7.
61
إسراف (1).
و في كتاب ورام ابن أبي فراس- و هو جد السيد رضى الدين بن طاوس لامه، و كان يثنى عليه ثناء زائدا، و يعتمد كتابه- عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن جبرئيل، قال: اطلعت في النار فرأيت واديا في جهنم يغلى، فقلت: يا مالك، لمن هذا؟ فقال: لثلاثة:
المحتكرين، و المدمنين الخمر، و القوادين (2).
أقول: هذا ما وقفت عليه من الاخبار في ذلك، و كلها كما ترى ما بين صريح أو ظاهر في التحريم. و ليس فيها ما يمكن التعلق به للقول الأخر. إلا لفظ الكراهة في صحيحة الحلبي أو حسنته. و استعماله في التحريم في الاخبار أكثر كثير، كما تقدم في غير موضع من كتاب الطهارة و الصلاة. فالواجب: حمله على ذلك، بقرينة جملة أخبار المسألة. و منه يظهر قوة القول بالتحريم.
و لا يخفى ان من ذهب الى هذا القول، فإنه لم يمعن نظره في الاخبار، و لم يتتبعها حق التتبع الرافع عن وجه الحكم المذكور غبار الاستتار، كما هي عادتهم غالبا في سائر الأحكام، كما لا يخفى على من جاس خلال الديار.
فروع:
الأول [هل الاحتكار منحصر في الستة؟]:
المفهوم من الاخبار ان الاحتكار انما هو في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الزيت و السمن و منها: ما تقدم في حديث أبي البختري المنقول عن قرب الاسناد، و قد اشتمل على ما عدا الزيت. و ما رواه
في الخصال بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: الحكرة في ستة أشياء: في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الزيت. (3).
و روى المشايخ الثلاثة عن غياث بن إبراهيم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال
____________
(1) المصدر ص 315 حديث: 13.
(2) الوسائل ج 12 ص 314 حديث: 11.
(3) المصدر حديث: 10.
62
ليس الحكرة إلا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب (1).
و زاد في الفقيه، و الزيت.
و مما يدل على دخول الزيت ايضا:
ما في صحيحة الحلبي أو حسنته عن ابى عبد الله- (عليه السلام)-، و فيها: قال: و سألته عن الزيت؟ فقال: ان كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه.
و المشهور بين الأصحاب: تخصيص الاحتكار بما عدا الزيت من الأشياء المذكورة في هذه الاخبار، حتى قال الشيخ في النهاية- بعد عدها-: و لا يكون الاحتكار في سوى هذه الأجناس. و تبعه ابن إدريس و ابن البراج و الفاضلان و غيرهم.
و قال المفيد: الحكرة احتباس الأطعمة. و أبو الصلاح: الغلات، و الصدوق في المقنع: الأشياء الستة المذكورة في الخصال. و في المبسوط: زاد على الخمسة المشهورة الملح. و تبعه ابن حمزة.
قال في المختلف: بعد نقل هذه الأقوال: و أجود ما وصل إلينا في هذا الباب ما رواه غياث بن إبراهيم في الموثق، و ساق الرواية المتقدمة. ثم قال: و حينئذ يبقى ما عداه على الأصل.
و أنت خبير بما فيه، حيث انه ناش عن قصور التتبع في الاخبار كما عرفت.
و اما الملح فنقله في النهاية و الشرائع قولا في المسألة. و قد عرفت انه قول الشيخ في المبسوط. قال في المسالك: هذا القول قوي.
أقول: و الظاهر ان وجه قوته عنده من حيث شدة الاحتياج اليه، و توقف أغلب المآكل عليه، مع انه لم يذكر في الاخبار الواردة في المسألة. و لعل السر في عدم ذكره، ان الله تعالى لعلمه بما فيه من مزيد الحاجة و الاضطرار اليه جعله في كثرة الوجود و الرخص قريبا من الماء الذي لا قوام للأبدان و الأديان إلا به، فمن ثم لم يتعرضوا له في الاخبار.
الثاني [تحديد الحكرة بأربعين صباحا]:
حد الشيخ الحكرة في الرخص بأربعين يوما، و في الغلاء و الشدة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 312 حديث: 7.
63
بثلاثة أيام، عملا برواية السكوني المتقدمة (1). و يؤيدها ظاهر رواية كتاب المجالس (2).
و الأشهر العدم، لإطلاق الأخبار المتقدمة، و منها: صحيحة الحلبي (3) أو حسنته. و رواية الحسين بن عبد الله بن ضمرة (4). و تقييد هذه الاخبار بالخبر المذكور، كما هو القاعدة، و ان أمكن، الا ان الظاهر بعده من ظواهرها، كما لا يخفى على المتأمل.
الثالث: هل يشترط في الاحتكار شراء الغلة؟
بمعنى ان يشتريها و يحسبها لذلك، أو يشمل ما كان من غلته؟ نقل في ذلك عن العلامة الأول. قال: و في حسنة الحلبي دلالة عليه.
أقول: الظاهر انه أشار بها الى ما رواه
المشايخ الثلاثة، عن الحلبي في الصحيح أو الحسن عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: الحكرة ان يشترى طعاما ليس في المصر غيره فيحتكره، فان كان في المصر طعام أو يباع غيره فلا بأس ان يلتمس بسلعته الفضل،.
قال: و سألته عن الزيت؟ فقال: إذا كان عند غيرك فلا بأس بإمساكه (5).
و يؤيده أيضا رواية مجالس الشيخ المتقدمة (6).
ثم انه قال في ذلك: و الأقوى عموم التحريم مع استغنائه و حاجة الناس.
أقول: أنت خبير بان القول بالعموم، مع اعترافه بدلالة الحسنة المذكورة على التخصيص بالمشتري لأجل ذلك، لا يخلو من الإشكال، لأن القاعدة تقتضي تقييد
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 312 حديث: 1. باب 27. أبواب آداب التجارة.
(2) المصدر ص 314 حديث: 6.
(3) المصدر ص 313 حديث: 2.
(4) المصدر ص 317 حديث: 1. باب 30. أبواب آداب التجارة.
(5) المصدر ص 315 حديث: 2. باب 28. أبواب آداب التجارة.
(6) المصدر ص 314 حديث: 6.
64
إطلاق ما عدا هذه الحسنة بها، فيبقى القول بالعموم خاليا من الدليل، و القول بالعموم لا مستند له، الا إطلاق سائر الاخبار، و متى قيد بهذه الرواية، عملا بالقاعدة المذكورة، لم يبق للقول بالعموم مستند كما لا يخفى.
(الرابع) [إجبار المحتكر على البيع]:
لا خلاف بين الأصحاب في ان الامام يجبر المحتكرين على البيع. و عليه تدل جملة من الاخبار المتقدمة. و اما انه هل يسعر عليهم أم لا؟ الظاهر:
ان المشهور: هو الثاني.
و نقل في المنتهى عن المفيد و سلار. ان للإمام (عليه السلام) ان يسعر عليهم. قال المفيد- على ما نقله في المختلف-: و للسلطان ان يسعرها على ما يراه من المصلحة، و لا يسعرها بما يخسر به أربابها فيها.
و قال الشيخ: لا يجوز للسلطان ان يجبر على سعر بعينه، بل يبيعه بما يرزقه الله تعالى. و به قال ابن البراج و ابن إدريس. و الظاهر انه هو المشهور بين المتأخرين.
و قال ابن حمزة: لا يسعر إلا إذا شدد. و ان خالف و أخذ في السعر بزيادة أو نقصان لم يتعرض عليه. و اختار هذا القول في المختلف. و اليه يميل كلام المسالك. و هو جيد.
لنا على عدم التسعير عليه. ما تقدم في حديث الحسين بن عبد الله بن ضمرة. و ما رواه
في الفقيه مرسلا، قال: قيل للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم): لو سعرت لنا سعرا. فإن الأسعار تزيد و تنقص! فقال: ما كنت لا لقي الله تعالى ببدعة لم يحدث الى فيها شيئا. فدعوا عباد الله تعالى يأكل بعضهم من بعض، فإذا استنصحتم فانصحوا (1).
و يؤيده ما ورد في جملة من الاخبار:
ان الله عز و جل وكل بالأسعار ملكا يدبرها (2).
و في بعضها: فلن يغلو من قلة و لن يرخص من كثرة (3).
و في آخر: علامة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 318 حديث: 2.
(2) الكافي ج 5 ص 163 حديث: 4.
(3) المصدر ص 162.
65
رضا الله تعالى في خلقه عدل سلطانهم و رخص أسعارهم، و علامة غضب الله تعالى على خلقه جور سلطانهم و غلاء أسعارهم (1).
و لنا على التسعير عليه إذا شدد
حديث «لا ضرر و لا ضرار» (2).
قال في المسالك- بعد اختيار القول المشهور، و هو انه لا يسعر عليه-: و هو أظهر إلا مع الإجحاف، فيؤمر بالنزول عنه الى حد ينتفي الإجحاف. و الا لانتفت فائدة الإجبار، إذ لا يجوز ان يطلب في ماله مالا يقدر على بذله، أو يضر بحال الناس، و الغرض دفع الضرر انتهى. و هو جيد، و مرجعه الى ما ذكرنا من الخبر، و به يخصص إطلاق الاخبار المتقدمة.
و يحتمل العمل بإطلاق تلك الأخبار، مؤيدا ب
خبر «الناس مسلطون على أموالهم» (3).
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام)، انه قال في تجار قدموا أرضا اشتركوا في البيع، على ان لا يبيعوا بيعهم الا بما أحبوا.
قال: لا بأس بذلك (4).
و أظهر من ذلك تأييدا: قوله (عليه السلام) في
حديث حذيفة بن منصور المتقدم: و بعه كيف شئت (5).
(الخامس) [الاحتكار منهي إذا لم يكن في البلد طعام غيره]:
لا يخفى ان جملة من الاخبار المتقدمة، و ان كانت مطلقة في النهي عن الاحتكار، الا ان جملة منها قد قيدت ذلك بما إذا لم يكن في البلد طعام غيره، فلو كان كذلك لم يدخل تحت النهى، و ان سمى احتكارا، كما تقدم.
____________
(1) الكافي ج 5 ص 162 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 364 حديث: 4.
(3) بحار الأنوار ج 2 ص 272 الطبقة الحديثة.
(4) الوسائل ج 12 ص 312 حديث: 2.
(5) المصدر ص 317 حديث: 1. باب 29 أبواب آداب التجارة.
66
و من الاخبار المقيدة ما تقدم في صحيحة الحلبي أو حسنة الاولى. و كذا ما في الثانية (1) المذكورة في الفرع الثالث.
و نحوهما ما رواه
المشايخ الثلاثة عن ابى الفضل سالم الحناط في الصحيح، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما عملك؟ قلت: حناط، و ربما قدمت على نفاق، و ربما قدمت على كساد، فحبست. قال: فما يقول من قبلك فيه؟ قلت: يقولون: محتكر! قال: يبيعه أحد غيرك؟ قلت ما أبيع انا من ألف ألف جزء جزء. قال: لا بأس، انما كان ذلك رجل من قريش، يقال له: حكيم بن حزام، و كان إذا دخل الطعام المدينة اشتراه كله، فمر عليه النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- فقال: يا حكيم بن حزام، إياك ان تحتكر (2).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 313 حديث: 2 و ص 315 حديث: 1.
(2) المصدر ص 316 حديث: 3.
67
المقدمة الثالثة فيما يكتسب به
و يحسن هنا تقديم خبر في المقام، قد اشتمل على قواعد كلية في هذه الأحكام، قل من تعرض اليه من علمائنا الاعلام، و ان طال به زمام الكلام، فإنه من أهم المهام.
روى الحسن بن على بن شعبة في تحف العقول عن مولانا الصادق (عليه السلام)، انه سئل من معايش العباد، فقال: جميع المعايش كلها من وجوه المعاملات فيما بينهم مما يكون لهم فيه المكاسب، اربع جهات.
و يكون منها حلال من جهة و حرام من جهة، فأول هذه الجهات الأربع الولاية، ثم التجارة، ثم الصناعات، تكون حلالا من جهة حراما من جهة، ثم الإجارات.
و الفرض من الله تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، و العمل بذلك الحلال منها، و اجتناب جهات الحرام منها.
فإحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر الله تعالى بولايتهم على الناس. و الجهة الأخرى ولاية ولاة الجور.
فوجه الحلال من الولاية: ولاية الوالي العدل، و ولاية ولاته بجهة ما أمر به
68
الوالي العادل، بلا زيادة و لا نقصان، فالولاية له، و العمل معه، و معونته، و تقويته حلال محلل.
و اما وجه الحرام من الولاية، فولاية الوالي الجائر، و ولاية ولاته، و العمل لهم، و الكسب معهم، لجهة الولاية لهم، حرام محرم معذب فاعل ذلك، على قليل من فعله أو كثير، لان كل شيء من جهة المعونة له، معصية كبيرة من الكبائر، و ذلك انه في ولاية الوالي الجائر وهن الحق كله، فلذلك حرم العمل معهم، و معونتهم، و الكسب معهم، إلا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم و الميتة.
و اما تفسير التجارات في جميع البيوع، و وجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع ان يبيع مما لا يجوز له، و كذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه مما لا يجوز له، فكل مأمور به مما هو غذاء للعباد و قوامهم به، في أمورهم في وجوه الصلاح، الذي لا يقيمهم غيره، مما يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون في جميع المنافع، التي لا يقيمهم غيرها، و كل شيء يكون فيه الصلاح، من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه و شراؤه، و إمساكه و استعماله، و هبته و عاريته.
و اما وجوه الحرام من البيع و الشراء، فكل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة اكله و شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته، أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا أو البيع للميتة أو الدم أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش و الطير أو الخمر، أو شيء من وجوه النجس، فهذا كله حرام و محرم، لان ذلك منهي عن اكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب فيه، فجميع تقلبه في ذلك حرام.
و كذلك كل بيع ملهو به، و كل منهي عنه، ما يتقرب به لغير الله تعالى، أو يقوى به الكفر و الشرك، من جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحق، فهو حرام محرم بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه و هبته و عاريته و جميع التقلب فيه الا في حال
69
تدعو الضرورة فيه الى ذلك.
و اما تفسير الإجارات، فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره، من قرابته أو دابته أو ثوبه لوجه الحلال من جهات الإجارات، أو يوجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئا يملكه فيما ينتفع به، من وجوه المنافع، أو العمل بنفسه و ولده و مملوكه أو أجيره، من غير ان يكون وكيلا للوالي أو واليا للوالي، فلا بأس ان يكون أجيرا يوجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في إجارته، لأنهم وكلاء الأجير من عنده، ليس هم بولاة الوالي، نظير الحمال يحمل شيئا بشيء معلوم، فيجعل ذلك الشيء الذي يجوز له حمله، بنفسه أو بملكه أو دابته، أو يوجر نفسه في عمل يعمل ذلك العمل بنفسه، حلال لمن كان من الناس ملكا أو سوقة، كافرا أو مؤمنا، فحلال إجارته، و حلال كسبه، من هذه الوجوه.
فاما وجوه الحرام من وجوه الإجارة، نظير ان يوجر نفسه في صنعة ذلك الشيء أو حفظه، أو لبسه، أو يواجر نفسه في هدم المساجد ضرارا، و قتل النفس بغير حل، أو عمل التصاوير، و الأصنام، و المزامير، و البرابط، و الخمر، و الخنازير، و الميتة، و الدم، أو شيء من وجوه الفساد الذي كان محرما عليه، من غير جهة الإجارة فيه، و كل أمر نهى عنه من جهة من الجهات، فمحرم على الإنسان إجارة نفسه فيه، أوله، أو شيء فيه، أوله، إلا لمنفعة من استأجره، كالذي يستأجر له الأجير يحمل له الميتة ينحيها عن أذاه أو أذى غيره، و ما أشبه ذلك- الى ان قال-: و كل من آجر نفسه أو آجر ما يملكه أو يلي أمره، من كافر أو مؤمن، ملك أو سوقة، على ما قررناه، مما تجوز الإجارة فيه، فحلال محلل فعله و كسبه.
و اما تفسير الصناعات، فكلما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم، من أصناف الصناعات، مثل الكتابة و الحساب و النجارة و الصياغة و السراجة و البناء و الحياكة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير، مما لم يكن مثل الروحاني، و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد، منها منافعهم، و بها قوامهم، و فيها بلغة جميع حوائجهم،
70
فحلال تعلمه و تعليمه و العمل به لنفسه و لغيره، و ان كانت تلك الصناعة و تلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد و وجوه المعاصي، و تكون معونة على الحق و الباطل، فلا بأس بصناعته و تعليمه، نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد، و تقوية و معونة لولاة الجور، و كذلك السكين و السيف و الرمح و الجوشن و غير ذلك من وجوه الإله التي تصرف الى وجوه الصلاح و الفساد، و تكون آلة و معونة عليهما، فلا بأس بتعلمه و تعليمه و أخذ الأجرة عليه و العمل به و فيه، لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، و محرم عليهم فيه تصريفه الى جهات الفساد و المضار، فليس على العالم و المتعلم اثم و لا وزر، لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم و قوامهم و بقائهم، و انما الإثم و الوزر على المتصرف بها في وجوه الفساد و الحرام.
و ذلك انما حرم الله تعالى الصناعة التي هي حرام كلها التي يجيء منها الفساد محضا، نظير البرابط و المزامير و الشطرنج، و كل ملهو به، و الصلبان و الأصنام و ما أشبه ذلك، من صناعات الأشربة الحرام، و ما يكون منه و فيه الفساد محضا، و لا يكون منه و لا فيه شيء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه و تعلمه، و العمل به و أخذ الأجرة عليه، و جميع التقلب فيه، من جميع وجوه الحركات، الا ان تكون صناعة قد تصرف الى جهات المنافع، و ان كان قد يتصرف بها و يتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعلة ما فيه من الصلاح حل تعلمه و العمل به، و يحرم على من صرفه الى غير وجه الحق و الصلاح.
فهذا بيان وجه اكتساب معايش العباد و تعليمهم في وجوه اكتسابهم. الحديث (1).
و رواه المرتضى عليه الرحمة في رسالة «المحكم و المتشابه».
و انما نقلناه بطوله لجودة مدلوله و محصوله، و منه يستنبط جملة من الأحكام التي وقع فيها الاشكال بين جملة من علمائنا الاعلام، مثل الاستيجار على
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 54. تحف العقول ص 331.
71
الصلاة، كما توقف فيه بعض محدثي متأخري المتأخرين، و مثل التتن و القهوة و نحو ذلك، فإنه ظاهر في جواز الأول و حل الثاني، و سيأتي الإشارة أيضا إنشاء الله تعالى إلى جملة من الفوائد التي اشتمل عليها في مواضعها اللائق بها.
و يؤيد الخبر المذكور ما ذكره
الرضا (عليه السلام) في كتاب «الفقه» حيث قال: اعلم يرحمك الله تعالى ان كل مأمور به على العباد، و قوام لهم في أمورهم، من وجوه الصلاح، الذي لا يقيمهم غيره، مما يأكلون و يشربون و يلبسون و يملكون و يستعملون فهذا كله حلال بيعه و شراؤه و هبته و عاريته، و كل أمر يكون فيه الفساد مما قد نهى عنه، من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه لوجه الفساد، مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر و ما أشبه ذلك، فحرام ضار للجسم و فساد للنفس (1).
انتهى.
إذا عرفت ذلك فاعلم: ان ما يكتسب به ينقسم الى محرم، و مكروه، و مباح.
فهاهنا بحوث ثلاثة.
[البحث] الأول، في المحرم
. و هو أنواع. فمنه: الأعيان النجسة. و منه: ما لا ينتفع به، كالمسوخ برية أو بحرية. و السباع. و منه: ما هو محرم في نفسه، كعمل الصور المجسمة، و الغناء، و معونة الظالمين و نحوه. مما سيأتي إنشاء الله تعالى. و منه: ما يحرم لتحريم ما يقصد به، كآلات اللهو. و نحوها مما سيأتي، إنشاء الله. و منه الأجرة على ما يجب فعله على الإنسان مما سيأتي إنشاء الله فهاهنا مقامات:
[المقام] الأول في الأعيان النجسة
، و فيه مسئلتان.
[المسألة] الأولى [حرمة التكسب بالأعيان النجسة]:
يحرم بيع الأعيان، كالعذرة من غير مأكول اللحم و البول منه ايضا، و الدم، و الميتة، و الخنزير، و الكلب، على تفصيل فيه يأتي إنشاء الله تعالى، و الخمر بجميع أنواعه حتى الفقاع، و نحو ذلك.
و من الاخبار الواردة في المقام ما رواه
في التهذيب عن سماعة قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر، فقال: انى رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها
____________
(1) مستدرك الوسائل. باب 2 من أبواب ما يكتسب به حديث: 1 فقه الرضا ص 33.
72
و ثمنها. و قال: لا بأس ببيع العذرة (1).
و عن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد الله- (عليه السلام)- قال: ثمن العذرة من السحت (2).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن محمد بن مضارب عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: لا بأس ببيع العذرة (3).
و ما رواه
في الفقيه عن ابى بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد، فقال: لا بأس بثمنه، و الأخر لا يحل ثمنه.
و قال أجر الزانية سحت، و ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، و أجر الكاهن سحت، و ثمن الخمر سحت، و ثمن الميتة سحت، فاما الرشا في الحكم فهو الكفر بالله العظيم (4).
و ما رواه
في الكافي عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب، و ثمن الخمر، و مهر البغي، و الرشوة في الحكم، و أجر الكاهن (5).
و عن عمار بن مروان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغلول، فقال: كل شيء غل من الامام فهو سحت، الى ان قال: و السحت أنواع كثيرة، منها: أجر الفواجر، و ثمن الخمر، و النبيذ المسكر، و الربا بعد البينة، و اما الرشا في الحكم فان ذلك الكفر بالله العظيم جل اسمه و برسوله (6).
الى غير ذلك من الاخبار الواردة في المقام.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 126 باب 40 من أبواب ما يكتسب به. حديث: 2.
(2) المصدر. حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 3.
(4) المصدر ص 63 حديث: 8.
(5) المصدر ص 62 حديث: 5.
(6) المصدر ص 61 حديث: 1.
73
و الكلام يقع فيها في مواضع.
(الأول) [موارد جواز بيع الميتة]:
انه لا يخفى ان ما ذكرناه من الاخبار، و ان كان انما اشتمل على بعض جزئيات ما ذكرناه من الأمر الكلي، الا ان الخبر الذي قدمناه في صدر المقدمة، قد دل على ذلك حسبما عنونا به الكلام في هذا المقام.
و نقل في المنتهى إجماع المسلمين كافة على تحريم بيع الميتة و الخمر و الخنزير. قال: قال الله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ» و المراد:
تحريم الأعيان و وجوه الاستمتاع.
و أنت خبير بأنه قد روى
في التهذيب عن ابى القاسم الصيقل، و ولده، قال: كتبوا الى الرجل (عليه السلام): جعلنا الله تعالى فداك، انا قوم نعمل السيوف، و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها، و نحن مضطرون إليها، و انما علاجنا من جلود الميتة من البغال و الحمير الأهلية، لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسها بأيدينا و ثيابنا، و نحن نصلي في ثيابنا، و نحن محتاجون الى جوابك في المسألة يا سيدنا، لضرورتنا. فكتب (عليه السلام): اجعلوا ثوبا للصلاة (1).
و نحوه حديث آخر- ايضا- بهذا المعنى، قد تقدم في كتاب الطهارة (2).
و الخبر ان المذكوران ظاهران في خلاف ما دلت عليه الاخبار المتقدمة، من عدم جواز بيع الميتة، و ان ثمنها من السحت، و انه لا يجوز العمل بها.
و يؤيد هذين الخبرين- ايضا- ما ورد في حسنتي الحلبي أو صحيحته، من جواز بيع اللحم المختلط ذكية بميتة ممن يستحل الميتة (3). و سيأتي الكلام في ذلك إنشاء الله تعالى، و المسألة محل الإشكال.
(الثاني) [بحث في بيع العذرة]:
ظاهر الروايات المتقدمة في العذرة، الاختلاف في حكم بيعها،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 125 حديث: 4.
(2) المجلد الخامس ص 63- 64.
(3) الوسائل ج 12 ص 67 و ص 68 حديث: 1 و 2.
74
حلا و حرمة.
و الشيخ رضى الله عنه قد جمع بينها، بحمل ما دل على التحريم، على عذرة الإنسان، و ما دل على الجواز، على عذرة البهائم.
و احتمل في الذخيرة حمل الأول على الكراهة، و الثاني على الجواز، قال:
لكني لا اعلم به قائلا.
و قد عرفت ما في هذا الحمل، في غير موضع مما تقدم، لا سيما في كتابي الطهارة و الصلاة، فإن الخبرين الدالين على التحريم، صريحان في ذلك، و إخراجهما عن صريحهما يحتاج إلى قرينة واضحة، و وجود ما ظاهره المعارضة ليس من قرائن المجاز، مع ان الكراهة حكم شرعي، يتوقف على الدليل الواضح، و اختلاف الاخبار لا يصلح ان يكون دليلا على ذلك، لا سيما مع وجود محمل صحيح آخر تجتمع عليه الاخبار.
و قال شيخنا المجلسي- (رحمه الله عليه)- في حواشيه على كتب الاخبار: يمكن حمل عدم الجواز على بلاد ينتفع بها و الجواز على غيرها، أو الكراهة الشديدة و الجواز، أو التقية في الحرمة، فإن أكثرهم على الحرمة، بأن يكون قد أجاب المسائل علانية، ثم رأى غفلة منهم، فأفتى بعدم البأس، لكنه خلاف المشهور بل المجمع عليه انتهى.
أقول: لا يخفى ما فيه من التكلف البعيد، و العمل على ما ذكره الشيخ و الأصحاب، فإنه الحمل السديد.
نعم يبقى الكلام في عذرة غير الإنسان مما لا يؤكل لحمه. و الظاهر: أنه لا مستند لهم في تحريم بيعها، إلا الإجماع المدعى في المقام، و يشكل بأن الشيخ في الاستبصار احتمل حمل العذرة في خبر الجواز على ما عدا عذرة الإنسان مطلقا، و هو يؤذن بجواز بيع عذرة ما لا يؤكل لحمه.
قال في الذخيرة: و هذا الوجه الذي ذكره الشيخ في الاستبصار، يقتضي جواز
75
بيع عذرة ما لا يؤكل لحمه من غير الإنسان، و ادعاء الاتفاق على خلافه كما اتفق لصاحب المسالك، محل اشكال. و بالجملة ان ثبت إجماع في تحريم بيع شيء من العذرات، فذلك، و الا كان الجواز متجها فيما ينتفع به انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره الشيخ في كتابي الاخبار في مقام الجمع من الاحتمالات، لا يوجب ان يكون ذلك مذهبا له، لينا في دعوى الإجماع في المقام، و لو جعلت تلك الاحتمالات مذاهب له لم تنحصر مذاهبه في عد، و لم تنته الى حد، فالتحقيق: ان المستند في تحريم بيع عذرة ما عدا الإنسان من غير مأكول اللحم، انما هو ما قدمناه من خبر تحف العقول صريحا، و خبر الفقه الرضوي ظاهرا، لعده في الأول ما كان من افراد النجس في المحرمات، و دلالة الثاني عليه بقوله «و ما أشبه ذلك» كما لا يخفى على المتأمل في سياق الخبر. و بذلك يظهر ما في قوله: و بالجملة ان ثبت إجماع.
إلخ.
(الثالث) [في أرواث و أبوال ما يؤكل لحمه]:
قد اختلف الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في أرواث و أبوال ما يؤكل لحمه، فذهب جماعة إلى جوازه مطلقا، نظرا إلى أنها عين طاهرة ينتفع بها، و هو المنقول عن المرتضى- رضي الله عنه- و من تبعه. و ادعى عليه الإجماع. و به قال ابن إدريس و العلامة في المنتهى و غيره. و الظاهر انه المشهور.
و آخرون الى المنع من بيع العذرات و الأبوال كلها، لاستخباثها إلا أبوال الإبل، للاستشفاء بها، و للنص عليها (1).
و نقله في المختلف عن المفيد، حيث قال: قال المفيد: و بيع العذرة و الأبوال كلها حرام، الا بول الإبل خاصة. ثم قال: و كذا قال سلار.
و قال في المسالك- بعد نقل القولين المذكورين-: و الأول أقوى، خصوصا في العذرات، للانتفاع بها في الزرع و غيره نفعا بينا مع طهارتها، و اما الأبوال فكذلك، ان فرض لها نفع مقصود، و الا فلا. انتهى.
____________
(1) الوسائل ج 2 ص 1012 حديث: 15.
76
و نقل جملة من المتأخرين عن الشيخ في النهاية تحريم جميع الأبوال و ان كانت مما يؤكل لحمه، الا بول الإبل للاستشفاء. و عبارته هنا لا تخلو من الإشكال، فإنه قال: جميع النجاسات يحرم التصرف فيها، و التكسب بها، على اختلاف أجناسها، من سائر أنواع العذرة و الأبوال و غيرهما، الا بول الإبل للاستشفاء به عند الضرورة. انتهى.
و هذا الكلام بالنظر الى صدره يقتضي صرف الأبوال التي عدها، الى أبوال ما لا يؤكل لحمه كالعذرة، فان غيرها ليس بنجس، و بالنظر الى استثناء بول الإبل، صرف الأبوال الى الأبوال مطلقا و ان كانت مما لا يؤكل لحمه، و بالجملة فكلامه هنا مشتبه كما ترى.
و قال سلار: يحرم بيع الأبوال إلا بيع أبوال الإبل خاصة، و هو قول المفيد، كذا نقله في المختلف. و هو مؤذن بالمنع من بيع ما يؤكله لحمه الا ما استثنى. و الظاهر عندي هو ما ذكره في المسالك من الجواز متى كان لها منافع تترتب عليها، لعموم خبري تحف العقول و الفقه الرضوي (1).
أقول: و الأصحاب في هذا المقام لم يذكروا من الأبوال التي دلت النصوص على جواز شربها، من مأكول اللحم إلا أبوال الإبل خاصة، مع انه قد وردت الرخصة أيضا في بول البقر و الغنم، كما رواه
الشيخ في الموثق، عن عمار الساباطي عن ابى عبد الله (عليه السلام)، انه سئل عن بول البقر يشربه الرجل؟ قال: ان كان محتاجا اليه يتداوى به يشربه، و كذلك بول الإبل و الغنم (2).
و ما رواه
سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شرب الرجل أبوال الإبل و البقر
____________
(1) تحف العقول ص 331. و الوسائل ج 12 ص 54. و مستدرك الوسائل باب 2 من أبواب ما يكتسب به، رقم: 1. فقه الرضا ص 33.
(2) الوسائل ج 2 ص 1012 حديث: 15.
77
و الغنم، ينعت له من الوجع، هل يجوز له ان يشرب؟ قال: نعم لا بأس به (1).
و مما يدل على بول الإبل زيادة على الخبرين المذكورين، ما رواه
في الكافي بسنده عن موسى بن عبد الله بن الحسن، قال: سمعت أشياخنا يقولون: البان اللقاح شفاء من كل داء و عاهة و لصاحب الربو أبوالها (2).
و نقل في الوسائل في هذا الباب ما رواه
عبد الله بن جعفر في قرب الاسناد عن السندي بن محمد عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه، ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: لا بأس ببول ما أكل لحمه (3).
و أنت خبير بما فيه من الإجمال، لاحتمال كون نفى البأس باعتبار الطهارة، لا باعتبار حل الشرب.
(الرابع) [في حرمة الانتفاع بالميتة مطلقا]:
ما اشتملت عليه الاخبار المتقدمة من تحريم الميتة، و ان ثمنها سحت، المراد به ما ينجس بالموت مما له نفس سائلة، فيشمل ما قطع من جسده، حيا كان أو ميتا.
و اما تخصيص صاحب المسالك و مثله صاحب المعالم ذلك بجسد الميت دون الاجزاء، فهو ضعيف، و قد تقدم البحث معهما في ذلك في كتاب الطهارة، في بحث النجاسات و قد أوردنا جملة من الاخبار الصحيحة الصريحة فيما ذكرناه.
و ظاهر الاخبار و كلام الأصحاب، ان الطهارة و النجاسة دائرتان مدار حلول الحياة و عدمه، فكل ما تحله الحياة يكون نجسا، و يكون الانتفاع به محرما و ثمنه سحتا، بمقتضى الأخبار المتقدمة، الا انه قد وقع الإشكال في ذلك في جلد الميتة، باعتبار دلالة ما تقدم من الاخبار، في الموضع الأول على جواز الانتفاع به، و ظاهر الصدوق في الفقيه طهارته، لما رآه فيه من جواز جعل اللبن و السمن فيه، و كذا
____________
(1) الوسائل ج 17 ص 88 حديث: 7.
(2) الكافي ج 6 ص 338. و في المصدر المطبوع: «و لصاحب البطن أبوالها»، غير ان نسخة الوسائل ج 17 ص 88 حديث: 4 موافقة للمتن.
(3) الوسائل ج 2 ص 1012 حديث: 17.
78
الماء. و اليه يميل كلام صاحبي المدارك و المعالم، و هو أشد إشكالا. و قد تقدم لبحث معهم في ذلك في كتاب الطهارة و بينا حمل ما دل على ذلك على التقية.
و المشهور في كلام الأصحاب تحريم الاستصباح بما قطع من أليات الغنم، بناء على ما ذكرناه من انها ميتة، و الميتة لا ينتفع بشيء منها مما تحله الحياة.
و نقل الشهيد عن العلامة جواز الاستصباح به تحت السماء، ثم قال: و هو ضعيف، الا انه
روى ابن إدريس في السرائر عن جامع البزنطي، عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن رجل يكون له الغنم، يقطع من ألياتها و هي أحياء، أ يصلح له ان ينتفع بما قطع؟ قال: نعم، يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها (1).
و روى هذه الرواية أيضا الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) مثله (2). و الرواية المذكورة كما ترى ظاهرة الدلالة في القول المذكور.
و ظاهر شيخنا المجلسي- (رحمه الله عليه)- في البحار: الميل الى العمل بهذه الرواية، حيث قال- بعد نقل الخلاف في هذه المسألة-: و الجواز عندي أقوى، لدلالة الخبر الصحيح المؤيد بالأصل على الجواز، و ضعف حجة المانع، إذ المتبادر من تحريم الميتة تحريم أكلها، كما حقق في موضعه، و الإجماع ممنوع انتهى.
و فيه: انه- و ان كان المتبادر من الآية، و هي قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ» انما هو تحريم الأكل كما ذكره- الا ان الدليل ليس منحصرا فيها بل الدليل على ذلك: انما هو الاخبار الصريحة في ان الميتة لا ينتفع بشيء منها.
و من تلك الاخبار ما هو في خصوص موضع البحث، و ها أنا أورد لك ما حضرني الان منها، فمنها: ما رواه
في الكافي عن الحسن بن على الوشاء، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، ان أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم، فيقطعونها. فقال:
حرام هي. فقلت: جعلت فداك، فنصطبح بها؟ فقال: أما عملت انه يصيب اليد و الثوب،
____________
(1) السرائر ص 469.
(2) قرب الاسناد ص 115.
79
و هو حرام (1).
و قوله: و هو حرام اى نجس.
و عن الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام)، و انا عنده عن قطع أليات الغنم، فقال: لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثم قال: ان في كتاب على (عليه السلام): ان ما قطع منها ميت لا ينتفع به (2).
و منها: ما في
صحيح على بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الميتة ينتفع منها بشيء؟ فقال لا. الحديث (3).
و من المحتمل قريبا في الحديث المذكور خروجه مخرج التقية، كما انهم ذهبوا الى طهارة جلد الميتة بالدباغ، حسبما قدمنا تحقيقه في كتاب الطهارة.
و ابن إدريس- في السرائر- لما أورد خبر البزنطي المذكور، قال: لا يلتفت الى هذا الحديث، فإنه من نوادر الاخبار، و الإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرف فيها بكل حال إلا أكلها للمضطر. انتهى.
و اما ما لا تحله الحياة منها فهو طاهر يجوز الانتفاع به و يحل بيعه و شراؤه اتفاقا، نصا و فتوى، الا اللبن في ضرع الشاة الميتة، فقد اختلف الأصحاب فيه طهارة و نجاسة، فالمشهور: انه كغيره مما لا تحله الحياة، و قد تقدم تحقيق القول في ذلك في كتاب الطهارة.
(الخامس) [حكم بيع أنواع الكلاب]:
لا خلاف بين الأصحاب- رضى الله عنهم- في جواز بيع كلب الصيد و عدم جواز بيع ما عداه، و عدا كلب الماشية و الزرع و الحائط، و انما الخلاف في هذه الثلاثة، فقال الشيخ في النهاية: ثمن الكلب سحت إلا إذا كان سلوقيا للصيد، فإنه يجوز بيعه و شراؤه و أكل ثمنه و التكسب به، و كذا قال المفيد.
و قال في المبسوط: الكلاب ضربان، أحدهما لا يجوز بيعه بحال، و الأخر
____________
(1) الكافي ج 6 ص 255 حديث: 3.
(2) الكافي ج 6 ص 255 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 2 ص 1080 حديث: 2.
80
يجوز ذلك فيه. فما يجوز بيعه: ما كان معلما للصيد، و روى ان كلب الماشية و الحائط مثل ذلك، و ما عدا ذلك كله لا يجوز بيعه و لا الانتفاع به.
و قال في الخلاف: يجوز بيع كلاب الصيد، و يجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلمة، و لا يجوز بيع غير الكلب المعلم على حال.
قال في المنتهى- بعد نقل عبارة الشيخ في النهاية و كذا الشيخ المفيد- عطر الله مرقديهما-: و عنى بالسلوقي كلب الصيد، لان سلوق قرية باليمن أكثر كلابها معلمة فنسب الكلب إليها انتهى. و منه يظهر مراد الشيخ بهذه العبارة، و انها خرجت مخرج التجوز و الكناية عن كلب الصيد، لا تخصيص الحكم بما كان من كلاب تلك القرية، و بنحو ما عبر به الشيخ وقع التعبير في الاخبار ايضا، كما
في جملة منها «دية الكلب السلوقي أربعون درهما».
و المراد كلب الصيد، سواء كان من هذه القرية أو من غيرها.
و قال ابن الجنيد: و لا بأس بشراء الكلب الصائد و الحارس للماشية و الزرع.
و قال ابن البراج: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره من الكلاب.
و قال ابن إدريس: يجوز بيع كلب الصيد، سواء كان سلوقيا و هو المنسوب الى «سلوق» قرية باليمن، أو غير سلوقى. و كلب الزرع و الماشية. و كلب الحائط و به قال ابن حمزة.
قال في المختلف: و هو الأقرب عندي. و نحو ذلك في المنتهى ايضا. و اختاره في المسالك ايضا.
و ألحق بكلب الحائط كلب الدار ايضا. و تردد المحقق في الشرائع، ثم قال: و الأشبه المنع.
و نقل في المنتهى عن الشيخ في باب الإجارة من المبسوط: انه سوغ بيعها، و حينئذ فيكون كلامه في الكتاب المذكور مختلفا.
أقول: و الذي وصل إلينا من الاخبار المتعلقة بالكلب في هذا الباب، متفق
81
الدلالة، متعاضد المقالة: على تخصيص الجواز بكلب الصيد خاصة، و ان ما عداه ثمنه سحت. و منها رواية أبي بصير المتقدمة.
و منها ما رواه
في الكافي عن عبد الله العامري، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، فقال: سحت. قال: و اما الصيود فلا بأس (1).
و منها: ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم و عبد الرحمن بن ابى عبد الله عن ابى عبد الله- (عليه السلام)-، قال: ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت، و قال: لا بأس بثمن الهر (2).
و عن ابى بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد؟ فقال:
لا بأس بثمنه، و الأخر لا يحل ثمنه (3).
و هذه الاخبار كلها- كما ترى- متفقة على ما ذكرناه من ان ما عدا كلب الصيد، فإنه لا يجوز بيعه و لا شراؤه، و لم أقف على خبر يتضمن استثناء غيره، سوى ما في عبارة المبسوط من قوله «و روى ان كلب الماشية و الحائط مثل ذلك». و في الاعتماد على مثل هذه الرواية في تخصيص هذه الاخبار إشكال.
و أصحابنا القائلون باستثناء الثلاثة المذكورة، انما استندوا إلى مشاركة هذه الثلاثة لكلب الصيد في المنفعة التي يترتب عليها استثناؤه، و هو من حيث العقل قريب.
الا ان ظواهر النصوص المذكورة- كما ترى- تدفعه.
قال في المسالك: و الأصح جواز بيع الكلاب الثلاثة لمشاركتها كلب الصيد في المعنى المسوغ لبيعه، و دليل المنع ضعيف السند و قاصر الدلالة.
و فيه: انه يجوز ان يكون المسوغ- شرعا- انما هو هذه المنفعة الخاصة بكلب الصيد، فمن ثم اقتصروا- (عليهم السلام)- في هذه الاخبار عليها، لا كل منفعة.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 5.
82
و اما الطعن في الاخبار بضعف السند، فقد عرفت ان فيها الصحيح باصطلاحهم، و هي صحيحة محمد بن مسلم و عبد الرحمن المذكورة. و اما الطعن بقصور الدلالة، فهو ضعيف إذ لا أصرح في الدلالة على التحريم من هذه الألفاظ الواردة في هذه الاخبار، من قولهم في جملة منها: «ان ثمنه سحت». و قوله في رواية أبي بصير: «و الأخر لا يحل ثمنه».
و استدل العلامة في المنتهى على إباحة الثلاثة الباقية- زيادة على ما تقدم- بان لها دية و قيمة لو أتلفت- على ما يأتي إنشاء الله- و الدية تستلزم التملك المستلزم لجواز التصرف.
و فيه: ما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، حيث قال: و ربما فهم بعضهم من ثبوت دياتها جواز بيعها، نظرا إلى أنها أموال محترمة كما في الحيوانات.
و فيه: منع ظاهر، فان ثبوت الديات لها ربما دل على عدم جواز بيعها، التفاتا الى أن ذلك في مقابلة القيمة، فإنك تجد كل ماله دية لا قيمة له، كما في الحر. و ماله قيمة لا دية له، كما في الحيوان المملوك غير الأدمي انتهى، و هو جيد.
و بالجملة فالظاهر هو الاقتصار على ما دلت عليه الاخبار المذكورة و الله العالم.
(السادس) [حكم بيع الهرة]:
ظاهر المشهور بين الأصحاب: انه لا بأس ببيع الهرة و حل ثمنها، و عليه تدل صحيحة محمد بن مسلم و عبد الرحمن المتقدمة (1).
قال في المسالك: و اما الهرة فنسب جواز بيعها في التذكرة إلى علمائنا و هو يعطى الاتفاق عليها انتهى.
و نقل في المختلف عن ابن البراج: انه قال: من باع هرة فليتصدق بثمنها، و لا يتصرف فيه في غير ذلك، ثم قال: و الوجه عدم وجوب ذلك. لنا انها مملوكة فكان الثمن ملكه كغيرها. انتهى و هو جيد، للصحيح المذكور.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 83 حديث: 3.
83
المسألة الثانية [الانتفاع بالمائعات و الأدهان النجسة]
لا يحل بيع المائع النجس نجاسة عارضة، لنجاسته المانعة من جواز الانتفاع به.
على المشهور بين الأصحاب، عدا الدهن للاستصباح، لورود الاخبار به.
و هو مبنى على عدم قبول تلك المائعات للتطهير، كما هو الأشهر الأظهر، و اما على القول بقبولها للطهارة فإنه يجوز بيعها مع الاعلام.
قال: في المسالك- بعد قول المصنف بتحريم كل مائع نجس عدا الأدهان لفائدة الاستصباح بها تحت السماء- ما لفظه: بناء على ان المائعات النجسة لا تقبل التطهير بالماء، فإنه أصح القولين. و لو قلنا بقبولها الطهارة جاز بيعها مع الاعلام بحالها، و لا فرق في عدم جواز بيعها- على القول بعدم قبولها للطهارة- بين صلاحيتها للانتفاع على بعض الوجوه و عدمها، و لا بين الاعلام و عدمه، على ما نص عليه الأصحاب و غيرهم انتهى.
أقول: و قد تقدم البحث في قبولها الطهارة و عدمه في كتاب الطهارة، و بينا:
ان الظاهر هو العدم بالنسبة إلى الدهن، و اما غيره فإنه لا يقبل الطهارة إلا باضمحلاله
84
في الماء، على وجه يخرج عن حقيقته و ماهيته، و هذا لا يسمى في الحقيقة تطهيرا.
و ظاهر الكفاية: المناقشة في الحكم المذكور، حيث قال: و المعروف ان المائعات التي لا تقبل التطهير لا يجوز بيعها سوى الأدهان لفائدة الاستصباح. و نقل في المنتهى الإجماع عليه، و لا حجة لذلك سواه- ان تم- و عموم الأدلة مع حصول الانتفاع بها يقتضي الجواز، انتهى و هو جيد.
و اما بيع الأدهان لفائدة الاستصباح فظاهر الأصحاب: الاتفاق عليه، و عليه تدل الاخبار الاتية، و ظاهره ايضا الاتفاق على تخصيص ذلك بالدهن المتنجس، دون ما كان نجسا من أصله كالاليات المقطوعة من الغنم.
قال في المسالك- بعد نقل الخلاف في تخصيص الاستصباح بكونه تحت السماء أو عمومه- ما لفظه: و موضع الخلاف ما إذا كان الدهن متنجسا بالعرض، فلو كان نفسه نجسا كالاليات الميتة و المبانة من حي، لا يصح الانتفاع به مطلقا، لإطلاق النهي عن استعمال الميتة. و نقل عن العلامة جواز الاستصباح به تحت السماء و هو ضعيف، انتهى.
أقول: و قد تقدم من الاخبار ما يدل على كلام العلامة المذكور هنا، و اختيار شيخنا المجلسي. و هو ايضا ظاهر صاحب الكفاية، حيث نقل الروايتين المتقدمتين الدالتين على ذلك، بعد ان تنظر فيما ذكره في المسالك، و أيدهما بحسنتي الحلبي (1) الواردتين في قطع اللحم المختلط ذكية بميتة، و صحيحة حفص بن البختري (2) في العجين بالماء النجس.
أقول و يؤيده أيضا روايتا الصيقل المتقدمتان (3) في الموضع الأول.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 68 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 68 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 68 حديث: 3.
85
و المسألة لذلك قوية الإشكال، لتعارض هذه الاخبار الواردة في هذا المجال.
بقي الكلام في انه هل يجب كون الاستصباح به تحت السماء، فلا يجوز تحت الظلال أم لا؟ ظاهر كلامهم: الأول. فنقل في المختلف عن الشيخين و ابن البراج:
ان الدهن إذا وقعت فيه نجاسة، جاز الاستصباح به، فان دخانه يكون طاهرا و لا يكون نجسا، لأن الأصل الطهارة و براءة الذمة، و الحكم بالنجاسة و شغل الذمة يحتاج الى دليل.
و قال في المبسوط: الادهان إذا ماتت فيها فارة تنجس، و يجوز عندنا و جماعة الاستصباح به في السراج، و لا يؤكل و لا ينتفع به في غير الاستصباح، و فيه خلاف.
و روى أصحابنا: انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، و هذا يدل على ان دخانه نجس، غير ان عندي ان هذا مكروه، فاما دخانه و دخان كل نجس من العذرة و جلود الميتة و السرجين و البعر و عظام الموتى عندنا ليس بنجس. و اما ما يقطع بنجاسته قال قوم: دخانه نجس. و هو الذي قدمناه من رواية أصحابنا. و قال آخرون- و هو الأقوى- انه ليس بنجس.
و قال ابن إدريس: يجوز الاستصباح به تحت السماء، و لا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، لا لان دخانه نجس، بل تعبدا، لان دخان الأعيان النجسة و رمادها طاهر عندنا بغير خلاف بيننا. ثم نقل كلام المبسوط، ثم قال: قوله: روى أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، هذا يدل على ان دخانه نجس، غير ان عندي ان هذا مكروه. و يريد به الاستصباح تحت السقف.
قال محمد بن إدريس: ما ذهب أحد من أصحابنا الى ان الاستصباح به تحت الظلال مكروه، بل محظور بلا خلاف منهم، و شيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه، الا ما ذكره ها هنا، و الأخذ بقوله و قول أصحابنا أولى من الأخذ بقوله المنفرد عن قول أصحابنا انتهى.
86
و اعترضه العلامة في المختلف، فقال- بعد نقل كلامه-: و هذا الرد على شيخنا جهل منه و سخف، فان الشيخ- رضوان الله عليه- اعرف بأقوال علمائنا، و المسائل الإجماعية و الخلافية، و الروايات الواردة هنا في التهذيب مطلقة غير مقيدة بالسماء، ثم ساق صحيحة معاوية بن وهب و صحيحة زرارة الآتيتين إنشاء الله تعالى، ثم قال: و كذا باقي الأحاديث، ثم قال: إذا عرفت هذا فنقول: لا استبعاد فيما ذكره شيخنا في المبسوط من نجاسة دخان الدهن النجس، لبعد استحالة كله، بل لا بد ان يتصاعد من اجزائه قبل احالة النار لها، فتثبت السخونة المكتسبة من النار الى ان يلقى الظلال فتتأثر بنجاسته و لهذا منعوا عن الاستصباح به تحت الظلال، فان هذا القيد مع طهارته لا يجتمعان، لكن الاولى: الجواز مطلقا، للأحاديث، ما لم يعلم أو يظن بقاء شيء من اجزاء أعيان الدهن، فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال انتهى.
أقول: و الواجب أولا نقل الاخبار، ثم الكلام فيها.
فمنها ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر- (عليه السلام)- قال: إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فان كان جامدا فألقها و ما يليها و كل ما بقي، و ان كان ذائبا فلا تأكله و استصبح به، و الزيت مثل ذلك (1).
و منها ما رواه أيضا
الكليني و الشيخ في الصحيح عن معاوية بن وهب عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له. جرذ مات في زيت أو سمن أو عسل، فقال: اما السمن فيؤخذ الجرذ و ما حوله، و الزيت يستصبح به،.
و زاد في رواية التهذيب، و قال في بيع ذلك الزيت: بعه و بينه لمن يشتريه ليستصبح به (2).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 66 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 66 حديث: 1 و 4.
87
و منها ما رواه أيضا في الصحيح
عن سعيد الأعرج- و ساق الخبر- الى ان قال: و عن الفارة تموت في الزيت، فقال: لا تأكله و لكن أسرج به (1).
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة و الدابة تقع في الطعام و الشراب فتموت فيه، فقال: ان كان سمنا أو عسلا أو زيتا فإنه ربما يكون بعض هذا، فان كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، و ان كان الصيف فارفعه حتى تسرج به. الحديث (2).
و عن سماعة في الموثق قال سألته عن السمن تقع فيه الميتة، فقال: إذا كان جامدا فألق ما حوله و كل الباقي. و قلت: الزيت؟ فقال: أسرج به (3).
و عن ابى بصير في الموثق، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفارة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه، فقال: ان كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي، و ان كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته (4).
و منها: ما رواه
عبد الله بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن محمد بن خالد الطيالسي، عن إسماعيل بن عبد الخالق، قال: سأله سعيد الأعرج السمان و انا حاضر، عن السمن و الزيت و العسل، تقع فيه الفارة فتموت، كيف يصنع به؟ فقال: اما الزيت فلا تبعه، الا لمن تبين له، فيبتاع للسراج، و اما الأكل فلا. و اما السمن فان كان ذائبا فهو كذلك، و ان كان جامدا و الفأرة في أعلاه، فيؤخذ ما تحتها و ما حولها، ثم لا بأس به، و العسل كذلك ان كان جامدا (5).
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 462 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 16 ص 462 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 16 ص 462 حديث: 5.
(4) الوسائل ج 12 ص 66 حديث: 3.
(5) الوسائل ج 12 ص 67 حديث: 5.
88
و منها: ما رواه
الراوندي في كتاب النوادر، بسنده فيه عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، في حديث قال: و سئل عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت، فقال: يبيعه لمن يعمله صابونا (1).
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 1 ص 163 حديث: 8.
89
فوائد
(الاولى) [في تقييد الجواز بالاستصباح تحت السماء]:
هذه الروايات- على كثرتها- لا إشعار في شيء منها، فضلا عن التصريح، بما ذكروه من تقييد الجواز بالاستصباح تحت السماء، و المنع من كونه تحت الظلال، حتى ذهب من ذهب الى نجاسة دخانه لذلك كما عرفته من كلام الشيخ في المبسوط، أو ان ذلك محض تعبد كما ذكره في المختلف عن ابن إدريس.
فإن الكل نفخ في غير ضرام، و نزاع لا أصل له في أخبارهم (عليهم السلام). و قد صرح بمثل ما ذكرنا في المسالك (1).
(الثانية) [ذكر الاستصباح في الأخبار تمثيلي أو حصري؟]:
المفهوم من كلام الأصحاب تخصيص الانتفاع بالدهن بصورة الاستصباح خاصة فلا يتعدى الى غيرها، بناء على تحريم الانتفاع بالنجس مطلقا، خرج منه ما وردت به اخبار الاستصباح المذكورة، فيبقى ما عداه.
قال في المسالك: و اما الادهان النجسة نجاسة عارضية، كالزيت تموت فيه
____________
(1) حيث قال: و المشهور بين الأصحاب تقييد جواز الاستصباح بها بكونه تحت السماء، بل ادعى عليه ابن إدريس في السرائر الإجماع. و في الحكم بالتخصيص نظر، و في دعوى الإجماع منع، و الصحيحة مطلقة، و المقيد لها بحيث يجب الجمع بينها غير معلوم، فالقول بالجواز متجه، و اليه ذهب الشيخ في المبسوط، و العلامة في المنتهى. انتهى منه قده.
90
الفارة، فيجوز بيعها لفائدة الاستصباح بها. و انما خرج هذا الفرد بالنص، و الا لكان ينبغي مساواتها لغيرها من المائعات النجسة، التي يمكن الانتفاع بها في بعض الوجوه، و قد ألحق بعض الأصحاب ببيعها للاستصباح بيعها ليعمل صابونا، أو ليدهن بها الأجرب و نحو ذلك، و يشكل بأنه خروج عن موضع النص المخالف للأصل، فان جاز، لتحقق المنفعة، فينبغي مثله في المائعات النجسة التي ينتفع بها، كالدبس يطعم النحل و نحوه انتهى.
أقول: يمكن ان يقال: ان ذكر الاستصباح في هذه الاخبار انما خرج مخرج التمثيل لا الحصر، حيث انه أظهر وجوه الاستعمالات و أعم فوائدها، كما ان تخصيص المنع بالأكل فيها غير دال على الحصر فيه. و يؤيد ذلك خبر الراوندي الدال على عمله صابونا، كما ذهب اليه البعض الذي نقل عنه ذلك. و لعله استند الى الخبر المذكور، على انه لم يقم هنا- أعني بالنسبة الى ما نجاسته عارضية في المائعات- ما يدل على عموم المنع من الانتفاع به، و الأصل و عموم الأدلة يؤيد ما ذكرناه.
و اليه مال- ايضا- شيخنا المجلسي في البحار، و قبله الفاضل في الذخيرة و الله العالم.
(الثالثة) [طهارة دخان الدهن المتنجس]:
لا يخفى انه على تقدير القول بوجوب الاستصباح بالدهن النجس تحت السماء، فان الظاهر كون ذلك تعبدا شرعيا، كما ذكره ابن إدريس، لا لنجاسة دخانه، كما دل عليه كلام الشيخ المتقدم، و العلامة في المختلف، لما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة، من طهارة الدخان و الرماد، و ان كانا من النجاسات العينية.
و ما ذكره العلامة هنا من التعليل، ضعيف عليل و محض تخرص لا يروى الغليل.
و أصالة العدم أظهر ظاهر في رده.
(الرابعة) [وجوب الإعلام في بيع الدهن المتنجس]
قد دل صحيح معاوية بن وهب، و موثق ابى بصير، و خبر قرب الاسناد (1) على الأمر بالإعلام إذا أراد بيعه، و حينئذ فلو باعه من غير اعلام فالظاهر
____________
(1) تقدمت الروايات في ص 87.
91
- على قواعد الأصحاب- هو صحة البيع، و ان أثم بمخالفة الأمر بالإعلام و يتخير المشترى بعد العلم.
و استشكل الجواز في المسالك، بناء على تعليله بالاستصباح. قال: فان مقتضاه الاعلام بالحال، و البيع لتلك الغاية.
أقول: و توضيحه: ان الشارع إذا كان انما جوز البيع لفائدة الاستصباح خاصة فإذا لم يعلمه يكون قد اشتراه لغير تلك الفائدة، و هي محرمة، و البيع للفائدة المحرمة حرام، فيكون باطلا.
و فيه: ما لا يخفى، فإن الشيء إذا كان له في حد ذاته منافع عديدة، منها ما هو محرم، و منها ما هو محلل، لا يجب في البيع قصد منفعة من المنافع المحللة، و الا لبطل البيع في أكثر المبيعات و هي لا تخلو من المنافع المحرمة، كما لا يخفى.
و كيف كان، فهو على تقدير تسليمه لا يجرى فيما اخترناه مما قدمنا ذكره، من جواز البيع، لأي منفعة تترتب على ذلك.
و ظاهر هذه الاخبار وجوب الإخبار بالنجاسة متى أريد بيعه، مع انه قد تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة من الاخبار، ما ظاهره كراهة الاخبار، لا سيما موثقة ابن بكير، الدالة على جواز اعارة الثوب الذي لا يصلى فيه، لمن يصلى فيه (1) و صحيحة محمد ابن مسلم، الدالة على ان من رأى في ثوب أخيه دما و هو يصلى لا يعلمه، حتى ينصرف من صلاته (2).
و يؤيده ما تقدم تحقيقه في كتاب الطهارة، من ان الطهارة و النجاسة و الحل و الحرمة ليست من الأحكام النفس الأمرية، و انما هي بالنظر الى علم المكلف بنجاسته، لا ما كان كذلك في الواقع.
و حينئذ فهذا الدهن، و ان كان نجسا، باعتبار علم البائع، الا انه بالنظر
____________
(1) الوسائل ج 2 ص 1069 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 2 ص 1069 حديث: 1.
92
إلى المشتري غير العالم طاهر، و الجمع بين الاخبار في هذا المقام لا يخلو عن اشكال.
نعم لو قلنا بأن النجاسة من الأحكام النفس الأمرية، كما هو ظاهر الأصحاب، اتجه القول بهذه الاخبار على ظاهرها.
لكن قد تقدم التحقيق في كتاب الطهارة، بان الأمر ليس كذلك، بل هي انما بالنظر الى علم المكلف، كما يدل عليه جملة من الاخبار المذكورة ثمة، و منها الموثقة و الصحيحة المذكورتان و الله العالم.
93
المقام الثاني فيما لا ينتفع به كالسباع و المسوخ
و المشهور في كلام المتقدمين تحريم التجارة في السباع و المسوخ.
قال المفيد- عليه الرحمة-: التجارة في القردة و السباع و الفيلة و الذئبة و سائر المسوخ حرام، و أكل أثمانها حرام، و التجارة في الفهود و البزاة و سباع الطير، التي بها يصاد حلال. و كذا حرم الشيخ في النهاية: بيع سائر المسوخ و شراءها و التجارة فيها و التكسب بها، مثل القردة و الفيلة و الذئبة و غيرها من أنواع المسوخ، و بيع جميع السباع، و التصرف فيها، و التكسب بها محظور، الا الفهود خاصة منها تصلح للصيد.
و قال سلار: يحرم بيع القردة و السباع و الفيلة و الذئاب.
و قال في المبسوط: الحيوان الذي هو نجس العين كالكلب و الخنزير و ما تولد منهما و جميع المسوخ، و ما تولد من ذلك أو من أحدهما، فلا يجوز بيعه و لا إجارته و لا الانتفاع به، و لا اقتناؤه بحال، إجماعا، إلا الكلب. ثم قال: و الظاهر ان غير مأكول اللحم مثل الفهد و النصر و الفيل و جوارح الطير مثل الصقور و البزاة و الشواهين
94
و العقبان و الأرانب و الثعالب و ما أشبه ذلك، فهذا كله يجوز بيعه، و ان كان مما لا ينتفع به فلا يجوز بيعه، بلا خلاف، مثل الأسد و الذئب.
و قال ابن ابى عقيل: جميع ما يحرم بيعه و شراؤه و لبسه عند آل الرسول- (عليهم السلام)- بجميع ما ذكرنا من الأصناف التي يحرم أكلها، من السباع و الطير و السمك و الثمار و النبات و البيض.
و قال ابن الجنيد: لا خير فيما عدا الصيود و الحارس من الكلاب، و في سائر المسوخ، و اختار في أثمان ما لا يؤكل لحمه من السباع و المسوخ ان لا يصرف بائعه ثمنه في مطعم أو مشرب له و لغيره من المسلمين.
و قال ابن البراج: لا يجوز بيع ما كان مسخا من الوحوش. و يجوز بيع جوارح الطير و السباع من الوحوش.
و قال ابن إدريس في سرائره- بعد نقل عبارة النهاية-: قال محمد بن إدريس:
قوله- عليه الرحمة-: و الفيلة و الذئبة. فيه كلام. و ذلك ان ما جعل الشارع و سوغ الانتفاع به فلا بأس ببيعه و ابتياعه لتلك المنفعة، و الا يكون قد حلل و أباح و سوغ شيئا غير مقدور عليه، و عظام الفيل لا خلاف في جواز استعمالها مداهن و أمشاطا و غير ذلك، و الذئب ليس بنجس السؤر بل هو من جملة السباع، فعلى هذا جلده بعد ذكاته و دباغه طاهر انتهى.
و الظاهر: انه على هذه المقالة نسج المتأخرون كالفاضلين و من تأخر عنهما، فإنهم جعلوا مناط الجواز طهارة العين و حصول المنفعة بجلد أو شعر أو ريش أو عظم أو نحو ذلك.
قال في المختلف- بعد نقل الأقوال التي قدمنا ذكرها-: و الأقرب الجواز لنا: أنه عين طاهرة ينتفع بها، فجاز بيعها. اما انها عين طاهرة فلانا قد بينا فيما سلف طهارة المسوخ، و اما الانتفاع بها فلأنها ينتفع بجلودها و عظامها، و اما جواز بيعها حينئذ فللمقتضى، و هو عموم قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» و زوال المانع، و هو
95
النجاسة، إلى آخر كلامه زيد مقامه.
و هو المختار الذي تعضده الاخبار الجارية في هذا المضار، و هي التي عليها الاعتماد في الإيراد و الإصدار.
و منها: ما رواه
في الكافي في الصحيح عن العيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفهود و سباع الطير، هل يلتمس التجار فيها؟ قال: نعم (1).
و رواه الشيخ في الصحيح مثله.
و ما رواه
الشيخان المذكوران عن عبد الحميد بن سعيد، قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن عظام الفيل، يحل بيعه أو شراؤه، الذي يجعل منه الأمشاط؟ فقال: لا بأس، قد كان لي منها مشط أو أمشاط (2).
و ما رواه
في الكافي عن موسى بن يزيد قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يمتشط بمشط عاج، و اشتريته له (3).
و ما رواه
على بن جعفر في كتابه عن أخيه، قال: سألته عن جلود السباع و بيعها و ركوبها أ يصلح ذلك؟ قال: لا بأس، ما لم يسجد عليها (4).
و ما رواه
الشيخ عن ابى مخلد، قال: كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه معتب، فقال له: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما فدخلا، فقال أحدهما: انى رجل سراج، أبيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي؟ قال: نعم. قال: ليس به بأس (5).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 123 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 123 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 123 حديث: 3.
(4) الوسائل ج 12 ص 124 حديث: 5.
(5) الوسائل ج 12 ص 124 حديث: 1 قال بعض مشايخنا المحدثين من متأخري المتأخرين:
هذا الخبر يدل على مذهب من قال بعدم جواز استعمال جلود مالا يؤكل لحمه بدون الدباغة، و يمكن الحمل على الكراهة. منه (قدس سره).
96
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال، سألته عن لحوم السباع و جلودها؟ فقال: اما لحوم السباع، و السباع من الطير فانا نكرهه و اما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا شيئا منها تصلون فيه (1).
و عن سماعة- أيضا- عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن لحوم السباع و جلودها؟ فقال: أما لحوم السباع فمن الطير و الدواب فانا نكرهه، و اما الجلود فاركبوا عليها و لا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (2).
و ما رواه
على بن أسباط عن على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)، قال: سألته عن ركوب جلود السباع؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها (3).
و ما رواه
البرقي (في المحاسن) عن سماعة قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن جلود السباع؟ فقال: اركبوا و لا تلبسوا شيئا تصلون فيه (4).
و هذه الاخبار- كما ترى- ظاهرة الدلالة في كون السباع قابلة للتذكية، لإفادتها جواز الانتفاع بجلودها، لطهارتها، فيجوز بيعها و شراؤها.
نعم ورد النهى عن القرد، كما رواه
الشيخان في الكافي و التهذيب عن مسمع عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) نهى عن القرد ان يباع أو يشترى (5).
فيمكن استثناء القرد بهذه الرواية من عموم الجواز المدلول عليه بالأصل و الآية و الرواية، مع احتمال حملها على الكراهة.
و لم نقف للقائلين بالتحريم، على دليل يعتد به، الا ان يكون ما ذهب اليه الشيخ، من نجاسة المسوخ، و هو الذي نقله العلامة في المختلف.
____________
(1) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 3 و 4.
(2) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 3 و 4.
(3) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 5.
(4) الوسائل ج 3 ص 256 حديث: 3 و 4.
(5) الوسائل ج 12 ص 124 حديث: 4.
97
قال: احتج المانعون بأنها نجسة فيحرم بيعها، و بما رواه مسمع، ثم ساق الخبر المذكور، ثم قال: و الجواب: المنع من النجاسة. و قد تقدم. و عن الحديث بالمنع من صحة السند، و الحمل على الكراهة جمعا بين الأدلة.
و من هذا الباب في المنع: الحشرات، و الجري، و الطافي من السمك، و هو ما مات في الماء ثم طفي على وجهه، و الضفادع، و السلاحف. كذا صرح به جملة من الأصحاب.
98
المقام الثالث فيما هو محرم في نفسه
كعمل الصور، و الغناء، و معونة الظالمين بما يحرم، و نوح النائحة بالباطل، و حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض، و هجاء المؤمنين، و تعلم السحر و الكهانة، و القيافة، و الشعبدة، و القمار، و الغش بما يخفى، و تدليس الماشطة، و تزين الرجل بما يحرم عليه. فها هنا مسائل:
[المسألة] الاولى: في عمل الصور
. لا خلاف بين الأصحاب- رضى الله عنهم- في تحريم التماثيل في الجملة، فظاهر جملة منهم: التصريح بتحريم التماثيل المجسمة و غيرها، من المنقوش على جدار أو بساط أو نحو ذلك. و ظاهر بعض: التخصيص بالمجسمة من ذوات الأرواح.
و آخرين بالمجسمة من ذوات الأرواح و غيرها. و ظاهر بعض: التخصيص بذوات الأرواح مطلقا، مجسمة أو غير مجسمة.
و الأول، نقله في المختلف عن ابن البراج، و ظاهر ابى الصلاح. و نقل الثالث، عن الشيخين و سلار، و الرابع عن ابن إدريس. و الثاني، نقله في المسالك،
99
و لم يذكر قائله.
و الذي وقفت عليه من الاخبار، في هذا المقام، ما رواه
في الكافي في الصحيح عن ابى العباس عن ابى عبد الله (عليه السلام)، في قوله تعالى «يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ» فقال: و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء، و لكنها الشجر و شبهه (1).
و عن ابى العباس قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ مِنْ مَحٰارِيبَ وَ تَمٰاثِيلَ وَ جِفٰانٍ كَالْجَوٰابِ، قال: ما هي تماثيل الرجال و النساء، لكنها تماثيل الشجر و شبهه (2).
و عن جعفر بن بشير عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: كانت لعلى بن الحسين و سائد و أنماط فيها تماثيل يجلس عليها (3).
و عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر- (عليه السلام)-، قال: لا بأس بتماثيل الشجر (4).
و عن محمد بن مسلم في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر؟ فقال: لا بأس ما لم يكن شيئا من الحيوان (5).
و ما رواه
الشيخ عن ابى بصير، قال: قلت لأبي عبد الله- (عليه السلام)-: انا نبسط عندنا الوسائد، فيها التماثيل و نفترشها؟ فقال: لا بأس بما يبسط منها و يفترش و يوطأ، و انما يكره منها ما نصب على الحائط و على السرير (6).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 320 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 3 ص 561 حديث: 6.
(3) الوسائل ج 3 ص 564 حديث: 4.
(4) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 2.
(5) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 3.
(6) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 4.
100
و ما رواه
الصدوق في حديث المناهي عن الحسين بن زيد، عن الصادق (عليه السلام)، قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن التصاوير، و قال: من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة ان ينفخ فيها و ليس بنافخ، و نهى ان يحرق شيء من الحيوان، و نهى عن التختم بخاتم صفر أو حديد، و نهى ان ينقش شيء من الحيوان على الخاتم (1).
و ما رواه
في الخصال عن محمد بن مروان عن الصادق (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: ثلاثة يعذبون يوم القيمة: من صور صورة من الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها و ليس بنافخ فيها- الحديث (2).
و عن ابن عباس، قال قال: رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): من صور صورة عذب و كلف ان ينفخ فيها و ليس بنافخ (3).
أقول: ظاهر هذه الاخبار- بعد حمل مطلقها على مقيدها-: هو تخصيص التحريم بتصوير صورة ذوي الروح، أعم من ان يكون مجسمة أو منقوشة على جدار و شبهه.
و هذا هو القول الرابع من الأقوال المتقدمة، و هو قول ابن إدريس.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 220 حديث: 6.
(2) الوسائل ج 12 ص 221 حديث: 7.
(3) الوسائل ج 12 ص 221 حديث: 9.
101
المسألة الثانية في الغناء
- بالمد ككساء- قيل: هو مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، فلا يحرم بدون الوصفين، اعنى الترجيع و الاطراب، كذا عرفه جماعة من الأصحاب، و الطرب:
خفة تعتريه تسره أو تحزنه.
و رده بعضهم الى العرف، فما سمى فيه غناء يحرم و ان لم يطرب. و اختاره في المسالك و غيره، و هو المختار (1) و لا خلاف في تحريمه فيما اعلم.
و لا فرق في ظاهر كلام الأصحاب، بل صريح جملة منهم، في كون ذلك في قرآن أو دعاء أو شعر أو غيرها، الى ان انتهت النوبة إلى المحدث الكاشاني فنسج في هذا
____________
(1) أقول: و ممن صرح بما اخترناه هنا الفاضل المولى محمد صالح المازندراني في شرح الأصول، حيث قال- بعد الكلام في الغناء-: و عرفه جماعة من أصحابنا بالترجيع المطرب، فلا تتحقق ماهيته بدون الترجيع و الاطراب، و لا يكفي أحدهما. و رده بعضهم الى العرف فما سماه أهل العرف غناء حرام، أطرب أم لم يطرب، و لا يخلو من قوة، لأن الشائع في مثله مما لم يعلم معناه لغة و لم يظهر المقصود منه شرعا، هو الرجوع الى العرف. منه (قدس سره).
102
المقام على منوال الغزالي و نحوه من علماء العامة، فخص الحرام منه بما اشتمل على محرم من خارج، مثل اللعب بآلات اللهو كالعيدان، و دخول الرجال، و الكلام بالباطل، و الا فهو في نفسه غير محرم.
و ما ذكره و ان أوهمه بعض الاخبار، الا ان الحق فيه ليس ما ذهب اليه و اعتمد في هذا الباب عليه، و ان كان قد تبعه في ذلك ايضا صاحب الكفاية، و هو- كما ستعرف- في الضعف و الوهن الى أظهر غاية.
و الواجب هنا- أولا- نقل جملة الأخبار:
فمنها: ما رواه
في الكافي- في الصحيح- عن زيد الشحام قال: قال أبو عبد الله- (عليه السلام): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة و لا تجاب فيه الدعوة و لا يدخله الملك (1).
و عن زيد الشحام، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» (2) قال: الزور الغناء (3).
و عن ابى الصباح- في الصحيح- عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» (4). قال: الغناء (5).
و عن ابى الصباح الكناني- في الصحيح- عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» قال: هو الغناء (6).
و عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الغناء مما وعد الله تعالى عليه النار. و تلا هذه الآية
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 225 حديث: 1 باب: 99 أبواب ما يكتسب به.
(2) سورة الحج: 30.
(3) الوسائل ج 12 ص 225 حديث: 2.
(4) سورة الفرقان: 72.
(5) الوسائل ج 12 ص 226 حديث: 3.
(6) الوسائل ج 12 ص 226 حديث: 5.
103
«وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ» (1).
و عن عمران بن محمد عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: الغناء مما قال الله عز و جل «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» (2).
و عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى «وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الزور الغناء (3).
و عن ابى بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله عز و جل «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الغناء (4).
و عن أبي أسامة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: الغناء غش النفاق (5).
و عن الوشاء قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يسأل عن الغناء، فقال: هو قول الله عز و جل «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» (6).
و عن إبراهيم بن محمد المدني عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سئل عن الغناء، و انا حاضر، فقال: لا تدخلوا بيوتا الله معرض عن أهلها (7).
و عن يونس، قال: سألت الخراساني- (صلوات الله عليه)- عن الغناء، و قلت:
ان العباسي ذكر عنك انك ترحض في الغناء، فقال: كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت له: ان رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) فسأله عن الغناء، فقال:
يا فلان، إذا ميز الله بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. فقال:
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 226 حديث: 6.
(2) الوسائل ج 12 ص 226 حديث: 7.
(3) الوسائل ج 12 ص 227 حديث «: 8.
(4) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 9.
(5) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 10.
(6) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 11.
(7) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 12.
104
قد حكمت (1).
و رواه
في عيون الاخبار عن الريان بن الصلت، قال سألت الرضا يوما بخراسان و ذكر نحوه (2).
و رواه الحميري في قرب الاسناد عن الريان بن الصلت.
و عن عبد الأعلى قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الغناء، و قلت: انهم يزعمون ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) رخص في ان يقال: حيونا حيونا نحييكم! فقال: ان الله تعالى يقول «وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ، وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ» ثم قال: ويل لفلان مما يصف. رجل لم يحضر المجلس (3).
و عن الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: الغناء مجلس لا ينظر الله الى اهله، و هو مما قال الله عز و جل «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» (4).
و روى في العيون بأسانيده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن على- (عليهم السلام)-، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: أخاف عليكم استخفافا بالدين و بيع الحكم و قطيعة الرحم، و ان تتخذوا القرآن من أمير، و تقدمون أحدكم و ليس بأفضلكم في الدين (5).
و عن محمد بن ابى عباد، و كان مستهترا بالسماع، و يشرب النبيذ، قال: سألت الرضا عن السماع، فقال: لأهل الحجاز فيه رأى و هو في حيز الباطل و اللهو، اما سمعت الله يقول «وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً» (6).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 13.
(2) الوسائل ج 12 ص 227 حديث: 14.
(3) الوسائل ج 12 ص 228 حديث: 15 و الآية في سورة الأنبياء: 16.
(4) الوسائل ج 12 ص 228 حديث: 16.
(5) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 18.
(6) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 19.
105
و روى في كتاب معاني الأخبار بسنده عن عبد الأعلى، قال: سألت جعفر بن محمد (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال: الرجس من الأوثان، الشطرنج. و قول الزور: الغناء. قلت: قول الله عز و جل «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ» قال: منه الغناء (1).
و عن حماد بن عثمان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قول الزور، قال:
منه قول الرجل، للذي يغني: أحسنت (2).
و روى في المقنع مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام): شر الأصوات: الغناء (3).
و روى في كتاب الخصال بسنده المعتبر عن الحسن بن هارون، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: الغناء يورث النفاق و يعقب الفقر (4).
و روى في المجالس عن عبد الله بن ابى بكر عن محمد بن عمرو بن حزم، في حديث، قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام)، فقال: اجتنبوا الغناء، اجتنبوا الغناء، اجتنبوا قول الزور. فما زال يقول: اجتنبوا الغناء، اجتنبوا، فضاق بي المجلس و علمت أنه يعنيني (5).
و في رواية عبد الله بن سنان المروية في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): اقروا القرآن بألحان العرب و أصواتها: و إياكم و لحون أهل الفسق و أهل الكبائر، فإنه سيجيء بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية، لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم (6).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 20.
(2) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 21.
(3) الوسائل ج 12 ص 229 حديث: 22.
(4) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 23.
(5) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 24.
(6) الوسائل ج 4 ص 858 حديث: 1.
106
و روى في مجمع البيان، قال: روى عن ابى جعفر و ابى عبد الله و ابى الحسن الرضا- (عليهم السلام)-، في قول الله عز و جل «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ» انهم قالوا: منه الغناء (1).
و روى على بن إبراهيم في تفسيره- في الصحيح أو الحسن- عن هشام عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» قال الرجس من الأوثان: الشطرنج، و قول الزور: الغناء (2).
و روى فيه عن أبيه بسنده الى عبد الله بن العباس عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)- في حديث- قال: ان من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، و اتباع الشهوات، و الميل إلى الأهواء. الى ان قال: فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله، و يتخذونه مزامير- الى ان قال: و يتغنون بالقرآن. الى ان قال: فأولئك يدعون في ملكوت السماوات: الأرجاس الأنجاس (3).
أقول: فهذه جملة من الاخبار الصريحة الدالة، في تحريم الغناء مطلقا، من غير تقييد بما قدمنا ذكره عن المجوز له في حد ذاته.
و يعضدها: الأخبار الدالة على تحريم الاستماع له (4) و الاخبار الدالة على تحريم ثمن المغنية (5)
فروى في الكافي عن مسعدة بن زياد، قال: كنت عند ابى عبد الله (عليه السلام)، فقال له رجل: بأبي أنت و أمي، انى ادخل كنيفا، و لي جيران و عندهم جواز يتغنين و يضربن
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 25.
(2) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 26.
(3) الوسائل ج 12 ص 230 حديث: 27.
(4) الوسائل باب 101 من أبواب ما يكتسب به.
(5) الكافي ج 5 ص 119.
107
بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعا منى لهن! فقال: لا تفعل. فقال الرجل: و الله ما اتيتهن و انما هو سماع أسمعه بأذني. فقال: بالله أنت، أما سمعت الله تعالى يقول «إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا»؟ فقال: بلى و الله كأني لم اسمع بهذه الآية من كتاب الله تعالى من عجمي و لا عربي. لا جرم انى لا أعود إنشاء الله تعالى، و انى استغفر الله. فقال له: فاغتسل فصل ما بدا لك، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك. احمد الله و سله التوبة من كل ما يكره، فإنه لا يكره الأكل قبيح، و القبيح دعه لأهله، فإن لكل أهلا (1).
و عن عنبسة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: استماع الغناء و اللهو ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع (2).
و عن الحسين بن على بن يقطين عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: من أصغى الى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق يؤدى عن الله عز و جل فقد عبد الله و ان كان الناطق يؤدى عن الشيطان فقد عبد الشيطان (3).
و روى في الكافي و التهذيب عن الحسن بن على الوشاء قال سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنية. فقال: قد تكون للرجل الجارية تلهيه و ما ثمنها الا ثمن الكلب، و ثمن الكلب سحت، و السحت في النار (4).
و ما رواه
في الكافي عن سعيد بن محمد الطاطري عن أبيه عن ابى عبد الله (عليه السلام).
قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات. فقال: شراؤهن و بيعهن حرام، و تعليمهن
____________
(1) الوسائل ج 2 ص 957 باب 18 حديث: 1 من أبواب الأغسال المندوبة. و مستدرك الوسائل ج 2 ص 459 باب 80 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 12 ص 236 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 236 حديث: 5.
(4) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 4.
108
و استماعهن نفاق (1).
و عن نصر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: المغنية ملعونة.
ملعون من أكل كسبها (2).
و روى في الفقيه مرسلا، قال: روى «ان أجر المغني و المغنية سحت» (3).
و عن إبراهيم بن ابى البلاد قال اوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنيات ان نبيعهن و نحمل ثمنهن الى ابى الحسن (عليه السلام) قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة الف درهم و حملت الثمن اليه. فقلت له. ان مولى لك يقال له: إسحاق بن عمر، قد اوصى عند موته ببيع جوار له مغنيات، و حمل الثمن إليك، و قد فعلت و بعتهن و هذا الثمن ثلاثمأة الف درهم. فقال: لا حاجة لي فيه، ان هذا سحت، تعليمهن كفر، و الاستماع منهن نفاق، و ثمنهن سحت (4).
و التقريب في هذه الاخبار، انه لو كان الغناء جائزا و حلالا، بل مستحبا- كما هو ظاهر كلامهم في نحو القرآن و الأدعية و المناجاة، و انما يحرم بسبب ما يعرض له من المحرمات الخارجة، كما ادعوه- فكيف يتم الحكم بتحريم سماعه و تحريم ثمن المغنية، و ان تعليمه كفر. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لكل ذي عقل و روية، لا ينكره الأمن قابل بالصدود أو الاستكبار عن الحق بالكلية.
هذا و اما الاخبار التي استند إليها الخصم في المقام، فمنها: ما رواه
في الكافي عن ابى بصير- و هو يحيى بن القاسم، بقرينة رواية على عنه- قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إذا قرأت القرآن فرفعت به صوتي جائني الشيطان، فقال: إنما ترائي بهذا
____________
(1) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 5.
(2) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 6.
(3) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 105 حديث: 436.
(4) الكافي ج 5 ص 120 حديث: 7.
109
أهلك و الناس، فقال: يا أبا محمد، اقرأ قراءة بين القرائتين، تسمع أهلك، و رجع بالقرآن صوتك، فان الله تعالى يحب الصوت الحسن، يرجع به ترجيعا (1).
و عن ابى بصير- و هو المرادي بقرينة عبد الله بن مسكان- عن الصادق- (عليه السلام)- قال: قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): ان من أجمل الجمال الشعر الحسن، و نغمة الصوت الحسن (2).
و عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه و آله): لكل شيء حلية، و حلية القرآن الصوت الحسن (3).
و بهذا الاسناد عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لم يعط أمتي أقل من ثلاث: الجمال، و الصوت الحسن، و الحفظ (4).
و بهذا الاسناد عن الصادق (عليه السلام)، قال: ان الله تعالى اوحى الى موسى بن عمران «إذا وقفت بين يدي، فقف موقف الذليل الفقير، و إذا قرأت التوراة فأسمعنيها بصوت حزين» (5).
و عن على الميثمي عن رجل عن الصادق (عليه السلام)، قال: ما بعث الله عز و جل نبيا الأحسن الصوت (6).
و عن على بن عقبة عن رجل عن الصادق (عليه السلام)، قال: كان على بن الحسين (عليه السلام) أحسن الناس صوتا بالقرآن، و كان السقاؤون يمرون فيقفون ببابه يستمعون
____________
(1) الوسائل ج 4 ص 859 حديث: 5 و الكافي ج 2 ص 616 حديث: 13.
(2) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 8.
(3) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 9.
(4) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 7.
(5) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 6.
(6) الكافي ج 2 ص 616 حديث: 10.
110
قراءته، و كان أبو جعفر (عليه السلام) أحسن الناس صوتا (1).
و عن على بن محمد النوفلي، عن ابى الحسن (عليه السلام)، قال: ذكرت الصوت عنده، فقال: ان على بن الحسين (عليه السلام) كان يقرأ القرآن، فربما مر به المار فصعق من حسن صوته، و ان الامام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس من حسنه. قلت:
و لم يكن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يصلى بالناس و يرفع صوته بالقرآن؟ فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كان يحمل الناس من خلفه ما يطيقون (2).
و ما رواه
في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن الغناء، هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال لا بأس ما لم يعص به (3).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن ابى بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن كسب المغنيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قول الله عز و جل «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» (4).
و عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها (5).
و عن ابى بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، و ليست التي يدخل عليها الرجال (6).
و روى في الفقيه، قال: سأل رجل على بن الحسين (عليه السلام) عن شراء جارية لها
____________
(1) الكافي ج 2 ص 616 حديث: 11.
(2) الكافي ج 2 ص 615 حديث: 4.
(3) الوسائل ج 12 ص 58 حديث: 5.
(4) الوسائل ج 12 ص 84 حديث: 1.
(5) الوسائل ج 12 ص 85 حديث: 2.
(6) الوسائل ج 12 ص 85 حديث: 3.
111
صوت؟ فقال: ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنة، يعني بقراءة القرآن و الزهد و الفضائل، التي ليست بغناء، و اما الغناء فمحظور (1).
قال في الوافي- بعد نقل الخبر-: الظاهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق- عليه الرحمة- و يستفاد منه ان من مد الصوت و ترجيعه بأمثال ذلك ليس بغناء، أو بمحظور، و في الأحاديث التي مضت في أبواب قراءة القرآن، من كتاب الصلاة دلالة على ذلك، و الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة فيه، اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر و التعليم و الاستماع و البيع و الشراء كلها، بما كان على النحو المتعارف في زمن بنى أمية و بنى العباس، من دخول الرجال عليهن و تكلمهن بالأباطيل، و لعبهن الملاهي، من العيدان و القصب و غيرها، دون ما سوى ذلك من أنواعه، كما يشعر به قوله «ليست بالتي يدخل عليها الرجال»- الى ان قال:
و على هذا فلا بأس بسماع التغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة و النار، و التشويق الى دار القرار، و وصف نعم الملك الجبار، و ذكر العبادات و الترغيب في الخيرات و الزهد في الفانيات و نحو ذلك، كما أشير إليه في حديث الفقيه بقوله «فذكرتك الجنة» و ذلك لان هذا كله ذكر الله تعالى، و ربما تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم و قلوبهم الى ذكر الله تعالى.
و بالجملة لا يخفى على ذوي الحجى، بعد سماع هذه الاخبار تمييز حق الغناء من باطله و ان أكثر ما يتغنى به المتصوفة في محافلهم من قبيل الباطل انتهى.
و على هذا النحو حذى الخراساني في الكفاية.
و فيه:- أولا- أنهم و ان زعموا الجمع بين أخبار المسألة بما ذكروه، الا ان جل اخبار التحريم، التي قدمناها، لا يقبل ذلك، فإنها ظاهرة، بل بعضها صريح في تحريم الغناء، من حيث هو، لا باعتبار انضمام بعض المحرمات، من خارج اليه.
و لا سيما اخبار استماع الغناء و بيع المغنية و شرائها، بالتقريب الذي قدمناه في ذيل تلك
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 86 حديث: 2.
112
الاخبار.
و قوله- في رواية المقنع-: شر الأصوات الغناء. و قوله- في رواية عبد الله ابن سنان- يرجعون القرآن ترجيع الغناء. و حديث يونس المروي بعدة طرق كما تقدم، و أمثال ذلك مما تقدم. فإنها ما بين صريح و ظاهر، في قصر الحكم على الغناء من حيث هو، و كذلك الآيات، فان قوله عز و جل «وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» المفسر في تلك الاخبار بالغناء، صريح في المنع من القول المفسر بالغناء، من حيث هو.
و ثانيا- انه من القواعد المقررة عن أصحاب العصمة- (عليهم السلام)- في مقام اختلاف الاخبار، هو العرض على كتاب الله تعالى، و الأخذ بما وافقه، و أن ما خالفه يضرب به عرض الحائط، و العرض على مذهب العامة، و الأخذ بخلافه.
و لا ريب في ان مقتضى الترجيح بهاتين القاعدتين، المتفق عليهما نصا و فتوى، هو القول بالتحريم مطلقا، و ان ما دل على الجواز يرمى به، لمخالفته لظاهر القرآن، و موافقته للعامة.
هذا فيما كان صريحا في الجواز، و هو أقل قليل في أخبارهم، لا يبلغ قوة المعارضة لما قدمناه من اخبار التحريم.
فاما تمسكهم باخبار قراءة القرآن بالصوت الحسن و التحزن، فهو لا يستلزم الغناء، إذ ليس كل صوت حسن أو حزين يسمى غناء، و هذا- بحمد الله سبحانه- ظاهر.
و اما ما يوهمه بعض تلك الاخبار، من التغني بالقرآن، مثل ما نقله في مجمع البيان عن عبد الرحمن بن السائب، قال: قدم علينا سعد بن ابى وقاص، فأتيته مسلما عليه، فقال: مرحبا بابن أخي. بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن؟ قلت: نعم و الحمد لله. قال: فانى سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: ان القرآن نزل بالحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فان لم تبكوا فتباكوا و تغنوا به، فان من لم يتغن بالقرآن فليس منا.
113
قال في مجمع البيان: تأوله بعضهم بمعنى استغنوا به، و أكثر العلماء على انه تزيين الصوت و تحزينه. انتهى (1).
قال في الكفاية- بعد نقل ذلك-: و هذا يدل على ان تحسين الصوت بالقرآن و التغني به مستحب عنده، و ان خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء انتهى.
أقول:- أولا- ان الخبر المذكور عامي، فلا ينهض حجة. و ثانيا: انه معارض بجملة من الاخبار المتقدمة، الدالة على المنع من قراءة القرآن بالغناء، و انما يقرؤه بالصوت الحسن على جهة الحزن، ما لم يبلغ حد الغناء، فإنه محرم في قرآن أو غيره.
و منها: خبر الفقيه الأخير من الاخبار المتقدمة، بناء على كون التفسير الذي في آخره من الخبر، كما فهمه صاحب الوافي.
و رواية العيون المتقدمة، و رواية تفسير على بن إبراهيم الثانية.
و منها: رواية عبد الله بن سنان، و هي أصرح صريح في ذلك.
و اما ما ذكره في الكفاية، من حمل الأخبار الدالة على المنع من التغني بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو، كما يصنعه الفساق في غنائهم، قال: و تؤيده رواية عبد الله بن سنان المذكورة، فان في صدر الخبر الأمر بقراءة القرآن بألحان العرب، و اللحن هو الغناء، ثم بعد ذلك المنع من القراءة بلحن أهل الفسق، ثم قوله: سيجيء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء. انتهى. فهو مما لا ينبغي ان يصغى اليه و لا يعرج في مقام التحقيق عليه.
اما أولا، فإن الغناء الممنوع منه في القرآن، على ما يكون على سبيل اللهو، كما يصنعه الفساق في غنائهم، لا محصل له. فإنه ان أراد به القراءة مع مصاحبة آلات اللهو كالعود و نحوه، فإن أحدا لا يصنع ذلك.
و ان أراد قراءة القرآن التي تقع على سبيل اللهو، فإنه لا يعقل له معنى، لأنها إن
____________
(1) مجمع البيان ج 1 ص 16 الفن السابع من المقدمة.
114
وقعت بطريق الغناء الذي هو محل البحث، فهذا هو الذي ندعي تحريمه، سواء كان من الفساق أو الزهاد، و ان كان كذلك فإنه لم يعهد هنا نوع ممنوع منه، غير ما ذكرناه، حتى انه يخصه بالفساق، لان مجرد الترجيع و تحسين الصوت و التحزن به لا يستلزم الغناء، كما أشرنا إليه آنفا فهو ان بلغ الى حد الغناء و صدق عليه عرفا انه غناء، كان ممنوعا و محرما، و الا فلا.
و اما ثانيا، فان قوله: «فان اللحن في أول الخبر هو الغناء» ممنوع، فإنه و ان كان لفظ اللحن مما ورد بمعنى الغناء، لكنه ورد أيضا في اللغة لمعان أخر، منها:
اللغة، و ترجيع الصوت، و تحسين القراءة، و الشعر، الا ان الأنسب به هنا: هو الحمل على اللغة، بمعنى لغات العرب و أصواتها، و هو الذي حمل عليه الخبر في مجمع البحرين فقال: اللحن واحد الالحان. و اللحون: اللغات، و منه الخبر «أقروا القرآن بلحون العرب».
أقول: و حاصل معنى الخبر: أقروا القرآن بلغات العرب و أصواتها و إياكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، و المراد به هنا: الغناء كما يفسره قوله «فإنه سيجيء بعدي أقوام. إلخ» هذا هو المعنى الظاهر من الخبر، و ما تكلفه في معنى الخبر فإنه بعيد عن سياقه.
و اما خبر على بن الحسين (عليه السلام). فحاشا ان يكون ذلك من حيث كونه غناء، كما توهموه، و انما هذه حالات مختصة بهم، بالنسبة إلى الأصوات و الألوان و الحلي و نحوها، كما يدل عليه حديث دخول الجواد (عليه السلام) على زوجته بنت المأمون، لما التمست أمها دخوله لتسر برؤيته مع ابنتها، مع انه (عليه السلام) معها في سائر الأوقات و الأيام و الليالي و لم تستنكر منه (1). و حديث السراج في أصابع الرضا (عليه السلام) (2).
____________
(1) مشارق الأنوار للحافظ البرسي ص 98- 99 الفصل: 11.
(2) مدينة المعاجز ص 473 حديث: 3 و نقل المصنف- هنا في الهامش- حديث عسكر مولى ابن جعفر- ع- و ما شاهده من غريب حاله- ع. فراجع: مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 387- 388.
115
و حديث الشيخين في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) و نحو ذلك. و يشير الى ما ذكرناه قوله في الحديث المذكور:
«و ان الامام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس» (1).
و قال في الكفاية- أيضا-: و كثير من الاخبار المعتمدة و غيرها تدل على تحريم بيع الجواري المغنيات و شرائهن و تعليمهن الغناء، و بإزائها الرواية السابقة المنقولة عن على بن الحسين (عليه السلام) (2)
و رواية عبد الله بن الحسن الدينوري عن ابى الحسن (عليه السلام)، في جملة حديث، قال: قلت: جعلت فداك، فاشترى المغنية و الجارية تحسن أن تغني، أريد به الرزق، لا سوى ذلك؟ قال: اشتر و بع (3).
انتهى.
و فيه: ان الرواية الأولى قد نقلها كما قدمناه بالتفسير الذي في آخرها، و هي على تقديره غير منافية لتلك الاخبار، بل صريحة في الانطباق عليها و لهذا ان المحدث الكاشاني استظهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق كما قدمنا نقله عنه، ليتم له التعلق بالرواية.
و اما الرواية الثانية فهي ظاهرة في ان شراء المغنية انما هو لأجل التجارة و طلب الربح و الفائدة، و هو مما لا اشكال فيه، كما صرح به الأصحاب، و المحرم إنما شراؤها و بيعها لأجل الغناء.
قال في المنتهى- بعد نقل خبر من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في النهي عن بيع المغنيات و تحريم أثمانهن و كسبهن-: و هذا يحمل على بيعهن للغناء، كما ان العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر لصاحب الخمر.
[استثناءات من تحريم الغناء]
ثم ان المشهور بين الأصحاب استثناء مواضع من تحريم الغناء.
و نقل في المسالك عن جماعة من الأصحاب، منهم العلامة في التذكرة، تحريم
____________
(1) راجع: قضاياه- ع- مع الشيخين في مدينة المعاجز ص 77- ص 87.
(2) الوسائل ج 12 ص 86 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 86 حديث: 1.
116
الغناء مطلقا، و نقله في المختلف عن ابى الصلاح، و هو المنقول عن ابن إدريس أيضا استنادا الى الاخبار المطلقة في تحريمه.
و من تلك المواضع المستثنيات- على تقدير القول المشهور-: غناء المرأة التي تزف العرائس، بشرط ان لا يدخل عليها الرجال، و لا يسمع صوتها الأجانب من الرجال و لا تتكلم بالباطل، و لا تعمل بالملاهي.
و مرجعه الى ان لا يكون مستلزما لمحرم آخر، و قد تقدمت الأخبار الدالة على ذلك.
و ما توهمه من استدل بهذه الاخبار على جواز الغناء- و انما تحريمه من حيث أمر آخر، كدخول الرجال لقوله (عليه السلام) في بعض تلك الأخبار: لأنها ليست بالتي يدخل عليها الرجال، و ان فيه إشارة الى ان التحريم انما هو من هذه الجهة- فليس بشيء، لقصر التعليل على مورد النص، بمعنى ان التي تزف العرائس يباح لها الغناء، لعدم دخول الرجال عليها المستلزم لتحريمه.
نعم قوله في رواية أبي بصير الاولى، لما سأله عن كسب المغنيات التي يدخل عليها الرجال: حرام، ظاهر فيما ذكره، الا انه يجب حمله على التقية و هكذا كل خبر ظاهر في ذلك.
و بالجملة فإن الأخبار المذكورة ظاهرة في جوازه في هذه الصورة، فيجب تخصيص الاخبار المطلقة بها. و به يظهر ضعف قول من ذهب الى عموم التحريم.
و منها: الحداء، و هو سوق الإبل بالغناء لها.
و لم أقف في الاخبار له على دليل. قال المحقق الأردبيلي- (رحمه الله)- قد استثنى الحداء بالمد، و هو سوق الإبل بالغناء لها، و على تقدير صحة استثنائه، يمكن اختصاصه بكونه للإبل فقط، كما هو مقتضى الدليل، و يمكن التعدي ايضا الى البغال و الحمير انتهى.
و لا أدرى أي دليل أراد، فإن المسألة خالية عن النص، و كأنه ظن ان ذكر
117
الأصحاب له، لا يكون الا عن دليل، و الا فالدليل لم نقف عليه، و لم يذكره هو و لا أحد غيره.
و بعضهم استثنى مراثي الحسين (عليه السلام)- ايضا- قال في الكفاية: و هو غير بعيد.
أقول: بل هو بعيد غاية البعد، لما عرفت مما قدمناه من الاخبار المتكاثرة، الا ان ما ذكره جيد على مذهبه في المسألة مما قدمنا نقله عنه.
و بالجملة فإنه لم يقم دليل على استثناء شيء من إطلاق الاخبار المتقدمة، سوى التي تزف العرائس. و عليها اقتصر في المنتهى في الاستثناء و لم يستثن سواها. و الله العالم.
118
المسألة الثالثة في معونة الظالمين و الدخول في ولاية الظلمة
و المشهور في كلام الأصحاب، تقييدها بما يحرم، و اما مالا يحرم كالخياطة لهم و البناء و نحو ذلك فإنه لا بأس به.
قال في الكفاية: و من ذلك معونة الظالمين بما يحرم، اما مالا يحرم كالخياطة و غيرها فالظاهر جوازه.
لكن الأحوط الاحتراز عنه لبعض الأخبار الدالة على المنع، و قوله تعالى:
«وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» (1) قال في مجمع البيان: فقيل معناه:
و لا تميلوا الى المشركين في شيء من دينكم، عن ابن عباس. و قيل: لا تداهنوا الظلمة، عن السدي و ابن زيد. قيل: ان الركون الى الظالمين المنهي عنه، هو الدخول معهم في ظلمهم، و إظهار موالاتهم، و اما الدخول عليهم و معاشرتهم دفعا لشرهم فجائز.
عن القاضي. و قريب منه ما روى عنهم- (عليهم السلام)-: ان الركون هو المودة و النصيحة و الطاعة لهم. انتهى.
____________
(1) سورة هود: 113.
119
أقول: الظاهر من الاخبار الواردة في هذا المقام، هو عموم تحريم معونتهم.
بما لا يحرم و ما لا يحرم.
منها: ما رواه
في الكافي في الصحيح عن هشام بن سالم، عن ابى بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن أعمالهم، فقال لي: يا أبا محمد، لا و لا مدة قلم، ان أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينه مثله (1) أو قال: حتى تصيبوا من دينه مثله، الوهم من ابن ابي عمير (2).
و عن ابن ابى يعفور قال: كنت عند الصادق (عليه السلام)، فدخل عليه رجل من أصحابنا، فقال له: أصلحك الله تعالى، انه ربما أصاب الرجل منا الضيق و الشدة، فيدعى إلى البناء يبنيه أو النهر يكريه أو المسناة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء، و ان لي ما بين لابتيها، لا و لا مدة بقلم. إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من النار حتى يحكم الله عز و جل بين العباد (3).
و ما رواه
في التهذيب عن يونس بن يعقوب في الموثق، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): لا تعنهم على بناء مسجد (4).
و عن صفوان بن مهران الجمال قال: دخلت على ابى الحسن الأول (عليه السلام)، فقال لي: يا صفوان، كل شيء منك حسن جميل، ما خلا شيئا واحدا، فقلت: جعلت فداك، أي شيء؟ قال: إكراؤك جمالك هذا الرجل- يعنى هارون- قلت: و الله ما أكريته أشرا و لا بطرا و لا لصيد و لا للهو، و لكني أكريته لهذا الطريق، يعنى طريق مكة، و لا أتولاه بنفسي، و لكني ابعث معه غلماني. فقال لي: يا صفوان، أ يقع
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 129 حديث: 5.
(2) الراوي عن هشام بن سالم.
(3) الوسائل ج 12 ص 129 حديث: 6.
(4) المصدر حديث: 8.
120
كراؤك عليهم؟ قلت: نعم، جعلت فداك. فقال لي: أ تحب بقاءهم حتى يخرج كراؤك؟ قلت: نعم. قال: فمن أحب بقاءهم فهو منهم، و من كان منهم كان و روده في النار. قال صفوان: فذهبت فبعت جمالي عن آخرها. فبلغ ذلك الى هارون، فدعاني فقال لي: يا صفوان، بلغني أنك بعت جمالك، قلت: نعم. قال: و لم؟ قلت: انا شيخ كبير و ان الغلمان لا يفون بالأعمال. فقال: هيهات هيهات، انى لا علم من أشار عليك بهذا، أشار عليك بهذا موسى بن جعفر (عليه السلام). فقلت: مالي و لموسى بن جعفر (عليه السلام)! فقال: دع هذا عنك، فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1).
و ما رواه
في عقاب الأعمال، بسنده عن السكوني عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، عن آبائه- (عليهم السلام)-، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة، و من لاق لهم دواة، أو ربط كيسا، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروه معهم (2).
و روى الثقة الجليل، ورام بن أبي فراس، في كتابه، قال:
قال (عليه السلام): من مشى الى ظالم ليعينه و هو يعلم انه ظالم فقد خرج عن الإسلام.
قال: و قال (عليه السلام): إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة و أعوان الظلمة، و أشباه الظلمة حتى من بري لهم قلما و لاق لهم دواة! قال: فيجتمعون في تابوت من حديد، ثم يرمى به في جهنم (3).
و يعضد ذلك ما رواه
في الكافي، عن سهل بن زياد، رفعه عن الصادق (عليه السلام)، في قول الله عز و جل «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّٰارُ» قال: هو الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه الى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه (4).
و عن فضيل بن عياض، عن الصادق (عليه السلام)، قال: و من أحب بقاء الظالمين
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 131- 132 حديث: 17.
(2) الوسائل ج 12 ص 130 حديث: 11.
(3) الوسائل ج 12 ص 131 حديث: 15 و 16.
(4) الوسائل ج 12 ص 134 حديث: 1 باب: 44 أبواب ما يكتسب به.
121
فقد أحب ان يعصى الله تعالى، ان الله تبارك و تعالى حمد نفسه عند هلاك الظالمين، فقال فَقُطِعَ دٰابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ (1).
و عن أبي حمزة عن على بن الحسين (عليه السلام) في حديث، قال: إياكم و صحبة العاصين و معونة الظالمين (2).
و عن محمد بن عذافر، عن أبيه، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): نبئت أنك تعامل أبا أيوب و الربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة؟! قال فوجم ابى، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) لما رأى ما أصابه: أي عذافر، إني إنما خوفتك بما خوفني الله عز و جل. قال محمد: فقدم ابى، فما زال مغموما مكروبا حتى مات (3).
الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع، و هي صريحة في تحريم معونة الظالمين بالأمور المحللة، على أبلغ وجه و آكده. و بذلك يظهر لك ما في كلام الفاضل المذكور تبعا للمشهور- و الكل ناش عن الغفلة عن تتبع الاخبار و الوقوف عليها من مظانها.
نعم يجب ان يستثني من ذلك ما إذا ألجأته ضرورة التقية و الخوف، فان الضرورات تبيح المحظورات.
و اما معونة الظالمين بما كان ظلما و محرما فيدل على تحريمه: العقل و النقل، كتابا و سنة.
و منه: قوله عز و جل «وَ لٰا تَرْكَنُوا. الاية.
قيل: و الركون هو الميل القليل. و قال في مجمع البحرين في تفسير الآية: اى لا تطمئنوا إليهم، و لا تسكنوا الى قولهم، و الرضا بأفعالهم، و مصاحبتهم و مصادقتهم
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 501 حديث: 5.
(2) الوسائل ج 12 ص 128 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 3.
122
و مداهنتهم انتهى.
و حينئذ فإذا كان هذا القدر من الميل إليهم موجبا لدخول النار، فبالطريق الأولى إعانتهم على الظلم و مشاركتهم فيه.
و قد تقدم
في مرسلة سهل: ان الرجل يأتي السلطان فيحب بقاءه الى ان يدخل يده في كيسه فيعطيه (1).
و
في باب جمل من مناهي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المذكور في الفقيه، قال (صلى الله عليه و آله و سلم): من مدح سلطانا جائرا أو تخفف و تضعضع له طمعا فيه، كان قرينه في النار، قال الله عز و جل وَ لٰا تَرْكَنُوا. الاية (2).
و ظاهر الخبرين المذكورين: الدلالة على ان الميل اليه لتحصيل شيء من دنياه و حب بقائه و وجوده لذلك، داخل تحت الآية.
ثم ان الظاهر ان المراد من هذا التشديد و التأكيد في هذه الاخبار الواردة في هذا المقام، مما تقدم و يأتي، انما هو سلاطين الجور المدعين للإمامة، من الأموية و العباسية و من حذا حذوهم، كما هو ظاهر من سياقها، و مصرح به في بعضها لا مطلق الظالم و الفاسق و ان كان الظلم و الفسق محرما مطلقا.
و على هذا فلو أحب أحد بقاء حاكم جور من المؤمنين و الشيعة، لحبه المؤمنين و حفظه بيضة الدين من الأعداء و المخالفين، فالظاهر انه غير داخل في الآية، و لا الاخبار المذكورة.
و يعضد ذلك ما رواه
في الكافي عن الوليد بن صبيح في الصحيح، قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام)، فاستقلنى زرارة، خارجا من عنده. فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام):
يا وليد، اما تعجب من زرارة، سألني عن اعمال هؤلاء، أي شيء كان يريد؟ أ يريد أن أقول له: لا، فيروى ذلك على؟! ثم قال يا وليد، متى كانت الشيعة تسأل عن أعمالهم، انما كانت الشيعة تقول: يؤكل من طعامهم؟ و يشرب من شرابهم؟ و يستظل
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 133 حديث:.
(2) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 6.
123
بظلهم؟ متى كانت الشيعة تسأل عن هذا؟!.
و في الخبر المذكور ذم لزرارة، (1) و لكن جلالة قدره تقتضي صرفه عن ظاهره و الحمل على ما يقتضيه مقامات الحال يومئذ.
إذا عرفت ذلك فاعلم: ان الاخبار قد اختلفت في جواز الدخول في أعمالهم، و الولاية من قبلهم.
فمنها: ما دل على المنع من ذلك. و منها: ما ظاهره الجواز، لكن بشرط إمكان الخروج مما يجب عليه و يحرم. و بذلك صرح الأصحاب أيضا.
فاما ما يدل على الأول من الاخبار، فمنها: ما رواه
في الكافي عن إبراهيم بن مهاجر، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): فلان يقرؤك السلام، و فلان و فلان. فقال:
و (عليهم السلام). فقلت: يسألونك الدعاء، قال: و ما لهم؟ قلت: حبسهم أبو جعفر، فقال: ماله و مالهم؟ قلت: استعملهم فحبسهم، فقال: مالهم و لهذا؟ أ لم أنههم أ لم أنههم أ لم أنههم؟ هم النار هم النار هم النار. ثم قال: اللهم أجدع عنهم سلطانهم.
قال فانصرفت من مكة، فسألت عنهم، فإذا هم قد خرجوا بعد هذا الكلام بثلاثة أيام (2).
و عن داود بن زربي في الصحيح، قال: أخبرني مولى لعلى بن الحسين (عليه السلام)، قال: كنت بالكوفة، فقدم أبو عبد الله- (عليه السلام)- الحيرة فأتيته، فقلت له:
جعلت فداك، لو كلمت داود بن على أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات، فقال: ما كنت لأفعل، فانصرفت إلى منزلي، فتفكرت فقلت ما أحسبه منعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور. و الله لاتينه و اعطينه الطلاق و العتاق و الايمان المغلظة. ان لا اظلمن أحدا و لا أجور، و لأعدلن. قال: فأتيته فقلت جعلت فداك، انى فكرت في ابائك على، فظننت أنك إنما منعتني و كرهت ذلك، مخافة ان أجور
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 135 حديث 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 136 حديث 3.
124
أو أظلم، و ان كل امرأة لي طالق، و كل مملوك لي حر، و على و على ان ظلمت أحدا أو جرت على أحد أو ان لم اعدل، قال: فكيف قلت؟ فأعدت عليه الايمان، فرفع رأسه الى السماء فقال: تنال السماء أيسر عليك من ذلك (1).
و عن جهم بن حميد، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): اما تغشى سلطان هؤلاء؟
قال: قلت: لا. قال: و لم؟ قلت: فرارا بديني، قال: و عزمت على ذلك؟ قلت: نعم.
قال لي: الان سلم لك دينك (2).
و عن حميد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) انى وليت عملا، فهل لي من ذلك مخرج؟ فقال: ما أكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه! قلت: فما ترى؟ قال:
ان تتقي الله تعالى و لا تعود (3).
و ما رواه
في التهذيب عن ابن بنت الوليد بن صبيح الكاهلي، عن ابى عبد الله- (عليه السلام)-، قال: من سود اسمه في ديوان ولد سابع، حشره الله تعالى يوم القيامة خنزيرا (4).
أقول: «سابع» مقلوب «عباس» كنى به تقية، كما يقال: رمع مقلوب عمر.
و ما رواه
على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن صدقة، قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم من الشيعة، يدخلون في اعمال السلطان، يعملون لهم و يجبون لهم، و يوالونهم؟ قال ليس هم من الشيعة، و لكنهم من أولئك. ثم قرأ أبو عبد الله (عليه السلام) هذه الآية
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 136 حديث: 4 الظاهر ان المراد انه لا يمكنك الوفاء بتلك الايمان لما يعلمه من حال الرجل المذكور و الا فيشكل الجمع بينه و بين ما يأتي من الاخبار في المقام مما يدل على الجواز لمن قام بذلك (منه (قدس سره).
(2) الوسائل ج 12 ص 129 حديث: 7.
(3) الوسائل ج 12 ص 136 حديث: 5.
(4) الوسائل ج 12 ص 130 حديث: 9.
125
«لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرٰائِيلَ عَلىٰ لِسٰانِ دٰاوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ- الى قوله- وَ لٰكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ» قال: الخنازير على لسان داود، و القردة على لسان عيسى، «كٰانُوا لٰا يَتَنٰاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مٰا كٰانُوا يَفْعَلُونَ» كانوا يأكلون لحم الخنزير و يشربون الخمور، و يأتون النساء أيام حيضهن، ثم احتج الله تعالى على المؤمنين الموالين للكفار فقال «تَرىٰ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مٰا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ- إلى قوله- وَ لٰكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فٰاسِقُونَ» فنهى الله عز و جل ان يوالي المؤمن الكافر الا عند التقية (1).
و ما رواه
العياشي في تفسيره عن سليمان الجعفري، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): ما تقول في عمال السلطان؟ فقال: يا سليمان، الدخول في أعمالهم، و العون لهم و السعى في حوائجهم، عديل الكفر، و النظر إليهم على العمد، من الكبائر التي يستحق بها النار (2).
الى غير ذلك من الاخبار التي تجري هذا المجرى.
ثم ان الواجب على الداخل في أعمالهم رد ما اكتسبه في عملهم على أصحابه، و مع عدم معرفتهم فالواجب الصدقة به عنهم، كما صرح به الأصحاب. و التوبة النصوح في هذا الباب.
و يدل على ذلك خبر
على بن أبي حمزة، قال: كان لي صديق من كتاب بنى أمية، فقال لي: استأذن لي على ابى عبد الله (عليه السلام)، فاستأذنت له، فلما ان دخل سلم و جلس، ثم قال: جعلت فداك، انى كنت في ديوان هؤلاء القوم فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، و أغمضت في مطالبه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لولا ان بنى أمية و جدوا من يكتب لهم، و يجبى لهم الفيء، و يقاتل عنهم، و يشهد جماعتهم، ما سلبونا حقنا، و لو تركهم الناس و ما في أيديهم، ما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم.
قال: فقال الفتى: جعلت فداك، فهل لي مخرج منه؟ قال: ان قلت لك تفعل؟
قال: افعل. قال له: فاخرج من جميع ما اكتسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه، و من لم تعرف تصدقت له، و انا أضمن لك على الله تعالى الجنة. فأطرق الفتى
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 138 حديث: 10 و الآية في سورة المائدة: 80.
(2) الوسائل ج 12 ص 138 حديث: 12.
126
طويلا، ثم قال: قد فعلت، جعلت فداك.
قال ابن أبي حمزة: فرجع الفتى معنا إلى الكوفة، فما ترك شيئا على وجه الأرض الا خرج منه، حتى ثيابه التي كانت على بدنه. قال: فقسمت له قسمة، و اشتريت له ثيابا، و بعثت إليه نفقة، قال: فما اتى عليه الا أشهر قلائل حتى مرض، فكنا نعوده قال: فدخلت يوما و هو في السوق، قال: ففتح عينيه، ثم قال: يا على، و في لي و الله صاحبك ثم مات فتولينا أمره، فخرجت حتى دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام)، فلما نظر الى، قال:
يا على وفينا و الله لصاحبك.
قال: فقلت: صدقت، جعلت فداك، هكذا و الله قال لي عند موته (1).
و اما ما يدل من الاخبار على الجواز بالقيد المتقدم ذكره، فجملة من الاخبار، الا ان جملة من الأصحاب عبروا هنا- مع الأمن من الدخول بالحرام، و التمكن من الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر- بالجواز. و عبر بعضهم بالاستحباب. و قال بعضهم: ان مقتضى الشرط المذكور هو الوجوب، لان القادر على الأمر بالمعروف يجب عليه و ان لم يوله الجائر. و هو جيد.
قال في المسالك: و مقتضى هذا الشرط وجوب التولية، لأن القادر على الأمر بالمعروف يجب عليه، و ان لم يوله الظالم.
و لعل الوجه في عدم الوجوب، كونه بصورة النائب عن الظالم، و عموم النهى عن الدخول معهم و تسويد الاسم في ديوانهم، فإذا لم يبلغ حد المنع، فلا أقل من الحكم بعدم الوجوب، و لا يخفى ما في هذا الوجه. انتهى.
و ما ذكره من ان مقتضى الشرط المذكور الوجوب جيد، لكن على تفصيل سنذكره إنشاء الله تعالى، بعد نقل الاخبار.
فنقول: من الاخبار في المقام ما رواه
في الكافي عن زياد بن أبي سلمة، قال: دخلت على ابى الحسن موسى (عليه السلام)، فقال لي: يا زياد انك لتعمل عمل السلطان؟ قال:
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 144- 145. و السوق: شدة نزع الروح.
127
قلت: أجل. قال لي: و لم؟ قلت: انى رجل لي مروة، و على عيال، و ليس وراء ظهري شيء، قال: فقال لي: يا زياد، لأن أسقط من حالق فانقطع قطعة قطعة أحب الى من ان أتولى لأحد منهم عملا، أو أطأ بساط رجل منهم، الا، لما ذا؟ قلت: لا أدرى جعلت فداك، فقال: الا لتفريج كربة عن مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه. يا زياد إن أهون ما يصنع الله تعالى بمن تولى لهم عملا ان يضرب عليه سرادق من النار، الى ان يفرغ الله سبحانه من حساب الخلائق. يا زياد، فان وليت شيئا من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك، فواحدة بواحدة، و الله من وراء ذلك. يا زياد، أيما رجل منكم تولى لأحد منهم عملا ثم ساوى بينكم و بينهم، فقولوا له: أنت منتحل كذاب.
يا زياد، إذا ذكرت مقدرتك على الناس، فاذكر مقدرة الله عليك غدا، و نفاد ما أتيت إليهم عنهم، و بقاء ما أبقيت إليهم عليك (1).
و عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: ذكر عنده رجل من هذه العصابة قد ولي ولاية، فقال: كيف صنيعه إلى إخوانه؟ قال: قلت: ليس عنده خير. قال: أف، يدخلون فيما لا ينبغي لهم، و لا يصنعون إلى إخوانهم خيرا (2).
و منها: ما رواه
على بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): ما تقول في اعمال هؤلاء؟ قال: ان كنت لا بد فاعلا فاتق أموال الشيعة، قال: فأخبرني على، انه كان يجبيها من الشيعة علانية و يردها عليهم في السر (3).
و عن الحسن بن الحسين الأنباري، عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: كتبت إليه: أربع عشرة سنة أستأذنه في اعمال السلطان، فلما كان في آخر كتاب كتبته إليه، أذكره انى أخاف على خيط عنقي، و ان السلطان يقول لي: انك رافضي، و لسنا نشك في أنك تركت عمل السلطان للرفض، فكتب الى أبو الحسن (عليه السلام): قد فهمت كتابك
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 9.
(2) الوسائل ج 12 ص 141 حديث: 10.
(3) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 8.
128
و ما ذكرت من الخوف على نفسك، فان كنت تعلم انك إذا وليت، عملت في عملك بما أمرك رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ثم تصير أعوانك و كتابك أهل ملتك (1)، و إذا صار إليك شيء و واسيت به فقراء المؤمنين، حتى تكون واحدا منهم، كان ذا بذا، و و الا فلا (2).
و عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: ما من جبار الا و معه مؤمن يدفع الله تعالى به عن المؤمنين، و هو أقلهم حظا في الآخرة، يعني أقل المؤمنين حظا لصحبة الجبار (3).
و ما في التهذيب عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام)، سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل، قال: لا الا ان لا يقدر على شيء يأكل و لا يشرب، و لا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء، فليبعث بخمسه الى أهل البيت- (عليهم السلام)- (4).
و ما رواه
في الكافي عن يونس بن عمار، قال: وصفت لأبي عبد الله (عليه السلام) من يقول بهذا الأمر ممن يعمل عمل السلطان، و قال: إذا ولوكم يدخلون عليكم الرفق و ينفعونكم في حوائجكم؟ قال: قلت: منهم من يفعل ذلك و منهم من لا يفعل. قال: من لا يفعل ذلك منهم فابرؤا منه، براء الله منه (5).
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن على بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام):
ان لله عز و جل مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه (6).
____________
(1) قوله: «تصير» من باب التفعيل، اى تجعل و تختار عمالك من أهل ملتك.
(2) الوسائل ج 12 ص 145 حديث: 1 باب: 48 أبواب ما يكتسب به.
(3) الوسائل ج 12 ص 134 حديث: 4.
(4) الوسائل ج 12 ص 146 حديث: 3.
(5) الوسائل ج 12 ص 142 حديث: 12.
(6) الوسائل ج 12 ص 139 حديث: 1.
129
قال في الفقيه: و في خبر آخر: أولئك عتقاء الله من النار.
قال: و قال الصادق- (عليه السلام)-: كفارة عمل السلطان، قضاء حوائج الاخوان (1).
و روى الكشي في الرجال في ترجمة محمد بن إسماعيل بن بزيع قال: كان محمد بن إسماعيل من رجال ابى الحسن موسى (عليه السلام)، و أدرك أبا جعفر الثاني (عليه السلام)، و قال حمدويه عن أشياخه: انه و احمد بن حمزة كانا في عداد الوزراء. قال: و في رواية محمد بن إسماعيل بن بزيع «قال الرضا (عليه السلام): ان لله تعالى بأبواب الظالمين من نور الله تعالى له البرهان، و مكن له في البلاد، ليدفع بهم عن أوليائه، و يصلح الله تعالى به أمور المسلمين، إليهم ملجأ المؤمنين من الضر، و إليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، و بهم يؤمن الله تعالى روعة المؤمن في دار الظلم، أولئك المؤمنون حقا، أولئك أمناء الله في أرضه، أولئك نور الله في رعيته يوم القيامة، و يزهر نورهم لأهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لأهل الأرض، أولئك من نورهم يوم القيامة تضيء منه القيامة، خلقوا و الله للجنة، و خلقت الجنة لهم، فهنيئا لهم، ما على أحدكم ان لو شاء لنال هذا كله. قال: قلت: بماذا- جعلني الله فداك-؟. قال: يكون معهم فيسرنا بإدخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد (2).
و روى الكشي في الكتاب المذكور قال: لما قدم أبو إبراهيم موسى (عليه السلام) العراق، قال على بن يقطين: اما ترى حالي و ما انا فيه؟ فقال له: يا على ان لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه و أنت منهم يا على (3).
و روى في قرب الاسناد بسنده عن على بن يقطين انه كتب الى ابى الحسن
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 139 حديث: 2 و 3.
(2) قاموس الرجال ج 8 ص 59- 60 و تنقيح المقال ج 2 رقم: 10393 نقلا عن الكشي؛ و قد سقط من المطبوع في النجف.
(3) رجال الكشي ص 367 في ترجمة «على بن يقطين». و روى صدره صاحب الوسائل في ج 12 ص 139 حديث: 1.
130
(عليه السلام) ان قلبي يضيق مما انا عليه من عمل السلطان، و كان وزيرا لهارون، فإن أذنت- جعلني الله فداك- هربت منه. فرجع الجواب: لا آذن لك بالخروج من عملهم (1).
و روى في مستطرفات السرائر مما استطرفه من كتاب «مسائل الرجال و مكاتباتهم الى مولانا ابى الحسن على بن محمد الهادي (عليه السلام)» قال: و كتبت إليه أسأله عن العمل لبني العباس و أخذ ما أتمكن من أموالهم، هل فيه رخصة. و كيف المذهب في ذلك؟
فقال: ما كان الداخل فيه بالجبر و القهر فالله قابل العذر، و ما خلا ذلك فمكروه، و لا محالة قليله خير من كثيره، و ما يكفر به ما يلزمه فيه من يرزقه و يسبب على يديه ما يسر له فينا و في موالينا. قال: و كتبت إليه في جواب ذلك، أعلمه أن مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوه و انبساط اليد في التشفي منهم، بشيء ان أتقرب به إليهم، فأجاب: من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراما بل اجرا و ثوابا (2).
و روى في المقنع قال: روى عن الرضا (عليه السلام): انه قال: ان لله تعالى مع السلطان أولياء، يدفع بهم عن أوليائه.
قال: و سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يحب آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو في ديوان هؤلاء فيقتل تحت رايتهم، فقال: يحشره الله على نيته (3).
و روى في الأمالي عن زيد الشحام في الصحيح، قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: من تولى امرا من أمور الناس فعدل، و فتح بابه، و رفع ستره، و نظر في أمور الناس، كان حقا على الله عز و جل ان يؤمن روعته يوم القيامة، و يدخله الجنة (4).
و روى في الكافي و التهذيب عن محمد بن جمهور و غيره، من أصحابنا قال: كان النجاشي- و هو رجل من الدهاقين- عاملا على الأهواز و فارس، فقال بعض
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 143 حديث: 16.
(2) مستطرفات السرائر ص 479.
(3) الوسائل ج 12 ص 139 حديث: 5 و 6.
(4) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 7.
131
أهل عمله لأبي عبد الله (عليه السلام): ان في ديوان النجاشي علىّ خراجا، و هو ممن يدين بطاعتك، فإن رأيت ان تكتب لي إليه كتابا؟ فكتب إليه أبو عبد الله (عليه السلام):
«بسم الله الرحمن الرحيم، سر اخاك يسرك الله تعالى».
قال: فلما ورد عليه الكتاب و هو في مجلسه فلما خلا، ناوله الكتاب، فقال:
هذا كتاب ابى عبد الله (عليه السلام)؟ فقبله و وضعه على عينيه، قال: ما حاجتك؟ فقال، على خراج في ديوانك. قال له: كم هو؟ قال: عشرة آلاف درهم. قال، فدعى كاتبه فأمره بأدائها عنه، ثم اخرج مثله فأمره أن يثبتها له لقابل. ثم قال له: هل سررتك؟
قال: نعم. قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم اخرى، فقال له، هل سررتك؟ فقال:
نعم جعلت فداك فأمر له بمركب ثم أمر له بجارية و غلام و تخت ثياب، في كل ذلك يقول: هل سررتك؟ فكلما قال: نعم، زاده، حتى فرغ. قال له: احمل فرش هذا البيت الذي كنت جالسا فيه، حين دفعت الى كتاب مولاي، و ارفع الى جميع حوائجك، قال ففعل و خرج الرجل، فصار الى ابى عبد الله (عليه السلام) بعد ذلك فحدثه بالحديث، على وجهه، فجعل يستبشر بما فعل. فقال له الرجل: يا ابن رسول الله، كأنه قد سرك ما فعل بي؟ قال: اى و الله، لقد سر الله تعالى و رسوله (1).
أقول: لا يخفى ما في هذه الاخبار، باعتبار ضم بعضها الى بعض، من التدافع و التمانع.
و مجمل القول فيها: انه لا شك أنه قد علم من الاخبار المتقدمة حرمة الدخول في أعمالهم على أوكد وجه، بل مجرد محبتهم و الركون إليهم و حب بقائهم، فضلا عن مساعدتهم و إعانتهم بالأعمال، الا ان الاخبار الدالة على الجواز ظاهرة فيه بالقيود المذكورة فيها، لكنها ظاهرة الاختلاف، فان منها ما يدل على انه بالإتيان بتلك الشروط انما تحصل له بها الكفارة، بأن تكون هذه الشروط كفارة لدخوله في العمل،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 142 حديث: 13.
132
كما يشير اليه قوله- في حديث ابى بصير المتقدم-: و هو أقلهم حظا في الآخرة (1).
أي أقل المؤمنين. و قوله- في خبر
الحسن بن الحسين الأنباري-: كان ذا بذا (2).
و في
خبر زياد بن أبي سلمة: فواحدة بواحدة (3).
و لعله (عليه السلام)- في رواية الأنباري- كان يعلم عدم حصول القتل عليه بعدم دخوله، و الا فمنعه عن الدخول- و الحال هذه- خروج عن الأدلة القطعية، آية و رواية في العمل بالتقية، كما لا يخفى.
و منها: ما يدل على انه ينال بذلك الحظ الأوفر و المنزلة العليا، كما يدل عليه كلام الرضا (عليه السلام) في رواية الكشي (4). و اخبار على بن يقطين و علو مرتبته عند الكاظم (عليه السلام) (5). و خبر النجاشي و ما قاله الصادق (عليه السلام) في حقه (6).
و يؤيده خبر منع الكاظم (عليه السلام) لعلى بن يقطين عن الخروج من أعمالهم.
و التحقيق في ذلك: ان هنا مقامات ثلاثة:
(الأول): ان يدخل في أعمالهم لحب الدنيا، و تحصيل لذة الرئاسة، و الأمر و النهى. و هو الذي يحمل عليه اخبار المنع.
(الثاني): ان يكون كذلك، و لكن يمزجه بفعل الطاعات و قضاء حوائج المؤمنين و فعل الخيرات. و هذا هو الذي أشير إليه في الاخبار المتقدمة، كما عرفت من قوله (عليه السلام): ذا بذا. و قوله: واحدة بواحدة. و قوله: و هو أقلهم حظا.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 134 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 145 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 9.
(4) تقدم نقلا عن قاموس الرجال ج 8 ص 59- 60.
(5) الوسائل ج 12 ص 140 حديث: 8.
(6) الوسائل ج 12 ص 142 حديث: 13.
133
و نحو ذلك.
(الثالث): ان يكون قصده من الدخول فيها، انما هو محض فعل الخير، و دفع الأذى عن المؤمنين، و اصطناع المعروف إليهم، و هو الفرد النادر و أقل قليل، حتى قيل انه من قبيل إخراج اللبن الخالص من بين فرث و دم.
و يشير الى هذا الفرد عجز حديث السرائر المتقدم (1) و على هذا يحمل دخول مثل الثقة الجليل على بن يقطين، و محمد بن إسماعيل بن بزيع، و أمثالهما من أجلاء الرواة عنهم، و النجاشي المتقدم ذكره، و كذلك جملة من علمائنا الأعلام، كالمرتضى و المحقق الخواجة نصير الدين و الملة، و آية الله العلامة الحلي، و من المتأخرين المحقق الثاني في سلطنة الشاه إسماعيل، و شيخنا البهائي، و شيخنا المجلسي، و نحوهم عطر الله مراقدهم. مع تسليم دعوى العموم. و بذلك يزول الاشكال و الله العالم.
____________
(1) تقدم عن مستطرفات السرائر ص 479.
134
تتمة مهمة [في عدم التقية في الدماء]
أقول: و من هنا يعلم الكلام في جواز الدخول في أعمالهم و عدمه، و الأصحاب قد صرحوا هنا بأنه لا يجوز الدخول في أعمالهم إلا مع التمكن من القيام بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و قسمة الصدقات و الأخماس على مستحقيها، و صلة الاخوان، و لا يرتكب في ذلك المآثم، علما أو ظنا، و الا فلا يجوز الولاية بلا خلاف، كما نقله في المنتهى.
و على الأول تحمل الأخبار الدالة على رضا الأئمة (عليهم السلام) ببعض الولاة، كمن أشرنا إليهم في آخر البحث.
و على الثاني تحمل الأخبار المانعة من الدخول كما تقدم.
و الظاهر ان القسم الثاني الذي قدمنا ذكره داخل في الأول من هذين القسمين، كما تقدم في رواية الأنباري (1)، فهو أعم منهما.
و الفرق بينهما حينئذ- مع اشتراكهما في الاذن و القيام بالأمور المذكورة- من جهة ما قدمنا ذكره، من قصد أمر زائد في الدخول على هذه الأمور المذكورة، و هو حب الرئاسة و الأمر و النهى و نحو ذلك، و عدمه. فمع قصده يكون من القسم
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 145 حديث: 1.
135
الثاني المتقدم ذكره، و مع عدمه يكون من القسم الثالث الذي هو أقل قليل: و اما لو أكرهه الجائر على الدخول فإنه يجوز له الولاية دفعا للضرر عن نفسه، و لا يجوز له ان يتعدى الحق ما أمكنه، فإن أكره على استعمال مالا يجوز شرعا جاز له، ما لم يبلغ الى الدماء، فإنه لا تجوز التقية فيها على حال.
بقي الكلام في الدماء التي لا تقية فيها، هل هي أعم من القتل و الجرح أو مخصوصة بالقتل، قولان.
و المدعى للعموم ادعى ورود رواية بأنه لا تقية في الدماء.
و المدعى للتخصيص نقل رواية بأنه لا تقية في القتل.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام، ما رواه
في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: انما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية (1).
و روى الشيخ في الموثق عن أبي حمزة الثمالي، قال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): انما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية (2).
و أنت خبير بما فيهما من الإجمال، لاحتمال حمل الدم على ظاهره الشامل للجرح، و احتمال ارادة القتل خاصة، فإنه مما يعبر عنه بهذه العبارة غالبا.
و بالجملة فالمسألة لأجل ذلك محل اشكال و الله العالم.
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 483 حديث: 1 باب: 13 أبواب الأمر و النهى.
(2) الوسائل ج 11 ص 483 حديث: 2.
136
المسألة الرابعة نوح النائح بالباطل
بان تذكر مالا يجوز ذكره، كالكذب. فلو كان بحق فإنه لا بأس به، و نحوه مع عدم سماع الأجانب صوتها، على القول بتحريمه، و حينئذ فالمنع منه انما هو لاشتماله على المحرم، و الا فإنه في نفسه جائز على المشهور.
و على ذلك تدل الاخبار:
و منها: ما رواه
في الكافي و التهذيب في الموثق عن يونس بن يعقوب، عن الصادق (عليه السلام)، قال: قال لي أبي: يا جعفر، أوقف لي من مالي كذا و كذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى، أيام منى (1).
قيل: الندب ان تذكر النائحة الميت بأحسن أوصافه و أفعاله، و البكاء عليه. و الاسم: الندبة- بالضم.
قال بعض مشايخنا: يدل الخبر على رجحان الندبة عليهم و اقامة مأتم لهم، لما فيه من تشييد حبهم و بغض ظالميهم في القلوب، و هما العمدة في الايمان.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 88 حديث: 1.
137
فالظاهر: اختصاصه بهم- (عليهم السلام)- لما ذكرنا. انتهى.
و منها: ما روياه- أيضا-
في الكتابين المذكورين، عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: مات الوليد بن المغيرة، فقالت أم سلمة للنبي (صلى الله عليه و آله): ان آل المغيرة قد أقاموا مناحة فأذهب إليهم؟ فأذن لها، فلبست ثيابها و تهيأت، و كانت من حسنها كأنها جان، و كانت إذا قامت و أرخت شعرها جلل جسدها، و عقدت طرفه بخلخالها، فندبت ابن عمها بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالت:
أنعى الوليد، ابن الوليد * * * أبا الوليد، فتى العشيرة
حامى الحقيقة، ماجدا * * * يسمو الى طلب الوتيرة
قد كان غيثا في السنين * * * و جعفرا غدقا و ميرة
فما عاب النبي (صلى الله عليه و آله) عليها ذلك و لا قال شيئا (1).
و الجعفر: النهر الواسع و الملان. و الغدق: الماء الكثير، و منه الآية «مٰاءً غَدَقاً». و الميرة: الطعام.
و عن حنان بن سدير، قال: كانت امرأة معنا في الحي، و لها جارية نائحة، فجاءت الى ابى، فقالت: يا عم، كنت تعلم أن معيشتي من الله ثم من هذه الجارية، فأحب أن تسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فان كان حلالا و الا بعتها و أكلت ثمنها حتى يأتي الله بالفرج، فقال لها ابى: و الله انى لأعظم أبا عبد الله (عليه السلام) ان أسأله عن هذه المسألة. قال: فلما قدمنا عليه- ع- أخبرته أنا بذلك، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أ تشارط؟
قلت: و الله ما أدرى تشارط أم لا! فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قل لها: لا تشارط و تقبل ما أعطيت (2).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 89 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 89 حديث: 3.
138
و ظاهر هذا الخبر كراهته مع الاشتراط، أو زيادة الكراهة به، لما سيأتي من الاخبار الدالة على الكراهة.
و ما رواه
في الكافي عن عذافر قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كسب النائحة، فقال: تستحله بضرب احدى يديها على الأخرى (1).
قيل: لعل المراد انها تعمل أعمالا شاقة تستحق الأجرة فيها، أو إشارة إلى انه لا ينبغي ان تأخذ الأجرة على النياحة، بل على ما يضم إليها من الأعمال.
انتهى.
و قيل: هو كناية عن عدم اشتراط الأجرة. و لا يخفى ما فيه.
أقول: لعل الأقرب: ان المراد بيان أقل ما تستحق الأجرة، و هو ضرب احدى اليدين على الأخرى.
و
ما رواه في الفقيه و التهذيب عن ابى بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميت.
و روى في الفقيه مرسلا، قال: و سئل الصادق (عليه السلام) عن أجر النائحة؟ فقال:
لا بأس به، قد نيح على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم).
قال: و قال (عليه السلام) لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا (2).
أقول: الظاهر ان هذه الرواية هي ما ذكره (عليه السلام)
في الفقه الرضوي، حيث قال: و لا بأس بكسب النائحة إذا قالت صدقا ثم قال (عليه السلام)، و لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط الى آخر كلامه (عليه السلام) (3).
و ما رواه
في التهذيب عن سماعة في الموثق، قال: سألته عن كسب المغنية
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 90 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 90- 91 حديث: 7 و 10 و 9.
(3) مستدرك الوسائل ج 12 ص 431 باب: 15 حديث: 17 حديث، 1.
139
و النائحة؟ فكرهه (1).
أقول: يجب حمل الكراهة في المغنية على التحريم البتة، لما تقدم في مسألة الغناء. و اما في النائحة فعلى ما يأتي. فأما ما رواه
في الكافي عن عمرو و الزعفراني، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: من أنعم الله عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها، و من أصيب بمصيبة فجاء عند تلك المصيبة بنائحة فقد كفرها (2).
و ما رواه
في الفقيه في حديث المناهي عن الحسين بن زيد، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه نهى عن الرنة عند المصيبة، و نهى عن النياحة و الاستماع إليها، و نهى عن تصفيق الوجه (3).
و ما رواه
في الخصال عن عبد الله بن الحسين بن زيد بن على عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه، عن على (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أربعة لا تزال في أمتي إلى يوم القيامة، الفخر بالأحساب، و الطعن في الأنساب، و الاستقساء بالنجوم، و النياحة على الميت: و ان النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقوم يوم القيامة و عليها سربال من قطران، و درع من جرب (4).
و ما رواه
على بن جعفر في كتابه عن أخيه، قال: سألته عن النوح على الميت، أ يصلح؟ قال: يكره (5).
و ما رواه
في قرب الاسناد عن على بن جعفر عن أخيه موسى، قال: سألته عن النوح، فكرهه (6).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 90 حديث: 8.
(2) الوسائل ج 12 ص 90 حديث: 5.
(3) الوسائل ج 12 ص 91 حديث: 11.
(4) الوسائل ج 12 ص 91 حديث: 12.
(5) الوسائل ج 12 ص 92 حديث: 13.
(6) الوسائل ج 12 ص 92 حديث: 14.
140
و بظاهر هذه الاخبار قال في المبسوط، و ابن حمزة، بل ادعى الشيخ عليه الإجماع فهي محمولة على ما اشتمل على معصية و محرم، من النوح بالباطل و نحوه، مع احتمال الحمل على التقية، و قد تقدم تحقيق الكلام في هذا المقام، و ذكر الخلاف بين الأصحاب في المسألة أيضا في الجلد الثاني من كتاب الطهارة، في بحث غسل الميت (1) فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه، و تحقيق الحال بما ينكشف به غشاوة الاشكال، و الله العالم.
____________
(1) راجع: الجزء الرابع ص 165- 169 من هذه الطبعة.
141
المسألة الخامسة في حفظ كتب الضلال و نسخها لغير النقض
كذا صرح به جملة من الأصحاب، بل ظاهر المنتهى: انه إجماع. و لم أقف في النصوص على ما يتعلق بهذا الباب.
قال في المسالك: المراد حفظها من التلف أو على ظهر القلب، و كلاهما محرم لغير النقض و الحجة على أهلها، لمن له أهليتها لا مطلقا، خوفا على ضعفاء البصيرة من الشبهة، و مثله نسخها، و كذا يجوز للتقية، و بدونها يجب إتلافها إذا لم يمكن افراد موضع الضلال و الا اقتصر عليها حذرا من إتلاف ما يعد مالا، من الجلد و الورق، إذا كان لمسلم أو لمحترم المال. انتهى.
و عندي في الحكم من أصله توقف، لعدم النص، و التحريم و الوجوب و نحوهما أحكام شرعية، يتوقف القول بها على الدليل الشرعي، و مجرد هذه التعليلات الشائعة في كلامهم، لا تصلح عندي لتأسيس الأحكام الشرعية.
قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: لعل دليل التحريم، انه قد يؤل الى ما هو المحرم، و هو العمل به، و ان حفظها و نسخها ينبئ بالرضا بالعمل و الاعتقاد بما فيه، و انها مشتملة على البدعة، و يجب دفعها من باب النهى عن المنكر. انتهى.
142
و لا يخفى ما فيه.
قيل: و لعل المراد بها أعم من كتب الأديان المنسوخة و كتب المخالف للحق، أصولا و فروعا، و الأحاديث المعلوم كونها موضوعة، لا الأحاديث التي رواها الضعفاء، لمذهبهم و لفقههم مع احتمال الصدور، و حينئذ يجوز حفظ الصحاح الستة، غير الموضوع المعلوم كالاحاديث التي في كتبنا مع ضعف رواتها، لكونهم زيدية و فطحية و واقفية، و لا ينبغي الاعراض عن الاخبار النبوية، التي رواها العامة، فإنها ليست الأمثل ما ذكرنا.
أقول: لو كان الحكم المذكور منصوصا عليه، و العلة من النص ظاهرة، لأمكن استنباط الأحكام من النص، بما يناسب تلك العلة، و يناسب سياق النص، و أمكن التفريع على ذلك بما يقتضيه الحال من ذلك النص، و حيث ان الأمر ليس كذلك، فهذه التفريعات و التخريجات كلها انما هي من قبيل الرمي في الظلام.
و قال المحقق المتقدم ذكره: ثم ان الظاهر ان الممنوع منه هو كتب الضلال فقط، لا مصنف المخالف في مذهبه مطلقا و ان وافق الحق، فتفاسير المخالفين ليست بممنوع منها الا المواضع المخصوصة المعلوم بطلانها و فسادها من الدين، فان الظاهر لا قصور في أصول فقههم الا نادرا، إذ الحق هنا ما ثبت بالدليل و ليس شيء هنا مقرر في الدين قد خولف، بل كتبهم في ذلك مثل كتبنا في نقل الخلاف و اختيار ما هو المبرهن، و هو الحق. و كذلك بيعها و سائر التكسب بها، على انه يجوز كله للأغراض الصحيحة، بل قد يجب كالتقية و النقض و الحجة و استنباط الفروع و نقلها و نقل أدلتها إلى كتبنا، و تحصيل القوة و ملكة البحث على أهلها. انتهى.
أقول: و الكلام هنا يجرى على حسب حال ما قدمناه، فان تخصيص المنع بالضلال فقط جيد لو كان ثمة دليل على حسب ما ذكروه، و لكنهم هنا انما يبحثون على تقدير هذه العبارة التي قدمناها، و هي التي يذكرونها في هذا المقام، و قد عرفت انه لا مستند لهم، من اخبارهم (عليهم السلام).
143
هذا مع تطرق الإشكال إليها و الاحتمال، بان المراد من كتب الضلال يعنى كتب أهل الضلال، و هو مجاز شائع في الكلام، و به ينتفي ما ذكروه من التخصيص بالضلال، و يصير عاما لمصنفات أهل الضلال مطلقا. و هذا هو المناسب لما ورد من النهى عن الجلوس إليهم و الاستماع منهم و لو للرد عليهم، خوفا من شمول اللعنة و العذاب له كما يشير اليه بعض الاخبار (1).
و اما قوله: فتفاسير المخالفين ليست بممنوع منها، فإنه و ان سلم انها ليست ممنوعا منها من هذه الجهة المذكورة، الا انها ممنوع منها بما استفاض في الاخبار من النهى عن تفسير القرآن الا بما ورد عنهم (عليهم السلام) (2)، و ان كان المشهور بينهم عدم العمل بهذه الاخبار، كما يعطيه كلامه هنا، نسأل الله سبحانه المسامحة لنا و لهم من عثرات الأقلام و زلات الاقدام.
و لعل ذلك لعدم اطلاعهم عليها، و إمعان النظر في تتبعها من مظانها، و الا فهي في الكثرة و الدلالة على ما قلناه أشهر من ان ينكر، كما بسطنا الكلام عليه في غير المقام من مؤلفاتنا، و أشرنا الى ذلك في المقدمة الثالثة من مقدمات الكتاب و بينا ان جملة الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) متفقة الدلالة على المنع من تفسيره الا بما ورد عنهم (عليهم السلام) (3).
و لذلك تصدى لذلك جملة من فضلاء المتأخرين المتبحرين، منهم السيد العلامة السيد هاشم الكنكانى البحراني في تفسيره المسمى بالبرهان في تفسير القرآن، فجمع تلك الأخبار الواردة بتفسير الآيات عنهم- (عليهم السلام)-، و لقد أحاط بجملة من الاخبار في تفسير الآيات، و لم يسبقه سابق الى وصول هذه المقامات.
ثم الشيخ عبد العلى الحويزاوي في كتاب نور الثقلين.
____________
(1) راجع: الوسائل ج 8 ص 430.
(2) راجع: تفسير البرهان ج 1 ص 18.
(3) راجع: تفسير الصافي المقدمة الخامسة. و الجزء الأول ص 27 من هذا الكتاب.
144
ثم المحدث الكاشاني في تفسيره الصافي، و هو الحق الحقيق بالاتباع.
و اما قوله: فان الظاهر انه لا قصور في أصول فقههم. إلخ. ففيه انه لا ريب ان هذا العلم و اختراع التصنيف فيه و التدوين لأصوله و قواعده، انما وقع أولا من العامة، فإن من جملة من صنف فيه الشافعي، و هو في عصر الأئمة- (عليهم السلام)- مع انه لم يرد عنهم- (عليهم السلام)- ما يشير اليه، فضلا عن ان يدل عليه، و لو كان حقا (1) كما يدعونه، بل هو الأصل في الأحكام الشرعية كما يزعمونه، لما غفل عنه
____________
(1) انا لنستغرب هكذا هجمات قاسية من مثل شيخنا المحدث في هذا الموضع، بل و لهجته العنيفة التي تأباه المباحث العلمية في ثنايا الكتاب.
و لنتساءل الشيخ المصنف: ما هو علم الأصول الذي يستنكره بهذه الصورة الغريبة؟! اما مباحث الألفاظ فهي جملة من مباحث لغوية بحتة يجب على الفقيه تفهمها ليتمكن من استنباط الحكم الشرعي من نصوص الكتاب و السنة، و هي جارية على أساليب اللغة المتعارفة، فكما يجب عليه درس متن اللغة و قواعدها الأدبية، كذلك يجب عليه درس هذه المباحث، لنفس الغاية.
و اما الأصول العملية فهي قواعد فقهية مأخوذة من جملة روايات صحت عن أهل البيت- (عليهم السلام)- لا بد لكل فقيه ان يرجع إليها عند اعوزاز الدليل الاجتهادي على الحكم. فإذا لم يجد دليلا على حرمة شيء أو دليلا على وجوب شيء، فلا بد حينئذ من اللجوء الى حديث الرفع المتواتر الذي يقبله الأصولي و الاخبارى. و هكذا الاستصحاب و غيره.
نعم لا يرجع إليه الاخبارى في الشبهات التحريمية، و يقتصر في الأخذ بحديث الرفع في الشبهات الوجوبية فحسب. و هذا المقدار لا يصلح فارقا لتكوين مذهبين، و تبريرا لمثل هذا التشنيع القاسي. بل التشنيع موجه إلى الاخبارى نفسه الذي يترك العمل بعموم دستور صدر عن أهل البيت- (عليهم السلام)- فيؤمن بالبعض و يترك البعض لا عن سبب معقول.! عصمنا الله من طيش القلم و زلة العصبية في المقال.
م. ه. معرفة.
145
الأئمة (عليهم السلام)، مع حرصهم على هداية شيعتهم، الى كل نقير و قطمير، كما لا يخفى على من تتبع أخبارهم، إذ ما من حالة من حالات الإنسان، في مأكله و مشربه و ملبسه و نومه و يقظته و نكاحه و نحو ذلك من أحواله، الا و قد خرجت فيه السنن عنهم (عليهم السلام) حتى الخلاء، و لو أراد إنسان أن يجمع ما ورد في باب الخلاء لكان كتابا على حده، فكيف يغفلون عن هذا العلم الذي هو بزعمهم مشتمل على القواعد الكلية و الأصول الجلية، و الأحكام الشرعية، و كذلك أصحابهم في زمانهم (عليهم السلام)، مع رؤيتهم العامة عاكفين على تلك القواعد و الأصول، يعملون به الى ان انتهت النوبة بعد الغيبة إلى الشيخ- (رحمه الله)- فصنف فيه استحسانا لما رآه في كتبهم، و خالفهم فيما لا يوافقون أصول مذهبنا و قواعده، ثم جرى على ذلك من بعده من أصحابنا، كما هي قاعدتهم غالبا من متابعته في فتاويه و أحكامه و تصانيفه.
و بالجملة فإن الأمر فيما ذكرنا أظهر من ان يخفى عند الخبير المنصف.
فكتبهم فيه لا تخرج عن كتب أهل الضلال، ان عممنا الحكم في المقام، إلا انك قد عرفت ان أصل البناء كان على غير أساس، فصار معرضا لحصول الشك و الشبهة و الالتباس.
و كيف كان فالظاهر على تقدير ثبوت التحريم، انه ان كان الغرض من إبقائها الاطلاع على المذاهب و الأقوال ليكون على بصيرة في تمييز الحق من الباطل و عرض ما اختلف من الاخبار عليها و الأخذ بخلافه، حيث انه مأمور بذلك عنهم (عليهم السلام) و نحو ذلك من الأغراض الصحيحة، فلا إشكال في الجواز. و اليه يشير قوله- (قدس سره)- أخيرا: على انه يجوز للأغراض الصحيحة. إلخ. و الله العالم و أولياؤه.
146
المسألة السادسة في هجاء المؤمن و الغيبة و حكم غيبة المخالفين
و المراد بالأول: ذكر معايبه في الاشعار. و الثاني: القول بما يكرهه و يغيظه، و ان كان حقا.
قال في المسالك: و خرج بالمؤمنين غيرهم، فيجوز هجاؤهم كما يجوز لعنهم.
و لا فرق هنا بين المؤمن الفاسق و غيره، اللهم الا ان يدخل هجاء الفاسق في مراتب النهى عن المنكر، بحيث يتوقف ردعه عليه، فيمكن جوازه حينئذ ان فرض انتهى.
و قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و الظاهر ان عموم أدلة الغيبة من الكتاب و السنة يشمل المؤمنين و غيرهم، فان قوله تعالى «وَ لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» اما للمكلفين كلهم أو المسلمين فقط، لجواز غيبة الكافر. و لقوله بعده «لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» و كذا الأخبار، فإن أكثرها بلفظ «الناس» أو «المسلم» مثل ما روى
في الفقيه «من اغتاب امرءا مسلما بطل صومه، و نقض وضوؤه، و جاء يوم القيامة يفوح من فيه رائحة أنتن من الجيفة، يتأذى به أهل الموقف، و ان مات قبل ان يتوب مات مستحلا
147
لما حرم الله تعالى» (1).
«ألا و من سمع فاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها» (2)،.
«و من اصطنع إلى أخيه معروفا فامتن به أحبط الله تعالى عمله، و اثبت وزره و لم يشكر له سعيه» (3).
و قال الشيخ زين الدين في رسالة الغيبة: «قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): كل المسلم على المسلم حرام، دمه و ماله و عرضه.
و الغيبة: تناول العرض، و قد جمع بينه و بين المال و الدم.
و قال (عليه السلام): لا تحاسدوا و لا تباغضوا و لا يغتب بعضكم بعضا، و كونوا- عباد الله- إخوانا.
و عن انس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): مررت ليلة اسرى بي على قوم يخمشون وجوههم بأظافيرهم. فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يغتابون الناس و يقعون في اعراضهم. و قال البراء: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى اسمع العواتق في بيوتهن. قال: يا معشر من آمن بلسانه و لم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين و لا تتبعوا عوراتهم، فان من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته و من تتبع الله عورته يفضحه و لو في جوف بيته» (4).
الى غير ذلك، و بالجملة عموم أدلة الغيبة. و خصوص ذكر المسلم يدل على التحريم مطلقا، و ان عرض المسلم كدمه و ماله، فكما لا يجوز أخذ مال المخالف و قتله، لا يجوز تناول عرضه الذي هو الغيبة، و ذلك لا يدل على كونه مقبولا عند الله تعالى، لعدم جواز أخذ ماله و قتله، كما في الكافر. و لا يدل جواز لعنه في النص على جواز الغيبة، مع تلك الأدلة، بأن يقول: انه قصير أو طويل أو أعمى أو أجذم أو أبرص و غير ذلك، و هو ظاهر. و أظن انى رأيت في قواعد الشهيد (رحمه الله) انه يجوز غيبة المخالف، من حيث مذهبه و دينه الباطل و كونه فاسقا من تلك الجهة لا غير، مثل ان يقال أعمى و نحوه و الله اعلم، و لا شك ان الاجتناب أحوط.
____________
(1) الفقيه ج 4 ص 8.
(2) الفقيه ج 4 ص 9.
(3) الفقيه ج 4 ص 10.
(4) كشف الريبة ص 6- 7.
148
انتهى (1).
و صاحب الكفاية قد نقل صدر هذا الكلام، فقال: و قال بعض المتأخرين، إلى قوله: ألا من سمع الفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها، ثم قال: و نقل عن رسالة الشهيد الثاني اخبار، بعضها بلفظ الناس، و بعضها بلفظ المسلم. و ظاهره: الجمود عليه و موافقته فيما ذكره، حيث لم يتعرض لرده و لا قدح فيه.
أقول: و أنت خبير بما فيه من الوهن و القصور، و ان كان مبنيا على ما هو المعروف المشهور من الحكم بإسلام المخالفين، الا ان اخبار أهل البيت- (عليهم السلام)- ظاهرة في رده، متكاثرة مستفيضة على وجه لا يعتريها الفتور.
و قد بسطنا الكلام في الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب، و قد قدمنا نبذة في ذلك في كتاب الطهارة في باب نجاسة الكافر، و أوضحنا كفر المخالفين غير المستضعفين، و نصبهم و شركهم بالاخبار المتكاثرة، التي لا معارض لها في البين، و انه ليس إطلاق المسلم عليهم، الا من قبيل إطلاقه على الخوارج و أمثالهم، من منتحلي الإسلام، و توجه الطعن الى كلام هذا المحقق أكثر من ان يأتي عليه قلم البيان.
و لكن لا بد من التعرض لما لا بد منه مما يندفع به الاشكال، عن الناظر في هذا المقال، فنقول:
فيه- أولا-: ان ما ادعاه من الحكم بإسلامهم مردود، للأخبار المستفيضة و الآيات الطويلة العريضة، الدالة على الكفر. و لأجل إزاحة ثقل المراجعة على النظار في الرجوع الى ما قدمناه في كتاب الطهارة من الاخبار، نشير الى نبذة منها على جهة الاختصار.
ففي الكافي عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: ان الله عز و جل نصب عليا علما بينه و بين خلقه، فمن عرفه كان مؤمنا، و من أنكره كان كافرا، و من جهله كان ضالا (2).
____________
(1) انتهى كلام المحقق الأردبيلي.
(2) الكافي ج 1 ص 438 حديث: 7.
149
و قال: ان عليا (عليه السلام) باب فتحه الله فمن دخله كان مؤمنا، و من خرج منه كان كافرا، و من لم يدخل فيه و لم يخرج منه كان في الطبقة الذين قال الله تبارك و تعالى: لي فيهم المشية (1).
و عن الصادق (عليه السلام) قال: من عرفنا كان مؤمنا، و من أنكرنا كان كافرا، و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالا، حتى يرجع الى الهدي الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة، فإن يمت على ضلالته يفعل الله به ما يشاء (2).
و بهذا المضمون أخبار عديدة.
و روى فيه بسنده الى الصادق (عليه السلام)، قال: أهل الشام شر من أهل الروم، و أهل المدينة شر من أهل مكة، و أهل مكة يكفرون بالله جهرة (3).
و بسنده فيه
عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: ان أهل مكة ليكفرون بالله جهرة و ان أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفا (4).
و قد روى في الكافي جملة من الاخبار في تفسير الكفر، في جملة من الآيات القرآنية، بترك الولاية.
منها: ما رواه
بسنده الى الصحاف قال: سألت الصادق (عليه السلام)، عن قوله تعالى «فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (5) قال: عرف الله ايمانهم بولايتنا و كفرهم بها، يوم أخذ عليهم الميثاق في صلب آدم و هم ذر (6).
و نحوه غيره فليرجع الى الكتاب
____________
(1) الكافي ج 1 ص 437 حديث: 8.
(2) الكافي ج 1 ص 187 حديث: 11.
(3) الكافي ج 2 ص 409 حديث: 3.
(4) الكافي ج 2 ص 410 حديث: 4.
(5) سورة التغابن: 3.
(6) الكافي ج 1 ص 413 حديث: 4 و ص 426 حديث: 74 و لفظ الحديث في الموضع الثاني: «بموالاتنا» بدل «بولايتنا».
150
المذكور من أحب الاطلاع عليه فأين ثبوت الإسلام لأولئك الطغام، مع هذه الآيات و الاخبار الواضحة لكل ناظر من ذوي الأفهام!! و أظهر من ذلك ما رواه
في الخصال بسنده عن مالك الجهني، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ثلاثة لا يكلمهم الله تعالى يوم القيامة، و لا ينظر إليهم، و لا يزكيهم، و لهم عذاب اليم، من ادعى اماما ليست إمامته من الله تعالى، و من جحد إماما إمامته من عند الله تعالى، و من زعم ان لهما في الإسلام نصيبا (1).
و رواه النعماني في كتاب الغيبة في الصحيح عن عمران الأشعري، عن جعفر ابن محمد مثله. نعوذ بالله من زيغ الافهام و طغيان الأقلام، و نسأله سبحانه المسامحة لنا و لهم في أمثال هذا المقام.
و ثانيا: ان ما ذكره بقوله «و الظاهر ان عموم أدلة تحريم الغيبة من الكتاب و السنة يشمل المؤمنين و غيرهم، فان قوله تعالى، لٰا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، اما للمكلفين أو المسلمين. إلخ» من العجب العجاب عند ذوي العقول و الألباب. فان صدر الاية «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فالخطاب للمؤمنين خاصة، فكيف يقول: ان الخطاب للمكلفين أو المسلمين؟! و كأنه غفل عن صدر الآية حتى بنى عليها هذا الكلام الواهي البالغ غاية الضعف.
و بالجملة، فإن الآية انما هي عليه، لا له، لما سيأتيك أيضا زيادة على ما ذكرناه.
و ثالثا: ان الآية التي دلت على تحريم الغيبة، و ان كان صدرها مجملا، الا ان قوله فيها «أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً» مما يعين الحمل على المؤمنين، فإن إثبات الاخوة بين المؤمن و المخالف له في دينه، لا يكاد يدعيه من شم رائحة الايمان، و لا من أحاط خبرا باخبار السادة الأعيان، لاستفاضتها بوجوب معاداتهم، و البراءة منهم.
و منها: ما رواه
الصدوق في معاني الاخبار، و العيون و المجالس، و صفات
____________
(1) رواه في الكافي ج 1 ص 373 حديث: 4 و في الخصال باب الثلاثة رقم: 2- 61.
151
الشيعة، و العلل، عن محمد بن القاسم الأسترآبادي، عن يونس بن محمد بن زياد، و على بن محمد بن سيار، عن أبويهما عن الحسن بن على العسكري عن آبائه- (عليهم السلام)-، ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد الله أحب في الله و أبغض في الله، و وال في الله و عاد في الله، فإنه لن تنال ولاية الله الا بذلك و لا يجد الرجل طعم الايمان، و ان كثرت صلاته و صيامه، حتى يكون كذلك، و قد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتواددون و عليها يتباغضون، و ذلك لا يغني من الله شيئا. فقال الرجل: يا رسول الله، فكيف لي ان اعلم انى قد واليت في الله و عاديت في الله؟ و من ولى الله حتى أواليه؟ و من عدوه حتى أعاديه؟ فأشار (صلى الله عليه و آله و سلم) الى على (عليه السلام) فقال: أ ترى هذا؟ قال: بلى. قال: ولى الله هذا فواله، و عدو هذا عدو الله فعاده. ثم قال: وال ولى هذا، و لو انه قاتل أبيك و ولدك، و عاد عدو هذا و لو أنه أبوك و ولدك (1).
أقول: فليختر هذا القائل، ان المخالف هل هو من أولياء على (عليه السلام) فتجب موالاته و تثبت اخوته و يجب الحكم بدخوله الجنة لذلك؟ أو انه عدو له (عليه السلام) فتجب معاداته و بغضه بنص هذا الخبر الصحيح الصريح عنه (صلى الله عليه و آله)؟ و لو لم يكن الا هذا الخبر لكفى به حجة، فكيف و الاخبار بهذا المضمون مستفيضة متكاثرة.
و منها: ما رواه أيضا
في الكافي عن عمرو بن مدرك عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ فقالوا: الله و رسوله اعلم.
و قال بعضهم: الصلاة، و قال بعضهم: الزكاة، و قال بعضهم: الصيام. و قال بعضهم:
الحج و العمرة. و قال بعضهم: الجهاد. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لكل ما قلتم فضل و ليس به، و لكن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله و البغض في الله، و توالى أولياء الله، و التبري من أعداء الله (2).
____________
(1) علل الشرائع ص 141 باب: 119 الحديث: 1.
(2) الكافي ج 2 ص 125 حديث: 6.
152
و منها: ما رواه
في الكافي عن إسحاق بن عمار، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: كل من لم يحب على الدين، و لم يبغض على الدين فلا دين له (1).
و بالإسناد عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رسالته الى أصحابه، قال: أحبوا في الله من وصف صفتكم، و أبغضوا في الله من خالفكم و ابذلوا مودتكم و نصيحتكم لمن وصف صفتكم، و لا تبذلوها لمن رغب عن صفتكم (2).
و روى في كتاب صفات الشيعة للصدوق بسنده عن ابن فضال، عن الرضا (عليه السلام)، قال: من والى أعداء الله فقد عادى أولياء الله، و من عادى أولياء الله فقد عاد الله، و حق على الله ان يدخله نار جهنم (3).
و روى في كتاب ثواب الأعمال و كتاب صفات الشيعة. عن صالح بن سهل عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: من أحبنا و أبغض عدونا في الله، من غير ترة و ترها إياه في شيء من أمر الدنيا، ثم مات على ذلك فلقي الله و عليه من الذنوب مثل زبد البحر غفرها الله له (4).
الى غير ذلك من الاخبار التي يضيق عن نقلها المقام.
و يعضد هذه الاخبار العلية المنار الساطعة الأنوار قوله عز و جل «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِيٰاءَ» (5) و قوله عز و جل «لٰا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوٰادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّٰهَ» (6).
و إذا كان الله عز و جل نهى أهل الإيمان عن ولايتهم و محبتهم، فكيف يجوز الحكم في الآية المشار إليها بأخوتهم!؟ ما هذا الا سهو واضح من هذا النحرير، و بذلك
____________
(1) الكافي ج 2 ص 127 حديث: 16.
(2) الكافي ج 8 ص 12.
(3) كتاب صفات الشيعة رقم: 11 ص 49 ط طهران.
(4) ثواب الأعمال: 165. بحار الأنوار ج 27 ص 55 حديث: 10.
(5) سورة الممتحنة: 1.
(6) سورة المجادلة: 22.
153
يظهر لك ايضا حمل خبر البراء الذي نقله، على المؤمن أيضا، لقوله فيه «من تتبع عورة أخيه» إذ لا اخوة بين المؤمن و المخالف، كما عرفت.
و ليت شعري أي فرق بين من كفر بالله سبحانه تعالى و رسوله، و بين من كفر بالأئمة- (عليهم السلام)-؟ مع ثبوت كون الإمامة من أصول الدين بنص الآيات و الاخبار الواضحة الدلالة كعين اليقين.
و رابعا: ان ما استند اليه من ورود الأخبار الدالة على تحريم الغيبة بلفظ «المسلم» ففيه:
أولا: انك قد عرفت ان المخالف كافر، لاحظ له في الإسلام بوجه من الوجوه، كما حققناه في كتابنا «الشهاب الثاقب».
و ثانيا: مع تسليم صحة إطلاق الإسلام عليه، فالمراد به: انما هو منتحل الإسلام، كما تقدمت الإشارة اليه، و المراد هنا: انما هو الإسلام بالمعنى الأخص، و هو المؤمن الموالي لأهل البيت- (عليهم السلام).
إذ لا يخفى وقوع إطلاق الإسلام على هذا المعنى في الآيات و الروايات، و منه:
قوله تعالى «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ» (1) و قوله عز و جل- في حق الأئمة-:
«هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ» (2) و قوله «فَمٰا وَجَدْنٰا فِيهٰا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (3).
كما ان الايمان يطلق أيضا تارة على الإسلام بالمعنى الأعم، كقوله عز و جل:
«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا» (4) فان المخاطبين هم المقرون بمجرد اللسان، أمرهم بالايمان بمعنى التصديق. و إطلاق المسلم بالمعنى الذي ذكرنا في الاخبار أكثر كثير، كما لا يخفى على من له أنس بالاخبار.
____________
(1) سورة آل عمران: 19.
(2) سورة الحج: 78.
(3) سورة الذاريات: 36.
(4) سورة النساء: 136.
154
و ثالثا ان الموجود في أكثر الأخبار الواردة من طرقنا، انما هو بلفظ «المؤمن» و نحوه، مثل ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن ابى عمير، عن بعض أصحابه، عن الصادق (عليه السلام): من قال في مؤمن ما رأته عيناه و سمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز و جل «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفٰاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ» (1).
و عن عبد الرحمن بن سيابة، قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: الغيبة: ان تقول في أخيك ما ستره الله عليه، و اما الأمر الظاهر فيه مثل الحدة و العجلة فلا. و البهتان:
ان تقول فيه ما ليس فيه (2).
و عن داود بن سرحان، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن الغيبة، فقال: هو ان تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل، و تبث عليه امرا قد ستره الله عليه، لم يقم عليه فيه حد (3).
و ما رواه
في الفقيه مرسلا، قال: قال الصادق (عليه السلام) في حديث: و من اغتاب أخاه المؤمن من غير ترة بينهما فهو شرك شيطان (4). الحديث،.
الى غير ذلك من الاخبار.
و حينئذ فيجب حمل «المسلم» على ما ورد في هذه الاخبار المتضمنة للفظ المؤمن و الأخ. على ان أكثر ما نقله من الاخبار انما هو من روايات العامة، التي لا يقوم بها حجة، لا سيما على ما هو المعهود من قاعدته و قاعدة أمثاله من أصحاب هذا الاصطلاح، في رد الأخبار المروية في الأصول المشهورة بضعف السند باصطلاحهم المحدث، فكيف بالأخبار العامة.
____________
(1) الوسائل ج 8 ص 598 حديث: 6 و الآية في سورة النور: 19.
(2) الوسائل ج 8 ص 604 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 8 ص 604 حديث: 1.
(4) الفقيه ج 4 ص 299 من حديث: 85. يقال: وتره وترا وترة اى ظلمه و أبغضه.
و المراد: العداء و التباغض.
155
و خامسا: ان قوله: «انه كما لا يجوز أخذ مال المخالف و قتله لا يجوز تناول عرضه» فان فيه- زيادة على ما عرفت- (1): ان الاخبار قد جوزت قتله و أخذ ماله مع الأمن و عدم التقية، ردا عليه و على أمثاله ممن حكم بإسلامه، و هي جارية على مقتضى الأخبار الدالة على كفره.
فروى الشيخ في الصحيح عن حفص بن البختري عن الصادق (عليه السلام)، قال: خذ مال الناصب حيثما وجدته و ادفع إلينا الخمس (2).
و عن إسحاق بن عمار، قال: قال الصادق (عليه السلام): مال الناصب و كل شيء يملكه حلال لك، إلا امرأته فإن نكاح أهل الشرك جائز، و ذلك أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: لا تسبوا أهل الشرك فان لكل قوم نكاحا، و لولا انا نخاف عليكم ان يقتل رجل منكم برجل منهم، و رجل منكم خير من الف رجل منهم، لأمرناكم بالقتل لهم، و لكن ذلك الى الامام (3).
____________
(1) أقول: من أوضح الواضحات في جواز غيبة المخالفين طعن الأئمة- ع- بأنهم أولاد زنا، فمن ذلك ما رواه
الكافي ج 8 ص 285 عن أبي حمزة عن ابى جعفر- ع- قال: قلت له: ان بعض أصحابنا يفترون و يقذفون من خالفهم، فقال: الكف عنهم أجمل. ثم قال: و الله يا أبا حمزة، ان الناس كلهم أولاد بغايا ما خلا شيعتنا.
ثم قال: فنحن أصحاب الخمس و الفيء و قد حرمناه على جميع الناس ما خلا شيعتنا.
و ما رواه
في التهذيب ج 4 ص 136 عن ضريس الكناسي، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام):
أ تدري من اين دخل على الناس الزنا؟ فقلت: لا أدرى. فقال: من قبل خمسنا- أهل البيت- الا لشيعتنا الاطيبين، فإنه محلل لهم لميلادهم. و نحوهما في اخبار الخمس كثير. فإذا كان الأئمة- ع- قد طعنوا فيهم بهذا الطعن و اغتابوهم بهذه الغيبة التي لا أعظم منها في الدين بالنسبة إلى المؤمنين و المسلمين فكيف يتم ما ذكروه من المنع من غيبتهم.
و بالجملة فالأمر فيما ذكرناه أشهر من ان ينكر. و حينئذ فيحمل قوله في الخبر الأول «الكف عنهم أجمل» على رعاية التقية، حيث انه بعد هذا الكلام عقبه بتصديق ما نقله عن بعض أصحابنا. و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر. منه (قدس سره).
(2) الوسائل ج 6 ص 340 حديث: 6.
(3) الوسائل ج 11 ص 60 حديث: 2.
156
و روى في الكافي و التهذيب في الصحيح عن بريد بن معاوية العجلي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن مؤمن قتل ناصبيا معروفا بالنصب على دينه، غضبا لله و رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) أ يقتل به؟ قال: اما هؤلاء فيقتلونه به و لو رفع الى امام عادل ظاهر لم يقتله به. قلت: فيبطل دمه؟ قال: لا و لكن إذا كان له ورثة كان على الامام ان يعطيهم الدية من بيت المال، لان قاتله انما قتله غضبا لله عز و جل و للإمام و لدين المسلمين (1).
و روى في العلل في الصحيح عن داود بن فرقد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، و لكن اتقى عليك، فان قدرت ان تقلب عليه حائطا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل. قلت: فما ترى في ماله؟ قال:
أتوه ما قدرت عليه (2).
و روى في العيون بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام) فيما كتبه للمأمون، قال (عليه السلام): فلا يحل قتل أحد من النصاب و الكفار في دار التقية، إلا قاتل أو ساع في فساد، و ذلك إذا لم تخف على نفسك و أصحابك (3).
و روى في الفقيه عن محمد بن مسلم في الصحيح، عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: أ رأيت من جحد الامام منكم ما حاله؟ فقال: من جحد اماما من الله و بريء منه و من دينه فهو كافر مرتد عن الإسلام، لأن الإمام من الله، و دينه من دين الله، و من بريء من دين الله فهو كافر، و دمه مباح في تلك الحال، الا ان يرجع و يتوب الى الله
____________
(1) التهذيب ج 10 ص 213 حديث: 48- 843.
(2) الوسائل ج 18 ص 463 حديث: 5. و اتواء المال: تضييعه و إفساده.
(3) الوسائل ج 11 ص 62 حديث: 9.
157
مما قال (1).
و روى الكشي في كتاب الرجال بسنده فيه الى على بن حديد، قال: سمعت من سأل أبا الحسن (عليه السلام)، فقال: انى سمعت محمد بن بشير يقول: انك لست موسى ابن جعفر، الذي أنت إمامنا و حجتنا فيما بيننا و بين الله. فقال: لعنه الله- ثلاثا- و أذاقه الله حر الحديد، قتله الله أخبث ما يكون من قتلة. فقلت: جعلت فداك، إذا أنا سمعت ذلك منه أو ليس حلال لي دمه، مباح، كما أبيح دم الساب لرسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و الامام؟ فقال: نعم، بلى و الله حل دمه، و اباحه لك و لمن يسمع ذلك منه، الى ان قال: فقلت أ رأيت إن انا لم أخف أن ارم به بريئا ثم لم افعله و لم اقتله، ما على من الوزر؟ فقال: يكون عليك وزره أضعافا مضاعفة من غير ان ينتقص من وزره شيء اما علمت ان أفضل الشهداء درجة يوم القيامة من نصر الله تعالى و رسوله بظهر الغيب، ورد عن الله و عن رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (2).
فان قيل: ان أكثر هذه الاخبار، انما تضمن الناصب، و هو- على المشهور-:
أخص من مطلق المخالف، فلا تقوم الأخبار حجة على ما ذكرتم! قلنا: ان هذا التخصيص قد وقع اصطلاحا من هؤلاء المتأخرين، فرارا من الوقوع في مضيق الإلزام، كما في هذا الموضع و أمثاله، و الا فالناصب حيثما أطلق في الاخبار و كلام القدماء، فإنما يراد به المخالف، عد المستضعف. و إيثار هذه العبارة للدلالة على بعض المخالفين للأئمة الطاهرين.
و يدلك على ذلك ما رواه
في مستطرفات السرائر من كتاب «مسائل الرجال و مكاتباتهم لمولانا على بن محمد الهادي (عليه السلام)» في جملة مسائل محمد بن على بن عيسى، قال: كتبت إليه: أسأله عن الناصب، هل احتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت، و اعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 544 حديث: 1.
(2) رجال الكشي- طبع النجف- ص 408.
158
ناصب (1).
و هو صريح في ان مظهر النصب و العداوة، هو القول بإمامة الأولين.
و روى في العلل عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (عليه السلام)، قال: ليس الناصب من نصب لنا- أهل البيت- لأنك لا تجد أحدا يقول انى أبغض محمدا و آل محمد- (صلى الله عليه و آله و سلم)- و لكن الناصب من نصب لكم، و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا (2).
و نحوه رواية
معلى بن خنيس، و فيها «و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و تتبرؤون من أعدائنا» (3).
فهذا تفسير الناصب في أخبارهم، الذي تعلقت به الأحكام، من النجاسة، و عدم جواز المناكحة، و حل المال و الدم و نحوه، و هو عبارة عن المخالف مطلقا عدا المستضعف، كما دل عليه استثناؤه في الاخبار. و ما ذكروا، من التخصيص بفرد خاص من المخالفين مجرد اصطلاح منهم، لم يدل عليه دليل من الاخبار، بل الاخبار في رده واضحة السبيل (4).
____________
(1) مستطرفات السرائر ص 479 و الوسائل ج 6 ص 341 حديث 14.
(2) الوسائل ج 6 ص 339 حديث: 3.
(3) معاني الأخبار ص 104 و البحار ج 27 ص 233.
(4) أقول: و في بعض الأجوبة المنسوبة الى ابن إدريس، و قد سئل عن الناصب و المستضعف: من هما، و ما الفرق بينهما؟ فأجاب بجواب طويل، يتضمن ان الناصب هو المخالف غير المستضعف، و أكثر من الاخبار الدالة على ذلك، و كلام المتقدمين من الأصحاب و غيرهم، و منها: قول المتنبي:
إذا علوي لم يكن نسل طاهر * * * فما هو الأحجة للنواصب
و قول المعرى- على ما شاع عنه-:
اضرب بعاد قفا ثمود * * * و بالنصارى قفا اليهود
و بالروافض قفا النواصب
و غيرها. و كلها صريحة في ان الناصب عبارة عن المخالف غير المستضعف. و به يظهر ان ما اشتهر بين المتأخرين من تخصيصهم الناصب بمعنى أخص من المخالف لا وجه له و لا دليل عليه، بل الدلالة على خلافه ظاهرة كما عرفت و الله العالم. منه (قدس سره).
159
و من أراد تحقيق الحال و تفصيل هذا الإجمال، فليرجع الى كتابنا المتقدم ذكره، فإنه واف و شاف، محيط بأطراف الكلام، و إبرام النقض و نقض الإبرام.
و قد خرجنا بما ذكرنا من تطويل الكلام في المقام، عما هو المقصود و المرام، لمزيد الإيضاح، لما في كلام هذا المحقق من الوهن و القصور الظاهر لمن وفق للاطلاع على اخبارهم- (عليهم السلام).
إذا ثبت هذا فاعلم: انه كما تحرم الغيبة فإنه يحرم استماعها ايضا، لما رواه
الصدوق في الفقيه في حديث المناهي، عن الحسين بن زيد، عن الصادق، عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الغيبة و الاستماع إليها- الى ان قال-: ألا و من تطول على أخيه في غيبة سمعها فيها في مجلس فردها عنه، رد الله عنه الف باب من شر الدنيا و الآخرة، فان هو لم يردها و هو قادر على ردها، كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة (1).
و ذكر بعض الأصحاب: ان كفارة الغيبة هو التحلل ممن اغتابه ان كان حيا، و الاستغفار له ان كان ميتا.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك. ما رواه
في الكافي و الفقيه عن حفص ابن عمير عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سئل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): ما كفارة الاغتياب؟ قال:
تستغفر الله لمن اغتبته كلما ذكرته (2).
____________
(1) من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 8- 9.
(2) الوسائل ج 8 ص 606.
160
و ظاهر الخبر المذكور: ان كفارة الغيبة: الاستغفار مطلقا، حيا كان من اغتابه أو ميتا. و يعضده: ان اخباره بذلك ربما أثار فتنة أو زيادة حقد و بغض في القلوب، كما هو ظاهر من أحوال أكثر الناس.
تتمة مهمة [في موارد جواز الغيبة]
قد استثنى الأصحاب جملة من المواضع، فجوزوا الغيبة فيها:
منها
التظلم عند من يرجو زوال ظلمه
، إذا نسب من ظلمه الى الاثام.
قال في الكفاية- بعد نقل ذلك-: و لعل الأحوط الاقتصار على أقل الحاجة.
انتهى.
و لم أقف على من استند هنا الى دليل.
و يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه
في الكافي عن ثعلبة بن ميمون عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: كان قوم عنده يتحدثهم إذ ذكر رجل منهم رجلا، فوقع فيه و شكاه، فقال له أبو عبد الله- (عليه السلام)-: و أنى لك بأخيك كله، و اى الرجال المهذب (1).
و يمكن الاستدلال على ذلك ايضا بقوله عز و جل «لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ» (2)
ففي مجمع البيان: عن الباقر (عليه السلام) «لا يحب الله الشتم في الانتصار (إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ) فلا بأس له ان ينتصر ممن ظلمه، بما يجوز الانتصار به في الدين» (3).
____________
(1) الكافي ج 2 ص 651 حديث: 1 باب الإغضاء. و قوله: بأخيك كله اى هو الأخ الكامل التام. و قوله: اى الرجال المهذب، أيضا إشارة إلى الكمال، كما في قول الشاعر:
و لست بمستبق أخا لا تلمه * * * على شعث، اى الرجال المهذب
. (2) سورة النساء: 148.
(3) مجمع البيان ج 3 ص 131.
161
قال في الكتاب المذكور: و نظيره «وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مٰا ظُلِمُوا» (1).
و في تفسير على بن إبراهيم- (قدس سره)-: و قوله تعالى «لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ» اى لا يحب الله ان يجهر الرجل بالظلم و السوء و لا يظلم، الا من ظلم، فقد أطلق له ان يعارضه بالظلم (2).
و في المجمع- ايضا- عن الصادق (عليه السلام): انه الضيف ينزل بالرجل فلا يتحسن ضيافته، فلا جناح عليه ان يذكره بسوء ما فعله (3).
و في تفسير العياشي- أيضا- عنه (عليه السلام) في هذه الآية: من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهو ممن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه.
و عنه (عليه السلام): الجهر بالسوء من القول، ان يذكر الرجل بما فيه (4).
أقول: الظاهر ان التفسير بالضيف من حيث دخوله في عموم الآية و إطلاقها، فلا منافاة فيه للتفسير الأول. و ظاهر ما نقلناه عنهم: تخصيص الحكم بالتظلم عند الحاكم الشرعي و نحوه، يرجى به دفع الظلم عنه، بان يقول: ان فلانا غصبني أو ضربني أو نحو ذلك. و مقتضى ظاهر الآية: العموم. و كذا ظاهر الاخبار المنقولة في تفسيرها.
(و منها)
الاستفتاء
، كما يقول المستفتي: ظلمني أبي أو أخي، فكيف طريقي في الخلاص؟
قال في الكفاية: و الأسلم هنا التعريض، بان يقول: ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو اخوه؟
و قد روى: «ان هندا قالت للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم): ان أبا سفيان رجل شحيح، و ليس يعطيني ما يكفيني و ولدي، إلا ما أخذت منه و هو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك
____________
(1) سورة الشعراء: 227.
(2) البرهان ج 1 ص 425 حديث: 3.
(3) مجمع البيان ج 3 ص 131.
(4) تفسير العياشي ج 1 ص 283.
162
و ولدك بالمعروف» (1).
فذكرت الشح و الظلم لها و ولدها، و لم يزجرها (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ كان قصدها الاستفتاء. و في هذا الحكم إشكال، إذا كان سبيل الى التعريض و عدم التصريح. انتهى.
أقول: ما ذكره من الاستدلال بهذه الرواية، مع تسليم ورودها من طرقنا، محل نظر. فإن أبا سفيان منافق كافر، قد لعنه رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في غير مقام فلا غيبة له.
و لكن الاستدلال بهذه الرواية هنا جرى على ما قدمنا ذكره عنه ثمة، من نقله كلام المقدس الأردبيلي و جموده عليه، و قد عرفت ما فيه مما أظهر ضعف باطنه و خافية.
نعم يمكن الاستدلال على ذلك بما رواه
في الكافي و التهذيب، عن حماد بن عثمان، قال: دخل رجل على ابى عبد الله (عليه السلام)، فشكى رجلا من أصحابه، فلم يلبث ان جاء المشكو، فقال له أبو عبد الله (عليه السلام)- مغضبا-: ما لفلان يشكوك؟ فقال له:
يشكوني أني استقضيت منه حقي، قال: فجلس أبو عبد الله (عليه السلام) مغضبا، ثم قال:
كأنك إذا استقضيت حقك لم تسئ! أ رأيت ما حكى الله عز و جل في كتابه «يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ» (2) انهم خافوا الله ان يجور عليهم؟! لا و الله ما خافوا الا الاستقضاء، فسماه الله عز و جل سوء الحساب، فمن استقضى فقد أساء (3).
الا انهم قد عنونوا هذا الموضع بالاستفتاء، و ما تضمنه الخبر ليس من قبيل الاستفتاء، و يمكن جعل العنوان ما هو أعم، أو يجعل هذا الخبر من أدلة الموضع الأول.
(و منها)
تحذير المؤمن من الوقوع في الخطر و الشر
، و نصح المستشير. قالوا:
إذا رأيت متفقها يتلبس بما ليس من اهله، فلك ان تنبه الناس على نقصه و قصوره
____________
(1) البخاري ج 7 ص 85. و مسلم ج 5 ص 129. و اللفظ للأول. و رواه في المستدرك عن غوالي اللئالي. ج 2 ص 108.
(2) سورة الرعد: 21.
(3) الكافي ج 5 ص 101 و قد تقدم الحديث في ص 49 و لفظ «مغضبا» الأول في الموضعين، ليس في نسخ المصدر.
163
مما أهل نفسه له، و تنبههم على الخطر اللاحق لهم بالانقياد اليه، و كذلك إذا رأيت رجلا يتردد الى فاسق يخفى امره، و خفت عليه من الوقوع بسبب صحبته فيما لا يوافق الشرع، فلك ان تنبهه على فسقه، مهما كان الباعث الخوف من إنشاء البدعة و سراية الفسق. الا ان هذا الموضع محل الخديعة من الشيطان، إذ ربما يكون الباعث انما هو الحسد على تلك المنزلة، فيلتبس عليك الشيطان، كما هو غالب فاش في أبناء الزمان، فينبغي للداخل في ذلك ان يلاحظ نفسه فيما بينه و بين ربه.
و من ذلك- ايضا-: بيان الاغلاط الواقعة من العلماء. و الظاهر: ان من هذا القبيل طعن العلماء بعضهم على بعض في المسائل الفقهية حتى انجر الى التجهيل، كما لا يخفى على من وقف على الرسالة المنسوبة إلى المفيد و السيد المرتضى، في الرد على الصدوق في تجويزه السهو على المعصوم، فإنها اشتملت على قدح عظيم في حق الصدوق، لا يليق بمثله ان ينسب اليه ذلك، و كما وقع من المحقق و العلامة في الطعن على ابن إدريس في مواضع لا تحصى، مما يؤذن بتجهيله، مع ما هو عليه من الفضل و علو الشأن و نحو ذلك.
و قد وقع بين جملة من مشايخنا المعاصرين ممن عليهم الاعتماد بين العباد في البلاد ما يؤدى الى أعظم الإشكال في هذا المجال، حتى ان رجلين منهم كانا يصليان الجمعة في أقل من مسافة الفرسخ. و الناس يقتدون بكل منهما. و كان بعض من عاصرناه من المشايخ ينقل حديثا- ان صح هان الأمر في ذلك- و الا فالمقام مقام خطر و اشكال.
و صورة الخبر الذي ينقله في حق العلماء: انه (عليه السلام) قال: خذوا بما يفتون و لا تنظروا الى ما يقول بعضهم في بعض، فإنهم يتغايرون كما تتغاير النساء. هذا حاصل معناه.
و مما يؤيد ذلك: دلالة جملة من الاخبار على حصول الحسد بين العلماء، خصوصا زيادة على ما بين سائر الناس.
و بالجملة فالفداء عضال، لا يكاد ينفك منه الا من عصمه الله تعالى بالتوفيق في
164
جملة الأحوال.
نعم قد ورد في جملة من الاخبار جواز الوقيعة في أصحاب البدع، و منهم الصوفية، كما رواه
في الكافي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): إذا رأيتم أهل الريب و البدع من بعدي، فأظهروا البراءة منهم، و أكثروا من سبهم و القول فيهم و الوقيعة، و باهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الإسلام، و يحذرهم الناس، و لا يتعلموا من بدعهم، يكتب الله لكم بذلك الحسنات، و يرفع لكم به الدرجات في الآخرة (1).
و بمضمونه أخبار عديدة.
و كذلك إذا رأيت رجلا يشترى مملوكا، و قد عرفت ان في ذلك المملوك عيوبا منقصة، فلك ان تذكرها للمشتري، فان في سكوتك ضررا للمشتري، و في ذكرك ضررا للعبد، و لكن المشتري أولى بالمراعاة.
و من اللازم: ان يقتصر على العيب المنوط بذلك، فلا يذكر في عيب التزويج ما يخل بالشركة و المضاربة مثلا، بل انما يذكر ما يتعلق بذلك، من غير تجاوز عنه.
أقول: و يمكن ان يستدل على ذلك بالأخبار الدالة على وجوب نصح المؤمن، لا سيما مع الاستشارة، كما رواه
في الكافي عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: يجب للمؤمن على المؤمن النصيحة في المشهد و المغيب (2).
و عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه (3).
و عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): ان أعظم الناس منزلة عند الله تعالى يوم القيامة، أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه (4).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 508 حديث: 1.
(2) الكافي ج 2 ص 208 حديث: 2.
(3) الكافي ج 2 ص 208 حديث: 4.
(4) الكافي ج 2 ص 208 حديث: 5.
165
و عنه (عليه السلام) قال: من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرأي، سلبه الله عز و جل رأيه (1).
(و منها)
الجرح للشاهد و الراوي للاخبار
، صيانة لحقوق المسلمين، و حفظا للاحكام و السنن الشرعية.
و من ثم وضع العلماء كتب الجرح و التعديل للرواة، و قسموهم الى الثقات و المجروحين، و ذكروا الأسباب الموجبة للقدح و الجرح، و كونه كذابا وضاعا للحديث، لكن لا ينبغي ان يذكر الا ما يخل بالشهادة و الرواية، و لا يتعرض لشيء من عيوبه التي لا تعلق لها بذلك، وقوفا على القدر الذي يمكن تخصيص عموم أخبار النهي عن الغيبة به.
و كيف كان، فينبغي التحفظ و الإخلاص في ذلك، بان لا يكون الباعث امرا آخر غير قصد الأمر الذي قدمنا ذكره.
أقول: و لا اعلم لهم حجة على ذلك زيادة على ما ذكرناه.
و ربما يستند لذلك بالأخبار التي وردت عنهم- (عليهم السلام)- في ذم بعض الرواة، و انهم من الكذابين و الغالين، الا ان مورد هذا الاخبار انما هو غير الشيعة، ممن يظهر التلبس بهم، فلا حجة فيها.
و يمكن ان يستدل بما ورد في الاخبار من ذمهم- ع- لجملة من الرواة، كزرارة و هشام ابن الحكم، و يونس بن عبد الرحمن، و غيرهم. بان يكون الوجه في ذلك التحذير عن العمل بأخبارهم، الا أن الأمر بالنسبة الى من ذكرناه انما هو العكس مما دلت عليه هذه الاخبار، لاستفاضة الأخبار بجلالة شأنهم و علو قدرهم، و انما الغرض من هذه الاخبار معان أخر، مثل الذب عنهم و التقية عليهم، كما يفصح عنه حديث الكشي بالنسبة إلى زرارة و عذر الصادق (عليه السلام) له بأنه ذمه دفاعا عنه و عن أمثاله.
و حينئذ فيكون في هذه الاخبار دلالة على موضع آخر لم يذكره الأصحاب- فيما
____________
(1) الكافي ج 2 ص 363 حديث: 5.
166
اعلم- و هو جواز الغيبة و الذم لدفع الضرر عن ذلك المستغاب.
(و منها)
ان يكون القول فيه بما يكون متظاهرا به
كالفاسق المتظاهر بفسقه، بحيث لا يستنكف ان يذكر بذلك الفعل.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بذلك: ما
رواه الصدوق في المجالس عن هارون بن الجهم، في الصحيح- على الأقوى- عن الصادق (عليه السلام)، قال: إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له و لا غيبة (1).
و رواية أبي البختري عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام)، قال: ثلاثة ليس لهم حرمة: صاحب هوى مبتدع، و الامام الجائر، و الفاسق المعلن بالفسق (2).
و روى شيخنا الشهيد الثاني، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له (3).
و ما ورد
في صحيحة عبد الله ابن ابى يعفور الطويلة، الواردة في عدالة الشاهد، عن الصادق (عليه السلام): حيث قال (عليه السلام): و قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا غيبة إلا لمن صلى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقطت بينهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع الى امام المسلمين أنذره و حذره، فان حضر جماعة المسلمين و الا أحرق عليه بيته، و من لزم جماعتهم حرمت غيبته و ثبتت بينهم عدالته (4).
و أنت خبير بان ظاهر الاخبار الثلاثة الأول، هو جواز غيبته و ان استنكف عن ذلك، و انه لا يختص الجواز بالذنب الذي يتظاهر به، كما هو ظاهر كلام جملة من
____________
(1) الوسائل ج 8 ص 605 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 7 ص 605 حديث: 5.
(3) و رواها الشيخ المفيد في الاختصاص عن الامام الرضا- ع- المستدرك ج 2 ص 108.
(4) الوسائل ج 18 ص 289 حديث: 2- 34010.
167
الأصحاب، و ان كان الاقتصار على ما ذكروه أحوط، الا ان يكون لذكر ما زاد على ذلك تأثير في ارتداعه عما هو عليه من الفسق و التظاهر به. و لعل الاخبار المشار إليها انما خرجت بناء على ذلك.
و كيف كان، فالظاهر ان حكام الجور و الظلمة و اتباعهم المتظاهرين بالظلم و الفسق، و أخذ أموال الناس، و اللعب بالباطل، كما هو معروف الان في جميع الأصقاع و البلدان بين الشيعة و غيرهم، من هذا القبيل بل من أظهر أفراد هذه الاخبار.
و ظاهر الخبر الرابع: جواز الغيبة بمجرد ظهور الفسق و ان لم يكن متظاهرا به، و ان ترك الجماعة فسق و ان لم يقل به الأصحاب فيما اعلم، حيث انهم صرحوا بان ترك المستحبات لا يمنع من العدالة، الا ان ظاهر الاخبار خلافه لتظافرها بجواز حرق بيته عليه.
و بالجملة فالخبر المذكور ظاهر في حصول الفسق بذلك، و انه يجوز غيبته و ان لم يتظاهر به، الا ان يخص ذلك بمورد الخبر المذكور من صلاة الجماعة، تنويها بشأنها و علو مكانها.
و يؤيد العموم ما في بعض الاخبار، من قوله (عليه السلام): لا غيبة لفاسق. الا انه يشكل ذلك بان الغيبة التي هي عبارة عن ذكر الرجل بالعيب الذي فعله و ستره الله تعالى عليه، انما مورده الفاسق، لأنه إنما اغتابه بما فعله من الذنب الموجب لفسقه، مع ان الله تعالى قد حرم ذكره بذلك و جعله من قبيل أكل لحم أخيه ميتا. و حينئذ فإذا كان الفسق حاصلا مع تحريم الله سبحانه غيبته و ذكره به، فكيف يتم نفى الغيبة عن الفاسق مطلقا؟ بل الظاهر هو تقييد إطلاق الخبر المذكور بما إذا كان متظاهرا به، كما دلت عليه الاخبار الأولة.
و حينئذ فالظاهر قصر الصحيحة المذكورة على موردها و الله العالم.
(و منها)
[دفع الضرر عن المغتاب]
ما أشرنا إليه- آنفا- من جواز غيبته لدفع الضرر عنه، و ان لم يتعرض له أحد من الأصحاب فيما اعلم.
168
و يدل على ذلك ما رواه
الكشي في كتاب الرجال، في الصحيح أو الحسن عن عبد الله بن زرارة، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): اقرأ مني على والدك السلام، و قل له: انى إنما أعيبك دفاعا منى عنك، فان الناس و العدو يسارعون الى كل من قربناه و حمدنا مكانه. لإدخال الأذى فيمن نحبه و نقربه، و يذمونه لمحبتنا له و قربه و دنوه منا، و يرون إدخال الأذى عليه و قتله، و يحمدون كل من عبناه نحن فإنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا بميلك إلينا، و أنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأثر، لمودتك لنا و لميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك و نقصك، و يكون ذلك منا دافع شرهم عنك- يقول الله عز و جل أَمَّا السَّفِينَةُ فَكٰانَتْ لِمَسٰاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهٰا وَ كٰانَ وَرٰاءَهُمْ مَلِكٌ يأخذ كل سفينة صالحة غصبا.
هذا التنزيل من عند الله سبحانه صالحة، لا و الله ما عابها الا لكي تسلم من الملك و لا تعطب على يديه، و لقد كانت صالحة ليس للعيب فيها مساغ، و الحمد لله فافهم المثل يرحمك الله تعالى، فإنك و الله أحب الناس الى، و أحب أصحاب أبي إلى، حيا و ميتا، فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، و ان من ورائك لملكا ظلوما غصوبا، يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدى، ليأخذها غصبا فيغصبها و أهلها، فرحمة الله عليك حيا و رحمته و رضوانه عليك ميتا، و لقد ادى الى ابناك الحسن و الحسين رسالتك، أحاطهما الله و كلاهما و رعاهما و حفظهما، بصلاح أبيهما، كما حفظ الغلامين، فلا يضيقن صدرك من الذي أمرك ابى (عليه السلام) و أمرتك به، و أتاك أبو بصير بخلاف الذي أمرناك به، لا و الله ما أمرناك و لا أمرناه إلا بأمر وسعنا و وسعكم الأخذ به، و لكل ذلك عندنا تصاريف و معان توافق الحق، فلو اذن لنا لعلمتم ان الحق في الذي أمرناكم به، فردوا إلينا الأمر و سلموا لنا، و اصبروا لأحكامنا و ارضوا بها، و الذي فرق بينكم فهو راعيكم الذي استرعاه الله أمر خلقه، و هو أعرف بمصلحة غنمه، في فساد أمرها. الحديث (1).
____________
(1) رجال الكشي ص 125- ص 127 طبعة النجف.
169
أقول: و الظاهر انه لهذا كان زرارة ربما قدح في الإمام (عليه السلام) و عابه، كما هو مروي في اخبار ذمه، بان يكونوا- (عليهم السلام)- رخصوا له ذلك للعلة المذكورة في هذا الخبر.
و بهذا الخبر ايضا يجاب عما ورد في الهشامين- رضى الله عنهما- لا سيما ما نقل عنهما من القول بالجسم و الصورة، و تقرير الأئمة- (عليهم السلام)- على ذلك و ذمهم لهما، مع ما ورد من الاخبار الدالة على منزلتهما، و لا سيما هشام بن الحكم.
و نسبة هذين القولين الشنيعين لهما- رضى الله عنهما- اما ان يكون مع عدم معرفتهما بذلك عن الأئمة- (عليهم السلام)- و هو بعيد، أو مع معرفتهما بذلك، و انهما قصدا الى خلاف ما عليه الأئمة- (عليهم السلام)- و هو أشد بعدا. فلم يبق الا ما قلنا من الرخصة لهما في إظهار ذلك دفاعا عنهما بالتقريب المتقدم.
و روى في الكتاب المتقدم في الصحيح أو الموثق عن الحسين بن زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان ابى يقرأ عليك السلام و يقول: جعلت فداك، انه لا يزال الرجل و الرجلان يقدمان فيذكران انك ذكرتني، و قلت في. فقال: اقرأ أباك السلام، و قل له: انا و الله أحب لك الخير في الدنيا و أحب لك الخير في الآخرة، و انا و الله عنك راض، فما تبالي ما قال الناس بعد هذا (1).
(و منها)
ان يكون الإنسان معروفا باسم يعرب عن غيبته
كالأعرج و الأعمش و الأشتر و نحوها.
قالوا: فلا اثم على من يقول ذلك، فقد فعل العلماء ذلك لضرورة التعريف.
و قال الشهيد الثاني: و الحق ان ما ذكره العلماء المعتمدون من ذلك، يجوز التعويل فيه على حكايتهم، و اما ذكره عن الأحياء فمشروط بعلم رضاء المنسوب اليه به، لعموم النهى. و حينئذ يخرج عن كونه غيبة. و كيف كان فلو وجد عنه معدلا و امكنه التعريف بعبارة أخرى فهو اولى. انتهى. و هو جيد.
____________
(1) الكشي ص 128.
170
و الذي حضرني من الاخبار في هذا المقام، ما رواه
في الكافي، عن الحسن بن زيد الهاشمي، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: جاءت زينب العطارة الحولاء الى نساء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الحديث (1).
و سيأتي قريبا- ان شاء الله تعالى- في تحريم الغش.
(و منها)
ما إذا علم اثنان أو ثلاثة مثلا معصية من آخر
، فذكرها بعضهم للآخر في غيبة صاحب المعصية، فإنه يجوز ذلك، لأنها لا تؤثر عند السامع شيئا، زيادة على علمه سابقا.
أقول: و هو من حيث الاعتبار جيد الا ان أدلة النهي عن الغيبة من آية أو رواية أعم من ذلك. و التخصيص بمثل هذا الوجه الاعتباري مشكل.
____________
(1) الكافي ج 8 (الروضة) ص 153 حديث: 143.
171
المسألة السابعة في السحر، و نحوه القيافة، و الكهانة، و الشعبدة
و لا خلاف في تحريم تعليم الجميع و أخذ الأجرة عليه. و لا بد من بسط الكلام هنا في مقامات:
[المقام] (الأول) في السحر
. قال في المنتهى: السحر عقد ورقي و كلام يتكلم به، أو يكتبه، أو يعمل شيئا يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له.
و زاد الشهيدان شيئا آخر من جملة السحر، قال في المسالك: و هو كلام أو كتابة أو رقية أو أقسام أو عزائم و نحوها، يحدث بسببها ضرر على الغير، و منه عقد الرجل عن زوجته بحيث لا يقدر على وطئها، و إلقاء البغضاء بينهما، و منه استخدام الملائكة و الجن، و استنزال الشياطين، في كشف الغائبات و علاج المصاب، و استحضارهم، و تلبسهم ببدن صبي أو امرأة، و كشف الغائب على لسانه، فتعلم ذلك و شبهه، و علمه و تعليمه كله حرام، و التكسب به سحت، و لو تعلمه ليتوفى به، و ليدفع به المتنبي بالسحر، فالظاهر جوازه، و ربما وجب على الكفاية، كما
172
اختاره في الدروس. و يجوز حله بالأقسام و القرآن، كما ورد في رواية العلاء. انتهى.
و قال في الدروس نحو ما في المسالك ثم انه قد وقع الخلاف بين كافة العلماء في السحر، هل له حقيقة أو انه تخيل؟
قال في المسالك: الأكثر على انه لا حقيقة له بل هو تخيل. ثم قال: و يشكل بوجدان أثره في كثير من الناس، و التأثر بالتوهم انما يتم لو سبق للقابل علم بوقوعه، و نحن نجد أثره فيمن لا يشعر به أصلا حتى يضربه انتهى.
و قيل: أكثره تخيل، و بعضه حقيقي، لأنه تعالى وصفه بالعظمة في سحرة فرعون.
أقول: وصفه بالعظمة لا يدل على كونه حقيقة، بل ظاهر الآية خلاف ذلك، كما ذكره الطبرسي في تفسيره، و غيره حيث قال: فلما ألقوا، اى فلما القى السحرة ما عندهم من السحر، احتالوا في تحريك العصي و الحبال، بما جعلوه فيها من الزيبق، حتى تحركت بحرارة الشمس، و غير ذلك من الحيل و أنواع التمويه و التلبيس، و خيل الى الناس انها تتحرك على ما تتحرك الحية، و انما سحروا أعين الناس، لأنهم اروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته، و خفي ذلك عليهم، لبعده منهم، لأنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. و في هذا دلالة على ان السحر لا حقيقة له، لأنها لو صارت حيات حقيقة، لم يقل الله سبحانه سَحَرُوا أَعْيُنَ النّٰاسِ، بل كان يقول: فلما ألقوا صارت حيات.
انتهى.
و قال الرازي: احتج القائلون بأن السحر محض تمويه، بهذه الآية.
و قال القاضي البيضاوي: لو كان السحر حقا لكانوا. قد سحروا في قلوبهم و أعينهم، فثبت ان المراد انهم تخيلوا أحوالا عجيبة. مع ان الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيلوه.
و قال الواحدي: قيل ان المراد، سحروا أعين الناس، اى قلبوها عن صحة إدراكها، بسبب تلك التمويهات.
173
أقول: لا يخفى ان الذي حصل من فعل السحرة يومئذ، هو كون تلك الحبال و العصي التي ألقوها حيات تتحرك، و من الظاهر ان الحركة الثابتة لها ناشئة من الزيبق بعد طلوع الشمس عليها، و اما كونها حيات في نظر الناظر إليها يومئذ بهذا، هو الذي حصل به السحر في أعين الناس حيث انهم بعد رؤيتها حبالا أولا و عصيا، صارت حيات في نظرهم ثانيا، و أكد ذلك حركتها، فكونها حيات في نظرهم لا بد من حمله على مجرد التخيل و التوهم، الذي نشأ من سحرهم و لذلك قال سبحانه:
«يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهٰا تَسْعىٰ» (1). و لانه لو أمكن الساحر ان يقلب حقيقة من الحقائق إلى حقيقة أخرى، لزم مشاركته لله تعالى في الخلق، و هو باطل عقلا و نقلا، و لأمكن أن يعيد نفسه من الهرم الى الصغر، و يدفع عن نفسه الأسقام و الالام، و الكل مما يقطع ببطلانه عند جملة الأنام.
و قد ورد
في حديث الزنديق الذي سأل الإمام الصادق (عليه السلام) المروي في الاحتجاج (2)، قال: أ فيقدر الساحر ان يجعل الإنسان بسحره في صورة الكلب و الحمار أو غير ذلك؟ قال: هو أعجز من ذلك و أضعف من ان يغير خلق الله سبحانه، ان من أبطل ما ركبه الله تعالى و صوره فهو شريك الله تعالى في خلقه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لو قدر الساحر على ما وصفت، لدفع عن نفسه الهرم و الآفة و المرض، و نفى البياض عن رأسه، و الفقر عن ساحته. و قال (عليه السلام) في الحديث المذكور لما سأله الزنديق فيما سأله، فقال: أخبرني عن السحر ما أصله، و كيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه و ما يفعل؟ قال (عليه السلام): ان السحر على وجوه شتى، وجه منها بمنزلة الطب، كما ان الأطباء وضعوا لكل داء دواء فكذلك علم السحر، احتالوا لكل صحة آفة، و لكل عافية عاهة، و لكل معنى حيلة، و منه نوع آخر: خطفة و سرعة و مخاريق و خفة و نوع منه ما يأخذ أولياء الشياطين منهم. قال: من اين علم الشياطين السحر؟ قال: من حيث عرف الأطباء الطب،
____________
(1) سورة طه: 66.
(2) احتجاج الطبرسي ج 2 ص 81- 82 طبعة النجف الأشرف.
174
بعضه تجربة و بعضه علاج. قال: فما تقول في الملكين هاروت و ماروت، و ما يقول الناس بأنهما يعلمان الناس السحر؟ فقال: انهما موضع ابتلاء و موقف فتنة، تسبيحهما اليوم «لو فعل الإنسان كذا و كذا لكان كذا، و لو يعالج بكذا أو كذا صار كذا- أصناف السحر» فيتعلمون منهما ما يخرج عنهما، فيقولان لهم: انما نحن فتنة فلا تأخذوا عنا ما يضركم و لا ينفعكم، الى ان قال (عليه السلام): و ان من أكبر السحر النميمة، يفرق بها بين المتحابين، و يجلب العداوة بين المتصافين، و يسفك بها الدماء و تهدم بها الدور، و يكشف بها الستور، و النمام أشد من وطأ على ارض بقدم، و أقرب أقاويل السحر من الصواب: انه بمنزلة الطب، ان الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء، فجاء الطبيب فعالجه فأبرأه (1).
أقول: و من الاخبار الواردة في المقام، ما رواه
في الكافي عن على بن إبراهيم عن أبيه عن شيخ من أصحابنا الكوفيين، قال: دخل عيسى بن سيفي (2) على ابى عبد الله (عليه السلام)، و كان ساحرا يأتيه الناس و يأخذ على ذلك الأجر، فقال له: جعلت فداك: انا رجل كانت صناعتي السحر، و كنت آخذ عليها الأجر، و كان معاشي منه، و قد حججت منه و من الله على بلقائك، و قد تبت الى الله عز و جل، فهل لي في شيء من ذلك مخرج؟ قال: فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): حل و لا تعقد (3).
و رواه الصدوق بإسناد عن عيسى المذكور نحوه.
و رواه الحميري في قرب الاسناد- بإسناده- عن عيسى بن سيفي مثله.
قال في الوسائل بعد نقل الخبر المذكور: أقول: خصه بعض علمائنا بالحل
____________
(1) الاحتجاج، ج 2 ص 82.
(2) اختلف نسخ الكافي و التهذيب و الفقيه و قرب الاسناد و غيرها في هذا اللفظ، ففي بعضها: «شقفي». و في بعضها: «سقفى». و في بعضها: «سعفى». و في بعضها: «سيفي».
و الأخير هو الصحيح. نظرا الى نسخة أصل التفسير و رواية جامع الرواية و من ثم أثبتناه.
(3) الكافي ج 5 ص 115 حديث: 7.
175
بغير السحر كالقرآن و الذكر و التعويذ و نحوها، و هو حسن، إذ لا تصريح بجواز الحل بالسحر (1).
أقول: لا يبعد العمل به على ظاهره من جواز الحل (2)، كما يظهر من الاخبار الاتية. و يؤيده ما تقدم في كلام الشهيد من جواز تعلمه للتوقي به و دفع المتنبي بالسحر، بل وجوبه كفاية.
و منها ما رواه
الصدوق بإسناده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه- (عليهما السلام)-، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ساحر المسلمين يقتل، و ساحر الكفار لا يقتل. قيل: يا رسول الله، لم لا يقتل ساحر الكفار؟ قال: لان الشرك أعظم من السحر، و لان السحر و الشرك مقرونان (3).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زيد الشحام عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال:
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 106.
(2) أقول: و بما ذكرناه صرح المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، حيث قال:
و يمكن ان يكون تعلم السحر للحل جائزا، بل قد يجب لغاية معرفة المتنبي و دفعه و دفع الضرر عن نفسه و عن المسلمين. و قد أشار إليه في شرح الشرائع عن الدروس.
و يدل على الجواز ما في رواية إبراهيم بن هاشم، قال: حدثني شيخ من أصحابنا الكوفيين، قال: دخل عيسى بن سيفي، ثم ساق الخبر- كما في الأصل- و قال:
العلامة في التحرير: و الذي يحل السحر بشيء من القرآن و الذكر أو الأقسام فلا بأس به، و ان كان بالسحر حرم على اشكال: و ظاهره في المنتهى: التحريم من حيث انه سحر من غير اشكال. و استدل بحديث عيسى على الحل بالقرآن و نحوه. و فيه ما عرفت في المتن. و بالجملة فما ذكروه هو الأحوط، و ما ذكرناه هو الظاهر من الأدلة و الله العالم. منه (قدس سره).
(3) الوسائل ج 12 ص 106 حديث: 2 و ج 18 ص 575 حديث: 1.
176
الساحر يضرب بالسيف ضربة واحدة على رأسه (1).
و ما رواه
في التهذيب عن عمرو بن خالد، عن زيد بن على، عن أبيه عن آبائه عن على (عليه السلام)، قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن الساحر فقال: إذا جاء رجلان عدلان فشهدا عليه فقد حل دمه (2).
و عن السكوني عن جعفر بن محمد (عليه السلام) عن أبيه ان عليا (عليه السلام) كان يقول: من تعلم شيئا من السحر كان آخر عهده بربه وحده القتل الا ان يتوب (3).
و رواه في قرب الاسناد بسنده عن أبي البختري عنه (عليه السلام) مثله.
أقول: قد حمل هذه الاخبار بعض مشايخنا على من يستحل ذلك (4)، و هو كذلك كما يظهر من الخبر الأخير، و يعضده غيره من الاخبار المذكورة في المقام.
و منها ما رواه في العلل- بعد نقل رواية السكوني الأولى-
قال: و روى ان توبة الساحر ان يحل و لا يعقد (5).
و ما رواه
في عيون الأخبار بإسناده عن الحسن العسكري (عليه السلام)، عن آبائه في حديث، في قوله عز و جل «وَ مٰا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبٰابِلَ هٰارُوتَ وَ مٰارُوتَ» قال:
كان بعد نوح (عليه السلام) قد كثرت السحرة و المموهون، فبعث الله عز و جل ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة و ذكر ما يبطل به سحرهم و يرد به كيدهم، فتلقاه النبي من الملكين، و اداه إلى عباد الله تعالى ان يقفوا به على السحر و ان يبطلوه،
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 576 حديث: 2 و في نسخة: «على أم رأسه».
(2) الوسائل ج 18 ص 576 حديث: 1 باب: 3.
(3) الوسائل ج 18 ص 576 حديث: 2 باب: 3.
(4) قال العلامة في المنتهى: لا خلاف بين علمائنا في تحريم تعلم السحر و تعليمه، و هل يكفر أم لا؟ الحق انه ان استحل ذلك فقد كفر، و الا فلا، و سيأتي البحث في ذلك. انتهى، منه (قدس سره).
(5) الوسائل ج 12 ص 106 حديث: 3.
177
و نهاهم ان يسحروا به الناس، و هذا كما يدل على السم ما هو و ما يدفع به غائلة السم، الى ان قال: و ما يعلمان من أحد ذلك السحر و إبطاله حتى يقولا للمتعلم: انما نحن فتنة و امتحان للعباد ليطيعوا الله فيما يتعلمون من هذا و يبطلون به كيد السحرة و لا يسحروهم، فلا تكفر باستعمال هذا السحر و طلب الإضرار به، و دعاء الناس الى ان يعتقدوا انك به تحيي و تميت و تفعل مالا يقدر عليه الا الله عز و جل، فان ذلك كفر.
الى ان قال «وَ يَتَعَلَّمُونَ مٰا يَضُرُّهُمْ وَ لٰا يَنْفَعُهُمْ»، لأنهم إذا تعلموا ذلك السحر ليسحروا به و يضروا به، فقد تعلموا ما يضرهم في دينهم و لا ينفعهم فيه. الحديث. (1).
قال في الوسائل- بناء على ما قدمنا نقله عنه، بعد ذكر هذا الخبر في جملة الأخبار التي نقلها-: لا يخفى انه يحتمل كون ما مر من جواز الحل بالسحر مخصوصا بتلك الشريعة المنسوخة. انتهى.
و فيه: ان الظاهر من نقل الأئمة- (عليهم السلام)- حكايات الأحكام الشرعية، عن الأمم المتقدمة، انما هو لأجل الاستدلال بها على ثبوت تلك الأحكام في هذه الشريعة أيضا، كما يظهر من كثير من الاخبار التي اشتملت على ذلك، و الا فمجرد حكايتها من غير غرض شرعي يترتب عليها، يكون من قبيل اللغو العاري عن الفائدة، إذ كل أحد يعلم ان تلك الشرائع صارت منسوخة بهذه الشريعة، فلا معنى لنقل أحكامها إذا لم يكن المراد منها ما ذكرنا.
و يؤيد ما ذكرناه الرواية المرسلة المتقدم نقلها عن العلل، مضافا الى ذلك رواية عيسى المتقدمة.
و منها: ما رواه
في العيون ايضا بسنده عن على بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: و اما هاروت و ماروت فكانا ملكين علما الناس السحر ليحترزوا به من سحر السحرة و يبطلوا به كيدهم، و ما علما أحدا من ذلك شيئا حتى قالا: انما نحن فتنة فلا تكفر، فكفر قوم باستعمالهم لما أمروا بالاحتراز منه، و جعلوا يفرقون بما
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 106- 107 حديث: 4.
178
تعلموه بين المرء و زوجه. قال الله عز و جل «وَ مٰا هُمْ بِضٰارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ» يعنى بعلمه. (1).
و قال على بن إبراهيم في تفسيره في حديث هجرة جعفر بن ابى طالب- رضى الله تعالى عنه- و أصحابه إلى الحبشة: و بعث قريش عمارة بن الوليد و عمرو بن العاص إلى النجاشي ليردوهم- و ساق الحديث الطويل- الى ان قال: و كان على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه فنظرت إلى عمارة و كان فتى جميلا فاحبته، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله، قال لعمارة: لو راسلت جارية الملك، فراسلها فأجابته فقال عمرو: قل لها تبعث إليك من طيب الملك شيئا. فقال لها، فبعثت إليه. فأخذ عمرو من ذلك الطيب و ادخله على النجاشي و أخبره بما جرى بين عمارة و بين الوصيفة و وضع الطيب بين يديه، فغضب النجاشي و هم بقتل عمارة. ثم قال: لا يجوز قتله، لانه دخل بلادي بأمان، فدعى السحرة و قال: اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل.
فأخذوه و نفخوا في إحليله الزيبق، فصار مع الوحش يغدو و يروح. و كان لا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتى ورد الماء مع الوحش، فأخذوه، فما زال يضطرب في أيديهم و يصيح حتى مات. الخبر (2).
و قد ورد في بعض أخبارنا- وفاقا لروايات العامة- وقوع السحر على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و انه سحره لبيد بن اعصم اليهودي (3).
و قد أنكره جملة من أصحابنا، منهم العلامة في المنتهى. قال: و هذا القول م. ه. معرفة.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 107 حديث: 5.
(2) بحار الأنوار- ج 18 ص 414- 416. و في نقل المصنف هنا تلخيص و اختصار.
(3) جاءت القصة في البخاري ج 4 ص 148 و ج 7 ص 176. و في مسلم ج 7 ص 14.
و جاءت في كتبنا، لكن لا بالصورة التي جاءت في كتب العامة. راجع: بحار الأنوار ج 18 ص 70 نقلا عن طب الأئمة و مجمع البيان و غيرهما. و قد أوضحنا بطلان الحديث بالشكل الذي ترويه العامة في كتابنا «التمهيد» الى علوم القرآن ج 1 ص 132- 137.
179
عندي ضعيف، و الروايات ضعيفة، خصوصا رواية عائشة، لاستحالة تطرق السحر إلى الأنبياء- (عليهم السلام).
و أنكره الشيخ في الخلاف ايضا، و قال- بعد ذكر بعض الاخبار عن عائشة-:
و هذه الأحبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى. و قد روى عن عائشة انها قالت:
سحر رسول الله- (صلى الله عليه و آله)- فما عمل فيه السحر. و هذا يعارض ذلك.
انتهى.
و قال شيخنا في البحار: «و اما تأثير السحر في النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الامام (عليه السلام) فالظاهر عدم وقوعه، و ان لم يقم برهان على امتناعه، إذا لم ينته الى حد يخل بغرض البعثة، كالتخبيط و التخليط، فإذا كان الله تعالى اقدر الكفار لمصالح التكليف، على حبس الأنبياء و الأوصياء و ضربهم و جرحهم و قتلهم بأشنع الوجوه، فأي استحالة على ان يقدروا على فعل يؤثر فيهم هما أو مرضا».
«لكن لما عرفت ان السحر يندفع بالعوذة و الآيات و التوكل، و هم- (عليهم السلام)- معادن جميع ذلك، فتأثيره فيهم- (عليهم السلام)- مستبعد، و الاخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية، أو ضعيفة و معارضة بمثلها، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك».
أقول: لا يخفى ان محل الاشكال انما هو باعتبار ما دلت عليه تلك الاخبار، من تأثير السحر فيهم- (عليهم السلام)- كغيرهم من الناس، بحيث يوجب ذهاب العقل أو المرض أو نحو ذلك، هذا هو الذي أنكره أصحابنا. و لو صح لصدق ما حكى الله سبحانه عن الكفار بقولهم «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلّٰا رَجُلًا مَسْحُوراً». على ان ما ذكره من القياس على تسليط الله عز و جل الكفار على إنزال القتل و الحبس بهم- (عليهم السلام)- لمصالح، مردود، بان الوجه في ذلك هو انه عز و جل أمرهم بالانقياد لأمراء الجور، مدة هذه الدنيا الدنيئة، و منعهم من الدعاء عليهم و حثهم على الانقياد إليهم.
و اليه يشير قوله عز و جل «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لٰا يَرْجُونَ أَيّٰامَ اللّٰهِ
180
لِيَجْزِيَ قَوْماً. الاية، فقد ورد في تفسيرها ما يدل على ما ذكرناه (1). بخلاف ما ذكره من تأثير السحر فيهم، و ان كان بمجرد الهم أو المرض، فإنه لم يرد دليل على أمرهم بقبول ذلك، مع وجوب دفع الضرر عن النفس مع القدرة و الإمكان، و لا ريب في إمكان ذلك بالنسبة إليهم- (عليهم السلام).
الا ترى الى ما ورد في جملة من الاخبار في دفعهم كيد السحرة الفجار، مثل ما رواه
في العيون بسنده عن على بن يقطين، قال استدعى الرشيد رجلا يبطل به أمر أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) و يقطعه و يخجله في المجلس، فانتدب له رجل مغرم، فلما أحضرت المائدة عمل ناموسا على الخبز، فكان كلما رام أبو الحسن (عليه السلام) تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه، و استفز هارون الفرح و الضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن ان رفع رأسه الى أسد مصور على بعض الستور، فقال له: يا أسد الله، خذ عدو الله: فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع. فافترست ذلك المغرم، فخر هارون و ندماؤه على وجوههم مغشيا عليهم. و طارت عقولهم خوفا من هول ما رأوا. فلما أفاقوا من ذلك بعد حين قال هارون لأبي الحسن (عليه السلام): سألتك بحقي عليك لما سألت الصورة ان ترد الرجل. فقال: ان كانت عصا موسى ردت ما ابتلعته من حبال القوم و عصيهم، فان هذه الصورة ترد ما ابتلعته من هذا الرجل: فكان ذلك اعمل الأشياء في اماتة نفسه (2):.
و نحو ذلك روى في كتاب الخرائج و الجرائح عن الإمام الهادي (عليه السلام) مع المتوكل لعنه الله تعالى. و في كتاب الثاقب في المناقب عن الصادق (عليه السلام) مع المنصور (3).
____________
(1) قال الثقة الجليل على بن إبراهيم القمي (قدس سره) في تفسيره لهذه الآية: قال:
يقول لأئمة الحق: لا يدعون على ائمة الجور، حتى يكون الله هو الذي يعاقبهم في قوله: ليجزي قوما بما كانوا يكسبون. انتهى. منه (قدس سره).
(2) مدينة المعاجز ص 446 حديث: 67.
(3) و ملخص الأول:
انه وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند الى المتوكل فأمره أن يخجل الامام الهادي (عليه السلام)، و احضر على المائدة خبزا رقاقا، فكان كلما مد الامام (عليه السلام) يده الى قرص من ذلك الخبز طيرها ذلك المشعبذ، فتضاحك الناس، و كان على مستورة المتوكل صورة أسد، فضرب الامام (عليه السلام) يده على تلك الصورة، و قال:
خذه. فوثبت تلك الصورة من المستورة فابتلعت الرجل، و عادت في المستورة كما كانت، فتحير الجميع و نهض الامام، فقال المتوكل: سألتك بالله الا جلست و رددته، فقال: و الله لا يرى بعدها، أ تسلط أعداء الله على أولياء الله، و خرج من عندهم، فلم ير الرجل بعدها (مدينة المعاجز ص 548 حديث 52).
و ملخص الخبر الثاني:
ان المنصور وجه الى سبعين رجلا من أهل بابل، فدعاهم و قال: انكم ورثتم السحر من آبائكم من أيام موسى بن عمران، و انكم لتفرقون بين المرء و زوجه، و ان أبا عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) كاهن ساحر مثلكم، فاعملوا شيئا من السحر، فإنكم إن ابهتموه أعطيتكم الجائزة العظيمة، فقاموا الى المجلس الذي فيه المنصور، فصوروا سبعين صورة من السباع، و جلس كل واحد منهم جنب صاحبه، و جلس المنصور على سرير ملكه، و وضع التاج على رأسه، و قال لحاجبه ابعث الى ابى عبد الله (عليه السلام) و أحضره الساعة، قال: فلما أحضره دخل عليه. فلما نظر الى ما قد استعد له غضب (عليه السلام) فقال: يا ويلكم، أ تعرفونى، أنا حجة الله الذي أبطل سحر آبائكم في أيام موسى بن عمران، ثم نادى برفيع صوته: أيتها الصور الممثلة، ليأخذ كل واحد منكم صاحبه باذن الله تعالى، فوثب كل سبع الى صاحبه و افترسه و ابتلعه في مكانه، و وقع المنصور مغشيا عليه من سريره، فلما أفاق قال: الله الله يا أبا عبد الله، أقلني، فانى تبت توبة لا أعود إلى مثلها ابدا، فقال (عليه السلام): قد عفوتك ثم قال: يا سيدي قل السباع ان تردهم الى ما كانوا، فقال: هيهات هيهات، ان أعادت عصا موسى سحرة فرعون فستعيد هذه السباع هذه السحرة.
(مدينة المعاجز ص 362 حديث: 23). منه (قدس سره).
181
و بالجملة فالظاهر ان ما ذكره شيخنا المذكور لا يخلو من استعجال و عدم تأمل في المقام. و الحق هو عدم جوازه عليهم بوجه من الوجوه، و الاخبار الواردة من طرقنا في حقه (صلى الله عليه و آله و سلم) مع ضعفها و شذوذها، يمكن حملها على التقية لاتفاق العامة على جواز ذلك.
182
[المقام] (الثاني): في القيافة
. و هي- على ما ذكره مى المسالك- الاستناد الى علامات و مقادير، يترتب عليها إلحاق بعض الناس ببعض و نحوه. قال: و انما تحرم إذا جزم به، أو رتب عليه محرما. انتهى.
و قال المقدس الأردبيلي في شرح الإرشاد: و لعل دليل التحريم الإجماع المذكور في المنتهى.
أقول: ربما يدل على ذلك ما رواه
الصدوق في الخصال، بسنده عن ابى بصير، عن الصادق- (عليه السلام)-، قال: من تكهن أو تكهن له، فقد بريء من دين محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). قال، قلت: فالقافة؟ قال: ما أحب ان تأتيهم. و قيل: ما يقولون شيئا الا كان قريبا مما يقولون. فقال: القيافة من فضلة النبوة، ذهبت في الناس حيث بعث النبي (صلى الله عليه و آله) (1)،.
الا ان الحديث المذكور لا ظهور له في التحريم كما علله الأصحاب، مع انه
قد روى في الكافي عن زكريا بن يحيى بن النعمان الصيرفي، قال: سمعت على بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن على بن الحسين، فقال: و الله لقد نصر الله أبا الحسن الرضا (عليه السلام). فقال له الحسن: اى و الله، جعلت فداك.
لقد بغى عليه اخوته. فقال على بن جعفر: اى و الله، و نحن عمومته بغينا عليه. فقال له الحسن: جعلت فداك، كيف صنعتم؟ فانى لم أحضركم: قال: قال
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 108 حديث: 2.
183
له اخوته و نحن ايضا: ما كان فينا امام قط حائل اللون: فقال لهم الرضا (عليه السلام): هو ابني. قالوا: فان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد قضى بالقافة، فبيننا و بينك القافة، قال: ابعثوا أنتم إليهم، و اما انا فلا. و لا تعلموهم لما دعوتموهم، و لتكونوا في بيوتكم. فلما جاؤا أقعدونا في البستان، و اصطف عمومته و اخوته و أخواته، و أخذوا الرضا (عليه السلام) و ألبسوه جبة صوف و قلنسوة منها، و وضعوا على عنقه مسحاة. قالوا له: ادخل البستان، كأنك تعمل فيه، ثم جاؤا بأبي جعفر (عليه السلام)، فقالوا: ألحقوا هذا الغلام بأبيه! فقالوا: ليس له هنا أب، و لكن هذا عم أبيه، و هذا عمه، و هذه عمته، و ان يكن له ها هنا أب فهو صاحب البستان، فان قدميه و قدميه واحدة، فلما رجع أبو- الحسن (عليه السلام)، قالوا: هذا أبوه، قال على بن جعفر: فقمت فمصصت ريق ابى جعفر (عليه السلام)، ثم قلت له: أشهد أنك إمامي عند الله عز و جل، الحديث (1).
فظاهر هذا الخبر جوازها و الاعتماد عليها:
اما أولا، فلأنهم لما دعوه الى حكم القافة أجابهم الى ذلك، و لو كان ذلك محرما لا يجوز الاعتماد عليه، لما أجابهم بل منعهم، و قال: انه محرم غير مشروع، و لا يجوز الاعتماد عليه في نفى و لا إثبات.
و اما ثانيا، فإنهم نقلوا ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) قضى بالقافة، و ظاهره (عليه السلام) تقريرهم على ذلك، حيث لم يكذبهم.
و اما قوله (عليه السلام): ابعثوا أنتم إليهم و اما أنا فلا، فالظاهر ان المراد منه انما هو لدفع التهمة عنه (عليه السلام)، بأنه ربما يكون اعلامه لهم بذلك قرينة لهم على الحاقه به، كما يشعر به قوله: و لا تعلموهم لما دعوتموهم، لا أن المراد منه ما ربما يتوهم من انه لما لم يكن مشروعا لم يرض (عليه السلام) بان يكون هو الداعي لهم.
و بالجملة فإن ظاهر الخبر هو ما ذكرناه من جواز ذلك، و صحة الاعتماد
____________
(1) الكافي ج 1 ص 322- 323 حديث: 14.
184
عليه.
اللهم الا ان يقال: انه لما كان (عليه السلام) يعلم ان القافة يلحقونه به. و يندفع بهم شبهة أعمامه و اخوته من إنكارهم كونه ابنه، رضى بذلك.
و فيه: ما فيه. فإنه بالدلالة على ما ندعيه انسب، و الى ما ذكرناه أقرب، من ان القافة لا يقولون الا حقا، و لا يحكمون الا صدقا.
و بالجملة فالدليل من الاخبار على التحريم غير ظاهر، و ليس الا ما يدعى من الإجماع.
نعم يمكن ان يقال: ان الحكم بإلحاق شخص بآخر، الموجب لترتب أحكام كثيرة، مثل حل النظر، و الميراث، و تحريم المناكحة، و نحو ذلك، يحتاج الى دليل شرعي قاطع، و الخبر المذكور لا دلالة فيه على وجه يوجب ذلك مطلقا. و الله العالم.
[المقام] (الثالث): في الكهانة
. قال في المسالك: هي بكسر الكاف، عمل يوجب طاعة بعض الجان له و اتباعه له، بحيث يأتيه بالأخبار الغائبة. و هو قريب من السحر.
أقول: و يدل على تحريمها ما تقدم في حديث ابى بصير، المذكور في الموضع الثاني (1).
و ما رواه
في مستطرفات السرائر- نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب عن الهيثم، قال: قلت للصادق (عليه السلام): ان عندنا بالجزيرة رجلا ربما أخبر من يأتيه يسأله عن الشيء يسرق أو شبه ذلك فنسأله، فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من مشى الى ساحر أو كاهن أو كذاب يصدقه بما يقول، فقد كفر بما انزل الله من كتاب (2).
____________
(1) في ص 182 عن الوسائل ج 12 ص 108 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 109 حديث: 3.
185
و أنت خبير بأنه قد تقدم في كلام المسالك، في تعريف السحر، و مثله في كلام الدروس، ان من جملة السحر استنزال الشياطين في كشف الغائبات. و هو بظاهره مما يدل على دخول الكهانة تحت السحر. و في كلامه هنا ما يؤذن للمغايرة، و ان كان قريبا منه، و لا يخلو من نوع تدافع. و الخبر الثاني مما يؤيد ما ذكره هنا من المغايرة، و هو الأظهر، للخبر.
[المقام] (الرابع) في الشعبذة
. و هي الحركات السريعة التي يترتب عليها الأفعال العجيبة، بحيث يلتبس على الحس الفرق بين الشيء و شبهه، لسرعة الانتقال منه الى شبهه.
و قد صرح في المنتهى بنفي الخلاف عن التحريم. و الظاهر: انه لا دليل سواه، فانى لم أقف بعد التتبع على خبر يدل على ذلك.
186
المسألة الثامنة في القمار
قال في المنتهى: القمار حرام بلا خلاف بين العلماء. و كذا ما يؤخذ منه. قال الله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ عَنِ الصَّلٰاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (1). الى ان قال: فان جميع أنواع القمار حرام، من اللعب بالنرد، و الشطرنج، و الأربعة عشر، و اللعب بالخاتم، حتى لعب الصبيان بالجوز، على ما تضمنته الأحاديث، ذهب إليه علماؤنا اجمع.
و قال الشافعي: يجوز اللعب بالشطرنج. و قال أبو حنيفة بقولنا. انتهى.
أقول: و الاخبار بما ذكروه هنا مستفيضة متكاثرة، و منها
ما في الكافي عن ابى عبيدة الحذاء في الصحيح قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» (2) فقال: كانت قريش تقامر الرجل بأهله و ما له، فنهاهم الله عز و جل عن ذلك. (3).
____________
(1) سورة المائدة: 91.
(2) سورة البقرة: 188.
(3) الكافي ج 5 ص 122 حديث: 1.
187
و عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: لما انزل الله عز و جل على رسوله الله (صلى الله عليه و آله) «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ» (1) قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ فقال: ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز.
قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوه لآلهتهم. قيل: فما الأزلام؟ قال قداحهم التي يستقسمون بها. (2).
و عن الوشاء عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الميسر هو القمار (3).
و عن إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الصبيان يلعبون بالجوز و البيض، و يقامرون. فقال: لا تأكل منه فإنه حرام. (4).
و عن السكوني، عن الصادق (عليه السلام)، قال: كان ينهى عن الجوز يجيء به الصبيان من القمار ان يؤكل. قال: هو سحت. (5).
و عن عبد الحميد بن سعيد، قال: بعث أبو الحسن غلاما يشترى له بيضا، فأخذ الغلام بيضة أو بيضتين فقامر بها، فلما اتى به اكله، فقال له مولى له: ان فيه من القمار. قال فدعى بطشت فتقيأه. (6).
و عن محمد بن مسلم، عن أحدهما- (عليهما السلام)- قال: لا تصلح المقامرة و لا النهبة (7).
و عن السكوني عن الصادق (عليه السلام)، قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن اللعب
____________
(1) سورة المائدة: 90.
(2) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 2.
(3) الكافي ج 5 ص 124 حديث: 9.
(4) الكافي ج 5 ص 124 حديث: 10.
(5) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 6.
(6) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 3.
(7) الكافي ج 5 ص 123 حديث: 5.
188
بالشطرنج و النرد. (1).
و عن ابى جندب عمن أخبره (2) عن الصادق (عليه السلام)، قال: الشطرنج ميسر و النرد ميسر. (3).
و عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) النرد و الشطرنج هما الميسر. (4).
و عن عمر بن يزيد عن الصادق (عليه السلام)، قال: ان الله عز و جل في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، الا من أفطر على مسكر، أو مشاحن، أو صاحب شاهين. قلت: و أى شيء الشاهين؟ قال الشطرنج. (5).
قال في الوافي: المشاحن المعادي. و الشحناء العداوة. و لعل المراد منه هنا: صاحب البدعة المفارق للجماعة. كذا فسره
الأوزاعي في الحديث النبوي «يغفر الله تعالى لكل عبد ما خلا مشركا أو شاحنا».
و شاهين تثنية شاه، و هو من آلات الشطرنج، و هما اثنان.
أقول: لعل الأظهر في الخبر هو الحمل على من أضمر عداوة لأخيه المؤمن.
و عن زرارة عن الصادق (عليه السلام)، انه سئل عن الشطرنج. و عن لعبة شبيب التي يقال لها: لعبة الأمير. و عن لعبة الثلاث، فقال: أ رأيتك إذا ميز الله الحق و الباطل، مع أيهما تكون؟ قال: قلت: مع الباطل. قال: فلا خير فيه (6).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 238 حديث: 9.
(2) و ذلك لانه من أصحاب الإمامين الكاظم و الرضا- (عليهما السلام)- و لم يدرك الامام الصادق- ع.
(3) الوسائل ج 12 ص 240 حديث: 14.
(4) الوسائل ج 12 ص 242 حديث: 2.
(5) الوسائل ج 11 ص 238: 4.
(6) الوسائل ج 12 ص 238: 5.
189
أقول: و كما يحرم اللعب بذلك، كذلك يحرم حضور المجالس التي يلعب فيها بذلك، و النظر الى ذلك،
فروى في الكافي عن حماد بن عيسى في الصحيح أو الحسن، قال: دخل رجل من البصريين على ابى الحسن الأول (عليه السلام) فقال له: جعلت فداك، إني أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج، و لست ألعب بها، و لكن انظر. فقال، مالك و لمجلس لا ينظر الله الى اهله (1).
و عن سليمان الجعفري عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: المطلع في الشطرنج كالمطلع في النار (2).
و عن ابن رئاب قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: جعلت فداك، ما تقول في الشطرنج؟ فقال: المقلب لها كالمقلب للحم الخنزير.
قال: فقلت: ما على من قلب لحم الخنزير؟ قال: يغسل يده (3).
و في مستطرفات السرائر من جامع البزنطي عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام)، قال: بيع الشطرنج حرام، و أكل ثمنه سحت، و اتخاذها كفر، و اللعب بها شرك، و السلام على اللاهي بها معصية و كبيرة موبقة، و الخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزير، و لا صلاة له حتى يغسل يده كما يغسلها من لحم الخنزير، و الناظر إليها كالناظر في فرج امه، و اللاهي بها و الناظر إليها في حال ما يلهى بها و السلام على اللاهي بها في حالته تلك، في الإثم سواء. و من جلس على اللعب بها، فقد تبوأ مقعده من النار، و كان عيشه ذلك حسرة عليه في القيامة. و إياك و مجالسة اللاهي و المغرور بلعبها، فإنها من المجالس التي باء أهلها بسخط من الله، يتوقعونه في كل ساعة فيعمك معهم (4).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 241 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 241 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 242 حديث: 3.
(4) الوسائل ج 12 ص 241 حديث: 4.
190
المسألة التاسعة في الغش بالخفي، و تدليس الماشطة، و تزيين الرجل بما يحرم عليه
. و الكلام هنا يقع في موارد ثلاثة:-
[المورد] (الأول): في الغش بالخفي
، كشوب اللبن بالماء.
و لا خلاف في تحريمه، كما حكاه في المنتهى.
اما لو غش بما لا يخفى، كالتراب يجعله في الحنطة، و الردى منها بالجيد، فظاهر الأصحاب عدم التحريم، و ان كان مكروها، لظهور العيب المذكور للمشتري فهو انما اشترى راضيا به.
و لعل وجه الكراهة عندهم: انه تدليس في الجملة، و انه ربما يغفل عنه المشترى لا سيما مع كثرة الجيد إذا خلطه بالردي.
و الذي يدل على الحكم الأول من الاخبار: ما رواه
في الكافي عن هشام ابن سالم في الصحيح أو الحسن- بإبراهيم بن هاشم- عن الصادق (عليه السلام)، قال: ليس منا من غشنا (1).
و بهذا الاسناد عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لرجل يبيع التمر:
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 208 حديث: 1. و إبراهيم لا غمز فيه فالرواية صحيحة.
191
يا فلان، أما علمت انه ليس من المسلمين من غشهم (1).
و رواه الشيخ، و كذا الذي قبله.
و عن هشام بن الحكم، في الصحيح أو الحسن، قال: كنت أبيع السابري في الظلال، فمر بي أبو الحسن الأول موسى (عليه السلام) راكبا، فقال لي: يا هشام، ان البيع في الظلال غش، و الغش لا يحل (2).
و رواه الصدوق بإسناده، عن هشام مثله.
أقول: السابري ثياب رقيقة جيدة و فيه دلالة على تحريم بيع الثياب في المكان المظلم، بطريق اولى.
و عن السكوني عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ان يشاب اللبن بالماء للبيع (3).
و رواه الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن مسلم مثله.
و عن موسى بن بكر، قال: كنا عند ابى الحسن موسى (عليه السلام)، و إذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر الى دينار، فأخذه بيده، ثم قطعه بنصفين، ثم قال لي:
ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش (4).
و عن الحسين بن زيد الهاشمي عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: جاءت زينب العطارة الحولاء الى نساء النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو عندهن، فقال: إذا أتيتنا طابت بيوتنا. فقالت:
بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، قال: إذا بعت فأحسني و لا تغشى، فإنه أنقى و أبقى للمال. الحديث (5).
و عن عيسى بن هشام عن رجل من أصحابه عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: دخل عليه رجل يبيع الدقيق، فقال: إياك و الغش، فان من غش غش في ماله،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 4.
(4) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 5.
(5) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 6.
192
و ان لم يكن له مال غش في اهله (1).
و عن سعد الإسكاف عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: مر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في سوق المدينة بطعام، فقال لصاحبه: ما ارى طعامك الا طيبا، و سأله عن سعره، فأوحى الله عز و جل اليه ان يدس يديه في الطعام، ففعل فأخرج طعاما رديا فقال لصاحبه: ما أراك الا و قد جمعت خيانة و غشا للمسلمين (2).
و عن الحلبي في الصحيح أو الحسن، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، في الرجل يكون عنده لونان من طعام واحد سعرهما بشيء، و أحدهما أجود من الأخر، فيخلطهما جميعا، ثم يبيعهما بسعر واحد. فقال: لا يصلح له ان يغش المسلمين، يبينه (3).
و عن الحسين بن المختار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انا نعمل القلانس فنجعل فيها القطن العتيق، فنبيعها و لا نبين لهم، ما فيها؟ قال: أحب لك ان تبين لهم ما فيها (4).
و عن الحلبي في الصحيح، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشترى طعاما، فيكون أحسن له و أنفق له ان يبله، من غير ان يلتمس فيه زيادته. فقال: ان كان بيعا لا يصلحه الا ذلك و لا ينفقه غيره، من غير ان يلتمس فيه زيادة، فلا بأس. و ان كان انما يغش به المسلمين فلا يصلح (5).
أقول: ظاهر هذا الخبر ان الجواز و عدمه دائران مدار قصد البائع، في بلة الطعام. فإنه متى كان قصده انما هو لأجل إنفاق السلعة و شرائها، و انه بدون ذلك يكسد عليه، فلا بأس بما يفعله. و ان كان غرضه انما هو لأجل زيادة في الوزن، فهو غير جائز.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 7.
(2) الوسائل ج 12 ص 209 حديث: 8.
(3) الوسائل ج 12 ص 420 حديث: 2.
(4) الوسائل ج 13 ص 210 حديث: 9.
(5) الوسائل ج 12 ص 421 حديث: 3.
193
و اما ما يدل على الحكم الثاني، فما رواه
في الكافي و التهذيب، عن محمد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما، انه سئل عن طعام يخلط بعضه ببعض، و بعضه أجود من بعض. فقال: إذا رؤيا جميعا فلا بأس، ما لم يغط الجيد الردي (1).
أقول: قد عرفت دلالة خبر سعد الإسكاف على تحريم تغطية الجيد الردى، و هو المشار إليه في هذا الخبر، فظاهر الخبرين الحرمة في الصورة المذكورة. و يمكن حمل ذلك على ما إذا حصل الاشتباه و لم يعلم. و لو فرض العلم بعد البيع بظهور ذلك الردى، فيمكن القول بالكراهة و ان للمشتري الخيار بظهور العيب حينئذ.
ثم انه مع خفاء الغش- كما هو الحكم الأول- فقد عرفت انه لا خلاف في التحريم، و انما الخلاف في انه هل يصح البيع؟ و ان ثبت للمشتري الخيار بعد ظهور ذلك، و يكون حكمه حكم ما لو ظهر في المبيع عيب من غير الجنس، أم لا؟ قولان.
جزم في المسالك بالأول، لما ذكرناه، ثم قال: و ربما احتمل البطلان: بناء على ان المقصود بالبيع هو اللبن، و الجاري عليه العقد هو المشوب، فيكون كما لو باعه هذا الفرس فظهر حمارا. و قد ذكروا في هذا المثال اشكالا من حيث تغليب الإشارة أو الاسم. و الفرق بينه و بين ما نحن فيه ظاهر. انتهى.
أقول: الظاهر ان ما ذكره في تعليل البطلان من قوله: فيكون كما لو باعه.
إشارة الى ما ذكره في الذكرى في باب صلاة الجماعة، حيث قال: و لو نوى الاقتداء بالحاضر على انه زيد فبان عمرا، ففي ترجيح الإشارة على الاسم فيصح، أو بالعكس فيبطل، نظر. و نظيره: ان يقول المطلق لزوجته التي اسمها عمرة هذه زينب طالق.
أو يشير البائع إلى حمار، فيقول: بعتك هذا الفرس. انتهى.
أقول: من المحتمل قريبا ان النهى في الاخبار المتقدمة و ما في معناه، انما هو من حيث عدم صلاحية المبيع المذكور للبيع من حيث الغش، كبيع العذرة و نحوها مما منعت منه الاخبار، لعدم قابليتها للانتقال، و ان اختلف الوجه في كل منهما
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 420 حديث: 1 باب: 9 من أبواب العيوب.
194
و ان الوجه في المنع في العذرة و الخمر و نحوها من حيث النجاسة، و فيما نحن من حيث الغش. و الفرق بينه و بين ما ذكره في المسالك في وجه الصحة من ان حكمه حكم ما لو ظهر في المبيع عيب، ظاهر، لان ما نحن فيه مما استفاضت الاخبار، كما عرفت، بالنهي عن بيعه، و ليس الوجه فيه الا ما ذكرنا، و عموم أدلة صحة البيع ظاهرة في تجويز بيع ما فيه عيب، و صحته مع جبره بالخيار للمشتري. و الله العالم.
المورد الثاني في تدليس الماشطة:
و المراد بذلك: ما إذا أرادت تزويج امرأة برجل، و مثله بيع امة، بان تستر عيوبها و تظهر لها محاسن ليست فيها، كتحمير وجهها و وصل شعرها و نحو ذلك، مما يوجب رغبة الزوج في تزويجها أو المالك في شرائها.
و الظاهر: ان ذكر الماشطة في كلامهم، انما خرج مخرج التمثيل، و الا فلو فعلت المرأة بنفسها ذلك للغرض المذكور، فالظاهر ان الحكم فيها كذلك.
و لعل الوجه في تحريم ذلك من حيث التدليس و الغش، و هو محرم كما تقدم.
و لم أقف فيما حضرني من الاخبار، على ما يدل على الحكم المذكور، سوى ما أشرنا إليه من دخوله تحت الغش و التدليس، و اليه أشار المقدس الأردبيلي، حيث قال: و كأن دليل التحريم الإجماع و انه غش و هو حرام، كما تدل عليه الاخبار و قد تقدمت. انتهى.
هذا كله مع عدم علم الزوج و المشترى بذلك. و اما فعل الزوجة بنفسها
195
ذلك، و فعل الماشطة بها لقصد إظهار الزينة لزوجها، فالظاهر انه لا بأس به، لما يدل عليه
رواية سعد الإسكاف عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها، قال: قلت له: بلغنا ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعن الواصلة و الموصولة؟
فقال: ليس هناك، انما لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله) الواصلة و الموصولة التي تزني في شبابها، فلما كبرت قادت النساء الى الرجال، فتلك الواصلة و الموصولة. (1).
و يؤيده ما في
قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن، عن جده على بن جعفر، انه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن المرأة التي تحف الشعر من وجهها، قال:
لا بأس. (2).
هذا، و الظاهر من الاخبار: انه لا بأس بكسب الماشطة، الا ان الأفضل لها ان لا تشارط و تقبل ما تعطى.
فروى في الكافي و التهذيب عن محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: لما هاجرت النساء الى رسول الله (صلى الله عليه و آله) هاجرت فيهن امرأة يقال لها أم حبيب، و ساق الخبر الى ان قال: و كان لام حبيب أخت يقال لها أم عطية و كانت مقنية يعني ماشطة، فلما انصرفت أم حبيب إلى أختها أخبرتها بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لها، فأقبلت أم عطية إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فأخبرته بما قالت لها أختها، فقال لها رسول الله: ادنى منى يا أم عطية، إذا أنت قنيت الجارية فلا تغسلي وجهها بالخرقة، فإن الخرقة تشرب ماء الوجه. و في التهذيب: بماء الوجه (3).
و عن ابن ابى عمير عن رجل عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال دخلت ماشطة على رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال لها: هل تركت عملك أو أقمت عليه؟ فقالت: يا رسول الله انا أعمله إلا ان تنهاني عنه فانتهى، فقال: افعلي، فإذا مشطت فلا تجلى الوجه بالخرق فإنه
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 135 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 8 قال في المصباح المنير: حفت المرأة وجهها حفا من باب قتل: زينته بأخذ شعره. و حف شاربه: إذا أعفاه. منه (قدس سره).
(3) الوسائل ج 12 ص 92 حديث: 1. و ص 93 حديث: 1.
196
يذهب بماء الوجه، و لا تصلى الشعر بالشعر (1).
و روى في الفقيه مرسلا، قال: قال (عليه السلام): لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط و قبلت ما تعطى، و لا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و اما شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة (2).
و روى في التهذيب عن على (عليه السلام): قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك، و قد دخلها ضيق. قال: لا بأس، و لكن لا تصل الشعر بالشعر (3).
و عن عبد الله بن الحسن، قال: سألته عن القرامل. قال: و ما القرامل؟ قلت:
صوف تجعله النساء في رؤسهن. قال: ان كان صوفا فلا بأس به، و ان كان شعرا فلا خير فيه، من الواصلة و الموصولة (4).
و روى في معاني الأخبار بسنده عن على بن غراب عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليه السلام)، قال: لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) النامصة و المنتمصة، و الواشرة و الموتشرة، و الواصلة و المستوصلة، و الواشمة و المستوشمة (5).
قال الصدوق: قال على بن غراب: النامصة التي تنتف الشعر، و المنتمصة التي يفعل ذلك بها، و الواشرة التي تشر أسنان المرأة و تفلجها و تحددها، و الموتشرة التي يفعل ذلك بها، و الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، و المستوصلة التي يفعل ذلك بها، و الواشمة التي تشم وشما في يد المرأة أو في شيء من بدنها، و هو ان تغرز بدنها أو ظهر كفها أو شيئا من بدنها بإبرة حتى تؤثر فيه، ثم تحشوه بالكحل أو بالنورة، فتخضر، و المستوشمة التي يفعل ذلك بها.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 94 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 6.
(3) الوسائل ج 12 ص 94 حديث: 4.
(4) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 5.
(5) الوسائل ج 12 ص 95 حديث: 7.
197
بقي الكلام في ان جملة هذه الاخبار، قد اتفقت في الدلالة على النهى عن وصل الشعر بشعر امرأة غيرها، و ظاهر حديث سعد الإسكاف المتقدم: انه لا بأس بما تزينت به المرأة لزوجها، و ان كان بوصل شعرها بشعر امرأة غيرها، فإنه لما سأله السائل عن الحديث المتضمن للعن الواصلة و المستوصلة، فسره (عليه السلام) بمعنى آخر، تنبيها على الجواز، و ان الخبر ليس المراد به ذلك، مع استفاضة هذه الاخبار كما ترى بالمنع و النهى.
و جمع بعض الأصحاب (1) بين هذه الاخبار بحمل الأخيرة على الكراهة.
و يؤيده نفى البأس في رواية قرب الاسناد عن حف الشعر عن الوجه، مع دلالة رواية على بن غراب على النهى عن نتف الشعر.
و ربما حملت ايضا على قصد التدليس عند ارادة التزويج، و الظاهر بعده عن سياق الأخبار المذكورة و احتمل ثالث حمل النهى من حيث عدم جواز الصلاة في شعر الغير، و هو أبعد، فإنه لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه واضح السبيل كما تقدم تحقيقه في كتاب الصلاة، في بحث لباس المصلى.
المورد الثالث في تزيين الرجل بما يحرم عليه
، كتزيينه بالذهب و الحرير، الا ما استثنى.
و ظاهر المسالك: تفسيره بما يختص بالنساء كلبس السوار و الخلخال و الثياب المختصة بهن بحسب العادة. قال: و يختلف ذلك باختلاف الأزمان و الأصقاع.
____________
(1) هو المولى محمد تقي المجلسي في حواشيه على التهذيب. منه (قدس سره).
198
أقول: الظاهر ان الأقرب هو ما ذكرناه أولا، و هو الذي فسره به بعض الأصحاب أيضا، لأن الثاني على تقدير تسليم تحريمه لا يكون مطردا، بل يختلف على الوجه الذي ذكره، بخلاف ما ذكرناه أولا، فإن التحريم ثابت معلوم مطرد في جميع الأوقات و الأزمان، إلا مواضع مخصوصة دل الدليل على استثنائها.
قال في المسالك: و كذا يحرم على المرأة التزين بزينة الرجل و التحلي بحلية المختصة به، كلبس المنطقة و العمامة و التقليد بالسيف. و لا فرق في الأمرين بين مباشرة الفاعل لذلك بنفسه أو تزيين غيره له، الا ان المناسب للعبارة هنا فعل الغير بهما ليكتسب به، اما فعلهما بأنفسهما فلا يعد تكسبا الا على تجوز بعيد. انتهى.
أقول: لم أقف في هذا الموضع على خبر و لا دليل يدل على ما ذكروه، سوى ما ورد من عدم جواز لبس الرجل الذهب و الحرير، فلو خص تحريم التزيين بذلك لكان له وجه لما ذكرناه، و اما ما عداه فلم نقف على دليل تحريمه، لا بفعل الإنسان و لا بفعل الغير به.
و يشير الى ما ذكرناه ما صرح به المقدس الأردبيلي في هذا المقام، حيث قال- بعد ذكر نحو ما قدمناه-: و لعل دليله الإجماع بنفسه، و انه نوع غش، و هو محرم. و الإجماع غير ظاهر فيما قيل، و كذا كونه غشا و هو ظاهر. انتهى.
أقول: قد عرفت صحة هذا الحكم بالنسبة إلى تزيين الرجل بالذهب و الحرير، لما ذكرناه. و انما موضع الاشكال ما عدا ذلك مما قدمنا نقله عنهم.
نعم قد ورد في بعض الاخبار: لعن المتشبهين بالنساء و لعن المتشبهات بالرجال.
الا ان الظاهر منها- باعتبار حمل بعضها على بعض- انما هو باعتبار التأنيث و عدمه، لا باعتبار اللبس و الزي.
فقد روى في الكافي بسنده عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول (صلى الله عليه و آله و سلم) في حديث: لعن الله المحلل و المحلل له، و من يوالي غير مواليه، و من ادعى نسبا لا يعرف، و المتشبهين من الرجال بالنساء، و المتشبهات من النساء بالرجال،
199
و من أحدث حدثا في الإسلام، أو آوى محدثا، و من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه (1).
و روى الصدوق في العلل عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن آبائه عن على (عليه السلام) انه رأى رجلا به تأنيث، في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقال له: اخرج من مسجد رسول الله، يا لعنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم قال على- (عليه السلام)-: انى سمعت رسول الله يقول: لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء و المتشبهات من النساء بالرجال (2).
قال: و في حديث آخر: أخرجوهم من بيوتكم فإنهم أقذر شيء (3).
و بهذا الاسناد عن على (عليه السلام)، قال: كنت مع رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) جالسا في المسجد حتى أتاه رجل به تأنيث، فسلم عليه فرد (عليه السلام)، ثم أكب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى الأرض يسترجع، ثم قال: مثل هؤلاء في أمتي؟! انه لم يكن مثل هؤلاء في أمة إلا عذبت قبل الساعة (4).
____________
(1) روضة الكافي (ج 8) ص 71.
(2) الوسائل ج 12 ص 211 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 212 حديث: 3.
(4) الوسائل ج 12 ص 212 حديث: 4.
200
المقام الرابع فيما يحرم لتحريم ما يقصد به
كآلات اللهو، مثل العود و الزمر. و هياكل العبادة (1) المبتدعة، كالصليب (2) و الصنم. و آلات القمار كالنرد و الشطرنج. و اجارة المساكن و السفن للمحرمات.
و بيع العنب ليعمل خمرا. و بيع الخشب ليعمل صنما. و يكره بيع ذلك لمن يعملها.
و تحقيق الكلام في هذا المقام يتوقف على بسطه في مواضع:
الأول [في تحريم صنع آلات اللهو و بيعها]:
لا خلاف بين الأصحاب في تحريم عمل آلات اللهو و التكسب بها و بيعها. مثل العود و الدفوف و الطبول و المزامير و نحوها مما ذكر.
____________
(1) الهيكل في الأصل: بيت الصنم. كما نص عليه الجوهري و غيره. و اما إطلاقه على نفس الصنم، كما وقع في كلام الأصحاب في هذا المقام: فالظاهر: انه من باب المجاز، إطلاقا لاسم المحل على الحال. منه (قدس سره).
(2) قال في مجمع البحرين: صليب النصارى: هيكل مربع يدعون النصارى ان عيسى- ع- صلب على خشبة، على تلك الصورة. و في المغرب: هو شيء مثلث كالتماثيل تعبده النصارى. انتهى. منه (قدس سره).
201
قال في المنتهى: و يحرم عمل الأصنام و غيرها من هياكل العبادة المبتدعة و آلات اللهو، كالعود و الزمر و آلات القمار كالنرد و الشطرنج و الأربعة عشر، و غيرها من آلات اللعب، بلا خلاف بين علمائنا في ذلك. انتهى.
أقول: و قد تقدمت جملة من الاخبار المتعلقة بآلات اللهو، في المسألة الثانية من المقام المتقدم (1)، دالة على الأحكام المذكورة.
و بالجملة فلا ريب في تحريم البيع بقصد تلك الأغراض المحرمة، بل مطلقا ايضا، حيث انه لا غرض يترتب على هذه الأشياء إلا ذلك.
اما لو أمكن الانتفاع بها في غير ذلك، فيحتمل الجواز، الا انه فرض نادر، فيمكن التحريم مطلقا، بناء على ان الغرض المتكرر المترتب على تلك الآلات انما هو ما ذكرنا، فلا يلتفت الى الافراد النادرة الوقوع.
نعم لو كان الغرض من البيع كسرها مثلا و بيعت لأجل ذلك، فالظاهر انه لا ريب في الجواز إذا كان المشترى ممن يوثق به في ذلك.
قال في المسالك: و لو كان لمكسورها قيمة، و باعها صحيحة للكسر، و كان المشترى ممن يوثق بديانته، ففي جواز بيعها وجهان. و قوى في التذكرة جوازه مع زوال الصفة، و هو حسن. و الأكثر أطلقوا المنع. انتهى.
أقول: الظاهر ان إطلاق الأكثر المنع انما هو من حيث ندور هذا الفرض، و الا فمع وقوعه على الوجه المذكور فإنه لا مانع من صحة البيع شرعا كما لا يخفى.
قال في المسالك: و هل الحكم في أواني الذهب و الفضة كذلك؟ يحتمل، بناء على تحريم عملها و الانتفاع بها في الأكل و الشرب. و عدمه، لجواز اقتنائها للادخار و تزيين المجالس و الانتفاع بها في غير الأكل و الشرب، و هي منافع مقصودة. و في تحريم عملها مطلقا نظر. انتهى.
أقول: و قد تقدم في آخر كتاب الطهارة: ان المشهور بين الأصحاب هو تحريم
____________
(1) راجع صفحة 101 فما بعد من هذا الجزء.
202
اتخاذها، و ان كان للقنية و الادخار. و عليه تدل ظواهر جملة من الاخبار المذكورة ثمة (1) و بذلك يظهر كونها من قبيل ما نحن فيه.
الثاني [في البيع لمن يستعمله في الحرام]:
المشهور في كلام الأصحاب: تحريم اجارة السفن و الدابة للمحرمات، مثل حمل الخمر، و البيت ليباع فيه الخمر، و الخشب ليعمل صلبانا، أو شيئا من آلات اللهو، و العنب ليعمل خمرا.
بمعنى ان البيع أو الإجارة وقع لهذا الغايات، أعم من ان يكون قد وقع شرطها في متن العقد، أو حصل الاتفاق عليها. صرح بذلك غير واحد من الأصحاب. بل في المنتهى: انه موضع وفاق.
اما لو كانت الإجارة أو البيع لمن يعمل ذلك و لم يعلم انه يعملها، فإنه يجوز على كراهية. و مع العلم قولان. فقيل بالجواز على كراهية، و قيل بالتحريم.
و اختاره في المسالك. قال: و الظاهر ان غلبة الظن به كذلك. و الى هذا القول ايضا مال المقدس الأردبيلي (رحمه الله عليه).
و الاخبار لا تخلو من اختلاف و اضطراب في المقام، فلا بد أو لا من نقلها، ثم الكلام فيها:
و منها ما رواه
في الكافي في الصحيح أو الحسن عن ابن أذينة، قال: كتبت الى ابى عبد الله (عليه السلام): أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته و دابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير؟ قال: لا بأس (2).
و ما رواه فيه ايضا،
و في التهذيب عن صابر، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: حرام أجرته (3).
و ما رواه
في الكافي عن ابن أذينة في الصحيح أو الحسن، قال: كتبت الى ابى
____________
(1) راجع الجزء الخامس ص 509- 510 من هذه الطبعة.
(2) الوسائل ج 12 ص 126 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 12 حديث: 1.
203
عبد الله (عليه السلام): أسأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط؟ فقال: لا بأس به.
و عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا؟ قال: لا (1).
و عن عمرو بن حريث، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن التوت أبيعه ممن يصنع الصليب و الصنم؟ قال: لا (2).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمرا قبل ان يقبض الثمن، فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم انه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس، فاما إذا كان عصيرا فلا يباع الا بالنقد (3).
و عن محمد الحلبي، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممن يجعله حراما، قال: لا بأس به، تبيعه حلالا ليجعله حراما فأبعده الله و أسحقه (4).
و ما رواه
في الكافي عن ابن أذينة في الصحيح أو الحسن، قال: كتبت الى ابى عبد الله (عليه السلام): أسأله عن رجل له كرم أ يبيع العنب و التمر ممن يعلم انه يجعله خمرا أو سكرا؟ فقال: انما باعه حلالا في الإبان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه (5).
و عن ابى كهمس، قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام)- الى ان قال-: ثم قال (عليه السلام): هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا (6).
و ما رواه
في التهذيب عن رفاعة بن موسى في الصحيح، قال: سئل الصادق (عليه السلام)- و انا حاضر- عن بيع العصير ممن يخمره، قال: حلال. أ لسنا نبيع تمرنا ممن يجعله
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 127 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 169 حديث: 1.
(4) الوسائل ج 12 ص 169 حديث: 4.
(5) الوسائل ج 12 ص 169 حديث: 5.
(6) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 6.
204
شرابا خبيثا!؟ (1)،.
و عن الحلبي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام): انه سئل عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا، فقال: بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب الى، و لا أرى بالأول بأسا (2).
و عن يزيد بن خليفة الحارثي، عن الصادق (عليه السلام)، قال: سأله رجل- و انا حاضر- قال: ان لي الكرم. قال تبيعه عنبا! قال: فإنه يشتريه من يجعله خمرا، قال فبعه إذا عصيرا. قال: فإنه يشتريه منى عصيرا فيجعله خمرا في قربتي، قال:
بعته حلالا، فجعله حراما فأبعده الله (3) الحديث.
هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بالمقام.
و الشيخ قد حمل الخبر الثاني على من يعلم انه يباع فيه الخمر، و لهذا حرم الأجرة. و الأول على من لا يعلم ما يحمل عليها.
و فيه: ان اخبار العصير كلها متفقة على جواز البيع مع العلم بأنه يعمله خمرا.
و مقتضى كلام أصحاب الذي قدمنا نقله عنهم: حمل الخبر الثاني على ان يكون الإجارة لهذه الغاية، بحيث ذكرت و شرطت في أصل العقد أو وقع الاتفاق عليها.
و الخبر الثاني على ما لم يكن كذلك.
و جمع في الوافي بين الخبرين المذكورين، فقال: لا منافاة بين الخبرين، لان البيع غير الحمل، و البيع حرام مطلقا، و الحمل يجوز ان يكون للتخليل.
و فيه- أولا-: ما عرفت من عدم تحريم البيع مطلقا، لاخبار العصير المذكورة، الا ان يقيد بما ذكره الأصحاب.
و ثانيا: ان الحمل للتخليل، و ان احتمل في الخمر، لكن لا مجال لهذا الاحتمال في الخنزير الذي ذكر معه في الخبر.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 8.
(2) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 9.
(3) الوسائل ج 12 ص 170 حديث: 10.
205
فالأولى انما هو حمل الخبر الثاني على ما ذكره الأصحاب من الاشتراط أو الاتفاق.
و على هذا ايضا تحمل اخبار بيع الخشب ليعمل صلبانا أو أصناما.
و يمكن ان تحمل اخبار المنع على الكراهة، جمعا بينها و بين ما دل على الجواز.
و يشير الى ذلك صحيحة ابن أذينة أو حسنته الثانية، حيث نفى البأس فيها عن بيع الخشب ليعمل برابط، و منع من البيع ليعمل صلبانا، مع ان الأمرين من باب واحد. بان يقال بشدة الكراهة في عملها صلبانا فنهى عنه و ان كان جائزا.
و المقدس الأردبيلي- هنا- قد استدل- على تحريم البيع و الإجارة ممن يعلم بترتب تلك الغاية المحرمة على البيع أو الإجارة، و ان لم يحصل الاشتراط، على الوجه الذي ذكره الأصحاب- بأن فيه معاونة على الإثم و العدوان، مع وجوب النهى عن المنكر، و إيجاب كسر الهياكل، و عدم جواز الحفظ، و كسر آلات اللهو، و منع الشرب، و الحديث الدال على لعن حامل الخمر و عاصرها، المذكور في الكافي، و منع بيع السلاح لأعداء الدين، فإنه يحرم للإعانة، و هو ظاهر.
و فيه: ان ما ذكره جيد في حد ذاته، لو سلم من المعارضة بأخبار العصير المذكورة، فإنها ما بين صريح و ظاهر في صحة البيع في الصورة المذكورة، مع كثرتها و صحة كثير منها.
و اما قوله- (رحمه الله)-: و يمكن حملها على و هم البائع ان المشترى يعمل هذا المبيع خمرا لكونه ممن يجعله خمرا، أو يكون الضمير راجعا الى مطلق العصير و التمر لا المبيع، و لا صراحة في الاخبار ببيعه ممن يعلم بجعل هذا المبيع خمرا، بل لا نعلم فتوى المجوز بذلك. و بالجملة فالظاهر: التحريم مع علمه بجعل هذا المبيع خمرا بل ظنه أيضا فتأمل. انتهى.
فلا يخفى ما فيه من التعسف و التكلف، و الخروج عن ظاهر الاخبار بل صريحها،
206
فإنها مطابقة المقالة، واضحة الدلالة على ان البائع يعلم ان المشترى يصنع ذلك المبيع من العنب و التمر خمرا، و لا سيما قوله في خبري محمد الحلبي و يزيد بن خليفة-: بعته حلالا فجعله حراما. فان ظاهره ينادي بأن المدار في التحريم و التحليل انما هو بالنسبة الى حال المبيع، فان كان المبيع مما يحل بيعه في ذلك الوقت و تلك الحال صح البيع، و الا فلا، و لا تعلق لصحة البيع بما يؤل اليه حال المبيع بعد البيع، علمه أم لم يعلمه. و ما ذكره من الحمل على توهم البائع أو رجوع الضمير الى مطلق العصير و التمر لا المبيع، عجيب من مثله! و كيف لا و هو (عليه السلام) يقول: انا نبيع تمرنا ممن نعلم انه يصنعه خمرا و شرابا خبيثا. اى يصنع ذلك التمر الذي نبيعه إياه، كما لا يخفى على صاحب الذوق السليم و الفهم القويم.
و بالجملة فإنه لو قامت هذه الاحتمالات البعيدة لانغلق باب الاستدلال.
و قد تلخص من ذلك: ان الظاهر من هذه الاخبار- بعد ضم بعضها الى بعض- هو: قصر التحريم على ما إذا وقع الاشتراط في العقد أو الاتفاق على البيع أو الإجارة لتلك الغاية المحرمة، و حل ما سوى ذلك. و ما ذكره الأصحاب من الكراهة في موضع التحليل، و ان كان جيدا في حد ذاته، الا ان ظواهر الاخبار لا تساعده، لا سيما اخبار بيع التمر و العنب ليعمل خمرا. و الله العالم.
الثالث [بيع السلاح من أعداء الدين]:
المشهور بين الأصحاب بل الظاهر انه لا خلاف فيه: تحريم بيع السلاح على أعداء الدين و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام: ما رواه
في الكافي و التهذيب عن ابى بكر الحضرمي، في الحسن قال: دخلنا على ابى عبد الله (عليه السلام)، فقال له حكم السراج:
ما تقول فيمن يحمل الى الشام السروج و أداتها؟ فقال: لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)، انكم في هدنة، فإذا كانت المبانية حرم عليكم ان تحملوا إليهم السروج و السلاح (1).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 69 حديث: 1.
207
و الظاهر: ان المراد بقوله «بمنزلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)» اى الباقين على صحبته و دينه بعد موته، كما يشير اليه قوله «انكم في هدنة» أي سكون من الفتن بالصلح مع أعداء الدين.
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن هند السراج، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
أصلحك الله، انى كنت أحمل السلاح الى أهل الشام فأبيعه منهم، فلما عرفني الله هذا الأمر ضقت بذلك، و قلت: لا أحمل إلى أعداء الله. فقال لي: احمل إليهم و بعهم، فان الله يدفع بهم عدونا و عدوكم، يعنى الروم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك (1).
و ما رواه
في الكافي عن محمد بن قيس في الصحيح، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال: بعهما ما يكنهما، الدرع و الخفين و نحو هذا (2)،.
و عن السراد عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: انى أبيع السلاح، قال: لا تبعه في فتنة (3).
و في التهذيب رواه عن السراد عن رجل عنه. و هو الظاهر، حيث ان السراد المذكور انما يروى عن ابى عبد الله (عليه السلام) بالواسطة (4)، هذا ان حمل انه الحسن بن محبوب المشهور بهذا اللقب (5) و الا فلا، و يكون الرجل مهملا.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 4 و الحديث في الوسائل: «عن السراج». لكنه في الكافي و التهذيب «عن السراد» كما في المتن.
(4) لانه ولد بعد وفاة الامام الصادق- ع- (148) بسنة. (149- 224).
(5) و هو: «السراد» و يقال له: «الزراد» ايضا. و هما بمعنى واحد، و هو صانع الزرد و السرد و هما بمعنى الدرع.
208
و ما رواه
في التهذيب عن ابى القاسم الصيقل، قال: كتبت اليه انى رجل صيقل اشترى السيوف و أبيعها من السلطان، أ جائز لي بيعها؟ فكتب- (عليه السلام)- لا بأس به (1).
و ما
في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر، و رواه على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى- (عليه السلام)-، قال: سألته عن حمل المسلمين الى المشركين التجارة، قال: إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس (2).
و ما رواه
في الفقيه بإسناده عن حماد بن انس و انس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه- (عليهم السلام)- في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلى (عليه السلام)،: يا على كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة- الى ان قال:- و بايع السلاح من أهل الحرب (3).
[فوائد مستفادة من أخبار المقام]
و الكلام في هذه الاخبار يقع في مواضع:
(الأول):
ان المستفاد من الخبر الأول و الثاني: تخصيص تحريم حمل السلاح إلى الأعداء بوقت المباينة دون وقت الصلح و الهدنة. و كلام الأصحاب- كما قدمنا نقله عنهم- مطلق. فالواجب تقييده بما ذكرنا من الخبرين. و الى ذلك أشار في المسالك- بعد ذكر عبارة المصنف الدالة بإطلاقها على العموم- فقال: و انما يحرم مع قصد المساعدة أو في حال الحرب أو التهيؤ له.
(الثاني):
لا فرق في أعداء الدين بين كونهم مشركين أو مسلمين كالمخالفين.
و يدل عليه الخبران الأولان، لاشتراكهما في الوصف و هو العداوة للدين، بل
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 70 حديث: 5.
(2) الوسائل ج 12 ص 70- 71 حديث: 6.
(3) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 7.
209
لا يبعد- كما ذكره جملة من المتأخرين- دخول مثل قطاع الطريق و نحوهم من الظالمين، لما تقدم من تحريم اعانة الظالمين و لو بالمباحات، بل الطاعات، فضلا عما في الإعانة على الظلم. و يعضده ظاهر الآية من النهى عن الإعانة على الإثم و العدوان. و حديث السراد المتقدم (1)
(الثالث):
محل البحث في كلام الأصحاب و كذا في اخبار تحريم السلاح هو السيف و الرمح و نحوهما. أما ما يتخذ جنة كالدرع و البيضة و لباس الفرس المسمى بالتجفاف- بكسر التاء- فالظاهر عدم دخوله في الحكم المذكور. و بذلك صرح في المسالك ايضا.
و يدل عليه صحيحة محمد بن قيس المتقدمة، الا ان ظاهر رواية أبي بكر الحضرمي: دخول السروج فيما يحرم بيعه، و هي ليست من السلاح. فلو قيل بالعموم لما يحصل به المساعدة، من سلاح و غيره، لكان أوجه، فإنه لا شك ان الإعانة بالدرع و البيضة التي تقي لابسها عن القتل أشد و أعظم من الإعانة بالسرج الذي قد صرحت الرواية المشار إليها بتحريمه.
و يمكن الجواب عن الصحيحة المذكورة بأنها لم تتضمن المعونة لأعداء الدين على المسلمين، و انما دلت على المعونة على مثلهم من أهل الباطل، و الظاهر ان الفرقتين من أعداء الدين. الا انه يشكل ذلك بتخصيص التجويز بالجنة دون السلاح و بالجملة فإدخال نحو السرج في الحكم المتقدم و إخراج نحو الدرع لا يخلو عن اشكال.
(الرابع):
لو باع على تقدير التحريم، هل يصح البيع و يملك الثمن و ان أثم، أم يبطل؟ قولان، استظهر في المسالك الثاني، قال: لرجوع النهي إلى نفس المعوض. و اليه مال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، قال: لان الظاهر ان الغرض من النهى هنا عدم التملك و عدم صلاحية المبيع لكونه مبيعا، لا مجرد الإثم،
____________
(1) في ص 207 رقم: 3.
210
فكان المبيع لا يصلح لان يكون مبيعا لهم كما في بيع الغرر انتهى. و لا يخلو من قرب، و ان كان للمناقشة فيه مجال، لإمكان رجوع النهي إلى المعونة، و الا فالعوض من حيث هو صالح للنقل، فيكون توجه النهى انما هو لأمر خارج كالبيع وقت النداء في يوم الجمعة، و قد تقدم تحقيق هذه المسألة في بعض مجلدات هذا الكتاب (1) بما يكشف عن وجهها نقاب الشك و الارتياب.
(الخامس):
ظاهر خبر هند السراج (2): جواز حمل السلاح إلى أعداء الدين وقت الهدنة لأجل الاستعانة به على دفع الكفار، و عليه يحمل خبر القاسم الصيقل، مع انك قد عرفت في الموضع الأول جواز الحمل في حال الهدنة مطلقا.
____________
(1) في الجزء العاشر ص 177 من هذه الطبعة.
(2) تقدم في ص 207 رقم: 1.
211
المقام الخامس في حكم أخذ الأجرة على ما يجب على الإنسان فعله
، كتغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم.
و يلحق بذلك أخذ الأجرة على الأذان، و بيع القرآن، و كذا أخذ الأجرة على الصلاة بالناس، و القضاء و الحكم بين الناس.
و تفصيل هذه الجملة يقع في موارد:-
الأول [في أخذ الأجرة على الواجبات الكفائية]:
المشهور في كلام الأصحاب- من غير خلاف يعرف- ان تغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم و الصلاة عليهم، من الواجبات الكفائية، على من علم بالموت من المسلمين، فلا يجوز أخذ الأجرة على شيء من ذلك.
قال في المنتهى: يحرم أخذ الأجرة على تغسيل الموتى و تكفينهم و دفنهم و الصلاة عليهم، لان ذلك واجب عليهم، فلا يجوز لهم أخذ الأجرة على فعله، كالفرائض انتهى.
و نحن قدمنا البحث معهم في هذه المسألة في فصل غسل الأموات من كتاب الطهارة (1) و كذا في كتاب الصلاة (2) في باب الصلاة على الأموات. و ذكرنا
____________
(1) في الجزء الثالث ص 359 من هذه الطبعة.
(2) في الجزء العاشر ص 382 فما بعد.
212
ان الخطابات الواردة من الشارع في هذه المواضع انما توجهت إلى الولي بأن يفعل ذلك أو يأمر من يفعله، الا ان لا يكون للميت ولى، و على ما ذكرنا لا يتجه تحريم أخذ الأجرة على الإطلاق كما ذكروه، و ان كان ظاهرهم الاتفاق على ما نقلناه عنهم.
الا ان يقال: انه إذا أذن الولي وجب عليه حينئذ و هو بعيد، لعدم الدليل عليه فانا لم نقف لهم في دعوى الوجوب الكفائي في هذا المقام على دليل يعتمد عليه من الاخبار، و ليس الا ظاهر اتفاقهم عليه.
و الأصحاب قد نقلوا في هذا المقام عن المرتضى جواز أخذ الأجرة بالتقريب الذي ذكرناه.
قال في المسالك- بعد ذكر المصنف لأصل الحكم-: هذا هو المشهور بين الأصحاب، و عليه الفتوى، و ذهب المرتضى الى جواز أخذ الأجرة على ذلك لغير الولي بناء على اختصاص الوجوب به، و هو ممنوع، فان الوجوب الكفائي لا يختص به، و انما فائدة الولاية توقف الفعل على اذنه، فيبطل منه ما وقع بغيره، مما يتوقف على النية. انتهى.
و فيه: ان ما ادعاه- (رحمه الله)- و غيره من الوجوب الكفائي عار عن الدليل كما عرفت.
و اما قوله: ان فائدة الولاية توقف الفعل على اذنه، فان فيه: ان النصوص الدالة على ذلك ظاهرة بل صريحة في توجه الأمر بالإتيان بتلك الأفعال إلى الولي،
كقول أمير المؤمنين (عليه السلام)- فيما رواه في الفقيه-: يغسل الميت اولى الناس به أو من يأمره الولي بذلك (1).
و بمضمونه خبر آخر في الغسل (2).
____________
(1) الوسائل ج 1 ص 718 باب: 26 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 2 ص 718 باب: 26 حديث: 2.
213
و قول الصادق (عليه السلام): يصلى على الجنازة أولى الناس بها أو يأمر من يحب (1).
و نحوه أخبار ولاية الزوج لزوجته،
و انه اولى الناس بالصلاة عليها و الغسل بها (2).
و هكذا في سائر ما يتعلق بالميت، فان الخطاب بإيقاع ذلك الفعل انما توجه إلى الولي خاصة، اما بان يوقعه بنفسه أو يأذن لغيره. و أين هذا من الوجوب الكفائي، الذي يدعونه؟! و بذلك يظهر: ان فائدة الولاية هو اختصاص الفعل به، بان يغسله و يصلى عليه و يكفنه و نحو ذلك، أو يأذن لغيره في هذه الأمور.
و حينئذ فلو فرضنا ان الغير امتنع من امتثال أمر الولي إلا بالأجرة جاز له ذلك، لانه غير مخاطب بهذه الأمور، و لا مكلف بها حتى يحرم عليه أخذ الأجرة كما ادعوه.
نعم لو سلمنا صحة ما ادعوه من الوجوب الكفائي، صح ما رتبوه عليه من تحريم أخذ الأجرة.
ثم ان مقتضى تخصيص الأصحاب الحكم بالواجب من هذه الأمور، جواز أخذ الأجرة على المستحب، مثل زيادة الحفر على ما يستر ريحه عن الشياع، و يكن جثته عن السباع، بمقدار الترقوة، و نقله الى المشاهد المشرفة، و تثليث الغسلات في التغسيل، و وضوء الميت على تقدير القول باستحبابه، و تكفينه بالقطع المندوبة و نحو ذلك.
و قيل بالمنع. نقله في المسالك عن بعض الأصحاب، محتجا بإطلاق النهى! و أنت خبير بانا لم نقف على نهى في هذا الباب، و لا ذكره أحد من الأصحاب، بل ذكر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد ايضا، انه لم يقف عليه، قال- بعد نقل القول المذكور-: و وجهه غير ظاهر، و لعله انها عبادة و هي تنافي الأجرة و منعه ظاهر، الا ترى جواز أخذ الأجرة على الحج و سائر العبادات بالإجماع و الأدلة. قيل: لإطلاق النهى، و ما رأيت النهى. انتهى.
____________
(1) الوسائل ج 2 ص 801 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 2 ص 802 باب: 24.
214
الثاني [في أخذ الأجرة على الأذان]:
المشهور بين الأصحاب تحريم أخذ الأجرة على الأذان.
و استدل عليه بما رواه
الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسن الصفار عن عبد الله المنبه عن الحسين بن علوان عن عمرو بن خالد عن زيد بن على عن أبيه عن آبائه عن على (عليه السلام)، انه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين و الله انى أحبك لله، فقال له: لكني أبغضك لله. قال: و لم؟ قال: لأنك تبغي في الأذان أجرا، و تأخذ على تعليم القرآن اجرا، و سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: من أخذ على تعليم القرآن اجرا كان حظه يوم القيامة (1).
و ذهب المرتضى الى جواز أخذ الأجرة عليه، تسوية بينها و بين الارتزاق.
و الى هذا القول يميل كلام المقدس الأردبيلي، استضعافا للخبر المذكور، لان رجاله من العامة الزيدية. قال: و الشهرة ليست بحجة، و أيد ذلك باشتمال الخبر على النهى عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن، مع كون ذلك على الكراهة عند الأصحاب. قال: و يبعد كون أحدهما مكروها و الأخر حراما. و الأصل، و جواز أخذ الأجرة في المندوبات، يؤيد عدم التحريم. انتهى.
أقول: ما ذكره و ان أمكن تطرق المناقشة اليه (2) الا ان الخبر المذكور مع الإغماض عن المناقشة في سنده لا ظهور له في التحريم، فإنهم كثيرا ما يزجرون عن المكروهات بما يكاد يدخلها في حيز المحرمات، و يحثون على المستحبات بما يكاد يلحقها بالواجبات، و هذا ظاهر لمن تتبع موارد الأحكام الواردة في أخبارهم
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 114 باب: 30 حديث: 1.
(2) بان يقال: ان من قواعدهم جبر الخبر الضعيف بالشهرة بين الأصحاب، بمعنى انه بانضمام أحدهما إلى الأخر يصير كالدليل الواحد، و هو لا يقصر عن خبر صحيح.
و اشتمال الخبر على النهى عن أخذ الأجرة على تعليم القرآن، يمكن إبقاؤه على ظاهره من التحريم ايضا.
و كون المشهور بينهم حمله على الكراهة لا يوجب ثبوت ذلك و لا يعين حمله على الكراهة هنا كما لا يخفى منه (قدس سره).
215
- (عليهم السلام).
و على تقدير القول بالتحريم، هل يحرم الأذان أيضا بذلك أم لا؟
قال ابن البراج: يحرم و رجحه العلامة في المختلف، قال: الأذان على هذا الوجه غير مشروع، فيكون بدعة.
و الظاهر: بعده، لأن النهي هنا انما توجه إلى أخذ الأجرة، لا إلى الأذان، فالقول بعدم مشروعيته و انه بدعة مع دخوله تحت الأخبار العامة الدالة على صحة الأذان و مشروعيته مشكل.
نعم يكون ما فعله من أخذ الأجرة عليه محرما، هذا مقتضى قواعدهم و أصولهم.
ثم ان الظاهر من كلام الأصحاب: انه لا خلاف في جواز الارتزاق من بيت المال، و هو ما أعد لمصالح المسلمين من مال الخراج و المقاسمة.
و هل يشترط ان يكون ذلك بإذن الإمام (عليه السلام) أو نائبه، أم يجوز و لو كان من الجائر؟ قولان. المشهور: الثاني. و سيأتي تحقيق المسألة إنشاء الله تعالى في محلها.
و الظاهر ايضا: جواز أخذ ما وقف للمؤذنين أو نذر لهم، لان للمالك ان يفعل في ماله ما يشاء، و يعينه لمن يشاء، و الظاهر انه لا يحرم و ان قصد بالأذان ذلك.
قال في المسالك: و الفرق بين الأجرة و الارتزاق ان الأجرة تفتقر الى تقدير العمل و العوض، و ضبط المدة و الصيغة الخاصة، و اما الارتزاق فمنوط بنظر الحاكم، لا يتقدر بقدر. انتهى.
و هو يشعر بان ما يأخذه من الأجرة بغير القيود المذكورة لا تسمى اجرة و لا تكون محرمة و انه لا يكون الأمن بيت المال، لانه من قبيل الارتزاق دون الأجرة. و الظاهر:
بعده، فان الظاهر من الأجرة في هذا المقام: انما هو ما يعطى لأجل الأذان، بحيث
216
لو لم يعط لم يؤذن، بأن يقال له: أذن و نعطيك كذا و كذا، فيؤذن لذلك، سواء عينت مدة الأذان أم لا، وقعت بالصيغة المخصوصة أم لا، و سواء كان ما يعطى من بيت المال أو من شخص معين أو من أهل البلد كملا.
و بما ذكرنا صرح المحقق الأردبيلي أيضا. و يؤيده خلو أخبار البيوع و الإجارات و نحوهما من أكثر هذه القيود و الشروط المذكورة في كلامهم في هذه الأبواب، و انما العمدة وقوع التراضي بالألفاظ، مع معلومية ما يقع عليه العقد، و لو في الجملة.
الثالث [في أخذ الأجرة على القضاء]:
اختلف الأصحاب في جواز أخذ الأجرة على القضاء و الحكم بين الناس.
فقال الشيخ في النهاية: لا بأس بأخذ الأجرة و الرزق على الحكم و القضاء بين الناس من جهة السلطان العادل.
و قال المفيد: لا بأس بالأجرة في الحكم و القضاء بين الناس. و التبرع بذلك أفضل، و أقرب الى الله سبحانه.
و قال أبو الصلاح: يحرم الأجر على تنفيذ الأحكام من قبل الامام العادل.
و قال ابن إدريس: يحرم الأجر على القضاء، و لا بأس بالرزق من جهة السلطان العادل، و يكون ذلك من بيت المال، دون الأجرة، على كراهية فيه.
و قال في المختلف: الأقرب ان نقول: ان تعين القضاء عليه اما بتعيين الامام (عليه السلام) أو بفقد غيره أو بكونه الأفضل و كان متمكنا، لم يجز الأجر عليه، و ان لم يتعين أو كان محتاجا فالأقرب الكراهة. قلنا: الأصل الإباحة على التقدير الثاني، و انه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كغيره من العبادات الواجبة.
و قال في المنتهى: يحرم الأجر على القضاء، و يجوز الرزق فيه من بيت المال.
و استدل على الأول بصحيحة عبد الله بن سنان الاتية. و قال المحقق في الشرائع- على ما نقله في المسالك-: ان تعين عليه بتعيين الإمام، أو بعدم قيام أحد غيره، حرم
217
عليه أخذ الأجرة مطلقا، لأنه حينئذ يكون واجبا عليه، و الواجب لا يصح أخذ الأجرة عليه، و ان لم يتعين عليه، فان كان له غنى عنه لم يجز ايضا، و الا جاز.
قال في المسالك- بعد نقل كلام المحقق المذكور-: و قيل: يجوز مع عدم التعيين مطلقا. و قيل: يجوز مع الحاجة مطلقا و من الأصحاب من جوز أخذ الأجرة عليه مطلقا. و الأصح المنع مطلقا، الا من بيت المال على جهة الارتزاق، و يتقدر بنظر الامام. و لا فرق في ذلك بين أخذ الأجرة من السلطان و من أهل البلد و المتحاكمين، بل الأخير هو
الرشوة التي ورد في الخبر «انها كفر بالله و رسوله».
انتهى.
و الذي وقفت عليه من الاخبار في المقام: ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت. (1).
و ما تقدم في صدر هذا البحث من الاخبار الدالة على ان الرشا في الحكم هو الكفر بالله العظيم.
و نحوها: ما رواه
في الكافي عن سماعة- في الموثق- عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: الرشا في الحكم هو الكفر بالله. (2).
و ما رواه
الشيخ عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): لعن رسول الله (صلى الله عليه و آله):
من نظر الى فرج امرأة لا تحل له، و رجلا خان أخاه في امرأته، و رجلا احتاج الناس اليه لتفقهه فسألهم الرشوة. (3).
و ظاهر الأصحاب- حيث جوزوا الارتزاق-: حمل الخبر الأول على الأجر.
و لا يخلو من اشكال، لعدم المعارض، مع ظهور اللفظ في الارتزاق.
نعم يمكن ان يقال: ان الارتزاق لما كان جائزا لجملة المسلمين المحتاجين من بيت
____________
(1) الوسائل ج 18 ص 162 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 18 ص 162 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 18 ص 163 حديث: 5.
218
المال، فلا وجه للفرق فيه بين القاضي و غيره، الا انه يمكن دفعه بأنه لما كان أخذه هنا انما هو في مقابلة القضاء، كما يدل عليه ظاهر الخبر الأول، كان حراما لهذه الجهة، و لا ينافي لما حله له من حيث كونه من جملة المسلمين أو المحتاجين.
و المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد اختار القول بالتحريم مطلقا، استنادا الى اخبار تحريم الرشا، و الى انه مع تعينه عليه بأحد الوجوه المتقدمة يكون واجبا، و الواجب لا يجوز أخذ الأجرة عليه.
و فيه: ان اخبار الرشا أخص من المدعى، لان الرشوة ما يؤخذ من المتحاكمين على الحكم لصاحب الرشوة، فتكون الرشوة في مقابلة الحكم له، و المدعى:
تحريم الأجر بقول مطلق.
و الأظهر هو الاستدلال بصحيحة عبد الله بن سنان المذكورة، بحمل الرزق فيها على ما هو أعم من الارتزاق من بيت المال أو الأجرة.
و ظاهر جملة من الأصحاب: عد الصلاة بالناس فيما تحرم الأجرة عليه، و نقل في المختلف عن ابن البراج: انه عد في أقسام المحرمات، الأذان و الإقامة و الصلاة بالناس، و تغسيل الموتى و حملهم و الصلاة عليهم و دفنهم، فإنه لا يحل أخذ الأجرة عليها.
و لم يحضرني الان خبر في هذا الحكم.
و من جملة من صرح بذلك صاحب الوسائل، مع انه لم يورد في الباب ما يدل عليه، و انما أحال على ما قدمه من أحاديث التظاهر بالمنكرات، و اختتال الدنيا بالدين، و جهاد النفس، و في استفادة الدلالة على ذلك منها نظر، لا سيما مع ورود الاستيجار على العبادات و مشروعيته، و كيف كان فالاحتياط: فيما ذكروه.
الرابع [في بيع المصحف الكريم]:
صرح جملة من الأصحاب بأنه لا يجوز بيع المصحف، و انما يباع الورق و الجلد و نحوهما من الآلات التي اشتمل عليها ذلك الكتاب.
219
و عليه تدل الأخبار المتكاثرة:
فروى في الكافي عن عبد الرحمن بن سليمان عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: ان المصاحف لن تشترى، فإذا اشتريت فقل: انما اشترى منك الورق و ما فيه من الأديم و حليته، و ما فيه من عمل يدك، بكذا و كذا (1).
و عن عثمان بن سعيد عن الصادق (عليه السلام)، قال سألته عن بيع المصاحف و شرائها؟ قال: لا تشتر كتاب الله و لكن اشتر الحديد و الورق و الدفتر، و قل:
اشتريت منك هذا بكذا و كذا، (2).
و عن عنبسة الوراق، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: انا رجل أبيع المصاحف، فإن نهيتني لم أبعها، فقال: أ لست تشترى ورقا و تكتب فيه؟ قلت:
بلى، و أعالجها، قال: لا بأس بها (3).
و روى في التهذيب عن عثمان بن عيسى عمن سمعه (4)، قال: سألته عن بيع المصاحف و شرائها. فقال: لا تشتر كتاب الله و لكن اشتر الحديد و الجلود و الدفتين، و قل: اشترى منك هذا بكذا و كذا (5).
و عن عبد الله بن سليمان، قال: سألته عن شراء المصاحف، فقال: إذا أردت ان تشترى فقل: اشترى منك ورقه و أديمه و عمل يدك بكذا و كذا (6).
و عن سماعة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تبيعوا المصاحف، فان بيعها حرام. قلت: فما تقول في شرائها؟ قال: اشتر منه الدفتين و الحديد و
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 1 باب: 31.
(2) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 115 حديث: 5.
(4) و في الكافي: «عن سماعة» ج 5 ص 121.
(5) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 2.
(6) الوسائل ج 12 ص 115 حديث: 6.
220
الغلاف، و إياك ان تشترى منه الورق و فيه القرآن مكتوب، فيكون عليك حراما، و على من باعه حراما (1).
أقول:
«قوله: و إياك ان تشترى الورق و فيه القرآن».
يعنى: تجعله المقصود بالشراء فيلزمه التحريم.
فوائد
الأولى [كراهة تعشير القرآن بالذهب]:
قد صرح الأصحاب بكراهة تعشيره بالذهب، و استدلوا على ذلك بما رواه
في التهذيب عن سماعة- في الموثق- قال: سألته عن رجل يعشر المصاحف بالذهب، فقال: لا يصلح. فقال: إنها معيشتي: فقال: انك ان تركته لله جعل الله تعالى لك مخرجا (2).
و روى في الكافي- و مثله في التهذيب- عن محمد الوراق، قال: عرضت على ابي عبد الله (عليه السلام) كتابا فيه قرآن مختم معشر بالذهب، و كتب في آخره سورة بالذهب، فأريته إياه فلم يعب فيه شيئا إلا كتابة القرآن بالذهب، فإنه قال: لا يعجبني أن يكتب القرآن الا بالسواد كما كتب أول مرة (3).
و في هذا الخبر: ما يدل على حمل الخبر الأول على الكراهة، و فيه أيضا دلالة على كراهة كتابة القرآن بغير السواد.
الثانية: جواز أخذ الأجرة على كتابته
. و الظاهر: انه لا خلاف فيه. و يدل عليه ايضا: ما رواه
الشيخ عن روح بن عبد الرحيم، عن ابى عبد الله (عليه السلام)- في حديث- قال: قلت: ما ترى ان اعطى على
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 116 حديث: 11.
(2) الوسائل ج 12 ص 117 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 117 حديث: 2.
221
كتابته اجرا؟ قال: لا بأس. الحديث (1).
و عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: ان أم عبد الله بنت الحسن أرادت أن تكتب مصحفا فاشترت ورقا من عندها، ودعت رجلا فكتب لها على غير شرط، فأعطته حين فرغ خمسين دينارا. و انه لم تبع المصاحف الا حديثا (2).
و في هذا الخبر: إشارة إلى كراهة اشتراط الأجرة على كتابة القرآن، كما سيأتي إنشاء الله تعالى في مسألة تعليم القرآن، و أخذ الأجرة على التعليم.
الثالث [كراهة محو شيء من كتابته بالبزاق]:
يكره محو شيء من كتابة القرآن بالبزاق، لما رواه
في الفقيه في حديث المناهي، المذكور في آخر الكتاب، عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: و نهى ان يمحى شيء من كتاب الله العزيز بالبزاق أو يكتب به (3).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 116 حديث: 9.
(2) الوسائل ج 12 ص 116 حديث: 10.
(3) الوسائل ج 12 ص 117 حديث: 3.
222
البحث الثاني فيما يكره التكسب به
، و هي أمور:
الأول: الصرف
. لان صاحبه لا يكاد يسلم من الربا.
و يدل عليه من الاخبار: ما
في الكافي و التهذيب، عن إسحاق بن عمار قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام)، فأخبرته أنه ولد لي غلام. فقال: ألا سميته محمدا! قال. قلت: قد فعلت. قال: فلا تضرب محمدا و لا تشتمه، جعله الله قرة عين لك في حياتك، و خلف صدق بعدك. قلت: جعلت فداك في أي الأعمال أضعه؟ قال:
إذا عدلت عن خمسة أشياء فضعه حيث شئت، لا تسلمه صيرفيا، فإن الصيرفي لا يسلم من الربا و لا تسلمه بياع الأكفان فإن صاحب الأكفان يسره الوباء إذا كان. و لا تسلمه نخاسا فان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: شر الناس من باع الناس. و لا تسلمه بياع الطعام، فإنه لا يسلم من الاحتكار. و لا تسلمه جزارا، فان الجزار تسلب منه الرحمة (1).
و روى في الكافي و الفقيه عن سدير الصيرفي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام):
حديث بلغني عن الحسن البصري، فإن كان حقا فانا لله و انا إليه راجعون! قال:
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 97 حديث: 1 مع تقديم و تأخير لبعض فقراته الأخيرة.
223
و ما هو؟ قلت: بلغني ان الحسن كان يقول: لو غلى دماغه من حر الشمس ما استظل بحائط صيرفي. و لو تفرثت كبده عطشا لم يستسق من دار صيرفي ماء! و هو عملي و تجارتي، و فيه نبت لحمي و دمي، و منه حجى و عمرتي! فجلس (عليه السلام) ثم قال: كذب الحسن، خذ سواء و أعط سواء. فإذا حضرت الصلاة فدع ما بيدك، و انهض الى الصلاة، اما علمت ان أصحاب الكهف كانوا صيارفة (1)؟.
و من هذين الخبرين يعلم ما ذكرناه من جواز التصريف على كراهية.
و اما قوله- في آخر الخبر الثاني-: اما علمت ان أصحاب الكهف كانوا صيارفة، ففيه بحث قد استوفينا الكلام فيه في كتابنا الدرر النجفية.
و يمكن ان يقال: ان الجواز على كراهة، مخصوص بمن لم يكن يتمكن من التحرز من الوقوع في تلك الأشياء، للنهي عنها، و عليه يحمل الخبر الأول. و اما من تمكن من ذلك فلا يكره في حقه، و عليه يحمل الخبر الثاني.
و يؤيده ان إسحاق المذكور في الخبر الأول من أعاظم الصيارفة، و هو بالمحل الأدنى (2) عندهم، و هو إسحاق بن عمار بن حيان التغلبي، المذكور في كتاب النجاشي، من بيت كبير من الشيعة.
و يؤيد ما قلناه- ايضا- انه قد تقدم في الخبر الأول النهي عن كونه نخاسا، مع انه
قد روى في الموثق عن ابن فضال، قال: سمعت رجلا يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) فقال: إني أعالج الرقيق فأبيعه، و الناس يقولون: لا ينبغي. فقال له الرضا (عليه السلام): و ما بأسه؟ كل شيء مما يباع إذا اتقى الله فيه العبد فلا بأس به (3).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 99- 100 حديث: 1 باب: 22.
(2) من الدنو و هو القرب. اى كان من التقرب الى الأئمة- (عليهم السلام)- في المنزلة القربى.
(3) الوسائل ج 12 ص 96 حديث: 5.
224
و على هذا الوجه حمل الشيخ الرواية الأولى، كذا رواية إبراهيم بن عبد الحميد الاتية فقال في التهذيب: هذان الخبران محمولان على من لا يتمكن من أداء الامانة، و لا يحترز في شيء من هذه الصنائع، فاما من تحفظ فليس عليه في شيء منها بأس، و ان كان الأفضل غيرها. ثم ذكر رواية ابن فضال المذكورة.
الثاني: بيع الأكفان، و بيع الطعام، و بيع الرقيق، و الذبح، و الصياغة، و الحياكة، و الحجامة
. و على ذلك تدل جملة من الاخبار:
منها: خبر إسحاق بن عمار المتقدم. و منها ما رواه
في الكافي و التهذيب عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (عليهما السلام): انى أعطيت خالتي غلاما و نهيتها ان تجعله قصابا أو حجاما أو صائغا (1).
و عن إسماعيل الصيقل الرازي، قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) و معى ثوبان، فقال لي: يا أبا إسماعيل، تجيئني من قبلكم أثواب كثيرة و ليس يجيئني مثل هذين الثوبين الذين تحملهما أنت: فقلت: جعلت فداك تغزلهما أم إسماعيل و أنسجهما أنا. فقال لي: حائك؟ قلت: نعم فقال: لا تكن حائكا: قلت: فما أكون؟ قال: كن صيقلا. و كانت معي مائتا درهم، فاشتريت بها سيوفا و مرايا عتقا. و قدمت بها الى الري فبعتها بربح كثير (2).
و روى في الكافي عن احمد بن محمد عن بعض أصحابه، رفعه الى ابى عبد الله- (عليه السلام)-، قال: ذكر الحائك عند ابى عبد الله (عليه السلام) انه ملعون. فقال: انما ذلك الذي يحوك الكذب على الله و على رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) (3).
و ما رواه
المشايخ الثلاثة عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن ابى الحسن موسى
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 97 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 100 حديث: 1 باب 23.
(3) الوسائل ج 12 ص 101 حديث: 2.
225
ابن جعفر (عليه السلام)، قال: جاء رجل الى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله، قد علمت ابني هذا الكتاب، ففي أي شيء أسلمه؟ فقال: أسلمه- لله أبوك- و لا تسلمه في خمس:
لا تسلمه سباء، و لا صائغا، و لا قصابا، و لا حناطا، و لا نخاسا. قال: فقال: يا رسول الله ما السباء؟ قال: الذي يبيع الأكفان، و يتمنى موت أمتي. و المولود من أمتي أحب الى مما طلعت عليه الشمس. و اما الصائغ فإنه يعالج غبن أمتي. و اما القصاب فإنه يذبح حتى تذهب الرحمة من قلبه، و اما الحناط فإنه يحتكر الطعام على أمتي.
و لان يلقى الله العبد سارقا أحب الى من ان يلقاه قد احتكر الطعام أربعين يوما. و اما النخاس فإنه أتاني جبرئيل، فقال: يا محمد ان شرار أمتك الذين يبيعون الناس (1).
أقول: قال بعض مشايخنا: اتفقت نسخ أخبارنا في قوله سباء- بالباء الموحدة- و قال في الوافي: و السباء في النسخ التي رأيناها من الكتب الثلاثة، بالباء الموحدة المشددة.
أقول: و هذا الخبر قد روته العامة- بالياء المثناة من تحت- كما ذكره ابن الأثير في النهاية، و جعله من السوء و المسائة (2).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 98 حديث: 4.
(2) أقول: قال في النهاية: لا تسلم ابنك سياء. جاء تفسيره في الحديث: انه الذي يبيع الأكفان و يتمنى موت الناس و لعله من السوء و المسائة أو من السيئ- بالفتح- و هو اللبن الذي يكون في مقدم الضرع. يقال: سيأت الناقة إذا اجتمع السيء في ضرعها، و سيأتها: حلبت ذلك منها. فيجوز ان يكون فعالا من سيأتها إذا حلبتها. كذا قال أبو موسى، انتهى. منه (قدس سره).
قلت: و لعل الصحيح هي رواية الباء الموحدة، مأخوذة من قولهم: «تفرقوا أيادى سبأ» اى يتمنى بائع الأكفان ابادة الناس بالموت الذريع، كما جاء في
رواية إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) «فان صاحب الأكفان يسره الوباء إذا كان».
الوسائل ج 12 ص 97 حديث: 1، فالسباء، بالباء الموحدة المشددة، هو الذي يتوقع ابادة الناس بكثرة الموت و تفشيه بين الأنام، لان حرفته الخاصة تدعوه- لا شعوريا- الى هذا الأمل الذميم و من ثم كانت مكروهة شرعا، و الله العالم.
م- همعرفة.
226
و قوله: يعالج غبن أمتي، قيل: معناه: انه يفسد عليهم الدينار و الدرهم، فيكون منشأ الكراهة فيه ذلك.
و في التهذيب: زين أمتي- بالزاي- و المراد: انه يلهيهم بذلك عن الآخرة فيكون ذلك وجه الكراهة في هذه الصناعة.
و نقل بعض مشايخنا في حواشيه على التهذيب: انه بالمهملة بخط الشيخ- (رحمه الله)- و انه كتب في الحاشية «و الرين: الذنب». و في اللغة: الرين:
الطبع و الختم، كما قال تعالى «بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ» اى غلب على قلوبهم حب الدنيا بحيث لا يستطيعون الخروج منها.
ثم قال شيخنا المشار اليه: و أكثر النسخ بالزاي، كما في العلل، و هو انسب. انتهى.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن ابى بصير عن ابى جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن كسب الحجام؟ فقال: لا بأس به إذا لم يشارط (1).
و ما رواه
في الكافي عن حنان بن سدير، قال: دخلنا على ابى عبد الله (عليه السلام)، و معنا فرقد الحجام، فقال له: جعلت فداك انى اعمل عملا و قد سألت عنه غير واحد و لا اثنين. فزعموا انه عمل مكروه، و انا أحب ان أسألك عنه فان كان مكروها انتهيت عنه و عملت غيره من الأعمال، فإني منته في ذلك الى قولك. قال: و ما هو؟
قال: حجام. قال: كل من كسبك يا ابن أخي، و تصدق به، و حج، و تزوج،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 1.
227
فإن نبي الله تعالى قد احتجم و اعطى الأجر، و لو كان حراما ما أعطاه. قال: جعلني الله فداك ان لي تيسا (1) أكريه، ما تقول في كسبه؟ قال: كل كسبه، فإنه لك حلال، و الناس يكرهونه، قال حنان: لأي شيء يكرهونه و هو حلال؟ قال: لتعيير الناس بعضهم بعضا (2).
و ما رواه
في الكافي و الفقيه عن جابر عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: احتجم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) حجمه مولى لبني بياضة و أعطاه. و لو كان حراما ما أعطاه، فلما فرغ قال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): اين الدم؟ قال: شربته يا رسول الله: فقال: ما كان ينبغي لك ان تفعل و قد جعله الله عز و جل لك حجابا من النار فلا تعد (3).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن زرارة- في الموثق- قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن كسب الحجام، فقال: مكروه له ان يشارط، و لا بأس عليك ان تشارطه و تماكسه، و انما يكره له و لا بأس عليك (4).
و ما رواه
المشايخ الثلاثة- في الصحيح من بعض طرقه- عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن كسب الحجام، فقال: لا بأس به (5).
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام)، ان رجلا سأل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن كسب الحجام، فقال: لك ناضح (6)؟ قال: نعم. قال:
اعلفه إياه و لا تأكله (7).
____________
(1) التيس: الذكر من المعز. و جمعه: تيوس. و كان يكريه للضراب.
(2) الوسائل ج 12 ص 72 حديث: 5 و ص 77 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 72 حديث: 7.
(4) الوسائل ج 12 ص 73 حديث: 9.
(5) الوسائل ج 12 ص 72 حديث: 6.
(6) الناضح: البعير الذي يستقى عليه الماء من البئر.
(7) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 2.
228
و ما رواه
في التهذيب عن رفاعة، قال، سألته عن كسب الحجام، فقال: ان رجلا من الأنصار كان له غلام حجام، فسأل رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقال: هل لك ناضح قال: نعم، قال: فاعلفه ناضحك (1).
و ما رواه
في الكافي عن سماعة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): السحت أنواع كثيرة، منها: كسب الحجام إذا شارط (2).
و ما رواه
في التهذيب عن سماعة، قال، السحت أنواع كثيرة، منها كسب الحجام (3).
تنبيهات
(أحدها):
ينبغي ان يعلم: ان كراهة هذه الأشياء التي قدمنا ذكرها، مخصوصة بما إذا كانت صناعة للعامل بها، كما هو المستفاد من ظاهر هذه الاخبار، و قد صرح به الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- أيضا. فإما المرة و المرتان و الثلاث و نحوها، فالظاهر: انه ليس كذلك.
(ثانيها):
قد اختلفت الاخبار- كما ترى- في الحجامة. و المفهوم من كلام الأصحاب: الكراهة مع الاشتراط، و عدمها مع عدمه.
قال في المنتهى: كسب الحجام إذا لم يشترط حلال طلق، و اما إذا اشترط فإنه يكون مكروها، و ليس بمحظور، عملا بأصل الإباحة انتهى و هو جيد و عليه يمكن جمع الأخبار المتقدمة بعد تقييد مطلقها بمقيدها، فان منها ما هو مطلق في الحل و نفى البأس.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 71 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 12 ص 62 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 62 حديث: 2.
229
و منها: ما قيد فيه النهى بالشرط، و علق نفى البأس على عدم الشرط.
و اما ما دل على ان يعلفه ناضحة و لا يأكله، فهو مع معارضته بما هو أكثر عددا و أصرح دلالة على جواز الأكل منه، يجب حمله على تغليظ الكراهة مع الشرط و هو ظاهر في الحل، لانه لو كان حراما لم يجز أخذه لعلف دابته أو غيره.
و اما أمره بالتنزه عن أكله، فيحمل على وقوع الشرط فيه الذي دلت تلك الاخبار على المنع منه على جهة الكراهة.
و بالجملة فإنه لا إشكال في عدم التحريم، و انما الكلام في الكراهة و عدمها، و قضية الجمع بين الاخبار ثبوت الكراهة مع الشرط، و اما ما تضمنه موثق زرارة من كراهة اشتراط الحجام و جواز المماسكة و الاشتراط، فلعل المراد به: انه يجوز لك المماسكة و الاشتراط بأجرة مخصوصة. و ينبغي له الرضا بذلك و لا يماكس و لا يشترط.
(ثالثها):
ان ما تضمنه خبر فرقد الحجام من كسب التيس، بمعنى انه يواجره للضراب، مما يدل على جواز ذلك من غير كراهة، و الأصحاب قد عدوا ذلك في جملة المكروهات من هذا الباب، مع انه (عليه السلام) نسب الكراهة إلى الناس، بعد حكمه بالحل.
و في المسالك نسب المنع منه الى العامة.
و مثل هذه الرواية، ما رواه
في الكافي و التهذيب في تتمة صحيحة معاوية ابن عمار المتقدمة- بعد ذكر ما تقدم منها- قال: فقلت: أجر التيوس، قال: ان كانت العرب لتعاير به، و لا بأس به (1).
و هي- ايضا- ظاهرة في الجواز بلا كراهة، الا انه روى
في الفقيه مرسلا، قال، نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن عسيب الفحل، و هي
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 77 حديث: 2.
230
اجرة الضراب (1).
و الظاهر ان هذا التفسير من كلام الصدوق، الذي يدخله غالبا في الاخبار.
لكن بعض متأخري مشايخنا المحققين، و هو المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد أسند هذا الخبر الى الجمهور، قال: و يدل عليها- ايضا- خبر مروي من طريق الجمهور: ان النبي (صلى الله عليه و آله) نهى عن عسيب الفحل، و حينئذ فيضعف الاعتماد عليه في تخصيص الخبرين المتقدمين.
و المحقق المتقدم ذكره، قال- بعد ذكر الخبرين المشار إليهما-: كأنه يفهم منهما كراهة أجر الضراب، فان التيس قيل فحل العنز. انتهى.
أقول: لعل هذا التشبيه بالنظر الى قوله (عليه السلام)، ان الناس أو العرب لتعاير به.
و لا يخفى ما فيه من الغموض و عدم الظهور، بل ظهوره في العدم أقرب.
و بالجملة فإني لا أعرف للكراهة وجها وجيها.
نعم لو ثبت الحديث النبوي المذكور من طرقنا لتم ما ذكروه و الله العالم.
الثالث [في أخذ الأجرة على تعليم القرآن]:
المشهور بين الأصحاب كراهية أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
قال في المنتهى: و يكره الأجر على تعليم القرآن و ليس بمحظور، عملا بالأصل الدال على الإباحة، و بأنها طاعة فيكره أخذ الأجرة عليها.
و ظاهره: انه لا فرق بين الاشتراط و عدمه.
و قال الشيخ في النهاية: يكره أخذ الأجرة على تعليم شيء من القرآن و نسخ المصاحف و ليس بمحظور، و انما يكره إذا كان هناك شرط فان لم يكن هناك شرط فلا بأس. و كذا قال ابن البراج.
و قال المفيد: لا بأس بالأجرة على تعليم القرآن و الحكم كلها، و التنزه أفضل.
و قال أبو الصلاح: يحرم اجرة تعليم المعارف و الشرائع و كيفية العبادة- الى ان قال- و تلقين القرآن.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 77 حديث: 3.
231
و قال في الاستبصار: يحرم مع الشرط و يكره بدونه.
و قال ابن إدريس: يكره مع الشرط و لا بأس بدونه.
و قال في المختلف-: الأقرب إباحته على كراهية، لنا الأصل الإباحة، و لان فيه منفعة تعليم القرآن و تعميم إشاعة معجزة النبي (صلى الله عليه و آله) و لانه يجوز جعله مهرا فجاز أخذ الأجرة عليه، و لو حرمت الأجرة لحرم جعله مهرا. انتهى.
أقول: و الاخبار الواردة في هذه المسألة ظاهرة التنافي.
فمنها: ما رواه
المشايخ الثلاثة عن الفضل بن أبي قرة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان هؤلاء يقولون: ان كسب المعلم سحت. فقال: كذبوا- أعداء الله- انما أرادوا ان لا يعلموا أولادهم القرآن، و لو ان المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا (1).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن حسان المعلم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التعليم، قال: لا تأخذ على التعليم اجرا. قلت: الشعر و الرسائل و ما أشبه ذلك، أشارط عليه، قال: نعم، بعد ان يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضل بعضهم على بعض (2).
و ما رواه
في التهذيب عن عمرو بن خالد، عن زيد بن على، عن أبيه عن آبائه عن على (عليه السلام)- و رواه في الفقيه مرسلا عن على (عليه السلام)- انه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين و الله انى لأحبك لله: فقال له: و الله انى لأبغضك لله. قال: و لم؟ قال: لأنك تبغي على الأذان كسبا، و تأخذ على تعليم القرآن اجرا (3).
و زاد في التهذيب: و سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: من أخذ على تعليم القرآن اجرا كان حظه يوم القيامة (4).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 114 حديث: 1.
(4) نفس المصدر.
232
و في الفقيه: و قال على (عليه السلام): من أخذ على تعليم القرآن. الحديث.
و ما رواه
في التهذيب عن إسحاق بن عمار عن العبد الصالح، قال: قلت له:
ان لي جارا يكتب، و قد سألني أن أسألك عن عمله، قال: مره إذا دفع اليه الغلام ان يقول لأهله: إني إنما أعلمه الكتاب و الحساب و اتجر عليه بتعليم القرآن حتى يطيب له كسبه (1).
و عن جراح المدائني عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: المعلم لا يعلم بالأجر، و يقبل الهدية إذا اهدى اليه (2).
و عن قتيبة الأعشى، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): انى أقرئ القرآن فيهدى إلي الهدية فأقبلها؟ قال: لا قلت: انى لم أشارطه، قال: أ رأيت لو لم تقرئ كان يهدى إليك؟
قال: قلت: لا. قال: فلا تقبله (3).
و عن جراح المدائني قال: نهى أبو عبد الله (عليه السلام) عن أجر القاري الذي لا يقرء إلا بأجرة مشروطة.
و رواه في الفقيه مرسلا عنه (عليه السلام) قال نهى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن أجر القاري. الحديث (4).
و في الفقه الرضوي: و اعلم ان اجرة المعلم حرام إذا شارط في تعليم القرآن. أو معلم لا يعلم الا قرآنا فقط، فحرام أجرته إن شارط أم لم يشترط. و روى عن ابن عباس في قوله تعالى «أَكّٰالُونَ لِلسُّحْتِ» قال: اجرة المعلمين الذين يشارطون في تعليم القرآن. و روى ان عبد الله بن مسعود جاء إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله، أعطاني فلان الأعرابي ناقة بولدها، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لم يا بن مسعود؟ فقال: انى كنت علمته اربع سور من كتاب الله. فقال: رد عليه يا ابن مسعود، فإن الأجرة على القرآن
____________
(1) نفس المصدر ص 112 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 12 ص 113 حديث: 5.
(3) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 4.
(4) الوسائل ج 112 ص 113 حديث: 6 و 7.
233
حرام.
انتهى ما ذكره في الرضوي (1).
و الشيخ جمع بين الاخبار بحمل الرواية الأولى على عدم الاشتراط، و الروايات المطلقة في المنع على الاشتراط.
قال: لا تنافي بين هذا الحديث و بين الخبر الدال على إباحة أخذ الأجرة، لأن الدال على التحريم محمول على انه لا يجوز له ان يشارط في تعليم القرآن اجرا معلوما، و الخبر الأخر محمول على انه إذا أهدي إليه فإنه يكون مباحا، لما رواه جراح المدائني- ثم ذكر الرواية المتقدمة- ثم نقل ما عارضها من رواية قتيبة الأعشى، و حملها على الكراهة.
و هذا الكلام منه مؤذن بالتحريم مع الشرط، و الكراهة مع عدمه.
قال في المنتهى- بعد نقل مجمل كلام الشيخ-: و هذا التأويل من الشيخ يعطي انه يرى التحريم مع الشرط. و نحن نتوقف في ذلك.
و أنت خبير بان توقفه هنا مؤذن بالعدول عما صرح به في صدر المسألة، مما قدمنا نقله عنه.
و المفهوم من كلام الأصحاب: هو العمل بالخبر الأول الدال على الجواز، و حمل الأخبار الأخر على الكراهة، اشترط أو لم يشترط.
و لا يبعد عندي حمل جملة الأخبار الناهية عن الأجرة، و المبالغة في تحريمها، و انها سحت، على التقية. كما هو ظاهر الخبر الأول، بل صريحه.
و يؤيده ما ذكره الأصحاب هنا من أصالة الحل، و إشاعة معجزته (صلى الله عليه و آله و سلم)، فان القرآن هو أظهر معاجزه (صلى الله عليه و آله) و لزوم اندراسه، فإنك لا تجد أحدا ينصب نفسه و يترك معاشه، و تحصيل الرزق له و لعياله، و يجلس لتعليم القرآن لأولاد الناس بغير اجرة تعود اليه.
و الى ما ذكرنا يشير
قوله- (عليه السلام)- في الخبر الأول «انما أرادوا ان لا يعلموا
____________
(1) مستدرك الوسائل ج 2 ص 435 باب: 26.
234
أولادهم القرآن».
و مما يعضد ما ذكرنا كلام الرضا (عليه السلام) في كتاب الفقه، و استدلاله على ما ذكره، و تأييده بما نقله عن ابن عباس و ابن مسعود، مما يدل على التحريم، فإنه (عليه السلام) في الكتاب المذكور كثيرا ما يجرى على ذلك، حيث ان أكثر من يحضره كان من المخالفين، كما نبه عليه بعض مشايخنا المتأخرين. و هذان المذكوران من المعتمدين عند العامة، و الا فهو (عليه السلام) لا يرجع الى غير آبائه- (عليهم السلام).
و بالجملة فإن ظواهر الأدلة المانعة هو التحريم، و الحمل على الكراهة، و ان كان احدى القواعد التي جرى عليها الأصحاب في الجمع بين الاخبار.
الا انك عرفت في غير مقام مما قدمناه في مجلدات كتاب الطهارة و الصلاة، انه لا دليل عليه.
فاللازم اما القول بالتحريم، كما هو ظاهر هذه الاخبار، ورد الخبر الأول و طرحه مع تأيده بفتوى الأصحاب قديما و حديثا، و هذا مما لا يلزمه محصل.
و اما العمل بذلك الخبر المؤيد بفتوى الأصحاب، و طرح هذه الاخبار، أو حملها على ما ذكرناه من التقية. و هو الظاهر الذي عليه العمل.
و لا بأس بالقول بالكراهة كما ذكروه (رضوان الله عليهم).
و اليه يشير قوله (عليه السلام)- في رواية عمرو بن خالد- «و سمعت رسول الله. إلخ» فإنه لو كان الأجر محرما لم يقتصر على كونه حظه يوم القيامة، الذي هو عبارة عن عدم إيصال الثواب اليه، بل يكون مستحقا للعقاب لارتكابه فعلا محرما.
فوائد
الأولى:
ما تضمنه خبر قتيبة الأعشى (1)، من النهى عن الأجرة للقرآن، و لو مع عدم الشرط، المؤذن بالتحريم، لم أقف على قائل به من الأصحاب. و الموجود
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 112 حديث: 4.
235
في كلامهم هو الكراهة مع الشرط، كما صرح به الشيخ و غيره.
و قال في الدروس: فلو استأجره لقراءة ما يهدى الى ميت أو حي لم يحرم، و ان كان تركها أفضل. و لو صرفه اليه بغير شرط فلا كراهة. انتهى. و هو ظاهر خبر جراح المدائني الأخير.
و الظاهر: انهم بنوا في الصحة على العمومات الدالة على جواز الإجارة، لا سيما في العبادات، مثل الصوم و الصلاة و نحوهما، كما مر تحقيقه في كتاب الصلاة في باب القضاء.
و هو قوى.
و حينئذ فالواجب حمل خبر الأعشى على تأكد الكراهة مع الشرط، و الكراهة في الجملة مع عدمه، و لا ينافي ذلك خبر جراح المدائني المذكور، و لان غايته الجواز مع عدم الشرط، و لا ينافيه كون ذلك على كراهية، مما دل عليه خبر قتيبة المذكور.
و به يظهر ان ما ذكروه من نفى الكراهة بالكلية مع عدم الشرط ليس في محله.
و الظاهر انهم بنوا ما ذكروه على خبر جراح المدائني المذكور و غفلوا عما دل عليه خبر قتيبة من النهى، و لو مع عدم الشرط.
الثانية:
ما تضمنه خبر حسان المعلم، من جواز أخذ الأجرة على تعليم الشعر و الرسائل و نحوها من الآداب و الحكم، كالعلوم الأدبية من النحو و الصرف و المنطق و علم المعاني و البيان و نحوها، فالظاهر: انه لا اشكال و لا خلاف في جواز أخذ الأجرة عليه، مع الشرط و عدمه، عملا بالعمومات. و يخرج هذا الخبر شاهدا.
و اما العلوم الفقهية ففيها تفصيل بين الواجب منها و غيره، فتحرم الأجرة في الواجب من حيث الوجوب كما تقدم، للأخبار الدالة على وجوب التعليم (1)، و منها: ما أخذ الله العهد على الجهال بان يتعلموا حتى أخذ على العلماء بان يعلموا.
الثالثة:
ما تضمنه الخبر المذكور من انه ينبغي مع الشرط ان يكون الصبيان عند المعلم سواء في التعليم، لا يفضل بعضهم على بعض، فينبغي تقييده بما إذا استوجر على تعليمهم على الإطلاق، اما لو تفاوتت الأجرة بالزيادة في التعليم و
____________
(1) راجع: الكافي ج 1 ص 41.
236
عدمها، فالظاهر: انه لا إشكال في جواز الزيادة لبعضهم على بعض، باعتبار ما زاده من الأجرة.
و كذا لو وقعت الإجارة على تعليم مخصوص لهذا، و تعليم مخصوص للآخر، و هكذا. فإنه لا بأس بزيادة بعضهم على بعض، عملا بما وقع عليه التراضي في الإجارة.
هذا، و قد تقدم جملة من المكروهات، و يأتي منها أنشأ الله تعالى في مواضعها.
و ما عدا ما ذكر من المحرمات و المكروهات المتقدمة و المشار إليها، يكون من المباحات. و حيث كانت غير منحصرة في العد طوينا البحث (1) عنها، اكتفاء بما ذكرناه مما عداها، فإن الشيء يعرف بمعرفة ما عداه و ضبط ما نافاه. و الله العالم.
____________
(1) و هو البحث الثالث من البحوث التي و عد التكلم فيها في صدر المقال في ص 71.
فقد تكلم عن المكاسب المحرمة. و عن المكاسب المكروهة. و طوى الكلام عن المكاسب المباحة، لعدم الحاجة إليه، بعد معرفة البحثين، فما عداهما هو من المباح، و هذا المقدار كاف من التكلم في شأنه. لأن الشيء يعرف بضده.
237
المقدمة الرابعة في تحقيق مسائل تدخل في حيز هذا المقام
، و تنتظم في سلك هذا النظام:
[المسألة] الأولى [فيمن أعطى مالا يفرقه في فريق هو منهم]:
لو دفع إنسان إلى غيره مالا ليصرفه في قبيل، و كان المدفوع اليه منهم، فان علم عدم دخوله فيهم، و لو بقرينة مقامية، كأن يعين له حصة على حدة من ذلك، فلا إشكال في عدم جواز أخذه منه.
و ان علم دخوله فيهم، و لو بقرينة حالية، بأن يصرح له بان الغرض وصوله الى هذا الصنف- مثلا- أيا كان، و كان هو منهم، فإنه يجوز له الأخذ.
و لا خلاف بين أصحابنا في الحالتين المذكورتين، و انما الخلاف مع عدم العلم بأحد الأمرين المذكورين.
و قد اختلف كلامهم، بل كلام الواحد منهم في ذلك. و المشهور هو الجواز.
ذهب اليه الشيخ في النهاية، الا انه قيده بقدر ما يعطى غيره، و هكذا شرط من جوز له الأخذ.
و في المبسوط: منع من ذلك. و تبعه العلامة في المختلف. و في المنتهى:
اختار الجواز بقدر ما يعطى غيره.
و بالجواز قال ابن إدريس في كتاب المكاسب، و منع في كتاب
238
الزكاة.
و المحقق في كتاب المكاسب من الشرائع جوز ذلك، و منع في كتاب النافع.
و لكل من القائلين علل اعتبارية زيادة على ما استند اليه من الاخبار.
فمن قال بالجواز كالعلامة، علل ذلك بأصالة الجواز، و كون الوكيل متصفا بما عين له من أوصاف المدفوع إليهم، لأنه المفروض.
قال في المنتهى: لأنه بإطلاق الأمر، و عدم التعيين قد و كل اليه و فوض اليه التعيين، و لا فرق بينه و بين غيره في الاستحقاق، إذ التقدير ذلك، فيجوز له التناول.
و من قال بالمنع، علل بان المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إياه في أمر غيره، فان الله تعالى إذا أمر نبيه أن يأمر أمته ان يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر.
و أنت خبير بما قدمناه في غير مقام، من عدم صلوح أمثال هذه التعليلات لتأسيس الأحكام الشرعية، المبنية على الأدلة الواضحة الجلية، بل القطعية.
و اما الروايات الواردة في المسألة، فمنها: ما رواه
في الكافي في الصحيح عن سعد بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يعطى الزكاة يقسمها في أصحابه أ يأخذ شيئا منها؟ قال: نعم (1).
و عن الحسين بن عثمان في الصحيح أو الحسن- بإبراهيم بن هاشم- عن أبي إبراهيم (عليه السلام)، في رجل اعطى مالا يفرقه فيمن يحل له، أ له أن يأخذ منه شيئا لنفسه، و ان لم يسم له؟ قال: يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطى غيره (2).
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 199 حديث: 1 باب: 40.
(2) الوسائل ج 6 ص 200 حديث: 2.
239
و عن عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)، عن الرجل يعطى الرجل الدراهم يقسمها و يضعها في مواضعها، و هو ممن تحل له الصدقة، قال: لا بأس ان يأخذ لنفسه كما يعطى غيره. قال: و لا يجوز له ان يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسماة إلا باذنه (1).
و انما وصفنا هذه الرواية بالصحة و ان كان في طريقها محمد بن عيسى عن يونس، و قد نقل عن القميين الطعن فيما تفرد به محمد بن عيسى عن يونس، تبعا لجملة من مشايخنا المحققين المتأخرين، لعدم ثبوت ما ذكره القميون. و قد وصفها العلامة في المنتهى أيضا بالصحة، و هو ظاهر في عدم العمل بما نقل عنهم من الطعن المذكور.
و أنت خبير بما في هذه الروايات- مع صحتها- من وضوح الدلالة على القول المشهور، و هو المؤيد المنصور.
و يؤيده أيضا ما رواه
في التهذيب في الصحيح، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، في رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في المساكين، و له عيال محتاجون أ يعطيهم منه من غير ان يستأمر صاحبه؟ قال: نعم (2).
و اما ما يدل على القول الثاني، فهو ما رواه
الشيخ بالإسناد الأخير عن عبد الرحمن المذكور، قال: سألته عن رجل أعطاه رجل مالا يقسمه في محاويج أو مساكين، و هو محتاج، أ يأخذ منه لنفسه و لا يعلمه؟ قال: لا يأخذ منه شيئا، حتى يأذن له صاحبه (3).
و ربما طعن بعضهم في هذه الرواية بالإضمار. و الظاهر ضعفه، لما تقدم تحقيقه في غير مقام، من ان مثل هؤلاء الأجلاء لا يعتمدون في أحكام دينهم على
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 200 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 12 ص 206 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 206 حديث: 3.
240
غير الامام، و لما ذكره غير واحد من الأصحاب، في سبب الإضمار الواقع في الاخبار. على ان العلامة في التحرير أسندها إلى الصادق (عليه السلام)، كما نقله في المسالك، قال: و هو شهادة الاتصال. و لعله (رحمه الله) اطلع على المسئول من محل آخر غير المشهور في كتب المحدثين. انتهى.
و أنت خبير بأن الرواية المذكورة و ان كانت ظاهرة فيما ذكروه، الا انها معارضة بما هو أكثر عددا، من الروايات المتقدمة. و لهذا حملها الشيخ على الكراهة، و نفى عنه البأس في المسالك.
و احتمل بعض مشايخنا- (رضوان الله عليهم)- ايضا الحمل على ما إذا علم ان مورده غيره، أو الأخذ زيادة على غيره. و لا بأس بالجميع في مقام الجمع، و ان بعد كل واحد منها في حد ذاته عن ظاهر الخبر.
و لا يحضرني الان مذهب العامة في المسألة، فلعل هذه الرواية إنما خرجت مخرج التقية.
و ظاهر شيخنا الشهيد في الدروس التوقف في المسألة، حيث اقتصر على نقل أدلة القولين، فقال: و في جواز أخذه لنفسه رواية صحيحة، و عليها الأكثر، و ربما جعله الشيخ مكروها، لرواية أحرى صحيحة بالمنع انتهى.
و الظاهر ان مراده بالرواية الأولى الجنس، و الا فهي كما عرفت ثلاث روايات.
فروع:
الأول:
ظاهر الشرط المذكور في روايتي حسين و عبد الرحمن- و هو عدم الزيادة على غيره- وجوب التسوية في القسمة على غيره من أصحاب ذلك القبيل، و انه لا يجوز له تفضيل بعضهم على بعض، لانه من جملتهم.
241
و يشكل ذلك في غير المحصورين كالفقراء، فإنه يجوز التفاضل مع عدم قرينة خلافه كما دلت عليه أخبار قسمة الزكاة، فإن التسوية فيها غير واجبة، و المسألة هنا مفروضة فيما هو أعم من الواجب و الندب.
نعم لو كانوا محصورين أمكن ذلك، كما صرحوا به في المال الموصى به لأشخاص معينين، مع إمكان المناقشة هنا ايضا، لعموم الدليل و صدق التفريق مع التفاضل.
و بالجملة فالظاهر: ان منع المأمور عن أخذ الزيادة على غيره لا يدل على وجوب التسوية. و لهذا قال العلامة في التحرير: و ان لم يعين تخير في إعطاء من شاء من المحاويج كيف شاء، مع قوله في الكتاب المذكور بعدم تفضيله نفسه على غيره.
و اما الوصية، فثبوت ذلك فيها بدليل خاص ان كان، لا يقتضي ثبوته فيما لا دليل عليه.
و لعل المراد بعدم تفضيله نفسه على غيره، مع القول بجواز التفضيل في القسمة، كما هو الظاهر، هو انه متى وقعت القسمة بالتفضيل بالمزايا الموجبة لذلك، فينبغي ان يراعى المقسم نفسه بكونه من أهل المزايا الموجبة للتفضيل أم لا، فيأخذ بنسبة القبيل الذي هو منهم، لا يزيد على ذلك.
الثاني:
الظاهر انه لا اشكال و لا خلاف على القولين المذكورين في انه يجوز له ان يدفع الى عياله و أقاربه، كما يدفع الى غيرهم، من تسوية أو تفاضل، اقتصارا في موضع المنع على مورد الروايات المتقدمة، و هو نفسه. و تخرج صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج الثانية (1) شاهدة على ذلك.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 206 حديث: 3.
242
الثالث:
الظاهر: انه لا فرق على القولين بين ان يقول له الأمر: اقسمه أو اصرفه أو ادفعه إليهم أو ضعه فيهم أو نحو ذلك، لاشتراك الجميع عرفا في المعنى.
و نقل عن بعضهم الفرق، فجوز له الأخذ ان كانت الصيغة «ضعه فيهم» أو ما ادى هذا المعنى، و منع من الأخذ إذا كانت الصيغة بلفظ «ادفعه» أو «اصرفه» أو نحوهما. و الظاهر ضعفه.
243
المسألة الثانية [في تناول الخراج و المقاسمة من الجائر]
الظاهر: انه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم)، في ان ما يأخذه السلطان الجائر باسم المقاسمة و الخراج من الأراضي و الغلات، و ما يأخذه باسم الزكاة من الانعام و الغلات و نحو ذلك، يجوز شراؤه، و قبول اتهابه. بل ظاهر كلام جملة من الأصحاب دعوى الإجماع على ذلك.
و لم أقف على مخالف في الحكم المذكور، الا المقدس الأردبيلي في شرح الإرشاد، و قبله الفاضل الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي أصلا، و الحلي مسكنا.
و هذا الشيخ كان معاصرا للمحقق الشيخ على بن عبد العالي الكركي، و جرت بينهما مناقشات و مباحثات، رد فيها كل منهما على الأخر، منها هذه المسألة فإن المحقق الشيخ على قد صنف فيها رسالة في حل الخراج، فصنف الشيخ إبراهيم ردا عليه رسالة في تحريمه.
قال في المسالك- بعد قول المصنف: «ما يأخذه السلطان الجائر من الغلات باسم المقاسمة أو الأموال باسم الخراج عن حق الأرض و من الانعام باسم الزكاة، يجوز ابتياعه و قبول هبته، و لا يجب إعادته على أربابه و ان عرف بعينه» ما صورته:
244
«المقاسمة: حصة من حاصل الأرض، تؤخذ عوضا عن زراعتها.
«و الخراج: مقدار من المال يضرب على الأرض أو الشجر حسبما يراه الحاكم.
«و نبه بقوله «باسم المقاسمة و اسم الخراج» على انهما لا يتحققان الا بتعيين الامام العادل.
«الا ان ما يأخذه الجائر في زمن الغيبة قد أذن أئمتنا- (عليهم السلام)- في التناول منه.
«و أطبق عليه علماؤنا، لا نعلم فيه خلافا، و ان كان ظالما في أخذه، لاستلزام تركه و القول بتحريمه الضرر و الحرج العظيم على هذه الطائفة.
«و لا يشترط رضاء المالك، و لا يقدح فيه تظلمه ما لم يتحقق الظلم بالزيادة عن المعتاد أخذه من عامة الناس في ذلك الزمان.
«و اعتبر بعض الأصحاب في تحققهما اتفاق السلطان و العمال على القدر، و هو بعيد الوقوع و الوجه.
«و كما يجوز ابتياعه و استيهابه يجوز سائر المعاوضات.
«و لا يجوز تناوله بغير إذن الجائز، و لا يشترط قبض الجائر له، و ان أفهمه قوله «ما يأخذه» فلو أحال به أو وكله في قبضه أو باعه و هو في يد المالك أو ذمته حيث يصح البيع كفى و وجب على المالك الدفع.
«و كذا القول فيما يأخذه باسم الزكاة، و لا يختص ذلك بالإنعام كما افادته العبارة، بل حكم زكاة الغلات و الأموال كذلك.
«لكن يشترط هنا ان لا يأخذ الجائر زيادة عن الواجب شرعا في مذهبه، و ان يكون صرفه لها على وجهها المعتبر عندهم، بحيث لا يعد عندهم عاصيا، إذ يمتنع الأخذ منه عندهم ايضا.
«و يحتمل الجواز مطلقا، نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى، و يجيء مثله في المقاسمة و الخراج، لان مصرفها مصرف بيت المال، و له أرباب مخصوصون عندهم ايضا.
«و هل تبرأ ذمة المالك من إخراج الزكاة مرة أخرى؟ يحتمله، كما في
245
المقاسمة و الخراج، مع ان حق الأرض واجب لمستحق مخصوص، و التعليل بكون ذلك حقا واجبا عليه.
«و عدمه، لأن الجائر ليس نائب المستحقين فيتعذر النية، و لا يصح الإخراج بدونها.
«و على الأول، تعتبر النية عند الدفع اليه كما تعتبر في سائر الزكوات.
«و الأقرب عدم الاجتزاء بذلك، بل غايته سقوط الزكاة عما يأخذه إذا لم يفرط فيه، و وجوب دفعه إليه أعم من كونه على وجه الزكاة أو المضي معهم في أحكامهم و التحرز عن الضرر بمباينتهم.
«و لو اقطع الجائر أرضا مما تقسم أو تخرج، أو عاوض عليها، فهو تسليط منه عليها، فيجوز للمقطع له أخذها من الزارع و المالك، كما يجوز احالته عليه.
«و الظاهر: ان الحكم مختص بالجائر المخالف للحق، نظرا الى معتقده و استحقاقه ذلك عندهم، فلو كان مؤمنا لم يحل أخذ ما يأخذه منها، لاعترافه بكونه ظالما فيه، و انما المرجع حينئذ إلى رأى الحاكم الشرعي.
«مع احتمال الجواز مطلقا، نظرا إلى إطلاق النص و الفتوى.
«و وجه التقييد: أصالة المنع الا ما أخرجه الدليل، و تناوله للمخالف متحقق، و المسؤول عنه للأئمة- (عليهم السلام)- انما كان مخالفا للحق فيبقى الباقي. و ان وجد مطلق فالقرائن دالة على ارادة المخالف منه، التفاتا الى الواقع أو الغالب. انتهى كلامه زيد إكرامه.
و قال في الكفاية: و الظاهر ان الأئمة (ع) لما علموا انتفاء تسلط السلطان العادل الى زمان القائم (عج)، و علموا ان للمسلمين حقوقا في الأراضي المفتوحة عنوة، و علموا انه لا يتيسر لهم الوصول الى حقوقهم في تلك المدة المتطاولة الا بالتوسل و التوصل الى السلاطين و الأمراء، حكموا بجواز الأخذ منهم. إذ في
246
تحريم ذلك حرج و غضاضة عليهم و تفويت لحقوقهم بالكلية. انتهى.
و قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح الإرشاد- بعد قول المصنف ما تقدم نقله عن الشرائع ما صورته- اعلم ان الخراج و المقاسمة هما المقدار المعين من المال، بمنزلة الأجرة في الأرض الخراجية، اى المعمورة المفتوحة عنوة بإذن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أو الإمام (عليه السلام) على المشهور. و المأخوذة بالصلح، بان يكون الأرض للمسلمين و لهم السكنى، و هي لمصالح المسلمين، و الأمر فيها إليهم- (صلوات الله عليهم)- و المقاسمة: الحصة المعينة من حاصل تلك الأرض، مثل العشر. و الخراج:
المال المضروب عليها غالبا، فلا يضر إطلاق الخراج على المقاسمة، كما ورد في بعض الروايات و العبارات، و الأمر في ذلك هين، فان المقصود ظاهر، لان المراد منهما و من الطسق و القبالة واحد، و هو: ما يؤخذ من الأرض المذكورة بمنزلة الأجرة، سوى الأجرة للعملة. و انما الإشكال في الإباحة و عدمها حال الغيبة أو حين الحضور، و الأمر واضح ظاهر و المعصوم يفعل ما يريد، و كذا تحقق الأرض التي يؤخذ منها.
ثم ساق الكلام في تحقيق الأرض الخراجية الى ان قال:
و اما حليتهما يعنى الخراج و المقاسمة كما هو ظاهر أكثر العبارات، لكل أحد مستحق لذلك كالمصالح أم لا، قليلا كان أم كثيرا، بشرط عدم التجاوز عن العادة التي تقتضي كونهما أجرة، بإذن الجائر مطلقا، سواء كان مخالفا أو موافقا، قبضهما أم لا، و عدمها بدون اذنه مع كونه جائرا و ظالما في الأخذ و الاذن، و عدم إباحتهما له، مع وجوب الدفع اليه و الى من يأمره، و عدم جواز كتمان الرعية و السرقة منهما بوجه من الوجوه، مع كونهما أجرة للأرض و منوطة برأي الامام و رضاء الرعية كما هو في الإجارات، فهي بعيدة جدا. و يدل على العدم العقل و النقل، و لا دليل عليها مع الإشكال في ثبوتها و تحققها في نفسها ثم العلم بها ثم ثبوتها بالنقل و حجيته. و ما ادعى و لا نقل أيضا الإجماع صريحا، بل قيل: انه اتفاق- و نقل عبارات البعض في الرسالة
247
المدونة لهذه المسألة بخصوصها مع كثرة الاهتمام بتحقيقها و إثبات الإباحة فيها- ثم قال: و هو إجماع. و فيه ما فيه لعدم ثبوت الإجماع بعبارات البعض مع خلو البعض عنه، و لهذا ترى بعض العبارات خالية عن هذه. و قد ذكر اباحة الشراء فقط. مثل عبارة نهاية الشيخ على ما نقل في هذه الرسالة. و يظهر من شرح الشرائع أيضا دعوى الإجماع في الجملة، فالسماع منهما مشكل و قد ادعى فيهما دلالة الأخبار المتظافرة عليه و ما عرفتها و ما فهمتها من خبر واحد، و كأنه لذلك ما ادى في المنتهى، بل استدل على ذلك بالضرورة و دفع الجرح، و إثبات مثله بمثله بعيد، كما ترى. انتهى كلامه.
أقول: و التحقيق- كما ستقف عليه إنشاء الله تعالى-: ان ما استدل به من الاخبار على القول المشهور، منه ما هو ظاهر المقصود، و منه ما يظهر منه ذلك، لكنه لا يفي بتمام ما ادعوه في هذا المقام، و ما ذكره المانع أيضا في أكثر هذا المجال لا يخلو من البحث و الاشكال.
و ها أنا أسوق لك ما استدل به للقول المذكور، مذيلا كل خبر بما يتعلق به من الكلام، بالذي يتجلى به غشاوة الإبهام. فأقول- مستمدا منه تعالى العصمة من زيغ الافهام و زلل الاقدام-:
(الأول) من الاخبار المشار إليها: ما رواه
الكليني و الشيخ في الصحيح عن جميل بن صالح قال: أرادوا بيع تمر عين ابى زياد، فأردت أن أشتريه، ثم قلت حتى استأمر أبا عبد الله (عليه السلام). فأمرت مصادفا فسأله فقال: قل له فليشتره، فإنه ان لم يشتره اشتراه غيره (1).
استدل به في المنتهى على جواز ابتياع المقاسمة و الزكاة.
و قال المحقق الشيخ على (قدس سره) في رسالته التي وضعها في المسألة:
احتج بذلك في المنتهى على حلهما.
و رده المحقق الأردبيلي، بعدم الدلالة على المطلوب، قال: و يمكن ان
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 162 حديث: 1 باب: 53.
248
يكون المعنى جواز شراء مال الظلمة مع عدم العلم بالغصب بعينه، كما يدل عليه الأصل و الاخبار الكثيرة الدالة على جواز أخذ جوائزهم مع كراهة و لكن تزول مع الضيق. انتهى.
أقول: الحق هنا ما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله)، على انه قد روى في الكافي في باب نادر، آخر أبواب الزكاة، ما يدل على ان عين ابى زياد المذكورة في هذا الخبر كانت ملكا لأبي عبد الله (عليه السلام):
روى فيه عن يونس أو غيره عمن ذكره عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال قلت له: جعلت فداك، بلغني انك تفعل في غلة عين زياد شيئا فأنا أحب ان أسمعه منك.
قال: فقال لي: نعم، كنت آمر إذا أدركت الثمرة ان يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس و يأكلوا، و كنت آمر في كل يوم ان توضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة، كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى، يلقى لكل نفس منهم مد من رطب، و كنت آمر لجيران الضيعة كلهم، الشيخ و العجوز و المريض و الصبي و المرأة، و من لا يقدر أن يجيء فيأكل منها، لكل انسان منهم مد، فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام و الوكلاء و الرجال أجرتهم، و احمل الباقي الى المدينة ففرقت في أهل البيوتات و المستحقين، الراحلتين و الثلاثة و الأقل و الأكثر على قدر استحقاقهم: و حصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار، و كان غلتها أربعة آلاف دينار (1).
و من هذا الخبر يظهر ان الضيعة المذكورة كانت له (عليه السلام) ثم اغتصبت منه، و ان استئماره (عليه السلام) في الشراء من ثمرتها انما هو من حيث كونه له (عليه السلام).
و لعل المعنى في جوابه (عليه السلام) و قوله للسائل: ان لم يشتره اشتراه غيره، بمعنى ان تركه شراءه لا ينفع في قلع الظالم عن ظلمه و ارتداعه، فان غيره يشتريه، نعم لو اتفق الناس على عدم شرائه، لربما كان ذلك رادعا لهم عن الظلم، كما تقدم في خبر على بن أبي حمزة، في المسألة الثالثة من المقام الثالث من مقامات المقدمة
____________
(1) الكافي ج 3 ص 569 حديث: 2.
249
الثالثة، من
قوله (عليه السلام): لو لم يجد بنو أمية من يحضر جماعاتهم، و يجبي لهم الخراج، و يكتب لهم، ما غصبونا حقنا (1).
و لا ينافي ما ذكرنا اشتمال الخبر الأول على تسمية الضيعة المذكورة بعين ابى زياد، و تسميتها في هذا الخبر بعين زياد، فان مثل هذا التجوز كثير في الكلام.
و اما قوله في الوافي- بعد ذكر الخبر الأول في كتاب المتاجر- «أبو- زياد كان من عمال السلطان» فهو تخرص، و انما هو اسم الضيعة المذكورة، و كأنه غفل عن الخبر الذي نقلناه، و هو قد قدمه في كتاب الزكاة.
و بالجملة فإن الخبر المذكور لا دلالة فيه على ما ادعوه من حل الخراج و المقاسمة و نحوهما بوجه، و قصاراه- مع قطع النظر عما ذكرناه- هو ما ذكره المقدس الأردبيلي (رحمه الله).
(الثاني): ما رواه
الشيخ، في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): مالك لا تدخل مع على في شراء الطعام، إني أظنك ضيقا، قال: قلت: نعم، فإن شئت وسعت على، قال: اشتره (2).
و أنت خبير بما فيه من الإجمال المانع من صحة الاستناد إليه في الاستدلال، إذ لا تعرض فيه- و لو بالإشارة- إلى كون ذلك الطعام من وجه الخراج أو المقاسمة أو الزكاة بوجه، و مجرد احتمال كون المقام من أحد هذه الوجوه لا يكفي في الدلالة.
(الثالث): ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحذاء عن الباقر (عليه السلام) قال:
____________
(1) نقله هنا بالمعنى. راجع: ص 125 من هذا المجلد. و الوسائل ج 12 ص 144- 145.
(2) الوسائل ج 12 ص 161 حديث: 1.
250
سألته عن الرجل منا يشترى من السلطان من إبل الصدقة و غنمها و هو يعلم انهم يأخذون منهم أكثر من الحق الذي يجب عليهم. قال: فقال: ما الإبل و الغنم الا مثل الحنطة و الشعير و غير ذلك لا بأس به، حتى تعرف الحرام بعينه. قيل له: فما ترى في مصدق يجيئنا فيأخذ منا صدقات أغنامنا، فنقول: بعناها فيبيعناها، فما ترى في شرائها منه؟ فقال: ان كان قد أخذها أو عزلها فلا بأس. فقيل له: فما ترى في الحنطة و الشعير يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا و يأخذ حظه فيعزله بكيل، فما ترى في شراء ذلك الطعام منه؟ فقال: ان كان قبضه بكيل و أنتم حضور ذلك فلا بأس بشرائه منه من غير كيل (1).
و اعترض المحقق الأردبيلي على هذه الرواية، بأنه لا دلالة فيها على إباحة المقاسمة بوجه من الوجوه، و لكن لها دلالة على جواز شراء الزكاة، و لهذا جعلها في المنتهى دليلا عليه فقط، و في الدلالة- أيضا- تأمل، إذ لا دلالة في قوله «لا بأس به حتى تعرف الحرام بعينه» الا انه يجوز شراؤ ما كان حلالا بل مشتبها ايضا، و لا يجوز شراؤ ما هو معروف انه حرام، و لا يدل على جوار شراء الزكاة بعينها صريحا.
نعم ظاهرها ذلك، و لكن لا ينبغي الحمل عليه، لمنافاته العقل و النقل.
و يحتمل ان يكون سبب الإجمال التقية. و يؤيد عدم الحمل على الظاهر: انه غير مراد بالاتفاق، إذ ليس بحلال ما أخذه الجائر فتأمل. انتهى.
و أجاب عن ذلك في الكفاية، فقال- بعد نقل هذا الكلام-: و فيه نظر، لأن السؤال وقع عن أصل الصدقة، و الجواب: انه لا بأس به، لانه يحتمل ان يكون مفروضا في غيره، لكن لما فرض السائل انه يعلم انهم يأخذون أكثر من الحق، فقد فرض وقوع الحرام في الصدقات التي في أيديهم، فوقع الحاجة الى الاستثناء الذي فعله (عليه السلام)، و كان غرض السائل كان متعلقا باستعلام الحكم باعتبار الاختلاط المذكور،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 162 حديث: 5.
251
و كان جواز شراء أصل الصدقة مستغنيا عن البيان عنده. ثم قوله: لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته العقل و النقل، محل نظر. إذ لا اعرف دليلا عقليا و لا نقليا يدل على ما ذكروه حتى يقع الحاجة الى التأويل أو الحمل على التقية، إذ ذلك غير سائغ. و دعوى الاتفاق الذي ذكره غير ظاهر. انتهى.
أقول: اما ما ذكره الأردبيلي- (رحمه الله)- من عدم دلالة الرواية على إباحة المقاسمة بوجه، فجيد، الا انه من المحتمل قريبا، ان المراد بالقاسم في قوله «يجيئنا القاسم فيقسم لنا حظنا» هو الأخذ لمال المقاسمة، لأنك قد عرفت ان المقاسمة حصة من حاصل الأرض تؤخذ عوضا عن زراعتها. بقرينة التعبير عن آخذ الزكاة في صدر الخبر بالمصدق، اى جامع الصدقات الا ان الخبر غير صريح في ذلك، لاحتمال الحمل على قسمة حق الزكاة أيضا، و ان عبر عنه أو لا بعبارة أخرى.
و اما ما ذكره من التأمل في جواز شراء الزكاة بالتقريب الذي ذكره، فليس بجيد.
و الحق هنا هو: ما ذكره في الكفاية، فإن سوق الكلام ظاهر فيه.
و اما ما ذكره الأردبيلي- (قدس سره)- من الاعتراف بان الجواز ظاهر فيه الرواية لكن لا ينبغي الحمل عليه لمنافاته العقل و النقل فغير بعيد، بل هو محتمل احتمالا قريبا.
و قول صاحب الكفاية: انه لا يعرف دليلا عقليا و لا نقليا يدل على ما ذكره فيه: ان الظاهر ان مراد المحقق المذكور بالدليل العقلي و النقلي في هذا المقام، انما هو ما دل على قبح التصرف في مال الغير إلا بإذنه، فإن العقل و النقل متطابقان على ذلك. و ما نحن فيه من جملة ذلك، الا ان يقوم الدليل على ما ادعوه في هذه المسألة من الحلية، فيكون موجبا لخروج هذا الفرد، و الا فلا.
و من أجل منافاة ظاهر هذه الرواية لما ذكره، من دلالة العقل و النقل على عدم جواز التصرف في مال الغير بغير اذنه حملها على التقية، ثم أيده بما ذكره من ان ظاهرها غير مراد بالاتفاق. و مراده الاتفاق على ان ما يأخذه الجائر محرم عليه. و هو كذلك، فإن القائلين بالحل يعترفون بذلك، و لكن يدعون ان الأئمة- (عليهم السلام)-
252
قد أذنوا و رخصوا في جواز شرائه و قبول هبته و نحو ذلك، فقول صاحب الكفاية هنا ايضا: ان دعوى الاتفاق الذي ذكره فيه غير ظاهر، غفلة أو تغافل.
و بالجملة، فإن غاية ما يدل عليه ظاهر الرواية المذكورة: جواز الشراء من الزكاة التي يأخذونها من الانعام كانت أو من الغلات، مع معارضة ذلك بالأدلة الدالة على المنع من التصرف في مال الغير إلا بإذن صاحبه. و تلك الأدلة قطعية تضعف هذه الرواية عن معارضتها لدلالة العقل و النقل، كتابا و سنة. و الإجماع على ذلك. الا ان ظاهر جملة من الاخبار الاتية مما يعضد هذه الرواية. و بذلك يجب تخصيص الأدلة المذكورة بهذه الاخبار، مع قطع النظر عن هذه المعارضة.
فغاية ما تدل عليه هو جواز الشراء من الزكاة إذا أخذه الجائر قهرا، فلا دلالة فيها على الجواز في غيرها، الا على الاحتمال المتقدم، و لا على جواز دفع الزكاة إليهم اختيارا، كما يدعونه في المسألة أيضا.
و قال الأردبيلي- (رحمه الله)- ايضا: و على تقدير دلالتها على جواز الشراء من الزكاة فلا يمكن ان يقاس عليه جواز الشراء من المقاسمة. و على تقديره ايضا لا يمكن ان يقاس عليه جواز قبول هبتها و سائر التصرفات فيها مطلقا كما هو المدعى، إذ قد يكون ذلك مخصوصا بالشراء بعد القبض، بسبب لا نعرفه كسائر الأحكام الشرعية.
الا ترى ان أخذ الزكاة لا يجوز منهم مطلقا. و يجوز شراؤها منهم.
و قال في الكفاية- في الجواب عن هذا الكلام-: اما لو سلمنا ان أخذ السلطان و جمعه حق الخراج من الأرضين حرام مطلقا، حتى لو كان مقصوده جمع حقوق المسلمين و صرفه في مصارفه الشرعية بقدر طاقته، كان حراما ايضا، لكن لا نسلم أن إعطاءه لأحد في هذه الصورة هبة أو غير ذلك حرام، إذا كان الأخذ مستحقا لفقره أو كونه من مصالح المسلمين، كالغازى و القاضي و الذي له مدخل في أمور الدين، و ان كان الأخذ حراما أولا. و لا أجد- بحسب نظري- دليلا على ذلك و لا الأصل يقتضيه.
انتهى.
253
أقول: فيه ان الخصم يدعى ان الجائر هنا غاصب، للدليل العقلي و النقلي الذي تقدمت الإشارة إليه «انه لا يحل مال امرء إلا بإذنه» فجميع تصرفاته المتفرعة على هذا الغصب باطلة شرعا، و هو قد وافق على تحريم أخذه لهذا المال، فكيف يصح تصرفاته بالهبة له و نحوها.
نعم قام الدليل- بناء على تسليم القول بالرواية المذكورة- على جواز الشراء منه في الصورة المذكورة، فيجب استثناء ذلك بالنص، و يبقى ما عداه على حكم الأصل، من قبح التصرف في مال الغير.
و بالجملة، فان الحق هنا فيما ذكره المحقق الأردبيلي- (رحمه الله عليه)- و كلام صاحب الكفاية هنا ظاهر القصور.
و بذلك يظهر لك ايضا ما في قوله في الكفاية: ثم يظهر من الحديث ان تصرف العامل بالبيع جائز، إذ لو كان حراما لكان الظاهر ان يكون الشراء منه حراما ايضا، لكونه اعانة على الفعل المحرم، و حيث ثبت ان التصرف بنحو البيع و الشراء جائز، ظهر ان أصل التصرف فيه ليس بحرام.
و فيه- زيادة على ما عرفت-: ان قضية تحريم الأخذ على الجائر، المتفق عليه، الموجب لكون ذلك غصبا، هو إجراء أحكام الغصب على هذا المأخوذ من وجوب رده على المالك، و تحريم التصرف فيه بأي نحو كان.
هذا هو الموافق للقواعد الشرعية و الضوابط المرعية.
نعم قام الدليل- بناء على تقدير تسليمه- على جواز الشراء فوجب استثناؤه من ذلك، فكيف يمكن ادعاء حل البيع للبائع و نحوه بمجرد دلالة الرواية على جواز الشراء، مع ان جواز الشراء باطل بمقتضى القواعد التي ذكرناها. و لكنا انما صرنا إلى إخراجه، بهذه الرواية.
و بالجملة فإن الحكم على خلاف مقتضى الأصول، فيجب الاقتصار فيه على مورد النص. و لو تمت هذه الدعوى التي ادعاها، من ان جواز الشراء مستلزم لحل
254
جميع التصرفات، لأمكن ايضا ان يدعى ان جواز الشراء مستلزم لحل أخذ الجائر لهذا المال، حيث انه لم يعهد في القواعد الشرعية تحريم الغصب و حل التصرف في المغصوب، فمتى دل الدليل على جواز التصرف كان مستلزما لحل الأخذ و عدم تحريمه، مع انه خلاف الاتفاق في المقام.
و الحق هو ما تقدمت إليه الإشارة، في كلام المحقق المتقدم ذكره، من انه قد يكون ذلك مخصوصا بالشراء بعد القبض بسبب لا نعرفه كسائر الأحكام الشرعية.
و بالجملة، فإن كلام صاحب الكفاية هنا، عند من عض على المسألة بضرس قاطع، مما يحسبه الظمآن ماء أو هو سراب لا مع، و كيف كان فان هذه الرواية من معتمدي أدلة القول المشهور، و هو على ما ترى من القصور، بالنسبة إلى الخراج.
و المقاسمة. و اما بالنسبة إلى الزكاة فقد تقدم تحقيق القول. فيها.
(الرابع): ما رواه
في التهذيب عن ابى بكر الحضرمي، قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) و عنده إسماعيل ابنه فقال: ما يمنع ابن ابى السماك ان يخرج شباب الشيعة فيكفونه ما يكفيه الناس و يعطيهم ما يعطى الناس؟ ثم قال لي: لم تركت عطاءك؟
قلت: مخافة على ديني! قال: ما منع ابن ابى السماك ان يبعث إليك بعطائك، أما علم ان لك في بيت المال نصيبا؟ (1).
قال الأردبيلي- (رحمه الله)، بعد نقله الرواية-: ليس فيها دلالة أصلا، الا على جواز إعطاء مال من بيت المال الذي هو لمصالح المستحقين من الشيعة. و اين هذا من الدلالة على جواز أخذ المقاسمة من الجائر على العموم الذي تقدم. و العجب انه (2) قال- في المنفردة-: هذا نص في الباب، لانه (عليه السلام) بين ان لا خوف للسائل على دينه إذ لم يأخذ الا حقه من بيت المال. و قد ثبت في الأصول: تعدى الحكم بتعدي العلة المنصوصة- و انا ما فهمت هنا منها دلالة ما، كيف و غاية دلالتها ما ذكر، و ذلك
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 6.
(2) الضمير يعود الى «الشيخ على» الذي الف رسالة منفردة في هذه المسألة.
255
قد يكون من بيت المال الذي يجوز أخذه و إعطاؤه للمستحقين، مثل ان يكون منذورا أو وصية لهم بان يعطيه ابن ابى السماك أو غير ذلك. ثم أطال الكلام.
أقول: لا يخفى على المتتبع للسير و الآثار، و المتطلع في كتب الاخبار: ان بيت المال المذكور في أمثال هذا المقام، انما هو المشتمل على الأموال المعدة لمصالح المسلمين و أرزاقهم، كما يدل عليه أخبار إعطاء المؤذن و القاضي، و الديات التي يعطى من بيت المال و نحو ذلك. و ليس في الأموال التي يأخذها الإمام عادلا أم جائرا، و يكون في بيت المال، ما يكون كذلك الا مال الخراج و المقاسمة، و الا فالزكاة لها أرباب مخصوصون.
و احتمال الحمل على ما ذكره من بيت مال يكون منذورا أو وصية، عجيب من مثله رحمة الله عليه، لا سيما مع ما صرح به غير واحد من المحققين، من ان الإطلاق الواقع في الاخبار انما يحمل على الافراد الشائعة المتكثرة لها و انها هي التي ينصرف إليها الإطلاق دون الفروض النادرة.
و بالجملة فإن مناقشته هنا في بيت المال، بالحمل على غير ما ذكرناه ضعيفة.
و اما كون أحد مصاريف بيت المال ارتزاق الشيعة أو هم مع غيرهم، فالأخبار به أكثر من ان يأتي عليها المقام، كما لا يخفى على المتتبع للاخبار بعين التحقيق و الاعتبار.
و بالجملة فإن الخبر المذكور، بمعونة غيره من الاخبار في جواز ارتزاق الشيعة من بيت المال، مما لا يحوم حوله الاشكال، و ان كانت أبواب المناقشة منسدة في هذا المجال.
و الظاهر- ايضا- من قوله «ما يمنع ابن ابى السماك ان يخرج شباب الشيعة» أي إلى جباية الخراج و جمعه و يعطيهم ما يعطى غيرهم، و الظاهر ان الرجل المذكور كان منصوبا من قبل الخليفة على جمع الخراج و حفظه و خزنه في بيت المال و قسمته. و مراده (عليه السلام) حث الرجل المذكور على نفع الشيعة و صلتهم، يجعلهم
256
أعوانا له على جمع الخراج ليحصل لهم اجرة ذلك. و جواز أخذ الشيعة من بيت المال الذي قد عرفت انه مال الخراج و المقاسمة. هذا هو ظاهر الخبر و سياقه.
و كيف كان، فان الخبر و ان كان ظاهره ما ذكرناه، الا انه لا يفي بتمام ما ادعوه في هذا المقام، مما تقدمت الإشارة إليه في كلام المحقق الأردبيلي.
(الخامس): ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسحاق بن عمار، في الموثق قال: سألته عن الرجل يشترى من العامل و هو يظلم، فقال: يشترى منه ما لم يعلم انه ظلم فيه أحدا (1).
قال المحقق المتقدم ذكره: و لا دلالة فيها أصلا الا على شراء شيء لا يكون ظلم فيه أحدا، فالاستدلال بها على المطلوب بعيد. انتهى.
أقول: الظاهر ان الاستدلال بهذه الرواية بتقريب: ان العامل- في الخبر المذكور- شامل لمن يجبى المقاسمة و يجمعها، فيكون الخبر من حيث العموم دالا على جواز الشراء من المقاسمة، ما لم يعلم انه ظلم فيه أحدا.
و الاستدلال بالخبر انما هو بالنظر الى عموم العامل لمن قد ذكرناه، لا من حيث شراء شيء لا يكون فيه ظلم، كما ذكره حتى ينتفي بذلك الاستدلال به. و الخبر- بهذا التقريب- صالح للاستدلال، كما لا يخفى.
(السادس): الأخبار الدالة على جواز قبالة الخراج و الجزية. استدل بها في الكفاية.
و منها: ما رواه
الصدوق في الفقيه في الصحيح. عن إسماعيل بن الفضل، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل يتقبل بخراج الرجال و جزية رؤوسهم و
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 163 حديث: 2 باب: 53.
257
خراج النخل و الشجر و الآجام و المصايد و السمك و الطير، و هو لا يدرى لعل هذا لا يكون أبدا أو يكون، أ يشتريه، و في أي زمان يشتريه، و يتقبل منه؟ فقال: إذا علمت ان من ذلك شيئا واحدا قد أدرك فاشتره و تقبل به (1).
و ما رواه
الكليني و الشيخ في الموثق عن إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن ابى عبد الله (عليه السلام)، في الرجل يتقبل بجزية رؤوس الرجال و بخراج النخل و الآجام و الطير، و هو لا يدرى و لعله لا يكون.
الخبر المتقدم بأدنى تفاوت.
قال: و ظاهره ان غرض السائل متعلق بالسؤال من حيث انه لا يدرى، يكون من ذلك شيء أم لا، و لهذا لم يذكر خراج الأرض، فكأن أصل الجواز من حيث كون ذلك خراجا أمر مسلم عندهم.
و منها: ما رواه
الشيخ عن الحلبي في الصحيح عن ابى عبد الله (عليه السلام)، في جملة حديث قال: لا بأس بأن يتقبل الرجل الأرض و أهلها من السلطان.
و عن مزارعة أهل الخراج بالربع و النصف و الثلث، قال: نعم لا بأس به، و قد قبل رسول الله- (صلى الله عليه و آله)- خيبر، أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالجز، و الجز هو النصف (2).
أقول: لا يخفى ان غاية ما تدل عليه هذه الاخبار- بناء على ما ذكره- هو انه يجوز للإنسان أن يتقبل من السلطان الجزية التي على رؤوس أهل الذمة، و هي المشار إليها بخراج الرجال في صدر الخبر، فيكون العطف تفسيريا، و كذا خراج النخل و نحوه مما ذكر من الأرض الخراجية، بأن يستأجر من السلطان ما يأخذه من هذه الأشياء المعدودة، بمبلغ معين يدفعه اليه. و فيها دلالة على حل ذلك و ان كان من الجائر، و اشارة الى ان حكم تصرف الجائر في هذه الأرض حكم تصرف
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 264 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: 8.
258
الامام العادل، ردا على القول الأخر. الا انه لا يفي بتمام ما ادعاه الأصحاب في المقام مما تقدمت الإشارة اليه.
و نحو هذه الروايات ايضا فيما قلناه ما رواه
في الكافي و التهذيب عن إسماعيل ابن الفضل عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن رجل استأجر من السلطان ارض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى، ثم آجرها و شرط لمن يزرعها ان يقاسمه النصف أو أقل من ذلك أو أكثر، و له في الأرض بعد ذلك فضل، أ يصح له ذلك؟ قال نعم، إذا حفر لهم نهرا أو عمل لهم شيئا يعينهم بذلك، فله ذلك، قال: و سألته عن رجل استأجر أرضا من ارض الخراج بدراهم مسماة أو بطعام معلوم فيؤاجرها قطعة قطعة أو جريبا جريبا بشيء معلوم، فيكون له فضل فيما استأجره من السلطان، و لا ينفق شيئا. أو يواجر تلك الأرض قطعا على ان يعطيهم البذر و النفقة فيكون له في ذلك فضل على إجارته، و له تربة الأرض أو ليست له؟ فقال له: إذا استأجرت أرضا فأنفقت فيها شيئا أو رممت فيها، فلا بأس بما ذكرت (1).
و منها ما رواه
في الفقيه مرسلا، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل استأجر أرض الخراج. الحديث (2).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الفيض بن المختار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، ما تقول في الأرض أتقبلها من السلطان ثم أؤاجرها أكرتي على ان ما اخرج الله منها من شيء، كان لي من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان قال: لا بأس به كذلك أعامل أكرتي (3).
و بالجملة فإن هذه الروايات- باعتبار ما دلت عليه جواز قبالة الخراج و
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 261 حديث: 3 و 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 262.
(3) الوسائل ج 12 ص 208 حديث: 3.
259
الأرض الخراجية، مع ما تقدم في رواية أبي بكر الحضرمي، و ما ذيلناها به، و صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم في حكم الزكاة و جواز شرائها- مما يثمر الظن الغالب بجواز تناول الخراج و المقاسمة من الجائر، و ان تصرفه في ذلك يجرى مجرى تصرف الامام (عليه السلام).
لكن لا في جميع الوجوه التي ذكروها، من انه لا يحل إنكار ذلك عنه، و لا خيانته فيه و لا سرقته و نحو ذلك. حيث ان غاية ما يفهم من هذه الروايات: هو التوصل الى الانتفاع من هذه الأراضي الخراجية، و خراجها بقبول ذلك من الجائر، و الاستيجار منه، و الشراء من مال الخراج و الزكاة التي قبضها.
و اما ما ذكروه من الزيادة على ذلك من عدم جواز إنكاره، و وجوب دفعه له، فربما دلت بعض الاخبار على خلافه، مثل
صحيحة عيص بن القاسم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الزكاة، قال: ما أخذه منكم بنو أمية فاحتسبوا به، و لا تعطوهم شيئا ما استطعتم، فان المال لا يبقى على هذا ان يزكيه مرتين (1).
و الرواية و ان كان موردها الزكاة خاصة، الا ان فيها إشارة إلى انه لا يجوز دفع الحقوق الشرعية لغير مستحقها و أهلها، لا سيما مع ما يستلزمه من اعانة الظلمة، الذي تقدم التصريح بتحريمه. و الى ذلك ايضا تشير
صحيحة زيد الشحام، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك ان هؤلاء المصدقين يأتوننا فيأخذون الصدقة فنعطيهم إياها أ تجزي عنا؟ قال: لا، إنما هؤلاء قوم غصبوكم- أو قال ظلموكم- أموالكم، و انما الصدقة لأهلها (2).
و حمله الشيخ على استحباب الإعادة، جمعا بينه و بين ما يدل على الاجزاء من الاخبار. و قد تقدمت في كتاب الزكاة.
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 174 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 6 ص 174 حديث: 6. و الراوي هو زيد بن يونس أبو- أسامة الشحام.
260
و الأظهر في وجه الجمع. انما هو حمل ما دل على الاجزاء على عدم التمكن من إنكارها و منعها، و انما تؤخذ منه قهرا. و ما دل على العدم على من تمكن من عدم الدفع و دفعها لهم اختيارا، كما تدل عليه صحيحة العيص المذكورة. و الله العالم.
(السابع): الأخبار الدالة على جواز أخذ جوائز خلفاء الجور. و منها:
ما رواه
في التهذيب عن يحيى بن ابى العلاء عن ابى عبد الله (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام): ان الحسن و الحسين- (عليهما السلام)- كانا يقبلان جوائز معاوية (1).
و نحوها من الاخبار الاتية في المسألة التالية إنشاء الله. و أنت خبير بما فيه من الضعف الغنى عن التنبيه.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 4.
261
المسألة الثالثة [في جواز تناول جوائز الظلمة]
لا اشكال و لا خلاف في حل جوائز السلطان و جميع الظلمة، على كراهية ما لم يخبره بأن ذلك من ماله، فإنه لا كراهة. و ما لم يعلم بكونه حراما فيجب رده على مالكه، أو الصدقة به عنه.
و يدل على الثالث: ما تقدم في مسألة تحريم معونة الظالمين، من رواية على ابن أبي حمزة (1).
و على الأول و الثاني: أصالة الحل، المدلول عليها بالأخبار المتكاثرة، و قد تقدم شطر منها في مقدمات الكتاب.
و على الكراهة في الأول: وقوع الشبهة فيها، باحتمال كونها من الحرام أو دخول الحرام في تلك الجوائز، لعدم تورع الدافع لها، مع عدم اخباره بالحل.
و لهذا صرح الأصحاب باستحباب إخراج الخمس منها، من حيث احتمال الاختلاط، و خروج الخمس محلل للمال المختلط حلاله بحرامه.
قال في المنتهى: و لو لم يعلم حراما جاز تناولها و ان كان المجيز لها ظالما،
____________
(1) تقدمت في صفحة: 125 من هذا الجزء.
262
و ينبغي له ان يخرج الخمس من جوائز الظالم، ليطهر بذلك ماله، لان الخمس يطهر المختلط بالحرام فيطهر، ما لم يعلم فيه الحرام. و ينبغي ان يصل إخوانه من الباقي بشيء و ينتفع هو بالباقي.
أقول: و من الاخبار الواردة في المقام ما تقدم قريبا من خبر يحيى بن ابى العلاء (1).
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه في الصحيح، عن ابي ولاد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في الرجل يلي أعمال السلطان ليس له كسب الا من أعمالهم، و انا أمر به و انزل عليه فيضيفني و يحسن الى، و ربما أمر لي بالدراهم و الكسوة، و قد ضاق صدري من ذلك؟ فقال لي: كل و خذ منه، لك المهنا و عليه الوزر (2).
و ما رواه
في الفقيه عن ابى المعزا، قال: سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و انا عنده، فقال: أصلحك الله أمر بالعامل أو اتى العامل، فيجيزني بالدراهم آخذها؟
قال: نعم، و حج بها. (3).
و رواه الشيخ في الصحيح مثله بدون قوله «أو اتى العامل».
و ما رواه
الشيخ عن محمد بن هشام أو غيره، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أمر بالعامل فيصلني بالصلة أقبلها؟ قال: نعم. قلت: و أحج منها؟ قال: نعم حج منها (4).
و عن محمد بن مسلم و زرارة قالا: سمعناه يقول: جوائز العمال ليس بها
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 156 حديث: 1 باب: 51.
(3) الوسائل ج 12 ص 156 حديث: 2.
(4) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 3.
263
بأس (1).
و عن عمار في الموثق عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سئل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: لا، الا ان لا يقدر على شيء يأكل و لا يشرب، و لا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه الى أهل البيت- (عليهم السلام)- (2).
و ما رواه
في الكافي عن عمر أخي عذافر، قال: دفع الى انسان ستمائة درهم أو سبعمائة درهم لأبي عبد الله (عليه السلام) فكانت في جوالقي، فلما انتهيت إلى الحفيرة شق جوالقي و ذهب بجميع ما فيه، و رافقت عامل المدينة بها، فقال: أنت الذي شق جوالقك و ذهب بمتاعك؟ قلت: نعم. قال: إذا قدمنا المدينة فأتنا نعوضك.
قال: فلما انتهينا إلى المدينة، دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) فقال: يا عمر شقت زاملتك و ذهب بمتاعك؟ فقلت: نعم. فقال: ما أعطاك الله تعالى خير مما أخذ منك- الى ان قال- فائت عامل المدينة فتنجز منه ما وعدك، فإنما هو شيء دعاك الله اليه لم تطلبه منه (3).
الى غير ذلك من الاخبار الدالة على صلة خلفاء بنى العباس للأئمة- (عليهم السلام)- و قبولهم ذلك منهم.
فوائد
الأولى [قبول الأئمة (ع) للجوائز]:
ما ذكره الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- من كراهة هذه الجوائز لما تقدم ذكره، ربما نافاه الأخبار الدالة على قبولهم- (عليهم السلام)- لجوائز
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 5.
(2) الوسائل ج 12 ص 146 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 12 ص 158 حديث: 8.
264
خلفاء الجور، و قد تقدم خبر قبول الحسن و الحسين (عليهما السلام) لجوائز معاوية، و مثله ما رواه في
كتاب الاحتجاج في حديث: انه كان يبعث الى الحسين (عليه السلام) في كل سنة ألف ألف درهم سوى عروض و هدايا من كل ضرب (1).
و يمكن الجواب عن ذلك، بوجوه:
(أحدها): ان الأرض و ما فيها لهم- (عليهم السلام)- كما دلت عليه جملة من الاخبار التي قدمناها في كتاب الخمس (2) فكيف بما في أيدي هؤلاء الفجرة من ذلك.
و (ثانيها): انه من المحتمل- قريبا- ان قبولهم لها لا يستلزم أكلهم منها، فيجوز ان يتصدقوا بها، لأنها من مال المسلمين فيصرفونها عليهم.
و يدل على ذلك: ما رواه
في العيون عن صاحب الفضل بن الربيع، عن ابى الحسن موسى (عليه السلام)، في حديث: ان الرشيد بعث اليه بخلع و حملان و مال.
فقال: لا حاجة لي بالخلع و الحملان و المال، إذا كان فيه حقوق الأمة. فقلت:
ناشدتك بالله ان لا ترده فيغتاظ. قال: اعمل به ما أحببت (3).
و في خبر آخر، ان الرشيد أمر ان يحمل بين يديه خلع و بدرتان دنانير.
فقال (عليه السلام): و الله لو لا انى ارى من أزوجه بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها (4).
و روى في الكافي عن محمد بن قيس بن رمانة قال: دخلت على ابى عبد الله (عليه السلام) فذكرت له بعض حالي، فقال: يا جارية هاتي ذلك الكيس، هذه أربعمائة دينار
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 159 حديث: 14.
(2) الجزء 12 ص 434 من هذه الطبعة.
(3) الوسائل ج 12 ص 158 حديث: 10.
(4) الوسائل ج 12 ص 159 حديث: 11.
265
وصلني بها أبو جعفر، فخذها و تفرج بها (1) الحديث.
و (ثالثها): جواز فعلهم للمكروه أحيانا، كما دلت عليه جملة من الاخبار لبيان جوازه، و انهم لو امتنعوا من قبول ذلك امتنع الناس التابعون لهم بامتناعهم منه اقتداء بهم، و لزم به إدخال الضرر عليهم في بعض الموارد، لا سيما في مقام الضرورة، مع حل ذلك شرعا.
و (رابعها): ان لهم حقا في بيت المال، فيكون ذلك من حقوقهم الواجبة لهم، و يحمل الامتناع منهم في بعض الأوقات على التنزه و الله العالم.
الثانية [دليل استحباب إخراج الخمس]:
ما ذكره الأصحاب هنا من استحباب إخراج الخمس من هذه الجوائز لم أقف فيه على خبر، الا ما قدمناه من خبر عمار (2).
و مورده انما هو الدخول في أعمالهم و حصول شيء له من ذلك. و الفرق بينه و بين الجوائز ظاهر، لما تقدم من اختلاف الاخبار في جواز الدخول في أعمالهم، و قد تقدمت في تلك المسألة، بخلاف مسألة الجوائز، فإن الأخبار متفقة على حلها، و معارضة بالقاعدة المتفق عليها- نصا و فتوى-
كل شيء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه (3).
و مورد اخبار الخمس- الكثيرة بالنسبة الى هذا الفرد- انما هو المال المعلوم دخول الحرام فيه، مع عدم معلوميته بعينه، و عدم معلومية صاحبه. و قد تقدمت في كتاب الخمس (4).
و ظاهر عبارة العلامة المتقدمة: انه انما استند في إخراج الخمس في هذا المقام
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 158 حديث: 9.
(2) الوسائل ج 12 ص 126 حديث: 3.
(3) الوسائل ج 17 ص 91 حديث: 1 و 2.
(4) في الجزء الثاني عشر ص 363- 364.
266
الى هذه الاخبار باعتبار دلالتها على ذلك بطريق الأولوية. حيث انها دلت على تطهير المال المعلوم فيه وجود الحرام بإخراج الخمس، فتطهير ما ظن كونه حراما أو دخل فيه الحرام بطريق اولى.
و فيه منع ظاهر، بل هو قياس محض مع الفارق، للاتفاق هنا على الحل نصا و فتوى، مع الاعتضاد- كما عرفت- بالقاعدة المتفق عليها نصا و فتوى، بخلاف ما لو علم فيه الحرام، إذ لا خلاف في تحريمه بمقتضى النصوص الواردة في المحصور من ذلك، لكن لما وردت هذه الاخبار بتحليله بإخراج الخمس منه وجب استثناؤه من النصوص المذكورة.
الثالثة [مصرفه مصرف خمس الغنائم]:
قد صرحت
موثقة عمار المتقدمة (1) بأنه يبعث بخمس المال الذي يصير في يده من عملة الظالمين إليهم- (عليهم السلام)-.
و الظاهر من ذلك: ان مصرفه مصرف الخمس المأخوذ من الغنائم و نحوها، مما تقدم في كتاب الخمس، مع ان هذا الموضع مما لم يتعرض أحد من الأصحاب لعده في كتاب الخمس في عداد تلك الأشياء و قد وقع في الخمس المأخوذ من الحلال المختلط بالحرام بحث في مصرفه قدمنا ذكره في الكتاب المشار اليه.
و الظاهر: ان عدم تعرض الأصحاب لهذا الفرد، اما من حيث عدم وجوبه، فان ظاهرهم انما هو الاستحباب، أو ندور الرواية المذكورة.
و كيف كان فإخراج الخمس مخصوص بمورد الخبر، و هو العمل لهم، دون ما نحن فيه من الجوائز. و الله العالم.
الرابعة [عد الجوائز من الشبهات]:
قد عد بعض مشايخنا المحققين من محدثي متأخري المتأخرين جوائز الظالم، في الشبهات الواردة في
اخبار التثليث «حلال بين، و حرام بين، و شبهات بين ذلك» (2).
بناء على ان ما احتمل الحرمة و ان كان بحسب ظاهر الشرع حلالا،
____________
(1) في صفحة: 263.
(2) راجع: الكافي ج 1 ص 68.
267
الا انه من جملة أفراد الشبهة المعدودة في هذه الاخبار.
و عد من ذلك- بناء على هذا الأصل الذي ذكره ايضا- ما اختلف فيه الاخبار، مع ترجيح أحد طرفيها في نظر الفقيه، كمسألة نجاسة البئر مثلا، مع القول بالطهارة.
و فيه- أولا-: ان الحل و الحرمة- كما حققناه في محل أليق و قد تقدم أيضا في المجلد الثاني من كتاب الطهارة- ليس عبارة عما كان كذلك في نفس الأمر و الواقع، و انما ذلك بالنظر الى علم المكلف، و كذلك الطهارة و النجاسة، فالحلال هو ما لم يعلم المكلف حرمته، و ان كان حراما في الواقع، لا ما علم عدم حرمته.
و الطاهر: ما لم يعلم نجاسته، لا ما علم عدم نجاسته.
و لا يقال: هذا حلال بحسب الظاهر و حرام في الواقع، إذ لا واقع هنا لذلك، فإن الأحكام الشرعية لم يجعلها الشارع منوطة بالواقع و نفس الأمر الذي لا يعلمه الا هو، و انما جعلها منوطة بعلم المكلف.
و تحقيق البحث في المقام واسع، و قد تقدم في الموضع المشار اليه.
و ثانيا: ان المفهوم من الاخبار في هذا القسم الثالث- اعنى قسم الشبهة- هو الكف و التثبت و الرد إلى الأئمة- (عليهم السلام) (1) كما ان الحكم في الحلال البين و الحرام البين، هو الإباحة في الأول، و المنع مع المؤاخذة بالمخالفة في الثاني.
و من الاخبار المشار إليها:
قول ابى جعفر (عليه السلام) في حديث طويل: و ما اشتبه عليكم فقفوا عنده و ردوه إلينا نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا (2).
و قول الصادق (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): الأمور ثلاثة، أمر تبين لك رشده
____________
(1) راجع: الكافي ج 1 ص 50 حديث: 10.
(2) الوسائل ج 18 ص 123 حديث: 43.
268
فاتبعه، و أمر تبين لك غيه فاجتنبه، و أمر اختلف فيه فرده الى الله عز و جل (1).
و قول الصادق (عليه السلام): أورع الناس من وقف عند الشبهة (2).
و قول أمير المؤمنين في وصيته لابنه الحسن (عليه السلام): أوصيك يا بنى- الى ان قال-: و الصمت عند الشبهة (3).
و قوله (عليه السلام): الوقوف عند الشبهة، خير من الاقتحام في الهلكة (4).
الى غير ذلك من الاخبار.
و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، لتصريح الاخبار به، و اتفاق الأصحاب على الحل من غير توقف.
و بالجملة، فإن دخول ما ذكره في افراد الشبهة المعدودة في هذه الاخبار ظاهر الفساد لمن تأمل في ما ذكرناه بعين الفكر و السداد.
نعم يمكن ان يقال: ان معنى الشبهة لا ينحصر في هذا الفرد المذكور في هذه الاخبار، بل من جملته ما يستحب التنزه عنه فيما إذا حصل الشك أو الظن باحتمال النقيض لما قام الدليل على حليته أو طهارته على الإطلاق كما فيما نحن فيه، فان الدليل دل على ان كل شيء حلال حتى تعلم حرمته، و جوائز الظالم من هذا القبيل كما صرحت به اخبارها، لكن يحتمل قريبا بسبب العلم بأخذه الحرام كون هذا الفرد منه، و ان لم يعلم المكلف. فالأفضل له التورع عنه. و الله العالم.
الخامسة:
روى في الاحتجاج عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، انه كتب الى صاحب الزمان- (عجل الله فرجه)- يسأله عن الرجل من وكلاء الوقف
____________
(1) الكافي ج 1 ص 68. و اللفظ في الوسائل ج 18 ص 118 حديث: 23.
(2) الوسائل ج 18 ص 118 حديث: 24.
(3) الوسائل ج 18 ص 123 حديث: 42.
(4) الكافي ج 1 ص 68 و اللفظ في الوسائل ج 18 ص 112 حديث: 2.
269
مستحلا لما في يده، لا يتورع عن أخذ ماله ربما نزلت في قريته و هو فيها، أو أدخل منزله و قد حضر طعامه فيدعوني إليه، فان لم آكل من طعامه عاداني عليه، فهل يجوز لي ان آكل من طعامه، و أتصدق بصدقة، و كم مقدار الصدقة؟ و ان اهدى هذا الوكيل هدية الى رجل آخر فيدعوني الى ان أنال منها، و انا اعلم ان الوكيل لا يتورع عن أخذ ما في يده فهل على فيه شيء إذا أنا نلت منها؟ الجواب: ان كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده، فكل طعامه و اقبل بره، و الا فلا (1).
و رواه الشيخ- (رحمه الله)- في كتاب الغيبة أيضا.
و أنت خبير بان ظاهر هذا الخبر: عدم جواز قبول جوائز الظالم الا مع العلم بان له معاشا أو مالا حلالا، و ظواهر الأخبار المتقدمة أعم من ذلك، فالواجب تقييد تلك الاخبار به.
الا ان ذلك خلاف ما عليه ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب في هذا الباب، فإنهم يكتفون في الحكم بالحلية بمجرد مجهولية الحال و ان لم يعلم ان له مالا حلالا أو معاشا حلالا، و هو ظاهر الاخبار المتقدمة. و انما يستثنون معلومية كونه حراما.
اللهم الا ان يقال: ان ظاهر هذا الخبر يعطي: ان السائل عالم بان هذا الوكيل ليس له مال الا مال الوقف الذي في يده، و انه يستحل اكله، و على هذا فيكون جميع ما يصرفه و يهديه انما هو من هذا المال الذي في يده، فأجابه (عليه السلام) ان كان كذلك فلا يجوز الأكل من عنده، و ان كان له معاش أو مال غير ذلك، بحيث يحتمل كون ما يعطيه من ذلك المال الحلال جاز الأكل، و حينئذ فلا يدخل في هذا مجهول الحال الذي دل كلام الأصحاب و ظواهر الأخبار المتقدمة على حل جوائزه.
السادسة [جواز المعاملة مع الظلمة]:
قد صرح الأصحاب، و عليه دلت الأخبار، بأنه لا بأس بمعاملة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 160 حديث: 15.
270
الظلمة و البيع عليهم و الشراء منهم، و ان كان مكروها.
و من الاخبار في ذلك ما تقدم في المسألة السابقة، من
موثقة إسحاق بن عمار الدال على انه يشترى من العامل ما لم يعلم انه يظلم فيه أحدا (1).
و ما رواه
في التهذيب عن محمد بن أبي حمزة عن رجل، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): اشترى طعاما فيجيئني من يتظلم يقول: ظلموني، فقال: اشتره (2).
أقول: إنما أمره (عليه السلام) بالاشتراء، لانه لم يعلم ان ظلمة كان في ذلك الطعام بعينه، بل أخبره بأنهم يظلمون الناس. و قد عرفت ان ذلك غير مانع من جواز الشراء منهم، ما لم يعلم الظلم في ذلك المبيع المعين المعلوم.
و عن على بن عطية، قال أخبرني زرارة، قال: اشترى ضريس بن عبد الملك و اخوه من هبيرة أرزا بثلاثمائة الف، قال: فقلت له: ويلك- أو ويحك- انظر الى خمس هذا المال فابعث به اليه و احتبس الباقي، فأبى على، قال: فأدى المال، و قدم هؤلاء (3) فذهب أمر بنى أمية. قال: فقلت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام) فقال- مبادرا للجواب-: هو له هو له. فقلت: انه قد أداها، فعض على إصبعه (4).
و ظاهر سياق الخبر المذكور: ان هبيرة كان من بنى أمية أو أعمالهم، و ان الشراء وقع في مقدمات ذهاب دولتهم على يد العباسية. و زرارة لما علم ذلك أمر ابن أخيه ان يبقى الثمن و لا يدفعه إلى البائع، و ان يبعث بخمسه الى الامام (عليه السلام) ليحل له المال، لانه مال الناصب المأمور بإخراج الخمس منه، فامتنع ابن أخيه من ذلك، فلما أخبر زرارة الإمام (عليه السلام) قبل ان يتم له الحكاية، حلل له الخمس الذي
____________
(1) أصل الحديث في الوسائل ج 12 ص 163 حديث: 2 باب 53.
(2) الوسائل ج 12 ص 161 حديث: 3.
(3) اى بنوا العباس. و المقصود: ظهور أمرهم و استيلائهم على سرير الخلافة.
(4) الوسائل ج 12 ص 161 حديث: 2.
271
امره بإرساله، ثم لما أخبره زرارة انه دفع الثمن عض على يديه ندما على ما فعل ضريس من دفع الثمن، ففي الخبر المذكور دلالة على حل مال الناصب كما ورد به غيره، و على إخراج خمسه، و على تحليل الامام (عليه السلام) بالخمس، كما تقدم في كتاب الخمس، و على جواز معاملة الظلمة كما هو المقصود بالبحث، الى غير ذلك من الاخبار الواردة في المقام.
و اما الكراهة فالوجه فيها: ما تقدم بيانه في الجوائز. و الله العالم.
272
المسألة الرابعة [في تناول الوالد من مال ولده]
قد اختلفت الاخبار و كلمة الأصحاب، و ان كان الأول أشد اختلافا، فيما يأخذ كل من الولد و الوالد من مال الأخر.
فقال الشيخ في الاستبصار- بعد إيراد صحيحة محمد بن مسلم، و صحيحة أبي حمزة الثمالي، و حسنة محمد بن مسلم الآتي (1) جميع ذلك إنشاء الله تعالى- ما لفظه: هذه الاخبار كلها دالة على انه يسوغ للوالد أن يأخذ من مال ولده، إذا كان محتاجا، فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز له أن يتعرض له، و متى كان محتاجا و قام الولد به و بما يحتاج اليه فليس له ان يأخذ من ماله شيئا، و ان ورد في الاخبار ما يقتضي جواز تناوله من مال ولده مطلقا، من غير تقييد. فينبغي ان يحمل على هذا التقييد. انتهى.
و قال في النهاية: لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده شيئا على كل حال، إلا بإذنه قل ذلك أم كثر، لا مختارا و لا مضطرا، فان اضطر ضرورة شديدة حتى يخاف تلف النفس، أخذ من ماله ما يمسك به رمقه، كما يتناول من الميتة و الدم.
و الوالد فما دام الولد ينفق عليه مقدار ما يقوم بأوده و سد خلته، من الكسوة
____________
(1) بعد الانتهاء من نقل كلمات الأصحاب- (رضوان الله عليهم).
273
و الطعام بالمعروف، فليس للوالد أن يأخذ من ماله شيئا. و ان لم يكن الولد ينفق عليه و كان الوالد مستغنيا عن ماله، فلا يجوز له ايضا ان يأخذ من ماله شيئا على حال. فان احتاج الى ذلك أخذ من ماله قدر ما يحتاج اليه من غير إسراف. بل على طريق القصد. و إذا كان للولد مال و لم يكن لوالده، جاز له ان يأخذ منه ما يحج به حجة الإسلام، فأما حجة التطوع فلا يجوز له ان يأخذ نفقتها من ماله إلا باذنه، و إذا كان للولد جارية و لم يكن وطأها و لا مسها بشهوة، جاز للوالد أن يأخذها و يطأها، بعد ان يقومها على نفسه بقيمة عادلة، و يضمن قيمتها في ذمته. و من كان له ولد صغار فلا يجوز له ان يأخذ شيئا من أموالهم إلا قرضا على نفسه، و الوالدة لا يجوز لها ان تأخذ من مال ولدها شيئا الا على سبيل القرض على نفسها. انتهى.
و قال ابن إدريس في السرائر: لا يجوز للولد ان يأخذ من مال والده شيئا، قليلا كان أو كثيرا إلا بإذنه، لا مختارا و لا مضطرا. و ان اضطر ضرورة يخاف معها على تلف نفسه أخذ من ماله ما يمسك به رمقه، كما يتناول من الميتة و الدم.
«هذا إذا كان الوالد ينفق عليه و يقوم بواجب حقه، لأن نفقة الولد عندنا تجب على الوالد إذا كان الولد معسرا، سواء كان بالغا أم غير بالغ، و يجبر الوالد على ذلك. فاما إذا كان الولد موسرا فلا تجب نفقته على والده، سواء كان صغيرا أو كبيرا، بلا خلاف بيننا.
«فإذا تقرر ذلك فإن أنفق عليه و الا رفعه الى الحاكم، و أجبره الحاكم على الإنفاق. فان لم يكن حاكم يجبره على ذلك، فللولد عند هذه الحال الأخذ من مال والده، مقدار ما ينفقه على الاقتصاد، و يحرم عليه ما زاد على ذلك.
«و الوالد فما دام الولد ينفق عليه مقدار ما يقوم بأوده و سد خلته، من الكسوة و الطعام بالمعروف، فليس لوالده ان يأخذ من ماله بعد ذلك شيئا، لا لقضاء ديونه، و لا ليتزوج به، و لا ليحج به، و لا لغير ذلك. فان لم يكن الوالد معسرا و كان مستغنيا
274
من مال ولده، فلا يجوز ان يأخذ من ماله شيئا على كل حال، لا بالمعروف و لا غيره.
لان نفقة الوالد لا تجب على الولد عندنا الا مع الإعسار، فاما مع الاستغناء فلا تجب النفقة على ولده».
ثم نقل عن الشيخ في النهاية: جواز أخذ الوالد لحج الإسلام. ثم قال: الا انه رجع عنه في الاستبصار. فإنه- (رحمه الله)- قال. ثم نقل عبارته المتقدمة في صدر المسألة، ثم نقل عنه في الاستبصار في حيزه: أما موثقة سعيد بن يسار الاتية إنشاء الله، الدالة على الحج من مال ابنه الصغير، و انه ينفق من مال ولده. و انه أجاب عن الإنفاق بالحمل على ما إذا امتنع الولد من القيام به، و عن الحج بأنه محمول على انه يأخذ على وجه القرض على نفسه، إذا كان وجبت عليه حجة الإسلام.
ثم نقل عنه في الاستبصار أيضا، بحمل الأخبار الدالة على انه يطأ جارية ابنه، على ما إذا كان الابن صغيرا و قومها على نفسه، أو يكون هو القيم بأمورهم و الناظر في أموالهم.
ثم اعترضه في تجويزه أخذ نفقة الحج قرضا. قال: فان هذا لا يجوز، لانه لا تجب عليه الاستدانة ليحج بها، الا انه لو حج به كانت الحجة مجزية عما وجبت، و استقر في ذمته. انتهى.
أقول: و أنت خبير بأن ما ادعاه ابن إدريس هنا، من ان الشيخ رجع عما ذكره في النهاية، من جواز أخذ الوالد للحج في الاستبصار، و استدل بالعبارة المتقدمة، لا يخلو من خدش، فان من تأمل كلام الاستبصار في هذا المقام، من أوله الى آخره، يعلم ان العبارة المتقدمة، و ان أوهمت ما ذكره، الا ان آخر كلامه و حكمه بجواز القرض إذا كانت ذمة الأب مشغولة بالحج، مخصص للكلام المتقدم.
و لا فرق بين كلامه في النهاية و كلامه في الاستبصار، إلا إطلاقه في النهاية «جواز الأخذ للحج و ان لم يستطع قبل ذلك» و تقييده في الاستبصار بما إذا كانت الذمة مشغولة
275
بالحج، و أخذه على سبيل القرض. و لهذا نازعه في جواز القرض للحج ايضا. و بهذا يظهر انه لم يرجع عن أصل المسألة، كما هو ظاهر كلامه، و انما رجع عن ذلك الإطلاق الى هذا التقييد.
ثم ان ما ذكره في النهاية أيضا، بالنسبة إلى وطي الأب جارية ابنه، مطلق بالنسبة إلى الولد صغيرا كان أو كبيرا، و ظاهر الاستبصار التخصيص بالصغير.
قال ابن إدريس: و هذا هو الصحيح الذي عليه الإجماع، فاما إذا كان الولد كبيرا بالغا فلا يجوز للوالد وطي جاريته إلا باذنه على كل حال.
ثم انه في السرائر اعترض على الشيخ- رحمة الله عليه- أيضا في قوله في آخر كلامه بجواز أخذ الأم قرضا من مال ولدها مع الاستغناء، فقال بعد نقل كلام الشيخ (رحمه الله) المتقدم: و هذا غير واضح، لانه لا دلالة على ذلك.
و قوله (عليه السلام): «لا يحل مال مرء الا عن طيب نفس منه» (1).
و ايضا التصرف في مال الغير بغير اذنه قبيح عقلا و سمعا، فمن جوزه فقد اثبت حكما يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي. انتهى.
و ما ذكره ابن إدريس هنا محل نظر، لما سيأتي إنشاء الله تعالى عند نقل الاخبار، من جواز أخذها قرضا، مع تحقيق المسألة.
أقول: و الواجب هنا أو لا نقل الأخبار الواردة في المقام، ثم الكلام فيها بتوفيق الملك العلام، بما ينحل به عنها شبهة الإبهام، و ينجلي عنها غياهب الظلام.
(الأول): ما رواه
في الكافي و الفقيه، في الصحيح، عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن رجل لابنه مال، فيحتاج الأب إليه، قال: يأكل منه. فأما الأم فلا تأكل منه الا قرضا على نفسها (2).
(الثاني): ما رواه
في الكافي عن على بن جعفر عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: سألته
____________
(1) راجع الوسائل ج 3 ص 424 باب: 3 من أبواب مكان المصلي.
(2) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 5.
276
عن الرجل يأكل من مال ولده؟ قال: لا، الا ان يضطر إليه فيأكل منه بالمعروف، و لا يصلح للولد ان يأخذ من مال والده شيئا، إلا بإذن والده (1).
و رواه الحميري
في قرب الاسناد، عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر، الا انه قال: لا، إلا بإذنه أو يضطر فيأكل بالمعروف أو يستقرض منه حتى يعطيه إذا أيسر (2).
(الثالث): ما رواه
في الكافي و التهذيب في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي، عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لرجل: أنت و مالك لأبيك. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أحب ان يأخذ من مال ابنه الا ما احتاج اليه مما لا بد منه، ان الله عز و جل لا يحب الفساد (3).
(الرابع): ما رواه
في الكافي عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل يكون لولده مال، فأحب أن يأخذ منه، قال: فليأخذ. و ان كانت امه حية فما أحب ان تأخذ منه شيئا إلا قرضا على نفسها (4).
(الخامس): ما رواه
في الكافي و التهذيب، عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه، قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف.
و قال: في كتاب على (عليه السلام): ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا باذنه، و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، و له ان يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها. و ذكر ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك (5).
و رواه
الصدوق عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر (عليه السلام) في كتاب
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 6.
(2) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 6.
(3) الوسائل ج 12 ص 195 حديث: 2.
(4) الوسائل ج 12 ص 196 حديث: 7.
(5) الوسائل ج 12 ص 194- 195 حديث: 1.
277
على (عليه السلام): ان لم يكن الابن وقع عليها.
ثم قال: و في خبر آخر: لا يجوز ان يقع على جارية ابنه إلا بإذنه (1).
(السادس): ما رواه
في الكافي و الفقيه، عن الحسين بن ابى العلاء، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر اليه. قال: فقلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) للرجل الذي أتاه فقدم أباه، فقال له:
أنت و مالك لأبيك؟ فقال: انما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله هذا ابى، و قد ظلمني ميراثي من أمي، فأخبره الأب انه قد أنفقه عليه و على نفسه، فقال:
أنت و مالك لأبيك، و لم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحبس الأب للابن؟!.
و رواه الصدوق في كتاب معاني الاخبار في الحسن (2).
(السابع): ما رواه
الشيخ في الموثق عن سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أ يحج الرجل من مال ابنه و هو صغير؟ قال: نعم. قلت: يحج حجة الإسلام و ينفق منه؟ قال: نعم، بالمعروف. ثم قال: نعم، يحج منه و ينفق منه، ان مال الولد للوالد، و ليس للولد ان يأخذ من مال والده إلا بإذنه (3).
(الثامن): ما رواه
عن الحسين بن علوان، عن زيد بن على، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: انى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) رجل فقال: يا رسول الله، ان ابى عمد الى مملوك لي، فأعتقه كهيأة المضرة لي، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أنت و مالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانته، يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً، وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ، وَ يَجْعَلُ مَنْ يَشٰاءُ عَقِيماً. جازت عتاقة أبيك، يتناول والدك من مالك و بدنك، و ليس لك ان تتناول من ماله و لا من بدنه شيئا إلا بإذنه (4).
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 544 حديث: 6 و 7.
(2) الوسائل ج 12 ص 197 حديث: 8.
(3) الوسائل ج 12 ص 195- 196 حديث: 4.
(4) الوسائل ج 16 ص 78 حديث: 1 باب: 67 من أبواب العتق.
278
(التاسع): ما رواه أيضا
في الصحيح عن ابن سنان (1)- و الظاهر انه عبد الله- قال: سألته- يعني أبا عبد الله (عليه السلام)- ما ذا يحل للوالد من مال ولده؟ قال: أما إذا أنفق عليه ولده بأحسن النفقة، فليس له ان يأخذ من ماله شيئا. و ان كان لوالده جارية للولد فيها نصيب، فليس له ان يطأها الا ان يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه. قال:
و يعلن ذلك. قال: و سألته عن الوالد، أ يرزأ من مال ولده شيئا؟ قال: نعم، و لا يرزأ الولد من مال والده شيئا إلا بإذنه، فإن كان لرجل ولد صغار، لهم جارية، فأحب أن يفتضها فليقومها على نفسه قيمة، ثم ليصنع بها ما شاء، ان شاء وطأ و ان شاء باع (2).
(العاشر): ما رواه ايضا
عن إسحاق بن عمار في الموثق، عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الوالد، يحل له من مال ولده إذا احتاج اليه؟ قال: نعم، و ان كان له جارية فأراد أن ينكحها قومها على نفسه و يعلن ذلك، قال: و إذا كان للرجل جارية فأبوه أملك بها ان يقع عليها ما لم يمسها الابن (3).
(الحادي عشر): ما رواه
الصدوق في العيون و العلل، بسنده عن محمد بن سنان، ان الرضا (عليه السلام) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله: و علة تحليل مال الولد لوالده بغير اذنه، و ليس ذلك للولد، لان الولد موهوب للوالد في قوله عز و جل «يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ إِنٰاثاً وَ يَهَبُ لِمَنْ يَشٰاءُ الذُّكُورَ» مع انه المأخوذ بمؤنته صغيرا و كبيرا.
و المنسوب اليه و المدعو له، لقوله عز و جل «ادْعُوهُمْ لِآبٰائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللّٰهِ». و لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): «أنت و مالك لأبيك».
و ليس للوالدة مثل ذلك، لا تأخذ من ماله شيئا إلا بإذنه أو بإذن الأب، و لان الوالد مأخوذ بنفقة الولد و لا تؤخذ الام بنفقة ولدها (4).
____________
(1) بقرينة رواية ابن المغيرة عنه، و روايته عن الصادق- ع-.
(2) الوسائل ج 12 ص 195 حديث: 3. و الارزاء: الاصاب من شيء. يقال: أرزا الرجل ماله- بنصب المفعولين- اى أصاب من ماله شيئا بمعنى الأخذ مهما كان.
(3) الوسائل ج 12 ص 198- 199 حديث: 2.
(4) الوسائل ج 12 ص 197 حديث: 9.
279
(الثاني عشر): ما رواه
على بن جعفر في كتابه، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون لولده الجارية، أ يطأها؟ قال: ان أحب. و ان كان لولده مال، و أحب ان يأخذ منه فليأخذ. و ان كانت الأم حية فلا أحب ان تأخذ منه شيئا إلا قرضا (1).
(الثالث عشر): ما
في الفقه الرضوي، حيث قال (عليه السلام): اعلم انه جائز للوالد أن يأخذ من مال ولده بغير اذنه، و ليس للولد ان يأخذ من مال والده إلا بإذنه (2).
أقول: ظاهر كلام الأصحاب- في غير مسألتي الحج و وطئ الجارية-:
الاتفاق على انه لا يجوز للوالد الأخذ من مال ولده شيئا متى أنفق عليه و قام بما يحتاج اليه الا بإذنه.
قال في المنتهى: و لا يجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده البالغ مع الغناء عنه، و لا مع إنفاق الولد عليه. بالاتفاق، لأن الأصل عصمة مال الغير. انتهى.
و يدل على ذلك، من هذه الاخبار المذكورة: الخبر الثاني. لا سيما برواية الحميري.
و المراد بما يضطر اليه فيه: هو القوت الواجب على الولد، كما فسره الخبر السادس.
و يدل على ذلك- ايضا-: الخبر الثالث و السادس و التاسع.
و ما دلت عليه هذه الاخبار، المعتضدة باتفاق كلمة الأصحاب، هو الموافق للقواعد الشرعية، من الآيات القرآنية، و السنة النبوية، الدالة على تحريم التصرف في مال الغير إلا بإذن صاحبه.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 198 حديث: 10.
(2) مستدرك الوسائل ج 2 ص 454 باب: 62 من أبواب ما يكتسب به حديث: 3.
280
و لهذا ان الأصحاب أجمعوا على طرح ظاهر هذه الاخبار المخالفة لذلك، و تأولوها بالحمل على كون أخذ الوالد للنفقة.
الا أن الاخبار المذكورة تنبو عن ذلك، إذ لا فرق حينئذ بين الولد و الوالد، مع ان الروايات المذكورة دلت على الفرق، و انه انما يباح الأخذ للوالد خاصة دون الولد.
و كذلك الفرق في الاخبار المذكورة بين الام و الأب حيث منعت الام من الأخذ مع انها واجبة النفقة أيضا كالأب.
و بالجملة فإن الحمل المذكور، و ان أمكن إجراؤه في بعض، الا انه لا يتم في الجميع، كما عرفت.
و أجاب بعض الأصحاب، بان ما تضمن جواز أخذ الأب من مال الولد، محمول اما على قدر النفقة الواجبة عليه مع الحاجة، أو على الأخذ على وجه القرض، أو على الاستحباب بالنسبة إلى الولد. و ما تضمن منع الولد، محمول على عدم الحاجة، أو على الأخذ لغير النفقة الواجبة، و كذا ما تضمن منع الام، لجواز وجود الزوج لها فتجب نفقتها عليه لا على الولد.
و أنت خبير بما في ذلك كله من البعد، الا انه لا مندوحة عن المصير اليه لعدم إمكان الوقوف على ظواهر هذه الاخبار.
و الأظهر عندي هو: حمل هذه الاخبار- و ان تعددت- على التقية، لاتفاق الأصحاب على ترك العمل بها، مضافا الى خروجها عن مقتضى القواعد الشرعية.
و بعد التأويلات التي ذكروها، مع إمكان إرجاع بعضها الى ما يوافق القول المشهور.
و يشير الى ما ذكرناه من الحمل المذكور: الخبر الثالث، حيث انه (عليه السلام) بعد ان نقل الخبر النبوي الدال على الحكم المذكور، أضرب عنه تنبيها و اشارة الى عدم صحته. و الا فكيف ينقله و هو صحيح عنده، ثم يخالفه و يسمي ذلك فسادا،
281
و ان الله لا يحب الفساد.
و قد اشتمل خبر الحسين بن علوان- و هو الخبر الثامن و رجاله من العامة و الزيدية- على المبالغة التامة في معنى هذا الخبر، و أكثر أخبار الجواز انما تدور على هذا الخبر، مع انك عرفت من الخبر السادس تأويل الخبر المذكور بما يدفع الاستناد اليه.
و اما الكلام في وطئ جارية الابن، فقد عرفت من كلام الشيخ في الاستبصار، التخصيص بالصغير، مع تقويم الجارية على نفسه و ان أطلق ذلك في النهاية.
و أنت خبير بان ظاهر الخبر الخامس: جواز وقوعه على جارية ابنه الكبير، فان قوله (عليه السلام) فيه: «ان لم يكن الابن وقع عليها» لا يجري في الصغير. و الخبر التاسع، ظاهر في جواز وطئه لجارية ولده.
و اما الخبر العاشر فهو مطلق شامل بإطلاقه للولد الصغير و الكبير، و عجزه ظاهر في الابن الكبير.
و كذلك الخبر الثاني عشر مطلق. و من ذلك يعلم مستند كلام الشيخ في النهاية، و يظهر ان اعتراض ابن إدريس فيما تقدم من كلامه على النهاية ليس في محله.
الا انه يمكن ان يقال: ان هذه الاخبار، الظاهرة في جواز وطئ الأب جارية ابنه الكبير بغير إذنه، مخالفة لمقتضى القواعد الشرعية، و حينئذ يكون سبيلها سبيل الروايات المتقدمة، من وجوب الحمل و التأويل فيها بما قدمناه.
و اما الابن الصغير فالأمر فيه أهون، لأن ولاية التصرفات في ماله للأب، و الروايات قد دلت على تصرف الأب في جاريته على الوجه المذكور فيها، و ليس فيها من الخروج عن القواعد ما في رواية جارية الابن الكبير.
282
و اما مسألة الحج، فقد تقدم الكلام فيها في كتاب الحج، و بينا: ان سبيل الرواية الواردة به، سبيل الروايات الدالة على الأخذ من مال الابن مطلقا، و لا معنى لمنع القول بتلك الروايات، مع القول بهذه، كما صار اليه الشيخ و من تبعه و الله العالم.
تتمة [في تناول الزوجة من مال زوجها و العكس]
اتفق الأصحاب على ان المرأة لا يجوز لها ان تتصدق بشيء من مال زوجها.
إلا المأدوم.
قال في المنتهى: لا يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها شيئا قل أو كثر، إلا المأموم إجماعا، فإنه يجوز لها ان تأخذ منه الشيء اليسير و تتصدق به، ما لم يؤد الى الضرر بالزوج، أو لم يمنعها بصريح القول، انتهى.
و يدل على ذلك: ما رواه
في الكافي و التهذيب، في الموثق، عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما يحل للمرأة ان تتصدق به من مال زوجها بغير اذنه؟
قال: المأدوم (1).
و اما ما رواه
في التهذيب عن على بن جعفر (عليه السلام) انه سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن المرأة، لها ان تعطى من بيت زوجها بغير اذنه؟ قال: لا، الا ان يحللها (2).
فيجب حمله على الخبر الأول، حمل المطلق على المقيد، كما هو القاعدة المشهورة نصا و فتوى.
و مثل هذا الخبر الأخير: ما رواه
في الفقيه في حديث وصية النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لعلى (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 201 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: باب: 82.
283
عن حماد بن عمرو، و انس بن محمد، عن أبيه جميعا، عن جعفر بن محمد، عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: يا على، ليس على النساء جمعة- الى ان قال- و لا تعطى من بيت زوجها شيئا بغير اذنه (1).
و يحتمل العمل بظاهر هذين الخبرين، و حمل الأول على حصول الرضا و ان لم يصرح بالاذن.
و الى ذلك يميل كلام صاحب الوسائل، الا ان شهرة الحكم بين الأصحاب، بل الاتفاق عليه كما عرفت، يوجب المصير إلى التأويل الأول.
قال في الدروس: و المأدوم: ما يؤتدم به كالملح و اللحم. و في التعدية إلى الخبز و الفواكه نظر، انتهى.
و لا يجوز للرجل- ايضا- ان يأخذ من مال زوجته إلا بإذنها، للأصل الدال على عصمة مال الغير، فأما إذا إباحته أو وهبته، اقتصر على ما تعلق به ذلك.
و روى
الكليني و الشيخ، في الموثق، عن سعيد بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، امرأة دفعت الى زوجها مالا من مالها ليعمل به، و قالت له- حين دفعت إليه-: أنفق منه، فان حدث بك حدث فما أنفقت منه لك حلال طيب، و ان حدث بي حدث فما أنفقت منه فهو حلال طيب. فقال: أعد على يا سعيد المسألة، فلما ذهبت أعيد عليه المسألة، اعترض فيها صاحبها و كان معى حاضرا فأعاد عليه مثل ذلك، فلما فرغ، أشار بإصبعه الى صاحب المسألة، و قال:
يا هذا، ان كنت تعلم انها قد أفضت (2) بذلك إليك فيما بينك و بينها و بين الله فحلال طيب- ثلاث مرات- ثم قال: يقول الله جل اسمه في كتابه «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» (3).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 201 حديث: 3.
(2) و في التهذيب بدل «أفضت»: «ارضت».
(3) الوسائل ج 12 ص 199 حديث: 1.
284
و روى في التهذيب في الموثق، عن سماعة قال: سألته عن قول الله عز و جل «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» قال: يعنى بذلك أموالهن التي في أيديهن مما يملكن (1).
و عن هشام و غيره في الصحيح، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في الرجل تدفع إليه امرأته المال فتقول: اعمل به و اصنع به ما شئت. إله ان يشترى الجارية يطأها؟
قال: لا، ليس له ذلك (2).
و عن الحسين بن المنذر قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): دفعت الى امرأتي مالا اعمل به، فاشترى من مالها الجارية أطأها؟ قال: فقال: أرادت أن تقر عينك و تسخن عينها (3)؟! و رواه في الفقيه عن حفص بن البختري عن الحسين المنذر..
أقول: في هذين الخبرين ما يشير الى تقييد المطلق بما دلت عليه قرائن الحال، فإن الاذن في الخبرين، و لا سيما الأول، و ان كان مطلقا في جميع وجوه الانتفاع، الا انه لما كان المعلوم من المرأة الغيرة و عدم الرضا بامرأة عليها، جارية أو غيرها منعه (عليه السلام) من ذلك.
و ظاهر الخبرين المذكورين: تحريم الشراء، وقوفا على ظاهر النهي، في الأول و التعليل في الثاني.
و ظاهر كلام من وقفت عليه: الكراهة. صرح بذلك في القواعد، و المحقق، و الشيخ على في الشرح.
فقال- بعد ذكر المصنف ذلك-: لان فيه مقابلة نفعها بإضرارها بها.
و لقول الصادق (عليه السلام) و قد سأله الحسين بن المنذر. ثم ساق الرواية كما قدمناه.
و قال في الدروس: و الزوج يحرم عليه تناول شيء من مالها، الا برضاها،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 199- 200 حديث: 22490.
(2) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: 1 باب: 81.
(3) الوسائل ج 12 ص 200 حديث: 2 باب: 81.
285
و لو ملكته (1) مالا كره له التسري به، و يحتمل كراهة جعله صداقا لضرة إلا بإذنها.
انتهى.
و أنت خبير بما فيه- اما أولا- فلما عرفت من دلالة الخبرين المذكورين على التحريم. و- اما ثانيا- فلاتفاقهم على تحريم تصرف الزوج في مال زوجته إلا بإذنها. و من المعلوم المقطوع، بالنظر الى قرائن الأحوال، كما أشار إليه (عليه السلام) في الخبرين المذكورين، عدم الاذن في هذا التصرف الخاص فان حاصل كلامه (عليه السلام): ان هذا التصرف مستثنى من عموم اللفظ الدال على إباحتها له التصرف في مالها.
____________
(1) الظاهر انه اشارة الى ما دل عليه الخبران المتقدمان. و أنت خبير بأنهما لا ظهور لهما في التمليك، بل ظاهرهما انما هو الاذن له في الاتجار به، المكنى عنه بالعمل به.
نعم فيه الإذن بأن يتصرف فيه بالأكل و الشرب و اللبس و نحوها. و الظاهر: انه لهذا منعوا- ع- من ان يتسرى منه. و الحمل على التحريم و الحال هذه ظاهر. و اما مع تمليكه فالظاهر انه كذلك لما ذكرناه في الأصل. منه (قدس سره).
286
المسألة الخامسة [في تناول المارة من الثمرة و شرائطه]
اختلف الأصحاب في جواز التناول لمن مر بالزرع أو الشجر اتفاقا، هل يجوز له الأكل منه أم لا؟
فالمشهور، الجواز، بل ادعى عليه في الخلاف الإجماع.
قال الشيخ في النهاية: إذا مر الإنسان بالثمرة، جاز له ان يأكل منها بقدر كفايته، و لا يحمل منها شيئا على حال.
و كذا قال على بن بابويه و ابنه في المقنع. و بذلك قال ابن البراج و أبو الصلاح.
و قال ابن إدريس: إذا مر الإنسان بالثمرة جاز له ان يأكل منها قدر كفايته، و لا يحمل منها شيئا على حال، من غير قصد إلى الثمرة للأكل، بل كان مجتازا في حاجة، ثم مر بالثمار، سواء كان أكله منها لأجل الضرورة أو غير ذلك، على ما رواه أصحابنا، و أجمعوا عليه. لأن الاخبار في ذلك متواترة، و الإجماع منهم منعقد. و لا يعتد بخبر شاذ، أو خلاف من لا يعرف اسمه و نسبه، لان الحق مع غيره.
و نقل عن الشيخ- في المسائل الحائرية-: تخصيص الجواز بالنخل.
287
و الى المنع مال جملة من المتأخرين، منهم العلامة في المختلف. و في القواعد جعل المنع أحوط.
و بالمنع صرح ولده «فخر المحققين» في الشرح على ما نقله عنه بعض مشايخنا المعاصرين. و كذا المحقق الشيخ على في شرحه، قال: و الحق انه لا يجوز. تمسكا بالدلائل القاطعة على تحريم مال المسلم الا عن طيب نفسه منه، سوى بيوت من تضمنته الآية الأكل من بيوتهم. و القائل: الشيخ، استنادا الى بعض الاخبار التي لا تنهض معارضتها لدلائل التحريم.
و نقل في المسالك القول بالمنع عن المرتضى في المسائل الصيداوية.
و اختلف كلام المحقق هنا في الشرائع، ففي كتاب البيع، جزم بالجواز من غير نقل خلاف. و في كتاب الأطعمة، تردد في الجواز.
و كذلك كلام شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، فان ظاهره في كتاب البيع الميل الى الجواز، حيث انه نقل عن العلامة حمل اخبار الجواز على ما إذا علم بشاهد الحال الإباحة. ثم قال: و هو بعيد. ثم نقل عن الشيخ الجمع بين الاخبار بحمل اخبار المنع على الكراهة أو على النهى عن الحمل، ثم قال: و هو جمع حسن. هذا كلامه- (رحمه الله)- هنا.
و قال في كتاب الأطعمة- بعد ذكر المصنف المسألة-: و قد اختلف الأصحاب فيه بسبب اختلاف الرواية و بالجواز قال الأكثر، و به روايتان مرسلتان لا تقاومان ما دل عليه الدليل عموما، من تحريم تناول مال الغير بغير اذنه، فالمنع لا يحتاج إلى رواية تخصه، و ما ورد فيه فهو مؤكد، مع انه من الصحيح. انتهى. و هو كما ترى ظاهر في اختياره المنع.
استدل القائلون بالمنع بصحيحة الحسن بن يقطين الاتية، و اعتضادها بالقرآن الكريم المتضمن للنهى عن أكل مال بغير تراض، و بقبح التصرف في مال الغير، و باشتمالها على الحظر و هو مقدم على ما تضمن الإباحة عند التعارض، لان دفع
288
الضرر اولى من جلب النفع. و حملوا الأخبار المنافية على ما تقدم في كلام المسالك نقلا عن العلامة.
و احتج المجوزون بمرسلة ابن ابى عمير، و رواية محمد بن مروان، و قد تقدم نقل جمع الشيخ بين الاخبار.
أقول: و الواجب هنا أولا نقل ما وصل الى من الاخبار الواردة عنهم- (عليهم السلام)- ثم الكلام فيها بما يقتضيه المقام.
فمنها: ما رواه
في الكافي عن عبد الله بن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس بالرجل يمر على الثمرة و يأكل منها و لا يفسد، قد نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) ان تبنى الحيطان بالمدينة لمكان المارة، قال: و كان إذا بلغ نخلا أمر بالحيطان فخرقت (فخربت) لمكان المارة (1). و رواه احمد بن ابى عبد الله البرقي في المحاسن عن أبيه عن يونس بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سنان مثله..
و عن ابى الربيع عن ابى عبد الله (عليه السلام) نحوه الا انه قال: و لا يفسد و لا يحمل (2).
و روى في الفقيه مرسلا، قال: قال الصادق (عليه السلام): من مر ببساتين فلا بأس ان يأكل من ثمارها و لا يحمل منها شيئا (3).
و ما رواه
في التهذيب بطرق ثلاثة، عن ابى داود عن بعض أصحابنا عن محمد بن مروان، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أمر بالثمرة فآكل منها؟ قال: كل و لا تحمل. قلت: جعلت فداك، ان التجار قد اشتروها و نقدوا أموالهم، قال:
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 139 حديث: 1 باب: 17.
(2) الوسائل ج 6 ص 140 حديث: 2 باب: 17.
(3) الوسائل ج 12 ص 16 حديث: 8.
289
اشتروا ما ليس لهم (1) كذا في سند من الأسانيد الثلاثة المذكورة. و في سند آخر «قلت: فإنهم اشتروها؟ قال: كل و لا تحمل».
و عن يونس عن بعض رجاله عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يمر بالبستان و قد حيط عليه أو لم يحط عليه، هل يجوز ان يأكل من ثمرة؟ و ليس يحمله على الأكل من ثمره الا الشهوة، و له ما يغنيه من الأكل من ثمره، و هل له ان يأكل من جوع؟ قال: لا بأس ان يأكل و لا يحمله و لا يفسده (2).
و عن ابن ابى عمير عن بعض أصحابنا، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمر بالنخل و الثمرة، فيجوز له ان يأكل منها من غير اذن صاحبها، من ضرورة أو غيرها؟ قال: لا بأس (3).
و ما رواه
في الكافي عن السكوني، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه و آله) فيمن سرق الثمار في كمه، فما أكل منه فلا اثم عليه، و ما حمل فيغرمها و يغرم قيمته مرتين (4).
و رواه الشيخ ايضا.
و ما رواه
على بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يمر على ثمرة فيأكل منها، قال: نعم، قد نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان تستر الحيطان برفع بنائها (5).
و روى الصدق في كتابه «إكمال الدين» بسنده عن محمد بن جعفر الأسدي، فيما ورد عليه من محمد بن عثمان العمرى، في جواب مسائله عن صاحب الزمان (عليه السلام) و عجل الله تعالى فرجه، قال: أما ما سألته من أمر الثمار من أموالنا يمر به
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 13 ص 15 حديث: 5.
(3) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 3.
(4) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 1.
(5) الوسائل ج 13 ص 14 حديث: 2.
290
المار فيتناول منه و يأكل، هل يحل له ذلك؟ فإنه يحل له أكله، و يحرم عليه حمله (1) و رواه الطبرسي في الاحتجاج عن ابى الحسن محمد بن جعفر مثله..
و روى في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم مولانا أبا الحسن على بن محمد- (عليهما السلام)-، من مسائل داود الصرمي، قال: سألته عن رجل دخل بستانا، أ يأكل من ثمرها من غير علم صاحب البستان؟ قال:
نعم (2).
هذا ما وقفت عليه (3) من الاخبار الدالة على القول المشهور، و هي ظاهرة الدلالة على ذلك تمام الظهور، و قد تقدم- ايضا- من برهان المسألة الثانية، مرسلة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 16 حديث: 9.
(2) الوسائل ج 12 ص 16 حديث: 11.
(3) أقول: و العلامة في المنتهى لم ينقل في هذا المقام إلا رواية محمد بن مروان و مرسلة يونس الدالتين على الجواز، ثم نقل مرسلة مروك بن عبيد، و قال.
و الحديثان الأولان يدلان على اباحة التناول من الثمرة، فإن عملنا بهما خصصناهما بالثمرة مع عدم العلم بكراهة المالك، على الأقوى. اما لو علم من صاحبه الكراهة فالوجه عندنا: التحريم. اما الزرع فالأظهر عندي تحريم التناول، عملا بالرواية و بالأصل الدال على التحريم السالم من المعارض. انتهى، و كلامه- كما ترى- يدل على الفرق بين الثمرة و الزرع، و لم أقف على قائل به سواه، مع ان صحيحة ابن ابى عمير المرسلة قد دلت على الجواز في الزرع، و لكنه لم يطلع عليها، فما ذكره من الفرق غير جيد، الا ان الأظهر هو ما أشرنا إليه في الأصل، من ان إدخال السنبل في المسألة ليس مما ينبغي، لعدم الأكل منها على تلك الحال.
منه (قدس سره).
291
يونس الدالة على ما كان يفعله الصادق (عليه السلام) في ضيعته «عين زياد» (1).
و اما ما يدل من الاخبار على القول الأخر، فمنها: ما رواه
الشيخ في الصحيح عن على بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع و النخل و الكرم و الشجر و المباطخ و غير ذلك من الثمر، أ يحل له ان يتناول منه شيئا، و يأكل بغير اذن صاحبه؟ و كيف حاله ان نهاه صاحب الثمرة، أو أمره القيم فليس له، و كم الحد الذي يسعه ان يتناول منه؟ قال: لا يحل له ان يأخذ منه شيئا (2).
و عن مروك بن عبيد عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له:
الرجل يمر على قراح الزرع و يأخذ منه السنبلة. قال: لا. قلت: أى شيء السنبلة!.
قال: لو كان كل من يمر به يأخذ منه سنبلة كان لا يبقى شيء (3).
أقول: الظاهر ان هذا الخبر لا يدخل في سياق هذه الاخبار، فلا معنى لإجرائه في هذا المضمار. فان موضوع المسألة هو الأكل من الثمار في مكانه من غير ان يحمله. و من الظاهر ان السنبلة ليست من المأكول على تلك الحال. و ان الظاهر انما هو ارادة حمله معه، لا إرادة أكله. و المنع في هذه الصورة مما لا خلاف فيه.
و عن محمد الحلبي عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن البستان ان يكون عليه المملوك أو أجير ليس له من البستان شيء. فيتناول الرجل من بستانه؟ فقال:
ان كان بهذه المنزلة لا يملك من البستان شيئا، فما أحب ان يأخذ منه شيئا.
و روى في قرب الاسناد عن مسعدة بن زياد، عن جعفر بن محمد (عليه السلام) انه سئل عما يأكل الناس من الفاكهة و الرطب مما هو حلال لهم، فقال: لا يأكل أحد الا من ضرورة، و لا
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 140 حديث: 2 باب: 18.
(2) الوسائل ج 13 ص 15 حديث: 7.
(3) الوسائل ج 13 ص 15 حديث: 6.
292
يفسد، إذا كان عليها فناء محاط، و من أجل الضرورة نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) ان يبنى على حدائق النخل و الثمار بناء لكي لا يأكل منها أحد (1).
و أنت خبير بأن هذه الاخبار تقصر عن معارضة الأخبار المتقدمة، الا انه مع عدم القول بها فلا بد لها من محمل تحمل عليه.
و قد تقدم حمل الشيخ لها على الكراهة، أو الحمل. و قد تقدم ايضا حمل العلامة للأخبار الدالة على الجواز على ما إذا علم ذلك بشاهد الحال. و هو غير بعيد، بقرينة روايات هدم الحيطان.
و جمع في الوافي بين الاخبار بأنه يمكن تخصيص الجواز بالبلاد التي تعرف من أرباب بساتينها و زروعها عدم المضايقة في مثله لوفورها عندهم. و هو و ان كان لا يخلو عن بعد، الا انه في مقام الجمع غير بعيد.
و ربما أشعر ظاهر رواية قرب الاسناد بالجمع بين الاخبار بالضرورة و عدمها حيث انها أشعرت بأنه (صلى الله عليه و آله) انما نهى عن الحيطان من أجلها، الا انه يدفعه ما تقدم من الاخبار الدالة على الجواز من غير ضرورة.
و بالجملة، فإن القول المشهور، و ان كان لا يخلو من قوة، لكثرة الأخبار الدالة عليه، الا ان المسألة غير خالية عن شوب الاشكال، لعدم المحمل الظاهر لاخبار المنع.
و لا يحضرني الان مذهب العامة في هذه المسألة لعرض هذه الاخبار عليه فيؤخذ منها بما يخالفه و يصار اليه.
و كيف كان، فان الظاهر من النصوص و كلام الأصحاب في المقام انه يشترط في الجواز شروط ثلاثة:
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 16 حديث: 10.
293
(أحدها): ان يمر بالثمر، بمعنى ان يكون المرور اتفاقيا. و على هذا فلو قصدها ابتداء لم يجز له الأكل، اقتصارا في الرخصة المخالفة للأصل على موضع اليقين. و هو اتفاق النص و الفتوى.
و المراد بالمرور هنا: ان يكون الطريق قريبة منها، بحيث يصدق- عرفا- انه مر بها، لا ان يكون الطريق على نفس الشجرة أو ملاصقة للبستان.
و (ثانيها): ان لا يفسد. و الظاهر ان المراد بالإفساد: هدم حائط، أو كسر غصن، أو نحو ذلك.
و زاد بعض الأصحاب: ان لا يأكل منها شيئا كثيرا، بحيث يورث فيها أثرا بينا يصدق معه الإفساد عرفا. قال: و يختلف ذلك باختلاف كثرة الثمرة و قلتها، و كثرة المارة و قلتهم. و هو غير بعيد ايضا. و ان كان المتبادر الأول.
و (ثالثها): ان لا يحمل منها شيئا، بل يأكل في موضعه. و قد دل خبر السكوني المتقدم على انه يغرم ما حمله، أو يغرم قيمته. و الظاهر ان المراد بقوله «مرتين» ان الغرم يتعدد.
و زاد بعض الأصحاب (رابعا) و هو: عدم علم الكراهة.
و (خامسا) هو: عدم ظنها. و استحسنه في المسالك.
و يدفعه: قوله- في رواية محمد بن مروان: «قد اشتروا ما ليس لهم» فإنه يشعر بأن هذا حق للمارة ليس لهم المنع منه.
و (سادسا) هو: كون الثمرة على الشجرة.
أقول: و لا بأس به، فإنه هو الظاهر من الاخبار.
294
المسألة السادسة في أحكام الأرضين
و هي- على ما ذكره الأصحاب، (رضوان الله عليهم)، و صرحت به الاخبار عنهم- (عليهم السلام)-: على أربعة أقسام:
الأول- المفتوحة عنوة.
الثاني- أرض أسلم عليها أهلها طوعا.
الثالث- ارض الصلح.
الرابع- أرض الأنفال.
فالبحث هنا يقع في مقامات أربعة:
[المقام] الأول: الأرض المفتوحة عنوة
، اى بالقهر و الغلبة و السيف.
و حكمها- على ما صرح به غير واحد من الأصحاب، و به صرح أيضا أخبار الباب- انها للمسلمين قاطبة، من وجد و من سيوجد الى يوم القيامة، ليس للغانمين منها الا كغيرهم من المسلمين.
الا ان جملة من الأصحاب صرحوا بأن ذلك بعد إخراج خمسها لذوي الخمس.
و ربما خصه بعضهم بزمان وجود الامام (عليه السلام)، قال: و اما في الغيبة ففي الاخبار
295
ما يدل على انه لا خمس فيها.
قال في المنتهى: الأرضون أربعة أقسام، أحدها: ما يملك بالاستغنام و يؤخذ قهرا بالسيف. فإنها تكون للمسلمين قاطبة، فلا تختص بها المقاتلة، بل يشاركهم غير المقاتلة من المسلمين. و كما لا يختصون بها كذلك لا يفضلون، بل هي للمسلمين قاطبة. و ذهب إليه علماؤنا اجمع.
و قال في المبسوط- بعد كلام في المقام، و ذكر مكة و ارض السواد و نحوهما-:
و الذي يقتضيه المذهب، ان هذه الأراضي و غيرها من البلاد التي فتحت عنوة، يكون خمسها لأهل الخمس، و أربعة أخماسها يكون للمسلمين قاطبة، الغانمون و غير الغانمين في ذلك سواء.
«و يكون للإمام النظر فيها و تقبيلها و تضمينها بما شاء، و يأخذ ارتفاعها و يصرفه في مصالح المسلمين و ما ينوبهم من سد الثغور و معونة المجاهدين و بناء القناطر و غير ذلك من المصالح، و ليس للغانمين في هذه الأرض خصوصا شيء، بل هم و المسلمون فيه سواء.
«و لا يصح بيع شيء من هذه الأرضين و لا هبته و لا معاوضته و لا تمليكه و لا وقفه و لا رهنه و لا إجارته و لا إرثه، و لا يصح ان تبنى دورا و منازل و مساجد و سقايات و لا غير ذلك من أنواع التصرفات التي تتبع الملك، و متى فعل شيء من ذلك كان التصرف باطلا و هو باق على الأصل.
«و على الرواية التي رواها أصحابنا «ان كل عسكر أو فرقة غزت بغير اذن الامام فغنمت تكون الغنيمة للإمام خاصة» هذه الأرضون و غيرها مما فتحت بعد الرسول الا ما فتح في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) ان صح شيء من ذلك، يكون للإمام خاصة، و يكون من جملة الأنفال التي له خاصة لا يشركه فيها غيره انتهى.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في هذا المقام: ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد الحلبي، قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن السواد ما منزلته؟ فقال: هو لجميع
296
المسلمين، لمن هو اليوم و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، و لمن لم يخلق بعد، فقلت:
الشراء من الدهاقين؟ قال: لا يصلح الا ان يشترى منهم على ان يصيرها للمسلمين، فإذا شاء ولى الأمر أن يأخذها أخذها. قلت: فإن أخذها منه قال: يرد عليه رأس ماله، و له ما أكل من غلتها بما عمل (1).
و عن محمد بن شريح، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء الأرض من ارض الخراج فكرهه، و قال: إنما أرض الخراج للمسلمين. فقالوا له: فإنه يشتريها الرجل و عليه خراجها. فقال: لا بأس، الا ان يستحيي من عيب ذلك (2).
و ما رواه
في التهذيب و الفقيه عن ابى الربيع الشامي، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال لا تشتر من ارض السواد شيئا الا من كانت له ذمة، فإنما هو فيء للمسلمين (3).
و ما رواه
في التهذيب عن صفوان في الصحيح، قال: حدثني أبو بردة بن رجاء قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ترى في شراء ارض الخراج؟ قال: و من يبيع ذلك، و هي أرض المسلمين. قال: قلت: يبيعها الذي هي في يده. قال: و يصنع بخراج المسلمين ما ذا؟ ثم قال: لا بأس ان يشترى حقه منها و يحول حق المسلمين عليه، و لعله يكون أقوى عليها و املى بخراجهم منه (4).
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول:
رفع الى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجل مسلم اشترى أرضا من أراضي الخراج. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): له ما لنا و عليه ما علينا، مسلما كان أو كافرا، له ما لأهل الله و عليه ما عليهم (5).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 275 حديث: 9.
(3) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 5.
(4) الوسائل ج 11 ص 118 حديث: 1 باب: 71.
(5) الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 6.
297
و ما رواه
في الكافي عن صفوان بن يحيى و احمد بن محمد بن ابى نصر جميعا، قالا: ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج، و ما سار فيها أهل بيته. فقال:
من أسلم طوعا تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر، مما سقى بالسماء و الأنهار، و نصف العشر مما كان بالرشا، فيما عمروه منها. و ما لم يعمروه منها أخذه الإمام فقبله ممن يعمره، و كان للمسلمين. و على المتقبلين في حصصهم العشر و نصف العشر. و ليس في أقل من خمسة أوسق شيء من الزكاة. و ما أخذ بالسيف، فذلك الى الامام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بخيبر، قبل سوادها و بياضها، يعني أرضها و نخلها. و الناس يقولون: لا تصلح قبالة الأرض و النخل، و قد قبل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خيبر. قال: و على المتقبلين سوى قبالة الأرض العشر و نصف العشر في حصصهم. ثم قال: ان أهل الطائف أسلموا و جعلوا عليهم العشر و نصف العشر. و ان مكة دخلها رسول الله- (صلى الله عليه و آله)- عنوة، و كانوا أسراء في يده فأعتقهم، و قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء (1).
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن احمد بن محمد بن ابى نصر، قال: ذكرت لأبي الحسن الرضا- (عليه السلام)- الخراج و ما سار به أهل بيته. فقال: العشر و نصف العشر على من أسلم طوعا، تركت أرضه في يده و أخذ منه العشر و نصف العشر فيما عمر منها. و ما لم يعمر منها أخذه الوالي فقبله ممن يعمره، و كان للمسلمين و ليس فيما كان أقل من خمسة أو ساق شيء. و ما أخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبله بالذي يرى، كما صنع رسول الله (صلى الله عليه و آله) بخيبر، قبل أرضها و نخلها، و الناس يقولون:
لا تصلح قبالة الأرض و النخل، إذا كان البياض أكثر من السواد. و قد قبل رسول الله (صلى الله عليه و آله) خيبر و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر (2).
و في مرسلة حماد بن عيسى الطويلة عن العبد الصالح ابى الحسن الأول (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 1 باب: 72 من أبواب جهاد العدو.
(2) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 2.
298
و الأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في أيدي من يعمرها و يحييها، و يقوم عليها على ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم، من حق الخراج:
النصف أو الثلث أو الثلثين على قدر ما يكون لهم صلاحا و لا يضرهم. ثم ذكر إخراج العشر و نصف العشر من الخارج (1).
و تنقيح البحث في المقام يقع في موارد:
[المورد] الأول [حكمها في حضور الإمام و غيبته]:
ظاهر عبارة المبسوط المتقدمة هو: المنع من التصرف في هذه الأراضي بجميع وجوه التصرفات، مطلقا في حضور الامام و غيبته. و نحوه صرح في المنتهى. و هو ظاهر عبارات أكثر الأصحاب في هذا الباب.
و ظاهر كلام الدروس: التخصيص بحال حضور الامام. قال- (رحمه الله)- و لا يجوز التصرف في المفتوح عنوة، بإذن الإمام (عليه السلام) سواء كان بالوقف أو البيع أو غيرهما. نعم في حال الغيبة ينفد ذلك و أطلق في المبسوط: ان التصرف فيها لا ينفد.
انتهى.
و الى ذلك يميل كلام المحقق الثاني في شرح القواعد، فإنه- بعد ذكر عبارة المصنف الدالة بإطلاقها على ما ذكره في المبسوط- قال، ما صورته: هذا في حال ظهور الامام (عليه السلام) اما في حال الغيبة فينفذ ذلك كله، كما صرح به في الدروس و صرح به غيره. انتهى.
و اعترض ذلك المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد بأن هذه الأراضي ملك للغير، و البيع و الوقف موقوفان على كونها ملكا للبائع و الواقف. قال: بل تحصل الشبهة في جواز هذه حال الحضور، لبعد حصول الاذن بذلك منه (عليه السلام) الا ان يقتضي المصالح العامة ذلك، بان يجعل قطعة منها مسجدا لهم، أو حصل الاحتياج الى ثمنها.
انتهى.
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 84- 85 حديث: 1 باب: 41.
299
و ظاهر كلام جملة من الأصحاب، و منهم ابن إدريس، ان جواز التصرف بالبيع و نحوه انما هو فيما يملكه البائع من الآثار التي في تلك الأرض.
قال ابن إدريس- بعد نقله القول بالمنع من التصرف، ما صورته-: ان قيل:
نراكم تبيعون و تشترون و تقفون ارض العراق و قد أخذت عنوة! قلنا: انا نبيع و نقف تصرفنا فيها و تحجيرنا و بنياننا، فاما نفس الأرض فلا يجوز ذلك فيها.
و بذلك ايضا صرح في المسالك، فقال- بعد قول المصنف «و لا يصح بيعها و لا وقفها»-: انه لا يصح شيء من ذلك في رقبتها مستقلة، اما فعل ذلك لها تبعا لآثار التصرف، من بناء و غرس و زرع و نحوها، فجائز على الأقوى. فإذا باعها بايع مع شيء من هذه الآثار دخلت في البيع على سبيل التبع، و كذا الوقف و غيره، و يستمر ذلك ما دام شيء من الآثار باقيا، فإذا ذهبت اجمع انقطع حق المشترى و الموقوف عليه و غيرهما عنها. هكذا ذكره جمع من المتأخرين و عليه العمل. انتهى.
أقول: و تحقيق الكلام في المقام ان يقال: لا ريب ان هذه البلاد المفتوحة عنوة، منها ما هو عامر وقت الفتح، و منها ما هو بائر. و الأشهر الأظهر ان الحكم مخصوص بالعامر، دون القسم الأخر فإنه للإمام، نظرا الى عموم الأخبار الدالة على اختصاص موات الأرضين به- (عليه السلام)- و انها من جملة الأنفال كما تقدم تحقيقه في كتاب الخمس.
بقي الكلام في أنها وقت الفتح كانت تلك الاملاك، من دور و نخيل و بساتين، في أيدي ملاك لها يومئذ؟.
و ظاهر الاخبار و كلام الأصحاب الدال على ان ما كان عامرا وقت الفتح فهو للمسلمين كافة، شامل للأرض و ما فيها من تلك الآثار يومئذ، و ان مرجع ذلك الى الامام- (عليه السلام)- يقبله و يصرف حاصله في مصالح المسلمين. و حينئذ فليس لأولئك الملاك قبل الفتح التصرف إلا بإذن الإمام (عليه السلام) و الاستيجار منه (عليه السلام)
300
فقول ابن إدريس و من تبعه: انا نبيع املاكنا و آثارنا و بنياننا، انما يتم لو كان الذي للمسلمين وقت الفتح انما هو رقبة الأرض العامرة خاصة، و اما الأملاك فإنها على هذا ملك لمن في يده، و هو خلاف الظاهر من الاخبار و من كلامهم، كما عرفت.
و بالجملة، فإني لا اعرف لكلامهم وجه استقامة، الا ان يخص ملك المسلمين وقت الفتح برقبة الأرض دون ما فيها. و فيه: ما عرفت. أو انه يجدد أحد بعد الفتح بناء أو غرسا أو نحو ذلك فالبيع و الشراء أو الوقف و نحوها انما هو فيما كان كذلك و هذا ايضا غير مستقيم، لان هذه الأرض حينئذ انما هي من البائرة وقت الفتح التي قد عرفت انها من الأنفال و هي خارجة عن محل البحث.
نعم يمكن ان يقال: ان هذه الاملاك و الأراضي بعد الفتح إذا تقبلها أحد من الامام و عمرها و بنى فيها و غرس و زرع و تصرف بهذه التصرفات و نحوها، مع دفعه كل سنة وجه القبالة له (عليه السلام) أو نائبه، فإنه يجوز البيع و الشراء و الوقف في تلك الاملاك المحدثة، مع القيام بما عليها من وجه القبالة، دون رقبة الأرض.
و الى ذلك يشير خبر بردة بن رجاء المتقدم، و رواية محمد بن شريح المتقدمة أيضا، و نحوهما غيرهما، و ظاهر هذه الاخبار وقوع البيع و الشراء في هذه الأراضي في وقتهم- (عليهم السلام)- و ان لم يكن بإذنهم. و منه يظهر قوة ما ذهب اليه ابن إدريس و من تبعه. الا ان هذا لا يجري في بناء المساجد.
الا ان يقال: انها من المصالح العامة للمسلمين التي هي أحد مصارف هذه الأراضي، فيجوز بناؤها لذلك، و اما وقف أرضها على المسجدية، كما هو ظاهر كلام الأصحاب في بحث المساجد، فلا يتصور هنا. لأن الأراضي غير مملوكة للواقف و هو شرط صحة الوقف، إلا انك قد عرفت في بحث المساجد من كتاب الصلاة: انه لا دليل على ما ذكروه من اشتراط الوقفية في أرض المسجد، فلا اشكال.
و على ما حققناه فيجب تقييد كلام الشيخ و اتباعه بالمنع من التصرف في
301
الأرض المفتوحة عنوة، بما ذكره ابن إدريس و من تبعه من تخصيص ذلك برقبة الأرض و الاملاك الموجودة فيها حال الفتح، دون ما يحدث فيها من العمارات و الزراعات و الغرس و نحو ذلك من المتقبلين لها كما ذكرناه، و يخص ايضا كلام ابن إدريس بذلك، فان ظاهر إطلاق كلامه شمول ما ذكره للعمارات الموجودة يوم الفتح. و قد عرفت انها للمسلمين قاطبة، فلا يجرى فيها ما ذكره. بل يجب تخصيصه بما ذكرناه.
و التحقيق عندي في هذا المقام، على ما ادى اليه فهمي القاصر من اخبارهم- (عليهم السلام)- و ان كان خلاف ما عليه علماؤنا الأعلام، هو: انه مع وجود الامام (عليه السلام) أو نائبه و تمكنهما من القيام بالأحكام الشرعية، فالمرجع إليهما في ذلك و لا يجوز التصرف بشيء من أنواع التصرفات إلا بإذن أحدهما.
و اما مع عدم ذلك فظاهر كلمة الأصحاب: الرجوع الى الجائر المتولي لأخذ الخراج من تلك الأراضي، كما تقدم ذكره في مسألة حل الخراج، فان ظاهرهم:
وجوب الرجوع اليه و عدم جواز التصرف إلا باذنه، و ان أمكن الرجوع الى النائب في الاستيذان. و عندي فيه نظر، لعدم الدليل عليه، بل وجود الدليل على خلافه كما ستعرف إنشاء الله تعالى.
و احتمال التصرف فيها للشيعة مطلقا، و الحال هذه، لا يخلو من قوة. لأنها و ان كانت منوطة بنظر الامام (عليه السلام) كما هو مدلول خبري أحمد بن محمد بن ابى نصر المتقدمتين، و كذا رواية حماد بن عيسى، مع وجوده و تمكنه، الا انه مع عدم ذلك لا يبعد سقوط الحكم و جواز التصرف، و ليس الرجوع الى حاكم الجور- بعد تعذر الرجوع اليه- ع- كما عليه ظاهر الأصحاب- بأولى من الرجوع الى المسلمين يتصرفون كيف شاؤا و أرادوا، لا سيما مع استلزام ما ذكروه المعاونة على الإثم و العدوان، و تقوية الباطل و تشييد معالمه، للنهى عنه كتابا و سنة.
302
و غاية ما يدل عليه الاخبار التي استندوا إليها فيما ذكروه من الأحكام، هو: انه إذا استولى الجائر على تلك الأراضي جاز الأخذ منه و الشراء و نحو ذلك، و لا دلالة في شيء منها على المنع من التصرف إلا بإذنه كما ادعوه و يدل على ما ذكرناه- أولا- الأخبار الدالة على ان الأرض كلها لهم (عليهم السلام) و ان شيعتهم في سعة و رخصة من التصرف فيها في زمن عدم تمكنهم.
فمن ذلك
صحيحة أبي خالد الكابلي، عن ابى جعفر- (عليه السلام)- قال: وجدنا في كتاب على- (عليه السلام)- «إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَ الْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (1) انا و أهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، و نحن المتقون، و الأرض كلها لنا، فمن أحيى أرضا من المسلمين فليعمرها و ليؤد خراجها الى الامام من أهل بيتي، و له ما أكل منها.
فان تركها و أخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و أحياها، فهو أحق بها من الذي تركها، يؤدى خراجها الى الامام من أهل بيتي، و له ما أكل منها حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها و يمنعها و يخرجهم منها، لما حواها رسول الله (صلى الله عليه و آله) و منعها، الا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم و يترك الأرض في أيديهم (2).
و في صحيحة عمر بن يزيد المتضمنة لحمل مسمع بن عبد الملك الى الصادق (عليه السلام) مالا من الخمس و رده (عليه السلام) له عليه و إباحته له، ما صورته: يا أبا سيار، ان الأرض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شيء فهو لنا- الى ان قال-: يا أبا سيار قد طيبناه لك و حللناك منه. فضم إليك مالك، و كل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم محللون و محلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا فنجبيهم طسق ما كان في أيدي سواهم، فان كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم و يخرجهم
____________
(1) سورة الأعراف: 128.
(2) الوسائل ج 17 ص 329 حديث: 2.
303
منها صغرة (1).
و قد تقدمت جملة من الاخبار الدالة على ان الأرض كلها لهم- (عليهم السلام)- في كتاب الخمس.
لا يقال: انه يجب تخصيص هذه الاخبار بالأراضي الموات لمعلومية ملك الناس لما في أيديهم، و بيعه و شراؤه و توارثه و نحو ذلك.
لأنا نقول: لا منافاة بين ما دلت عليه هذه الاخبار من كونها كملا لهم- (عليهم السلام)- و بين ما ذكره، لان تملكهم على حسب ملك الله، فإنه هو المالك الحقيقي، و ملكهم متفرع على ملكه سبحانه، كما يشير اليه بعض الاخبار المتقدمة في الموضع المشار اليه، من
قول ابى جعفر- (عليه السلام)-، قال: قال رسول الله- (صلى الله عليه و آله و سلم)-: خلق الله آدم و أقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لادم فهو لرسول الله- (صلى الله عليه و آله)- و ما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد (صلى الله عليه و آله) (2).
و الى ذلك يشير حكمهم- (عليهم السلام)- بأن ما في أيدي مخالفيهم من الأراضي غصب محرم عليهم التصرف فيه (3).
بل ورد في بعض الاخبار تحريم مشيهم على الأرض (4)، حيث انها لهم- (عليهم السلام)- و انه بعد خروج القائم- (عجل الله فرجه الشريف)- يخرجهم من الأرض و يجعلها دونهم، و ان ما في أيدي الشيعة الان من الاملاك قد احلوهم به، فتصرفهم و تملكهم انما هو من حيث التحليل لهم، و انه بعد خروج قائمهم يأخذ الطسق منهم و يقرهم على ما في أيديهم و لا يخرجها من أيديهم، و حينئذ فلا منافاة
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 382 حديث: 12.
(2) الكافي ج 1 ص 409 حديث: 7.
(3) تقدم من ذلك في صحيحة عمر بن يزيد عن الوسائل ج 17 ص 329 حديث: 2.
(4) راجع: الكافي ج 1 ص 407 و الوسائل ج 6 ص 379 فما بعد.
304
بحمد الله سبحانه.
و مما ذكرناه ثبت جواز تصرفهم في هذه الأراضي التي هي محل البحث لدخولها تحت عموم هذه الاخبار، و يخص ما ورد من التوقف على اذن الامام بزمان وجوده و بسط يده، أو وجود نائبه كذلك، جمعا بين الأدلة.
و ثانيا: الأخبار التي قدمناها، مثل موثقة حريز، (1) و رواية محمد بن شريح، (2) و رواية أبي بردة بن رجاء (3) و نحوها
رواية إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) في حديث، قال: و سألته عن رجل اشترى أرضا من ارض الخراج فبنى بها أو لم يبن، غير ان أناسا من أهل الذمة نزلوها، له ان يأخذ منهم اجرة البيوت، إذا أدوا جزية رؤسهم؟ قال: يشارطهم. فما أخذه بعد الشرط فهو حلال (4).
فان ظاهر هذه الاخبار- كما ترى باعتبار ضم بعضها الى بعض- هو: جواز البيع و الشراء من تلك الأراضي مع قيام المشترى بما عليها من الخراج، و ان لم يكن البيع بإذنهم- (عليهم السلام).
و حمل ذلك على كون البيع أولا و بالذات انما تعلق بملك البائع و آثاره التي في تلك الأرض، و بيع الأرض انما وقع ثانيا و بالعرض، كما تقدم نقله عن جملة من الأصحاب، لا إشعار في تلك الاخبار به، كما لا يخفى على من راجعها و تأملها.
و اما قوله- في رواية أبي بردة-: «لا بأس ان يشترى حقه» فيمكن حمله على-
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 6.
(2) الوسائل ج 12 ص 275 حديث: 9.
(3) الوسائل ج 11 ص 118 حديث: 1.
(4) الوسائل ج 12 ص 275 حديث: 10.
305
الحق الذي هو بمعنى أولوية التصرف فيها (1) حيث سبق إليها و ملكها بذلك.
و يحمل ظاهر المنع- الذي أشعرت به تلك الاخبار من حيث كونها فيئا للمسلمين- على الشراء على وجه يتملكه بذلك، من غير وجوب دفع حق المسلمين منها، و هو خراج الأرض المذكورة، كما ينادى به سياقها.
و على ذلك يحمل إطلاق رواية أبي الربيع الشامي (2).
و اما ما تضمنه
صحيح الحلبي (3) من «جواز الشراء من الدهاقين و انه ان شاء ولى الأمر ان يأخذها».
فهو محمول على وجود الامام (عليه السلام) و تمكنه.
و يعضد ذلك، الأخبار الدالة على ان لهم من الحق منها ما هو أزيد من ذلك، و انهم بعد خروج صاحب الأمر يزادون، كما في
صحيحة عبد الله بن سنان عن أبيه، قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ان لي أرض خراج، و قد ضقت بها ذرعا.
قال: فسكت هنيئة، ثم قال: ان قائمنا لو قد قام كان نصيبك في الأرض أكثر منها، و لو قد قام قائمنا كان الأستان أمثل من قطائعهم (4):.
____________
(1) أقول: و مما يعضد ذلك و يوضحه: ما في رواية
محمد بن مسلم و عمر ابن حنظلة عن ابى عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن ذلك، فقال: لا بأس بشرائها، فإنها إذا كانت بمنزلتها في أيديهم، تؤدي عنها كما يؤدون عنها.
(الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 3)، فإنها كما ترى ظاهرة الدلالة في ان الجواز و المنع دائران مدار قيام المشترى بخراجها و دفعه للإمام (عليه السلام) و عدمه. فالبيع فيها جائز و ان كانت ليست ملكا حقيقيا كسائر الاملاك التي لا يتعلق بها طسق و لا خراج. و النهى انما هو من حيث شرائها لتكون ملكا له لا يدفع خراجها و لا أجرتها. و بالجملة فالأمر ظاهر لمن نظر في هذه الاخبار. منه (قدس سره).
(2) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 5.
(3) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 4.
(4) الكافي ج 5 ص 283 حديث: 5. و الأستان- بضم الهمزة: مجموعة قرى كانت قرب بغداد.
306
و عن أبي إبراهيم بن ابى زياد في الموثق قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشراء من أرض الجزية، قال: فقال: اشترها، فان لك من الحق ما هو أكثر من ذلك (1).
و عن زرارة في الصحيح عن ابى عبد الله- (عليه السلام)- انه قال: إذا كان ذلك كنتم الى ان تزادوا أقرب منكم الى ان تنقصوا (2).
المورد الثاني [في أراضي المفتوحة عنوة]
، قال في المبسوط: ظاهر المذهب ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فتح مكة عنوة بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك. و انما لم يقسم الأرضين و الدور، لأنها لجميع المسلمين، كما نقوله في كل ما يفتح عنوة، إذا لم يمكن نقله الى بلاد الإسلام، فإنه يكون للمسلمين قاطبة، و قد من النبي (صلى الله عليه و آله) على رجال من المشركين فأطلقهم. و عندنا: ان للإمام (عليه السلام) ان يفعل ذلك و كذلك أموالهم من عليهم لما رآه من المصلحة. و اما السواد فهي الأرض المغزوة من الفرس التي فتحها عمر، و هي سواد العراق. فلما فتحت بعث عمار بن ياسر أميرا، و ابن مسعود قاضيا و واليا على بيت المال، و عثمان بن حنيف ماسحا، الى ان قال: و كذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) لما افضى إليه الأمر أمضى ذلك، لانه لم يمكنه ان يخالف و يحكم بما يجب عنده.
و الذي يقتضيه المذهب: ان هذه الأراضي و غيرها. الى آخر ما قدمنا نقله عنه في صدر المسألة.
أقول: ظاهر كلام الشيخ في هذا المقام يؤذن بعدم ثبوت كون ارض السواد عنده من المفتوحة عنوة، حيث ان الذي فتحها ليس بإمام حق، و ان اجراء أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمان خلافته عليها حكم الأرض المفتوحة عنوة، انما هو من حيث عدم
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 4.
(2) رواه في الوسائل عن حريز. و لكن التهذيب رواها عن حريز عن زرارة. راجع الوسائل ج 11 ص 119 حديث: 5.
307
تمكنه من اقامة الحكم الشرعي فيها، كما في كثير من الأحكام، فان مقتضى الحكم فيها حيث انها فتحت بغير اذنه ان تكون من الأنفال، لكن رعاية التقية أوجبت له العمل فيها بما جرى عليه الولاة المتقدمون.
و عندي فيه نظر، و ان تلقاه بعض متأخري مشايخنا المحققين عنه بالقبول، و ذلك فان الظاهر من بعض الاخبار: ان أكثر الفتوحات التي صدرت من عمر كان برأي الامام و اذنه (عليه السلام)
فروى الصدوق في الخصال في باب السبعة، في بيان ما امتحن الله تعالى أوصياء الأنبياء- (عليهم السلام)- عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل مع اليهودي- قال (عليه السلام)-: في أثنائه: و اما الرابعة يا أخا اليهودي، فان القائم بعد صاحبه كان يشاورني في موارد الأمور و مصادرها فيصدرها عن امرى و يناظرني في غوامضها فيمضيها عن رأيي، الحديث (1).
و يعضد ذلك حكم الأئمة- (عليهم السلام)- بأن أرض السواد مما فتح عنوة كما تقدم في صحيحة الحلبي (2) و رواية أبي الربيع الشامي (3) و رواية أحمد بن محمد بن ابى نصر (4).
فان الجميع ظاهر في انها من الأراضي الخراجية التي يجب إجراء أحكام الأراضي الخراجية عليها، و لو كان ما يدعيه الشيخ و من تبعه حقا، لما كان لهذه الاخبار معنى.
و ظاهر الأصحاب: القول بها من غير خلاف يعرف، الا ما يظهر من كلام المبسوط. و الظاهر انه نشأ عن غفلة عن ملاحظة الأخبار المذكورة.
و يزيد ذلك تأييدا ما رواه
الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم عن ابى
____________
(1) الخصال باب السبعة ج 2 ص 374.
(2) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 4.
(3) الوسائل ج 12 ص 274 حديث: 5.
(4) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 2.
308
جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن سيرة الإمام في الأرض التي فتحت بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: ان أمير المؤمنين قد سار في أهل العراق سيرة هي إمام لسائر الأرضين (1) الحديث.
و يعضد ذلك قبول سلمان ولاية المدائن، و عمار امارة العساكر، كما تقدم في كلام الشيخ.
و بذلك يظهر ما في كلام المحقق الأردبيلي في هذا المقام، حيث انه يظهر منه المناقشة في كون ارض العراق فتحت عنوة، مستندا الى وقوع الخلاف بين العلماء في ذلك، حيث نقل العلامة في التذكرة ان بعض الشافعية قال: انها فتحت صلحا. قال: و هو محكي عن أبي حنيفة. و قال بعضهم: اشتبه الأمر على، و لا أدرى فتح عنوة أو صلحا.
ثم قال المحقق المذكور: على انه قد اشترط- في المشهور عندنا و كاد يكون إجماعا- في المفتوحة عنوة كون الفتح بإذن الإمام (عليه السلام)، و العلم بذلك في شيء من الأراضي غير معلوم، لان العراق المشهورة بذلك فتحت في زمان الثاني، و ما تحقق كونه بإذن أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل الظاهر عدمه، لعدم اختياره، و ما ثبت كون مولانا الحسن (عليه السلام) معهم. ثم نقل كلام الشيخ و قوله: و على رواية رواها أصحابنا. الى آخره، كما قدمناه.
ثم قال: و هذه كالصريحة في نفى كون العراق مفتوحة عنوة، بل في عدم كونها مفتوحة بالمعنى الذي تقدم. انتهى ملخصا.
و ليت شعري كأنه لم يراجع الأخبار التي أشرنا إليها، مما هو صريح الدلالة واضح المقالة في إجرائهم- (عليهم السلام)- حكم المفتوحة عنوة على تلك الأراضي.
و اما قوله: و ما تحقق كون الفتح بإذن أمير المؤمنين (عليه السلام). الى آخره.
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 117 حديث: 2.
309
ففيه: ان الظاهر انما هو رضاه (عليه السلام) به ان لم نقل انه باذنه. و ذلك لانه (عليه السلام) صاحب الأمر بعد النبي (صلى الله عليه و آله) فهو يحب ظهور الإسلام و قوته، و ان لم يكن على يده، فان الغرض من أصل البعثة و من النيابة فيها انما خمود منار الكفر و ظهور صيت الإسلام.
فهو (عليه السلام) و ان لم يكن متمكنا من الأمر و النهى و تنفيذ الجيوش، الا ان غرضه الأصلي و مطلبه الكلى حاصل بذلك. فكيف يكرهه و لا يرضاه؟! و هذا بحمد الله سبحانه وجه وجيه، لمن أخذ بالإنصاف و ارتضاه، و يخرج ما قدمنا شاهدا لمن عرف الحق و وعاه.
و يؤيد ذلك- ايضا- ما ورد في أخبارنا، و كذا
في اخبار العامة: ان الله يؤيد هذا الذين أو يعزه بالظالم (1)-.
هذا حاصل الخبر حيث لا يحضرني الان نفسه.
و نقل بعض فضلائنا عن بعض كتب التواريخ قال: و كأنه من الكتب المعتبرة في هذا الفن، أن الحيرة و هي من قرى العراق تقرب الكوفة فتحت صلحا، و ان نيسابور من بلاد خراسان فتحت صلحا، و قيل: عنوة. و بلخ و هرات منها، و قوشج م. ه. معرفة
____________
(1) جاء في وسائل الشيعة ج 4 ص 1170 باب أنه يكره ان يقال: «اللهم اجعلني ممن تنتصر به لدينك» الا ان يقيده بما يزيل الاحتمال. من أبواب الدعاء من كتاب الصلاة.
عن يونس بن يعقوب عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه كتب اليه بعض أصحابه يسأله أن يدعو الله ان يجعله ممن ينتصر به لدينه، فأجابه (عليه السلام) و كتب في أسفل كتابه: «يرحمك الله، انما ينتصر الله لدينه بشر خلقه».
و ورد في البخاري في كتاب الجهاد الحديث رقم: 182. و في كتاب المغازي الحديث رقم: 38. و في مسلم في كتاب الايمان الحديث رقم 178. و في سنن ابن ماجة في كتاب الفتن الحديث رقم: 35.
و في مسند احمد بن حنبل ج 2 ص 309: «ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر».
و هكذا في ج 5 ص 45 فراجع.
310
و التوابع فتحت صلحا. و بعض آخر فتح صلحا و بعض عنوة. و بالجملة فإن بلاد خراسان مختلفة في كيفية الفتح.
و اما بلاد الشام و نواحيها فحكى ان حلب و حمى و حمص و طرابلس فتحت صلحا و ان دمشق فتحت بالدخول من بعض الأبواب غفلة، بعد ان كانوا طلبوا الصلح.
و ان أهل طبرستان صالحوا أهل الإسلام. و ان أذربيجان فتحت صلحا. و ان أهل أصفهان عقدوا أمانا. و الري فتحت عنوة. انتهى.
و حكى العلامة في المنتهى عن الشافعي: ان مكة فتحت صلحا بأمان قدمه (صلى الله عليه و آله و سلم) لهم قبل دخوله. قال: و هو منقول عن أبي سلمة بن عبد الرحمن و مجاهد.
ثم انه- (رحمه الله)- نسب الى الظاهر من المذهب: انها فتحت بالسيف ثم أمنهم بعد ذلك. و نقله عن مالك و ابى حنيفة و الأوزاعي.
و قد ذكر في المنتهى ان حد سواد العراق في العرض، من منقطع الجبال بحلوان الى طرف القادسية المتصل بعذيب من ارض العرب. و من تخوم الموصل طولا الى ساحل البحر ببلاد عبادان من شرقي دجلة، فأما الغربي الذي يليه البصرة فإنما هي إسلامي مثل شط عثمان ابن ابى العاص و ما والاها كانت سباخا و مواتا فأحياها عثمان ابن ابى العاص.
أقول: و الذي يظهر لي من الاخبار هو فتح مكة و العراق عنوة، و ان كان قد من على أهل مكة كما تقدم في كلام الشيخ بأموالهم. و اما غير هذين الموضعين المذكورين فهو محل الاشتباه، لعدم النص الوارد في شيء من ذلك. و الاعتماد في الأحكام الشرعية على مجرد كلام المؤرخين محل اشكال و الله العالم.
المورد الثالث [في صعوبة معرفة العامرة وقت الفتح]:
قد عرفت فيما تقدم، ان موات الأرض المفتوحة عنوة وقت الفتح انما هو للإمام (عليه السلام) من جملة الأنفال. و ان كان ظاهر بعض العبارات
311
كون الأرض المفتوحة عنوة للمسلمين كافة من غير تقييد بالعامرة، الا ان كلام الأكثر قد اشتمل على التقييد بالعامرة. و هو الظاهر، نظرا إلى إطلاق الاخبار الدالة على ان موات الأرض من جملة الأنفال، أعم من ان تكون الأرض من المفتوحة عنوة أم لا.
و من هنا ينقدح إشكال في هذا المقام، و ذلك لان ما يكون معمورا من الأراضي لا يعلم انه كان معمورا وقت الفتح حتى يجب العمل فيه بحكم المفتوحة عنوة، من كونه للمسلمين و ما يترتب على ذلك من أحكام الخراج. إذ يجوز ان يكون في ذلك الوقت مواتا، و انما أحيا بعد ذلك، و قد عرفت: ان موات الأرض لهم- (عليهم السلام)- و انهم قد أحلوا شيعتهم بالتصرف فيها، فتكون للمحيين، لا يتعلق بها خراج بالكلية.
و اما ما صار اليه بعض أصحابنا من الاستدلال على ان المعمور الان كان معمورا وقت الفتح بضرب الخراج الان، و لو من الجائر و أخذه المقاسمة من ارتفاعها، عملا بأن الأصل في تصرفات المسلمين الصحة. فإنه لا يخفى ما فيه، فان بناء الأحكام الشرعية على مثل هذه التعليلات الواهية لا يخلو عن مجازفة كما عرفت في غير مقام مما تقدم، لا سيما مع ما نشاهده الان و نعلمه علما قطعيا لا يختلجه الريب من تعدى الحكام و ظلم الرعية، و أخذهم الزيادات على الحقوق الموظفة عرفية كانت أو شرعية، فكيف يمكن الاستدلال بمجرد ضربهم الخراج الان على أرض معمورة انها كانت كذلك أيام الفتح، نعم لو كان الإمام إمام عدل لتم البحث.
و بالجملة فإن التمسك بأصالة العدم أقوى دليل في المقام حتى يقوم ما يوجب الخروج عنه كما هو القاعدة بينهم في جملة الأحكام.
و اما التمسك هنا بان الأصل في تصرفات المسلم الصحة فالظاهر ضعفه.
أما أولا، فلما عرفت من معلومية الظلم و الجور من هؤلاء الذين ادعى حمل
312
تصرفاتهم على الصحة، و عدم وقوفهم عند الحدود الشرعية و الرسوم المحمدية.
و اما ثانيا، فلان الظاهر ان المستند في هذا الأصل انما هي الأخبار الدالة على حسن الظن بالمؤمن (1) مثل خبر
«احمل أخاك المؤمن على سبعين محملا من الخير».
الحديث و نحوه، و من الظاهر انه لا سبيل الى دخول هؤلاء الفجرة الفساق، الذين قد اشتهروا بفسقهم و كفرهم على الإطلاق، بالخروج عن القول بإمامة امام الافاق على انا لا نسلم دخولهم في المسلمين الا على سبيل التجوز بمنتحل الإسلام، كما عليه الخوارج و أمثالهم في هذا المقام، و قد تقدم في كتاب الطهارة تفصيل هذا الإجمال و توضيحه بما لا يداخله النزاع و لا الجدال، و الا فانا لا نعرف لهذه الأصالة معنى، إذ لم يرد بمضمونها خبر على الخصوص، و انما مستندها ما أشرنا إليه من النصوص، و الحال فيها ما عرفت من عدم دخول أولئك اللصوص.
و على هذا فيزول جملة الإشكال في هذا المقام، و يجب الحكم بتملك كل من في يده شيء من تلك الأراضي، من غير ان يجب عليه دفع ما يدعونه من الخراج، و ان ما يؤخذ منه الان من الخراج ظلم و عدوان في أمثال هذه الأزمان، و اما ما يتعلق بإحياء الموات من الأحكام التي ذكرها الأصحاب- رضى الله عنهم- في المقام و وردت بها الاخبار عنهم- (عليهم السلام)- فسيأتي إنشاء الله تعالى في كتاب احياء الموات.
المورد الرابع [في وجوب خمس هذه الأراضي]:
قد تقدم في عبارة المبسوط وجوب إخراج الخمس من هذه الأراضي المفتوحة عنوة، كغيرها من الغنائم المنقولة. و بذلك صرح من تأخر عنه من أصحابنا من غير خلاف يعرف، الا ان المسألة عندي لا تخلو من شوب الاشكال، و قد تقدم تحقيق الكلام في ذلك في كتاب الخمس، فليرجع اليه من أحب الوقوف عليه.
____________
(1) ورد في الكافي ج 2 ص 362: «ضع أمر أخيك على أحسنه.» كتاب الايمان و الكفر. باب التهمة و سوء الظن.
313
المقام الثاني في الأرض التي أسلم عليها أهلها طوعا
و الظاهر: انه لا خلاف بين الأصحاب في أن أرضهم لهم، يتصرفون فيها تصرف الملاك في ملاكهم، إذا عمروها. و انما عليهم فيها الزكاة خاصة.
انما الخلاف فيما إذا تركوا عمارتها و بقيت خرابا فالمنقول عن الشيخ و ابى الصلاح: ان الامام (عليه السلام) يقبلها ممن يعمرها، و يعطى صاحبها طسقها و يعطى المتقبل حصته، و ما يبقى فهو لمصالح المسلمين، يجعل في بيت مالهم.
و قال ابن حمزة: إذا تركوا عمارتها صارت للمسلمين، و أمرها للإمام- (عليه السلام).
و قال ابن البراج: و إذا تركوا عمارتها حتى صارت خرابا كانت حينئذ لجميع المسلمين، يقبلها الامام (عليه السلام) ممن يقوم بعمارتها بحسب ما يراه، من نصف أو ثلث أو ربع.
و قال ابن إدريس: الأولى ترك ما قاله الشيخ، فإنه مخالف للأصول و الأدلة العقلية و السمعية، فإن ملك الإنسان لا يجوز لأحد أخذه و لا التصرف فيه بغير اذنه
314
و اختياره، فلا يرجع عن الأدلة باخباره الآحاد.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار في ذلك ما تقدم قريبا، من رواية صفوان و احمد بن محمد بن ابى نصر جميعا (1) و صحيحة أحمد بن محمد بن ابى نصر (2) الدالتين على ان ما لم يعمروه من تلك الأراضي يأخذه الإمام (عليه السلام) فيقبله ممن يعمره، و يكون للمسلمين.
و هما ظاهرتا الدلالة في قول ابن البراج و ابن حمزة.
و ما ذكره الشيخ من انه يعطى صاحبها طسقها، لا اشعار فيهما به، فضلا عن الدلالة عليه.
و قال في المختلف- بعد نقل ما قدمناه من الأقوال-: و الأقرب ما اختاره الشيخ.
لنا: انه أنفع للمسلمين و أعود عليهم، و كان سائغا، فأي عقل يمنع من الانتفاع بأرض يترك أهلها عمارتها، و إيصال أربابها حق الأرض، مع ان الروايات متظافرة بذلك. ثم ذكر رواية صفوان و احمد بن محمد بن ابى نصر و صحيحة أحمد بن محمد ابن ابى نصر.
ثم انه احتج لابن حمزة و ابن البراج، بما رواه
معاوية بن وهب في الصحيح قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أيما رجل أتى خربة فاستخرجها، و كرى أنهارها و عمرها، فان عليه فيها الصدقة، و ان كانت ارض لرجل قبله فغاب عنها و تركها فأخربها ثم جاء بعد يطلبها، فإن الأرض لله و لمن عمرها (3).
ثم أجاب عن الرواية
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 1 باب: 72.
(2) الوسائل ج 11 ص 120 حديث: 2 باب: 72.
(3) الكافي ج 5 ص 279 حديث: 2 و الرواية كانت ملحونة في المتن جدا، كما في غالب ما ينقله المؤلف- (رحمه الله)- فصححناها على نسخ المصادر الصحيحة.
م. ه. معرفة.
315
بالحمل على ارض الخراج.
أقول: لا يخفى ما في كلامه- (رحمه الله)- في هذا المقام.
اما أولا، فلان ما ذكره من التعليل العقلي عليه عليل لا يبرد الغليل و لا يهدى الى سبيل. فان كلام ابن إدريس- هنا لولا الروايتين المذكورتين- قوى متين، إذ لا ريب في قبح التصرف في ملك الغير بغير رضاه، كما دلت عليه الآية و الرواية (1) و هذا هو الذي أشار إليه ابن إدريس بالدليل العقلي هنا.
و اما ترتب الانتفاع للمسلمين فلا يصح لان يكون وجها في حل التصرف بغير رضا صاحبها، و الا لجاز غصب أموال الناس و صرفها في مصالح المسلمين، و هذا لا يقول به أحد.
و بالجملة فإنه مع قطع النظر عن الخبرين المذكورين، فقول ابن إدريس جيد متين.
و اما ثانيا، فلان الخبرين- كما عرفت- انما يدلان على قول ابن حمزة و ابن البراج، لا على قول الشيخ كما زعمه.
و اما ثالثا، فلان ما أورده من صحيحة معاوية بن وهب، (2) لا دلالة لها على القول المذكور بوجه، كما لا يخفى.
و الظاهر من صدر الخبر المذكور انما هو: الحمل على أرض الأنفال، و هي الأرض الخربة من اى صنف كانت من أصناف الأراضي، فإن المحيي لها أحق
____________
(1) و الآية هي: قوله تعالى «لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ، إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ» سورة النساء: 29 و الرواية هي: قوله- ع-: «لا يحل دم امرء مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفسه». راجع:
الوسائل ج 3 ص 424 حديث: 6090.
(2) قد تكرر من المصنف قوله: «معاوية بن عمار» هنا و فيما سبق، و لكنا صححناه بما في المتن في كلا الموضعين، وفق نسخة المصدر الصحيحة.
316
بالتصرف فيها.
و اما قوله «و ان كانت أرضا لرجل قبله» فيحتمل حمله على الأرض الخراجية، بعد زوال آثار تصرف المالك الأول، فإنها كما تقدم في كلام شيخنا الشهيد الثاني، تخرج عن ملك الأول، لزوال آثار ملكه، و تعود إلى أصلها، من كونها للمسلمين قاطبة.
و على ما قدمناه يجوز التصرف فيها لمن سبق إليها.
و يحتمل الحمل- ايضا- على أرض الأنفال التي أحلوا- (عليهم السلام)- للشيعة التصرف فيها زمان الغيبة، فإنه بعد زوال آثار تصرف المالك الأول ترجع الى حالها الأصلي، و هو ملك الامام (عليه السلام).
و نحوها في ذلك ما تقدم في
صحيحة أبي خالد الكابلي، من قوله (عليه السلام) «فان تركها أو أخرجها و أخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها فهو أحق بها من الذي تركها» الحديث (1).
و نحوهما صحيحة عمر بن يزيد (2).
و ظاهر هذه الاخبار: انقطاع حق الأول منها، و انها تكون ملكا صرفا للمحيي الثاني، و هو أحد القولين في المسألة.
و قيل بالعدم، و يدل عليه
صحيحة سليمان بن خالد. قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي الأرض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها و يزرعها ما ذا عليه؟ قال: عليه الصدقة. قلت: فان كان يعرف صاحبها. قال: فليؤد إليه حقه (3).
و الأقرب عندي في الجمع بين هذه الرواية و بين الروايات المتقدمة، هو حمل الروايات المتقدمة على ما إذا ملكها الأول بالاحياء، فإنه يزول ملكه بعد زوال آثاره،
____________
(1) الكافي ج 5 ص 279 حديث: 5.
(2) الوسائل ج 6 ص 382 حديث: 12.
(3) الوسائل ج 17 ص 329 حديث: 3.
317
و ترجع الى حالها الأول، كما تقدم. و تحمل هذه الرواية على ما إذا ملكها الأول بغير الأحياء، من شراء أو إرث و نحوهما، فإنه لا يزول ملكه عنها، و ان صارت خربة.
و القائلون بالقول الثاني من القولين المذكورين اختلفوا، فبعض قال بأنه لا يجوز إحياؤها و لا التصرف فيها مطلقا، الا بإذن الأول. و ذهب جماعة إلى جواز إحيائها و كون الثاني أحق بها، لكن لا يملكها بذلك، بل عليه ان يؤدى طسقها إلى الأول أو وراثه. و لم يفرقوا في ذلك بين ما يدخل في ملكه بالإحياء أو غيره من الأسباب الموجبة للملك، إذا صار مواتا. و نقل عن الدروس: انه ذهب الى وجوب استيذان المحيي من المالك الأول، فإن امتنع فالحاكم. فان تعذر الأمر ان جاز الأحياء، و على المحيي طسقها للمالك.
و ضعف هذه الأقوال ظاهر، بضعف القول الذي تفرعت عليه. لدلالة الأخبار التي قدمناها على خلافه، و صحيحة سليمان بن خالد التي هي مستند هذا القول، لا صراحة فيها على ما ادعوه، لإمكان حملها على ما قدمناه، و به تجتمع مع الاخبار الأخر، و الله العالم بحقائق أحكامه.
318
المقام الثالث في أرض الصلح
و هي التي صولح أهلها على ان تكون الأرض لهم، و انهم يقرون على دينهم، و لكن عليهم الجزية، اما على رؤسهم أو على أرضهم، حسب ما يراه الامام- (عليه السلام).
و جعلها على الأرض، بأن يصالحهم على ثلث الحاصل أو ربعه أو نصفه مثلا، و هذه الأرض ملك لهم يتصرفون فيها بما شاؤا من بيع و غيره، و عليهم الجزية المقررة.
و يملكها المسلم بوجه مملك كالبيع و نحوه، و لا ينتقل ما على الأرض لو كانت الجزية عليها الى المسلم. لان المسلم لا جزية عليه، بل ترجع إلى البائع الذمي.
و لو أسلم صاحب الأرض سقطت الجزية عنه، لما عرفت من ان المسلم لا جزية عليه، و كانت أرضه له لا يتعلق بها جزية، كما في سائر المسلمين.
و لو وقع الصلح بان تكون الأرض للمسلمين خاصة و يكون للكفار السكنى خاصة، كان حكم هذه الأرض حكم المفتوحة عنوة، معمورها- حال الفتح-
319
للمسلمين و مواتها (عليه السلام) حسبما تقدم الكلام فيه مفصلا.
و مما وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه الأرض: ما رواه
في الكافي و الفقيه عن زرارة في الصحيح، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما حد الجزية على أهل الكتاب؟
و هل عليهم في ذلك شيء موظف، لا ينبغي ان يجوز الى غيره؟ فقال: ذلك الى الامام (عليه السلام) يأخذ من كل انسان منهم ما شاء على قدر ماله و ما يطيق. انما هم قوم فدوا أنفسهم من ان يستعبدوا أو يقتلوا، فالجزية تأخذ منهم على قدر ما يطيقون له ان يأخذهم به حتى يسلموا، فان الله عز و جل قال «حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ» و كيف يكون صاغرا و لا يكترث بما يؤخذ منه حتى يجد ذلا (1) لما أخذ منه فيألم لذلك فيسلم.
قال: و قال محمد بن مسلم: قلت للصادق (عليه السلام) أ رأيت ما يأخذ هؤلاء من الخمس من أرض الجزية، و يأخذون من الدهاقين جزية رؤوسهم اما عليهم في ذلك شيء موظف؟ فقال: كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، و ليس للإمام أكثر من الجزية، ان شاء الامام وضع ذلك على رؤسهم، و ليس على أموالهم شيء، و ان شاء فعلى أموالهم. و ليس على رؤسهم شيء. فقلت: فهذا الخمس؟ فقال: انما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) (2).
و ما رواه
في الفقيه عن مصعب بن يزيد الأنصاري قال استعملني أمير المؤمنين (عليه السلام) على أربعة رساتيق المدائن: البهقياذات، و نهر سير، و نهر جوير، و نهر الملك، و أمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ درهما و نصفا. و على كل جريب زرع وسط درهما، و على كل جريب زرع رقيق ثلثي درهم. و على كل جريب كرم عشرة دراهم. و على كل جريب نخل عشرة دراهم. و على كل جريب البساتين،
____________
(1) في نسخة الوسائل ج 11 ص 113 حديث 1 من باب 68 «حتى لا يجد ذلا». و لكن نسخة الكافي موافقة للمتن.
(2) الوسائل ج 11 ص 114، حديث: 2.
320
التي تجمع النخل و الشجر، عشرة دراهم. و أمرني بأن ألقي كل نخل شاذ عن القرى، لمارة الطريق و أبناء السبيل، و لا آخذ منه شيئا. و أمرني أن أضع على الدهاقين الذين يركبون البرازين و يتختمون بالذهب، على كل رجل منهم ثمانية و أربعين درهما، و على أوساطهم و التجار منهم، على كل رجل أربعة و عشرين درهما، و على سفلتهم و فقرائهم، على كل انسان منهم اثنى عشر درهما، على كل انسان منهم.
قال فجبيتها ثمانية عشر ألف ألف درهم في سنة (1).
أقول: «نهر سبر» ضبطه ابن إدريس بالباء الموحدة و السين المهملة. و حمل هذا الخبر في التهذيب على ما رآه أمير المؤمنين (عليه السلام) مصلحة في ذلك الوقت بحسب حالهم، فلا ينافي عدم التوظيف في الجزية.
و ما رواه
في التهذيب عن ابى بصير و إسحاق بن عمار جميعا، عن ابى عبد الله- (عليه السلام)- قال: ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أعطى أناسا من أهل نجران الذمة على سبعين بردا (2).
و ما رواه
في الكافي عن حريز عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن أهل الذمة ما ذا عليهم مما يحقنون به دمائهم و أموالهم؟ قال: الخراج. فإن أخذ من رؤسهم الجزية فلا سبيل على أراضيهم، و ان أخذ من أراضيهم فلا سبيل على رؤوسهم. (3).
الى غير ذلك من الاخبار الواردة من هذا القبيل.
____________
(1) الوسائل ج 11 ص 115 حديث: 5.
(2) التهذيب ج 6 ص 172 حديث: 12- 334.
(3) الوسائل ج 11 ص 115 حديث: 3.
321
المقام الرابع في أرض الأنفال
و قد تقدم الكلام فيها في كتاب الخمس، و نقل جملة من أخبارها، الا ان من جملة اخبارها، مما لم يتقدم ذكره: ما رواه
الشيخ في الموثق عن سماعة، قال: سألته عن الأنفال، فقال: كل أرض خربة أو شيء كان للملوك فهو خالص للإمام ليس للناس فيه سهم. قال و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب (1).
أقول: ظاهر هذا الخبر: ان البحرين مما أسلمت للمسلمين طوعا من غير قتال، و انها من الأنفال حينئذ، و بذلك صرح في الروضة في كتاب الخمس، الا انه في كتاب احياء الموات، عدها مع المدينة المشرفة و أطراف اليمن فيما أسلم عليه اهله طوعا، و حكم بأن أرضها لهم (2) لذلك. و لا يخفى ما فيه من المناقضة لكلامه في كتاب الخمس.
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 367 حديث: 8 و التهذيب ج 4 ص 133 حديث: 7- 373.
(2) اى ملكا لأصحاب الأراضي الذين أسلموا طوعا.
322
المسألة السابعة في أحكام اليتامى و أموالهم
و تحقيق الكلام في هذا المقام يقع في مناهج أربعة:
[المنهج] (الأول): في ولي اليتيم
. المفهوم من كلام الأصحاب: ان الولاية على الصغير للأب ثم الجد له و ان علا على الترتيب، الأقرب فالأقرب للميت، فان عدم الجميع فالوصي من جهة الأب، ثم الوصي من جهة الجد على الترتيب المتقدم، ثم مع عدم جميع هؤلاء فالحاكم الشرعي.
و ممن صرح بذلك شيخنا في المسالك، حيث قال- بعد نقل قول المصنف «و لو مات انسان و لا وصى له كان للحاكم النظر في تركته»- ما صورته: الأمور المفتقرة في الولاية، اما ان تكون أطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا، فان كان الأول فالولاية فيهم لأبيه ثم جده ثم لمن يليه من الأجداد، على ترتيب الولاية، للأقرب منهم الى الميت فالأقرب، فإن عدم الجميع فوصى الأب ثم وصى الجد و هكذا، فان عدم الجميع فالحاكم. و الولاية في الباقي غير الأطفال للوصي ثم الحاكم. الى آخر كلامه (رحمه الله).
323
و نقل في الدروس عن ابن الجنيد: ان للام الرشيدة الولاية بعد الأب، ثم رده بأنه شاذ.
أقول: و كان الواجب ان يعد في ذلك، الولاية بعد الحاكم لعدول المؤمنين، كما صرح به جملة من الأصحاب (1) من انه مع تعذر الحاكم فلعدول المؤمنين تولى بعض الحسبيات، المنوطة بنظر الحاكم الشرعي.
و عليه تدل الأخبار المذكورة أيضا:
و منها: ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، قال: مات رجل من أصحابنا و لم يوص، فرفع أمره الى قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله، و كان الرجل خلف ورثة صغارا و متاعا و جواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن، إذ لم يكن الميت صير اليه وصيته، و كان قيامه بهذا بأمر القاضي، لأنهن فروج. قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر (عليه السلام) فقلت: يموت الرجل من أصحابنا و لم يوص الى أحد، و يخلف جواري، فيقيم القاضي منا رجلا لبيعهن، أو قال يقوم بذلك رجل منا، فيضعف قلبه لأنهن فروج، فما ترى في ذلك القيم؟ قال: فقال: إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس (2).
و روى في الكافي و الفقيه في الصحيح من الثاني، عن ابن رئاب، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل بيني و بينه قرابة، مات و ترك أولادا صغارا، و ترك مماليك غلمانا و جواري، و لم يوص. فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية، يتخذها
____________
(1) المشهور بين الأصحاب: انه مع تعذر الحاكم، أو وجوده و لكن في غير البلد مع حصول المشقة الشديدة في الرجوع إليه، فإنه يجوز لعدول المؤمنين تولى بعض الحسبيات و نقل عن ابن إدريس المنع، و هو محجوج بالأخبار التي ذكرناها في الأصل.
منه (قدس سره).
(2) الوسائل ج 12 ص 270 حديث: 2.
324
أم ولد، و ما ترى في بيعهم؟ فقال: إذا كان لهم ولى يقوم بأمرهم، باع عليهم و نظر لهم كان مأجورا فيهم، قلت: فما ترى فيمن يشترى منهم الجارية فيتخذها أم ولد؟
قال لا بأس بذلك إذا باع عليهم القيم لهم الناظر فيما يصلحهم، فليس لهم ان يرجعوا عما صنع القيم لهم الناظر فيما يصلحهم (1).
أقول: و هذا الخبر و ان كان مجملا، الا ان الظاهر منه بعد التأمل: ان المراد بالولي فيه انما هو أحد عدول المؤمنين، لأن انتفاء الوصي ظاهر من الخبر، و انتفاء الحاكم الشرعي الذي هو أحد الأولياء أيضا ظاهر، إذ ليس في وقته- (عليه السلام)- حاكم شرعي- أصالة- سواه. و احتمال الجد بعيد من سياق الخبر. و بالجملة فإن الحكم المذكور مما لا ريب فيه.
ثم ان الأصحاب- بناء على ما قدمنا نقله عنهم، من ان الولاية على الصغار مخصوصة بالأب و الجد له و ان علا، دون غيرهما من الوصي و الحاكم- فرعوا على ذلك ما لو أوصت الأم لطفلها بمال، أو أحد أقاربه، و عين عليه وصيا ليصرفه في مصالح الطفل، فإن للأب أو الجد انتزاعه من ذلك الوصي، لثبوت ولايتهما عليه شرعا، فلا تنفذ وصية الموصى بالولاية لغيرهما.
قال في الدروس: و لا ولاية للأم على الأطفال. فلو نصبت عليهم وليا لغى.
و لو أوصت لهم بمال و نصبت عليه قيما لهم صح في المال خاصة. ثم نقل قول ابن الجنيد الذي قدمنا نقله عنه.
و بنحو ذلك صرح في المسالك، فقال- أيضا في شرح قول المصنف «لو اوصى بالنظر في مال ولده الى أجنبي و له أب لم يصح، و كانت الولاية إلى جد اليتيم- ما صورته: قد عرفت من المسألة السابقة ان الولاية للجد و ان علا على الولد مقدمة على ولاية وصي الأب، فإذا نصب الأب وصيا على ولده المولى عليه مع وجود جدة للأب لم يصح، لأن ولاية الجد ثابتة له بأصل الشرع، فليس للأب نقلها عنه، و لا إثبات
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 474 حديث: 1.
325
شريك معه. الى آخر كلامه (رحمه الله).
و الظاهر: ان الحكم المذكور مما لا خلاف فيه الا ما تقدم نقله عن ابن الجنيد، و ضعف أقواله غالبا معلوم من قواعده.
(المنهج الثاني): في الاتجار بمال الصغير و العمل به
. و لا تخلو الحال في ذلك، اما بأن يكون الاتجار لليتيم من الولي، أو الاتجار للولي نفسه بمال اليتيم، أو يكون المتصرف غير ولي شرعي.
قال في النهاية: و متى اتجر الإنسان بمال اليتيم، نظرا لهم و شفقة عليهم، فربح كان الربح لهم، و ان خسر كان عليهم، و يستحب له ان يخرج من جملته الزكاة.
و متى اتجر به لنفسه، و كان متمكنا في الحال من ضمان ذلك المال و غرامته، ان حدث به حادث، جاز ذلك و كان المال قرضا عليه، فان ربح كان له، و ان خسر كان عليه، و تلزمه في حصته الزكاة، كما يلزمه لو كان المال له، ندبا و استحبابا. و متى اتجر لنفسه بما لهم و ليس بمتمكن في الحال من مثله و ضمانه، كان ضامنا للمال. فان ربح كان للأيتام، و ان خسر كان عليه دونهم. انتهى.
و قال ابن إدريس: و متى اتجر الإنسان المتولي لمال اليتيم، نظرا لهم و شفقة لهم فربح كان الربح لهم، و ان خسر كان عليهم. و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته:
و يستحب ان يخرج من جملته الزكاة. و الذي يقوى عندي: انه لا يخرج ذلك، لانه لا دلالة عليه من كتاب و لا سنة مقطوع بها، و لا إجماع. و لانه لا يجوز التصرف الا فيما فيه مصلحة لهم، و هذا لا مصلحة لهم فيه، من دفع عقاب و لا تحصيل ثواب، لان الأيتام لا يستحقون ثوابا و لا عقابا، لكونهم غير مخاطبين بالشرعيات. و قال شيخنا أبو جعفر في نهايته: و متى اتجر به لنفسه- ثم نقل العبارة كما قدمناها- ثم قال: قال ابن إدريس: هذا غير واضح و لا مستقيم، و لا يجوز له ان يستقرض منه شيئا من ذلك سواء كان متمكنا في الحال من ضمانه و غرامته أو لم يكن، لأنه أمين
326
و الأمين لا يجوز له ان يتصرف لنفسه في أمانته بغير خلاف منا- معشر الإمامية- و لا يجوز له ان يتجر فيه لنفسه على حال من الأحوال، و انما أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا، من جهة أخبار الآحاد، كما ورد أمثاله في هذا الكتاب، و هو غير عامل عليه. قال في الكتاب المشار اليه: و متى اتجر لنفسه بمالهم- الى آخر ما قدمناه- ثم قال: و قد قلنا: انه لا يجوز له ان يتجر لنفسه في ذلك المال بحال من الأحوال. انتهى ما ذكره ابن إدريس ملخصا.
أقول: اما اتجار الولي لليتيم نظرا له و شفقة عليه، فالظاهر: انه لا خلاف في كون الحكم فيه ما ذكره الشيخ، من ان الربح لليتيم و النقصان له، الا ان الاخبار في هذه الصورة لا تخلو من تدافع، و كذا بقية الاخبار في المسألة لا تخلو من الاشكال كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى.
و اما لو اقترضه الولي مع كونه مليا، فإنه يكون الربح له و هو ضامن لمال اليتيم.
و منع ابن إدريس هنا من اقتراض الولي، مردود بالاخبار الاتية في المقام إنشاء الله تعالى. و كذا منعه من الزكاة في الصورة الأولى، مردود بالاخبار، كما تقدم تحقيقه في كتاب الزكاة.
و اما لو كان التصرف مع عدم استكمال الشرطين المتقدمين، فظاهر الاخبار و كلام جملة من الأصحاب: ان الربح في هذه الصورة لليتيم و هو على إطلاقه لا يخلو من اشكال، كما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى في المقام.
و الواجب أولا: نقل ما وصل إلينا من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة، ثم بيان ما هو المستفاد منها بتوفيق الله سبحانه.
فمنها- مما تدل على جواز الاقتراض من مال اليتيم، ردا على ابن إدريس:
- ما رواه
في الكافي عن منصور بن حازم. عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل ولى مال
327
يتيم، أ يستقرض منه؟ قال: ان على بن الحسين (عليه السلام) كان يستقرض من مال أيتام كانوا في حجره (1) و رواه الصدوق في الصحيح ايضا عن منصور بن حازم عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله و زاد: «فلا بأس بذلك» (2).
و عن احمد بن محمد بن ابى نصر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يكون في يده مال لأيتام فيحتاج اليه، فيمد يده فيأخذه، و هو ينوي أن يرده إليهم، فقال: لا، و لكن ينبغي له ان لا يأكل إلا بقصد و لا يسرف. فان كان من نيته: ان لا يرد عليهم فهو بالمنزل الذي قال الله عز و جل إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً (3).
و روى العياشي في تفسيره مثله، و زاد: قال: قلت له: كم ادنى ما يكون من مال اليتيم إذا هو أكله، و هو لا ينوي رده، حتى يكون يأكل في بطنه نارا؟ قال:
قليله و كثيره واحد، إذا كان من نفسه و نيته ان لا يرده إليهم (4).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 192 حديث: 1 أقول: و مما يؤيد هذا الخبر: ما رواه
ابن إدريس، في مستطرفات السرائر، نقلا عن كتاب جامع البزنطي، قال: سألته عن رجل كانت عنده وديعة لرجل، فاحتاج إليها، هل يصلح له ان يأخذ منها- و هو مجمع على ان يردها- بغير اذن صاحبها؟ قال: ان كان عنده وفاء فلا بأس بأن يأخذ و يرده.
(الوسائل ج 13 ص 233 حديث: 2) و ابن إدريس بعد ان أورد هذا الخبر رده، و قال: لا يلتفت اليه. قال:
لأن الإجماع منعقد على تحريم التصرف في الوديعة بغير اذن ملاكها، فلا يرجع عما يقتضيه العلم الى ما يقتضيه الظن. و بعد هذا فأخبار الآحاد لا يجوز العمل بها على كل حال في الشرعيات، على ما بيناه. انتهى. و هو جيد على أصله غير الأصيل.
منه (قدس سره).
(2) هذه الزيادة موجودة في رواية الكافي أيضا ج 5 ص 131 حديث: 5.
(3) الوسائل ج 12 ص 192 حديث: 2.
(4) تفسير العياشي ج 1 ص 224 حديث: 42.
328
و منها- مما يتعلق بأصل المسألة-: ما رواه
في الكافي و التهذيب عن أسباط ابن سالم، قال: قلت للصادق (عليه السلام): كان لي أخ هلك، و اوصى الى أخ أكبر مني، و أدخلني معه في الوصية و ترك ابنا له صغيرا، و له مال، أ فيضرب به أخي، فما كان من فضل سلمه الى اليتيم، و ضمن له ماله؟ فقال: ان كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم ان تلف فلا بأس به، و ان لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم (1).
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في مال اليتيم، قال: العامل به ضامن، و لليتيم الربح، إذا لم يكن للعامل به مال.
و قال: ان عطب أداه (2).
و عن ربعي في الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: في رجل عنده مال اليتيم فقال: ان كان محتاجا و ليس له مال، فلا يمس ماله. و ان هو اتجر به فالربح لليتيم، و هو ضامن (3).
و عن أسباط بن سالم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به. فقال: ان كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم ان تلف أو اصابه شيء غرمه، و الا فلا يتعرض لمال اليتيم (4).
و ما رواه
في التهذيب، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون في يده مال لأخ له يتيم و هو وصيه، أ يصلح له ان يعمل به؟ قال نعم، كما يعمل بمال غيره و الربح بينهما. قال: قلت: فهل عليه ضمان؟ قال: لا، إذا كان ناظر له (5).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 190 حديث: 1 باب: 75 من أبواب ما يكتسب به.
(2) الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 3.
(4) الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 4.
(5) الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 6 ر 11595.
329
و عن منصور الصيقل، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مال اليتيم يعمل به، قال: فقال: إذا كان عندك مال و ضمنته، فلك الربح و أنت ضامن للمال، و ان كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام، و أنت ضامن للمال (1).
و ما رواه
العياشي في تفسيره عن زرارة و محمد بن مسلم، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: مال اليتيم، ان عمل به من وضع على يديه ضمنه، و لليتيم ربحه، قالا: فقلنا له: قوله «وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»؟ قال: انما ذلك إذا حبس نفسه عليهم في أموالهم، فلم يتخذ لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم (2).
و ما رواه
في الكافي عن سعيد السمان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
ليس في مال اليتيم زكاة الا ان يتجر به فان اتجر به فالربح لليتيم، و ان وضع فعلى الذي يتجر به (3).
و ما رواه
في الفقيه عن زرارة و بكير، في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: ليس في الجوهر و أشباهه زكاة و ان كثر، و ليس في نقر الفضة زكاة، و لا على مال اليتيم زكاة، الا ان يتجر به، فان اتجر به ففيه الزكاة، و الربح لليتيم و على التاجر ضمان المال (4).
و ما رواه
في التهذيب عن بكر بن حبيب، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل دفع اليه مال يتيم مضاربة، فقال: ان كان ربح فلليتيم، و ان كان وضيعة فالذي أعطى
____________
(1) الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 7.
(2) تفسير العياشي ج 1 ص 224 حديث: 43 و المصنف نقل الحديث عن الوسائل ملحونا فأصلحناه على نسخة التفسير.
(3) الوسائل ج 6 ص 57 حديث: 2. قوله: «و ان وضع» اى خسر المال.
(4) من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 9 حديث: 2.
330
ضامن (1).
و في الفقه الرضوي: و روى ان من اتجر بمال اليتيم فربح كان لليتيم، و الخسران على التاجر، و من حول مال اليتيم أو اقترض شيئا منه كان ضامنا لجميعه، و كان عليه زكاته دون اليتيم- الى ان قال- و روى ان لرئيس القبيلة و هو فقيهها و عالمها: ان يتصرف لليتيم في ماله بما يراه حظا و صلاحا، و ليس عليه خسران، و لا له ربح، و الربح و الخسران لليتيم و عليه.
انتهى.
هذا ما حضرني من الاخبار في هذا المقام، و الذي يدل منها على ما قدمنا نقله عن الشيخ و من تبعه، من انه متى اتجر الولي لليتيم نظرا له، فان الربح لليتيم و النقيصة عليه: رواية أبي الربيع المذكورة (2) و رواية الفقه الرضوي.
الا ان ظاهر رواية أسباط بن سالم الاولى (3) المنافاة لذلك، حيث ان ظاهرها:
ان المتجر ولى اليتيم، مع انه شرط (عليه السلام) في صحة تصرفه و تجارته لليتيم «الملاء» المؤذن ذلك بضمانه النقصان.
و يؤيد الخبر الأول ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب على الحكم المذكور، فانى لم أقف على مخالف فيه، و حينئذ فلا بد من ارتكاب التأويل في الخبر الثاني، و ان بعد، بحمله على ما إذا لم يكن وليا للطفل، و ان كان وصيا على ما عداه من الأموال و التصرفات.
و الذي يدل على ما ذكره الأصحاب، من أنه متى كان وليا مليا فإنه يجوز له الاقتراض من مال الطفل، و الاتجار لنفسه، و ان الربح له و النقيصة عليه، فاما على
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 189- 190 حديث 1 باب: 10.
(2) و هي التي رواها المصنف عن التهذيب من غير ان يذكر الراوي عن الامام- ع- قال: سئل أبو عبد الله- ع- عن الرجل يكون في يده. الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 6.
(3) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 190 حديث: 1 باب: 75.
331
الاقتراض فما تقدم من صحيحة منصور بن حازم (1). و اما على باقي الأحكام فرواية منصور الصيقل (2) حيث صرحت بأنه إذا كان عنده مال و ضمنه فله الربح.
و هي و ان كانت مطلقة بالنسبة إلى كونه وليا، الا انه يجب حملها على ذلك، لما سيأتي بيانه إنشاء الله تعالى، من انه متى لم يكن وليا، فإنه غاصب و تصرفه باطل، فلا يكون مستحقا للربح.
و يدل ذلك ايضا مفهوم صحيحة ربعي (3) و رواية أسباط بن سالم الثانية (4) و هما ايضا، و ان كانتا مطلقتين بالنسبة إلى كونه وليا، الا انه يجب حملهما على ذلك لما ذكرناه.
و يعضده: انه هو الأغلب، إذ لا خلاف بين الأصحاب في تحريم التصرف في مال اليتيم الا بالشرطين المتقدمتين.
نعم استثنى جملة من المتأخرين الأب و الجد من شرط الملائة، فجوزوا لهما التصرف و ان كانا غير مليين. و استشكله في المسالك. و الظاهر: ان ما ذكره الأصحاب أقرب، لا سيما مع الضمان كما هو المفروض، لما تقدم في المسألة الرابعة، من الاخبار الكثيرة الدالة على حل مال الولد للوالد. و بالجملة، فالظاهر: ان الحكم في هاتين الصورتين مما لا اشكال فيه.
و الذي يدل على ما ذكروه، من انه متى اتجر في مال اليتيم بدون الشرطين المتقدمتين، فان الربح لليتيم، و المتصرف ضامن، فاما بالنسبة إلى الضمان، فلان تصرفه غير شرعي، و هو يوجب الضمان البتة.
و اما بالنسبة إلى كون الربح لليتيم، فأكثر الأخبار المتقدمة، مثل صحيحة
____________
(1) تقدمت في ص 326 عن الوسائل ج 12 ص 192 حديث: 1.
(2) تقدمت في ص 329 عن الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 7.
(3) تقدم في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 3.
(4) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 4.
332
محمد بن مسلم (1) و صحيحة ربعي (2) و عجز رواية منصور الصيقل (3) و نحوها غيرها مما ذكر ايضا، و قد اشترك الجميع في الدلالة على أنه متى لم يكن له مال و اتجر به، فإنه ضامن، و الربح لليتيم، كما ذكرناه، أعم من ان يكون وليا أو غير ولى، اتجر للطفل أو لنفسه، وقع الشراء بعين المال أو في الذمة.
إلا ان في هذا المقام اشكالا، قد نبه عليه جملة من علمائنا الأعلام.
منهم: صاحب المدارك، قال- عليه الرحمة- في كتاب الزكاة: أما ان ربح المال يكون لليتيم، فلان الشراء وقع بعين ماله كما هو المفروض، فيملك المبيع و يتبعه الربح، لكن يجب تقييده بما إذا كان المشترى وليا أو اجازه الولي، و كان للطفل غبطة في ذلك، و الا وقع الشراء باطلا، بل لا يبعد توقف الشراء على الإجازة في صورة شراء الولي أيضا، لأن الشراء لم يقع بقصد الطفل ابتداء، فإنما أوقعه المتصرف لنفسه، فلا ينصرف الى الطفل بدون الإجازة، و مع ذلك كله فيمكن المناقشة في صحة مثل هذا العقد، و ان قلنا بصحة الفضولي مع الإجازة ابتداء، لانه لم يقع للطفل ابتداء من غير من اليه النظر في ماله، و انما أوقعه المتصرف في مال الطفل لنفسه على وجه منهي عنه. انتهى.
و حاصله: ان ما ذكرناه من مقتضى إطلاق الاخبار المذكورة، مناف لجملة من القواعد المقررة بين كافة الأصحاب:
منها: أنه لو لم يكن وليا و اتجر بعين مال الطفل لنفسه، فالظاهر أنها تجارة باطلة، أو موقوفة على الإجازة من الولي أو الطفل بعد بلوغه، ان قلنا بصحة عقد الفضولي، و على تقدير البطلان أو عدم الإجازة فلا ربح لأحد، بل يجب رد ما أخذ على صاحبه ورد مال اليتيم الى محله مع ان ظاهر الاخبار المتقدمة: صحة البيع،
____________
(1) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 2.
(2) تقدمت في ص 328 عن الوسائل ج 12 ص 191 حديث: 3.
(3) تقدمت في ص 329 عن الوسائل ج 6 ص 58 حديث: 7.
333
و ان الربح لليتيم.
و منها: أنه لو اتجر في الذمة لنفسه، فان مقتضى القواعد صحة البيع و الشراء، و كون الربح له، و ان كان تصرفه في مال اليتيم بدفعه عما في الذمة، فلا تبرأ ذمته عما عليه من الثمن، بل يجب دفع الثمن من غيره، ورد مال اليتيم الى محله. مع ان مقتضى إطلاق الاخبار المذكورة: صحة العقد، و كون الربح لليتيم ايضا.
و منها: أنه لو لم يكن وليا و اتجر للطفل، فان الظاهر: ان هذه الصورة كالأولى، في الوقوف على الإجازة أو البطلان، بناء على القول بصحة عقد الفضولي. مع ان ظاهر إطلاق النصوص المذكورة: الصحة، و ان الربح لليتيم.
و من هنا يظهر وجه الإشكال في العمل بظاهر الأخبار المذكورة، الا أن الأظهر العمل بما دلت عليها، لتكاثرها و تعددها، مع ظهورها في ذلك، و عدم إمكان تقييدها بما تقتضيه القواعد المشار إليها، كما سمعتها من كلام صاحب المدارك.
فاللازم حينئذ اما طرحها. و فيه من الشناعة ما لا يخفى. و اما العمل بها، و يكون هذا الحكم مستثنى من تلك القواعد المذكورة.
و يشير الى ما ذكرناه: ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب على الحكم المذكور، من انه متى وقع الاتجار في مال الطفل بدون الشرطين المتقدمين فان الربح لليتيم، و العامل ضامن من غير تفصيل و تقييد، حسبما دل عليه إطلاق الاخبار المذكورة.
و هذه المناقشة حصلت من متأخري المتأخرين، كالسيد في المدارك، و قبله المحقق الأردبيلي، و من تأخر عنهما.
و بالجملة فالمسألة لذلك محل اشكال، و ان كان العمل بإطلاق الأخبار المذكورة، وفاقا لظاهر الأصحاب، لا يخلو من قوة، و الله أعلم.
334
(المنهج الثالث): فيما يحل لقيم مال اليتيم
. و قد اختلف الأصحاب- (رضوان الله عليهم)- في ذلك على أقوال:
(أحدها): أجرة مثل عمله. و به صرح في الشرائع، و علله في المسالك، قال: لأنها عوض عمله، و عمله محترم فلا يضيع عليه، و حفظه بأجرة مثله.
و قال في مجمع البيان: و الظاهر من روايات أصحابنا: ان له اجرة المثل، سواء كان قدر كفايته أو لم يكن.
أقول: و في ظهوره من الروايات كما ادعاه نظر، كما سيظهر.
(و ثانيها): ان يأخذ قدر كفايته لقوله عز و جل «وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» (1) و المعروف: مالا إسراف فيه و لا تقتير.
و نقل في المجمع هذا القول عن عطاء بن ابى رباح و قتادة و جماعة. قال: و لم يوجبوا اجرة المثل بما كانت أكثر من قدر الحاجة.
و استظهر هذا القول بعض مشايخنا المعاصرين، قال: و هذا هو الظاهر من الاخبار، و لكن ليس على إطلاقه المتناول للغنى و قلة المال و عدم الاشتغال عن أمور نفسه، فإطلاقه مشكل. انتهى.
أقول: و سيأتي- إنشاء الله تعالى- توضيح ما ذكره.
(و ثالثها): أقل الأمرين من الأجرة و الكفاية، و احتج له بوجهين:
أحدهما: ان الكفاية ان كانت أقل من الأجرة، فلان- مع حصولها- يكون غنيا، و من كان غنيا وجب عليه الاستعفاف عن بقية الأجرة، و ان كانت اجرة المثل أقل، فإنما يستحق عوض عمله، فلا يحل له أخذ ما زاد عليه.
و ثانيهما: ان العمل لو كان لمكلف يستحق عليه الأجرة، لم يستحق أزيد من اجرة مثله، فكيف يستحق الأزيد مع كون المستحق عليه يتيما.
و فيه بحث يأتي ذكره- إنشاء الله تعالى- بعد نقل روايات المسألة، و تحقيق
____________
(1) سورة النساء: 6.
335
ما هو الحق الظاهر منها.
(و رابعها): استحقاق اجرة المثل مع فقره، و علل بأنه يمكن حمل الأكل بالمعروف عليه، لان أجرة المثل ان كانت أقل من المعروف بين الناس فالإنسان لا يأخذ عوض عمله من غير زيادة عن عوضه المعروف و هو اجرة مثله و مثل هذا يسمى أكلا بالمعروف، و الزيادة عليه أكل بغير المعروف، هذا إذا كان فقيرا، اما لو كان غنيا فالأقوى وجوب استعفافه مطلقا، عملا بظاهر الآية.
(و خامسها): جواز أخذ أقل الأمرين، من اجرة مثله و كفايته، مع فقره.
قال في المسالك: و لو تحقق للكفاية معنى مضبوط، كان هذا القول أجود الأقوال. و مثبتو أحد الأمرين من غير تقييد بالفقر، حملوا الأمر بالاستعفاف على الاستحباب، و ادعوا ان لفظ الاستعفاف مشعر به، و له وجه. انتهى.
أقول: و الواجب- أولا- بسط الروايات الواردة عنهم- (عليهم السلام)- و التنبيه على ما يمكن استنباطه من الأحكام منها.
فمنها: ما رواه
في الكافي و التهذيب عن سماعة في الموثق، عن الصادق (عليه السلام) في قوله الله تعالى «وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» فقال: من كان يلي شيئا لليتامى و هو محتاج ليس له ما يقيمه، و هو يتقاضى أموالهم و يقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر و لا يسرف. و ان كانت ضيعتم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يرز أن من أموالهم شيئا (1).
و ما رواه
في التهذيب عن ابن سنان في الصحيح، قال: سئل أبو عبد الله (عليه السلام) و انا حاضر عن القيم لليتامى، في الشراء لهم و البيع فيما يصلحهم، إله أن يأكل من أموالهم؟ فقال: لا بأس ان يأكل من أموالهم بالمعروف، كما قال الله عز و جل
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 185- 186 حديث: 4.
336
في كتابه «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ. وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً أَنْ يَكْبَرُوا. وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» قال: المعروف هو القوت. و انما عنى الوصي لهم و القيم في أموالهم ما يصلحهم (1).
و ما رواه
الشيخان المتقدمان عن عبد الله بن سنان في الصحيح، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» قال: المعروف هو القوت، و انما عنى الوصي و القيم في أموالهم ما يصلحهم (2).
و عن حنان بن سدير في الموثق، قال: قال الصادق (عليه السلام) سألني عيسى بن موسى عن القيم للأيتام في الإبل، ما يحل له منها فقلت: إذا لاط حوضها، و طلب ضالتها و هنأ جرباها فله أن يصيب من لبنها من غير نهك لضرع، و لا فساد لنسل (3).
و عن ابى الصباح الكناني عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قوله عز و جل «وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» (4) فقال: ذلك رجل يحبس نفسه عن المعيشة، فلا بأس أن يأكل بالمعروف، إذا كان يصلح لهم أموالهم، فإن كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا. قال: قلت: أ رأيت قول الله عز و جل «وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ (5)»؟
قال: تخرج من أموالهم قدر ما يكفيهم، و تخرج من مالك قدر ما يكفيك، ثم تنفقه، قلت، أ رأيت ان كانوا يتامى صغارا و كبارا، و بعضهم أعلى كسوة من بعض، و بعضهم أكل من بعض، و ما لهم جميعا. فقال: اما الكسوة فعلى كل انسان ثمن كسوته، و اما الطعام فاجعلوه جميعا، فان الصغير يوشك أن يأكل مثل الكبير (6).
____________
(1) البرهان ج 1 ص 344 حديث: 8.
(2) التهذيب ج 6 ص 340 حديث: 71.
(3) التهذيب ج 6 ص 340 حديث: 72، لاط حوضها اى: طينها، و هنأ جرباها: إذا طلاه بالهناء اى القطران، و هو ما يتخذ من حمل شجرة العرعر. و النهك: استيفاء ما في الضرع من اللبن.
(4) سورة النساء: 6.
(5) سورة البقرة: 220.
(6) التهذيب ج 6 ص 341 حديث: 73.
337
و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن تولى مال اليتيم، ماله ان يأكل منه؟ فقال: ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الأجر لهم، فليأكل بقدر ذلك (1).
و ما رواه الثقة الجليل
محمد بن مسعود العياشي في تفسيره، عن محمد بن مسلم، قال: سألته عن رجل بيده ماشية لابن أخ يتيم (2) في حجره. أ يخلط أمرها بأمر ماشيته؟ فقال: ان كان يليط حياضها، و يقوم على هنأتها، و يرد شاردها، فليشرب من ألبانها، غير مجهد للحلاب و لا مضر بالولد. ثم قال: و من كان غنيا فليستعفف و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف» (3).
و روى هذه الرواية
في مجمع البيان الى قوله «و لا مضرة بالولد» (4) و رواه الزمخشري في الكشاف، عن ابن عباس (5).
و ما رواه
العياشي في تفسيره عن أبي أسامة عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» فقال: ذلك رجل يحبس نفسه على أموال اليتامى، فيقوم لهم فيها، و يقوم لهم عليها، فقد شغل نفسه عن طلب المعيشة، فلا بأس ان يأكل بالمعروف، إذا كان يصلح أموالهم، و ان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا (6).
و ما رواه
في الكتاب المذكور (7) عن سماعة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن قوله «وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» فقال: بلى
____________
(1) التهذيب ج 6 ص 343 حديث: 81.
(2) لفظة «يتيم» ليست في نسخة المصدر المطبوعة.
(3) تفسير العياشي ج 1 ص 221 حديث: 28.
(4) مجمع البيان ج 3 ص 9.
(5) الكشاف ج 1 ص 475 باختلاف يسير.
(6) تفسير العياشي ج 1 ص 221 حديث 29.
(7) و هو تفسير العياشي.
338
من كان. الحديث كما تقدم عن الكافي، الا انه قال: «ليس له شيء» عوض قوله ثمة «و ليس له ما يقيمه» (1).
و ما رواه
العياشي في تفسيره- ايضا- عن إسحاق بن عمار عن ابى بصير، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قول الله «وَ مَنْ كٰانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» فقال: هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية، و يشغل فيها نفسه. فليأكل منه بالمعروف، و ليس ذلك له في الدنانير و الدراهم التي عنده موضوعة (2).
و ما رواه فيه ايضا
عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله «وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» قال: ذلك إذا حبس نفسه في أموالهم، فلا يحترث لنفسه، فليأكل بالمعروف من مالهم (3).
و ما رواه فيه ايضا
عن رفاعة، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في قوله «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» قال: كان ابى يقول: انها منسوخة (4).
و قال في مجمع البيان في تفسيره: قوله «وَ مَنْ كٰانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ»، معناه، و من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة و الكفاية، على جهة القرض، ثم يرد عليه ما أخذ إذا وجد. عن سعيد بن جبير و مجاهد و ابى العالية و الزهري و عبيدة السلماني، و هو مروي عن الباقر (عليه السلام). و قيل: معناه يأخذ ما يسد به جوعته و
____________
(1) تفسير العياشي ج 1 ص 221- 222 حديث: 30 و فرق آخر قوله «بلى من كان». و لم تكن «بلى» في حديث الكافي: كما لم يذكرها المصنف، و لكنا أثبتناها وفق المصدر الأصل.
(2) المصدر حديث: 31.
(3) العياشي ج 1 ص 232 حديث: 32. و في نسخة الوسائل ج 12 ص 187 حديث: 10 «فلا يحترف».
(4) العياشي ج 1 ص 222 حديث: 33.
339
يستر عورته، لا على جهة القرض. عن عطاء بن ابى رباح و قتادة و جماعة، و لم يوجبوا اجرة المثل، لأنها ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. و الظاهر من روايات أصحابنا: ان له اجرة المثل، سواء كان قدر كفايته أو لم يكن. انتهى (1).
أقول: و بالله سبحانه التوفيق، المستفاد من هذه الاخبار المذكورة- بعد ضم بعضها الى بعض، عدا الرواية الأخيرة من روايات العياشي-: أنه يشترط في صحة أكل الولي من مال اليتيم شروط:
(أحدها): فقره، فمتى كان غنيا فليس له ان يأكل منه شيئا.
و على ذلك دل ظاهر الكتاب بحمل الأمر بالاستعفاف- في الآية- على الوجوب. فاما الحمل على الاستحباب- كما تقدم نقله عن المسالك، و ظاهره الميل اليه- فلا اعرف له وجها، الا مجرد الاجتهاد في مقابلة النصوص، لأن الأصل تحريم أكل مال الغير، خرج منه في هذا الموضع بالآية و الروايات المرخصة للولي إذا كان فقيرا، مع اتفاقهم على ان أوامر القرآن للوجوب، الا ما خرج بدليل، و الحال انه لا معارض هنا، بل المؤيد المؤكد موجود من الاخبار، و الآية الدالة على اشتراط الفقر.
و (ثانيها): اشتغاله بإصلاح أموالهم بحيث يمنعه ذلك عن الاشتغال لأمر نفسه فلو لم يكن قائما بها أو كان كذلك، و لكن لا يشغله عن تحصيل المعاش لنفسه و عياله، فإنه لا يجوز له ان يأكل منه شيئا.
و بهذا الشرط صرحت الروايات المتقدمة عن تفسير العياشي، و به و بالذي قبله صرحت موثقة سماعة المنقولة من الكافي في صدر الاخبار.
و (ثالثها): سعة مال اليتيم، فلو كان قليلا لم يجز له الأكل منه، و الآية الشريفة و ان كانت بالنسبة الى هذا الشرط مطلقة، الا ان الاخبار قد صرحت به كرواية أبي الصباح، و رواية أبي سلمة المنقولة من تفسير العياشي.
____________
(1) مجمع البيان ج 3 ص 9- 10.
340
و الظاهر ان الوجه فيه هو انه متى كان قليلا فإنه لا يشغله عن تحصيل المعيشة لنفسه و لا موجب لحبس نفسه على إصلاح أموالهم.
و (رابعها): كون الأكل مقدار الكفاية من غير إسراف، لقوله عز و جل «بِالْمَعْرُوفِ» و المعروف: مالا إسراف فيه و لا تقتير، و هو الحد الوسط.
و الى هذا الشرط يشير
قوله- في صحيحة عبد الله ابن سنان-: «المعروف هو القوت» و قوله- في موثقة سماعة-: «فليأكل بقدر و لا يسرف».
و من هنا يعلم صحة القول الثاني من الأقوال المتقدمة باعتبار هذا الشرط، و ان كان بالنظر الى إطلاقه غير صحيح، لما عرفت من اشتراط الأكل بالشروط التي ذكرناها، و كذا غيره من الأقوال المتقدمة ان أخذت على إطلاقها، كما هو ظاهر قولهم بها و نقل الناقلين لها.
و حينئذ يكون ما اخترناه هنا (1) قولا سادسا.
اما القول باعتبار اجرة المثل- كما هو أول الأقوال المتقدمة- فأنكره بعض مشايخنا المعاصرين (2) بعد اختياره القول الثاني، لعدم وجود الدليل عليه، و ادعى انه ليس في الاخبار تقييد اجرة المثل، و انما هو تخريج محض و استنباط صرف، و هو في مقابلة النص غير معتبر. قال: و هذا كاف في رد هذا القول. انتهى.
أقول: يمكن ان يستدل على هذا القول بقوله (عليه السلام) في صحيحة هشام بن الحكم «ينظر الى ما كان غيره يقوم به من الأجر فليأكل بقدر ذلك» فإنه- كما ترى- ظاهر في الرجوع الى أجرة المثل، و حينئذ فيكون هذا الخبر مستند القول المذكور.
____________
(1) و هو القول الثاني مقيدا بالشروط الأربعة المذكورة.
(2) هو شيخنا المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح البحراني (قدس سره) في أجوبة مسائل سئل عنها. منه (قدس سره).
341
نعم يبقى الكلام في الجمع بين هذا الخبر و بين ما دل على الكفاية.
و الظاهر: هو حمل هذا الخبر على تلك الأخبار الدالة على الكفاية، لاعتضاد تلك الاخبار بظاهر الآية الشريفة، حيث دلت على الأكل بالمعروف، و هو كما عرفت مالا إسراف فيه و لا تقتير، و هو الحد الوسط. و بذلك يظهر ان ما أطال بها أصحابنا فيما قدمناه من أقوالهم، من القول بأقل الأمرين، بناء على الجمع بذلك بين الدليلين، من الاحتمالات و التخريجات لا ضرورة تلجئ اليه بل الأظهر الجمع بما ذكرناه، و حينئذ تجتمع الاخبار على القول بالكفاية حسبما يأتي تحقيقه إنشاء الله تعالى.
ثم لا يخفى ان ظاهر الاخبار المتقدمة- بعد التأمل فيها يعين التحقيق-: ان المراد بالكفاية هو ما كان له و لعياله الواجبي النفقة.
أما- أولا- فلان الآية و الاخبار- كما عرفت- قد دلا على اشتراط الفقر في جواز الأخذ، و منعا من الأخذ حال الغنى، و من الظاهر المعلوم: انه لو اقتصر في الكفاية على نفقته خاصة مع وجود الواجبي النفقة عليه، فإنه لا يخرج بذلك عن الفقر، و لا يدخل في الغنى، للاتفاق نصا و فتوى على ان الغنى انما يحصل بملك مؤنة السنة لنفسه و عياله الواجبي النفقة قوة و فعلا و الا فهو فقير.
و بالجملة فإن شرط الفقر الموجب لجواز الأخذ موجود، و الغنى المانع من الأخذ مفقود، و حينئذ فلا معنى لتخصيص الكفاية به خاصة دون عياله المذكورين.
و اما- ثانيا- فلان الاخبار قد دلت على اشتراط حبس نفسه على إصلاح أموالهم في جواز الأخذ، و حينئذ فاللازم من تخصيص الأخذ بما يكفيه خاصة ضياع عياله الواجبي النفقة، مع انه يجب عليه الإنفاق عليهم.
و بذلك يظهر جواز أخذه الكفاية له و لعياله المذكورين، و لا يختص بالأكل،
342
و ان كان ظاهر صحيحتي عبد الله بن سنان ذلك، بل يتعدى الحكم إلى الكسوة (1) أيضا، لأن المفروض انه حبس نفسه على أموالهم ليس له مكسب سوى ذلك، و حينئذ يحمل القوت في الخبرين المذكورين على التمثيل، لانه الضروري اللابدى (2).
قال في المسالك: ان الأكل بالمعروف يحتاج الى تنقيح، فإن أريد به الأكل المتعارف- كما يظهر من الآية و الرواية و جعل مختصا بالولي- لا يتعدى الى عياله، فلا منافاة بين الفقر و حصول الكفاية منه بهذا الاعتبار، لان حصول القوت يحتاج معه إلى بقية مؤنة السنة من نفقة و كسوة و مسكن و غيرها، حتى يتحقق ارتفاع الفقر، ان لم نشترط حصول ذلك في بقية عياله الواجبي النفقة، و حينئذ فقولهم- في الاستدلال بثبوت أقل الأمرين «انه مع حصول الكفاية يكون غنيا فيجب عليه الاستعفاف عن بقية الأجرة»- غير صحيح. و ان أريد به مطلق التصرف كما هو المراد من قوله «وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً»- «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ»- «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً» و غير ذلك، فقيد المعروف من ذلك غير واضح المراد، ليعتبر
____________
(1) أقول: و على هذا فالمراد بالأكل في قوله تعالى «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» مطلق التصرف كما وقع مثله في جملة من الآيات، كقوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً» و قوله «وَ لٰا تَأْكُلُوهٰا إِسْرٰافاً وَ بِدٰاراً أَنْ يَكْبَرُوا» و قوله «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ» و حينئذ فالمراد و الله سبحانه اعلم: انه يتصرف في أموالهم و يأخذ ما يحتاج اليه من نفقة و كسوة و نحو ذلك له و لعياله بالمعروف، من غير إفراط و لا تفريط بإسراف أو تقتير: منه (قدس سره).
(2) و الا فاللازم من التخصيص بالقوت كما هو ظاهر الخبرين، مع فرض حبس نفسه عن تحصيل المعاش حصول الضرر عليه، ان أوجبنا عليه القيام بإصلاح أموالهم، كما هو ظاهر.
أو الإضرار بالأيتام ان لم نوجب عليه ذلك، فيجوز له السعى فيما له و لعياله من الكسوة و نحوها و ترك أموالهم معطلة خرابا، و هذا بحمد الله سبحانه ظاهر لا سترة عليه- منه (قدس سره).
343
صحة أقل الأمرين، لأن التصرف على الوجه المعروف يختلف باختلاف الأشخاص و الحاجة، و ربما ادى ذلك الى الإضرار بمال اليتيم. الى آخر كلامه.
و مما قدمنا من التحقيق في المقام قد انكشف غشاوة الإبهام عما استشكل هنا و كذا غيره من الاعلام. هذا.
و اما ما ذكره الشيخ الطبرسي فيما قدمنا نقله منه، من الرواية عن مولانا الباقر (عليه السلام) «ان الأكل انما هو على جهة القرض» فلم يصل إلينا. و يمكن ان يكون ذلك إشارة إلى رواية رفاعة المنقولة من تفسير العياشي، الدالة على ان هذه الآية منسوخة، فإنه متى ثبت النسخ تعين عدم جواز الأكل إلا قرضا، إلا انك قد عرفت تكاثر الاخبار و استفاضتها بخلاف ما دلت عليه هذه الرواية، مضافا الى ظاهر الآية ايضا، لدلالتها على جواز الأكل كما عرفت، فلا عمل عليها و هي مرجئة إلى قائلها.
و اما قوله «و الظاهر من رواياتنا. الى آخر كلامه. فقد عرفت انه خلاف الظاهر، بل الظاهر منها بمعونة ظاهر الآية الشريفة انما هو الكفاية على الوجه الذي قدمنا تحقيقه.
(المنهج الرابع) [في تحريم أكل مال اليتيم]
قد استفاضت الاخبار بتحريم أكل مال اليتيم ظلما و عدوانا. و يعضدها القرآن العزيز، حيث قال- عز من قائل- «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (1) اى ما يجر الى النار و السعير.
و من الاخبار في ذلك: ما رواه
في الكافي عن سماعة في الموثق، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): وعد الله عز و جل في أكل مال اليتيم بعقوبتين، إحداهما: عقوبة الآخرة: النار، و اما عقوبة الدنيا فقوله عز و جل «وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعٰافاً خٰافُوا عَلَيْهِمْ» (2) يعنى ليخش أن اخلفه في ذريته ان يصنع بهم كما صنع
____________
(1) سورة النساء: 10.
(2) سورة النساء: 9.
344
بهؤلاء اليتامى (1).
و عن عجلان بن صالح، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أكل أموال اليتامى، فقال: هو كما قال الله- عز و جل- «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» ثم قال- من غير أن أسأله-: من عال يتيما حتى ينقطع يتمه أو يستغنى بنفسه، أوجب الله- عز و جل- له الجنة، كما أوجب النار لمن أكل مال اليتيم (2).
و روى في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن يحيى الكاهلي، قال: قيل لأبي عبد الله- (عليه السلام)-: انا ندخل على أخ لنا في بيت أيتام و معهم خادم لهم، فنقعد على بساطهم، و نشرب من مائهم و يخدمنا خادمهم، و ربما أطعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا، و فيه من طعامهم. ما ترى في ذلك؟ فقال: ان كان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلا بأس، و ان كان فيه ضرر فلا. و قال (عليه السلام) «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» فأنتم لا يخفى عليكم، و قد قال الله- عز و جل- «وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ» (3).
و روى في الكافي عن على بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ان لي ابنة أخ يتيمة فربما اهدى لها شيء، فآكل منه ثم أطعمها بعد ذلك شيئا من مالي، فأقول. يا رب هذا بذا، فقال: لا بأس (4).
و روى في التهذيب عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون للرجل عنده المال، اما بيع و اما قرض، فيموت و لم يقضه إياه، فيترك أيتاما صغارا فيبقى لهم عليه لا يقضيهم، أ يكون ممن يأكل أموال اليتامى
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 181 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 12 ص 180 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 12 ص 183 حديث: 1.
(4) الوسائل ج 12 ص 184 حديث: 2.
345
ظلما؟ قال: لا، إذا كان نوى ان يؤدى إليهم (1).
و عن سماعة في الموثق قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز و جل «وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ» فقال: يعنى اليتامى، إذا كان الرجل يلي الأيتام في حجره، فليخرج من ماله على قدر ما يحتاج اليه على قدر ما يخرجه لكل انسان منهم، فيخالطهم و يأكلون جميعا، و لا يزرأن من أموالهم شيئا، انما هي النار (2).
و قد تقدم نحو هذا الخبر في جواب ابى الصباح الكناني (3).
و روى العياشي في تفسيره عن على (عليه السلام) عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله في اليتامى «وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ» قال: يكون لهم التمر و اللبن، و يكون لك مثله على قدر ما يكفيك و يكفيهم، و لا يخفى على الله المفسد من المصلح (4).
و عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له:
يكون لليتيم عندي الشيء و هو في حجري أنفق عليه منه، و ربما أصيب مما يكون له من الطعام، و ما يكون مني إليه أكثر. قال: لا بأس بذلك (5).
و روى على بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه عن صفوان عن ابن مسكان، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لما نزلت «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» اخرج كل من كان عنده يتيم، و سألوا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في إخراجهم، فأنزل الله تعالى «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتٰامىٰ قُلْ إِصْلٰاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخٰالِطُوهُمْ فَإِخْوٰانُكُمْ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ».
قال: و قال الصادق (عليه السلام)
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 194 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 12 ص 188 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 188 حديث: 1.
(4) الوسائل ج 12 ص 189 حديث: 3.
(5) الوسائل ج 12 ص 189 حديث: 4.
346
لا بأس ان تخلط طعامك بطعامهم، فان الصغير يوشك ان يأكل مثل الكبير، و اما الكسوة و غيرها فيجب على كل رأس صغير و كبير ما يحتاج إليه (1).
أقول: و يستفاد من هذه الاخبار الشريفة جملة من الأحكام المنيفة:- (منها): ان أكل أموال اليتامى ظلما- كما دلت عليه الآية- انما هو في صورة ما لو لم ينو رده، كما يظهر من رواية عبد الرحمن بن الحجاج المذكورة، و نحوها ما تقدم في المنهج الثاني من رواية أحمد بن ابى نصر.
و ربما أشعر ذلك بجواز التصرف في مال اليتيم، و لو من غير الولي إذا كان ينوي الرد (2) مع ان ظاهر كلام الأصحاب: التحريم حيث خصوا جواز الاقتراض
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 189 حديث: 5 و 6.
(2) أقول: و مما يعضد ذلك ما رواه
في الكافي ج 5 ص 132 حديث: 7 في الصحيح أو الحسن عن عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السلام) في الرجل يكون عند بعض أهل بيته مال لأيتام فيدفعه إليه فيأخذ منه دراهم يحتاج إليها و لا يعلم الذي كان عنده المال للأيتام أنه أخذ من أموالهم شيئا، ثم تيسر بعد ذلك. أى ذلك خير له، أ يعطيه الذي كان في يده أم يدفعه الى اليتيم و قد بلغ؟ و هل يجزيه ان يدفعه الى صاحبه على وجه الصلة و لا يعلمه انه أخذ له مالا؟ فقال: يجزيه أى ذلك فعل، إذا أوصله الى صاحبه. فان هذا من السرائر، إذا كان من نيته، ان شاء رده الى اليتيم ان كان قد بلغ على اى وجه شاء، و ان لم يعلمه ان كان قبض له شيئا. و ان شاء رده الى الذي كان في يده المال. و قال: ان كان صاحب المال غائبا فليدفعه إلى الذي كان المال في يده.
و التقريب- في الخبر المذكور-: ان الامام (عليه السلام) لم ينكر على السائل المذكور في أخذه و تصرفه في مال اليتيم، مع صراحة الخبر في أنه ليس بولي، بل أقرّه على ما فعله، حيث كان من نيته الأداء، كما يشير اليه قوله «فان هذا من السرائر إذا كان من نيته. الى آخره».
منه (قدس سره).
347
بالولاية و الملائة، و حكموا بكون غيره عاصيا غاصبا.
و يمكن الجمع بأن عدم دخول هذا التصرف في مدلول الآية لا يستلزم الحل له، بل غاية ذلك انه لا يكون عقوبته عقوبة الناوي، و هو الذي يأكل في بطنه نارا و سيصلى سعيرا. و ان كان ذلك محرما و مستوجبا للعقاب في الجملة.
و أنت خبير بأن روايات جواز الاقتراض من مال اليتيم التي تقدمت، ليست نصا فيما ذكره الأصحاب من الاشتراط، بل ربما ظهر منها الجواز مطلقا، الا ان الأحوط الوقوف على ما ذكروه حسما لمادة الشبهة.
(و منها): ان التصرف في أموالهم يتوقف على نوع مصلحة لهم في ذلك، مثل الجلوس على فرشهم و الشرب من مائهم و استخدام خادمهم و نحو ذلك، كما يظهر من رواية الكاهلي المتقدمة، بأن يكون التصرف بأحد هذه الأنواع ممن يصل إليهم نفعه بأي وجوه المنافع فيكون هذا بهذا.
و لو لم يكن كذلك فهو مجرد مفسدة و ضرر عليهم و داخل تحت قوله تعالى «وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ» و يشير الى هذا رواية على بن المغيرة، و رواية عبد الرحمن ابن الحجاج المنقولة عن العياشي.
(و منها): جواز خلط طعام الأكل معهم بطعام الأيتام مع تساوى الغذاء و الأكل جميعا، معللا بأنه ربما كان الصغير يأكل مثل الكبير، اما لو علمنا يقينا ان الصغير لا يأكل ذلك المقدار فإشكال، من ظواهر الأخبار المذكورة، و من أصالة التحريم.
و الاحتياط لا يخفى.
(و منها): جواز أكل شيء من مالهم إذا كان اليتيم يأكل عوضه أو أكثر. الى غير ذلك من الفوائد التي يمكن استنباطها منها. و الحمد لله رب العالمين.
348
أحكام العقود و المعاملات
الفصل الأول (في البيع)
و أركانه ثلاثة: الصيغة، و المتعاقدان، و العوضان.
و البحث عن ذلك يقتضي بسطه في مقامات:-
[المقام] الأول [في اعتبار الصيغة الخاصة في البيع]:
المشهور- بل كاد يكون إجماعا- هو اشتراط الصيغة الخاصة في البيع كغيره من العقود، فلا يكفى التقابض من غير تلك الصيغة، و ان حصل من الألفاظ و الأمارات ما يدل على ارادة البيع، سواء كان في الخطير و الحقير.
قال في الشرائع: و لا ينعقد الا بلفظ الماضي (1)، فلو قال: اشتر، أو ابتع أو أبيعك لم يصح، و ان حصل القبول. و كذا في طرف القبول، مثل ان يقول: بعني
____________
(1) قالوا: لا بد من صيغة الماضي، لأنه صريح في إرادة نقل الملك. و اما المستقبل فإنه شبيه بالوعد. و الأمر بعيد عن المراد جدا. و كذا في سائر العقود اللازمة. منه (رحمه الله).
349
أو تبيعني، لأن ذلك أشبه بالاستدعاء أو بالاستعلام.
و هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول أم لا؟ فيه تردد، و الأشبه: عدم الاشتراط.
و قال في الدروس: فالإيجاب: بعت و شريت و ملكت. و القبول: ابتعت و اشتريت و تملكت و قبلت- بصيغة الماضي. فلا يقع الأمر و المستقبل، و لا ترتيب بين الإيجاب و القبول على الأقرب، وفاقا للقاضي- الى ان قال-: و لا تكفي المعاطاة و ان كان في المحقرات، نعم يباح التصرف في وجوه الانتفاعات، و يلزم بذهاب احدى العينين و يظهر من المفيد الاكتفاء بها مطلقا و هو متروك. انتهى.
و على هذا النهج كلام العلامة و غيره.
و بالجملة، فإنه لا بد عندهم من لفظ دال على الإيجاب و آخر على القبول، و ان يكون بلفظ الماضي.
و منهم من أوجب قصد الإنشاء.
و منهم من أوجب تقديم الإيجاب على القبول.
و منهم من أوجب فورية القبول و انه لا يضر الفصل بنفس أو سعال و نحوهما.
و منهم من أوجب وقوع الإيجاب و القبول بالعربية إلا مع المشقة. الى غير ذلك مما يقف عليه المتتبع لكلامهم.
قال الشهيد الثاني- في شرح قول المصنف «و لا يكفى التقابض من غير لفظ.
الى آخره»- هذا هو المشهور بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعا، غير ان ظاهر كلام المفيد يدل على الاكتفاء في تحقق البيع بما يدل على الرضا من المتعاقدين، إذا عرفاه و تقابضا. و قد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب الى ذلك ايضا، و لكن يشترط في الدال كونه لفظا، و إطلاق كلام المفيد أعم منه، و النصوص المطلقة من الكتاب و السنة الدالة على حل البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغ خاصة تدل على ذلك، فانا لم نقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معين، غير ان الوقوف مع المشهور هو الأجود،
350
مع اعتضاده بأصالة بقاء ملك كل واحد لعوضه الى ان يعلم الناقل.
و قال في أواخر البحث- بعد ان نقل عن متأخري الشافعية و جميع المالكية انعقاد البيع بكل ما دل على التراضي و عده الناس بيعا- ما صورته: و هو قريب من قول المفيد و شيخنا المتقدم، فما أحسنه و أتقن دليله، ان لم ينعقد الإجماع على خلافه. انتهى.
أقول: و الى هذا القول مال جملة من محققي متأخري المتأخرين، و به جزم المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و أطال في نصرته و الاستدلال عليه، و به جزم ايضا المحقق الكاشاني في المفاتيح، و الفاضل الخراساني في الكفاية، و اليه يميل والدى، و الشيخ عبد الله بن صالح البحراني، و نقلاه ايضا عن شيخهما العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني.
و هو الظاهر عندي من اخبار العترة الاطهار التي عليها المدار في الإيراد و الإصدار، كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى على وجه لا تعتريه غشاوة الإنكار. هذا.
و اما ما ذكره في المسالك من ان الأجود القول المشهور، فلا اعرف له وجها في المقام، بعد ما صرح به من الكلام، و اما الاعتضاد بأصالة بقاء ملك كل واحد لعوضه الى ان يعلم الناقل. ففيه: انه قد اعترف هو بأن إطلاق الكتاب و السنة دال على حصول البيع بكل ما دل على التراضي من قول أو فعل، و صرح في آخر كلامه بأنه ما أحسنه و امتن دليله، و هو اعتراف منه بوجود الناقل، فكيف يصح منه الحكم بأجودية القول المشهور لهذا التعليل العليل المذكور، و لم يبق الا التعلق بالشهرة بين الأصحاب، و هي ليست بدليل شرعي في هذا الباب و لا غيره من الأبواب.
ثم انه ينبغي ان يعلم أنه لا بد في هذا البيع (1) من جميع الشرائط المعتبرة في صحة البيوع، سوى الصيغة الخاصة التي أدعوها، فإنه لا دليل عليها.
بل ظاهر الروايات الواصلة إلينا في أبواب البيوع و الأنكحة و نحوهما من
____________
(1) يريد به بيع المعاطاة الخالية من الصيغة الخاصة.
351
سائر العقود و المعاملات: ان المعتبر فيها، انما هو الألفاظ الجارية في البين، مما يدل على الرضا من الطرفين.
و لا بأس بإيراد ما خطر بالبال من الاخبار الجارية على هذا المنوال:
فمنها:
صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال: سألته عن الرجل يأتي بالدراهم إلى الصيرفي فيقول له: آخذ منك المأة بمأة و عشرة، أو بمأة و خمسة، حتى يراوضه على الذي يريد، فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة دينارا أو ذهبا، ثم قال له: قد راددتك البيع (1) و انما أبايعك على هذا، لأن الأول لا يصلح، أو لم يقل ذلك، و جعل ذهبا مكان الدراهم: فقال: إذا كان اجرى البيع على الحلال فلا بأس بذلك (2).
و ظاهر الخبر- كما ترى- ان البيع انما وقع بهذا اللفظ المذكور الذي وقع بينهما أولا من المحاورة على الزيادة، حتى تراضيا على قدر معلوم، غاية الأمر انه لما كان البيع باطلا بسبب الزيادة الجنسية المستلزمة للربا، فمتى أبدلها بغير الجنس صح البيع و تم.
و منها:
حسنة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال قدم لأبي متاع من مصر فصنع طعاما، و دعى له التجار، فقالوا له: نأخذه منك بده دوازده (3) فقال لهم ابى:
و كم يكون ذلك؟ فقالوا في العشرة آلاف ألفان، فقال لهم أبي: فإني أبيعكم هذا المتاع باثني عشر الف درهم. فباعهم مساومة (4).
و الحديث- كما ترى- صريح في صحة البيع بهذا اللفظ، مع انه غير جار على مقتضى قواعدهم التي اشترطوها، من تقديم الإيجاب على القبول، كما
____________
(1) اى فسخت البيع الأول.
(2) التهذيب ج 7 ص 105 حديث: 55.
(3) بزيادة اثنين على كل عشرة.
(4) الوسائل ج 12 ص 385 حديث: 1.
352
هو المشهور بينهم، و كونهما بلفظ الماضي لا المستقبل و الأمر، كما عليه ظاهر اتفاقهم، فإنه لا قبول في الحديث بالكلية إلا ما يفهمه قولهم أولا: «نأخذ منك بده دوازده» يعنى على جهة المرابحة. و هو (عليه السلام) باعهم بهذه القيمة مساومة. و يفهم من الخبر ان رأس المال كان عشرة آلاف درهم. و الإيجاب هنا انما هو بلفظ المستقبل.
و منها: رواية
زرارة عن الصادق (عليه السلام) في زرع بيع و هو حشيش ثم سنبل.
قال: لا بأس إذا قال: ابتاع منك ما يخرج من هذا الزرع. فإذا اشتراه و هو حشيش فان شاء أعفاه و ان شاء تربص به (1).
و التقريب ظاهر، فإن صيغة البيع هي هذه التي حكاها الامام (عليه السلام) عن لسان المشترى و رضاء البائع بذلك.
و منها:
رواية إسحاق بن عمار قال: قلت للصادق (عليه السلام): يكون للرجل عندي الدراهم الوضح، فيلقاني فيقول: كيف سعر الوضح اليوم؟ فأقول: كذا و كذا.
فيقول: أ ليس لي عندك كذا و كذا الف درهما و ضحا؟ فأقول: نعم فيقول: حولها لي دنانير بهذا السعر، و أثبتها لي عندك. فما ترى في هذا؟ فقال لي: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك. فقلت: انى لم أوازانه و لم أناقده، و انما كان كلام منى و منه. فقال أ ليس الدراهم و الدنانير من عندك؟ قلت: بلى.
قال: فلا بأس (2).
أقول: الوضح الدرهم الصحيح. فانظر الى بيع هذه الدراهم بالدنانير بأي نحو وقع، و الراوي انما استشكل من حيث كونه صرفا يجب فيه النقد و التقابض في المجلس، فأزال (عليه السلام) استشكاله بأنه لما كان النقدان كلاهما عنده كفى تحويل أحدهما بالاخر في صحة الصرف.
و منها:
رواية محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 22 حديث: 9.
(2) التهذيب ج 7 ص 102 حديث: 47.
353
فقالت: زوجني. فقال: من لهذه؟ فقام رجل فقال: انا يا رسول الله، زوجنيها.
فقال: ما تعطيها؟ فقال: ما لي شيء، فقال: لا، فأعادت فأعاد رسول الله الكلام. فلم يقم غير الرجل، ثم أعادت، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في المرة الثالثة: أ تحسن من القرآن شيئا؟ قال: نعم. قال: قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن، فعلمها إياه (1).
و هذه الرواية مخالفة لقواعدهم من وجوه، منها: وقوع القبول من الزوج بلفظ الأمر، و الظاهر من كلامهم وجوب كونه بلفظ الماضي. و منها: تقديم القبول على الإيجاب. و منها: الفصل بين الإيجاب و القبول بزيادة على ما اعتبروه.
و في حديث تزويج الجواد (عليه السلام) بابنة المأمون، المروي في إرشاد المفيد و غيره، قال الجواد (عليه السلام) في خطبة النكاح: ثم ان محمد بن على بن موسى يخطب أم الفضل بنت عبد الله المأمون، و قد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو خمسمائة درهم جياد، فهل زوجته يا أمير المؤمنين على هذا الصداق المذكور؟ قال: نعم، قد زوجتك يا أبا جعفر ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت ذلك؟ قال أبو جعفر: قبلت ذلك و رضيت به (2).
و في رواية أبان بن تغلب، قال: قلت للصادق (عليه السلام): كيف أقول لها إذا خلوت بها؟ قال: تقول: أتزوجك متعة على كتاب الله و سنة نبيه (صلى الله عليه و آله) لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما، و ان شئت كذا و كذا سنة، و بكذا و كذا درهما. و تسمى من الأجر ما تراضيتما عليه، قليلا كان أو كثيرا، فإذا قالت: نعم، فقد رضيت، فهي امرأتك (3) الحديث.
و بمضمون هذه الرواية أخبار عديدة في صورة عقد المتعة بلسان الزوج.
و في موثقة سماعة. قال: سألته (عليه السلام) عن بيع الثمرة، هل يصلح شراؤها قبل
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 195 حديث: 3.
(2) الوسائل ج 14 ص 194 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 14 ص 466 حديث: 1.
354
ان يخرج طلعها؟ فقال: لا، الا ان يشترى معها شيئا من غيرها. رطبة أو بقلا، فيقول: اشترى منك هذه الرطبة و هذا النخل و هذا الشجر (1) بكذا و كذا، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشترى في الرطبة و البقل (2).
و في صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما- (عليهما السلام)- انه قال في رجلين كان لكل واحد منهما طعام عند صاحبه، و لا يدرى كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال: كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك و لي ما عندي، فقال: لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت أنفسهما (3).
أقول: و هذا من صيغ الصلح الدالة هنا على انتقال ما في يد كل منهما اليه، و براءة ذمته من مال الأخر من ذلك المال المشترك و بمثل ذلك في باب الصلح أخبار عديدة.
و في صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) انه قال في الرجل يعطى الرجل المال فيقول له: ائت أرض كذا و كذا و لا تجاوزها و اشتر منها، قال: فان جاوزها و هلك المال فهو ضامن (4) الحديث.
أقول: و هذه من صيغ المضاربة التي أوجبت للعامل استحقاق حصة من الربح، و ان لم يصرح بها في الخبر، لكون الغرض من سياقه بيان مخالفة العامل في تجاوزه عن البلدة المأمور بها. الى غير ذلك من الاخبار التي يقف عليها المتتبع. الدالة على سهولة الأمر في العقود، و ان الألفاظ الجارية بين المتعاقدين الدالة على الرضا، و المقصود من تلك العقود الرافعة للنزاع و الاشتباه بأي نحو كان، كافية في صحة العقد و ترتب أحكام الصحة عليه.
____________
(1) أي ثمرة هذا الشجر، لأن السؤال كان عنها.
(2) الوسائل ج 13 ص 90 حديث: 1.
(3) الوسائل ج 13 ص 166 حديث: 1.
(4) الوسائل ج 13 ص 181 حديث: 2.
355
[فوائد]
و تمام الكلام في المقام يتوقف على بيان أمور:-
(الأول) [في عدم كفاية مطلق التراضي]:
المفهوم مما نقله في المسالك عن بعض مشايخه المعاصرين، هو اشتراط وجود اللفظ الدال على التراضي من الطرفين.
و المفهوم مما نقل عن المفيد: الاكتفاء بمجرد التراضي، و لو بالإشارة و القرائن، و ان لم يحصل بينهما ألفاظ دالة على ذلك، و اختاره في المفاتيح و سجل عليه.
و الظاهر هو الأول، لتطرق القدح الى ما ذكره، فإن الأصل بقاؤ ملك كل واحد لمالكه حتى يعلم الناقل شرعا، و غاية ما يفهم من الاخبار الجارية في هذا المضمار- مما تلوناه عليك و نحوه- هو النقل و صحة العقد بالألفاظ الجارية من الطرفين، الدالة على التراضي بمضمون ذلك العقد، دون الصيغ الخاصة التي اعتبرها الأكثر.
و اما مجرد التراضي و التقابض من غير لفظ يدل على ذلك فلم يقم عليه دليل، و حديث
«انما يحلل الكلام و يحرم الكلام» (1).
مؤيد ظاهر لما قلنا، و غاية ما تدل عليه الأدلة التي استند (2) إليها، من الهدايا و الهبة و وقوع الشراء قديما و حديثا من البائع بغير كلام إذا كان السعر معهودا و نحو ذلك، هو جواز التصرف، و هو مما لا نزاع فيه و لا إشكال، اما كونه موجبا للنقل من المالك السابق ما دامت العين موجودة، بحيث لا يجوز لصاحبها الرد فيها، فغير معلوم، كيف و قد صرحوا بأنه لا خلاف في جواز الرد في الهدايا ما دامت العين موجودة، و حديث
«انما يحلل الكلام و يحرم الكلام».
مؤيد أيضا، إذ لم يحصل من الكلام ما أوجب الانتقال حتى يحرم الرد و الرجوع، و اما جواز التصرف فلا ينافي الخبر المذكور، لانه محمول على اللزوم و على ما بعد
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 376 حديث: 4.
(2) صاحب المفاتيح.
356
الرجوع، جمعا بينه و بين ما دل على الإباحة بالتراضي.
و بالجملة فالتمسك بأصالة بقاء الملك حجة قوية، الى ان يحصل المخرج عن ذلك من الحجج الشرعية، و غاية ما يستفاد من الاخبار- كما عرفت- هو الاكتفاء بالتراضي الحاصل من الألفاظ، دون مجرد التراضي.
(الثاني) [في أن مقتضى القاعدة بطلان المعاطاة]:
المشهور بين القائلين بعدم لزوم بيع المعاطاة: هو صحة المعاطاة المذكورة، إذا استكملت شروط البيع غير الصيغة المخصوصة، و انها تفيد اباحة تصرف كل منهما فيما صار اليه من العوض المعين، من حيث اذن كل منهما في التصرف، و تسليطه على ما دفعه اليه الا انه لا يفيد اللزوم ما دامت العين باقية، بل لكل منهما الرجوع فيما دفعه للآخر.
و عن العلامة- في النهاية- القول بفساد بيع المعاطاة، و انه لا يجوز لكل منهما التصرف فيما صار اليه، من حيث الإخلال بالصيغة الخاصة، الا ان جمعا من الأصحاب نقلوا رجوعه عن هذا القول في باقي كتبه.
قال في المسالك- على اثر الكلام الذي قدمنا نقله عنه في صدر المسألة-:
فلو وقع الاتفاق بينهما على البيع، و عرف كل منهما رضا الأخر بما يصير اليه من العوض المعين، الجامع لشرائط البيع غير اللفظ المخصوص، لم يفد اللزوم.
لكن هل يفيد اباحة تصرف كل منهما فيما صار اليه من العوض؟ نظرا إلى اذن كل منهما للآخر في التصرف، أو يكون بيعا فاسدا، من حيث إخلال شرطه و هو الصيغة الخاصة، المشهور الأول. فعلى هذا يباح لكل منهما التصرف، و يجوز له الرجوع في المعاوضة، ما دامت العين باقية، فإذا ذهبت لزمت. اما جواز التصرف، فلما فرض من تسليط كل منهما الأخر على ما دفعه اليه و اذنه له فيه، و لا نعني لإباحة التصرف الا ذلك. و اما لزومها مع التلف، فلرضاهما بكون ما أخذه كل منهما عوضا عما دفعه، فإذا تلف ما دفعه كان مضمونا عليه، الا انه قد رضى بكون عوضه هو ما بيده، فان كان ناقصا فقد رضى به، و ان كان زائدا فقد رضى به الدافع، فيكون بمنزلة ما لو دفع المديون عوضا عما في ذمته و رضى به صاحب الدين. انتهى.
357
أقول: لقائل أن يقول: انه لا يخفى ما في هذا الكلام من تطرق المناقشة اليه، و ان كان ظاهرهم الاتفاق عليه. و ذلك فإنه متى كانت الصيغة الخاصة عندهم أحد أركان البيع (1) كما صرحوا به مع تصريحهم هنا باشتراط جميع شروط البيع في صحة المعاطاة ما عدا الصيغة الخاصة، فقضية ذلك هو بطلان هذه المعاطاة و فسادها، لفوات أحد أركان الصحة، و هو الصيغة الخاصة، كما ذكره العلامة في النهاية.
و هم انما تمسكوا في صحة المعاطاة و إفادتها الإباحة مع وجود العين، و اللزوم مع تلفها، بالرضا من كل من المتعاقدين، كما يدور عليه كلامه في المسالك.
و لا ريب ان افادة الرضا لما ذكروه فرع المشروعية، الا ترى انهما لو تراضيا على بيع المجهول و شرائه، أو الربوي أو نحو ذلك، مما لا يصح بيعه شرعا، فإنه لا يصح. و لا ثمرة لهذا الرضا بالكلية، فكذا فيما نحن فيه، بناء على ما حكموا به من ركنية الصيغة الخاصة، و دوران الصحة و الابطال مدارها، وجودا و عدما.
و بالجملة فإنه بالنظر الى مقتضى الأدلة الشرعية، فاللازم هو صحة المعاطاة، و ان حكمها حكم البيع المترتب على الصيغة الخاصة، من غير فرق، كما هو المختار.
و اليه ذهب من عرفت من علمائنا الأبرار. و بالنظر الى قواعدهم و تصريحاتهم بما قدمنا ذكره، فالواجب هو الحكم بالفساد، لما عرفت. و ما ذكروه تفريعا على الصحة من اباحة التصرف و عدم اللزوم، الا بعد ذهاب العين، بناء على ما عرفت من تعليلات المسالك، فإنه غير موجه عندي و لا ظاهر كما أوضحناه.
فإن قيل: ان اشتراط الصيغة الخاصة انما هو في البيع، و هذا ليس ببيع، و انما هي معاملة أخرى تفيد الإباحة على الوجه المذكور في كلامهم.
قلنا: فيه- أولا-: ان صحة هذه المعاملة على الوجه الذي ذكروه، موقوفة
____________
(1) حيث انهم عبروا بأن أركان البيع ثلاثة: العقد و المتعاقدان و العوضان. صرح به العلامة في القواعد و الإرشاد، و غيره في غيرها. و مرادهم بالعقد- كما عرفت- هو الصيغة الخاصة التي ذكروا شروطها بما نقلناه عنهم في الأصل. منه (رحمه الله).
358
على الدليل الشرعي، و ليس الا مجرد هذه التعليلات التي ذكروها، و قد عرفت ما فيها.
و ثانيا: اشتراطهم جميع شروطهم البيع عدا الصيغة الخاصة في ترتب تلك الأحكام على المعاطاة، ينافي ما ذكرت. فان الناظر في ذلك يجزم بأنه بيع (1) فان ثبت اشتراط صحة البيع بالصيغة الخاصة كان بيعا فاسدا، و ان لم يثبت- كما هو المختار- كان بيعا صحيحا.
نعم لو لم يشترط شرط صحة البيع في المعاطاة لأمكن ان يقال: انها معاملة أخرى غير البيع، و ان لم يقم عليها دليل، الا ان الأمر ليس كذلك، كما عرفت.
و بالجملة، فاللازم اما فساد هذه المعاملة أو كونها بيعا حقيقيا، و ما ذكروه من التعليلات كما صرحوا به و ان كانت ترى في بادئ النظر صحته، الا انه بالتأمل فيما ذكرناه يظهر فساده، و هو مؤيد لما قلناه في غير مقام من مجلدات كتابنا هذا، من ان الاعتماد على أمثال هذه التعليلات في تأسيس الأحكام الشرعية مما لا ينبغي العمل عليها، بل الاعتماد انما هو على الاخبار ان صرحت به، أو أومأت إليه.
(الثالث) [هل المعاطاة تفيد ملكا متزلزلا أم إباحة؟]:
قال في المسالك: هل المراد بالإباحة الحاصلة بالمعاطاة قبل ذهاب العين، افادة ملك متزلزل كالمبيع في زمن الخيار، و بالتصرف يتحقق لزومه، أم الإباحة المحضة التي هي بمعنى الاذن في التصرف، و بتحققه يحصل الملك له و للعين الأخرى؟ يحتمل الأول، بناء على ان المقصود للمتعاقدين انما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة و لم يجز التصرف في العين، و ان الإباحة إذا لم تقتض الملك فما الذي أوجب حصوله بعد ذهاب العين الأخرى؟ و يحتمل الثاني، التفاتا الى ان الملك لو حصل بها لكانت بيعا، و مدعاهم نفى ذلك، و احتجاجهم بان الناقل للملك لا بد
____________
(1) أقول: و ممن صرح بأنها بيع، المحقق الشيخ على في شرح القواعد، حيث قال في ضمن كلام في المقام: فان المعروف بين الأصحاب انها بيع، و ان لم يكن كالعقد في اللزوم خلافا لظاهر عبارة المفيد.
منه (رحمه الله).
359
ان يكون من الأقوال الصريحة في الإنشاء المنصوبة من قبل الشارع و انما حصلت الإباحة باستلزام إعطاء كل واحد منهما للآخر سلعته مسلطا عليها الاذن في التصرف فيها بوجوه التصرفات، فإذا حصل كان الأخر عوضا عما قابله، لتراضيهما على ذلك، و قبله يكون كل واحد من العوضين باقيا على ملك مالكه، فيجوز الرجوع فيه، و لو كانت بيعا قاصرا عن افادة الملك المترتب عليه لوجب كونها بيعا فاسدا، إذ لم تجتمع شرائط صحته، و من ثم ذهب العلامة في النهاية إلى كونها بيعا فاسدا، و انه لا يجوز لأحدهما التصرف فيما صار إليه أصلا. انتهى.
أقول: و بالاحتمال الأول جزم المحقق الشيخ على في شرح القواعد كما سيأتي نقل كلامه، لما تقدم من التعليل.
ثم أقول: انه لما كان البناء في هذه المسألة- كما قدمنا الإشارة اليه- على غير أساس، حصل الشك فيه و الالتباس، إذ لم يقم لهم دليل شرعي على صحة هذه الدعوى، من إفادة المعاطاة جواز التصرف، من غير ان تكون ملكا حقيقيا، سواء سمى ملكا متزلزلا أو اباحة، و انما مقتضى الأدلة- كما عرفت- هو كونها بيعا حقيقيا موجبا للانتقال و عدم جواز الرجوع، و ان كانت العين موجودة، حسبما قيل في البيع المشتمل على الصيغة الخاصة، و اللازم على تقدير ما ذهبوا إليه في هذا المقام، انما هو فساد البيع، كما قدمنا ذكره، لانه لا خلاف بينهم في ان البيع المترتب عليه الانتقال و صحة التصرف، مشروط بشروط عديدة، بالنسبة إلى الصيغة و المتعاقدين و العوضين و انه باختلال شرط من تلك الشروط يكون البيع فاسدا، و ان حصل التراضي، فإن التراضي لا اثر له في تصحيح ما حكم الشارع بإبطاله، و بيع المعاطاة عندهم مما يجب استكماله جميع شروط البيع غير الصيغة الخاصة، مع تصريحهم بكون الصيغة الخاصة أحد أركان البيع و قضية ذلك بطلان البيع بالإخلال بها كما في الإخلال بغيرها من الشروط.
و دعوى استثنائها من تلك الشروط، بان تركها لا يوجب البطلان، و انما يكون
360
الحكم هو الإباحة أو الملك متزلزلا، تحكم محض. و لم نظفر لهم بدليل الا ما عرفت من التعليلات المبنية على التراضي، مع انها جارية في صورة اختلال غيرها من الشروط، لجواز تراضيهما على بيع المجهول و الربوي و نحوهما مما منع الشارع منه، مع انهم لا يقولون به، و الكلام في الصيغة الخاصة- بناء على دعواهم وجوبها و انه لا يلزم البيع الا بها- كذلك، و بذلك يظهر لك ما في قوله في المسالك في تعليل الاحتمال الأول من انه مبنى على ان المقصود للمتعاقدين انما هو الملك، فإذا لم يحصل كانت فاسدة، فإن فيه: انهم قد أوجبوا في حصول القصد المذكور دلالة لفظ صريح عليه، و خصوه بالصيغة الخاصة و لم تحصل، و الى ذلك يشير قوله في الاحتجاج للاحتمال الثاني: ان الناقل للملك لا بد ان يكون من الأقوال الصريحة، فاللازم حينئذ هو فساد المعاطاة كما ذكرنا، لانتفاء الدال على ذلك المقصود، و كذا في قوله- في تعليل الاحتمال الثاني- من انه انما حصل باستلزام إعطاء كل واحد منهما للآخر سلعته، فان فيه: ان هذا لو صلح وجها لما ذكروه من الإباحة لا طرد في صورة الإخلال بغير هذا الشرط من شروط صحة البيع و لزومه، مع انهم لا يلتزمونه، و تخصيصه بهذا الموضع تحكم كما عرفت.
و قال المحقق الشيخ على في شرح القواعد- بعد قول المصنف «و لا تكفي المعاطاة»- ما ملخصه: و ظاهره انها لا تكفي في المقصود بالبيع، و هو نقل الملك، و ليس كذلك، فان المعروف بين الأصحاب انها بيع و ان لم تكن كالعقد في اللزوم، خلافا لظاهر عبارة المفيد، و قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (1) يتناولها، لأنها بيع بالاتفاق حتى من القائلين بفسادها، لأنهم يقولون هي بيع فاسد، و قوله «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (2) فإنه عام الا فيما أخرجه الدليل، و ما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب، انها تفيد الإباحة و تلزم بذهاب احدى العينين، يرون به عدم
____________
(1) سورة البقرة: 275.
(2) سورة النساء: 29.
361
اللزوم في أول الأمر، و بالذهاب يتحقق اللزوم، لامتناع إرادة الإباحة المجردة عن أصل الملك، إذ المقصود للمتعاطيين انما هو الملك فإذا لم يحصل كانت فاسدة و لم يجز التصرف في العين، و كافة الأصحاب على خلافه. انتهى.
أقول: ما ذكروه من ان المعاطاة بيع و انها تفيد الملك، إذ مقصود المتعاطيين انما هو الملك، و شمول الآيات الدالة على حل البيع و صحته لذلك، جيد متين.
لكن يبقى الكلام في دعوى عدم اللزوم مع وجود العوضين، فإنه يحتاج الى دليل، إذ مقتضى ما ذكروه هو الصحة و اللزوم و كونه بيعا حقيقيا، و لا اعرف لهم دليلا على هذه الدعوى هنا، الا الاستناد إلى الإخلال بالصيغة الخاصة، بناء على ظاهر اتفاقهم على انها ركن من أركان البيع، و قضية ذلك انما هو الفساد لا الصحة مع عدم اللزوم.
فان قيل: انهم يستندون الى وقوع المعاطاة في الصدر الأول مع الإخلال بالصيغة.
قلنا: فيه- أولا- انك قد عرفت ان هذه الصيغة الخاصة لم يقم عليها دليل.
و ثانيا: ان المعاطاة في الصدر الأول انما كانوا يقصدون بها البيع الحقيقي كما عرفت من الاخبار المتقدمة و نحوها، و توقف ذلك على تلف احدى العوضين غير معلوم و لا مدلول عليه بدليل.
و أنت إذا ضممت ما دلت عليه الاخبار المتقدمة، من صحة بيع المعاطاة و غيره من العقود بالألفاظ الدالة على مجرد التراضي، مع الاخبار الدالة على الخيار بأنواعه، و الاخبار الدالة على النزاع بين المشترى و البائع و نحو ذلك، مما يتفرع على البيع صحة و بطلانا، ظهر لك ان ذلك كله مترتب على بيع المعاطاة كالبيع بالصيغة الخاصة عندهم.
و بالجملة فإني لا اعرف لما ذكروه هنا وجه استقامة، و اللازم اما كون المعاطاة بيعا حقيقيا- كما اخترناه- أو بيعا فاسدا- كما هو مقتضى قواعدهم.
362
ثم انه مما يتفرع على الاحتمالين المذكورين في عبارة المسالك من الملك أو الإباحة، حصول النماء. فان قلنا بالملك كان تابعا للعين في الانتقال و الملك، و ان قلنا بالإباحة احتمل كونه مباحا لمن هو في يده كالعين، و عدمه.
و اما وطي الجارية، فقيل: الظاهر انه كالاستخدام يدخل في الإباحة منها.
و اما العتق فعلى القول بالملك (1) يكون جائزا لأنه مملوك، و على الإباحة يتجه العدم، إذ لا عتق إلا في ملك، و مقتضى حكمهم بتجويز جميع التصرفات في بيع المعاطاة يدفع التفريع على الإباحة هنا، فيكون هذا مما يؤيد القول بالملك.
(الرابع) [في أن تلف العين يوجب لزوم المعاطاة]:
لا اشكال و لا خلاف عندهم في انه لو تلف العينان في بيع المعاطاة فإنه يصير لازما، و انما الكلام في تلف إحداهما خاصة، و قد صرح جمع منهم بأنه كالأول، فيكون موجبا لملك العين الأخرى لمن هي في يده، نظرا الى ما قدمنا نقله عن المسالك في الأمر الثاني، و احتمل هنا ايضا العدم، التفاتا إلى أصالة بقاء الملك لمالكه، و عموم
«الناس مسلطون على أموالهم» (2).
ثم انه حكم بأن الأول أقوى، و علله بان من بيده المال مستحق قد ظفر بمثل حقه باذن مستحقه فيملكه، و ان كان مغايرا له في الجنس و الوصف، لتراضيهما على ذلك.
أقول: قد عرفت آنفا ان الاستناد إلى أمثال هذه التعليلات في تأسيس الأحكام الشرعية مشكل، و انما المدار على النصوص الدالة على المراد بالعموم أو الخصوص.
و المسألة عارية عن ذلك من أصلها، فضلا عن فرعها. و اما على ما اخترناه فإنه لا إشكال
____________
(1) أي القول بعدم جواز العتق تفريعا على القول بالإباحة ينافي ما صرحوا به من جواز التصرف بجميع أنواعه في بيع المعاطاة، فيكون ذلك مؤيدا للقول بالملك، إذ لو تم القول بالإباحة لصح هذا الفرع المترتب عليه، مع خلاف ما صرحوا به في المقام.
منه (رحمه الله).
(2) بحار الأنوار ج 2 ص 272.
363
في هذا المجال.
ثم انه لو تلف بعض إحداهما فهل يكون حكمه حكم تلف الجميع أولا، وجهان. اختار أولهما المحقق الشيخ على في شرح القواعد. قال: و يكفى تلف بعض احدى العينين لامتناع التراد في الباقي إذ هو موجب لتبعيض الصفقة و الضرر، و لان المطلوب كون إحداهما في مقابلة الأخرى.
و تنظر فيه في المسالك، قال: لان تبعيض الصفقة لا يوجب بطلان أصل المعاوضة، بل غايته جواز فسخ الأخر، فيرجع الى المثل أو القيمة كما في نظائره، و اما الضرر الحاصل من التبعيض المنافي لمقصودهما، من جعل إحداهما في مقابلة الأخرى، فمستند الى تقصيرهما في التحفظ بإيجاب البيع، كما لو تبايعا بيعا فاسدا. و يحتمل حينئذ ان يلزم من العين الأخرى في مقابلة التالف و يبقى الباقي على أصل الإباحة بدلالة ما قدمناه. انتهى.
و هو جيد بناء على قواعدهم. و اما على ما اخترناه فالأمر ظاهر، إذ صحة المعاملة المذكورة و لزومها لا تتوقف على تلف أحد العوضين أو بعضه، بعين ما قرروه في العقد بالصيغة الخاصة عندهم.
(الخامس) [فيما لو وقعت المعاوضة بقبض أحد العوضين]:
ان من فروع المسألة بناء على ما قرروه فيها، ما لو وقعت المعاوضة بقبض أحد العوضين خاصة، كما لو دفع إليه سلعة بثمن وافقه عليه أو دفع اليه ثمنا عن عين موصوفة بصفات السلم، فتلف العوض المقبوض، ففي لحوق أحكام المعاطاة و لزوم الثمن المسمى و الثمن الموصوف إشكال، ينشأ من عدم صدق اسم المعاطاة، لأنها مفاعلة تتوقف على العطاء من الجانبين، و لم يحصل.
و يعضده ايضا الاقتصار فيما يخرج عن الأصل على موضع اليقين ان كان، و من صدق التراضي على المعاوضة، و تلف العين المدعى كونه كافيا في التقابض من الجانبين.
و بالصحة هنا صرح في الدروس فقال: و من المعاطاة ان يدفع إليه سلعة بثمن
364
يوافقه عليه من غير عقد، ثم يهلك عند القابض فيلزمه الثمن المسمى. انتهى.
أقول: و يؤيده أن التسمية بالمعاطاة في هذا البيع انما وقعت في كلامهم، إذ لا نص في المقام. فوجوب ترتب الصحة على الإعطاء من الجانبين- بناء على هذا اللفظ- لا وجه له. نعم لو كان هنا نص ورد بهذه التسمية لاقتضى تفريع ذلك عليه. و حينئذ فالمرجع في ذلك- بناء على أصولهم في هذه المسألة- الى ما علل به في الوجه الثاني- بناء على ما اخترناه- دلالة النصوص على كون ذلك بيعا صحيحا شرعيا، لما عرفت آنفا من ان اشتراط هذه الصيغة الخاصة غير ثابت، بل يكفى مجرد الألفاظ الدالة على التراضي، مع استكمال باقي الشرائط المعتبرة في البيع. و الله العالم.
(السادس) [في ورود المعاطاة في الإجارة و الهبة]:
قال في المسالك: ذكر بعض الأصحاب ورود المعاطاة في الإجارة و الهبة، بأن يأمره بعمل معين و يعين له عوضا، فيستحق الأجرة بالعمل، و لو كانت إجارة فاسدة لم يستحقق شيئا مع علمه بالفساد، بل لم يجز له العمل و التصرف في ملك المستأجر، مع اطباقهم على جواز ذلك، و استحقاق الأجر. انما يكون الكلام في تسمية المعاطاة في الإجارة. و ذكر في مثال الهبة: ما لو وهبه بغير عقد فيجوز للقابض إتلافه، و تملكه به، و لو كانت هبة فاسدة لم يجز. و لا بأس به، الا ان في مثال الهبة نظرا، من حيث ان الهبة لا تختص بلفظ، بل كل لفظ يدل على التمليك بغير عوض كاف فيها كما ذكروه في بابه، و جواز التصرف في المثال المذكور موقوف على وجود لفظ يدل عليها، فيكون كافيا في الإيجاب. اللهم الا ان يعتبر القبول اللفظي مع ذلك و لا يحصل في المثال فيتجه ما قاله. انتهى.
أقول: لا يخفى على من مارس الاخبار أنه لا وجه لتخصيص هذا البعض ما ذكره بالإجارة و الهبة، و ذلك فإن غاية ما يستفاد منها بالنسبة الى جميع العقود، انه لا يعتبر فيها أزيد من الألفاظ الدالة على الرضا بمضمون ذلك العقد، كيف كانت، و على اى نحو صدرت، و مع استكمال جميع ما يشترط فيه، من غير توقف على الصيغ
365
الخاصة التي أوجبوها في كل عقد.
و اما الإشكال في كون ذلك يسمى معاطاة أم لا، كما يشير اليه كلام شيخنا المذكور، ففيه: ما أشرنا إليه آنفا، من ان هذه التسمية انما هي اصطلاحية ذكروها في باب البيع، و جعلوها في مقابلة البيع بالصيغة التي اتفقوا عليها فقسموها الى البيع بالعقد المخصوص و الى بيع المعاطاة، و جعلوا لكل منهما أحكاما، كما تقدم ذكره، و لما كانت هذه الصيغة تتضمن المفاعلة من الطرفين، استشكلوا في إجرائها في هذه المواضع و نحوها.
و أنت خبير بأنه مع الرجوع الى الاخبار فلا وجود لهذه التسمية و لا اثر يترتب عليها في باب البيع و لا غيره، و قد عرفت انهم في باب البيع قد خرجوا عنها في صحة المعاطاة بقبض أحد العوضين دون الأخر، و ظاهر كلامه- عليه الرحمة- ان المستند في صحة الإجارة و الهبة في هذا المقام انما هو اطباق الناس على جواز التصرف في الصورتين المذكورتين، و استحقاق الأجرة في الإجارة، و أنت خبير بما فيه: و ان كان فيه نوع إيماء إلى الإجماع، بل الحق في ذلك انما هو كون ذلك غاية ما يستفاد من الأدلة في هذين الموضعين و غيرهما و لا يستفاد منها ما ادعوه من الصيغ الخاصة التي جعلوا بها هذه الافراد قسيما لما اتفقوا على صحته. و الله العالم.
(السابع) [في كفاية إشارة الأخرس]:
الظاهر انه لا خلاف في ان اشتراط الإتيان بالصبغة الخاصة أو مجرد ما دل من الألفاظ على الرضا، انما هو بالنسبة الى من يتمكن من التلفظ، فأما من لم يمكنه ذلك كالأخرس و من بلسانه آفة، فإنه تكفيه الإشارة المفهمة.
قيل: و في حكمه الكتابة ايضا على ورق أو خشب أو نحو ذلك و اعتبر العلامة في الكتابة ان تدل على رضاه. و الظاهر عدم وجوب التوكيل في الصورة المذكورة و ربما قيل بالوجوب.
قيل: و يجب وقوع الإيجاب و القبول باللفظ العربي، مراعيا فيهما أحكام الاعراب و البناء، و كذا كل عقد لازم، لان الناقل هو الألفاظ المخصوصة، و غيرها
366
لم يدل عليه دليل، و معلوم ان العقود الواقعة في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليهما السلام) انما كانت بالعربية، نعم يجوز لمن لا يعلم ذلك، الإيقاع بمقدوره، و لا يجب التوكيل، للأصل. نعم يجب التعلم إن أمكن من غير مشقة عرفا. انتهى.
أقول. قد عرفت ان غاية ما يستفاد من الاخبار الواردة في البيوع و الصلح و الأنكحة و نحوها وجود الألفاظ الدالة على التراضي بما دلت عليه بأي نحو كانت، و كون العقود في وقتهم- (عليهم السلام)- كانت باللغة العربية و على النهج العربي الصحيح، لا يدل ما ذكروه من اشتراط ذلك، لان ذلك انما صدر من حيث ان محاوراتهم و محادثاتهم و كلامهم كانت على ذلك النحو، في عقد كان أو غير عقد، فهو من قبيل السليقة و الجبلة التي طبعت عليها ألفاظهم و محاوراتهم و ألسنتهم. و اشتراط ذلك في صحة العقود يحتاج الى دليل واضح و برهان لائح، و أصالة العدم أقوى متمسك في المقام، و ان كان الاحتياط فيما ذكروه، لا سيما في باب النكاح المبنى على الاحتياط. و الله العالم.
367
المقام الثاني [في المتعاقدين]
قد عرفت ان أحد أركان البيع: المتعاقدان. فيشترط فيهما البلوغ و العقل و الاختيار و الملك و نحوه، بأن يكون مالكا أو مأذونا على خلاف في هذا الموضع يأتي إنشاء الله تعالى بيانه فلا يصح بيع الصبي و لا شراؤه و لا المجنون و لا المكره و لا المغمى عليه و لا السكران و لا غير المالك و من في حكمه.
و تفصيل هذه الجملة يقع في مسائل:-
[المسألة] الاولى [في عدم صحة عقد الصبي]:
ظاهر كلام جمهور الأصحاب انه لا يصح بيع الصبي و لا شراؤه و لو اذن له الولي. و انه لا فرق في الصبي بين المميز و غيره. و لا فرق بين كون المال له أو للولي أو لغيرهما. اذن مالكه أو لم يأذن.
و نقل جماعة من الأصحاب هنا قولا بجواز بيع الصبي و شرائه إذا بلغ عشرا و كان عاقلا، و ردوه بالضعف.
قال في المسالك: و المراد بالعقل هنا الرشد، فغير الرشيد لا يصح بيعه، و ان كان عاقلا، اتفاقا. انتهى.
قال العلامة في التذكرة: الصغير محجور عليه بالإجماع، سواء كان مميزا أولا، في جميع التصرفات الا ما استثنى، كعباداته و إسلامه و إحرامه و تدبيره و
368
وصيته و إيصال الهدية و اذنه في دخول الدار، على خلاف في ذلك. قال الله تعالى «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» (1) و قوله تعالى «وَ لٰا تُؤْتُوا السُّفَهٰاءَ أَمْوٰالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّٰهُ لَكُمْ قِيٰاماً» (2) يعني أموالهم. و لعل قوله «وَ ارْزُقُوهُمْ فِيهٰا وَ اكْسُوهُمْ» (3) قرينة له. و قوله «فَإِنْ كٰانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لٰا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ» (4).
قيل: السفيه المبذر، و الضعيف الصبي، لأن العرب تسمى كل قليل العقل ضعيفا، و الذي لا يستطيع التغلب مغلوب على عقله.
و ظاهره دعوى الإجماع على الحكم المذكور، مع انك قد عرفت وجود المخالف في ذلك.
و يظهر من المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد المناقشة في هذا المقام، حيث قال- بعد ما نقل هذا الكلام- ما ملخصه: و الإجماع مطلقا غير ظاهر، و الآية غير صريحة الدلالة، لأن عدم دفع المال إليهم و عدم الاعتداد بإملائهم، لا يستلزم عدم جواز إيقاع العقد و عدم الاعتبار بكلامهم، خصوصا مع اذن الولي و التمييز.
و يؤيده اعتبار المستثنى، فإنه لو كان ممن لا اعتداد بكلامه ما كان ينبغي الاستثناء، و لهذا قيل بجواز عقده إذا بلغ عشرا أو عقده حال الاختيار، فان ظاهر الاية كون الاختبار قبل البلوغ، و لئلا يلزم التأخير في الدفع مع الاستحقاق- الى ان قال-: و بالجملة إذا جاز عتقه و وصيته و صدقته بالمعروف و غيرها من القربات، كما هو ظاهر الروايات الكثيرة، لا يبعد جواز بيعه و شرائه و سائر معاملاته، إذا
____________
(1) سورة النساء: 6.
(2) سورة النساء: 5.
(3) سورة النساء: 5.
(4) سورة البقرة: 282.
369
كان بصيرا مميزا (1) رشيدا يعرف نفعه و ضره بالمال، كما نجده في كثير من الصبيان، فإنه قد يوجد منهم من هو أعظم في هذه الأمور من آبائهم، فلا مانع له من إيقاع العقد، خصوصا مع اذن الولي أو حضوره بعد تعيينه الثمن. انتهى.
أقول: لا يخفى ان ما ذكره و ان كان جيدا من حيث الاعتبار بالنظر الى ما عده من الافراد، الا انه بالنظر الى الاخبار لا يخلو من تطرق الإيراد.
و ها أنا اذكر ما وصل الى من الاخبار الجارية في هذا المضمار.
فمنها: ما رواه
في الكافي عن حمزة بن حمران عن حمران قال: سألت أبا جعفر- (عليه السلام)- قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامة و يقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: إذا خرج عن اليتم فأدرك، قلت: فلذلك حد يعرف به؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك، أقيمت عليه الحدود التامة، و أخذ بها، و أخذت له، قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: ان الجارية ليست مثل الغلام، لان الجارية إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع إليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع، و أقيمت عليها الحدود التامة، و أخذ لها و بها. قال: و الغلام لا يجوز أمره في الشراء و البيع و لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك (2).
و رواه في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب الا انه رواه عن حمزة بن حمران، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) من غير واسطة حمران.
أقول: و الخبر- كما ترى- ظاهر فيما ذكره الأصحاب- رضي الله عنهم-
____________
(1) ظاهر الفاضل الخراساني في الكفاية التوقف في هذا المقام. حيث قال: في المميز اشكال. و الظاهر ان منشأه هو وقوفه على كلام المحقق المذكور و عدم إمعان النظر في الاخبار التي ذكرناها.
منه (رحمه الله).
(2) الوسائل ج 1 ص 30 حديث: 2.
370
من انه لا يجوز بيع الصبي و لا شراؤه، و كذا الصبية إلا بعد البلوغ، المعلوم بأحد الأمور المذكورة، و الطعن بضعف السند غير موجه عندنا، مع رواية الخبر المذكور أيضا في كتاب المشيخة المشار إليه الذي هو أحد الأصول المعتمدة.
و ما رواه
الصدوق في الخصال عن عبد الله بن سنان، عن الصادق (عليه السلام) قال: سأله ابى و انا حاضر عن اليتيم متى يجوز امره؟ قال حتى يبلغ أشده. قال: و ما أشده؟ قال: احتلامه قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثماني عشرة سنة أو أقل أو أكثر و لا يحتلم. قال: إذا بلغ و كتب عليه الشيء جاز امره، الا ان يكون سفيها أو ضعيفا (1).
و التقريب فيها: ان المراد بجواز أمره هو التصرف في ماله بالبيع و الشراء و نحوهما، كما أفصح عنه في حديث حمران المتقدم، و قد أناط (عليه السلام) ذلك بالبلوغ، و هو ظاهر في انه ما لم يبلغ فإنه لا يجوز امره و لا تصرفه فيه بوجه من الوجوه، الا ما دل دليل من خارج على استثنائه، فالقول بأنه لا منافاة بين صحة بيعه و بين عدم دفع المال اليه- كما يظهر من كلام المحقق الأردبيلي المتقدم ذكره- لا معنى له، فان الخبر المذكور دل على عدم جواز أمره، يعني تصرفه بجميع أنواع التصرفات، و العقد الواقع منه ان كان صحيحا موجبا لنقل الملك فهو التصرف الذي منع منه الخبر، و الا فهو لغو لا عبرة به و لا ثمرة تترتب عليه، و اذن الولي و التميز انما يكون مؤثرا في الصحة مع قيام الدليل، و ليس فليس.
و بالجملة فأصالة بقاء الملك لكل من المتعاقدين حتى يقوم دليل واضح على النقل، أقوى متمسك.
و ما رواه
الصدوق في الفقيه عن عبد الله بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا بلغ الغلام أشده: ثلاث عشرة سنة، و دخل في الأربع عشرة سنة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين، احتلم أو لم يحتلم. و كتبت عليه السيئات و كتبت له
____________
(1) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 97 ب 11 من أبواب المقدمات حديث 7.
371
الحسنات، و جاز له كل شيء، الا ان يكون سفيها أو ضعيفا (1).
و التقريب في الخبر المذكور: دلالته بمفهوم الشرط- الذي هو حجة عند المحققين، و دلت عليه الاخبار التي قدمناها في مقدمات كتاب الطهارة- على انه ما لم يبلغ أشده (السنين المذكورة) فإنه لا يجوز له شيء، يعنى من التصرفات، كما دل عليه الخبر ان المتقدمان.
و ما رواه
على بن إبراهيم في تفسيره عن ابى الجارود، عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث، قال فيه: قوله «وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ» قال: من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح و يحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود و اقامة الفرائض، و لا يكون مضيعا و لا شارب خمر و لا زانيا، و إذا آنس منه الرشد دفع اليه المال و أشهد عليه، فان كانوا لا يعلمون انه قد بلغ فإنه يمتحن بريح إبطه و نبت عانته، فإذا كان فقد بلغ، فيدفع اليه ماله إذا كان رشيدا، و لا يجوز ان يحبس عنه ماله و يعتل عليه بأنه لم يكبر بعد (2).
أقول: و الخبر المذكور- كما ترى- صريح في انه محجور عليه حتى يبلغ، و ظاهر الخبر أن المراد بالآية المذكورة: انه يجب اختبار اليتامى بالبلوغ و عدمه، فإذا علم البلوغ بأحد أسبابه وجب دفع ماله إليه إذا آنس منه الرشد، و الا فلا يدفع اليه.
و بذلك يظهر ما في قول المحقق المتقدم ذكره.
و يؤيده اعتبار المستثنى، فان استثناء عدم الدفع انما هو بالنسبة إلى البالغ من حيث عدم الرشد بالنسبة إلى اليتيم قبل البلوغ، كما يظهر من كلامه، و الاختبار بالرشد و عدمه انما هو بعد تحقق البلوغ.
و ما رواه
العياشي في تفسيره عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
متى يدفع الى الغلام ماله؟ قال: إذا بلغ أو أونس منه الرشد، و لم يكن سفيها و
____________
(1) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 97 حديث: 9.
(2) تفسير البرهان ج 1 ص 343 حديث: 1.
372
لا ضعيفا.
«الحديث» (1).
و التقريب فيه: دلالته على انه محجور عليه لا يدفع اليه ماله الا بعد البلوغ و الرشد، و من الظاهر ان وقوع البيع و الشراء منه فرع وجود مال في يده ليأخذ به و يعطى، و لا معنى لصحة عقده و جواز تصرفه بمجرد إنشاء صيغة البيع و قبول الشراء، مع كونه محجورا عليه في دفعه و قبضه.
على انك قد عرفت ان البيع لا يتوقف على صيغة خاصة، بل هو عبارة عن التراضي على القبض و الإقباض بمجرد الكلام الجاري بينهما.
و بالجملة فإن الظاهر من هذه الاخبار التي ذكرناها و نحوها غيرها مما يقف عليه المتتبع: ان الصبي ما لم يبلغ فإنه محجور عليه و لا يجوز بيعه و لا شراؤه، و دلالة بعض الاخبار على تصرفه بالعتق و الوصية أو الصدقة، لا يدل على الجواز في محل البحث، بل يجب الوقوف فيه على مورد تلك الأخبار المذكورة، و يكون ذلك مستثنى بها مما دلت عليه هذه الاخبار و نحوها، و إلحاق غيره به قياس لا يوافق أصول المذهب، لا سيما مع تصريح بعض هذه الاخبار بعدم جواز البيع و الشراء منه.
و بذلك يظهر لك قوة القول المشهور، و انه المؤيد المنصور، و ضعف ما ذكره المحقق المذكور. و الله العالم.
و اما ما يتحقق به البلوغ فقد تقدم الكلام فيه مستوفى في كتاب الصيام.
____________
(1) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 97 حديث: 10.
373
المسألة الثانية [حكم عقد المكره]
لا خلاف بين الأصحاب في اشتراط الاختيار، فلا يصح عقد المكره، لفوات الشرط المذكور.
و ظاهرهم- ايضا- الاتفاق على انه لو اجازه- بعد وقوعه حال الإكراه- صح بخلاف ما تقدم من عقد الصبي و المجنون، إذ لا قصد لهما الى العقد و لا أهلية، لفقد شرطه و هو العقل، بخلاف المكره فإنه بالغ عاقل، و ليس ثمة مانع الا عدم القصد الى العقد حين إيقاعه، و هو مجبور بلحوق الإجازة، فيكون كعقد الفضولي حيث انتفى القصد اليه من مالكه الذي يعتبر قصده حين العقد، فلما لحقه القصد بالإجازة صح، و حينئذ فلا مانع من الصحة إلا تخيل اشتراط مقارنة القصد للعقد، و لا دليل عليه.
و ينبه على عدم اعتباره عقد الفضولي، و عموم الأمر بالوفاء بالعقد يشمله، فلا يقدح فيه اختصاص عقد الفضولي بالنص، كذا صرح به في المسالك، و اليه يرجع كلام غيره ايضا.
و ظاهر كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: المناقشة فيما ذكروه من الفرق بين عقد الصبي و المجنون و بين عقد المكره، بصحة الثاني مع لحقوق الإجازة، بخلاف الأول. حيث قال- في أثناء البحث في بيان الأحكام التي اشتملت عليها عبارة المصنف، التي من جملتها استثناء عقد المكره من البطلان متى لحقته الإجازة- ما لفظه: فالتفريع كله ظاهر- الى قوله-: و لو أجازا، و الا المكره.
فان الاستثناء غير واضح، بل الظاهر البطلان ايضا، لعدم حصول القصد، بل و عدم صدور القصد عن تراض، و الظاهر اشتراطه على ما هو ظاهر الآية، و لانه
374
لا اعتبار بذلك الإيجاب في نظر الشارع، فهو بمنزلة العدم، و هو ظاهر. لعدم الفرق بينه و بين غيره من الطفل و نحوه، و الفرق في كلامهم بأنه لا اعتبار به بخلاف المكره فإنه معتبر الا انه لا رضاء معه فإذا وجد الرضا صح لوجود شرطه، بعيد جدا لما عرفت.
و بالجملة لا إجماع فيه و لا نص، و الأصل الاستصحاب و عدم الأكل بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض مما يدل على عدم الانعقاد، الا ان المشهور الصحة و ما نعرف لهم دليلا، و هم اعرف. و لعل لهم نصا ما نقل إلينا. انتهى. و هو جيد.
و يؤيده- بأظهر تأييد- ان الأحكام الشرعية مترتبة على النصوص الجلية و ليس للعقول فيها مسرح بالكلية، و الأصل بقاء الملك في كل من العوضين لمالكه الأصلي حتى يقوم الدليل الشرعي على الانتقال. و هم قد سلموا بان عقد المكره حال الإكراه باطل اتفاقا، فتصحيحه بالإجازة أخيرا يتوقف على نص واضح يدل على ذلك، و التعلق في ذلك، بعقد الفضولي مع قطع النظر عن كون ذلك قياسا لو ثبت صحة العقد الفضولي، مردود بما سنوضحه إنشاء الله تعالى في تلك المسألة من بطلانه.
و قوله: فلا يقدح اختصاص العقد الفضولي بنص، مردود بأن هذا النص انما هو من طريق العامة، و هو حديث البارقي، و نصوصنا ظاهرة بخلافه كما ستقف عليه إنشاء الله.
و قوله: ان عموم الأمر بالوفاء بالعقد يشمله، إشارة إلى قوله عز و جل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» مردود بالاتفاق على ان المراد بالعقود: العقود الصحيحة، و الا لتناول العقد حال الإكراه.
و دعوى كون هذا العقد صحيحا بعد الإجازة مع اتفاقهم على البطلان قبلها، يتوقف على الدليل الواضح، و الا فهو محض المصادرة.
و قوله: ان مقارنة القصد للعقد لا دليل عليه، مردود بأنه هو المستفاد من النصوص، و غيره لا دليل عليه، فان المستفاد من النصوص التي قدمناها في بيع المعاطاة و نحوها: أنه لا بد في صحة العقد من حصول الرضا بتلك الألفاظ الجارية
375
بين المتعاقدين في أي عقد كان، و هذا هو القدر المحقق منها في شرط صحة العقد، و اما انه يصح بالإجازة بعد وقوعه على جهة الإكراه، بحيث يكون الرضا به و القصد إليه متأخرا عن العقد، فهو المحتاج الى الدليل.
و بالجملة فإن دعواه معكوسة عليه، كما لا يخفى على من رجع الى الإنصاف و جنح اليه.
و الى ما ذكرنا هنا يشير كلام المحقق الشيخ على في شرح القواعد، حيث قال: و اعلم ان هذه المسألة ان كانت اجماعية فلا بحث، و الا فللنظر فيها مجال، لانتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرضا، و لا يتحقق العقد المشروط بذلك إذا لم يتحقق، لان الظاهر من كون العقود بالقصود: اعتبار القصد المقارن لها دون المتأخر انتهى. و هو جيد.
و اما قوله في المسالك- على اثر الكلام المتقدم نقله-: «و بهذا يظهر ضعف ما قيل هنا من انتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرضا، و ان الظاهر من كون العقود بالقصود: المقارن دون المتأخر»، فهو إشارة إلى رد كلام المحقق المذكور، و قد عرفت ما فيه من القصور، فان ما ذكره من الوجوه التي زعم بها ضعف هذا الكلام، قد كشفنا عن وجوه قصورها نقاب الإبهام.
على ان عود الصحة بعد البطلان غير معقول، الا ان يقول بان العقد حال الإكراه جائز صحيح، و لزومه موقوف على الإجازة، مع ان الأمر ليس كذلك، فإنهم لا يختلفون في البطلان لفقد شرط الصحة و هو الاختيار، و لهذا انهم في العقد الفضولي حكموا بجوازه و صحته، و انما منعوا من لزومه، فجعلوا لزومه و عدمه مراعى بإجازة المالك و عدمها.
ثم انه قد أورد عليهم في هذا المقام اشكال، و هو انهم قد حكموا بفساد عقد الهازل، و لم يذكروا لزومه لو لحقه الرضا، مع ان ظاهر حاله انه قاصد الى اللفظ دون مدلوله، كما في المكره، لانه بالغ عاقل، فاللازم حينئذ اما إلحاقه
376
بالمكره في لزوم عقده مع لحقوق الرضا به، أو بيان وجه الفرق بينهما.
و دعوى كونه غير قاصد للفظ، بعيدة عن جادة الصواب.
هذا. و ينبغي ان يعلم: ان الحكم ببطلان بيع المكره مخصوص بما إذا كان الإكراه بغير حق، فلو كان بحق كان صحيحا لا يضره الإكراه، و قد ذكروا لذلك مواضع:
منها: ان يتوجه عليه بيع ماله لوفاء دين عليه، أو شراء مال أسلم إليه قيمته فاكرهه الحاكم عليه، صح بيعه و شراؤه، لأنه إكراه بحق.
و منها: تقويم العبد على معتق نصيبه منه، و تقويمه في فكه من الرق ليرث، و إكراهه على البيع لنفقته و نفقة زوجته مع امتناعه، و بيع الحيوان إذا امتنع من الإنفاق عليه، و العبد إذا أسلم عند الكافر، و العبد المسلم و المصحف إذا اشتراهما الكافر و سوغناه، فإنهما يباعان عليه قهرا، و الطعام عند المجاعة يشتريه خائف التلف، و المحتكر مع عدم وجود غيره و احتياج الناس إليه، فإن جميع هذه الصور مستثناة من قولهم «ان بيع المكره غير صحيح» و ضابطها: «الإكراه بحق» و الله العالم.
المسألة الثالثة [في عقد الفضولي]
قد عرفت فيما تقدم ان من شروط صحة البيع: كون البائع مالكا أو في حكمه على المختار، الا انه قد وقع الخلاف بين أصحابنا في عقد الفضولي.
و الكلام فيه يقع في مقامين:-
المقام الأول [في صحة بيع الفضولي و بطلانه]:
اختلف الأصحاب في صحة بيع الفضولي و بطلانه،
377
فالمشهور- بل كاد ان يكون إجماعا-: هو الأول. و ان توقف لزومه على الإجازة، و ذهب في الخلاف و المبسوط و تبعه ابن إدريس الى الثاني. و هو الظاهر من عبارة أبي الصلاح في الكافي. و لم أر من نقل عنه، الا ان الذي يظهر من عبارته ذلك، فإنه قال في الكتاب المذكور- بعد تعريف البيع بأنه عقد يقتضي استحقاق التصرف في المبيع و الثمن و تسليمهما- ما صورته: و يفتقر صحته الى شروط ثمانية:
صحة الولاية في البيعين- الى ان قال- و اعتبرنا صحة الولاية لتأثير حصولها بثبوت الملك أو الاذن، و صحة الرأي في صحة العقد، و عدم ذلك في فساده. ثم قال- في موضع آخر-: و من ابتاع غصبا يعلمه كذلك فعليه رده الى المالك، و لادرك له على الغاصب، و ان لم يعلمه فللمالك انتزاعه منه، و يرجع بالدرك على من باع. انتهى.
فإنه جعل المؤثر في صحة العقد هو حصول الولاية المسببة عن الملك أو الاذن كالوكيل و نحوه: فالفضولي ليس له ولاية بشيء من المعنيين، و في فساده عدم ذلك. و أوجب فيمن ابتاع غصبا رده الى المالك لا وقوفه على الإجازة.
و نقل الفاضل المقداد في التنقيح هذا القول عن شيخه. و لا اعلم من أراد به من مشايخه.
و اختار هذا القول- ايضا- فخر المحققين هنا و في كل موضع من العقود الفضولية، و تبعه على ذلك العماد مير محمد باقر الداماد، حيث قال في رسالته الرضاعية ما هذا لفظه: عندي ان عقد النكاح بل مطلق العقد الصادر من الفضولي، و هو الذي ليس له ولاية و لا وكالة، باطل من أصله، و الإجازة اللاحقة غير مؤثرة في تصحيحه، و لا كاشفة عن صحته أصلا. انتهى.
و ممن ظاهره القول بالبطلان هنا- ايضا- المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، حيث قال- بعد قول المصنف «و لو باع الفضولي وقف على الإجازة» ما ملخصه: هذا هو المشهور، و ما نجد عليه دليلا. ثم نقل الرواية العامية الاتية
378
إنشاء الله تعالى، و بعض تعليلاتهم العقلية. ثم قال: و معلوم عدم صحة الرواية و معارضتها بأقوى منها دلالة و سندا، لقوله (عليه السلام) لحكيم بن حزام: لا تبع ما ليس عندك.
و معلوم- ايضا- عدم صدوره من أهله، لأن الأهل هو المالك أو من له الاذن. و بالجملة: الأصل، و اشتراط التجارة عن تراض، الذي يفهم من الآية الكريمة، و الآيات و الاخبار الدالة على عدم جواز التصرف في مال الغير إلا باذنه، و كذا العقل، يدل على عدم الجواز، و عدم الصحة و عدم انتقال المال من شخص الى آخر. انتهى.
و يظهر ذلك- ايضا- من الشيخ الحر في الوسائل.
و هذا القول هو الظاهر عندي من الاخبار، على وجه لا يعتريه الشك و الإنكار، إلا ممن قابل بالصد عن الحق و الاستكبار، و سيأتيك اخباره إنشاء الله تعالى في المقام ساطعة الأنوار علية المنار.
هذا و ظاهر الأصحاب: ان المراد بالبيع الفضولي هو من باع مال غيره مع عدم الاذن من مالكه، أعم من ان يكون البيع لنفسه أو للمالك، فيدخل فيه بيع الغاصب و نحوه، و أدلتهم التي استدلوا بها في المقام شاملة بعمومها لما قلناه، و كأن بنائهم في الحكم بصحة البيع المغصوب، مع كونه منهيا عن التصرف فيه، انه لا منافاة بين الصحة و النهى، لكون النهى انما يؤثر الإبطال في العبادات، و اما في المعاملات فغاية ما يترتب عليه لحوق الإثم بالمخالفة، فيصح بيعه و ان أثم البائع بالتصرف، و سيجيء تحقيق الكلام في المقام إنشاء الله تعالى.
و قد احتج الأصحاب على ما ذهبوا اليه- هنا من الصحة- بأن مقتضى الصحة موجود و هو العقد الجامع للشرائط، و ليس ثم مانع الا اذن المالك، و بحصوله يزول المانع و يجتمع الشرائط، كذا قرره في المسالك.
و احتج على ذلك في المختلف بأنه بيع صدر من أهله في محله فكان صحيحا
379
اما صدوره من اهله فلصدوره من بالغ عاقل مختار، و من جميع الصفات كان أهلا للإيقاعات، و اما صدوره في محله فلانه وقع على عين يصح تملكها و ينتفع بها، و تقبل النقل من مالك الى آخر، و اما الصحة فلثبوت المقتضى السالم عن معارضة، و كون الشيء غير مملوك للعاقد غير مانع من صحة العقد، فان المالك لو اذن قبل البيع لصح فكذا بعده، إذ لا فارق بينهما.
و احتج ايضا بما رواه
عن عروة البارقي: ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أعطاه دينارا ليشتري به شاة، فاشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق. قال فأتيت النبي (صلى الله عليه و آله) بدينار و الشاة فأخبرته، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك (1).
و احتج الشيخ في الخلاف على ما ذهب اليه من القول بالبطلان بإجماع الفرقة.
قال: و من خالف لا يعتد بقوله، لانه لا خلاف في انه ممنوع من التصرف في ملك غيره و البيع تصرف، و ايضا
روى حكيم عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه نهى عن بيع ما ليس عنده (2)،.
و هذا نص.
و روى شعيب عن أبيه عن جده عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: لا طلاق إلا فيما يملك، و لا عتق الا فيما يملك، و لا بيع الا فيما يملك (3).
فنفى (عليه السلام) البيع في غير الملك و لم يفرق.
و أجاب القائلون بالصحة عن الإجماع بمنعه مع وجود المخالف و هو من جملة المخالفين في نهايته، و عن المنع من التصرف في ملك الغير بأنه مسلم، لكن إذا كان بغير اذنه و الاذن هنا موجود، و هو الإجازة القائمة مقامه. و عن النفي بأنه إذا دخل على حقيقة، أريد به نفى صفة من صفاتها، فيكون المراد
بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم) «لا بيع الا فيما يملك».
: لا لزوم للبيع الا فيما يملك، و الا لزم بطلان بيع الوكيل و الوصي و الولي، فيكون المراد: لا بيع الا فيما هو ملك أو كالملك بسبب الاذن و قد حصل.
____________
(1) مسند احمد بن حنبل ج 4 ص 376.
(2) سنن الترمذي ج 3 ص 534.
(3) مستدرك الوسائل ج 2 ص 460 حديث: 3 و 4.
380
أقول: و عندي فيما ذكروه من الأدلة على الصحة، و فيما ذكروه من الأجوبة عن أدلة الشيخ نظر يتوقف بيانه على ذكرها واحدة واحدة، ليتأكد بذلك صحة ما اخترناه و قوة ما قويناه، و يكون ذلك في مواضع:
(الأول): ما احتج به في المسالك من كون المقتضي للصحة موجودا و هو الجامع للشرائط، ففيه: انه لم يقم لهم دليل على اعتبار هذا العقد الذي ذكروه، و الصيغة التي اشترطوها، و انما المتحقق من الناقل الذي يترتب عليه أحكام البيع، هو حصول التراضي من الطرفين، و بذلك صرح هو أيضا في مسالكه، فقال- بعد ان نقل عن ظاهر المفيد الاكتفاء في تحقق البيع بما دل على الرضا به من المتعاقدين ان عرفاه و تقابضا، و عن بعض مشايخه المعاصرين انه يذهب الى ذلك لكن يشترط في الدال كونه لفظا- ما صورته: و النصوص المطلقة من الكتاب و السنة الدالة على حل البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغ خاصة تدل على ذلك، فانا لم نقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معين، و قد عرفت فيما تقدم ميل جملة من العلماء الى هذا القول.
و حينئذ فإذا اعترف بأنه لا دليل على اعتبار هذا العقد الذي ذكروه، و انما المدار على حصول التراضي من الطرفين أعم من ان يكون بهذا اللفظ أو بغيره مما يدل عليه، كان الناقل المترتب عليه الأحكام انما هو الرضا من المالك، و حيث لم يحصل- كما هو المفروض- فلا وجود للبيع من أصله، و لا يترتب اثر عليه. فكيف يحتج هنا بأن المقتضي للصحة موجود و هو العقد الجامع للشرائط.
لا يقال: ان لقائل أن يقول: ان البائع الفضولي يجوز ان يتراضى مع المشترى على نحو من الوجوه، و يكون ذلك التراضي بيعا موقوفا.
لأنا نقول: التراضي الذي دل عليه الدليل- عندنا- هو ما يكون بين المالك و المشترى، أعم من ان يكون مالك الأصل أو المتصرف كالولي و الوصي و الوكيل، و أيضا فإن ذلك القائل لا يرتضيه و لا يقول به لتصريحه بوجوب تلك الصيغة المخصوصة.
(الثاني): ما احتج به في المختلف من أنه بيع صدر من اهله، و جعله الأهلية عبارة
381
عن البلوغ و العقل و الاختيار، ففيه: منع ظاهر، لان الخصم يقول: ان الأهلية عبارة عن ذلك بإضافة المالكية للأصل أو التصرف، و لا يسلم له ما ادعاه من أهلية الفضولي، و ان الأهلية عبارة عما ذكره، بل هو أول المسألة.
و اما ما ذكره من صدوره في محله باعتبار وقوعه على عين يصح تملكها و تقبل النقل فيه، ففيه: ما في الأول، فإن الخصم يقول: ان محله المال المملوك أصلا أو تصرفا، لا ما يصلح للتملك و يقبله في حد ذاته.
و بالجملة فإن ما ذكره من الدليل مصادرة على المطلوب كما لا يخفى.
و اما ما ذكره من انه لا فرق بين الاذن قبل البلوغ أو بعده فغير مسلم أيضا، لأن التصرف بعد الإذن شرعي بلا خلاف فلا يترتب عليه اثم و لا ضمان، و اما قبله فغصبى يترتب عليه الضمان و الإثم، لقبح التصرف في مال الغير بغير اذنه، و منع الشارع من ذلك. و قد صرحوا بذلك في مواضع عديدة، و الا لجازت الصلاة في الأماكن مطلقا، و في الثياب كذلك، و جاز أكل الغير و التصرف فيه بأنواع التصرفات، بناء على الاذن المتأخر. حيث لا فرق بينه و بين الاذن المتقدم، فان اذن المالك و الا غرم له اجرة ذلك، و تكون التصرفات على التقديرين تصرفات شرعية، و هو مخالف للمعقول و المنقول.
و اما ما احتج به من الرواية فلا تقوم بها حجة في هذا المجال، و ان اشتهر نقلها في كتب الاستدلال، حيث انها عامية و العجب منه- (رحمه الله)- و ممن تبعه في ذلك حيث انهم كثيرا ما يطعنون في الأحاديث الصحيحة و يردونها لمخالفتها ما اصطلحوا عليه من هذا الاصطلاح الجديد، و يعتمدون هنا في أصل الحكم على رواية عامية، و يفرعون عليها فروعا، و يرتبون عليها أحكاما، و الحال كما ترى.
و أنت خبير بأن المفهوم من هاتين الحجتين: ان المراد بالبائع: من باع لنفسه أو للمالك- كما أشرنا إليه سابقا.
و يؤيده: أنهم جعلوا بيع الغاصب من قبيل بيع الفضولي، و من الظاهر ان الغاصب انما يبيع لنفسه لا لمالكه، و قد صرح بذلك العلامة في القواعد، و الشيخ على في
382
شرحه. فقال- بعد قول المصنف «و كذا الغاصب» ما صورته: اى حكم الغاصب كالفضولي، و هو أصح الوجهين، و ان احتمل الفساد نظرا إلى القرينة الدالة على عدم الرضا، و هي الغصب.
و كذلك في الدروس، حيث قال- بعد ذكره البيع-: و لا يقدح في ذلك علم المشترى بالغصب. انتهى.
و من العجب هنا منعه في التذكرة في بيع مالا يملك ثم يمضى ليشتريه من مالكه و يسلمه إلى المشتري. قال: و لا نعلم فيه خلافا، لنهي النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع ما ليس عندك، و لاشتماله على الضرر فان صاحبها قد لا يبيعها و هو غير مالك لها و لا قادر على تسليمها. انتهى.
و سؤال الفرق متجه، فان ما ذكره من الدليلين الأولين على المنع شامل لما نحن فيه، و نسبة اجازة المالك في الفضولي بعد العقد كنسبة بيع المالك على البائع الفضولي، في ان حصول كل منهما مصحح، و يلزم بالعقد السابق. و ان كان هناك غرر كما ذكره ففي الفضولي أيضا غرر بأنه قد لا يجيز المالك ايضا، و عدم المالكية ثابتة في الموضعين، و عدم القدرة على التسليم مشترك أيضا، لأن تسليم البائع الفضولي من غير اذن المالك تصرف غصبي منهي عنه شرعا، فيصدق في حقه انه غير قادر على التسليم شرعا.
و بالجملة فإن تجويزه في بيع الفضولي الذي هو محل البحث، و منعه هنا مما لا وجه له.
(الثالث): ما أجابوا به عن حجة الشيخ من جهة المنع من التصرف في مال الغير بأنه مسلم، لكن إذا كان بغير الاذن، و الاذن هنا موجود و هو الإجازة القائمة مقامه، ففيه ما عرفت من حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه إلا ما استثنى، و ليس منه هذا. و لا شك ان هذا العقد الواقع بغير اذن المالك و ما يترتب عليه من دفع المبيع و قبض الثمن من ذلك القبيل، و اذنه أخيرا لا يخرج تلك التصرفات السابقة عن ان تكون غصبا. نعم يعفى عما جناه من ذلك، كما لو جنى شخص على شخص ثم أبرأه من ذلك. و لو لم يأذن المالك
383
فان حكم الغصب باق فيكون هو مؤاخذا لجميع تصرفاته دينا و دنيا، اما الأول فبالمعاقبة و اما الثاني فبوجوب إرجاع كل حق الى مستحقه.
(الرابع): ما أجابوا به عن النهي بأنه لا يستلزم الفساد في المعاملات، فهو و ان كان مشهورا بينهم، إلا انا كثيرا ما نرى عقودا قد حكموا ببطلانها بسبب النهى الوارد في الروايات، و من تتبع كتاب النكاح، و كتاب البيع فيما حرموه من بيع الخمر و الكلب و الخنزير و نحوها، ظهر له ذلك، و ما ذكروه من هذه الكلية انما هو اصطلاح أصولي لا تساعد عليه الآيات و الروايات على إطلاقه، كما لا يخفى على من اعطى المسألة حقها من التتبع.
و الذي يخطر بالبال في الجمع بين ما ذكروه- من هذه القاعدة- و بين ما ورد من الاخبار الدالة على النهى، و حكم الأصحاب بالفساد عملا بمضمونها، ان يقال:
ان النهى الواقع من الشارع (عليه السلام) في ذلك العقد اما ان يكون باعتبار عدم قابلية المعقود عليه لذلك كالكلب و الخنزير و نجس العين و نحوها في البيع مثلا. و إحدى المحرمات و نحوها في النكاح مثلا، و حينئذ لا إشكال في الفساد.
أو يكون باعتبار أمر خارج، مثل كون ذلك في زمان مخصوص أو حال مخصوصة أو نحو ذلك من الأمور الخارجية عن العوضين المتقابلين فربما يقال بما ذكروه و تخص القاعدة المذكورة بهذا الفرد كالبيع وقت النداء، فإن النهي عنه وقع من حيث الزمان، فيقال بصحة البيع لعدم تعلق النهى بذات شيء من العوضين، باعتبار عدم قابليته للعوضية، بل وقع باعتبار أمر خارج من ذلك، و ان أثم باعتبار إيقاعه في هذا الزمان المنهي عن الإيقاع فيه. و ما نحن فيه انما هو من قبيل الأول، لأن الظاهر ان توجه النهي اليه انما هو من حيث عدم صلاحية المعقود عليه لذلك، لكونه تصرفا في مال الغير بغير اذنه، و هو قبيح عقلا و نقلا كتابا و سنة. و اذن المالك أخيرا على تقدير وقوعه لا يخرج تلك التصرفات عن كونها غصبا كما تقدم بيانه في الموضع الثالث.
384
و هذا التفصيل مما خطر ببالي العليل في سابق الزمان، و هو جيد وجيه، و قد تقدم في المباحث السابقة من هذا الكتاب ما يؤيده.
و يؤيد هذا التفصيل الذي ذكرناه ما وفق الله سبحانه للوقوف عليه في كلام شيخنا زين الملة و الدين في المسالك في مسألة العقد على بنت الأخ و بنت الأخت على العمة و الخالة بغير اذنها حيث انه قيل في المسألة ببطلان العقد، و قيل بالصحة و ان للعمة و الخالة الخيار في فسخه و عدمه.
و قد استدل القائل بالبطلان بالنهي عنه. و رده في المسالك بأن النهي لا يدل على الفساد في المعاملات، ثم قال- بعد ذلك- فان قيل: النهي في المعاملات و ان لم يدل على الفساد بنفسه، لكنه إذا دل على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح فهو دال على الفساد من هذه الجهة، كالنهي عن نكاح الأخت، و كالنهي عن بيع الغرر، و النهى في محل النزاع من هذا القبيل. قلنا: لا نسلم دلالتها هنا على عدم صلاحية المعقود عليها للنكاح، فإنها عند الخصم صالحة له، و لهذا صلحت مع الاذن، بخلاف الأخت، و بيع الغرر، فإنهما لا يصلحان أصلا، و صلاحية الأخت على بعض الوجوه- كما لو فارق الأخت- لا يقدح، لأنها حينئذ ليست أخت الزوجة، بخلاف بنت الأخت و نحوها فإنها صالحة للزوجية، مع كونها بنت أخت الزوجة. و الاخبار دلت على النهى عن تزويجها، و قد عرفت انه لا يدل على الفساد، فصار النهى عن هذا التزويج من قبيل ما حرم لعارض كالبيع وقت النداء لا لذاته. و العارض هو عدم رضاء الكبيرة، فإذا لحقه الرضا زال النهى. انتهى.
و قد ظهر منه ما ذكرناه من التفصيل، باعتبار رجوع النهي تارة إلى المعقود عليه من حيث عدم صلاحيته لإيقاع العقد عليه فيكون العقد باطلا، و تارة إلى أمر خارج عنه فلا يستلزم الفساد، و منه بنت الأخ و بنت الأخت، كما اختاره. فإن النهي عنهما انما وقع باعتبار أمر خارج، و هو عدم رضاء العمة و الخالة، فيكون العقد صحيحا مراعى بالرضا، و لا يخفى انه قد تقدم لنا تحقيق في هذه المسألة في باب صلاة
385
الجمعة من كتاب الصلاة بنحو ما ذكرناه هنا، الا انه ربما تعسر على الناظر في هذه المسألة الرجوع الى ذلك الكتاب، فلم نكتف بالحوالة على ذلك الموضع، بل أوضحنا المسألة في المقام، لدفع ثقل المراجعة على الناظر في هذا الكلام.
ثم انه ينبغي ان يعلم ان ما ذكرناه هنا، و أطلنا به البحث ليس ذبا عن الحديث الذي استدل به الشيخ، فإنه حديث عامي لا تنهض عندنا حجة، و انما هو تحقيق في المسألة في حد ذاتها أولا. و ثانيا انه على جهة المجاراة معهم في الاستدلال بالخبر المذكور، فإنه لا وجه لرده من هذه الجهة التي ذكروها، بل كان الاولى رده بما ذكرناه، من انه حديث عامي لا ينهض حجة.
(الخامس): ما أجابوا به عن النفي بأنه إذا دخل على حقيقة أريد به نفى صفة من صفاتها فمسلم، إلا انا نقول: ان تلك الصفة هي الصحة لا اللزوم كما يقولونه، و قولهم: و الا لزم بطلان بيع الوكيل، فيه: ان وجه الملازمة غير ظاهر، و مع ذلك نقول:
المراد بالمملوك: ما هو أعم من ان يكون مملوك العين أو التصرف، كما تقدم ذكره، و هو مستعمل في كلامهم كثيرا.
و بالجملة فإن ما ذهب اليه الشيخ و من تبعه من البطلان هو الموافق لمقتضى الأصول الشرعية و العقلية، و عليه تدل جملة من الأحاديث المعصومية، التي هي المعتمد في كل حكم و قضية، و العجب انهم مع قولهم بالبطلان استدلوا بتلك الرواية العامية في كتبهم الفروعية، حتى من مثل المحقق الأردبيلي كما تقدم في كلامه، و دعواه انها أقوى دلالة و سندا من رواية البارقي، مع ان الجميع من طريق العامة، و روايات أهل البيت- (عليهم السلام)- مكشوفة القناع، صريحة الدلالة على هذه المقالة، مع تعددها في كتب الاخبار، فكيف غفلوا عنها، مع عكوفهم على كتب الأخبار، مطالعة و تدريسا، و بذلك يظهر لك صحة المثل السائر «كم ترك الأول للآخر».
386
فمن الاخبار المشار إليها:
صحيحة محمد بن الحسن الصفار: أنه كتب الى ابى محمد الحسن العسكري (عليه السلام) في رجل باع له قطاع أرضين، و عرف حدود القرية الأربعة، و انما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك و انما له بعض هذه القرية، و قد أقر له بكلها؟ فوقع (عليه السلام): لا يجوز بيع ما ليس بملك، و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك (1).
و الأصحاب قد أفتوا في هذه المسألة التي هي مضمون هذه الرواية- بلزوم البيع فيما يملكه و وقوفه فيما لا يملك على الإجازة من المالك، بمعنى انه صحيح لكونه فضوليا موقوفا في لزومه على اجازة المالك، و الرواية- كما ترى- تنادي بأنه «لا يجوز» الدال على التحريم. و ليس ثمة مانع يوجب التحريم سوى عدم صلاحية المبيع للنقل بدون اذن مالكه.
و منها:
صحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن الأول عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم، و كتب عليها كتابا بأنها قد قبضت المال و لم تقبضه، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: قل له: ليمنعها أشد المنع، فإنها باعت مالا تملكه (2).
أقول: فلو كان البيع الفضولي صحيحا- كما يدعونه- و دفع الثمن للبائع الفضولي جائزا- كما يقولونه- لما أمر (عليه السلام) بمنعها من الثمن أشد المنع، معللا ذلك بأنها باعت مالا تملكه.
و منها:
صحيحة محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) في حديث قال فيه: سأله رجل من أهل النيل عن ارض اشتراها بفم النيل، و أهل الأرض يقولون: هي أرضهم، و أهل الأستان يقولون: هي من أرضنا. قال: لا تشترها الا برضاء أهلها (3).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 252 حديث 1 و المؤلف اختزل من الحديث.
(2) الوسائل ج 12 ص 249 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 249 حديث: 3.
387
لا يقال: ان السؤال في الرواية انما وقع عن ارض متنازع فيها، معلوم عدم اجازة المالك فيها على تقدير الفضولية، لأنا نقول: موضع الاستدلال في الخبر انما هو قوله «لا تشترها الا برضاء أهلها» الدال على تحريم الشراء قبل تقدم الرضا.
و دعوى قيام الإجازة المتأخرة مقام الرضا السابق، مع كونه لا دليل عليه، مردود بما ينادى به الخبر من المنع و التحريم، الا مع تقدم الرضا.
و حاصل معنى الجواب تطبيقا على السؤال: ان الأرض المذكورة لما كانت محل النزاع فلا تشترها حتى تعلم مالكها من اى الفريقين، و يكون راضيا بالبيع.
و منها:
موثقة سماعة قال: سألته عن شراء الخيانة و السرقة. فقال: إذا عرفت انه كذلك فلا (1)،.
فقد نهى (عليه السلام) عن الشراء مع العلم. و النهى دليل التحريم، و ليس ذلك الا من حيث ان المبيع غير صالح للنقل، لكون التصرف فيه غضبا محضا، و التصرف في المغصوب قبيح عقلا و نقلا. و الأصحاب في مثل هذا يحكمون بالصحة و الوقوف على الإجازة، و هل هو الا رد لهذا الخبر و نحوه، و لكنهم معذورون من حيث عدم الاطلاع على هذه الاخبار، الا انه يشكل هذا الاعتذار بالمنع من الفتوى الا بعد تتبع الأدلة من مظانها، و الاخبار المذكورة في كتب الأخبار المتداولة في أيديهم مسطورة.
و منها: ما رواه
في الاحتجاج مما خرج من الناحية المقدسة، في توقيعات محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، في السؤال عن ضيعة للسلطان فيها حصة مغصوبة، فهل يجوز شراؤها من السلطان أم لا؟ فأجاب (عليه السلام) الضيعة لا يجوز ابتياعها الا من مالكها أو بأمره أو رضا منه (2).
و التقريب فيها ما تقدم من تحريم الشراء الا بعد تقدم رضاء المالك.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 250 حديث: 6.
(2) الوسائل ج 12 ص 250 حديث: 8.
388
و منها: ما رواه
في الفقيه بإسناده عن شعيب بن واقد، عن الحسين بن زيد، عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في حديث المناهي، قال: و من اشترى خيانة و هو يعلم فهو كالذي خانها (1).
و منها: ما رواه
الشيخ عن ابى بصير، قال: سألت أحدهما عن شراء الخيانة و السرقة، قال: لا (2).
و منها: ما رواه
عن جراح المدائني عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يصلح شراء الخيانة و السرقة إذا عرفت (3).
و منها: ما في
قرب الاسناد بسنده عن على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل سرق جارية ثم باعها، يحل فرجها لمن شراها؟ قال: إذا أنبأهم أنها سرقة لا يحل، و ان لم يعلم فلا بأس (4).
فهذه جملة من الاخبار الواضحة الظهور كالنور على الطور في عدم جواز بيع الفضولي و عدم صحته، و لو كان ما يدعونه من صحة بيع الفضولي و تصرفه بالدفع و القبض صحيحا و انما يتوقف على الإجازة، لصرح به بعض هذه الاخبار أو أشير اليه و لا جابوا- (عليهم السلام)- بالصحة، و ان كان اللزوم موقوفا على الإجازة، في بعض هذه الاخبار ان لم يكن في كلها، مع انه لا اثر فيها لذلك و لو بالإشارة، فضلا عن صريح العبارة.
و منها: ما رواه
الشيخ في المجالس بإسناده عن زريق قال: كنت عند الصادق (عليه السلام)- إذ دخل عليه رجلان- الى ان قال- فقال أحدهما: انه كان على مال لرجل من بنى عمار، و له بذلك ذكر حق و شهود، فأخذ المال و لم استرجع منه الذكر الحق، و لا كتبت عليه كتابا، و لا أخذت عليه براءة، و ذلك لأني وثقت به و قلت له: مزق الذكر الحق الذي عندك، فمات و تهاون بذلك و لم يمزقها، و عقب هذا أن طالبني بالمال
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 248 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 12 ص 249 حديث: 4.
(3) الوسائل ج 12 ص 250 حديث: 7.
(4) الوسائل ج 12 ص 252 حديث: 12.
389
وراثه، و حاكموني و اخرجوا بذلك الذكر الحق، فأقاموا العدول فشهدوا عند الحاكم فأخذت بالمال و كان المال كثيرا، فتواريت عن الحاكم، فباع على قاضي الكوفة معيشة لي، و قبض القوم المال، و هذا رجل من إخواننا ابتلى بشراء معيشتي من القاضي.
ثم ان ورثة الميت أقروا ان المال كان أبوهم قد قبضه، و قد سألوه ان يرد على معيشتي و يعطونه في أنجم معلومة، فقال: انى أحب ان تسأل أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن هذا.
فقال الرجل- يعني المشتري-: جعلني الله فداك، كيف اصنع؟ فقال: تصنع ان ترجع بمالك على الورثة و ترد المعيشة إلى صاحبها، و تخرج يدك عنها، قال: فإذا فعلت ذلك له ان يطالبني بغير هذا؟ قال: نعم، له ان يأخذ منك ما أخذت من الغلة ثمن الثمار، و كل ما كان مرسوما في المعيشة يوم اشتريتها، يجب عليك ان ترد ذلك، الا ما كان من زرع زرعته أنت فإن للزارع قيمة الزرع، فاما ان يصبر عليك الى وقت حصاد الزرع، فان لم يفعل كان ذلك له ورد عليك قيمة الزرع، و كان الزرع له.
قلت: جعلت فداك، فان كان هذا قد أحدث فيها بناء و غرسا. قال: له قيمة ذلك، أو يكون ذلك الحدث بعينه يقلعه و يأخذه. قلت أ رأيت ان كان فيها غرس أو بناء، فقلع الغرس و هدم البناء؟ فقال: يرد ذلك الى ما كان أو يغرم القيمة لصاحب الأرض- فإذا رد جميع ما أخذ من غلاتها الى صاحبها و رد البناء و الغرس و كل محدث الى ما كان، أو رد القيمة كذلك، يجب على صاحب الأرض ان يرد عليه كلما خرج عنه في إصلاح المعيشة من قيمة غرس أو بناء أو نفقة في مصلحة المعيشة، و دفع النوائب عنها، كل ذلك مردود عليه (1).
أقول: هذا الخبر، و ان تضمن ان البائع هو الحاكم و هو صحيح بحسب الظاهر، بناء على ما ورد عنهم- (عليهم السلام)- من الأخذ بأحكامهم في زمان الهدنة و التقية، الا انه بعد ظهور الكاشف عن بطلانه و اعتراف الورثة بقبض الدين، يكون من باب البيع الفضولي، و هو كما سيأتي- إنشاء الله تعالى- على قسمين: أحدهما ما يكون المشترى
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 253 حديث: 1.
390
عالما بالغصب، و انه ليس ملكا للبائع، و ثانيهما: ان يكون جاهلا أو ادعى البائع الاذن من المالك، و ما اشتمل عليه الخبر من القسم الثاني. الا ان ما اشتمل عليه الخبر المذكور من رجوع المشترى بما اغترمه على المالك، خلاف ما سيأتي في كلامهم، من انه انما يرجع الى البائع، و ما ذكره (عليه السلام) هو الأوفق بالقواعد، كما سيظهر لك إنشاء الله تعالى.
و العجب هنا كل العجب من صاحب المفاتيح، حيث جرى في هذه المسألة على ما هو المشهور في أصلها و فروعها، كما لا يخفى على من راجعه، مع ان جل الأخبار التي ذكرناها مما نقله في الوافي، و لكن العذر له على ما ذكره في حواشيه على الكتاب المذكور من انه اعتمد في العبادات على كتاب المدارك، و في غيرها على المسالك و هو عذر ضعيف واه من مثله، لا سيما مع تصريحه في الكتاب المذكور بجملة من متفرداته في الأحكام، الدالة على انه من رؤوس العلماء الاعلام، الذين لا يجوز لهم الجمود على التقليد في الأحكام، و لا الاعتماد على غيرهم من الأنام.
فإن قيل: ان البيع الفضولي عند الأصحاب هو ان يبيع مال غيره أو يشترى، بأن يكون ذلك البيع أو الشراء للمالك، لكنه من غير اذنه و لا رضاه، و ما دلت عليه هذه الاخبار انما هو البيع أو الشراء لنفسه لا للمالك، و أحدهما غير الأخر! قلنا: فيه- أولا- ان المفهوم من كلام الأصحاب تصريحا في بعض، و تلويحا في آخر، ان البيع و الشراء الفضولي أعم من كل الفردين المذكورين، و قد تقدم ذكر ذلك، و تصريح جملة منهم كالعلامة و الشهيد في الدروس، و المحقق الشيخ على، بأن بيع الغاصب من افراد البيع الفضولي.
و ثانيا-: ان السؤالات الواقعة في الاخبار المذكورة، و ان تضمنت بيع البائع أو شرائه لنفسه، الا ان الأجوبة منهم- (عليهم السلام)- من قوله (عليه السلام) في الرواية الاولى «لا يجوز بيع ما ليس يملك» و قوله في الثانية، في تعليل المنع من دفع الثمن «فإنها
391
باعت مالا تملك» و قوله (عليه السلام) في الثالثة «لا تشترها الا برضاء أهلها» و نحوها رواية الاحتجاج، و رواية قرب الاسناد، ظاهرة العموم للفردين المذكورين، و خصوص السؤال لا يدافع عموم الجواب كما تقرر في أصولهم، و العبرة انما هو بعموم الجواب فإنها ظاهرة بل صريحة في ان مالا يملكه الإنسان لا يجوز وقوع البيع فيه، أعم من ان يكون البيع للبائع أو لصاحب ذلك المبيع، من غير رضاه و اذنه.
و بالجملة فالقول بما عليه الشيخ و اتباعه من البطلان هو المختار، كما دلت عليه صحاح الاخبار، على انا لا نحتاج في الإبطال إلى دليل، بل المدعي للصحة عليه الدليل، كما هو القاعدة المعلومة بين العلماء جيلا بعد جيل، و قد عرفت ما في أدلتهم و انها لا تسمن و لا تغني من جوع كما لا يخفى.
المقام الثاني [في رجوع المشتري على البائع الفضولي]
قال في الشرائع- بعد ان صرح بوقوف البيع الفضولي على الإجازة-: فان لم يجز كان له انتزاعه من المشترى و يرجع المشترى على البائع بما دفع اليه و بما اغترمه من نفقة أو عوض عن اجرة أو نماء، إذا لم يكن عالما انه لغير البائع أو ادعى البائع ان المالك اذن له، و ان لم يكن كذلك لم يرجع بما اغترمه.
و قيل: لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب. انتهى.
و علل في المسالك عدم رجوع المشترى بما اغترمه، قال: لأنه حينئذ غاصب مفرط فلا يرجع بشيء مما يغرمه للمالك مطلقا، و علل عدم رجوعه بالثمن مع العلم بالغصب بأنه دفعه اليه و سلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه، فيكون بمنزلة الإباحة.
أقول: الظاهر ان المراد بالغصب- هنا- المعنى الأعم من الغصب الصرف و من الفضولي، و هو البيع من غير إذن، فإنه حكم في شرح اللمعة بأنه لا رجوع بالثمن مع العلم بكونه غير مالك و لا وكيل، لانه سلطه على إتلافه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الإباحة.
392
هذه عبارته هناك بلفظها، فعبر عن الغاصب الذي صرحت به عبارة الشرائع بكونه غير مالك و لا وكيل.
و نحو ذلك وقع في عبارة الدروس، فإنه قال: ان المالك يرجع عند هلاك العين على المشترى مع العلم، و على الغاصب مع الجهل، أو دعوى الوكالة. فعبر عن البائع الفضولي بالغاصب، و ظاهرهم هنا دعوى الإجماع على عدم رجوع المشترى على البائع بالثمن مع تلفه، نقله العلامة في التذكرة.
قال في المسالك في شرح قوله «و قيل لا يرجع بالثمن مع العلم بالغصب»: هذا هو المشهور بين الأصحاب، مطلقين الحكم فيه الشامل لكون الثمن باقيا و تالفا، و وجهوه بأن المشتري قد دفعه اليه و سلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له، فيكون بمنزلة الإباحة. و هذا يتم مع تلفه، اما مع بقائه فلا، لانه له و هو مسلط عليه بمقتضى الخبر، و لم يحصل منه ما يوجب نقله عن ملكه، لأنه إنما دفعه عوضا عن شيء لا يسلم له لا مجانا، فمع تلفه يكون إذنا فيه، اما مع بقائه فله أخذه، لعموم النصوص الدالة على ذلك، بل يحتمل الرجوع بالثمن مطلقا، و هو الذي اختاره المصنف في بعض تحقيقاته، لعدم جواز تصرف البائع فيه، حيث انه أكل مال بالباطل، فيكون مضمونا عليه، و لو لا ادعاء العلامة في التذكرة الإجماع على عدم الرجوع مع التلف، لكان في غاية القوة، و حيث لا إجماع مع بقاء العين فيكون العمل به متعينا.
فان قيل: كيف يجامع تحريم تصرف البائع في الثمن عدم رجوع المشترى به مع التلف، فإنه حينئذ لا محالة غاصب آكل للمال بالباطل، فاللازم اما جواز تصرفه أو جواز الرجوع اليه مطلقا.
قلنا: هذا اللازم في محله، و من ثم قلنا: ان القول بالرجوع مطلقا متجه، لكن لما أجمعوا على عدمه مع التلف كان هو الحجة.
و حينئذ نقول: ان تحقق الإجماع فالأمر واضح و الا فمن الجائز ان يكون عدم
393
جواز رجوع المشترى العالم عقوبة له، حيث دفع ماله معاوضا به على محرم، و على هذا يكون البائع مخاطبا برده أو رد عوضه مع التلف، فان بذله أخذه المشترى، و ان امتنع منه بقي للمشتري في ذمته، و ان لم يجز له مطالبته به، و نظير ذلك ما لو حلف المنكر على عدم استحقاق المال في ذمته، فإنه لا يجوز للمدعى مطالبته و لا مقاصته، و ان كان الحق مستقرا في ذمة المنكر في نفس الأمر، و ذلك لا يمنع من تكليفه برده و عقوبته عليه لو لم يرده.
و لا فرق في هذا الحكم بين كون البائع غاصبا صرفا مع علم المشترى به أو فضوليا و لم يجز المالك، كما هو مقتضى الفرض. انتهى.
أقول: ظاهرهم: ان البيع الفضولي هو ما لو باع مال غيره بغير اذن صاحبه، أعم من ان يكون المشترى عالما بذلك أو جاهلا، أو مع دعوى البائع الاذن، و هو كذلك بناء على قاعدتهم في المسألة المذكورة، و ظاهرهم انه مع الإجازة يصح البيع المذكور بجميع افراده، و انما يظهر الافتراق فيها مع عدم الإجازة، فإنه متى كان المشترى جاهلا أو ادعى البائع الإذن له في البيع فإنه يرجع المالك على المشترى بعين ماله ان كانت موجودة، و الا فبالقيمة. و كذا يرجع عليه بمنافعها و نمائها، و بالقيمة مع التلف، و يرجع المشترى على البائع بما اغترمه على ذلك المبيع من نفقة و نحوها.
و أنت خبير بأن رواية زريق المتقدمة قد صرحت بان الرجوع بما غرمه على ذلك المبيع انما هو على المالك لا على البائع، و انما يرجع بالثمن خاصة. فإنه (عليه السلام) بعد ان حكم برجوع المالك على المشترى بعد قبض المبيع بما استوفاه من منافعه و ما أحدثه في الضيعة المذكورة من الفساد أو قيمته، حكم بعد ذلك برجوع المشترى على المالك بما أنفقه في إصلاح الضيعة و دفع النوائب عنها.
و ظاهر كلام شيخنا في الروضة: ان المشترى يرجع على البائع أيضا بمنافع
394
المبيع و نمائه مما حصل له في مقابلته نفع (1).
قال: لغروره و دخوله على ان يكون ذلك له بغير عوض، اما ما أنفقه عليه و نحوه مما لم يحصل له في مقابلته نفع فيرجع به قطعا. انتهى.
و فيه: ان المستفاد من الخبر المذكور، و قوله فيه: «تصنع ان ترجع بمالك على الورثة و ترد المعيشة على صاحبها» ان الرجوع على البائع انما هو بالثمن خاصة، و المقام مقام بيان، مع حكمه (عليه السلام) في الخبر برجوع المالك على المشترى بعوض المنافع، فلو كان للمشتري الرجوع بها على البائع لذكره (عليه السلام) مع ذكره أخيرا ان المشترى يرجع بما أنفقه على المالك لا على البائع.
و بالجملة فإن المطابق للأصول: انه لا رجوع هنا للمشتري، لأن المالك انما أخذ منه عوض منافعه التي استوفاها من ماله، فسبيلها كسبيل العين في وجوب الرد على المالك، و ظهور البطلان الموجب لرد العين على مالكها موجب لرد ما استوفاه المشترى من منافعها.
و تعليله بأن دخوله على ان يكون ذلك له بغير عوض، عليل لا يصلح لتأسيس حكم شرعي، لا سيما مع دلالة الخبر على ما قلناه، و متى كان المشترى عالما فإنه يرجع المالك على المشترى بجميع ما تقدم ذكره، و اما المشتري فإنه بالنسبة الى ما غرمه للمالك لا يرجع به، لما علله به في المسالك مما تقدم ذكره و اما بالنسبة إلى الثمن فقد عرفت من كلام شيخنا في المسالك، ان المشهور عدم الرجوع به عليه،
____________
(1) قال في المختلف: لو رجع المالك على المشترى الجامل بالعين و المنافع، رجع المشترى على البائع بالثمن إجماعا. و اما المنافع التي استوفاها هل يرجع بها أم لا؟ قال الشيخ في المبسوط: الأقوى انه لا يرجع، لانه غرمه في مقابلة نفع، فلا يرجع به على أحد. و قال بعض علمائنا: له الرجوع، لانه مغرور، فكان الضمان على الغار، كما لو قدم اليه طعام الغير فأكله مع جهل، فإنه إذا رجع على الأكل رجع الأكل على الأمر بجهله و تغرير الأمر له. و سيأتي البحث في ذلك في باب الغصب إنشاء الله تعالى.
منه (رحمه الله).
395
باقيا كان الثمن أو تالفا.
و قيل بالرجوع مطلقا، كما نقل عن المحقق في بعض تحقيقاته.
و قيل بالتفصيل، بالتلف و عدمه، فيرجع على الثاني دون الأول، و ظاهره في المسالك الميل اليه.
و الاشكال هنا في موضعين:
(أحدهما): في عدم رجوع المشترى على البائع بما اغترمه في صورة العلم، لما علله به في المسالك من انه حينئذ غاصب مفرط، فلا يرجع بشيء مما يغرمه للمالك مطلقا.
فان فيه: ان مقتضى ما صرحوا به من صحة عقد الفضولي، وجوب الحكم بصحة ما يترتب عليه من التصرفات، إذ لا ثمرة لهذه الصحة مع بطلان ما يترتب عليها، فكيف يكون مع عدم الإجازة غاصبا؟! اللهم الا ان يقول: ان العقد و ان كان صحيحا، لكن لا يجوز للمشتري قبض الثمن الا بعد الإجازة، و الا فهو غاصب. و صريح كلامهم خلافه.
و متى حكم ببطلان هذه التصرفات انتفى الحكم بأصل العقد، فضلا عن صحته.
مع ان العقد عندهم عبارة عن الإيجاب و القبول الدالين على نقل الملك بعوض، و انه يقتضي استحقاق التصرفات في المبيع و الثمن. و تسليمهما كما تقدم نقله عن ابى الصلاح و قد صرحوا بان حكم العقد تقابض العوضين، الا ان يشترط تأخيرهما.
و بالجملة فالموافق لحكمهم بصحة العقد هو صحة ما يترتب عليه من التصرفات.
نعم بعد ظهور الكاشف، و هو عدم الإجازة، يظهر ان تلك التصرفات كلها كانت باطلة، و يكون من قبيل البيع الصحيح بحسب ظاهر الشرع ثم يظهر بطلانه، فيجب عود كل شيء إلى محله، و كل حق الى مستحقه.
فالقول بصحة البيع و جواز قبض المشترى المبيع لذلك، مع الحكم بأنه مع عدم الإجازة لا يرجع المشترى بما اغترمه لكونه غاصبا مفرطا فيما أنفقه، مشكل
396
لا اعرف له وجها.
و (ثانيهما): في عدم الرجوع بالثمن في الصورة المذكورة، موجودا كان أو تالفا، فان فيه: ان ما عللوه به، من ان المشترى قد دفعه اليه و سلطه عليه مع علمه بعدم استحقاقه له فيكون بمنزلة الإباحة، مردود:
أولا- بأن قضية تصحيح الفضولي، و ان كان موقوفا في لزومه، تصحيح دفع الثمن مع الموقوفية أيضا، و ان يجعل له التصرف في قبض الثمن مثل تصرفه في البيع و الإقباض.
و حينئذ فمع عدم الإجازة يرجع كل مال الى مقره، و كل من الثمن و المثمن الى مالكه.
و يؤيده: ما صرحوا به- كما نقله في الدروس عن الشيخ- من انه لو قبض الفضولي الثمن دفع الى المالك عند أجازته.
و نقل عن العلامة: أنه اشترط اجازة قبض الثمن على حياله، و استحسنه و ان كان الثمن في الذمة. و ظاهره موافقة الشيخ في الاكتفاء بإجازة العقد، و ان كان قد دفعه للبائع، و حينئذ فكيف يحكم بصحة القبض مع الإجازة و انه يصير للمالك و يحكم بكونه باطلا و مجانا مع عدمها، فإنه ان كان صحيحا في حال الدفع فهو في الموضعين المذكورين، و الا فيهما معا.
و ثانيا- ان المشترى إنما دفع الثمن متوقعا للإجازة من المالك، فهو انما دفعه عوضا عن شيء لكن لم يسلم له و لم يدفعه مجانا حتى يصير بمنزلة الإباحة.
و قوله في المسالك- بعد نقل التعليل المذكور-: و هذا يتم مع تلفه. الى آخره، مردود بأن ما علل به الرجوع مع بقائه جاز ايضا مع تلفه، فان الخبر الذي أشار اليه- و هو
قوله (عليه السلام) «الناس مسلطون على أموالهم».
لا اختصاص له بالعين، بل يشمل في الذمم ايضا. و كذا قوله: و لم يحصل منه ما يوجب نقله، جار أيضا في صورة ما لو أتلفه.
397
و اما قوله: فمع تلفه يكون إذنا فيه فإنه ضعيف في غاية الضعف. بل بعيد الصدور من مثله، مع ما عرفت.
و كيف يصح اجتماع الحكم بوجوب الرد مع وجود العين، و عدم جواز التصرف فيها مع الحكم ببراءة ذمة من يجب عليه ردها و يحرم عليه التصرف فيها لو أتلفها.
و اما اعتماده على الإجماع في أمثال هذه البقاع، فهو مردود بما حققه في رسالة صلاة الجمعة- كما قدمنا ذكره في كتاب الصلاة في باب صلاة الجمعة، حيث انه قد مزقه تمزيقا، و جعله حريقا.
و اما قوله: على تقدير عدم تحقق الإجماع، و الا فمن الجائز ان يكون عدم جواز رجوع المشترى العالم عقوبة.
ففيه- أولا-: ما عرفت في غير موضع مما تقدم في مباحث الكتاب، ان أمثال هذه التعليلات لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية، بل المدار انما هو على النصوص الجلية و الأحاديث المعصومية.
و- ثانيا-: ما عرفت آنفا، من ان ذلك مناف لحكمهم بصحة العقد، فإن قضية صحته صحة ما يترتب عليه، من قبض الثمن و اقباض المثمن، و حينئذ فكيف يتم قوله «بأنه مع عدم الإجازة وقعت المعاوضة على محرم فلا يستحق عوض ما دفعه» فان كان هذا التحريم ثابتا حال العقد فالمعاوضة باطلة، و الإجازة بعدها لا تؤثر معها شيئا بالكلية، و ان كان انما علم بعد ذلك فالمعاوضة الأولى صحيحة، و بعد ظهور الكاشف عن بطلانها يحكم بالبطلان من حينه، و رجوع كل شيء إلى مقره، و تحريم رجوع المشترى فيما دفعه من الثمن، مع كونه انما دفعه بناء على صحة العقد و توقع الإجازة من المالك، مما لا وجه له بالكلية.
و ما نظره به من مسألة حلف المنكر قياس مع الفارق، فان تلك المسألة منصوصة، قد دلت النصوص فيها على ذلك، بخلاف محل البحث، إذ ليس فيه الا مجرد هذه
398
التعليلات العليلة التي أوضحنا ضعفها.
و بالجملة فتعليلاتهم في هذا المقام كلها عليلة، لكون البناء على غير أساس وثيق، كما لا يخفى على من تأمل في ما ذكرناه من هذا التحقيق.
و أنت خبير بان هذه المسألة في كلامهم نظيره مسألة الهبة قبل لزومها، فإنهم صرحوا هناك بأن العقد صحيح غير لازم الا بالتصرف أو التعويض أو نحوهما، فمع قبض المتهب العين بناء على ما هو المشهور، من ان القبض من شروط الصحة لا اللزوم و عدم حصول شيء من الأسباب الموجبة للزوم العقد، لو حصل هناك نماء، ثم بعد ذلك رجع الواهب في العين، فإنهم قالوا ان النماء، ان كان متصلا كالسمن فهو للواهب، و ان كان منفصلا كالولد و اللبن و نحوهما فهو للمتهب، قالوا: لانه نماء حدث في ملكه فيختص به، و حكموا بأنه لو عابت العين و الحال كذلك لم يرجع الواهب في الأرش، لأنه حدث في عين مملوكة.
و نحن نقول هنا- بناء على حكمهم بصحة الفضولي-: ان وجه الصحة في الموضعين واحد، و التصرفات المتفرعة عليهما كذلك، و لا فرق بينهما، الا ان رجوع الواهب ليس كاشفا عن فساد العقد السابق، فلا يؤثر فيما تقدم، و فيما نحن فيه- لكشفه عن فساد ما وقع فغايته وجوب رجوع كل مستحق الى مستحقه.
و بالجملة فهو من قبيل البيع الذي ظهر فساده، فيوجب هنا ما يوجبه هناك.
و حيث كانت المسألة على تقدير كلامهم خالية عن النص الشرعي، فالقول بها و الجزم بالحكم في فروعها أمر مشكل جدا.
و اما على ما اخترناه فلا اشكال، لقيام النصوص عموما و خصوصا على العدم.
اما الأولى، فلما علم كتابا و سنة من تحريم التصرف في مال الغير من غير اذنه، و لو اكتفى بالإجازة المتأخرة لجاز التصرف في أموال الناس بجميع وجوه التصرف بناء على ذلك، و هو قبيح عقلا.
و اما الثانية، فهو ما قدمناه من النصوص الواردة في البيع بخصوصه، الدالة
399
على المنع الا بعد رضاء المالك.
و لم أقف على من تعرض لهذه المسألة بما ذكرناه من هذه التنبيهات، و لا كشف عن نقابها بمثل هذه التحقيقات. و لله سبحانه المنة على ما منحنا به من التوفيق، و نسأله النجاة من كل مضيق، و الهداية إلى سواء الطريق في أحكامه عز شأنه بحسن التقريب لها و التحقيق، انه أكرم مسئول و أجود مأمول.
المسألة الرابعة [فيمن باع ما يملكه مع ما لا يملكه]
قد صرح الأصحاب بأنه إذا باع ملكه و ملك غيره بغير اذن من ذلك الغير، فإنه يصح فيما ملكه و يبقى موقوفا على الإجازة فيما لا يملكه.
و هو مبنى على ما هو المشهور بينهم، من صحة عقد الفضولي كما تقدم، فان لم يجز المالك صح فيما ملكه و بطل فيما لا يملك.
هذا إذا كان المشترى عالما، و لو كان جاهلا بكون بعض المبيع غير مملوك للبائع تخير- لتبعيض الصفقة- بين الفسخ و الإمضاء. فإن فسخ رجع كل ملك الى مالكه، و ان رضى صح البيع فيما يملكه. و ان كان الأمر فيما لا يملك ما ذكرناه أولا.
قالوا: و يقسط الثمن بان يقوما جميعا ثم يقوم أحدهما و يرجع على البائع بحصته من الثمن. و كذا يقسط الثمن ايضا فيما لو صح البيع في الجميع، بأن أجاز المالك في صورة بيع ما يملكه و ما لا يملكه.
و كذا لو باع ما يملك- بالبناء للمجهول- و مالا يملك، كالعبد مع الحر، و الشاة مع الخنزير، و الخل مع الخمر.
و تفصيل هذا الإجمال يقع في مواضع:
400
(الأول): قد عرفت ان ظاهر الأصحاب الاتفاق على الصحة فيما يملكه و البطلان فيما لا يملك مع عدم الإجازة.
و احتمل بعض المحققين (1) من متأخري المتأخرين بطلان العقد رأسها. قال: فإنه انما حصل التراضي و العقد على المجموع و قد بطل، و لم يحصل التراضي بالعقد على البعض.
و فيه- مع تسليمه- انما يتجه على تقدير الجهل، لانه مع العلم قادم على انه ربما لا يسلم له عين المملوك لعدم رضا المالك.
نعم ان تم ذلك فإنما يتم في صورة الجهل، الا انه مجبور بالخيار في هذه الحال.
و الظاهر ان بناء القول المشهور، على ان العقد على الكل بمنزلة عقود متعددة على الاجزاء، و لهذا لو خرج بعض المبيع مستحقا للغير لا يبطل الا فيه.
و ظاهر كلامهم في هذا المقام انه لا نص في هذه المسألة، و انما بنوا الكلام فيها على ما قربوه من التعليلات المستفادة من قواعد أحكام البيوع، مع انه قد تقدم في صحيحة محمد بن الحسن الصفار المذكورة في المقام الأول (2) من المسألة المتقدمة، الدالة على عدم جواز البيع فيما لا يملك، و ثبوت الشراء فيما يملك، و هي دالة على بطلان ما احتمله المحقق المتقدم ذكره، من بطلان العقد رأسا، حيث انه (عليه السلام) حكم بالصحة فيما يملك و البطلان فيما لا يملك.
و فيها ايضا رد لما ذكره الأصحاب من صحة بيع الفضولي و انه موقوف على الإجازة- كما تقدم ذكره في ذيل الرواية المذكورة.
ثم ان ظاهر الصحيحة المذكورة: ان الحكم في المسألة على ما ذكره (عليه السلام) أعم من ان يكون المشترى عالما أو جاهلا.
____________
(1) هو المحقق الأردبيلي- (قدس سره)- في شرح الإرشاد. منه (رحمه الله).
(2) في صفحة: 386.
401
و حينئذ فما ذكروه من الخيار في صورة الجهل لتبعيض الصفقة مشكل، الا ان يقوم دليل من خارج على ثبوت هذا الخيار، و هو و ان كان مشهورا في كلامهم و متداولا على رؤوس أقلامهم، الا انه لا يحضرني الآن دليل عليه من الاخبار، فإن وجد فلا بد من تخصيص هذا الخبر به، و الا كان العمل بإطلاق الخبر المذكور متجها، و سيجيء تحقيق المسألة إنشاء الله تعالى عند ذكر أقسام الخيار.
(الثاني): قد عرفت انه لا فرق في اعتبار تقسيط الثمن بين ما إذا صح البيع في الجميع بالإجازة، أو صح في المملوك خاصة إذا لم يجز، فإنه يقسط الثمن بنسبة المالين، ليأخذ المالك المجيز حصته منه في الأول، و يرجع المشترى على البائع بقسط غير المملوك في الثاني.
و طريق التقسيط المذكور- على ما صرح به جمع منهم-: ان يقوما جميعا بقيمة عادلة، ثم يقوم أحدهما منفردا، ثم ينسب قيمة المنفرد إلى قيمة المجموع، و يؤخذ من الثمن الذي وقع عليه العقد بتلك النسبة.
فإذا قوما جميعا بعشرين درهما مثلا، و قوم أحدهما بعشرة، فالنسبة بينهما النصف. فيصح البيع في المملوك بنصف ذلك الثمن الذي وقع عليه العقد.
و كذا في صورة اجازة المالك، فان لكل من المالك البائع، و المالك المجيز، النصف.
و انما أخذ بنسبة القيمة، و لم يخصه من الثمن قدر ما قوم به، لاحتمال زيادة النسبة عن قدر ما يقوم به و نقصانها، فربما جمع في بعض الفروض بين الثمن و المثمن على ذلك التقدير.
كما لو اشترى المجموع بعشرة، و قوم أحدهما بعشرة، فإنه لو أخذ قدر ما قوم به المملوك من الثمن المذكور و هو العشرة المذكورة، للزم الجمع بين العوض و المعوض، و ذهب الثوب عن المالك البائع عن نفسه بغير عوض. و على هذا فقس زيادة و نقصانا.
402
قالوا: و انما يعتبر قيمتهما مجتمعين إذا لم يكن لاجتماعهما مدخل في زيادة قيمة كل واحد منفردا، كعبدين و ثوبين مثلا. اما لو استلزم زيادة القيمة كمصراعي باب، كل واحد لمالك فإنهما لا يقومان مجتمعين إذ لا يستحق كل واحد حصته الا منفردا، فلا يستحق ما يزيد باجتماعهما.
و طريق تقويمهما- على هذا-: ان يقوم كل واحد منهما منفردا و ينسب قيمة أحدهما إلى مجموع القيمتين، و يؤخذ من الثمن بتلك النسبة.
فإذا قوم كل منهما منفردا بعشرة يؤخذ نصف الثمن، لانه نسبة أحدهما إلى المجموع. و هذا واضح في بيع ما يملكه البائع و ما لا يملكه في عقد.
فلو فرض كونهما لمالك واحد، كما لو باع الفضولي المصراعين معا فأجاز مالكهما في أحدهما خاصة دون الأخر، ففي تقديرهما مجتمعين كالغاصب، أو منفردين كما لو كانا لمالكين، نظر.
و لم أقف في هذا المقام- بعد التتبع- على خبر يدل على ما ذكروه من التقسيط و لو مجملا، الا ان الظاهر ان ما ذكروه لا يخرج عن مقتضى القواعد، و ان كان الاحتياط بالمصالحة أولى.
(الثالث): قد ذكر الأصحاب في طريق التقسيط- فيما لو باع حرا مع عبد أو خمرا مع خل أو شاة مع خنزير-: ان يقوم الحر لو كان عبدا بالوصف الذي هو عليه، من كبر و صغر و بياض و غيرها، فيصح البيع في العبد و نحوه بنسبة قيمته الى مجموع القيمتين، و يؤخذ من الثمن بتلك النسبة، كما تقدم.
و اما الخمر و الخنزير فيرجع فيهما الى قيمتهما عند مستحلهما، لا بمعنى قبول قولهم في القيمة، لاشتراط عدالة المقوم، بل يمكن فرضه في تقويم عدلين قد أسلما عن كفر كان يشتمل على استحلالهما. أو اخبار جماعة كثيرة منهم يؤمن من تواطئهم على الكذب، و يحصل بقولهم الظن الغالب المقارب للعلم كما احتمله في المسالك.
و هو يشعر بان المعتبر عند الأصحاب انما هو الأول.
قال في المسالك: و بقي في المسألة إشكال من وجهين.
403
أحدهما: ان المشترى لهذين الشيئين ان كان جاهلا بما لا يملك توجه ما ذكروه، لقصده إلى شرائهما، فإذا لم يتم له الأمران وزع الثمن، اما إذا كان عالما بفساد البيع فيما لا يملك، أشكل صحة البيع مع جهله بما يوجبه التقسيط، لإفضائه إلى الجهل بثمن المبيع حال البيع. لأنه في قوة: بعتك العبد بما يخصه من ألف إذا وزعت عليه و على شيء آخر و هو باطل. و قد نبه على ذلك العلامة في التذكرة، و قال: ان البطلان ليس ببعيد من الصواب.
الثاني: ان هذا الحكم- اعنى التوزيع- انما يتم ايضا قبل اقباض المشترى الثمن، و بعده مع جهله بالفساد، و اما مع علمه فيشكل التقسيط ليرجع بقسطه، لتسليطه البائع عليه أو إباحته له، فيكون كما لو دفعه الى بائع مال غيره كالغاصب، و قد تقدم ان الأصحاب لا يجيزون الرجوع بالثمن، اما مطلقا أو مع تلفه، فينبغي هنا مثله.
الا ان يقال: ذلك خرج بالإجماع، و الا فالدليل قائم على خلافه، فيقتصر على مورده. و هو حسن. انتهى.
أقول: و هذه المسألة أيضا لم أقف فيها على نص، الا ان بعض أحكامها جار على مقتضى القواعد الشرعية.
المسألة الخامسة [فيمن له البيع غير المالك من الأولياء]
كما انه يصح العقد من المالك، كذا يصح من القائم مقامه.
و هم ستة- على ما ذكره الأصحاب- و سبعة- على ما يستفاد من الاخبار- و به صرحوا أيضا في غير هذا الموضع:- الأب، و الجد له- لا الام- و الوصي من أحدهما- على من لهما الولاية عليه- و الوكيل من المالك، أو ممن له الولاية، و الحاكم الشرعي حيث فقد الأربعة المتقدمة، و أمينه، و هو المنصوب من قبله لذلك، أو لما هو أعم، و عدول المؤمنين، مع تعذر
404
الحاكم، أو تعذر الوصول اليه.
و لم يذكره الأصحاب هنا مع تصريحهم بجواز تولية بعض الحسبيات التي هي وظيفة الحاكم لعدول المؤمنين مع عدمه، أو عدم إمكان الوصول اليه.
قالوا: و يحكم الحاكم المقاص، و هو من يكون له مال على غيره فيجحده أو لا يدفعه مع وجوبه.
قالوا: و يجوز للجميع تولى طرفي العقد.
و استثنى بعضهم الوكيل و المقاص، فلا يجوز لهما تولي طرفيه، بل يبيعان من الغير.
و تحقيق الكلام في هذه المسألة يقع في مواضع:-
(الأول) [في تعيين الولي على من اتصل سفهه إلى بعد البلوغ]:
لا خلاف في ثبوت الولاية للأب و الجد له على الطفل، الى ان يبلغ رشيدا اى غير سفيه و لا مجنون، فلو عرض له الجنون و السفه قبل البلوغ و استمر به الى بعد البلوغ، استمرت الولاية عليه.
و ظاهره في المفاتيح في كتاب النكاح: انه لا خلاف فيه، حيث قال: ثبت الولاية في النكاح للأب و الجد و ان علا، على الصغير، للنصوص المستفيضة، و على السفيه و المجنون، ذكورا كانوا أو اناثا، مع اتصال السفه و الجنون بالصغر، بلا خلاف انتهى.
مع انه قال- بعد ذلك في الباب الخامس في التصرف بالنيابة، بعد ان صرح بتخصيص ما ذكرنا من التفصيل بالجنون-: قيل و كذا حكم الولاية في مال من بلغ سفيها، استصحابا لولاية الأب و الجد، اما من تجدد سفهه بعد ان بلغ رشيدا فولايته للحاكم لا غير.
و قيل: بل الولاية في السفيه مطلقا للحاكم لا غير، و هو أشهر. انتهى.
و لا يخفى ما بين الكلامين من المدافعة، فإن ظاهر الأول: نفي الخلاف عن
405
عن ثبوت ولاية الأب و الجد على من بلغ سفيها، استصحابا للولاية السابقة فتستمر مع استمرار السفه، و ظاهر الثاني ان هذا القول خلاف الأشهر، و ان الأشهر ثبوت الولاية للحاكم على السفيه مطلقا، تجدد سفهه بعد البلوغ أو استمر الى بعد البلوغ (1).
و الذي يفهم من الاخبار. كما ستمر بك إنشاء الله تعالى- هو كون الولاية للأب و الجد كما ذكره أولا.
و الجواب عن المدافعة المذكورة بالفرق بين النكاح و المال، لم أقف على قائل به.
و المفهوم من كلام الأصحاب- في كتاب النكاح-: ان هذا الإجماع انما هو في الجنون خاصة، بمعنى ان من بلغ مجنونا، فان ولايته للأب و الجد بلا خلاف، و اما من بلغ سفيها ففيه خلاف، فقيل بكونها لهما، و قيل بكونها للحاكم. هذا.
و اما لو بلغ عاقلا، ثم عرض له الجنون أو السفه، فالذي وقفت عليه في كلام جملة منهم: ان الولاية هنا للحاكم.
قال في المسالك- بعد قول المصنف «و تنقطع ولايتهما بثبوت البلوغ و الرشد»- ما لفظه: و يشترط في ثبوت ولايتهما على غير الرشيد استمرار سفهه قبل البلوغ، فيستصحب حكم الولاية لهما عليه من الصغر، فلو بلغ رشيدا ثم زال رشده لم تعد ولايتهما، بل تكون للحاكم. و كذا القول في المجنون. انتهى.
و ظاهره في المفاتيح- في كتاب النكاح-: ان في المسألة قولا برجوع الولاية إلى الأب و الجد ايضا.
____________
(1) قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد: و كذا من حصل له جنون أو سفه بعد البلوغ، فإن أمره ايضا الى الحاكم، إذ قد انقطعت ولايتهم بالبلوغ و الرشد، و لا دليل على العود، فهم كالمعدوم، فيكون للحاكم كما في غيره. و قال في الكفاية:
و الأب و الجد يبقى تصرفهما ما دام الولد غير بالغ و كذا إذا بلغ و استمر عدم رشده. انتهى.
و لم يشر أحد منهم الى خلاف هنا غير ما عرفت من عبارة المفاتيح. منه (رحمه الله).
406
قال: و ان طرأ الوصفان بعد البلوغ و الرشد، ففي ثبوت ولايتهما قولان.
و لم أقف فيما حضرني من كتب الأصحاب على من نقل الخلاف هنا غيره.
ثم ان ما يدل على الولاية للأب و الجد على من بلغ مجنونا أو سفيها، لا الحاكم بالنسبة إلى السفيه، كما نسبه في المفاتيح إلى الأشهر- أولا- أصالة بقائها، حيث انها قبل البلوغ ثابتة لهما بالاتفاق، فيستصحب الى ان يثبت المزيل، و البلوغ على الكيفية المذكورة في حكم العدم، فإنهم كالصغير في الحجر و المنع من التصرفات.
و ثانيا: قوله (عليه السلام)
في رواية هشام بن سالم: و ان احتلم و لم يؤنس منه رشده، و كان سفيها أو ضعيفا، فليمسك عنه وليه ماله (1).
و روى في الفقيه عن الصادق (عليه السلام): انه سئل عن قول الله تعالى «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ» قال: إيناس الرشد حفظ المال (2).
و نقل في مجمع البيان عن الباقر- (عليه السلام)- تفسير إيناس الرشد بالعقل و إصلاح المال.
و حينئذ فالموجب لدفع ماله اليه من الولي هو البلوغ مع الرشد، فلو لم يحصل فالولاية ثابتة و مستمرة عليه.
و به يضعف القول بكون الولاية للحاكم في الصورة المتقدم ذكرها، و ان كان هو الأشهر، كما في المفاتيح. و العجب انه لم يتنبه لذلك مع ظهور الأخبار المذكورة فيه.
(الثاني) [في تعارض ولاية الأولياء و الحكم بتقديم الأدنى]:
قد عرفت مما قدمنا، ان الولاية بعد الأب و الجد وكيلهما أو وصيهما للحاكم، و هو مما لا خلاف فيه الا من ابن الجنيد، فإنه جعلها للام الرشيدة بعد الأب، و هو شاذ متروك عند الأصحاب، بل نقل عنه في المختلف ثبوت الولاية للجد من قبلها في النكاح.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 268 حديث: 2.
(2) الوسائل ج 13 ص 143 حديث: 4.
407
بقي الكلام في تعارض ولايتي الأب و الجد لو اختلفا أو تصرفا دفعة، هل يقدم الأب على الجد؟
ثم في ترتيب أجداد الأب أو اشتراكهم مع وجود الأعلى و الأدنى أقوال، نقل ذلك في المفاتيح.
و الذي وقفت عليه في كلام من حضرني كلامه هو تقديم الأب على الجد الأدنى من الجدود، و الأدنى على الأعلى.
و الظاهر انه المشهور، الا ان بعض الاخبار دل على تقديم الجد على الأب في النكاح مع التعارض.
قال في المسالك- في كتاب الوصايا، بعد قول المصنف «و كذا لو مات انسان و لا وصى له كان للحاكم النظر في تركته»- ما صورته: اعلم ان الأمور المفتقرة إلى الولاية اما ان تكون أطفالا أو وصايا أو حقوقا أو ديونا، فان كان الأول فالولاية فيهم لأبيه ثم لجده لأبيه، ثم لمن يليه من الأجداد، على ترتيب الولاية الأقرب منهم الى الميت فالأقرب، فإن عدم الجميع فوصى الميت، ثم وصى الجد، و هكذا. فان عدم الجميع فالحاكم. انتهى.
و على هذا النهج كلام غيره من غير نقل خلاف في المقام الا انه قال في المسالك- في كتاب الحجر ايضا-: لا خلاف في كون الولاية عليهما للأب و الجد له و ان علا، و انما الكلام في انهما إذا تعارضا أو وقع العقد دفعة فهل يقع باطلا، لاستحالة الترجيح، أو تقديم عقد الجد أو عقد الأب.
الذي اختاره في التذكرة في هذا الباب هو الثاني، و الكلام في المال. و اما في التزويج فسيأتي في كتاب الوصايا من التذكرة، قال: ان ولاية الأب مقدمة على ولاية الجد، و ولاية الجد مقدمة على ولاية الوصي للأب، و الوصي للأب و الجد اولى من الحاكم (1).
____________
(1) قال في المختلف: المشهور عند علمائنا اجمع إلا ابن الجنيد ان الأم و الجد لها لا ولاية لهما في النكاح. و قال ابن جنيد: فاما الصبية غير البالغة فإذا عقد عليها أبوها فبلغت لم يكن لها اختيار، و ليس ذلك لغير الأب و آبائه في حياته. و الام و أبوها يقومان مقام الأب و آبائه في ذلك، لان رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر نعيم بن النجاح أن يستأمر أم بنته في أمرها. و قال و أمروهن في بناتهن. انتهى. و لا ريب ان حديثه عامي، و أخبارنا ترده كما سيأتي تحقيق المسألة في محلها. منه (رحمه الله).
408
أقول: و المسألة خالية من النص، فمن أجل ذلك حصل التردد فيها، و الاحتمال في تقديم كل من الجد و الأب على الأخر.
ثم انه ينبغي ان يعلم: ان ولاية وصي الأب لا تنفذ الا مع فقد الجد و ان علا، لأن الولاية له بعد الأب أصالة، فلا يجوز ان يعين وصيا على أطفاله مع وجود أحد آبائه و ان علا، لان ولايته ثابتة بأصل الشرع، فليس للأب ان ينقلها الى غيره، و لا جعل شريك معه في ذلك و بذلك صرح الأصحاب.
(الثالث) [في ولاية عدول المؤمنين عند فقد الحاكم]:
المشهور بين الأصحاب انه مع فقد الإمام في موضع تكون الولاية على الأطفال راجعة إليه، فلعدول المؤمنين النظر في ذلك.
و عن ابن إدريس المنع، قال: لان ذلك موقوف على الاذن الشرعي و هو منتف.
و الأول مختار الشيخ و الأكثر، لما فيه من المعاونة على البر و التقوى المأمور بهما، و لقوله عز و جل «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنٰاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ» (1) خرج منه ما اجمع على عدم ولايتهم فيه فيبقى الباقي تحت العموم.
و يمكن أيضا استفادة ذلك من عموم دلائل الأمر بالمعروف، و هذا كاف في رد ما ادعاه من عدم الإذن الشرعي.
و يؤيده- أيضا- تطرق الضرر الى مال الطفل بعدم القيم الحافظ له.
و المعارضة بطرو الضرر بالتصرف فيه مدفوعة باشتراط العدالة في الولي المانعة من اقدامه على ما يخالف المصلحة للطفل.
____________
(1) سورة براءة: 71.
409
و يؤيد ذلك بأوضح تأييد ما قدمناه في المسألة السابعة في أحكام اليتامى و أموالهم من المقدمة الرابعة، من صحيح محمد بن إسماعيل بن بزيع، و صحيح ابن رئاب (1) و مثلهما في ذلك. بل أوضح من ذلك
رواية سماعة، قال: سألته عن رجل مات و له بنون و بنات صغار و كبار من غير وصية، و له خدم و مماليك و عقار، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث؟ قال: ان قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس (2).
و عن إسماعيل بن سعد، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل مات بغير وصية و ترك أولادا ذكرانا و غلمانا صغارا و ترك جواري و مماليك، هل يستقيم ان تباع الجواري؟ قال: نعم (3).
و إطلاق هذا الخبر محمول على الاخبار المتقدمة الصريحة في التقييد بالعدل من المؤمنين.
و بذلك يظهر لك زيادة ضعف ما ذهب اليه ابن إدريس، من قوله بالمنع لمجرد خيال تخيله.
(الرابع) [في أحكام التقاص و عدم جوازه من الوديعة]:
لو كان له على غيره مال فجحده أو تعذر استيفاؤه منه، فإنه يجوز له الاستقلال بأخذ جنس ماله ان وجده، و الا فمن غيره بالقيمة، مخيرا بين بيعه من نفسه و من غيره و لا يشترط اذن الحاكم و ان أمكن بوجوده و وجود البينة التي يثبت بها حقه، على الأشهر الأظهر، الا ان يحلف الجاحد أو يكون وديعة. على خلاف في ذلك.
و الأصل في ذلك الاخبار، بعد ظاهر قوله عز و جل «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» (4).
____________
(1) مرتا في صفحة: 323.
(2) الوسائل ج 13 ص 474 حديث: 1.
(3) المصدر ص 475 حديث: 3.
(4) سورة البقرة: 194.
410
و منها: ما رواه
الشيخ في الصحيح عن داود بن رزين قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): انى أخالط السلطان فتكون عندي الجارية، فيأخذونها، و الدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي ان آخذه؟ فقال: خذ مثل ذلك و لا تزد عليه (1).
و عن ابى بكر الأرمني، قال: كتبت الى العبد الصالح (عليه السلام) جعلت فداك، ان كان لي على رجل دراهم فجحدني فوقعت له عندي دراهم فاقبض من تحت يدي مالي عليه؟ فان استحلفني حلفت ان ليس له شيء على؟ قال: نعم، فاقبض من تحت يدك، و ان استحلفك فاحلف له انه ليس له عليك شيء (2).
و عن على بن مهزيار، قال أخبرني إسحاق بن إبراهيم، ان موسى بن عبد الملك كتب الى ابى جعفر (عليه السلام) يسأله عن رجل دفع اليه مالا ليصرفه في بعض وجوه البر، فلم يمكنه صرف ذلك المال في الوجه الذي أمره به، و قد كان له عليه بقدر هذا المال، فسأل هل يجوز لي ان أقبض مالي أو أرده عليه؟ فكتب- (عليه السلام)- اقبض مالك مما في يدك (3).
و عن على بن سليمان قال: كتب اليه: رجل غصب رجلا مالا أو جارية ثم وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه، أ يحل له حبسه عليه أم لا؟ فكتب اليه: نعم، يحل له ذلك ان كان بقدر حقه، و ان كان أكثر فيأخذ منه ما كان له عليه و يسلم الباقي إليه إنشاء الله (4).
أقول: الظاهر ان على بن سليمان هو الرازي، و المكتوب اليه صاحب الأمر- (عليه السلام). و فيه دلالة على جواز المقاصة من الوديعة.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 157 حديث: 7.
(2) الوسائل ج 16 ص 214 حديث: 1 باب: 47.
(3) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 8.
(4) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 9.
411
و عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده، أ يأخذه و ان لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم (1).
و روى المشايخ الثلاثة في الصحيح في بعضها، عن ابى بكر الحضرمي، و هو ممدوح، عن الصادق (عليه السلام) قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده إياه و ذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله، أ يأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم، و لكن لهذا كلام، يقول: اللهم انى آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني، و انى لم آخذ الذي أخذته خيانة و لا ظلما (2).
الى غير ذلك من الاخبار.
و قيل: لو كان لصاحب الحق بينة يثبت بها الحق عند الحاكم لو أقامها و أمكن الوصول الى حقه بذلك لم تجز له المقاصة مطلقا، لان التسلط على مال الغير على خلاف الأصل، فيقتصر منه على موضع الضرورة، و هي هنا منتفية، و لان الممتنع يتولى القضاء عنه الحاكم.
و أنت خبير بما في هذه الوجوه في مقابلة النصوص الصريحة. و هل هو الا اجتهاد في مقابلة النص.
و ظاهر الأصحاب، و عليه دل أكثر النصوص، انه لا تجوز المقاصة فيما حلف عليه.
و منها: ما رواه
في الكافي و الفقيه عن خضر بن عمرو النخعي، عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده، قال: ان استحلفه فليس له ان يأخذ منه بعد اليمين شيئا، و ان احتسبه عند الله تعالى فليس له ان يأخذ شيئا، و ان تركه و لم يستحلفه فهو
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 205 حديث: 10.
(2) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 5.
412
على حقه (1).
أقول: لعل معنى احتسابه عند الله سبحانه هبته له أو قصد التصدق به أو إبراء ذمته، فان جميع ذلك احتساب عند الله.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن خضر النخعي، عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده، قال: فان استحلفه فليس له ان يأخذ شيئا، فإن تركه و لم يستحلفه فهو على حقه (2).
و عن إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض أصحابنا في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده إياه فيحلف له يمين صبر ان ليس له عليه شيء؟ قال: لا ليس له ان يطلب منه، و كذلك ان احتسبه عند الله فليس له ان يطلب منه (3).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن ابن ابى يعفور، عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا رضى صاحب الحق بيمين المنكر لحقه فاستحلفه فحلف ان لاحق له قبله ذهبت اليمين بحق المدعى فلا دعوى له. قلت له: و ان كانت عليه بينة عادلة؟ قال: نعم، و ان أقام بعد ان استحلفه بالله خمسين قسامة، ما كان له حق و كانت اليمين قد أبطلت كل ما ادعاه قبله مما قد استحلفه عليه (4).
و ما رواه
في الفقيه مرسلا، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم)-: من حلف لكم بالله فصدقوه، و من سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدعى و لا دعوى له (5).
و ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح في بعضها، عن سليمان بن خالد، قال:
____________
(1) الوسائل ج 16 ص 215 حديث: 1.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر حديث: 2.
(4) الوسائل ج 18 ص 179 حديث: 1 باب: 9.
(5) نفس المصدر حديث: 2.
413
سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه و حلف، ثم وقع له عندي مال فآخذه لمكان مالي الذي أخذه و جحده و حلف عليه كما صنع؟ فقال: ان خانك فلا تخنه و لا تدخل فيما عتبة عليه (1).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الله بن وضاح، قال: كان بيني و بين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم، فقدمته إلى الوالي فأحلفته فحلف، و قد علمت انه حلف يمينا فاجرة فوقع له بعد ذلك عندي أرباح و دراهم كثيرة، فأردت ان اقتص الالف درهم التي كانت لي عنده و حلف عليها، فكتبت الى ابى الحسن (عليه السلام) فأخبرته انى قد أحلفته فحلف و قد وقع له عندي مال، فإن أمرتني أن آخذ منه الالف درهم التي حلف عليها فعلت. فكتب (عليه السلام) لا تأخذ منه شيئا ان كان ظلمك فلا تظلمه. و لولا انك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك، و لكنك رضيت بيمينه، و قد ذهبت اليمين بما فيها. فلم آخذ منه شيئا، و انتهيت الى كتاب ابى الحسن (عليه السلام) (2).
و اما ما رواه
الشيخ في الصحيح الى ابى بكر الحضرمي و هو ممدوح عندهم، قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني و حلف عليها، أ يجوز لي- ان وقع له قبلي دراهم- ان آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم، و لكن لهذا كلام. قلت:
و ما هو؟ قال: تقول اللهم لم آخذه ظلما و لا خيانة، و انما أخذته مكان مالي الذي أخذه منى لم أزد عليه شيئا (3).
فحمله الصدوق و الشيخ على انه حلف من غير ان يستحلفه صاحب الحق، و هو جيد. هذا.
و اما الوديعة فالمشهور ايضا انه لا يجوز المقاصة منها لوجوب أداء الأمانات،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 204 حديث: 7.
(2) الوسائل ج 18 ص 180 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 12 ص 203 حديث: 4.
414
و لجملة من الاخبار.
منها: ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن معاوية بن عمار، قال: قلت للصادق (عليه السلام): الرجل يكون لي عليه حق فيجحدنيه ثم يستودعني مالا، إلى أن آخذ مالي عنده؟ قال: لا، هذه خيانة (1).
و ما رواه
في التهذيب عن ابن ابى عمرو، عن ابن أخي الفضيل بن يسار، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) و دخلت امرأة و كنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: اسأله، فقلت: عما ذا؟ فقالت: ان ابني مات و ترك مالا، كان في يد أخي فأتلفه، ثم أفاد مالا فأودعنيه، فلي أن آخذ بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرته بذلك، فقال: لا، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): أد الأمانة الى من ائتمنك، و لا تخن من خانك (2).
و ما رواه
في الفقيه بإسناده عن زيد الشحام، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): من ائتمنك بأمانة فأدها اليه، و من خانك فلا تخنه (3).
و الشيخ حمل هذه الاخبار على الكراهة، جمعا بينها و بين ما دل على الجواز، مثل ما قدمناه من خبر على بن سليمان، المتضمن لكون المال وديعة، مع انه (عليه السلام) جوز له المقاصة منه.
و نحوه ما رواه
في التهذيب في الصحيح عن ابى العباس البقباق، ان شهابا ما رآه في رجل ذهب له بألف درهم و استودعه بعد ذلك الف درهم، قال أبو العباس فقلت له: خذها مكان الألف الذي أخذ منك، فأبى شهاب. قال: فدخل شهاب على ابى عبد الله (عليه السلام) فذكر له ذلك، فقال: اما انا فأحب أن تأخذ و تحلف (4).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 205 حديث: 11.
(2) المصدر ص 202 حديث: 2.
(3) المصدر ص 205 حديث: 12.
(4) المصدر ص 202 حديث: 2. و قوله: «ماراه» من المراء و المماراة بمعنى الجدل و اللجاج.
415
قال في الوافي- بعد نقل هذا الخبر- و فيه. إشكالان: أحدهما: جواز الأخذ من الوديعة، مع انه خيانة كما مر. و الثاني: محبته (عليه السلام) ذلك. و يمكن التفصي عنهما بحمله على ما إذا كان الغاصب المودع هو العامل، فان ماله اما فيء للمسلمين أو هو للإمام، و للإمام الاذن في أخذه، فان لم يكن كله للإمام فلا أقل من الخمس.
و يشعر بذلك عدم ذكر الغاصب، و الإتيان بصيغة المعلوم في الاستيذان، كأنه كان معلوما بينهما، و كان ممن يتقى منه. انتهى.
أقول: ملخص الكلام في المقام، ان هذه الاخبار قد خرجت على أقسام ثلاثة:
(الأول): من وقع بيده مال لرجل فجحده حقه أو امتنع من إعطائه.
و لا خلاف و لا إشكال في جواز مقاصته. و عليه تدل الأخبار الأولة.
(الثاني): من جحد و حلف.
و الظاهر- ايضا- انه لا إشكال في انه ان استحلفه المدعى فلا تجوز المقاصة كما تدل عليه الاخبار الثانية. و الخبر المنافي ظاهر- كما عرفت- في انه محمول على حلف من عليه المال بدون استحلاف صاحب المال، و هو كمن لم يحلف إذ لا اثر لهذه اليمين اتفاقا، بل لو أحلفه الحاكم بدون طلب صاحب الدعوى، فإنها لاغية.
(الثالث): الوديعة.
و قد عرفت اختلاف الاخبار فيها.
و جمع الشيخ بينها بحمل اخبار المنع من المقاصة على الكراهة.
و ما ذكره صاحب الوافي من الحمل على كون ذلك الغاصب المنكر عاملا، فالظاهر انه بعيد عن سياق الخبرين المذكورين الدالين على ذلك.
و من المحتمل عندي قريبا في المقام: هو الجمع بين الاخبار المشار إليها بالإتيان بالدعاء المذكور و عدمه، و ان التصرف انما يكون خيانة مع عدمه، كما يشير اليه قوله (عليه السلام)
في رواية الحضرمي الاولى «و انى لم آخذ الذي أخذته خيانة و لا ظلما».
416
و كذا في الرواية الثانية.
و الاولى و ان كانت مطلقة حيث ذكرناها في عداد الروايات الأولى، الا ان الظاهر حملها على الوديعة، فإن جواز المقاصة في غير الوديعة صحيح شرعي، لا يتوقف على هذا الدعاء.
و نحوها الرواية الثانية- أيضا- بحملها على ذلك، و الحلف فيها- قد عرفت- انه بحكم العدم.
و هذا الدعاء يشير الى ما دلت عليه روايات المنع من المقاصة من الوديعة، من كون ذلك خيانة، فهذا الدعاء في هذا المقام كأنه بمنزلة الصيغ الشرعية و العقود الناقلة في المعاملات، فيحتاج اليه لانتقال المال اليه مكان ماله عليه، كما يحتاج الى العقود الناقلة في المعاملات.
و قال في الفقيه- بعد ذكر خبر الحضرمي الأول-
و في خبر آخر ليونس بن عبد الرحمن عن الحضرمي مثله الا انه قال: يقول: اللهم انى لم آخذ ما أخذت خيانة و لا ظلما.
قال: و في خبر آخر: ان استحلفه على ما أخذ فجائز له ان يحلف، إذا قال هذه الكلمة.
و بالجملة فإن المقاصة في الصورة الأولى مما لا خلاف فيه و لا إشكال في جوازها- كما دلت عليه اخبارها- من غير توقف على شيء بالكلية. و في الصورة الثانية لا اشكال و لا خلاف في عدمها. و انما محل الاشكال و الخلاف في الثالثة. و المستفاد من هذه الاخبار هو انه مع قول هذا الدعاء و الإتيان به يجوز المقاصة و الا فلا. و الله العالم.
(الخامس) [في جواز تولي طرفي العقد و عدمه]
قد صرح جمع من الأصحاب منهم في المسالك و الروضة و الدروس:
بأنه يجوز لجميع من تقدم ذكره ممن له الولاية حتى المقاص، تولى طرفي العقد، بأن يبيع من نفسه و ممن له الولاية عليه.
417
و استثنى بعضهم الوكل و المقاص من الحكم المذكور، فمنع من توليهما طرفي العقد.
و اقتصر آخر على استثناء الوكيل خاصة، على تفصيل فيه.
و ممن ظاهره القول بالعموم هنا المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد.
و لا فرق في ذلك في عقد البيع و غيره من العقود حتى النكاح ايضا.
و تفصيل كلامهم في التوكيل، هو انه إذا اذن الموكل لوكيله في بيع ماله من نفسه، أو وكلته المرأة على ان يعقد بها على نفسه، فهل يجوز له تولى طرفي العقد أم لا؟ المشهور بين أصحابنا هو الأول، و اليه مال في المسالك، قال: لوجود المقتضى- و هو الاذن المذكور- و انتفاء المانع. إذ ليس الا كونه وكيلا، و ذلك لا يصلح للمانعية.
و عن الشيخ و جماعة: المنع، للتهمة و انه يصير موجبا قابلا. و رد بأن التهمة مع الإذن ممنوعة، و منع جواز تولى الطرفين على إطلاقه ممنوع. فإنه جائز عندنا في الأب و الجد، كما قرر في محله.
و ظاهر كلامهم ان ذلك جار في جميع العقود، من بيع و نكاح، مع انه
قد روى عمار في الموثق، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة تكون في أهل بيت، فتكره ان يعلم بها أهل بيتها، أ يحل لها ان توكل رجلا يريد ان يتزوجها، تقول له: قد وكلتك، فاشهد على تزويجي. قال: لا. قلت: جعلت فداك، و ان كانت أيما؟ قال: و ان كانت أيما. قلت له: فان وكلت غيره فيزوجها؟ قال: نعم (1).
و هذه الرواية- كما ترى- صريحة في المنع من ذلك مع الاذن صريحا بالنسبة إلى النكاح، و ليس في هذه الرواية ما يمكن استناد المنع اليه، الا تولى طرفي العقد.
و اما غير النكاح من العقود فلم أقف فيه على خبر، و ما عللوا به من الجواز لا ينهض
____________
(1) الوسائل ج 14 ص 217 حديث: 4.
418
دليلا على إثبات حكم شرعي مخالف للأصل، و الأصل عصمة الفروج و الأموال حتى يقوم دليل شرعي واضح على زوالها، و الأحوط المنع، كما ذهب اليه الشيخ و من تبعه.
هذا مع الاذن، اما مع الإطلاق فهل يجوز البيع من نفسه أم لا؟ ظاهر جملة من الأصحاب- و كأنه المشهور- المنع. و اليه مال في المسالك، لان المفهوم من الاستنابة هو البيع على غيره، فلا يتناوله الإطلاق. و للاخبار. و قيل بالجواز على كراهة.
و قد مر شرح الكلام في هذا المقام في المقدمة الثانية في آداب التجارة في مسألة «ما لو قال انسان للتاجر اشتر لي، فهل يجوز ان يعطيه مما عنده أم لا» و نقلنا القولين في المسألة و الاخبار الدالة على المنع (1) و بها تظهر قوة القول المشهور و صحته.
و ما ذكرنا يعلم ان ليس الخلاف في هذه المسألة من جهة اعتبار تولى الواحد طرفي العقد و عدمه اما أولا، فلان جماعة ممن قال بالجواز في الصورة الأولى، منعوا في الصورة الثانية.
و اما ثانيا، فلانه يمكن المغايرة بالتوكيل في القبول و الإيجاب، مع انه لا يجدى نفعا في مقام المنع، كما لو وكل ذلك الوكيل أعم من ان يكون مأذونا له أو مطلقا في الإيجاب و القبول، فان ظاهر النصوص المشار إليها العدم، لأن النهي فيها انما وقع عن إعطائه من الجنس الذي عنده، و أخذه من الجنس الذي وكل في بيعه، أعم من ان يكون هو الموجب أو القابل، أو يجعل غيره وكيلا في ذلك.
و اما ثالثا، فان المانع انما استند الى الاخبار، مضافة الى ما قدمنا نقله من عدم تناول الإطلاق لذلك، لا الى عدم جواز تولى طرفي العقد.
____________
(1) راجع: الصفحة: 32- 36.
419
و اما رابعا، فلان الأخبار المشتملة على المنع قد علل ذلك في بعضها بالتهمة، فلو لم يخف التهمة جاز الشراء من نفسه أو لنفسه. و في بعضها ما يشير الى عدم دخول جواز البيع على نفسه تحت الإطلاق كما تقدم ذكر جميع ذلك في الموضع المشار اليه.
قال في المسالك- في شرح قول المصنف في كتاب الوكالة: «إذا اذن الموكل لوكيله في بيع ماله من نفسه فباع جاز، و فيه تردد، و كذا في النكاح»- ما لفظه:
و الخلاف في المسألة في موضعين، و ينحل إلى ثلاثة:
أحدها: ان الوكيل هل يدخل في إطلاق الإذن أم لا. الثاني: مع التصريح بالاذن هل له ان يتولاه لنفسه، و ان و كل في القبول أم لا. الثالث: على القول بالجواز مع التوكيل، هل يصح تولى الطرفين أم لا. و الشيخ- عليه الرحمة- على المنع في الثلاثة. و العلامة في المختلف على الجواز في الثلاثة. و في غيره في الأخيرين.
و المصنف يجوز الأخير و يمنع الأول. و قد تردد في الوسط. انتهى.
و لو كان المتولي لطرفي العقد وكيلا فيهما بأن وكله شخص على الشراء، و آخر على البيع. فهل له ان يتولى العقد نيابة عنهما؟ المشهور ذلك.
قال في الروضة: و موضع الخلاف مع عدم الإذن توليه لنفسه، و اما لغيره بان يكون وكيلا لهما فلا إشكال في الصحة، الا على القول بمنع كونه موجبا قابلا.
انتهى.
و هذا الكلام في الوصي أيضا جار عندهم، فإنه ان كان توليه الطرفين لنفسه فهو محل الخلاف المتقدم، و ان كان لغيره فالمشهور الجواز، الا عند من يمنع من كونه قابلا موجبا.
إذا عرفت ذلك فاعلم: ان جملة ما استدلوا به على صحة تولى الواحد طرفي
420
العقد في جملة المواضع المتقدمة، هو عموم أدلة البيع، مثل قوله سبحانه «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ»، و لانه عقد صدر من أهله في محله مع الشرائط فيصح، و الأصل عدم اشتراط شرط آخر، و عدم اشتراط التعدد و عدم مانعية كونه من شخص واحد و للاتفاق على الجواز في الأب و الجد، و هو صريح في عدم مانعية الوحدة، و عدم اشتراط التعدد.
و أنت خبير بما في هذه الأدلة، من إمكان تعدد المناقشة، فإن للخصم ان يتمسك بأن الأصل عصمة مال الغير حتى يثبت الناقل له شرعا، و عصمة الفرج حتى يثبت المبيح. و المعهود الذي جرى عليهم الأئمة- (عليهم السلام)- و أصحابهم، و جملة السلف و الخلف، في العقود الناقلة في بيع كان و نحوه أو نكاح، انما هو تعدد المتولي للإيجاب و القبول، و ما ذكر هنا من جواز تولى الواحد انما وقع فرضا في المسألة و لم ينقل وقوعه في عصر من الأعصار. و بذلك يظهر لك الجواب عن الاستدلال بإطلاق الآيات المتقدمة، حيث انهم قرروا في غير مقام ان الإطلاق في الاخبار انما ينصرف الى الافراد المتكررة الشائعة، دون الفروض النادرة التي ربما لا توجد، و الأمر فيما نحن فيه كذلك. فالواجب حملها على ما هو المعهود المعلوم الذي جرى عليه التكليف في هذه المدة المتطاولة، و هو وقوع العقد من موجب و قابل، و يخرج موثقة عمار المتقدمة (1) شاهدا على ما ذكرنا، فان ظاهرها: ان وجه المنع مع اذنها و رضاها انما هو من حيث لزوم تولى طرفي العقد و كونه موجبا قابلا، و ما استندوا اليه من الاتفاق على ذلك في الأب و الجد، ففيه- مع الإغماض عن تطرق المناقشة إليه أيضا بعدم الدليل و عدم الاعتماد في الأحكام على مثل هذا الإجماع ان تم و ما عداه محل الخلاف في المقام كما عرفت، و قولهم انه عقد صدر من أهله في محله:- انها مصادرة محضة، فإن الخصم لا يسلم ذلك، بل هو محل النزاع و البحث،
____________
(1) مرت في الصفحة: 417.
421
كما عرفت.
و بالجملة فالمسألة محل اشكال.
(السادس) [في جواز تقديم الوصي مال الطفل على نفسه]:
المشهور بين الأصحاب: انه يجوز للوصي أن يقوم على نفسه و يقترض إذا كان مليا، و كثير منهم لم ينقل خلافا في المقام، فيشترط بعضهم مع ملائته الرهن عليه حذرا من إفلاسه و زيادة ديونه فيحفظ بالرهن مال الطفل. قال في مسالك و هو حسن.
و كذا يعتبر الاشهاد حفظا للحق، و انما يصح له التقويم مع كون البيع مصلحة للطفل، إذ لا يصح بيع ماله بدونها، مطلقا. قالوا: و اما الاقتراض فيشترط عدم الإضرار بالطفل و ان لم تكن المصلحة موجودة. و منع ابن إدريس من الاقتراض من مال الطفل مطلقا.
و جملة من الاخبار تدل على الجواز. و قد تقدم الكلام في ذلك منقحا في المسألة السابعة من مسائل المقدمة الرابعة (1). و لا دلالة في شيء من تلك الاخبار على ما قدمنا نقله عنهم من اشتراط الرهن، و غاية ما تدل عليه: اشتراط الملائة، كما هو متفق عليه.
و بها فسر قوله سبحانه «وَ لٰا تَقْرَبُوا مٰالَ الْيَتِيمِ إِلّٰا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (2).
فقيل: ان المراد بالتي هي أحسن: ان يكون للمتصرف مال بقدر مال الطفل زائدا على المستثنيات في الدين، و عن قوت يوم و ليلة له و لعياله الواجبي النفقة.
و فسره بعض المتأخرين بكون المتصرف بحيث يقدر على أداء المال المأخوذ
____________
(1) تقدمت في ص 322.
(2) سورة الانعام: 152.
422
من ماله إذا تلف بحسب حاله.
أقول: لم أقف في الاخبار على مستند لشيء من هذين التفسيرين، و حينئذ فيكون من قبيل التفسير بالرأي المنهي عنه في الاخبار، و ظاهر الآية: ان يختار ما هو الأحسن لليتيم، من حفظ ماله و إصلاحه و تنميته و نحو ذلك من المصالح، و فيها إشارة الى ما صرح به الأصحاب من اشتراط المصلحة و الغبطة لليتيم في التصرف في ماله.
و بالجملة فإن الاستناد الى الآية فيما ذكروه بعيد عن ظاهر لفظها.
نعم قد دلت جملة من الاخبار المتقدمة في المسألة المشار إليها على المنع من التصرف الا ان يكون مليا، مثل قوله (عليه السلام) في رواية
أسباط بن سالم «ان كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم ان تلف فلا بأس به، و ان لم يكن له مال فلا يعرض لمال اليتيم» (1).
و نحوه في روايته الأخرى (2). و نحوهما غيرهما ايضا. و الجميع خال من اشتراط الرهن.
و كيف كان فإنه أحوط، لكن لا على جهة الاشتراط في صحة القرض، إذ لم يقم عليه دليل كما عرفت و الله العالم.
المسألة السادسة [في عدم امتلاك الكافر للعبد المسلم و تفسير نفي السبيل]
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه يجب ان يكون المشترى مسلما إذا ابتاع عبدا مسلما.
____________
(1) تقدمت في ص 328.
(2) تقدمت في ص 328.
423
قال في المسالك- بعد قول المصنف ذلك-: يمكن ان يريد بالمسلم من حكم بإسلامه ظاهرا لان ذلك هو المتبادر من لفظ المسلم، و إجراء أحكامه عليه، فيدخل فيه فرق المسلمين المحكوم بكفرهم، كالخوارج و النواصب، و يمكن ان يكون يريد به المسلم حقيقة نظرا الى ان غيره إذا حكم بكفره دخل في دليل المنع الدال على انتفاء السبيل للكافر على المسلم، و هذا هو الاولى، لكن لم أقف على مصرح به، و في حكم العبد المسلم المصحف و أبعاضه دون كتب الحديث النبوية، و تردد في التذكرة فيها. انتهى.
أقول: فيه- أولا- ان قوله «لان ذلك هو المتبادر من لفظ المسلم» ان أراد بحسب عرف الناس فيمكن، و لكن لا يجدى نفعا، و ان أراد في الاخبار التي عليها المدار في الإيراد و الإصدار، فهو ممنوع أشد المنع. لان منها الأخبار الكثيرة المستفيضة بأنه بني الإسلام على خمسة و عد منها الولاية، و انه لم يناد بشيء كما نودي بالولاية، و هي أعظمهن و اشرفهن. (1) و من الاخبار المستفيضة المتكاثرة الواردة في بيان الفرق بين الايمان و الإسلام، بأن الإسلام ما يحقن به الدم و المال و يجرى عليه النكاح و المواريث و الطهارة.
و منها قوله (عليه السلام) في
حسنة الفضيل بن اليسار «و الإسلام ما عليه المناكح و المواريث و حقن الدماء» (2) الحديث.
و قوله (عليه السلام) في
صحيحة حمران «و الإسلام ما ظهر من قول و فعل، و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، و به حقنت الدماء، و عليه جرت المواريث، و جاز النكاح» الحديث (3).
الى غير ذلك من الأحاديث التي وردت بهذا المضمون، و لا
____________
(1) الوسائل ج 1 ص 10 حديث: 10. و الكافي ج 2 ص 21.
(2) الكافي ج 2 ص 26 حديث: 3.
(3) الكافي ج 2 ص 26 حديث: 5.
424
ريب انه من المتفق عليه بينهم: عدم جواز إجراء شيء من هذه الأحكام على من ذكره من الخوارج و النواصب، فكيف يدعى انه المتبادر من لفظ المسلم، و إجراء أحكامه عليه، و أي أحكام يريد؟ و هذه أحكام الإسلام المترتبة عليه في الاخبار، و الاخبار مستفيضة بكفر هؤلاء، مصرحة به، بأوضح تصريح، و لا سيما النواصب، و إطلاق الإسلام عليهم انما وقع في كلام الأصحاب، مع تعبيرهم بمنتحلي الإسلام، بمعنى انه لفظي محض، لاحظ لهم في شيء مما يترتب عليه من الأحكام التي ذكرناها فكيف يدخلون تحت تبادر هذا اللفظ و الحال كما عرفت.
و ثانيا: ان المستفاد من كلامه هنا و كلام غيره ايضا: ان المستند في أصل هذه المسألة انما هو الآية الكريمة، أعني قوله عز و جل «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (1) و أنت خبير بما فيه، فإنه لو أريد بالسبيل هنا ما يدعونه من سلطنة الكافر على المسلم بالملك و الدخول تحت طاعته و وجوب الانقياد لأمره و نهيه، لا تنقض ذلك- أولا- بما أوجبه الله تعالى على أئمة العدل من الانقياد إلى أئمة الجور، و الصبر على ما ينزل بهم من ائمة الجور، و عدم الدعاء عليهم، كما ورد في تفسير قوله عز و جل «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لٰا يَرْجُونَ أَيّٰامَ اللّٰهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ». (2)
و- ثانيا- بما أوقعوه بالأنبياء و الأئمة- (عليهم السلام)- من القتل فضلا عن غيره من أنواع الأذى، و اى سبيل أعظم من هذا السبيل.
و- ثالثا- بما رواه
الصدوق في العيون (3) من انه قيل له: ان في سواد الكوفة قوما يزعمون ان النبي (صلى الله عليه و آله) لم يقع عليه السهو، فقال: كذبوا- لعنهم الله- ان الذي لا يسهو هو الله، لا إله الا هو.
____________
(1) سورة النساء: 141.
(2) سورة الجاثية: 14.
(3) عيون اخبار الرضا- ع- ج 2 ص 203.
425
قيل: و منهم قوم يزعمون ان الحسين بن على لم يقتل و انه القى اليه شبهة على حنظلة بن أسعد الشامي، فإنه رفع الى السماء كما رفع عيسى بن مريم (عليه السلام)، و يحتجون بهذه الآية «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا».
فقال: كذبوا- عليهم غضب الله و لعنته- و كفروا بتكذيبهم النبي (صلى الله عليه و آله) في اخباره بأن الحسين- (عليه السلام)- سيقتل، و الله لقد قتل الحسين و قتل من كان خيرا من الحسين (عليه السلام) أمير المؤمنين و الحسن بن على و ما منا الا مقتول، و انى و الله لمقتول بالسم باغتيال من يغتالني، اعرف ذلك بعهد معهود الى من رسول الله (صلى الله عليه و آله) أخبره به جبرئيل عن رب العالمين عز و جل.
و اما قوله تعالى «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» فإنه يقول: لن يجعل الله للكافر على مؤمن حجة. و لقد أخبر الله عن كفار قتلوا نبيين بغير حق، و مع قتلهم إياهم لم يجعل لهم على أنبيائه- (عليهم السلام)- من طريق الحجة.
أقول: و الخبر- كما ترى- صريح في تفسير السبيل المنفي في الآية بالحجة و الدليل، فتعلق أصحابنا بظاهر هذه الآية في مواضع من الأحكام، بناء على المعنى الذي نقلناه عنهم، مع ظهور انتقاضه بما قدمنا ذكره، و ورود هذا الخبر، مما لا ينبغي ان يصغى اليه، و العذر لهم ظاهر في عدم الوقوف على الخبر المذكور.
و هذا مما يؤيد ما صرحنا به في مواضع من أبواب العبادات من هذا الكتاب، انه لا ينبغي المسارعة إلى الاستدلال بظواهر الآيات قبل مراجعة الأخبار الواردة في تفسيرها عن أهل العصمة- (عليهم السلام)- و بالجملة فإني لا اعرف لهم دليلا في هذا المقام سوى ما عرفت مما لا يروي غليلا و لا يشفي عليلا.
نعم يمكن ان يستدل على ذلك بمفهوم رواية
حماد بن عيسى عن الصادق (عليه السلام) ان أمير المؤمنين- (عليه السلام)- اتى بعبد ذمي قد أسلم، فقال: اذهبوا فبيعوه من
426
المسلمين و ادفعوا ثمنه لصاحبه، و لا تقروه عنده (1).
رواه الكليني و الشيخ في التهذيب و النهاية.
و التقريب فيه: انه ليس للأمر ببيعه قهرا سبب و لا علة إلا رفع السلطنة و السبيل عنه، و عدم جواز تملكه، و حينئذ فيمتنع شراؤه و يحرم تملكه، لما فيه من وجود السلطنة و السبيل على المسلم. و الله العالم.
فروع
الأول [جواز امتلاكه إذا كان ينعتق عليه]:
قد صرحوا- بناء على ما قدمنا ذكره من تحريم شراء الكافر للمسلم- باستثناء ما لو كان العبد المسلم ممن ينعتق عليه بعد الشراء كالأب و نحوه، فإنه يجوز شراؤه لأنه ينعتق عليه قهرا بعد الدخول في ملكه.
و هو اختيار العلامة في المختلف، و نقله عن والده.
و نقل عن المبسوط و ابن البراج عدم الجواز و عدم ترتب العتق عليه.
و المشهور الأول، قالوا: و في حكمه كل شراء يستعقب العتق، كما لو أقر بحرية عبد غيره ثم اشتراه فإنه ينعتق عليه بمجرد الشراء.
و صرحوا- أيضا- بأنه انما يمتنع دخول العبد المسلم في ملك الكافر اختيارا كالشراء و الاستيهاب اما غيره كالإرث و إسلام عبده الكافر، فإنه يجبر على بيعه بثمن المثل على الفور، ان وجد راغب و الا حيل بينهما الى ان يوجد الراغب، و نفقته زمن المهلة عليه و كسبه اليه. و في حديث حماد بن عيسى المتقدم (2) ما يشير الى ذلك.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 282 حديث: 1 باب 28.
(2) نفس المصدر.
427
الثاني [استيجار الكافر للمسلم]:
قد صرح جملة من الأصحاب- رضى الله عنهم- بأنه لا يجوز للكافر استيجار المسلم، و عللوه بحصول السبيل المنفي في الآية المتقدمة، و فصل آخرون بأنه ان كانت الإجارة لعمل في الذمة فإنه يجوز و تكون حينئذ كالدين الذي في ذمته لو استدان منه دراهم مثلا، و نفى السبيل في هذه الصورة كما في صورة الدين، و ان كانت على العين، حرمت للعلة المتقدمة، و هو وجود السبيل المنفي في الآية.
و اختار هذا التفصيل جملة من المتأخرين، كالمحقق الشيخ على في شرح القواعد، و الشهيد الثاني في المسالك. و ممن صرح بالأول الشهيد في الدروس، و هو ظاهر العلامة في القواعد.
و أنت خبير بما في الجميع- بعد ما عرفت- و يؤيده جملة من الاخبار بأن عليا (عليه السلام) كان يؤجر نفسه من اليهود يسقى لهم النخل. و كفاك ما ورد من الاخبار في قصة نزول سورة هل أتى الدالة على غزل فاطمة- (عليها السلام)- الصوف لليهود بأصواع من الشعير (1).
الثالث [رهن العبد المسلم عند الكافر]:
قد صرح جملة من الأصحاب بأنه يجوز رهن العبد المسلم عند الكافر ان وضع على يد مسلم، و ان وضع عند الكافر حرم.
و عللوا الأول بأن استحقاق أخذ الدين من قيمته لا يعد سبيلا. و عللوا الثاني بوجود السبيل متى وضع عنده.
و في عاريته قولان، قال في المسالك: أجودهما المنع. قال: و في إيداعه وجهان أجودهما الصحة، لأنه فيها خادم لا ذو سبيل.
و أنت خبير بما في هذه التفريعات، بعد ما عرفته في الأصل، من عدم ثبوته و عدم قراره، فكيف يتم ما يبنى عليه.
الرابع [إجبار الكافر على بيع العبد المسلم و المصحف]:
مقتضى شرطية الإسلام في المشتري- متى كان المبيع مسلما أو مصحفا
____________
(1) راجع: إما لي الصدوق ص 155 فما بعد.
428
- هو بطلان البيع لو لم يكن كذلك و قيل بصحة البيع و لكن يجبر على بيعه و يؤمر بإزالة ملكه للاية المتقدمة بالنسبة إلى المسلم، و لما في ملك الكافر للقرآن من الإهانة و منافاة التعظيم المأمور به.
قيل: و في حكم المسلم ولده الصغير و المجنون و مسبيه المنفرد به، ان ألحقناه به فيه، و لقيط يحكم بإسلامه ظاهرا، بان يكون في دار الإسلام أو في دار الحرب و فيها مسلم يمكن تولده منه.
429
المقام الثالث [في العوضين]
قد عرفت ان أحد أركان البيع العوضان. و الكلام في ذلك و تحقيق البحث فيه يقتضي بسطه في مسائل:-
[المسألة] الأولى [اشتراط كونهما عينا]:
المشهور بين الأصحاب انه يشترط في العوضين: ان يكونا عينا، فلا يصح بيع المنفعة، خلافا للشيخ في المبسوط، حيث جوز بيع خدمة العبد على ما نقل عنه، و هو شاذ لا اعلم عليه دليلا.
و ان يكونا ذوي نفع محلل مقصود لأرباب العقول، فلا يصح بيع مالا منفعة تترتب عليه من الأعيان النجسة و المتنجسة مما لا يقبل التطهير، و قد تقدم البحث في جملة من هذه الأشياء، كالعذرات و الأبوال و السباع و الميتة و الكلاب و آلات اللهو و هياكل العبادة و نحو ذلك. و الاخبار المتعلقة بها، و تحقيق القول فيها، في المقدمة الثالثة من مقدمات هذا الكتاب.
و ملخص الكلام فيها: ان كل ما كان له نفع محلل مقصود للعقلاء فإنه يجوز بيعه و التجارة فيه، الا ما قام الدليل على خلافه.
قالوا: لا يصح بيع ما لا منفعة فيه من الخنافس و العقارب و نحوهما، و فضلات الإنسان كشعره و أظفاره و رطوباته، لعدم عد شيء من ذلك مالا عرفا و شرعا، و عدم
430
المنفعة المقابلة للمال الذي يجعل قيمة لها، و لا اعتبار بما ورد في الخواص من منافع بعض هذه الأشياء، فإنه مع ذلك لا يعد مالا.
نعم صرحوا باستثناء اللبن من فضلات الإنسان، حيث انه طاهر ينتفع به، فيجوز بيعه و أخذ الأجرة عليه، مقدرا بالقدر المعين أو المدة المعلومة، كما في إجارة الظئر. خلافا لبعض العامة.
و قد عدوا من هذا الباب ما لم تجر العادة بملكه، كحبة حنطة، و ان يجز غصبها من مالكها، فيضمن المثل ان تلفت، و ردها ان بقيت. كذا صرح به في الدروس.
و ظاهر المحقق الأردبيلي- في شرح الإرشاد- المناقشة في هذا المقام، حيث قال- بعد قول المصنف «و لا ما لا ينتفع به لقلته كالحبة من الحنطة»- ما صورته:
كأنه أشار الى ان المراد بالملك الذي يحصل به النفع، فهو عطف على الحر، فلا يصح و لا يجوز المعاملة بما لا ينتفع به لقلته، و ان كان ملكا كحبة من الحنطة، و لهذا لا يجوز أخذه من غير اذن صاحبه، و ان لم يجب الرد و العوض، بناء على ما قيل، و لعل دليله يظهر مما مر، من ان بذل المال في مقابلة مثله سفه عقلا و شرعا، فلا يجوز و انه ليس معاملة مثله متعارفا، و المتعاملة المجوزة تصرف إليها.
و فيه تأمل، لأنه قد ينتفع به و ذلك يكفى، و لهذا قيل: لا يجوز سرقة حبة من الحنطة، و ينبغي الضمان و الرد ايضا، كما في سائر المعاملات.
و ان قيل بعدمها و مجرد كونه ليس بمتعارف لا يوجب المنع، نعم لا بد من بذل مالا يزيد عليه لئلا يكون سفها و تبذيرا كما في سائر المعاملات، فإنه قد يشتري حبة حبة و يجتمع عنده ما يحصل فيه نفع كثير، و قد يحصل النفع بالانضمام الى غيره ايضا.
و بالجملة مالا نفع فيه أصلا و بوجه من الوجوه لا يجوز معاملتها للسرف، و اما ماله نفع في الجملة كالحبة ليس بظاهر عدم جواز المعاملة بأمثالها. انتهى.
و هو بناء على ظاهره جيد، الا ان الظاهر ان بناء كلام الأصحاب هنا في الحكم
431
بكون الحبة من الحنطة لا يجوز المعاملة عليها لعدم الانتفاع بها، انما جرى على الغالب، لا على هذا الفرض النادر الذي ذكره، و الأحكام الشرعية- كما تقدم في غير مقام، و لا سيما في كتب العبادات- انما يبنى الإطلاق فيها على الافراد المتكررة الوقوع المتعارفة الدوران لا على الفروض النادرة التي ربما لا تقع بالكلية، و ان جاز فرضها، و ان ما ذكره من الفرض المذكور معارض بما هو معلوم قطعا من أحوال الناس، فإنه قد ينتشر من الإنسان الحنطة و الأرز و نحوهما فيجمع منه ما يعتد به و ينتفع به و يبقى في الأرض منه حبات كثيرة و يعرض عنها و يتركها لعدم ما يترتب عليها من النفع لقلتها بل لو تعرض لجمع تلك الحبات و لقطها من الأرض لنسب إلى الجهالة و الحماقة و قلة العقل، لما ارتسم في قلوب العقلاء إن الأليق بذوي المروات هو الاعراض عن مثل ذلك، و ان خلافه عيب عندهم، و هذا أمر معلوم مجزوم به عادة.
المسألة الثانية [اشتراط كونهما مملوكين]
من الشرائط: ان يكون العوضان مملوكين لمن له البيع و الشراء، و هو ظاهر عقلا و نقلا، إذ لا معنى لبيعه ما ليس له، و لا الشراء بما ليس له، بان يتوجه العقد الى تلك الأعيان.
و انما قيدناه بما ذكرنا، احترازا عما لو وقع البيع و الشراء في الذمة، و دفع ذلك عوضا عما في الذمة، فإن البيع و الشراء صحيح، حيث انه لم يقع على تلك العين غير المملوكة و لا بها، و انما وقع على شيء في الذمة، فغاية ما يلزم هو حصول الإثم بدفع المال غير المملوك ثمنا أو مثمنا، و الا فالبيع صحيح كما هو ظاهر، الا ان الشيخ قال في النهاية:
من غصب غيره مالا و اشترى به جارية، كان الفرج له حلالا و عليه و زر المال، و لا يجوز ان يحج به فان حج به لم يجزه عن حجة الإسلام. انتهى.
432
و هو على إطلاقه- مشكل. و لهذا اعترضه ابن إدريس هنا، فقال: ان كان الشراء بالعين بطل و لم يجز الوطي، و ان كان قد وقع في الذمة صح البيع و حل الوطي.
أقول: ما ذكره ابن إدريس هو المشهور في كلام المتأخرين، و به صرح الشيخ في أجوبة المسائل الحائرية.
و الوجه في ذلك- زيادة على ما ذكرنا-: أولا، الجمع بين ما رواه
في الكافي عن محمد بن يحيى، قال: كتب محمد بن الحسن الى ابى محمد- (عليه السلام) رجل اشترى من رجل ضيعة أو خادما بمال أخذه من قطع الطريق أو من سرقة. هل يحل له ما يدخل عليه من ثمرة هذه الضيعة، أو يحل له ان يطأ هذا الفرج الذي اشتراه من سرقة أو من قطع الطريق؟ فوقع (عليه السلام): لا خير في شيء أصله حرام، و لا يحل له استعماله (1).
و رواه الشيخ- ايضا- بسنده الى الصفار.
و بين ما رواه
الشيخ عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: لو ان رجلا سرق الف درهم فاشترى بها جارية، أو أصدقها امرأة، فإن الفرج له حلال، و عليه تبعة المال (2).
بحمل الأول على الشراء بعين المال، و الثاني على الشراء في الذمة.
و بالجملة فإنه لا خلاف و لا إشكال في شرطية الملك، فلا يجوز بيع الحر اتفاقا، و لا بيع ما اشترك فيه المسلمون، كالماء و الكلاء، إذا كانا في أرض مباحة. كذا وقع في عبائر جمع من الأصحاب.
و اعترض بأنه يدل على ملكية المسلمين له على جهة الشركة، كالأرض المفتوحة عنوة، مع انه ليس كذلك، انما هما قابلان لملك كل انسان بعد الحيازة.
و فيه: ان الظاهر ان التعبير هنا خرج مخرج التجوز، و ان المراد انما هو ما اشترك
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 58 حديث: 1 باب: 3 من أبواب ما يكتسب به.
(2) الوسائل ج 14 ص 578 حديث: 1 باب: 81 من أبواب نكاح العبيد و الإماء.
433
المسلمون في جواز حيازته الموجبة للملك بعد ذلك، و انما قيد بكونه في أرض مباحة، لأنه إذا كان في أرض مملوكة كان تابعا للأرض في الملك، فيصح بيعه و شراؤه، و يحرم على غير المالك أخذه بغير اذن منه، فعلى هذا لو باع الأرض لم يدخل فيها الماء و الكلاء الا ان ينص عليهما في البيع، أو يذكر لفظا يعمهما.
و قد صرحوا هنا بأنه لا يجوز بيع الأرض المفتوحة عنوة، لأنها للمسلمين قاطبة، و قيل بالجواز تبعا لآثار التصرف. و قد تقدم البحث في هذه المسألة منقحا في المسألة السادسة من المقدمة الرابعة، و ينافيها ما هو المختار، الظاهر عندنا من الاخبار.
و منع الشيخ من بيع بيوت مكة و إجارتها، و منع المسلمين من سكناها إذا كانت خالية، محتجا بالخبر و آية الإسراء من المسجد الحرام، مع انه كان من دار أم هاني.
و نقل في الخلاف الإجماع على ذلك و جملة ممن تأخر عنه تبعه في هذه الدعوى، و بعض تردد لذلك.
و الظاهر ان المشهور قالوا بالجواز. و لله در شيخنا الشهيد الثاني في الروضة، حيث قال: و ربما علل المنع بالرواية عن النبي (صلى الله عليه و آله) بالنهي عنه، و بكونها في حكم المسجد لاية الإسراء، مع انه كان من بيت أم هاني، و لكن الخبر لم يثبت، و حقيقة المسجدية منتفية، و مجاز المجاورة و الشرف و الحرمة ممكن، و الإجماع غير متحقق، فالجواز متجه. انتهى. و هو جيد.
أقول: و قد مر في الموضع المشار اليه آنفا ما يؤيد ما اختاره هنا ايضا.
و الظاهر ان الخبر الذي احتج به الشيخ في هذه المسألة، هو ما نقله عنه في المختلف، و هو ما رواه
عبد الله بن عمرو بن عاص عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: مكة حرام، و حرام أرباعها، و حرام أجر بيوتها (1).
أقول: انظر الى هذا التساهل في الأحكام من كل من هؤلاء الاعلام، في الاعتماد
____________
(1) سنن البيهقي ج 5 ص 34.
434
على هذه الرواية العامية، التي هي من أضعف رواياتهم، حتى ان منهم من وافق الشيخ في المسألة، و منهم من تردد في الحكم، و هذا مستنده، مع تصلبهم في هذا الاصطلاح، برد جملة من الروايات المروية في الأصول التي عليها المدار، بزعم انها ضعيفة أو غير موثقة، لا سيما مثل المحقق و العلامة و نحوهما الذين قد وافقوه في هذه المسألة فبين من تردد في ذلك كالمحقق في الشرائع، حيث قال «و في بيع بيوت مكة تردد، و المروي المنع»، و بين من وافقه و الحال كما ترى.
المسألة الثالثة [اشتراط كون المبيع مقدورا على تسليمه أو الضميمة]
و قد صرحوا بان من الشرائط ان يكون المبيع مقدورا على تسليمه، أو يضم اليه ما يصح بيعه منفردا، فلو باع الحمام الطائر أو غيره من الطيور المملوكة لم يصح الا ان تقضى العادة بعوده فيصح، لانه يكون كالعبد المنفذ في الحوائج و الدابة المرسلة.
و تردد العلامة في النهاية في الصحة بسبب انتفاء القدرة في الحال على التسليم، و ان عوده غير موثوق به، إذ ليس له عقل باعث.
قال في المسالك: و هو احتمال موجه، و ان كان الأول أقوى.
أقول: لم أقف في هذا المقام على نص يقتضي صحة البيع في الصورة المذكورة، فتردد العلامة في محله، و ان كان الأول قريبا، تنزيلا للعادة منزلة الواقع، الا ان الفتوى بذلك بمجرد هذا التعليل مشكل، على قاعدتنا في الفتاوى.
و لو باع المملوك الآبق لم يصح الا على من هو في يده أو مع الضميمة الى ما يصح بيعه منفردا، فان وجده المشترى و قدر على إثبات اليد عليه، و الا كان الثمن بإزاء
435
الضميمة، و نزل الآبق بالنسبة إلى الثمن بمنزلة المعدوم. و لكن لا يخرج بالتعذر عن ملك المشترى، فيصح عتقه عن الكفارة و بيعه على آخر مع الضميمة أيضا.
و الذي وقفت عليه من الاخبار المتعلقة بهذه المسألة، ما رواه
في الكافي في الصحيح عن رفاعة النخاس، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) قلت له: يصلح لي ان اشترى من القوم الجارية الآبقة و أعطيهم الثمن فاطلبها أنا؟ قال: لا يصلح شراؤها الا ان تشترى معها ثوبا أو متاعا، فنقول لهم: اشترى منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا درهما، فان ذلك جائز (1).
و ما رواه
الشيخ عن سماعة في الموثق عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يشترى العبد و هو آبق عن اهله، قال: لا يصلح الا ان يشترى معه شيئا آخر، و يقول: اشترى منك هذا الشيء و عبدك بكذا و كذا، فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه (2).
و رواه الصدوق بإسناده عن سماعة مثله، و رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن احمد بن محمد مثله.
و في الرواية الأولى إشارة إلى كون الضميمة شيئا له قيمة كالثوب و المتاع و نحو ذلك، و ينبغي ان يحمل عليها إطلاق الشيء في الرواية الثانية.
و في الثانية دلالة على ما قدمنا ذكره من أنه مع تعذر المبيع يكون الثمن- و ان كثر- في مقابلة الضميمة- و ان قلت- و فيه، و كذا في أمثاله، من مواضع الضمائم الاتية إنشاء الله تعالى في مواضعها، رد على بعض الفضلاء المعاصرين فيما تفرد به، من ان ذلك غير جائز، لأنه غير مقصود و ان المشترى لا ينقد هذا الثمن الكثير في مثل هذا المبيع اليسير في سائر الأوقات و ما جرت به العادة. و هو اجتهاد في مقابلة النصوص و جرأة على أهل الخصوص.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 262 حديث: 1 باب: 11.
(2) الوسائل ج 12 ص 263 حديث: 2 باب: 11.
436
و في الخبرين المذكورين تأييد لما قدمنا ذكره في المقام الأول من هذا الفصل.
من الاكتفاء في صيغة البيع بالألفاظ الدالة على الرضا كيف اتفقت، فان ما ذكره في الخبرين من قوله «تقول: اشترى» هو عقد البيع و صيغته الجارية بين المتبايعين، و هو ظاهر في عدم وجوب تقديم الإيجاب على القبول كما ادعوه، و لا كونه بلفظ الماضي كما زعموه، و لا وجوب المقارنة كما ذكروه.
تنبيهات
الأول:
لا خيار للمشتري مع العلم بالإباق، لقدومه على النقض و رضاه به.
اما لو جهل الإباق جاز له الفسخ ان قلنا بصحة البيع.
الثاني:
ينبغي ان يعلم انه يشترط في بيعه ما يشترط في غيره من كونه معلوما و موجودا وقت العقد و غير ذلك سوى القدرة على تسليمه. فلو ظهر تلفه حين العقد أو استحقاق الغير له بطل البيع فيما قابله من الثمن. و لو ظهر كونه مخالفا للوصف تخير المشترى.
الثالث:
قال في الدروس عن المرتضى: انه جوز بيع الآبق منفردا لمن يقدر على تحصيله، ثم قال: و هو حسن. و اختار ذلك أيضا في اللمعة، و اليه جنح جمع من المتأخرين، منهم العلامة و المحقق الشيخ على في شرح القواعد. و لا يخلو عن قوة، لحصول الشرط و هو القدرة على تسليمه.
و وجه الاشتراط: صدق الإباق معه، الموجب للضميمة بالنص، و كون الشرط التسليم و هو أمر آخر غير التسليم. و يضعف بأن الغاية المقصودة من التسليم حصوله بيد المشترى بغير مانع و هي موجودة، و الموجب للضميمة العجز عن تحصيله و هي مفقودة، فلا مانع من الصحة. و الخبران المتقدمان محمولان على عدم قدرة المشترى
437
وقت العقد، و في الثاني منهما ما يشير الى ذلك، من قوله «فان لم يقدر على العبد كان الذي نقده فيما اشترى معه» فإنه ظاهر في كون البيع وقع في حالة لا يتحقق فيها قدرة المشترى على تحصيله، بل هي تحتمل للأمرين، و به يظهر قوة القول المذكور.
الرابع:
قد صرح جملة من الأصحاب، منهم صاحب التذكرة و الروضة و غيرهما، بأنه لا يلحق بالآبق في هذا الحكم ما في معناه، كالبعير الشارد، و الفرس الغائر، و الضالة من البقر و الغنم و نحوهما، بل المملوك المتعذر تسليمه بغير الإباق، كالجحود مثلا، فان الظاهر جواز بيعها من غير ضميمة شيء، للأصل و عموم أدلة العقود، و حصول الرضا، و اقتصارا فيما خالف الأصل على موضع النص، و حينئذ فيصح البيع و يراعى بإمكان التسليم، فان أمكن في وقت قريب لا يفوت به شيء من المنافع يعتد به، أو رضى المشترى بالصبر الى ان يسلم، لزم العقد. و ان تعذر فسخ المشترى ان شاء، و ان شاء التزم بالعقد و بقي على ملكه، فينتفع بالعبد بالعتق و نحوه.
الخامس:
قيل: و كما يجوز جعل الآبق مثمنا يجوز جعله ثمنا، سواء كان في مقابله آبق آخر أم غيره، لحصول معنى البيع في الثمن و المثمن، و في احتياج جعل العبد الآبق المجعول ثمنا إلى الضميمة احتمال، لصدق الإباق المقتضي لها، و لعله الأقرب لاشتراكهما في العلة المقتضية لها.
و حينئذ يجوز ان يكون أحدهما ثمنا و الأخر مثمنا مع الضميمتين، كذا قيل.
و للتوقف فيه مجال، فان الحكم وقع خلاف الأصل كما اعترفوا به، فالواجب الاقتصار فيه على مورد النص المتقدم، و مورده انما هو المثمن لا الثمن.
السادس:
ان الآبق يخالف غيره من المبيعات في أشياء:
منها: اشتراط الضميمة في صحة بيعه.
438
و منها: انه ليس له قسط من الثمن.
و منها: ان تلفه قبل القبض من المشترى.
و منها: انه لا تخيير للمشتري مع فقده، و كل ما شرط أو ذكر في العقد يتخير المشترى مع فواته.
السابع:
لو وجد المشترى في الآبق عيبا سابقا، اما بعد القدرة عليه أو قبلها كان له الرجوع بأرشه، بأن يقوم العبد صحيحا مع الضميمة بعشرة مثلا، و يقومان معيبا بتسعة، فالأرش هو العشر، يرجع به المشترى من القيمة التي وقع عليها العقد، و هكذا لو ظهر العيب في الضميمة و كان سابقا على البيع، فان الحكم فيه كذلك.
الثامن:
لا يكفي في الضميمة، إلى الثمن أو المثمن، ضم آبق آخر، لان الغرض من الضميمة أن تكون ثمنا أو مثمنا إذا تعذر تحصيل ما ضمت اليه، فلا بد ان تكون جامعة لشرائطه التي من جملتها إمكان التسليم، و الآبق المجعول ضميمة ليس كذلك.
المسألة الرابعة [اشتراط كون المبيع طلقا و عدم جواز بيع الوقف]
قد صرحوا بأن من الشرائط: ان يكون المبيع طلقا فلا يصح بيع الوقف العام مطلقا. بضميمة كان أو بغير ضميمة.
و المشهور: استثناء موضع خاص، الا انهم قد اختلفوا في شروطه اختلافا شديدا فاحشا، حتى من الواحد في الكتاب الواحد في باب البيع و باب الوقف، فقلما يتفق فتوى واحد منهم. فضلا عن المتعددين، و ان أردت الاطلاع على صحة ما قلناه فارجع الى شرح الشهيد على الإرشاد، فإنه قد بلغ الغاية في ذلك، في بيان المراد
439
بنقل جملة من فتاويهم، و بين الاختلاف فيها باعتبار الشروط المجوزة للبيع.
و نحن ننقل لك ذلك في هذا المقام، إزاحة لثقل المراجعة عمن اراده من الاعلام، و تقريبا لمسافة وصوله إلى الأفهام، فنقول:
قال في الكتاب المذكور: قال الصدوق بجواز بيع «الوقف على قوم دون عقبهم» و منع من بيع «الوقف المؤبد». و قال المفيد: انه يجوز بيع الوقف إذا خرب و لم يوجد له عامر، أو يكون غير مجد نفعا، أو اضطر الموقوف عليه الى ثمنه، أو كان بيعه أعود عليه، أو يحدث ما يمنع الشرع من معونتهم و التقرب الى الله بصلتهم. قال:
فهذه خمسة مجوزة للبيع، ليس بعضها مشروطا ببعض.
و قال الشيخ في المبسوط، بجوازه إذا خيف خرابه أو خيف خلف بين أربابه، فجوزه في أحد الأمرين. و في الخلاف ظاهر كلامه جوازه عند خرابه بحيث لا يرجى عوده. فقد خالف عبارة المبسوط في شيئين: أحدهما: انه ذكر هناك خوف الخراب، و هنا تحققه. و ثانيهما: انه لم يذكر الخلف بين أربابه في الخلاف. و قال في النهاية:
لا يباع الا عند خوف هلاكه أو فساده، أو كان بالموقوف عليهم حاجة ضرورية يكون بيعه أصلح، أو يخاف خلف يؤدى الى فساد بينهم. فهذه أربعة بعضها غير مشروط ببعض. و مخالفتها لعبارتي الكتابين ظاهرة. و تبعه صاحب الجامع، الا انه لم يذكر هلاكه أو فساده، بل قال- عند خرابه- و قيد الفساد بينهم بأن تستباح فيه الأنفس.
و قال المرتضى: يجوز إذا كان لخرابه بحيث لا يجدى نفعا، أو تدعو الموقوف عليهم ضرورة شديدة، فقد وافق المفيد خمسي الموافقة.
و قال ابن البراج و أبو الصلاح: لا يجوز بيع المؤبد، و اما المنقطع فيجوز بقيود النهاية، و تجويز بيع المنقطع أشد اشكالا من الكل.
440
و قال سلار: فان تغير الحال في الوقف حتى لا ينتفع به على اى وجه كان، أو يلحق الموقوف عليه حاجة شديدة، جاز بيعه.
و ابن حمزة في كتابيه جوزه عند الخوف من خرابه أو الحاجة الشديدة التي لا يمكنه معها القيام به.
و الشيخ نجم الدين- في التجارة من الشرائع- جواز إذا أدى بقاؤه إلى خرابه لخلف بين أربابه، و يكون البيع أعود. و في كتاب الوقف جوز بيعه إذا خشي خرابه لخلف بين أربابه، و لم يقيد بكون البيع أعود. ثم استشكل فيما لم يقع خلف و لا خشي خرابه، بل كان البيع أعود، و اختار المنع.
ففي ظاهر كلامه الأخير رجوع عن الأول، و في تقييده بقوله «إذا لم يقع خلف و لا خشي خرابه» افهام جواز بيعه عند أحدهما أيا ما كان، و هو مخالف لما ذكر في الموضعين. و عبارته في هذه المواضع الثلاثة اختارها المصنف في القواعد في هذه المواضع ايضا، فيلزمه ما لزمه، و في النافع أطلق المنع من البيع، الا ان يقع خلف يؤدى الى فساد، فإنه تردد فيه.
و قال المصنف في متاجر التحرير: يجوز بيعه إذا أدى بقاؤه إلى خرابه، و كذا إذا خشي وقوع فتنة بين أربابه على خلاف. و في مقصد الوقف منه: لو وقع خلف بين أرباب الوقف بحيث يخشى خرابه جاز بيعه على ما رواه أصحابنا. ثم قال: و لو قيل بجواز البيع إذا ذهبت منافعه بالكلية، كدار انهدمت و عادت مواتا و لم يتمكن من عمارتها، و يشترى بثمنها وقفا، كان وجها. و في التلخيص جوز عند وقوع الخلف الموجب للخراب، و بدونه لم يجوز. و جوز في القواعد بيع حصير المسجد إذا خلق و خرج عن الانتفاع به فيه، و بيع الجذع غير المنتفع به الا في الإحراق.
هذه عبارات معظم المجوزين.
و ابن الجنيد أطلق المنع، و نص ابن إدريس على إطلاق المنع، و زعم الإجماع
441
على تحريم بيع المؤبد. و المصنف في هذا الموضع من الإرشاد قيد البيع بالخراب و أدائه إلى الخلف بين أربابه، فخالف عبارات الأصحاب في الخراب، و خالف المحقق المقيد بأدائه إلى الخلف بين الأرباب. و في الوقف من هذا الكتاب، و بيع الوقف من الشرائع و القواعد جوز فيه شرط البيع عند ضرورة الخراج و المؤن و شراء غيره بثمنه. و في المختلف جوز بيعه مع خرابه و عدم التمكن من عمارته أو مع خوف فتنة بين أربابه يحصل منها فساد و لا يستدرك مع بقائه. انتهى كلامه.
و منه يعلم ان في المسألة أقوالا:
أحدها: المنع مطلقا. و هو المنقول عن ابن الجنيد و ابن إدريس.
و ثانيها: المنع في المؤبد خاصة. و هو مذهب الصدوق. و اما غيره فيجوز.
و ثالثها: قول الصدوق المذكور الا انهم قيدوا البيع في غير المؤبد بالقيود المذكورة في النهاية، و هو قول ابى الصلاح و ابن البراج.
و رابعها- و هو المشهور-: الجواز مطلقا، بالشروط التي ذكروها على اختلافها كما عرفت.
أقول: و الأصل في هذا الاختلاف اختلاف الافهام فيما رواه
على بن مهزيار في الصحيح، قال: كتبت الى ابى جعفر (عليه السلام) ان فلانا ابتاع ضيعة فوقفها و جعل لك في الوقف الخمس، و يسأل عن رأيك في بيع حصتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما اشتراها به، أو يدعها موقوفة. فكتب (عليه السلام) الى: اعلم فلانا أنى آمره ان يبيع حقي من الضيعة، و إيصال ثمن ذلك الى، و ان ذلك رأيي إنشاء الله. أو يقومها على نفسه ان كان ذلك أوفق له.
قال: و كتبت اليه: ان الرجل ذكر ان بين من وقف عليهم هذه الضيعة اختلافا شديدا، و انه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فان كان ترى ان يبيع هذا الوقف
442
و يدفع الى كل انسان منهم ما كان وقف له من ذلك امرته. فكتب (عليه السلام) بخطه الى:
و أعلمه أن رأيي له، ان كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف ان بيع الوقف أمثل فإنه ربما جاء في الاختلاف ما فيه تلف الأموال و النفوس (1).
قال شيخنا الشهيد في الكتاب المذكور المتقدم ذكره- بعد نقل هذه الرواية- ما صورته: و الذي جوز في غير المؤبد نظر الى صدر الرواية، و الأخر نظر الى عجزها. قلت: لو سلمت المكاتبة فلا دلالة في الصدر، إذ الوقف مشروط بالقبول إذا كان على غير الجهات العامة، و لم ينقل ان الامام قبل الوقف، و انما قبل الجعل و امره ببيعه. و حملها على هذا اولى لموافقته الظاهر و اما العجز فدل على جواز البيع لخوف الفساد بالاختلاف من غير تقييد بخوف خرابه، فيبقى باقي ما ذكروه من القيود غير مدلول عليها منها. انتهى.
و ظاهره هنا: اشتراط جواز البيع لخوف الفساد بالاختلاف خاصة. و في الدروس اكتفى في جواز بيعه بخوف خرابه أو خلف أربابه المؤدي إلى فساده.
و في اللمعة نسب الجواز- بما لو أدى بقاؤه إلى خرابه لخلف أربابه- إلى المشهور، و لم يجزم بشيء. و قد لزمه ما سجل به على غيره من اختلاف الواحد منهم في فتواه في هذه المسألة.
و قال الصدوق- بعد ذكر الخبر المذكور-: هذا وقف كان عليهم دون من بعدهم، و لو كان عليهم و على أولادهم ما تناسلوا و من بعدهم على فقراء المسلمين الى ان يرث الله الأرض و من عليها، لم يجز بيعه أبدا.
أقول: و المعتمد عندي في معنى هذه الرواية ما وقفت عليه في كلام شيخنا المجلسي في حواشيه على بعض كتب الاخبار، حيث قال: و الذي يخطر بالبال انه يمكن حمل هذا الخبر على ما إذا لم يقبضهم الضيعة الموقوفة عليهم و لم يدفع إليهم. و حاصل
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 304- 305 حديث: 5 و 6.
443
السؤال ان الواقف يعلم انه إذا دفعها إليهم يحصل منهم الاختلاف و يشتد، لحصول الاختلاف قبل الدفع بينهم في تلك الضيعة، أو في أمر آخر. أ يدعها موقوفة و يدفعها إليهم أو يرجع عن الوقف، لعدم لزومه بعد، و يدفع إليهم ثمنها. أيهما أفضل؟ فكتب (عليه السلام): البيع أفضل لمكان الاختلاف المؤدي إلى تلف النفوس و الأموال. فظهر ان هذا الخبر ليس بصريح في جواز بيع الوقف، كما فهمه القوم، و اضطروا الى العمل به مع مخالفته لأصولهم. و القرينة: ان أول الخبر محمول عليه كما عرفت، و ان لم ندع أظهرية هذا الاحتمال أو مساواته للآخر، فليس ببعيد، بحيث تأبى عنه الفطرة السليمة في مقام التأويل. و الله الهادي إلى سواء السبيل. انتهى كلامه، علت في الخلد أقدامه.
و ما يشعر به آخر كلامه، ان كان على سبيل التنزل و المجاراة مع القوم فجيد، و الا فإنه لا معنى للخبر غير ما ذكره، فإنه هو الذي ينطبق عليه سياقه. و يؤيده- زيادة على ما ذكره- ان البيع في الخبر انما وقع من الواقف، و هو ظاهر في بقاء الوقف في يده، و المدعى في كلام الأصحاب: ان البيع من الموقوف عليهم، لحصول الاختلاف في الوقف، و الخبر لا صراحة فيه على حصول الاختلاف في الوقف. و يعضده- ايضا- ان هؤلاء الموقوف عليهم من أهل هذه الطبقة لا اختصاص لهم بالوقف، بل نسبتهم إليه كنسبة سائر الطبقات المتأخرة، فهو من قبيل المال المشترك الذي لا يجوز لأحد الشركاء بيعه كلا، و انما يبيع حصته المختصة به، و الموقوف عليه هنا ليس له حصة في العين و انما له الانتفاع بالنماء مدة حياته، ثم ينتقل الى غيره، لان الوقف- كما عرفوه- عبارة عن تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة.
و يؤكده
قوله (عليه السلام) في صحيحة الصفار الاتية إنشاء الله تعالى «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».
و كذا جملة من الاخبار الاتية في المقام إنشاء الله تعالى. و يزيده تأكيدا- ايضا- الأدلة العامة من آية أو رواية، الدالة على المنع من التصرف فيما لا يملكه
444
الإنسان، و يتأكد ذلك بما إذا اشترط الواقف في أصل الوقف بان لا يباع و لا يوهب.
و لو قيل بأنه متى ادى الاختلاف الى ذهابه و انعدامه فالبيع أولى، فإنه مع كونه غير مسموع في مقابلة النصوص، مدفوع بأنه يمكن استدراك ذلك يأن يرجع الأمر إلى ولي الحسبة، فيقيم له ناظرا لإصلاحه و صرفه في مصارفه. و بالجملة فإن الظاهر عندي من الرواية المذكورة انها ليست في شيء مما نحن فيه، فجميع ما أطالوا به من الكلام في المقام نفخ في غير ضرام.
و من الأقوال في المسألة- أيضا- زيادة على الأربعة المتقدمة- خروج الموقوف عن الانتفاع به فيما وقف عليه، كجذع منكسر و حصير خلق و نحوهما. قيل: فلا يبعد للمتولي الخاص بيعه، و مع عدمه فالحاكم أو سائر عدول المؤمنين. و شراء ما ينتفع فيه، لأنه إحسان و تحصيل غرض الواقف مهما أمكن.
و منها- ايضا- جواز البيع إذا حصل للموقوف عليهم حاجة شديدة و ضرورة تامة لا تندفع بعلة الوقف، و تندفع ببيعه. و عليه يدل ظاهر خبر جعفر بن حسان الاتى إنشاء الله.
و الواجب- أولا- نقل ما وصل إلينا من اخبار المسألة ثم الكلام فيها بما رزق الله فهمه منها. فمنها: ما رواه
الصدوق و الشيخ في الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار:
انه كتب بعض أصحابنا الى ابى محمد الحسن (عليه السلام) في الوقف و ما روى فيه عن آبائه- (عليهم السلام)- فوقع: «الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها» (1).
و رواه الكليني عن محمد بن يحيى.
و منها: ما رواه
في الكافي في القوى عن على بن راشد، قال: سألت أبا الحسن
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 295 حديث: 1.
445
(عليه السلام) قلت: جعلت فداك اشتريت أرضا إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلما وفيت المال خبرت ان الأرض وقف. فقال: لا يجوز شراؤ الوقف و لا تدخل الغلة في ملكك، و ادفعها الى من أوقفت عليه. قلت لا اعرف لها ربا. فقال: تصدق بغلتها (1).
و ما رواه
الكليني و الشيخ في الصحيح عن أيوب بن عطية الحذاء، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قسم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الفيء فأصاب عليا ارض فاحتفر فيها عينا فخرج ماء ينبع في السماء كهيأة عنق البعير، فسماها «عين ينبع» فجاء البشير يبشره. فقال (عليه السلام): بشر الوارث، هي صدقة بتا بتلا. في حجيج بيت الله و عابر سبيل الله، لاتباع و لا توهب و لا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا و لا عدلا (2).
و ما رواه
الصدوق في الفقيه عن ربعي بن عبد الله، عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: تصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) بدار له في المدينة في بني زريق، فكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به على بن أبي طالب و هو حي سوى، تصدق بداره التي في بني زريق، لاتباع و لا توهب حتى يرثها الذي يرث السموات و الأرض، و اسكن هذه الصدقة خالاته ما عشن و عاش عقبهن، فإذا انقرضوا فهي لذوي الحاجة من المسلمين (3).
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عجلان ابى صالح، قال: املى على أبو عبد الله (عليه السلام): بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تصدق به فلان بن فلان و هو حي سوى، بداره التي في بنى فلان بحدودها، صدقة لاتباع و لا توهب و لا تورث، حتى يرثها وارث السموات و الأرض، و انه قد اسكن صدقته هذه فلانا و عقبه، فإذا انقرضوا فهي
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 271 حديث: 1 باب: 17.
(2) الوسائل ج 13 ص 303 حديث: 2.
(3) الوسائل ج 14 ص 304 حديث: 4.
446
على ذوي الحاجة من المسلمين (1).
أقول: و هذه الاخبار كلها- و نحوها غيرها- ظاهرة الدلالة واضحة المقالة في تحريم بيع الوقف.
و أجاب عنها شيخنا الشهيد بأنها عامة، و الرواية الأولى خاصة، فيبني العام على الخاص.
و فيه ما عرفت: ان تلك الروايات لا دلالة لها على ما ادعوه منها- كما أوضحناه- و منها ما رواه
المشايخ الثلاثة. في الصحيح، عن جعفر بن حنان، و هو غير موثق (2)- قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل أوقف غلة له على قرابته من أبيه و قرابته من امه، و اوصى لرجل و لعقبه من تلك الغلة ليس بينه و بينه قرابة بثلاثمائة درهم كل سنة، و يقسم الباقي على قرابته من أبيه و قرابته من امه. فقال: جائز للذي اوصى له بذلك. قلت أ رأيت ان لم تخرج من غلة الأرض التي أوقفها إلا خمسمائة درهم.
فقال: أ ليس في وصيته ان يعطى الذي اوصى له من الغلة ثلاثمأة درهم، و يقسم الباقي على قرابته من أبيه و قرابته من امه؟ قلت: نعم. قال: ليس لقرابته ان يأخذوا من الغلة شيئا حتى يوفوا الموصى له ثلاثمأة درهم، ثم لهم ما يبقى بعد ذلك- الى ان قال- قلت: فللورثة من قرابة الميت ان يبيعوا الأرض إذا احتاجوا و لم يكفهم ما يخرج من الغلة؟ قال. نعم إذا كانوا رضوا كلهم، و كان البيع خيرا لهم باعوا (3).
أقول: و بهذه الرواية استدل من قال بجواز بيع الوقف مع الحاجة و الضرورة إذا لم تف الغلة بذلك.
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 303 حديث: 3.
(2) اى لم يوثقوه صريحا و ان كانت تظهر وثاقته من بعض القرائن كما لا يخفى على من راجع ترجمة الرجل.
(3) الوسائل ج 13 ص 306 حديث: 8.
447
و ظاهر شيخنا الشهيد في الكتاب المذكور: القول بها، فإنه بعد ان طعن فيها أولا، قال في آخر البحث: و الأجود العمل بما تضمنه الحديثان السابقان. و أشار بهما إلى صحيحة على بن مهزيار و الى هذه الرواية. و قد عرفت الجواب عن الصحيحة المذكورة. و اما هذه الرواية فهي غير ظاهرة في كون الوقف فيها مؤبدا، فحملها على غير المؤبد- كما هو ظاهرها- طريق الجمع بينها و بين ما ذكرنا من الاخبار الصحيحة الصريحة في تحريم بيع الوقف المؤبد.
و أكثر الأصحاب- ممن قال بالقول المشهور- ردوا هذه الرواية بضعف السند.
ثم ان جملة ممن صرح بجواز البيع- فيما دلت عليه صحيحة على بن مهزيار- أوجب ان يشترى بالقيمة ما يكون عوضه وقفا.
قال في الروضة: و حيث يجوز بيعه يشترى بثمنه ما يكون وقفا على ذلك الوجه ان أمكن، مراعيا للأقرب الى صفته فالأقرب، و المتولي لذلك الناظر ان كان و الا الموقوف عليهم إذا انحصروا، و الا الناظر العام. انتهى.
و أنت خبير بأنه مع قطع النظر عن الرواية التي استندوا إليها في المقام- لما عرفت من النقض و الإبرام و الرجوع الى أقوالهم المتقدمة و ان كانت مختلفة مضطربة- فإنه لا يطرد هذا الحكم كليا على تقدير القول بالجواز، و انما يتم على البعض، و لعله الأقل من تلك الأقوال، و ذلك فان من المجوزين من جعل السبب المجوز في جواز البيع هو شدة احتياج الموقوف عليهم لعدم وفاء الغلة بذلك، و مقتضى ذلك انما هو أكل ثمنه و التصرف فيه بالملك لا بالشراء، و هو ظاهر. و منهم من جعل السبب المجوز خوف خرابه أو خوف الخلف بين أربابه. و على هذا ايضا لا معنى للشراء بثمنه ما يجعل وقفا، لجريان العلتين المذكورتين فيه، لانه كما يخاف على الأول من أحد الأمرين، كذلك يخاف على الثاني بعد البيع و الشراء، إذ العلة واحدة.
448
نعم يمكن ذلك بناء على من يجعل علة الجواز خرابه بالفعل و عدم الانتفاع به بالكلية، مع ما عرفت من انه لا دليل عليه. و بالجملة فإني لا اعرف لهم دليلا على الحكم المذكور، مع ما عرفت في الانطباق على أقوالهم من القصور.
المسألة الخامسة [في بيع أم الولد و موارد جوازها]
لا خلاف بين الأصحاب بل و غيرهم- تفريعا على ما تقدم في سابق هذه المسألة- في عدم جواز بيع أم الولد، مع حياة ولدها و دفع قيمتها أو القدرة على دفعها.
و المراد بها امة حملت في ملك سيدها منه. و يتحقق الاستيلاد بعلوقها به في ملكه، و ان لم تلجه الروح. و التقييد بحياة ولدها- كما ذكرنا و وقع في كثير من عبارات الأصحاب- مبنى على الغالب أو التجوز، لانه قبل ولوج الروح لا يوصف بالحياة.
و الحق بالبيع هنا سائر ما يخرجها عن الملك أيضا كالهبة و الصلح و غيرهما، للاشتراك في العلة، و لانه لو جوز غيره لانتفى فائدة منعه و تحريمه و هي بقاؤها على الملك لتعتق على ولدها.
و قد ذكر الأصحاب جملة من المواضع التي يجوز بيعها فيها:
منها: ما إذا مات ولدها، فإنها تكون كغيرها من الإماء. و هذا مما لا خلاف فيه عندنا.
و يدل عليه جملة من الاخبار الاتية في المقام إنشاء الله تعالى.
و منها: ما إذا كان ثمنها دينا على مولاها. مع إعساره. و المراد بإعساره: ان لا يكون له مال زائدا على المستثنيات في وفاء الدين.
و هل يشترط موت المالك؟ قال في الشرائع: فيه تردد. و قال في المسالك:
449
الأقوى عدم اشتراط موته، لإطلاق النص، ثم قال: و هذان الفردان المستثنيان مورد النص و قد الحق بهما بعض الأصحاب مواضع أخر، انتهى.
و الواجب- أولا- نقل الأخبار المتعلقة بهذا المقام، ثم الكلام فيها بما دلت عليه من الأحكام.
فمنها: ما
في الكافي عن ابى بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات ولدها فقال: ان شاؤا باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، و ان كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه (1).
و عن عمر بن يزيد عن ابى الحسن الأول (عليه السلام) قال: سألته عن أم الولد تباع في الدين؟ قال: نعم في ثمن رقبتها (2).
و عن عمر بن يزيد في الصحيح، قال: قلت للصادق (عليه السلام) كما في الكافي، أو قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) كما في الفقيه: أسألك؟ فقال: سل. قلت: لم باع أمير المؤمنين (عليه السلام) أمهات الأولاد؟ قال في فكاك رقابهن. قلت: و كيف ذلك؟ قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يؤد ثمنها و لم يدع من المال ما يؤدى عنه، أخذ ولدها منها فبيعت و ادى ثمنها. قلت: فبيعهن فيما سوى ذلك من دين؟ قال: لا (3).
و في الكافي عن يونس في أم ولد ليس لها ولد، مات ولدها و مات عنها صاحبها و لم يعتقها، هل يحل لأحد تزويجها؟ قال: لا هي أمة لا يحل لأحد تزوجها الا بعتق من الورثة. فإن كان لها ولد و ليس على الميت دين فهي للولد، و إذا ملكها الولد فقد عتقت بملك ولدها لها، و ان كانت بين شركاء فقد عتقت من نصيب ولدها، و تستسعى في بقية ثمنها (4).
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 52 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 13 ص 51 حديث: 2.
(3) المصدر حديث: 1.
(4) المصدر ج 16 ص 126 حديث: 3.
450
و في التهذيب عن ابى بصير، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات. فقال: ان شاء ان يبيعها باعها و ان مات مولاها و عليه دين قومت على ابنها، فان كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، و ان مات ابنها قبل امه بيعت في الميراث ان شاء الله الورثة (1).
و عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات، قال ان شاء الورثة ان يبيعوها باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، و ان كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه، و ان كان ولدها صغيرا انتظر به حتى يكبر. الحديث السابق (2).
و عن ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال ان شاء ان يبيعها، باعها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها. الحديث.
كما تقدم (3).
أقول: مما يدل على الفرد الأول- أعني جواز البيع مع موت الولد- الرواية الاولى. و ذكر الدين الذي على مولاها انما خرج مخرج التمثيل. و
رواية يونس و رواية أبي بصير الاولى من التهذيب لقوله (عليه السلام) في صدرها «ان شاء ان يبيعها باعها» و في عجزها «فان مات ابنها قبل امه بيعت في ميراث الورثة ان شاء الورثة».
و مثلها الرواية التي بعد هذه الرواية.
و بالجملة فإن الحكم المذكور متفق عليه رواية و فتوى.
اما الفرد الثاني- أعني بيعها مع وجود الولد في أداء قيمتها- فيدل عليه رواية عمر بن يزيد الاولى، و ظاهرها جواز البيع في حال حياة السيد أو بعد موته. و لعل قوله
____________
(1) المصدر ج 13 ص 52 حديث: 4 و 5.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر نفسه.
451
في المسالك فيما قدمنا من كلامه «لإطلاق النص» إشارة الى هذه الرواية.
و به يظهر ان اعتراض المحقق الأردبيلي- في شرح الإرشاد- على شيخنا المذكور في هذا المقام، انما نشأ عن غفلة عن مراجعة الخبر المذكور، حيث قال:
و الظاهر عدم الخلاف إذا كان بعد موت المولى، و يدل عليه رواية أبي بصير عن ابى عبد الله (عليه السلام)، ثم نقل الرواية الثانية من روايات ابى بصير الثلاث الأخيرة المنقولة من التهذيب.
ثم قال: و هذه غير صحيحة، لوجود المجهول مثل القصري و خداش، و لوجود محمد بن عيسى المشترك. على ان في متنها ايضا تأملا، و ما رأيت غيرها. ففي استثناء غير الصورتين، بل في استثناء بيعها مع حياة المولى أيضا تأمل. و ما عرفت وجه تعليل هذا الفرد بقوله- في شرح الشرائع- «لإطلاق النص» و ما رأيت نصا آخر. و في دلالة هذه على البيع بعد موت المولى فقط أيضا تأمل ظاهر، فيمكن الاقتصار على موضع الوفاق و هو البيع في الدين مع موت المولى و موت الولد. فلا يستثني غيرهما من موضع الإجماع. و لكن لا يبعد ان يقال: ان الاستصحاب و أدلة العقل و النقل دل على جواز التصرف في الاملاك مطلقا، فيجوز مطلق التصرف في أم الولد، بيعها مطلقا و غيره الا ما خرج بدليل، و ما ثبت بالدليل و هو الإجماع هنا إلا في منع البيع مع بقاء الولد و عدم إعسار المولى بثمنها، فيجوز بمجرد موت الولد مطلقا، لعدم الإجماع، و في ثمن رقبتها كذلك لذلك، فتأمل و احتط. انتهى.
أقول: ما ذهب اليه من تخصيص الجواز بموت المولى أحد القولين في المسألة و هو منقول ايضا عن ابن حمزة فإنه شرط في بيعها في ثمن رقبتها بعد موت مولاها.
قال السيد السند في شرح الإرشاد، و رده جدي بإطلاق النص، فإنه متناول لموت المولى و عدمه، و يشكل بان ظاهر
قوله (عليه السلام) «و لم يدع من المال ما يؤدى عنه».
وقوع البيع بعد وفاة المولى، فيشكل الاستدلال بها على الجواز مطلقا. انتهى.
452
أقول: و كلام السيد السند هنا- ايضا- مبنى على عدم الاطلاع على رواية عمر ابن يزيد المتقدمة، و انما اطلع على صحيحته، و لا ريب انها ظاهرة فيما ذكره، لكن الرواية المشار إليها ظاهرة فيما ذكرنا من الإطلاق كما لا يخفى.
و اما ما أطال به المحقق الأردبيلي- هنا مما قدمنا نقله عنه- فلا يخفى ما فيه.
و لكن عذره ظاهر، حيث انه لم يشرح بريد نظره في روايات المسألة، و لم يقف منها الا على هذه الرواية المجملة، و الا فقد عرفت ان رواية أبي بصير، و هي الاولى من روايات التهذيب، ظاهرة في بيعها بعد موت الولد و حياة الأب. و ان البائع هو الأب لأنه سأل عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات- يعنى الولد- فقال: ان شاء ان يبيعها باعها. يعنى ان شاء ذلك الرجل الذي اشترى الجارية بعد موت الولد ان يبيع الجارية باعها. و لا يجوز ان يكون الضمير في مات راجعا الى الرجل، لانه لا معنى لقوله ان شاء ان يبيعها.
بقي قوله- بعد هذا الكلام- «و ان مات مولاها و عليه دين» فإنه يجب ارتكاب التأويل فيه و التقدير، بان يكون المعنى «و ان مات مولاها مع بقاء الولد و عدم موته.
الى آخر ما ذكر في الخبر».
و مثل رواية أبي بصير الاولى و روايته الثالثة- أيضا- من روايات الشيخ، بإرجاع الضمير في مات الى الولد كما ذكرنا في الاولى.
و وجه الاشكال عنده في الرواية التي نقلها: انه جعل الضمير في «فمات» راجعا الى الرجل الذي اشترى الجارية. و الظاهر انما هو رجوعه الى الولد، لقوله بعد ذلك «و ان كان لها ولد». و هو قد اعتضد فيما ذهب اليه بقوله (عليه السلام) «باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها» و فيه: انه لا دلالة على الحصر في هذا الفرد. فيجوز ان يكون انما خرج مخرج التمثيل، لأنه أظهر الافراد. و كيف كان فإنه ينافر هذا المعنى ما ذكرنا من قوله- بعد ذلك- «و ان كان لها ولد».
453
و بالجملة فإن روايات ابى بصير الثلاثة الأخيرة. لا تخلو من تشويش في معانيها و اضطراب في ربط ألفاظها.
ثم ان ما يدل- ايضا- على بيعها في قيمتها مع وجود الولد: صحيحة عمر بن يزيد، و ظاهرها: البيع بعد موت المالك، كما جنح اليه. و بما ذكرنا يظهر لك صحة استثناء هذين الموضعين من تحريم بيع أم الولد.
و اما ما رواه
في الكافي و الفقيه في الصحيح عن زرارة عن ابى جعفر- (عليه السلام)- قال سألته عن أم الولد. قال: امة، تباع و توهب و تورث، وحدها حد الأمة (1).
و في الصحيح عن وهب ابن عبد ربه. عن ابى عبد الله- (عليه السلام)- في رجل زوج أم ولد له عبدا له، ثم مات السيد، قال: لا خيار لها على العبد، هي مملوكة للورثة (2).
و هذان الخبران لمخالفتهما لما عليه ظاهر اتفاق الأصحاب، من أن حكم أم الولد غير حكم من لم يكن لها ولد، و انها تنعتق بموت السيد على ابنها من حصته من الميراث، تأولوهما بالحمل على من مات ولدها، و إن التسمية بذلك وقع تجوزا باعتبار ما كان.
و يدل على ذلك ما رواه
في الفقيه عن زرارة في الصحيح عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: أم الولد حدها حد الأمة إذا لم يكن لها ولد (3).
و اما خبر وهب بن عبد ربه، فهو و ان رواه الصدوق بما قدمنا نقله عنه، الا ان
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 52 حديث: 3.
(2) الفقيه ج 3 ص 82 حديث: 295.
(3) الفقيه ج 4 ص 32 حديث: 92- 3.
454
الشيخ رواه بما يندفع به عنه الاشكال و يزول به الاختلال، حيث انه رواه هكذا:
عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل زوج عبدا له من أم ولد له و لا ولد لها من السيد ثم مات السيد.
الى آخر ما تقدم (1).
و ظاهر الصدوق في الفقيه حيث اقتصر على نقل الخبرين الأولين القول بمضمونهما بناء على ما ذكره في صدر كتابه.
و ظاهره فيه- ايضا- ان أم الولد لا تنعتق على ولدها بمجرد ملكه لها، بل تحتاج الى ان يعتقها، كما يدل عليه بعض الاخبار، و هو خلاف ما عليه كافة الأصحاب في هذا الباب، و سيجيء تحقيق المسألة في محلها إنشاء الله تعالى، وفق الله لبلوغه.
أقول: و من المواضع التي زادها جملة من الأصحاب و جوزوا بيع أم الولد فيها: ما ذكره شيخنا في اللمعة و هي ثمانية، و زاد عليه غيره ما تبلغ الى عشرين موضعا، و نحن نذكرها واحدا واحدا لتحصيل الإحاطة بالاطلاع عليها:
(أحدها): في ثمن رقبتها مع إعسار مولاها، سواء كان حيا أو ميتا. قاله الشارح. اما مع الموت فموضع وفاق، و اما مع الحياة فعلى أصح القولين، لإطلاق النص.
و (ثانيها): إذا جنت على غير مولاها. قال الشارح: فيدفع ثمنها في الجناية أو رقبتها ان رضى المجني عليه، و لو كانت الجناية على مولاها لم يجز، لانه لم يثبت له مال على ماله.
و (ثالثها): إذا عجز مولاها عن نفقتها. قال الشارح: و لو أمكن تأديها ببيع بعضها وجب الاقتصار عليه، وقوفا فيما خالف الأصل على موضع الضرورة.
و (رابعها): إذا مات قريبها و لا وارث له سواها. قال الشارح: لتنعتق و ترثه،
____________
(1) التهذيب ج 8 ص 206 حديث: 728- 34.
455
و هو تعجيل عتق اولى بالحكم من بقائها لتعتق بعد وفاة مولاها.
و (خامسها): إذا كان علوقها بعد الارتهان. قال الشارح: فيقدم حق المرتهن لسبقه. و قيل: يقدم حق الاستيلاد لبناء العتق على التغليب. و لعموم النهى عن بيعها.
و (سادسها): إذا كان علوقها بعد الإفلاس. قال الشارح اى بعد الحجر على المفلس، فان مجرد ظهور الإفلاس على المفلس لا يوجب تعلق حق الديان بالمال.
و الخلاف هنا كالرهن.
و (سابعها): إذا مات مولاها و لم يخلف سواها و عليه دين مستغرق، و ان لم يكن ثمنا لها. قال الشارح: لأنها انما تنعتق بموت مولاها من نصيب ولدها، و لا نصيب له مع استغراق الدين، فلا تعتق فتصرف في الدين.
و (ثامنها): بيعها على من تنعتق عليه، فإنه في قوة العتق. قال الشارح: فيكون تعجيل خير يستفاد من مفهوم الموافقة، حيث ان المنع من البيع لأجل العتق.
و (تاسعها): بيعها بشرط العتق.
قال المصنف: و في جواز بيعها بشرط العتق نظر. أقربه الجواز. قال الشارح:
لما ذكر، فان لم يف المشترى بالشرط فسخ البيع وجوبا، فان لم يفسخه المولى احتمل انفساخه بنفسه، و فسخ الحاكم ان اتفق.
و هذا موضع تاسع.
و ما عدا الموضع الأول من هذه المواضع غير منصوص بخصوصه، و للنظر فيه مجال، و قد حكاها في الدروس بلفظ قيل، و بعضها جعله احتمالا من غير ترجيح لشيء.
ثم قال الشارح: و زاد بعضهم مواضع أخر:
و (عاشرها): في كفن سيدها إذا لم يخلف سواها و لم يمكن بيع بعضها فيه
456
و الا اقتصر عليه.
و (حادي عشرها): إذا أسلمت قبل مولاها إذ لا نصيب لولدها.
و (ثالث عشرها): إذا جنت على مولاها جناية تستغرق قيمتها.
و (رابع عشرها): إذا قتلته خطأ.
و (خامس عشرها): إذا حملت في زمن خيار البائع أو المشترى ثم فسخ البائع بخياره.
و (سادس عشرها): إذا خرج مولاها عن الذمة و ملكت أمواله التي هي منها.
و (سابع عشرها): إذا لحقت هي بدار الحرب ثم استرقت.
و (ثامن عشرها): إذا كانت لمكاتب مشروط ثم فسخ كتابته.
و (تاسع عشرها): إذا شرط أداء الضمان منها قبل الاستيلاد ثم أولدها، فإن حق المضمون له أسبق من حق الاستيلاد كالرهن و الفلس السابقين.
و (العشرون): إذا أسلم أبوها أو جدها و هي مجنونة أو صغيرة ثم استولدها الكافر بعد البلوغ قبل ان تخرج من ملكه. و هذه في حكم إسلامها عنده.
و في كثير من هذه المواضع نظر. انتهى.
أقول: قد تقدم في صحيحة عمر بن يزيد: انها لاتباع فيما سوى تلك الصورة المتفق عليها.
و أنت خبير بان الظاهر ان مبنى من ذكر هذه الصور الزائدة على محل النص هو ان أم الولد حكمها حكم غيرها من أموال السيد إلا في تلك الصورة الخاصة.
و لا يخفى ما فيه، فإنه قياس مع الفارق، لان هذه قد تشبثت بالحرية بسبب الولد، و من الجائز ان الاستيلاد قد صار مانعا من التصرف فيها بهذه الوجوه التي ذكروها، و مقدما عليها، و حينئذ فتكون موروثة بعد موت السيد و ان كان عليه دين مستغرق أو نحو ذلك من الأمور التي ادعوا أنها مقدمة على الاستيلاد، و ابنها من جملة الورثة فتعتق
457
عليه بالحصة التي له.
و هو جيد من حيث الاعتبار المذكور، و ان كانت الفتوى به محل توقف، لعدم النص الصريح بذلك، ثم يسرى العتق و تستسعى، أو يفكها الولد، كما تضمنته الاخبار، و تخرج الصحيحة المذكورة شاهدا على ذلك، و كذا مفهوم
صحيحة زرارة، و قوله فيها «أم الولد حدها حد الأمة إذا لم يكن لها ولد».
فان مفهومها: انه إذا كان لها ولد فإنها ليست على حد الأمة التي يباح التصرف فيها بتلك الأنواع المذكورة و نحوها.
و اما حمل الحد في الرواية المذكورة على الحد الذي يوجبه الجناية، بمعنى انها إذا فعلت ما يوجب الحد فان حدها حد الأمة التي ليست أم ولد إذا لم يكن لها ولد، فالظاهر بعده، و ان كان الصدوق قد ذكر الخبر المذكور، في باب الحدود حملا له على ذلك، بناء على مذهبه الذي قدمنا الإشارة إليه، من ان أم الولد عنده كغيرها ممن لا ولد لها، الا ان يعتقها ابنها.
و هو مذهب غريب مخالف لظاهر اتفاق الأصحاب من انها تنعتق على ابنها من نصيبه كلا أو بعضها بمجرد الملك من غير توقف على عتق. و يدل عليه جملة من الاخبار، و ان كان ما ذكره الصدوق هنا ايضا قد دلت عليه صحيحة محمد بن قيس، و لتحقيق المسألة المذكورة محل آخر يأتي إنشاء الله تعالى.
بقي هنا شيء آخر يجب التنبيه عليه، و هو انه لو مات ولد الأمة و لكن له ولد (1) فهل يصدق عليها بذلك أنها أم ولد أم لا؟ فقل بالأول لأنه ولد، و قيل بالثاني لعموم ما دل على ان أم ولد إذا مات ابنها ترجع الى محض الرق، فإنه يتناول موضع النزاع، و قيل: ان كان ولد ولدها وارثا، بان لا يكون للمولى ولد لصلبه كان حكمه حكم الولد، لأنها تنعتق عليه، و ان لم يكن وارثا لم يكن حكمه حكم الولد، لانتفاء الملك المقتضى للعتق.
____________
(1) اى لولد الأمة ولد.
458
و اختار هذا التفصيل السيد السند السيد محمد- (قدس سره)- في شرح النافع.
المسألة السادسة [في بيع الرهن و العبد الجاني]
من فروع ما تقدم من اشتراط كون المبيع طلقا: عدم جواز بيع الرهن أيضا إلا مع الاذن، و بيع العبد الجاني على التفصيل الاتى إنشاء الله تعالى.
اما الأول، فظاهر بالنسبة إلى الراهن، لانه بالرهن صار ممنوعا من بيعه، بل مطلق التصرف فيه الا بإذن المرتهن. و اما المرتهن فأظهر لأنه غير مالك الا ان يكون وكيلا من قبل الراهن في البيع، فيتوقف بيعه على الاذن من المالك، و ان امتنع استأذن الحاكم الشرعي، و ان تعذر جاز له البيع بنفسه على الأظهر.
و كيف كان فإنه لا يجوز له بيع الرهن مطلقا، بل على بعض الوجوه. و تحقيق المقام كما هو حقه يأتي إنشاء الله تعالى في بابه.
و اما الثاني، فالمشهور بين الأصحاب انه لا تمنع جناية السيد عن بيعه، عمدا كانت الجناية أو خطاء، و نقل عن الشيخ في المبسوط الخلاف هنا في جناية العبد فأبطل البيع، لتخيير المجني عليه بين استرقاقه و قتله، و رد بأنه غير مانع من صحة البيع، لعدم اقتضائه خروجه عن ملك مالكه. نعم لو جنى العبد خطاء لم تمنع جنايته عن بيعه لانه لا يخرج بالجناية عن ملك مولاه، و المولى مخير في فكه، فان شاء فكه بأقل الأمرين من أرش الجناية، إذ هو اللازم بمقتضى الجناية، و قيمته إذ الجاني لا يجني أكثر من نفسه، و ان شاء دفعه الى المجني عليه أو وليه ليستوفي من رقبته ذلك، فلو باع بعد الجناية كان التزاما بالفداء على أحد القولين، ثم ان فداه و الا جاز للمجنى عليه استرقاقه، فينفسخ البيع و ان استوعب الجناية قيمته، لان حقه أسبق، و ان لم يستوعب
459
رجع بقدر أرشه على المشترى فلم ينفسخ البيع في نفسه.
نعم لو كان المشترى جاهلا بعيبه تخير ايضا بين الفسخ و الرجوع بالثمن و بين الإمضاء. و له الرجوع حينئذ بالثمن فيما لو كانت الجناية مستوعبة لرقبته و أخذ بها، و ان كانت غير مستوعبة لرقبته رجع بقدر أرشه، و لو كان المشترى عالما بعيبه راضيا بتعلق الحق به لم يرجع بشيء، لانه اشترى معيبا عالما بعيبه.
ثم ان فداه السيد أو المشتري فالبيع بحاله، و الا بطل مع الاستيعاب و عدم فداء المشترى له، كقضاء دين غيره يعتبر في رجوعه عليه اذنه فيه.
هذا كله في الجناية خطاء، و لو جنى عمدا فالمشهور ان البيع موقوف على رضي المجني عليه أو وليه، لان التخيير في جناية العبد إليهما. و ان لم يخرج عن ملك سيده، و بالنظر الى الثاني يقع البيع، و بالنظر الى الأول يثبت التخيير. و ذهب الشيخ هنا الى بطلان البيع كما تقدم، و قد تقدم بيان ما فيه، و انه لا يقصر عن بيع الفضولي.
ثم على القول المشهور، ان أجاز البيع و رضى بفدائه بالمال و فكه المولى لزم البيع، و ان قتله أو استرقه بطل. كذا يستفاد من تصاريف كلامهم الدائر في المقام على رؤوس أقلامهم.
و في استفادة كثير من هذه التفاصيل من الاخبار إشكال. و تحقيق المسألة- كما هو حقه- يأتي إنشاء الله تعالى في محله اللائق بها.
المسألة السابعة [اشتراط معلومية الثمن و المثمن]
من الشروط المعتبرة: معلومية الثمن و المثمن، حذرا من الغرر المنهي عنه و قطعا للنزاع. و لكن المعلومية لكل شيء بحسبه، كما يأتي إنشاء الله تعالى.
460
و الكلام هنا يقع في مواضع:
[الموضع] الأول [في عدم جواز بيع الجزاف]:
قد صرحوا بأنه يشترط العلم بالثمن قدرا و وصفا و جنسا، قبل إيقاع عقد البيع، فلا يصح البيع بحكم أحد المتبايعين أو أجنبي إجماعا. و لا بالثمن المجهول القدر، و ان كان مشاهدا، لبقاء الجهالة، و ثبوت الغرر المنفي معها، خلافا للشيخ في الموزون. و للمرتضى في مال السلم. و لابن الجنيد في المجهول مطلقا، إذا كان المبيع صبرة، مع اختلافهما جنسا. و لا مجهول الصفة، كمائة درهم، و ان كانت مشاهدة لا يعلم وصفها، مع تعدد النقد الموجود يومئذ. و مجهول الجنس، و ان علم قدره، لتحقق الجهالة في الجميع.
أقول: ما ذكروه من عدم صحة البيع بحكم أحد المتبايعين، فهو و ان ادعى عليه الإجماع في التذكرة، الا انه
قد روى الصدوق في الفقيه، و الشيخ في التهذيب، عن الحسن بن محبوب، عن رفاعة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: ساومت رجلا بجارية له فباعنيها بحكمي فقبضتها منه على ذلك، ثم بعثت إليه بألف درهم، فقلت له: هذه الف درهم حكمي عليك ان تقبلها فأبى أن يقبضها منى، و قد كنت مسستها قبل ان ابعث اليه بالثمن فقال: ارى ان تقوم الجارية قيمة عادلة، فإن كان قيمتها أكثر مما بعثت اليه كان عليك ان ترد عليه ما نقص من القيمة، و ان كان ثمنها أقل مما بعثت اليه فهو له. قلت: أ رأيت ان أصبت بها عيبا بعد ما مستها، قال: ليس لك ان تردها اليه، و لك ان تأخذ قيمة ما بين الصحة و العيب منه (1).
و رواه الكليني عن العدة عن سهل و احمد بن محمد عن الحسن بن محبوب مثله.
و طريق الصدوق في المشيخة الى الحسن بن محبوب صحيح كما في الخلاصة. و طريق الكليني ظاهر الصحة، و طريق الشيخ الى الحسن بن محبوب حسن بإبراهيم بن هاشم الذي هو في حكم الصحيح عندهم، بل هو من الصحيح على الاصطلاح الجديد،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 271 حديث: 1 باب: 18.
461
فالرواية من جهة السند لا يتطرق إليها طعن.
و هي- كما ترى- ظاهرة في خلاف ما ذكروه، و قد اضطرب في التفصي عنها كلام جملة من المتأخرين.
قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد- بعد ذكر الرواية و بيان صحة سندها- ما صورته: و هي تدل على جواز الجهل في الثمن، و انه يقع البيع صحيحا، و ينصرف إلى القيمة السوقية إذا بيع بحكم المشترى. و لكن نقل العلامة في التذكرة الإجماع على اشتراط العلم مع عدم ظهور خلافه، يمنع القول بها، و لكن تأويلها مشكل، و كذا ردها، فيمكن ان يكون حكما في قضية، و لا تتعدى. انتهى.
و قال الفاضل السيد حسين المشهور بخليفة سلطان، في حواشيه على كتاب الفقيه على هذا الخبر ما صورته: لا يخفى ان البيع بحكم المشتري أو غيره في الثمن باطل إجماعا، كما نقله الفاضل في التذكرة و غيره، لجهالة الثمن وقت البيع، فعلى هذا يكون بيع الجارية المذكورة باطلا، و كان وطي المشترى محمولا على الشبهة، و اما جواب الامام (عليه السلام) للسائل فلا يخلو من اشكال، لأن الظاهر ان الحكم حينئذ رد الجارية مع عشر القيمة أو نصف العشر، أو شراؤها مجددا بثمن يرضى به البائع مع أحد المذكورين، سواء كان بقدر ثمن المثل أم لا، فيحتمل حمله على ما إذا لم يرض البائع بأقل من ثمن المثل، و يكون حاصل الجواب حينئذ: انه تقوم بثمن المثل ان أراد، و يشترى به مجددا، و ان كان المثل أكثر مما وقع، ندبا أو استحبابا، بناء على انه أعطاه سابقا. و هذا الحمل و ان كان بعيدا عن العبارة، مشتملا على التكلف لكن لا بد منه لئلا يلزم طرح الحديث الصحيح بالكلية. انتهى.
أقول: لا يخفى ان مدار كلامهم في رد الخبر المذكور على الإجماع الذي ادعى في التذكرة في هذه المسألة، فإنه لا معارض له سواه. و أنت خبير بان من لا يعتمد على مثل هذه الإجماعات المتناقلة في كلامهم، و المتكرر دورانها على رؤوس أقلامهم،
462
تبقى الرواية المذكورة سالمة عنده من المعارض، فيتعين العمل بها، خصوصا مع صحة السند و اعتضاد ذلك برواية صاحب الفقيه، المشعر بقوله بمضمونها و العمل بها، بناء على قاعدته المذكورة في أول الكتاب، كما تكرر في كلامهم من عد مضامين اخباره مذاهب له، بناء على القاعدة المذكورة.
و ليس هنا بعد الإجماع المذكور الا العمومات التي أشاروا إليها، من حصول الغرر، و تطرق النزاع و نحو ذلك. و هذه العمومات- مع ثبوت سندها و صحته- يمكن تخصيصها بالخبر المذكور، بل من الجائز- أيضا- تخصيص الإجماع المذكور، مع تسليم ثبوته، بهذا الخبر الصحيح، كما يخصص عمومات الأدلة من الآيات و الروايات، و هو ليس بأقوى منها، ان لم يكن أضعف، بناء على تسليم صحته.
و حينئذ فيقال باستثناء صورة حكم المشترى، وقوفا على ظاهر الخبر. و ما المانع من ذلك؟ و قد صاروا إلى أمثاله في مواضع لا تحصى، على انه سيأتيك ما يؤيد ما ذكرناه و يشيد ما اخترناه.
و اما ما ذكروه من عدم الصحة مع كون المبيع مجهول القدر، و ان كان مشاهدا فقد تقدم ذكر خلاف الجماعة المتقدم ذكرهم في ذلك.
قال في الدروس: و لا تكفي المشاهدة في الوزن، خلافا للمبسوط، و ان كان مال السلم، خلافا للمرتضى، و لا القول بسعر ما بيعت مع جهالة المشتري، خلافا لابن الجنيد، حيث جوزه، و جعل للمشتري الخيار، و جوز ابن الجنيد بيع الصبرة مع المشاهدة جزافا بثمن جزاف مع تغاير الجنس. و مال في المبسوط الى بيع الجزاف و في صحيحة الحلبي كراهية بيع الجزاف. انتهى.
أقول: صحيحة الحلبي المذكورة هي: ما رواه
المشايخ الثلاثة في الصحيح، عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) في رجل اشترى من رجل طعاما، عدلا بكيل معلوم، ثم ان صاحبه قال للمشتري: ابتع هذا العدل الأخر بغير كيل، فان فيه مثل ما في الأخر
463
الذي ابتعته. قال: لا يصلح الا ان يكيل و قال: و ما كان من طعام سميت فيه كيلا فإنه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام (1).
و روى في الفقيه في الصحيح عن الحلبي، و الشيخ في الصحيح أو الحسن عن الحلبي، عن الصادق (عليه السلام) قال: ما كان من طعام. الحديث.
كما تقدم.
قال المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد- بعد قول المصنف «و لو باع المكيل و الموزون و العدد جزافا، كالصرة بطل و ان شوهد»- ما لفظه: اعتبارهما فيهما هو المشهور بينهم، و لكن ما رأيت له دليلا صالحا، و أدل ما رأيته حسنة الحلبي في الكافي- ثم ساق الرواية الاولى- و ناقش في السند بما لا طائل في نقله، الى ان قال: و بقي في المتن شيء، لأنها تدل بظاهرها على عدم الاعتبار بخبر البائع بالكيل، و هو خلاف ما هو المشهور بينهم و في الدلالة على المطلب أيضا تأمل للإجمال، و للاختصاص بالكيل و الطعام في قوله «ما كان من طعام سميت فيه كيلا» و لقوله «هذا مما يكره من بيع الطعام» و كأنه لذلك قال البعض بجواز بيع المكيل و الموزون بدونها مع المشاهدة، و يمكن القول به مع الكراهة، و يؤيد الجواز الأصل، و عموم أدلة العقود، و يدل عليه بعض الاخبار، مثل ما ذكر في جواز بيع الطعام من غير قبض. انتهى.
و ظاهره الميل الى الجواز في الصورة المذكورة، وفاقا للجماعة المتقدمين. و فيه- كما ترى- تأييد ظاهر لما قدمنا ذكره من البيع بحكم المشترى، و ان ذلك مستثنى من عدم جواز البيع مع جهل الثمن، ان صح الدليل عليه للخبر الصحيح الصريح، و إذا جاز البيع في هذه الصورة مع اختلال الشرط الذي ذكروه، استنادا الى عدم الدليل على ما ادعوه من الشرط المذكور، سوى هذه الرواية التي طعنوا فيها بما عرفت في كلام المحقق المذكور، و نحوه صاحب الكفاية، فلم لا يجوز فيما ذكرناه مع دلالة الصحيحة الصريحة على ذلك، و ما ذكره المحقق المذكور
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 254 حديث: 2 باب: 4.
464
من تأييد الجواز هنا بالأصل و عموم أدلة العقود، صالح للتأييد لما ذكرنا ايضا و بذلك يظهر لك ما في كلامه الذي قدمنا ذكره في تلك المسألة و استشكاله فيها فإنه لا وجه له بعد ما عرفت من كلامه في هذه المسألة، و الشرطان من باب واحد.
و مما يؤيد جواز بيع المكيل و الموزون بغير وزن و لا كيل- كما ذهب إليه أولئك المتقدم ذكرهم- ما رواه
في الكافي و التهذيب عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله البصري، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل يشترى بيعا فيه كيل أو وزن بغيره (1) ثم يأخذه على نحو ما فيه: فقال: لا بأس به (2).
قال في الوافي- بعد نقل هذا الخبر- اى بغير ما يكال و يوزن على نحو ما فيه، اى بغير كيل و لا وزن. و يشبه ان يكون يعيره بالمثناة التحتانية و العين المهملة من التعيير، فصحف. انتهى.
و مما يؤيد ذلك أيضا الأخبار الدالة على جواز الاعتماد على اخبار البائع بكيله أو وزنه، و الاخبار الدالة على وزن بعض الأحمال و أخذ الباقي على نحو ذلك الموزون.
روى الكليني في الكافي عن عبد الملك بن عمرو، قال: قلت للصادق (عليه السلام) اشترى مأة رواية من زيت، فاعترض رواية أو اثنتين و ازنها، ثم آخذ سائره على قدر ذلك. قال: لا بأس (3).
و رواه الصدوق عن عبد الملك بن عمرو، و الشيخ عن ابى سعيد المكاري مثله
و روى الشيخ عن محمد بن حمران، قال: قلت للصادق (عليه السلام): اشترينا طعاما فزعم صاحبه انه كاله فصدقناه و أخذنا بكيله، فقال: لا بأس. فقلت: فيجوز أن أبيعه
____________
(1) في نسخة «يعيره».
(2) الوسائل ج 12 ص 255 حديث: 4.
(3) الوسائل ج 12 ص 255 حديث: 1 باب: 5.
465
كما اشتريته منه بغير كيل؟ قال: اما أنت فلا تبعه حتى تكيله (1).
و في الفقيه عن عبد الرحمن بن ابى عبد الله، انه سأل أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن الرجل يشترى الطعام، أشتريه منه بكيله و أصدقه؟ فقال: لا بأس، و لكن لاتبعه حتى تكيله (2).
و روى في الكافي و التهذيب عن سماعة في الموثق، قال: سألته عن شراء الطعام مما يكال أو يوزن، هل يصلح شراؤه بغير كيل و لا وزن؟ فقال: اما ان يأتي رجلا في طعام قد كيل أو وزن فيشترى منه مرابحة فلا بأس ان أنت اشتريته و لم تكله و لم تزنه، إذا كان المشتري الأول قد أخذه بكيل أو وزن، فقلت له عند البيع: إني أربحك كذا و كذا و قد رضيت بكيلك و وزنك فلا بأس به (3).
أقول: و من هذه الاخبار و نحوها يعلم ان ما ذكروه من الشرط المذكور ليس كليا، بل يجب الوقوف فيه على موارد النصوص، مما دل على الجواز في بعض الموارد و العدم في آخر، و منه يعلم صحة ما قدمناه في الشرط الأول من الصحة بحكم المشترى في صورة الجهل بالثمن، لدلالة الصحيحة المتقدمة عليه فان الطعن فيها و ردها بمجرد ما ادعوه من الإجماع غير الحقيق بالاتباع، مجازفة محضة.
فإن قيل: ان العلم بالقدر هنا حاصل بإخبار البائع و التفاوت اليسير مغتفر، كما في تفاوت المكائيل و الموازين.
قلنا: دعوى حصول العلم بإخبار البائع، لا سيما على قواعدهم المعلومة البطلان حيث يمنعونه في اخبار العدل بل العدلين، و غاية ما يفيده اخبار العدلين عندهم مجرد الظن، كما صرحوا به في غير موضع، فكيف يمكن ان يدعى هنا حصول العلم باخبار
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 256 حديث: 3.
(2) المصدر ص 257 حديث: 8.
(3) المصدر حديث: 7.
466
البائع، كائنا من كان. و هذه الدعوى انما وقعت هنا لضيق الخناق في المقام بسبب هذه الاخبار الظاهرة الدلالة على خلاف قواعدهم في هذه الأحكام. فالأخبار ظاهرة في تأييد ما ذكرناه كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
و من هذه الاخبار ايضا يظهر ان ما اشتملت عليه صحيحة الحلبي المتقدمة، من عدم صحة بيع العدل الثاني بعد وزن الأول، و عدم تصديق البائع في ذلك، مما يحتاج الى ارتكاب التأويل فيه، و الإخراج عن ظاهره.
الموضع الثاني [في ضمان المقبوض بالعقد الفاسد]:
لا يخفى انه متى قلنا بعدم الصحة في بعض الموارد لاختلال أحد هذه الشرائط المذكورة، و قد قبض المشترى المبيع، مع ما عرفت من بطلان البيع، فإنهم قد صرحوا بأنه يكون مضمونا عليه، لما تقرر عندهم من ان «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده». و يؤيد الخبر المشهور «على اليد ما أخذت حتى تؤدى» و كذا كل مأخوذ بالبيع الفاسد، عالما بالفساد كان أو جاهلا.
و يظهر من المحقق الأردبيلي- في شرح الإرشاد- المناقشة هنا في عموم الحكم.
قال- بعد قول المصنف «و المقبوض بالسوم أو البيع الفاسد مضمون على المشترى»- ما لفظه:
ثم الذي يظهر من كلامهم: عدم الخلاف في ان المقبوض بالسوم اى المال الذي أخذ للبيع أو الشراء مضمون مثل الغصب، و لو تلف مطلقا فالقابض ضامن.
و وجهه غير ظاهر مع الأصل، و الذي يقتضيه النظر كونه امانة، و لعل لهم نصا أو إجماعا، كما هو الظاهر من تشبيه البيع الفاسد به في الضمان، فتأمل.
و كذا المأخوذ بالبيع الفاسد كان القابض عالما بالفساد أو جاهلا، و دليلهم الخبر المشهور «على اليد ما أخذت حتى تؤدى» و القاعدة المشهورة «كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و «مالا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» و صحتها غير ظاهرة.
و الأصل يقتضي العدم، و هو مع الجهل بالفساد قوى، و مع علم الأخر أقوى.
467
و مع ذلك قال في شرح الشرائع: لا إشكال في الضمان مع الجهل بالفساد، فتأمل و مع علمه بالفساد، و بعدم جواز التصرف و حفظه و وجوب رده الى مالكه معجلا كالمغصوب.
و ذلك قد يكون بعلمه بطلب من المالك على تقدير الفساد و عدم رضاه بكونه عنده، و فتوى العلماء له بذلك، فهو ضامن للأصل. و ما يتفرع عليه كما قيل في الغصب، حتى انه يضمن العين و المنفعة، و ان لم ينتفع بها، مثل اجرة الدابة في المدة التي كانت عنده، و اما مع الجهل بالفساد لا سيما في أمر غير ظاهر الفساد، و كذا بعد العلم به، و لكن مع عدم العلم بوجوب الرد في الحال، و الضمان غير ظاهر.
و لو ظن ان المالك رضى لهذا المال بالبدل المعلوم، فهو راض بأن يتصرف فيه عوضا عما في يده، فالأكل حينئذ ليس بالباطل، بل بالرضا، فإنه رضى بالتصرف فيه بان يجوز له التصرف في بدله، و قد جوز صاحبه ذلك، و عرف كل واحد من صاحبه ذلك. فحينئذ يجوز تصرف كل واحد في بدل ماله و ان لم يكن بسبب البيع، بل بسبب الاذن المفهوم مع البدل، و كأنه يرجع الى المعاطاة و الإباحة مع العوض من غير بيع، و لا تجد منه مانعا، غاية الأمر انه يكون لكل واحد الرجوع عن قصده الأول و أخذ ماله عينا و زيادة.
نعم إذا علم عدم الرضا الا بوجه البيع، أو اشتبه ذلك، يتوجه عدم جواز التصرف و الضمان على تقدير فهم عدم الرضا بالمكث عنده، و كونه امانة على تقدير غيره و يحتمل جواز التصرف على تقدير التقابض أيضا في بعض المحال، بان غاب و امتنع الاطلاع عليه و إيصاله اليه و أخذ ماله منه. كما في غير هذه الصورة.
و بالجملة دليل حكم المشهور بينهم، و هو جعل حكم المقبوض بالسوم و العقد الفاسد مثل الغصب في أكثر الأحكام، حتى في إلزامه بالإيصال الى صاحبه فورا، فلا يصح عباداته في أول وقتها، على تقدير القول بمنافاة حقوق الآدمي، كما هو ظاهر كلامه غير ظاهر، فالحكم مشكل، و لا شك انه ينبغي ملاحظة ذلك مهما أمكن.
468
فتأمل. انتهى.
و انما أوردناه بطوله لقوته و جودة محصوله. و اما ما استظهر في آخر كلامه من عدم صحة العبادة في أول وقتها، مع منافاة حق الأدمي، فهو مبنى على مذهبه في المسألة الأصولية، من ان الأمر بالشيء يستلزم النهى عن ضده الخاص. و الذي حققناه فيما تقدم من كتب العبادات من هذا الكتاب عدم ثبوت هذه القاعدة و ما يترتب عليها من الفائدة.
الموضع الثالث [في تعيين يوم الضمان في المقبوض المضمون]:
لو تلف المبيع في يد المشترى في صورة يكون مضمونا عليه، فان كان قيميا فقيمته، الا انه قد وقع الخلاف هنا في القيمة.
فقيل: قيمة يوم التلف لانه وقت الانتقال إلى القيمة، و اما قبل التلف فهو مخاطب برد العين و أدائها لا بالقيمة. و جعله شيخنا الشهيد الثاني في الروضة هو الأقوى.
و قيل: يوم القبض، لانه مضمون عليه من ذلك الوقت بسبب فساد البيع، و هو اختيار الشرائع.
و قيل: الا على من يوم القبض الى يوم التلف، و هو منقول عن ابن إدريس، و استحسنه شيخنا الشهيد الثاني، ان كان التفاوت بسبب نقص في العين أو زيادة، لأن زيادة العين مضمونة مع بقائها، و كذا مع تلفها فيرجع عليه بأعلى القيمتين. اما لو كان التفاوت باختلاف السوق فان الواجب القيمة يوم التلف، كما هو القول الأول. فالأقوال في المسألة: أربعة.
أقول: لا يخفى ان الاعتماد على هذه التعليلات الاعتبارية، لا سيما مع تضادها، لا يخلو من الاشكال، مع انه
قد روى ثقة الإسلام في الكافي، و الشيخ في التهذيب.
عن ابى ولاد الحناط في الصحيح، قال: اكتريت بغلا الى قصر ابن هبيرة ذاهبا و جائيا بكذا و كذا، و خرجت في طلب غريم لي، فلما صرت قرب قنطرة الكوفة خبرت ان صاحبي توجه الى النيل، فلما أتيت النيل خبرت انه قد توجه الى بغداد، فاتبعته
469
فلما ظفرت به و فرغت عما بيني و بينه رجعت الى الكوفة، و كان ذهابي و مجيئي خمسة عشر يوما، فأخبرت صاحب البغل بعذري و أردت أن أتحلل منه بما صنعت و أرضيه، فبذلت له خمسة عشر درهما، فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة فأخبرته بالقضية و أخبره الرجل.
فقال لي: ما صنعت بالبغل؟ قلت قد دفعته اليه سليما. قال: نعم بعد خمسة عشر يوما. قال: فما تريد من الرجل؟ قال: أريد كرى بغلي، و قد حبسه على خمسة عشر يوما. قال: ما ارى لك حقا، لانه اكتراه الى قصر ابن هبيرة فخالف و ركبه الى النيل و الى بغداد، فضمن قيمة البغل و سقط الكرى، فلما رد الرجل البغل سليما و قبضته لم يلزمه الكرى.
قال: فخرجنا من عنده، و جعل صاحب البغل يسترجع. فرحمته مما افتى به أبو حنيفة فأعطيته شيئا و تحللت منه، و حججت في تلك السنة فأخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) بما افتى به أبو حنيفة. فقال لي: في مثل هذا القضاء و شبهه تحبس السماء مائها و تمنع الأرض بركتها. قال: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): فما ترى أنت؟ قال: ان له عليك مثل كرى البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل، و مثل كرى البغل راكبا من النيل الى بغداد، و مثل كرى البغل من بغداد إلى الكوفة، توفيه إياه.
قال: فقلت- جعلت فداك-: قد علفته بدراهم، فلي عليه علفه؟ قال: لا، لأنك غاصب. فقلت: أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني؟ قال: نعم، قيمة البغل يوم خالفته. فقلت: فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز؟ فقال: عليك قيمة ما بين الصحة و العيب يوم ترد عليه. قلت: فمن يعرف ذلك؟ قال: أنت و هو اما ان يحلف هو على القيمة و تلزمك، و ان رد اليمين عليك فحلفت على القيمة فيلزمك ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة البغل حين اكترى كذا و كذا، فيلزمك. فقلت: كنت أعطيته دراهم و رضى بها و حللني.
470
فقال: إنما رضي بذلك و حللك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور و الظلم.
و لكن ارجع اليه فأخبره بما أفتيتك به، فان جعلك في حل بعد معرفته فلا شيء عليك بعد هذا. قال أبو ولاد: فلما انصرفت من وجهي ذلك، لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني أبو عبد الله (عليه السلام)، و قلت له: قل ما شئت حتى أعطيك. فقال: قد حببت الى جعفر بن محمد، و وقع في قلبي له التفضيل، و أنت في حل. و ان أحببت أن أرد عليك الذي أخذت منك فعلت (1).
و أنت خبير بان ما نحن فيه- أحد جزئيات مسألة الغصب، كما عرفته آنفا من كلام المحقق الأردبيلي، و نقل ذلك عن الأصحاب.
و من هذه الرواية يظهر قوة القول الثاني، و هو قيمة يوم القبض، لان ظاهره:
انه (عليه السلام) أوجب عليه قيمة البغل يوم المخالفة، التي بها صار مغصوبا و صار في ذلك اليوم مضمونا عليه، الا ان في الخبر المذكور احتمالا آخر، و هو ان يكون قوله (عليه السلام) «يوم خالفته» ظرفا للزوم القيمة، بمعنى انه يلزم القيمة في ذلك اليوم، و اما قدر القيمة فهو غير معلوم من الخبر، فيحتاج في تعيينه الى دليل آخر. و الاستدلال بالخبر- كما ذكرنا- أو لا مبنى على كون الظرف المذكور ظرفا للقيمة، يعني قيمة ذلك اليوم. و تغاير الوجهين واضح. و بذلك بقيت المسألة في قالب الاشكال.
هذا ان كان قيميا، و ان كان مثليا فالمعروف من مذهب الأصحاب: انه يضمنه بمثله، الا انه قد اضطرب عباراتهم في ضبط المثلي. فالمشهور بينهم: انه ما يتساوى قيمة اجزائه. و ضبطه بعضهم بالمقدر بالكيل أو الوزن. و بعض بأنه ما يتساوى اجزاؤه في الحقيقة النوعية، و زاد آخرون: اشتراط جواز السلم فيه. و عرفه في الدروس بأنه المتساوي الأجزاء المتقاربة الصفات. قيل: و هو أقرب التعريفات إلى السلامة.
فلو كان المثل موجودا و لم يسلمه حتى فقد- و المراد بفقدانه ان لا يوجد في
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 255- 257 حديث: 1 باب: 17 أبواب أحكام الإجارة.
471
تلك البلاد و ما حولها مما يتعارف نقله عادة من الأماكن بعضها الى بعض- فاللازم القيمة. و فيها أوجه:
أولها- و هو أشهرها عندهم- اعتبار قيمته حين تسليم البدل.
و ثانيها: اعتبارها وقت الإعواز. قال في المسالك: و هو الأقوى.
و ثالثها: اعتبار أقصى القيم من حين الغصب الى حين دفع العوض، و هو المعبر عنه بيوم الإقباض.
و رابعها: اعتبار الأقصى من حينه الى حين الإعواز.
و خامسها: اعتبار الأقصى من حين الإعواز إلى حين دفع القيمة، و لم نجد لهم دليلا شرعيا على شيء من هذه الأقوال، إلا مجرد اعتبارات ترجع بها الى ما ذكروه كما تقدم نقله عنهم في القيمي.
[الموضع] الرابع [في المراد من المكيل و الموزون]:
قد صرح الأصحاب بأن المراد بالمكيل و الموزون هو ما ثبت في زمنه (صلى الله عليه و آله) و حكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها، فكل ما كان مكيلا أو موزونا في بلد يباع كذلك و الا فلا. و ظاهر المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد المناقشة في ذلك، حيث قال- بعد نقل ذلك عنهم-: و فيه تأمل، لاحتمال ارادة الكيل أو الوزن المتعارف عرفا عاما في أكثر البلدان أو في الجملة مطلقا أو بالنسبة الى كل بلد بلد كما قيل في المأكول و الملبوس في السجدة، من الأمر الوارد بها لو سلم، و الظاهر هو الأخير. انتهى.
أقول: لا ريب ان الواجب في معاني الألفاظ الواردة في الاخبار هو الحمل على عرفهم- (عليهم السلام)- فكلما علم كونه مكيلا أو موزونا في زمنهم- (عليهم السلام)- وجب اجراء الحكم بذلك عليه في الأزمنة المتأخرة، و ما لم يعلم فهو- بناء على قواعدهم- يرجع الى العرف العام، الى آخر ما ذكروه من التفصيل.
و يمكن ان يستدل على الرجوع الى العرف بما تقدم في صحيحة الحلبي من قوله
472
(عليه السلام) «و ما كان من طعام سميت فيه كيلا، فإنه لا يصلح مجازفة، هذا مما يكره من بيع الطعام» فان ظاهره: ان الرجوع في كونه مكيلا الى تسميته كيلا عرفا، فكلما وقع التسمية عليه بأنه مكيل فلا يجوز بيعه مجازفة.
و يمكن ان يقيد بما إذا لم يعلم حاله في زمنهم- (عليهم السلام)- و الا لوجب الأخذ به كما ذكرناه. و كيف كان فالخبر لا يخلو عن إجمال يمنع الاستناد إليه في الاستدلال.
و اما ما يفهم من كلامه من الرجوع الى العرف مطلقا و ان علم كونه مكيلا أو موزونا أو علم عدمه في زمانهم- (عليهم السلام)- فالظاهر انه بعيد و مخالف لما صرح به الأصحاب في غير موضع، من تقديم العرف الخاص: اعنى عرفهم- (عليهم السلام)- على العرف العام، أو عرف كل بلد بلد.
و بالجملة فمحل الاشكال فيما يجهل حاله في زمنهم- (عليهم السلام)- من كونه مكيلا أم لا، و موزونا أم لا، فهل يكون المرجع فيه الى العرف العام، أو الى ما ذكره من الافراد، و وجه الاشكال ما تقدم التنبيه عليه في غير موضع، من ان العرف مع تسليم إمكان الوقوف عليه في كل بلد بلد و قطر و ناحية، لا انضباط له، فان لكل قطر عرفا و عادة بخلاف ما عليه غيرها من النواحي و الأقطار، و من الظاهر ان الأحكام الشرعية متحدة لا اختلاف فيها، فلا تناط بالأمور غير المنضبطة.
[الموضع] الخامس [في بيع المكيل موزونا و بالعكس]:
انه متى ثبت الكيل أو الوزن في بعض الأشياء، فهل يجوز بيع المكيل وزنا و بالعكس أم لا؟ أو يختص الجواز ببيع المكيل وزنا دون العكس؟
احتمالات، بل أقوال.
للأول: حصول الانضباط بهما. و رجحه في سلم الدروس، لرواية وهب.
و للثاني: عدم الدليل على ذلك.
و للثالث: ان الوزن أصل الكيل و أضبط منه، و انما عدل الى الكيل تسهيلا.
473
أقول: قال في الدروس: و لو أسلم في الكيل وزنا أو بالعكس فالوجه الصحة لرواية وهب، عن الصادق (عليه السلام). و أشار بالرواية المذكورة الى ما رواه
الشيخ عن احمد بن ابى عبد الله عن وهب عن جعفر عن أبيه عن على (عليه السلام) قال: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال و ما يكال فيما يوزن (1).
و رواه في الفقيه عن وهب.
و أنت خبير بان الظاهر من قوله «لا بأس يسلف المكيل في الموزون و بالعكس» ان يكون أحدهما ثمنا و الآخر مثمنا، لا ما ذكره من كيل الموزون و وزن المكيل، كما هو المدعى.
و يعضد ما ذكرناه ذكر الشيخ الرواية المذكورة في باب إسلاف السمن بالزيت و احتمال انه أشار بالرواية إلى رواية أخرى غير هذه الرواية بعيد، إذ لم نقف في الباب على غيرها. و يحتمل في عبارة الدروس ان يقال: ان وزنا بمعنى الموزون، فيوافق ظاهر الرواية، الا ان سياق كلامه يأبى الحمل على ذلك. و بذلك يظهر لك قوة القول الثاني.
و بالجملة فإن مقتضى القاعدة المتقدمة هو الوقوف في كل شيء على ما ورد، فالمكيل لا يباع الا كيلا و كذا الموزون و المعدود، الا مع ورود دليل شرعي على جواز الاكتفاء بأحدها عن الأخر، و مجرد هذه التعليلات التي يتداولونها في مثل هذه المقامات لا تصلح لتأسيس الأحكام الشرعية.
نعم قد روى
المشايخ الثلاثة في الصحيح عن ابن مسكان و الحلبي، عن ابى عبد الله (عليه السلام) انه سئل عن الجوز لا نستطيع ان نعده فيكال بمكيال ثم يعد ما فيه، ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد، فقال: لا بأس به (2).
و هذا في الحقيقة لا يخرج عن بيعه عددا و ان دل على اغتفار التفاوت اليسير
____________
(1) الوسائل ج 13 ص 63 حديث: 1.
(2) الوسائل ج 14 ص 259 حديث: 1 باب: 7.
474
الحاصل بذلك، كما ورد مثله في رواية عبد الملك بن عمرو المتقدمة، في اشتراء مأة راوية من الزيت و وزن واحدة منها و أخذ الباقي بذلك الوزن.
و قيد بعض الأصحاب جواز بيع كيل المعدود بتعذر عده، و بعض بتعسره، قال شيخنا الشهيد الثاني: و لو قيل بجوازه مطلقا، لزوال الغرر، و حصول العلم، و اغتفار التفاوت، لكان حسنا. و في بعض الاخبار دلالة عليه.
أقول: الظاهر ان من شرط أحد الأمرين المذكورين في المعدود نظر الى قوله في الرواية «لا نستطيع ان نعده» و ان الجواب انما بنى على ذلك، لكن ينافي ذلك رواية الزيت المذكورة، و هي التي أشار إليها شيخنا المتقدم ذكره، بقوله: و في بعض الاخبار دلالة عليه. و الى الجواز مطلقا- كما اختاره شيخنا المتقدم ذكره- مال في المفاتيح، قال: لو رد مثله في الزيت من غير تقييد و لا قائل بالفرق بين المعدود و الموزون مع ان الأول أدخل في الجهالة و أقل ضبطا، و لانتفاء الغرر، و حصول العلم، و اغتفار التفاوت اليسير، كما في اختلاف المكائيل و الموازين، كما يستفاد من المعتبرة، و تجويزهم إندار ما يحتمل الزيادة و النقيصة للظروف من الموزونات، و جواز بيعها مع الظروف من غير وضع، بناء على ان معرفة الجملة كافية، و للأخبار في الإندار،
و في بعضها «إذا كان عن تراض منكم فلا بأس» (1).
«و ان كان يزيد و لا ينقص فلا تقربه» (2).
و كذا تجويزهم- بلا خلاف- الجمع بين شيئين مختلفين في عقد واحد بثمن واحد كبيع و اجارة و نكاح، و ان كان عوض كل منهما بخصوصه غير معلوم حال العقد. انتهى.
و هو جيد الا انه يبقى الكلام في محمل تحمل عليه رواية الجوز المذكورة.
السادس [في عدم كفاية كيل مجهول أو وزن مجهول]:
قد صرحوا بأنه إذا كان العوضان من المكيل و الموزون أو المعدود فلا بد من اعتبارهما بما هو المعتاد من الكيل و الوزن و العدد، فلا يكفى المكيال المجهول
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 273 حديث: 1 باب: 20.
(2) المصدر حديث: 4.
475
كقصعة حاضرة و ان تراضيا بها، و لا الوزن المجهول كالاعتماد على صخرة معينة و ان عرفا قدرها تخمينا، و لا العدد المجهول بان عولا عليه ثم اعتبر العدد به، للغرر المنهي عنه في ذلك كله.
أقول: و مما يدل على ما ذكروه: ما رواه
الصدوق في الحسن عن الحلبي، عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يصلح للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر (1).
و رواه الكليني في الحسن مثله.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: لا يحل للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر. قلت: فان الرجل يستأجر الحمال في المكيل الكيال فيكيل له بمد بيته، لعله يكون أصغر من مد السوق، و لو قال هذا أصغر من مد السوق لم يأخذ به، و لكنه يحمله ذلك و يجعله في أمانته. فقال: لا يصلح الأمد واحد و الأمناء بهذه المنزلة (2).
قوله: الأمناء جمع منا مقصورا، و هو المن في اللغة المشهورة في ألسن الناس، و ما ذكر في الخبر هو الأفصح مما هو المشهور الان في الألسن. و تثنيته منوان. و ما رواه
الشيخ في الصحيح عن سعد بن سعد عن ابى الحسن (عليه السلام)، قال: سئل عن قوم يصغرون القفزان يبيعون بها. قال: أولئك الذين يبخسون الناس أشياءهم (3).
و ظاهر المحقق الأردبيلي: المناقشة في المقام، بحمل حسنة الحلبي- و هي الأولى- على المنع من البيع بغير صاع البلد بسعر البلد لاحتمال كونه ناقصا أو زائدا، ثم أيد ذلك برواية محمد الحلبي المذكورة بعدها، و استند فيما عدا ذلك الى الأدلة العامة الكثيرة، الدالة على الوفاء بالعقود، و على هذا فلو حصل التراضي من البائع
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 258 حديث: 4.
(2) الوسائل ج 12 ص 280 حديث: 2.
(3) المصدر ص 258 حديث: 1 باب: 6.
476
و المشترى على مكيال مجهول كقصعة و نحوها و حجر مخصوص مجهول، و قرر القيمة بناء على ذلك صح البيع بمقتضى ما اختاره.
و فيه: ان إطلاق قوله (عليه السلام) في الخبرين «لا يصلح» كما في الأول، و «لا يحل» كما في الثاني «للرجل ان يبيع بصاع غير صاع المصر» أعم من ان يكون البيع بسعر صاع المصر، و تقدير القيمة و السعر على ذلك المكيال المجهول. و ورود ما ذكره في تتمة الرواية الثانية حكم آخر، فلا منافاة فيه، مع ان الجواب الصادر منه (عليه السلام) في الرواية الثانية بإطلاقه شامل للمنع من الصورة التي ادعى جوازها، و خصوص السؤال لا يخصصه كما تقرر في كلامهم.
و بالجملة فإن عبارات هذه الاخبار شاملة بإطلاقها لما ذكرنا، و تخصيصها يحتاج الى دليل، و مع ورود المنع في الصورة التي وافق عليها كما في صحيحة سعد بن سعد، فإنها ظاهرة فيما ذكره، لا يوجب تخصيص ذلك الإطلاق. فإن هذا أحد فردي المطلق الذي دلت عليه تلك الاخبار.
و اما الاستناد الى عموم أدلة الوفاء بالعقد، فإنه لا يخفى ان العقود، منها: ما هو صحيح و منها: ما هو باطل، و من الظاهر ان وجوب الوفاء انما يترتب على العقد الصحيح، فلا بد- أولا- من النظر في العقد صحة و بطلانا، ليمكن ترتب وجوب الوفاء به عليه. فالاستناد الى الاستدلال بهذا العموم قبل النظر في العقد- كما ذكرنا- مجازفة ظاهرة.
ثم ان المحقق المشار اليه قال- في المقام-: و منه يعلم البحث في المعدود.
و الظاهر عدم الدليل على عدم جواز بيعه الا عدا، و عموم أدلة جواز العقود، و الوفاء بها، يدل على الجواز، و عدم اشتراط العد، و الأصل و العمومات، و حصول التراضي الذي هو العمدة في الدليل، دليل قوي. فإثبات خلافه مشكل، و ان كان المشهور عدم الجواز، و الاحتياط معه قبل وقوع العقد، نعم الاولى عدم ارتكابه، و الترك لبائعه على
477
تقدير رضاه. فتأمل انتهى.
أقول: لا ريب انه لم يرد هنا دليل واضح في الدلالة على ما ذكره الأصحاب، من عدم الجواز، الا ان صحيحة الحلبي و ابن مسكان المتقدمة: الواردة في الجوز مؤيدة لما ذكروه، و ان لم تكن الدلالة صريحة في ذلك، فان الظاهر من السؤال: ان الحكم في بيع الجوز هو العد، و السائل رتب سؤاله على ذلك، فقال: انه إذا كان مما لا يجوز بيعه الا عدا، و الحال انه لا يستطيع عده لكثرته، فلو كيل على هذا النحو، فهل يجزي أم لا؟ و الامام (عليه السلام) قد قرره على ذلك، و الا لكان يجيبه بأنه لا يحتاج الى ذلك بل يبيعه مجازفة، كما يدعيه المحقق المذكور. و قد تقرر ان تقريره (عليه السلام) حجة كقوله و فعله.
و حينئذ فيكون الخبر ظاهرا في تأييد ما ذكره الأصحاب، بل دالا عليه. و إذا ثبت هذا الحكم في الجوز يثبت في غيره مما يباع عددا، و يتعدى الى ما سواه بتنقيح المناط القطعي، كما في جل الأحكام، إذ لا خصوصية لذكر الجوز هنا الا من حيث وقوع السؤال عنه.
و اما استناده الى ما ذكره من عموم أدلة الوفاء بالعقود، فقد عرفت ما فيه، و اما الأصل فإنه معارض بأن الأصل بقاء كل ملك لمالكه حتى يقوم دليل شرعي على انتقاله عنه الى غيره.
و اما حصول التراضي الذي جعله العمدة، ففيه- أولا-: انه لا يطرد كليا، و الا لجرى في الصرف و الربا و نحوهما بمجرد التراضي، و سقط ما اشترط فيهما من الشروط.
و- ثانيا- ان غاية ما يفيده التراضي مجرد الإباحة، و المدعى هو البيع الناقل عن الملك و المخرج له عن صاحبه.
و- ثالثا- ما يتضمنه من الغرر المنهي عنه، كما علله به بعض الأصحاب، مع اعتضاد ذلك بالاحتياط كما اعترف به. و بالجملة فالأظهر ما ذكره الأصحاب.
478
[الموضع] السابع [في بيع الجزء المشاع]:
قد صرحوا بأنه يجوز ابتياع جزء معلوم بالنسبة كالنصف و الثلث- مثلا- مشاعا، تساوت اجزاؤه كالحبوب و الأدهان أو اختلفت كالجواهر و الحيوان، إذا كان الأصل الذي بيع جزؤه معلوما بما يعتبر فيه من كيل أو وزن أو عد أو مشاهدة، فيصح بيع نصف الصبرة المعلومة المقدار و الوصف، و نصف الشاة المعلومة بالمشاهدة أو الوصف.
أقول: و دليل الجواز فيما ذكروه هنا ظاهر، و هو عموم أدلة البيع بشروطه المعتبرة فيه، فلو باع شاة غير معلومة من قطيع غنم معلوم العد مشاهد، و ان تساوت أثمان ما اشتمل عليه من الشاة، لم يصح لمجهولية المبيع.
و لو باع قفيزا من جرة مجهولة، فهل يعتبر العلم باشتمالها على المبيع، أو اخبار البائع بذلك، و الا لم يصح، أو انه يصح البيع، فان نقصت تخير المشترى بين أخذ الموجود منها بحصته من الثمن، و بين الفسخ، لتبعض الصفقة قولان.
و الظاهر: ان المشهور الأول. و الثاني اختيار الشهيد في اللمعة.
ثم انه مع العلم باشتمالها على المبيع و صحة البيع- كما هو قول المشهور فهل يتنزل على الإشاعة، أو يكون المبيع قفيزا في الجملة، وجهان. قرب في المسالك الثاني. و تظهر الفائدة فيما لو تلف بعضها، فعلى الأول فيتلف من المبيع بالنسبة، و على الثاني يبقى المبيع ما بقي قدر المبتاع.
أقول: و الذي وقفت عليه من الاخبار، مما يتعلق بهذه المسألة: ما رواه
الشيخ في الصحيح عن بريد بن معاوية، عن ابى عبد الله (عليه السلام) في رجل اشترى من رجل عشرة آلاف طن في أنبار بعضه على بعض من أجمة واحدة، و الأنبار فيه ثلاثون الف طن، فقال البائع: قد بعتك من هذا القصب عشرة آلاف طن، فقال المشترى. قد قبلت و اشتريت و رضيت. فأعطاه من ثمنه الف درهم، و وكل المشترى من يقبضه، فأصبحوا و قد وقع النار في القصب فاحترق منه عشرون الف طن، و بقي عشرة آلاف طن،
479
فقال: عشرة آلاف طن التي بقيت هي للمشتري. و العشرون التي احترقت من مال البائع (1).
و هي ظاهرة في ان الجزء المباع من الجملة ليس على سبيل الإشاعة بحيث يلحقه جزء من النقص الواقع على المجهول، كما هو أحد الوجهين المتقدمين، بل يعتبر ذلك القدر المبيع بعينه، كما قربه في المسالك.
و الطن- بالضم- الحزمة من حطب أو قصب. و الجمع أطنان، مثل قفل و أقفال.
قالوا: و لو قال: بعتك كل قفيز منها بدرهم لم يصح، و لو قال: بعتكها كل قفيز منها بدرهم فالمشهور انه لا يصح ايضا مطلقا، خلافا للشيخ، و نفى عنه البعد في الكفاية فقال: و قول الشيخ غير بعيد.
و ظاهر هذا الكلام هو صحة هذه الأحكام، أعم من ان تكون الجملة مجهولة أو معلومة، و خص في الدروس البطلان في الصورة الثانية بما إذا كان المجموع مجهولا.
قال: و لو كان قال «بعتكها كل قفيز بدرهم» بطل مع الجهالة. و ظاهر الشيخ الصحة مطلقا. انتهى.
قال في الروضة: و اعلم ان أقسام بيع الصبرة عشرة، ذكر المصنف بعضها منطوقا و بعضها مفهوما و جملتها: أنها اما ان تكون معلومة أو مجهولة، فإن كانت معلومة صح بيعها اجمع، و بيع جزء منها معلوم مشاع، و بيع مقدار كقفيز تشتمل عليه، و بيعها كل قفيز منها بكذا لا بيع كل قفيز منها بكذا و المجهولة. تبطل في جميع الأقسام الخمسة إلا الثالث. انتهى.
و منه يعلم: ان بيعها كل قفيز بكذا يصح مع المعلومية، و يبطل مع المجهولية الا على قول الشيخ، حيث نقل عنه الصحة مطلقا.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 272 حديث: 1 باب: 19.
480
و اما بيع كل قفيز منها بكذا فهو باطل مطلقا، و به يتبين ما في الكلام الأول من الإجمال.
و قد صرحوا- أيضا- بأنه لا يجوز ابتياع شيء مقدر غير معين منه، إذا لم يكن متساوي الأجزاء، كالذراع من الثوب، و الجريب من الأرض، و عبد من عبيد، و شاة من قطيع. و لو عينه من جهة، كما لو قال: من هذا الطرف الى حيث ينتهي، ففي صحته قولان، أشهرهما: الصحة. و يجوز ذلك في المتساوي الأجزاء، كالقفيز من الكر.
أقول: لا يبعد التفصيل في هذا المقام، بان يقال بعدم الصحة في نحو عبد من عبدين أو عبيد، و شاة من قطيع. و الصحة في نحو ذراع من الثوب و جريب من الأرض.
لحصول المجهولية في الأول فيبطل البيع لذلك، لتفاوت افراد العبيد و افراد الشاة تفاوتا فاحشا، بخلاف اجزاء الثوب و اجزاء الأرض، إذ الغالب في الثوب المصنوع ان تكون صنعته من أوله الى آخره على نهج واحد. و كذلك الأرض. و حينئذ فلا فرق بين ان يبيعه ذراعا معينا مشارا اليه- كما اعترفوا بالصحة فيه- و لا بين ان يبيعه ذراعا من اى طرف أراد المشترى. و هكذا في الأرض و يؤيده ما تقدم من الاكتفاء بالمعلومية في الجملة من المواضع. و الى ما ذكرنا يشير كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، حيث قال- بعد ان نقل عنهم المنع من عدم تعيين الموضع، و الجواز مع تعيينه، كأن يقول- ابتداء-: الذرع من هذا الرأس و ابتداء الجريب من هذا الجانب من الأرض- ما لفظه: و فيه تأمل، إذ لم يقم دليل على اعتبار هذا المقدار من العلم فإنهما إذا تراضيا على ذرع من هذا الكرباس، من أي رأس أراد المشتري، أو من اى جانب كان من الأرض، فما المانع بعد العلم بذلك، مع ان الغالب هو التساوي في طول ثوب الكرباس- مثلا- و ارض متصلة الاجزاء بمعنى عدم تفاوت بين اجزائها المستلزم لتفاوت في قيمته. فتأمل فيه. انتهى.
481
و هو جيد.
و بالجملة فإن ما ذكروه من القاعدة المذكورة بالنسبة الى غير متساوي الاجزاء ليس على إطلاقه، بل ينبغي التفصيل فيه بما ذكرنا. و الله العالم.
[الموضع] الثامن [في بيع ما تكفي فيه المشاهدة]:
قالوا: تكفي في بيع الثوب و الأرض المشاهدة و ان لم يمسحا.
و نقل في التذكرة الإجماع على ذلك، مع انه نقل في الدروس عن ظاهر الخلاف المنع.
و ينبغي ان يعلم: ان المراد بمشاهدة الثوب الكافية في صحة بيعه: مشاهدته منشورا، فلو كان مطويا لم يكف الا مع تقليبه على وجه يوجب معرفته. هذا بالنسبة الى غير المكيل و الموزون و المعدود، و الا فإنه يجب مع ذلك الاستعلام بأحد الثلاثة المذكورة و لا تكفي المشاهدة وحدها.
و من هنا ينقدح إشكال في هذا المقام، فإنه متى اعتبر أحد هذه الثلاثة فيما كان كذلك، زيادة على المشاهدة، فكيف يقال بأنه تكفي المشاهدة خاصة في الثوب، مع انه مذروع. و كما يشير اليه كلامهم فيما تقدم من قولهم: ذراع من هذا الثوب، و لان المتعارف في الثوب هو الذرع. الا ان يقال: المراد به هنا المخيط فقط.
أو يقال: ان الذرع غير مشروط في المذروع. كما في الثلاثة المتقدمة، فإن ذلك شرط فيها.
و يؤيده إضافة الأرض. فإنها قد تكون مذروعة أيضا، مع انه يجوز بيعها مشاهدة و موصوفة بلا ذرع من غير خلاف.
و تكفي مشاهدة المبيع عن وصفه، و لو غاب وقت الابتياع، بشرط ان لا يكون مما يتغير عادة، كالأرض و الأواني و الحديد و النحاس و نحوها، أو لا تمضى مدة تتغير فيها عادة، و يختلف باختلافه زيادة و نقصانا، كالفاكهة و الطعام و الحيوان. فلو مضت مدة كذلك لم يصح البيع، لتحقق الجهالة المترتبة على تغيره عن تلك الحالة. و ان
482
احتمل التغير كفى البناء على الأول، أعني المشاهدة السابقة، و صح البيع.
فان ظهر التغير زيادة أو نقصانا فان كان مما يتسامح بمثله عادة فلا خيار، و الا تخير المغبون منهما، و هو البائع ان ظهر زائدا و المشترى ان ظهر ناقصا.
و لو اختلفا في التغير الموجب للخيار، و هو الذي يتسامح بمثله- كما عرفت- فقيل: ان القول قول المشترى، بيمينه ان كان هو المدعى للتغير و البائع ينكره، لأن البائع يدعي علمه بهذه الصفة، و يقول: انى بعتكه بهذه الصفة التي هو عليها الآن، و هو ينكره. و لأن الأصل عدم وصول حقه اليه، فيكون في معنى المنكر، و لأصالة بقاء يده على الثمن.
و قيل بتقديم قول البائع لتحقق الاطلاع المجوز للبيع، و أصالة عدم التغير.
و المشهور الأول. و المسألة عارية من النص. و الركون الى أمثال هذه التعليلات في تأسيس الأحكام الشرعية قد عرفت ما فيه في غير مقام.
و لو باعه أرضا على انها جربان معينة فظهرت أقل من ذلك، فقيل بأن للمشتري الخيار بين فسخ البيع و بين أخذها بحصتها من الثمن. و قيل: بل بكل الثمن.
و للشيخ قول ثالث، بأن البائع ان كان له ارض بجنب تلك الأرض تفي بالناقص فعليه الإكمال منها و الا تخير المشترى بين الأخذ بحصتها من الثمن و بين الفسخ.
و يدل على هذا القول ما رواه
الصدوق و الشيخ عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) في رجل باع أرضا على انها عشرة أجربة، فاشترى المشترى ذلك منه بحدوده، و نقد الثمن و وقع صفقة البيع و افترقا، فلما مسح الأرض إذا هي خمسة أجربة، قال:
ان شاء استرجع فضل ماله و أخذ الأرض، و ان شاء رد البيع و أخذ ماله كله، الا ان يكون له الى جنب تلك الأرض- أيضا- أرضون فلتؤخذ و يكون البيع لازما له، و عليه الوفاء بتمام البيع، فان لم يكن له في ذلك المكان غير الذي باع، فان شاء المشتري أخذ الأرض و استرجع فضل ماله و ان شاء رد الأرض و أخذ المال كله (1).
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 361 حديث: 1 باب: 14.
483
و ربما طعن في الخبر بضعف السند. و هو غير مرضى عندنا و لا معتمد، و الرواية لا معارض لها، و هي دالة على صحة القول الأول، مع عدم وجود الأرض للبائع ثمة، فالعمل بها متعين.
و في الكفاية نقل عن الشيخ- هنا- مع عدم وجود الأرض: انه يتخير المشترى بين الأخذ بجميع الثمن و الفسخ. قال: و مستنده رواية عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) لكنها غير نقية السند. و فيه: ان الرواية انما تدل على الأخذ بحصته من الثمن، و هو ما يخص المبيع كما هو القول الأول، لا بجميع الثمن كما هو القول الثاني.
و الظاهر ان ما ذكره سهو من قلمه.
[الموضع] التاسع [في بيع ما يختبر اختباره]:
يختبر ما يراد طعمه كالدبس، أو ريحه كالمسك أو يوصف.
و يدل على ذلك: ما رواه
الشيخ عن محمد بن العيص قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن رجل اشترى ما يذاق، يذوقه قبل ان يشترى؟ قال: نعم، فليذقه، و لا يذوقن ما لا يشترى (1).
و رواه البرقي في المحاسن مثله.
فلو اشتراه من غير اختيار أو وصف بناء على الأصل- و هو الصحة- فالمشهور بين المتأخرين: الجواز مع العلم به من غير هذه الجهة، كالقوام و اللون و غيرهما مما يختلف قيمته باختلافه.
و قيل: لا يجوز بيعه الا بالاختيار أو الوصف للغرر المنهي عنه. و هو منقول عن الشيخين و سلار و التقى و القاضي و ابن حمزة.
و الأول مذهب المحقق و العلامة و من تأخر عنهما.
و يرجح الأول: جواز البناء على الأصل احالة على مقتضى الطبع، فإنه أمر مضبوط عرفا لا يتغير غالبا الا لعيب، فيجوز الاعتماد عليه، لارتفاع الغرر به كالاكتفاء برؤية ما يدل بعضه على باقيه غالبا كظاهر الصبرة، و ينجبر النقص بالخيار،
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 279 حديث: 1.
484
فان خرج معيبا تخير المشترى بين الرد و الأرش ان لم يتصرف فيه تصرفا زائدا على اختباره، و الا تعين الأرش لو تصرف كذلك، كما في غيره من أنواع المبيع. و ان كان المشترى المتصرف أعمى، لتناول الأدلة. خلافا لسلار حيث خير الأعمى بين الرد و الأرش و ان تصرف.
و اولى بالجواز من غير اختبار ما يؤدى اختباره الى فساده كالجوز و البطيخ و البيض، فان شراءه جائز مع جهالة ما في بطونه، و يثبت للمشتري الأرش بالاختبار مع العيب دون الرد. و في بعض عبارات الأصحاب: جاز شراؤه بشرط الصحة. و في عبارة الشيخ و جماعة: بشرط الصحة أو البراءة من العيوب. و الأول أجود.
ثم ان أطلق اقتضى الإطلاق الصحة و رجع بأرش العيب مع ظهوره بعد الكسر لا الرد كما عرفت، للتصرف.
و ان شرط البائع البراءة من العيوب صح و لا خيار لو ظهر معيبا. كذا أطلقه الجماعة.
قال في المسالك- بعد نقل ذلك عنهم-: و يشكل فيما لو ظهر كله معيبا و لم يكن لمكسوره قيمة كالبيض، فان مقتضى الشرط رجوعه بالثمن كله لعدم وجود ما يقابله، و هو مناف لمقتضى العقد، إذ لا شيء في مقابلة الثمن فيكون أكلا للمال بالباطل فيتجه بطلان الشرط، و قد نبه على هذا في الدروس. انتهى. و هو جيد.
قالوا: و لو لم يكن لمكسوره قيمة كالبيض الفاسد رجع بالثمن اجمع، لبطلان البيع حيث لا يقابل الثمن مال.
و هل يكون العقد مفسوخا من أصله؟ نظرا الى عدم المالية من حين العقد فيقع باطلا ابتداء، أو يطرأ عليه لفسخ بعد الكسر و ظهور الفساد، التفاتا الى حصول شرط الصحة حين العقد و انما تبين الفساد بالكسر، وجهان بل قولان.
جزم في الدروس بالثاني و جعل الأول احتمالا. قال: و لو لم يكن له قيمة بطل البيع
485
من حينه و يحتمل من أصله.
قال شيخنا الشهيد الثاني- بعد نقل ذلك عنه-: و هو ظاهر الجماعة، و رجح الأول. قال: و رجحان الأول واضح، لان ظهور الفساد كشف عن ظهور عدم المالية في نفس الأمر حين البيع لا احداث عدمها حينه، و الصحة مبنية على الظاهر.
انتهى.
و المسألة محل توقف. و فرعوا على القولين الكلام في مؤنة النقل من الموضع الذي اشتراه فيه الى موضع الاختبار، فعلى الأول على البائع، و على الثاني على المشترى لوقوعه في ملكه.
[الموضع] العاشر [في بيع السمك في فأره]:
المشهور بينهم- من غير خلاف يعرف-: انه يجوز بيع المسك في فأره و ان لم يفتق، بناء على أصل السلامة، فإن ظهر بعد الفتق معيبا تخير المشترى، كما هو القاعدة في كل معيب. و الفأر بالهمزة: الجلدة التي فيها المسك.
قالوا: و فتقه بأن يدخل فيه خيط بإبرة ثم يخرج فيشم.
و الفأر في عبائرهم- كما في العبارة المذكورة-: جمع فأرة كتمر و تمرة، فهو في العبارة مضاف الى ضمير المسك، و قد نص جملة من الأصحاب على انه بالهمزة في المفرد و الجمع. و في مجمع البحرين: انه يهمز و لا يهمز. و هكذا في فارة البيوت.
و لم أقف لهم في هذا الحكم على نص، قال المحقق الأردبيلي: قواعدهم تقتضي عدم جواز بيعه في الفأرة للجهالة، لأنهم ما يجوزون في ظاهر كلامهم بيع المشموم بالمشاهدة بل يوجبون الشم معها، و قد جوزوا بيعه مع مشاهدة الفأرة في المسك من دون مشاهدته و شمه. و لعله لإجماع و نص فهم ذلك من فحواه، و يؤيده عموم الأدلة التي أشرنا إليها غير مرة مع الأصل و عدم مانع ظاهر يصلح لذلك، و وجود العلم الجملة، و عدم وجوب الاستقصاء مع عدم تفويت حق، إذ لو كان معيبا تخير،
486
و ايضا قد يعلمه أهل الخبرة في الفأرة، و هذا مؤيد لعدم اشتراط العلم في كثير مما سبق فتذكر، و مؤيد أيضا لعدم نجاسة ما ينفصل من الحي، فإنها طاهرة عندهم بالإجماع، مع أنها جلدة رماها الغزال فتأمل. انتهى.
و لا وجه لهذه التأييدات مع عدم نص على الحكم المذكور كما اعترف به، بل الجميع من قبيل الدعاوي العارية عن الدليل، و قد عرفت ان مقتضى القاعدة المذكورة المتقدمة هو المشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة، و الكيل و الوزن و العدد فيما كان من هذه الأقسام، و استثناء بعض الافراد عن مقتضى القاعدة يحتاج الى دليل. بل لو ورد الدليل في بعض الموارد لردوه كما في مسألة البيع بحكم المشتري أو البائع أو أجنبي، فإنهم قد ردوا الرواية المتقدمة الصحيحة الصريحة في جواز البيع بحكم المشترى، و هذا المحقق المذكور ممن وافقهم على ذلك كما تقدم في كلامه في تلك المسألة، فكيف مع عدم الدليل كما في هذه المسألة. و مجرد شهرة الحكم بينهم لا يوجب التخصيص لتلك القاعدة.
على انه قد روى
في التهذيب عن عبد الأعلى بن أعين، قال نبئت عن ابى جعفر (عليه السلام) انه كره شراء ما لم تره (1).
و روى في الخصال عن محمد بن سنان مسندا إلى ابى جعفر (عليه السلام) انه كره بيعين:
اطرح و خذ من غير تقليب، و شراء ما لم تر (2).
و استعمال الكراهة بمعنى التحريم في الاخبار كثير كثير كما نبهنا عليه في غير موضع و الخبران المذكوران مؤيدان لما ذكروه من القاعدة في هذا المقام، فالخروج عنها بغير دليل غير معقول، الا ان يقال- كما قدمنا الإشارة إليه-: انه لا ضابطة و لا قاعدة في ذلك، بل المرجع الى النصوص فيما دلت عليه جوازا و منعا، و الحال انه لا نص
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 279 حديث: 1.
(2) المصدر حديث: 3.
487
في هذا المقام، فالاحتياط بعدم جواز البيع الا مع المعلومية بالفتق- كما ذكروه- واجب، لاشتباه الحكم، و ان وقع في كلامهم على جهة الاستحباب. و الله العالم.
[الموضع] الحادي عشر [في بيع سمك الآجام]:
المشهور انه لا يجوز بيع سمك الآجام مع ضميمة القصب أو غيره للجهالة، و لو في بعض المبيع. و لا اللبن في الضرع- و هو الثدي لكل ذي خف أو ظلف- لذلك و ان ضم إليه شيئا و لو لبنا محلوبا. قالوا: لأن ضميمة اللبن المعلوم الى المجهول تجعل المعلوم مجهولا، فاما عدم الجواز بدون الضميمة فموضع وفاق عندهم، و انما الخلاف معها. فالمشهور- كما عرفت- هو المنع. و قيل بالجواز.
و الظاهر: ان محل الخلاف هو السمك المملوك المقدور قبضه، فان غير المملوك و لا المقدور لا يجوز بيعه اتفاقا، و ايضا المراد به غير المحصور و لا المشاهد، و الا فلو كان كذلك فإنه لا خلاف في جواز البيع، كما صرح به بعضهم في الموضعين.
و منه يعلم ان محل الخلاف انما هو السمك المملوك المقدور غير معلوم العدد و لا المشاهد مع الضميمة المعلومة. و قد ذهب الشيخ هنا الى الجواز ايضا. كما ذهب الى الجواز في بيع اللبن في الضرع إذا ضم اليه لبن محلوب، بل مع الضميمة الى ما يوجد في مدة معلومة.
و فصل آخرون- و الظاهر: انه المشهور بين المتأخرين- بأنه ان كان المقصود بالبيع هو الضميمة المعلومة و جعل ما عداها تابعا صح البيع، و ان عكس أو كانا مقصودين لم يصح، و كذا القول في كل مجهول ضم اليه معلوم.
و الذي وقفت عليه من الأخبار في هذا المقام: ما رواه
الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب، عن سماعة في الموثق، قال: سألته عن اللبن يشترى و هو في الضرع؟
فقال: لا، الا ان يحلب لك منه أسكرجة فيقول: اشتر منى هذا اللبن الذي في الاسكرجة و ما بقي في ضرعها بثمن مسمى، فان لم يكن في الضرع شيء كان ما في
488
الاسكرجة (1).
اى كان المبيع ما في سكرجة. و أسكرجة- بضم الهمزة و سكون السين، و ضم الكاف، و الراء المشددة-: إناء صغير فارسي معرب.
و هذه الرواية- كما ترى- ظاهرة فيما ذهب اليه الشيخ. و الأصحاب ردوها بضعف السند، و هو عندنا غير معتمد. و ظاهر هذه الرواية عدم اشتراط الكيل و الوزن في اللبن.
و ما رواه
في الكافي في الصحيح عن عيص بن القاسم، قال: سألت أبا عبد الله- (عليه السلام)- عن رجل له غنم يبيع ألبانها بغير كيل، قال: نعم، حتى تنقطع أو شيء منها (2).
قال المحدث الأسترآبادي- عطر الله مرقده- في حواشيه على الكافي: قوله «يبيع ألبانها بغير كيل» يعنى اللبن في الضرع كالثمرة على الشجرة ليس مما يكال عادة، فهل يجوز بيعها بغير كيل؟ قال: نعم. لكن لا بد من تعيين ذلك، بأن يقال:
الى انقطاع الألبان أو الى انفصال اللبن من الضرع، فيوافق الخبر الثاني. و الله يعلم.
انتهى.
و قال المحدث الكاشاني في الوافي- ذيل الخبر المذكور-: اى يشترط ان ينقطع الألبان من الثدي، أي تحلب اما كلها أو بعضها، و اما إذا كان كلها في الثدي و لم يحلب شيء منها بعد فلا يجوز بيعها و يشبه ان يكون «حتى» تصحيف «متى».
أقول: و يأتي- على احتمال المحدث الأول- جواز بيعها في ضروعها كالثمرة على النخلة. و ظاهره صحة ذلك من غير ضميمة، لكن لا بد من التقييد بانقطاع الألبان، و نحوها مما ذكره. و على كلام المحدث الثاني: جواز بيع ما في الضروع مع انفصال بعضه كما دل عليه موثق سماعة، و ان الممنوع منه انما هو البيع ما دام في الضرع
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 259 حديث: 2 باب: 8.
(2) المصدر حديث: 1 باب 8.
489
و لم يحلب منه شيء بالكلية فعلى كل من الاحتمالين فالخبر دال على خلاف ما هو المشهور من عدم الجواز كذلك.
و كيف كان فظاهر هذا الخبر- ايضا- جواز بيع اللبن بغير كيل و لا وزن.
و ما رواه
في الكافي و التهذيب عن البزنطي عن بعض أصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال إذا كانت أجمة ليس فيها قصب، أخرج شيء من السمك، فيباع و ما في الأجمة (1).
و ظاهر الخبر: انه لو كان فيها قصب فإنه لا يحتاج إلى ضميمة أخرى زائدة على القصب و سمك الأجمة، لان القصب معلوم بالمشاهدة.
و ما رواه
الشيخ في الموثق عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: لا بأس ان يشتري الآجام إذا كان فيها قصب (2).
و هي كسابقتها بل أصرح.
و عن ابى بصير عن ابى عبد الله في شراء الأجمة ليس فيها قصب انما هي ماء.
قال: يصيد كفا من سمك، فتقول: اشترى منك هذا السمك و ما في الأجمة بكذا و كذا (3).
و الأصحاب أيضا ردوا هذه الروايات بضعف السند. قال في المسالك- في مسألة بيع الآجام-: و القول بالجواز مع الضميمة مذهب الشيخ استنادا الى اخبار ضعيفة، ثم رجح ما اختاره المتأخرون من التفصيل الذي قدمنا نقله عنهم. و قال- في مسألة بيع اللبن في الضرع-: جوزه الشيخ مع الضميمة و لو الى ما يوجد في مدة معلومة استنادا إلى رواية ضعيفة، و الوجه المنع الا على التفصيل السابق.
أقول: العجب منهم في مسألة بيع المسك في فأره يجوزونه مع الجهالة المطلقة
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 263 حديث: 2 باب: 12.
(2) المصدر ص 264 حديث: 5.
(3) المصدر حديث: 6.
490
و عدم المعلومية بوجه، و يخرجون عن مقتضى قاعدتهم المتقدمة من غير دليل، و يمنعونه في هذا الموضع مع ورود الاخبار بجوازه وقوفا على تلك القاعدة و تمسكا بها، و ردا للأخبار المذكورة لمخالفتها لها، مع حصول المعلومية في الجملة، و تأيد هذه الاخبار في موضع الحاجة إليها، و غض النظر عن ضعفها.
و بالجملة فان الحق هنا ما ذهب اليه الشيخ فيما دلت عليه هذه الاخبار، و الى ذلك يميل كلام المحقق الأردبيلي في شرح الإرشاد، و الفاضل الخراساني في الكفاية.
[الموضع] الثاني عشر [في بيع الجلد و الصوف على الظهر]:
المشهور انه لا يجوز بيع الجلود و الأصواف و الاشعار على الانعام و ان ضم اليه غيره أيضا، لجهالة مقداره. مع كون غير الجلود موزونا، فلا يصح بيعه جزافا.
قال في المسالك- بعد نقل ذلك عنهم-: و الأقوى جواز بيع ما عدا الجلد منفردا أو منضما مع مشاهدته و ان جهل وزنه، لانه غير موزون كالثمرة على الشجرة، و ان كان موزونا لو قلع كالثمرة. و في بعض الاخبار دلالة عليه. انتهى. و هو جيد.
و الظاهر ان الرواية التي أشار إليها هي: ما رواه
الصدوق في الفقيه و الشيخ في التهذيب عن إبراهيم الكرخي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل اشترى من رجل أصواف مأة نعجة و ما في بطونها من حمل، بكذا و كذا درهما؟ فقال:
لا بأس ان لم يكن في بطونها حمل كان رأس ماله في الصوف (1).
و الرواية- كما ترى- دالة على جواز بيع الصوف و نحوه من الأوبار و الأشعار على ظهر الدابة وحدها. و كذا صريحها يدل على ما قدمنا نقله عن المسالك من الجواز هنا. لكن قيده بما إذا كان المقصود بالذات هو ما على الظهور، وقوفا على القاعدة التي قدمناها عنهم، في ضم المعلوم الى المجهول.
و بذلك صرح- أيضا- في الكتاب المذكور، حيث قال- بعد قول المصنف
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 261 حديث: 1.
491
في تعداد مالا يجوز بيعه «و كذا الجلود و الأصواف و الأوبار و الشعر على الانعام، و لو ضم اليه غيره، و كذا ما في بطونها، و كذا لو ضمهما»- ما صورته: ضمير المثنى يعود الى النوعين السابقين، و هما ما في بطونها و ما على ظهورها من الصوف الشعر و الوبر، و المراد: انه لا يصلح بيع كل واحد منهما منفردا و لا منضما الى غيره، و لا أحدهما منضما الى الآخر. و حيث عرفت ان بيع ما على الظهور من المذكورات صحيح، فيجوز ضم ما في البطن إليه إذا كان المقصود بالذات هو ما على الظهر، ما تقدم في القاعدة. انتهى.
و فيه: ان روايات الضمائم- على تعددها- لا أشعار فيها بهذا التقييد الذي كروه، من ان المقصود بالذات هو الضميمة خاصة. و غاية ما تدل عليه هو: انه مع عدم حصول ذلك المجهول يصير الثمن في مقابلة الضميمة المعلومة. و اما كونها هي المقصودة بالبيع فلا. بل ربما أشعر ظاهرها: ان المقصود بالبيع انما هو ذلك المبيع المضموم اليه، و انما جعلت هذه الضميمة من قبيل الحيل الشرعية، لئلا يلزم أخذ الثمن بغير عوض يقابله ليخرج من باب البيع المبنى على المعاوضة.
و قال في الدروس: و الأقرب جواز بيع الصوف و الوبر و الشعر على ظهور الانعام منفردا إذا أريد جزه في الحال، أو بشرط بقائه الى أو ان جزه.
و أنت خبير- بناء على ما حققناه كما دلت عليه الرواية المتقدمة و اختاره في المسالك- انه لا ثمرة لهذا الشرط، إذ المبيع حينئذ مشاهد، و الوزن غير معتبر فيه في تلك الحال، فيجوز بيعه. و اشتراط جزه لا مدخل له في الصحة بوجه. فالأظهر عدم اشتراطه. و غاية ما يلزم: أنه ببقائه يمتزج بمال البائع و هو لا يقتضي بطلان البيع، إذ المرجع حينئذ إلى الصلح كما سيأتي مثله إنشاء الله في لقطة الخضر.
ثم ان ظاهر عبارة المسالك المتقدمة- أولا-: هو عدم جواز بيع الجلد على ظهر الحيوان مطلقا. و كأنه اتفاقي بينهم، و الا فما المانع من بيعه مع الضميمة كما
492
في الاشعار و الأوبار مع مشاهدة الحيوان الذي عليه الجلد، فالمشاهدة مشتركة بين الجلد من الاشعار و نحوها، و عموم الأدلة و الاكتفاء بالمعلومية الجملية كما في غير موضع مما عرفت و ستعرف يقتضي الصحة كما لا يخفى.
ثم ان رواية الكرخي (1) المتقدمة قد دلت على جواز بيع الحمل مع ضميمة الصوف كما عرفت، و الأصحاب قد صرحوا بالعدم إلا إذا ضم الحمل إلى الأم، و كانت الأم هي المقصودة بالبيع، عملا بالقاعدة التي تقدم نقلها منهم.
قال العلامة- في التذكرة-: لو باع الحمل مع امه جاز إجماعا، سواء كان في الآدمي أو غيره. ثم قال- بعد هذا-: لو قال: بعتك هذه الدابة و حملها لم يصبح عندنا، لما تقدم ان الحمل لا يصلح مبيعا و لا جزء منه.
أقول: و الأقرب هو الجواز مع الضميمة مطلقا للخبر المتقدم المعتضد بما صرحوا به في غير موضع من الاكتفاء بمعلومية المبيع في الجملة، و منع الأصحاب من بيع الملاقيح- و هو: ما يلقحه الفحل و تحمله الناقة- منفردا أو منضما، وجهه ظاهر، لانه معدوم، و من شرط المبيع ان يكون موجودا حال البيع.
و يمكن ان يستدل عليه بما رواه
الشيخ في الحسن- بإبراهيم بن هاشم- عن محمد بن قيس عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: لا تبع راحلة عاجلة بعشر ملاقيح من أولاد جمل في قابل (2).
و التقريب فيها: البناء على عدم الفرق بين الشراء و البيع.
و روى الصدوق في معاني الاخبار عن محمد بن هارون الزنجاني عن على بن عبد العزيز عن القاسم بن سلام بإسناد متصل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) انه نهى عن المجر، و هو ان يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة. و نهى (صلى الله عليه و آله و سلم) عن الملاقيح و المضامين.
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 261 حديث:.
(2) المصدر ص 262 حديث: 3.
493
فالملاقيح: ما في البطون، و هي الأجنة. و المضامين: ما في أصلاب الفحول و كانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة و ما يضرب الفحل في عامه و في أعوامه. و نهى (صلى الله عليه و آله و سلم) عن بيع حبل الحبلة. و معناه: ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة، أو هو نتاج النتاج، و ذلك غرر.
انتهى (1).
[الموضع] الثالث عشر [في بيع المظروف مع ظرفه]:
قالوا: إذا كان المبيع في ظرف جاز وزنه و بيعه معه، و ان يندر (2) للظرف ما جرت به العادة مما يحتمل كونه بذلك القدر أو أزيد قليلا أو انقص كذلك، فلو علم يقينا زيادة المسقط على وزنه لم يصح الا بتراضي المتبايعين، لأن في ذلك تضييعا لمال أحدهما، بخلاف ما إذا كان برضاهما.
قيل: و كما لا يجوز وضع ما يزيد كذا ما ينقص لاشتراكهما في المعنى.
قالوا: و يجوز بيعه مع الظرف بغير وضع، بمعنى جعل الموزون المجموع من الظرف و المظروف بسعر واحد، و لا يضر جهل وزن كل واحد، لأن معرفة الجملة كافية كنظائره مما يباع منضما.
و قيل: لا يصح حتى يعلم مقدار كل واحد منهما منفردا، لأنهما في قوة مبيعين.
و رد بأنه ضعيف.
أقول: و الذي وقفت عليه هنا من الاخبار المتعلقة بهذا الحكم: ما رواه
الشيخان في الكافي و التهذيب عن حنان في الموثق، قال: كنت جالسا عند ابى عبد الله (عليه السلام) فقال له معمر الزيات: انا نشتري الزيت في زقاقه فيحسب لنا النقصان فيه لمكان الزقاق. فقال له: ان كان يزيد و ينقص فلا بأس، و ان كان يزيد و لا ينقص فلا تقربه (3).
و روى في التهذيب عن على بن أبي حمزة قال: سمعت معمر الزيات يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: جعلت فداك، انى رجل أبيع الزيت- الى ان قال-: فإنه
____________
(1) الوسائل ج 12 ص 262 حديث: 2.
(2) الإندار- بالدال المهملة-: الاسقاط.
(3) الوسائل ج 12 ص 273 حديث: 4.
494
يطرح لظروف السمن و الزيت لكل ظرف كذا و كذا رطلا، فربما زاد و ربما نقص.
قال: إذا كان عن تراض منكم فلا بأس (1).
و روى محمد بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يشترى المتاع و زنا في الناسية و الجو التي، فيقول: ادفع للناسية رطلا أو أكثر من ذلك. أ يحل ذلك البيع؟ قال: إذا لم يعلم وزن الناسية و الجوالق فلا بأس إذا تراضيا (2).
و يستفاد من الخبر الأول: انه مع احتمال الزيادة و النقصان في الظروف فإنه لا بأس لوقوع أحدهما موقع الآخر، الا ان الخبر الثاني قيده بالتراضي. و كذا ظاهر الخبر الثالث، و هو أحوط. و دل الخبر الأول على انه- مع معلومية الزيادة- فلا يجوز.
و ظاهر الخبر: المنع و ان حصل التراضي. و الأصحاب- كما عرفت- جوزوه مع التراضي، الا ان يحمل الخبر على ذلك، لان المدار في البيع على التراضي، الا ان يمنع عنه مانع من خارج في مواضع مخصوصة منصوصة.
ثم ان ما قيل من قياس النقيصة على الزيادة في عدم الجواز الا مع التراضي- كما تقدم نقله- يمكن الخدشة فيه بان المراد من كلامهم المنقول- أولا- ان إندار المحتمل لا يحتاج إلى المراضاة، و انما المحتاج إليها ما يزيد. و لعل الوجه: انه يجوز ذلك للمشتري لقلة التفاوت لو كان التسامح بمثله بين الناس غالبا، مع انه غير معلوم فيحمل على الغالب مع عدم اليقين. و لا يجوز له إندار الزيادة إلا مع رضاء البائع، و حينئذ فلا يرد اشتراط ذلك في النقصان.
و بالجملة فإن الإندار انما هو حق المشترى، لأنه قد اشترى- مثلا- مأة من من السمن في هذه الظروف، فالواجب دفع قيمة المأة المذكورة، و له إسقاط ما يقابل
____________
(1) المصدر ص 272 حديث: 1 باب: 20.
(2) المصدر ص 273 حديث: 3.
495
الظروف من هذا الوزن المذكور، فمتى كانت الظروف فيها ما يزيد و ينقص حمل زيادتها على نقيصتها- كما تقدم في الاخبار- و أسقط ذلك، إذ فيها ما يحتمل الزيادة و النقيصة قليلا بحيث جرت العادة بالتسامح في مثله، فان له إسقاطه. اما لو كان معلوم الزيادة فليس له الإسقاط إلا برضاء البائع لدخول النقص عليه بذلك، و اما معلوم النقيصة فإن البائع لا يندره و يدخل على نفسه الضرر بالنقصان. و بذلك يظهر لك ان قياس أحدهما على الآخر ليس في محله. و الله العالم.
و أما ما ذكروه من أنه يجوز بيعه مع الظروف من غير وضع، فإنه و ان جاز من حيث عدم ضرر الجهل بكل منهما على حدة، لأن معرفة الجملة كافية كما ذكروه الا أنه يستلزم كون قيمة الظرف قيمة المظروف، و الغالب التفاوت، و ربما يكون فاحشا، فيلزم الضرر بالمشتري. فالواجب تقييده برضاء المشترى، كما قيدوا به في صورة زيادة الظرف يقينا. و الحكم المذكور غير منصوص ليتبع فيه إطلاق النص، الا ان يقال: ان إطلاق كلامهم يحمل على ذلك.
الى هنا تم الجزء الثامن عشر حسب تجزئتنا. و به يكتمل أحكام المكاسب و البيوع. و يبتدئ الجزء التالي (19) بأحكام الخيارات.
و نسأل الله التوفيق في إكمال هذه الموسوعة الجليلة التي يفخر بها فقه الإمامية على طول الزمان. و الله ولى التوفيق 17 ربيع الأخر 1397 ه
الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة
الجزء الثامن عشر
تأليف
الشيخ يوسف بن احمد البحراني
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة

